Advertisement

غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر 004


الْقَوْلُ فِي الدَّيْنِ 1 - وَعَرَّفَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ بِأَنَّهُ: عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ حُكْمِيٍّ يَحْدُثُ فِي الذِّمَّةِ بِبَيْعٍ أَوْ اسْتِهْلَاكٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَإِيفَاؤُهُ وَاسْتِيفَاؤُهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. مِثَالُهُ: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ صَارَ الثَّوْبُ مِلْكًا لَهُ، وَحَدَثَ بِالشِّرَاءِ فِي ذِمَّتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مِلْكًا لِلْبَائِعِ؛ فَإِذَا دَفَعَ الْمُشْتَرِي عَشَرَةً إلَى الْبَائِعِ وَجَبَ مِثْلُهَا فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ دَيْنًا، وَقَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي عَشَرَةٌ بَدَلًا عَنْ الثَّوْبِ، وَوَجَبَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ مِثْلُهَا بَدَلًا عَنْ الْمَدْفُوعَةِ إلَيْهِ فَالْتَقَيَا قِصَاصًا (انْتَهَى) . وَتَفَرَّعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي الدَّيْنِ]
قَوْلُهُ: وَعَرَّفَهُ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. أَقُولُ فِي النِّهَايَةِ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ: الدَّيْنُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ وُجُوبُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ فَالْخَرَاجُ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَنَافِعِ الْحِفْظِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا تَمْلِيكُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا (انْتَهَى) . وَفِيهِ أَنَّهُ يُنْتَقَصُ بِهِ النِّصَابُ وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (انْتَهَى) . فَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى الْمَالِ الْوَاجِبِ فِيهَا لَفْظَ الدَّيْنِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ وَالتَّعْرِيفُ الْجَامِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَهُوَ أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إطْلَاقُ الدَّيْنِ عَلَى الْمَالِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ لِأَجْلِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَا يَخْلُو عَنْ مُسَامَحَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَيْنًا حَقِيقَةً لَمَا سَقَطَ بِالْمَوْتِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ عِنْدَنَا كَالْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ هَذَا وَالْمَالُ لُغَةً: مَا مَلَكْته مِنْ شَيْءٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَفِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ الْمَالُ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ وَالْمَالِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِتَمَوُّلِ النَّاسِ كَافَّةً أَوْ يَتَقَوَّمُ الْبَعْضُ وَالتَّقَوُّمُ يَثْبُتُ بِهِ وَبِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا فَمَا يَكُونُ مُبَاحَ الِانْتِفَاعِ بِدُونِ تَمَوُّلِ النَّاسِ لَا يَكُونُ مَالًا
(4/5)

عَلَى أَنَّ طَرِيقَ إيفَائِهِ إنَّمَا هُوَ الْمُقَاصَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْهُ بَعْدَ قَضَائِهِ صَحَّ وَرَجَعَ الْمَدْيُونُ عَلَى الدَّائِنِ بِمَا دَفَعَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُدَايَنَاتِ مِنْ قِسْمِ الْفَوَائِدِ

وَاخْتُصَّ الدَّيْنُ بِأَحْكَامٍ: مِنْهَا جَوَازُ الْكَفَالَةِ بِهِ إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا وَهُوَ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ؛ فَلَا يَجُوزُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِدُونِهِمَا بِالتَّعْجِيزِ.
وَمِنْهَا جَوَازُ الرَّهْنِ بِهِ؛ 2 - فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ وَالرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْأَمَانَةِ 3 - وَالْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَمَا يَكُونُ مَالًا يَكُونُ مَالًا بَيْنَ النَّاسِ وَمَا لَا يَكُونُ شَرْعًا مُبَاحَ الِانْتِفَاعِ لَا يَكُونُ مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ وَإِذَا عُدِمَ الْأَمْرُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَالدَّمِ (انْتَهَى) .
وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْعَقِدْ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِخَمْرٍ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْقِيمَةِ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: الْمَالُ اسْمٌ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّ خُلِقَ لِمَصَالِحِ الْآدَمِيِّ وَأَمْكَنَ إحْرَازُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً حَتَّى لَا يَجُوزَ قَتْلُهُ وَإِهْلَاكُهُ (انْتَهَى) . كَذَا فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْبَيْعِ " وَالذِّمَّةُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْمَحَلِّ يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ ". وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: " الذِّمَّةُ لُغَةً: الْعَهْدُ، وَاصْطِلَاحًا: الذَّاتُ وَالنَّفْسُ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ " وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هِيَ مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحَلِّ يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ

(2) قَوْلُهُ: فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ وَالرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ مِثْلِ الْهَالِكِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا فَالْأَمَانَةُ إنْ هَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ فَلَا شَيْءَ فِي مُقَابِلَتِهَا أَوْ بِتَعَدٍّ فَلَا تَبْقَى أَمَانَةً بَلْ تَكُونُ مَغْصُوبَةً.
(3) قَوْلُهُ: وَالْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا. الْمُرَادُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا عَيْنٌ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ وَلَكِنَّهَا تُشْبِهُ الْمَضْمُونَةَ كَبَيْعٍ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَ لَمْ يَضْمَنْ أَحَدٌ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لَكِنَّ الثَّمَنَ يَسْقُطُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَيْرُ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ فَبِمُجَرَّدِ هَذَا الِاعْتِبَارِ سَمَّوْهُ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا فَكَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
(4/6)

كَالْمَبِيعِ.
5 - وَأَمَّا الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْمَبِيعِ فَاسِدًا وَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَالرَّهْنُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالدُّيُونِ، قَالَ الْأُسْيُوطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْزِيًّا إلَى السُّبْكِيّ فِي تَكْمِلَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: (فَرْعٌ) : حَدَثَ فِي الْأَعْصَارِ الْقَرِيبَةِ؛ وَقْفُ كُتُبٍ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا تُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ أَوْ لَا تَخْرُجَ مِنْ مَكَانِ تَحْبِيسِهَا إلَّا بِرَهْنٍ أَوْ لَا تَخْرُجَ أَصْلًا.
6 - وَاَلَّذِي أَقُولُ فِي هَذَا: أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ بِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا عَارِيَّةٌ أَيْضًا، بَلْ الْأَخْذُ بِهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ وَيَدُهُ عَلَيْهَا يَدُ أَمَانَةٍ.
فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَيْهَا فَاسِدٌ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَانَ رَهْنًا فَاسِدًا، وَيَكُونُ فِي يَدِ خَازِنِ الْكُتُبِ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْعُقُودِ فِي الضَّمَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: كَالْمَبِيعِ. يَعْنِي إذَا هَلَكَ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءٌ هَلَكَ بَعْدَ مَنْعِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ نَقْدٍ أَوْ لَا، وَلَا يَصِيرُ بِمَنْعِهِ غَاصِبًا حَتَّى لَوْ هَلَكَ فَإِنَّمَا يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ كَمَا قَبْلَ الْمَنْعِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ الْقِسْمَةِ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ.
(5) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَضْمُونَةُ بِنَفْسِهَا أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَوَجْهُهُ أَنَّ الضَّمَانَ كَمَا عُرِفَ عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ مِثْلِ الْهَالِكِ أَوْ قِيمَتِهِ فَالشَّيْءُ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيَمِيًّا يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ هَلَكَ تَعَيَّنَ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْعَوَارِضِ كَمَا حُقِّقَ فِي مَحَلِّهِ.
(6) قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي أَقُولُ إلَخْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ بَعْدَ كَلَامٍ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِينَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِرَهْنِ شَرْطٍ بَاطِلٍ إذْ الْوَقْفُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ مُسْتَعِيرِهِ فَلَا يَتَأَتَّى الِاسْتِيفَاءُ بِالرَّهْنِ بِهِ
(4/7)

كَصَحِيحِهَا، وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ، هَذَا إذَا أُرِيدَ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ أُرِيدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً وَأَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً، فَيَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مُرَادُ الْوَاقِفِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْبُطْلَانِ فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ مَا أَمْكَنَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا بِدُونِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهِ لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهَا بِهِ لِعُذْرِهِ وَلَا بِدُونِهِ، إمَّا؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَإِمَّا لِفَسَادِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَخْرُجْ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا مَظِنَّةُ ضَيَاعِهَا، بَلْ يَجِبُ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يُمَكِّنَ كُلَّ مَنْ يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِتِلْكَ الْكُتُبِ فِي مَكَانِهَا، وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَافِ يَقُولُ لَا تَخْرُجْ إلَّا بِتَذْكِرَةٍ وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا وَجْهَ لِبُطْلَانِهِ، وَهُوَ كَمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ قَوْلَهُ إلَّا بِرَهْنٍ فِي الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنَّ تَجْوِيزَ الْوَاقِفِ الِانْتِفَاعَ لِمَنْ يَخْرُجُ بِهِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَضَعَ فِي خِزَانَةِ الْوَقْفِ مَا يَتَذَكَّرُ هُوَ بِهِ إعَادَةَ الْمَوْقُوفِ؛ وَيَتَذَكَّرُ الْخَازِنُ مُطَالَبَتَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ هَذَا، وَمَتَى أَخَذَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِفُ يَمْتَنِعُ.
وَلَا نَقُولُ بِأَنَّ تِلْكَ التَّذْكِرَةَ تَبْقَى رَهْنًا بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا طَالَبَهُ الْخَازِنُ بِرَدِّ الْكِتَابِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ أَيْضًا بِغَيْرِ طَلَبٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْوَاقِفِ الرَّهْنَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى يَصِحَّ إذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الرَّهْنِ تَنْزِيلًا لِلَّفْظِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَيَمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/8)

الرَّهْنِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بَيْعَهُ وَلَا بَدَلَ الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ، إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَلَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ ضَمِنَهُ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَرْهُونُ لِوَفَائِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى صَاحِبِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ (انْتَهَى) .
وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا - لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِالْأَمَانَاتِ - شَامِلٌ لِلْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ، وَالرَّهْنُ بِالْأَمَانَاتِ بَاطِلٌ. فَإِذَا هَلَكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِخِلَافِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ كَالصَّحِيحِ، وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَغَيْرُ بَعِيدٍ. وَمِنْهَا صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ عَنْهُ؛ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْ دَعْوَاهَا صَحِيحٌ. فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك عَنْ دَعْوَى هَذِهِ الْعَيْنِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِهَا بَعْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: بَرِئْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مِنْ دَعْوَى هَذِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك عَنْهَا أَوْ عَنْ خُصُومَتِي فِيهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَ وَإِنَّمَا أَبْرَأَهُ عَنْ ضَمَانِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ الصُّلْحِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ مِنْ الْإِقْرَارِ: لَا حَقَّ لِي قَبْلَهُ يَبْرَأُ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ وَالْكَفَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ (انْتَهَى) . وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ
7 - لَكِنْ فِي مُدَايَنَاتِ الْقُنْيَةِ: افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ وَأَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى، وَكَانَ لِلزَّوْجِ بَذْرٌ فِي أَرْضِهَا وَأَعْيَانٌ قَائِمَةٌ؛ فَالْحَصَادُ وَالْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْإِبْرَاءِ عَنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى (انْتَهَى) . وَتَدْخُلُ فِي الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ الشُّفْعَةُ فَهُوَ مُسْقِطٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي مُدَايَنَاتِ الْقُنْيَةِ افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ إلَخْ. اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ. أَقُولُ وَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِثْلُهُ حَيْثُ قَالَ لَوْ
(4/9)

لَهَا قَضَاءً لَا دِيَانَةً إنْ لَمْ يَقْصِدْهَا، كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي الْخِزَانَةِ: الْإِبْرَاءُ عَنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إبْرَاءٌ عَنْ ضَمَانِهَا، وَتَصِيرُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ وَتَبْقَى مَضْمُونَةً وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ مُسْتَهْلَكَةً صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَبَرِئَ مِنْ قِيمَتِهَا (انْتَهَى) . فَقَوْلُهُمْ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ؛ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُ بِالْإِبْرَاءِ وَإِلَّا فَالْإِبْرَاءُ عَنْهَا لِسُقُوطِ الضَّمَانِ صَحِيحٌ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْأَمَانَةِ.
8 - الثَّالِثُ قَبُولُ الْأَجَلِ
9 - فَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ شُرِعَ رِفْقًا لِلتَّحْصِيلِ وَالْعَيْنُ حَاصِلَةٌ.
(فَوَائِدُ) : الْأُولَى: لَيْسَ فِي الشَّرْعِ دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا إلَّا: رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَبَدَلُ الصَّرْفِ وَالْقَرْضِ وَالثَّمَنِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ، وَدَيْنُ الْمَيِّتِ وَمَا أَخَذَ بِهِ الشَّفِيعُ الْعَقَارَ، كَمَا كَتَبْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَصَحَّ تَأْجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ إلَّا الْقَرْضَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
بِرَهْنِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ عَلَى إقْرَارِ الْآخَرِ أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ وَفِي الْمِيرَاثِ أَعْيَانٌ لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْأَعْيَانِ (انْتَهَى) .
وَهُوَ يُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْأَعْيَانِ فِي ضِمْنِ الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ وَقَدْ حَرَّرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْمَبْحَثَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
(8) قَوْلُهُ: الثَّالِثُ قَبُولُ الْأَجَلِ لَوْ قَالَ: وَمِنْهَا قَبُولُ الْأَجَلِ لَكَانَ أَصْوَبَ

(9) قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ الْأَعْيَانِ إلَى آخِرِهِ. فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ حَبْسِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ: اشْتَرَى شَيْئًا بِأَلْفٍ مِنْ الْحِنْطَةِ نَقْدًا ثُمَّ أَجَّلَ الْبَائِع شَهْرَيْنِ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ لِلْحَالِ إنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ مُعَيَّنَةً؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً فَلَا وَلَوْ أَجَّلَ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ فِي الثَّمَنِ فَالتَّأْجِيلُ بَاطِلٌ.
(4/10)

وَلَيْسَ فِيهِ دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا إلَّا الدِّيَةُ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ. وَأَمَّا بَدَلُ الْكِتَابَةِ فَيَصِحُّ عِنْدَنَا حَالًّا وَمُؤَجَّلًا.
الثَّانِيَةُ: مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهَا دَيْنٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنَّ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ.
10 - وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ.
الثَّالِثُ: 11 - الْأَجَلُ لَا يَحِلُّ قَبْلَ وَقْتِهِ إلَّا بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ وَلَوْ حُكْمًا بِاللَّحَاقِ مُرْتَدًّا بِدَارِ الْحَرْبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ. أَقُولُ الْحِيلَةُ فِي صِحَّةِ قِسْمَتِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَارِكُهُ فِي نَصِيبِهِ شَرِيكُهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الْمَطْلُوبِ كَفًّا مِنْ زَبِيبٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُسَلِّمَ إلَيْهِ الزَّبِيبَ ثُمَّ يُبَرِّئَهُ مِنْ نِصْفِ دَيْنِهِ الْقَدِيمِ وَيُطَالِبَهُ بِثَمَنِ الزَّبِيبِ فَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ فِيهِ شَيْءٌ.
كَذَا فِي نَوَازِلِ أَبِي اللَّيْثِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: عَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَرِيكَيْنِ فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْمَدْيُونِ صَحَّ وَلَوْ وَهَبَ نِصْفَ الدَّيْنِ مُطْلَقًا نَفَذَ فِي الرُّبْعِ وَلَوْ تَوَقَّفَ فِي الرُّبْعِ كَمَا لَوْ وَهَبَ نِصْفَ قِنٍّ مُشْتَرَكٍ (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ إبْرَاءَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النَّوَازِلِ وَبِصِيغَةِ يُبَرِّئُهُ مِنْ نِصْفِهِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَإِذَا وَهَبَ النِّصْفَ نَفَذَ فِي الرُّبْعِ وَتَوَقَّفَ فِي الرُّبْعِ عَلَى إجَازَةِ شَرِيكِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُدَايَنَاتِ أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ كَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ إلَّا فِي مَسَائِلَ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَهِبَةُ النِّصْفِ مِنْهُ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ النِّصْفِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، تَأَمَّلْ. (11) قَوْلُهُ: الْأَجَلُ لَا يَحِلُّ قَبْلَ وَقْتِهِ إلَّا بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ. أَقُولُ يَعْنِي حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَشْمَلَ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى بِالنَّسِيئَةِ فَمَاتَ الْوَكِيلُ حَلَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَيَبْقَى الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ قَتَلَ الدَّائِنُ الْمَدْيُونَ هَلْ يَحِلُّ بِمَوْتِهِ أَوْ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ فَيُعَاقَبُ بِحِرْمَانِهِ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَحِلُّ (انْتَهَى) . قُلْت: وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ اعْلَمْ
(4/11)

وَلَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الدَّائِنِ. وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا اسْتَرَقَ وَلَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ؛ فَنَقُولُ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ مُطْلَقًا لَا بِسُقُوطِ الْأَجَلِ فَقَطْ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَأَمَّا الْجُنُونُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُلُولَ لِإِمْكَانِ التَّحْصِيلِ بِوَلِيِّهِ.
الرَّابِعَةُ: الْحَالُّ يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ
13 - وَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِ تَأْجِيلِ الْقَرْضِ شَيْئَانِ: حُكْمُ الْمَالِكِيِّ بِلُزُومِهِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَصْلُ الدَّيْنِ، أَوْ أَنْ يُحِيلَ الْمُسْتَقْرِضُ صَاحِبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أَنَّ الْحَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إضَافِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ فَلَا يَرِدُ مَا فِي شُرُوطِ الْخَصَّافِ عَلَيْهِ مَالٌ مُؤَجَّلٌ فَقَالَ: جَعَلْته حَالًّا أَوْ قَالَ: أَبْطَلْت الْأَجَلَ أَوْ قَالَ: تَرَكْت هَذَا الْأَجَلَ فَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ الْأَجَلَ وَيَصِيرُ الْمَالُ حَالًّا، وَلَوْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِي الْأَجَلِ أَوْ بَرِئْت مِنْ الْأَجَلِ فَالْمَالُ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَالِهِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ. وَفِيهَا قَضَاهُ قَبْلَ أَجَلِهِ بَرِئَ وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْبَى الْقَبُولَ وَفِي الْخَانِيَّةِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا صَالَحَ صَاحِبَ دَيْنِهِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ حَالًّا إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إسْقَاطَهُ وَلَوْ قَالَ: أَبْطَلْت الْأَجَلَ فِي هَذَا الدَّيْنِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَعَلْته حَالًّا.
(12) قَوْلُهُ: وَلَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الدَّائِنِ. أَقُولُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ مَا لَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهِ وَوَصَفَهَا بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَأَذِنَهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَى وَلَدِهِ مِنْهَا أَوْ خَالَعَهَا عَلَى الْإِرْضَاعِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ مَاتَ الْمُخَالِعُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ بِحُلُولِ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَا ذَكَرَ إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الصَّغِيرِ وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ عَنْ أَبِيهِ فَيَسْقُطُ الْأَجَلُ حِينَئِذٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ

(13) قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ فِي لُزُومِهِ تَأْجِيلُ الْقَرْضِ إلَخْ. فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ: وَذُكِرَ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ الْكَفَالَةُ بِالْقَرْضِ جَائِزَةٌ إلَى الْأَجَلِ وَالْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ إلَى الْأَجَلِ وَعَلَى الْأَصِيلِ حَالٌّ. وَذُكِرَ مِثْلُ هَذِهِ فِي شَرْحِ التَّكْمِلَةِ وَغَيْرِهِ ثَمَّةَ، وَقَالَ: وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا قَالَهُ الْحَصِيرِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: إذَا كَفَلَ بِالْقَرْضِ إلَى أَجَلٍ يَصِحُّ وَيَتَأَجَّلُ عَلَى الْأَصِيلِ وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي تَأْجِيلِ الْقَرْضِ فَإِنَّ الْكُتُبَ تَرُدُّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ غَيْرُهُ.
(4/12)

الْمَالِ عَلَى رَجُلٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْحَالُ لَا يَقْبَلُهُ بَعْدَ اللُّزُومِ إلَّا إذَا نَذَرَ أَنْ لَا يُطَالِبَهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ. وَشَرْطُ التَّأْجِيلِ الْقَبُولُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ. وَالْمَالُ حَالٌّ، وَشَرْطُهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مَجْهُولًا جَهَالَةً مُتَفَاحِشَةً، فَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ إلَى مَهَبِّ الرِّيحِ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ، وَيَصِحُّ إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ لَا يَجُوزُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إلَيْهِمَا، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ. (تَنْبِيهٌ) .
14 - قَالَ الدَّائِنُ لِلْمَدْيُونِ: اذْهَبْ وَاعْطِنِي كُلَّ شَهْرٍ كَذَا. فَلَيْسَ بِتَأْجِيلٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِعْطَاءِ

الْخَامِسَةُ: 15 - لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا سَلَّطَهُ عَلَى قَبْضِهِ فَيَكُونُ وَكِيلًا قَابِضًا لِلْمُوَكِّلِ ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ عَزْلِهِ عَنْ التَّسْلِيطِ قَبْلَ الْقَبْضِ
16 - وَفِي وَكَالَةِ الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ. لَوْ قَالَ: وَهَبْت مِنْك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي عَلَى فُلَانٍ فَاقْبِضْهَا مِنْهُ، فَقَبَضَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْحَقُّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَمْلِكُ الِاسْتِبْدَالَ (انْتَهَى) . وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قَالَ الدَّائِنُ لِلْمَدْيُونِ اذْهَبْ وَاعْطِنِي إلَخْ. كَذَا فِي الْقُنْيَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بَعْدَ أَنْ رَمَزَ لِلْمُنْتَقَى وَالْمُحِيطِ: إنَّ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ إلَى سَنَةٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا صَحَّ الْبَيْعُ

(15) قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. أَقُولُ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ: وَلَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلدَّائِنِ هَبْ لِي دَيْنَهُ أَوْ حَلِّلْهُ لِي لَوْ قَالَ: اجْعَلْ ذَلِكَ لِي فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت يَبْرَأُ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ ابْتِدَاءً لَا يَبْرَأُ

(16) قَوْلُهُ: وَفِي وَكَالَةِ الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ إلَخْ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يُفْهَمُ مِنْ
(4/13)

مُقْتَضٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْ التَّسَلُّطِ. وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي مِنْ الزَّكَاةِ: لَوْ تَصَدَّقَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ عَلَى زَيْدٍ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ وَأَمَرَهُ بِقَبْضِهِ فَقَبَضَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَمِنْ هِبَةِ الْبَزَّازِيَّةِ: وَهَبَ لَهُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ وَأَمَرَهُ بِقَبْضِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ لَا. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ الْمَدْيُونِ أَوْ وَهَبَهُ جَازَ

وَالْبِنْتُ لَوْ وُهِبَتْ مَهْرَهَا مِنْ أَبُوهَا أَوْ ابْنِهَا الصَّغِيرِ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ.
17 - إنْ أُمِرَتْ بِالْقَبْضِ صَحَّتْ وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّهُ هِبَةُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (انْتَهَى) .
وَفِي مُدَايَنَاتِ الْقُنْيَةِ: قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ لِيَكُونَ لَهُ مَا عَلَى الْمَطْلُوبِ فَرَضِيَ جَازَ ثُمَّ رَقَّمَ لِآخَرَ بِخِلَافِهِ: وَلَوْ أَعْطَى الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لِلْآمِرِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ قَضَاءً عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لَهُ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى هَذَا فَاسِدًا وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْآمِرِ بِمَا أَعْطَاهُ وَكَانَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى حَالِهِ (انْتَهَى) . ثُمَّ قَالَ فِيهَا: لَوْ قَالَتْ الْمَهْرُ الَّذِي لِي عَلَى زَوْجِي لِوَالِدَيَّ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهَا بِهِ (انْتَهَى) . وَخَرَجَ عَنْ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ الْحَوَالَةُ؛ فَإِنَّهَا كَذَلِكَ مَعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فُرُوعِ الْوَاقِعَاتِ الْحُسَامِيَّةِ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ الدَّيْنِ اسْتِبْدَالَ الدَّنَانِيرِ بِهَا وَعَكْسَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَثِيرُ الْوُقُوعِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ

(17) قَوْلُهُ: إنْ أَمَرَتْ بِالْقَبْضِ صَحَّتْ إلَخْ. أَيْ: إنْ أَمَرَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَفِيهِ إنَّ هِبَتَهَا الصَّغِيرَ دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْآمِرِ بِالْقَبْضِ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ: لَوْ وَهَبَتْ مَالَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ صَحَّ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ تَجُوزُ إذَا سَلَّطَتْهُ عَلَى قَبْضِهِ، وَلِلْأَبِ وِلَايَةُ الْقَبْضِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَكَانَ قَبْضُهُ كَقَبْضِ الصَّغِيرِ فَكَأَنَّهَا سَلَّطَتْهُ عَلَى قَبْضِهِ
(4/14)

صِحَّتِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْهَا. وَخَرَجَ أَيْضًا الْوَصِيَّةُ بِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ كَمَا فِي وَصَايَا الْبَزَّازِيَّةِ؛ فَالْمُسْتَثْنَى ثَلَاثٌ. وَفَرَّعَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَمْلِيكِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِمَا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَبِيعَ وَالْبَائِعَ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ. وَصَحَّ إنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ مَدْيُونَهُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَلَوْ وَكَّلَ الْمُسْتَأْجِرَ بِأَنْ يُعَمِّرَ الْعَيْنَ مِنْ الْأُجْرَةِ صَحَّ. وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي وَكَالَةِ الْبَحْرِ
18 - السَّادِسَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ جَاحِدًا وَلَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ وَجَبَتْ، إلَّا إذَا كَانَ مُفْلِسًا؛ فَإِذَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ.
19 - مِمَّا أَصْلُهُ بَدَلُ تِجَارَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ شَرْحِ الْكَنْزِ.

أَنْوَاعُ الدُّيُونِ: 20 - مَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهُ وَمَا لَا يَمْنَعُ: الْأَوَّلُ: الْمَاءُ فِي الطَّهَارَةِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: السَّادِسَةُ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ جَاحِدًا وَلَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ. أَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلَوْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ. قَالَ فِي التَّنْوِيرِ: " وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُقِرٍّ مَلِيٍّ أَوْ مُعْسِرٍ أَوْ مُفْلِسٍ أَوْ جَاحِدٍ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ عَلِمَ بِهِ قَاضٍ فَوَصَلَ إلَى مِلْكِهِ لَزِمَهُ زَكَاةُ مَا مَضَى " (انْتَهَى) وَفِي الزَّيْلَعِيِّ: " وَلَوْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فِي الدَّيْنِ الْمَجْحُودِ يَجِبُ لِمَا مَضَى " لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجِبُ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ لَا تُقْبَلُ وَكُلُّ قَاضٍ لَا يَعْدِلُ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَعَزَاهُ إلَى السَّرَخْسِيِّ.
(19) قَوْلُهُ: مِمَّا أَصْلُهُ بَدَلُ تِجَارَةٍ. أَقُولُ أَوْ قَرْضٍ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ

[أَنْوَاعُ الدُّيُونِ]
(20) قَوْلُهُ: مَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهُ وَمَا لَا يَمْنَعُ الْأَوَّلُ الْمَاءُ فِي الطَّهَارَةِ إلَخْ. أَقُولُ
(4/15)

يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ شِرَائِهِ لِقَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ فِي آخِرِ بَابِ التَّيَمُّمِ: " وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ ". الثَّانِي: السُّتْرَةُ كَذَلِكَ فِيمَا يَنْبَغِي وَلَمْ أَرَهُ.
21 - الثَّالِثُ: الزَّكَاةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيهَا، مَا لَهُ مَطَالِبُ مِنْ الْعِبَادِ؛ فَلَا يَمْنَعُ دَيْنَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ.
22 - وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مَانِعٌ. الرَّابِعُ: الْكَفَّارَةُ. وَاخْتُلِفَ فِي مَنْعِهِ وُجُوبَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ أَمَّا مَا يَمْنَعُ فَفِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ مِنْهَا الْمَاءُ إلَخْ ثُمَّ يَقُولُ وَمَا لَا يَمْنَعُ ضَمَانَ سِرَايَةِ الْإِعْتَاقِ وَالدِّيَةِ.
(21) قَوْلُهُ: الثَّالِثُ الزَّكَاةُ.
أَيْ مِمَّا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهُ، أَطْلَقَ الدَّيْنَ فَشَمِلَ الْحَالَّ وَالْمُؤَجَّلَ وَلَوْ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّلَ إلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ وَقِيلَ: الْمَهْرُ الْمُؤَجَّلُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْمُعَجَّلِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَلَى عَزْمِ الْأَدَاءِ مَنَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ دَيْنًا كَذَا فِي الْبَيَانِيَّةِ، وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ إذَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ إمَّا بِالصُّلْحِ أَوْ الْقَضَاءِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَقَيَّدَ فِي الْمِعْرَاجِ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ بِقَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهَا إنْ طَالَتْ تَسْقُطُ وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا. (22) قَوْلُهُ: وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مَانِعٌ. فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ دَيْنُ الزَّكَاةِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا لَحِقَهُ بِاسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ أَوْ دَيْنًا لَحِقَهُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ النِّصَابِ فَيَكُونُ نَاقِصًا وَدَيْنُ الزَّكَاةِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ ثُمَّ مَلَكَ مَالًا آخَرَ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَلَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ كَالْحَجِّ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: دَيْنُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ يَمْنَعُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ لَهُ مُطَالِبًا وَهُوَ السَّاعِي. وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ: وَدَيْنُ الْكَفَالَةِ يَمْنَعُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَفِي النَّوَادِرِ إنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ لَا تَمْنَعُ وَبِلَا أَمْرِهِ تَمْنَعُ.
(4/16)

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ بِالْمَالِ كَمَا فِي شَرْحِنَا عَلَى الْمَنَارِ مِنْ بَحْثِ الْأَمْرِ.
الْخَامِسُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِهِ وُجُوبَهَا، تَنْبِيهٌ:
24 - دَيْنُ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ صَدَقَةِ فِطْرِهِ، وَيَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاتِهِ لَوْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ. السَّادِسُ: الْحَجُّ يَمْنَعُهُ اتِّفَاقًا. السَّابِعُ: نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَهَا؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا إلَّا بِمِلْكِ نِصَابِ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ. الثَّامِنُ: ضَمَانُ سِرَايَةِ الْإِعْتَاقِ، وَلَا يَمْنَعُهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ دَيْنًا آخَرَ التَّاسِعُ: الدِّيَةُ، لَا تَمْنَعُ وُجُوبَهَا. الْعَاشِرُ: الْأُضْحِيَّةُ، يَمْنَعُهَا كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ

تَتِمَّةٌ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ لِلتَّرِكَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا، وَيَمْنَعُهُ إنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا وَيَمْنَعُ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ وَالتَّبَرُّعِ مِنْ الْمَرِيضِ، وَيُبِيحُ أَخْذَ الزَّكَاةِ، وَالدَّفْعُ إلَى الْمَدْيُونِ أَفْضَلُ.
مَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ وَمَا لَا يَثْبُتُ: إذَا هَلَكَ الْمَالُ فِي الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهَا وَطَلَبِ السَّاعِي، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ لَا تَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِهَلَاكِ الْمَالِ وَكَذَا الْحَجُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ بِالْمَالِ. أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ بَحْثِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ.
(24) قَوْلُهُ: دَيْنُ الْعَبْدِ إلَى قَوْلِهِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاتِهِ لَوْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ رَاجِعْ شَرْحَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمُخْتَارِ
(4/17)

لَا يَجِبَانِ، وَمَا يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ.
25 - كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
26 - وَفِدْيَةِ الْحَلْقِ وَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ لِعُذْرٍ.
27 - وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: كَجَزَاءِ الصَّيْدِ. أَيْ كَجَزَاءِ قَتْلِ الصَّيْدِ أَوْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْهَدْيِ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيًا وَبَيْنَ الطَّعَامِ بِقِيمَتِهِ كَالْفِطْرَةِ وَبَيْنَ الصِّيَامِ عَنْ إطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وَلَوْ فَضَلَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ صَامَ يَوْمًا كَمَا فِي الْكَنْزِ.
(26) قَوْلُهُ: وَفِدْيَةُ الْحَلْقِ وَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ لِعُذْرٍ. قَالَ فِي الْكَنْزِ: فَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ حَلَقَ بِعُذْرٍ ذَبَحَ شَاةً أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ فِي الْبَحْرِ قَيَّدَ بِالْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ دَمٌ أَوْ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيَكُونُ آثِمًا وَصَرَّحُوا بِالْحُرْمَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا هَلْ ذَبْحُ الدَّمِ أَوْ التَّصَدُّقُ يُكَفِّرُ لِهَذَا الْإِثْمِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهَا مَعَهُ؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحُدُودِ هَلْ هِيَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا وَهَلْ يَخْرُجُ الْحَجُّ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ بَحْثًا لَا نَقْلًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ.
(27) قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ. قَالَ فِي الْكَنْزِ وَكَفَّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كَمَا فِي الظِّهَارِ أَوْ كِسْوَتِهِمْ بِمَا يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَالِاعْتِبَارُ فِي الْعَجْزِ وَعَدَمِهِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْحِنْثِ فَلَوْ حَنِثَ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ وَفِي عَكْسِهِ يَجُوزُ وَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَوْ صَامَ الْمُعْسِرُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ: وَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ ثُمَّ صَامَ ثُمَّ رَجَعَ بِالْهِبَةِ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ حَالُ الْأَدَاءِ لَا غَيْرَ (انْتَهَى) .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الْمُجْتَبَى بَذْلُ ابْنِ الْمُعْسِرِ لِأَبِيهِ مَالًا لِيُكَفِّرَ بِهِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِهِ إجْمَاعًا
(4/18)

وَمَا يَكُونُ الصَّوْمُ مَشْرُوطًا بِإِعْسَارِهِ كَكَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَهُمَا، فَالِاعْتِبَارُ لِإِعْسَارِهِ وَقْتُ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ، وَكَذَا يُفَرَّقُ فِي فَدِيَةِ الشَّيْخِ الْفَانِي، فَلَا وُجُوبَ عَلَى الْفَقِيرِ، فَإِذَا أَيْسَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ. كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنْ وَقَّتَ التَّرِكَةَ بِالْكُلِّ فَلَا كَلَامَ؛ وَإِلَّا قُدِّمَ.
29 - الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ كَالرَّهْنِ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَإِذَا أَوْصَى بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قُدِّمَتْ الْفَرَائِضُ، وَإِنْ أَخَّرَهَا كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ تَسَاوَتْ فِي الْقُوَّةِ بَدَأَ بِمَا بَدَأَ بِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْوَصَايَا لَا يُقَدِّمُ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ.
30 - إلَّا الْعِتْقَ وَالْمُحَابَاةَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ. وَتَمَامُهُ فِي وَصَايَا الزَّيْلَعِيِّ

تَذْنِيبٌ: فِيمَا يُقَدَّمُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ غَيْرِ الدُّيُونِ ثَلَاثَةٌ فِي السَّفَرِ: جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَمَيِّتٌ، وَثَمَّةَ مَاءٌ يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ جَمِيعًا لَا يُصْرَفُ لِأَحَدِهِمْ وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُبَاحًا كَانَ الْجُنُبُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ فَرِيضَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمَا يَكُونُ الصَّوْمُ مَشْرُوطًا بِإِعْسَارِهِ. مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
(29) قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ كَالرَّهْنِ. أَقُولُ: مِثْلُ الرَّهْنِ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ وَالْعَبْدُ الْجَانِي وَالْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ.
(30) قَوْلُهُ: إلَّا الْعِتْقَ وَالْمُحَابَاةَ. قَالَ فِي الْكَنْزِ فَإِنْ حَابَى فَحَرَّرَ فَهِيَ أَحَقُّ
(4/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَبِعَكْسِهِ اسْتَوَيَا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْوَصَايَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْوَصَايَا يَضْرِبُ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ فِي الثُّلُثِ وَلَا يُقَدِّمُ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا الْعِتْقَ الْمُوقِعَ فِي الْمَرَضِ وَالْعِتْقَ الْمُعَلَّقَ بِمَوْتِ الْوَصِيِّ كَالتَّدْبِيرِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا، وَالْمُحَابَاةُ فِي الْمَرَضِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إذَا مِتّ فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مُنَفَّذًا عَقِيبَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى التَّنْفِيذِ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَسْبَقُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى تَنْفِيذِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّرْجِيحُ يَقَعُ بِالسَّبَقِ؛ لِأَنَّ مَا يُنَفَّذُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيذٍ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَدْيُونِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ يُنَفِّذُ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ وَفِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِنَفْسِ الْمَوْتِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَكَذَا الْحَقُّ الَّذِي فِي مَعْنَاهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْوَصَايَا قَدْ تَسَاوَتْ فِي السَّبَبِ وَالتَّسَاوِي فِيهِ يُوجِبُ التَّسَاوِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، وَالْمُحَابَاةُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي الثُّبُوتِ إلَّا إذَا اتَّحَدَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَوَتْ الْحُقُوقُ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ.
وَالْإِمَامُ يَقُولُ: إنَّ الْمُحَابَاةَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنَ عَقْدِ الْمُعَاوَضَاتِ فَكَانَ تَبَرُّعًا بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا بِصِيغَتِهَا حَتَّى يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ وَيَمْلِكَهُ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُمَا وَالْإِعْتَاقُ تَبَرُّعٌ صِيغَةً وَمَعْنًى، فَإِذَا وُجِدَ الْمُحَابَاةُ أَوَّلًا دُفِعَتْ إلَى الْأَضْعَفِ وَإِذَا وُجِدَ الْعِتْقُ أَوَّلًا وَثَبَتَ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّفْعَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْمُزَاحَمَةُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْإِمَامُ: إذَا حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا ثُمَّ مَا أَصَابَ الْمُحَابَاةَ الْأَخِيرَةَ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا فَيَسْتَوِيَانِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى ثُمَّ أَعْتَقَ قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الْمُحَابَاةِ وَمَا أَصَابَ الْعِتْقَ قُسِّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الثَّانِي وَلَا يُقَالُ: إنَّ صَاحِبَ الْمُحَابَاةِ يَسْتَرِدُّ مَا أَصَابَ الْعِتْقَ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ؛ بَيَانُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمُحَابَاةِ الْأُولَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَوْ اسْتَرَدَّ مِنْ الْمُعْتِقِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى لَاسْتَرَدَّ مِنْهُ صَاحِبُ الْمُحَابَاةِ الثَّانِي لِاسْتِوَائِهِمَا ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْمُعْتَقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي صَاحِبَ الْمُحَابَاةِ الثَّانِي، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَوْ اسْتَرَدَّ صَاحِبُ الْمُحَابَاةِ مَا أَصَابَ الْمُعْتِقَ الثَّانِيَ لَاسْتَرَدَّ مِنْهُ الْمُعْتَقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ صَاحِبُ الْمُحَابَاةِ وَهَكَذَا إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى. وَالسَّبِيلُ فِي الدَّوْرِ قَطْعُهُ
(4/20)

وَغُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ. الرَّجُلُ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمَرْأَةِ فَيَغْتَسِلُ الْجُنُبُ وَتَتَيَمَّمُ الْمَرْأَةُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ فَالْأَبُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ تَمَلُّكِ مَالِ الِابْنِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ؛ قَالُوا: الرَّجُلُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ قَبُولِ الْهِبَةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرَّجُلِ. قَالَ مَوْلَانَا:
32 - وَهَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
33 - وَمُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ؛ أَنَّ وُجُوبَهُ بِهَا، بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ فِي الْقُرْآنِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِمَا إذَا كَانَ مُبَاحًا: مَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِأَحْوَجِ النَّاسِ وَلَا يَكْفِي إلَّا لِأَحَدِهِمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَعِنْدَهُمَا الْعِتْقُ أَوْلَى فِي الْكُلِّ فَلَا يُرَدُّ السُّؤَالُ عَلَيْهِمَا هَذَا تَحْقِيقُ الْمَقَامِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْقُصُورِ وَالْإِخْلَالِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأَفْضَالِ

[تَذْنِيبٌ مَا يُقَدَّمُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ غَيْرِ الدُّيُونِ]
(31) قَوْلُهُ: وَغُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ. أَقُولُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَمَا نَقَلَهُ مِسْكِينٌ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ. مُؤَكَّدَةٌ فَفِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ يَعْنِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهِ فَلَا يَقْدَحُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
(32) قَوْلُهُ: وَهَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا يُحْتَمَلُ إلَخْ. أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ لَا يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ وَوَجْهُهُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ فَإِذَا أَفَادَتْ الْهِبَةُ الْمَذْكُورَةُ الْمِلْكَ نَالَهُ مِنْهَا مِقْدَارُ مَا لَا يَكْفِي لِغُسْلِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُمْ الرَّجُلُ أَوْلَى بِهِ.
(33) قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ أَنَّ وُجُوبَهُ بِهَا إلَخْ. أَقُولُ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّأْوِيلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَوْلٌ بِالسُّنَّةِ أَمَّا مَعَ وُجُودِهِ فَلَا.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ
(4/21)

وَأَمَّا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَوَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِأَحَدِهِمَا؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى النَّجَاسَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْأَنْجَاسِ.
35 - وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الثَّلَاثَةِ ذُو نَجَاسَةٍ يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ أَرَهُ
36 - اجْتَمَعَتْ جِنَازَةٌ وَسُنَّةٌ وَقْتِيَّةٌ، قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ. وَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضُ وَقْتٍ لَمْ أَرَهُ. وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْفَرْضِ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ.
37 - وَإِلَّا الْكُسُوفُ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى فَوَاتُهُ بِالِانْجِلَاءِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ، يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْجِنَازَةِ.
38 - وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَتْ مَعَ جُمُعَةٍ وَفَرْضٍ وَلَمْ يُخَفْ خُرُوجُ وَقْتِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
بِالْوُجُوبِ الِافْتِرَاضُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْوَافِي وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْإِجْمَاعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْفَرْضُ إلَّا إذَا كَانَتْ قَطْعِيَّةَ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ وَدُونَ ذَلِكَ هُنَا خَرْطُ الْقَتَادِ وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ هَذَا الْمُرَادُ بَلْ الْوُجُوبُ بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ ثَابِتٌ هُنَا بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالسُّنَّةِ.
(34) قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَجَدَ مَاءً إلَخْ.
مِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَعِبَارَتُهَا: مُحْدِثٌ عَلَى ثَوْبِهِ دَمٌ مَانِعٌ وَمَعَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِأَحَدِهِمَا صَرَفَهُ إلَى الدَّمِ لِعَدَمِ الْبَدَلِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. (35) قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الثَّلَاثَةِ. أَيْ: الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمَيِّتِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِيهِمْ بِخِلَافِ ذِي النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ لِلْمَاءِ بَدَلًا فِي حَقِّهَا كَذَا قِيلَ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ

(36) قَوْلُهُ: اجْتَمَعَتْ جِنَازَةٌ وَسُنَّةٌ وَقْتِيَّةٌ. أَقُولُ: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَوَقْتِيَّةٌ وَقِيلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي فَنِّ الْقَوَاعِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ السَّادِسُ فِي بَيَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ.
(37) قَوْلُهُ: وَإِلَّا الْكُسُوفُ. أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ قُدِّمَ الْكُسُوفُ.
(38) قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَتْ مَعَ جُمُعَةٍ وَفَرْضٍ. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
(4/22)

وَيَنْبَغِي أَيْضًا تَقْدِيمُ الْخُسُوفِ عَلَى الْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ

وَأَمَّا الْحُدُودُ إذَا اجْتَمَعَتْ فَفِي الْمُحِيطِ: وَإِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ وَقُدِرَ عَلَى دَرْءِ أَحَدِهِمَا دُرِئَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، بِأَنْ اجْتَمَعَ حَدُّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَالْفَقْءِ؛ بَدَأَ بِالْفَقْءِ فَإِذَا بَرِئَ حُدَّ لِلْقَذْفِ فَإِذَا بَرِئَ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْقَطْعِ وَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِحَدِّ الزِّنَا، وَحَدُّ الشُّرْبِ آخِرُهَا لِثُبُوتِهِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا يُبْدَأُ بِالْفَقْءِ ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ ثُمَّ بِالرَّجْمِ وَيُلْغَى غَيْرُهَا (انْتَهَى)
40 - وَلَوْ اجْتَمَعَ التَّعْزِيرُ وَالْحُدُودُ؛ قُدِّمَ التَّعْزِيرُ عَلَى الْحُدُودِ فِي الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَحُّضِهِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَمْ أَرَ الْآنَ مَا إذَا اجْتَمَعَ قَتْلُ الْقِصَاصِ وَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا، وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْقِصَاصِ قَطْعًا لِحَقِّ الْعَبْدِ، وَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ قَتْلُ الزِّنَا وَالرِّدَّةِ، وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قُدِّمَ قَتْلُ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ يَفُوتُ الرَّجْمُ، 41 - وَإِذَا قُدِّمَ قَتْلُ الْقِصَاصُ وَهُوَ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ حَصَلَ مَقْصُودُ الْقِصَاصِ وَالرِّدَّةِ وَإِنْ فَاتَ الرَّجْمُ

فَرْعٌ: تَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَيْضًا تَقْدِيمُ الْخُسُوفِ عَلَى الْوِتْرِ إلَخْ. أَقُولُ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى فَوَاتُهُ بِالِانْجِلَاءِ

(40) قَوْلُهُ: وَلَوْ اجْتَمَعَ التَّعْزِيرُ وَالْحُدُودُ إلَخْ. أَقُولُ: إنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا فِي التَّعْزِيرِ الَّذِي وَجَبَ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ تَعْلِيلُهُ وَأَمَّا الَّذِي وَجَبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَلْيُحَرَّرْ.
(41) قَوْلُهُ: وَإِذَا قُدِّمَ قَتْلُ الْقِصَاصِ إلَخْ. أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا اجْتَمَعَ قَتْلُ الْقِصَاصِ وَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا
(4/23)

الْمَسَائِلِ مَسَائِلُ اجْتِمَاعِ الْفَضِيلَةِ وَالنَّقِيصَةِ؛ فَمِنْهَا الصَّلَاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ وَآخِرَهُ بِالْوُضُوءِ؛ فَعِنْدَنَا يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إنْ كَانَ طَمِعَ فِي وُجُودِ الْمَاءِ آخِرَهُ، وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ. وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ فِي أَوَّلِهِ وَيُصَلِّي؛ فَإِذَا وَجَدَهُ آخِرَهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثَانِيًا، وَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَفْضَلِيَّتِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنَّهُ النِّهَايَةُ فِي تَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ. وَمِنْهَا لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَإِنْ أَخَّرَ عَنْهُ صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ فَالْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ
42 - وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ أَدْرَكَهَا؛ فَيَنْبَغِي تَفْضِيلُ الِاقْتِصَارِ لِإِدْرَاكِهَا. وَمِنْهَا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ يَرَى جَوَازَهُ وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَرَاهُ
43 - وَمِنْهَا التَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّهْرِ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَرَاهُ، وَإِلَّا لَا. وَمِنْهَا لَوْ خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ لَوْ مَشَى إلَى الصَّفِّ، فَفِي الْيَتِيمَةِ: الْأَفْضَلُ إدْرَاكُهُ فِي الرُّكُوعِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمْ أَرَ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَلَا لِغَيْرِهِمْ شَيْئًا فَقُصُورٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ. أَقُولُ: إنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي تَفْضِيلُ الِاقْتِصَارِ لِإِدْرَاكِهَا لِلْقَوْلِ بِفَرْضِيَّةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يُقَالُ كَمَا قِيلَ بِفَرْضِيَّةِ الْجَمَاعَةِ قِيلَ بِفَرْضِيَّةِ الثَّلَاثِ كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ فَمَا الْمُرَجَّحُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ وَرَدَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْغَسْلَتَيْنِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ

(43) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا التَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلُ.
أَقُولُ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ
(4/24)

وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى قَائِمًا وَلَوْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ؛ فَفِي الْخُلَاصَةِ: يَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّي قَاعِدًا
45 - وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا قَدَرَ عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا لَا، قَعَدَ وَقَرَأَهَا، وَمِنْهَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ سُنَنِ الطَّهَارَةِ أَوْ الصَّلَاةِ تَرَكَهَا وُجُوبًا وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ عَنْ اسْتِيعَابِ السُّنَنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لِقَصْدِ مُخَالَفَةِ زَعْمِ الْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ خَالَفُوا سَائِرَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الْجِوَارَ مُنَجِّسٌ فَلَوْ وَقَعَ فِي الْحَوْضِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ النَّجَسِ يَصِيرُ الْكُلُّ نَجِسًا فَصَارَ تَجَاوُزُ هَذَا الْمُجَاوِرِ نَجِسًا إلَى آخِرِ الْحَوْضِ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَقَالَ سَائِرُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّ الْجِوَارَ لَيْسَ بِمُنَجِّسٍ بَلْ الْمُنَجِّسُ هُوَ السَّرَيَانُ فَفِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ لَا يَصِيرُ مُجَاوِرُ مُجَاوِرِهِ نَجِسًا وَلَا يُمْكِنُ سِرَايَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ إلَى سَائِرِ الْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّجْزِئَةِ أَصْلًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْحَوْضُ نَجِسًا عِنْدَهُمْ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ: الْحَوْضُ لَا يَخْلُو عَنْ جُزْءٍ مِنْ النَّجَسِ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمَاءِ الْجَارِي لِجَرَيَانِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ الْجَارِي أَفْضَلَ اتِّفَاقًا إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ إيقَاعَ الْمُخَالَفَةِ فَكَانَ التَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَفْضَلَ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ الْجَارِي لِأَجْلِ إرْغَامِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ يَتَنَجَّسُ بِالْجِوَارِ وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ زَعْمَهُمْ بَاطِلٌ قَطْعًا كَيْفَ وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَلَزِمَ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّوَضُّؤُ مِنْ الْحَوْضِ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ

(44) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى قَائِمًا إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ الَّذِي فِي الْخُلَاصَةِ: يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا هُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: يَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ لَكِنْ يُكَبِّرُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ وَبِهِ يُفْتَى

(45) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا قَدَرَ عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ إلَخْ.
قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِسُنَّةِ الْقِرَاءَةِ مَا يَجِبُ مِنْهَا بِالسُّنَّةِ وَهَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَزَادَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يَعْقِدُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ أَقْوَالًا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا.
(4/25)

يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْمُؤَكَّدَةِ ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي الْمُسْتَحَبِّ

وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الدَّيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَمَا كَانَ مَعْلُومَ السَّبَبِ. 47 - عَلَى الدَّيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْمَرَضِ

وَمِنْهَا بَابُ الْإِمَامَةِ؛ يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ ثُمَّ الْأَقْرَأُ ثُمَّ الْأَوْرَعُ ثُمَّ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَصْبَحُ وَجْهًا ثُمَّ الْأَحْسَنُ خُلُقًا ثُمَّ الْأَحْسَنُ زَوْجَةً ثُمَّ مَنْ لَهُ جَاهٌ ثُمَّ الْأَنْظَفُ ثَوْبًا ثُمَّ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ 48 - ثُمَّ الْحُرُّ الْأَصْلِيُّ عَلَى الْمُعْتَقِ ثُمَّ الْمُتَيَمِّمُ عَنْ الْحَدَثِ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَتَمَامُهُ فِي الشَّرْحِ.
49 - وَيَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَعْضُ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ يُقَابِلُ الْبَعْضَ فَالْعَالِمُ الْعَجَمِيُّ كُفُؤٌ لِلْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ شَرِيفَةً وَعِلْمُهُ يُقَابِلُ نَسَبَهَا.
50 - وَكَذَا شَرَفُهُ

خَاتِمَةٌ: لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ؛ وَمِنْهُ السَّبْقُ كَالِازْدِحَامِ فِي الدَّعْوَى وَالْإِفْتَاءِ وَالدَّرْسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْمُؤَكَّدَةِ. كَذَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ يَأْتِي بِهَا وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ

(47) قَوْلُهُ: عَلَى الدَّيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْمَرَضِ أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ زِيَادَةً عَلَى هَذَا وَعَلَى الدَّيْنِ الْمَجْهُولِ السَّبَبِ حَتَّى تَتِمَّ الْمُقَابَلَةُ

(48) قَوْلُهُ: ثُمَّ الْحُرُّ الْأَصْلِيُّ عَلَى الْمُعْتَقِ. أَقُولُ: يُنْظَرُ حُكْمُ مَا لَوْ اجْتَمَعَ فِي الصَّلَاةِ حُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ وَعَبْدٌ فَقِيهٌ هَلْ يُقَدَّمُ الْحُرُّ غَيْرُ الْفَقِيهِ أَوْ يُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْفَقِيهُ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْأَصَحَّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ النَّقِيصَةَ لَا تُجْبَرُ بِالْفَضِيلَةِ.
(49) قَوْلُهُ: وَيَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَعْضُ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ. أَقُولُ: إنَّمَا كَانَ مُقَابِلُهُ بَعْضُ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ بِبَعْضٍ يَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا مِنْهَا لِجُبْرَانِ النَّقِيصَةِ فِيهِ بِالْفَضِيلَةِ.
(50) قَوْلُهُ: وَكَذَا شَرَفُهُ. كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ شَرَفُهَا بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ
(4/26)

فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْمَجِيءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ

[الْقَوْلُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ]
ِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَتَوَابِعِهَا. أَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ: فَذَكَرُوهُ فِي مَوَاضِعَ. مِنْهَا: بَابُ التَّيَمُّمِ. قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَلَوْ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَهُ ثَمَنُهُ لَا يَتَيَمَّمُ وَإِلَّا يَتَيَمَّمُ، وَفَسَّرَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَعِزُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَفَسَّرَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِالْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ فِي وَقْتِ عِزَّتِهِ أَوْ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْقِيمَةِ حَالَةُ التَّقْوِيمِ.
51 - وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ ثَمَنُ الْمِثْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِسَدِّ الرَّمَقِ وَخَوْفِ الْهَلَاكِ، وَرُبَّمَا تَصِلُ الشَّرْبَةُ إلَى دَنَانِيرَ فَيَجِبُ شِرَاؤُهَا عَلَى الْقَادِرِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهَا إحْيَاءً لِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا: بَابُ الْحَجِّ؛ فَثَمَنُ الْمِثْلِ لِلزَّادِ وَالْمَاءِ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ، وَكَذَا الرَّاحِلَةُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَمِنْهَا، عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا.
52 - وَكَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا فَإِنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[خَاتِمَةٌ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ]
قَوْلُهُ: وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ ثَمَنُ الْمِثْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَخْ. أَقُولُ: الَّذِي يَنْتَهِي إلَى سَدِّ الرَّمَقِ كَيْفَ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ ثَمَنُ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَحَاشَاهُ أَنْ يَتَعَبَّدَنَا بِمَا فِيهِ هَذَا الْحَرَجُ الْعَظِيمُ وَالضِّيقُ الْجَسِيمُ.
(52) قَوْلُهُ: وَكَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا. أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ كَانَ هَالِكًا.
(4/27)

وَهَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ أَوْ الْقَبْضِ أَوْ أَقَلُّهَا
54 - قَالَ: وَمِنْهَا إذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهِ كَيْفَ يَرْجِعُ بِهِ؟ قَالَ قَاضِي خَانْ: وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ النُّقْصَانِ أَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا لَا عَيْبَ بِهِ وَيُقَوَّمَ وَبِهِ الْعَيْبُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَيْبُ يَنْقُصُ عُشْرَ الْقِيمَةِ كَانَ حِصَّةُ النُّقْصَانِ عُشْرَ الثَّمَنِ (انْتَهَى) . وَلَمْ يُذْكَرْ اعْتِبَارُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ أَوْ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ. 55 - وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ.
وَمِنْهَا: الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ الْمَضْمُونِ بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ إذَا كَانَ قِيَمِيًّا؛ فَالِاعْتِبَارُ لِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ أَوْ يَوْمَ التَّلَفِ
56 - قَالَ: وَمِنْهَا: الْمَغْصُوبُ الْقِيَمِيُّ إذَا هَلَكَ؛ فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ اتِّفَاقًا. وَمِنْهَا: الْمَغْصُوبُ الْمِثْلِيُّ إذَا انْقَطَعَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَوْمَ الْغَصْبِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ الِانْقِطَاعِ. وَمِنْهَا: الْمُتْلَفُ بِلَا غَصْبٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ وَلَا خِلَافَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَهَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ أَوْ الْقَبْضِ. أَقُولُ: جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُنْظَرُ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ يَقْتَضِي الثَّانِيَ

(54) قَوْلُهُ: قَالَ فِي بَيَاضٍ هُنَا هَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا زِيَادَةٌ سَبَقَ إلَيْهَا قَلَمُ الْمُصَنِّفِ فَأَضْرَبَ عَنْهَا فَكَتَبَهَا النُّسَّاخُ.
(55) قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ

(56) قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْأَصْلِ بَيَاضٌ
(4/28)

فِيهِ. وَمِنْهَا: الْمَقْبُوضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ. وَمِنْهَا: الْعَبْدُ إذَا جَنَى فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا وَقُلْنَا يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهِ، هَلْ الْمُعْتَبَرُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتُهُ يَوْمَ إعْتَاقِهِ
57 - وَمِنْهَا: الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتُهُ وَمِنْ الدَّيْنِ.
58 - فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْهَلَاكِ. لِقَوْلِهِمْ: إنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ فِيهِ حَتَّى كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي حَيَاتِهِ؛ وَكَفَنُهُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ

وَمِنْهَا: لَوْ أَخَذَ مِنْ الْأُرْزِ وَالْعَدَسِ وَمَا أَشْبَهَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الرَّهْنُ إذَا هَلَكَ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ مَنْقُولًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ قَوْلَهُمْ أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ وَالْأَمَانَاتُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا إذَا هَلَكَتْ مَضْمُونَةً يَوْمَ الْهَلَاكِ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: لَوْلَا مَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْمَنْقُولِ فَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ يُخَالِفُ ضَمَانَ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ اسْتِهْلَاكِهِ يَضْمَنُهَا الْمُرْتَهِنُ إيَّاهُ يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَحُكْمُ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَإِلَى الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ. وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَلَمْ أَدْرِ لِمَاذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا لِمَا قَالَهُ؟
(58) قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْهَلَاكِ. أَقُولُ: نَصَّ فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهُ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَبْضِ. نُقِلَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَذُكِرَ أَنَّ مَا هُنَا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَنْقُولِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَأَنْتَ إذَا أَمْعَنْت النَّظَرَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ قَطَعْت بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْهَلَاكِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَفِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ مُودَعَةٍ حَقِيقَةً فَتَأَمَّلْ
(4/29)

ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا مَثَلًا لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ ثُمَّ اخْتَصَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ؛ هَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْأَخْذِ أَوْ يَوْمَ الْخُصُومَةِ؟ قَالَ فِي الْيَتِيمَةِ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْأَخْذِ. قِيلَ لَهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا بَلْ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَ مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ. قَالَ: يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ سَوْمٌ حِينَ ذَكَرَ الثَّمَنَ (انْتَهَى)

وَمِنْهَا: ضَمَانُ عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَانَ مُوسِرًا وَاخْتَارَ السَّاكِتُ تَضْمِينَهُ؛ فَالْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ كَمَا اُعْتُبِرَ حَالُهُ مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ

وَمِنْهَا: قِيمَةُ وَلَدِ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ، فَفِي الْخُلَاصَةِ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَضَاءِ. وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ يَوْمِ الْخُصُومَةِ. وَمَنْ اعْتَبَرَ يَوْمَ الْقَضَاءِ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَرَاخَى عَنْهَا. وَلِهَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَوَّلًا اعْتِبَارَ يَوْمِ الْخُصُومَةِ، وَثَانِيًا اعْتِبَارَ يَوْمِ الْقَضَاءِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ اعْتَبَرَ يَوْمَ وَضْعِهِ

وَمِنْهَا: ضَمَانُ جَنِينِ الْأَمَةِ. قَالُوا: لَوْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ عَلَى الضَّارِبِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ أُنْثَى، كَذَا فِي الْكَنْزِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ. وَهُمَا فِي الْقَدْرِ سَوَاءٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ يَوْمِ الْوَضْعِ

وَمِنْهَا: قِيمَةٌ الصَّيْدِ الْمُتْلَفِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ؛ فَفِي الْكَنْزِ فِي الثَّانِي بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ الزَّمَانَ وَالظَّاهِرُ فِيهِمَا يَوْمُ قَتْلِهِ كَمَا فِي الْمُتْلِفِ

وَمِنْهَا: قِيمَةُ اللُّقَطَةِ إذَا تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ انْتَفَعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَجِدْ مَالِكَهَا
فَالْمُعْتَبَرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/30)

قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّصَدُّقِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا

وَمِنْهَا: قِيمَةُ جَارِيَةِ الِابْنِ إذَا أَحْبَلَهَا الْأَبُ وَادَّعَاهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقِيمَتِهَا قُبَيْلَ الْعُلُوقِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ عِنْدَنَا لَا حُكْمًا

وَمِنْهَا: قِيمَةُ الصَّدَاقِ إذَا انْتَصَفَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَكَانَ هَالِكًا، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ يَوْمُ الْقَضَاءِ بِهِ أَوْ التَّرَاضِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِلْكِ الزَّوْجِ النِّصْفَ إلَّا بِأَحَدِهِمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهَذِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَاغْتَنِمْهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/31)

[الْكَلَامُ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ]
ِ 1 - تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ؛ أَحَدُهَا الْإِجَارَةُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا الْفَاسِدَةُ، وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لَهُ الْمُؤَاجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إنْ فَرَّغْتَهَا الْيَوْمَ وَإِلَّا فَعَلَيْك كُلُّ شَهْرٍ كَذَا، وَقِيلَ: يَجِبُ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ مُشْتَرِي الْعَيْنِ لِلْأَجِيرِ اعْمَلْ كَمَا كُنْت وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ. وَمِنْهَا: لَوْ عَمِلَ لَهُ شَيْئًا وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ وَكَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِتِلْكَ الصَّنْعَةِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهِ يُفْتَى.
وَمِنْهَا: فِي غَصْبِ الْمَنَافِعِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مَالَ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفًا أَوْ مُعَدًّا لِلِاسْتِغْلَالِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ.
وَلَيْسَ مِنْهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ. أَقُولُ يُزَادُ عَلَيْهَا مَوَاضِعُ مِنْهَا مَا فِي التَّنْوِيرِ: لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضَ وَقْفٍ وَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاؤُهَا بِأَجْرِ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْقَلْعَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا فِي التَّنْوِيرِ أَيْضًا: مُتَوَلِّي أَرْضَ الْوَقْفِ أَجَّرَهَا بِغَيْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ يَلْزَمُ مُسْتَأْجِرَهَا تَمَامُ أَجْرِ الْمِثْلِ.
وَمِنْهَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُتُونِ: رَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ فَخَاطَهُ قَبَاءً؛ خُيِّرَ الدَّافِعُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَوْ أَخَذَ الْقَبَاءَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى، وَمِنْهَا دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى حَائِكٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَتَعَلَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى أَخْذِ أَجْرٍ فَبَعْدَ تَعَلُّمِهِ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمَوْلَى مِنْهُ يُنْظَرُ إلَى عُرْفِ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ لِلْأُسْتَاذِ يُحْكَمُ بِأَجْرِ مِثْلِ تَعْلِيمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ لِلْمَوْلَى فَبِأَجْرِ مِثْلِ الْغُلَامِ عَلَى الْأُسْتَاذِ، وَكَذَا لَوْ دَفَعَ ابْنَهُ إلَى حَائِكٍ كَمَا فِي الدُّرَرِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ.
وَمِنْهَا مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: بَاعَ أَرْضًا بِدُونِ الزَّرْعِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهُ وَتَسْلِيمُ الْأَرْضِ فَارِغَةً. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِرِضَى الْمُشْتَرِي
(4/32)

لِمَا إذَا خَالَفَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُؤَجِّرَ إلَى شَرْطٍ بِأَنْ حَمَلَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَشْرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ أَجْرُ مَا زَادَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْأَجْرَ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَمِنْهَا: إذَا فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ كَانَ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَمِنْهَا: إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ، فَإِنَّهُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَهُ. وَمِنْهَا: إذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَوَائِدِ.
وَمِنْهَا: عَامِلُ الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي أَعْوَانَهُ. وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ أَجْرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ؛ بِأَنْ حَمَلَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ أَمْوَالَهُمْ إلَى الْإِمَامِ، فَلَا أَجْرَ لَهُ.
وَمِنْهَا: النَّاظِرُ عَلَى الْوَقْفِ، إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَقْفُ طَاحُونَةً يَسْتَغِلَّهَا الْمُوقِفُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَهَذَا إذَا عَيَّنَ الْقَاضِي لَهُ أَجْرًا. فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وَسَعَى فِيهِ سَنَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْقَاضِي، وَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ أَجْرُ النَّظَرِ وَالْعِمَالَةِ لَوْ عَمِلَ مَعَ الْعَمَلَةِ (انْتَهَى) . وَمِنْهَا: الْوَصِيُّ إذَا نَصَّبَهُ الْقَاضِي وَعَيَّنَ لَهُ أَجْرًا بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ جَازَ.
2 - وَأَمَّا وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ. وَمِنْهَا: الْقَسَّامُ لَوْ لَمْ يُسْتَأْجَرْ بِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ. وَمِنْهَا:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قِيلَ: ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ فَيَكُونُ هَذَا الصَّحِيحُ خِلَافَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ نَقْلَ الْقُنْيَةِ لَا يُعَارِضُ نَقْلَ قَاضِي خَانْ.
(4/33)

يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي عَلَى كِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ

تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ فِي الزَّرْعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ مَعْنَاهُ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَإِلَّا فَلَا أَجْرٌ لَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
الثَّانِي: إذَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَكَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَيَنْقُصُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا وَجَبَ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
الثَّالِثُ: يَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
الرَّابِعُ: إذَا وَجَبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَكَانَ مُتَفَاوِتًا مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْصِي وَمِنْهُمْ مِنْ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَجْرِ يَجِبُ الْوَسَطُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ عَشَرَةٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ أَحَدَ عَشَرَ، وَجَبَ أَحَدَ عَشَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي عَلَى كِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ. أَقُولُ فِي حَاوِي الزَّاهِدِيِّ: وَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلَى حُكْمِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَسَعُ فِيهِ مُطَالَعَةُ كُتُبِ الْفِقْهِ إلَى أَنْ يَجِدَ مَسْأَلَتَهُ وَيَكْتُبَ كِتَابًا لَهُ يَجْعَلَهُ فِي دِيوَانِهِ وَكِتَابُهُ يَجْعَلُهُ فِي يَدِهِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا الْخُصُومَةَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَجْرَ الْمِثْلِ لِفَسَادِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُسَمَّى، وَلَكِنْ يَحْتَرِزُ أَهْلُ الْوَرَعِ عَنْهُ، وَلَوْ أَخَذَ أَجْرَ الْمِثْلِ لِلْقِسْمَةِ وَكِتَابَةِ الصَّكِّ فَقَطْ يَحِلُّ بِلَا حِيلَةٍ إنْ لَمْ يُرْزَقْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِبَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ قَبْلُ بَلْ الْوَاجِبُ بَيَانُ الْحُكْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ وَبَيَانُ الْحَقِّ لِمَنْ لَهُ فَقَطْ وَعَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْحُكْمِ كَالْقِسْمَةِ وَكِتَابَةِ الصَّكِّ (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسْأَلَةٌ سُئِلْت عَنْهَا لَوْ سُئِلَ الْمُفْتِي عَمَّا لَا يُمْكِنُهُ أَوْ عَمَّا يَعْسُرُ عَلَيْهِ جَوَابُهُ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ كَمَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ الَّتِي تَدِقُّ كُسُورُهَا جِدًّا وَلَا تَثْبُتُ فِي حِفْظِ السَّائِلِ هَلْ يُفْرَضُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ مَعَ تَيَسُّرِهَا أَمْ لَا؟ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ لَكِنَّ النَّظَرَ الْفِقْهِيَّ يَقْتَضِي وُجُوبَ مُطْلَقِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَيْهِ حَيْثُ تَعْسُرُ أَوْ تَعَذَّرَ بِاللِّسَانِ وَيَكُونُ الْجَوَابُ بِالْكِتَابَةِ نَائِبًا عَنْ الْجَوَابِ بِاللِّسَانِ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ
(4/34)

بِخِلَافِ التَّقْوِيمِ؛ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي مُسْتَهْلَكٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ قِيمَتُهُ أَقَلُّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ، ذَكَرَهُ الْأَقْطَعُ فِي بَابِ السَّرِقَةِ.
الْخَامِسُ: أَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ يَطِيبُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ حَرَامًا.
وَالْكُلُّ مِنْ الْقُنْيَةِ. وَقَدَّمْنَا حُكْمَ زِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْفَوَائِدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوَابِ اللِّسَانِيِّ فَيَكْتُبُ الْمُفْتِي مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَعَسَّرُ النُّطْقُ بِلَا كِتَابَةٍ حَيْثُ تَيَسَّرَتْ لَهُ آلَةُ الْكِتَابِ لِأَجْلِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فَيَقْرَأُ عَلَى السَّائِلِ فَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الرُّقْعَةِ لَهُ وَلَا أَنَّهُ يُفَهِّمُهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيُحَفِّظُهُ مَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ التَّكْلِيفِ وَلَا يُؤَاخَذُ الْمُفْتِي بِسُوءِ حِفْظِ السَّائِلِ وَقِلَّةِ فَهْمِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى الْمُفْتِي الْجَوَابَ بِأَيِّ طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ.
وَكُلُّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ وَحَيْثُ كَانَ فِي وُسْعِ الْمُفْتِي الْجَوَابُ بِالْكِتَابَةِ لَا بِاللِّسَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِهَا حَيْثُ تَيَسَّرَتْ آلَتُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ عَلَيْهِ بِأَنْ أَحْضَرَهَا لَهُ السَّائِلُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ بَدَلُهَا مِنْ عِنْدِهِ لَهُ، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ وُجُوبُ تَحْصِيلِهَا عَلَى الْمُفْتِي كَمَاءِ الْوُضُوءِ لِيَحْصُلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَفْرُوضُ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ؛ وَالْإِفْتَاءُ طَاعَةٌ وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ فَمَا يُرَاعِي فِي غَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ يُرَاعِي فِيهِ فَرْضًا وَوُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا وَنَدْبًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ

[تَنْبِيهَاتٌ]
(4) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ مَتَى اخْتَلَفَ تَقْوِيمُ الْمُقَوِّمِينَ فِي مُسْتَهْلَكٍ إلَخْ. قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا: سَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ لِمَ آخُذُ بِالْأَكْثَرِ هُنَا؟ قُلْت: لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْأَقَلِّ نَافِيَةٌ، فَقَالَ: فَفِي الْأُجْرَةِ لِمَا آخُذُ بِالْأَقَلِّ قُلْت؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ضَمَانِ الْمَنَافِعِ فَتَأَمَّلْ
(4/35)

الْكَلَامُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ:
1 - الْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِهِ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَبَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مَا هُوَ وَبِمَنْ يُعْتَبَرُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هُنَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا؛ 2 - فَيَجِبُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ أَوْ تَسْمِيَةِ مَا لَا يَصْلُحُ مَهْرًا كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَالْقُرْآنِ وَخِدْمَةِ زَوْجٍ حُرٍّ وَنِكَاحٍ آخَرَ وَهُوَ نِكَاحُ الشِّغَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْكَلَامُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ]
قَوْلُهُ: الْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِهِ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ.
وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي السُّنَنِ وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهِ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِ وَاشِقٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِرْوَعُ كَجَرْوَلَ وَلَا يُكْسَرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَهْلُ الْحَدِيثِ يَرَوْنَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَفْتَحُونَ الْبَاءَ وَيَقُولُونَ:
إنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِعْوَلٌ إلَّا خِرْوَعٌ لِهَذَا الثَّبْتِ الْمَعْرُوفِ وَعِتْوَدٌ اسْمُ وَادٍ (انْتَهَى) . وَهُوَ تَابِعٌ لِلْجَوْهَرِيِّ وَقَدْ اُسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَيُفْتَحُ أَوَّلُهُ وَذَرْوَدُ وَعَتْوَرُ.
(2) قَوْلُهُ: فَيَجِبُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ. أَقُولُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ: " إنَّ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِتَمَامِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا شَيْئًا " لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْمُحِيطِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ يُقْسَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَعَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ بَذَلَتْ الْبُضْعَ وَالْعَبْدَ بِإِزَاءِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَالْبَدَلُ يَنْقَسِمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمُبْدَلِ فَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَالْبَيْعُ فِيهِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا بَاعَتْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ وَالْبَاقِي يَصِيرُ مَهْرًا (انْتَهَى) . وَيُخَالِفُهُ مَا نَقَلَاهُ أَيْضًا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: أَتَزَوَّجُك عَلَى أَنْ تُعْطِينِي عَبْدَك هَذَا فَقَبِلَتْ جَازَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا شَيْءَ
(4/36)

وَمَجْهُولُ الْجِنْسِ.
4 - وَالتَّسْمِيَةُ الَّتِي عَلَى خَطَرٍ وَفَوَاتِ مَا شَرَطَهُ لَهَا مِنْ الْمَنَافِعِ بِشَرْطِ الدُّخُولِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْمَوْتِ. وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَهُ؛ فَالْمُتْعَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لَهُ مِنْ الْعَبْدِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ. وَقَدْ يُقَالُ: أَنَّ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يُجْعَلْ الْعَبْدُ مَبِيعًا بَلْ هِبَةً فَلَا يَنْقَسِمُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِعْطَاءَ وَالْعَطِيَّةَ وَالْهِبَةَ وَفِي الْأَوَّلِ جَعَلَ الْعَبْدَ مَبِيعًا فَانْقَسَمَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الدُّعَاءَ لَا الْإِعْطَاءَ (انْتَهَى) .
(3) قَوْلُهُ: وَمَجْهُولُ الْجِنْسِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوْبٍ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ شَتَّى كَالْحَيَوَانِ وَالدَّابَّةِ فَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ بِالْإِرَادَةِ فَصَارَتْ الْجَهَالَةُ فَاحِشَةً وَقَدْ فُسِّرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الْجِنْسُ بِالنَّوْعِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالْأَحْكَامِ كَرَجُلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّوْبَ تَحْتَهُ الْكَتَّانُ وَالْقُطْنُ وَالْحَرِيرُ وَالْأَحْكَامُ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ الثَّوْبَ الْحَرِيرَ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَغَيْرُهُ يَحِلُّ فَهُوَ جِنْسٌ عِنْدَهُمْ وَكَذَا الْحَيَوَانُ تَحْتَهُ الْفَرَسُ وَالْحِمَارُ وَغَيْرُهُمَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْجَهَالَةُ أَفْحَشُ مِنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَمَهْرُ الْمِثْلِ أَوْلَى وَهُوَ الضَّابِطُ هُنَا سَوَاءٌ كَانَ مَجْهُولَ الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ كَذَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ يَجُوزُ إطْلَاقُ الْجِنْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْأَمْرِ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ نَوْعًا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْخَاصِّ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ نَظَرًا إلَى فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ كَمَا يُطْلَقُ النَّوْعُ عَلَيْهِمَا نَظَرًا إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُشَرِّعِينَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْتَفِتُوا إلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ كَمَا فِي النُّطَفِ.
(4) قَوْلُهُ: وَالتَّسْمِيَةُ الَّتِي عَلَى خَطَرٍ وَفَوَاتُ مَا شَرَطَ لَهَا مِنْ الْمَنَافِعِ. كَمَا لَوْ نَكَحَهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا فَإِنْ وَفَّى وَأَقَامَ فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالضَّابِطُ فِي الْأُولَى أَنْ يُسَمِّيَ لَهَا قَدْرَ أَوْ مَهْرَ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ يَشْتَرِطُ لَهَا مَنْفَعَةً أَوْ لِأَبِيهَا أَوْ لِذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْهَا فَإِنْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ صَلُحَ مَهْرًا وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا مَا فِيهِ نَفْعٌ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَنْعَدِمُ رِضَاهَا بِالْمُسَمَّى فَيُكَمِّلُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ إنْ زَادَ عَلَى الْأَلْفِ وَإِنْ سَاوَى الْأَلْفَ أَوْ كَانَ أَنْقَصَ مِنْهُ لَهَا الْأَلْفَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ رَضِيَ بِذَلِكَ.
وَالضَّابِطُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ
(4/37)

وَلَا يُنْتَصَفُ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
6 - وَفِي الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ الْمِلْكُ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ؛ كَمَا فِي أَمَةِ ابْنِهِ.
7 - إذَا أَحَبْلَهَا فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ

بَيَانُ مَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الْوَطْءِ وَمَا لَا يَتَعَدَّدُ: أَمَّا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛ فَجَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُنْقَسِمًا عَلَى عَدَدِ الْوَطْآتِ تَقْدِيرًا فَلَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ.
8 - كَمَا لَا يَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَحْبَلْ وَكَذَا بِوَطْءِ السَّيِّدِ مُكَاتَبَتَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا عَلَى تَقْدِيرٍ وَمَهْرًا آخَرَ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَقَامَ بِهَا كَانَ لَهَا الْأَلْفُ لِعَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا تَمَّ رِضَاهَا بِذَلِكَ وَإِنْ أَخْرَجَهَا كَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ عَنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَيْنِ مَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(5) قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَصَفُ. أَيْ: مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ يَخْتَصُّ بِالْمَفْرُوضِ فِي الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237] الْآيَةَ.
(6) قَوْلُهُ: وَفِي الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْمِلْكَ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ. أَيْ يَجِبُ بِالْوَطْءِ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْمِلْكَ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ قَدَّرَ فَلَا مَهْرَ.
(7) قَوْلُهُ: إذَا أَحْبَلَهَا.
أَقُولُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ كُلُّ مَوْضِعٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ مِمَّا ذَكَرْنَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ الِابْنِ وَعَلِقَتْ مِنْهُ وَادَّعَى نَسَبَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي النِّكَاحِ (انْتَهَى) . وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ وَقَدْ اكْتَفَى هُنَا. أَقُولُ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْعُلُوقُ وَدَعْوَةُ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَقَدَّمُهُ فَصَارَ وَاطِئًا مِلْكَ نَفْسِهِ

(8) قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَحْبَلْ.
كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ إذَا حَبِلَتْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(4/38)

وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
10 - وَيَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ الزَّوْجِ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ، وَأَفْتَى وَالِدُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ بِالتَّعَدُّدِ فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِنَا عَلَى الْكَنْزِ

تَنْبِيهٌ:
11 - يَجِبُ مَهْرَانِ فِيمَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهَا، مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْأَوَّلِ، وَالْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ.
12 - وَمَهْرَانِ وَنِصْفٌ فِيمَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ أَيْ وَلَا يَتَعَدَّدُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ إنَّمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْوَطْءِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْمَهْرُ إلَّا بِتَكَرُّرٍ بِالْوَطْءِ وَالْأَصْلُ أَنَّ بِالْوَطْءِ مَتَى حَصَلَ عَقِيبَ شُبْهَةِ الْمِلْكِ مِرَارًا لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ بِالْوَطْءِ الثَّانِي صَادَفَ مِلْكَهُ كَالْوَطْءِ الْفَاسِدِ وَكَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ أَوْ وَطِيءَ مَنْكُوحَتَهُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا.
(10) قَوْلُهُ: وَيَتَعَدَّدُ بِوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَمَتَى حَصَلَ الْوَطْءُ عَقِيبَ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ مِرَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ بِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَطْءٍ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ كَوَطْءِ الِابْنِ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ جَارِيَةَ أُمِّهِ أَوْ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ وَقَدْ ادَّعَى الشُّبْهَةَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ وَمِنْهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ مِرَارًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ نِصْفُ مَهْرٍ، وَلَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ فِي نِصْفِهِ نِصْفُ مَهْرٍ وَاحِدٍ وَعَلَيْهِ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ لِكُلِّ وَطْءٍ نِصْفُ مَهْرٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُكَاتَبَةِ

[تَنْبِيهٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُخَالِطٌ لَهَا]
(11) قَوْلُهُ: يَجِبُ مَهْرَانِ فِيمَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ إلَخْ. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ الْفِعْلِ كَانَ حَرَامًا. إلَّا أَنَّ الْفِعْلَ فِي حَقِّ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ إذَا تَعَدَّدَ كَفِعْلِ وَاحِدٍ فَإِذَا صَارَ حَلَالًا فِي آخِرِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِأَوَّلِهِ فَصَارَ آخِرُ الْفِعْلِ شُبْهَةً فِي أَوَّلِهِ وَالْفِعْلُ الْحَرَامُ لَا يَخْلُو عَنْ غَرَامَةٍ أَوْ عُقُوبَةٍ فَإِذَا انْتَفَى الْعُقُوبَةُ بَقِيَتْ الْغَرَامَةُ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى تَأَكَّدَ بِالْخَلْوَةِ فَبِإِتْمَامِ الْمَهْرِ أَوْلَى.
(12) قَوْلُهُ: وَمَهْرَانِ وَنِصْفٌ. أَقُولُ مَهْرٌ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِذَا دَخَلَ بِهَا
(4/39)

فَتَزَوَّجَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَوْ زَادَ بَائِنٌ وَدَخَلَ بِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
13 - فَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ.
14 - وَبَيَانُهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَهَذَا دُخُولٌ عَلَى شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِالتَّزَوُّجِ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ آخَرُ، وَهَذَا طَلَاقٌ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا إذَا تَزَوَّجَ الْمُعْتَدَّةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا بَعْدَ الدُّخُولِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالدُّخُولِ عَنْ شُبْهَةٍ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَيُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ مَهْرَانِ وَنِصْفٌ وَلَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ النِّكَاحُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ الثَّالِثُ.
(13) قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ. يَعْنِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ نِصْفُ مَهْرٍ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَنْ شُبْهَةٍ وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّالِثَ صَادَفَهَا وَهِيَ مُبَانَةٌ فَاعْتُبِرَ النِّكَاحُ وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ دُخُولٌ عَنْ شُبْهَةٍ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ بِالْأَنْكِحَةِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَثَلَاثَةُ مُهُورٍ بِالْوَطْءِ ثَلَاثًا عَلَى شُبْهَةِ هَذَا.
(14) قَوْلُهُ: وَبَيَانُهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. أَنَّ الْمُهُورَ تَتَكَرَّرُ بِالْعَقْدِ تَارَةً وَبِالْوَطْءِ أُخْرَى وَتَارَةً تَتَكَرَّرُ بِهِمَا
(4/40)

الْقَوْلُ فِي الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ
1 - التَّعْلِيقُ: رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُولِ مَضْمُونِ أُخْرَى. وَفُسِّرَ الشَّرْطُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقُ حُصُولِ مَضْمُونٍ جُمْلَةً بِحُصُولِ مَضْمُونٍ جُمْلَةً (انْتَهَى) . وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ؛ كَوْنُ الشَّرْطِ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَالتَّعْلِيقُ بِكَائِنٍ تَنْجِيزٌ وَبِالْمُسْتَحِيلِ بَاطِلٌ، وَوُجُودُ رَابِطٍ حَيْثُ كَانَ الْجَزَاءُ مُؤَخَّرًا وَإِلَّا يُتَنَجَّزُ، وَعَدَمُ فَاصِلٍ أَجْنَبِيٍّ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ.
وَرُكْنُهُ: أَدَاةُ شَرْطٍ وَفِعْلُهُ وَجَزَاءُ صَالِحٍ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَدَاةِ لَا يَتَعَلَّقُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَنْجِيزِهِ لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ. الْفَتْوَى عَلَى بُطْلَانِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ: تَعْلِيقُ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ؛ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِقْرَارِ وَالْإِبْرَاءِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَالرَّجْعَةِ وَالتَّحْكِيمِ وَالْكِتَابَةِ وَالْكَفَالَةِ بِغَيْرِ الْمُلَائِمِ وَالْوَقْفِ فِي رِوَايَةٍ وَالْهِبَةِ بِغَيْرِ الْمُتَعَارَفِ، وَمَا جَازَ تَعْلِيقُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ]
قَوْلُهُ: التَّعْلِيقُ رَبْطُ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ إلَخْ. أَقُولُ: فَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ بِفَرْقٍ غَيْرِ هَذَا فَقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَنَّ التَّعْلِيقَ دَاخِلٌ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ كَ (أَنْ وَإِذَا) وَالشَّرْطُ مَا جُزِمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ أَيْ أَصْلِ الْفِعْلِ وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ فِي الْفَرْقِ: إنَّ التَّعْلِيقَ تَرْتِيبُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى أَمْرٍ يُوجَدُ بِأَنْ أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا وَالشَّرْطُ الْتِزَامُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ فِي أَمْرٍ وُجِدَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ
(4/41)

بِالشَّرْطِ لَمْ يَبْطُلْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ؛ كَطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ وَحَوَالَةٍ وَكَفَالَةٍ. وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَالْإِقَالَةُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَتَعْلِيقُ الْبَيْعِ بِكَلِمَةِ (إنْ) بَاطِلٌ إلَّا إذَا قَالَ: بِعْت إنْ رَضِيَ أَبِي. وَوَقْتُهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَبِكَلِمَةِ (عَلَى) صَحِيحٌ، إنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ أَوْ مُلَائِمًا لَهُ أَوْ جَرَى الْعُرْفُ بِهِ أَوْ وَرَدَّ الشَّرْعُ بِهِ أَوْ كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مُدَايَنَاتِ الْفَوَائِدِ مَا خَرَجَ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِالشَّرْطِ، وَفِي الْبُيُوعِ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ فِيهَا، 2 - وَجُمْلَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ: الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ.
3 - وَالْإِجَارَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَجُمْلَةُ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَخْ. أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الْبَيْعَ الْمَقْرُونَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ. قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَيَفْسُدُ يَعْنِي الْبَيْعُ بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدٍ (انْتَهَى) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاسِدَ غَيْرُ الْبَاطِلِ عِنْدَنَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا ذُكِرَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْت إنْ كُنْت تُعْطِينِي كَذَا أَمَّا إذَا قَالَ بِعْت عَلَى أَنْ تُعْطِينِي كَذَا فَفَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْقَبُولِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ مَا أُوجِبَ الْآخَرُ هَلْ يَصِحُّ؟ ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتَ ثَمَنَ هَذَا فَقَدْ بِعْتُ مِنْك صَحَّ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَقِيلَ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
(3) قَوْلُهُ: وَالْإِجَارَةُ. بِالرَّاءِ وَكَذَا الْإِجَازَةُ بِالزَّايِ كَمَا فِي الْكَنْزِ قَالَ شَارِحُهُ الْعَيْنِيُّ:؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْنَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ إجَازَةِ الْبَيْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّ إجَازَةَ كُلِّ شَيْءٍ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا حَتَّى النِّكَاحَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ. وَتَعْلِيقُ الْإِجَازَةِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ كَقَوْلِهِ إنْ
(4/42)

وَالرَّجْعَةُ.
5 - وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْإِبْرَاءُ وَالْحَجْرُ.
6 - وَعَزْلُ الْوَكِيلِ فِي رِوَايَةٍ وَإِيجَابُ الِاعْتِكَافِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْإِقْرَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
زَادَ فُلَانٌ فِي الثَّمَنِ فَقَدْ أَجَزْت وَلَوْ زَوَّجَ بِنْتَه بَالِغَةً بِلَا رِضَاهَا فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ: أَجَزْتُ إنْ رَضِيَتْ أُمِّي بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ إذْ التَّعْلِيقُ يُبْطِلُ الْإِجَازَةَ اعْتِبَارًا بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: يُخَالِفُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ قَالَ: بَاعَنِي فُلَانٌ عَبْدَك بِكَذَا فَقَالَ: إنْ كَانَ كَذَا فَقَدْ أَجَزْته أَوْ فَهُوَ جَائِزٌ جَازَ إنْ كَانَ بِكَذَا أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ: وَلَوْ أَجَازَ بِثَمَنٍ آخَرَ بَطَلَ. وَعَنْ ابْنِ سَلَّامٍ لَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَاضٍ، وَقِيلَ: إذَا كَانَ مِمَّا يُتَغَابَنُ فِيهِ.
(4) قَوْلُهُ: وَالرَّجْعَةُ كَذَا فِي غَيْرِ كِتَابٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَهُوَ خَطَأٌ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْجَوْهَرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالتَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَلَا إضَافَتُهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِهِ، وَأَصْلُ النِّكَاحِ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ كِتَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَاللَّعِبِ وَالْخَطَأِ كَالنِّكَاحِ (انْتَهَى) .
فَلَوْ كَانَتْ تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَمْ تَصِحَّ مَعَ الْهَزْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ وَمَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ تُبْطِلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ.
(5) قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْإِبْرَاءُ. أَيْ عَنْ الدَّيْنِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ أَمَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَعَارَفِ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ وَقَيَّدْنَا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْكَفَالَةِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ الْمُلَائِمِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ.
(6) قَوْلُهُ: وَعَزْلُ الْوَكِيلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ كَلَامٍ: إنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَهُوَ مَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي
(4/43)

وَالْوَقْفُ، فِي رِوَايَةٍ. وَمَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ: الطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ وَالرَّهْنُ وَالْقَرْضُ 8 - وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْوِصَايَةُ وَالْوَصِيَّةُ.
9 - وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِمَارَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْإِقَالَةُ.
10 - وَالْغَصْبُ وَالْكِتَابَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الرَّجْعَةِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْ قَسْمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَيَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَةٍ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَتَعْلِيقُ عَزْلِ الْوَكِيلِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ الصُّغْرَى وَلَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الَّذِي يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّمْلِيكِ وَالْعَزْلُ لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فَيَجِبُ إلْحَاقُهُ بِقِسْمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَكِنْ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الْفَتَّاحِ الظَّفَرَ بِالنَّقْلِ فِي الْمُرَاجَعَةِ (انْتَهَى) .
(7) قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ فِي رِوَايَةٍ. كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيُّ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ عَنْ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ بِالشَّرْطِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا.
أَقُولُ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهَا لِمَشْيِ أَصْحَابِ الْمُتُونِ عَلَيْهَا إذْ هُوَ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ.
(8) قَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ.
فِي الْعِمَادِيَّةِ: تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِالْمُلَائِمِ يَصِحُّ كَوَهَبْتُكَ عَلَى أَنْ تُعَوِّضَنِي كَذَا فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَلَلِ.
(9) قَوْلُهُ: وَالشَّرِكَةُ. أَيْ لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَقُولُ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الشَّرِكَةُ تَبْطُلُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَلَا تَبْطُلُ بِالْبَعْضِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَطَ التَّفَاضُلَ فِي الْوَضِيعَةِ لَا تَبْطُلُ وَتَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ رِبْحِ عُشْرِهِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا شَرْطًا فَاسِدًا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(10) قَوْلُهُ: وَالْغَصْبُ. أَيْ: لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَقُولُ يُنْظَرُ صُورَةُ عَدَمِ بُطْلَانِهِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
(4/44)

وَأَمَانُ الْقِنِّ وَدَعْوَةُ الْوَلَدِ وَالصُّلْحُ عَنْ الْقِصَاصِ وَجِنَايَةُ غَصْبٍ وَعَهْدُ ذِمَّةٍ وَوَدِيعَةٌ وَعَارِيَّةٌ. إذَا ضَمِنَهَا رَجُلٌ وَشَرَطَ فِيهَا كَفَالَةً أَوْ حَوَالَةً.
12 - وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِعَيْبٍ.
13 - أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ وَعَزْلِ قَاضٍ.
14 - وَالتَّحْكِيمُ.
15 - عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَتَمَامُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ
16 - فَائِدَةٌ: مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ.
17 - إلَّا الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ، يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ، إلَّا إذَا عَلَّقَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَانُ الْقِنِّ. أَقُولُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ تَعْلِيقُ الْأَمَانِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ أَمَّنَ خَيْبَرَ عَلَّقَ أَمَانَهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ شَيْئًا وَأَبْطَلَ أَمَانَ آلِ أَبِي الْجَعْدِ بِكِتْمَانِهِمْ الْحُلِيَّ» (انْتَهَى) وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْقِنَّ لَيْسَ قَيْدًا.
(12) قَوْلُهُ: وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِعَيْبٍ. أَيْ: بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(13) قَوْلُهُ: أَوْ بِخِيَارِ شَرْطٍ. أَيْ وَتَعْلِيقُ الرَّدِّ بِخِيَارِ شَرْطٍ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(14) قَوْلُهُ: وَالتَّحْكِيمُ. أَيْ وَتَعْلِيقُ التَّحْكِيمِ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ.
(15) قَوْلُهُ: عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لِإِطْلَاقِ الْوِلَايَةِ عِنْدَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْوِلَايَةِ وَالتَّمْلِيكَاتُ تَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ

[فَائِدَةٌ مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ]
(16) قَوْلُهُ: فَائِدَةٌ مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ إلَخْ. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ فَائِدَتَانِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الثَّانِيَةُ.
(17) قَوْلُهُ: إلَّا الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ. يَعْنِي إذَا وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ يَمْلِكُ أَنْ يُنَجِّزَ طَلَاقَهَا وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا أَمَّا إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ: قَالَ لِامْرَأَةِ الْغَيْرِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ
(4/45)

وَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ.
19 - الثَّانِيَةُ: الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ عِتْقِي صَحَّ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ. وَتَمَامُهُ فِي الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ

الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ السَّفَرِ:
20 - رُخْصَةُ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَأَمَّا التَّنَقُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ فَحُكْمُ خَارِجِ الْمِصْرِ لَا السَّفَرِ. وَمِنْهَا سُقُوطُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فَأَجَازَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ طَلُقَتْ وَإِنْ دَخَلَتْ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ عَادَتْ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْفُضُولِيِّ يَصِيرُ يَمِينًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَيُعْتَبَرُ الشَّرْطُ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ.
قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ بِهِ التَّوْكِيلُ فَلَا تَصِحُّ بِهِ الْإِجَازَةُ وَقَدْ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: يُسْتَثْنَى أَيْضًا الْوَصِيُّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَصِيُّ وَالْوَارِثُ حَيْثُ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصِيَّ وَالْوَارِثَ يَشْتَرِكَانِ فِي الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْوَارِثُ أَقْوَى لِمِلْكِ الْعَيْنِ فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إعْتَاقُهُ لَكِنْ يَمْلِكُ الْوَارِثُ إعْتَاقَهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَتَدْبِيرًا وَكِتَابَةً وَلَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ إلَّا التَّنْجِيزَ وَهِيَ فِي التَّلْخِيصِ.
(18) قَوْلُهُ: وَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ. قِيلَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ عَلَى الْإِمَامِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ النِّكَاحِ.
(19) قَوْلُهُ: الثَّانِيَةُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ إلَخْ. أَقُولُ مَوْقِعُ هَذِهِ الْفَائِدَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مَوْقِعُ التَّمْثِيلِ لَهَا وَحِينَئِذٍ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ لَوْ قَالَا إلَخْ

[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ السَّفَرِ]
(20) قَوْلُهُ: رُخْصَةُ الْقَصْرِ إلَخْ. أَقُولُ أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَفِيهِ أَنَّ صَلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةً لَا رُخْصَةً كَمَا حُقِّقَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
(4/46)

وَأَمَّا صِحَّةُ الْجُمُعَةِ فَمِنْ أَحْكَامِ الْمِصْرِ. وَمِنْ أَحْكَامِ السَّفَرِ حُرْمَتُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.
22 - وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا إذَا امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ إلَّا بِهَا. وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ خُرُوجِهَا إلَّا بِأَحَدِهِمَا هِجْرَتُهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
23 - وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاءِ أَبَوَيْهِ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْمَدْيُونِ إلَّا بِإِذْنِ الدَّائِنِ، إلَّا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا
24 - وَيَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ: مِنْهَا سُقُوطُ الْحَجِّ إذَا غَلَبَهُ الْهَلَاكُ، وَتَحْرِيمُ السَّفَرِ فِيهِ وَضَمَانُ الْمُودِعِ لَوْ سَافَرَ بِهَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ:
25 - مِنْهَا فِيمَا إذَا غَزَا فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُ فَرَسٌ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمُ الْفَارِسِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا صِحَّةُ الْجُمُعَةِ إلَخْ. أَقُولُ لَا مَوْقِعَ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ هَهُنَا.
(22) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا. أَيْ فَرْضًا.
(23) قَوْلُهُ: وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْهُ. أَيْ مَنَعَ الشَّارِعُ الْوَلَدَ مِنْ السَّفَرِ أَيْ حُرْمَتُهُ عَلَيْهِ

[يَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ]
(24) قَوْلُهُ: وَيَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ إلَخْ. أَقُولُ فِي اخْتِصَاصِ الْبَحْرِ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
(25) قَوْلُهُ: مِنْهَا فِيمَا إذَا غَزَا فِي الْبَحْرِ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ: الْفَارِسُ فِي السَّفِينَةِ يَسْتَحِقُّ سَهْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِتَالُ عَلَى الْفَرَسِ فِي السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ فَقَدْ تَأَهَّبَ لِلْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ وَالْمُتَأَهِّبُ لِلشَّيْءِ كَالْمُبَاشِرِ لَهُ
(4/47)

الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ
2 - لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا
3 - وَتُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ]
قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ. أَقُولُ حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَالْجِعْرَانَةِ وَالطَّائِفِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ. وَفِي الْحَاوِي أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةٌ وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ وَمِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا وَجُمِعَتْ مَا عَدَا الْأَخِيرِ فِي قَوْلِهِ:
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ
وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا ... وَقَدْ كَلَّمْت فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهُ
وَعَلَى الْحُدُودِ عَلَامَاتٌ نَصَبَهَا الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَانَ جِبْرِيلُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَهِيَ الْآنَ ظَاهِرَةٌ

(2) قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا. أَقُولُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنْ دَاخِلِ الْمَوَاقِيتِ إلَّا إذَا قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَجَاوَزُ الْمِيقَاتَ أَحَدٌ إلَّا مُحْرِمًا» . وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْهُ الْمَكِّيُّ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُمْ مَكَّةَ لِحَاجَتِهِمْ وَفِي إيجَابِهِمْ الْإِحْرَامَ كُلَّ مَرَّةٍ خَرَجَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّهُ نَادِرُ الْوُقُوعِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَكِّيِّ. أَقُولُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَكِّيَّ وَمَنْ دَاخَلَ الْمِيقَاتَ لَوْ جَاوَزَ إلَى مِصْرَ مَثَلًا وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا مُحْرِمًا لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَنُدْرَةِ الْوُقُوعِ

(3) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهِ أَيْ بِالْحَرَمِ وَالْمُرَادُ بِهِ حَرَمُ مَكَّةَ إذْ الْمَدِينَةُ لَا حَرَمَ لَهَا وَإِنْ كَانَ تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِهَا وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَوْفُ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي نَظَرِهِ
(4/48)

وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ بِهِ؛ وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِصَيْدِهِ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ
5 - وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فَيَصِيرُ فِي نَظَرِهِ الْقَاصِرِ كَسَائِرِ الْبُيُوتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَنْقُصُ الْهَيْبَةُ وَالْحُرْمَةُ الْأُولَى فِي نَظَرِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ كَثِيرٍ وَلِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدُورُ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ قَضَاءِ النُّسُكِ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْيَمَنِ يَمَنَكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ شَامَكُمْ وَيَا أَهْلَ الْعِرَاقِ عِرَاقَكُمْ فَإِنَّهُ أَبْقَى لِحُرْمَةِ بَيْتِ رَبِّكُمْ فِي قُلُوبِكُمْ.
وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحُجُّونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَيَعْتَمِرُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَلَا يُجَاوِرُونَ. ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَجَمْعٌ مِنْ الْمُحْتَاطِينَ فِي الدِّينِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُجَاوَرَةِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطَاتِ وَنَقَلَ الْفَارِسِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مَكَّةَ سَاعَةً تَبَاعَدَتْ النَّارُ عَنْهُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ»

(4) قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ خَارِجَهُ إلَخْ. أَيْ: لَا يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ مُوجِبَ الْقَتْلِ وَلَا يُقْطَعُ مَنْ فَعَلَ مُوجِبَ الْقَطْعِ وَهُوَ السَّرِقَةُ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ بِهِ وَهَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَتَحْقِيقُ مَرَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى فِعْلِ مُوجِبِ الْقَطْعِ فَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ مِنْ بَحْثِ الْعَامِّ بِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْأَطْرَفِ؛ لِأَنَّهُ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إذَا الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ (انْتَهَى) . لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْمُقَطَّعَاتِ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي الْحَرَمِ فِي نَفْسٍ وَيُسْتَوْفَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي الْحَرَمِ خِلَافًا لَهُمَا (انْتَهَى) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذُكِرَ دَاخِلَ الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ إلَيْهِ

(5) قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ. وَهُوَ مَا كَانَ لَهُ سَاقٌ مِنْ النَّبَاتِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا وَشَجَرُ الْحَرَمِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِهِ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ أَغْصَانُهُ فِيهِ أَوْ فِي الْحِلِّ فَيَقْطَعُ هَذِهِ الْأَغْصَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَشِيشُ الْحَرَمِ كَذَلِكَ
(4/49)

وَرَعْيُ حَشِيشِهِ.
7 - إلَّا الْإِذْخِرَ

وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِهِ؛ وَتُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
8 - وَحَسَنَاتُهُ كَسَيِّئَاتِهِ 9 - وَيُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْهَمِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَرَعْيُ حَشِيشَتِهِ. أَيْ وَيَحْرُمُ إرْسَالُ الْبَهِيمَةِ عَلَى حَشِيشِ الْحَرَمِ لِلرَّعْيِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا بَأْسَ بِهِ لِضَرُورَةِ الزَّائِرِينَ.
كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ أَقُولُ لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لِمُقَابِلَتِهَا بِالْحُرْمَةِ لَا لِمَا تَرَكَهُ أَوْلَى كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي اسْتِعْمَالِهَا قَالَهُ الْفَاضِلُ مُلَّا عَلَيَّ الْقَارِئِ فِي شَرْحِهِ عَلَى النُّقَايَةِ.
(7) قَوْلُهُ: إلَّا الْإِذْخِرَ. بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ وَالْجَبَلِ وَلَهُ أَصْلٌ دَقِيقٌ وَقُصْبَانٌ دِقَاقٌ يَطِيبُ رِيحُهُ وَاَلَّذِي بِمَكَّةَ أَجْوَدُهُ يَسْقُفُونَ بِهِ الْبُيُوتَ بَيْنَ الْخَشَبَاتِ وَيَسُدُّونَ بِهِ فِي قُبُورِ الْخَلَلِ بَيْنَ اللَّبِنَاتِ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي

(8) قَوْلُهُ: وَحَسَنَاتُهُ. أَقُولُ كَانَ الْأَنْسَبُ جَعْلُ الْحَسَنَاتِ مُشَبَّهًا بِهَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فِي كُلِّ مَكَان وَلِمَا فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِهَا مِنْ تَنْفِيرِ الطِّبَاعِ عَنْ شُؤْمِ ارْتِكَابِهَا وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَتْ الْحَسَنَاتُ يُمَالُ إلَيْهَا طَبْعًا إذَا تُلِيَ عَلَى السَّمْعِ ذِكْرُهَا أَوَّلًا نَاسَبَ الْبُدَاءَةَ بِهَا ثُمَّ إذَا تُلِيَ الْخَبَرُ تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ فَحَذَّرَ مِنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَأَ بِغَيْرِ مَا لَيْسَ بِمَأْلُوفٍ.
(9) قَوْلُهُ: وَيُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْهَمِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ " الْهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ وَعَدَمُ فِعْلِهَا " كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ بَلَدٍ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْهَمِّ بِالْفِعْلِ إلَّا مَكَّةَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ اتِّخَاذَ السَّجْنِ بِمَكَّةَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ عَذَابٍ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ رَحْمَةٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إلْحَادٌ»
(4/50)

وَلَا يَسْكُنُ فِيهِ كَافِرٌ وَلَهُ.
11 - الدُّخُولُ فِيهِ
12 - وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ وَتَخْتَصُّ الْهَدَايَا بِهِ
13 - وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ حِجَارَتِهِ وَتُرَابِهِ
14 - وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي اللُّقَطَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَا يَسْكُنُ فِيهِ كَافِرٌ. أَيْ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ سُكْنَى حَرَمِ مَكَّةَ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا الدُّخُولُ فِيهِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْفَوَائِدِ لِلطَّرَسُوسِيِّ.
(11) قَوْلُهُ: وَلَهُ الدُّخُولُ. أَقُولُ وَلَوْ حَرْبِيًّا كَمَا فِي شَرْحِ جَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ الْحَرَمَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ وَيُمْنَعُ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُفْهَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الصَّاحِبَيْنِ يُخَالِفَانِ فِي ذَلِكَ

(12) قَوْلُهُ: وَلَا تَمَتُّعَ وَلَا قِرَانَ لِمَكِّيٍّ. أَقُولُ وَكَذَا مِنْ حَوْلِ مَكَّةَ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ نَفْيُ الْحِلِّ لَا نَفْيُ الصِّحَّةِ وَلِذَا وَجَبَ دَمُ جَبْرٍ وَهُوَ فَرْعُ الصِّحَّةِ وَاشْتِرَاطُهُمْ عَدَمَ الْإِلْمَامِ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ لِلتَّمَتُّعِ الْمُنْتَهِضِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ وُجُوبُ دَمِ الشُّكْرِ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ

(13) قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إخْرَاج حِجَارَتِهِ وَتُرَابِهِ. قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ، وَنَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ حِجَارَةِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ إلَى الْحِلِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ (انْتَهَى) . أَقُول لَا مُخَالَفَةَ فَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ لَا بَأْسَ مُقْتَضٍ لِلْكَرَاهَةِ لَا مُنَافٍ لَهَا حَتَّى تَتِمَّ الْمُخَالَفَةُ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَتُرَابُ الْبَيْتِ الْمُكَرَّمِ الْيَسِيرِ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ لِلتَّبَرُّكِ وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّهُ تَخْرِيبٌ (انْتَهَى) . وَقَالَ ابْنُ وَهْبَانَ وَالصَّوَابُ الْمَنْعُ عَنْهُ مُطْلَقًا لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ الْجُهَّالُ فَيُفْضِي إلَى الْخَرَابِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ إذَنْ الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ

(14) قَوْلُهُ: وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي اللُّقَطَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا لِقَوْلِهِ فِي وَصْفِ مَكَّةَ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدِهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدِهَا» . أَيْ لِطَالِبِهَا وَهُوَ الْمَالِكُ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا
(4/51)

وَالدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ فِيهِ خَطَأٌ
16 - وَلَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا فَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ إلَّا اسْتِنَانَ الْغُسْلِ لِدُخُولِهَا؛ وَكَرَاهَةَ الْمُجَاوَرَةِ بِهَا؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
سَنَةً» بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا لِمُنْشِدِهَا أَيْ مُعَرِّفِهَا فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ أَنْشَدْت الضَّالَّةَ أَيْ عَرَّفْتهَا، وَيُقَالُ: أَنْشَدْتهَا أَيْ طَلَبْتهَا فَإِذَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ حِلِّ الِالْتِقَاطِ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ وَهَذَا حَالُ كُلِّ لُقَطَةٍ وَالتَّخْصِيصُ بِالْحَرَمِ لِبَيَانِ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَسْقُطُ فِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلْغُرَبَاءِ ظَاهِرًا فَنُؤَوِّلُ وَنَقُولُ إنَّ مَالِكَهَا ذَهَبَ ظَاهِرًا فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّعْرِيفِ فَأَزَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ إلَّا لِمُنْشِدِهَا أَيْ لِمُعَرِّفِهَا أَيْ لَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ إلَّا مَنْ يَعْرِفُهَا رَدًّا لِذَلِكَ الزَّعْمِ وَتَسْوِيَةً بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي إيجَابِ الْإِنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ كَذَا فِي الْمَنْبَعِ.
(15) قَوْلُهُ: وَالدِّيَةُ. عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي اللُّقْطَةِ أَيْ وَهُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا فِي الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً مِنْهُ

(16) قَوْلُهُ: وَلَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا.
أَقُولُ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَرُمَتْ الْمَدِينَةُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا تُقْطَعُ أَغْصَانُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» . كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يُقْبَلُ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَاشْتَهَرَ نَقْلُهُ (انْتَهَى) وَفِيهِ تَأَمُّلٌ
(4/52)

الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ
هِيَ كَثِيرٌ جِدًّا؛
1 - وَقَدْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ. فَمِنْهَا: تَحْرِيمُ دُخُولِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ.
2 - وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ يُخَافُ مِنْهَا التَّلْوِيثُ.
3 - وَمَنْعُ إدْخَالِ الْمَيِّتِ فِيهِ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَنْعَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ فِيهِ إلَّا لِعُذْرِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِخَوْفِ التَّلْوِيثِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ لَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ]
قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. يَعْنِي أَكْثَرَهُمْ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَهَا قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَصَاحِبُ مُنْيَةِ الْمُفْتِي فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
(2) قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ إلَخْ عَطَفَ عَلَى دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ فَمِنْهَا تَحْرِيمُ دُخُولِهِ عَلَى الْجُنُبِ، وَلِذَا قَالُوا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَتَعَاهَدَ النَّعْلَ وَالْخُفَّ عَنْ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَدْخُلَ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ.
(3) قَوْلُهُ: وَمَنْعُ إلَخْ. عَطْفٌ عَلَى تَحْرِيمُ فِي قَوْلِهِ مِنْهَا تَحْرِيمُ دُخُولِهِ، وَالْمُرَادُ الْمَنْعُ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَبْنِيًّا لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ مَسْجِدٌ وَالْمَدْرَسَةُ لَا (انْتَهَى) . أَقُولُ إنَّمَا يَتِمُّ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ إذَا بَنَى لَهَا إذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ كَوْنَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُبْنَ إلَّا لِأَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ كَمَا سَيَأْتِي أَمَّا إذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَوْفَ التَّلْوِيثِ فَلَا. وَقَوْلُهُ وَالْمَدْرَسَةُ لَا، لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هَذَا إذَا مُنِعَ أَهْلُهَا مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَسْجِدٌ.
(4/53)

وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ.
5 - وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَلَمْ يُعَلِّلْهُ أَحَدٌ مِنَّا بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى طَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَمِنْهَا: صِحَّةُ الِاعْتِكَافِ فِيهِ. وَمِنْهَا: حُرْمَةُ إدْخَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ.
6 - وَمِنْهَا مَنْعُ إلْقَاءِ الْقَمْلَةِ بَعْدَ قَتْلِهَا فِيهِ. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْبَوْلِ فِيهِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ، وَأَمَّا الْقَصْدُ فِيهِ فِي إنَاءٍ فَلَمْ أَرَهُ.
7 - وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ. وَمِنْهَا مَنْعُ: أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ. قَالُوا فِي تُرَابِهِ؛ إنْ كَانَ مُجْتَمِعًا جَازَ الْأَخْذُ مِنْهُ وَمَسْحُ الرِّجْلِ عَلَيْهِ.
8 - وَإِلَّا لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ. قِيلَ عَلَيْهِ إنَّ التَّعْلِيلَ بِخَوْفِ التَّلْوِيثِ وَهُوَ أَمْرٌ وَهْمِيٌّ مُحْتَمَلٌ خِلَافُهُ إنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةَ وَإِنَّمَا يُعَلَّلُ لِلتَّحْرِيمِ بِأَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(5) قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ الْأَوَّلُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ. أَقُولُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ بَلْ هُوَ مِنْ نَقَلَةِ الْمَذْهَبِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَكَى تَرْجِيحَهُ.
(6) قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَنْعُ إلْقَاءِ الْقَمْلَةِ بَعْدَ قَتْلِهَا فِيهِ. أَقُولُ الْمَنْعُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ لَا الْحُرْمَةِ وَلَا كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْقَمْلَةَ الْمَقْتُولَةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ فَالْمَنْعُ مِنْ إلْقَائِهَا فِي الْمَسْجِدِ لِاسْتِقْذَارِهَا لَا لِنَجَاسَتِهَا لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَيْتَةَ الْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَقِّ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَتَأَمَّلْ.
(7) قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا فَرْقَ إلَخْ. أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَجَسٌ مُغَلَّظٌ.
(8) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا. أَقُولُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُنْبَسِطَ بِمَنْزِلَةِ أَرْضِ الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ أَخْذُهُ يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْمَالِ أَمَّا إذَا أَخَذَهُ لِلتَّبَرُّكِ فَجَائِزٌ كَمَا قَالُوا فِي تُرَابِ الْكَعْبَةِ هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ حَيْثُ كَانَتْ الْمَسَاجِدُ لَا تَنْبَسِطُ أَمَّا الْآنَ فَإِزَالَةُ التُّرَابِ وَرَفْعُهُ قُرْبَةٌ
(4/54)

وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْبُصَاقِ فِيهِ،
10 - وَإِلْقَاءُ النُّخَامَةِ فَوْقَ الْحَصِيرِ أَخَفُّ مِنْ وَضْعِهَا تَحْتَهُ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ دَفَنَهُ
11 - وَتُكْرَهُ الْمَضْمَضَةُ وَالْوُضُوءُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ مَوْضِعٍ أُعِدَّ لِذَلِكَ لَا يُصَلِّي فِيهِ، 12 - أَوْ فِي إنَاءٍ

وَيُكْرَهُ مَسْحُ الرِّجْلِ مِنْ الطِّينِ عَلَى عَمُودِهِ وَالْبُزَاقُ عَلَى حِيطَانِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْبُصَاقِ. أَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ الْحُرْمَةِ هُنَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ: وَيُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيَةُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمُخَاطِ وَالْبَلْغَمِ.

(10) قَوْلُهُ: وَإِلْقَاءُ النُّخَامَةُ فَوْقَ الْحَصِيرِ أَخَفُّ إلَخْ. أَقُولُ: لِأَنَّ مَا تَحْتَ الْحَصِيرِ جُزْءٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْحَصِيرِ هَكَذَا ظَهَرَ لِي ثُمَّ رَأَيْت فِي الْخُلَاصَةِ عِلَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَوَارِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَقِيقَةً لَكِنْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَ الْبَوَارِي مَسْجِدٌ حَقِيقَةً.

(11) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الْمَضْمَضَةُ وَالْوُضُوءُ فِيهِ. أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ كَرِهَهُ الْإِمَامُ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَوْضِعٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ مُحَمَّدٌ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَوَضَّأَ الْمُعْتَكِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي وُضُوئِهِ إزَالَةُ قَذَرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ فِي إنَاءٍ.
(12) قَوْلُهُ: أَوْ فِي إنَاءٍ أَيْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَضُّؤُ فِي إنَاءٍ فَلَا يُكْرَهُ أَقُولُ هَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَانِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ بَلْ فِي الْمُعْتَكِفِ فَقَطْ بِشَرْطِ عَدَمِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِنْ غَسَلَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ إذَا لَمْ يُلَوِّثْ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَنْظِيفَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إنَاءٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (انْتَهَى) . بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلَّى فِيهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ مَوْضِعٌ اُتُّخِذَ لِذَلِكَ لَا يُصَلِّي فِيهِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ تَرَكَ
(4/55)

وَلَا يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرُ مَاءٍ.
14 - وَتُتْرَكُ الْقَدِيمَةُ.

وَيُكْرَهُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِيهِ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ لِيَقِلَّ النَّزُّ.
15 - وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ طَرِيقٍ فِيهِ لِلْمَرِّ إلَّا لِعُذْرٍ
16 - وَتُكْرَهُ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ وَتَعْلِيمِ صِبْيَانٍ بِأَجْرٍ لَا بِغَيْرِهِ.
17 - إلَّا لِحِفْظِ الْمَسْجِدِ فِي رِوَايَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُصَنِّفُ حَرْفَ الْجَرِّ لَكَانَ أَنْسَبَ لِمَا سَبَقَ.

(13) قَوْلُهُ: وَلَا يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرُ مَاءٍ. أَقُولُ: لِمَا فِيهِ مِنْ إذْهَابِ حُرْمَتِهِ، ثُمَّ الْحَافِرُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِحَفْرِهِ وَلَوْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ كَمَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.
(14) قَوْلُهُ: وَتُتْرَكُ الْقَدِيمَةُ. أَقُولُ: كَبِئْرِ زَمْزَمَ.

(15) قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ طَرِيقٍ فِيهِ لِلْمُرُورِ. يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لَهُ بَابَانِ فَأَكْثَرُ فَيَدْخُلُ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا وَعَدَمُ الْجَوَازِ صَادِقٌ بِالْحَرَامِ وَبِالْكَرَاهَةِ تَحْرِيمًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي بِالْكَرَاهَةِ حَيْثُ قَالَ: لَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَيَتَّخِذُهُ طَرِيقًا فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ لَمْ يُكْرَهْ (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ مُعْتَادُ ذَلِكَ يَأْثَمُ وَيَفْسُقُ (انْتَهَى) .

(16) قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: وَلَا يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ بِأُجْرَةٍ (انْتَهَى) . أَقُولُ: الَّذِي فِي نُسْخَتِي مِنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ كَالْكَاتِبِ فِي الْمَسْجِدِ بِأُجْرَةٍ (انْتَهَى) . فَلَعَلَّ لَا زَائِدَةٌ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَفِي الْفَتْحِ: مُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ كَالْكَاتِبِ إنْ بِأَجْرٍ لَا يَجُوزُ وَحِسْبَةٌ لَا بَأْسَ بِهِ (انْتَهَى) . وَفِي شَرْح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَرْوِيِّ «جَنِّبُوا مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ» انْتَهَى وَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَجْرٍ أَوْ لَا.
(17) قَوْلُهُ: إلَّا لِحِفْظِ الْمَسْجِدِ أَيْ: إلَّا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِ لِأَجْلِ حِفْظِ الْمَسْجِدِ لَا لِلتَّكَسُّبِ فَإِنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا
(4/56)

وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْمُصِيبَةِ
19 - وَتُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ.
20 - فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْمُصِيبَةِ. فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُصِيبَةِ يُكْرَهُ وَفِي غَيْرِهِ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْأَحْسَنُ تَرْكُهُ.

(19) قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ. يَعْنِي قَبْلَ قُعُودِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا جَلَسَ قَبْلَ صَلَاتِهَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا لِتَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَحُرْمَتِهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا فَقُمْت فَرَكَعْتهمَا.» وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهَا بِالْجُلُوسِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ الصَّحِيحِ لَكِنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ التَّحِيَّةِ أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ وَيُصَلِّيَ أَوْ يُصَلِّيَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ قَالُوا يُصَلِّي كُلَّمَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) . وَقَوْلُهُمْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ أَيْ: تَحِيَّةُ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ سُنَّةٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا الِاسْتِحْبَابَ لِاشْتِمَالِ السُّنَّةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَأَصْحَابُنَا يَكْرَهُونَهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ تَقْدِيمًا لِعُمُومِ الْحَاضِرِ عَلَى الْمُبِيحِ.
وَفِي الْكِفَايَةِ: إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمِنْبَرِ تُكْرَهُ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا قَطَعَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَوْ صَلَّى رَكْعَةً ضَمَّ أُخْرَى وَسَلَّمَ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: الْمُصَلِّي إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ فَرْضٌ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ، وَالْإِتْيَانُ بِالْفَرْضِ أَوْلَى (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ. وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَفِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا أَحْسَنُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ يَنُوبُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَهُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ.
(20) قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ كُلَّ يَوْمٍ. أَقُولُ عَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِالْحَرَجِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا سَلَفَ عَنْ الصَّحِيحَيْنِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ سِيَّمَا وَمَزِيدُ
(4/57)

وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ
22 - وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ، وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ وَفَوْقَهُ كَالتَّخَلِّي

وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ 23 - لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَكَذَا كُلُّ مُؤْذٍ فِيهِ وَلَوْ بِلِسَانِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْقُرْبِ يَحْصُلُ بِمَا يُوجِبُ التَّقَرُّبَ اللَّهُمَّ لَا أَنْ يَخْتَصَّ عَدَمُ التَّكْرَارِ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: فَإِنْ قِيلَ هَلْ تُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ كُلَّمَا دَخَلَهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِتَحِيَّةِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ يُحَيِّهِ كُلَّمَا لَقِيَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا إذَا كَانَ نَائِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ جَارَ الْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّيهَا كَمَا لَا يَحْسُنُ لِأَهْلِ مَكَّةَ طَوَافُ الْقُدُومِ (انْتَهَى) . وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ مَسْجِدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ دَخَلَ أَحَدَهُمَا وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ الْآخَرَ فَهَلْ يُطْلَبُ لَهُ تَحِيَّتُهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُطْلَبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ آخَرُ حَقِيقَةً.

قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ. كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَعِبَارَتُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ.

(22) قَوْلُهُ: وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ. عَطْفٌ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ أَيْ: يُسْتَحَبُّ جُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ نَقْلًا عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي: لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ لَا بَأْسَ بِفَصْلِ الْخُصُومَةِ وَإِنْ تَعَمَّدَ الذَّهَابَ إلَيْهِ فِي الْفَصْلِ يُكْرَهُ. لَنَا الْحَدِيثُ «بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَالْحُكْمُ سَوَّى بَيْنَهُمَا وَفِي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ كَرِهَ أَصْحَابُنَا الْقَضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي التَّفَارِيقِ عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ الْأَفْضَلُ فِي الْجَامِعِ (انْتَهَى) .

(23) قَوْلُهُ: لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ. الرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ كَمَا فِي مَنْظُومَةِ الْمُؤَنَّثَاتِ السَّمَاعِيَّةِ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرِّيحُ الشَّيْءُ الطَّيِّبُ الرَّائِحَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَالرَّائِحَةُ النَّسِيمُ طَيِّبًا أَوْ نَتِنًا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ هُنَا أَنْ يُقَالَ لِمَنْ أَكَلَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَذُو الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ كَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ".
(4/58)

وَمِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكُلُّ عَقْدٍ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ، وَيَجُوزُ لَهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إنْ لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ.
25 - وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ
26 - وَالْأَشْعَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
«مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ «أَوْ فُجْلًا لِيَعْتَزِلَنَّ مِنْ مَسْجِدِنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَوَّلِ أَكْلِ الْفُجْلِ لَمْ يَجِدْ لَهُ رِيحًا خَبِيثًا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا بَخْرٌ وَمَنْ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكَمٌ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَأَوْلَى وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الثُّومِ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ وَيُخْرَجُ إلَى الْبَقِيعِ وَلِلْغَيْرِ مَنْعُهُ مِنْ الْوُقُوفِ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ وَالْأَبْرَصُ مِنْ السِّقَايَاتِ الْمُسْبَلَةِ لِلشُّرْبِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَحُكْمُ مَنْ رَائِحَةُ ثِيَابِهِ كَرِيهَةٌ كَثِيَابِ الزَّيَّاتِينَ وَالدَّبَّاغِينَ وَنَحْوِهِمْ حُكْمُ أَكْلِ الثُّومِ، وَعَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ الزَّيَّاتِينَ يَتَأَخَّرُونَ وَلَا يَتَقَدَّمُونَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَلْ يَقْعُدُونَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ كَذَا أَفَادَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا لَا تَأْبَى شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ.
(24) قَوْلُهُ: وَمِنْ الْبَيْعِ. عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَلِذَا أَعَادَ الْجَارُ.
(25) قَوْلُهُ: وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ. إنْشَادُهَا: تَعْرِيفُهَا وَالِاسْتِرْشَادُ عَنْهَا ضِدٌّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ هُنَا بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ بَيَّنَ لِهَذَا وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْجَارِ.

قَوْلُهُ: وَالْأَشْعَارُ أَيْ: وَإِنْشَادُ الْأَشْعَارِ عَلَى طَرِيقِ إيجَازِ الْحَذْفِ لَا الِانْسِحَابِ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إذْ مَعْنَى إنْشَادِ الْأَشْعَارِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ الْمَنْعُ مِنْ إنْشَادِ الشَّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا فِيهِ شَيْءٌ مَذْمُومٌ كَهَجْوِ الْمُسْلِمِ وَصِفَةِ الْخَمْرِ وَذِكْرِ النِّسَاءِ وَالْمُرْدَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَدْحِ النُّبُوَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى حِكْمَةٍ أَوْ بَاعِثًا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالزُّهْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِهِ فِي الْمَسْجِدِ.
(4/59)

وَالْأَكْلُ وَالنَّوْمُ لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَمُعْتَكِفٍ
28 - وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ
29 - وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إلَّا لِلْمُتَفَقِّهَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَالْأَكْلُ وَالنَّوْمُ لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَمُعْتَكِفٍ. فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي يُكْرَهُ النَّوْمُ وَالْأَكْلُ فِيهِ لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ وَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ فَيَدْخُلَ وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى مَا نَوَى أَوْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَفْعَلَ مَا شَاءَ

قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ الْمُبَاحُ أَيْ: يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ. أَقُولُ مَحَلُّهُ أَنْ نَجْلِسَ لَهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَمَّا أَنْ تَحْدُثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَلَا يُكْرَهُ (انْتَهَى) . قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ: الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ لَا يُبَاحُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مَا بُنِيَتْ لِأُمُورِ الدُّنْيَا. وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبَاحَ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُتَكَلَّمُ فِي الْمَسَاجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَسَاجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا أَحْبَطَ اللَّهُ عَنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ يُكْرَهُ الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا لِلْعِبَادَةِ مَا دُونَ فِيهِ شَرْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا يُلَازِمُونَ الْمَسْجِدَ وَكَانُوا يَنَامُونَ فِيهِ وَيَتَحَدَّثُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَأْثَمٌ؟ وَفِي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ خَلْفٍ جَاءَهُ غُلَامُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَلَّمَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ.

قَوْلُهُ: وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إلَخْ. أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ وَالتَّقْدِيرُ وَيُمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالْمَنْعِ لِلتَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ لِلْكَرَاهَةِ وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْبَزَّازِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ يُهَلِّلُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَهْرًا فَرَاحَ إلَيْهِمْ وَقَالَ مَا عَهِدْنَا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَا أَرَاكُمْ إلَّا مُبْتَدِعِينَ فَمَا زَالَ يَذْكُرُ
(4/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
ذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت الْمَذْكُورُ فِي الْفَتَاوَى إنَّ الْجَهْرَ بِالذِّكْرِ لَوْ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُمْنَعُ احْتِرَازًا عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] وَصَنِيعُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُخَالِفُ قَوْلَكُمْ. قُلْت الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمَسْجِدِ لَوْ نُسِبَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِاعْتِقَادِهِمْ الْعِبَادَةَ فِيهِ وَتَعْلِيمَ النَّاسِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَالْفِعْلُ الْجَائِزُ يَكُونُ غَيْرَ جَائِزٍ لِغَرَضٍ يَلْحَقُهُ فَكَذَا غَيْرُ الْجَائِزِ يَجُوزُ أَنْ يَجُوزَ لِغَرَضٍ كَمَا تَرَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَفْضَلَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ وَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِرَافِعِي أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ لَنْ تَدْعُوا أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّهُ مَعَكُمْ» الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّفْعِ مَصْلَحَةٌ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ وَعَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ نَحْوَ بِلَادِ الْعَدُوِّ خُدْعَةٌ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ الْجَرَسِ فِي الْمَغَازِي.
وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَجَائِزٌ كَمَا فِي الْآذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَالْحَجِّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ سُنَّةً زَائِدَةً عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ فَيُتِمُّ صَلَاةً، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ سُنَّةَ الْأَرْبَعِ مِنْ الظُّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْلَى أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ؟ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ تَكُونُ بِدْعَةً أَوْ حَرَامًا. وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعَالِبِيِّ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أَيْ: بِالْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ مِنْ الِاعْتِدَاءِ فَيَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَفِي أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ الْخُوَارِزْمِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَا تُجِيزُ وَلَا تَمْنَعُ ثُمَّ قَالَ: جَوَّزَهُ مُحِبُّ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ تَعَالَى كَثِيرًا (انْتَهَى) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِبَيَانِ ذِكْرِ الذَّاكِرِ لِلْمَذْكُورِ وَالشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ مَا نَصُّهُ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إلَّا أَنْ يُشَوِّشَ جَهْرُهُمْ بِالذِّكْرِ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ شَبَّهَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ذِكْرَ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ وَذِكْرَ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانِ الْمُنْفَرِدِ وَأَذَانِ الْجَمَاعَةِ قَالَ: فَكَمَا أَنَّ أَصْوَاتَ الْمُؤَذِّنِينَ جَمَاعَةً تَقْطَعُ جُرْمَ الْهَوَى أَكْثَرَ مِنْ صَوْتِ مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ ذِكْرُ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي رَفْعِ الْحُجُبِ الْكَثِيفَةِ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
(4/61)

وَاخَرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ الدُّبُرِ
31 - وَالْخُصُومَةُ
32 - وَيُسَنُّ كَنْسُهُ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ
33 - وَفُرُشُهُ وَإِيقَادُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَإِخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ الدُّبُرِ. أَيْ: يُكْرَهُ.
أَقُولُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الَّذِي يَفْسُو فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَرَهُ بَعْضُهُمْ بَأْسًا وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْسُو بَلْ يَخْرُجُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى. وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ بَنُو آدَمَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.

(31) قَوْلُهُ: الْخُصُومَةُ أَيْ: وَيُمْنَعُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ.

(32) قَوْلُهُ: وَيَسُنُّ كَنْسُهُ إلَخْ. وَكَذَا إزَالَةُ مَا فِيهِ مِنْ نُخَامَةٍ وَنَحْوِهَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ فِي الْمَحَالِّ وَنَظِّفُوهَا وَطَيِّبُوهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَعَنْ الْحَسَنِ «أَنَّ مُهُورَ الْحُورِ الْعِينِ إخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَنْسُهَا وَعِمَارَتُهَا» وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَا بَرْقَاءُ ائْتِنِي بِجَرِيدَةٍ فَأَتَاهُ بِهَا فَاحْتَجَرَ عُمَرُ بِثَوْبِهِ فَكَنَسَهُ

(33) قَوْلُهُ: وَفُرُشُهُ وَإِيقَادُهُ.
أَيْ: وَقْتَ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الظُّلْمَةَ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا يُفْعَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبُلْدَانِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ الْكَثِيرَةِ فِي لَيَالِي مَعْرُوفَةٍ فِي السُّنَّةِ كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ خُصُوصًا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُضَاهَاةُ الْمَجُوسِ فِي الِاعْتِبَارِ بِالنَّارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ اجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ وَأَهْلِ الْبَطَالَةِ وَلَعْبِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ وَامْتِهَانِهِمْ بِالْمَسَاجِدِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا وَحُصُولِ أَوْسَاخٍ فِيهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَجِبُ صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ عَنْهَا وَمِنْ الْمَفَاسِدِ مَا يُجْعَلُ فِي الْجَوَامِعِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ وَتَرْكِهَا إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَأَكْثَرُ مَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِيدِ وَهُوَ حَرَامٌ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ وُقُودُ الشُّمُوعِ الْكَثِيرَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِمَقَامِ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ وُقُودُ الشُّمُوعِ الْكَثِيرَةِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ. وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ: وَلِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ
(4/62)

وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعَكْسُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَمَنْ اعْتَادَ الْمُرُورَ فِيهِ يَأْثَمُ وَيَفْسُقُ، وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ مَكَان فِيهِ لِصَلَاتِهِ،
35 - وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْمُلَازَمَةِ فَلَا يُزْعِجُ غَيْرَهُ لَوْ سَبَقَهُ إلَيْهِ، وَلِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ جَعْلُ الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ مَسْجِدَيْنِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مُؤَذِّنٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يَفْرِشُوا الْمَسْجِدَ بِالْآجُرِّ وَالْحَصِيرِ وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيلَ لَكِنْ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ إلَّا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاقِفُ شَيْئًا مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ لِذَلِكَ.

(34) قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ دُخُولِهِ إلَخْ. يَعْنِي كَمَا يَفْعَلُ دَاخِلُ الْحَرَمِ وَالْكَعْبَةِ وَسَائِرِ الْأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَلْيَخْلَعْ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى.
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِذَا خَلَعَ الْإِنْسَانُ نَعْلَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى لَمْ يُدْخِلْهَا الْمَسْجِدَ أَوَّلًا بَلْ يَدَعْهَا مَخْلُوعَةً عَلَى النَّعْلِ ثُمَّ يَخْلَعْ الْيُمْنَى وَيُدْخِلْهَا الْمَسْجِدَ ثُمَّ يُدْخِلْ الْيُسْرَى.

(35) قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالْمُلَازَمَةِ إلَخْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ مُعَلِّلًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَعَزَاهُ إلَى النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ جَهْلُ بَعْضِ مُدَرِّسِي زَمَانِنَا مِنْ مَنْعِهِمْ مَنْ يَدْرُسُ فِي مَسْجِدٍ تَقَرَّرَ فِي تَدْرِيسِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِمْ لِذَلِكَ زَاعِمِينَ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُطْلَقًا أَنْ يَمْنَعَ مُؤْمِنًا مِنْ عِبَادَةٍ يَأْتِي بِهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ إلَّا لَهَا مِنْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ وَذِكْرٍ شَرْعِيٍّ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ تَعَلُّمِهِ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ لِأَحَدٍ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلْمُدَرِّسِ مَوْضِعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يُدَرِّسُ فِيهِ فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إزْعَاجُهُ وَإِقَامَتُهُ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَصْرِ: لَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ
(4/63)

وَلَهُمْ جَعْلُ الْمَسْجِدَيْنِ وَاحِدًا
37 - وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ أَدَوَاتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ

وَلَا يَشْغَلُ الْمَسْجِدَ بِالْمَتَاعِ 38 - إلَّا لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ

خَاتِمَةٌ: أَعْظَمُ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.
39 - ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
40 - ثُمَّ الْجَوَامِعُ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْمَحَالِّ ثُمَّ مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْبُيُوتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَقَدْ شَغَلَهُ غَيْرُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَهُ أَنْ يُزْعِجَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا.

(36) قَوْلُهُ: وَلَهُمْ جَعْلُ الْمَسْجِدَيْنِ وَاحِدًا.
فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي مَسْجِدٌ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَبِجَنْبِهِ أَرْضُ رَجُلٍ تُؤْخَذُ أَرْضُهُ بِالْقِيمَةِ كَرْهًا.

(37) قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ أَدَوَاتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ.
أَقُولُ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ وَلَوْ اتَّخَذَ الْوَاقِفُ فَلْيَنْظُرْ صَرِيحَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ.

(38) قَوْلُهُ: إلَّا لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ. أَقُولُ: أَوْ الْحَرِيقِ الْعَامِّ كَمَا فِي دِيَارِ الرُّومِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ يَدَعُهُ
1 -
، وَبَقِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مُنْتَعِلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي.

[خَاتِمَةٌ أَعْظَمُ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً]
(39) قَوْلُهُ: ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ. أَقُولُ ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ كَذَا قِيلَ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ فِنَاءَهُ فِي حُكْمِهِ فِي الْفَضِيلَةِ تَشْرِيفًا لَهُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْفِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْهُ.
(40) قَوْلُهُ: ثُمَّ الْجَوَامِعُ. أَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الْفَنِّ الثَّانِي أَنَّ مَسْجِدَ الْمَحَلَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَامِعِ وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ بَعْدَ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَسْجِدَ قُبَاءَ ثُمَّ الْأَقْدَمُ فَالْأَقْدَمُ ثُمَّ الْأَعْظَمُ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ الْعِمَادِ فِي كِتَابِهِ تَسْهِيلُ الْمَقَاصِدِ إنَّ
(4/64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أَفْضَلَ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ الْكَعْبَةُ ثُمَّ مَسْجِدُ أَيْلَةَ الْمُحِيطِ بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ الْأَقْصَى ثُمَّ مَسْجِدُ الطُّورِ أَمَّا تَفْضِيلُ الْكَعْبَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96] وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَسْجِدِ مَكَّةَ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ مَسَاجِدِ مَكَّةَ فَلِأَنَّهُ أَقْدَمُ مَسْجِدٍ فِيهِ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَجَّاجِ: إنَّ لِلْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ عِبَادَةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ وَهِيَ الطَّوَافُ وَفِي الْمُقَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَفْضِيلُ الْحَرَمِ عَلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدُلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ جَمِيعُ الْحَرَمِ وَحَسَنَاتُ الْحَرَمِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ حَسَنَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَأَمَّا أَنَّ تَفْضِيلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّ أَرْضَ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ مِنْهُ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ» أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ «عَنْ بَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدَانَا أَنْ تَأْتِيَهُ قَالَ إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدَاكُنَّ أَنْ تَأْتِيَهُ فَلْتَبْعَثْ لَهُ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ بَعَثَ لَهُ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ» وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين: 1] {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 2] فَقَالَ مَسْجِدُ الطُّورِ وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أُقْسِمُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ بِهِمَا.

[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ]
فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. هِيَ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ وَعَنْ الْفَرَّاءِ وَالْوَاحِدِيِّ ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُهَا أَيْضًا وَالضَّمُّ أَعْلَى وَهِيَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ كَالْفُرْقَةِ مِنْ الِافْتِرَاقِ وَجُمِعَتْ عَلَى جُمَعٍ وَجُمُعَاتٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا أَوْ لِمَا جُمِعَ فِي يَوْمِهَا مِنْ الْخَبَرِ أَوْ؛ لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ كَانَ يَجْمَعُ قَوْمَهُ فِيهِ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَعْظِيمِ الْحَرَمِ أَوْ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْخَلَائِقِ جُمِعَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ لِأَنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جُمِعَ فِيهِ أَقُولُ قَالَ الْفَاضِلُ الْبُرْجَنْدِيُّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ. اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ أَيْ: الْيَوْمُ الْمُسَمَّى بِالْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا لِلْيَوْمِ.
(4/65)

الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
1 - اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ:
2 - لُزُومِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
3 - وَاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ لَهَا.
4 - وَكَوْنِهَا ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ.
5 - وَالْخُطْبَةِ لَهَا. 6 - وَكَوْنِهَا قَبْلَهَا شَرْطًا.
7 - وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ لَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ أَيْ: الْيَوْمُ الْمُسَمَّى بِالْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا لِلْيَوْمِ.
(2) قَوْلُهُ: لُزُومِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أَحْكَامٍ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِنْ مُجْمَلٍ وَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
(3) قَوْلُهُ: وَاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ لَهَا أَيْ: لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ كَمَا هِيَ شَرْطٌ لَهَا شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
(4) قَوْلُهُ: وَكَوْنِهَا. بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَيْ: وَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَهَا ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا خَاصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ كَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ.
(5) قَوْلُهُ: وَالْخُطْبَةِ أَيْ: اشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ لَهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَإِنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لَهَا وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ لَهَا لَكَانَ صَوَابًا وَقَدْ يُقَالُ الْمُخْتَصُّ بِهَا اشْتِرَاطُ الْمَجْمُوعِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ.
(6) قَوْلُهُ: وَكَوْنِهَا قَبْلَهَا شَرْطًا.
كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ شَرْطٌ بِالرَّفْعِ.
(7) قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ أَيْ: سُورَةِ الْأَعْلَى وَالْغَاشِيَةِ وَلَكِنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا.
(4/66)

وَتَحْرِيمِ السَّفَرِ قَبْلَهَا بِشَرْطِهِ
9 - وَاسْتِنَانِ الْغُسْلِ لَهَا وَالطِّيبِ
10 - وَلُبْسِ الْأَحْسَنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَحْرِيمُ السَّفَرِ قَبْلَهَا بِشَرْطِهِ. قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ: رَجُلٌ أَرَادَ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْعُمْرَانِ قَبْلَ خُرُوجِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُسَافِرٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَا يُكْرَهُ السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَإِذَا مَا فَارَقَ عُمْرَانِ مِصْرِهِ فِي الْوَقْتِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي اعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ إشْكَالٌ إذْ اعْتِبَارُ الْوَقْتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِأَدَائِهِ وَهُوَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَالْجُمُعَةُ لَا يَنْفَرِدُ بِأَدَائِهَا وَإِنَّمَا يُؤَدِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَقْتُ أَدَائِهِمْ إذْ لَوْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ النَّاسِ يَلْزَمُهُ شُهُودُ الْجُمُعَةِ وَفِي قَوْلِهِ بِشَرْطِهِ غُمُوضٌ فَتَأَمَّلْ.

