Advertisement

فتح القدير للكمال ابن الهمام 004


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ (الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ صَرِيحًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ]
(بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ) مَا تَقَدَّمَ كَانَ ذِكْرَ الطَّلَاقِ نَفْسِهِ وَأَقْسَامِهِ الْأَوَّلِيَّةِ السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ وَإِعْطَاءً لِبَعْضِ أَحْكَامِ تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ، وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ أَحْكَامِ جُزْئِيَّاتٍ لِتِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ، فَإِنَّ الْمُورَدَ فِيهِ خُصُوصُ أَلْفَاظٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَاقٌ لِإِعْطَاءِ أَحْكَامِهَا هَكَذَا أَوْ مُضَافَةٌ إلَى بَعْضِ الْمَرْأَةِ وَإِعْطَاءُ حُكْمِ الْكُلِّيِّ وَتَصْوِيرُهُ قَبْلَ الْجُزْئِيِّ مُنْزَلٌ مَنْزِلَةَ تَفْصِيلٍ يُعْقِبُ إجْمَالًا، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ مَا بِهِ الْإِيقَاعُ وَالْوُقُوعُ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ الَّذِي لَا تَحَقُّقَ لَهُ خَارِجًا (قَوْلُهُ فَالصَّرِيحُ أَنْتِ طَالِقٌ إلَخْ) ظَاهِرُ الْحَمْلِ يُفِيدُ أَنْ لَا صَرِيحَ سِوَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، فَسَيَذْكُرُ مِنْهُ التَّطْلِيقَ بِالْمَصْدَرِ، وَلَفْظُ الْكَنْزِ: كَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك أَحْسَنُ لِإِشْعَارِ الْكَافِ بِعَدَمِ الْحَصْرِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ ضَبْطُ الصَّرِيحِ بِأَنَّهُ مَا اجْتَمَعَ بِهِ (طَ لَ قَ) بِصِيغَةِ التَّفْصِيلِ لَا الْأَفْعَالِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْوُقُوعُ بِالْمَصْدَرِ لِتَأَوُّلِهِ بِطَالِقٍ.
(قَوْلُهُ فَكَانَ صَرِيحًا) فَإِنَّ مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا صَرِيحٌ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ فَأَوْلَى بِالصَّرَاحَةِ فَلِذَا رَتَّبَ الصَّرَاحَةَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِقَوْلِهِ فَكَانَ صَرِيحًا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ دُونَ غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ افْتِقَارِهَا إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَدَافُعًا لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ
(4/3)

وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْغَلَبَةِ هُنَا هُوَ مَا وَصَفَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ فِي غَيْرِهِ، وَالْغَلَبَةُ فِي مَفْهُومِهَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الْغَيْرِ قَلِيلًا لِلتَّقَابُلِ بَيْنَ الْغَلَبَةِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّرِيحِ لَفْظَيْ التَّسْرِيحِ وَالْفِرَاقِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ لِلطَّلَاقِ كَثِيرًا.
قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ تَعَارُفُهُمَا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ فِي الطَّلَاقِ لَا اسْتِعْمَالُهُمَا شَرْعًا مُرَادًا هُوَ بِهِمَا (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ) ذَكَرَ لِلصَّرِيحِ حُكْمَيْنِ: كَوْنُهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَعَدَمُ احْتِيَاجَةِ إلَى نِيَّةٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَعْرِصْ عَارِضُ تَسْمِيَةِ مَالٍ أَوْ ذِكْرُ وَصْفٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقَدْ يُقَالُ الصَّرِيحُ هُوَ الْمُقْتَصَرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَيْدِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] بَعْدَ صَرِيحِ طَلَاقِهِ الْمُفَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] فَعُلِمَ أَنَّ الصَّرِيحَ يَسْتَعْقِبُهَا لِلْإِجْمَاعِ. عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُعُولَةِ فِي الْآيَةِ الْمُطَلِّقُونَ صَرِيحًا كَانَ أَوْ مَجَازًا غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى إثْبَاتِ كَوْنِ الْمُطَلِّقِ رَجْعِيًّا بَعْلًا حَقِيقَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سَمَّاهُ بَعْلًا فَعُلِمَ أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ، ثُمَّ إيرَادُ أَنَّ حَقِيقَةَ الرَّدِّ يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ فَلَا يَكُونُ زَوْجًا إلَّا مَجَازًا، وَجَعَلَهُ حَقِيقَةً يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّجَوُّزِ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَلَيْسَ هُوَ بِأَوْلَى مِنْ قَلْبِهِ. ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ تَصَوُّرِ كَوْنِ الرَّدِّ حَقِيقَةً بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ.
بَلْ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ زَوَالِهِ مُعَلَّقًا بِمُتَعَلِّقِ الْمِلْكِ عَلَى مَعْنَى مَنْعِ السَّبَبِ مِنْ تَأْثِيرِ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ كَقَوْلِنَا رَدَّ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ شَرْطٍ لِلْبَائِعِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: رَدَّ الْمَبِيعَ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِفَسْخِ السَّبَبِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، كَمَا يُقَالُ مُتَعَلِّقًا بِهِ بَعْدَ تَأْثِيرِ السَّبَبِ كَمَا فِي رَدِّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ: يَعْنِي إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ الزَّائِلِ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ بَحْثٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ فِي الْأَوَّلِ حَقِيقَةً مِمَّا يَمْنَعُهُ الْخَصْمُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فَإِنَّهُ أَعْقَبَهُ الرَّجْعَةَ الَّتِي هِيَ الْمُرَادُ بِالْإِمْسَاكِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اسْتِدَامَةُ الْقَائِمِ لَا إعَادَةُ الزَّائِلِ، فَدَلَّ عَلَى إبْقَاءِ النِّكَاحِ بَعْدَ الرَّجْعِيِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الْآخَرُ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَنُقِلَ فِيهِ إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ.
إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ النِّكَاحِ، قُلْنَا: هَذَا احْتِمَالٌ يَعْزُبُ إخْطَارُهُ عِنْدَ خِطَابِ الْمَرْأَةِ بِهِ عَنْ النَّفْسِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَصَارَ اللَّفْظُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْنَى. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ أَمَرَهُ بِالْمُرَاجَعَةِ وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَنَوَى أَمْ لَا؟ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ كَالْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَرَائِنَ إرَادَةِ الْإِيقَاعِ قَائِمَةٌ فِيمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الِاعْتِزَالِ وَالتَّرْكِ لَهَا حَتَّى فُهِمَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَدَلَالَةُ إطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وَنَحْوِهِ اعْتِبَارُ عَدَمِ النِّيَّةِ أَبْعَدَ، ثُمَّ قَوْلُنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَصْلًا يَقَعُ لَا أَنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ نَوَى شَيْئًا آخَرَ، لِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَكَذَا عَنْ الْعَمَلِ فِي رِوَايَةٍ كَمَا سَيَذْكُرُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ بِالْخِطَابِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عَالِمًا بِمَعْنَاهُ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبَةِ كَمَا يُفِيدُهُ فُرُوعٌ: هُوَ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ وَيَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا يَنْوِي طَلَاقًا لَا تَطْلُقُ، وَفِي مُتَعَلِّمٍ يَكْتُبُ نَاقِلًا مِنْ كِتَابِ رَجُلٍ قَالَ: ثُمَّ وَقَفَ وَكَتَبَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَكَلَّمَا كَتَبَ قَرَنَ الْكِتَابَةَ بِالتَّلَفُّظِ بِقَصْدِ الْحِكَايَةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ لِقَوْمٍ تَعَلَّمْت ذِكْرًا بِالْفَارِسِيَّةِ فَقُولُوهُ مَعِي فَقَالَ: رَنِ مِنْ بَسّه طَلَاق فَقَالُوهُ لَمْ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِالْحُرْمَةِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ ذِكْرًا وَاعْتَقَدُوهُ شَيْئًا آخَرَ، كَذَا نُقِلَ مِنْ فَتَاوَى الْمَنْصُورِيِّ. وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ لُقِّنَتْ الْمَرْأَةُ زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ تَعْرِفْ مَعْنَاهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ صَحَّ النِّكَاحُ كَالطَّلَاقِ،
(4/4)

(وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقِيلَ لَا كَالْبَيْعِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْخِلَافِ فِي الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ الذِّكْرِ، وَفِيهَا فِي الْجِنْسِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَدَّمَةِ كِتَابِ الطَّلَاقِ طَلَاقُ الْهَازِلِ وَطَلَاقُ الرَّجُلِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَاقِعٌ.
وَفِي النَّسَفِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِيهِمَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا: قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اقْرَأْ عَلَيَّ اعْتَدِّي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَفَعَلَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي الْقَضَاءِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ وَلَمْ يَنْوِ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فِي الْمَنْصُورِيِّ، وَيُخَالِفُ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ آنِفًا مِنْ مَسْأَلَةِ التَّلْقِينِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الشَّرْعِ أَنْ لَا يَقَعَ بِلَا قَصْدٍ لَفْظُ الطَّلَاقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فِيمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ وَاقِعٌ: أَيْ فِي الْقَضَاءِ، وَقَدْ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ، بِخِلَافِ الْهَازِلِ لِأَنَّهُ مُكَابِرٌ بِاللَّفْظِ فَيَسْتَحِقَّ التَّغْلِيظُ، وَسَيَذْكُرُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ الْوِثَاقِ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ أَصَرْحُ صَرِيحٍ فِي الْبَابِ ثُمَّ لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ: يَعْنِي اللَّفْظَ بَعْدَ الْقَصْدِ إلَى اللَّفْظِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ السَّبَبَ عَالَمًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ رَتَّبَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ إلَّا إنْ أَرَادَ مَا يَحْتَمِلُهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ فَيَثْبُتَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِ اللَّفْظِ وَلَا بِاللَّفْظِ فَمِمَّا يَنْبُو عَنْهُ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] وَفُسِّرَ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ مَعَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلسَّبَبِ عَالِمٌ بِحُكْمِهِ فَإِلْغَاؤُهُ لِغَلَطِهِ فِي ظَنِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ إلَى الْيَمِينِ كَلَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ، فَرُفِعَ حُكْمُهُ الدُّنْيَوِيُّ مِنْ الْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلَيْهِ، فَهَذَا تَشْرِيعٌ لِعِبَادِهِ أَنْ لَا يُرَتِّبُوا الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ، وَكَيْفَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِمِ عِنْدَ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ إلَى اللَّفْظِ وَلَا حُكْمِهِ وَإِنَّمَا لَا يُصَدِّقُهُ غَيْرُ الْعَلِيمِ وَهُوَ الْقَاضِي.
وَفِي الْحَاوِي مَعْزُوًّا إلَى الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ أَنَّ أَسَدًا سَأَلَ عَمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَمْرَةُ عَلَى أَيِّهِمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، فَقَالَ فِي الْقَضَاءِ: تَطْلُقُ الَّتِي سَمَّاهَا، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، أَمَّا الَّتِي سَمَّاهَا فَلِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلِأَنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ طَلُقَتْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ فَهَذَا صَرِيحٌ.
وَأَمَّا مَا رَوَى عَنْهُمَا نُصَيْرٌ مِنْ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الطَّلَاقُ يَقَعُ دِيَانَةً وَقَضَاءً فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ) أَيْ بِالصَّرِيحِ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَتَلْغُو نِيَّتُهُ
(4/5)

لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْعَمَلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لِلتَّخْلِيصِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّهُ قَصَدَ بِاللَّفْظِ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) عِنْدَ وُجُودِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ (فَيُرَدُّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَ الشَّرْعَ كَمَا رَدَّ إرْثَ الْوَارِثِ بِالْقَتْلِ لِاسْتِعْجَالِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ) أَيْ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ (عَنْ وِثَاقٍ لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ) إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا. وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ (وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهِيَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِالْعَمَلِ فَلَا يَكُونُ مُحْتَمِلَ اللَّفْظِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّخَلُّصِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ مُتَخَلِّصَةٌ عَنْ الْعَمَلِ، وَلَوْ صَرَّحَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ طَلَّقَ ثُمَّ وَصَلَ
(4/6)

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَفْظَ الْعَمَلِ اسْتِدْرَاكًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَلَ لَفْظَ الْوِثَاقِ حَيْثُ يُصَدَّقُ قَضَاءً لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ قَلِيلًا، وَكُلُّ مَا لَا يَدِينُهُ الْقَاضِي إذَا سَمِعَتْهُ مِنْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَهَا عَدْلٌ لَا يَسَعُهَا أَنْ تَدِينَهُ لِأَنَّهَا كَالْقَاضِي لَا تَعْرِفُ مِنْهُ إلَّا الظَّاهِرَ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا) أَيْ لَفْظَةَ مُطْلَقَةٍ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ: أَيْ فِي الطَّلَاقِ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عُرْفًا بَلْ فِي الِانْطِلَاقِ عَنْ الْقَيْدِ الْحِسِّيِّ فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِيهِ فَيَتَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ.

[فُرُوعٌ]
لَوْ قَالَ لَهَا: يَا مُطَلَّقَةُ بِالتَّشْدِيدِ أَوْ يَا طَالِقُ وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت الشَّتْمَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّ النِّدَاءَ اسْتِحْضَارٌ بِالْوَصْفِ الَّذِي تَضْمَنَّهُ اللَّفْظُ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنِي لِعَبْدِهِ. وَلَوْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ طَلَّقَهَا قَبْلُ فَقَالَ: أَرَدْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ صُدِّقَ دِيَانَةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَقَضَاءً فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَهُوَ حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا فِي الْعِتْقِ لَوْ سَمَّاهَا طَالِقًا، ثُمَّ نَادَاهَا بِهِ لَا تَطْلُقُ.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: سَمِّنِي فَسَمَّاهَا الطَّيِّبَةَ فَقَالَتْ: مَا قُلْتَ شَيْئًا فَقَالَ: هَاتِ مَا أُسَمِّيك بِهِ فَقَالَتْ: سَمِّنِي خَلِيَّةٌ طَالِقٌ قَالَ: فَأَنْتِ خَلِيَّةٌ طَالِقٌ فَجَاءَتْ إلَى عُمَرَ فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَصَّ الْقِصَّةَ فَأَوْجَعَ عُمَرُ رَأْسَهَا وَقَالَ لَهُ: خُذْ بِيَدِهَا وَأَوْجَعَ رَأْسَهَا، وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُك أَمْسِ وَهُوَ كَاذِبٌ كَانَ طَلَاقًا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْسِبْهَا أَوْ نَسَبَهَا إلَى أَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا وَامْرَأَتِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ فَقَالَ: عَنَيْت أُخْرَى أَجْنَبِيَّةً لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ مِنْ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعْطَاءُ وَيَحْلِفُ مَا لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَالُ لَا مَا هُوَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.
وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَنَيْت امْرَأَتِي وَصَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ الطَّلَاقِ عَنْ الْمَعْرُوفَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى نِكَاحِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ تُصَدِّقَهُ الْمَرْأَةُ الْمَعْرُوفَةُ، كَذَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ. وَلَوْ قَالَ: امْرَأَتِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ طَالِقٌ وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لِدَائِنِهِ فَقَالَ: إنْ خَرَجْت مِنْ الْبَلْدَةِ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَك حَقَّك فَامْرَأَتِي فُلَانَةُ طَالِقٌ وَاسْمُ امْرَأَتِهِ غَيْرُهُ لَا تَطْلُقُ إذَا خَرَجَ قَبْلَهُ.
وَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى نِسَائِهِ: يَا زَيْنَبُ فَأَجَابَتْهُ زَوْجَتُهُ عَمْرَةُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ الْمُجِيبَةُ. وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت زَيْنَبَ طَلُقَتَا هَذِهِ بِالْإِشَارَةِ وَتِلْكَ بِالْإِقْرَارِ. هَذَا فِي الْقَضَاءِ. أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الَّتِي قَصَدَهَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ زَيْنَبُ فَقَالَتْ: عَمْرَةُ: نَعَمْ فَقَالَ: إذَنْ أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيْك الطَّلَاقُ أَوْ لَك اُعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ. وَلَوْ قَالَ: قُولِي أَنَا طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَقُولَهَا.
وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا فَاسِدٌ فَقَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ وَقَالَ: عَنَيْتُ الَّتِي نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا أَوْ إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ، وَيَقَعُ أَيْضًا بِالتَّهَجِّي كَأَنْتِ ط ال قِ، وَكَذَا لَوْ لَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَهَا فَقَالَ: ن ع م إذَا نَوَى صَرَّحَ بِقَيْدِ النِّيَّةِ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا يَقَع بِأُطَلِّقُك إلَّا إذَا غَلَبَ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَتْ أَنْتَ طَالِقٌ فَقَالَ: نَعَمْ طَلُقَتْ. وَلَوْ قَالَ لَهُ فِي جَوَابِ طَلَّقَنِي لَا تَطْلُقُ وَإِنْ نَوَى. وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَسْتَ طَلَّقْتَهَا فَقَالَ: بَلَى طَلُقَتْ أَوْ نَعَمْ لَا تَطْلُقُ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَلْ يَفْهَمُونَ مِنْهُمَا إيجَابَ الْمَنْفِيِّ وَلَوْ قَالَ: خُذِي طَلَاقَك فَقَالَتْ: أَخَذْتُ اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَصُحِّحَ الْوُقُوعُ بِلَا اشْتِرَاطِهَا، وَيَقَعُ بِطَلَّقَكِ اللَّهُ أَطْلَقَهَا فِي النَّوَازِلِ مَرَّةً ثُمَّ أَعَادَهَا وَشَرَحَ النِّيَّةَ وَهُوَ الْحَقُّ،.

وَأَمَّا الْمُصَحَّفُ فَهُوَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ: تَلَاقٌ، وَتَلَاغٌ،
(4/7)

قَالَ (وَلَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً كَذِكْرِ الْعَالَمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَطَلَاغٌ، وَطَلَاكٌ، وَتَلَاكٌ. وَيَقَعُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا إذَا أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِأَنْ قَالَ: امْرَأَتِي تَطْلُبُ مِنِّي الطَّلَاقَ وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ فَأَقُولُ هَذَا وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً، وَكَانَ ابْنُ الْفَضْلِ يُفَرِّقُ أَوَّلًا بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَلْوَانِيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا أَوْ الرَّيِّ طَوَالِقُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ إلَّا إنْ نَوَاهَا، رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ لَفْظِ جَمِيعٍ وَعَدَمِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي نِسَاءِ أَهْلِ السِّكَّةِ أَوْ الدَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَنِسَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ تَطْلُقُ. وَنِسَاءِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ مِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهَا بِالدَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقهَا بِالْمِصْرِ.
وَلَوْ قَالَ: طَلَّاقُك عَلَيَّ لَا يَقَعُ، وَلَوْ زَادَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ لَازِمٌ أَوْ ثَابِتٌ قِيلَ تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً نَوَى أَوْ لَا، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى، وَقِيلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقَعُ، وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَقَعُ فِي وَاجِبٍ وَيَقَع فِي لَازِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى نِيَّتِهِ، وَقِيلَ يَقَعُ فِي وَاجِبٍ لِلتَّعَارُفِ بِهِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى لِعَدَمِ التَّعَارُفِ. وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا أَوْ ثَابِتًا بَلْ حُكْمَهُ، وَحُكْمُهُ لَا يَجِبُ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَتَاقِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ ثُبُوتَهُ اقْتِضَاءً، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ عُرْفٌ فَاشٍ فَيَصِيرَ صَرِيحًا فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً فِي صَرْفِهِ عَنْهُ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ قَصَدَهُ وَقَعَ وَإِلَّا لَا، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَلَيَّ وَاجِبٌ بِمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَهُ لَا أَنِّي فَعَلْتُهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ أُطَلِّقَك، وَقَدْ تُعُورِفَ فِي عُرْفِنَا فِي الْحَلِفِ الطَّلَاقَ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا: يُرِيدُ إنْ فَعَلْتُهُ لَزِمَ الطَّلَاقُ وَوَقَعَ، فَيَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَا تَعَارَفَ أَهْلُ الْأَرْيَافِ الْحَلِفَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقِ لَا أَفْعَلُ، وَلَوْ قَالَ: طَالِ بِلَا قَافٍ يَقَعُ، قِيلَ: لِأَنَّهُ تَرْخِيمٌ وَهُوَ غَلَطٌ، إذْ التَّرْخِيمُ اخْتِيَارًا فِي النِّدَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ إنَّمَا يَقَعُ اضْطِرَارًا فِي الشِّعْرِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ بِثَلَاثٍ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ إنْ نَوَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ لَا يُصَدَّقُ إذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَإِلَّا صُدِّقَ، وَمِثْلُهُ بِالْفَارِسَةِ توبسه عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى خِلَافًا لِلصَّفَّارِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ أَطَلْقُ مِنْ فُلَانَةَ وَفُلَانَةُ مُطَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ، فَإِنْ عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وَالْمَعْنَى عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً لِأَجْلِ فُلَانَةَ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ صَرِيحًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ لَهُ مَثَلًا: فُلَانٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ: لَهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ أَزَنَى مِنْ فُلَانَةَ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُونِي طَالِقًا أَوْ اطَّلِقِي يَقَعُ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُونِي لَيْسَ أَمْرًا حَقِيقَةً لِعَدَمِ تَصَوُّرِ كَوْنِهَا طَالِقًا مِنْهَا بَلْ عِبَارَةً عَنْ إثْبَاتِ كَوْنِهَا طَالِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] لَيْسَ أَمْرًا بَلْ كِنَايَةً عَنْ التَّكْوِينِ وَكَيْنُونَتُهَا طَالِقًا يَقْتَضِي إيقَاعًا قَبْلُ فَيَتَضَمَّنَ إيقَاعًا سَابِقًا، وَكَذَا قَوْلُهُ اطَّلِقِي وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ لِلْأَمَةِ: كُونِي حُرَّةً.

(قَوْلُهُ وَلَا يَقَعُ بِهِ) أَيْ بِالصَّرِيحِ الْمُقَيَّدِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْتِ طَالِقٌ مُطَلَّقَةٌ طَلَّقْتُك لَا تَطْلُقُ (إلَّا وَاحِدَةً وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) لَا الصَّرِيحُ مُطْلَقًا لِأَنَّ مِنْهُ الْمَصْدَرَ وَبِهِ يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالنِّيَّةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ
(4/8)

وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ فَيَكُونَ نَصَبًا عَلَى التَّمْيِيزِ. وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، وَذِكْرُ الطَّالِقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَزُفَرَ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ نَوَى مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، فَإِنْ ذَكَرَ الطَّالِقُ ذِكْرَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْوَصْفَ كَالْفِعْلِ جُزْءُ مَفْهُومِهِ الْمَصْدَرُ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ اتِّفَاقًا (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ ذِكْرَهُ ذِكْرَ الطَّلَاقِ الْمُحْتَمِلِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (صَحَّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ تَفْسِيرًا حَتَّى يُنْصَبَ عَلَى التَّمْيِيزِ) وَحَاصِلُ التَّمْيِيزِ لَيْسَ إلَّا تَعْيِينَ أَحَدِ مُحْتَمَلَاتٍ لِلَّفْظِ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «رُكَانَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَلْبَتَّةَ، قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَأَيْضًا إذَا صَحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَهُوَ كِنَايَةٌ فَفِي الصَّرِيحِ الْأَقْوَى أَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ) قِيلَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي الْمَرْأَةِ الْمَوْصُوفَةِ أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ عَلَى مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَالثَّلَاثِ طَوَالِقُ بَلْ فِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي تَضْمَنَّهُ وَوَحْدَتُهُ لَا تَمْنَعُ احْتِمَالَ الْعَدَدِ بِجِنْسِيَّتِهِ. وَتَحْرِيرُ التَّقْرِيرِ أَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا أُرِيدَ مِنْ قَيْدِ النِّكَاحِ كَانَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَصْفَهَا بِانْطِلَاقِهَا مِنْ قَيْدِ النِّكَاحِ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ فَصِدْقُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى التَّطْلِيقِ، وَالْمُتَيَقَّنُ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ مُطَلِّقًا عِنْدَ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَثْبَتَهُ اقْتِضَاءً تَصْحِيحًا لِإِخْبَارِهِ فَلَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَةَ إذْ الضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِهَا وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ لِذَلِكَ أَوْ نَقَلَهُ مِنْ الْإِخْبَارِ إلَى الْإِنْشَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِمُوجِبِ نَقْلٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ لِأَنَّ جَعْلَهُ مُوقِعًا لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْلَهُ لِأَنَّ بِإِثْبَاتِهِ اقْتِضَاءً يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَيُعْتَرَضُ بِالْقَطْعِ بِتَخَلُّفِ لَازِمِ الْإِخْبَارِ، إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ قَطُّ احْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَزِمَ تَحَقُّقُ النَّقْلِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ: إنَّهُ إخْبَارٌ مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، بَلْ هُوَ إنْشَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمَا قُلْنَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ الْمَعْلُومِ مِنْ الشَّرْعِ جَعْلُهُ مُوقِعًا وَاحِدَةً فَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا نَقَلَهُ إلَى إنْشَاءِ إيقَاعِ الْوَاحِدَةِ فَجَعْلُهُ مُوقِعًا بِهِ مَا شَاءَ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهُ لِمَا هُوَ أَعَمُّ وَلَيْسَ فَلَا يُرَادُ بِهِ وَمُلَاحَظَةُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمَصْدَرِ كَمَا ذَكَرْتُمْ إنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَنْ إرَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ وَنَقْلُهُ إلَى الْإِنْشَاءِ يُبَايِنُهُ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ اللَّفْظَ عِلَّةً لِدُخُولِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ فِي الْوُجُودِ الْمُخَالِفِ لِمُقْتَضَاهُ لُغَةً، عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ هُوَ الِانْطِلَاقُ الَّذِي هُوَ وَصْفُهَا، وَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّدُ أَصْلًا بَلْ يَخْتَلِفُ بِالْكَيْفِيَّةِ وَبَيْنَ مَا يَعْقُبُهُ الرَّجْعَةُ شَرْعًا وَمَا لَا لَا فِي الْكَمِّيَّةِ وَحِينَئِذٍ يَتَّفِقُ كَلَامُهُمْ هُنَا، وَفِي الْبَيْعِ حَيْثُ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ بِعْت إنْشَاءً حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ الصِّيغَةَ.
وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِخْبَارِ وَضْعًا فَقَدْ
(4/9)

ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ، وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِك أَعْطَيْتُهُ جَزِيلًا: أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا (وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ النَّعْتَ وَحْدَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ عَدَمُ صِحَّةِ إرَادَةِ الثَّلَاثِ فِي مُطَلَّقَةٍ وَطَلَّقْتُك لِأَنَّهُ صَارَ إنْشَاءً فِي الْوَاحِدَةِ غَيْرَ مُلَاحَظٍ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْعَدَدُ نَحْوُ ثَلَاثًا لَا يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرِ الْوَصْفِ بَلْ لِمَصْدَرِ غَيْرِهِ: أَيْ طَلَاقًا أَيْ تَطْلِيقًا ثَلَاثًا كَمَا يُنْصَبُ فِي الْفِعْلِ مَصْدَرٌ غَيْرُهُ مِثْلُ {أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17] أَوْ يُضْمَرُ لَهُ فِعْلٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، بِخِلَافِ طَلَّقَهَا وَطَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُحْتَمِلَ لِلْكُلِّ مَذْكُورٌ لُغَةً فَصَحَّ إرَادَةٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا نَقْلَ فِيهِ إلَى إيقَاعِ وَاحِدَةٍ، هَذَا وَنُقِضَ بِطَالِقٍ طَلَاقًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ مَعَ أَنَّ الْمُنْتَصِبَ هُوَ مَصْدَرُ طَالِقٍ.
وَيُدْفَعُ بِأَنَّ طَلَاقًا الْمَصْدَرُ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّطْلِيقُ كَالسَّلَامِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالْبَلَاغُ بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ، فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثُ عَلَى إرَادَةِ التَّطْلِيقِ بِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَالِقٌ لِأَنِّي طَلَّقْتُك تَطْلِيقًا ثَلَاثًا. بَقِيَ أَنْ يُرَدَّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ بِأَنْتِ الطَّلَاقُ وَهُوَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا نَوَى الثَّلَاثَ كَانَ الْمَعْنَى أَنْتِ وَقَعَ عَلَيْك التَّطْلِيقُ فَيَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ. وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ لَمَّا لَا يَجُوزُ فِي طَالِقٍ عِنْدَ إرَادَةِ الثَّلَاثِ أَنْ يُرَادَ أَنْتِ ذَاتٌ وَقَعَ عَلَيْك التَّطْلِيقُ وَجَازَ فِي الْمَصْدَرِ. وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي فِي ضِمْنِ طَالِقٍ ذَلِكَ كَأَنْ يُرَادَ بِاسْمِ الْفِعْلِ اسْمُ الْمَفْعُولِ وَهُوَ مُنْتَفٍ.
فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُ مَا ذَكَرْت أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يُرَادَ اسْمُ الْمَفْعُولِ صَحَّتْ إرَادَةُ الثَّلَاثِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ صَرِيحَ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ لَا يَقْبَلُ نِيَّةَ الثَّلَاثِ فَكَيْفَ بِمَا يُرَادُ هُوَ بِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي لَا يَقْبَلُهُ هُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ الْمَنْقُولِ لِلْإِنْشَاءِ عَلَى مَا الْتَزَمْنَا الْجَوَابَ بِهِ، وَاَلَّذِي يُرَادُ بِطَالِقٍ لَيْسَ لِلْإِنْشَاءِ فَتَأَمَّلْ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِطَالِقِ الثَّلَاثِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي الْحَيْضِ فَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَصِحُّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ مِنْهُ لَاسْتَفْسَرَهُ. يَدُلُّ عَلَى الْمُلَازَمَةِ حَدِيثُ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْنَمَةَ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً» الْحَدِيثُ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَمْضِي حُكْمُ الْمُحْتَمَلِ حَتَّى يُسْتَفْسَرَ عَنْهُ، وَثَبَتَ لَنَا مَطْلُوبٌ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكِنَايَاتِ عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا لَا أَنَّهَا يُرَادُ بِهَا الطَّلَاقُ وَإِلَّا كَانَ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ فَلَمْ يَسْأَلْهُ كَمَا لَمْ يَسْأَلْ ابْنَ عُمَرَ، وَلِكَوْنِهَا عَوَامِلَ بِحَقَائِقِهَا احْتَمَلَتْ فَسَأَلَهُ، وَإِنَّمَا احْتَمَلَتْ حَقَائِقَهَا: أَعْنِي مَعْنَى الْبَيْنُونَةِ الَّتِي تُفِيدُهُ أَلْبَتَّةَ كُلًّا مِنْ نَوْعَيْهَا الْغَلِيظَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى الثَّلَاثِ وَالْخَفِيفَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى مَا دُونَهَا فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ كُلٌّ مِنْ النَّوْعَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ثَبَتَ الْأَخَفُّ لِلتَّيَقُّنِ.
(قَوْلُهُ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ) يَعْنِي طَالِقٌ الطَّلَاقَ وَبِالثَّالِثَةِ وَهِيَ طَالِقٌ طَلَاقًا، وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ، غَيْرَ أَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِطَالِقٍ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْمَصْدَرِ، وَيَلْغُو طَالِقٌ فِي حَقِّ الْإِيقَاعِ كَمَا إذَا ذَكَرَ مَعَهُ الْعَدَدَ فَإِنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الْعَدَدُ وَإِلَّا يُشْكِلُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ
(4/10)

يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ مَعَهُ وَأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَكَادَةً أَوْلَى.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ: أَيْ عَادِلٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَلَاقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْكَثْرَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
هُوَ يَقُولُ: إنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضُ الثَّلَاثِ فَلَمَّا صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَةً. وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، أَمَّا الثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَعَدَدٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّوَحُّدِ يُرَاعَى فِي أَلْفَاظِ الْوُحْدَانِ وَذَلِكَ بِالْفَرْدِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمَثْنَى بِمَعْزِلٍ مِنْهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَيَقَعُ بِالْمَصْدَرِ ثِنْتَانِ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْحُرَّةِ لِمَا عُرِفَ، وَهَذَا يُقَوِّي الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ، وَيَجِبُ كَوْنُ طَالِقٍ الطَّلَاقَ مِثْلَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا فِي الْمُنْكَرِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى) وَهِيَ الطَّلَاقُ (فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ. يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ: أَيْ عَادِلٌ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ) وَيُرَدُّ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ طَالِقٌ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَصِحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ وَسَنَذْكُرُ جَوَابَهُ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ) أَيْ فِي أَنْتِ الطَّلَاقُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّطْلِيقَ بِالْمَصْدَرِ بِالْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُفِيدُ لِأَنَّ الَّذِي غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ هُوَ الْوَصْفُ لَا الْمَصْدَرُ. قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ الْمَصْدَرَ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ كَانَ إرَادَةُ طَالِقٍ بِهِ هُوَ الْغَالِبُ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي طَالِقِ الصَّرِيحِ فَيَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ طَالِقٍ. لَا يُقَالُ: فَيَلْزَمُ فِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ أَنَّهَا صَرَائِحُ. لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الطَّلَاقِ بَلْ فِي مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى مَا سَيَتَحَقَّقُ وَلِذَا أَوْقَعنَا بِهَا الْبَائِنَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَقَعُ الثَّلَاثُ وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ طَالِقٌ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ كَمَا قُلْنَا صَرِيحٌ فِي طَالِقٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ ذَاتُ طَلَاقٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَصِحُّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ. وَلَمَّا كَانَ مُحْتَمَلًا تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ، وَهَذَا أَوْجَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا قِيلَ: إنَّهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ طَالِقٌ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَيَصِحُّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ بِهِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ بِاللَّفْظِ لَيْسَتْ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ لَا ذَاتِهِ الَّتِي هِيَ هَوَاءٌ مَضْغُوطٌ، فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ لَيْسَ إلَّا مَا لَا تَصْلُحُ إرَادَتُهُ مِنْهُ فَكَيْفَ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الَّذِي لَا يَصِحُّ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهَا عَيْنُ الطَّلَاقِ ادِّعَاءً وَتَصِحُّ مَعَهُ أَيْضًا إرَادَةُ الثَّلَاثِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ الْخَنْسَاءِ
فَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
يَعْنِي النَّاقَةَ، لَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُقْبِلَةٌ وَمُدْبِرَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ لِفَوَاتِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ نِيَّةِ الثِّنْتَيْنِ بِالْمَصْدَرِ لَا تَصِحُّ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ أَمَةٌ لَهُمَا أَنَّ الْمَصْدَرَ يَحْتَمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَالثِّنْتَانِ كَالثَّلَاثِ.
قُلْنَا: نِيَّةُ الثَّلَاثِ لَمْ تَصِحَّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَثْرَةٌ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمَامُ جِنْسٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مَحْضٌ وَأَلْفَاظُ الْوُحْدَانِ لَا تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ الْمَحْضِ بَلْ يُرَاعَى فِيهَا التَّوْحِيدُ، وَهُوَ بِالْفَرْدِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمُثَنَّى بِمَعْزِلٍ عَنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ اللَّامِ إلَّا وَاحِدَةٌ،
(4/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَأَمَّا الْمُحَلَّى فَيَقَعُ بِهِ الثَّلَاثُ قَالَ الْجَصَّاصُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا يُعْرَفُ لَهَا وَجْهٌ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ ذُكِرَ لِلتَّأَكُّدِ وَنَفْيِ الْمَجَازِ لَا لِلْإِيقَاعِ. أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ طَلَاقٍ وَالطَّلَاقِ.
وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ هِشَامٍ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ التَّوَارِيخِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَتَبَ إلَى أَبِي يُوسُفَ: مَا قَوْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ... ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ نَحْوِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ لَا آمَنُ الْغَلَطَ فِيهَا، فَأَتَى الْكِسَائِيَّ فَسَأَلَهُ، فَأَجَابَ عَنْهَا بِمَا سَنَذْكُرُهُ وَهُوَ بَعْدَ كَوْنِهِ غَلَطًا بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَامِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ مَعْرِفَةُ الْعَرَبِيَّةِ وَأَسَالِيبِهَا لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَقَعُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَاَلَّذِي نَقْلُهُ أَهْلُ الثَّبْتِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَمَّنْ قَرَأَ الْفَتْوَى حِينَ وَصَلَتْ خِلَافُ هَذَا، وَأَنَّ الْمُرْسِلَ بِهَا الْكِسَائِيُّ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَلَا دَخْلَ لِأَبِي يُوسُفَ أَصْلًا وَلَا لِلرَّشِيدِ، وَلَمَقَامُ أَبِي يُوسُفَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ مَعَ إمَامَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ.
فَفِي الْمَبْسُوطِ: ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ بَعَثَ إلَى مُحَمَّدٍ بِفَتْوَى فَدَفَعَهَا إلَيَّ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا قَوْلُ قَاضِي الْقُضَاةِ الْإِمَامِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ:
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ... ثَلَاثٌ وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
فَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ؟
فَكَتَبَ فِي جَوَابِهِ، إنْ قَالَ: ثَلَاثٌ مَرْفُوعًا يَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبًا يَقَعُ ثَلَاثٌ، لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَهُ مَرْفُوعًا كَانَ ابْتِدَاءَ حَالٍ فَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَلَاقٌ فَيَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا قَالَ: ثَلَاثًا مَنْصُوبًا عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِ أَوْ التَّفْسِيرِ فَيَقَعُ بِهِ ثَلَاثٌ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ، لِأَنَّ الثَّلَاثَ تَفْسِيرٌ لِمَا وَقَعَ، فَاسْتَحْسَنَ الْكِسَائِيُّ جَوَابَهُ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ بَعْدَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ: الصَّوَابُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ يَحْتَمِلُ وُقُوعَ الثَّلَاثِ وَالْوَاحِدَةِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَلِأَنَّ أَلْ فِي الطَّلَاقِ إمَّا لِمَجَازِ الْجِنْسِ نَحْوَ زَيْدٌ الرَّجُلُ: أَيْ الْمُعْتَدُّ بِهِ.
وَإِمَّا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ: أَيْ وَهَذَا الطَّلَاقُ الْمَذْكُورُ عَزِيمَةُ ثَلَاثٍ وَلَا يَكُونُ لِلْجِنْسِ الْحَقِيقِيِّ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِخْبَارُ بِالْخَاصِّ عَنْ الْعَامِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَلَاقٍ عَزِيمَةَ ثَلَاثِ، فَعَلَى الْعَهْدِيَّةِ يَقَعُ الثَّلَاثُ. وَعَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَاحِدَةٌ.
وَأَمَّا النَّصْبُ فَيَحْتَمِلُ كَوْنَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، إذْ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِالْجُمْلَةِ. وَكَوْنُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِي عَزِيمَةٍ فَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ إذَا كَانَ ثَلَاثًا، فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا نَوَاهُ هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَهُ الشَّاعِرُ فَالثَّلَاثُ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ
فَبِينِي بِهَا إنْ كُنْت غَيْرَ رَفِيقَةٍ ... وَمَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمٌ
انْتَهَى.
وَتَخْرُقِي بِضَمِّ الرَّاءِ مُضَارِعُ خَرِقَ بِكَسْرِهَا وَالْخُرْقُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ فِي النَّصْبِ كَوْنُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ نِيَابَةً عَنْ الْمَصْدَرِ لِقِلَّةِ الْفَائِدَةِ فِي إرَادَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ عَزِيمَةٌ إنْ كَانَ ثَلَاثًا، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَلِامْتِنَاعِ الْجِنْسِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا ذَكَرَ. بَقِيَ أَنْ يُرَادَ مَجَازُ الْجِنْسِ فَيَقَعَ وَاحِدَةٌ أَوْ الْعَهْدُ الذِّكْرِيُّ وَهُوَ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ فَيَقَعَ الثَّلَاثُ وَلِهَذَا ظَهَرَ مِنْ الشَّاعِرِ أَنَّهُ أَرَادَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْبَيْتُ الْأَخِيرُ، فَجَوَابُ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا
(4/12)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقَ أُخْرَى يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَتَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.

(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ) لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ (أَوْ) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ أَوْ عُنُقُك) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُك طَالِقٌ (أَوْ رُوحُك أَوْ بَدَنُك أَوْ جَسَدُك أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك) لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. أَمَّا الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] وَقَالَ {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَجِبُ فِي مِثْلِهِ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الظَّاهِرِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَى الِاحْتِمَالِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، وَقَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقَ أُخْرَى يَصْدُقُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِطَالِقٍ طَلَاقًا أَوْ الطَّلَاقَ ثِنْتَيْنِ لَا يَصِحُّ فَأَفَادَ هُنَا أَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُمَا بِالتَّوْزِيعِ صَحَّ. وَوَجْهُهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَلَاقٌ فَتَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا) وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَمَنَعَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ طَالِقًا نَعْتٌ وَطَلَاقًا مَصْدَرُهُ فَلَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ. وَكَذَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ.
وَيُؤَيِّدُ أَنَّ طَلَاقًا نُصِبَ وَلَا يُدْفَعُ بَعْدَ صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لِتَعَدُّدِهِ وَصِحَّةِ الْإِرَادَةِ بِهِ إلَّا بِإِهْدَارِ لُزُومِ صِحَّةِ الْإِعْرَابِ فِي الْإِيقَاعِ مِنْ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي التَّشْبِيهِ أَنْ يُقَالَ: فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقٌ لَا طَالِقٌ وَطَلَاقٌ وَإِنْ صَحَّ الْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.

(قَوْلُهُ وَإِنْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ) وَمِثْلُ الْمُضَافِ إلَى الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَالْمُضَافُ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ بِرَقَبَتُك طَالِقٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِمَا مَعًا إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مِنْ لَفْظِ أَنْتِ وَرَقَبَتُك إلَخْ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ إمَّا بِالْوَضْعِ أَوْ بِالتَّجَوُّزِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي أَنْتِ أَنَّهُ بِرُمَّتِهِ ضَمِيرٌ أَوْ التَّاءَ وَأَنَّ عِمَادَ أَوْ إنَّ وَاللَّوَاحِقَ حُرُوفٌ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ الْمُرَادِ (قَوْلُهُ أَوْ يَقُولُ: رَقَبَتُك طَالِقٌ أَوْ عُنُقُك أَوْ رُوحُك أَوْ بَدَنُك أَوْ جَسَدُك أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك) هَذِهِ أَمْثِلَةُ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ الْإِنْسَانِ وَذِكْرُ اسْتِعْمَالَاتِهَا فِيهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» فَغَرِيبٌ جِدًّا، وَأَبْعَدَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ حَيْثُ اسْتَشْهَدَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَوَاتِ الْفُرُوجِ أَنْ يَرْكَبْنَ السُّرُوجَ» وَضَعَّفَهُ، وَأَيْنَ لَفْظُ ذَاتِ الْفَرْجِ.
(4/13)

«لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَيُقَالُ فُلَانٌ رَأْسُ الْقَوْمِ وَيَا وَجْهَ الْعَرَبِ وَهَلَكَ رُوحُهُ بِمَعْنَى نَفْسُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَةٍ يُقَالُ دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ) (طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك) طَالِقٌ لِأَنَّ الشَّائِعَ مَحِلٌّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ كَوْنِ لَفْظِ الْفَرْجِ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ عَنْتَرَةَ لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ (قَوْلُهُ رَأْسَ الْقَوْمِ) أَيْ أَكْبَرَهُمْ (وَيَا وَجْهَ الْعَرَبِ) يَعْنِي يَا أَوْجَهَهُمْ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَوْرَدَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْمَ كَالْجَسَدِ وَفُلَانَ الرَّأْسُ مِنْهُ لَا أَنَّ فُلَانًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْقَوْمِ كُلِّهِمْ.
وَكَذَا مَا قِيلَ مَعْنَى يَا وَجْهَ الْعَرَبِ أَنَّك فِي الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْوَجْهِ لَا أَنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جُمْلَةِ الْعَرَبِ بِالْوَجْهِ وَنَادَاهُمْ بِهِ وَلَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُهُ بِهِ، عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ يَا وَجْهَ الْعَرَبِ يَا أَيُّهَا الْعَرَبُ اهـ. وَمَبْنَى كَلَامِهِ أَنَّ التَّرْكِيبَ اسْتِعَارَةٌ بِالتَّرْكِيبِ شُبِّهَتْ الْعَرَبُ بِالْجِسْمِ الْوَاحِدِ لِتَحَامُلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَتَأَلُّمِ بَعْضِهِمْ بِتَأَلُّمِ بَعْضٍ، فَأَثْبَتَ لَهُ الْوَجْهَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَجَازًا اسْتِعَارَةً تَحْقِيقِيَّةً شَبَّهَ الرَّجُلَ بِالرَّأْسِ لِشَرَفِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ مَجْمَعَ الْحَوَاسِّ وَبِالْوَجْهِ لِظُهُورِهِ وَشُهْرَتِهِ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ رَأْسَ الْقَوْمِ وَوَجْهَهُمْ: أَيْ أَشْرَفَهُمْ.
وقَوْله تَعَالَى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] أَيْ ذَاتُهُ الْكَرِيمَةُ، وَأَعْتَقَ رَأْسًا وَرَأْسَيْنِ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ إنَّا بِخَيْرِ مَا دَامَ رَأْسُك سَالِمًا يُقَالُ مُرَادًا بِهِ الذَّاتُ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الدَّمُ) يَعْنِي فِي رِوَايَةٍ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْكَفَالَةِ، قَالَ: لَوْ كَفَلَ بِدَمِهِ يَصِحُّ، وَرِوَايَةُ كِتَابِ الْعِتْقِ لَا تَصِحُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: دَمُك حُرٌّ لَا يُعْتَقُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ صَحَّحَ عَدَمَ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا) يَعْنِي يَقَعُ عَلَيْهَا كَنِصْفِهَا وَرُبْعِهَا وَسُدُسِهَا لِأَنَّ الشَّائِعَ مَحِلُّ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَالْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك) وَهَذَا يُقَابِلُ مَعْنَى الْأَوَّلِ: أَيْ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ كَرَقَبَتُك فَإِنَّهُ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ.
وَمِنْهُ الْأُصْبُعُ وَالدُّبُرُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَالرِّيقِ وَالْعَرَقِ وَالْحَمْلِ لَا يَقَعُ، وَالْعَتَاقُ وَالظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَكُلُّ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْحُرْمَةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، فَلَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى أَوْ أَعْتَقَ إصْبَعَهَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَمَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْحِلِّ كَالنِّكَاحِ لَا تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ بِلَا خِلَافٍ.
(قَوْلُهُ لَهُمَا) حَاصِلُهُ قِيَاسُ مُرَكَّبِ نَتِيجَةِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ: أَيْ الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مَحِلٌّ لِحُكْمِ
(4/14)

وَمَا هَذَا حَالُهُ يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِيهِ قَضِيَّةً لِلْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مُمْتَنِعٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تُغَلِّبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُوَ كَمَا إذَا أَضَافَهُ إلَى رِيقِهَا أَوْ ظُفُرِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْقَيْدُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ وَلَا قَيْدَ فِي الْيَدِ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلنِّكَاحِ عِنْدَنَا حَتَّى تَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
النِّكَاحِ فَجُعِلَ صُغْرًى وَيُضَمُّ إلَيْهَا، وَمَا كَانَ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ يَنْتِجُ الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ الَّذِي لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مَحِلٌّ لِلطَّلَاقِ، وَالْقِيَاسُ الْفِقْهِيُّ جُزْءٌ هُوَ مَحِلٌّ لِحُكْمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ كَالْجُزْءِ الشَّائِعِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ، فَقِيلَ يَقَعُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْرِي كَمَا فِي الْعِتْقِ.
قَالَ: الْغَزَالِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ الْجُزْءُ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ الْكُلِّ فَيَقَعَ بِاللَّفْظِ، قَالُوا: وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَمِينُك طَالِقٌ فَقَطَعَتْ ثُمَّ دَخَلَتْ، إنْ قُلْنَا بِالسَّرَايَةِ لَا يَقَعُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعِبَارَةِ عَنْ الْكُلِّ يَقَعُ (قَوْلُهُ وَلَنَا إلَخْ) حَاصِلُهُ مَنْعُ مَحَلِّيَّتِهِ لِلطَّلَاقِ بِمَنْعِ عَلِيَّةِ كَوْنِهِ مَحِلًّا لِلْحِلِّ لِكَوْنِهِ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ بَلْ مَحِلُّهُ مَا فِيهِ قَيْدُ النِّكَاحِ وَالْقَيْدُ وَهُوَ مَنْعُهَا مِنْ الْفِعْلِ مَعَ الْغَيْرِ وَأَمْرُهَا بِهِ مَعَهُ: أَيْ تَسْلِيمُهَا نَفْسَهَا، وَعَنْهُ كَانَ تَخْصِيصُهَا بِهِ هُوَ حُكْمُ النِّكَاحِ أَوَّلًا ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ تَبَعًا لَهُ حُكْمًا لِهَذَا الْحُكْمِ، وَالطَّلَاقُ يُنْبِئُ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ فَيَكُونَ وَضْعُهُ لِرَفْعِ ذَلِكَ، وَيَرْتَفِعُ الْحِلُّ تَبَعًا لِرَفْعِهِ كَمَا ثَبَتَ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ الْمَعْنَوِيُّ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْهُوِيَّةِ لِأَنَّ الْمَنْعَ خِطَابٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَجْزَاءِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ بِمُسَمَّى الْعَاقِلِ الْمُكَلَّفِ وَلِهَذَا جَازَ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا يَدٌ، وَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْأَجْزَاءِ الْمُعَيَّنَةِ تَبَعٌ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ إذْ لَا وُجُودَ لِلْمُسَمَّى بِدُونِهِ فَكَانَ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ فَكَذَا الطَّلَاقُ، وَوُقُوعُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الرَّأْسِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ الْكُلِّ لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ مُقْتَصِرًا.
وَلِذَا نَقُولُ: لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: عَنَيْت الرَّأْسَ مُقْتَصِرًا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَقَعُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمَّا فِي الْقَضَاءِ إذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ عُرْفًا مُشْتَهِرًا لَا يُصَدَّقُ وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِالْيَدِ صَاحِبَهَا كَمَا أَرَادَ عَزَّ قَائِلًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] أَيْ قَدَّمَتْ وَعَنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَتَعَارَفَ قَوْمٌ التَّعْبِيرَ بِهَا عَنْ الْكُلِّ وَقَعَ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ
(4/15)

وَاخْتَلَفُوا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.

(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا كَانَتْ) طَالِقًا (تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلِذَا لَوْ طَلَّقَ النَّبَطِيُّ بِالْفَارِسِيَّةِ يَقَعُ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهِ الْعَرَبِيُّ وَلَا يُدْرِيهِ لَا يَقَعُ، وَلَا مُنَاقَشَةَ فِي هَذَا، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ مَا يُمْلَكُ تَبَعًا هَلْ يَكُونُ مَحِلًّا لِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ صَيْرُورَتِهِ عِبَارَةً عَنْ الْكُلِّ، فَأَمَّا عَلَى مَجَازِهِ فِي الْكُلِّ لَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَقَعُ يَدًا كَانَ أَوْ رِجْلًا بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا لُغَةً أَوْ لُغَةَ قَوْمٍ (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ كُلِّ الْبَدَنِ) وَكَذَا لَوْ قَالَ: ظَهْرُك عَلَيَّ أَوْ بَطْنُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي: أَيْ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» الظَّهْرُ الصِّغَارُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِمَا عُرْفٌ فِي إرَادَةِ الْكُلِّ بِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ، وَلِذَا لَا يَقَعُ بِالْإِضَافَةِ إلَى وَيُدَّعَ، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَوْ قَالَ الْمُحَشَّانِ طَالِقٌ يَقَعُ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: تَصْحِيفٌ، إنَّمَا هُوَ بَعْضُك أَوْ نِصْفُك. وَفِي الْخُلَاصَةِ: اسْتُك طَالِقٌ كَفَرْجِك طَالِقٌ، بِخِلَافِ الدُّبُرِ، قَالَ شَارِحٌ: عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتَ بِمَعْنَى الدُّبُرِ وَلَيْسَ بِذَاكَ لِأَنَّ الْبُضْعَ بِمَعْنَى الْفَرْجِ أَيْضًا وَيَقَعُ فِي الْفَرْجِ دُونَ الْبُضْعِ لِجَوَازِ تَعَارُفِ أَحَدِهِمَا فِي الْكُلِّ دُونَ الْآخَرِ. وَالْأَوْجُهُ أَنَّ مَحِلَّ النَّظَرِ كَوْنُهُ كَفَرْجِك طَالِقٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَدَارَ تَعَارُفُ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْ الْكُلِّ، وَكَوْنُ الْفَرْجِ عُبِّرَ بِهِ عَنْ الْكُلِّ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ الِاسْتِ كَذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ أَنْ يُقَالَ: يَقَعُ بِالْإِضَافَةِ إلَى اسْمِ جُزْءٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ فَإِنَّ نَفْسَ الْجُزْءِ لَا صَفَا التَّعْبِيرُ بِهِ.
هَذَا وَقَدْ يُقَالُ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ شُهْرَتُهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْفَرْجِ أَوْ وُقُوعُ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ اللِّسَانِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُذْكَرَ الْخِلَافُ فِي الْيَدِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْكُلِّ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَيْضًا ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُضَافَ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَالْمُعَبَّرِ بِهِ عَنْ الْكُلِّ صَرِيحٌ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْوُقُوعِ بِهِ النِّيَّةُ وَالصَّرَاحَةُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَمَعْلُومٌ انْتِفَاءُ الطَّلَاقِ كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا كَانَتْ تَطْلِيقَةً) وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ كَالثُّمْنِ أَوْ قَالَ: جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ تَطْلِيقَةٍ.
وَقَالَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ: لَا يَقَعُ بِهِ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، وَالْمَشْرُوعُ الطَّلَاقُ لَا غَيْرُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ إيَّاهُ، وَإِلَّا فَالْبَعْضُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ لَيْسَ نَفْسًا وَلَا غَيْرًا. وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْعَ نَاظِرٌ إلَى صَوْنِ كَلَامِ الْعَاقِلِ وَتَصَرُّفِهِ مَا أَمْكَنَ، وَلِذَا اُعْتُبِرَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ عَفْوًا عَنْهُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَذْكُورِ جُزْءٌ كَانَ كَذِكْرِ كُلِّهِ تَصْحِيحًا كَالْعَفْوِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ،
(4/16)

فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَةً، قِيلَ: يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَتَكَامَلَ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرَ ثَلَاثًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ يَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً) وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ فِي إيقَاعِهَا شَكًّا لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ يَحْتَمِلُ مَا ذُكِرَ وَيَحْتَمِلُ كَوْنَهَا طَلْقَةً وَنِصْفًا، لِأَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ إذَا انْتَصَفَتَا صَارَتَا أَرْبَعَةَ أَنْصَافٍ فَثَلَاثَةٌ مِنْهُمَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَتَكْمُلَ طَلْقَتَيْنِ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ اشْتِبَاهِ قَوْلِنَا نَصَّفْنَا طَلْقَتَيْنِ وَنَصَّفْنَا كُلًّا مِنْ طَلْقَتَيْنِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُوجِبُ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَنْصَافِ وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي ثَلَاثَةِ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ فَيَثْبُتَ فِي النِّيَّةِ لَا فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ أَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ لَا نِصْفَا تَطْلِيقَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ قِيلَ: يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَتَكَامَلَ) وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاطِفِيُّ وَالْعَتَّابِيُّ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ يَقَعُ وَاحِدَةٌ (وَقِيلَ يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرُ ثَلَاثًا) وَالثَّلَاثُ كَالْجَمْعِ اخْتِصَارًا لِلْمُتَعَاطِفَاتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ.
وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الْمَعْنَى نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ وَنِصْفُهَا الْآخَرِ وَمِثْلُهُ بِالضَّرُورَةِ إذْ لَيْسَ لِلشَّيْءِ إلَّا نِصْفَانِ فَيَقَعَ ثِنْتَانِ اُتُّجِهَ لِأَنَّ نِصْفَهَا وَنِصْفَهَا أَجْزَاءُ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَسُدُسَهَا وَثُلُثَهَا حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، بِخِلَافِ نِصْفِ طَلْقَةٍ وَثُلُثِ طَلْقَةٍ وَسُدُسِ طَلْقَةٍ حَيْثُ يَقَعُ ثَلَاثٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَالثَّانِيَةُ غَيْرُ الْأُولَى فَأَوْقَعَ مِنْ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ جُزْءًا وَلَوْ زَادَ أَجْزَاءَ الْوَاحِدَةِ مِثْلَ نِصْفِ طَلْقَةٍ وَثُلُثِهَا وَاسْتَأْنِ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ لِلُزُومِ كَوْنِ
(4/17)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ ثِنْتَانِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ فِي الْأُولَى هِيَ ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ) وَقَالَ زُفَرُ: الْأُولَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ أُخْرَى، وَعَلَى هَذَا لَوْ قِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثٌ إذَا قَالَ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَاهَا وَسَبْعَةَ أَثْمَانِهَا لَمْ يَبْعُدْ، إلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ فِي اتِّحَادِ الْمَرْجِعِ وَإِنْ زَادَتْ أَجْزَاءُ وَاحِدَةٍ أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ إلَى وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةٌ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً وَكَذَا إذَا قَالَ: بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ إلَّا إذَا نَوَى أَنَّ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُنَّ جَمِيعًا فَيَقَعَ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا تَطْلِيقَتَانِ وَفِي الثَّلَاثِ ثَلَاثٌ، وَلَوْ قَالَ: بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ طَلُقَتْ كُلٌّ تَطْلِيقَتَيْنِ.
وَكَذَا مَا زَادَ إلَى ثَمَانٍ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِ فَقَالَ: تِسْعٌ طَلُقَتْ كُلٌّ ثَلَاثًا وَلَا يَخْفَى الْوَجْهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُكُنَّ فِي ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَلَفْظُ بَيْنَ وَلَفْظُ الْإِشْرَاكِ سَوَاءٌ. بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ لِثَالِثَةٍ: أَشْرَكْتُك فِيمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهِمَا يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهُ شَرِكَهَا فِي كُلِّ تَطْلِيقَةٍ.
وَفِي آخِرِ بَابِ الطَّلَاقِ مِنْ الْمَبْسُوطِ لَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: أَشْرَكْت فُلَانَةَ مَعَهَا فِي الطَّلَاقِ وَقَعَ عَلَى الْأُخْرَى ثَلَاثٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَسْبِقْ وُقُوعُ شَيْءٍ فَيَنْقَسِمَ الثَّلَاثُ بَيْنَهُنَّ نِصْفَيْنِ قِسْمَةً وَاحِدَةً وَهَذَا قَدْ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ عَلَى الْأُولَى فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ شَيْئًا مِمَّا أَوْقَعَ عَلَيْهَا بِإِشْرَاكِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُسَوِّيَ الثَّانِيَةَ بِهَا بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ عَلَى الْأُولَى فَكَلَامُهُ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ إشْرَاكٌ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَيْنَكُمَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَهُوَ يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ وَرَدَ اسْتِفْتَاءٌ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك فِيمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا وَلِثَالِثَةٍ أَشْرَكْتُك فِيمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهِمَا، وَبَعْدَ أَنْ كَتَبْنَا تَطْلُقُ الثَّلَاثُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا قُلْنَا: إنَّ وُقُوعَهُنَّ عَلَى الثَّالِثَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَشْرَكَهَا فِي سِتٍّ. وَفِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ ثَلَاثًا يَنْوِي أَنَّ الثَّلَاثَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَتَطْلُقُ كُلٌّ مِنْهُمَا ثِنْتَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ فَتَطْلُقَ كُلٌّ ثَلَاثًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَنْتَنَ طَوَالِقُ ثَلَاثًا يَنْوِي أَنَّ الثَّلَاثَ بَيْنَهُنَّ فَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَطْلُقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً وَفِي الْقَضَاءِ تَطْلُقُ كُلٌّ ثَلَاثًا

(قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَهَذَا التَّفْصِيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا فِي الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ وَمَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ يَقَعُ ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَمَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ يَقَعُ ثَلَاثٌ. وَقَالَ: زُفَرُ: فِي الْأُولَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَفِي الثَّانِيَةِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ
(4/18)

الْغَايَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَتَسْمِيَةُ الصُّورَتَيْنِ أُولَى ثُمَّ الصُّورَتَيْنِ ثَانِيَةً بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ مَدْخُولِ إلَى فِي الصُّورَتَيْنِ، فَالْأُولَى مَا كَانَ مَدْخُولُ إلَى ثِنْتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ مَا كَانَ مَدْخُولُهَا ثَلَاثًا.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِ زُفَرَ: وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ الْغَايَةُ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ. وَاعْلَمْ أَنَّ زُفَرَ لَا يُدْخِلُ الْحَدَّيْنِ لَا الْأَوَّلَ وَلَا الثَّانِيَ، وَالْعُرْفُ أَنْ يُرَادَ بِالْغَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَقَطْ مَدْخُولَةُ إلَى وَحَتَّى لِأَنَّهَا الْمُنْتَهَى. فَوَجْهُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بِاسْتِعْمَالِ الْغَايَةِ فِي الْحَدِّ: أَيْ الْحَدِّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ الْحَدُّ وَالْمَضْرُوبُ لَهُ هُوَ الْبَيْعُ مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُ الْحَدَّانِ فِيهِ، فَكَذَا فِي الطَّلَاقِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِتَسْمِيَةِ الْأُولَى غَايَةً فِي وَجْهِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى. وَالْمُرَادُ بِالْقِيَاسِ قَضِيَّةُ اللَّفْظِ لَا الْقِيَاسُ الْأُصُولِيُّ، لِأَنَّ زُفَرَ إنَّمَا بَنَى جَوَابَهُ عَلَى قَضِيَّةِ اللَّفْظِ كَمَا يُفِيدُهُ جَوَابُهُ الْمَنْقُولُ لِلْأَصْمَعِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عِنْدَ بَابِ الرَّشِيدِ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَقَالَ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا بَيْنَ لَا تَتَنَاوَلُ الْحَدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا فَأَلْزَمَهُ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ كَمْ سِنُّك فَقَالَ: مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ تِسْعَ سِنِينَ فَيَكُونَ إيرَادُ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ ذِكْرَ مَحِلٍّ بِإِعْمَالِ اللَّفْظِ كَالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بِذِكْرِ مَحِلِّ إعْمَالِهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مَتْرُوكِ الظَّاهِرِ لَا لِلْقِيَاسِ عَلَيْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذِكْرَ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى تَمَامِ الدَّلِيلِ لَا أَصْلَ لِلْقِيَاسِ فَيَكُونَ جُزْءَ الدَّلِيلِ، ثُمَّ قَدْ نُسِبَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ مَا نُسِبَ إلَى الْأَصْمَعِيِّ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الْإِلْزَامِ: كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ: مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: سِنُّك غُبَّرًا تِسْعُ سِنِينَ، وَهَذَا بَعِيدٌ إذْ يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَ فِيمَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَنَحْوِهِ بِذَلِكَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ كَمْ سِنُّك فَيُجِيبَ بِلَفْظِ مَا بَيْنَ دُونَ أَنْ يَقُولَ خَمْسَةً وَسِتِّينَ وَنَحْوَهُ مَعَ ظُهُورِ وُرُودِ الْإِلْزَامِ حِينَئِذٍ إلَّا وَقَدْ أَعَدَّ جَوَابَهُ فَلَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ.
عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ إلْزَامِ الْأَصْمَعِيِّ: اُسْتُحْسِنَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ فِي وَجْهِ اسْتِحْسَانِهِ أَنَّ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ سِنِّي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ عُرْفًا فِي إرَادَةِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ، وَلَا عُرْفَ فِي الطَّلَاقِ إذْ لَمْ يُتَعَارَفْ التَّطْلِيقُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ قِيلَ مِنْ طُرَفِهِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّينَ فَكَيْفَ يَكُونُ تِسْعَةً، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ أَحَدٌ وَسِتُّونَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ إلَى تِسْعٍ وَسِتِّينَ لَا وَاحِدَةٌ إلَى تِسْعَةٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْحَدُّ الْأَوَّلُ خَارِجًا عَنْ مُسَمَّى لَفْظِ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَجَوَابُ زُفَرَ حَيْثُ قَالَ: لَا يَتَنَاوَلُ الْحَدَّيْنِ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالْأَوْجُهُ مَا ذَكَرْنَا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ) كَقَوْلِ الرَّجُلِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ
(4/19)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَشْرَةٍ إلَى مِائَةٍ وَبِعْ عَبْدِي بِمَا بَيْنَ مِائَةٍ إلَى أَلْفٍ وَكُلْ مِنْ الْمِلْحِ إلَى الْحُلْوِ.
لَهُ أَخْذُ الْمِائَةِ وَالْبَيْعُ بِأَلْفٍ وَأَكْلُ الْحُلْوِ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْعُرْفِ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ مُتَخَلِّلٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي نَحْوِ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى دِرْهَمَيْنِ إرَادَةُ مَجْمُوعِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ، فَفِي نَحْوِ طَالِقٍ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ انْتَفَى ذَلِكَ الْعُرْفُ مِنْهُ عِنْدَهُ فَوَجَبَ إعْمَالُ طَالِقٍ فَيَقَعَ وَاحِدَةٌ. وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا لِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ جَارٍ فِي غَيْرِهِ لِيَعْتَرِضَ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ فِي عَدَمِ مُتَخَلِّلٍ مَعَ أَنَّهُ مَسُوقٌ لَنَفِي قَوْلِهَا يَجِبُ الْأَكْثَرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ اسْتِحْسَانٌ بِالتَّعَارُفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِ زُفَرَ إلَّا أَنَّهُمَا أَطْلَقَا فِيهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّمَا وَقَعَ كَذَلِكَ فِيمَا مَرْجِعُهُ إبَاحَةٌ غُبَّرَا الْمَذْكُورَةِ، أُمًّا مَا أَصْلُهُ الْحَظْرُ حَتَّى لَا يُبَاحَ إلَّا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا وَالطَّلَاقُ مِنْهُ فَكَانَ قَرِينَةً عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْكُلِّ، غَيْرَ أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ فِي صُورَةِ إيقَاعِهَا وَهِيَ صُورَةٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ إذْ لَا ثَانِيَةَ بِلَا أُولَى وَوُجُودُ الطَّلَاقِ عَيْنُ وُقُوعِهِ، بِخِلَافِ الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وُقُوعُ الثَّانِيَةِ بِلَا ثَالِثَةٍ، أَمَّا صُورَةُ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إدْخَالِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا دَخَلَتْ ضَرُورَةَ إيقَاعِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَإِيقَاعُ الْوَاحِدَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ إدْخَالِهَا غَايَةً بَلْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَاءِ الْعُرْفِ فِيهِ فَلَا يَدْخُلَانِ وَيَقَعُ بِطَالِقٍ وَهَذَا كَمَا صُحِّحَ فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ زُفَرَ خِلَافًا لِمَا قِيلَ: لَا يَقَعُ عِنْدَهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ التَّخَلُّلِ. وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ يَلْغُو قَوْلَهُ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْوَاحِدِ مَبْدَأً لِلْغَايَةِ وَمُنْتَهًى وَيَقَعُ بِطَالِقٍ وَاحِدَةٌ، كَذَا هُنَا يَجِبُ أَنْ يَلْغُوَ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ عِنْدَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِطَالِقٍ وَاحِدَةٌ، وَأَوْرَدَ إذَا قِيلَ طَالِقٌ ثَانِيَةً لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ.
(4/20)

هُوَ الْحَظْرُ، ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أُجِيبُ بِأَنَّ ثَانِيَةً لَغْوٌ فَيَقَعَ بِأَنْتَ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُنَا مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ فِي إيقَاعِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ إيقَاعِ الْأُولَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَفْظُ مَا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْأَمْرَيْنِ وَوُجُودَهُمَا وُقُوعَهُمَا فَيَقَعَ الثَّلَاثُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَاحْتِمَالَ وُجُودِ الثَّانِي عُرْفًا، فَفِي مِنْ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ يَصْدُقُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ السَّبْعِينَ بَلْ مُنْتَظِرُهُ وَلَمْ يَعُدْ مُخْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ بِهِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا إنْ انْتَهَضَ عَلَيْهِمَا لَا يَنْتَهِضُ عَلَى زُفَرَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ مِنْ طُرَفِهِ لَا عُرْفَ فِي الطَّلَاقِ فَلَا يَلْزَمُ إدْخَالُ الْغَايَةِ الْأُولَى لِأَنَّ مَا بَيْنَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَةَ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ ثَانِيَةُ الْوَاقِعِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَا بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى إدْخَالِهَا ضَرُورَةَ إيقَاعِ الثَّانِيَةِ فِي مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ. وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ تَعَارُفُ مِثْلِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ فِي الطَّلَاقِ وَجَبَ اعْتِبَارُ غَبِّرَا أَجْزَاءَ لَفْظِهِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ إلَّا دُخُولَ مَا بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِادِّعَاءِ أَنَّ الْعُرْفَ أَفَادَ أَنَّ مِثْلَهُ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَادَّةٍ وَقَعَ وَقَدْ لَا يُسَلِّمُهُ زُفَرُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ زُفَرَ عَلَى مَسْأَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ الثَّانِيَةَ وَاقِعَةٌ وَلَا وُجُودَ لَهَا إلَّا بِوُقُوعِ الْأُولَى فَوَقَعَتْ ضَرُورَةً، بِخِلَافِ الْغَايَةِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى إدْخَالِهَا فِي الْمُغَيَّا فَبَقِيَتْ الْغَايَتَانِ خَارِجَتَيْنِ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ إلَّا بِقَضِيَّةِ اللَّفْظِ، وَمَسْأَلَةِ الْبَيْعِ لِإِظْهَارِ أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُتْرَكْ ظَاهِرُهُ فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعُرْفَ فِيهِ إرَادَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ إلَى آخِرِهِ فَاقْتَضَى فِي مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وُقُوعُ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّهُمَا الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ فَلَزِمَ وُقُوعُ الْأُولَى،
(4/21)

الْغَايَةَ فِيهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ. وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً يَدِينُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ، وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفَ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِخِلَافِ بِعْت مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ لِأَنَّ التَّعَارُفَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَعْدَادِ نَحْوَ مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَنَحْوَهُ فَبَقِيَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِهَا عَلَى مُقْتَضَاهُ لُغَةً فَلَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ.
وَبِهِ انْدَفَعَ سُؤَالُ أَنَّ مَا بَيْنَ يَقْتَضِي وُجُودَ الطَّرَفَيْنِ فَيَقَعَانِ كَقَوْلِهِمَا فَإِنَّ الْعُرْفَ أَعْطَى أَنَّ قَضِيَّتَهُ عَدَمُ وُقُوعِ الثَّانِيَةِ. [فَرْعَانِ] لَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى عَشْرَةٍ يَقَعُ ثِنْتَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُعْتَبَرٌ فِي الطَّلَاقِ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ: طَلَّقَنِي سِتًّا بِأَلْفٍ وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَقَعَتْ الثَّلَاثُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَلَوْ قَالَ: مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ وَثَلَاثٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَايَةً. وَكَذَا يَجِبُ عِنْدَ الْكُلِّ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ الْعُرْفُ الْكَائِنُ فِي الْغَايَةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً) أَيْ فِي مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَفِي مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ إذَا كَانَ فِيهِ عُرْفُ الْغَايَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ) وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ) عَالِمًا بِعُرْفِ الْحِسَابِ (فَهِيَ وَاحِدَةٌ) فَفِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْلَى أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: يَقَعُ ثِنْتَانِ بِعُرْفِ الْحِسَابِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي وَجْهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْحِسَابَ لَكِنَّهُ قَصَدَ مُوجِبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الْحِسَابَ وَقَصَدَ مُوجِبَهُ عِنْدَهُمْ وَقَعَ ثِنْتَانِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَعِنْدَنَا يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ عُرْفَهُمْ فِيهِ تَضْعِيفُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِعَدَدِ الْآخَرِ، فَقَوْلُهُ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ كَقَوْلِهِ وَاحِدَةً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ مَرَّةً وَثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَالِقٌ أَرْبَعًا فَيَقَعَ الثَّلَاثُ، فَالْإِلْزَامُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فَقِيرٌ فِي الدُّنْيَا لَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ ضَرْبَهُ دِرْهَمَهُ مَثَلًا فِي مِائَةِ أَلْفٍ إنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى الْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي مِائَةٍ فَهُوَ كَذِبٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْشَاءِ كَجَعَلْتُهُ فِي مِائَةٍ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ لَا يَنْجَعِلُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِائَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ الْكَلَامُ بِشَيْءٍ (قَوْلُهُ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْمَضْرُوبِ لَا فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ) وَالطَّلْقَةُ الَّتِي جُعِلَ لَهَا أَجْزَاءٌ كَثِيرَةٌ لَا تَزِيدُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ بَعْدَ قَوْلِنَا إنْ عَرَفَ الْحِسَابَ فِي التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ كَوْنَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مُضَعَّفًا بِعَدَدِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْعُرْفَ لَا يَمْنَعُ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِعُرْفِهِمْ وَأَرَادَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْقَعَ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَارِسِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَهُوَ يُدْرِيهَا (قَوْلُهُ فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ) بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا وَقَعَتْ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفَ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَى الْوَاوِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ
(4/22)

وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ كَلِمَةَ " فِي " تَأْتِي بِمَعْنَى " مَعَ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 29] أَيْ مَعَ عِبَادِي، وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَيَلْغُوَ ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا، لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى مَعْنَى لَفْظَةِ مَعَ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ عَلَيْهَا مَدْخُولًا بِهَا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ، وَإِرَادَةُ مَعْنَى لَفْظَةِ مَعَ بِهَا ثَابِتٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 29] أَيْ مَعَ عِبَادِي.
وَفِي الْكَشَّافِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي جُمْلَةِ عِبَادِي، وَقِيلَ فِي أَجْسَادِ عِبَادِي، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ (فِي عَبْدِي) فَهِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا عَلَى هَذَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا مَعَ عِبَادِي يَنْبُو عَنْهُ {وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 30] فَإِنَّ دُخُولَهُ مَعَهُمْ لَيْسَ إلَّا إلَى الْجَنَّةِ، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} [الأحقاف: 16] وَعَنْ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ لَوْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي الْإِقْرَارِ بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ فِي عَشْرَةٍ وَادَّعَى الْخَصْمَ الْجَمِيعَ: أَيْ مَجْمُوعَ الْحَاصِلِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْجَمِيعَ، أَمَّا لَوْ أَرَادَ مَعْنَى الظَّرْفِ لَغَا وَلَمْ يَقَعْ إلَّا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، فَفِي وَاحِدَةٍ فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ وَفِي ثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ لِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ فَيَلْغُوَ الثَّانِي.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَقَالَ: زُفَرُ: بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ) وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: طَالِقٌ طَلْقَةً طَوِيلَةً أَوْ عَرِيضَةً كَانَتْ رَجْعِيَّةً عِنْدَ زُفَرَ فَكَيْفَ يُعَلِّلُ الْبَيْنُونَةَ هُنَا بِالطُّولِ؟ أُجِيبُ بِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ وَصْفِهِ بِالطُّولِ صَرِيحًا فَيُوقَعَ بِهِ الرَّجْعِيُّ وَكِنَايَةً فَيُوقَعَ بِهِ الْبَائِنُ
(4/23)

قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ أَبْلَغُ مِنْهُ بِالصَّرِيحِ كَمَا فِي كَثِيرِ الرَّمَادِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْجَوَادِ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْجُودِ لَهُ بِبَيِّنَةٍ أَعْنِي كَثْرَةَ الرَّمَادِ، وَأَنَّهُ تَعْلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِنَا إلْزَامًا كَأَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَقَدْ وَصَفَهُ بِالطُّولِ، وَلَوْ وَصَفَهُ بِالطُّولِ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ: طَلْقَةً طَوِيلَةً تَقَعُ بَائِنَةً عِنْدَكُمْ فَكَذَا كِنَايَةً بِالْأُولَى لَمَّا قُلْنَا، وَقَدْ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَيْثُ عَلَّلَ سُقُوطَ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ بِالْقِيَاسِ عَلَى صَاحِبِ النِّصَابِ إذَا دَفَعَهُ إلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ مَعَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عِنْدَهُ إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ النِّصَابَ بَعْد الْحَوْلِ كَذَلِكَ، أَوْ أَنَّ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ كَمَا جَوَّزَهُ فِي الْكَافِي لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالَ فِي دَلِيلِهِ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالطُّولِ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً طَوِيلَةً كَانَ بَائِنًا كَذَا هُنَا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ يُفِيدُ الطُّولَ وَالْعَرْضَ فَجَازَ أَنْ لَا تَحْصُلَ الْبَيْنُونَةُ عِنْدَهُ بِأَحَدِهِمَا وَتَحْصُلَ بِالْوَصْفِ بِهِمَا لِأَنَّهُ يُفِيدُ وَتَقَرَّرَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَالْجَبَلِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يُقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطُّولِ بَلْ يَقُولُ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ (قَوْلُهُ قُلْنَا: بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الطَّلَاقُ وَقَعَ فِي كُلِّ الدُّنْيَا وَفِي السَّمَوَاتِ) ثُمَّ هُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْقَصْرَ حَقِيقَةً فَكَانَ قَصْرُ حُكْمِهِ وَهُوَ بِالرَّجْعِيِّ وَطُولُهُ بِالْبَائِنِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْهَا مُوقَعٌ وَلَا كِبَرٌ بَلْ مَدّهَا إلَى مَكَان وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ أَصْلًا فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا اللَّفْظِ زِيَادَةُ شِدَّةٍ فَلَا بَيْنُونَةَ. وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: إنَّهُ إنَّمَا مَدَّ الْمَرْأَةَ لَا الطَّلَاقَ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَالٌ وَلَا يَصْلُحُ صَاحِبَ الْحَالِ فِي التَّرْكِيبِ إلَّا الضَّمِيرُ فِي طَالِقٍ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) وَكَذَا فِي الدَّارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ وَلَا الدَّارِ، وَكَذَا فِي الظِّلِّ وَالشَّمْسِ وَالثَّوْبِ كَالْمَكَانِ، فَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ فِي ثَوْبِ كَذَا وَعَلَيْهَا غَيْرُهُ طَلُقَتْ لِلْحَالِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت إذَا لَبِسَتْ وَإِذَا مَرِضَتْ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي الْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْفِيفِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا إذَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ إذَا دَخَلَتْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالدُّخُولِ دِيَانَةً لَا قَضَاءً (قَوْلُهُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان) الْمَعْنَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَكَانٍ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُعْدِلُ بِهِ رَفْعُ الْقَيْدِ الشَّرْعِيِّ مَعْدُومٌ فِي الْحَالِ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ لِمَنْ لَهُ التَّخَلُّصُ بِلَفْظٍ وَضَعَهُ
(4/24)

وَإِنْ عُنِيَ بِهِ إذَا أَتَيْت مَكَّةَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى الْإِضْمَارَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ، وَإِنْ نَوَى إنْ مَرِضْت لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت مَكَّةَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ.

فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَعَالَى سَبَبًا لِذَلِكَ أَنْ يُعَلَّقَ وُجُودُهُ بِوُجُودِ أَمْرٍ مَعْدُومٍ حَتَّى إذَا وُجِدَ حَكَمَ سُبْحَانَهُ بِوُجُودِ الْمَعْنَى وَهُوَ رَفْعُ الْقَيْدِ وَضْعًا شَرْعِيًّا لَا لُزُومًا عَقْلِيًّا، وَالزَّمَانُ وَالْأَفْعَالُ هُمَا الصَّالِحَانِ لِذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَعْدُومٌ فِي الْحَالِ ثُمَّ يُوجَدُ أَوْ قَدْ يُوجَدُ فَتَعَيَّنَا لِتَعْلِيقِ وُجُودِ الطَّلَاقِ بِوُجُودِ كُلٍّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ ثَابِتَةٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِنَاطَةُ بِهِ، وَلَوْ أَنَاطَ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ فَالْمَنَاطُ إنَّمَا هُوَ وُجُودُهُ أَوْ فِعْلُ الْفَاعِلِ لَهُ فَكَانَ الصَّالِحُ لِتَعْلِيقِ وُجُودِ الْمَعْنِيِّ بِهِ الزَّمَانُ وَالْأَفْعَالُ، ثُمَّ الزَّمَانُ فِي الْإِضَافَةِ وَالتَّعْلِيقُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا.
أَمَّا الْحَالُ فَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَهُ التَّنْجِيزُ وَوُقُوعُ الْمُعَلَّقِ.
وَأَمَّا إضَافَتُهُ إلَى مَاضٍ خَالٍ عَنْهُ فَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَيَلْغُوَ وَيَصِيرَ أَنْتِ طَالِقٌ سَيَقَعُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الطَّلَاقَ بِرَفْعِ الْقَيْدِ وَلَمْ نَقُلْ هُوَ فِعْلٌ مَعْدُومٌ فَنَاسَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالزَّمَانِ وَيُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى فِعْلِ الْفَاعِلِ لَهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي أَثَرِهِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ حَاصِلَهُ تَعَلُّقُ خِطَابِهِ بِالْحُرْمَةِ عِنْدَهُ، وَهَذَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا، فَجَعَلْنَا الْمُعَلَّقَ رَفْعَ الْقَيْدِ لَا فِعْلَ التَّطْلِيقِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: فِي دُخُولِك الدَّارَ أَوْ مَكَّةَ تَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ) أَيْ بِالدُّخُولِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالشَّرْطِ لِصِحَّةِ اسْتِعَارَةِ الظَّرْفِ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَظْرُوفَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الظَّرْفِ كَالْمَشْرُوطِ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الشَّرْطِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْنَاهُ: أَعْنِي الظَّرْفَ، وَكَذَا إذَا قَالَ: فِي لُبْسِك أَوْ فِي ذَهَابِك، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ صَلَاحِيَّةِ الْفِعْلِ لِذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَا يَقُومُ بِهَا فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، حَتَّى لَوْ قَالَ: فِي مَرَضِك أَوْ وَجَعِك أَوْ صَلَاتِك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمْرَضَ أَوْ تُصَلِّيَ.

[فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ]
(فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ) ذَكَرَ فِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ فُصُولًا مُتَعَدِّدَةً بِاعْتِبَارِ تَنَوُّعِ الْإِيقَاعِ: أَيْ مَا بِهِ الْإِيقَاعُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ إلَى مُضَافٍ وَمَوْصُوفٍ وَمُشَبَّهٍ وَغَيْرِهِ مُعَلَّقٍ بِمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا صِنْفٌ تَحْتَ ذَلِكَ الصِّنْفِ الْمُسَمَّى بَابًا
(4/25)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ وَذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ) فَيَقَعَ فِي الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ وَفِي الثَّانِي فِي الْغَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمَ كَانَ تَنْجِيزًا وَالْمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَمَا أَنَّ الْبَابَ يَكُونُ تَحْتَ الصِّنْفِ الْمُسَمَّى كِتَابًا، وَالْكُلَّ تَحْتَ الصِّنْفِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ الْمُدَوَّنِ فَإِنَّهُ صِنْفٌ عَالٍ، وَالْعِلْمُ مُطْلَقًا بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ جِنْسٌ وَمَا تَحْتَهُ مِنْ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ نَوْعٌ، وَالْعُلُومُ الْمُدَوَّنَةُ تَكُونُ ظَنِّيَّةً كَالْفِقْهِ، وَقَطْعِيَّةً كَالْكَلَامِ وَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ، فَوَاضِعُ الْعِلْمِ لَمَّا لَاحَظَ الْغَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ لَهُ فَوَجَدَهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَحْوَالٍ شَتَّى أَوْ أَشْيَاءَ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ فَوَضَعَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فَقَدْ قَيَّدَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنْ الْعِلْمِ بِعَارِضٍ كُلِّيٍّ فَصَارَ صِنْفًا، وَقِيلَ لِلْوَاضِعِ صَنَّفَ الْعِلْمَ، أَيْ جَعَلَهُ صِنْفًا فَالْوَاضِعُ أَوْلَى بِاسْمِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ.
وَإِنْ صَحَّ أَيْضًا فِيهِمْ وَعُلِمَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَتَبَايَنُ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ صِنْفٍ أَعْلَى لِتَبَايُنِ الْعَوَارِضِ الْمُقَيَّدِ بِكُلٍّ مِنْهَا النَّوْعُ وَأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ نَحْوِ كِتَابِ الْحَوَالَةِ اللَّائِقِ بِهِ خِلَافُ تَسْمِيَتِهِ بِكِتَابٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِطُلُوعِ فَجْرِهِ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ) لِأَنَّ جَمِيعَهُ هُوَ مُسَمَّى الْغَدِ، وَلَوْ نَوَى آخِرَ النَّهَارِ جَازَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ) تَنْزِيلٌ لِلْأَجْزَاءِ مَنْزِلَةَ الْأَفْرَادِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ غَدًا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَلَيْسَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ نَجَّزَهُ فَلَا يَرْجِعُ مُتَأَخِّرًا إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَوْرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِإِضَافَةٍ أُخْرَى لَا لِإِضَافَةِ عَيْنِ مَا نُجِّزَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ اعْتِبَارَ كَلَامِهِ إيقَاعًا لِلْحَاجَةِ وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ بِالْوَاحِدَةِ وَلَا ضَرُورَةَ أُخْرَى تَجِبُ لِمُرَاعَاتِهَا وُقُوعُ أُخْرَى، فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ الْيَوْمَ كَانَتْ غَدًا كَذَلِكَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ بِالْعَطْفِ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا أَوْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا طَالِقٌ فِي الْغَدِ وَآخِرِ النَّهَارِ بِطَلَاقِهَا فِي الْيَوْمِ وَأَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَدْ طُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَتَوَقَّفَ الْمُنَجَّزُ لِاتِّصَالِ مُغَيِّرِ الْأَوَّلِ بِالْآخِرِ فَلَمْ لَمْ يَتَوَقَّفْ بِاتِّصَالِ الْإِضَافَةِ كَمَا تَوَقَّفَ بِاتِّصَالِ الشَّرْطِ
(4/26)

وَإِذَا قَالَ: غَدًا كَانَ إضَافَةً وَالْمُضَافُ لَا يَتَنَجَّزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْإِضَافَةِ فَلَغَا اللَّفْظُ الثَّانِي فِي الْفَصْلَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَكِلَاهُمَا مُغَيِّرٌ لِلتَّنْجِيزِ؟
فَظَهَرَ أَنَّهُ مُضَافٌ لَا أَنَّهُ طَلَاقٌ آخَرُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ الْيَوْمَ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّعْلِيقِ لَا لِبَيَانِ وَقْتِ الْوُقُوعِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الشَّرْطِ فَيَبْقَى قَوْلُهُ الْيَوْمَ بَيَانًا لِوَقْتِ الْوُقُوعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا يَسْقُطُ الْجَوَابُ بِأَنَّ طَالِقٌ الْيَوْمَ إيقَاعٌ فِي الْحَالِ، وَإِذَا جَاءَ غَدٌ تَعْلِيقٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِهِمَا لِلتَّنَافِي وَاعْتِبَارُ الْمُعَلَّقِ أَوْلَى لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ إلْغَاءُ كَلِمَةِ وَاحِدَةٍ وَهِيَ لَفْظَةُ " الْيَوْمَ "، وَفِي اعْتِبَارِ الْمُنَجَّزِ إلْغَاءُ كَلِمَاتٍ وَهِيَ قَوْلُهُ إذَا جَاءَ غَدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْفَرْقُ فِي الْجَوَابَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ تُوقَفْ فَلَمْ يَكُنْ تَنْجِيزًا مَعَ اتِّصَالِ الْمُغَيِّرِ الشَّرْطِيِّ وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ فَكَانَ تَنْجِيزًا مَعَ اتِّصَالِ الْمُغَيِّرِ الْإِضَافِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُجْعَلْ الثَّانِي نَاسِخًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ النَّسْخَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْأَوَّلِ وَتَقَرُّرِهِ، وَتَقَرُّرُ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَثُبُوتُ وُقُوعِهِ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَأْخِيرُهُ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ طَالِقٌ غَدًا الْيَوْمَ فَلِأَنَّهُ وَقَعَ مُسْتَقِيمًا مُضَافًا وَبَعْدَمَا صَحَّ مُضَافًا إلَى غَدٍ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ مُنَجَّزًا بَلْ لَوْ اُعْتُبِرَ كَانَ تَطْلِيقَةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا لَزِمَتْ إضَافَتُهَا إلَى الْغَدِ فَلَزِمَ إلْغَاءُ اللَّفْظِ الثَّانِي ضَرُورَةً، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ مُسْتَبِدٍّ فِي نَفْسِهِ مُتَرَاخٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا.
فَإِنْ قُلْت: فَمَا وُجُوهُ الْمَسْأَلَةِ إذَا وُسِّطَتْ الْوَاوُ؟ فَالْجَوَابُ إذَا قُدِّمَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْوَقْتَيْنِ كَأَنْتِ طَالِقٌ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ أَوْ الْيَوْمَ وَغَدًا أَوْ فِي لَيْلِك وَنَهَارِك وَهُوَ فِي اللَّيْلِ أَوْ قَلْبِهِ وَهُوَ فِي النَّهَارِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْأُخْرَى لِأَنَّهَا بِطَلَاقِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ تَكُونُ طَلَاقًا فِي آخِرِهِمَا، وَلَوْ نَوَى أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ وَاحِدَةٌ وَغَدًا وَاحِدَةٌ صَحَّ وَوَقَعَتْ ثِنْتَانِ، وَكَذَا طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِلَا نِيَّةٍ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَعْنَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ كَطَالِقٍ غَدًا وَالْيَوْمَ أَوْ فِي نَهَارِك وَلَيْلِك وَهُوَ فِي اللَّيْلِ أَوْ قَلْبِهِ وَهُوَ فِي النَّهَارِ فَعَنْ زُفَرَ كَذَلِكَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَنَا يَقَعُ ثِنْتَانِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ مُضَافًا صَحِيحًا وَالْوَاوَ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ يُوجِبُ تَقْدِيرَ مَا فِي الْأُولَى بِمَا بَعْدَهَا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ، وَقَدْ نُقِلَ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ؛ فَعِنْدَ زُفَرَ يَقَعُ ثَلَاثٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ مُوقَعٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ قُلْنَا اللَّازِمُ وَهُوَ كَوْنُهَا طَالِقًا فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْصُلُ بِإِيقَاعِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَقَطْ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى اعْتِبَارِهِ مُوقَعًا كُلَّ يَوْمٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ نَقْلَ هَذَا الْخِلَافِ مَعَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي طَالِقٍ غَدًا وَالْيَوْمَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ إمَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ فَتَقَعَ وَاحِدَةٌ أَوْ قَلْبَهُ غَدًا وَمَا بَعْدَهُ وَالْيَوْمَ فَكَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً، فَلَوْ نَوَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلِيقَةً أُخْرَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ أَوَّلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
وَحَاصِلُ مَا يَقَعُ بِهِ جَوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ نِيَّةِ الثَّلَاثِ إمَّا بِاعْتِبَارِ إضْمَارِ التَّطْلِيقِ كَأَنَّهُ قَالَ: طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلِيقَةً أَوْ بِإِضْمَارِ فِي كَأَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدَةً وَهُوَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ زُفَرُ. وَفَرَّقُوا بِأَنَّ " فِي " لِلظَّرْفِ وَالزَّمَانُ إنَّمَا هُوَ ظَرْفٌ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعِ فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ وُقُوعُ تَعَدُّدِ
(4/27)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ وَقَالَ نَوَيْت آخِرَ النَّهَارِ دِينَ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ " فِي " جَمِيعِ الْغَدِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ غَدًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَذْفَ فِي وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ فِي الْحَالَيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِ وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَتَعَيَّنَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، فَإِذَا عَيَّنَ آخِرَ النَّهَارِ كَانَ التَّعْيِينُ الْقَصْدِيُّ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الضَّرُورِيِّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ غَدًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ حَيْثُ وَصَفَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُضَافًا إلَى جَمِيعِ الْغَدِ. نَظِيرُهُ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ عُمْرِي، وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ فِي عُمْرِي، وَعَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوَاقِعِ، بِخِلَافِ كَوْنِ كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ الِاتِّصَافُ بِالْوَاقِعِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ وَقَالَ: نَوَيْت آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً) وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لَهُمَا أَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ غَدًا وَفِيهِ لَا يُصَدَّقُ فِي نِيَّتِهِ آخِرَهُ، وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ اتِّفَاقًا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَهَذَا وَهُوَ كَوْنُ وَصْفِهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ أَوْ صَيْرُورَتِهِ بِمَنْزِلَةِ غَدًا لِأَنَّ حَذْفَ لَفْظَةِ فِي مَعَ إرَادَتِهَا وَإِثْبَاتِهَا سَوَاءٌ فَإِذَا كَانَ فِي حَذْفِهِ يُفِيدُ عُمُومَ الزَّمَانِ فَفِي إثْبَاتِهِ كَذَلِكَ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذِكْرَ لَفْظَةِ فِي يُفِيدُ وَصْلَ مُتَعَلِّقِهَا بِجُزْءٍ مِنْ مَدْخُولِهَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِجُزْءٍ آخَرَ أَوْ كُلِّهِ أَوْ لَا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ خُصُوصُ أَحَدِهِمَا مِنْ خَارِجٍ كَمَا فِي صُمْت فِي يَوْمٍ يُعْرَفُ الشُّمُولُ وَأَكَلْت فِي يَوْمٍ يُعْرَفُ عَدَمُهُ لَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ فَإِذَا نَوَى جُزْءًا مِنْ الزَّمَانِ خَاصًّا فَقَدْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمُتَوَاطِئِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرُوا وَصْلَ الْفِعْلِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْمُفَادَ حِينَئِذٍ عُمُومُهُ لِلْقَطْعِ مِنْ اللُّغَةِ بِفَهْمِ الِاسْتِيعَابِ فِي سِرْت فَرْسَخًا وَبِعَدَمِهِ فِي سِرْت فِي فَرْسَخٍ وَصُمْت عُمُرِي وَفِي عُمُرِي فَنِيَّةُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ فِيهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ
(4/28)

هَذَيْنِ الدَّهْرَ وَفِي الدَّهْرِ.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَيَلْغُوَ، كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَضَاءً، وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي غَدٍ قَوْلُهُ فِي شَعْبَانَ مَثَلًا؛ فَإِذَا قَالَ: طَالِقٌ فِي شَعْبَانَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ طَلُقَتْ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَإِنْ نَوَى آخِرَ شَعْبَانَ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ) أَوْ فِي الشَّهْرِ الَّذِي خَرَجَ (وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَكَانَ حَاصِلُهُ إنْكَارًا لِلطَّلَاقِ فَيَلْغُوَ فَكَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلِأَنَّهُ حِينَ تَعَذَّرَ تَصْحِيحُهُ إنْشَاءً أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ: أَيْ طَالِقٌ أَمْسِ عَنْ قَيْدِ النِّكَاحِ إذَا لَمْ تَنْكِحِي بَعْدُ أَوْ عَنْ طَلَاقِ زَوْجٍ كَانَ لَهَا إنْ كَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِلْمُعَيَّنَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ يَقَعُ ثِنْتَانِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي التَّرْكِيبِ الْإِيقَاعُ وَالْإِنْشَاءُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا لِتَعَذُّرِهِ وَالصَّارِفُ عَنْهُ إلَى مُحْتَمِلِهِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِنْشَاءِ مُنْتَفٍ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، إمَّا بِعَوْدِ الْقَيْدِ بَعْدَ زَوَالِهِ لِثُبُوتِ الْعِدَّةِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ، أَوْ لِبَقَائِهِ مُتَوَقِّفًا إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَقَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا إذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ يَقَعُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ طَلْقَةٌ أُخْرَى لِبَقَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ فِي الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيَّةً لِقِيَامِ الْعِدَّةِ بِعَوْدِ الْقَيْدِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُبَانَةِ مَعَ قِيَامِ عِدَّتِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِخْبَارِ ثَانِيًا أَوْ التَّأْكِيدِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ التَّجْدِيدَ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنْكَرِ لَيْسَ غَالِبًا، وَلَا الدَّاعِي إلَى تَكْثِيرِ الطَّلَقَاتِ مِنْ اللَّجَاجِ وَالْبَغْضَاءِ بِحَيْثُ لَا يَقْنَعُ الزَّوْجُ بِوَاحِدَةٍ مَوْجُودًا فِيهِ لِأَنَّ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا فِي الْمُنَكَّرَةِ، وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا لِكَذِبِهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِسْنَادِ فَكَانَ إنْشَاءً فِي الْحَالِ فَيَقَعَ السَّاعَةَ.
وَعَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ حَكَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي مَسْأَلَةِ الدَّوْرِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَهِيَ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَحَكَمَ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ بِتَنْجِيزِ طَلَاقِهَا لِأَنَّهُ لَوْ تَنَجَّزَ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَوُقُوعُ الثَّلَاثِ سَابِقًا عَلَى التَّنْجِيزِ يَمْنَعُ الْمُنْجِزَ بِوُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ وَنَقُولُ أَيْضًا: إنَّ هَذَا تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ اللُّغَةِ لِأَنَّ الْأَجْزِيَةَ تَنْزِلُ بَعْدَ الشَّرْطِ أَوْ مَعَهُ لَا قَبْلَهُ، وَلِحُكْمِ الْعَقْلِ أَيْضًا لِأَنَّ مَدْخُولَ أَدَاةِ الشَّرْطِ سَبَبٌ وَالْجَزَاءَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وَلَا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ فَكَانَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ لَغْوًا أَلْبَتَّةَ فَبَقِيَ الطَّلَاقُ جَزَاءً لِلشَّرْطِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ
(4/29)

أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلهُ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ) لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا أَيْضًا فَكَانَ إنْشَاءً، وَالْإِنْشَاءُ فِي الْمَاضِي إنْشَاءٌ فِي الْحَالِ فَيَقَعَ السَّاعَةَ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قِبَلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ، أَوْ يُصَحَّحُ إخْبَارًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ التَّطْلِيقِ وَقَدْ وُجِدَ حَيْثُ سَكَتَ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى وَمَتَى مَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْقَبْلِيَّةِ وَلِحُكْمِ الشَّرْعِ لِأَنَّ النُّصُوصَ نَاطِقَةٌ بِشَرْعِيَّةِ الطَّلَاقِ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى رَفْعِهَا فَيَتَفَرَّعَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وُقُوعُ ثَلَاثٍ: الْوَاحِدَةُ الْمُنَجَّزَةُ وَثِنْتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقَةِ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ وَقَعَتَا وَوَاحِدَةً مِنْ الْمُعَلَّقَةِ أَوْ ثَلَاثًا وَقَعْنَ فَيَنْزِلَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ لَا يُصَادِفُ أَهْلِيَّةً فَيَلْغُو.
وَلَوْ كَانَ قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ الْمُنَجَّزَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ إذَا طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ) أَوْ مَجْنُونٌ وَكَانَ جُنُونُهُ مَعْهُودًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا طَلُقَتْ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا وَأَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ لَمْ تُعْهَدْ فَلَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ فِي الْإِضَافَةِ (أَوْ يُصَحَّحُ إخْبَارًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ كَوْنِهِ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ أَوْ طَلَاقِ زَوْجٍ مُتَقَدِّمٍ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ طَلُقَتْ) بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ مَتَى ظَرْفُ زَمَانٍ، وَكَذَا " مَا " تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً نَائِبَةً عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ، قَالَ: تَعَالَى قَاصِدًا لِكَلَامِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] أَيْ مُدَّةَ دَوَامِي حَيًّا، فَصَارَ حَاصِلُ الْمَعْنَى إضَافَةَ طَلَاقِهَا إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ طَلَاقِهَا، وَبِمُجَرَّدِ سُكُوتِهِ وُجِدَ الزَّمَانُ الْمُضَافُ إلَيْهِ فَيَقَعَ.
فَلَوْ قَالَ: مَوْصُولًا أَنْتِ طَالِقُ بَرَّ، حَتَّى لَوْ قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ وَصَلَ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ قَالَ: أَصْحَابُنَا بَرَّ وَوَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ: زُفَرُ: ثَلَاثٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ مُتَتَابِعَةً لَا جُمْلَةً لِأَنَّهَا تَقْتَضِي عُمُومَ الْإِفْرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: حِينَ لَمْ أُطَلِّقْك وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهِيَ طَالِقٌ حِينَ سَكَتَ، وَكَذَا زَمَانَ لَمْ أُطَلِّقْك وَحَيْثُ لَمْ أُطَلِّقْك وَيَوْمَ لَمْ أُطَلِّقْك. وَإِنْ قَالَ: زَمَانَ
(4/30)

صَرِيحٌ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، وَكَذَا كَلِمَةُ " مَا " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] أَيْ وَقْتَ الْحَيَاةِ.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْيَأْسِ عَنْ الْحَيَاةِ وَهُوَ الشَّرْطُ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ، وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا أُطَلِّقُك أَوْ حِينَ لَا أُطَلِّقُك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمْضِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّ لَمْ تَقْلِبُ الْمُضَارِعَ مَاضِيًا مَعَ النَّفْيِ وَقَدْ وُجِدَ زَمَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ فَوَقَعَ، وَحَيْثُ لِلْمَكَانِ وَكَمْ مَكَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَكَلِمَةُ لَا لِلِاسْتِقْبَالِ غَالِبًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِحِينَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ أَوْسَطُ اسْتِعْمَالَاتِهِ إذْ يُرَادُ بِهِ سَاعَةٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] وَأَرْبَعُونَ سَنَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1] وَالزَّمَانُ كَالْحِينِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْيَأْسِ عَنْ الْحَيَاةِ، لِأَنَّهُ مَتَى طَلَّقَهَا فِي عُمُرِهِ لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بَلْ صَدَقَ نَقِيضُهُ وَهُوَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَالْيَأْسُ يَكُونُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَّاتِهِ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ الْمُتَقَدِّمُونَ بَلْ قَالُوا: تَطْلُقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا وَوَرِثَتْهُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ وَإِلَّا لَا تَرِثُهُ.
وَقَوْلُهُ وَهُوَ الشَّرْطُ: يَعْنِي الْعَدَمَ (قَوْلُهُ كَمَا فِي إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ) إعْطَاءُ نَظِيرٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ بِإِنْ مَنْفِيٌّ حُكْمُهُ كَذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ أَوْ الْعَتَاقُ إذَا عُلِّقَ بِهِ إلَّا بِالْمَوْتِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَزَادَ قَيْدًا حَسَنًا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِكَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَهُوَ عَلَى الْأَبَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ انْتَهَى.
وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ تُطَاوِعْهُ فَقَالَ: إنْ لَمْ تَدْخُلِي الْبَيْتَ مَعِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ بَعْدَمَا سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ طَلُقَتْ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الدُّخُولِ كَانَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ وَقَدْ فَاتَ (قَوْلُهُ وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ بِمَوْتِهَا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِمَوْتِهَا وَصَارَ كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَدْخُلَ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ بِمَوْتِهِ لَا بِمَوْتِهَا. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْوَجْهَ السَّابِقَ يَنْتَظِمُ مَوْتَهَا وَمَوْتَهُ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ مَوْتَهَا يُمَكِّنُهُ الدُّخُولَ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْيَأْسُ بِمَوْتِهَا فَلَا يَقَعُ. أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ الْيَأْسُ مِنْهُ بِمَوْتِهَا، وَإِذَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِهِ قَبْلَ مَوْتِهَا لَا يَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجُ لِأَنَّهَا بَانَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ حَالَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِالْبَيْنُونَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ صَرِيحًا لِانْتِفَاءِ الْعِدَّةِ كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ
(4/31)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك، أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ) لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبٌ
فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَمَتَى مَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوُقُوعَ فِي آخِرِ جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ فَلَمْ يَلِهِ إلَّا الْمَوْتُ وَبِهِ تَبَيَّنَ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ) لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلْوَقْتِ كَكَلِمَةِ مَتَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] وَقَالَ قَائِلُهُمْ وَهُوَ ابْنُ أَحْمَرَ أَوْ حَرِيُّ بْنُ ضَمْرَةَ:
(وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ)
يَعْنِي أَخَاهُ الصَّغِيرَ، وَمَا قِيلَ إنَّهُ لَعَنْتَرَةُ الْعَبْسِيُّ فَخَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّأْنِ لِانْتِفَائِهِ مِنْ دِيوَانِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لِعَنْتَرَةَ أَخٌ اسْمُهُ جُنْدُبٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا لَهُ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ اسْمُهُ شَيْبُوبٌ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ أُمُّهُ بِحَيْثُ تُوَاكِلُ إيَّاهُ شَدَّادًا حَيْسًا لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قِصَّتِهِ.
وَقَبْلَ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ:
هَلْ فِي الْقَضِيَّةِ أَنْ إذَا اسْتَغْنَيْتُمْ ... وَأَمِنْتُمْ فَأَنَا الْبَعِيدُ الْأَجْنَبُ
وَإِذَا الشَّدَائِدُ بِالشَّدَائِدِ مَرَّةً ... أَشَجَّتْكُمْ فَأَنَا الْمُحَبُّ الْأَقْرَبُ
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
هَذَا وَجَدِّكُمْ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لَا أُمَّ لِي إنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ
عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةٍ وَإِقَامَتِي ... فِيكُمْ عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَعْجَبُ
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْآيَةِ وَالْبَيْتِ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُ الْأَوَّلِ عَلِمْت وَجَوَابُ الثَّانِي أُدْعَى وَيُدْعَى، وَأَيْضًا تَنْظِيرُهُ لَهَا بِمَتَى غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَحَّضُ لِلْوَقْتِ أَبَدًا، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِلْوَقْتِ يَعْنِي الْمَحْضَ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ مَطْلُوبِهِمَا عَلَيْهِ، بَلْ الْمَنْقُولُ لَهُمَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا مَعْنَى
(4/32)

كَمَا فِي قَوْلِهِ مَتَى شِئْت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، قَالَ قَائِلُهُمْ:
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ فِي الْمُجَازَاةِ، فَأَوْرَدَ الشَّاهِدِينَ لَهُمَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى قِيَامِ الْوَقْتِ مَعَ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ لَهُمَا حَاجَةٌ أَنْ يُبَيِّنَهَا أَنَّهَا لِلْوَقْتِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الشَّرْطِ، بَلْ حَاجَتُهُمَا فِي إثْبَاتِ الِاجْتِمَاعِ لِيَكُونَ دَفْعًا ظَاهِرًا لِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ (قَوْلُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ أَيْضًا) يَعْنِي الشَّرْطَ الْمُجَرَّدَ عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَإِلَّا لَا يُفِيدُ.
وَهَذَا مَذْهَبٌ نُقِلَ عَنْ الْكُوفِيِّينَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ
وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
حَيْثُ جُزِمَ بِهَا فَصَارَتْ مُحْتَمِلَةً لِكُلٍّ مِنْ الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الظَّرْفِ؛ وَالظَّرْفُ إمَّا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ عِنْدَهُ فِي الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ كَالظَّاهِرِ فَتَسَاوَيَا كَمَا قِيلَ، وَلِذَا صَدَّقَهُ الْقَاضِي فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ الشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ، وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ دِجْلَةَ حَيْثُ صَرَفَاهَا إلَى الشُّرْبِ بِالْآنِيَةِ وَكَرَعَا لِأَنَّ الْمَجَازَ هُنَاكَ غَالِبٌ.
وَاحْتَاجَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْفَرْقِ لِأَنَّهُ جَزَمَ هُنَاكَ أَنَّهَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا هُنَا، وَفَرْقُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْحِنْثُ بِالْكَرَعِ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَاعْتِبَارِ الْمَجَازِ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الشُّرْبِ اغْتِرَافًا فَكَانَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ ثَابِتًا يَقِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَاعْتُبِرَتْ لِذَلِكَ: أَيْ لِلتَّيَقُّنِ بِحُكْمِهَا، بِخِلَافِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ مَعْنَى الظَّرْفِ هُنَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الْمَجَازِ، وَأَنْتَ سَمِعْت أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ يَمْنَعُونَ سُقُوطَ مَعْنَى الظَّرْفِ عَنْهَا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ شَرْطًا كَمَتَى، فَثُبُوتُ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مَجَازًا فِي جُزْءِ مَعْنَاهَا فَلَمْ يُسْمَعْ يَقِينًا، وَبِتَقْدِيرِ إحْدَاثِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي آحَادِ الْمَجَازِ فَكَوْنُهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا أَرَادَ مَعْنَى الشَّرْطِ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ الْقَاضِي بَلْ يَصِحُّ دِيَانَةً لِأَنَّهُ الْوَجْهُ عِنْدَهُمَا ظُهُورُهَا فِي الظَّرْفِ، فَمُرَادُهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَالْبَيْتُ الْمَذْكُور لَهُ قَائِلُهُ عَبْدُ قَيْسِ بْنِ خِفَافِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ يُوصِي جُبَيْلًا ابْنَهُ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا آدَابٌ وَمَصَالِحُ أَوَّلُهَا:
أَجُبَيْلُ إنَّ أَبَاك كَارِبُ يَوْمِهِ ... فَإِذَا دُعِيت إلَى الْمَكَارِمِ فَاعْجَلْ
أُوصِيكَ إيصَاءَ امْرِئٍ لَك نَاصِحٌ ... ظَنَّ بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرَ مَعْقِلِ
اللَّهَ فَاتَّقِهِ وَأَوْفِ بِنَذْرِهِ ... وَإِذَا حَلَفْت مُمَارِيًا فَتَحَلَّلْ
وَالضَّيْفَ تُكْرِمْهُ فَإِنَّ مَبِيتَهُ ... حَقٌّ وَلَا تَكُ لَعْنَةً لِلنُّزُلِ
(4/33)

فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَقْتُ تَطْلُقُ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الضَّيْفَ مُخْبِرُ أَهْلِهِ ... بِمَبِيتِ لَيْلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ
وَدَعِ الْقَوَارِصَ لِلصِّدِّيقِ وَغَيْرِهِ ... كَيْ لَا يَرَوْكَ مِنْ اللِّئَامِ الْعُزَّلِ
وَصِلْ الْمُوَاصِلَ مَا صَفَا لَك وُدُّهُ ... وَاحْذَرْ حِبَالَ الْخَائِنِ الْمُتَبَذِّلِ
وَاتْرُكْ مَحِلَّ السُّوءِ لَا تَحْلُلْ بِهِ ... وَإِذَا نَبَا بِك مَنْزِلٌ فَتَحَوَّلْ
دَارُ الْهَوَانِ لِمَنْ رَآهَا دَارِهِ ... أَفَرَاحِلٌ عَنْهَا كَمَنْ لَمْ يَرْحَلْ
وَاسْتَأْنِ حِلْمَك فِي أُمُورِك كُلِّهَا ... وَإِذَا عَزَمْت عَلَى النَّدَى فَتَوَكَّلْ
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَإِذَا هَمَمْت بِأَمْرِ شَرٍّ فَاتَّئِدْ ... وَإِذَا هَمَمْت بِأَمْرِ خَيْرٍ فَاعْجَلْ
وَإِذَا أَتَتْك مِنْ الْعَدُوِّ قَوَارِصُ ... فَاقْرُصْ لِذَاكَ وَلَا تَقُلْ لَمْ أَفْعَلِ
وَإِذَا افْتَقَرْت فَلَا تَكُنْ مُتَخَشِّعًا ... تَرْجُو الْفَوَاضِلَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُفْضَلِ
وَإِذَا تَشَاجَرَ فِي فُؤَادِك مَرَّةً ... أَمْرَانِ فَاعْمِدْ لِلْأَعَفِّ الْأَجْمَلِ
وَإِذَا لَقِيت الْقَوْمَ فَاضْرِبَ فِيهِمْ ... حَتَّى يَرَوْكَ طِلَاءَ أَجْرَبَ مُهْمَلِ
وَإِذَا رَأَيْت الْبَاهِشِينَ إلَى النَّدَى ... غُبْرًا أَكُفُّهُمْ بِقَاعٍ مُمْحِلِ
فَأَعْنِهِمْ وَأَيْسِرْ بِمَا يُسَرُّوا بِهِ ... وَإِذَا هُمُوا نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلْ
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّاعِرُ إذَا فِيهَا لِلشَّرْطِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا بِالْجَزْمِ وَدُخُولِ فَاءِ الْجَزَاءِ، وَمَعْقِلٌ مِنْ عَقَلْت النَّاقَةَ بِالْعَقْلِ، يُرِيدُ عَقْلِي بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَتَجَمَّلْ: أَيْ أَظْهِرْ جَمِيلًا وَلَا تُظْهِرْ جَزَعًا، وَقِيلَ كُلْ الْجَمِيلَ الْمَجْمُولَ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ فِي التَّأْدِيبِ. وَفِي الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ قَبْلَ التَّطْلِيقِ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فَيَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقٌ، وَهَذَا الطَّلَاقُ يَصْلُحُ شَرْطًا فِي الْيَمِينِ الْأُولَى. لِأَنَّهُ وَقَعَ بِكَلَامٍ وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ الْأُولَى فَحَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ فَيَقَعَ طَلَاقَانِ.
وَلَوْ قَلَبَ فَقَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ يَقَعُ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ قَبْلَ التَّطْلِيقِ صَارَ حَانِثًا فِي الْيَمِينِ الْأُولَى فَيَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِكَلَامٍ وُجِدَ قَبْلَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ، فَالشُّرُوطُ تُرَاعَى فِي الْمُسْتَقْبِلِ لَا الْمَاضِي وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا. وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَيَقَعَانِ بَعْدَ زَمَانٍ يَسِيرٍ فِي الْأُولَى لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ كَمَا سَكَتَ لِأَنَّهُ حَنِثَ فِي قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْكُتْ حَتَّى مَاتَ لِأَنَّ زَمَانَ قَوْلِهِ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ زَمَانٌ يُوجَدُ فِيهِ تَطْلِيقٌ فَيَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ.
وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا تَزَوَّجْتُك قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك، وَقَلْبُهُ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك إذَا تَزَوَّجْتُك، وَإِذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك، فَفِي الصُّورَتَيْنِ
(4/34)

بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ، أَمَّا إذَا نَوَى الْوَقْتَ يَقَعُ فِي الْحَالِ وَلَوْ نَوَى الشَّرْطَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهَا.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ) مَعْنَاهُ قَالَ ذَلِكَ وُصُولًا بِهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْمُضَافُ فَيَقَعَانِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ وُجِدَ زَمَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ وَإِنْ قَلَّ وَهُوَ زَمَانُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ زَمَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأُولَيَيْنِ يَقَعُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ اتِّفَاقًا، وَفِي الثَّالِثَةِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا أُضِيفَ إلَى وَقْتَيْنِ أَحَدُهُمَا يَقْبَلُهُ وَالْآخِرُ لَا صَحَّ مَا يَقْبَلُهُ وَبَطَلَ مَا لَا يَقْبَلُهُ وَإِنَّ الْآخَرَ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ، وَقَبْلَ وَإِذَا ظَرْفَانِ وَقَبْلَ لَا يَقْبَلُ الطَّلَاقَ، وَإِذَا تَقْبَلُهُ فَأُضِيفَ إلَيْهَا، وَلَهُمَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّالِثَةِ وَمَا قَبْلَهَا تُرَجَّحُ جِهَةُ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْفَاءِ فِي الْجَزَاءِ، فَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ التَّزَوُّجِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك فَلَا يَقَعُ، أَوْ لِأَنَّ الْآخَرَ وَهُوَ الْإِضَافَةُ إلَى قَبْلَ نَسَخَ الْأَوَّلَ (وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ يُوجِبُ وُقُوعَهُ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ تَحِلُّ وَعَلَى تَقْدِيرِ الظَّرْفِيَّةِ تَطْلُقُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَحْرُمَ تَقْدِيمًا لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الظَّرْفِ كَمَا قَالَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّرَدُّدِ فِي الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ جَاءَ فِيهِ أَنَّ عَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِقَاضِ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ وَعَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِهِ تَحِلُّ وَمَعَ هَذَا لَا تَتَرَجَّحُ الْحُرْمَةُ وَإِنْ كَانَ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُوجِبُ شَيْئًا إنَّمَا ذَلِكَ فِي تَعَارُضِ دَلِيلِ الْحُرْمَةِ مَعَ دَلِيلِ الْحِلِّ فَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْحُرْمَةِ، أَمَّا هُنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْحُرْمَةَ لَمْ نَعْمَلْ بِدَلِيلٍ بَلْ بِالشَّكِّ، وَهُنَاكَ يَقَعُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُشْكِلُ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ فِي الْمَشِيئَةِ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا وَعَلَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ، وَكَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى وَلَمْ تُدْرَ نِيَّتُهُ لِعَارِضٍ عَرَاهُ، وَأَمَّا إذَا عُرِفَتْ بِأَنَّ اسْتَفْسَرَ فَقَالَ: أَرَدْت الزَّمَانَ فَيَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الشَّرْطَ صُدِّقَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ: أَعْنِي قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك، فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت الزَّمَانَ صُدِّقَ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت الشَّرْطَ لَا يُصَدَّقُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَعَلَى قَوْلِهِ يُصَدَّقُ فِي الشَّرْطِ وَفِي الظَّرْفِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ مُحْتَمَلَاتِهَا مَعَ أَنَّ فِي الثَّانِي تَشْدِيدًا عَلَى نَفْسِهِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ) الْمُنَجَّزَةِ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ كَانَ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ (مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا بِهِ) فَلَوْ فَصَلَ وَقَعَ الْمُضَافُ وَالْمُنَجَّزُ جَمِيعًا (وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْمُضَافُ أَيْضًا فَيَقَعَانِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا يَقَعُ الْمُضَافُ وَحْدَهُ (وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ وُجِدَ زَمَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ وَإِنْ قَلَّ، وَهُوَ زَمَانُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ زَمَانَ
(4/35)

الْبِرِّ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ لِأَنَّ الْبِرَّ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْقِيقُ الْبِرِّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مُسْتَثْنًى، أَصْلُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَغَلَ بِالنَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخَوَاتُهُ عَلَى مَا يَأْتِيك فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ) لِأَنَّ الْيَوْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ كَالصَّوْمِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمِعْيَارُ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِهِ، وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيَنْتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبِرِّ مُسْتَثْنًى بِدَلَالَةِ حَالِ الْحَالِفِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُعْقَدُ لِلْبِرِّ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يُمَكِّنُهُ تَحْقِيقَ الْبِرِّ فِيهِ مِنْ الزَّمَانِ (أَصْلُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ سَاكِنُهَا فَاشْتَغَلَ بِالنَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ) بَرَّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، فَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ هُنَا النَّظِيرُ لَا أَصْلُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْكُلَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ: لِامْرَأَةِ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ لِأَنَّ الْيَوْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ حَرَامٌ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَالْأَفْعَالُ مِنْهَا مَا يَمْتَدُّ وَهُوَ مَا صَحَّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ لَهُ كَالسَّيْرِ وَالرُّكُوبِ وَالصَّوْمِ وَتَخْيِيرِ الْمَرْأَةِ وَتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَاخْتَارِي نَفْسَك يَوْمَ يَقْدَمُ فَيَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِبَيَاضِ النَّهَارِ، فَلَوْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا لَا خِيَارَ لَهَا أَوْ نَهَارًا دَخَلَ الْأَمْرُ فِي يَدِهَا إلَى الْغُرُوبِ لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَدَّ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ دُونَ حَرْفٍ فِي ضَرْبِ الْمُدَّةِ تَقْدِيرًا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي بَيَاضِ النَّهَارِ فَيَبْقَى مَعَهُ إلَى أَنْ يَتَعَيَّنَ خِلَافُهُ كَقَوْلِك أَحْسِنْ الظَّنَّ بِاَللَّهِ يَوْمَ تَمُوتُ وَارْكَبْ يَوْمَ يَأْتِي الْعَدُوُّ.
وَمِنْهَا مَا لَا يَمْتَدُّ وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ لَهُ كَالطَّلَاقِ وَالتَّزَوُّجِ وَالْعَتَاقِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ وَالْخُرُوجِ فَيَجِبُ حَمْلُ الْيَوْمِ مَعَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ لِأَنَّ ضَرْبَ الْمُدَّةِ لَهُ لَغْوٌ إذْ لَا يَحْتَمِلُهُ (وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) فَيَقَعُ لَيْلًا تَزَوَّجَهَا أَوْ نَهَارًا، كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، وَفِي الْأَصْلِ التَّزَوُّجُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قِيلَ كَأَنَّهُ غَلَطٌ، وَالصَّحِيحُ الطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الصَّحِيحُ التَّزَوُّجُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، قَالَ: كَذَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّ شَيْخِي، وَلِأَنَّهُ اعْتَبَرَ
(4/36)

وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَاللَّيْلُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا السَّوَادَ وَالنَّهَارُ يَتَنَاوَلُ الْبَيَاضَ خَاصَّةً وَهَذَا هُوَ اللُّغَةُ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْكِتَابِ فِي وِزَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِعْلُ الشَّرْطِ لَا الْجَزَاءُ، قَالَ: فِي الْأَيْمَانِ: لَوْ قَالَ: يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَالْكَلَامُ لَا يَمْتَدُّ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فِي أَتَزَوَّجُك لَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْقِرَانِ فِي قَوْلِهِ إذَا قَرَنَ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّزَوُّجِ لَا الطَّلَاقِ لِأَنَّ مُقَارَنَتَهُ الْيَوْمَ أَقْوَى لِأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ وَالْمُضَافُ مَعَ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَالْأَصْوَبُ الِاعْتِبَارُ الْأَوَّلُ: أَعْنِي اعْتِبَارَ الْجَزَاءِ كَالطَّلَاقِ هُنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذِكْرِ الظَّرْفِ إفَادَةُ وُقُوعِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَظْرُوفًا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِذِكْرِ ذَلِكَ الظَّرْفُ، بَلْ إنَّمَا ذُكِرَ الْمُضَافُ إلَيْهِ لِيَتَعَيَّنَ الظَّرْفُ فَيَتِمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ تَعْيِينِ زَمَنِ وُقُوعِ مَضْمُونِ الْجَوَابِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِبَارَ مَا قُصِدَ الظَّرْفُ لَهُ لِاسْتِعْلَامِ الْمُرَادِ مِنْ الظَّرْفِ أَهُوَ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْمَجَازِيُّ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ مَا لَمْ يُقْصَدْ لَهُ فِي اسْتِعْلَامِ حَالِهِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ تَسَامَحُوا فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْجَوَابُ: أَعْنِي مَا يَكُونُ بِهِ الْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ مِمَّا يَمْتَدُّ نَحْوُ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَسِيرُ فُلَانٌ، أَوْ لَا يَمْتَدُّ كَأَنْتِ حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ وَطَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَعَلَّلُوا بِامْتِدَادِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَعَدَمِهِ، وَالْمُحَقِّقُونَ ارْتَفَعُوا عَنْ ذَلِكَ الْإِيهَامِ.
وَمِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ حَكَى خِلَافًا فِي الِاعْتِبَارِ وَيُشْبِهُ كَوْنَهُ وَهْمًا، وَلِذَا نُقِلَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُعَلَّقِ فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْجَوَابُ لَوْ اُعْتُبِرَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَهُوَ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ بِالِامْتِدَادِ وَعَدَمِهِ كَأَنْتِ حُرٌّ يَوْمَ يَسِيرُ فُلَانٌ.

[فُرُوعٌ] قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ تَطْلُقُ إذَا انْقَضَى شَهْرٌ، وَأَوْقَعَهُ أَبُو يُوسُفَ لِلْحَالِ، أَوْ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ يَقَعُ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِشَهْرٍ مُقْتَصِرًا. وَقَالَ زُفَرُ مُسْتَنِدًا أَوْ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ فَمَاتَ لِتَمَامِهِ وَقَعَ مُسْتَنِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَوْتِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَلَوْ كَانَ وَطِئَهَا فِي الشَّهْرِ يَصِيرُ مُرَاجِعًا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَلَوْ كَانَ ثَلَاثًا وَطِئَهَا فِي الشَّهْرِ غَرِمَ الْعَقْرَ، وَعِنْدَهُمَا تُعْتَبَرُ الْعِدَّةُ مِنْ الْحَالِ وَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِذَلِكَ الْوَطْءِ وَلَا يَلْزَمُهُ عَقْرٌ، وَقِيلَ تُعْتَبَرُ الْعِدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ اتِّفَاقًا احْتِيَاطًا، كَذَا إذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَالَعَهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرِ ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ لِتَمَامِ الشَّهْرِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ وَالْبَائِنُ وَيَبْطُلُ الْخُلْعُ وَيَرُدُّ الزَّوْجُ بَدَلَ الْخُلْعِ لِظُهُورِ بُطْلَانِ الْخُلْعِ وَالْبَائِنُ لِسَبْقِ الثَّلَاثِ بِالِاسْتِنَادِ، وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ وَالْبَائِنُ وَيَصِحُّ الْخُلْعُ وَيَصِيرُ مَعَ الْخُلْعِ ثَلَاثًا.
وَلَوْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ لَا تَطْلُقُ لِعَدَمِ شَهْرٍ قَبْلَ الْمَوْتِ.
(4/37)

فَصْلٌ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ ثُمَّ وَضَعَتْ حَمْلَهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا فَلَمْ تَجِبْ عِدَّةٌ لَا يَقَعُ لِعَدَمِ الْمَحِلِّ إذْ الْمُسْتَقْبَلُ يَثْبُتُ لِلْحَالِ ثُمَّ يَسْتَنِدُ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالْأَسْرَارِ. هَذَا عَلَى طَرِيقِ كَوْنِ الْحُكْمِ هُنَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقَدْ قِيلَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي أَوْ قَبْلَ مَوْتِك بِشَهْرٍ عِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَتَرِثُ مِنْهُ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِهِ مُقْتَصِرًا كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَهُ يَقَعُ مُسْتَنِدًا حَتَّى إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا تَرِثُ مِنْهُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ثَلَاثُ حِيَضٍ. أَمَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ أَوْ آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ امْرَأَةً ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ عِنْدَهُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْمِلْكِ وَالتَّزَوُّجِ، وَعِنْدَهُمَا مُقْتَصِرًا حَتَّى يُعْتَبَرَ الْعِتْقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا كَانَ صَحِيحًا وَقْتَ الشِّرَاءِ. فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَمِنْ الثُّلُثِ وَفِي الزَّوْجَةِ الْأَخِيرَةِ تَطْلُقُ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا حَتَّى لَا تَلْزَمَهَا الْعِدَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا وَلَا مِيرَاثَ لَهَا. وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْقُدُومِ وَالْمَوْتِ أَنَّ الْمَوْتَ مُعَرَّفٌ وَالْجَزَاءُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمُعَرَّفِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَ مِنْهَا آخِرَ النَّهَارِ طَلُقَتْ مِنْ حِينِ تَكَلَّمَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي الِابْتِدَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ فَلَا يُوجَدُ الْوَقْتُ أَصْلًا فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ فِي احْتِمَالِ الْخَطَرِ، فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ فَقَدْ عَلِمْنَا بِوُجُودِ شَهْرٍ قَبْلَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ إلَّا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّا نَحْتَاجُ إلَى شَهْرٍ يَتَّصِلُ بِالْمَوْتِ وَأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ وَالْمَوْتُ يُعْرَفُ، فَفَارَقَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الشَّرْطَ وَأَشْبَهَ الْوَقْتَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ فَقُلْنَا بِأَمْرٍ بَيْنَ الظُّهُورِ وَالِاقْتِصَارِ وَهُوَ الِاسْتِنَادُ، وَلَوْ قَالَ: قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ وَقَعَ أَوَّلَ شَعْبَانَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ قَالَ لَهُمَا: أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ السَّاعَةَ لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَمُوتَ إحْدَاهُمَا، فَإِذَا مَاتَتْ طَلُقَتْ الْأُخْرَى مُسْتَنِدًا عِنْدَهُ وَمُقْتَصِرًا عِنْدَهُمَا.

[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْك طَالِقٌ]
(فَصْلٌ) . فِيهِ مُتَفَرِّقَاتٌ مِنْ الْإِيقَاعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ جِهَةَ الْبَحْثِ فِي مَسَائِلِهِ بِعَارِضٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقَهَا وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ عَلَيْك حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ) وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ: أَيْ الْمِلْكَ الَّذِي يُوجِبُهُ النِّكَاحُ
(4/38)

لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى مَلَكَتْ هِيَ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الْحِلُّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا فَيَصِحَّ مُضَافًا إلَيْهِ كَمَا صَحَّ مُضَافًا كَمَا فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا هِيَ الْمَمْنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجَ مَالِكٌ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنْكُوحَةً بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ إضَافَتُهُمَا إلَيْهِمَا وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى مَلَكَتْ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الْحِلُّ مُشْتَرَكٌ حَتَّى حَلَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِاسْتِمْتَاعُ بِصَاحِبِهِ وَالطَّلَاقُ لِإِزَالَتِهِ فَيَصِحُّ مُضَافًا إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا الضَّمِيرَ لِلْمِلْكَيْنِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ مُشْتَرَكٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَهُ مِلْكٌ عَلَيْهَا وَلَهَا مِلْكٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، قَالُوا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ كَالْإِضَافَةِ إلَيْهَا، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ حَجْرًا مِنْ جِهَتِهَا حَتَّى أَنَّهُ لَا يَنْكِحَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا فَتَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ رَفْعِ ذَلِكَ الْقَيْدِ، لَكِنَّ إضَافَةَ الطَّلَاقِ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَاحْتِيجَ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنْ يَنْدَفِعَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِالنُّكْتَةِ الْأَخِيرَةِ إذْ يُقَالُ تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ (قَوْلُهُ وَلَنَا) تَحْقِيقُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ أَوْ الْقَيْدِ، فَمَحِلُّ الطَّلَاقِ مَحِلُّهُمَا وَهِيَ مَحِلُّهُمَا دُونَهُ فَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُوَ بَيَانُ أَنَّهَا الْمَحِلُّ أَنَّهَا هِيَ الْمُقَيَّدَةُ بِالنِّكَاحِ عَنْ الْخُرُوجِ وَعَنْ الرِّجَالِ دُونَهُ، وَمِلْكُهَا عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَالِ كَالْمَهْرِ وَهُوَ بَدَلُ مِلْكِهِ لِأُمُورٍ تَرْجِعُ إلَى نَفْسِهَا فَهِيَ الْمَمْلُوكَةُ
(4/39)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) . قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا قَوْلَ الْكُلِّ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
دُونَهُ، وَلِهَذَا مَلَكَ هُوَ التَّزَوُّجَ بِالْكِتَابِيَّةِ وَلَمْ تَمْلِكْهُ هِيَ بِالْكِتَابِيِّ وَالنَّفَقَةُ بَدَلُ احْتِبَاسِهِ إيَّاهَا.
وَالْحِلُّ الَّذِي يَثْبُتُ لَهَا تَبَعٌ لِلْحِلِّ الَّذِي يَثْبُتُ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الْوَطْءَ وَجَبَ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ حِلُّ اسْتِمْتَاعِهَا بِهِ، وَلَيْسَ الْحِلُّ هُوَ الْقَيْدُ الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ الطَّلَاقِ، بَلْ الْحِلُّ أَثَرُهُ حَسَبَ مَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مِنْ أَنَّهُ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ إلَخْ، وَالثَّابِتُ أَثَرُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الثَّابِتَ تَبَعًا هَلْ يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا أَيْ لَفْظَهَا مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَوَصْلَةُ النِّكَاحِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ إضَافَتُهَا إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا، وَبِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَصَحَّ كَذَلِكَ عَامِلًا بِحَقِيقَتِهِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْكِنَايَاتِ.
وَأَمَّا حَجْرُهُ عَنْ أُخْتِهَا وَخَامِسَةٍ فَلَيْسَ مُوجِبَ نِكَاحِهَا بَلْ حَجْرٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ ابْتِدَاءً عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَخَمْسٍ لَا حُكْمًا لِلنِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا مَعَ أُخْتِهَا مَعًا أَوْ ضَمَّ خَمْسًا مَعًا لَا يَجُوزُ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) وَكَذَا طَالِقٌ أَوْ غَيْرُ طَالِقٍ وَطَالِقٌ أَوْ لَا، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، كَذَا ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ الْمَبْسُوطِ فِيمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ لَا شَيْءَ إنَّمَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا طَالِقٌ وَوَاحِدَةٌ أَوْ لَا وَاحِدَةَ أَوْ لَا شَيْءَ، وَخَصَّ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ لَكِنَّ صَاحِبَ الْأَجْنَاسِ نَقَلَ ذِكْرَهُ مَعَهُ فِي الْجُرْجَانِيَّاتِ، وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلَ الْكُلِّ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ
(4/40)

لَهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي الْوَاحِدَةِ لِدُخُولِ كَلِمَةِ " أَوْ " بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفْيِ فَيَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْوَاحِدَةِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوعُ بِالْوَصْفِ لَلَغَا ذِكْرُ الثَّلَاثِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْمَنْعُوتُ الْمَحْذُوفُ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ مَا كَانَ الْعَدَدُ نَعْتًا لَهُ كَانَ الشَّكُّ دَاخِلًا فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خِلَافًا، فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ.
وَالْأَوْجُهُ كَوْنُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِخِلَافِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ أَوْ لَا شَيْءَ فَدَلَّ عَلَى وِفَاقِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَوَّلًا، وَإِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَانَ وِفَاقُهُ هُنَا رِوَايَةً فِي وِفَاقِهِ فِي أَوْ لَا شَيْءَ وَخِلَافُهُ هُنَاكَ رِوَايَةً فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ لَهُ) أَيْ لِمُحَمَّدٍ فِي إيقَاعِهِ بِهِ وَاحِدَةً عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (أَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي الْوَاحِدَةِ لِدُخُولِ كَلِمَةِ الشَّكِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفْيِ فَيَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْوَاحِدَةِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ) يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً (بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوَّلًا) أَوْ طَالِقٌ أَوْ غَيْرَ طَالِقٍ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَلَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ) وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِآثَارٍ إجْمَاعِيَّةٍ: مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوعُ بِالْوَصْفِ لَلَغَا ذِكْرُ الثَّلَاثِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بَانَتْ بِطَالِقٍ لَا إلَى عِدَّةٍ فَلَمْ تَبْقَ مَحِلًّا لِوُقُوعِ الزَّائِدِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوعُ بِالْوَصْفِ كَانَ قَوْلُهُ وَاحِدَةً فَاصِلًا بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَمْ يُعْمَلْ. وَمِنْهَا مَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَدَدِ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (وَقَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمَنْعُوتُ بِالْعَدَدِ وَهُوَ الْمَحْذُوفُ) أَيْ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا أَوْ تَطْلِيقًا ثَلَاثًا كَمَا قَرَّرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. أَمَّا عَلَى الْإِنْشَاءِ فَلَا، وَقَدْ رَجَعَ الْمُصَنِّفُ إلَى طَرِيقَةِ الْإِنْشَاءِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَالْوَجْهُ هُنَا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْإِجْمَاعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ
(4/41)

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَعَ مَوْتِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَمَوْتَهَا يُنَافِي الْمَحَلِّيَّةَ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا.

(وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ شِقْصًا مِنْهُ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ) لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ. أَمَّا مِلْكُهَا إيَّاهُ فَلِلِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ، وَأَمَّا مِلْكُهُ إيَّاهَا فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ قِيَامِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيَنْتَفِيَ النِّكَاحُ (وَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ النِّكَاحِ، وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ الْمُنَافِي لَا مِنْ وَجْهٍ وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَا إذَا مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْمُنَافَاةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ. بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوَاقِعَ الْعَدَدُ عِنْدَ ذِكْرِهِ لَا الْوَصْفُ

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَعَ مَوْتِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ) وَهُوَ مَوْتُهُ وَمَوْتُهَا، لِأَنَّ مَوْتَهُ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَمَوْتَهَا يُنَافِي الْمَحَلِّيَّةَ وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْمَوْقِعِ وَالْمَحَلِّيَّةِ فِي الْمُوقَعِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ حَالَةُ مَوْتِ أَحَدِهِمَا مُنَافِيَةً لِلنِّكَاحِ لِأَنَّهَا حَالَةُ ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ يَسْتَدْعِي حَالَ اسْتِقْرَارِهِ، أَوْ الْمَعْنَى عَلَى تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةُ مَعَ لِلْقِرَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ دُخُولِك الدَّارَ تَطْلُقُ بِهِ فَاسْتَدْعَى وُقُوعَهُ تَقَدَّمُ الشَّرْطِ وَهُوَ الْمَوْتُ فَيَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ بَاطِلٌ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا) أَيْ سَهْمًا بِأَنْ كَانَ تَزَوَّجَ أَمَةً لِغَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا جَمِيعَهَا مِنْهُ أَوْ سَهْمًا مِنْهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ وَرِثَهَا أَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ شِقْصًا مِنْهُ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ الْحُرَّةُ عَبْدَ الْغَيْرِ ثُمَّ اشْتَرَتْهُ جَمِيعَهُ مِنْهُ أَوْ سَهْمًا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهَا أَوْ وَرِثَتْهُ (وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ) بَيْنَهُمَا فَسْخًا لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ، أَمَّا فِي مِلْكِهَا إيَّاهُ فَلِلِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَا فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَحْرِيرِهِ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَأَمَّا فِي مِلْكِهِ إيَّاهَا فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ إثْبَاتَهُ عَلَى الْحُرَّةِ لِحَاجَةِ بَقَاءِ النَّسْلِ فَكَانَ مِلْكُ النِّكَاحِ فِي الْأَصْلِ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ حُرِّيَّةُ الْمَمْلُوكَةِ لِلضَّرُورَةِ.
وَقَدْ انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِقِيَامِ مِلْكِ الْيَمِينِ لِثُبُوتِ الْحِلِّ الْأَقْوَى بِهِ فَيَرْتَفِعُ الْأَضْعَفُ الضَّرُورِيُّ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي مِلْكِ الْأَمَةِ كُلِّهَا، وَأَمَّا فِي مِلْكِ بَعْضِهَا فَأُقِيمَ مِلْكُ الْيَمِينِ مَقَامَ الْحِلِّ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ احْتِيَاطًا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهَا حَقِيقَةُ مِلْكٍ لِقِيَامِ الرِّقِّ بَلْ الثَّابِتُ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ النِّكَاحِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ الْمُنَافِي، لَا مِنْ وَجْهٍ) كَمَا فِي مِلْكِ الْبَعْضِ (وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) كَمَا فِي مِلْكِ الْكُلِّ.
(وَكَذَا إذَا مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْمُنَافَاةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَقَعُ) وَإِنَّمَا قُلْنَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ
(4/42)

لَا عِدَّةَ هُنَاكَ حَتَّى حَلَّ وَطْؤُهَا لَهُ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ فَأَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا مَلَكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا وَالشَّرْطُ مَا يَكُونُ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْفَصْلَيْنِ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الْمَنْظُومَةِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَتْهُ، أَمَّا إذَا لَمْ تُعْتِقْهُ حَتَّى طَلَّقَهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَفْصِيلُ مُحَمَّدٍ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا عِدَّةَ هُنَاكَ عَلَيْهَا: يَعْنِي مِنْهُ حَتَّى حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا كَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لِعَدَمِ الْعِدَّةِ وَقَدْ قِيلَ بِهِ نَقَلَهُ فِي الْكَافِي.
قَالَ: لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا الَّذِي كَانَ زَوْجَهَا جَازَ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا مِنْ آخَرَ قَالَ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا فِي حَقِّ مَنْ اشْتَرَاهَا وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَجِبُ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ عَنْ الْمَاءِ، وَيَسْتَحِيلُ اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ نَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ.
وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَعَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ يَنْبَغِي عَدَمُ التَّفْصِيلِ لِمُحَمَّدٍ، إذْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْعِدَّةَ هُنَاكَ أَيْضًا قَائِمَةٌ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفُرْقَةَ مَتَى وَقَعَتْ بِسَبَبِ التَّنَافِي تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَحَلِّيَّةِ فَحَاجَتُنَا إلَى إثْبَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْعِتْقِ وَمُجَرَّدُ الْعِدَّةِ لَا يُثْبِتُ الْمَحَلِّيَّةَ ابْتِدَاءً كَمَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ حَكَى فِي الْمَبْسُوطِ الْخِلَافَ عَلَى عَكْسِ هَذَا وَلَمْ يَخُصَّهُ بِمَا إذَا مَلَكَتْهُ بَلْ إجْرَاءً فِي الْفَصْلَيْنِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمُهَاجَرَةِ وَهِيَ مَا إذَا هَاجَرَتْ فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا فَهَاجَرَ بَعْدَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى قَوْلِهِمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، فَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ يَقَعُ طَلَاقُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ اشْتَرَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَمَا دَخَلَ بِهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَطَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ اشْتَرَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا: يَعْنِي فَأَعْتَقَتْهُ فَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي الصُّورَتَيْنِ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ) أَيْ الزَّوْجُ لَهَا (وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ فَأَعْتَقَهَا مَلَكَ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ) إذْ هُوَ السَّبَبُ (حَقِيقَةً بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ) أَعْنِي الْعِتْقَ (يَنْتَظِمُهُمَا) أَيْ يَنْتَظِمُ الْإِعْتَاقَ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ وَالْعِتْقَ الَّذِي هُوَ وَصْفُهَا أَثَرٌ لَهُ، وَمَعْنَى الِانْتِظَامِ هَاهُنَا صِحَّةُ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِهِ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الشُّمُولِ لِمَنْعِ انْتِظَامِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي إطْلَاقِ
(4/43)

وَلِلْحُكْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ وَالْمَذْكُورُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِهِ التَّطْلِيقُ لِأَنَّ فِي التَّعْلِيقَاتِ يَصِيرُ التَّصَرُّفُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ عِنْدَنَا، وَإِذَا كَانَ التَّطْلِيقُ مُعَلَّقًا بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ يُوجَدُ بَعْدَهُ ثُمَّ الطَّلَاقُ يُوجَدُ بَعْدَ التَّطْلِيقِ فَيَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعِتْقِ فَيُصَادِفَهَا وَهِيَ حُرَّةً فَلَا تَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً بِالثِّنْتَيْنِ. بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ. قُلْنَا: قَدْ تُذْكَرُ لِلتَّأَخُّرِ كَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَاحِدٍ، وَالْإِعْتَاقُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لِلْعِتْقِ مِنْ اسْتِعَارَةِ اسْمِ الْحُكْمِ لِلْعِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَإِعْمَالُهُ فِي لَفْظِ إيَّاكَ عَلَى اعْتِبَارِ إرَادَةِ الْفِعْلِ بِهِ إعْمَالُ الْمُسْتَعَارِ لِلْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى اعْتِبَارِ إعْمَالِ اسْمِ الْمَصْدَرِ كَأَعْجَبَنِي كَلَامُك زَيْدًا، وَأَمَّا عَلَى التَّجْوِيزِ الْآخَرِ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ أَثَرٌ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ الْمُتَعَدِّي وَجُعِلَ الْعَامِلُ الْعِتْقَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ يَرُدُّهُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ الْإِعْتَاقِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ فَقَطْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ عَنْ الْعِتْقِ، هَذَا مَعْنَى الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ فِي الْكَافِي لِحَافِظِ الدِّينِ، وَالْعَجَبُ مِمَّا نَقَلَ فِي جَوَابِهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِمُشْكِلٍ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِّقَ التَّطْلِيقُ بِالْإِعْتَاقِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيقُهُ بِالْعِتْقِ الْحَاصِلِ مِنْهُ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ صِحَّةِ الْإِعْمَالِ. وَأَيْضًا كَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِعْتَاقِ، وَالْعِتْقُ بِالْوَاوِ لَا بِأَوْ.
وَحَاصِلُ تَقْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَعَ قَدْ تُذْكَرُ لِلْمُتَأَخِّرِ تَنْزِيلًا لَا مَنْزِلَةَ الْمُقَارِنِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بَعْدَهُ وَنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ كَمَا فِي الْآيَةِ {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] فَصَارَتْ إنَّ مُحْتَمِلَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَتُهَا خِلَافَهُ فَيُصَارَ إلَيْهِ بِمُوجِبٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ إنَاطَةُ ثُبُوتِ حُكْمٍ عَلَى ثُبُوتِ مَعْنَى مَدْخُولِهَا الْمَعْدُومِ حَالَ التَّكَلُّمِ وَهُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَإِنَّ الْإِنَاطَةَ كَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى التَّعْلِيقِ وَمَعْنَى مَدْخُولِهَا الْمَعْدُومِ كَائِنًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنَاطٌ بِوُجُودِ حُكْمٍ هُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ فَلَزِمَ كَوْنُ الْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ شَرْطًا لِلتَّطْلِيقِ، فَإِنْ كَانَ الْإِعْتَاقُ فَيُوجَدَ تَطْلِيقُ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَهُ مُقَارِنًا لِلْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْإِعْتَاقِ وَيَقَعَ الطَّلَاقُ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ التَّطْلِيقِ بَعْدَهُ فَيُصَادِفَهَا حُرَّةً فَيَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ وَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ فَأَظْهَرُ، هَذَا تَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ.
وَقِيلَ عَلَيْهِ الْمَعْلُولُ مَعَ الْعِلَّةِ يَقْتَرِنَانِ كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ فِي الْخَارِجِ، فَالْعِتْقُ مَعَ الْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقُ مَعَ التَّطْلِيقِ يَقْتَرِنَانِ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ قَرَنَ الطَّلَاقَ بِالْإِعْتَاقِ فَيَكُونُ مَقْرُونًا بِالْعِتْقِ وَهُوَ ضِدُّ الرِّقِّ، وَوُجُودُ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ مُسْتَلْزِمٌ زَوَالَ الضِّدِّ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَنِي زَوَالُهُ عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ، إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: وُجِدَ السُّكُونُ فَزَالَتْ الْحَرَكَةُ أَوْ وُجِدَ الْحَرَكَةُ فَزَالَ السُّكُونُ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ، بَلْ وُجُودُ أَحَدِهِمَا يَقْتَرِنُ بِزَوَالِ الْآخَرِ فَيَثْبُتُ زَوَالُ الرِّقِّ مَعَ الْعِتْقِ فَيَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا حَالَ وُجُودِ الْعِتْقِ وَهِيَ حَالَةُ زَوَالِ الرِّقِّ، فَلَا تُوجِبُ التَّطْلِيقَتَانِ حُرْمَةً غَلِيظَةً فِي الْحُرَّةِ فَيَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، وَهَذَا
(4/44)

فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] فَتُحْمَلَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ.

(وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَقَالَ الْمَوْلَى: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَجَاءَ الْغَدُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: زَوْجُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) عَلَيْهَا، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَرَنَ الْإِيقَاعَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى الْعِتْقَ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ الْمُعَلَّقُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ وَالْعِتْقُ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَنْبَنِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْمَعْلُولَ مَعَ الْعِلَّةِ يَقْتَرِنَانِ فِي الْخَارِجِ أَوْ يَتَعَقَّبُهُمَا بِلَا فَصْلٍ وَعَلَى أَنَّ حَالَةَ الدُّخُولِ فِي الْوُجُودِ كَحَالَةِ الْوُجُودِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ وَعَدَمِ خُرُوجِ مَعَ عَنْ الْمُقَارَنَةِ، وَأَطْبَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ زَمَنَ ثُبُوتِهِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى خُرُوجِهَا وَتَقَرُّرَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ يَعْقُبُهُ إذَا لَيْسَ هُوَ عِلَّةً، فَلَيْسَ الْعِتْقُ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ بَلْ عِلَّةُ الطَّلَاقِ تَعْمَلُ عِنْدَهُ، وَسَنَذْكُرُ مَا عِنْدَنَا فِي الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ. وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ نِكَاحِك حَيْثُ يَأْتِي فِيهِ التَّقْرِيرُ الْمَذْكُورُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إذَا تَزَوَّجَهَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لِلْمَانِعِ وَهُوَ عَدَمُ مِلْكِهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْيَمِينَ، فَإِذَا لَزِمَ بِذِكْرِ حُرُوفِهِ: أَعْنِي إنْ وَنَحْوَهُ بِأَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ ضَرُورَةً صِحَّةُ الْيَمِينِ، وَمَرْجِعُ هَذَا إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ الصَّرِيحَ قَبْلَ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ إنَّمَا قَامَ عَلَى مِلْكِهِ الْيَمِينَ الْمُضَافَةَ إلَى الْمِلْكِ فَتَعَلَّقَ بِمَا يُوجِبُ مَعْنَاهَا كَيْفَمَا كَانَ اللَّفْظُ، وَالتَّقْيِيدُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَعْنَى تَحَكَّمَ وَلِذَا قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: هَذَا الْجَوَابُ لَمْ يَتَّضِحْ لِي فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ عَلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الشَّرْطِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ أَيْ لِامْرَأَتِهِ الْأَمَةِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ، وَقَالَ لَهَا الْمَوْلَى: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَجَاءَ الْغَدُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: زَوْجُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَلَمْ يَذْكُرْ الِاخْتِلَافَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ بَلْ عَلَى رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَفْصٍ. وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزَّوْجَ قَرَنَ الْإِيقَاعَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى عِتْقَهَا، وَالْمُعَلَّقُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ (وَالْعِتْقُ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ
(4/45)

أَصْلُهُ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ فَيَكُونَ التَّطْلِيقُ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ ضَرُورَةً فَتَطْلُقُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِهَذَا تُقَدَّرُ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَا عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى الْعِتْقَ ثُمَّ الْعِتْقُ يُصَادِفُهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَكَذَا الطَّلَاقُ وَالطَّلْقَتَانِ تُحَرِّمَانِ الْأَمَةَ حُرْمَةً غَلِيظَةً، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى فَيَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَبِخِلَافِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَكَذَا الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَلَا وَجْهَ إلَى مَا قَالَ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَوْ كَانَ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَالطَّلَاقُ يُقَارِنُ التَّطْلِيقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَيَقْتَرِنَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَصْلُهُ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ) الَّذِي يُقَامُ بِهَا فَيَقْتَرِنَانِ فِي الْخَارِجِ (فَيَكُونَ التَّطْلِيقُ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ الْمُقَارِنِ لِلْإِعْتَاقِ فَتَطْلُقُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِهَذَا تُقَدَّرُ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَا عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى الْعِتْقَ ثُمَّ الْعِتْقُ يُصَادِفُهَا أَمَةً، فَكَذَا الطَّلَاقُ وَالطَّلْقَتَانِ تُحَرِّمَانِ الْأَمَةَ حُرْمَةً غَلِيظَةً بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ. وَبِخِلَافِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ وَكَذَا الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ) ثُمَّ رَدَّ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ (وَلَا وَجْهَ إلَى مَا قَالَ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَوْ كَانَ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَالطَّلَاقُ يُقَارِنُ التَّطْلِيقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَيَقْتَرِنَانِ) أَيْ فَيَقْتَرِنُ الطَّلَاقُ بِالْعِتْقِ فَيُصَادِفُهَا عَلَى مَا صَادَفَهَا عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَهِيَ أَمَةٌ فَتَحْرُمَ، وَحَقِيقَةُ مَحِلِّ الْغَلَطِ فِي تَقْرِيرِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ مِنْ جَعْلِ الْعِتْقِ شَرْطًا عَلَى مَا يُعْطِيهِ قَوْلُهُ وَالْمُعَلَّقُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ: يَعْنِي فَلَا يَنْعَقِدُ التَّطْلِيقُ سَبَبًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْعِتْقِ الْمُقَارِنِ لِلْإِعْتَاقِ.
لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّرْطُ مَجِيءُ الْيَوْمِ كَمَا هُوَ الشَّرْطُ فِي الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ يَلْزَمُ أَنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْغَدِ يَقْتَرِنُ كُلٌّ مِنْ التَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فَيَنْزِلُ الطَّلَاقُ حَسْبَمَا يَنْزِلُ الْعِتْقُ وَهِيَ أَمَةٌ فَتَحْرُمَ حُرْمَةً غَلِيظَةً.
وَإِذْ قَدْ بَعُدَ هَذَا التَّوْجِيهُ لِمُحَمَّدِ وَجْهٌ بِتَوْجِيهَاتٍ أُخُرَ: أَحَدُهَا أَنَّهُ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْقِرَانِ فِي الْعِتْقِ وَالتَّعَاقُبِ فِي الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِكَوْنِ الْإِعْتَاقِ مَنْدُوبًا فَلْتُعْتَبَرُ سُرْعَةُ نُزُولِهِ وَالتَّطْلِيقُ مَحْظُورٌ فَيُعْتَبَرُ مُتَأَخِّرًا نَظِيرُهُ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ يَنْزِلُ الْمِلْكُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَالْفَاسِدُ يَتَأَخَّرُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ لِلْحَظْرِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الْغَدِ التَّطْلِيقُ وَالْإِعْتَاقُ وَالْعِتْقُ مُقْتَرِنَةً، وَيَنْزِلُ الطَّلَاقُ بَعْدَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ وَهَذِهِ فِي الْبَيِّنِ. اعْلَمْ أَنَّ الْعُقَلَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْمَعْلُولَ يَعْقُبُهَا بِلَا فَصْلٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُمَا مَعًا فِي الْخَارِجِ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ خَصُّوا الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ فَجَعَلُوهَا تَسْتَعْقِبُ الْمَعْلُولَ لِأَنَّهَا اُعْتُبِرَتْ كَالْأَعْيَانِ بَاقِيَةً فَأَمْكَنَ فِيهَا اعْتِبَارُ الْأَصْلِ وَهُوَ تَقَدُّمُ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْأَثَرِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا عَرَضٌ لَا يَبْقَى فَلَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ تَقْدِيمِهَا وَإِلَّا بَقِيَ الْفِعْلُ بِلَا قُدْرَةٍ، وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ التَّعْقِيبُ
(4/46)

فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَهِيَ ثَلَاثٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ حَتَّى إنَّ الِانْكِسَارَ يَعْقُبُ الْكَسْرَ فِي الْخَارِجِ.
غَيْرَ أَنَّهُ لِسُرْعَةِ إعْقَابِهِ مَعَ قِلَّةِ الزَّمَنِ إلَى الْغَايَةِ إذَا كَانَ آنِيًّا لَمْ يَقَعْ تَمْيِيزُ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِيهِمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ لَا يَقُومُ بِهِ التَّأْثِيرُ وَحَالَةَ خُرُوجِهِ مِنْ الْعَدَمِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكْمُلَ هُوِيَّتُهُ لِيَقُومَ بِهِ عَارِضُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُرْسَلِ عِنْدَ الشَّرْطِ فَكَأَنَّ الْمَوْلَى وَالزَّوْجَ أَرْسَلَا عِنْدَهُ فَيَسْبِقَ وُقُوعُ الْأَوْجَزِ وَأَنْتِ حُرَّةٌ أَوْجَزُ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَتَطْلُقُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ ثِنْتَيْنِ فَلَا تَحْرُمُ بِهِمَا. وَثَالِثُهَا لَمَّا تَعَلَّقَا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ طَلُقَتْ زَمَنَ نُزُولِ الْحُرِّيَّةِ فَيُصَادِفُهَا حُرَّةً لِاقْتِرَانِهِمَا وُجُودًا، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
قُلْنَا: التَّعَلُّقُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يُصَادِفَهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي صَادَفَهَا عَلَيْهَا الْعِتْقُ وَهِيَ الرِّقُّ فَتَغْلُظَ الْحُرْمَةُ بِلَا شَكٍّ فَبَطَلَ الْأَخِيرُ، وَإِطْبَاقُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ زَمَنَ خُرُوجِهِ مِنْ الْعَدَمِ لَيْسَ بِثَابِتٍ فَانْتَفَى مَا قَبْلَهُ، وَالْوُقُوعُ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ التَّكَلُّمِ مِنْ الزَّمَانِ بَلْ بِمُجَرَّدِ نُزُولِهِ يَنْزِلُ فِي أَوَّلِ آنٍ يَعْقُبُهُ لِأَنَّهُ نُزُولُ حُكْمٍ فَبَطَلَ مَا قَبْلَهُمَا وَرُفِعَ الْأَثَرُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَمَّا أَمْكَنَ وَهُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا أُخِّرَ إلَى غَايَةٍ يُنَاسِبُ التَّأْخِيرَ إلَيْهَا أَعْنِي الْقَبْضَ الَّذِي لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي بَابَ الْمَهْرِ.
أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَوْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ غَايَةٌ يُنَاسِبُ اعْتِبَارُ تَأْخِيرِ ثُبُوتِهِ إلَيْهَا كَمَا هُوَ فِي الْبَيْعِ فَكَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنِ الرَّفْعِ وَلَا الدَّفْعِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهِ بَلْ هُوَ مَحِلٌّ بِالِاحْتِيَاطِ فَبَطَلَ الْأَوَّلُ.

[فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ]
(فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ) (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَهِيَ ثَلَاثٌ) طُعِنَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي لَفْظِ السَّبَّابَةِ إذْ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُسَبِّحَةُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ السَّبَّاحَةُ، وَبِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي صِفَةِ طُهُورِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدْخَلَ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ» كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَبِأَنَّ الْأَعْلَامَ لَا تُوجِبُ تَحَقُّقَ مَعَانِيهَا فِي مُسَمَّيَاتِهَا وَهَذَا مُنْتَفٍ، فَإِنَّ الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الْمَعْنَى بَلْ بِالْعُدُولِ عَنْ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ إلَى الشَّنِيعِ وَالدَّفْعِ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِاللَّفْظِ، وَإِلَّا لَوْ قِيلَ: كَوْنُ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمُسَبِّحَةِ يُوجِبُ كَوْنَ الْحَدِيثِ نَقْلًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى حَمْلًا عَلَى تَحَامِي ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ، فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ تِلْكَ النُّسْخَةِ وَنِسْبَةُ غَيْرِهَا إلَى التَّصْحِيفِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَيْضًا غَلَطًا لُغَةً مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ لِأَنَّ الْفِعْلَ سَبَّحَ وَفَعَّالٌ مُبَالَغَةٌ فِي فَاعِلٍ وَلَيْسَ مِنْهُ فَاعِلٌ بَلْ الْوَصْفُ مِنْهُ مُسَبِّحٌ، وَأَمَّا سَبَّاحٌ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَبَحَ فِي الْمَاءِ سِبَاحَةً،
(4/47)

لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْعَدَدِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» الْحَدِيثَ، وَإِنْ أَشَارَ بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَشَارَ بِثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثِنْتَانِ لِمَا قُلْنَا، وَالْإِشَارَةُ تَقَعُ بِالْمَنْشُورَةِ مِنْهَا، وَقِيلَ: إذَا أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَبِالْمَضْمُومَةِ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ تَقَعُ الْإِشَارَةُ بِالْمَنْشُورَةِ مِنْهَا فَلَوْ نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْمَضْمُومَتَيْنِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْكَفِّ حَتَّى يَقَعَ فِي الْأُولَى ثِنْتَانِ دِيَانَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَجْهِ فَقَالَ (لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْعَدَدِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ) يَعْنِي لَفْظَ هَكَذَا، وَهَذَا غَلَطٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا لَفْظًا فَلِأَنَّ الَّتِي يُكَنَّى بِهَا عَنْ الْعَدَدِ كَذَا وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ بِهَا التَّنْبِيهِ، وَالْمُسْتَعْمَلُ بِهَا مَا يُقْصَدُ فِيهِ مَعَانِي الْأَجْزَاءِ نَحْوُ {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النمل: 42] يَقْصِدُ بِالْهَاءِ التَّنْبِيهَ وَبِالْكَافِ التَّشْبِيهَ وَبِذَا الْإِشَارَةَ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ
فَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا تَشْبِيهٌ بِالْعَدَدِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَهُوَ الْعَدَدُ الْمُفَادُ كَمِّيَّتُهُ بِالْأَصَابِعِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِذَا، بِخِلَافِ كَذَا الْكِنَايَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ فِيهَا مَعَانِيَ الْإِجْزَاءِ بَلْ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَدَدٍ مُبْهَمِ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ، يُقَالُ لِلْعَبْدِ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ مُمَيِّزُ هَذِهِ لَيْسَ إلَّا مَا يُبَيِّنُ الْجِنْسَ لَا الْكَمِّيَّةَ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِقَصْدِ إبْهَامِ الْكَمِّيَّةِ نَحْوُ مَلَكْت كَذَا عَبْدًا وَلَا يُقَالُ كَذَا دِرْهَمًا عِشْرِينَ وَلَا كَذَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَلَيْسَ هَذَا اسْتِعْمَالًا عَرَبِيًّا، وَهَذَا هُوَ غَلَطُ الْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الشَّهْرُ هَكَذَا» إلَخْ) عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» : يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَشَارَ بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَشَارَ بِالثِّنْتَيْنِ فَهُمَا ثِنْتَانِ لِمَا قُلْنَا، وَالْإِشَارَةُ تَقَعُ بِالْمَنْشُورَةِ، وَلَوْ نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْمَضْمُومَتَيْنِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْكَفِّ) فِي الدِّرَايَةِ الْإِشَارَةُ بِالْكَفِّ أَنْ تَقَعَ الْأَصَابِعُ كُلُّهَا مَنْشُورَةً، فَاَلَّذِي يَثْبُتُ بِالنِّيَّةِ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْأَصَابِعُ الثَّلَاثُ مَنْشُورَةً فَقَطْ حَتَّى تَقَعَ فِي الْأُولَى ثِنْتَانِ دِيَانَةً وَفِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَقِيلَ إنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا بِأَنْ جَعَلَ بَاطِنَهَا إلَيْهِ وَظَاهِرَهَا إلَى الْمَرْأَةِ فَبِالْمَضْمُومَةِ. وَقِيلَ إنْ كَانَ بَطْنُ كَفِّهِ إلَى السَّمَاءِ فَبِالْمَنْشُورَةِ، وَإِنْ كَانَ إلَى الْأَرْضِ فَبِالْمَضْمُومَةِ. وَقِيلَ إنْ كَانَ نَشْرًا عَنْ ضَمٍّ فَبِالْمَنْشُورَةِ لِلْعَادَةِ وَهَذَا قَرِيبٌ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ
(4/48)

وَفِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ

(وَإِذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِضَرْبٍ مِنْ الشِّدَّةِ أَوْ الزِّيَادَةِ كَانَ بَائِنًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ رَجْعِيًّا إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ شُرِعَ مُعْقِبًا لِلرَّجْعَةِ فَكَانَ وَصْفُهُ بِالْبَيْنُونَةِ خِلَافَ الْمَشْرُوعِ فَيَلْغُو كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك. وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَبَعْدَ الْعِدَّةِ تَحْصُلُ بِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْوُسْطَى لَيْسَ بِقَيْدٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا) يَعْنِي قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَلَمْ يَقُلْ هَكَذَا يَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ، وَعَرَفْت أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالتَّشْبِيهِ الْمُتَقَدِّمِ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِضَرْبٍ مِنْ الشِّدَّةِ أَوْ الزِّيَادَةِ كَانَ بَائِنًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ رَجْعِيًّا إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ) وَبِقَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ شُرِعَ مُعْقِبًا لِلرَّجْعَةِ فَكَانَ وَصْفُهُ بِالْبَيْنُونَةِ خِلَافَ الْمَشْرُوعِ فَيَلْغُو لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فَصَارَ كَسَلَامِ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ بِقَصْدِ الْقَطْعِ لَا يُعْمَلُ قَصْدُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، وَكَقَوْلِهِ: وَهَبْتُك عَلَى أَنْ يَثْبُتَ مِلْكُكِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ طَالِقٌ عَلَى أَنْ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك.
وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَآلِ وَبَعْدَهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَيَقَعُ وَاحِدَةً بَائِنَةً إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ، أَمَّا إذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ اسْمَ الْوَاحِدَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ الْمَحْضَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنْ لَا رَجْعَةَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الْمَشْرُوعِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا وَصَفَهُ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَمْ يَنْفِ الرَّجْعَةَ صَرِيحًا بَلْ يَلْزَمُ ضِمْنًا.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ احْتَمَلَ الْبَيْنُونَةَ لَصَحَّتْ إرَادَتُهَا بِطَالِقٍ وَتَقَدَّمَ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَدَمُ صِحَّتِهَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ عَمَلَ النِّيَّةِ فِي الْمَلْفُوظِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَلَفْظُ " بَائِنٌ " مَا صَارَ مَلْفُوظًا بِالنِّيَّةِ، بِخِلَافِ طَالِقٌ بَائِنٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ مَعْنَى عَمَلِ النِّيَّةِ فِي الْمَلْفُوظِ إلَّا تَوْجِيهَهُ إلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَإِذَا فَرَضَ لِلَّفْظِ ذَلِكَ صَحَّ عَمَلُ النِّيَّةِ فِيهِ، وَقَدْ فَرَضَ بِطَالِقٍ ذَلِكَ فَتَعْمَلُ فِيهِ النِّيَّةُ، وَلَا تَكُونُ عَامِلَةً بِلَا لَفْظٍ بَلْ رُبَّمَا يُعْطِي هَذَا الْجَوَابُ افْتِقَارَ " طَالِقٌ بَائِنٌ " فِي وُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ إلَى النِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا فِي الْجَوَابِ عَدَمُ صِحَّةِ النِّيَّةِ لَيْسَ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ بَلْ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَبِهِ عَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ. وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ كَمَا مَنَعَ مِنْ صِحَّةِ النِّيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ صِحَّةِ اللَّفْظِ إذَا كَانَ مُغَيَّرًا. نَعَمْ لَوْ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ بِلَفْظِ " بَائِنٌ " عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَرْأَةِ " كَطَالِقٍ " لَا وَصْفَ لِطَالِقٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ إذَا عَنَاهَا وَصْفًا لِلْمَرْأَةِ تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ عَنَى بِأَنْتِ
(4/49)

وَمَسْأَلَةُ الرَّجْعَةِ مَمْنُوعَةٌ فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ. أَمَّا إذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ عَنَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِهِ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أُخْرَى تَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ بَائِنَتَانِ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ (وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوصَفُ بِهَذَا الْوَصْفِ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ فِي الْحَالِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ بَائِنٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ (أَوْ أَسْوَأَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا إذَا قَالَ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِهِ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أُخْرَى تَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ بَائِنَتَانِ، عَلَى أَنَّ التَّرْكِيبَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: الْإِيقَاعُ بِبَائِنٍ وَصْفًا لَهَا وَطَالِقٌ قَرِينَتُهُ فَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ النِّيَّةِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا كَمَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لَوْ أَفْرَدَ لَمْ يَبْعُدْ لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ، ثُمَّ بَيْنُونَةُ الْأُولَى ضَرُورَةُ بَيْنُونَةِ الثَّانِيَةِ، إذْ مَعْنَى الرَّجْعِيِّ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِاتِّصَالِ الْبَائِنَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي وَصْفِهَا بِالرَّجْعِيَّةِ. وَكُلُّ كِنَايَةٍ قُرِنَتْ بِطَالِقٍ يَجْرِي فِيهَا ذَلِكَ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ بَائِنَتَانِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ فِي الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ، وُقُوعُ الْوَاحِدَةِ بَائِنَةً إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى ثِنْتَيْنِ وَالثَّلَاثُ بِالنِّيَّةِ. وَلَوْ عَنَى بِطَالِقٍ وَاحِدَةٌ وَبِأَفْحَشَ الطَّلَاقِ أُخْرَى يَقَعُ ثِنْتَانِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَائِنُ لِأَنَّهُ أَيْ الطَّلَاقَ إنَّمَا يُوصَفُ بِهَذَا الْوَصْفِ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ قَطْعُ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ فِي الْبَائِنِ وَمُؤَجَّلًا بِالِانْقِضَاءِ فِي الرَّجْعِيِّ.
وَأَفْعَلُ لِلتَّفَاوُتِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْبَيْنُونَةِ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ مُؤَجَّلًا: أَعْنِي الرَّجْعِيَّ فَصَارَ كَقَوْلِهِ بَائِنٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ أَوْ أَسْوَأَهُ. أَوْ أَشَرَّهُ أَوْ أَخْشَنَهُ أَوْ أَكْبَرَهُ أَوْ أَغْلَظَهُ وَأَطْوَلَهُ وَأَعْرَضَهُ وَأَعْظَمَهُ كُلُّهَا مِثْلُ أَفْحَشَهُ، وَسَنَذْكُرُ جَوَابَ أَنَّهُ لِمَ لَمْ يَقَعْ ثَلَاثٌ، وَكَذَا طَلَاقُ الشَّيْطَانِ أَوْ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً بَائِنَةً بِلَا نِيَّةٍ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ هُوَ السُّنِّيُّ فَيَكُونُ الْبِدْعِيُّ وَطَلَاقُ الشَّيْطَانِ هُوَ الْبَائِنَ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَاهُلٌ إذْ لَيْسَ الرَّجْعِيُّ هُوَ السُّنِّيَّ بَلْ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ كَانَ رَجْعِيًّا وَلَيْسَ سُنِّيًّا.
(4/50)

أَوْ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ) لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ هُوَ السُّنِّيُّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: الْبِدْعَةَ وَطَلَاقَ الشَّيْطَانِ بَائِنًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِنًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ فِي حَالَةِ حَيْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِالطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ (وَكَذَا إذَا قَالَ: كَالْجَبَلِ) لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِهِ يُوجِبُ زِيَادَةً لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْوَصْفِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ لِمَا قُلْنَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْجَبَلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَكَانَ تَشْبِيهًا بِهِ فِي تَوَحُّدِهِ

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ كَأَلْفٍ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالشِّدَّةِ وَهُوَ الْبَائِنُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ وَالِارْتِفَاضَ، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَيَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِذِكْرِهِ الْمَصْدَرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ لَا يَكُونُ بَائِنًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ فِي الْحَيْضِ كَمَا تَكُونُ بِالْبَيْنُونَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَلَوْ قَالَ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَجْعِيٌّ لِاحْتِمَالِهِ الْقُبْحَ الشَّرْعِيَّ وَالطَّبِيعِيَّ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ يُكْرَهُ فِيهِ الطَّلَاقُ طَبْعًا، كَذَا ذُكِرَ، وَكَأَنَّهُ الطُّهْرُ الْخَالِي عَنْ الْجِمَاعِ فَتَجْتَمِعُ الْكَرَاهَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ، أَوْ يُرَادُ وَقْتٌ تَتَفَتَّى نَفْرَةُ الطِّبَاعِ فِيهِ عَنْ الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَائِنٌ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ
(قَوْلُهُ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ يَكُونُ رَجْعِيًّا) لِمَا ذَكَرْنَا فِي وَجْهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَالَ كَالْجَبَلِ) لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْجَبَلِ يُوجِبُ زِيَادَةَ الْعِظَمِ فَتَحْصُلُ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْوَصْفِ الْبَيْنُونَةُ (وَكَذَا إذَا قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ لِمَا قُلْنَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْجَبَلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَكَانَ التَّشْبِيهُ فِي تَوَحُّدِهِ) يَعْنِي يُمْكِنُ ذَلِكَ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ. قُلْنَا الْمَعْرُوفُ الَّذِي هُوَ كَالصَّرِيحِ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْجَبَلِ إنَّمَا يُرَادُ فِي الثِّقَلِ أَوْ الْعِظَمِ فَيُثْبِتْ الْمُشْتَهِرُ قَضِيَّةً لِلَّفْظِ وَتَتَوَقَّفُ الْوَحْدَةُ عَلَى النِّيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا الْقَاضِي فَلَا يُصَدِّقُهُ فِيهَا.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ كَأَلْفٍ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: أَشَدُّ الطَّلَاقِ (فَلِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالشِّدَّةِ) فَإِنْ قِيلَ: بَلْ بِالْأَشَدِّيَّةِ فَيَجِبُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ مَثَلُ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ. أُجِيبُ بِأَنَّ أَفْعَلَ يُرَادُ بِهِ أَيْضًا الْوَصْفُ كَقَوْلِهِمْ: الْأَشَجُّ وَالنَّاقِصُ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ: أَيْ عَادِلَاهُمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلظَّاهِرِ وَلِذَا ثَبَتَ الْبَائِنُ كَالْجَبَلِ مَعَ احْتِمَالِ إرَادَةِ كَوْنِ وَجْهِ التَّشْبِيهِ الْوَاحِدَةَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ يُجْعَلُ ظَاهِرًا لِحُرْمَةِ الثَّلَاثِ فَيُصَارُ إلَى الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ وَتَتَوَقَّفُ الثَّلَاثُ عَلَى النِّيَّةِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِذِكْرِهِ الْمَصْدَرَ) فَإِنَّ الْمَعْنَى طَالِقٌ طَلَاقًا هُوَ أَشَدُّ
(4/51)

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذَا التَّشْبِيهِ فِي الْقُوَّةِ تَارَةً وَفِي الْعَدَدِ أُخْرَى، يُقَالُ هُوَ كَأَلْفِ رَجُلٍ وَيُرَادُ بِهِ الْقُوَّةُ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ فِقْدَانِهَا يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ فَيُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ ظَاهِرًا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلْفٍ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْلَأُ الْبَيْتَ لِعِظَمِهِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ يَمْلَؤُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَقَلُّ. ثُمَّ الْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ يَقَعُ بَائِنًا: أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ ذَكَرَ الْعِظَمَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الطَّلَاقِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا أُضَيِّف إلَيْهِ فَكَانَ أَشَدَّ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: كَأَلْفٍ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْقُوَّةِ) كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ كَأَلْفِ رَجُلٍ: أَيْ بَأْسُهُ وَقُوَّتُهُ كَبَأْسِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى الْعَدَدِ فَقَالَ كَعَدَدِ أَلْفٍ أَوْ قَدْرَ عَدَدِ أَلْفٍ وَفِيهِ يَقَعُ ثَلَاثٌ اتِّفَاقًا فَتَصِحُّ نِيَّةُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ فِقْدَانِهَا يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ فَيُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ ظَاهِرًا فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلْفٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْعَدَدِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى فِي خُصُوصِ الْكَمْيَّةِ، وَإِلَّا لَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ أَلْفٌ تُشْبِهُ هَذِهِ الْأَلْفَ فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ فِي الْكَثْرَةِ: أَيْ طَالِقٌ عَدَدًا كَثِيرًا كَكَثْرَةِ الْأَلْفِ، وَالْكَثْرَةُ الَّتِي تُشْبِهُ كَثْرَةَ الْأَلْفِ مَا يُقَارِبُهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى اثْنَيْنِ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ. قُلْنَا: كَوْنُ التَّشْبِيهِ بِهِ فِي الْقُوَّةِ أَشْهَرَ فَلَا يَقَعُ الْآخَرُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، بِخِلَافِ عَدَدِ الْأَلْفِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مِثْلُ أَلْفٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ: وَاحِدَةٌ كَأَلْفٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَوْ شَبَّهَ بِالْعَدَدِ فِيمَا لَا عَدَدَ بِهِ فَقَالَ طَالِقٌ كَعَدَدِ الشَّمْسِ أَوْ التُّرَابِ أَوْ مِثْلَهُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَجْعِيَّةٌ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْعَدَدِ فِيمَا لَا عَدَدَ لَهُ لَغْوٌ وَلَا عَدَدَ لِلتُّرَابِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِالْعَدَدِ إذَا ذُكِرَ الْكَثْرَةُ.
وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي ضَرْبًا مِنْ الزِّيَادَةِ كَمَا مَرَّ. أَمَّا لَوْ قَالَ مِثْلَ التُّرَابِ يَقَعُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ فِي كَالنُّجُومِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَكَعَدَدِ النُّجُومِ ثَلَاثٌ. وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ كَأَلْفٍ أَنَّ الْأَلْفَ مَوْضُوعٌ لِلْعَدَدِ فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهِ لِلْكَثْرَةِ، بِخِلَافِ النُّجُومِ فَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ فِي النُّورِ. وَلَوْ قَالَ كَثَلَاثٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَثَلَاثٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا لَوْ قَالَ كَعَدَدِ ثَلَاثٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَشْبِيهُ الْعَدَدِ بِالْعَدَدِ فِي خُصُوصِ الْكَمْيَّةِ وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لَا يَدِينُ فِيهَا إذَا قَالَ: نَوَيْت وَاحِدَةً اهـ. وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى عَدَدٍ مَعْلُومِ النَّفْيِ كَعَدَدِ شَعْرِ بَطْنِ كَفِّي أَوْ مَجْهُولِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَعَدَدِ شَعْرِ إبْلِيسَ أَوْ نَحْوِهِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ أَوْ مِنْ شَأْنِهِ الثُّبُوتُ لَكِنَّهُ كَانَ زَائِلًا وَقْتَ الْحَلِفِ بِعَارِضٍ كَعَدَدِ شَعْرِ سَاقِي أَوْ سَاقِك وَقَدْ تَنَوَّرَا لَا يَقَعُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّالِثُ) هُوَ قَوْلُهُ: مِلْءَ الْبَيْتِ فَلِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْلَأُ الْبَيْتَ لِعَظَمِهِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ يَمْلَأهُ لِكَثْرَتِهِ فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَقَلُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَصْلُ) الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِمَا لَا يُوصَفُ بِهِ يَلْغُو الْوَصْفُ وَيَقَعُ رَجْعِيًّا نَحْوُ طَلَاقًا لَا يَقَعُ
(4/52)

لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي زِيَادَةَ وَصْفٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ ذَكَرَ الْعِظَمَ يَكُونُ بَائِنًا وَإِلَّا فَلَا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ قَدْ يَكُونُ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى التَّجْرِيدِ. أَمَّا ذِكْرُ الْعِظَمِ فَلِلزِّيَادَةِ لَا مَحَالَةَ. وَعِنْدَ زُفَرَ إنْ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مِمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ عِنْدَ النَّاسِ يَقَعُ بَائِنًا وَإِلَّا فَهُوَ رَجْعِيٌّ. وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ مِثْلُ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِثْلُ عِظَمِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ وَمِثْلُ الْجَبَلِ مِثْلُ عِظَمِ الْجَبَلِ

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَائِنُ، وَمَا يَصْعُبُ تَدَارُكُهُ يُقَالُ: لِهَذَا الْأَمْرِ طُولٌ وَعَرْضٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْكِ أَوْ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ يُوصَفُ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ لَا يُنْبِئَ عَنْ زِيَادَةٍ فِي أَثَرِهِ كَقَوْلِهِ: أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَسَنَّهُ أَجْمَلَهُ أَعْدَلَهُ خَيْرَهُ أَكْمَلَهُ أَتَمَّهُ أَفْضَلَهُ فَيَقَعُ بِهِ رَجْعِيًّا وَتَكُونُ طَالِقًا لِلسُّنَّةِ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ لِلسُّنَّةِ. وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً حَسَنَةً أَوْ جَمِيلَةً كَانَتْ طَالِقًا وَيَمْلِكُ رَجْعَتَهَا حَائِضًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَائِضٍ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ التَّطْلِيقَةُ لِلسُّنَّةِ. قَالَ: وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا طَالِقٌ تَطْلِيقَةً لِلسُّنَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ يُنْبِئُ كَأَشَدِّهِ وَأَطْوَلِهِ يَقَعُ بِهِ بَائِنًا، وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ فَكَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ بَائِنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ كَرَأْسِ إبْرَةٍ وَكَحَبَّةِ خَرْدَلٍ أَوْ كَسِمْسِمَةٍ لِاقْتِضَاءِ التَّشْبِيهِ الزِّيَادَةَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ ذَكَرَ الْعِظَمَ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَرَجْعِيٌّ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَلَوْ كَانَ عَظِيمًا لِأَنَّ التَّشْبِيهَ قَدْ يَكُونُ مِنْ حَيْثُ التَّوْحِيدُ وَالتَّجْرِيدُ وَالْعِظَمُ لِلزِّيَادَةِ لَا مَحَالَةَ. وَعِنْدَ زُفَرَ إنْ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مِمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ عِنْدَ النَّاسِ فَبَائِنٌ وَإِلَّا فَرَجْعِيٌّ ذَكَرَ الْعِظَمَ أَوْ لَا. وَبَيَانُ الْأُصُولِ فِي مِثْلِ رَأْسَ إبْرَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَائِنٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَجْعِيٌّ إلَّا أَنْ يَقُولَ كَعِظَمِ رَأْسِ إبْرَةٍ فَحِينَئِذٍ هُوَ بَائِنٌ وَعِنْدَ زُفَرَ رَجْعِيَّةٌ. وَفِي كَالْجَبَلِ بَائِنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، رَجْعِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَقُولَ كَعِظَمِ الْجَبَلِ، وَلَوْ قَالَ مِثْلَ عِظَمِهِ فَهُوَ بَائِنٌ عِنْدَ الْكُلِّ.
وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ قِيلَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ. أَمَّا لَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا بَائِنٌ، وَالْبَيْنُونَةُ تَتَنَوَّعُ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ كَالثَّلْجِ بَائِنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا إنْ أَرَادَ بِهِ بَيَاضَهُ فَرَجْعِيٌّ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَرْدَهُ فَبَائِنٌ اهـ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَقْصُرُ الْبَيْنُونَةَ فِي التَّشْبِيهِ عَلَى ذِكْرٍ الْعِظَمِ بَلْ يَقَعُ بِدُونِهِ عِنْدَ قَصْدِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَقَعَ بَائِنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَأَعْدَلِ الطَّلَاقِ وَكَأَسَنِّهِ وَكَأَحْسَنِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَائِنُ، وَمَا يَصْعُبُ تَدَارُكُهُ يُقَالُ فِيهِ لِهَذَا الْأَمْرِ طُولٌ وَعَرْضٌ) فَهُوَ
(4/53)

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا رَجْعِيَّةً لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلِيقُ بِهِ فَيَلْغُو، وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ عَلَى مَا مَرَّ وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ.

(فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) (وَإِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَعْنَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبَائِنُ أَيْضًا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا رَجْعِيَّةً لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلِيقُ بِهِ فَيَلْغُو) وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طُولَ كَذَا وَكَذَا أَوْ عَرْضَ كَذَا وَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَاهَا لِأَنَّ الطُّولَ وَالْعَرْضَ يَدُلَّانِ عَلَى الْقُوَّةِ لَكِنَّهُمَا يَكُونَانِ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَالِقٌ وَاحِدَةً طُولُهَا كَذَا وَعَرْضُهَا كَذَا فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ إلَخْ) أَرَادَ بِالْفُصُولِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ: طَالِقٌ بَائِنًا أَوْ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ أَوْ أَخْبَثَهُ أَوْ أَسْوَأَهُ وَطَلَاقَ الشَّيْطَانِ وَالْبِدْعَةِ وَأَشَدَّهُ كَأَلْفٍ وَمِلْءَ الْبَيْتِ وَمِثْلَ رَأْسِ إبْرَةٍ وَمِثْلَ الْجَبَلِ وَطَالِقٌ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً لِأَنَّهَا كُلَّهَا بَوَائِنُ وَالْبَيْنُونَةُ تَتَنَوَّعُ إلَى خَفِيفَةٍ وَغَلِيظَةٍ، وَكَذَا ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي طَالِقٍ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى التَّطْلِيقَةِ، وَأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَةَ وَنَسَبَهُ إلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَرَجَّحَ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمُحْتَمَلِ، وَتَطْلِيقَةٌ بِتَاءِ الْوَحْدَةِ لَا تَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ.

[فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
لَمَّا كَانَ النِّكَاحُ لِلدُّخُولِ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَهُ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ حُصُولُ غَرَضِ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَهُ بِالْعَوَارِضِ فَقُدِّمَ مَا بِالْأَصْلِ عَلَى مَا بِالْعَوَارِضِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعْنَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا) أَيْ تَطْلِيقًا ثَلَاثًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْفَصْلِ، وَفِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَنَّ
(4/54)

عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً: (فَإِنْ فَرَّقَ الطَّلَاقَ بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ إيقَاعٌ عَلَى حِدَةٍ إذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ صَدْرَهُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَتَقَعُ الْأُولَى فِي الْحَالِ فَتُصَادِفُهَا الثَّانِيَةُ وَهِيَ مُبَانَةٌ (وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوَاقِعَ عِنْدَ أَنْتِ طَالِقٌ مَصْدَرٌ هُوَ تَطْلِيقٌ يَثْبُتُ مُقْتَضًى وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْعَدَدِ وَطَلَاقُهَا أَثَرُهُ، وَبِهِ دُفِعَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا وَاحِدَةً لِبَيْنُونَتِهَا بِطَالِقٍ وَلَا يُؤَثِّرُ الْعَدَدُ شَيْئًا. وَنَصَّ مُحَمَّدٌ قَالَ: إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا جَمِيعًا فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَأَثِمَ بِرَبِّهِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْإِنْشَاءِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ذِكْرِ الْعَدَدِ يَتَوَقَّفُ الْوُقُوعُ عَلَى ذِكْرِ الْعَدَدِ وَكَوْنِهِ وَصْفًا لِمَحْذُوفٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الْكُلِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَرَّقَ الطَّلَاقَ بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ) وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ لِيَتَوَقَّفَ أَوَّلُهُ فَلَمْ يَقَعْ بِطَالِقٍ الْأَوَّلِ شَيْءٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ بِالْوَاوِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ أَوْ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَهُوَ يُغَيِّرُ حُكْمَ التَّفْرِيقِ إذْ الْحَاصِلُ بِهِ كَالْحَاصِلِ بِطَالِقٍ ثَلَاثًا، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ فِي التَّفْرِيقِ تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ الصَّدْرُ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
قُلْنَا: الْجَمْعُ الَّذِي يُبَايِنُ التَّفْرِيقَ حُكْمًا هُوَ الْجَمْعُ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ الْمُغَيِّرِ لَهُ كَلَفْظِ ثَلَاثًا وَنَحْوَهُ، وَلَيْسَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى بَلْ لِجَمْعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي مَعْنَى الْعَامِلِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعِيَّةِ وَعَلَى تَقَدُّمِ بَعْضِ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِهَا فِي تَعَلُّقِ مَعْنَى الْعَامِلِ بِهِ وَتَأَخُّرِهِ وَكُلٌّ مِنْ الْجَمْعِ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ وَمِنْ الْجَمْعِ بِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمُتَعَاطِفَاتِ عَلَى التَّرَتُّبِ اللَّفْظِيِّ، وَعَكْسُهُ أَفْرَادُهُ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ فَلَيْسَ لِلْوَاوِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَمْعِ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ بَلْ تَصْدُقُ مَعَهُ كَمَا تَصْدُقُ مَعَ التَّعَاقُبِ فِي التَّعَلُّقِ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهَا بِالضَّرُورَةِ ذِكْرَ مُغَيِّرٍ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا يُوجِبُ التَّغْيِيرَ وَهُوَ الْمَعِيَّةُ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَوَقُّفِ الصَّدْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنَّهَا فِي التَّرْكِيبِ لِلْمَعِيَّةِ. وَإِذَا عَلِمْت أَنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ إلَّا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَمْ يَجِبْ اعْتِبَارُهَا لِلْفَرْدِ الَّذِي هُوَ الْمَعِيَّةُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِأَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهَا لِلْفَرْدِ الَّذِي هُوَ التَّعَاقُبُ فِي مَعْنَى الْعَامِلِ، وَبِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا لِلْمَعِيَّةِ يَعْمَلُ كُلُّ لَفْظٍ عَمَلَهُ فَتَبِينُ بِالْأُولَى فَلَا يَقَعُ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِهَا لِلتَّرْتِيبِ. فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ: لَوْ لَمْ يَتَوَقَّفْ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا لِلْمَعِيَّةِ لَزِمَ اعْتِبَارُهَا لِلتَّرْتِيبِ.
وَأَمَّا وُقُوعُ الثَّلَاثِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَوُقُوعُ الثِّنْتَيْنِ فِي قَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنِصْفَ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ لِلتَّوَقُّفِ بِسَبَبِ إيجَابِ الْوَاوِ الْمَعِيَّةَ بَلْ لِأَنَّهُ أَخَصْرُ مَا يُلْفَظُ بِهِ إذَا أَرَادَ الْإِيقَاعَ بِهَذِهِ
(4/55)

وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً كَانَ بَاطِلًا) لِأَنَّهُ قَرَنَ الْوَصْفَ بِالْعَدَدِ فَكَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدَ، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَاتَ الْمَحَلُّ قَبْلَ الْإِيقَاعِ فَبَطَلَ (وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِمَا بَيَّنَّا وَهَذِهِ تُجَانِسُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا حَرْفَ الظَّرْفِ إنْ قَرَنَهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ آخِرًا كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَهُ عَمْرٌو، وَإِنْ لَمْ يَقْرِنْهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الطَّرِيقَةِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي التَّعْبِيرِ لُغَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا فِي إحْدَى وَعِشْرِينَ شَرْعًا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَنْفِ حُكْمَهُ إذَا تَكَلَّمَ بِهِ. وَذَكَر شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافَ زُفَرَ فَلَا يَقَعُ عِنْدَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ لِوُجُودِ الْعَطْفِ فَيَسْبِقُ الْوَاقِعُ الْأَوَّلَ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى عَشَرَ فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ الْعَاطِفِ وَوُقُوعُ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَقَالَتْ: شِئْت وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً لِأَنَّ تَمَامَ الشَّرْطِ بِآخِرِ كَلَامِهَا، وَمَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ لَا يَقَعُ الْجَزَاءُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ حَكَى بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا فِي نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَبَيَّنَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الْكَلَامِ الثَّانِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يُلْحِقَ بِكَلَامِهِ شَرْطًا أَوْ اسْتِثْنَاءً وَرَجَّحَ فِي أُصُولِهِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لَا يَفُوتُ الْمَحَلُّ، فَلَوْ تَوَقَّفَ وُقُوعُ الْأُولَى عَلَى التَّكَلُّمِ بِالثَّانِيَةِ لَوَقَعَا جَمِيعًا لِوُجُودِ الْمَحَلِّ لِلثَّلَاثِ حَالَ التَّكَلُّمِ بِهَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّظَرَ إلَى تَعْلِيلِ مُحَمَّدٍ بِتَجْوِيزِ أَنْ يَلْحَقَهُ مُغَيِّرٌ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ تَأَخُّرُ ظُهُورِ وَقْتِ الْوُقُوعِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ إنَّمَا هُوَ أَنَّهُ إذَا أَلْحَقَ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْوُقُوعِ، وَإِذَا لَمْ يُلْحِقْ تَبَيَّنَ الْوُقُوعُ مِنْ حِينِ تَلَفَّظَ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا لَا يَنْفِيه أَبُو يُوسُفَ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ) أَيْ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ (تُجَانِسُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى) وَهُوَ فَوَاتُ الْمَحَلِّ عِنْدَ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ فَوَاتَهُ فِي هَذِهِ بِالْمَوْتِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَفِيمَا قَبْلَهَا بِالطَّلَاقِ فَيَقَعُ الْأَوَّلُ دُونَ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا ظَرْفًا إنْ قَرَنَهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ) أَيْ أُضِيفَتْ كَلِمَةُ الظَّرْفِ إلَى ضَمِيرِ
(4/56)

صِفَةً لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَالْقَبْلِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَتَبِينُ بِالْأُولَى فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ، وَالْبَعْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ صِفَةٌ لِلْأَخِيرَةِ فَحَصَلَتْ الْإِبَانَةُ بِالْأُولَى (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ صِفَةٌ لِلثَّانِيَةِ لِاتِّصَالِهَا بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ فَاقْتَضَى إيقَاعَهَا فِي الْمَاضِي وَإِيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ أَيْضًا فَيَقْتَرِنَانِ فَيَقَعَانِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَاقْتَضَى إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ فِي الْحَالِ وَإِيقَاعَ الْأُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ فَتَقْتَرِنَانِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: مَعَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأَوَّلِ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ آخِرًا كَجَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَهُ عَمْرٌو، وَإِنْ لَمْ يَقْرِنْهَا بِهَا بَلْ أُضِيفَتْ إلَى ظَاهِرٍ كَجَاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو كَانَ صِفَةً لِلْأَوَّلِ بِالضَّرُورَةِ وَلِأَنَّهَا حِينَئِذٍ خَبَرٌ عَنْهُ.
أَمَّا إذَا قُرِنَ بِهَا ارْتَفَعَ عَمْرٌو الْمُتَأَخِّرُ بِالِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرَهُ وَالْخَبَرُ وَصْفٌ لِلْمُبْتَدَإِ، وَحِينَئِذٍ الْقَبْلِيَّةُ فِي وَاحِدَةٍ قَبْلَ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَتَطْلُقُ وَاحِدَةً تَقَعُ قَبْلَ الثَّانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي اللَّفْظِ: أَعْنِي الْمُضَافَ إلَيْهَا لَفْظَةُ " قَبْلَ " قَدْ يُلْحِقُهَا الثَّانِيَةَ، وَفِي قَبْلِهَا وَاحِدَةٌ صِفَةٌ لِلْأَخِيرَةِ لِأَنَّهَا الْمُبْتَدَأُ الْمَخْبَرُ بِالظَّرْفِ عَنْهُ وَالْجُمْلَةُ مَوْصُوفٌ بِمَضْمُونِهَا وَاحِدَةُ الْأُولَى فَقَدْ أَوْقَعَ وَاحِدَةً مَوْصُوفَةً بِقَبْلِيَّةٍ أُخْرَى لَهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعِ لَهَا وُجُودٌ سَابِقٌ عَلَى الْمَوْقِعَةِ فَيُحْكَمُ أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَرِنَانِ فَيَقَعَانِ.
وَإِذَا كَانَ الظَّرْفُ لَفْظَةَ بَعْدَ فَفِي وَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ يَكُونُ صِفَةً لِلْأُولَى فَقَدْ أَوْقَعَ وَاحِدَةً مَوْصُوفَةً بِأَنَّهَا بَعْدَ أُخْرَى وَهُوَ مَعْنَى قَبْلِيَّةٍ أُخْرَى لَهَا، وَلَا قُدْرَةَ عَلَى تَقْدِيمِ مَا لَمْ يَسْبِقْ لِلْوُجُودِ عَلَى الْمَوْجُودِ فَيَقْتَرِنَانِ بِحُكْمِ أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ فَيَقَعَانِ، وَفِي وَاحِدَةٍ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ أَوْقَعَ وَاحِدَةً مَوْصُوفَةً بِبَعْدِيَّةٍ أُخْرَى لَهَا فَوَقَعَتْ الْأُولَى قَبْلَهَا فَلَا تَلْحَقُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَأَمَّا إذَا قَالَ وَاحِدَةً مَعَهَا وَاحِدَةٌ أَوْ مَعَ وَاحِدَةٍ فَلَا فَرْقَ فِي الْحَاصِلِ لِأَنَّ مَعَ لِلْقِرَانِ فَيَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي تَحْقِيقًا لِمَعْنَاهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ مَعَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ الْمُكَنَّى عَنْهُ.
قُلْنَا: وَقَدْ وَجَدَ وَهِيَ وَاحِدَةٌ الَّتِي هُوَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ إذْ قَدْ سَبَقَ لَفْظُهَا غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ لِاتِّصَالِ الْمُغَيِّرِ وَهُوَ الْمَعِيَّةُ الْمَانِعَةُ مِنْ انْفِرَادِ السَّابِقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَاهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنْفَرِدٌ لَفْظًا وَإِنْ عَنَى سَبْقَ وُجُودِهِ فَمَمْنُوعٌ، وَمِنْ مَسَائِلِ قَبْلَ وَبَعْدَ مَا قِيلَ مَنْظُومًا:
فِي فَتًى عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَهْرٍ ... قَبْلَ مَا بَعْدَ قَبْلِهِ رَمَضَانُ
(4/57)

لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَقْتَضِي سَبْقَ الْمُكَنَّى عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا تَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِقِيَامِ الْمَحَلِّيَّةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ) بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَتَعَلَّقْنَ جُمْلَةً كَمَا إذَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَصُوَرُهُ ثَلَاثٌ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ بِلَفْظِ " قَبْلَ " أَوْ جَمِيعُهُ بِلَفْظِ بَعْدَ أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَفِي الْجَمْعِ كَالْبَيْتِ يُلْغِي قَبْلَ بِبَعْدِ فَيَبْقَى شَهْرٌ قَبْلَهُ رَمَضَانُ فَيَقَعُ فِي شَوَّالٍ، وَفِي نَحْوِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ أُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ لَفْظَةَ قَبْلَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بَعْدُ كَمَا فِي الْبَيْتِ وَقَدْ عَرَفْتَ حُكْمَهُ. أَوْ لَا يَتَخَلَّلُ بَلْ يَكُونُ الْمَذْكُورُ مَحْضَ قَبْلُ نَحْوُ فِي شَهْرٍ قَبْلَ مَا قَبْلَ قَبْلِهِ رَمَضَانُ فَيَقَعُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَمِنْ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ لَفْظَةَ بَعْدَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا قَبْلُ قُلِبَ الْبَيْتُ. وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُلْغِي بَعْدَ بِقَبْلَ فَيَبْقَى شَهْرٌ بَعْدَ رَمَضَانَ فَيَقَعُ فِي شَعْبَانَ، أَوْ لَا يَتَخَلَّلُ بَلْ الْمَذْكُورُ مَحْضُ بَعْدُ نَحْوُ فِي شَهْرٍ بَعْدَ مَا بَعْدَ بَعْدِهِ رَمَضَانُ فَيَقَعُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا) يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي: قَبْلَ وَاحِدَةٍ وَقَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَبَعْدَ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَهَا وَاحِدَةٌ هُوَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. أَمَّا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا: أَيْ فِي قَبْلَ وَاحِدَةٍ وَقَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَبَعْدَ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَهَا وَاحِدَةٌ. وَاسْتُشْكِلَ فِي وَاحِدَةٍ قَبْلَ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ قَبْلَ غَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ ذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ» وَأُجِيبُ بِأَنَّ اللَّفْظَ أَشْعَرَ بِالْوُقُوعِ وَكَوْنُ الشَّيْءِ قَبْلَ غَيْرِهِ يَقْتَضِي وُجُودَ ذَلِكَ الْغَيْرِ ظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَدْعِهِ لَا مَحَالَةَ، وَالْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا ثِنْتَانِ) وَلَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ: أَيْ لِجَمْعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ مِمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ عَامِلًا كَجَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو
(4/58)

وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْقِرَانَ وَالتَّرْتِيبَ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا إذَا نَجَّزَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَلَا يَقَعُ الزَّائِدُ عَلَى الْوَاحِدَةِ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ صَدْرَ الْكَلَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَوْ لَا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ جَاءُوا مُطْلَقًا: أَيْ بِلَا قَيْدِ مَعِيَّةٍ أَوْ تَرَتُّبٍ بَلْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ يَصْدُقُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالْوَاحِدَةِ فِي التَّعْلِيقِ بِدُخُولِ الدَّارِ فَصَارَ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ، وَكَمَا إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَهَذَا التَّفْرِيقُ اللَّفْظِيُّ لَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهُ فِي حَالِ التَّكَلُّمِ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ لَا فِي حَالِ التَّطْلِيقِ تَنْجِيزًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْإِيقَاعِ وَلَا مُوجِبَ لِتَوَقُّفِ الْأَوَّلِ فَيَقَعُ، أَمَّا هُنَا فَيَتَوَقَّفُ فَيَتَعَلَّقُ الْكُلُّ دَفْعَةً ثُمَّ يَنْزِلْنَ كَذَلِكَ فَيَقَعُ الْكُلُّ، وَلَوْ سَلِمَ التَّعَاقُبُ فِي التَّعْلِيقِ فَالْمُتَعَلِّقَاتُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّعَاقُبِ تَنْزِلُ جُمْلَةً عِنْدَ وُجُودِهِ كَمَا لَوْ حَصَلَ بِأَيْمَانٍ تَتَخَلَّلُهَا أَزْمِنَةٌ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ يَقَعُ الْكُلُّ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا إذَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلصُّورَةِ وَكَذَا فَيَتَعَلَّقْنَ وَيَقَعْنَ.
(قَوْلُهُ وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ) الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْوَاوِ يَحْتَمِلُ عِنْدَ وُقُوعِ الْوَاوِ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنْ يُرَادَ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي ضِمْنِ الْقِرَانِ أَوْ التَّرْتِيبِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْخَاصِّ الْأَعَمُّ إلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي ضِمْنِ أَحَدِ أَخِصَّائِهِ، وَعَلَى الِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُرَادَ الْجَمْعُ بِوَصْفِ التَّرْتِيبِ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً. كَمَا إذَا نَجَّزَ الثَّلَاثَ بِالْوَاوِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يَقَعُ وَاحِدَةً لِمُلَاحَظَةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ وَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، فَهَكَذَا هَذَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبَعْدَهَا وَاحِدَةٌ أُخْرَى وَبَعْدَهَا أُخْرَى وَيَفُوتُ الْمَحَلُّ بِالْأُولَى، وَعَلَى اعْتِبَارِ إرَادَةِ الْمَعِيَّةِ يَنْزِلُ الْكُلُّ وَلَا تَتَعَيَّنُ لِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ
وَنُزُولُ الطَّلَاقِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْهُ فَتَنْزِلُ وَاحِدَةٌ وَلَا يَنْزِلُ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ. وَتَقْرِيرُ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَوَّلَ تَعَلَّقَ قَبْلَ الثَّانِي لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ تَوَقُّفَهُ، وَتَعَلَّقَ الثَّانِي بِوَاسِطَتِهِ وَالثَّالِثُ بِوَاسِطَتِهِمَا فَيَنْزِلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ التَّعَلُّقُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ تَكْرَارِ الشَّرْطِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الثَّانِي بِغَيْرِ شَرْطِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَتَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ الْوَاحِدِ طَلْقَاتٌ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ بِوَاسِطَةِ شَيْءٍ فَيَنْزِلْنَ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّرْطِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ الْجَزَاءُ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الشَّرْطِ مُوجِبٌ لِتَوَقُّفِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ فَتَعَلَّقَ الْكُلُّ فِيهِ دَفْعَةً فَيَنْزِلُ دَفْعَةً.
وَنُقِضَ بِمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ فَدَخَلَتْ يَقَعُ ثَلَاثٌ، وَلَوْ نَجَّزَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَعَ وَاحِدَةً. وَأُجِيبُ بِأَنَّ لَا بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِإِقَامَةِ الثَّانِي بَدَلَ الْأَوَّلِ. وَلَا يُمْكِنُ فِي الطَّلَاقِ فَيَتَعَلَّقُ الْأَوَّلُ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُ الثَّانِي لِبَقَاءِ مَحَلِّ التَّعْلِيقِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ فَيَتَعَلَّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ كَأَنَّهُ أَعَادَ الشَّرْطَ لِتَعْلِيقِ ثِنْتَيْنِ وَجَعَلَهُ يَمِينَيْنِ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَقَعَ الْكُلُّ جُمْلَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا نَجَّزَ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى فَلَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِإِيقَاعِ الثِّنْتَيْنِ وَقَوْلُهُمَا أَرْجَحُ.
وَقَوْلُهُ: تَعَلَّقَ الثَّانِي بِوَاسِطَةِ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ، إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ عِلَّةُ تَعَلُّقِهِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ عِلَّتُهُ جَمْعُ الْوَاوِ إيَّاهُ إلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهُ سَابِقَ التَّعَلُّقِ سَلَّمْنَاهُ، وَلَا يُفِيدُ كَالْأَيْمَانِ الْمُتَعَاقِبَةِ؛ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَوَّلِ عِلَّةٌ لِتَعَلُّقِ الثَّانِي لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ نُزُولِهِ عِلَّةً لِنُزُولِهِ إذْ لَا تَلَازُمَ فَجَازَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِتَعَلُّقِهِ فَيَتَقَدَّمُ فِي التَّعَلُّقِ، وَلَيْسَ نُزُولُهُ عِلَّةً لِنُزُولِهِ، بَلْ إذَا تَعَلَّقَ الثَّانِي
(4/59)

فَيَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً وَلَا مُغَيِّرَ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ. وَلَوْ عَطَفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةً بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ صَارَ مَعَ الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ نُزُولِ الشَّرْطِ يَنْزِلُ الْمَشْرُوطُ. وَتَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقْرَبُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْأَيْمَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: لَا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي تَعَلُّقِ الْكُلِّ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَعِيَّةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ أَنْ تَنْزِلَ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّرْطِ كَالْأَيْمَانِ الْمُتَعَاقِبَةِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ. قُلْنَا: التَّرْتِيبُ الَّذِي يُرَادُ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي كَمَا قَرَرْنَاهُ أَنَّ وُقُوعَ كُلِّ مُتَقَدِّمِ جُزْءٍ شَرْطُ وُقُوعِ الْمُتَأَخِّرِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبَعْدَهَا أُخْرَى وَتَلِيهَا أُخْرَى فَلَا يَقَعُ مُتَأَخِّرٌ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْمُتَقَدِّمِ فَصَارَ الدُّخُولُ شَرْطَ كُلِّ مُتَأَخِّرٍ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ الَّذِي اتَّفَقَ فِي الْأَيْمَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الشَّرْطُ فِي الْكُلِّ إلَّا شَرْطَ الْأَوَّلِ فَقَطْ، فَإِذَا وُجِدَ الدُّخُولُ مَثَلًا فَقَدْ وُجِدَ تَمَامُ شَرْطِ كُلِّ مُعَلَّقٍ مِنْ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ وَسَقَطَ الظِّهَارُ عِنْدَهُ وَالْإِيلَاءُ لِسَبْقِ الطَّلَاقِ فَتَبِينُ فَلَا تَبْقَى مَحَلًّا لِلظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ.
وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُطَلِّقٌ مُظَاهِرٌ مُولٍ. وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةِ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَتَزَوَّجَهَا فَعَلَى الْخِلَافِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا وَقَعَ الْكُلُّ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِسَبْقِ الْإِيلَاءِ ثُمَّ هِيَ بَعْدَهُ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ فَتَطْلُقُ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَطَفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ) فَقَالَ: أَيْ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ (فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ) فَعِنْدَهُ تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ وَيَسْقُطُ مَا بَعْدَهَا، وَعِنْدُهُمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ وَفِي الْمَبْسُوطِ نَقَلَهُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فَلْيَكُنْ عَنْهُمَا (وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةً بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ فَصَارَتْ كَثُمَّ وَبَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ الشَّرْطَ دُخُولَ الدَّارِ وَوُقُوعَ طَلْقَةٍ، وَلَا وُقُوعَ قَبْلَ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ فَتَقَعُ الثَّانِيَةُ بَعْدَهُمَا، وَشَرْطُ الثَّالِثَةِ الدُّخُولُ وَوُقُوعُ طَلْقَتَيْنِ فَيَقَعُ بَعْدَهُمَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَرَّرْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبَعْدَهَا أُخْرَى، وَلَوْ عَطَفَ بِثُمَّ وَأَخَّرَ الشَّرْطَ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت.
فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، فَعِنْدَهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ ثِنْتَانِ وَتَتَعَلَّقُ الثَّالِثَةُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّهَا لِلتَّرَاخِي، وَكَمَالُهُ بِاعْتِبَارِهِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَكَأَنَّهُ فَصَلَ بِسُكُوتٍ، وَلَوْ سَكَتَ وَقَعَ الْأَوَّلُ وَلَا يَتَوَقَّفُ لِيَتَعَلَّقَ فَكَذَا هُنَا. وَإِذَا وَقَعَ الْأَوَّلُ بَقِيَتْ مَحَلًّا فَتَقَعُ الثَّانِيَةُ وَتَتَعَلَّقُ الثَّالِثَةُ بِدُخُولِهَا الدَّارَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو الثَّانِي لِانْتِفَاءِ مَحَلِّيَّتِهَا، وَإِنْ قَدَّمَ الشَّرْطَ فَقَالَ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ
(4/60)

(وَأُمًّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَاتُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلطَّلَاقِ بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ أَوْ دَلَالَتِهِ. قَالَ (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ وَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الِاعْتِدَادَ عَنْ النِّكَاحِ وَتَحْتَمِلُ اعْتِدَادَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْأَوَّلَ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ فَيَقْتَضِي طَلَاقًا سَابِقًا وَالطَّلَاقُ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَدْخُولًا بِهَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَوَقَعَ الثَّانِي وَلَغَا الثَّالِثُ.
وَالْوَجْهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْأَصْلِ ظَاهِرٌ، وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ الْكُلُّ بِالثَّانِي قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَقَعُ الثَّلَاثُ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ، فَأَثَرُ التَّرَاخِي يَظْهَرُ عِنْدَهُ فِي التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ سَكَتَ ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَعِنْدَهُمَا فِي الْوُقُوعِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلَوْ لَمْ يَعْطِفْ أَصْلًا بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ وَاحِدَةً بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَلَغَا مَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ تَشْرِيكَهُ مَعَهُ.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَاتُ) لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الصَّرِيحِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكِنَايَاتِ وَقَدَّمَ الصَّرِيحَ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ، فَمَا كَانَ أَدْخَلَ وَأَظْهَرَ فِيهِ كَانَ أَصْلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُضِعَ لَهُ، وَحِينَ كَانَ الصَّرِيحُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ لِاشْتِهَارِهِ فِي الْمَعْنَى كَانَ الْكِنَايَةُ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ بِهِ لِتَوَارُدِ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفْ الْمُصَنِّفُ الْكِنَايَةَ كَمَا عَرَّفَ الصَّرِيحَ بَلْ ابْتَدَأَ فَقَالَ (وَهُوَ الْكِنَايَاتُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) إلَى آخِرِهِ لِاشْتِهَارِ أَنَّهَا ضِدَّ الصَّرِيحِ، وَحِينَ عَرَّفَهُ عُلِمَ أَنَّ الْكِنَايَةَ مَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ مَعَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ رَسْمُهَا مِنْ تَعْلِيلِهِ حَيْثُ قَالَ: إنَّهَا تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ، فَكَأَنَّ الْكِنَايَةَ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَزِمَ أَنْ يَسْتَفْسِرَ عَنْ مَقْصُودِهِ بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ حَالَةً ظَاهِرَةً تُفِيدُ مَقْصُودَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْتَبِرُهَا وَلَا يُصَدِّقُهُ فِي ادِّعَاءٍ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا وَهِيَ دَلَالَةُ الْحَالِ فَإِنَّهَا مِمَّا يُحْكَمُ بِإِرَادَةِ مُقْتَضَاهَا شَرْعًا كَمَا فِي الْبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَكَذَا إذَا أَطْلَقَ الضَّرُورَةَ نِيَّةَ الْحَجِّ يَنْصَرِفُ إلَى نِيَّةِ الْحَجِّ الْفَرْضِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّيَّةَ بَاطِنَةٌ وَالْحَالُ ظَاهِرَةٌ فِي الْمُرَادِ فَظَهَرَتْ نِيَّتُهُ بِهَا فَلَا يُصَدَّقُ فِي إنْكَارِ مُقْتَضَاهَا بَعْدَ ظُهُورِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُصَدِّقُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا نَوَى خِلَافَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ يُحْمَلُ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي بِالْوُقُوعِ، أَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ مُطْلَقًا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَالَ: أَرَدْتُ عَنْ وَثَاقٍ لَا يُصَدِّقُهُ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ هِيَ زَوْجَتُهُ إذَا كَانَ نَوَاهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلطَّلَاقِ) بَلْ مَوْضُوعَةٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ أَوْ مِنْ حُكْمِهِ، وَالْأَعَمُّ فِي الْمَادَّةِ الِاسْتِعْمَالِيَّة يَحْتَمِلُ كُلًّا مِمَّا صَدَقَاتِهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِمُعَيِّنٍ، وَالْمُعَيِّنُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ النِّيَّةُ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاضِي دَلَالَةُ الْحَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَدَعْوَاهُ مَا أَرَادَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ حُكْمِهِ، وَلَمْ نَقُلْ: أَعَمُّ مِنْهُ لِمَا سَنَذْكُرُ مِنْ أَنَّهَا لَمْ يُرِدْ بِمَا سِوَى الثَّلَاثِ الرَّجْعِيَّةِ اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي أَنْتِ وَاحِدَةً الطَّلَاقَ أَصْلًا بَلْ مَا هُوَ حُكْمُهُ مِنْ الْبَيْنُونَةِ مِنْ النِّكَاحِ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ تَسَاهُلٌ لِأَنَّ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ تُسْتَعْمَلُ فِيهَا، وَسَنُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا الطَّلَاقَ وَنُقَرِّرُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْتَمِلُهُ مُتَعَلِّقًا لِمَعْنَاهَا أَوْ وَاقِعًا عِنْدَهُ فَتَدْخُلُ الثَّلَاثُ الرَّجْعِيَّةُ (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ الْكِنَايَاتُ (عَلَى ضَرْبَيْنِ) هَذَا تَقْسِيمٌ لِلْكِنَايَاتِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا بِحَسَبِ مَا هِيَ كِنَايَةٌ عَنْهُ، وَثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ بِهَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ هِيَ الْقِسْمَةُ الثَّانِيَةُ.
أَمَّا الْأُولَى فَتَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُكْمِ الطَّلَاقِ وَإِلَى مَا عَنْ تَفْوِيضِهِ الثَّانِي لَفْظَانِ اخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك
(4/61)

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَحْتَمِلُ الِاسْتِبْرَاءَ لِيُطَلِّقَهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا نَوَاهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَهُ، وَالطَّلَاقُ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ قَوْمِهِ، وَلَمَّا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَلَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ فِيهَا مُقْتَضًى أَوْ مُضْمَرٌ، وَلَوْ كَانَ مُظْهَرًا لَا تَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ مُضْمَرًا أَوْلَى، وَفِي قَوْلِهِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ صَارَ الْمَصْدَرُ مَذْكُورًا لَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَدْخُلُ فِي يَدِهَا إلَّا بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِقَوْلِهَا بَعْدَ نِيَّتِهِ طَلَّقْت نَفْسِي وَاخْتَرْت نَفْسِي، وَالْأَوَّلُ مَا سِوَاهُمَا وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْبَائِنُ وَهُوَ مَا سِوَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ، وَإِلَى مَا يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ لَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ.
أَمَّا الْأُولَى: أَيْ كَوْنُ الْأُولَى وَهِيَ كَلِمَةُ اعْتَدِّي كِنَايَةً فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الِاعْتِدَادَ عَنْ النِّكَاحِ وَالِاعْتِدَادَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْأَوَّلَ تَعَيَّنَ وَيَقْتَضِي طَلَاقًا سَابِقًا وَالطَّلَاقُ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاقْتِضَاءِ وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ فِيمَا إذَا قَالَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ كُونِي طَالِقًا بِاسْمِ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ لَا الْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ لِيَرُدَّ أَنَّ شَرْطَهُ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ، وَالْعِدَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالطَّلَاقِ لِثُبُوتِهَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ. وَيُجَابُ بِأَنَّ ثُبُوتَهَا فِيمَا ذُكِرَ لِوُجُودِ سَبَبِ ثُبُوتِهَا فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ لَا بِالْأَصَالَةِ وَهُوَ غَيْرُ دَافِعٍ سُؤَالَ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ كَوْنُهَا مَجَازًا عَنْ كُونِي طَالِقًا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يَجِبُ كَوْنُ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك كَذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً، وَمَا فِي النَّوَادِرِ مِنْ أَنَّ وُقُوعَ الرَّجْعِيِّ بِهَا اسْتِحْسَانٌ لِحَدِيثِ «سَوْدَةَ: يَعْنِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي ثُمَّ رَاجَعَهَا» وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْبَائِنُ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ بَعِيدٌ بَلْ ثُبُوتُ الرَّجْعِيِّ بِهَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَيْنُونَةَ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِيهَا فَلَا يُتَّجَهُ الْقِيَاسُ أَصْلًا. نَعَمْ الِاعْتِدَادُ يَقْتَضِي فُرْقَةً بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ رَجْعِيٍّ وَبَائِنٍ لَكِنْ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَعَيُّنَ الْبَائِنِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْأَخَفُّ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى الزَّائِدِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك فَلِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِدَّةِ وَهُوَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَاحْتَمَلَ اسْتَبْرِئِيهِ لِأَنِّي طَلَّقْتُك أَوْ لِأُطَلِّقَك: يَعْنِي إذَا عَلِمْت خُلُوَّهُ عَنْ الْوَلَدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ وَعَلَى الثَّانِي لَا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا أَيْضًا قَبْلَ الدُّخُولِ مَجَازٌ عَنْ كُونِي طَالِقًا كَاعْتَدِّي، وَكَذَا فِي الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهِيَ أَنْتِ وَاحِدَةٌ
(4/62)

الثَّلَاثِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِعْرَابِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ.
قَالَ (وَبَقِيَّةُ الْكِنَايَاتِ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَعْتَا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا نَوَاهُ فَكَأَنَّهُ قَالَهُ: يَعْنِي إذَا نَوَاهُ مَعَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فَكَأَنَّهُ قَالَهُ لِظُهُورِ أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ وَالطَّلَاقُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَحْوُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ عِنْدِي أَوْ فِي قَوْمِك مَدْحًا وَذَمًّا، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ مُقْتَضًى كَمَا هُوَ فِي اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك لِأَنَّهُ يَقَعُ شَرْعًا بِهَا فَهُوَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً وَمُضْمَرٌ فِي وَاحِدَةٍ، وَلَوْ كَانَ مُظْهِرًا لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً، فَإِذَا كَانَ مُضْمَرًا وَأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ أُولَى أَنْ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَفِي وَاحِدَةٍ إنْ صَارَ الْمَصْدَرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِ صِفَتِهِ لَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَاحِدِ يَمْنَعُ إرَادَةَ الثَّلَاثِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ الْمَحْدُودِ بِالْهَاءِ فَلَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَةَ.
وَاعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً بِأَنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الزَّوْجِ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ لَا يُدْفَعُ احْتِمَالُهُ لِمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالتَّطْلِيقُ بِالْمَصْدَرِ الْمَلْفُوظِ بِهِ شَائِعٌ فِي طَلَاقِ الْعَرَبِ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الشِّعْرِ الْقَائِلِ:
فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ
إلَى آخِرِهِ، وَمِنْ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حِينَ طَلَّقَ الْأَرْبَعَ: اذْهَبْنَ فَأَنْتُنَّ الطَّلَاقُ أَوْ طَلَاقٌ وَكَثِيرٌ، بِخِلَافِ التَّطْلِيقِ بِلَفْظِ أَنْتِ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الزَّوْجِ فَكَانَ احْتِمَالُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ لِلْمَصْدَرِ أَظْهَرَ مِنْ احْتِمَالِهَا لِمُنْفَرِدَةٍ عَنْ الزَّوْجِ فَضْلًا عَنْ تَعَيُّنِ الثَّانِي (قَوْلُهُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِعْرَابِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ رَفَعَ الْوَاحِدَةَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى، وَإِنْ نَصَبَهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ: أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَوْقَعَ بِالصَّرِيحِ وَإِنْ سَكَنَ اُحْتِيجَ إلَى النِّيَّةِ.
وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ حُكْمٍ يَرْجِعُ إلَى الْعَامَّةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الرَّفْعَ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَعْتًا لِطَلْقَةٍ: أَيْ أَنْتِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالنَّصْبُ يَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ آخَرَ: أَيْ أَنْتِ مُتَكَلِّمَةٌ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا الْوَجْهُ يَعُمُّ الْعَوَامَّ وَالْخَوَاصَّ، وَلِأَنَّ الْخَاصَّةَ لَا تَلْتَزِمُ التَّكَلُّمَ الْعُرْفِيَّ عَلَى صِحَّةِ الْإِعْرَابِ بَلْ تِلْكَ صِنَاعَتُهُمْ وَالْعُرْفُ لُغَتُهُمْ، وَلِذَا تَرَى أَهْلَ الْعِلْمِ فِي مَجَارِي كَلَامِهِمْ لَا يُقِيمُونَهُ (قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الْكِنَايَاتِ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً) وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ، بَلْ يَقَعُ الرَّجْعِيُّ بِبَعْضِ الْكِنَايَاتِ سِوَى الثَّلَاثِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي أَنَا بَرِيءٌ مِنْ طَلَاقِك يَقَعُ رَجْعِيٌّ إذَا نَوَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مِنْ نِكَاحِك، قَالَهُ ابْنُ سَلَامٍ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ اُخْتُلِفَ فِي بَرِئْت مِنْ طَلَاقِك إذَا نَوَى، وَالْأَصَحُّ يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنْ يَقَعَ بَائِنًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ تَبْرِئَتِهِ مِنْهُ تَسْتَلْزِمُ عَجْزَهُ عَنْ الْإِيقَاعِ وَهُوَ بِالْبَيْنُونَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ الثَّلَاثِ أَوْ عَدَمِ الْإِيقَاعِ أَصْلًا وَبِذَلِكَ صَارَ كِنَايَةً، فَإِذَا أَرَادَ الْأَوَّلَ
(4/63)

وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ وَحَرَامٌ وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ وَسَرَّحْتُك وَفَارَقْتُك وَأَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي وَأَنْتِ حُرَّةٌ وَتَقَنَّعِي وَتَخَمَّرِي وَاسْتَتِرِي وَاغْرُبِي وَاخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي وَابْتَغِي الْأَزْوَاجَ) لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَقَالَ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ إذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَعَ وَصُرِفَ إلَى إحْدَى الْبَيْنُونَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي دُونَ الثَّلَاثِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: الطَّلَاقُ عَلَيْك يَقَعُ بِالنِّيَّةِ وَفِي وَهَبْتُك طَلَاقَك إذَا نَوَى يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَكَذَا قَالُوا فِي بِعْتُك طَلَاقَك إذَا قَالَتْ: اشْتَرَيْت مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، ثُمَّ فِي الْهِبَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةً تَطْلُقُ فِي الْقَضَاءِ.
وَلَوْ قَالَ نَوَيْت أَنْ يَكُون فِي يَدِهَا لَا يُصَدَّقُ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَمَا نَوَى، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ طَلُقَتْ وَإِلَّا فَهِيَ زَوْجَتُهُ. هَذَا إذَا ابْتَدَأَ الزَّوْجُ، فَلَوْ ابْتَدَأَتْ فَقَالَتْ: هَبْ لِي طَلَاقِي تُرِيدُ أَعْرِضْ عَنْهُ فَقَالَ: وَهَبْت لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ جَوَابُهَا فِيمَا طَلَبَتْ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَقَعَ إذَا نَوَى لِأَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ وَنَوَى وَقَعَ، فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَقَدْ قَصَدَ عَدَمَ الْجَوَابِ، وَأُخْرِجَ الْكَلَامُ ابْتِدَاءً وَلَهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَدْرَى بِنَفْسِهِ وَنِيَّتِهِ، وَيَقَعُ رَجْعِيًّا فِي خُذِي طَلَاقَك وَأَقْرَضْتُك وَكَذَا فِي قَدْ شَاءَ اللَّهُ طَلَاقَك أَوْ قَضَاهُ أَوْ شِئْت يَقَعُ بِالنِّيَّةِ رَجْعِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ وَحَرَامٌ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك وَالْحَقِي بِأَهْلِك) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ (وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك وَفَارَقْتُك وَأَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي وَأَنْتِ حُرَّةٌ) وَأَعْتَقْتُك مِثْلُ أَنْتِ حُرَّةٌ (تَقَنَّعِي وَتَخَمَّرِي وَاسْتَتِرِي وَاغْرُبِي) بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ (وَاخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي وَابْتَغِي الْأَزْوَاجَ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ) وَتَحْرِيرُ الْمُحْتَمَلَاتِ غَيْرُ خَافٍ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك تَمْثِيلٌ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالصُّورَةِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَشْيَاءَ وَهِيَ هَيْئَةُ النَّاقَةِ إذَا أُرِيدَ إطْلَاقُهَا لِلرَّعْيِ وَهِيَ ذَاتُ رَسَنٍ فَأَلْقَى الْحَبْلَ عَلَى غَارِبِهَا: وَهُوَ مَا بَيْنَ السَّنَامِ وَالْعُنُقِ كَيْ لَا تَتَعَقَّلَ بِهِ إذَا كَانَ مَطْرُوحًا، فَشَبَّهَ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْإِطْلَاقِيَّةِ إطْلَاقَ الْمَرْأَةِ عَنْ قَيْدِ النِّكَاحِ أَوْ الْعَمَلِ أَوْ التَّصَرُّفِ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَصَارَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ لِتَعَدُّدِ صُوَرِ الْإِطْلَاقِ، وَفِي وَهَبْتُك لِأَهْلِك إذَا نَوَى يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ كَوْنُ وَهَبْتُك لِأَهْلِك مَجَازًا عَنْ رَدَدْتُك عَلَيْهِمْ فَيَصِيرُ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْبَيْنُونَةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِهِمْ إيَّاهَا فِي ثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِك مِثْلُهُ فِي صَيْرُورَتِهَا إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ: وَهَبْتُك لِأَبِيك أَوْ لِابْنِك مِثْلُهُ بِخِلَافِ الْأَجَانِبِ (فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) وَهُوَ حَالُ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ أَوْ سُؤَالِ أَجْنَبِيٍّ (فَيَقَعُ فِي الْقَضَاءِ) وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت غَيْرَ الطَّلَاقِ (وَلَا يَقَعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا اخْتَارِي لِمَا نَذْكُرُ وَأَمْرُك بِيَدِك.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (سِوَى) أَيْ الْقُدُورِيِّ (بَيَّنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَقَالَ: لَا يُصَدَّقُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فِي الْقَضَاءِ) إذَا قَالَ: نَوَيْت غَيْرَ الطَّلَاقِ مِنْ الْمُحْتَمَلَاتِ، وَهَكَذَا فَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمَشَايِخُ
(4/64)

قَالُوا (وَهَذَا فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدَّا) وَالْجُمْلَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَحَالَةُ الْغَضَبِ.
وَالْكِنَايَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدَّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَسَبًّا وَشَتِيمَةً. فَفِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إنْكَارِ النِّيَّةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا، وَلَا يَصْلُحُ رَدَّا فِي الْقَضَاءِ مِثْلُ قَوْلِهِ خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌ حَرَامٌ اعْتَدِّي أَمْرُك بِيَدِك اخْتَارِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ الطَّلَاقُ عِنْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا مِثْلُ قَوْلِهِ: اذْهَبِي اُخْرُجِي قُومِي تَقَنَّعِي تَخَمَّرِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ (قَالُوا وَهَذَا) أَيْ كَوْنُهُ لَا يُصَدَّقُ إذَا ادَّعَى نِيَّةً غَيْرَ الطَّلَاقِ بَعْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ (فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدًّا) أَمَّا مَا يَصْلُحُ لَهُ فَيُصَدَّقُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَقْسِيمًا ضَابِطًا فَقَالَ: الْأَحْوَالُ هُنَا ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ وَفَسَّرَهَا بِحَالَةِ الرِّضَا. وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ وَهِيَ مَا قَدَّمْنَا. وَحَالَةُ الْغَضَبِ. وَالْكِنَايَاتُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِطَلَبِهَا الطَّلَاقَ: أَيْ التَّطْلِيقَ وَيَصْلُحُ رَدًّا لَهُ. وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا لَهُ. وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَشَتْمًا. فَفِي حَالَةِ الرِّضَا يُصَدَّقُ فِي الْكُلِّ إذَا قَالَ لَمْ أُرِدْ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَفِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ لِلطَّلَاقِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدًّا كَخَلِيَّةٍ بَرِيَّةٍ بَائِنٍ بَتَّةٍ بَتْلَةٍ حَرَامٍ اعْتَدِّي اسْتَتِرِي اخْتَارِي أَمْرُك بِيَدِك، وَيُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ وَلِلرَّدِّ مِثْلُ اُخْرُجِي اذْهَبِي افْلَحِي، تَقُولُ الْعَرَبُ افْلَحْ عَنِّي: أَيْ اذْهَبْ عَنِّي، وَاغْرُبِي قُومِي تَقَنَّعِي، وَمُرَادِفُهَا كَاسْتَتِرِي وَتَخَمَّرِي، وَمَعْنَى الرَّدِّ فِي هَذِهِ: أَيْ اشْتَغِلِي بِالتَّقَنُّعِ الَّذِي هُوَ أَنْفَعُ لَك مِنْ الْقِنَاعِ وَكَذَا أَخَوَاهُ، وَيَجُوزُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ كَوْنُهُ مِنْ الْقَنَاعَةِ وَفِي حَالِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَشَتِيمَةً لَا رَدًّا كَخَلِيَّةٍ بَرِيَّةٍ بَتَّةٍ بَتْلَةٍ حَرَامٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، إذْ يَحْتَمِلُ خَلِيَّةً مِنْ الْخَيْرِ بَرِيَّةً مِنْهُ بَتَّةً بَتْلَةً: أَيْ مَقْطُوعَةً عَنْهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ دُونَ الرَّدِّ وَالشَّتْمِ كَاعْتَدِّي اخْتَارِي أَمْرُك بِيَدِك اسْتَتِرِي.
وَعُرِفَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ اخْتَارِي أَمْرُك بِيَدِك لَا يَقَعُ بِهِمَا الطَّلَاقُ إلَّا بِإِيقَاعِهَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا هُمَا كِنَايَتَانِ عَنْ التَّفْوِيضِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْأَمْرُ فِي يَدِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْسِيمِ فِي الْأَحْوَالِ قِسْمَانِ: حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ الْغَضَبِ. وَأَمَّا حَالَةُ الْمُذَاكَرَةِ فَتُصَدَّقُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ سُؤَالُهَا الطَّلَاقَ إلَّا فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، فَتَحْرِيرُ التَّقْرِيرِ أَنَّ
(4/65)

وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، إلَّا فِيمَا يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ كَقَوْلِهِ: اعْتَدِّي وَاخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهَا لِأَنَّ الْغَضَبَ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك وَخَلَّيْتُ سَبِيلَك وَفَارَقْتُك، أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لِمَا فِيهَا مِنْ احْتِمَالِ مَعْنَى السَّبِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي حَالَةِ الرِّضَا الْمُجَرَّدِ عَنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ يُصَدَّقُ فِي الْكُلِّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ، وَفِي حَالَةِ الرِّضَا الْمَسْئُولِ فِيهَا طَلَاقٌ يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ رَدًّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ الْمُجَرَّدِ عَنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ سَبًّا أَوْ رَدًّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا السَّبَّ أَوْ الرَّدَّ، وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا فَقَطْ، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ الْمَسْئُولِ فِيهَا الطَّلَاقُ يَجْتَمِعُ فِي عَدَمِ تَصْدِيقِهِ فِي الْمُتَمَحِّضِ جَوَابًا سَبَبَانِ: الْمُذَاكَرَةُ وَالْغَضَبُ، وَكَذَا فِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِيمَا يَصْلُحُ رَدًّا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُذَاكَرَةِ وَالْغَضَبِ يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي دَعْوَى عَدَمِ إرَادَةِ الطَّلَاقِ.
وَفِيمَا يَصْلُحُ لِلسَّبَبِ يَنْفَرِدُ الْغَضَبُ بِإِثْبَاتِهِ فَلَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى أَنْ تُعْرَفَ الْحَالُ الْمُطْلَقَةُ بِالْمُطْلَقَةِ عَنْ قَيْدِ الْغَضَبِ وَالْمُذَاكَرَةِ (قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) أَلْحَقَ أَبُو يُوسُفَ بِاَلَّتِي تَحْتَمِلُ السَّبَّ أَلْفَاظًا أُخْرَى وَهِيَ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك خَلَّيْت سَبِيلَك فَارَقْتُك، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظِ ذَكَرَهَا الْوَلْوَالِجِيُّ، وَذَكَرَهَا الْعَتَّابِيُّ خَمْسَةً: لَا سَبِيلَ لَا مِلْكَ خَلَّيْت سَبِيلَك الْحَقِي بِأَهْلِك حَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
وَفِي الْإِيضَاحِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ذَكَرَ خَمْسَةً هِيَ هَذِهِ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ مَكَانَ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَارَقْتُك فَتَتِمُّ سِتَّةَ أَلْفَاظٍ.
وَوَجْهُ احْتِمَالِهَا السِّتَّ أَنْ لَا مِلْكَ لِي: يَعْنِي أَنْتِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبِي إلَيَّ بِالْمِلْكِ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِزِيَادَةِ شَرِّك وَخَلَّيْت سَبِيلَك وَفَارَقْتُك وَالْحَقِي بِأَهْلِك وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك: أَيْ أَنْتِ مُسِيئَةٌ لَا يَشْتَغِلُ أَحَدٌ بِتَأْدِيبِك إذْ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِمُمَارَسَتِك. وَفِي رِوَايَةِ جَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَلْحَقهَا بِالثَّلَاثِ الَّتِي لَا يَدِينُ فِيهَا فِي الْغَضَبِ كَمَا لَا يَدِينُ فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَهِيَ اعْتَدِّي اخْتَارِي أَمْرُك بِيَدِك.
وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك تَقَنَّعِي اسْتَتِرِي اُخْرُجِي اذْهَبِي قُومِي تَزَوَّجِي لَا نِكَاحَ لِي عَلَيْك يَدِينُ فِي الْغَضَبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُذْكَرُ لِلْإِبْعَادِ، وَحَالَةُ الْغَضَبِ يَبْعُدُ الْإِنْسَانُ عَنْ الزَّوْجَةِ فِيهِ، وَكَذَا فِي حَالِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا لِأَنَّ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك يَحْتَمِلُ عَلَيَّ طَلَاقُك وَهُوَ يُذْكَرُ لِلِامْتِنَاعِ عَنْ الطَّلَاقِ وَانْطَلِقِي وَانْتَقِلِي كَالْحَقِي وَلَا رِوَايَةَ فِي أَعَرْتُك طَلَاقَك ظَاهِرَةٌ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَفِي النَّوَازِلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ الطَّلَاقُ فِي يَدِهَا لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَنَافِعَ الطَّلَاقِ وَمَنْفَعَةُ الطَّلَاقِ التَّطْلِيقُ إنْ شَاءَتْ كَمَا كَانَ لِلزَّوْجِ، وَلَوْ قَالَ: طَلَاقُك عَلَيَّ لَا يَقَعُ أَصْلًا، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك لِأَبِيك أَوْ لِابْنِك أَوْ لِلْأَزْوَاجِ فَهُوَ طَلَاقٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُرَدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالطَّلَاقِ عَادَةً، وَلَوْ قَالَ: لِأُخْتِك أَوْ خَالَتِك أَوْ عَمَّتِك أَوْ لِفُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَى لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ زَادَ عَلَى اذْهَبِي فَقَالَ: اذْهَبِي فَبِيعِي ثَوْبَك لَا يَقَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّ
(4/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اذْهَبِي يُعْمِلُ فِيهِ نِيَّةَ الطَّلَاقِ وَيَبْقَى الزَّائِدُ مَشُورَةً فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ الطَّلَاقِ.
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَعْنَاهُ عَادَةً لِأَجْلِ الْبَيْعِ فَكَانَ صَرِيحُهُ خِلَافَ الْمَنْوِيِّ. وَمِنْ الْكِنَايَاتِ تَنَحَّيْ عَنِّي. وَاخْتُلِفَ فِي لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْنَك عَمَلٌ، قِيلَ يَقَعُ إذَا نَوَى وَقِيلَ لَا، وَمِثْلُهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْنَك شَيْءٌ.
وَفِي أَرْبَعَةِ طُرُقٍ عَلَيْك مَفْتُوحَةٌ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ خُذِي أَيُّهَا شِئْت، ثُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةِ أَسَدٍ يَقَعُ ثَلَاثًا، وَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: أَخَافُ أَنْ يَقَعَ ثَلَاثًا لِمَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ مُرَادَ النَّاسِ بِمِثْلِهِ اُسْلُكِي الطُّرُقَ الْأَرْبَعَةَ وَإِلَّا فَاللَّفْظُ إنَّمَا يُعْطِي الْأَمْرَ بِسُلُوكِ أَحَدِهَا.
وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَمِنْهَا نَجَوْت مِنِّي.
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي وَهَبْتُك طَلَاقَك: لَا يَقَعُ، وَقِيلَ يَقَعُ، وَلَا يَقَعُ فِي أَبَحْتُك طَلَاقَك وَإِنْ نَوَى أَوْ صَفَحْت عَنْهُ وَلَا بِأَحْبَبْتُ طَلَاقَك أَوْ رَضِيتُهُ أَوْ هَوَيْته أَوْ أَرَدْته وَإِنْ نَوَى، وَأَمَّا طَالِ بِلَا قَافٍ فَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الْوُقُوعَ بِهِ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ مَعَ إسْكَانِ اللَّامِ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَمَعَ كَسْرِهَا يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ وَالْوَجْهُ إطْلَاقُ التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بِلَا قَافٍ لَيْسَ صَرِيحًا لِعَدَمِ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَا التَّرْخِيمُ لُغَةً جَائِزٌ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ فَانْتَفَى لُغَةً وَعُرْفًا فَيُصَدَّقُ قَضَاءً مَعَ الْيَمِينِ، هَذَا فِي حَالَةِ الرِّضَا وَعَدَمِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، أَمَّا فِي أَحَدِهِمَا فَيَقَعُ قَضَاءً أَسْكَتَهَا أَوْ لَا، وَفِيهِ أَيْضًا النَّظَرُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ بِلَا لَفْظٍ لَهُ وَلَا لِأَعَمَّ مِنْهُ لِيَكُونَ كِنَايَةً وَلَيْسَ بِمَجَازٍ فِيهِ، وَهَذَا الْبَحْثُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ أَصْلًا وَإِنْ نَوَى، وَمِثْلُ هَذَا الْبَحْثِ يَجْرِي فِي التَّطْلِيقِ بِالتَّهَجِّي كَأَنْتَ ط ال ق لِأَنَّهُ لَيْسَ طَلَاقًا وَلَا كِنَايَةً لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا يَحْتَمِلُ أَشْيَاءَ، وَأَوْضَاعُ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ هِيَ حُرُوفٌ، وَلِذَا لَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ تَهَجِّيًا لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْآنًا، وَلَا مَخْلَصَ إلَّا بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّرِيحِ وَالِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِكَوْنِ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَيْهِ وَضْعًا أَوْ عُرْفًا وَحِينَئِذٍ يَقَعُ بِالتَّهَجِّي فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ ادَّعَى عَدَمَ النِّيَّةِ، وَكَذَا بِطَالِ بِلَا قَافٍ، وَفِي قَوْلِهِ لِآخَرَ: احْمِلْ إلَيْهَا طَلَاقَهَا أَوْ أَخْبِرْهَا بِهِ أَوْ بَشِّرْهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْمَحْمُولِ، وَمِنْهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ.
وَفِي الْكَافِي لِلشَّهِيدِ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ عَمَّتِي أَوْ خَالَتِي أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ الرَّضَاعِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِأَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَصَرَّ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ مَزَحْت أَوْ كَذَبْت أَوْ وَهِمْت أَوْ نَسِيت صُدِّقَ وَلَا يُفَرَّقُ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ يُفَرَّقَ مُطْلَقًا وَلَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالتَّحْرِيمِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا إيجَابُ تَحْرِيمٍ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ بِنْتِي مِنْ نَسَبٍ وَثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُفَرَّقْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَكَذَا فِي هِيَ أَمِّي وَلَهُ أُمٌّ مَعْرُوفَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَمِثْلُهَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ وَكَذَا هِيَ أُخْتِي.

وَاخْتُلِفَ فِي لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ وَمَا أَنَا لَك بِزَوْجٍ وَنَوَى الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا لِأَنَّ نَفْيَ النِّكَاحِ لَيْسَ طَلَاقًا بَلْ كَذِبٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَمْ أَتَزَوَّجْك أَوْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ لِي امْرَأَةٌ، أَوْ لَوْ سُئِلَ هَلْ لَك امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: لَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ كَذَا هُنَا.
وَلَهُ أَنَّهَا تَحْتَمِلُهُ: أَيْ لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ لِأَنِّي طَلَّقْتُك فَيَصِحُّ نَفْيُهُ كَمَا فِي لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَمَسْأَلَةُ الْحَلِفِ مَمْنُوعَةٌ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ بِدَلَالَةِ الْيَمِينِ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّفْيَ عَنْ الْمَاضِي لَا فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْحَلِفَ يَكُونُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الشَّكُّ لَا فِي إنْشَاءِ النَّفْيِ فِي الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ أَتَزَوَّجْك
(4/67)

ثُمَّ وُقُوعُ الْبَائِنِ بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مَذْهَبُنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ بِهَا رَجْعِيٌّ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا طَلَاقٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
جُحُودٌ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ إذْ الطَّلَاقُ لَا يُتَصَوَّرُ بِلَا نِكَاحٍ، وَكَذَا بِدَلَالَةِ السُّؤَالِ عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّفْيَ فِي الْمَاضِي. وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ النَّاقِعِ: إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا لَسْت لِي بِزَوْجٍ فَقَالَ صَدَقْت يَنْوِي طَلَاقَهَا يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَالَ: لَسْت أَوْ مَا أَنْتِ امْرَأَتِي أَوْ لَسْت أَوْ مَا أَنَا زَوْجُك عِنْدَهُ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ وَأَلْغَيَاهُ، وَيَتَّصِلُ بِالْكِنَايَاتِ الطَّلَاقُ بِالْكِتَابَةِ لَوْ كَتَبَ طَلَاقًا أَوْ عَتَاقًا عَلَى مَا لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْخَطُّ كَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ لَا يَقَعُ نَوَى بِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَكَذَا إذَا كَتَبَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ فِي كِتَابٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَبِينُ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكِتَابَةِ كَصَوْتٍ لَا يَسْتَبِينُ مِنْهُ حُرُوفٌ، فَلَوْ وَقَعَ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَبِينًا لَكِنْ لَا عَلَى رَسْمِ الرِّسَالَةِ وَالْخِطَابِ فَإِنَّهُ يَنْوِي فِيهِ، كَالْكَلَامِ الْمُكَنَّى لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكْتُبُ مِثْلَهُ لِلْإِيقَاعِ وَقَدْ يَكْتُبُ مِثْلَهُ لِتَجْرِبَةِ الْخَطِّ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا يُبَيِّنُ نِيَّتَهُ بِلِسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ يُبَيِّنُ نِيَّتَهُ بِكِتَابَتِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ خِطَابًا أَوْ رِسَالَةً، فَإِنْ كَانَ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ يَا فُلَانَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ حُرٌّ أَوْ إذَا وَصَلَ إلَيْك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت مِنْ وَثَاقٍ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، ثُمَّ يَقَعُ عَقِيبَ الْكِتَابَةِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ فُلَانَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَتَبَ إذَا وَصَلَ إلَيْك فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِدُونِ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَقَالُوا فِيمَنْ كَتَبَ كِتَابًا عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ وَفِيهِ إذَا وَصَلَ إلَيْك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَمَحَا ذِكْرَ الطَّلَاقِ مِنْهُ.
وَأَنْفَذَهُ وَأَسْطُرُهُ بَاقِيَةٌ وَقَعَ إذَا وَصَلَ، وَلَوْ مَحَاهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ كَلَامٌ يَكُونُ رِسَالَةً لَمْ يَقَعُ، وَإِنْ وَصَلَ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ وُصُولُ الْكِتَابِ وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَمَا وَقَعَ فِي تَفْصِيلِ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا مَحَا مَا سِوَى كِتَابَةِ الطَّلَاقِ وَأَنْفَذَهُ فَوَصَلَ إلَيْهَا لَا يَقَعُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ لَا تَكُونُ كِتَابًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَحَا أَكْثَرَ مَا قَبْلَهُ فَأَرْسَلَهُ لَا يَقَعُ أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ إذْ مُقْتَضَاهُ انْتِفَاءُ الْكِتَابِ بِانْتِفَاءِ ذِكْرِ كَثْرَةِ الْحَوَائِجِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. .

وَلَوْ كَتَبَ الصَّحِيحَ إلَى امْرَأَتِهِ بِطَلَاقِهَا ثُمَّ أَنْكَرَ الْكِتَابَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إنْ كَانَ مَوْصُولًا بِكِتَابَتِهِ لَا تَطْلُقُ، وَإِنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ ثُمَّ فَتَرَ فَتْرَةً ثُمَّ كَتَبَ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ إلَى الْغَائِبِ كَالْمَلْفُوظِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ وَالْخُلَاصَةِ.
وَفِيهَا مَعْزُوًّا إلَى الْمُنْتَقَى: إذَا كَتَبَ كِتَابَ الطَّلَاقِ ثُمَّ نَسَخَهُ فِي كِتَابٍ آخَرَ أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ حِينَ كَتَبَ وَلَمْ يُمِلَّ هُوَ فَأَتَاهَا الْكِتَابَانِ طَلُقَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ قَضَاءً، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى تَقَعُ وَاحِدَةٌ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَصَلَ أَحَدُهُمَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ قَضَاءً وَدِيَانَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِوُصُولِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ يَقَعُ ثِنْتَانِ قَضَاءً لَا دِيَانَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ طَلَاقًا آخَرَ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ نَحْوُهُ إنْ كَانَ يَكْتُبُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَنْ يَسْأَلَ بِكِتَابٍ فَيُجِيبُ بِكِتَابَةٍ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَكْتُبُ وَلَهُ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ يُعْرَفُ بِهَا طَلَاقُهُ وَنِكَاحُهُ وَبَيْعُهُ فَهِيَ كَالْكَلَامِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ ذَلِكَ أَوْ شَكَكْنَا فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ.
وَالْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ الْأَخْرَسِ فِي هَذِهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ وُقُوعُ الْبَائِنِ بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مَذْهَبُنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ بِهَا رَجْعِيٌّ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا طَلَاقٌ) وَالطَّلَاقُ بِلَا مَالٍ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ
(4/68)

لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ وَيُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ، وَالطَّلَاقُ مُعْقِبٌ لِلرَّجْعَةِ كَالصَّرِيحِ.
وَلَنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِبَانَةِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا خَفَاءَ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى الْوِلَايَةِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى إثْبَاتِهَا كَيْ لَا يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ التَّدَارُكِ وَلَا يَقَعُ فِي عُهْدَتِهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالنَّصِّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْهُ حَتَّى أُرِيدَ هُوَ بِهَا لِيَدْفَعَ بِأَنَّ كَوْنَهَا كِنَايَاتٍ مَجَازٌ بَلْ عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا كَمَا سَنَذْكُرُ بَلْ يَكْتَفِي بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ طَلَاقٌ وَالثَّانِي بِالنَّصِّ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّصُّ إنَّمَا أَفَادَ الرَّجْعَةَ بِالطَّلَاقِ الصَّرِيحِ مَنَعْنَاهُ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] الْمُعَقَّبَ بِقَوْلِهِ {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] أَعَمُّ مِنْ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى مَعْنَى اللَّفْظِ لَا إلَى اللَّفْظِ، غَيْرَ أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ بِالنَّصِّ الْمُقَارَنِ لَهَا أَعْنِي نَصَّ الِافْتِدَاءِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الِافْتِدَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْبَيْنُونَةِ وَإِلَّا يَذْهَبُ مَالُهَا وَلَا يُفِيدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكِتَابَ يُفِيدُ أَنَّ الطَّلَاقَ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ إلَّا مَا كَانَ عَلَى مَالٍ أَوْ ثَلَاثًا. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِبَانَةِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ مَنْعَ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ شَرْعًا أَثْبَتَهَا بِقَوْلِهِ: الْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى إثْبَاتِ الْإِبَانَةِ كَيْ لَا يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ التَّدَارُكِ وَلَا يَقَعَ فِي عُهْدَتِهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَقَرَّرَ بِأَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْعِبَادِ، وَالزَّوْجُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِبَانَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ ثَابِتَةً دَفْعًا لِحَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَبَانَهَا بِالثَّلَاثِ عَصَى، وَلَوْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا رُبَّمَا تَتَرَاءَى لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي الرَّجْعَةِ فَيُرَاجِعُهَا فَيَبْدُو لَهُ فَيُطَلِّقُهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيُؤَدِّي إلَى اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ وَهُوَ حَرَامٌ وَفِيهِ يَنْسَدُّ بَابُ التَّدَارُكِ، فَشَرَعَ لَهُ الْإِبَانَةَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ التَّدَارُكَ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ حَتَّى لَوْ بَدَا لَهُ أَمْكَنَهُ التَّزَوُّجَ وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ عَنْ اللَّفْظِ.
وَالْأَوْجَهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ هَكَذَا قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِبَانَةِ وَالثَّلَاثُ بِكَلِمَةٍ " حَرَامٌ " وَتَفْرِيقُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ كَذَلِكَ فَلَزِمَ أَنْ تُشْرَعَ لَهُ الْإِبَانَةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يَعْنِي شَرْعَ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ. وَالْأَقْرَبُ إلَى اللَّفْظِ مَا قِيلَ: إنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِبَانَةِ كَيْ لَا يَقَعَ فِي الرَّجْعَةِ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ بِأَنْ تَفْجَأَهُ الْمَرْأَةُ
(4/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَتُقَبِّلَهُ بِشَهْوَةٍ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا وَهُوَ لَا يُرِيدُهَا فَيَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ فَيَنْسَدُّ بَابُ التَّدَارُكِ، فَهُوَ لِأَجْلِ ذَلِكَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ تُشْرَعَ لَهُ الْإِبَانَةُ كَذَلِكَ كَيْ لَا تَفُوتَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ.
وَدَفَعَ بِأَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ، وَثُبُوتُ التَّمَكُّنِ مِنْ إعَادَتِهَا إذَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ طَلَبُهَا وَتَغَيَّرَ رَأْيُهُ مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَحَلُّ التَّغَيُّرِ مَصْلَحَةٌ أُخْرَى أَكِيدَةٌ، إذْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ بَلْ وُقُوعُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ أَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ طَلَاقٍ لَمْ تَدْعُ النَّفْسُ بَعْدَهُ إلَى مُرَاجَعَةٍ، وَمَعَ الْإِبَانَةِ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ فَيَحْصُلَ لَهُ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَهَذِهِ لَا تَتَرَتَّبُ إلَّا عَلَى عَدَمِ الْإِبَانَةِ فَاقْتَضَتْ عَدَمَ شَرْعِيَّتِهَا، بِخِلَافِ تِلْكَ إذْ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا مَعَ عَدَمِ شَرْعِيَّةِ الْإِبَانَةِ بِيَسِيرٍ مِنْ الِاحْتِرَاسِ مِنْ فَجْأَتِهَا مُقَبِّلَةً وَنَحْوِهِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ مَنْعِ الْإِبَانَةِ أَجْلَبَ لِلْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتِ الْمَصْلَحَةِ الْأُخْرَى، فَإِنْ أَرَدْت تَخْصِيصَ نَصِّ إعْقَابِ الطَّلَاقِ الرَّجْعَةَ بِالْقِيَاسِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالِافْتِدَاءِ نَصًّا لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِالنَّصِّ جَائِزٌ لَمْ يَتِمَّ الْمَعْنَى فِيهِ وَلَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الْخَلَاصِ بِالْإِبَانَةِ لَيْسَ كَحَاجَةِ الْمَرْأَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِبَانَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْقِبُ النَّدَمَ لِتَرْكِهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ أَوْ تَفْرِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَطْهَارِ بِخِلَافِهَا فَلَمْ يَتَوَقَّفْ دَفْعُ حَاجَتِهِ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ وَلِذَا رَجَّحْنَا كَرَاهَةَ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ بَعْدَمَا حَقَّقْنَا سَبَبَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِبَانَةِ مِنْ الْفِطَامِ.
هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ أَعْنِي عَدَمَ انْسِدَادِ بَابِ التَّدَارُكِ وَبَابِ الرَّجْعَةِ إذَا تَغَيَّرَ رَأْيُهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ لَا جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ. وَالْوَجْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا أَثْبَتَ الشَّرْعُ الْإِيقَاعَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَقَدْ أَثْبَتَ الْإِبَانَةَ لِأَنَّهَا مَعْنَاهَا، وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ أَيْ الْمَسْنُونُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ وُقُوعِ الثَّلَاثَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ خُصُوصًا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَأَيْضًا لَفْظُ بَائِنٍ مَثَلًا يَقَعُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ الْغَلِيظَةُ بِفَمٍ وَاحِدٍ فَتَقَعُ بِهِ الْخَفِيفَةُ كَالطَّلَاقِ لَمَّا وَقَعَ بِالْغَلِيظَةِ وَقَعَ بِهِ الْخَفِيفَةُ.
وَأَيْضًا خَصَّ مِنْهُ الطَّلَاقَ بِمَالٍ فَلَمْ يَبْقَ الْعُمُومُ مِنْهُ مُرَادًا فَحَاصِلُهُ الطَّلَاقُ الْمَسْنُونُ بِلَا مَالٍ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ فَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَحِينَ ثَبَتَ شَرْعُ الْإِيقَاعِ بِلَفْظِ بَائِنَةٍ ثَبَتَ أَيْضًا إخْرَاجُ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ بِلَا مَالٍ لِأَنَّ شَرْعَ الْإِيقَاعِ بِهِ هُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ سَبَبًا لِوُجُوبِ مَعْنَاهُ وَمَعْنَاهُ الْبَيْنُونَةُ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى إيقَاعِ الثَّلَاثِ شَرْعًا بِهِ تَحْلِيفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا رُكَانَةَ حِينَ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً، وَشَرَحَ قَوْلَهُ وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا: يَعْنِي لَا تَرَدُّدَ فِي الْمُرَادِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَعْنَى بَائِنٍ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الِاتِّصَالِ مُرَادٌ، وَكَذَا الْبَتُّ وَالْبَتْلُ: الْقَطْعُ، وَالتَّرَدُّدُ إنَّمَا هُوَ فِي مُتَعَلِّقِهَا: أَعْنِي الْوَصْلَةَ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ وَصْلَةِ النِّكَاحِ وَالْخَيْرَاتِ وَالشَّرِّ، فَإِذَا تَعَيَّنَ بِالنِّيَّةِ عُمِلَ
(4/70)

وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا، وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ دُونَ الطَّلَاقِ، وَانْتِقَاصُ الْعَدَدِ لِثُبُوتِ الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْوَصْلَةِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِحَقِيقَتِهِ، وَكَذَا مَعْنَى الْحَرَامِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ مَعْلُومٌ وَالتَّرَدُّدُ فِي كَوْنِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ، فَإِذَا عَيَّنَ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ عَمِلَ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ كِنَايَةٌ مَجَازًا لِلتَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقِ الَّذِي بِهِ يَتَعَيَّنُ الْفَرْدُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللَّفْظُ.
وَالْوَجْهُ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكِنَايَةِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تُسَاوِي الْمَجَازَ بَلْ قَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً لِأَنَّهَا بِتَعَدُّدِ الْمَعْنَى وَقَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً فِيهَا، وَقَدْ حُقِّقَ فِي نَحْوِ: طَوِيلُ النِّجَادِ وَكَثِيرُ الرَّمَادِ أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةً طُولُ النِّجَادِ وَكَثْرَةُ الرَّمَادِ، لَكِنْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَلْ لِيَعْبُرَ مِنْهُ إلَى طُولِ الْقَامَةِ وَكَثْرَةِ الْأَضْيَافِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: كَوْنُهَا كِنَايَةً لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا مَجَازًا عَنْ الطَّلَاقِ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكَّكِ، فَالْقَطْعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالنِّكَاحِ فَرْدٌ مِنْ نَوْعٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَهُ احْتَمَلَ كَمَا يَحْتَمِلُ رَجُلٌ كُلًّا مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرَهُمَا.
وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا أَوْ بِحَقِيقَةِ مَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ نَحْوَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك مَجَازٌ عَنْ التَّخْلِيَةِ وَالتَّرْكِ وَهُوَ بِالْبَيْنُونَةِ، وَكَذَا وَهَبْتُك لِأَهْلِك لِتَعَذُّرِ حَقِيقَةِ الْهِبَةِ: أَعْنِي التَّمْلِيكَ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ رَدَدْتُك عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقِيَاسُ الْبَاقِي سَهْلٌ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَا الطَّلَاقُ بَلْ الْبَيْنُونَةُ لِأَنَّهَا هِيَ مَعْنَى اللَّفْظِ الدَّائِرِ فِي الْإِفْرَادِ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ إلَى غَلِيظَةٍ وَهِيَ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَخَفِيفَةٍ كَالْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْخُلْعِ فَأَيُّهُمَا أَرَادَ صَحَّ، وَيَثْبُتُ مَا يَثْبُتُ بِلَفْظِ طَالِقٍ عَلَى مَالٍ وَطَالِقٍ ثَلَاثًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَثْبُتُ عِنْدَ طَالِقٍ شَرْعًا لَازِمٌ أَعَمُّ يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ
(4/71)

وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الِاثْنَتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي وَقَالَ: نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي حَيْضًا دِينَ فِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْمُرُ امْرَأَتَهُ فِي الْعَادَةِ بِالِاعْتِدَادِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ (وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْبَاقِي شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأُولَى الطَّلَاقَ صَارَ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَتَعَيَّنَ الْبَاقِيَانِ لِلطَّلَاقِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْكُلِّ الطَّلَاقَ حَيْثُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: نَوَيْت بِالثَّالِثَةِ الطَّلَاقَ دُونَ الْأُولَيَيْنِ حَيْثُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْحَالَ عِنْدَ الْأُولَيَيْنِ لَمْ تَكُنْ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْخُلْعِ، فَقَوْلُنَا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ يَقَعُ لَازِمُ لَفْظِ الطَّلَاقِ شَرْعًا، وَانْتِقَاصُ عَدَدِهِ هُوَ بِتَعَدُّدِ وُقُوعِ ذَلِكَ اللَّازِمِ وَاسْتِكْمَالِهِ فِي ذَلِكَ وَبِإِرْسَالِ لَفْظِ الثَّلَاثِ، بَلْ مَعْنَى وَقَعَ الطَّلَاقُ وَقَعَ اللَّازِمُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّهُ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي فَاتِحَةِ كِتَابِ الطَّلَاقِ فَارْجِعْ إلَيْهَا، فَالْوَاقِعُ بِالْكِنَايَةِ هُوَ الطَّلَاقُ بِلَا تَأْوِيلٍ.
وَتَقْرِيرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَاقِعَ الْبَيْنُونَةُ بِالْكِنَايَاتِ ثُمَّ يَنْتَقِصُ الْعَدَدُ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْوَصْلَةِ. وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَيَنْتَقِصُ بِهِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ لِتَحَقُّقِ زَوَالِهَا فِي الْفُسُوخِ مَعَ عَدَمِ الطَّلَاقِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ زَوَالَ الْوَصْلَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَعْقِبَ فِي غَيْرِ الْفَسْخِ النُّقْصَانَ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ بِالْكِنَايَةِ لَيْسَ فَسْخًا فَلَزِمَهُ نُقْصَانُ الْعَدَدِ (قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ) أَيْ بِالْكِنَايَاتِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ فِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي التَّطْلِيقِ بِالْمَصْدَرِ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَهَا اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَنْ يَنْوِيَ بِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ طَلَاقًا، أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى حَيْضًا لَا غَيْرُ، وَبِالْأُولَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالْأُولَى حَيْضًا، وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا.
أَوْ يَنْوِيَ بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُخْرَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا، أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا، أَوْ بِالْأُولَى
(4/72)

وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُصَدَّقُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَبِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا أَوْ بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَالثَّانِيَةِ طَلَاقًا أَوْ بِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَفِي هَذِهِ الْأَحَدَ عَشَرَ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ أَوْ يَنْوِي بِكُلٍّ مِنْهَا حَيْضًا، أَوْ بِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ أَوْ بِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا، أَوْ بِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، أَوْ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا، وَبِالْأُولَى طَلَاقًا أَوْ بِالْأُخْرَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ، وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ تَطْلُقُ وَاحِدَةً، أَوْ لَمْ يَنْوِ بِكُلٍّ مِنْهَا شَيْئًا فَلَا يَقَعُ فِي هَذَا الْوَجْهِ شَيْءٌ.
وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ تَثْبُتُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ نِيَّةِ شَيْءٍ بِمَا بَعْدَهَا، وَيُصَدَّقُ فِي نِيَّةِ الْحَيْضِ لِظُهُورِ الْأَمْرِ بِاعْتِدَادِ الْحَيْضِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ، وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ صَحَّ، وَكَذَا كُلُّ مَا قَبْلَ الْمَنْوِيِّ بِهَا، وَنِيَّةُ الْحَيْضِ بِوَاحِدَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ بِوَاحِدَةٍ مَنْوِيٍّ بِهَا الطَّلَاقُ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، وَتَثْبُتُ بِهَا حَالَةُ الْمُذَاكَرَةِ فَيَجْرِي فِيهَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ لَهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَسْبُوقَةً بِوَاحِدَةٍ أُرِيدَ بِهَا الطَّلَاقُ حَيْثُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ لِصِحَّةِ الِاعْتِدَادِ بَعْدَ الطَّلَاقِ.
وَلَا يَخْفَى التَّخْرِيجُ بَعْدَ هَذَا، وَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْخِطَابُ مَعَ مَنْ هِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، فَلَوْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَقَالَ: أَرَدْت بِالْأَوَّلِ طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي تَرَبُّصًا بِالْأَشْهُرِ كَانَ حُكْمُهُ مِثْلَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت بِهِنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ كَمَا قَالَ دِيَانَةً لِاحْتِمَالِ قَصْدِ التَّأْكِيدِ كَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لَا قَضَاءَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَعَلِمْت أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا إذَا عَلِمَتْ مِنْهُ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ مُدَّعَاهُ، وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى السُّؤَالِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ أَنَّهَا حَالَ سُؤَالِهَا أَوْ سُؤَالِ أَجْنَبِيٍّ طَلَاقَهَا، بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِنْ حَالَةِ السُّؤَالِ لِلطَّلَاقِ وَمِنْ مُجَرَّدِ ابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُذَاكَرَةُ الَّتِي تَصِيرُ الْكِنَايَةُ مَعَهَا ظَاهِرَةً فِي الْإِيقَاعِ إنَّمَا هِيَ سُؤَالُ الطَّلَاقِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْكِنَايَةِ الصَّالِحَةِ لِلْإِيقَاعِ دُونَ الرَّدِّ عَقِيبَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ ظَاهِرٌ فِي قَصْدِ الْإِيقَاعِ بِهِ فَيَمْتَنِعُ قُبُولُ دَعْوَاهُ عَدَمَ إرَادَةِ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْمُذَاكَرَةِ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ مَرَّةً، فَإِنَّ الْإِيقَاعَ مَرَّةً لَا يُوجِبُ ظُهُورَ الْإِيقَاعِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ الصَّالِحُ لَهُ ظَاهِرًا فِي الْإِيقَاعِ حَتَّى لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ إرَادَتِهِ بِالْكِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُصَدَّقُ الزَّوْجُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ الْيَمِينِ إلَخْ) قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَنَقْلَهُ مِنْ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَلُزُومُ الْيَمِينِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ بَعْدَ ثُبُوتِ احْتِمَالِ نَفْيِهِ بِالْكِنَايَةِ فَيَضْعُفُ مُجَرَّدُ نَفْيِهِ فَيَقْوَى بِالْيَمِينِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ أَصْلُهُ حَدِيثُ تَحْلِيفِ رُكَانَةَ الْمُتَقَدِّمُ.

[فُرُوعٌ] طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتهَا بَائِنَةً صَارَتْ بَائِنَةً، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَكُونُ إلَّا رَجْعِيَّةً. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتهَا
(4/73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثَلَاثًا صَارَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَقَالَا: لَا تَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ ثَلَاثًا. وَلِمُحَمَّدٍ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ جَعْلَهُ الْوَاحِدَةَ الرَّجْعِيَّةَ بَائِنَةً تَغْيِيرٌ لِلْمَشْرُوعِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ. قُلْنَا: يَمْلِكُ الْبَائِنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى وَصْفِ ابْتِدَاءٍ اكْتِفَاءً بِأَصْلِ الطَّلَاق فَكَانَ رَجْعِيًّا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ حُصُولِ الْبَيْنُونَةِ، فَإِذَا أَبَانَهَا الْتَحَقَتْ بِأَصْلِ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا ابْتِدَاءً كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ لَمَّا مَلَكَ الْبَيْعَ النَّافِذَ كَانَ مَالِكًا لِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ وَمَلَكَ إلْحَاقَ وَصْفِهِ بِأَصْلِهِ كَتَنْفِيذِ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّرِيحَ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ وَالْبَائِنَ عِنْدَنَا، وَالْبَائِنُ يَلْحَقُ الصَّرِيحَ لَا الْبَائِنَ إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا.

فَلَوْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَوْ قَالَ: بَائِنٌ لَمْ يَقَعْ اتِّفَاقًا، وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ بَائِنٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقٌ آخَرُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
أَمَّا كَوْنُ الصَّرِيحِ يَلْحَقُ الْبَائِنَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] يَعْنِي الْخُلْعَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَهُوَ نَصٌّ عَلَى وُقُوعِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْخُلْعِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَهُنَا الْقَيْدُ الْحُكْمِيُّ بَاقٍ لِبَقَاءِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا فَاتَ الِاسْتِمْتَاعُ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَحَلِّ كَالْحَيْضِ، وَلِهَذَا لَحِقَ الْبَائِنُ الصَّرِيحَ بَلْ أَوْلَى لِبَقَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَأَمَّا عَدَمُ لُحُوقِ الْبَائِنِ فَلِإِمْكَانِ جَعْلِهِ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ إنْشَاءً لِأَنَّهُ اقْتِضَاءٌ ضَرُورِيٌّ، حَتَّى لَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَتَثْبُتَ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً فِي الْمَحَلِّ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فَتُجْعَلُ إنْشَاءً ضَرُورَةً، وَلِهَذَا وَقَعَ الْبَائِنُ الْمُعَلَّقُ قَبْلَ تَنْجِيزِ الْبَيْنُونَةِ كَمَا مَثَّلْنَاهُ لِأَنَّهُ صَحَّ تَعْلِيقُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ خَبَرًا حِينَ صَدَرَ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَهُ لَازِمٌ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَلْحَقَ الصَّرِيحَ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ مُتَعَيِّنٌ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا. وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الْإِخْبَارَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً. وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَذْكُرْ أَنْتِ بَائِنٌ ثَانِيًا لِيُجْعَلَ خَبَرًا بَلْ الَّذِي وَقَعَ أَثَرُ التَّعْلِيقِ السَّابِقِ وَهُوَ زَوَالُ الْقَيْدِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَحَلٌّ فَيَقَعُ وَيَقَعُ الْمُعَلَّقُ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْبَائِنِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ مَا هُوَ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ ظَاهِرًا فِي إنْشَاءِ الطَّلَاقِ، وَبِهِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ بَائِنٌ، وَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مُقَابِلَ الصَّرِيحِ، وَلَا يُقَابِلُهُ الْبَائِنُ إلَّا إذَا كَانَ كِنَايَةً لِأَنَّ الصَّرِيحَ أَعَمُّ مِنْ الْبَائِنِ لِأَنَّهُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بَائِنًا كَانَ الْوَاقِعُ بِهِ أَوْ رَجْعِيًّا، وَالْكِنَايَةُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك أَنْتِ وَاحِدَةٌ إلَّا بَائِنٌ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ نَقْلًا مِنْ الزِّيَادَاتِ: الَّذِي يَلْحَقُ الْبَائِنَ لَا يَكُونُ رَجْعِيًّا، وَالصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجْعِيًّا. وَقَوْلُهُ: الَّذِي يَلْحَقُ الْبَائِنَ لَا يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ السَّابِقَةَ تَمْنَعُ الرَّجْعَةَ الَّتِي هِيَ حُكْمُ الصَّرِيحِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِإِبَانَةٍ. مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ يَلْغُو بَائِنٌ هُوَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ تَصَوُّرِ الرَّجْعَةِ فَكَانَ ذِكْرُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءً، وَمَا زَادَ فِي تَعْلِيلِ الْإِلْغَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَاوِي مِنْ قَوْلِهِ: يَلْغُو تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَعَلَى مُجَرَّدِ الْإِلْغَاءِ اقْتَصَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَمَحَلُّهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَعَلَى هَذَا فَمَا وَقَعَ فِي حَلَبَ مِنْ الْخِلَافِ فِي وَاقِعَةٍ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا أَبَانَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ الْحَقُّ فِيهِ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا لِمَا سَمِعْت مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا يَلْحَقُ الْبَائِنَ، وَمِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَائِنِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ هُوَ مَا كَانَ كِنَايَةً عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْوَجْهُ.
وَفِي الْحَقَائِقِ: لَوْ قَالَ
(4/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إنْ فَعَلْتِ كَذَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا لِأَمْرٍ آخَرَ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا وَقَعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ، ثُمَّ لَوْ فَعَلَ الْآخَرَ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ: يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ آخَرُ، وَقَالَ: هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ.

