Advertisement

فتح القدير للكمال ابن الهمام 003


بَابُ التَّمَتُّعِ (التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ عِنْدَنَا) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِعُمْرَتِهِ وَالْمُفْرِدَ سَفَرُهُ وَاقِعٌ لِحَجَّتِهِ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي التَّمَتُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الْقِرَانَ ثُمَّ فِيهِ زِيَادَةُ نُسُكٍ وَهِيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ التَّمَتُّعِ]
(بَابُ التَّمَتُّعِ) (قَوْلُهُ: وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ فِي التَّمَتُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فَأَشْبَهَ الْقِرَانَ) حَقِيقَةُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَجَّ قَارِنًا» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا ارْتَكَبَهُ أَفْضَلُ خُصُوصًا فِي عِبَادَةِ فَرِيضَةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْنَا الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ كَانَ الْقِرَانُ أَفْضَلَ مُتَحَقِّقًا فِي التَّمَتُّعِ دُونَ الْإِفْرَادِ فَيَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ مَا يَلْزَمُ كَوْنِهِ جَمَعَا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ مِنْ زِيَادَةِ التَّحَقُّقِ بِالْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ لِلْمَشْرُوعِ النَّاسِخِ لِشَرْعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمَطْلُوبِ رَفْضَهُ، ثُمَّ هَذَا أَرْفَقُ فَوَجَبَ دَمٌ لِلشُّكْرِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا إطْلَاقُ الِارْتِفَاقِ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ حَتَّى خَفَّتْ الْمُؤْنَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى لُزُومِ إنْشَاءِ سَفَرٍ آخَرَ لِلْعُمْرَةِ أَوْ التَّأْخِيرِ بَعْدَ قَضَاءِ الْأَفْعَالِ لِيُنْشِئَ أُخْرَى مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَهَذَا شُكْرٌ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ.
وَثَانِيهِمَا تَوْفِيقُهُ لِلتَّحَقُّقِ بِهَذَا الْإِذْعَانِ الشَّرْعِيِّ الْمَطْلُوبِ تَحْقِيقُهُ وَإِظْهَارُهُ وَجَعْلَهُ مَظْهَرًا لَهُ، فَإِنْ أَكْمَلَ مِنْ مُجَرَّدِ اعْتِقَادِ الْحِقْبَةِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقٍ بِهِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ، وَلِهَذَا تَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ تَارَةً وُفِّقَ لِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَمَرَّةً تَرَفَّقَ بِأَدَائِهِمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَزَادَتْ الْفَضِيلَةُ بِشَرْعِيَّةِ هَذَا الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي النُّسُكِ عِبَادَةً أُخْرَى شُكْرًا لَا جَبْرًا لِنُقْصَانٍ مُتَمَكِّنٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ الْقِرَانَ زَادَ عَلَيْهِ بِاسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ بِهِمَا وَالْمُسَارَعَةِ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ، فَبِالْأَمْرَيْنِ يُفَضَّلُ عَلَى تَمَتُّعٍ لَمْ يُسَقْ فِيهِ هَدْيٌ حَتَّى حَلَّ التَّحَلُّلُ. وَبِالثَّانِي عَلَى التَّمَتُّعِ الَّذِي سِيقَ فِيهِ الْهَدْيُ فَوَجَبَ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَسَفَرُهُ وَاقِعٌ لِحَجَّتِهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّ سَفَرَهُ وَاقِعٌ لِعُمْرَتِهِ
(3/3)

إرَاقَةُ الدَّمِ وَسَفَرُهُ وَاقِعٌ لِحَجَّتِهِ، وَإِنْ تَخَلَّلَتْ الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهَا تَبَعُ الْحَجِّ كَتَخَلُّلِ السُّنَّةِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالسَّعْيِ إلَيْهَا.

(وَالْمُتَمَتِّعُ عَلَى وَجْهَيْنِ مُتَمَتِّعٌ بِسَوْقِ الْهَدْيِ وَمُتَمَتِّعٌ لَا يَسُوقُ الْهَدْيَ) وَمَعْنَى التَّمَتُّعِ التَّرَفُّقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا، وَيَدْخُلُهُ اخْتِلَافَاتٌ نُبَيِّنُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَصِفَتُهُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَيَدْخُلَ مَكَّةَ فَيَطُوفَ لَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَقَدْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ.

(قَوْلُهُ: وَمَعْنَى التَّمَتُّعِ التَّرَفُّقُ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا بَلْ ذَكَرَ أَدَاءَهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ وُجُودُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بَلْ أَدَاؤُهَا فِيهَا أَوْ أَدَاءُ أَكْثَرِ طَوَافِهَا، فَلَوْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ دَخَلَ شَوَّالٌ فَطَافَ الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ حَجَّ فِي عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَتَحْرِيرُ الضَّابِطِ لِلتَّمَتُّعِ أَنْ يَفْعَلَ الْعُمْرَةَ أَوْ أَكْثَرَ طَوَافِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَنْ إحْرَامٍ بِهَا قَبْلَهَا أَوْ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ بِوَصْفِ الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلُمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا.
وَالْحِيلَةُ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ أَنْ لَا يَطُوفَ بَلْ يَصْبِرُ إلَى أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ثُمَّ يَطُوفُ، فَإِنَّهُ مَتَى طَافَ طَوَافَا مَا وَقَعَ عَنْ الْعُمْرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ طَافَ ثُمَّ دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَارَ مِيقَاتُهُ مِيقَاتَهُمْ. وَقَوْلُنَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ: يَعْنِي مِنْ عَامِ الْفِعْلِ، أَمَّا عَامُ الْإِحْرَامِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِدَلِيلِ مَا فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى شَوَّالٍ مَنْ قَابِلٍ ثُمَّ طَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ، وَقَدْ أَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ كَفَائِتِ الْحَجِّ فَأَخَّرَ إلَى قَابِلٍ فَتَحَلَّلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ، وَحَجَّ مِنْ عَامه ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِأَفْعَالِهَا عَنْ إحْرَامِ عُمْرَةٍ بَلْ لِلتَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فَلَمْ تَقَعْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُعْتَدًّا بِهَا عَنْ الْعُمْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا فَائِدَةُ الْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آخِرًا. أَعْنِي قَوْلَنَا عَنْ إحْرَامٍ بِهَا

(قَوْلُهُ: فَيَطُوفُ لَهَا وَيَسْعَى إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ طَوَافَ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعُمْرَةِ طَوَافُ قُدُومٍ وَلَا صَدْرٍ
(3/4)

وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْرِدَ بِالْعُمْرَةِ فَعَلَ مَا ذَكَرْنَا، هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا حَلْقَ عَلَيْهِ، إنَّمَا الْعُمْرَةُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا. وقَوْله تَعَالَى {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح: 27] الْآيَةَ. نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا كَانَ لَهَا تَحَرُّمٌ بِالتَّلْبِيَةِ كَانَ لَهَا تَحَلُّلٌ بِالْحَلْقِ كَالْحَجِّ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ) وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كُلَّمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ وَتَتِمُّ بِهِ.
وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حِينَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الطَّوَافُ فَيَقْطَعُهَا عِنْدَ افْتِتَاحِهِ، وَلِهَذَا يَقْطَعُهَا الْحَاجُّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الرَّمْيِ. قَالَ (وَيُقِيمُ بِمَكَّةَ حَلَالًا) ؛ لِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ، قَالَ (فَإِذَا كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَذَكَرَ مِنْ الصِّفَةِ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ فَظَاهِرُهُ لُزُومُ ذَلِكَ فِي التَّمَتُّعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحَلَقَ بِمِنًى كَانَ مُتَمَتِّعًا وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّمَتُّعِ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ طَوَافِ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لِلْعُمْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. (قَوْله هَكَذَا فَعَلَ إلَخْ) أَمَّا أَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ مَا ذَكَرَ غَيْرَ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَضَرُورِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ. وَأَمَّا أَنَّ مِنْهَا الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَحْثِ الْقِرَانِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِشْقَصٍ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْصِيرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عُمْرَةٍ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «قَصَّرْتُ أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصِّرُ عَنْ رَأْسِهِ» فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ الْأَوَّلَ تَعَيَّنَ كَوْنُهَا عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ يَلْزَمْ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَقَالَ مَالِكٌ كَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْتِ) وَعَنْهُ كَمَا رَأَى بُيُوتَ مَكَّةَ. وَلَنَا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا يَقْطَعُهَا الْحَاجُّ إلَخْ) إنَّمَا تَتِمُّ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ لَوْ كَانَ الرَّمْيُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْحَجِّ وَهُوَ مُنْتَفٍ، بَلْ الْمَقْصُودُ الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ. فَالصَّوَابُ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى رَأْيِنَا أَنْ يُقَالَ: كَمَا لَمْ تُقْطَعْ التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ،
(3/5)

يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ) وَالشَّرْطُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحَرَمِ أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَكِّيِّ، وَمِيقَاتُ الْمَكِّيِّ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ) ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ طَوَافٍ لَهُ فِي الْحَجِّ، بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَعَى مَرَّةً، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إلَى مِنًى لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِذَلِكَ مَرَّةً (وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتَمَتِّعِ) لِلنَّصِّ الَّذِي تَلَوْنَاهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْقِرَانِ (فَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ ثُمَّ اعْتَمَرَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الثَّلَاثَةِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الصَّوْمِ التَّمَتُّعُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْهَدْيِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ (وَإِنْ صَامَهَا) بِمَكَّةَ (بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ جَازَ عِنْدَنَا) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ قَوْله تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَذَا لَا تُقْطَعُ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ فَبَطَل قَوْلُكُمْ بِقَطْعِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ. وَعَلَى رَأْيِهِ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ أَنْ يُقَالَ: كَمَا أَنَّهَا لَمْ تُقْطَعْ فِي الْحَجِّ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقَاصِدِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَك يَجِبُ فِي الْعُمْرَةِ أَنْ لَا تُقْطَعَ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي مَقَاصِدِهَا وَهُوَ الطَّوَافُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَسْجِدُ لَيْسَ بِلَازِمٍ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ، وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ، وَالشَّرْطُ الْحَرَمُ (قَوْلُهُ: وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ) إلَّا طَوَافَ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا طَوَافَ قُدُومٍ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ طَافَ) أَيْ لِلتَّحِيَّةِ (وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إلَى مِنًى لَمْ يَرْمُلْ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ) سَوَاءٌ كَانَ رَمَلَ فِي طَوَافِ التَّحِيَّةِ أَوْ لَا (وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالسَّعْيِ مَرَّةً) قِيلَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ التَّحِيَّةِ مَشْرُوعٌ لِلتَّمَتُّعِ حَتَّى اعْتَبَرَ سَعْيَهُ عَقِيبَهُ. اهـ. وَلَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا طَافَ ثُمَّ سَعَى أَجْزَأَهُ عَنْ السَّعْيِ لَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِجْزَاءِ اعْتِبَارُهُ طَوَافُ تَحِيَّةٍ، بَلْ الْمَقْصُودُ أَنَّ السَّعْيَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ شَرْعًا عَلَى طَوَافٍ، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ بَعْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ تَنَفَّلَ بِطَوَافٍ ثُمَّ سَعَى بَعْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ سَعْيُ الْحَجِّ، وَمَنْ قَيَّدَ إجْزَاءَهُ بِكَوْنِ الطَّوَافِ الْمُقَدَّمِ طَوَافَ تَحِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ) فَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِرَانِ وَإِلَى آخِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لَلشَّافِعِيُّ) فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ
(3/6)

{فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] وَلَنَا أَنَّهُ أَدَّاهُ بَعْدَ انْعِقَاد سَبَبِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَجِّ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ وَقْتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْقِرَانِ.

(وَإِنْ أَرَادَ الْمُتَمَتِّعُ أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ أَحْرَمَ وَسَاقَ هَدْيَهُ) وَهَذَا أَفْضَلُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَ الْهَدَايَا مَعَ نَفْسِهِ» ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْدَادًا وَمُسَارَعَةً (فَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً قَلَّدَهَا بِمَزَادَةٍ أَوْ نَعْلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ. وَالتَّقْلِيدُ أَوْلَى مِنْ التَّجْلِيلِ؛ لِأَنَّ لَهُ ذِكْرًا فِي الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ وَالتَّجْلِيلِ لِلزِّينَةِ، وَيُلَبِّي ثُمَّ يُقَلِّدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَالتَّوَجُّهِ مَعَهُ عَلَى مَا سَبَقَ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْقِدَ الْإِحْرَامَ بِالتَّلْبِيَةِ وَيَسُوقَ الْهَدْيَ. وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَقُودَهَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَدَّاهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ) لَا شَكَّ أَنَّ سَبَبَهُ التَّمَتُّعُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ التَّرَفُّقُ؛ لِتَرْتِيبِهِ عَلَى التَّمَتُّعِ فِي النَّصِّ، وَمَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لِلْمُرَتَّبِ، وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ هِيَ السَّبَبُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي بِهَا يَتَحَقَّقُ التَّرَفُّقُ الَّذِي كَانَ مَمْنُوعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ مَعْنَى التَّمَتُّعِ لَا أَنَّ الْحَجَّ مُعْتَبَرُ جُزْءِ السَّبَبِ بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ التَّمَتُّعِ فِي عُرْفِ الْفِقْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَعْلُ الْحَجِّ غَايَةً لِهَذَا التَّمَتُّعِ حَيْثُ قَالَ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] فَكَانَ الْمُفَادُ تَرَفَّقْ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَرَفُّقًا غَايَتُهُ الْحَجُّ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُ التَّمَتُّعِ ذِكْرًا لِلْحَجِّ مِنْ عَامِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْرِيرِ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ كَالسَّبْعَةِ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ: أَيْ وَقْتِهِ، وَالسَّبْعَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ لِلصَّوْمِ تَحَقُّقَ حَقِيقَةِ التَّمَتُّعِ بِالْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ بَلْ التَّرَفُّقُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ الْمُقَيَّدُ بِكَوْنِ غَايَتِهِ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا عَلَى اعْتِبَارِ الْقَيْدِ جُزْءًا مِنْ السَّبَبِ أَوْ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ سَبَبِيَّتِهِ وَإِلَّا لَزِمَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ امْتِنَاعِ الصَّوْمِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، فَكَانَ السَّبَبُ الْمُقَيَّدُ لَا يُشْتَرَطُ قَيْدُهُ فِي السَّبَبِيَّةِ فَإِذَا صَامَ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ صَامَ بَعْدَ السَّبَبِ وَفِي وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ وُقُوعُهُ بَعْدَ الْمُقَيَّدِ، وَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ إذَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ، وَسَبَبُهُ تَرَاخِي الْقَيْدِ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ، أَمَّا السَّبْعَةُ فَإِنَّ السَّبَبَ وَإِنْ تَحَقَّقَ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لَكِنْ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُعَلَّقٌ بِالرُّجُوعِ، فَالصَّوْمُ قَبْلَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّبَبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا عَدَمُ الْجَوَازِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ: أَعْنِي التَّرَفُّقَ بِالْعُمْرَةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ بِهَا، لَكِنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْجَوَازُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ كَأَنَّهُ لِثُبُوتِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ
(3/7)

أَحْرَمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَهَدَايَاهُ تُسَاقُ بَيْنَ يَدَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّشْهِيرِ إلَّا إذَا كَانَتْ لَا تَنْقَادُ فَحِينَئِذٍ يَقُودُهَا. قَالَ (وَأَشْعَرَ الْبَدَنَةَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (وَلَا يُشْعِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُكْرَهُ) وَالْإِشْعَارُ هُوَ الْإِدْمَاءُ بِالْجُرْحِ لُغَةً (وَصِفَتُهُ أَنْ يَشُقَّ سَنَامَهَا) بِأَنْ يَطْعَنَ فِي أَسْفَلِ السَّنَامِ (مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ) قَالُوا: وَالْأَشْبَهُ هُوَ الْأَيْسَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَنَ فِي جَانِبِ الْيَسَارِ مَقْصُودًا وَفِي جَانِبِ الْأَيْمَنِ اتِّفَاقًا، وَيُلَطِّخُ سَنَامَهَا بِالدَّمِ إعْلَامًا، وَهَذَا الصُّنْعُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا حَسَنٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وَلَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّقْلِيدِ أَنْ لَا يُهَاجَ إذَا وَرَدَ مَاءً أَوْ كَلَأً أَوْ يُرَدُّ إذَا ضَلَّ وَإِنَّهُ فِي الْإِشْعَارِ أَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمُ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ سُنَّةً، إلَّا أَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ الْإِحْرَامِ بِلَا فِعْلٍ وَفِيهِ إقْنَاعٌ إلَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ خِلَافُهُ إحْدَاثَ قَوْلٍ ثَالِثِ فَيُتِمُّ الْمُرَادُ.

(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَتْ لَا تَنْقَادُ) أَيْ لِلسَّوْقِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا تَنْسَاقُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَنَ إلَخْ) قَالُوا: لِأَنَّهَا كَانَتْ تُسَاقُ إلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَقْبِلُهَا فَيَدْخُلُ مِنْ قِبَلِ رُءُوسِهَا، وَالْحَرْبَةُ بِيَمِينِهِ لَا مَحَالَةَ، وَالطَّعْنُ حِينَئِذٍ إلَى جِهَةِ الْيَسَارِ أَمْكَنَ وَهُوَ طَبْعُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ فَيَقَعُ الطَّعْنُ كَذَلِكَ مَقْصُودًا ثُمَّ يَعْطِفُ طَاعِنًا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ بِيَمِينِهِ وَهُوَ مُتَكَلِّفٌ بِخِلَافِهِ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَشْعَرَ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، وَعَلَى أَنَّ صِفَتَهُ حَالَةَ الْإِشْعَارِ كَانَ مَا ذُكِرَ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْإِشْعَارَ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْأَيْمَنَ وَلَا الْأَيْسَرَ إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى فِي كِتَابِ ابْنِ عُلَيَّةَ بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي حَسَّانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَشْعَرَ بُدْنَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ الْمَعْرُوفُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَصَحَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَلَامَهُ، لَكِنْ قَدْ أَسْنَدَ أَبُو يَعْلَى إلَى أَبِي حَسَّانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِطَرِيقٍ آخَرَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَشْعَرَ بُدْنَهُ فِي شِقِّهَا الْأَيْسَرِ ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ بِأُصْبُعِهِ» الْحَدِيثَ.
وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ إذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنْ الْمَدِينَةِ يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهُ فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ " فَهَذَا يُعَارِضُ مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشَدَّ اقْتِفَاءٍ لِظَوَاهِرِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ابْنِ عُمَرَ، فَلَوْلَا عِلْمُهُ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ. فَوَجْهُ التَّوْفِيقِ حِينَئِذٍ هُوَ مَا صِرْنَا إلَيْهِ مِنْ الْإِشْعَارِ فِيهِمَا حَمْلًا لِلرِّوَايَتَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ كُلِّ رَاءٍ الْإِشْعَارَ مِنْ جَانِبٍ وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا نَعْلَمُ صَرِيحًا فِي وَصْفِهِ كَيْفَ كَانَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، إذْ الظَّاهِرُ مَنْ قَاصَدَهَا لِإِثْبَاتِ فِعْلٍ فِيهَا، وَهِيَ تُسَاقُ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِجَلِيَّةِ كُلِّ حَالٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَلْزَمُ)
(3/8)

عَارَضَهُ جِهَةُ كَوْنِهِ مُثْلَةً فَقُلْنَا بِحُسْنِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُثْلَةٌ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَلَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحْرِمِ وَإِشْعَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لِصِيَانَةِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ تَعَرُّضِهِ إلَّا بِهِ. وَقِيلَ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ إشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَخَافُ مِنْهُ السِّرَايَةَ، وَقِيلَ: إنَّمَا كَرِهَ إيثَارَهُ عَلَى التَّقْلِيدِ.

قَالَ: (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَسَعَى) وَهَذَا لِلْعُمْرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي مُتَمَتِّعٍ لَا يَسُوقُ الْهَدْيَ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَتَحَلَّلْتُ مِنْهَا» وَهَذَا يَنْفِي التَّحَلُّلَ عِنْدَ سَوْقِ الْهَدْيِ (وَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) كَمَا يُحْرِمُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (وَإِنْ قَدَّمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْقِلَادَةَ قَدْ تَنْحَلُّ أَوْ تَنْقَطِعُ فَتَسْقُطُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرَّمِ) قَدْ يُقَالُ: لَا تَعَارُضَ فَإِنَّ النُّهَى عَنْهُ كَانَ بِأَثَرِ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ عَقِيبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِشْعَارَ كَانَ بَعْدَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إمَّا مَخْصُوصٌ مِنْ نَصِّ نَسْخِ الْمُثْلَةِ مَا كَانَ هَدْيًا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُثْلَةٍ أَصْلًا، وَهُوَ الْحَقُّ، إذْ لَيْسَ كُلُّ جُرْحٍ مُثْلَةً بَلْ هُوَ مَا يَكُونُ تَشْوِيهًا كَقَطْعِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ وَسَمْلِ الْعُيُونِ، فَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ جُرِحَ مُثِّلَ بِهِ، وَالْأَوْلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا كَرِهَ إشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إلَى إحْسَانِهِ، وَهُوَ شَقُّ مُجَرَّدِ الْجِلْدِ لِيُدْمِيَ، بَلْ يُبَالِغُونَ فِي اللَّحْمِ حَتَّى يَكْثُرَ الْأَلَمُ وَيُخَافُ مِنْهُ السِّرَايَةُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ إلَّا بِهِ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا يَتِمُّ فِي إشْعَارِ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مُفْرِدٌ بِالْعُمْرَةِ لَا فِي إشْعَارِهِ هَدَايَا حَجَّةِ الْوَدَاعِ «؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا قَدْ أَجْلَوْا قَبْلَ ذَلِكَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فِي الثَّامِنَةِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي التَّاسِعَةِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةٌ وَيُنَادِي: لَا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ مُشْرِكٌ وَلَا عُرْيَانُ» . وَالْجَوَابُ أَنْ يُرَادَ تَعَرُّضِهِمْ لِلطَّرِيقِ حَالَ السَّفَرِ لِتَسَامُعِهِمْ بِمَالٍ لِسَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ

(قَوْلُهُ: وَهَذَا يَنْفِي التَّحَلُّلَ عِنْدَ سَوْقِ الْهَدْيِ) يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ إظْهَارَ التَّأَسُّفِ عَلَى
(3/9)

الْإِحْرَامَ قَبْلَهُ جَازَ، وَمَا عَجَّلَ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ وَزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ، وَهَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسُقْ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) وَهُوَ دَمُ الْمُتَمَتِّعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

(وَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ حَلَّ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ مُحَلِّلٌ فِي الْحَجِّ كَالسَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْهُمَا.

قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ، وَإِنَّمَا لَهُمْ الْإِفْرَادُ خَاصَّةً) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَأَتِّي الْإِحْلَالَ؛ لِيَشْرَحَ صَدْرَ أَصْحَابِهِ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ كَمَا كَانَ دَأْبُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ قَوْلُهُ: «لَوْ اسْتَدْرَكْتُ مَا فَاتَنِي لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» أَيْ مُفْرَدَةً لَمْ أَقْرِنْ مَعَهَا الْحَجَّ. وَتَحَلَّلْتُ يُفِيدُ أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمَا يَتَضَمَّنُهُ كَلَامُهُ مِنْ إفْرَادِ الْعُمْرَةِ وَعَدَمِ سَوْقِ الْهَدْيِ، فَلَوْ كَانَ التَّحَلُّلُ يَجُوزُ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَتَحَلَّلْتُ. وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَمَّا سَاقَ الْهَدْيَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ كَانَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَجَّ مُتَمَتِّعًا، وَالثَّابِتُ عِنْدَنَا أَنَّهُ حَجَّ قَارِنًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ) أَيْ أَفْضَلِيَّةُ تَعْجِيلِ الْمُتَمَتِّعِ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ.

(قَوْلُهُ: فَقَدْ حَلَّ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَلْقِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ الْقَارِنَ دَمَانِ إذَا جَنَى قَبْلَ الْحَلْقِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الْحَلْقِ لَزِمَهُ قِيمَةٌ وَاحِدَةُ، وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَزِمَهُ دَمَانِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَجَّ غَايَةَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَلَا وُجُودَ لِلْمَضْرُوبِ لَهُ الْغَايَةُ بَعْدَهَا إلَّا ضَرُورَةً وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي حَقِّ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَقَعْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ. وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ الْقَارِنَ إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ وَبَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ الطَّوَافِ شَاتَانِ اهـ. وَمَا نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي آخِرِ فَصْلِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ الظَّاهِرَةُ، إذْ قَضَاءُ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارٍ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا عَلَى الْأَعْمَالِ.
وَالْفَرْعُ الْمَنْقُولُ فِي الْجِمَاعِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، بَلْ سَنَذْكُرُ عَنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ فِيمَا بَعْدَ الْحَلْقِ الْبَدَنَةَ وَالشَّاةَ أَيْضًا بِالْجِمَاعِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ الْبَدَنَةُ فَقَطْ، وَنُبَيِّنُ الْأَوْلَى مِنْهُمَا. ثُمَّ إنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ قَيَّدَ لُزُومَ الدَّمِ الْوَاحِدِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ وَقَالَ: إنَّ فِي الْجِمَاعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ شَاتَيْنِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ تُوجِبُ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَا، فَإِنْ أَوْجَبَتْ لَزِمَ شُمُولُ الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَشُمُولُ الْعَدَمِ.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ) يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْوُجُودِ: أَيْ لَيْسَ يُوجَدُ لَهُمْ، حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ مَكِّيٌّ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا
(3/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَطَافَ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَلَا قَارِنًا، وَيُوَافِقُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذَا عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إلْمَامًا صَحِيحًا وَذَلِكَ يُبْطِلُ التَّمَتُّعَ. فَأَفَادَ أَنَّ عَدَمَ الْإِلْمَامِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّمَتُّعِ فَيَنْتَفِي لِانْتِفَائِهِ. وَعَنْ ذَلِكَ أَيْضًا خَصَّ الْقِرَانَ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَقَرَنَ حَيْثُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مِيقَاتِيَّتَانِ. قَالُوا: خَصَّ الْقِرَانَ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ مِنْهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُلِمٌّ بِأَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ. وَيَحْتَمِلُ نَفْيَ الْحِلِّ كَمَا يُقَالُ: لَيْسَ لَك أَنْ تَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا أَنْ تَتَنَفَّلَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا آثِمًا بِفِعْلِهِ إيَّاهُمَا عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِحَمْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْإِلْمَامِ لِلصِّحَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ لِوُجُودِ التَّمَتُّعِ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ نَهْيٌ شَرْعًا الْمُنْتَهِضِ سَبَبًا لِلشُّكْرِ. وَيُوَافِقُهُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: لَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ، وَمَنْ تَمَتَّعَ مِنْهُمْ أَوْ قَرَنَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ دَمُ جِنَايَةٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ. وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ. وَقَالَ فِي التُّحْفَةِ: وَمَعَ هَذَا لَوْ تَمَتَّعُوا جَازَ وَأَسَاءُوا، وَعَلَيْهِمْ دَمُ الْجَبْرِ وَسَنَذْكُرُ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ صَرِيحًا اهـ.
وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الدَّمِ أَنْ لَا يَقُومُ الصَّوْمُ مَقَامَهُ حَالَةَ الْعُسْرَةِ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعِ لُزُومَ دَمِ الْجَبْرِ لَزِمَ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا جَبْرَ إلَّا لِمَا وُجِدَ بِوَصْفِ النُّقْصَانِ لَا لِمَا لَمْ يُوجَدْ شَرْعًا. فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُ كَوْنُ الدَّمِ لِلِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْمَكِّيِّ لَا لِلتَّمَتُّعِ مِنْهُ، وَهَذَا فَاشٍ بَيْنَ حَنَفِيَّةِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْآفَاقِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ قَرِيبٍ وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ شُئُونٌ وَمُعْتَمَدُ أَهْلِ مَكَّةَ مَا وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِأَنَّ دُخُولَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَعَ رُخْصَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] قِيلَ فِي بَعْضِ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ: أَيْ لِلْحَجِّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ فَاخْتَصَّتْ هَذِهِ الْأَشْهُرُ بِالْحَجِّ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهَا غَيْرُهُ، إلَّا أَنَّ الْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِيهَا رُخْصَةَ لِلْآفَاقِيِّ ضَرُورَةُ تَعَذُّرِ إنْشَاءِ سَفَرٍ لِلْعُمْرَةِ نَظَرًا لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُمْ، فَلَمْ تَكُنْ الْعُمْرَةُ مَشْرُوعَةً فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي حَقِّهِمْ، فَبَقِيَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي حَقِّهِمْ مَعْصِيَةً اهـ.
وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِصَارٍ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ خِلَافَهُ، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي جَوَابِ الشَّافِعِيِّ لَمَّا أَجَازَ التَّمَتُّعَ لِلْمَكِّيِّ. وَقَالَ فِي بَعْضِ الْأَوْجُهِ نَسْخُ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ الْمَكِّيَّ كَغَيْرِهِ، فَقَالُوا: أَمَّا النَّسْخُ فَثَابِتٌ عِنْدَنَا فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ أَيْضًا حَتَّى يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ
(3/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَضِيلَةَ التَّمَتُّعِ إلَى آخِرِ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْكَارُ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى هَذَا اعْتِمَارَ الْمَكِّيِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْعُمْرَةِ فَخَطَأٌ بِلَا شَكٍّ، وَإِنْ كَانَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي اعْتَمَرَ مِنْهُمْ لَيْسَ بِحَيْثُ يَتَخَلَّفُ عَنْ الْحَجِّ إذَا خَرَجَ النَّاسُ لِلْحَجِّ بَلْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَصَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ إنْكَارٌ لِمُتْعَةِ الْمَكِّيِّ لَا لِمُجَرَّدِ عُمْرَتِهِ. فَإِذَا ظَهَرَ لَك صَرِيحُ هَذَا الْخِلَافِ مِنْهُ فِي إجَازَةِ الْعُمْرَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُجَرَّدُ عُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمَنْعُهَا وَجَبَ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَرَّرَ الْمَكِّيُّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ هَلْ يَتَكَرَّرُ الدَّمُ عَلَيْهِ؟ . فَعَلَى مَنْ صَرَّحَ بِحِلِّهَا لَهُ، وَأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ إلَّا لِتَمَتُّعِهِ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَكَرُّرَهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي ثُبُوتِ تَكَرُّرِهِ وَتَمَتُّعِهِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَعَلَى مَنْ مَنَعَ نَفْسَ الْعُمْرَةِ مِنْهُ وَأَثْبَتَ أَنَّ نَسْخَ حُرْمَتِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْآفَاقِيِّ فَقَطْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَرَّرَ الدَّمُ بِتَكَرُّرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا النَّظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ، وَنَظَرَ هَؤُلَاءِ إلَى الْعُمُومَاتِ، مِثْلَ " دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ ". وَصَرِيحُ مَنْعِ الْمَكِّيِّ شَرْعًا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وَهُوَ خَاصٌّ بِالْجَمْعِ تَمَتُّعًا فَيَبْقَى فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، غَيْرَ أَنَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ: دَلِيلُ التَّخْصِيصِ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ وَيَخْرُجُ بِهِ مَعَهُ، وَتَعْلِيلُ مَنْعِ الْجَمْعِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ أَنْ يَحْصُلَ الرِّفْقُ وَدَفْعُ الْمَشَقَّةِ الْآتِيَةِ مِنْ قِبَلِ تَعَدُّدِ السَّفَرِ أَوْ إطَالَةِ الْإِقَامَةِ وَذَلِكَ خَاصٌّ، فَيَبْقَى الْمَنْعُ السَّابِقُ عَلَى مَا كَانَ وَيَخْتَصُّ النَّسْخُ بِالْآفَاقِيِّ، وَلِلنَّظَرِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجَالٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنْ كِتَابَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْوَجْهَ مَنْعُ الْعُمْرَةِ لِلْمَكِّيِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ سَوَاءٌ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ خَاصٌّ لَمْ يَثْبُتْ، إذْ الْمَنْقُولُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ كَلَامِ الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي الْآيَةِ.
وَحَاصِلُهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ إلَخْ تَخْصِيصُ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ مُقَارِنٌ. وَاتَّفَقُوا فِي تَعْلِيلِهِ بِأَنَّ تَجْوِيزَهُ لِلْآفَاقِيِّ لِدَفْعِ الْحَرَجِ كَمَا عُرِفَ وَمَنَعَهُ مِنْ الْمَكِّيِّ لِعَدَمِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ الْحَرَجِ فِي عَدَمِ الْجَمْعِ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِمَنْعِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْرَجْ بِعَدَمِ الْجَمْعِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ عَدَمُهُ، بَلْ إنَّمَا يَصْلُحُ عَدَمُ الْحَرَجِ فِي عَدَمِ الْجَمْعِ أَنْ يَجُوزَ لَهُ كُلٌّ مِنْ عَدَمِ الْجَمْعِ وَالْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يُحْرَجْ فِي عَدَمِ الْجَمْعِ لَا يُحْرَجْ فِي الْجَمْعِ، فَحِينَ وَجَبَ عَدَمُ الْجَمْعِ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِأَمْرٍ زَائِدٍ، وَلَيْسَ هُنَا سِوَى كَوْنِهِ فِي الْجَمْعِ مَوْقِعًا الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْعَ نَفْسِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِلْمَكِّيِّ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَبْدَيْنَاهُ فِي قَوْلِهِ وَلَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ إلَخْ، وَهُوَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّمَتُّعِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَكُونُ مَنْعُهُ مِنْ التَّمَتُّعِ إلَّا لِلْعُمْرَةِ، فَكَانَ حَاصِلُ مَنْعِ صُورَةِ التَّمَتُّعِ إمَّا لِمَنْعِ الْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ، وَالْحَجُّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فَتَعَيَّنَتْ الْعُمْرَةُ غَيْرَ أَنِّي رَجَّحْتُ أَنَّهَا تَتَحَقَّقُ، وَيَكُونُ مُسْتَأْنِسًا بِقَوْلِ صَاحِبِ التُّحْفَةِ لَكِنَّ الْأَوْجُهَ خِلَافُهُ لِتَصْرِيحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي الْآفَاقِيِّ الَّذِي يَعْتَمِرُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ بِقَوْلِهِمْ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَتَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ مُطْلَقًا أَنْ لَا يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَهُمَا إلْمَامًا صَحِيحًا، وَلَا وُجُودَ لِلْمَشْرُوطِ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُودِ الْفَاسِدِ مَعَ الْإِثْمِ وَلَمْ يَقُولُوا بِوُجُودِ الْبَاطِلِ شَرْعًا مَعَ ارْتِكَابِ النَّهْي كَبَيْعِ الْحُرِّ لَيْسَ بِبَيْعٍ شَرْعِيٍّ. وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَإِنَّمَا لَمْ نَسْلُكُ فِي مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَسْلَكَ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى
(3/12)

وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] ؛ وَلِأَنَّ شَرْعَهُمَا لِلتَّرَفُّهِ بِإِسْقَاطِ إحْدَى السَّفْرَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمْرٍ لَمْ يَلْزَمْ ثُبُوتُهُ عَلَى الْخَصْمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَوْجُهِ أَنَّ الْمُرَادَ لِلْحَجِّ أَشْهُرٌ وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا مِمَّا لِلْخَصْمِ مَنْعُهُ، وَيَقُولُ: بَلْ جَازَ كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّ الْحَجَّ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ فَيُفِيدُ أَنَّهُ يُفْعَلُ فِيهَا لَا فِي غَيْرِهَا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِيهَا غَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ) مَدَارُ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ تَرْكِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَامٌّ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ شَرْعِيَّةُ الْحَجِّ فِي حَقِّ الْكُلِّ فَجَازَ التَّمَتُّعُ لِلْكُلِّ وقَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] لَا يَنْفِيهِ، إذْ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ إلَى الْهَدْيِ لَا التَّمَتُّعِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ جَوَازُ الْمُتْعَةِ لَهُمْ وَسُقُوطُ الْهَدْيِ عَنْهُمْ. قُلْنَا: بَلْ مَرْجِعُ الْإِشَارَةِ التَّمَتُّعُ لِوَصْلِهَا بِاللَّامِ، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ، وَالتَّمَتُّعُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ عَلَيْنَا، فَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَجِيءَ مَكَانَ اللَّامِ بِعَلَى فَقِيلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَإِنْ قِيلَ: شَرْعُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَامٌّ. قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَدَدْنَاهُ.
وَعَلَى تَقْدِيرِهِ أَيْضًا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّا نُجِيزُ لِلْمَكِّيِّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فِي النَّصِّ فَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَمَحَلُّ النِّزَاعِ. ثُمَّ إنْ عَلَّلْنَا دَلِيلَ التَّخْصِيصِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] بِكَوْنِهِ مُلِمًّا بِأَهْلِهِ بَيْنَ أَدَائِهِمَا فَلَمْ يُكْمِلْ
(3/13)

وَهَذَا فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ، وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مُتْعَةٌ وَلَا قِرَانٌ، بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَقَرَنَ حَيْثُ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مِيقَاتِيَّتَانِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْآفَاقِيِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي حَقِّ أَهْلِ مَكَّةَ بِشَرْعِهِمَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ فَتَقَاصَرَ عَنْ إيجَابِ الشُّكْرِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآفَاقِيِّ فَعَدَّيْنَاهُ إلَى كُلِّ مَنْ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ حَتَّى إذَا اعْتَمَرَ الْآفَاقِيُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَأَقَامَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَصَارَ شَرْطُ التَّمَتُّعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا أَنْ لَا يُلِمَّ بِأَهْلِهِ بِهَذَا الْمَأْخَذِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعَوْدِ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْآفَاقِيِّ بِأَنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ أَوْ لَا فَجَعَلَ الْإِلْمَامَ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْعَوْدِ شَرْعًا كَعَدَمِهِ وَسَيَأْتِي.
وَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَمُقْتَضَاهُ مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِإِطْلَاقِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَأَلْفَاظِ الصَّحَابَةِ يَعُمُّ الْقِرَانَ؛ لِأَنَّهُ تَمَتُّعٌ لِلِارْتِفَاقِ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ اشْتَرَطَ عَدَمَ الْإِلْمَامِ لِلْقِرَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَيْضًا، فَيُقْتَضَى فِي الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ عَادَ فَأَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ فَعَلَهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقِرَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُسْتَعْقِبُ لِلْحُكْمِ الْمَعْلُومِ مِنْ إيجَابِ الدَّمِ شُكْرًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرُوهُ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ إلَخْ. قَالُوا: خُصَّ الْمَكِّيُّ بِالْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَمَتُّعَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ مُلِمَّ بِأَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَلَوْ سَاقَ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَا أَعْلَمْتُك، بَلْ وَيَقْتَضِي أَيْضًا بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وُجُوبَ الدَّمِ جَبْرًا عَلَى الْآفَاقِيِّ إذَا عَادَ وَأَلَمَّ ثُمَّ رَجَعَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ إذَا كَانُوا أَوْجَبُوهُ عَلَى الْمَكِّيِّ إذَا تَمَتَّعَ؛ لِارْتِكَابِهِ النَّهْيَ، وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ مَنَاطَ نَهْيِهِ وُجُودُ الْإِلْمَامِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْآفَاقِيِّ الْمُلِمِّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مِيقَاتِيَّتَانِ فَكَانَ كَالْآفَاقِيِّ) . قَالُوا: يُشِيرُ إلَى أَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّمَتُّعِ مِنْهُ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ لِإِخْلَالِهِ بِمِيقَاتِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ الْحَرَمِ أَخَلَّ بِمِيقَاتِ الْعُمْرَةِ، أَوْ مِنْ الْحِلِّ فَبِمِيقَاتِ الْحَجِّ لِلْمَكِّيِّ فَيُكْرَهُ وَيَلْزَمُهُ الرَّفْضُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ صِحَّةِ النُّسُكِ الْمُعَيَّنِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ آفَاقِيًّا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِمَا وَفَعَلَهُمَا أَنَّهُ يَكُونُ قَارِنًا، وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ مَعَ دَمِ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ بَلْ أَوْلَى إذَا تَأَمَّلْت. عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَوْ كَانَ هَذَا لَصَحَّ قِرَانُ كُلِّ مَكِّيِّ بِطَرِيقِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ كَالتَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَخْطُو خُطْوَةً فَيَدْخُلُ أَرْضَ الْحَرَمِ فَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ، لَكِنَّ الْمَنْعَ عَامٌّ، وَسَبَبُهُ لَيْسَ إلَّا الْآيَةَ، وَالْقِرَانُ مِنْ التَّمَتُّعِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ: وَالْقِرَانُ مِنْهُ: أَيْ مِنْ التَّمَتُّعِ. هَذَا ثُمَّ قَيَّدَ الْمَحْبُوبِيُّ قِرَانَ الْمَكِّيِّ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى الْكُوفَةِ مِثْلًا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
أَمَّا إذَا خَرَجَ بَعْدَ دُخُولِهَا فَلَا قِرَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ وَهُوَ دَاخِلُ الْمَوَاقِيتِ فَقَدْ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الْقِرَانِ شَرْعًا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا، بَلْ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْآفَاقِ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلَى مَكَان صَارَ مُلْحِقًا بِأَهْلِهِ، كَالْآفَاقِيِّ إذَا قَصَدَ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ حَتَّى جَازَ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ
(3/14)

(وَإِذَا عَادَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ إلْمَامًا صَحِيحًا وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ التَّمَتُّعُ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَإِلْمَامُهُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا وَلَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُمَا بِسَفْرَتَيْنِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مَا دَامَ عَلَى نِيَّةِ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّ السَّوْقَ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ فَلَمْ يَصِحَّ إلْمَامُهُ، بِخِلَافِ الْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ إلَى الْكُوفَةِ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْهَدْيَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ هُنَاكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فَصَحَّ إلْمَامُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَصْلُ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ الْإِجْمَاعُ، عَلَى أَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا قَدِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى مَكَّةَ كَانَ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بِمَكَّةَ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفُ حِينَئِذٍ هُوَ الْوَجْهُ. هَذَا وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقِرَانُ الْجَائِزُ مَا لَمْ يَنْقَضِ وَطَنُهُ بِمَكَّةَ لِلُّزُومِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْإِلْمَامِ فِيهِ كَالْمُتَمَتِّعِ، فَإِنْ قَرَنَ لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا لَوْ قَرَنَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ مِنْ مَاصَدَقَاتِ التَّمَتُّعِ بِالنَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ وَيَلْزَمُ فِيهِ وُجُودُ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَوُجُوبُ الشُّكْرِ بِالدَّمِ مَا كَانَ إلَّا لِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِيهَا ثُمَّ الْحَجِّ فِيهَا، وَهَذَا فِي الْقِرَانِ كَمَا هُوَ فِي التَّمَتُّعِ.
وَمَا عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ قَارِنٌ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ مُرَادٌ بِهِ الْقَارِنُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ قَرَنَ: أَيْ جَمَعَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَفَى لَازِمَ الْقِرَانِ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَهُوَ لُزُومُ الدَّمِ وَنَفْيُ اللَّازِمُ الشَّرْعِيِّ نَفْيُ الْمَلْزُومِ الشَّرْعِيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّسُكَ الْمُسْتَعْقِبَ لِلدَّمِ شُكْرًا هُوَ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ فِعْلُ الْمَشْرُوعِ الْمُرْتَفَقِ بِهِ النَّاسِخِ لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَمْعِ فِي الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَكْثَرِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقِرَانِ وَإِلَّا فَهُوَ التَّمَتُّعُ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَكِلَاهُمَا التَّمَتُّعُ بِالْإِطْلَاقِ الْقُرْآنِيِّ وَعُرْفِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إطْلَاقُ اللُّغَةِ لِحُصُولِ الرِّفْقِ بِهَذَا النَّسْخِ. هَذَا كُلُّهُ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا مَا أَعْتَقِدُهُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَسَأَذْكُرُهُ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا عَادَ) الْحَاصِلُ أَنَّ عَوْدَ الْآفَاقِيِّ الْفَاعِلِ لِلْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ رُجُوعِهِ وَحَجِّهِ مِنْ عَامِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ بَطَلَ تَمَتُّعُهُ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَإِنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَبْطُلُ إلْحَاقًا لِعَوْدِهِ بِالْعَدَمِ بِسَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ شَرْعًا إذَا كَانَ عَلَى عَزْمِ الْمُتْعَةِ. وَالتَّقْيِيدُ بِعَزْمِ الْمُتْعَةِ لِنَفْيِ اسْتِحْقَاقِ الْعَوْدِ شَرْعًا عِنْدَ عَدَمِهِ فَإِنَّهُ لَوْ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْعُمْرَةِ أَنْ لَا يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ بَعْدُ، وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ يَقَعُ تَطَوُّعًا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِ التَّابِعِينَ، وَقَوْلُ مَنْ نَعْلَمُهُ قَالَهُ مِنْهُمْ مُطْلَقٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَيْضًا أَخَذُوهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] إذْ لَا سُنَّةَ ثَابِتَةَ فِي ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ.
رَوَى الطَّحَاوِيُّ
(3/15)

بِأَهْلِهِ.

(وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَطَافَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ ثُمَّ دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَتَمَّمَهَا وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَنَا شَرْطٌ فَيَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ فِيهَا، وَقَدْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ

(وَإِنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْأَكْثَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَفْسُدُ نُسُكُهُ بِالْجِمَاعِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَحَلَّلَ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْتَبِرُ الْإِتْمَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ بَطَل تَمَتُّعُهُ، وَكَذَا ذَكَرَ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ [أَحْكَامُ الْقُرْآنِ] . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ لَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَلَا قِرَانَ، وَأَنَّ رُجُوعَ الْآفَاقِيِّ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ عَوْدَهُ وَحَجَّهُ مِنْ عَامِهِ لَا يُبْطِلَ تَمَتُّعَهُ مُطْلَقًا. وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ جَوَازَ التَّمَتُّعِ بِعَدَمِ الْإِلْمَامِ بِالْأَهْلِ الْقَاطِنِينَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَيْ مَكَّةَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِأَهْلِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] فَأَفَادَ مَانِعِيَّةَ الْإِلْمَامِ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ وَعَلِيَّتَهُ لِعَدَمِ الْجَوَازِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي مَكَّةَ، فَتَعَدِّيَةُ الْمَنْعِ بِتَعَدِّيَةِ الْإِلْمَامِ إلَى مَا بِغَيْرِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْأَهْلِ تُبْتَنَى عَلَى إلْغَاءِ قَيْدِ الْكَوْنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاعْتِبَارِ الْمُؤَثِّرِ مُطْلَقُ الْإِلْمَامِ، وَصِحَّتُهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى عَقْلِيَّةِ عَدَمِ دُخُولِ الْقَيْدِ فِي التَّأْثِيرِ، وَكَوْنِهِ طَرْدِيًّا، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ حُصُولَ الرِّفْقِ التَّامِّ بِشَرْعِيَّةِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الْمُنْتَهِضِ مُؤَثِّرًا فِي إيجَابِ الشُّكْرِ إذَا حَجَّ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ الَّتِي اعْتَمَرَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ لِلْآفَاقِيِّ لَا لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْقَاطِنِينَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ نَحْوُ مَا يَلْحَقُ الْآفَاقِيَّ بِمَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ فَكَانَ فَائِدَةُ شَرْعِيَّةِ الْعُمْرَةِ فِيهَا فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ هُوَ الظَّاهِرَ فَنَاسَبَ أَنْ يُخَصَّ هُوَ بِشَرْعِيَّةِ الْمُتَمَتِّعِ فَكَانَ قَيْدُ حُضُورِ الْأَهْلِ فِي الْحَرَمِ ظَاهِرَ الِاعْتِبَارِ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّمَتُّعِ فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ

(قَوْلُهُ: وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ الْإِتْمَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) أَيْ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ. فَالْمَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ: مَذْهَبُنَا: يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا إذَا أَدَّى أَكْثَرَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَهَا. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: إذَا أَتَمَّهَا فِيهَا وَإِنْ فَعَلَ الْأَكْثَرَ خَارِجَهَا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ. وَعِنْدَنَا هُوَ
(3/16)

وَلِأَنَّ التَّرَفُّقَ بِأَدَاءِ الْأَفْعَالِ، وَالْمُتَمَتِّعُ مُتَرَفِّقٌ بِأَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

قَالَ (: وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) كَذَا رُوِيَ عَنْ الْعَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ بِمُضِيِّ عَشْرِ ذِي الْحَجَّةِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ لَا يَتَحَقَّقُ الْفَوَاتُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَرْطٌ فَلَا يَكُونُ مِنْ مُسَمَّى الْعُمْرَةِ. هَذَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقِرَانِ أَيْضًا أَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَكَأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي ذَلِكَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ قَارِنٌ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ، وَأَنَّ الْحَقَّ اشْتِرَاطُ فِعْلِ أَكْثَرِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمَا قَدَّمْنَاهُ.

(قَوْلُهُ: كَذَا رُوِيَ عَنْ الْعَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) الْعَبَادِلَةُ فِي عُرْفِ أَصْحَابِنَا
(3/17)

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لَا كُلُّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَفِي عُرْفِ غَيْرِهِمْ أَرْبَعَةٌ أَخْرَجُوا ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَدْخَلُوا ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. وَغَلَّطُوا صَاحِبَ الصِّحَاحِ إذْ أَدْخَلَ ابْنَ مَسْعُودِ وَأَخْرَجَ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قِيلَ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ وَهَؤُلَاءِ عَاشُوا حَتَّى اُحْتِيجَ إلَى عِلْمِهِمْ. وَلَا يُخْفَى أَنَّ سَبَبَ غَلَبَةِ لَفْظِ الْعَبَادِلَةِ فِي بَعْضِ مِنْ سُمِّيَ بِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ نَحْوُ مِائَتَيْ رَجُلٍ لَيْسَ إلَّا لِمَا يُؤْثَرُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَعْلَمَهُمْ، وَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ إذَا أُطْلِقَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ انْصَرَفَ إلَيْهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ مِنْ مُسَمَّى لَفْظِ الْعَبَادِلَةِ أَوْلَى مِنْ الْبَاقِينَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا غَلَبَةَ فِي اعْتِبَارِهِ جُزْءِ الْمُسَمَّى فَلَا مُشَاحَّةَ فِي وَضْعِ الْأَلْفَاظِ. ثُمَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا.
وَحَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ قَالَ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، إنَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ لَيْسَتْ أَشْهُرُ الْعُمْرَةِ إنَّمَا هِيَ لِلْحَجِّ وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْحَجِّ قَدْ انْقَضَى بِانْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَخْرَجَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْهَا فَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَبْعَدَ بِاسْتِبْعَادٍ أَنْ يُوضَعَ لِأَدَاءِ رُكْنِ عِبَادَةٍ وَقْتٌ لَيْسَ وَقْتَهَا وَلَا هُوَ مِنْهُ.
وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ قَدِمَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ فَطَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ فَإِنَّهُ لَا سَعْيَ عَلَيْهِ عَقِيبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِوُقُوعِ ذَلِكَ السَّعْيِ مُعْتَدًّا بِهِ، وَأَيْضًا لَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ وَأَيْضًا لَوْ أَحْرَمَ بِعَمْرَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَتَى بِأَفْعَالِهَا ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ بِالْحَجِّ وَبَقِيَ
(3/18)

(فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَلَيْهَا جَازَ إحْرَامُهُ وَانْعَقَدَ حَجًّا) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّ عِنْدَهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا فَأَشْبَهُ الطَّهَارَةَ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ تَحْرِيمُ أَشْيَاءَ وَإِيجَابُ أَشْيَاءَ، وَذَلِكَ يَصِحُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَصَارَ كَالتَّقْدِيمِ عَلَى الْمَكَانِ.

قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الْكُوفِيُّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَفَرَغَ مِنْهَا وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ ثُمَّ اتَّخَذَ مَكَّةَ أَوْ الْبَصْرَةَ دَارًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ تَرَفَّقَ بِنُسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ. وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَعِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُحْرِمًا إلَى قَابِلٍ فَحَجَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُوجِبُ أَنْ يُوضَعَ مَكَانَ قَوْلِهِمْ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي تَصْوِيرِ الْمُتَمَتِّعِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَلَيْهَا جَازَ) لَكِنَّهُ يُكْرَه، فَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّرْطَ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْأَفْعَالِ وَالرُّكْنِ، وَلِذَا إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ عَنْ الْفَرْضِ، فَالْجَوَازُ لِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ، وَالْكَرَاهَةُ لِلثَّانِي. وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ وَالْكَرَاهَةُ لِلطُّولِ الْمُفْضِي إلَى الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِهِ.

(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ مَا إذَا اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا حَتَّى صَارَ مُتَمَتِّعًا بِالِاتِّفَاقِ (وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ مَا إذَا اتَّخَذَ الْبَصْرَةَ دَارًا (فَقِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ) كَالْأَوَّلِ، قَالَهُ الْجَصَّاصُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ (وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ)
(3/19)

مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ تَكُونُ عُمْرَتُهُ مِيقَاتِيَّةً وَحَجَّتُهُ مَكِّيَّةً وَنُسُكَاهُ هَذَانِ مِيقَاتِيَّانِ. وَلَهُ أَنَّ السَّفْرَةَ الْأُولَى قَائِمَةٌ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى وَطَنِهِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ نُسُكَانِ فِيهَا فَوَجَبَ دَمُ التَّمَتُّعِ (فَإِنْ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ فَأَفْسَدَهَا وَفَرَغَ مِنْهَا وَقَصَّرَ ثُمَّ اتَّخَذَ الْبَصْرَةَ دَارًا ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: هُوَ مُتَمَتِّعٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ سَفَرٍ وَقَدْ تَرَفَّقَ فِيهِ بِنُسُكَيْنِ.
وَلَهُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى سَفَرِهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى وَطَنِهِ (فَإِنْ كَانَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْشَاءُ سَفَرٍ لِانْتِهَاءِ السَّفَرِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهُ نُسُكَانِ صَحِيحَانِ فِيهِ، وَلَوْ بَقِيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهٍ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ مَكِّيَّةٌ وَالسَّفَرُ الْأَوَّلُ انْتَهَى بِالْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ وَلَا تَمَتُّعَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.

(وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَأَيُّهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ وَهِيَ مَا إذَا أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ تَرَجَّحَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِيهَا عَلَى أَنَّ سَفَرَهُ الْأَوَّلَ انْتَقَضَ بِقَصْدِ الْبَصْرَةِ وَالنُّزُولِ بِهَا وَنَحْوِهَا كَالطَّائِفِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجُ الْمَوَاقِيتِ أَوْ لَا، فَعِنْدَهُمَا نَعَمْ، فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّقُ بِالنُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ ثُمَّ اتَّخَذَ الْبَصْرَةَ دَارًا ثُمَّ قَدِمَ بِعُمْرَةِ قَضَاءٍ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّفَرُ انْتَهَى بِالْفَاسِدَةِ، وَهَذَا سَفَرٌ آخَرُ حَصَلَ فِيهِ نُسُكَيْنِ صَحِيحَيْنِ.
وَعِنْدَهُ لَا فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي الْأُولَى لِحُصُولِهِمَا صَحِيحَيْنِ فِي سَفْرَةِ وَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُمَا صَحِيحَيْنِ فِي السَّفْرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَتَقْيِيدُهُمْ بِكَوْنِهِ اتَّخَذَ
(3/20)

أَفْسَدَ مَضَى فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْرَامِ إلَّا بِالْأَفْعَالِ (وَسَقَطَ دَمُ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّقْ بِأَدَاءِ نُسُكَيْنِ صَحِيحَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ

(وَإِذَا تَمَتَّعَتْ الْمَرْأَةُ فَضَحَّتْ بِشَاةٍ لَمْ يُجِزْهَا عَنْ الْمُتْعَةِ) ؛ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الرَّجُلِ.

(وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ اغْتَسَلَتْ وَأَحْرَمَتْ وَصَنَعَتْ كَمَا يَصْنَعُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبَصْرَةَ وَنَحْوَهَا دَارًا اتِّفَاقِيٌّ، بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارًا أَوْ لَا، صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ: فَأَمَّا إذَا عَادَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَحِقَ بِمَوْضِعٍ لِأَهْلِهِ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ كَالْبَصْرَةِ مَثَلًا وَاِتَّخَذَ هُنَاكَ دَارًا أَوْ لَمْ يَتَّخِذْ تَوَطَّنَ بِهَا أَوْ لَمْ يَتَوَطَّنْ إلَخْ، وَإِذَا رَجَعْت إلَى مَا سَمِعْت مِنْ قَرِيبٍ مِنْ أَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى مَكَان كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهِ إذَا كَانَ قَصْدُهُ إلَيْهِ زَالَ الرَّيْبُ.
[فُرُوعٌ] لَوْ عَادَ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَمَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْحَرَمَ شَرْطَ جَوَازِ الْحَلْقِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. وَذَكَرَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَالَ: وَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بَعْدَمَا طَافَ أَكْثَرَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ كُلِّهِ وَلَمْ يَحِلَّ وَأَلَمَّ بِأَهْلِهِ مُحْرِمًا ثُمَّ عَادَ وَأَتَمَّ عُمْرَتَهُ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. لَهُ أَنَّهُ أَدَّى الْعُمْرَةَ بِسَفْرَتَيْنِ وَأَكْثَرُهَا حَصَلَ فِي السَّفَر الْأَوَّلِ وَهَذَا يَمْنَعُ التَّمَتُّعَ. وَلَهُمَا أَنَّ إلْمَامَهُ لَمْ يَصِحَّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْعَوْدُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ لَا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ. وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَمَّهَا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا.
وَلَوْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ وَمَضَى فِيهَا حَتَّى أَتَمَّهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ عَادَ وَقَضَاهَا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِأَهْلِهِ صَارَ مِنْ أَهْلِ التَّمَتُّعِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ. وَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْفَاسِدَةِ لَمْ يَخْرُجْ أَوْ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ حَتَّى قَضَى عُمْرَتَهُ وَحَجَّ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، حَتَّى لَوْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُسِيئًا وَعَلَيْهِ لِإِسَاءَتِهِ دَمٌ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَ إتْمَامِ الْفَاسِدَةِ إلَى خَارِجِ الْمَوَاقِيتِ كَالطَّائِفِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لِأَهْلِهِ الْمُتْعَةُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ الْفَاسِدَةِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ. عِنْدَهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ
(3/21)

لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ حَاضَتْ بِسَرِفٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّهُ عَلَى سَفَرِهِ الْأَوَّلِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَحِينَ فَرَغَ مِنْ الْفَاسِدَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَلَمَّا خَرَجَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا فَقَضَاهَا صَارَ مُلِمًّا بِأَهْلِهِ كَمَا فَرَغَ فَيَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ، كَالْمَكِّيِّ إذَا خَرَجَ ثُمَّ عَادَ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامٍ.
وَعِنْدَهُمَا مُتَمَتِّعٌ لِانْتِهَاءِ سَفَرِهِ الْأَوَّلِ. فَهُوَ حِينَ عَادَ آفَاقِيٌّ فَعَلَهُمَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، هَذَا إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَفْسَدَهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَفْسَدَهَا وَأَتَمَّهَا عَلَى الْفَسَادِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمِيقَاتِ حَتَّى دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَقَضَى عُمْرَتَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ اتِّفَاقًا وَهُوَ كَمَكِّيِّ تَمَتَّعَ فَيَكُونُ مُسِيئًا وَعَلَيْهِ دَمٌ. فَلَوْ عَادَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ لِأَهْلِهِ الْمُتْعَةُ ثُمَّ عَادَ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ عَادَ فَقَضَاهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ. فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: فِي وَجْهٍ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَهُوَ مَا إذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ خَارِجَ الْمَوَاقِيتِ. وَفِي وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَهُوَ مَا إذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوْلِ أَدْرَكَهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّمَتُّعِ، وَفِي الثَّانِي أَدْرَكَتْهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ الْمَنْعُ حَتَّى يَلْحَقَ بِأَهْلِهِ.
وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُتَمَتِّعٌ فِي الْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى انْقِضَاءِ السَّفْرَةِ الْأُولَى بِلُحُوقِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَحِقَ بِأَهْلِهِ. هَذَا وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى الْمِيقَاتِ مِنْ غَيْرِ مُجَاوَزَةٍ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَوَاقِيتِ فِي حُكْمِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ، وَيَحِلُّ لَهُمْ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إذَا لَمْ يُرِيدُوا النُّسُكَ إلَّا مَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَوْدِ إلَى الْأَهْلِ.
قَالَ: لَوْ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَلَّ ثُمَّ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ أَوْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ نَفْسِهِ ثُمَّ عَادَ وَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى مِيقَاتِ نَفْسِهِ مُلْحَقٌ بِالْأَهْلِ مِنْ وَجْهٍ. وَلَوْ خَرَجَ إلَى غَيْرِ مِيقَاتِ نَفْسِهِ وَلَحِقَ بِمَوْضِعٍ لِأَهْلِهِ الْمُتْعَةُ اتَّخَذَ دَارًا أَوْ لَا تَوَطَّنَ أَوْ لَا، ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ هُنَاكَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْإِلْحَاقِ بِالْأَهْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا اهـ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ

(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ فَدَخَلَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكَى فَقَالَ: مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ. فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . وَأَخْرَجَا عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ عَائِشَةُ، حَتَّى إذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ وَتَطَيَّبْنَا وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ، قَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إذَا
(3/22)

وَلِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْوُقُوفَ فِي الْمَفَازَةِ، وَهَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُفِيدًا.

(فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ انْصَرَفَتْ مِنْ مَكَّةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِطَوَافِ الصَّدْرِ) «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ الْحُيَّضِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ» .