(9) قَوْلُهُ: وَاسْتِنَانِ الْغُسْلِ لَهَا. أَيْ لِلْجُمُعَةِ بِمَعْنَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

(10) قَوْلُهُ: وَلُبْسِ الْأَحْسَنِ أَيْ: مِنْ ثِيَابِهِ وَفِيهِ أَنَّ لُبْسَ الْأَحْسَنِ مِنْ ثِيَابِهِ لَيْسَ خَاصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ كَذَلِكَ الْعِيدَانِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ الْأَحْسَنِ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيْضَاءَ وَالدَّلِيلُ دَالٌ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَلْبِسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ» وَهِيَ كَمَا فِي الْفَتْحِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنْ الْيَمَنِ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ لَا أَنَّهَا حَمْرَاءُ بَحْتٌ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْبُرْدَةِ أَحَدَهُمَا بِدَلِيلِ نَهْيِهِ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ لَوْ تَعَارَضَا فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَتَعَارَضَا بِالْحَمْلِ الْمَذْكُورِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى صَرِيحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ عُلَمَائِنَا حَتَّى قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ. وَالْحَالُ إنَّ الْبَدْرَ الْعَيْنِيَّ نَقَلَ فِي النِّيَابَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَتُسْتَحَبُّ الثِّيَابُ الْبِيضُ (انْتَهَى) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بَيْضَاءَ (انْتَهَى) . وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ وَيُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْخُضْرِ وَأَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبِيضُ وَبِهِ وَرَدَ الْخَبَرُ (انْتَهَى) .
(4/67)


أَوْ تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ.
12 - وَلَكِنْ بَعْدَهَا أَفْضَلُ، وَالْبَخُورُ فِي الْمَسْجِدِ
13 - وَالتَّكْبِيرِ لَهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ إلَى خُرُوجِ الْخَطِيبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ. قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَلِلْمَزِيدِ إذَا وَقَّتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِقَلْمِ الْأَظْفَارِ إنْ رَأَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَمَعَ هَذَا يُؤَخِّرُ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ ظُفْرُهُ طَوِيلًا كَانَ رِزْقُهُ ضَيِّقًا وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَدَّ وَوَقْتَهُ تَبَرُّكًا بِالْأَخْبَارِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ لِلْعَلَّامِيِّ وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْحُجَّةِ وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَلْمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْحَجِّ فَكُرِهَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ قَضَاءَ النَّفْثِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ «مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ السُّوءِ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يُقَلِّمُ وَيَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَمَلًا بِالْأَخْبَارِ فَكَأَنَّهُ اعْتَمَرَ وَحَجَّ ثُمَّ حَلَقَ وَقَصَّ وَقَصَّرَ (انْتَهَى) . وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الْقَصِّ وَالْحَلْقِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَكَذَا إذَا وَقَّتَهَا بِيَوْمِهَا وَكَانَ قَبْلَهُ طَوِيلًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصُنْعِ الْمُصَنِّفِ.
(12) قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بَعْدَهَا أَفْضَلُ. كَأَنَّهُ لِيَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لَهَا وَيَشْهَدُ بِالْحُضُورِ {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} [النور: 24] الْآيَةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَطُلْ الظُّفْرُ فَيُمْنَعُ مِنْ التَّطْهِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الدُّونِ عَلَى قَوْلٍ.

(13) قَوْلُهُ: وَالتَّكْبِيرِ لَهَا. أَقُولُ: هُوَ سُرْعَةُ الِانْتِبَاهِ وَتَأَمَّلْ مَا فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ ثَمَّ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ لَهَا عَلَى مَا قِيلَ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهَا كَالظُّهْرِ فِي الزَّمَانَيْنِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا الِابْتِكَارُ فَهُوَ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْمُصَلَّى وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَذَكَرَ مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا
(4/68)

وَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِهَا،
15 - وَيُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ،
16 - وَإِفْرَادِ لَيْلَتِهِ بِالْقِيَامِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَرَّبَ كَبْشًا وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا أَهْدَى دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَرُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَاجْتَمَعَتْ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . وَمَعْنَى قَرَّبَ تَصَدَّقَ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ هُنَا غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ مُحَاضِرِ الْمَسْجِدِ (انْتَهَى) .
وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ: وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَجِيئِهِمْ فَالْمُتَعَجِّلُ إلَيْهَا كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي شَاةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً فَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» يَعْنِي الْخُطْبَةَ (انْتَهَى) . فَإِنْ قُلْت لَوْ دَخَلَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ وَعَادَ فِي الثَّانِيَةِ فَهَلْ لَهُ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ مَعًا، الظَّاهِرُ عَدَمُهُ بَلْ الْخُرُوجُ يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ الِاسْتِمْرَارُ إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ وَالْإِلْزَامُ أَنْ يَكُونَ مَنْ غَابَ بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ رَجَعَ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَمْ يَغِبْ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(14) قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِيهَا. أَقُولُ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ الْجُمُعَةَ كَالظُّهْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ.

(15) قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ اخْتِيَارُهُ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدٌ وَصَوْمَهُ مَكْرُوهٌ وَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا قَوْلُ الْبَعْضِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِانْفِرَادِهِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْعَامَّةِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَكَرِهَ الْكُلُّ بَعْضَهُمْ (انْتَهَى) . وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا بَأْسَ بِصَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ (انْتَهَى) . وَفِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ وَلَا بَأْسَ بِصِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ جَاءَ حَدِيثٌ فِي كَرَاهِيَتِهِ إلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ.

(16) قَوْلُهُ: وَإِفْرَادِ لَيْلَتِهِ بِالْقِيَامِ إلَخْ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا نَهَى عَنْ
(4/69)

وَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ فِيهِ.
18 - وَنَفْيِ كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَغَيْرُهَا بِالْمَنْعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِدْعَةٌ فَلَوْ صَلَّى لَيْلَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةً بَعْدَهَا هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ كَالصَّوْمِ؟ مُحْتَمَلٌ، وَالْمُرَادُ بِإِفْرَادِ لَيْلَتِهِ أَحْيَاؤُهَا وَهَلْ الْمُرَادُ اسْتِيعَابُهَا أَوْ غَالِبُهَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلَوْ وَافَقَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ الْمُسْتَحَبُّ إحْيَاؤُهَا وَهَلْ يُنْدَبُ قِيَامُهَا نَظَرًا إلَى كَوْنِهَا لَيْلَةَ النِّصْفِ أَوْ يُكْرَهُ نَظَرًا إلَى كَرَاهِيَةِ إفْرَادِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمَنْعُ خَشْيَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ نِيَّةَ مُرِيدِ الْعِبَادَةِ دَافِعَةٌ لَهُ حَيْثُ حَلَّتْ لَيْلَةُ شَعْبَانَ (انْتَهَى) . أَقُولُ: قَوْلُهُ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ إحْيَائِهَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْحَرَامَ بَلْ الْكَرَاهَةَ فَلَوْ قَالَ: خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْكَرَاهَةِ لَكَانَ صَوَابًا.

(17) قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ فِيهِ أَيْ: يُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَدُونَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ أَقُولُ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ هَجْرُ الْبَاقِي وَإِيهَامُ التَّفْضِيلِ كَتَعْيِينِ سُورَةِ السَّجْدَةِ (وَهَلْ أَتَى) فِي فَجْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ ثُمَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ لَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَدَمِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ فَإِنَّ لُزُومَ الْإِبْهَامِ وَالتَّفْضِيلِ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانَا

(18) قَوْلُهُ: وَنَفْيِ كَرَاهِيَةِ النَّافِلَةِ بِالْجَرِّ. عَطْفٌ عَلَى لُزُومِ فِي قَوْلِهِ: لُزُومِ الصَّلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَقَوْلِهِ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ أَيْ: عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فِي كَبَدِ السَّمَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَقْتَ الْمَكْرُوهَ هُوَ عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِنَّ الْفَاضِلَ الْقُهُسْتَانِيَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ إنَّمَا هُوَ عَقِيبَ انْتِصَافِ النَّهَارِ بِلَا فَصْلٍ وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُمْكِنُ أَدَاءُ صَلَاةٍ فِيهِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَقَعُ جُزْءٌ مِنْهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَالْمُرَادُ هُوَ النَّهَارُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِ الصُّبْحِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ نِصْفُ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِزَمَانٍ مُتَعَدٍّ بِهِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ: وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَقِيلَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ» قَالَ رُكْنُ
(4/70)

عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُصَحَّحِ الْمُعْتَمِدِ.
20 - وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عِيدٍ، وَفِيهِ 21 - سَاعَةُ إجَابَةٍ، وَتَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ وَتُزَارُ فِيهِ الْقُبُورُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الدِّينِ الصَّبَّاغُ وَمَا أَحْسَنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ يَعْتَمِدُ تَصَوُّرَهَا فِيهِ (انْتَهَى) . وَهُوَ يُفِيدُ مَا تَرَجَّاهُ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنْ حَمْلِ النَّهَارِ عَلَى النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ.
(19) قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُصَحَّحِ الْمُعْتَمِدِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يُنْظَرُ مَنْ صَحَّحَهُ فَإِنَّ الْمُتُونَ وَالشُّرُوحَ عَلَى خِلَافِهِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِذَا قَالَ فِي الْحَاوِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا عَزَاهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (انْتَهَى) . أَقُولُ الْحَاوِي كَتَبَ ثَلَاثَةً حَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَحَاوِي الزَّاهِدِيِّ وَحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَلَا أَدْرِي أَيُّهَا أَرَادَ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَمُجَرَّدُ دَعْوَى الْحَاوِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ كَيْفَ وَأَصْحَابُ الْمُتُونِ قَاطِبَةً وَالشُّرُوحِ مَاشُونَ عَلَى قَوْلِهِمَا وَمَشْيُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ تَصْحِيحٌ إلْزَامِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى وَعَلَى أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ عَنْهُ لَا مَذْهَبٌ، قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ النَّفَلَ وَقْتَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ (انْتَهَى) .
وَأَفَادَ بِالتَّعْبِيرِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ.

(20) قَوْلُهُ: وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَمْ اللَّيْلَةُ؟ قُلْت: يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَفَضْلَهَا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهَا فِي الْيَوْمِ فَكَانَ أَفْضَلَ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَلِأَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا فِي لَيْلَتِهَا لَكِنْ ذُكِرَ فِي نُورِ الشَّمْعَةِ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ بَعْضُ ذَوِي الْقَدْرِ إلَى أَنَّ لَيْلَتَهُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (انْتَهَى) . وَهُوَ غَرِيبٌ يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ.
(21) قَوْلُهُ: وَفِيهِ سَاعَةُ إجَابَةٍ. أَقُولُ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمَا ذَكَرَهُ يُفِيدُ هُنَا أَنَّهَا مُبْهَمَةٌ وَهُوَ قَوْلٌ؛ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الْأَشْبَهُ فَيَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَهَا بِإِحْضَارِ الْقَلْبِ وَمُلَازَمَةِ ذِكْرِ الرَّبِّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ فِي فَنِّ الْفَوَائِدِ عَنْ الْيَتِيمَةِ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْمُسْتَجَابَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا (انْتَهَى) .
(4/71)

وَيَأْمَنُ الْمَيِّتُ فِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
23 - وَمَنْ مَاتَ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ أَمِنَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ، وَلَا تُسْجَرُ فِيهِ جَهَنَّمُ، وَفِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَكَانَ الْأَنْسَبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقِيلَ إذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ إلَى أَنْ يَنْزِلَ فَإِنْ قُلْت: صُعُودُهُ إلَى نُزُولِهِ يَتَفَاوَتُ بِاخْتِلَافِ الْخُطَبَاءِ بَلْ الْوَاحِدُ إذْ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُهَا فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ وَاخْتِلَافُهَا فِي حَقِّ الْخَطِيبِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ قُلْت لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هِيَ فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ وَسَامِعِيهِ مِنْ حِينِ صُعُودِهِ إلَى نُزُولِهِ فَلَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَدْعُو فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ سَمَاعِهَا؟ قُلْت الْمُرَادُ مِنْ الدُّعَاءِ اسْتِحْضَارُهُ بِقَلْبِهِ وَهُوَ كَافٍ وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِنْصَاتِ مُلَاحَظَةُ مَعْنَى الْخُطْبَةِ وَاشْتِغَالِ قَلْبِهِ رُبَّمَا يُفَوِّتُ ذَلِكَ.

(22) قَوْلُهُ: وَيَأْمَنُ الْمَيِّتُ فِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. أَقُولُ: قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ حَقٌّ سَوَاءً كَانَ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا مُطِيعًا أَوْ فَاسِقًا لَكِنْ إذَا كَانَ كَافِرًا فَعَذَابُهُ يَدُومُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُرْفَعُ الْعَذَابُ عَنْهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَشَهْرَ رَمَضَانَ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَذَلِكَ فِي الْقَبْرِ يُرْفَعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكُلَّ رَمَضَانَ بِحُرْمَتِهِ فَيُعَذَّبُ اللَّحْمُ مُتَّصِلًا بِالرُّوحِ وَالرُّوحُ مُتَّصِلًا بِالْجِسْمِ فَتَتَأَلَّمُ الرُّوحُ مَعَ الْجَسَدِ وَإِنْ خَارِجًا مِنْهُ ثُمَّ الْمُؤْمِنُ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ مُطِيعًا لَا يَكُونُ لَهُ عَذَابٌ وَيَكُونُ لَهُ ضَغْطَةٌ فَيَجِدُ هَوْلَ ذَلِكَ وَخَوْفَهُ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا يَكُونُ لَهُ عَذَابُ الْقَبْرِ وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ لَكِنْ يَنْقَطِعُ عَنْهُ عَذَابُ الْقَبْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُ الْعَذَابُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَإِنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ يَكُونُ لَهُ الْعَذَابُ سَاعَةً وَاحِدَةً وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْعَذَابُ كَذَا فِي الْمُعْتَقَدَاتِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْمُعِينِ النَّسَفِيِّ الْحَنَفِيِّ. قِيلَ يُشْكِلُ كَلَامُهُ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} [البقرة: 86] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّخْفِيفِ رَفْعُ الْعَذَابِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(23) قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ إلَى آخِرِهِ. فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُرْجَى لَهُ فَضْلٌ؛ لِأَنَّ لِبَعْضِ الْأَيَّامِ فَضْلًا عَلَى الْبَعْضِ (انْتَهَى) .
(4/72)

تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِيهِ يَزُورُ أَهْلُ الْجَنَّةِ رَبَّهُمْ سُبْحَانَهُ تَعَالَى. وَهَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدْنَاهُ
24 - مِنْ فَنِّ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ مِمَّا يَكْثُرُ دُورُهُ وَيَقْبُحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهُ.
25 - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَلَهُ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ. ثُمَّ الْآنَ نَشْرَعُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ فِي الْفَرْقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ: وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَمَّنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ بِمَكَّةَ هَلْ يُرْجَى لَهُ فَضْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ لِبَعْضِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ عَلَى الْبَعْضِ فَضْلًا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ السَّعَادَةِ وَالْفَضِيلَةِ. وَجَاءَ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «ثَلَاثٌ يَعْصِمُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْمُؤَذِّنُ وَالشَّهِيدُ وَالْمُتَوَفَّى لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ» (انْتَهَى) . وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا مِنْ الْفِتْنَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعَذَابِ عَدَمُ الْفِتْنَةِ
1 -
وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا لَا يَدْخُلُ يَوْم الْجُمُعَةِ لِلْعُرْفِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ

(24) قَوْلُهُ: مِنْ فَنِّ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَعَلَّهُ فِي الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَتَصَحَّفَتْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَقَدْ قَدَّمَ فِي الْفِهْرِسِ الثَّالِثِ فِي الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَفِي أَوَّلِهِ بَيَانَ أَحْكَامٍ يَكْثُرُ دُورُهَا وَيَقْبُحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهَا أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] .
(25) قَوْلُهُ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَدَّمَ الظَّرْفَ مَعَ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ يَحْصُلُ بِدُونِ التَّقْدِيمِ إمَّا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ تَعَالَى وَإِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا يُرْوَى: مَا رَأَيْت شَيْئًا إلَّا رَأَيْت اللَّهَ قُلْهُ. وَإِمَّا؛ لِأَنَّ فِي إفَادَةِ اللَّازِمِ الِاخْتِصَاصَ الثُّبُوتِيَّ بَحْثًا وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ قُدِّمَ الظَّرْفَانِ لِيَدُلَّ بِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُلْكِ وَالْحَمْدِ بِهِ تَعَالَى وَإِنْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ فِي الْحَمْدِ لِلَّهِ دَلَالَةً عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَلِهَذَا مَزِيدُ بَسْطٍ فِي حَوَاشِي الْكَشَّافِ. وَأَمَّا الْمِنَّةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إمَّا مِنْ مَنَّ عَلَيْهِ أَيْ: أَنْعَمَ أَيْ: لَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَأَمَّا بِمَعْنَى الِامْتِنَانِ كَمَا فِي
(4/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْله تَعَالَى {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} [الحجرات: 17] وَأَيًّا مَا كَانَ فَفِيهِ تَفْكِيكٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى لَهُ الْحَمْدُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَمْدِ وَلَهُ الْمِنَّةُ أَنَّهُ فَاعِلُهَا إذْ لَا وَجْهَ لَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقَ الِامْتِنَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَمْدِ وَالْمِنَّةِ فَفِي الْحَمْدِ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَفِي الْمِنَّةِ بِمَعْنَى الصُّدُورِ كَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ حَوَاشِي السِّينَابِيِّ عَلَى شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَفِيهِ فَائِدَةٌ بَدِيعَةٌ لَمْ أَرَهَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَهِيَ أَنَّ التَّفْكِيكَ الَّذِي يُعَدُّ عَيْبًا فِي الْعِبَارَاتِ كَمَا يَكُونُ فِي الضَّمَائِرِ يَكُونُ فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْجَارِ إذَا تَعَدَّدَ فَلْيُحْفَظْ.
(4/74)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ
1 - يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ، 2 - وَيُكْرَهُ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ مُطْلَقًا، يَمْسَحُ فِيهِ الْخُفَّ وَيَنْزِعُ لِلْغُسْلِ. يُسَنُّ فِيهِ التَّرْتِيبُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ]
قَوْلُهُ: يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ. أَقُولُ: فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ مَنْدُوبٌ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ إنْ فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ لَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ يَعْنِي بَلْ يَكُونُ مَنْدُوبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ لَكِنْ رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ الْعَطْفِ بِثُمَّ فِي عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَنَّ تَكْرَارَ الْوُضُوءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ بَعِيدٌ (انْتَهَى) . وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَا تَدَافُعَ فِي كَلَامِهِمْ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ قَيِّمًا إذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا فِي السِّرَاجِ فِيمَا إذَا كَرَّرَهُ مِرَارًا وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ بِالْأَوَّلِ عِبَادَةً غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ قَالَ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا فَإِذْ لَمْ يُؤَدَّ بِهِ عَمَلٌ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشَرَّعَ تَكْرَارُهُ قُرْبَةً لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَيَكُونُ إسْرَافًا مَحْضًا (انْتَهَى) .
أَقُولُ: مُقْتَضَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَلَا يُعَدُّ إسْرَافًا حَيْثُ نَوَاهُ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ «الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ» إذْ لَمْ يَفْصِلْ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ أَوْ لَا وَبَيْنَ أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَجْلِسُ أَوْ لَا وَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَيَكُونُ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ فَلْيُحَرَّرْ هَذَا الْمَقَامُ فَإِنَّهُ صَعْبُ الْمَرَامِ.
(2) قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ مُطْلَقًا. قِيلَ: إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَيُسَنُّ الِاغْتِسَالُ لِلطَّاهِرِ.
(4/75)

بِخِلَافِ الْغُسْلِ، تُسَنُّ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِيهِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَفَرِيضَةٌ، تُمْسَحُ الرَّأْسُ فِيهِ 4 - بِخِلَافِ الْغُسْلِ عَلَى قَوْلٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْغُسْلِ.
أَقُولُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةَ الصَّبِّ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ يَصُبُّ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالرَّأْسِ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْكِتَابِ وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الَّذِي نَذْكُرُهُ " وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ جَارٍ إنْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ إلَّا فَلَا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(4) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْغُسْلِ عَلَى قَوْلٍ. أَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ فِيهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَالْفَرْقُ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَهُوَ خِلَافُ الصَّحِيحِ.
(4/76)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ مَسْحُ الْخُفِّ وَغَسْلُ الرِّجْلِ يَتَأَقَّتُ الْمَسْحُ دُونَهُ.
1 - وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ بِلَا خِلَافٍ.
2 - وَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ؛ وَصُورَةُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ رِجْلِهِ فَلَا يُمَكَّنَ مِنْهَا. يُسَنُّ تَثْلِيثُ الْغُسْلِ دُونَ الْمَسْحِ. يَجِبُ تَعْمِيمُ الرِّجْلِ دُونَ الْخُفِّ.
3 - لَا تَنْقُضُهُ الْجَنَابَةُ خِلَافَ الْمَسْحِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ مَسْحُ الْخُفِّ وَغَسْلُ الرِّجْلِ]
قَوْلُهُ: وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا لَا يُقَالُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغَصْبِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ فَإِذَا كَانَ الْجُلُوسُ عَلَى الْبِسَاطِ لَا يَكُونُ غَصْبًا لِعَدَمِ صِدْقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ رِجْلًا مَغْصُوبَةً؟ وَكَذَا قَالُوا: الْغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ لَا الْعَقَارِ، وَيَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهَا مَغْصُوبَةً أَنَّهُ لَوْ مَاتَ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ فَوَّتَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا وَالتَّعْيِينُ لِمُسْتَحِقِّهِ الْإِزَالَةُ أَوَّلًا وَاجْتَمَعَ فِي حَالَةِ كِتَابَةِ هَذِهِ بَعْضُ حُذَّاقِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَنْكَرُوا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ زَاعِمًا أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِهِمْ (انْتَهَى) .
أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِهِمْ دَعْوَى غَيْرُ صَادِقَةٍ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْغَصْبِ عَلَى الرِّجْلِ مُسَامَحَةٌ.
(2) قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ. أَقُولُ: لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى الْحُرْمَةِ.
(3) قَوْلُهُ: لَا تَنْقُضُهُ الْجَنَابَةُ. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ مَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ مَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ
(4/77)

هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ لِمَنْ رَآهُ. مَا افْتَرَقَ فِيهِ مَسْحُ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ يُسَنُّ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ دُونَ الْخُفِّ، لَوْ ثُلْثُ مَسْحِ الرَّأْسِ.
5 - لَمْ يُكْرَهْ.
6 - وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ وَيُكْرَهُ تَثْلِيثُ مَسْحِ الْخُفِّ. مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ: كَوْنُهُ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَا يُمْسَحُ فِيهِ الْخُفُّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَهُوَ كِتَابُ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ وَالْعِبَارَةُ عِبَارَتُهُ بِرُمَّتِهَا غَيْرَ أَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَنْقُلَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِنْ غَيْرِ إنْهَاءٍ لَهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيهَامِ بَلْ كَانَ يَنْسُبُهُ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الِافْتِرَاقِيَّةِ أَوْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ لَا تَنْقُضُهُ الْجَنَابَةُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ مِنْ عِبَارَةِ الْأَشْبَاهِ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّا مُوَافِقُونَ لَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ إلَّا فِي هَذِهِ فَإِنَّهُ كَمَا تُنْتَقَضُ طَهَارَةُ الْمَسْحِ بِالْجَنَابَةِ عِنْدَنَا تُنْقَضُ طَهَارَةُ الْغُسْلِ بِهَا وَبِمَا ذَكَرْنَا سَقَطَ مَا قِيلَ لَعَلَّ الصَّوَابَ لَا تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ وَمَا قِيلَ أَيْ: لَا تُنْتَقَضُ غَسْلُ الرِّجْلِ السَّابِقُ عَلَى الْجَنَابَةِ الْكَائِنَةِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ وَيُنْقَضُ الْمَسْحُ الْكَائِنُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ جُعِلَ مَانِعًا لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ وَالْمَسْحِ إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَتَنْقُضُهُ الْجَنَابَةُ، وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ عَنْ الْمَسْحِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ مَعَهَا فَاضْطُرَّ إلَى نَزْعِ خُفَّيْهِ وَبِنَزْعِهِمَا سَرَى الْحَدَثُ فَوَجَبَ الْغُسْلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنَّ الْجَنَابَةَ تَنْقُضُهُ تَكَلُّفٌ لَا دَاعِيَ إلَيْهِ.
(4) قَوْلُهُ: هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ أَيْ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ مَسْحِهِمَا لِلْمُتَخَفِّفِ وَفِي الذَّخِيرَةِ: أَنَّ الْمَسْحَ أَوْلَى لِإِظْهَارِ الِاعْتِقَادِ وَرَفْعِ تُهْمَةِ الْبِدْعَةِ وَالْعَمَلِ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ لَكِنَّ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ وَكَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ.
(5) قَوْلُهُ: لَمْ يُكْرَهْ أَيْ: تَثْلِيثُ مَسْحِ الرَّأْسِ أَقُولُ بَلْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَسْنُونٌ كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ.
(6) قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُنْدَبْ.
أَيْ: تَثْلِيثُ الْمَسْحِ أَقُولُ فِيهِ إنَّ عَدَمَ نَدْبِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَذْكُورِ هَذَا إنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ الَّتِي قَبْلَ إنْ الْوَصْلِيَّةِ لِلْحَالِ وَإِنْ جُعِلَتْ عَاطِفَةً
(4/78)

وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
8 - وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ وَلَا تَثْلِيثُهُ، وَيَسُنُّ فِيهِ النَّقْضُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ وَالْأَكْبَرُ. مَا افْتَرَقَ فِيهِ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَمَسْحُ الْخُفِّ:
9 - لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُ عَلَى كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَتُجْمَعُ مَعَ الْغُسْلِ بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، وَيَجِبُ تَعْمِيمُهَا أَوْ أَكْثَرُهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ.
10 - وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ فِي رِوَايَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى ضِدِّ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ كَانَ التَّقْدِيرُ لَمْ يُكْرَهْ تَثْلِيثُ الْمَسْحِ نُدِبَ أَوْ لَمْ يُنْدَبْ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ غَيْرُ مَنْدُوبٍ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ سِيَّانِ وَخِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْبَحْرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ لَمْ يُكْرَهْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْوَصْلِيَّةِ.
(7) قَوْلُهُ: وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ أَيْ: يَفْتَقِرُ التَّيَمُّمُ إلَى النِّيَّةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ قِيلَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ، وَالنِّيَّةُ قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الِاجْتِمَاعِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهَا يُعْطِي مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ اشْتِرَاطُ الِانْتِقَالِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَالِ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّحَوُّلِ.
(8) قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ وَلَا تَثْلِيثُهُ إلَخْ. لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعْقِيدِ فِي الْجُمْلَةِ.
(9) قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَنْ يَشُدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(10) قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ فِي رِوَايَةٍ.
أَيْ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ.
قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَمَنْ رَبَطَ خِرْقَةً عَلَى جُرْحٍ أَوْ جَبَائِرَ عَلَى مَا انْكَسَرَ وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ وُضُوئِهِ جَازَ أَنْ يُمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهِ فَيَكْتَفِي بِمَسْحِهِ فَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِ. وَعَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ قَوْلِهِمَا وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ (انْتَهَى) . قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْمَسْحُ يَضُرُّهُ
(4/79)

وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ.
12 - إنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، وَلَا يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ بِخِلَافِهِ.
13 - وَلَا يَنْتَقِضُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ؛ فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ إذَا سَقَطَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
جَازَ بِالِاتِّفَاقِ فَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَ الْخُفِّ وَاجِبٌ لَوْلَا الْخُفُّ أَمَّا مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ فَغَسْلُهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الْمَسْحِ مَقَامَهُ (انْتَهَى) .
(11) قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْ: رِوَايَةُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِدُونِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَذَكَرَ ضَمِيرَهُ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَفِي تَجْرِيدِ الْقُدُورِيِّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ.
(12) قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا أَيْ: الرِّجْلَيْنِ الْمُتَخَفِّفَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ الْمَقَامِ.
(13) قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَقَضُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ إلَخْ. وَلَا يَلْزَمُ الْغُسْلُ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ خَاصَّةً. وَفِي الْمُنْتَقَى رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الْإِمَامِ إذَا مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ ثُمَّ نَزَعَهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ وَرَأَيْت فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِذَا سَقَطَتْ الْعِصَابَةُ فَبَدَّلَهَا بِعِصَابَةٍ أُخْرَى فَالْأَفْضَلُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ سَقَطَتْ الْجَبَائِرُ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَ سُقُوطُهَا مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ يَغْسِلْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ خَاصَّةً وَيَسْتَأْنِفْ الصَّلَاةَ (انْتَهَى) . وَذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إذَا نَزَعَ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ مَا مَسَحَ عَلَيْهِمَا قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْحَدَثِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى شَدِّ الْجَبَائِرِ فَجَازَ لَهُ الْمُضِيُّ عَلَى صَلَاتِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجَبَائِرُ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ عَلَى بَطْنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ أَوْ سَقَطَتْ الْجَبَائِرُ عَنْ بُرْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى السُّقُوطِ وَإِنَّمَا رُخِّصَ لَهُ فِي تَرْكِهِ مَا دَامَ لَابِسًا لِلْخُفَّيْنِ وَمَا دَامَتْ الْجَبَائِرُ عَلَى الْجُرْحِ فَإِذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ وَنَزْعِ الْخُفَّيْنِ لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا بِمَعْنًى مُتَقَدِّمٍ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْحَدَثُ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ
(4/80)

لَا تُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ.
15 - وَإِذَا كَانَ عَلَى عُضْوٍ جَبِيرَتَانِ فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا أَعَادَهَا بِلَا إعَادَةِ مَسْحِهَا بِخِلَافِ نَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ كَذَا هَذَا كَمَا قُلْنَا فِي التَّيَمُّمِ إذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ وَاسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ.
(14) قَوْلُهُ: لَا تُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. أَيْ: لَا تُنْزَعُ الْجَبِيرَةُ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ.
(15) قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ عَلَى عُضْوٍ جَبِيرَتَانِ إلَخْ. فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي أَحْكَامِ الْمَرْضَى لَوْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ فَأَبْدَلَ غَيْرَهَا جَازَ وَقِيلَ الْأَوْلَى أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ عَلَى الثَّانِي، وَيُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَبِيرَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعِ الْيَدِ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ أَوْ الرِّجْلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ كَذَا فِي كَشَّافِ الْحَقَائِقِ وَالتَّبْيِينِ.
(4/81)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ
1 - أَقَلُّ الْحَيْضِ مَحْدُودٌ وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ.
2 - وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ.
3 - وَيَكُونُ بِهِ الْبُلُوغُ وَالِاسْتِبْرَاءُ دُونَ النِّفَاسِ، وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ النِّفَاسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]
قَوْلُهُ:
أَقَلُّ الْحَيْضِ مَحْدُودٌ وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ. فَأَقَلُّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْمَشْهُورِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عِنْدَهُمْ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي حِلْيَةِ الْحِلْيَةِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيِّ.
قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ فِي فُرُوقِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النِّفَاسَ عِلْمٌ ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لِوُجُودِ عِلْمِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَ الْحَيْضِ عِلْمٌ يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الرَّحِمِ فَإِذَا امْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَارَ الِامْتِدَادُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ دَمُ الْحَيْضِ الْمُعْتَادِ وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَمْ تُوجَدْ دَلَالَتُهُ فَلَا يُجْعَلُ حَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي دَمِ الرُّعَافِ (انْتَهَى) .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقَلُّهُ مُقَدَّرٌ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا لَكِنَّ فِي الْمَنَافِعِ مَا قَالُوا عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ أَقَلَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ مَا يَصْدُقُ فِيهِ النِّفَاسُ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ حَتَّى إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ تَكُونُ نُفَسَاءَ وَفِي الْحُجَّةِ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْخِزَانَةِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(2) قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ أَيْ: أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ مُقَدَّرٌ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَنَا وَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ اسْتِحَاضَةٌ وَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَفِي صَاحِبَةِ الْعَادَةِ مُعْتَادُهَا نِفَاسٌ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ اسْتِحَاضَةٌ وَالْحُجَّةُ: وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ تَنْظُرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ وَتُصَلِّي، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(3) قَوْلُهُ: وَيَكُونُ بِهِ الْبُلُوغُ وَالِاسْتِبْرَاءُ دُونَ النِّفَاسِ أَيْ: يَتَحَقَّقُ الْبُلُوغُ بِالْحَيْضِ
(4/82)

وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِهِ دُونَ النِّفَاسِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ بِخِلَافِ النِّفَاسِ.
5 - فَهِيَ سَبْعَةٌ؛ فَمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ الِافْتِرَاقِ بِأَرْبَعَةٍ قُصُورٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
دُونَ النِّفَاسِ وَيَتَحَقَّقُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ دُونَ النِّفَاسِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحَذْفِ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
(4) قَوْلُهُ: وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِهِ. دُونَ النِّفَاسِ بِأَنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ.
(5) قَوْلُهُ: فَهِيَ سَبْعَةٌ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يُزَادُ ثَامِنَةً وَهِيَ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ فَرْضٌ بِالْقُرْآنِ وَأَمَّا النِّفَاسُ فَلَا، بَلْ بِالْإِجْمَاعِ، وَتَاسِعُهُ مُسْتَحِلُّ الْوَطْءِ فِيهِ كَافِرٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَعَاشِرُهُ النُّفَسَاءُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ وَحَادِيَةَ عَشَرَ يُعْتَبَرُ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فِيهِمَا وَثَانِيَةَ عَشَرَ وَهِيَ أَنَّ وُضُوءَ الْحَائِضِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ يَكْثُرُ فَتَنْسَى الْعَادَةَ وَثَالِثَةَ عَشَرَ لَوْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ وَهِيَ نُفَسَاءُ لَا تُحَدُّ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ نِفَاسِهَا خَوْفَ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ (انْتَهَى) .
وَفِي الثَّامِنَةِ نَظَرٌ؛ أَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ

[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ] 1
ُ وَمِنْهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يُكْرَهُ لِلْجُنُبِ وَلَوْ امْرَأَةً الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِلَا مَضْمَضَةٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ، وَمِنْهُ أَنَّ الْجَنَابَةَ صِفَةٌ مُسْتَدَامَةٌ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِلْكَمَالِ وَمِنْهُ وُضُوءُ الْحَائِضِ مُسْتَحَبٌّ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا وَمِنْهُ وُجُوبُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجُنُبِ وَقَضَائِهَا وَمِنْهُ حِلُّ وَطْئِهَا جُنُبًا لَا حَائِضًا وَمِنْهُ تَطْلِيقُ الْجُنُبِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَطَلَاقُ الْحَائِضِ بِدْعِيٌّ وَمِنْهُ تَصِحُّ الْخَلْوَةُ مَعَ الْجَنَابَةِ لَا الْحَيْضِ وَمِنْهُ الْجَنَابَةُ تَصْلُحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَمِنْهُ يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ لَوْ قُتِلَ جُنُبًا وَالْحَائِضُ قَبْلَ اسْتِمْرَارِ الْحَيْضِ ثَلَاثًا لَا تُغَسَّلُ.
(4/83)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ
1 - يَجُوزُ تَرَاخِي الصَّلَاةِ عَنْ الْأَذَانِ.
2 - دُونَ الْإِقَامَةِ.
3 - يُسَنُّ التَّمَهُّلُ فِيهِ وَالْإِسْرَاعُ فِيهَا.
4 - تُكْرَهُ إقَامَةُ الْمُحْدِثِ لَا أَذَانُهُ، وَيُكْرَهُ التَّكْرَارُ فِيهَا لَا فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ]
قَوْلُهُ: يَجُوزُ تَرَاخِي الصَّلَاةِ عَنْ الْأَذَانِ. يَعْنِي؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا بِمِقْدَارِ التَّحْرِيمَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ بِمِقْدَارِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ شُجَاعٍ: الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَيَتَضَيَّقُ فِي آخِرِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ إذَا ادَّعَى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قِيلَ: يَقَعُ فَرْضًا وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِلْوُجُوبِ فِيهِ وَقِيلَ يَقَعُ نَفْلًا وَقِيلَ مَوْقُوفًا إنْ بَقِيَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ يَقَعُ فَرْضًا وَإِنْ لَمْ يَبْقَ كَانَ نَفْلًا كَذَا فِي التَّهْذِيبِ.
(2) قَوْلُهُ: دُونَ الْإِقَامَةِ. يَعْنِي لَا يَجُوزُ تَرَاخِي الصَّلَاةِ بَعْدَهَا أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَعِبَارَةُ السُّيُوطِيِّ فِي الْأَشْبَاهِ: إنَّ الْأَذَانَ يَجُوزُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِهِ وَلَا تَجُوزُ الْإِقَامَةُ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَإِنْ أَقَامَ وَأَخَّرَ بِحَيْثُ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ أَيْ: الْإِقَامَةُ (انْتَهَى) .
(3) قَوْلُهُ: يُسَنُّ التَّمَهُّلُ فِيهِ وَالْإِسْرَاعُ فِيهَا. الْمُرَادُ بِالتَّمَهُّلِ التَّرَسُّلُ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ التَّرَسُّلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقِفَ ثُمَّ يَقُولَ مَرَّةً أُخْرَى مِثْلَهُ وَكَذَلِكَ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ الْحَدْرُ وَالْوَصْلُ وَلَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْآذَانِ أَوْ تَرَسَّلَ فِيهِمَا أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ.
(4) قَوْلُهُ: تُكْرَهُ إقَامَةُ الْمُحْدِثِ لَا أَذَانُهُ إلَخْ. أَقُولُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ عَدَمَ كَرَاهَتِهِمْ أَذَانَهُ لَا خِلَافَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ أَقُولُ وَيُزَادُ مَا ذَكَرَهُ
(4/84)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُصَنِّفُ وَضْعَ الْأُصْبُعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ يُسَنُّ فِي الْأَذَانِ وَلَا يُسَنُّ فِي الْإِقَامَةِ وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْإِقَامَةِ يَكُونُ أَخْفَضَ مِنْهُ فِي الْأَذَانِ وَذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ الْأَذَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَالْإِقَامَةَ أَوْسَطَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ وَالْمُعْتَصِرُ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْحُجَّةِ وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَ مُسَافِرًا يُؤَذِّنُ رَاكِبًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ رَاكِبًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ؛ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِعْلَامُ. وَلَمْ يُشْرَعْ مَوْصُولًا بِالصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ مَوْصُولَةً بِالصَّلَاةِ فَلَوْ أَقَامَ رَاكِبًا أَدَّى إلَى الْفَصْلِ بَيْنَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْإِقَامَةِ، بِالنُّزُولِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يُقِيمُ رَاكِبًا كَذَا فِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ لَكِنَّهُ لَوْ أَقَامَ رَاكِبًا أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ الْأَذَانَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَالْإِقَامَةُ لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ بِحَالٍ فَلَوْ أَقَامَ قَبْلَهُ بِلَحْظَةٍ فَدَخَلَ الْوَقْتُ عَقِبَهُ فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُؤَذِّنَ، وَيَسُنُّ لَهَا أَنْ تُقِيمَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَذَانِ رَفْعَ الصَّوْتِ دُونَهَا. وَيُزَادُ أَيْضًا أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يُقَامُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً اتِّفَاقًا.
(4/85)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ
1 - هُوَ سَجْدَتَانِ.
2 - وَهِيَ وَاحِدَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ]
قَوْلُهُ: هُوَ سَجْدَتَانِ أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ يُكَبِّرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَا يَأْتِي بِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلِّمُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَلِّمُ مَرَّةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا، وَإِذَا كَانَ يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ كَانَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى قَعْدَةَ الْخَتْمِ فَيُصَلِّي فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَدْعُو بِحَاجَتِهِ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ وَالْأَذَانِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَعْدَةِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَإِنَّهَا هِيَ الْأَخِيرَةُ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا ضَحِكَ بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ سُجُودِ السَّهْوِ فَإِنَّهُ لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُنْتَقَضُ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْقَعْدَتَيْنِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الْقَعْدَةُ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لِيَقَعَ خَتْمُ الصَّلَاةِ بِهَا لِيُوَافِقَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فَلَا حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا. بِأَنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ثُمَّ قَامَ وَذَهَبَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إذَا سَهَا عَنْ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ. وَاذَا عَادَ إلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ هَلْ تُرْفَضُ الْقَعْدَةُ كَمَا رُفِضَ إذَا عَادَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَالصَّلَاتِيَّةِ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ فِي فَتَاوَاهُ: أَنَّهُ لَا تُفْرَضُ الْقَعْدَةُ. وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(2) قَوْلُهُ: وَهِيَ وَاحِدَةٌ إلَخْ أَيْ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ أَوْ لِاكْتِسَابِ الْمُضَافِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ. وَرُكْنُهَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا بِهِ
(4/86)

هُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بَعْدَ السَّلَامِ.
4 - وَهِيَ فِيهَا.
5 - هُوَ لَا يَتَكَرَّرُ.
6 - بِخِلَافِهَا، لَا يَقُومُ لَهُ.
7 - وَيَقُومُ لَهَا، يَتَشَهَّدُ لَهُ وَيُسَلِّمُ بِخِلَافِهِمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
تُوجَدُ. وَشَرَائِطُ جَوَازِهَا شَرَائِطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ عَنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: هُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ جَاهِلًا. قَالَ فِي الْكِتَابِ: يُجْزِيهِ إنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا وَفِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ (انْتَهَى) . وَفِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَوْ سَجَدَ وَلَمْ يُكَبِّرْ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ. قَالَ فِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ: وَهَذَا يُعْلَمُ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السَّلَفِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ تَذَكَّرَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَسَجَدَ لَهَا هَلْ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بِهَذَا التَّأْخِيرِ نَصَّ عِصَامٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ. (3) قَوْلُهُ: هُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بَعْدَ السَّلَامِ. يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ. وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِيه.
(4) قَوْلُهُ: وَهِيَ فِيهَا أَيْ: سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إلَيْهِ لِاكْتِسَابِ الْمُضَافِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَا يَتَقَيَّدُ بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ بَلْ كَمَا يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ خَارِجَهَا عَلَى أَنَّ مَا يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ صَادِقٌ بِمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَمَا يَكُونُ فِي أَثْنَائِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَ سُجُودِ السَّهْوِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ إذَا وُجِدَ مُوجِبُهُ فِي الصَّلَاةِ.
(5) قَوْلُهُ: هُوَ لَا يَتَكَرَّرُ أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ مِرَارًا تَكْفِيه سَجْدَتَانِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ.
(6) قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا سُجُودُ التِّلَاوَةِ يَعْنِي تَتَكَرَّرُ إذَا لَمْ يَتَحَدَّ الْمَجْلِسُ.
(7) قَوْلُهُ: وَيَقُومُ لَهَا إلَخْ أَيْ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ اسْتِحْبَابًا. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ:
(4/87)

الذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لَا يُشَرَّعُ فِيهِ. مَا افْتَرَقَ فِيهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ: سُجُودُ الشُّكْرِ لَا يَدْخُلُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِهَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِخِلَافِ سَجْدَةِ الشُّكْرِ. فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ يَقُومُ ثُمَّ يَسْجُدُ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ يَقُومُ ثُمَّ يَقْعُدُ.
(8) قَوْلُهُ: الذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ إلَخْ أَيْ: فِي سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَمَاذَا يَقُولُ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ التَّسْبِيحِ مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ. وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَحْسَنُوا قَوْلَ {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا} [الإسراء: 108] . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ: أَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَقْرَأُ سُورَةَ ص تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَمَّا بَلَغْت آيَةَ السَّجْدَةِ خَرَّتْ الشَّجَرَةُ فَسَمِعْتهَا تَقُولُ فِي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْ لِي بِهَا عِنْدَك ذُخْرًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ إذَا قَرَأَ سُورَةَ ص سَجَدَ. وَقَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ مَا حَكَى لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْ الشَّجَرَةِ» (انْتَهَى) .
وَقَوْلُهُ: لَا يُشْرَعُ، فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الذِّكْرَ الْمَشْرُوعَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَهُوَ سُبْحَةُ السُّجُودِ كَمَا فِي النُّقَايَةِ، أَيْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَنَّ الرُّكُوعَ يَنُوبُ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَكَذَا السَّجْدَةُ الصَّلَاتِيَّةُ إنْ نَوَى بِهَا سُجُودَ التِّلَاوَةِ. وَكَذَا الرُّكُوعُ خَارِجَهَا فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ مَا افْتَرَقَ فِيهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ إمَامًا لِلرَّجُلِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ دُونَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَمِمَّا اشْتَرَكَا فِيهِ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ لَا تُفْسِدُهُمَا.
(4/88)

لَا وَاجِبَةٌ.
10 - وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً؛ أَيْ: وُجُوبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لَا وَاجِبَةٌ. قِيلَ: عَلَيْهِ هَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ الثَّابِتَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ بَلْ عَلَى هَذَا يُرْفَعُ الْخِلَافُ.
(10) قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً أَيْ وُجُوبًا. أَقُولُ: رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَكْرَهُ سَجْدَةَ الشُّكْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا. وَفِي الْقُدُورِيِّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَكْرَهُ سَجْدَةَ الشُّكْرِ، يَعْنِي؛ لِأَنَّ النِّعَمَ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْجُدَ لِكُلِّ نِعْمَةٍ فَيُؤَدِّيَ إلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: نَحْنُ لَا نَكْرَهُهَا. وَتَكَلَّمَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَكَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَاهَا شَيْئًا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَرَاهَا سُنَّةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَرَاهَا شُكْرًا تَامًّا فَتَمَامُ الشُّكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ السَّعْدِيُّ فِي شَرْحِ كِتَابِ السِّيَرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ: وَقَدْ وَرَدَّتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ، فَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُوتِيَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ لَعَنْهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ وَأُلْقِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَجَدَ لِلَّهِ خَمْسَ سَجَدَاتٍ شُكْرًا» . فَلَا تُمْنَعُ الْعِبَادُ عَنْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوعِ وَالتَّعَبُّدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَتَفْسِيرُهُ كَمَا فِي الْمُصَفَّى أَنْ يُكَبِّرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُولَ سَاجِدًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَيُسَبِّحَ ثُمَّ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَفِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ الْمَلَكِيِّ " وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ ". يَعْنِي لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ مَكْرُوهَةٌ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا. وَقَالَا: قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِسَجْدَةِ الشُّكْرِ، تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَهُمَا وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ لَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى مُبْتَلًى أَوْ سَمِعَ مَا يَسُرُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا. وَلَهُ أَنَّ التَّقَرُّبَ بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يُتَقَرَّبُ بِمَا دُونَهَا. وَمَا رَوَيَاهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نُسِخَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَتْرَاءِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْقُنْيَةِ: السَّجْدَةُ الَّتِي تَقَعُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّ الْجُهَّالَ إذَا رَأَوْهَا اعْتَقَدُوهَا سُنَّةً أَوْ وَاجِبَةً، وَكُلُّ مَا يُؤَدِّي إلَى هَذَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَتَعْيِينِ السُّورَةِ
(4/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لِلصَّلَاةِ وَتَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ لِوَقْتٍ وَنَحْوِهِ، فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ أَنْ يَسْجُدَ شُكْرًا بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُكْرَهُ فِيهِ النَّفَلُ وَلَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ: " لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ سَجْدَةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ الْمُطْلَقَةَ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ. وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ سَجْدَةُ الشُّكْرِ مَكْرُوهَةٌ.
(4/90)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ
نِيَّةُ الِائْتِمَامِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ.
1 - إلَّا لِصِحَّةِ صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَهُ أَوْ لِحُصُولِ الْفَضِيلَةِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ.
2 - بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
3 - إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ.
4 - بِخِلَافِ الْإِمَامِ إذَا عَيَّنَ الْمَأْمُومَ وَأَخْطَأَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ]
قَوْلُهُ: إلَّا لِصِحَّةِ صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَهُ إلَخْ. يَعْنِي: فَحِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ. وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ النِّسَاءِ بِهِ وَلَا لِتَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ اللَّهُمَّ الْآنَ يُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْوُجُوبُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عَكْسِهِ. يَعْنِي: لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ ذُكِرَتْ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: وَهِيَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ وَذَهَبَ لِلْوُضُوءِ فَتَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ دُونَ صَلَاةِ الْقَوْمِ.
(3) قَوْلُهُ: إذَا عَيَّنَ الْإِمَامَ وَأَخْطَأَ إلَخْ. بِأَنْ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ بِأَنْ قَالَ: اقْتَدَيْت بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ. وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ وَهُوَ يَرَاهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، وَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَلَوْ قَالَ: اقْتَدَيْت بِهَذَا الْخَلِيفَةِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِخَلِيفَةٍ يُجْزِيه. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(4) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِمَامِ إذَا عَيَّنَ الْمَأْمُومَ وَأَخْطَأَ إلَخْ. أَيْ: لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيمَا لَمْ يُشْتَرَطْ لَا يَضُرُّ، وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومَ غَيْرُ شَرْطٍ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ لَهُ.
(4/91)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ
الْجُمُعَةُ فَرْضٌ وَالْعِيدُ وَاجِبٌ، وَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ.
1 - وَوَقْتُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى زَوَالِهَا.
2 - وَشَرْطُهَا الْخُطْبَةُ وَكَوْنُهَا قَبْلَهَا بِخِلَافِهِ فِيهِمَا.
3 - وَأَنْ لَا تَتَعَدَّدَ فِي مِصْرٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ بِخِلَافِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي عِيدِ الْفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى الْمُصَلَّى بِخِلَافِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ]
قَوْلُهُ: وَوَقْتُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ. يَعْنِي وَارْتِفَاعُهَا قَدْرَ رُمْحٍ.
(2) قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا الْخُطْبَةُ وَكَوْنُهَا قَبْلَهَا بِخِلَافِهِ فِيهِمَا أَقُولُ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ سَدِيدَةٌ فِي إفَادَةِ الْمُرَادِ بِخِلَافِ عِبَارَتِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى مِنْ الْفَنِّ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَخُطْبَةُ الْعِيدِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ سِوَى تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا تُوهِمُ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعِيدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(3) قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا تَتَعَدَّدَ فِي مِصْرٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ بِخِلَافِهِ إلَخْ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنَّ إقَامَتَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي مِصْرٍ يَجُوزُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ: وَالتَّفَرُّقُ يُنَافِيه (انْتَهَى) . وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ مَا نَصُّهُ: قُلْت الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ وَهِيَ خِلَافِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ (انْتَهَى) . أَقُولُ: هَذَا الِافْتِرَاقُ أَخَذَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَلَامِ الْبَزَّازِيِّ وَأَصْلَحَ عِبَارَتَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ فَسَلِمَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، لَكِنَّ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ تَجُوزُ إقَامَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَأَمَّا إقَامَتُهَا فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ، وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ. (انْتَهَى) .
وَعَلَى هَذَا فَأَصْلُ التَّعَدُّدِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إقَامَتِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ: فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا فِي أَصْلِ التَّعَدُّدِ؛ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ وَالتَّفَرُّقُ يُنَافِيه. قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا أَنْ تُقَامَ خَارِجَ الْمِصْرِ. وَلَا يُمْكِنُ لِلضَّعِيفِ الْخُرُوجُ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ فَيَجُوزَ الْأَدَاءُ فِي مَوْضِعَيْنِ رَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(4/92)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ
تُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِغُسْلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَيِّ؛ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِغُسْلِ يَدَيْهِ
1 - وَلَا يُمَضْمَضُ وَلَا يُسْتَنْشَقُ بِخِلَافِ الْحَيِّ، وَلَا يُؤَخَّرُ غُسْلُ رِجْلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَيِّ إنْ كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ، وَلَا يُمْسَحُ رَأْسُهُ فِي وُضُوءِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْحَيِّ.
2 - فِي رِوَايَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ]
قَوْلُهُ: وَلَا يُمَضْمَضُ وَلَا يُسْتَنْشَقُ بِخِلَافِ الْحَيِّ فِي التَّتَارْخَانِيَّة. يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا فِي الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ فَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَلَا يُوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ وَيُبْدَأُ فِي الْغُسْلِ بِوَجْهِهِ وَلَا تُغَسَّلُ الْيَدَانِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيَاةِ وَيُبْدَأُ فِي الْوُضُوءِ بِمَيَامِنِهِ وَكَذَلِكَ فِي الِاغْتِسَالِ وَلَا يُمَضْمَضُ وَلَا يُسْتَنْشَقُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (انْتَهَى) . قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ فِيهَا فِي إخْرَاجِ الْمَاءِ إلَى إكْبَابِ الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ مُتَعَسِّرٌ (انْتَهَى) . وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يَجْعَلُ الْغَاسِلُ عَلَى أُصْبُعَيْهِ خِرْقَةً رَقِيقَةً وَيَمْسَحُ بِهَا أَسْنَانَهُ وَلَهَاتَهُ وَشَفَتَيْهِ وَمَنْخِرَيْهِ وَسُرَّتَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ.
(2) قَوْلُهُ: فِي رِوَايَةٍ. يَعْنِي رِوَايَةَ صَلَاةِ الْأَثَرِ، وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ أَنَّ الْغَاسِلَ يَمْسَحُ رَأْسَ الْمَيِّتِ فِي الْوُضُوءِ كَالْجُنُبِ. أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَسِ مِنْ الْبَدَنِ يُنْقِضُ وُضُوءَ الْحَيِّ وَلَا يُنْقِضُ وُضُوءَ غُسْلِ الْمَيِّتِ بَلْ يُغْسَلُ مَا خَرَجَ مِنْ النَّجَسِ، وَيُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا إنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ بِالْحَارِّ أَفْضَلُ مِنْ الْبَارِدِ وَأَمَّا غُسْلُ الْحَيِّ فَالْحَارُّ وَالْبَارِدُ سَوَاءٌ. كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُصَنِّفُ مَا افْتَرَقَ فِيهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي قَالَ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ تُخَالِفُ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا الْمُحَاذَاةُ فِيهَا لَا تُفْسِدُهَا، وَثَانِيهَا الْمُخَالَفَةُ فِي الْأَرْكَانِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ، وَثَالِثُهَا أَدَاؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ مَعَ
(4/93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وُجُودِ الْمَاءِ إذَا خَشِيَ الْفَوَاتَ، وَرَابِعُهَا إذَا رَأَى الْمَاءَ فِيهَا لَمْ تَفْسُدْ، وَخَامِسُهَا الْقَهْقَهَةُ فِيهَا لَا تُنْقِضُ الْوُضُوءَ، وَسَادِسُهَا أَنَّهَا تُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ (انْتَهَى) . وَيُزَادُ عَلَى أَنَّ النَّهْرَ وَالْبُعْدَ لَا يَمْنَعَانِ الِاقْتِدَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي فَوَائِدِ الزَّاهِدِيِّ. وَفِي شَرْحِ أَبِي ذَرٍّ يُمْنَعُ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ وَيُزَادُ أَيْضًا مَا فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ أَمَّتْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُعَادُ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ فِيهَا: لَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ فَصَلَّتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ جَازَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(4/94)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ
يُشْتَرَطُ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ النُّمُوُّ وَلَوْ تَقْدِيرًا بِخِلَافِ نِصَابِهَا، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا لِذِمِّيٍّ بِخِلَافِهَا، وَلَا وَقْتَ لَهَا.
1 - وَلِصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ.
2 - بِخِلَافِهَا بَعْدَ وُجُودِ الرَّأْسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ]
قَوْلُهُ: وَلِصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتٌ مَحْدُودٌ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. لَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا بَعْدَ وُجُودِ الرَّأْسِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا اجْتِمَاعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى يَتَأَتَّى الِافْتِرَاقُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّعْجِيلِ فِي الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ لِعَدَمِ وُجُودِ السَّبَبِ وَجَوَازَهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بَعْدَ وُجُودِ الرَّأْسِ تَعْجِيلٌ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ. قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ. قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ، فَيَجُوزُ كَالتَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ لِفَقْدِ السَّبَبِ أَصْلًا (انْتَهَى) .
وَحِينَئِذٍ فَالصَّوَابُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ بِخِلَافِهَا قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ بَعْدَ وُجُودِ الرَّأْسِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: عَجَّلَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ ثُمَّ مَلَكَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ يَعْنِي الرَّأْسَ (انْتَهَى) .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ نِصَابَ الزَّكَاةِ لَوْ هَلَكَ بَعْدَ الْوُجُوبِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ بِخِلَافِ نِصَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(4/95)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ
1 - يَتَحَلَّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إنْ لَمْ يَسِقْ الْهَدْيَ.
2 - بِخِلَافِهِ.
3 - يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَأْتِي بِأَفْعَالِهَا ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ بِخِلَافِ الْقَارِنِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِهِمَا مَعًا مِنْ الْمِيقَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ]
قَوْلُهُ: يَتَحَلَّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَخْ أَيْ: يَتَحَلَّلُ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إنْ كَانَ لَمْ يَسِقْ الْهَدْيَ فَإِنْ سَاقَهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ. أَيْ: الْقِرَانُ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ.
(3) قَوْلُهُ: يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا إلَخْ أَيْ الْمُتَمَتِّعُ وَهَذَا فَرْقٌ ثَانٍ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(4/96)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ
1 - يُشْتَرَطُ لَهَا الْقَبُولُ بِخِلَافِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ بِخِلَافِهِ
2 - مُطْلَقًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْهِبَةُ وَالْإِبْرَاءُ]
قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ لَهَا الْقَبُولُ بِخِلَافِهِ إلَخْ أَيْ الْإِبْرَاءُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبُولُ. أَقُولُ: إلَّا فِي مَسَائِلَ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَنِّ الْفَوَائِدِ وَزِدْنَا عَلَيْهَا مَسَائِلَ.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ مُطْلَقًا. أَيْ: بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ فِيهِ سَوَاءٌ وَجَدَ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ أَوْ لَا. وَمَوَانِعُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُتُونِ فَلَا حَاجَةَ هُنَا إلَى بَيَانِهَا.
(4/97)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَالْبَيْعُ التَّأْقِيتُ يُفْسِدُهُ 1 - وَيُصَحِّحُهَا، وَيَمْلِكُ الْعِوَضَ فِيهِ بِالْعَقْدِ.
2 - وَفِيهَا لَا. إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ بِخِلَافِهِ، وَتُفْسَخُ بِعَيْبٍ حَادِثٍ بِخِلَافِهِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.
3 - إذَا عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ بِخِلَافِهِ.
4 - وَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ.
5 - وَاذَا هَلَكَتْ الْأُجْرَةُ الْعَيْنُ قَبْلَهُ انْفَسَخَتْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَالْبَيْعُ]
قَوْلُهُ: وَيُصَحِّحُهَا التَّأْقِيتُ أَقُولُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ وَقَّتَاهَا إلَى مُدَّةٍ لَا يَعِيشَانِ إلَيْهَا غَالِبًا. وَاخْتَارَهُ الْخَصَّافُ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهَا تَجُوزُ مُضَافَةً كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُك هَذِهِ الدَّارَ غَدًا وَلِلْمُؤَاجِرِ بَيْعُهَا الْيَوْمَ وَتَنْتَقِضُ الْإِجَارَةُ.
(2) قَوْلُهُ: وَفِيهَا لَا إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ إلَخْ. أَقُولُ: وَهِيَ التَّعْجِيلُ أَوْ شَرْطُهُ أَوْ الِاسْتِيفَاءُ أَوْ التَّمَكُّنُ مِنْهُ.
(3) قَوْلُهُ: إذَا عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ إلَخْ. بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا وَلَا وَصِيًّا وَلَا مُتَوَلِّيًا عَلَى وَقْفٍ.
(4) قَوْلُهُ: وَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَخْ. يَعْنِي: إذَا كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مَبْنَاهُ عَلَى الْبَدَلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْمَبِيعُ دُونَ الثَّمَنِ وَلِذَا تُشْرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ وَتَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ (انْتَهَى) .
(5) قَوْلُهُ: وَإِذَا هَلَكَتْ الْأُجْرَةُ الْعَيْنُ إلَخْ. الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ مَا كَانَ قَيِّمًا كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمَا. أَمَّا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَهَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ كَمَا لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ إذَا هَلَكَ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا
(4/98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ. بَقِيَ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ عَيْنًا وَهَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَنْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: اشْتَرَى جَارِيَةً بِثَوْبٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ زَوَّجَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ هَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَ بَائِعِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَارِيَةِ وَالْمَهْرُ يَرْجِعُ إلَى بَائِعِ الْجَارِيَةِ. وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ بَطَلَ النِّكَاحُ كَمَا بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا مَهْرَ عَلَى الزَّوْجِ
(4/99)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ
1 - لَا قَسْمَ لِلْأَمَةِ.
2 - بِخِلَافِهَا، وَلَا حَصْرَ لِعَدَدِ الْإِمَاءِ بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ، وَلَا تُقَدَّرُ نَفَقَتُهَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا بِحَسَبِ حَالِهَا، وَلَا يُسْقِطُهَا النُّشُوزُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ]
قَوْلُهُ: لَا قَسْمَ لِلْأَمَةِ أَيْ: الْمَوْطُوءَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا إلَخْ أَيْ: بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
(4/100)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ
1 - نَفَقَتُهَا مُقَدَّرَةٌ بِحَالِهَا 2 - وَنَفَقَتُهُ بِالْكِفَايَةِ وَنَفَقَتُهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ بَعْدَ التَّقْدِيرِ أَوْ الِاصْطِلَاحِ بِخِلَافِ نَفَقَتِهِ، وَشَرْطُ نَفَقَتِهِ إعْسَارُهُ وَزَمَانَتُهُ وَيَسَارُ الْمُنْفِقِ بِخِلَافِ نَفَقَتِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَفَقَتِهَا إلَخْ. فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُلْت وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَيُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا لَوْ سُرِقَتْ أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ تُقْرَضُ مَرَّةً أُخْرَى بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ. وَالْفَرْقُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْهَادِي.
(2) قَوْلُهُ: وَنَفَقَتُهُ بِالْكِفَايَةِ إلَخْ أَيْ: نَفَقَةُ الْقَرِيبِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرِّمِ لِلنِّكَاحِ. قَالَ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ: الْأَرْحَامُ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ رَحِمُ الْوِلَادَةِ وَذُو رَحِمٍ مُحَرِّمٍ لِلنِّكَاحِ وَرَحِمٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ. وَلَا خِلَافَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ لِرَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ كَقَرَابَةِ بَنِي الْأَعْمَامِ وَنَحْوِهِمْ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَجِبُ بِقَرَابَةِ الْوِلَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَالْأُخُوَّةِ وَالْعُمُومَةِ وَالْخُؤُولَةِ فَعِنْدَنَا تَجِبُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ (انْتَهَى) . قَالَ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ: الْفَرْقُ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ وَبَيْنَ الْمَحْرَمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ لِتَصَادُقِهَا عَلَى الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ وَصِدْقُ الْأَوَّلِ عَلَى بِنْتِ الْعَمِّ دُونَ الثَّانِي لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا وَصِدْقُ الثَّانِي عَلَى أُخْتِ الزَّوْجَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِكَاحِهَا دُونَ الْأَوَّلِ.
(4/101)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُرْتَدُّ وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ
1 - لَا يُقَرُّ الْمُرْتَدُّ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَيُهْدَرُ دَمُهُ.
2 - وَيُوقَفُ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ، وَلَا يَسْبِي وَلَا يُفَادِي وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ.
3 - وَلَا يُوَرَّثُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُرْتَدُّ وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ]
قَوْلُهُ: لَا يُقَرُّ الْمُرْتَدُّ وَلَوْ بِجِزْيَةٍ إلَخْ. قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَدُّونَ أَنْ يَجْعَلُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ الْمُرْتَدِّ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. وَلَمْ يَقُلْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الذِّمَّةُ. فَكَذَا هُنَا فَإِنْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ لِيَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَإِنْ كَانُوا يُطِيقُونَهُمْ وَالْحَرْبُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ الْمُوَادَعَةِ يَأْخُذُونَهُمْ كَمَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ.
(2) قَوْلُهُ: وَيُوقَفُ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ إلَخْ. فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجْرِ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبَائِحِ وَالْإِرْثِ وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُعَارَضَةِ مَعَ الْمُسْلِمِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِي تَوَقُّفِهِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَقَبْضِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ. هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَوْقُوفَةٌ إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ وَعِنْدَهُمَا يَنْفُذُ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الصَّحِيحِ حَتَّى تُعْتَبَرَ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَنْفُذُ كَمَا تَنْفُذُ مِنْ الْمَرِيضِ حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَلَلِ.
(3) قَوْلُهُ: وَلَا يُوَرَّثُ إلَخْ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي الْكَنْزِ وَإِنْ مَاتَ أَيْ: الْمُرْتَدُّ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَرِثَ كَسْبَ إسْلَامِهِ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ إسْلَامِهِ وَكَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْءٌ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِ رِدَّتِهِ (انْتَهَى) . وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عَنْ الْإِسْلَامِ
(4/102)

وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ مِلَّةٍ، وَلَا يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ فِيهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَإِنْ طَلَبَ التَّأْجِيلَ أُجِّلَ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ شُرِعَتْ لِإِبْلَاءِ الْإِعْذَارِ، وَالْعُذْرُ قُدِّرَ شَرْعًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ قُتِلَ وَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَذَا إذَا مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ هَذَا فِي كَسْبٍ اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَقَالَ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَصِيرُ فَيْئًا وَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ: لَا يَصِيرُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ فِي الْأَحْكَامِ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يُغْنَمَ مَالُهُ وَلَا يُسْتَرَقَّ كَافِرٌ، مِنْ وَجْهٍ حَتَّى حَلَّ قَتْلُهُ وَحَرُمَ ذَبِيحَتُهُ.
وَيَحْرُمُ التَّزَوُّجُ بِالْمُرْتَدِّ فَكَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ فَعَمِلْنَا بِهِمَا فِي الْحَالَيْنِ فَقُلْنَا بِتَوْرِيثِ كَسْبِ الْإِسْلَامِ عَمَلًا بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا وَبِعَدَمِ تَوْرِيثِ كَسْبِ الرِّدَّةِ عَمَلًا بِكَوْنِهِ كَافِرًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ قَتْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الرِّدَّةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا إذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمَيِّتِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرِثُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ حَتَّى لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَارِثًا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَتَرِثُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
(4) قَوْلُهُ: وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ مِلَّةٍ إلَخْ. قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: الْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ لَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ كَالنَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ لِيَدْفِنُوهُ فِي مَقَابِرِهِمْ لَكِنْ يُحْفَرُ لَهُ حُفْرَةً فَيُلْقَى فِيهَا كَالْكَلْبِ (انْتَهَى) .
(4/103)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ
1 - يَقَعُ الطَّلَاقُ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ، دُونَ عَكْسِهِ.
2 - وَهُوَ أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
3 - دُونَ الْعِتْقِ، وَيَكُونُ بِدْعِيًّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ الْعِتْقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ]
قَوْلُهُ: دُونَ عَكْسِهِ. وَهُوَ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ.
(2) قَوْلُهُ: وَهُوَ أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مُبَاحَاتٌ مَبْغُوضَةٌ لِلَّهِ وَالطَّلَاقُ أَشَدُّهَا بُغْضًا إلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ مَا اسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، بَلْ مَا لَيْسَ تَرْكُهُ بِلَازِمٍ الشَّامِلِ لِلْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ إلَّا لِحَاجَةٍ، قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا أُبِيحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَعْنِي أَوْقَاتِ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ كَكِبْرٍ وَرِيبَةٍ أَوْ أَنْ يُلْقِي اللَّهُ عَدَمَ اشْتِهَائِهَا إلَيْهِ أَوْ لَا طُولَ لَهُ أَوْ لَمْ تَرْضَ بِالْإِقَامَةِ بِلَا قَسْمٍ، وَالْعَامَّةُ عَلَى إبَاحَتِهِ بِالنُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ وَهَذَا خِلَافُ مَا رَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ الْحَقُّ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فَأَبَاحَهُ لِقَوْلِهِمْ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ لِلْحَاجَةِ إذْ لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْمَسْنُونِ مِنْهُ، يَعْنِي الْمُبَاحَ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ عُرِفَ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنْ بَيَّنَ حُكْمَهُمْ بِإِبَاحَتِهِ وَتَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّهُ مَحْظُورٌ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ وَالْحَاجَةُ مَا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ سَبَبِهِ تَدَافُعًا مَمْنُوعٌ، بَلْ الْحَاجَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا إرَادَتُهُ التَّخَلُّصَ مِنْهَا وَهِيَ بِالْوَاحِدَةِ تَنْدَفِعُ وَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً أَوْ تَارِكَةً لِلصَّلَاةِ لَا تُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ كَمَا فِي الْبَيَانِيَّةِ. وَوَاجِبًا إذَا فَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا فِي امْرَأَةِ الْعِنِّينِ وَالْمَجْبُوبِ، وَيَكُونُ حَرَامًا وَهُوَ طَلَاقُ الْمَوْطُوءَةِ بِغَيْرِ مَالٍ نُفَسَاءَ أَوْ حَائِضًا فَإِنَّهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبًا عَمَلِيًّا عَلَى الْأَصَحِّ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِي الْحَيْضِ خُرُوجًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. كَذَا فِي الرَّمْزِ.
(3) قَوْلُهُ: دُونَ الْعِتْقِ إلَخْ. يَعْنِي: فَلَيْسَ مِنْ أَبْغَضِ الْمُبَاحَاتِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ نَفْيُ الْمُشَارَكَةِ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ مُبَاحٌ لَا بُغْضَ فِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا
(4/104)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْعِتْقُ وَالْوَقْفُ الْعِتْقُ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ.
1 - بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
2 - بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ. ثَلَاثَةَ عَشَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْعِتْقُ وَالْوَقْفُ]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَقْفِ إلَخْ. يَعْنِي فَلَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ. اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِهِ يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا أَوْ مُضَافًا أَوْ مُرَكَّبًا مِنْ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ أَوْ مِنْ التَّنْجِيزِ وَالْإِضَافَةِ. فَإِنْ كَانَ مُنَجَّزًا فَفِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا فَلَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْمَوْتِ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَوْتِ فَإِنْ عَلَّقَ بِمَوْتٍ مُقَيَّدٍ بِمَرَضِ كَذَا. فَكَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ عَلَّقَ بِمَوْتٍ مُطْلَقٍ فَالْوَقْفُ لَازِمٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا إذَا قَالَ: إذَا مِتُّ فَقَدْ وَقَفْت دَارِي عَلَى كَذَا، وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إلَى الْوَقْتِ بِأَنْ قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي وَقْفِ الذَّخِيرَةِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ سُئِلَ الْخَصَّافُ عَنْهَا فَقَالَ: مَا أَحْفَظُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْئًا. وَقَالَ: وَعِنْدِي لَا تَكُونُ هَذِهِ الدَّارُ وَقْفًا وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا فَالْوَقْفُ لَازِمٌ بِالْإِجْمَاعِ.
فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فَإِنَّك لَا تَجِدُهَا مَجْمُوعَةً فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْأَنَامِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَامِ عَلَى أَتَمِّ التَّمَامِ. كَذَا فِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَصُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّنْجِيزِ وَالْإِضَافَةِ أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَالَ حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ يَصِيرُ لَازِمًا لِلْحَالِ وَكَانَ لُزُومُهُ لِلْحَالِ تَبَعًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَصُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ أَنْ يَقُولَ: أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ حَالَ حَيَاتِي وَإِذَا مِتُّ.
(2) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَخْ. قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: قَبُولُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إنْ وَقَعَ لِأَقْوَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَإِنْ وَقَعَ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ قَبِلَهُ كَانَتْ الْعِلَّةُ لَهُ وَإِنْ رَدَّهُ يَكُونُ
(4/105)

،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لِلْفُقَرَاءِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ مَاتَ وَمَنْ قَبِلَ مَا وُقِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَهُ وَمِنْ رَدَّهُ أَوَّلِ مَرَّةٍ لَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ بَعْدَهُ (انْتَهَى) . وَيُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ شَائِبَةُ مِلْكٍ بِخِلَافِ الْعِتْقِ، وَيُزَادُ أَيْضًا أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَلَوْ وَقَفَ نِصْفَ دِرْهَمٍ صَحَّ وَلَا يَسْرِي لِلنِّصْفِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ وَلَيْسَ فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ
(4/106)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ 1 - كَمَا فِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ: لَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ وَبِالْإِعْتَاقِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِبَيْعِهَا بِخِلَافِهِ، وَتُعْتَقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، وَقِيمَتُهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ قِنَّةً وَهُوَ النِّصْفُ فِي رِوَايَةٍ وَالثُّلُثَانِ فِي أُخْرَى وَالْجَمِيعُ فِي أُخْرَى، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ إذَا أُعْتِقَتْ أَوْ مَاتَ السَّيِّدُ لَا عَلَى الْمُدَبَّرَةِ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أُمَّ وَلَدٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا يَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ، وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِالسُّكُوتِ دُونَ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ، وَلَا تَسْعَى لِدَيْنِ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهَا وَيَصِحُّ اسْتِيلَادُ الْمُدَبَّرَةِ، وَلَا يَمْلِكُ الْحَرْبِيُّ بَيْعَهَا وَلَهُ بَيْعُهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ صَحَّ وَلَوْ صَغِيرًا، وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ]
قَوْلُهُ: كَمَا فِي فُرُوقِ الْكَرَابِيسِيِّ إلَخْ. أَقُولُ: الصَّوَابُ كَمَا فِي فُرُوقِ الْمَحْبُوبِيِّ وَعَلَى الصَّوَابِ جَرَى الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَعِبَارَةُ الْفُرُوقِ وَأُمُّ الْوَلَدِ تُفَارِقُ الْمُدَبَّرَ فِي أَحْكَامٍ هِيَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَتُوَافِقُهُ فِي أَحْكَامٍ هِيَ اثْنَيْ عَشَرَ لَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَتَّى لَوْ وَلَدَتْ جَارِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَلَدًا فَادَّعَيَاهُ مَعًا حَتَّى صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعْتَقَ عَتَقَ كُلُّهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُعْتَقِ وَلَا سِعَايَةَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، فَيَقُولَانِ فِي الْمَوْتِ بِالسِّعَايَةِ لِلْآخَرِ فِي الْإِعْتَاقِ بِالضَّمَانِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِالسِّعَايَةِ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَالْمُدَبَّرُ يَضْمَنُ بِالْإِعْتَاقِ وَالْغَصْبِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَعَ التَّسْلِيمِ كَمَا فِي الْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ قَضِيَّةً لِلنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ يَثْبُتُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهَا
(4/107)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالصَّحِيحُ 1 - يَصِحُّ إعْتَاقُ الْبَائِعِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الْعِتْقِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّحِيحِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَهُوَ سُقُوطُ التَّقَوُّمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَقِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ كَالْقِنِّ فِي رِوَايَةٍ عَلَى النِّصْفِ فِي رِوَايَةٍ، وَالثُّلُثَيْنِ فِي رِوَايَةٍ. وَعَلَى أُمِّ الْوَلَدِ الْعِدَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا أُعْتِقَتْ أَوْ أَعْتَقَهَا، وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَبَّرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ عِدَّةٌ وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أُمَّ وَلَدٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا يَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ. وَلَوْ اسْتَوْلَدَ الْمُدَبَّرَةَ الْمُشْتَرَكَةَ مَلَكَهَا بِالضَّمَانِ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ وَلَا تَسْعَى أُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى فِي شَيْءٍ مِنْ دَيْنٍ الْمَوْلَى وَالْمُدَبَّرُ يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ وَتَدْبِيرُ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ. وَاسْتِيلَادُ الْمُدَبَّرَةِ جَائِزٌ.
حَرْبِيٌّ خَرَجَ بِأُمِّ وَلَدِهِ إلَيْنَا لَا يَكُونُ الْوَلَدُ صَغِيرًا. وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مُدَبَّرٌ جَازَ بَيْعُهُ وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ صَحَّ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا. وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَتُسَاوِي أُمُّ الْوَلَدِ الْمُدَبَّرَ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِمْهَارِ وَجَوَازِ الْإِجَارَةِ وَحِلِّ الْوَطْءِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَجَوَازِ التَّزْوِيجِ وَمِلْكِ الْمَهْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ وَمِلْكِ الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ وَعَدَمِ الْجَوَازِ عَنْ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْإِعْتَاقِ.