[تَتِمَّةٌ] فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ مِنْ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَهُوَ مَجْمُوعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كُتُبِهِ، لَوْ شَهِدَا بِالطَّلَاقِ وَالزَّوْجَانِ مُتَصَادِقَانِ عَلَى عَدَمِ الطَّلَاقِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُكَذِّبُهُمَا، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا وَنَسِيَاهَا فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا أَلْزَمْنَاهُ الْإِيقَاعَ عَلَى إحْدَاهُنَّ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ هُوَ كَالْأَوَّلِ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى طَلْقَتَيْنِ وَآخَرُ بِثَلَاثٍ وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ، وَتَأْتِي هَذِهِ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدُ عَدْلٍ عَلَى الطَّلَاقِ فَسَأَلَتْ الْمَرْأَةُ الْقَاضِيَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِ عَدْلٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِالْآخَرِ لَا يَفْعَلُ وَيَدْفَعُهَا إلَى زَوْجِهَا، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَادَّعَتْ أَنَّ بَقِيَّةَ الشُّهُودِ بِالْمِصْرِ وَشَاهِدُهَا عَدْلٌ، فَإِنْ أَجَّلَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا حَتَّى يَنْظُرَ مَا تَصْنَعُ فِي شَاهِدِهَا الْآخَرِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ دَفَعَهَا لِلزَّوْجِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَأَنَّهَا دَخَلَتْ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا وَأَنَّهَا كَلَّمَتْهُ، وَكَذَا إنْ اخْتَلَفَا فِي أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ، وَكَذَا فِي مَقَادِيرِ الشُّرُوطِ الَّتِي عَلَّقَ عَلَيْهَا فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِرْسَالِ وَمَقَادِيرِ الْأَجْعَالِ وَصِفَاتِهَا وَفِي اشْتِرَاطِهَا وَحَذْفِهَا.
وَإِذَا شَهِدَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ فُلَانَةُ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ مَعَهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: وَحْدَهَا وَقَدْ دَخَلَتْ فَفُلَانَةُ تَطْلُقُ وَحْدَهَا لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى تَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَآخَرُ عَلَى تَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ جَازَتْ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ، وَكَذَا إذَا شَهِدَ عَلَى تَطْلِيقَةٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَوَاحِدَةٍ أَوْ عَلَى وَاحِدَةٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ أَوْ وَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّهَا فِي الْعَطْفِ تَصِحُّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اللَّفْظِ أَوْ مُرَادِفِهِ، بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَلِذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى وَاحِدَةٍ وَالْآخَرُ عَلَى ثِنْتَيْنِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِثِنْتَيْنِ لَمْ يَتَكَلَّمُ بِالْوَاحِدَةِ وَلَا بِمُرَادِفِهَا، وَسَيَأْتِي هَذَا الْأَصْلُ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ
وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ لَا بَلْ فُلَانَةُ، وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى الْأُولَى فَقَطْ جَازَتْ عَلَى الْأُولَى، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَالَ: طَالِقٌ الطَّلَاقَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الطَّلَاقِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَالَ: طَالِقٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ جَازَتْ، وَكَذَا إنْ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ الزَّمَانِ بِأَنْ شَهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْكُوفَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِتَيَقُّنِ كَذِبِ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَيَّامِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى مَكَّةَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ عَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَيْنَبَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ، وَلَوْ جَاءَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ فَقَضَى بِهَا ثُمَّ جَاءَتْ الْأُخْرَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتَيْهِ: أَيَّتُكُمَا أَكَلَتْ هَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَجَاءَتْ كُلٌّ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا أَكَلَتْهُ تَطْلُقَانِ جَمِيعًا، وَإِنْ جَاءَتْ إحْدَاهُمَا بِبَيِّنَةٍ فَحُكِمَ بِهَا ثُمَّ جَاءَتْ الْأُخْرَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتَا أَكَلَتَا لَمْ تَطْلُقَا.
(4/75)

بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ لَهَا الْمَجْلِسُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ] [فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ]
(بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ) (فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الطَّلَاقِ بِوِلَايَةِ الْمُطَلِّقِ نَفْسِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِهِ بِوِلَايَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَحْتَ هَذَا الصِّنْفِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: التَّفْوِيضُ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ وَبِلَفْظِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَبِلَفْظِ الْمَشِيئَةِ (قَوْلُهُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ) يَعْنِي يَنْوِي تَخْيِيرَهَا فِيهِ (أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ) وَإِنْ طَالَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ بِالْأَعْمَالِ (فَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ لَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ زَوْجَتَهُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمْرُهَا بِيَدِهَا فَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا، رَوَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَفِي غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ نَصْرٍ وَبِهِ نَقُولُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» وَحَكَى صَاحِبُ
(4/76)

وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ اُعْتُبِرَتْ سَاعَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُغْنِي هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيٍّ فَاعْتَرَضَ عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ تَسْتَقِرَّ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَا نَصَّ فِي بَلَاغَاتِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَائِلٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا فَيَكُونُ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا مِنْ قَوْلِ الْمَذْكُورِينَ وَسُكُوتِ غَيْرِهِمْ، وَأَيْنَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُمْ الثَّانِيَ. وَقَوْلُهُ: فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ لَا يَضُرُّ بَعْدَ تَلَقِّي الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ جَيِّدَةٌ.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ " لَا تَعْجَلِي إلَخْ " فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرُهُ ذَلِكَ هَذَا التَّخْيِيرَ الْمُتَكَلَّمَ فِيهِ وَهِيَ أَنْ تُوقِعَ بِنَفْسِهَا بَلْ عَلَى أَنَّهَا إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلَّقَهَا؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى الْآيَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ التَّخْيِيرِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} [الأحزاب: 28] (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا وَالتَّمْلِيكَاتُ تَسْتَدْعِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ) أَوْ رَدَّ لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَمْ يَبْقَ الزَّوْجُ مَالِكًا لِلطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ مَمْلُوكًا كُلِّهِ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ، فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ التَّخْيِيرِ وَقَعَ.
وَأَيْضًا لَوْ صَارَتْ مَالِكَةً كَانَ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَا يَحْنَثُ. وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ نَائِبَةً عَنْهُ لَا مَالِكَةً. وَأَيْضًا يَصِحُّ عِنْدَنَا تَوْكِيلُ الْمَدْيُونِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى تَعْلِيلِ كَوْنِهِ تَمْلِيكًا بِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِكِ هُنَا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْفِعْلِ لِاخْتِيَارِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهَا
(4/77)

وَاحِدَةً، إلَّا أَنَّ الْمَجْلِسَ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالذَّهَابِ عَنْهُ وَتَارَةً بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ، إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إثْمٌ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ وَلَا خُلْفَ فِي عَدَمِ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ مُخْلِفٌ إنْ لَمْ يَفْعَلْ وَيُتَصَوَّرُ الْمِلْكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّ تَمْلِيكَ الْفِعْلِ هَكَذَا، وَلُزُومَ انْتِفَاءِ الْمِلْكِ بِالتَّمْلِيكِ فِي الْأَعْيَانِ لَا فِي مِلْكِ الْأَفْعَالِ لِلْقَطْعِ بِثُبُوتِ مِلْكِ كُلٍّ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ كَمُلَا وَهُوَ الِاقْتِصَاصُ، وَمَسْأَلَةُ الْيَمِينِ مَمْنُوعَةٌ، وَالْحِنْثُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالْمَنْعُ مَذْكُورٌ فِي الزِّيَادَاتِ لِصَاحِبِ الْمُحِيطِ، وَأَمَّا الْمَدْيُونُ فَوَكِيلٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَمَلُهُ فِي الْإِبْرَاءِ لِرَبِّ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ أَمْرِهِ، وَثَبَتَ أَثَرُ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ نَبْرِيهِ فِي تَطْلِيقِهَا نَفْسَهَا بِأَنْ يُقَالَ: هِيَ وَكِيلَةٌ فَهِيَ فِي نَفْسِ فِعْلِ الْإِيقَاعِ عَامِلَةٌ لَهُ، وَثُبُوتُ الْحَاصِلِ لَهَا ضِمْنًا، وَلَوْ الْتَزَمَ كَوْنَ الْمَدْيُونِ مُمَلَّكًا لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ لِأَنَّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ وَسَنَذْكُرُ مَا هُوَ الْأَوْجَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّمْلِيكُ هُوَ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْجَوَابَ الْمُتَكَلَّمَ فِيهِ هُوَ تَطْلِيقُهَا نَفْسَهَا وَهُوَ بَعْدَ تَمَامِ التَّمْلِيكِ فَلَيْسَ هَذَا الْوَجْهُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَطْلُوبِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إنَّ هَذَا التَّمْلِيكَ يُخَالِفُ سَائِرَ التَّمْلِيكَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَبْقَى إلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ إنْ كَانَتْ غَائِبَةً، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا التَّمْلِيكَ بِخُصُوصِهِ لَا يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ الَّذِي يُتِمُّ بِهِ التَّمْلِيكَاتِ، وَلِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا يَتِمُّ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ بِلَا قَبُولٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ لَا لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا مَعْنَى التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ يُمْكِنُ فِي سَائِرِ الْوَكَالَاتِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى إنْ بِعْته فَقَدْ أَجَزْته، وَالْوِلَايَاتُ لِتَضَمُّنِهَا إذَا حَكَمْت بَيْنَ مَنْ شِئْت فَقَدْ أَجَزْته فَكَانَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ الرُّجُوعُ وَالْعَزْلُ فِيهِمَا فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى لِابْتِنَائِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ إذَا كَانَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ فِيهِ بِالْمُمَلِّكِ وَحْدَهُ لَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُخَالِفُ سَائِرَ التَّمْلِيكَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَبْقَى إلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، بَلْ بَقَاؤُهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ الَّتِي يَثْبُتُ الْمِلْكُ عِنْدَهَا، وَإِنَّمَا خَالَفَهَا بِمَا ذَكَرْنَا وَبِاعْتِبَارِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي الْخِطَابِ الْمُطْلَقِ، أَمَّا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَهُوَ لَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا فَوَّضَ وَهِيَ غَائِبَةٌ اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ عِلْمِهَا، وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا الْيَوْمَ اُعْتُبِرَ مَجْلِسَ عِلْمِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَوْ مَضَى الْيَوْمُ ثُمَّ عَلِمَتْ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَكَذَا كُلُّ وَقْتٍ قُيِّدَ التَّفْوِيضُ بِهِ وَهِيَ غَائِبَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْ حَتَّى انْقَضَى بَطَلَ خِيَارُهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا نَفْسَهَا وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ التَّحْقِيقُ (قَوْلُهُ: إذْ مَجْلِسُ إلَخْ) لَوْ كَانَا يَتَحَدَّثَانِ فَأَخَذَا
(4/78)

الْمُنَاظَرَةِ وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُهُمَا.
وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَاكَ الِافْتِرَاقُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيْرِهِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً) .
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَيَمْلِكُ إقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ الْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ (وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْأَكْلِ انْقَضَى مَجْلِسُ الْحَدِيثِ وَجَاءَ مَجْلِسُ الْأَكْلِ، فَلَوْ انْتَقَلَا إلَى الْمُنَاظَرَةِ انْقَضَى مَجْلِسُ الْأَكْلِ وَجَاءَ مَجْلِسُ الْمُنَاظَرَةِ، وَلَوْ خَيَّرَهَا فَلَبِسَتْ ثَوْبًا أَوْ شَرِبَتْ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا لِأَنَّ الْعَطَشَ قَدْ يَكُونُ شَدِيدًا يَمْنَعُ التَّأَمُّلَ، وَلِبْسُ الثَّوْبِ قَدْ يَكُونُ لِتَدْعُوَ شُهُودًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَتْ مَا لَيْسَ قَلِيلًا أَوْ امْتَشَطَتْ أَوْ أَقَامَهَا الزَّوْجُ قَسْرًا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِظُهُورِ الْإِعْرَاضِ بِهِ.
وَوَجْهٌ بِأَنَّ فِي الْإِقَامَةِ أَنَّهَا يُمْكِنُهَا مُمَانَعَتُهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ تُبَادِرُ الزَّوْجَ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا فَعَدَمُ ذَلِكَ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، وَكَذَا إذَا خَاضَتْ فِي كَلَامٍ آخَرَ، قَالَ تَعَالَى {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140] أَفَادَ أَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ (اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا) بِالْإِقَامَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَدَمِهِ (وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي غَيْرِهِ) مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ، فَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَأَنْكَرَ قَصْدَ الطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، أَمَّا إذَا خَيَّرَهَا بَعْدَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَذَا إذَا كَانَا فِي غَضَبٍ أَوْ شَتِيمَةٍ، وَإِذَا لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَقْبَلٍ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهَا شَيْءٌ) لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فَرْعُ مِلْكِ الْمُمَلَّكِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، لَوْ قَالَ: اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك أَوْ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي نَاوِيًا لَا يَقَعُ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْوُقُوعَ بِاخْتِيَارِهَا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَجْهٌ آخَرُ لِلِاسْتِحْسَانِ يُقَابِلُ الْقِيَاسَ وَيَقْتَضِي الْوُقُوعَ بِخُصُوصِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي جَوَازَ إقَامَتِهَا مَقَامَهُ فِي الْفِرَاقِ وَلَا تَلَاقِيَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ لِأَنَّ إقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَهُوَ وَجْهُ الْقِيَاسِ
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ) رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ ثَلَاثٌ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَفِي غَيْرِهَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْوَاحِدَةِ، وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْوَاقِعَ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْغَايَتَيْنِ.
وَرَجَّحَ قَوْلَ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنَّ الْكِتَابَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْهُ الطَّلَاقَ بِمَالٍ وَقَبْلَ الدُّخُولِ وَلَزِمَ إخْرَاجُ الطَّلَاقِ بِمَا دَلَّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ وَلَفْظُ اخْتَرْت نَفْسِي، بَلْ نَفْسُ تَخْيِيرِهَا يُفِيدُ مِلْكَهَا نَفْسَهَا إذَا اخْتَارَتْهَا لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الِاسْتِخْلَاصِ وَالصَّفَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَهُوَ بِالْبَيْنُونَةِ، وَإِلَّا لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَةُ التَّخْيِيرِ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا شَاءَتْ أَوْ أَبَتْ.
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ أَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا بَائِنَةٌ كَمَا رُوِيَ عَنْهُمَا الرَّجْعِيَّةُ، فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُمَا. وَقَدْ تَرَجَّحَ بِمَا ذَكَرْنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ الْخُلُوصَ وَالصَّفَاءَ، وَالْبَيْنُونَةُ تَثْبُتُ فِيهِ مُقْتَضًى فَلَا يَعُمُّ، بِخِلَافِ أَنْتِ بَائِنٌ وَنَحْوِهِ فَلَا يَقَعُ الثَّلَاثُ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي وَإِنْ نَوَاهَا
(4/79)

نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَدْ تَتَنَوَّعُ.

قَالَ (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ: اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ الْآخَرِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ كَلَامَهُ مُفَسَّرٌ، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِخِلَافِ التَّفْوِيضِ بِقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك حَيْثُ تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ شَامِلٌ بِعُمُومِهِ لِمَعْنَى الشَّأْنِ لِلطَّلَاقِ فَكَانَ مِنْ أَفْرَادِهِ لَفْظًا وَالْمَصْدَرُ يَحْتَمِلُ نِيَّةَ الْعُمُومِ.
وَقِيلَ الْفَرْقُ أَنَّ الْوُقُوعَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَإِجْمَاعُهُمْ انْعَقَدَ عَلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ: أَيْ بَائِنٌ وَنَحْوُهُ لِأَنَّ الْوُقُوعَ مُقْتَضَى نَفْسِ الْأَلْفَاظِ وَمُقْتَضَاهَا الْبَيْنُونَةُ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ الْوَاقِعَ بِهِ ثَلَاثٌ قَوْلًا بِكَمَالِ الِاسْتِخْلَاصِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا) يَعْنِي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالِاخْتِيَارَةِ وَالتَّطْلِيقَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَتْ: اخْتَرْت أَبِي وَأُمِّي أَوْ الْأَزْوَاجَ أَوْ أَهْلِي بَعْدَ قَوْلِهِ: اخْتَارِي يَقَعُ لِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الْأَزْوَاجِ ظَاهِرٌ، وَكَذَا أَهْلِي لِأَنَّ الْكَوْنَ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ اخْتَرْت أَهْلِي إنَّمَا يَكُونُ لِلْبَيْنُونَةِ وَعَدَمِ الْوَصْلَةِ مَعَ الزَّوْجِ وَلِذَا تَطْلُقُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ: الْحَقِي بِأَهْلِك، بِخِلَافِ قَوْلِهَا: اخْتَرْت قَوْمِي أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَا يَقَعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهَا أَبٌ أَوْ أُمٌّ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَهَا أَخٌ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِأَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ عَادَةً عِنْدَ الْبَيْنُونَةِ إذَا عَدِمَتْ الْوَالِدَيْنِ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي كَلَامِهِ تَضَمَّنَ جَوَابُهَا إعَادَتَهُ كَأَنَّهَا قَالَتْ: فَعَلْت ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِهَا فَقَدْ وُجِدَ مَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْنُونَةِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِلِ فِي الْإِيقَاعِ فَالْحَاجَةُ مَعَهُ لَيْسَ إلَّا إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُهَا تَمَّتْ عِلَّةُ الْبَيْنُونَةِ فَتَثْبُتُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَذْكُرْ النَّفْسَ وَنَحْوَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يُفَسِّرُ الْمُبْهَمَ إذْ لَفْظُهُ حِينَئِذٍ مُبْهَمٌ، وَلِذَا كَانَ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِ اخْتَارِي مَا شِئْت مِنْ مَالٍ أَوْ حَالٍ أَوْ مَسْكَنٍ وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفَسَّرِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَالْإِيقَاعُ بِالِاخْتِيَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ، وَلَوْلَا هَذَا لَأَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِتَفْسِيرِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ دُونَ الْمَقَالِيَّةِ بَعْدَ أَنْ نَوَى الزَّوْجُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِ وَتَصَادَقَا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَعَ لَفْظٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَصْلًا كَاسْقِنِي، وَبِهَذَا يَبْطُلُ اكْتِفَاءُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْقَرِينَةِ عَنْ ذِكْرِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي لَا بَلْ زَوْجِي يَقَعُ، وَلَوْ قَدَّمَتْ زَوْجِي لَا يَقَعُ.
وَالْوَجْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي الْأَوَّلِ وَخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهَا فِي الثَّانِي، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ زَوْجِي لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ عَطَفَتْ بِالْوَاوِ فَالِاعْتِبَارُ لِلْمُقَدَّمِ وَيَلْغُو
(4/80)

(وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً فَقَالَتْ: اخْتَرْت) لِأَنَّ الْهَاءَ فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ وَالِانْفِرَادِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ.

(وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ كَلَامَهَا مُفَسَّرٌ، وَمَا نَوَاهُ الزَّوْجُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ (وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ أَوْ يَحْتَمِلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا بَعْدَهُ، وَلَوْ خَيَّرَهَا ثُمَّ جَعَلَ لَهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ تَخْتَارَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَا يَقَعُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ إذْ هُوَ اعْتِيَاضٌ عَنْ تَرْكِ حَقِّ تَمَلُّكِ نَفْسِهَا فَهُوَ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ تَرْكِ حَقِّ الشُّفْعَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي اخْتِيَارَةً إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ ذِكْرَهُ الِاخْتِيَارَةَ فِي كَلَامِهِ تَفْسِيرٌ مِنْ جَانِبِهِ كَذِكْرِهِ نَفْسَهَا، فَلَوْ لَمْ تَزِدْ هِيَ عَلَى اخْتَرْت وَقَعَتْ بَائِنَةً.
وَوَجْهُهُ بِأَنَّ الْهَاءَ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً بِأَنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى بِأَنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ أَوْ بِمَا شِئْت فَقَالَتْ: اخْتَرْت يَقَعُ الثَّلَاثُ، فَلَمَّا قَيَّدَ بِالْوَحْدَةِ ظَهَرَ أَنَّهُ أَرَادَ تَخْيِيرَهَا فِي الطَّلَاقِ فَكَانَ مُفَسَّرًا، فَإِلْزَامُ التَّنَاقُضِ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ هُنَا إمْكَانَ تَعَدُّدِ الْوَاقِعِ وَلَوْ ثَلَاثًا وَنَفَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ مُنْدَفِعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِمَّا ذَكَرْنَا كَوْنُ الِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ يَتَنَوَّعُ كَالْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ حَتَّى يُصَابَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ لَفْظٍ آخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُفَسَّرِ بِذِكْرِ النَّفْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت اخْتِيَارَةً أَوْ أَهْلِي وَنَحْوَهُ فَإِنَّ هَذِهِ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهَا. قُلْنَا: عُرِفَ مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ اعْتِبَارُ مُفَسَّرٍ لَفْظًا مِنْ جَانِبٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فَيَنْتَفِي غَيْرُ الْمُفَسَّرِ، وَأَمَّا خُصُوصُ لَفْظِ الْمُفَسَّرِ فَمَعْلُومُ الْإِلْغَاءِ، وَاعْتِبَارُ الْمُفَسَّرِ أَعَمَّ مِنْهُ حَتَّى بِقَرِينَةٍ غَيْرِ لَفْظِيَّةٍ يُوجِبُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُقُوعِ بِلَا لَفْظٍ صَالِحٍ، وَلَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ تَقَعُ رَجْعِيَّةً كَأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَ اللَّفْظِ إيقَاعًا، لَكِنَّ قَوْلَ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاخْتَرْنَاهُ وَلَمْ يَعْدُدْهُ عَلَيْنَا شَيْئًا» رَوَاهُ السِّتَّةُ. وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " فَلَمْ يَعْدُدْ " يُفِيدُ عَدَمَ وُقُوعِ شَيْءٍ.

(قَوْلُهُ: فَقَالَتْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي) الْمَقْصُودُ أَنَّهَا ذَكَرَتْ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ كَأَخْتَارُ نَفْسِي سَوَاءٌ ذَكَرَتْ " أَنَا " أَوْ لَا، فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ وَعْدٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ
(4/81)

وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا: أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَا أُطَلِّقُ حَيْثُ لَا تُطَلِّقُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتِقْ رَقَبَتَك فَقَالَ: أَنَا أُعْتِقُ لَا يُعْتَقُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَالَتْ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: 28] إلَى قَوْلِهِ {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] فَقُلْتُ: فَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتُ» .
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ «بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَاعْتَبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا. لَا يُقَالُ: قَدْ ذَكَرَتْ أَنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ هَذَا الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ بَلْ إنَّهُنَّ لَوْ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ يُطَلِّقُهُنَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ اعْتِدَادُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا يُفِيدُ قِيَامَ مَعْنَاهُ فِي الْحَالِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ) هُوَ أَحَدُ الْمَذَاهِبِ، وَقِيلَ بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ جَعْلِهِ لِلْحَالِ خَاصًّا أَوْ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا يُرَجَّحُ هُنَا إرَادَةُ أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ: أَعْنِي الْحَالَ بِقَرِينَةٍ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ فِي الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ فَيَصِحُّ الْإِخْبَارُ بِاللِّسَانِ عَمَّا هُوَ قَائِمٌ بِمَحَلٍّ آخَرَ حَالَ الْإِخْبَارِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةُ
(4/82)

قَوْلُهَا: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ (وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَةً) وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا: أُطَلِّقُ نَفْسِي لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إخْبَارًا عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقُومُ بِاللِّسَانِ، فَلَوْ جَازَ قَامَ بِهِ الْأَمْرَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيقَاعَ لَا يَكُونُ بِنَفْسِ أُطَلِّقُ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُفَ فِيهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ تُعُورِفَ جَازَ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ هُنَا إنْ تُعُورِفَ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ لَا إخْبَارٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ) وَلَا إلَى ذِكْرِ نَفْسِهَا ذَكَرَهُ فِي الدِّرَايَةِ لِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ وَهُوَ التَّعَدُّدُ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ لَا بِاخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَهَذَا يُفِيدُ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي الْقَضَاءِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، لَا عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي الْوُقُوعِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ كَالصَّرِيحِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَإِنْ
(4/83)

يَتَكَرَّرُ لَهُمَا إنْ ذَكَرَ الْأُولَى، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَرَّرَ.
وَمَا فِي الْجَامِعِ قَالَ اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي بِأَلْفٍ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَاشْتَرَطَ النِّيَّةَ مَعَ الْمَالِ وَالتَّكْرَارِ فَضْلًا عَنْ أَحَدِهِمَا وَهَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ لِقَاضِي خَانْ: لَوْ كَرَّرَ فَقَالَ: أَمْرُك بِيَدِك أَمْرُك بِيَدِك أَوْ فَأَمْرُك بِيَدِك أَوْ وَأَمْرُك بِيَدِك بِالْفَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي وَقَالَ الزَّوْجُ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا يُزِيلُ الْإِبْهَامَ، وَكَذَا لَوْ كَرَّرَ الِاخْتِيَارَ انْتَهَى وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَتَحَقَّقَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْعَتَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَشَرَطَ أَبُو مَعِينٍ النَّسَفِيُّ النِّيَّةَ مَعَ التَّكْرَارِ كَقَاضِي خَانْ. وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَشْهَدَ بِمَا اسْتَشْهَدْنَا بِهِ فِي لُزُومِ النِّيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمَنْقُولِ عَلَى لُزُومِ النِّيَّةِ مُطْلَقًا وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَالِ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ الطَّلَاقِ فَكَيْفَ يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي إذَا أَنْكَرَ إرَادَةَ الطَّلَاقِ.
وَأَمَّا مَا فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ اشْتِرَاطِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: أَيْ يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوعِ ثُبُوتُ النِّيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ إثْبَاتَ أَجْوِبَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ قَوْلِنَا: يَقَعُ لَا يَقَعُ يَجِبُ لَا يَجِبُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يُشْتَرَطُ لِلْقَضَاءِ، غَيْرَ أَنَّا مَعَ ذَلِكَ اخْتَرْنَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَنْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: لِانْتِهَاضِ الْوَجْهِ بِهِ لِأَنَّ تَكْرَارَ أَمْرِهِ بِالِاخْتِيَارِ لَا يُصَيِّرُهُ ظَاهِرًا فِي الطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ اخْتَارِي فِي الْمَالِ وَاخْتَارِي فِي الْمَسْكَنِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ كَاعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي حَيْثُ يُصَدِّقُهُ فِي إنْكَارِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ لِإِمْكَانِ إرَادَةِ اعْتَدِّي نِعَمَ اللَّهِ وَمَعَاصِيَك وَنِعَمِي.
وَمَا فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ قَالَ: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَالَ: نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالْبَاقِيَتَيْنِ التَّأْكِيدَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأُولَى الطَّلَاقَ كَانَ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَكَانَ الْبَاقِي طَلَاقًا ظَاهِرًا، وَمِثْلُهُ فِي الْمُحِيطِ ظَاهِرٌ. وَقَالَ فِي الْكَافِي فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا حُذِفَ لِشُهْرَتِهِ لِأَنَّ غَرَضَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّفْرِيعُ دُونَ بَيَانِ صِحَّةِ الْجَوَابِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّ حَذْفَ النِّيَّةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: إنْ ذَكَرَ الْأُولَى وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ) يَعْنِي هُوَ فِي نَفْسِهِ يُفِيدُ الْفَرْدِيَّةَ وَالنِّسْبَةَ الْمَخْصُوصَةَ، فَإِنْ بَطَلَ الثَّانِي فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَحَلِّ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ فِي الْمِلْكِ، أَعْنِي الثَّلَاثَ الَّتِي مَلَكَتْهَا بِقَوْلِهِ اخْتَارِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، إذْ حَقِيقَةُ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِ الْأَعْيَانِ كَمَا يُقَالُ صَامَ حَجَّ
(4/84)

وَلَهُ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَغْوٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ، وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهَا لِلْمَرَّةِ فَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَتْ بِهَا وَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ تَقَعُ الثَّلَاثُ فَمَعَ التَّأْكِيدِ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَمْ يَجُزْ إبْطَالُ الْآخَرِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ (قَوْلُهُ وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ) ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأُولَى نَعْتٌ لِمُؤَنَّثٍ فَاسْتَدْعَى مَذْكُورًا يُوصَفُ بِهِ وَالْمَذْكُورُ ضِمْنًا الِاخْتِيَارَةُ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَرْت الِاخْتِيَارَةَ أَوْ الْمَرَّةَ الْأُولَى، وَلَوْ قَالَتْ ذَلِكَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَالْآخَرُ أَنَّهَا أَتَتْ بِالتَّرْتِيبِ لَا فِيمَا يَلِيقُ وَصْفُهُ بِهِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى قَوْلُهَا اخْتَرْت فَيَكُونُ جَوَابًا لِلْكُلِّ، وَهَذَا تَتِمُّ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذَا وَصْفُ لَغْوٍ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمَكَانِ، فَقَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ ابْتِدَاءً وَجْهٌ يَتَضَمَّنُ جَوَابَ قَوْلِهِمَا إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ إلَخْ لَا يُطَابِقُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ. وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ لَفْظُ الْأُولَى، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ يُطْلِقُهُ عَلَى الْمُفْرَدِ، وَبَعْضُهُمْ يَنْسُبُهُ إلَى كُلِّهِمْ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَيْهِ مَنْعُ أَنَّ الْإِفْرَادَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْأُولَى، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَدْلُولُهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ، حَتَّى إذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ وَهُوَ الْإِفْرَادُ.
وَإِذَا لَغِيَا بَقِيَ قَوْلُهَا: اخْتَرْت وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْكُلِّ فَيَقَعْنَ، وَلِذَا اخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُمَا. وَالْجَوَابُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْفَرْدِيَّةَ مَدْلُولٌ تَضَمُّنِيٌّ فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ جُزْأَيْ الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ هُوَ الْمَقْصُودَ وَالْآخَرُ تَبَعًا كَمَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ: وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ فَيَنْتَفِي التَّبَعُ بِانْتِفَاءِ الْمَقْصُودِ وَالْوَصْفُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَضْعٌ لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَمْ يُلَاحَظْ الْفَرْدُ فِيهِ حَقِيقِيًّا أَوْ اعْتِبَارِيًّا كَالطَّائِفَةِ الْأُولَى وَالْجَمَاعَةِ الْأُولَى إلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، فَإِذَا بَطَلَتْ بَطَلَ الْكَلَامُ. وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُهُمْ تَعْلِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ التَّرْتِيبَ ثَابِتٌ فِي اللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْمَعْنَى، فَصَدَقَ وَصْفُهَا بِالْأُولَى وَالْوُسْطَى إلَى آخِرِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَوْلَهُ: اخْتَارِي اخْتَارِي جُمْلَةٌ بَعْدَ جُمْلَةٍ. وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا اخْتَرْت لَفْظَتَك الْأُولَى أَوْ كَلِمَتَك الْأُولَى، وَلَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا بَعْدَ فَرْضِ إهْدَارِ وَصْفِ الطَّلَاقِ بِهِ. وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا مَنْ رَامَ الدَّفْعَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى اخْتَرْت الْإِيقَاعَ بِكَلِمَتِك الْأُولَى لِأَنَّ الْإِيقَاعَ لَا يَكُونُ بِكَلِمَتِهِ قَطُّ بَلْ بِكَلِمَتِهَا مَرِيدَةً بِهَا الطَّلَاقَ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي ثَلَاثًا فَقَالَتْ: اخْتَرْت اخْتِيَارَةً أَوْ الِاخْتِيَارَةَ أَوْ مَرَّةً أَوْ بِمَرَّةٍ أَوْ دَفْعَةً أَوْ بِدَفْعَةٍ أَوْ بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتِيَارَةً وَاحِدَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ جَوَابُ الْكُلِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ
(4/85)

(وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ مُعْقِبَةٌ لِلرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِمَالٍ لَزِمَ كُلُّهُ (قَوْلُهُ: فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَهُوَ سَهْوٌ بَلْ بَائِنٌ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالْمَبْسُوطِ وَالْأَوْضَحِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ وَعَامَّةِ الْجَوَامِعِ سِوَى جَامِعِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ فِيهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْوَاقِعَ بِالتَّخْيِيرِ بَائِنٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكُ النَّفْسِ مِنْهَا وَلَيْسَ فِي الرَّجْعِيِّ مِلْكُهَا نَفْسَهَا وَإِيقَاعُهَا وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ، لَكِنْ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوُقُوعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَوَّضَ بِهِ إلَيْهَا، وَالصَّرِيحُ لَا يُنَافِي الْبَيْنُونَةَ كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْمَالِ فَيَقَعُ بِهِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إلَّا مَا مُلِّكَتْ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ فَأَوْقَعَتْ الرَّجْعِيَّ أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَ مَا أَمَرَهَا بِهِ لَا مَا أَوْقَعَتْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اخْتَرْت وَطَلَّقْت حَيْثُ يَصِحُّ طَلَّقْت جَوَابًا لِاخْتَارِي حَتَّى تَقَعَ بِهِ الْبَائِنَةُ وَاخْتَرْت لَا يَصْلُحُ جَوَابَ طَلِّقِي نَفْسَك حَتَّى لَا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ.
وَسَنَذْكُرُ جَوَابَهُ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ) قِيلَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ هَذَا كَقَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِاخْتَرْتُ جَوَابًا لِطَلِّقِي نَفْسَك. أُجِيبُ بِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ لَمَّا فَسَّرَ الْأَوَّلَ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْمُفَسَّرَ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالتَّخْيِيرُ، وَقَوْلُهَا: اخْتَرْت يَصْلُحُ جَوَابًا لَهُ.
(4/86)

فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[فُرُوعٌ] قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَاخْتَارِي فَقَالَتْ: شِئْت وَاخْتَرْت يَقَعُ ثِنْتَانِ بِالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ.

وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي بِأَلْفٍ فَقَالَتْ: اخْتَرْت جَمِيعَ ذَلِكَ وَقَعَتْ الْأُولَيَانِ بِلَا شَيْءٍ وَالثَّالِثَةُ بِأَلْفٍ لِأَنَّهَا الْمَقْرُونَةُ بِالْبَدَلِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالشُّرُوطِ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي اخْتِيَارَةً أَوْ وَاحِدَةً أَوْ بِوَاحِدَةٍ.
وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ إنْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى، وَبِأَلْفٍ إنْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأَخِيرَةَ.

. وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ اسْمٌ لِلْوَاحِدَةِ فَلَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْ الْكُلِّ بَلْ الْبَعْضِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَتْ: عَنَيْت الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةَ وَقَعَتَا بِلَا شَيْءٍ أَوْ الثَّالِثَةَ بَانَتْ بِأَلْفٍ.
وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي وَاخْتَارِي وَاخْتَارِي بِالْعَطْفِ بِأَلْفٍ فَالْأَلْفُ مُقَابَلٌ بِالثَّلَاثِ لِلْعَطْفِ، فَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَوْ وَقَعَتْ وَقَعَتْ بِثُلُثِ الْبَدَلِ وَلَمْ يَرْضَهُ. وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةَ أَوْ الثَّالِثَةَ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ بِأَلْفٍ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ وَقَعَ بِثُلُثِ الْأَلْفِ. وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ مَا شِئْت فَلَهَا اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا غَيْرُ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَعِنْدَهُمَا تَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لِأَنَّهَا لِلْبَيَانِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.

[فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ]
(فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ) قَدَّمَ التَّخْيِيرَ لِتَأَيُّدِهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ كَالتَّخْيِيرِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِهِ مِنْ اشْتِرَاطِ ذِكْرِ النَّفْسِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَمِنْ عَدَمِ مِلْكِ الزَّوْجِ الرُّجُوعَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ سِوَى نِيَّةِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ هَاهُنَا لَا فِي التَّخْيِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْوِيضَ بِلَفْظِ أَمْرُك بِيَدِك لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ، وَصِحَّتُهُ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ، وَكَذَا صِحَّةُ التَّفْوِيضِ بِلَفْظِ اخْتَارِي نَفْسَك لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَطْلِيقَهَا فَلَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ التَّفْوِيضُ مِنْهُ، وَلَفْظُ اخْتَارِي نَفْسَك يُفِيدُهُ، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَتَّجِهُ تَقْدِيمُ التَّفْوِيضِ بِلَفْظِ اخْتَارِي لِتَأَيُّدِهِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نَصًّا، بِخِلَافِهِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ خِلَافُ أَحَدٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ ذَلِكَ النَّقْلُ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا افْتَرَقَ الْبَابَانِ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْإِيقَاعِ
(4/87)

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ، وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ، فَإِنَّ إيقَاعَهَا بِهِ إنَّمَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا قِيَاسًا لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ بِهِ الْمُمَلَّكَ إذْ لَا يَكُونُ مَا فِي مِلْكِهِ أَوْسَعَ مِمَّا فِي مِلْكِ مُمَلِّكِهِ وَهَذَا يَتَسَاوَى فِيهِ الْبَابَانِ، فَإِنَّ إيقَاعَهَا بِلَفْظِ اخْتَرْت نَفْسِي يَصِحُّ فِي جَوَابِ أَمْرُك بِيَدِك كَمَا يَصِحُّ فِي اخْتَارِي.
وَأَمَّا الْإِيقَاعُ بِلَفْظِ أَمْرِي بِيَدِي وَنَحْوِهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا وَلَا اسْتِحْسَانًا فَلَا تَحُمْ حَوْلَ الْحِمَى وَتَتْرُكْ النُّزُولَ مَخَافَةً (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي ثَلَاثًا) أَيْ يَنْوِي التَّفْوِيضَ فِي ثَلَاثٍ (فَقَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ) وَهُنَا مَقَامَانِ: الْوُقُوعُ وَكَوْنُهُ ثَلَاثًا، وَالْوُقُوعُ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ جَوَابًا، فَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ أَيْ الْأَمْرِ بِالْيَدِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ فَجَوَابُهُ جَوَابُهُ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِطَلِّقِي نَفْسَك فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ كَالتَّخْيِيرِ، وَلَا يَصْلُحُ اخْتَرْت نَفْسِي جَوَابًا لَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَجَوَابُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ أَضْعَفُ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَلِذَا لَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فَأَجَازَهُ مُبْتَدَأً جَازَ، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي لَا يَتَوَقَّفُ وَلَا يَقَعُ، وَإِنْ أَجَازَهُ وَلَا يَمْلِكُ هُوَ الْإِيقَاعَ بِهِ فَصَلُحَ الْأَقْوَى جَوَابًا لِلْأَضْعَفِ دُونَ الْعَكْسِ لَا يَدْفَعُ الْوَارِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ كَوْنُ الْأَقْوَى يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَضْعَفِ بِلَا عَكْسٍ يَحْتَاجُ إلَى التَّوْجِيهِ.
وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ لِأَنَّ الْجَوَابَ هُوَ الْعَامِلُ وَالتَّفْوِيضُ شَرْطُ عَمَلِهِ فَلَا يَكُونُ دُونَهُ بَلْ فَائِقًا أَوْ مُسَاوِيًا. وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ بِأَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْت مُبْهَمٌ، وَقَوْلَهُ: طَلِّقِي نَفْسَك مُفَسَّرٌ وَالْمُبْهَمُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْمُفَسَّرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْرِيرِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّفْسِيرِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ أَفَادَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ (وَالْوَاحِدَةُ) أَيْ الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا (صِفَةُ الِاخْتِيَارَةِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ) وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بِاخْتِيَارَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا وَصْفًا لَهَا لَكِنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ وَصَرَّحَتْ بِقَوْلِهَا
(4/88)

(وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّ التَّفْوِيضَ فِي الْبَائِنِ ضَرُورَةُ مِلْكِهَا أَمْرَهَا، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَتَصِيرُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي الْإِيقَاعِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اخْتِيَارَةً وَاحِدَةً كَوْنَ الْمُرَادِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ الِاخْتِيَارَةَ لَيْسَتْ إلَّا الْمَرَّةَ مِنْ الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَ اخْتِيَارُهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ انْتَفَى الِاخْتِيَارُ بَعْدَهُ، وَكَوْنُهَا بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ لَهَا اخْتِيَارٌ آخَرُ هُوَ بِأَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ، وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ تَرَكْته بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكَرِهْته بِمَرَّةٍ وَأَعْرَضْت عَنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَا لَا يُحْصَى مِنْ هَذَا لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا بُلُوغَ مَا قُيِّدَ بِهِ مِنْ التَّرْكِ مَثَلًا وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِعْرَاضُ مُنْتَهَاهُ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ بِوَاحِدَةٍ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ صِفَةَ طَلْقَةٍ وَلَمَّا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فِي التَّطْلِيقِ فَقَوْلُهَا: اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ كَوْنِ إرَادَةِ الْمَوْصُوفِ طَلْقَةً
(4/89)

بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ) لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ وَقْتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ إذْ ذِكْرُ الْيَوْمِ بِعِبَارَةِ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ فَكَانَا أَمْرَيْنِ فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ.
وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ. قُلْنَا: الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَوْ اخْتِيَارَةً، فَإِذَا نَوَتْهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ تَقَعُ وَاحِدَةٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ لَمْ يَتَسَاوَيَا، فَإِنَّ خُصُوصَ الْعَامِلِ اللَّفْظِيِّ قَرِينَةُ خُصُوصِ الْمُقَدَّرِ وَهُوَ هُنَا لَفْظُ اخْتَرْت فِي قَوْلِهَا: اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَابَتْ بِطَلَّقْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ حَيْثُ تُقَدِّرُ الطَّلْقَةَ وَهُوَ بِخُصُوصِ الْعَامِلِ أَيْضًا، وَبِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ جَوَابِهَا بِطَلَّقْتُ نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَاخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ حَيْثُ يَقَعُ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ التَّطْلِيقَةُ بَائِنَةً لِأَنَّ التَّفْوِيضَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْبَائِنِ لِأَنَّهَا بِهِ تَمْلِكُ أَمْرَهَا وَإِنَّمَا تَمْلِكُهُ بِالْبَائِنِ لَا بِالرَّجْعِيِّ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ مِمَّا يُرَادُ بِهِ الثَّلَاثَ، فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ: نَوَيْت التَّفْوِيضَ فِي وَاحِدَةٍ بَعْدَمَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فِي الْجَوَابِ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الثَّلَاثَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي فَصْلِ الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ الِاخْتِيَارُ لَا يَتَنَوَّعُ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ إلَى آخِرِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ وَالْيَوْمَ وَغَدًا يَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ وَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا فِيهِ تَمْلِكُهُ بَعْدَ الْغَدِ، وَالثَّانِي عَدَمُ مِلْكِهَا فِي اللَّيْلِ، وَفِي الْيَوْمِ وَغَدًا لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ لَا تَمْلِكُ طَلَاقَ نَفْسِهَا غَدًا: أَيْ نَهَارًا وَتَمْلِكُهُ لَيْلًا.
وَالْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكُ وَاحِدَةٍ فِي الْيَوْمِ وَغَدًا وَتَمْلِيكَانِ فِي الْيَوْمِ وَبَعْدَ غَدٍ.
وَجَعَلَهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكُلِّ تَمْلِيكًا وَاحِدًا فِي الْيَوْمِ وَبَعْدَ غَدٍ، فَلَمْ يُثْبِتْ الْخِيَارَ بَعْدَ الْغَدِ إذَا رَدَّتْهُ الْيَوْمَ قِيَاسًا عَلَى طَلِّقِي نَفْسَك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَاحِدًا فَكَذَا يَكُونُ هُنَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَعَلَى أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا.
قُلْنَا: الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ، وَإِذَا وَقَعَ تَصِيرُ بِهِ طَالِقًا فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ فَذِكْرُ بَعْدَ غَدٍ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ لَا يَقْتَضِي طَلَاقًا آخَرَ، أَمَّا الْأَمْرُ بِالْيَدِ فَيَحْتَمِلُهُ فَيَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ لَهُ غَيْرَ أَنَّ عَطْفَ زَمَنٍ عَلَى زَمَنٍ مُمَاثِلٍ مَفْصُولٌ بَيْنَهُمَا بِزَمَنٍ مُمَاثِلٍ لَهُمَا ظَاهِرًا فِي قَصْدِ تَقْيِيدِ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوَّلِ، وَتَقْيِيدُ أَمْرٍ آخَرَ بِالثَّانِي وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ لِهَذِهِ الطَّفْرَةِ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِيرُ لَفْظُ يَوْمٍ مُفْرَدًا غَيْرَ مَجْمُوعٍ إلَى مَا بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ صَارَ عَطْفَ جُمْلَةٍ: أَيْ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك بَعْدَ غَدٍ. وَلَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ لَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ، بِخِلَافِ
(4/90)

وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَحْتَمِلُهُ، فَيُوَقَّتُ الْأَمْرُ بِالْأَوَّلِ وَجَعَلَ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأً (وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا لَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا فِي غَدٍ) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْكَلَامُ وَقَدْ يَهْجُمُ اللَّيْلُ وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَا يَنْقَطِعُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فِي يَوْمَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا إذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي الْيَوْمِ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْيَوْمَ وَغَدًا فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِيَوْمٍ آخَرَ لِتَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ فَكَانَ جَمْعًا بِحَرْفِ الْجَمْعِ فِي التَّمْلِيكِ الْوَاحِدِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك فِي يَوْمَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ تَدْخُلُ اللَّيْلَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ اسْتِعْمَالًا لُغَوِيًّا وَعُرْفِيًّا، عَلَى أَنَّ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ تَطْلُقُ طَلَاقَيْنِ، بِخِلَافِ الْيَوْمَ وَغَدًا يَمْتَنِعُ قِيَاسُهُ.
وَأَيْضًا فِي: طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ يَثْبُتُ فِيهِ الْحُكْمُ فِي الْغَدِ لِأَنَّهَا طَالِقٌ فِيهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهَا فِي الْغَدِ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ يَهْجُمُ اللَّيْلُ وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ لَا اعْتِبَارَ بِهِ تَعْلِيلًا لِدُخُولِ اللَّيْلِ فِي التَّمْلِيكِ الْمُضَافِ إلَى الْيَوْمِ وَغَدٍ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ اللَّيْلِ فِي الْيَوْمِ الْمُفْرَدِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى: أَعْنِي أَنَّهُ قَدْ يَهْجُمُ اللَّيْلُ وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ (قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا أَنَّهَا إذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي الْيَوْمِ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا) رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ رَدَّ إيقَاعِ الزَّوْجِ لَوْ نَجَّزَ، فَكَذَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ يَثْبُتُ حُكْمُهُ لَهَا مِنْ الْمِلْكِ بِلَا قَبُولٍ كَالْإِيقَاعِ مِنْهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ رَدَّهَا لَغْوٌ، فَالْحَالُ كَمَا كَانَ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فِي الْغَدِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي رَدَّتْ فِيهِ أَيْضًا فَصَارَ كَقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ بَعْدَمَا خَيَّرَهَا فِي الْيَوْمِ وَغَدًا وَاشْتِغَالِهَا بِعَمَلٍ آخَرَ حَيْثُ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا.
وَتَحْقِيقُ وَجْهِ الظَّاهِرِ أَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْمِلْكِ مُغَيًّا شَرْعًا بِأَحَدِ الْأُمُورِ مِنْ انْقِضَاءِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَوْ الْخِطَابِ بِلَا اخْتِيَارِ شَيْءٍ أَوْ بِفِعْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ اخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا، فَإِذَا رَدَّتْ بِاخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا خَرَجَ مِلْكُ الْإِيقَاعِ عَنْهَا فَلَا تَمْلِكُ اخْتِيَارَ نَفْسِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُضَافُ تَوْقِيتُ التَّمْلِيكِ بِهَذِهِ إلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ تَوْقِيتَهُ فِي الْجُمْلَةِ ثَابِتٌ شَرْعًا كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.
وَالْأَوْجَهُ تَشْبِيهُهُ بِالْعَارِيَّةِ لِوَجْهَيْنِ: كَوْنُهُ بِلَا عِوَضٍ وَالْعَارِيَّةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ تَوْقِيتَهَا لَيْسَ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْمَجْلِسِ لَيْسَ مَضْبُوطَ الْكَمِّيَّةِ إذْ قَدْ يَمْتَدُّ يَوْمًا وَيَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا اخْتِيَارُهَا زَوْجَهَا وَفِعْلُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
وَأَمَّا تَقْرِيرُهُ بِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إنَّمَا لَهُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا فَكَمَا أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا فَتَعُودُ إلَى النِّكَاحِ كَذَلِكَ إذَا اخْتَارَتْ
(4/91)

وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا الْيَوْمَ لَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ فِي الْغَدِ، فَكَذَا إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا بِرَدِّ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَمْلِكُ إلَّا اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
زَوْجَهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَلَا يُفْصِحُ عَنْ جَوَابِ النُّكْتَةِ الَّتِي هِيَ مَبْنَى جَوَازِ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا: أَعْنِي أَنَّ الْمِلْكَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ إنَّمَا يَرْتَدُّ شَطْرُ التَّمْلِيكِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا التَّمْلِيكَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِلَا قَبُولٍ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ وَجْهِ الظَّاهِرِ حَمْلُ الرَّدِّ الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى اخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ لِمَا بِهِ الرَّدُّ فَيُمْكِنُ حَمْلُ رَدِّهَا عَلَى كَوْنِهِ بِمَا يَكُونُ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَنَحْوِهِ بِأَنْ تَقُولَ عَقِيبَ الْمِلْكِ بِتَخْيِيرِهَا: رَدَدْت التَّفْوِيضَ أَوْ لَا أُطَلِّقُ، وَبِكَوْنِ هَذَا إعْطَاءً لِنَفْسِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَكُونُ هُوَ مُسْتَنَدَ مَا فُرِّعَ فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ أَجْنَبِيٍّ يَقَعُ لَازِمًا فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهَا وَالْمَسْأَلَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَبِمَا ذَكَرْنَا تَنْدَفِعُ الْمُنَاقَضَةُ الْمُورَدَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ حَيْثُ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَفِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ: أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا، وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا لَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِرَدِّهَا هُنَا اخْتِيَارُهَا زَوْجَهَا الْيَوْمَ، وَحَقِيقَتُهُ انْتِهَاءُ مِلْكِهَا، وَهُنَاكَ الْمُرَادُ أَنْ تَقُولَ: رَدَدْت فَلَمْ يَبْقَ تَدَافُعٌ، لَكِنْ الشَّارِحُونَ قَرَّرُوا ثُبُوتَ التَّدَافُعِ فِي ذَلِكَ حَيْثُ نَقَلُوا لِأَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ وَنَقَلُوا أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
وَوَفَّقُوا بِأَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَرْتَدُّ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ لِرَجُلٍ فَصَدَّقَهُ ثُمَّ رَدَّ إقْرَارَهُ لَا يَصِحُّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ ثُبُوتُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ أَوْ التَّمْلِيكِ. أَمَّا الْإِسْقَاطُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَقَالَ تَعَالَى {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280] سَمَّى الْإِبْرَاءَ تَصَدُّقًا.
وَمِمَّا وَقَعَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمُنَاقَصَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْفُصُولِ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يَخْرُجُ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا. وَوَفَّقَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِيمَا إذَا كَانَ مُنَجَّزًا، وَعَدَمَهُ إذَا كَانَ مُعَلَّقًا مِثْلُ أَنْ قَالَ: أكرترابزنم فَأَمْرُك بِيَدِك ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ وَجَدَ الشَّرْطَ يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ ضَرَبَهَا لَا يَصِيرُ بِيَدِهَا وَمِنْ الْمُنَاقَضَةِ تَصْرِيحُهُمْ بِصِحَّةِ إضَافَتِهِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا أَنَّهُمَا أَمْرَانِ) حَتَّى لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا الْيَوْمَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا غَدًا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا فِي الْغَدِ تَخْيِيرٌ جَدِيدٌ بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ الْمُنْقَضِي بِاخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا صُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ اشْتِرَاكَ الْوَقْتَيْنِ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ اسْتِقْلَالُ كُلِّ كَلَامٍ.
وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ هَذِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا، فَلَمْ يَبْقَ تَخْصِيصُ أَبِي يُوسُفَ إلَّا لِأَنَّهُ مَخْرَجُ الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا عَدَمُ جَوَازِ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لَيْلًا فَلَا تَغْفُلُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ لَهَا فِي يَوْمٍ مُفْرَدٍ وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ، وَالثَّابِتُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيه بِأَمْرٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ حَيْثُ يَمْتَدُّ إلَى الْغُرُوبِ فَقَطْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك فِي الْيَوْمِ إنَّمَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَفِي غَدٍ.
وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ غَدًا بَعْدَ غَدٍ فَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا أَوْقَاتٌ مُتَرَادِفَةٌ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك أَبَدًا فَيَرْتَدُّ بِرَدِّهَا
(4/92)

(وَإِنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيَحْمِلُ الْيَوْمَ الْمَقْرُونَ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَيَتَوَقَّتُ بِهِ ثُمَّ يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ

(وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ) لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا (لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَرَّةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لِأَنَّهَا أَوْقَاتٌ حَقِيقَةً.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ صَحَّ) وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا يَوْمَ يَقْدَمُ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُفَارِقُ بِهِ سَائِرَ التَّمْلِيكَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا وَلَا تَعْلِيقُهَا بِخِلَافِ هَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ تَمْلِيكُ فِعْلٍ فَلَا يَقْتَضِي لَوَازِمَ تَمْلِيكَاتِ الْأَعْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيقِ. فَإِنْ قِيلَ: يُخَالِفُهُ مَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ لِقَاضِي خَانْ: لَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فَطَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ أَوْ ثَلَاثًا إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَالَتْ فِي الْمَجْلِسِ: اخْتَرْت نَفْسِي طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِلْحَالِ، وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا قَبْلَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا بَطَلَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَطَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا تَفْسِيرٌ لِلْأَمْرِ وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ، أَمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ وَالْإِضَافَةَ إلَى وَقْتِ السُّنَّةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ يَقْتَضِي الْمَالِكِيَّةَ، وَالْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ فِي الْحَالِ فَلَا تَثْبُتُ الْمَالِكِيَّةُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك وَنَوَى السُّنَّةَ أَوْ التَّعْلِيقَ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِمَا كَانَ تَفْسِيرًا يَثْبُتُ مَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الثَّلَاثُ وَلَا يَثْبُتُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ السُّنَّةُ وَالتَّعْلِيقُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الِاحْتِمَالِ احْتِمَالُ لَفْظِ التَّنْجِيزِ لِلتَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَلَا مُتَعَلِّقًا بِهِ بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَطَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ أَوْ إذَا جَاءَ غَدٌ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ التَّفْوِيضِ فَكَانَ التَّعْلِيقُ مُرَادًا بِلَا لَفْظٍ، ثُمَّ لَوْ لَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى انْقَضَى يَوْمُ قُدُومِهِ وَدَخَلَ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ الْمَقْرُونُ بِهِ عَلَى النَّهَارِ لَا عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا. وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ: يَعْنِي فِي آخِرِ فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْقُدُومُ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى الْوَقْتِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ لِمَا حَقَّقْنَاهُ هُنَاكَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ امْتِدَادُهُ وَعَدَمُهُ هُوَ الْمُضَافُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيِّنَاهُ) أَيْ فِي أَوَّلِ
(4/93)

ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا وَبُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعْلِيقُ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا فَالْمَجْلِسُ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَصْلِ الِاخْتِيَارِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ هُنَاكَ هُوَ أَنَّ التَّمْلِيكَ يَسْتَدْعِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَاسْتَدَلَّ هُنَا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ.
وَالْوَجْهُ الْمَشْهُورُ فِيهِ قَوْلُهُمْ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَالْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ تَمْلِيكٌ وَهُوَ لَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، وَسَنُحَقِّقُ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ لِيَنْدَفِعَ الْوَكِيلُ فِي الْمَشِيئَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدَّمْنَا مَا فِي قَوْلِهِ يَسْتَدْعِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ، فَالصَّوَابُ إسْنَادُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ إلَى إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ قَالُوا لَهَا فِي الْمَجْلِسِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ) أَيْ تَسْمَعُ لَفْظَهُ بِالتَّخْيِيرِ (اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ) أَيْ مَجْلِسُ سَمَاعِهَا (وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا) عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ يُفِيدُ مَعْنَى التَّعْلِيقِ) أَمَّا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا، وَأَمَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَلِأَنَّ الْإِيقَاعَ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ إلَّا أَنَّ الْوُقُوعَ مُضَافٌ إلَى مَعْنًى مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ طَلَّقْت نَفْسَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَثْبُتُ لِلتَّفْوِيضِ أَحْكَامٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ وَأَحْكَامٌ عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّهَا مِمَّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُهَا عَلَى التَّمْلِيكِ، فَصِحَّةُ التَّوْقِيتِ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْعَارِيَّةِ أَقْرَبُ.
ثُمَّ مِنْ صُوَرِ التَّوْقِيتِ مَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ كَأَنْ يَقُولَ: أَمْرُك بِيَدِك شَهْرًا أَوْ جُمُعَةً فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ وَقْتِ التَّفْوِيضِ وَلَيْسَ هَذَا التَّوَقُّفُ سِوَى امْتِدَادِ الْمِلْكِ الَّذِي تَحَقَّقَ فِي الْحَالِ، وَكَذَا عَدَمُ صِحَّةِ الرَّدِّ بَعْدَ سُكُوتِهِ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِنَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالتَّمْلِيكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ، وَأَمَّا اقْتِصَارُهُ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ فَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَهُوَ يَسْتَدْعِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي يَسْتَدْعِيه التَّمْلِيكُ فِي الْمَجْلِسِ الْقَبُولُ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، بَلْ امْتِدَادُهُ فِي تَمَامِ الْمَجْلِسِ أَثَرُ الْمِلْكِ وَارْتِفَاعُهُ بَعْدَهُ، وَنَفْسُ اقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ
(4/94)

وَمَرَّةً بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْخِيَارِ، وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ الْإِعْرَاضِ، إذْ الْقِيَامُ يُفَرِّقُ الرَّأْيَ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ وَلَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يَقْطَعُهُ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ. وَقَوْلُهُ مَكَثَتْ يَوْمًا لَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ يُرَادُ بِهِ عَمَلٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَ فِيهِ لَا مُطْلَقَ الْعَمَلِ (وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِقْبَالِ فَإِنَّ الْقُعُودَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ (وَكَذَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ) لِأَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ جِلْسَةٍ إلَى جِلْسَةٍ فَلَا يَكُونُ إعْرَاضًا، كَمَا إذَا كَانَتْ مُحْتَبِيَةً فَتَرَبَّعَتْ.
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ إظْهَارُ التَّهَاوُنِ بِالْأَمْرِ فَكَانَ إعْرَاضًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ تَطْلِيقَهَا نَفْسَهَا قَبُولٌ، قُلْنَا: لَا يَتِمُّ إذْ هُوَ التَّصَرُّفُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ لَهُ.
أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الرُّجُوعِ مِنْ الزَّوْجِ فَيُنَاسِبُ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقِ وَالتَّمْلِيكِ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ يَلْزَمُ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ جَمِيعَ الْآثَارِ يَصِحُّ تَرَتُّبُهَا عَلَى جِهَةِ الْمِلْكِ هُنَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ التَّعْلِيقِ، وَقَوْلُهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا طَلَّقْت نَفْسَك فَأَنْتِ طَالِقٌ يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ فِي الْوَكَالَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا بِعْت مَتَاعِي فَقَدْ أَجَزْت بَيْعَك، وَالْوِلَايَةِ كَأَنَّ الْإِمَامَ قَالَ لَهُ: إذَا قَضَيْت فَقَدْ أَنَفَذْت قَضَاءَك كَمَا قَدَّمْنَا، وَالِاعْتِبَارَاتُ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا كَثِيرَةٌ فِي دَائِرَةِ الْإِمْكَانِ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ:) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ عَمَلٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَتْ فِيهِ) فَلَوْ لَبِسَتْ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ أَوْ أَكَلَتْ قَلِيلًا أَوْ شَرِبَتْ أَوْ قَرَأَتْ قَلِيلًا أَوْ سَبَّحَتْ أَوْ قَالَتْ اُدْعُ إلَيَّ أَبِي أَسْتَشِيرُهُ أَوْ الشُّهُودَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا هُوَ عَمَلُ الْفُرْقَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقُومَ فِي التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا، وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي وَطَلِّقِي نَفْسَك وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت، وَكَذَا إذْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك أَوْ طَلِّقْهَا إذَا شِئْت أَوْ إنْ شِئْت أَوْ أَعْتِقْ عَبْدِي إذَا شِئْت، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: بِعْهُ إنْ شِئْت لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ.
وَلَوْ اغْتَسَلَتْ أَوْ امْتَشَطَتْ أَوْ اخْتَضَبَتْ أَوْ جَامَعَهَا يَبْطُلُ. وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَدْعُو الشُّهُودَ فَقَامَتْ لِتَدْعُوَ وَلَمْ تَنْتَقِلْ، قِيلَ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَقِيلَ يَبْطُلُ لِلتَّبَدُّلِ وَلَا تُعْذَرُ فِيهِ كَمَا لَا تُعْذَرُ فِيمَا إذَا أُقِيمَتْ كُرْهًا، وَقِيلَ إذَا لَمْ تَنْتَقِلْ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَوْ نَامَتْ وَهِيَ قَاعِدَةٌ أَوْ كَانَتْ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ الْوِتْرَ فَأَتَمَّتْهَا أَوْ النَّفَلَ فَأَتَمَّتْ رَكْعَتَيْنِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا، وَلَوْ قَامَتْ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي بَطَلَ إلَّا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فَقَالَتْ: لِمَ لَا تُطَلِّقُنِي بِلِسَانِك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ لِأَنَّ قَوْلَهَا لِمَ لَا تُطَلِّقُنِي لَيْسَ رَدًّا فَتَمْلِكُ بَعْدَهُ الطَّلَاقَ.
قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهَا لِمَ إلَخْ كَلَامٌ زَائِدٌ فَيَتَبَدَّلُ بِهِ الْمَجْلِسُ
(4/95)

وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاضْطَجَعَتْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ قَالَتْ اُدْعُ أَبِي أَسْتَشِرْهُ أَوْ شُهُودًا أُشْهِدْهُمْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّ الِاسْتِشَارَةَ لِتَحَرِّي الصَّوَابِ، وَالْإِشْهَادَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِنْكَارِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ (وَإِنْ كَانَتْ تَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ فَوَقَفَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَإِنْ سَارَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ وَوُقُوفَهَا مُضَافٌ إلَيْهَا (وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ) لِأَنَّ سَيْرَهَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيقَافِهَا وَرَاكِبُ الدَّابَّةِ يَقْدِرُ. .

فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْدِلِ لِلْمَجْلِسِ مَا يَكُونُ قَطْعًا لِلْكَلَامِ الْأَوْلِ وَإِفَاضَتِهِ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ بَلْ الْكُلُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) أَيْ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ قَدْ يَسْتَنِدُ لِأَجْلِ التَّفَكُّرِ لِأَنَّ الِاسْتِنَادِ وَالِاتِّكَاءَ سَبَبٌ لِلرَّاحَةِ كَالْقُعُودِ فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ جِلْسَةٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الثَّابِتُ لِلْجَالِسِ (قَوْلُهُ وَإِنْ سَارَتْ بَطُلَ) قِيلَ لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا مَعَ سُكُوتِهِ، وَالدَّابَّةُ تَسِيرُ طَلُقَتْ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْجَوَابُ بِأَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَتَبَدَّلُ حُكْمًا، وَهَذَا لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِيَصِيرَ الْجَوَابُ مُتَّصِلًا بِالْخِطَابِ وَقَدْ وُجِدَ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ مَعَهَا عَلَى الدَّابَّةَ أَوْ الْمَحْمَلِ أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَتْ رَاكِبَةً فَنَزَلَتْ أَوْ تَحَوَّلَتْ إلَى دَابَّةٍ أُخْرَى أَوْ كَانَتْ نَازِلَةً فَرَكَبَتْ بَطُلَ خِيَارُهَا، وَفِي الْمَحْمَلِ يَقُودُهُ الْجَمَّالُ وَهُمَا فِيهِ لَا يَبْطُلُ ذِكْرُهُ فِي الْغَايَةِ لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَالسَّفِينَةِ (قَوْلُهُ وَالسَّفِينَةُ كَالْبَيْتِ لِأَنَّ سَيْرَهَا غَيْرَ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا) بَلْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّيحِ وَدَفْعِ الْمَاءِ فِيمَا لَهُ جِرْيَةٍ كَالنِّيلِ فَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِسَيْرِهَا بَلْ يَتَبَدَّلُ الْمَجْلِسُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ السَّفِينَةَ إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَسَارَتْ بَطُلَ خِيَارُهَا.

[فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ) (قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ
(4/96)

وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ عَلَيْهَا) وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، فَلِهَذَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَيَنْصَرِفُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ نِيَّةُ الْعَدَدِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ أَمَةً لِأَنَّهُ جِنْسٌ فِي حَقِّهَا.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي طَلَقْت) وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَبَنْتُك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت ذَلِكَ بَانَتْ فَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهِ وَصْفًا وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ عَلَيْهَا) سَوَاءٌ أَوْقَعَتْهَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَفَرِّقًا وَإِنَّمَا صَحَّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ (لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي نَفْسَك مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ) فَهُوَ مَذْكُورٌ لُغَةً لِأَنَّهُ جُزْءُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَصَحَّ نِيَّةُ الْعُمُومِ غَيْرَ أَنَّ الْعُمُومَ فِي حَقِّ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَفِي حَقِّ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي طَلُقَتْ) أَيْ رَجْعِيًّا، وَلَوْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ صِحَّةِ الْجَوَابِ بِأَبَنْتُ وَعَدَمِهِ بِاخْتَرْت أَنَّ الْمُفَوَّضَ الطَّلَاقُ، وَالْإِبَانَةُ مِنْ أَلْفَاظِهِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي إيقَاعِهِ كِنَايَةً فَقَدْ أَجَابَتْ بِمَا فَوَّضَ إلَيْهَا، بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، وَلِهَذَا لَوْ قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا تَلْحَقُهُ إجَازَةٌ، وَإِنَّمَا صَارَ كِنَايَةً بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيمَا إذَا جُعِلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، غَيْرَ أَنَّهَا زَادَتْ وَصْفَ تَعْجِيلِ الْبَيْنُونَةِ فِيهِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ. لَا يُقَالُ: قَدْ صَحَّ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَمْرُ بِالْيَدِ هُوَ التَّخْيِيرُ مَعْنًى فَيَثْبُتُ جَوَابًا لَهُ بِدَلَالَةِ نَصِّ إجْمَاعِهِمْ عَلَى التَّخْيِيرِ. وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْرُك بِيَدِك لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّك مُخَيَّرَةٌ فِي أَمْرِك الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ بَيْنَ إيقَاعِهِ وَعَدَمِهِ، فَحَيْثُ جُعِلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ كَانَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ بِمُرَادِفِهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ خُصُوصَ اللَّفْظِ مُلْغًى، بِخِلَافِ طَلِّقِي لِأَنَّهُ وَضْعًا طَلَبُ الطَّلَاقِ لَا التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِهِ، ثُمَّ إذَا أَجَابَتْ بِاخْتَرْت نَفْسِي خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِاشْتِغَالِهَا بِمَا لَا يَعْنِيهَا فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِجَوَابِهَا بِأَبَنْتُ نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا، لِأَنَّ الْإِبَانَةَ تُغَايِرُ الطَّلَاقَ
(4/97)

تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ، كَمَا إذَا قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَرْتُك أَوْ اخْتَارِي يَنْوِي الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، لَوْ قَالَتْ ابْتِدَاءً: اخْتَرْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت لَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ طَلَاقًا بِالْإِجْمَاعِ إذَا حَصَلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك لَيْسَ بِتَنْجِيزٍ فَيَلْغُو. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الْإِبَانَةُ تَغَايُرُ الطَّلَاقَ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ) لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا وَالْيَمِينُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِحُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا كَمَا يَخْرُجُ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَطَلَّقَتْ تَطْلِيقَةً أَوْ قَالَ: ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ أَلْفًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ. الْجَوَابُ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ فِيهِمَا فِي الْأَصْلِ، فِي الْأُولَى ظَاهِرٌ وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْإِيقَاعَ بِالْعَدَدِ عِنْدَ ذِكْرِهِ لَا بِالْوَصْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ خِلَافًا مُعْتَبَرًا، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ فِي الْوَصْفِ بَعْدَ مُوَافَقَتِهَا فِي الْأَصْلِ فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا إذْ الْوَصْفُ تَابِعٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا التُّمُرْتَاشِيُّ، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ صُورَةِ اللَّفْظِ لَيْسَ غَيْرَهُ، إذْ لَوْ أَوْقَعَتْ عَلَى الْمُرَافَقَةِ: أَعْنِي الثَّلَاثَ وَالنِّصْفَ كَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْوَاقِعَ بِالتَّطْلِيقَةِ وَالْأَلْفِ، وَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِمُجَرَّدِ الصَّرِيحِ لَيْسَ هُوَ الْوَاقِعَ بِالْبَائِنِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَ الْخِلَافُ لِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ بِلَا مُخَالَفَةٍ فِي الْمَعْنَى خِلَافًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْإِيقَاعِ، وَالْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى غَيْرُ خِلَافٍ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَلَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ) وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْهَا أَوْ قَوْلُ
(4/98)

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت.

(وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً) وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا وَالْأَوَّلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَجْنَبِيٍّ لَهَا طَلِّقِي فُلَانَةَ لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ فِيهِ لِغَيْرِهَا، وَكَذَا الْمَدْيُونُ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ بِقَوْلِ الدَّائِنِ لَهُ أَبْرِئْ ذِمَّتَك عَامِلٌ لِغَيْرِهِ بِالذَّاتِ وَلِنَفْسِهِ ضِمْنًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَالتَّوْكِيلُ اسْتِعَانَةٌ، فَلَوْ لَزِمَ فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ عَادَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ، وَقَدَّمْنَا عَدَمَ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ طَلِّقِي وَأَبْرِئْ ذِمَّتَك إذْ كُلُّ مَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي أَحَدِهِمَا يُمْكِنُ فِي الْآخَرِ، وَإِنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ أَيْضًا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالتَّمْلِيكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُولِ شَرْعًا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَرَتُّبِهِ عَلَى مَعْنَى التَّعْلِيقِ الْمُسْتَخْرَجِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مِثْلُهُ فِي الْوَكَالَاتِ وَالْوِلَايَاتِ، فَلَوْ صَحَّ لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ الرُّجُوعُ عَنْ تَوْكِيلٍ وَوِلَايَةٍ. وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) وَكَذَا إذَا شِئْت وَإِذَا مَا شِئْت لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعُمُومِ. وَيَرِدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي " إذْ " أَنَّهَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ " إنْ " فَلَا تَقْتَضِي بَقَاءَ الْأَمْرِ فِي يَدِهَا، وَفِيهِ جَوَابُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْمَلَ شَرْطًا وَأَنْ تَعْمَلَ ظَرْفًا وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ، وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَمْلِكُ مَا مَلَكَتْ، وَإِنَّمَا مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ وَقْتَ الْمَشِيئَةِ فَلَا تَمْلِكُهُ دُونَهَا، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذَا إضَافَةٌ لِلتَّمْلِيكِ لَا تَنْجِيزٌ.
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِلَا قَصْدٍ غَلَطًا لَا يَقَعُ إذَا ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ وَيَقَعُ إذَا لَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَا يُوجِبُ حَمْلَ مَا أُطْلِقَ مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ الْوُقُوعِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ غَلَطًا عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْقَضَاءِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ وَلَهُ) أَيْ لِلْقَائِلِ (أَنْ يَرْجِعَ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ وَالتَّوْكِيلُ اسْتِعَانَةٌ فَلَا يَلْزَمُ) وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يَقْتَصِرَ، وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَفْعَلَهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ: هَذَا وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ طَلِّقْ امْرَأَتِي بِلَا
(4/99)

سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ: بِعْهُ إنْ شِئْت. وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ذِكْرِ مَشِيئَةٍ (سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ) وَكِيلًا كَانَ أَوْ مَالِكًا (يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ) فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ: بِعْ عَبْدِي هَذَا إنْ شِئْت لَا يَقْتَصِرُ وَلَهُ الرُّجُوعُ.
أُجِيبَ بِأَنْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي بِمَعْنَى عَدَمِ الْجَبْرِ بَلْ فِي أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ لَهُ الْمَشِيئَةَ لَفْظًا صَارَ مُوجِبُ اللَّفْظِ التَّمْلِيكَ لَا التَّوْكِيلَ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُهُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً غَيْرَ مُعْتَبِرٍ ذَلِكَ امْتِثَالًا، فَإِذَا صَرَّحَ لَهُ الْمَالِكُ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهِ كَانَ ذَلِكَ تَمْلِيكًا فَيَسْتَلْزِمُ حُكْمَ التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ فَيَلْغُو وَصْفُ التَّمْلِيكِ وَيَبْقَى الْإِذْنُ وَالتَّصَرُّفُ بِمُقْتَضَى مُجَرَّدِ الْإِذْنِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ.
قِيلَ: فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ بِالْمَشِيئَةِ بَلْ الْمُعَلَّقُ فِيهِ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ وَهِيَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ وَهَذَا غَلَطٌ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ هُوَ قَوْلُهُ بِعْ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ نَفْسِ قَوْلِهِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ بَلْ وَقَدْ تَحَقَّقَ وَفَرَغَ مِنْهُ قَبْلَ مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ سِوَى فِعْلِ مُتَعَلَّقِ التَّوْكِيلِ أَوْ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ. وَإِلَى هُنَا تَمَّ مِنْ الْمُصَنِّفِ إنَاطَةُ وَصْفِ التَّمْلِيكِ مَرَّةً بِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَمَرَّةً بِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِهِ، وَمَرَّةً بِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ الرَّأْيُ وَالْمَشِيئَةُ وَاحِدًا، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالرَّأْيِ الْعَمَلُ بِمَا يَرَاهُ أَصْوَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مَفْهُومِهِ كَوْنُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَالْعَمَلُ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِهِ لِغَيْرِهِ وَبِمَشِيئَتِهِ أَيْ بِاخْتِيَارِهِ ابْتِدَاءً بِلَا اعْتِبَارِهِ عَلَى مُطَابَقَةِ أَمْرِ آمِرٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَصْوَبِيَّةِ فِي مُتَعَلِّقِهَا بَلْ هِيَ وَالْإِرَادَةُ يُخَصَّصَانِ الشَّيْءَ بِوَقْتِ وُجُودِهِ، وَالْأَوَّلُ نَقَضْنَاهُ بِالْوَكَالَةِ، وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ الْعَامِلَ بِرَأْيِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ عَلَى رَأْيِهِ مَا يُقَيِّدُهُ فِي فِعْلٍ وَلَا تَرْكٍ، وَالْوَكِيلُ وَإِنْ كَانَ بِوَكَالَةٍ عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَهُ مَا يَغْلِبُهُ فِي جَانِبِ التَّرْكِ وَهُوَ لُزُومُ خُلْفِ الْوَعْدِ الثَّابِتِ ضِمْنَ رِضَاهُ بِالتَّوْكِيلِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ فَرَضِيَ كَانَ وَاعِدًا بِفِعْلِ مَا اسْتَعَانَ بِهِ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَخْلَفَ الْوَعْدَ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا لَا تُعَدُّ مُخْلِفَةً بِتَرْكِ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَقْسِرْهَا عَلَيْهِ قَاسِرٌ شَرْعِيٌّ، فَظَهَرَ أَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ عَامِلًا بِرَأْيِ نَفْسِهِ
(4/100)

وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا مَلَكَتْهُ وَزِيَادَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَكَانَتْ مُبْتَدِئَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُرَكَّبٍ مُجْتَمِعٍ وَالْوَاحِدَةُ فَرْدٌ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُغَايِرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، بِخِلَافِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُطْلَقًا، وَالثَّانِي بِأَمْرِ الْمَدْيُونِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَقَدَّمْنَا مَا فِي جَوَابِهِ مِنْ النَّظَرِ، وَلَوْ تَمَّ انْتَقَضَ بِالتَّفْوِيضِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ قَطْعًا لَيْسَ بِتَطْلِيقِ زَوْجَةِ غَيْرِهِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالثَّالِثُ أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِمَا.