(وَمَنْ اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الصَّدْرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَنْ يُصْدَرُ إلَّا إذَا اتَّخَذَهَا دَارًا بَعْدَمَا حَلَّ النَّفَرُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَيَرْوِيهِ الْبَعْضُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ وَقْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ» اهـ.
وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَكْتَفِي لَهُمَا بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَمَعْنَى حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِك وَعُمْرَتِك لَا يَسْتَلْزِمُ الْخُرُوجَ مِنْهُمَا بَعْدَ قَضَاءِ فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ يَجُوزُ ثُبُوتُ الْخُرُوجِ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إتْمَامِهَا، وَيَكُونُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ «يَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ» وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَطُفْ لِلْحَيْضِ حَتَّى وَقَفَتْ بِعَرَفَةَ صَارَتْ رَافِضَةً لِلْعُمْرَةِ، وَسُكُوتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ سَأَلَتْهُ إنَّمَا يَقْتَضِي تَرَاخِيَ الْقَضَاءِ لَا عَدَمَ لُزُومِهِ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ) يَعْنِي وَلَا يَحِلُّ لِلْحَائِضِ دُخُولُهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ مِنْ وَجْهَيْنِ: دُخُولُهَا الْمَسْجِدَ وَتَرْكُ وَاجِبِ الطَّوَافِ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَطُوفَ حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِنْ طَافَتْ كَانَتْ عَاصِيَةً مُسْتَحِقَّةً لِعِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَزِمَهَا الْإِعَادَةُ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْهُ كَانَ عَلَيْهَا بَدَنَةٌ، وَتَمَّ حَجُّهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ
(3/23)

[بَابُ الْجِنَايَاتِ]
ِ (وَإِذَا تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
(بَابُ الْجِنَايَاتِ) بَعْدَ ذِكْرِ أَقْسَامِ الْمُحْرِمِينَ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ عَوَارِضَ لَهُمْ وَلِلْحَرَمِ، الْجِنَايَةُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا خَاصٌّ مِنْهُ وَهُوَ مَا تَكُونُ حُرْمَتُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا تَطَيَّبَ) يُفِيدُ مَفْهُومُ شَرْطِهِ أَنَّهُ إذَا شَمَّ الطِّيبَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ تَطَيُّبًا، بَلْ التَّطَيُّبُ تَكَلُّفُ جَعْلِ نَفْسِهِ طَيِّبًا، وَهُوَ أَنْ يُلْصِقَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ طِيبًا وَهُوَ جِسْمٌ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَالزَّعْفَرَانُ وَالْبَنَفْسَجُ وَالْيَاسَمِينُ وَالْغَالِيَةُ وَالرَّيْحَانُ وَالْوَرْدُ وَالْوَرْسُ وَالْعُصْفُرُ طِيبٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْقُسْطُ طِيبٌ. وَفِي الْخِطْمِيِّ اخْتِلَافُهُمْ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ بَدَنِهِ وَإِزَارِهِ وَفِرَاشِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَوَسَّدَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِالزَّعْفَرَانِ وَلَا يَنَامُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ بِشَمِّ الطِّيبِ وَالرَّيَاحِينِ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَا شَمُّ الثِّمَارِ الطَّيِّبَةِ كَالتُّفَّاحِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، كَرِهَهُ عُمَرُ وَجَابِرٌ، وَأَجَازَهُ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشُدَّ مِسْكًا فِي طَرَفِ إزَارِهِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْلِسَ فِي حَانُوتِ عَطَّارٍ. وَلَوْ دَخَلَ بَيْتًا قَدْ أُجْمِرَ فِيهِ فَعَلِقَ بِثَوْبِهِ رَائِحَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجْمَرَهُ هُوَ. قَالُوا إنْ أَجْمَرَ ثَوْبُهُ: يَعْنِي بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ، وَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ الْعُرْفَ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَمَا يَقَعُ عِنْدَ الْمُبْتَلَى. وَمَا فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ فَمَكَثَ عَلَيْهِ يَوْمًا يُطْعِمُ نِصْفَ صَاعٍ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَقَبْضَةٌ، يُفِيدُ التَّنْصِيصَ عَلَى أَنَّ الشِّبْرَ فِي الشِّبْرِ دَاخِلٌ فِي الْقَلِيلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ بِالزَّمَانِ.
وَلَا بَأْسَ بِشَمِّ الطِّيبِ الَّذِي تَطَيَّبَ بِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَبَقَائِهِ عَلَيْهِ. وَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان مِنْ بَدَنِهِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَطَيَّبَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَكَفَّرَ ثُمَّ بَقِيَ عَلَيْهِ الطِّيبُ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ بِالْبَقَاءِ جَزَاءٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مَحْظُورًا فَكَانَ كُلُّهُ مَحْظُورًا فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَالرِّوَايَةُ تُوَافِقُهُ. فِي الْمُنْتَقَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا مَسَّ طِيبًا كَثِيرًا فَأَرَاقَ لَهُ دَمًا ثُمَّ تَرَكَ الطِّيبَ عَلَى حَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ
(3/24)

فَإِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا فَمَا زَادَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَلُ بِتَكَامُلِ الِارْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمُوجِبِ (وَإِنْ طَيَّبَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) ؛ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ. وَفِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إذَا طَيَّبَ رُبُعَ الْعُضْوِ فَعَلَيْهِ دَمٌ اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ وَاجِبُ الدَّمِ يَتَأَدَّى بِالشَّاةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ نَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الْهَدْيِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكُلُّ صَدَقَةٍ فِي الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
دَمٌ آخَرُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَتَرَكَ الطِّيبَ.
(قَوْلُهُ: فَمَا زَادَ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بَيْنَ أَنْ يُطَيِّبَ عُضْوًا. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ كَالْيَدِ وَالسَّاقِ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي الْفَتَاوَى: كَالرَّأْسِ وَالسَّاقِ وَالْفَخِذِ أَوْ أَزِيدَ إلَى أَنْ يَعُمَّ كُلَّ الْبَدَنِ، وَيَجْمَعُ الْمُفَرَّقَ فَإِنْ بَلَغَ عُضْوًا فَدَمٌ، وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ. فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامَيْنِ. ثُمَّ إنَّمَا تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَطَيُّبِ كُلِّ الْبَدَنِ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَلِكُلِّ طِيبٍ كَفَّارَةٌ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ. وَإِنْ دَاوَى قُرْحَةً بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ ثُمَّ خَرَجَتْ قُرْحَةٌ أُخْرَى فَدَاوَاهَا مَعَ الْأُولَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ تَبْرَأْ الْأُولَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَصْدِهِ وَعَدَمِهِ. فِي الْمَبْسُوطِ: اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَأَصَابَ يَدَهُ أَوْ فَمَهُ خَلُوقٌ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ زَمَانًا أَوْ لَا؟ فِي الْمُنْتَقَى: إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ طِيبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لُبْسِ الْقَمِيصِ لَا يَجِبُ الدَّمُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ الْيَوْمِ قَالَ: لِأَنَّ الطِّيبَ يَعْلَقُ بِهِ، فَقُلْت: وَإِنْ اغْتَسَلَ مِنْ سَاعَتِهِ؟ قَالَ: وَإِنْ اغْتَسَلَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَفِيهِ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: خَلُوقُ الْبَيْتِ وَالْقَبْرِ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمُحْرِمِ فَحَكَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَإِنْ أَصَابَ جَسَدَهُ مِنْهُ كَثِيرٌ فَعَلَيْهِ الدَّمُ. اهـ. وَهَذَا يُوجِبُ التَّرَدُّدَ. وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ جَمَعَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ: إنْ مَسَّ طِيبًا فَإِنْ لَزِقَ بِهِ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَلْزَقْ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَزِقَ بِهِ كَثِيرًا فَاحِشًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَفِي الْفَتَاوَى: لَا يَمَسُّ طِيبًا بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْصِدُ بِهِ التَّطَيُّبَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي الطِّيبِ وَالْقِلَّةِ فِي الدَّمِ وَالصَّدَقَةِ. قَالَ فِي بَابٍ: إنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَصَدَقَةٌ، كَمَا صَرَّحَ بِاعْتِبَارِهِمَا فِي الْعُضْوِ وَبَعْضِهِ.
وَوَفَّقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا كَكَفَّيْنِ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ وَكَفٍّ مِنْ الْغَالِيَةِ وَفِي الْمِسْكِ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاسُ فَفِيهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ قَلِيلًا وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّهُ النَّاسُ فَالْعِبْرَةُ لِتَطْيِيبِ عُضْوَيْهِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ طَيَّبَ بِهِ عُضْوًا كَامِلًا فَفِيهِ دَمٌ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الْهِنْدُوَانِيُّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ فِي نَفْسِهِ، وَالتَّوْفِيقُ هُوَ التَّوْفِيقُ. (قَوْلُهُ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَرْقَ) أَيْ بَيْنَ حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ وَتَطْيِيبِ رُبُعِ الْعُضْوِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ قَرِيبًا وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ. وَمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنْ طَيَّبَ شَارِبَهُ كُلَّهُ أَوْ بِقَدْرِهِ مِنْ لِحْيَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا فِي الْمُنْتَقَى (قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ) مَوَاضِعُ الْبَدَنَةِ أَرْبَعَةٌ: مَنْ طَافَ الطَّوَافَ الْمَفْرُوضِ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ، أَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. لَكِنَّ الْقُدُورِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى اسْتِعْلَامِ لُزُومِ الْبَدَنَةِ فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِالدَّلَالَةِ مِنْ
(3/25)

نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

قَالَ (فَإِنْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» وَإِنْ صَارَ مُلَبَّدًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِلتَّطَيُّبِ وَدَمٌ لِلتَّغْطِيَةِ. وَلَوْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسْمَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطِيبٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا خَضَّبَ رَأْسَهُ بِالْوَسْمَةِ؛ لِأَجْلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ الصُّدَاعِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ وَهَذَا صَحِيحٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّأْسِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ دَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ.

(فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الشَّعْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ارْتِفَاقًا بِمَعْنَى قَتْلِ الْهَوَامِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْجُنُبِ؛ إمَّا لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْغِلَظِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُمَا أَغْلَظُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ قُرْبَانِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ جَنَابَتِهَا (قَوْلُهُ: إلَّا مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْجَرَادَةِ) فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ) مُنَوَّنًا؛ لِأَنَّهُ فِعَالٍ لَا فَعْلَاءَ لِيَمْنَعَ صَرْفَهُ أَلْفُ التَّأْنِيثِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَكَذَا إذَا خَضَّبَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ رَائِحَةً مُسْتَلَذَّةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّةً (قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ إلَى النَّسَائِيّ وَلَفْظُهُ «نَهَى الْمُعْتَدَّةَ عَنْ التَّكَحُّلِ وَالدُّهْنِ وَالْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ، وَقَالَ: الْحِنَّاءُ طِيبٌ» وَهَذَا إذَا كَانَ مَائِعًا، فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَلَبَّدَ الرَّأْسَ فَفِيهِ دَمَانِ لِلطِّيبِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إذَا دَاوَمَ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ أَوْ رُبْعِهِ، وَكَذَا إذَا غَلَّفَ الْوَسْمَةَ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا صَحِيحٌ) أَيْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ مُوجِبَةٌ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهَا لِلْعِلَاجِ، فَلِهَذَا ذَكَرَ الْجَزَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّمَ. وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْجَوَامِعِ: إنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالتَّلْبِيدُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخِطْمِيِّ وَالْآسِ وَالصَّمْغِ فَيَجْعَلَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيَتَلَبَّدَ. وَمَا ذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ الْبَصْرَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَحَسُنَ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِلتَّغْطِيَةِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ التَّغْطِيَةِ الْكَائِنَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ التَّطَيُّبِ. وَفِي سِينِ الْوَسْمَةِ الْإِسْكَانُ وَالْكَسْرُ: وَهُوَ نَبْتٌ يُصْبَغُ بِوَرَقِهِ، فَإِنْ لَمْ يُغَلَّفْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْغُسْلِ بِالْأُشْنَانِ وَالسِّدْرِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ) خَصَّهُ مِنْ بَيْنَ الْأَدْهَانِ الَّتِي لَا رَائِحَةَ لَهَا لِيُفِيدَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ نَفْيَ الْجَزَاءِ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالشَّحْمِ وَالسَّمْنِ،
(3/26)

وَإِزَالَةِ الشَّعَثِ فَكَانَتْ جِنَايَةً قَاصِرَةً. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ، وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ وَيُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيُزِيلُ التَّفَثَ وَالشَّعَثَ فَتَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ فَتُوجِبُ الدَّمَ، وَكَوْنُهُ مَطْعُومًا لَا يُنَافِيهِ كَالزَّعْفَرَانِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الزَّيْتِ الْبَحْتِ وَالْخَلِّ الْبَحْتِ.
أَمَّا الْمُطَيِّبُ مِنْهُ كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَهَذَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، وَلَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ أَوْ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ أَصْلُ الطِّيبِ أَوْ طِيبٌ مِنْ وَجْهِ فَيُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَا بُدَّ عَلَى هَذَا مِنْ كَوْنِهِ عَمَّمَ الزَّيْتَ فِي الْخَلِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْخَلَّ كَالزَّيْتِ فِي الْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ طِيبٍ وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ إلَخْ) لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ الدَّمَ عَيْنًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا دَهَنَ كُلَّهُ أَوْ عُضْوًا لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ إلْحَاقًا بِكَسْرِ بَيْضِ الصَّيْدِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَتُهُ فَاحْتَاجَ إلَى جَعْلِهِ جُزْءَ عِلَّةٍ فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَمَنْ اكْتَفَى بِذَلِكَ كَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ فَقَصَدَ الْإِلْحَاقِ فِي لُزُومِ الدَّمِ فِي الْجَزَاءِ فِي الْجُمْلَةِ احْتِجَاجًا عَلَى الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الشَّعْرِ مِنْ بَدَنِهِ فَإِنَّهُ حَكَى خِلَافَهُ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ وَجْهَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ فِي لُزُومِ الصَّدَقَةِ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِيهِ: فَيَجِبُ بِاسْتِعْمَالِ أَصْلِ الطِّيبِ مَا يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ كَكَسْرِ بَيْضِ الصَّيْدِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَصْلَ الطِّيبِ أَنَّهُ يُلْقَى فِيهِ الْأَنْوَارُ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرُ نَفْسُهُ طِيبًا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الزَّيْتِ الْبَحْتِ) أَيْ الْخَالِصِ (وَالْخَلِّ الْبَحْتِ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الشَّيْرَجُ (أَمَّا الْمُطَيَّبُ مِنْهُ) وَهُوَ مَا أُلْقِيَ فِيهِ الْأَنْوَارُ (كَالزِّنْبَقِ) بِالنُّونِ وَهُوَ الْيَاسَمِينُ وَدُهْنُ الْبَانِ وَالْوَرْدِ (فَيَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ بِالِاتِّفَاقِ الدَّمُ) إذَا كَانَ كَثِيرًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ) أَيْ الزَّيْتَ الْخَالِصَ أَوْ الْخَلَّ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ طِيبًا كَامِلًا اُشْتُرِطَ فِي لُزُومِ الدَّمِ بِهِمَا اسْتِعْمَالَهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، فَلَوْ أَكَلَهُمَا أَوْ دَاوَى بِهِمَا شُقُوقَ رِجْلَيْهِ أَوْ أَقْطَرَ فِي أُذُنَيْهِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلِذَا جَعَلَ الْمَنْفِيَّ الْكَفَّارَةَ لِيَنْتَفِيَ الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ، بِخِلَافِ الْمِسْكِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعَنْبَرِ وَالْغَالِيَةِ وَالْكَافُورِ حَيْثُ يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي، لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ بَيْنَ الدَّمِ وَالصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَكَذَا إذَا أَكَلَ الْكَثِيرَ مِنْ الطِّيبِ وَهُوَ مَا يَلْزَقُ بِأَكْثَرِ فَمِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَهَذِهِ تَشْهَدُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُضْوِ مُطْلَقًا فِي لُزُومِ الدَّمِ، بَلْ ذَاكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَثْرَةِ فِي نَفْسِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. ثُمَّ الْأَكْلُ الْمُوجِبُ أَنْ يَأْكُلَهُ كَمَا هُوَ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي طَعَامٍ قَدْ طُبِخَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْأَفَاوِيهِ مِنْ الزَّنْجَبِيلِ وَالدَّارَصِينِيِّ يُجْعَلُ فِي الطَّعَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ السِّكْبَاجَ الْأَصْفَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ بَلْ خَلَطَهُ بِمَا يُؤْكَلُ بِلَا طَبْخٍ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ رَائِحَتُهُ مَوْجُودَةً كُرِهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَإِنَّهُ كَالْمُسْتَهْلَكِ، أَمَّا إذَا كَانَ غَالِبًا فَهُوَ كَالزَّعْفَرَانِ الْخَالِصِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْغَالِبِ عَدَمًا عَكْسُ الْأُصُولِ وَالْمَعْقُولِ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ رَائِحَتُهُ. وَلَوْ خَلَطَهُ بِمَشْرُوبٍ وَهُوَ غَالِبٌ فَفِيهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَصَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِرَارًا فَدَمٌ.
فَإِنْ كَانَ الشُّرْبُ تَدَاوِيًا تَخَيَّرَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: فِيمَا إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: إنْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
(3/27)

التَّطَيُّبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَدَاوَى بِالْمِسْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ.

(وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ يَوْمًا كَامِلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يُفِيدُ تَفْسِيرَ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا أَنَّهُ الْكَثْرَةُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي نَفْسِ الطِّيبِ الْمُخَالِطِ فَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ كَثِيرًا فِي الْكُحْلِ وَيُشْعِرُ بِالْخِلَافِ، لَكِنْ مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ: يَعْنِي الْكُحْلَ فَفِيهِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِرَارًا كَثِيرَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ، لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَ لَحَكَاهُ ظَاهِرًا كَمَا هُوَ عَادَةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يُفِيدُهُ تَنْصِيصُهُ عَلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَمَا فِي الْكَافِي الْمِرَارُ الْكَثِيرُ، هَذَا فَإِنْ كَانَ الْكُحْلُ عَنْ ضَرُورَةٍ تَخَيَّرَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَذَا إذَا تَدَاوَى بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ فَأَلْزَقَهُ بِجِرَاحَتِهِ أَوْ شَرِبَهُ شُرْبًا. وَفِي الْفَتَاوَى: لَوْ غَسَلَ بِأُشْنَانٍ فِيهِ طِيبٌ فَإِنْ كَانَ مَنْ رَآهُ سَمَّاهُ أُشْنَانًا فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ سَمَّاهُ طِيبًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ. اهـ.
وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ طِيبًا لَكِنَّهُ يَقْتُلُ الْهَوَامَّ. وَلَهُ مَنْعُ نَفْيِ الطِّيبِ مُطْلَقًا بَلْ لَهُ رَائِحَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكِيَّةً فَكَانَ كَالْحِنَّاءِ مَعَ قَتْلِهِ الْهَوَامَّ فَتَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَأُوِّلَ بِمَا إذَا غَسَلَ بِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ. وَعَنْهُ فِي أُخْرَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ لِلتَّطَيُّبِ وَالتَّغْلِيفِ، قِيلَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي خِطْمِيِّ الْعِرَاقِ وَلَهُ رَائِحَةٌ، وَقَوْلُهُمَا فِي خِطْمِيِّ الشَّامِ وَلَا رَائِحَةَ لَهُ فَلَا خِلَافَ. وَقِيلَ بَلْ الْخِلَافُ فِي الْعِرَاقِ. وَلَوْ غَسَلَ بِالصَّابُونِ أَوْ الْحُرُضِ لَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَقَالُوا: لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلَا يَقْتُلُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا إلَخْ) لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّمِ بَيْنَ مَا إذَا أَحْدَثَ اللُّبْسَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ لَابِسُهُ فَدَامَ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً عَلَيْهِ، بِخِلَافِ انْتِفَاعِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالطِّيبِ السَّابِقِ عَلَيْهِ قَبْلَهُ لِلنَّصِّ فِيهِ وَلَوْلَاهُ لَأَوْجَبْنَا فِيهِ أَيْضًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُخْتَارًا فِي اللُّبْسِ أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ أَوْ نَائِمًا فَغَطَّى إنْسَانٌ رَأْسَهُ لَيْلَةً أَوْ وَجْهَهُ حَتَّى يَجِبَ الْجَزَاءُ عَلَى النَّائِمِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ حَصَلَ لَهُ، وَعَدَمُ الِاخْتِيَارِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ عَنْهُ لَا الْمُوجِبَ عَلَى مَا عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوَاضِعَ. وَالتَّقْيِيدُ بِثَوْبٍ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا لَيْسَ بِمُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، بَلْ لَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ وَالْخُفَّيْنِ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ كَالْإِيلَاجَاتِ فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لُبْسٌ وَاحِدٌ وَقَعَ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ فِيمَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ، وَكَذَا لَوْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا أَوْ كَانَ يَنْزِعُهَا لَيْلًا وَيُعَاوِدُ لُبْسَهَا نَهَارًا أَوْ يَلْبَسُهَا لَيْلًا لِلْبَرْدِ وَيَنْزِعُهَا نَهَارًا مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ الْخَلْعِ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَيُعْتَبَرُ اللُّبْسُ الثَّانِي لُبْسًا مُبْتَدَأً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يُكَفِّرْ فَاللُّبْسُ عَلَى حَالِهِ فَهُوَ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَّرَ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.
وَهُمَا يَقُولَانِ: لَمَّا نَزَعَ عَلَى عَزْمِ التَّرْكِ نَقْطَعُ حُكْمَ اللُّبْسِ الْأَوَّلِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي مُبْتَدَأً. فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّزْعَ مَعَ عَزْمِ التَّرْكِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ اللُّبْسَيْنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ التَّكْفِيرُ. وَلَوْ لَبِسَ يَوْمًا فَأَرَاقَ دَمًا ثُمَّ دَامَ عَلَى لُبْسِهِ يَوْمًا آخَرَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ عَلَى اللُّبْسِ كَابْتِدَائِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى
(3/28)

وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا لَبِسَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوَّلًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ الدَّمُ بِنَفْسِ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ يَتَكَامَلُ بِالِاشْتِمَالِ عَلَى بَدَنِهِ.
وَلَنَا أَنَّ مَعْنَى التَّرَفُّقِ مَقْصُودٌ مِنْ اللُّبْسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُدَّةِ؛ لِيَحْصُلَ عَلَى الْكَمَالِ وَيَجِبُ الدَّمُ، فَقُدِّرَ بِالْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُلْبَسُ فِيهِ ثُمَّ يُنْزَعُ عَادَةً وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ الْجِنَايَةُ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقَامَ الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَخِيطِ فَدَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ يَوْمًا إذْ عَلَيْهِ الدَّمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اتِّحَادِ الْجَزَاءِ إذَا لَبِسَ جَمِيعَ الْمَخِيطِ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَتَعَدَّدْ سَبَبُ اللُّبْسِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ، فَإِنَّ لُبْسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا. وَكَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يُضْطَرَّ إلَى لُبْسِ قَمِيصٍ فَلَبِسَ قَمِيصَيْنِ أَوْ قَمِيصًا وَجُبَّةً أَوْ اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ فَلَبِسَهَا مَعَ عِمَامَةٍ، وَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعَيْنِ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ وَغَيْرَهَا كَالْقَلَنْسُوَةِ مَعَ الْقَمِيصِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ يَتَخَيَّرُ فِي إحْدَاهُمَا وَهِيَ مَا لِلضَّرُورَةِ، وَالْأُخْرَى لَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا وَهِيَ مَا لِغَيْرِهَا.
وَمِنْ صُوَرِ تَعَدُّدِ السَّبَبِ وَاتِّحَادِهِ مَا إذَا كَانَ بِهِ مَثَلًا حُمَّى يَحْتَاجُ إلَى اللُّبْسِ لَهَا وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي وَقْتِ زَوَالِهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَإِنْ تَعَدَّدَ اللُّبْسِ مَا لَمْ تَزُلْ عَنْهُ. فَإِنْ زَالَتْ وَأَصَابَهُ مَرَضٌ آخَرُ أَوْ حُمَّى غَيْرُهَا وَعَرَفَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلْأُولَى أَوْ لَا عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأُولَى، فَإِنْ كَفَّرَ فَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَكَذَا إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ فَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْسِ لِلْقِتَالِ أَيَّامًا يَلْبَسُهَا إذَا خَرَجَ إلَيْهِ وَيَنْزِعُهَا إذَا رَجَعَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْعَدُوُّ، فَإِنْ ذَهَبَ وَجَاءَ عَدُوٌّ غَيْرَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى. وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَاخْتِلَافِهَا لَا إلَى ضَرُورَةِ اللُّبْسِ كَيْفَ كَانَتْ.
وَلَوْ لَبِسَ لِلضَّرُورَةِ فَزَالَتْ فَدَامَ بَعْدَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَمَا دَامَ فِي شَكٍّ مِنْ زَوَالِ الضَّرُورَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَيَقَّنَ زَوَالَهَا فَاسْتَمَرَّ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: فِي سَاعَةٍ نِصْفُ صَاعٍ. وَفِي أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ بُرٍّ. (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُدَّةِ؛ لِيَحْصُلَ عَلَى الْكَمَالِ) يَتَضَمَّنُ مَنْعَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الِارْتِفَاقَ يَتَكَامَلُ بِالِاشْتِمَالِ بَلْ مُجَرَّدُ الِاشْتِمَالِ، ثُمَّ النَّزْعِ فِي الْحَالِ لَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ بِهِ ارْتِفَاقًا فَضْلًا عَنْ كَمَالِهِ. وَقَوْلُهُ فِي وَجْهِ التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ (لِأَنَّهُ يَلْبَسُ فِيهِ ثُمَّ يَنْزِعُ عَادَةً) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْيَوْمِ بَلْ لُبْسُ اللَّيْلَةِ الْكَامِلَةِ كَالْيَوْمِ؛ لِجَرَيَانِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَقَامَ الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ) كَمَا اعْتَبَرَهُ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي لُبْسِ بَعْضِ الْيَوْمِ قِسْطُهُ مِنْ الدَّمِ كَثُلُثِ الْيَوْمِ
(3/29)

وَلَوْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ أَوْ اتَّشَحَ بِهِ أَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ. وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ خِلَافًا لِزَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ مَا لَبِسَهُ لُبْسَ الْقَبَاءِ وَلِهَذَا يَتَكَلَّفُ فِي حِفْظِهِ. وَالتَّقْدِيرُ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا غَطَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ يَوْمًا كَامِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَلَوْ غَطَّى بَعْضَ رَأْسِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ اعْتَبَرَ الرُّبُعَ اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ وَالْعَوْرَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْبَعْضِ اسْتِمْتَاعٌ مَقْصُودٌ يَعْتَادُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِيهِ ثُلُثُ الدَّمِ وَفِي نِصْفِهِ نِصْفُهُ، وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجْرِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ لُبْسَ الْمَخِيطِ) لُبْسُ الْمِخْيَطِ أَنْ يَحْصُلَ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ اشْتِمَالٌ عَلَى الْبَدَنِ وَاسْتِمْسَاكٌ، فَأَيُّهُمَا انْتَفَى انْتَفَى لُبْسُ الْمَخِيطِ؛ وَلِذَا قُلْنَا فِيمَا لَوْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ فِي الْقَبَاءِ دُونَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَا إذَا لَبِسَ الطَّيْلَسَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِرَّهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِمْسَاكِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ زَرَّ الْقَبَاءَ أَوْ الطَّيْلَسَانَ يَوْمًا لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِحُصُولِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالزِّرِّ مَعَ الِاشْتِمَالِ بِالْخِيَاطَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَقَدَ الرِّدَاءَ أَوْ شَدَّ الْإِزَارَ بِحَبْلٍ يَوْمًا كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِلشَّبَهِ بِالْمَخِيطِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَاءِ الِاشْتِمَالِ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ. وَفِي إدْخَالِ الْمَنْكِبَيْنِ الْقَبَاءَ خِلَافُ زُفَرَ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتُقَ السَّرَاوِيلَ إلَى مَوْضِعِ التِّكَّةِ فَيَأْتَزِرَ بِهِ، وَأَنْ يَلْبَسَ الْمُكَعَّبَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ إذَا كَانَ فِي وَسَطِ الْقَدَمِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ حِينَئِذٍ هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْجَوْرَبِ فَإِنَّهُ كَالْخُفِّ فَلُبْسُهُ يَوْمًا مُوجِبٌ لِلدَّمِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غَطَّى بَعْضَ رَأْسِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُ الرُّبُعِ) إنْ بَلَغَ قَدْرَ الرُّبُعِ فَدَامَ يَوْمًا لَزِمَهُ دَمٌ (اعْتِبَارًا بِالْحَلْقِ وَالْعَوْرَةِ) حَيْثُ يَلْزَمُ الدَّمُ بِحَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ، وَفَسَادُ الصَّلَاةِ بِكَشْفِ رُبُعِ الْعَوْرَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْبَعْضِ اسْتِمْتَاعٌ مَقْصُودٌ يَعْتَادُهُ بَعْضُ النَّاسِ) يَصْلُحُ إبْدَاءً لِلْجَامِعِ: أَيْ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا وَجَبَ فِي حَلْقِ الرُّبُعِ الدَّمُ وَهِيَ الِارْتِفَاقُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَكْمَلُ مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِي تَغْطِيَةِ الْبَعْضِ؛ وَلِذَا يَعْتَادُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَعْتَادُهُ تَحْصِيلًا لِلِارْتِفَاقِ وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا، وَإِنْ كَانَ الْجَامِعُ هَذَا فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْعَوْرَةِ أَصْلًا لِانْتِفَاءِ هَذَا الْجَامِعِ، إذْ لَيْسَ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِانْكِشَافِ الرُّبُعِ لِذَلِكَ بَلْ لِعَدِّهِ كَثِيرًا عُرْفًا، وَلَيْسَ الْمُوجِبُ هَذَا هُنَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِإِقَامَةِ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ فِي الْيَوْمِ أَوْ اللَّيْلِ الْوَاقِعِ فِيهِمَا التَّغْطِيَةُ وَاللُّبْسُ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا لَيْسَ إلَّا لِثُبُوتِ الِارْتِفَاقِ كَامِلًا وَعَدَمِهِ، وَكَذَا إذَا غَطَّى رُبُعَ وَجْهِهِ أَوْ غَطَّتْ الْمَرْأَةُ رُبُعَ وَجْهِهَا.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعْتَبِر أَكْثَرَ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ) وَلَمْ يَذْكُرْ لِمُحَمَّدٍ قَوْلًا. وَنَقَلَ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(3/30)


(وَإِذَا حَلَقَ رُبُعَ رَأْسِهِ أَوْ رُبُعَ لِحْيَتِهِ فَصَاعِدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجِبُ إلَّا بِحَلْقِ الْكُلِّ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجِبُ بِحَلْقِ الْقَلِيلِ اعْتِبَارًا بِنَبَاتِ الْحَرَمِ. وَلَنَا أَنَّ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فَتَتَكَامَلُ بِهِ الْجِنَايَةُ وَتَتَقَاصَرُ فِيمَا دُونَهُ بِخِلَافِ تَطَيُّبِ رُبُعِ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَكَذَا حَلْقُ بَعْضِ اللِّحْيَةِ مُعْتَادٌ بِالْعِرَاقِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِي الْأَصْلِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْجَهُ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الِارْتِفَاقُ الْكَامِلُ، وَاعْتِيَادُ تَغْطِيَةِ الْبَعْضِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الْمُعْتَادَ لَيْسَ هُوَ الرُّبُعُ، فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ نَعْلَمُ مِنْ الْيَمَانِيِّينَ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ السَّرْقُوجَ يَشُدُّونَهُ تَحْتَ الْحَنَكِ تَغْطِيَةُ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْأَكْثَرُ، فَإِنَّ الْبَادِيَ مِنْهُمْ هُوَ النَّاصِيَةُ لَيْسَ غَيْرُ، وَلَعَلَّ تَغْطِيَةَ مُجَرَّدِ الرُّبُعِ فَقَطْ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَمْسِكُ مِمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَحْوَ جَبِيرَةٍ تَشُدُّ.
وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أَنَّ مَا عَيَّنَهُ جَامِعًا فِي الْحَلْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ حُصُولُ الِارْتِفَاقِ كَامِلًا بِحَلْقِ الرُّبُعِ بِدَلِيلِ الْقَصْدِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ، وَالثَّابِتُ فِي الْفَرْعِ الِاعْتِيَادُ بِتَغْطِيَةِ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْأَكْثَرُ لَا الْأَقَلُّ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى الِارْتِفَاقِ بِهِ فَلَمْ يَتَّحِدْ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَلِذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفَرْعِ سِوَى مُطْلَقِ الْبَعْضِ، فَإِنْ عَنَى بِهِ الرُّبُعَ مَنَعْنَا وُجُودَهُ فِي الْفَرْعِ. وَمِنْ فُرُوعِ اعْتِبَارِ الرُّبُعِ مَا لَوْ عَصَبَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ أَوْ وَجْهَهُ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الرُّبُعِ. وَلَوْ عَصَبَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنْ جَسَدِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَعَقْدِ الْإِزَارِ وَتَخْلِيلِ الرِّدَاءِ لِشَبَهِ الْمَخِيطِ، بِخِلَافِ لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَسْتُرَ بَدَنَهَا بِمَخِيطٍ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُكْرَهْ لَهَا. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَطِّيَ أُذُنَيْهِ وَقَفَاهُ وَمِنْ لِحْيَتِهِ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ الذَّقَنِ بِخِلَافِ فِيهِ وَعَارِضِهِ وَذَقَنِهِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ ثَوْبٍ. وَعَلَى الْقَارِنِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ دَمًا أَوْ صَدَقَةَ دَمَانِ أَوْ صَدَقَتَانِ لِمَا سَنَذْكُرُ.

(قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْمَوْعُودُ بَيْنَ حَلْقِ الرُّبُعِ وَتَطْيِيبِ الرُّبُعِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ بِحُصُولِ كَمَالِ الِارْتِفَاقِ بِذَلِكَ الْبَعْضِ مُسْتَدِلٌّ عَلَيْهِ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَقَدَّمْنَا مَا يُغْنِي فِيهِ، وَمِمَّنْ يَفْعَلهُ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ وَالْعَلَوِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَحْلِقُونَ نَوَاصِيَهُمْ فَقَطْ، وَكَذَا حَلْقُ بَعْضِ اللِّحْيَةِ مُعْتَادٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَالْعَرَبِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، إلَّا أَنَّ فِي هَذَا احْتِمَالَ أَنَّ فِعْلَهُمْ لِلرَّاحَةِ أَوْ الزِّينَةِ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهَا بِدَلِيلِ لُزُومِهَا مَعَ الْأَعْذَارِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، يَعْنِي الْعَادَةَ أَنَّ كُلَّ مِنْ مَسَّ طِيبًا لِقَصْدِ التَّطَيُّبِ كَمَاءِ وَرْدٍ أَوْ طِيبٍ عَمَّمَ بِهِ يَدَيْهِ مَسْحًا بَلْ وَيَمْسَحُ بِفَضْلِهِ وَجْهَهُ أَيْضًا، بِخِلَافِ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا عِنْدَ قَصْدِ مُجَرَّدِ إمْسَاكِهِ لِلْحِفْظِ أَوْ لِلْمُلَاقَاةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ لِغَايَةِ الْقِلَّةِ فِي الطِّيبِ نَفْسِهِ، فَتَتَقَاصَرُ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ الْعُضْوِ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ. ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ فِي حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ دَمًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مُوَافِقٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ وَهُوَ الْمُصَحَّحُ لَا مَا فِي جَامِعَيْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِي خَانْ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْجَمِيعِ الدَّمَ وَفِي
(3/31)

(وَإِنْ حَلَقَ الرَّقَبَةَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ. (وَإِنْ حَلَقَ الْإِبْطَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ لِدَفْعِ الْأَذَى وَنَيْلِ الرَّاحَةِ فَأَشْبَهَ الْعَانَةَ.
ذَكَرَ فِي الْإِبْطَيْنِ الْحَلْقَ هَاهُنَا وَفِي الْأَصْلِ النَّتْفُ وَهُوَ السُّنَّةُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ: (إذَا حَلَقَ عُضْوًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَطَعَامٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأَقَلِّ مِنْهُ الطَّعَامَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِي حَلْقِ الْأَكْثَرِ الدَّمَ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجِبُ الدَّمُ بِحَلْقِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ الْأَشْيَاءُ الشَّرْعِيَّةُ فَيُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ احْتِيَاطًا. هَذَا فَلَوْ كَانَ أَصْلَعَ عَلَى نَاصِيَتِهِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ شَعْرِهَا فَإِنَّمَا فِيهِ صَدَقَةٌ، وَكَذَا لَوْ حَلَقَ كُلَّ رَأْسِهِ وَمَا عَلَيْهِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ شَعْرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قَدْرُ رُبُعِ شَعْرِهِ لَوْ كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ كَامِلًا فَفِيهِ دَمٌ، وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ مِثْلُهُ فِيمَنْ بَلَغَتْ لِحْيَتُهُ الْغَايَةَ فِي الْخِفَّةِ. وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ: حَلَقَ رَأْسَهُ وَأَرَاقَ دَمًا ثُمَّ حَلَقَ لِحْيَتَهُ وَهُوَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ، وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَإِبْطَيْهِ وَكُلَّ بَدَنِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَدَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَجَالِسُ فَلِكُلِّ مَجْلِسٍ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ فِيهِ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ دَمٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَجَالِسُ مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ، وَتَقَدَّمَ فِي الطِّيبِ مِثْلُهُ.
اعْتَبَرَهُ بِمَا لَوْ حَلَقَ فِي مَجْلِسٍ رُبُعَ رَأْسِهِ، وَفِي آخَرَ رُبْعًا آخَرَ حَتَّى أَتَمَّهَا فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ. وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْمَجَالِسُ؛ لِاتِّحَادِ مَحِلِّهَا، وَهُوَ الرَّأْسُ. هَذَا فَأَمَّا مَا فِي مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا سَقَطَ مِنْ شَعَرَاتِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَزِمَهُ كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ إلَّا أَنْ تَزِيدَ عَلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، فَإِنْ بَلَغَ عَشْرًا لَزِمَهُ دَمٌ. وَكَذَا إذَا خُبِزَ فَاحْتَرَقَ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ هُوَ الرُّبْعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
نَعَمْ فِي الثَّلَاثِ كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ: وَإِنْ نَتَفَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٍ فَفِي كُلِّ شَعْرَةٍ كَفٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فِي خُصْلَةٍ نِصْفُ صَاعٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا عُضْوٌ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ) يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لِلرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَقَ الْإِبْطَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) الْمَعْرُوفُ هَذَا الْإِطْلَاقُ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي الْإِبْطِ إنْ كَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّبُعُ؛ لِوُجُوبِ الدَّمِ وَإِلَّا فَالْأَكْثَرُ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) تَخْصِيصُ قَوْلِهِمَا لَيْسَ
(3/32)

أَرَادَ بِهِ الصَّدْرَ وَالسَّاقَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِطَرِيقِ التَّنُّورِ فَتَتَكَامَلُ بِحَلْقِ كُلِّهِ وَتَتَقَاصَرُ عِنْدَ حَلْقِ بَعْضِهِ (وَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ) طَعَامٌ (حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ أَنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ كَمْ يَكُونُ مِنْ رُبُعِ اللِّحْيَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: أَرَادَ بِهِ السَّاقَ وَالصَّدْرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ تَفْسِيرَ الْمُرَادِ بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ مُؤَدَّى اللَّفْظِ لَيُخْرِجَ بِذَلِكَ الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ فَإِنَّ فِي الرُّبُعِ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا الدَّمَ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَالْفَارِقُ الْعَادَةُ، ثُمَّ جَعَلَهُ الصَّدْرَ وَالسَّاقَ مَقْصُودِينَ بِالْحَلْقِ مُوَافِقٌ لِجَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مُخَالِفٌ؛ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ فَفِيهِ مَتَى حَلَقَ عُضْوًا مَقْصُودًا بِالْحَلْقِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ حَلَقَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَصَدَقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ حَلْقُ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ، وَمِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ حَلْقُ الرَّأْسِ وَالْإِبْطَيْنِ وَهَذَا أَوْجَهُ. وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِطَرِيقِ التَّنُّورِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى حَلْقِهِمَا إنَّمَا هُوَ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِمَا إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ تَنْوِيرَ السَّاقِ وَحْدَهُ بَلْ تَنْوِيرُ الْمَجْمُوعِ مِنْ الصُّلْبِ إلَى الْقَدَمِ فَكَانَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ بِالْحَلْقِ. نَعَمْ كَثِيرًا مَا يُعْتَادُونَ تَنْوِيرَ الْفَخِذِ مَعَ مَا فَوْقُهُ دُونَ السَّاقِ وَقَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَانَةِ أَوْ مَعَ الصُّلْبِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا لِلْحَاجَةِ، أَمَّا السَّاقُ وَحْدُهُ فَلَا؛ فَالْحَلْقُ أَنْ يَجِبَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الصَّدَقَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُجْمَعُ الْمُتَفَرِّقُ فِي الْحَلْقِ كَمَا فِي الطِّيبِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ) أَوْ أَخَذَهُ كُلَّهُ أَوْ حَلَقَهُ (فَعَلَيْهِ طَعَامٌ هُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ) بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَأْخُوذِ مَا نِسْبَتُهُ مِنْ رُبُعِ اللِّحْيَةِ فَيَجِبُ بِحِسَابِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ رُبُعِ رُبُعِهَا لَزِمَهُ قِيمَةُ رُبُعِ الشَّاةِ أَوْ ثُمُنِهَا فَثُمُنُهَا وَهَكَذَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ خِلَافُ هَذَا قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا حَلَقَ شَارِبَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ إذَا أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: إذَا حَلَقَ شَارِبَهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ تَفْعَلُهُ الصُّوفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ طَرَفٌ مِنْ اللِّحْيَةِ وَهُوَ مَعَ اللِّحْيَةِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ عُضْوًا وَاحِدًا لَا يَجِبُ بِمَا دُونَ الرُّبُعِ مِنْهُ الدَّمُ وَالشَّارِبُ دُونَ الرُّبُعِ مِنْ اللِّحْيَةِ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ فِي حَلْقِهِ اهـ.
وَمَا فِي الْهِدَايَةِ إنَّمَا يَظْهَرُ تَفْرِيعُهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي تَطْيِيبِ بَعْضِ الْعُضْوِ حَيْثُ قَالَ: يَجِبُ بِقَدْرِهِ مِنْ الدَّمِ، أَمَّا عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ جَادَّةِ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ الدَّمُ تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ صَاعٍ إلَّا فِيمَا يُسْتَثْنَى فَلَا. ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى نِسْبَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ
(3/33)

فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَثَلًا مِثْلَ رُبُعِ الرُّبُعِ لَزِمَهُ قِيمَةُ رُبُعِ الشَّاةِ، وَلَفْظَةُ الْأَخْذِ مِنْ الشَّارِبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِ دُونَ الْحَلْقِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَصَّ حَتَّى يُوَازِيَ الْإِطَارَ. قَالَ: (وَإِنْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِقُ الْحِجَامَةَ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَكَذَا مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهَا، وَإِلَّا أَنَّ فِيهِ إزَالَةَ شَيْءٍ مِنْ التَّفَثِ فَتَجِبُ الصَّدَقَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ حَلْقَهُ مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَسَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
رُبُعِ اللِّحْيَةِ مُعْتَبِرًا مَعَهَا الشَّارِبَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كَوْنِ الشَّارِبِ طَرَفًا مِنْ اللِّحْيَةِ هُوَ مَعَهَا عُضْوٌ وَاحِدٌ لَا أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى رُبُعِ اللِّحْيَةِ غَيْرُ مُعْتَبِرِ الشَّارِبِ مَعَهَا، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَجِبُ رُبُعُ قِيمَةِ الشَّاةِ إذَا بَلَغَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الشَّارِبِ رُبُعَ الْمَجْمُوعِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَعَ الشَّارِبِ لَا دُونَهُ، وَإِذَا أَخَذَ الْمُحْرِمُ مِنْ شَارِبِ حَالٍّ أَطْعَمَ مَا شَاءَ (قَوْلُهُ: وَلَفْظَةُ الْأَخْذِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِ دُونَ الْحَلْقِ) يُشِيرُ إلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ حَيْثُ قَالَ: الْقَصُّ حَسَنٌ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَنْتَقِصَ عَنْ الْإِطَارِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُلْتَقَى الْجِلْدَةِ وَاللَّحْمِ مِنْ الشَّفَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنْ يُحَاذِيَهُ. ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْحَلْقُ أَحْسَنُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ السُّنَّةَ الْقَصُّ اهـ.
فَالْمُصَنِّفُ إنْ حَكَمَ بِكَوْنِ الْمَذْهَبِ الْقَصَّ أَخْذًا مِنْ لَفْظِ الْأَخْذِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ أَخْذٌ، وَاَلَّذِي لَيْسَ أَخْذٌ هُوَ النَّتْفُ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ مَنَعْنَاهُ، وَإِنْ سَلِمَ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ فِي الْجَمْعِ هُنَا بَيَانَ أَنَّ السُّنَّةَ هُوَ الْقَصُّ أَوْ لَا بَلْ بَيَانُ مَا فِي إزَالَةِ الشَّعْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْإِبْطِ الْحَلْقَ وَلَمْ يَذْكُرْ كَوْنَ الْمَذْهَبِ فِيهِ اسْتِنَانَ الْحَلْقِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ مَا يُفِيدُ الْإِزَالَةَ بِأَيِّ طَرِيقٍ حَصَلَتْ لَتَعْيِينِ حُكْمِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْآبَاطِ» فَلَا يُنَافِي مَا يُرِيدُهُ بِلَفْظِ الْحَلْقِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِئْصَالِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَطْعِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ غَيْرَ أَنَّهُ بِالْحَلْقِ بِالْمُوسَى أَيْسَرُ مِنْهُ بِالْمِقَصَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمِقَصَّةِ أَيْضًا مِثْلَهُ، وَذَلِكَ بِخَاصٍّ مِنْهَا يَضَعُ لِلشَّارِبِ فَقَطْ.
فَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: الْحَلْقُ أَحْسَنُ مِنْ الْقَصِّ يُرِيدُ الْقَصَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ فِي الْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ قَصًّا يُسَمُّونَهُ قَصَّ حِلَاقَةٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَتَوَسَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ) يُفِيد أَنَّهُ إذَا لَمْ تَتَرَتَّبْ الْحِجَامَةُ عَلَى حَلْقِ مَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ لَا يَجِبُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّ كَوْنَهُ مَقْصُودًا إنَّمَا هُوَ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى الْحِجَامَةِ، فَإِذَا لَمْ تَعْقُبْهُ الْحِجَامَةُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً فَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فَلَا يَجِبُ إلَّا الصَّدَقَةُ. وَعِبَارَةُ
(3/34)

وَقَدْ وُجِدَ إزَالَةُ التَّفَثِ عَنْ عُضْوٍ كَامِلٍ فَيَجِبُ الدَّمُ.

(وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَلَى الْحَالِقِ الصَّدَقَةُ، وَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجِبُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَنْ كَانَ نَائِمًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُخْرِجُ الْمُكْرَهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِحُكْمِ الْفِعْلِ وَالنَّوْمُ أَبْلَغُ مِنْهُ. وَعِنْدَنَا بِسَبَبِ النَّوْمِ وَالْإِكْرَاهِ يَنْتَفِي الْمَأْثَمُ دُونَ الْحُكْمِ وَقَدْ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ، وَهُوَ مَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَرْحِ الْكَنْزِ وَاضِحَةٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي دَلِيلِهَا: وَلِأَنَّهُ قَلِيلٌ فَلَا يُوجِبُ الدَّمَ، كَمَا إذَا حَلَقَهُ لِغَيْرِ الْحِجَامَةِ، وَفِي دَلِيلِهِ أَنَّ حَلْقَهُ لِمَنْ يَحْتَجِمُ مَقْصُودٌ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْحَلْقِ لِغَيْرِهَا، فَظَهَرَ لَك أَنَّ التَّرْكِيبَ الصَّالِحَ فِي وَجْهِ قَوْلِهِمَا. عِبَارَةُ شَرْحِ الْكَنْزِ، بِخِلَافِ تَرْكِيبِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: الْحِجَامَةُ لَيْسَتْ بِمَحْظُورَةٍ، فَكَذَا مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهَا فَإِنَّهُ نَفْيُ حَظْرِ هَذَا الْحَلْقِ لِلْحِجَامَةِ إذْ لَا تُفْعَلُ الْحِجَامَةُ إلَّا لِلْحَاجَةِ إلَى تَنْقِيصِ الدَّمِ فَلَا يَكُونُ الْحَلْقُ مَحْظُورًا، وَلَازِمُ هَذَا لَيْسَ إلَّا عَدَمُ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ عَيْنًا بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَالصَّوْمِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هَذَا بَلْ لُزُومُ الصَّدَقَةِ عَيْنًا بِمَعْنَى عَدَمِ دُخُولِ الدَّمِ فِي كَفَّارَةِ هَذَا الْحَلْقِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَدَمُ الْحَظْرِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ. وَقَوْلُهُ فِي وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

(وَقَدْ وَجَدَ إزَالَةَ التَّفَثِ عَنْ عُضْوٍ كَامِلٍ) يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ فِي حَقِّ الْحِجَامَةِ كَامِلٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ) الْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الضَّمَائِرَ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا مِثْلَ فَإِنْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِالْحِنَّاءِ، فَإِنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ وَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَخِيطًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ إذْ قَالَ إذَا تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ وَكَذَا إذَا كَانَ الْحَالِقُ حَالًّا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، إلَّا أَنَّ تَعْيِينَ الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ بِنَفْيِ اخْتِلَافِ الْجَوَابِ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ حَالَّيْنِ، أَوْ الْحَالِقُ مُحْرِمًا وَالْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ حَلَالًا أَوْ قَلْبُهُ، وَفِي كُلِّ الصُّوَرِ عَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَا حَلَالَيْنِ وَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَلَالًا وَلَا يَتَخَيَّرُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ فَإِذَا حَلَقَ الْحَلَالُ رَأْسَ مُحْرِمٍ فَقَدْ بَاشَرَ قَطْعَ مَا اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِالْإِحْرَامِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ «لَا تَحْلِقُوا حَتَّى تَحِلُّوا» وَبَيْنَ «لَا تَعْضُدُوا شَجَرَ الْحَرَمِ» ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الشَّجَرُ نَفْسُهُ الْأَمْنَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ اسْتَحَقَّ الشَّعْرُ أَيْضًا الْأَمْنَ فَيَجِبُ بِتَفْوِيتِهِ الْكَفَّارَةُ بِالصَّدَقَةِ.
وَإِذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ فَالِارْتِفَاقُ الْحَاصِلُ لَهُ بِرَفْعِ تَفَثِ غَيْرِهِ، إذْ لَا شَكَّ فِي تَأَذِّي الْإِنْسَانِ بِتَفَثِ غَيْرِهِ يَجِدُهُ مَنْ رَأَى ثَائِرَ الرَّأْسِ شَعِثَهَا وَسِخَ الثَّوْبِ تَفْلَ الرَّائِحَةِ، وَمَا سُنَّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ بَلْ مَا كَانَ وَاجِبًا إلَّا لِذَلِكَ التَّأَذِّي إلَّا أَنَّهُ دُونَ التَّأَذِّي بِتَفَثِ نَفْسِهِ فَقَصُرَتْ الْجِنَايَةُ فَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ. وَالْمُصَنِّفُ أَجْرَى الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فِي هَذَا، وَقَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشَّعْرِ الْأَمْنَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَامَ بِهِ الْإِحْرَامُ حَالِقًا أَوْ مَحْلُوقًا، فَإِنَّ خِطَابَ لَا تَحْلِقُوا لِلْمُحْرِمِينَ فَلِذَا خَصَّصْنَا بِهِ الْأَوَّلَ. بَقِيَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَ الْمُحْرِمِ اجْتَمَعَ فِيهِ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَالِارْتِفَاقِ بِإِزَالَةِ
(3/35)

فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ حَتْمًا، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الْآفَةَ هُنَاكَ سَمَاوِيَّةٌ وَهَاهُنَا مِنْ الْعِبَادِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَحْلُوقُ رَأْسَهُ عَلَى الْحَالِقِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَفَثِ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ مُوجِبًا لِلصَّدَقَةِ، فَرُبَّمَا يُقَالُ تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِهَذَا الِاجْتِمَاعِ فَتَقْتَضِي وُجُوبَ الدَّمِ عَلَى الْحَالِقِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الِادِّهَانِ بِالزَّيْتِ الْبَحْتِ حَيْثُ أَوْجَبَ الدَّمَ لِاجْتِمَاعِ أُمُورٍ لَوْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهَا لَمْ يُوجِبْهُ كَتَلْيِينِ الشَّعْرِ وَأَصَالَتِهِ لِلطِّيبِ وَقَتْلِ الْهَوَامِّ فَتَكَامَلَتْ الْجِنَايَةُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ فَوَجَبَ الدَّمُ.
وَتَقْرِيرُ الْخِلَافِ مَعَ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ، فَمَبْنَى عَدَمِ إلْزَامِ الْمُحْرِمِ شَيْئًا إذَا كَانَ غَيْرَ مُخْتَارٍ بِالتَّقَدُّمِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ أَنَّ عَدَمَهُ يَسْقُطُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَا. وَمَبْنَى عَدَمِهِ عِنْدَهُ عَلَى الْحَالِقِ مُطْلَقًا عَدَمُ الْمُوجِبِ، أَمَّا إنْ كَانَ حَلَالًا فَلِأَنَّ الْحَلْقَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَهُوَ الْمُوجَبُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ بَاشَرَ أَمْرًا مَحْظُورًا، وَهُوَ إعَانَةُ الْمَحْلُوقِ الْمُحْرِمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَبِغَيْرِ اخْتِبَارِهِ أَوْلَى. قُلْنَا: الْمَعَاصِي إنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ لِعُقُوبَةِ الْإِحْلَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ جَزَاءً فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا إلَّا بِالنَّصِّ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْحَالِقِ فَنَقُولُ: أَمَّا الْحَالُّ فَأَلْحَقْنَاهُ بِقَاطِعِ شَجَرِ الْحَرَمِ بِجَامِعِ تَفْوِيتِ أَمْنٍ مُسْتَحَقٍّ مُسْتَعْقِبٍ لِلْجَزَاءِ. وَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ نَصًّا.
وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَلِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ لِلْجَزَاءِ فِي حَقِّهِ هُوَ نَيْلُ الِارْتِفَاقِ بِقَضَاءِ التَّفَثِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ كَانَ الْجَزَاءُ دَمًا وَإِلَّا فَصَدَقَةً. وَقَيْدُ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ مُلْغَى إذَا لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ وَعَقْلِيَّةُ اسْتِقْلَالِ مَا سِوَاهُ ثَابِتَةٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْسَهُ مَحَلٌّ وَالْمَحَلُّ لَا يَدْخُلُ فِي التَّعْلِيلِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَالْأَصْلُ إلْغَاءُ الْمُحَالِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى قَصْدِ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ دَلِيلٌ لَا مَرَدَّ لَهُ، خُصُوصًا إذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ مُنَاسَبَةُ الْمُنَاسِبِ فَيَتَعَدَّى مِنْ نَفْسِهِ إلَى غَيْرِهِ إذَا وَجَدَ فِيهِ تَمَامَ الْمُؤَثِّرِ وَقُصُورَهَا رَدَّهَا إلَى الصَّدَقَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ قَضَاءُ التَّفَثِ إنْ كَانَ جُزْءُ الْعِلَّةِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَأْذَنَ الْمُحْرِمُ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ لَزِمَ عَدَمُ الْجَزَاءِ عَلَى النَّائِمِ بِحَلْقِ رَأْسِهِ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَزَاءُ إذَا نَظَرَ إلَى ذِي زِينَةٍ مَقْضِيِّ التَّفَثِ، فَإِنْ اُخْتِيرَ الثَّانِي وَادَّعَى أَنَّ الِارْتِفَاقَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةٍ كَمَا قُلْنَا بِنَفْيِ الْجَزَاءِ فِي مُجَرَّدِ اللُّبْسِ لِذَلِكَ عَكَرَهُ مَا لَوْ فَرَضَ طُولَهَا يَوْمًا مَعَ مُحَادِثَتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَاسْتِنْشَاقِ طِيبِهِ، وَلَوْ كَانَ إلَى شَيْءٍ لَقُلْت بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ وَنَفْيِ الْجَزَاءِ عَنْ النَّائِمِ وَالْمُكْرَهِ، وَلَا يَلْزَمُنِي هَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا مَثَلًا عُلِّقَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْكَلَامِ مَثَلًا، وَهُنَا قَدْ فَرَضَ تَعْلِيقَ الْجَزَاءِ بِالِارْتِفَاقِ الْكَائِنِ عَنْ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَلَوْ حُكْمًا.
(3/36)

إنَّمَا لَزِمَهُ بِمَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ فِي حَقِّ الْعُقْرِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْحَالِقُ حَلَالًا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي حَقِّ الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَأَمَّا الْحَالِقُ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ. لَهُ أَنَّ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ لَا يَتَحَقَّقُ بِحَلْقِ شَعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ. وَلَنَا أَنَّ إزَالَةَ مَا يَنْمُو مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأَمَانَ بِمَنْزِلَةِ نَبَاتِ الْحَرَمِ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ شَعْرِهِ وَشَعْرِ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ كَمَالَ الْجِنَايَةِ فِي شَعْرِهِ (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِ حَالٍّ أَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ أَطْعَمَ مَا شَاءَ) وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا. وَلَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ ارْتِفَاقٍ؛ لَأَنْ يَتَأَذَّى بِتَفَثِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ التَّأَذِّي بِتَفَثِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ الطَّعَامُ (وَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ مَا يَنْمُو مِنْ الْبَدَنِ، فَإِذَا قَلَّمَهَا كُلَّهَا فَهُوَ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَلَا يُزَادُ عَلَى دَمٍ إنْ حَصَلَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ نَوْعٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ) يَعْنِي كَمَا لَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا إذَا ظَهَرَتْ أَمَةً بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ بَدَلَهُ وَهُوَ مَا نَالَهُ مِنْ اللَّذَّةِ وَالرَّاحَةِ حَصَلَ لِلْمَغْرُورِ فَيَكُونُ الْبَدَلُ الْآخَرُ عَلَيْهِ دُونَ الْغَارِّ، كَذَلِكَ لَا يَرْجِعُ الْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ عَلَى الْحَالِقِ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ اخْتَصَّ بِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِ حَالٍّ أَوْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ أَطْعَمَ مَا شَاءَ) أَمَّا فِي الشَّارِبِ فَلَا شَكَّ، وَأَمَّا فِي قَلْمِ الْأَظَافِيرِ فَمُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ، فَأَصْلُ الْجَوَابِ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ هُنَا كَالْجَوَابِ فِي الْحَلْقِ، وَفِي الْمُحِيطِ أَيْضًا قَالَ: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. هَذَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ لَا يَضْمَنُ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَرِيحَ عِبَارَةِ الْأَصْلِ فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ فِي الْحَالِقِ هَكَذَا: وَإِنْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَالٍّ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَإِذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ مُحْرِمٍ آخَرَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ وَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ اهـ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ إنَّمَا تَقْتَضِي لُزُومَ الصَّدَقَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِنِصْفِ صَاعٍ فِيمَا إذَا حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَأَمَّا فِي الْحَالِّ فَتَقْتَضِي أَنْ يُطْعِمَ أَيَّ شَيْءٍ شَاءَ كَقَوْلِهِمْ: مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ جَرَادَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ، وَإِرَادَةُ الْمُقَدَّرَةِ فِي عُرْفِ إطْلَاقِهِمْ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ صَدَقَةٍ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
ثُمَّ بَعْدَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَالِقِ قَالَ: وَالْجَوَابُ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ كَالْجَوَابِ فِي الْحَلْقِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَضَى عُرْفِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ وَاقِعًا فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ أَيْضًا جَارِيًا فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ فَيَصْدُقُ مَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ الصُّورَةَ فِي قَلْمِ أَظْفَارِ الْحَلَالِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَصَّ أَظَافِيرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ
(3/37)

وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُلِ فَأَشْبَهَ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ إلَّا إذَا تَخَلَّلَتْ الْكَفَّارَةُ لِارْتِفَاعِ الْأُولَى بِالتَّكْفِيرِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَجِبُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ إنْ قَلَّمَ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ يَدًا أَوْ رِجْلًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُلُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي آيِ السَّجْدَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَكْمَلُ ارْتِفَاقٍ يَكُونُ بِالْقَصِّ، وَقَصُّ يَدٍ وَاحِدَةٍ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ فَفِيهِ الدَّمُ أَيْضًا، فَقَصُّ الْكُلِّ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَلُبْسِ كُلِّ الثِّيَابِ وَحَلْقِ شَعْرِ كُلِّ الْبَدَنِ فِي مَجْلِسٍ لَا يُوجِبُ غَيْرَ دَمٍ وَاحِدٍ. (فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسِ فَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الْكَفَّارَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ حَتَّى لَزِمَ الْمُحْرِمَ بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ فَأَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فِي أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَتْ الْجِنَايَاتُ بِالْفِطْرِ وَلَمْ يُكَفِّرْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَفَّرَ لِلسَّابِقَةِ كَفَّرَ لِلَّاحِقَةِ كَذَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ إنْ قَصَّ فِي كُلِّ مَجْلِسِ طَرَفًا مِنْ أَرْبَعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ) خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُلُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ هَذِهِ الْمُقَدَّمَةِ، وَالْمُثْبِتُ لَهَا لُزُومُ الْكَفَّارَةِ شَرْعًا مَعَ الْأَعْذَارِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَعْذَارَ مُسْقِطَةٌ لِلْعُقُوبَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى أَنَّ لَازِمَ تَرَجُّحِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ عَدَمُ التَّدَاخُلِ؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالْجُودِ، إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ مُوجِبٌ آخَرُ كَمَا أَوْجَبَهُ فِي آيِ السَّجْدَةِ لُزُومُ الْحَرَجِ لَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ وَلَا مُوجِبُ هُنَا. وَالْإِلْحَاقُ بِآيِ السَّجْدَةِ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ فِي تَقَيُّدِ التَّدَاخُلِ بِالْمَجْلِسِ لَا فِي إثْبَاتِ التَّدَاخُلِ نَفْسِهِ وَإِلَّا كَانَ بِلَا جَامِعٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ فِي الْأَصْلِ: أَعْنِي آيَ السَّجْدَةِ لُزُومُ الْحَرَجِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ مُسْتَمِرَّةٌ بِتَكْرَارِ الْآيَاتِ لِلدِّرَايَةِ وَالدِّرَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ لِلِاتِّعَاظِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَتَدَاخَلْ لَزِمَ الْحَرَجُ، غَيْرَ أَنَّ مَا تَنْدَفِعُ هَذِهِ الْحَاجَاتُ بِهِ مِنْ التَّكْرَارِ يَكُونُ غَالِبًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَتَقَيَّدَ التَّدَاخُلُ بِهِ، وَلَيْسَ سَبَبُ لُزُومِ الْحَرَجِ لَوْلَا التَّدَاخُلُ هُنَا قَائِمًا، إذْ لَا دَاعِيَ لِمَنْ أَرَادَ قَصَّ أَظْفَارِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى تَفْرِيقِ ذَلِكَ فِي مَجَالِسَ فَلَا عَادَةَ مُسْتَمِرَّةَ فِي ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ يَلْزَمُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ التَّدَاخُلِ
(3/38)

(وَإِنْ قَصَّ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) إقَامَةٌ لِلرُّبُعِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ (وَإِنْ قَصَّ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَظَافِيرَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) مَعْنَاهُ تَجِبُ بِكُلِّ ظُفُرٍ صَدَقَةٌ. وَقَالَ زَفَرٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ الدَّمُ بِقَصِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فِي أَظَافِيرِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ دَمًا، وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا. وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ أَظَافِيرَ كَفٍّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مَا يَجِبُ الدَّمُ بِقَلْمِهِ وَقَدْ أَقَمْنَاهَا مَقَامَ الْكُلِّ، فَلَا يُقَامُ أَكْثَرُهَا مَقَامَ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى (وَإِنْ قَصَّ خَمْسَةَ أَظَافِيرَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - (عَلَيْهِ دَمٌ) اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ قَصَّهَا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وَبِمَا إذَا حَلَقَ رُبُعَ الرَّأْسِ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى تَقْدِيرِ قَصِّ كُلِّ طَرَفٍ فِي مَجْلِسٍ فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إجْمَاعٌ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ قَصَّ إحْدَى يَدَيْهِ ثُمَّ الْأُخْرَى فِي الْمَجْلِسِ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَإِبْطَيْهِ أَوْ جَامَعَ مِرَارًا قَبْلَ الْوُقُوفِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مَعَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ نِسْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجَالِسُ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ مَجْلِسٍ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ فِيهِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي تَعَدُّدِ الْمَجَالِسِ أَيْضًا مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأُولَى وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الطِّيبِ اعْتَبَرَهُ بِمَا لَوْ حَلَقَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ رُبُعَ رَأْسِهِ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ رُبُعَهُ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى حَلَقَ كُلَّهُ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ. وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْحَلْقِ وَاحِدَةٌ؛ لِاتِّحَادِ مَحَلِّهَا وَهُوَ الرَّأْسُ.

(قَوْلُهُ: إقَامَةٌ لِلرُّبُعِ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْحَلْقِ) أَيْ حَلْقِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ؛ لِأَنَّ حَلْقَ رُبُعٍ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ إنَّمَا فِيهِ الصَّدَقَةُ. فَإِنْ قِيلَ: إلْحَاقُ الرُّبُعِ مِنْ الرَّأْسِ بِكُلِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُعْتَادٌ وَالْمُعْتَادُ فِي قَلْمِ الْأَظْفَارِ لَيْسَ الِاقْتِصَارُ عَلَى طَرَفٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ هَذَا الْإِلْحَاقُ مَعَ انْتِفَاءِ الْجَامِعِ؟ . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجَامِعَ إنَّمَا هُوَ كَمَالُ الِارْتِفَاقِ لَا الِاعْتِيَادُ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ يَتَرَدَّدُ فِي حُصُولِهِ بِحَلْقِ رُبُعِ الرَّأْسِ أَثْبَتَهُ بِالْعَادَةِ إذْ الْقَصْدُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لِمَنْ يَقْصِدُهُ لَيْسَ إلَّا لِنَيْلِ الِارْتِفَاقِ لَا أَنَّهَا هِيَ الْمَنَاطُ لِلُّزُومِ الدَّمِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَدْنَى كَمَالِ الِارْتِفَاقِ يَحْصُلُ بِقَلْمِ تَمَامِ يَدٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَدَيْنِ أَكْمَلَ وَفِي الْكُلِّ أَكْمَلَ مِنْ هَذَا فَيَثْبُتُ بِهِ الدَّمُ، وَلَا يُبَالِي بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى) كَلَامٌ خَطَابِيٌّ لَا تَحْقِيقِيٌّ: أَيْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَامَ أَكْثَرُ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا
(3/39)

كَمَالَ الْجِنَايَةِ بِنَيْلِ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ وَبِالْقَلْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَتَأَذَّى وَيَشِينُهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ عَلَى مَا مَرَّ. وَإِذَا تَقَاصَرَتْ الْجِنَايَةُ تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَيَجِبُ بِقَلْمِ كُلِّ ظُفْرٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ مُتَفَرِّقًا لَأَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَحِينَئِذٍ يَنْقُصُ عَنْهُ مَا شَاءَ.