[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالصَّحِيحُ]
(1) قَوْلُهُ: يَصِحُّ إعْتَاقُ الْبَائِعِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي إلَخْ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يُنْظَرُ فِي مَعْنَى التَّكْرِيرِ وَنَقَلَ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَمَرَ الْبَائِعَ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ فَفَعَلَ جَازَ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ. فَقَدْ مَلَكَ الْمَأْمُورُ بِالْأَمْرِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ قَاضِي خَانْ خِلَافَهُ وَقَالَ: لَعَلَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَلَطٌ فَتَأَمَّلْ وَنَقَلَ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْقُنْيَةِ إعْتَاقُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ بَاطِلٌ، وَبِحَضْرَتِهِ صَحِيحٌ. وَيُجْعَلُ فَسْخًا لِلْبَيْعِ (انْتَهَى) . وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِقَوْلِهِ إنَّ إعْتَاقَهَا بَاطِلٌ (انْتَهَى) . أَقُولُ فِي فُرُوقِ الْمَحْبُوبِيِّ: بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا
(4/108)

وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُشْتَرِي بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ فَفَعَلَ عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّحِيحِ،
3 - وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُشْتَرِي بِطَحْنِ الْحِنْطَةِ فَفَعَلَ كَانَ لِلْبَائِعِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِذَبْحِ الشَّاةِ فَفَعَلَ كَانَتْ لِلْبَائِعِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّحِيحِ
4 - وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْقِيمَةِ بَعْدَ فَسْخِ الْفَاسِدِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَبِيعُ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ هُوَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ هُوَ حُرٌّ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُجْعَلُ اسْتِرْدَادًا وَفَسْخًا، وَالثَّانِي إعْتَاقًا لِلْمِلْكِ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي لَا بِغَيْبَتِهِ، وَفِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ أَقَرَّ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِ الْمِلْكِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَظْهَرُ مَعْنَى تَكْرِيرِ لَفْظِ الْعِتْقِ.
(2) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُشْتَرِي بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ فَفَعَلَ إلَخْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَرَامٌ فَلَا يَتَكَلَّفُ لِإِثْبَاتِهِ. وَفِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ مُسْتَحَقٌّ فَيَتَكَلَّفُ لِإِثْبَاتِهِ لَهُ وَيُجْعَلُ الْإِعْتَاقُ قَبْضًا.

(3) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُشْتَرِي بِطَحْنِ الْحِنْطَةِ فَفَعَلَ كَانَ لِلْبَائِعِ إلَخْ. أَمَّا لَوْ أَمَرَ الْبَائِعَ لِيَخْلِطَ الْحِنْطَةَ بِحِنْطَةِ الْمُشْتَرِي فَفَعَلَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ قَبْضًا فِي الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ خَلْطَ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ اسْتِهْلَاكٌ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي يُجْعَلُ قَبْضًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي.

(4) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْقِيمَةِ إلَخْ. يَعْنِي: لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَ الْعَبْدَ ثُمَّ فَسَخَا أَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الْقِيمَةِ ثُمَّ هَلَكَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَالْإِبْرَاءُ لَا يَصِحُّ. وَفِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْفَسْخِ كَانَ صَحِيحًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْهَلَاكِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ بِالْفَسْخِ فِي الْفَاسِدِ تَرْتَفِعُ الْقِيمَةُ بِالْإِبْرَاءِ عَنْ الْقِيمَةِ فِي زَمَانِ عَدَمِ الْوُجُوبِ، ثُمَّ بِالْهَلَاكِ تَجِبُ بِالْقِيمَةِ أَمَّا بِالْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لَا يَرْتَفِعُ ضَمَانُ
(4/109)

وَفِي الصَّحِيحِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
6 - وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الصَّحِيحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ إبْرَاءً صَحِيحًا، حَتَّى أَنَّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْعَبْدِ ثُمَّ هَلَكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ رَدَّ الْعَبْدِ وَاجِبٌ. كَذَا فِي فُرُوقِ الْمَحْبُوبِيِّ.
(5) قَوْلُهُ: وَفِي الصَّحِيحِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الَّذِي فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ الَّتِي بِخَطِّهِ، لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ.
(6) قَوْلُهُ: وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ إلَخْ. يَعْنِي: لَوْ اشْتَرَى دَارًا شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَ لَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقٌّ عِنْدَ الْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُسَاوِي الصَّحِيحَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ، وَيُفَارِقُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مِلْكًا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ بِالْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ بِالْإِجَارَةِ وَبِمَوْتِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ، وَيَبْطُلُ بِالرَّهْنِ وَبِالْهِبَةِ لَكِنْ يَعُودُ بِالِانْفِكَاكِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَبِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَيَبْطُلُ بِصَبْغِهِ أَحْمَرَ لَا أَسْوَدَ. وَفِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ بِالْإِجَارَةِ وَالْمَوْتِ وَالصَّبْغِ بِأَيِّ شَيْءٍ وَيُسَاوِي الْهِبَةَ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ بِالْإِذْنِ لَا بِغَيْرِ الْإِذْنِ. كَذَا فِي فُرُوقِ الْمَحْبُوبِيِّ.
(4/110)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى وَالْقَضَاءُ 1 - يُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا بِخِلَافِ الْقَاضِي، وَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَجَازَ تَعَدُّدُ الْقَاضِي، وَلَوْ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ.
2 - وَلَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ بِخِلَافِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى وَالْقَضَاءُ]
قَوْلُهُ: الْإِمَامَةُ إلَخْ. أَقُولُ: قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْإِمَامُ الْخَلِيفَةُ (انْتَهَى) . وَقِيلَ الْإِمَامُ أَعَمُّ. قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ: لَكِنَّ هَذَا الِاصْطِلَاحَ مِمَّا لَمْ نَجِدْهُ لِلْقَوْمِ بَلْ مِنْ الشِّيعَةِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَعَمُّ وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِخِلَافِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ دُونَ إمَامَتِهِمْ.
(2) قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا. . . إلَخْ اعْلَمْ أَنَّ شَرَائِطَ الْإِمَامَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ خَمْسٌ: الذُّكُورَةُ وَالْوَرَعُ وَالْعِلْمُ وَالْكِتَابَةُ وَنَسَبُ قُرَيْشٍ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» .
فَإِذَا اجْتَمَعَ عَدَدٌ مِنْ الْمَوْصُوفِينَ فَالْإِمَامُ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ الْبَيْعَةُ مِنْ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، وَالْمُخَالِفُ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ بَاغٍ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى انْقِيَادِ الْمُحَقِّ وَلَوْ تَعَذَّرَ وُجُودُ الْوَرَعِ وَالْعِلْمِ فِيمَنْ تَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ وَكَانَ فِي صَرْفِهِ إثَارَةُ فِتْنَةٍ لَا تُطَاقُ حَكَمْنَا بِانْعِقَادِ إمَامَتِهِ؛ لِأَنَّا بَيْنَ أَنْ تُحَرَّكَ فِتْنَتُهُ بِالِاسْتِبْدَالِ فَمَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ الضَّرُورَاتِ أَزْيَدُ عَلَى مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ نُقْصَانِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَثْبُتُ لِمَزِيدِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا نَهْدِمُ أَصْلَ الْمَصْلَحَةِ شَغَفًا بِمَزَايَاهَا كَاَلَّذِي يَبْنِي قَصْرًا وَيَهْدِمُ مِصْرًا، وَبَيْنَ أَنْ يُحْكَمَ بِخُلُوِّ الْبِلَادِ عَنْ الْإِمَامِ وَبِفَسَادِ الْأَقْضِيَةِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ وَنَحْنُ نَقْضِي بِنُفُوذِ قَضَاءِ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي بِلَادِهِمْ لِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ فَكَيْفَ لَا نَقْضِي بِصِحَّةِ الْإِمَامَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ أَوْ الضَّرُورَةِ.
(3) قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ. . . إلَخْ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَلَا بِالْجَوْرِ وَهُوَ ظُلْمُ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ الْفِسْقُ وَانْتَشَرَ الْجَوْرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَالسَّلَفُ كَانُوا يَنْقَادُونَ لَهُمْ وَيُقِيمُونَ الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ بِإِذْنِهِمْ، وَلَا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ. وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً فَبَقَاءً أَوْلَى. وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ:
وَطَاعَةُ مَنْ إلَيْهِ الْأَمْرُ فَالْزَمْ ... وَإِنْ كَانُوا بُغَاةً جَائِرِينَا
فَإِنْ كَفَرُوا كَكُفْرِ بَنِي عُبَيْدٍ ... فَلَا تَسْكُنْ دِيَارَ الْكَافِرِينَا
(4/111)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ 1 - لِلْقَاضِي سَمَاعُ الدَّعْوَى عُمُومًا وَلِلْمُحْتَسِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَجَسٍ أَوْ تَنْظِيفٍ أَوْ غِشٍّ.
2 - وَلَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَلَا يُحَلِّفُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ]
قَوْلُهُ: لِلْقَاضِي سَمَاعُ الدَّعْوَى عُمُومًا. . . إلَخْ قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ فَهِيَ تَقْصُرُ عَنْ الْقَضَاءِ فِي أَشْيَاءِ كُلِّ الْأَحْكَامِ بَلْ لَهُ الْحُكْمُ فِي الرَّوَاشِنِ الْخَارِجَةِ بَيْنَ الدُّرَرِ، وَبِنَاءِ الْمَشَاعِبِ فِي الطُّرُقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحِسْبَةِ وَلَيْسَ لَهُ إنْشَاءُ الْأَحْكَامِ وَلَا تَنْفِيذُهَا فِي عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَلَا لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي عُيُوبِ الدَّوَابِّ وَشَبَهِهَا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَنْشُورِهِ، وَيَزِيدُ الْمُحْتَسِبُ عَلَى الْقَاضِي بِكَوْنِهِ يَتَعَرَّضُ لِلتَّفَحُّصِ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ وَإِنْ لَمْ يُنْهَ إلَيْهِ. وَأَمَّا الْقَاضِي فَلَا يَحْكُمُ إلَّا فِيمَا رُفِعَ إلَيْهِ، وَمَوْضِعُ الْحِسْبَةِ الرَّهْبَةُ، وَمَوْضِعُ الْقَضَاءِ النَّصَفَةُ.
(2) قَوْلُهُ: وَلَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَلَا يُحَلِّفُ. . . إلَخْ يَعْنِي: فِيمَا يُحَكَّمُ فِيهِ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ وَالْإِخْبَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ.
(4/112)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ 1 - يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا دُونَ الرِّوَايَةِ، لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الرِّوَايَةِ مُطْلَقًا وَتُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ فِيهَا دُونَ الرِّوَايَةِ، لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَرَقِيقِهِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
2 - لِلْعَالِمِ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ، الْأَصَحُّ قَبُولُ الْجَرْحِ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعَالِمِ بِهِ بِخِلَافِهِ فِي الشَّهَادَةِ، لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، إذَا رَوَى شَيْئًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ.
3 - بِخِلَافِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ، لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِمَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ]
قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا دُونَ الرِّوَايَةِ إلَخْ فِي الْفَرْقِ بِمَا ذَكَرَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمْيِيزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ، فَلَوْ عُرِفَتْ بِأَثَرِهَا وَأَحْكَامِهَا الَّتِي لَا تُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ. وَالْفَرْقُ الصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ حَيْثُ قَالَ: الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ إنْ كَانَ أَمْرًا عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ مَفْهُومُ الرِّوَايَةِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَوْ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ هَذَا هُوَ الشَّهَادَةُ الْمَحْضَةُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَحْضَةُ. هَذَا مَا حَقَّقَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْفُرُوقِ.
(2) قَوْلُهُ: لِلْعَالِمِ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ إلَخْ أَقُولُ لَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
(3) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَالصَّوَابُ بَعْدَ الْحُكْمِ. قَالَ فِي الْكَنْزِ: فَإِنْ رَجَعَا قَبْلَ حُكْمِهِ لَمْ يَقْضِ وَبَعْدَهُ لَمْ يَنْقَضِ.
(4/113)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ حَبْسُ الرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ 1 - لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ مُطْلَقًا وَالرَّهْنُ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمِصْرِ وَتَلْحَقُ الْمُرْتَهِنَ مُؤْنَةٌ فِي إحْضَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إحْضَارُهُ قَبْلَ أَخْذِ الدَّيْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ إذَا أَعَارَ الرَّهْنَ مِنْ الرَّاهِنِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ حَبْسُ الرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ]
قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ مُطْلَقًا: يَعْنِي سَوَاءً لَحِقَ الْبَائِعَ مُؤْنَةٌ فِي إحْضَارِهِ أَوْ لَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ السِّلْعَةِ لِيَعْلَمَ قِيَامَهَا، فَإِذَا أَحْضَرَهَا الْبَائِعُ أُمِرَ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ. وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ دَفْعِهِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا وَلَوْ عَنْ الْمِصْرِ. وَفِي السِّرَاجِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ مِنْ حَيْثُ تَلْحَقُهُ الْمُؤْنَةُ بِالْإِحْضَارِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِهِ بَلْ يُسَلِّمُ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ إذَا أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِقِيَامِ الرَّهْنِ، فَإِنْ ادَّعَى الرَّاهِنُ هَلَاكَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ لِكَوْنِ الرَّهْنِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ كَالْوَدِيعَةِ فَلَا يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ إذَا لَحِقَهُ مُؤْنَةٌ. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَالثَّمَنُ بَدَلٌ وَلَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَقَطَ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ رَدُّهُ إلَيْهِ وَلَوْ أَعَارَهُ الْبَائِعُ لَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ إذَا أَعَارَ الرَّهْنَ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْخَانِيَّةِ: آخِرَ كِتَابِ الرَّهْنِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ فَلَقِيَهُ الْبَائِعُ فِي غَيْرِ مِصْرِهِمَا فَطَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَأَبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يُحْضِرَ الْمَبِيعَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ قَبْلَ إحْضَارِ الْمَبِيعِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّهْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَبِيعَ مَعَ الثَّمَنِ عِوَضَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِذَا تَأَخَّرَ قَبْضُ أَحَدِهِمَا يَتَأَخَّرُ الْآخَرُ، أَمَّا الرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ فِي الْبَيْعِ يُؤْخَذُ كَفِيلٌ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَحْضُرَ ذَلِكَ الْمِصْرَ أَوْ يَبْعَثَ وَكِيلًا لِيَدْفَعَ الثَّمَنَ وَيَأْخُذَ نَظَرًا لَهُمَا.
(4/114)

فَلَهُ رَدُّهُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ إذَا أَعَارَ الْمَبِيعَ أَوْ أَوْدَعَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي سَقَطَ حَقُّهُ. فَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ، وَهُمَا فِي بُيُوعِ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْبَائِعُ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً وَرَدَّهَا لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ وَفِي الرَّهْنِ يَسْتَرِدُّهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ زُيُوفًا لَيْسَ لَهُ إبْطَالُ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الرَّهْنِ. ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي الْبُيُوعِ.
3 - وَقَاضِي خَانْ فِي الرَّهْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَلَهُ رَدُّهُ إلَخْ وَصَوَابُهُ اسْتِرْدَادُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(3) قَوْلُهُ: وَقَاضِي خَانْ فِي الرَّهْنِ إلَخْ قَدْ رَاجَعْت الْفَتَاوَى لَهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ فَلَمْ أَجِدْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. فَلَعَلَّ قَاضِيَ خَانْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ كِتَابِ الْفَتَاوَى مِنْ كُتُبِهِ.
(4/115)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ 1 - صَحَّ إبْرَاءُ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّمَنِ وَحَطُّهُ وَضُمِّنَ وَلَا يَصِحُّ مِنْ الثَّانِي، صَحَّ مِنْ الْأَوَّلِ قَبُولُ الْحَوَالَةِ لَا مِنْ الثَّانِي.
2 - وَصَحَّ مِنْ الْأَوَّلِ أَخْذُ الرَّهْنِ.
3 - لَا مِنْ الثَّانِي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ]
قَوْلُهُ: صَحَّ إبْرَاءُ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّمَنِ إلَخْ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَلَوْ أَبْرَأَ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ صَحَّ عِنْدَهُمَا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَضُمِّنَ. وَبَعْدَ قَبْضِهِ لَا يَمْلِكُ الْحَطَّ وَالْإِبْرَاءَ وَالْإِقَالَةَ.
وَبَعْدَمَا قَبِلَ الثَّمَنَ حَوَالَةً لَا يَصِحُّ كَمَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا إذَا كَانَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْوَكِيلِ الْمُحِيلِ دَيْنٌ فَيَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَ نَفْسِهِ، فَيُضَمَّنُ لِلْمُوَكِّلِ. وَإِذَا أَقَالَ وَأَرَادَ إسْقَاطَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهِيَ وَكَالَةٌ فَلَا تُمْنَعُ الصِّحَّةُ. وَفِي مَوْضِعِ ثِقَةٍ قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ ثُمَّ وَهَبَ أَوْ حَطَّ، إنْ أَضَافَ إلَى الْمَقْبُوضِ بِأَنْ قَالَ وُهِبْت مِنْك هَذَا الثَّمَنَ لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا وَإِنْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ وُهِبْت مِنْك ثَمَنَ هَذَا الْعَبْدِ صَحَّ كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ.
(2) قَوْلُهُ: وَصَحَّ مِنْ الْأَوَّلِ أَخْذُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ وَقَعَ لَهُ، وَلِهَذَا لَوْ حَجَرَهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ أَخْذِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلُ وَعَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفُذُ حَجْرُهُ وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ حَتَّى سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، يَظْهَرُ السُّقُوطُ فِي الْمُوَكِّلِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ.
(3) قَوْلُهُ: لَا مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَبْضٍ حَقِيقِيٍّ فَأَتَى بِقَبْضٍ حُكْمِيٍّ فَصَارَ مُخَالِفًا فَيُضَمَّنُ. وَفِي التُّمُرْتَاشِيِّ نَقْلًا عَنْ الثَّانِي: الْوَكِيلُ بِقَبْضٍ لِدَيْنٍ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا لَمْ يَجُزْ (انْتَهَى) . وَإِنْ أَخَذَ كَفِيلًا جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَثِيقَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الِاسْتِيفَاءِ. وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ: الْمَدْيُونُ قَالَ لِلْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ لَيْسَ عِنْدِي الْيَوْمَ مَالٌ وَلَكِنْ خُذْ هَذَا الثَّوْبَ رَهْنًا بِالْمَالِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ فَضَاعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْأَدَاءُ بِهِ.
(4/116)

وَصَحَّ مِنْهُمَا أَخْذُ الْكَفِيلِ وَصَحَّ ضَمَانُ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ الْمَدْيُونِ فِيهِ.
5 - وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْوَكِيلِ فِي الْمَبِيعِ الْمُشْتَرَى فِي الثَّمَنِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ بِالدَّيْنِ لَا الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِهِ، وَلِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَصَحَّ مِنْهُمَا أَخْذُ الْكَفِيلِ إلَخْ أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الِافْتِرَاقِ لَا الِاجْتِمَاعِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ تَوْكِيلَ غَيْرِهِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْقَبْضِ بِخِلَافِ وَكِيلِ الْبَيْعِ. كَذَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي أَحْكَامِ الْوُكَلَاءِ مِنْ الْفَصْلِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ فَنِّ الْفَوَائِدِ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ فِي عِيَالِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ أَوْ تَعْمِيمٍ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِغَيْرِ مَنْ فِي عِيَالِ الْوَكِيلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ حَيْثُ قَالَ: الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ وَلَوْ فَعَلَ لَا يَبْرَأُ الْمَدْيُونُ إلَّا أَنْ يَصِلَ الْمَالُ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ يَكُونَ الثَّانِي مِنْ عِيَالِ الْأَوَّلِ.
(انْتَهَى) . وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ: الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ رَجُلٍ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ لِلْمَطْلُوبِ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا وُهِبَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ أَوْ أَبْرَأَ أَوْ ارْتَهَنَ، لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ (انْتَهَى) .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَحِينَئِذٍ تُزَادُ صُورَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَهِيَ الْمُقَاصَّةُ فِي وَكِيلِ الْقَبْضِ دُونَ وَكِيلِ الْبَيْعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْعَدْلُ وَالْوَكِيلُ الْمُفْرَدُ بِالْبَيْعِ. وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي مَسَائِلَ، مِنْهَا أَنَّهُ يَبِيعُ الْوَلَدَ وَالْإِرْثَ وَمَا يُؤْخَذُ بِالْإِتْلَافِ. وَالْمُفْرَدُ لَا يَبِيعُ وَمِنْهَا إذَا بَاعَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى جِنْسِ الدَّيْنِ. وَالْمُفْرَدُ إذَا بَاعَ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ، وَمِنْهَا عَبْدُ الرَّهْنِ إذَا قَتَلَهُ عَبْدٌ فَدُفِعَ بِهِ فَالْعَدْلُ يَبِيعُهُ بِخِلَافِ الْمُفْرَدِ، وَمِنْهَا الْعَدْلُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ وَالْمُفْرَدُ لَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ الرَّاهِنُ الْمُوَكَّلُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ الْمُفْرَدِ.
(5) قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْوَكِيلِ فِي الْمَبِيعِ الْمُشْتَرِيَ إلَخْ صُورَتُهُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ: رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَفَعَ الْعَبْدَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ثُمَّ إنَّ
(4/117)

الْوَكِيلِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ إذَا سَلَّمَهُ لِلْمُوَكِّلِ بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ بِخِيَارٍ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ لِلثَّمَنِ، وَلَا يَصِحُّ نَهْيُ الْمُوَكِّلِ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ لِلثَّمَنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْبَائِعُ الْوَكِيلَ ضَمِنَ لِلْمُوَكِّلِ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَضَمَانُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الثَّمَنِ، وَبِالشَّرْطِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْمُوَكِّلُ لَوْ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَوْ صَحَّتْ صَارَ الْوَكِيلُ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ. وَالْأَمَانَاتُ لَا تَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً بِالشَّرْطِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَإِنْ قِيلَ: الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا كَفَلَ الْمُوَكِّلَ بِالثَّمَنِ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ. وَطَرِيقُ تَصْحِيحِ الْكَفَالَةِ ارْتِفَاعُ الْأَمَانَةِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أُجِيبُ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ طَرِيقُ تَصْحِيحِ الْكَفَالَةِ ارْتِفَاعَ الْأَمَانَةِ فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَمَانَةَ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ إخْرَاجَهُ مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ يُعْمِلُ نَهْيَهُ؟ فَإِذَا تَرَاضَى الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ عَلَى الْكَفَالَةِ مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّ الْأَمَانَةَ لَا تَبْقَى مَعَ الْكَفَالَةِ، فَقَدْ خَرَجَ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَمَّا هُنَا فَبِخِلَافِهِ هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(4/118)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ النِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُهُودٍ بِخِلَافِهَا.
1 - لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رِضَاهَا بِخِلَافِهَا، لَا مَهْرَ فِيهَا بِخِلَافِهِ، لَا تَصِحُّ إلَّا لِلْمُعْتَدَّةِ بِخِلَافِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ النِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ]
قَوْلُهُ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رِضَاهَا إلَخْ أَيْ لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ رِضَا الْمَنْكُوحَةِ يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ؛ النِّكَاحَ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ.
(4/119)

مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَكِيلُ وَالْوَصِيُّ: 1 - يَمْلِكُ الْوَكِيلُ عَزْلَ نَفْسِهِ.
2 - لَا الْوَصِيُّ بَعْدَ الْقَبُولِ
3 - لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْوَكَالَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْوِصَايَةِ، وَيَتَقَيَّدُ الْوَكِيلُ بِمَا قَيَّدَهُ الْمُوَكِّلُ وَلَا يَتَقَيَّدُ الْوَصِيُّ
4 - وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَكِيلُ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَكِيلُ وَالْوَصِيُّ]
قَوْلُهُ: يَمْلِكُ الْمُوَكَّلُ عَزْلَ نَفْسِهِ. يَعْنِي؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ مَسَائِلَ لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ فِيهَا عَزْلَ نَفْسِهِ.
(2) قَوْلُهُ: لَا الْوَصِيُّ بَعْدَ الْقَبُولِ. أَقُولُ: يَعْنِي بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَبْلَ الْوِصَايَةِ: لَوْ تَصَرَّفَ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ ادَّعَى عَزْلَ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْقِيَامِ فَلَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُوصِي أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ (انْتَهَى) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْقَبُولِ أَنَّ لَهُ عَزْلَ نَفْسِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَصِيًّا قَبْلَ الْقَبُولِ حَتَّى يَعْزِلَ نَفْسَهُ لِمَا سَيَأْتِي، أَنَّ الْقَبُولَ شَرْطٌ فِي الْوِصَايَةِ. وَحِينَئِذٍ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ إذْ لَا يَكُونُ وَصِيًّا بِدُونِ الْقَبُولِ.

(3) قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْوَكَالَةِ إلَخْ أَقُولُ: بَلْ يُكْتَفَى بِالسُّكُوتِ وَعَدَمِ الرَّدِّ.

(4) قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَكِيلُ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ. فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِقَبْضِ وَدِيعَةٍ عِنْدَ إنْسَانٍ، وَجَعَلَ لَهُ أَجْرًا مُسَمًّى عَلَى قَبْضِهَا وَالْإِتْيَانِ بِهَا جَازَ وَإِنْ وَكَّلَهُ بِتَقَاضِي دَيْنِهِ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا مُسَمًّى لَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنْ يُوَقِّتَ لِذَلِكَ وَقْتًا مِنْ الْأَيَّامِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْوَدِيعَةِ وَالْإِتْيَانَ بِهَا عَمَلٌ لَا يَطُولُ بِخِلَافِ الْخُصُومَةِ
(4/120)

بِخِلَافِ الْوَصِيِّ

وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْوِصَايَةُ تَصِحُّ؛ وَتَصِحُّ الْوِصَايَةُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْوَصِيُّ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ

وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيِّ الْإِسْلَامُ.
6 - وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ إلَّا الْعَقْلُ

، وَإِذَا مَاتَ الْوَصِيُّ قَبْلَ تَمَامِ الْمَقْصُودِ وَنَصَّبَ الْقَاضِي غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْوَكِيلِ لَا يُنَصِّبُ غَيْرَهُ إلَّا عَنْ مَفْقُودٍ لِلْحِفْظِ

وَفِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُ وَصِيَّ الْمَيِّتِ لِخِيَانَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَفِي أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَعِيبٌ وَلَا بَيِّنَةَ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ عَلَى الْبَتَاتِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ عَلَى نَفْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَالتَّقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْصُرُ وَيَطُولُ. فَإِنْ وَقَّتَ لِذَلِكَ وَقْتًا جَازَ وَإِلَّا فَلَا (انْتَهَى) . أَقُولُ وَإِنَّمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْوَكِيلُ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبَرُّعٌ بِالْعَمَلِ وَعَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ الْجُعْلِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ قَاضِي خَانْ. لَكِنَّ فِي الْخَانِيَّةِ أَوَائِلَ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَك عَلَى شِرَائِك لِي دِرْهَمٌ يَصِيرُ، وَكِيلًا وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ. (انْتَهَى) . وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْوَكِيلَ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ عَلَى عَمَلِهِ إذَا سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ أَجْرًا.
(5) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَصِيِّ إلَخْ أَيْ: وَصِيِّ الْقَاضِي أَمَّا وَصِيُّ الْمَيِّتِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَجْرًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ الْوَصِيَّ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى عَمَلِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَصِيَّ الْمَيِّتِ أَوْ وَصِيَّ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا قِيَاسًا فَلَا يَسْتَحِقُّ وَبِالِاسْتِحْسَانِ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ فَعَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ مِنْ أَنَّ وَصِيَّ الْمَيِّتِ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. كَمَا فِي الْقُنْيَةِ تَصْحِيحٌ لِلْقِيَاسِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ نَقْلٌ آخَرُ وَكَلَامُ قَاضِي خَانْ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ.

(6) قَوْلُهُ: وَالْحُرِّيَّةُ إلَخْ يَعْنِي: فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَصِيًّا عَلَى أَوْلَادِ غَيْرِ سَيِّدِهِ، أَمَّا عَلَى أَوْلَادِ سَيِّدِهِ إذَا كَانُوا صِغَارًا يَصِحُّ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُعْتَبَرَاتِ.
(4/121)

الْعِلْمِ وَهِيَ فِي الْقُنْيَةِ

وَلَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ أَهْلِ بَلْخِي فَالْأَفْضَلُ لِلْوَصِيِّ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَلْخَ. فَإِنْ أَعْطَى فِي كُورَةٍ أُخْرَى جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ

وَلَوْ أَوْصَى بِالتَّصَدُّقِ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَجِّ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ، وَلَوْ خَصَّ فَقَالَ لِفُقَرَاءِ هَذِهِ السِّكَّةِ لَمْ يَجُزْ، كَذَا فِي وَصَايَا خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى جِنْسٍ فَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ جَازَ، وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالتَّصَدُّقِ فَفَعَلَ الْمَأْمُورُ ذَلِكَ ضَمَّنَ الْمَأْمُورَ (انْتَهَى) .
7 - فَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْوَصِيُّ الْوَكِيلَ

لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُوصِي الْوَصِيَّ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ كَانَتْ وَصِيَّةً لَهُ بِشَرْطِ الْعَمَلِ، وَهِيَ فِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ صَحَّتْ وَإِلَّا لَا. وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمِينٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُمَا عَمَّا وَجَبَ بِعَقْدِهِمَا.

وَيُضَمَّنَانِ، وَكَذَا يَصِحُّ حَطُّهُمَا وَتَأْجِيلُهُمَا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُمَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ بِعَقْدِهِمَا. مَا افْتَرَقَ فِيهِ الْوَصِيُّ وَالْوَارِثُ. اعْلَمْ أَنَّ الْوَصِيَّ وَالْوَارِثَ يَشْتَرِكَانِ فِي الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْوَارِثُ أَقْوَى لِمِلْكِهِ الْعَيْنَ. فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إعْتَاقُهُ لَكِنْ يَمْلِكُ الْوَارِثُ إعْتَاقُهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَتَدْبِيرًا وَكِتَابَةً، وَلَا يَمْلِكُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْوَصِيُّ الْوَكِيلَ إلَخْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ رُجُوعُ الْإِشَارَةِ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ: وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ رُجُوعُ الْإِشَارَةِ إلَى مَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَوْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْإِشَارَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُوصِي الْوَصِيَّ لَصَحَّتْ الْإِشَارَةُ.
(4/122)

الْوَصِيُّ إلَّا التَّنْجِيزَ، وَهِيَ فِي التَّلْخِيصِ،

وَلَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ بَيْعَ التَّرِكَةِ. 8 - لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ.
9 - وَلَوْ فِي غَيْبَةِ الْوَصِيِّ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَهِيَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَصِيُّ الْقَاضِي كَوَصِيِّ الْمَيِّتِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَحْكَامٍ ذَكَرْنَاهَا فِي وَصَايَا الْفَوَائِدِ.
10 - أَمِينُ الْقَاضِي كَوَصِيِّهِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْأَمِينَ لَا تَلْحَقُهُ عُهْدَةٌ كَالْقَاضِي وَوَصِيُّهُ تَلْحَقُهُ كَوَصِيِّ الْمَيِّتِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلْنَخْتَتِمْ هَذَا الْفَنَّ بِقَوَاعِدَ شَتَّى مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَفَوَائِدَ لَمْ تُذْكَرْ فِيمَا سَبَقَ.

قَاعِدَةٌ: إذَا أَتَى بِالْوَاجِبِ وَزَادَ عَلَيْهِ. هَلْ يَقَعُ الْكُلُّ وَاجِبًا أَمْ لَا؟ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ فَرْضًا وَلَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهَا وَقَعَ فَرْضًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ. فَقِيلَ: يَقَعُ الْكُلُّ فَرْضًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ. أَيْ: لِقَضَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: فِي السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: لَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ بَيْعَ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ الْمُحِيطِ إلَّا بِرِضَاءِ الْغُرَمَاءِ، وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فَلْيُرَاجَعْ.
(9) قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي غَيْبَةِ الْوَصِيِّ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ غَيْبَتَهُ لَا تُوجِبُ عَزْلَهُ وَلَا أَنْ يُنَصِّبَ الْقَاضِي وَصِيًّا آخَرَ إلَّا إذَا كَانَ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً، فَيُنَصِّبُ وَصِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا.
(10) قَوْلُهُ: أَمِينُ الْقَاضِي كَوَصِيِّهِ إلَخْ أَمِينُ الْقَاضِي مَنْ يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي جَعَلْتُك أَمِينًا فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ مَثَلًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَلْحَقُهُ عُهْدَتُهُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَفِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُمِّ
(4/123)

وَالْمُعْتَمَدُ وُقُوعُ الرُّبُعِ فَرْضًا وَالْبَاقِي سُنَّةً وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِ الْغَسْلِ. فَقِيلَ: يَقَعُ الْكُلُّ فَرْضًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةَ مَعَ الثَّالِثَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَلَمْ أَرَ الْآنَ مَا إذَا أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ. هَلْ يَقَعُ فَرْضًا.
12 - أَوْ خُمُسَهُ

وَأَمَّا إذَا نَذَرَ ذَبْحَ شَاةٍ فَذَبَحَ بَدَنَةً، وَلَعَلَّ فَائِدَتَهُ فِي النِّيَّةِ: هَلْ يَنْوِي فِي الْكُلِّ الْوُجُوبَ أَوْ لَا؟ وَفِي الثَّوَابِ هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَوْ ثَوَابَ النَّفْلِ فِيمَا زَادَ؟ وَفِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ: لَوْ اسْتَحَقَّ الِاسْتِرْدَادَ مِنْ الْعَامِلِ هَلْ يَرْجِعُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ أَوْ الْكُلِّ؟ ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ قَالُوا فِي الْأُضْحِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ مَعْزِيًّا إلَى الْخُلَاصَةِ: الْغَنِيُّ إذَا ضَحَّى بِشَاتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَرْضًا.
13 - وَالْأُخْرَى تَطَوُّعٌ؛ وَقِيلَ الْأُخْرَى لَحْمًا (انْتَهَى)

وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ أَزْيَدَ مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، أَوْ زَادَ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ مَا نَصُّهُ: الْعُهْدَةُ عَلَى وَصِيِّ الْمَيِّتِ وَعَلَى مَنْ جَعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا جَعَلَهُ أَمِينًا فِي أُمُورِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّ الْقَاضِي نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَمِينُهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ. فَالْقَاضِي مَحْجُورٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ عِنْدَ وَصِيِّ الْمَيِّتِ وَعِنْدَ مَنْ نَصَّبَهُ وَصِيًّا عَنْ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلَهُ أَمِينًا (انْتَهَى) . وَالْعُهْدَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ الرَّجْعَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الرُّجُوعُ.

[قَاعِدَةٌ إذَا أَتَى بِالْوَاجِبِ وَزَادَ عَلَيْهِ هَلْ يَقَعُ الْكُلُّ وَاجِبًا أَمْ لَا]
(11) قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ وُقُوعُ الرُّبُعِ فَرْضًا إلَخْ أَقُولُ: عَلَى هَذَا يُطْلَبُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا أَوْ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَهُ.
(12) قَوْلُهُ: أَوْ خَمْسَةٌ إلَخْ لِأَنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إبِلًا بِنْتَ مَخَاضٍ وَهِيَ نَاقَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ وَاحِدٌ، كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.

(13) قَوْلُهُ: وَالْأُخْرَى تَطَوُّعٌ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَالصَّوَابُ النَّصْبُ.
(4/124)

حَالِهِمَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ فِي الْخَلَاءِ زَائِدًا عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، هَلْ يَأْثَمُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ لَا؟

[فَائِدَةٌ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ]
. فَائِدَةٌ:
14 - تَعَلُّمُ الْعِلْمِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ. وَفَرْضَ كِفَايَةٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ. وَمَنْدُوبًا، وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْقَلْبِ. وَحَرَامًا، وَهُوَ عِلْمُ الْفَلْسَفَةِ 15 - وَالشَّعْبَذَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَالرَّمْلِ وَعِلْمُ الطَّبِيعِيِّينَ وَالسِّحْرِ.
16 - وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمَنْطِقُ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ عِلْمُ الْحَرْفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: تَعَلُّمُ الْعِلْمِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ إلَخْ فِي الْمُبْتَغَى: تَعَلُّمُ الْعِلْمِ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَتَعَلُّمِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِيُعَلِّمَهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَالْفَقِيرِ يَتَعَلَّمُ كِتَابَ الزَّكَاةِ وَالْمَنَاسِكَ لِيُعَلِّمَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ وَهُوَ تَعَلُّمُ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ لِلْإِفْتَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ التَّعَلُّمُ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَأْكُلَ أَمْوَالَ الْأَغْنِيَاءِ وَيَسْتَخْدِمَ الْفُقَرَاءَ، ثُمَّ تَعْلِيمُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُتَعَلِّمُ فَرْضٌ لِإِقَامَةِ فَرَوْضِهِ كَتَعَلُّمِهِ، وَأَدَاءُ فَرَوْضِهِ يَعْنِي إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُعَلِّمَ عَبْدَهُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
(15) قَوْلُهُ: الشَّعْبَذَةِ إلَخْ أَقُولُ: الصَّوَابُ الشَّعْوَذَةُ وَهِيَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ خِفَّةٌ فِي الْيَدِ، أَخْذٌ كَالسِّحْرِ يُرَى الشَّيْءُ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ أَصْلُهُ.
(16) قَوْلُهُ: وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمَنْطِقُ إلَخْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ أَرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْقَوْلَ بِتَحْرِيمِ الْمَنْطِقِ، فَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ رَآهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَنْقُلَهُ. ثُمَّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ خُصُوصًا الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ كَثِيرٌ بِذَلِكَ وَلَا يَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ أَنَّهُ تَضْيِيعُ الْعُمْرِ. وَأَيْضًا مَنْ اشْتَغَلَ بِهِ يَمِيلُ إلَى الْفَلْسَفَةِ غَالِبًا فَكَأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَبِيلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْمَنْطِقِ مَا يُنَافِي الشَّرْعَ الْمُبِينَ (انْتَهَى) .
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَيْ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ الْمَنْطِقُ مَنْطِقُ الْفَلَاسِفَةِ، أَمَّا مَنْطِقُ الْإِسْلَامِيِّينَ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْإِسْلَامِيَّةَ وَقَدْ أَلَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ مِنْ
(4/125)

وَالْمُوسِيقِيِّ

وَمَكْرُوهًا، وَهُوَ أَشْعَارُ الْمُوَلَّدِينَ مِنْ الْغَزَلِ وَالْبَطَالَةِ. وَمُبَاحًا، كَأَشْعَارِهِمْ الَّتِي لَا سُخْفَ فِيهَا. وَكَذَا النِّكَاحُ تَدْخُلُهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْهُ. وَكَذَا الطَّلَاقُ تَدْخُلُهُ، وَكَذَا الْقَتْلُ

[فَائِدَةٌ الرَّجُلُ لَا يَصِيرُ مُحَدِّثًا كَامِلًا إلَّا أَنْ يَكْسِبَ أَرْبَعًا مَعَ أَرْبَعٍ]
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْبَزَّازِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: الرَّجُلُ لَا يَصِيرُ مُحَدِّثًا كَامِلًا إلَّا أَنْ يَكْسِبَ أَرْبَعًا مَعَ أَرْبَعٍ، كَأَرْبَعٍ مَعَ أَرْبَعٍ، فِي أَرْبَعٍ عِنْدَ أَرْبَعٍ، بِأَرْبَعٍ عَلَى أَرْبَعٍ، عَنْ أَرْبَعٍ لِأَرْبَعٍ، وَهَذِهِ الرُّبَاعِيَّاتُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعٍ مَعَ أَرْبَعٍ، فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ كُلُّهَا هَانَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ وَابْتُلِيَ بِأَرْبَعٍ، فَإِذَا صَبَرَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَعٍ وَأَثَابَهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَرْبَعٍ.
أَمَّا الْأُولَى فَأَخْبَارُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَائِعُهُ، وَأَخْبَارُ الصَّحَابَةِ وَمَقَادِيرُهُمْ، وَالتَّابِعِينَ وَأَحْوَالُهُمْ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَتَوَارِيخُهُمْ.
مَعَ أَرْبَعٍ: أَسْمَاءُ رِجَالِهِمْ وَكُنَاهُمْ وَأَمْكِنَتُهُمْ وَأَزْمِنَتُهُمْ.
كَأَرْبَعٍ: التَّحْمِيدُ مَعَ الْخُطَبِ، وَالدُّعَاءُ مَعَ التَّرَسُّلِ، وَالتَّسْمِيَةُ مَعَ السُّورَةِ، وَالتَّكْبِيرُ مَعَ الصَّلَوَاتِ.
مَعَ أَرْبَعٍ: الْمُسْنَدَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَالْمَوْقُوفَاتُ وَالْمَقْطُوعَاتُ.
فِي أَرْبَعٍ: فِي صِغَرِهِ، فِي إدْرَاكِهِ، فِي شَبَابِهِ، فِي كُهُولَتِهِ.
عِنْدَ أَرْبَعٍ: عِنْدَ شَغْلِهِ، عِنْدَ فَرَاغِهِ، عِنْدَ فَقْرِهِ، عِنْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ كَقُطْبِ الدِّينِ الرَّازِيِّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَمَّا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ وَسَمَّاهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ مِعْيَارَ الْعُلُومِ وَقَالَ: مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ لَا ثِقَةَ بِعِلْمِهِ. وَسَمَّاهُ ابْنُ سِينَا خَادِمَ الْعُلُومِ. (17) قَوْلُهُ: وَالْمُوسِيقِيِّ إلَخْ بِكَسْرِ الْقَافِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِلسَّيِّدِ ميرباد شَاهْ وَهُوَ عِلْمُ الْأَنْغَامِ.
(4/126)

غِنَاهُ.
بِأَرْبَعٍ: بِالْجِبَالِ، بِالْبِحَارِ، بِالْبَرَارِيِّ، بِالْبُلْدَانِ.
عَلَى أَرْبَعٍ: عَلَى الْحِجَارَةِ، عَلَى الْأَخْزَافِ، عَلَى الْجُلُودِ، عَلَى الْأَكْتَافِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ نَقْلُهَا إلَى الْأَوْرَاقِ.
عَنْ أَرْبَعٍ: عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَدُونَهُ، وَمِثْلُهُ، وَعَنْ كِتَابِ أَبِيهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ خَطُّهُ.
لِأَرْبَعٍ: لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرِضَاهُ وَلِلْعَمَلِ بِهِ إنْ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِنَشْرِهَا بَيْنَ طَالِبِيهَا، وَلِإِحْيَاءِ ذِكْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
ثُمَّ لَا تَتِمُّ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا بِأَرْبَعٍ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَهِيَ: مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ وَاللُّغَةِ وَالصَّرْفِ وَالنَّحْوِ.
مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَطَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: الصِّحَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِرْصِ وَالْحِفْظِ.
فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ هَانَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ: الْأَهْلُ وَالْوَلَدُ وَالْمَالُ وَالْوَطَنُ.
وَابْتُلِيَ بِأَرْبَعٍ: بِشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمَلَامَةِ الْأَصْدِقَاءِ وَطَعْنِ الْجُهَّالِ وَحَسَدِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِذَا صَبَرَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَعٍ: بِعِزِّ الْقَنَاعَةِ وَهَيْبَةِ النَّفْسِ وَلَذَّةِ الْعِلْمِ وَحَيَاةِ الْأَبَدِ.
وَأَثَابَهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ إخْوَانِهِ بِظِلِّ الْعَرْشِ حَيْثُ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَالشُّرْبِ مِنْ الْكَوْثَرِ وَجِوَارِ النَّبِيِّينَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ.
فَإِنْ لَمْ يُطِقْ احْتِمَالَ هَذِهِ الْمَشَاقِّ فَعَلَيْهِ بِالْفِقْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ تَعَلُّمُهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ قَارٌّ سَاكِنٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بُعْدِ أَسْفَارٍ وَوَطْءِ دِيَارٍ وَرُكُوبِ بِحَارٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ثَمَرَةُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ ثَوَابُ الْفَقِيهِ وَعِزُّهُ أَقَلَّ مِنْ ثَوَابِ الْمُحَدِّثِ وَعِزِّهِ (انْتَهَى) .
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي آخِرِ الْمُصَفَّى: إذَا سُئِلْنَا عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ مُخَالِفِينَا فِي الْفُرُوعِ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجِيبَ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَمَذْهَبَ مُخَالِفِينَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/127)

الصَّوَابَ؛ لِأَنَّك لَوْ قَطَعْت الْقَوْلَ لِمَا صَحَّ قَوْلُنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
وَإِذَا سُئِلْنَا عَنْ مُعْتَقَدِنَا وَمُعْتَقَدِ خُصُومِنَا فِي الْعَقَائِدِ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ: الْحَقُّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَالْبَاطِلُ مَا عَلَيْهِ خُصُومُنَا.
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (انْتَهَى) .

[قَاعِدَةٌ الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ إلَى مَعْرِفَةٍ لِلْعُمُومِ]
قَاعِدَةٌ:
18 - الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ إلَى مَعْرِفَةٍ لِلْعُمُومِ صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] .
19 - أَيْ كُلِّ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى

وَمِنْ فُرُوعِهِ الْفِقْهِيَّةِ: لَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ زَيْدٍ أَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ إلَى مَعْرِفَةٍ لِلْعُمُومِ إلَخْ يَعْنِي: اسْمُ الْجِنْسِ الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ إلَى مَعْرِفَةٍ. ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اسْمِ الْمُفْرَدِ الْمُضَافِ بَيْنَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَالْمَاءِ وَالْمَالِ وَمَا لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى الْوَاحِدِ كَالْعَبْدِ وَالْبَيْتِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ. قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: خَالَفَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْمِيمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ وَالْمُضَافِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَفَصَّلَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. فَيَعُمَّ وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ. إنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ سَوَاءٌ كَانَ مُضَافًا إلَى مُفْرَدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَشْمَلُ الْوَلَدَ. يَعْنِي فِي قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: أَوْ وَلَدُهَا الْوَلَدُ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهَا شَرْعًا وَإِنْ كَانَ هُوَ وَلَدًا مَجَازًا إلَخْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الشُّمُولِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مَعًا وَلَا نَقُولُ بِهِ.
(19) قَوْلُهُ: أَيْ كُلِّ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقٌ لَا عَامٌّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِشَرَفِ بْنِ كَمَالٍ.
(4/128)

لِلْكُلِّ، ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْوَقْفِ.
20 - وَقَدْ فَرَّعْتُهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ.

وَمِنْ فُرُوعِهَا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ حَمْلُك ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَثِنْتَيْنِ. فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى. قَالُوا لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ اسْمٌ لِلْكُلِّ. فَمَا لَمْ يَكُنْ الْكُلُّ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ. ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ فَفَرَّعْته عَلَيْهَا، وَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْعُمُومِ لَلَزِمَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ. وَخَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَةِ لَوْ قَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ. طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَعَتَقَ وَاحِدٌ، وَالتَّعْيِينُ إلَيْهِ، وَمُقْتَضَاهَا طَلَاقُ الْكُلِّ وَعِتْقُ الْجَمِيعِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْأَيْمَانِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ فَأَكْثَرُ، طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ وَالْبَيَانُ إلَيْهِ (انْتَهَى) .
وَكَأَنَّهُ إنَّمَا خَرَّجَ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْأَيْمَانِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعُرْفِ كَمَا لَا يَخْفَى.

[فَائِدَةٌ الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ]
فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ: عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ؛ وَهُوَ
21 - عِلْمُ النَّحْوِ، وَعِلْمُ الْأُصُولِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقَدْ فَرَّعْته عَلَى الْقَاعِدَةِ إلَخْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا التَّفْرِيعُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدٍ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُذَكَّرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَالصِّحَاحِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ. وَكَذَا فِي حَمْلٍ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ عَلَمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ أَيْضًا. وَفِي الْقَامُوسِ الْحَمْلُ مَا يُحْمَلُ فِي الْبَطْنِ مِنْ الْوَلَدِ.

(21) قَوْلُهُ: عِلْمُ النَّحْوِ وَالْأُصُولِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لِأَنَّهُمَا وَإِنْ دُوِّنَتْ قَوَاعِدُهُمَا وَحُرِّرَتْ. لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَا اُسْتُنْبِطَ مِنْهُمَا مِنْ الْفُرُوعِ عَلَى غَايَةٍ بَلْ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُهُمَا فِيهِمَا. فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَالْأَعَارِيبِ.
(4/129)

وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ؛ وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ.
23 - وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ؛ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
24 - فَائِدَةٌ: مِنْ الْجَوْهَرَةِ؛ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ثَلَاثٌ مِنْ الدَّنَاءَةِ اسْتِقْرَاضُ الْخُبْزِ، وَالْجُلُوسُ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ، وَالنَّظَرُ فِي مِرْآةِ الْحَجَّامِ.

فَائِدَةٌ: مِنْ الْمُسْتَطْرَفِ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَمَّا عِلْمُ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الذَّوْقِ فَلَا غَايَةَ لَهُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ. وَأَمَّا عِلْمُ التَّفْسِيرِ فَلِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ يُوقَفُ عَلَيْهَا، وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ إذْ مَوْضُوعُهُ فَهْمُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي وَوُجُوُهُ الْإِعْجَازِ وَمَوْقِعُ الْمُنَاسِبَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَكَيْفَ يُوقَفُ لَهُ عَلَى غَايَةٍ؟ بَلْ إنَّمَا يُعْطَى الشَّخْصُ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ لَا يَقِفُ عِنْدَ غَايَةٍ بِحَيْثُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَتَأَمَّلَهَا ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ. (23) قَوْلُهُ: وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ. قَالَ: بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَإِنَّهُمَا بَلَغَا نِهَايَةَ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا وَهُوَ بَيَانُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُمَا شَرْعًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.

[فَائِدَةٌ ثَلَاثٌ مِنْ الدَّنَاءَةِ]
(24) قَوْلُهُ: فَائِدَةٌ مِنْ الْجَوْهَرَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثَلَاثٌ مِنْ الدَّنَاءَةِ إلَخْ أَقُولُ: قَدْ زِيدَ رَابِعٌ وَخَامِسٌ، أَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ دُخُولُ الْحَمَّامِ فِي الْغَدَاةِ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّجْنِيسِ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَهُوَ أَخْذُ صَاحِبِ السَّنَابِلِ سَنَابِلَهُ بَعْدِ جَمْعِ غَيْرِهِ لَهُ يُعَدُّ مِنْ الدَّنَاءَةِ ذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
(4/130)

لَيْسَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا خَمْسَةٌ: كَلْبُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَكَبْشُ إسْمَاعِيلَ، وَنَاقَةُ صَالِحٍ وَحِمَارُ عُزَيْرٍ، وَبُرَاقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فَائِدَةٌ مِنْهُ: الْمُؤْمِنُ مَنْ يَقْطَعُهُ خَمْسَةٌ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ لَيْسَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا خَمْسَةٌ]
قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا خَمْسَةٌ إلَخْ أَيْ: مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا نُطْقَ لَهُ وَإِلَّا فَالْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ. قَالَ فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ مُقَاتِلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَشَرَةٌ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: نَاقَةُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَنَاقَةُ صَالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَعِجْلُ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَكَبْشُ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَبَقَرَةُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَحُوتُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَحِمَارُ عُزَيْرٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَنَمْلَةُ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُدْهُدُ بِلْقِيسَ، وَكَلْبُ أَهْلِ الْكَهْفِ كُلُّهُمْ يُحْشَرُونَ كَذَا فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ (انْتَهَى) . وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ مَا ذَكَرَهُ مُقَاتِلٌ فَقَالَ:
يَدْخُلُ يَا صَاحِ دَوَابُّ عَشَرَهْ ... فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ بِنَقْلِ الْبَرَرَهْ
ذَكَرَهُ فِي نَقْلِهِ مُقَاتِلُ ... حَقًّا كَمَا صَحَّحَهُ الْأَوَائِلُ
أَوَّلُهَا عِجْلُ النَّبِيّ الْخَلِيلِ ... وَمِثْلُهُ كَبْشُ فَدَى إسْمَاعِيلَ
وَنَاقَةٌ مِلْكُ النَّبِيِّ أَحْمَدَا ... وَنَاقَةُ الصَّالِحِ أَخِي الْهُدَى
وَكَلْبُ أَهْلِ الْكَهْفِ ذُو الْوَصِيدِ ... رَفِيقُهُمْ فِي جَنَّةِ الْخُلُودِ
وَحُوتُ يُونُسِ تَمَامُ الْجُمْلَةِ ... وَاذْكُرْ أَخِي هُدْهُدًا أَوْ نَمْلَةِ
وَاذْكُرْ لِإِسْرَائِيلَ أَهْلَ الْبَقَرَةِ ... وَاخْتِمْ بِهَا فَهِيَ تَمَامُ الْعَشَرَةِ
وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ حِمَارُ الْعُزَيْرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي دِيوَانِ الْحَيَوَانِ، وَذِئْبُ يَعْقُوبَ، نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الدَّاوُدِيِّ تِلْمِيذِ الْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ دُلْدُلًا بَغْلَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جُمْلَةِ الدَّوَابِّ الَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ. وَذَكَرَ فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: أَنَّهَا كُلُّهَا تَصِيرُ عَلَى صُورَةِ الْكَبْشِ وَقَدْ أَلْحَقْتهَا نَظْمًا وَقُلْت:
كَذَا حِمَارٌ مَا لَهُ نُظَيْرُ ... لِمَنْ سُمِّيَ بَيْنَ الْوَرَى عُزَيْرُ
وَدُلْدُلٌ خُصَّتْ مِنْ الْبِغَالِ ... لَهَا بِذَلِكَ رُتْبَةُ الْكَمَالِ
وَذِئْبُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ نَبَّهَا ... بَعْضُ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ النُّبَهَا
كَذَا الْبُرَاقُ خَاتِمٌ لِلْجُمْلَةِ ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ النِّعْمَةِ
(4/131)

ظُلْمَةُ الْغَفْلَةِ، وَغَيْمُ الشَّكِّ، وَرِيحُ الْفِتْنَةِ، وَدُخَانُ الْحَرَامِ؛ وَنَارُ الْهَوَى.
27 - فَائِدَةٌ: فِي الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ: سُئِلْتُ عَنْهُ فِي طَاعُونِ سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِ مِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ فَأَجَبْت بِأَنِّي لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، وَلَكِنْ صَرَّحَ فِي الْغَايَةِ وَعَزَاهُ الشُّمُنِّيُّ إلَيْهَا بِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ.
28 - قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْقُنُوتُ عِنْدَ النَّوَازِلِ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْمُؤْمِنُ مَنْ يَقْطَعُهُ خَمْسَةٌ]
قَوْلُهُ: ظُلْمَةُ الْغَفْلَةِ إلَخْ لَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَقَرِينَتُهَا الِاسْتِعَارَةُ التَّخْيِيلِيَّةُ.

[فَائِدَةٌ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ]
(27) قَوْلُهُ: فَائِدَةٌ فِي الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ إلَخْ فِي تُحْفَةِ الرَّاغِبِينَ فِي أَمْرِ الطَّوَاعِينِ مَا نَصُّهُ: اسْتَشْكَلَ بَعْضٌ طَلَبَ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ مَعَ أَنَّهُ رَحْمَةٌ وَشَهَادَةٌ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الطَّاعُونَ مَنْشَأُ الشَّهَادَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنْفُسِهِمَا، الْمَطْلُوبُ رَفْعُ مَا هُوَ الْمُنْشَأُ وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَمُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ وَقَدْ ثَبَتَ سُؤَالُ الْعَافِيَةِ مِنْهَا (انْتَهَى) .
وَفِي تُحْفَةِ الرَّاغِبِينَ أَيْضًا. أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الدُّعَاءُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالطَّاعُونِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَلَوْ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الشَّهَادَةُ. كَمَا لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْغَرَقِ وَالْهَدْمِ وَنَحْوِهِمَا بِلَا مُوجِبٍ. وَكَذَا الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ. وَفِي كَلَامِ الْكَرَابِيسِيِّ مَا يُشْعِرُ بِكَرَاهَتِهِ دُونَ تَحْرِيمِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ دَعَا عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعَا لِأَنَسٍ بِطُولِ الْعُمْرِ» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَنْ فِي بَقَائِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُنْدَبُ الدُّعَاءُ بِهِ حِينَئِذٍ وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ يَظْهَرُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ عُمْرَ زَيْدٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَإِنْ دُعِيَ لَهُ فَأَرْبَعُونَ وَعَلَى هَذَا يَنْزِلُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ.
(28) قَوْلُهُ: قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَخْ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيُكَبِّرُ لَهُ.
(4/132)

كُلِّهَا (انْتَهَى) .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ مُسْتَمِرٌّ لَمْ يُنْسَخْ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» ) أَيْ عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ يُفِيدُ تَقَرُّرَهُ لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ قَنَتَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُحَارَبَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَعِنْدَ مُحَارَبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ قَنَتَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَذَلِكَ قَنَتَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مُحَارَبَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقَنَتَ مُعَاوِيَةُ فِي مُحَارَبَتِهِ (انْتَهَى) . فَالْقُنُوتُ عِنْدَنَا فِي النَّازِلَةِ ثَابِتٌ. وَهُوَ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهَا.
29 - وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ أَشَدِّ النَّوَازِلِ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: النَّازِلَةُ الْمُصِيبَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ (انْتَهَى) . وَفِي الْقَامُوسِ: النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ (انْتَهَى) . وَفِي الصِّحَاحِ: النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: وَلَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ. فَإِنْ وَقَعَتْ بَلِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا فِيهَا، يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ (انْتَهَى) . فَإِنْ قُلْت هَلْ لَهُ صَلَاةٌ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ أَشَدِّ النَّوَازِلِ إلَخْ أَقُولُ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّوَازِلِ إلَّا أَنَّهُ رَحْمَةٌ وَشَهَادَةٌ فَلَا يُطْلَبُ رَفْعُهُمَا.
(4/133)

قُلْت هُوَ كَالْخُسُوفِ لِمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي قُبَيْلَ الزَّكَاةِ: فِي الْخُسُوفِ وَالظُّلْمَةِ، فِي النَّهَارِ وَاشْتِدَادِ الرِّيحِ وَالْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالْأَفْزَاعِ وَعُمُومِ الْمَرَضِ يُصَلِّي وُحْدَانًا (انْتَهَى) .
31 - وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَرَضِ فَتُسَنُّ لَهُ رَكْعَتَانِ فُرَادَى، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ أَنَّهُ يَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا فِي الظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ بِالنَّهَارِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَانْتِشَارِ الْكَوَاكِبِ وَالضَّوْءِ الْهَائِلِ بِاللَّيْلِ وَالثَّلْجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَعُمُومِ الْأَمْرَاضِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْزَاعِ وَالْأَهْوَالِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الْمُخَوِّفَةِ (انْتَهَى) . فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُشْرَعُ الِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ بِالْقَاهِرَةِ بِالْجَبَلِ؟ 32 - قُلْت: هُوَ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَقَدْ قَالَ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ: وَالصَّلَاةُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ تُؤَدَّى فُرَادَى وَكَذَلِكَ فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ، لَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى وَيَدْعُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قُلْت هُوَ كَالْخُسُوفِ إلَخْ أَقُولُ: هَذَا قِيَاسٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرَائِطِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُجُودِ الشَّرَائِطِ، فَبَابُ الْقِيَاسِ مَسْدُودٌ فِي زَمَانِنَا إنَّمَا لِلْعُلَمَاءِ النَّقْلُ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى أَنَّهُ نَفْسُهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةٍ مُنْقَطِعٌ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِيسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ.
(31) قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَرَضِ إلَخْ قُلْت: الطَّاعُونُ لَيْسَ مَرَضًا؛ لِأَنَّهُ وَخْزُ الْجِنِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ.
(32) قَوْلُهُ: قُلْت هُوَ كَخُسُوفِ الْقَمَرِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا تَغْفُلْ.
(4/134)

وَيَتَضَرَّعُونَ إلَى أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ (انْتَهَى) . فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فُرَادَى، وَفِي الْمُجْتَبَى فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ: وَقِيلَ الْجَمَاعَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً (انْتَهَى) . وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ وَكَذَا فِي غَيْرِ الْخُسُوفِ مِنْ الْأَفْزَاعِ؛ كَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ.
34 - وَالظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَالْأَفْزَاعِ الْغَالِبَةِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ خُسُوفِ الْقَمَرِ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ. فَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 35 - إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ صَلَّى» (انْتَهَى) . وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وَالظُّلْمَةُ الْهَائِلَةُ بِالنَّهَارِ وَالثَّلْجُ وَالْأَمْطَارُ الدَّائِمَةُ وَالصَّوَاعِقُ وَالزَّلَازِلُ وَانْتِشَارُ الْكَوَاكِبِ وَالضَّوْءُ الْهَائِلِ بِاللَّيْلِ وَعُمُومُ الْأَمْرَاضِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّوَازِلِ وَالْأَهْوَالِ وَالْأَفْزَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَيَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَالصَّوَابُ يَدْعُوا وَيَتَضَرَّعُوا بِإِسْقَاطِ النُّونِ.
(34) قَوْلُهُ: وَالظُّلْمَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَخْ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّهُ فِي الْغَدِ بِالْمُعْجَمَةِ وَأَدَاةِ الظَّرْفِ.
(35) قَوْلُهُ: إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ إلَخْ فِي الْقَامُوسِ حَزَبَهُ الْأَمْرُ نَابَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ أَوْ ضَغَطَهُ وَالِاسْمُ الْحُزَابَةُ بِالضَّمِّ.
(4/135)

إذَا وَقَعْنَ صَلَّوْا وُحْدَانًا وَسَأَلُوا وَتَضَرَّعُوا، وَكَذَا فِي الْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ (انْتَهَى) . فَقَدْ صَرَّحُوا بِالِاجْتِمَاعِ.
37 - وَالدُّعَاءِ بِعُمُومِ الْأَمْرَاضِ، وَقَدْ صَرَّحَ شَارِحُو الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الطَّاعُونِ كَابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ الْوَبَاءَ اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ عَامٍّ وَأَنَّ كُلَّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا (انْتَهَى) .
38 - فَتَصْرِيحُ أَصْحَابِنَا بِالْمَرَضِ الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْوَبَاءِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَشْمَلُ الطَّاعُونَ.
39 - وَبِهِ عُلِمَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ، لَكِنْ يُصَلُّونَ فُرَادَى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي رَكْعَتَيْ رَفْعِ الطَّاعُونِ.
40 - وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إذَا وَقَعْنَ صَلَّوْا وُحْدَانًا إلَخْ أَقُولُ: الصَّوَابُ إذَا وَقَعَتْ. كَمَا فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مِمَّا لَا يَعْقِلُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَاحِدِ مِنْ الْإِنَاثِ.
(37) قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ بِعُمُومِ الْأَمْرَاضِ إلَخْ لَيْسَتْ الْبَاءُ صِلَةَ الدُّعَاءِ بَلْ الْبَاءُ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ.
(38) قَوْلُهُ: فَتَصْرِيحُ أَصْحَابِنَا بِالْمَرَضِ الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْوَبَاءِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ الطَّاعُونَ غَيْرُ الْوَبَاءِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْوَبَاءِ لِكَوْنِهِ يَكْثُرُ فِي الْوَبَاءِ كَمَا فِي الْهَدْيِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَبَاءَ هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ، وَالطَّاعُونُ لَيْسَ مَرَضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ بَلْ هُوَ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ.
(39) قَوْلُهُ: وَبِهِ عُلِمَ جَوَازُ الِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ.
(40) قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِلدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ إلَخْ أَقُولُ: مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْبِدْعَةِ صَادِقٌ عَلَيْهِ.
(4/136)

شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: سَبَبَهُ وَحُكْمَ مَنْ مَاتَ بِهِ وَمَنْ أَقَامَ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدٍ هُوَ فِيهَا وَمَنْ دَخَلَهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ أَصْحَابَنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمْ يُهْمِلُوا الْكَلَامَ عَلَى الطَّاعُونِ

وَقَدْ أَوْسَعَ الْكَلَامَ فِيهِ الْإِمَامُ الشِّبْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاضِي الْقُضَاةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِبَذْلِ الْمَاعُونِ فِي فَوَائِدِ فَصْلِ الطَّاعُونِ " وَقَدْ طَالَعْته فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الطَّاعُونَ إذَا ظَهَرَ فِي بَلَدٍ أَنَّهُ مَخُوفٌ إلَى أَنْ يَزُولَ عَنْهَا؛ فَتُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْمَرِيضِ.
41 - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَتَانِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ وَلَكِنَّ قَوَاعِدَهُمْ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا هُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَكَذَا قَالَ لِي جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (انْتَهَى) . قُلْت إنَّمَا كَانَتْ قَوَاعِدُنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَابِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ: لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ وَهُوَ مَحْصُورٌ أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ. فَلَا مِيرَاثَ لِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ، 42 - بِخِلَافِ مَنْ بَارَزَ رَجُلًا أَوْ قَدِمَ لِيُقْتَلَ بِقَوَدٍ أَوْ رَجْمٍ فَإِنَّهُ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَتَانِ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُمْ إلَخْ أَقُولُ: الَّذِي فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا.
(42) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ بَارَزَ رَجُلًا إلَخْ قِيلَ فِي كَوْنِ الْغَالِبِ الْهَلَاكَ فِيمَنْ
(4/137)

حُكْمِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْهَلَاكُ (انْتَهَى) . وَغَايَةُ الْأَمْرِ فِي الطَّاعُونِ أَنْ يَكُونَ مَنْ نَزَلَ بِبَلَدِهِمْ كَالْوَاقِفِينَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ؛ فَلِذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا لِابْنِ حَجَرٍ: إنَّ قَوَاعِدَنَا تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّحِيحِ، يَعْنِي قَبْلَ نُزُولِهِ بِوَاحِدٍ، أَمَّا إذَا طُعِنَ وَاحِدٌ فَهُوَ مَرِيضٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُطْعَنْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ الطَّاعُونُ.

وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تُسْتَنْبَطُ مِنْ أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الدُّخُولِ إلَى بَلَدِ الطَّاعُونِ، وَهُوَ مَنْعُ التَّعَرُّضِ إلَى الْبَلَاءِ

وَمِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّوَاءِ:
43 - التَّحَرُّزُ فِي أَيَّامِ الْوَبَاءِ مِنْ أُمُورٍ أَوْصَى بِهَا حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ.
44 - مِثْلُ إخْرَاجِ الرُّطُوبَاتِ الْفَصِيلَةِ وَتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَتَرْكِ الرِّيَاضَةِ وَالْمُكْثِ فِي الْحَمَّامِ وَمُلَازَمَةِ السُّكُونِ وَالدَّعَةِ وَأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ اسْتِنْشَاقِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ عَفِنٌ. وَصَرَّحَ الرَّئِيسُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا بِأَنَّ.
45 - أَوَّلَ شَيْءٍ يُبْدَأُ بِهِ فِي عِلَاجِ الطَّاعُونِ الشُّرَطُ إنْ أَمْكَنَ، فَيُسِيلُ مَا فِيهِ وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يَجْمُدَ فَتَزْدَادَ سُمِّيَّتُهُ؛ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
بَارَزَ رَجُلًا وَاحِدًا نَظَرٌ خُصُوصًا إذَا كَانَ هَذَا الْمُبَارِزُ أَقْوَى وَأَشْجَعَ مِنْ قَرِينِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى جَمَاعَةٍ.

(43) قَوْلُهُ: التَّحَرُّزُ إلَخْ نَائِبُ فَاعِلِ تُسْتَنْبَطُ.
(44) قَوْلُهُ: مِثْلُ إخْرَاجِ الرُّطُوبَاتِ الْفَصِيلَةِ إلَخْ أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَا أَوْصَى الْأَطِبَّاءُ بِالتَّحَرُّزِ مِنْهُ بَلْ مِمَّا أَمَرُوا بِهِ.
(45) قَوْلُهُ: أَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ فِي عِلَاجِ الطَّاعُونِ الشَّرْطُ إلَخْ أَقُولُ: قَالَ
(4/138)

مَصِّهِ بِالْمِحْجَمَةِ فَلْيَفْعَلْ بِلُطْفٍ، وَقَالَ أَيْضًا: يُعَالَجُ الطَّاعُونُ بِمَا يَقْبِضُ وَيُبَرِّدُ وَبِإِسْفَنْجَةٍ مَغْمُوسَةٍ فِي خَلٍّ أَوْ مَاءٍ أَوْ دُهْنِ وَرْدٍ أَوْ دُهْنِ تُفَّاحٍ أَوْ دُهْنٍ آسٍ، وَيُعَالَجُ بِالِاسْتِفْرَاغِ بِالْقَصْدِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْوَقْتُ، أَوْ يُؤْجَرُ مَا يُخْرِجُ الْخَلْطَ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْقَلْبِ بِالْحِفْظِ وَالتَّقْوِيَةِ بِالْمُبَرِّدَاتِ وَالْمُعَطِّرَاتِ، وَيَجْعَلُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ أَدْوِيَةِ أَصْحَابِ الْخَفَقَانِ الْجَائِرِ. قُلْت: وَقَدْ أَغْفَلَ الْأَطِبَّاءُ فِي عَصْرِنَا وَمَا قَبْلَهُ هَذَا التَّدْبِيرَ، فَوَقَعَ التَّفْرِيطُ الشَّدِيدُ مِنْ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِصَاحِبِ الطَّاعُونِ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ حَتَّى شَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ وَذَاعَ بِحَيْثُ صَارَ عَامَّتُهُمْ تَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ رَئِيسِهِمْ يُخَالِفُ مَا اعْتَمَدُوهُ وَالْعَقْلُ يُوَاقِفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّعْنَ يُثِيرُ الدَّمَ الْكَائِنَ فَيَهِيجُ فِي الْبَدَنِ فَيَصِلُ إلَى مَكَان مِنْهُ ثُمَّ يَصِلُ أَثَرُ ضَرَرِهِ إلَى الْقَلْبِ فَيَقْتُلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِينَا لَمَّا ذَكَرَ الْعِلَاجَ بِالشَّرْطِ وَالْقَصْدِ إنَّهُ وَاجِبٌ. انْتَهَى كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إذَا تَزَلْزَلَتْ الْأَرْضُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ؛ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِرَارُ إلَى الصَّحْرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْهَدْيِ: هَذِهِ الْقُرُوحُ وَالْأَوْرَامُ وَالْجِرَاحَاتُ هِيَ آثَارُ الطَّاعُونِ وَلَيْسَتْ نَفْسَهُ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تُدْرِكْ مِنْهُ الْأَطِبَّاءُ إلَّا الْأَثَرَ الظَّاهِرَ جَعَلُوهُ نَفْسَ الطَّاعُونِ وَالطَّاعُونُ يُعَبِّرُ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا هَذَا الْأَثَرُ الظَّاهِرُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ، وَالثَّانِي الْمَوْتُ الْحَادِثُ عَنْهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ، الثَّالِثُ السَّبَبُ الْفَاعِلُ لِهَذَا الدَّاءِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ. وَوَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ وَخْزُ الْجِنِّ. وَجَاءَ أَنَّهُ دَعْوَى نَبِيٍّ (انْتَهَى) . فَلْيُرَاجَعْ فَثَمَّ فَوَائِدُ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فَوَائِدُ وَالشُّرَطُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي تُحْفَةِ الرَّاغِبِينَ
(4/139)

{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وَفِيهِ قِيلَ: الْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ (انْتَهَى) .
46 - وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إذَا نَزَلَ بِبَلْدَةٍ. وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِخِلَافِهِ. رَوَى الْعَلَائِيُّ فِي فَتَاوَاهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِهَدَفٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِرَارِي إلَى قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا» انْتَهَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ إلَخْ أَقُولُ: فِي الْإِفَادَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ.
(4/140)

فَائِدَةٌ:
1 - نَقَلَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا، كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي حُسْنِ الْمُحَاضَرَةِ فِي أَخْبَارِ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ، عِنْدَ ذِكْرِ الْأُمَرَاءِ. قُلْت: يُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا قُفِلَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا تُفْتَحُ، كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَصْرِنَا بِالْقَاهِرَةِ فِي كَنِيسَةِ.
2 - تِجَارَةِ زُوَيْلَةَ.
3 - قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ قَاضِي الْقُضَاةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَمْ تُفْتَحْ إلَى الْآنَ، حَتَّى وَرَدَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ بِفَتْحِهَا فَلَمْ يَتَجَاسَرْ حَاكِمٌ عَلَى فَتْحِهَا. وَلَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ الْإِجْمَاعِ قَوْلَ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: وَيُعَادُ الْمُنْهَدِمُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هَدَمَهُ الْإِمَامُ لَا فِيمَا انْهَدَمَ فَلْيُتَأَمَّلْ.

فَائِدَةٌ: الْفِسْقُ لَا يَمْنَعُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِمْرَةِ وَالسَّلْطَنَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَالتَّوْلِيَةِ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْكَنِيسَةَ إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إعَادَتُهَا]
(1) قَوْلُهُ: نَقَلَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ إلَخْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَأَى شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلِلثَّانِي تَغْيِيرُهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ إلَخْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَذْهَبِيِّ أَوْ يُقَالَ إنَّ إعَادَةَ الْكَنَائِسِ لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ.
(2) قَوْلُهُ: تِجَارَةِ زُوَيْلَةَ: بِفَتْحِ الزَّايِ كَمَا فِي الْخِطَطِ.
(3) قَوْلُهُ: قَفَلَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسَ إلَخْ حِينَ اجْتَمَعَ عَلَى قَفْلِهَا كُلُّ عُلَمَاءِ مِصْرَ فِي عَصْرِهِ، وَعَلَى صِحَّةِ مَا حُكِمَ بِهِ حَتَّى كَتَبَ غَالِبُهُمْ فِي ذَلِكَ رَسَائِلَ وَبَالَغُوا فِي وُجُوبِ مَنْعِهِمْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِهَا.
(4/141)

الْأَوْقَافِ، وَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ كَمَا كَتَبْنَاهُ فِي الشَّرْحِ، وَإِذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ.
4 - يَجِبُ عَزْلُهُ أَوْ يَحْسُنُ عَزْلُهُ.
5 - إلَّا الْأَبَ السَّفِيهَ؛ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي مَالِ وَلَدِهِ، كَمَا فِي وَصَايَا الْخَانِيَّةِ. وَقِسْت عَلَيْهِ النَّظَرَ، فَلَا نَظَرَ لَهُ فِي الْوَقْفِ وَإِنْ كَانَ ابْنَ الْوَاقِفِ الْمَشْرُوطُ لَهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لِنَفْسِهِ لَا يَنْفُذُ، فَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ؟ وَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى مَالِهِ وَلِذَا لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي مَحِلِّهِ، فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ عَلَى مَالِ الْوَقْفِ؟ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الصَّالِحُ لِلنَّظَرِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ الْوِلَايَةَ لِلْوَقْفِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِسْقٌ يُعْرَفُ، ثُمَّ قَالَ: وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مِمَّا يُخْرَجُ بِهِ النَّاظِرُ مَا إذَا ظَهَرَ بِهِ فِسْقٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (انْتَهَى) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ (يُخْرَجُ) مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي لَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِهِ.
6 - لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاضِي.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السَّفَهَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِسْقَ، لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ حَجْرِ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ الْمُضَيِّعِ لِمَالِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الشَّرِّ، بِأَنْ جَمَعَ أَهْلَ الشَّرَابِ وَالْفَسَقَةَ فِي دَارِهِ وَيُطْعِمُهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْفِسْقُ لَا يَمْنَعُ الْأَهْلِيَّةَ]
(4) قَوْلُهُ: يَجِبُ عَزْلُهُ أَوْ يَحْسُنُ عَزْلُهُ إلَخْ أَقُولُ: لَا مُقَابَلَةَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْحُسْنِ كُلِّيَّةً حَتَّى يَحْسُنَ الْعَطْفُ بِأَوْ.
(5) قَوْلُهُ: إلَّا الْأَبَ السَّفِيهَ إلَخْ أَقُولُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ السَّابِقِ فِي الْفِسْقِ لَا فِي السَّفَهِ، وَالسَّفَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفِسْقَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
(6) قَوْلُهُ: لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاضِي إلَخْ أَيْ مِنْ أَنَّهُ إذَا فَسَقَ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ.
(4/142)

وَيَسْقِيهِمْ وَيُسْرِفُ فِي النَّفَقَةِ وَيَفْتَحُ بَابَ الْجَائِزَةِ وَالْعَطَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوْ فِي الْخَيْرِ، بِأَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَيَحْجُرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي صِيَانَةً لِمَالِهِ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ السَّفِيهَ
7 - مَنْ عَادَتُهُ التَّبْذِيرُ وَالْإِسْرَافُ فِي النَّفَقَةِ.
8 - وَأَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا لَا لِغَرَضٍ أَوْ لِغَرَضٍ لَا يَعُدُّهُ الْعُقَلَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَةِ غَرَضًا مِثْلُ: دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمُغَنِّي وَاللَّعَّابِ وَشِرَاءِ الْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ بِثَمَنٍ غَالٍ وَالْغَبْنِ فِي التِّجَارَاتِ مِنْ غَيْرِ مَحْمَدَةٍ. وَأَصْلُ الْمُسَامَحَاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مَشْرُوعٌ، وَالْإِسْرَافُ حَرَامٌ كَالْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (انْتَهَى) . وَالْغَفْلَةُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا. وَالْغَافِلُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ وَلَا يَقْصِدُهُ لَكِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّابِحَةِ؛ فَيُغْبَنُ فِي الْبِيَاعَاتِ لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ.
ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا.
وَلَمْ أَرَ حُكْمَ شَهَادَةِ السَّفِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُضَيِّعًا لِمَا لَهُ فِي الشَّرِّ، فَهُوَ فَاسِقٌ لَا. تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْخَيْرِ فَتُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. لَكِنْ هَلْ الْمُرَادُ بِالْمُغَفَّلِ فِي الشَّهَادَةِ الْمُغَفَّلُ فِي الْحَجْرِ؟ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَمَنْ اشْتَدَّتْ غَفْلَتُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(7) قَوْلُهُ: مَنْ عَادَتُهُ التَّبْذِيرُ وَالْإِسْرَافُ إلَخْ. أَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّبْذِيرَ تَجَاوُزٌ فِي مَوْضِعِ الْحَقِّ فَهُوَ جَهْلٌ بِمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ، وَالْإِسْرَافُ تَجَاوُزٌ فِي الْكَمِّيَّةِ فَهُوَ جَهْلٌ بِمَقَادِيرِ الْحُقُوقِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ.
(8) قَوْلُهُ: وَأَنْ يَتَصَرَّفَ. عَطْفٌ عَلَى التَّبْذِيرِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ السَّفِيهُ مَنْ عَادَتُهُ أَنْ يُبَذِّرَ وَأَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا لَا لِغَرَضٍ.
(4/143)

انْتَهَى) . وَفِي الْمُغْرِبِ: رَجُلٌ مُغَفَّلٌ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ التَّغْفِيلِ وَهُوَ الَّذِي لَا فِطْنَةَ لَهُ (انْتَهَى) . وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْغَفْلَةُ غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنْ بَالِ الْإِنْسَانِ وَعَدَمُ تَذَكُّرِهِ لَهُ (انْتَهَى) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُغَفَّلَ فِي الْحَجْرِ غَيْرُهُ فِي الشَّهَادَةِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْحَجْرِ مَنْ لَا يَهْتَدِي إلَى التَّصَرُّفِ الرَّابِحِ وَفِي الشَّهَادَةِ مَنْ لَا يَتَذَكَّرُ مَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/144)

فَائِدَةٌ:
1 - لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ لَهُ حُكْمَ الْإِمَامِ وَهُوَ يُكْرَهُ انْفِرَادُهُ عَلَى الدُّكَّانِ؛ لِأَنَّهُ.
2 - مُعَلَّلٌ بِالتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، بِهِ أَفْتَيْت.

فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْأَبِيُّ مِنْ الْقَضَاءِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، 3 - الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ، فَرْقُ مَا بَيْنَ الْأَخَصِّ وَالْأَعَمِّ.
فَفِقْهُ الْقَضَاءِ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَعِلْمُ الْقَضَاءِ الْفِقْهُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى النَّوَازِلِ الْوَاقِعَةِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرَّفِيقِ، أَنَّ أَمِيرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ]
قَوْلُهُ: الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ عَلَى دُكَّانٍ إلَخْ أَقُولُ: بِحَيْثُ يُحَاذِي خَزَائِنَ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الدُّكَّانُ عَالِيًا بِحَيْثُ لَا يُحَاذِي جُزْءًا مِنْ الْمَيِّتِ فَالصَّلَاةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ مُحَاذَاةَ جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ رُكْنٌ، كَمَا فِي التُّحْفَةِ.
(2) قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالتَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ إلَخْ قِيلَ عَلَيْهِ: لَمْ يَقْتَصِرْ الْمَشَايِخُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ عَلَّلُوهُ بِعِلَّتَيْنِ هَذِهِ وَاخْتِلَافُ الْمَكَانِ وَهُوَ هُنَا مَوْجُودٌ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْقَدِيمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: اخْتِلَافُ الْمَكَانِ مُفْسِدٌ لِلِاقْتِدَاءِ لَا مُوجِبٌ لِلْكَرَاهَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِلْكَرَاهَةِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ. فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.

[فَائِدَةٌ الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ]
(3) قَوْلُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَفِقْهِ الْقَضَاءِ فَرْقُ مَا إلَخْ الْفَرْقُ مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ فَرْقُ مَا إلَخْ خَبَرُهُ بِإِضَافَةِ فَرْقُ إلَى مَا. وَالْفَرْقُ الَّذِي بَيْنَ الْأَخَصِّ وَالْأَعَمِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْأَخَصِّ وُجُودُ الْأَعَمِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْأَعَمِّ وُجُودُ الْأَخَصِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ نَفْيُ الْأَخَصِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ.
(4/145)

إفْرِيقِيَّةَ اسْتَفْتَى أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ فِي دُخُولِهِ الْحَمَّامَ مَعَ جَوَارِيهِ دُونَ سَاتِرٍ لَهُ وَلَهُنَّ. فَأَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُنَّ مِلْكُهُ. وَأَجَابَ أَبُو مُحْرِزٍ بِمَنْعِ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: إنْ جَازَ لِلْمَلِكِ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ وَجَازَ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُنَّ نَظَرُ بَعْضِهِنَّ إلَى بَعْضٍ. فَأَهْمَلَ أَسَدٌ إعْمَالَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا لَهُنَّ فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَاعْتَبَرَهَا أَبُو مُحْرِزٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْفُتْيَا وَفِقْهِ الْفُتْيَا؛ فَفِقْهُ الْفُتْيَا هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَعِلْمُهَا هُوَ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ مَعَ تَرْتِيبِهَا عَلَى النَّوَازِلِ. وَلَمَّا وَلِيَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُعَيْبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَضَاءَ الْقَيْرَوَانِ وَمَحَلُّ تَحْصِيلِهِ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ شَهِيرَةٌ. فَلَمَّا جَلَسَ الْخُصُومُ إلَيْهِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ مَقْبُوضًا. فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ لَهَا: عَسُرَ عَلَيَّ عِلْمُ الْقَضَاءِ. فَقَالَتْ لَهُ: رَأَيْت الْفُتْيَا عَلَيْك سَهْلَةً، اجْعَلْ الْخَصْمَيْنِ كَمُسْتَفْتِيَيْنِ سَأَلَاك. قَالَ فَاعْتَبَرْت ذَلِكَ فَسَهُلَ عَلَيَّ (انْتَهَى) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4/146)

فَائِدَةٌ) : ذَكَرَ الْآمِدِيُّ 1 - أَنَّ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ:
الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِأَمْرِ الْحُرُوبِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ، وَأَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ لَا تَهُولُهُ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَضَرْبُ الرِّقَابِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَرِعًا، بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا، نَافِذَ الْحُكْمِ، مُطَاعًا، قَادِرًا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ. وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَكَوْنُهُ: قُرَشِيًّا وَهَاشِمِيًّا وَمَعْصُومًا وَأَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ مِنْ كِتَابِ الْإِمَامَةِ.
فَائِدَةٌ: كُلُّ إنْسَانٍ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُعْلَمْ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَبِهِ؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ غَيْبٌ عَنَّا، إلَّا الْفُقَهَاءَ فَإِنَّهُمْ عَلِمُوا إرَادَتَهُ تَعَالَى بِهِمْ بِخَبَرِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ؛ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ) كَذَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْعِرَاقِيِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ]
قَوْلُهُ: إنَّ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ إلَخْ أَقُولُ: فِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ نَظَرٌ. فَقَدْ ذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ التُّرْكِ فِيمَا يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ فِي الْمَلِكِ قَالَ الْإِمَامُ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا وَلَا مُجْتَهِدًا وَلَا عَدْلًا، بَلْ يَجِبُ التَّقْلِيدُ مِنْ السُّلْطَانِ الْعَادِلِ وَالْجَائِرِ، وَأَصْلُهُ قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَقَلَّدُوا مِنْ مُعَاوِيَةَ الْأَعْمَالَ بَعْدَمَا أَظْهَرَ الْخِلَافَ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي نَوْبَتِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي التُّرْكِ وَلَا فِي الْعَجَمِ فَلَا تَصِحُّ سَلْطَنَةُ التُّرْكِ عِنْدَهُمْ وَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُمْ لِلْقَضَاءِ مِنْ التُّرْكِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى وَفِيهِ مِنْ الْأَذَى لِلسُّلْطَانِ وَصَرْفِ الرَّعِيَّةِ عَنْهُ وَمُبَايَعَةِ الْجُنْدِ لَهُ مَا لَا يَخْفَى. وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ مَذْهَبَنَا أَوْفَقُ لِلتُّرْكِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (انْتَهَى) . وَفِي سِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِسَعِيدِ بْنِ عُمَرَ الْأَقْصُرَانِيِّ
(4/147)

فَائِدَةٌ: إذَا وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي تَوْلِيَةِ غَيْرِ الْأَهْلِ خُصُوصًا أَنَّا نَعْلَمُ مِنْ سُلْطَانِ زَمَانِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُوَلَّى الْمُدَرِّسُ عَلَى اعْتِقَادِ الْأَهْلِيَّةِ فَكَأَنَّهَا كَالْمَشْرُوطَةِ. وَقَدْ قَالُوا فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: لَوْ وَلَّى السُّلْطَانُ قَاضِيًا عَدْلًا فَفَسَقَ انْعَزَلَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الشُّرُوطُ الَّتِي تَقْتَضِي الصَّلَاحِيَّةَ لِلْإِمَامَةِ نَوْعَانِ: فَنَوْعٌ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ وَنَوْعٌ يُشْتَرَط لِلِاسْتِحْبَابِ وَالْفَضِيلَةِ. فَشُرِطَ لِلْجَوَازِ مَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ وَالشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ مُتَنَوِّعٌ إلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَسَبِهِ. فَنَبْدَأُ بِالْكَلَامِ فِي النَّسَبِ فَنَقُولُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ فَرَوَى الْإِمَامُ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالشَّافِعِيُّ: وَقَالَ الرَّوَافِضُ: يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَيَّنُوا عَلِيًّا وَأَوْلَادَهُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ عُمَرَ الْغَطَفَانِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ قُرَيْشِيًّا أَوْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَلَا مَزِيَّةَ وَلَا فَضِيلَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي فَضْلِ الْقُرَيْشِيِّ وَمَزِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: نَقَلَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوَاهُ عَنْ ضِرَارِ بْنِ عُمَرَ الْغَطَفَانِيِّ مَا هُوَ أَبْدَعُ وَأَعْجَبُ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ قُرَشِيٌّ وَحَبَشِيٌّ كِلَاهُمَا قَائِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُ الْحَبَشِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخَلْعِهِ إذَا عَادَ مِنْ طَرِيقِهِ (انْتَهَى) . وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا وَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقُرَشِيِّ وَإِنْ عُقِدَ الْعَقْدُ لِغَيْرِ الْقُرَشِيِّ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ قَالَ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَطِيعُوا وَلَوْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مَا حَكَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ فِيكُمْ» فَحَمَلَ الْإِمَامُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَا رَوَى الْمُخَالِفُ عَلَى مَا إذَا أَنْفَذَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، يَجِبُ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي نَسَبِهِ، أَمَّا الْكَلَامُ فِي صِفَاتِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ مَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَنَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُضَمُّ إلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَوْنُهُ عَدْلًا حَتَّى لَوْ كَانَ
(4/148)

اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ صَارَتْ كَأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ وَقْتَ التَّوْلِيَةِ.
قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ؛ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَكَذَلِكَ يُقَالُ إنَّ السُّلْطَانَ اعْتَمَدَ أَهْلِيَّتَهُ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ خُصُوصًا إنْ كَانَ الْمُقَرَّرُ عَنْ مُدَرِّسٍ أَهْلٍ فَإِنَّ الْأَهْلَ لَمْ يَنْعَزِلْ وَصَرَّحَ الْبَزَّازِيُّ فِي الصُّلْحِ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ؛ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ وَإِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ رِسَالَةَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ: إنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إلَّا بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ. وَعَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: إنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يَرْتَكِبُ نَوْعًا مِنْ الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ لَوْ اغْتَابَ الْإِمَامُ يُفَسَّقُ وَإِذَا فُسِّقَ بَطَلَتْ إمَامَتُهُ عِنْدَهُ فَلَا تَصِحُّ قَضَايَاهُ وَلَا تَوْلِيَتُهُ وَلَا قِسْمَتُهُ وَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَقْطَارِ إنَابَتُهُ وَلَوْ أَقَامَ حَدًّا لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ إقَامَتُهُ. وَعَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفِسْقِ لَا يَخْلُو أَحَدٌ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا، وَلَوْ خُلِّيَ عَنْ التَّكَلُّمِ لَا يَخْلُو عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَلَوْ خُلِّيَ عَنْهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ غَيْرِهِمَا فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِ أَمْرِ الْعَالَمِ وَالْوُقُوعِ فِي الْحَرَجِ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] كَيْفَ وَقَدْ خَرَجَ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ تَوْقِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلَاةٌ فَيَلِيكُمْ الْبَارُّ بِبِرِّهِ وَالْفَاجِرُ بِفُجُورِهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الْحَقَّ فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» .
فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّ الْأُمَّةَ ضِعَافٌ لَا يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزَجِرَ عَنْ كُلِّ فِسْقٍ فِي الْعَالَمِ فَأَخْبَرَ بِمَا أَخْبَرَ وَأَمَرَنَا بِأَنْ نَسْمَعَ وَنُطِيعَ أَوَامِرَهُ لِلْوُجُوبِ هَذَا إذَا كَانَ مَسْتُورًا مُتَحَاشِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا شَرَائِطُ الِاسْتِحْبَابِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: يَنْبَغِي مِنْ طَرِيقِ الدِّينِ أَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْعَقْدَ الْعَالِمُ التَّقِيُّ الْوَارِعُ الْأَرْيَحِيُّ الْبَصِيرُ بِالْأُمُورِ الْعَالِمُ بِمَصَالِحِ الْجُمْهُورِ الْمُجَرِّبُ لِأُمُورِ الْحَرْبِ الْخَبِيرُ بِالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، فَيَدْعُو إلَى الْمَكَارِمِ وَيَزْجُرُ النَّاسَ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَالْقَبَائِحِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ
(4/149)

أَمْرَ السُّلْطَانِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا وَافَقَ الشَّرْعَ. وَإِلَّا فَلَا يَنْفُذُ. وَفِي مُفِيدِ النِّعَمِ وَمُبِيدِ النِّقَمِ: الْمُدَرِّسُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِلتَّدْرِيسِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْفُقَهَاءُ الْمُنَزِّلُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ مَدْرَسَتَهُمْ شَاغِرَةٌ مِنْ مُدَرِّسٍ (انْتَهَى) . وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الْمُدَرِّسِ، أَمَّا إذَا عُلِمَ شَرْطُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَرَّرُ مُتَّصِفًا بِهِ.
2 - لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ. وَالْأَهْلِيَّةُ لِلتَّدْرِيسِ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا بِمَعْرِفَةِ مَنْطُوقِ الْكَلَامِ وَمَفْهُومِهِ وَبِمَعْرِفَةِ الْمَفَاهِيمِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَابِقَةُ اشْتِغَالٍ عَلَى الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ الِاصْطِلَاحَاتِ وَيَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْكُتُبِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ وَيُجِيبَ إذَا سُئِلَ، وَيَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى سَابِقَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَشُوبٌ بِالْمِلْكِ وَالسِّيَاسَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ إلَى جَانِبِ التَّقْوَى، وَبِذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْمَجِيدُ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْحُدُودِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ، فَلَا يَقُومُ بِالْوَفَاءِ بِهَا إلَّا مَنْ عَظُمَ قَدْرُهُ وَوَرَعُهُ وَتَقْوَاهُ وَكَرُمَ خُلُقُهُ فَطَابَتْ أَرُومَتُهُ وَشَرُفَتْ جُرْثُومَتُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَاتَّسَمَ بِهَذِهِ السِّمَاتِ فَتَمِيلَ إلَيْهِ الْقُلُوبُ وَتَخْضَعُ لَهُ الرِّقَابُ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ فَيُلَمُّ الشَّعَثُ وَيُشَدُّ الْفَتْقُ وَيُكْبَتُ الْحَاسِدُ وَيُقْمَعُ الْمُعَانِدُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

[فَائِدَةٌ وَلَّى السُّلْطَانُ مُدَرِّسًا لَيْسَ بِأَهْلٍ]
(2) قَوْلُهُ: لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ شَرَطَ مُدَرِّسًا حَنَفِيًّا فَوَلَّى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي مُدَرِّسًا شَافِعِيًّا لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّدْرِيسِ لِمُخَالَفَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ.
(4/150)

اشْتِغَالٍ فِي النَّحْوِ وَالصَّرْفِ بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ الْفَاعِلَ مِنْ الْمَفْعُولِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا قَرَأَ لَا يَلْحَنُ وَإِذَا لَحَنَ قَارِئٌ بِحَضْرَتِهِ رَدَّ عَلَيْهِ

فَائِدَةٌ: 1 - ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ]
قَوْلُهُ: ثَلَاثَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ. فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا، يَعْنِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدَيْهِ. وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] . وَرَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرَوَى جُوَيْرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ: إنْ ذَهَبَ حَقُّهُ لَمْ يُؤْجَرْ وَإِنْ دَعَا عَلَيْهِ لَمْ يُجَبْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَهُ (انْتَهَى) .
وَفِي الْعَدَدِ الْمَعْدُودَاتِ فِي الْمُحَاضَرَاتِ لِأَبِي يَحْيَى زَكَرِيَّا الْمَرَاغِيِّ، قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: خَمْسَةٌ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ، فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَزَادَ: رَجُلًا جَلَسَ فِي بَيْتِهِ فَاغِرًا فَاهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ اُرْزُقْنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ آمُرْك بِالطَّلَبِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] . وَرَجُلًا كَانَ لَهُ مَالٌ فَأَتْلَفَهُ إسْرَافًا وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ اُخْلُفْ عَلَيَّ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ آمُرْك بِالِاقْتِصَادِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] . وَرَجُلًا أَقَامَ بَيْنَ قَوْمٍ يُؤْذُونَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اكْفِنِي شَرَّهُمْ، فَيَقُولُ أَلَمْ آمُرْك بِالْهِجْرَةِ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97]
(4/151)

رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالًا سَفِيهًا.
3 - وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا وَلَمْ يُشْهِدْ. كَذَا فِي حَجْرِ الْمُحِيطِ.
فَائِدَةٌ:
4 - كُلُّ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الْعِلْمَ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ عَنْهُ.
5 - لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ أَنْ يَطْلُبَ الزِّيَادَةَ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] فَكَيْفَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ؟ ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا إلَخْ وَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَلِّصْنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا بِيَدِك أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130] . (3) قَوْلُهُ: وَرَجُلٌ دَايَنَ رَجُلًا وَلَمْ يُشْهِدْ إلَخْ يَعْنِي وَطَالَبَهُ فَأَنْكَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْصِفْنِي مِنْهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ آمُرْك بِالْإِشْهَادِ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلِي {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] .
(4) قَوْلُهُ: كُلُّ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الْعِلْمَ إلَخْ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفِيدُ السُّؤَالَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ اكْتَسَبَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا صَنَعَ فِيهِ» .
(5) قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ إلَخْ أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ إلَخْ أَقُولُ فِيهِ: إنَّ هَذَا الدَّلِيلَ غَيْرُ مُنْتِجٍ لِلْمُدَّعِي إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِ الزِّيَادَةِ مِنْهُ عَدَمُ السُّؤَالِ عَنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ هَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ تَعْلِيلًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
(4/152)

فَائِدَةٌ: سُئِلْت عَنْ مَدْرَسَةٍ بِهَا صُفَّةٌ لَا يُصَلِّي فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُدَرَّسُ وَالْقَاضِي جَالِسٌ فِيهَا لِلْحُكْمِ. فَهَلْ لَهُ وَضْعُ الْخِزَانَةِ فِيهَا لِحِفْظِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ لِنَفْعِ الْعَالَمِ أَوْ لَا؟ فَأَجَبْت بِالْجَوَازِ
1 - آخِذًا مِنْ قَوْلِهِمْ؛ لَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَالْمَسْجِدُ وَاسِعٌ فَلَهُمْ أَنْ يُوَسِّعُوا الطَّرِيقَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ وَضَعَ أَثَاثَ بَيْتِهِ وَمَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْخَوْفِ فِي الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ جَازَ.
2 - وَلَوْ كَانَ الْحُبُوبَ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْجَامِعِ أَوْلَى، وَقَالُوا: لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ فِنَاءَهُ لِلتُّجَّارِ لِيَتَّجِرُوا فِيهِ
لِمَصْلَحَةِ
الْمَسْجِدِ، وَلَهُ وَضْعُ السَّرِيرِ بِالْإِجَارَةِ فِي فِنَائِهِ.
3 - وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ الْفِنَاءِ، وَحِفْظُ السِّجِلَّاتِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ. فَهُمْ جَوَّزُوا جَعْلَ بَعْضِ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ، وَجَوَّزُوا اشْتِغَالَهُ بِالْحُبُوبِ وَالْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ مَدْرَسَةٌ بِهَا صُفَّةٌ لَا يُصَلِّي فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُدَرَّسُ وَالْقَاضِي جَالِسٌ فِيهَا لِلْحُكْمِ]
قَوْلُهُ: آخِذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ ضَاقَ الطَّرِيقُ. . إلَخْ يَعْنِي: وَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ وَضْعُ خِزَانَةٍ بِطَرِيقِ أَوْلَى هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَفِي الْأَخْذِ تَأَمُّلٌ.
(2) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْحُبُوبَ إلَخْ. أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَثَاثُ الْحُبُوبَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُبُوبَ مِنْ الْأَثَاثِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَجَوَّزُوا اشْتِغَالَهُ بِالْحُبُوبِ وَالْأَثَاثِ أَنَّ الْحُبُوبَ غَيْرُ الْأَثَاثِ وَأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُبُوبِ أَثَاثٌ، لَكِنَّ فِي الْقَامُوسِ الْأَثَاثُ مَتَاعُ الْبَيْتِ بِلَا وَاحِدٍ وَالْمَالُ أَجْمَعُ وَالْوَاحِدَةُ أَثَاثَةٌ.
(3) قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ الْفِنَاءِ إلَخْ أَقُولُ: فِي كَوْنِ الصِّفَةِ مِنْ الْفِنَاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِنَاءَ الشَّيْخِ مَا عُدَّ لِمَصَالِحِهِ وَكَانَ خَارِجًا عَنْهُ وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
(4/153)

الْخَاصِّ، وَجَوَّزُوا وَضْعَ النَّعْلِ عَلَى رَفِّهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَضَعُ قِمْطَرَةً عَنْ يَمِينِهِ إذَا جَلَسَ فِيهِ لِلْقَضَاءِ. وَهُوَ مَا فِيهِ السِّجِلَّاتُ وَالْمَحَاضِرُ وَالْوَثَائِقُ؛ فَجَوَّزُوا اشْتِغَالَ بَعْضِهِ بِهَا فَإِذَا كَثُرَتْ وَتَعَذَّرَ حَمْلُهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَيْتِ الْقَاضِي إلَى الْجَامِعِ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى حِفْظِهَا بِهِ.

فَائِدَةٌ: 4 - مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحِ دِرَايَةً؛ فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَذَا فِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ]
قَوْلُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحِ دِرَايَةً فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَذَا فِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ أَقُولُ: الَّذِي فِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ خَوَارِزْمَ وَفِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ، أَمَّا الْعَلَاقَاتُ الْمُعَلِّمَةُ عَلَى الْفَتْوَى فَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبِهِ يُفْتَى وَبِهِ يُعْتَمَدُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا وَفَتْوَى مَشَايِخِنَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَفْظَةَ الْأَصَحِّ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا صَحِيحًا، وَلَفْظَةُ الصَّحِيحِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ (انْتَهَى) .
وَفِي جَرْيِ الْأَنْهُرِ عَلَى مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ لِلْبَاقَانِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (وَلَمْ آلُ جَهْدًا فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَقْوَى) قَالَ: وَالصَّحِيحُ مُقَابِلُ الْفَاسِدِ وَالْأَصَحُّ مُقَابِلُ الصَّحِيحِ فَإِذَا تَعَارَضَ إمَامَانِ مُعْتَبَرَانِ فِي التَّصْحِيحِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الصَّحِيحُ وَقَالَ الْآخَرُ الْأَصَحُّ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَائِلَ الْأَصَحِّ يُوَافِقُ قَائِلَ الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَقَائِلُ الصَّحِيحِ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْآخَرُ فَاسِدٌ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: وَكَذَلِكَ الظَّاهِرُ وَالْأَظْهَرُ ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ يُرَادُ بِمَعْنَى أَصَحَّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ وَذَكَرَ فِي الدَّعْوَى مِنْ شَرْحِهِ أَنَّ لَفْظَ أَوْجَهَ وَأَحْسَنَ تَصْحِيحٌ (انْتَهَى) . وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ الْحِيطَاتِ وَمَا ذُكِرَ إلَّا فِي حَدِّ الْقَدِيمِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ (انْتَهَى) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ بَقِيَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّصْحِيحِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ كَمَا فِي غَالِبِ الْكُتُبِ. وَفِي
(4/154)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ هَذَا أَحْوَطُ أَيْ أَدْخَلُ فِي الِاحْتِيَاطِ (انْتَهَى) . وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ كَمَا فِي النَّهْرِ هَذَا وَبَعْضُ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ أَقْوَى مِنْ الْبَعْضِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ: إنَّهَا تَصِحُّ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ وَفِيهِ فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ: يَجُوزُ إذَا دَخَلَ فِي الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَالَ: فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنَّ تَأَيُّدَ التَّقْيِيدِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ الْعَمَلُ عَلَيْهِ (انْتَهَى) . وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْفَرْقُ بَيْنَ وَبِهِ يُفْتَى وَبَيْنَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ الْأَوَّلَ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفَتْوَى لَا تَكُونُ إلَّا بِذَلِكَ. وَالثَّانِي يُفِيدُ الْأُضْحِيَّةَ (انْتَهَى) .
وَفِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ إذَا تَعَارَضَ تَصْحِيحٌ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ (انْتَهَى) . وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى. كَذَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْكَنْزِ مِنْ بَحْثِ الْجِنْسِ بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ تَعَارَضَ تَصْحِيحُ مَا فِي الشُّرُوحِ مَعَ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ غَيْرِ تَصْحِيحٍ
(4/155)

فَائِدَةٌ 1 - إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إذَا بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ (بِالْكَسْرِ) بَطَلَ الْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ) قَالُوا لَوْ أَبْرَأَهُ 2 - أَوْ أَقَرَّ لَهُ ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ فَسَدَ الْإِبْرَاءِ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَالُوا: التَّعَاطِي ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ،
3 - كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالُوا: لَوْ قَالَ بِعْتُكَ دَمِي بِأَلْفٍ فَقَتَلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْإِذْنِ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِهِ فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ

. وَقَالُوا، كَمَا فِي الْخِزَانَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ إلَخْ. أَقُولُ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْمُجْتَبَى: لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ خَمْرًا مِنْ ذِمِّيٍّ فَشَرِبَهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ لِأَنَّ فِعْلَهُ بِتَسْلِيطِ الْبَائِعِ (انْتَهَى) . فَإِنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ تَسْلِيطِ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا.
(2) قَوْلُهُ: أَوْ أَقَرَّ لَهُ ضَمِنَ عَقْدَ فَاسِدٍ إلَخْ. فِي الْقُنْيَةِ نَقْلًا عَنْ مُخْتَصَرِ الْكَافِي: وَالْإِقْرَارُ مِنْ الْمُدَّعِي الَّذِي فِي يَدَيْهِ الشَّيْءُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدَّعْوَى إذَا بَطَلَ الصُّلْحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَالْإِقْرَارُ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ الصُّلْحِ يُوجِبُ رَدَّهُ عَلَيْهِ إذَا بَطَلَ الصُّلْحُ، يَعْنِي بِهِ إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعِي فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا الشَّيْءِ ثُمَّ لَمَّا بَطَلَ الصُّلْحُ يَبْطُلُ إقْرَارُهُ الَّذِي كَانَ فِي ضِمْنِهِ وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ عِنْدَ الصُّلْحِ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءِ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ بَطَلَ الصُّلْحُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعِي. وَاخْتَارَ أُسْتَاذُنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صُلْبِ عَقْدِ الصُّلْحِ لَكِنَّهُ بِنَاءً عَلَى الصُّلْحِ الْفَاسِدِ لَا يَمْنَعُ الدَّعْوَى بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا. وَذُكِرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ إبْرَاءَهُ بَعْدَ الصُّلْحِ عَنْ جَمِيعِ دَعْوَاهُ وَخُصُومَاتِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ.
(3) قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ. عِبَارَتُهَا إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ وَسَائِدِي وَسَائِدَ
(4/156)

4 - لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَمَارَةِ فَأَنْفَقَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا. فَقُلْتُ: لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا لَمْ تَصِحَّ لَمْ يَصِحَّ مَا فِي ضِمْنِهَا، وَقَالُوا: لَوْ جَدَّدَ النِّكَاحَ لِمَنْكُوحَتِهِ بِمَهْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ. فَقُلْتُ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يَلْزَمْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْمَهْرِ،
5 - وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْقُنْيَةِ مَسْأَلَتَيْنِ يَلْزَمُ فِيهِمَا لَوْ جَدَّدَهُ لِلزِّيَادَةِ لَا لِلِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَبْرِئِينِي فَإِنِّي أُمْهِرُكِ مَهْرًا جَدِيدًا؛ فَأَبْرَأَتْهُ فَجَدَّدَ لَهَا، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ: اشْتَرَى جَامِعًا مَعَ أَوْقَافِهِ وَوَقْفِهِ وَضَمَّهُ إلَى وَقْفٍ آخَرَ وَشَرَطَ لَهُ شُرُوطًا. فَأَفْتَيْتُ بِبُطْلَانِ شُرُوطِهِ لِبُطْلَانِ الْمُتَضَمَّنِ، وَهُوَ شِرَاءُ الْجَامِعِ وَوَقْفِهِ فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَوُجُوهُ الطَّنَافِسِ وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوجَةٍ بَعْدُ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِرْ سَلَمًا لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ نَسَخَ الْوَسَائِدِيُّ الْوَسَائِدَ وَوُجُوهَ الطَّنَافِسِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِي لَا يَصِيرُ هَذَا بَيْعًا بِالتَّعَاطِي. وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ بَعْدَ بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ
(انْتَهَى)

(4) قَوْلُهُ: لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا إلَخْ. أَقُولُ: فِي الْإِسْعَافِ لَوْ آجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ كُلُّ الْأَجْرِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُحْتَاجًا إلَى الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَرِيكٌ فِيهِ جَازَ لَهُ إيجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِرْسَالِ فِي مَحِلِّ التَّقْيِيدِ وَهُوَ فِي مَقَامِ التَّصْنِيفِ وَالْفَتْوَى غَيْرُ سَدِيدٍ.
(5) قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْقُنْيَةِ مَسْأَلَتَيْنِ إلَخْ. أَقُولُ: نَصُّ عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ جُدِّدَ لَلْحَالِّ نِكَاحًا بِمَهْرٍ يَلْزَمُ إنْ جَدَّدَهُ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ لَا لِلِاحْتِيَاطِ
(عك) . وَلَوْ قَالَ أَبْرِئِينِي فَإِنِّي أُمْهِرُ لَك مَهْرًا جَدِيدًا فَجَدَّدَ لَهَا مَهْرًا مَعَ الْحِلِّ، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَبْرَأُ مِنْ الْمَهْرِ الْأَوَّلِ وَيَجِبُ الْجَدِيدُ
(فك) تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ مَعَ قِيَامِ الْحِلِّ فَفِي وُجُوبِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ
(4/157)

وَقَالُوا: لَوْ اشْتَرَى يَمِينَهُ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ (انْتَهَى) . قُلْتُ: لِأَنَّ الشِّرَاءَ لِمَا بَطَلَ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ إسْقَاطِ الْيَمِينِ، ثُمَّ قُلْتُ:
7 - يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ: لَوْ بَاعَ وَظِيفَتَهُ فِي الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا تَخْرِيجًا عَلَى هَذِهِ، وَخَرَجَ عَنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْبُيُوعِ: لَوْ بَاعَهُ الثِّمَارَ وَآجَرَهُ الْأَشْجَارَ طَابَ لَهُ تَرْكُهَا مَعَ بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ؛ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ: أَنْ لَا يَطِيبَ لِثُبُوتِ الْإِذْنِ فِي ضِمْنِ الْإِجَارَةِ وَمِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمُكَاتَبِ: لَوْ أَبْرَأَهُ الْمَوْلَى عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ عَتَقَ وَبَقِيَ الْبَدَلُ، مَعَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِتْقِ، وَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمَّنُ بِالرِّدِّ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْعِتْقِ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الشُّفْعَةِ: لَوْ صُولِحَ الشَّفِيعُ بِمَالٍ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ كَانَ إسْقَاطًا لِلشُّفْعَةِ، مَعَ أَنَّ الْمُتَضَمِّنِ لِلْإِسْقَاطِ صَالَحَهُ وَقَدْ بَطَلَ وَلَمْ يَبْطُلْ مَا فِي ضِمْنِهِ

وَقَالُوا: لَوْ بَاعَ شُفْعَتَهُ بِمَالِ لَمْ يَصِحَّ وَسَقَطَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقَالُوا لَوْ اشْتَرَى يَمِينَهُ بِمَالٍ إلَخْ. لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ إلَخْ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَالُوا: لَوْ افْتَدَى الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ أَوْ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ صَحَّ وَلَمْ يَحْلِفْ بَعْدَهُ تَأَمَّلْ مَا بَيْنَهُمَا أَقُولُ: قَدْ تَأَمَّلْتُ بَيْنَهُمَا فَلَمْ أَجِدْ بَيْنَهُمَا مُعَارَضَةً فَإِنَّ الِافْتِدَاءَ وَالصُّلْحَ لَيْسَا مُعَاوَضَةً بِخِلَافِ شِرَاءِ الْيَمِينِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْيَمِينُ لَيْسَ بِمَالٍ لَا يَجُوزُ.
(7) قَوْلُهُ: يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّعَ عَلَيْهِ لَوْ بَاعَ وَظِيفَتَهُ فِي الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ إلَخْ. أَقُولُ: لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَنِّ الْفَوَائِدِ مِنْ الْبُيُوعِ وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي فَنِّ الْقَوَاعِدِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ النُّزُولُ عَنْ الْوَظَائِفِ وَالِاعْتِيَاضُ عَنْهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْخَاصِّ مَعَ أَنَّهَا حَقٌّ مُجَرَّدٌ
(4/158)

8 - فَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ وَلَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمَّنُ، وَقَالُوا: لَوْ قَالَ الْعِنِّينُ لِامْرَأَتِهِ أَوْ الْمُخَيِّرُ لِلْمُخَيَّرَةِ: اخْتَارِي تَرْكَ الْفَسْخِ بِأَلْفٍ، فَاخْتَارَتْ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالُ وَسَقَطَ خِيَارُهَا. فَقَدْ بَطَلَ الْتِزَامُ الْمَالِ لَا مَا فِي ضِمْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقَدْ بَطَلَ الْمُتَضَمِّنُ وَلَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمَّنُ إلَخْ. أَقُولُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: فِي الْإِجَارَةِ فِي مَسَائِلِ الشُّيُوعِ: الْمُسْتَأْجِرُ إجَارَةً فَاسِدَةً لَوْ آجَرَ مِنْ غَيْرِهِ إجَارَةٍ صَحِيحَةً يَجُوزُ فِي الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ذُكِرَ فِي الْإِجَارَاتِ: دَفَعَ إلَيْهِ دَارًا لِيَسْكُنَّهَا وَيَرُمَّهَا وَلَا أَجْرَ لَهُ وَآجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ غَيْرِهِ وَانْهَدَمَ الدَّارُ مِنْ سُكْنَى الثَّانِي ضَمِنَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْعَقْدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إعَارَةً لَا إجَارَةً لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَرَمَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْمَشُورَةِ لَا الشَّرَفِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، فَقُلْتُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ خَرَجَتْ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ الْمُلَخَّصِ عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ. أَقُولُ: فَيَجْرِي عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا بَطَلَ الشَّيْءُ بَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(4/159)

فَائِدَةٌ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ
1 - وَقَالُوا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَجِبُ الْمَالُ وَتَسْقُطُ.
فَائِدَةٌ: يَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُمْ: الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ،
2 - وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةُ الدَّفْعِ الصَّحِيحِ لِلدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ صَحِيحٌ، عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ. ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي الدَّعْوَى،
3 - وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الشَّرْحِ فَائِدَةَ صِحَّتِهِ بَعْدَ فَسَادِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ

فَائِدَةٌ:
4 - إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ 5 - قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ لِاحْتِيَاجِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِغِنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[فَائِدَةٌ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ]
(1) قَوْلُهُ: وَقَالُوا الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ إلَخْ يَعْنِي لَوْ جَعَلَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مَالًا لِلْمَكْفُولِ لَهُ لِيُسْقِطَ عَنْهُ كَفَالَةَ النَّفْسِ فَأَسْقَطَهَا تَسْقُطُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ.
(2) قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةُ الدَّفْعِ إلَخْ قِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَاءِ هَذَا لِأَنَّ الدَّفْعَ هَادِمٌ لَهُ لَا مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
(3) قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الشَّرْحِ فَائِدَةَ صِحَّتِهِ. حَيْثُ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ مَا فَائِدَةُ دَفْعِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَسْمَعُهَا؟ قُلْتُ تَفَقُّهًا وَلَمْ أَرَ فَائِدَتَهُ لَوْ ادَّعَاهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَانَ الدَّفْعُ الْأَوَّلُ كَافِيًا ثُمَّ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الدَّفْعَ بَعْدَ الْحُكْمِ صَحِيحٌ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى لِلْمُدَّعِي قَبْلَ الدَّفْعِ ثُمَّ دَفَعَ بِالْإِيدَاعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ إلَّا أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْكُلِّ

[فَائِدَةٌ إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ]
(4) قَوْلُهُ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ يَعْنِي الْمَعْهُودَيْنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُمَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ.
(5) قَوْلُهُ: قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ. أَقُولُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي
(4/160)

6 - بِإِذْنِهِ إلَّا فِيمَا إذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ وَجَبَ إرْسَالُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَا التَّرْجِيحِ وَلِذَا يُرْسِلُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. تَمَّ الْفَنُّ الثَّالِثُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَيَلِيه الْفَنُّ الرَّابِعُ وَهَذَا آخِرُ مَا رَأَيْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ فَنُسِبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعَظْمِ خَطَرِهِ وَشُمُولِ نَفْعِهِ وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ التَّخْلِيقِ فَالْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [النساء: 170] وَبِاعْتِبَارِ التَّضَرُّرِ وَالِانْتِفَاعِ فَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْكُلِّ وَمَعْنَى حَقِّ الْعَبْدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ كَحُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ (انْتَهَى) . قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ آخِرُ كِتَابِ الْحَجِّ إذَا اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ مَالَ إنْسَانٍ يَذْبَحُ الصَّيْدَ وَلَا يَأْخُذُ مَالَ الْمُسْلِمِ وَفِي حُكْمِهِ الذِّمِّيُّ وَلَا يَأْخُذُ مَالَ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحُرْمَةِ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَمَالُ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لَحَقِّ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ إنْسَانٍ وَصَيْدًا يَذْبَحُ الصَّيْدَ وَلَا يَأْكُلُ لَحْمَ إنْسَانٍ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحُرْمَةِ لِأَنَّ لَحْمَ الْإِنْسَانِ حَرَامٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَحَقًّا لِلْعَبْدِ وَالصَّيْدُ حَرَامٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ لَا غَيْرَ فَكَانَ أَوْلَى.
(6) قَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ. الْإِذْنُ الْإِعْلَامُ وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ وَالْمَعْنَى قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِإِعْلَامِهِ بِذَلِكَ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ لِغِنَاهُ وَالْمَعْنَى قُدِّمَ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِاتِّصَافِهِ بَالِغنَا بِإِعْلَامِهِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج: 64]
(4/161)

الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ كَمُلَتْ مَحَاسِنُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا (وَبَعْدُ) فَهَذَا هُوَ الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ؛ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ،
1 - جَمْعُ لُغْزٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: أَلْغَزَ فِي كَلَامِهِ إذَا عَمَّى مُرَادَهُ، وَالِاسْمُ اللُّغْزُ وَالْجَمْعُ الْأَلْغَازُ مِثْلُ رُطَبٍ وَأَرْطَابٍ، وَأَصْلٌ اللُّغْزِ جُحْرُ الْيَرْبُوعِ بَيْنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهُوَ فَنُّ الْأَلْغَازِ]
قَوْلُهُ: جَمْعُ لُغْزٍ. بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَةُ الصِّحَاحِ الَّتِي نَقَلَهَا وَقِيلَ جَمْعُ لَغْزٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَيْلُكَ بِالشَّيْءِ عَنْ وَجْهِهِ وَقِيلَ الطَّرِيقُ الْمُنْحَرِفَةُ سُمِّيَ بِهِ لِانْحِرَافِهِ عَنْ نَمَطِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَيُسَمَّى اللُّغْزُ أُحْجِيَّةً أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحِجَا هُوَ الْعَقْلُ وَهَذَا النَّوْعُ يُقَوِّي الْعَقْلَ عِنْدَ التَّمَرُّنِ وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ هَذَا النَّوْعِ أَلْغَازً أَوْ أَهْلُ الْفَرَائِضِ يُسَمُّونَهُ مُعَامَاةً وَالنُّحَاةُ مُعَمَّى وَاللُّغَوِيُّونَ الْأَحَاجِي كَذَا بِخَطِّ الشَّمْسِ الْغَزِّيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى أَيْضًا بِالْمُغَالَطَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ بِالِاشْتِرَاكِ الْوَضْعِيِّ وَالْآخَرُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى وَنَقِيضِهِ. وَاللُّغْزَةُ وَالْأُحْجِيَّةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَعْنًى يُسْتَخْرَجُ بِالْحَدَثِ وَالْحَزْرِ لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عَرْضِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فِي الْفَرَسِ:
وَصَاحِبٌ لَا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتَهُ ... يَشْقَى لِنَفْعِي وَيَسْعَى سَعْيَ مُجْتَهِدٍ
(4/162)

2 - الْقَاصِعَاءِ وَالنَّافِقَاءِ يَحْفِرُ مُسْتَقِيمًا إلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يَعْدِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ عُرُوضًا يَعْتَرِضُهَا فَيُخْفِي مَكَانَهُ بِتِلْكَ الْأَلْغَازِ (انْتَهَى) وَقَدْ طَالَعْت قَدِيمًا حِيرَةَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُمْدَةِ فَرَأَيْتهمَا اشْتَمَلَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت قَرِيبًا الذَّخَائِرَ الْأَشْرَفِيَّةَ فِي الْأَلْغَازِ لِلسَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ الشِّحْنَةِ تَارِكًا لِمَا فُرِّعَ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَوْ كَانَ ظَاهِرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
مَا إنْ رَأَيْتُ لَهُ شَخْصًا فَمُذْ وَقَعَتْ ... عَيْنِي عَلَيْهِ افْتَرَقْنَا فُرْقَةَ الْأَبَدِ
لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْفَرَسُ لَا مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُحْدَثُ وَيُحَزَّرُ وَالْخَوَاطِرُ تَخْتَلِفُ فِي الْإِسْرَاعِ وَالْإِبْطَاءِ عِنْدَ عُثُورِهَا عَلَيْهِ.
(2) قَوْلُهُ: الْقَاصِعَاءُ وَالنَّافِقَاءُ. أَقُولُ النَّافِقَاءُ إحْدَى حُجْرَتَيْهِ الَّتِي يَكْتُمُهَا وَيُظْهِرُ غَيْرَهَا فَإِذَا أَتَى مِنْ قِبَلِ الْقَاصِعَاءِ وَهَى الْحَجَرُ الَّذِي يَدْخُلُهُ فَضَرَبَ النَّافِقَاءَ بِرَأْسِهِ فَانْتَفَقَ أَيْ خَرَجَ. هَذَا وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صِحَاحِهِمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأُوتِيَ بِجِمَارٍ فَقَالَ: أَلَا إنَّ مِنْ الشَّجَرَةِ شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ أَخْبِرُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ» وَلَفْظِ أَبِي عَوَانَةَ «فَظَنَنْتُ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجِمَارِ الَّذِي أُوتِيَ بِهِ فَأَرَدْت أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَرَأَيْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَتَكَلَّمَا فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ النَّخْلَةُ» (انْتَهَى) . أَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: هَذَا يَصْلُحُ حُجَّةً وَدَلِيلًا لِمَنْ صَنَّفُوا فِي الْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي وَالْمُعَمَّيَاتِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى عَمَلٌ مِنْ طِبٍّ لِمَنْ أَحَبَّ أَنَّ النَّخْلَةَ لَا تُسَمَّى شَجَرًا وَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا " إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ " عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَةِ لِإِرَادَةِ الْإِلْغَازِ (انْتَهَى) . أَقُولُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصِدُ الْإِلْغَازَ فِي كَلَامِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا.
(4/163)

كِتَابُ الطَّهَارَةِ 1 - مَا أَفْضَلُ الْمِيَاهِ؟ فَقُلْ 2 - مَا نَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَيُّ حَوْضٍ صَغِيرٍ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؟ 3 - فَقُلْ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مِنْهُ مُتَدَارِكًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
(1) قَوْلُهُ: مَا أَفْضَلُ الْمِيَاهِ. أَقُولُ مِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ لُغْزًا وَإِلَّا كَانَ كُلَّمَا كَانَ مَجْهُولُ الْأَفْضَلِيَّةِ يَحْتَاجُ فِي عِلْمِ ذَلِكَ إلَى مُرَاجَعَةِ الْحُفَّاظِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالنَّظَرِ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْفُضَلَاءِ يُعَدُّ لُغْزًا وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَا نَبَعَ. أَقُولُ عَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ نَظْمًا وَقَدْ أَجَادَ: وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَا قَدْ نَبَعَ بَيْنَ أَصَابِعَ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعِ فَمَاءُ زَمْزَمَ فَمَاءُ الْكَوْثَرِ فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُرِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيِّ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ إنَّ أَفْضَلَ الْمِيَاهِ مَاءُ زَمْزَمَ بِاعْتِبَارِ غَسْلِ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ بِهِ حِينَ شُقَّ وَأُخْرِجَتْ مِنْهُ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ إذْ لَوْ عُلِمَ مَاءٌ أَفْضَلَ مِنْهُ لَغُسِلَ بِهِ؛ أَقُولُ نَعَمْ هُوَ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ حِينَ شُقَّ الصَّدْرُ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ أَفْضَلَ الْمِيَاهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ مِنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّبْعِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَيَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهِ، الثَّانِي كَثَّرَ اللَّهُ الْمَاءَ فِي ذَاتِهِ فَصَارَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ فَهُوَ أَشْرَفُ مِيَاهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَكَذَا عَلَى الثَّانِي.
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مِنْهُ مُتَدَارِكًا. أَقُولُ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْجَوَابِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ دَاخِلًا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ
(4/164)

4 - أَيُّ حَيَوَانٍ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبِئْرِ حَيًّا نُزِحَ الْجَمِيعُ وَإِنْ مَاتَ لَا؟ فَقُلْ
5 - الْفَارَةُ، إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ.
6 - وَإِلَّا لَا.
7 - أَيُّ بِئْرٍ نُزِحَ دَلْوٌ وَاحِدٌ مِنْهَا؟ فَقُلْ بِئْرٌ صُبَّ فِيهَا الدَّلْوُ الْأَخِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ حَوْضَ الْحَمَّامِ كَالْمَاءِ الْجَارِي وَعَنْ الْإِمَامِ نَعَمْ إذَا كَانَ الْغَرْفُ مُتَدَارَكًا وَالْمَاءُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ الْأُنْبُوبِ يُسَاوِي الْخَارِجَ أَمْ لَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى يَدِ الْمُغْتَرِفِ نَجَاسَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يَتَنَجَّسُ وَكَذَلِكَ الْبِئْرُ أَيْضًا (انْتَهَى) . قَالَ فِي الذَّخَائِرِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ يُعْتَنَى بِهَا (انْتَهَى) . أَقُولُ وَحَقِيقَةُ التَّدَارُكِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ لَا يَسْكُنُ وَجْهُ الْمَاءِ

(4) قَوْلُهُ: أَيُّ حَيَوَانٍ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبِئْرِ حَيًّا إلَخْ. يَعْنِي إذَا وَقَعَ فَأُخْرِجَ حَيًّا وَلَيْسَ بِهِ جِرَاحَةٌ وَلَا عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ الْأَلْغَازِ وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ وَلِذَلِكَ صَوَّرَهُ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرنَا
. (5) قَوْلُهُ الْفَارَةُ؛ إنْ كَانَتْ هَارِبَةً. يَعْنِي لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ تَرْمِي بِبَوْلِهَا خَوْفًا وَقَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَقِيلَ بِخِلَافِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (انْتَهَى) .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا بَالَتْ قَبْلَ الْوُقُوعِ (انْتَهَى) . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ نُزُولَ الْبَوْلِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ بَلْ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَطَهَارَةُ الْبِئْرِ مُتَيَقَّنَةٌ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَلَوْ قَالَ إذَا كَانَتْ مَجْرُوحَةً لَكَانَ أَوْلَى بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ.
(6) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا. أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَارِبَةً وَمَاتَتْ فِيهَا وَأُلْقِيَتْ مَيِّتَةً لَا يُنْزَحُ الْجَمِيعُ بَلْ يَجِبُ نَزْحٌ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ

(7) قَوْلُهُ: أَيُّ بِئْرٍ يَجِبُ نَزْحُ دَلْوٍ وَاحِدٍ مِنْهَا. أَيُّ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ فَوَجَبَ نَزْحُ دَلْوٍ مِنْهَا أَقُولُ وَيَطَّرِدُ السُّؤَالُ فِي دَلْوَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ بِحَسَبِ الدَّلْوِ الْمَصْبُوبِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ.
(4/165)

8 - مِنْ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ بِمَوْتِ نَحْوِ فَارَةٍ
9 - قَوْلُهُ أَيُّ مَاءٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَإِنْ نَقَصَ جَازَ فَقُلْ هُوَ مَاءُ حَوْضٍ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ

إنْ مَاءٌ طَهُورٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ شُرْبُهُ.
10 - فَقُلْ مَاءٌ مَاتَ فِيهِ ضُفْدَعٌ بَحْرِيٌّ وَتَفَتَّتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(8) قَوْلُهُ: مِنْ بِئْرٍ تَنَجَّسَتْ إلَخْ. أَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ التَّنَجُّسِ بِمَوْتِ نَحْوِ فَارَةٍ عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ يُوهَمُ مَا لَيْسَ مُرَادًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ

(9) قَوْلُهُ: أَيُّ مَاءٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَخْ. أَقُولُ هَذِهِ الصُّورَةُ الْأَلْغَازِيَّةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْبَزَّازِيَّةِ

(10) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَاءٌ مَاتَتْ فِيهِ ضُفْدَعٌ بَحْرِيٌّ يَعْنِي لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ لِضَرَرٍ يَحْصُلُ مِنْهُ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَائِيٌّ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ (انْتَهَى) . قُلْتُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ وَجْهُ تَقْيِيدِ الضُّفْدَعِ بِالْبَحْرِيِّ وَإِنْ كَانَ الْبَرِّيُّ أَشَدَّ ضَرَرًا مِنْهُ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَكِيمُ ابْنُ زَهْرٍ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي كِتَابِهِ دُرَّةُ الْغَوَّاصِ فِي بَحْثِ الْخَوَاصِّ أَنَّ الضُّفْدَعَ الْبَرِّيَّ سم سَاعَةٍ تَذْيِيلٌ وَتَكْمِيلٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَلْغَازِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ مَاءٍ جَارٍ فِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَسٌ يَكُونُ طَاهِرًا فِي وَقْتٍ نَجِسًا فِي آخَرَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَاءٌ عُمِلَ مَجْرَاهُ بِجِصٍّ وَنَوْرَةٍ خُلِطَ بِهِمَا رَمَادُ عُذْرَةٍ فَالْمَاءُ الْجَارِي عَلَى ذَلِكَ نَجِسٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا كَانَ جَرْيُهُ قَوِيًّا يَكُونُ طَاهِرًا كَذَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ أَقُولُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَحَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ لَا يُسْتَنْكَرُ ذَكَّرْتُ بِمَا ذُكِرَ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ الشَّامِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ فِي كِتَابِهِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ لِعَبَّادٍ حَيْثُ قَالَ: قَالَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى: مَاءُ الثَّلْجِ إذَا جَرَى عَلَى طَرِيقٍ فِيهِ سِرْقِينٌ أَوْ نَجَاسَةٌ إنْ تَغَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ حَتَّى لَا يُرَى أَثَرُهَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ جَمِيعُ بَطْنِ النَّهْرِ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ يُرَى فَهُوَ نَجِسٌ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُسْتَأْنَسُ بِهَا لَمَّا عُلِمَتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي دِيَارِنَا مِنْ اعْتِيَادِهِمْ إجْرَاءَ الْمَاءِ بِسِرْقِينِ الدَّوَابِّ فَلْيُحْفَظْ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ مَا ظَفِرْتُ بِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ التَّنْقِيبِ
(4/166)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الْمُهَمَّاتِ وَلَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ وَغَيْرُهُ فِي فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَعْذُورَةِ وَعَدَمِ الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسُ إلَّا بِالِانْفِصَالِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّمَا لَقِيَ النَّجَاسَةَ تَنَجَّسَ وَبِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ؛ وَكُلَّمَا تَعَسَّرَ صَوْنُهُ عَنْهُ وَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْلَى أَسْعَدُ أَفَنْدِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاصِدًا إلَى الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ شَاهَدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الدِّيَارِ فَأَنْكَرَ عَلَى أَهْلِهَا أَشَدَّ الْإِنْكَارِ حَتَّى أَرَادَ حَيَّاهُ اللَّهُ وَأَحْيَاهُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِتَجْدِيدِ جَمِيعِ مَجَارِي الْمِيَاهِ وَلَقَدْ قَالَ لِي يَوْمًا هَلْ رَأَيْتَ فِي الْكُتُبِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي الْمَقَامِ؟ فَلَمْ يَحْضُرْنِي إلَّا مَا نَقَلْتُهُ عَنْ ابْنِ نُجَيْمٍ مِنْ الْكَلَامِ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ غَدِيرٍ مِسَاحَتُهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ فِي مَاءٍ مُتَنَجِّسٍ وَهُوَ نَجِسٌ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَدِيرٌ بَقِيَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا وَدَخَلَ فِيهِ مَاءٌ طَهُورٌ قَلِيلًا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا. وَنُقِلَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْعِيَاضِيَّ يَقُولُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ عِشْرِينَ يَصِيرُ طَاهِرًا وَجَوَابٌ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ الَّذِي يَصِلُ مِنْهُ إلَى الْغَدِيرِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ قَلِيلٌ وَيَجْتَمِعُ فِي الْغَدِيرِ فَكُلُّهُ نَجِسٌ قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فِي كِتَابِ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ: وَقَدْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي مَاءِ بِرْكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِهِ لِلْهِدَايَةِ: وَمَاءُ بِرْكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ طَاهِرٌ إنْ كَانَ مَمَرُّهُ طَاهِرًا أَوْ كَانَ أَكْثَرُ مَمَرِّهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَاءِ السَّطْحِ

(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَصَلَّى بِوُضُوءٍ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَافِرٌ جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَإِنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِالشَّرَائِعِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ صِفَةَ بَقَاءِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَبَقَاءِ صِفَةِ الْحَدَثِ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) . إنْ قِيلَ أَيُّ إنْسَانٍ أَنْزَلَ الْمَنِيَّ مَعَ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا صَبِيٌّ كَانَ مَا ذُكِرَ سَبَبُ بُلُوغِهِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ وَقَدْ حَرَّرْتُ ذَلِكَ. مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِيهَا وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا فِي تَشْنِيفِ الْمُسْمِعِ بِمَا يُثْلِجُ الْفُؤَادَ.
(4/167)

كِتَابُ الصَّلَاةِ أَيُّ تَكْبِيرٍ لَا يَكُونُ بِهِ شَارِعًا فِيهَا؟ فَقُلْ تَكْبِيرُ التَّعَجُّبِ دُونَ التَّعْظِيمِ. أَيُّ مُكَلَّفٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ وَالْوَتْرُ؟ فَقُلْ مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ
1 - إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِيهِ طَلَعَتْ

أَيُّ مُصَلٍّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ فَقُلْ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. 2 - فَقَرَأَ فِي ذَهَابِهِ

أَيُّ صَلَاةٍ؛ قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ سُورَةٍ؟ فَقُلْ التَّرَاوِيحُ لِاسْتِحْبَابِ الْخَتْمِ فِي رَمَضَانَ؛ فَإِذَا قَرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا
3 - لِأَنَّ الْبَعْضَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ آيَاتٍ كَانَ أَفْضَلَ

أَيُّ صَلَاةٍ أَفْسَدَتْ خَمْسًا وَأَيُّ صَلَاةٍ صَحَّحَتْ خَمْسًا؟ فَقُلْ رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةً وَصَلَّى بَعْدَهَا خَمْسًا ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ: إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِيهَا طَلَعَتْ. يَعْنِي قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْمُحَقِّقِينَ: الْمَعْرُوفُ الْمُمْكِنُ إذَا غَرَبَتْ الشَّفَقُ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْعِشَاءِ وَالْوَتْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ خِلَافَهُ كَمَا فِي ذَخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ

(2) قَوْلُهُ: فَقَرَأَ فِي ذَهَابِهِ. أَقُولُ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَلَوْ سَكَتَ لَمْ تَفْسُدْ ثُمَّ إنَّ التَّقْيِيدَ بِالذَّهَابِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ مَجِيئِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ذَاهِبًا أَوْ جَائِيًا الْأَصَحُّ الْفَسَادُ

(3) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبَعْضَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ آيَاتٍ كَانَ أَفْضَلَ. أَقُولُ هَذَا وَإِنْ تَمَّ فِي
(4/168)

4 - فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ، وَإِنْ صَلَّى السَّادِسَةَ قَبْلَ قَضَائِهَا صَحَّتْ الْخَمْسُ
5 - وَلِي فِيهِ كَلَامٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ

أَيُّ صَلَاةٍ فَسَدَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْقُرْآنِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظِ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ بِسَنَدِهِ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] السُّورَةَ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَكُتِبَ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ بِعَدَدِ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ وَآمَنَ بِهِ» . وَبِسَنَدِهِ إلَى الرَّبِيعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] »

(4) قَوْلُهُ: فَإِنْ قَضَى الْفَائِتَةَ فَسَدَتْ الْخَمْسُ. يَعْنِي إذَا قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ السَّادِسَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْخَمْسِ وَإِنْ صَلَّاهَا بَعْدَ السَّادِسَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَالْكَثْرَةُ تَثْبُتُ بِالسَّادِسَةِ فَإِذَا ثَبَتَ أَسْنَدَ إلَى أَوَّلِهَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَجْمُوعِ فَثَبَتَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ حُكْمُهَا مُضَافًا إلَى أَوَّلِ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُقَابِلًا لِعِلَّتِهِ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَأَدَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَلَهُمَا أَنَّ الْخَمْسَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَلَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً ثُمَّ مَا قَالَا وَمَا قَالَهُ اسْتِحْسَانٌ.
(5) قَوْلُهُ: وَلِي فِيهِ كَلَامٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ. أَقُولُ نَصُّ عِبَارَتِهِ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ كَلَامٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّ أَنْقِلَابَ الْكُلِّ جَائِزًا مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَاءِ سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ حَتَّى لَوْ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَخَرَجَ وَقْتَ الْخَامِسِ وَصَارَتْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا بِالْفَائِتَةِ الْمَتْرُوكَةِ أَوَّلًا وَعَلَى مَا صَوَّرَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سَبْعًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا ثُمَّ أَطْلَعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ مَنْقُولًا فِي الْمُجْتَبَى وَعِبَارَتُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ مَوْقُوفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَثُرَتْ وَصَارَتْ الْفَوَاسِدُ مَعَ الْفَائِتَةِ سِتًّا ظَهَرَ صِحَّتُهَا وَإِلَّا فَلَا (انْتَهَى) . وَلَقَدْ أَحْسَنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَجَادَ هُنَا كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَنَقْلِ
(4/169)

أَصْلَحَهَا الْحَدَثُ؟ فَقُلْ
7 - مُصَلِّي الْأَرْبَعِ إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ فَأَحْدَثَ قَبْلَ الرَّفْعِ
8 - تَمَّتْ، وَلَوْ رَفَعَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرِيضَةِ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: زُهْ صَلَاةٌ فَسَدَتْ أَصْلَحهَا الْحَدَثُ تَعَجُّبًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِهِ

أَيُّ مُصَلٍّ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؟
9 - فَقُلْ مَنْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ

أَيُّ مُصَلٍّ مُتَوَضِّئٍ إذَا رَأَى الْمَاءَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْغَرَائِبِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ إنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُصَحِّحَةَ لِلْخَمْسَةِ هِيَ السَّادِسَةُ قَبْلَ قَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْخَمْسِ خُرُوجُ وَقْتِ الْخَامِسَةِ كَمَا عَلِمْتَ

(6) قَوْلُهُ: أَصْلَحَهَا الْحَدَثُ. أَيْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ.
(7) قَوْلُهُ: مُصَلِّي الْأَرْبَعِ إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ إلَخْ. فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ رَجُلٌ قَامَ قَبْلَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى فَرْضِهِ عِنْدَهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَلَوْ لَمْ يَحْدُثْ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ فَسَدَتْ فَرِيضَتُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَفْسُدُ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لِأَنَّهُ فَسَدَ فَرْضُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَلَمَّا ذُكِرَ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُ مُحَمَّدٍ هَذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زُهْ صَلَاةُ فَسَدَتْ يُصْلِحُهَا الْحَدَثُ (انْتَهَى) . وَزُهْ كَلِمَةُ اسْتِعْجَابٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَهِيَ بِضَمِّ الزَّاءِ لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَإِنَّمَا قَالَهَا أَبُو يُوسُفَ تَهَكُّمًا.
(8) قَوْلُهُ: تَمَّتْ. أَيْ قَارَبَتْ التَّمَامَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتِمُّ بَعْدَ طَهَارَتِهِ وَقُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ

(9) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ إلَخْ. فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ نَعَمْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ. أَقُولُ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَثَلًا لَوْ اعْتَادَهَا فِي كَلَامِهِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
(4/170)

10 - فَقُلْ الْمُقْتَدِي بِإِمَامٍ مُتَيَمِّمٍ إذَا رَآهُ دُونَ إمَامِهِ

أَيُّ امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ؟ فَقُلْ إذَا قَرَأَتْ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَتْ وَتَبِعَهَا السَّامِعُونَ

أَيُّ فَرِيضَةٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا 11 - وَيُحَرَّمُ قَضَاؤُهَا؟ فَقُلْ الْجُمُعَةُ
12 - وَإِنَّمَا يُقْضَى الظُّهْرُ.

أَيُّ رَجُلٍ كَرَّرَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَتَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ؟ فَقُلْ إذَا تَلَاهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الصَّلَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ الْمُقْتَدِي بِإِمَامٍ مُتَيَمِّمٍ إذَا رَآهُ دُونَ إمَامِهِ. أَقُولُ لِأَنَّهُ إذَا رَآهُ صَارَتْ صَلَاةُ إمَامِهِ فَاسِدَةً فِي اعْتِقَادِهِ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا

(11) قَوْلُهُ: وَيُحَرَّمُ قَضَاؤُهَا. أَقُولُ وَالصَّوَابُ وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ الْمُلْغَزِ بِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ
(12) قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُقْضَى الظُّهْرُ. أَقُولُ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ وَإِنَّمَا يُصَلَّى الظُّهْرُ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ أُخْرَى لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الْجُمُعَةِ تَذْيِيلٌ وَتَتْمِيمٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَلْغَازِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَاةِ

(مَسْأَلَةٌ) : إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ صَلَّى فَرْضًا فِي وَقْتِهِ وَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ رَجُلٌ حَنَفِيٌّ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ الظُّهْرُ غَيْرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ مَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ هُوَ الظُّهْرُ لَا الْجُمُعَةُ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ عِبَادَةٍ ذَاتِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَقَعُ جَمِيعُهُ سُنَّةً وَيَكُونُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ الْعَدَدِ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَأَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَخْصُوصَةِ بِالْأَعْدَادِ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ. أَقُولُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ إنَّ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . لَا يَحْصُلُ لِمَنْ زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ وَسَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَذْكُرُ فِي
(4/171)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
تَوْجِيهِهِ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً فَقَدْ أَخَّرَ التَّحْمِيدَ عَنْ وَقْتِهِ وَمَوْضِعِهِ وَتَأْخِيرُ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا يُفَوِّتُ كَمَالَ أَجْرِهَا.
رَأَيْتُ فِي تَفْسِيرِ السُّلَمِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] أَنَّ بَعْضَهُمْ سُئِلَ أَيُّهُمَا أَفَضْلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمِفْتَاحَ إذَا كَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْنَانٍ وَزِيدَتْ وَاحِدَةٌ لَا يَفْتَحُ الْبَابَ وَكَذَلِكَ إذَا زِيدَ عَلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ الْعِمَادِ وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ وَلَا يَحِلُّ اعْتِقَادُهُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ وَلَمْ يُعَبِّرْ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ يَنْبَغِي الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ الْآيَةَ السَّابِقَةَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ وَتِلَاوَتُهُ عِبَادَةٌ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَلَا النَّقْصُ وَمُرَاعَاتَهُ مَطْلُوبَةٌ وَإِنْ أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ الذِّكْر يَعْنِي دُونَ التِّلَاوَةِ مُرَاعَاةً لِصُورَةِ النَّظْمِ وَإِعْجَازِهِ وَأَمَّا التَّسْبِيحَاتُ فَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ طُلِبَ الْعَدَدُ الْخَاصُّ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الْجَلَالِ كَالْمَالِكِ وَالْكَبِيرِ وَالْقَادِرِ وَالْقَاهِرِ وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الْجَمَالِ كَالرَّبِّ وَالْمُحْسِنِ وَالْمُحْيِي وَالرَّزَّاقِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] أَيْ نُزِّهَ أَسْمَاؤُهُ عَلَى الْإِلْحَادِ فِيهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ كَذَلِكَ يَجِبُ تَنْزِيهُ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَلَمَّا كَانَتْ الْكَفَرَةُ قَدْ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَاشْتَقُّوا مِنْ اللَّهِ اللَّاتِ وَمِنْ اسْمِهِ الْعَزِيزِ الْعُزَّى وَمِنْ الْمَنَّانِ مَنَاةَ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُنَزِّهَ أَسْمَاءَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُنَزِّهَ صِفَاتِهِ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤْتَى لِأَسْمَاءِ الذَّاتِ بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّسْبِيحُ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ التَّشْرِيكِ وَعَمَّا لَا يَلِيقُ.
«وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ تَنْزِيهٌ مُنَاسِبٌ
(4/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أَسْمَاءَ الْجَلَالِ وَالتَّكْبِيرِ مُنَاسِبٌ أَسْمَاءَ الْجَلَالِ وَالتَّحْمِيدُ مُنَاسِبٌ أَسْمَاءَ الْجَمَالِ لِأَنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ» وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَعْدَادُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ بِعَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَخُتِمَتْ الْمِائَةُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ هُوَ تَمَامُ الْمِائَةِ فَاسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي أَسْمَاءِ الْجَلَالِ وَلِهَذَا أُوتِيَ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِهَذَا الْعَدَدِ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ وَلِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ عَدَدَ دَرَجِ الْجَنَّةِ مِائَةٌ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَنْعِ الزَّائِدِ قَوْله تَعَالَى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] وقَوْله تَعَالَى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَعَشْرَ تَحْمِيدَاتٍ وَعَشْرَ تَكْبِيرَاتٍ فِي خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَتِلْكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ فِي الْمِيزَانِ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي صَلَاتِي قَالَ: كَبِّرِي اللَّهَ عَشْرًا وَسَبِّحِي اللَّهَ عَشْرًا وَاحْمَدِيهِ عَشْرًا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَنْوَاعِ مِنْ الذِّكْرِ وَأَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ تَحْصُلُ بِدُونِ الْمِائَةِ وَأَنَّ الْأَكْمَلَ مِائَةٌ بِعَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ (انْتَهَى) . فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ بَدِيعٌ جِدًّا
1 -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ التَّكْبِيرُ لِدُخُولِ الصَّلَاةِ مَعْلُومٌ فَمَا التَّكْبِيرُ الَّذِي يُخْرَجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَكْبِيرُ مَنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبَّرَ هُوَ يَنْوِي قَطْعَ مَا دَخَلَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ نَقْلًا عَنْ الْعُدَّةِ

(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
(4/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فَالْجَوَابُ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَأَطْلَقَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَنْعَ فِيهِمَا وَنُقِلَ عَنْ الْعُيُونِ الرِّوَايَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا لَا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُلْغَزُ بِهَذِهِ فَيُقَالُ أَيُّ رَجُلٍ غَيْرُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ غُسْلٍ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ قَالَ وَإِنْ كَانَ طَالَمَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمَقْتُولَ بِالْعَصَبَةِ كَالْقَيْسِيِّ وَالْيَمَانِيِّ كَذَلِكَ قَالَ وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الثَّانِي وَبِهِ أَخَذَ السَّعْدِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْإِمَامَيْنِ وَبِهِ أَفْتَى الْحَلْوَانِيُّ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ. أَقُولُ فِي إطْلَاقِ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا نَظَرٌ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ قُتِلَ بِمُحَدَّدٍ كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) رُفِعَ إلَيَّ سُؤَالٌ نَصُّهُ مَا قَوْلُكُمْ فِي شَخْصٍ لَيْسَ بِخُنْثَى وَلَا مِنْ النِّسَاءِ وَلَا قَارِئًا اقْتَدَى بِأُمِّيٍّ وَلَا بِمَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ تَجُوزُ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا وَإِمَامًا وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا وَقَدْ كَانَ السُّؤَالُ نَظْمًا ثُمَّ ضَاعَ مِنِّي فَأَجَبْتُ عَنْهُ نَظْمًا بِقَوْلِيِّ:
جَوَابُكَ سَهْلٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ... تَوَقَّعْهُ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ يَظْهَرُ

وَذَلِكَ شَخْصٌ أَمَّ فِي الرَّأْسِ شَجَّةٌ ... فَذَا الشَّخْصُ مَأْمُومٌ وَفِي الْحَالِ يُحْظَرُ
عَنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَقًّا بِلَا امْتِرَاءِ ... وَمَنْ شَجَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمٌ مُقَرَّرُ
1 -
(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ فَرِيضَةٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً فَالْجَوَابُ أَنَّهَا النَّظَرُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْمِصْرِ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي النُّقَايَةِ وَشَرْحِهَا لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَكُرِهَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فِي الْمِصْرِ ظُهْرُ الْمَعْذُورِ الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ جَمَاعَةً كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّعْيُ ثُمَّ قَالَ وَالْإِطْلَاقُ مُشِيرًا إلَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ إذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ لِمَانِعٍ لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا اسْتِحْبَابًا

(مَسْأَلَةٌ) إنْ قِيلَ أَيُّ صَلَاةٍ يُسَنُّ الْجَهْرُ فِيهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا كُلُّ صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ قُرِئَ فِيهَا النَّمْلُ أَوْ الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَسْمَلَةُ كَذَا. فِي الذَّخَائِرِ أَقُولُ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي السُّؤَالِ أَيُّ صَلَاةٍ يَجِبُ الْجَهْرُ فِيهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ فِي الْجَهْرِيَّةِ لَا سُنَّةٌ كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ
(4/174)

كِتَابُ الزَّكَاةِ أَيُّ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاتُهُ ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ وَلَمْ يَهْلَكْ؟ فَقُلْ الْمَوْهُوبُ إذَا رَجَعَ لِلْوَاهِبِ فِيهِ بَعْدَ الْحَوْلِ
1 - وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ أَيْضًا

أَيُّ نِصَابٍ حَوْلِيٍّ فَارِغٌ عَنْ الدَّيْنِ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ
2 - فَقُلْ الْمَهْرُ قَبْلَ الْقَبْضِ
3 - أَوْ مَالُ الضِّمَارِ

أَيُّ رَجُلٍ يُزَكِّي وَيَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا
4 - فَقُلْ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابَ سَائِمَةٍ لَا تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ

أَيُّ رَجُلٍ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ النَّقْدِ وَحَلَّتْ لَهُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
قَوْلُهُ: وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ أَيْضًا. يَعْنِي الْوُجُوبَ وَإِنَّهُ ذُكِرَ لَهَا نَظِيرٌ وَهُوَ مَا لَوْ حَلَقَ رَجُلٌ لِحْيَةَ رَجُلٍ فَغَرَّمَهُ الدِّيَةَ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا ثُمَّ نَبَتَتْ اللِّحْيَةُ ثَانِيًا فَإِنَّ الْحَالِقَ يَسْتَرِدُّ الدِّيَةَ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ أَمَّا الْحَالِقُ فَلِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ وَأَمَّا الْمَحْلُوقُ فَلِأَنَّ الْمَالَ لَمَّا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا وَهَذَا يَصْلُحُ جَوَابًا ثَانِيًا لِلسُّؤَالِ

(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْمَهْرُ قَبْلَ الْقَبْضِ. يَعْنِي لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمِلْكِ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِعَدَمِ النَّمَاءِ.
(3) قَوْلُهُ: أَوْ مَالُ الضِّمَارِ إلَخْ بِالْكَسْرِ مِنْ الْإِضْمَارِ الْإِخْفَاءُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَالُ غَائِبٍ لَا وُصُولَ لَهُ لِمَالِكِهِ فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِعَدَمِ النَّمَاءِ لَا تَحْقِيقًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَقْدِيرًا لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ رَقَبَةٍ يَدًا فَلَا يَتِمُّ الْمِلْكُ فِيهِ فَبَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْمَالِكِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ لِمَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ بِهَا ضِمَارٌ

أَيُّ رَجُلٍ يُزَكِّي وَيَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا (4) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابَ سَائِمَةٍ لَا تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. لِأَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى مَالِكِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَوْ قِيمَتُهَا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ
(4/175)

5 - فَقُلْ مَنْ لَهُ دُيُونٌ لَمْ يَقْبِضْهَا

أَيُّ رَجُلٍ يَنْبَغِي لَهُ إخْفَاءُ إخْرَاجِهَا عَنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؟ فَقُلْ الْمَرِيضُ إذَا خَافَ مِنْ وَرَثَتِهِ
6 - يُخْرِجُهَا سِرًّا عَنْهُمْ
7 - أَيُّ رَجُلٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ إخْفَاؤُهَا؟ فَقُلْ الْخَائِفُ مِنْ الظَّلَمَةِ
8 - لِئَلَّا يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَالِهِ

أَيُّ رَجُلٍ غَنِيٌّ عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ، فَقِيرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ فَتَحِلُّ لَهُ؟
9 - فَقُلْ مَنْ لَهُ دُورٌ يَسْتَغِلُّهَا وَلَا يَمْلِكُ نِصَابًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ لَهُ دُيُونٌ لَمْ يَقْبِضْهَا. يَعْنِي عَلَى رَجُلٍ مُعْسِرٍ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَيُجَابُ بِوَجْهٍ آخَرَ فَيُقَالُ هُوَ رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ لَكِنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ قَدْرَ مَا يَكْفِيه إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ رَجُلٌ مُسَافِرٌ لَهُ فِي وَطَنِهِ ذَلِكَ وَأَضْعَافُهُ لَكِنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ بِهِ إلَى وَطَنِهِ فَلَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ

(6) قَوْلُهُ: يُخْرِجُهَا سِرًّا عَنْهُمْ. لِئَلَّا يَعْلَمُوا فَيَنْقُضُوا تَصَرُّفَهُ فِي ثُلُثَيْهِ كَذَا فِي الْمُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ وَنَحْوُهُ فِي جَامِعِ الْبَزَّازِيِّ وَعَزَاهَا ابْنُ وَهْبَانَ إلَى الْقُنْيَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهَا، وَلَوْ أَعْطَاهَا، لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ بِثُلُثِهَا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا قَضَاءٌ لَا دِيَانَةٌ فَقَدْ أَطْلَقَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ فِي أَمَالِيهِ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا سِرًّا مِنْ الْوَرَثَةِ حَتَّى إنَّهُ وَقَعَ فِي شَرْحِ صَدْرِ الْقُضَاةِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ هَذَا مُعْتَبَرٌ مِنْ الْكُلِّ وَفِي كَلَامِ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّهُ لَا يُخْفِيهَا مِنْ غَيْرِ الْوَرَثَةِ إلَّا إذَا ظَنَّ الْخَبَرَ يَصِلُ إلَيْهِمْ

(7) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ إخْفَاؤُهَا. يَعْنِي وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إعْلَانُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ.
(8) قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَعْلَمُوا كَثْرَةَ مَالِهِ يَعْنِي فَيَأْخُذُونَهَا فَيَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا فَالسِّرُّ أَفْضَلُ. ذَكَرَهَا ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِهِ لِمَنْظُومَتِهِ وَلَمْ يَعْزُهَا إلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا إلَّا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ

(9) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ لَهُ دُورٌ يَسْتَغِلُّهَا وَلَا يَمْلِكُ نِصَابًا. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: أَنَّ رَجُلًا يَمْلِكُ دُورًا وَحَوَانِيتَ يَسْتَغِلُّهَا وَهِيَ تُسَاوِي أُلُوفًا لَكِنَّ غَلَّتَهَا لَا تَكْفِي لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا
(4/176)

كِتَابُ الصَّوْمِ أَيُّ رَجُلٍ أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ وَلَا كَفَّارَةً عَلَيْهِ؟
1 - فَقُلْ مَنْ رَآهُ وَحْدَهُ
2 - وَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ،
3 - وَلَك أَنْ تَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ اخْتِلَافٌ

أَيُّ رَجُلٍ نَوَى رَمَضَانَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَوَقَعَ نَفْلًا؟
4 - فَقُلْ مَنْ بَلَغَ بَعْدَ الطُّلُوعِ

أَيُّ صَائِمٍ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؟
5 - فَقُلْ مَنْ ابْتَلَعَ رِيقَ حَبِيبِهِ

أَيُّ صَائِمٍ أَفْطَرَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ رَآهُ وَحْدَهُ أَيْ الْهِلَالَ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ: الرَّدُّ عُذْرٌ فَفِي التَّصْوِيرِ نَظَرٌ أَقُولُ فِي النَّظَرِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ.
(2) قَوْلُهُ: وَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ يَعْنِي. ثُمَّ صَامَ بَعْضَ الْيَوْمِ وَأَفْطَرَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ رَدَّ شَهَادَتِهِ أَوْجَبَ شُبْهَةً فِي فِطْرِهِ وَالْكَفَالَةُ لَا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرُ سَقَطَ النَّظَرُ الْمُتَقَدِّمُ إذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ الرَّدَّ عُذْرٌ بَلْ الْمُرَادُ بِالْعُذْرِ هُنَا مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ إلَّا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ.
(3) قَوْلُهُ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ مَنْ كَانَ صِحَّةُ صَوْمِهِ اخْتِلَافٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّحَّةِ يُوجِبُ شُبْهَةً فِي الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ

(4) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ بَلَغَ بَعْدَ الطُّلُوعِ يَعْنِي لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يُدْرِكْ وَقْتَ الْوُجُوبِ

(5) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ ابْتَلَعَ رِيقَ حَبِيبِهِ. يَعْنِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْذَرٍ عِنْدَهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
(4/177)

6 - فَقُلْ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مَظْنُونًا كَمَنْ شَرَعَ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ فَتَبَيَّنَ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ

أَيُّ رَجُلٍ نَوَى التَّطَوُّعَ فِي وَقْتِهِ وَلَمْ يَصِحَّ؟
7 - فَقُلْ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَوَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مَظْنُونًا. حَالٌ مِنْ الْمَجْرُورِ أَيْ مِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ حَالَ كَوْنِ الصَّوْمِ مَظْنُونًا أَنَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

(7) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَوَاهُ. يَعْنِي وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ مُفْطِرٌ فَصَامَ تَطَوَّعَا لَمْ يَصِحَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَصِحَّ فِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ. كَذَا فِي الذَّخَائِرِ
(4/178)

كِتَابُ الْحَجِّ
1 - أَيُّ قَارِنٍ لَا دَم عَلَيْهِ؟
2 - فَقُلْ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا قَبْلَ وَقْتِهِ ثُمَّ أَتَى بِأَفْعَالِهِمَا فِي وَقْتِهِ
3 - أَيُّ فَقِيرٌ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْرَاضُ لِلْحَجِّ؟ فَقُلْ مَنْ كَانَ غَنِيًّا وَوَجَبَ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ

أَيُّ آفَاقِيٌّ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْ
4 - مَنْ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهُ مَكَّةَ
5 - أَوْ مَنْ جَاوَزَ أَوَّلَ الْمَوَاقِيتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْحَجِّ]
قَوْلُهُ: أَيُّ قَارِنٍ لَا دَمَ عَلَيْهِ. يَعْنِي أَيَّ قَارِنٍ فَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْقَارِنُ وَهُوَ آفَاقِيٌّ بَالِغٌ حُرٌّ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا. أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ لَفْظِ الْقَارِنِ مَعًا مِنْ الْمِيقَاتِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِمَّ فَعَلَ بَقِيَّةَ الْأَفْعَالِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ قَارِنٌ لَكِنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ

(3) قَوْلُهُ: أَيُّ فَقِيرٍ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْرَاضُ لِلْحَجِّ. . إلَخْ عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: أَيُّ فَقِيرٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَحُجَّ وَأَيُّ غَنِيٍّ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ ثُمَّ قَالَ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا فَقِيرٌ مَلَكَ مَا يُجِبْ الْحَجَّ عَلَيْهِ مَعَهُ وَلَمْ يَحُجَّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ غَنِيٌّ قَامَ عِنْدَهُ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ آخَرُ (انْتَهَى) . وَقَوْلُهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ

(4) قَوْلُهُ: مَنْ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَ مَكَّةَ. بِأَنْ قَصَدَ الْبُسْتَانَ.
(5) قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ جَاوَزَ أَوَّلَ الْمَوَاقِيتِ. يَعْنِي بِلَا إحْرَامٍ
(4/179)

كِتَابُ النِّكَاحِ أَيُّ أَبٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ كُفْءٍ 1 - وَلَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؟
2 - فَقُلْ الْأَبُ السَّكْرَانُ إذَا زَوَّجَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا
3 - أَيُّ امْرَأَةٍ أَخَذَتْ ثَلَاثَةَ مُهُورٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَزْوَاجٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ فَقُلْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ
4 - طَلُقَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ
5 - ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَطَلُقَتْ قَبْلَ دُخُولٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ الْإِمَامِ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: فَلَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْ لَمْ يَصِحَّ (انْتَهَى) وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ النَّفَاذِ مِنْ الْخَلَلِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْأَبُ السَّكْرَانُ إلَخْ. نُقِلَ فِي الْعِمَادِيَّةِ عَنْ نِكَاحِ فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ. قِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنَّمَا جُوِّزَ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ وَلِاهْتِدَائِهِ إلَى وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَقَدْ فُقِدَ هُنَا وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ حَمْزَةَ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ

(3) قَوْلُهُ: أَيُّ امْرَأَةٍ أَخَذَتْ ثَلَاثَةَ مُهُورٍ. أَقُولُ: مِثْلُهُ فِي الذَّخَائِرِ وَالصَّوَابُ مَهْرَانِ وَنِصْفُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِي.
(4) قَوْلُهُ: طَلُقَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ. يَعْنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
(5) قَوْلُهُ: ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ. أَقُولُ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَتَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ الْمَهْرِ
(4/180)

6 - ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فَمَاتَ

أَيُّ رَجُلٍ مَاتَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَطْلُبُ الْمَهْرَ وَالْمِيرَاثَ، وَالثَّانِيَةُ لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مِيرَاثَ، وَالثَّالِثَةُ لَهَا الْمَهْرُ دُونَ الْمِيرَاثِ، وَالرَّابِعَةُ لَهَا الْمِيرَاثُ دُونَ الْمَهْرِ؟
7 - فَقُلْ هُوَ عَبْدٌ زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ أَمَتَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَنَصْرَانِيَّةً

أَيُّ صَغِيرٍ تَوَقَّفَ النِّكَاحُ عَلَى إجَازَتِهِ؟ فَقُلْ
8 - الْمُكَاتَبُ الصَّغِيرُ إذَا زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ

أَيُّ أَبٍ زَوَّجَ بِنْتَه فَلَمْ يَرْضَ الْوَلِيُّ فَبَطَلَ؟
9 - فَقُلْ الْعَبْدُ

أَيُّ جِمَاعٍ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؟
10 - فَقُلْ جِمَاعُ الصَّغِيرَةِ وَالْمَيِّتَةِ

أَيُّ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَلَمْ تَحِلُّ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(6) قَوْلُهُ: ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فَمَاتَ. أَيْ مِنْ نَوْمِهِ فَاسْتَحَقَّتْ كَمَالَ الْمَهْرِ.

(7) قَوْلُهُ: فَقُلْ هُوَ عَبْدٌ زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ أَمَتَهُ إلَخْ. أَقُولُ هَذَا أَخْطَأُ وَالصَّوَابُ مَا فِي الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَزَوَّجَهُ مَوْلَاهُ أَمَتَيْهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ثُمَّ بَعْدَ الْعِتْقِ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَنَصْرَانِيَّةً أَمَّا الَّتِي لَهَا الْمَهْرُ وَالْمِيرَاثُ فَهِيَ الْحُرَّةُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَأَمَّا الَّتِي لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا مِيرَاثَ فَهِيَ الْأَمَةُ وَأَمَّا الَّتِي لَهَا الْمِيرَاثُ دُونَ الْمَهْرِ فَهِيَ الَّتِي عَتَقَتْ مَعَهُ وَأَمَّا الَّتِي لَهَا الْمَهْرُ دُونَ الْمِيرَاثِ فَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ لَا تَرِثُ الْمُسْلِمَ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَتَّضِحُ لَك الْخَطَأُ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ

(8) قَوْلُهُ: الْمُكَاتَبُ الصَّغِيرُ إذَا زَوَّجَهُ مَوْلَاهُ. يَعْنِي قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ لِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْبَالِغِ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَى الْكِتَابَةِ

(9) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْعَبْدُ. يَعْنِي إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ وَلَمْ يَرْضَ الْمَوْلَى وَهُوَ الْمُوَلِّي

(10) قَوْلُهُ: فَقُلْ جِمَاعُ الصَّغِيرَةِ وَالْمَيِّتَةِ. أَقُولُ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى الْعَتَّابِيَّةِ
(4/181)

11 - فَقُلْ إذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا.

أَيُّ مُعْتَدَّةٍ امْتَنَعَتْ رَجْعَتُهَا وَلَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ؟
12 - فَقُلْ إذَا اغْتَسَلَتْ وَبَقِيَتْ لُمْعَةً بِلَا غَسْلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا. أَقُولُ أَوْ إذَا تَزَوَّجَتْ بِعَبْدٍ وَوَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ السَّيِّدُ النِّكَاحَ فَإِنَّ هَذَا الْوَطْءُ لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ

(12) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا اغْتَسَلَتْ وَبَقِيَتْ لُمْعَةً بِلَا غَسْلٍ. يَعْنِي لَوْ أَنَّ مُعْتَدَّةً مِنْ رَجْعِيٍّ اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ وَحَيْضَتُهَا أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَغَسَلَتْ عَامَّةَ أَعْضَائِهَا وَبَقِيَتْ لُمْعَةٌ أَوْ أُصْبُعٌ
(4/182)

كِتَابُ الطَّلَاقِ أَيُّ رَجُلٍ طَلَّقَ وَلَمْ يَقَعْ
1 - فَقُلْ إذَا قَالَ عَنَيْتُ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا.

أَيُّ رَجُلٍ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ وَلَمْ يَقَعْ؟
2 - فَقُلْ إذَا كَانَ قَصَدَ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا
3 - وَهَذَا إذَا سَكَّنَ

أَيُّ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ أَرْضَعَتْ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا حُرِّمَتْ الْأُخْرَى عَلَيْهِ وَحْدَهَا؟ فَقُلْ رَجُلٌ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرِ أَمَةً فَأَعْتَقَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَلَهُ زَوْجَةٌ فَأَرْضَعَتْ الصَّبِيَّ الَّذِي كَانَ زَوْجُ ضَرَّتِهَا بِلَبَنِ هَذَا الرَّجُلِ حُرِّمَتْ ضَرَّتُهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا عَنَيْت الْإِخْبَارَ كَاذِبًا. ذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَازِيًا إلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ عَنَى الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى كَذِبًا لَهُ فِي الدِّيَانَةِ إمْسَاكُهَا وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ رَاقِمًا لِلْمُحِيطِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَقَعُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَّهِمُهُ فَلَوْ أَشْهَدَ قَبْلَ ذَلِكَ زَالَتْ التُّهْمَةُ ثُمَّ رَقَّمَ لِلْأَصْلِ فِي بَابِ التَّلْجِئَةِ وَقَالَ إذَا تَوَاضَعَا أَنَّا نُخْبِرُ عَنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى مَالٍ كَذِبًا ثُمَّ أَخَبَر عَنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَا عَتَاقًا وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ وَحَرَّرَهَا بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ

(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَ قَصَدَ تِلْكَ السَّاعَةَ. يَعْنِي إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ قِيَامَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَجَعَلَ قِيَامَهُ غَايَةً لِلتَّعْلِيقِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِعِتْقِ كُلِّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا كَذَلِكَ وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مِثْلُهُ حِينَ حَلَّفَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَقَالَ فِي آخِرِهِ حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ وَعَنَى قِيَامَهُ لَا قِيَامَ السَّاعَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ
(3) قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا سَكَّنَ. يَعْنِي إذَا وَقَفَ عَلَى السُّكُونِ فِي السَّاعَةِ أَمَّا إذَا
(4/183)

عَلَى زَوْجِهَا لِأَنَّهُ صَارَ ابْنَهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَصَارَ مُتَزَوِّجًا حَلِيلَةَ ابْنِهِ فَلَا يَجُوزُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
حَرَّكَهَا بِحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا حَرَّكَهَا بِحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ لَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا حَتَّى يُخَصِّصَ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْهِ بِالْقَصْدِ أَيْ النِّيَّةِ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ إذَا سَكَّنَ بَحْثًا
(4/184)

[كِتَابُ الْعَتَاقِ]
ِ أَيُّ عَبْدٍ عَتَقَ بِلَا إعْتَاقٍ وَصَارَ مَوْلَاهُ مِلْكًا لَهُ؟ فَقُلْ حَرْبِيٌّ دَخَلَ دَارَنَا مَعَ عَبْدِهِ بِلَا أَمَانٍ، وَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ
1 - عَتَقَ وَاسْتَوْلَى عَلَى سَيِّدِهِ مَلَكَهُ؛ وَيُسْأَلُ بِوَجْهٍ آخَرَ:
2 - أَيُّ رَجُلٍ صَارَ مَمْلُوكًا لِعَبْدِهِ وَصَارَ الْعَبْدُ حُرًّا؟

أَيُّ زَوْجَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ تَوَلَّدَ مِنْهُمَا وَلَدٌ حُرٌّ؟
3 - فَقُلْ الزَّوْجُ عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِالْإِذْنِ أَمَةَ أَبِيهِ بِإِذْنِهِ فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِلْأَبِ وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ

أَيُّ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ 4 - وَجَازَ؟ فَقُلْ إذَا ارْتَدَّ الْعَبْدُ بَعْدَ عِتْقِهِ فَسَبَاهُ سَيِّدُهُ وَبَاعَهُ

أَيُّ عَبْدٍ عُلِّقَ عِتْقُهُ عَلَى شَرْطٍ وَوُجِدَ وَلَمْ يَعْتِقْ؟ فَقُلْ إذَا قَالَ لَهُ إنْ صَلَّيْتَ رَكْعَةً فَأَنْتَ حُرٌّ فَصَلَّاهَا ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَتَقَ
5 - فَالرَّكْعَةُ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ أُخْرَى إلَيْهَا لِتَكُونَ جَائِزَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: عَتَقَ وَاسْتَوْلَى عَلَى سَيِّدِهِ إلَخْ. يَعْنِي عَتَقَ بِلَا وَلَاءٍ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَسْتَوْلِي عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ

(2) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ صَارَ مَمْلُوكًا. يَعْنِي عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ كَمَا فِي الْحِيرَةِ

(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ الزَّوْجُ عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِالْإِذْنِ إلَخْ. يَعْنِي أَنَّ هَذَا الزَّوْجِ مَمْلُوكٌ لِرَجُلٍ فَأَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فِي النِّكَاحِ فَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِأَمَةِ أَبِيهِ بِإِذْنِ أَبِيهِ لَهَا فِي التَّزَوُّجِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا كَانَ الْوَلَدُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْجَارِيَةِ وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ

(4) قَوْلُهُ: وَجَازَ. أَيْ كُلٌّ مِنْ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي التَّهْذِيبِ لِابْنِ الْعِزِّ

(5) قَوْلُهُ: فَالرَّكْعَةُ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ أُخْرَى إلَيْهَا. لِأَنَّ هَذِهِ الْحَلِفَ يَقَعُ عَلَى الْجَائِزِ
(4/185)

قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدِهِ وَلَمْ يَعْتِقْ؟ فَقُلْ إذَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالِ صِبَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْجَائِزُ مِنْ الرَّكْعَةِ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةٌ أُخْرَى فَكَانَ شَرْطُ الْعِتْقِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي الْعُمْدَةِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْجَوَازِ الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَإِنَّ التَّنَفُّلَ بِالْبُتَيْرَاءِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا لَا حَرَامٌ

(1) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ. يَعْنِي وَهِيَ فِي نَهْرٍ جَارٍ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
(4/186)

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]
ِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الْمَاءِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَا الْحِيلَةُ؟ فَقُلْ تَخْرُجُ وَلَا يَحْنَثُ
1 - لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ زَالَ بِالْجَرَيَانِ

. رَجُلٌ أَتَى إلَى امْرَأَتِهِ بِكِيسٍ فَقَالَ إنْ حَلَلْتِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ قَصَصْته فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجِي مَا فِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ فَأَخْرَجَتْ مَا فِي الْكِيسِ وَلَمْ يَقَعْ؟ فَقُلْ إنَّ الْكِيسَ كَانَ فِيهِ سُكَّرٌ أَوْ مِلْحٌ فَوَضَعَتْهُ فِي الْمَاءِ فَذَابَ مَا فِيهِ

امْرَأَةٌ تَزَيَّنَتْ بِالْحَرِيرِ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ لَمْ أُجَامِعْكِ فِي هَذِهِ الثِّيَابِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَنَزَعَتْهَا وَأَبَتْ لُبْسَهَا فَمَا الْخَلَاصُ؟
2 - فَقُلْ إنْ يَلْبَسُهَا هُوَ وَيُجَامِعُهَا فَلَا يَحْنَثُ إنْ لَمْ أَطَأْكِ مَعَ هَذِهِ الْمِقْنَعَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ وَإِنْ وَطِئْتُكِ مَعَهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ فَمَا الْخَلَاصُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(1) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ زَالَ بِالْجَرَيَانِ. كَذَا فِي التَّهْذِيبِ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي الذَّخَائِرِ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ

(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ إنْ يَلْبَسَهَا هُوَ وَيُجَامِعَهَا إلَخْ. كَذَا فِي التَّهْذِيبِ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ: وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ رَأَيْتُ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحِيرَةِ وَلَفْظُ الْحَلِفِ فِيهَا إنْ لَمْ أُجَامِعْكِ مَعَ هَذِهِ الثِّيَابِ وَبِذَلِكَ يَبْعُدُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ النَّظَرِ وَكَذَلِكَ فِي وَصِيَّةِ الْمَخِيطِ صَوَّرَهَا فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَبِتْ مَعَكِ مَعَ قَمِيصِكِ هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنْ بِتُّ مَعَكَ مَعَ قَمِيصِي هَذَا فَجَارِيَتِي حُرَّةٌ فَتَلْبَسُ قَمِيصَهَا وَيَبِيتَانِ وَلَا يَحْنَثَانِ لِأَنَّ قَصْدَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَبِيتَ وَهِيَ لَابِسَةٌ هَذِهِ الْقَمِيصَ وَقَصْدَ الرَّجُلِ أَنْ يَبِيتَ وَهَذَا الْقَمِيصُ مَعَهُ، انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَوْضِعُ بَحْثٍ.
(4/187)

3 - فَقُلْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِغَيْرِهَا وَلَا يَحْنَثُ مَا دَامَتْ الْمِقْنَعَةُ بَاقِيَةً وَهُمَا حَيَّانِ
4 - حَلَفَ لَا يَطَأُ سِوَاهَا وَأَرَادَهُ فَمَا الْخَلَاصُ؟ فَقُلْ إنْ يَنْوِي الْوَطْءَ بِرِجْلِهِ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً

لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، وَلَهُ ثَوْبَانِ فَقَالَ إنْ لَمْ تَلْبَسْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ ثَوْبًا مِنْهُمَا فِي هَذَا الشَّهْرِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَإِلَّا فَأَنْتُنَ طَوَالِقُ كَيْفَ الْخَلَاصُ؟
5 - فَقُلْ تَلْبَسُ اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ كُلٌّ ثَوْبًا ثُمَّ تَلْبَسُ إحْدَاهُنَّ ثَوْبًا عَشَرَةً وَتَنْزِعُهُ فَتَلْبَسُهُ الْأُخْرَى بَقِيَّةَ الشَّهْرِ

حَلَفَ أَنَّهُ يُشْبِعُهَا مِنْ الْجِمَاعِ الْيَوْمَ؛
6 - إنْ لَمْ يُفَارِقْهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ فَقَدْ أَشْبَعَهَا. وَطِئْتُكِ عَارِيًّا فَكَذَا لَابِسًا فَكَذَا فَمَا الْخَلَاصُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِغَيْرِهَا. . . إلَخْ. لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ الْوَطْءُ مَعَ الْمِقْنَعَةِ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ لِلْحَالِ وَعَدَمُ الْوَطْءِ مَعَ الْمِقْنَعَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَيَحْنَثُ لَتَحَقُّقِ الْعَدَمِ. كَذَا فِي وَسِيطِ الْمُحِيطِ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّائِقَ أَنْ تُذْكَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَنِّ الْحِيَلِ وَقَدْ ذَكَرِهَا فِي الْمُحِيطِ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا

(4) قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يَطَأُ سِوَاهَا إلَخْ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ حَلَفَ لِإِحْدَى نِسَائِهِ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَطَأُ امْرَأَةً سِوَاهَا ثُمَّ وَطِئَ سِوَاهَا وَلَا يَحْنَثُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ عَنَى بِالْوَطْءِ وَطْءَ رِجْلِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَهُ أَنْ يُجَامِعَ سِوَاهَا لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُ كَلَامُهُ وَيُصَدَّقُ دَيَّانَةً لَا قَضَاءً (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَظْهَرُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ

(5) قَوْلُهُ: فَقُلْ تَلْبَسُ اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ كُلٌّ ثَوْبًا إلَخْ عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ أَنْ تَلْبَسَ اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ الثَّوْبَيْنِ تَلْبَسُ إحْدَاهُمَا أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَتَخْلَعُهُ وَتَلْبَسُهُ الثَّالِثَةُ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا تَخْلَعُ الثَّوْبَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَتَلْبَسُهُ الْأُولَى الَّتِي لَبِسَتْهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَذَلِكَ عِنْدَ تَمَامِ الشَّهْرِ

(6) قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُفَارِقْهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ فَقَدْ أَشْبَعَهَا. كَذَا فِي أَوَّلِ طَلَاقِ الْعِدَّةِ وَقَالَ
(4/188)

7 - فَقُلْ يَطَؤُهَا وَنِصْفُهُ مَكْشُوفٌ وَالنِّصْفُ مَسْتُورٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فِي الْحِيرَةِ: إنْ سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ.
(7) قَوْلُهُ: فَقُلْ يَطَؤُهَا وَنِصْفُهُ مَكْشُوفٌ وَنِصْفُهُ مَسْتُورٌ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَسْأَلَةُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَنَّهُ حَلَفَ وَقَالَ إنْ اشْتَرَيْتُ جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ النِّصْفَ أَوَّلًا ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْبَاقِي بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ حَتَّى لَا يَحْنَثَ (انْتَهَى) . قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ وَهَذَا غَيْرُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: طَلَبَنِي الرَّشِيدُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا دَخَلْتُ إذَا هُوَ جَالِسٌ وَعَنْ يَمِينِهِ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ إنَّ عِنْدَ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةً وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَهَبَهَا لِي فَامْتَنَعَ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا لِي فَامْتَنَعَ فَقُلْتُ وَمَا مَنَعَكَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ مَا أَمْلِكُ أَنْ لَا أَبِيعَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَلَا أَهَبَهَا فَقَالَ الرَّشِيدُ هَلْ فِي ذَلِكَ مَخْرَجٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَمَا هُوَ قُلْتُ يَبِيعُ لَكَ نِصْفَهَا وَيَهَبُ لَكَ نِصْفَهَا فَيَكُونُ لَمْ يَهَبْهَا وَلَمْ يَبِعْهَا قَالَ وَيَجُوزُ ذَلِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ عِيسَى فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي وَهَبْتُ لَهُ نِصْفَهَا وَبِعْتُهُ نِصْفَهَا الْبَاقِي، قَالَ الرَّشِيدُ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَقُلْتُ مَا هِيَ قَالَ إنَّهَا أَمَةٌ وَلَا بُدَّ أَنْ تَسْتَبْرِئَ وَلَا بُدَّ مِنْ وَطْئِهَا فَقُلْتُ اعْتِقْهَا وَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تَسْتَبْرِئُ قَالَ فَإِنِّي أَعْتَقْتُهَا فَمَنْ يُزَوِّجْنِيهَا فَقُلْتُ أَنَا فَدَعَوْتُ بِرَجُلَيْنِ فَخَطَبْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَزَوْجَتُهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ ثُمَّ انْصَرَفْتُ إلَى مَنْزِلِي فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَحْتَ ثِيَابٍ فَحُمِلَ ذَلِكَ إلَيَّ
(4/189)

كِتَابُ الْحُدُودِ
1 - أَيُّ رَجُلٍ سَرَقَ مِائَةً مِنْ حِرْزٍ وَلَا قَطْعَ؟ فَقُلْ إذَا سَرَقَهَا عَلَى دَفَعَاتٍ؛ كُلُّ مَرَّةٍ
2 - أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ
3 - أَيُّ رَجُلٍ سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَقَطَعَ؟ فَقُلْ إذَا كَانَ مِنْ الرَّضَاعَةِ

أَيُّ رَجُلٍ قَالَ إنْ شَرِبْتُ الْخَمْرَ طَائِعًا فَعَبْدِي حُرٌّ 4 - فَشَرِبَهَا طَائِعًا بِالْبَيِّنَةِ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَلَمْ يُحَدُّ؟
5 - فَقُلْ إذَا كَانَتْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ سَرَقَ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ حِرْزٍ. يَعْنِي وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا وَلَا فِي سَرِقَتِهَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ.
(2) قَوْلُهُ: أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَيْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً

(3) قَوْلُهُ: سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَقَطَعَ إلَخْ. مِثْل الْأَبِ الْأُمُّ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ

(4) قَوْلُهُ: فَشَرِبَهَا طَائِعًا بِالْبَيِّنَةِ. لَيْسَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ شَرِبَهَا بَلْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ.
(5) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَتْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ. أَيْ إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَيْهِ بِالشُّرْبِ طَائِعًا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ
(4/190)

كِتَابُ السِّيَرِ أَيُّ رَجُلٍ أَمَّنَ أَلْفًا فَقَتَلَ وَلَمْ يَقْتُلُوا؟ فَقُلْ حَرْبِيٌّ طَلَبَ الْأَمَانَ لِأَلْفِ أَلْفٍ فَعَدَّهَا وَلَمْ يَعُدَّ نَفْسَهُ

أَيُّ مُرْتَدٍّ لَا يُقْتَلُ؟
1 - فَقُلْ مَنْ كَانَ إسْلَامُهُ تَبَعَا
2 - أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ
3 - أَيُّ حِصْنٍ لَا يَجُوزُ قَتْلُ أَهْلِهِ وَلَا أَمَانَ لَهُمْ؟
4 - فَقُلْ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ فَلَوْ خَرَجَ الْبَعْضُ حَلَّ قَتْلُ الْبَاقِي

أَيُّ رَضِيعٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِلَا تَبَعِيَّةٍ؟ فَقُلْ لَقِيطٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ السِّيَرِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ مَنْ كَانَ إسْلَامُهُ تَبَعًا. قَالَ فِي الْمُحِيطِ كُلُّ مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا إذَا بَلَغَ كَافِرًا يُجْبَرُ عَلَى إسْلَامِهِ وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا كَذَا فِي الذَّخَائِرِ.
(2) قَوْلُهُ: أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ أَيْ إلَخْ. فِي إسْلَامِهِ وَصُورَةُ ذَلِكَ رَضِيعٌ مُسْلِمٌ مَاتَتْ أُمُّهُ فَأَعْطَاهُ أَبُوهُ لِيَهُودِيَّةٍ تُرْضِعُهُ مَعَ ابْنٍ لَهَا وَمَاتَتْ الْيَهُودِيَّةُ وَاشْتَبَهَ الْحَالُ أَيُّهُمَا وَلَدُ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يَحْصُلْ التَّمَيُّزُ بِوَجْهٍ وَبَلَغَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ فَابْنُ الْمُسْلِمِ مُسْلِمٌ تَبَعًا وَقَدْ ارْتَدَّ وَلَا يُلْزَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْإِسْلَامِ لِلِاشْتِبَاهِ وَأَحَدُهُمَا مُرْتَدُّ وَلَا يُلْزَمُ بِالْإِسْلَامِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فَلَا يُقْتَلُ

(3) قَوْلُهُ: أَيُّ حِصْنٍ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَجَازِ الْحَذْفِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَعِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: إنْ قِيلَ أَيُّ حِصْنٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَافْتَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَلَمْ يُؤَمِّنُوا مَنْ فِيهِ وَمَعَ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ قَتْلُهُمْ.
(4) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ. يَعْنِي لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِيَقِينٍ
(4/191)

[كِتَابُ الْمَفْقُودِ]
ِ أَيُّ رَجُلٍ يُعَدُّ مَيِّتًا وَهُوَ حَيٌّ يُنَعَّمُ؟
1 - فَقُلْ الْمَفْقُودُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَقُلْ الْمَفْقُودُ. يَعْنِي لِأَنَّ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَا لَهُ حُكْمَ الْحَيَاةِ وَفِيمَا يَعُودُ إلَى غَيْرِهِ حُكْمَ الْمَمَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِهِ الْمَنْظُومَةَ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَاتِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] يَعْنِي كُنْتُمْ كُفَّارًا فَهَدَاكُمْ إلَى الْإِيمَانِ وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الشِّحْنَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِالْمَحْرُومِ عَنْ الْإِرْثِ يُقْتَلُ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ يُعَدُّ مَيِّتًا فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ حَيًّا فِي حَقِّ مَنْ يُحْجَبُ مِنْ الْوَرَثَةِ قَالَ وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ
(4/192)

كِتَابُ الْوَقْفِ أَيُّ شَيْءٍ إذَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا وَكَّلَ بِهِ جَازَ؟
1 - فَقُلْ الْوَقْفُ إذَا قَبَضَهُ الْوَاقِفُ لَا يَجُوزُ وَإِذَا قَبَضَهُ وَكِيلُهُ جَازَ

أَيُّ وَقْفٍ آجَرَهُ إنْسَانٌ ثُمَّ مَاتَ فَانْفَسَخَتْ؟ فَقُلْ الْوَاقِفُ إذَا آجَرَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، فَمَاتَ
2 - فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ الْوَقْفُ إذَا قَبَضَهُ الْوَاقِفُ. ذَكَرَ ذَلِكَ هِلَالٌ فِي أَوْقَافِهِ

(2) قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ. أَيْ إذْ مِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ مِلْكًا فَسْخُ الْإِجَارَةِ فِيهِ بِمَوْتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ
(4/193)

كِتَابُ الْبَيْعِ أَيُّ بَيْعٍ إذَا عَقَدَهُ الْمَالِكُ لَا يَجُوزُ وَإِذَا عَقَدَهُ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ جَازَ
1 - فَقُلْ بَيْعُ الْمَرِيضِ بِمُحَابَاةٍ يَسِيرَةٍ لَا يَجُوزُ وَمِنْ وَصِيِّهِ جَازَ
2 - أَيُّ رَجُلٍ بَاعَ أَبَاهُ وَصَحَّ حَلَالًا لَهُ؟ فَقُلْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً فَفَعَلَ فَوَلَدَتْ ابْنًا وَمَاتَتْ فَوَرِثَهَا ابْنُهَا فَطَالِبَ الِابْنُ مَالِكَ أَبِيهِ بِمَهْرِ أُمِّهِ فَوَكَّلَهَا الْمَوْلَى فِي بَيْعِ أَبِيهِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ مِنْ ثَمَنِهِ فَفَعَلَ جَازَ
3 - أَيُّ رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً وَلَا يَحِلُّ لَهُ؟
4 - فَقُلْ إذَا كَانَتْ مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ مُطَلَّقَتَهُ بِاثْنَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْبَيْعِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ بَيْعُ الْمَرِيضِ إلَخْ. يَعْنِي الْمَدْيُونَ إذَا بَاعَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَحَابَى لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّتْ الْمُحَابَاةُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ زَادَ فِي الثَّمَنِ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَوَصِيُّهُ إذَا بَاعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَحَابَى فِيهِ قَدْرَ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ صَحَّ بَيْعُهُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ عَفْوًا قَالَ فِي الْعِمَادِيَّةِ وَهَذَا مِنْ أَعْجَبْ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ الْمُحَابَاةَ وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ يَمْلِكُ

(2) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ بَاعَ أَبَاهُ وَصَحَّ حَلَالًا لَهُ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ بَاعَ وَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَصَحَّ الْبَيْعُ وَحَلَّ لَهُ أَكْلُ الثَّمَنِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْمُفْرِطِ

(3) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً وَلَا يَحِلُّ لَهُ. أَيْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا.
(4) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَتْ مَوْطُوءَةَ أَبِيهِ إلَخْ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: أَيُّ رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً كَانَتْ لِأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ فَوَطِئَهَا أَبُوهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلِابْنِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيَسْتَخْدِمَهَا وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا أَوْ كَانَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ مَجُوسِيَّةً
(4/194)

أَيُّ خُبْزٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ
6 - فَقُلْ مَا عُجِنَ بِمَاءٍ نَجِسٍ قَلِيلٍ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُ إذَا أَعْلَمَهُمْ لَا يَشْتَرُونَهُ وَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إعْلَامِهِمْ
7 - بِخِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ طَاهِرٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِلَا إعْلَامِهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ

(5) قَوْلُهُ: أَيُّ خُبْزٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: إنْ قِيلَ أَيُّ خُبْزٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَخْصُوصَةٍ (انْتَهَى) . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ جَوَابِ الذَّخَائِرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِفَةِ الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
(6) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَا عُجِنَ بِمَاءٍ نَجِسٍ قَلِيلٍ. أَقُولُ لَا يَخْفَى فَسَادُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَعِبَارَةُ الذَّخَائِرِ نَقْلًا عَنْ الْحِيرَةِ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ سَمِعْت نُصَيْرَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ سُئِلَ بِشْرُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ عَنْ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةُ فَارَةٍ وَالْمَاءُ قَلِيلٌ يَعْنِي وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَعُجِنَ مِنْهُ خُبْزٌ قَالَ بِيعُوهُ مِنْ النَّصَارَى وَلَا أَرَاهُمْ يَأْكُلُونَهُ فَإِنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْلَامِ؛ قَالَ بِيعُوهُ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَلَا أَرَاهُمْ يَأْكُلُونَهُ إنْ عَلِمُوا ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ بِيعُوهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَاءُ طَاهِرٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
(7) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ. قِيلَ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ
(4/195)

كِتَابُ الْكَفَالَةِ أَيُّ كَفِيلٍ بِالْأَمْرِ إذَا لَمْ يَرْجِعْ؟
1 - فَقُلْ عَبْدٌ كَفَلَ سَيِّدَهُ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى الْمَالَ بَعْدَ عِتْقِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْكَفَالَةِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ عَبْدٌ كَفَلَ سَيِّدَهُ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى الْمَالَ بَعْدَ عِتْقِهِ إلَخْ. فَإِنَّ الْكَفَالَةَ صَحِيحَةٌ وَلَا يُرْجَعُ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ مُوجِبَةً شَيْئًا عَلَى الْمَوْلَى وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْكَفَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا عَلَى مَوْلَاهُ وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ الرُّجُوعُ
(4/196)

كِتَابُ الْقَضَاءِ أَيُّ بَيْعٍ يُجْبِرُ الْقَاضِي عَلَيْهِ؟ فَقُلْ
1 - بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، وَالْمُصْحَفِ الْمَمْلُوكِ لِكَافِرٍ

أَيُّ قَوْمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ فَلَمَّا حَلَفَ وَاحِدٌ سَقَطَتْ الْيَمِينُ عَنْ الْبَاقِي؟ فَقُلْ رَجُلٌ اشْتَرَى دَارًا بَابُهَا فِي سِكَّةٍ نَافِذَةٍ، وَقَدْ كَانَ قَدِيمًا فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ
2 - فَجَحَدَ الْجِيرَانُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَحَلَفُوا،
3 - فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ لَهُ بِفَتْحِ الْبَابِ، وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْبَاقِينَ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ النُّكُولُ وَقَدْ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهِ بِحَلِفِ الْبَعْضِ. ذَكَرَهُ الْعِمَادِيُّ عَنْ فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
قَوْلُهُ: بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ إلَخْ الْجَارُّ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْبَيْعِ بَلْ بِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ حَالَ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِكَافِرٍ

قَوْلُهُ: فَجَحَدَ الْجِيرَانُ. يَعْنِي أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي تِلْكَ السِّكَّةِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ فَجَحَدَ الْجِيرَانُ أَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ السِّكَّةِ بَابٌ فِي الْقَدِيمِ
(3) قَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ لَهُ بِفَتْحِ الْبَابِ لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ أَوْ بَذْلٌ
(4/197)

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ أَيُّ شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى شَرِيكَيْنِ فَقُبِلَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؟ فَقُلْ شُهُودٌ نَصَارَى شَهِدُوا عَلَى نَصْرَانِيٍّ وَمُسْلِمٍ
1 - بِعِتْقِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ

أَيُّ شُهُودٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَعْرِفُونَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ؟
2 - فَقُلْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ

أَيُّ شَاهِدٍ جَازَ لَهُ الْكِتْمَانُ؟
3 - فَقُلْ إذَا كَانَ الْحَقُّ يَقُومُ بِغَيْرِهِ
4 - أَوْ كَانَ الْقَاضِي فَاسِقًا
5 - أَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ

. أَيُّ مُسْلِمَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ بِشَيْءٍ شَهَادَتُهُمَا وَشَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ بِضِدِّهِ فَقُبِلَتْ؟ فَقُلْ نَصْرَانِيٌّ مَاتَ لَهُ ابْنَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]
قَوْلُهُ: بِعِتْقِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ أَيْ بِعِتْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَبْدِ

(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ فِي الشَّهَادَةِ أَقُولُ صُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمَا بِحَقٍّ وَلَا يَعْرِفُونَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ تُقْبَلُ وَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ هُوَ هَذَا

(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَ الْحَقُّ يَقُومُ بِغَيْرِهِ إلَخْ أَقُولُ أَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ فَإِنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْأَدَاءِ عِنْدَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ
(4) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْقَاضِي فَاسِقًا. أَقُولُ يُنْظَرُ وَجْهُ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَانَ فَاسِقًا رُبَّمَا يُؤْذِيهِ فِسْقُهُ إلَّا أَنْ يَرُدَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ تَعَنُّتًا مَيْلًا لِلْقَضَاءِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ فِسْقُهُ
(5) قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ. أَيْ شَهَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ الْكِتْمَانُ سَتْرًا لِعِرْضِهِ
(4/198)

مُسْلِمَانِ شَهِدَ ابْنَاهُ أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، وَنَصْرَانِيَّانِ شَهِدَا أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا
6 - قُبِلَ النَّصْرَانِيَّانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قُبِلَ النَّصْرَانِيَّانِ أَيْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّينَ لِإِثْبَاتِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْعُدَّةِ
(4/199)

كِتَابُ الْإِقْرَارِ أَيُّ إقْرَارٍ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِهِ؟ فَقُلْ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ، عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،
1 - ذَكَرَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَالثَّانِي مِنْ أَغْرَبِ مَا يَكُونُ
2 - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ. يَعْنِي فِي الذَّخَائِرِ وَعِبَارَتُهُ: إنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ أَقَرَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَالُ حَتَّى تَكَرَّرَ الْإِقْرَارُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرُ الْمُزَنِيَّة حَتَّى يُكَرِّرَ الْإِقْرَارَ ثُمَّ قَالَ وَلَنَا جَوَابٌ آخَرَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ أَنَّ التَّكْرَارَ شَرْطٌ فِي الْإِقْرَارِ وَبِالدُّيُونِ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا.
(2) قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ. أَقُولُ هَذَا مِمَّا لَا يُقَالُ بَعْدَ نَقْلِ الْإِثْبَاتِ لَهَا
(4/200)

كِتَابُ الصُّلْحِ
1 - أَيُّ صُلْحٍ لَوْ وَقَعَ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الْمَصَالِحِ وَيَرُدُّ الْخَصْمُ الْبَدَلَ إلَيْهِ؟ فَقُلْ الصُّلْحُ عَنْ الشُّفْعَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الصُّلْحِ]
قَوْلُهُ: أَيُّ صُلْحٍ لَوْ وَقَعَ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ إلَخْ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: إنْ قِيلَ: رَجُلٌ صَالَحَ آخَرَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ حَقَّهُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْمَصَالِحِ وَلَا يَلْزَمُ الْمَصَالِحُ الْمَالَ الَّذِي صُولِحَ بِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ لَوْ أَخَذَهُ انْتَهَى وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ وَإِنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي الصُّلْحِ
(4/201)

كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ أَيُّ مُضَارِبٍ يَغْرَمُ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ عِنْدَهُ؟ فَقُلْ
1 - إذَا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِهَا شَيْءٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ]
قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِهَا شَيْءٌ. يَعْنِي لَوْ كَانَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَلْفًا مَثَلًا فَاشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفَيْنِ أَلْفٌ مِنْ الْمُضَارِبِ وَأَلْفٌ مِنْ عِنْدِهِ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي الِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إلَّا أَنْ تَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَأْذَنَ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّهُ ثُمَّ يَرْجِعُ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
(4/202)

كِتَابُ الْهِبَةِ أَيُّ أَبٍ وَهَبَ لِابْنِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فَقَالَ
1 - إذَا كَانَ الِابْنُ مَمْلُوكًا لِأَجْنَبِيٍّ

أَيُّ مَوْهُوبٍ لَهُ وَجَبَ دَفْعُ ثَمَنِهِ إلَى الْوَاهِبِ؟
2 - فَقُلْ الْمُسْلَمُ فِيهِ؛ إذَا وَهَبَهُ رَبُّ السَّلَمِ إلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْهِبَةِ]
قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الِابْنُ مَمْلُوكًا إلَخْ أَقُولُ: وَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا تَكُونُ الْهِبَةُ لِمَالِكِهِ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِأَجْنَبِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِقَرِيبٍ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ تَكُونُ الْهِبَةُ وَاقِعَةً لِلْقَرِيبِ وَالْهِبَةُ لِلْقَرِيبِ لَا رُجُوعَ فِيهَا وَأَرَادَ بِالْمَمْلُوكِ الْقِنَّ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْقَرِيبِ بِكَوْنِهِ لَيْسَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ الْمَسْأَلَةِ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهَا

(2) قَوْلُهُ: الْمُسْلَمُ فِيهِ إذَا وَهَبَهُ رَبُّ السَّلَمِ إلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ يَعْنِي لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ، وَقَالَ أَبْرَأْتُكَ مِنْ نِصْفِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ السَّلَمُ نَوْعُ بَيْعٍ وَفِي الْبَيْعِ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَبْت لَك نِصْفَهُ وَقَبِلَ الْبَائِعُ يَكُونُ إقَالَةً فِي النِّصْفِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. كَذَا فِي الذَّخَائِرِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْبَالِغِ حَدَّ الْأَلْغَازِ
(4/203)

كِتَابُ الْإِجَارَةِ
1 - خَافَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ بِإِقْرَارِ الْمُؤَجِّرِ بِدَيْنٍ، مَا الْحِيلَةُ؟ فَقُلْ أَنْ يَجْعَلَ لِلسَّنَةِ الْأُولَى قَلِيلًا مِنْ الْأُجْرَةِ وَيَجْعَلَ لِلْأَخِيرَةِ أَكْثَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْإِجَارَةِ]
قَوْلُهُ: خَافَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ فَسْخِ إلَخْ أَقُولُ لَا مَحِلَّ لِذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا لِأَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْحِيَلِ لَا مِنْ مَسَائِلِ الْأَلْغَازِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ رَضِيُّ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ فِي مُحِيطِهِ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ فَقَالَ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ دَارًا سِنِينَ مَعْلُومَةً فَخَافَ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ الْآجِرُ فَيُقِرُّ بِدَيْنٍ قَادِحٍ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ سَنَةٍ أَجْرًا قَلِيلًا وَيَجْعَلَ لِلسَّنَةِ الْأَخِيرَةِ بَقِيَّةَ الْأَجْرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فَيَحْصُلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الثِّقَةُ عَمَّا خَافَ مِنْ الْخُدْعَةِ لِأَنَّ الْآجِرَ مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى فَسَخَ الْإِجَارَةَ بِعُذْرٍ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ الْأَجْرِ يَمْتَنِعُ عَنْهُ
(4/204)

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ أَيْ رَجُلٌ ادَّعَى وَدِيعَةً 1 - فَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ الْقَاضِي بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ؟
2 - فَقُلْ إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِأَنَّ الْمَتْرُوكَ وَدِيعَةٌ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الْغُرَمَاءُ فَيَقْضِي الْقَاضِي دَيْنَ الْمَيِّتِ وَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي عَلَى الْغُرَمَاءِ لِتَصْدِيقِهِمْ، وَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالرَّهْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]
قَوْلُهُ: فَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَخْ. وَكَذَا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَأْخُذُهَا الْقَاضِي وَيَدْفَعُهَا إلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي الذَّخَائِرِ.

(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِأَنَّ الْمَتْرُوكَ وَدِيعَةٌ إلَخْ. وَذَلِكَ بِأَنْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَابْنًا فَقَالَ الِابْنُ هَذَا وَدِيعَةٌ وَذَلِكَ كَانَ عِنْدَ أَبِي لِفُلَانٍ وَجَاءَ فُلَانٌ يَدَّعِي ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ غُرَمَاءُ الْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ بِالْأَلْفِ عَنْ الْمَيِّتِ قَضَاءً لَا يَجْعَلُهَا لِمُدَّعِي الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ إقْرَارَ الِابْنِ الْوَدِيعَةِ وَتَصْدِيقَ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَصِحَّ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إحَاطَةَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَرَثَةِ فَكَانَ إقْرَارُ الْوَارِثِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ وَأَمَّا إقْرَارُ الْغُرَمَاءِ فَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُمْ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَتْرُكَهُ مُرْتَهِنًا بِيَدِهِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِهَا دُيُونَ الْغُرَمَاءِ يَرْجِعُ الْمُدَّعِي فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّهَا لَهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي قَالَ: وَإِذَا عَرَفَ الْجَوَابَ فِي الْوَدِيعَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالرَّهْنِ قَالَ وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْخَصَّافَ.
(4/205)

كِتَابُ الْعَارِيَّةِ أَيْ مُسْتَعِيرٌ مَلَكَ الْمَنْعَ بَعْدَ الطَّلَبِ؟ فَقُلْ
1 - إذَا طَلَبَ السَّفِينَةَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، أَوْ السَّيْفَ لِيَقْتُلَ بِهِ ظُلْمًا،
2 - أَوْ الظِّئْرَ بَعْدَ مَا صَارَ الصَّبِيُّ لَا يَأْخُذُ إلَّا ثَدْيَهَا،
3 - أَوْ فَرَسَ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ عَارِيَّةَ الرَّهْنِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ.
4 - أَيْ مُودَعٍ ضَمِنَ بِالْهَلَاكِ؟ فَقُلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
قَوْلُهُ: إذَا طَلَبَ السَّفِينَةَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ. اللَّجَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ مُعْظَمُ الْمَاءِ وَالْجَمَاعَةُ الْكَثْرَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَمِثْلُ السَّفِينَةِ زِقُّ الدُّهْنِ إذَا اسْتَعَارَهُ وَأَرَادَ الْمُعِيرُ اسْتِرْدَادَهُ فِي الْمَفَازَةِ.
(2) قَوْلُهُ: وَالظِّئْرَ بَعْدَ مَا صَارَ الصَّبِيُّ لَا يَأْخُذُ إلَّا ثَدْيَهَا. الظِّئْرُ بِالْكَسْرِ الْعَاطِفَةُ عَلَى وَلَدِ غَيْرِهَا الْمُرْضِعَةُ لَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْأَمَةُ إذْ الْحُرَّةُ لَا تُسْتَعَارُ وَعَلَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي الْعِدَّةِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا.

(3) قَوْلُهُ: أَوْ فَرَسَ الْغَازِي. يَعْنِي لَوْ اسْتَعَارَ إنْسَانٌ فَرَسًا لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ الْمُعِيرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ الْمَرْكَبُ بِالشِّرَاءِ وَلَا بِالْكِرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَلَكِنَّهُ يَتْرُكُهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالزِّقُّ يُتْرَكَانِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ: وَقَدْ يُزَادُ فِي السُّؤَالِ نَفْيُ هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرْضٌ آجَرَهَا الْمَالِكُ مِنْ شَخْصٍ ثُمَّ أَعَارَهَا مِنْهُ فَإِنَّ الْإِعَارَةَ تَكُونُ فَسْخًا لِلْإِجَارَةِ فَإِذَا زَرَعَهَا لَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ.
(4) قَوْلُهُ: أَيْ مُودِعٌ ضَمِنَ بِالْهَلَاكِ. أَقُولُ لَا مَحَلَّ لِذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَارِيَّةِ لَا فِي الْوَدِيعَةِ
(4/206)

5 - إذَا ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً.
6 - أَيْ مُودَعٌ لَمْ يُخَالِفْ وَضَمِنَ؟
7 - فَقُلْ إذَا أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(5) قَوْلُهُ: إذَا ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً. أَيْ الْوَدِيعَةُ الْمَفْهُومَةُ عَنْ لَفْظِ الْمُودِعِ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ هُنَا مَضْمُونَةً بِالْهَلَاكِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِالْأُجْرَةِ أَنَّ يَدَ الْمُودَعِ يَدُ غَصْبٍ لَا يَدُ حِفْظٍ.
(6) قَوْلُهُ: أَيْ مُودَعٌ لَمْ يُخَالِفْ إلَخْ. يُقَالُ عَلَيْهِ مَا قِيلَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
(7) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ. أَقُولُ وَجْهُ الضَّمَانِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ تَصِيرُ مَوْرُوثَةً لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى بَعْضِهِمْ وَإِنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ الْمُودِعُ.
(4/207)

كِتَابُ الْمُكَاتَبِ أَيْ كِتَابُهُ يَنْقُضُهَا غَيْرُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؟ فَقُلْ
1 - إذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ مَدْيُونًا لِلْغُرَمَاءِ نَقَضَهَا،
2 - أَيُّ مُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ جَازَ بَيْعُهُ؟ فَقُلْ
3 - إذَا كَاتَبَهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَبَّرَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. 4 - أَوْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدَّيْنِ فَيَأْسِرُهُمَا الْمَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْمُكَاتَبِ]
قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ مَدْيُونًا إلَخْ. يَعْنِي إذَا كَاتَبَ عَبْدًا عَلَيْهِ دَيْنٌ بِأَنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَصَارَ مَدْيُونًا فَيَنْقُضُ الْغُرَمَاءُ الْكِتَابَةَ.

(2) قَوْلُهُ: أَيُّ الْمُكَاتِبُ وَمُدَبَّرٌ جَازَ بَيْعُهُ. أَيْ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ غَيْرِ أَنْ يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ.
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَاتَبَهُ حَرْبِيٌّ إلَخْ. أَيْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ أَوْ دَبَّرَ الْمُدَبَّرُ حَرْبِيٌّ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ إمَّا بِاعْتِبَارِ مَجَازِ الْأَوَّلِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّجْرِيدِ إذْ الْمُكَاتَبُ لَا يُكَاتِبُ وَالْمُدَبَّرُ لَا يُدَبِّرُ.
(4) قَوْلُهُ: أَوْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدَّيْنِ إلَخْ. أَيْ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ فَأَسَرَهُمَا مَوْلَاهُمَا الْمُسْلِمُ.
(4/208)

كِتَابُ الْمَأْذُونِ أَيُّ عَبْدٍ لَا يَثْبُتُ إذْنُهُ بِالسُّكُوتِ إذَا رَآهُ مَوْلَاهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي؟
1 - فَقُلْ عَبْدُ الْقَاضِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْمَأْذُونِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ عَبْدُ الْقَاضِي إذَا رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ لَا يَكُونُ إذْنًا وَسِرُّهُ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ضَرُورِيٌّ لَهُ إذْ الْقَاضِي لَا يُبَاشِرُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ عَادَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(4/209)

كِتَابُ الْغَصْبِ
1 - أَيُّ رَجُلٍ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا فَلَزِمَهُ شَيْئَانِ؟ فَقُلْ إذَا اسْتَهْلَكَ أَحَدٌ مَصْرَعَيْ الْبَابِ
2 - أَوْ زَوْجَيْ خُفٍّ أَيُّ غَاصِبٌ لَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ
3 - فَقُلْ إذَا كَانَ الْمَالِكُ لَا يَعْقِلُ أَيَّ مُودَعٍ يَضْمَنُ بِلَا تَعَدٍّ
4 - فَقُلْ هُوَ مُودَعُ الْغَاصِبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا فَلَزِمَهُ شَيْئَانِ. قِيلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَتْلَفَ فَرَدَّ نَعْلَ إنْسَانٍ ضَمِنَ الْمُتْلَفَ لَا غَيْرُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَدْفَعَ الْأُخْرَى وَيَضْمَنَهَا كَمَا لَوْ كَسَرَ حَلْقَةَ خَاتَمٍ يَضْمَنُ الْحَلْقَةَ لَا الْفَصَّ.
(2) قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجَيْ خُفٍّ. أَيْ أَحَدَ زَوْجَيْ خُفٍّ وَالزَّوْجُ هُنَا بِمَعْنَى الْفَرْدِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الزَّوْجُ يَكُونُ وَاحِدًا أَوْ يَكُونُ اثْنَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدَةَ وَابْنُ فَارِسٍ كَذَلِكَ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَنْكَرَ النَّحْوِيُّونَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ اثْنَيْنِ وَالزَّوْجُ عِنْدَهُمْ الْفَرْدُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْعَامَّةُ تَخْطِيءُ فَتَظُنُّ أَنَّ الزَّوْجَ اثْنَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إذَا كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ بِالزَّوْجِ مُوَحَّدًا مِثْلُ قَوْلِهِمْ زَوْجُ حَمَامٍ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ زَوْجَانِ مِنْ حَمَامٍ وَزَوْجَانِ مِنْ خِفَافٍ وَلَا يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ مِنْ الطَّيْرِ زَوْجٌ بَلْ لِلذَّكَرِ فَرْدٌ وَلِلْأُنْثَى فَرْدَةٌ وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ لَا يُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ مِنْ الطَّيْرِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْجُهَّالِ وَكُلُّ اثْنَيْنِ زَوْجَانِ كَذَا فِي الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةِ نُورِ الدِّينِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ.
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا كَانَ الْمَالِكُ لَا يَعْقِلُ. يَعْنِي الْأَخْذَ وَالرَّدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ.
(4) قَوْلُهُ: فَقُلْ هُوَ مُودَعُ الْغَاصِبِ. يَعْنِي إذَا هَلَكَ عِنْدَهُ الْمَغْصُوبُ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ وَيَرْجِعَ هُوَ عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ.
(4/210)

كِتَابُ الشُّفْعَةِ
2 - أَيُّ مُشْتَرٍ سَلَّمَ لَهُ الشَّفِيعُ وَلَمْ تَبْطُلْ؟
3 - فَقُلْ هُوَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الشُّفْعَةِ]
قَوْلُهُ: أَيُّ مُشْتَرٍ سَلَّمَ لَهُ الشَّفِيعُ إلَخْ. قِيلَ عَلَيْهِ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ الشَّفِيعُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ وَكِيلُ الْغَيْرِ سَلَّمْتُ لَكَ بَيْعَكَ أَوْ شِرَاءَكَ فَهُوَ تَسْلِيمٌ لَهَا أَقُولُ يَجِبُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا سَلَّمَ لِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ شِرَاءٌ لِنَفْسِهِ وَلِذَا عَلَّلَ فِي الذَّخَائِرِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا بِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ لَا لِلْمُوَكِّلِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى شُفْعَتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ هُوَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ. لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ لَا لِلْمُوَكِّلِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى شُفْعَتِهِ.
(4/211)

كِتَابُ الْقِسْمَةِ أَيُّ شُرَكَاءَ فِيمَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ إذَا طَالِبُوهَا لَمْ يَقْسِمْ؟
1 - فَقُلْ السِّكَّةُ الْغَيْرُ النَّافِذَةِ؛ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهَا وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْقِسْمَةِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ السِّكَّةُ الْغَيْرُ النَّافِذَةِ إلَخْ. لِأَنَّ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ إذَا كَثُرَ فِيهِ النَّاسُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا هَذِهِ السِّكَّةَ حَتَّى يُخَفَّفَ الزِّحَامُ وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ.
(4/212)

كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ أَيُّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَبَحَ وَسَمَّى وَلَمْ تَحِلَّ؟
1 - فَقُلْ إذَا سَمَّى وَلَمْ يُرِدْ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ. أَيُّ رَجُلٍ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا. وَلَمْ يَضْمَنْ؟ فَقُلْ شَاةُ الْأُضْحِيَّةِ فِي أَيَّامِهَا،
2 - أَوْ قَصَّابٌ شَدَّهَا لِلذَّبْحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا سَمَّى وَلَمْ يُرِدْ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ إلَخْ. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ كَامِلَ الطَّهَارَةِ.
(2) قَوْلُهُ: أَوْ قَصَّابٌ شَدَّهَا لِلذَّبْحِ أَيْ الشَّاةَ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ.
(4/213)

كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ
1 - أَيُّ إنَاءٍ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ؟
2 - فَقُلْ الْمُتَّخَذُ مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ. أَيُّ إنَاءٍ مُبَاحِ الِاسْتِعْمَالِ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ؟ فَقُلْ مَا خَصَّهُ لِنَفْسِهِ. أَيُّ مَكَانٍ فِي الْمَسْجِدِ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ؟
3 - فَقُلْ مَا عَيَّنَهُ لِصَلَاتِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
4 - أَيُّ مَاءِ مَسِيلٍ لَا يَجُوزُ الشُّرْبُ مِنْهُ؟
5 - فَقُلْ مَاءٌ وَضَعَ الصَّبِيُّ فِيهِ كُوزًا مِنْ مَاءٍ. أَيُّ رَجُلٍ هَدَمَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَضْمَنْهَا؟ فَقُلْ إذَا وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي مَحَلَّةٍ فَهَدَمَهَا لِإِطْفَائِهِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ]
قَوْلُهُ: أَيُّ إنَاءٍ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ. يَعْنِي وَلَيْسَ مَغْصُوبًا وَلَا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْمُتَّخَذُ مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ. يَعْنِي مِنْ شَعْرِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَحُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ لِكَرَامَةِ الْآدَمِيِّ لَا لِنَجَاسَتِهِ.
(3) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَا عَيَّنَهُ لِصَلَاتِهِ إلَخْ. ذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
(4) قَوْلُهُ: أَيُّ مَاءٍ مَسِيلٍ. أَيُّ طَهُورٍ لَيْسَ فِيهِ مَا يَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ
(5) قَوْلُهُ: فَقُلْ مَاءٌ وَضَعَ الصَّبِيُّ فِيهِ كُوزًا مِنْ مَاءٍ إلَخْ. عِبَارَةُ الذَّخَائِرِ: الْجَوَابُ مَا رَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْحَاوِي: صَبِيٌّ مَلَأَ الْكُوزَ مِنْ الْحَوْضِ فِيهِ ثُمَّ أَفْرَغَهُ فِيهِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ وَعَزَاهُ لِأَحْكَامِ الصِّغَارِ.
(4/214)

كِتَابُ الْجِنَايَاتِ أَيُّ جَانٍ إذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِذَا عَاشَ فَالدِّيَةُ؟
1 - فَقُلْ الْخِتَانُ إذَا قَطَعَ حَشَفَةَ الصَّبِيِّ خَطَأً بِإِذْنِ أَبِيهِ. أَيُّ رَجُلٍ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَإِنْ قَطَعَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ خَمْسُونَ دِينَارًا؟
2 - فَقُلْ إذَا خَرَجَ رَأْسُ الْمَوْلُودِ فَقَطَعَ إنْسَانٌ أُذُنَهُ وَلَمْ يَمُتْ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا،
3 - وَإِنْ قَطَعَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ. أَيُّ شَيْءٍ فِي الْإِنْسَانِ تَجِبُ بِإِتْلَافِهِ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
قَوْلُهُ: فَقُلْ الْخِتَانُ إذَا قَطَعَ حَشَفَةَ الصَّبِيِّ خَطَأً بِإِذْنِ أَبِيهِ. يَعْنِي فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَجَبَ عَلَى الْخَاتِنِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَإِنْ عَاشَ فَعَلَى الْخَاتِنِ الدِّيَةُ كُلُّهَا، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ أَنَّ الْخِتَانَ فَعَلَ فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَإِذَا مَاتَ احْتَمَلَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الْخِتَانِ وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ قَطْعِ الْحَشَفَةِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فَتُنَصَّفُ الدِّيَةُ وَأَمَّا إذَا عَاشَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ بِقَطْعِ الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَةَ الذَّكَرِ الَّذِي مِنْهُ النَّسْلُ وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْفَرْقِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ إذَا خَرَجَ رَأْسُ الْمَوْلُودِ إلَى قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا. أَيْ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَهِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(3) قَوْلُهُ: وَإِنْ قَطَعَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ. يَعْنِي إنْ قَطَعَ قَبْلَ خُرُوجِ الْبَاقِي وَالْغُرَّةُ جَارِيَةٌ أَوْ غُلَامٌ يُسَاوِي خَمْسِينَ دِينَارًا فَإِنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الْمَوْلُودِ كَمَا فِي الذَّخَائِر.
(4/215)

4 - فَقُلْ الْأَسْنَانُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(4) قَوْلُهُ: فَقُلْ الْأَسْنَانُ. لِأَنَّهُ تَجِبُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ. فَإِنْ قِيلَ أَيُّ رَجُلٍ فَعَلَ بِإِنْسَانٍ فِعْلًا إنْ مَاتَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ دِيَاتٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا رَجُلٌ صَبَّ عَلَى رَجُلٍ مَاءً حَارًّا فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَشَعْرُهُ وَعَقْلُهُ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ دِيَاتٍ إنْ عَاشَ وَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ مَاتَ.
(4/216)

كِتَابُ الْفَرَائِضِ
1 - مَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ قُسِّمَ فِي الْإِسْلَامِ؟
2 - فَقُلْ مِيرَاثُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
3 - أَيُّ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ أَوْصِ فَقَالَ بِمَا أُوصِي إنَّمَا تَرِثُنِي عَمَّتَاكَ وَخَالَتَاك وَجِدَّتَاك وَزَوْجَتَاك؟ فَقُلْ صَحِيحٌ تَزَوَّجَ بِجَدَّتَيْ رَجُلٍ مَرِيضٍ أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ، وَالْمَرِيضُ مُتَزَوِّجٌ بِجَدَّتَيْ الصَّحِيحِ كَذَلِكَ؛ فَوَلَدَتْ كُلٌّ مِنْ جَدَّتَيْ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَرِيضِ بِنْتَيْنِ؛ فَالْبِنْتَانِ مِنْ جَدَّتَيْ الصَّحِيحِ أُمُّ أُمِّهِ خَالَتَاهُ، وَاللَّتَانِ مِنْ أُمِّ أَبِيهِ عَمَّتَاهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْمَرِيضِ مُتَزَوِّجًا أُمَّ الصَّحِيحِ فَوَلَدَتْ بِنْتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
قَوْلُهُ: مَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ قُسِّمَ فِي الْإِسْلَامِ. أَقُولُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِثْلُ هَذَا مِنْ الْأَلْغَازِ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْأَوَّلِيَّاتِ أَلْغَازٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(2) قَوْلُهُ: فَقُلْ مِيرَاثُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. أَقُولُ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِ الْوَسَائِلِ فِي الْأَوَائِلِ أَوَّلُ مَنْ وُرِثَ فِي الْإِسْلَامِ عَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ وَرِثَهُ ابْنُهُ النُّعْمَانُ وَكَانَ عَدِيٌّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِمَّنْ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَمَا هُنَا قَالَهُ الثَّعَالِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ.

(3) قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ أَوْصِ إلَخْ. أَقُولُ قَدْ نَظَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
أَتَيْتُ الْوَلِيدَ لَهُ عَائِدًا ... وَقَدْ خَامَرَ الْعَقْلَ مِنْهُ السِّقَامَا
فَقُلْت لَهُ أَوْصِ فِيمَا تَرَكْتَ ... فَقَالَ أَلَا قَدْ كُفِيت الْمُلَامَا
فَفِي عَمَّتَيْكَ وَفِي خَالَتَيْكَ ... وَفِي جَدَّتَيْكَ تَرَكْت السِّوَامَا
وَأُخْتَاكَ حَقُّهُمَا ثَابِتٌ ... وَزَوْجَاكَ يُحْرِزْنَ مِنْهُ التَّمَامَا
أُولَئِكَ يَا ابْنَ أَبِي خَالِدٍ ... مَرَاتِبُ عَشْرٍ حَوَيْنَ السِّهَامَا
وَقَدْ أَجَابَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ فَقَالَ:
(4/217)

فَهُمَا أُخْتَا الصَّحِيحِ لِأُمِّهِ وَالْمَرِيضِ لِأَبِيهِ؛ فَإِذَا مَاتَ الْمَرِيضُ فَلِامْرَأَتَيْهِ الثُّمُنُ وَهُمَا جَدَّتَا الصَّحِيحِ، وَلِبَنَاتِهِ الثُّلُثَانِ وَهُنَّ عَمَّتَا الصَّحِيحِ وَخَالَتَاهُ، وَلِجَدَّتَيْهِ السُّدُسُ وَهُمَا امْرَأَتَا الصَّحِيحِ وَلِأُخْتَيْهِ لِأَبِيهِ مَا بَقِيَ وَهُمَا أُخْتَا الصَّحِيحِ لِأُمِّهِ، وَالْمَسْأَلَةُ تَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ انْتَهَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. تَمَّ الْفَنُّ الرَّابِعُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَيَتْلُوهُ الْفَنُّ الْخَامِسُ مِنْهُ وَهُوَ فَنُّ الْحِيَلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أَرَى زَوْجَتَيْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ... هُمَا جَدَّتَا مَنْ أَصَابَ السِّقَامَا
وَزَوْجَا الْوَلِيدِ هُمَا جَدَّتَانِ ... لِذَلِكَ أَيْضًا وَلَيْسَا حَرَامَا
وَكُلٌّ أَتَتْ مِنْهُمَا بِابْنَتَيْنِ ... لِهَذَا الْمَرِيضِ كُفِيت الْمُلَامَا
وَأُخْتَانِ كَانَ لِهَذَا الْمَرِيضِ ... مِنْ أُمِّ الصَّحِيحِ وَكُلٌّ أَقَامَا
وَمَاتَ الْوَلِيدُ فَمِيرَاثُهُ ... حَوَيْنَ لَعَمْرِي مِنْهُ التَّمَامَا
أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إيضَاحُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا الصَّحِيحَ تَزَوَّجَ بِجَدَّتَيْ هَذَا الْمَرِيضِ أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ جَدَّتَيْ الصَّحِيحِ بِنْتَيْنِ، فَاللَّتَانِ مِنْ جَدَّتَيْ الصَّحِيحِ أُمُّ أُمِّهِ خَالَتَاهُ وَاللَّتَانِ مِنْ جَدَّتِهِ أُمُّ أَبِيهِ عَمَّتَاهُ وَقَدْ كَانَ أَبُو الْمَرِيضِ تَزَوَّجَ أُمَّ الصَّحِيحِ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتَيْنِ فَكَانَتَا أُخْتَيْ الصَّحِيحِ لِأُمِّهِ وَأُخْتَيْ الْمَرِيضِ لِأَبِيهِ فَإِذَا مَاتَ الْمَرِيضُ فَلِامْرَأَتَيْهِ الثُّمُنُ وَهُمَا جَدَّتَا الصَّحِيحِ وَلِبَنَاتِهِ الثُّلُثَانِ وَهُمَا عَمَّتَا الصَّحِيحِ وَخَالَتَاهُ وَلِجَدَّتَيْهِ السُّدُسُ وَهُمَا امْرَأَتَا الصَّحِيحِ وَلِأُخْتَيْهِ لِأَبِيهِ مَا بَقِيَ وَهُمَا أُخْتَا الصَّحِيحِ لِأُمِّهِ وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِلزَّوْجَتَيْنِ الثُّمُنُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لَا تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا وَلِلْأَرْبَعِ الْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا تَنْقَسِمُ عَلَيْهِنَّ وَلِلْجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا وَيَبْقَى سَهْمٌ لِلْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأَبِ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ عَلَيْهِمَا وَعَدَدُ الزَّوْجَتَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ فَيُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا وَيُضْرَبُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَعِشْرِينَ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ لِلزَّوْجَتَيْنِ الثُّمُنُ سِتَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةٌ وَلِلْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَمَانِيَةٌ وَلِلْجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ ثَمَانِيَةٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةٌ وَلِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ سَهْمَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَهْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(4/218)

الْفَنُّ الْخَامِسُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ دَقَائِقَ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ الْتِبَاسٍ، وَيْحُكُمْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ، وَإِنْ جَهِلَ النَّاسُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَفْضَلِ مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَفَوَّضَ الْأُمُورَ كُلَّهَا إلَيْهِ، وَبَعْدُ فَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَهُوَ فَنُّ الْحِيَلِ جَمْعُ حِيلَةٍ، وَهِيَ الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ، وَهِيَ تَقْلِيبُ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إلَى الْمَقْصُودِ، وَأَصْلُهَا الْوَاوُ، وَاحْتَالَ طَلَبُ الْحِيلَةِ. كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ؛ فَاخْتَارَ كَثِيرٌ التَّعْبِيرَ بِكِتَابِ الْحِيَلِ. وَاخْتَارَ كَثِيرٌ كِتَابَ الْمَخَارِجِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُلْتَقَطِ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: كَذَبُوا عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ كِتَابُ الْحِيَلِ،
1 - وَإِنَّمَا هُوَ الْهَرَبُ مِنْ الْحَرَامِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ حَسَنٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَنُّ الْخَامِسُ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَهُوَ فَنُّ الْحِيَلِ وَفِيهِ فُصُولٍ] [الْأَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ]
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ الْهَرَبُ مِنْ الْحَرَامِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ حَسَنٌ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا أَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يَحْتَالُ بِهَا الرَّجُلُ لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ أَوْ لِإِدْخَالِ شُبْهَةٍ فِيهِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، يَعْنِي تَحْرِيمًا. وَفِي الْعُيُونِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ وَكُلُّ حِيلَةٍ يَحْتَالُ بِهَا الرَّجُلُ لِيَتَخَلَّصَ بِهَا عَنْ حَرَامٍ أَوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى حَلَالٍ فَهِيَ حَسَنَةٌ وَهُوَ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا بَأْسَ بِالْحِيلَةِ فِيمَا يَحِلُّ.
(4/219)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] وَذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ «رَجُلًا اشْتَرَى صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَيْت هَلَّا بِعْت تَمْرَكَ بِالسِّلْعَةِ ثُمَّ ابْتَعْت بِسِلْعَتِكَ تَمْرًا» وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الضَّرَرِ بِأَحَدٍ انْتَهَى وَفِيهِ فُصُولٌ. الْأَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ؛
3 - إذَا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا فَأُقِيمَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَالْحِيلَةُ؛ أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ،
4 - حَتَّى تَنْقَلِبَ هَذِهِ الصَّلَاةُ نَفْلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] هَذَا تَعْلِيمُ الْمُخْلِصِ لِأَيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ عُودٍ وَقَدْ تَعَلَّقَ مُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ وَالْخَصَّافُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا فِي حِيَلِهِ قِيلَ لِأَنَّ حُكْمَهَا مَنْسُوخٌ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَتَكَلَّمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي شَرْطِ الْبَرِّ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ الْحَالِفُ مِائَةَ عُودٍ وَيُسَوِّي رُءُوسَ الْأَعْوَادِ قَبْلَ الضَّرْبِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ وَقَعَتْ وَحْشَةٌ بَيْنَ هَاجَرَ وَسَارَةَ فَحَلَفَتْ سَارَةُ إنْ ظَفِرَتْ بِهَا قَطَعَتْ عُضْوًا مِنْهَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى جَبْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ سَارَةُ مَا حِيلَةُ يَمِينِي فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَأْمُرَ سَارَةَ أَنْ تَثْقُبَ أُذُنَيْ هَاجَرَ فَمِنْ ثَمَّ ثُقُوبُ الْآذَانِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة

(3) قَوْلُهُ: إذَا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا فَأُقِيمَتْ فِي الْمَسْجِدِ. يَعْنِي وَأَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(4) قَوْلُهُ: حَتَّى تَنْقَلِبَ هَذِهِ الصَّلَاةُ نَفْلًا. أَقُولُ وَإِذَا انْقَلَبَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ نَفْلًا يَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّنَفُّلُ بِالْبَتْرَاءِ.
(4/220)

5 - وَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ.
6 - الثَّانِي فِي الصَّوْمِ؛
7 - الْتَزَمَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَصَامَ رَجَبًا وَشَعْبَانَ، فَإِذَا شَعْبَانُ نَقَصَ يَوْمًا؛
8 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسَافِرَ مُدَّةَ السَّفَرِ فَيَنْوِيَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَمَّا الْتَزَمَ،
9 - وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ رَمَضَانَ هَذَا يُسَافِرُ وَيُفْطِرُ.

الثَّالِثُ فِي الزَّكَاةِ مَنْ لَهُ نِصَابٌ أَرَادَ مَنْعَ الْوُجُوبِ عَنْهُ؛ فَالْحِيلَةُ
10 - أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهُ قَبْلَ التَّمَامِ، أَوْ يَهَبَ النِّصَابَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ قَبْلَ التَّمَامِ بِيَوْمٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(5) قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ. بِأَنْ يَنْوِيَ الدُّخُولَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ النَّفْيِ.

[الثَّانِي فِي الصَّوْمِ]
(6) قَوْلُهُ: الثَّانِي فِي الصَّوْمِ. أَقُولُ قَدْ قُدِّمَ الصَّوْمُ عَلَى الزَّكَاةِ وَهُوَ خِلَافٌ صَنَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى هُنَا.
(7) قَوْلُهُ: الْتَزَمَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إلَخْ. أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الشَّهْرَ كَمَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ فَإِذَا صَامَ رَجَبَ وَشَعْبَانَ فَقَدْ وَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ وَإِنْ كَانَ شَعْبَانُ نَاقِصًا وَإِنَّمَا يُتِمُّ مَا ذَكَرَهُ أَنْ لَوْ الْتَزَمَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ كَامِلَيْنِ.
(8) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسَافِرَ مُدَّةَ السَّفَرِ فَيَنْوِيَ إلَخْ. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ وَطَنِهِ قَاصِدًا مُدَّةَ السَّفَرِ فَيَنْوِيَ إلَخْ.

(9) قَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ رَمَضَانَ إلَخْ. فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتِ امْرَأَتِهِ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَحْنَثَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسَافِرَ وَيُفْطِرَ.

[الثَّالِثُ فِي الزَّكَاةِ]
(10) قَوْلُهُ: أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْهُ قَبْلَ التَّمَامِ أَوْ يَهَبَ النِّصَابَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ.
(4/221)

وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَرَاهَةِ وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذُوا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْفُقَرَاءِ.

وَمَنْ لَهُ عَلَى فَقِيرٍ دَيْنٌ وَأَرَادَ جَعْلَهُ عَنْ زَكَاةِ الْعَيْنِ
12 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ مِنْهُ عَنْ دَيْنِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يَعْنِي حَتَّى يَكُونَ النِّصَابُ نَاقِصًا فِي آخِرِ الْحَوْلِ أَوْ يَهَبَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَهَبَ الدَّرَاهِمَ كُلَّهَا لَهُ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَبَ مَالَهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِزَوْجَتِهِ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ هَذَا مِنْ فِقْهِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ أَوْ يَهَبَ النِّصَابَ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا (انْتَهَى) . وَرَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي صُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَنِّ الْأَلْغَازِ مِنْ الْهِبَةِ مِنْ أَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهَا فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى ذَلِكَ (انْتَهَى) . أَقُولُ: حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَنِّ الْأَلْغَازِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحِيلَةِ الْخَلَاصُ بِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا وَقَعَتْ لِلْمَالِكِ لَا لِلْوَلَدِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْوَاهِبِ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ هَذَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ تَحَقُّقُ الْحِيلَةِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الرُّجُوعِ فَالتَّعَلُّقُ بِهِ
(لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) لِأَنَّ الْوَلَدَ وَإِنْ مَلَكَ الْمَالَ بِالْهِبَةِ وَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ فَالْأَبُ يَتَمَلَّكُ مَالَ وَلَدِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ» . فَلَمْ تُعَرَّ. الْحِيلَةُ بِالْهِبَةِ إلَى الْوَلَدِ عَنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(11) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَرَاهَةِ. أَقُولُ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَفِي التَّنْوِيرِ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الشُّفْعَةِ وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الزَّكَاةِ.

(12) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ مِنْهُ عَنْ دَيْنِهِ. لِأَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِالدَّيْنِ زَكَاةُ الْعَيْنِ وَلَا زَكَاةُ دَيْنٍ آخَرَ.
(4/222)

13 - وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ،

وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَدْيُونُ مِنْ دَفْعِهِ لَهُ مَدَّ يَدَهُ وَيَأْخُذُهُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ؛ فَإِنْ مَانَعَهُ رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي فَيُكَلِّفُهُ قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ يُوَكِّلُ الْمَدْيُونُ خَادِمَ الدَّائِنِ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ ثُمَّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ؛
14 - فَيَقْبِضُ الْوَكِيلُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُوَكِّلِ.
15 - وَنَظَرَ فِيهِ بِإِمْكَانِ عَزْلِهِ.
16 - فَيُدَافِعُهُ.
17 - وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ.
18 - وَدَفَعَهُ بِأَنْ يُوَكِّلَهُ وَيَغِيبَ فَلَا يُسَلِّمُ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ إلَّا فِي غَيْبَتِهِ.
19 - وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي وَدُفِعَ بِأَنَّ فِي صِحَّةِ هَذَا التَّوْكِيلِ اخْتِلَافًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(13) قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. أَيْ مِنْ التَّصَدُّقِ عَلَى غَيْرِهِ.

(14) قَوْلُهُ: فَقَبَضَ الْوَكِيلُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُوَكِّلِ. وَهُوَ الْمَدْيُونُ وَالْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ وَكِيلٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِحُكْمِ وَكَالَتِهِ.
(15) قَوْلُهُ: وَنُظِرَ فِيهِ بِإِمْكَانِ عَزْلِهِ. يَعْنِي بَعْدَمَا قَبَضَ الْمَالَ فَلَا يَقْدِرُ الْوَكِيلُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ صَاحِبِ الْمَالِ.
(16) قَوْلُهُ: فَيُدَافِعُهُ بِأَنْ لَا يُفَارِقَ صَاحِبُ الْمَالِ الْوَكِيلَ.
(17) قَوْلُهُ: وَيَأْتِي بِمَا تَقَدَّمَ. وَهُوَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ وَيَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ الْوَكِيلِ أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيُكَلِّفَهُ قَضَاءَ الدَّيْنِ.
(18) قَوْلُهُ: وَدَفَعَهُ بِأَنْ يُوَكِّلَهُ وَيَغِيبَ إلَخْ. أَقُولُ لَمْ يَتَشَخَّصْ لِي الْمُرَادُ مِنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(19) قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ أَنْ يَقُولَ إلَخْ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبُ الْمَالِ الْمَدْيُونَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَيْنِ زِيَادَةً عَلَى مِقْدَارِ
(4/223)

فَإِنْ كَانَ لِلطَّالِبِ شَرِيكٌ فِي الدَّيْنِ يَخَافُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ؛
21 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ الدَّائِنُ وَيَهَبَ الْمَدْيُونَ مَا قَبَضَهُ لِلدَّائِنِ فَلَا مُشَارَكَةَ،
22 - وَالْحِيلَةُ فِي التَّكْفِينِ بِهَا التَّصَدُّقُ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ ثُمَّ هُوَ يُكَفِّنُ،
23 - فَيَكُونُ الثَّوَابُ لَهُمَا، وَكَذَا فِي تَعْمِيرِ الْمَسَاجِدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الدَّيْنِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ بِمِقْدَارِهِ مِنْ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ وَيَبْقَى لَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنْ لَا يَفِيَ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ.

(20) قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لِلطَّالِبِ شَرِيكٌ فِي الدَّيْنِ يَخَافُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَقْبُوضِ بِأَنْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ.
(21) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ الدَّائِنُ إلَخْ. عِبَارَةُ الْخَصَّافِ: فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَهَبَ الْغَرِيمُ لِصَاحِبِ الْمَالِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِمَّا عَلَيْهِ وَيَقْبِضُهُ ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِ يَحْتَسِبُ بِهِ مِنْ زَكَاتِهِ فَيُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ يُبْرِئُهُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَيَبْرَأُ وَلَا يُشْرِكُهُ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ.
(22) قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ فِي التَّكْفِينِ بِهَا. أَيْ الزَّكَاةِ وَالْمُرَادُ الَّذِي وَجَبَ تَمْلِيكُهُ لِأَدَاءِ فَرْضِ الزَّكَاةِ.
(23) قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الثَّوَابُ لَهُمَا ثَوَابَ الصَّدَقَةِ وَلِلْفَقِيرِ التَّكْفِينُ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَبْوَابِ الْبِرِّ الَّتِي يَتَأَتَّى التَّمْلِيكُ فِيهَا كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِيرِ وَالرِّبَاطَاتِ.
(4/224)

الرَّابِعُ فِي الْفِدْيَةِ) أَرَادَ الْفِدْيَةَ عَنْ صَوْمِ أَبِيهِ أَوْ صَلَاتِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ يُعْطِي مَنَوَيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ فَقِيرًا ثُمَّ يَسْتَوْهِبُهُ ثُمَّ يُعْطِيهِ وَهَكَذَا إلَى أَنْ يُتِمَّ.

[الْخَامِسُ فِي الْحَجِّ]
(الْخَامِسُ فِي الْحَجِّ) إذَا أَرَادَ الْأَفَاقِيُّ دُخُولَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ مِنْ الْمِيقَاتِ،
1 - قَصَدَ مَكَانًا آخَرَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ كَبُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ، إذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِبِنْتِهِ مَحْرَمٌ فِي السَّفَرِ.
2 - يُزَوِّجُهَا مِنْ عَبْدِهِ يُعْلِمُهَا فَقَطْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الرَّابِعُ فِي الْفِدْيَةِ]
قَوْلُهُ: قَصَدَ مَكَانًا آخَرَ إلَخْ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة قَصَدَ مَكَانًا آخَرَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ نَحْوَ بُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ أَوْ مَوْضِعٍ آخَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ إذَا وَصَلَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ شَرَطَ الْإِقَامَةَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. يَعْنِي لَوْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ.
(2) قَوْلُهُ: يُزَوِّجُهَا مِنْ عَبْدِهِ بِعِلْمِهَا فَقَطْ لِأَنَّ عِلْمَهَا بِالنِّكَاحِ يَشْتَرِطُ دُونَهُ.
(4/225)

السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ) ادَّعَتْ امْرَأَةٌ نِكَاحَهُ فَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ وَلَا يَمِينَ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِنُهَا التَّزَوُّجُ.
1 - وَلَا يُؤْمَرُ بِتَطْلِيقِهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ؛
2 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إنْ كُنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.
3 - وَلَوْ ادَّعَى نِكَاحَهَا فَأَنْكَرَتْ فَالْحِيلَةُ فِي دَفْعِ الْيَمِينِ عَنْهَا عَلَى قَوْلِهَا.
4 - أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ،
5 - وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهَا بِنِكَاحِ غَائِبٍ وَالْحِيلَةُ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْأَبِ شَيْئًا مِنْ مَهْرِ بِنْتِهِ لِلزَّوْجِ؛ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَهَبُ لَهُ كَذَا بِإِذْنِهَا عَلَى أَنَّهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ]
قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْمَرُ بِتَطْلِيقِهَا. كَذَا بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَالصَّوَابُ وَلَا يُمْكِنُهُ تَطْلِيقُهَا.
(2) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ إلَخْ. فَإِنَّ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

(3) قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَى عَلَى نِكَاحِهَا فَأَنْكَرَتْ. يَعْنِي وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ.
(4) قَوْلُهُ: أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ. أَقُولُ رُبَّمَا يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ حُصُولُ التَّزَوُّجِ حَالَ الدَّعْوَى فَلَا تُفِيدُ هَذِهِ الْحِيلَةُ شَيْئًا.

(5) قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهَا بِنِكَاحِ غَائِبٍ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَصِحُّ وَلَكِنْ بِالتَّكْذِيبِ مِنْ الْغَائِبِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَا يَصِحُّ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(4/226)

6 - إنْ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ فَأَنَا ضَامِنٌ فَيَصِحُّ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُحِيلُ الزَّوْجُ الْبِنْتَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ عَلَى الْأَبِ.
7 - إنْ كَانَ مَلِيًّا فَيَصِحُّ وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ يُزَوِّجُهُ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِ الْمَوْلَى؛ يُطَلِّقُهَا الْمَوْلَى كُلَّمَا أَرَادَ،

وَإِذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ الْإِخْرَاجَ مِنْ بَلَدِهَا.
8 - تَتَزَوَّجُهُ عَلَى مَهْرِ كَذَا، عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا فَإِذَا أَخْرَجَهَا كَانَ لَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا،
9 - أَوْ تُقِرُّ لِأَبِيهَا أَوْ لِوَلَدِهَا بِدَيْنٍ؛
10 - فَإِذَا أَرَادَ إخْرَاجَهَا مَنَعَهَا الْمُقِرُّ لَهُ، فَإِنْ خَافَ الْمُقِرُّ لَهُ أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(6) قَوْلُهُ: إنْ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ يَعْنِي وَرَجَعَتْ.
(7) قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَلِيًّا إلَخْ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة إنْ كَانَ الْأَبُ أَمْلَى مِنْ الزَّوْجِ.

(8) قَوْلُهُ: تَتَزَوَّجُهُ عَلَى مَهْرِ كَذَا إلَى قَوْلِهِ كَانَ لَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا. يَعْنِي وَيُقِرُّ الزَّوْجُ أَنَّ مَهْرَ مِثْلِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ يَثْقُلُ عَلَيْهِ؛ وَتَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ كَمَا فِي حِيلَ الْخَصَّافِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ: إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الْمُحَالِ فَلَا. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا لَا بَلْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ صَحِيحٌ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ لِهَذَا الصَّغِيرِ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ أَقْرَضَنِيهِ أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاعَنِيهِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ هَذَا السَّبَبِ مِنْ جِهَةِ الرَّضِيعِ لَكِنْ إنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارٍ وَأَنَّ هَذَا الْمُقِرَّ مَحَلٌّ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ لِلصَّغِيرِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ بِمُبَاشَرَةِ أَبِيهِ إلَى سَبَبِهِ وَانْعِقَادِ السَّبَبِ وَجَعَلْنَا هَذَا مِنْ الْمُقِرِّ الْتِزَامًا لِمَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِجِهَةٍ أُخْرَى تَصْحِيحًا لِلْإِقْرَارِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ.
(9) قَوْلُهُ: أَوْ تُقِرُّ لِأَبِيهَا أَوْ لِوَلَدِهَا بِدَيْنٍ. يَعْنِي وَتَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهَا.
(10) قَوْلُهُ: فَإِذَا أَرَادَ إخْرَاجَهَا مَنَعَهَا الْمُقِرُّ لَهُ. لَكِنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَكُونُ حِيلَةً
(4/227)

يُحَلِّفَهُ الزَّوْجُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا كَذَا بَاعَهَا بِذَلِكَ الْمَالِ ثِيَابًا فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْثَمُ.
11 - وَالْأَوْلَى أَنْ تَشْتَرِيَ شَيْئًا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ
12 - أَوْ تَكْفُلَ لَهُ لِيَكُونَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فَإِنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَالَفَ فِي الْإِقْرَارِ.
13 - أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَخِيفَ مِنْ أَوْلِيَائِهَا؛ تُوَكِّلُهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَقُولُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيَّ بِصَدَاقِ، كَذَا جَوَّزَهُ الْخَصَّافُ إنْ كَانَ كُفُؤًا،
14 - وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخَصَّافَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِالدَّيْنِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا لَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَكَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُقَرَّ لَهُ بِاَللَّهِ مَا أَقْرَرْت لَكَ بِهِ حَقًّا.
(11) قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ تَشْتَرِيَ شَيْئًا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ. يَعْنِي بِثَمَنٍ غَالٍ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(12) قَوْلُهُ: أَوْ تَكْفُلُ لَهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ الْكُلِّ فَإِنَّ مُحَمَّدًا خَالَفَ فِي الْإِقْرَارِ؛ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَعْدَ كَلَامٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ - أَقَرَّتْ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقَرُّ لَهُ سَبَبًا كَانَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ - اخْتِلَافًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.

(13) قَوْلُهُ: أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَخِيفَ مِنْ أَوْلِيَائِهَا إلَخْ. أَقُولُ إنَّمَا جَازَ هَذَا الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ وَاحِدًا لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي بَابِ النِّكَاحِ عِنْدَنَا.
(14) قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخَصَّافَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. يَعْنِي فِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْقَدْرِ فِي تَعْرِيفِ الْمَرْأَةِ الْجَوَازَ النِّكَاحَ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهَا لَمْ تَصِرْ مُعَرَّفَةً بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعْرِيفِ.
(4/228)

وَلَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا وَكَانَ قَدْ دَفَعَهُ إلَى أَبِيهَا وَخَافَ إنْكَارَهُمَا؟ يُنْكِرُ أَصْلَ النِّكَاحِ
16 - وَجَازَ لَهُ الْحَلِفُ أَنَّهُ مَا تَزَوَّجَهَا عَلَى كَذَا
17 - قَاصِدًا الْيَوْمَ،
18 - وَالِاعْتِبَارُ لِنِيَّتِهِ حَيْثُ كَانَ مَظْلُومًا.

حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ؛
19 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فُضُولِيٌّ وَيُجِيزُ بِالْفِعْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا إلَخْ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة: رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَدَفَعَ الْمَهْرَ إلَى أَبِيهَا أَوْ إلَى مَنْ يَجُوزُ قَبْضُهُ لَهَا ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ طَلَبَتْ الزَّوْجَ بِالْمَهْرِ وَجَحَدَتْ قَبْضَ أَبِيهَا وَقَبْضَ مَنْ يَجُوزُ قَبْضُهُ عَلَيْهَا وَخَافَ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْمَهْرِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْ يُلْزِمَهُ إيَّاهُ وَيَجْعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهَا.
(16) قَوْلُهُ: وَجَازَ لَهُ الْحَلِفُ إلَخْ. يَعْنِي فَإِنْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ تَحْلِيفَهُ بِاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَهَا عَلَى كَذَا جَازَ لَهُ الْحَلِفُ.
(17) قَوْلُهُ: قَاصِدًا الْيَوْمَ إلَخْ. أَيْ نَاوِيًا بِقَلْبِهِ أَنَّهُ مَا تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ عَلَى كَذَا وَهُنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بَلَدًا آخَرَ غَيْرَ الْبَلَدِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فِيهِ.
(18) قَوْلُهُ: وَالِاعْتِبَارُ لِنِيَّتِهِ حَيْثُ كَانَ مَظْلُومًا. هَذَا رَأْيُ الْخَصَّافِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا لَفْظَ لَهُ صَحِيحٌ إذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا وَعِنْدَنَا نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا لَفْظَ لَهُ لَا يَصِحُّ، وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ.

(19) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فُضُولِيٌّ وَيُجِيزُهُ بِالْفِعْلِ. هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتْحِ الْغَفَّارِ نَقْلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ، لَكِنْ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فِي تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقَوْلِ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْنَثْ بِالْإِجَازَةِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَقْدِ وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ وَالْإِجَازَةِ بِالْفِعْلِ كَبَعْثِ الْمَهْرِ وَشَيْءٍ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ الْوُصُولُ إلَيْهَا. ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقِيلَ سَوْقُ الْمَهْرِ يَكْفِي مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمُجَوَّزَةَ الْإِجَازَةُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ تَحَقَّقَ بِالسَّوْقِ وَبَعْثُ الْهَدِيَّةِ لَا يَكُونُ
(4/229)

وَكَذَا لَا تَتَزَوَّجُ.
21 - وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ فَزَوَّجَهَا فُضُولِيٌّ وَأَجَازَهُ الْأَبُ لَمْ يَحْنَثْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
إجَازَةً لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ وَهَذَا إذَا زَوَّجَهُ الْفُضُولِيُّ بَعْدَ الْحَلِفِ أَمَّا إذَا زَوَّجَهُ قَبْلَ الْحَلِفِ ثُمَّ حَلَفَ ثُمَّ أَجَازَهُ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
(20) قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تَتَزَوَّجُ. يَعْنِي لَوْ حَلَفَتْ امْرَأَةٌ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَزَوَّجَهَا فُضُولِيٌّ مِنْ رَجُلٍ فَأَخْبَرَهَا وَقَبَضَتْ الْمَهْرَ لَمْ تَحْنَثْ.

(21) قَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَه إلَخْ. فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى رَوَى هِشَامٌ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَزَوَّجَهَا حَنِثَ وَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُهُ فَأَجَازَ بِالْفِعْلِ لَا يَحْنَثُ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُزَوِّجَ بِنْتَه فَوَكَّلَ رَجُلًا حَتَّى زَوَّجَهَا يَجُوزُ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ (انْتَهَى) . وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ. أَقُولُ مَا فِي السِّرَاجِيَّةِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ النِّكَاحُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِيهَا بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْأَمْرِ.
(4/230)

السَّابِعُ فِي الطَّلَاقِ) كَتَبَ إلَى امْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَيَّ غَيْرِكِ وَغَيْرِ فُلَانَةَ طَالِقٌ ثُمَّ مَحَا ذِكْرَ فُلَانَةَ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ لَهَا لَمْ تَطْلُقْ فُلَانَةُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ جَيِّدَةٌ،
1 - وَالْحِيلَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا
2 - أَنْ يَقُولَ الْمُحَلِّلُ قَبْلَ الْعَقْدِ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ وَجَامَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنَةٌ فَيَقَعُ بِالْجِمَاعِ مَرَّةً؛
3 - فَإِنْ خَافَتْ مِنْ إمْسَاكِهِ بِلَا جِمَاعٍ
4 - يَقُولُ إنْ تَزَوَّجْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ أُجَامِعْكِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فِي الطَّلَاقِ بِشَرْطِ بِدَايَتِهَا بِذَلِكَ ثُمَّ قَبُولُهُ أَمَّا إذَا بَدَأَ الْمُحَلِّلُ فَقَالَ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى أَنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكَ فَقَبِلَتْ لَمْ يَصِرْ أَمْرُهَا بِيَدِهَا إلَّا إذَا قَالَ عَلَى أَنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ بَعْدَمَا أَتَزَوَّجُكِ فَقَبِلَتْ، وَإِذَا خَافَتْ ظُهُورَ أَمْرِهَا فِي التَّحْلِيلِ تَهَبُ لِمَنْ تَثِقُ بِهِ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ مَمْلُوكًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[السَّابِعُ فِي الطَّلَاقِ]
قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. يَعْنِي إذَا خَافَتْ أَنْ يُمْسِكَهَا الزَّوْجُ الْمُحَلِّلُ.
(2) قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ الْمُحَلِّلُ إلَخْ. حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: يَقُولُ الَّذِي يُرِيدُ التَّحْلِيلَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُحَلِّلُ قُلْ إنْ تَزَوَّجْتُكِ وَجَامَعْتُكِ مَرَّةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً
(3) قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَتْ مِنْ إمْسَاكِهِ بِلَا جِمَاعٍ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة بِلَا طَلَاقٍ وَلَا جِمَاعٍ.
(4) قَوْلُهُ: يَقُولُ إنْ تَزَوَّجْتُكِ إلَخْ. حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: يَقُولُ لَهُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ قُلْ إنْ تَزَوَّجْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ فَوْقَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمْ
(4/231)

5 - مُرَاهِقًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ ثُمَّ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا وَهَبَهُ مِنْهَا وَتَقْبِضُهُ فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ
6 - ثُمَّ تَبْعَثُ بِهِ إلَى بَلَدٍ يُبَاعُ،
7 - وَنَظَرَ فِيهَا بِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى رِضَا الْوَلِيِّ أَوْ أَنَّهَا لَا وَلِيَّ لَهَا.

حَلَفَ لَيُطَلِّقُهَا الْيَوْمَ؛
8 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لَهَا. أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
أُجَامِعْكِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ ذَلِكَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيَحْصُلُ الْخَلَاصُ.
(5) قَوْلُهُ: مُرَاهِقًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ. أَيْ مُقَارِبٌ لِلْحُلُمِ. وَفِي شُرُوطِ الظَّهِيرِيَّةِ: إذَا تَجَاوَزَ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ نَاشِئٌ وَإِذَا قَارَبَ الْحُلُمَ فَهُوَ مُرَاهِقٌ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي تَتَحَرَّكُ آلَتُهُ وَيَشْتَهِي كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَقُدِّرَ غَيْرُ الْبَالِغِ لِلتَّحْلِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا فَإِنَّ الْإِنْزَالَ شَرْطٌ عِنْدَ مَالِكٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. فَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ لِأَنَّهُ كَالتِّلْمِيذِ لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِذَا مَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى بَعْضِ أَقْوَالِهِ ضَرُورَةً كَمَا فِي دِيبَاجَةِ الْمُصَفَّى كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ. وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي تَلْبِيسِ النَّظَائِرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ قَوْلٌ فِي مَسْأَلَةٍ يُرْجَعُ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ إلَيْهِ (انْتَهَى) . وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُرَاهِقَ وَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُرَاهِقَ غَافِلٌ عَنْ مَلَاذِّ الْجِمَاعِ فَلَا يَغْشَى أَمْرَهَا بِخِلَافِ الْبَالِغِ.
(6) قَوْلُهُ: ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ إلَى بَلَدٍ يُبَاعُ. يَعْنِي حَتَّى تَنْقَطِعَ الْمَقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ الْمُشَارُ إلَيْهِ، وَهَذَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً تُحْرَقُ الْبَهِيمَةُ بِالنَّارِ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْمَقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا تَكُونُ الْمُشَارُ إلَيْهَا.
(7) قَوْلُهُ: وَنُظِرَ فِيهَا بِأَنَّ الْعَبْدَ إلَخْ. أَيْ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ وَهَذِهِ الْحِيلَةُ ذَكَرَهَا الْخَصَّافُ وَنَظَرَ فِيهَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ بِمَا ذَكَرَ.

(8) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَخْ وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا لَا مَلْفُوظًا حَتَّى إنَّ الْمَفْصُولَ لَا يَعْمَلُ وَكَذَا الْمُضْمَرُ فِي قَلْبِهِ وَكَوْنُهُ مَسْمُوعًا
(4/232)

حَلَفَ لَا يُطَلِّقُهَا فَخَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ وَدَفَعَ لَهُ بَدَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ،

وَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَ
10 - فَإِذَا حَكَّمَا شَافِعِيًّا، فَحَكَمَ بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ صَحَّ. وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ تَقْبَلْ
11 - لَمْ يَقَعْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. أَنْكَرَ طَلَاقَهَا، فَالْحِيلَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
هَلْ هُوَ شَرْطٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا لَيْسَ يُشْتَرَطُ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَالتَّكَلُّمُ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا كَوْنُهُ مَسْمُوعًا شَرْطٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي فَصْلَيْنِ، الطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ فَإِذَا قُرِنَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ هَلْ يَتَّصِفُ الشَّخْصُ بِكَوْنِهِ مُوقِعًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْوُقُوعُ حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ وَقَالَ لَأُطَلِّقَنَّ الْيَوْمَ امْرَأَتِي تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ لَهَا فِي الْيَوْمِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَا أَقْبَلُ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخِي وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ أَنْ يَبِيعَ فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ فَاعْتُبِرَ بَيْعًا مُوجِبًا لِلْمِلْكِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ يُعْتَبَرُ مُوقِعًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْوُقُوعُ وَمَشَايِخُنَا يَقُولُونَ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ مُوقِعًا وَجَعَلُوا هَذَا الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالُوا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنَّ الْحَالِفَ يُعْتَبَرُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ.

(9) قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يُطَلِّقُهَا فَخَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ إلَخْ. هَذِهِ الْحِيلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي السِّرَاجِيَّةِ.

(10) قَوْلُهُ: فَإِذَا حَكَمًا شَافِعِيًّا فَحَكَمَ بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ صَحَّ. يَعْنِي الْحُكْمَ بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ وَلَا يُفْتَى بِالْقَلَمِ كَيْ لَا يَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يُفْتَى بِالْقَلَمِ أَنَّهُ يُفْتَى بِالْقَوْلِ وَالْعِلَّةُ تَقْتَضِي عَدَمَ الْإِفْتَاءِ مُطْلَقًا.
(11) قَوْلُهُ: لَمْ يَقَعْ وَعَلَيْهِ. الْفَتْوَى فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(4/233)

12 - أَنْ تَدْخُلَ بَيْتًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُ لَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ،
13 - فَيُقَالُ لَهُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَكَ فِيهِ فَهِيَ بَائِنٌ، فَيُجِيبُ بِذَلِكَ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ. إنْ لَمْ تَطْبُخْ قِدْرًا، نِصْفُهَا حَلَالٌ وَنِصْفُهَا حَرَامٌ، فَهِيَ طَالِقٌ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ تَجْعَلَ الْخَمْرَ فِي الْقِدْرِ ثُمَّ تَطْبُخَ الْبَيْضَ فِيهِ. حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ؛ الْحِيلَةُ حَمْلُهُ لَهَا. فِي فِيهِ لُقْمَةٌ فَقَالَ إنْ أَكَلْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَإِنْ طَرَحَتْهَا فَهِيَ طَالِقٌ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْكُلَ النِّصْفَ وَيَطْرَحَ النِّصْفَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ فِيهِ إنْسَانٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(12) قَوْلُهُ: أَنْ تَدْخُلَ بَيْتًا. يَعْنِي فِيهَا زَوْجَهَا.
(13) قَوْلُهُ: فَيُقَالُ لَهُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَكَ فِيهِ إلَخْ. أَقُولُ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فَيُقَالَ لَهُ قُلْ كُلُّ امْرَأَةٍ لَكَ فِي إلَخْ.
(4/234)

الثَّامِنُ: فِي الْخُلْعِ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ سَأَلْتِنِي الْخُلْعَ وَلَمْ أَخْلَعْ، وَحَلَفَتْ هِيَ بِالْعِتْقِ إنْ لَمْ تَسْأَلْهُ الْخُلْعِ قَبْلَ اللَّيْلِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمَرْأَةِ سَلِيهِ الْخُلْعَ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ لَهُ قُلْ: خَلَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ لَهَا: قَوْلِي لَا أَقْبَلُ فَقَالَتْ، فَقَالَ: قَوْمِي وَاذْهَبِي مَعَ زَوْجِكِ
1 - فَقَدْ بَرَّ كُلٌّ مِنْكُمَا. وَحِيلَةٌ أُخْرَى أَنْ تَبِيعَ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ مَمَالِيكِهَا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ
2 - قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ ثُمَّ تَسْتَرِدَّهُ بَعْدُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الثَّامِنُ فِي الْخُلْعِ]
قَوْلُهُ: فَقَدْ بَرَّ كُلٌّ مِنْكُمَا فِي يَمِينِهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ أَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ يُشْبِهُ الْبَيْعَ، فَالْبَرُّ لَا يَحْصُلُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى التَّبَرُّعَاتِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الْبَرُّ فِي يَمِينِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبُولُ مِنْ الْآخَرِ. قِيلَ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَسْتَقِيمُ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ وَتَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا وَالتَّعْلِيقُ يَتِمُّ بِالْمُعَلَّقِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْقَبُولِ وَالْيَمِينُ تَتِمُّ بِالْحَالِفِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِغَيْرِهِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ.
(2) قَوْلُهُ: قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ. يَعْنِي فَيَمْضِي الْيَوْمُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ لَا إلَى جَزَاءٍ.
(4/235)

التَّاسِعُ: فِي الْأَيْمَانِ لَا يَتَزَوَّجُ بِالْكُوفَةِ
1 - يَعْقِدُ خَارِجَهَا وَلَوْ فِي سَوَادِهَا إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ. لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ثُمَّ أَرَادَهُ
2 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُمَا مِنْ ثِقَةٍ فَيُزَوِّجَهُمَا ثُمَّ يَسْتَرِدَّهُمَا. لَا يُطَلِّقُهَا بِبُخَارَى يَخْرُجُ مِنْهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا أَوْ يُوَكِّلُ فَيُطَلِّقُهَا خَارِجَهَا.
3 - حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُهَا؛ بِعَقْدٍ مَرَّتَيْنِ. قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[التَّاسِعُ فِي الْأَيْمَانِ]
قَوْلُهُ: يَعْقِدُ خَارِجَهَا وَلَوْ فِي سَوَادِهَا. قَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ: جَعَلَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَادَ الْكُوفَةِ غَيْرَ الْكُوفَةِ وَسَوَادَ الرَّيِّ مِنْ الرَّيِّ: وَإِنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ الْحِيلَةُ فِي الْإِجَارَةِ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الْكُوفَةِ أَوْ إلَى مَرْوَ أَوْ سَمَرْقَنْدَ يَجُوزُ لِأَنَّ هَذِهِ أَسَامِي الْقَصَبَةِ لَا غَيْرُ فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مَعْلُومًا وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الرَّيِّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَقَعُ عَلَى الْقَصَبَةِ وَالسَّوَادِ جَمِيعًا فَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مَجْهُولًا وَإِنَّمَا عَرَفْت هَذِهِ الْأَسَامِيَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ لَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ.
(2) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُمَا مِنْ ثِقَةٍ فَيُزَوِّجَهُمَا ثُمَّ يَسْتَرِدَّهُمَا إلَخْ. يَعْنِي بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ ذَكَرَ هَذِهِ الْحِيلَةَ الْخَصَّافُ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَه فَوَكَّلَ رَجُلًا حَتَّى زَوَّجَهَا أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. وَهَذِهِ كَانَتْ لَا تَخْفَى عَلَى الْخَصَّافِ إنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ صَحِيحًا (انْتَهَى) . أَقُولُ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ مُخَالِفٌ لِمَا فِي مُتُونِ الْمَذْهَبِ فَكَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ الْخَصَّافُ.

(3) قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُهَا بِعَقْدٍ مَرَّتَيْنِ. يَعْنِي لِأَنَّهُ إنْ حَنِثَ فَقَدْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا
(4/236)

4 - الْأَوْلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ بِيَقِينٍ.

حَلَّفَتْهُ امْرَأَتُهُ بِأَنَّ كُلَّ جَارِيَةٍ تَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ. 5 - فَقَالَ نَعَمْ نَاوِيًا جَارِيَةً بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
6 - وَلَوْ نَوَى بِالْجَارِيَةِ السَّفِينَةَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ 7 - نَاوِيًا عَلَى رَقَبَتِكِ صَحَّتْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
بَعْدَ مَا حَنِثَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَنِثَ لَمْ يَضُرَّهُ النِّكَاحُ الثَّانِي وَهَذَا يَسْتَقِيمُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي تَسْمِيَةٌ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا يَلْزَمُهُ الثَّانِي فَيَضُرُّهُ النِّكَاحُ الثَّانِي فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَبْطُلُ مِنْهُ النِّكَاحُ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي هَذَا النِّكَاحِ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(4) قَوْلُهُ: الْأَوْلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ بِيَقِينٍ. يَعْنِي احْتِيَاطًا لِاخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْيَمِينِ أَوْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ التَّزَوُّجِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لَمَّا تَزَوَّجَهَا. لَوْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى وَالْمَرْأَةُ تَتَزَوَّجُ آخَرَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَهِيَ امْرَأَةُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَهَذَا فَسْخٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى حَتَّى تَبِينَ مِنْهُ إمَّا بِحُكْمِ هَذِهِ الطَّلْقَةِ وَإِمَّا بِحُكْمِ الْيَمِينِ السَّابِقِ فَحَلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَظْهَرُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْبَالِغِ حَدَّ الْأَلْغَازِ.

(5) قَوْلُهُ: فَقَالَ نَعَمْ نَاوِيًا جَارِيَةً بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ. يَعْنِي دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى خِلَافَ الظَّاهِرِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
(6) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى بِالْجَارِيَةِ السَّفِينَةَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. يَعْنِي دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
(7) قَوْلُهُ: نَاوِيًا عَلَى رَقَبَتِكَ صَحَّتْ. أَيْ نِيَّتُهُ قَضَاءً وَدِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
(4/237)

عَرَضَ عَلَى غَيْرِهِ يَمِينًا فَقَالَ نَعَمْ؛ لَا يَكْفِي وَلَا يَصِيرُ حَالِفًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة،
9 - وَعَلَى هَذَا فَمَا يَقَعُ مِنْ التَّعَالِيقِ فِي الْمُحَاكِمِ أَنَّ الشَّاهِدَ يَقُولُ لِلزَّوْجِ تَعْلِيقًا فَيَقُولُ نَعَمْ،
10 - لَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: عَرَضَ عَلَى غَيْرِهِ يَمِينًا فَقَالَ نَعَمْ؛ لَا يَكْفِي وَلَا يَصِيرُ حَالِفًا وَهُوَ الصَّحِيحُ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. أَقُولُ الصَّوَابُ يَكْفِي وَيَصِيرُ حَالِفًا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعِبَارَتُهَا بَعْدَ كَلَامِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا عَرَضَ عَلَى غَيْرِهِ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ فَيَقُولُ ذَلِكَ الْغَيْرُ نَعَمْ أَنَّهُ يَكْفِي وَيَصِيرُ حَالِفًا بِتِلْكَ الْيَمِينِ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ وَهَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ. قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَكْفِي وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفِي وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
(انْتَهَى) . مِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي نَقْلِ الْمُصَنِّفِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ الْخَلَلِ وَأَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ لَا مِنْ قَوْلِهِ لَا يَكْفِي وَلَا يَصِيرُ وَيُوَافِقُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّاجِيَّةِ عَنْ حِيَلِ الْمُحِيطِ: لَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَيَقُولُ نَعَمْ يَكْفِي وَيَكُونُ حَالِفًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مُخْتَلَفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ فَنِّ الْقَوَاعِدِ وَهِيَ السُّؤَالُ مُعَادٌ فِي جَوَابٍ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.
(9) قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا فَمَا يَقَعُ مِنْ التَّعْلِيقِ فِي الْمُحَاكِمِ. أَقُولُ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالْخَطَأُ يَأْنَسُ بِالْخَطَأِ.
(10) قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ. كَمَا قَدْ قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهُ نَعَمْ يَكْفِي فِي التَّعْلِيقِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الشَّاهِدِ التَّعْلِيقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَسْتَخْبِرُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ كَانَ جَوَابًا وَإِعْلَامًا فَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ فِي جَوَابِهِ فَيَلْزَمُهُ مُوجَبُ التَّعْلِيقِ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِهِ، فَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْجَوَابَ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً. وَفِي الْفَتْحِ: لَوْ قَالَ عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَقَالَ نَعَمْ الْحَالِفُ الْمُجِيبُ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَهَذِهِ عَلَى أَقْسَامٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَعَلَّهَا هِيَ مَسْأَلَةُ عَرْضِ الْيَمِينِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْأَيْمَانِ: رَجُلٌ قَالَ لِمَدْيُونِهِ امْرَأَتُكَ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَقْضِ دَيْنِي فَقَالَ الْمَدْيُونُ نَعَمْ وَأَرَادَ جَوَابَهُ الْيَمِينُ لَازِمَةٌ وَإِنْ دَخَلَ بَيْنَهُمَا انْقِطَاعٌ.
(4/238)

إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ يَبِيعُهُ. ثُمَّ يَفْعَلُ ثُمَّ يَسْتَرِدُّهُ
12 - الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ مُدَبَّرٍ يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ أَنْ يَقُولَ إذَا مِتُّ وَأَنْتَ فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ.
13 - اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ بِإِقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ ثُمَّ ادَّعَى بِهِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَاوِيًا مَكَانًا غَيْرَ مَكَانِهِ أَوْ زَمَانًا غَيْرَ زَمَانِهِ.
14 - حَلَفَ لَا يَشْتَرِيهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ يَشْتَرِيهِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ. لَا يَبِيعُ الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ أَبَدًا؛ فَالْحِيلَةُ بَيْعُ الثَّوْبِ مِنْهُ وَمِنْ آخَرَ أَوْ بَيْعُهُ مِنْهُ بِعَرْضٍ أَوْ يَبِيعُهُ الْبَعْضَ وَيَهَبُهُ الْبَعْضَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ يَبِيعُهُ. يَعْنِي مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ إذَا أَرَادَ إسْرَادَهُ وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ.

(12) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ مُدَبَّرٍ يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ إلَخْ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُدَبِّرَ عَبْدَهُ وَيُجَوِّزَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا مِتُّ وَأَنْتَ فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ هَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ بَيْعَهُ يَجُوزُ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الرَّكَاكَةِ.

(13) قَوْلُهُ: اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ بِإِقَالَةٍ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ: رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَارًا وَضْعِيَّةً ثُمَّ اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِع عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُ وَقَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت ذَلِكَ مِنْهُ وَالْبَائِعُ مُبْطِلٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى فَالْحِيلَةُ فِي دَفْعِ الْيَمِينِ أَنَّهُ يَنْوِي أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهَا مِنْهُ بِبَغْدَادَ أَوْ بِمَكَّةَ أَوْ فِي بَلَدِ كَذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فِيهِ، أَوْ يَنْوِي أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى مَا وَصَفْنَاكَ وَلَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ يَسْعَى لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ (انْتَهَى) . قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة هَذَا رَأْيُ الْخَصَّافِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَرَى نِيَّةَ تَخْصِيصِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِهِ.

(14) قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يَشْتَرِيهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا إلَخْ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَوْ أَنَّ
(4/239)

15 - أَوْ يُوَكِّلُ بَيْعَهُ مِنْهُ أَوْ بَيْعَهُ فُضُولِيٌّ مِنْهُ وَيُجِيزُ الْبَيْعَ.
16 - لَا يَشْتَرِيهِ، يَشْتَرِيهِ بِالْخِيَارِ
17 - وَفِيهِ نَظَرٌ، أَوْ يَشْتَرِيهِ مَعَ آخَرَ أَوْ يَشْتَرِيهِ إلَّا سَهْمًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
رَجُلًا سَاوَمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ وَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا أَوْ بَاعَ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَيُجْعَلُ هَذَا كَالْمُصَرَّحِ بِهِ فِي يَمِينِهِ أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا مِنْ مَالٍ آخَرَ سِوَى الدَّرَاهِمِ، وَلَوْ أَرَدْنَا ذَلِكَ أَرَدْنَاهُ بِمُجَرَّدِ الْعُرْفِ وَالْقَصْدِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَحْتَمِلُ اسْمًا آخَرَ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الزِّيَادَةِ فِي الْيَمِينِ بِمُجَرَّدِ الْعُرْفِ وَالْقَصْدِ أَلَا تَرَى إنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي هَذَا الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ لَمْ يَحْنَثْ مَعَ أَنَّ الدِّينَارَ أَكْثَرُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَمَنْ رَغِبَ عَنْ شِرَاءِ شَيْءٍ بِدِرْهَمٍ كَانَ أَرْغَبَ عَنْ شِرَائِهِ بِمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ دِرْهَمًا وَزِيَادَةً. لَكِنْ قِيلَ لَوْ أَرَدْنَا ذَلِكَ أَرَدْنَاهُ بِمُجَرَّدِ الْعُرْفِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ جَوَابُ الْقِيَاسِ أَمَّا عَلَى جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ. فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ عَبْدَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَّا بِأَكْثَرَ أَوْ بِأَزْيَدَ فَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ، الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَحْنَثَ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ وَالْمُسْتَثْنَى الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةٍ أَوْ بِأَزْيَدَ مِنْهَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ وَالزِّيَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْبَيْعُ دَاخِلًا تَحْتَ الْيَمِينِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جُعِلَتْ جِنْسًا وَاحِدًا فِيمَا عَدَا حُكْمَ الرِّبَا فَتَكْثُرُ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ فَكَانَ هَذَا بَيْعًا بِأَكْثَرَ.
(15) قَوْلُهُ: أَوْ يُوَكِّلُ بِبَيْعِهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِمَا فِي إيمَانِ الْأَصْلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فَأَمَرَ إنْسَانًا بِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا كَانَ سُلْطَانًا لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.

(16) قَوْلُهُ: لَا يَشْتَرِيهِ يَشْتَرِيهِ بِالْخِيَارِ. يَعْنِي إنْ قَالَ لَوْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ نَاقَضَهُ الشِّرَاءَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَاتًّا لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي حِيَلِهِ.
(17) قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَجْهُ النَّظَرِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ وَقَالَ إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ بِالْخِيَارِ عَتَقَ عَلَيْهِ بِلَا ذِكْرِ خِلَافٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(4/240)

18 - ثُمَّ يَشْتَرِي السَّهْمَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ.
19 - عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ أَخَذَ دَيْنَهُ مُتَفَرِّقًا يَأْخُذُهُ إلَّا دِرْهَمًا.
20 - حَلَفَ لَيَأْخُذَنَّ مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ أَوْ لَيَقْبِضَنَّهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ كَفِيلِهِ أَوْ مِنْ حَوِيلِهِ،
21 - وَقِيلَ يَحْنَثُ.

إنْ أَكَلْت مِنْ هَذَا الْخُبْزِ،
22 - يَدُقُّهُ وَيُلْقِيهِ فِي عَصِيدَةٍ وَيَطْبُخُهُ حَتَّى يَصِيرَ هَالِكًا فَيَأْكُلَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(18) قَوْلُهُ: ثُمَّ يَشْتَرِي السَّهْمَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ. أَوْ لِامْرَأَتِهِ بِأَمْرِهَا أَوْ يَشْتَرِي تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سَهْمًا لِنَفْسِهِ؛ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ يُقِرُّ لَهُ بِالسَّهْمِ الْبَاقِي وَلَوْ وَهَبَ لَهُ السَّهْمَ الْبَاقِيَ فَفِي الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.

(19) قَوْلُهُ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ أَخَذَ دَيْنَهُ مُتَفَرِّقًا إلَخْ يَعْنِي إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ عَبْدِي حُرٌّ إنْ أَخَذْتهَا الْيَوْمَ مُتَفَرِّقَةً فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ الْمِائَةِ مُتَفَرِّقًا.

(20) قَوْلُهُ: حَلَفَ لَيَأْخُذَنَّ مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ: يَعْنِي ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْنَثُ. وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ رَجُلٍ كَفَلَ بِالْمَالِ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ أُحَالهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ.
(21) قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَحْنَثُ. قَالَ فِي الْعُيُونِ إذَا حَلَفَ لَا يَقْبِضُ مَالًا مِنْ الْمَطْلُوبِ الْيَوْمَ فَقَبَضَ مِنْ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ حَنِثَ وَإِنْ قَبَضَ مِنْ مُتَطَوِّعٍ لَمْ يَحْنَثْ (انْتَهَى) . وَإِنْ عَنَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُصَدِّقُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا.

(22) قَوْلُهُ: يَدُقُّهُ وَيُلْقِيهِ فِي عَصِيدَةٍ إلَخْ. يَعْنِي الْحِيلَةَ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ. وَفِي الْقُدُورِيِّ: أَوْ جَفَّفَهُ وَدَقَّهُ ثُمَّ شَرِبَهُ بِمَائِهِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ
(4/241)

لَا يَأْكُلُ طَعَامًا لِفُلَانٍ؛ يَبِيعُهُ لَهُ أَوْ يُهْدِيهِ فَيَأْكُلُهُ.
24 - إنْ صَعِدْت فَكَذَا وَإِنْ نَزَلْت فَكَذَا. يَحْمِلُهَا وَيَنْزِلُ بِهَا. لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا؛ يَهَبُهَا مَالًا فَتُنْفِقُهُ،
25 - أَوْ يُبِينُهَا،
26 - فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ تَسْتَأْجِرُ زَوْجَهَا كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهَا،
27 - فَحِينَئِذٍ الْكَسْبُ لَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَ أَكَلَهُ مَبْلُولًا حَنِثَ. وَقَالَ الْفَضْلِيُّ إذَا جَعَلَهُ ثَرِيدًا أَرْجُو أَنْ لَا يَحْنَثَ لِأَنَّ اسْمَ الْخُبْزِ قَدْ زَالَ عَنْهُ.

(23) قَوْلُهُ: لَا يَأْكُلُ طَعَامًا لِفُلَانٍ إلَخْ. يَعْنِي ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ فَالْحِيلَةُ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ أَنْ يَبِيعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَالِفِ فَلَا يَحْنَثُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَهْدَاهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِلْحَالِفِ فَأَكَلَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الطَّعَامَ صَارَ مِلْكًا لِلْحَالِفِ بِالْبَيْعِ وَالْإِهْدَاءِ فَكَأَنَّ الْحَالِفَ أَكَلَ طَعَامَ نَفْسِهِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الْخَصَّافُ جَوَّزَ بَيْعَ الطَّعَامِ هُنَا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ مُشَارًا إلَيْهِ أَوْ يُشِيرُ الْبَائِعُ إلَى مَوْضِعِهِ بِأَنْ يَقُولَ مَنْ بَيْدَرَةِ كَذَا أَوْ يُعَرِّفُهُ بِشَيْءٍ أَمَّا إذَا أَطْلَقَ إطْلَاقًا لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

(24) قَوْلُهُ: إنْ صَعِدْت فَكَذَا إلَخْ. يَعْنِي لَوْ أَنَّ امْرَأَةً ارْتَقَتْ السُّلَّمَ لِتَصْعَدَ السَّطْحَ فَقَالَ الزَّوْجُ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ صَعِدْت وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ نَزَلْت فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ تُحْمَلَ فَتُنْزَلَ.
(25) قَوْلُهُ: أَوْ يُبِينُهَا. أَقُولُ لَوْ قَالَ أَوْ يُطَلِّقُهَا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
(26) قَوْلُهُ: فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. يَعْنِي ثُمَّ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَيَرْتَفِعُ الْيَمِينُ
(27) قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ الْكَسْبُ لَهَا يَعْنِي فَتُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا فَلَا يَحْنَثُ.
(4/242)

28 - وَإِنْ كَانَ صَانِعًا تَسْتَأْجِرُهُ لِتَقْبَلَ الْعَمَلَ

طَلَبَتْ أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتهَا؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى اسْمُهَا عَلَى اسْمِ الضَّرَّةِ، ثُمَّ يَقُولُ طَلَّقْت امْرَأَتِي فُلَانَةَ نَاوِيًا الْجَدِيدَةَ
29 - أَوْ يَكْتُبَ اسْمَ الضَّرَّةِ فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يَقُولُ طَلَّقْت فُلَانَةَ مُشِيرًا بِالْيُمْنَى إلَى مَا فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى.
30 - حَلَّفَهُ السُّرَّاقُ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِأَسْمَائِهِمْ، تُعَدُّ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ؛ فَمَنْ لَيْسَ بِسَارِقٍ يَقُولُ لَا وَبِالسَّارِقِ يَسْكُتُ عَنْ اسْمِهِ؛ فَيَعْلَمُ الْوَالِي السُّرَّاقَ وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ.
31 - لَا يُسْكِنُهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ نَقْلُ الْأَمْتِعَةِ؛ يَبِيعُهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَيَخْرُجُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(28) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ صَانِعًا إلَخْ. يَعْنِي كَأَنْ يَكُونَ خَيَّاطًا يَسْتَأْجِرُهُ لِيَخِيطَ لَهَا مُشَاهَرَةً فَيَسْتَقْبِلَ الْعَمَلَ فَيَجُوزَ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْكَسْبُ لَهَا فَإِذَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُ لَا يَحْنَثُ.

(29) قَوْلُهُ: أَوْ يَكْتُبَ اسْمَ الضَّرَّةِ فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى إلَخْ. يَعْنِي وَاسْمَ أَبِيهَا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْحَسَنِ سَمِعْت مِثْلَ هَذَا مِنْ الْقَاضِي الْمَاتُرِيدِيِّ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي تَحْلِيفِ الْخَاقَانِ إيَّاهُ وَمَشَايِخُ عَصْرِهِ لَا يُخَالِفُونَهُ وَلَا يَخْرُجُونَ عَلَيْهِ وَكَتَبَ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى اسْمَ الْخَاقَانِ فَكَانَ يَقُولُ عِنْدَ التَّحْلِيفِ لَا أُخَالِفُ هَذَا الْخَاقَانَ وَلَا أَخْرُجُ عَلَيْهِ فَكَانَ يُشِيرُ بِيَمِينِهِ إلَى مَا فِي يَسَارِهِ.

(30) قَوْلُهُ: حَلَّفَهُ السُّرَّاقُ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِأَسْمَائِهِمْ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ إنَّا نَعُدُّ عَلَيْكَ أَسْمَاءً وَأَلْقَابًا فَمَنْ لَيْسَ بِسَارِقٍ إذَا ذَكَرْنَاهُ قُلْ وَإِذَا انْتَهَيْنَا إلَى السَّارِقِ اُسْكُتْ أَوْ قُلْ لَا أَقُولُ فَيَنْظُرُ الْأَمْرَ وَلَا يَحْنَثُ.

(31) قَوْلُهُ: لَا يَسْكُنُهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ نَقْلُ الْأَمْتِعَةِ إلَخْ. يَعْنِي إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ سَاكِنُهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِ نَقْلُ الْمَتَاعِ فَإِنَّهُ يَبِيعُ الْمَتَاعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَيَخْرُجُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ثُمَّ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ مِنْهُ فِي وَقْتٍ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ وَالضَّيْرُ. فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَبِيعُهُ رَاجِعٌ إلَى الْأَمْتِعَةِ جَمْعُ مَتَاعٍ وَوَحْدُهُ نَظَرُ الْوَاحِدِ الْجَمْعَ.
(4/243)

إنْ لَمْ آخُذْ مِنْكَ حَقِّي وَقَالَ الْآخَرُ إنْ أَعْطَيْتُكَ؛ فَالْحِيلَةُ لَهُمَا الْأَخْذُ جَبْرًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إنْ لَمْ آخُذْ مِنْكَ حَقِّي وَقَالَ الْآخَرُ إنْ أَعْطَيْتُكَ فَالْحِيلَةُ لَهُمَا الْأَخْذُ جَبْرًا. يَعْنِي لَوْ قَالَ طَالِبٌ لِلْمَدْيُونِ إنْ لَمْ آخُذْ مِنْك حَقِّي فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرُ إنْ أَعْطَيْتُكَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَالسَّبِيلُ أَنْ يَمْتَنِعَ الْمَطْلُوبُ فَيَجِيءَ الطَّالِبَ فَيَأْخُذَ مِنْهُ جَبْرًا.
(4/244)

الْعَاشِرُ: فِي الْإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ
1 - الْحِيلَةُ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي تَدْبِيرِ الْعَبْدِ وَكِتَابَتِهِ لَهُمَا أَنْ يُوَكِّلَا مَنْ يَعْقِلُ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
2 - الْحِيلَةُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ فِي الْمَرَضِ بِلَا سِعَايَةٍ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقْبِضَ الْبَدَلَ مِنْهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْعَاشِرُ فِي الْإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ]
قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي تَدْبِيرِ الْعَبْدِ وَكِتَابَتِهِ إلَخْ يَعْنِي لَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا صَارَ لِكُلٍّ مُدَبَّرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَامَّةِ فُقَهَائِنَا وَضَمِنَ الْمُدَبِّرُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُدَبِّرًا لَهُمَا وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ يُوَكِّلَا رَجُلًا يُدَبِّرُ الْعَبْدَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فِي حُكْمِ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ الْوَكِيلُ قَدْ دَبَّرْتُكَ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ أَوْ يَقُولُ قَدْ جَعَلْت نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مُدَبَّرًا عَنْهُ فَيَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا. وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَ أَحَدَهُمَا نَصِيبَهُ صَارَ الْكُلُّ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ، وَلِشَرِيكِهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْكِتَابَةَ فِي كُلِّ الْعَبْدِ وَأَبْطَلَهَا وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُكَاتَبُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا فَالْحِيلَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنْ يُوَكِّلَا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْ التَّدْبِيرَ أَوْ الْكِتَابَةَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَقُولَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى جَعَلْت نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُوَكَّلَيْ مُدَبَّرًا فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا عَنْهُمَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ كَاتَبْت عَنْ الْمَوْلَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى كَذَا وَكَذَا فَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ صَارَ مُكَاتَبًا عَنْ الْمَوْلَيَيْنِ جَمِيعًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَقَدْ أَوْجَزَ الْمُصَنِّفُ غَايَةَ الْإِيجَازِ حَتَّى بَلَغَ حَدَّ الْأَلْغَازِ.

(2) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ فِي الْمَرَضِ إلَخْ يَعْنِي رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ وَخَافَ أَنْ يُنْكِرَ وَرَثَتُهُ تَرِكَتَهُ فَيُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالسِّعَايَةِ وَلَهُ مَالٌ يُخْرَجُ الْعَبْدُ مِنْ ثُلُثِهِ وَقَوْلُهُ أَنْ يَبِيعَهُ الْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنَّ وَالْفِعْلِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْحِيلَةُ وَقَوْلُهُ يَقْبِضُ الْبَدَلَ مِنْهُ خَبَرٌ ثَانٍ.
(4/245)

3 - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مَالٌ دَفَعَ الْمَوْلَى لَهُ لِيَقْبِضَهُ مِنْهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ.
4 - وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إقْرَارِ الْمَوْلَى لَهُ بِالْقَبْضِ. أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى مَرِضَ،
5 - فَإِنْ أَقَرَّ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(3) قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مَالٌ إلَخْ أَقُولُ هَذِهِ حِيلَةٌ أُخْرَى عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَمَامِ الْحِيلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ الْمَوْلَى إلَى الْعَبْدِ مَالًا فِي السِّرِّ وَيَكْتُمَ ذَلِكَ ثُمَّ يَدْفَعَهُ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْلَى بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِذَا قَبَضَ الْمَوْلَى الْبَدَلَ مِنْهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ عَتَقَ الْعَبْدُ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ شَرَطَ الْخَصَّافُ يَعْنِي فِي حِيلَةٍ أَنْ يَكُونَ قَبْضُ الْمَوْلَى الْبَدَلَ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْمَرَضِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ وَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ إذْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. قَالَ وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ فَرَقَبَةُ الْعَبْدِ إنَّمَا تَسْلَمُ لَهُ بِقَبُولِ بَدَلِ الْعِتْقِ لَا بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى بِالِاسْتِيفَاءِ وَكَانَ نَظِيرَ الثَّمَنِ فِي بَابِ الْبَيْعِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَدِّقَ الْمَوْلَى إذْ أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْضُرَ الِاسْتِيفَاءَ الشُّهُودُ لَكِنَّ الْخَصَّافَ زَادَ فِي التَّوْثِيقِ وَالِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

(4) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إقْرَارِ الْمَوْلَى بِالْقَبْضِ. أَقُولُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ فَلَيْسَ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ خِلَافٌ إنَّمَا صِحَّتُهُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْ.
(5) قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَرَّ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ. يَعْنِي وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَبِرَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(4/246)

6 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ بِالْعَبْدِ لِرَجُلٍ ثُمَّ الرَّجُلُ بِعِتْقِهِ،
7 - إذَا أَرَادَ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً وَلَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا لَوْ وَلَدَتْ؛ يَهَبُهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَإِذَا وَلَدَتْ فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ وَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(6) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ بِالْعَبْدِ لِرَجُلٍ إلَخْ يَعْنِي أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْعَبْدُ لَكَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.

(7) قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً وَلَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا لَوْ وَلَدَتْ إلَخْ فِي الْمُحِيطِ فِي بَابِ الْحِيَلِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْعِتْقِ وَالتَّزْوِيجِ: رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَخَافَ أَنْ يَأْتِيَ بِوَلَدٍ فَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ ابْنٍ لَهُ أَوْ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ يَتَزَوَّجُهَا، فَيَكُونُ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أَحْرَارًا إنْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ ابْنٍ لَهُ أَوْ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ يَعْتِقُونَ بِقَرَابَتِهِمْ مِنْ الْمَالِكِ وَالْجَارِيَةُ قِنَّةٌ رَقِيقَةٌ عَلَى حَالِهَا عَلَى مِلْكِ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ (انْتَهَى) . وَقَالَ فِي بَابِ الْحِيَلِ فِي الْكِتَابَةِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ وَلَا تَصِيرَ أُمَّ وَلَدِهِ يَبِيعُهَا مِنْ ابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَيَكُونُ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أَحْرَارًا وَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْكَاحَ جَارِيَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِهِ فَمَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ فِيهِ أَخْذَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ بِإِزَاءِ الْبُضْعِ الَّذِي لَا يُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ فَتَحْصُلُ لَهُ الْغِبْطَةُ وَالنَّظَرُ.
(4/247)

الْحَادِي عَشَرَ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ أَرَادَ الْوَقْفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَخَافَ عَدَمَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ
1 - يُقِرُّ أَنَّهَا وَقْفُ رَجُلٍ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَأَنَّهُ مُتَوَلِّيهَا وَهِيَ فِي يَدِهِ. أَرَادَ وَقْفَ دَارِهِ وَقْفًا صَحِيحًا اتِّفَاقًا، يَجْعَلُهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَيُسَلِّمُهَا إلَى الْمُتَوَلِّي ثُمَّ يَتَنَازَعُونَ
2 - فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِاللُّزُومِ،
3 - أَوْ يَقُولُ إنَّ قَاضِيًا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ، فَيَلْزَمُ وَإِنْ أَبْطَلَهُ قَاضٍ كَانَ صَدَقَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْحَادِي عَشَرَ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ]
قَوْلُهُ: يُقِرُّ أَنَّهَا إلَخْ أَيْ الدَّارَ وَقْفُ رَجُلٍ إلَخْ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الدَّارِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي الذِّهْنِ إذْ لَا مَرْجِعَ لِلضَّمِيرِ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ فَإِذَا أَقَرَّ بِمَا ذَكَرَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُعَارَضَةٌ فِي ذَلِكَ فَيَأْمَنُ مِنْ خَوْفِ عَدَمِ إجَازَتِهِمْ.
(2) قَوْلُهُ: فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِاللُّزُومِ. أَقُولُ فِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِهِ يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ.
(3) قَوْلُهُ: أَوْ يَقُولُ إنَّ قَاضِيًا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَيَلْزَمُ إلَخْ. أَقُولُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي: لَوْ اُحْتِيجَ إلَى كِتَابَةِ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَوَقْفٍ وَإِجَارَةِ مُشَاعٍ وَنَحْوِهِ فَلَوْ كَتَبَ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُسَمِّهِ جَازَ فَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ قَاضٍ وَكَتَبَ الْكَاتِبُ كَذِبًا لَا شَكَّ أَنَّهُ بُهْتَانٌ. لَكِنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ خَافَ الْوَاقِفُ أَنْ يُبْطِلَهُ قَاضٍ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ فِي صَكٍّ وَبِكِتَابَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ يَمْتَنِعُ قَاضٍ آخَرُ عَنْ إبْطَالِهِ فَيَبْقَى صَحِيحًا وَلَيْسَ هَذَا كَذِبًا مُبْطِلًا حَقًّا
(4/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
وَمُصَحِّحًا غَيْرَ صَحِيحٍ لَكِنْ يَمْتَنِعُ الْمُبْطِلُ عَنْ الْإِبْطَالِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْمُوَثِّقُونَ فِي صَكِّ الْإِجَارَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَحُكِمَ بِصِحَّتِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْقَاضِي حُكْمٌ بِذَلِكَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا لِلْمُبْطِلِ عَنْ الْإِبْطَالِ لَهُ إذْ التَّصَرُّفُ فِي الْحَقِيقَةِ وَقَعَ صَحِيحًا إنَّمَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِ الْقَاضِي وَبِكِتَابَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ يَمْتَنِعُ قَاضٍ آخَرُ عَنْ إبْطَالِهِ فَيَبْقَى صَحِيحًا وَلَيْسَ هَذَا كَذِبًا مُبْطِلًا حَقًّا وَمُصَحِّحًا غَيْرَ صَحِيحٍ حَتَّى يُبْطِلَهُ قَاضٍ آخَرُ وَفِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ: وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِلُزُومِهِ بَعْدَمَا صَارَ حَادِثَةَ لُزُومٍ (انْتَهَى) . قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ بِهَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْ الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ: أَقُولُ كَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي لُزُومِهِ كَوْنُهُ حَادِثًا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنْ تُرِيدَ أَنْ تَهَبَ الْمَهْرَ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا كَانَ الزَّوْجُ بَرِيئًا عَنْ مَهْرِهَا فَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ أَمَّا إذَا تَعَيَّبَ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ فَلَا.
(4/249)

الثَّانِي عَشَرَ فِي الشَّرِكَةِ الْحِيلَةُ فِي جَوَازِهَا فِي الْعُرُوضِ
1 - أَنْ يَبِيعَ كُلَّ نِصْفِ مَتَاعِهِ بِنِصْفِ مَتَاعِ الْآخَرِ يَعْقِدَانِهَا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الثَّانِي عَشَرَ فِي الشَّرِكَةِ]
قَوْلُهُ: أَنْ يَبِيعَ كُلَّ نِصْفِ مَتَاعِهِ بِنِصْفِ مَتَاعِ الْآخَرِ. أَقُولُ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ مَتَاعِ كُلٍّ مِنْهَا مِثْلَ صَاحِبِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ قِيمَةُ مَتَاعِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَتَاعِ أَحَدِهِمَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَقِيمَةُ مَتَاعِ الْآخَرِ أَلْفٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَقَلِّ يَبِيعُ مِنْ مَتَاعِهِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بِخُمْسِ مَتَاعِ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ.
(4/250)

الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْهِبَةِ أَرَادَتْ هِبَةَ الْمَهْرِ مِنْ الزَّوْجِ 1 - عَلَى أَنَّهَا إنْ خَلَصَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ يَعُودُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا شَيْئًا مَسْتُورًا بِمِقْدَارِ الْمَهْرِ
2 - فَإِذَا وَلَدَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ فَتَرُدُّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ فَقَدْ بَرِئَ الزَّوْجُ،
3 - وَهَكَذَا فِيمَنْ لَهُ دَيْنٌ وَأَرَادَ السَّفَرَ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ يَبْرَأُ الْمَدْيُونُ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى حَالِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

قَالَ لَهَا إنْ لَمْ تَهَبِينِي صَدَاقَكِ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْهِبَةِ]
قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهَا خَلَصَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ إلَخْ عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة امْرَأَةٌ حَامِلٌ تُرِيدُ أَنْ تَهَبَ الْمَهْرَ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا كَانَ الزَّوْجُ: بَرِيئًا عَنْ مَهْرِهَا وَإِنْ سَلِمَتْ مِنْ نِفَاسِهَا عَادَ الْمَهْرُ عَلَى زَوْجِهَا
(انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَلَلِ.
(2) قَوْلُهُ: فَإِذَا وَلَدَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ إلَخْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ هَذَا يَسْتَقِيمُ إذَا بَقِيَ الثَّوْبُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الرَّدَّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ وَبِهِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ أَمَّا إذَا تَعَيَّبَ الثَّوْبُ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ فَلَا.

(3) قَوْلُهُ: وَهَكَذَا فِيمَنْ لَهُ دَيْنٌ إلَخْ يَعْنِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَغِيبَ وَلَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَيُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ بَرِيئًا إنْ لَمْ يَعُدْ وَإِنْ عَادَ أَخَذَ الْمَالَ.
(4/251)

فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا مَلْفُوفًا بِمَهْرِهَا ثُمَّ تَرُدَّهُ بَعْدَ الْيَوْمِ فَيَبْقَى الْمَهْرُ وَلَا حِنْثَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا مَلْفُوفًا بِمَهْرِهَا. يَعْنِي وَتَقْبِضَ ذَلِكَ الثَّوْبَ مِنْ الزَّوْجِ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ الْيَمِينِ وَلَا مَهْرَ لَهَا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَيَسْقُطُ الْيَمِينُ وَلَا يَحْنَثُ الزَّوْجُ بِتَرْكِ الْهِبَةِ ثُمَّ يَكْشِفُ عَنْ الثَّوْبِ الْمُشْتَرَى فَتَرُدُّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَى الزَّوْجِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعَ الشِّرَاءِ يَصْدُقُ أَنَّهَا لَمْ تَهَبْهُ الْمَهْرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمَا أَيْ اشْتِرَاطَ تَصَوُّرِ الْبَرِّ بَقَاءً فِي الْمُقَيَّدَةِ بِيَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ.
(4/252)

الرَّابِعَ عَشَرَ. فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ سَلَّمَهَا وَإِلَّا رَدَّ الثَّمَنَ،
1 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهَا
2 - وَهِيَ فِي يَدِ ظَالِمٍ يُقِرُّ بِالْغَصْبِ وَلَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْبَائِعِ
3 - وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِهَا. هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَابُوا عَلَيْهِ تَعْلِيمَ الْكَذِبِ،
4 - وَكَذَلِكَ عِيبَ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ إذَا بَاعَ حُبْلَى وَخَافَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ أَنْ يَدَّعِيَ حَبَلَهَا وَيَنْقُضَ الْبَيْعَ قَالَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعَ بِأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْحَبَلَ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مِنْ فُلَانٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي إلَخْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا اشْتَرَى الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبُ مُقِرٌّ بِالْغَصْبِ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَجَابَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَكُونُ الْبَيْعُ مَوْقُوفًا وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ التَّوَقُّفَ إنَّمَا يَكُونُ لِأَجْلِ التَّسْلِيمِ وَأَمَّا الْبَيْعُ فَجَائِزٌ.
(2) قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي يَدِ ظَالِمٍ يُقِرُّ بِالْغَصْبِ. قُيِّدَ بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا يَكُونُ الْبَيْعُ بَاطِلًا. ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَقَاسَهُ عَلَى بَيْعِ الْآبِقِ.
(3) قَوْلُهُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الْبَائِعِ. يَعْنِي لَوْلَا إقْرَارُ الْمُشْتَرِي لَكَانَ لَهُ حَبْسُ الْبَائِعِ لَكِنْ وُجِدَ الْإِقْرَارُ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ الرِّضَاءَ مِنْهُ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ إلَى وَقْتِ الْإِمْكَانِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ لِيُمْكِنَهُ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ.

(4) قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ عِيبَ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ إلَخْ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرًا مِنْ الْإِمَامِ بِالْكَذِبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِتَفْعَلَ كَذَا حَتَّى يَكُونَ أَمْرًا بِالْكَذِبِ وَلَكِنَّ هَذَا مِنْهُ
(4/253)

حَتَّى لَوْ ادَّعَاهُ لَمْ تُسْمَعْ. وَأُجِيبُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ كَذَا لَكَانَ حُكْمُهُ كَذَا. أَرَادَ شِرَاءَ شَيْءٍ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ بَاعَهُ؛ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنْ اسْتَحَقَّ،
4 - يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِضِعْفِ الثَّمَنِ وَيَكُونُ حَلَالًا لَهُ، 5 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ بِضِعْفِ الثَّمَنِ ثَوْبًا، كَمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا ثُمَّ يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَيَدْفَعَ الثَّوْبَ لَهُ بِالْمِائَةِ؛ فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالْمِائَتَيْنِ
6 - وَلَوْ أَرَادَ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَخَافَ مِنْ شَافِعِيٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
فَتْوَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَعَلَ كَذَا كَانَ كَذَا وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْهُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُجَوِّزْ مَا هُوَ أَدُقُّ مِنْهُ وَأَنَّهُ قَالَ فِي عَقْدِ الْمُرَابَحَةِ يَقُولُ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا وَلَا يَقُولُ اشْتَرَيْته بِكَذَا، وَكَذَا قَالَ فِي السِّيَرِ لَوْ أَخَذَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا وَأَرَادُوا أَنْ يَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَأَمَرَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَضْرِبُوا عُنُقَهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ لَا تَضْرِبُوا عَلَى بَطْنِي وَاضْرِبُوا عَلَى رَأْسِي فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الضَّرْبُ عَلَى الْبَطْنِ شَنِيعٌ وَالضَّرْبُ عَلَى الرِّقَابِ أَحْمَدُ فَيَكُونُ هَذَا أَمْرٌ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيضِ فَإِذَا لَمْ يُجَوِّزُوا هَذَا كَيْفَ يَأْمُرُونَ بِالْكَذِبِ.
(4) قَوْلُهُ: يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِضِعْفِ الثَّمَنِ إلَخْ أَقُولُ الصَّوَابُ بِضِعْفَيْ الثَّمَنِ فِي الصِّحَاحِ وَضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ وَضِعْفَاهُ مِثْلَاهُ وَأَضْعَافُهُ أَمْثَالُهُ.
(5) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ بِضِعْفِ الثَّمَنِ ثَوْبًا إلَخْ عِبَارَةُ الْخَصَّافِ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ يَرْجِعُ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ يَشْتَرِي الدَّارَ مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَبِالْمِائَةِ الدِّينَارِ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الثَّوْبِ فَيَصِيرُ ثَمَنُ الدَّارِ مِائَتَيْ دِينَارٍ فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِهَذِهِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ.

(6) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَرَادَ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ إلَخْ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ
(4/254)

7 - بَاعَ مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ
8 - ثُمَّ الْغَرِيبُ يَشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي
9 - الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ يُعْتِقُهَا الْمُشْتَرِي، أَنْ يَقُولَ إنْ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ؛ فَإِذَا اشْتَرَاهَا عَتَقَتْ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ تَخْدِمَهُ زَادَ: بَعْدَ مَوْتِي فَيَكُونُ مُدَبِّرَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
كُلَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ وَيَبْرَأُ عَنْ عَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَبْرَأُ عَنْ الْعُيُوبِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعَ تَسْمِيَةِ الْعُيُوبِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْعَيْبِ أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى. أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ وَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى مَحَلِّ الْعَيْبِ لِمَا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَسَامِي الْعُيُوبِ أَوْ لَا يَعْرِفُ جَمِيعَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُسَمِّيَهَا وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَحَلِّهَا وَخَافَ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ لَا يَرَى الْبَرَاءَةَ عَنْ الْعُيُوبِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَبِدُونِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى مَحَلِّ الْعَيْبِ صَحِيحًا وَطَلَب الْحِيلَةَ.
(7) قَوْلُهُ: بَاعَ مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ. يَعْنِي لَا يَعْرِفُ كَمَا فِي الْخَصَّافِ.
(8) قَوْلُهُ: ثُمَّ الْغَرِيبُ يَبِيعُ مِنْ الْمُشْتَرِي. يَعْنِي وَيَغِيبُ الْغَرِيبُ فَإِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا لَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الْبَائِعِ

(9) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ يُعْتِقُهَا الْمُشْتَرِي إلَخْ. إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ هُنَا شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَكِنْ إنَّمَا جُوِّزَ لِغَلَبَةِ الْعُرْفِ كَمَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي حَطَبًا بِشَرْطِ أَنْ يُوفِيَهُ إلَى مَنْزِلِ الْمُشْتَرِي كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا لِغَلَبَةِ الْعُرْفِ. كَذَا هَذَا وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يُكْفَلَ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ الْكَفِيلُ حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ فَكَفَلَ لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ مُعَيَّنٌ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ الْعَقْدُ اسْتِحْسَانًا لِغَلَبَةِ الْعُرْفِ كَذَا هَذَا فَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ وَلَكِنْ
(4/255)

أَرَادَ شِرَاءَ إنَاءٍ ذَهَبٍ بِأَلْفٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا النِّصْفُ، يَنْقُدُهُ مَا مَعَهُ ثُمَّ يَسْتَقْرِضُهُ مِنْهُ ثُمَّ يَنْقُدُهُ فَلَا يَفْسُدُ بِالتَّفَرُّقِ بَعْدَ ذَلِكَ. لَمْ يَرْغَبْ فِي الْقَرْضِ إلَّا بِرِبْحٍ، 10 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا قَلِيلًا بِقَدْرِ مُرَادِهِ مِنْ الرِّبْحِ ثُمَّ يَسْتَقْرِضُ

إذَا أَرَادَ الْبَائِع أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ 11 - يَأْمُرُهُ الْبَائِعُ أَنْ يَقُولَ: إنْ خَاصَمْتُكَ فِي عَيْبٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ
12 - وَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
إنْ أَوْفَى لَهُ الْمُشْتَرِي، بِذَلِكَ مَضَى الشِّرَاءُ وَإِلَّا لَكَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَنْقُضَ الْعَقْدَ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة

(10) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا قَلِيلًا بِقَدْرِ مُرَادِهِ مِنْ الرِّبْحِ إلَخْ. كَأَنْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي فَلْسًا بِدِرْهَمَيْنِ. أَقُولُ إنَّمَا تَتِمُّ هَذِهِ الْحِيلَةُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَتُكْرَهُ. قَالَ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى إنَّ بَيْعَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُكْرَهُ

(11) قَوْلُهُ: يَأْمُرُهُ الْبَائِعُ أَنْ يَقُولَ إنْ خَاصَمْتُكَ إلَخْ. أَيْ يَأْمُرُ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ فَيَقُولُ مَا ذُكِرَ. أَقُولُ الْمُشْتَرِي لَا يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ عَلَى مَا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِهِ ضَرَرٌ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا حِيلَةً لِلْبَائِعِ

(12) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي إلَخْ أَقُولُ يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ
(4/256)

الْخَامِسَ عَشَرَ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ لُزُومِهِ
1 - أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ أَوَّلًا مِمَّنْ لَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ثُمَّ يَبِيعَهَا وَيَقْبِضَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا. وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ،
2 - أَوْ يُزَوِّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقْبِضَهَا فَيُطَلِّقَهَا، وَلَوْ خَافَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا يَجْعَلُ أَمْرَهَا بِيَدِهِ كُلَّمَا شَاءَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا كُلَّمَا شَاءَ لِئَلَّا يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ]
قَوْلُهُ: أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ أَوَّلًا إلَخْ. عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة: أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ مِنْ رَجُلٍ يَثِقُ بِهِ وَلَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ثُمَّ يَبِيعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى الَّذِي زَوَّجَهَا اسْتِبْرَاؤُهَا أَوَّلًا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ يُزَوِّجَهَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي هَذَا اجْتِمَاعُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ. وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِيمَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ إنْسَانٍ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ يُزَوِّجَهَا هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ فَلَا بَأْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ قَالَ الْخَصَّافُ فِي تَعْلِيمِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يَقْبِضُهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ وَإِنَّمَا شَرْطُ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْل قَبْضِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَبَضَ الْمُشْتَرِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْقَبْضَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ وَعَلَى مَدَارِ الْأَحْكَامِ خُصُوصًا فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فَكَذَا إذَا وَجَدَ الْقَبْضَ فَيُشْتَرَطُ الطَّلَاقُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ. وَفِي حَيْلِ الْأَصْلِ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَعَلَى رِوَايَةِ الْحَيْلِ اعْتَبَرَ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَوَقْتَ الشِّرَاءِ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
(2) قَوْلُهُ: أَوْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ. كَذَلِكَ يَعْنِي إذَا أَبَى الْبَائِعُ أَنْ
(4/257)

3 - أَوْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَهُ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبِضَهَا،
4 - وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
يُزَوِّجَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي وَيَدْفَعَ الثَّمَنَ، وَلَا يَقْبِضُ الْجَارِيَةَ وَلَكِنْ يُزَوِّجُهَا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ثُمَّ يَقْبِضُهَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّهُ حِينَ تَأَكَّدَ مِلْكُهُ فِيهَا كَانَ بُضْعُهَا حَرَامًا عَلَيْهِ وَحِينَ صَارَ بُضْعُهَا حَلَالًا لَمْ يَحْدُثْ الْمِلْكُ فِيهَا فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ.
(3) قَوْلُهُ: أَوْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَهُ. . . إلَخْ. يَعْنِي لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي تَزَوَّجَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّ بِالنِّكَاحِ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا الْفِرَاشُ وَقِيَامُ الْفِرَاشِ عَلَيْهَا دَلِيلُ فَرَاغِ رَحِمِهَا شَرْعًا.
(4) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُكْرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ، إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا أَخَذُوا فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ الْفُرُوجِ فَرُبَّمَا وَطِئَ الْبَائِعُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي بَاعَهَا فِيهِ فَإِذَا احْتَالَ الْمُشْتَرِي لِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسَقَطَ يَطَأَهَا الْمُشْتَرِي فَيَجْتَمِعُ رَجُلَانِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة
(4/258)

السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الْمُدَايَنَاتِ
1 - الْحِيلَةُ فِي إبْرَاءِ الْمَدْيُونِ إبْرَاءً بَاطِلًا أَوْ تَأْجِيلِهِ كَذَلِكَ أَوْ صُلْحِهِ كَذَلِكَ؛ أَنْ يُقِرَّ الدَّائِنُ بِالدَّيْنِ لِرَجُلٍ يَثِقُ بِهِ وَيَشْهَدُ أَنَّ اسْمَهُ كَانَ عَارِيَّةً وَيُوَكِّلُهُ بِقَبْضِهِ ثُمَّ يَذْهَبَا إلَى الْقَاضِي، وَيَقُولُ الْمُقِرُّ لَهُ: إنَّهُ كَانَ لِي بِاسْمِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا. فَيُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْقَاضِي: امْنَعْ هَذَا الْمُقِرَّ مِنْ قَبْضِ الْمَالِ وَأَنْ يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا أَوْ اُحْجُرْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَيَحْجُرُ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ قَبْضِهِ. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَبْرَأَ أَوْ أَجَّلَ أَوْ صَالَحَ كَانَ بَاطِلًا. وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُقِرَّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ فَلَا تُفِيدُ الْحِيلَةُ فَتَنَبَّهْ فَإِنَّهُ يَغْفُلُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَهُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ قَبْضُ الَّذِي كَانَ بِاسْمِهِ الْمَالُ بَعْدَ إقْرَارِهِ وَتَأْجِيلِهِ وَإِبْرَائِهِ وَهِبَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْمُدَايَنَاتِ]
قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي إبْرَاءِ الْمَدْيُونِ إلَخْ. أَيْ فِي إبْرَاءِ الدَّائِنِ الْمَدْيُونَ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، يَعْنِي رَجُلًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَأَبَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ إلَّا أَنْ يُؤَجِّلَهُ أَوْ يُصَالِحَهُ مِنْهُ عَلَى الشَّطْرِ أَوْ يُبْرِئَهُ عَنْ الشَّطْرِ مِنْهُ وَيُرِيدُ صَاحِبُ الْمَالِ حِيلَةً حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِمَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَصُلْحُهُ فَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا قَالَ لِرَبِّ الدَّيْنِ لَا أُقِرُّ لَكَ بِالْمَالِ حَتَّى تُؤَجِّلَنِي أَوْ لَا أُقِرُّ لَكَ حَتَّى تُصَالِحَنِي أَوْ حَتَّى تَحُطَّ عَنِّي بَعْضَ مَا تَدَّعِي عَلَيَّ فَهَلْ ذَلِكَ يَكُونُ إقْرَارًا بِالْمَالِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ إقْرَارًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَحِينَئِذٍ فَالْحِيلَةُ مَا ذُكِرَ وَفِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَوْعُ نَظَرٍ؛ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ لِأَنَّ فِي
(4/259)

2 - لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَجْرَ جَائِزًا
3 - الْحِيلَةُ فِي تَحَوُّلِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ الطَّالِبِ، إمَّا الْإِقْرَارَ
4 - كَمَا سَبَقَ وَإِمَّا الْحَوَالَةَ،
5 - أَوْ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ الطَّالِبِ شَيْئًا بِمَا لَهُ عَلَى فُلَانٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
حَجْرِهِ عَلَيْهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يَسْتَحِقُّ الْبَرَاءَةَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ إلَى الْمُقِرِّ وَبِإِبْرَائِهِ فَفِي جَوَازِ هَذَا الْحَجْرِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي لَا يَحْجُرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ الْخَصَّافُ أَخَذَ هَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرَ كِتَابِ الْحَجْرِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَذِنَ رَجُلًا بِالتَّصَرُّفِ فَلَمَّا تَصَرَّفَ وَبَايَعَ النَّاسَ فَسَدَ الرَّجُلُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْجَرُ وَإِنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يُتَحَجَّرُ إلَّا بِحَجْرِ الْقَاضِي وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي صَحَّ حَجْرُهُ وَانْحَجَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ. وَهُنَاكَ أَيْضًا الْمَدْيُونُ يَسْتَحِقُّ الْبَرَاءَةَ بِالْإِيفَاءِ إلَى الْمَحْجُورِ أَوْ بِإِبْرَائِهِ فَفِي هَذَا الْحَجْرِ إبْطَالُ حَقِّهِ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا جُوِّزَ ذَلِكَ فَهَهُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(2) قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَجْرَ جَائِزًا. يَعْنِي وَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْحَجْرُ عِنْدَهُ صَارَ الْحَالُ بَعْدَ الْحَجْرِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ الْحَجْرِ كَانَ يَجُوزُ تَصَرُّفَاتُ الْمُقِرِّ فِي الدَّيْنِ الْمُقِرِّ بِهِ

(3) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي تَحَوُّلِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ الطَّالِبِ إلَخْ. أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْحَوَالَةِ أَوْ غَيْرِهَا يَعْنِي رَجُلًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَأَرَادَ عَلَيْهِ الْمَالَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْمَالُ الَّذِي لِرَجُلٍ آخَرَ.
(4) قَوْلُهُ: كَمَا سَبَقَ. أَيْ فِي الْحِيلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
(5) قَوْلُهُ: أَوْ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ إلَخْ. عَطْفٌ عَلَى سَابِقِهِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالْمَصْدَرِ وَالتَّقْدِيرُ إمَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيْعِ رَجُلٍ يَعْنِي يَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ الْمَالَ لَهُ: بِعْ عَبْدَكَ هَذَا مِنْ فُلَانٍ الطَّالِبِ لِأَلْفٍ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ، فَإِذَا بَاعَ الْمَأْمُورُ عَبْدَهُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَقَبِلَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْبَيْعَ مِنْ صَاحِبِ الْعَبْدِ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ وَيَصِيرُ الدَّيْنُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِعْ عَبْدَكَ مِنْ فُلَانٍ بِمِثْلِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ ثُمَّ اجْعَلْ ثَمَنَهُ قِصَاصًا بِمَالِهِ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَوَّلُ الْمَالُ إلَى صَاحِبِ
(4/260)

6 - أَوْ يُصَالِحَ عَمَّا عَلَى الْمَطْلُوبِ بِعَبْدِهِ فَيَكُونَ الدَّيْنُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ
7 - إذَا أَرَادَ الْمَدْيُونُ التَّأْجِيلَ وَخَافَ أَنَّ الدَّائِنَ إنْ أَجَّلَهُ يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ فَلَمْ يَصِحَّ تَأْجِيلُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
8 - فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ الْمَالَ حِينَ وَجَبَ كَانَ مُؤَجَّلًا إلَى وَقْتِ كَذَا

إذَا أَرَادَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ أَنْ يُؤَجِّلَ نَصِيبَهُ وَأَبَى الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الدَّيْنِ حَيْثُ وَجَبَ كَانَ مُؤَجَّلًا إلَى كَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْعَبْدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي الْجَامِعِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنَّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْبَالِغِ حَدُّ الْأَلْغَازِ.
(6) قَوْلُهُ: أَوْ يُصَالِحَ عَمَّا عَلَى الْمَطْلُوبِ بِعَبْدِهِ فَيَكُونَ الدَّيْنُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ. يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الدَّيْنَ فِيهِمَا لَهُ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ فِي الصُّلْحِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بِالْعَبْدِ لَا بِبَدَلِهِ لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا أُضِيفَ إلَى عَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ لَا بِمِثْلِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى الدَّيْنِ فَتَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ يَبْطُلُ وَإِذَا وَقَعَ بِالْعَبْدِ وَقَعَ الْقَضَاءُ بِعَيْنِهِ فَصَارَ الْمَدْيُونُ مُسْتَقْرِضًا عَبْدَهُ وَاسْتِقْرَاضُ الْعَبْدِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَفِي الْبَيْعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ بَلْ بِمِثْلِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَلِذَا لَوْ اشْتَرَى بِدَيْنٍ وَتَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ

(7) قَوْلُهُ: فَلَمْ يَصِحَّ تَأْجِيلُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ هَلْ يَمْلِكُ التَّأْجِيلَ وَالتَّنْجِيزَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ؟ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَمُنَجَّزٍ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَجُزْ التَّأْجِيلُ وَالتَّنْجِيزُ بَعْدُ فَيَحْتَاجُ لِهَذِهِ الْحِيلَةِ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ.
(8) قَوْلُهُ: فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ الْمَالَ حِينَ وَجَبَ كَانَ مُؤَجَّلًا. يَعْنِي وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ثَبَتَ التَّأْجِيلُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَبَبِ شَيْءٍ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَقَرَّ وَمَنْ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ تَغْيِيرَ سَبَبٍ قَدْ صَحَّ لَا يَعْمَلُ إقْرَارًا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ
(4/261)

وَإِذَا أَرَادَ الْمَدْيُونُ التَّأْجِيلَ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ لِغَيْرِهِ وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ قَبْضِهِ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَضْمَنَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ دَرْكِ مَا قَبْلَهُ مِنْ إقْرَارِ تَلْجِئَةٍ وَهِبَةٍ وَتَوْكِيلٍ وَتَمْلِيكٍ وَحَدَثٍ أَحْدَثَهُ يَبْطُلُ بِهِ التَّأْجِيلُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُخَلِّصَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ، فَإِذَا احْتَالَ بِهَذَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمَالِ قَبْلَ التَّأْجِيلِ وَأَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الطَّالِبِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ، وَحِيلَةٌ أُخْرَى أَنْ يُقِرَّ الطَّالِبُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِتَارِيخٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يُقِرَّ الْمَطْلُوبَ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ يُمَثِّلُ الدَّيْنُ لِلطَّالِبِ مُؤَجَّلًا. فَإِذَا خَافَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبِهِ
10 - أَحْضَرَ الشُّهُودَ وَقَالَ: لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا إلَّا بَعْدَ قِرَاءَةِ الْكِتَابَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا إذَا كَانَ الْأَجَلُ مُتَعَارَفًا أَمَّا إذَا كَانَ أَجَلًا يُخَالِفُ عُرْفَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى

(9) قَوْلُهُ: وَإِذَا أَرَادَ الْمَدْيُونُ التَّأْجِيلَ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْخَصَّافِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَسَأَلَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِهَذَا الْمَالِ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ يُنَجِّمَهُ عَلَيْهِ وَأَجَابَهُ الطَّالِبُ إلَى ذَلِكَ فَخَافَ أَنْ يَحْتَالَ الطَّالِبُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقِرَّ بِالْمَالِ لِإِنْسَانٍ وَيُؤَجِّلَهُ أَوْ يُنَجِّمَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ التَّأْجِيلَ وَالتَّنْجِيمَ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْحِيلَةُ فِي جَوَازِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ إنَّ هَذَا الْمَالَ وَجَبَ عَلَى الْمَطْلُوبِ مُؤَجَّلًا إلَى وَقْتِ كَذَا أَوْ مُنَجَّمًا كَذَا، وَقَدْ ضَمِنَ لَهُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ دَرَكٍ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ تَلْجِئَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ تَوْكِيلٍ فَيَبْطُلُ بِهِ هَذَا التَّأْجِيلُ وَالتَّنْجِيمُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ وَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الطَّالِبُ لِإِنْسَانٍ وَجَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ يَطْلُبُ الْمَطْلُوبَ بَعْدَ هَذَا التَّأْجِيلِ وَالتَّنْجِيمِ فَلِلْمَطْلُوبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الطَّالِبِ فَيَأْخُذَ بِمَا ضَمِنَ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ فَصَارَ عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ أَجَلِهِ وَإِلَى النُّجُومِ (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يَتَّضِحُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
(10) قَوْلُهُ: أَحْضَرَ الشُّهُودَ وَقَالَ لَا تَشْهَدُوا إلَخْ. يَعْنِي عَلَى الْمُقِرِّ مِنَّا وَحْدَهُ فَإِذَا
(4/262)

فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُنَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لَا تَشْهَدُوا عَلَى الْمُقِرِّ
11 - وَنُظِرَ فِيهِ فَإِنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُقِرُّ لَا تَشْهَدْ. وَجَوَابُهُ أَنَّ مَحِلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقُلْ لَهُ الْمُقَرُّ لَهُ لَا تَشْهَدْ عَلَى الْمُقِرِّ،
12 - أَمَّا إذَا قَالَ لَهُ لَا تَسَعُهُ الشَّهَادَةُ
13 - الْحِيلَةُ فِي تَأْجِيلِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَرَأْنَاهَا وَقُلْنَا لَكُمْ اشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا فِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ فَاشْهَدُوا بِذَلِكَ وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُنَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ فَلَا تَشْهَدُوا عَلَى الْمُقِرِّ مِنَّا وَحْدَهُ فَتَكُونُ هَذِهِ حِيلَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا.
(11) قَوْلُهُ: وَنُظِرَ فِيهِ فَإِنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُقِرُّ لَا تَشْهَدْ إلَخْ. يَعْنِي لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّهْيِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ.
(12) قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا قَالَ لَهُ لَا تَسَعُهُ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ وَالْمُدَّعِي يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فَإِذَا امْتَنَعَ الشَّاهِدُ عَنْ الشَّهَادَةِ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُبْطِلٌ فَلَا يَسَعُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا عَلِيٍّ النَّسَفِيَّ كَانَ يَقُولُ إنَّ الْمَشَايِخَ مُتَرَدِّدُونَ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِلشَّاهِدِ لَا تَشْهَدْ بِمَا يَجْرِي بَيْنَنَا ثُمَّ جَاءَ الشَّاهِدُ وَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُك بِعُذْرٍ فَاحْضُرْ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَاشْهَدْ لِي بِذَلِكَ؛ بَعْضُهُمْ قَالُوا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَهُ فَالِاخْتِلَافُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِيمَا قَالَهُ الْخَصَّافُ نَوْعًا وَنَظَرًا وَالْخَصَّافُ نَفْسُهُ شَوَّشَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُقِرُّ لِلشَّاهِدِ لَا تَشْهَدْ عَلَيَّ لَا يَصِحُّ هَذَا النَّهْيُ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا النَّهْيُ لَا تَكُونُ هَذِهِ حِيلَةً وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عَرَفْت أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَجَوَابَهُ غَيْرُ سَدِيدٍ

(13) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي تَأْجِيلِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. يَعْنِي تَأْجِيلَ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ الَّذِي حَلَّ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ. قَالَ الْخَصَّافُ الْأَجَلُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ فَبَعْدَ هَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ الْأَجَلُ لِلْمَيِّتِ أَوْ يَثْبُتَ فِي الْمَالِ وَلَا وَجْهَ لَأَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ سَقَطَ عَنْ ذِمَّتِهِ بِالْمَوْتِ فَكَيْفَ يَعُودُ الْأَجَلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ الثَّابِتَ لِهَذَا الشَّخْصِ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْأَجَلُ لَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْمَالِ لِأَنَّهُ عَيْنٌ وَالْأَعْيَانُ لَا تَقْبَلُ
(4/263)

14 - فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ؛ أَنْ يُقِرَّ الْوَارِثُ بِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا عَلَى الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ مُؤَجَّلًا إلَى كَذَا وَيُصَدِّقَهُ الطَّالِبُ أَنَّهُ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَيْهِمَا
15 - وَيُقَرَّ الطَّالِبُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، وَإِلَّا فَقَدْ حَلَّ الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ؛ فَيُؤْمَرَ الْوَارِثُ بِالْبَيْعِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ،
16 - وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا حَلَّ بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ لَا يَحِلُّ عَلَى كَفِيلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
التَّأْجِيلَ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ. قِيلَ مَا ذُكِرَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ وَرَدُّوا هَذَا إلَى مَسْأَلَةٍ وَهُوَ أَنَّ غَرِيمَ الْمَيِّتِ لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الدَّيْنِ فَرَدَّهُ الْوَارِثُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُعْمَلُ رَدُّهُ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْمَلُ رَدُّهُ لِأَنَّهُ الْمُطَالِبُ بِالدَّيْنِ فَلَمَّا عُمِلَ رَدُّهُ وَجُعِلَ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ عَمَلَ الْأَجَلِ أَيْضًا وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ هَكَذَا قَالُوا. وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَلَى الِاتِّفَاقِ ثُمَّ إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحِيلَةِ فِي تَأْجِيلِهِ.
(14) قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ. أَقُولُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ نَظَرٌ فَإِنَّ مُقْتَضَى دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَدَمُ وُجُودِ الْخِلَافِ وَمُقْتَضَى دَعْوَى الْأُضْحِيَّةِ وُجُودُهُ فَيَتَنَافَيَانِ.
(15) قَوْلُهُ: وَيُقِرَّ الطَّالِبُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا. أَقُولُ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَيُقِرُّ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْوَارِثِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ حَتَّى يُلَائِمَ قَوْلَهُ فَيُؤْمَرَ الْوَارِثُ بِالْبَيْعِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَا يُقِرُّ أَنَّهُ مَاتَ مُفْلِسًا وَضَمِنَ الْوَارِثُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ ضَمِنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ لَا يَصِحُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ عَلَى الَّذِي قُلْنَا.
(16) قَوْلُهُ: وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَخْ. أَمَّا عَلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ النَّوَادِرِ فَلَا، لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ يَحِلُّ عَلَى الْكَفِيلِ وَإِذَا سَقَطَ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ لَا يَسْقُطُ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ وَقَاسَهُ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَإِنَّ إبْرَاءَ الْأَصِيلِ يَكُونُ إبْرَاءَ الْكَفِيلِ أَمَّا إبْرَاءُ الْكَفِيلِ لَا يَكُونُ إبْرَاءَ الْأَصِيلِ
(4/264)

السَّابِعَ عَشَرَ: فِي الْإِجَارَاتِ
1 - اشْتِرَاطُ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ يُفْسِدُهَا، وَالْحِيلَةُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَيُضَمَّ إلَى الْأُجْرَةِ ثُمَّ يَأْمُرَهُ الْمُؤَجِّرُ بِصَرْفِهِ إلَيْهَا، فَيَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ وَكِيلًا بِالِاتِّفَاقِ،
2 - فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ الْإِنْفَاقَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ،
3 - وَلَوْ أَشْهَدَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ بِلَا حُجَّةٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا بِهَا،
4 - وَالْحِيلَةُ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُسْتَأْجِرُ لَهُ قَدْرَ الْمَرَمَّةِ وَيَدْفَعَهُ إلَى الْمُؤَجِّرِ ثُمَّ الْمُؤَجِّرُ يَدْفَعُهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْمَرَمَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْإِجَارَاتِ]
قَوْلُهُ: اشْتِرَاطُ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ يُفْسِدُهَا. أَيْ اشْتِرَاطُ الْمُؤَجِّرِ الْمَرَمَّةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ وَذَلِكَ كَمَا فِي إجَارَاتِ الْأَصْلِ مِثْلَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْ آجِرٍ حَمَّامًا وَشَرَطَ رَبُّ الْحَمَّامِ الْمَرَمَّةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ قَدْرَ الْمَرَمَّةِ يَصِيرُ أَجْرًا وَإِنَّهُ مَجْهُولٌ.
(2) قَوْلُهُ: فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ الْإِنْفَاقَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. يَعْنِي لَوْ اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الْمَرَمَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى كَمَا لَوْ ادَّعَى الْإِيفَاءَ حَقِيقَةً.
(3) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَشْهَدَ لَهُ الْمُؤَجَّرُ لَهُ إلَخْ. كَذَا فِي النُّسَخِ وَالْأَوْلَى إسْقَاطٌ لَهُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لِأَنَّ أَشْهَدَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ يَعْنِي لَوْ أَشْهَدَ رَبُّ الدَّارِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ إلَّا بِحُجَّةٍ، يَعْنِي أَشْهَدَ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَوَقْتَ اشْتِرَاطِ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ فَعَلَ ذَلِكَ.
(4) : قَوْلُهُ وَالْحِيلَةُ أَنْ يُعَجِّلَ. أَيْ وَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الِاتِّفَاقِ بِلَا حُجَّةٍ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة
(4/265)

5 - فَيُقْبَلُ بِلَا بَيَانٍ
6 - أَوْ يَجْعَلَ مِقْدَارَهَا فِي يَدِ عَدْلٍ
7 - وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَرْصَةً بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَأَذِنَ لَهُ رَبُّ الْعَيْنِ بِالْبِنَاءِ فِيهَا مِنْ الْأَجْرِ جَازَ، وَإِنْ أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا أَنْفَقَ فَيَلْقَيَانِ قِصَاصًا وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إنْ كَانَ وَالْبِنَاءُ لِلْمُؤَجِّرِ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ فَقَطْ فَبَنَى، اخْتَلَفُوا
8 - قِيلَ لِلْآجِرِ وَقِيلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ
9 - الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ إجَارَةِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِالزَّرْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(5) قَوْلُهُ: فَيُقْبَلُ بِلَا بَيَانٍ. يَعْنِي لِأَنَّ بِالتَّعْجِيلِ يَصِيرُ الْمُعَجَّلُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الدَّارِ فَإِذَا دَفَعَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ أَمِينًا فِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي صَرْفِ الْأَمَانَةِ إلَى مَصْرِفِهَا.
(6) قَوْلُهُ: أَوْ يَجْعَلَ مِقْدَارَهَا فِي يَدِ عَدْلٍ. يَعْنِي لِأَنَّ الْعَدْلَ أَمِينٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِيمَا يُنْفَقُ وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ الْمُسْتَأْجِرُ إلَى الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا أُنْفِقَ، فَهَذِهِ الْحِيلَةُ تُفِيدُ سُقُوطَ الْبَيِّنَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الْحِيلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ نَظْمُهَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ

(7) قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ فَقَطْ. يَعْنِي إذَا لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْعَرْصَةِ الْمُحَاسَبَةَ مِنْ الْأَجْرِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ لَا غَيْرُ، بِأَنْ قَالَ ابْنِ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ وَأُحَاسِبُكَ بِمَا أَنْفَقْتَ فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأَجْرِ فَبَنَى فِيهَا.
(8) قَوْلُهُ: قِيلَ لِلْآجِرِ إلَخْ. أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ الْبِنَاءُ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ضَمَانِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ مَنْ آجَرَ حَمَّامًا وَقَالَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَا اسْتَرَمَّ فَافْعَلْ فَالْعِمَارَةُ تَكُونُ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ آخَرَ دَارًا وَبَنَى فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّ الدَّارِ، الْبِنَاءُ يَكُونُ لِلْمُسْتَعِيرِ

(9) قَوْلُهُ: الْحِيلَةُ فِي جَوَازِ إجَارَةِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِالزَّرْعِ. يَعْنِي لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَعِلَّةُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ بَذْرَ رَبِّ الْأَرْضِ قَائِمٌ عَلَى الْأَرْضِ حُكْمًا
(4/266)

10 - أَنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ،
11 - وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا كَانَ بِيعَ
12 - أَمَّا إذَا كَانَ بَيْعَ هَزْلٍ وَتَلْجِئَةٍ، فَلَا لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ،
13 - وَعَلَامَةُ الرَّغْبَةِ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ
14 - اشْتِرَاطُ خَرَاجِ الْأَرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُ جَائِزٍ كَاشْتِرَاطِ الْمَرَمَّةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
لِكَوْنِ الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالزَّرْعِ الَّذِي مَلَكَهُ فَقَدْ أَجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى تَسَلُّمِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ.
(10) قَوْلُهُ: أَنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ لَا ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ يَعْنِي الْأَرْضَ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ الزَّرْعَ بِالْبَيْعِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَنْتَفِعْ بِالْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ إنْ يَنْمُوَ زَرْعُهُ بِهَا فَقَدْ أَجَرَ مَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا صَارَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْآجِرِ عَنْ الْأَرْضِ حُكْمًا وَحَقِيقَةً فَقَدْ آجَرَ مَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
(11) قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا كَانَ بَيْعَ رَغْبَةٍ. أَيْ قَيَّدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا جَوَازَ إجَارَةِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِالزَّرْعِ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ بِمَا إذَا كَانَ بَيْعُ الزَّرْعِ بَيْعَ جِدٍّ.
(12) قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ بَيْعَ هَزْلٍ تَلْجِئَةً فَلَا. أَيْ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْعُ الزَّرْعِ بَيْعَ هَزْلٍ فَالزَّرْعُ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَبَقِيَ الْحَالُ بَعْدَ الزَّرْعِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ.
(13) قَوْلُهُ: وَعَلَامَةُ الرَّغْبَةِ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ. يَعْنِي وَعَلَامَةُ الْهَزْلِ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ مِقْدَارُ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهُوَ بَيْعُ رَغْبَةٍ وَجِدٍّ عِنْدَ الْإِمَامِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ وَعِنْدَهُمَا بَيْعُ هَزْلٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَهُوَ بَيْعُ جِدٍّ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْإِجَارَةِ وَبَيَانَ كَوْنِهِ بَيْعَ جِدٍّ أَنَّهُمَا بَاشَرَاهُ جِدًّا تَحْقِيقًا لِغَرَضِهِمَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَلْيُرَاجَعْ

(14) قَوْلُهُ: اشْتِرَاطُ خَرَاجِ الْأَرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُ جَائِزٍ إلَخْ. لِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ لِأَنَّ الْخَرَاجَ قَدْ يَزِيدُ وَقَدْ يَنْقُصُ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ سَنَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَمَرَمَّتِهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَرَمَّةَ مَجْهُولَةٌ فَتَصِيرُ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ
(4/267)

15 - وَالْحِيلَةُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ بِقَدْرِهِ ثُمَّ يَأْذَنَهُ بِصَرْفِهِ،
16 - وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرَمَّةِ
17 - اشْتِرَاطُ الْعَلَفِ أَوْ طَعَامِ الْغُلَامِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالْحِيلَةُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرَمَّةِ
18 - الْإِجَارَةُ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَلَا تَنْفَسِخَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
عَلَى الْمَالِكِ فَإِذَا شَرَطَ مَالِكُهَا الْخَرَاجَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَجَرْتُكَ أَرْضِي سَنَةً بِكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ تَحْتَالَ عَنِّي لِلسُّلْطَانِ بِالْخَرَاجِ الَّذِي عَلَيَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ عَقْدُ إجَارَةٍ شُرِطَ فِيهِ حَوَالَةُ دَيْنٍ فَيَفْسُدُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ.
(15) قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْخَرَاجِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ.
(16) قَوْلُهُ: وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرَمَّةِ. يَعْنِي مِنْ أَنَّ الْآجِرَ وَالْمُسْتَأْجِرَ إذَا اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْخَرَاجِ؛ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ أَدَّيْته خَرَاجَهَا وَكَذَّبَهُ الْآجِرُ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مَدَارِ الْمَأْوَى فَالْقَوْلُ لِلْآجِرِ وَلَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَأْجِرُ فِيمَا ادَّعَى لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ ضَمِينٌ غَيْرُ أَمِينٍ فَهُوَ بِهَذَا يُرِيدُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عَنْ ضَمَانِ الْأُجْرَةِ وَالْآجِرُ مُنْكِرٌ لِلِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا فِي أَنَّهُ أَدَّى الْخَرَاجَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَنْ يَدْفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ جَمِيعَ الْأَجْرِ مُعَجَّلًا ثُمَّ يَدْفَعَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْرَ الْخَرَاجِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيُوَكِّلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ إلَى وُلَاةِ الْخَرَاجِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ أَمِينًا مُصَدَّقًا بِلَا بَيِّنَةٍ كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ

(17) قَوْلُهُ: وَالْحِيلَةُ: تَقَدَّمَ فِي الْمَرَمَّةِ. يَعْنِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لِأَجْلِ الْعَلَفِ فَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى الْأَجْرِ فَيَسْتَأْجِرَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ يُوَكِّلَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَنْ يَعْلِفَهَا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْإِنْفَاقِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُؤَجِّلَ الْمُسْتَأْجِرُ مِقْدَارَ الْعَلَفِ وَيَدْفَعَهُ إلَى الْآجِرِ ثُمَّ الْآجِرُ يَدْفَعُهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَأْمُرُهُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى دَابَّتِهِ. وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ شَرَطَ الطَّعَامَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَا

(18) قَوْلُهُ: الْإِجَارَةُ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا. أَيْ الْآجِرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ لَفْظِ الْإِجَارَةِ.
(4/268)

بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، يُقِرُّ الْمُؤَجِّرُ بِأَنَّهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ عَشْرُ سِنِينَ؛ يَزْرَعُ فِيهَا مَا شَاءَ وَمَا خَرَجَ فَهُوَ لَهُ،
19 - أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ آجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُقِرَّ الْمُسْتَأْجِرُ بِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا

وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ عَيْنُ نِفْطٍ أَوْ قِيرٍ فَيَجُوزُ إذَا آجَرَ، 20 - أَرْضَهُ وَفِيهَا نَخْلٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ التَّمْرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، يَدْفَعْ النَّخِيلَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْمَالِ جُزْءٌ مِنْ أَلْفٍ مِنْ التَّمْرَةِ وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
(19) قَوْلُهُ: أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ آجَرَهَا إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ: اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ وَأَرَادَ أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُقِرَّ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُقِرَّ الْآجِرُ أَنَّهُ آجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ وَلَا بِمَوْتِ الْآجِرِ مَتَى كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مَجْهُولًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَادِقٌ فِي إقْرَارِهِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا وَالْآجِرُ آجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

(20) قَوْلُهُ: إذَا آجَرَ أَرْضَهُ وَفِيهَا نَخْلٌ إلَخْ. فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ: وَاسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ لَا يَجُوزُ وَحِيلَتُهُ أَنْ يُؤَاجِرَ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ الَّتِي تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْأَشْجَارِ بِأَجْرِ مِثْلِهَا وَزِيَادَةِ قِيمَةِ الثِّمَارِ ثُمَّ يَدْفَعَ رَبُّ الْأَرْضِ الْأَشْجَارَ مُعَامَلَةً إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ وَيَأْمُرَهُ بِأَنْ يَضَعَ ذَلِكَ الْجُزْءَ حَيْثُ أَجَرَ لِأَنَّ مَقْصُودَ رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ زِيَادَةُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ بِقِيمَةِ الثِّمَارِ، وَمَقْصُودُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ فِيهِ ثِمَارُ الْأَشْجَارِ مَعَ الْأَرْضِ وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُمَا مَقْصُودُهُمَا بِذَلِكَ فَتَجُوزُ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مَحِلُّ هَذَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَقْفِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَهَذَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْوَقْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ لِلْوَقْفِ أُجْرَةً وَهَذَا جُزْءٌ ضَعِيفٌ
(4/269)

إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا بَاطِلًا، فَالْحِيلَةُ لِمَنْعِ الْيَمِينِ
2 - أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ،
3 - وَفِي الثَّانِي اخْتِلَافٌ،
4 - أَوْ يُعَيِّرَهُ خُفْيَةً فَيَعْرِضَهُ الْمُسْتَعِيرُ لِلْبَيْعِ فَيُسَاوِمَهُ الْمُدَّعِي فَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
[الثَّامِنَ عَشَرَ فِي مَنْعِ الدَّعْوَى]
قَوْلُهُ: إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا بَاطِلًا. يَعْنِي رَجُلًا فِي يَدِهِ ضَيْعَةٌ أَوْ دَارٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَالْمُدَّعِي ظَالِمٌ مُبْطِلٌ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَكْرَهُ الْيَمِينَ فَأَرَادَ حِيلَةً حَتَّى تَنْدَفِعَ عَنْهُ الْيَمِينُ.
(2) قَوْلُهُ: أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ. يَعْنِي فَتَنْدَفِعَ عَنْهُ الْخُصُومَةُ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة هَكَذَا قَالَ الْخَصَّافُ فِي حِيَلِهِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَبَعْضُهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا إذَا أَقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ تَنْدَفِعُ الْيَمِينُ وَبَيْنَهُمَا إذَا أَقَرَّ لِلْأَجْنَبِيِّ لَا تَنْدَفِعُ الْيَمِينُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَنْدَفِعُ الْيَمِينُ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا قَطْعًا لِبَابِ الْحِيلَةِ.
(3) قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي اخْتِلَافٌ. أَقُولُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
(4) قَوْلُهُ: أَوْ يُعَيِّرَهُ لِغَيْرِهِ خُفْيَةً إلَخْ. هَذِهِ حِيلَةٌ أُخْرَى يَنْدَفِعُ بِهَا مَا يَرِدُ عَلَى الْحِيلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ قَالَ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ بِالضَّيْعَةِ الْمُدَّعِي بِهَا لِابْنِهِ أَوْ لِلْأَجْنَبِيِّ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِمَالِي وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فَلِي أَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَالِي عَلَيْكَ قِيمَةُ هَذِهِ الضَّيْعَةِ. قَالَ الْخَصَّافُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ يَجِبُ الضَّمَانُ ثُمَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا بِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْغَصْبِ الْمُجَرَّدِ فَأَمَّا الْجُحُودُ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِالِاتِّفَاقِ وَبَعْضُهُمْ
(4/270)

5 - وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ بِهِ، وَلَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ فَسَاوَمَهُ بَطَلَتْ،
6 - وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ،
7 - أَوْ يَبِيعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ يَهَبَهُ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ يَسْتَحِقَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْبَيِّنَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[غمز عيون البصائر]
قَالُوا فِي الْجُحُودِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الْحِلَافَ فِي الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ هَهُنَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافُ الْمِلْكِ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْعَقَارِ يَضْمَنُ عِنْدَ الرُّجُوعِ بِالْإِجْمَاعِ لِإِتْلَافِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ عَرْضًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ غَيْرَ الْعَقَارِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْرِفُهُ الْمُدَّعِي ثُمَّ يَعْرِضَهُ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي لِيُسَاوِمَهُ فَتَبْطُلَ دَعْوَاهُ. كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَلَلِ.
(5) قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ بِهِ وَاصَلَ بِمَا قَبْلَهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا عَرَضَهُ عَلَى الْمُدَّعِي فَسَاوَمَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الْمُدَّعِي تُسْمَعْ دَعْوَاهُ
(6) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَيْ الثَّوْبَ وَاصَلَ بِمَا قَبْلَهُ. يَعْنِي فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الثَّوْبَ ثَوْبِي فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ مِنْ الْمُدَّعِي إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الثَّوْبِ فَيُجْعَلُ مَا تَقْتَضِيه الْمُسَاوَمَةُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ. وَلَوْ صَرَّحَ وَقَالَ لَا حَقَّ لِي فِي هَذَا الثَّوْبِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا قُلْت لِأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ أَنَّ الثَّوْبَ ثَوْبِي كَذَا هَذَا.
(7) قَوْلُهُ: أَوْ يَبِيعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. أَيْ يَبِيعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى هَذِهِ حِيلَةٌ أُخْرَى لِأَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنْ يَبِيعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ ثُمَّ