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا لَمَّا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ كَانَ لَهَا أَنْ تُوقِعَ مِنْهَا مَا شَاءَتْ) كَالزَّوْجِ نَفْسِهِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا مَلَكَتْهُ وَزِيَادَةً فَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا) وَكَقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَبَنْت نَفْسِي فِي جَوَابِ طَلِّقِي نَفْسَك وَطَلَّقْت نَفْسِي وَضَرَّتِي، وَقَوْلُ الْعَبْدِ فِي جَوَابِ اعْتِقْ نَفْسَك أَعْتَقْت نَفْسِي وَفُلَانًا حَيْثُ يَقَعُ ثَلَاثٌ فِي الْأُولَى وَرَجْعِيٌّ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَتَطْلُقُ هِيَ وَيَعْتِقُ هُوَ دُونَ مَنْ قَرَنَاهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا مُبْتَدِئَةً) فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَمَّا بَعْدَ الْأُولَى مِنْ الصُّوَرِ لِامْتِثَالِهَا بَدْءًا، ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ بِمَا بَعْدَهُ فَلَا تُعْتَبَرُ.
وَوَجْهُهَا فِي أَبَنْت نَفْسِي أَنَّ مَعْنَاهُ طَلَّقْت نَفْسِي بَائِنًا وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الزَّوْجِ جَوَابٌ عَنْ الْأَوَّلِ: أَيْ أَنَّ الزَّوْجَ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ مِلْكِهِ الثَّلَاثَ، وَكَمَا إذَا صَرَّحَ بِمَا الثَّلَاثُ فِي ضِمْنِهِ فَيَثْبُتُ الْقَدْرُ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَيَلْغُو مَا سِوَاهُ، وَكَذَا هِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا
(4/101)

الزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَكَذَا هِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مَلَكَتْ الثَّلَاثَ، أَمَّا هَاهُنَا لَمْ تَمْلِكْ الثَّلَاثَ وَمَا أَتَتْ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهَا فَلَغَتْ.

(وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَطَلَّقَتْ بَائِنَةً، أَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ فَطَلَّقَتْ رَجْعِيَّةً وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوْجُ) فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوْجُ: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَتَقُولُ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقَعُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَتَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ قَوْلَهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لَغْوٌ مِنْهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى إيقَاعِ الْأَصْلِ دُونَ تَعْيِينِ الْوَصْفِ فَصَارَ كَأَنَّهَا اقْتَصَرَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَلَّكْتُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا (أَمَّا هُنَا فَلَمْ تَمْلِكْ الثَّلَاثَ) لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَّكَهَا الْوَاحِدَةَ وَلَمْ تَأْتِ بِمَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَلَمْ تَصِرْ بِاعْتِبَارِهَا مَالِكَةً وَلَا بِاعْتِبَارِهَا مُتَصَرِّفَةً عَنْ الْآمِرِ لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ، وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ أَنَّهَا مَلَكَتْ الْوَاحِدَةَ وَهِيَ شَيْءٌ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ، بِخِلَافِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهَا بِقَيْدِ ضِدِّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ الثَّلَاثُ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُرَكَّبٍ مُجْتَمَعُ الْوُحْدَانِ وَالْوَاحِدُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ، بِخِلَافِ الزَّوْجِ وَبِخِلَافِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مَلَكَتْ الثَّلَاثَ.
أَمَّا هُنَا فَلَمْ تَمْلِكْ الثَّلَاثَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا التَّقْرِيرُ لَا يَسْتَعْقِبُ إيرَادًا. وَوَقَعَ فِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ: يَعْنِي فَلَمْ تَكُنْ بِإِيقَاعِهَا مُوَافَقَةً لِمَا مَلَّكَهَا. فَاعْتَرَضَ بِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الْعَشَرَةِ لَيْسَ عَنْهَا وَلَا غَيْرِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الطَّلَاقِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِلْمُتَكَلِّمِينَ كَمَا أَنَّ اصْطِلَاحَ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ مَا لَيْسَ عَيْنًا فَهُوَ غَيْرٌ، وَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ وَضْعِ الِاصْطِلَاحِ أَصْلًا بَلْ عَدَمُ وَضْعِ لَفْظَةِ غَيْرٍ لُغَةً لَمْ يَتَوَقَّفْ إثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ، إذْ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يُقَالَ فَوَّضَ إلَيْهَا الثَّلَاثَ وَالْوَاحِدَةُ لَيْسَتْ إيَّاهَا فَلَا تَكُونُ مُفَوَّضَةً إلَيْهَا فَإِيرَادُ مِثْلِهِ إلْزَامٌ بِمُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ، وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ بَعْدَ الْتِزَامِهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَبَّرَ عَمَّا لَيْسَ إيَّاهُ بِلَفْظِ غَيْرٍ مَجَازًا.

(قَوْلُهُ وَلَوْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فَطَلَّقَتْ بَائِنًا أَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ فَطَلَّقْت رَجْعِيًّا وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِيهَا فَتَقُولُ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً تَقَعُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً تَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ قَوْلَهَا رَجْعِيَّةً لَغْوٌ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فِي الصُّورَتَيْنِ فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَصْلِ الْإِيقَاعِ) لَا إلَى ذِكْرِ وَصْفِهِ، فَذِكْرُهَا إيَّاهُ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِإِيقَاعِهَا لَيْسَ إلَّا بِنَاءً عَلَى التَّفْوِيضِ، فَذِكْرُهَا كَسُكُوتِهَا عَنْهُ، وَعِنْدَ سُكُوتِهَا يَقَعُ عَلَى الْوَصْفِ
(4/102)

عَلَى الْأَصْلِ فَيَقَعُ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الزَّوْجُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا (وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت الثَّلَاثَ وَهِيَ بِإِيقَاعِ الْوَاحِدَةِ مَا شَاءَتْ الثَّلَاثَ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ بِمَشِيئَةٍ لِلْوَاحِدَةِ كَإِيقَاعِهَا (وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ مَشِيئَةٌ لِلْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إيقَاعَهَا إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ الزَّوْجُ: شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ شِئْت وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ لِيَصِيرَ الزَّوْجُ شَائِيًا طَلَاقَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُفَوَّضِ.
وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ إنْ كَانَتْ فِي الْوَصْفِ لَا يَبْطُلُ الْجَوَابُ، بَلْ يَبْطُلُ الْوَصْفُ الَّذِي بِهِ الْمُخَالَفَةُ وَيَقَعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَوَّضَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ يَبْطُلُ، كَمَا إذَا فَوَّضَ وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ فَوَّضَ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُ أَبَنْت عَلَى مُخَالَفَةِ الْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا تَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا، فَلَوْ أَنَّهُ زَادَ قَوْلَهُ إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت الثَّلَاثَ فَكَانَ تَفْوِيضُ الثَّلَاثِ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ هُوَ مَشِيئَتُهَا إيَّاهَا وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لِأَنَّهَا لَمْ تَشَأْ إلَّا وَاحِدَةً، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمَا، فَلَوْ زَادَ قَوْلَهُ إنْ شِئْت فَالْخِلَافُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ مَشِيئَةَ الْوَاحِدَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَهُمَا يَقُولَانِ: مَشِيئَةُ الثَّلَاثِ مَشِيئَةُ الْوَاحِدَةِ كَمَا أَنَّ إيقَاعَهَا إيقَاعُ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ: شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ) مِنْهَا (وَهِيَ قَدْ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَمَا وُجِدَ الشَّرْطُ ثُمَّ هُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ شِئْت وَإِنْ نَوَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الرَّجُلِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ وَلَا فِي كَلَامِهَا) لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ شِئْت طَلَاقِي إنْ شِئْتَ لِيَكُونَ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ شِئْتُ شَائِيًا طَلَاقَهَا لَفْظًا بَلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ الصَّالِحِ لِلْإِيقَاعِ وَلَا فِي الْمَذْكُورِ
(4/103)

حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْت طَلَاقَك يَقَعُ إذَا نَوَى لِأَنَّهُ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَرَدْت طَلَاقَك لِأَنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الَّذِي لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلْإِيقَاعِ بِهِ نَحْوُ اسْقِنِي.
(حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْت طَلَاقَك يَنْوِيهِ وَقَعَ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) لِأَنَّهَا مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ (بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَرَدْت طَلَاقَك لِأَنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) بَلْ هِيَ طَلَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُودِ عَنْ مَيْلٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ فِي صِفَةِ الْعِبَادِ مُخْتَلِفَانِ، وَفِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَرَادِفَانِ كَمَا هُوَ اللُّغَةُ فِيهِمَا مُطْلَقًا فَلَا يَدْخُلُهُمَا وُجُودٌ: أَيْ لَا يَكُونُ الْوُجُودُ جُزْءَ مَفْهُومِ أَحَدِهِمَا غَيْرَ أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَكَذَا مَا أَرَادَهُ، لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْمُرَادِ إنَّمَا يَكُونُ لِعَجْزِ الْمُرِيدِ لَا لِذَاتِ الْإِرَادَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ الْمُؤَثِّرَةَ لِلْوُجُودِ لِأَنَّ ذَلِكَ خَاصِّيَّةُ الْقُدْرَةِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا الْمُخَصِّصَةُ لِلْمَقْدُورِ الْمَعْلُومِ وُجُودُهُ بِالْوَقْتِ وَالْكَيْفِيَّةِ، ثُمَّ الْقُدْرَةُ تُؤَثِّرُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ عَنْ مُرَادِهِ تَعَالَى لِمَا قُلْنَا فِي الْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ الْعِبَادِ، وَعَنْ هَذَا لَوْ قَالَ أَرَادَ اللَّهُ طَلَاقَك يَنْوِيهِ يَقَعُ كَمَا لَوْ قَالَ شَاءَ اللَّهُ، بِخِلَافِ أَحَبَّ اللَّهُ طَلَاقَك أَوْ رَضِيَهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَلْزِمَانِ مِنْهُ تَعَالَى الْوُجُودَ.
وَلَوْ قِيلَ: التَّخْصِيصُ بِالْوَقْتِ الْإِرَادَةُ يَكُونُ عَنْ طَلَبِهِ وَيَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ صِفَةِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ. نَعَمْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَبَيْنِ أَنَّهُ فِي الْكَلَامِ طَلَبٌ تَكْلِيفِيٌّ وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ كَوْنُ الطَّلَبِ الْكَلَامِيِّ تَكْلِيفًا دَائِمًا كَمَا فِي الطَّلَبِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِكُنْ.
وَلَوْ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ خَارِجٌ عَنْهَا لَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَإِذْ قَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ لَا يَكُونُ فَرْقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ رِوَايَةً عَنْهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. بَقِيَ الشَّأْنُ فِي كَوْنِ الْمَشِيئَةِ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ لِلِاشْتِقَاقِ مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الشَّيْءَ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْأَعْيَانِ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ فِي مَفْهُومِهِ الْوُجُودَ اصْطِلَاحٌ طَارِئٌ عَلَى اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ لُغَةً يُقَالُ لِلْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ، وَكَوْنُ الْإِرَادَةِ نُسِبَتْ إلَى مَا لَا يَعْقِلُ بِخِلَافِ الْمَشِيئَةِ، كَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا
(4/104)

(وَكَذَا إذَا قَالَتْ شِئْتُ إنْ شَاءَ أَبِي أَوْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْأَمْرُ (وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى طَلُقَتْ) لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت أَوْ إذَا مَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت أَوْ مَتَى مَا شِئْت فَرَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) أَمَّا كَلِمَةُ مَتَى وَمَتَى مَا فَلِأَنَّهُمَا لِلْوَقْتِ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، كَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَوْ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا عَقْلِيًّا أَوْ مَجَازًا لُغَوِيًّا فِي لَفْظِ الْإِرَادَةِ، عَلَى أَنَّهُ سُمِعَ نِسْبَةُ الْمَشِيئَةِ أَيْضًا إلَى ذَلِكَ.
أَنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي إصْلَاحِ الْمَنْطِقِ:
يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ عَقْرَا ... إذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِمَا يَشَا
مِنْ الشَّعِيرِ وَالْحَشِيشِ وَالْمَا
وَهُوَ مِنْ شَوَاهِدِ قَصْرِ الْمَمْدُودِ، فَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعُرْفُ فِيهِ: يَعْنِي بِكَوْنِ الْعُرْفِ الْعَامِّ أَنَّهُ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ وَالْمَشِيئَةُ مِنْهُ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَهُوَ الشَّيْءُ الْكَائِنُ مَصْدَرًا لِشَاءَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: شَاءَ شَيْئًا عَلَى إرَادَةِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ.
وَلِمَا كَانَ الْوُجُودُ عَلَى هَذَا مُحْتَمِلَ اللَّفْظِ لَا مُوجِبَهُ احْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ فَلَزِمَ الْوُجُودُ فِيهَا، فَإِذَا قَالَ: شِئْت كَذَا فِي التَّخَاطُبِ الْعُرْفِيِّ فَمَعْنَاهُ أَوْجَدْتُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بِخِلَافِ أَرَدْت كَذَا مُجَرَّدًا يُفِيدُ عُرْفًا عَدَمَ الْوُجُودِ، وَأَحْبَبْت طَلَاقَك وَرَضِيتُهُ مِثْلُ أَرَدْتُهُ، وَلَوْ قَالَ: شَائِي طَلَاقَك نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ فَقَالَتْ: شِئْت وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ أَرِيدِيهِ أَوْ اهْوَيْهِ أَوْ أَحِبِّيهِ أَوْ ارْضَيْهِ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُهُ أَحْبَبْتُهُ هَوَيْتُهُ رَضِيتُهُ لَا يَقَعُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَرَدْت أَوْ أَحْبَبْت إلَى آخِرِهَا فَقَالَتْ: أَرَدْت أَوْ أَحْبَبْت إلَى آخِرِهَا فَإِنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي يَتَعَلَّقُ بِإِخْبَارِهَا فَإِذَا قَالَتْ: أَحْبَبْت وَقَعَ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى) كَشِئْت إنْ كَانَ فُلَانٌ قَدْ جَاءَ وَقَدْ جَاءَ، أَوْ لِأَمْرٍ كَائِنٍ كَشِئْت إنْ كَانَ أَبِي فِي الدَّارِ وَهُوَ فِيهَا طَلُقَتْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ.
قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ أَنْ يَكْفُرَ وَهُوَ مُنْتَفٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ فَاللَّازِمُ حَقٌّ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ عَدَمُ كُفْرِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ جُعِلَتْ كِنَايَةً عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا جَعَلَ تَعْلِيقَ كُفْرِهِ بِأَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَكَذَا إذَا جَعَلَهُ بِمَاضٍ تَحَامِيًا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ. وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْكُفْرَ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَتَبَدُّلُهُ غَيْرُ وَاقِعٍ مَعَ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ هُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ يَجِبُ أَنْ يَكْفُرَ فَلْيَكْفُرْ هُنَا بِلَفْظِ هُوَ كَافِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ. قُلْنَا: النَّازِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ حُكْمُ اللَّفْظِ لَا عَيْنُهُ فَلَيْسَ هُوَ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُتَكَلِّمًا بِقَوْلِهِ هُوَ كَافِرٌ حَقِيقَةً.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْتِ أَوْ إذَا مَا شِئْتِ أَوْ مَتَى شِئْتِ أَوْ مَتَى مَا شِئْت فَرَدَّتْ) بِأَنْ قَالَتْ: لَا أَشَاءُ لَا يَكُونُ رَدًّا وَلَهَا أَنْ تَشَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، أَمَّا كَلِمَةُ مَتَى فَإِنَّهَا لِعُمُومِ الْأَوْقَاتِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت، وَإِنَّمَا
(4/105)

قَبْلَ الْمَشِيئَةِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، وَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ دُونَ الْأَفْعَالِ فَتَمْلِكُ التَّطْلِيقَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلَا تَمْلِكُ تَطْلِيقًا بَعْدَ تَطْلِيقٍ، وَأُمًّا كَلِمَةُ إذَا وَإِذَا مَا فَهُمَا وَمَتَى سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ لَكِنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ حَتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تُوجِبُ تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ (حَتَّى لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَمْ يَرْتَدَّ بِرَدِّهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا فِي الْحَالِ شَيْئًا بَلْ أَضَافَهُ إلَى وَقْتِ مَشِيئَتِهَا فَلَا يَكُونُ تَمْلِيكًا قَبْلَهُ فَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَيْسَ هَذَا تَمْلِيكًا فِي حَالٍ أَصْلًا لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِطَلَاقِهَا مُعَلَّقًا بِشَرْطِ مَشِيئَتِهَا، فَإِذَا وُجِدَتْ مَشِيئَتُهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَ فِي لَفْظِ طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْت لِأَنَّهَا تَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَكِنْ الْوَاقِعُ طَلَاقُهُ الْمُعَلَّقُ وَقَوْلُهَا طَلَّقْت إيجَادٌ لِلشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مَشِيئَةُ الطَّلَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَشِيئَةَ تُقَارِنُ الْإِيجَادَ، ثُمَّ لَا تَمْلِكُ طَلَاقَ نَفْسِهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ لَا الْأَفْعَالَ بِخِلَافِ كُلَّمَا (قَوْلُهُ وَأَمَّا كَلِمَةُ إذَا وَإِذَا مَا فَهِيَ كَمَتَى عِنْدَهُمَا) فَمَا كَانَ حُكْمًا لِمَتَى يَكُونُ حُكْمًا لِإِذَا (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ كَانَتْ إذَا تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ) الْمُجَرَّدِ عَنْ مَعْنَى الزَّمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (لَكِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ) أَيْضًا مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَمَقْرُونًا بِهِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَحَقَّقَ فِيهِ ثُبُوتُ حُكْمٍ لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِالشَّكِّ، فَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَدَمُ الطَّلَاقِ فَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِهَا الزَّمَانُ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فَلَا تَطْلُقُ إلَّا بِالْمَوْتِ، وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت صَارَ الْأَمْرُ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِانْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِهَا الشَّرْطُ الْمُجَرَّدُ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا.
نَعَمْ لَوْ صَرَّحَ فَقَالَ: أَرَدْت مُجَرَّدَ الشَّرْطِ لَنَا أَنْ نَقُولَ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَيَحْلِفُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَرَادَهُ وَقَوْلُهُ وَقَدْ مَرَّ: يَعْنِي فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ. هَذَا وَالْوَجْهُ فِي تَقْرِيرِهِ غَيْرُ هَذَا وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ إذَا شِئْت يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَعْلِيقُ طَلَاقِهِمَا بِشَرْطٍ هُوَ مَشِيئَتُهَا وَأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى زَمَانِهِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ حَتَّى إذَا تَحَقَّقَتْ مَشِيئَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَتْ: شِئْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي وَقَعَ مُعَلَّقًا كَانَ أَوْ مُضَافًا لَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ دَخَلَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ثَبَتَ مِلْكُهَا بِالتَّمْلِيكِ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ فِي الْمُرَادِ بِإِذَا أَنَّهُ مَحْضُ الشَّرْطِ فَيَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ أَوْ الزَّمَانِ فَلَا يَخْرُجُ كَمَتَى، وَقَدْ صَرَّحَ آنِفًا فِي مَتَى بِعَدَمِ ثُبُوتِ التَّمْلِيكِ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَّكَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا قَبْلَهُ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ.
وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فَاَلَّذِي دَخَلَ فِي مِلْكِهَا تَحْقِيقُ الشَّرْطِ أَوْ الْمُضَافِ إلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ مَشِيئَتُهَا الطَّلَاقَ لِيَقَعَ طَلَاقُهُ.

وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ فِي قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ) مَعْنَاهُ تُطَلِّقُ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ تَجُوزُ بِالتَّطْلِيقِ عَنْهُ بِأَنْ تَقُولَ: شِئْت طَلَاقِي أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي فَيَقَعُ طَلَاقُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ كَلَامُهُمْ فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك كُلَّمَا شِئْت (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّ مُوجِبَ كُلَّمَا تَكْرَارُ الْأَفْعَالِ أَبَدًا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَعَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ أَنْ تَمْلِكَ طَلَاقَهَا أَيْضًا وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. أَجَابَ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ
(4/106)

لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُسْتَحْدَثٌ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جُمْلَةً وَجَمْعًا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، وَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا) لِأَنَّ كَلِمَةَ حَيْثُ وَأَيْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَمَعْنَاهُ قَبْلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَكِنْ التَّفْوِيضُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ لَا إلَى عَدَمِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمِلْكِ الْمَعْدُومِ، فَلَوْ انْصَرَفَ إلَيْهِ انْصَرَفَ إلَى عَدَمِ الْمِلْكِ، فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ لَزِمَ أَنَّ بِاسْتِغْرَاقِهِ تَكْرَارًا يَنْتَهِي بِهِ التَّفْوِيضُ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ هُوَ الثَّلَاثُ، فَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَعَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ مَلَكَتْ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ أَيْضًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ إنَّمَا تَمْلِكُ ثِنْتَيْنِ لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْمِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهَا لِعُمُومِ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جَمْعًا، وَعَلَى هَذَا لَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا ثِنْتَيْنِ، فَلَوْ طَلَّقَتْ ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ عِنْدَهُمَا وَاحِدَةً.
وَعِنْدَهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ إيقَاعُ الْوَاحِدَةِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْتِ أَوْ أَيْنَ شِئْتِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ وَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَلَوْ قَامَتْ مِنْهُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا لِأَنَّ كَلِمَةَ حَيْثُ وَأَيْنَ لِلْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا لَغَا الْمَكَانُ صَارَ أَنْتِ طَالِقٌ شِئْت، وَبِهِ يَقَعُ لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُجْعَلُ الظَّرْفُ مَجَازًا عَنْ الشَّرْطِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفِيدُ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ إلْغَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْقِيَامِ وَفِي أَدَوَاتِهِ مَا لَا يَبْطُلُ بِهِ كَمَتَى، وَإِذَا أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى إنْ أَوْلَى لِأَنَّهَا أُمُّ الْبَابِ وَصَرْفٌ لِشَرْطٍ وَفِيهِ يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ. وَاعْتَرَضَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَنَارِ بِأَنَّهُ لَمَّا جُعِلَ مَجَازًا عَنْ الشَّرْطِ فَالشَّرْطُ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى انْتَهَى.
فَإِنْ أَرَادَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ الزَّمَانَ كَمَتَى حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْ يَدِهَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ مَعْنًى لِحَيْثُ وَأَيْنَ بَلْ مَعْنَاهُمَا الْمَكَانُ، وَإِنْ أَرَادَ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ مَعْنَاهُمَا أَصْلًا، بَلْ اسْمُ الظَّرْفِ اصْطِلَاحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَشْبِيهٍ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِالْأَوْعِيَةِ لِلْأَمْتِعَةِ وَهِيَ الظُّرُوفُ لُغَةً (قَوْلُهُ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عُمُومًا) كَمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت (وَخُصُوصًا) فِي أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت طَلُقَتْ) إنْ كَانَتْ غَيْرَ
(4/107)

الْمَشِيئَةِ، فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ الزَّوْجُ ذَلِكَ نَوَيْت فَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ مَشِيئَتِهَا وَإِرَادَتِهِ، أَمَّا إذَا أَرَادَتْ ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ عَلَى الْقَلْبِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَغَا تَصَرُّفَهَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ تُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَدْخُولٍ بِهَا طَلْقَةً بَائِنَةً، وَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا لِفَوَاتِ مَحَلِّيَّتِهَا بِعَدَمِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا طَلُقَتْ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ذَلِكَ شَاءَتْ أَوْ لَا، ثُمَّ إنْ قَالَتْ: شِئْت بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَدْ نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ تَصِيرُ كَذَلِكَ لِلْمُطَابَقَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بِأَنْ شَاءَتْ بَائِنَةً وَالزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَغَتْ مَشِيئَتُهَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ بِالصَّرِيحِ وَنِيَّتُهُ لَا تَعْمَلُ فِي جَعْلِهِ بَائِنًا وَلَا ثَلَاثًا، وَلَوْ لَمْ تَحْضُرْ الزَّوْجَ نِيَّةٌ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْأَصْلِ وَيَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ مَشِيئَتُهَا، حَتَّى لَوْ شَاءَتْ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنَةً وَلَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ يَقَعُ مَا أَوْقَعَتْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ.
أَمَّا عَلَى أَصْلِهِ فَلِأَنَّهُ أَقَامَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي إثْبَاتِ الْوَصْفِ لِأَنَّ كَيْفَ لِلْحَالِ، وَالزَّوْجُ لَوْ أَوْقَعَ رَجْعِيًّا يَمْلِكُ جَعْلَهُ بَائِنًا وَثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَكَذَا الْمَرْأَةُ عِنْدَ هَذَا التَّفْوِيضِ تَمْلِكُ جَعْلَ مَا وَقَعَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ تَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَائِنِ وَالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ تَفْوِيضُ أَصْلِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ وَصْفٍ شَاءَتْ، كَذَا فِي الْكَافِي وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ الرَّجْعِيَّةِ قَبْلَ مَشِيئَتِهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ
(4/108)

وَقَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ مَا لَمْ تُوقِعْ الْمَرْأَةُ فَتَشَاءُ رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَتَاقُ لَهُمَا أَنَّهُ فَوَّضَ التَّطْلِيقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَكُونَ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ: أَعْنِي قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت) يَقَعُ لِلْحَالِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَشِيئَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الطَّلَاقِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهَا عِنْدَهُ بَلْ بِصِفَتِهِ وَعِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقَانِ مَعًا بِمَشِيئَتِهَا. وَمَا قِيلَ: إنَّ الْعِتْقَ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ لِيَتَعَلَّقَ فَيَقَعُ أَلْبَتَّةَ يُوهِمُ عَدَمَ الْخِلَافِ أَوْ تَرْجِيحَ الْعِتْقِ بِذَلِكَ لَكِنَّ الثَّابِتَ مَا سَمِعْت مِنْ الْخِلَافِ وَعَدَمُ كَيْفِيَّةٍ زَائِدَةٍ عَلَى أَصْلِ الْعِتْقِ مَمْنُوعٌ بَلْ لَهُ كَيْفِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ مُعَلَّقًا وَمُنَجَّزًا عَلَى مَالٍ وَبِدُونِهِ عَلَى وَجْهِ التَّدْبِيرِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقًا عَمَّا يَأْتِي مِنْ الزَّمَانِ وَمُقَيَّدًا بِهِ (قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ أَصْلُهُ بِمَشِيئَتِهَا حَتَّى وَقَعَ دُونَهَا وَقَعَ مَوْصُوفًا أَلْبَتَّةَ ضَرُورَةَ عَدَمِ انْفِكَاكِ الذَّاتِ عَنْ الْوَصْفِ فَقَدْ ثَبَتَ وَصْفٌ لَا بِمَشِيئَتِهَا، وَقَدْ كَانَ كُلُّ وَصْفٍ بِمَشِيئَتِهَا هَذَا خُلْفًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: حَقِيقَةُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ تَنْجِيزٌ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ جَاعِلًا صِفَتَهُ عَلَى مَشِيئَتِهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ إثْبَاتِ أَصْلِهِ وَصْفُ الرَّجْعَةِ فَكَانَ فِي نَفْسِ كَلَامِهِ هَذَا مُخَصِّصًا بَعْضَ الْأَوْصَافِ مِنْ عُمُومِهَا. بَقِيَ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى؟ تَخْصِيصُ الْعَامِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ الَّتِي هِيَ تَنْجِيزُ أَصْلِ الطَّلَاقِ أَوْ اعْتِبَارُ أَصْلِهِ مُعَلَّقًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى حَقِيقَةِ الْعُمُومِ؟ وَالنَّظَرُ فِي تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ أَغْلِبُ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُنَجَّزِ مُعَلَّقًا لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ.
وَأَمَّا مَا رَجَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّ بِتَقْدِيرِ قَوْلِهِمَا يَبْطُلُ الِاسْتِيصَافُ وَالْكَلَامُ يُحْمَلُ عَلَى التَّخْصِيصِ دُونَ التَّعْطِيلِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ كَيْفَ فِي التَّرْكِيبِ لِلِاسْتِيصَافِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ أَصْلًا، بَلْ تَرْكِيبُ كَيْفَ شِئْت مَجَازٌ عَنْ كُلِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] أَيْ يَنْظُرُونَ إلَى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهَا. فَإِنْ قُلْت: فَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ كَيْفَ شَرْطًا وَهُوَ أَحَدُ اسْتِعْمَالَيْهَا فَيَتَرَجَّحُ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ تَعْلِيقَ أَصْلِ الطَّلَاقِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ.
فَالْجَوَابُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ شَرْطَ شَرْطِيَّتِهَا اتِّفَاقُ فِعْلَيْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَفْظًا وَمَعْنَى نَحْوُ كَيْفَ تَصْنَعْ أَصْنَعْ. وَمَا قِيلَ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِمَا أَنَّ غَيْرَ الْمَحْسُوسِ حَالُهُ وَأَصْلُهُ سَوَاءٌ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا بِالْآخَرِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُومُ بِالْجِسْمِ فَلَزِمَ مِنْهُ كَوْنُ الطَّلَاقِ لَيْسَ مَوْجُودًا بِدُونِ الْكَيْفِيَّةِ بَلْ كُلٌّ مِنْ الطَّلَاقِ وَكَيْفِيَّتِهِ سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ،
(4/109)

لِلِاسْتِيصَافِ، يُقَالُ كَيْفَ أَصْبَحْت وَالتَّفْوِيضُ فِي وَصْفِهِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ أَصْلِهِ وَوُجُودَ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِذَا تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بِمَشِيئَتِهَا تَعَلَّقَ الْآخَرُ، فَحَاصِلُهُ ذِكْرٌ مَبْنًى آخَرَ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ضَرُورِيَّةِ تَعَلُّقِ الْأَصْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ الْمَبْنَى لَيْسَ إلَّا التَّلَازُمُ فَمَا يَثْبُتُ لِأَحَدِهِمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ، وَلَا دَخْلَ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ فِي ذَلِكَ فَالتَّقْرِيرُ مَا قَرَّرْنَاهُ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَيَتَعَلَّقُ أَصْلُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا بِالِاتِّفَاقِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ كَيْفَ شِئْت عَلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَمْ اسْمٌ لِلْعَدَدِ فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي نَفْسِ الْعَدَدِ وَالْوَاقِعُ لَيْسَ إلَّا الْعَدَدَ إذْ ذُكِرَ فَصَارَ التَّفْوِيضُ فِي نَفْسِ الْوَاقِعِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لَمْ تَشَأْ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا كَمَا لَا يُبَاحُ لِلزَّوْجِ لَكِنْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ. وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ.
قَالَ: لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِهِمَا أَوْ ثِنْتَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ فَرَّقَتْ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْقَعَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي أَصْلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ إنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَا لَمْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حَمْلِهِ عَلَى مَشِيئَةِ الْقُدْرَةِ لَا مَشِيئَةِ الْإِبَاحَةِ، ثُمَّ الْوَاحِدُ عَدَدٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لِمَا تَكَرَّرَ مِنْ إطْلَاقِ الْعَدَدِ وَإِرَادَتِهِ وَمَا شِئْت تَعْمِيمُ الْعَدَدِ فَتَقْرِيرُهُ تَقْرِيرُهُ. وَأَوْرَدَ أَنَّ كَلِمَةَ مَا كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْعَدَدِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ نَحْوُ مَا دَامَ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي تَفْوِيضِ الْعَدَدِ فَلَا يَثْبُتُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْمِثْلِ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ أَعْمَلْنَاهَا بِمَعْنَى لِوَقْتٍ لَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَلَوْ أَعْمَلْنَاهَا بِمَعْنَى الْعَدَدِ يَبْطُلُ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ بِالشَّكِّ فَتَعَارَضَا، وَتَرَجَّحَ اعْتِبَارُهَا لِلْعَدَدِ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً بِمَعْنَى الْعَدَدِ وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَبَادَرُ حَالَةَ وَصْلِهَا بِدَامَ
(4/110)

(فَإِنْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ، وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ كَانَ رَدًّا) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ خِطَابٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْحَالِ.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَلَا تُطَلِّقَ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: تُطَلِّقُ ثَلَاثًا إنْ شَاءَتْ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّعْمِيمِ وَكَلِمَةَ مَنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِتَمْيِيزٍ فَحُمِلَ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ، كَمَا إذَا قَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت أَوْ طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ حَقِيقَةٌ لِلتَّبْعِيضِ وَمَا لِلتَّعْمِيمِ فَعُمِلَ بِهِمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ (إنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ) بِأَنْ قَالَتْ: لَا أُطَلِّقُ (كَانَ رَدًّا) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِهِ بِكُلَّمَا.
وَقَوْلُهُ (خِطَابٌ فِي الْحَالِ) احْتِرَازٌ عَنْ إذَا وَمَتَى: يَعْنِي هَذَا تَمْلِيكٌ مُنَجَّزٌ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَاقْتَضَى جَوَابًا فِي الْحَالِ

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ) بِالِاتِّفَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّلَاثِ فَلَا تَطْلُقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَتَطْلُقُ عِنْدَهُمَا إنْ شَاءَتْ (لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا مُحْكَمَةٌ فِي الْعُمُومِ وَكَلِمَةُ مِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ) أَيْ لِلْبَيَانِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] وَغَيْرُهُ صِلَةٌ {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] وَتَبْعِيضًا نَحْوُ أَكَلْت مِنْ الرَّغِيفِ (فَيُحْمَلُ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ) مُحَافَظَةً عَلَى عُمُومِ مَا: أَيْ بَيَانُ الْجِنْسِ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ حُمِلَتْ عَلَى التَّبْعِيضِ: يَعْنِي فَيَكُونُ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّلَاثُ مِنْ الطَّلَاقِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْدَادِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الطَّلَاقِ عَدَدٌ إلَّا الثَّلَاثُ فَذَاكَ شَرْعًا، أَمَّا فِي الْإِمْكَانِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَطْلُقَ عِشْرِينَ وَمِائَةً وَغَيْرَهُمَا وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ الْمَنْعَ، فَالْمَعْنَى طَلِّقِي نَفْسَك الْعَدَدَ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْدَادِ.
وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَكُونُ التَّفْوِيضُ فِي الثَّلَاثِ خَاصَّةً فَصِحَّةُ تَطْلِيقِهَا وَاحِدَةً بِاعْتِبَارِ مِلْكِهَا مَا دَخَلَتْ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا (كَمَا لَوْ قَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت) لَهُ أَكْلُ الْكُلِّ (وَطَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ) فَشِئْنَ كُلُّهُنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى التَّبْعِيضِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَبْطُلُ عُمُومُ مَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ) إذَا دَخَلَ عَلَى ذِي أَبْعَاضٍ وَالطَّلَاقُ مِنْهُ (وَمَا لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا) بِمِنْ فِي مَعْنَاهَا فِي مِثْلِهِ وَبِمَا فِي عُمُومٍ مَخْصُوصٍ ضَرُورَةُ إعْمَالِ مِنْ فِي مَعْنَاهَا فِي مِثْلِهِ، بِخِلَافِ حَمْلِ مِنْ عَلَى الْبَيَانِ فَإِنَّ ضَابِطَهُ صِحَّةُ وَضْعِ الَّذِي مَكَانَهَا وَوَصْلُهُ بِمَدْخُولِهَا مَعَ ضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ، مِثَالُهُ {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] : أَيْ الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ، وَلَا يَحْسُنُ هُنَا طَلِّقِي نَفْسَك
(4/111)

وَفِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ تَرْكُ التَّبْعِيضِ بِدَلَالَةِ إظْهَارِ السَّمَاحَةِ أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ، حَتَّى لَوْ قَالَ: مَنْ شِئْت كَانَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا شِئْت الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ، فَإِنَّ مَا مَوْصُولُ مَعْرِفَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَوْصُوفِهَا مَعْرِفَةً وَهُوَ هُنَا الْعَدَدُ فَانْحَلَّ إلَى طَلِّقِي نَفْسَك الْعَدَدَ الَّذِي شِئْتِهِ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ وَيَسْتَلْزِمُ سَبْقَ الْعَهْدِ بِالْعَدَدِ الَّذِي شَاءَتْهُ أَوْ تَشَاؤُهُ وَأَنَّهُ هُوَ الثَّلَاثُ فَيَكُونُ التَّفْوِيضُ ابْتِدَاءً إنَّمَا هُوَ فِي الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا جُزْءُ مَا مَلَكْتَهُ بِالتَّفْوِيضِ كَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ وَاحِدَةً، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا بِخِلَافِ التَّبْعِيضِ حَيْثُ لَا يَسْتَلْزِمُ نَبْوَةً إذْ الْمَعْنَى طَلِّقِي نَفْسَك عَدَدًا شِئْتِهِ، عَلَى أَنَّ مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فَالْجُمْلَةُ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الرَّابِطِ الْمَحْذُوفِ قَيْدٌ فِي الْعَدَدِ مُزِيلٌ مِنْ إبْهَامِهِ.

[فُرُوعٌ]
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ تَشَائِي وَاحِدَةً فَشَاءَتْ وَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ تَشَائِي وَاحِدَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَإِذَا شَاءَتْ وَاحِدَةً لَا يَقَعُ شَيْءٌ. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهَا مَشِيئَةَ الْوَاحِدَةِ فَإِذَا شَاءَتْهَا تَقَعُ. وَلَوْ قَالَ: طَلِّقْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَفُلَانٌ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَفُلَانٌ لَا يَقَعُ بِالْمَشِيئَةِ مِنْ فُلَانٍ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى بَاطِلٍ فَيَبْطُلُ، وَلَوْ قَالَ حِينَ شِئْت فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَلِّقْهَا إذَا أَوْ مَتَى شِئْت لِأَنَّ حِينَ لِلْوَقْتِ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت فَلَهَا مَشِيئَتَانِ مَشِيئَةٌ فِي الْحَالِ وَمَشِيئَةٌ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِمَشِيئَتِهَا فِي الْحَالِ طَلَاقًا مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ، فَإِذَا شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُرْسَلِ عِنْدَ الشَّرْطِ.

وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إذَا شِئْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ شَاءَتَا طَلَاقَ إحْدَاهُمَا لَا يَقَعُ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَتُهُمَا طَلَاقَهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ.

وَلَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ إنْ شِئْتُمَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَشَاءَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخِرُ ثِنْتَيْنِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، لِأَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَتُهُمَا الثَّلَاثَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُمَا طَلِّقَاهَا ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَنْفَرِدُ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ فَيَصِحُّ إيقَاعُهُ لِبَعْضِهَا.

وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى طَلَاقُك مَعَ طَلَاقِ هَذِهِ وَقَعَ عَلَيْهِمَا بِمَشِيئَةِ الْأُولَى إنْ نَوَى الزَّوْجُ وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ طَلَاقُك مَعَ طَلَاقِ هَذِهِ فِي الْوُقُوعِ وَيَحْتَمِلُ فِي الْمِلْكِ: أَيْ كِلَاهُمَا مَمْلُوكَانِ لِي فَأَيُّهُمَا نَوَى صَدَقَ.

وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ إنْ شِئْت وَأَبَيْت أَوْ إنْ شِئْت وَلَمْ تَشَائِي لَمْ تَطْلُقْ أَبَدًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ وَالْإِبَاءَ شَرْطًا وَاحِدًا وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا. وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت وَإِنْ لَمْ تَشَائِي فَشَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ طَلُقَتْ، وَلَوْ قَامَتْ بِلَا مَشِيئَةٍ تَطْلُقُ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلِي. أَمَّا لَوْ أَخَّرَ الطَّلَاقَ فَقَالَ إنْ شِئْت وَإِنْ لَمْ تَشَائِي فَأَنْتَ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ أَبَدًا.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَإِنْ أَبَيْت، فَإِنْ شَاءَتْ يَقَعُ وَإِنْ أَبَتْ يَقَعُ، وَإِنْ سَكَتَتْ حَتَّى قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ لَا يَقَعُ. وَكَذَا إنْ شِئْت أَوْ أَبَيْت. وَفِي طَالِقٍ إنْ أَبَيْت أَوْ كَرِهْت طَلَاقَك فَقَالَتْ: أَبَيْت تَطْلُقُ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تَشَائِي طَلَاقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: لَا أَشَاءُ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ لَفْظَ أَبَيْت لِإِيجَادِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْإِبَاءُ وَقَدْ وُجِدَ، وَأَمَّا لَفْظُ لَمْ تَشَائِي فَلِلْعَدَمِ لَا لِلْإِيجَادِ وَعَدَمُ الْمَشِيئَةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِقَوْلِهَا لَا أَشَاءُ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَشَاءَ مِنْ بَعْدُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شِئْت فَقَالَتْ: شِئْت نِصْفَ وَاحِدَةٍ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.

وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَقَالَ لَهَا آخَرُ أَعْتِقِي عَبْدَك فَبَدَأَتْ بِعِتْقِ الْعَبْدِ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ بِالْعِتْقِ زَوْجَهَا فَبَدَأَتْ بِالْعِتْقِ لَا يَبْطُلُ
(4/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خِيَارُهَا فِي الطَّلَاقِ. وَعَنْهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت لِلسُّنَّةِ وَاحِدَةً فَلَهَا الْمَشِيئَةُ السَّاعَةَ لَا عِنْدَ الطُّهْرِ، فَإِنْ شَاءَتْ السَّاعَةَ وَقَعَتْ عِنْدَ الطُّهْرِ. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَهَا الْمَشِيئَةُ حِينَ تَطْهُرُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ مِنْ طَلَاقِ الْأَصْلِ

لَوْ قَالَ: إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فَالْمَشِيئَةُ إلَيْهَا لِلْحَالِ، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إنْ شِئْت فَإِنَّ الْمَشِيئَةَ إلَيْهَا فِي الْغَدِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمَشِيئَةُ إلَيْهَا فِي الْغَدِ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَقَالَ زُفَرُ: الْمَشِيئَةُ لِلْحَالِ فِيهِمَا. وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى الْعَكْسِ. وَفِي الْمُنْتَقَى بِرِوَايَةِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إنْ شِئْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت غَدًا لَهَا الْمَشِيئَةُ غَدًا وَقَالَا: إنْ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْغَدِ فَلَهَا الْمَشِيئَةُ لِلْحَالِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا فَلَهَا الْمَشِيئَةُ غَدًا. وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي غَدًا إنْ شِئْت أَوْ اخْتَارِي إنْ شِئْت غَدًا، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك غَدًا إنْ شِئْت أَوْ أَمْرُك بِيَدِك إنْ شِئْت غَدًا فَالْمَشِيئَةُ فِي الْغَدِ فِي الْحَالَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك غَدًا إنْ شِئْت أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت غَدًا أَوْ إنْ شِئْت فَطَلِّقِي نَفْسَك غَدًا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا فِي الْغَدِ عِنْدَهُ، وَقَالَا: إنْ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فَتَقُولَ فِي الْحَالِ طَلَّقْت نَفْسِي غَدًا. وَالْمَذْكُورُ فِي الْكَافِي وَشَرْحِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَنْتِ غَدًا طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَتْ: السَّاعَةَ شِئْت كَانَ بَاطِلًا، إنَّمَا لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي الْغَدِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فَإِنَّ لَهَا الْمَشِيئَةَ فِي مَجْلِسِهَا لِأَنَّ فِي الثَّانِي عَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ طَلَاقًا مُضَافًا إلَى غَدٍ.

وَلَوْ عَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ طَلَاقًا مُنَجَّزًا تُعْتَبَرُ الْمَشِيئَةُ حَالًا حَتَّى لَوْ قَامَتْ بَطَلَتْ مَشِيئَتُهَا، فَكَذَا إذَا عَلَّقَ بِهَا طَلَاقًا مُضَافًا. وَفِي الْأَوَّلِ بَدَأَ بِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الْغَدِ ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهَا فَتُرَاعَى الْمَشِيئَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِي الْفَصْلَيْنِ تُرَاعَى الْمَشِيئَةُ فِي غَدٍ وَعِنْدَ زُفَرَ تُعْتَبَرُ الْمَشِيئَةُ فِيهِمَا حَالًا

وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت إنْ شِئْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت إذَا شِئْت فَهُمَا سَوَاءٌ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ أَخَّرَ قَوْلَهُ إنْ شِئْت فَكَذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمَهُ تُعْتَبَرُ الْمَشِيئَةُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا شَاءَتْ. وَلَوْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا بَطَلَ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت هُنَا مَشِيئَتَانِ الْأُولَى عَلَى الْمَجْلِسِ وَالْأُخْرَى مُطَلَّقَةٌ إلَيْهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمُؤَقَّتَةِ، فَمَتَى شَاءَتْ بَعْدَ هَذَا طَلُقَتْ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَقُلْ شِئْت حَتَّى قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: إنْ شِئْت السَّاعَةَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّاعَةَ.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَقَالَ زَيْدٌ: شِئْت وَاحِدَةً لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مَا شَاءَ الثَّلَاثَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: شِئْت أَرْبَعًا. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَاحِدَةً وَإِنْ شِئْت اثْنَتَيْنِ فَقَالَتْ: شِئْت وَقَعَ الثَّلَاثُ. وَلَوْ قَالَ: اُخْرُجِي إنْ شِئْت يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَشَاءَتْ وَلَمْ تَخْرُجْ وَقَعَ نَظِيرُهُ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي فَقَالَ الزَّوْجُ: طَلَّقْت فَهِيَ ثَلَاثٌ. وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي طَلِّقْنِي بِلَا وَاوٍ فَطَلَّقَ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ. .

وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَ نَفْسِي؟ فَقَالَ الزَّوْجُ: نَعَمْ فَقَالَتْ: طَلَّقْت يُنْظَرُ إنْ نَوَى الزَّوْجُ التَّفْوِيضَ وَقَعَ وَإِنْ نَوَى الرَّدَّ: يَعْنِي طَلِّقِي إنْ اسْتَطَعْت لَا يَقَعُ.
(4/113)

بَابُ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ (وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ وَقَعَ عَقِيبَ النِّكَاحِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَقَعُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ]
الْيَمِينُ فِي الْأَصْلِ الْقُوَّةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إنَّ الْمَقَادِيرَ بِالْأَوْقَاتِ نَازِلَةٌ ... وَلَا يَمِينَ عَلَى دَفْعِ الْمَقَادِيرِ
أَيْ لَا قُوَّةَ، وَسُمِّيَتْ إحْدَى الْيَدَيْنِ بِالْيَمِينِ لِزِيَادَةِ قُوَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُخْرَى، وَسُمِّيَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ يَمِينًا لِإِفَادَتِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَرَدُّدِ النَّفْسِ فِيهِ، وَلَا شَكَّ فِي إفَادَةِ تَعْلِيقِ الْمَكْرُوهِ لِلنَّفْسِ عَلَى أَمْرٍ بِحَيْثُ يَنْزِلُ شَرْعًا عِنْدَ نُزُولِهِ قُوَّةُ الِامْتِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَتَعْلِيقُ الْمَحْبُوبِ لَهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ فَكَانَ يَمِينًا (قَوْلُهُ وَإِذَا أَضَافَ إلَخْ) اسْتَعْمَلَهَا فِي الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ وَإِلَّا فَالْمِثَالُ لَا يُطَابِقُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لَا إضَافَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقَعُ) وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ خَصَّ بَلَدًا أَوْ قَبِيلَةً أَوْ صِنْفًا أَوْ امْرَأَةً صَحَّ، وَإِنْ عَمَّمَ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ إذْ فِيهِ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
(4/114)

وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ يَمِينٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوُقُوعَ عِنْدَ الشَّرْطِ وَالْمِلْكُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ عِنْدَهُ وَقَبْلَ ذَلِكَ أَثَرُهُ الْمَنْعُ وَهُوَ قَائِمٌ بِالْمُتَصَرِّفِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ التَّنْجِيزِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَّا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا مَعَ الْعُمُومِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ بِالتَّكْفِيرِ. وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعُمُومِ وَذَلِكَ الْخُصُوصِ إلَّا أَنَّ صِحَّتَهُ فِي الْعُمُومِ مُطْلَقٌ، يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَفِي الْمُعَيَّنَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِالْإِشَارَةِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الصِّفَةُ: أَعْنِي أَتَزَوَّجُهَا، بَلْ الصِّفَةُ فِيهَا لَغْوٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت هَذِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِ فِي الْمُحِيطِ.
لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تَطْلُقُ، وَكَذَا كُلُّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا حُرَّةٌ فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا لَا تَعْتِقُ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمِلْكِ.
وَلَوْ قَالَ: نِصْفُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُزَوِّجُنِيهَا طَالِقٌ فَزَوَّجَهُ امْرَأَةً بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ بَدَلًا أَوْ شَرْطًا. وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ. وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ. تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» وَعِنْدَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» انْتَهَى، وَفِيهِ جُوَيْبِرٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَ: طَلَّقَ مَا لَا يَمْلِكُ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ عَمٌّ لِي: اعْمَلْ لِي عَمَلًا حَتَّى أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، فَقُلْتُ: إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لِي: تَزَوَّجْهَا فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ، قَالَ فَتَزَوَّجْتُهَا فَوَلَدَتْ لِي سَعْدًا وَسَعِيدًا» .
وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَيَلْزَمُ
(4/115)


وَالْحَمْلُ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا (وَإِذَا أَضَافَهُ إلَى شَرْطٍ وَقَعَ عَقِيبَ الشَّرْطِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالْعِتْقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْإِبْرَاءِ، وَمَا ظُنَّ مَانِعًا مِنْ أَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى النِّكَاحِ ضِدَّ مُقْتَضَاهُ فَيَلْغُو، وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْوُصْلَةِ وَانْتِظَامِ الْمَصَالِحِ فَلَا يَمْلِكُ جَعْلَهُ سَبَبًا لِانْقِطَاعِهَا، بِخِلَافِ الْعِتْقِ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ مَطْلُوبٌ لِلشَّرْعِ فَتَعْلِيقُهُ بِهِ مُبَادَرَةٌ إلَى الْمَطْلُوبِ.
أَمَّا الطَّلَاقُ فَمَحْظُورٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ بِتَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ غَلَطٌ لِأَنَّ الْحَاجَةَ كَمَا تَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْوَصْلَةِ بِالدُّخُولِ كَذَلِكَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، فَإِنَّ النَّفْسَ قَدْ تَدْعُو إلَى تَزَوُّجِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِفَسَادِ حَالِهَا وَسُوءِ عِشْرَتِهَا وَيَخْشَى لَجَاجَتَهَا وَغَلَبَتَهَا عَلَيْهِ فَيُؤَيِّسُهَا بِتَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِنِكَاحِهَا فِطَامًا لَهَا عَنْ مَوَاقِعِ الضَّرَرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُشْرَعَ كَمَا شُرِعَ تَعْلِيقُهُ بِخُرُوجِهَا لِيَفْطِمَهَا عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَتَحَقَّقَ الْمُقْتَضَى وَهُوَ تَكَلُّمُهُ بِالتَّعْلِيقِ لِمَا يَصِحُّ بِلَا مَانِعٍ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ لِمَا سَيُذْكَرُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ أَمَّا مَا قَبْلَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرِينَ فَمَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ التَّنْجِيزِ لِأَنَّهُ هُوَ الطَّلَاقُ، أَمَّا الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ فَلَيْسَ بِهِ بَلْ لَهُ عَرَضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْطِ (وَالْحَمْلُ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَكُلُّ أُمَّةٍ أَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ هُوَ كَمَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: أَوَ لَيْسَ قَدْ جَاءَ «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إلَّا بَعْدَ مِلْكٍ» قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ وَعَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَغَيْرُهُمَا) تَصْرِيحٌ بِمَا يُفْهَمُ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ الْمُشْعِرَةِ بِعَدَمِ الْحَصْرِ خُصُوصًا بَعْدَ قَوْلِهِ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ يُعْطِي أَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ غَيْرِهِمَا أَيْضًا.

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سَالِمٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَسْوَدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَكْحُولٍ الشَّامِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ يَوْمَ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ قَالُوا هُوَ كَمَا قَالَ. وَفِي لَفْظٍ: يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَقَدْ نُقِلَ مَذْهَبُنَا أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَشُرَيْحٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ الْأَخِيرَانِ فَلَا شَكَّ فِي ضَعْفِهِمَا. قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: إنَّهُمَا بَاطِلَانِ، فَفِي الْأَوَّلِ أَبُو خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: وَضَّاعٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ: كَذَّابٌ، وَفِي الْأَخِيرِ عَلِيُّ بْنُ قَرِينٍ كَذَّبَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، بَلْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي شَيْخُ السُّهَيْلِيِّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ وَقَالَ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الصِّحَّةِ، وَلِذَا مَا عَمِلَ بِهَا مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، فَمَا قِيلَ: لَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُهَا حَتَّى يُتْرَكَ الْعَمَلُ بِهَا سَاقِطٌ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ فَرْعُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ أَوَّلًا، كَيْفَ وَمَعَ عَدَمِ تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ لَا دَلَالَةَ عَلَى نَفْيِ
(4/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَعْلِيقِهِ بَلْ عَلَى نَفْيِ تَنْجِيزِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى التَّنْجِيزِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّعْلِيقِ فَالْجَوَابُ صَارَ ظَاهِرًا بَعْدَ اشْتِهَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ لَا قَبْلَهُ، فَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ تَنْجِيزًا وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ طَلَاقًا إذَا وُجِدَ النِّكَاحُ فَنَفَى ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا.
بَقِيَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَمْنَعُوا كَوْنَ الْمُعَلَّقِ لَيْسَ طَلَاقًا لِيَخْرُجَ عَنْ تَنَاوُلِ النَّصِّ، بَلْ هُوَ طَلَاقٌ تَأَخَّرَ عَمَلُهُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ الطَّلَاقِ تَعْلِيقَهُ، وَكَذَا الشَّرْعُ لَوْ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَعَلَّقَ طَلَاقَهَا لَا يَحْنَثُ إجْمَاعًا. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيَّ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَقَالَ الْقَاسِمُ: إنَّ رَجُلًا جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ إنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ.
فَقَدْ صَرَّحَ عُمَرُ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الظِّهَارِ بِالْمِلْكِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْكُلُّ وَاحِدٌ. وَالْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا وَكَذَا فِي الْإِيلَاءِ إذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَصِحُّ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا يَصِيرُ مُولِيًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّعْلِيقُ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ فِي مَحَلٍّ فِي حَالٍ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَيَلْغُو كَتَعْلِيقِ الصَّبِيِّ بِأَنْ قَالَ: إذَا بَلَغْت فَزَوْجَتُهُ طَالِقٌ، وَتَعْلِيقُ الْبَالِغِ طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ بِغَيْرِ الْمِلْكِ.
قُلْنَا: لَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ بَيَانِ الْمُرَادِ بِقَوْلِنَا هُوَ طَلَاقٌ أَوْ لَيْسَ بِهِ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا فِي الْحَالِ لِحُكْمِ الطَّلَاقِ مِنْ الْعِدَّةِ وَغَيْرِهَا تَأَخَّرَ عَمَلُهُ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا شَرْعًا لِثُبُوتِ حُكْمٍ فِي مَحَلٍّ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ اتِّصَالِهِ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ شَرْعًا: أَعْنِي أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّرْعُ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فِيهِ لَا مُجَرَّدُ الِاتِّصَالِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ سَبَبِيَّتَهُ لَيْسَتْ إلَّا بِإِيجَابِهِ الْحُكْمَ فِي مَحِلِّ حُلُولِهِ مَلْزُومًا لِلْحُكْمِ فَيَحِلُّ حَيْثُ حَلَّ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْنِ أَنْتِ طَالِقٌ الْآنَ، بَلْ إذَا كَانَ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ إذْ ذَاكَ لَا الْآنَ، فَإِذَا كَانَ ذَاكَ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ وَهُوَ التَّعْلِيقُ فَحِينَئِذٍ يَنْزِلُ بِالْمَحِلِّ سَبَبًا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْبَيْعَ عَلَى مُنْتَظَرٍ بَلْ أَثْبَتَهُ فِي الْحَالِ، غَيْرَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ خِيَارَ أَنْ يَفْسَخَ إنْ لَمْ يُوَافِقْ غَرَضَهُ رِفْقًا بِهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْوُصُولِ فِي الْحَالِ بَلْ يُحَقِّقُ سَبَبِيَّتَهُ فِي الْحَالِ لَوْ تَأَمَّلْت هَذَا التَّرْكِيبَ.
وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِهِ مِنْ الصَّبِيِّ فَلَيْسَ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَحَلِّ بَلْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّعْلِيقِ كَالتَّنْجِيزِ، بِخِلَافِ الْبَالِغِ فَإِنَّ افْتِقَارَهُ فِي التَّصَرُّفِ إلَى الْمَحَلِّ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ قَصْدِ التَّنْجِيزِ فِيهِ لِلْحَالِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ الْتِزَامُ يَمِينٍ يَقْصِدُ بِهَا بِالذَّاتِ الْبِرَّ: أَعْنِي مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ تَزَوُّجِهَا، وَهَذَا يَقُومُ بِهِ وَحْدَهُ فَيَتَضَمَّنُ هَذَا مَنْعَ كَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي الْمَحَلِّ فِي حَالِ عَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ بَلْ تَصَرُّفٌ مُقْتَصِرٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحِنْثُ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ وَبِتَقْدِيرِهِ يَنْعَقِدُ كَلَامُهُ سَبَبًا وَهُوَ يَسْتَدْعِي الْمَحَلِّيَّةَ وَهُمَا مَعًا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ لَزِمَ لِصِحَّةِ كَلَامِهِ فِي الْحَالِ ظُهُورُ قِيَامِ مِلْكِهِ عِنْدَ انْعِقَادِهِ. ثُمَّ رَأَيْنَا الشَّرْعَ صَحَّحَهُ مُكْتَفِيًا بِظُهُورِ قِيَامِهِ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا قَالَ لِلْمَنْكُوحَةِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّ قِيَامَ الْمِلْكِ عِنْدَهُ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ فَتَصْحِيحُهُ إيَّاهُ مَعَ تَيَقُّنِ قِيَامِهِ أَحْرَى وَذَلِكَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِالْمِلْكِ، وَبِهَذَا حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ الْأَخِيرِ: أَعْنِي تَطْلِيقَهُ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ بِغَيْرِ الْمِلْكِ، وَلِهَذَا رَأَيْنَا الشَّرْعَ صَحَّحَ قَوْلَهُ لِلْأَمَةِ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ حَتَّى يُعْتِقَ مَا تَلِدُهُ مَعَ عَدَمِ قِيَامِ مِلْكِ عِتْقِ الْوَلَدِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، فَظَهَرَ أَنَّ قِيَامَ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْحُكْمِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ، وَلَعَمْرِي إنَّ جُلَّ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ بِنِهَايَةِ الْإِيجَازِ وَطَلَاوَةِ الْأَلْفَاظِ.
وَقَوْلُهُ وَقَعَ عَقِيبَ النِّكَاحِ يُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُقَارِنَ
(4/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَقَعُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ نِكَاحِك إذْ لَا يَثْبُتُ الشَّيْءُ مُنْتَفِيًا، وَمَرْجِعُ ضَمِيرِ أَثَرِهِ تَصَرُّفُ يَمِينٍ وَهُوَ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ: أَيْ تَصَرُّفٌ هُوَ يَمِينٌ، وَكَذَا هُوَ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ قَائِمٌ بِالْمُتَصَرِّفِ، أَيْ فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ الْمَحَلِّ بَلْ قِيَامُ ذِمَّةِ الْحَالِفِ فِي ذَلِكَ كَافٍ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ النِّكَاحِ. قُلْنَا: فَمَاذَا يَلْزَمُ إذْ قَدْ يَكُونُ عَلِمَ مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ دِينًا لِعِلْمِهِ بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَا لِعَدَمِ يَسَارِهِ وَلِنَفْسِهِ لَجَاجٌ فَيَأَّسَهَا، عَلَى أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ تَزَوُّجَهُ عِنْدَنَا بِأَنْ يَعْقِدَ لَهُ فُضُولِيٌّ وَيُجِيزُ هُوَ بِالْفِعْلِ كَسَوْقِ الْوَاجِبِ إلَيْهَا أَوْ الْوَطْءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ كَوْنُ الْمُضَافِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا فِي الْحَالِ كَالْمُعَلَّقِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ سَبَبًا فِي الْحَالِ نَحْوَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدُمُ فُلَانٌ، وَلَا فَرْقَ إلَّا ظُهُورُ إرَادَةِ الْمُضِيفِ الْإِيقَاعَ، بِخِلَافِ الْمُعَلَّقِ فَإِنَّ قَصْدَهُ الْبِرُّ، فَكَأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمَعْقُولَ صَارِفٌ لِلَّفْظِ عَنْ قَضِيَّتِهِ وَلَا يُعْرَى عَنْ شَيْءٍ مَعَ أَنَّ نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَإِذَا جَاءَ غَدٌ وَاحِدٌ فِي قَصْدِ الْإِيقَاعِ، وَهُمْ يَجْعَلُونَ إذَا جَاءَ غَدٌ تَعْلِيقًا غَيْرَ سَبَبٍ فِي الْحَالِ وَالْآخَرُ سَبَبًا فِي الْحَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ يَنْزِلُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ كَأَنَّهُ عِنْدَ الشَّرْطِ أَوْقَعَ تَنْجِيزًا فَالْمُرَادُ الْإِيقَاعُ حُكْمًا، وَلِهَذَا إذَا عَلَّقَ الْعَاقِلُ الطَّلَاقَ ثُمَّ جُنَّ عِنْدَ الشَّرْطِ تَطْلُقُ، وَلَوْ كَانَ كَالْمَلْفُوظِ حَقِيقَةً لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ.

[فُرُوعٌ] فِي الْمُنْتَقَى: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ: فَهِيَ طَالِقٌ وَإِنْ أَمَرْت مَنْ يُزَوِّجُنِيهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ طَلُقَتْ لِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ: إحْدَاهُمَا عَلَى الْأَمْرِ وَالْأُخْرَى عَلَى التَّزَوُّجِ. وَلَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَإِنْ أَمَرْت مَنْ يُزَوِّجُنِيهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ فَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ طَلُقَتْ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ وَالشَّرْطَ شَيْئَانِ وَقَدْ وُجِدَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْوَاقِعُ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ حَيْثُ لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّرْطِ، فَإِنْ أَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا فَقَالَ: زَوِّجْنِي فُلَانَةَ وَهِيَ امْرَأَتُهُ عَلَى حَالِهَا طَلُقَتْ لِكَمَالِ الشَّرْطِ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ أَوْ أَمَرْت إنْسَانًا أَنْ يُزَوِّجَنِيهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَزَوَّجَهُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ حَنِثَ بِالْأَمْرِ قَبْلَ تَزْوِيجِ الْمَأْمُورِ فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِلَا وُقُوعِ شَيْءٍ فَلَا يَحْنَثُ بِتَزَوُّجِهِ بَعْدَهُ

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ أَوْ خَطَبْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَخَطَبَهَا فَتَزَوَّجَهَا لَا تَطْلُقُ، قَالَ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُ حَنِثَ بِالْخِطْبَةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مُنْعَقِدَةٌ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْيَمِينُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَحَدُهُمَا، وَأَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ صَالِحٌ وَالْآخَرُ لَا فَإِنَّهُ نَصٌّ عَلَى الْحِنْثِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ قَبْلَ الْأَمْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَبْلَ الْخِطْبَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَعَ بِأَنْ قَالَ لِلْمَرْأَةِ ابْتِدَاءً بِحَضْرَةِ رَجُلَيْنِ: تَزَوَّجْتُك بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ.

وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ: لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَتَزَوَّجَ فُلَانَةَ لَا تَطْلُقُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَطْلُقُ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ اعْتِرَاضُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَضْمُونُ الشَّرْطَيْنِ.