قَالَ: (وَإِنْ انْكَسَرَ ظُفُرُ الْمُحْرِمِ وَتَعَلَّقَ فَأَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْمُو بَعْدَ الِانْكِسَارِ فَأَشْبَهَ الْيَابِسَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ

(وَإِنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا أَوْ حَلَقَ مِنْ عُذْرٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ذَبَحَ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ شَاءَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَقَدْ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَا ذَكَرْنَا، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَعْذُورِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالظُّفُرَيْنِ ثُمَّ يُقَامُ أَكْثَرُهُمَا وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَجِبَ بِقَطْعِ جَوْهَرَيْنِ لَا يَتَجَزَّآنِ مِنْ قُلَامَةِ ظُفُرٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَبِالْقَلْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَتَأَذَّى) بِخِلَافِ مَا قِسْت عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْحَلْقِ فِي مُوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إذْ يَرْتَفِقُ بِهِمَا مُتَفَرِّقِينَ فَانْتَفَى الْجَامِعُ. قَالُوا: لَوْ قَصَّ سِتَّةَ عَشَرَ ظُفُرًا مِنْ كُلِّ طَرَفٍ أَرْبَعَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ ظُفُرٍ صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَيَنْقُصُ مَا شَاءَ هَذَا، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ الْمُحْرِمُ مِمَّا فِيهِ الدَّمُ عَيْنًا أَوْ الصَّدَقَةُ عَيْنًا فَعَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا عَتَقَ لَا فِي الْحَالِ وَلَا يُبْدِلُ بِالصَّوْمِ

(قَوْلُهُ: أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا أَوْ حَلَقَ مِنْ عُذْرٍ) بِأَنْ اُضْطُرَّ إلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ لِخَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْبَرْدِ أَوْ لِلْمَرَضِ أَوْ لَبِسَ السِّلَاحَ لِلْحَرْبِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَذْبَحُ شَاةً أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ يَنْزِعُهُ لَيْلًا وَيَلْبَسُهُ نَهَارًا مَا لَمْ يَذْهَبْ الْعَدُوُّ مَثَلًا وَيَأْتِي غَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ لِهَذَا زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ فَارْجِعْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ فَسَّرَهَا) أَيْ فَسَّرَ الْكَفَّارَةَ الْمُخَيَّرَ فِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] بِمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ «حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى، أَوْ مَا كُنْتُ أَرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ: صُمْ. ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَ فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَفَسَّرَ الْفَرَقَ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعٍ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " أَتَجِدُ شَاةً " فِي الِابْتِدَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ تَجِدُ النُّسُكَ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ كَيْ لَا تَقَعَ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]
(3/40)

ثُمَّ الصَّوْمُ يُجْزِيهِ فِي أَيِّ مَوْضِعَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَان، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَهَذَا الدَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَتَعَيَّنَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَكَانِ، وَلَوْ اخْتَارَ الطَّعَامَ أَجْزَأَهُ فِيهِ التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتِبَارًا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَهُوَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ أَصْلًا فِي كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ كَفَّارَةً فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرَمِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان يُعْطِي أَنَّ الْقُرْبَةَ هُنَا تَعَلَّقَتْ بِالْإِرَاقَةِ، وَلَازِمُهُ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ لَحْمِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ، ثُمَّ لَازِمُ هَذَا بِحَسَبِ الْمُتَبَادَرِ أَنَّهُ لَوْ سُرِقَ بَعْدَمَا ذَبَحَ يَلْزَمُهُ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ فَكَانَتْ الْقُرْبَةُ فِيهِ لَهَا جِهَتَانِ: جِهَةُ الْإِرَاقَةِ. وَجِهَةُ التَّصَدُّقِ. فَلِلْأُولَى لَا يَجِبُ غَيْرُهُ إذَا سُرِقَ مَذْبُوحًا، وَلِلثَّانِي يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الصَّدَقَةُ عَلَى تَأْوِيلِ التَّصَدُّقِ (الْمَذْكُورِ) فِي الْآيَةِ، قِيلَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْحَدِيثُ الَّذِي فَسَّرَ الْآيَةَ فِيهِ لَفْظُ الْإِطْعَامِ فَكَانَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مُفَسِّرُ الْمُجْمَلِ بَلْ إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِلرَّادِّ بِالْإِطْلَاقِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الصَّدَقَةُ وَتَحَقَّقَ حَقِيقَتُهَا بِالتَّمْلِيكِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلُ فِي الْحَدِيثِ الْإِطْعَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ الصَّدَقَةُ وَإِلَّا كَانَ مُعَارِضًا، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(3/41)

فَصْلٌ (فَإِنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجِمَاعُ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى (وَإِنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَقُولُ: إذَا مَسَّ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ. وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُفْسِدُ إحْرَامَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ وَاعْتَبَرَهُ بِالصَّوْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[فَصْلٌ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى]
(فَصْلٌ) قَدَّمَ النَّوْعَ السَّابِقَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقَدَّمَةِ لَهُ، إذْ الطِّيبُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ مُهَيِّجَاتٌ لِلشَّهْوَةِ لِمَا تُعْطِيهِ مِنْ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ) مُخَالِفٌ لِمَا صُحِّحَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِنْزَالِ. قَالَ: لِيَكُونَ جِمَاعًا مِنْ وَجْهِ، مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُنْزِلْ: يَعْنِي يَجِبُ الدَّمُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا لَمْ يُنْزِلْ بِالتَّقْبِيلِ، لَكِنَّا نَقُولُ: الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ جُمْلَةِ الرَّفَثِ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ. وَبِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ إحْرَامِهِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ الْإِلْزَامُ لِلنَّهْيِ فَلَيْسَ كُلُّ نَهْيٍ يُوجِبُ كَالرَّفَثِ، وَإِنْ كَانَ لِلرَّفَثِ فَكَذَلِكَ إذْ أَصْلُهُ الْكَلَامُ فِي الْجِمَاعِ بِحَضْرَتِهِنَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُوجِبًا شَيْئًا.
(قَوْلُهُ: فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ إرَادَةُ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالْقُبْلَةِ بِشَهْوَةٍ وَالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَالْمُفَادُ حِينَئِذٍ بِالتَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ: أَعْنِي قَوْلَهُ إنَّمَا يَفْسُدُ إحْرَامُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ أَنَّهُ إذَا أَنْزَلَ يَفْسُدُ إحْرَامُهُ، وَإِذَا لَمْ يُنْزِل لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الْأَوَّلِ وَهُوَ إذَا أَنْزَلَ يَفْسُدُ كَانَ لَفْظُ
(3/42)

وَلَنَا أَنَّ فَسَادَ الْحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجِمَاعٍ مَقْصُودٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ وَالِارْتِفَاقِ بِالْمَرْأَةِ وَذَلِكَ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءٌ بِالشَّهْوَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إنَّمَا لَغْوًا، إذْ هَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَفْسُدُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ، فَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ قَصَرَ الصُّوَرَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى حُكْمٍ هُوَ الْفَسَادُ إذَا أَنْزَلَ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْأَصْلُ إنَّمَا فِي جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ فَسَادُ الْإِحْرَامِ بِالْإِنْزَالِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: لَا حُكْمَ فِيهَا إلَّا الْفَسَادُ بِالْإِنْزَالِ، فَيُفِيدُ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْفَسَادِ بِالْإِنْزَالِ، وَعَدَمُ وُجُوبِ شَيْءٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِيهَا حُكْمًا سِوَى مَا ذَكَرَ، ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هُوَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ فِي قَوْلِهِ بِالصَّوْمِ صَالِحٌ لِإِثْبَاتِهِمَا مَعًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَعَادَتُهُمْ نَصْبُ الْخِلَافِ بِاعْتِبَارِ قَوْلٍ ثُمَّ قَصْدٍ الْمُصَنِّفُ اتِّبَاعَ مَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَاَلَّذِي فِيهِ مَا عَلِمْت مِنْ قَوْلِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا لَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَعَلَى الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي تَقْرِيرِ الْمَذْهَبِ لِلطَّرَفَيْنِ وَيُمْكِنُ تَحْمِيلُهُ لِكَلَامِهِ، فَالتَّعَرُّضُ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَنَا أَنَّ فَسَادَ الْإِحْرَامِ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ) يَعْنِي إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِعَدَمِ فَسَادِ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَلِهَذَا لَا يَفْسُدُ بِسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ) .
وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ سَائِرَهَا لَا يَفْسُدُ بِمُبَاشَرَتِهَا الْإِحْرَامُ، وَالنَّصُّ وَرَدَ بِهِ فِي الْجِمَاعِ بِصُورَتِهِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا سُئِلَ عَنْ الْجِمَاعِ وَمُطْلَقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ بِالصُّورَةِ الْخَاصَّةِ فَيَتَعَلَّقُ الْجَوَابُ بِالْفَسَادِ بِحَقِيقَتِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ النَّصُّ لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ الْجِمَاعَ أَيْضًا مُفْسِدٌ؛ وَلِأَنَّ أَقْصَى مَا يَجِبُ فِي الْحَجِّ الْقَضَاءُ وَفِي الصَّوْمِ الْكَفَّارَةُ فَكَانَا مُتَوَازِيَيْنِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ لَا تَجِبُ بِالْإِنْزَالِ مَعَ الْمَسِّ، فَكَذَا قَضَاءُ الْحَجِّ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ حُكْمُ عَدَمِ الْفَسَادِ فَيَثْبُتُ عَدَمُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالتَّعَرُّضُ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ إلَخْ) .
وَجْهُهُ أَنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ فِيهِ لَفْظُ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالتَّقْبِيلِ وَالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا بِقَيْدِ الْإِنْزَالِ كَمَا يُفِيدُ لَفْظُ النِّهَايَةِ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلَ مَعْنًى، وَكَانَ يَنْحَلُّ إلَى قَوْلِنَا فِي الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْإِنْزَالِ إذَا أَنْزَلَ. فَالْحَاصِلُ مِنْ الْعِبَارَةِ إلَى قَوْلِهِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إلَّا أَنَّ فِي الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالتَّقْبِيلِ وَالْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ اسْتِمْتَاعًا بِالْمَرْأَةِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مَعَ إنْزَالٍ أَوْ لَا، وَذَلِكَ مَحْظُورُ إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ الَّذِي قِسْت عَلَيْهِ عَدَمَ لُزُومِ شَيْءٍ إذَا لَمْ يُنْزِلْ وَالْفَسَادُ إذَا أَنْزَلَ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِيهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمُحَرَّمُ فِيهِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إلَّا بِالْإِنْزَالِ، ثُمَّ إنَّمَا يَفْسُدُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِسَبَبِ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا لِلرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الْكَفُّ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ مُحَرَّمٌ أَصْلًا، بَلْ الثَّابِتُ فِعْلُ مَكْرُوهٍ فَلَا يُوجِبُ شَيْئًا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ بِالِاسْتِمْتَاعِ
(3/43)

(وَإِنْ جَامَعَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ كَمَا يَمْضِي مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ قَالَ: يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِلَا إنْزَالٍ يَحْصُلُ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ فَيَسْتَعْقِبُ الْجَزَاءَ، وَمَعَ الْإِنْزَالِ يَثْبُتُ الْفَسَادُ بِالنَّصِّ.

(قَوْلُهُ: فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ) وَكَذَا إذَا تَعَدَّدَ الْجِمَاعُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا مَرْأَةَ أَوْ نِسْوَةَ، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ كَهُوَ فِي الْقُبُلِ عِنْدَهُمَا، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي أُخْرَى عَنْهُ: لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسَادٌ وَالْأُولَى أَصَحُّ. فَإِنْ جَامِعَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَفْضَ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ لَزِمَهُ دَمٌ آخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْفَاسِدَةِ لَا يَلْزَمُهُ بِالثَّانِي شَيْءٌ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَقَاضِي خَانْ. وَقَدَّمْنَا مِنْ الْمَبْسُوطِ قَرِيبًا لُزُومَ تَعَدُّدِ الْمُوجِبِ؛ لِتَعَدُّدِ الْمَجَالِسِ عِنْدَهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْقَيْدِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَفَّرَ عَنْ الْأُولَى فَيَلْزَمُهُ أُخْرَى، وَالْحَقُّ اعْتِبَارُهُ عَلَى أَنْ تَصِيرَ الْجِنَايَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ بَعْدَهُ مُتَّحِدَةً، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا جَامَعَ النِّسَاءَ وَرَفَضَ إحْرَامَهُ، وَأَقَامَ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ الْحَالُّ مِنْ الْجِمَاعِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ حَرَامًا كَمَا كَانَ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لِأَنَّ بِإِفْسَادِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِرْ خَارِجًا عَنْهُ قَبْلَ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا بِنِيَّةِ الرَّفْضِ وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ دَمًا وَاحِدًا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَاتِ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ فَيَكْفِيهِ لِذَلِكَ دَمٌ وَاحِدٌ. اهـ.
فَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَ جِمَاعٌ بَعْدَ الْأَوَّلِ لِقَصْدِ الرَّفْضِ فِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ. وَمَا يَلْزَمُ بِهِ الْفَسَادُ وَالدَّمُ عَلَى الرَّجُلِ يَلْزَمُ مِثْلُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ نَاسِيَةً إنَّمَا يَنْتَفِي بِذَلِكَ الْإِثْمُ. وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَسَدَ حَجُّهَا دُونَهُ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الصَّبِيَّةُ أَوْ مَجْنُونَةٌ انْعَكَسَ الْحُكْمُ. وَلَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً وَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِمْنَاءُ بِالْكَفِّ عَلَى هَذَا. ثُمَّ إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً حَتَّى فَسَدَ حَجُّهَا وَلَزِمَهَا دَمٌ هَلْ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ؟ عَنْ ابْنِ شُجَاعٍ لَا، وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَازِمِ نَعَمْ. وَالْقَارِنُ إذَا جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِعُمْرَتِهِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِمَا وَيُتِمَّهُمَا عَلَى الْفَسَادِ وَشَاتَانِ وَقَضَاؤُهُمَا. فَلَوْ جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَ حَجُّهُ دُونَ عُمْرَتِهِ، وَإِذَا فَسَدَ الْحَجُّ سَقَطَ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ نُسُكَانِ صَحِيحَانِ، وَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ لِفَسَادِ الْحَجِّ وَلِلْجِمَاعِ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فَيَقْضِي الْحَجَّ فَقَطْ، وَلِذَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ لَيْسَ بِقَارِنٍ لِهَذَا.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ إلَخْ) رِوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ شَكَّ فِيهِ أَبُو تَوْبَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامَ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اقْضِيَا حَجَّكُمَا وَاهْدِيَا هَدْيًا» قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَصِحُّ فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ نُعَيْمٍ مَجْهُولٌ، وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ ثِقَةٌ، وَقَدْ شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ فِي أَيِّهِمَا حَدَّثَهُ بِهِ اهـ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ بِلَا شَكٍّ. وَقَوْلُهُ: مُنْقَطِعٌ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي سَمَاعِ يَزِيدَ هَذَا مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَفِي صُحْبَةِ أَبِيهِ فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ. وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَةِ أَبِيهِ، فَمَنْ قَالَ إنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَابِرٍ جَعَلَهُ مُرْسَلًا وَعَلَيْهِ مَشَى أَبُو دَاوُد، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَرَاسِيلِ
(3/44)

وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تَجِبُ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا وَجَبَ وَلَا يَجِبُ إلَّا لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ خَفَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَيَكْتَفِي بِالشَّاةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ. ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ مِنْهُمَا لَا يُفْسِدُ لِتَقَاصُرِ مَعْنَى الْوَطْءِ فَكَانَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ فِي قَضَاءِ مَا أَفْسَدَاهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَمَنْ قَالَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ وَلَيْسَ لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ يَجْعَلُهُ مُنْقَطِعًا فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ سَمَاعَهُ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ.
وَلَيْسَ فِي سَنَدِ أَبِي دَاوُد انْقِطَاعٌ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنِ نَافِعٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ، وَهَذَا سَنَدٌ مُتَّصِلٌ كُلُّهُ ثِقَاتٌ بِتَقْدِيرِ يَزِيدَ، وَلَا شَكَّ فِيهِ فِي طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ فَيَحْصُلُ اتِّصَالُهُ وَإِرْسَالُهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا " الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ: وَأَهْدَيَا. وَضُعِّفَ بِابْنِ لَهِيعَةَ، وَيَشُدُّ الْمُرْسَلَ، وَالْمَذْكُورُ مِنْهُ مَا سِوَى الزِّيَادَةِ. وَرُوِيَ بِالزِّيَادَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ إلَى مَنْ سَأَلَ مُجَاهِدًا عَنْ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: يَقْضِيَانِ حَجُّهُمَا ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَالَّيْنِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا وَتَفَرَّقَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ فِيهِ: بَطَل حَجُّهُ، قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَيَقْعُدُ؟ قَالَ لَا، بَلْ يَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ مِنْ قَابِلٍ حَجَّ وَأَهْدَى. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادَهُ عَنْهُمْ. وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ مِنْ بَلَاغَاتِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نَحْوُهُ، إلَّا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِيهِ: يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا.
(قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ) بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ قَبْلَهُ فِي مُطْلَقِ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ) يَعْنِي لَفْظَ الشَّاةِ، وَعَلَى
(3/45)

عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا. وَلِزَفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا أَحْرَمَا. وَلَلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا انْتَهَيَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ. لَهُمْ أَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ ذَلِكَ فَيَقَعَانِ فِي الْمُوَاقَعَةِ فَيَفْتَرِقَانِ. وَلَنَا أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمٌ فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِإِبَاحَةِ الْوَقَاعِ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ مَا لَحِقَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ بِسَبَبِ لَذَّةِ يَسِيرَةِ فَيَزْدَادَانِ نَدَمًا وَتَحَرُّزًا فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ.

(وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا جَامَعَ قَبْلَ الرَّمْيِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا خَرَّجْنَا إطْلَاقَ لَفْظِ الْهَدْيِ وَهُوَ يَصْدُقُ بِالتَّنَاوُلِ عَلَى الشَّاةِ كَانَ فِي الْبَدَنَةِ أَكْمَلَ، وَالْوَاجِبُ انْصِرَافُ الْمُطْلَقِ إلَى الْكَامِلِ فِي الْمَاهِيَّةِ لَا إلَى الْأَكْمَلِ، وَمَاهِيَّةُ الْهَدْيِ كَامِلَةٌ فِيهَا. بِخِلَافِ السَّمَكِ بِالنِّسْبَةِ إلَى لَفْظِ اللَّحْمِ فَإِنَّ مَاهِيَّةَ اللَّحْمِ نَاقِصَةٌ فِيهِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ فَرْقٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا لِيَقُومَ مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعْنَى اسْتِدْرَاكِ الْمَصْلَحَةِ، فَبَعْدَ قِيَامِهِ مَقَامَهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا جَزَاءُ تَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ، وَيَكْفِي فِيهِ الشَّاةُ كَالْمُحْصَرِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ لَمْ يَتِمَّ بِالْجِمَاعِ وَلِهَذَا يَمْضِي فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهُ أُخِّرَ الْمُعْتَدُّ بِهِ إلَى قَابِلٍ ثُمَّ لَا تَجِبُ عُمْرَةٌ؛ لِعَدَمِ فَوَاتِ حَجِّهِ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا مَعْنَى لِلِافْتِرَاقِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ فِي الْأَدَاءِ فَكَذَا فِي الْقَضَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ أَمْرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْأَمْرُ بِالِافْتِرَاقِ أَمْرَ إيجَابٍ بَلْ أَمْرُ نَدْبٍ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ؛ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَصْبِرُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لِمَا ظَهَرَ مِنْهُمَا فِي الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ فَكَانَ كَالشَّابِّ فِي حَقِّ الْقُبْلَةِ فِي الصَّوْمِ لَا؛ لِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ فَيَقَعَانِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُمَا يَتَذَاكَرَانِ فَلَا يَقَعَانِ؛ لِتَذَكُّرِهِمَا مَا حَصَلَ لَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِلَّذَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِاسْتِحْبَابِ الِافْتِرَاقِ لِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) يَعْنِي قَبْلَ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فِيهِ شَاةٌ. هَذَا وَالْعَبْدُ إذَا جَامَعَ مَضَى فِيهِ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَحَجَّةٌ إذَا أَعْتَقَ سِوَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْمَالُ يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ لِلْحَالِّ، وَلَا يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَوْلَى عَنْهُ إلَّا فِي الْإِحْصَارِ، فَإِنَّ الْمَوْلَى يَبْعَثُ عَنْهُ؛ لِيَحِلَّ هُوَ فَإِذَا أَعْتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَّقَ
(3/46)

وَإِنَّمَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ فَيَتَغَلَّظُ مُوجِبُهُ.

(وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دُونَ لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَخَفَّتْ الْجِنَايَةُ فَاكْتَفَى بِالشَّاةِ.

(وَمَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ فَيَمْضِي فِيهَا وَيَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ. وَإِذَا جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ. أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّمَامَ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنْ لَيْسَ التَّمَامُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ بَقَاءِ شَيْءٍ عَلَيْهِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ أَمْنِ الْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ.
وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الْبَدَنَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً ". رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْهُ وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَجُلٍ قَضَى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَالَ: عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. وَلِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ هُنَا؛ لِيَخِفْ أَثَرُ الْجِنَايَةِ بِجَبْرِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَهُوَ أَرْجَحُ مِمَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِمَّا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي رَجُلٌ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ بَعِيدُ الشُّقَّةِ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ، قَضَيْتُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَزُرْ الْبَيْتَ حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَقَالَ: عَلَيْك بَدَنَةٌ وَحَجٌّ مِنْ قَابِلٍ فَإِنَّهُ مَتْرُوكٌ بَعْضُهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» بِخِلَافِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا. وَلَوْ جَامَعَ مَرَّةً ثَانِيَةً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ مَعَ الْبَدَنَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حُرْمَةٍ مَهْتُوكَةٍ فَصَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصًا فَيَجِب الدَّمُ. وَلَوْ جَامَعَ الْقَارِنُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَزِمَهُ بَدَنَةٌ لِحَجَّتِهِ وَشَاةٌ لِعُمْرَتِهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) مَا لَمْ يَكُنْ جَامَعَ بَعْدَمَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
(3/47)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ اعْتِبَارًا بِالْحَجِّ إذْ هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالْحَجِّ. وَلَنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ فَكَانَتْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْهُ فَتَجِبُ الشَّاةُ فِيهَا وَالْبَدَنَةُ فِي الْحَجِّ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ.

(وَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا كَانَ كَمَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جِمَاعُ النَّاسِي غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي جِمَاعِ النَّائِمَةِ وَالْمُكْرَهَةُ. هُوَ يَقُولُ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ كَانَ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى طَافَ لِلزِّيَارَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ جَامَعَ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ والإسبيجابي: لَوْ جَامَعَ الْقَارِنُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَعْدَ الْحَلْقِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَشَاةٌ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامَيْنِ بِالْحَلْقِ إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَهُوَ مُحْرِمٌ بِهِمَا فِي حَقِّهِنَّ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَشُرُوحِ الْقُدُورِيِّ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ عَلَى الْحَاجِّ شَاةً بَعْدَ الْحَلْقِ. وَذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا مَعْزِيًّا إلَى الْوَبَرِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا عَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْحَجِّ وَلَا شَيْءَ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهَا بِالْحَلْقِ وَبَقِيَ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَاسْتَشْكَلَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَكَذَا فِي الْعُمْرَةِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي الْوَبَرِيِّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ لَمْ يُعْهَدْ بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ وَيَبْقَى فِي حَقِّهِنَّ، بَلْ إذَا حَلَقَ بَعْدَ أَفْعَالِهَا حَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا عُهِدَ ذَلِكَ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، فَإِذَا ضَمَّ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ اسْتَمَرَّ كُلٌّ عَلَى مَا عُهِدَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، إذْ لَا يَزِيدُ الْقِرَانُ عَلَى ذَلِكَ الضَّمِّ فَيَنْطَوِي بِالْحَلْقِ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مُوجِبٌ بِسَبَبِ الْوَطْءِ بَلْ الْحَجُّ فَقَطْ. ثُمَّ يَجِبُ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الشَّاةِ أَوْ الْبَدَنَةِ، وَقَوْلُهُ مُوجِبُ الْبَدَنَةِ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا لَيْسَ إلَّا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ ظَاهِرٌ فِيمَا بَعْدَ الْحَلْقِ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَتَأَمَّلْهُ. ثُمَّ الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَهَا قَبْلَ الْحَلْقِ لَيْسَ إلَّا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ جِنَايَةً عَلَيْهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لَهُ لَا لِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَيْسَ الطِّيبُ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ الْجِمَاعَ أَوْ الْحَلْقَ بَلْ بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لِلطِّيبِ، وَكَذَا كُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ جِنَايَةً عَلَيْهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِهِ لَهَا لَا لِغَيْرِهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ مَا قَبْلَ الْحَلْقِ، وَمَا بَعْدَهُ فِي حَقِّ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِهِ كَانَ جِنَايَةً قَبْلَهُ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ بَعْدَهُ، وَالزَّائِلُ لَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ جِنَايَةً بِاعْتِبَارِهِ، لَا جَرَمَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إطْلَاقُ لُزُومِ الْبَدَنَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْحَلْقِ أَوْ بَعْدَهُ.
(3/48)

الْحَظْرُ يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ جِنَايَةً. وَلَنَا أَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الِارْتِفَاقِ فِي الْإِحْرَامِ ارْتِفَاقًا مَخْصُوصًا، وَهَذَا لَا يَنْعَدِمُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَالْحَجُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ حَالَاتِ الْإِحْرَامِ مُذَكِّرَةٌ بِمَنْزِلَةِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ ذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا فَقَالَ: وَإِذَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ قَصَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَّرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. فَمِنْ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَخَذَ التَّفْصِيلَ مَنْ أَخَذَهُ إنْ كَانَ إذْ خَفَّ الْمُوجِبُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَسْتَشْكِلَهُ بِأَنَّ الطَّوَافَ قَبْلَ الْحَلْقِ لَمْ يَحِلَّ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْجَزُورُ، وَإِنْ كَانَ سُؤَالُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَفَتْوَاهُ بِهِ إنَّمَا كَانَ فِيمَنْ لَمْ يَطُفْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ؛ لِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامٍ أُمِنَ فَسَادُهُ. وَلَوْ كَانَ قَارِنًا: أَعْنِي الَّذِي طَافَ لِلزِّيَارَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ جَامَعَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: عَلَيْهِ شَاتَانِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ لَهُمَا جَمِيعًا. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الرُّقَيَّاتِ فِيمَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا ثُمَّ جَامَعَ قَبْلَ الْإِعَادَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَحْسَنَ فِيمَا إذَا طَافَ جُنُبًا ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَعَادَ طَاهِرًا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ دَمًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْجِمَاعَ وَقَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ بِالْإِعَادَةِ طَاهِرًا يَنْفَسِخُ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ، وَيَصِيرُ طَوَافُهُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تُوجِبُ نُقْصَانًا فَاحِشًا فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ قَبْلَ الطَّوَافِ فَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ: يَعْنِي ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَعَادَهُ مُتَوَضِّئًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَسِيرٌ فَلَمْ يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ فَيَقَعُ جِمَاعُهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الِانْفِسَاخَ إنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ فَقَدْ قَالَ آخَرُونَ بِعَدَمِهِ وَصَحَّحَ فَلَمْ يَلْزَمْ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَوُقُوعُهُ شَرْعًا قَبْلَ التَّحَلُّلِ إنَّمَا مُوجِبُهُ الْبَدَنَةُ لَا مُطْلَقُ الدَّمِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَسَنُوَجِّهُ عَدَمَ الِانْفِسَاخِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) مُوَافِقٌ لِمَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَصُرِّحَ بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَمُخَالِفٌ
(3/49)

لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْمَنْطِقَ فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شَرْطِهِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الطَّهَارَةِ فَلَمْ تَكُنْ فَرْضًا، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ سُنَّةٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الْجَابِرُ؛ وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَيَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ، فَإِذَا شُرِعَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَهُوَ سُنَّةٌ، يَصِيرُ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ وَيَدْخُلُهُ نَقْصٌ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَيُجْبَرُ بِالصَّدَقَةِ إظْهَارًا لِدُنُوِّ رُتْبَتِهِ عَنْ الْوَاجِبِ بِإِيجَابِ اللَّهِ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ طَوَافٍ هُوَ تَطَوُّعٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِمَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ قَالَ: لَيْسَ لِطَوَافِ التَّحِيَّةِ مُحْدِثًا وَلَا جُنُبًا شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكَذَا تَرْكُهُ مِنْ وَجْهٍ. وَالْوَجْهَانِ اللَّذَانِ أَبْطَلَ بِهِمَا الْمُصَنِّفُ كَوْنَ الطَّهَارَةِ سُنَّةً: أَعْنِي قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِهَا الْجَابِرُ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يُوجِبُ الْعَمَلَ كَافِلَانِ بِإِبْطَالِهِ، وَلِمَا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْأَوَّلِ لُزُومُ الْجَابِرِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّا نَنْفِيهِ فِي غَيْرِ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، دَفَعَهُ بِتَقْرِيرِ أَنَّ كُلَّ تَرْكٍ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ فِي وَاجِبٍ، فَإِنَّ التَّطَوُّعَ إذَا شُرِعَ فِيهِ صَارَ وَاجِبًا بِالشُّرُوعِ ثُمَّ يَدْخُلُهُ النَّقْصُ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ. غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ وُجُوبَهُ لَيْسَ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً فَأَظْهَرْنَا التَّفَاوُتَ فِي الْحَطِّ مِنْ الدَّمِ إلَى الصَّدَقَةِ فِيمَا إذَا طَافَ مُحْدِثًا، وَمِنْ الْبَدَنَةِ إلَى الشَّاةِ إذَا طَافَ جُنُبًا.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ «إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ» ، فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِهَا إلَّا فِي جَوَازِ الْكَلَامِ فَيَصِيرُ مَا سِوَى الْكَلَامِ دَاخِلًا فِي الصَّدْرِ وَمِنْهُ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ
(3/50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» فَرَتَّبَ مَنْعَ الطَّوَافِ عَلَى انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا حُكْمٌ وَسَبَبٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ لَا لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْحَائِضِ. وَلَنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا يَنْتَظِمُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا، وَهُوَ تَسْلِيمُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْحُكْمِ لَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ نَسْخُهُ لِإِطْلَاقِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَثَبَتَ بِهِ الْوُجُوبُ لَا الِافْتِرَاضُ لِاسْتِلْزَامِهِ الْإِكْفَارَ بِجَحْدِ مُقْتَضَاهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمُ مُقْتَضَاهُ بَلْ لَازِمُهُ التَّفْسِيقُ بِهِ، فَكَيْفَ وَلَوْ ثَبَتَ بِهِ افْتِرَاضُ الطَّهَارَةِ كَانَ نَاسِخًا لَهُ، إذْ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] يَقْتَضِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالدَّوَرَانِ حَوْلَ الْبَيْتِ مَعَ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا.
فَجَعْلُهُ لَا يَخْرُجُ مَعَ عَدَمِهَا نَسْخٌ لِإِطْلَاقِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ مُوجِبَهُ مِنْ إثْبَاتِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ حَتَّى أَثَّمْنَا بِتَرْكِهَا وَأَلْزَمْنَا الْجَابِرَ، وَلَيْسَ مُقْتَضَى خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرَ هَذَا لَا الِاشْتِرَاطَ الْمُفْضِي إلَى نَسْخِ إطْلَاقِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُؤَيِّدُ انْتِفَاءَ الِاشْتِرَاطِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ. رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: حَاضَتْ امْرَأَةٌ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَتَمَّتْ بِهَا عَائِشَةُ سُنَّةَ طَوَافِهَا. وَقَالَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت حَمَّادًا وَمَنْصُورًا عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. وَقَدْ انْتَظَمَ مَا ذَكَرْنَاهُ الْجَوَابَ عَمَّا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. ثَانِيهِمَا مَنْعُ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، وَنَقُولُ: بَلْ التَّشْبِيهُ فِي الثَّوَابِ لَا فِي الْأَحْكَامِ. وَقَوْلُهُ «إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ مُسْتَأْنَفٌ بَيَانٌ لِإِبَاحَةِ الْكَلَامِ فِيهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَكَانَ الْمَشْيُ مُمْتَنِعًا لِدُخُولِهِ فِي الصَّدْرِ، وَكَأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَشْعَرَ فِيهِ مَنْعًا وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمَشْيُ قَدْ عُلِمَ إخْرَاجُهُ قَبْلَ التَّشْبِيهِ فَإِنَّ الطَّوَافَ نَفْسُ الْمَشْيِ، فَحَيْثُ قَالَ صَلَاةٌ فَقَدْ قَالَ الْمَشْيُ الْخَاصُّ كَالصَّلَاةِ فَيَكُونُ وَجْهُ التَّشْبِيهِ مَا سِوَى الْمَشْيِ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لَكِنْ يَبْقَى الِانْحِرَافُ مُؤَيِّدًا لِلْوَجْهِ الثَّانِي. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ عِنْدَنَا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَنْفِيهِ، وَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَحْتَمِلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَيُخَصُّ الِانْحِرَافُ أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاتِّفَاقِ رُوَاةِ «مَنَاسِكِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ حِينَ طَافَ» ، وَلِاعْتِبَارِهِ وَجَبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ، فَلَوْ طَافَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ لَزِمَ الدَّمُ إنْ لَمْ يُعِدْهُ.
فَالْجَوَابُ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَبَرَ لَكَانَ مُقْتَضَاهُ وُجُوبَ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِيهِ لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ وُجُوبِهَا. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يُفْتَرَضُ تَحْصِيلُهَا وَلَا يَجِبُ لَكِنَّهُ سُنَّةٌ، حَتَّى لَوْ طَافَ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ. اهـ.
فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الثَّوَابِ، وَيُضَافُ إيجَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ إلَى مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَإِيجَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(3/51)

(وَلَوْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي الرُّكْنِ فَكَانَ أَفْحَشَ مِنْ الْأَوَّلِ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ (وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ فَيَجِبُ جَبْرُ نُقْصَانِهَا بِالْبَدَنَةِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ، وَكَذَا إذَا طَافَ أَكْثَرَهُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا، لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُ كُلِّهِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا ذَبْحَ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
«أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ» قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ طَافَ تَطَوُّعًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَأَحَبُّ إلَيْنَا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ سِوَى الَّذِي طَافَ وَعَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ. هَذَا وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ أَنَّ فِي نَجَاسَةِ الْبَدَنِ كُلِّهِ الدَّمَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يُقَالُ: فَلِمَ لَمْ تُلْحَقْ الطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَسِ بِالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ وَهُوَ الْأَصْلُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ قِيَاسًا أَوْ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا فِي إثْبَاتِ شَرْطٍ بَلْ فِي إثْبَاتِ الْوُجُوبِ. وَقَدْ يُجَابُ بِحَاصِلِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ أَخَفُّ حَتَّى جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَمَعَ كَثِيرِهَا حَالَةَ الضَّرُورَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ نُقْصَانٌ فِي الطَّوَافِ وَهَذَا يَخُصُّ الْفَرْقَ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ دُونَ السَّتْرِ، ثُمَّ أَفَادَ فَرْقًا بَيْنَ السَّتْرِ وَبَيْنَهُ بِأَنَّ وُجُوبَ السَّتْرِ لِأَجْلِ الطَّوَافِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ» فَبِسَبَبِ الْكَشْفِ يَتَمَكَّنُ نُقْصَانٌ فِي الطَّوَافِ وَاشْتِرَاطُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ لَيْسَ لِلطَّوَافِ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يَتَمَكَّنُ بِتَرْكِهِ نُقْصَانٌ فِيهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجِهَةَ الْمُشَارِكَةَ لِلطَّوَافِ فِي سَبَبِيَّةِ الْمَنْعِ.
وَأَفَادَهَا فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ: الْمَنْعُ مِنْ الطَّوَافِ مَعَ الثَّوْبِ النَّجِسِ لَيْسَ لِأَجْلِ الطَّوَافِ بَلْ لِصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ إدْخَالِهِ النَّجَاسَةَ وَصِيَانَتِهِ عَنْ التَّلْوِيثِ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ نَقْصًا فِي الطَّوَافِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَبْرِ إلَّا أَنَّهُ نَفَى سَبَبِيَّةَ الطَّوَافِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ الْمَنْعُ مِنْ الطَّوَافِ مَعَ الثَّوْبِ النَّجِسِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنَعَ لَكَانَ لِصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ أَنَّ الْمَنْعَ ثَابِتٌ مَعَ النَّجَاسَةِ وَلِذَا تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ إلَى الْوُجُوبِ فَلَا يَنْتَهِضُ مُوجِبًا لِلْجَابِرِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَنْصِيصٌ سِوَى عَلَى الثَّوْبِ، وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُ تَعْمِيمَ الْبَدَنِ أَيْضًا.

(قَوْلُهُ فَكَانَ أَفْحَشَ) فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اخْتَلَفَ الْجَابِرُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الطَّوَافِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَخْتَلِفَ الْجَابِرُ بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَةِ اعْتِبَارًا لِلْمُسَبِّبِ عَلَى وِزَانِ سَبَبِهِ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِلتَّعَذُّرِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ أَمْكَنَ فِي الْحَجِّ لِشَرْعِ الْجَابِرِ فِيهِ مُتَنَوِّعًا إلَى بَدَنَةٍ وَشَاةٍ وَصَدَقَةٍ فَاعْتُبِرَ تَفَاوُتُ الْجَابِرِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَةِ وَتَعَذَّرَ فِي الصَّلَاةِ إذْ لَمْ يُشْرَعْ الْجَابِرُ لِلنَّقْصِ الْوَاقِعِ
(3/52)

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْحَدَثِ اسْتِحْبَابًا وَفِي الْجَنَابَةِ إيجَابًا لِفُحْشِ النُّقْصَانِ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ وَقُصُورِهِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ. ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْإِعَادَةِ لَا يَبْقَى إلَّا شُبْهَةُ النُّقْصَانِ، وَإِنْ أَعَادَهُ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالتَّأْخِيرِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ. وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ جُنُبًا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ كَثِيرٌ فَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ اسْتِدْرَاكًا لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
سَهْوًا إلَّا السُّجُودُ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْحَدَثِ اسْتِحْبَابًا) وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ تِلْكَ الرِّوَايَةُ مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ مُطْلَقًا وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ الطَّوَافُ جَابِرًا، فَإِنَّ الدَّمَ وَالصَّدَقَةَ مِمَّا يُجْبَرُ بِهِمَا فَالْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا غَيْرُ عَيْنٍ وَاسْتِحْبَابُ الْمُعَيَّنِ: أَعْنِي الطَّوَافَ لِيَكُونَ الْجَابِرُ مِنْ جِنْسِ الْمَجْبُورِ. بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَطُفْ فَإِنَّ الْبَعْثَ بِالشَّاةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ كَانَ يَسِيرًا وَفِي الشَّاةِ تَقَعُ لِلْفُقَرَاءِ.
(قَوْلُهُ لَا ذَبْحَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ) إنْ هَذِهِ وَصْلِيَّةٌ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الشَّيْءِ إذَا أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ دَلِيلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَوَّلِ فِي الْحَدَثِ وَإِلَّا لَوَجَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ. وَقَوْلُهُ فِي فَصْلِ الْجَنَابَةِ وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْر لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالتَّأْخِيرِ أَخَذَ مِنْهُ الرَّازِيّ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي فَصْلِ الْجَنَابَةِ لِلطَّوَافِ الثَّانِي وَيَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِهِ وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْأَوَّلُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ إذْ لَا شَكَّ فِي وُقُوعِ الْأَوَّلِ مُعْتَدًّا بِهِ حَتَّى حَلَّ بِهِ النَّسَاءُ، وَتَقْرِيرُ مَا عُلِمَ شَرْعًا بِاعْتِدَادِهِ حَالَ وُجُودِهِ أَوْلَى. وَاسْتَدَلَّ الْكَرْخِيُّ بِمَا فِي الْأَصْلِ: لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فِي رَمَضَانَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا إنْ أَعَادَهُ فِي شَوَّالٍ أَوْ لَمْ يُعِدْهُ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا لِوُقُوعِ الْأَمْنِ لَهُ عَنْ فَسَادِ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا أَمِنَ فَسَادَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَجِّ
(3/53)

وَيَعُودُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. وَإِنْ لَمْ يَعُدْ وَبَعَثَ بَدَنَةً أَجْزَأَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ جَابِرٌ لَهُ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْعَوْدُ.
وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ طَافَهُ مُحْدِثًا إنْ عَادَ وَطَافَ جَازَ، وَإِنْ بَعَثَ بِالشَّاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ خَفَّ مَعْنَى النُّقْصَانِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَصْلًا حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ لِانْعِدَامِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَنْ النِّسَاءِ أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَ.

(وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الصَّدْرِ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ) لِأَنَّهُ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَجِبُ شَاةٌ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ (وَلَوْ طَافَ جُنُبًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ هُوَ دُونَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَيُكْتَفَى بِالشَّاةِ.

(وَمَنْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَكُونُ بِهَا مُتَمَتِّعًا.
قَالَ: وَالطَّوَافُ الْأَوَّلُ كَانَ حُكْمُهُ مُرَاعًى لِتَفَاحُشِ النُّقْصَانِ؛ فَإِنْ أَعَادَهُ انْفَسَخَ وَصَارَ الْمُعْتَدُّ بِهِ الثَّانِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ كَانَ مُعْتَدًّا بِهِ فِي التَّحَلُّلِ، كَمَنْ قَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَقْرَأْ حَتَّى رَكَعَ كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ مُرَاعًى عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ، فَإِنْ عَادَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ، حَتَّى إنَّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْتَدًّا بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ يَسِيرٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ بِهِ حُكْمُ الطَّوَافِ بَلْ بَقِيَ مُعْتَدًّا بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي جَابِرٌ لِلتَّمَكُّنِ فِيهِ مِنْ النُّقْصَانِ، وَلَوْ طَافَتْ الْمَرْأَةُ لِلزِّيَارَةِ حَائِضًا فَهُوَ كَطَوَافِ الْجُنُبِ سَوَاءٌ. اهـ. وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ أَوْلَى، وَجَعْلُ عَدَمِ التَّمَتُّعِ فِي شَاهِدِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ فَسَادِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِ الدَّمِ لِتَأْخِيرِ الْجَابِرِ لِجَعْلِهِ كَنَفْسِ الطَّوَافِ بِسَبَبِ أَنَّ النُّقْصَانَ لَمَّا كَانَ مُتَفَاحِشًا كَانَ كَتَرْكِهِ مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ وُجُودُ جَابِرِهِ كَوُجُودِهِ.
أَوْ نَقُولُ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الطَّوَافِ فِي أَيَّامِهِ خَالِيًا عَنْ النَّقْصِ الْفَاحِشِ الَّذِي يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّرْكِ لِبَعْضِهِ، فَبِإِدْخَالِهِ يَكُونُ مُوجِدًا لِبَعْضِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَعْضُ الْآخَرُ أَعْنِي صِفَةَ الْكَمَالِ، وَهُوَ تَكَامُلُ الصِّفَةِ وَهُوَ الطَّوَافُ الْجَابِرُ فَوَجَبَ فِي أَيَّامِ الطَّوَافِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ وَجَبَ دَمٌ كَمَا إذَا أَخَّرَ أَصْلَ الطَّوَافِ. (قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَلَّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ جُنُبًا وَهُوَ آفَاقِيٌّ يُرِيدُ مَكَّةَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إحْرَامٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقِيلَ: يَعُودُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ، حَكَاهُ الْفَارِسِيُّ، ثُمَّ إذَا عَادَ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ يَبْدَأُ بِهَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ وَقْتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَلَوْ طَافَ الْقَارِنُ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ مُحْدِثًا أَعَادَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْجَبْرِ بِجِنْسِهِ فِي وَقْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ دَمٌ لِطَوَافِ الْعُمْرَةِ مُحْدِثًا وَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَيَرْمُلُ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ اسْتِحْبَابًا؛ لِيَحْصُلَ الرَّمَلُ وَالسَّعْيُ عَقِيبَ طَوَافٍ كَامِلٍ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَعْيٌ عَقِيبَ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ، إذْ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لَا يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ، وَفِي الْجَنَابَةِ إنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلسَّعْيِ وَكَذَا الْحَائِضُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ أَصْلًا إلَخْ) وَكَذَا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ تَرَكَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ يَعُودُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَبَدًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ؛ وَكُلَّمَا جَامَعَ لَزِمَهُ دَمٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْمَجَالِسُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ رَفْضَ الْإِحْرَامِ بِالْجِمَاعِ الثَّانِي وَتَقَدَّمَ أَوَائِلَ الْفَصْلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الصَّدْرِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي حُكْمِهِ رِوَايَتَيْنِ،
(3/54)

لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِتَرْكِ الْأَقَلِّ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْحَدَثِ فَتَلْزَمُهُ شَاةٌ. فَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ أَنْ لَا يَعُودَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ هِيَ رِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْجُنُبِ مُعْتَدٌّ بِهِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ، وَالْوَاجِبُ بِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ الدَّمُ فَلَا يَجِبُ بِالنُّقْصَانِ مَا يَجِبُ بِالتَّرْكِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَنَاطَ وُجُوبِ الدَّمِ كَمَالُ الْجِنَايَةِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الطَّوَافِ مَعَ الْجِنَايَةِ فَيَجِبُ بِهِ كَمَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ، وَلِذَا حَقَّقْنَا وُجُوبَ الدَّمِ بِطَوَافِ الْقُدُومِ جُنُبًا، وَلَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ أَصْلًا؛ لِثُبُوتِ الْجِنَايَةِ فِي فِعْلِهِ جُنُبًا وَعَدَمِهَا فِي تَرْكِهِ فَالْمَدَارُ الْجِنَايَةُ. فَإِنْ قُلْت: ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ لُزُومِ الدَّمِ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُحْدِثًا وَالصَّدَقَةِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُحْدِثًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إدْخَالُ النَّقْصِ فِي الْوَاجِبِ بِالشُّرُوعِ أَنَّهُ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ، وَهَذَا الْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالصَّدْرِ فَلِمَ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا؟ فَالْجَوَابُ مَنْعُ قِيَامِ الْفَرْقِ فَإِنَّ وُجُوبَهُ مُضَافٌ إلَى الصَّدْرِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ كَوُجُوبِ طَوَافِ الْقُدُومِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الشُّرُوعُ، وَلِهَذَا لَوْ اتَّخَذَ مَكَّةَ دَارًا لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ فِعْلِ الصَّدْرِ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَوْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ شَوْطًا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلصَّدَقَةِ فِي الْعُمْرَةِ.

(قَوْلُهُ: يَسِيرٌ) لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْوُجُودِ بِالْكَثْرَةِ. وَعَنْ هَذَا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الرُّكْنَ عِنْدَنَا هُوَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْوَاطُ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ بِهِ الْوَاجِبُ. وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُعَلَّلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ إذْ جَبْرُهَا بِالدَّمِ مَمْنُوعٌ عِنْدَ مَنْ يُخَالِفُ فِيهِ وَهُمْ كَثِيرُونَ، بَلْ جَبْرُهَا بِهِ لِإِقَامَةِ الْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. وَسَبَبُ اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِهِ عَلَى خِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إذْ لَا يُقَامُ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا مَقَامَ الْكُلِّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَقَاءِ رُكْنٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَحَكَمْنَا لِهَذَا بِالْأَمْنِ مِنْ فَسَادِ الْحَجِّ إذَا تَحَقَّقَ بَعْدَ الْوُقُوفِ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَهُ. فَعَلِمْنَا أَنَّ بَابَ الْحَجِّ اُعْتُبِرَ فِيهِ شَرْعًا هَذَا الِاعْتِبَارُ وَالطَّوَافُ مِنْهُ فَأَجْرَيْنَا فِيهِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ فِي إثْبَاتِ الْإِقَامَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ الْآخَرَ غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الطَّوَافُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ، فَلَمَّا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَبْعًا اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ تَقْدِيرًا لِلْكَمَالِ وَلَمَّا لَا يُجْزِي أَقَلُّ مِنْهُ فَيَثْبُتُ الْمُتَيَقَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْكَمَالِ أَوْ لِلِاعْتِدَادِ، وَيُقَامُ الْأَكْثَرُ مُقَامَ الْكُلِّ كَإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ يُجْعَلُ شَرْعًا إدْرَاكًا لِلرَّكْعَةِ، وَكَالنِّيَّةِ فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ لِلصَّوْمِ تُجْعَلُ شَرْعًا فِي كُلِّهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ التَّطَوُّفُ، وَهُوَ أَخَصُّ يَقْتَضِي زِيَادَةَ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِسْرَاعُ وَمِنْ حَيْثُ التَّكَثُّرُ، فَلَمَّا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُتَكَثِّرًا كَانَ تَنْصِيصًا عَلَى أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، ثُمَّ وُقُوعُ التَّرَدُّدِ بَيْنَ كَوْنِهِ لِلْكَمَالِ أَوْ لِلِاعْتِدَادِ عَلَى السَّوَاءِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمُتَيَقَّنِ كَوْنَهُ لِلْكَمَالِ فَإِنَّهُ مَحْضُ تَحَكُّمٍ فِي أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، بَلْ فِي مِثْلِهِ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فَيُعْتَبَرُ لِلِاعْتِدَادِ؛ لِيَقَعَ الْيَقِينُ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِهِ لِلِاعْتِدَادِ يَكُونُ إقَامَةُ أَكْثَرِهِ مَقَامَ كُلِّهِ مُنَافِيًا لَهُ فِي التَّحْقِيقِ، إذْ كَوْنُ السَّبْعِ لِلِاعْتِدَادِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِي أَقَلُّ مِنْهَا.
وَإِقَامَةُ الْأَكْثَرِ لَازِمُهُ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ السَّبْعِ فَكَيْفَ يُرَتَّبُ لَازِمًا عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْمَلْزُومِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِهِ فَإِثْبَاتُهُ بِإِلْحَاقِ مُدْرِكِ الرُّكُوعِ وَالنِّيَّةِ بَاطِلٌ. أَمَّا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِالرُّكُوعِ فَبِالشَّرْعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ بِإِجْزَاءِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ عَنْ الْأَرْبَعِ قِيَاسًا. وَأَمَّا النِّيَّةُ فَبَعِيدٌ أَنَّهُ مِنْ رَدِّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ فَإِنَّا نَعْتَبِرُ الْإِمْسَاكَاتِ السَّابِقَةَ عَلَى وُجُودِ النِّيَّةِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِهَا، فَإِذَا وُجِدْت بِأَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ تَحَقَّقَ
(3/55)

وَيَبْعَثُ بِشَاةٍ لِمَا بَيَّنَّا (وَمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ بَقِيَ مُحْرِمًا أَبَدًا حَتَّى يَطُوفَهَا) لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ أَكْثَرُ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَصْلًا.

(وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الصَّدْرِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ أَوْ الْأَكْثَرَ مِنْهُ، وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الْوَاجِبِ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ) لِأَنَّ الطَّوَافَ وَرَاءَ الْحَطِيمِ وَاجِبٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالطَّوَافُ فِي جَوْفِ الْحِجْرِ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَيَدْخُلَ الْفُرْجَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَطِيمِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي طَوَافِهِ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ كُلَّهُ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ (وَإِنْ أَعَادَ عَلَى الْحِجْرِ) خَاصَّةً (أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ تَلَافَى مَا هُوَ الْمَتْرُوكُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَنْ يَمِينِهِ خَارِجَ الْحَجَرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ يَدْخُلَ الْحِجْرَ مِنْ الْفُرْجَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ هَكَذَا يَفْعَلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي طَوَافِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الرُّبُعِ وَلَا تَجْزِيهِ الصَّدَقَةُ.

(وَمَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَطَوَافَ الصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ طَاهِرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ) ، فَإِنْ كَانَ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ يُنْقَلْ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِعَادَةُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يُنْقَلُ إلَيْهِ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يُنْقَلُ طَوَافُ الصَّدْرِ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الْإِعَادَةَ فَيَصِيرُ تَارِكًا لِطَوَافِ الصَّدْرِ مُؤَخِّرًا لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَيَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِ الصَّدْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِتَأْخِيرِ الْآخَرِ عَلَى الْخِلَافِ، إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ طَوَافِ الصَّدْرِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَلَا يُؤْمَرُ بَعْدَ الرُّجُوعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
صَرْفُ ذَلِكَ الْمَوْقُوفِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ النِّيَّةُ بِالْكُلِّ؛ لِوُجُودِهَا فِي الْأَكْثَرِ لَا بِالْأَكْثَرِ، وَكَانَ سَبَبُ تَصْحِيحِ تَعَلُّقِهَا بِالْكُلِّ مِنْ غَيْرِ قِرَانِ وُجُودِهَا بِالْكُلِّ الْحَرَجَ اللَّازِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ قِرَانِ وُجُودِهَا لِلْكُلِّ بِسَبَبِ النَّوْمِ الْحَاكِمِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا إيضَاحَهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ.
هَذَا وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَوْجَهَ لَكِنَّهُ غَيْرُ سَالِمٍ مِمَّا يُدْفَعُ بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ إقَامَةَ الْأَكْثَرِ فِي تَمَامِ الْعِبَادَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ حُكْمٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَمْنُ الْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ لَيْسَ غَيْرُ، وَلِذَا لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّ تَرْكَ مَا بَقِيَ: أَعْنِي الطَّوَافَ يَتِمُّ مَعَهُ الْحَجُّ وَهُوَ مَوْرِدُ ذَلِكَ النَّصِّ، فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ إقَامَةِ أَكْثَرِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ مَقَامَ تَمَامِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَتَرْكِ بَاقِيهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ مَوْرِدِ النَّصِّ: أَعْنِي الْحَجَّ، فَلَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. بَلْ الَّذِي نَدِينُ بِهِ أَنْ لَا يُجْزِيَ أَقَلُّ مِنْ السَّبْعِ، وَلَا يُجْبَرُ بَعْضُهُ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّا نَسْتَمِرُّ مَعَهُمْ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى أَصْلِهِمْ هَذَا. (قَوْلُهُ وَيَبْعَثُ بِشَاةٍ) يَعْنِي عَنْ الْبَاقِي مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَبِشَاةٍ أُخْرَى
(3/56)

عَلَى مَا بَيَّنَّا.

(وَمَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَحَلَّ فَمَا دَامَ بِمَكَّةَ يُعِيدُهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَمَّا إعَادَةُ الطَّوَافِ فَلِتَمَكُّنِ النَّقْصِ فِيهِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ. وَأَمَّا السَّعْيُ فَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، وَإِذَا أَعَادَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ (وَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِيهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ لِوُقُوعِ التَّحَلُّلِ بِأَدَاءِ الرُّكْنِ إذْ النُّقْصَانُ يَسِيرٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي السَّعْيِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى أَثَرِ طَوَافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَكَذَا إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ فِي الصَّحِيحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِتَرْكِ طَوَافِ الصَّدْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ بَعْثَ الشَّاةِ لِتَرْكِ بَعْضِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ طَافَ لِلصَّدْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ طَافَ لِلصَّدْرِ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ مَا يُكْمِلُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْبَاقِي مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ لَهُ وَإِلَّا فَدَمٌ، وَلَوْ كَانَ طَافَ لِلصَّدْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَدْ تَرَكَ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَكْثَرَهُ كَمَّلَ مِنْ الصَّدْرِ وَلَزِمَهُ دَمَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: دَمٌ لِتَأْخِيرِ ذَلِكَ، وَدَمٌ آخَرُ لِتَرْكِهِ أَكْثَرَ الصَّدْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ لِلتَّأْخِيرِ دَمٌ وَصَدَقَةٌ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ الصَّدْرِ مَعَ ذَلِكَ الدَّمِ. وَجُمْلَتُهُ أَنَّ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْأَقَلِّ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ دَمًا، وَفِي تَأْخِيرِ الْأَقَلِّ صَدَقَةً، وَفِي تَرْكِ الْأَكْثَرِ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ دَمًا، وَفِي تَرْكِ أَقَلِّهِ صَدَقَةً. وَمَبْنَى هَذَا النَّقْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ عِبَادَةٍ، وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكُلِّ رُكْنٍ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً فِي نَفْسِهِ فَشُرِطَ لَهُ نِيَّةُ أَصْلِ الطَّوَافِ دُونَ التَّعْيِينِ. فَلَوْ طَافَ فِي وَقْتِهِ يَنْوِي النَّذْرَ أَوْ النَّفَلَ وَقَعَ عَنْهُ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالسَّجْدَةِ مِنْ الظُّهْرِ النَّفَلَ لَغَتْ نِيَّتُهُ وَوَقَعَتْ عَنْ الرُّكْنِ وَإِنَّ تَوَالِيَ الْأَشْوَاطِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّوَافِ لِتَجْدِيدِ وُضُوءٍ فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ بَنَى.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ السَّعْيِ شَيْءٌ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْمُرَادُ لَيْسَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ جَابِرِ السَّعْيِ شَيْءٌ: أَيْ لَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ مُجَرَّدِ السَّعْيِ مُحْدِثًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ فِيهِ، بَلْ الْوَاجِبُ فِيهِ الطَّهَارَةُ فِي الطَّوَافِ الَّذِي هُوَ عَقِيبَهُ وَقَدْ جُبِرَ ذَلِكَ بِالدَّمِ إذْ فُوِّتَ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ السَّعْيِ كَوْنُهُ بَعْدَ أَكْثَرِ طَوَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ
(3/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الطَّوَافُ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُصُولَ الطَّوَافِ عَلَى الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ مِنْ شَرَائِطِ جَوَازِ السَّعْيِ تَسَاهُلٌ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعَادَ الطَّوَافَ وَحْدَهُ ذُكِرَ فِيهِ الْخِلَافُ وَصُحِّحَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَهُوَ قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَحْبُوبِيُّ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ شَارِحِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى وُجُوبِ الدَّمِ بِنَاءً عَلَى انْفِسَاخِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَإِلَّا كَانَا فَرْضَيْنِ أَوْ الْأَوَّلِ فَلَا يُعْتَدُّ بِالثَّانِي وَلَا قَائِلَ بِهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْمُعْتَبَرِ الثَّانِيَ فَحِينَئِذٍ وَقَعَ السَّعْيُ قَبْلَ الطَّوَافِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعِدْ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْأَوَّلِ. وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْحَصْرِ بَلْ الطَّوَافُ الثَّانِي مُعْتَدٌّ بِهِ جَابِرًا كَالدَّمِ، وَالْأَوَّلُ مُعْتَدٌّ بِهِ فِي حَقِّ الْفَرْضِ، وَهَذَا أَسْهَلُ مِنْ الْفَسْخِ خُصُوصًا وَهُوَ نُقْصَانٌ بِسَبَبِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. وَمِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْمَشْيُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَنْكُوسًا بِأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَسَارِهِ. وَكُلُّهَا وَإِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لَكِنْ لَا قَصْدًا بَلْ فِي ضِمْنِ التَّعَالِيلِ. أَمَّا السَّتْرُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلَا لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا عُرْيَانُ» وَأَمَّا الْمَشْيُ فَلِأَنَّ الرَّاكِبَ لَيْسَ طَائِفًا حَقِيقَةً بَلْ الطَّائِفُ حَقِيقَةً مَرْكُوبُهُ وَهُوَ فِي حُكْمِهِ إذْ كَانَ حَرَكَتُهُ عَنْ حَرَكَةِ الْمَرْكُوبِ، وَطَوَافُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَاكِبًا فِيمَا رَكِبَ فِيهِ قَدَّمْنَا مَا رُوِيَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ لِيَظْهَرَ فَيُقْتَدَى بِفِعْلِهِ، وَهَذَا عُذْرٌ أَيُّ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِتَعْلِيمِهِمْ، وَهَذَا طَرِيقُ مَا أُمِرَ بِهِ فَيُبَاحُ لَهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إذَا رَكِبَ مِنْ عُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا أَعَادَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ لَزِمَهُ دَمٌ، وَكَذَا إذَا طَافَ زَحْفًا. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ زَحْفًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ لَزِمَهُ أَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ الْعِبَادَةَ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فَلَغَتْ وَبَقِيَ النَّذْرُ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ كَمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ لِلْحَجِّ بِلَا طَهَارَةٍ، ثُمَّ إنْ طَافَ زَحْفًا أَعَادَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يُعِدْهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا طَافَ زَحْفًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ يَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَصُومَ يَوْمًا آخَرَ؛ وَلَوْ صَلَّى فِي الْمَغْصُوبَةِ أَوْ صَامَ يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ، كَذَا هَذَا، هَكَذَا حُكِيَ فِي الْبَدَائِعِ. وَسَوْقُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي شَرْحِ الْقَاضِي مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأَصْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا لَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الدَّمِ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ سِوَى الْإِجْزَاءِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ لَا يَنْفِيهِ، وَلَوْ كَانَ خِلَافًا كَانَ مَا فِي الْأَصْلِ هُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْعِبَادَةَ مَتَى شُرِعَ فِيهَا جَابِرٌ لِتَفْوِيتِ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا فَفُوِّتَ وَجَبَ الْجَبْرُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ لَمْ يُجْبَرْ صَحَّتْ كَالصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ فِي السَّهْوِ وَبِالْإِعَادَةِ فِي الْعَمْدِ، فَقَدْ قُلْنَا: كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ يَجِبُ إعَادَتُهَا، وَبَابُ الْحَجِّ مِمَّا تَحَقَّقَ فِيهِ ذَلِكَ فَيَجِبُ الْجَبْرُ أَوَّلًا بِجِنْسِهِ إذَا فَوَّتَ وَاجِبَهُ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ وَجَبَ الْجَابِرُ الْآخَرُ وَهُوَ الدَّمُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ جَبْرٌ، وَبِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ عَدَمَ حِلِّ الصَّلَاةِ فِيهَا لَيْسَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ بَلْ الْوَاجِبُ عَدَمُ الْكَوْنِ فِيهَا مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا جَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ فِي الْحَجِّ وَجَمِيعِ عُمَرِهِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيمِ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهِ خُصُوصًا اقْتِرَانُ مَا فَعَلَهُ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ دَمٌ. وَأَمَّا الِافْتِتَاحُ مِنْ الْحَجَرِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ سُنَّةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الرُّقَيَّاتِ: لَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى
(3/58)

(وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ) لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا فَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ دُونَ الْفَسَادِ.

(وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَصْلُ الْوُقُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْإِطَالَةِ شَيْءٌ. وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ لَيْلًا لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوُقُوفِ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحَجَرِ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْهُ، وَقَدَّمْنَا فِيمَا سَلَفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ فِي الدَّلِيلِ، وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِ الطَّائِفِ وَاجِبٌ، فَكَذَا ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ وَاجِبٌ أَلْبَتَّةَ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ) ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصْبُ الْخِلَافِ فِيهِ مَعَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَقَمْنَا دَلِيلَ الْوُجُوبِ وَأَبْطَلْنَا مَا جَعَلَهُ دَلِيلًا لِلرُّكْنِيَّةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ بَابِ الْإِحْرَامِ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِذَا كَانَ السَّعْيُ وَاجِبًا فَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَ دَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْبَابِ. أَصْلُهُ طَوَافُ الصَّدْرِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ» وَرَخَّصَ لِلْحَيْضِ فَأَسْقَطَهُ لِلْعُذْرِ، وَعَلَى هَذَا فَإِلْزَامُ الدَّمِ فِي الْكِتَابِ بِتَرْكِ السَّعْيِ يُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ الْعُذْرِ، وَكَذَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِ أَكْثَرِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْهُ لَزِمَهُ صَدَقَةٌ: أَيْ يُطْعِمُ لِكُلِّ شَوْطٍ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ قِيمَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ دَمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ بِرُكُوبِهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إلَّا إنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ فِي تَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ دَمًا لَا لِعُذْرٍ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ) قَدْ تَرَكْنَا مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهَا مُفَصَّلَةٌ وَاضِحَةٌ فِي الْكِتَابِ فَتُرَاجَعُ فِيهِ. ثُمَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ الْمَدَارُ إلَّا أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْإِمَامِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ قَطُّ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ أَعْنِي بَعْدَ الْغُرُوبِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ بِاعْتِبَارِهَا، وَأَشَارَ فِي الدَّلِيلِ إلَى خُصُوصِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاجِبَةٌ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَادْفَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» غَرِيبٌ، وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَجِّ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ خِلَافَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْحَاكِمِ عَنْ الْمِسْوَرِ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ مِثْلَ عَمَائِمِ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ» ، فَإِنَّ هَذَا السَّوْقَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ فِيهِ. وَمَسَائِلُ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ذَكَرْنَاهَا فِي بَحْثِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَارْجِعْ إلَيْهَا تَسْتَغْنِ عَنْ إعَادَتِهَا هُنَا.
(3/59)

مَنْ وَقَفَ نَهَارًا لَا لَيْلًا، فَإِنْ عَادَ إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ لَا يَصِيرُ مُسْتَدْرَكًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.

(وَمَنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.

(وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَحَقُّقِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ كَمَا فِي الْحَلْقِ، وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِيهَا، وَمَا دَامَتْ الْأَيَّامُ بَاقِيَةً فَالْإِعَادَةُ مُمْكِنَةٌ فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّأْلِيفِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِهَا يَجِبُ الدَّمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شُجَاعٍ (قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا عَادَ قَبْلَ الْغُرُوبِ) ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِفَاضَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَدْ وُجِدَ وَتَقَدَّمَ مَا عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ فَارْجِعْ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ كَمَا فِي الْحَلْقِ) حَيْثُ يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ بِحَلْقِ شَعْرِ كُلِّ الْبَدَنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِ الْجِنَايَةِ بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَكَذَا تَرْكُ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ يَلْزَمُهُ بِهِ دَمٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ) وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَلَا يَبْقَى فِي لَيْلَةِ الرَّابِعَ عَشَرَ بِخِلَافِ اللَّيَالِيِ الَّتِي تَتْلُو الْأَيَّامَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَحْثِ الرَّمْيِ. وَقَوْلُهُ فَيَرْمِيهَا عَلَى التَّأْلِيفِ: يَعْنِي عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا كَانَ يُرَتِّبُ الْجِمَارَ فِي الْأَدَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ إلْزَامِ الدَّمِ وَالصَّدَقَةِ بِتَرْكِ الرَّمْيِ عَلَى الِاتِّفَاقِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْضِهِ، أَمَّا إنْ قَضَى رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الثَّانِي فِي الثَّالِثِ، فَالْإِيجَابُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ
(3/60)

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
(وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ نُسُكٌ تَامٌّ (وَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) لِأَنَّ الْكُلَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ نُسُكٌ وَاحِدٌ فَكَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِوُجُودِ تَرْكِ الْأَكْثَرِ (وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِأَنَّهُ كُلُّ وَظِيفَةِ هَذَا الْيَوْمِ رَمْيًا وَكَذَا إذَا تَرَكَ الْأَكْثَرَ مِنْهَا (وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا تَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَيُنْقِصَ مَا شَاءَ) لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ الْأَقَلُّ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ.

(وَمَنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُ وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ) وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ وَفِي تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَأْخِيرَ النُّسُكِ وَتَقْدِيمَهُ غَيْرُ مُوجِبٍ عِنْدَهُمَا شَيْئًا (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ) بِأَنْ يَتْرُكَ إحْدَى عَشْرَةَ حَصَاةً فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَأَرْبَعَ حَصَيَاتٍ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ. وَتَفَاصِيلُ مَسَائِلِ الرَّمْيِ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي بَحْثِ الرَّمْيِ فَلَا نُعِيدُهُ وَارْجِعْ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) يَعْنِي عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَ السَّعْيَ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَهُ
(3/61)

كَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَنَحْرِ الْقَارِنِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ، لَهُمَا أَنَّ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكٌ بِالْقَضَاءِ وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَضَاءِ شَيْءٌ آخَرُ.
وَلَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ " وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ الْمَكَانِ يُوجِبُ الدَّمَ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالْمَكَانِ كَالْإِحْرَامِ فَكَذَا التَّأْخِيرُ عَنْ الزَّمَانِ فِيمَا هُوَ مُوَقَّتٌ بِالزَّمَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ كَالْحَلْقِ قَبْلَ الرَّمْيِ إلَخْ) وَفِي مَوْضِعٍ إنْ رَمَى قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ لِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ لِلْعُذْرِ، حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَيُمْكِنُهَا أَنْ تَطُوفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَلَمْ تَفْعَلْ كَانَ عَلَيْهَا الدَّمُ لَا إنْ أَمْكَنَهَا أَقَلُّ مِنْهَا. وَلَوْ طَافَ قَبْلَ الرَّمْيِ يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَسْنُونًا بَعْدَ الرَّمْيِ (قَوْلُهُ لَهُمَا أَنَّ مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكٌ بِالْقَضَاءِ إلَخْ) وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ الْمَنْقُولِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» . وَالْجَوَابُ أَنَّ نَفْيَ الْحَرَجِ يَتَحَقَّقُ بِنَفْيِ الْإِثْمِ وَالْفَسَادِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ دُونَ نَفْيِ الْجَزَاءِ، فَإِنَّ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ لَمْ أَشْعُرْ فَفَعَلْت مَا يُفِيدُ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلِذَا قَدَّمَ اعْتِذَارَهُ عَلَى سُؤَالِهِ وَإِلَّا لَمْ يَسْأَلْ أَوْ لَمْ يَعْتَذِرْ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ مُخَالَفَةُ تَرْتِيبِهِ لِتَرْتِيبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ مُتَعَيَّنٌ فَقَدَّمَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارَ وَسَأَلَ عَمَّا يَلْزَمُهُ بِهِ، فَبَيَّنَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْجَوَابِ عَدَمَ تَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ، وَأَنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ مَسْنُونٌ لَا وَاجِبٌ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ إلَّا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَذَرَهُمْ لِلْجَهْلِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ
(3/62)

(وَإِنْ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ اعْتَمَرَ فَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَصَّرَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُعْتَمِرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحَاجِّ. قِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ جَرَتْ فِي الْحَجِّ بِالْحَلْقِ بِمِنًى وَهُوَ مِنْ الْحَرَمِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ، هُوَ يَقُولُ: الْحَلْقُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحَرَمِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ» . وَلَهُمَا أَنَّ الْحَلْقَ لَمَّا جُعِلَ مُحَلِّلًا صَارَ كَالسَّلَامِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُحَلِّلًا، فَإِذَا صَارَ نُسُكًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ كَالذَّبْحِ وَبَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَلَعَلَّهُمْ حَلَقُوا فِيهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَعِنْد زُفَرٍ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَتَعَلَّمُوا مَنَاسِكَهُمْ، وَإِنَّمَا عَذَرَهُمْ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ كَانَ إذْ ذَاكَ فِي ابْتِدَائِهِ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ كُلًّا مِنْهُمَا فَالِاحْتِيَاطُ اعْتِبَارُ التَّعْيِينِ وَالْأَخْذُ بِهِ وَاجِبٌ فِي مَقَامِ الِاضْطِرَابِ فَيَتِمُّ الْوَجْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ " بَلْ هُوَ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عِنْدَنَا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْأَعْرَفُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ " مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا " وَفِي سَنَدِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ مُضَعَّفٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَيْسَ ذَلِكَ الْمُضَعَّفَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. قَالَ: فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَحَدُ مَنْ رَوَى عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " افْعَلْ وَلَا حَرَجَ " لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، بَلْ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ كَانَ عَلَى الْجَهْلِ بِالْحُكْمِ فَعَذَرَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَلَّمُوا مَنَاسِكَهُمْ.
وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ قِيَاسُ الْإِخْرَاجِ عَنْ الزَّمَانِ بِالْإِخْرَاجِ عَنْ الْمَكَانِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] الْآيَةَ. فَإِنَّ إيجَابَ الْفِدْيَةِ لِلْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ حَالَةَ الْعُذْرِ يُوجِبُ الْجَزَاءَ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ بِطَرِيقِ أَوْلَى فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّأْقِيتَ الصَّادِرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْقَوْلِ كَانَ لِتَعَيُّنِهِ لَا لِاسْتِنَانِهِ. وَنَصُّ الْمُصَنِّفِ عَلَى صُوَرِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِنَا لَهَا، وَتَخْصِيصُ الْقَارِنِ فِي قَوْلِهِ وَنَحْرُ الْقَارِنِ قَبْلَ الرَّمْيِ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ الْمُتَمَتِّعُ مِثْلُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الْمُفْرِدِ.

(قَوْلُهُ قِيلَ هُوَ بِالِاتِّفَاقِ) أَيْ الِاتِّفَاقِ عَلَى لُزُومِ الدَّمِ لِلْحَاجِّ؛ لِأَنَّ التَّوَارُثَ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَرَى عَلَى الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ فِي الْحَرَمِ مِنْ مِنًى وَهُوَ إحْدَى الْحُجَجِ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ) وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ (وَالْمَكَانِ) وَهُوَ الْحَرَمُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْمَكَانِ لَا بِالزَّمَانِ وَعِنْدَ زُفَرِ عَكْسُهُ
(3/63)

وَهَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْقِيتِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ بِالدَّمِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ التَّحَلُّلِ فَلَا يَتَوَقَّتُ بِالِاتِّفَاقِ. وَالتَّقْصِيرُ وَالْحَلْقُ فِي الْعُمْرَةِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِالزَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي التَّضْمِينِ بِالدَّمِ لَا فِي التَّحَلُّلِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ فِي أَيِّ مَكَان أَوْ زَمَانٍ أَتَى بِهِ يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ، بَلْ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ فِي غَيْرِ مَا تُوُقِّتَ بِهِ يَلْزَمُ الدَّمُ عِنْدَ مَنْ وَقَّتَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوَقِّتْهُ. ثُمَّ هُوَ أَيْضًا فِي حَلْقِ الْحَاجِّ، أَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَتَوَقَّتُ فِي حَقِّهِ بِالزَّمَانِ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ بِالْمَكَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي نَفْيِ تَوَقُّتِهِ بِالزَّمَانِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ " لِمَنْ قَالَ حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا. وَلِأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرٍ فِي نَفْيِ تَوَقُّتِهِ بِالْمَكَانِ حَلْقُهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَيَجُوزُ كَوْنُ الْحَلْقِ كَانَ فِيهِ، فَلَا حُجَّةَ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ صَرِيحًا أَنَّ الْحَلْقَ كَانَ فِي الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ حِلٌّ مَعَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ» . فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْحِلِّ وَهُوَ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ فَيَبْقَى التَّوَارُثُ الْكَائِنُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ خَالِيًا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الزَّمَانِ ثُمَّ
(3/64)

بِخِلَافِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِهِ. قَالَ (فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى رَجَعَ وَقَصَّرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) مَعْنَاهُ: إذَا خَرَجَ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ عَادَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَكَان فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ.

(فَإِنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ. وَعِنْدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ شَيْءٌ عَلَى مَا قُلْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَلْحَقُ بِهِ الْمَكَانُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى رَجَعَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَصَّرَ غَيْرَ أَنَّهُ فَصَلَ بِالتَّقْرِيرِ وَنَقَلَ الْأَصْلَ الْخِلَافِيُّ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ
(3/65)

(فَصْلٌ) . اعْلَمْ أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَصَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة: 96] إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ) هَذَا سَهْوٌ مِنْ الْقَلَمِ بَلْ أَحَدُ الدَّمَيْنِ لِمَجْمُوعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْآخَرُ دَمُ الْقِرَانِ، وَالدَّمُ الَّذِي يَجِبُ عِنْدَهُمَا دَمُ الْقِرَانِ لَيْسَ غَيْرُ لَا لِلْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَزِمَ فِي كُلِّ تَقَدُّمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَلَوْ وَجَبَ فِي حَلْقِ الْقَارِنِ قَبْلَ الذَّبْحِ لَوَجَبَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ فِي تَفْرِيعِ مَنْ يَقُولُ إنَّ إحْرَامَ عُمْرَتِهِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ، وَفِي تَفْرِيعِ مَنْ لَا يَرَاهُ كَمَا قَدَّمْنَا خَمْسَةَ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى إحْرَامَيْنِ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ جِنَايَتَانِ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ وَدَمُ الْقِرَانِ.

[فَصَلِّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ]
(فَصْلٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ) . (قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ إلَخْ) أَيْ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ وَأَكْلُهُ وَإِنْ ذَكَّاهُ الْمُحْرِمُ. وَعَنْ هَذَا لَوْ اُضْطُرَّ مُحْرِمٌ إلَى
(3/66)

وَصَيْدُ الْبَرِّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ، وَصَيْدُ الْبَحْرِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ. وَالصَّيْدُ هُوَ الْمُمْتَنِعُ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَاسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ وَهِيَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالذِّئْبُ وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ وَالْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، فَإِنَّهَا مُبْتَدِئَاتٌ بِالْأَذَى. وَالْمُرَادُ بِهِ الْغُرَابُ الَّذِي يَأْكُلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ الصَّيْدِ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ لَا الصَّيْدَ عَلَى قَوْلِ زُفَرٍ؛ لِتَعَدُّدِ جِهَاتِ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَتَنَاوَلُ الصَّيْدَ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ أَغْلَظُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ فَهِيَ مُوَقَّتَةٌ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ أَخَفَّ الْحُرْمَتَيْنِ دُونَ أَغْلَظِهِمَا. وَالصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَرْتَفِعُ الْحَظْرُ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، هَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ وَصَيْدٍ فَالْمَيْتَةُ أَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ: يَذْبَحُ الصَّيْدَ. وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ.
وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا وَلَحْمَ آدَمِيٍّ كَانَ ذَبْحُ الصَّيْدِ أَوْلَى، وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا وَكَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَيْنِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَفِي هَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ: وَصَيْدُ الْبَرِّ إلَخْ) لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ تَعْرِيفًا لِصَيْدِ الْبَرِّ بَلْ لِلْبَرِّيِّ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَمُرَادُهُ تَعْرِيفُ الْبَرِّيِّ مُطْلَقًا ثُمَّ الصَّيْدُ مُطْلَقًا فَيُعْرَفُ مِنْهُمَا صَيْدُ الْبَرِّ وَلِذَا أَفْرَدَ بَعْدَهُ الصَّيْدَ فَقَالَ: وَالصَّيْدُ هُوَ الْمُمْتَنِعُ إلَخْ فَيَنْتَظِمُ مِنْهُمَا تَعْرِيفُ صَيْدِ الْبَرِّ، هَكَذَا هُوَ مَا تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ مِمَّا هُوَ مُمْتَنِعٌ؛ لِتَوَحُّشِهِ الْكَائِنِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، فَيَدْخُلُ الظَّبْيُ الْمُسْتَأْنَسُ وَيَخْرُجُ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ الْمُتَوَحِّشَانِ لِعُرُوضِ الْوَصْفِ لَهُمَا، وَكَوْنِ ذَكَاةِ الظَّبْيِ الْمُسْتَأْنَسِ بِالذَّبْحِ وَالْأَهْلِيِّ الْمُتَوَحِّشِ بِالْعَقْرِ لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ بِالذَّبْحِ وَالْعَقْرِ دَائِرَانِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَعَدَمِهِ لَا مَعَ الصَّيْدِيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَيَخْرُجُ الْكَلْبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ سَوَاءٌ كَانَ أَهْلِيًّا أَوْ وَحْشِيًّا؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ أَهْلِيٌّ فِي الْأَصْلِ، لَكِنْ رُبَّمَا يَتَوَحَّشُ، وَكَذَا السِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ لَيْسَ بِصَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْنَسٌ، أَمَّا الْبَرِّيُّ مِنْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
هَذَا وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ بَرِّيًّا وَبَحْرِيًّا التَّوَالُدُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَا مَعَ كَوْنِ مَثْوَاهُ فِيهِ كَظَاهِرِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَعَلَى اعْتِبَارِهِ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْمَاءِ وَالضُّفْدَعِ الْمَائِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَهُوَ مَائِيُّ الْمَوْلِدِ. وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُبَاحُ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ أَوْ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْهُ فَقَطْ؟ فَفِي الْمُحِيطِ: كُلُّ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ يَحِلُّ قَتْلُهُ وَصَيْدُهُ لِلْمُحْرِمِ. اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَكَلْبِ الْمَاءِ. وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ: الَّذِي يُرَخَّصُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لِلْمُحْرِمِ هُوَ السَّمَكُ خَاصَّةً، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى
(3/67)

الْجِيَفَ. هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) أَمَّا الْقَتْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ} [المائدة: 95] الْآيَةُ نَصٌّ عَلَى إيجَابِ الْجَزَاءِ.
وَأَمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] يَتَنَاوَلُ بِحَقِيقَتِهِ عُمُومَ مَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: أَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ فَيَحِلُّ اصْطِيَادُهُ لِلْحَالِّ وَالْمُحْرِمِ جَمِيعًا مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ.
وَأَمَّا مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاَلَّذِي رُخِّصَ لِلْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ هُوَ السَّمَكُ خَاصَّةً، فَأَمَّا طَيْرُ الْبَحْرِ فَلَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْمُحْرِمِ، فَقَدْ شَرَحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِمَا يُفِيدُ تَعْمِيمَ الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَا يُقَابِلُ الْمَائِيَّ بِالسَّمَكِ، فَالضُّفْدَعُ جَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مُطْلَقًا، وَكَذَا قَاضِي خَانْ. وَيَنْبَغِي قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْحِلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ السَّرَطَانُ وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ. هَذَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ بَعْضُهُ كَالذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ، وَأَمَّا بَاقِي الْفَوَاسِقِ فَلَيْسَتْ بِصُيُودٍ، وَأَمَّا بَاقِي السِّبَاعِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجِبُ بِقَتْلِهَا الْجَزَاءُ لَا يُجَاوِزُ شَاةً إنْ ابْتَدَأَهَا الْمُحْرِمُ، فَإِنْ ابْتَدَأَتْهُ بِالْأَذَى فَقَتَلَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالصَّقْرِ وَالْبَازِي.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فَقَسَّمَ الْبَرِّيَّ إلَى مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي إلَى مَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ، وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ، فَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ إلَّا أَنْ يَصُولَ. وَيَحِلُّ قَتْلُ الثَّانِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَصُلْ. وَجَعَلَ وُرُودَ النَّصِّ فِي الْفَوَاسِقِ وُرُودًا فِيهَا دَلَالَةٌ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا بَلْ ذَكَرَهُ حُكْمًا مُبْتَدَأً مَسْكُوتًا فِيهِ، ثُمَّ رَأَيْنَاهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ. قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَسَدُ بِمَنْزِلَةِ الذِّئْبِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ السِّبَاعُ كُلُّهَا صَيْدٌ إلَّا الْكَلْبَ وَالذِّئْبَ اهـ. وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ الْأَسْعَدُ بِالْوَجْهِ فِيمَا يَأْتِي هَذَا.
وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسْبِيبِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِيهِ، فَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ أَوْ حَفَرَ لِلصَّيْدِ حَفِيرَةً فَعَطِبَ صَيْدٌ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ. وَلَوْ نَصَبَ فُسْطَاطًا لِنَفْسِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ فَمَاتَ، أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِلْمَاءِ أَوْ لِحَيَوَانٍ مُبَاحٍ قَتْلُهُ كَالذِّئْبِ فَعَطِبَ فِيهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ مُبَاحٍ فَأَخَذَ مَا يَحْرُمُ أَوْ أَرْسَلَهُ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَهُوَ حَالٌّ فَتَجَاوَزَ إلَى الْحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسْبِيبِ.
وَكَذَا لَوْ طَرَدَ الصَّيْدَ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الرَّمْيَ: يَعْنِي لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ؛ لِأَنَّهُ تَمَّتْ جِنَايَتُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ. قَالَ الشَّهِيدُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَعْلَمُ، وَفِيهِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا مَا لَوْ انْقَلَبَ مُحْرِمٌ نَائِمٌ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ
(3/68)

الدَّلَالَةُ فَفِيهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. هُوَ يَقُولُ: الْجَزَاءُ تَعَلَّقَ بِالْقَتْلِ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلٍ، فَأَشْبَهَ دَلَالَةُ الْحَلَالِ حَلَالًا. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَمُ التَّعَدِّي وَمِثْلُهُ الْكَلْبُ لَوْ زَجَرَهُ بَعْدَمَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ اسْتِحْسَانًا. وَمِثْلُهُ لَوْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَزَجَرَهُ مُحْرِمٌ فَانْزَجَرَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَلَا يُؤْكَلُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَقْتُولِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّحَلُّلَ وَرَفْضَ إحْرَامِهِ فِي الْأَصْلِ. وَلَوْ أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا كَثِيرًا عَلَى قَصْدِ الْإِحْلَالِ وَالرَّفْضِ لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ دَمٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ بِقَتْلِ كُلِّ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُهُ مُوجِبُ كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ رَفْضَ الْإِحْرَامِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْتَفَضُ بِهِ الْإِحْرَامُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَقُلْنَا: إنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَارْتِكَابُ مَحْظُورَاتِ الْعِبَادَةِ يُوجِبُ ارْتِفَاضَهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْإِحْرَامَ لَازِمًا لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَعْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ فِي الِابْتِدَاءِ لَازِمًا كَانَ يُرْتَفَضُ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ. وَكَذَا الْأَمَةُ إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، وَالْمَرْأَةُ إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَازِمًا فِي حَقِّ الزَّوْجِ كَانَ لَهُ أَنْ يُحْلِلَهَا بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَكَانَ هُوَ فِي قَتْلِ الصُّيُودِ هُنَا قَاصِدًا إلَى تَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ لَا إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَتَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا كَمَا فِي الْمُحْصِرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ الْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِقَتْلِ كُلِّ صَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ يَنْبَنِي عَلَى قَصْدِهِ، حَتَّى إنَّ ضَارِبَ الْفُسْطَاطِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْجَزَاءِ، بِخِلَافِ نَاصِبِ الشَّبَكَةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَتَعَدَّى إلَى آخَرَ فَقَتَلَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا، وَكَذَا لَوْ اضْطَرَبَ بِالسَّهْمِ فَوَقَعَ عَلَى بَيْضَةٍ أَوْ فَرْخٍ فَأَتْلَفَهَا لَزِمَاهُ جَمِيعًا. وَرُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً نَزَلُوا بَيْتًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى مِنًى فَأَمَرُوا أَحَدَهُمْ أَنْ يُغْلِقَ الْبَابَ وَفِيهِ حَمَامٌ مِنْ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا رَجَعُوا وَجَدُوهَا مَاتَتْ عَطَشًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْآمِرِينَ تَسَبَّبُوا بِالْأَمْرِ وَالْمُغْلِقَ بِالْإِغْلَاقِ. وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ ضَمِنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ مُحْرِمٌ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ آخَرُ ضَمِنَ.

(قَوْلُهُ: فَأَشْبَهَ دَلَالَةُ الْحَلَالِ حَلَالًا) كَوْنُ الْمَدْلُولِ حَلَالًا اتِّفَاقِيٌّ، وَالْمُرَادُ أَشْبَهَ دَلَالَةَ الْحَلَالِ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ غَيْرُهُ حَلَالًا أَوْ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِحُلُولِهِ فِي الْحَرَمِ كَمَا اسْتَحَقَّ الصَّيْدُ مُطْلَقًا الْأَمْنَ بِالْإِحْرَامِ، فَكَمَا أَنَّ تَفْوِيتَ الْأَمْنِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْحَرَمِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ كَذَا تَفْوِيتُ الْمُسْتَحَقِّ بِالْإِحْرَامِ لَا يُوجِبُهُ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ) أَيْ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَيْسَ فِيهِ هَلْ دَلَلْتُمْ بَلْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ
(3/69)

وَقَالَ عَطَاءٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءَ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَلِأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ إذْ هُوَ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ وَتَوَارِيهِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ الْتَزَمَ الِامْتِنَاعَ عَنْ التَّعَرُّضِ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِ مَا الْتَزَمَهُ كَالْمُودَعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، وَهِيَ تُحَصِّلُ الدَّلَالَةَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ هُنَاكَ صَيْدٌ وَنَحْوُهُ.
قَالُوا: الثَّابِتُ بِالْحَدِيثِ حُرْمَةُ اللَّحْمِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا دَلَّ. قُلْنَا: فَيَثْبُتُ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ مَحْظُورُ إحْرَامٍ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الصَّيْدِ فَنَقُولُ حِينَئِذٍ: إنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ عَلَى وَجْهٍ اتَّصَلَ قَتْلُهُ عَنْهَا فَفِيهِ الْجَزَاءُ كَالْقَتْلِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُثْبِتْ الْحُكْمَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بَلْ مَحَلُّ الْحُكْمِ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَحَلِّ إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْقَتْلِ. وَعَنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْقِيَاسِ الْآخَرِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ وَهُوَ إلْحَاقُ الدَّالِّ بِالْمُودَعِ. وَقَوْلُ عَطَاءٍ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءَ وَلَيْسَ النَّاسُ إذْ ذَاكَ إلَّا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنْ لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ عَلَى دَالٍّ لَمْ يَقَعْ عَنْ دَلَالَتِهِ قَتْلٌ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّلَالَةِ مُوجِبَةٌ لِلْجَزَاءِ. هَذَا وَحَدِيثُ عَطَاءٍ غَرِيبٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ فَكَانَ إجْمَاعًا يَتَضَمَّنُ رَدَّ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (قَوْلُهُ: كَالْمُودَعِ) هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْآخَرُ.
وَتَقْرِيرُهُ اُلْتُزِمَ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ بِعَقْدٍ خَاصٍّ فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ عَنْ تَرْكِ مَا الْتَزَمَهُ، كَالْمُودَعِ فَإِنَّهُ الْتَزَمَ الْحِفْظَ كَذَلِكَ فَيَضْمَنُ لَوْ دَلَّ سَارِقًا عَلَى الْوَدِيعَةِ فَسَرَقَهَا، بِخِلَافِ الْحَلَالِ الَّذِي قَاسَ هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَلَا لِلْمُسْلِمِ بِعَقْدٍ خَاصٍّ بَلْ بِعُمُومِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ
(3/70)

بِخِلَافِ الْحَلَالِ لِأَنَّهُ لَا الْتِزَامَ مِنْ جِهَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدَّلَالَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَذِّبِ (وَلَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ) لِمَا قُلْنَا (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَامِدُ وَالنَّاسِي) لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبَهُ الْإِتْلَافُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَلِهَذَا لَوْ دَلَّ سَارِقًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ تَأَخَّرَ جَزَاؤُهُ الْأَعْظَمُ إلَى الْآخِرَةِ، وَيُعَزَّرُ فِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ. (قَوْلُهُ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَذِّبِ) يُفِيدُ لُزُومَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُصَدِّقِ. وَفِي الْكَافِي: لَوْ أَخْبَرَ مُحْرِمًا بِصَيْدٍ فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَبْصَرَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَلَمْ يُصَدِّقْ الْأَوَّلَ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ ثُمَّ طَلَبَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَزَاءُ، وَلَوْ كَذَّبَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ. وَمِنْ شَرَائِطِهَا أَيْضًا أَنْ يَتَّصِلَ بِهَا الْقَتْلُ، وَأَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَقْتُلَهُ الْآخِذُ، وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ، فَلَوْ انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ لِانْتِهَاءِ دَلَالَتِهِ بِالِانْفِلَاتِ وَالْأَخْذُ ثَانِيًا إنْشَاءٌ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَيْنِ تِلْكَ الدَّلَالَةِ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ بَعْدَمَا أَخَذَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ.
وَعَلَى هَذَا إذَا أَعَارَهُ سِكِّينًا؛ لِيَقْتُلَهُ بِهَا وَلَيْسَ مَعَ الْآخِذِ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ أَوْ قَوْسًا أَوْ نُشَّابًا يَرْمِيهِ بِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَلْ أَعَنْتُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إعَارَةَ السِّكِّينِ إعَانَةٌ عَلَيْهِ. وَمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَعِيرُ يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ بِغَيْرِهَا، وَصَرَّحَ فِي السِّيَرِ بِأَنَّ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ الْجَزَاءَ، وَكَذَا لَوْ دَلَّ عَلَى قَوْسِ وَنُشَّابِ مَنْ رَآهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ؛ لِبُعْدِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَرِيحَ عِبَارَةِ الْأَصْلِ فِي الْإِعَارَةِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ: أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ سِلَاحٌ يَقْتُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ قَتْلِهِ، فَأَمَّا
(3/71)

فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ (وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَا يَخْتَلِفُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْتُلُ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ بِإِعَارَتِهِ لَهُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي السِّيَرِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُعِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِوَجْهَيْنِ حَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ تَلِفَ بِأَخْذِ الْمُسْتَعِيرِ لِلصَّيْدِ فَأَخْذُهُ قَتْلٌ حُكْمًا ثُمَّ يَقْتُلُهُ حَقِيقَةً، وَإِعَارَةُ السِّكِّينِ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ إتْلَافٌ لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ أَعْلَمَ بِهِ مَنْ لَا يَقْدِرُ الصَّيْدُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إعَارَةَ السِّكِّينِ تَتِمُّ بِالسِّكِّينِ لَا بِالصَّيْدِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَيْدٌ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالصَّيْدِ لَيْسَ فِيهَا فَائِدَةٌ أُخْرَى سِوَى ذَلِكَ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِصَيْدٍ هُنَاكَ وَلِذَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِهَا. وَلَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ بِأَخْذِ صَيْدٍ فَأَمَرَ الْمَأْمُورُ آخَرَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَثَّلْ أَمْرَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَمْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَلَّ الْأَوَّلُ عَلَى الصَّيْدِ وَأَمَرَهُ فَأَمَرَ الثَّانِي ثَالِثًا بِالْقَتْلِ حَيْثُ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا الْإِرْسَالُ؛ فَلَوْ أَرْسَلَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا إلَى مُحْرِمٍ يَدُلُّهُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْجَزَاءُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ قَالَ خَلْفَ هَذَا الْحَائِطِ صَيْدٌ فَإِذَا صَيْدٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَهُ ضَمِنَ الدَّالُّ كُلَّهُ، فَلَوْ رَأَى وَاحِدًا فَدَلَّ عَلَيْهِ فَإِذَا عِنْدَهُ آخَرُ فَقَتَلَهُمَا الْمَدْلُولُ كَانَ عَلَى الدَّالِّ جَزَاءُ الْأَوَّلِ فَقَطْ. كَمَا لَوْ دَلَّهُ عَلَى وَاحِدٍ تَنْصِيصًا وَالْبَاقِي بِحَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ خُذْ أَحَدَ هَذَيْنِ وَهُوَ يَرَاهُمَا فَقَتَلَهُمَا كَانَ عَلَى الدَّالِّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُمَا فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ بِأَخْذِ أَحَدِهِمَا دَالٌّ عَلَى الْآخَرِ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُورُ بِهِمَا. (قَوْلُهُ: فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الضَّمَانَ يَدُورُ
(3/72)

(وَالْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ إذَا كَانَ فِي بَرَّيَّةٍ فَيُقَوِّمُهُ ذَوَا عَدْلٍ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدَاءِ إنْ شَاءَ ابْتَاعَ بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ) عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي الصَّيْدِ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ، فَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَعَ الْإِتْلَافِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْعَمْدِ لَا مُطْلَقًا، فَإِنَّ هَذَا الضَّمَانَ يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَخْ) ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي فُصُولٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمَا الْقِيمَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ. الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي إلَى الْحَكَمَيْنِ تَقْوِيمُ الْمَقْتُولِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ فَالْخِيَارُ إلَى الْقَاتِلِ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَدْيًا يُهْدِيهِ أَوْ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ طَعَامِ مِسْكِينٍ يَوْمًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَى الْحَكَمَيْنِ، فَإِذَا عَيَّنَا نَوْعًا لَزِمَهُ. اهـ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ إلَى الْحَكَمَيْنِ، فَإِذَا حَكَمَا بِالْهَدْيِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ وَنَظِيرٌ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ مَا هُوَ مِثْلُهُ فَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ إلَخْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْحَكَمَيْنِ، فَإِنْ حَكَمَا عَلَيْهِ بِالْهَدْيِ نَظَرَ الْقَاتِلُ إلَى نَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ إنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ نَظِيرِهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَا يُنْظَرُ إلَى الْقِيمَةِ فَيَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ كَسَائِرِ الطُّيُورِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ كَمَا قَالَا. وَحَكَى الْكَرْخِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ: إنَّ الْخِيَارَ إلَى الْقَاتِلِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ اخْتَارَ الْهَدْيَ تَعَيَّنَ النَّظِيرُ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ النَّظِيرُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ أَحَدٍ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ وَيَكُونُ الطَّعَامُ بَدَلًا عَنْ النَّظِيرِ لَا عَنْ الصَّيْدِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَعَنْ زُفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَدَمُ جَوَازِ الصَّوْمِ حَالَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ، قَاسَهُ عَلَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ حَرْفُ " أَوْ " لَا يَنْفِي التَّرْتِيبَ كَمَا فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَدَفَعَ بِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ عَدَمُ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ، وَالنَّصُّ الْكَائِنُ فِيهِ يُوجِبُ التَّخْيِيرَ بِحَقِيقَةِ " أَوْ " وَإِعْمَالِهَا فِي مَوْضِعٍ فِي مَجَازِيِّهَا لِدَلِيلٍ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهَا كَذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ فِيهَا. (قَوْلُهُ: فَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ إلَخْ) الْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ، وَالْجَدْيُ الذَّكَرُ، وَهُمَا دُونَ الْجَذَعِ، وَالْجَفْرُ: مَا يَبْلُغُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ
(3/73)

وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَمِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ مَا يُشْبِهُ الْمَقْتُولَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَكُونُ نَعَمًا. وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْجَبُوا النَّظِيرَ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ وَالْمَنْظَرُ فِي النَّعَامَةِ وَالظَّبْيِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَالْأَرْنَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» وَمَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ مِثْلَ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ وَأَشْبَاهِهِمَا. وَإِذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا. وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُوجِبُ فِي الْحَمَامَةِ شَاةً وَيُثْبِتُ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ وَيَهْدِرُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمِثْلَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فَحُمِلَ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَنَاقِ، وَالْأُنْثَى جَفْرَةٌ بِالْجِيمِ (قَوْلُهُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] بِنَاءً عَلَى حَمْلِ الْمِثْلِ عَلَى الْمُمَاثِلِ فِي الصُّورَةِ، وَلَفْظُ {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] بَيَانٌ لِلْجَزَاءِ أَوْ لِلْمِثْلِ، وَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ نَعَمًا وَلِذَا أَوْجَبَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - الْمِثْلَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ " أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ " وَرَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثًا " أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَالُوا: فِي النَّعَامَةِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ "، وَفِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ، فَلِذَا قَالَ عَقِيبَهُ: إنَّمَا نَقُولُ: إنَّ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً بِالْقِيَاسِ لَا بِهَذَا الْأَثَرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. اهـ.
لَكِنْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " فِي حَمَامَةِ الْحَرَمِ شَاةٌ، وَفِي بَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ، وَفِي النَّعَامَةِ جَزُورٌ، وَفِي الْبَقَرَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةٌ " (وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ؟ قَالَ نَعَمْ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ» وَقَالَ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمِثْلَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى) وَهُوَ الْمُشَارِكُ فِي النَّوْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا بِالْإِجْمَاعِ، فَبَقِيَ أَنْ يُرَادَ الْمِثْلُ مَعْنًى وَهُوَ الْقِيمَةُ
(3/74)

الْمِثْلِ مَعْنًى لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْمِيمِ، وَفِي ضِدِّهِ التَّخْصِيصُ. وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَجَزَاءُ قِيمَةِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ. وَاسْمُ النَّعَمِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ التَّقْدِيرُ بِهِ دُونَ إيجَابِ الْمُعَيَّنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ الْمِثْلِ أَنْ يُرَادَ الْمُشَارِكُ فِي النَّوْعِ أَوْ الْقِيمَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَالْمُرَادُ الْأَعَمُّ مِنْهُمَا.
أَعْنِي الْمُمَاثِلَ فِي النَّوْعِ إذَا كَانَ الْمُتْلَفُ مِثْلِيًّا وَالْقِيمَةَ إذَا كَانَ قِيَمِيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ، وَالْحَيَوَانَاتُ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ شَرْعًا إهْدَارًا لِلْمُمَاثَلَةِ الْكَائِنَةِ
(3/75)

ثُمَّ الْخِيَارُ إلَى الْقَاتِلِ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا أَوْ صَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ. لَهُمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} [المائدة: 95] الْآيَةَ، ذُكِرَ الْهَدْيُ مَنْصُوبًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي تَمَامِ الصُّورَةِ فِيهَا تَغْلِيبًا لِلِاخْتِلَافِ الْبَاطِنِيِّ بَيْنَ أَبْنَاءِ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَمَا ظَنُّك إذَا انْتَفَى الْمُشَارَكَةُ فِي النَّوْعِ أَيْضًا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُشَاكَلَةٌ فِي بَعْضِ الصُّورَةِ كَطُولِ الْعُنُقِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي النَّعَامَةِ مَعَ الْبَدَنَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا حَكَمَ الشَّرْعُ بِانْتِفَاءِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ مَعَ الْمُشَاكَلَةِ فِي تَمَامِ الصُّورَةِ وَلَمْ يُضْمَنْ الْمُتْلَفُ بِمَا شَارَكَهُ فِي تَمَامِ نَوْعِهِ بَلْ بِالْمِثْلِ الْمَعْنَوِيِّ فَعِنْدَ عَدَمِهَا وَكَوْنِ الْمُشَاكَلَةِ فِي بَعْضِ الْهَيْئَةِ انْتِفَاءَ الِاعْتِبَارِ أَظْهَرُ، إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِلَفْظٍ مَحْمَلٌ يُمْكِنُ سِوَاهُ، فَالْوَاجِبُ إذَا عُهِدَ الْمُرَادُ بِلَفْظٍ فِي الشَّرْعِ وَتَرَدَّدَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْهُودِ وَغَيْرِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَأَنْ يُحْمَلَ حُكْمُ الصَّحَابَةِ بِالنَّظِيرِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ: أَيْ بَيَانِ أَنَّ مَالِيَّةَ الْمَقْتُولِ كَمَالِيَّةِ الشَّاةِ الْوَسَطِ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجْزِي غَيْرُهُ.
بَقِيَ أَنْ يُبَيَّنَ احْتِمَالُ لَفْظِ الْآيَةِ لِذَلِكَ، وَفِيهَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مَرْفُوعٌ مَنُونٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ بِرَفْعِ مِثْلٍ، وَالْأُخْرَى فَجَزَاءُ مِثْلِ بِإِضَافَةِ الْجَزَاءِ إلَى مِثْلٍ وَهِيَ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ: أَيْ فَجَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ وَمَضْمُونُ الْآيَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ بَعْدَ فَاءِ الْجَزَاءِ أَوْ الْخَبَرُ تَقْدِيرُهُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ: أَيْ قِيمَةُ مَا قَتَلَ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ.
وَمِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا قَتَلَ أَوْ لِلْعَائِدِ إلَيْهَا: أَعْنِي الْمَنْصُوبَ الْمَحْذُوفَ أَيْ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ، وَالنَّعَمُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لُغَةً كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِيِّ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وقَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] جُمْلَةٌ وَاقِعَةٌ صِفَةً لِجَزَاءٍ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ أَوْ لِمِثْلِ الَّذِي هُوَ هِيَ؛ لِأَنَّ مِثْلًا لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ فَجَازَ وَصْفُهَا وَوَصْفُ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا بِالْجُمْلَةِ، وَهَدْيًا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ وَهُوَ الرَّاجِعُ إلَى مَا يُجْعَلُ مَوْصُوفًا مِنْهُمَا وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ: أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ وَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الشِّرَاءِ بِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] صِفَةٌ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ فَتُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] مَعْطُوفَانِ عَلَى الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مَرْفُوعَانِ.
وَتَمَامُ مُؤَدَّى التَّرْكِيبِ عَلَى هَذَا، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ هُوَ قِيمَةُ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ يَحْكُمُ بِهِ: أَيْ بِذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ عَدْلَانِ حَالَ كَوْنِهِ صَائِرًا هَدْيًا بِوَاسِطَةِ الْقِيمَةِ {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] إلَى آخِرِهَا: أَيْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الصَّائِرَةِ هَدْيًا وَمِنْ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ الْمَبْنِيَّيْنِ عَلَى تَعَرُّفِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ
(3/76)

لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] وَمَفْعُولٌ لِحُكْمِ الْحَكَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالصِّيَامَ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِمَا. قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عُطِفَتْ عَلَى الْجَزَاءِ لَا عَلَى الْهَدْيِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] مَرْفُوعٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةُ اخْتِيَارِ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِمَا فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفِ ثُمَّ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَنْ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمَانِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَرًّا لَا يُبَاعُ فِيهِ الصَّيْدُ يُعْتَبَرُ أَقْرَبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ظَهَرَ تَأَدِّي الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ مِنْ لَفْظَةِ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ تَكَلُّفٍ فِيهَا، وَكَوْنُ الْحَالِ مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ بَثِيرٌ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالِفِ فِيهَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِي وَصْفِهَا وَهُوَ بَالِغَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا بِالْهَدْيِ مَوْصُوفًا بِبُلُوغِهِ إلَى الْكَعْبَةِ حَالَ حُكْمِهِمَا بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، بَلْ الْمُرَادُ يُحْكَمَانِ بِهِ مُقَدَّرًا بُلُوغُهُ، فَلُزُومُ التَّقْدِيرِ ثَابِتٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَحَلُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، ثُمَّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ إلَى الْحَكَمَيْنِ، بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ الْمَحْذُوفِ مِنْ الْخَبَرِ أَوْ مُتَعَلَّقِ الْمُبْتَدَأِ إلَيْهِ: أَعْنِي مَا قَدَّرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَيْهِ، وَاَللَّهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] سَمَّاهُ تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْإِبْهَامَ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى سَمَّاهُ بَعْضٌ تَمْيِيزًا لِكَوْنِهِ حَالًا وَكُلُّ حَالٍ تَكْشِفُ عَنْ إبْهَامٍ فِي الْجُمْلَةِ: أَعْنِي اعْتِبَارَ أَحْوَالِ مَا هِيَ لَهُ هَذَا.
وَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلْقَةِ لَا بِمَا زَادَهُ التَّعْلِيمُ، فَلَوْ كَانَ بَازِيًا صَيُودًا أَوْ حَمَامًا يَجِيءُ مِنْ بَعِيدٍ قُوِّمَ لَا بِاعْتِبَارِ الصُّيُودِيَّةِ وَالْمَجِيءِ مِنْ بَعِيدٍ، فَإِذَا كَانَ مَمْلُوكًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا يَزِيدُهُ التَّعْلِيمُ وَقِيمَتُهُ لِلْجِنَايَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ. أَمَّا لَوْ كَانَ قِيمَتُهُ زَائِدَةً لِحُسْنِ تَصْوِيتِهِ فَفِي اعْتِبَارِهَا رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الصَّيْدِيَّةِ، وَفِي أُخْرَى تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالْحَمَامِ الْمُطَوَّقِ، أَمَّا فِي الْغَصْبِ فَيُضْمَنُ بِمَا يُشْتَرَى بِهِ
(3/77)

الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ وَيُشْتَرَى. قَالُوا: وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى هَهُنَا بِالنَّصِّ.

(وَالْهَدْيُ لَا يُذْبَحُ إلَّا بِمَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] (وَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ فِي غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْهَدْيِ وَالْجَامِعُ التَّوْسِعَةُ عَلَى سُكَّانِ الْحَرَمِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْهَدْيُ قُرْبَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ. أَمَّا الصَّدَقَةُ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ (وَالصَّوْمُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ) ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي كُلِّ مَكَان (فَإِنْ ذَبَحَ الْهَدْيَ بِالْكُوفَةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الطَّعَامِ) مَعْنَاهُ إذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ وَفِيهِ وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَا تَنُوبُ عَنْهُ. وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِيهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْبَلَدِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُحَرَّمُ مِنْ اللَّهْوِ كَقِيمَةِ الدِّيكِ لِنِقَارِهِ وَالْكَبْشِ لِنِطَاحِهِ وَالتَّيْسِ لِلَعِبِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمُثَنَّى) أَيْ فِي الْحُكْمِ الْمُقَوَّمِ. وَاَلَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ حَمَلُوا الْعَدَدَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زِيَادَةُ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ، وَقَصْدُ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ لَا يُنَافِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَتَهُ.

(قَوْلُهُ: وَنَحْنُ نَقُولُ إلَخْ) وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عُيِّنَ الْهَدْيُ أَحَدَ الْوَاجِبَاتِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ التَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ وَإِلَّا لَحَصَلَ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِلَحْمٍ يَشْتَرِيهِ، بَلْ الْمُرَادُ التَّقَرُّبُ بِالْإِرَاقَةِ مَعَ التَّصَدُّقِ بِلَحْمِ الْقُرْبَانِ، وَهُوَ تَبَعٌ مُتَمِّمٌ لِمَقْصُودِهِ فَلَا يَنْعَدِمُ الْإِجْزَاءُ بِفَوَاتِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ، فَلِذَا لَوْ سُرِقَ بَعْدَ الْإِرَاقَةِ أَجْزَأَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سُرِقَ قَبْلَهَا أَوْ ذُبِحَ بِالْكُوفَةِ فَسُرِقَ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ هُنَاكَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّصَدُّقِ لِاخْتِصَاصِ قُرْبَةِ الْإِرَاقَةِ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ أَعْنِي الْحَرَمَ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيَجُوزُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْلِمُ أَحَبُّ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ الْجَزَاءِ غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ) حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ إلَّا عَنَاقًا أَوْ حَمَلًا كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ لَا بِالْهَدْيِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّكْفِيرُ بِالْهَدْيِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ جَذَعًا عَظِيمًا مِنْ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيًّا مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُكَفِّرُ بِالْهَدْيِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ قَوْلَ
(3/78)

لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْهَدْيِ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُجْزِي صِغَارُ النَّعَمِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْجَبُوا عَنَاقًا وَجَفْرَةً.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ الصِّغَارُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ: يَعْنِي إذَا تَصَدَّقَ. وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الطَّعَامِ يُقَوَّمُ الْمُتْلَفُ بِالطَّعَامِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَضْمُونُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (وَإِذَا اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ طَعَامًا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ) ؛ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَبِي يُوسُفَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا عَنَاقًا وَجَفْرَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَرِيبٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَمُطْلَقُهُ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ السِّنَّ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ إطْلَاقِهِ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا فَيَتَقَيَّدُ جَوَازُ اعْتِبَارِهِ بِالْقَرِينَةِ كَمَا لَوْ قَالَ ثَوْبِي هَدْيٌ لَزِمَهُ الثَّوْبُ لِتَقَيُّدِ الْهَدْيِ بِذِكْرِهِ، وَلِذَا لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ هَدْيٌ لَزِمَهُ شَاةٌ. ثُمَّ إذَا اخْتَارَ الْهَدْيَ وَبَلَغَ مَا يُضَحِّي بِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا يُذْبَحُ إلَّا بِمَكَّةَ، يُرِيدُ الْحَرَمَ مُطْلَقًا، وَلَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ لَا يُجْزِيهِ مِنْ الْهَدْيِ بَلْ مِنْ الْإِطْعَامِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَيُكَمِّلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالشَّاةِ الْوَاقِعَةِ هَدْيًا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: يَجُوزُ الصِّغَارُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ إلَخْ) يَتَضَمَّنُ جَوَابَهُمَا: يَعْنِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُقُوعُ الصِّغَارِ هَدْيًا تَتَعَلَّقُ الْقُرْبَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِرَاقَةِ لَا جَوَازِهَا مُطْلَقًا بَلْ نُجِيزُهَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إطْعَامًا فَيَجُوزُ كَوْنُ حُكْمِ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي الصِّغَارِ، فَمُجَرَّدُ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لَا يُنَافِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَلَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا صَيْرُورَةُ وَلَدِ الْهَدْيِ هَدْيًا فَلِلتَّبَعِيَّةِ كَوَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ. (قَوْلُهُ: عِنْدَنَا) قُيِّدَ بِالظَّرْفِ لِنَفْيِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ يُقَوَّمُ النَّظِيرُ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَيْنًا إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ نَظِيرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) رَاجِعٌ إلَى الْمُتْلَفِ: يَعْنِي الْمُتْلَفَ (هُوَ الْمَضْمُونُ) فَلَا مَعْنَى لِتَقَوُّمِ غَيْرِهِ لِجَبْرِهِ، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ النَّظِيرَ هُوَ الْوَاجِبُ عَيْنًا عِنْدَ اخْتِيَارِ الْهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ وُجُوبُ تَقْوِيمِهِ عِنْدَ اخْتِيَارِ خَصْلَةٍ أُخْرَى فَكَيْفَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ) وَلَا يُمْنَعُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ، وَلَوْ كَانَ كُلَّ الطَّعَامِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ أَجْزَأَ عَنْ إطْعَامِ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يُكْمِلَ بِحِسَابِهِ وَيَقَعَ الْبَاقِي تَطَوُّعًا، بِخِلَافِ الشَّاةِ
(3/79)

الطَّعَامَ الْمَذْكُورَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ (وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ يُقَوَّمُ الْمَقْتُولُ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الصِّيَامِ بِالْمَقْتُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إذْ لَا قِيمَةَ لِلصِّيَامِ فَقَدَّرْنَاهُ بِالطَّعَامِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعْهُودٌ فِي الشَّرْعِ كَمَا فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ يُطْعِمُ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا كَامِلًا لِمَا قُلْنَا.

(وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (وَلَوْ نَتَفَ رِيشَ طَائِرٍ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ صَيْدٍ فَخَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَيَغْرَمُ جَزَاءَهُ.

(وَمَنْ كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّهُ أَصْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْهَدْيِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْقُرْبَةِ قَدْ حَصَلَتْ بِالْإِرَاقَةِ وَإِطْعَامُهُ تَبَعٌ مُتَمِّمٌ لَهُ.

(قَوْلُهُ: ضَمِنَ مَا نَقَصَهُ) وَإِنْ بَرِئَ وَبَقِيَ لَهُ أَثَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَمَاتَ أَوْ بَرِئَ فَفِي الْقِيَاسِ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ احْتِيَاطًا كَمَنْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَلَا يَعْلَمُ أَدْخَلَ الْحَرَمَ أَمْ لَا تَجِبُ قِيمَتُهُ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ ظَبْيٍ أَوْ نَتَفَ شَعْرَ صَيْدٍ فَنَبَتَ مَكَانَهَا أَوْ ضَرَبَ عَيْنَهَا فَابْيَضَّتْ ثُمَّ انْجَلَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِاعْتِبَارِ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْأَلَمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْأَلَمِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِبَادِ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي ثَمَنَ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ إلَى أَنْ يَنْدَمِلَ.
وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ: لَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَمَرِضَ فَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ زَادَتْ ثُمَّ مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ قِيمَةِ وَقْتِ الْجُرْحِ أَوْ وَقْتِ الْمَوْتِ. وَلَوْ جَرَحَهُ فَكَفَّرَ ثُمَّ قَتَلَهُ كَفَّرَ أُخْرَى، فَلَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى سَاقِطٌ. وَفِي الْجَامِعِ: مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ جَرَحَ صَيْدًا غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ ثُمَّ أَضَافَ إلَى عُمْرَتِهِ حَجَّةً ثُمَّ جَرَحَهُ كَذَلِكَ فَمَاتَ مِنْهُمَا فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ صَحِيحًا وَلِلْحَجِّ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ جَرَحَهُ ثُمَّ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ جَرَحَهُ ثَانِيًا فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَلِلْحَجِّ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ ثُمَّ قَرَنَ ثُمَّ جَرَحَهُ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَلِلْقِرَانِ قِيمَتَانِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مُسْتَهْلَكًا بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُ وَالثَّانِي غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ صَحِيحًا لِلْحَالِ وَلِلْقِرَانِ قِيمَتَانِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي قَطْعَ يَدٍ أُخْرَى فَهِيَ وَمَا لَوْ كَانَ جُرْحًا غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِهْلَاكُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ) يَعْنِي وَكَانَ كَالْإِتْلَافِ، فَهَذَا كَالْقِيَاسِ الْجَارِي فِي الدَّلَالَةِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ أَدَّى الْجَزَاءَ ثُمَّ قَتَلَهُ لَزِمَهُ جَزَاءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى قَتَلَهُ فَجَزَاءٌ وَاحِدٌ.

(قَوْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ ثَمَنُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ وَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ خُصَيْفٍ بِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِثْلَهُ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعًا، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَطَاوُسٍ، وَفِيهِ حَدِيثٌ
(3/80)

الصَّيْدِ، وَلَهُ عَرَضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا مَا لَمْ يَفْسُدْ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَيْضِ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْضَ مُعَدٌّ؛ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ، وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَعَلَى هَذَا إذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَرْفُوعٌ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَفْسُدْ) الْأَوْجَهُ وَصْلُهُ بِكَسْرِ بَيْضِ نَعَامَةٍ: أَيْ وَمَنْ كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ مَا لَمْ يَفْسُدْ: أَيْ فِي زَمَنِ عَدَمِ فَسَادِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ نَائِبَةٌ عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِي الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْبَيْضَةِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِعَرَضِيَّةِ الصَّيْدِ وَلَيْسَتْ الْمَذِرَةُ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ تَصِيرَ صَيْدًا، فَانْتَفَى بِهَذَا مَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إذَا كَسَرَ بَيْضَ نَعَامَةٍ مَذِرَةٍ وَجَبَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ لِقِشْرَتِهَا قِيمَةً، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نَعَامَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالْإِحْرَامِ لَيْسَ التَّعَرُّضُ لِلْقِشْرِ بَلْ لِلصَّيْدِ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْمَذِرَةِ عَرَضِيَّةُ الصَّيْدِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ) يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا جُهِلَ أَنَّ مَوْتَهُ مِنْ الْكَسْرِ أَوْ لَا، فَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ مَوْتَهُ قَبْلَ الْكَسْرِ لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ لِانْعِدَامِ الْإِمَاتَةِ وَلَا فِي الْبَيْضِ؛ لِعَدَمِ الْعَرَضِيَّةِ، وَإِذَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا يَجِبُ فِي الْبَيْضِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا ضَمَانُهُ لِأَجْلِهِ قَدْ ضَمِنَهُ، وَلَوْ أَخَذَ الْبَيْضَةَ فَحَضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ فَفَسَدَتْ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ، وَلَوْ لَمْ تَفْسُدْ وَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَطَارَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضِهِ فَفَسَدَ ضَمِنَهُ إحَالَةً لِلْفَسَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك إذَا تَذَكَّرْت أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ كَالتَّعْلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْبِئْرِ مَيْتَةً لَا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ حَيْثُ حَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ بِإِضَافَةِ مَوْتِهَا إلَى وُقُوعِهَا فِي الْبِئْرِ وَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمَ الْبِئْرِ الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ إحَالَةً عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ، وَهُمَا قَدْ خَالَفَاهُ هُنَاكَ وَوَافَقَاهُ هُنَا فَيُطَالَبَانِ بِالْفَرْقِ الْمُؤَثِّرِ لَا كُلِّ فَرْقٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَغَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْجُرْحِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَجِبُ الضَّمَانُ احْتِيَاطًا لِلسَّبَبِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، كَمَنْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ وَأَرْسَلَهُ وَلَا يَعْلَمُ أَدَخَلَ الْحَرَمَ أَمْ لَا تَجِبُ قِيمَتُهُ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ النِّسْبَةُ إلَى مَا هُوَ سَبَبُ الظَّاهِرِ. (إذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ الْأُمُّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُمَا) أَمَّا الْأُمُّ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْجَنِينُ فَلِأَنَّ ضَرْبَ الْبَطْنِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِمَوْتِهِ وَقَدْ ظَهَرَ عَقِيبَهُ
(3/81)

(وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالذِّئْبِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ جَزَاءٌ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، الْحِدَأَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ وَالْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحَيَّةَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ» وَقَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ، أَوْ يُقَالُ إنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَاهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَيِّتًا فَيُحَالُ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْغُرَابِ) لَمْ يَقُلْ لَيْسَ فِي قَتْلِ الْمُحْرِمِ إلَخْ جَزَاءٌ، بَلْ أَطْلَقَ نَفْيَ الْجَزَاءِ فِي قَتْلِهِنَّ؛ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْقِبُ جَزَاءً فِي الْحَرَمِ وَلَا فِي الْإِحْرَامِ، فَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِمَا يُفِيدُ إبَاحَةَ قَتْلِهِنَّ فِي الْحَرَمِ وَبِمَا يُفِيدُ فِي الْإِحْرَامِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " الْحَيَّةُ " عِوَضُ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ فِيهِ: «الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ» . وَالثَّانِي مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ " فَذَكَرَ الْخَمْسَةَ، وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ " وَالْحَيَّةَ " قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: يَقْتُلُ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، وَالْفُوَيْسِقَةَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحِدَأَةَ وَالسَّبُعَ الْعَادِيَ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ السَّبُعَ الْعَادِيَ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَحُمِلَ الْغُرَابُ الْمَنْهِيُّ عَنْ قَتْلِهِ هُنَا عَلَى غَيْرِ الْأَبْقَعِ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُلُ الزَّرْعَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا يَرْمِيهِ؛ لِيُنَفِّرَهُ عَنْ الزَّرْعِ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحْرِمَ بِقَتْلِ الذِّئْبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ» وَفِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مُقْتَصِرًا عَلَى الذِّئْبِ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الذِّئْبَ وَكُلَّ عَدُوٍّ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ، وَهَذَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «وَالْحَيَّةُ وَالذِّئْبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . وَقَالَ السَّرَقُسْطِيُّ فِي غَرِيبِهِ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ يُقَالُ لِكُلِّ عَاقِرٍ حَتَّى اللِّصِّ الْمُقَاتِلِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ) وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَسَدُ، أَسْنَدَهُ السَّرَقُسْطِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ سِيلَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ: الْأَسَدُ. (قَوْلُهُ: أَوْ يُقَالُ إنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَاهُ) يَعْنِي
(3/82)

وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى، أَمَّا الْعَقْعَقُ فَغَيْرُ مُسْتَثْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَغَيْرَ الْعَقُورِ وَالْمُسْتَأْنَسَ وَالْمُتَوَحِّشَ مِنْهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَيَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمُوجِبِ لِلْإِلْحَاقِ فِي الدَّلَالَةِ.
وَاَلَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ هُوَ كَوْنُهُنَّ مُبْتَدِئَاتٍ بِالْأَذَى، وَضَمَّ غَيْرُهُ إلَى ذَلِكَ مُخَالَطَتَهَا: يَعْنِي كَوْنَهَا تَعِيشُ بِالِاخْتِطَافِ وَالِانْتِهَابِ، وَسَنَذْكُرُ لِهَذَا إتْمَامًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسُ) وَإِنْ كَانَ وَصْفُهُ بِالْعَقُورِ إيمَاءً إلَى الْعِلَّةِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ، وَذُكِرَ الْكَلْبُ مِنْ غَيْرِ وَصْفِهِ بِالْعَقُورِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ، وَاَلَّذِي ذُكِرَ وَصْفُهُ بِالْعُقُورِيَّةِ يُرَادُ بِهِ الْكَلْبُ الْوَحْشِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَقُورًا مُبْتَدِئًا بِالْأَذَى، فَأَفَادَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَيْدًا لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ عَقُورًا، وَيَكُونُ مَا فِي الْمَرَاسِيلِ تَعْمِيمُ النَّوْعِ بِنَفْيِ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ صِنْفَيْهِ مُؤْذٍ وَهُوَ الصَّيْدُ، وَالْآخَرُ لَيْسَ بِصَيْدٍ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَحْشِيًّا وَبَعْضُهُ لَا. فَإِنْ اُسْتُبْعِدَ ذَلِكَ وَادُّعِيَ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ فِطْرَتَهُ فِي الْوَحْشِيَّةِ وَعَدَمِهَا شَامِلَةٌ، لِكُلِّ أَفْرَادِهِ ثُمَّ يَعْرِضُ لِبَعْضِهَا خِلَافُ الطَّبْعِ الْأَصْلِيِّ مِنْ التَّوَحُّشِ وَالِاسْتِئْنَاسِ. قُلْنَا عَلَى التَّنَزُّلِ نَخْتَارُ أَنَّ جِنْسَ الْكَلْبِ غَيْرُ وَحْشِيٍّ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ وَحْشِيٌّ فَالتَّوَحُّشُ عَارِضٌ لَهُ فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَجِبَ بِقَتْلِ شَيْءٍ مِنْهُ جَزَاءٌ.
وَفَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى وَصْفٍ بِخُصُوصِهِ بِنَفْيِ الْجَزَاءِ: أَعْنِي مَا هُوَ مَعْرُوضُ التَّوَحُّشِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّهُ وَحْشِيٌّ بِالْأَصَالَةِ فَيَجِبُ بِقَتْلِهِ الْجَزَاءُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَحْشِيًّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ عَقُورًا، عَلَى أَنَّ الْحَقَّ جَوَازُ الِانْقِسَامِ. وَقَوْلُهُمْ
(3/83)

وَكَذَا الْفَأْرَةُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيَّةُ سَوَاءٌ. وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ لَيْسَا مِنْ الْخَمْسِ الْمُسْتَثْنَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْتَدِئَانِ بِالْأَذَى.

(وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالنَّمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْقُرَادِ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ ثُمَّ هِيَ مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّمْلِ السُّودُ أَوْ الصُّفْرُ الَّذِي يُؤْذِي، وَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهَا، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى.

(وَمَنْ قَتَلَ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) مِثْلَ كَفٍّ مِنْ طَعَامٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى الْبَدَنِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَطْعَمَ شَيْئًا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكَيْنَا شَيْئًا يَسِيرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْبِعًا.

(وَمَنْ قَتَلَ جَرَادَةً تَصَدَّقَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْفَأْرَةُ الْوَحْشِيَّةُ وَالْأَهْلِيَّةُ يُفِيدُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حُكِمَ بِإِرَادَةِ حَقِيقَةِ الْكَلْبِ، أَمَّا إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ أَوْ الْأَسَدُ فَلَا إشْكَالَ حِينَئِذٍ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْأَسَدُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ عَلَى الْأَسَدِ الْعَادِي عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْجَزَاءَ بِقَتْلِ الْأَسَدِ إذَا لَمْ يَصُلْ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْفَأْرَةُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيَّةُ) لِوُجُودِ الْمُبِيحِ فِي الْوَحْشِيَّةِ وَهُوَ فِسْقُهَا، وَالسِّنَّوْرُ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: مَا كَانَ مِنْهُ بَرِّيًّا فَهُوَ مُتَوَحِّشٌ كَالصَّيُودِ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْجَزَاءُ.

. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْقَمْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهَا) وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِقَتْلِهَا الْجَزَاءُ، وَهَكَذَا الْكَلْبُ الْأَهْلِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ نُسِخَ فَتَقَيَّدَ الْقَتْلُ بِوُجُودِ الْإِيذَاءِ. (قَوْلُهُ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى) يَعْنِي كَوْنَهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ وَلَا مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا عِلَّتَيْنِ لِلْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لَكِنَّ نَفْيَهُمَا مَعًا عِلَّةٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ يَثْبُتُ بِعِلَلٍ شَتَّى يَكُونُ نَفْيُهُ مَعْلُولًا بِعَدَمِ الْكُلِّ، إذْ لَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ يَنْتِفْ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَتْلِ الْقُنْفُذِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ جَعْلُهُ نَوْعًا مِنْ الْفَأْرَةِ، وَفِي أُخْرَى جَعْلُهُ كَالْيَرْبُوعِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ. وَفِي الْفَتَاوَى: لَا شَيْءَ فِي ابْنِ عِرْسٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ لُزُومَ الْجَزَاءِ فِي الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَالسَّمُّورِ وَالسِّنْجَابِ وَالدَّلَقِ وَالثَّعْلَبِ وَابْنِ عِرْسٍ وَالْأَرْنَبِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِي شَيْءٍ.

. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى الْبَدَنِ) يُفِيدُ أَنَّ الْجَزَاءَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَضَاءُ التَّفَثِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ بَدَنِهِ بَلْ وَجَدَ قَمْلَةً عَلَى الْأَرْضِ فَقَتَلَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِلْقَاءَ عَلَى الْأَرْضِ كَالْقَتْلِ تَجِبُ بِهِ الصَّدَقَةُ، وَلَوْ قَالَ مُحْرِمٌ لِحَلَالٍ ارْفَعْ هَذَا الْقَمْلَ عَنِّي أَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَيْهِ فَفَلَّى مَا فِيهِ مِنْ الْقَمْلِ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الْآمِرِ الْجَزَاءُ، وَكَذَا إذَا أَشَارَ إلَى قَمْلَةٍ فَقَتَلَهَا الْحَلَالُ كَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ مُوجِبَةٌ فِي الصَّيْدِ فَكَذَا مَا فِي حُكْمِهِ، كَذَا
(3/84)

بِمَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَإِنَّ الصَّيْدَ مَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ وَيَقْصِدُهُ الْآخِذُ (وَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.

(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَبْحِ السُّلَحْفَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ فَأَشْبَهَ الْخَنَافِسَ وَالْوَزَغَاتِ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ وَكَذَا لَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ فَلَمْ يَكُنْ صَيْدًا.

(وَمَنْ حَلَبَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ كُلَّهُ.

(وَمَنْ قَتَلَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصَّيْدِ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى الْإِيذَاءِ فَدَخَلَتْ فِي الْفَوَاسِقِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَكَذَا اسْمُ الْكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا لُغَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي التَّجْنِيسِ. وَالْقَمْلَتَانِ وَالثَّلَاثُ كَالْوَاحِدَةِ. وَفِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ بَالِغًا مَا بَلَغَ نِصْفَ صَاعٍ، وَهَذَا إذَا قَتَلَهَا قَصْدًا وَكَذَا لَوْ أَلْقَى ثَوْبَهُ فِي الشَّمْسِ؛ لِقَصْدِ قَتْلِهَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ أَلْقَاهُ لَا لِلْقَتْلِ فَمَاتَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ) عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِسِيَاطِنَا وَعِصِيِّنَا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، لَكِنْ تَظَاهَرَ عَنْ عُمَرَ إلْزَامُ الْجَزَاءِ فِيهَا. فِي الْمُوَطَّأِ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: تَعَالَ حَتَّى نَحْكُمَ، فَقَالَ كَعْبٌ: دِرْهَمٌ، فَقَالَ: عُمَرُ: إنَّك لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ، لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِقِصَّتِهِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ كَعْبًا سَأَلَ عُمَرَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ الْجَرَادِ يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَتَبِعَ عُمَرَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْمُحِيطِ: مَمْلُوكٌ أَصَابَ جَرَادَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ إنْ صَامَ يَوْمًا فَقَدْ زَادَ وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا حَتَّى تَصِيرَ عِدَّةَ جَرَادٍ ثُمَّ يَصُومَ يَوْمًا.

(قَوْلُهُ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا) فَالسِّبَاعُ كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْفِيلِ. فَفِي الْمُحِيطِ: إنْ قَتَلَ خِنْزِيرًا أَوْ قِرْدًا أَوْ فِيلًا تَجِبُ الْقِيمَةُ خِلَافًا لَهُمَا اهـ. وَقَوْلُ الْعَتَّابِيِّ: الْفِيلُ الْمُتَوَحِّشُ صَيْدٌ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّ الْمُسْتَأْنَسَ يَجِبُ كَوْنُهُ صَيْدًا أَيْضًا لِعُرُوضِ الِاسْتِئْنَاسِ كَمَا قَالُوا فِي الظَّبْيِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ إنَّهُمَا صَيْدٌ، وَإِنْ تَأَلَّفَا. وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْفِيلِ الْمُتَأَلَّفِ رِوَايَتَانِ كَمَا أَنَّ فِي الطُّيُورِ الْمُصَوِّتَةِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ فِيهَا أَنَّهَا صَيْدٌ، وَالْمُرَادُ بِنَحْوِهَا سِبَاعُ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ مُعَلَّمًا وَغَيْرَ مُعَلَّمٍ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا اسْمُ الْكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ دَاعِيًا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ:
(3/85)

وَلَنَا أَنَّ السَّبْعَ صَيْدٌ لِتَوَحُّشِهِ، وَكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ إمَّا لِجِلْدِهِ أَوْ لِيُصْطَادَ بِهِ أَوْ لِدَفْعِ أَذَاهُ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعَدَدِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ، فَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ» . (قَوْلُهُ: وَكَوْنُهُ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ) هَذَا زِيَادَةُ قَيْدٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَعْرِيفِهِ السَّابِقِ فَيَلْزَمُ إمَّا فَسَادُ السَّابِقِ أَوْ هَذَا اللَّاحِقِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعَدَدِ) الْعَدَدُ الْمَنْصُوصُ هُوَ الْخَمْسُ فَيَلْزَمُ مِنْ الْإِلْحَاقِ بِهِ قِيَاسًا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى شَرْعًا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ فَيَبْطُلُ الْعَدَدُ: أَيْ يَنْتَفِي فَائِدَةُ تَخْصِيصِ اسْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْدَادِ الْمُحِيطَةِ بِالْمُلْحَقِ وَغَيْرِهِ أَوْ الْإِطْلَاقِ: أَعْنِي ذِكْرَهُ بِاسْمٍ عَامٍّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: يُقْتَلُ كُلُّ عَادٍ مُنْتَهِبٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ مِثْلَهُ يَلْزَمُ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ فَيُقَالُ مَثَلًا: لَوْ جَازَ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الْمُؤْمِنَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] فَائِدَةٌ، وَكَذَا فِي الْمُقَيَّدِ بِالشَّرْطِ وَسَائِرِ الْمَفَاهِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْ هَذَا فَهُوَ بِعَيْنِهِ جَوَابُنَا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّ عَدَدَ الْخَمْسِ قَدْ تَحَقَّقَ عَدَمُ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَفُرِغَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ النَّصُّ عَلَى الذِّئْبِ وَالْحَيَّةِ أَيْضًا فِي أَحَادِيثَ لَمْ يُنَصَّ فِي صَدْرِهَا عَلَى عَدَدٍ بَلْ قَالَ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ كَذَا وَكَذَا إلَى آخِرِ مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَثَبَتَ عَدَمُ إرَادَةِ قَصْرِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْخَمْسِ فَانْفَتَحَ بَابُ الْقِيَاسِ، إذْ حَدِيثُ الْفَوَاسِقِ تَخْصِيصٌ لِلْآيَةِ، وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ يُعَلِّلُ وَيُلْحَقُ بِمَا أَخْرَجَهُ مَا تُخْرِجُهُ الْعِلَّةُ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَوَّزَ إلْحَاقَ الذِّئْبِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ يَبْطُلُ أَيْضًا الْعَدَدُ.
وَكَوْنُ الثَّابِتِ دَلَالَةً ثَابِتًا بِالنَّصِّ لَا يَخْرُجُ بِهِ الْحَالُ عَنْ أَنَّهُ بَطَلَ خُصُوصُ الْخَمْسِ. وَيَجِيءُ فِيهِ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَذَكَرَ عَدَدًا يُحِيطُ بِهِ مَعَهَا فَيَقُولُ سِتٌّ مِنْ الْفَوَاسِقِ. سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ الْإِلْحَاقَ بِالدَّلَالَةِ لَا بُدَّ فِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَعْنًى جَامِعٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ سِوَى عَلَى فَهْمِ اللُّغَةِ دُونَ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَلِذَا سَمَّاهُ كَثِيرٌ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَنُسَمِّيهِ نَحْنُ الثَّابِتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ فَمَا عَيَّنْتُمُوهُ مِنْ قَوْلِكُمْ؛ لِأَنَّهَا مُبْتَدِئَاتٌ بِالْأَذَى وَنَحْوِهِ أَوْ غَيْرِهِ فِي إلْحَاقِ الذِّئْبِ فَهُوَ الَّذِي يَلْحَقُ بِاعْتِبَارِ سَائِرِ السِّبَاعِ، فَإِنْ سَمَّيْتُمْ ذَلِكَ دَلَالَةً فَهَذَا أَيْضًا دَلَالَةٌ. وَأَمَّا رَابِعًا فَإِنَّا لَمْ نُخْرِجْهُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَكُلُّ سَبُعٍ عَادٍ» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
فَإِنْ قِيلَ: نَقُولُ مِنْ الرَّأْسِ يَخْرُجُ مَجْمُوعُ مَا نُصَّ عَلَى إخْرَاجِهِ وَهُوَ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ وَالْغُرَابُ وَالذِّئْبُ وَالْحِدَأَةُ وَالسَّبُعُ الْعَادِي. عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي حَالَةِ اعْتِدَائِهِ وَهُوَ مَا إذَا صَالَ عَلَى الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ حَقِيقَةً اسْمُ الْفَاعِلِ، وَبِهِ نَقُول: إنَّهُ إذَا صَالَ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، ثُمَّ نَمْنَعُ الْإِلْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نَاسِخٌ عَلَى أُصُولِنَا لَا مُخَصِّصٌ لِاشْتِرَاطِنَا الْمُقَارَنَةَ فِي الْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ، فَمَا لَمْ يُقَارَنْ بِهِ يَكُونُ الْعُمُومُ مُرَادًا، فَإِذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِإِرَادَةِ الْكُلِّ كَانَ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْفَرْدِ الْمُخْرَجِ، وَالتَّخْصِيصُ بَيَانُ عَدَمِ إرَادَةِ الْمُخْرَجِ، وَإِذَا كَانَ نَاسِخًا عِنْدَنَا فَلَا يَلْحَقُ إذْ لَا نَسْخَ بِالْقِيَاسِ.
قُلْنَا: لَا نُخْرِجُ بَلْ بِالْقِيَاسِ بِالدَّلَالَةِ، فَإِنْ أَخَذْتُمْ فِي الْجَامِعِ الدَّلَالِيِّ كَوْنَهَا تَعِيشُ مُخَالِطَةً بِالِاخْتِطَافِ وَالِانْتِهَابِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ
(3/86)

وَاسْمُ الْكَلْبِ لَا يَقَعُ عَلَى السَّبْعِ عُرْفًا وَالْعُرْفُ أَمْلَكُ (وَلَا يُجَاوَزُ بِقِيمَتِهِ شَاةٌ) وَقَالَ زُفَرٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ اعْتِبَارًا بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ الشَّاةُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَنَعْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِاعْتِبَارِهِ وَأَسْنَدْنَاهُ بِإِخْرَاجِ الذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَعِيشُ مُخَالِطًا. وَالْحَقُّ أَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ يَصْلُحُ إلْزَامِيًّا لِلْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عِنْدَهُمْ وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَوْنُ الْمَسْكُوتِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَذْكُورِ.
فُهِمَ مَنْعُ الضَّرْبِ مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ، وَلَا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ السِّبَاعِ بِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ مِنْ الْفَوَاسِقِ بَلْ غَايَتُهُ الْمُمَاثَلَةُ. وَأَمَّا إثْبَاتُ مَنْعِ قَتْلِهَا عَلَى أُصُولِنَا فَفِيهِ مَا سَمِعْت، وَلَعَلَّ لِعَدَمِ قُوَّةِ وَجْهِهِ كَانَ فِي السِّبَاعِ رِوَايَتَانِ كَمَا هُوَ فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ السِّبَاعُ كُلُّهَا صُيُودٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْأَسَدَ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالذِّئْبِ. وَفِي الْعَتَّابِيِّ: لَا شَيْءَ فِي الْأَسَدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ، وَقَدَّمْنَا مِنْ الْبَدَائِعِ التَّصْرِيحَ بِحِلِّ قَتْلِ الْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ. (قَوْلُهُ: وَاسْمُ الْكَلْبِ لَا يَقَعُ عَلَى السَّبُعِ عُرْفًا) ظَاهِرُ تَخْصِيصِهِ بِالْعُرْفِ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا لُغَةً بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَتِمُّ مَقْصُودُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّ الْخِطَابَ كَانَ مَعَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَخْصِيصٌ مِنْ الشَّرْعِ بِغَيْرِ السَّبُعِ، بَلْ ثَبَتَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ عَلَى مَا سَمِعْته عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ قَوْلِهِ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا» ، فَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ فَالْأَوْلَى مَنْعُ وُقُوعِهِ عَلَى السِّبَاعِ حَقِيقَةً لُغَةً وَلَفْظُ الْكَلْبِ فِي دُعَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْعَامِّ: أَعْنِي الْمُفْتَرِسَ الضَّارِيَ.
لَا يُقَالُ: ادِّعَاؤُنَا أَنَّهُ فِي كُلِّ السِّبَاعِ حَقِيقَةٌ هُوَ دَعْوَى أَنَّهُ فِي كُلِّ مُفْتَرِسٍ ضَارٍّ حَقِيقَةٌ، وَالْأَفْرَادُ حِينَئِذٍ أَفْرَادُ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ، فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي الْعَامِّ مَجَازًا كَمَا قُلْتُمْ أَوْ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا، وَالِاشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ عِنْدَ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ عِنْدَ التَّرَدُّدِ وَهُوَ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلِ عَدَمِهِ. وَتَبَادُرُ النَّوْعِ الْمَخْصُوصِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْكَلْبِ دَلِيلُ عَدَمِهِ، إذْ لَوْ كَانَ لِلْمَعْنَى الْأَعَمِّ لَمْ يَتَبَادَرْ خُصُوصُ بَعْضِهَا، وَإِذَا تَبَادَرَ خُصُوصُ بَعْضِهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّ الْوَضْعَ كَانَ لِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ لِذَلِكَ وَإِنْ جَازَ عُرُوضُ تَبَادُرِ الْبَعْضِ بِعَيْنِهِ لِعُرُوضِ شُهْرَةٍ وَغَلَبَةِ اسْتِعْمَالٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الَّذِي يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لَا الْمُجَوَّزَ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَيَتَحَقَّقَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ شَاةٌ» ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبُعٌ، وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بَلْ الْمَعْرُوفُ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَانْفَرَدَ بِزِيَادَةِ فِيهِ كَبْشٌ، وَالْبَاقُونَ رَوَوْهُ وَلَمْ يَذْكُرُوهَا فِيهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ» وَهَذَا دَلِيلُ أَكْلِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَالْمُصَنِّفُ إنْ اسْتَدَلَّ بِلَفْظِ السَّبُعِ فَغَيْرُ ثَابِتٍ، وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِلَفْظِ الضَّبُعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ
(3/87)

وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُؤْذٍ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُزَادُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ ظَاهِرًا.

(وَإِذَا صَالَ السَّبُعُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَقَالَ زُفَرٌ: يَجِبُ الْجَزَاءُ اعْتِبَارًا بِالْجَمَلِ الصَّائِلِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَتَلَ سَبُعًا وَأَهْدَى كَبْشًا وَقَالَ: إنَّا ابْتَدَأْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لَا عَنْ دَفْعِ الْأَذَى، وَلِهَذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ الْأَذَى كَمَا فِي الْفَوَاسِقِ فَلَأَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ الْمُتَحَقَّقِ مِنْهُ أَوْلَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
سَبُعٌ عِنْدَنَا وَغَيْرُ مَأْكُولٍ تَقْدِيمًا لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَنَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْرَ الْمَالِيَّةِ فِي وَقْتِ التَّنْصِيصِ، وَإِلَّا تَلْزَمُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قِيمَةُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ.
وَإِذَا كُنْتُمْ قُلْتُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ مِنْ كَوْنِهِ مُقَدَّرًا بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ كِتَابِ الصِّدِّيقِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِهِ كَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ التَّفَاوُتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا أَنَّهُ تَقْدِيرٌ لَازِمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَلَأَنْ تَقُولُوا مِثْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي الصِّحَّةِ وَكَوْنُ ذَلِكَ مُخَلِّصًا مِنْ الْمُعَارَضَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوْلَى، وَقَوْلُهُ فِي الْوَجْهِ الْمَعْقُولِ (وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ قِيمَتِهِ لِمَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُؤْذٍ) يَعْنِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَاقِطُ الْجَزَاءِ مَعَ أَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ قَبْلَهُ بِأَسْطُرٍ (وَكَوْنُهُ مَقْصُودًا بِالْأَخْذِ إمَّا لِجِلْدِهِ أَوْ لِيَصْطَادَ بِهِ أَوْ لِدَفْعِ أَذَاهُ) حَيْثُ زَادَ بَاعِثًا آخَرَ مُعَارَضًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] أَوْجَبَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ مُطْلَقًا فَتَعَيُّنُ قِيمَةِ مُجَرَّدِ جِلْدِهِ فِي بَعْضِ الْمَقْتُولِ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضَاهُ مَعَ أَنَّ أَخْذَهُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي طَلَبِ جِلْدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ هُنَا، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَرَضِ أَنْ يَصْطَادَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ قَبْلَهُ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ: إنَّا ابْتَدَأْنَاهُ) هَذَا غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ الْمُبْتَدِئ السَّبُعَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُ عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ إلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ الْأَصْلِيَّ قَدْ نُسِخَ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ فِي الصَّيْدِ عَلَى الْعُمُومِ، فَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحُكْمِ الْعَامِّ
(3/88)

وَمَعَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ حَقًّا لَهُ، بِخِلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَبْدُ.

(فَإِنْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ عَلَى مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.

(وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ وَالْبَعِيرَ وَالدَّجَاجَةَ وَالْبَطَّ الْأَهْلِيَّ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِصُيُودٍ؛ لِعَدَمِ التَّوَحُّشِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَطِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ (وَلَوْ ذَبَحَ حَمَامًا مُسَرْوَلًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. لَهُ أَنَّهُ أَلُوفٌ مُسْتَأْنَسٌ وَلَا يَمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ لِبُطْءِ نُهُوضِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَالْأَوْجَهُ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ السَّبْعُ الْعَادِي، وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِدَلَالَةِ نَصِّ قَتْلِ الْفَوَاسِقِ فَإِنَّهُ أَبَاحَهُ لِتَوَهُّمِ الْأَذَى لَهُ: أَيْ لِلْقَاتِلِ أَوْ لِأَبْنَاءِ نَوْعِهِ، فَمَعَ تَحَقُّقِ الْإِيذَاءِ لَهُ نَفْسِهِ أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ الْإِذْنُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ سَقَطَ الضَّمَانُ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ الْإِذْنُ بِهِ، فَمَا لَمْ يُقَيَّدْ الْإِذْنُ بِالضَّمَانِ لَا يَجِبُ، فَلِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ لِمَأْكَلِهِ عِنْدَ عَدَمِ صِيَالِهِ لِتَقَيُّدِ الْإِذْنِ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] الْآيَةَ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ فَإِنَّهُ لَا إذْنَ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ) فَيَضْمَنُهُ لَهُ. وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ إذَا صَالَ بِالسَّيْفِ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا إذْنَ أَيْضًا مِنْ مَالِكِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِنَفْسِهِ بِالْآدَمِيَّةِ لَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ أَقْرَانِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ أَوْ قَتَلَ يُقْتَلُ، وَإِذَا كَانَ ضَمَانُ نَفْسِهِ فِي الْأَصْلِ لَهُ سَقَطَ بِمُبِيحٍ جَاءَ مِنْ قَبْلِهِ وَهُوَ الْمُحَارَبَةُ، وَمَالِيَّةُ الْمَوْلَى فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً مَضْمُونَةً لَهُ فَهِيَ تَبَعٌ لِضَمَانِ النَّفْسِ فَيَسْقُطُ التَّبَعُ فِي ضِمْنِ سُقُوطِ الْأَصْلِ.

(قَوْلُهُ: مُسَرْوَلًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ: أَيْ فِي رِجْلَيْهِ رِيشٌ كَأَنَّهُ سَرَاوِيلُ
(3/89)

وَنَحْنُ نَقُولُ: الْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مُمْتَنِعٌ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ (وَكَذَا إذَا قَتَلَ ظَبْيًا مُسْتَأْنَسًا) ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُبْطِلُهُ الِاسْتِئْنَاسُ كَالْبَعِيرِ إذَا نَدَّ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الصَّيْدِ فِي الْحُرْمَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ.

(وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً كَذَبِيحَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: الْحَمَامُ مُتَوَحِّشُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ) وَالِاسْتِثْنَاءُ عَارِضٌ، بِخِلَافِ الْبَطِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحِيَاضِ وَالْبُيُوتِ فَإِنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ.

. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ) يَقْتَضِي ظَاهِرًا أَنَّ اللَّامَ فِي لِغَيْرِهِ يَتَعَلَّقُ بِذَبْحِهِ لَا بِيَحِلُّ، وَلَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَهُ بِيَحِلُّ، وَهُوَ الْحَقُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ التَّعْلِيلِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحِلَّ لِلْقَاتِلِ وَحَلَّ لِغَيْرِهِ لَمْ يُنْزِلْهُ الشَّرْعُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ فَصَارَ عَامِلًا لِغَيْرِهِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ هُوَ ذَلِكَ فَانْتَقَلَ فِعْلُهُ إلَيْهِمْ فَحَلَّ لَهُمْ سَوَاءٌ ذَبَحَ لِأَجْلِهِمْ أَوْ لِنَفْسِهِ
(3/90)

الْمَجُوسِيِّ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْمَيْزِ بَيْنَ الدَّمِ وَاللَّحْمِ تَيْسِيرًا فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ إلَخْ) حَاصِلُهُ إثْبَاتُ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالْإِقَامَةِ مَقَامَ الْمَيْزِ، ثُمَّ نُفِيَ الثَّانِي فَيَنْتَفِي الْأَوَّلُ: أَعْنِي الْمَشْرُوعِيَّةَ وَهُوَ الْمُفَادُ بِقَوْلِهِ فَيَنْعَدِمُ الْمَشْرُوعُ لِانْعِدَامِهِ: أَيْ لِانْعِدَامِ الْفِعْلِ الَّذِي أُقِيمَ، وَنَحْنُ إلَى غَيْرِ هَذَا الْكَلَامِ أَحْوَجُ فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ.
فَإِنَّ حَاصِلَ هَذَا إثْبَاتُ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، وَهِيَ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُسَلَّمَاتِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً عِنْدَهُ لَا يَنْتَهِضُ الْمَذْكُورُ مُثْبِتًا لَهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إذَا مَنَعَ الْحُرْمَةَ مَنَعَ عَدَمَ الْإِقَامَةِ مُقَامَ الْمَيْزِ لَكِنَّهَا مُسَلَّمَةٌ، وَنَحْنُ نَحْتَاجُ بَعْدَ تَسْلِيمِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ حُرْمَتِهِ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ اللَّحْمِ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةَ الْغَيْرِ لَا بِإِذْنِهِ لَا يَصِيرُ لَهَا حُكْمُ الْمَيْتَةِ مَعَ حُرْمَةِ الْفِعْلِ فَيُقَالُ: وَهَذَا فِعْلٌ حِسِّيٌّ مُحَرَّمٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِقُبْحٍ اُعْتُبِرَ فِي عَيْنِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَنَا فِي إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ أَنَّهُ يُضَافُ الْقُبْحُ إلَى عَيْنِهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ بِخِلَافِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا فِي ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ، وَنَعْنِي بِثُبُوتِ الْقُبْحِ لِذَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا ذُبِحَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ هُوَ أَنْ يَأْكُلَهُ كَوْنَ الشَّرْعِ اعْتَبَرَهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ عَبَثًا حَيْثُ أَخْرَجَ الذَّابِحَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَذْبُوحَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فَصَارَ فِعْلًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَكَانَ عَبَثًا بِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ، كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ عَاقِلٌ بِذَبْحِ حَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ جُنُونًا أَوْ سُخْرِيَةً، بِخِلَافِ شَاةِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إخْرَاجُهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ الذَّبْحِ شَرْعًا لِلْأَجْنَبِيِّ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَلَمْ يُعَدَّ عَبَثًا شَرْعًا.
وَإِذَا صَارَ ذَبْحُ الْمُحْرِمِ عَبَثًا شَرْعًا صَارَ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ فَلَا يُفِيدُ حُكْمَ الْحِلِّ فِيمَا كَانَ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ: أَعْنِي الصَّيْدَ قَبْلَ ذَبْحِهِ. بَقِيَ دَلِيلُ الْإِخْرَاجَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] يُفِيدُهُمَا وقَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] يُفِيدُ إخْرَاجَ الْمُحْرِمِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الذَّبْحِ فَقَطْ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الْعَيْنِ وَهِيَ تُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ تُضَافَ الْأَحْكَامُ إلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى الْعَيْنِ كَانَ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُرْمَةِ بِالْأَصَالَةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ نَفْسَ هَذَا الْعَيْنِ حَرَامًا وَنَفْسُ الْحَرَامِ لَا يَقْتَرِبُ مِنْهُ فَكَانَ مَنْعًا عَنْ الِاقْتِرَابِ مِنْهُ نَفْسِهِ، وَهَذَا إخْرَاجُهُ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ.
وَلَوْ قُلْنَا إنَّ إضَافَتَهُ إلَى الْعَيْنِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَجَازًا عَقْلِيًّا لَمْ يَضُرَّنَا، إذْ الْعُدُولُ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْفِعْلِ إلَى إضَافَتِهِ إلَى نَفْسِ الْعَيْنِ سَبَبُهُ مَا قُلْنَا. وَأَفَادَ الثَّانِي أَنَّ التَّحْرِيمَ بِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الذَّابِحِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ فَأَوْجَبَ إخْرَاجَهُ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْإِحْرَامُ هُوَ السَّبَبُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى التَّحْقِيقِ فَلِذَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ وَالذَّابِحَ
(3/91)

(فَإِنْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا أَكَلَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ مَيْتَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بِأَكْلِهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَصَارَ كَمَا إذَا أَكَلَهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ حُرْمَتَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَيْتَةً كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْظُورُ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ وَالذَّابِحَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ مُضَافَةً إلَى إحْرَامِهِ بِخِلَافِ مُحْرِمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ.

(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ صَيْدٍ اصْطَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ الْمُحْرِمُ عَلَيْهِ، وَلَا أَمَرَهُ بِصَيْدِهِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا إذَا اصْطَادَهُ؛ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ الْأَهْلِيَّةِ (قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يَعْنِي سَوَاءٌ أَدَّى ضَمَانَ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ الْأَكْلِ أَوْ لَا، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَدَّى قَبْلَهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَ عَلَى حِدَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَإِنْ كَانَ أَكَلَ قَبْلَهُ دَخَلَ ضَمَانُ مَا أَكَلَ فِي ضَمَانِ الصَّيْدِ فَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ بِانْفِرَادِهِ.
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ: لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ آخَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَتَدَاخَلَانِ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى صَيْدَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ أَوْ يُطْعِمَ كِلَابَهُ فِي لُزُومِ قِيمَةِ مَا أَطْعَمَ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِمَحْظُورِ إحْرَامِهِ (قَوْلُهُ فَصَارَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ حُرْمَةَ التَّنَاوُلِ بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ مَيْتَةٌ وَكَوْنُهُ مَيْتَةً بِوَاسِطَةِ خُرُوجِهِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ وَالصَّيْدِ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ وَثُبُوتِهِمَا مَعًا بِوَاسِطَةِ الْإِحْرَامِ، فَكَانَ الْأَكْلُ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ بِوَاسِطَةٍ، وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ خُصُوصًا وَهَذِهِ حُرْمَةٌ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرْعِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْعُذْرِ فَيَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ، وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ اسْتَغْنَى الشَّيْخُ عَنْ إيرَادِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ مَا لَوْ أَكَلَ الْحَلَالُ مِنْ لَحْمٍ ذَبَحَهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ بَعْدَ أَدَاءِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَرَمِ بَلْ تَفْوِيتُهُ الْأَمْنَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِحُلُولِهِ فِي الْحَرَمِ فَقَطْ وَقَدْ ضَمِنَهُ إذْ فَوَّتَهُ فَكَانَ حُرْمَتُهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً فَقَطْ. وَعَنْ هَذَا مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: لَوْ شَوَى الْمُحْرِمُ بَيْضَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَلِلْحَلَالِ أَكْلُهُ، وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَاعَهُ جَازَ وَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي الْفِدَاءِ إنْ شَاءَ، وَكَذَا شَجَرُ الْحَرَمِ وَاللَّبَنُ، وَكَذَا لَوْ شَوَى جَرَادًا أَوْ بَيْضًا ضَمِنَهُ، ثُمَّ إنْ أَكَلَهُ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْرُمُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ.

(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ فِيمَا إذَا اصْطَادَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ) يَعْنِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
(3/92)

لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ صَيْدٍ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ» وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَذَاكَرُوا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بَأْسَ بِهِ» وَاللَّامُ فِيمَا رُوِيَ لَامُ تَمْلِيكٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ إلَيْهِ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِهِ. ثُمَّ شُرِطَ عَدَمُ الدَّلَالَةِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ مُحَرَّمَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَّا إذَا اصْطَادَ الْحَلَالُ لِمُحْرِمٍ صَيْدًا بِأَمْرِهِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عِنْدَنَا، فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ تَحْرِيمَهُ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَا يَحْرُمُ. قَالَ الْقُدُورِيُّ: هَذَا غَلَطٌ وَاعْتَمَدَ عَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ. (قَوْلُهُ: لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) الْحَدِيثُ عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ «لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ» هَكَذَا بِالْأَلِفِ فِي يُصَادَ، فَعَارَضَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ أَوَّلَهُ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ.
أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِيمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: «تَذَاكَرْنَا لَحْمَ الصَّيْدِ يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: فِيمَ تَتَنَازَعُونَ؟ فَقُلْنَا: فِي لَحْمِ الصَّيْدِ أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَأَمَرَنَا بِأَكْلِهِ» أَخْرَجَهُ فِي الْآثَارِ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ خُسْرو الْبَلْخِيّ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام قَالَ: «كُنَّا نَحْمِلُ الصَّيْدَ صَفِيفًا وَكُنَّا نَتَزَوَّدُهُ وَنَأْكُلُهُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَاخْتَصَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَبِوَجْهَيْنِ، كَوْنُ اللَّامِ لِلْمِلْكِ وَالْمَعْنَى أَنْ يُصْطَادَ وَيُجْعَلَ لَهُ فَيَكُونُ تَمْلِيكُ عَيْنِ الصَّيْدِ مِنْ الْمُحْرِمِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ فَيَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهِ، وَالْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ بِطَلَبٍ مِنْهُ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُهُ هَذَا دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنْ لَا يُحْكَمَ هُنَا بِالْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ طَلْحَةَ
(3/93)

قَالُوا: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.

(وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ قِيمَتُهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ) ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَأَمَرَنَا بِأَكْلِهِ " مُقَيَّدٌ عِنْدَنَا بِمَا إذَا لَمْ يَدُلَّهُ الْمُحْرِمُ وَلَا أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْمُصَنِّفِ إعْمَالًا لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُصَدْ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ لِدُخُولِ الظَّنِّيَّةِ فِي دَلَالَتِهِ.
وَحَدِيثُ الزُّبَيْرِ حَاصِلُهُ نَقْلُ وَقَائِعِ أَحْوَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَيَجُوزُ كَوْنُ مَا كَانُوا يَحْمِلُونَهُ مِنْ لُحُومِ الصَّيْدِ لِلتَّزَوُّدِ مِمَّا لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِينَ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَزَوَّدُونَهُ مِنْ الْحَضَرِ ظَاهِرًا، وَالْإِحْرَامُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْمِيقَاتِ، فَالْأَوْلَى بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَصْلِ الْمَطْلُوبِ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِلِّ أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لَا، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا لَا، قَالَ: فَكُلُوا إذًا» فَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَوَانِعِ أَنْ يُصَادَ لَهُمْ لَنَظَمَهُ فِي سِلْكِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنْهَا فِي التَّفَحُّصِ عَنْ الْمَوَانِعِ لِيُجِيبَ بِالْحُكْمِ عِنْدَ خُلُوِّهِ عَنْهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ كَوْنِ الِاصْطِيَادِ لِلْمُحْرِمِ مَانِعًا فَيُعَارِضُ حَدِيثَ جَابِرٍ وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ ثُبُوتِهِ، إذْ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ قِيلَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَحْمُ الصَّيْدِ إلَخْ انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ حَنْطَبٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَكَذَا فِي رِجَالِهِ مَنْ فِيهِ لِينٌ. وَبَعْدَ ثُبُوتِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّأْوِيلِ هَذَا.
وَيُعَارِضُ الْكُلَّ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارٍ، وَفِي لَفْظٍ: رِجْلَ حِمَارٍ، وَفِي لَفْظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ، وَفِي لَفْظٍ: شِقَّ حِمَارٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ صِيدَ لَهُ أَوْ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا، وَهُوَ مَذْهَبٌ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمَذْهَبُنَا مَذْهَبُ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَخْرَجَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدِيثُ مَالِكٍ وَهُوَ أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ أَهْدَى لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارٍ: يَعْنِي فَيَكُونُ رَدُّهُ امْتِنَاعُ تَمَلُّكِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مَنْعٌ بِأَنَّ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلَ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى الْبَعْضِيَّةِ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِجْلِ حِمَارٍ وَعَجُزِهِ وَشِقِّهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، إذْ يَنْدَفِعُ بِإِرَادَةِ رِجْلٍ مَعَهَا الْفَخِذُ وَبَعْضُ جَانِبِ الذَّبِيحَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ رِوَايَةِ أَهْدَى حِمَارًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِتَعَيُّنِهِ لِامْتِنَاعِ عَكْسِهِ، إذْ إطْلَاقُ الرِّجْلِ عَلَى كُلِّ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى زَيْدٍ أُصْبُعٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ التَّلَازُمُ كَالرَّقَبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَا إنْسَانَ دُونَهُمَا، بِخِلَافِ نَحْوِ الرِّجْلِ وَالظُّفُرِ. وَأَمَّا إطْلَاقُ الْعَيْنِ عَلَى الرَّبِيئَةِ فَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إنْسَانٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَقِيبٌ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِلَا عَيْنٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي التَّحْقِيقَاتِ، أَوْ هُوَ أَحَدُ مَعَانِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ كَمَا عَدَّهُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا.
ثُمَّ إنَّ فِي هَذَا الْحَمْلِ تَرْجِيحًا لِلْأَكْثَرِ أَوْ نَحْكُمُ بِغَلَطِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ رَجَعَ عَنْهَا تَبَيُّنًا لِغَلَطِهِ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ: «أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ» ، وَرُبَّمَا قَالَ: يَقْطُرُ دَمًا، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَكَانَ فِيمَا
(3/94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خَلَا: قَالَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ، ثُمَّ صَارَ إلَى لَحْمٍ حَتَّى مَاتَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ وَثَبَاتِهِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِتَبَيُّنِهِ غَلَطَهُ أَوَّلًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ مَا وَقَعَ إلَّا بِالْإِحْرَامِ، فَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَقَالَ بِأَنَّك صِدْتَهُ لِأَجْلِي. قُلْنَا: كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ. يَعْنِي عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ صِيدَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ مُعَلِّلًا بِالْإِحْرَامِ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ أَكْلِ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ، وَبِهِ يَقَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ الصَّعْبِ وَحَدِيثَيْ أَبِي قَتَادَةَ وَجَابِرٍ السَّابِقِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ.
أَمَّا عَلَى رَأْيِنَا وَهُوَ إبَاحَتُهُ بِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ فَلَا يَقَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّا قُلْنَا: إنَّهُ يُفِيدُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُصَادَ؛ لِأَجْلِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ حُمِلَ حَدِيثُ الصَّعْبِ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ؛ لِأَجْلِهِ تَعَارَضَا فَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ فَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ بِعَدَمِ اضْطِرَابِهِ أَصْلًا، بِخِلَافِ حَدِيثِ الصَّعْبِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: «إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَكَلَ مِنْهُ» . رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجُزَ حِمَارٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْمُ» وَمَا قِيلَ هَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ، فَإِنَّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا إلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُجْمَعَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الَّذِي تَعَرَّضَتْ لَهُ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ لَيْسَ سِوَى أَنَّهُ رَدَّهُ، وَعَلَّلَ بِالْإِحْرَامِ، ثُمَّ سَكَتَ الْكُلُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ لَمَّا رَدَّهُ مُعَلِّلًا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صِيدَ لِأَجْلِهِ ذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ فَقَبِلَهُ بَعْدَ الرَّدِّ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَهَذَا جَمْعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ عَدَمَ الِاصْطِيَادِ لِأَجْلِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْكُلِّ مَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَمَا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَالَ: وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ رَدَّ الْحَيَّ وَقَبِلَ اللَّحْمَ. اهـ.
إلَّا أَنَّ هَذَا جَمْعٌ بِإِنْشَاءِ إشْكَالٍ آخَرَ وَهُوَ رَدُّ رِوَايَةِ أَنَّهُ رَدَّ اللَّحْمَ وَهِيَ بَعْدَ صِحَّتِهَا ثَبَتَ عَلَيْهَا الرَّاوِي وَرَجَعَ عَمَّا سِوَاهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ فِي رِوَايَةِ رَدِّ اللَّحْمِ وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابٌ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَكَانَ هُوَ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَدِيثَ الصَّعْبِ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ. قُلْنَا أَمَّا إنَّ حَدِيثَ الصَّعْبِ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَبَعْضُهُمْ وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِيهِ ثَبْتًا صَحِيحًا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ قَالَ: «انْطَلَقْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ» فَسَاقَ الْحَدِيثَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ وَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ» الْحَدِيثَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَكَانَ بِالتَّقْدِيمِ أَوْلَى. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ حَدِيثُ الْبَهْزِيِّ: أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّرِيرِ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(3/95)

قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (وَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ) ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ وَلَيْسَتْ بِكَفَّارَةٍ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ يَجِبُ بِتَفْوِيتِ وَصْفٍ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ الْأَمْنُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِيهِ وَهُوَ إحْرَامُهُ، وَالصَّوْمُ يُصْلِحُ جَزَاءَ الْأَفْعَالِ لَا ضَمَانَ الْمَحَالِّ. وَقَالَ زُفَرٌ: يُجْزِيهِ الصَّوْمُ اعْتِبَارًا بِمَا وَجَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِبَعْضِ أَفْنَاءِ الرَّوْحَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ إذَا حِمَارٌ مَعْقُورٌ فِيهِ سَهْمٌ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: دَعُوهُ فَيُوشِكُ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٍ هُوَ الَّذِي عَقَرَ الْحِمَارَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ رَمْيَتِي فَشَأْنُكُمْ بِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ.

(قَوْلُهُ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) رَوَى السِّتَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، ثُمَّ بَقِيَتْ حُرْمَتُهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا الْإِذْخِرَ» وَالْخَلَى بِالْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا الْحَشِيشُ إذَا كَانَ رَطْبًا وَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعُهُ. (قَوْلُهُ: وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّ حُرْمَةَ الْقَتْلِ ثَابِتَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ سَبَبَهَا فِي الْإِحْرَامِ وُجُوبُ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِهِ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ فِي حُرْمَةِ عِبَادَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِالْتِزَامِ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا كَالدُّخُولِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ فَكَانَ حِكْمَةُ مَنْعِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ كَوْنَهُ يُهَيِّجُ النَّفْسَ إلَى حَالَةٍ تُنَافِي حَالَةَ الْإِحْرَامِ الَّتِي هِيَ التَّصَوُّرُ بِصُورَةِ الْمَوْتِ وَالْفَاقَةِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرَاوَةً، وَحَالَةُ الْإِحْرَامِ ضَرَاعَةٌ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهَا أَكْثَرَ مِنْ ظُهُورِهِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، أَلَا تَرَى إلَى كَشْفِ الرَّأْسِ وَالتَّلَفُّفِ بِثِيَابِ الْمَوْتِ فَإِذَا قَتَلَهُ فَقَدْ جَنَى عَلَى الْعِبَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَجْرِ عَلَى مُوجِبِهَا وَجَبَرَ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ بِعِبَادَةٍ مَحْضَةٍ فَدَخَلَهُ الصَّوْمُ. وَأَمَّا فِي الْحَرَمِ فَسَبَبُهَا إبْقَاءُ أَمْنِهِ الْحَاصِلِ لَهُ شَرْعًا بِسَبَبِ الْإِيوَاءِ إلَى حِمَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا فَوَّتَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ؛ لِتَفْوِيتِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْكَائِنِ فِي الْمَحَلِّ لَا لِجِنَايَةٍ عَلَى عِبَادَةٍ تَلَبَّسَ بِهَا وَالْتَزَمَهَا بِعَقْدٍ خَاصٍّ بِارْتِكَابِ مَحْظُورِهَا فَلَا يَدْخُلُ الصَّوْمُ فِيهِ كَتَفْوِيتِ أَمْنٍ كَائِنٍ لِمَمْلُوكِ رَجُلٍ فِي مَالِهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ لَا يَكُونُ بِصَوْمٍ وَنَحْوِهِ بَلْ جَبْرُ الْأَمْنِ الْفَائِتِ بِإِثْبَاتِ أَمْنٍ لِلْفَقِيرِ عَنْ بَعْضِ الْحَاجَاتِ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَجْبُورِ، وَعَلَى وَفْقِ هَذَا وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، إلَّا أَنَّ مُسْتَحِقَّ هَذَا
(3/96)

عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَهَلْ يَجْزِيهِ الْهَدْيُ؟ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الضَّمَانَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
فَتَجَاذَبَهُ أَصْلَانِ: شِبْهُ الْغَرَامَاتِ اللَّازِمَةِ لِتَفْوِيتِ الْمَحَالِّ، وَكَوْنُهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَرَتَّبْنَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مُقْتَضَاهُ مُحْتَاطِينَ فِي التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فَقُلْنَا: لَا يَدْخُلُهُ الصَّوْمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ ضَمَانُ مَحَلٍّ. وَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّبِيِّ لَوْ قَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ. وَلَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ حَلَالٌ فِي يَدِ حَلَالٍ صَادَهُ مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانٌ كَامِلٌ لِتَفْوِيتِ كُلِّ الْأَمْنِ الْوَاحِدِ الثَّابِتِ لِلصَّيْدِ، أَحَدُهُمَا بِالْأَخْذِ، وَالثَّانِي بِالْقَتْلِ بَعْدَمَا كَانَ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَفِي مِثْلَيْهِمَا مِنْ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْآخِذِ. وَاتَّفَقُوا هُنَا عَلَى رُجُوعِ الْآخِذِ عَلَى الْقَاتِلِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِحْرَامِ يَقُولُ يَرْجِعُ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ مَعَ جِنَايَةٍ لَيْسَ ضَمَانَ مَحَلٍّ فَهُنَا أَوْلَى، وَهُمَا مَنَعَا الرُّجُوعَ هُنَاكَ وَأَثْبَتَاهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَحَلٍّ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي ضَمَانِ الْمَحَلِّ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يُقَرِّرُ الضَّمَانَ. وَإِذَا تَأَمَّلْت رَأَيْت خُصُوصَ الِاعْتِبَارِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ بِجِهَةٍ دُونَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ فِيهَا فَتَأَمَّلْ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى تَرْشُدْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ يَدْخُلُ جَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ فِي جَزَاءِ صَيْدِ الْإِحْرَامِ، فَلَوْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدَ الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ عَلَى وَفْقِ جَزَائِهِ لِلْإِحْرَامِ خَاصَّةً. وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الثَّابِتَ هُنَا حَقٌّ وَاحِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ ارْتِكَابِهِ حُرْمَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَقِّقَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ قَتْلَهُ وَوَضَعَ لِهَذِهِ الْحُرْمَةِ سَبَبَيْنِ: حُلُولَهُ فِي الْحَرَمِ، وَوُجُودَ الْإِحْرَامِ، فَأَيُّهُمَا وُجِدَ اسْتَقَلَّ بِإِثَارَةِ الْحُرْمَةِ، فَإِذَا وُجِدَا مَعًا وَهُوَ الْإِحْرَامُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَتَحَقَّقْ سِوَى تِلْكَ الْحُرْمَةِ، وَثُبُوتُ الْأَمْنِ إنَّمَا هُوَ عَنْ هَذِهِ الْحُرْمَةِ وَعَلِمْت أَنَّهَا حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَهُنَا أَمْرٌ وَاحِدٌ عَنْ حُرْمَةٍ وَاحِدَةٍ فُوِّتَتْ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ عَلَى انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ الْكَائِنِ بِالْقَتْلِ حَالَ كَوْنِهَا عَنْ سَبَبِ الْإِحْرَامِ جَزَاءً يَدْخُلُهُ الصَّوْمُ وَدَلَّ النَّظَرُ السَّابِقُ حَالَ كَوْنِهَا عَنْ حُلُولِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءٍ لَا يَدْخُلُهُ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ عَنْ السَّبَبَيْنِ جَمِيعًا بِأَنْ كَانَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ ثُمَّ اُنْتُهِكَتْ بِالْقَتْلِ فِيهِ تَعَذَّرَ فِي الْجَزَاءِ اللَّازِمِ اعْتِبَارُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَلَزِمَ اعْتِبَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَرَأَيْنَا اعْتِبَارَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ مَعَ الْإِحْرَامِ هُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى السَّبَبَيْنِ فَقُلْنَا بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ، قَالَ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] بِخِلَافِ الْكَوْنِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ النُّصُوصَ إنَّمَا أَفَادَتْ سَبَبِيَّتَهُ لِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِلُزُومِ الْجَزَاءِ ذَاكَ التَّصْرِيحَ فَظَهَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَفْوِيتُ أَمْنٍ مُسْتَحَقٍّ كَالْقَتْلِ فِي الْإِحْرَامِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ: أَعْنِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الصَّوْمُ وَعَلَيْهِ تَرْدِيدٌ نُورِدُهُ فِي جِنَايَةِ الْقَارِنِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَهَلْ يُجْزِيهِ الْهَدْيُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ لَا فَلَا يَتَأَدَّى بِالْإِرَاقَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ بِلَحْمِهِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ لَا إذَا كَانَ دُونَهُ، وَلِذَا لَوْ سُرِقَ الْمَذْبُوحُ وَجَبَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْإِرَاقَةِ فِي غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ. وَفِي أُخْرَى يَتَأَدَّى فَتَكُونُ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى عَكْسِهَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ قِيمَةِ الْهَدْيِ قَبْلَ الذَّبْحِ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْهَدْيُ مَالٌ يُجْعَلُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ طَرِيقٌ صَالِحٌ شَرْعًا لِجَعْلِ الْمَالِ
(3/97)

(وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ فِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: حَقُّ الشَّرْعِ لَا يَظْهَرُ فِي مَمْلُوكِ الْعَبْدِ لِحَاجَةِ الْعَبْدِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ إذْ صَارَ هُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَاسْتَحَقَّ الْأَمْنَ لِمَا رَوَيْنَا (فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ الْبَيْعَ فِيهِ إنْ كَانَ قَائِمًا) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَذَلِكَ حَرَامٌ (وَإِنْ كَانَ فَائِتًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ (وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ) لِمَا قُلْنَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَهُ خَالِصًا كَالتَّصَدُّقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ يَجْعَلُ الْأُضْحِيَّةَ خَالِصَةً لَهُ سُبْحَانَهُ بِإِرَاقَةِ دَمِهَا.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ) أَيْ وَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْرِمًا وَجَبَ إرْسَالُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) قَاسَهُ عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَرْفَعُهُ، حَتَّى إذَا ثَبَتَ حَالُ الْكُفْرِ ثُمَّ طَرَأَ الْإِسْلَامُ لَا يَرْتَفِعُ، عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَقَّ الشَّرْعِ لَا يَظْهَرُ فِي مَمْلُوكِ الْعَبْدِ بَعْدَ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ تَفَضُّلًا مِنْهُ تَعَالَى لِحَاجَةِ الْعَبْدِ وَغِنَاهُ: وَهَذَا كَذَلِكَ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَحَاصِلُهُ تَقْرِيرُ الْجَامِعِ وَتَرْكُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَتَلْخِيصُهُ مَمْلُوكٌ لِلْعَبْدِ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ فَلَا يَظْهَرُ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحَقَّقَ كَالِاسْتِرْقَاقِ، وَلَك فِي اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ أَنْ تَجْعَلَهُ مِلْكَ الصَّيْدِ عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَرْقُوقِ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا إلَخْ) حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالنَّصِّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ.
تَقْرِيرُهُ: هَذَا صَيْدُ الْحَرَمِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالنَّصِّ فَهَذَا لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالنَّصِّ. أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَيْسَ يُرَادُ بِصَيْدِ الْحَرَمِ إلَّا مَا كَانَ حَالًّا فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِإِطْلَاقِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مِنْ السُّنَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي الرِّقِّ بَلْ ثَبَتَ شَرْعًا بَقَاؤُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بَلْ عَدَّاهُ إلَى أَوْلَادِ الْإِمَاءِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ الزَّوْجُ بِالْكُفْرِ قَطُّ، وَيُمْكِنُ كَوْنُ سِرِّ هَذَا الْفَرْقِ التَّغْلِيظَ عَلَى مَنْ أُمِرَ فَخَالَفَ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ حُكْمُ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُخَالِفْ، وَهُوَ الصَّيْدُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَهُ) يَعْنِي بَعْدَمَا أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ (رُدَّ الْبَيْعُ فِيهِ إنْ كَانَ قَائِمًا) وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ هَالِكًا سَوَاءٌ بَاعَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِدْخَالِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَوْ تَبَايَعَ الْحَلَالَانِ وَهُمَا فِي الْحَرَمِ الصَّيْدَ وَهُوَ فِي الْحِلِّ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ يَتَّصِلُ بِهِ بِسَاحِلٍ حُكْمًا، وَلَيْسَ هُوَ بِأَبْلَغَ مِنْ أَمْرِهِ بِذَبْحِ هَذَا الصَّيْدِ،
(3/98)

(وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ صَيْدٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ بِإِمْسَاكِهِ فِي مِلْكِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ. وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يُحْرِمُونَ وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إرْسَالُهَا، وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَّةُ وَهِيَ مِنْ إحْدَى الْحُجَجِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْبَيْتِ وَالْقَفَصِ لَا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ.

قَالَ (فَإِنْ أَصَابَ حَلَالٌ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ) ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَرِ وَ {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] وَلَهُ أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا فَلَا يَبْطُلُ احْتِرَامُهُ بِإِحْرَامِهِ وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ لِلِاتِّصَالِ الْحِسِّيِّ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ) قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَجَبَ الْإِرْسَالُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ هَلَكَ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهُ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِعَدَمِ تَرْكِهِ. فَلِذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ أَوْ لَا بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الصَّيْدِ فِي يَدِهِ بِكَوْنِ الْقَفَصِ فِيهَا وَلِهَذَا يَصِيرُ غَاصِبًا لَهُ بِغَصْبِ الْقَفَصِ أَوْ لَيْسَ فِيهَا بَلْ بِكَوْنِ الْقَفَصِ فِيهَا، وَلِذَا جَازَ لِلْمُحَدِّثِ أَخْذُ الْمُصْحَفِ بِغِلَافِهِ. (قَوْلُهُ وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ) مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ إلَى الْآنَ، وَهُمْ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُحْرِمُونَ وَفِي بُيُوتِهِمْ حَمَامٌ فِي أَبْرَاجٍ وَعِنْدَهُمْ دَوَاجِنُ وَالطُّيُورُ لَا يُطْلِقُونَهَا. (وَهِيَ إحْدَى الْحُجَجِ) فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ اسْتِبْقَاءَهَا فِي الْمِلْكِ مَحْفُوظَةٌ بِغَيْرِ الْيَدِ لَيْسَ هُوَ التَّعَرُّضُ الْمُمْتَنِعُ. (قَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ) أَيْ لَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْمِلْكِ جِنَايَةً عَلَى الصَّيْدِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إخْرَاجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَمْلِيكَهُ وَالْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ تَنْفِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ حَلَالًا مِلْكًا مُحْتَرَمًا) حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَرْسَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ فِي يَدِ شَخْصٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَرْسَلَهُ عَنْ اخْتِيَارٍ. كَذَا عَلَّلَ التُّمُرْتَاشِيُّ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ يَكُونُ إبَاحَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ صَادَهُ فِي إحْرَامِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ ثُمَّ حَلَّ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَكَهُ بِالْأَخْذِ فِي الْإِحْرَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(3/99)

وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَنَظِيرُهُ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ.

(وَإِنْ أَصَابَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ، فَإِنَّ الصَّيْدَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْخَمْرَ (فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فِي يَدِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ، وَالْقَاتِلُ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ، وَالتَّقْرِيرُ كَالِابْتِدَاءِ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا (وَيَرْجِعُ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ) وَقَالَ زُفَرٌ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُؤَاخَذٌ بِصُنْعِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَنَا أَنَّ الْآخِذَ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ اتِّصَالِ الْهَلَاكِ بِهِ، فَهُوَ بِالْقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةً فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا الْمُرْسِلُ آمِرٌ بِمَعْرُوفٍ. فَأَجَابَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي يَجِبُ الْأَمْرُ بِهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَفْوِيتِ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا مُطْلَقِ يَدِهِ، فَإِنْ ادَّعَيَا الثَّانِيَ مَنَعْنَاهُ، أَوْ الْأَوَّلَ سَلَّمْنَاهُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِرْسَالِهِ وَلَوْ فِي قَفَصٍ.

(قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ الْأَخْذَ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَتْلُ) وَالْمُتَوَجَّهُ قَبْلَ قَتْلِهِ خِطَابُ إرْسَالِهِ وَتَخْلِيَتِهِ (فَهُوَ بِالْقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةً فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ بِهَذَا الْقَتْلِ يَدًا مُحْتَرَمَةً وَلَا مِلْكًا فَإِنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِمَا ضَمَانٌ يَجِبُ لِذِي الْيَدِ وَالْمِلْكِ ابْتِدَاءً بَدَلَ مِلْكِهِ وَيَدِهِ، وَهُنَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ لَيْسَ إلَّا الرُّجُوعُ بِمَا غَرِمَهُ؛ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِيهِ فَإِنَّهُ مَنُوطٌ بِتَفْوِيتِهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً، كَمَا فِي غَصْبِ الْمُدَبَّرِ، إذَا قَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِ غَاصِبِهِ فَأَدَّى الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ، وَهُنَا قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ فَوَّتَ يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّ التَّمْكِينِ بِهَا مِنْ إسْقَاطِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِرْسَالِ وَدَفَعَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ فَهُوَ مُوَرِّطُهُ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى شُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا فَالرُّجُوعُ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ قَرَّرُوا مَا كَانَ مُتَوَهَّمَ السُّقُوطِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الزَّوْجِ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالْقَاتِلُ هُنَا هُوَ الَّذِي حَقَّقَ سَبَبَ الْوُجُوبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتَوَهَّمُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ بِهِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَخْذِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِرْسَالِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَتْلُ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ لَيْسَ عِلَّةَ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ الْقَتْلُ، وَالْأَخْذُ لَيْسَ عِلَّةً لِلْقَتْلِ وَلَا جُزْءَ عِلَّةٍ وَلَا سَبَبًا، بَلْ الْقَتْلُ
(3/100)

(فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ أَوْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا فِيمَا جَفَّ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُمَا ثَبَتَتْ بِسَبَبِ الْحَرَمِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُسْتَقِلٌّ بِسَبَبِيَّةِ إيجَابِ الْجَزَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ لَوْ رَمَاهُ مِنْ بَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَالْأَخْذُ قَدْ يَكُونُ شَرْطًا حِسِّيًّا لِلْقَتْلِ وَقَدْ لَا يَكُونُ، إلَّا أَنَّ مُبَاشَرَةَ الشَّرْطِ فِي الْإِتْلَافِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُقُوعِ وَالْعِلَّةُ ثِقَلُ الْوَاقِعِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ سُؤَالَانِ: كَيْفَ يَرْجِعُ وَلَمْ يُفَوِّتْ يَدًا مُحْتَرَمَةً وَلَا مِلْكًا؟ . وَأَيْضًا أَنَّ الشَّيْءَ إذَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْمِلْكِ لَا يَضْمَنُ مُسْتَهْلِكُهُ وَإِنْ جَنَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ إذَا غَصَبَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ فَاسْتَهْلَكَهُ مُسْلِمٌ آخَرُ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ الْآخِذُ لِلذِّمِّيِّ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ؟ . فَالْجَوَابُ أَنَّ اتِّحَادَ اعْتِقَادِ سُقُوطِ تَقَوُّمِهَا مَنَعَ مِنْ رُجُوعِ الْمُسْلِمِ عَلَى ذَلِكَ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَهْلِكِ. هَذَا وَقَدْ أَوْرَدَ فِي النِّهَايَةِ كَيْفَ يَرْجِعُ وَهُوَ قَدْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ تُخْرَجُ بِالصَّوْمِ وَهُوَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِضَمَانٍ يَحْبِسُهُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا لَزِمَهُ؟ .
وَأَجَابَ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّفَاوُتِ لَا يُمْنَعُ كَالْأَبِ إذَا غَصَبَ مُدَبَّرَ ابْنِهِ فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ فَضَمَّنَ الِابْنُ أَبَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ. وَلِلْأَبِ أَنْ يَحْبِسَ مَنْ قَتَلَهُ فِي يَدِهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ضَمَانٍ يُفْتِي بِهِ وَضَمَانٍ يُقْضَى بِهِ. فَإِنَّ زَكَاةَ السَّائِمَةِ تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ لَهُ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ يَكُونُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَا تَتَعَيَّنُ الْمُطَالَبَةُ. وَهَذَا قَدْ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَإِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُنْتَقَى بِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ إذَا كَفَّرَ بِالْمَالِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَاتِلِ صَبِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ.
وَأَصْلُ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا أَنَّ تَفْوِيتَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّيْدِ يُوجِبُ الْجَزَاءَ، وَالْأَمْنُ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِإِحْرَامِ الصَّائِدِ أَوْ دُخُولِهِ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ. أَوْ دُخُولِ الصَّيْدِ فِيهِ. وَأَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ التَّفْوِيتُ لَا يَبْرَأُ بِالشَّكِّ فَلِذَا قُلْنَا: يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي إرْسَالِ الْحَلَالِ الصَّيْدَ فِي أَرْضِ الْحِلِّ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ، وَبِإِرْسَالِ الْمُحْرِمِ إيَّاهُ فِي جَوْفِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ بِهَذَا الْإِرْسَالِ مُمْتَنِعًا ظَاهِرًا، وَلِذَا لَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ حَلَالٌ كُرِهَ أَكْلُهُ اهـ.

(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) جَعَلَهُ
(3/101)

«لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» وَلَا يَكُونُ لِلصَّوْمِ فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ مَدْخَلٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ لَا بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمَحَالِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِذَا أَدَّاهَا مَلَكَهُ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ شَرْعًا، فَلَوْ أُطْلِقَ لَهُ فِي بَيْعِهِ لَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ، وَالْفَرْقُ مَا نَذْكُرُهُ. وَاَلَّذِي يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً عَرَفْنَاهُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ لِلْأَمْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ الْمَنْسُوبَ إلَى الْحَرَمِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ عَلَى الْكَمَالِ عِنْدَ عَدَمِ النِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ بِالْإِنْبَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الصَّوْمُ. وَحَاصِلُ وُجُوهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّابِتَ فِي الْحَرَمِ إمَّا إذْخِرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَقَدْ جَفَّ أَوْ انْكَسَرَ أَوْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا فَلَا شَيْءَ فِي الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ أَنْبَتَهُ النَّاسُ أَوْ لَا، فَالْأَوَّلُ لَا شَيْءَ فِيهِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُسْتَنْبَتُ عَادَةً أَوْ لَا، وَالثَّانِي وَهُوَ مَا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ بَلْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُونَهُ أَوْ لَا، فَلَا شَيْءَ فِي الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَزَاءُ، فَمَا فِيهِ الْجَزَاءُ هُوَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ وَلَا مُنْكَسِرًا وَلَا جَافًّا وَلَا إذْخِرًا. وَلَا بُدَّ فِي إخْرَاجِ مَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْجَزَاءِ مِنْ دَلِيلٍ، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْإِذْخِرَ خَرَجَ بِالنَّصِّ وَمَا أَنْبَتُوهُ بِقِسْمَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْجَافُّ وَالْمُنْكَسِرُ فَفِي مَعْنَاهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْبَابِ الشَّجَرُ وَالشَّوْكُ وَالْخَلَى. فَالْخَلَى وَالشَّجَرُ قَدَّمْنَاهُمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّوْكُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، إلَى أَنْ قَالَ: لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» الْحَدِيثَ. فَالْخَلَى هُوَ الرَّطْبُ مِنْ الْكَلَأِ، وَكَذَا الشَّجَرُ اسْمٌ لِلْقَائِمِ الَّذِي بِحَيْثُ يَنْمُو فَإِذَا جَفَّ فَهُوَ حَطَبٌ، وَالشَّوْكُ لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ يُقَالُ عَلَى الرَّطْبِ وَالْجَافِّ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَحَدِ نَوْعَيْهِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَبَتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْبِتَهُ النَّاسُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُونَهُ فَلَا أَدْرِي مَا الْمَخْرَجُ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَّلَ إخْرَاجَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ بِأَنَّ إنْبَاتَهُمْ يَقْطَعُ كَمَالَ النِّسْبَةِ إلَى الْحَرَمِ. فَإِنْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُونَهُ يَمْنَعُ كَمَالَ النِّسْبَةِ إلَيْهِ أُلْحِقَ بِمَا يُنْبِتُونَهُ، وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَكُلُّ مَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْحَرَمِ جَازَ إخْرَاجُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَحْجَارُ أَرْضِ الْحَرَمِ وَحَصَاهَا إلَّا أَنْ يُبَالِغَ فِي ذَلِكَ فَيَحْفِرَ كَثِيرًا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ أَوْ الدُّورِ فَيُمْنَعُ. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ مَا نَذْكُرُهُ) أَيْ الْفَرْقُ بَيْنَ نَبَاتِ الْحَرَمِ إذَا أَدَّى قِيمَتَهُ حَيْثُ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ وَبَيْنَ الصَّيْدِ
(3/102)

وَمَا لَا يَنْبُتُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ الْتَحَقَ بِمَا يَنْبُتُ عَادَةً.
وَلَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَعَلَى قَاطِعِهِ قِيمَتَانِ: قِيمَةٌ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ حَقًّا لِلشَّرْعِ، وَقِيمَةٌ أُخْرَى ضَمَانًا لِمَالِكِهِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَرَمِ، وَمَا جَفَّ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَامٍ.

(وَلَا يُرْعَى حَشِيشُ الْحَرَمِ وَلَا يُقْطَعُ إلَّا الْإِذْخِرَ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، فَإِنَّ مَنْعَ الدَّوَابِّ عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَالْقَطْعُ بِالْمَشَافِرِ كَالْقَطْعِ بِالْمَنَاجِلِ، وَحَمْلُ الْحَشِيشِ مِنْ الْحِلِّ مُمْكِنٌ فَلَا ضَرُورَةَ، بِخِلَافِ الْإِذْخِرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجُوزُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَيْثُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِنْ أَدَّى ضَمَانَهُ مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ إلَى آخِرِ مَا يَجِيءُ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى قَاطِعِهِ قِيمَتَانِ) هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ تَمَلُّكُ أَرْضِ الْحَرَمِ بَلْ هِيَ سَوَائِبُ عِنْدَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ: وَلَنَا مَا رَوَيْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " أَيْ لَا يُقْطَعُ، خَلَاهُ وَاخْتَلَاهُ قَطَعَهُ وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَالْعَضْدُ: قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ فَقَدْ مُنِعَ الْقَطْعُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ بِالْمَنَاجِلِ أَوْ الْمَشَافِرِ فَلَا يَحِلُّ الرَّعْيُ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِحَمْلِ الْحَشِيشِ مِنْ الْحِلِّ، وَمِشْفَرُ كُلِّ شَيْءٍ
(3/103)

قَطْعُهُ وَرَعْيُهُ، وَبِخِلَافِ الْكَمْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ النَّبَاتِ.

(وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْقَارِنُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ عَلَى الْمُفْرِدِ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِحَجَّتِهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: دَمٌ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا بِإِحْرَامَيْنِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ. قَالَ (إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَرْفُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ شَفْرَةُ السَّيْفِ حَدُّهُ، وَشَفِيرُ الْخَنْدَقِ وَالنَّهْرِ وَالْبِئْرِ حَرْفُهُ، وَمِشْفَرُ الْبَعِيرِ شَفَتُهُ. (قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ الْكَمْأَةِ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ النَّبَاتِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْكَمْأَةُ تُخْلَقُ فِي بَاطِنِهَا لَا يَظْهَرُ مِنْهَا شَيْءٌ. وَأَيْضًا لَا تَنْمُو وَلَوْ قُدِّرَ كَوْنُهَا نَبَاتًا كَانَتْ مِنْ الْجَافِّ.

(قَوْلُهُ: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ الْقَارِنُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ عَلَى الْمُفْرِدِ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ: دَمٌ لِحَجَّتِهِ، وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَمٌ وَاحِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا بِإِحْرَامَيْنِ) فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ كَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ. وَأَوْرَدَ فَلِمَ لَمْ يَتَدَاخَلَا كَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدَ الْحَرَمِ إذْ كَانَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ أَقْوَى مِنْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حُرُمَاتٍ كَثِيرَةً غَيْرَ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْحُرُمِ فَاسْتَتْبَعَتْ أَقْوَى الْحُرْمَتَيْنِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا اجْتَمَعَ مُوجِبَانِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى أَقْوَاهُمَا وَجُعِلَ الْآخَرُ تَبَعًا لَهُ كَالْعَدَمِ.
وَهَذَا كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ وَالْحَازِّ لِلرَّقَبَةِ مَعَ الْجَارِحِ. وَإِحْرَامُ الْحَجِّ مُسَاوٍ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا يَحْرُمُ بِهِ يَحْرُمُ بِالْآخَرِ فَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِتْبَاعُ فَيُجْعَلُ
(3/104)

خِلَافًا لِزُفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ إحْرَامٌ وَاحِدٌ وَبِتَأْخِيرِ وَاجِبٍ وَاحِدٍ لَا يَجِبُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ.

(وَإِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كُلٌّ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ جَرَحَ اثْنَانِ آخَرَ فَمَاتَ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي دَفْعِ إيجَابِ الشَّافِعِيِّ الْبَدَنَةَ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَمَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ قِيَاسًا عَلَى وُجُوبِهَا إذَا جَامِع فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَمَنَعَ افْتِرَاضَهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ فَأَظْهَرَ التَّفَاوُتَ فِي الْأَجْزِيَةِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَوْ اتَّحَدَ رُتْبَةُ إحْرَامَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرَهُ، وَإِذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ جَازَ الِاسْتِتْبَاعُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى دَرَجَةِ عَدَمِ الْإِيجَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ مُوجِبَةٌ بِانْفِرَادِهَا مَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ ظَهَرَ التَّفَاوُتُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَوَقَعَ الِاسْتِتْبَاعُ، وَعِنْدَ هَذَا نُورِدُ مَا كُنَّا وَعَدْنَا، وَهُوَ إنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مُحْرِمٌ وَاقَعَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ فَمُوجِبُ الْجَزَاءِ إنْ كَانَ نَفْسُ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْقَتْلِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّدَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَدُّدَ فِي الْحُرْمَةِ بَلْ التَّعَدُّدُ فِي السَّبَبِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدَ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ مُتَعَدِّدٌ فَيَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ وَجَبَ التَّعَدُّدُ فِي قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدَ الْحَرَمِ لِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ بِتَعَدُّدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ وَالْحَرَمُ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْعَ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِ لِإِثْبَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ حُرْمَةً وَجَعْلِهِ حِمَاهُ وَالْقَتْلُ فِيهِ جِنَايَةٌ عَلَى حَرَمِ اللَّهِ، وَكَوْنُ إحْدَى الْحُرْمَتَيْنِ فَوْقَ الْأُخْرَى لَمْ يُعْرَفْ فِي الشَّرْعِ سَبَبًا لِإِهْدَارِ الْحُرْمَةِ وَجَعْلِهَا تَبَعًا، بَلْ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ حُرْمَةٍ تَسْتَتْبِعُ مُوجِبَهَا سَوَاءٌ سَاوَتْ غَيْرَهَا أَوْ لَا.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوُجُوبَاتِ وَالتَّحْرِيمَاتِ تَتَفَاوَتُ بِالْآكَدِيَّةِ وَقُوَّةِ الثُّبُوتِ وَلَمْ يَسْقُطْ اعْتِبَارُ شَيْءٍ مِنْهَا خُصُوصًا، وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ ظَهَرَ مِنْ الشَّارِعِ الِاحْتِيَاطُ فِي إثْبَاتِهَا حَيْثُ ثَبَتَتْ مَعَ النِّسْيَانِ وَالِاضْطِرَارِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِيَاطُ فِي إسْقَاطِهَا إلَّا لِمُوجِبٍ لَا مَرَدَّ لَهُ كَثُبُوتِ الْحَاجَةِ إلَى تَكْرِيرِ السَّبَبِ كَثِيرًا كَمَا قُلْنَا فِي تَكْرِيرِ آيَةِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ إذْ لَا حَاجَةَ مُتَحَقِّقَةً فِي تَكْثِيرِ الْقَتْلِ مَعَ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ؛ لِيَسْتَلْزِمَ تَعَدُّدَ الْوَاجِبِ الْحَرَجَ فَيُدْفَعُ بِالتَّدَاخُلِ لُطْفًا وَرَحْمَةً فَيَلْزَمُ التَّدَاخُلُ. وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْحَصْرِ؛ لِجَوَازِ كَوْنِ الْجَزَاءِ لِإِدْخَالِ النَّقْصِ فِي الْعِبَادَةِ لَا لِكَوْنِهِ جِنَايَةً.
وَالْقَارِنُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامَيْنِ مُدْخِلٌ لِلنَّقْصِ فِي عِبَادَتَيْنِ، بِخِلَافِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدَ الْحَرَمِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الدَّمَيْنِ عَلَى الْقَارِنِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْوُقُوفِ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ، أَمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ فَفِي الْجِمَاعِ يَجِبُ دَمَانِ وَفِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ دَمٌ وَاحِدٌ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إلَخْ) هَذَا وَجْهُ الْمَذْهَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ قَوْلِ زُفَرٍ لِضَعْفِ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الَّتِي يَجِبُ بِسَبَبِهَا عَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ بِسَبَبِ الْمُجَاوَزَةِ فَهِيَ فِيمَا إذَا جَاوَزَ فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْحِلِّ مُحْرِمًا فَلَيْسَ كِلَاهُمَا لِلْمُجَاوَزَةِ بَلْ الْأَوَّلُ لَهَا وَالثَّانِي لِتَرْكِ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ الْتَحَقَ بِأَهْلِهَا وَمِيقَاتُهُمْ فِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ إلَخْ) وَجْهُهَا ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَكَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ اشْتِرَاكِ الْمُحْرِمَيْنِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَالْحَلَالَيْنِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ
(3/105)

بِالشَّرِكَةِ يَصِيرُ جَانِيًا جِنَايَةً تَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَيَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ. (وَإِذَا اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بَدَلٌ عَنْ الْمَحَلِّ لَا جَزَاءٌ عَنْ الْجِنَايَةِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ، كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا خَطَأً تَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ.

(وَإِذَا بَاعَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ أَوْ ابْتَاعَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرُّضٌ لِلصَّيْدِ الْآمِنِ وَبَيْعُهُ بَعْدَمَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَارْجِعْ إلَيْهِ. وَلَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ وَمُحِلُّونَ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَجَبَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُحْرِمٍ مَعَ مَا خَصَّهُ مِنْ ذَلِكَ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَصَبِيٍّ وَكَافِرٍ يَجِبُ عَلَى الْحَلَالِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْقِسْمَةِ لَوْ قُسِمَتْ عَلَى الْكُلِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَتْلَ الْحَلَالَيْنِ صَيْدَ الْحَرَمِ إنْ كَانَ بِضَرْبَةٍ فَلَا شَكَّ فِي لُزُومِ كُلٍّ نِصْفُ الْجَزَاءِ، أَمَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَا نَقَصَتْهُ ضَرْبَتُهُ. ثُمَّ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِضَرْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ اتِّحَادِ فِعْلِهِمَا جَمِيعُ الصَّيْدِ صَارَ مُتْلَفًا بِفِعْلِهِمَا فَضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَ الْجَزَاءِ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ الْجَزَاءُ الَّذِي تَلِفَ بِضَرْبَةِ كُلٍّ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَالْبَاقِي مُتْلَفٌ بِفِعْلِهِمَا فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.

(قَوْلُهُ: فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) لَا شَكَّ فِي حَقِيقَةِ الْبُطْلَانِ إنْ بَاعَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حَيًّا فَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ فِي حَقِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الْعَيْنِ فَيَكُونُ سَاقِطَ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ كَالْخَمْرِ، وَهَذَا هُوَ النَّهْيُ الَّذِي أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيُّ التَّعَرُّضِ وَإِطْلَاقُ اسْمِ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ إطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ إضَافَةَ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ تُفِيدُ مَنْعَ سَائِرِ الِانْتِفَاعَاتِ وَالْكُلُّ مُنْدَرِجٌ فِي مُطْلَقِ التَّعَرُّضِ.
وَحَاصِلُهُ إخْرَاجُ الْعَيْنِ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَيَكُونُ تَعْلِيقُ تَصَرُّفِ مَا بِهَا عَبَثًا فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ فَيَبْطُلُ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْبَيْعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِمَا جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّهُمَا جَنَيَا عَلَيْهِ صَحِيحٌ إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ مُحْرِمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا خُصَّ الْمُشْتَرِي وَقَوْلُهُ وَيَضْمَنُ أَيْضًا الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا إذَا وَهَبَ مُحْرِمٌ صَيْدًا مِنْ مُحْرِمٍ فَهَلَكَ عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءَانِ ضَمَانُهُ لِصَاحِبِهِ لِفَسَادِ الْهِبَةِ وَجَزَاءٌ آخَرُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَالْوَاهِبُ حَلَالَيْنِ.
أَمَّا الْبَيْعُ فَظَاهِرٌ كَذِمِّيٍّ بَاعَ خَمْرًا مِنْ مُسْلِمٍ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُهَا لَهُ. فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الصَّيْدَ مُحْرِمًا فَبَاعَهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَضْمَنَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِهَذَا الْأَخْذِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَهُ حَلَالًا ثُمَّ
(3/106)

(وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُنَّ) ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَمْنِ شَرْعًا وَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ (فَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّ بَعْدَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ لَمْ تَبْقَ آمِنَةً؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْخَلَفِ كَوُصُولِ الْأَصْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَحْرَمَ فَبَاعَهُ. وَأَمَّا الْهِبَةُ فَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ مَالِكًا بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ نَظَرٌ. وَلَوْ تَبَايَعَا صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صُيُودًا كَثِيرَةً عَلَى قَصْدِ التَّحَلُّلِ وَالرَّفْضِ لِلْإِحْرَامِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِتَنَاوُلِهِ انْقِطَاعَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّحَلُّلِ وَرَفْضِ الْإِحْرَامِ فَعَلَيْهِ لِكُلٍّ جَزَاءٌ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ) وَهُوَ حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ (قَوْلُهُ وَهَذِهِ) أَيْ كَوْنُهَا مُسْتَحِقَّةً الْأَمْنَ بِالرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ (صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ) فَالتَّأْنِيثُ هُوَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ مِثْلَ قَوْلِك زَيْدٌ هِيَ هَدِيَّةٌ إلَيْك، وَلَا يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ اكْتِسَابِ الْكَوْنِ التَّأْنِيثَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا مِمَّا لَا يَصِحُّ حَذْفُهُ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ؛ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ الظَّبْيَةِ، وَلَا يَصِحُّ الظَّبْيَةُ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ، بِخِلَافِ نَحْوِ شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنْ الدَّمِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِفَةَ اسْتِحْقَاقِ الْأَمْنِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ عِنْدَ حُدُوثِهِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَصِيرُ خِطَابُ رَدِّ الْوَلَدِ مُسْتَمِرًّا، وَإِذَا تَعَلَّقَ خِطَابُ الرَّدِّ كَانَ الْإِمْسَاكُ تَعَرُّضًا لَهُ مَمْنُوعًا.
فَإِذَا اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِهِ ثَبَتَ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَهُوَ إزَالَةُ الْيَدِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّ الْوَلَدِ، حَتَّى لَوْ مُنِعَ الْوَلَدُ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ أَيْضًا. قَالُوا: وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ ضَمَانَ الْأُمِّ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ لَا يَضْمَنُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حِينَئِذٍ لَا يَسْرِي إلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ الْأَمْنِ بِالرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ لِانْتِفَاءِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الْأُمِّ قَبْلَ وُجُودِهِ، حَتَّى لَوْ ذَبَحَ الْأُمَّ وَالْأَوْلَادُ حِلٌّ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ الْحِلِّ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ، وَكُلُّ زِيَادَةٍ فِي هَذَا الصَّيْدِ كَالسِّمَنِ وَالشَّعْرِ فَضَمَانُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ التَّكْفِيرَ: أَعْنِي أَدَاءَ الْجَزَاءِ إنْ كَانَ حَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى إعَادَةِ أَمْنِهَا بِالرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ التَّعَرُّضُ لَهَا، بَلْ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ لَهَا قَائِمَةٌ.
وَإِنْ كَانَ حَالَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِأَنْ هَرَبَتْ فِي الْحِلِّ عِنْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَيْهِ خَرَجَ بِهِ عَنْ عُهْدَتِهَا فَلَا يَضْمَنُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ التَّكْفِيرِ مِنْ أَوْلَادِهَا إذَا مُتْنَ، وَلَهُ أَنْ يَصْطَادَهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَجَّهَ قَبْلَ الْعَجْزِ عَنْ تَأْمِينِهَا إنَّمَا هُوَ خِطَابُ الرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ وَلَا يَزَالُ مُتَوَجَّهًا مَا كَانَ قَادِرًا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْأَمْنِ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَا لَمْ يَعْجِزْ وَلَمْ يُوجَدْ، فَإِذَا عَجَزَ تَوَجَّهَ خِطَابُ الْجَزَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِأَنَّ الْأَخْذَ
(3/107)

بَابُ مُجَاوَزَةِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَيْسَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ بَلْ الْقَتْلُ بِالنَّصِّ، فَالتَّكْفِيرُ قَبْلَهُ وَاقِعٌ قَبْلَ السَّبَبِ فَلَا يَقَعُ إلَّا نَفْلًا، فَإِذَا مَاتَتْ بَعْدَ هَذَا الْجَزَاءِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الْجَزَاءِ، هَذَا الَّذِي أَدِينُ بِهِ. وَأَقُولُ: يُكْرَهُ اصْطِيَادُهَا إذَا أَدَّى الْجَزَاءَ بَعْدَ الْهَرَبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهَا لِشُبْهَةِ كَوْنِ دَوَامِ الْعَجْزِ شَرْطَ إجْزَاءِ الْكَفَّارَةِ إلَّا إذَا اصْطَادَهَا؛ لِيَرُدَّهَا إلَى الْحَرَمِ.

(فُرُوعٌ) غَصَبَ حَلَالٌ صَيْدَ حَلَالٍ ثُمَّ أَحْرَمَ الْغَاصِبُ وَالصَّيْدُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ وَضَمَانُ قِيمَتِهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ بَلْ دَفَعَهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَتَّى بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَقَدْ أَسَاءَ. وَهَذَا لُغْزٌ، يُقَالُ غَاصِبٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الرَّدِّ بَلْ إذَا فَعَلَ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ، فَلَوْ أَحْرَمَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَزَاءُ إلَّا إنْ عَطِبَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى يَدِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ اصْطَادَهُ وَهُوَ حَلَالٌ وَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَيَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِرَمْيِ الْحَلَالِ مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ كَمَا يَلْزَمُ فِي عَكْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] يُقَالُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ كَأَشْأَمَ إذَا دَخَلَ فِي أَرْضِ الشَّأَمِ، كَمَا يُقَالُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةِ الشَّيْءِ فَبِعُمُومِهِ يُفِيدُهُ، وَكَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ.
وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْجَزَاءِ أَنَّ الْحَلَالَ إذَا رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ بِأَنْ هَرَبَ إلَى الْحَرَمِ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فِيهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ لِلنَّهْيِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ بِالذَّكَاةِ يَحْصُلُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهَا الصَّيْدُ صَيْدُ الْحَرَمِ لَمْ يَحِلَّ، وَعَلَى هَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ مُجَاوَزَةِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ]
ٍ) فَصَلَهُ عَنْ الْجِنَايَاتِ وَأَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ اسْمِ الْجِنَايَاتِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَا يَقَعُ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ وَهِيَ
(3/108)

(وَإِذَا أَتَى الْكُوفِيُّ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى ذَاتِ عِرْقٍ وَلَبَّى بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْوَقْتِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إنْ رَجَعَ إلَيْهِ مُحْرِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَسْقُطُ لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَرْتَفِعْ بِالْعَوْدِ وَصَارَ كَمَا إذَا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ. وَلَنَا أَنَّهُ تَدَارَكَ الْمَتْرُوكَ فِي أَوَانِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ فَيَسْقُطُ الدَّمُ، بِخِلَافِ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَدَارَكْ الْمَتْرُوكَ عَلَى مَا مَرَّ. غَيْرَ أَنَّ التَّدَارُكَ عِنْدَهُمَا بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ حَقَّ الْمِيقَاتِ كَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا تَكُونُ مَسْبُوقَةً بِهِ، وَهَذِهِ الْجِنَايَةُ قَبْلَهُ وَلَا تَبَادُرَ أَيْضًا. ثُمَّ تَحْقِيقُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْجِنَايَةُ أَمْرَانِ: الْبَيْتُ، وَالْإِحْرَامُ لَا الْمِيقَاتُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ إلَّا لِتَعْظِيمِ غَيْرِهِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَوْجَبَ تَعْظِيمَ الْبَيْتِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَإِذَا لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ كَانَ مُخِلًّا بِتَعْظِيمِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ فَيَكُونُ جِنَايَةً عَلَى الْبَيْتِ وَنَقْصًا فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِئَهُ مِنْ الْمَكَانِ الْأَقْصَى فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَوْجَدَهُ نَاقِصًا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ رَجَعَ إلَى ذَاتِ عِرْقٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَدَارَكَ بِالرُّجُوعِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مِيقَاتِهِ الَّذِي جَاوَزَهُ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِيقَاتِهِ أَوْ إلَى مِيقَاتٍ آخَرَ مِنْ مَوَاقِيتِ الْآفَاقِيِّينَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنْ كَانَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مُحَاذِيًا لِمِيقَاتِهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ فَكَمِيقَاتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَوَاقِيتِ مِيقَاتٌ لِأَهْلِهِ وَلِغَيْرِ أَهْلِهِ بِالنَّصِّ مُطْلَقًا بِلَا اعْتِبَارِ الْمُحَاذَاةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا وَصَلَ إلَى مِيقَاتٍ مِنْ مَوَاقِيتِ الْآفَاقِيِّينَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مِيقَاتٍ آخَرَ فِي طَرِيقِهِ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ جَازَ لَهُ مُجَاوَزَتُهُ إلَى الْمِيقَاتِ الْأَخِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَالْمِيقَاتِ الْأَخِيرِ. فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى جَاوَزَهُ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ إلَى الْمِيقَاتِ فَلَبَّى عِنْدَهُ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ اتِّفَاقًا. وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ لَا يَسْقُطُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. عِنْدَهُمَا يَسْقُطُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَسْقُطُ وَإِنْ لَبَّى فِيهِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَدَارَكْ الْمَتْرُوكَ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ
(3/109)

إذَا مَرَّ بِهِ مُحْرِمًا سَاكِنًا.
وَعِنْدَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِعَوْدِهِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا؛ لِأَنَّ الْعَزِيمَةَ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا تَرَخَّصَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْمِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ فَكَانَ التَّلَافِي بِعَوْدِهِ مُلَبِّيًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ مَكَانَ الْعُمْرَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ، وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ عَادَ إلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ يَسْقُطُ بِالِاتِّفَاقِ (وَهَذَا) الَّذِي ذَكَرْنَا (إذَا كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذَا وَقَفَ نَهَارًا إمَّا الْكَوْنُ بِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ أَوْ مَدُّهُ إلَى الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَبِالْعَوْدِ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يُتَدَارَكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَالْوَاجِبُ التَّعْظِيمُ بِالْكَوْنِ مُحْرِمًا فِي الْمِيقَاتِ؛ لِيَقْطَعَ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِالرُّجُوعِ مُحْرِمًا إلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَجِبُ التَّلْبِيَةُ فِيهِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَ؛ لِسُقُوطِ الدَّمِ التَّلْبِيَةَ تَحْصِيلًا لِلصُّورَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَفِي صُورَةِ إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ لَا بُدَّ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُجْبِرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ مُحْرِمًا حَتَّى جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَبَّى ثُمَّ رَجَعَ وَمَرَّ بِهِ وَلَمْ يُلَبِّ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ الْبَيْتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَادَ بَعْدَمَا ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ) وَلَوْ شَوْطًا (لَا يَسْقُطُ بِالِاتِّفَاقِ) ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِالرُّجُوعِ بِاعْتِبَارِ مُبْتَدَإِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ بُطْلَانِ مَا وُجِدَ مِنْهُ مِنْ الطَّوَافِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مُعْتَدًّا بِهِ فَكَانَ اعْتِبَارًا مَلْزُومًا؛ لِلْفَاسِدِ وَمَلْزُومُ الْفَاسِدِ فَاسِدٌ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى شَرَعَ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطُوفَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بِعَيْنِهِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ) يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَجَبَ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَتَلَافَاهُ مَحِلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْكُوفِيُّ قَاصِدًا لِلنُّسُكِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ قَصَدَ التِّجَارَةَ أَوْ السِّيَاحَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ،
(3/110)

فَإِنْ دَخَلَ الْبُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَوَقْتُهُ الْبُسْتَانُ، وَهُوَ وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ سَوَاءٌ) ؛ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ غَيْرُ وَاجِبِ التَّعْظِيمِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِقَصْدِهِ، وَإِذَا دَخَلَهُ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ، وَلِلْبُسْتَانِيِّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ لَهُ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَوَقْتُهُ الْبُسْتَانُ جَمِيعُ الْحِلِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، فَكَذَا وَقْتُ الدَّاخِلِ الْمُلْحَقِ بِهِ (فَإِنْ أَحْرَمَا مِنْ الْحِلِّ وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ) يُرِيدُ بِهِ الْبُسْتَانِيَّ وَالدَّاخِلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْرَمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا.

(وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ إلَى الْوَقْتِ، وَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ (مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ بِغَيْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بَلْ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي قَاصِدِي مَكَّةِ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ قَصْدُ النُّسُكِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ: إذَا أَرَادَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ بَيَانَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ، أَمَّا مَنْ قَصَدَ مَكَانًا آخَرَ مِنْ الْحِلِّ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ؛ لِتَعْظِيمِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْهُ؛ لِتَعْظِيمِ مَكَّةَ لَا؛ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلَا نَفْسِ الْمِيقَاتِ، وَلِذَا قَابَلَ قَوْلَهُ وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْحَجَّ بِقَوْلِهِ فَإِنْ دَخَلَ الْبُسْتَانَ لِحَاجَةٍ إلَخْ، ثُمَّ مُوجِبُ هَذَا الْحَمْلِ أَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ نَاطِقَةٌ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ سَوَاءٌ قَصَدَ النُّسُكَ أَوْ لَا، وَيَطُولُ تَفْصِيلُ الْمَنْقُولَاتِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْمَوَاقِيتِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ سَوَاءٌ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا» وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ؛ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ التَّاجِرُ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا، وَلَا أَصْرَحَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ قَصْدَ الْحَرَمِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا؛ لِلْإِحْرَامِ كَقَصْدِ مَكَّةَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ دَخَلَ الْبُسْتَانَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الْمُجَاوَزَةُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُقِيمَ بِالْبُسْتَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ الْأَوَّلِ وَلِذَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ؛ لِلْمُتَأَمِّلِ

. (قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عَامِهِ) حَاصِلُ الْأَحْكَامِ الْكَائِنَةِ هُنَا أَرْبَعَةٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِلْآفَاقِيِّ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. ثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا بِلَا إحْرَامٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إمَّا حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ ثُمَّ أَحْرَمَ يُرِيدُ قَضَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَجْزَأَهُ فِي ذَلِكَ مِيقَاتُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْحَجِّ بِالْحَرَمِ وَفِي الْعُمْرَةِ بِالْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ بِمَكَّةَ صَارَ فِي حُكْمِ أَهْلِهَا فَيُجْزِيهِ إحْرَامُهُ مِنْ مِيقَاتِهِمْ. اهـ.
وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ بِتَحْوِيلِ السَّنَةِ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ إلَى الْمِيقَاتِ وَحَجّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ سَقَطَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ. رَابِعُهَا: أَنَّهُ إذَا خَرَجَ بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ السَّنَةِ لَا يَسْقُطُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِحَجَّةٍ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مَنْذُورَةً أَوْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا إذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مَنْذُورَةٍ وَقَوْلُهُ أَجْزَأَهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ: يَعْنِي مِنْ آخِرِ دُخُولٍ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِرَارًا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَ فَأَحْرَمَ بِنُسُكٍ أَجْزَأَهُ عَنْ دُخُولِهِ الْأَخِيرِ لَا عَمَّا قَبْلَهُ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَالَ: لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَبْلَ الْأَخِيرِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالتَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: إذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ فَأَهَلَّ بِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِهِ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ. قَالَ:
(3/111)

إحْرَامٍ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ النَّذْرِ، وَصَارَ كَمَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَلَافَى الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِالْإِحْرَامِ، كَمَا إذَا أَتَاهُ مُحْرِمًا بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الِابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِإِحْرَامٍ مَقْصُودٍ كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِصَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ دُونَ الْعَامِ الثَّانِي

(وَمَنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَفْسَدَهَا مَضَى فِيهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَجْزِيهِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لَوْ أَهَلَّ مِنْهُ أَجْزَأَهُ عَمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ دُخُولِهَا.
(قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِمَا لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ) أَيْ اعْتِبَارًا؛ لِمَا لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بِمَا لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ، وَفِي الْمَنْذُورِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْهُ، فَكَذَا مَا بِالدُّخُولِ. (وَلَنَا) وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّهُ تَلَافَى الْمَتْرُوكَ فِي وَقْتِهِ إلَخْ) مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ الْمِيقَاتِ تَعْظِيمًا؛ لِلْبُقْعَةِ لَا؛ لِذَاتِ دُخُولِ مَكَّةَ مِنْ حَيْثُ هُوَ دُخُولُهَا، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَدَخَلَ هُوَ بِلَا إحْرَامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهَا الَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْخُلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي فَوَّتَهُ، فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَلَيْهِ وَقَدِمَ مَكَّةَ فَقَدْ فَعَلَ مَا تَرَكَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِيمَا إذَا دَخَلَهَا بِلَا إحْرَامٍ لَيْسَ إلَّا لِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِحْرَامُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا قُلْنَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِمَا عَلَيْهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ فِي ضِمْنِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَصَارَ كَمَا إذَا أَتَاهَا مُحْرِمًا ابْتِدَاءً بِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي ضِمْنِ مَا عَلَيْهِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْضِ حَقَّهَا فِي تِلْكَ صَارَ بِتَفْوِيتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ فَصَارَ تَفْوِيتًا مَقْصُودًا مُحْتَاجًا إلَى النِّيَّةِ، كَمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ هَذَا الرَّمَضَانَ فَاعْتَكَفَ فِيهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَكِفَهُ فِي رَمَضَانَ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ تَقَرَّرَ اعْتِكَافُهُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا فَلَا يَتَأَدَّى
(3/112)

وَقَضَاهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَقَعُ لَازِمًا فَصَارَ كَمَا إذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوَقْتِ) وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَهُوَ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي فَائِتِ الْحَجِّ إذَا جَاوَزَ الْوَقْتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَفِيمَنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَ حَجَّتَهُ، هُوَ يَعْتَبِرُ الْمُجَاوَزَةَ هَذِهِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا حَقَّ الْمِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ يَحْكِي الْفَائِتَ وَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ.

(وَإِذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْحَرَمِ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ الْحَرَمُ وَقَدْ جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْحَرَمِ وَلَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْآفَاقِيِّ

(وَالْمُتَمَتِّعُ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَّا بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ؛ لِعَوْدِ شَرْطِهِ: أَعْنِي الصَّوْمَ إلَى الْكَمَالِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ صَوْمٍ آخَرَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ سَنَةِ الْمُجَاوَزَةِ وَسَنَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ إذَا دَخَلَهَا بِلَا إحْرَامٍ لَيْسَ إلَّا وُجُوبُ الْإِحْرَامِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَقَطْ. فَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَعَلَ ذَلِكَ يَقَعُ أَدَاءً؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لِيَصِيرَ بِفَوَاتِهَا دَيْنًا يُقْضَى. فَمَهْمَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِنُسُكٍ عَلَيْهِ تَأَدَّى هَذَا الْوَاجِبُ فِي ضِمْنِهِ.
وَعَلَى هَذَا إذَا تَكَرَّرَ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى التَّعْيِينِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْبَابًا مُتَعَدِّدَةَ الْأَشْخَاصِ دُونَ النَّوْعِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَ يَنْوِي مُجَرَّدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْأَوَّلَ وَلَا غَيْرَهُ جَازَ. وَكَذَا لَوْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَكَذَا نَقُولُ إذَا رَجَعَ مِرَارًا فَأَحْرَمَ كُلَّ مَرَّةٍ بِنُسُكٍ حَتَّى أَتَى عَلَى عَدَدِ دَخَلَاتِهِ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِتَرْكِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَقَضَاهَا كَوْنُ الْقَضَاءِ بِإِحْرَامٍ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَهَذَا نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَمَضَى فَفَاتَهُ فَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَقَضَاهُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ جَاوَزَ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَأَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا دَمَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: هُوَ يَعْتَبِرُ الْمُجَاوَزَةَ هَذِهِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ) كَالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ، إذْ لَوْ تَطَيَّبَ أَوْ حَلَقَ فِي إحْرَامِ نُسُكٍ ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ وَاجْتَنَبَ الْمَحْظُورَاتِ فِي الْقَضَاءِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فَكَذَا هَذَا (وَلَنَا أَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا حَقَّ الْمِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ يَحْكِي الْفَائِتَ) فَيَنْجَبِرُ بِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَصِيرُ قَاضِيًا حَقَّهُ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ مَحْظُورِ إحْرَامٍ فِيهِ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ فِعْلُ مَحْظُورٍ فِي آخَرَ

(قَوْلُهُ: وَإِذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ) يَعْنِي إلَى الْحِلِّ (يُرِيدُ الْحَجَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ لِحَاجَةٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَالْآفَاقِيِّ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا الْبُسْتَانَ ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْهُ، هَذَا
(3/113)

الْحَرَمِ فَأَحْرَمَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَكِّيِّ، وَإِحْرَامُ الْمَكِّيِّ مِنْ الْحَرَمِ لِمَا ذَكَرْنَا فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ (فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْحَرَمِ فَأَهَلَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآفَاقِيِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ لَهَا شَوْطًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ الْحَجَّ، وَعَلَيْهِ لِرَفْضِهِ دَمٌ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى مِيقَاتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ إلَى مَكَّةَ إلَخْ) ظَاهِرُ مَسْأَلَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْمَنَاسِكِ أَنَّ بِدُخُولِ أَرْضِ الْحَرَمِ يَصِيرُ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمِيقَاتِ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ بِعُمْرَةٍ لَزِمَهُ دَمَانِ: دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، وَدَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْحِلُّ. اهـ. وَلَمْ أَرَ تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَمَتِّعِ بِمَا إذَا خَرَجَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْمَكِّيِّ. هَذَا وَفِي مُجَاوَزَةِ الْمَرْقُوقِ مَعَ مَوْلَاهُ بِلَا إحْرَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ دَمٌ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.، وَإِنْ جَاوَزَهُ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ فَأَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ]
(بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ) . (قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ) حَاصِلُ وُجُوهِ مَا إذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْخَلَ عَلَيْهَا إحْرَامَ حَجَّةٍ ثَلَاثَةٌ: إمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ فَتُرْتَفَضُ عُمْرَتُهُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا آفَاقِيٌّ كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْقِرَانِ، أَوْ يُدْخِلَهُ بَعْدَ أَنْ يَطُوفَ أَكْثَرَ الْأَشْوَاطِ فَتُرْتَفَضُ حَجَّتُهُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا آفَاقِيٌّ كَانَ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَ الطَّوَافُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، أَوْ بَعْدَ أَنْ طَافَ الْأَقَلَّ فَهِيَ الْخِلَافِيَّةُ عِنْدَهُ يُرْفَضُ الْحَجُّ؛ لِمَا يَلْزَمُ رَفْضَ الْعُمْرَةِ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ. وَعِنْدَهُمَا الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا إذْ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا فَرْضٌ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَأَقَلَّ أَعْمَالًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَيْسَرَ قَضَاءً؛ لِعَدَمِ تَوْقِيتِهَا وَقِلَّةِ أَعْمَالِهَا. وَلَوْ فَعَلَ هَذَا آفَاقِيٌّ كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي صَدْرِ بَابِ الْقِرَانِ، وَكُلُّ مَنْ رَفَضَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(3/114)

(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: رَفْضُ الْعُمْرَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا وَقَضَاؤُهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْضِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَالْعُمْرَةُ أَوْلَى بِالرَّفْضِ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا وَأَقَلُّ أَعْمَالًا وَأَيْسَرُ قَضَاءً لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَكَذَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لِمَا قُلْنَا. فَإِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ الْحَجَّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فَتَعَذَّرَ رَفْضُهَا كَمَا إذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَلَا كَذَلِكَ إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَرَ لِرَفْضِهَا الْعُمْرَةَ بِدَمٍ» ، وَلَوْ مَضَى الْمَكِّيُّ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَرْفُضْ شَيْئًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى أَفْعَالَهُمَا كَمَا الْتَزَمَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] يَعْنِي التَّمَتُّعَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِهِ، وَسَمَّاهُ الْمُصَنِّفُ نَهْيًا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَهُوَ عَنْ فِعْلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الشُّرُوعِيَّةِ بِأَصْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ إثْمَهُ كَصِيَامِ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ نَذَرَهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي نُسُكِهِ بِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيهِ فَهُوَ دَمُ جَبْرٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ شَيْئًا، أَمَّا إنْ كَانَ الْمُضِيُّ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ؛ لِلْعُمْرَةِ أَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْأَقَلِّ فَظَهَرَ؛ لِأَنَّهُ قَارِنٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْأَكْثَرِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَلَيْسَ؛ لِأَهْلِ مَكَّةَ تَمَتُّعٌ وَلَا قِرَانٌ، فَلَوْ كَانَ طَوَافُ الْأَكْثَرِ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ أَيْضًا. قَالَ: لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَارَ جَامِعًا مِنْ
(3/115)

وَلَهُ أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِأَدَاءِ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهَا، وَإِحْرَامُ الْحَجِّ لَمْ يَتَأَكَّدْ، وَرَفْضُ غَيْرُ الْمُتَأَكِّدِ أَيْسَرُ؛ وَلِأَنَّ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ إبْطَالَ الْعَمَلِ.
وَفِي رَفْضِ الْحَجِّ امْتِنَاعٌ عَنْهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ بِالرَّفْضِ أَيُّهُمَا رَفَضَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ قَبْلَ أَوَانِهِ؛ لِتَعَذُّرِ الْمُضِيِّ فِيهِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُحْصَرِ إلَّا أَنَّ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ قَضَاءَهَا لَا غَيْرُ، وَفِي رَفْضِ الْحَجِّ قَضَاؤُهُ وَعُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ (وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِمَا أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى أَفْعَالَهُمَا كَمَا الْتَزَمَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَالنَّهْيُ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْفِعْلِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ النُّقْصَانُ فِي عَمَلِهِ لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ دَمُ جَبْرٍ، وَفِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ دَمُ شُكْرٍ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ يَوْمَ النَّحْرِ بِحَجَّةٍ أُخْرَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَجْهٍ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَوْرَدَ وَجْهَيْنِ: الثَّانِيَ مِنْهُمَا دَافِعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَلَى الْأَوَّلِ. وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَزِمَهُ أَنَّ الْأَقَلَّ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْوُجُودِ فِي اعْتِبَارِهِ بَلْ حُكْمُ الْعَدَمِ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الْكُلِّ إلَّا نَفْسُ الشَّيْءِ، فَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْأَقَلِّ كَالْكُلِّ هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَوْجُودًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا عَدَمًا، فَيَلْزَمُ اعْتِبَارُ هَذَا الْبَعْضِ عَدَمًا إذْ لَا عِبْرَةَ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ إذْ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مَا لَمْ
(3/116)

فَإِنْ حَلَقَ فِي الْأُولَى لَزِمَتْهُ الْأُخْرَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْأُولَى لَزِمَتْهُ الْأُخْرَى وَعَلَيْهِ دَمٌ قَصَّرَ أَوْ لَمْ يُقَصِّرْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَتِمُّ فَصَارَ فِعْلُ الْبَعْضِ كَعَدَمِ فِعْلِ شَيْءٍ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ فَكَذَا إذَا فَعَلَ الْأَقَلَّ. وَجَوَابُهُ مَنْعُ كَوْنِ الْأَقَلِّ إذَا لَمْ يَعْتَبِرْ تَمَامَ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَمًا؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ عَدَمًا وَلَا كَالْكُلِّ بَلْ يُعْتَبَرُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ عِبَادَةً مُنْتَهِضًا سَبَبًا؛ لِلثَّوَابِ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الْبَعْضُ يَصْلُحُ عِبَادَةً بِالِاسْتِقْلَالِ، وَبِوَاسِطَةِ إتْمَامِهِ إنْ لَمْ يَصْلُحْ مَعَ إيجَابِ الْإِتْمَامِ، وَحِينَئِذٍ هَذَا الْبَعْضُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا إشْكَالَ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي فَقَدْ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ اعْتِبَارُهُ وَتَعْلِيقُ خِطَابِ الْإِتْمَامِ بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَفِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ إبْطَالُهُ فَوَجَبَ إتْمَامُهُ. وَلْنَذْكُرْ تَقْسِيمًا ضَابِطًا لِفُرُوعِ الْبَابِ ثُمَّ نَنْتَقِلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَنَقُولُ: الْجَمْعُ إمَّا بَيْنَ إحْرَامَيْ حَجَّتَيْنِ فَصَاعِدًا كَعِشْرِينَ أَوْ عُمْرَتَيْنِ كَذَلِكَ أَوْ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ الْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، فَإِمَّا بَعْدَ الْحَلْقِ فِي الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ، وَفِي هَذَا إمَّا أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا، فَفِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَعِيَّةِ يَلْزَمُهُ إحْدَاهُمَا، وَفِي التَّعَاقُبِ الْأُولَى فَقَطْ، وَإِذَا لَزِمَاهُ عِنْدَهُمَا ارْتُفِضَتْ إحْدَاهُمَا بِاتِّفَاقِهِمَا وَيَثْبُتُ حُكْمُ الرَّفْضِ. وَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الرَّفْضِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
(3/117)

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: إنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْحَجِّ أَوْ إحْرَامَيْ الْعُمْرَةِ بِدْعَةٌ، فَإِذَا حَلَقَ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ نُسُكًا فِي الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ فَهُوَ جِنَايَةٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ فَلَزِمَهُ الدَّمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ حَتَّى حَجَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَقَدْ أَخَّرَ الْحَلْقَ عَنْ وَقْتِهِ فِي الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَعَدَمِهِ عِنْدَهُ وَشَرْطُ التَّقْصِيرِ عِنْدَهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَقِيبَ صَيْرُورَتِهِ مُحْرِمًا بِلَا مُهْلَةٍ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ، وَقِيلَ إذَا تَوَجَّهَ سَائِرًا، وَنَصَّ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَنَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ؛ لِلْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامَيْنِ وَدَمٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِارْتِفَاضِ إحْدَاهُمَا قَبْلَهَا. اهـ.
(وَمِنْ الْفُرُوعِ) لَوْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ أَوْ يَشْرَعَ عَلَى الْخِلَافِ لَزِمَهُ دَمَانِ؛ لِلْجِمَاعِ وَدَمٌ ثَالِثٌ؛ لِلرَّفْضِ، فَإِنَّهُ يَرْفُضُ إحْدَاهُمَا وَيَمْضِي فِي الْأُخْرَى وَيَقْضِي الَّتِي مَضَى فِيهَا وَحَجَّةً وَعُمْرَةً مَكَانَ الَّتِي رَفَضَهَا. وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ أَوْ أُحْصِرَ فَدَمَانِ، هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ دَمٌ سِوَى دَمِ الرَّفْضِ. وَإِذَا تَرَاخَى فَأَدْخَلَ بَعْدَ الْحَلْقِ فِي الْأُولَى لَزِمَتْهُ الثَّانِيَةُ، وَلَا يَلْزَمُ رَفْضُ شَيْءٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُتِمَّ أَفْعَالَ الْأُولَى وَيَسْتَمِرُّ مُحْرِمًا إلَى قَابِلٍ فَيَفْعَلُ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الْحَلْقِ وَلَا فَوَاتَ لَزِمَهُ، ثُمَّ إنْ وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمُزْدَلِفَةِ رَفَضَهَا وَعَلَيْهِ دَمُ الرَّفْضِ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ مَكَانَهَا وَيَمْضِي فِيمَا هُوَ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُهُمَا. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِحْرَامُهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا يَرْفُضُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفُضْهَا وَوَقَفَ لَهَا كَانَ مُؤَدِّيًا حَجَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا فِي لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ لَوْ لَمْ يَرْفُضْهَا وَعَادَ إلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ يَصِيرُ مُؤَدِّيًا؛ لِحَجَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ النَّحْرِ لَمْ يَرْفُضْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ قَدْ فَاتَ فَلَا يَكُونُ بِاسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ مُؤَدِّيًا حَجَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ فَيُتِمُّ أَعْمَالَ الْحَجَّةِ الْأُولَى وَيُقِيمُ حَرَامًا، ثُمَّ إنْ حَلَقَ فِي الْأُولَى لَزِمَهُ دَمُ الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامِ الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ بَلْ اسْتَمَرَّ حَتَّى حَلَّ مِنْ قَابِلٍ لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَهَلْ يَلْزَمُ دَمٌ آخَرُ؛ لِلْجَمْعِ؟ . قِيلَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ لَيْسَ إلَّا رِوَايَةُ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالثَّانِيَةِ بَعْدَمَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَجَبَ رَفْضُهَا وَدَمٌ وَقَضَاؤُهَا وَقَضَاءُ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ، وَإِنْ تَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ هُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَيَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ إحْرَامِ حَجَّتَيْنِ فَيَرْفُضُ الثَّانِيَةَ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ بِعُمْرَتَيْنِ فَفِي الْمَعِيَّةِ وَالتَّعَاقُبِ: أَعْنِي بِلَا فَصْلِ عَمَلِ مَا فِي الْحَجَّتَيْنِ وَالْخِلَافُ فِيمَا يَلْزَمُ وَوَقْتُ الرَّفْضِ إذَا لَزِمَ، وَفِيمَا إذَا طَافَ؛ لِلْأُولَى شَوْطًا رَفَضَ الثَّانِيَةَ وَعَلَيْهِ دَمُ الرَّفْضِ وَالْقَضَاءُ، وَكَذَا هَذَا مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ السَّعْيِ، فَإِنْ كَانَ فَرَغَ مِنْهُ إلَّا الْحَلْقَ لَمْ يَرْفُضْ شَيْئًا وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِلْجَمْعِ، وَهَذِهِ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ لُزُومِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ حَلَقَ لِلْأُولَى لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَلَوْ كَانَ جَامَعَ فِي الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ فَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ الثَّانِيَةَ يَرْفُضُهَا
(3/118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَيَمْضِي فِي الْأُولَى حَتَّى يُتِمَّهَا؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ، وَلَوْ كَانَتْ الْأُولَى صَحِيحَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا وَيَرْفُضَ الثَّانِيَةَ فَكَذَا بَعْدَ فَسَادِهَا.
وَإِنْ نَوَى رَفْضَ الْأُولَى وَالْعَمَلَ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا الْأُولَى، وَمَنْ أَحْرَمَ وَلَا يَنْوِي شَيْئًا فَطَافَ ثَلَاثَةً أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ رَفَضَهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَعَيَّنَتْ عُمْرَةً حَيْثُ أَخَذَ فِي الطَّوَافِ؛ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ، فَحِينَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى صَارَ جَامِعًا بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ فَلِهَذَا يَرْفُضُ الثَّانِيَةَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا الْمَكِّيُّ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ كَأَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ دُونَهُمْ أَوْ الْآفَاقِيِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَيْنِ فَفِي الْكَافِي؛ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا يَقْرِنُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُضِيفُ الْعُمْرَةَ إلَى الْحَجِّ وَلَا الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ، فَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا رَفَضَ الْعُمْرَةَ وَمَضَى فِي الْحَجِّ، وَكَذَا أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ دُونَهُمْ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ مِنْ وَقْتِهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ عُمْرَتَهُ، فَإِنْ مَضَى عَلَيْهِمَا حَتَّى يَقْضِيَهُمَا أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ؛ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا دَمٌ، فَإِنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ شَوْطًا أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ رَفَضَ الْحَجَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَرْفُضُ الْعُمْرَةَ. وَإِنْ كَانَ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ ثُمَّ أَهَلَّ الْحَجَّ قَالَ: هَذَا يَفْرُغُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ عُمْرَتِهِ وَيَفْرَغُ مِنْ حَجَّتِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ عَنْ الْعُمْرَةِ وَهُوَ مَكِّيٌّ وَلَا يَنْبَغِي؛ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ كُوفِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ هَذَا الدَّمُ اهـ.
وَلَفْظُهُ أَظْهَرُ فِي عَدَمِ رَفْضِ الْحَجِّ مِنْهُ فِي الرَّفْضِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ: لَا يَرْفُضُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ، فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَقَوْمٌ أَنَّهُ يَرْفُضُ الْحَجَّ إنْ تَعَذَّرَ رَفَضَ الْعُمْرَةَ، وَلَوْ كَانَ الْمَكِّيُّ أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ فَطَافَ شَوْطًا ثُمَّ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ رَفَضَ الْعُمْرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَرْفُضْهَا وَطَافَ لَهَا وَسَعَى وَفَرَغَ مِنْهَا أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ حَجَّتِهِ. وَفِي الْكَافِي: إذَا خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى الْكُوفَةِ لِحَاجَةٍ فَاعْتَمَرَ فِيهَا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ قَرَنَ مِنْ الْكُوفَةِ كَانَ قَارِنًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ كُوفِيًّا لَوْ قَرَنَ وَطَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ وَافَى الْحَجَّ فَحَجَّ كَانَ قَارِنًا وَلَمْ يَبْطُلْ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِرُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ كَمَا يَبْطُلُ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَمَ الْإِلْمَامِ بِالْأَهْلِ شَرْطُ التَّمَتُّعِ الْمَشْرُوعِ دُونَ الْقِرَانِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا نَقْلَهُ وَقَرَّرْنَاهُ بِالْبَحْثِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْإِلْمَامِ؛ لِلْقِرَانِ كَالْمُتْعَةِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ الْآفَاقِيُّ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَوْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْحَجِّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ، أَوْ إنْ لَمْ يَطُفْ شَيْئًا فَهُوَ قَارِنٌ وَعَلَيْهِ دَمُ شُكْرٍ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْجَامِعِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ قَارِنًا أَنْ يُؤَدِّيَ طَوَافَ عُمْرَتِهِ أَوْ أَكْثَرَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ تَقَدَّمَ مَا نَقَلْنَاهُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ مَعَهُ مَا أَوْرَدْنَاهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَدْخَلَ فِيهِ بَعْدَ أَرْبَعَةٍ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ إلْمَامٍ صَحِيحٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُفْرِدٌ بِهِمَا. وَإِنْ أَدْخَلَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ شَيْئًا مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ فَهُوَ قَارِنٌ مُسِيءٌ وَعَلَيْهِ دَمُ شُكْرٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا شَرَعَ فِيهِ وَلَوْ قَلِيلًا فَهُوَ أَكْثَرُ إسَاءَةً وَعَلَيْهِ دَمٌ، اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَعِنْدَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ دَمُ جَبْرٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَعِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ دَمُ
(3/119)

(وَمَنْ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ إلَّا التَّقْصِيرَ فَأَحْرَمَ بِأُخْرَى فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الْعُمْرَةِ وَهَذَا مَكْرُوهٌ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ وَهُوَ دَمُ جَبْرٍ وَكَفَّارَةٍ

(وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَزِمَاهُ) ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ قَارِنًا لَكِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ فَيَصِيرُ مُسِيئًا (وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَهُوَ رَافِضٌ لِعُمْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ (فَإِنْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ رَافِضًا حَتَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شُكْرٍ، وَقَوْلُهُمْ رَفْضُ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُسْتَحَبٌّ يُؤْنَسُ بِهِ فِي أَنَّهُ دَمُ شُكْرٍ.
وَكَذَا إنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ بِعَرَفَةَ وَإِنْ أَهَلَّ بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَجَبَ رَفْضُهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الْحَلْقِ اتِّفَاقًا وَالدَّمُ وَالْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الرَّفْضِ، وَلَوْ لَمْ يَرْفُضْ فِي الصُّورَتَيْنِ أَجْزَأَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِلْمُضِيِّ، وَكَذَا إذَا أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ مَا فَاتَهُ الْحَجُّ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ يَجِبُ رَفْضُ الْعُمْرَةِ، وَكُلُّ شَيْءٍ رَفَضَهُ يَجِبُ؛ لِرَفْضِهِ دَمٌ وَقَضَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عُمْرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ فِي قَضَائِهَا سِوَى عُمْرَةٍ، وَإِنْ كَانَ حَجَّةً لَزِمَهُ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ، أَمَّا الْحَجَّةُ فَلِلْقَضَاءِ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ، وَهُوَ يَتَحَلَّلُ بِهَا ثُمَّ يَقْضِي الْحَجَّ شَرْعًا، وَلِذَا قُلْنَا: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجَّةِ فِي سَنَتِهِ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَلْنَرْجِعْ؛ لِنَحِلَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ الْحَلْقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ دَمًا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ، وَأَوْجَبَهُ فِي الْمَنَاسِكِ مِنْ الْمَبْسُوطِ فَجَعَلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَسُكُوتُهُ فِي الْجَامِعِ لَيْسَ نَفْيًا بَعْدَ وُجُودِ الْمُوجِبِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ فِي الْعُمْرَتَيْنِ وَهُوَ عَدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةِ ثَابِتٌ فِي الْحَجَّتَيْنِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْفَرْقِ
(3/120)

يَقِفَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ

(فَإِنْ طَافَ لِلْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَمَضَى عَلَيْهِمَا لَزِمَاهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوعٌ عَلَى مَا مَرَّ فَيَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الطَّوَافِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ رُكْنٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلِهَذَا لَوْ مَضَى عَلَيْهِمَا جَازَ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ دَمُ كَفَّارَةٍ وَجَبْرٍ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ وَجْهٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفُضَ عُمْرَتَهُ) ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ قَدْ تَأَكَّدَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطُفْ لِلْحَجِّ، وَإِذَا رَفَضَ عُمْرَتَهُ يَقْضِيهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِرَفْضِهَا (وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَزِمَتْهُ) لِمَا قُلْنَا (وَيَرْفُضُهَا) أَيْ يَلْزَمُهُ الرَّفْضُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى رُكْنَ الْحَجِّ فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ أَنَّهُ فِي الْحَجَّتَيْنِ لَا يَصِيرُ جَامِعًا فِعْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي أَفْعَالَ الْأُخْرَى إلَّا فِي سَنَةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الثَّانِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَيَصِيرُ جَامِعًا فِعْلًا لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ الثَّانِيَةِ لَا يُوجِبُ الْجَمْعَ فِعْلًا فَاسْتَوَيَا، فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا رِوَايَةُ الْوُجُوبِ.

(قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي فِي بَابِ الْقِرَانِ

(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الطَّوَافُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ فَإِنْ طَافَ؛ لِلْحَجِّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ دَمُ كَفَّارَةٍ وَجَبْرٍ هُوَ الصَّحِيحُ) فَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ الدَّمَ فِي الْأُولَى دَمُ الْقِرَانِ؛ لِلشُّكْرِ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِيَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَمُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ دَمُ جَبْرٍ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ وَجْهٍ؛ لِتَقْدِيمِ طَوَافِ الْقُدُومِ. وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ شُكْرٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَكْثَرُ إسَاءَةً مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ رُكْنًا وَلَا وَاجِبًا أَمْكَنَهُ بِنَاءُ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ فَلَا مُوجِبَ لِلدَّمِ جَبْرًا، وَلَا نُسَلِّمُ بِنَاءَهُ مِنْ وَجْهٍ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ بَعْضِ السُّنَنِ، وَلَوْ سُلِّمَ مَنَعْنَا كَوْنَ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْوَجْهِ الِاعْتِبَارِيِّ يُوجِبُ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلدَّمِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَصْلًا وَلَا مِنْ سُنَنِ نَفْسِ عِبَادَةِ الْحَجِّ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ؛ لِقُدُومِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَرَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ؛ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَلِذَا سَقَطَ بِطَوَافٍ آخَرَ مِنْ مَشْرُوعَاتِ الْوَقْتِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ مَكَّةَ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الْوُقُوفِ سَقَطَ اسْتِنَانُهُ بِفِعْلِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَكَذَا الْمُعْتَمِرُ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ؛ لِإِغْنَاءِ
(3/121)

أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْضًا عَلَى مَا نَذْكُرُ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ رَفْضُهَا، فَإِنْ رَفَضَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِرَفْضِهَا (وَعُمْرَةٌ مَكَانَهَا) لِمَا بَيَّنَّا (فَإِنْ مَضَى عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِأَدَاءِ بَقِيَّةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ فَيَجِبُ تَخْلِيصُ الْوَقْتِ لَهُ تَعْظِيمًا (وَعَلَيْهِ دَمٌ لِجَمْعِهِ بَيْنَهُمَا) إمَّا فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي الْأَعْمَالِ الْبَاقِيَةِ، قَالُوا: وَهَذَا دَمُ كَفَّارَةٍ أَيْضًا. وَقِيلَ إذَا حَلَقَ لِلْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ لَا يَرْفُضُهَا عَلَى ظَاهِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَقِيلَ يَرْفُضُهَا احْتِرَازًا عَنْ النَّهْيِ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
طَوَافِ الْعُمْرَةِ عَنْهُ، كَمَا تَسْقُطُ الرَّكْعَتَانِ بِإِقَامَةِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الدُّخُولِ؛ لِحُصُولِ التَّحِيَّةِ تَعْظِيمًا فِي ضِمْنِ الْفَرْضِ، وَلَوْ كَانَ مُعْتَبِرًا سُنَّةِ نَفْسِ الْعِبَادَةِ تَابِعًا لَهَا لَمْ يَسْقُطْ بِحَالٍ كَمَا لَمْ تَسْقُطْ سُنَّةُ الظُّهْرِ بِفِعْلِ الْفَرْضِ فَكَانَ أَظْهَرَ فِي الدَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَقَدُّمُهُ مُوجِبًا بِنَاءِ الْعُمْرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي تَوْجِيهِ سُقُوطِهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ الْمُحْرِمُ مَكَّةَ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَاتٍ، وَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يُسَنُّ لِلْقَارِنِ؛ لِأَنَّهُ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي ضِمْنِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ فَلَا تَعَارُضَ بِمَا ذَكَرْت مِنْ الْمَعْنَى.
قُلْنَا فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ سُقُوطِهِ فِيمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ. وَالْحَقُّ أَنَّ دَلَالَةَ الْآثَارِ عَلَى اسْتِنَانِ طَوَافَيْنِ؛ لِلْقَارِنِ لَا يَلْزَمُهُ كَوْنُ أَحَدِهِمَا
(3/122)

قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا (فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُهَا) ؛ لِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقَلِبَ إحْرَامُهُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ عَلَى مَا يَأْتِيك فِي بَابِ الْفَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْأَفْعَالُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَتَيْنِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ إحْرَامًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا وَدَمٌ لِرَفْضِهَا بِالتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِلْقُدُومِ، فَادِّعَاءُ أَنَّهُ طَوَافُ الْقُدُومِ ادِّعَاءُ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَاعْتِقَادِي أَنَّ اسْتِنَانَهُ؛ لِإِيقَاعِ سَعْيِ الْحَجِّ، فَإِنَّ السَّعْيَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مُرَتَّبًا عَلَى طَوَافٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ رُخِّصَ فِي تَقْدِيمِ السَّعْيِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَكَانَ الثَّابِتُ فِي الْآثَارِ بَيَانَ طَرِيقِ تَقْدِيمِ سَعْيِ الْحَجِّ لِلْقَارِنِ. وَعَنْ هَذَا قُلْنَا فِي الْمُتَمَتِّعِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ لَهُ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا يَتَنَفَّلُ بِهِ ثُمَّ يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِلْحَجِّ، وَلَيْسَ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ. نَعَمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَارِنَ لَوْ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيمَ السَّعْيِ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ طَوَافٌ آخَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْتِزَامِهِ حَالٌ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِنَانِ طَوَافَيْنِ مُطْلَقًا: أَعْنِي غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقَصْدِ تَقْدِيمِ السَّعْيِ كَوْنُ تَقْدِيمِ السَّعْيِ سُنَّةً لِلْقَارِنِ وَلَا ضَرَرَ فِي الْتِزَامِهِ.

(قَوْلُهُ: قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: وَمَشَايِخُنَا عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى وُجُوبِ الرَّفْضِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَلْقِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ مِنْ الْحَجِّ كَالرَّمْيِ وَطَوَافِ الصَّدْرِ وَسُنَّةِ الْمَبِيتِ، وَقَدْ كُرِهَتْ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْضًا فَيَصِيرُ بَانِيًا أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ بِلَا رَيْبٍ.
(3/123)

بَابُ الْإِحْصَارِ (وَإِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِعَدُوٍّ أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ فَمَنَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ إلَّا بِالْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ؛ لِتَحْصِيلِ النَّجَاةِ وَبِالْإِحْلَالِ يَنْجُو مِنْ الْعَدُوِّ لَا مِنْ الْمَرَضِ. وَلَنَا أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ وَرَدَتْ فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ وَالْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الْإِحْصَارِ]
ِ) هُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ وَكَذَا الْفَوَاتُ فَأَخَّرَهُمَا. ثُمَّ إنَّ الْإِحْصَارَ وَقَعَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَدَّمَ بَيَانَهُ عَلَى الْفَوَاتِ. وَالْإِحْصَارُ يَتَحَقَّقُ عِنْدَنَا بِالْعَدُوِّ وَغَيْرِهِ كَالْمَرَضِ وَهَلَاكِ النَّفَقَةِ وَمَوْتِ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ أَوْ زَوْجِهَا فِي الطَّرِيقِ، وَفِي التَّجْنِيسِ فِي سَرِقَةِ النَّفَقَةِ إنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ، وَإِلَّا فَمُحْصَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ، وَلَوْ أَحْرَمَتْ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا مَحْرَمَ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ لَا تَحِلُّ إلَّا بِالدَّمِ؛ لِأَنَّهَا مُنِعَتْ شَرْعًا آكَدُ مِنْ الْمَنْعِ بِسَبَبِ الْعَدُوِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا إحْصَارَ إلَّا بِالْعَدُوِّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّحَلُّلَ شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ؛ لِتَحْصِيلِ النَّجَاةِ) مِنْ السَّبَبِ الْمَانِعِ (وَبِالْإِحْلَالِ يَنْجُو مِنْ الْعَدُوِّ لَا الْمَرَضِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى هَذَا بِبَادِئِ النَّظَرِ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْت إنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا؛ لِلنَّجَاةِ مِنْ السَّبَبِ مَنَعْنَا الْحَصْرَ، وَإِنْ أَرَدْت أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ شَرْعِيَّتِهِ لَمْ يُفِدْ نَفْيُ شَرْعِيَّتِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلِذَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْوَجْهَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ، هَكَذَا الْآيَةُ وَرَدَتْ؛ لِبَيَانِ حُكْمِ إحْصَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَكَانَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} [البقرة: 196] إلَى آخِرِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْإِحْلَالِ فِي الْعَدُوِّ كَانَ؛ لِتَحْصِيلِ الْأَمْنِ مِنْهُ، وَبِالْإِحْلَالِ لَا يَنْجُو مِنْ الْمَرَضِ وَلَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْعَدُوِّ وَارِدًا فِي الْمَرَضِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
(وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ وَالْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ) أَفَادَ هَذَا أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ
(3/124)

وَالتَّحَلُّلُ قَبْلَ أَوَانِهِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ الْآتِي مِنْ قِبَلِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ، وَالْحَرَجُ فِي الِاصْطِبَارِ عَلَيْهِ مَعَ الْمَرَضِ أَعْظَمُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَرَدَتْ فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ الْإِحْصَارِ الْمَنْعُ الْكَائِنُ بِالْمَرَضِ وَالْآيَةُ وَرَدَتْ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَيَلْزَمُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا ذَلِكَ إلَّا بِنَافٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ نُقِلَ عَنْ الْفَرَّاءِ وَالْكِسَائِيِّ وَالْأَخْفَشِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَالْقُتَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ. ثُمَّ الْمُقَابَلَةُ فِي نَقْلِهِ قَوْلُهُمْ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ وَالْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِحْصَارَ خَاصٌّ بِالْمَرَضِ وَالْحَصْرَ خَاصٌّ بِالْعَدُوِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ كَوْنُ الْمَنْعِ بِالْمَرَضِ مِنْ مَاصَدَقَاتِ الْإِحْصَارِ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَرَدَ عَلَيْهِ كَوْنُ الْآيَةِ؛ لِبَيَانِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الَّتِي وَقَعَتْ؛ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَاحْتَاجَ إلَى جَوَابِ صَاحِبِ الْأَسْرَارِ.
وَحَاصِلُهُ كَوْنُ النَّصِّ الْوَارِدِ؛ لِبَيَانِ حُكْمِ حَادِثَةٍ قَدْ يَنْتَظِمُهَا لَفْظًا وَقَدْ يَنْتَظِمُ غَيْرَهَا مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ حُكْمُهَا دَلَالَةً، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَذَلِكَ إذْ يُعْلَمُ مِنْهَا حُكْمُ مَنْعِ الْعَدُوِّ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْعَدُوِّ حِسِّيٌّ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ، بِخِلَافِهِ فِي الْمَرَضِ إذْ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِالْمَحْمَلِ وَالْمَرْكَبِ وَالْخَدَمِ، فَإِذَا جَازَ التَّحَلُّلُ مَعَ هَذَا فَمَعَ ذَلِكَ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ مُنَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوَجْهِ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا شُرِعَ؛ لِدَفْعِ الْحَرَجِ الْآتِي مِنْ قِبَلِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ مَعَ الْمَرَضِ أَعْظَمُ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ حُكْمَ التَّحَلُّلِ مَعَ الْمَرَضِ أَوْلَى مِنْهُ مَعَ الْعَدُوِّ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ عَلَيْهِ مَعَ الْمَرَضِ يُفِيدُهُ مَعَ الْعَدُوِّ بِطَرِيقِ الدَّلَالَة، وَلَا تَنْدَفِعُ الْمُنَافَاةُ بِقَوْلِنَا: إنَّ هَذَا مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ التَّنَزُّلِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَيْ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ فَيَثْبُتُ فِي الْمَرَضِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ مُدَّعًى حَقِيقَتُهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ يَلْزَمُ مَا ذَكَرْنَا. وَالْأَوْلَى إرَادَةُ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] وَالْمُرَادُ مَنَعَهُمْ الِاشْتِغَالُ بِالْجِهَادِ وَهُوَ أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَى الْعَدُوِّ، أَوْ الْمُرَادُ أَهْلُ الصُّفَّةِ مَنَعَهُمْ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ أَوْ شِدَّةُ الْحَاجَةِ وَالْجُهْدُ عَنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ؛ لِلتَّكَسُّبِ.
وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ:
وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ... عَلَيْك وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْك شُغُولٌ
وَلَيْسَ هُوَ بِالْمَرَضِ. وَفِي الْكَشَّافِ يُقَالُ: أُحْصِرَ فُلَانٌ إذَا مَنَعَهُ أَمْرٌ مِنْ خَوْفٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَجْزٍ، وَحُصِرَ إذَا حَبَسَهُ عَدُوٌّ عَنْ الْمُضِيِّ أَوْ سِجْنٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُحْبَسِ الْحَصِيرُ وَلِلْمَلِكِ الْحَصِيرُ، هَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ اهـ. وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ يُقَالُ: أَحَصَرَهُ الْمَرَضُ أَوْ السُّلْطَانُ إذَا مَنَعَهُ مِنْ مَقْصِدِهِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَحَصَرَهُ إذَا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَالْمُعَارَضَةُ مَعَ ذَلِكَ بَيْنَ جَوَابِ الشَّيْخَيْنِ قَائِمَةٌ. وَالْأَقْرَبُ حِينَئِذٍ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ الْآيَةِ تَنْتَظِمُ الْحَادِثَةَ لَفْظًا وَلَوْ بِعُمُومِهَا، وَعَلَى التَّقْدِيرِ انْتَفَى نَفْيُ الشَّافِعِيِّ إلْحَاقَ الْمَرَضِ بِالْعَدُوِّ وَقَصْرَ إفَادَةِ الْآيَةِ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ
(3/125)

وَإِذَا جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ (يُقَالُ لَهُ ابْعَثْ شَاةً تُذْبَحُ فِي الْحَرَمِ وَوَاعِدْ مَنْ تَبْعَثُهُ بِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ يَذْبَحُ فِيهِ ثُمَّ تَحَلَّلَ) وَإِنَّمَا يَبْعَثُ إلَى الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ قُرْبَةٌ، وَالْإِرَاقَةُ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان عَلَى مَا مَرَّ فَلَا يَقَعُ قُرْبَةً دُونَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِلنَّجَاةِ مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ وَجَدْنَاهُ وَاقِعًا فِي الْحَدِيثِ.
رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْدِيُّ صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَذَكَرْنَاهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدُ أَصْحَابَهُ مَوْعِدًا، فَإِذَا نُحِرَ عَنْهُ حَلَّ. وَبِهِ إلَى جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَانِ يُفِيدَانِ شَرْعِيَّتَهُ؛ لِدَفْعِ أَذَى امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْحَابِسِ عَنْ الْأَعْمَالِ.
وَقَدْ يُقَالُ: حَدِيثُ " مَنْ كُسِرَ " غَيْرُ مُصَرِّحٍ بِجَوَازِ الْإِحْلَالِ فَيَجُوزُ كَوْنُ الْمُرَادِ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ بِذَلِكَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَإِذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلْحَابِسِ مُطْلَقًا اُسْتُفِيدَ جَوَازُهُ؛ لِمَنْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ لَا إنْ قَدَرَ كَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَجِبَ الْمَشْيُ فِي الِابْتِدَاءِ وَيَلْزَمُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، كَالْفَقِيرِ إذَا شَرَعَ فِي الْحَجِّ وَالْمَرْأَةِ إذَا مَاتَ مَحْرَمُهَا فِي الطَّرِيقِ أَوْ زَوْجُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ إقَامَةٍ وَلَا قَرِيبَ مِنْهُ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الَّذِي ضَلَّ الطَّرِيقَ فَهُوَ مُحْصَرٌ إلَّا أَنَّهُ يَزُولُ إحْصَارُهُ بِوُجُودِ مَنْ يَبْعَثُ مَعَهُ هَدْيَ التَّحَلُّلِ فَإِنَّهُ بِهِ يَذْهَبُ الْمَانِعُ إذْ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ، فَهُوَ كَالْمُحْصَرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَدْيِ فَيَبْقَى مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَحُجَّ إنْ زَالَ الْإِحْصَارُ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَجِّ أَوْ يَتَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إذَا اسْتَمَرَّ الْإِحْصَارُ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ. هَذَا إذَا ضَلَّ فِي الْحِلِّ، أَمَّا إنْ ضَلَّ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ الْإِحْصَارَ فِي الْحَرَمِ إذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ إنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ وَيَحِلُّ، كَذَا ذُكِرَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَعْلِيلِ مَنْعِ الْإِحْصَارِ فِي الْحَرَمِ تَخْصِيصُهُ بِالْعَدُوِّ أَمَّا إنْ أُحْصِرَ فِيهِ بِغَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ تَحَقُّقُهُ عَلَى قَوْلٍ لِلْكُلِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(قَوْلُهُ: وَوَاعَدَ) الِاحْتِيَاجُ إلَى الْمُوَاعَدَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ الْإِحْصَارِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا حَاجَةَ؛ لِأَنَّهُمَا عَيَّنَا يَوْمَ النَّحْرِ وَقْتًا لَهُ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَحَلَّلَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَهُ حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُحْصَرُ أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ ذُبِحَ فِي يَوْمِ الْمُوَاعَدَةِ فَفَعَلَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُ الذَّبْحِ إذْ ذَاكَ كَانَ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ فِي الْحِلِّ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ
(3/126)

فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] فَإِنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَتَوَقَّتُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ رُخْصَةً وَالتَّوْقِيتُ يُبْطِلُ التَّخْفِيفَ. قُلْنَا: الْمُرَاعَى أَصْلُ التَّخْفِيفِ لَا نِهَايَتُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ذَبَحَ فِي الْحَرَمِ وَمَا أَكَلَ مِنْهُ الَّذِي مَعَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ الْمُحْصَرِ إنْ كَانَ غَنِيًّا. (قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ) مَرْجِعُ الضَّمِيرِ التَّوَقُّتُ بِالْحَرَمِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ يَذْبَحُ فِي الْحَرَمِ مَعَ قَوْلِهِ وَالْإِرَاقَةُ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَالْآيَةُ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] إمَّا فِي الْإِحْصَارِ بِخُصُوصِهِ أَوْ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، أَوْ هُوَ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فَيَتَنَاوَلُ مَنْعَ الْحَلْقِ قَبْلَ الْأَعْمَالِ فِي الْإِحْصَارِ وَبَعْدَهَا فِي غَيْرِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَبَيَّنَ مَحِلَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَعَنْهَا قُلْنَا: إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ يَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَجِدَهُ فَيَتَحَلَّلَ بِهِ أَوْ يَتَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَجِدْهُ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ وَلَا إلَى الْهَدْيِ بَقِيَ مُحْرِمًا أَبَدًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ.
وَلَوْ سُرِقَ الْهَدْيُ بَعْدَ ذَبْحِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُسْرَقْ تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الذَّابِحُ ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ إنْ كَانَ غَنِيًّا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْ الْمُحْصَرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُحْصَرِ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا قَوَّمَ الْهَدْيَ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا فَيَتَحَلَّلُ بِهِ، رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ. قَالَ فِي الْأَمَالِي: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. قُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ يُخَالِفُ النَّصَّ فِي عَيْنِ الْمَقِيسِ فَلَا يُقْبَلُ. وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: إنْ لَمْ يَجِدْ بَقِيَ مُحْرِمًا. وَقِيلَ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَتَحَلَّلُ، وَقِيلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بِإِزَاءِ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا. وَمَنْ أُحْصِرَ فَوَصَلَ إلَى مَكَّةَ لَمْ يَبْقَ مُحْصَرًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَعْمَالِ صَبَرَ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ وَيَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ. وَكَذَا قِيلَ: لَوْ قَدِمَ قَارِنٌ فَطَافَ وَسَعَى؛ لِعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى بَعْضِ الْآفَاقِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَأُحْصِرَ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيَحِلُّ بِهِ وَيَقْضِي حَجَّةً وَعُمْرَةً لِحَجَّتِهِ وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ لِعُمْرَتِهِ مَعَ أَنَّهُ طَافَ، وَسَعَى لِحَجَّتِهِ، وَلَا يَحِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ الْفَوَاتِ. وَلَوْ أُحْصِرَ عَبْدٌ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ بَعَثَ الْمَوْلَى الْهَدْيَ نَدْبًا، وَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي وُجُوبِ بَعْثِ الْمَوْلَى وَعَدَمِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ الْعِتْقِ.
(قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ الْمُرَاعَى أَصْلُ التَّخْفِيفِ لَا نِهَايَتُهُ) لَمْ يُذْكَرْ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اعْتَبَرَ نِهَايَةَ التَّخْفِيفِ، لَكِنْ دَعْوَاهُ الْقَائِلَةُ أَنَّ التَّوْقِيتَ يُبْطِلُ التَّخْفِيفَ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْت إنَّ الْمُرَاعَى نِهَايَةُ التَّخْفِيفِ مَنَعْنَاهُ أَوْ أَصْلُهُ، فَبِالتَّوْقِيتِ لَا يَنْتَفِي أَصْلُ التَّخْفِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِتَيَسُّرِ مَنْ يُرْسِلُ مَعَهُ الْهَدْيَ عَادَةً مِنْ الْمُسَافِرِينَ. وَأَمَّا الِاسْتِيضَاحُ عَلَى كَوْنِ الْمُرَاعَى أَصْلَ التَّخْفِيفِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَبْقَى مُحْرِمًا أَبَدًا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِهِ، بَلْ إذَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَهُ قُوِّمَتْ شَاةٌ وَسَطٌ فَيَصُومُ
(3/127)

وَتَجُوزُ الشَّاةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالشَّاةُ أَدْنَاهُ، وَتُجْزِيهِ الْبَقَرَةُ وَالْبَدَنَةُ أَوْ سُبْعُهُمَا كَمَا فِي الضَّحَايَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْثَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَعَذَّرُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِالْقِيمَةِ حَتَّى تُشْتَرَى الشَّاةُ هُنَالِكَ وَتُذْبَحَ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَحَلَّلَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُحْصَرًا بِهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِذَلِكَ» . وَلَهُمَا أَنَّ الْحَلْقَ إنَّمَا عُرِفَ قُرْبَةً مُرَتَّبًا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ نُسُكًا قَبْلَهَا وَفَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لِيُعَرِّفَ اسْتِحْكَامَ عَزِيمَتِهِمْ عَلَى الِانْصِرَافِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمًا، وَفِي قَوْلٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَمَا فِي الْعَجْزِ عَنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ عِنْدَهُ، وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّرْدِيدُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. (قَوْلُهُ: إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ) ، وَإِلَّا قَالَ ثُمَّ احْلِقْ وَنَحْوَهُ، فَلَمَّا عَدَلَ إلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ اسْتَفَدْنَا عَدَمَ تَعَيُّنِ الْحَلْقِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَطْلَقَهُ عَنْهُمَا، وَفِي الْكَافِي: إنَّمَا لَا يَحْلِقُ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ، أَمَّا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ فَيَحْلِقُ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ مُوَقَّتٌ بِالْحَرَمِ عِنْدَهُمَا، فَعَلَى هَذَا كَانَ حَلْقُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلِمَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَابِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ حَلْقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْحَرَمِ بَلْ إنَّ حَلْقَهُ كَانَ لَيُعَرَّفُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَوْ بِتَخْفِيفِهَا مَبْنِيًّا؛ لِلْمَفْعُولِ اسْتِحْكَامُ عَزِيمَتِهِمْ عَلَى الِانْصِرَافِ أَيْ؛ لِيُعَرِّفَ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ فَلَا يَشْتَغِلُوا بِأَمْرِ الْحَرْبِ
(3/128)

(وَإِنْ كَانَ قَارِنًا بَعَثَ بِدَمَيْنِ) لِاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّحَلُّلِ مِنْ إحْرَامَيْنِ، فَإِنْ بَعَثَ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِيَتَحَلَّلَ عَنْ الْحَجِّ وَيَبْقَى فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهُمَا شُرِعَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.

(وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ الْإِحْصَارِ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ لِلْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ لِلْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ مَتَى شَاءَ) اعْتِبَارًا بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، وَرُبَّمَا يَعْتَبِرَانِهِ بِالْحَلْقِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَلَّلٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَانَ ظَاهِرًا فِي اعْتِقَادِهِ إطْلَاقَ الْوُجُوبِ فَلَا يَجِبُ عِنْدَهُمَا الْحَلْقُ سَوَاءٌ أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْهُمَا شُرِعَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ لَيْسَ غَيْرُ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أُحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» فِي الصَّحِيحِ.

(قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا يُعْتَبَرُ أَنَّهُ إلَخْ) أَمَّا اعْتِبَارُهُمَا إيَّاهُ بِالْحَلْقِ فَبِجَامِعِ أَنَّهُ مُحَلَّلٌ وَهُوَ إلْزَامِيٌّ، فَإِنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِتَوَقُّتِ الْحَلْقِ فِي الْحَرَمِ بَلْ مِنْ حَيْثُ السُّنِّيَّةُ، وَالْمُلْحَقُ هُنَا عِنْدَهُمَا اللُّزُومُ، وَالْإِلْزَامِيُّ لَا يُفِيدُ فِي الْمَطْلُوبِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ الْخَصْمُ بِالْخَطَأِ فِي أَحَدِهِمَا فَقَالَ أَعْتَرِفُ بِالْخَطَإِ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عَدَمِ تَوْقِيتِ الذَّبْحِ بِالزَّمَانِ أَوْ تَوْقِيتِ الْحَلْقِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ خَطَؤُهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ عَيْنًا. وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمَا بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَبِجَامِعِ أَنَّهُ هَدْيٌ تَتَعَلَّقُ الْقُرْبَةُ فِيهِ بِنَفْسِ الْإِرَاقَةِ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ فِي قِيَاسِهِمَا إنَّمَا هُوَ أَثَرُهُ فِي تَوَقُّتِهِ بِالْمَكَانِ بِسَبَبِ أَنَّهُ اسْمٌ إضَافِيٌّ، إذْ مَعْنَاهُ مَا يُهْدَى إلَى مَكَان وَذَلِكَ الْمَكَانُ هُوَ الْحَرَمُ بِالِاتِّفَاقِ وَالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَتَوَقُّتُهُ بِالزَّمَانِ لَيْسَ مَعْلُولًا؛ لِكَوْنِهِ هَدْيًا، بَلْ اتَّفَقَ مَعَهُ اتِّفَاقًا حُكْمًا شَرْعِيًّا
(3/129)

- رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ دَمُ كَفَّارَةٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْأَكْلُ مِنْهُ فَيَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ كَسَائِرِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ، بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَبِخِلَافِ الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَهُوَ الْوُقُوفُ يَنْتَهِي بِهِ.

قَالَ: (وَالْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ إذَا تَحَلَّلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّ الْحَجَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَمْ يَظْهَرْ تَأْثِيرُهُ فِيهِ فَكَانَ وَصْفًا طَرْدِيًّا فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ، بِخِلَافِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي سَتْرِ الْجِنَايَةِ، وَهَذَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ التَّأْثِيمَ فِي مُبَاشَرَةِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ يَرْفَعُهُ، وَمَعْنَى سَتْرِ الْجِنَايَةِ مُؤَثِّرٌ فِي عَدَمِ التَّأْخِيرِ مَا أَمْكَنَ، وَلَازِمُهُ جَوَازُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] مُطْلَقٌ فَلَا يُنْسَخُ إطْلَاقُهُ بِمَا ذَكَرَاهُ لَوْ صَحَّ.

(قَوْلُهُ: هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ) وَذَكَرَهُ الرَّازِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَهُ مِنْ الْقِيَاسِ وَهُوَ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ. وَقَدْ يُوْرَدُ عَلَيْهِ أَنَّ وُجُوبَ الْعُمْرَةِ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ؛ لِلتَّحَلُّلِ بِهَا، وَالْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ فَلَا تَجِبُ الْعُمْرَةُ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْهَدْيَ؛ لِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ قَبْلَ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّهُ مَتَى صَحَّ الشُّرُوعُ فِي الْإِحْرَامِ انْعَقَدَ لَازِمًا وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَفْعَالِ: أَيْ أَفْعَالِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، حَتَّى أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحَجِّ لَمْ يُسَوَّغْ خُرُوجُهُ إلَّا بِأَفْعَالٍ هِيَ أَفْعَالُ عُمْرَةٍ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَنْوِي الْفَرْضَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ أَدَّاهُ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ مَظْنُونُ الْوُجُوبِ.
، وَإِذَا أَفْسَدَهُ وَجَبَ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْأَفْعَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَإِذَا صَحَّ شُرُوعُ الْمُحْصَرِ لَا يَتَحَلَّلُ بِمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا إلَّا بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ، كَفَائِتٍ؛ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِوُجُوبِ قَضَائِهَا رَدًّا إلَى مَا عُهِدَ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ الدَّمَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ قَبْلَ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ لَا يَنْفِي بَقَاءَ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَعَنْ هَذَا
(3/130)

يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا وَالْعُمْرَةُ لِمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ (وَعَلَى الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ الْقَضَاءُ) وَالْإِحْصَارُ عَنْهَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّتُ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا عُمَّارًا؛ وَلِأَنَّ شَرْعَ التَّحَلُّلِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْإِحْصَارُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا تَحَلَّلَ كَمَا فِي الْحَجِّ.

(وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى تَحَقَّقَ بِوَصْفِ الْفَوَاتِ تَحَلَّلَ بِالْأَفْعَالِ بِلَا دَمٍ وَلَا عُمْرَةٍ فِي الْقَضَاءِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ هُوَ فِيمَا إذَا قَضَاهَا مِنْ قَابِلٍ، فَلَوْ قَضَى الْحَجَّةَ مِنْ عَامِهِ لَا تَجِبُ مَعَهَا عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَفَائِتِ الْحَجِّ كَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّعْيِينِ إذَا قَضَاهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ذَكَرَهُمَا مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ مَا إذَا أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا وَحَلَّلَهَا ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بِالْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَتْ مِنْ عَامِهَا أَوْ تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ، وَإِذَا قَضَاهُمَا مِنْ قَابِلٍ إنْ شَاءَ قَرَنَ بِهِمَا، وَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَهُمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ نِيَّةَ الْقَضَاءِ إنَّمَا تَلْزَمُ إذَا تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا كَانَ الْإِحْصَارُ بِحَجِّ نَفْلٍ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يُؤَدِّهَا فَيَنْوِي حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ قَابِلٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَتَوَّقَتْ) فَلَا يَتَحَقَّقُ خَوْفُ الْفَوَاتِ. قُلْنَا خَوْفُ الْفَوَاتِ لَيْسَ هُوَ الْمُبِيحُ؛ لِلتَّحَلُّلِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ لَا يَفُوتُ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا أُبِيحَ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ضَرَرِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ مَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ.
وَمِنْ فُرُوعِ الْإِحْصَارِ بِالْعُمْرَةِ: رَجُلٌ أَهَلَّ بِنُسُكٍ مُبْهَمٍ فَأُحْصِرَ قَبْلَ التَّعْيِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ وَيَقْضِيَ عُمْرَةً اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ حَجَّةً وَعُمْرَةً؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ إنْ كَانَ لِلْحَجِّ لَزِمَاهُ فَكَانَ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ لَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ الْمُتَيَقَّنَ وَهُوَ الْعُمْرَةُ فَتَصِيرُ هِيَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ هَذَا الْإِحْرَامِ بِأَدَاءِ عُمْرَةٍ فَكَذَا بَعْدَهُ. وَعَنْ هَذَا أَيْضًا قُلْنَا: لَوْ جَامَعَ قَبْلَ التَّعْيِينِ لَزِمَهُ دَمُ الْجِمَاعِ وَالْمُضِيُّ فِي أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَقَضَاؤُهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَيَّنَ نُسُكًا فَنَسِيَهُ ثُمَّ أُحْصِرَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ تَيَقَّنَّا عَدَمَ نِيَّةِ الْحَجِّ وَهُنَا جَازَ كَوْنُ الْمَنْوِيِّ كَانَ الْحَجَّ فَيَحِلُّ بِهَدْيٍ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لِهَذَا الِاحْتِيَاطِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِشَيْئَيْنِ وَالْبَاقِي بِحَالِهِ فَأُحْصِرَ بَعَثَ بِهَدْيَيْنِ وَيَقْضِي حَجَّةً وَعُمْرَتَيْنِ اسْتِحْسَانًا وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذِهِ.

. (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ) يَقْضِيهِمَا بِقِرَانٍ أَوْ إفْرَادٍ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْضِ
(3/131)

أَمَّا الْحَجُّ وَإِحْدَاهُمَا فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ فِيهَا.

(فَإِنْ بَعَثَ الْقَارِنُ هَدْيًا وَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْحَجَّ وَالْهَدْيَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ بَلْ يَصْبِرَ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِنَحْرِ الْهَدْيِ) لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّوَجُّهِ وَهُوَ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ لِيَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَائِتُ الْحَجِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي سَنَةِ الْإِحْصَارِ، وَأَمَّا إذَا زَالَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ وَالْوَقْتُ يَسَعُ لِتَجْدِيدِ الْإِحْرَامِ وَالْأَدَاءِ فَفَعَلَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ عُمْرَةُ الْقِرَانِ عَلَى مَا هُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ

(قَوْلُهُ: فَإِنْ بَعَثَ الْقَارِنُ هَدْيًا) الصَّوَابُ الْمُحْصَرُ مَكَانَ الْقَارِنِ، وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ فِي النُّسَخِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخُصُّ الْقَارِنَ فَالْحَاجَةُ إلَى بَيَانِهِ مُطْلَقًا لَا عَلَى خُصُوصِ الْقَارِنِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْقَارِنَ إنَّمَا يَبْعَثُ بِدَمَيْنِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكْ إلَخْ) حَاصِلُ وُجُوهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا زَالَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ الْبَعْثِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْهَدْيَ وَالْحَجَّ أَوْ لَا يُدْرِكُهُمَا، أَوْ يُدْرِكُ الْحَجَّ فَقَطْ أَوْ الْهَدْيَ فَقَطْ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ أَحْكَامَ الْأَقْسَامِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَوَجَّهَ؛ لِيَحِلَّ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ لَهُ ذَلِكَ) وَلَهُ فِي هَذَا فَائِدَةٌ هِيَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ فِي الْقَضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُحْصَرُ قَارِنًا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فِي الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا. قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا عَلَى
(3/132)

(وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الْحَجَّ وَالْهَدْيَ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ) لِزَوَالِ الْعَجْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلَفِ، وَإِذَا أَدْرَكَ هَدْيَهُ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَقَدْ كَانَ عَيَّنَهُ لِمَقْصُودٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ (وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الْهَدْيَ دُونَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ) لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَصْلِ (وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الْحَجَّ دُونَ الْهَدْيِ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ) اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ عِنْدَهُمَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ يُدْرِكُ الْحَجَّ يُدْرِكُ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَفِي الْمُحْصَرِ بِالْعُمْرَةِ يَسْتَقِيمُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِعَدَمِ تَوَقُّتِ الدَّمِ بِيَوْمِ النَّحْرِ. وَجْهُ الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْحَجُّ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَهُوَ الْهَدْيُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ التَّوَجُّهُ لَضَاعَ مَالُهُ؛ لِأَنَّ الْمَبْعُوثَ عَلَى يَدَيْهِ الْهَدْيُ يَذْبَحُهُ وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ، وَحُرْمَةُ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَلَهُ الْخِيَارُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوَجْهِ الَّذِي تَلْزَمُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ إذْ بِفَوَاتِ الْحَجِّ يَفُوتُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ؛ لِعَجْزِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْحَجِّ وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الْخَلَفُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ فَكَذَا عَلَى مَالِهِ) فَإِنَّا رَأَيْنَا الشَّرْعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْمَالَ كَالنَّفْسِ حَتَّى أَبَاحَ الْقِتَالَ دُونَهُ وَالْقَتْلُ كَالنَّفْسِ. وَفِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ صَارَ كَأَنَّ الْإِحْصَارَ زَالَ عَنْهُ بِالذَّبْحِ فَيَحِلُّ بِهِ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ مَضَى؛ لِسَبِيلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَبْعُوثِ مَعَهُ بِالذَّبْحِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَمَا ذُبِحَ عَنْهُ. اهـ.
(3/133)

إنْ شَاءَ صَبَرَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؛ لِيُذْبَحَ عَنْهُ فَيَتَحَلَّلُ، وَإِنْ شَاءَ تَوَجَّهَ لِيُؤَدِّيَ النُّسُكَ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْإِحْرَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ (وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ لَا يَكُونُ مُحْصَرًا) لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْفَوَاتِ.

(وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ فَهُوَ مُحْصَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ فَصَارَ كَمَا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ) أَمَّا عَلَى الطَّوَافِ فَلِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِهِ وَالدَّمُ بَدَلٌ عَنْهُ فِي التَّحَلُّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْوُقُوفِ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَا يُثْلِجُ الْخَاطِرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْإِيفَاءَ بِمَا الْتَزَمَهُ كَمَا الْتَزَمَهُ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أُحْصِرَ) بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (لَا يَكُونُ مُحْصَرًا؛ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ الْفَوَاتِ) بِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْأَمْنَ مِنْ الْفَوَاتِ مُتَحَقِّقٌ فِيهَا مَعَ تَحَقُّقِ الْإِحْصَارِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْفِعْلُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَهُ فَسَادٌ وَلَا فَوَاتٌ، وَسَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الطَّوَافُ فِي أَيِّ وَقْتٍ اتَّفَقَ مِنْ عُمَرِهِ، بِخِلَافِ مَعْنَى عَدَمِ الْفَوَاتِ فِي الْعُمْرَةِ فَلَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ مَعْنَى الْإِحْصَارِ عَنْ الْحَجِّ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْمَنْعُ عَنْ أَفْعَالِهِ، وَهَذَا قَدْ فَعَلَ مَا لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ فَلَمْ يَلْزَمْ امْتِدَادُ الْإِحْرَامِ الْمُوجِبِ لِلْحَرَجِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْإِحْلَالِ بِالْحَلْقِ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ سِوَى النِّسَاءِ، ثُمَّ إنْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ دَمٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعُذْرُ الْمُجَوِّزُ لِلْإِحْلَالِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ عَلَى سُنَنِ الْمَشْرُوعِ الْأَصْلِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى الْمَنْعُ فِي يَسِيرٍ وَهُوَ النِّسَاءُ فَيَزُولُ بِالطَّوَافِ، وَلَا يَعْجِزُ الْمُحْصَرُ عَنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يَجِدُ بِهَا فُرْصَةَ قَدْرِ الطَّوَافِ مُخْتَفِيًا فِي زَمَانٍ قَدْرَ شَهْرٍ، وَالْمَنْعُ مِنْ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَسْتَلْزِمُ حَرَجًا يُبِيحُ الْإِحْلَالَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَصْلِيِّ: أَعْنِي الْحَلْقَ، بِخِلَافِ الْإِحْصَارِ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِهَا، هَذَا، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِوُقُوفِ الْمُزْدَلِفَةِ وَدَمُ الرَّمْيِ وَدَمَانِ؛ لِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ عَنْ الْمَكَانِ وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَخَّرَهُمَا وَدَمٌ آخَرُ إنْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ فِي مَكَانِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى يَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ تَأَخَّرَ عَنْ زَمَانِهِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الزَّمَانِ أَهْوَنُ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ. وَقِيلَ لَهُ، إذْ رُبَّمَا لَوْ أَخَّرَهُ؛ لِيَحْلِقَ فِي الْحَرَمِ يَمْتَدُّ الْإِحْصَارُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ فِي الْحِلِّ فَيَفُوتُ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ) وَهُوَ مَا ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ
(3/134)

تَعَالَى وَالصَّحِيحُ مَا أَعْلَمْتُك مِنْ التَّفْصِيلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

بَابُ الْفَوَاتِ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ يَمْتَدُّ إلَيْهِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَتَحَلَّلَ وَيَقْضِيَ الْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَالْعُمْرَةُ لَيْسَتْ إلَّا الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ الْمُحْرِمِ يُحْصَرُ بِالْحَرَمِ فَقَالَ: لَا يَكُونُ مُحْصَرًا، فَقُلْت: أَلَيْسَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ؟ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ فِيهَا. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: إذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى مَكَّةَ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَهُوَ مُحْصَرٌ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ قَوْلُ الْكُلِّ. وَفِيهِ أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ مِنْ الْحَرَمِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا مِنْ الْحِلِّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ بَعْضَهَا مِنْ الْحَرَمِ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إذَا لَاحَظْتَ تَعْلِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِمُلَاحَظَتِهِ أَيْضًا يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَمْلِ مَنْعِهِ الْإِحْصَارَ بِالْحَرَمِ عَلَى مَا بِالْعُذْرِ، إذْ لَا يَخْفَى إمْكَانُ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الذَّهَابِ إلَى مَكَّةَ بِشِدَّةِ الْمَرَضِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِضْرَارِ بِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْمَرَضِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[تَقْسِيمٌ] الْمُتَحَلِّلُ قَبْلَ أَعْمَالِ مَا أَحْرَمَ بِهِ إمَّا مُحْصَرٌ أَوْ فَائِتُ الْحَجِّ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَتَحَلَّلَ الْأَوَّلُ فِي الْحَالِ بِالدَّمِ وَالثَّانِي بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَالثَّالِثِ بِلَا شَيْءٍ يَتَقَدَّمُهُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ مُنِعَ مِنْ الْمُضِيِّ شَرْعًا؛ لِحَقِّ الْعَبْدِ، كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ الْمَمْنُوعَيْنِ؛ لِحَقِّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى إذَا أَحْرَمَا بِغَيْرِ إذْنٍ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ وَالْمَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَاهُمَا فِي الْحَالِ بِلَا شَيْءٍ؛ ثُمَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْعَثَ بِهَدْيٍ يُذْبَحُ عَنْهَا فِي الْحَرَمِ، وَعَلَى الْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ هَدْيُ الْإِحْصَارِ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ.

[بَابُ الْفَوَاتِ]
(بَابُ الْفَوَاتِ) . (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلِيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» )
(3/135)

وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَعْدَمَا انْعَقَدَ صَحِيحًا لَا طَرِيقَ لِلْخُرُوجِ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ، وَهَاهُنَا عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ فَتَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ وَقَعَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَكَانَتْ فِي حَقِّ فَائِتِ الْحَجِّ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.

(وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ يُكْرَهُ فِيهَا فِعْلُهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي سَنَدِهِ رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَضَعَّفَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَضَعَّفَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ عِيسَى النَّهْشَلِيُّ ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ خُصُوصِ هَذَا الْمَتْنِ الِاسْتِدْلَال عَلَى نَفْيِ لُزُومِ الدَّمِ، فَإِنَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْفَوَاتِ، وَكَانَ الْمَذْكُورُ جَمِيعَ مَا لَهُ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِلَّا نَافَى الْحِكْمَةَ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَذْكُورِ لُزُومُ الدَّمِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ حُكْمِهِ لَذَكَرَهُ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ) وَهُوَ أَنْ لَا يَزِيدَ فِي النِّيَّةِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يُلَبِّي فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الطَّوَافِ، فَإِذَا شَرَعَ قَبْلَ التَّعْيِينِ تَعَيَّنَتْ الْعُمْرَةُ وَلِذَا قُلْنَا: لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى طَافَ أَقَلَّ الْأَشْوَاطِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ رَفَضَهَا وَلَزِمَهُ حُكْمُ الرَّفْضِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ جَامِعًا بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ، وَقَدْ أَسْلَفْنَا فِي الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ شَيْئًا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ صَحِيحًا اللَّازِمُ لِيَخْرُجَ بِهِ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ بِغَيْرِ إذْنٍ لَا مُقَابِلَ مَا فَسَدَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: عَلَيْهِ الدَّمُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَلَنَا فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ آنِفًا، وَهُوَ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى؛ لِلنَّهْشَلِيِّ، وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ؛ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ حِينَ فَاتَهُ الْحَجُّ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْت، فَإِذَا أَدْرَكَك الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ؛ لِهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَمَنْ مَعَهُ حِينَ فَاتَهُمْ الْحَجُّ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ مَا عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ حِينَ بَيَانِهِ لِحُكْمِ الْفَوَاتِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمَا فِيهِ
(3/136)

وَهِيَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَكْرَهُ الْعُمْرَةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ الْحَجِّ فَكَانَتْ مُتَعَيِّنَةً لَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ رُكْنِ الْحَجِّ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ أَدَّاهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ صَحَّ وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِهَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِغَيْرِهَا وَهُوَ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْحَجِّ وَتَخْلِيصُ وَقْتِهِ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا، وَتَأَيَّدَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لِفَائِتِ الْحَجِّ جُعِلَتْ شَرْعًا شَرْطًا لِلتَّحَلُّلِ، وَكَانَتْ كَالدَّمِ فِي الْمُحْصَرِ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّحَلُّلَ إلَخْ الْمُرَادُ أَنَّ لُزُومَ الدَّمِ عَلَى الْمُحْصَرِ؛ لِكَوْنِهِ تَعَجَّلَ الْإِحْلَالَ قَبْلَ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا قَدْ حَلَّ بِالْأَعْمَالِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ لَا مَا يَتَخَايَلُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ؛ لِيُقَالَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْمُحْصَرِ عُمْرَةٌ فِي قَضَاءِ الْحَجَّةِ حِينَئِذٍ

. (قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ) أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ. حَلَّتْ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُفِيدُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ: رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَنَافِعٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ الْبَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ: خَمْسَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اعْتَمِرْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا مَا شِئْت. اهـ. هَذَا وَأَمَّا أَفْضَلُ أَوْقَاتِهَا فَرَمَضَانُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» وَفِي طَرِيقٍ؛ لِمُسْلِمٍ «تُقْضَى حَجَّةً أَوْ حَجَّةٌ مَعِي» وَفِي رِوَايَةٍ؛ لِأَبِي دَاوُد «تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي» مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَكَانَ السَّلَفُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يُسَمُّونَهَا الْحَجَّ الْأَصْغَرَ.
هَذَا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ الْوَعْدَ بِعَدَدِ عُمُرَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَنَقُولُ: قَدْ «اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمُرَاتٍ كُلُّهُنَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ» ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ مُدَّةَ مُقَامَهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ شَيْئًا، وَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَنْ هَذَا ادَّعَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْعُمْرَةِ أَنْ تُفْعَلَ دَاخِلًا إلَى مَكَّةَ لَا خَارِجًا، بِأَنْ يَخْرُجَ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ إلَى الْحِلِّ فَيَعْتَمِرَ كَمَا يُفْعَلُ الْيَوْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَمْنُوعًا؛ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعَةِ، إحْرَامَهُ بِهِنَّ، فَأَمَّا مَا تَمَّ لَهُ مِنْهَا فَثَلَاثٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: «اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمْرَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ فَلَمْ يَحْتَسِبْ بِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ» ، كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ.
[الْأُولَى] عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ فَصُدَّ بِهَا فَنَحَرَ الْهَدْيَ بِهَا وَحَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ. [الثَّانِيَةُ] عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهِيَ قَضَاءٌ عَنْ الْحُدَيْبِيَةِ، هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى
(3/137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةٌ لَا قَضَاءٌ عَنْهَا، وَتَسْمِيَةُ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعِ السَّلَفِ إيَّاهَا بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ، وَتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ إيَّاهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ لَا يَنْفِيهِ، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ فِي الْأُولَى مُقَاضَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَدْخُلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَهَذَا الْأَمْرُ قَضِيَّةٌ تَصِحُّ إضَافَةُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ إلَيْهَا، فَإِنَّهَا عُمْرَةٌ كَانَتْ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَهِيَ قَضَاءٌ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَتَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا تَسْتَلْزِمُ الْإِضَافَةُ إلَى الْقَضِيَّةِ نَفْيَ الْقَضَاءِ، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْقَضَاءِ يُفِيدُ ثُبُوتَهُ فَيَثْبُتُ مُفِيدُ ثُبُوتِهِ بِلَا مُعَارِضٍ.
وَأَيْضًا فَالْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيمَنْ شَرَعَ فِي إحْرَامٍ بِنُسُكٍ فَلَمْ يُتِمَّهُ لِإِحْصَارٍ فَحَلَّ أَنْ يَقْضِيَ وَهَذِهِ تَحْتَمِلُ الْقَضَاءَ فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَيْهِ، وَعَدَمُ نَقْلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ بِالْقَضَاءِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ، بَلْ الْمُفِيدُ لَهُ نَقْلُ الْعَدَمِ لَا عَدَمُ النَّقْلِ. نَعَمْ هُوَ مِمَّا يُؤْنَسُ بِهِ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ، لَكِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الثَّابِتِ مَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِمْ بِهِ وَقَضَائِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ طَرِيقِ عِلْمِهِمْ. [الثَّالِثَةُ] عُمْرَتُهُ الَّتِي قَرَنَهَا مَعَ حَجَّتِهِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا إثْبَاتَهُ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ قَارِنًا أَوْ الَّتِي تَمَتَّعَ بِهَا إلَى الْحَجِّ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ حَجَّ مُتَمَتِّعًا، أَوْ الَّتِي اعْتَمَرَهَا فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ أَفْرَدَ وَاعْتَمَرَ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الرَّابِعِ.
[الرَّابِعَةُ] عُمْرَتُهُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لَمَّا خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى حُنَيْنٍ وَدَخَلَ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ إلَى مَكَّةَ لَيْلًا وَخَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا إلَى الْجِعْرَانَةِ فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَزَالَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ فِي الطَّرِيقِ، وَمِنْ ثَمَّةَ خَفِيَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ. وَأَمَّا أَنَّهُنَّ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَلِمَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ» . وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ عُمَرَ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ» : عُمْرَةٌ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مِنْ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ فَلَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَفِعْلُهَا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَصَحَّ طَرِيقَا الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ أَرْبَعًا إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمْرَةً قَطُّ إلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ» فَقَدْ حَكَمَ الْحُفَّاظُ بِغَلَطِ هَذَا الْحَدِيثِ، إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ عُمَرَهُ كُلَّهَا لَمْ تَزِدْ عَنْ أَرْبَعٍ، وَقَدْ عَيَّنَهَا أَنَسٌ وَعَدَّهَا وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي غَيْرِ ذِي الْقَعْدَةَ سِوَى الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، وَقَدْ جَمَعَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، فَلَوْ كَانَتْ لَهُ عُمْرَةٌ فِي رَجَبٍ وَأُخْرَى فِي رَمَضَانَ لَكَانَتْ سِتًّا، وَلَوْ كَانَتْ أُخْرَى فِي شَوَّالٍ كَمَا هُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ كَانَتْ سَبْعًا» . وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ فِيهِ وَجَبَ ارْتِكَابُهُ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ، وَمَا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ فِيهِ حُكِمَ بِمُقْتَضَى الْأَصَحِّ وَالْأَثْبَتِ، وَهَذَا أَيْضًا يُمْكِنُ فِيهِ الْجَمْعُ بِإِرَادَةِ عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَإِنَّهُ خَرَجَ إلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ وَالْإِحْرَامُ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَكَانَ
(3/138)

فَيَصِحُّ الشُّرُوعُ.

(وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ» وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحَجُّ فَرِيضَةٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» ؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ وَتَتَأَدَّى بِنِيَّةِ غَيْرِهَا كَمَا فِي فَائِتِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ أَمَارَةُ النَّفْلِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَجَازًا؛ لِلْقُرْبِ، هَذَا إنْ صَحَّ وَحُفِظَ، وَإِلَّا فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الثَّابِتُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ كُلَّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَعَ تَرَدُّدٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ أَفْضَلَ أَوْقَاتِ الْعُمْرَةِ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَوْ رَمَضَانُ، فَفِي رَمَضَانَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، وَلَكِنَّ فِعْلَهُ لَمَّا لَمْ يَقَعْ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ ظَاهِرًا أَنَّهُ أَفْضَلُ إذْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْتَارُ لِنَبِيِّهِ إلَّا مَا هُوَ الْأَفْضَلُ، أَوْ أَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ بِتَنْصِيصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ. وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ؛ لِاقْتِرَانِهِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهُ كَاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَاتٍ أُخْرَى فِي رَمَضَانَ تَبَتُّلًا وَأَلَّا يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَمَرَ فِيهِ لَخَرَجُوا مَعَهُ وَلَقَدْ كَانَ بِهِمْ رَحِيمًا، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ أَنَّ تَرْكَهُ لَهَا؛ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُ كَالْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ بِهِمْ وَمَحَبَّتِهِ لَأَنْ يُسْقِيَ بِنَفْسِهِ مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ ثُمَّ تَرَكَهُ كَيْ لَا يَغْلِبَهُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِهِمْ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. وَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حَدِيثٍ فِي أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ عُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذِكْرَ جَمِيعِ مَا اعْتَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ اعْتَمَرَ أَكْثَرَ، فَكَانَ الْمُرَادُ ذِكْرَ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ يَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالْغَلَطِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَظَافَرَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، ثُمَّ لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا مِنْ قَابِلٍ سَنَةَ سَبْعٍ سِوَى الَّتِي فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ إلَى مَكَّةَ حَتَّى فَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي دُخُولِهِ فِي الْفَتْحِ، ثُمَّ أُخْرِجَ إلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْهَا فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَمَتَى اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَا عِلْمَ إلَّا مَا عَلَّمَ.

(قَوْلُهُ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ) أَيْ مَنْ أَتَى بِهَا مَرَّةً فِي الْعُمُرِ فَقَدْ أَقَامَ السُّنَّةَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ غَيْرَ مَا ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا فِيهِ، إلَّا أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ، هَذَا إذَا أَفْرَدَهَا فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْحَجِّ لَا إلَى الْعُمْرَةِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْإِتْيَانَ بِالْعُمْرَةِ عَلَى وَجْهٍ أَفْضَلَ فِيهَا فَفِي رَمَضَانَ أَوْ الْحَجَّ عَلَى وَجْهٍ أَفْضَلَ فِيهِ فَبِأَنْ يَقْرِنَ مَعَهُ عُمْرَةً. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَرِيضَةٌ) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ مِنْ مَشَايِخِ بُخَارَى: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ هِيَ وَاجِبَةٌ. وَجْهُ
(3/139)

وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِأَعْمَالٍ كَالْحَجِّ إذْ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ مَعَ التَّعَارُضِ فِي الْآثَارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْتَ» قَالَ الْحَاكِمُ: الصَّحِيحُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ. اهـ.
وَفِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ضَعَّفُوهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَذَفْنَا حَدِيثَهُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَأَنْ تَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَيْسَ فِيهِ وَتَعْتَمِرَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهَا شُذُوذٌ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ عَدَمِ دَلَالَةٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا» وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ إلَّا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّ عُمْرَتَهُمْ طَوَافُهُمْ، فَلْيَخْرُجُوا إلَى التَّنْعِيمِ ثُمَّ لْيَدْخُلُوهَا» الْحَدِيثَ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُنَاظَرَةِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ: أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْحَجِّ. وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا غَيْرُ. قِيلَ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ هَذَا فِيهِ مَقَالٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْقِرَانِ مَا فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ بِهِ عَنْ كَوْنِ حَدِيثِهِ حَسَنًا وَالْحَسَنُ حُجَّةٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الرُّوَاةُ عَنْ التِّرْمِذِيِّ عَلَى تَحْسِينِ حَدِيثِهِ هَذَا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَضَعَّفَهُ. وَرَوَى عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ، وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ إنَّهُ مُرْسَلٌ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَتَضْعِيفُ عَبْدِ الْبَاقِي وَمَاهَانُ اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ بِأَنَّ عَبْدَ الْبَاقِي بْنَ قَانِعٍ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَبَاقِي الْإِسْنَادِ ثِقَاتٌ،
(3/140)

قَالَ (وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَعَ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا عَلَى التَّنَزُّلِ.
قَالَ: وَتَضْعِيفُ مَاهَانَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مَشَاهِيرُ وَذَكَرَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي سَنَدِهِ مَجَاهِيلُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ. قَالَ فِي الْإِمَامِ: مُتَكَلَّمٌ فِيهِ اهـ. وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُخْرِجُ حَدِيثَهُ عَنْ الْحَسَنِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ مُطْلَقِ الْحُجِّيَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " الْحَجُّ فَرِيضَةٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ " وَكَفَى بِعَبْدِ اللَّهِ قُدْوَةً. فَبَعْدَ إرْخَاءِ الْعِنَانِ فِي تَحْسِينِ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ تَعَدُّدُ طُرُقِهِ يَرْفَعُهُ إلَى دَرَجَةِ الصَّحِيحِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ، كَمَا أَنَّ تَعَدُّدَ طُرُقِ الضَّعِيفِ يَرْفَعُهُ إلَى الْحَسَنِ؛ لِضَعْفِ الِاحْتِمَالِ بِهَا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَقَامَ رُكْنُ الْمُعَارَضَةِ، وَالِافْتِرَاضُ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَمْنَعُهُ عَنْ إثْبَاتِ مُقْتَضَاهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْفَرْضُ الظَّنِّيُّ وَهُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَنَا، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ لَا يَثْبُتَ مُقْتَضَى مَا رَوَيْنَاهُ أَيْضًا؛ لِلِاشْتِرَاكِ فِي مُوجِبِ الْمُعَارَضَةِ. فَحَاصِلُ التَّقْرِيرِ حِينَئِذٍ تَعَارُضُ مُقْتَضَيَاتِ الْوُجُوبِ وَالنَّفَلِ فَلَا يَثْبُتُ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ السُّنِّيَّةَ فَقُلْنَا بِهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
[فُرُوعٌ] وَإِنْ اُسْتُفِيدَ شَيْءٌ مِنْهَا مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنِّي لَا أَكْرَهُ تَكْرَارَهَا، فَإِنَّ تَعَدُّدَ الْمَوَاقِعِ يُوَسِّعُ بَابَ الْوِجْدَانِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ. إحْرَامُ فَائِتِ الْحَجِّ حَالَ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ إحْرَامُ الْحَجِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَصِيرُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَعِنْدَ زُفَرَ الْمَفْعُولُ أَيْضًا أَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ عَجَزَ عَنْ الْكُلِّ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. الثَّابِتُ شَرْعًا التَّحَلُّلُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَا قَبْلَهُ، وَلَا تَحَلُّلَ إلَّا بِطَوَافٍ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، فَلَوْ قَدِمَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ فَطَافَ وَسَعَى ثُمَّ خَرَجَ إلَى الرَّبَذَةِ مَثَلًا فَأُحْصِرَ بِهَا حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَلَا يَكْفِيهِ طَوَافُ التَّحِيَّةِ وَالسَّعْيِ فِي التَّحَلُّلِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَارِنًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ الَّتِي قَرَنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا وَلَمْ يَطُفْ شَيْئًا حَتَّى فَاتَهُ يَطُوفُ الْآنَ لِعُمْرَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ وَيَسْعَى، وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَهَا، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهَا إذَا أَخَذَ فِي الطَّوَافِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ فِي الْحَجِّ.
وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَمَكَثَ حَرَامًا حَتَّى دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ فَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ حَجِّهِ بَاقٍ، إذْ لَوْ انْقَلَبَ إحْرَامَ عُمْرَةٍ كَانَ مُتَمَتِّعًا إذْ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّمَتُّعِ تَقَدُّمُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ أَوْقَعَ أَفْعَالَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ لِفَائِتِ الْحَجِّ أَنْ يَحُجَّ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ إحْرَامِ حَجٍّ، حَتَّى لَوْ مَكَثَ مُحْرِمًا إلَى قَابِلٍ لَمْ يَفْعَلْ أَفْعَالَ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ، وَأَرَادَ أَنْ يَحُجَّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ إحْرَامِ حَجِّهِ تَغَيَّرَ شَرْعًا بِالْفَوَاتِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُوجِبِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ أَبُو يُوسُفَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا عَلَى صَيْرُورَتِهَا إحْرَامَ عُمْرَةٍ، وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ
(3/141)

الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ غَيْرَهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدَهُمَا عَنْ نَفْسِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّحَلُّلِ بِعُمْرَةٍ بَيْنَ كَوْنِ الْفَوَاتِ حَالَ الصِّحَّةِ أَوْ بَعْدَمَا فَسَدَ بِالْجِمَاعِ. وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَهَلَّ بِأُخْرَى طَافَ لِلْفَائِتَةِ وَسَعَى وَرَفَضَ الَّتِي أَدْخَلَهَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ جَامَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْ حَجَّتَيْنِ، وَعَلَيْهِ فِيهَا مَا عَلَى الرَّافِضِ.
وَلَوْ نَوَى بِهَذِهِ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا قَضَاءَ الْفَائِتَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الْإِهْلَالِ شَيْءٌ سِوَى الَّتِي هُوَ فِيهَا؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ بَاقٍ، وَنِيَّةُ إيجَادِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ لَغْوٌ فَيَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَيَقْضِي الْفَائِتَ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ رَفَضَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ إحْرَامًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَعَمَلًا عَلَى قَوْلِهِمَا. وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجَّتَيْنِ فَقَدِمَ مَكَّةَ وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَا بِعُمْرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّرْكِ وَالشُّرُوعِ رَفَضَ إحْدَاهُمَا، وَالتَّحَلُّلُ بِالْعُمْرَةِ إنَّمَا يَجِبُ لِغَيْرِ مَا رَفَضَ وَذَلِكَ وَاحِدَةٌ.

[بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ]
(بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ) إدْخَالُ اللَّامِ عَلَى غَيْرِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ بَلْ هُوَ مَلْزُومُ الْإِضَافَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ كَوْنَ عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ قَدَّمَ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَيْسَ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ، بَلْ فِي أَنَّهُ يَنْجَعِلُ بِالْجَعْلِ أَوَّلًا بَلْ يَلْغُو جَعْلُهُ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهَا) كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ (قَوْلُهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِمَا ذَكَرَ خَارِجٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا يَقُولَانِ بِوُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ بَلْ غَيْرِهَا كَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَهُمْ كَمَالُ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِاسْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ وَصْفًا عَبَّرَ عَنْهُمْ بِهِ.
وَخَالَفَ فِي كُلِّ الْعِبَادَاتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَسَعْيُ غَيْرِهِ لَيْسَ سَعْيَهُ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَسُوقَةً قَصًّا لِمَا
(3/142)

وَالْآخَرَ عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ أَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ» جَعَلَ تَضْحِيَةَ إحْدَى الشَّاتَيْنِ لِأُمَّتِهِ.
وَالْعِبَادَاتُ أَنْوَاعٌ: مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ، وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، وَالنِّيَابَةُ تَجْرِي فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ فِي حَالَتَيْ الِاخْتِيَارِ وَالضَّرُورَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - فَحَيْثُ لَمْ يُتَعَقَّبْ بِإِنْكَارٍ كَانَ شَرِيعَةً لَنَا عَلَى مَا عُرِفَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِيمَا قَالُوهُ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا نُسِخَتْ أَوْ مُقَيَّدَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ مَا يُوجِبُ الْمَصِيرَ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ» . وَالْمَلْحَةُ بَيَاضٌ يَشُوبُهُ شَعَرَاتٌ سُودٌ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ يَشْتَرِيَ كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَهُ بِالْبَلَاغِ، وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} [الأنعام: 79] الْآيَةَ، اللَّهُمَّ لَكَ وَمِنْكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ذَبَحَ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ بِنَقْصٍ فِي الْمَتْنِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَقَرْنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَأَضْجَعَ أَحَدَهُمَا وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَضْجَعَ الْآخَرَ وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» وَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا. وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ. وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدَ الْغِفَارِيُّ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْفَضَائِلِ.
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَالدَّارَقُطْنِيّ، فَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَانْتَشَرَتْ مُخْرِجُوهُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ أَنَّهُ ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ مَشْهُورًا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ صَاحِبُهُ، أَوْ نَنْظُرُ إلَيْهِ وَإِلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا فَكَيْفَ لِي بِبِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِكَ» وَإِلَى مَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» وَإِلَى مَا «عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا وَنَحُجُّ عَنْهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ فَهَلْ يَصِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّهُ لَيَصِلُ إلَيْهِمْ وَإِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ الْعُكْبَرِيُّ.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَهَذِهِ الْآثَارُ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا فِي السُّنَّةِ أَيْضًا مِنْ نَحْوِهَا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ تَرَكْنَاهُ لِحَالِ الطُّولِ يَبْلُغُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ الصَّالِحَاتِ لِغَيْرِهِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ مَبْلَغَ
(3/143)

لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَلَا تَجْرِي فِي النَّوْعِ الثَّانِي بِحَالٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَتَجْرِي فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ عِنْدَ الْعَجْزِ لِلْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الْمَشَقَّةُ بِتَنْقِيصِ الْمَالِ، وَلَا تَجْرِي عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِعَدَمِ إتْعَابِ النَّفْسِ، وَالشَّرْطُ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ الْعُمْرِ، وَفِي الْحَجِّ النَّفْلِ تَجُوزُ الْإِنَابَةُ حَالَةَ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّوَاتُرِ، وَكَذَا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] وَمِنْ الْإِخْبَارِ بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَعَالَى {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5] وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وَسَاقَ عِبَارَتَهُمْ {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] إلَى قَوْلِهِ {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} [غافر: 9] قَطْعِيٌّ فِي حُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِعَمَلِ الْغَيْرِ فَيُخَالِفُ ظَاهِرَ الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا، إذْ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ اسْتِغْفَارُ أَحَدٍ لِأَحَدٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَعْيِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَطَعْنَا بِانْتِفَاءِ إرَادَةِ ظَاهِرِهَا عَلَى صِرَافَتِهِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَا لَمْ يَهَبْهُ الْعَامِلُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ إذْ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ الْإِرَادَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارَاتِ وَلَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْخَبَرِ، وَمَا يُتَوَهَّمُ جَوَابًا مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - أَنْ لَا يَجْعَلَ الثَّوَابَ لِغَيْرِ الْعَامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ شَرِيعَتِنَا حَقِيقَةُ مَرْجِعِهِ إلَى تَقْيِيدِ الْإِخْبَارِ لَا إلَى النَّسْخِ إذْ حَقِيقَتُهُ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَى ثُمَّ تُرْفَعَ إرَادَتُهُ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِرَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ وَلَمْ يَقَعْ نَسْخٌ لَهُمْ، وَلَمْ يَرِدْ الْإِخْبَارُ أَيْضًا فِي حَقِّنَا ثُمَّ نُسِخَ.
وَأَمَّا جَعْلُ اللَّامِ فِي لِلْإِنْسَانِ بِمَعْنَى عَلَى فَبَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِهَا وَمِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهَا وَعْظٌ لِلَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى، وَقَدْ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ إبْطَالِنَا لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ انْتِفَاءُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِمَا فِي الْآثَارِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ)
(3/144)

وَبِذَلِكَ تَشْهَدُ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْبَابِ كَحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ «حُجِّي عَنْ أَبِيكِ وَاعْتَمِرِي» .
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ، وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ أُقِيمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ التَّكَالِيفِ الِابْتِلَاءُ لِيَظْهَرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ مَا سَبَقَ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ مِنْ الِامْتِثَالِ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ تَارِكًا هَوَى نَفْسِهِ لِإِقَامَةِ أَمْرِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيُثَابُ.
أَوْ الْمُخَالَفَةِ فَيُعْفَى عَنْهُ، أَوْ يُعَاقَبُ فَتَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ آثَارُ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ تَعَالَى اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ الْبَاهِرَةُ وَكَمَالُ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقَعُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ عَنْ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ. ثُمَّ مِنْ التَّكَالِيفِ الْعِبَادَاتُ وَهِيَ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْبَدَنِيَّةِ تَقَيُّدُ الْجَوَارِحِ وَالنَّفْسِ بِالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فِي مَقَامِ الْخِدْمَةِ.
وَفِي الْمَالِيَّةِ فِي تَنْقِيصِ الْمَالِ الْمَحْبُوبِ لِلنَّفْسِ، وَفِيهَا مَقْصُودٌ آخَرُ وَهُوَ سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ، وَالْمَشَقَّةُ فِيهَا لَيْسَ بِهِ بَلْ بِالتَّنْقِيصِ فَكُلُّ مَا تَضَمَّنَ الْمَشَقَّةَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ فَلِذَا لَمْ تَجُزْ النِّيَابَةُ فِي الْبَدَنِيَّةِ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِهِ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِشْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَالِيَّةُ فَمَا فِيهِ الْمَشَقَّةُ مِنْ أَحَدِ مَقْصُودٍ بِهَا وَهُوَ تَنْقِيصُ الْمَالِ بِإِخْرَاجِهِ لَمْ تَجُزْ فِيهِ النِّيَابَةُ وَلَا يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ. وَالْوَاقِعُ مِنْ النَّائِبِ لَيْسَ إلَّا الْمُنَاوَلَةُ لِلْفَقِيرِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا مَشَقَّةَ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ. وَعَلَى هَذَا كَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لَا تَجْرِيَ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ لِتَضَمُّنِهِ الْمَشَقَّتَيْنِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَالْأَوْلَى لَمْ تَقُمْ بِالْآمِرِ لَكِنَّهُ تَعَالَى رَخَّصَ فِي إسْقَاطِهِ بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْأُخْرَى: أَعْنِي إخْرَاجَ الْمَالِ عِنْدَ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ إلَى الْمَوْتِ رَحْمَةً وَفَضْلًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ نَفَقَةَ الْحَجِّ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، بِخِلَافِ حَالِ الْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ فِيهَا لَيْسَ إلَّا لِمُجَرَّدِ إيثَارِ رَاحَةِ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَا التَّخْفِيفَ فِي طَرِيقِ الْإِسْقَاطِ وَإِنَّمَا شَرَطَ دَوَامَهُ إلَى الْمَوْتِ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ الْعُمْرِ، فَحَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُهُ لِقِيَامِ الشُّرُوطِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي أَوَّلِ أَعْوَامِ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ وَتَقَرَّرَ الْقِيَامُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالشُّرُوطِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ رَخَّصَ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ رَحْمَةً وَفَضْلًا مِنْهُ، فَحَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ وَقْتًا مَا مِنْ عُمْرِهِ بَعْدَمَا اسْتَنَابَ فِيهِ لِعَجْزٍ لَحِقَهُ
(3/145)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ظَهَرَ انْتِفَاءُ شَرْطِ الرُّخْصَةِ، فَلِذَا لَوْ أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ أَوَّلًا، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا كَانَ أَمْرُهُ مُرَاعًى إنْ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ الْمَانِعِ حَتَّى مَاتَ ظَهَرَ أَنَّهُ وَقَعَ مُجْزِيًا، وَإِنْ عُوفِيَ أَوْ خُلِّصَ مِنْ السِّجْنِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُجْزِيًا وَظَهَرَ وُجُوبُ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ أَحَجَّ صَحِيحٌ غَيْرَهُ ثُمَّ عَجَزَ لَا يَجْزِيهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ أَذِنَ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ.
وَلَا يَتَخَايَلُ خِلَافُ هَذَا مِمَّا فِي الْفَتَاوَى أَيْضًا، قَالَ: إذَا قَالَ رَجُلٌ لِلَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ حَجَّةً فَأَحَجَّ عَنْهُ ثَلَاثِينَ نَفْسًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ الْحَجِّ جَازَ عَنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْرَفْ قُدْرَتُهُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ مَجِيءِ وَقْتِ الْحَجِّ فَجَازَ، وَإِنْ جَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ وَهُوَ يَقْدِرُ بَطَلَتْ حَجَّتُهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهَا فَانْعَدَمَ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِحْجَاجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَعَلَى هَذَا كُلُّ سَنَةٍ تَجِيءُ وَفِيهَا الْمَرْأَةُ إذَا لَمْ تَجِدْ مُحْرِمًا لَا تَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ إلَى أَنْ تَبْلُغَ الْوَقْتَ الَّذِي تَعْجِزَ عَنْ الْحَجِّ فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهَا، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمُحْرِمِ، فَإِنْ بَعَثَتْ رَجُلًا إنْ دَامَ عَدَمُ وُجُودِ الْمُحْرِمِ إلَى أَنْ مَاتَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلًا وَدَامَ الْمَرَضُ إلَى أَنْ مَاتَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ كَوْنِ شَرْطِ الْإِحْجَاجِ عَنْ الْفَرِيضَةِ مَجِيءُ الْوَقْتِ وَهُوَ قَادِرٌ فَلَا يَحُجُّ حَتَّى يَعْرِضَ الْمَانِعُ وَيَدُومَ إلَى الْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى قَبْلَ الْوَقْتِ فَمَاتَ لَا يَصِحُّ.
وَقَدَّمْنَا مِنْ اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَ أَوْ صَبِيٍّ بَلَغَ فَمَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ وَأَوْصَيَا بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ لِمَا قُلْنَا، وَجَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ السَّبَبَ تَقَرَّرَ فِي حَقِّهِمَا وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَوَّلًا فِي كَوْنِهِ شَرْطِ الْأَدَاءِ بَلْ هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ. وَالسَّبَبُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْبَيْتُ لَكِنَّ الْمُوصَى بِهِ لَيْسَ مُطْلَقَ الْحَجِّ لِيَلْزَمَ الْوَرَثَةَ إنْ وَسِعَ الثُّلُثُ بَلْ الْحَجُّ الْفَرْضُ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا عَدَمَهُ عَلَيْهِمَا إلَى أَنْ مَاتَا، فَقَوْلُ زُفَرَ أَنْظُرُ.
وَفِي الْبَدَائِعِ. لَوْ كَانَ فَقِيرًا صَحِيحَ الْبَدَنِ لَا يَجُوزُ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ لِأَنَّ الْمَالَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فَإِذْ لَا مَالَ لَا وُجُوبَ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَلَا وَاجِبَ حِينَئِذٍ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْحَجُّ النَّفَلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَجْزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَاحِدَةً مِنْ الْمَشَقَّتَيْنِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ تَرْكُهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ إحْدَاهُمَا تَقَرُّبًا إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ صَحِيحًا. ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الْإِيصَاءِ إنَّمَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً إذَا كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحُهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ.
وَعِنْدَهُمَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ وَإِنْ كَانَ زَمَنًا أَوْ مَفْلُوجًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ مِنْ الشَّرَائِطِ عِنْدَهُ صِحَّةَ الْجَوَارِحِ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَسْلَفْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ قَوْلَهُمَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ وَأَنَّهَا أَوْجَهُ وَذَكَرْنَا الْوَجْهَ ثَمَّةَ فَلْيُرَاجَعْ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ نَفْسَ الْحَجِّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ أَوْ عَنْ الْمَأْمُورِ. فَعَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَأْمُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُقِيمَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَاجِّ مَقَامَ نَفْسِ الْفِعْلِ شَرْعًا كَالشَّيْخِ الْفَانِي حَيْثُ أُقِيمَ الْإِطْعَامُ فِي حَقِّهِ مَقَامَ الصَّوْمِ، قَالُوا: إنَّ بَعْضَ الْفُرُوعِ ظَاهِرَةٌ فِي هَذَا وَسَيَأْتِي وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ والإسبيجابي وَقَاضِي خَانْ، حَتَّى نَسَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا لِأَصْحَابِنَا فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا: أَصْلُ الْحَجِّ عَنْ الْمَأْمُورِ.
وَمُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَجَمْعٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ الْآثَارُ مِنْ السُّنَّةِ وَمِنْ الْمَذْهَبِ بَعْضُ الْفُرُوعِ.
فَمِنْ الْآثَارِ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهُوَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
(3/146)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى فِعْلِهَا الْحَجَّ كَوْنَهُ عَنْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْحَجَّةِ، فَلَوْ كَانَتْ عَنْهُ لَسَقَطَتْ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ تَتَأَدَّى بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَتَلْغُو الْجِهَةُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ سِوَى بِاحْتِيَاجِ النَّائِبِ إلَى إسْنَادِ الْحَجِّ إلَى الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي النِّيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ نَفْسُ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْإِجْزَاءِ كَوْنُ أَكْثَرِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ، وَالْقِيَاسُ كَوْنُ الْكُلِّ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنَّ فِي الْتِزَامِ ذَلِكَ حَرَجًا بَيِّنًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَصْحِبُ الْمَالَ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي كُلِّ حَرَكَةٍ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى شَرْبَةِ مَاءٍ وَكِسْرَةِ خُبْزٍ فِي بَغْتَةٍ فَأَسْقَطْنَا اعْتِبَارَ الْقَلِيلِ اسْتِحْسَانًا وَاعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ إذْ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ، فَإِنْ أَنْفَقَ الْأَكْثَرَ أَوْ الْكُلَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَفِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفَاءٌ لِحَجِّهِ رَجَعَ بِهِ فِيهِ، إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ فِي مَالِ نَفْسِهِ لِبَغْتَةِ الْحَاجَةِ وَلَا يَكُونُ الْمَالُ حَاضِرًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ، كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَيُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَشْكُلُ مَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ لَوْ قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلَمْ يُسَمِّ، كَمْ يُعْطِي؟ قَالَ: يُعْطِي قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ إذَا أَخَذَهُ وَيَصْرِفَهُ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِذَلِكَ إنَّمَا جُعِلَ الْحَجُّ عِيَارٌ لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ الْمَالِ، ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً وَمَشُورَتُهُ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، فَإِنْ شَاءَ حَجَّ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحُجَّ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ يَبْلُغُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ.
وَفِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ لِلسَّيِّدِ الْإِمَامِ بْنِ شُجَاعٍ: رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَالدَّيْنِ إذَا قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَيَتَخَايَلُ خِلَافَهُ.

فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ قَالَ: إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْضُ وَرَثَتِهِ فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ جَازَ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا أَوْ غُيَّبًا كِبَارًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بِالنَّفَقَةِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ اهـ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا أَمَرَهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ بِذَلِكَ. وَالنَّفَقَةُ الْمَشْرُوطَةُ مَا تَكْفِيهِ لِذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ عَامِلٌ لِلْمَيِّتِ.
وَلَوْ تَوَطَّنَ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بَطَلَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ تَوَطَّنَ حِينَئِذٍ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ فَإِنَّهُ مُسَافِرٌ عَلَى حَالِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إذَا أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فَهِيَ فِي مَالِ نَفْسِهِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّلَاثِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لَا لِلْأَكْثَرِ قَالُوا: هَذَا فِي زَمَانِهِمْ، إذْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مَتَى شَاءَ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا إلَّا مَعَ النَّاسِ، فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ مَقَامُهُ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا لِانْتِظَارِ قَافِلَتِهِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا مَعَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ خُرُوجِهَا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَحَقَّ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، فَهُوَ كَالنَّاشِزَةِ إذَا عَادَتْ إلَى الْمَنْزِلِ، وَالْمُضَارِبِ إذَا أَقَامَ فِي بَلْدَتِهِ أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ لَمْ يُنْفِقْ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ خَرَجَ مُسَافِرًا بَعْدَ ذَلِكَ عَادَتْ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا تَعُودُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ فِي الرُّجُوعِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَا لِلْمَيِّتِ، لَكِنَّا قُلْنَا: إنَّ أَصْلَ سَفَرِهِ كَانَ لِلْمَيِّتِ فَمَا بَقِيَ ذَلِكَ السَّفَرُ بَقِيَتْ النَّفَقَةُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَقَطَتْ، فَإِنْ عَادَ عَادَتْ، وَإِنْ تَوَطَّنَهَا سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا تَعُودُ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ التَّوَطُّنَ غَيْرُ مُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا،
(3/147)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَا يُحَدُّ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ. ثُمَّ الْعَوْدُ إنْشَاءُ سَفَرٍ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ وَلَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ نَقْلِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَقَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَّخِذْ مَكَّةَ دَارًا فَأَمَّا إذَا اتَّخَذَهَا دَارًا ثُمَّ عَادَ لَا تَعُودُ النَّفَقَةُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ كَانَ أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَالُوا: إنْ كَانَتْ إقَامَةً مُعْتَادَةً لَمْ تَسْقُطْ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ سَقَطَتْ، وَلَوْ تَعَجَّلَ إلَى مَكَّةَ فَهِيَ فِي مَالِ نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ عَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ فَتَصِيرُ فِي مَالِ الْآمِرِ، وَلَوْ سَلَكَ طَرِيقًا أَبْعَدَ مِنْ الْمُعْتَادِ إنْ كَانَ مِمَّا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَفِي مَالِ الْآمِرِ وَإِلَّا فَفِي مَالِ نَفْسِهِ وَمَا دَامَ مَشْغُولًا بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَتْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ قَالُوا: يَضْمَنُ جَمِيعَ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْأَمْرَ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ بِمَكَّةَ أَوْ بِقُرْبٍ مِنْهَا أَوْ لَمْ تَبْقَ: يَعْنِي فَنِيَتْ فَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ إذَا قُطِعَ الطَّرِيقُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَقَدْ أَنْفَقَ بَعْضَ الْمَالِ فِي الطَّرِيقِ فَمَضَى وَحَجَّ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فَلَا يَسْقُطُ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فِي كُلِّ الطَّرِيقِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ سِوَى أَنَّهُ قَيَّدَ الْأُولَى بِكَوْنِ ذَلِكَ الضَّيَاعِ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، لَكِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ يُوجِبُ اتِّفَاقَ الصُّورَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرُّجُوعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَتَبَرَّعَ بِهِ، إنْ كَانَ الْأَقَلَّ جَازَ وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَالِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ وَمِنْهُ اللَّحْمُ وَشَرَابُهُ وَثِيَابُهُ وَرُكُوبُهُ وَثِيَابُ إحْرَامِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدًا إلَى طَعَامِهِ وَلَا يَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَا يُقْرِضَ أَحَدًا وَلَا يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ إلَّا لِحَاجَةٍ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَشْتَرِيَ مِنْهَا مَاءَ الْوُضُوءِ بَلْ يَتَيَمَّمَ وَلَا يَدْخُلَ الْحَمَّامَ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالْمُتَعَارَفِ: يَعْنِي مِنْ الزَّمَانِ، وَيُعْطِيَ أُجْرَةَ الْحَارِسِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ، وَلَهُ أَنْ يَخْلِطَ دَرَاهِمَ النَّفَقَةِ مَعَ الرُّفْقَةِ وَيُودِعَ الْمَالَ. وَاخْتُلِفَ فِي شِرَاءِ دُهْنِ السِّرَاجِ وَالِادِّهَانِ، قِيلَ لَا، وَقِيلَ يَشْتَرِي دُهْنًا يَدَّهِنُ بِهِ لِإِحْرَامِهِ وَزَيْتًا لِلِاسْتِصْبَاحِ، وَلَا يَتَدَاوَى مِنْهُ وَلَا يَحْتَجِمُ وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْحَلَّاقِ إلَّا أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ أَوْ الْوَارِثُ.
وَقِيَاسُ مَا فِي الْفَتَاوَى أَنْ يُعْطِيَ أُجْرَةَ الْحَلَّاقِ وَلَا يُنْفِقَ عَلَى مَنْ يَخْدُمُهُ إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً يَرْكَبَهَا وَمَحْمَلًا وَقِرْبَةً وَإِدَاوَةً وَسَائِرَ الْآلَاتِ وَمَهْمَا فَضَلَ مِنْ الزَّادِ وَالْأَمْتِعَةِ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ أَوْ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَارِثُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْحَاجِّ بِالْإِحْجَاجِ وَإِنَّمَا يُنْفِقُ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ لَكَانَ بِالِاسْتِئْجَارِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ.

وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: لَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا أَوْ دَفَعَهُ إلَى وَارِثٍ لِيَحُجَّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ وَهُمْ كِبَارٌ، لِأَنَّ هَذَا كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ فَلَا يَصِحُّ لِلْوَارِثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ.
وَلَوْ قَالَ الْمَيِّتُ لِلْوَصِيِّ: ادْفَعْ الْمَالَ لِمَنْ يَحُجَّ عَنِّي لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا

وَإِذَا عَلِمَ هَذَا فَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ قَوْلِهِ: إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَحْبُوسُ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَتْ الْحَجَّةُ عَنْ الْمَحْبُوسِ إذَا مَاتَ فِي الْحَبْسِ وَلِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُشْكِلٌ، لَا جَرَمَ أَنَّ الَّذِي فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ أَبِي الْفَضْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ هِيَ الْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ، وَزَادَ إيضَاحَهَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: وَهَذِهِ النَّفَقَةُ لَيْسَ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ بَلْ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ الْمُسْتَأْجِرُ
(3/148)

الْإِنْفَاقُ مُقَامَهُ كَالْفِدْيَةِ فِي بَابِ الصَّوْمِ.

قَالَ (وَمَنْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَجَّةً فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِهِ، هَذَا وَإِنَّمَا جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَيَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا فَضَلَ لِلْمَأْمُورِ مِنْ الثِّيَابِ وَالنَّفَقَةِ يَقُولُ لَهُ: وَكَّلْتُك أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِك وَتَقْبِضَهُ لِنَفْسِك، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْتٍ قَالَ: وَالْبَاقِي مِنِّي لَك وَصِيَّةٌ.

وَفِي الْفَتَاوَى: لَوْ حَجَّ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَأَمْسَكَ مَئُونَةَ الْكِرَاءِ كَانَ ضَامِنًا مَالَ الْمَيِّتِ وَالْحَجُّ لِنَفْسِهِ لِانْصِرَافِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُعْطِيَ بَعِيرَهُ هَذَا إلَى رَجُلٍ يَحُجُّ عَنْهُ فَأَكْرَاهُ الرَّجُلُ وَأَنْفَقَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ وَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ اسْتِحْسَانًا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ مَلَكَ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِثَمَنِهِ فَكَذَا يَمْلِكُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ كَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ وَلَا يَضْمَنُ كَالْغَاصِبِ، وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمَأْمُورِ فَيَتَضَرَّرُ الْمَيِّتُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ الْإِجَارَةَ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الْبَعِيرَ إلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ مِلْكُ مُوَرِّثِهِمْ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَضْمَنُ نُقْصَانَ الْبَعِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ فَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَبِيعَ بَعِيرَهُ بِمِائَةٍ فَآجَرَهُ بِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ فَكَذَا هَذَا اهـ. وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ أَحَجُّوا عَنْهُ غَيْرَهُ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَأْمُورُ وَالْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ فَقَالَ وَقَدْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مُنِعْت مِنْ الْحَجِّ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا ظَاهِرًا يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَفْعِهِ إلَّا بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ.

وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ حَجَجْت وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِيَ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْبَلَدِ إلَّا أَنْ يُقِيمَا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ. نَظِيرُهُ: قَالَ الْمُودِعُ دَفَعْتهَا إلَيْك بِمَكَّةَ وَأَقَامَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي ادَّعَى فِيهِ الدَّفْعَ بِمَكَّةَ بِالْكُوفَةِ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ. أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاجُّ مَدْيُونًا لِلْمَيِّتِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ بِمَالِهِ الَّذِي عَلَيْهِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ الدَّيْنِ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: الْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ مُطَالِبٌ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ غَرِيمِ الْمَيِّتِ إلَّا بِالْحَجَّةِ.

وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: أَوْصَى رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَلَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ شَيْئًا وَالْوَصِيُّ إنْ أَعْطَى لِلْحَاجِّ فِي مَحْمَلٍ احْتَاجَ إلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ أَوْ رَاكِبًا لَا فِي مَحْمَلٍ يَكْفِيهِ الْأَقَلُّ وَالْأَكْثَرُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَجِبُ الْأَقَلُّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.

وَلَوْ مَرِضَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إلَى غَيْرِهِ لِيَحُجَّ بِهِ، إلَّا إذَا قَالَ لَهُ الدَّافِعُ اصْنَعْ مَا شِئْت: فَهَذِهِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا قَدَّمْنَاهَا أَمَامَ مَا فِي الْكِتَابِ تَتْمِيمًا أَوْ تَكْمِيلًا لِفَائِدَتِهِ.

وَلْنَرْجِعْ إلَى الشَّرْحِ (قَوْلُهُ وَمَنْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ إلَخْ) صُوَرُ الْإِبْهَامِ هُنَا أَرْبَعَةٌ: أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ. أَوْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ، أَوْ يُحْرِمَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِلَا تَعْيِينٍ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ. فَفِي الْأُولَى قَالَ هِيَ عَنْ الْحَاجِّ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ. وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ إنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْأَعْمَالِ فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَنْصَرِفْ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ وَلَا إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْآمِرِينَ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ انْصَرَفَ إلَيْهِ وَإِلَّا انْصَرَفَ إلَى نَفْسِهِ وَضَمِنَ النَّفَقَةَ. وَفِي الثَّالِثَةِ قَالَ فِي الْكَافِي: لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ
(3/149)

لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ الْحَاجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ الْحَجَّ لَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا فَيَبْقَى عَلَى خِيَارِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ سَبَبًا لِثَوَابِهِ، وَهُنَا يَفْعَلُ بِحُكْمِ الْآمِرِ، وَقَدْ خَالَفَ أَمْرَهُمَا فَيَقَعُ عَنْهُ.
وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا لِأَنَّهُ صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى حَجِّ نَفْسِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ. وَفِي الرَّابِعَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ. وَمَبْنَى الْأَجْوِبَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْس الْمَأْمُورِ لَا يَتَحَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ، وَأَنَّهُ بَعْدَمَا صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى نَفْسِهِ ذَاهِبًا إلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ النَّفَقَةَ لَهُ لَا يَنْصَرِفُ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي تَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ عَنْهُمَا وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْإِطْنَابِ.
وَمَا يَتَخَايَلُ مَنْ جَعَلَ الْحَجَّةَ الْوَاحِدَةَ عَنْ أَبَوَيْهِ مُضْمَحِلٌّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِفِعْلٍ بِحُكْمِ الْآمِرِ عَلَى وَزَّانِهِ لَا فِيمَا إذَا حَجَّ مُتَبَرِّعًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي تَرْكِهِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ فَيُحْتَمَلُ التَّعْيِينُ فِي الِانْتِهَاءِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ جَعْلُ الثَّوَابِ وَنَقُولُ: لَوْ أَمَرَهُ كُلٌّ
(3/150)

وَإِنْ أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ بِأَنْ نَوَى عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْمُضِيِّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّعْيِينِ، وَالْإِبْهَامُ يُخَالِفُهُ فَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً حَيْثُ كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا شَاءَ لِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ هُنَاكَ مَجْهُولٌ وَهَاهُنَا الْمَجْهُولُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِحْرَامَ شُرِعَ وَسِيلَةً إلَى الْأَفْعَالِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ. وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ فَاكْتَفَى بِهِ شَرْطًا، بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّى الْأَفْعَالَ عَلَى الْإِبْهَامِ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى لَا يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ فَصَارَ مُخَالِفًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَأَحْرَمَ بِهَا عَنْهُمَا كَانَ الْجَوَابُ كَالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّ مُخَالَفَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَنْ أَحَدِهِمَا لَمْ تَتَحَقَّقْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِحَجَّةٍ وَأَحَدُهُمَا صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَصِيرَ لِلْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ فَلَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وَجَدَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ لِأَنَّ مَعَهُ مُكْنَةَ التَّعْيِينِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْأَعْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى شَرَعَ وَطَافَ وَلَوْ شَوْطًا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَقَعُ عَنْهُ ثُمَّ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الشَّرْعُ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ وَلَوْلَا السَّمْعُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ فِي الثَّوَابِ أَيْضًا. وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ إحْرَامَهُ بِحَجَّةٍ بِلَا زِيَادَةٍ لَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ أَحَدٍ وَلَا تَعَذُّرُ التَّعْيِينِ وَلَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَأَظْهَرُ مِنْ الْكُلِّ. وَلَوْ أَمَرَهُ رَجُلٌ بِحَجَّةٍ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ الْآمِرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَضَمُّنِ الْإِذْنِ بِالْحَجِّ مَعَ كَوْنِ نَفَقَةِ السَّفَرِ هِيَ الْمُحَقِّقَةُ لِلصِّحَّةِ إفْرَادَ السَّفَر لِلْآمِرِ، فَلَوْ رَفَضَ الَّتِي عَنْ نَفْسِهِ جَازَتْ الْبَاقِيَةُ عَنْ الْآمِرِ كَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا وَحْدَهَا ابْتِدَاءً، إذْ لَا إخْلَالَ فِي ذَلِكَ الْمَقْصُودِ بِالرَّفْضِ. وَالْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ شَاءَ قَالَ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ عَنْهُ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَسَنُقَرِّرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَجُوزُ إحْجَاجُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ. وَفِي الْأَصْلِ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْمَرْأَةِ. فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ أَحَجَّ امْرَأَتَهُ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ حَجَّ الْمَرْأَةِ أَنْقَصُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا رَمَلٌ وَلَا سَعْيٌ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَلَا رَفْعُ صَوْتِ التَّلْبِيَةِ وَلَا الْحَلْقُ اهـ.
وَالْأَفْضَلُ إحْجَاجُ الْحُرِّ الْعَالِمِ بِالْمَنَاسِكِ الَّذِي حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ كَرَاهَةَ إحْجَاجِ الصَّرُورَةِ لِأَنَّهُ تَارِكٌ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعَبْدُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَنْ نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِمَا أُمِرَ بِهِ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الدَّفْعِ قِيلَ لَهُ اصْنَعْ مَا شِئْت فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَفِيهِ لَوْ أَحَجَّ رَجُلًا يَحُجُّ ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ جَازَ لِأَنَّ الْفَرْضَ صَارَ مُؤَدًّى، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعُودَ إلَيْهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً) هَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صُوَرِ الْإِبْهَامِ تَوَهَّمَهَا وَارِدَةً عَلَيْهِ فَدَفَعَ الْإِيرَادَ بِالْفَرْقِ لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ فِيهَا مَجْهُولٌ دُونَ الْمُلْتَزَمِ لَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ قَلْبُهُ.
وَجَهَالَةُ الْمُلْتَزِمِ لَا تَمْنَعُ لِمَا عُرِفَ فِي الْإِقْرَارِ بِمَجْهُولٍ لِمَعْلُومٍ
(3/151)

قَالَ (فَإِنْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرُنَ عَنْهُ فَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ) لِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِمَا وَفَقَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ

(وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَالْآخَرُ بِأَنْ يَعْتَمِرَ عَنْهُ وَأَذِنَا لَهُ بِالْقِرَانِ) فَالدَّمُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَيْثُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ، بِخِلَافِهِ بِمَعْلُومٍ لِمَجْهُولٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا

(قَوْلُهُ وَإِنْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ أَنْ يَقْرُنَ عَنْهُ فَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ) وَهُوَ الْمَأْمُورُ لَا فِي مَالِ الْآمِرِ. وَقَرَنَ يَقْرُنُ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ (لِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ) وَإِنَّمَا لِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ يَسْقُطُ بِهِ الْحَجُّ عَنْ الْآمِرِ شَرْعًا.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَلْزَمُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَفْعَالَ إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْ الْمَأْمُورِ حَقِيقَةً غَيْرَ أَنَّهَا تَقَعُ عَنْ الْآمِرِ شَرْعًا. وَوُجُوبُ هَذَا الدَّمِ شُكْرًا مُسَبَّبٌ عَنْ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، وَلِأَنَّ مُوجِبَ هَذَا الْفِعْلِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ مِنْ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ غَيْرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَجِبُ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَأَحَدُهُمَا بِتَقْدِيرِهِ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَهُوَ الصَّوْمُ فَكَذَا الْآخَرُ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مُوجِبٌ وَاحِدٌ لِهَذَا الْعَمَلِ

(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْهُ وَأَذِنَا لَهُ فِي الْقِرَانِ) يَعْنِي يَكُونُ الدَّمُ فِي مَالِهِ (لِمَا قُلْنَا) وَقَيَّدَ بِإِذْنِهِمَا لَهُ بِالْقِرَانِ لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنَا لَهُ فَقَرَنَ عَنْهَا كَانَ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ نَفَقَتَهُمَا، لَا لِأَنَّ إفْرَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَانِهِمَا بَلْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الْآمِرِ بِالنُّسُكِ يَتَضَمَّنُ إفْرَادَ السَّفَرِ لَهُ بِهِ لِمَكَانِ النَّفَقَةِ أَعْنِي تَضَمُّنَ الْأَمْرِ بِإِنْفَاقِ مَالِهِ فِي جَمِيعِ سَفَرِهِ وَيَسْتَلْزِمُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَفِي الْقِرَانِ عَدَمُ إفْرَادِ السَّفَرِ فَقَلَّتْ النَّفَقَةُ وَنَقَصَ الثَّوَابُ فَكَانَ مُخَالِفًا،
(3/152)

(وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَى الْحَاجِّ) لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلتَّحَلُّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
هَذَا وَلَوْ كَانَ وَاحِدٌ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ عَنْهُ ضَمِنَ النَّفَقَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، لَهُمَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ، فَقَدْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ أَحْسَنَ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا، كَالْوَكِيلِ إذَا بَاعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ لِسَفَرٍ مُفْرَدٍ لِلْحَجِّ وَقَدْ خَالَفَ فَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَنْدَفِعْ بَعْدَ هَذَا قَوْلُهُمَا أَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ فَكَانَ صَحِيحًا إذْ يَثْبُتُ الْإِذْنُ دَلَالَةً، بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ فَإِنَّ السَّفَرَ وَقَعَ لِلْعُمْرَةِ بِالذَّاتِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَجِّ تَضَمَّنَ السَّفَرُ لَهُ وُقُوعَ إحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَالْمُتَمَتِّعُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ.
وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ لَمْ تَقَعْ عَنْ الْآمِرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهَا وَلَا وِلَايَةَ لِلْحَاجِّ فِي إيقَاعِ نُسُكٍ عَنْهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْمُرْ بِشَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَدَاؤُهُ عَنْهُ، فَكَذَا إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْعُمْرَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْعُمْرَةُ عَنْ الْمَيِّتِ صَارَتْ عَنْ نَفْسِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً، وَبِمِثْلِهِ امْتَنَعَ التَّمَتُّعُ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمَا إذَا أَمَرَهُ بِعُمْرَةٍ فَقَرَنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَيْضًا عِنْدَهُ كَالْحَجِّ إذَا قَرَنَ عِنْدَهُ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا فَكَذَا هَذَا.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ وَإِنْ نَوَى الْعُمْرَةَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا، وَلَكِنْ يَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الْحَجِّ عَنْهُ بِجَمِيعِ النَّفَقَةِ، فَإِذَا ضَمَّ إلَيْهِ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ بِبَعْضِ النَّفَقَةِ وَهُوَ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ كَالْوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ إذَا اشْتَرَاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَجْرِيدِ السَّفَرِ لِلْمَيِّتِ ثَمَّ، وَيَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ فَبِتَنْقِيصِهَا يَنْقُصُ الثَّوَابُ بِقَدْرِهِ، فَكَانَ هَذَا الْخِلَافُ ضَرَرًا عَلَيْهِ، وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِعُمْرَةٍ لِنَفْسِهِ يَضْمَنُ لِلْمُخَالَفَةِ وَلَا تَقَعُ الْحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَلَوْ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْحَجِّ، فَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِعُمْرَةٍ فَقَرَنَ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، إلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا بَقِيَّةَ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ تَكُونُ نَفَقَتُهُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ.
وَلَوْ اعْتَمَرَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ بِالسَّفَرِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَجَّ فَاشْتِغَالُهُ بِهِ كَاشْتِغَالِهِ بِعَمَلٍ آخَرَ مِنْ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا وَنَفَقَتُهُ مِقْدَارُ مَقَامِهِ لِلْحَجِّ مِنْ مَالِهِ.
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا حَجَّ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَطَافَ لِحَجَّةٍ وَسَعَى ثُمَّ أَضَافَ عُمْرَةً عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةُ الرَّفْضِ فَكَانَتْ كَعَدَمِهَا، وَلَوْ كَانَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا: أَيْ قَرَنَ ثُمَّ لَمْ يَطُفْ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَرَفَضَ الْعُمْرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَدْ صَارَ مُخَالِفًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَوَقَعَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا تَحْتَمِلُ النَّفَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْضِ الْعُمْرَةِ

(قَوْلُهُ وَدَمُ الْإِحْصَارِ إلَخْ) الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْحَجِّ إمَّا دَمُ الْإِحْصَارِ وَهُوَ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى
(3/153)

دَفْعًا لِضَرَرِ امْتِدَادِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ الدَّمُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْآمِرَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ (فَإِنْ كَانَ يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ فَأُحْصِرَ فَالدَّمُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ) عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ صِلَةٌ كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ فَصَارَ دَيْنًا (وَدَمُ الْجِمَاعِ عَلَى الْحَاجِّ) لِأَنَّهُ دَمُ جِنَايَةٍ وَهُوَ الْجَانِي عَنْ اخْتِيَارٍ (وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ) مَعْنَاهُ: إذَا جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ حَتَّى فَسَدَ حَجُّهُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِأَنَّهُ مَا فَاتَهُ بِاخْتِيَارِهِ.
أَمَّا إذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الْأَمْرِ.
وَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي مَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ عَلَى الْحَاجِّ لِمَا قُلْنَا

(وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا فَلَمَّا بَلَغَ الْكُوفَةَ مَاتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَأْمُورِ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ مَيِّتًا فَفِي مَالِهِ عِنْدَهُمَا. ثُمَّ هَلْ هُوَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ كُلِّ الْمَالِ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَتَقْرِيرُ الْوَجْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ فَلَا نُطِيلُ بِهِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ وَإِمَّا دَمُ الْقِرَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، قَالُوا: هَذَا وَدَمُ الْقِرَانِ يَشْهَدَانِ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي دَمِ الْقِرَانِ. وَأَمَّا كَوْنُ حَجِّ الْقَضَاءِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْأَفْعَالَ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مَا هُوَ مُسَمَّى الْحَجِّ عَنْهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَإِمَّا دَمُ الْجِنَايَةِ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَطِيبٍ وَشَعْرٍ وَجِمَاعٍ فَفِي مَالِ الْحَاجِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي عَنْ اخْتِيَارٍ، وَالْأَمْرُ بِالْحَجِّ لَا يَنْتَظِمُ الْجِنَايَةَ بَلْ يَنْتَظِمُ ظَاهِرًا عَدَمَهَا فَيَكُونُ مُخَالِفًا فِي فِعْلِهَا فَيَثْبُتُ مُوجِبُهَا فِي مَالِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْجِمَاعُ قَبْلَ الْوُقُوفِ حَتَّى فَسَدَ الْحَاجُّ ضَمِنَ النَّفَقَةَ لِلْمُخَالَفَةِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا يَشْكُلُ كَوْنُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَا يَفْسُدُ وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ فَهُوَ كَالْمُحْصَرِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ.
وَلَوْ أَتَمَّ الْحَجَّ إلَّا طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَرَجَعَ وَلَمْ يَطُفْهُ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَيَعُودُ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ لِيَقْضِيَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَانٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، أَمَّا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ عَنْ الْآمِرِ لِأَنَّهُ أَدَّى الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ، وَإِمَّا دَمُ رَفْضِ النُّسُكِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ إلَّا فِي مَالِ الْحَاجِّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَوْ فَرَضَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا فَفَعَلَ حَتَّى ارْتُفِضَتْ إحْدَاهُمَا كَوْنُهُ عَلَى الْآمِرِ وَلَمْ أَرَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ إلَخْ) لَا خِلَافَ أَنَّ
(3/154)

أَوْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ وَقَدْ أَنْفَقَ النِّصْفَ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ الْأَوَّلُ) فَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي اعْتِبَارِ الثُّلُثِ وَفِي مَكَانِ الْحَجِّ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ اعْتِبَارًا بِتَعْيِينِ الْمُوصِي إذْ تَعْيِينُ الْوَصِيِّ كَتَعْيِينِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحُجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَحَلُّ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِسْمَةَ الْوَصِيِّ وَعَزْلَهُ الْمَالَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوصِي لِأَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ لِيَقْبِضَ وَلَمْ يُوجَدْ التَّسْلِيمُ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْإِفْرَازِ وَالْعَزْلِ فَيَحُجُّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إطْلَاقَ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ إذَا كَانَ الثُّلُثَ يَحْتَمِلُ الْإِحْجَاجَ مِنْ بَلَدِهِ رَاكِبًا وَلَمْ يَكُنْ الْمُوصِي حَاجًّا عَنْ نَفْسِهِ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَكَانَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، أَوْ مَكَانًا آخَرَ يُوجِبُ تَعْيِينَ الْبَلَدِ وَالرُّكُوبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مُقَدِّمَةِ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ الْمَأْمُورُ مَاشِيًا وَأَمْسَكَ مَئُونَةَ الْكِرَاءِ لِنَفْسِهِ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الثُّلُثُ لَا يَبْلُغُ إلَّا مَاشِيًا فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا أَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ مَاشِيًا جَازَ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَجْزِيهِ وَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَحَجُّوا عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ مَاشِيًا جَازَ، وَمِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ رَاكِبًا جَازَ، لِأَنَّ فِي كُلٍّ نَقْصًا مِنْ وَجْهِ زِيَادَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَاعْتَدَلَا؛ وَلَوْ أَحَجُّوا مِنْ مَوْضِعٍ يَبْلُغُ وَفَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَبْلُغُ رَاكِبًا مِنْ مَوْضِعٍ أَبْعَدَ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ وَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ إلَّا إذَا كَانَ الْفَاضِلُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ زَادٍ وَكِسْوَةٍ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
هَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ كَمِّيَّةً، فَإِنْ عَيَّنَ بِأَنْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ أَوْ بِثُلُثِ مَالِي، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ بَلَدِهِ جَاءَ مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ بَلَغَ وَاحِدَةً لَزِمَتْ وَإِنْ بَلَغَ حِجَجًا كَثِيرَةً. فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْأَلْفِ فَذَكَرَهَا فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ: الْوَصِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَ عَنْهُ كُلَّ سَنَةٍ حَجَّةً وَإِنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ رِجَالًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَجِّ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ كَالْوَصِيَّةِ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْوَصِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ بَعُدَ مِنْ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَلَاكِ الْمَالِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الثُّلُثِ فَذَكَرَهَا فِي الْبَدَائِعِ، وَذَكَرَ الْجَوَابَ عَلَى نَحْوِ مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ نَقْلًا عَنْ الْقُدُورِيِّ، إلَّا أَنَّهُ حَكَى فِيهَا خِلَافًا؛ فَقِيلَ: إنَّ الْقَاضِيَ: يَعْنِي الْإِسْبِيجَابِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةً وَاحِدَةً مِنْ وَطَنِهِ وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، إلَّا إذَا قَالَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ.
قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ أَثْبَتُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ وَبِالثُّلُثِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِجَمِيعِ السَّهْمِ، وَذَكَرَهَا فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا وَأَجَابَ بِصَرْفِهِ إلَى الْحَجِّ إذَا لَمْ يَقُلْ حَجَّةً، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا، قَالَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الثُّلُثَ مَصْرُوفًا إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقُرْبَةِ فَيَجِبُ
(3/155)

وَأَمَّا الثَّانِي فَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ السَّفَرِ قَدْ بَطَلَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» الْحَدِيثَ، وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَبَقِيَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ وَطَنِهِ كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ سَفَرَهُ لَمْ يَبْطُلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 100] الْآيَةَ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كُتِبَ لَهُ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ» وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ سَفَرُهُ اُعْتُبِرَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ فِي جَمِيعِ الثُّلُثِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَفْعَلَ بِثُلُثِهِ طَاعَةً أُخْرَى، وَلَوْ ضَمَّ إلَى الْحَجِّ غَيْرَهُ وَالثُّلُثُ يَضِيقُ عَنْ الْجَمِيعِ، إنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً بُدِئَ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصِي كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ لِأَنَّ فِيهَا حَقَّيْنِ. وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ يُقَدَّمَانِ عَلَى الْكَفَّارَاتِ، وَالْكَفَّارَاتُ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَهِيَ عَلَى النَّذْرِ، وَهُوَ وَالْكَفَّارَاتُ عَلَى الْأُضْحِيَّةَ، وَالْوَاجِبُ عَلَى النَّفْلِ، وَالنَّوَافِلُ يُقَدَّمُ مِنْهَا مَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ. وَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ عَنْ كَفَّارَةٍ حُكْمُ النَّفْلِ وَالْوَصِيَّةُ لِآدَمِيٍّ كَالْفَرَائِضِ: أَعْنِي الْمُعَيَّنَ.
فَإِنْ قَالَ لِلْمَسَاكِينِ فَهُوَ كَالنَّفْلِ. وَمِنْ الصُّوَرِ الْمَنْقُولَةِ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْفَرْضِ وَعِتْقِ نَسَمَةٍ وَلَا يَسَعُهُمَا الثُّلُثُ يَبْدَأُ بِالْحَجَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى بِالْحَجَّةِ وَلِأُنَاسٍ وَلَا يَسَعُهُمَا الثُّلُثُ قَسَمَ الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ يَضْرِبُ لِلْحَجِّ بِأَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَجِّ ثُمَّ مَا خَصَّ الْحَجَّ يَحُجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمْكِنُ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ وَلِلْمَسَاكِينِ بِأَلْفٍ وَأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ وَثُلُثُهُ أَلْفَانِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى حِصَّةِ الْمَسَاكِينِ فَيُضَافُ إلَى الْحَجَّةِ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ بَعْدَ تَكْمِيلِ الْحَجِّ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَطَوُّعٌ وَالْحَجَّ فَرْضٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ زَكَاةً فَيَتَحَاصَصُونَ فِي الثُّلُثِ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ، وَلَوْ أَوْصَى بِكَفَّارَةِ إفْسَادِ رَمَضَانَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ الْعِتْقُ وَلَمْ تَجُزْ الْوَرَثَةُ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
هَذَا وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَطَنِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَطَنٌ وَاحِدٌ أَوْ أَوْطَانٌ، فَإِنْ اتَّحَدَ تَعَيَّنَ. وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ فِي خُرَاسَانِيٍّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِمَكَّةَ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ خُرَاسَانَ، وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي مَكِّيٍّ قَدِمَ إلَى
(3/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الرَّيِّ فَحَضَرَهُ الْمَوْتُ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ.
أَمَّا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَقْرُنَ عَنْهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْرُنُ عَنْهُ مِنْ الرَّيِّ لِأَنَّهُ لَا قِرَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فَيَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَوْطَانٌ فِي بُلْدَانٍ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِهَا إلَى مَكَّةَ، وَلَوْ عَيَّنَ مَكَانًا جَازَ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إذَا عَيَّنَ مَكَانًا مَاتَ فِيهِ، فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ مَكَانَ مَوْتِهِ وَقَدْ مَاتَ فِي سَفَرٍ، إنْ كَانَ سَفَرَ الْحَجِّ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الَّذِي يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ: يَعْنِي إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَأَطْلَقَ يَلْزَمُ الْحَجَّ مِنْ بَلَدِهِ عِنْدَهُ إلَّا إنْ عَجَزَ الثُّلُثَ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ.
وَلَوْ كَانَ سَفَرَ تِجَارَةٍ حَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ تَعَيُّنَ مَكَانِ مَوْتِهِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ عِنْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ عِبَادَةُ سَفَرِهِ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَحَلِّ مَوْتِهِ، فَبِالسَّفَرِ مِنْهُ يَتَحَقَّقُ سَفَرُ الْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ، وَلَا عِبَادَةَ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ لِيَعْتَبِرَ الْبَعْضَ الَّذِي قَطَعَ عِبَادَةً مَعَ الْبَعْضِ الَّذِي بَقِيَ فَيَجِبُ إنْشَاءُ السَّفَرِ مِنْ الْبَلَدِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ. فَإِنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ الْعَادَةُ أَيْضًا أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ مِنْ بَلَدِهِ مُجَهَّزًا فَيَنْصَرِفَ الْمُطْلَقُ إلَيْهِ وَلِهَذَا وَافَقَا أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْحَاجِّ الَّذِي مَاتَ فِي الطَّرِيقِ فِيمَا لَوْ أَقَامَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فِي طَرِيقِهِ حَتَّى تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ ثُمَّ مَاتَ فَأَوْصَى مُطْلَقًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّفَرَ لَمَّا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْحَجَّةُ الَّتِي خَرَجَ لَهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ عَنْ الْحَجِّ إذَا حَصَلْنَا عَلَى هَذَا، فَلَوْ أَوْصَى عَلَى وَجْهٍ انْصَرَفَتْ إلَى بَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَالًا فَفَعَلَ الْوَاجِبَ فَأَحَجُّوا مِنْهَا وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَقَدْ أَنْفَقَ بَعْضَهَا أَوْ سُرِقَتْ كُلُّهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحُجُّ عَنْهُ ثَانِيًا مِنْ بَلَدِهِ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ. وَقَالَا: مِنْ حَيْثُ مَاتَ.
وَأَمَّا فِي جَانِبِ الْمَالِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَنْظُرُ إنْ بَقِيَ مِنْ الْمَدْفُوعِ شَيْءٌ حَجَّ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ. إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ تَمَامَ الثُّلُثِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضَهُ يُكَمَّلُ، فَإِنْ بَلَغَ بَاقِيهِ مَا يَحُجُّ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مَا يَبْلُغُ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ، مَثَلًا: كَانَ الْمُخَلَّفُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ دَفَعَ الْوَصِيُّ أَلْفًا فَهَلَكَتْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي أَوْ كُلِّهِ وَهُوَ أَلْفٌ، فَلَوْ هَلَكَتْ الثَّانِيَةُ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَهَا هَكَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى مَا ثُلُثُهُ يَبْلُغُ الْحَجَّ فَتَبْطُلُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَأْخُذُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَإِنَّهَا مَعَ تِلْكَ الْأَلْفِ ثُلُثُ الْأَرْبَعَةِ الْآلَافِ، فَإِنْ كَفَتْ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: إنْ فَضَلَ مِنْ الْأَلْفِ الْأُولَى مَا يَبْلُغُ وَإِلَّا بَطَلَتْ. فَالْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيمَا يَدْفَعُ ثَانِيًا وَفِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ الْإِحْجَاجُ مِنْهُ ثَانِيًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ تَعْيِينَ الْوَصِيِّ كَتَعْيِينِ الْمُوصِي، وَلَوْ عَيَّنَ الْمُوصِي مَالًا فَهَلَكَتْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، فَكَذَا إذَا عَيَّنَ الْوَصِيُّ.
وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ فَتَعْيِينُ الْوَصِيِّ إيَّاهُ صَحِيحٌ وَتَعْيِينُهُ
(3/157)

يَحُجُّ بِنَفْسِهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ.

قَالَ (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ يَجْزِيهِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَجْعَلُ ثَوَابَ حَجِّهِ لَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجِّ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَصَحَّ جَعْلُهُ ثَوَابَهُ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْأَدَاءِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ عَلَى مَا فَرَّقْنَا مِنْ قَبْلُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ جَمِيعَ الثُّلُثِ مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ، فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ يَجِبُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيهِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْمَالُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِلْمُوصِي بَلْ مَقْصُودُهُ الْحَجُّ بِهِ. فَإِذَا لَمْ يُفِدْ هَذَا التَّعْيِينُ هَذَا الْمَقْصُودَ صَارَ كَعَدَمِهِ، وَمَا هَلَكَ مِنْ الْمَالِ كَانَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ هَذَا الْإِفْرَازِ وَالْوَصِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَعْدُ بِالْإِحْجَاجِ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى ثُلُثِ الْبَاقِي إذَا صَارَ الْهَالِكُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ فَيَكُونُ مَحَلُّهَا ثُلُثَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ هَلْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا فَقَالَا لَا وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَقَالَ نَعَمْ وَهُوَ قِيَاسٌ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ أَوْجَهُ وَهُمَا هُنَا أَوْجَهُ. لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ. صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَلَهُمَا فِي أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْحَاجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُعْتَمِرِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْغَازِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ.
رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَبَقِيَّةُ رُوَاتِهِ ثِقَاتٌ. وَأَنْتَ قَدْ أَسْمَعْنَاك أَنَّ الْحَقَّ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ ثِقَةٌ أَيْضًا. ثُمَّ مَا رَوَاهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الْعَمَلِ وَالْكَلَامُ فِي بُطْلَانِ الْقَدْرِ الَّذِي وُجِدَ فِي حُكْمِ الْعِبَادَةِ وَالثَّوَابِ وَهُوَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ لَازِمِهِ، لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْعَمَلِ لِفَقْدِ الْعَامِلِ لَا يَسْتَلْزِمُ مَا كَانَ قَدْ وُجِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] فِيمَا كَانَ مُعْتَدًّا بِهِ حِينَ وُجِدَ ثُمَّ طَرَأَ الْمَنْعُ مِنْهُ.
وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالِانْقِطَاعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ هُنَا كَمَنْ صَامَ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ حَضَرَهُ الْمَوْتُ يَجِبُ أَنْ يُوصِيَ بِفِدْيَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ إمْسَاكِ ذَلِكَ الْيَوْم بَاقِيًا.

[فَرْعٌ]
مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَتَرَكَ تِسْعَمِائَةٍ فَأَنْكَرَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَاعْتَرَفَ الْآخَرُ فَدَفَعَ مِنْ حِصَّتِهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ لِمَنْ يَحُجُّ بِهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ حَجَّ بِأَمْرِ الْوَصِيِّ يَأْخُذُ الْمُقِرُّ مِنْ الْجَاحِدِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ لِأَنَّهُ جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَبَقِيَتْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِيرَاثًا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَجَّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَصِيِّ يَحُجُّ مَرَّةً أُخْرَى بِثَلَاثِمِائَةٍ

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ أَبَوَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا) فَاسْتَفَدْنَا أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو بِسَبَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابَ وَتَرَتُّبُهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ قَبْلَهُ فَيَصِحُّ جَعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَنَفِّلًا عَنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَجُّ الْفَرْضِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ أَوْصَى بِهِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُوَرِّثِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ بِالْإِحْجَاجِ أَوْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. يَجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الْحَدِيثَ، شَبَّهَهُ بِدَيْنِ الْعِبَادِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى الْوَارِثُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ يَجْزِيهِ
(3/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَكَذَا هَذَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تَبَرُّعَ الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا قَيَّدَ الْجَوَابَ بِالْمَشِيئَةِ بَعْدَمَا صَحَّ الْحَدِيثُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ بَلْ الظَّنَّ، فَمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي طَرِيقُهَا الْعَمَلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِيهِ لِأَنَّ الظَّنَّ طَرِيقُهُ فَقَدْ تَطَابَقَا، وَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ بِأَدَاءِ الْوَرَثَةِ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْقَطْعِ بِشَغْلِ الذِّمَّةِ بِهِ فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْوَلَدِ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ جِدًّا لِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَقَدْ قُضِيَ عَنْهُ حَجَّتُهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقَبِّلَ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» هَذَا وَقَدْ سَبَقَ الْوَعْدُ بِتَقْرِيرِ مَسْأَلَةِ حَجِّ الصَّرُورَةِ عَنْ الْغَيْرِ.
وَالصَّرُورَةُ يُرَادُ بِهِ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ. وَعَنْ هَذَا لَمْ يُجَوِّزْ الشَّافِعِيُّ النَّفَلَ لِلصَّرُورَةِ. قُلْنَا: هَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرَبٌ فِي وَقْفِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَفْعِهِ، وَالرُّوَاةُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، فَرَفَعَهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدَةُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدٍ، وَوَقَفَهُ غُنْدَرٌ عَنْ سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي تَعَارُضِ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ تُقْبَلُ مِنْ الثِّقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ مُجَرَّدٍ عَنْ قِصَّةٍ وَاقِعَةٍ فِي الْوُجُودِ رَوَاهُ وَاحِدٌ عَنْ الصَّحَابِيِّ يَرْفَعُهُ وَآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا يَتَقَدَّمُ فِيهِ الرَّفْعُ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ ابْتِدَاءً عَلَى وَجْهِ إعْطَاءِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ جَوَابًا لِسُؤَالٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنُ مَا ذَكَرَهُ مَأْثُورًا عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أَمَّا فِي مِثْلِ هَذِهِ وَهِيَ حِكَايَةُ قِصَّةٍ: هِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ مَنْ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ لَهُ مَا قَالَ، أَوْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - سَمِعَ مَنْ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَهُوَ حَقِيقَةُ التَّعَارُضِ فِي شَيْءٍ وَقَعَ فِي الْوُجُودِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ أَوْ فِي زَمَنٍ آخَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ، وَتَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ وَقَعَ بِحَضْرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمَاعُهُ رَجُلًا آخَرَ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ لَهُ مَنْ شُبْرُمَةُ؟ فَقَالَ أَخٌ أَوْ قَرِيبٌ يُعَيِّنُ ذَلِكَ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ عَقْلًا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا فِي الْعَادَةِ فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ حُكْمُ التَّعَارُضِ الثَّابِتِ ظَاهِرًا طَالِبًا لِحُكْمِهِ فَيَتَهَاتَرَانِ.
أَوْ يُرَجَّحُ وُقُوعُهُ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْحَجِّ كَانَتْ خَفِيَّةً فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَتَّى وَقَعَ الْخَطَأُ فِي تَرْتِيبِ أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا «فَقَالَ رَجُلٌ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ» وَكَثِيرٌ، وَإِنَّمَا تَرَكُوا السُّؤَالَ ابْتِدَاءً ظَنًّا مِنْهُمْ بِأَنْ لَا تَرْتِيبَ مُعَيَّنًا فِي هَذِهِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ أَرْكَانًا لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ عَنْهُ
(3/159)

بَابُ الْهَدْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالطَّوَافُ بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خِلَافُ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فَزِعُوا إلَى السُّؤَالِ فَعَذَرَهُمْ بِالْجَهْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَأَمَّا حَجُّ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ فَأَمْرٌ يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ إذَا خَلَّى وَالنَّظَرُ فِي مَقْصُودِ التَّكَالِيفِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ فَلَمْ يَكُنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِلَا سُؤَالٍ، ثُمَّ يَتَّفِقُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِالْحُكْمِ، بِخِلَافِهِ فِي زَمَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ الْأَحْكَامُ وَعَرَفَ جَوَازَ النِّيَابَةِ بِاشْتِهَارِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَغَيْرِهِ بِعِلْمِ النَّاسِ لَهُ وَصَحَّ تَكْرَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مَظِنَّةُ أَنْ يَعْلَمَ أَصْلَ جَوَازِ النِّيَابَةِ فَيَفْعَلَ بِلَا سُؤَالٍ فَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَأْيًا مِنْهُ وَلِأَنَّ ابْنَ الْمُفْلِسِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ كَانَ بِالْكُوفَةِ يُسْنِدُهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا يُفِيدُ اشْتِبَاهَ الْحَالِ عَلَى سَعِيدٍ وَقَدْ عَنْعَنَهُ قَتَادَةُ وَنُسِبَ إلَيْهِ تَدْلِيسٌ فَلَا تُقْبَلُ عَنْعَنَتُهُ، وَلَوْ سَلِمَ فَحَاصِلُهُ أُمِرَ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّدْبَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ وَهُوَ إطْلَاقُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
«قَوْلُهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارِهَا عَنْ حَجِّهَا لِنَفْسِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ الْخِطَابِ فَيُفِيدُ جَوَازَهُ عَنْ الْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَحَدِيثُ شُبْرُمَةَ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ حَجَّةِ نَفْسِهِ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَيُثْبِتُ أَوْلَوِيَّةَ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ مَعَ جَوَازِهِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ حَجَّ الصَّرُورَةِ عَنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالصِّحَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِأَنَّهُ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي أَوَّلِ سَنَى الْإِمْكَانِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا لَوْ تَنَفَّلَ لِنَفْسِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لَعَيْنِ الْحَجِّ الْمَفْعُولِ بَلْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ لَا يُدْرِكَ الْفَرْضَ، إذْ الْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ.
فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» عَلَى الْوُجُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الصِّحَّةَ وَيُحْمَلُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوَّلًا وَإِنْ لَمْ يَرْوِ لَنَا طَرِيقَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا: أَعْنِي دَلِيلَ التَّضْيِيقِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَحَدِيثِ شُبْرُمَةَ وَالْخَثْعَمِيَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْهَدْيِ]
(بَابُ الْهَدْيِ) هَذَا الْبَابُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَبْوَابُ السَّابِقَةُ، فَإِنَّ الْهَدْيَ إمَّا لِمُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ كَفَّارَةِ جِنَايَةٍ أُخْرَى، فَأَخَّرَهُ عَنْهَا لِأَنَّ مَعْرِفَةَ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَكَذَا الْبَاقِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ
(3/160)

(الْهَدْيُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْهَدْيِ فَقَالَ: أَدْنَاهُ شَاةٌ» قَالَ (وَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَعَلَ الشَّاةَ أَدْنَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْلَى وَهُوَ الْبَقَرُ وَالْجَزُورُ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ لِيُتَقَرَّبَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى

(وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا جَازَ فِي الضَّحَايَا) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ كَالْأُضْحِيَّةِ فَيَتَخَصَّصَانِ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ

(وَالشَّاةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: مَنْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا. وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إلَّا الْبَدَنَةُ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيمَا سَبَقَ

(وَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَّةَ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ وَحَسَا مِنْ الْمَرَقَةِ» وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الضَّحَايَا (وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا) لِأَنَّهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَالَاتٍ تَسْتَدْعِي سَبْقَ تَصَوُّرِهِ مَفْهُومَاتِ مُتَعَلِّقَاتِهَا وَتَصْدِيقَاتٍ بِبَعْضِ أَحْكَامٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) يُفِيدُ أَنَّ لَهُ أَعْلَى.
وَعِنْدَنَا أَفْضَلُهَا الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) هَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ كَلَامِ عَطَاءٍ، أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: أَدْنَى مَا يُهْرَاقُ مِنْ الدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ شَاةٌ. وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ بَابِ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ فَأَفْتَانِي بِهَا، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ الْحَدِيثَ فَخَاصٌّ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ

(قَوْلُهُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ) تَقَدَّمَ ثَالِثٌ، وَهُوَ مَا إذَا طَافَتْ امْرَأَةٌ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) يَعْنِي قَبْلَ الْحَلْقِ عَلَى مَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّ الْجِمَاعَ بَعْدَهُ فِيهِ شَاةٌ (قَوْلُهُ فِيمَا سَبَقَ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ.

وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ) يَعْنِي الْجِمَاعَ (أَعْلَى أَنْوَاعِ الارتفاقات) (قَوْلُهُ وَقَدْ صَحَّ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَكَلَ مِنْ الْكُلِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ» الْحَدِيثَ، فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَكَذَا أَزْوَاجُهُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَهَدْيُ الْقِرَانِ لَا يَسْتَغْرِقُ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا أَكَلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بَعْدَمَا صَارَ إلَى الْحَرَمِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْ بِأَنْ عَطِبَ أَوْ ذَبَحَهُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ تَتِمُّ الْقُرْبَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ، وَفِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَلْ بِالتَّصَدُّقِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَكَلَ لُقْمَةً ضَمِنَهُ كُلَّهُ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لُحُومِ الْهَدَايَا وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ أَعْطَى الْجَزَّارَ أَجْرَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ، وَحَيْثُمَا جَازَ الْأَكْلُ لِلْمُهْدِي جَازَ أَنْ يَأْكُلَ الْأَغْنِيَاءُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُرِفَ فِي الضَّحَايَا) وَهُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ
(3/161)

دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَبَعَثَ الْهَدَايَا عَلَى يَدَيْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ لَهُ: لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَرُفْقَتُكَ مِنْهَا شَيْئًا»

(وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ (وَفِي الْأَصْلِ يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِي التَّطَوُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا هَدَايَا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهَا إلَى الْحَرَمِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ جَازَ ذَبْحُهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي إرَاقَةِ الدَّمِ فِيهَا أَظْهَرُ، أَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّصَدُّقُ بَعْدَ الذَّبْحِ لِتَمَامِ الْقُرْبَةِ بِهِ. وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الدِّمَاءَ نَوْعَانِ: مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ الْأَكْلُ مِنْهُ وَهُوَ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ دَمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْإِحْصَارِ، وَكُلُّ دَمٍ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَبَطَلَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ بِالْأَكْلِ، وَكُلُّ دَمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْهَلَاكِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْفُقَرَاءِ لِتَعَدِّيهِ عَلَى حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ.
وَلَوْ بَاعَ اللَّحْمَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فِي النَّوْعَيْنِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ وَقَالَ لَهُ: إنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ «لَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا رُفْقَتُكَ» وَقَدْ أَسْنَدَ الْوَاقِدِيُّ فِي أَوَّلِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعْمَلَ عَلَى هَدْيِهِ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ بِهَا، قَالَ: وَكَانَتْ سَبْعِينَ بَدَنَةً، فَذَكَرَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: عَطِبَ مَعِي بَعِيرٌ مِنْ الْهَدْيِ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَبْوَاءِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: انْحَرْهَا وَاصْبُغْ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِكَ مِنْهَا شَيْئًا وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ»
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سِنَانِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا الْخُزَاعِيَّ أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ بِالْبُدْنِ مَعَهُ ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» وَأُعِلَّ بِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يُدْرِكْ سِنَانًا.
وَالْحَدِيثُ مُعَنْعَنٌ فِي مُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ، إلَّا أَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَ لَهُ شَوَاهِدَ وَلَمْ يُسَمِّ ذُؤَيْبًا بَلْ قَالَ إنَّ رَجُلًا، وَإِنَّمَا نَهَى نَاجِيَةَ وَمَنْ ذُكِرَ عَنْ الْأَكْلِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ. قَالَ شَارِحُ الْكَنْزِ: لَا دَلَالَةَ لِحَدِيثِ نَاجِيَةَ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ فِيمَا عَطِبَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ لَا اهـ.
وَقَدْ أَوْجَدْنَا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا ذُبِحَ فِي الطَّرِيقِ امْتِنَاعَ أَكْلِهِ مِنْهُ وَجَوَازَهُ بَلْ اسْتِحْبَابَهُ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ. وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَنَّهَا دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ يَسْتَقِلُّ بِالْمَطْلُوبِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ دَمَ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَهَدْيِ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَا يَجُوزُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ إلَّا فِيهَا، وَدَمُ الْإِحْصَارِ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قَبْلَهَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ أَمَّا دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا} [البقرة: 58] الْآيَةَ، إلَى قَوْلِهِ {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] قَدْ بَيَّنَّا فِي كَوْنِ وَقْتِ الطَّوَافِ وَقْتِ الذَّبْحِ مَا يُفِيدُ مِثْلُهُ وَجْهَ كَوْنِ وَقْتِ الذَّبْحِ وَقْتِ
(3/162)

وَقَضَاءُ التَّفَثِ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ اعْتِبَارًا بِدَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ دَمُ جَبْرٍ عِنْدَهُ.
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ دِمَاءُ كَفَّارَاتٍ فَلَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ كَانَ التَّعْجِيلُ بِهَا أَوْلَى لِارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ.

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا إلَّا فِي الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ هُوَ كَفَّارَةٌ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَكَان وَمَكَانُهُ الْحَرَمُ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ»

(وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قُرْبَةٌ مَعْقُولَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى كُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَضَاءِ التَّفَثِ فَارْجِعْ تَأَمَّلْهُ.
وَأَمَّا وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَنْفِيَ الْجَوَازَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يُفِيدُ كَوْنَهُ فِيهَا فَيَلْزَمُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَالْمُرَادُ الِاخْتِصَاصُ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَّا لَوْ ذَبَحَ بَعْدَهَا أَجْزَأَ إلَّا أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَاجِبِ وَقَبْلَهَا لَا يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا كَذَلِكَ فِي الْقِبْلِيَّةِ وَكَوْنُهُ فِيهَا هُوَ السُّنَّةُ، حَتَّى لَوْ ذَبَحَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ عَلَيْهِ دَمٌ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَإِطْلَاقُ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فِيهِ نَوْعُ إيهَامٍ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ ذَبْحُ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا) وَهِيَ هَدْيُ الْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ وَالْإِحْصَارِ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ فِي الْكِتَابِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا إلَّا فِي الْحَرَمِ) سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] فَكَانَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ وَجَبَ كَفَّارَةً، وَقَالَ تَعَالَى فِي دَمِ الْإِحْصَارِ {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] وَقَالَ فِي الْهَدَايَا مُطْلَقًا {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَكَان فَالْإِضَافَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْحَرَمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمِنًى.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِنًى، وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الدِّمَاءَ قِسْمَانِ
(3/163)

فَقِيرٍ قُرْبَةٌ.

قَالَ (وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِالْهَدَايَا) لِأَنَّ الْهَدْيَ يُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ إلَى مَكَان لِيَتَقَرَّبَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فِيهِ لَا عَنْ التَّعْرِيفِ فَلَا يَجِبُ، فَإِنْ عُرِفَ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ فَحَسَنٌ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَعَسَى أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُعَرِّفَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ بِخِلَافِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَسَبَبُهَا الْجِنَايَةُ فَيَلِيقُ بِهَا السَّتْرُ.

قَالَ (وَالْأَفْضَلُ فِي الْبُدْنِ النَّحْرُ وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ الْجَزُورُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] وَالذِّبْحُ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْإِبِلَ وَذَبَحَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ» ثُمَّ إنْ شَاءَ نَحَرَ الْإِبِلَ فِي الْهَدَايَا قِيَامًا وَأَضْجَعَهَا، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْحَرَهَا قِيَامًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْهَدَايَا قِيَامًا» ، وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَنْحَرُونَهَا قِيَامًا مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى، وَلَا يَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ قِيَامًا لِأَنَّ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ الْمَذْبَحَ أَبْيَنُ فَيَكُونُ الذَّبْحُ أَيْسَرَ وَالذَّبْحُ هُوَ السُّنَّةُ فِيهِمَا.

(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ إلَخْ) أَمَّا نَحْرُ الْإِبِلِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِيهِ «فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا ذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ «فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ» وَأَخْرَجَ السِّتَّةُ حَدِيثَ التَّضْحِيَةِ بِالْغَنَمِ بِمَا يُفِيدُ الذَّبْحَ. وَمِنْ قَرِيبٍ سَمِعْتُ حَدِيثَ «ذَبْحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْكَبْشَيْنِ الْأَمْلَحَيْنِ» .
وَأَمَّا أَنَّهُ نَحَرَ الْإِبِلَ قِيَامًا وَأَصْحَابُهُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَهِيَ بَارِكَةٌ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَنَحْنُ مَعَهُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعَ بَدَنَاتٍ قِيَامًا» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا» وَأُبْعِدَ مَنْ قَالَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ عَنْ جَابِرٍ وَإِنْ كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ مَرَّةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ كَمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ.
هَذَا وَإِنَّمَا سَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّحْرَ قِيَامًا عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] وَالْوُجُوبُ السُّقُوطُ، وَتَحَقُّقُهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَظْهَرُ قَالَ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ ذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَنَحَرَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ بِنَفْسِهِ، وَوَلَّى الْبَاقِيَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» ، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَالتَّوَلِّي فِي الْقُرُبَاتِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْخُشُوعِ، إلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَهْتَدِي لِذَلِكَ وَلَا يُحْسِنُهُ فَجَوَّزْنَا تَوْلِيَتَهُ غَيْرَهُ.

قَالَ (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ فَقَطْ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ بِالْهَدَايَا) سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالتَّعْرِيفِ الذَّهَابُ بِهَا إلَى عَرَفَاتٍ أَوْ التَّشْهِيرُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ.
وَقَوْلُهُ (فَعَسَى أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ) يُشِيرُ إلَى الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ (فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ) إلَى الثَّانِي

(قَوْلُهُ نَيِّفًا وَسِتِّينَ) ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَالنَّيْفُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثٍ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةً: نَحَرْت بَدَنَةً قَائِمَةً فَكِدْت أُهْلِكُ
(3/164)

وَخِطَامِهَا وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِنْهَا) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَبِخَطْمِهَا وَلَا تُعْطِ أَجْرَ الْجَزَّارِ مِنْهَا»

(وَمَنْ سَاقَ بَدَنَةً فَاضْطُرَّ إلَى رُكُوبِهَا رَكِبَهَا، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْكَبْهَا) لِأَنَّهُ جَعَلَهَا خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا إلَى نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رُكُوبِهَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا مُحْتَاجًا وَلَوْ رَكِبَهَا فَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ

(وَإِنْ كَانَ لَهَا لَبَنٌ لَمْ يَحْلُبْهَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهَا فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ (وَيُنْضِحُ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِد حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ) وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِئَامًا مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهَا نَفَرَتْ فَاعْتَقَدْتُ أَنْ لَا أَنْحَرَ الْإِبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بَارِكَةً مَعْقُولَةً وَأَسْتَعِينَ بِمَنْ هُوَ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي.
وَفِي الْأَصْلِ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَذْبَحَهُ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ ذَبَحَهُ جَازَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ» وَيَكْفِي عَنْ هَذَا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ ثُمَّ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ

(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَلِيٍّ) رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» وَفِي لَفْظٍ «وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِجُلُودِهَا وَجِلَالِهَا» وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ الْبُخَارِيُّ «وَنَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» وَفِي لَفْظٍ «وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجِلَالَهَا وَجُلُودَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» ، قَالَ السَّرَقُسْطِيُّ: جِزَارَتُهَا بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا فَبِالْكَسْرِ الْمَصْدَرُ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعُنُقِ، وَكَانَ الْجَزَّارُونَ يَأْخُذُونَهَا فِي أُجْرَتِهِمْ

(قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ارْكَبْهَا، قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: لَمْ نَرَ اسْمَ هَذَا الْمُبْهَمِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ؛ فَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِإِطْلَاقِ هَذَا الْأَمْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ مُجَانَبَةُ السَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي. وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَرْكَبْ هَدْيَهُ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَلَا أَمَرَ النَّاسَ بِرُكُوبِ هَدَايَاهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ هَذَا.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَا يَرْكَبُهَا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ حَمْلًا لِلْأَمْرِ الْمَذْكُورِ، عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَمَّا رَأَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَاجَةِ الرَّجُلِ إلَى ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ فَاحْتَمَلَ الْحَاجَةَ بِهِ وَاحْتَمَلَ عَدَمَهَا، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُفِيدُ أَحَدَهُمَا حَمَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ وَجَدَ مِنْ الْمَعْنَى مَا يُفِيدُهُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَهَا كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَيَجْعَلَ مَحْمَلَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ.
ثُمَّ رَأَيْنَا اشْتِرَاطَ الْحَاجَةِ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ «أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذْ أُلْجِئْتَ إلَيْهَا» فَالْمَعْنَى يُفِيدُ مَنْعَ الرُّكُوبِ مُطْلَقًا وَالسَّمْعُ وَرَدَ بِإِطْلَاقِهِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ رُخْصَةً فَيَبْقَى فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى الْمَنْعِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْمَعْنَى لَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ.
وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ: فَإِنْ رَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ: يَعْنِي إنْ نَقَصَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ

(قَوْلُهُ وَيُنْضِحُ ضَرْعَهَا) أَيْ يَرُشُّهُ بِالْمَاءِ وَهُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ
(3/165)

فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ يَحْلُبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِلَبَنِهَا كَيْ لَا يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ

(وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا فَعَطِبَ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) لِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ فَاتَ (وَإِنْ كَانَ عَنْ وَاجِبٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ (وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ كَبِيرٌ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ) لِأَنَّ الْمَعِيبَ بِمِثْلِهِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَيْرِهِ (وَصَنَعَ بِالْمَعِيبِ مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ

(وَإِذَا عَطِبَتْ الْبَدَنَةُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهَا وَصَبَغَ نَعْلَهَا بِدَمِهَا وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ) مِنْهَا بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلِ قِلَادَتُهَا، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذَا الْمَحَلِّ وَقَدْ فَاتَ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ لِمَ لَا يَكُونُ كَأُضْحِيَّةِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا تَطَوُّعٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَاهَا لِلتَّضْحِيَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِلْوَعْدِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْغَنِيِّ، حَتَّى إنَّ الْغَنِيَّ إذَا اشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَضَلَّتْ فَاشْتَرَى أُخْرَى ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا.
أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا أَوْجَبَ الْفَقِيرُ بِلِسَانِهِ فِي كُلٍّ مِنْ الشَّاتَيْنِ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا لِلْأُضْحِيَّةِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يُوجِبْ بِلِسَانِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَاسْتَوْضَحَهُ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَوْ اشْتَرَى الْفَقِيرُ الْأُضْحِيَّةَ فَمَاتَتْ أَوْ بَاعَهَا لَا تَلْزَمُهُ أُخْرَى، وَكَذَا لَوْ ضَلَّتْ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْإِيرَادِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَسْأَلَةَ أُضْحِيَّةِ الْفَقِيرِ مُطْلَقَةً عَنْ الْإِيجَابِ بِلِسَانِهِ فَرَدُّهَا إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ لَازِمٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى لِظُهُورِ عَدَمِ الْوُجُوبِ بِلَا إيجَابٍ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَدَنَةُ عَنْ وَاجِبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ شَاةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَبِشِرَاءِ شَاةٍ لِلْإِسْقَاطِ لَا تَتَعَيَّنُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ مَا لَمْ تُذْبَحْ عَنْهُ وَالذِّمَّةُ مَا عَنْهُ يُثْبِتُ فِي الْآدَمِيِّ أَهْلِيَّةَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ كَبِيرٌ) بِأَنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الْأُذُنِ مَثَلًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: إذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(قَوْلُهُ وَإِذَا عَطِبَتْ الْبَدَنَةُ) أَيْ قَرُبَتْ مِنْ الْعَطَبِ حَتَّى خِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ أَوْ امْتَنَعَ عَلَيْهَا السَّيْرُ لِأَنَّ النَّحْرَ بَعْدَ حَقِيقَةِ الْهَلَاكِ لَا يَكُونُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَطَبِ الْأَوَّلِ حَقِيقَتُهُ وَبِالثَّانِي الْقُرْبُ مِنْهُ، ذَكَرَهُ لِبَيَانِ مَا شَرَعَ فِيهِ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ (قَوْلُهُ وَبِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) تَقَدَّمَ قَرِيبًا (قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ) أَيْ فَائِدَةُ صَبْغِ نَعْلِهَا
(3/166)

وَهَذَا لِأَنَّ الْإِذْنَ بِتَنَاوُلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَقَرُّبٍ وَالتَّقَرُّبُ هُوَ الْمَقْصُودُ (فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَقَامَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِمَا عَيَّنَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ

(وَيُقَلِّدُ هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) لِأَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَفِي التَّقْلِيدِ إظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ فَيَلِيقُ بِهِ (وَلَا يُقَلِّدُ دَمَ الْإِحْصَارِ وَلَا دَمَ الْجِنَايَاتِ) لِأَنَّ سَبَبَهَا الْجِنَايَةُ وَالسَّتْرُ أَلْيَقُ بِهَا، وَدَمُ الْإِحْصَارِ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْهَدْيَ وَمُرَادُهُ الْبَدَنَةُ لِأَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ الشَّاةَ عَادَةً. وَلَا يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا عِنْدَنَا لِعَدَمِ فَائِدَةِ التَّقْلِيدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِدَمِهَا وَضَرْبِ صَفْحَتِهَا بِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ (قَوْلُهُ جَزَرًا لِلسِّبَاعِ) الْجَزَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: اللَّحْمُ الَّذِي تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ... مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأْسِهِ وَالْمِعْصَمِ
وَقَالَ آخَرُ:
إنْ يَفْعَلَا فَلَقَدْ تَرَكْت أَبَاهُمَا ... جَزَرَ الْخَامِعَةِ وَنَسْرَ قَشْعَمِ
(قَوْلُهُ وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ

(قَوْلُهُ وَدَمُ الْإِحْصَارِ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا) أَيْ بِجِنْسِ الدِّمَاءِ الْجَابِرَةِ وَهِيَ دِمَاءُ الْجِنَايَاتِ فَلَا يُقَلِّدُهَا هَدْيُ الْإِحْصَارِ كَمَا لَا يُقَلِّدُ هَدْيَ الْجِنَايَاتِ (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ) ي