رَجُلٌ لَهُ مُطَلَّقَةٌ فَقَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَتَزَوَّجَهَا تَطْلُقُ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك مَا عِشْت فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَالطَّلَاقُ عَلَيَّ وَاجِبٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا يَقَعُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا تَطْلِيقَةٌ بِالْيَمِينِ الْأُولَى وَتَقَعُ أُخْرَى عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ يَصْرِفُهَا إلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ، هَذَا فِي النَّوَازِلِ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَطْلُقَ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ تَعْلِيقُ إيجَابِ الطَّلَاقِ بِالتَّزْوِيجِ وَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ تَعْلِيقِ نَفْسِ الطَّلَاقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِالْيَمِينِ الْأُولَى طَلَاقُ إحْدَاهُمَا يُصْرَفُ إلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْأُولَى لَمَّا
(4/118)

فَيَصِحُّ يَمِينًا أَوْ إيقَاعًا (وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا أَوْ يُضِيفَهُ إلَى مِلْكٍ) لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِيَكُونَ مُخِيفًا فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ وَالظُّهُورُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَالْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ سَبَبِهِ (فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
انْصَرَفَتْ إلَى الطَّلَاقِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ زن ويرا طَلَاق، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَهُ امْرَأَتَانِ يَقَعُ عَلَى إحْدَاهُمَا انْتَهَى. وَفِي نَظَرِهِ نَظَرٌ. أَمَّا قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَطْلُقَ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ إلَخْ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّنْجِيزَ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَاجِبٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَأَنَّ الْمُخْتَارَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَالْمَذْكُورُ فِي النَّوَازِلِ بِنَاءٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِالْيَمِينِ الْأُولَى طَلَاقُ إحْدَاهُمَا إلَخْ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ حَلَالَ اللَّهِ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ لَا بَدَلِيٌّ فَيَشْمَلُ الزَّوْجَتَيْنِ مَعًا فَقَدْ حَرَّمَهُمَا وَزْن ويرا طَلَاق لَيْسَ مِثْلُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ امْرَأَتُهُ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَةَ فَقَدْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ فَإِلَيْهِ تَعْيِينُهَا

وَإِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَزَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَأَجَازَ بِالْفِعْلِ بِأَنْ سَاقَ الْمَهْرَ وَنَحْوَهُ لَا تَطْلُقُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ بِهِ لِانْتِقَالِ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ فَيَصِحُّ يَمِينًا أَوْ إيقَاعًا) أَيْ فَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ الْمَذْكُورُ يَمِينًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ عِنْدَنَا فِي الْحَالِ، أَوْ إيقَاعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ سَبَبٌ فِي الْحَالِ (قَوْلُهُ وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا أَوْ يُضِيفُهُ إلَى مِلْكِهِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْوُجُودِ) أَيْ ظَاهِرًا وُجُودُهُ عِنْدَ الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْقُوَّةُ: أَيْ عَلَى الِامْتِنَاعِ هُنَا (قَوْلُهُ وَالظُّهُورُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ) لَفْظُ الظُّهُورِ هُنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَذَا لَفْظُ ظَاهِرٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَمَا كَانَ ظَاهِرَ الْوُجُودِ فَتَعَلَّقَ الْإِدْرَاكُ بِهِ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ الْخَاصِّ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ حِينَ صَدَرَ لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ إيقَاعًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَلَا يَمِينًا لِعَدَمِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ مَا يَكُونُ حَامِلًا عَلَى الْبِرِّ لِإِخَافَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مُخِيفًا لِعَدَمِ ظُهُورِ الْجَزَاءِ عِنْدَ الْفِعْلِ لِعَدَمِ ظُهُورِ ثُبُوتِ الْمَحَلِّيَّةِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ. لَا يُقَالُ: لَمْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَاقِبَةِ، إنْ تَزَوَّجَهَا ظَهَرَ كَوْنُهُ يَمِينًا وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ إلَى أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: تَحَقُّقُ عَدَمِ الْيَمِينِ حَالَ صُدُورِهِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُخِيفًا فَلَمْ يَقَعْ يَمِينًا فَلَا تَتَحَقَّقُ يَمِينٌ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِلَفْظٍ آخَرَ، وَمَعْنَى الْإِخَافَةِ هُنَا إخَافَةُ لُزُومِ نِصْفِ الْمَهْرِ إنْ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فَيَجِبُ الْمَالُ فَيَمْتَنِعُ عَنْ التَّزَوُّجِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا قَوْلَهُ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَمِينٌ مَعَ أَنَّهُ لَا حَمْلَ فِيهِ وَلَا مَنْعَ بِإِخَافَةٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْغَالِبِ لَا لِلشَّاذِّ (قَوْلُهُ وَالْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ) يَعْنِي التَّزَوُّجَ (بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ) وَقَالَ بِشْرُ الْمَرِيسِيِّ:
(4/119)

لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا أَضَافَهُ إلَى الْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

(وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ إنْ وَإِذَا وَإِذَا مَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ عَقِيبَ سَبَبِهِ، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ هُوَ ذَلِكَ السَّبَبَ اقْتَرَنَ الْمِلْكُ وَالْوُقُوعُ وَالطَّلَاقُ الْمُقَارِنُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ أَوْ لِزَوَالِهِ لَا يَقَعُ كَالطَّالِقِ مَعَ نِكَاحِك أَوْ مَعَ مَوْتِي، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَقَدَّمُ الْمِلْكَ.
وَالْجَوَابُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ: حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ السَّبَبَ وَأَرَادَ بِهِ الْمُسَبَّبَ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْتُك إنْ مَلَكْتُك بِالتَّزَوُّجِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ سَبَبِهِ يَنْبُو عَنْ هَذَا، إلَّا أَنْ يُجْعَلَ بَيَانُ وَجْهِ التَّجَوُّزِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، بَلْ هُوَ فِي هَذَا الْقِنِّ مِنْ الْمُسَلَّمَاتِ وَكَانَ سَبَبُ عُدُولِ الْمُصَنِّفِ عَنْهُ أَنَّهُمْ دَفَعُوا الْوَارِدَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ لَا تَطْلُقُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ تَمَامَ الْكَلَامِ مُضْمَرًا تَصْحِيحًا، وَالتَّقْدِيرُ إنْ تَزَوَّجْتُك فَدَخَلْت حَتَّى يَصِحَّ وَيَقَعَ بِهِ كَمَا قَالَ بِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لِأَنَّ الْيَمِينَ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ أَوْ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فَلَا يُحْتَالُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَهَذَا يُنَافِي ذَلِكَ الْجَوَابَ.
وَيَكْفِي فِي جَوَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، لَكِنْ لَا يَخْفَى وُرُودُ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالسَّبَبِ الْمُسَبَّبُ أَوْ حَقِيقَتُهُ، وَالْأَوَّلُ تَصْحِيحُ الْيَمِينِ فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْمَنْقُولِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَى الثَّانِي يَرِدُ مَا قَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُدْفَعَ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى تَحْقِيقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ لِانْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ وَطَرِيقِ الْمَجَازِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَحْسُنُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا، بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ مُرَادٌ بِهَا الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ كَمَا أَجَابَ بِهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

[فُرُوعٌ] .
لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثُمَّ نَكَحَهَا يُوقِعُهُ أَبُو يُوسُفَ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالنِّكَاحِ وَذَكَرَ مَعَهُ وَقْتًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِهِ فِيهِ فَلَغَا ذِكْرُهُ الْوَقْتَ وَبَقِيَ التَّعْلِيقُ. وَقَالَا: لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمَلْفُوظِ عِنْدَ الشَّرْطِ.

وَلَوْ قَالَ وَقْتَ النِّكَاحِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَك لَا تَطْلُقُ كَذَا هَذَا

وَلَوْ قَالَ لِوَالِدَيْهِ: إنْ زَوَّجْتُمَانِي امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَزَوَّجَاهُ امْرَأَةً بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَطْلُقُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْوَالِدَيْنِ لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِأَجْنَبِيَّةِ: مَا دُمْت فِي نِكَاحِي فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا لَا تَطْلُقُ، أَمَّا إذَا قَالَ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُك فَمَا دُمْت فِي نِكَاحِي فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا تَطْلُقُ.

(قَوْلُهُ وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ إلَخْ) وَمَنْ جُمْلَتِهَا لَوْ وَمَنْ وَأَيُّ وَأَيَّانَ وَأَيْنَ وَأَنَّى وَجَمِيعُهَا تَجْزِمُ إلَّا لَوْ وَإِذَا،
(4/120)

كُلُّ وَكُلَّمَا وَمَتَى وَمَتَى مَا) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِمَّا تَلِيهَا أَفْعَالٌ فَتَكُونُ عَلَامَاتٍ عَلَى الْحِنْثِ، ثُمَّ كَلِمَةُ إنْ حَرْفٌ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْوَقْتِ وَمَا وَرَاءَهَا مُلْحَقٌ بِهَا، وَكَلِمَةُ كُلٍّ لَيْسَتْ شَرْطًا حَقِيقَةً لِأَنَّ مَا يَلِيهَا اسْمٌ وَالشَّرْطُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ وَالْأَجْزِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالشَّرْطِ لِتَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقِيلَ يُجْزَمُ بِهَا إذَا زِيدَ بَعْدَهَا مَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إنَّمَا يُجْزَمُ بِإِذَا فِي الشِّعْرِ وَكَذَا بِلَوْ، قَالَ لَوْ يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ) يَعْنِي مِنْ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْعَلَامَةِ وَهُوَ الشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ، قَالَ تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] أَيْ عَلَامَاتُهَا، وَهَذَا لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَادَّةِ وَلَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ لَفْظِ عَلَامَةٍ وَشَرْطٍ (قَوْلُهُ فَتَكُونُ عَلَامَاتٍ) أَيْ يَكُونُ وُجُودُ الْأَفْعَالِ عَلَامَاتٍ عَلَى الْحِنْثِ وَالْحِنْثُ هُوَ وُقُوعُ الْجَزَاءِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى أَلْفَاظِ الشَّرْطِ عَلَامَاتُ وُجُودِ الْجَزَاءِ: أَيْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالذَّاتِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ وَلَفْظِ لَوْ أَيْضًا كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُفَادُ بِهَا امْتِنَاعَ فِعْلِ الشَّرْطِ الْمُسْتَلْزِمِ لِامْتِنَاعِ الْجَوَابِ، نَحْوُ لَوْ جَاءَ زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُك فَيُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إذَا وُجِدَ اسْتَلْزَمَ وُجُودَ الْجَوَابِ، لِأَنَّ اللَّازِمَ يَثْبُتُ عِنْدَ الْمَلْزُومِ، وَعَلَى هَذَا فَجَمِيعُ الْأَدَوَاتِ تُفِيدُ الْوُجُودَ لِلْوُجُودِ إلَّا أَنَّ لَمَّا كَانَتْ أَدْخَلَ حَيْثُ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ أَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ وَفُرِغَ مِنْهُ خُصَّتْ بِقَوْلِنَا حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، وَلَوْ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ امْتِنَاعِ الْمَلْزُومِ وَدَلَّتْ عَلَى الْوُجُودِ لِلْوُجُودِ بِالِالْتِزَامِ فَخُصَّتْ بِحَرْفِ امْتِنَاعٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ يُنَافِيهِ: أَعْنِي التَّعْلِيقَ عَلَى مَا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ لِأَنَّهَا أَفَادَتْ تَحَقُّقَ عَدَمِهِ فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَلِعَدَمِ حُصُولِهِ لَمْ تُذْكَرْ لَمَّا، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَالَ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ كَمَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ.
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَكِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيَّ وَلَا الْمَشْهُورَ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَعَلَّقُ. وَفِي الْحَاوِي فِي فُرُوعِنَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ تَزَوَّجْتُك تَطْلُقُ إذَا تَزَوَّجَهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِنَا {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً} [النساء: 9] الْآيَةُ. فَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلَى تَجْوِيزِهِ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا لِلتَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي. وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَةِ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَكَذَا لِعَدَمِ حُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ فِي التَّعْلِيقِ بِلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهَا وَذَكَرَ كُلًّا وَلَيْسَتْ شَرْطًا لِثُبُوتِ مَعْنَى الشَّرْطِ مَعَهَا وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَهُوَ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ صِفَةَ الِاسْمِ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ.
[فُرُوعٌ] .
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا دُخُولُك أَوْ لَوْلَا أَبُوك أَوْ لَوْلَا مَهْرُك لَمْ يَقَعْ، وَكَذَا فِي الْإِخْبَارِ بِأَنْ قَالَ: طَلَّقْت
(4/121)

الَّذِي يَلِيهَا مِثْلُ قَوْلِك كُلُّ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْأَمْسِ لَوْلَا كَذَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَوْضِعَ وُجُوبِ الْفَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ التَّعْلِيقُ إلَّا بِهَا إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ فَيَتَعَلَّقَ بِدُونِهَا عَلَى خِلَافِ فِي أَنَّهُ حِينَئِذٍ هُوَ الْجَوَابُ أَوْ يُضْمَرُ الْجَوَابُ بَعْدَهُ وَالْمُتَقَدِّمُ دَلِيلُهُ. وَأَمَّا الْفَقِيهُ فَنَظَرُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَلَا عَلَيْهِ مِنْ اعْتِبَارِهِ الْجَوَابَ. فَإِذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ لِلْحَالِ، فَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَهُ دِينَ، وَكَذَا إنْ نَوَى تَقْدِيمَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُتَنَجَّزُ حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الْفَائِدَةِ فَتُضْمَرُ الْفَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَدُفِعَ بِمَا إذَا أَجَابَ بِالْوَاوِ فَإِنَّهُ يُتَنَجَّزُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ حَتَّى لَوْ نَوَاهُ دِينَ. وَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَة. قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: وَلَوْ نَوَى تَقْدِيمَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قِيلَ: يَصِحُّ وَتُحْمَلُ الْوَاوُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ وَاوَ الِابْتِدَاءِ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي أَوَّلِ كَلَامٍ وَمَوَاضِعُ الْفَاءِ جُمِعَتْ مَفَارِيدَ فِي بَيْتٍ هُوَ هَذَا:
طَلَبِيَّةٌ وَاسْمِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ
وَأَحْبَبْت ذِكْرَ بَعْضِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَإِيضَاحَهُ لِيُفْهَمَ فَنَظَمْتُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ وَهِيَ هَذِهِ:
تَعْلَمُ جَوَابَ الشَّرْطِ حَتْمَ قِرَانِهِ ... بِفَاءٍ إذَا مَا فِعْلُهُ طَلَبًا أَتَى
كَذَا جَامِدًا أَوْ مُقْسَمًا كَانَ أَوْ بِقَدْ ... وَرُبَّ وَسِينٍ أَوْ بِسَوْفَ ادْرِ يَا فَتَى
أَوْ اسْمِيَّةً أَوْ كَانَ مَنْفِيَّ مَا وَإِنْ ... وَلَنْ مَنْ يَحُدْ عَمَّا حَدَدْنَاهُ قَدْ عَتَا
وَلَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ وَأَدْخَلَ الْفَاءَ فِي الشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ دَخَلَتْ لَا رِوَايَةَ فِيهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَتَنَجَّزُ لِأَنَّ الْفَاءَ فَاصِلَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَتَعَلَّقُ لِأَنَّ الْفَاءَ حَرْفُ تَعْلِيقٍ. وَقِيَاسُ الْمَذْكُورِ فِي حَذْفِ الْفَاءِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهَا، وَذِكْرُ الْوَاوِ مَعَ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ التَّنْجِيزُ مُوجِبَ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّعْلِيقَ لِاتِّحَادِ الْجَامِعِ وَهُوَ عَدَمُ كَوْنِ التَّعْلِيقِ إذْ ذَاكَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْفَاءُ وَإِنْ كَانَ حَرْفَ تَعْلِيقٍ لَكِنْ لَا يُوجِبُهُ إلَّا فِي مَحِلِّهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ تَنَجَّزَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا لِأَنَّ ذِكْرَهُ بَيَانٌ لِإِرَادَتِهِ التَّعْلِيقَ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ دَخَلَتْ تَنَجَّزَ لِعَدَمِ التَّعْلِيقِ وَالصِّفَةُ الْمُعْتَبَرَةُ كَالشَّرْطِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ مِثْلُ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، أَمَّا فِي الْمُعَيَّنَةِ فَلَغْوٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ.
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْعِلَّةِ. وَقَدْ نَاظَرَ مُحَمَّدٌ الْكِسَائِيَّ فِي ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ فَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهَا بِمَعْنَى إذَا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90] {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 91] وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوْلَى إذْ لَا أَصْلَ لِجَعْلِهَا كَإِذَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَتَيْنِ مَا ذُكِرَ بَلْ التَّعْلِيلُ هُوَ الْمَعْنَى الظَّاهِرُ فِيهِمَا. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتْ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْوَاوَ فِي مِثْلِهِ عَاطِفَةٌ عَلَى شَرْطٍ هُوَ نَقِيضُ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، تَقْدِيرُهُ إنْ لَمْ تَدْخُلِي وَإِنْ دَخَلْت، وَإِنْ
(4/122)

(فَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ انْحَلَّتْ وَانْتَهَتْ الْيَمِينُ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ لُغَةً، فَبِوُجُودِ الْفِعْلِ مَرَّةً يَتِمُّ الشَّرْطُ وَلَا بَقَاءَ لِلْيَمِينِ بِدُونِهِ

(إلَّا فِي كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56] الْآيَةُ

وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ التَّكْرَارُ. قَالَ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَتَكَرَّرَ الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
هَذِهِ هِيَ الْوَصْلِيَّةُ، وَيَقَعُ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذْ دَخَلْت وَبِقَوْلِهِ اُدْخُلِي الدَّارَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَعَلَّقُ بِالدُّخُولِ لِأَنَّ الْحَالَ شَرْطٌ مِثْلُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تُؤَدِّيَ (قَوْلُهُ فَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ انْحَلَّتْ وَانْتَهَتْ الْيَمِينُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ لُغَةً، فَبِوُجُودِ الْفِعْلِ مَرَّةً يَتِمُّ الشَّرْطُ) وَإِذَا تَمَّ وَقَعَ الْحِنْثُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْحِنْثُ مَرَّةً أُخْرَى إلَّا بِيَمِينٍ أُخْرَى أَوْ بِعُمُومِ تِلْكَ الْيَمِينِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَتَى: إنَّهَا تُفِيدُ التَّكْرَارَ كَقَوْلِهِ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدٍ
وَالْحَقُّ أَنَّهَا إنَّمَا تُفِيدُ عُمُومَ الْأَوْقَاتِ بِمَعْنَى أَنَّ أَيَّ وَقْتٍ تَأْتِي تَجِدْ ذَلِكَ، فَفِي مَتَى خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، الْمُفَادُ أَنَّ أَيَّ وَقْتٍ تَحَقَّقَ فِيهِ الْخُرُوجُ يَقَعُ الطَّلَاقُ، فَإِذَا تَحَقَّقَ فِي وَقْتٍ وَقَعَ، ثُمَّ لَا يَقَعُ بِخُرُوجٍ آخَرَ إلَّا لَوْ أَفَادَتْ التَّكْرَارَ، وَإِنْ مَعَ لَفْظِ أَبَدًا مُؤَدَّى لَفْظِ مَتَى بِانْفِرَادِهِ، فَإِذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ أَبَدًا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا فَطَلُقَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَا تَطْلُقُ، كَذَا أَجَابَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ.

وَمِنْ غَرَائِبِ الْمَسَائِلِ مَا فِي الْغَايَةِ: مَنْ قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مِرَارًا طَلُقَتْ بِكُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَهُوَ الدُّخُولُ أُضِيفَ إلَى جَمَاعَةٍ فَيُرَادُ بِهِ عُمُومُهُ عُرْفًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] أَفَادَ الْعُمُومَ، وَلِذَا تَكَرَّرَ الْجَزَاءُ عَلَى قَاتِلِ وَاحِدٍ، وَبِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ وَاحِدٌ قَتِيلَيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُمَا. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الْأَوَّلِ لِعُمُومِ الصَّيْدِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَعَمَّ لِذَلِكَ لَا لِمَا ذُكِرَ. وَعُمُومُ الثَّانِي بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ التَّشْجِيعُ وَكَثْرَةُ الْقَتْلِ. قِيلَ وَالْأَوْلَى الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} [الأنعام: 68] الْآيَةُ حَيْثُ يَحْرُمُ الْقُعُودُ مَعَ الْوَاحِدِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَقَدْ أَفَادَتْ إذَا التَّكْرَارَ لِعُمُومِ الِاسْمِ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ فِعْلُ الشَّرْطِ. وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعُمُومَ بِالْعِلَّةِ لَا بِالصِّيغَةِ فِيهِمَا لِمَا فِيهِمَا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِ وَمَنْعُ الْقُعُودِ عَلَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَهُوَ الْقَتْلُ وَالْخَوْضُ فَيَتَكَرَّرُ بِهِ

وَفِي الْمُحِيطِ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ: لَوْ قَالَ: أَيُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا حَيْثُ تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ، وَاسْتُشْكِلَ حَيْثُ لَمْ يَعُمَّ أَيَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا بِعُمُومِ الصِّفَةِ.

(قَوْلُهُ إلَّا فِي كُلَّمَا فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ) وَمِنْ لَطِيفِ مَسَائِلِهَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَلَّقَهَا طَلْقَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ. وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا وَقَعَ طَلَاقِي عَلَيْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَ الثَّلَاثُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الثَّانِيَةِ اقْتَضَى تَكْرَارَ الْجَزَاءِ بِتَكَرُّرِ الْوُقُوعِ فَيَتَكَرَّرُ إلَّا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا، وَفِي الْأُولَى اقْتَضَى تَكَرُّرَهُ بِتَكَرُّرِ طَلَاقِهِ. وَلَا يُقَالُ: طَلَّقَهَا إذَا طَلُقَتْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَيَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ: إحْدَاهُمَا بِحُكْمِ الْإِيقَاعِ، وَالْأُخْرَى بِحُكْمِ التَّعْلِيقِ.

(قَوْلُهُ وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ التَّكْرَارُ) أَوْرَدَ فِي كُلِّ عُمُومٍ وَلَا تَكْرَارٌ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ فَطَلُقَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ
(4/123)

لِأَنَّ بِاسْتِيفَاءِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَمْلُوكَاتِ فِي هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَبْقَ الْجَزَاءُ وَبَقَاءُ الْيَمِينِ بِهِ وَبِالشَّرْطِ. وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ دَخَلَتْ عَلَى نَفْسِ التَّزَوُّجِ بِأَنْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) لِأَنَّ انْعِقَادَهَا بِاعْتِبَارِ مَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ بِالتَّزَوُّجِ وَذَلِكَ غَيْرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا تَطْلُقُ، وَأَمَّا الْوُقُوعُ عَلَى امْرَأَةٍ أُخْرَى بِتَزَوُّجِهَا فَبِاعْتِبَارِ عُمُومِ الِاسْمِ وَلَمْ يَنْشَأْ مِنْ نَفْسِ الشَّرْطِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْمِيمُ الْأَفْعَالِ وَالتَّكْرَارُ مِنْ ضَرُورَتِهِ لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقِيَامِ بِآحَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَكُونُ بِتَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ مِنْ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ دَخَلْت عَلَى نَفْسِ التَّزَوُّجِ بِأَنْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَرَّةٍ) أَبَدًا لِأَنَّ الشَّرْطَ مِلْكٌ يُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَكُلَّمَا وُجِدَ هَذَا الشَّرْطُ تَبِعَهُ مِلْكُ الثَّلَاثِ فَيَتْبَعُهُ جَزَاؤُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمُنْتَقَى: إذَا قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلُقَتْ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَا تَطْلُقُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمُعَيَّنَةٍ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك أَوْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ تَكَرَّرَ دَائِمًا، وَاسْتَوْضَحَهُ بِمَا إذَا قَالَ: كُلَّمَا اشْتَرَيْت ثَوْبًا أَوْ رَكِبْت دَابَّةً لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا تُوجِبُ التَّكْرَارَ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَحَقِيقَةُ الْبَحْثِ ادِّعَاؤُهُ اتِّحَادَ الْحَاصِلِ بَيْنَ كُلِّ وَكُلَّمَا إذَا نُسِبَ فِعْلُهَا إلَى مُنَكَّرٍ. فَإِنْ قُلْت: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ كُلًّا يَقْتَضِي عُمُومَ الْأَسْمَاءِ وَعُمُومُ الْأَفْعَالِ يَثْبُتُ ضَرُورَةً، وَكُلُّ مَا يَقْتَضِيهِ فِي الْأَفْعَالِ وَعُمُومِ الْأَسْمَاءِ يَثْبُتُ ضَرُورَةً، فَإِذَا وُجِدَ فِي لَفْظِ كُلٍّ اسْمٌ وَاحِدٌ انْحَلَّتْ فِي حَقِّهِ وَلَا يَتَكَرَّرُ بِهِ نَفْسُهُ وَبَقِيَتْ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَفِي كُلَّمَا إذَا وُجِدَ فِعْلٌ انْحَلَّتْ بِاعْتِبَارِهِ وَبَقِيَتْ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُمَاثِلَةِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَوَّلُ أَوْ لَا. قُلْنَا: قَدْ اعْتَرَفْتُمْ بِثُبُوتِ عُمُومِ الْأَسْمَاءِ ضَرُورَةً وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى النَّظَرِ إلَى سَبَبِهِ، إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْعُمُومُ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ فَصَارَ الْحَاصِلُ كُلُّ تَزَوُّجٍ لِكُلِّ امْرَأَةٍ، وَفِي مِثْلِهِ تَنْقَسِمُ الْآحَادُ عَلَى الْآحَادِ ظَاهِرًا عَلَى مَا قَرَّرُوا فِي رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ وَ {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: 7] فَلَزِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا إذَا انْحَلَّتْ فِي فِعْلٍ انْحَلَّتْ فِي اسْمِهِ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْحِنْثُ فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا قَاسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَيُدْفَعُ بِأَنَّ
(4/124)

مَحْصُورٍ.

قَالَ (وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ) (لَا يُبْطِلُهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَبَقِيَ وَالْجَزَاءُ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ فَبَقِيَ الْيَمِينُ (ثُمَّ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي مِلْكِهِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ وُجِدَ الشَّرْطُ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلْجَزَاءِ فَيَنْزِلُ الْجَزَاءُ وَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ لِمَا قُلْنَا (وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَزَوَالَ الْمِلْكِ وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ (فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا مِثْلُ أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ عِنْدَ التَّسَاوِي وَهُوَ مُنْتَفٍ لِأَنَّ دَائِرَةَ عُمُومِ الْأَفْعَالِ أَوْسَعُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَفْرَادِهِ مَا يَتَحَقَّقُ بِالتَّكْرَارِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَقَدْ فُرِضَ عُمُومُهُ بِكُلَّمَا فَلَا يُعْتَبَرُ كُلُّ اسْمٍ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

(قَوْلُهُ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا) حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعْدَ التَّعْلِيقِ بِدُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِمَا إذَا زَالَ الْمِلْكُ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ، أَمَّا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ عَادَتْ فَدَخَلَتْ لَا تَطْلُقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي. ثُمَّ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي مِلْكِهِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ إلَى آخِرِ مَا فِي الْكِتَابِ، هَذَا وَكَمَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ خِلَافًا لَزُفَرَ كَذَلِكَ يَبْطُلُ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ لَحَاقِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا تَطْلُقُ خِلَافًا لَهُمَا. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا جَاءَ تَائِبًا مُسْلِمًا فَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَا يَنْقُصُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ شَيْءٌ عِنْدَهُ وَيَنْقُصُ عِنْدَهُمَا.

(قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الشَّرْطِ وَلِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ) وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تَدْخُلِي الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: لَمْ أَدْخُلْ وَقَالَ: دَخَلْت فَالْقَوْلُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَمَسِّكَةً بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الدُّخُولِ. وَلَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أُجَامِعْك فِي حَيْضَتِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: لَمْ يُجَامِعْنِي وَقَالَ: فَعَلْت فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ أَنَّهَا مُتَمَسِّكَةٌ بِظَاهِرَيْنِ عَدَمِ الْجِمَاعِ وَحُرْمَتِهِ فِي الْحَيْضِ الدَّاعِيَةِ إلَى عَدَمِهِ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ الطَّلَاقَ وَاسْتَحْضَرَ هُنَا مَا فِي النِّكَاحِ. لَوْ قَالَ: بَلَغَك الْخَبَرُ فَسَكَتَ وَقَالَتْ: رَدَدْت الْقَوْلُ قَوْلُهُ، خِلَافًا لِزُفَرَ لِهَذَا أَيْضًا فَهَذَا أَصْلٌ كُلِّيٌّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَهِيَ فِي طُهْرٍ خَالٍ عَنْ الْجِمَاعِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ: جَامَعْتُك فِي حَيْضَتِك فَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ لَهَا إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً لِأَنَّهُ يُرِيدُ إبْطَالَ حُكْمٍ وَاقِعٍ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُضَافَ سَبَبٌ فِي الْحَالِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ طَلَاقِ السُّنَّةِ بِالْفَرْضِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا) عَلَيْهِ الْأَرْبَعَةُ رَحِمَهُمْ
(4/125)

يَقُولَ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت طَلُقَتْ هِيَ وَلَمْ تَطْلُقْ فُلَانَةُ) وَوَقَعَ الطَّلَاقُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا تُصَدَّقُ كَمَا فِي الدُّخُولِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا كَمَا قُبِلَ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ وَالْغَشَيَانِ لَكِنَّهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا بَلْ هِيَ مُتَّهَمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اللَّهُ تَعَالَى. وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يَقَعُ وَتَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ بِإِدْخَالِ قُطْنَةٍ فِي فَرْجِهَا فِي زَمَانِ قَالَتْ ذَلِكَ. وَدُفِعَ بِأَنَّهَا أَمِينَةٌ مَأْمُورَةٌ بِإِظْهَارِ مَا فِي رَحِمِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] تَحْرِيمُ كِتْمَانِهَا أَمْرٌ بِالْإِظْهَارِ.
وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالْإِظْهَارِ تَرْتِيبُ أَحْكَامِ الْمُظْهِرِ، وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِهِ مَعَ أَنَّ إدْخَالَ الْقُطْنَةِ لَا يُوصِلُ إلَى عِلْمٍ وَلَا ظَنٍّ لِجَوَازِ أَخْذِ دَمٍ مِنْ الْخَارِجِ تَحَمَّلَتْ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ تَطْلُقْ فُلَانَةُ) هَذَا إذَا كَذَّبَهَا، أَمَّا إذَا صَدَّقَهَا طَلُقَتْ فُلَانَةُ أَيْضًا، وَكَذَا فِي جَمِيعِ نَظَائِرِهِ (قَوْلُهُ كَمَا قُبِلَ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ) أَيْ انْقِضَائِهَا، حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ لَمْ يُرَاجِعْهَا فَقَالَتْ لَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ تَحْتَمِلُ صِدْقَهَا قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي انْقَطَعَ حَقُّ الرَّجْعَةِ، أَوْ قَالَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ: انْقَضَتْ عِدَّتِي مِنْ فُلَانٍ وَالْمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ جَازَ لَهُ تَزَوُّجُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا (وَالْغَشَيَانُ) أَيْ حِلُّ الْوَطْءِ وَحُرْمَتُهُ، فَلَوْ قَالَتْ: أَنَا حَائِضٌ حَرُمَ أَوْ طَاهِرٌ حَلَّ، أَوْ قَالَتْ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا: تَزَوَّجْت بِثَانٍ وَغَشِيَنِي حَلَّتْ لَهُ. لَا يُقَالُ: إمَّا أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ أَوْ لَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي حَقِّهَا شَرْعًا الْإِخْبَارُ بِهِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ وَفِي حَقِّ ضَرَّتِهَا حَقِيقَتُهُ وَشَهَادَتُهَا عَلَى ذَلِكَ شَهَادَةُ فَرْدٍ وَإِخْبَارُهَا بِهِ لَا يَسْرِي فِي حَقِّهَا مَعَ التَّكْذِيبِ، وَلَا بَعْدُ فِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا غَيْرِهِ، كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى نَصِيبِهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْبَاقُونَ، وَالْمُشْتَرِي إذَا أَقَرَّ بِالْمَبِيعِ لِمُسْتَحِقٍّ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، هَذَا وَإِنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إذَا أَخْبَرَتْ بِالْحَيْضِ وَهُوَ قَائِمٌ، أَمَّا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَلَا لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ حِضْت حَيْضَةً حَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ حِضْت وَطَهُرْت وَأَنَا الْآنَ حَائِضٌ بِحَيْضَةٍ أُخْرَى لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا وَلَا يَقَعُ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ الشَّرْطِ حَالَ عَدَمِهِ، وَلَا يَقَعُ إلَّا إذَا أَخْبَرَتْ فِي الطُّهْرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْحَيْضَةِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ، وَهَذَا لِأَنَّهَا جُعِلَتْ أَمِينَةً شَرْعًا فِيمَا تُخْبِرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ضَرُورَةَ إقَامَةِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا فَلَا تَكُونُ مُؤْتَمَنَةً حَالَ عَدَمِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إذَا كَذَّبَهَا الزَّوْجُ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إذَا حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ فَقَالَتَا: حِضْنَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُمَا، فَإِنْ صَدَّقَ إحْدَاهُمَا وَكَذَّبَ
(4/126)

(وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ فَقَالَتْ أُحِبُّهُ)

أَوْ قَالَ: (إنْ كُنْت تُحِبِّينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ مَعَك فَقَالَتْ: أُحِبُّك) (طَلُقَتْ هِيَ وَلَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ وَلَا تَطْلُقُ صَاحِبَتُهَا) لِمَا قُلْنَا، وَلَا يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا لِأَنَّهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا إيَّاهُ قَدْ تُحِبُّ التَّخْلِيصَ مِنْهُ بِالْعَذَابِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأُخْرَى طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ، وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَقَالَ ذَلِكَ فَقُلْنَ: حِضْنَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُنَّ، وَكَذَا إنْ صَدَّقَ إحْدَاهُنَّ فَإِنْ صَدَّقَ ثِنْتَيْنِ فَقَطْ طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ دُونَ الْمُصَدَّقَاتِ. وَلَوْ كُنَّ أَرْبَعًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَطْلُقْنَ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُنَّ. وَكَذَا إنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا فَقَطْ طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ دُونَ الْمُصَدَّقَاتِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ حَيْضَ الْكُلِّ شَرْطٌ لِلْوُقُوعِ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَحِضْنَ جَمِيعًا، وَإِنْ حَاضَ بَعْضُهُنَّ يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ فَلَا يَثْبُتُ، وَإِنْ قُلْنَ جَمِيعًا: حِضْنَا لَا يَثْبُتُ حَيْضُ كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَّا فِي حَقِّ نَفْسِهَا إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَإِنْ صَدَّقَ الْبَعْضَ وَكَذَّبَ الْبَعْضَ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَاحِدَةً طَلُقَتْ هِيَ وَحْدَهَا لِتَمَامِ الشَّرْطِ فِي حَقِّهَا لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي نَفْسِهَا وَقَدْ صَدَّقَ غَيْرَهَا فَتَمَّ الشَّرْطُ فِيهَا وَلَا تَطْلُقُ غَيْرُهَا لِأَنَّ الْمُكَذَّبَةَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي غَيْرِهَا فَلَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ فِي الْغَيْرِ، وَإِنْ كَذَّبَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُكَذَّبَاتِ لَمْ يَثْبُتْ حَيْضُهَا إلَّا فِي حَقِّ نَفْسِهَا فَكَانَ الْمَوْجُودُ بَعْضَ الشَّرْطِ فَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى يُصَدَّقَ مَنْ سِوَاهَا جَمِيعًا.

(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ، إلَى قَوْلِهِ: لِمَا بَيَّنَّا) يُرِيدُ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا. وَقَوْلُهُ (وَلَا يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ نُزُولُ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهَا بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ صِدْقِهَا، فَأُمِنَا هُنَا فَكَذِبُهَا مُتَيَقَّنٌ فَكَيْفَ نَحْكُمُ بِالْجَزَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ. أَجَابَ بِمَنْعِ تَيَقُّنِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبْلُغُ بِهِ ضِيقُ الصَّدْرِ وَعَدَمُ الصَّبْرِ وَسُوءُ الْحَالِ إلَى دَرَجَةٍ يُحِبُّ الْمَوْتَ فِيهَا فَجَازَ أَنْ تَحْمِلَهَا شِدَّةُ بُغْضِهَا مَعَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ الذَّوْقِ لِلْعَذَابِ فِي الْحَالِ عَلَى تَمَنِّي الْخَلَاصِ مِنْهُ بِالْعَذَابِ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينِي بِقَلْبِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ: أُحِبُّك كَاذِبَةً طَلُقَتْ قَضَاءً وَدَيَّانَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ بِالْقَلْبِ فَذِكْرُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ فَصَارَ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا إنْ صَدَقَتْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَحَبَّةِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانُ خَلَفٌ عَنْهُ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْأَصْلِ يُبْطِلُ الْخُلُقِيَّةَ. قُلْنَا: بَلْ عَدَمُ إمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي قَلْبِهَا أَوْجَبَ النَّقْلَ إلَى الْخَلَفِ مُطْلَقًا فَاسْتَوَى التَّقْيِيدُ وَعَدَمُهُ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ بِالْقَلْبِ لَا تُعْتَبَرُ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كُنْت أَنَا أُحِبُّ كَذَا ثُمَّ قَالَ: لَسْت أُحِبُّهُ كَاذِبًا فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَاسْتَشْكَلَ السَّرَخْسِيُّ هَذَا بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي قَلْبِهَا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ مَا قُلْنَا إذْ الْقَلْبُ مُتَقَلِّبٌ لَا يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ، فَالْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ مُتَعَذِّرٌ، وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تُنَاطُ بِالْأُمُورِ
(4/127)

وَفِي حَقِّهَا إنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَفِي حَقِّ غَيْرِهَا بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصْلِ وَهِيَ الْمَحَبَّةُ

(وَإِذَا قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَأَتْ الدَّمَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى يَسْتَمِرَّ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ مَا يَنْقَطِعُ دُونَهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا (فَإِذَا تَمَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَكَمْنَا بِالطَّلَاقِ مِنْ حِينِ حَاضَتْ) لِأَنَّهُ بِالِامْتِدَادِ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ فَكَانَ حَيْضًا مِنْ الِابْتِدَاءِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا) لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْهَاءِ هِيَ الْكَامِلَةُ مِنْهَا، وَلِهَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الِاسْتِبْرَاءِ وَكَمَالُهَا بِانْتِهَائِهَا وَذَلِكَ بِالطُّهْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الظَّاهِرَةِ لَا الْخَفِيَّةِ، كَالرُّخْصَةِ بِالسَّفَرِ وَالْحَدَثِ بِالنَّوْمِ وَالْجَنَابَةِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَلْبِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَحَبَّةِ إنَّمَا يُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِالْحَيْضِ فِي أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ تَخْيِيرًا، حَتَّى لَوْ قَامَتْ وَقَالَتْ أُحِبُّك لَا تَطْلُقُ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَاذِبَةً تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْحَيْضِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ، وَلَا تَطْلُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً.

[فُرُوعٌ] .
فِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا شَيْئًا مِنْ السَّبِّ نَحْوُ قَرْطَبَانِ وَسَفَلَةٍ فَقَالَ: إنْ كُنْت كَمَا قُلْت: فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَمَا قَالَتْ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْغَالِبِ لَا يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَهَا بِالطَّلَاقِ كَمَا آذَتْهُ. وَقَالَ الْإِسْكَافُ فِيمَنْ قَالَتْ: يَا قَرْطَبَانُ فَقَالَ زَوْجُهَا: إنْ كُنْت أَنَا قَرْطَبَانِ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الشَّرْطَ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ فَتْوَى أَهْلِ بُخَارَى عَلَى الْمُجَازَاةِ دُونَ الشَّرْطِ.

(قَوْلُهُ فَكَانَ حَيْضًا مِنْ الِابْتِدَاءِ) وَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ فَيَقُولَ طَلُقَتْ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذَا الِاسْتِنَادِ فِيمَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَتَزَوَّجَتْ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ أَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ بِالْحَيْضِ عِتْقًا فَجَنَى الْعَبْدُ أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَمِرَّ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيُعْتَبَرُ فِي الْعَبْدِ جِنَايَةُ الْأَحْرَارِ، وَلَا تُحْسَبُ هَذِهِ الْحَيْضَةُ مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا بَعْضُ حَيْضَةٍ لِأَنَّهُ حِينَ كَانَ الشَّرْطُ رُؤْيَةَ الدَّمِ لَزِمَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ حَيْضِهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ) أَيْ يُحْكَمَ بِطُهْرِهَا عَنْ هَذَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ إنْ حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ حِضْت حَيْثُ لَا يَكُونُ الْأَوَّلُ بِدْعِيًّا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ فِي الطُّهْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي، ثُمَّ إنَّمَا يُحْكَمُ بِطُهْرِهَا فَيَقَعُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ بِالِاغْتِسَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ صَيْرُورَةِ الصَّلَاةِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَأَمَّا بِالْعَشَرَةِ فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْهَاءِ هِيَ الْكَامِلَةُ) عَنْ هَذَا لَوْ قَالَ نِصْفَ حَيْضَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا فِي حَيْضَةٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْكَامِلِ وَهِيَ لَا تَتَجَزَّأُ خِلَافًا لِزُفَرَ فِي قَوْلِهِ تَطْلُقُ بِحَيْضِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لِلتَّيَقُّنِ بِالنِّصْفِ. قُلْنَا: هَذَا نِصْفُ أَقْصَى مُدَّتِهِ لَا نِصْفُ الدُّرُورِ، وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَطْهُرْ ثُمَّ تَحِضْ. وَإِذَا قَالَ لِطَاهِرَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا طَهُرْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي شَرْطًا مُسْتَقْبَلًا وَهَذَا الْحَيْضُ قَدْ مَضَى بَعْضُهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، وَمَا مَضَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْيَمِينِ وَالْبَاقِي تَبَعٌ لِلْمَاضِي فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْيَمِينُ كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ الْمَاضِيَ، بِخِلَافِ
(4/128)

(وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا صُمْت يَوْمًا طَلُقَتْ حِينَ تَغِيبَ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تَصُومُ) لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إذَا صُمْت لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِمِعْيَارٍ وَقَدْ وُجِدَ الصَّوْمُ بِرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ.

(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَلَدْت غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِذَا وَلَدْت جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا أَوَّلُ لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ تَطْلِيقَةٌ، وَفِي التَّنَزُّهِ تَطْلِيقَتَانِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ) لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ لَا تَقَعُ أُخْرَى بِهِ لِأَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا وَقَعَتْ تَطْلِيقَتَانِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ ثُمَّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ آخَرُ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِذًا فِي حَالٍ تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَفِي حَالٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِالثِّنْتَيْنِ تَنَزُّهًا وَاحْتِيَاطًا، وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ بِيَقِينٍ لِمَا بَيَّنَّا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ تَحِيضِي حَيْضَةً بِشَهْرٍ حَيْثُ تَطْلُقُ إذَا حَاضَتْ فَلَا يُنْتَظَرُ الطُّهْرُ، وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ الِاسْتِبْرَاءِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «أَلَا لَا تُنْكَحُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إذَا صُمْت لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِمِعْيَارٍ) إذْ لَمْ يَقُلْ إذَا صُمْت يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَا يُسَمَّى صَوْمًا فِي الشَّرْعِ وَقَدْ وُجِدَ الصَّوْمُ بَرَكَتُهُ وَشَرْطُهُ بِإِمْسَاكِ سَاعَةٍ فَيَقَعُ بِهِ وَإِنْ قَطَعَتْهُ بَعْدَهُ، وَكَذَا إذَا صُمْت فِي يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرِطْ كَمَالَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّرَهُ بِمِعْيَارٍ كَإِذَا صُمْت يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي صَامَتْ فِيهِ. وَنَظِيرُ إذَا صُمْت يَوْمًا إذَا صُمْت صَوْمًا لَا يَقَعُ إلَّا بِتَمَامِ يَوْمٍ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمِعْيَارٍ، وَإِذَا صَلَّيْت صَلَاةً يَقَعُ بِرَكْعَتَيْنِ، وَفِي إذَا صَلَّيْت يَقَعُ بِرَكْعَةٍ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَلَدْت غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِذَا وَلَدْت جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ بِالسَّابِقِ وَلَا يَقَعُ بِاللَّاحِقِ شَيْءٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُقَارِنَ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا يَقَعُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ، وَتَقْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحٌ مِنْ الْكِتَابِ. وَمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ مَعًا.
قِيلَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَوَّلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ وِلَادَتَهُمَا مَعًا وَقَعَ الثَّلَاثُ وَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ. وَلَوْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَتَيْنِ وَلَا يَدْرِي أَوَّلَهُمْ وَقَعَ ثِنْتَانِ فِي الْقَضَاءِ وَثَلَاثٌ فِي التَّنَزُّهِ لِأَنَّ الْغُلَامَ إنْ كَانَ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَاحِدَةً بِهِ وَثِنْتَيْنِ بِالْجَارِيَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي مَا بَقِيَ فِي الْبَطْنِ وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ آخِرًا يَقَعُ ثِنْتَانِ بِالْجَارِيَةِ الْأُولَى وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِيَةِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِالْجَارِيَةِ انْحَلَّتْ بِالْأُولَى، وَلَا يَقَعُ بِالْغُلَامِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ حَالَ
(4/129)

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو وَأَبَا يُوسُفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَبَانَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَكَلَّمَتْ أَبَا عَمْرٍو ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَكَلَّمَتْ أَبَا يُوسُفَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَعَ الْوَاحِدَةِ الْأُولَى) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَقَعُ، وَهَذِهِ عَلَى وُجُوهٍ: (أَمَّا إنْ وُجِدَ الشَّرْطَانِ فِي الْمِلْكِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَهَذَا ظَاهِرٌ، أَوْ وُجِدَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ، أَوْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فِي الْمِلْكِ وَالثَّانِي فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ أَيْضًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ) أَوْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَالثَّانِي فِي الْمِلْكِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ الْخِلَافِيَّةُ. لَهُ اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي إذْ هُمَا فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَلَنَا أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ حَالَةُ التَّعْلِيقِ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَتُرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثٍ وَثِنْتَيْنِ فَيُحْكَمُ بِالْأَقَلِّ قَضَاءً وَبِالْأَكْثَرِ تَنَزُّهًا.
وَلَوْ وَلَدَتْ غُلَامَيْنِ وَجَارِيَةً لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَفِي التَّنَزُّهِ ثَلَاثٌ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْغُلَامَانِ أَوَّلًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِأَوَّلِهِمَا وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِي شَيْءٌ وَلَا بِالْجَارِيَةِ الْأَخِيرَةِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَوَّلًا أَوْ وَسَطًا وَقَعَ ثِنْتَانِ بِهَا وَوَاحِدَةً بِالْغُلَامِ بَعْدَهَا أَوْ قَبْلَهَا فَتَرَدَّدَ بَيْنَ ثَلَاثٍ وَوَاحِدَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَطَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ جَارِيَةً فَثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ حَمْلَك اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّهُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ الْكُلُّ جَارِيَةً أَوْ غُلَامًا لَا يَقَعُ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا وَالْبَاقِي بِحَالِهِ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا فِي هَذَا الْعِدْلِ حِنْطَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ دَقِيقًا فَطَالِقٌ فَإِذَا فِيهِ حِنْطَةٌ وَدَقِيقٌ لَا تَطْلُقُ. وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَالْبَاقِي بِحَالِهِ وَقَعَ الثَّلَاثُ. وَفِي الْجَامِعِ: لَوْ قَالَ: إنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَطَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَوْجُودٌ فِي الْمُقَيَّدِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو وَأَبَا يُوسُفَ) حَاصِلُ مَبْنَى الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ الشَّرْطَ فِعْلًا مُتَعَلِّقًا بِشَيْئَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا نَحْوُ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَهَذِهِ اُشْتُرِطَ لِلْوُقُوعِ قِيَامُ الْمِلْك عِنْدَ آخِرِهِمَا عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقِيَاسُهُ فِيمَا إذَا كَانَ فِعْلًا قَائِمًا بِاثْنَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَائِمٌ بِهِمَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مِثْلُ إنْ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّ الشَّرْطَ مَجِيئُهُمَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ إلَّا أَنْ يَجِيءَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ إذَا حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ، وَجَعَلَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ مِنْ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِذَاكَ لِأَنَّ تَعَدُّدَهُ بِتَعَدُّدِ فِعْلِ الشَّرْطِ وَلَا تَعَدُّدَ فِي الْفِعْلِ هُنَا بَلْ فِي مُتَعَلَّقِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدُهُ تَعَدُّدَهُ، فَإِنَّهَا لَوْ كَلَّمَتْهُمَا مَعًا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَغَايَتُهُ تَعَدُّدٌ بِالْقُوَّةِ.
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ اعْتِبَارُ الْأَوْلَى مِنْ الْوَصْفَيْنِ بِالثَّانِي فِي وُجُوبِ قِيَامِ الْمِلْكِ عِنْدَهُ إذْ هُمَا فِي حُكْمِ هَذَا الطَّلَاقِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (وَلَنَا أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ) وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ الْأَهْلِيَّةِ: قِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَكَوْنُ الشَّرْطِ الْمِلْكَ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ
(4/130)

لِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَتَصِحُّ الْيَمِينُ وَعِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لِيَنْزِلَ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْأَوَّلِ غَالِبَ الْوُجُودِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ نَظَرًا إلَى ظُهُورِ الِاسْتِصْحَابِ وَمُتَيَقَّنُهُ فِي الثَّانِي، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْإِخَافَةُ الْحَامِلَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ أَوْ الْفِعْلِ، فَإِذَا تَمَّتْ لَا يُحْتَاجُ فِي بَقَائِهَا إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ بَقَاءَهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ حَقِيقَتِهَا بِقِيَامِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِوُقُوعِ الْحِنْثِ وَالْحِنْثُ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ الْأَخِيرِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ إلَّا عِنْدَهُ، وَهَذَا مَا وَعَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ.
وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فَتَحَقُّقُهُمَا حَقِيقَةً بِتَكْرَارِ أَدَاتِهِمَا وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ بِوَاوٍ وَبِغَيْرِهِ، أَمَّا الثَّانِي فَكَقَوْلِهِ إنْ أَكَلْت إنْ لَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَلْبَسْ ثُمَّ تَأْكُلْ فَتَقَدَّمَ الْمُؤَخَّرُ وَهَذَا الَّذِي سَمَّاهُ مُحَمَّدٌ اعْتِرَاضُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ. وَصُورَتُهُ فِي الْجَامِعِ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا فَهِيَ طَالِقٌ يُقَدَّمُ الْمُؤَخَّرُ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ وَاسْتَغْنَى عَنْ اللِّقَاءِ بِتَقْدِيمِ الْجَزَاءِ، فَالْكَلَامُ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَالتَّزَوُّجُ شَرْطُ الِانْحِلَالِ، وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] الْمَعْنَى: إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ وقَوْله تَعَالَى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} [الأحزاب: 50] فَالْجَوَابُ أَحْلَلْنَا لَك امْرَأَةً مُؤْمِنَةً بَعْدَ هِبَتِهَا نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ؛ فَالْمَعْنَى: إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَنْكِحَ مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ أَحْلَلْنَاهَا.
قِيلَ وَيَحْتَمِلُ تَأَخُّرَ إرَادَتِهِ لِأَنَّهَا كَالْقَبُولِ، فَالْمَعْنَى: إنْ وَهَبَتْ مُؤْمِنَةٌ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ فَإِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ: أَيْ قَبْلَ أَحْلَلْنَاهَا. وَوَجْهُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّرْطَانِ شَرْطًا وَاحِدًا لِنُزُولِ الْجَزَاءِ لِعَدَمِ الْعَطْفِ وَإِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَأَقَرَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْكَلَامُ فِي مُوجِبِ اللَّفْظِ وَلَا الشَّرْطُ الثَّانِي مَعَ مَا بَعْدَهُ هُوَ الْجَزَاءُ لِلْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ وَنِيَّةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَخَفُّ مِنْ إضْمَارِ الْحَرْفِ لِأَنَّهُ تَصْحِيحٌ لِلْمَنْطُوقِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ آخَرَ فَكَانَ قَوْلُهُ إنْ أَكَلْت مُقَدَّمًا مِنْ تَأْخِيرٍ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الْجَوَابِ الْمُتَأَخِّرِ، وَالتَّقْدِيرُ إنْ لَبِسْت فَإِنْ أَكَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ لُزُومِ التَّنْجِيزِ فِي مِثْلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ لُزُومِ إضْمَارِ الْفَاءِ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْكَسَ التَّرْتِيبُ. وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمِلْكِ عِنْدَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ كَلَّمَتْ فُلَانًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ طَلُقَتْ انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَكَانَ الْمُتَقَدِّمُ شَرْطَ الِانْحِلَالِ فَيُعْتَبَرُ الْمِلْكُ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُك إنْ وَعَدْتُك إنْ سَأَلْتنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَسْأَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَعِدُهَا ثُمَّ يُعْطِيهَا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَطِيَّةِ الْوَعْدَ وَفِي الْوَعْدِ السُّؤَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ سَأَلْتَنِي إنْ وَعَدْتُك إنْ أَعْطَيْتُك، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ بِإِذَا، فَإِنْ كَانَ بِإِنْ تَطْلُقَ لِوُجُودِهِمَا كَيْفَ كَانَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي ذَلِكَ " إذَا " لَا " إنْ ".
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ ذَكَرَ بِكَلِمَةِ إنْ أَوْ مَتَى فَأَيُّهُمَا قَدِمَ أَوَّلًا يَقَعُ الطَّلَاقُ
(4/131)

الْحَالُ حَالُ بَقَاءِ الْيَمِينِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ قِيَامِ الْمِلْكِ إذْ بَقَاؤُهُ بِمَحَلِّهِ وَهُوَ الذِّمَّةُ.

(وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا آخَرَ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: هِيَ طَالِقٌ مَا بَقِيَ مِنْ الطَّلَاقِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَهُمَا فَتَعُودُ إلَيْهِ بِالثَّلَاثِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَتَعُودُ إلَيْهِ مَا بَقِيَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَا يُنْتَظَرُ قُدُومُ الْآخَرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ يَمِينٌ تَامٌّ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي لَا جَزَاءَ لَهُ، فَإِذَا عُطِفَ عَلَى شَرْطٍ تَعَلَّقَ بِهِ جَزَاؤُهُ: أَيْ تَعَلَّقَ جَزَاؤُهُ بِعَيْنِهِ بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ تِلْكَ التَّطْلِيقَةَ، فَلِذَا لَوْ قَدِمَا مَعًا لَمْ يَقَعْ إلَّا طَلَاقٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا إذَا خَلَّلَ الْجَزَاءَ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ فَقَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ أَيُّهُمَا سَبَقَ وَقَعَ، ثُمَّ لَا يَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ الثَّانِي شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَقَعَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ تَطْلِيقَةٌ فَتَقَعُ أُخْرَى عِنْدَ الثَّانِي، وَإِنْ أَخَّرَ الْجَزَاءَ فَقَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَإِذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَقَعُ حَتَّى يَقْدُمَا لِأَنَّهُ عَطَفَ شَرْطًا مَحْضًا عَلَى شَرْطٍ لَا حُكْمَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَاءَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَصَارَ شَرْطًا وَاحِدًا فَلَا يَقَعُ إلَّا بِوُجُودِهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِأَوَّلِهِمَا صَارَ عَطْفًا عَلَى الْيَمِينِ كَالْأَوَّلِ لَا عَلَى الشَّرْطِ فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِأَحَدِهِمَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ بِنِيَّةِ تَقْدِيمِ الْجَزَاءِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَفِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا إذَا عَطَفَ بِلَا أَدَاةِ شَرْطٍ كَانَ الْمَجْمُوعُ شَرْطًا وَاحِدًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ نَوَى إضْمَارًا كَلِمَةَ الشَّرْطِ، كَذَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ.
[تَنْبِيهٌ]
يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ الِاتِّصَالُ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَعُرُوضُ اللَّغْوِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزَاءِ فَاصِلٌ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ.
وَفِي الْجَامِعِ: لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَعَلَّقُ اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَغْوٌ كَقَوْلِهِ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ، بِخِلَافِ وَحُرٌّ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِلَفْظِهِ لَا يَكُونُ بِالْوَاوِ، فَإِنَّمَا يُشَاكِلُهُ حُرٌّ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا يُعْتَقُ فِيهِ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ السُّكُوتَ وَالْعَطْفَ لَا يَمْنَعَانِ الْعَطْفَ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ لِأَنَّ الْعَطْفَ غَيْرُ مُغَيِّرٍ بَلْ مُقَرَّرٌ، بِخِلَافِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا تَعَقَّبَ الشَّرْطُ أَجْزِيَةً لَيْسَتْ أَيْمَانًا تَامَّةً ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَرِيبِ قَيْدِ الْكُلِّ. وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدُهُ حُرٌّ وَإِنْ كَلَّمْت فُلَانًا يَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ، وَعَنْ هَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا إنْ دَخَلَتْ صَحَّ التَّعْلِيقُ فَيَتَعَلَّقُ الثَّلَاثُ.

(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَطَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ إلَخْ) فَائِدَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ لِلِاتِّفَاقِ فِيهَا عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّ الْبَاقِيَ وَاحِدَةٌ بِهَا يَكْمُلُ الثَّلَاثُ.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالثَّلَاثُ الْمُعَلَّقَةُ بِوَاسِطَةِ مِلْكِهِ ثِنْتَيْنِ بِالْهَدْمِ مَعَ الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ نَجَزَ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ؛ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى تَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً، وَعِنْدَهُمَا لَا إذْ يَمْلِكُ بَعْدَ
(4/132)

وَسَنُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعْت إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ ثَلَاثٌ مُطْلَقٌ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَقَدْ بَقِيَ حَتَّى وُقُوعِهَا فَتَبْقَى الْيَمِينُ. وَلَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَانِعَةُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ وَالْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ، وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْوُقُوعِ ثِنْتَيْنِ (قَوْلُهُ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ) وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ الْجَزَاءِ غَالِبَ الْوُقُوعِ لِتَحَقُّقِ الْإِخَافَةِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ عَدَمُ الْعَوْدِ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّزَوُّجِ بِغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ بِهِ عَدَمُ فِرَاقِهَا وَعَوْدُهَا إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُعْقَدُ لِلْعُمْرِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُ الْمِلْكِ الْقَائِمِ مُرَادًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْيَمِينِ بِاعْتِبَارِهِ فَتَقَيَّدَ الْإِطْلَاقُ بِهِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ: أَعْنِي إرَادَةَ الْيَمِينِ.
وَأَيْضًا بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ خَرَجَتْ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لَهُ، وَإِنَّمَا تَحْدُثُ مَحَلِّيَّتُهَا بَعْدَ الثَّانِي فَصَارَتْ كَالْمُرْتَدَّةِ تَحْدُثُ مَحَلِّيَّتُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَبُطْلَانُ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْجَزَاءِ يُبْطِلُ الْيَمِينَ كَفَوْتِ مَحِلِّ الشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَتْ
(4/133)

(وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَجَامَعَهَا فَلَمَّا الْتَقَى الْخِتَانَانِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ) وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمَهْرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِوُجُودِ الْجِمَاعِ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلِاتِّحَادِ) وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْجِمَاعَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ وَلَا دَوَامَ لِلْإِدْخَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَ ثُمَّ أَوْلَجَ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِدْخَالُ بَعْدَ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِشُبْهَةِ الِاتِّحَادِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَجْلِسِ وَالْمَقْصُودِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْعُقْرُ إذْ الْوَطْءُ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِاللَّبَاثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا لَا يَقَعُ الْيَمِينُ فَهَذَا كَذَلِكَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ حَيْثُ يُعْتَقُ لِأَنَّ مَحَلِّيَّتَهُ بِالرِّقِّ وَلَمْ تَزُلْ بِالْبَيْعِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ حَيْثُ يَقَعُ الْمُعَلَّقُ، خِلَافًا لِزُفَرَ حَيْثُ يُوقِعُ الْوَاحِدَةَ الْبَاقِيَةَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْتَفَادَ حِلًّا جَدِيدًا بِمِلْكٍ جَدِيدٍ يَمْلِكُ بِهِ الثَّلَاثَ لِأَنَّ عَدَمَ بَقَاءِ الْيَمِينِ بِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ وَلَمْ تَزُلْ بِالطَّلْقَتَيْنِ فَكَانَتْ بَاقِيَةً حَالَ عَوْدِهَا إلَيْهِ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُ أَفَاضِلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةٌ كَقَوْلِ زُفَرَ لِقَوْلِهِمْ الْمُعَلَّقُ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ هَذَا الْمِلْكِ لَيْسَ إلَّا وَاحِدَةٌ فَكَانَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّمَا تَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مِلْكِهِ سِوَاهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ مَشْرُوطَةٌ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ الثَّلَاثُ مَا دَامَ مِلْكُهُ لَهَا، فَإِذَا زَالَ بَقِيَ الْمُعَلَّقُ ثَلَاثًا مُطَلَّقَةً كَمَا هُوَ اللَّفْظُ لَكِنْ بِشَرْطِ بَقَائِهَا مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، فَإِذَا نَجَزَ ثِنْتَيْنِ زَالَ مِلْكُ الثَّلَاثِ فَبَقِيَ الْمُعَلَّقُ ثَلَاثًا مُطَلَّقَةً مَا بَقِيَتْ مَحَلِّيَّتُهَا وَأَمْكَنَ وُقُوعُهَا، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي تَنْجِيزِهِ الثِّنْتَيْنِ فَيَقَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ فَدَخَلَتْ حَيْثُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ لَا الْحِلُّ الْأَصْلِيُّ، إلَّا أَنَّ قِيَامَ النِّكَاحِ مِنْ شَرْطِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْمَشْرُوطِ كَالشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ، أَمَّا الطَّلَاقُ فَتَحْرِيمُ الْحِلِّ، وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الطَّلَقَاتِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَجَامَعَهَا فَلَمَّا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَقَعَ الثَّلَاثُ) ثُمَّ لَمْ يُخْرِجْهُ فِي الْحَالِ بَلْ لَبِثَ سَاعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَهْرُ: أَيْ الْعُقْرُ بِهَذَا اللُّبْثِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ (وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك) فَأَنْتِ حُرَّةٌ عَتَقَتْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِذَا مَكَثَ بَعْدَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقْرٌ لَهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعُقْرَ فِي الْفَصْلَيْنِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ بِالدَّوَامِ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَالْحُرِّيَّةِ وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَبَقِيَ الْعُقْرُ (وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْجَامِعَ الْإِدْخَالُ وَلَيْسَ لَهُ دَوَامٌ) حَتَّى يَكُونَ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَ ثُمَّ أَوْلَجَ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِدْخَالُ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ لِشُبْهَةِ الِاتِّحَادِ: أَيْ فِيهِ شُبْهَةُ أَنَّهُ جِمَاعٌ
(4/134)

لِوُجُودِ الْمِسَاسِ، وَلَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَوْلَجَ صَارَ مُرَاجِعًا بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَاحِدٌ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلُهُ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ فَلَا يَكُونُ آخِرُهُ مُوجِبًا لَهُ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْبَضْعِ الْمُحْتَرَمِ لَا يَخْلُو عَنْ حَدٍّ زَاجِرٍ أَوْ مَهْرٍ جَابِرٍ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَجْعِيًّا يَصِيرُ مُرَاجَعًا بِاللَّبَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ بِتَعَرُّضِ لِلْبَضْعِ عَلَى مَا مَرَّ فَلَمْ يُوجَبْ سَبَبٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلرَّجْعَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجَعًا بِالْإِجْمَاعِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَإِنْ لَبِثَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَنْزِعْ وَجَبَ مَهْرَانِ مَهْرٌ بِالْوَطْءِ وَمَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ الْإِدْخَالَ لِأَنَّ دَوَامَهُ عَلَى ذَلِكَ فَوْقَ الْخَلْوَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]
وَهُوَ بَيَانٌ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَمْ يَرِدْ بِحُكْمِ الصَّدْرِ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ حَدًّا اسْمِيًّا لِمَفْهُومِ لَفْظِ اسْتِثْنَاءٍ اصْطِلَاحًا عَلَى أَنَّهُ مُتَوَاطِئٌ، وَعَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِخْرَاجِ لِبَعْضِ الْجِنْسِ مِنْ الْحُكْمِ مَجَازٌ فِيهِ لِبَعْضِ غَيْرِهِ، يُرَادُ الْكَائِنُ بَعْضُ الْجِنْسِ فِي الْمُتَّصِلِ وَيُقَيَّدُ بِغَيْرِهِ فِي الْمُنْقَطِعِ.
وَالْأَوْجَهُ كَوْنُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ إلَّا حَقِيقَةٌ فِي الْإِخْرَاجِ لِبَعْضِ الْجِنْسِ مِنْ الْحُكْمِ فَقَطْ، وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَيْضًا بِالتَّوَاطُؤِ وَالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فَإِنَّهُ أَفْيَدُ، بِخِلَافِ مَعْنَى لَفْظِ اسْتِثْنَاءٍ فَإِنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَلْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَأُلْحِقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالتَّعْلِيقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَنْعِ الْكَلَامِ مِنْ إثْبَاتِ مُوجَبِهِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ الْكُلَّ وَالِاسْتِثْنَاءَ الْبَعْضَ، وَقَدَّمَ مَسْأَلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ لِمُشَابَهَتِهَا الشَّرْطَ فِي مَنْعِ الْكُلِّ، وَذَكَرَ أَدَاةَ التَّعْلِيقِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَهْيَعَةٍ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لَا إلَى غَايَةٍ، وَالشَّرْطُ مَنْعٌ إلَى غَايَةِ تَحَقُّقِهِ كَمَا يُفِيدُهُ: أُكْرِمُ بَنِي تَمِيمٍ إنْ دَخَلُوا، وَلِذَا لَمْ يُورِدْهُ فِي بَحْثِ التَّعْلِيقَاتِ، وَلَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ اسْمٌ تَوْقِيفِيٌّ، قَالَ تَعَالَى {وَلا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18]
(4/135)

(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَيْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلِلْمُشَارَكَةِ فِي الِاسْمِ أَيْضًا اُتُّجِهَ ذِكْرُهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي صِيَغِ الْإِخْبَارِ وَإِنْ كَانَ إنْشَاءَ إيجَابٍ لَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
لَوْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَبْدِي بَعْدَ مَوْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَهُمْ عِتْقُهُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْ عَبْدِي هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ لِلْمَأْمُورِ بَيْعُهُ. قِيلَ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَقَعُ مُلْزِمًا فَيَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَذَكَرَهُ لَيْسَ إلَّا ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ لَا يَقَعُ مُلْزِمًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى عَزْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِيَجِبَ اعْتِبَارُ صِحَّتِهِ.
وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ: كُلُّ مَا يَخْتَصُّ بِاللِّسَانِ يُبْطِلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ كَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ كَالصَّوْمِ لَا يَرْفَعُهُ لَوْ قَالَ: نَوَيْت صَوْمَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَدَاؤُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَهَلْ الشَّرْطُ فِي صِحَّتِهِ تَصْحِيحُ حُرُوفِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ أَنْ يَسْمَعَهُ؟ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَخْ) وَكَذَا إذَا قَالَ: إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ فِيمَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ شَاءَ الْجِنُّ أَوْ الْحَائِطُ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ لَمْ يَقَعْ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، حَتَّى لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَقَعُ. وَحُكِيَ عِنْدَنَا فِيهِ خِلَافٌ قَالَ خَلْفٌ: يَقَعُ، وَقَالَ أَسَدٌ لَا يَقَعُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ طَلَاقًا، وَقَالَ: رَأَيْت أَبَا يُوسُفَ فِي النَّوْمِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَا يَقَعُ، فَقُلْت لِمَ؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَوْ غَيْرُ طَالِقٍ أَكَانَ يَقَعُ؟ قُلْت: لَا، قَالَ كَذَا هَذَا، وَكَذَا إذَا لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَصَارَ كَسُكُوتِ الْبِكْرِ إذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا فَسَكَتَتْ وَلَا تَدْرِي أَنَّ السُّكُوتَ رِضًا يَمْضِي بِهِ الْعَقْدُ عَلَيْهَا.
وَفِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ خِلَافٌ فِي النِّيَّةِ. قِيلَ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ قَبْلَ فَرَاغِهِ، وَقِيلَ: وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَقِيلَ: وَلَوْ بِالْقُرْبِ مِنْ الْكَلَامِ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهَا بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ مَا فِيهِ مَوْصُولًا اسْمِيًّا فَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَطْلُقَ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لِأَنَّ الْغَيْبَ هُوَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْوَاقِعِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلَا شَكَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ الْمَذْكُورُ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَيَحْتَمِلُ كَوْنَهَا حَرْفِيًّا: أَيْ مُدَّةَ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَلَا تَطْلُقُ، فَالْحُكْمُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِالْمُنَجَّزِ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُقُوعِ مَعَ الْمَشِيئَةِ إذَا كَانَ الْأَظْهَرُ كَوْنُهَا الْمَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ لِيَتَرَجَّحَ تَعْلِيقُهُ بِالْمَشِيئَةِ، لَكِنْ الثَّابِتَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا مَوْصُولًا اسْمِيًّا، ثُمَّ لَا يَقَعُ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً إذَا قُلْنَا بِتَسَاوِي اسْتِعْمَالَيْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرَادَ الظَّرْفَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَعَلِمْت أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَهُوَ تَمْلِيكٌ مِنْهُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ مَجْلِسُ عِلْمِهِ، فَإِنْ شَاءَ فِيهِ طَلُقَتْ وَإِلَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَوْ يُرِيدُ أَوْ يَجِبُ أَوْ يَرْضَى أَوْ يَهْوَى أَوْ يَرَى أَوْ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ تَقَيَّدَ بِمَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إخْبَارُ فُلَانٍ بِلِسَانِهِ لَا مَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ بِقَلْبِهِ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ وَأَخَوَاتِهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَلَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْعِبَارَةُ فَيُقَامُ مَقَامَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَكَذَا إذَا أَضَافَ الْمَشِيئَةَ وَالثَّلَاثَةَ بَعْدَهَا إلَيْهِ تَعَالَى بِالْبَاءِ فَقَالَ: طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، إذْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَالْكَائِنُ فِي التَّعْلِيقِ إلْصَاقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ وَإِنْ أَضَافَ الْأَرْبَعَةَ وَمَا بَعْدَهَا بِالْبَاءِ إلَى الْعَبْدِ كَانَ تَمْلِيكًا، وَإِنْ قَالَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِحُكْمِهِ أَوْ بِقَضَائِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ أَضَافَهُ إلَيْهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ فِي مِثْلِهِ التَّنْجِيزُ عُرْفًا، وَإِنْ قَالَ بِحَرْفِ اللَّامِ يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ
(4/136)

لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كُلِّهَا، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإِيقَاعِ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ لِدُخُولِك الدَّارَ.
وَإِنْ قَالَ بِحَرْفِ " فِي " إنْ أَضَافَهُ إلَيْهِ تَعَالَى لَا يَقَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إلَّا فِي قَوْلِهِ طَالِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ إلَّا فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ لِلْمَعْلُومِ وَهُوَ وَاقِعٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ تَعَالَى بِحَالٍ فَكَانَ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا، وَلَا يَلْزَمُ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا هُنَا التَّقْدِيرُ، وَقَدْ يُقَدِّرُ شَيْئًا وَقَدْ لَا يُقَدِّرُهُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ حَقِيقَةَ قُدْرَتِهِ تَعَالَى يَقَعُ فِي الْحَالِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُرَادَ الْعِلْمُ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِذَا كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهَا طَالِقٌ فَهُوَ فَرْعٌ تَحَقَّقَ طَلَاقًا، وَكَذَا نَقُولُ الْقُدْرَةُ عَلَى مَفْهُومِهَا وَلَا يَقَعُ، لِأَنَّ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَيْ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى وُقُوعُهُ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ سَبْقَ تَحَقُّقِهِ. يُقَالُ لِلْفَاسِدِ الْحَالِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ صَلَاحُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقُهُ فِي الْحَالِ. وَفِيهِ أَيْضًا: وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْعَبْدِ بِفِي كَانَ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ وَمَا بِمَعْنَاهَا مِنْ الْهَوَى وَالرُّؤْيَةِ تَعْلِيقًا فِي السِّتَّةِ الْأَوَاخِرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْجِيزِ بِقَوْلِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فِي إرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوعُ، بِخِلَافِ تَوْجِيهِنَا.
وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ وَثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَحِقَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فَبَطَلَ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَشَاءَ اللَّهُ فَيُعْدَمُ الشَّرْطُ فَلَمْ يَقَعْ فَكَانَ فِي تَصْحِيحِهِ إبْطَالُهُ؛ وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَاحِدَةً الْيَوْمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَثِنْتَيْنِ فَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا وَقَعَ ثِنْتَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَاحِدَةَ فِي الْيَوْمِ لَطَلَّقَهَا فِيهِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ الْوَاحِدَةَ فَتَحَقَّقَ شَرْطُ وُقُوعِ الثِّنْتَيْنِ وَهُوَ عَدَمُ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى الْوَاحِدَةَ بِخِلَافِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِ الثِّنْتَيْنِ فِيهَا عَدَمُ مَشِيئَتِهَا فَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهَا مَعَ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَسْأَلَتَانِ مَذْكُورَتَانِ فِي النَّوَازِلِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ قَالَ: طَالِقٌ الْيَوْمَ ثِنْتَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فِي الْيَوْمِ فَطَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَوَجْهُهُ مَا بَيَّنَّاهُ.
وَقَالَ: لَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْيَوْمِ فِي الْيَمِينَيْنِ فَهُوَ إلَى الْمَوْتِ، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ ثَلَاثًا بِلَا فَصْلٍ، وَقَدْ ظَنَّ أَنَّهُ مُخَالِفُ مَسْأَلَةِ النَّوَازِلِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُنْتَقَى تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى التَّطْلِيقَتَيْنِ وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، إذْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى التَّطْلِيقَتَيْنِ لِأَوْقَعَهُمَا الزَّوْجُ.
وَفِي مَسْأَلَةِ النَّوَازِلِ تَعْلِيقُ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إيَّاهُمَا فَلَا يَقَعَانِ أَبَدًا (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ» إلَخْ) غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ مَرْوِيٌّ. أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى» لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنَ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ أَيُّوبُ أَحْيَانًا يَرْفَعُهُ وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الرَّفْعِ لِمَا قَدَّمْنَا فِي نَظَائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ تَعَارُضِ الْوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ لَفْظِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الْمُورَدِ فِي الْيَمِينِ لَا يَتِمُّ فِي مُجَرَّدِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْكَعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ لِغُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ عَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ»
(4/137)

وَلِأَنَّهُ أَتَى بِصُورَةٍ الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّهُ إعْدَامٌ قَبْلَ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ هَاهُنَا فَيَكُونُ إعْدَامًا مِنْ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (وَلَوْ سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهُوَ مَعْلُولٌ بِإِسْحَاقَ، هَذَا نُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَلَمْ يُعْلَمْ تَوْثِيقُهُ عَنْ غَيْرِهِمَا. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» ضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِحُمَيْدٍ، وَتَعَدُّدُ طُرُقِ الضَّعِيفِ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُهُ إلَى الْحَسَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَعْفُهُ بِالْوَضْعِ، لَكِنْ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّعَدُّدِ لَا يَكْفِي (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِصُورَةِ الشَّرْطِ) أَيْ بِحَرْفِهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا ثَابِتَةٌ قَطْعًا أَوْ مُنْتَفِيَةٌ قَطْعًا فَلَا تَرَدُّدَ فِي حُكْمِهَا، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَهُوَ تَعْلِيقٌ (فَيَكُونُ تَعْلِيقًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.
(وَأَنَّهُ إعْدَامٌ) أَيْ التَّعْلِيقُ إعْدَامُ الْعَلِيَّةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ وَالشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ هُنَا فَيَكُونُ إعْدَامًا مِنْ الْأَصْلِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ إبْطَالٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] وَقَالَ:
إذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْت أَهْلِي ... وَعَادَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ مُلَاحَظَةً لِلصِّيغَةِ وَهُمَا لَاحَظَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَوْلَى، وَقَدْ نُقِلَ الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى عَكْسِهِ.
وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلُقُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِعَدَمِ الْفَاءِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهَا فَلَا يَتَعَلَّقُ وَلَا تَطْلُقُ عَلَى الْإِبْطَالِ. وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنَّفِ عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ غَلَطٌ فَاجْتَنِبْهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفِيمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ يَمِينَيْنِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَعَبْدِي حُرٌّ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَى التَّعْلِيقِ يَعُودُ إلَى الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ كَلَّمَتْ زَيْدًا لَا يَقَعُ، وَلَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ يَقَعُ، وَعَلَى الْإِبْطَالِ إلَى الْكُلِّ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِالْإِبْطَالِ، فَلَوْ كَلَّمَتْ زَيْدًا أَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَقَعُ، وَلَوْ أَدْخَلَهُ فِي الْإِيقَاعَيْنِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ فَلَا تَطْلُقُ وَلَا يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِمَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِالْإِبْطَالِ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ وَالشَّرْطُ إذَا دَخَلَ عَلَى إيقَاعَيْنِ يَتَعَلَّقَانِ بِهِ، وَفِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَقَالَهُ حَنِثَ عَلَى التَّعْلِيقِ لَا الْإِبْطَالِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّهُ عَزَى إلَيْهِ الْإِبْطَالَ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إبْطَالٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ) أَيْ إذَا
(4/138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
سَكَتَ كَثِيرًا بِلَا ضَرُورَةٍ بِخِلَافِهِ بِجُشَاءٍ أَوْ تَنَفُّسٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَكَتَ قَدْرَ التَّنَفُّسِ ثُمَّ اسْتَثْنَى لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِلْفَصْلِ وَلِلْفَصْلِ اللَّغْوِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، لِأَنَّ التَّكْرَارَ لِلتَّأْكِيدِ شَائِعٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ يَقُولُ قَوْلُهُ وَثَلَاثًا لَغْوٌ فَيَقَعُ فَاصِلًا فَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ عَبْدُهُ حُرٌّ وَحُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَوْ قَالَ: حُرٌّ حُرٌّ بِلَا وَاوٍ وَاسْتَثْنَى لَا يُعْتَبَرُ فَاصِلًا بِلَا خِلَافٍ لِظُهُورِ التَّأْكِيدِ. وَقِيَاسُهُ إذَا كَرَّرَ ثَلَاثًا بِلَا وَاوٍ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ. وَلَوْ قَالَ: عَبْدُهُ حُرٌّ وَعَتِيقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ فَلَا يُعْتَقُ، بِخِلَافِ حُرٌّ وَحُرٌّ لِأَنَّ الْعَطْفَ التَّفْسِيرِيَّ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ، وَحُرٌّ لِقَوْلِهِ حُرٌّ تَفْسِيرًا فَكَانَ فَاصِلًا بِخِلَافِ حُرٌّ وَعَتِيقٌ، وَمِثْلُ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَغْوًا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ تَكْمِيلُ الْأَوَّلِ. وَلَوْ قَالَ: ثَلَاثًا بَوَائِنَ أَوْ أَلْبَتَّةَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ مَعَ الثَّلَاثِ لَغْوٌ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ هَذَا وَيَتَرَاءَى خِلَافٌ فِي الْفَصْلِ بِالذِّكْرِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إنْ شَاءَ اللَّهُ هُوَ مُسْتَثْنٍ دِيَانَةً لَا قَضَاءً. وَفِي الْفَتَاوَى: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَ رَجُلًا وَيَخَافَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي السِّرِّ يُحَلِّفُهُ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ الْيَمِينِ مَوْصُولًا سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ.
وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْفَصْلِ بِالذِّكْرِ، وَلَوْ كَانَ بِلِسَانِهِ ثِقَلٌ وَطَالَ تَرَدُّدُهُ ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ فَسَدَ إنْسَانٌ فَاهُ سَاعَةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ فَاسْتَثْنَى مُتَّصِلًا بِرَفْعِهِ صَحَّ. وَعَنْ هِشَامٍ: سَأَلْت مُحَمَّدًا عَمَّنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فَأَمْسَكَتْ فَاهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً: يَعْنِي إذَا لَمْ يَسْتَثْنِ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، وَلَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ الْفَصْلِ، وَاشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْأَرْبَعَةُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازُهُ إلَى سَنَةٍ. وَعَنْهُ أَبَدًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ «سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلٌّ تَلِدُ غُلَامًا فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: يَعْنِي الْمَلَكَ، قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَنَسِيَ إلَى آخِرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قَالَهَا لَقَاتَلُوا جَمِيعًا» قُلْنَا: يَحْتَمِلُ قَوْلَ الْمَلَكِ لَهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ قَالَهَا» : يَعْنِي مُتَّصِلًا.
وَاسْتَدَلَّ الْمُطْلِقُونَ بِظَوَاهِرَ مِنْهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَكَّةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا الْحَدِيثُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلَّا الْإِذْخِرَ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» وَمِنْهَا أَنَّهُ «قَالَ فِي أَسْرَى بَدْرٍ: لَا يَفْلِتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلَّا سُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءَ، فَقَالَ: إلَّا سُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ» وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ هَذَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَى جِهَةِ النَّسْخِ دُفِعَ بِأَنَّهُ بِإِلَّا وَهِيَ تُؤْذِنُ بِاتِّصَالِ مَا بَعْدَهَا بِمَا قَبْلَهَا، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّفْعُ بِنَفْسِ لَفْظِ الْقَائِلِ إيذَانًا بِأَنَّهُ وَافَقَ الشَّرْعَ الْمُتَجَدِّدَ، وَفِي الْعُرْفِيَّاتِ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فَيُقَدَّرُ لَهُ جُمْلَةٌ تُشَاكِلُ الْأُولَى مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إلَّا الْإِذْخِرَ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ» وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَهُ لَمْ يَغْزُهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ وَلَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَيَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَى الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَكَفَّرَ عَنْهَا. فَحِينَ رَأَى أَنَّ عَدَمَ غَزْوِهِمْ خَيْرٌ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(4/139)

فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ ذِكْرُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

وَلَوْ طَلَّقَ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّك قَدْ اسْتَثْنَيْت وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ إنْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا غُصِبَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَسِعَهُ الْأَخْذُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِلَّا لَا يَأْخُذُ بِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَمِنْهَا إطْلَاقُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ، لِأَنَّ عُرْفَ جَمِيعِ النَّاسِ وَصْلُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا فَصْلُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» ثُمَّ يُوجِبُهُ أَيْضًا اللَّوَازِمُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِوُقُوعِ طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا إقْرَارٍ بِمَالٍ وَلَا مَا لَا يُحْصَى مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ، وَبِذَلِكَ أَخَافَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَنْصُورَ حِينَ وَشَى بِهِ أَعْدَاؤُهُ إلَيْهِ بِأَنَّهُ يَرُدُّ رَأْيَ جَدِّك ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، فَقَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ مُخَالِفَتَهُ فِيهَا تَحْصِينُ الْخِلَافَةِ عَلَيْك وَمَنْعُ خُرُوجِ الْمُحَالِفِينَ لَك مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْك، وَإِلَّا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَثْنُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِك.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا فِي أَنَّهُ إذَا قَالَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ: يَتَنَجَّزَانِ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُمَا بِشَرْطٍ مُحَقَّقٍ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ كُلًّا مِنْ طَلَاقِهَا وَعَتَاقَهَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهِ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ صُدُورَ اللَّفْظِ مِنْهُ فَقَدْ شَاءَ اللَّهُ صُدُورَهُ، وَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَقَدْ حَكَمَتْ الشَّرِيعَةُ أَنَّهُ إذَا صَدَرَ اللَّفْظُ وَجَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَشِيئَةِ فِيمَا بَعْدُ فَمَشِيئَتُهُ قَدِيمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَظَنُّهُ أَنَّهَا تَتَجَدَّدُ مُحَالٌ.
وَالْحُجَّةُ لَنَا مَا رَوَيْنَا وَبَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى. وَالْجَوَابُ عَنْ مُتَمَسَّكِهِ أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِمُحَقَّقٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَخْتَارُ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيقَ وُجُودِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ فَقَدْ حَكَمَتْ الشَّرِيعَةُ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، إذْ التَّعْلِيقَاتُ مِنْ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلْت الدَّارَ وُجِدَ فِيهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَلَمْ تَحْكُمْ الشَّرِيعَةُ بِوُقُوعِهِ فِي الْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
(قَوْلُهُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ ذِكْرُ الشَّرْطِ إلَخْ) إنَّمَا نَوْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اسْتِثْنَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ النَّقْلِ عَنْهُمَا، وَقَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ مَثَلًا، قَالَ فِي النَّوَازِلِ: هَذَا قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ مِنْ الْأَمْثَالِ مَا لَيْسَ بِهِ حَقِيقَةٌ، وَلِأَنَّ الْمِثْلَ تَشْبِيهٌ وَلَا يَكُونُ فِي التَّشْبِيهِ إيجَابُ الْمَالِ، قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِيجَابَ عَلَى نَفْسِهِ.

[فُرُوعٌ]
طَلَّقَ أَوْ خَلَعَ ثُمَّ ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ الشَّرْطَ وَلَا مُنَازِعَ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَكَذَا إذَا كَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْحَاوِي لِلْإِمَامِ مَحْمُودٍ الْبُخَارِيِّ وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ قَالَا: لَمْ يَسْتَثْنِ قُبِلَتْ، وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى النَّفْيِ بَلْ قَالَا: لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ لَفْظَةِ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي الِاسْتِثْنَاءَ. فَفِي الْمُحِيطِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ: لَا يَسْمَعُ دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ إذَا عَرَفَ الطَّلَاقَ بِالْبَيِّنَةِ بَلْ إذَا عَرَفَ بِإِقْرَارِهِ، وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك أَمْسِ وَقُلْت: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَعْتِقُ.
وَفِي الْفَتَاوَى لِلنَّسَفِيِّ: لَوْ ادَّعَى الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَتْ: بَلْ طَلَّقَنِي فَالْقَوْلُ لَهَا وَلَا يُصَدَّقُ الزَّوْجُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ
(4/140)

(وَكَذَا إذَا) (مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ خَرَجَ الْكَلَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا وَالْمَوْتُ يُنَافِي الْمُوجِبَ دُونَ الْمُبْطِلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا لَوْ قَالَ لَهَا: قُلْت لَك: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت فَقَالَتْ: طَلَّقَنِي مُنَجَّزًا الْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: إذَا ذُكِرَ الْجُعْلُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ كَالْخَلْعِ.
وَنَقَلَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ مَشَايِخَنَا أَجَابُوا فِي دَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ الزَّوْجُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَقَدْ فَسَدَ حَالُ النَّاسِ. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ وَالشُّهُودُ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى النَّفْيِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ تَصْدِيقًا لَهُ، وَإِنْ عُرِفَ بِالْفِسْقِ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِقَوْلِ الْمَانِعِ لِغَلَبَةِ الْفُسَّاقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.

(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا مَاتَتْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ. وَقَوْلُهُ وَالْمَوْتُ يُنَافِي إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّ الْمَوْتَ يُنَافِي الْوَاقِعَ مِنْ الطَّلَاقِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَاتَتْ قَبْلَ الْوَصْفِ أَوْ الْعَدَدِ لَا يَقَعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَافِيَ الِاسْتِثْنَاءَ وَهُوَ الْمُبْطِلُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمَوْتَ يُنَافِي الْمُوجِبَ فَيَبْطُلُ بِهِ وَيُنَاسِبُ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ) قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ يُرِيدُهُ وَيَعْلَمُ إرَادَتَهُ بِأَنْ ذَكَرَ لِآخِرِ قَصْدِهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَحْتَمِلُ كَذِبَهُ عَلَى الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ أَوْ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ فَيَتْرُكَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، ثُمَّ الْوَاقِعُ الْوُقُوعُ فَبَحْثُهُ هَذَا إذَا كَانَ لِإِثْبَاتِ عَدَمِ الْوُقُوعِ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ إذَا اكْتَفَى فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ بِنِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لَهُ غَيْرُ اللَّجَاجِ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ: إلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. قَالُوا: لَمْ تَتَكَلَّمْ الْعَرَبُ بِهِ وقَوْله تَعَالَى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وَالْغَاوُونَ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ: تَعَالَى {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، إذْ الْمُرَادُ بِعِبَادِي الْخُلَّصُ هَكَذَا اسْتَقَرَّ الِاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِيُّ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ لِلتَّشْرِيفِ فَلَمْ يَدْخُلْ الْغَاوُونَ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لُغَةً وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ مَمْنُوعٌ وَلَوْ سُلِّمَ مَعَ مَا فِيهِ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ» . وَلَوْ سُلِّمَ فَعَدَمُ السَّمَاعِ فِي تَرْكِيبٍ مُعَيَّنٍ
(4/141)

وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِفُلَانِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنْ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ يَبْقَى التَّكَلُّمُ بِالْبَعْضِ بَعْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ لِيَصِيرَ مُتَكَلَّمًا بِهِ وَصَارِفًا لِلَّفْظِ إلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ مِائَةٌ إلَّا ثُمُنًا وَسُدُسَ ثُمُنٍ وَسَائِرَ الْكُسُورِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَرِدْ بِالصَّدْرِ.
فَحَاصِلُ التَّرْكِيبِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى، وَقَوْلُهُمْ إخْرَاجٌ عَنْ الصَّدْرِ إلَى آخِرِهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْرَاجِ مُتَعَذِّرَةٌ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ الدُّخُولِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ الدُّخُولُ فِي التَّنَاوُلِ فَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يُفِيدُ الْإِخْرَاجَ مِنْهُ لِأَنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ تَنَاوُلَ اللَّفْظِ بَعْلَةِ وَضْعِهِ لِتَمَامِ الْمَعْنَى وَهِيَ قَائِمَةٌ مُطْلَقًا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا، وَإِنْ اُعْتُبِرَ الدُّخُولُ فِي الْإِرَادَةِ بِالْحُكْمِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ نَسْخًا، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] مِنْ الْإِخْبَارَاتِ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي إرَادَةِ عُمُومِ الصَّدْرِ بِالْحُكْمِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعِ، أَوْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُنْتَفِيَ، أَوْ غَالِطًا فِي أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِيلَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، فَلَزِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ بَيَانُ أَنَّ مَا بَعْدَ إلَّا لَمْ يَرِدْ بِالْحُكْمِ، ثُمَّ هَلْ يَكُونُ مُرَادًا بِالصَّدْرِ: أَعْنِي الْعَامَّ أَوْ الْكُلَّ، ثُمَّ أَخْرَجَ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الْبَاقِي، أَوْ أُرِيدَ ابْتِدَاءً بِالصَّدْرِ مَا سِوَى مَا بَعْدَ إلَّا وَإِلَّا قَرِينَتُهُ خِلَافٌ لَا يُوجِبُ خِلَافًا فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حَاصِلَ تَرْكِيبِ الِاسْتِثْنَاءِ تَكَلُّمُهُ بِالْبَاقِي: أَيْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، وَحَقَّقْنَا فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَعْنَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أُرِيدَ عَشَرَةٌ وَحُكِمَ عَلَى سَبْعَةٍ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، فَإِرَادَةُ الْعَشَرَةِ بِعَشَرَةٍ بَاقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمَذْهَبُ الْآخَرُ بِزِيَادَةِ تَكَلُّفٍ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْقِيقِ دَلَالَتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً اسْمًا مُرَكَّبًا لِمَعْنَى سَبْعَةٍ كَمَا نُسِبَ إلَى الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ، عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ، بَلْ مُرَادُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَعَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً.
وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إخْرَاجٌ، وَفِيهِ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ لِاسْتِلْزَامِهِ فِي الْإِخْبَارِ مَا ذَكَرْنَا، وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ، وَالتَّخْصِيصُ بَيَانُ أَنَّ الْمُخَصَّصَ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا، أَوْ قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِالْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حُكْمَيْنِ عَلَى الثَّلَاثَةِ مَثَلًا فِي ضِمْنِ الْعَشَرَةِ بِالْإِثْبَاتِ وَبَعْدَ إلَّا بِالنَّفْيِ، لَكِنْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا حَقِيقَةَ لِلْإِسْنَادَيْنِ فِيهَا وَإِلَّا كَانَ تَنَاقُضًا، وَحِينَئِذٍ فَالثَّابِتُ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ حُكْمِ الصَّدْرِ وَمَا بَعْدَ إلَّا، وَتَرَجَّحَ الثَّانِي فَيَجِبُ حَمْلُ الْمَرْجُوحِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ لِكُلِّ مُعَارَضَةٍ تَرَجَّحَ فِيهَا أَحَدُ الْمُتَعَارِضَيْنِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ فِي الصَّدْرِ إلَّا عَلَى سَبْعَةٍ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ) قِيلَ: لِأَنَّهُ رُجُوعٌ بَعْدَ التَّقَرُّرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَدُفِعَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَحَّ فِيمَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، لَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي
(4/142)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَتَرْكِيبُ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِلتَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا لَا لِنَفْيِ الْكُلِّ كَمَا يُفِيدُهُ التَّبَادُرُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى نَفْيِ أَنَّهُ لِنَفْيِ الْكُلِّ، بَلْ يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَنَحْوُهُ وَاسْتِقْرَاءُ اسْتِعْمَالَاتِ الْعَرَبِ تُفِيدُهُ وَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ تَجْوِيزِهِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى كَوْنِ الْكُلِّ مُخْرَجًا بِغَيْرِ لَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ مُسَاوِيهِ كَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا مَمَالِيكِي فَيَعْتِقُونَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَاضِي خَانْ وَزِيَادَاتِ الْمُصَنِّفِ فَلَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَعَمْرَةَ وَفَاطِمَةَ وَحَفْصَةَ لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ.
وَفِي الْبَقَّالِيِّ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إلَّا هَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا لَا تَطْلُقُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ ثِنْتَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَاحِدَةً وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، فَكَانَ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى تَوَقُّفَ صِحَّةِ الْأُولَى إلَى أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوَّلًا، وَهُمَا يَرَيَانِ اقْتِصَارَ صِحَّتِهِ عَلَى الْأُولَى، وَزُفَرُ يَرَى اقْتِصَارَهُ عَلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِخْرَاجِ. وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا ثَلَاثًا بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ تَعَدُّدٍ يَصِحُّ مَعَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ.
وَلَوْ قَالَ: وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا اثْنَتَيْنِ يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَكَذَا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ إخْرَاجُ الثِّنْتَيْنِ مِنْ الثِّنْتَيْنِ أَوْ الْوَاحِدَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَاحِدَةً مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً حَيْثُ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ لِصِحَّةِ إخْرَاجِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الثِّنْتَيْنِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَإِذَا تَعَقَّبَ جَمَلًا قَيَّدَ الْأَخِيرَةَ مِنْهَا، وَكَمَا قَيَّدْنَا بُطْلَانَ الْمُسْتَغْرَقِ بِمَا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ مُسَاوِيهِ كَذَلِكَ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْمُسْتَغْرِقَ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ يَكُونُ جَبْرًا لِلصَّدْرِ، فَإِنْ كَانَ صَحَّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ بِلَا وَاوٍ كَانَ الْكُلُّ إسْقَاطًا مِمَّا يَلِيهِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ إسْقَاطٌ مِنْ الصَّدْرِ وَكُلَّ شَفْعٍ جَبْرٌ لَهُ، فَإِذَا قَالَ: طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً كَانَ الْوَاقِعُ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّك أَسْقَطْت مِنْ الثَّلَاثِ ثِنْتَيْنِ أَوَّلًا فَصَارَ الْحَاصِلُ وَاحِدَةً، ثُمَّ أَسْقَطْت مِنْ السَّاقِطِ مِنْ الصَّدْرِ وَاحِدَةً فَجُبِرَ بِهَا الصَّدْرُ فَصَارَ الْبَاقِي ثِنْتَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ الثَّلَاثِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَاحِدَةً فَصَارَتْ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا مِنْ الثَّلَاثِ الصَّدْرِ فَصَارَ الْبَاقِي وَاحِدَةً، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ الْمُسْتَثْنَاةَ مِنْ الثَّلَاثِ لَمْ تَبْطُلْ بَلْ تَتَوَقَّفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْهَا فَيَصِحُّ أَوَّلًا فَيَبْطُلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَصْلُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى {إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 59] {إِلا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 60] وَمِنْ فُرُوعِهَا الْمَعْرُوفَةِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً إلَّا سَبْعَةً إلَّا سِتَّةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً تَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ. وَلَوْ قَالَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ
(4/143)

وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ مَوْصُولًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ثِنْتَانِ فَيَقَعَانِ وَفِي الثَّانِي وَاحِدَةٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: إلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الثَّلَاثُ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ أَوَّلًا، وَيُسْتَتْبَعُ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَا فِي الْحُكْمِ ابْتِدَاءً، فَلَوْ أَوْقَعَ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ ثُمَّ اسْتَثْنَى كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْكُلِّ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثًا تَقَعُ وَاحِدَةً، أَوْ عَشَرَةً إلَّا تِسْعَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً، أَوْ خَمْسًا إلَّا وَاحِدَةً يَقَعُ الثَّلَاثُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى: طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا فَهِيَ ثَلَاثٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ وَثَلَاثًا فَاصِلًا لَغْوًا فَاسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ فَيَقَعُ الْكُلُّ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ ثِنْتَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَأَنَّهُ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا. وَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَنْوِي، فَإِنْ قَالَ عَنِيت ثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِلَّا فَلَا خَارِجَ عَنْ قَانُونِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ، كَذَلِكَ الْحَلْوَانِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا فِي الْمُنْتَقَى.
وَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ طَلُقَتْ وَاحِدَةً فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ثِنْتَانِ، وَمَا قِيلَ إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُنَاسِبُ أَصْلَ أَبِي يُوسُفَ، يَعْنِي فِي مَنْعِ إخْرَاجِ الْأَكْثَرِ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَنَّ تِلْكَ رِوَايَةٌ عَنْهُ لَا ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ. نَعَمْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُنَاسِبُ تِلْكَ الرِّوَايَةَ. وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ فَتَقَعُ وَاحِدَةً. .

[فَرْعٌ]
إخْرَاجُ بَعْضِ التَّطْلِيقَةِ لَغْوٌ بِخِلَافِ إيقَاعِهِ. فَلَوْ قَالَ: طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَ الثَّلَاثُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: ثِنْتَانِ لِأَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي الْإِيقَاعِ فَكَذَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا وَاحِدَةً. وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْإِيقَاعِ إنَّمَا لَا يَتَجَزَّأُ لِمَعْنًى فِي الْمَوْقِعِ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَيَتَجَزَّأُ فِيهِ فَصَارَ كَلَامُهُ عِبَارَةً عَنْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَنِصْفٍ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا

[بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ]
(بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَلَاقِ الصَّحِيحِ بِأَقْسَامِهِ مِنْ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَكُلًّا وَجُزْءًا شَرَعَ فِي بَيَانِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ إذْ الْمَرَضُ مِنْ الْعَوَارِضِ، وَتَصَوُّرُ مَفْهُومِهِ ضَرُورِيٌّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ فَهْمَ الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِ الْمَرَضِ أَجْلَى مِنْ
(4/144)

(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ طَلَاقًا بَائِنًا فَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَرِثُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ بَطَلَتْ بِهَذَا الْعَارِضِ وَهِيَ السَّبَبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَهْمِهِ مِنْ قَوْلنَا مَعْنًى يَزُولُ بِحُلُولِهِ فِي بَدَنِ الْحَيِّ اعْتِدَالُ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ، بَلْ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى التَّعْرِيفِ بِالْأَخْفَى (قَوْلُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ بَعْدَ مَا طَلَّقَهَا ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ مَرَضِ الْمَوْتِ فَلَا تَرِثُهُ، وَقَيَّدَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّ فِي الرَّجْعِيِّ يَرِثُهُ وَتَرِثُهُ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَ فِي الصِّحَّةِ لِقِيَامِ النِّكَاحِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ فِي طَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ يَتَوَارَثَانِ فِي الْعِدَّةِ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ فِي كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا لَا يَرِثُهُ الْآخَرُ، وَبِالْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُهُ إذَا مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ تَرِثُ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِعَشْرَةِ أَزْوَاجٍ.
وَلِابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلِهِ تَرِثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَيُعْرَفُ مِنْ تَقْيِيدِ الْإِرْثِ بِالْعِدَّةِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي مَرَضٍ مَاتَ فِيهِ لَا تَرِثُ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّلَاقِ، وَقَيَّدَ بِغَيْرِ الرِّضَا، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِرِضَاهَا لَا تَرِثُ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ كَوْنِهِمَا مِمَّنْ يَتَوَارَثَانِ حَالَ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَالِهِ إذَا مَرِضَ هُوَ إذْ ذَاكَ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا وَقْتَ الطَّلَاقِ لَا تَرِثُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ عِتْقٍ لَا تَرِثُ.
أَمَّا لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ إذَا أَسْلَمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا تَرِثُهُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِزَمَانِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا دَامَ بِهِ الْمَرَضُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرِثُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَرِثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبَانَةَ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرِ مِنْ سَنَتَيْنِ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ فِي الْعِدَّةِ مِنْ زِنًا فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَيَتَيَقَّنُ بِوَضْعِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ فَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَرِثُ.
وَعِنْدَهُمَا لَا يُحْمَلُ عَلَى الزِّنَا وَإِنْ قَالَتْهُ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ عِدَّةِ الْأَوَّلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَا تَرِثُ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ (قَوْلُهُ وَهِيَ السَّبَبُ) أَيْ الزَّوْجِيَّةُ هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِرْثِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ بِالْبَيْنُونَةِ، وَكَذَا لَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةً لَاقْتَضَتْ التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْمُغِيرَةُ، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ عَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَائِشَةَ وَزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِينَ وَعُرْوَةَ
(4/145)

وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ. وَلَنَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ سَبَبُ إرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالزَّوْجُ قَصَدَ إبْطَالَهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يَبْقَى فِي حَقِّ بَعْضِ الْآثَارِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَشُرَيْحٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَطَاوُسٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْحَرْثِ الْعُكْلِيِّ.
لَنَا الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَّثَ تَمَاضُرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ بْنِ زِيَادٍ الْكَلْبِيَّةَ، وَقِيلَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ السُّلَمِيَّةُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا بَتَّ طَلَاقَهَا فِي مَرَضِهِ وَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَقَالَ: مَا اتَّهَمْته وَلَكِنْ أَرَدْت السُّنَّةَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَلْيَقُ مِمَّا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَرَّثَهَا فَرَّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَا فَرَرْت مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ: لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُوَرِّثْهَا، أَرَادَ بِهِ لِعَدَمِ عِلْمِي إذْ ذَاكَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي حَقِّهَا ذَلِكَ، وَهُوَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ فَلَا يُقْدَحُ فِيهِ.
لَا يُقَالُ: بَلْ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ كَانَ سُكُوتِيًّا، وَحِينَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ سُكُوتَهُ لَمْ يَكُنْ وِفَاقًا.
لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ لَوْ كَانَ إذْ ذَاكَ فَقِيهًا لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ الْفُقَهَاءِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَتْوَى وَلَا شُهْرَةٌ بِفِقْهٍ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ يَتْبَعُ ظُهُورَ ذَلِكَ فَخِلَافُهُ كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ.
وَقَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قَضَاءُ عُثْمَانَ بَعْدَ الْعِدَّةِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَعَلَى مَا لَوْ وَهَبَ كُلَّ مَالِهِ أَوْ تَبَرَّعَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِجَامِعِ إبْطَالِ حَقٍّ بَعْدَ تَعَلُّقِهِ بِمَالِهِ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ بِالْمَرَضِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمَوْتِ، وَلِذَا حُجِرَ عَنْ التَّبَرُّعَاتِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَالزَّوْجَةُ مِنْ الْوَرَثَةِ فَقَدْ تَمَّ الْقِيَاسُ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ قَصْدِ الْإِبْطَالِ بَلْ هُوَ دَائِرٌ مَعَ ثُبُوتِ الْإِبْطَالِ سَوَاءً قَصَدَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَلَمْ يَخْطِرْ لَهُ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَهُوَ قِيَاسُهُ عَلَى قَاتِلِ الْمُوَرِّثِ.
وَصُورَتُهُ: هَكَذَا قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّهَا بَعْدَ تَعَلُّقِهِ فَيَثْبُتُ نَقِيضُ مَقْصُودِهِ كَقَاتِلِ الْمُوَرِّثِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ فَعَلَهُ مُحَرَّمًا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فَالْحُكْمُ ثُبُوتُ نَقِيضِ مَقْصُودِهِ، وَلِذَا اخْتَلَفَ خُصُوصُ الثَّابِتِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَنْعُ الْمِيرَاثِ وَفِي الْفَرْعِ ثُبُوتُ الْمِيرَاثِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِي طَرِيقِ الْآمِدِيِّ بِمُنَاسِبِ غَرِيبٌ إذْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلُ بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ الثَّابِتُ مُجَرَّدُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَهُ فِي الْمَحِلِّ: أَعْنِي الْقَاتِلَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ تَرِثَ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ تَزَوُّجِهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا رَأَوْا أَنَّ اشْتِرَاطَ عَمَلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الْإِمْكَانُ وَهُوَ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ بِالْمِيرَاثِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ وَالْعِتْقُ، فَحَيْثُ
(4/146)

فِي حَقِّ إرْثِهَا عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ لِأَنَّهُ لَا إمْكَانَ، وَالزَّوْجِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِإِرْثِهِ عَنْهَا فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِ خُصُوصًا إذَا رَضِيَ بِهِ.

(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا أَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اقْتَضَى الدَّلِيلُ تَوْرِيثَ الشَّرْعِ إيَّاهَا لَزِمَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ النِّكَاحِ حَالَ الْمَوْتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَقَاءَهُ إمَّا بِالْحُكْمِ بِقِيَامِهِ حَقِيقَةً أَوْ بِقِيَامِ آثَارِهِ مِنْ مَنْعِ الْخُرُوجِ وَالتَّزَوُّجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِيَامُ هَذِهِ الْآثَارِ لَيْسَ إلَّا بِقِيَامِ الْعِدَّةِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ تَوْرِيثِهَا بِمَوْتِهِ فِي عَدَمِهَا، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُعَيِّنْ لِقِيَاسِهِ أَصْلًا فِي الْإِلْحَاقِ، بَلْ قَالَ: قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّهَا فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَمِثْلُهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ أَمْوَالٌ شَتَّى يُمْكِنُ الْإِلْحَاقُ بِكُلٍّ مِنْهَا، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِرَدِّ الْقَصْدِ أَصْلٌ سِوَى قَاتِلِ الْمُوَرِّثِ.
وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ أُصُولَهُ كُلَّ مَنْ أَلْزَمْ ضَرَرًا بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاحٍ فَإِنَّهُ يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ الزَّوْجِيَّةُ سَبَبُ إرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ غَيْرُ جَيِّدٍ لِأَنَّهَا سَبَبُ إرْثِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ مَرَضٍ أَوْ فَجْأَةٍ.
وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: الزَّوْجِيَّةُ سَبَبُ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالزَّوْجُ قَصَدَ إلَخْ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ) أَيْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ لَا إمْكَانَ لِلتَّوْرِيثِ إذَا لَمْ يُعْهَدُ بَقَاءُ شَيْءٍ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ بَعْدَهَا.
عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ امْرَأَةَ الْفَارِّ تَرِثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَبِهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَرِثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ: أَيْ مَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قُدْرَةِ التَّزَوُّجِ وَهُوَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ: أَيْ مَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَالزَّوْجِيَّةُ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا: أَيْ الزَّوْجِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: أَيْ حَالَةَ مَرَضِهِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِإِرْثِهِ عَنْهَا بَلْ فِي حَالِ مَرَضِهَا.
وَنَقُولُ: لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَرِيضَةَ فَأَبَانَتْ نَفْسَهَا بِأَنْ ارْتَدَّتْ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ فِي حَقِّهَا فَيَرِثُهَا الزَّوْجُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّتْ صَحِيحَةً لِأَنَّهَا بَانَتْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ وَلَا هِيَ بِالرِّدَّةِ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ (قَوْلُهُ فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِ) بِرَفْعِ اللَّامِ فَتَبْطُلُ الزَّوْجِيَّةُ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ مَاتَ حَيْثُ تَرِثُهُ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ وَإِنْ بَطَلَتْ بِالْبَائِنِ حَقِيقَةً لَكِنَّهَا جُعِلَتْ بَاقِيَةً فِي حَقِّهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا لِأَنَّهُ قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّهَا، وَضَبْطُهُ بِنَصَبِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ النَّفْيِ سَهْوٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْعَكِسُ الْغَرَضُ، إذْ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ سَبَبًا لِإِرْثِهِ مِنْهَا لَبَطَلَتْ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبٍ فَلَا تَبْطُلُ، وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ فَيَجِبُ أَنْ يَرِثَهَا وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ

(قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا) لَيْسَ قَيْدًا، بَلْ الْمَقْصُودُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَائِنًا بِأَمْرِهَا،
(4/147)

وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْهُ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا وَالتَّأْخِيرِ لِحَقِّهَا. وَإِنْ قَالَتْ طَلِّقْنِي لِلرَّجْعَةِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَتْهُ لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلِهَذَا عَطَفَ قَوْلَهُ أَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ إنَّمَا يُثْبِتُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَكَذَا إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْهُ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِلْأَمْرِ مِنْهَا بِالْعِلَّةِ، وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا بَاشَرَا الْعِلَّةَ.
أَمَّا فِي التَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْهَا، وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلِأَنَّ الْتِزَامَ الْمَالِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ، لِأَنَّهُ شِرَاءُ الطَّلَاقِ، وَمُبَاشَرَةُ آخِرِ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ كَمُبَاشَرَتِهَا، بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْعِلَّةِ.
فَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا عَلَى التَّعَاقُبِ طَلُقَتَا ثَلَاثًا بِتَطْلِيقِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ وَوَرِثَتْ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ عِلَّةَ الْفُرْقَةِ لَا الْأُولَى لِأَنَّهَا الْمُبَاشِرَةُ.
وَلَوْ بَدَأَتْ الْأُولَى بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا ثُمَّ بِطَلَاقِ نَفْسِهَا ثُمَّ الْأُخْرَى كَذَلِكَ وَرِثَتَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلَاقُ ضَرَّتِهَا لِإِطْلَاقِ نَفْسِهَا الْخُرُوجَ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهَا لِاشْتِغَالِهَا بِطَلَاقِ الضَّرَّةِ، وَالتَّفْوِيضُ تَمْلِيكٌ وَهُوَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ.
وَلَوْ طَلَّقَتْ كُلٌّ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا مَعًا طَلُقَتَا وَلَمْ تَرِثَا لِأَنَّ كُلًّا طَلُقَتْ بِتَطْلِيقِ نَفْسِهَا ثُمَّ اشْتَغَلَتْ بِمَا لَا يُفِيدُ مِنْ تَطْلِيقِ ضَرَّتِهَا.
وَإِنْ طَلَّقَتَا إحْدَاهُمَا بِأَنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَطَلَّقَتْهَا ضَرَّتُهَا وَوُجِدَ ذَلِكَ مَعًا طَلُقَتْ وَلَا تَرِثُ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا طَلَاقُ نَفْسِهَا وَطَلَاقُ الْوَكِيلِ فَيُضَافُ إلَى الْمَالِكِ لِأَنَّهُ أَقْوَى، أَوْ كُلٌّ يَصْلُحُ عِلَّةً وَقَدْ نَزَلَا مَعًا فَيُضَافُ إلَى كُلٍّ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا إنْ شِئْتُمَا فَطَلَّقَتْ إحْدَاهُمَا نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تُطَلِّقَ الْأُخْرَى نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا لِتَعَلُّقِ التَّفْوِيضِ بِمَشِيئَتِهِمَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَأَنَّهُ قَالَ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا إنْ شِئْتُمَا طَلَاقَكُمَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ التَّفْوِيضَ بِشَرْطِ الْمَشِيئَةِ فَتَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ، فَلَوْ طَلَّقَتْ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ نَفْسَهَا وَصَاحِبَتَهَا طَلُقَتَا لِوُجُودِ كَمَالِ الْعِلَّةِ وَوَرِثَتْ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةُ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ بَاشَرَتْ آخِرَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ وَالْأُولَى بَعْضُ الْعِلَّةِ.
وَلَوْ خَرَجَ الْكَلَامَانِ مِنْهُمَا مَعًا بَانَتَا وَوَرِثَتَاهُ لِأَنَّ كُلًّا بَاشَرَتْ بَعْضَ الْعِلَّةِ، هَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ.
وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَمْرُكُمَا بِيَدَيْكُمَا فَهُوَ تَمْلِيكٌ مِنْهُمَا فَلَا تَنْفَرِدُ إحْدَاهُمَا بِالطَّلَاقِ كَمَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَتَا عَلَى طَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَقَعُ، وَفِي قَوْلِهِ إنْ شِئْتُمَا لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّأْيَ إلَيْهِمَا فِي شَيْئَيْنِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمَا فِي شَيْءٍ صَحَّ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِبَيْعِ عَبْدَيْنِ فَبَاعَا أَحَدَهُمَا وَهُنَاكَ فَوَّضَ إلَيْهِمَا بِشَرْطِ مَشِيئَتِهِمَا الطَّلَاقَيْنِ فَكَانَ عَدَمًا قَبْلَ الشَّرْطِ.
وَلَوْ قَالَ طَلِّقَا أَنْفُسَكُمَا بِأَلْفٍ فَقَالَتْ كُلٌّ طَلَّقْتُ نَفْسِي وَصَاحِبَتِي بِأَلْفٍ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا بَانَتَا بِأَلْفٍ وَيُقَسَّمُ عَلَى مَهْرَيْهِمَا لِأَنَّ الْأَلْفَ مُقَابَلٌ بِالْبُضْعَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ فَيَقُومُ بِمَا تَزَوَّجَهُمَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرِثَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ إلَّا بِالْتِزَامِ الْمَالِ وَالْتِزَامِ كُلٍّ عِلَّةً لِأَنَّهُ شِرَاءُ الطَّلَاقِ، فَكَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً وَفِعْلُ الْأُخْرَى شَرْطًا وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ فَلِذَا بَطَلَ الْإِرْثُ.
وَلَوْ طَلَّقَتَا إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ لِأَنَّهُمَا مَأْمُورَتَانِ بِطَلَاقِهِمَا فَقَدْ أَتَتَا بِبَعْضِ مَا أُمِرَتَا بِهِ وَلَمْ تَرِثْ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِقَبُولِهَا، وَإِنْ قَامَتَا بَطَلَ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بِبَدَلٍ فَشَرْطُهُ اجْتِمَاعُ رَأْيِهِمَا، بِخِلَافِ الْمَأْمُورَتَيْنِ بِالطَّلَاقِ بِلَا بَدَلٍ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِيقَاعِ الْأَمْرِ، وَإِذَا بَطَلَ الْأَمْرُ فِي حَقِّ نَفْسِهَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بَطَلَ فِي حَقِّ الْأُخْرَى لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهُوَ اجْتِمَاعُ رَأْيِهِمَا الْكُلُّ مِنْ الْكَافِي (قَوْلُهُ وَالتَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ عَمَلِ الطَّلَاقِ
(4/148)

الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ فَلَمْ تَكُنْ بِسُؤَالِهَا رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ حَقِّهَا

(وَإِنْ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كُنْت طَلَّقْتُك ثَلَاثًا فِي صِحَّتِي وَانْقَضَتْ عِدَّتُك فَصَدَّقَتْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ. وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ بِأَمْرِهَا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْمِيرَاثِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّ لَهَا جَمِيعَ مَا أَوْصَى وَمَا أَقَرَّ بِهِ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَمَّا بَطَلَ بِسُؤَالِهَا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا لَمَّا تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فَانْعَدَمَتْ التُّهْمَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهَا وَيَجُوزُ وَضْعُ الزَّكَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ وَهِيَ سَبَبُ التُّهْمَةِ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ وَلِهَذَا يُدَارُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَابَةِ، وَلَا عِدَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَحِقَهَا وَهِيَ قَدْ رَضِيَتْ بِإِبْطَالِهِ، وَلِذَا لَوْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ فِي مَرَضِهِ بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ لَمْ تَرِثْ لِرِضَاهَا بِالْمُبْطِلِ وَإِنْ كَانَتْ مُضْطَرَّةً، لِأَنَّ سَبَبَ الِاضْطِرَارِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَلَمْ يَكُنْ جَانِيًا فِي الْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَأَجَازَ الزَّوْجُ فِي مَرَضِهِ حَيْثُ تَرِثُ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِلْإِرْثِ إجَازَتُهُ، وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِتَمْكِينِ ابْنِ الزَّوْجِ لَا تَرِثُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَرَّبَهَا مُكْرَهَةً لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَيَكُونُ الْأَبُ كَالْمُبَاشِرِ.
وَلَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهَا وَهِيَ مَرِيضَةٌ وَرِثَهَا الزَّوْجُ لِكَوْنِهَا فَارَّةً.
وَفِي الْجَامِعِ: لَوْ فَارَقَتْهُ فِي مَرَضِهَا بِخِيَارِ الْعِتْقِ أَوْ الْبُلُوغِ وَرِثَهَا لِأَنَّهَا مِنْ قِبَلِهَا وَإِذَا لَمْ تَكُنْ طَلَاقًا.
وَفِي الْيَنَابِيعِ جَعَلَ هَذَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَفِي الْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةُ وَاللِّعَانِ لَا يَرِثُهَا لِأَنَّهَا طَلَاقٌ فَكَانَتْ مُضَافَةً إلَيْهِ.
وَأَوْرَدَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرِثَهَا أَصْلًا لِأَنَّا جَعَلْنَا قِيَامَ الْعِدَّةِ كَقِيَامِ النِّكَاحِ فِي حَقِّهَا وَلَا عِدَّةَ هُنَا عِنْدَ مَوْتِهَا فَلَمْ يَبْقَ النِّكَاحُ كَبُعْدِ الْعِدَّةِ.
أُجِيبُ لَمَّا صَارَتْ مَحْجُورَةً عَنْ إبْطَالِ حَقِّهِ أَبْقَيْنَا النِّكَاحَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ أَوْرَدَا لِقَصْدِهَا إبْطَالَ حَقِّهِ كَمُسْتَعْجِلِ الْإِرْثِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ الَّذِي هُوَ مَبْنَى هَذَا الْجَوَابِ يَسْتَلْزِمُ تَوْرِيثَ امْرَأَةِ الْفَارِّ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْعِدَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: أَكْرَهُ عَلَى طَلَاقِهَا الثَّلَاثَ لَا تَرِثُ لِعَدَمِ قَصْدِ الْفِرَارِ، وَلَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ تَرِثُ

(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لَهَا كُنْت طَلَّقَتْك،
(4/149)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَخْتَارُ الطَّلَاقَ لِيَنْفَتِحَ بَابُ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَيْهَا فَيَزِيدَ حَقُّهَا، وَالزَّوْجَانِ قَدْ يَتَوَاضَعَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْفُرْقَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَبَرَّهَا الزَّوْجُ بِمَالِهِ زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا وَهَذِهِ التُّهْمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَرَدَدْنَاهَا، وَلَا تُهْمَةَ فِي قَدْرِ الْمِيرَاثِ فَصَحَّحْنَاهُ، وَلَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَالتَّزَوُّجِ وَالشَّهَادَةِ، فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ

قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَى قَوْلِهِ: فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ) هَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ: مَا إذَا تَصَادَقَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى طَلَاقِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ الْمَرَضِ، وَمَا إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِسُؤَالِهَا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِمَالٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمِيرَاثِ وَمِنْ كُلٍّ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَالْمُقِرِّ بِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَهَا تَمَامُ الْمُوصَى بِهِ وَالْمُقِرِّ بِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَقَالَا فِي الْأَوَّلِ كَقَوْلِ زُفَرَ، وَفِي الثَّانِي كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
لِزُفَرَ إنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ الْإِرْثُ وَقَدْ بَطَلَ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْأُولَى وَسُؤَالِهَا فِي الثَّانِيَةِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ مُوجِبِهِمَا.
قُلْنَا: ذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ تُهْمَةً لَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ ثُبُوتَ التُّهْمَةِ بِهِ بَاطِنٌ فَأُدِيرَ عَلَى مَظِنَّتِهَا وَذَلِكَ قِيَامُ الْعِدَّةِ وَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى فَوَجَبَ تَفْصِيلُنَا بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَدَارَ التُّهْمَةِ قِيَامُ الْعِدَّةِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا يَنْتَفِي بِالتُّهْمَةِ مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ ثَابِتٌ فِي الْأُولَى حَتَّى جَازَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فَعُلِمَ انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ شَرْعًا وَأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَعَنْ هَذَا جَازَ وَضْعُ الزَّكَاةِ فِيهَا وَأَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ مِنْ وَقْتِ التَّصَادُقِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّ قَصْرَ سَبَبِ التُّهْمَةِ عَلَى الْعِدَّةِ مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ أَيْضًا نَظَرًا إلَى تَقَدُّمِ النِّكَاحِ الْمُفِيدِ لِلْأُلْفَةِ وَالشَّفَقَةِ وَإِرَادَةِ إيصَالِ الْخَيْرِ، وَلَمَّا لَمْ يَظْهَرَا مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ إلَّا فِي مَرَضِهِ كَانَا مُتَّهَمَيْنِ بِالْمُوَاضَعَةِ لِيَنْفَتِحَ بَابُ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ لَا فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ إذْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّوَاضُعِ لِلتَّزَوُّجِ بِأُخْتِهَا أَوْ هِيَ بِغَيْرِهِ أَوْ لِدَفْعِ الزَّكَاةِ أَوْ لِلشَّهَادَةِ فَلِذَا صَدَقَا فِيهَا لَا فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الزَّائِدِ فَيَنْتَفِي، ثُمَّ مَا تَأْخُذُهُ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ لَا الدَّيْنِ.
وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَى شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالتَّوَى عَلَى الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ مَا تَأْخُذُهُ بِطَرِيقِ الدَّيْنِ لَكَانَ عَلَى الْوَرَثَةِ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ، وَلَوْ طَلَبَتْ أَنْ تَأْخُذَ دَنَانِيرَ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ دَيْنًا لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ لَيْسَ عَلَى الْوَرَثَةِ ذَلِكَ بَلْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهَا مِنْ مَالٍ آخَرَ وَتُعَامَلُ فِيهِ بِزَعْمِهَا أَنْ مَا تَأْخُذُهُ دَيْنٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِفَسَادِ نِكَاحِهَا أَوْ خُلْعِهَا أَجْنَبِيٌّ فِي مَرَضِهِ تَرِثُ.
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: وَكَذَا لَوْ قَالَ كُنْت جَامَعْت أُمَّك أَوْ تَزَوَّجْتُك بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا يُدَارُ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ.
وَالْقَرَابَةُ: أَيْ قَرَابَةُ الْوِلَادِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ لِأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَلَا الْأَبِ وَالْجَدِّ لِابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ.
وَفِي الْغَايَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إنْ كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ وَتَرَكَتْ خِدْمَتُهُ فِي مَرَضِهِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهَا فَحِينَئِذٍ لَا تُهْمَةَ فِي الْإِقْرَارِ لَهَا وَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُطَايَبَةِ وَمُبَالَغَتِهَا فِي خَدَمَتْهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ لِلتُّهْمَةِ، وَقَاسَهُ عَلَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ فِيمَا إذَا قَالَتْ لَك امْرَأَةٌ غَيْرِي أَوْ تَزَوَّجْت عَلِيَّ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ فَإِنَّهُ قَالَ: قِيلَ الْأَوْلَى يُحَكَّمُ الْحَالُ
(4/150)

(وَمَنْ كَانَ مَحْصُورًا أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لَمْ تَرِثْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَارَزَ رَجُلًا أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ فِي قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ وَرِثَتْ إنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ) وَأَصْلُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ امْرَأَة الْفَارِّ تَرِثُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ بِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَرَضٍ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا كَمَا إذَا كَانَ صَاحِبَ الْفِرَاشِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَقُومُ بِحَوَائِجِهِ كَمَا يَعْتَادُهُ الْأَصِحَّاءُ، وَقَدْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ فِي تَوَجُّهِ الْهَلَاكِ الْغَالِبِ، وَمَا يَكُونُ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْفِرَارِ، فَالْمَحْصُورُ وَاَلَّذِي فِي صَفِّ الْقِتَالِ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةُ لِأَنَّ الْحِصْنَ لِدَفْعِ بَأْسِ الْعَدُوِّ وَكَذَا الْمَنَعَةُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْفِرَارِ، وَاَلَّذِي بَارَزَ أَوْ قُدِّمَ لَيُقْتَلَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ الْفِرَارُ وَلِهَذَا أَخَوَاتٌ تَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ، وَقَوْلُهُ إذَا مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إنْ كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ وَخُصُومَةٌ تَدُلُّ عَلَى غَضَبِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ.
قَالَ السُّرُوجِيُّ: فَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْكِيمِ الْحَالِ هُنَاكَ أَنْ تُحَكَّمَ هُنَا اهـ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُصُومَةِ ظَاهِرَةٌ فِي قَوْلِهَا تَزَوَّجْت عَلِيَّ وَنَحْوِهِ إذَا اقْتَرَنَ بِالْمُشَاجَرَةِ، أَمَّا هُنَا فَلَا، إذْ الْإِيصَاءُ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْمِيرَاثِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ تِلْكَ الْخُصُومَةَ وَالْبَغْضَاءَ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَإِلَّا لَمْ يُوصِ لَهَا ظَاهِرًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَ بِذَلِكَ الْإِيصَاءِ التَّوَاضُعُ عَلَى إظْهَارِ الْخُصُومَةِ وَالتَّشَاجُرِ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْحِيَلِ ذَلِكَ لِلْأَغْرَاضِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ مَحْصُورًا إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ مَبْنَى الْفِرَارِ عَلَى الطَّلَاقِ حَالَ تَوَجُّهِ الْهَلَاكِ الْغَالِبِ عِنْدَهُ، وَغَلَبَةُ الْهَلَاكِ تَكُونُ حَالَ عَدَمِ الْمَرَضِ كَمَا تَكُونُ بِهِ وَتَوَجُّهُهُ بِغَيْرِهِ يَكُونُ بِالْمُبَارَزَةِ وَالتَّقْدُمَةِ لِلرَّجْمِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا، أَوْ فِي سَفِينَةٍ فَتَلَاطَمَتْ الْأَمْوَاجُ وَخِيفَ الْغَرَقُ أَوْ انْكَسَرَتْ وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ فَبَقِيَ فِي فَمِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَحْصُورًا فِي حِصْنٍ أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ أَوْ مَحْبُوسًا لِلْقَتْلِ أَوْ نَازِلًا فِي مَسْبَعَةٍ أَوْ فِي مَخْيَفٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ رَاكِبٍ سَفِينَةً دُونَ مَا قُلْنَا، وَالْمَرْأَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَالرَّجُلِ، فَلَوْ بَاشَرَتْ سَبَبَ الْفُرْقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَحْوَالِ الْفِرَارِ كَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ وَتَمْكِينِ ابْنِ الزَّوْجِ وَالِارْتِدَادِ فَإِنَّهُ يَرِثُهَا عَلَى مَا بَيِّنَاهُ آنِفًا.
وَالْحَامِلُ لَا تَكُونُ فَارَّةً إلَّا فِي حَالِ الطَّلْقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذْ تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَبَتَ حُكْمُ فِرَارِهَا لِتَوَقُّعِ الْوِلَادَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ.
قُلْنَا: الْمَنَاطُ مَا يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ وَلَا يُخَافُ مِنْهُ إلَّا فِي الطَّلْقِ، وَتَوَجُّهُهُ بِالْمَرَضِ قِيلَ: أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يَقُومَ إلَّا بِأَنْ يُقَامَ، وَقِيلَ إذَا خَطَا ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهَادَى فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَمَرِيضٌ.
وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْمَرِيضَ جِدًّا لَا يَعْجُزُ أَنْ يَتَكَلَّفَ لِهَذَا الْقَدْرِ، وَقِيلَ أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَّا أَنْ يُهَادَى، وَقِيلَ أَنْ لَا يَقُومَ بِحَوَائِجِهِ فِي الْبَيْتِ كَمَا تَعْتَادُهُ الْأَصِحَّاءُ وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّفُ، وَاَلَّذِي يَقْضِيهَا فِيهِ وَهُوَ يَشْتَكِي لَا يَكُونُ فَارًّا لِأَنَّ
(4/151)

بِذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ كَصَاحِبِ الْفِرَاشِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ إذَا قُتِلَ.

(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إذَا دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إذَا صَلَّى فُلَانٌ الظُّهْرَ أَوْ إذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ إلَّا فِي قَوْلِهِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ) وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ كِلَاهُمَا فِي الْمَرَضِ.
أَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ بِأَنْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ بِأَنْ قَالَ إذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ صَلَّى فُلَانٌ الظُّهْرَ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِرَارِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ التَّعْلِيقِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرِثُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ فَكَانَ إيقَاعًا فِي الْمَرَضِ.
وَلَنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَيَحَمُّ فَلَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِهَا فِي الْبَيْتِ لَا فِي خَارِجِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ.
أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الصُّعُودُ إلَى السَّطْحِ فَهِيَ مَرِيضَةٌ، وَالْمَسْلُولُ وَالْمَفْلُوجُ وَالْقَعَدُ مَا دَامَ يَزْدَادُ مَا بِهِ فَهُوَ غَالِبُ الْهَلَاكِ وَإِلَّا فَكَالصَّحِيحِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَقِيلَ إنْ كَانَ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ بِالتَّدَاوِي فَكَالْمَرِيضِ وَإِلَّا فَكَالصَّحِيحِ.
وَقِيلَ مَا كَانَ يَزْدَادُ أَبَدًا، لَا إنْ كَانَ يَزْدَادُ تَارَةً وَيَقِلُّ أُخْرَى، وَلَوْ قُرِّبَ لِلْقَتْلِ فَطَلَّقَ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ أَوْ حُبِسَ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ تَرِثُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِرَارُهُ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَرَتَّبَ مَوْتُهُ فَلَا يُبَالِي بِكَوْنِهِ بِغَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَمَا يَكُونُ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْفِرَارِ يَقْتَضِي إلْحَاقَ حَالَةِ الطَّلْقِ لِلْحَامِلِ وَالْمُبَارِزَةِ بِحَالِ الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَبْرُزَ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْرَانِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلِّقَ مَا هُوَ فِي حُكْمِ مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَرَضِ، عَلَى أَنَّهُ غَالِبًا مُتَعَلِّقٌ بِالْخَوْفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ غَلَبَةَ الْهَلَاكِ فَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ فَشْوِ الطَّاعُونِ فَهَلْ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ الْأَصِحَّاءِ حُكْمُ الْمَرَضِ فَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَلَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا

(قَوْلُهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ طَالِقٌ بَائِنٌ لِأَنَّ الْفِرَارَ يَثْبُتُ بِهِ لَا بِالرَّجْعِيِّ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ إلَخْ) ضَبْطُهُ إمَّا أَنْ يُعَلِّقَهُ بِفِعْلِ أَحَدٍ أَوْ لَا.
الثَّانِي التَّعْلِيقُ بِنَحْوِ مَجِيءِ الْغَدِ وَالْأَوَّلُ إمَّا بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ إمَّا الْمَرْأَةُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، وَالْكُلُّ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ وَوُقُوعُ الشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ أَوْ الشَّرْطُ فَقَطْ.
فَفِي التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ وَمَجِيءِ الْوَقْتِ إنْ كَانَا فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ لِظُهُورِ قَصْدِ الْفِرَارِ بِالتَّعْلِيقِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ.
وَقَالَ زُفَرُ تَرِثُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ عِنْدَهُ فَكَانَ إيقَاعًا فِي الْمَرَضِ.
وَلَنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا بِنَفْسِهِ عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا: يَعْنِي يَسْلَمُ قَوْلُ زُفَرَ إنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُنْجَزِ لَكِنْ حُكْمًا لَا قَصْدًا، وَلِذَا لَوْ كَانَ مَجْنُونًا عِنْدَ الشَّرْطِ وَقَعَ، وَلَوْ حَلَفَ بَعْدَ
(4/152)

وَلَا ظُلْمَ إلَّا عَنْ قَصْدٍ فَلَا يُرَدُّ تَصَرُّفُهُ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ كَانَا فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَصِيرُ فَارًّا لِوُجُودِ قَصْدِ الْإِبْطَالِ، إمَّا بِالتَّعْلِيقِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعْلِ الشَّرْطِ بُدٌّ فَلَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ أَلْفُ بُدٍّ فَيُرَدُّ تَصَرُّفُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَكَلَامِ زَيْدٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَرِثْ لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَكَلَامِ الْأَبَوَيْنِ تَرِثُ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِمَا لَهَا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّعْلِيقِ لَا يُطَلِّقُ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَحْنَثْ، فَلَوْ كَانَ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَمْ يَقَعْ فِي الْأَوَّلِ وَحَنِثَ فِي الثَّانِي وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارًّا بِالتَّعْلِيقِ فِي الصِّحَّةِ وَبَعْدَهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ فِي وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْعِ فِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ وَمَجِيءِ الْوَقْتِ فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا.
وَأَمَّا فِي التَّعْلِيقِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَتَرِثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ لِوُجُودِ قَصْدِ الْإِبْطَالِ: إمَّا بِالتَّعْلِيقِ إنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ، أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَكَوْنُ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْهُ غَايَةَ مَا يُوجِبُ اضْطِرَارَهُ، وَالِاضْطِرَارُ فِي جَانِبِ الْفَاعِلِ لَا يَنْفِي الضَّمَانَ، كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ أَتْلَفَهُ نَائِمًا أَوْ مُخْطِئًا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يُوصَفْ فِعْلُهُ بِالظُّلْمِ، وَحَقُّهَا صَارَ مَعْصُومًا بِمَرَضِهِ فَاضْطِرَارُهُ إلَى إبْطَالِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ تَصَرُّفَهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْفِرَارِ مَعَ عَدَمِ الْفِرَارِ، وَمَا كَانَ مُوجِبَ الْمِيرَاثِ إلَّا الْفِرَارُ وَلَا فِرَارَ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعْلِ الشَّرْطِ بُدٌّ فَلَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ أَلْفُ بُدٍّ) رُبَّمَا يُعْطِي أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الْفِرَارِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ التَّعْلِيقُ، وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْفِرَارُ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ لَكِنَّ ثُبُوتَ الْفِرَارِ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حَالَتَيْ كَوْنِ التَّعْلِيقِ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ.
وَعَلَى الثَّانِي لَا يَسْتَقِيمُ النَّظَرُ إلَى التَّعْلِيقِ فِي إثْبَاتِ الْفِرَارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ اضْطِرَارٌ جَاءَ مِنْهُ حَيْثُ عُلِّقَ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِوُرُودِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَى الشَّرْطِ يَفْعَلُهُ فَكَانَ حَالَ التَّعْلِيقِ رَاضِيًا بِالشَّرْطِ، بَلْ إنَّمَا عَلَّقَ لِيَفْعَلَ الشَّرْطَ وَيَقَعَ الْجَزَاءُ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِفِعْلِهَا فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَكَلَامِ زَيْدٍ لَمْ تَرِثْ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ) أَيْ بِالطَّلَاقِ، إذْ الرِّضَا بِالشَّرْطِ رِضًا بِالْمَشْرُوطِ.
أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ لِشَرِيكِهِ إنْ ضَرَبَتْهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ يُعْتَقُ وَلِلضَّارِبِ تَضْمِينُ الْحَالِفِ فَقَدْ رَضِيَ
(4/153)

أَوْ فِي الْعُقْبَى وَلَا رِضًا مَعَ الِاضْطِرَارِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ صُنْعٌ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَالِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَرِثُ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَلْجَأَهَا إلَى الْمُبَاشَرَةِ فَيَنْتَقِل الْفِعْلُ إلَيْهِ كَأَنَّهَا آلَةٌ لَهُ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ.

قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَرِثْ) وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَرِثُ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْفِرَارَ حِينَ أَوْقَعَ فِي الْمَرَضِ وَقَدْ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمَرَضُ إذَا تَعَقَّبَهُ بُرْءٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ بِهِ مَرَضُ الْمَوْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَلَا يَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا. وَلَوْ طَلَّقَهَا فَارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ مِنْ مَرَضِهِ وَهِيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ رِضًا بِالْمَشْرُوطِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَى فِعْلِ الشَّرْطِ لَكِنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْ هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ فَهُوَ حُرٌّ فَقَالَ لَهُ شَرِيكُهُ إنْ ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ فَلِلضَّارِبِ تَضْمِينُ الْحَالِفِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى فِعْلِ الشَّرْطِ، وَفِعْلُ الشَّرْطِ مُضْطَرًّا لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.
وَأَجَابَ فِي الْكَافِي بِأَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِشُبْهَةِ الْعُدْوَانِ فَيَبْطُلُ بِمَا لَهُ شُبْهَةُ الرِّضَا، وَلَا كَذَلِكَ الضَّمَانُ، وَقَدْ وُجِدَ هُنَا شُبْهَةُ رِضَا الْمَرْأَةِ فَكَفَى لِنَفْيِ حُكْمِ الْفِرَارِ (وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَكَلَامِ الْأَبَوَيْنِ) وَمِنْهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَاسْتِيفَاؤُهُ وَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالتَّنَفُّسُ فَلَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ) بِأَنْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى إتْلَافِ مَالٍ صَارَ الْمُكْرِهُ مُتْلِفًا حَتَّى يَضْمَنَ وَيَنْتَقِلَ الْفِعْلُ إلَيْهِ، فَكَذَا هُنَا، وَكَفِعْلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يَضْمَنَانِ إذَا رَجَعَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَلْجَأً حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْضِ يَفْسُقُ.
وَفِي مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ

(قَوْلُهُ فَلَا يَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا) يَعْنِي الْفِرَارَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَاصِّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ شَرْعًا بِالْإِبَانَةِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا وَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ خِلَافُهُ.
أَوْ نَقُولُ: هُوَ بِطَلَاقِهِ فَارٌّ لَكِنَّ الْفِرَارَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِشَرْطِ ثُبُوتِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا فَانْتَفَى شَرْطُ عَمَلِ الْعِلَّةِ (قَوْلُهُ وَلَوْ طَلَّقَهَا) أَيْ بَائِنًا
(4/154)

فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ لَمْ تَرْتَدَّ بَلْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فِي الْجِمَاعِ وَرِثَتْ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهَا بِالرِّدَّةِ أَبْطَلَتْ أَهْلِيَّةَ الْإِرْثِ إذْ الْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَلَا بَقَاءَ لَهُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ، وَبِالْمُطَاوَعَةِ مَا أَبْطَلَتْ الْأَهْلِيَّةَ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ وَهُوَ الْبَاقِي، بِخِلَافِ مَا إذَا طَاوَعَتْ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْفُرْقَةَ فَتَكُونُ رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ السَّبَبِ، وَبَعْدَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالْمُطَاوَعَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَيْهَا فَافْتَرَقَا

(وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَاعَنَ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهَذَا مُلْحَقٌ بِالتَّعْلِيقِ بِفِعْلِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ إذْ هِيَ مُلْجَأَةٌ إلَى الْخُصُومَةِ لِدَفْعِ عَارِ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ (وَإِنْ آلَى وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ أَيْضًا فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ خَالِيَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثَلَاثًا أَوْ غَيْرَهُ فِي مَرَضِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ فَرَّعَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ نَفْسِهِ مَسْأَلَةَ الْمُطَاوَعَةِ وَقَالَ إنَّهَا تَرِثُ، وَلَا يَتَفَرَّعُ إرْثُهَا عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ بَائِنًا لِأَنَّهَا إذَا طَاوَعَتْهُ بَعْدَ الرُّجْعَى لَا تَرِثُ كَمَا لَوْ طَاوَعَتْهُ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ (قَوْلُهُ لَمْ تَرِثْ) بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا بِالرِّدَّةِ تَسْقُطُ ثُمَّ بِالْإِسْلَامِ تَعُودُ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّتُهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ وَهُوَ الْبَاقِي) بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّ