Advertisement

فتح القدير للكمال ابن الهمام 006


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ) (إذَا غَلَبَ التُّرْكُ عَلَى الرُّومِ فَسَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ مَلَكُوهَا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ قَدْ تَحَقَّقَ فِي مَالٍ مُبَاحٍ وَهُوَ السَّبَبُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ غَلَبْنَا عَلَى التُّرْكِ حَلَّ لَنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ.

(وَإِذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ]
ِ) . لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ اسْتِيلَائِنَا عَلَيْهِمْ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ اسْتِيلَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَحُكْمِ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْنَا وَتَقْدِيمُهُ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا غَلَبَ التُّرْكُ عَلَى الرُّومِ) أَيْ كُفَّارُ التُّرْكِ عَلَى كُفَّارِ الرُّومِ (فَسَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ مَلَكُوهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ قَدْ تَحَقَّقَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ) عَنْ قَرِيبٍ (فَإِنْ غَلَبْنَا عَلَى التُّرْكِ حَلَّ لَنَا مَا نَجِدُهُ مِنْ مَالٍ) أَيْ مِمَّا أَخَذُوهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرُّومِ مُوَادَعَةٌ؛ لِأَنَّا لَمْ نَغْدِرْهُمْ إنَّمَا أَخَذْنَا مَالًا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِمْ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُوَادَعَةٌ فَاقْتَتَلُوا فَغَلَبَتْ إحْدَاهُمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْمَغْنُومَ مِنْ مَالِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنْ الْغَانِمَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَالْإِحْرَازُ بِدَارِ الْحَرْبِ شَرْطٌ، أَمَّا بِدَارِهِمْ فَلَا. وَلَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُوَادَعَةٌ وَاقْتَتَلُوا فِي دَارِنَا لَا نَشْتَرِي مِنْ الْغَالِبِينَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ فَيَكُونُ شِرَاؤُنَا غَدْرًا بِالْآخَرِينَ فَإِنَّهُ عَلَى مِلْكِهِمْ.
وَأَمَّا لَوْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَجُوزُ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ الْغَالِبِينَ نَفْسًا أَوْ مَالًا؟ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمَأْخُوذِ وَبَيْنَ الْآخِذِ قَرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ كَالْأُمِّيَّةِ أَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْآخِذِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ دَانُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ دَانُوا بِأَنَّ مَنْ قَهَرَ آخَرَ مَلَكَهُ جَازَ الشِّرَاءُ، وَإِلَّا لَا.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، إلَّا أَنَّ
(6/3)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُونَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مَحْظُورٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَالْمَحْظُورُ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَاعِدَةِ الْخَصْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عِنْدَ مَالِكٍ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ يَمْلِكُونَهَا. وَلِأَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَقَوْلِنَا وَكَقَوْلِ مَالِكٍ: فَيَتَفَرَّعُ عَلَى مِلْكِهِمْ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ أَنَّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أَخَذُوهُ فَيَأْكُلَهُ وَيَطَأَ الْجَارِيَةَ لِمِلْكِهِمْ كُلَّ ذَلِكَ. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُونَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ) أَيْ اسْتِيلَاءَهُمْ عَلَى أَمْوَالِنَا (مَحْظُورٌ ابْتِدَاءً) عِنْدَ الْأَخْذِ (وَانْتِهَاءً) عِنْدَ صَيْرُورَتِهَا فِي دَارِهِمْ؛ لِبَقَاءِ عِصْمَةِ الْمَالِ لِبَقَاءِ سَبَبِهَا وَهُوَ عِصْمَةُ الْمَالِكِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِالْحُرُمَاتِ إجْمَاعًا. (وَالْمَحْظُورُ لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَاعِدَتِهِ) فَصَارَ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ وَكَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى رِقَابِنَا؛ وَلِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ مُسْنَدًا إلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «كَانَتْ الْعَضْبَاءُ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ وَفِيهِ الْعَضْبَاءُ وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا إذَا نَزَلُوا يُرِيحُونَ إبِلَهُمْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَتْ الْمَرْأَةُ وَقَدْ نَامُوا فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ، فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ فَرَكِبَتْهَا ثُمَّ وَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَنَذَرَتْ لَئِنْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَجَّاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَرَفَتْ النَّاقَةَ، فَأَتَوْا بِهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بِنَذْرِهَا، فَقَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتِيهَا أَوْ وَفَّيْتِيهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . وَفِي لَفْظٍ: فَأَخَذَ نَاقَتَهُ. وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ يَمْلِكُونَ بِالْإِحْرَازِ لَمَلَكَتْهَا الْمَرْأَةُ لِإِحْرَازِهِمْ إيَّاهَا. وَلِلْجُمْهُورِ أَوْجُهٌ مِنْ النَّقْلِ وَالْمَعْنَى، فَالْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] سَمَّاهُمْ فُقَرَاءَ، وَالْفَقِيرُ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مَلَكُوا أَمْوَالَهُمْ الَّتِي خَلَّفُوهَا وَهَاجَرُوا عَنْهَا، وَلَيْسَ مَنْ مَلَكَ مَالًا وَهُوَ فِي مَكَان لَا يَصِلُ إلَيْهِ فَقِيرًا بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِابْنِ السَّبِيلِ وَلِذَا عُطِفُوا عَلَيْهِمْ فِي نَصِّ الصَّدَقَةِ.
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُونَ مِمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «قِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْفَتْحِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ. وَرُوِيَ أَتَنْزِلُ غَدًا بِدَارِك؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» ، وَإِنَّمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ عَقِيلًا كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ دَلِيلُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، فَإِنَّ عَقِيلًا إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَى الرِّبَاعِ بِإِرْثِهِ إيَّاهَا مِنْ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا مُسْلِمَيْنِ وَعَقِيلًا وَطَالِبًا كَافِرَيْنِ فَوَرِثَاهُ، لَا أَنَّ الدِّيَارَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمَّا هَاجَرَ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا فَمَلَكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: «وَجَدَ رَجُلٌ مَعَ رَجُلٍ نَاقَةً لَهُ، فَارْتَفَعَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ شِئْت أَنْ تَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ، وَإِلَّا فَخَلِّ عَنْ نَاقَتِهِ» وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مُسْنِدًا عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. وَفِي سَنَدِهِ يَاسِينُ الزَّيَّاتُ مُضَعَّفٌ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ فِيمَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فَاسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ: إنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ قُسِّمَ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ» وَضُعِّفَ بِالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فِي الْفَيْءِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَمَا قُسِّمَ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ»
(6/4)

وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمُكَلَّفِ كَاسْتِيلَائِنَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ لِضَرُورَةِ تَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُكْنَةُ عَادَ مُبَاحًا كَمَا كَانَ، غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا وَمَآلًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَضُعِّفَ بِإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ فِيهِ رِشْدِينُ وَضَعَّفَهُ بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ فِي الْفَيْءِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» وَفِيهِ يَاسِينُ ضُعِّفَ بِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ مَا أَخَذَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَمَا قُسِّمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إلَّا بِالْقِيمَةِ. قَالَ: وَهَذَا إنَّمَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا وَكِلَاهُمَا لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: فِيمَا أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَعَرَفَهُ صَاحِبُهُ: أَيْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ جَرَتْ فِيهِ السِّهَامُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِثْلُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ إلَى سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إلَى قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى مَا أَحْرَزَ الْعَدُوُّ فَهُوَ جَائِزٌ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَشُكُّ بَعْدَ هَذِهِ الْكَثْرَةِ فِي نَفْيِ أَصْلِ هَذَا الْحُكْمِ، وَيَدُورُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَضْعِيفٍ بِالْإِرْسَالِ أَوْ التَّكَلُّمِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَإِنَّ الظَّنَّ بِلَا شَكٍّ يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ، وَأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْكَذِبَ. وَيَبْعُدُ أَنَّهُ وَقَعَ غَلَطٌ لِلْكُلِّ فِي ذَلِكَ، وَتَوَافَقُوا فِي هَذَا الْغَلَطِ، بَلْ لَا شَكَّ أَنَّ الرَّاوِيَ الضَّعِيفَ إذَا كَثُرَ مَجِيءُ مَعْنَى مَا رَوَاهُ يَكُونُ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الضَّعِيفَ الْغَلَطُ دَائِمًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ حَالِهِ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ.
هَذَا مَعَ اعْتِضَادِهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ الصَّحِيحِ. وَحَدِيثُ الْعَضْبَاءِ كَانَ قَبْلَ إحْرَازِهِمْ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ أَلَا يُرَى إلَى قَوْلِهِ وَكَانُوا إذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا إلَخْ فَإِنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (الِاسْتِيلَاءُ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ) يَعْنِي الِاسْتِيلَاءَ الْكَائِنَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ (فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَاسْتِيلَائِنَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ) فَإِنَّهُ مَا تَمَّ لَنَا الْمَلِكُ فِيهِ إلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُهُ مُبَاحًا إذْ ذَاكَ (لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ عَلَى مُنَافَاةِ الدَّلِيلِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْأَمْوَالِ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ (لِضَرُورَةِ تَمَكُّنِ الْمُحْتَاجِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُكْنَةُ) مِنْ الِانْتِفَاعِ (عَادَ مُبَاحًا) وَزَوَالُهَا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالْيَقِينِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِنَّ الْإِحْرَازَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَامًّا وَهُوَ (الِاقْتِدَارُ عَلَى الْمَحَلِّ حَالًا وَمَآلًا) بِالِادِّخَارِ إلَى وَقْتِ حَاجَتِهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا أَحْرَزْنَا أَمْوَالَهُمْ لَا تَزُولُ أَمْلَاكُهُمْ؛ لِأَنَّ
(6/5)

وَالْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ إذَا صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ وَهُوَ الثَّوَابُ الْآجِلُ فَمَا ظَنُّك بِالْمِلْكِ الْعَاجِلِ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعِصْمَةَ وَمُكْنَةَ الِانْتِفَاعِ ثَابِتَةٌ مَعَ اتِّحَادِ الدَّارِ وَالْمِلَّةِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ بِالشَّكِّ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ: الْمَحْظُورُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. فَقَالَ: ذَاكَ فِي الْمَحْظُورِ لِنَفْسِهِ (أَمَّا الْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ فَلَا فَإِنَّا وَجَدْنَاهُ صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ وَهُوَ الثَّوَابُ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (فَمَا ظَنُّك بِالْمِلْكِ الدُّنْيَوِيِّ) وَالْقِيَاسُ عَلَى اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى رِقَابِنَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا، وَكَذَا عَلَى غَصْبِ الْمُسْلِمِ مَالَ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحْرَازٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَاغِي. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِصْمَةَ إنْ أُزِيلَتْ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ لَا يَكُونُ الِاسْتِيلَاءُ مَحْظُورًا لِيَحْتَاجَ إلَى هَذَا الْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَالَتْ لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لَهُمْ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا بِالْإِسْلَامِ، وَالْمُقَوَّمَةَ زَالَتْ؛ لِأَنَّهَا بِالدَّارِ. وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَ الْمِلْكُ زَالَ تَبَعًا لِزَوَالِ الْقِيمَةِ صَارَ مُبَاحًا وَعَادَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ لَزِمَ الثَّانِي فَالْمَدَارُ الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُهَا. ثُمَّ الْوَجْهُ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ أَنَّهُ مَحْظُورٌ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إنْ أُرِيدَ بِهِ ابْتِدَاءُ الْأَخْذِ أَوْ إدْخَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَجِبُ كَوْنُهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ وَهُوَ قَبِيحٌ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ تَحْرِيمُ الْغَصْبِ؛ لِقِيَامِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَهُوَ قَبِيحٌ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا عُرِفَ، كَذَا أُورِدَ فِي الْأُصُولِ عَلَى كَوْنِ الْغَصْبِ يُفِيدُ الْمِلْكَ ذَلِكَ. أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُفِيدَ لَهُ هُوَ الضَّمَانُ عَلَى مَا فِي تَوْجِيهِهِ مِنْ الْكَلَامِ، بَلْ نَقُولُ: لَيْسَ الِاسْتِيلَاءُ الْأَوَّلُ سَبَبًا لِمِلْكِهِ وَلَا الْإِدْخَالُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بَلْ الْإِدْخَالُ سَبَبُ زَوَالِ مُكْنَةِ الِانْتِفَاعِ وَزَوَالُ مُكْنَةُ الِانْتِفَاعِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ لَا يَتَّصِفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ. ثُمَّ الِاسْتِيلَاءُ الْكَائِنُ فِي الْبَقَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ الْمُبَاحِ سَبَبُ مِلْكِ الْكَافِرِ، وَهَذَا الِاسْتِيلَاءُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، وَإِبَاحَتُهُ مُسَبَّبَةٌ عَمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَهُوَ زَوَالُ الْمُكْنَةِ، فَأَمَّا الْأَخْذُ وَمَا يَلِيهِ فَأَسْبَابٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَكَانَ الْوَجْهُ مَنْعَ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُنَا مَحْظُورٌ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُبَاحٌ.
وَالسَّبَبُ الْبَعِيدُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمُسَبَّبِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْبَعِيدَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْمَعْلُولِ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَعْقِبُ إبَاحَةً أَصْلًا. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي التَّقْرِيرِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مَحْظُورٍ مَعْصُومٍ؛ لِأَنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ وَبَعْدَهُ ارْتَفَعَتْ الْعِصْمَةُ فَوَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، كَمَالِ الْمُسْلِمِ ثَمَّةَ إذَا لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا يَقْتَضِي أَنَّ مَالَهُ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَالُهُ مَعْصُومٌ عَلَيْهِ غَيْرُ الْعَقَارِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ،
(6/6)

(فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدَهَا الْمَالِكُونَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ «إنْ وَجَدْته قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَك بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْته بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ لَك بِالْقِيمَةِ» وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ زَالَ مِلْكُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ نَظَرًا لَهُ، إلَّا أَنَّ فِي الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ضَرَرًا بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ الْخَاصِّ فَيَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالشَّرِكَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَامَّةٌ فَيَقِلُّ الضَّرَرُ فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ قِيمَةٍ.

(وَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرٌ فَاشْتَرَى ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَالِكُهُ الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالْأَخْذِ مَجَّانًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْعِوَضَ بِمُقَابَلَتِهِ فَكَانَ اعْتِدَالُ النَّظَرِ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، وَلَوْ وَهَبُوهُ لِمُسْلِمٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ مَغْنُومًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ بَلْ يَكْفِي الْمَنْعُ بِأَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدَهَا الْمَالِكُونَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ إنْ وَجَدْته إلَخْ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ وَنَظَائِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَخَذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ حُكْمًا لَازِمًا يَقْتَضِي قِيَامَ مِلْكِهِ. أُجِيبُ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْوَاهِبَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَهَبَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ شَرْعًا، وَكَذَا الشَّفِيعُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَالِكِ الْمُشْتَرِي فِي الْأَخْذِ وَلَا مِلْكَ لَهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي الشَّرْعِ صُوَرًا يُقَدَّمُ فِيهَا غَيْرُ الْمَالِكِ عَلَى الْمَالِكِ كَمَا أَرَيْنَاك فَلَأَنْ يُقَدَّمَ غَيْرُ الْمَالِكِ عَلَى غَيْرِ الْمَالِكِ أَوْلَى وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُ لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِي الْمَغْنُومِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَجَبْرُ ضَرُورَةِ الْقَوِيِّ بِضَرَرٍ يَسِيرٍ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ أَوَّلًا فِي الْحَقِّ دُونَ الْمِلْكِ، وَثَانِيًا هِيَ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ فَيَخِفُّ ضَرَرُ كُلِّ وَاحِدٍ خِفَّةً كَثِيرَةً.
وَصُورَةُ الشَّفِيعِ شَبِيهَةٌ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِتَقَدُّمِهِ فِي إثْبَاتِ مِلْكٍ مُنْتَفٍ بِإِزَالَةِ مِلْكٍ مَوْجُودٍ بِالثَّمَنِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْجِوَارِ أَوْ الْخُلْطَةِ مَعَ دَفْعِ ضَرَرِ إتْلَافِ مَالِ الْآخَرِ، وَأَشْبَهَ بِالتَّاجِرِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ ثَابِتٍ بِعِوَضٍ بِإِحْدَاثِ مِلْكٍ زَائِلٍ بِعِوَضٍ بِقَدْرِهِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا لَمْ يُزِلْ الْمِلْكَ الْخَاصَّ الْحَادِثَ لِلْغَازِي فِي مُقَابَلَةِ غَنَاءٍ حَصَلَ لَهُ لَا بِمُقَابَلَةِ مَالٍ بَذَلَهُ إلَّا بِبَدَلِهِ؛ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ وَيَخِفَّ الضَّرَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَأَنْ لَا يُزِيلَهُ بِرَفْعِ مِلْكٍ حَصَلَ بِعِوَضٍ بِإِحْدَاثِ مِلْكٍ إلَّا بِعِوَضٍ؛ لِيَعْتَدِلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْلَى.

(وَلَوْ) أَنَّ التَّاجِرَ (اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ) هَذَا وَلَوْ تَرَكَ أَخْذَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِشِرَائِهِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ زَمَانًا طَوِيلًا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَيْسَ لَهُ كَالشَّفِيعِ إذَا لَمْ يَطْلُبْ الشُّفْعَةَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ (وَلَوْ وَهَبُوهُ لِمُسْلِمٍ أَخَذَهُ مَالِكُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ) فِي مُقَابَلَةِ مَا كَالْمَالِ أَوْ أَثْقَلَ مِنْ الْمَالِ إذْ الْمَالُ ثَابِتٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ مَطْلُوبَةٌ وَالظَّاهِرُ إيقَاعُهَا (فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْقِيمَةِ) وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا بِالرُّجُوعِ.
وَلَوْ كَانَ مَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ مِثْلِيًّا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ ثُمَّ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَلَا
(6/7)

وَهُوَ مِثْلِيٌّ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا يَأْخُذُهُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَوْهُوبًا لَا يَأْخُذُهُ لِمَا بَيَّنَّا. وَكَذَا إذَا كَانَ مُشْتَرًى بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا.

قَالَ: (فَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَأَخَذَ أَرْشَهَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ) أَمَّا الْأَخْذُ بِالثَّمَنِ فَلِمَا قُلْنَا (وَلَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ صَحِيحٌ، فَلَوْ أَخَذَهُ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ وَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمَّا تَحَوَّلَتْ إلَى الشَّفِيعِ صَارَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَأْخُذُهُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (لِأَنَّ أَخْذَهُ بِالْمِثْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ) الْمِثْلِيُّ (مَوْهُوبًا) مِنْ الْكَافِرِ لِلْمُخْرِجِ لَهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْمِثْلُ وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِمَا قُلْنَا. (وَكَذَا إذَا كَانَ) الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْكُفَّارِ (مُشْتَرًى بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا) لَيْسَ لِصَاحِبِهِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ قَدْرًا مِنْهُ أَوْ بِجِنْسِهِ لَكِنْ أَدْوَنُ مِنْهُ أَوْ أَحْسَنُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِ مَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ.
[فَرْعٌ] اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُشْتَرِي مِنْهُمْ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَمَلَّكُ عَلَيْهِ مَالُهُ بِمَا يُقِرُّ هُوَ بِهِ كَالْمُشْتَرِي مَعَ الشَّفِيعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، وَأَخَذَ أَرْشَهَا، فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَلَا يَأْخُذُ الْأَرْشَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ صَحِيحٌ) ؛ لِأَنَّهُ آخِذٌ بَدَلِ مِلْكٍ صَحِيحٍ كَمَا لَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُ (فَلَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الْأَرْشَ (أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ) دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَعَلِمْت أَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَلَوْ أَخَذَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا الْغَانِمُ بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ فَأَرَادَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخْذَ الْوَلَدِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ ذَلِكَ بِأَلْفٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَسَّمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْقَبْضِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْأَخْذِ، فَمَا أَصَابَ كُلًّا فَهُوَ حِصَّتُهُ مِنْ الْأَلْفِ. (وَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ) بِمَا نَقَصَ مِنْ عَيْنِهِ (لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ) بِمَا نَقَصَ مِنْ عَيْنِ الْعَبْدِ وَالْعَيْنُ كَالْوَصْفِ؛ لِأَنَّهَا يَحْصُلُ بِهَا وَصْفُ الْإِبْصَارِ،
(6/8)

الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَالْأَوْصَافُ تُضْمَنُ فِيهِ كَمَا فِي الْغَصْبِ، أَمَّا هَاهُنَا الْمِلْكُ صَحِيحٌ فَافْتَرَقَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَدْ فَاتَتْ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ فَلَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَابَلْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِالْوَصْفِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ وَبِفَوَاتِهِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ.
وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ وَقَدْ نَفَيَاهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَذَهَبَتْ يَدُهُ أَوْ عَيْنُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْعُقْرُ كَالْأَرْشِ. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ، أَمَّا إذَا صَارَ فَلَهُ حَظٌّ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَإِنَّهُ يُحَطُّ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَخُصُّ الْعَيْنَ، وَلَوْ اعْوَرَّتْ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا يُحَطُّ بَلْ يُرَابَحُ عَلَى كُلِّ الثَّمَنِ، وَكَذَا فِي الشُّفْعَةِ إذَا كَانَ فَوَاتُ وَصْفِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ بِفِعْلٍ قَصْدِيٍّ قُوبِلَ بِبَعْضِ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ شَخْصٌ بَعْضَ بِنَاءِ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتَهُ، وَلَوْ فَاتَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَأَنْ جَفَّ شَجَرُ الْبُسْتَانِ وَنَحْوُهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَبِهَذَا أُورِدَ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْقَصْدِيِّ، أَمَّا فِي غَيْرِهِ فَالشُّفْعَةُ وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا سَوَاءٌ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يُقَابِلُهُ بَعْضُ الثَّمَنِ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ فِي الْمِلْكِ الْفَاسِدِ، وَمَوْضِعُ وُجُوبِ اجْتِنَابِ الشُّبْهَةِ كَمَا ذَكَرْت مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَمَانَةِ دُونَ الْخِيَانَةِ، وَلِلشُّبْهَةِ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ فِيهَا وَالْمِلْكُ فِي الشُّفْعَةِ لِلْمُشْتَرِي كَالْفَاسِدِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ تَحْوِيلِهِ إلَيْهِ.
أَمَّا فِي الشِّرَاءِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الْفَاسِدَ فَالثَّمَنُ يُقَابِلُ الْعَيْنَ لَا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوْصَافَ تُضْمَنُ فِيهِ: أَيْ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ فَسْخِ السَّبَبِ، فَالْأَصْلُ فِي تَقَوُّمِ الصِّفَاتِ هُوَ الْغَصْبُ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمَالِكِ وَمُبَالَغَةً فِي دَفْعِ الظُّلْمِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ دُونَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِتَحَقُّقِ التَّرَاضِي فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ أَهْدَرَ تَرَاضِيَهُمَا فِي حَقِّ الْحِلِّ، وَطَلَبَ رَدَّ كُلٍّ مِنْهُمَا بَدَلَهُ إلَى الْآخَرِ.
وَفِي الْكَافِي:
(6/9)

(وَإِنْ أَسَرُوا عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسَرُوهُ ثَانِيًا وَأَدْخَلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ مَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ (ثُمَّ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِأَلْفَيْنِ إنْ شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنَيْنِ فَيَأْخُذُهُ بِهِمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الثَّانِي غَائِبًا لَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ حَضْرَتِهِ (وَلَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا أَهْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلِأَنَّ الْأَخْذَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ الصَّحِيحِ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ ثَبَتَ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ نَصًّا وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْكُلِّ فَلَا يُحَطُّ عَنْهُ. هَذَا وَلَوْ أَنَّهُ فَقِئَ عَيْنَاهُ عِنْدَ الْغَازِي الْمَقْسُومِ لَهُ فَأَخَذَ قِيمَتَهُ وَسَلَّمَهُ لِلْفَاقِئِ فَلِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَخْذُهُ مِنْ الْفَاقِئِ بِقِيمَتِهِ أَعْمَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: بِقِيمَتِهِ سَلِيمًا وَهِيَ الَّتِي أَعْطَاهَا الْفَاقِئُ لِلْمَوْلَى. لَهُمَا أَنَّهُ فَوَّتَ وَصْفًا فَلَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ. وَلَهُ أَنَّهُ طَرَفٌ وَهُوَ مَقْصُودٌ فَهُوَ كَفَوَاتِ بَعْضِ الْأَصْلِ فَيُسْقِطُ حِصَّتَهُ مِنْ الْقِيمَةِ كَالْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ، وَهَذَا يُنْتَقَضُ بِمَسْأَلَةِ الْهِدَايَةِ، بَلْ الْوَجْهُ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ فَوَاتَ الطَّرَفِ هُنَا بِفِعْلِ الَّذِي مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ سَلِيمًا ثُمَّ قَطَعَ طَرَفَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ رَاضِيًا بِتَنْقِيصِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْفَاقِئَ غَيَّرَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
[فَرْعٌ] . أَسَرُوا جَارِيَةً، وَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ غَانِمٍ فَبَاعَهَا بِأَلْفٍ فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ، فَأَرَادَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخْذَ الْوَلَدِ؛ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ ذَلِكَ بِأَلْفٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَسَّمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الْقَبْضِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْأَخْذِ، فَمَا أَصَابَ كُلًّا فَهُوَ حِصَّتُهُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَسَرُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (عَبْدًا) لِمُسْلِمٍ (فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ) مِنْهُمْ (بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَسَرُوهُ ثَانِيًا، وَأَدْخَلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ بِأَلْفٍ فَلَيْسَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ أَوَّلًا (أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الثَّانِي) وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّانِي غَائِبًا كَمَا سَيَذْكُرُ (لِأَنَّ الْأَسْرَ مَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ) بَلْ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ أَخْذِهِ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ إعْطَاؤُهُ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَهَبَهُ لَهُ أَخَذَهُ مَوْلَاهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ إذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِأَلْفٍ فَأَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخَذَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ فَفِي مُقَابَلَةِ الْعَبْدِ الَّذِي غَرْضُهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَهُ بِأَلْفٍ يَفُوتُ الْأَلْفُ الْأُخْرَى عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِلَا عِوَضٍ أَصْلًا.
[فَرْعٌ] . لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِهِ أَخَذَهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ مِنْ الثَّانِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؛ إنْ مِثْلِيًّا فَبِمِثْلِهِ، أَوْ قِيَمِيًّا بِأَنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مُقَايَضَةً فَبِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِلْقَدِيمِ أَنْ يَنْقُضَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ؛ لِيَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ إلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأَوَّلُ وَالْوَجْهُ فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا أَهْلُ
(6/10)

الْحَرْبِ بِالْغَلَبَةِ مُدَبَّرِينَا وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا وَمُكَاتَبِينَا وَأَحْرَارَنَا وَنَمْلِكُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي مَحَلِّهِ، وَالْمَحَلُّ الْمَالُ الْمُبَاحُ، وَالْحُرُّ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ رِقَابِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُمْ جَزَاءً عَلَى جِنَايَتِهِمْ وَجَعَلَهُمْ أَرِقَّاءَ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ.

(وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ) ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَالِكِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَتْ، وَلِهَذَا لَوْ أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ. وَلَهُ أَنَّهُ ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى فَظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحَرْبِ بِالْغَلَبَةِ) الْكَائِنَةِ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ (مُدَبَّرِينَا وَلَا أُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا وَلَا مُكَاتَبِينَا وَلَا أَحْرَارَنَا، وَنَمْلِكُ نَحْنُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ) وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ التَّامُّ (إنَّمَا يُفِيدُ الْحُكْمَ) وَهُوَ الْمِلْكُ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ (فِي مَحَلِّهِ، وَمَحَلُّهُ الْمَالُ الْمُبَاحُ وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ) مِمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ مُدَبِّرِينَا وَمَنْ بَعْدَهُمْ (لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمْ مِنْ وَجْهٍ) مَعَ الْإِسْلَامِ (بِخِلَافِ رِقَابِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُمْ جَزَاءً إلَى جِنَايَتِهِمْ) بِالْكُفْرِ (وَلَا جِنَايَةَ مِنْ هَؤُلَاءِ) .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِمْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوا أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى دَارِهِمْ أَخَذَهُ مَالِكُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيُعَوِّضُ الْإِمَامُ مَنْ وَقَعَ فِي قَسْمِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قِيمَتَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى تَاجِرٌ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا عِوَضٍ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ وَهُوَ مُسْلِمٌ (وَدَخَلَ إلَيْهِمْ) دَارَ الْحَرْبِ (فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَمْلِكُونَهُ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ؛ لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ قَابِلٍ لِلتَّمَلُّكِ مُحْرَزٍ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمِلْكُ لَهُمْ، وَهَذَا (لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لِحَقِّ الْمَالِكِ وَقَدْ زَالَتْ) وَصَارَ كَمَا لَوْ نَدَّتْ إلَيْهِمْ دَابَّةٌ: أَيْ شَرَدَتْ مِنْ بَابِ ضَرَبَ إلَّا أَنَّ مَصْدَرَهُ جَاءَ نُدُودًا كَمَا جَاءَ عَلَى نَدًّا الْقِيَاسِيِّ، وَكَمَا لَوْ أَخَذُوا الْعَبْدَ الْآبِقَ أَوْ غَيْرَ الْآبِقِ مِنْ دَارِنَا إذَا أَحْرَزُوهُ حَيْثُ يَمْلِكُونَهُ فَكَذَا هَذَا.
(وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْعَبْدَ ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ فَلَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْبُوضًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ يَدِهِ (لِتَحَقُّقِ يَدِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ تَمْكِينًا لِلْمَوْلَى مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَقَدْ زَالَتْ يَدُ الْمَوْلَى) بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ (فَظَهَرَتْ يَدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ) سَابِقَةً عَلَى يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُمْ
(6/11)

وَصَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحِلًّا لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ. وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ مَوْهُوبًا كَانَ أَوْ مُشْتَرًى أَوْ مَغْنُومًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يُؤَدَّى عِوَضُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إيَّاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَرَاخَى لَحْظَةً عَنْ دُخُولِهِ، وَإِذَا سَبَقَتْ يَدُهُ يَدَهُمْ (صَارَ مَعْصُومًا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَحِلًّا لِلتَّمَلُّكِ، بِخِلَافِ الْآبِقِ الْمُتَرَدِّدِ) فِي دَارِنَا إذَا أَخَذُوهُ (لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى قَائِمَةٌ عَلَيْهِ) مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا (لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ) فَيُمْكِنُهُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى وُجُودِهِ فَالِاقْتِدَارُ بَاقٍ (فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ) عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَا كَذَلِكَ الْمَأْذُونُ فِي الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ بِإِذْنِهِ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إلَيْهِ، وَبِخِلَافِ الدَّابَّةِ الَّتِي نَدَّتْ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِهِ لِلْيَدِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ اعْتِبَارِهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُؤَنَّثَةٌ وَقَدْ يُعَادُ عَلَى الظُّهُورِ أَيْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ ظُهُورِهِ (وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ مِلْكٌ فِيهِ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِغَيْرِ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ مَوْهُوبًا) مِنْهُمْ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ مُشْتَرًى) مِنْهُمْ (أَوْ مَغْنُومًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا) إلَّا أَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ (يُؤَدِّي) الْإِمَامُ (عِوَضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ (لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ؛ لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ، وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ) وَتَفَرُّقِ الْمَالِ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَيْدِي غَيْرِهِمْ بِتَصَرُّفِهِمْ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْحَرَجِ، وَبَيْتُ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْ نَوَائِبِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَضَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ كَلُؤْلُؤَةٍ تُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا لَحِقَ غَرَامَةٌ كَانَ فِيهِ، وَلَا يُعْطَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا إذَا كَانَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى.
فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ. وَعِنْدَهُمَا يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ فِي الْمُشْتَرِي وَبِالْقِيمَةِ فِي الْمَوْهُوبِ كَمَا فِي الْمَأْسُورِ غَيْرِ الْآبِقِ. وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِ الْعَبْدِ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ فَأَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا مِنْ الْأَصْلِ فَهُوَ ذِمِّيٌّ تَبَعًا لِمَوْلَاهُ، وَفِي الْعَبْدِ
(6/12)

وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ جُعْلُ الْآبِقِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ إذْ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ.

(وَإِنْ نَدَّ بَعِيرٌ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ) لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيلَاءِ إذْ لَا يَدَ لِلْعَجْمَاءِ لِتَظْهَرَ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. (وَإِنْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَصَاحِبُهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) لِمَا بَيَّنَّا

(فَإِنْ أَبَقَ عَبْدٌ إلَيْهِمْ وَذَهَبَ مَعَهُ بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاشْتَرَى رَجُلٌ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالْفَرَسَ وَالْمَتَاعَ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَمَا مَعَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِي كُلِّ فَرْدٍ

(وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ) ؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً بِطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْبَيْعُ وَقَدْ انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْجَبْرِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ عَبْدًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الذِّمِّيِّ إذَا أَبَقَ قَوْلَانِ ذَكَرَهُ فِي طَرِيقِهِ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْغَازِي أَوْ التَّاجِرِ (جَعْلُ الْآبِقِ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ إذَا أَخَذَهُ؛ لِيَرُدَّهُ فَيَكُونُ عَامِلًا لَهُ وَهَاهُنَا إنَّمَا هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَدَّ بَعِيرٌ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ) وَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ فَيَتَفَرَّعُ عَلَى مِلْكِهِمْ إيَّاهُ أَنَّهُ (لَوْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ، وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ مَالِكًا مِنْهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) .

(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَقَ عَبْدٌ إلَيْهِمْ وَذَهَبَ مَعَهُ بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَأْخُذُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالْمَتَاعَ وَالْفَرَسَ بِالثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَأْخُذُ الْعَبْدَ أَيْضًا بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) وَهَذِهِ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى مِلْكِهِمْ الْعَبْدَ الْآبِقَ إلَيْهِمْ عِنْدَهُمَا دُونَهُ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا ظَهَرَتْ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ ظَهَرَتْ عَلَى مَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ فَتَمْنَعُ ظُهُورَ يَدِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ كَمَا مَنَعَتْ ظُهُورَ يَدِهِمْ عَلَيْهِ نَفْسِهِ لِسَبْقِهَا. أُجِيبُ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ صَارَ لَهُ يَدٌ بِلَا مِلْكٍ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِيهِ فَيَبْقَى فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْغَائِبِ فَيَمْلِكُهُ الْكُفَّارُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ سَبْقَ الْيَدِ يَمْنَعُ اسْتِيلَاءَهُمْ عِنْدَهُ، فَإِنَّهَا يَمْلِكُونَ الْمَالَ بِإِبَاحَتِهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ يَدٌ لِأَحَدٍ، وَإِلَّا مَلَكُوا الْعَبْدَ، وَالْفَرْضُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ عَلَيْهِ يَدٌ فَتَدْفَعُ الِاسْتِيلَاءَ الْمُوجِبَ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِ مَنْ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ قَائِمٌ. وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ يَدَهُ ظَهَرَتْ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ الرِّقُّ فَكَانَتْ ظَاهِرَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَاعْتَبَرْنَاهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ الْمَالِ. وَدُفِعَ بِأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْعَبْدِ عَلَى الْمَالِ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مَالٌ مُبَاحٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ اسْتِيلَاءَ الْكُفَّارِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ كَانَتْ مُتَعَيِّنَةً) حَالَ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (بِطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْبَيْعُ) فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا بَاعَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ إلَيْهِ (وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَبْرُ عَلَيْهِ فَبَقِيَ عَبْدًا فِي يَدِهِ) وَلِأَنَّ الْإِحْرَازَ بِدَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ؛ لِثُبُوتِ مِلْكِهِمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا
(6/13)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ عَنْ ذُلِّ الْكَافِرِ وَاجِبٌ، فَيُقَامُ الشَّرْطُ وَهُوَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مَقَامَ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ تَخْلِيصًا لَهُ، كَمَا يُقَامُ مُضِيُّ ثَلَاثِ حِيَضٍ مَقَامَ التَّفْرِيقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا عَبْدًا مُسْلِمًا دَارَ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ الثَّابِتُ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ حَالَةَ الْإِحْرَازِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَبْرَ عَلَى الْبَيْعِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ إلَّا لِوُجُوبِ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ عَنْ إذْلَالِ الْكَافِرِ) فَهُوَ الْوَاجِبُ بِالذَّاتِ إجْمَاعًا، وَوُجُوبُ الْجَبْرِ عَلَى الْبَيْعِ لِيُتَوَصَّلَ إلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ تَعَيَّنَ إخْرَاجُهُ بِعِوَضٍ بَيْعًا طَرِيقًا حَالَ قِيَامِ أَمَانِهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ بِأَخْذِ مَالِهِ، وَلَوْلَاهُ لَأَعْتَقْنَاهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ أَمَانُهُ، وَسَقَطَتْ عِصْمَةُ مَالِهِ بِوُجُودِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَجِبُ التَّخْلِيصُ بِالْإِعْتَاقِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ إعْتَاقَ الْقَاضِي قَدْ تَعَذَّرَ بِحُلُولِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إذْ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عَلَى مَنْ هُنَاكَ فَأُقِيمَ شَرْطُ زَوَالِ عِصْمَةِ مَالِهِ، وَهُوَ دُخُولُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَقَامَ عِلَّةِ عِتْقِهِ وَهُوَ إعْتَاقُ الْقَاضِي (كَمَا أُقِيمَ مُضِيُّ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَقَامَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي) بَعْدَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْآخَرِ، وَإِبَائِهِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى حَقَّ اسْتِرْدَادِهِ، فَإِذَا أَعْتَقْنَاهُ
(6/14)

فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

(وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ عَبِيدُهُمْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ أَحْرَارٌ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا وَخَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَضَى بِعِتْقِهِمْ وَقَالَ: هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ» وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ أَوْ بِالِالْتِحَاقِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إذَا ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ، وَاعْتِبَارُ يَدِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ يَدِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ ثُبُوتًا عَلَى نَفْسِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى الْحَرْبِيِّ حِينَ أَحْرَزَهُ أَبْطَلْنَا حَقَّ اسْتِرْدَادِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ إلَى رِقِّهِ جَبْرًا فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا لِلْمُقْتَضِي عَنْ عَمَلِهِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ لَا يُفَرَّقُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ وَلَمْ يَهْرُبْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُعْتَقُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَعْتَمِدُ زَوَالَ الْقَهْرِ الْخَاصِّ وَقَدْ عُدِمَ إذْ زَالَ قَهْرُهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ. وَلَهُ أَنَّ قَهْرَهُ زَالَ حَقِيقَةً بِالْبَيْعِ، وَكَانَ إسْلَامُهُ يُوجِبُ إزَالَةَ قَهْرِهِ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْخِطَابُ بِالْإِزَالَةِ فَأُقِيمَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ مَقَامَ الْإِزَالَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ

(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا أَوْ) أَسْلَمَ وَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى (ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَكَذَا إذَا خَرَجَ عَبِيدٌ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ) مُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ (لِمَا رَوَى) أَبُو دَاوُد مُسْنَدًا إلَى عَلِيٍّ قَالَ: «خَرَجَ عَبْدَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الصُّلْحِ فَكَتَبَ مَوَالِيهمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا خَرَجُوا رَغْبَةً فِي دِينِك، وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنْ الرِّقِّ، فَقَالَ نَاسٌ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِيهِ فَقَالَ: هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ» وَفِيهِ أَحَادِيثُ قَدَّمْنَاهَا، وَمِنْهَا إسْلَامُ عَبِيدِ الطَّائِفِ، وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَالْمُنْبَعِثُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهَا فَهَذَا دَلِيلُ عِتْقِهِمْ إذَا خَرَجُوا مُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا عِتْقُهُمْ إذَا ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ فَلِأَنَّهُ لَمَّا الْتَحَقَ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَارَ كَأَنَّهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ فِي أَنَّهُ امْتَنَعَ بِهِمْ. وَقَوْلُهُ: (وَاعْتِبَارُ يَدِهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا عَرَضُهُ لِلْبَيْعِ فَبَاعَهُ، فَقَدْ وَرَدَتْ يَدُ الْغَانِمِينَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي اسْتِرْقَاقَهُمْ. أَجَابَ أَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَظْهَرْ لِحَقِّ الْمَوْلَى لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ. ثُمَّ هِيَ أَسْبَقُ مِنْ يَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا فِي الْمَوْلَى الْكَافِرِ فَيَسْتَحِقُّ الْحُكْمَ بِعِتْقِهِ تَخْلِيصًا لِلْمُسْلِمِ مِنْ إذْلَالِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ أَصْلِ الْيَدِ لَا يَكْفِي مَا لَمْ يَتَأَكَّدْ إذْ لَا قُدْرَةَ بِدُونِهِ فَكَانَتْ مَنَعَةُ الْغَانِمِينَ هِيَ الْمُؤَكِّدَةُ لَهَا فَيُعْتَقُ. هَذَا وَلَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا وَلَمْ يُظْهَرْ عَلَى الدَّارِ فَهُوَ رَقِيقٌ إلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَيُعْتَقَ. قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَثْبُتُ وَلَاءٌ: أَيْ لَا يَثْبُتُ وَلَاءُ الْعَبْدِ الْخَارِجِ إلَيْنَا مُسْلِمًا لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ حُكْمِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا وَلَمْ يُظْهَرْ عَلَى الدَّارِ لَمْ يُعْتَقْ إلَّا إذَا عَرَضَهُ الْمَوْلَى عَلَى الْبَيْعِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ الْعَبْدُ قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ اسْتَحَقَّ حَقَّ الْإِعْتَاقِ بِالْإِسْلَامِ لَكِنَّا نَحْتَاجُ إلَى سَبَبٍ آخَرَ؛ لِيَزُولَ بِهِ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَمَّا عَرَضَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَقَيْدُ الْمُرَاغَمَةِ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا لَوْ خَرَجَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ بِأَمْرِهِ لِحَاجَتِهِ، فَإِنَّهُ إذَا
(6/15)

فَالْحَاجَةُ فِي حَقِّهِ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَفِي حَقِّهِمْ إلَى إثْبَاتِ الْيَدِ ابْتِدَاءً فَلِهَذَا كَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خَرَجَ كَذَلِكَ فَأَسْلَمَ فِي دَارِنَا حُكْمُهُ أَنْ يَبِيعَهُ الْإِمَامُ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِأَمَانٍ صَارَتْ رَقَبَتُهُ دَاخِلَةً فِيهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ سَيِّدُهُ بِهِ وَبِمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ.
[فُرُوعٌ] . وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ جِنَايَةً خَطَأً أَوْ أَفْسَدَ مَتَاعًا فَلَزِمَهُ دَيْنُهُ ثُمَّ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ ثُمَّ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» ثُمَّ تَبْطُلُ الْجِنَايَةُ دُونَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الرَّقَبَةِ وَلَا تَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمَوْلَى، حَتَّى لَوْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لَا يَبْقَى فِيهِ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَفِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَبْطُلُ عَنْهُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمَوْلَى كَمَا لَا يَبْطُلُ بِبَيْعِهِ. وَلَوْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ أَوْ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَنِيمَةِ فَأَخَذَهُ الْمَوْلَى فَكُلٌّ مَنْ الْجِنَايَةِ وَالدَّيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَحَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ كَانَ ثَابِتًا فِي قَدِيمِ مِلْكِهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَتْلَ عَمْدٍ لَمْ تَبْطُلْ عَنْهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بِهِ نَفْسُهُ فَلَا تَبْطُلُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمَوْلَى، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ بَعْدَ لُزُومِ الْقِصَاصِ. وَلَوْ وَقَعَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ أَوْ اشْتَرَاهُ فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْمَوْلَى نَفَذَ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَابِلًا لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ؛ وَلِأَنَّ وَلَاءَهُ لَزِمَ لِلْمُعْتِقِ عَلَى وَجْهٍ لَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ. وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مِنْ الزَّوْجِ بِلَا عِتْقٍ لِلْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَوَلَدَهَا؛ لِأَنَّهَا بِالْوِلَادَةِ مِنْ الزَّوْجِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهَا قَابِلَةً لِلنَّقْلِ وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْ عَيْنِهَا فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ، بِخِلَافِ حَقِّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ لَا يَثْبُتُ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ فِي الْعَيْنِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ تَصَرُّفِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ لَا يَعْدُو مَحَلَّهُ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ جُزْءًا فَفِي الْمَآلِ هُوَ مَحَلٌّ آخَرُ، بِخِلَافِ حَقِّ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ قَوِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِبَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ.
وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ بِلَا فَسْخٍ، وَالنِّكَاحُ أَلْزَمُ مِنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِهِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى عَلَى مَا أَخَذَ مِنْ عُقْرِهَا، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يُزَوِّجْهَا الْمُشْتَرِي فَلَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْمَوْلَى وَثُبُوتُ حَقِّ أَخْذِهِ لَا يَمْنَعُ وَطْءَ الْمَالِكِ. وَلَوْ أَسَرُوا جَارِيَةً مَرْهُونَةً بِأَلْفٍ وَهِيَ قِيمَتُهَا وَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ أَخَذَهَا مَوْلَاهَا الرَّاهِنُ بِهَا وَلَمْ تَبْقَ رَهْنًا؛ لِأَنَّهَا تَاوِيَةٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ كَالْمُجَدِّدِ لِمِلْكِهَا فَلَا يَأْخُذُهَا الْمُرْتَهِنُ إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَى الرَّاهِنِ الْأَلْفَ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الثَّمَنَ فَتَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ. وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ، وَكَذَا إذَا صَارَ ذِمِّيًّا، وَكَذَا إذَا بَاعَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ آخَرَ؛ وَلَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ ذَلِكَ الْمَالُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَبْدًا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَلَا يُمَكَّنُ الْحَرْبِيُّ مِنْ إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَإِذْلَالِهِ.
وَلَوْ أَسَرُوا جَارِيَةً وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ عَارِيَّةً أَوْ إجَارَةً فَحَقُّ الْأَخْذِ إذَا أُخْرِجَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ غَنِيمَةٍ لِمَالِكِهَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ لِلْمَالِكِ لَا لِلْيَدِ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ مِنْ الْمُودَعِ وَمَنْ ذَكَرْنَا لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاسْتِرْدَادُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي حِفْظِهِ وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْمَالِكِ بِالْغَصْبِ، بِخِلَافِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَلَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ إحْرَازِهَا تُوجِبُ أَنْ يَمْلِكُوهَا، وَنَقْلُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ كَالْبَيْعِ، وَالتَّبَايُنُ الْقَاطِعُ لَهُ مَا هُوَ تَبَايُنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالْمُسْلِمَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَقِيقَةً.
(6/16)

(بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ) (وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا مِنْ دِمَائِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ، فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ، إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ حَبَسَهُمْ أَوْ فَعَلَ غَيْرُهُ بِعِلْمِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَوُّضُ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا (فَإِنْ غَدَرَ بِهِمْ) أَعْنِي التَّاجِرُ (فَأَخَذَ شَيْئًا وَخَرَجَ بِهِ) (
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ]
ِ) . أَخَّرَهُ عَنْ الِاسْتِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ بِالْقَهْرِ يَكُونُ وَالِاسْتِئْمَانُ بَعْدَ الْقَهْرِ فَأَوْرَدَهُ كَذَلِكَ، وَتَقْدِيمُ اسْتِئْمَانِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ تَاجِرًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُ) بِالِاسْتِئْمَانِ (ضَمِنَ) لَهُمْ (أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ) فَإِخْلَافُهُ غَدْرٌ (وَالْغَدْرُ حَرَامٌ) بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا «لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا» فِي وَصِيَّتِهِ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا لَوْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْهُمْ مُوَادَعَةٌ: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْ الطَّائِفَةِ الْغَالِبَةِ شَيْئًا مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي غَنِمُوهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا؛ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ شِرَاؤُنَا غَدْرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَتَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَنَا الشِّرَاءُ، وَالشَّرْطُ الْإِحْرَازُ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا بِدَارِهِمْ بِخُصُوصِهَا، وَلَوْ كَانُوا اقْتَتَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَقُولُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْرِزَهَا الْغَالِبُونَ بِدَارِهِمْ إنْ كَانُوا لَا يَدِينُونَ أَنَّ مَنْ قَهَرَ آخَرَ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مَلَكَهُ، وَإِنْ كَانُوا يَدِينُونَ فَلَا؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَجَاءَ رَجُلٌ بِأُمِّهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لِيَبِيعَهُ مِنْهُ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى مَنْعِهِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إنْ كَانُوا يَدِينُونَ ذَلِكَ جَازَ شِرَاؤُهُ مِنْهُمْ، وَالْعَامَّةُ يَقُولُونَ: إنْ كَانُوا يَدِينُونَ أَنَّ مَنْ قَهَرَ آخَرَ مَلَكَهُ فَهُوَ إذَا مَلَكَ هَؤُلَاءِ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ فَيَصِيرُونَ أَحْرَارًا فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُمْ، وَلَوْ جَاءَ بِبَعْضِ أَحْرَارِهِمْ قَالُوا: إنْ كَانُوا يَدِينُونَ أَنَّ مَنْ قَهَرَ شَخْصًا مَلَكَهُ جَازَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ، وَإِلَّا لَا، مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ إحْرَازٌ بِدَارٍ أُخْرَى غَيْرِ دَارِ الْمَقْهُورِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُهُمْ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَحِلُّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ أَيْضًا (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ) وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ (فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ) وَتَرَكُوهُ فِي دَارِهِ (طَوْعًا) أَوْ أَعْتَقُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَأْمَنْ، وَعِتْقُهُمْ لَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ سَيِّدَهُ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ وَيَمْلِكَهُ مِلْكًا لَا خُبْثَ فِيهِ.
(فَإِنْ غَدَرَ بِهِمْ) التَّاجِرُ (فَأَخَذَ شَيْئًا، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ
(6/17)

مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا) لِوُرُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ، إلَّا أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ الْغَدْرِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ خُبْثًا فِيهِ (فَيُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ السَّبَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.

(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ هُوَ حَرْبِيًّا أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ) أَمَّا الْإِدَانَةُ فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَلَكَهُ مِلْكًا مَحْظُورًا؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ) عِنْدَ عَدَمِ الْإِحْرَازِ إلَّا أَنَّهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ فَأَوْرَثَ خُبْثًا فِيهِ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ كَمِلْكِ الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ مَعَ حُرْمَةِ مُبَاشَرَتِهِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ (لِأَنَّ الْحَظْرَ لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ سَبَبِ الْمِلْكِ) كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: الْمَحْظُورُ لِغَيْرِهِ إذَا صَلُحَ سَبَبًا لِكَرَامَةٍ تَفُوقُ الْمِلْكَ إلَخْ، وَسَبِيلُ مَا يُمْلَكُ بِطَرِيقٍ مُحَرَّمٍ التَّصَدُّقُ بِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ غَدْرًا جَارِيَةً لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي خَاصَّةً، وَتَحِلُّ لِلْمُشْتَرَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ فِيهِ؛ لِثُبُوتِ حَقِّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ، وَبِبَيْعِ الْمُشْتَرِي انْقَطَعَ حَقُّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ، وَهُنَا الْكَرَاهَةُ لِلْغَدْرِ وَالْمُشْتَرِي الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فِيهِ. أَمَّا لَوْ سَبَى قَوْمٌ أَهْلَ الدَّارِ الَّتِي هُوَ فِيهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ مِنْ السَّابِي؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ وَهُمْ كَانُوا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْغَدْرُ وَلَيْسَ ذَلِكَ غَدْرًا.
[فَرْعٌ نَفِيسٌ مِنْ الْمَبْسُوطِ] . لَوْ أَغَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي فِيهِمْ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ، لَا يَحِلُّ لَهُ قِتَالُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ إلَّا إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَمَّا كَانَ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْهَلَاكِ لَا يَحِلُّ إلَّا لِذَلِكَ أَوْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ قِتَالُهُ لِهَؤُلَاءِ إلَّا إعْلَاءً لِلْكُفْرِ. وَلَوْ أَغَارَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِي فِيهِمْ مُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرُوا ذَرَارِيَّهُمْ فَمَرُّوا بِهِمْ عَلَى أُولَئِكَ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَمْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ ضَمِنُوا لَهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِأَمْوَالِهِمْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُونَ ذَرَارِيَّ الْخَوَارِجِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ: لَوْ تَزَوَّجَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ ثُمَّ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَهْرًا مَلَكَهَا فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَخَرَجَتْ طَوْعًا مَعَهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا فِي تَصْوِيرِهَا مَا إذَا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا لِيَبِيعَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا كَرْهًا لَا لِهَذَا الْغَرَضِ بَلْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِزَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ إذَا أَوْفَاهَا مُعَجَّلَ مَهْرِهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَهَا.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَدَانَهُ حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ هُوَ حَرْبِيًّا أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) مَالًا (ثُمَّ خَرَجَ) الْمُسْلِمُ (إلَيْنَا وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ) فَخَرَجَ أَيْضًا مُسْتَأْمَنًا (لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ. أَمَّا الْإِدَانَةُ فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ
(6/18)

يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ لِمُصَادَفَتِهِ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ لِمَا قُلْنَا (وَلَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ قُضِيَ بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُقْضَ بِالْغَصْبِ) أَمَّا الْمُدَايَنَةُ فَلِأَنَّهَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً لِوُقُوعِهَا بِالتَّرَاضِي، وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ حَالَةَ الْقَضَاءِ لِالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ بِالْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا خُبْثَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) وَلَكِنْ يُفْتَى بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا قَاصِرٌ كَمَا تَرَى لَا يَشْمَلُ وَجْهَ عَدَمِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ يُقْضَى عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعُمُومُ عَدَمِ الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهُمَا بِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا وَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ.
وَكَوْنُ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ دِيَانَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْقَضَاءِ هُوَ أَيْضًا مِمَّا يَحْتَاج إلَى مُوجِبٍ. وَأَجَابَ فِي الْكَافِي بِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، فَإِنَّ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِي أَنْ يَبْطُلَ حَقُّ أَحَدِهِمَا بِلَا مُوجِبٍ لِوُجُوبِ إبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ بِمُوجِبٍ، بَلْ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِقَامَةِ وَالْإِجْلَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْإِدَانَةُ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ، وَالِاسْتِدَانَةُ الِابْتِيَاعُ بِالدَّيْنِ. (وَأَمَّا) أَنَّهُ لَا يُقْضَى (بِالْغَصْبِ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا (فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ) سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ كَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا (عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَيْ فِي بَابِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي غَصْبِ الْمُسْلِمِ إذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ مُغِيرَيْنِ دَارَ الْحَرْبِ إلَخْ، إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنَ الْغَاصِبَ لِمَالِ الْحَرْبِيِّ يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إفْتَاءً لَا قَضَاءً؛ لِتَرْتَفِعَ مَعْصِيَةُ الْغَدْرِ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَيْهِ كَمَا تَرَى (وَكَذَا لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ) أَيْ أَدَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ غَصَبَهُ (ثُمَّ خَرَجَا) إلَيْنَا (مُسْتَأْمَنَيْنِ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ) وَقَدْ أَدَانَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ غَصَبَهُ (يُقْضَى بِالدَّيْنِ بَيْنَهُمَا خَاصَّةً دُونَ الْغَصْبِ) أَمَّا (الْقَضَاءُ بِالْمُدَايَنَةِ) أَيْ بِالدَّيْنِ (فَلِأَنَّهَا) حِينَ وَقَعَتْ (وَقَعَتْ صَحِيحَةً؛ لِوُقُوعِهَا بِالتَّرَاضِي، وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ حَالَةَ الْقَضَاءِ لِاعْتِرَافِهِمَا بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ) وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذْ لَمْ يُقْضَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بَلْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يُحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْعِلَاوَةِ إذْ يُقْضَى لِلْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا. (وَأَمَّا الْغَصْبُ) فَإِنَّمَا لَا يُقْضَى بِهِ لِإِتْلَافِهِ فِيمَا مَلَكَهُ (وَلَا خُبْثَ
(6/19)

فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالرَّدِّ.

(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَغَصَبَ حَرْبِيًّا ثُمَّ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ أُمِرَ بِرَدِّ الْغَصْبِ وَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ) أَمَّا عَدَمُ الْقَضَاءِ فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالرَّدِّ وَمُرَادُهُ الْفَتْوَى بِهِ فَلِأَنَّهُ فَسَدَ الْمِلْكُ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ نَقْصُ الْعَهْدِ

(وَإِذَا دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ) أَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ بِالْأَمَانِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِمَنَعَةٍ، وَلَا مَنَعَةَ دُونَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ لِيُؤْمَرَ بِالرَّدِّ) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا.

(قَوْلُهُ: إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ فَغَصَبَ حَرْبِيًّا ثُمَّ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ إلَخْ) عُرِفَ أَحْكَامُهُمَا مِمَّا تَقَدَّمَ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَى الْقَاتِلِ عَمْدًا الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (وَعَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْضًا (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مِنْ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَا ذِكْرِ خِلَافٍ. وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ شَخْصًا مَعْصُومًا بِالْإِسْلَامِ عُدْوَانًا وَظُلْمًا وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ، وَكَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي سُقُوطِ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُكَثِّرٌ سَوَادَهُمْ مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ كَثَّرَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ كَانَ مُتَوَطِّنًا هُنَاكَ لَا يَكُونُ مَعْصُومًا، فَإِذَا كَانَ مُكَثِّرًا مِنْ وَجْهٍ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي قِيَامِ الْعِصْمَةِ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمْلَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ حَيْثُ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُنْتَقَضُ إحْرَازُهُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَالْقِصَاصُ حَقٌّ لِلْوَلِيِّ يَنْفَرِدُ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى وِلَايَةِ الْإِمَامِ، وَوَجْهُ الظَّاهِرِ يَنْدَرِجُ فِيمَا سَنَذْكُرُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (أَمَّا الْكَفَّارَةُ) يَعْنِي فِي الْخَطَإِ (فَلِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] (وَ) وُجُوبُ الدِّيَةِ (لِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ) إلَى دَارِ الْحَرْبِ (بِالْأَمَانِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ) فِي الْعَمْدِ (لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِمَنَعَةٍ، وَلَا مَنَعَةَ دُونَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ) فَلَا فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ. وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ بِسُقُوطِهِ بِعَارِضٍ مُقَارِنٍ لِلْقَتْلِ يَنْقَلِبُ كَقَتْلِ الرَّجُلِ ابْنَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهُ إذَا طَلَبَ الْوَلِيُّ تَمْكِينَهُ
(6/20)

وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ؛ وَفِي الْخَطَإِ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّيَانَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ تَرْكِهَا.

(وَإِنْ كَانَا أَسِيرَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ تَاجِرٌ أَسِيرًا) فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: (فِي الْأَسِيرَيْنِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ) ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الْأَسْرِ كَمَا لَا تَبْطُلْ بِعَارِضِ الِاسْتِئْمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَامْتِنَاعُ الْقِصَاصِ؛ لِعَدَمِ الْمَنَعَةِ وَيَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِمَا قُلْنَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ بِالْأَسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ؛ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ أَصْلًا وَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ قَتْلُ الْقَاتِلِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْوِلَايَةِ قَاصِرَةً وَقْتَ السَّبَبِ لَا تَمْنَعُ مِنْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الطَّلَبِ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ رَفَعَ إلَى قَاضٍ مُطَالَبَةً بِثَمَنِ مَبِيعٍ صَدَرَ الْبَيْعُ فِيهِ قَبْلَ وِلَايَةِ الْقَاضِي فَإِنَّ وِلَايَتَهُ مُنْعَدِمَةٌ عِنْدَ السَّبَبِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ بِالْإِسْلَامِ قَائِمَةٌ، وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ ثَابِتٌ وَهُوَ السَّبَبُ، وَالْمَانِعُ وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الْإِمَامِ مُنْتَفٍ لِمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِقَامَةَ يَنْفَرِدُ بِهَا الْوَلِيُّ فَمَنْعُهُ مِنْهُ خِلَافُ الدَّلِيلِ.
فَالْأَقْرَبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ثُبُوتِ الشُّبْهَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْقِصَاصِ بِتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا فِيهِ، إذْ نَمْنَعُ كَوْنَ ذَلِكَ شُبْهَةً تُوجِبُ السُّقُوطَ، أَوْ أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إبَاحَةٍ فَالْكَوْنُ فِيهَا شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ. وَقَدْ يُقَالُ: إنْ قُلْتُمْ إنَّهَا دَارُ إبَاحَةِ لِلْقَتْلِ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ أَوْ قَتْلُ الْكَافِرِ فِيهِ فَلَا يُفِيدُ. وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَهَا دَارَ إبَاحَةٍ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ كَافٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ إبَاحَةَ الشَّرْعِ قَتْلَهُ لَمْ تَحْصُلْ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ بَلْ إبَاحَةٌ مِنْ جِهَتِهِ وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ مَانِعًا إلَّا أَنْ نَمْنَعَ عَدَمَ الْقِصَاصِ فِي قَوْلِهِ اُقْتُلْنِي. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178] وَ {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْقَتْلِ خَطَأً، فَإِنَّهُ قَتْلٌ وَلَيْسَ يَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْمَعْنَى أَيْضًا. قَالَ: (وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ، وَفِي الْخَطَأِ) إنَّمَا تَجِبُ أَيْضًا فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ بِتَرْكِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ فِي حِفْظِ الْقَاتِلِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَقْصِيرَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْمُسْلِمَانِ (أَسِيرَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ تَاجِرٌ أَسِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا (إلَّا الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَإِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ عِقَابُ الْآخِرَةِ فِي الْعَمْدِ (وَقَالَا: فِي الْأَسِيرَيْنِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الْأَسْرِ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِئْمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبْطُلُ بِعَارِضِ الدُّخُولِ بِالْأَمَانِ فَكَانَ الْأَسِيرَانِ كَالْمُسْتَأْمَنَيْنِ (وَ) أَمَّا (امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ فَلِعَدَمِ الْمَنَعَةِ) كَمَا ذَكَرْنَا (وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِمَا قُلْنَا) أَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ.
هَذَا وَقِيَاسُ مَا نَقَلَ قَاضِي خَانْ عَنْهُمَا فِي الْمُسْلِمَيْنِ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ أَنْ يَقُولَا بِهِ فِي الْأَسِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يَعُمُّهُمَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسِيرَيْنِ وَالْمُسْتَأْمَنَيْنِ (أَنَّ بِالْأَسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْصُورًا فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى يَصِيرَ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ فَيَبْطُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ أَصْلًا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَكَذَا تَبِعَهُ (وَصَارَ كَالْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا) فِي سُقُوطِ عِصْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِجَامِعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ
(6/21)

وَخَصَّ الْخَطَأَ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ عِنْدَنَا.

فَصْلٌ قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا لَمْ يُمَكَّنْ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِنَا سَنَةً وَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ: إنْ أَقَمْتَ تَمَامَ السَّنَةِ وَضَعْتُ عَلَيْك الْجِزْيَةُ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ فِي دَارِنَا إلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ أَوْ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ عَيْنًا لَهُمْ وَعَوْنًا عَلَيْنَا فَتَلْتَحِقُ الْمَضَرَّةُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ؛ لِأَنَّ فِي مَنْعِهَا قَطْعَ الْمِيرَةِ وَالْجَلَبِ وَسَدَّ بَابِ التِّجَارَةِ، فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ فَتَكُونُ الْإِقَامَةُ
لِمَصْلَحَةِ
الْجِزْيَةِ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ إلَى وَطَنِهِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَكَثَ سَنَةً فَهُوَ ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ إلَيْهِ صَارَ مُلْتَزِمًا الْجِزْيَةَ فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَقِّتَ فِي ذَلِكَ مَا دُونَ السَّنَةِ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ (وَإِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَ) إنَّمَا (خَصَّ الْكَفَّارَةَ بِالْخَطَإِ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ عِنْدَنَا) كَمَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِمَا حَدِيثُ الشُّبْهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا فِيهِ.

[فَصْلٌ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا لَمْ يُمَكَّنْ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِنَا سَنَةً) ثُمَّ يَرْجِعُ (بَلْ يَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ إنْ أَقَمْتَ تَمَامَ السَّنَةِ وَضَعْتُ عَلَيْك الْجِزْيَةَ. وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ فِي دَارِنَا إلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ أَوْ بِالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ عَيْنًا لَهُمْ) أَيْ جَاسُوسًا (وَعَوْنًا عَلَيْنَا فَتَلْتَحِقُ الْمَضَرَّةُ بِالْمُسْلِمِينَ وَيُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ؛
لِأَنَّ فِي مَنْعِهَا قَطْعُ الْمِيرَةِ وَالْجَلَبِ
) وَهُوَ مَا يُجْلَبُ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ (فَفَصَّلْنَا بَيْنَ الدَّائِمَةِ وَالْيَسِيرَةِ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَهَا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَهَا بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ إلَيْهِ) أَيْ قَوْلُهُ: لَهُ مَا يَعْتَمِدُهُ فِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ صَارَ
(6/22)

لِمَا قُلْنَا (ثُمَّ لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْقَضُ، كَيْفَ وَأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الْجِزْيَةِ وَجَعْلَ وَلَدِهِ حَرْبًا عَلَيْنَا وَفِيهِ مَضَرَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ.

(فَإِنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ) ؛ لِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الرَّأْسِ، فَإِذَا الْتَزَمَهُ صَارَ مُلْتَزِمًا الْمَقَامَ فِي دَارِنَا، أَمَّا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا لِلتِّجَارَةِ، وَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ فَبَعْدَ ذَلِكَ تَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ لِسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِلُزُومِ الْخَرَاجِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ذِمِّيًّا (فَلَا يُمَكَّنُ بَعْدَهَا مِنْ الْعَوْدِ إلَى دَارِهِ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْقَضُ إذْ فِيهِ قَطْعُ الْجِزْيَةِ (وَتَصْيِيرُهُ وَوَلَدَهُ حَرْبًا عَلَيْنَا وَفِيهِ مَضَرَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ) وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ لِلسَّنَةِ الَّتِي أَقَامَهَا إلَّا إنْ قَالَ لَهُ: إنْ أَقَمْتهَا أَخَذْت مِنْك الْجِزْيَةَ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ إلَيْهِ فِي مَنْعِهِ مِنْ الْعَوْدِ إذَا أَقَامَ سَنَةً، وَبِهِ صَرَّحَ الْعَتَّابِيُّ فَقَالَ: (لَوْ أَقَامَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّم إلَيْهِ الْإِمَامُ فَلَهُ الرُّجُوعُ) . قِيلَ: وَلَفْظُ الْمَبْسُوطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا لِصَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا، فَإِنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّم إلَيْهِ فَيَأْمُرَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ مُدَّةً فَالْمُعْتَبَرُ الْحَوْلُ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ إنْ أَقَمْت طَوِيلًا مَنَعْتُك مِنْ الْعَوْدِ، فَإِنْ أَقَامَ سَنَةً مَنَعَهُ، وَفِي هَذَا اشْتِرَاطُ التَّقَدُّمِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُ مُدَّةً خَاصَّةً، وَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ وَلَا أَنْ يُوَقِّتَ مُدَّةً قَلِيلَةً كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحِقَهُ عُسْرًا بِتَقْصِيرِ الْمُدَّةِ جِدًّا خُصُوصًا إذَا كَانَ لَهُ مُعَامَلَاتٌ يَحْتَاجُ فِي اقْتِضَائِهَا إلَى مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ.
[فُرُوعٌ] لَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَالٍ وَوَرَثَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وُقِفَ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِذَا قَدِمُوا فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْخُذُوا، فَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُبِلَتْ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ إقَامَتَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَنْسَابَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُسْلِمُونَ فَصَارَ كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ دَفَعَ إلَيْهِمْ الْمَالَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ كَفِيلًا لِمَا يَظْهَرُ فِي الْمَآلِ مِنْ ذَلِكَ. قِيلَ: هُوَ قَوْلُهُمَا لَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ بَلْ هُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ كِتَابُهُ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَا يُمَكَّنُ أَنْ يَرْجِعَ مَعَهُ بِسِلَاحٍ اشْتَرَاهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ بَلْ بِاَلَّذِي دَخَلَ بِهِ، فَإِنْ بَاعَ سَيْفَهُ وَاشْتَرَى بِهِ قَوْسًا أَوْ نُشَّابًا أَوْ رُمْحًا لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ مُكِّنَ مِنْهُ، وَمَنْ وُجِدَ فِي دَارِنَا بِلَا أَمَانٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ فَيْءٌ، فَإِنْ قَالَ: دَخَلْت بِأَمَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ وَأُخِذَ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا رَسُولٌ، فَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ كِتَابٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ بِعَلَامَةٍ تُعْرَفُ بِذَلِكَ كَانَ آمِنًا فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَمَانٍ خَاصٍّ بَلْ بِكَوْنِهِ رَسُولًا يَأْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَهُوَ زُورٌ فَيَكُونُ هُوَ وَمَا مَعَهُ فَيْئًا، وَإِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِلَا أَمَانٍ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ رِوَايَةُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ وَيَكُون فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا وَلَكِنْ لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُؤْذَى حَتَّى يَخْرُجَ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ صَارَ ذِمِّيًّا) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عُشْرِيَّةً فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ عُشْرِيَّةً عَلَى قَوْلِ
(6/23)

فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ تَصْرِيحٌ بِشَرْطِ الْوَضْعِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ جَمَّةٌ فَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ.

(وَإِذَا دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً) ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ الْمُقَامَ تَبَعًا لِلزَّوْجِ (وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً لَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَرْجِعُ إلَى بَلَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا الْمُقَامَ.

(وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ فَقَدْ صَارَ دَمُهُ مُبَاحًا بِالْعَوْدِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ أَمَانَهُ (وَمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالِهِ عَلَى خَطَرٍ، فَإِنْ أُسِرَ أَوْ ظُهِرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهَا وَظِيفَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً فَتُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ مِنْ وَقْتِ وَضْعِ الْخَرَاجِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الذِّمِّيِّ فِي حَقِّهِ مِنْ مَنْعِ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَجَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَضَمَانِ الْمُسْلِمِ قِيمَةَ خَمْرِهِ وَخِنْزِيرِهِ إذَا أَتْلَفَهُ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً، وَوُجُوبِ كَفِّ الْأَذَى عَنْهُ، فَتَحْرُمُ غَيْبَتُهُ كَمَا تَحْرُمُ غَيْبَةُ الْمُسْلِمِ فَضْلًا عَمَّا يَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ مِنْ صَفْعِهِ وَشَتْمِهِ فِي الْأَسْوَاقِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْجَمَّةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ وَالْجَمُّ الْكَثِيرُ، وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ إلْزَامُهُ بِهِ، وَأَخْذُهُ مِنْهُ عِنْدَ حُلُولِ وَقْتِهِ، وَمُنْذُ بَاشَرَ السَّبَبَ وَهُوَ زِرَاعَتُهَا أَوْ تَعْطِيلُهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ أَوْ زِرَاعَتُهَا بِالْإِجَارَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا مِنْ الْمَالِكِ فَيَصِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا خَرَاجُهَا عَلَى مَالِكِهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْأَخْذِ؛ لِعَدَمِ الْأَخْذِ مِنْهُ. وَكَذَا إذَا أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يُظَنُّ بِوَضْعِ الْإِمَامِ وَتَوْظِيفِهِ أَنْ يَقُولَ وَظَّفْت عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْخَرَاجَ وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَطُّ لَا يَقُولُ فِي كُلِّ قِطْعَةِ أَرْضٍ كَذَلِكَ، بَلْ الْخَرَاجُ مِنْ حِينِ اسْتَقَرَّ وَظِيفَةً لِلْأَرَاضِيِ الْمَعْلُومَةِ اسْتَمَرَّ عَلَى كُلِّ مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ. نَعَمْ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِمُجَرَّدِ شِرَائِهَا كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ بِهِ الْتَزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ فَلَا يُحْكَمُ بِالذِّمَّةِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى يَزُولَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِاسْتِمْرَارِهَا فِي يَدِهِ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ بِتَعْطِيلِهَا أَوْ زِرَاعَتِهَا.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً) فَفِي تَزَوُّجِهَا مُسْلِمًا أَوْلَى، وَعَكْسُهُ مَا لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ فَتَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا كَمَا قَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَرْبِيَّةِ أَيْضًا قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ، وَنَحْنُ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بِأَنَّ تَزَوُّجَهُ لَيْسَ دَلَالَةَ الْتِزَامِهِ الْمَقَامَ، فَإِنَّ فِي يَدِهِ طَلَاقَهَا وَالْمُضِيَّ عَنْهَا بِخِلَافِهَا، فَحِينَ أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ كَانَتْ مُلْتَزِمَةً بِمَا يَأْتِي مِنْهُ، وَمِنْهُ عَدَمُ الطَّلَاقِ وَمَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى دَارِهَا فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً فَيُوضَعُ الْخَرَاجُ عَلَى أَرْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ فَقَدْ صَارَ دَمُهُ مُبَاحًا بِالْعَوْدِ وَمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالِهِ) لَهُ مَا دَامَ حَيًّا، وَإِنْ مَاتَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ مِنْ غَيْرِ
(6/24)

عَلَى الدَّارِ فَقُتِلَ سَقَطَتْ دُيُونُهُ وَصَارَتْ الْوَدِيعَةُ فَيْئًا) أَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلِأَنَّهَا فِي يَدِهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِهِ فَيَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ، وَيَدُ مَنْ عَلَيْهِ أَسْبَقُ إلَيْهِ مِنْ يَدِ الْعَامَّةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ فَيَسْقُطُ (وَإِنْ قُتِلَ وَلَمْ يُظْهَرْ عَلَى الدَّارِ فَالْقَرْضُ الْوَدِيعَةُ لِوَرَثَتِهِ) وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَصِرْ مَغْنُومَةً فَكَذَلِكَ مَالُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَاقٍ فِي مَالِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.

قَالَ: (وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ) قَالُوا: هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَالْجِزْيَةِ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِمَا الْخُمُسُ اعْتِبَارًا بِالْغَنِيمَةِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ وَكَذَا عُمَرُ وَمُعَاذٌ، وَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يُخَمَّسْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنْ يُظْهَرَ عَلَى دَارِهِمْ كَمَا إذَا مَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مَشْمُولٌ بِأَمَانِنَا مَا دَامَ فِي دَارِنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ فَيْئًا كَمَا إذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى دَارِهِمْ تَكُونُ فَيْئًا وَلَا تَكُونُ يَدُ الْمُودِعِ كَيَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
أُجِيبَ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ مَا فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعْصُومٌ مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إبَاحَةٍ لَا عِصْمَةٍ فَلَا يَصِيرُ مَعْصُومًا بِالشَّكِّ بِخِلَافِ مَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَثْبُتُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُزِيلُ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ نَفْسُهُ مَغْنُومًا وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْسَرَ أَوْ يُظْهَرَ عَلَى دَارِهِ فَيُقْتَلَ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْوَدِيعَةِ فَيْئًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ تُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ تَقْدِيرًا، فَإِذَا غُنِمَ غُنِمَتْ، بِخِلَافِ مَا لَهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهِ كَذَلِكَ بَلْ مِنْ وَجْهٍ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا يَخْتَصُّ بِهَا الْمُودِعُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّيْنِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَيَسْقُطُ عَمَّنْ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَيْهِ مُنْتَفٍ إذْ قَدْ صَارَ مِلْكًا لِلْمَدْيُونِ، وَإِنَّمَا هِيَ ثَابِتَةٌ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ بِاسْتِغْنَامِهِ فَيَسْقُطُ الدَّيْنُ. وَإِذَا حَقَّقْتَ هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ اخْتِصَاصَ الْمَدْيُونِ بِهِ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ) أَيْ مَا أَعْمَلُوا خَيْلَهُمْ وَرِكَابَهُمْ فِي تَحْصِيلِهِ بِلَا قِتَالٍ. وَالْوَجْفُ وَالْوَجِيفُ ضَرْبٌ مِنْ سَيْرِ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَيُقَالُ وَجَفَ الْبَعِيرُ وَجْفًا وَوَجِيفًا، وَأَوْجَفْتُهُ إذَا حَمَلْته عَلَى الْوَجِيفِ (يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجِ) وَكَذَا الْجِزْيَةُ فِي عُمَارَةِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا كَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَإِلَى أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسَبِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَالْمُقَاتِلَةِ وَحِفْظِ الطَّرِيقِ مِنْ اللُّصُوصِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ أَحَدٌ. (قَالُوا: هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَالْجِزْيَةِ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِمَا)
وَفِي
(6/25)

وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِمُبَاشَرَةِ الْغَانِمِينَ وَبِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَحَقَّ الْخُمُسَ بِمَعْنًى وَاسْتَحَقَّهُ الْغَانِمُونَ بِمَعْنًى، وَفِي هَذَا السَّبَبِ وَاحِدٌ، وَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْخُمُسِ.

(وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَلَهُ امْرَأَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَمَالٌ أَوْدَعَ بَعْضَهُ ذِمِّيًّا وَبَعْضَهُ حَرْبِيًّا وَبَعْضَهُ مُسْلِمًا فَأَسْلَمَ هَاهُنَا ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بَعْضِ النُّسَخِ: فِيهَا أَيْ الْأَرْضِ، وَالْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ، وَيُقَالُ أَجْلَى السُّلْطَانُ الْقَوْمَ وَجَلَّاهُمْ يَتَعَدَّى بِلَا هَمْزَةٍ: أَيْ أَخْرَجَهُمْ فَجَلَوْا: أَيْ خَرَجُوا، وَأَجْلَى الْقَوْمُ أَيْضًا خَرَجُوا، فَكُلٌّ مِنْ ذِي الْهَمْزَةِ وَعَدَمِهَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ عَنْ خَوْفٍ أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ يُخَمَّسُ، وَمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التِّجَارَةِ وَمَالِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَفِي الْقَدِيمِ لَا يُخَمَّسُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَفِي الْجَدِيدِ يُخَمَّسُ. وَلِأَحْمَدَ فِي الْفَيْءِ رِوَايَتَانِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا لَا يُخَمَّسُ، ثُمَّ هَذَا الْخُمُسُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصْرَفُ إلَى مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَذَكَرُوا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْجِزْيَةِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: مَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا فِي عَصْرِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِجَامِعِ أَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكُفَّارِ عَنْ قُوَّةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّهُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، وَفَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ خَمَّسَهُ بَلْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَلَى مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَمُخَالَفَةُ مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَاطِلٌ فَوُقُوعُهُ بَاطِلٌ، بَلْ قَدْ وَرَدَ فِيهِ خِلَافُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنٍ لِعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ أَنَّهُ مَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَرَآهُ الْمُؤْمِنِينَ عَدْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ وَلَا مَغْنَمٍ.
وَأَمَّا مَا فِي السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصَةً يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ قُوتَ سَنَةٍ فَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عِدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَانَ إلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ، بَلْ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَصَارِفَ بَيْتِ الْمَالِ إذْ ذَاكَ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْأَئِمَّةِ وَآلَاتِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَفَقَتِهِ هُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ قُضَاةٌ وَلَا جُسُورٌ وَلَا قَنَاطِرُ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا تَحَقَّقَتْ لَهُ أَدْنَى قُدْرَةٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَفِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ دَفْعُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِكُلٍّ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْغَانِمِينَ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتُحِقَّ الْخُمُسُ بِمَعْنًى وَاسْتُحِقَّ الْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ بِمَعْنًى، وَفِي هَذَا السَّبَبِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الرُّعْبِ الْخَالِي عَنْ الْقِتَالِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَبْعَاضِهِ مُسْتَحِقُّونَ بِجِهَتَيْنِ بَلْ اسْتِحْقَاقُهُ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَلَهُ امْرَأَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَمَالٌ أَوْدَعَ بَعْضَهُ ذِمِّيًّا وَبَعْضَهُ حَرْبِيًّا وَبَعْضَهُ مُسْلِمًا فَأَسْلَمَ هُنَا) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (ثُمَّ ظُهِرَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى دَارِهِمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ.
(6/26)

أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ حَرْبِيُّونَ كِبَارٌ وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ، وَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، وَكَذَا أَمْوَالُهُ لَا تَصِيرُ مُحْرَزَةً بِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ فَيْئًا وَغَنِيمَةً (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ فَظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ) تَبَعًا لِأَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ أَسْلَمَ إذْ الدَّارُ وَاحِدَةٌ (وَمَا كَانَ مِنْ مَالٍ أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ وَيَدُهُ كَيَدِهِ (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَلِمَا قُلْنَا. وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ الْحَرْبَى؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَعْصُومًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْحَرْبِيِّ لَيْسَتْ يَدًا مُحْتَرَمَةً.

(وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ هُنَاكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مَعْصُومًا (لِوُجُودِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ) لِكَوْنِهِ مُسْتَجْلِبًا لِلْكَرَامَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ أَصْلُهَا الْمُؤْثِمَةُ؛ لِحُصُولِ أَصْلِ الزَّجْرِ بِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلَادُ الْكِبَارُ فَإِنَّهُمْ حَرْبِيُّونَ وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ) لِلَّذِي خَرَجَ؛ لِأَنَّهُمْ كِبَارٌ (وَكَذَا مَا فِي بَطْنِهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا) يَكُونُ فَيْئًا مَرْقُوقًا (لِمَا قُلْنَا) فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ مِنْ أَنَّهُ جُزْؤُهَا (وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، وَكَذَا أَمْوَالُهُ لَا تَصِيرُ مُحْرَزَةً بِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ) بِالْإِسْلَامِ (لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ فَيْئًا. فَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ) .
إلَيْنَا (فَظُهِرَ عَلَى الدَّارِ) وَبَاقِي الصُّورَةِ بِحَالِهَا. (فَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ تَبَعًا لِأَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ أَسْلَمَ) وَلَوْ كَانَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي هُمْ فِيهِمَا (إذْ الدَّارُ وَاحِدَةٌ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ وَيَدُهُ كَيَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْحِفْظِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِمَا غَصْبًا فَإِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِعَدَمِ النِّيَابَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ فَيْئًا إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَصْبٍ عِنْدَ حَرْبِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَتَقَدَّمَتْ هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مَعَ أُخْرَيَيْنِ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ مُسْتَوْفًى.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ) صَالِحُونَ؛ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ (لِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مَعْصُومًا) بِالْإِسْلَامِ (لِكَوْنِ الْإِسْلَامِ مُسْتَحِقًّا لِلْكَرَامَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ أَصْلُهَا) الْعِصْمَةُ (الْمُؤْثِمَةُ؛ لِحُصُولِ أَصْلِ الزَّجْرِ بِهَا) أَيْ بِالْعِصْمَةِ،
(6/27)

وَهِيَ ثَابِتَةٌ إجْمَاعًا، وَالْمُقَوَّمَةُ كَمَالٍ فِيهِ لِكَمَالِ الِامْتِنَاعِ بِهِ فَيَكُونُ وَصْفًا فِيهِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَا عُلِّقَ بِهِ الْأَصْلُ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] الْآيَةَ. جَعَلَ التَّحْرِيرَ كُلَّ الْمُوجِبِ رُجُوعًا إلَى حَرْفِ الْفَاءِ أَوْ إلَى كَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ فَيَنْتَفِي غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ بِالْآدَمِيَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ قَالَ بِهِ، أَيْ بِالْإِثْمِ لَكَانَ أَحْسَنَ (وَ) الْعِصْمَةُ (الْمُقَوَّمَةُ كَمَالٍ فِيهِ) أَيْ فِي أَصْلِ الْعِصْمَةِ (لِكَمَالِ الِامْتِنَاعِ بِهِ) أَيْ التَّقْوِيمِ عَلَى الْمُنْتَهِكِ لَهَا (فَتُعَلَّقُ) هَذِهِ الْعِصْمَةُ (بِمَا عُلِّقَ بِهِ الْأَصْلُ) أَعْنِي الْمُؤْثِمَةَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ " فَتَنْصَرِفُ الْعِصْمَةُ إلَى كَمَالِهَا وَذَلِكَ بِالْمُقَوَّمَةِ وَالْمُؤْثِمَةِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فَإِنَّهُ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ، وَلَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى مَنْعِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ اكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَفَاضَ فِي تَفَاصِيلِ مُوجِبَاتِ الْقَتْلِ الْخَطَإِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ ثُمَّ قَالَ {فَإِنْ كَانَ} [النساء: 92] أَيْ الْمَقْتُولُ {مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَعُرِفَ أَنَّهُ تَمَامُ الْمُوجِبِ؛ لِأَنَّهُ مُفِيضٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْكَائِنِ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا فَقَالَ مُوجِبُهُ كَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَكَانَ كُلَّ الْمُوجِبِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِمُوجِبِهِ بَلْ لِبَعْضِ مُوجِبِهِ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ وَجْهًا آخَرَ قَدَّمَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: رُجُوعًا إلَى حَرْفِ الْفَاءِ، وَقَرَّرَ بِأَنَّ الْفَاءَ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ هُوَ الْكَافِي يُقَالُ جَزَى فُلَانٌ: أَيْ كَفَى وَهُوَ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجَزَاءِ الْمَجْعُولِ مَعْنَى الْفَاءِ لَفْظٌ اصْطِلَاحِيٌّ: أَيْ جَعْلِيٌّ لَا أَنَّ اللُّغَةَ وَضَعَتْ لَفْظَ الْفَاءِ لِمَعْنَى لَفْظِ الْجَزَاءِ حَتَّى يُقَالَ الْجَزَاءُ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْفَاءِ الْكَافِي. بَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِ النُّحَاةِ الْفَاءُ لِلْجَزَاءِ: أَيْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُسَبَّبٌ عَمَّا قَبْلَهَا فَسُمِّيَ الْمُسَبَّبُ جَزَاءً اصْطِلَاحًا لَا لُغَةً فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ) فِي الْأَصْلِ (بِالْآدَمِيَّةِ) لَا بِوَصْفِ الْإِسْلَامِ
(6/28)

لِأَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ مُتَحَمِّلًا أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ، وَالْقِيَامَ بِهَا بِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ، وَالْأَمْوَالُ تَابِعَةٌ لَهَا. أَمَّا الْمُقَوَّمَةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يُؤْذِنُ بِجَبْرِ الْفَائِتِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ التَّمَاثُلَ، وَهُوَ فِي الْمَالِ دُونَ النَّفْسِ فَكَانَتْ النُّفُوسُ تَابِعَةً، ثُمَّ الْعِصْمَةُ الْمُقَوَّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّ الْعِزَّةَ بِالْمَنَعَةِ فَكَذَلِكَ فِي النُّفُوسِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ مَنَعَةِ الْكَفَرَةِ؛ لِمَا أَنَّهُ أَوْجَبَ إبْطَالَهَا. وَالْمُرْتَدُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ حُكْمًا لِقَصْدِهِمَا الِانْتِقَالَ إلَيْهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّهُ خُلِقَ مُتَحَمِّلًا أَعْبَاءَ التَّكَالِيفِ وَالْقِيَامِ بِهَا) لَا يُمْكِنُ إلَّا مَعَ (حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهُ) ، وَإِنَّمَا زَالَتْ بِعَارِضِ الْكُفْرِ فَإِذَا انْتَفَى عَادَتْ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَالْعِصْمَةُ الْمُقَوَّمَةُ بِالْعَكْسِ فَالْأَمْوَالُ هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا لَا النُّفُوسُ (لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يُؤْذِنُ بِجَبْرِ الْفَائِتِ) وَمِنْ شَرْطِهِ التَّمَاثُلُ وَهُوَ فِي الْأَمْوَالِ لَا النُّفُوسِ، فَكَانَتْ النُّفُوسُ تَابِعَةً فِي الْعِصْمَةِ الْمُقَوِّمَةِ لِلْأَمْوَالِ. (ثُمَّ الْعِصْمَةُ الْمُقَوَّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّ الْعِزَّةَ بِالْمَنَعَةِ، فَكَذَا فِي النُّفُوسِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ اعْتِبَارَ مَنَعَةِ الْكُفْرِ) فَأَوْجَبَ بُطْلَانَهَا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَزِمَ فِي الْمُرْتَدِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا قُتِلَا فِي دَارِنَا الدِّيَةُ. أَجَابَ بِأَنَّهُمَا (مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا لِقَصْدِ الِانْتِقَالِ إلَيْهَا) فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ» فَنَقُولُ: لَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ شَرْعًا وَلَا يَسْتَلْزِمُ كَمَالُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا بِحَقِّهِ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِنَا لَا يُكَثِّرُونَ
(6/29)

(وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ قَتَلَ حَرْبِيًّا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً خَطَأً فَتُعْتَبَرُ بِسَائِرِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِلْإِمَامِ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ) ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَعْصُومَةٌ، وَالْقَتْلَ عَمْدٌ، وَالْوَلِيَّ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْعَامَّةُ أَوْ السُّلْطَانُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَقَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ مَعْنَاهُ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ وَهُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَنْفَعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْقَوَدِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الصُّلْحِ عَلَى الْمَالِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْعَامَّةِ وَوِلَايَتُهُ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
سَوَادَ الْعَدُوِّ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَنْتَهِضُ فِي الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ قَتَلَ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً) بِالْإِسْلَامِ وَدَارِهِ (خَطَأً، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْإِمَامِ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ لَا وَارِثَ لَهُ) بِالْفَرْضِ لَا أَنَّ الْمَأْخُوذَ يَمْلِكُهُ هُوَ بَلْ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، (وَإِنْ كَانَ) قَتْلُ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ وَالْمُسْتَأْمَنِ الَّذِي أَسْلَمَ، وَلَمْ يُسْلِمْ مَعَهُ وَارِثٌ قَصْدًا وَلَا تَبَعًا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ دَخَلَ بِهِ إلَيْنَا (عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ) مِنْهُ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ لَا الْجَبْرِ (لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ عِنْدَنَا الْقِصَاصُ عَيْنًا) إلَّا أَنْ يَتَصَالَحُوا عَلَى الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلسُّلْطَانِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ. (قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» ) وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَارْجِعْ إلَيْهِ. وَالدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَتْ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلِهِ لَكِنْ قَدْ يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنْ يَنْزَجِرَ أَمْثَالُهُ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ فَيُرَى بِمَا هُوَ أَنْفَعُ فِي رَأْيِهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَدْ تَكُونُ أَنْفَعَ، وَإِلَّا كَانَ يَتَعَيَّنُ الصُّلْحُ مِنْهُ عَلَيْهَا.
(وَأَمَّا أَنْ يَعْفُوَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الْعَامَّةِ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ) وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَقِيطًا فَقَتَلَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ خَطَأً فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ صَالَحَهُ عَلَى الدِّيَةِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَلَا أَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَلِيٍّ كَالْأَبِ وَنَحْوِهِ إنْ كَانَ ابْنَ رَشْدَةٍ، وَكَالْأُمِّ إنْ كَانَ ابْنَ زِنًا، فَاشْتَبَهَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْقِصَاصِ فَلَا يُسْتَوْفَى كَالْمُكَاتَبِ الَّذِي قُتِلَ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَتَرَكَ وَفَاءً. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ وَلِيٌّ وَلَا هُوَ فِي مَظِنَّتِهِ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُفِيدُ إذْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَكَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَيُسْتَوْفَى.
(6/30)

(بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ) قَالَ: (أَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالْيُمْنِ بِمَهْرَةَ إلَى حَدِّ الشَّامِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ]
لَمَّا ذَكَرَ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا ذَكَرَ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ إذَا صَارَ ذِمِّيًّا وَذَلِكَ هُوَ الْخَرَاجُ فِي أَرْضِهِ وَرَأْسِهِ، وَفِي تَفَارِيعِهِمَا كَثْرَةٌ فَأَوْرَدَهُمَا فِي بَابَيْنِ، وَقَدَّمَ خَرَاجَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ كَانَ بِعَرْضٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعُشْرَ فِيهِ أَيْضًا تَتْمِيمًا لِوَظِيفَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا السَّبَبُ فِي الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ جَمِيعًا، وَقَدَّمَ ذِكْرَ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ.
وَالْعُشْرُ لُغَةً وَاحِدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَالْخَرَاجُ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ أَوْ نَمَاءِ الْغُلَامِ، وَسُمِّيَ بِهِ مَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ وَظِيفَةِ الْأَرْضِ وَالرَّأْسِ، وَحَدَّدَ الْأَرَاضِيَ الْعُشْرِيَّةَ وَالْخَرَاجِيَّةَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَضْبَطُ فَقَالَ (أَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ) وَهُوَ مَاءٌ لِتَمِيمٍ وَذَكَرَ ضَمِيرَ الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ وَهُوَ لَفْظُ " مَا " فِي قَوْلِهِ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ (إلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالْيَمَنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَحَجَرٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَإِسْكَانِهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: حُدُودُ أَرْضِ الْعَرَبِ مَا وَرَاء حُدُودِ الْكُوفَةِ إلَى أَقْصَى صَخْرٍ بِالْيَمَنِ، فَعُرِفَ أَنَّهُ حَجَرٌ بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَادُ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْيَمَنِ وَهُوَ آخِرُ حَجَرٍ مِنْهَا، وَمَهَرَةُ حِينَئِذٍ فِي آخِرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْيَمَنِ، وَقَوْلُهُمْ مِنْ أَوَّلِ عَذِيبِ الْقَادِسِيَّةِ إلَى آخِرِ حَجَرٍ يُوجِبُ أَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَرَاءَ أَرْضِ الْكُوفَةِ، هَذَا طُولُهَا، وَعَرْضُهَا مِنْ رَمْلِ يَبْرِينَ وَالدَّهْنَاءِ وَيُعْرَفُ بِرَمْلِ عَالِجٍ إلَى مَشَارِفِ الشَّامِ: أَيْ قُرَاهَا، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِمُنْقَطِعِ السَّمَاوَةِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ وَتِهَامَةُ وَمَكَّةُ وَالْيَمَنُ وَالطَّائِفُ وَالْبَرِيَّةُ. وَالْحِجَازُ هُوَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ سُمِّيَ جَزِيرَةً؛ لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشِ وَبَحْرَ فَارِسٍ
(6/31)

وَالسَّوَادُ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى عَقَبَةِ حُلْوَانَ، وَمِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ وَيُقَالُ مِنْ الْعَلْثِ إلَى عَبَّادَانَ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرَاضِي الْعَرَبِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى الْكُفْرِ كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، وَعُمَرُ حِينَ فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَوَضَعَ عَلَى مِصْرَ حِينَ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَكَذَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ.

قَالَ: (وَأَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ أَرْضًا عَنْوَةً وَقَهْرًا لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا وَعَلَى رُءُوسِهِمْ الْخَرَاجَ فَتَبْقَى الْأَرَاضِي مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.

قَالَ (: وَكُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ أَلْيَقُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَكَذَا هُوَ أَخَفُّ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْخَارِجِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْفُرَاتَ أَحَاطَتْ بِهَا، وَسُمِّيَ حِجَازًا؛ لِأَنَّهُ حُجِزَ بَيْن تِهَامَةَ وَنَجْدٍ (وَالسَّوَادُ) أَيْ سَوَادُ الْعِرَاقِ: أَيْ أَرْضُهُ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ اخْضِرَارِهِ. وَحْدَهُ (مِنْ الْعُذَيْبِ إلَى عَقَبَةِ حُلْوَانَ) عَرْضًا (وَمِنْ الْعَلْثِ إلَى عَبَّادَانَ) طُولًا (وَيُقَالُ مِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ إلَى عَبَّادَانَ) قِيلَ هُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الثَّعْلَبِيَّةَ بَعْدَ الْعُذَيْبِ بِكَثِيرٍ، إذَا عُرِفَ هَذَا فَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ (لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ) بَعْدَهُ (لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ) وَلَوْ فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَقَضَتْ الْعَادَةُ بِنَقْلِهِ وَلَوْ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ قَضَاءُ الْعَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
(وَلِأَنَّ شَرْطَ الْخَرَاجِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا) عَلَيْهَا (عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَالْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ) ، وَإِلَّا يَقْتُلُونَ؛ وَلِأَنَّهُ كَمَا لَا رِقَّ عَلَى الْعَرَبِ فَكَذَا لَا خَرَاجَ عَلَى أَرْضِهِمْ، وَسَوَادُ الْعِرَاقِ الْمُحَدَّدُ الْمَذْكُورُ خَرَاجِيٌّ (لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَضَعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ فِيهِ أَثَرٌ مُعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي تَقْدِيرِ الْمَوْضُوعِ. وَقَوْلُهُ: (وَوُضِعَ عَلَى مِصْرَ إلَخْ) أَسْنَدَ الْوَاقِدِيُّ إلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ افْتَتَحَ مِصْرَ عَنْوَةً وَاسْتَبَاحَ مَا فِيهَا وَعَزَلَ مِنْهُ مَغَانِمَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ صَالَحَهُمْ بَعْدُ عَلَى وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجِ عَلَى أَرَاضِيهمْ، ثُمَّ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ،، وَأَسْنَدَ أَيْضًا إلَى عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَبْعَثُ بِجِزْيَةِ أَهْلِ مِصْرَ وَخَرَاجِهَا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُلَّ سَنَةٍ بَعْدَ حَبْسِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَقَدْ اسْتَبْطَأَهُ عُمَرُ فِي الْخَرَاجِ سَنَةً فَكَتَبَ بِكِتَابٍ يَلُومُهُ وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى يَدَيْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
، وَأَمَّا وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِ الشَّامِّ فَمَعْرُوفٌ. قِيلَ وَمُدُنُ الشَّامِّ فُتِحَتْ صُلْحًا، وَأَرَاضِيهَا عَنْوَةً عَلَى يَدِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَشُرَحْبِيلِ بْنِ حَسَنَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَفُتِحَتْ أَجْنَادِينَ صُلْحًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَفِي دَالِهَا الْفَتْحُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْكَسْرُ.

(قَوْلُهُ: وَأَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ) فِيهَا بِالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ (لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ أَرْضًا عَنْوَةً لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ، وَعَلَى رُءُوسِهِمْ الْجِزْيَةَ فَتَبْقَى الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا وَقَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِهَا هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ.

(قَوْلُهُ: وَكُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا) عَلَيْهَا فَأَحْرَزُوا مِلْكَهُمْ فِيهَا (أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ أَلْيَقُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ) الْوَاجِبُ (بِنَفْسِ الْخَارِجِ) فَلَا يُؤْخَذُ
(6/32)

(وَكُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ) وَكَذَا إذَا صَالَحَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ، وَمَكَّةُ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَهَا عَنْوَةً وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا، وَلَمْ يُوَظِّفْ الْخَرَاجَ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَوَصَلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ وَاسْتُخْرِجَ مِنْهَا عَيْنٌ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ، وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا فَهُوَ أَلْيَقُ بِالْمُسْلِمِ.

(وَكُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكَذَا إذَا صَالَحَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ لِلتَّعَلُّقِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ، وَفِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَكَّةُ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا) الْعُمُومِ (فَإِنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً) عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا بِمَا لَا يُشَكُّ مَعَهُ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً (وَلَمْ يُوَظَّفْ عَلَيْهَا خَرَاجًا) وَلِنَخُصَّ هَذَا الْمَكَانَ بِحَدِيثٍ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي بَابِ الْغَنَائِمِ. أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى إحْدَى الْمَجْبَنَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمَجْبَنَةِ الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِسْرِ، وَأَخَذُوا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ إلَيَّ وَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قُلْت لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ فَلَا يَأْتِينِي إلَّا أَنْصَارِيٌّ، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَضَرَبَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إلَّا قَتَلَهُ» الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، فَاضْمُمْ هَذَا إلَى مَا هُنَاكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُتَبِيُّ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَصُلْحًا مِنْ الْبِلَادِ فَذَكَرَ أَنَّ الْأَهْوَازَ وَفَارِسَ، وَأَصْبَهَانَ فُتِحَتْ عَنْوَةً لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى يَدَيْ أَبِي مُوسَى وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، وَكَانَتْ أَصْبَهَانُ عَلَى يَدَيْ أَبِي مُوسَى خَاصَّةً، وَأَمَّا خُرَاسَانُ وَمَرْوُ الرُّوذِ فُتِحَتَا صُلْحًا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ إلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَأَمَّا مَا وَرَاءَهُمَا فَافْتُتِحَ بَعْدَ عُثْمَانَ عَلَى يَدِ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِمُعَاوِيَةَ صُلْحًا وَسَمَرْقَنْدُ وكش وَنَسَفُ وَبُخَارَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا الرَّيُّ فَافْتَتَحَهَا أَبُو مُوسَى فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ صُلْحًا، وَفِي وِلَايَتِهِ فُتِحَتْ طَبَرِسْتَانَ عَلَى يَدَيْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ صُلْحًا، ثُمَّ فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَلَاءِ وَالطَّالِقَانِ وَدُنْبَاوَنْدُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَأَمَّا جُرْجَان فَفِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَكَرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ فَتَحَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ صُلْحًا. وَافْتُتِحَ الْجَبَلُ كُلُّهُ عَنْوَةً فِي وَقْعَةِ جَلُولَاءَ، وَنَهَاوَنْدُ عَلَى يَدَيْ سَعْدٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ.
وَأَمَّا الْجَزِيرَةُ فَفُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى يَدَيْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ وَالْجَزِيرَةُ مَا بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَالْمُوصِلُ مِنْ الْجَزِيرَةِ، وَأَمَّا هَجَرُ فَأَدَّوْا الْجِزْيَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَا دَوْمَةُ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا الْيَمَامَةُ فَافْتَتَحَهَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَأَمَّا الْهِنْدُ فَافْتَتَحَهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَوَصَلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ إلَخْ) قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ مُخَالَفَةٌ بَيْنَ مَا فِي الْقُدُورِيِّ وَالْجَامِعِ أَوْ زِيَادَةٌ فِي الْجَامِعِ يَقُولُ بَعْدَ لَفْظِ
(6/33)

قَالَ: (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَيِّزِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) وَمَعْنَاهُ بِقُرْبِهِ (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ) ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْعُشْرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْقُدُورِيِّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى آخِرِهِ، وَهُنَا الْمُخَالَفَةُ ظَاهِرَةٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ: كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ مُطْلَقٍ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ أَوْ لَا يَصِلُ بِأَنْ اُسْتُنْبِطَ فِيهَا عَيْنٌ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ قَيَّدَ خَرَاجِيَّتَهَا بِأَنْ يَصِلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي أُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ تُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ بِمَاءِ السَّمَاءِ لَمْ تَكُنْ إلَّا خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا كُفَّارٌ. وَالْكُفَّارُ لَوْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ أَرْضٌ عُشْرِيَّةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُشْرِيَّةَ قَدْ تُسْقَى بِعَيْنٍ أَوْ بِمَاءِ السَّمَاءِ لَا تَبْقَى عَلَى الْعُشْرِيَّةِ بَلْ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَكَيْفَ يُبْتَدَأُ الْكَافِرُ بِتَوْظِيفِ الْعُشْرِ، ثُمَّ كَوْنُهَا عُشْرِيَّةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ كَذَلِكَ، أَمَّا فِي الِابْتِدَاءِ فَهُوَ أَيْضًا يَمْنَعُهُ، وَالْعِبَارَةُ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ الْجَامِعِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَيْسَتْ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً بِالْقِتَالِ فَصَارَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَاسْتُخْرِجَ فِيهِ عَيْنٌ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ وَالْأَرَاضِي الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ. فَقَوْلُهُ: وَكُلُّ شَيْءٍ يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ عَطْفٌ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَالْعَطْفُ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: وَكُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً صَارَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ، وَكُلُّ أَرْضٍ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً وَوَصَفَهَا أَنَّهَا يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ.
وَحَاصِلُهُ تَقْسِيمُ أَرْضِ الْخَرَاجِ إلَى مَا يُفْتَحُ عَنْوَةً، وَإِلَى مَا لَمْ يُفْتَحْ عَنْوَةً لَكِنَّهَا تُسْقَى بِمَاءِ الْأَنْهَارِ. نَعَمْ يَجِبُ تَقْيِيدُ الْأَوَّلِ بِأَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا مَعْلُومٌ، إذْ لَا يَبْتَدِئُ الْمُسْلِمُ فِي أَوَّلِ الْفَتْحِ قَطُّ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ فِي الْأَرَاضِي الْمَقْسُومَةِ كَمَا يَجِبُ تَقْيِيدُ الْأَنْهَارِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ خَرَاجِيَّةً مَا لَمْ تَكُنْ حَوْلَهَا الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً إنْ أُقِرَّ الْكُفَّارُ عَلَيْهَا لَا يُوَظَّفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْخَرَاجُ، وَلَوْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْمَطَرِ، وَإِنْ قُسِّمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَظَّفُ إلَى الْعُشْرِ، وَإِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْأَنْهَارِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَبِالضَّرُورَةِ يُرَادُ الْأَرْضُ الَّتِي أَحْيَاهَا مُحْيٍ، فَإِنَّ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً مِمَّا يُبْتَدَأُ فِيهَا التَّوْظِيفُ غَيْرَ الْمَقْسُومَةِ، وَالْمُقَرَّرِ أَهْلُهَا عَلَيْهَا لَيْسَ إلَّا الْمَوَاتَ الَّتِي أُحْيِيَتْ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً صَارَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ إذَا أَقَامَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَكُلُّ أَرْضٍ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً بَلْ أَحْيَاهَا مُسْلِمٌ إنْ كَانَ صِفَتُهَا أَنَّهَا يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ أَوْ مَاءُ عَيْنٍ وَنَحْوُهُ فَعُشْرِيَّةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَوْ شَرَحَهُ هَكَذَا اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِيهِ فَإِنَّهَا هِيَ. وَحَاصِلُهَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِيمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً بِبِئْرٍ حَفَرَهَا أَوْ عَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا أَوْ مَاءٍ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ أَوْ بَاقِي الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ أَوْ بِالْمَطَرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ، وَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الَّتِي شَقَّتْهَا الْأَعَاجِمُ مِثْلَ نَهْرِ الْمَلِكِ وَنَهْرِ يَزْدَجْرِدْ وَهُوَ مِلْكٌ مِنْ الْعَجَمِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مِثْلِهِ لِلْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ لِنَمَاءِ الْأَرْضِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْظِيفُ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً كَرْهًا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ دَلَالَةٌ عَلَى الْتِزَامِهِ فَتَصِيرُ خَرَاجِيَّةً عَلَيْهِ.

(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُعْتَبَرُ بِحَيِّزِهَا) أَيْ بِمَا يَقْرَبُ مِنْهَا (فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ: أَيْ بِقُرْبِهِ فَخَرَاجِيَّةٌ أَوْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَعُشْرِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ مِنْ أَسْبَابِ
(6/34)

(وَالْبَصْرَةُ عِنْدَهُ عُشْرِيَّةٌ) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ حَيِّزَ الشَّيْءِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ، كَفِنَاءِ الدَّارِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الدَّارِ حَتَّى يَجُوزَ لِصَاحِبِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْبَصْرَةِ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ، إلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَظَّفُوا عَلَيْهَا الْعُشْرَ فَتُرِكَ الْقِيَاسُ لِإِجْمَاعِهِمْ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَحْيَاهَا بِبِئْرٍ حَفَرَهَا أَوْ بِعَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا أَوْ مَاءِ دِجْلَةَ أَوْ الْفُرَاتِ أَوْ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ) وَكَذَا إنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ (وَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الَّتِي احْتَفَرَهَا الْأَعَاجِمُ) مِثْلَ نَهْرِ الْمَلِكِ وَنَهْرِ يَزْدَجْرِدْ (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اعْتِبَارِ الْمَاءِ إذْ هُوَ السَّبَبُ لِلنَّمَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْظِيفُ الْخَرَاجِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ كَرْهًا فَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ دَلَالَةُ الْتِزَامِهِ.

قَالَ: (وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ مِنْ كُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّرْجِيحِ فَتَرَجَّحَ كَوْنُهَا خَرَاجِيَّةً بِالْقُرْبِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَعُشْرِيَّةً كَذَلِكَ، وَأَصْلُهُ أَفْنِيَةُ الدُّورِ أُعْطِيَ لَهُ فِي الشَّرْعِ حُكْمُهَا حَتَّى جَازَ لِصَاحِبِ الدَّارِ الِانْتِفَاعُ بِفِنَائِهَا وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ لَهُ حَقَّ الِانْتِفَاعِ لَوْ قَالَ الْمُسْتَأْجَرُ لِلْأُجَرَاءِ هَذَا فِنَائِي وَلَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ وَلَكِنْ احْفِرُوا فَحَفَرُوا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ، بَلْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فِي انْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ مِنْ إلْقَاءِ الطِّينِ وَالْحَفْرِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اسْتَثْنَى الْبَصْرَةَ مِنْ ضَابِطِهِ فَإِنَّهَا عُشْرِيَّةٌ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى جَعْلِهَا عُشْرِيَّةً كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فَتُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهَا لِذَلِكَ.
هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْظِيفُ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ: أَعْنِي قَوْلَهُ وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا لِمُسْلِمٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهَا ذِمِّيٌّ كَانَتْ خَرَاجِيَّةً سَوَاءٌ سُقِيَتْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ أَوْ الْعُشْرِ، وَظَهَرَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صُنْعٌ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ جَزَاءُ الْمُقَاتِلَةِ عَلَى حِمَايَتِهِمْ فَمَا سُقِيَ بِمَا حَمَوْهُ وَجَبَ فِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ مِنْ كُلِّ
(6/35)

جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ وَدِرْهَمٌ، وَمِنْ جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ جَرِيبِ الْكَرْمِ الْمُتَّصِلِ وَالنَّخِيلِ الْمُتَّصِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ، فَإِنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ حَتَّى يَمْسَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ، وَجَعَلَ حُذَيْفَةَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ، وَكَوَّنَهُ فَبَلَغَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ) ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. نَصَّ عَلَى أَنَّهُ الصَّاعُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنِي السَّرِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَضَ عَلَى الْكَرْمِ عَشَرَةً وَعَلَى الرَّطْبَةِ خَمْسَةً وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ يَبْلُغُهَا الْمَاءُ عَمِلَتْ أَوْ لَمْ تَعْمَلْ دِرْهَمًا وَمَخْتُومًا. قَالَ عَامِرٌ: هُوَ الْحَجَّاجِيُّ وَهُوَ الصَّاعُ انْتَهَى. وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: فَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنْ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ مِمَّا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ فَفِي كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ زَرَعَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا أَوْ لَمْ يَزْرَعْهُ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَفِيهِ كُلَّ سَنَةٍ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ فِي كُلِّ جَرِيبِ زَرْعٍ. وَالْقَفِيزُ قَفِيزُ الْحَجَّاجِ وَهُوَ رُبُعُ الْهَاشِمِيِّ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّاعِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَفِيزِ الْمَأْخُوذِ قَفِيزٌ مِمَّا زَرَعَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ عَدَسًا أَوْ ذُرَةً، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاسْتُحْسِنَ. وَالدِّرْهَمُ مَا يُوزَنُ سَبْعَةٌ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الْجَرِيبِ أَرْضٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهَا كَذَلِكَ بِذِرَاعِ الْمَلِكِ كِسْرَى وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْعَامَّةِ بِقَبْضَةٍ فَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ؛ لِأَنَّ ذِرَاعَ الْعَامَّةِ سِتٌّ. وَقَوْلُهُ: فِي الْكَافِي مَا قِيلَ الْجَرِيبُ سِتُّونَ فِي سِتِّينَ حِكَايَةٌ عَنْ جَرِيبِهِمْ فِي أَرَاضِيِهِمْ، وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ فِي الْأَرَاضِي كُلِّهَا، بَلْ جَرِيبُ الْأَرْضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مُتَعَارَفٍ أَهْلُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَرِيبَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْوَاجِبُ وَهُوَ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُرْفُ بَلَدٍ فِيهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَعُرْفُ أُخْرَى فِيهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَكَذَا مَا قِيلَ الْجَرِيبُ مَا يُبْذَرُ فِيهِ مِائَةُ رِطْلٍ، وَقِيلَ مَا يُبْذَرُ فِيهِ مِنْ الْحِنْطَةِ سِتُّونَ مَنًّا، وَقِيلَ خَمْسُونَ فِي دِيَارِهِمْ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا جَرِيبُ الرَّطْبَةِ فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ الْخَارِجِ (وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ الْمُتَّصِلِ وَالنَّخِيلِ الْمُتَّصِلَةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) فَقَيْدُ الِاتِّصَالِ يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ وَوَسَطِهَا مَزْرُوعَةً فَلَا شَيْءَ فِيهَا، بَلْ الْمُعْتَبَرُ وَظِيفَةُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الزُّرُوعِ، وَكَذَا لَوْ غَرَسَ أَشْجَارًا غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُلْتَفَّةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهِيَ كَرْمٌ ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ أَنْبَتَ أَرْضُهُ كَرْمًا فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا إلَى أَنْ يُطْعَمَ، فَإِذَا أُطْعِمَ فَإِنْ كَانَ ضِعْفَ وَظِيفَةِ الْكَرْمِ فَفِيهِ وَظِيفَةُ الْكَرْمِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَنِصْفُهُ إلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَيْهِ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُطْعَمَ الْكَرْمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ (فَ) قَالَ: (إنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ حَتَّى يَمْسَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ) وَهُوَ الَّذِي آخَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حِينَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (وَجَعَلَ حُذَيْفَةَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ وَكَوَّنَهُ فَبَلَغَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ) قَالَ شَارِحٌ فِي قَوْلِهِ وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا: إنَّهُ سَهْوٌ، بَلْ يُقَالُ وَوَضَعَ ذَلِكَ عَلَى مَا قُلْنَا: أَيْ وَضَعَ الْخَرَاجَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَرْجِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ السِّتُّ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفٍ: أَيْ
(6/36)

وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْكَرْمُ أَخَفُّهَا مُؤْنَةً وَالْمَزَارِعَ أَكْثَرُهَا مُؤْنَةً وَالرُّطَبُ بَيْنَهُمَا، وَالْوَظِيفَةُ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهَا فَجُعِلَ الْوَاجِبُ فِي الْكَرْمِ أَعْلَاهَا وَفِي الزَّرْعِ أَدْنَاهَا وَفِي الرُّطَبَةِ أَوْسَطَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وُضِعَ عَلَى الْجِرْبَانِ الْمَقَادِيرَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا سَهْوَ يُنْسَبُ إلَى قَائِلِ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ بِهِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ اخْتَلَفَتْ كَثِيرًا فِي تَقْدِيرِ الْوَظِيفَةِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ، وَعَلَى الْبَسَاتِينِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ، وَعَلَى الرِّطَابِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ، وَعَلَى الْكُرُومِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَلَمْ يَضَعْ عَلَى النَّخِيلِ شَيْئًا جَعَلَهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ.
ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ فَوَضَعَ عُثْمَانُ عَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ: يَعْنِي الرَّطْبَةَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ: أَنْبَأْنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إلَى أَنْ قَالَ: فَمَسَحَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ سَوَادَ الْكُوفَةِ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْعِنَبِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الْبُرِّ أَرْبَعَةً، وَعَلَى الْجَرِيبِ مِنْ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ، وَفِيهِ قَالَ: فَأَخَذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَضِيَ بِهِ، فَقَدْ رَأَيْت مَا هُنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْتَبِرُ إجَارَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ فَتُفَوَّضُ إلَى إجَارَتِهِ كَمَا هُوَ الرَّسْمُ الْآنَ فِي أَرَاضِي مِصْرَ، فَإِنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ بَدَلُ إجَارَةٍ لَا خَرَاجٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَرَاضِيَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلزُّرَّاعِ، وَهَذَا بَعْدَمَا قُلْنَا إنَّ أَرْضَ مِصْرَ خَرَاجِيَّةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَأَنَّهُ لِمَوْتِ الْمَالِكِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ إخْلَافِ وَرَثَةٍ فَصَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُ الْإِمَامِ وَلَا شِرَاؤُهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَنَظَرِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ عَقَارِهِ إلَّا لِضَرُورَةِ عَدَمِ وُجُودِ مَا يُنْفِقُهُ سِوَاهُ، فَلِذَا كَتَبْت فِي فَتْوَى رُفِعَتْ إلَيَّ فِي شِرَاءِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ بَرْسَبَاي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَرْضٍ مِمَّنْ وَلَّاهُ نَظَرَ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي وَلَّاهُ؟ فَكَتَبْت: إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ جَازَ ذَلِكَ. وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ كَمَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي جَرِيبِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ دِرْهَمٌ، وَالْبَاقِي كَقَوْلِنَا. وَقِيلَ كُلُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُمَرَ صَحِيحَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي فَوُضِعَ بَعْضُهَا أَقَلَّ وَبَعْضُهَا أَكْثَرَ؛ لِتَفَاوُتِ الرِّيعِ فِي نَاحِيَةٍ مَعَ نَاحِيَةٍ، وَمَا قُلْنَا أَشْهَرُ رِوَايَةً، وَأَرْفَقُ بِالرَّعِيَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَعْنَى فِي اخْتِلَافِ الْوَظِيفَةِ فَقَالَ: (وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْكَرْمُ أَخَفُّهَا مُؤْنَةً) ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْأَبَدِ بِلَا مُؤْنَةٍ، وَأَكْثَرُهَا رِيعًا (وَالْمَزَارِعُ) أَقَلُّهَا رِيعًا وَ (أَكْثَرُهَا مُؤْنَةً) لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الْبَذْرِ وَمُؤَنِ الزِّرَاعَةِ مِنْ الْحِرَاثَةِ وَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ فِي كُلِّ عَامٍ (وَالرِّطَابُ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ دَوَامَ الْكَرْمِ وَيَتَكَلَّفُ فِي عَمَلِهَا كُلَّ عَامٍ فَوَجَبَ تَفَاوُتُ الْوَاجِبِ بِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ، أَصْلُهُ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا سَقَتْ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ»
(6/37)

قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَصْنَافِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبُسْتَانِ وَغَيْرِهِ يُوضَعُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الطَّاقَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ وَقَدْ اعْتَبَرَ الطَّاقَةَ فِي ذَلِكَ فَنَعْتَبِرُهَا فِيمَا لَا تَوْظِيفَ فِيهِ. قَالُوا: وَنِهَايَةُ الطَّاقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْخَارِجِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ لِمَا كَانَ لَنَا أَنْ نُقَسِّمَ الْكُلَّ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ أُخَرُ، وَفِي دِيَارِنَا وَظَّفُوا مِنْ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَرَاضِي كُلِّهَا وَتُرِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ. قَالَ (فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا نَقَصَهُمْ الْإِمَامُ) وَالنُّقْصَانُ عِنْدَ قِلَّةِ الرِّيعِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَا: لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ، وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النُّقْصَانِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عِنْدَ زِيَادَةِ الرِّيعِ يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَزِدْ حِينَ أُخْبِرَ بِزِيَادَةِ الطَّاقَةِ، (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
(قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْأَرَاضِي الَّتِي فِيهَا أَصْنَافٌ غَيْرُ مَا وَصَفَ فِيهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (كَالزَّعْفَرَانِ) وَالنَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ (وَالْبُسْتَانِ) وَهُوَ أَرْضٌ يَحُوطُهَا حَوَائِطُ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَشْجَارٌ، وَكَذَا غَيْرُ ذَلِكَ كَالنَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ (يُوضَعُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ) فَيُوضَعُ عَلَى النَّخِيلِ الْمُلْتَفَّةِ بِحَسَبِ مَا تُطِيقُ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الْكَرْمِ، وَعَلَى جَرِيبِ الزَّعْفَرَانِ كَذَلِكَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى غَلَّتِهَا، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ سِوَى غَلَّةِ الزَّرْعِ يُؤْخَذُ قَدْرُ خَرَاجِ الزَّرْعِ أَوْ الرَّطْبَةِ يُؤْخَذُ خَرَاجُ الرَّطْبَةِ أَوْ الْكَرْمِ فَالْكَرْمُ، وَإِنَّمَا يُنْتَهَى إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ (لِأَنَّ التَّنْصِيفَ) بَعْدَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُمْ وَنَتَمَلَّكَ رِقَابَ الْأَرَاضِي وَالْأَمْوَالِ (عَيْنُ الْإِنْصَافِ. قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا)
بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْخَارِجُ مِنْهَا ضِعْفَهُ نَقَصَ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ، كَذَا أَفَادَهُ فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَرَاضِي لَا تُطِيقُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ خَمْسَةً بِأَنْ كَانَ الْخَارِجُ لَا يَبْلُغُ عِشْرَةً يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ نِصْفِ الْخَارِجِ انْتَهَى. وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَرَضِينَ الَّتِي وَظَّفَ عَلَيْهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ نَقَصَ نُزُلُهَا وَضَعُفَتْ الْآنَ أَوْ غَيَّرَهَا، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأَرَاضِي الَّتِي وَظَّفَ فِيهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ إمَامٌ آخَرُ مِثْلَ وَظِيفَةِ عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَأَمَّا فِي بَلَدٍ لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا التَّوْظِيفَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَزِيدُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لَهُ ذَلِكَ، وَمَعْنَى هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَ الْإِمَامِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُزْرَعُ الْحِنْطَةُ فَأَرَادَ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهَا دِرْهَمَيْنِ وَقَفِيزًا وَهِيَ تُطِيقُهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته مِنْ حَمْلِ الْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا عَلَى مَا يَشْمَلُ أَرْضَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَمَنَعَهُ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَزِدْ حِينَ أُخْبِرَ بِزِيَادَةِ طَاقَةِ الْأَرْضِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: أَخَافُ أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: أَرْضُ كَذَا وَكَذَا يُطِيقُونَ مِنْ الْخَرَاجِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لَيْسَ إلَيْهِمْ سَبِيلٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ)
(6/38)

لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرَاجِ، وَفِيمَا إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَاتَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْخَارِجِ.
قَالَ (وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ) ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَّا فِي غَلَبَةِ الْمَاءِ أَوْ انْقِطَاعِهِ (فَلِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرَاجِ) ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَلِفَوْتِ (النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، أَوْ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ الْخُرُوجِ) ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَصْلُ بَطَلَ اعْتِبَارُ الْخَلَفِ وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْأَصْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ حَمَلُوا الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ مِنْ سُقُوطِ الْخَرَاجِ بِالِاصْطِلَامِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ الزِّرَاعَةُ ثَانِيًا، فَإِنْ بَقِيَ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهَا. وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى: تَكَلَّمُوا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ زِرَاعَةُ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ أَمْ أَيِّ زَرْعٍ كَانَ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُدَّةُ تَرْكِ الزَّرْعِ فِيهَا أَوْ مُدَّةٌ يَبْلُغُ الزَّرْعُ فِيهَا مَبْلَغًا يَكُونُ قِيمَتُهُ ضِعْفَ الْخَرَاجِ. وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوَجْهَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ إدَارَةَ الْحُكْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْخَارِجِ إنْ أُسْقِطَ الْوَاجِبُ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ الْإِيجَابَ بِالتَّعْطِيلِ فِيهَا بَعْدَهُ مِنْ الزَّمَانِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَصَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ بَقِيَ إمْكَانُ الزِّرَاعَةِ إلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ هَذَا، وَإِعَادَةُ الزَّرْعِ تَسْتَدْعِي مُؤَنًا كَالْأَوَّلِ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَيْئًا فَقُصَارَاهُ أَنْ يَفِيَ بِالْخَرَاجَيْنِ فَأَخْذُ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَزْرَعْ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَخَيُّرُ أَصْلِ مَالِ الزَّارِعِ وَكَذَا إنْ زَرَعَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ) مِنْ الزِّرَاعَةِ (كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ) أَيْ فَوَّتَ الزَّرْعَ وَهَذَا بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ كَمَا يُفِيدُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ لِعَدَمِ قُوَّتِهِ، وَأَسْبَابِهِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُعْطِيَهُ الْبَاقِيَ، أَوْ يُؤَجِّرَهَا، وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ الْأُجْرَةِ، أَوْ يَزْرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا، وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهَا خَرَاجَ السَّنَةِ الْمُنْسَلِخَةِ وَدَفَعَ بَاقِيَ الثَّمَنِ لِصَاحِبِهَا ثُمَّ اسْتَمَرَّ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ الْمُشْتَرِي. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ نَوْعَ حَجْرٍ فَفِيهِ دَفْعُ ضَرَرِ الْعَامَّةِ بِإِثْبَاتِ ضَرَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا قُلْنَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمُكَارِي الْمُفْلِسِ وَالطَّبِيبِ
(6/39)

قَالُوا: مَنْ انْتَقِلْ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا يُعْرَفُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.

(وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ عَلَى حَالِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَيُعْتَبَرُ مُؤْنَةً فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَأَمْكَنَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَيُؤْخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ لِمَا قُلْنَا) ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْجَاهِلِ. وَلَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا قَدْرُ مَا يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ الزِّرَاعَةِ فَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا عَلَى الْبَائِعِ، وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْفَعُ لِلْعَاجِزِ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا لِيَعْمَلَ فِيهَا صَحِيحٌ أَيْضًا.
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: (مَا إذَا انْتَقَلَ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ كَانَتْ مَثَلًا تَزْرَعُ الْكَرْمَ فَزَرَعَهَا حُبُوبًا (أُخِذَ مِنْهُ خَرَاجُ الْأَعْلَى) وَهُوَ الْكَرْمُ (لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: لَا يُفْتَى بِهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَسَلُّطِ الظَّلَمَةِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إذْ يَدَّعِي كُلُّ ظَالِمٍ أَنَّ أَرْضَهُ تَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ وَعِلَاجُهُ صَعْبٌ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ عَلَى حَالِهِ) وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يَسْقُطُ عَنْهُ الْخَرَاجُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَوَازِ يَسْقُطُ الْخَرَاجُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمُسْلِمِ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا قُلْنَا) مِنْ أَنَّ فِيهِ الْمُؤْنَةَ، وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْمُؤْنَةِ كَالْعُشْرِ، وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِنْهَا، فَإِبْقَاءُ مَا تَقَرَّرَ وَاجِبًا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ وَضْعَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُوَافَقَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا كَانَ إلَّا لِيَجِدَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَهْلِ الْفَتْحِ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُمْ، وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ هَذَا الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ غَيْرُ بَعِيدٍ بَعْدَ مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعْرِفَةِ مَحَاسِنِهِ أَوْ تَقِيَّةٍ مِنْ الْكُلْفَةِ وَتَجَشُّمِ الْمَشَاقِّ فِي الزِّرَاعَةِ ثُمَّ دَفْعِ نَحْوِ النِّصْفِ لِلْغَيْرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلِشُرَيْحٍ أَرْضُ الْخَرَاجِ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ كَرَاهَةِ تَمَلُّكِهَا. حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ، فَقَالَ: عُمَرُ: أَنْتَ فِيهَا مِثْلُ صَاحِبِهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ نَهْرِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ اخْتَارَتْ أَرْضَهَا، وَأَدَّتْ مَا عَلَى أَرْضِهَا مِنْ الْخَرَاجِ فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِهَا، وَإِلَّا فَخَلُّوا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَرْضِهِمْ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ دِهْقَانَةً مِنْ أَرْضِ نَهْرِ الْمَلِكِ أَسْلَمَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: ادْفَعُوا إلَيْهَا أَرْضَهَا تُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ زُبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ دِهْقَانًا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(6/40)

فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ وَأَخْذِ الْخَرَاجِ وَأَدَائِهِ لِلْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (وَلَا عُشْرَ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ وَجَبَا فِي مَحِلَّيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَقَالَ عَلِيٌّ: إنْ أَقَمْت فِي أَرْضِك رَفَعْنَا عَنْك الْخَرَاجَ عَنْ رَأْسِك، وَأَخَذْنَاهَا مِنْ أَرْضِك، وَإِنْ تَحَوَّلْت عَنْهَا فَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ قَالَا: إذَا أَسْلَمَ وَلَهُ أَرْضٌ وَضَعْنَا عَنْهُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذْنَا خَرَاجَهَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ، وَأَخْذِ الْخَرَاجِ، وَأَدَائِهِ لِلْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ) وَصَرَّحَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ بِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ. قِيلَ: وَلَوْ قَالَ مِنْ الْمُسْلِمِ كَانَ أَوْلَى، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِهِ بِلَفْظِ أَخَذَ وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَإِنَّ الْأَخْذَ يَقُومُ بِالْإِمَامِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إفَادَةَ أَنَّهُ هَلْ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ الْمُسْلِمِ، بَلْ الْمَقْصُودُ إفَادَةُ حُكْمِ شِرَاءِ الْمُسْلِمِ الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ وَتَعَرُّضَهُ بِذَلِكَ لِلْأَخْذِ مِنْهُ، هَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فَيَجِبُ لَفْظُ لِلْمُسْلِمِ لِيَتَعَلَّقَ بِالشِّرَاءِ فِي قَوْلِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ لِلْمُسْلِمِ وَعَدَمِ الْكَرَاهَةِ، لَا كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِمْ وَرَحِمَنَا بِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحِرَاثَةِ فَقَالَ: مَا دَخَلَ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا» ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّ الذُّلَّ بِالْتِزَامِ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ قَعَدُوا عَنْ الْغَزْوِ فَكَّرَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ فَجَعَلُوهُمْ أَذِلَّةً لَا مَا ذَكَرُوهُ، إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْتِزَامُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَكَفَّلَ بِجِزْيَةِ ذِمِّيٍّ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا عُشْرَ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ)
وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ (يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ) ذَاتًا، فَإِنَّ الْعُشْرَ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْخَرَاجُ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَمَحِلًّا فَإِنَّ الْعُشْرَ فِي الْخَارِجِ، وَالْخَرَاجُ فِي الذِّمَّةِ، وَسَبَبًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ تَحْقِيقًا، وَسَبَبُ الْخَرَاجِ الْأَرْضُ النَّامِيَةِ بِهِ تَقْدِيرًا وَمَصْرِفًا، فَمَصْرِفُ الْعُشْرِ الْفُقَرَاءُ، وَمَصْرِفُ الْخَرَاجِ الْمُقَاتِلَةُ وَقَدْ تَحَقَّقَ سَبَبُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ فَيَجِبَانِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ مَعَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ) وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْتَمِعُ عَلَى مُسْلِمٍ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ»
(6/41)

وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً؛ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً قَهْرًا، وَالْعُشْرُ فِي أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا، وَالْوَصْفَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَسَبَبُ الْحَقَّيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْعُشْرِ تَحْقِيقًا وَفِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا، وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَى الْأَرْضِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَيَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ مُضَعَّفٌ إلَى غَايَةٍ حَتَّى نُسِبَ إلَى الْوَضْعِ، وَإِلَى الْكَذِبِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَجَاءَ يَحْيَى وَصَلَهُ. نَعَمْ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ التَّابِعِينَ مِثْلِ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ خَتَنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ حَمْزَةَ السَّلُولِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضٍ ". وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ أَبِي الْمُنِيبِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي مَالٍ ". وَحَاصِلُ هَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ إلَّا نَقْلَ مَذْهَبِ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ فَيَكُونُ حَدِيثًا مُرْسَلًا. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَذْهَبًا لِجَمَاعَةٍ آخَرِينَ فَهَذَا نَقْلُ الْمَذَاهِبِ لَا اسْتِدْلَالٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى آخِرِهِ) فَقَدْ مَنَعَ بِنَقْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْجَمْعَ فِي الْأَخْذِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ يَتِمَّ، وَعَدَمُ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ كَوْنُهُ لِتَفْوِيضِ الدَّفْعِ إلَى الْمَالِكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ بِعَدَمِ الْجَمْعِ لِيَحْتَجَّ بِهِ مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُ مُقْتَفِيًا لِآثَارِهِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كُتُبِهِ فِي جَوَابِ السَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ خُمُسِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ إذَا رَجَعْت إلَيْهِ يُفِيدُك ذَلِكَ، ثُمَّ الْمُصَنِّفُ مَنَعَ تُعَدَّدَ السَّبَبِ وَجَعَلَ السَّبَبَ فِيهَا مَعًا الْأَرْضَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالسَّبَبِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ الْأَرْضُ هُنَا وَظِيفَتَانِ مَعَ أَنَّ الْعُمُومَاتِ تَقْتَضِيهِ مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا سَقَتْ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يُؤْخَذَ مَعَ الْخَرَاجِ إنْ كَانَ؛ وَلِأَنَّ تَعَدُّدَ الْحُكْمِ وَاتِّحَادِهِ بِتَعَدُّدِ السَّبَبِ وَاتِّحَادِهِ، وَسَبَبُ كُلٍّ مِنْ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ. (إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ النَّمَاءُ فِي الْعُشْرِ تَحْقِيقًا) ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ إضَافِيٌّ فَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خَارِجٌ لَا يَتَحَقَّقُ عُشْرُهُ (وَفِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا، وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَيْهَا) فَيُقَالُ خَرَاجُ الْأَرْضِ وَعُشْرُ الْأَرْضِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ، وَكَوْنُ الْأَرْضِ مَعَ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ غَيْرَ الْأَرْضِ مَعَ التَّحْقِيقِيِّ مُخَالَفَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، فَالْأَرْضُ النَّامِيَةُ هِيَ السَّبَبُ، وَإِذَا اتَّحَدَ السَّبَبُ اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَصَارَ كَزَكَاةِ التِّجَارَةِ وَالسَّائِمَةِ، فَإِنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْغُنْمُ مَثَلًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ: الْغُنْمُ مَعَ السَّوْمِ غَيْرُهَا مَعَ قَصْدِ التِّجَارَةِ فَيَجِبُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَالْعُشْرُ فِي الْأَرْضِ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا) عَلَيْهَا، وَلَازِمُ الْأَوَّلِ الْكُرْهُ وَلَازِمُ الثَّانِي الطَّوْعُ وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ بَعْضَ صُوَرِ الْخَرَاجِ يَكُونُ مَعَ الْفَتْحِ عَنْوَةً، وَهُوَ مَا إذَا أُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَكَذَا بَعْضُ صُوَرِ الْعُشْرِ وَهُوَ مَا إذَا فَتَحَهَا عَنْوَةً وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ صُوَرِ الْخَرَاجِ لَا يَكُونُ مَعَ الْعَنْوَةِ وَالْقَهْرِ بَلْ لِلصُّلْحِ، أَوْ بِأَنْ أَحْيَاهَا وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الصِّغَارِ، أَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ عَلَى الْخِلَافِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الرَّاشِدِينَ مِنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَأْخُذُوا عُشْرًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَإِلَّا لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ تَفَاصِيلُ أَخْذِهِمْ الْخَرَاجَ بِهَذَا تَقْضِي الْعَادَةُ، وَكَوْنُهُمْ فَوَّضُوا الدَّفْعَ إلَى الْمُلَّاكِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، أَرَأَيْت إذَا كَانَ الْعُشْرُ وَظِيفَةً فِي الْأَرْضِ الَّتِي وُظِّفَ فِيهَا الْخَرَاجُ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ هَلْ يَقْرَبُ أَنْ يَتَوَلَّوْا أَخْذَ وَظِيفَةٍ وَيَكِلُوا الْأُخْرَى إلَيْهِمْ لَيْسَ لِهَذَا مَعْنًى، وَكَيْفَ وَهُمْ كُفَّارٌ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَى أَدَائِهِ مِنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ عَدَمَ أَخْذِ الثَّلَاثَةِ صَحَّ دَلِيلًا بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَيَكُونُ إجْمَاعًا.
(6/42)

وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا.

(وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا، بِخِلَافِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عُشْرًا إلَّا بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ خَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(بَابُ) (الْجِزْيَةِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: لَا يَجْتَمِعُ الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ عِنْدَنَا وَالْعُقْرُ وَالْحَدُّ وَالْجَلْدُ وَالنَّفْيُ، وَكَذَا الرَّجْمُ مَعَ الْجَلْدِ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ مَعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. وَالشَّافِعِيُّ يُوَافِقُ فِي الْجَلْدِ مَعَ الرَّجْمِ وَمَا سِوَاهُ يَجْمَعُ.
(وَكَذَا الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَصُورَتُهُ إذَا اشْتَرَى أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ عَلَيْهِ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْكَسْ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ أَلْزَمُ لِلْأَرْضِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا

(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا) فِي سَنَةٍ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، وَقَدْ يُوَازِي بِهَا تَعَلُّقَ الْخَرَاجِ بِالتَّمَكُّنِ فَيَسْتَوِيَانِ، فَالْخَرَاجُ لَهُ شِدَّةٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالتَّمَكُّنِ، وَلَهُ خِفَّةٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَكَرُّرِهِ فِي السَّنَةِ وَلَوْ زَرَعَ فِيهَا مِرَارًا، وَالْعُشْرُ لَهُ شِدَّةٌ وَهُوَ تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ خُرُوجِ الْخَارِجِ وَخِفَّةٌ بِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِ الْخَارِجِ، فَإِذَا عَطَّلَهَا لَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَثْبَتَتْ الْخِفَّةُ لِلْعُشْرِ مُطْلَقًا بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ وَهُوَ عَدَمُ تَكَرُّرِ الزَّرْعِ فِي الْعَامِ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْغَالِبِ أَنْ تُعَطَّلَ الْأَرْضُ مِنْ الزِّرَاعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُؤْخَذُ الْخَرَاجُ مِنْ أَرْضِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ؛ لِأَنَّ وَقْفَهَا إخْرَاجٌ مِنْ مُسْتَحِقٍّ إلَى مُسْتَحِقٍّ، وَبِذَلِكَ لَا يَبْطُلُ الْخَرَاجُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُطَالَبَ بِذَلِكَ النَّاظِرُ.

[بَابُ الْجِزْيَةِ]
(بَابُ الْجِزْيَةِ) . هَذَا هُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَرَاجِ، وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ لِقُوَّتِهِ، إذْ يَجِبُ أَسْلَمُوا أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ
(6/43)

(وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ) (: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ) كَمَا «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ» ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ التَّرَاضِي فَلَا يَجُوزُ التَّعَدِّي إلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يُلْزَمُونَ بِهَا إلَّا إذَا لَمْ يُسْلِمُوا؛ وَلِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ الْخَرَاجُ فَإِنَّمَا يَتَبَادَرُ خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا مُقَيَّدًا فَيُقَالُ خَرَاجُ الرَّأْسِ، وَعَلَامَةُ الْمَجَازِ لُزُومُ التَّقْيِيدِ، وَتُجْمَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى جِزَى كَلِحْيَةٍ وَلِحَى وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْجَزَاءُ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى فِعْلَةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ وَهِيَ هَيْئَةُ الْإِذْلَالِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ عَلَى مَا سَيُعْرَفُ (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ) عَلَيْهَا (فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ) فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ، وَأَصْلُهُ «صُلْحُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ نَجْرَانَ وَهُمْ قَوْمٌ نَصَارَى بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي الْعَامِ» عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ» انْتَهَى. وَصَالَحَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمَالِ الْوَاجِبِ، فَلَزِمَ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ.
هَذَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بَعْدَ أَنْ قَالَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ: يَعْنِي قِيمَتَهَا أُوقِيَّةٌ، وَقَوْلُ الْوَلْوَالِجِيِّ: كُلُّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الْحُلَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ رُءُوسِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَلْفَا حُلَّةٍ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَعَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ تُقَسَّمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وَعَلَى كُلِّ أَرْضٍ مِنْ أَرَاضِي نَجْرَانَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ بَاعَ أَرْضَهُ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ تَغْلِبِيٍّ، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَرَاضِيِهِمْ، وَأَمَّا جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ فَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ اهـ.
يَعْنِي أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ يُؤْخَذُ سَوَاءٌ بَاعَ بَعْضُهُمْ أَرْضَهُ أَوْ لَمْ يَبِعْ، ثُمَّ إذَا بَاعَ أَرْضَهُ يُؤْخَذُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ عَلَى حَالِهِ، وَيُؤْخَذُ الْخَرَاجُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ وَعُشْرَانِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ الْمُشْتَرِي. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَنِي نَجْرَانَ، فَإِنَّ نَجْرَانَ اسْمُ أَرْضٍ مِنْ حَيِّزِ الْيَمَنِ لَا اسْمُ أَبِي قَبِيلَةٍ، فَلِذَا كَانَ الثَّابِتُ
(6/44)

(وَجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ وَضْعَهَا إذَا غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ الظَّاهِرِ الْغِنَى فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا)
وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ مَا يَعْدِلُ الدِّينَارَ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْحَدِيثِ أَهْلُ نَجْرَانَ (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي (جِزْيَةٌ يَبْتَدِئ الْإِمَامُ بِتَوْظِيفِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الْكُفَّارِ) فَفَتَحَ بِلَادَهُمْ (وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ) فَهَذِهِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا اسْتَرَقَّ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا (فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) بِوَزْنِ سَبْعَةٍ (يَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى أَوْسَطِ الْحَالِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا) وَاحِدًا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ) أَيْ بَالِغٍ (دِينَارًا) أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِهِمْ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا. وَالدِّينَارُ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَشَرَةٍ إلَّا فِي الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ يُقَابَلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِذَلِكَ.
وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِهِمْ لَا يُعْتَبَرُ الدِّينَارُ إلَّا بِالسِّعْرِ وَالْقِيمَةِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَمِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَمِنْ الْفَقِيرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: هِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ تُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ مُعَاذًا بِأَخْذِ الدِّينَارِ، وَصَالَحَ هُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ» وَعُمَرُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَمَا هُوَ قَوْلُنَا، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهَا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ نَقَصَ عَنْ الدِّينَارِ جَازَ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ: إحْدَاهُمَا كَقَوْلِنَا، وَالْأُخْرَى كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَجْهُ قَوْلِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيَّ الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ. وَفِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إلَى أَنْ قَالَ: وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» . وَكَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ وَفِيهِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا ذِكْرُ
(6/45)

أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ كَالذَّرَارِيِّ وَالنِّسْوَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْتَظِمُ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ. وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ فَتَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحَالِمَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا نَرَى مَنْسُوخٌ، إذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ، وَيُسْتَضَاءُ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ «أَنَّ خَيْلًا أَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» . ثُمَّ أَسْنَدَ أَبُو عُبَيْدٍ «عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ» . وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ مِنْ الْجِنْسِ. وَالْمَعَافِرِيُّ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ بَنِي مُرَّةً ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِلَا نِسْبَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ. وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: مَعَافِرُ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ تُنْسَبُ إلَيْهِ هَذِهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ. وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ. وَفِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ: الْمَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ تُنْسَبُ إلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ. وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيِّ: الْبُرْدُ الْمَعَافِرِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرَ مِنْ الْيَمَنِ. وَفِي الْجَمْهَرَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَوْبُ مَعَافِرَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، فَمَنْ نَسَبَ فَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَهُ (وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ كَالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْتَظِمُ) فِيهِ (الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُقْتَلُ (قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى السَّوَادِ، فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهَا الْخَرَاجَ، وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا، فَلَمَّا رَجَعَا أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَمِلَ عُثْمَانُ كَذَلِكَ ثُمَّ عَمِلَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَنْ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ إلَى آخِرِهِ. وَطَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ إلَى أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا فَتَحَ مِنْ الْبِلَادِ، فَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ إلَى آخِرِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ إلَى حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِلَا نَكِيرٍ، فَحَلَّ مَحِلَّ الْإِجْمَاعِ. ثُمَّ عَارَضَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ بِقَوْلِهِ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْجِزْيَةَ (وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ) أَيْ خَلْفًا عَنْ نُصْرَةِ مُقَاتِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى نُصْرَتِهِمْ وَقَدْ فَاتَتْ بِمَيْلِهِمْ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِينَ لَنَا لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا صُرِفَتْ إلَى الْمُقَاتِلَةِ وَوُضِعَتْ عَلَى الصَّالِحِينَ لِلْقِتَالِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ الْقِتَالُ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِمْ لِأَنَّ نُصْرَةَ الْغَنِيِّ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَوْقَ نُصْرَةِ الْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْصُرُ رَاكِبًا وَيَرْكَبُ مَعَهُ غُلَامُهُ، وَالْمُتَوَسِّطُ رَاكِبًا فَقَطْ، وَالْفَقِيرُ رَاجِلًا؛ وَهَذَا مَعْنَى
(6/46)

وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَبَ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْرِ وَقِلَّتِهِ، فَكَذَا أُجْرَتُهُ هُوَ بَدَلُهُ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ صُلْحًا، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْ الْحَالِمَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْجِزْيَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَذَلِكَ) أَيْ النُّصْرَةُ (يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْرِ وَقِلَّتِهِ فَكَذَا مَا هُوَ بَدَلُهُ) يَعْنِي الْجِزْيَةَ، وَإِلْحَاقًا بِخَرَاجِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى التَّفَاوُتِ.
فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَزِمَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُمْ لَوْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَنَةً مُتَبَرِّعِينَ أَوْ بِطَلَبِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَالْحَالُ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ. أُجِيبُ بِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نُصْرَتَهُمْ بِالْمَالِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النُّصْرَةَ الَّتِي فَاتَتْ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ فَاتَتْ بِالْكُفْرِ فَأُبْدِلَتْ بِالْمَالِ، وَلَيْسَ نُصْرَتُهُمْ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ تِلْكَ النُّصْرَةَ الْفَائِتَةَ فَلَا يَبْطُلُ خَلَفُهَا. نَعَمْ سَيَجِيءُ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْجِزْيَةَ خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ، وَالْوَجْهُ أَنَّهَا خَلَفٌ عَنْ قَتْلِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ جَمِيعًا.
قَالَ: (وَمَا رَوَاهُ) مِنْ وَضْعِ الدِّينَارِ عَلَى الْكُلِّ (مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا) فَإِنَّ الْيَمَنَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً بَلْ صُلْحًا فَوَقَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَقُلْنَا: وَلِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ. هَذَا، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ؛ فَقِيلَ إنْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مُوسِرٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَانِ فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْعَشَرَةِ فَمُتَوَسِّطٌ، وَمَنْ كَانَ مُعْتَمِلًا فَهُوَ مُكْتَسِبٌ. وَعَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ: مَنْ كَانَ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ وَزِيَادَةً فَمُوسِرٌ، وَإِنْ مَلَكَ بِلَا فَضْلٍ فَهُوَ الْوَسَطُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ فَهُوَ الْمُعْتَمِلُ: أَيْ الْمُكْتَسِبُ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا. وَذَكَرَهُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَالْمُعْتَمِلِ الْمُكْتَسِبُ، وَالِاعْتِمَالُ الِاضْطِرَابُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ؛ وَقُيِّدَ بِالِاعْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَصَاعِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَمَّا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَهُوَ قَادِرٌ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ
(6/47)

قَالَ: (وَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] الْآيَةَ، «وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ» . قَالَ: (وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: إنَّ الْقِتَالَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} [الأنفال: 39] إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَفِي حَقِّ الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ فَبَقِيَ مَنْ وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ وَيُؤَدِّي إلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَمَنْ عَطَّلَ الْأَرْضَ.

(قَوْلُهُ وَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ) الْيَهُودِ. وَيَدْخُلُ فِيهِمْ السَّامِرَةُ فَإِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعٍ. وَالنَّصَارَى وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْفِرِنْجُ وَالْأَرْمَنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَعَلَى الْخِلَافِ مَنْ قَالَ هُمْ مِنْ النَّصَارَى أَوْ قَالَ هُمْ مِنْ الْيَهُودِ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ قَالَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ فَلَيْسُوا مِنْ الْكِتَابِيِّينَ بَلْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَتُؤْخَذُ: أَيْ الْجِزْيَةُ مِنْ الصَّابِئَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَأُطْلِقَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَشَمَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ عَبَدَةُ النَّارِ فَفِي الْبُخَارِيِّ: «وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» وَهَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَوَضَعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ) وَهَجَرُ بَلْدَةٌ فِي الْبَحْرَيْنِ (قَوْلُهُ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ) بِالْجَرِّ: أَيْ وَتُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ الْقِتَالُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} [الأنفال: 39] إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ) إلَى الْجِزْيَةِ (فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْقُرْآنِ) أَعْنِي مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] (وَفِي الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ) الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (فَبَقِيَ مَنْ وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ) بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْجِزْيَةِ (يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ) أَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ تَصِيرُ مَنْفَعَةُ نَفْسِهِ لَنَا، وَكَذَا الْجِزْيَةُ (فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ وَيُؤَدِّي إلَى الْمُسْلِمِينَ) وَالْحَالُ أَنَّ (نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ) فَقَدْ أَدَّى حَاجَةَ نَفْسِهِ إلَيْنَا أَوْ بَعْضَهَا، فَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ تَخْصِيصَ عُمُومِ وُجُوبِ الْقِتَالِ الَّذِي
(6/48)

(وَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) ؛ لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَا الْمُرْتَدِّينَ) لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلَّظَ، أَمَّا مُشْرِكُو الْعَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ؛ فَلِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَمَا هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُسْتَرَقُّ مُشْرِكُو الْعَرَبِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اُسْتُدِلَّ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِإِخْرَاجِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمَجُوس عِنْدَ قَبُولِهِمْ الْجِزْيَةَ كَمَا ذَكَرَ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى.
وَإِنَّمَا لَمْ تُضْرَبْ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مَعَ جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَتْبَاعًا لِأُصُولِهِمْ فِي الْكُفْرِ فَكَانُوا أَتْبَاعًا فِي حُكْمِهِمْ، فَكَأَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الرَّجُلِ وَأَتْبَاعِهِ فِي الْمَعْنَى إنْ كَانَ لَهُ أَتْبَاعٌ، وَإِلَّا فَهِيَ عَنْهُ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: وَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ (فَهُمْ فَيْءٌ) وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تُوضَعُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَا الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُمَا) يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (قَدْ تَغَلَّظَ) فَلَمْ يَكُونُوا فِي مَعْنَى الْعَجَمِ (أَمَّا الْعَرَبُ فَلِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ) فَكَانَ كُفْرُهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْعَجَمِ (وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَلِأَنَّ كُفْرَهُمْ بَعْدَمَا هُدُوا لِلْإِسْلَامِ وَوَقَفُوا عَلَى مَحَاسِنِهِ) فَكَانَ كَذَلِكَ (فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ) لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسْتَرَقُّ مُشْرِكُو الْعَرَبِ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ إتْلَافٌ حُكْمًا فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ إتْلَافُ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] أَيْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «لَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ» وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ " أَوْ الْقَتْلُ "
(6/49)

وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا (وَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَرَقَّ نِسْوَانَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانِهِمْ لَمَّا ارْتَدُّوا وَقَسَّمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ رِجَالِهِمْ قُتِلَ) لِمَا ذَكَرْنَا.

(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ أَوْ عَنْ الْقِتَالِ وَهُمَا لَا يُقْتَلَانِ وَلَا يُقَاتِلَانِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ. قَالَ (وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى) وَكَذَا الْمَفْلُوجُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَكَانَ أَوْ السَّيْفُ. وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا رِقَّ عَلَى عَرَبِيٍّ» وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ رِقٌّ لَكَانَ الْيَوْمَ» قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا) يَعْنِي مِنْ أَنَّ كُفْرَهُ أَغْلَظُ فَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْأَخَفِّ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) يُسْتَرَقُّونَ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَرَقَ ذَرَارِيَّ أَوْطَاسٍ وَهَوَازِنَ» وَأَبُو بَكْرٍ اسْتَرَقَّ بَنِي حَنِيفَةَ. أَسْنَدَ الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ لَهُ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ثُمَّ إنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَنِصْفَ السَّبْيِ، ثُمَّ دَخَلَ حُصُونَهُمْ صُلْحًا فَأَخْرَجَ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ وَالْأَمْوَالَ وَالسَّبْيَ، ثُمَّ قَسَّمَ السَّبْيَ قِسْمَيْنِ، وَأَقْرَعَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ فَخَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَفِيهِ مَكْتُوبٌ لِلَّهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: قَدْ رَأَيْت أُمَّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْحَنَفِيَّةَ وَيُسَمَّى ابْنُهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ، وَحَنِيفَةُ أَبُو حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ جَذِيمَةَ ضَرَبَهُ حِينَ الْتَقَيَا فَحَنَفَ رِجْلَهُ وَضَرَبَ حَنِيفَةُ يَدَهُ فَجَذَمَهَا فَسُمِّيَ جَذِيمَةَ وَحَنِيفَةُ بْنُ نَجِيحَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُرْتَدِّينَ وَنِسَاءَهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ بِخِلَافِ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَا يُجْبَرُونَ. وَأَمَّا الزَّنَادِقَةُ قَالُوا: لَوْ جَاءَ زِنْدِيقٌ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَتَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَإِنْ أُخِذَ ثُمَّ تَابَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُمْ بَاطِنِيَّةٌ يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ ذَلِكَ فَيُقْتَلُ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ.

(قَوْلُهُ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ) وَكَذَا عَلَى مَجْنُونٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ قَتْلِهِمْ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ عَنْ قِتَالِهِمْ نُصْرَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قَوْلِنَا، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ (وَلَا عَلَى أَعْمَى أَوْ زَمِنٍ وَلَا الْمَفْلُوجِ) وَعَنْ الشَّافِعِيِّ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ لِاعْتِبَارِهَا أُجْرَةَ الدَّارِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (مِنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ)
(6/50)

لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ (وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَلَنَا أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُوَظِّفْهَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ لَا يُوَظَّفُ عَلَى أَرْضٍ لَا طَاقَةَ لَهَا فَكَذَا هَذَا الْخَرْجُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعْتَمِلِ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَجِبُ فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ (وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى قِتَالٍ وَلَا كَسْبٍ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ) فِي الْحَرْبِ.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُقَاتَلُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (لِمَا بَيَّنَّا) وَالْجِزْيَةُ بَدَلٌ عَنْهُمَا وَيُقَالُ زَمِنَ الرَّجُلُ كَعَلِمَ يَزْمَنُ زَمَانَةً (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) أَيْ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ أَحْسَنَ حِرْفَةً، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فِي ذِمَّتِهِ. (لَهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ» (وَلَنَا أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُوَظِّفْ الْجِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) أَرَادَ بِعُثْمَانَ هَذَا عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حِينَ بَعَثَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَرَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَبْسِيُّ صِلَةُ بْنِ زُفَرَ قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ مَا لَك؟ قَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَنْصَفْنَاك، أَكَلْنَا شَبِيبَتَك ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْك الْجِزْيَةَ ثُمَّ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ (وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ كَمَا لَا يُوَظَّفُ عَلَى أَرْضٍ لَا طَاقَةَ لَهَا فَكَذَا خَرَاجُ الرَّأْسِ) بِجَامِعِ عَدَمِ الطَّاقَةِ؛ لِحِكْمَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ الدُّنْيَوِيِّ (وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعْتَمِلِ) بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا وَبِتَوْظِيفِ عُمَرَ الْمُقْتَرِنِ بِالْإِجْمَاعِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
فَإِنْ قُلْت: مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْظِيفِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ الْمُعْتَمِلُ. قُلْنَا: قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُكْتَسِبِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. لَا يُقَالُ: فَنَفْيُهُ عَنْ غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ وَلَا يَقُولُونَ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ بَلْ جَازَ أَنْ يُضَافَ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ التَّوْظِيفِ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْكَرْ، ثُمَّ إنَّمَا تَوَظَّفَ عَلَى الْمُعْتَمِلِ إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ، وَإِلَّا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ مَرَضٍ فَلَا يُجْعَلُ الْقَلِيلُ مِنْهُ عُذْرًا وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنْ نِصْفِ الْعَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُوضَعُ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا) وَعَلَى الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ الْحَرْبِيَّ يُقْتَلُ (وَعَلَى الِاعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَجِبُ) ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ عَاجِزٌ عَنْ النُّصْرَةِ فَامْتَنَعَ الْأَصْلُ فِي حَقِّهِ فَامْتَنَعَ الْخَلَفُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ انْتِفَاءُ الْأَصْلِ، وَإِمْكَانُهُ فَدَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ (فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ) وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ الْقِتَالِ فِي حَقِّنَا جَمِيعًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُوجِبُ لِانْتِفَاءِ الْكُلِّ بِنَفْيِ الْجُزْءِ، وَهَذَا لِمَا نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَإِذَا كَانَ خَلَفًا عَنْ الْمَجْمُوعِ فَلَا يَحْسُنُ قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ بَلْ لَا تَجِبُ بِلَا شَكٍّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ ذَكَرَ أُمَّ الْوَلَدِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَعَلَّهُ ابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ فَسَقَطَتْ لَفْظَةُ ابْنٍ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ) يَعْنِي لَمَّا قُلْنَا لَا تُوضَعُ عَلَيْهِمْ جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مَوَالِيهِمْ فَيُؤَدُّونَ
(6/51)

لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ) كَذَا ذَكَرَ هَاهُنَا. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَجْهُ الْوَضْعِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَهَا فَصَارَ كَتَعْطِيلِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ.
وَوَجْهُ الْوَضْعِ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، وَالْجِزْيَةُ فِي حَقِّهِمْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَمِلُ صَحِيحًا وَيَكْتَفِي بِصِحَّتِهِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ.

(وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ سَقَطَتْ عَنْهُ) وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ كَافِرًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا. لَهُ أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ عَنْ السُّكْنَى وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْهُمْ، فَأَزَالَ هَذَا الِاحْتِمَالَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ (لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ) فِي الْجِزْيَةِ حَتَّى لَزِمَهُمْ جِزْيَةُ الْأَغْنِيَاءِ (بِسَبَبِهِمْ) فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَنْهُمْ شَيْءٌ آخَرُ وَإِلَّا كَانُوا مُلْزَمِينَ بِجِزْيَتَيْنِ، وَيُقَرَّرُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ فَكَانَتْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ مَعْنًى شَرْعًا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ غِنَى الْمُلَّاكِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَالٌ وَيَجُرُّونَ الْمَالَ بِالْكَسْبِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ) جَمْعُ رَاهِبٍ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ رُهْبَانٌ أَيْضًا، وَشُرِطَ أَنْ لَا يُخَالِطَ النَّاسَ، وَمَنْ خَالَطَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
(هَكَذَا ذَكَرَ) الْقُدُورِيُّ (وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُوضَعُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَوَجْهُ الْوَضْعِ أَنَّهُ الَّذِي ضَيَّعَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ فَصَارَ كَتَعْطِيلِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) مِنْ الزِّرَاعَةِ. (وَوَجْهُ وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَالْجِزْيَةُ فِي حَقِّهِمْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا عِنْدَنَا بَدَلٌ عَنْ نُصْرَتِهِمْ الَّتِي فَاتَتْ بِالْكُفْرِ وَعِنْدَهُ بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ، فَأَفَادَ صِحَّةَ هَذَا الِاعْتِبَارِ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فَقَطْ بَلْ الْمَجْمُوعُ مِنْهُ وَمِنْ كَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ نُصْرَتِهِمْ إيَّانَا فَمَتَى تَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا انْتَفَى وُجُوبُهَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا جِزْيَةَ عَلَى السَّيَّاحِينَ. قِيلَ يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ مِنْهُمْ فَيَكُونُ اتِّفَاقًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هُوَ مَنْ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَمَنْ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ لَا يُقْتَلُ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ) بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كَمَالِ السَّنَةِ (سَقَطَتْ عَنْهُ، وَكَذَا إذَا مَاتَ كَافِرًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا) وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ أَوْ أَسْلَمَ. وَفِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا أَيْضًا قِسْطُ مَا مَضَى، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَوْ أُقْعِدَ أَوْ صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ أَوْ افْتَقَرَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (لَهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ) الَّتِي ثَبَتَتْ لِلذِّمِّيِّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ (أَوْ) بَدَلًا (عَنْ السُّكْنَى) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ آخَرُ لَهُ. (وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ) وَهُوَ حَقْنُ دَمِهِ وَسُكْنَاهُ إلَى
(6/52)

فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْعِوَضُ بِهَذَا الْعَارِضِ كَمَا فِي الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ.»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَوْتِ أَوْ الْإِسْلَامِ وَصَارَ بِذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا الْمُبْدَلَ فَتَقَرَّرَ الْبَدَلُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
(فَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا الْعَارِضِ) الَّذِي هُوَ مَوْتُهُ أَوْ إسْلَامُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ. (وَلَنَا مَا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» ) قَالَ أَبُو دَاوُد: وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ: يَعْنِي إذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ» وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا، وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي مُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ، فَهَذَا بِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ، إذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدَّيْنِ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ.
وَهَذَا يَخُصُّ السُّقُوطَ بِالْإِسْلَامِ، وَالْوَجْهُ يَعُمُّ مَوْتَهُ وَإِسْلَامَهُ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ،
(6/53)

وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ وَلِهَذَا تُسَمَّى جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ، وَعُقُوبَةُ الْكُفْرِ تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ شَرْعَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يَكُونُ إلَّا لِدَفْعِ الشَّرِّ وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. وَالْعِصْمَةُ تَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَالذِّمِّيُّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِنْ عُقِلَتْ حِكْمَةٌ فَذَاكَ وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ. عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ إذْ لَا إذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا، وَالْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهَا ذُلٌّ ظَاهِرٌ وَشَنَارٌ. وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ؛ فَلِأَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ. بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِلْكُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ، وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنْ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا) ، أَيْ الْجِزْيَةَ إنَّمَا (وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ) وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ وَالْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ، وَلِذَا أُخِذَتْ بِطَرِيقِ الْإِذْلَالِ بَلْ هَذَا ضَرُورِيٌّ مِنْ الدِّينِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَلَى مَعْصِيَةِ الْكُفْرِ دُنْيَوِيَّةٌ لَا بَدَلُ مُعَاوَضَةٍ كَمَا ظَنَّهُ.
(فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ) وَلِهَذَا لَا يُضْرَبُ مَنْ سَبَقَ مَوْتُهُ إقَامَةَ حَدٍّ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِدَفْعِ شَرِّهِ فِي الدُّنْيَا بِحَسَبِ مَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّرُّ، وَالشَّرُّ الَّذِي يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ الْحِرَابَةُ وَالْفِتْنَةُ عَنْ الدِّينِ الْحَقِّ (وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ) وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا بَدَلًا: أَيْ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ لَنَا فَكَانَتْ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً عَلَى كُفْرِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِحِرَابَتِهِ دَفْعًا لَهَا بِإِضْعَافِهِ بِأَخْذِهَا مِنْهُ وَبَدَلًا عَنْ نُصْرَتِهِ الْفَائِتَةِ بِكُفْرِهِ، وَإِذَا كَانَتْ خَلَفًا أَيْضًا عَنْ النُّصْرَةِ انْتَفَتْ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ
(6/54)

مَعْنَى لِإِيجَابِ بَدَلِ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى.

(وَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ تَدَاخَلَتْ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْخَذْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا. وَقِيلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عِوَضًا، وَالْأَعْوَاضُ إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا تُسْتَوْفَى، وَقَدْ أَمْكَنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَعْدَ تَوَالِي السِّنِينَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعِصْمَةِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْآدَمِيَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ثُبُوتِهَا ضَرُورَةً تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ أَوْ لِظُهُورِ خِلَافِهِ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ، وَقَوْلُهُ بَدَلًا عَنْ السُّكْنَى. قُلْنَا إنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ أُجْرَةً؛ وَلِأَنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بَدَلُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا، وَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي إبْطَالِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ الْعِصْمَةَ الْأَصْلِيَّةَ زَالَتْ بِالْكُفْرِ، وَهَذِهِ عِصْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ بِالْجِزْيَةِ، وَيَكْفِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ أَنَّهَا عُقُوبَةُ جَزَاءٍ ثُمَّ تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ مَعَهَا لِتُمْكِنَ إقَامَتُهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِاسْتِمْرَارِ السَّبَبِ وَهُوَ كُفْرُهُ الدَّاعِي إلَى حِرَابَتِهِ، وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ إلَّا بِعِصْمَتِهِ.

(فَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ تَدَاخَلَتْ) أَيْ الْجِزْيَةُ أَنَّثَ فِعْلَ الْحَوْلَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِالسَّنَتَيْنِ، وَلَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ: أَيْ جِزْيَةُ حَوْلَيْنِ، وَلَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأَقْطَعُ: وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ، وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى) لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَا إنْ مَاتَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا.
(وَقِيلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) فَإِذَا مَضَتْ سُنُونَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا مَضَى (وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ) فَيُؤْخَذُ مَا مَضَى (بِالِاتِّفَاقِ لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ) وَهِيَ تَدَاخُلُ الْجِزْيَةِ (أَنَّ الْخَرَاجَ) أَيْ الْجِزْيَةَ؛ لِأَنَّهَا خَرَاجُ الرَّأْسِ (وَجَبَ عِوَضًا، وَالْأَعْوَاضُ إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا) عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ (تُسْتَوْفَى، وَقَدْ أَمْكَنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَعْدَ تَوَالِي السِّنِينَ) ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ كَافِرًا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالْإِذْلَالِ لَهُ
(6/55)

بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لَوْ بَعَثَ عَلَى يَدِ نَائِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَ قَائِمًا، وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ: أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ فَثَبَتَ أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالْعُقُوبَاتُ إذَا اجْتَمَعَتْ تَدَاخَلَتْ كَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتْ الْغُنْيَةُ عَنْهُ. ثُمَّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجِزْيَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى، حَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْمُضِيِّ مَجَازًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجِبُ إذْلَالُهُ بَلْ يَجِبُ تَوْقِيرُهُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَوْنَهَا وَجَبَتْ عِوَضًا، وَكَوْنُ الْمُتَحَصِّلِ مِنْهَا أَعْوَاضًا خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَلْيَقُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَعْوَاضِ الْأَجْزِيَةُ الْوَاقِعَةُ عُقُوبَةً تَمَّ عَلَيْهِمَا وَجْهُ أَبِي حَنِيفَةِ الْقَائِلِ: وَالْعُقُوبَاتُ تَتَدَاخَلُ حَتَّى قُلْنَا بِتَدَاخُلِ كَفَّارَاتِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ مَعَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَعِبَادَةٌ، غَيْرَ أَنَّ الْمُرَجَّحَ فِيهَا جِهَةُ الْعُقُوبَةِ فَكَيْفَ بِالْعُقُوبَةِ الْمَحْضَةِ وَالْجِزْيَةُ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِهَذَا إلَخْ) اسْتِيضَاحٌ عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ؛ يَعْنِي (لَوْ بَعَثَ بِهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَ قَائِمًا وَالْقَابِضُ جَالِسٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ) وَهُوَ مَا يَلِي صَدْرَهُ مِنْ ثِيَابِهِ (وَيَقُولُ: أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ) وَقَبُولُهَا مِنْ النَّائِبِ يُفَوِّتُ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ إذْلَالِهِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَوَجْهٌ آخَرُ (أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) يَعْنِي عَنْ الْقَتْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالنُّصْرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتْ الْغُنْيَةُ عَنْهُ) بِانْقِضَائِهِ فَانْقَطَعَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ هُوَ الْمَالُ بَلْ اسْتِذْلَالُ الْكَافِرِ وَاسْتِصْغَارُهُ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِاسْتِيفَاءِ جِزْيَةٍ وَاحِدَةٍ (ثُمَّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ) : وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى، حَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى مُضِيِّ السَّنَةِ مَجَازًا
(6/56)

وَقَالَ: الْوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُضِيِّ لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ فَتَتَدَاخَلَ.
وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ فَيَتَحَقَّقُ الِاجْتِمَاعُ بِمُجَرَّدِ الْمَجِيءِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَنَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ. وَلَنَا أَنَّ مَا وَجَبَ بَدَلًا عَنْهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَتَعَذَّرَ إيجَابُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ فَأَوْجَبْنَاهُ فِي أَوَّلِهِ.

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» وَالْمُرَادُ إحْدَاثُهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَقَالَ: الْوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُضِيِّ؛ لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ فِي الْجِزْيَتَيْنِ (فَتَتَدَاخَلُ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ) وَهُوَ أَنْ يُرَادَ دُخُولُ أَوَّلِ السَّنَةِ، فَإِنَّ مَجِيءَ الشَّهْرِ بِمَجِيءِ أَوَّلِهِ، وَمَجِيءَ السَّنَةِ بِمَجِيءِ أَوَّلِهَا، وَالْأَصَحُّ هُوَ هَذَا (فَالْوُجُوبُ عِنْدَنَا بِأَوَّلِ السَّنَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ. وَلَنَا أَنَّ مَا وَجَبَتْ) الْجِزْيَةُ (بَدَلًا عَنْهُ) وَهُوَ النُّصْرَةُ (وَالْقَتْلُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ) مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَدَلًا عَنْ نُصْرَتِهِمْ. وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْمَالِ النَّامِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَوْلِ؛ لِيَتَحَقَّقَ الِاسْتِنْمَاءُ فَلَمْ تَجِبْ قَبْلَهُ؛ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ قَبْلَهُ ثُمَّ أُقِيمَ الْحَوْلُ مَقَامَ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ مِنْهُ فَصَارَ الْمَالُ بِهِ نَامِيًا تَقْدِيرًا.

[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]
(فَصْلٌ) لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمِّيِّ بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ وَمَا مَضَى بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ قَدَّمَ تِلْكَ. (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) وَهُمَا مُتَعَبَّدَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، ثُمَّ غَلَبَتْ الْكَنِيسَةُ لِمُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ
(6/57)

(وَإِنْ انْهَدَمَتْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ أَعَادُوهَا) لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا، وَلَمَّا أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي الْحَقِيقَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْبِيعَةُ لِمُتَعَبَّدِ النَّصَارَى، وَفِي دِيَارِ مِصْرَ لَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْبِيعَةِ بَلْ الْكَنِيسَةِ لِمُتَعَبَّدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَفْظُ الدَّيْرِ لِلنَّصَارَى خَاصَّةً. وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ عُمُومَ دَارِ الْإِسْلَامِ بِالْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى؛ لِأَنَّ الْأَمْصَارَ هِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الشَّعَائِرُ، فَإِحْدَاثُهَا فِيهَا مُعَارَضَةٌ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا فَلَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْقُرَى.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ فِي قُرَى دِيَارِنَا أَيْضًا لَا تَحْدُثُ فِي هَذَا الزَّمَانِ. ثُمَّ قَالَ الْقُدُورِيُّ: (وَإِنْ انْهَدَمَتْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ أَعَادُوهَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ: (لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا، وَلَمَّا أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ ضِمْنًا غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ) فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِإِقْرَارِ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ إذَا صَالَحَهُمْ عَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَوْ بَعْدَهُمْ.
قِيلَ أَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطٍ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ وَلَا مُجْتَمَعٍ لِصَلَاتِهِمْ وَلَا صَوْمَعَةٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ فِيهِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَاِتِّخَاذِ الْخَنَازِيرِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ. وَثَانِيهَا مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إحْدَاثُ شَيْءٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَجِبُ هَدْمُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَجِبُ. وَعِنْدَنَا جَعْلُهُمْ ذِمَّةً أَمْرُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا كَنَائِسَهُمْ مَسَاكِنَ، وَيُمْنَعُ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِيهَا وَلَكِنْ لَا تُهْدَمُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا كَثِيرًا مِنْ الْبِلَادِ عَنْوَةً، وَلَمْ يَهْدِمُوا كَنِيسَةً، وَلَا دَيْرًا، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ قَطُّ. وَثَالِثُهَا مَا فُتِحَ صُلْحًا، فَإِنْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَالْخَرَاجَ لَنَا جَازَ إحْدَاثُهُمْ، وَإِنْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لَنَا وَيُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ فَالْحُكْمُ فِي الْكَنَائِسِ عَلَى مَا يُوَقَّعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ، فَإِنْ صَالَحَهُمْ عَلَى شَرْطِ تَمْكِينِ الْإِحْدَاثِ لَا يَمْنَعُهُمْ، إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَالِحَهُمْ إلَّا عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ صُلْحُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ عَدَمِ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ الْإِحْدَاثُ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِلْقَدِيمَةِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَاِتِّخَاذِ الْخِنْزِيرِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: يُمْنَعُونَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ: أَيْ التَّجَاهُرِ بِهِ وَإِظْهَارِهِ. وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ ضَرَبُوا النَّاقُوسَ فِي جَوْفِ كَنَائِسِهِمْ لَا يُمْنَعُونَ انْتَهَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِصْرٍ أَوْ حَدِيقَةٍ لَهُمْ أَظْهَرُوا فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْفِسْقِ مِثْلَ الزِّنَا وَالْفَوَاحِشَ الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا فِي دِينِهِمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ، وَكَذَا عَنْ الْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ وَالْغِنَاءِ، وَمِنْ كَسَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ الْقَدِيمَةَ فِي السَّوَادِ لَا تُهْدَمُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَاخْتَلَفَ كَلَامُ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ تُهْدَمُ الْقَدِيمَةُ، وَذَكَرَ فِي الْإِجَارَةِ أَنَّهَا لَا تُهْدَمُ وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى هَذَا، فَإِنَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْهَا تَوَالَتْ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ وَأَزْمَانٌ وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ يَأْمُرْ بِهَدْمِهَا إمَامٌ فَكَانَ مُتَوَارِثًا مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَصَّرْنَا بَرِيَّةً فِيهَا دَيْرٌ
(6/58)

وَالصَّوْمَعَةُ لِلتَّخَلِّي فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِيعَةِ، بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلسُّكْنَى، وَهَذَا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى؛ لِأَنَّ الْأَمْصَارَ هِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الشَّعَائِرُ فَلَا تُعَارَضُ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا.
وَقِيلَ فِي دِيَارِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهَا بَعْضَ الشَّعَائِرِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فِي قُرَى الْكُوفَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ. وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِهَا وَقُرَاهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَوْ كَنِيسَةٌ فَوَقَعَ فِي دَاخِلِ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَمَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَمَانِ قَبْلَ وَضْعِ السُّوَرِ، فَيُحْمَلُ مَا فِي جَوْفِ الْقَاهِرَةِ مِنْ الْكَنَائِسِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فَضَاءً فَأَدَارَ الْعُبَيْدِيُّونَ عَلَيْهَا السُّورَ ثُمَّ فِيهَا الْآنَ كَنَائِسُ، وَيَبْعُدُ مِنْ إمَامٍ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنْ إحْدَاثِهَا جِهَارًا فِي جَوْفِ الْمُدُنِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الضَّوَاحِي فَأُدِيرَ السُّوَرُ عَلَيْهَا فَأَحَاطَ بِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالْكَنَائِسُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلُّهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُهْدَمَ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي أَمْصَارٍ قَدِيمَةٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْ التَّابِعِينَ حِينَ فَتَحُوا الْمَدِينَةَ عَلِمُوا بِهَا وَبَقُوهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ فُتِحَتْ عَنْوَةً حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ بَقُوهَا مَسَاكِنَ لَا مَعَابِدَ فَلَا تُهْدَمُ وَلَكِنْ يُمْنَعُونَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِيهَا لِلتَّقَرُّبِ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَقَرُّوهَا مَعَابِدَ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ مِنْ الْإِظْهَارِ.
وَانْظُرْ إلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ: إنَّهُمْ إذَا حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ يُخْرِجُونَ فِيهِ صُلْبَانَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوا فِي كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا، فَأَمَّا أَنْ يُخْرِجُوا ذَلِكَ مِنْ الْكَنَائِسِ حَتَّى يَظْهَرَ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجُوا خُفْيَةً مِنْ كَنَائِسِهِمْ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ الْإِحْدَاثِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» . قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْمُرَادُ إحْدَاثُهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبِيعَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الصُّلْحِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا بُنْيَانَ كَنِيسَةٍ» وَضَعَّفَهُ. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي تَوْبَةُ بْنُ النَّمِرِ الْحَضْرَمِيُّ قَاضِي مِصْرَ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» قَالَ: وَرَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِصَاءَ.
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدِهِ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُبْنَى مَا خَرِبَ مِنْهَا» وَأُعِلَّ بِسَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، وَإِذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُ الضَّعِيفِ يَصِيرُ حَسَنًا.
ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْخِصَاءِ نَزْعُ الْخُصْيَتَيْنِ، وَقِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ التَّخَلِّي عَنْ إتْيَانِ النِّسَاءِ (وَالصَّوْمَعَةُ) وَهُوَ مَا يُبْنَى (لِلتَّخَلِّي) عَنْ النَّاسِ وَالِانْقِطَاعِ (فِيهَا) لَهُمْ مِثْلُهَا فَيُمْنَعُ أَيْضًا وَكَذَا يُمْنَعُ بَيْتُ نَارٍ.
(وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ) يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ (فِي قُرَى الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ) بِخِلَافِ قُرَى الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَلِذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ عَنْ ذَلِكَ فِي السَّوَادِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ قَالَ: إنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ غَالِبُ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُمْنَعُونَ، وَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَصَارَ إطْلَاقُ مَنْعِ الْإِحْدَاثِ هُوَ الْمُخْتَارُ فَصَدَقَ تَعْمِيمُ الْقُدُورِيِّ مَنْعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِهَا وَقُرَاهَا) فَلَا يُحْدَثُ فِيهَا كَنِيسَةٌ وَلَا تُقَرُّ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى بِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي إقْرَارِهَا، إلَّا أَنْ تُتَّخَذَ دَارَ سُكْنَى وَلَا يُبَاعُ بِهَا
(6/59)

لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .

قَالَ (وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيُّزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَسُرُوجِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ فَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِالسِّلَاحِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِإِظْهَارِ الْكُسْتِيجَاتِ وَالرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ الَّتِي هِيَ كَهَيْئَةِ الْأَكُفِّ) وَإِنَّمَا يُؤْخَذُونَ بِذَلِكَ إظْهَارًا لِلصَّغَارِ عَلَيْهِمْ وَصِيَانَةً لِضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُكْرَمُ، وَالذِّمِّيُّ يُهَانُ، وَلَا يُبْتَدَأُ بِالسَّلَامِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خَمْرٌ وَلَا فِي قَرْيَةٍ مِنْهَا وَلَا فِي مَاءٍ مِنْ مِيَاه الْعَرَبِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ أَنْ يَتَّخِذُوا أَرْضَ الْعَرَبِ مَسْكَنًا وَوَطَنًا، بِخِلَافِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَيْسَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ) أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْتَمِعُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، أَوْ قَالَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ دِينَانِ» وَرَوَاهُ فِي الزَّكَاةِ وَزَادَ فِيهِ: " فَقَالَ عُمَرُ لِلْيَهُودِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَأْتِ بِهِ، وَإِلَّا فَإِنِّي مُجْلِيكُمْ، قَالَ: فَأَجَلَاهُمْ عُمَرُ ". وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي عِلَلِهِ: هَذَا صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ وَأَجْلَى يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعُهُ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنَ أَبْيَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ، وَسُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِانْجِزَارِ الْمِيَاهِ الَّتِي حَوَالَيْهَا عَنْهَا كَبَحْرِ الْبَصْرَةِ وَعُمَانَ وَعَدَنَ وَالْفُرَاتِ. وَقِيلَ؛ لِأَنَّ حَوَالَيْهَا بَحْرُ الْحَبَشِ وَبَحْرُ فَارِسٍ وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسٍ وَبَحْرَ السُّودَانِ أَحَاطَا بِجَانِبِهَا الْجَنُوبِيِّ، وَأَحَاطَ بِالْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: قَالَ مَالِكٌ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ نَفْسُهَا، وَرُوِيَ أَنَّهَا الْحِجَازُ وَالْيَمَنُ وَالْيَمَامَةُ، وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: هِيَ أَرْضُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

(قَوْلُهُ: وَتُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيُّزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ) نَفْسِهِمْ (وَفِي مَرَاكِبِهِمْ وَسُرُوجِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ) وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ كَيْ لَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ فِي التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَجْأَةً فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُعْرَفُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِخِلَافِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَأْمُرْهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ زِيٌّ عَالٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَجَبَ التَّمَيُّزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارٌ لَا إعْزَازٌ؛ لِأَنَّ إذْلَالَهُمْ لَازِمٌ بِغَيْرِ أَذًى مِنْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ بِلَا سَبَبٍ يَكُونُ مِنْهُ، بَلْ الْمُرَادُ اتِّصَافُهُ بِهَيْئَةٍ وَضِيعَةٍ وَلِذَا أُمِرُوا (بِالْكَسْتِيجَاتِ) وَهُوَ خَيْطٌ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ مِنْ الصُّوفِ يَشُدُّهُ فَوْقَ
(6/60)

عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ فَلَعَلَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ وَالْعَلَامَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ خَيْطًا غَلِيظًا مِنْ الصُّوفِ يَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهِ دُونَ الزُّنَّارِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ فَإِنَّهُ جَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَيَجِب أَنْ يَتَمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ، وَيُجْعَلُ عَلَى دُورِهِمْ عَلَامَاتٌ كَيْ لَا يَقِفَ عَلَيْهَا سَائِلٌ يَدْعُوَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.
قَالُوا: الْأَحَقُّ أَنْ لَا يُتْرَكُوا أَنْ يَرْكَبُوا إلَّا لِلضَّرُورَةِ. وَإِذَا رَكِبُوا لِلضَّرُورَةِ فَلِيَنْزِلُوا فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَزِمَتْ الضَّرُورَةُ اتَّخَذُوا سُرُوجًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثِيَابِهِ دُونَ الزُّنَّارِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ (لِأَنَّ فِيهِ جَفَاءٌ بِالْمُسْلِمِينَ) أَيْ إغْلَاظًا عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَهُمْ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ فَرُبَّمَا يَمْرُقُونَ بِجَهْلِهِمْ فَيَقُولُونَ الْكُفَّارُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَّا فَإِنَّهُمْ فِي خَفْضِ عَيْشٍ وَنِعْمَةٍ وَنَحْنُ فِي كَدٍّ وَتَعَبٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] تَنْبِيهًا عَلَى خِسَّةِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ شَدِّ زُنَّارٍ وَهُوَ حَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ فَمَنْعُهُمْ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ الَّتِي تُعَدُّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فَاخِرَةً سَوَاءٌ كَانَتْ حَرِيرًا أَوْ غَيْرَهُ كَالصُّوفِ الْمُرَبَّعِ وَالْجُوخِ الرَّفِيعِ وَالْأَبْرَادِ الرَّقِيقَةِ أَوْلَى.
وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ خِلَافِ هَذَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ، وَلَا شَكَّ فِي مَنْعِ اسْتِكْتَابِهِمْ وَإِدْخَالِهِمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ رُبَّمَا يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ خَاطِرُهُ مِنْهُ فَيَسْعَى بِهِ عِنْدَ مُسْتَكْتِبِهِ سِعَايَةً تُوجِبُ لَهُ مِنْهُ الضَّرَرَ، وَكَذَا يُؤْخَذُونَ بِالرُّكُوبِ عَلَى سُرُوجٍ فَوْقَ الْحُمُرِ كَهَيْئَةِ الْأَكُفِّ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ. بَلْ اخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنْ لَا يَرْكَبُوا أَصْلًا إلَّا إذَا خَرَجُوا إلَى أَرْضِ قَرْيَةٍ وَنَحْوِهِ أَوْ كَانَ مَرِيضًا: أَيْ إلَّا أَنْ تُلْزِمُ الضَّرُورَةُ فَيَرْكَبُ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرَّ بِهِمْ وَلَا يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ وَلَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ فَقَطْ. وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْعَلَامَةُ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ، بَلْ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُهُ، وَفِي بِلَادِنَا جُعِلَتْ الْعَلَامَةُ فِي الْعِمَامَةِ فَأَلْزَمُوا النَّصَارَى الْعِمَامَةَ الزَّرْقَاءَ وَالْيَهُودَ الْعِمَامَةَ الصَّفْرَاءَ وَاخْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْبَيْضَاءِ، وَكَذَا تُؤْخَذُ نِسَاؤُهُمْ بِالزِّيِّ فِي الطُّرُقِ فَيُجْعَلُ عَلَى مُلَاءَةِ الْيَهُودِيَّةِ خِرْقَةً صَفْرَاءَ وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ زَرْقَاءَ، وَكَذَا فِي الْحَمَّامَاتِ، وَكَذَا تُمَيَّزُ دُورُهُمْ
(6/61)

بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسٍ يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ.

(وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ) لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ نَقْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ إيمَانَهُ فَكَذَا يَنْقُضُ أَمَانَهُ إذْ عَقْدُ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنْهُ.
وَلَنَا أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفْرٌ مِنْهُ، وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ دُورِ الْمُسْلِمِينَ كَيْ لَا يَقِفَ سَائِلٌ فَيَدْعُوَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ أَوْ يُعَامِلَهُمْ بِالتَّضَرُّعِ كَمَا يَتَضَرَّعُ لِلْمُسْلِمِينَ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسٍ يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ) وَتُجْعَلُ مَكَاعِبُهُمْ خَشِنَةً فَاسِدَةَ اللَّوْنِ، وَلَا يَلْبَسُوا طَيَالِسَةً كَطَيَالِسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَرِدْيَةً كَأَرْدِيَتِهِمْ، هَكَذَا أُمِرُوا وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ) فَيَصِيرُ مُبَاحَ الدَّمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ عِنْدَنَا، وَقُيِّدَ بِأَدَائِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا نُقِضَ عَهْدُهُ. وَالشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ عَهْدَهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَقَبُولِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَنْقُضُهُ بِزِنَاهُ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَنْ يُصِيبَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ أَنْ يَفْتِنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ أَوْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُنْتَقَضُ بِإِكْرَاهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا أَوْ سَبِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ ذِكْرِهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ بِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَوَافَقَهُ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَلِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِيمَا إذَا ذَكَرَهُ تَعَالَى بِمَا لَا يَنْبَغِي أَوْ سَبَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُنْتَقَضُ، وَالْآخَرُ يُنْتَقَضُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ هَذَا (أَنَّهُ بِذَلِكَ يُنْتَقَضُ إيمَانُهُ) لَوْ كَانَ مُسْلِمًا (فَيُنْتَقَضُ بِهِ أَمَانُهُ إذْ عَقْدُ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنْ الْإِيمَانِ) فِي إفَادَةِ الْأَمَانِ فَمَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ يَنْقُضُ الْخَلَفَ الْأَدْنَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: سَمِعْت رَاهِبًا سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لَوْ سَمِعْته لَقَتَلْته، إنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعُهُودَ عَلَى هَذَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَنَا أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفْرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ) كَمَا هُوَ رِدَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِ (وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ) لِعَقْدِ الذِّمَّةِ (لَا يَمْنَعُ عَقْدَ الذِّمَّةِ) فِي الِابْتِدَاءِ (فَالْكُفْرُ الطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ) فِي حَالِ الْبَقَاءِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ: فَفَهِمْتُهَا وَقُلْت: عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَهْلًا: يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، قَالَتْ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ قُلْت وَعَلَيْكُمْ» وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا سَبٌّ مِنْهُمْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ كَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَقَتَلَهُمْ لِصَيْرُورَتِهِمْ حَرْبِيِّينَ. قَالُوا: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوا سَبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ سَبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ نِسْبَةَ مَا لَا يَنْبَغِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ إذَا أَظْهَرَهُ يُقْتَلُ بِهِ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ وَلَكِنْ عُثِرَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَكْتُمُهُ فَلَا.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ عَنْهُمْ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِمْ صَاغِرِينَ أَذِلَّاءَ بِالنَّصِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِمْرَارُ ذَلِكَ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ الْقَبُولِ وَإِظْهَارُ ذَلِكَ مِنْهُ يُنَافِي قَيْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ دَافِعًا لِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي التَّمَرُّدِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَاغِرًا ذَلِيلًا. وَأَمَّا الْيَهُودُ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ بِمَعْنَى إعْطَائِهِمْ الْجِزْيَةَ، بَلْ كَانُوا أَصْحَابَ مُوَادَعَةٍ بِلَا مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ إلَى أَنْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوضَعْ جِزْيَةٌ قَطُّ عَلَى الْيَهُودِ الْمُجَاوِرِينَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. وَهَذَا الْبَحْثُ مِنَّا يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْلَى عَلَى
(6/62)

قَالَ (وَلَا يُنْقَضُ الْعَهْدُ إلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَغْلِبُوا عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا فَيُعَرَّى عَقْدُ الذِّمَّةِ عَنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الْحِرَابِ.

(وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ) مَعْنَاهُ فِي الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْأَمْوَاتِ، وَكَذَا فِي حُكْمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ يُسْتَرَقُّ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.

(فَصْلٌ) (وَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِبْيَانِهِمْ) لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الصَّدَقَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَيْهِمْ حَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ إلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَغْلِبُوا) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ (عَلَى مَوْضِعِ) قَرْيَةٍ أَوْ حِصْنٍ (فَيُحَارِبُونَنَا؛ لِأَنَّهُمْ) بِكُلٍّ مِنْ الْخُصْلَتَيْنِ (صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا) وَعَقْدُ الذِّمَّةِ مَا كَانَ إلَّا لِدَفْعِ شَرِّ حِرَابَتِهِمْ (فَيَعْرَى عَنْ الْفَائِدَةِ) فَلَا يَبْقَى.

(وَإِذَا اُنْتُقِضَ عَهْدُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، مَعْنَاهُ فِي الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْأَمْوَاتِ) وَإِذَا تَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَعُودُ ذِمَّتُهُ، وَلَا يَبْطُلُ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِ بِنَقْضِ عَهْدِهِ وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ الَّتِي خَلَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إجْمَاعًا وَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ. (وَكَذَا فِي حُكْمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ) إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ النَّقْضِ، وَلَوْ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ يَكُونُ فَيْئًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُرْتَدِّ إذَا الْتَحَقَ بِمَالٍ؛ وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَخَذَ مِنْ مَالِهِ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَالْوَرَثَةُ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُمْ حِينَ أَخَذَهُ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ فَفِي رِوَايَةٍ يَكُونُ فَيْئًا وَفِي رِوَايَةٍ لَا. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ انْتِقَالُهُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَغْلِبُوا فِيهِ كَانْتِقَالِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْإِسْلَامِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى قَوْلِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ يُسْتَرَقُّ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ (بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ) إذَا لَحِقَ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَأُسِرَ لَا يُسْتَرَقُّ بَلْ يُقْتَلُ إذَا لَمْ يُسْلِمْ، وَكَذَا يَجُوزُ وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ إذَا عَادَ بَعْدَ نَقْضِهِ وَقَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ الْتَزَمَ بِالذِّمَّةِ الْإِسْلَامَ بَلْ أَحْكَامَهُ فَجَازَ أَنْ يَعُودَ إلَى الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ الْتَزَمَ الْإِسْلَامَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَعُدْ وَلَمْ يَقْبَلْهَا حَتَّى أُخِذَ بَعْدَ الظُّهُورِ فَقَدْ اُسْتُرِقَّ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ جِزْيَةٌ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .

[فَصْلٌ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ]
(فَصْلٌ) . أَفْرَدَ أَحْكَامَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ بِفَصْلٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ النَّصَارَى، وَتَغْلِبُ بْنُ وَائِلٍ مِنْ الْعَرَبِ
(6/63)

الْمُضَاعَفَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَجِبُ عَلَيْهِنَّ دُونَ الصِّبْيَانِ فَكَذَا الْمُضَاعَفُ. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَلِهَذَا تُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِهِ الصُّلْحُ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ مِثْلِهِ عَلَيْهَا وَالْمَصْرِفُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِزْيَةِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ رَبِيعَةَ تَنَصَّرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ثُمَّ زَمَنُ عُمَرَ دَعَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْجِزْيَةِ فَأَبَوْا وَأَنِفُوا وَقَالُوا: نَحْنُ عَرَبٌ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ الصَّدَقَةَ فَقَالَ: لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ فَلَا تُعِنْ عَلَيْك عَدُوُّك بِهِمْ وَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي طَلَبِهِمْ وَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ، فَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ بِسَنَدِهِ إلَى دَاوُد بْنِ كَرْدُوسَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ التَّغْلِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ بَنِي تَغْلِبَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ فِي الصَّدَقَةِ، وَعَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْجِزْيَةَ مِنْ رُءُوسِهِمْ. فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً لَهُمْ شَاتَانِ، وَلَا زِيَادَةَ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَعَلَى هَذَا فِي الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ هِيَ جِزْيَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ لَا؟ فَقِيلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ، فَلَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ مَاشِيَةٌ وَنُقُودٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْيَسُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ، فَإِذَا صَالَحُوهُمْ عَلَى مَالٍ جُعِلَ وَاقِعًا مَوْقِعَ الْمُسْتَحَقِّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ جِزْيَةٌ سَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ وَإِنْ كَانَ جِزْيَةً فِي الْمَعْنَى فَهُوَ وَاجِبٌ بِشَرَائِط الزَّكَاةِ وَأَسْبَابِهَا إذْ الصُّلْحُ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُ الْجِزْيَةِ مِنْ وَصْفِ الصَّغَارِ فَيُقْبَلُ مِنْ النَّائِبِ وَيُعْطَى جَالِسًا إنْ شَاءَ وَلَا يُؤْخَذُ بِتَلْبِيبِهِ (وَالْمَصْرِفُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَخُصُّ الْجِزْيَةَ) وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ أَهْلِ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ بِالصُّلْحِ فَيُؤْخَذُ مِنْهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِعَدَمِ وُجُودِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ عِنْدَنَا، بِخِلَافِ أَرْضِهِمْ فَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ عِبَادَةً لِتَخُصَّ الْبَالِغِينَ
(6/64)


أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا (وَيُوضَعُ عَلَى مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ الْخَرَاجُ) أَيْ الْجِزْيَةُ (وَخَرَاجُ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ مَوْلَى الْقُرَشِيِّ) وَقَالَ زُفَرُ: يُضَاعَفُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ يَلْحَقُ بِهِ فِي حَقِّ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَخْفِيفٌ وَالْمَوْلَى لَا يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِيهِ، وَلِهَذَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَأُلْحِقَ الْمَوْلَى بِالْهَاشِمِيِّ فِي حَقِّهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَنَفَقَةِ عَبِيدِهِمْ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا يُفِيدُ أَنَّهُ رُوعِيَ فِي هَذَا الْمَأْخُوذِ جِهَةُ الْجِزْيَةِ فِي الْمَصْرِفِ وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ رُوعِيَ جِهَةُ الزَّكَاةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ لَا يُغَيَّرُ، وَهَذِهِ الْجِزْيَةُ الَّتِي وَجَبَتْ بِالصُّلْحِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْجِزْيَةَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَجِبُ بِالصُّلْحِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ كَيْفَمَا وَقَعَ، وَاَلَّذِي يُرَاعَى فِيهِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ وَكَمِّيَّتُهُ هُوَ الْجِزْيَةُ الَّتِي يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ وَضْعَهَا شَاءُوا أَوْ أَبَوْا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ وَيُوضَعُ عَلَى الْمَوْلَى التَّغْلِبِيِّ) أَيْ مُعْتِقِهِ (الْخَرَاجُ: أَيْ الْجِزْيَةُ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ، وَقَالَ زُفَرُ: يُضَاعَفُ) عَلَيْهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَالتَّغْلِبِيِّ نَفْسِهِ (لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ) وَهَذَا الْحَدِيثُ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى حِرْمَانِ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ الزَّكَاةَ، فَكَذَا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى التَّضْعِيفِ عَلَى مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ، وَجَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. (وَلَنَا أَنَّ هَذَا) أَيْ وَضْعَ الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ (تَخْفِيفٌ) إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَصْفُ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ بِرَغْبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَاشْتِشْقَاقِهِمْ مَا سِوَاهُ (وَالْمَوْلَى لَا يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِيهِ) أَيْ فِي التَّخْفِيفِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ، وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ مَوْلًى نَصْرَانِيٌّ وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ التَّخْفِيفُ الثَّابِتُ بِالْإِسْلَامِ فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى التَّخْفِيفُ الثَّابِتُ بِوَصْفِ التَّغْلِبِيَّةِ أَوْلَى (بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَاتِ) عَلَى الْهَاشِمِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَخْفِيفًا بَلْ تَحْرِيمٌ (وَالْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَأُلْحِقَ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ بِهِ) وَيُنْقَضُ
(6/65)

وَلَا يَلْزَمُ مَوْلَى الْغَنِيِّ حَيْثُ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الْغَنِيُّ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، أَمَّا الْهَاشِمِيُّ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِهَذِهِ الصِّلَةِ أَصْلًا لِأَنَّهُ صِينَ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَوْلَاهُ.

قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخَرَاجِ وَمِنْ أَمْوَالِ بَنِي تَغْلِبَ وَمَا أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى الْإِمَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِمَوْلَى الْغَنِيِّ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى مُعْتِقِهِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إلَيْهِ فَقَالَ (لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) فِي الْجُمْلَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا أُعْطِيَ كِفَايَتَهُ مِنْهَا (وَإِنَّمَا الْغِنَى مَانِعٌ) مِنْ الْإِسْقَاطِ عَنْ الْمُعْطَى لَهُ شَرْعًا تَحَقَّقَ فِي حَقِّ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَوْلَى فَخُصَّ السَّيِّدُ (أَمَّا الْهَاشِمِيُّ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِهَذِهِ الصِّلَةِ أَصْلًا؛ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ) لِاتِّسَاخِهَا، وَلِذَا لَا يُعْطَى مِنْهَا لَوْ كَانَ عَامِلًا (فَأُلْحِقَ بِهِ مَوْلَاهُ) ؛ لِأَنَّ التَّكْرِيمَ أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَيْهِ تِلْكَ الْأَوْسَاخُ بِنِسْبَةٍ فَإِنْ قُلْت: هَذَا تَقْدِيمٌ لِلْمَعْنَى عَلَى النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أُجِيبُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْكَفَاءَةِ لِلْهَاشِمِيَّةِ وَالْإِمَامَةِ فَكَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَفَاءَةِ وَالْإِمَامَةِ فَيُخَصُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّهُ تَخْفِيفٌ فَلَا يَتَعَدَّى بِالنِّسْبَةِ لِلتَّضْعِيفِ إلَى الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ بِدَلِيلِ التَّخْفِيفِ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْمَوْلَى فَيَخْتَصُّ كَوْنُ الْمَوْلَى مِنْهُمْ بِمَا فِيهِ دَفْعُ نَقِيصَةٍ لِمَا أَنَّ نَقِيصَةَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ تَنْتَسِبُ إلَى مَوْلَاهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَوْلَى مِنْهُمْ وَلَا مَلْزُومًا لِأَحْكَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ حَقِيقَةً، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهِ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ وَهُوَ أُجْرَتُهُ رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ أَرْقَمَ بْنَ أَرْقَمٍ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَاسْتَتْبَعَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» فَإِذَا عُلِمَ عَدَمُ عُمُومِهِ فَلْيُخَصَّ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ الزَّكَاةُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنْ قِيلَ لَمْ يُوَافِقْ زُفَرَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَقِيلَ بَلْ قَوْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّعْبِيِّ.

(قَوْلُهُ: وَمَا جَبَاهُ الْإِمَامُ) مِنْ الْخَرَاجِ وَمِنْ أَمْوَالِ بَنِي تَغْلِبَ، وَمَا أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى الْإِمَامِ
(6/66)

وَالْجِزْيَةُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ، وَيُعْطَى قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِمْ، وَيُدْفَعُ مِنْهُ أَرْزَاقُ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُ وَصَلَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَهُوَ مُعَدٌّ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَتُهُمْ وَنَفَقَةُ الذَّرَارِيِّ عَلَى الْآبَاءِ، فَلَوْ لَمْ يُعْطَوْا كِفَايَتَهُمْ لَاحْتَاجُوا إلَى الِاكْتِسَابِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِتَالِ (وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَطَاءِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ صِلَةٍ وَلَيْسَ بِدَيْنٍ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ عَطَاءً فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَيَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْعَطَاءِ فِي زَمَانِنَا مِثْلُ الْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ وَالْمُفْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْجِزْيَةُ تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ، وَهِيَ مَوَاضِعُ يُخَافُ هُجُومُ الْعَدُوِّ فِيهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ (وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ) وَهِيَ مَا تُوضَعُ وَتُرْفَعُ فَوْقَ الْمَاءِ لِيُمَرَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْقَنْطَرَةِ يُحْكَمُ بِنَاؤُهَا وَلَا تُرْفَعُ (وَيُعْطَى قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِمْ، وَتُدْفَعُ مِنْهُ أَرْزَاقُ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) فَإِنَّهُ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكْفُوهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ وَتَرَكُوا الِاسْتِعْدَادَ لِلدَّفْعِ وَهَذَا (لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ) وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا كَانَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عُمَّالُهُمْ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ فِي عَلَامَةِ السَّيِّدِ أَبِي شُجَاعٍ أَنَّهُ يُعْطَى أَيْضًا لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُتَعَلِّمِينَ وَبِهَذَا تَدْخُلُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّلَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لَيَعْمَلَ بَعْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ صِلَةٍ وَلَيْسَ بِدَيْنٍ، وَلِكَوْنِهِ صِلَةً سُمِّيَ عَطَاءً فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ) فَلَا يُورَثُ (وَيَسْقُطُ بِالْمَوْتِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ تَأَكُّدِ حَقِّهِ بِمَجِيءِ وَقْتِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ لَا يُجْرَى فِيهِ الْإِرْثُ كَسَهْمِ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُورَثُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَكَّدَ سَهْمُهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يُورَثُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَتَقْيِيدُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِنِصْفِ السَّنَةِ رُبَّمَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ آخِرَهَا يُعْطَى وَرَثَتُهُ، وَقَالُوا: لَا يَجِبُ أَيْضًا وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى عَنَاءَهُ: أَيْ تَعَبَهُ فِي عَمَلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطَى.
وَعَلَّلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَدَمَ وُجُوبِ إعْطَائِهِ بَعْدَمَا تَمَّتْ السَّنَةُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَا فِي نِصْفِهَا، فَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَكَّدْ الْحَقُّ بَعْدَمَا تَمَّتْ السَّنَةُ أَيْضًا مُعَوِّلًا عَلَى أَنَّهُ صِلَةٌ فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَذَا يَقْتَضِي قَصْرَ الْإِرْثِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَالْوَجْهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ دَفْعِهِ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ بِإِتْمَامِ عَمَلِهِ فِي السَّنَةِ كَمَا قُلْنَا: إنَّهُ يُورَثُ سَهْمُ الْغَازِي بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِلْكٌ: وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنَّمَا خَصَّ نِصْفَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ آخِرِهَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ إلَى وَرَثَتِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا إلَّا عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُعْطَى حِصَّتَهُ مِنْ الْعَامِ.
ثُمَّ قِيلَ: رِزْقُ الْقَاضِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ يُعْطَى فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَلَوْ أُخِذَ فِي أَوَّلِهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ مُضِيِّهَا، قِيلَ
(6/67)

بَابُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ قَالَ (وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ كُشِفَتْ عَنْهُ) لِأَنَّهُ عَسَاهُ اعْتَرَتْهُ شُبْهَةٌ فَتُزَاحُ، وَفِيهِ دَفْعُ شَرِّهِ بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ، إلَّا أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى مَا قَالُوا غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ بَلَغَتْهُ. قَالَ (وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْمُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ) وَتَأْوِيلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَسْتَمْهِلُ فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَجِبُ رَدُّ مَا بَقِيَ، وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ تَعْجِيلِ الْمَرْأَةِ النَّفَقَةَ لَا يَجِبُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ رَدُّ الْبَاقِيَ كَمَا لَوْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةً لِيَتَزَوَّجَهَا فَمَاتَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. وَعِنْدَهُمَا هُوَ صِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بِالْمَوْتِ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، ذَكَرَهُ فِي جَامِعَيْ قَاضِي خَانْ والتمرتاشي. وَالْعَطَاءُ: هُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الدِّيوَانِ بِاسْمِ كُلٍّ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ كَالْجَامِكِيَّةِ فِي عُرْفِنَا إلَّا أَنَّهَا شَهْرِيَّةٌ، وَالْعَطَاءُ سَنَوِيٌّ.

[بَابُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ]
(بَابُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ الطَّارِئِ. وَالْمُرْتَدُّ: هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ) أَبَدَاهَا (كُشِفَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَسَاهُ اعْتَرَتْهُ) أَيْ عَرَضَتْ لَهُ (شُبْهَةٌ فَتُزَاحُ عَنْهُ، وَفِيهِ دَفْعُ شَرِّهِ بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ) وَهُمَا الْقَتْلُ وَالْإِسْلَامُ وَأَحْسَنُهُمَا الْإِسْلَامُ. وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ وُجُوبَ الْعَرْضِ قَالَ: (إلَّا أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى مَا قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (غَيْرُ وَاجِبٍ) بَلْ مُسْتَحَبٌّ (لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ) وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ، وَدَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ (قَوْلُهُ: وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ) فِيهَا (وَإِلَّا قُتِلَ) وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا مِنْ الْقُدُورِيِّ يُوجِبُ وُجُوبَ الْإِنْظَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي مِثْلِهِ، فَذَكَرَ عِبَارَةَ الْجَامِعِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْمُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ) أَيْ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ إنْظَارَهُ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ
(6/68)

لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّلُ فَقَدَّرْنَاهَا بِالثَّلَاثَةِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الْإِمْهَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَيُقْتَلُ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِمْهَالٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَيْسَ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا.
وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ الثَّلَاثَةُ (لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ) بِدَلِيلِ حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ «فِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ضُرِبَتْ لِلتَّأَمُّلِ لِدَفْعِ الْغَبْنِ، وَقِصَّةُ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] وَهِيَ الثَّالِثَةُ إلَى قَوْلِهِ {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ نَعَمْ. رَجُلٌ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ فِي بَيْتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا لَعَلَّهُ يَتُوبُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، لَكِنْ ظَاهِرُ تَبَرِّي عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (تَأْوِيلُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ الدَّالُّ عَلَى وُجُوبِ إمْهَالِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ (أَنْ يَسْتَمْهِلَ فَيُمْهَلَ) وَظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ الْوُجُوبُ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا طَلَبَ التَّأْجِيلَ أُجِّلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْنَا إزَالَةُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، أَوْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّفَكُّرِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُهْلَةِ، وَإِذَا اسْتَمْهَلَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُمْهِلَهُ، وَمُدَّةُ النَّظَرِ جُعِلَتْ فِي الشَّرْعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا فِي الْخِيَارِ، ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ الدَّالِّ عَلَى الْوُجُوبِ: تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَعَلَّهُ طَلَبَ التَّأْجِيلَ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ فِيهَا التَّأَمُّلُ فَقَدَّرْنَاهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنْ تَابَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِنْظَارٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِنْظَارِ فَكَمَذْهَبِنَا، وَالِاسْتِدْلَالُ مُشْتَرَكٌ، وَمِنْ الْأَدِلَّةِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وَهَذَا كَافِرٌ حَرْبِيٌّ، وَإِنْ كَانَ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ الْإِمْهَالِ فَنَقُولُ هَذِهِ الْأَوَامِرُ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَلَى مَا عُرِفَ، ثُمَّ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ) لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الْإِمْهَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ يُخَالِفُ الْمَذْهَبَ وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ إلَّا إذَا خِيفَ الْفَوَاتُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَوَامِرَ الْمَذْكُورَةَ مُطْلَقَةٌ بَلْ مُفِيدَةٌ لِلْعُمُومِ لِلْفَاءِ فِي قَوْلِهِ " فَاقْتُلُوهُ "؛ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ. قُلْنَا: تِلْكَ الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ وَهِيَ فَاءُ السَّبَبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَتُفِيدُ الْوَصْلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَعْلُولَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْعِلَّةِ. قُلْنَا: الْمَعْلُولُ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ إيجَابُ قَتْلِهِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ عِلَّتِهِ الْمُثِيرَةِ لَهُ وَهِيَ كُفْرُهُ، وَأَمَّا إيجَابُ الِامْتِثَالِ عَلَى الْفَوْرِ فَشَيْءٌ آخَرُ.
(وَلَا فَرْقَ) فِي وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ (بَيْنَ كَوْنِ الْمُرْتَدِّ حُرًّا أَوْ عَبْدًا) وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ قَتْلُهُ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْإِجْمَاعِ (وَإِطْلَاقُ الدَّلَائِلِ)
(6/69)

وَكَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ، وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ كَفَاهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (وَكَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ) قِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ تُبْتُ وَرَجَعْتُ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ. قِيلَ لَكِنْ هَذَا بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَالْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. (وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ كَفَاهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: سُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الرَّجُلِ كَيْفَ يُسْلِمُ؟ فَقَالَ: يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الدِّينِ الَّذِي انْتَحَلَهُ، وَإِنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: وَلَمْ أَدْخُلْ فِي هَذَا الدِّينِ قَطُّ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ: أَيْ مِنْ الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ فَهِيَ تَوْبَةٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: قَطُّ يُرِيدُ بِهِ مَعْنَى أَبَدًا؛ لِأَنَّ قَطُّ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى لَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إسْلَامُ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَتَبَرَّأَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ، وَالْيَهُودِيُّ كَذَلِكَ يَتَبَرَّأُ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ، وَكَذَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ خُصُوصَ الرِّسَالَةِ إلَى الْعَرَبِ فَيُصَدِّقُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ بِهِ، هَذَا فِيمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَقَالَ مُحَمَّدُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ قَالَ دَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ، فَكَيْفَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضِيقًا. وَقَوْلُهُ هَذَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْإِسْلَامَ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَتْلَ الْحَاضِرَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلْنَاهُ.
وَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ ثَانِيًا قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ أَيْضًا وَكَذَا ثَالِثًا وَرَابِعًا، إلَّا أَنَّ الْكَرْخِيَّ قَالَ: فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَجَّلُ، فَإِنْ تَابَ ضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ ثُمَّ يَحْبِسُهُ وَلَا يُخْرِجُهُ حَتَّى يَرَى عَلَيْهِ خُشُوعَ التَّوْبَةِ وَحَالَ الْمُخْلِصِ فَحِينَئِذٍ يُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ أَبَدًا مَا دَامَ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا، وَمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ مَرْوِيٌّ فِي النَّوَادِرِ قَالَ: إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا ثُمَّ يُحْبَسُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَرُجُوعُهُ انْتَهَى. وَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَرَّرَ رِدَّتَهُ كَالزِّنْدِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا} [النساء: 137] الْآيَةَ. .
قُلْنَا: رَتَّبَ عَدَمَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى شَرْطِ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [آل عمران: 90] وَفِي الدِّرَايَةِ قَالَ: فِي الزِّنْدِيقِ لَنَا
(6/70)

قَالَ (فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ كُرِهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) وَمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ هَاهُنَا تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ وَانْتِفَاءُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وَالْعَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.

(وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقْتَلُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْتَلُ لِمَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ مُبِيحَةٌ لِلْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ فَتُنَاطُ بِهَا عُقُوبَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ وَرِدَّةُ الْمَرْأَةِ تُشَارِكُهَا فِيهَا فَتُشَارِكُهَا فِي مُوجِبِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ تُقْبَلُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ إذَا صَدَقَ قَبِلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِلَا خِلَافٍ، وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا يُقْتَلُ غِيلَةً، فَسَّرَهُ بِأَنْ يُنْتَظَرَ فَإِذَا أَظْهَرَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ الِاسْتِخْفَافُ، وَقَتْلُ الْكَافِرِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ جَائِزٌ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ) أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ (كُرِهَ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) وَالْقَاطِعِ (لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ) وَكُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ (وَمَعْنَى الْكَرَاهَةِ هُنَا تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ) فَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْعَرْضِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إذَا فَعَلَ ذَلِكَ: أَيْ الْقَتْلَ أَوْ الْقَطْعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أُدِّبَ

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقْتَلُ وَلَكِنْ تُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ) وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الضَّرْبَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَلَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَيُرْوَى) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا (تُضْرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ) وَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ تُضْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا إلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ تُسْلِمَ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِحُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ، وَهَذَا قَتْلٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مُوَالَاةَ الضَّرْبِ تُفْضِي إلَيْهِ. وَلِذَا قُلْنَا فِيمَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حُدُودٌ: إنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ الثَّانِي مَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْحَدِّ السَّابِقِ كَيْ لَا يَصِيرَ قَتْلًا وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ، ثُمَّ الْأَمَةُ تُدْفَعُ إلَى مَوْلَاهَا فَيُجْعَلُ حَبْسُهَا بِبَيْتِ السَّيِّدِ سَوَاءٌ طَلَبَ هُوَ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي الصَّحِيحِ، وَيَتَوَلَّى هُوَ جَبْرَهَا، قَالَ الْمُصَنِّفُ (جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ) يَعْنِي حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ السَّيِّدِ فِي الِاسْتِخْدَامِ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لَا فَائِدَةَ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يَبْقَى لِيُمْكِنَ اسْتِخْدَامُهُ، وَلَا تُسْتَرَقُّ الْحُرَّةُ الْمُرْتَدَّةُ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ تُسْتَرَقُّ إذَا سُبِيَتْ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ: تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا. قِيلَ وَلَوْ أَفْتَى بِهَذِهِ لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ حَسْمًا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ بِالرِّدَّةِ مِنْ إثْبَاتِ الْفُرْقَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا الزَّوْجُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ يَهَبَهَا الْإِمَامُ لَهُ إذَا كَانَ مَصْرِفًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالرِّدَّةِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا الزَّوْجُ فَيَمْلِكُهَا وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِالرِّدَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَتَوَلَّى هُوَ حَبْسَهَا وَضَرْبَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَرْتَدُّ ضَرَرُ قَصْدِهَا عَلَيْهَا.
قِيلَ: وَفِي الْبِلَادِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا التَّتَرُ وَأَجْرَوْا أَحْكَامَهُمْ فِيهَا وَأَبْقَوْا الْمُسْلِمِينَ كَمَا وَقَعَ فِي خُوَارِزْمَ وَغَيْرِهَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَلَكَهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ فِي الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْإِمَامِ.
وَقَدْ أَفْتَى الدَّبُوسِيُّ وَالصَّفَّارُ وَبَعْضُ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ رَدًّا عَلَيْهَا، وَغَيْرُهُمْ مَشَوْا عَلَى الظَّاهِرِ وَلَكِنْ حَكَمُوا بِجَبْرِهَا عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ مَعَ الزَّوْجِ؛ وَتُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ لِلْفَتْوَى، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ (لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ (وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ مُبِيحَةٌ لِلْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا جِنَايَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ) هِيَ جِنَايَةُ الْكُفْرِ (وَجِنَايَةُ الْمَرْأَةِ تُشَارِكُهَا فِيهَا فَتُشَارِكُهَا فِي مُوجِبِهَا)
(6/71)

وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَأْخِيرُ الْأَجْزِيَةِ إلَى دَارِ الْآخِرَةِ إذْ تَعْجِيلُهَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْهُ دَفْعًا لِشَرٍّ نَاجِزٍ وَهُوَ الْحِرَابُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْبِنْيَةِ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَصَارَتْ الْمُرْتَدَّةُ كَالْأَصْلِيَّةِ قَالَ (وَلَكِنْ تُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ) ؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ عَنْ إيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَتُجْبَرُ عَلَى إيفَائِهِ بِالْحَبْسِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهُوَ الْقَتْلُ وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا مُطْلَقٌ يَعُمُّ الْكَافِرَةَ أَصْلِيًّا وَعَارِضًا، وَثَبَتَ تَعْلِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ عَدَمِ حِرَابِهَا فَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ مَا رَوَاهُ بَعْدُ أَنَّ عُمُومَهُ مُخَصَّصٌ بِمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَعْنَى بَعْدَ هَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَجْزِيَةِ بِأَنْ تَتَأَخَّرَ إلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَهِيَ الدَّارُ الْآخِرَةُ فَإِنَّهَا الْمَوْضُوعَةُ لِلْأَجْزِيَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَوْضُوعَةِ هَذِهِ الدَّارُ لَهَا، فَهَذِهِ دَارُ أَعْمَالٍ وَتِلْكَ دَارُ جَزَائِهَا، وَكُلُّ جَزَاءٍ شُرِعَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَا هُوَ إلَّا لِمَصَالِحَ تَعُودُ إلَيْنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ كَالْقِصَاصِ وَحْدِ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ شُرِعَتْ لِحِفْظِ النُّفُوسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْعُقُولِ وَالْأَنْسَابِ وَالْأَمْوَالِ، فَكَذَا يَجِبُ فِي الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ أَنْ يَكُونَ لِدَفْعِ شَرِّ حِرَابِهِ لَا جَزَاءٍ عَلَى فِعْلِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ جَزَاءَهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْحِرَابُ وَهُوَ الرَّجُلُ، وَلِهَذَا «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُقَاتِلُ عَلَى مَا صَحَّ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ كَانَتْ الْمُرْتَدَّةُ ذَاتَ رَأْيٍ وَتَبَعٍ تُقْتَلُ لَا لِرِدَّتِهَا بَلْ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَإِنَّمَا حُبِسَتْ (لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَقَرَّتْ بِهِ فَتُحْبَسُ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ) .
وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَا تُقْتَلْ
(6/72)

وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا) أَمَّا الْجَبْرُ فَلِمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ الْمَوْلَى؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَيُرْوَى تُضْرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ.

قَالَ (وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ أَمْوَالِهِ بِرِدَّتِهِ زَوَالًا مُرَاعًى،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
النِّسَاءُ إذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ. وَفِي بَلَاغَاتِ مُحَمَّدٍ قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْإِسْلَامِ حُبِسَتْ. وَأَمَّا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ رَجَعَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» فَمُضَعَّفٌ بِمَعْمَرِ بْنِ بَكَّارَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ وَلَمْ يُسَمِّ الْمَرْأَةَ، وَزَادَ: «فَعَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَبَتْ أَنْ تُسْلِمَ فَقُتِلَتْ» وَهُوَ ضَعِيفٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِحَالٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ: إنَّهُ مَتْرُوكٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُطَارِدٍ بْنِ أُذَيْنَةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَائِشَةَ «ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ تُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالُوا فِيهِ: إنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيثَ مَعَ أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ مِثْلِهَا، وَأَمْثَلُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقْتَلْ الْمَرْأَةُ إذَا ارْتَدَّتْ» وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْسٍ الْجَزَرِيُّ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْتَدَّتْ فَلَمْ يَقْتُلْهَا» وَضَعَّفَهُ بِحَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا هُرْمُزُ بْنُ مُعَلَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْفَزَارِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ، فَإِنْ تَابَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا، فَإِنْ تَابَتْ فَاقْبَلْ مِنْهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَاسْتَتِبْهَا» وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَمَا أَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يَعِيبُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثًا كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عَاصِمٍ بِهِ فَزَالَ انْفِرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي ادَّعَاهُ الثَّوْرِيُّ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ أَمَرَ فِي أُمِّ وَلَدٍ تَنَصَّرَتْ أَنْ تُبَاعَ فِي أَرْضٍ ذَاتِ مُؤْنَةٍ عَلَيْهَا وَلَا تُبَاعُ فِي أَهْلِ دِينِهَا فَبِيعَتْ فِي دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِهَا " وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " الْمُرْتَدَّةُ تُسْتَتَابُ وَلَا تُقْتَلُ " وَضُعِّفَ بِخِلَاسٍ.

(قَوْلُهُ: وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ أَمْلَاكِهِ زَوَالًا مُرَاعًى) أَيْ مَوْقُوفًا غَيْرَ بَاتٍّ فِي الْحَالِ
(6/73)

فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَتْ عَلَى حَالِهَا، قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ، فَإِلَى أَنْ يُقْتَلَ يَبْقَى مِلْكُهُ كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ. وَلَهُ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَا قَتْلَ إلَّا بِالْحِرَابِ، وَهَذَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ وَيُرْجَى عَوْدُهُ إلَيْهِ فَتَوَقَّفْنَا فِي أَمْرِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ الْعَارِضُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَيَعْمَلُ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَتْ أَمْوَالُهُ عَلَى حَالِهَا) الْأَوَّلِ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحَكَمَ) الْحَاكِمُ (بِلَحَاقِهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فَعَمِلَ السَّبَبُ) وَهُوَ كَوْنُهُ كَافِرًا حَرْبِيًّا (عَمَلَهُ) مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الرِّدَّةِ كَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَثْبُتُ مِلْكُهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْبَيْعِ، وَجَعْلُهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِلْكٌ بَاتٌّ ثُمَّ يَرْتَفِعُ بِالْخِيَارِ شَرْعًا كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ حِينَ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنْ لَا مَعْنَى لِلزَّوَالِ الْمُرَاعَى وَالْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَزُولَ أَوْ لَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَزُولُ ثُمَّ يَعُودُ بِالْإِسْلَامِ وَهَذَا لَيْسَ وَاقِعًا، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى مَا قَبْلَهُ كَالْمِلْكِ الرَّاجِعِ بِالرُّجُوعِ (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ) وَالْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَقَوْلُهُمَا قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيِّ.
وَجْهُهُ (أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ) وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ التَّكْلِيفِ إلَّا بِمَالِهِ، وَأَثَرُ الرِّدَّةِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ لَا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ يَبْقَى مِلْكُهُ وَصَارَ (كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ) لَا يَزُولُ مِلْكُهُ مَا لَمْ يُقْتَلْ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا إلَى أَنْ يُقْتَلَ) وَالْمِلْكُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعِصْمَةِ، وَكَوْنُهُ حَرْبِيًّا (يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ) وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَزُولَ فِي الْحَالِ عَلَى الْبَتَاتِ (إلَّا أَنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُرْجَى عَوْدُهُ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَهُ وَعَرَفَ مَحَاسِنَهُ وَأَنِسَ بِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ حِفْظَهُ عَلَيْنَا إلَى الْجَنَّةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ. (فَتَوَقَّفْنَا فِي أَمْرِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ الْعَارِضُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ) وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ (وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ) عَمَلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ مِنْهُ أَحَدُ مَا قُلْنَا عَمِلَ عَمَلَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ، وَلَا
(6/74)

قَالَ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ انْتَقَلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَيْئًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: كِلَاهُمَا لِوَرَثَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كِلَاهُمَا فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، ثُمَّ هُوَ مَالُ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا. وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْكَسْبَيْنِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَنِدُ إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ إذْ الرِّدَّةُ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَكُونُ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَخْفَى أَنَّ الْحِرَابَةَ لَا تُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمِلْكِ بَلْ زَوَالَ الْعِصْمَةِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ يَمْلِكُ غَيْرَ أَنَّ مَمْلُوكَهُ لَا عِصْمَةَ لَهُ، فَإِذَا اُسْتُوْلِيَ عَلَيْهِ زَالَ مِلْكُهُ، فَكَوْنُ الْمُرْتَدِّ حَرْبِيًّا قُصَارَى مَا يَقْتَضِي زَوَالَ عِصْمَةِ مَالِهِ وَنَفْسِهِ تَبَعًا، وَهُوَ لَا يَنْفِي قِيَامَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَلَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالزَّوَالِ مُسْتَنِدًا، وَلِهَذَا زَادَ قَوْلَهُ: مَقْهُورًا تَحْتَ أَيْدِينَا فَيَكُونُ مَالُهُ مُسْتَوْلًى عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُرَادِ أَنَّ بِالرِّدَّةِ يَزُولُ مِلْكُهُ زَوَالًا بَاتًّا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ حَتَّى مَاتَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِاللَّحَاقِ اسْتَمَرَّ بِالزَّوَالِ الثَّابِتِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ، وَإِنْ عَادَ عَادَ الْمِلْكُ وَهُمَا هَرَبًا مِنْ الْحُكْمِ بِالزَّوَالِ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ، فَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الرِّدَّةَ لَمَّا اقْتَضَتْ الزَّوَالَ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ إنْ عَادَ وَمَالُهُ قَائِمٌ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا فَيَقُولُ بِالرِّدَّةِ يَزُولُ، ثُمَّ بِالْعَوْدِ يَعُودُ شَرْعًا، هَذَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ زَوَالِ مِلْكِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: إنَّ أَبَا يُوسُفَ جَعَلَ تَصَرُّفَهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَتَصِيرُ تَبَرُّعَاتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَجَعَلَهُ مُحَمَّدٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ فَتُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي مَعْرِضِ التَّلَفِ فَهُوَ أَسْوَأُ مِنْ الْمَرِيضِ حَالًا، وَأَبُو يُوسُفَ يَمْنَعُهُ وَيَقُولُ: الْمُرْتَدُّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمَرِيضُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ حُكِمَ بِلَحَاقِهِ انْتَقَلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَيْئًا) لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا: كِلَا الْكَسْبَيْنِ لِوَرَثَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: (كِلَاهُمَا فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ) إجْمَاعًا (فَبَقِيَ مَالَ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ) لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (فَيَكُونُ فَيْئًا. وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْكَسْبَيْنِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) مِنْ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ إلَى آخِرِهِ (فَيَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَنِدُ إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ إذْ الرِّدَّةُ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَكُونُ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ) وَهَذَا لَا يَنْتَهِضُ عَلَى الشَّافِعِيِّ إلَّا إذَا بَيَّنَّا عِلِّيَّةَ الِاسْتِنَادِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَخْذَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِاسْتِنَادِهِ شَرْعًا إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ وَإِلَّا كَانَ تَوْرِيثَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ إسْلَامٌ.
أَوْ نَقُولُ: اسْتِحْقَاقُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ وَالْوَرَثَةُ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَتَرَجَّحُوا بِجِهَةِ الْقَرَابَةِ فَكَانُوا كَقَرَابَةٍ ذَاتِ جِهَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَرَابَةٍ ذَاتِ جِهَةٍ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ مَعَ الْأَخِ لِأَبٍ قَالَ تَعَالَى:
(6/75)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ قَبْلَهَا وَمِنْ شَرْطِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ إنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ حَالَةَ الرِّدَّةِ وَبَقِيَ وَارِثًا إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا لِلِاسْتِنَادِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الرِّدَّةِ، وَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ بَلْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) مَا قَالَاهُ فِي وَجْهِ التَّوْرِيثِ إلَّا (أَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ) وَهِيَ الْمَوْتُ فَيَسْتَنِدُ الْإِرْثُ إلَى مَا قَبْلَهُ. وَقَدْ قُلْت إنَّ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ زَالَ مِلْكُهُ، فَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لَا يَقَعُ مَمْلُوكًا لَهُ لِيُمْكِنَ اسْتِنَادُ التَّوْرِيثِ فِيهِ إلَى مَا قُبَيْلَ مَوْتِهِ الْحُكْمِيِّ: أَعْنِي الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُورَثُ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فِي تَوْرِيثِ كَسْبِ الرِّدَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ الْخِلَافِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ بِالرِّدَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْحُكْمِيُّ بِاللَّحَاقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، ثُمَّ إذَا تَحَقَّقَ الْمَوْتُ وَقُلْنَا بِوُجُوبِ إرْثِهِمْ إيَّاهُ.
وَالْفَرْضُ أَنَّ لَهُ مَالًا مَمْلُوكًا فَلَا بُدَّ مِنْ إرْثِهِمْ لَهُ وَإِرْثُهُمْ يَسْتَدْعِي اسْتِنَادَهُ إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ فَيَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ اعْتِبَارُ مَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ مَوْجُودًا قَبْلَهَا حُكْمًا لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ نَفْسُ الْمُرْتَدِّ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا حِسًّا وَقْتَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ حَالَةَ الرِّدَّةِ) بِأَنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا (وَبَقِيَ كَذَلِكَ إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ) أَوْ لَحَاقِهِ (فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) رَوَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ، وَهَذَا لِاعْتِبَارِ الِاسْتِنَادِ فِي الْإِرْثِ، فَإِنَّ الْمُسْتَنِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْتَنِدُ فَيَجِبُ أَنْ يُصَادِفَ عِنْدَ ثُبُوتِهِ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ وَكَذَا عِنْدَ اسْتِنَادِهِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ أَوْ وَلَدٌ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ الرِّدَّةِ لَا يَرِثُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. (وَعَنْهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا عِنْدَ الرِّدَّةِ) فَقَطْ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ بَقَائِهِ بِالصِّفَةِ إلَى الْمَوْتِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ (فَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ مَنْ كَانَ وَارِثًا عِنْدَ الرِّدَّةِ بِعُرُوضِ مَوْتِ ذَلِكَ الْوَارِثِ أَوْ رِدَّتِهِ بَعْدَ رِدَّةِ أَبِيهِ (بَلْ) إذَا مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ (يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ) وَهُوَ وَارِثُ الْوَارِثِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَوَّلَ الْكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُهَا لِاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ (وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ) وَاللَّحَاقِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْهُ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذَا أَصَحُّ
(6/76)

لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَارًّا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقْتَ الرِّدَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ) أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ هَلَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَقِيَ الثَّمَنُ كُلُّهُ عَلَى الْبَائِعِ، فَلَوْ كَانَ مَنْ بِحَيْثُ يَرِثُهُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا يَوْمَ ارْتَدَّ فَعَتَقَ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَلْحَقَ أَوْ أَسْلَمَ وَرِثَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، إلَّا أَنَّ الْكَرْخِيَّ حَكَى بَيْنَهُمَا خِلَافًا فِي اللَّحَاقِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ حَالُ الْوَارِثِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمِ اللَّحَاقِ لَا الْحُكْمِ.
وَجْهُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعَارِضَ يَعْنِي الرِّدَّةَ مُتَصَوَّرٌ زَوَالُهُ فَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ عَلَى الْقَضَاءِ. وَوَجْهُ مُحَمَّدٍ أَنَّ اللَّحَاقَ تَزُولُ بِهِ الْعِصْمَةُ وَالْأَمَانُ وَالذِّمَّةُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ وَفَاءً فَتُؤَدَّى الْكِتَابَةُ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُ وَارِثِهِ يَوْمَ مَاتَ لَا حَالُ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ. وَجَوَابُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ اللَّحَاقَ لَيْسَ حَقِيقَةَ الْمَوْتِ الْمَأْيُوسِ عَنْ ارْتِفَاعِهِ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ بِهِ بِلَا قَضَاءٍ، بَلْ فِي حُكْمِهِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَتِنَا عَنْهُ وَأَحْكَامِنَا، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ أَحْكَامُ الْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ وَذَلِكَ بِالْحُكْمِ بِهِ.

(قَوْلُهُ: وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ) أَيْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ (إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ) أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ (وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَارًّا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقْتَ الرِّدَّةِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَمَّا كَانَتْ سَبَبَ الْمَوْتِ، وَهِيَ بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهَتْ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَهُوَ يُوجِبُ الْإِرْثَ إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ، وَلَوْ كَانَ وَقْتَ الرِّدَّةِ مَرِيضًا فَلَا إشْكَالَ فِي إرْثِهَا. وَقَدْ يُقَالُ كَوْنُ الرِّدَّةِ تُشْبِهُ الطَّلَاقَ قُصَارَاهَا أَنْ يُجْعَلَ بِالرِّدَّةِ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَطَلَاقُ الصَّحِيحِ لَا يُوجِبُ حُكْمَ الْفِرَارِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ بِالرِّدَّةِ كَأَنَّهُ مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ بِاخْتِيَارِهِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ثُمَّ هُوَ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ مُخْتَارًا فِي الْإِصْرَارِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَتْلِ حَتَّى قُتِلَ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَمُوتُ قَتْلًا أَوْ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِلَحَاقِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَرِثُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَارِثَةً عِنْدَ رِدَّتِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّحَقُّقِ بِصِفَةِ الْوَارِثِ حَالَ الرِّدَّةِ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ، وَمَا فِي الْكِتَابِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ مِنْ اعْتِبَارِهِ وَبَقَائِهِ بِالصِّفَةِ إلَى الْمَوْتِ، أَوْ عَلَى رِوَايَةِ اعْتِبَارِهِ
(6/77)

وَالْمُرْتَدَّةُ كَسْبُهَا لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْفَيْءِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ إنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِقَصْدِهَا إبْطَالَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَالِهَا بِالرِّدَّةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.

قَالَ: (وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَحَلَّتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقْتَ مَوْتِهِ فَقَطْ. هَذَا وَاشْتِرَاطُ قِيَامِ الْعِدَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فَلَا تَرِثُ غَيْرُ الْمَدْخُولَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ تَبِينُ غَيْرُ الْمَدْخُولَةِ لَا إلَى عِدَّةٍ فَتَصِيرُ أَجْنَبِيَّةً، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ الرِّدَّةُ مَوْتًا حَقِيقِيًّا حَتَّى أَنَّ الْمَدْخُولَةَ إنَّمَا تَعْتَدُّ فِيهَا بِالْحَيْضِ لَا الْأَشْهُرِ لَمْ يَنْتَهِضْ سَبَبًا لِلْإِرْثِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ لَحَاقِهِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى الرِّدَّةِ لَكِنْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَبِهَذَا أَيْضًا لَا تَرِثُ الْمُنْقَضِيَةُ عِدَّتُهَا.

(قَوْلُهُ: وَالْمُرْتَدَّةُ كَسْبُهَا لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا) إذْ الْمَرْأَةُ لَا حِرَابَ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً أَوْ صَارَتْ كَافِرَةً (فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْفَيْءِ) وَهُوَ سُقُوطُ عِصْمَةِ نَفْسِهَا الْمُسْتَتْبِعَةِ لِسُقُوطِ عِصْمَةِ مَالِهَا فَيَبْقَى كُلٌّ مِنْ كَسْبَيْ إسْلَامِهَا وَرِدَّتِهَا عَلَى مِلْكِهَا فَيَرِثُهُمَا وَرَثَتُهَا (بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) فَإِنَّ كَسْبَهُ فِي الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِكَوْنِهِ مُحَارِبًا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ بِاللَّحَاقِ فَلَا يَمْلِكُهُ لِكَوْنِهِ مَالَ حَرْبِيٍّ مَقْهُورٍ تَحْتَ أَيْدِينَا فَلَا يُورَثُ (قَوْلُهُ: وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ إذَا كَانَتْ ارْتَدَّتْ، وَهِيَ مَرِيضَةٌ) فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَ ذَلِكَ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهَا قَصَدَتْ الْفِرَارَ مِنْ مِيرَاثِ الزَّوْجِ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمَالِهَا بِسَبَبِ مَرَضِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَإِنَّهَا بِرِدَّتِهَا هَذِهِ لَمْ تُبْطِلْ لَهُ حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِمَالِهَا، وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِيهِ جَعْلُ رِدَّتِهَا كَطَلَاقِهِ فَرِدَّتُهَا فِي مَرِضَةِ كَطَلَاقِهِ فِي مَرَضِهِ، وَرِدَّتُهَا فِي صِحَّتِهَا كَطَلَاقِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَبِهِ لَا يَكُونُ فَارًّا إذَا عَرَضَ لَهُ مَوْتٌ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ فَإِنَّ بِرِدَّتِهِ فِي صِحَّتِهِ تَرِثُ إذَا عَرَضَ لَهُ مَوْتٌ، فَلَوْ جُعِلَتْ رِدَّتُهُ كَطَلَاقِهِ بَائِنًا كَانَ مُطَلِّقًا فِي صِحَّتِهِ، وَعُرُوضُ الْمَوْتِ لِلْمُطَلِّقِ فِي صِحَّتِهِ لَا يُوجِبُ لَهُ حُكْمَ الْفِرَارِ، فَلِذَا جَعَلْنَا رِدَّتَهُ كَمُبَاشَرَتِهِ لِسَبَبِ مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ بِإِصْرَارِهِ جُعِلَ مُطَلِّقًا فِي مَرَضِهِ فَإِذَا مَاتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْفِرَارِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَحَلَّتْ دُيُونُهُ الْمُؤَجَّلَةُ
(6/78)

الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ وَنُقِلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْقَى مَالُهُ مَوْقُوفًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ غَيْبَةٍ فَأَشْبَهَ الْغَيْبَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَنَا أَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ كَمَا هِيَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْمَوْتَى فَصَارَ كَالْمَوْتِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ إلَيْنَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَوْتُهُ ثَبَتَتْ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَاهَا كَمَا فِي الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ لَحَاقِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ هُوَ السَّبَبُ وَالْقَضَاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَنُقِلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ) بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا مَا اكْتَسَبَهُ فِي أَيَّامِ رِدَّتِهِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا مَرَّ وَلَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مُقِيمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا أَوْصَى بِهِ فِي حَالِ إسْلَامِهِ فَالْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ وَغَيْرُ قُرْبَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ.
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ الْإِطْلَاقَ قَوْلُهُ. وَقَوْلُهُمَا: إنَّ الْوَصِيَّةَ بِغَيْرِ الْقُرْبَةِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ لِبَقَاءِ الْوَصِيَّةِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، وَابْتِدَاءُ الْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ الْقُرْبَةِ بَعْدَ الرِّدَّةِ عِنْدَهُمَا تَصِحُّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَتَوَقَّفُ فَكَذَا هُنَا. قِيلَ وَأَرَادَ بِالْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ الْقُرْبَةِ الْوَصِيَّةَ لِلنَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا تَبْطُلُ فِيمَا لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَحُمِلَ إطْلَاقُ مُحَمَّدٍ لِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ عَلَى وَصِيَّةٍ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا. وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا أَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ لِحَقِّ الْمَيِّتِ، وَلَا حَقَّ لَهُ بَعْدَمَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ رِدَّتُهُ كَرُجُوعِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَلَا يَبْطُلُ مَا لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعِتْقِ ثَبَتَ لِلْمُدَبَّرِ، وَبِهَذَا عُرِفَ مَعْنَى تَقْيِيدِ الطَّحَاوِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: (يَبْقَى مَالُهُ مَوْقُوفًا) وَيَحْفَظُهُ الْحَاكِمُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مَوْتُهُ ثَمَّةَ أَوْ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَأْخُذَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّحَاقَ نَوْعُ غَيْبَةٍ فَأَشْبَهَ الْغَيْبَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةٌ (وَلَنَا أَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ إلْزَامِ أَحْكَامِهِ عَنْهُمْ كَمَا هِيَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْمَوْتَى) بِخِلَافِ الْغَيْبَةِ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَوِلَايَةَ إلْزَامِنَا ثَابِتَةٌ فِيهَا فَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ، وَإِذَا صَارَ اللَّحَاقُ كَالْمَوْتِ لَا أَنَّهُ حَقِيقَةُ الْمَوْتِ لَا يَسْتَقِرُّ حَتَّى يَقْضِيَ بِهِ سَابِقًا عَلَى الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّحِيحِ، لَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكْفِي بَلْ يَسْبِقُ الْقَضَاءُ بِاللَّحَاقِ ثُمَّ تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ، وَلِكَوْنِهَا كَالْمَوْتِ قُلْنَا: إذَا لَحِقَتْ الْحَرْبِيَّةُ فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى الْحَرْبِيَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ فِي الْعِدَّةِ حَقَّ الزَّوْجِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ مُنَافٍ لَهُ، وَلَوْ سُبِيَتْ أَوْ عَادَتْ مُسْلِمَةً لَمْ يَضُرَّ نِكَاحُ أُخْتِهَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بَعْدَ أَنْ سَقَطَتْ لَا تَعُودُ (ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الْوَارِثِ وَارِثًا عِنْدَ اللَّحَاقِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَالْقَضَاءُ إنَّمَا
(6/79)

لِتَقَرُّرِهِ بِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَوْتًا بِالْقَضَاءِ، وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. .

(وَتُقْضَى الدُّيُونُ الَّتِي لَزِمَتْهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، وَمَا لَزِمَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ الدُّيُونِ يُقْضَى مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ وَعَنْهُ عَلَى عَكْسِهِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ.
وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ مِلْكُهُ حَتَّى يَخْلُفَهُ الْوَارِثُ فِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْخِلَافَةِ الْفَرَاغُ عَنْ حَقِّ الْمُوَرِّثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَزِمَ لِتَقَرُّرِهِ بِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ) أَيْ احْتِمَالِ عَوْدِهِ: أَيْ اللَّحَاقُ لَا يُوجِبُ أَحْكَامَ الْمَوْتِ إلَّا إذَا كَانَ مُسْتَقِرًّا وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَبِالْقَضَاءِ بِهِ يَتَقَرَّرُ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا (وَقْتَ الْقَضَاءِ) حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْ بِحَيْثُ يَرِثُ وَقْتَ الرِّدَّةِ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا وَوَقْتَ الْقَضَاءِ مُسْلِمًا مُعْتَقًا وَرِثَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا (لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّحَاقَ إنَّمَا (يَصِيرُ مَوْتًا بِالْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ غَيْبَةً فَتَقَرُّرُهَا بِالْقَضَاءِ بِهِ، وَبِتَقَرُّرِهِ يَصِيرُ مَوْتًا وَالْإِرْثُ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَدَّمْنَا تَمَامَ وَجْهَيْ الْقَوْلَيْنِ (وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) فِي الْمُرْتَدِّ وَعَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ عِتْقِ مُدَبَّرِيهَا وَحُلُولِ دُيُونِهَا.

(قَوْلُهُ: وَتُقْضَى دُيُونُهُ الَّتِي لَزِمَتْهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، وَدُيُونُهُ الَّتِي لَزِمَتْهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ) وَعَلَى هَذَا فَإِنْ فَضَلَ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ عَنْ دُيُونِ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ وَرِثَتْهُ الْوَرَثَةُ وَإِلَّا لَا يَرِثُونَ شَيْئًا، وَلَوْ فَضَلَ عَنْ دُيُونِ الرِّدَّةِ شَيْءٌ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُورَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ كَسْبُ الرِّدَّةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهَذَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) قِيلَ رَوَاهَا زُفَرُ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْسُبْ الْكَرْخِيُّ هَذَا إلَى أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ قَالَ: وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ: مَا لَحِقَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ إلَى آخِرِهِ (وَعَنْهُ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ) فَيُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنَانِ جَمِيعًا، فَإِنْ وَفَّى فَكَسْبُ الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرِثُ الْوَرَثَةُ شَيْئًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ عَنْ الدَّيْنَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَفِ كُمِّلَ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ) وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ (وَعَنْهُ عَلَى عَكْسِهِ) وَهُوَ أَنْ يُقْضَى الدَّيْنَانِ جَمِيعًا مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ، فَإِنْ وَفَّى بِالدُّيُونِ وَرِثَتْ الْوَرَثَةُ كَسْبَ الْإِسْلَامِ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ كُمِّلَ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ وَوَرِثَتْ الْوَرَثَةُ مَا فَضَلَ إنْ فَضَلَ شَيْءٌ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ (وَجْهُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ التَّفْصِيلُ (أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبَيْنِ) وَهُوَ دَيْنُ الْإِسْلَامِ وَدَيْنُ الرِّدَّةِ (مُخْتَلِفٌ، وَحُصُولُ كُلٍّ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ؛ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ. وَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ (أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ مِلْكُهُ حَتَّى يَخْلُفَهُ الْوَارِثُ فِيهِ، وَمِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الْخِلَافَةِ الْفَرَاغُ عَنْ حَقِّ الْمُوَرِّثِ) وَهُوَ مِقْدَارُ
(6/80)

فَيُقَدَّمُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ، أَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ؛ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْهُ، كَالذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُقْضَى مِنْهُ كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَسْبَ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ، فَكَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ أَوْلَى إلَّا إذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ (فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ) مُطْلَقًا (عَلَيْهِ أَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْهُ) فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقْضَى مِنْهُ وَهُوَ فَيْءٌ عِنْدَهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ بَلْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؟ أَجَابَ فَقَالَ: لَا بُعْدَ فِي هَذَا (فَإِنَّ الذِّمِّيَّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) وَمَعَ ذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُقْضَى مِنْهُ أَوَّلًا وَمَا فَضَلَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ (فَكَذَلِكَ هَاهُنَا) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَعَلَى هَذَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي الرَّهْنِ وَقَضَاءِ الدِّينِ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ.
(وَجْهُ الثَّالِثِ) وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَسْبَ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَمَا يَتَعَلَّقُ فِي مَالِ الْمَرِيضِ، وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ أَمْلَاكَهُ تَزُولُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ خَالِصَ حَقِّهِ كَوْنَهُ مِلْكًا لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ خَالِصُ حَقَّهُ وَلَيْسَ مِلْكَهُ، وَإِذَا كَانَ خَالِصَ حَقِّهِ (كَانَ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْهُ أَوْلَى، إلَّا إذَا لَمْ يَفِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَعَلَى هَذَا نَقُولُ عَقْدُ الرَّهْنِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِذَا قَضَى دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ أَوْ رَهْنَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ فَعَلَ عَيْنَ مَا كَانَ يَحِقُّ فِعْلُهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ رِوَايَاتٍ عَنْ
(6/81)

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ الْكَسْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الْإِرْثُ فِيهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: (وَمَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ صَحَّتْ عُقُودُهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ مَا صَنَعَ فِي الْوَجْهَيْنِ. اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَقْسَامٍ: نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَتَمَامِ الْوِلَايَةِ. وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ قُضِيَ مِنْهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ الْكَسْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ عِنْدَهُمَا) حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِمَا الْإِرْثُ.

(قَوْلُهُ: وَمَا بَاعَهُ) الْمُرْتَدُّ (أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ رَهَنَهُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَقْسَامٍ: نَافِذَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ فِي الِاسْتِيلَادِ، وَلَا إلَى تَمَامِ الْوِلَايَةِ) فِي الطَّلَاقِ، فَإِنَّ الِاسْتِيلَادَ يَصِحُّ فِي جَارِيَةِ الِابْنِ وَحَقُّ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ أَقْوَى مِنْ الْأَبِ فِي جَارِيَةِ ابْنِهِ، وَلِذَا تَصِحُّ دَعْوَى الْمَوْلَى وَلَدَ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ وَحَقُّ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَوْقُوفٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، حَتَّى إذَا أَسْلَمَ كَانَ لَهُ بِلَا سَبَبٍ جَدِيدٍ وَلَا مِلْكَ لِلْأَبِ وَالْمَوْلَى فِيهِمَا، وَالطَّلَاقُ يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ مَعَ قُصُورِ وِلَايَتِهِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ بِالرِّدَّةِ تَحَقَّقَتْ الْفُرْقَةُ فَكَيْفَ يَقَعُ الطَّلَاقُ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ امْتِنَاعُ الطَّلَاقِ، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ الْمُبَانَةَ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْفُرْقَةَ بِالرِّدَّةِ مِنْ قَبِيلِ الْفُرْقَةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَلْزَمُهَا الْفُرْقَةُ كَمَا لَوْ ارْتَدَّا مَعًا، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَالْحَجْرُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْنَى عَلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ (وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ
(6/82)

وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ. وَمُخْتَلَفٌ فِي تَوَقُّفِهِ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ. لَهُمَا أَنَّ الصِّحَّةَ تَعْتَمِدُ الْأَهْلِيَّةَ وَالنَّفَاذَ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ، وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا، وَكَذَا الْمِلْكُ لِقِيَامِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلِهَذَا لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ يَرِثُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَدُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَا يَرِثُهُ فَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ.
إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ، إذْ الشُّبْهَةُ تُزَاحُ فَلَا يُقْتَلُ وَصَارَ كَالْمُرْتَدَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُقِرٍّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ دِينٍ سَمَاوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، كَالشِّرْكِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا مِلَّةَ لَهُ، وَهَذَا حَاصِلُ مَا فَسَّرَ بِهِ ظَهِيرُ الدِّينِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ الَّتِي يَدِينُونَ بِمِلْكِ النِّكَاحِ التَّوَارُثُ وَالتَّنَاسُلُ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَتَحَقَّقُ فِي نِكَاحِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ حَيًّا وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إرْثُهُ، وَأَمَّا الْإِرْثُ مِنْهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ثَابِتٌ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ (وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ مَعَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ) بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ.
(وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ) فَيَتَوَقَّفُ عَقْدُ الْمُفَاوَضَةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قُضِيَ بِلَحَاقِهِ بَطَلَتْ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ تَصِيرُ عِنَانًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَبْطُلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِي الْعِنَانِ وَكَالَةً، وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ (وَمُخْتَلَفٌ فِي تَوَقُّفِهِ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ) مِنْ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَعِتْقِهِ وَرَهْنِهِ وَمِنْهُ الْكِتَابَةُ وَقَبْضُ الدُّيُونِ وَالْإِجَارَةُ، وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ هِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بَطَلَتْ (لَهُمَا أَنَّ الصِّحَّةَ) لِلْمُعَامَلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (تَعْتَمِدُ الْأَهْلِيَّةَ) لَهَا (وَالنَّفَاذُ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا) بِالْإِيمَانِ، وَكَذَا قَتْلُهُ فَرْعُ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا (وَكَذَا مِلْكُهُ لِقِيَامِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ إلَى آخِرِهِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ كَوْنَ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ بَاقِيًا أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَرِثَهُ، فَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ زَائِلًا لَمْ يَرِثْهُ هَذَا الْوَلَدُ، وَلَوْ أَنَّ وَلَدَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ مَاتَ بَعْدَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَحَاقِهِ لَا يَرِثُهُ.
وَإِذَا كَانَ مِلْكُهُ قَائِمًا وَأَهْلِيَّتُهُ نَفَذَتْ تَصَرُّفَاتُهُ عِنْدَهُمَا (إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الصَّحِيحِ) مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ إذْ الشُّبْهَةُ تُزَاحُ فَلَا يُقْتَلُ) فَلَا يَكُونُ كَالْمَرِيضِ
(6/83)

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ مَنْ انْتَحَلَ إلَى نِحْلَةٍ لَا سِيَّمَا مُعْرِضًا عَمَّا نَشَأَ عَلَيْهِ قَلَّمَا يَتْرُكُهُ فَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَوَقُّفِ الْمِلْكِ وَتَوَقُّفُ التَّصَرُّفَاتِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَصَارَ كَالْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَيُؤْخَذُ وَيُقْهَرُ وَتَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ؛ لِتَوَقُّفِ حَالِهِ، فَكَذَا الْمُرْتَدُّ، وَاسْتِحْقَاقُهُ الْقَتْلَ لِبُطْلَانِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ فِي الْفَصْلَيْنِ فَأَوْجَبَ خَلَلًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الزَّانِي وَقَاتِلِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي ذَلِكَ جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَصِحُّ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ مَنْ انْتَحَلَ نِحْلَةً لَا سِيَّمَا) إذَا كَانَ بِهَا (مُعْرِضًا عَمَّا نَشَأَ عَلَيْهِ قَلَّمَا يَتْرُكُهُ) فَكَانَ بِذَلِكَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ بِيَدِهِ دَفْعُ الْقَتْلِ عَنْهُ وَالْمَوْتُ عَلَى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَوَقُّفِ الْمِلْكِ) أَيْ عَوْدِهِ لِمَا حَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ ثُمَّ يَعُودُ بِعَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ نَفْسُهُ وَمَالُهُ تَحْتَ أَيْدِينَا (وَتُوقَفُ التَّصَرُّفَاتُ بِنَاءً عَلَيْهِ) فَإِنَّ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ تُوجِبُ أَمْلَاكًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ، وَزَوَالُ أَمْلَاكٍ مِثْلُ الْبَيْعِ يُوجِبُ أَنْ يَمْلِكَ الْمَبِيعَ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ الثَّمَنُ وَالْإِجَارَةُ كَذَلِكَ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَيْسَ مَعَ الرِّدَّةِ مِلْكٌ فَامْتَنَعَ إفَادَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ أَحْكَامَهَا فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَفَادَتْهُ حِينَ وَقَعَتْ وَهَذَا مَعْنَى التَّوَقُّفِ (فَصَارَ) الْمُرْتَدُّ (كَالْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ دَارَنَا بِلَا أَمَانٍ فَيُؤْخَذُ) أَيْ يُؤْسَرُ (فَتَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ لِتَوَقُّفِ حَالِهِ) حَيْثُ كَانَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ بَيْنَ اسْتِرْقَاقِهِ وَقَتْلِهِ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ أُسِرَ لَمْ تَنْفُذْ مِنْهُ هَذِهِ أَوْ أَسْلَمَ لَمْ يُؤْخَذْ لَهُ مَالٌ (فَكَذَا الْمُرْتَدُّ) وَقَوْلُهُ (وَاسْتِحْقَاقُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمُرْتَدُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا لِلْقَتْلِ عَيْنًا خُصُوصًا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ لَهُ حَالَةٌ غَيْرُ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ غَيْرَهَا مُحْتَمَلٌ فِي حَقِّهِ لِاحْتِمَالِ إسْلَامِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزُولُ مِلْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مَالِهِ وَتَصَرُّفَاتُهُمَا نَافِذَةٌ.
فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ (بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (لِبُطْلَانِ الْعِصْمَةِ) بِانْتِفَاءِ سَبَبِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ (فَأَوْجَبَ خَلَلًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الزَّانِي وَالْقَاتِلِ عَمْدًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ بِذَلِكَ السَّبَبِ جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ) مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَيَبْقَى مَالِكًا حَقِيقَةً
(6/84)

وَبِخِلَافِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرْبِيَّةً؛ وَلِهَذَا لَا تُقْتَلُ.

(فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا فَمَا وَجَدَهُ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ، وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا احْتَاجَ إلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ، وَبِخِلَافِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ صَحَّ بِدَلِيلٍ مُصَحَّحٍ فَلَا يُنْقَضُ، وَلَوْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا لِمَا ذَكَرْنَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِبَقَاءِ عِصْمَةِ مَالِهِ لِقِيَامِ سَبَبِهَا، وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَلِيِّ الْقِصَاصِ قُتِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ تِلْكَ الْعِصْمَةِ (بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرْبِيَّةً وَلِهَذَا لَا تُقْتَلُ) قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: مَا قَالَاهُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَقْبَلُ الرِّقَّ، وَالْقَهْرُ يَكُونُ حَقِيقِيًّا لَا حُكْمِيًّا، وَالْمِلْكُ يَبْطُلُ بِالْقَهْرِ الْحُكْمِيِّ لَا الْحَقِيقِيِّ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَبْطُلُ مِلْكُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ.
وَحَاصِلُ مُرَادِهِ أَنَّ الْمُنَافِيَ لِلْمِلْكِ الِاسْتِرْقَاقُ لَيْسَ غَيْرُ لَكِنَّهُ مَمْنُوعٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّمَا أَوْجَبَ الِاسْتِرْقَاقُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ لِلْقَهْرِ الْكَائِنِ بِسَبَبِ حِرَابَتِهِ. وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُرْتَدِّ فَيَثْبُتُ فِيهِ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ مِلْكُ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ قَهْرِ الْمُرْتَدِّ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا فَمَا وَجَدَهُ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ) نَقْدًا أَوْ عَرَضًا (أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ) عَنْهُ بِالْمَوْتِ الْمَحْكُومِ بِهِ (وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا) فَقَدْ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيَاةً جَدِيدَةً. وَلِذَا قُلْنَا فِي الْمُرْتَدَّةِ الْمُتَزَوِّجَةِ إذَا لَحِقَتْ وَعَادَتْ مُسْلِمَةً عَنْ قَرِيبٍ تَتَزَوَّجُ مِنْ سَاعَتِهَا؛ لِأَنَّهَا فَارِغَةٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ كَأَنَّهَا حَيِيَتْ الْآنَ. قَالَ تَعَالَى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] فَإِذَا حَيِيَ (احْتَاجَ إلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَارِثِ) وَعَلَى هَذَا لَوْ أَحْيَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَيِّتًا حَقِيقَةً وَأَعَادَهُ إلَى دَارِ الدُّنْيَا كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا فِي يَدِ وَرَثَتِهِ (بِخِلَافِ مَا أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبٍ يَقْبَلُ الْفَسْخَ كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ لَا يَقْبَلُهُ كَعِتْقٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ فَإِنَّهُ يَمْضِي وَلَا عَوْدَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُهُ.
(وَبِخِلَافِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ) لَا يَعُودُونَ فِي الرِّقِّ (لِأَنَّ الْقَضَاءَ) بِعِتْقِهِمْ (قَدْ صَحَّ بِدَلِيلٍ مُصَحَّحٍ) لَهُ وَهُوَ اللَّحَاقُ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّهُ كَالْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ فَنَفَذَ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ نَفَاذِهِ لَا يَقْبَلُ الْبُطْلَانَ وَوَلَاؤُهُمْ لِمَوْلَاهُمْ: أَعْنِي الْمُرْتَدَّ الَّذِي عَادَ مُسْلِمًا، هَذَا إذَا جَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ، فَلَوْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِاللَّحَاقِ (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا) كَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ قَطُّ (لِمَا ذَكَرْنَا)
(6/85)

(وَإِذَا وَطِئَ الْمُرْتَدُّ جَارِيَةً نَصْرَانِيَّةً كَانَتْ لَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّ فَادَّعَاهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَهُوَ ابْنُهُ وَلَا يَرِثُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مُسْلِمَةً وَرِثَهُ الِابْنُ إنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) أَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ فَلِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَلِأَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لَهُ لِقُرْبِهِ إلَى الْإِسْلَامِ لِلْجَبْرِ عَلَيْهِ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا خَيْرُهُمَا دِينًا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لَا يُورَثُ فَتَكُونُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرُوهُ عَلَى حَالِهِمْ أَرِقَّاءَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ لَا تَحِلُّ بَلْ تَكُونُ إلَى أَجَلِهَا؛ لِعَدَمِ تَقَرُّرِ الْمَوْتِ. وَصَارَ كَالْعَبْدِ إذَا أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَادَ، إنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ جُعِلَ الْإِبَاقُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا وَطِئَ الْمُرْتَدُّ جَارِيَةً نَصْرَانِيَّةً) أَوْ يَهُودِيَّةً (كَانَتْ لَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ) وَلَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ (مُنْذُ ارْتَدَّ فَادَّعَاهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَهُوَ ابْنُهُ) وَثَبَتَ لِأُمِّهِ حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ (وَلَا يَرِثُهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مُسْلِمَةً وَرِثَهُ الِابْنُ إنْ مَاتَ) الْمُرْتَدُّ (عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ. أَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ مِنْ الْمُرْتَدِّ فَلِمَا قُلْنَا) إنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ حَتَّى صَحَّ اسْتِيلَادُ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ جَارِيَةً مِنْ تِجَارَتِهِ ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. (وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ؛ فَلِأَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ) يَهُودِيَّةً أَوْ (نَصْرَانِيَّةً يُجْعَلُ الْوَلَدُ تَبَعًا لِلْمُرْتَدِّ لَا لِأُمِّهِ) لِقُرْبِ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِسْلَامِ لِلْجَبْرِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُؤْثِرُ الْقَتْلَ عَلَى الْعَوْدِ (فَصَارَ الْوَلَدُ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ) وَلَا غَيْرَهُ.
(وَأَمَّا إذَا كَانَتْ) الْأَمَةُ (مُسْلِمَةً فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا خَيْرُهُمَا دِينًا. وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ) وَلَا يُقَالُ: لِمَ لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا لِلدَّارِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ نَصْرَانِيَّةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلدَّارِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ بِأَنْ يُسْبَى وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ يُلْتَقَطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ هَذَا يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا ارْتَدَّ الْأَبَوَانِ الْمُسْلِمَانِ وَلَهُمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، فَإِنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا مَعَ وُجُودِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ لِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ وُلِدَ مُسْلِمًا فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لِلْوَلَدِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي زَمَنِ إسْلَامِهِمَا، وَتَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ إذَا مَاتَ أَوْ لَحِقَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ؛ وَذَلِكَ لِلتَّيَقُّنِ بِحُصُولِ الْعُلُوقِ فِي حَالَةِ إسْلَامِ أَبِيهِ الْمُرْتَدِّ فَكَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا، وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ.
وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْإِرْثَ يَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ يَضْعُفُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَعْنِي وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَالَ الْإِسْلَامِ، وَمَعَ هَذَا يَرِثُ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ كَانَ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الرِّدَّةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» بِالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، إلَّا أَنَّهُ
(6/86)

(وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ، فَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَخَذَ مَالًا وَأَلْحَقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَوَجَدَتْهُ الْوَرَثَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رُدَّ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَالٌ لَمْ يَجْرِ فِيهِ الْإِرْثُ، وَالثَّانِيَ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا.

(وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ فَقُضِيَ بِهِ لِابْنِهِ وَكَاتَبَهُ الِابْنُ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلِ التَّخْصِيصِ. وَيُمْكِنُ كَوْنُهُ دَلَالَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى إرْثِ الْمُسْلِمِينَ مَالَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِإِسْلَامِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ يُحْكَمُ بِأَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ الرِّدَّةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مَتَى جَاءَتْ بِهِ أَمَتُهُ النَّصْرَانِيَّةُ لِمُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ الْعُلُوقُ فِيهَا فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْعُلُوقُ فِيهَا، وَهَذَا يُمْكِنُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِلَحْظَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْحُكْمِ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَعْلَقُ مُسْلِمًا وَيَرِثُهُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَذْهَبِ كَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا لَوْ جَاءَتْ بِهِ؛ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ فَصَاعِدًا لَا يَرِثُ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ) الْمُسْلِمُونَ (عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ) بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فِيمَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْبَاقِي مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَحْفُوظٌ لَهُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مَوْتُهُ فَيَصِيرُ فَيْئًا. وَلَا يُشْكِلُ كَوْنُ مَالِهِ فَيْئًا دُونَ نَفْسِهِ، فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَذَلِكَ (وَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَخَذَ مَالًا وَأَلْحَقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ) فَحُكْمُ الْوَرَثَةِ فِيهِ حُكْمُ مَالِكِ مَالٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ مَالِكُهُ وَهُوَ أَنَّهُمْ (إنْ وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رُدَّ عَلَيْهِمْ) وَإِنْ وَجَدُوهُ بَعْدَهَا أَخَذُوهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءُوا وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
ثُمَّ جَوَابُ هَذَا الْكِتَابِ أَعْنِي الْجَامِعَ الصَّغِيرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَوْدُهُ وَأَخْذُهُ الْمَالَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلَحَاقِهِ أَوْ قَبْلَهُ، أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكَافِرُ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا إذَا عَادَ قَبْلَهُ كَانَ عَوْدُهُ وَأَخْذُهُ وَلَحَاقُهُ ثَانِيًا يُرَجِّحُ جَانِبَ عَدَمِ الْعَوْدِ وَيُؤَكِّدُهُ فَيُقَرَّرُ مَوْتُهُ، وَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ لِصَيْرُورَتِهِ مِيرَاثًا إلَّا لِيَتَرَجَّحَ عَدَمُ عَوْدِهِ فَيَتَقَرَّرُ إقَامَتُهُ ثَمَّةَ فَيَتَقَرَّرُ مَوْتُهُ فَكَانَ رُجُوعُهُ وَأَخْذُهُ ثُمَّ عَوْدُهُ ثَانِيًا بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ جَعَلَهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ اللَّحَاقِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ. وَالْوَجْهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ فَقُضِيَ بِهِ لِابْنِهِ فَكَاتَبَهُ الِابْنُ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ
(6/87)

وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي أَسْلَمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفِّذٍ، فَجَعَلْنَا الْوَارِثَ الَّذِي هُوَ خَلَفُهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِيهِ تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْهُ.

(وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قَتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالدِّيَةُ فِي مَالٍ اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الدِّيَةُ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ جَمِيعًا) ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمُرْتَدَّ؛ لِانْعِدَامِ النُّصْرَةِ فَتَكُونُ فِي مَالِهِ. وَعِنْدَهُمَا الْكَسْبَانِ جَمِيعًا مَالُهُ؛ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلِهَذَا يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَهُ مَالُهُ الْمُكْتَسَبُ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ دُونَ الْمَكْسُوبِ فِي الرِّدَّةِ؛ لِتَوَقُّفِ تَصَرُّفِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَوَّلُ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَالثَّانِي فَيْئًا عِنْدَهُ.

(وَإِذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الثَّلَاثَةِ (وَالْوَلَاءُ وَالْمُكَاتَبَةُ) أَيْ بَدَلُ الْكِتَابَةِ (لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفِّذٍ) وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْعَبْدِ لَهُ، وَإِلَى نَقْلِ الْمِلْكِ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَجُعِلَ كَأَنَّ الِابْنَ وَكِيلٌ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ كَأَنَّهُ سَلَّطَ ابْنَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ (وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْوَكَالَةِ) بِالْكِتَابَةِ (وَالْوَلَاءُ لِمَنْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْهُ) فَلِذَا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي عَادَ مُسْلِمًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ إلَى الِابْنِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلِابْنِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قَتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالدِّيَةُ فِي مَالٍ اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: فِي مَالٍ اكْتَسَبَهُ فِي الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ) أَمَّا أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ؛ (فَلِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمُرْتَدَّ) ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَهُمْ الْعَقْلَ بِاعْتِبَارِ نُصْرَتِهِمْ إيَّاهُ الَّتِي بِهَا يَقْوَى عَلَى الْجُرْأَةِ وَلَا نُصْرَةَ مِنْهُمْ لِلْمُرْتَدِّ، وَأَمَّا أَنَّهَا عِنْدَهُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ فَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُ الْكُلَّ فَيَكُونُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا إذَا غَصَبَ مَالًا فَأَفْسَدَهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَهُمَا فِي الْكُلِّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبُ الْإِسْلَامِ وَاكْتَسَبَ فِي الرِّدَّةِ تُهْدَرُ الْجِنَايَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا (وَقَوْلُهُ: وَمَالُهُ الْمُكْتَسَبُ) مَالُهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْمُكْتَسَبُ خَبَرُهُ، وَالْأَوْلَى فِي مِثْلِهِ الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ الصِّفَةِ، إلَّا أَنَّهُ تَرَكَهُ لِلِاهْتِدَاءِ إلَيْهِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى عَلَى الصِّفَةِ، وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبِ الْمُرْتَدِّينَ كَجِنَايَتِهِمْ فِي غَيْرِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا قَائِمٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَالْمُكَاتَبُ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ فِي الرِّدَّةِ فَيَكُونُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَمَالِيكِ الْمُرْتَدِّينَ هَدَرٌ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعِ أَوْ لَحِقَ
(6/88)

ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى الْقَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ لِلْوَرَثَةِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السِّرَايَةَ حَلَّتْ مَحَلًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَأُهْدِرَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِهْدَارَ لَا يَلْحَقُهُ الِاعْتِبَارُ، أَمَّا الْمُعْتَبَرُ قَدْ يُهْدَرُ بِالْإِبْرَاءِ فَكَذَا بِالرِّدَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا لَحِقَ وَمَعْنَاهُ إذَا قُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَلِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا تَقْدِيرًا، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ السِّرَايَةَ، وَإِسْلَامُهُ حَيَاةٌ حَادِثَةٌ فِي التَّقْدِيرِ فَلَا يَعُودُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، فَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: فِي جَمِيعِ ذَلِكَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ فَلَا يَنْقَلِبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا وَمَاتَ مِنْهُ فَعَلَى الْقَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ لِلْوَرَثَةِ) فِيهِمَا (أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ الدِّيَةِ فِيمَا إذَا مَاتَ فَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ لَكِنَّ السِّرَايَةَ الَّتِي بِهَا صَارَ الْقَطْعُ قَتْلًا حَلَّتْ الْمَحَلَّ بَعْدَ زَوَالِ عِصْمَتِهِ فَأُهْدِرَتْ إذْ لَوْ لَمْ تُهْدَرْ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ لِلْعَمْدِ.
وَأَيْضًا صَارَ اعْتِرَاضُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ، وَإِذَا أُهْدِرَتْ السِّرَايَةُ وَجَبَ دِيَةُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ وَقَعَ زَمَنَ الْعِصْمَةِ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ دِيَةُ الْيَدِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ) الْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ وَقَعَ فِي وَقْتٍ لَا قِيمَةَ لَهَا فِيهِ وَهُوَ وَقْتُ الرِّدَّةِ فَكَانَتْ هَدَرًا (وَالْهَدَرُ لَا يَلْحَقُهُ الِاعْتِبَارُ، أَمَّا الْمُعْتَبَرُ فَقَدْ يَلْحَقُهُ الْإِهْدَارُ بِالْإِبْرَاءِ فَكَذَا بِالرِّدَّةِ) .
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ الدِّيَةِ إذَا لَحِقَ ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مِنْ الْقَطْعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَمَعْنَاهُ إذَا قُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَإِنَّهُ صَارَ مَيِّتًا تَقْدِيرًا) بِالْقَضَاءِ بِاللَّحَاقِ (وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ السِّرَايَةَ، وَإِسْلَامُهُ حَيَاةٌ حَادِثَةٌ فِي التَّقْدِيرِ فَلَا يَعُودُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى) عَلَى أَنَّهَا قَتْلٌ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ سِرَايَةً بَعْدَ انْقِطَاعِ حُكْمِ الْقَطْعِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُوجِبِ الْقَطْعِ الْوَاقِعِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَطْعٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ نِصْفُ دِيَةِ النَّفْسِ فَوَجَبَ لِلْوَرَثَةِ (وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقْضَ بِلَحَاقِهِ) حَتَّى عَادَ مُسْلِمًا فَمَاتَ (فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَا نَصَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ مَا يَذْكُرُ مِنْ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا دِيَةُ النَّفْسِ كَامِلَةً فِيمَا تَلِي هَذِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ: أَيْ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ مُسْلِمًا إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ لَحَاقٍ (فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى الْقَاطِعِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) اسْتِحْسَانًا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) يَعْنِي الصُّوَرَ الْأَرْبَعَةَ، وَهِيَ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ بِلَا لِحَاقٍ أَوْ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَهُ ثُمَّ عَادَ فَأَسْلَمَ (نِصْفُ الدِّيَةِ) قِيَاسًا.
وَوَجْهُهُ (أَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ) حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ (لَا يَنْقَلِبُ
(6/89)

بِالْإِسْلَامِ إلَى الضَّمَانِ، كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ وَتَمَّتْ فِيهِ فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّفْسِ، كَمَا إذَا لَمْ تَتَخَلَّلْ الرِّدَّةُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِقِيَامِ الْعِصْمَةِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ قِيَامُهَا فِي حَالِ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَفِي حَالِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَحَالَةُ الْبَقَاءِ بِمَعْزِلٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَارَ كَقِيَامِ الْمِلْكِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْيَمِينِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْإِسْلَامِ إلَى الضَّمَانِ) مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ جَدِيدٍ وَصَارَ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ شَيْءٌ (وَلَهُمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ (وَتَمَّتْ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي الْحَالَيْنِ (فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّفْسِ كَمَا إذَا لَمْ تَتَخَلَّلْ الرِّدَّةُ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَخَلُّلَهَا كَائِنٌ فِي حَالِ الْبَقَاءِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْعِصْمَةِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ وَبِهِ تَثْبُتُ الشُّبْهَةُ الْمُسْقِطَةُ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَيَفِي ضَمَانُهَا بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْعِصْمَةِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ لَا يَمْنَعُ كَمَالَ مُوجِبِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ إلَّا لَوْ كَانَتْ الْعِصْمَةُ مُعْتَبَرَةً حَالَةَ الْبَقَاءِ فِي إيجَابِهَا، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِبَقَائِهَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ قِيَامُهَا فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْجِنَايَةِ؛ لِانْعِقَادِهِ سَبَبًا، وَفِي حَالِ الْمَوْتِ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ وَهُوَ الضَّمَانُ (وَحَالَةُ الْبَقَاءِ بِمَعْزِلٍ) إذْ لَيْسَتْ حَالَ انْعِقَادِ سَبَبِ الضَّمَانِ، وَلَا حَالَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ (فَصَارَ كَقِيَامِ الْمِلْكِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْيَمِينِ) لَا عِبْرَةَ بِهِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ قِيَامُهُ حَالَ التَّعْلِيقِ وَحَالَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَهُوَ حَالُ وُجُودِ الشَّرْطِ، حَتَّى إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ، وَكَذَا لِلْعَبْدِ إنْ فَعَلْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَفَعَلَ عَتَقَ، وَكَذَا وُجُودُ النِّصَابِ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ الْمُعْتَبَرِ وُجُودُهُ أَوَّلَ الْحَوْلِ؛ لِيَنْعَقِدَ السَّبَبُ وَفِي آخِرِهِ؛ لِيَثْبُتَ حُكْمُهُ، هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ هُوَ الَّذِي ارْتَدَّ، فَلَوْ كَانَ الْقَاطِعُ هُوَ الَّذِي ارْتَدَّ فَفِي الْمَبْسُوطِ. فَإِنْ قُتِلَ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ مِنْ الْقَطْعِ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ وَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ حِينَ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ دِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ إيجَابِهِ كَانَ مُسْلِمًا وَجِنَايَةُ الْمُسْلِمِ خَطَأً عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَتَبَيَّنَ بِالسِّرَايَةِ أَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ قَتْلًا فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ حَالَ الرِّدَّةِ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ فِي مَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ
(6/90)

(وَاذَا ارْتَدَّ الْمُكَاتَبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاكْتَسَبَ مَالًا فَأُخِذَ بِمَالِهِ وَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ يُوَفِّي مَوْلَاهُ مُكَاتَبَتَهُ وَمَا بَقِيَ فَلِوَرَثَتِهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الرِّدَّةِ مِلْكُهُ إذَا كَانَ حُرًّا، فَكَذَا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ فَكَذَا أَكْسَابُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ بِالْأَقْوَى وَهُوَ الرِّقُّ، فَكَذَا بِالْأَدْنَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ أَحَدٌ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُكَاتَبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاكْتَسَبَ مَالًا) فِي أَيَّامِ رِدَّتِهِ يَفِي بِكِتَابَتِهِ (فَأُخِذَ بِمَالِهِ أَيْ أُسِرَ) وَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ يُوَفَّى مَوْلَاهُ مُكَاتَبَتَهُ، وَمَا بَقِيَ فَلِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الرِّدَّةِ مِلْكُهُ إذَا كَانَ حُرًّا فَكَذَا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا (إذْ الْكِتَابَةُ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَبِالرِّدَّةِ أَوْلَى) ، وَإِذَا كَانَ مِلْكُهُ قُضِيَتْ مِنْهُ مُكَاتَبَتُهُ. (وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) فَيُشْكِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ كَسْبَ الرِّدَّةِ إذَا كَانَ حُرًّا وَمِلْكُهُ إيَّاهُ مُكَاتَبًا. وَوَجْهُهُ (أَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا مَلَكَ أَكْسَابَهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَالْكِتَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ) وَلَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَيَسْتَمِرُّ مُوجِبُهَا مَعَ الرِّدَّةِ فَيَتَحَقَّقُ مِلْكُهُ فِي أَكْسَابِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فَيُقْضَى مِنْهَا وَيُورَثُ الْبَاقِي.
وَقَوْلُهُ: (أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ) تَوْجِيهٌ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَرُّفِ الْمُكَاتَبِ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى تَوْجِيهِ عَدَمِ بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ بِالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِبَقَاءِ الْعَقْدِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ أَحْكَامِهِ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَكَانَ يَكْفِيهِ فِيهِ كَوْنُ الْكِتَابَةِ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَبْطُلَ بِالْمَوْتِ الْحُكْمِيِّ وَهُوَ الرِّدَّةُ، فَإِنْ مَنَعَ عَدَمَ بُطْلَانِهَا بِالْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ اكْتَفَى بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إذَا مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ وَجْهٌ آخَرُ. وَحَاصِلُهُ بِدَلَالَةِ حَالِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ
(6/91)

(وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَحَبِلَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَوَلَدَتْ وَلَدًا وَوُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَالْوَلَدَانِ فَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَيُجْبَرُ الْوَلَدُ الْأَوَّلُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ الْوَلَدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِسَبَبِ رِقِّهِ، مَعَ أَنَّ الرِّقَّ أَقْوَى مِنْ الرِّدَّةِ فِي نَفْيِ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَا يَصِحَّ اسْتِيلَادُهُ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَوَقَّفُ بِسَبَبِ رِدَّتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَنَعَ مُقْتَضَى الرِّدَّةِ كَمَا مَنَعَ مُقْتَضَى الرِّقِّ فَصَارَ الْمُكَاتَبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَكَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا لَا يُمْنَعُ مَعَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يُمْنَعَ إذَا اجْتَمَعَا، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِي الْمُرْتَدِّ الْمُكَاتَبِ الرِّقُّ وَالرِّدَّةُ فَجَازَ أَنْ يَنْتَفِيَ التَّصَرُّفُ. أُجِيبُ مَرَّةً بِأَنَّ جَوَازَ الْمَنْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَهُ فَيَبْقَى عَلَى الْعَدَمِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَمَرَّةً بِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُطْلِقٌ لِلتَّصَرُّفِ وَكُلٌّ مِنْ الرِّقِّ وَالرِّدَّةِ مَانِعٌ مِنْهُ بِانْفِرَادِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ شَرْعًا تَرْجِيحُ مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ عَلَى مُقْتَضَى أَحَدِهِمَا، وَانْضِمَامُ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ انْضِمَامُ عِلَّةٍ إلَى أُخْرَى فِيمَا يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ لِمَا عُرِفَ، بَلْ التَّرْجِيحُ بِوَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَحَبِلَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَوَلَدَتْ وَلَدًا وَوُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَالْوَلَدَانِ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا ثُمَّ يُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ: وَلَا يُقْتَلُ كَوَلَدِ الْمُسْلِمِ إذَا بَلَغَ وَلَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَلُ (وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ الْوَلَدِ) أَمَّا جَبْرُ الْوَلَدِ؛ فَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الدِّينِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِمَا وَمُرْتَدًّا بِرِدَّتِهِمَا، فَلَمَّا كَانَ مُرْتَدًّا بِرِدَّتِهِمَا أُجْبِرَ كَمَا يُجْبَرَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْبَرْ وَلَدُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ جَدَّهُ بَلْ أَبَاهُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ» الْحَدِيثَ: أَيْ يَسْتَتْبِعَانِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا لِأَبِيهِ فِي الرِّدَّةِ فَيُجْبَرُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ رِدَّةَ أَبِيهِ كَانَتْ تَبَعًا وَالتَّبَعُ لَا يُسْتَتْبَعُ، خُصُوصًا وَأَصْلُ التَّبَعِيَّةِ ثَابِتَةٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ حَقِيقَةً وَلِهَذَا يُجْبَرُ بِالْحَبْسِ لَا بِالْقَتْلِ، بِخِلَافِ أَبِيهِ
(6/92)

وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْبَرُ تَبَعًا لِلْجَدِّ، وَأَصْلُهُ التَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَام وَهِيَ رَابِعَةُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ. وَالثَّالِثَةُ جَرُّ الْوَلَاءِ. وَالْأُخْرَى الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِذَا لَمْ يَتْبَعْ الْجَدَّ فَيُسْتَرَقُّ، أَوْ تُوضَعُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أُسِرُوا، وَأَمَّا الْجَدُّ فَيُقْتَلُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ الْمُرْتَدُّ بِالْأَصَالَةِ أَوْ يُسْلِمُ.
(وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِجَدِّهِ) فَيُجْعَلُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَأَصْلُهُ التَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ) يَعْنِي أَصْلَ الْجَبْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْجَدِّ هُوَ ثُبُوتُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْجَدِّ (وَهِيَ رَابِعَةُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) رِوَايَةُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ تَبَعًا لِلْجَدِّ، وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ يَكُونُ تَبَعًا إحْدَاهَا هَذِهِ (وَالثَّانِيَةُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ) لِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ جَدُّهُ مُوسِرًا وَلَا أَبَ لَهُ أَوْ لَهُ أَبٌ مُعْسِرٌ أَوْ عَبْدٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْجَدِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ تَجِبُ عَلَيْهِ (وَالثَّالِثَةُ جَرُّ الْوَلَاءِ) صُورَتُهَا: مُعْتَقَةٌ تَزَوَّجَتْ بِعَبْدٍ وَلَهُ أَبٌ عَبْدٌ فَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ تَبَعًا لِأُمِّهِ وَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى أُمِّهِ، فَإِذَا عَتَقَ جَدُّهُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَ حَافِدِهِ إلَى مَوَالِيهِ عَنْ مَوَالِي أُمِّهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَجُرُّهُ كَمَا لَوْ أُعْتِقَ أَبُوهُ.
(وَالرَّابِعَةُ الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ) لَا يَدْخُلُ الْوَالِدَانِ وَيَدْخُلُ الْجَدُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا يَدْخُلُ كَالْأَبِ، وَتَقْيِيدُ الْحَبَلِ بِدَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ الْحَبَلِ فِي دَارِ الْإِسْلَام
عَنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ: أَعْنِي جَبْرَ الْوَلَدِ بَلْ لِإِفَادَةِ حُكْمِ الْجَبْرِ فِيمَا إذَا حَبِلَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَوَلَدَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا أُجْبِرَ مَعَ أَنَّهُ عَلِقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلِلدَّارِ جِهَةُ اسْتِتْبَاعٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَلَأَنْ يُجْبَرَ إذَا عَلِقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْلَى. هَذَا إذْ وُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ بَعْدَ لُحُوقِهِمَا، أَمَّا إذَا ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِوَلَدٍ لَهُمَا صَغِيرٍ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَالْوَلَدُ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ صَارَ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ، وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ يَصِيرُ فَيْئًا بِالسَّبْيِ كَذَا ذُكِرَ، وَلَوْ صَحَّ لَزِمَ أَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَلْحَقَا بِهِ يَكُونُ مُرْتَدًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ إلَّا بِمُزِيلٍ.
وَالْأَحْسَنُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا بِاللَّحَاقِ بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لِلصَّغِيرِ بِاعْتِبَارِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَالدَّارِ وَقَدْ انْعَدَمَ كُلُّ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِهِ فَكَانَ الْوَلَدُ فَيْئًا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ كَمَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ ذَهَبَ بِهِ وَحْدَهُ وَالْأُمُّ مُسْلِمَةٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأُمِّهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتْبَعُهَا بَعْدَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ قُلْنَا: تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الِاتِّبَاعَ فِي الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً لَا فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ ثَابِتًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ وَخَرَجَ إلَى دَارِنَا بَقِيَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا حَتَّى لَوْ ظُهِرَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ فَيْئًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِنَا وَلَهُ وَلَدٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَمَرَّتْ هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ. وَكَذَا إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً وَالْوَلَدُ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ
(6/93)

قَالَ (وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ارْتِدَادٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ لَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ وَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إسْلَامُهُ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ وَارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ. لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا. وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحْكَامًا تَشُوبُهَا الْمَضَرَّةُ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ. وَلَنَا فِيهِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إسْلَامَهُ، وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَتَأَكَّدُ الْإِسْلَامُ وَلَا يَنْقَطِعُ.

(قَوْلُهُ: وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ارْتِدَادٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) أَيْ يَصِحُّ. فَلَوْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ بَعْدَ رِدَّتِهِ لَا يَرِثُ مِنْهُ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَيْسَ بِارْتِدَادٍ (وَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ) بِاتِّفَاقِ الثَّلَاثَةِ (فَلَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ) وَيَرِثُ أَقَارِبَهُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُشْرِكَةِ لَهُ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمُؤْمِنَةُ، وَتَبْطُلُ مَالِيَّةُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إسْلَامُهُ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ وَرِدَّتُهُ لَيْسَتْ بِارْتِدَادٍ لَهُمَا) أَيْ لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فِي عَدَمِ صِحَّةِ إسْلَامِهِ (أَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا) لِتَنَافٍ بَيْنَ صِفَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى سِمَةُ الْقُدْرَةِ وَالثَّانِيَةَ سِمَةُ الْعَجْزِ، ثُمَّ إسْلَامُهُ يَصِحُّ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا مُسْتَقِلًّا بِهِ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحْكَامًا تَشُوبُهَا الْمَضَرَّةُ) مِنْ حِرْمَانِ الْإِرْثِ وَالْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْمُشْرِكَةِ (فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (وَلَنَا فِيهِ) أَيْ إسْلَامِهِ (أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إسْلَامَهُ، وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ) أَمَّا افْتِخَارُهُ فَمَا نُقِلَ مِنْ قَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
سَبَقْتُكُمُو إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... غُلَامًا مَا بَلَغْت أَوَانَ حُلْمِي
(6/94)

وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَنْ طَوْعٍ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالْحَقَائِقُ لَا تُرَدُّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَنَجَاةٌ عَقْبَاوِيَّةٌ، وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ الْمَنَافِعِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ، ثُمَّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَلَا يُبَالِي بِشَوْبِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَأَمَّا مَا عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ سِوَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ لَمْ تَصِحَّ، بَلْ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اسْتِقْرَاءُ الْحَالِ يُبْطِلُ رِوَايَةَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْبَعْثِ ثَمَانِ سِنِينَ فَقَدْ عَاشَ مَعَهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَبَقِيَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَهَذِهِ مُقَارَبَةُ السِّتِّينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مِقْدَارِ عُمُرِهِ. ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُتِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. قَالَ: فَمَتَى قُلْنَا إنَّهُ كَانَ يَوْمَ إسْلَامِهِ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً صَارَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «دَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّايَةَ إلَى عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً» . وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ وَلَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، بَلْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. وَمَا ذَكَرَ الثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي اتِّفَاقِ الْأَعْمَارِ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً يَقْتَضِي أَنَّ عُمُرَهُ حِينَ أَسْلَمَ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ وَهُوَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ» ، وَقَدْ يُقَالُ تَصْحِيحُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إسْلَامَهُ إنْ أُرِيدَ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَمُسْلِمٌ، وَكَلَامُنَا فِي تَصْحِيحِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى لَا يَرِثَ أَقَارِبَهُ الْكُفَّارَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّحَهُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بَلْ فِي الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
نَعَمْ لَوْ نُقِلَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّحْت إسْلَامَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْوَجْهِ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْوَجْهُ. قِيلَ: وَمِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِح أَنْ لَا يُسَمَّى مُسْلِمًا مَعَ اشْتِغَالِهِ بِتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ وَالصَّلَاةِ. قِيلَ: وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ كَيْفَ يُصَحِّحُ اخْتِيَارَهُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّهُ إنَّمَا يَخْتَارُ مَنْ يُطْلِقُ عَنَانَهُ إلَى أَهْوِيَتِهِ مِنْ اللَّعِبِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُصَحِّحُ اخْتِيَارَهُ الْمَقْطُوعَ بِخِيرَتِهِ. فَإِنْ قَالَ هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَمَا عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَنَّهُ يَقَعُ مُسْقِطًا لِلْوَاجِبِ، لَكِنَّا إنَّمَا نَخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِتَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ، ثُمَّ إذَا بَلَغَ لَزِمَهُ فَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ لَا بِالْقَتْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ بَالِغًا. وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ مَعَهُ) وَالتَّصْدِيقُ الْبَاطِنِيُّ يُحْكَمُ بِهِ لِلْإِقْرَارِ الدَّالِّ عَلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَاطِنِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ فَقَدْ دَخَلَتْ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ قَائِمَةً بِهِ فِي الْوُجُودِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَمْ تَدْخُلْ، وَلَمْ يَتَّصِفْ مَعَ الدُّخُولِ وَالِاتِّصَافِ، فَإِنْ قَالَ: الْإِيمَانُ الَّذِي أَنْفِيهِ مِنْهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، فَمَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ لَا أَنْفِيهِ
(6/95)

وَلَهُمْ فِي الرِّدَّةِ أَنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَعْلَى الْمَنَافِعِ عَلَى مَا مَرَّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِيهَا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً، وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَكِنْ أَقُولُ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا. قُلْنَا: دَعْوَى عَدَمِ الِاعْتِبَارِ بَعْدَ وُجُودِ الْحَقِيقَةِ، إمَّا لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصِّحَّةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ أَهْلًا لِلنُّبُوَّةِ كَمَا فِي يَحْيَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ فَرْعُ الْإِيمَانِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ حَتَّى يَصِحَّانِ مِنْهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِمَا، وَإِمَّا لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ فَنَلْتَزِمُهُ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، وَإِمَّا لِحَاجِزٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ مُنْتَفٍ.
وَلَا يَلِيقُ أَنْ يَثْبُتَ شَرْعًا مَنْعٌ عَنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ عَقْلِيَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، نَعَمْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَجِبُ الْقَصْدُ إلَى تَصْدِيقٍ وَإِقْرَارٍ يَسْقُطُ بِهِ، وَلَا يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ بِهِ إسْقَاطَ الْفَرْضِ. كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُوَاظِبُ الصَّلَاةَ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَا يَكُونُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بَلْ لَا يَكْفِيهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مِنْهَا إلَّا مَا قَرَنَهُ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ امْتِثَالًا، لَكِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يَقَعُ فَرْضًا قَبْلَ الْبُلُوغِ، أَمَّا عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ أَصْلُ الْوُجُوبِ بِهِ عَلَى الصَّبِيِّ بِالسَّبَبِ، وَهُوَ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَعَقْلِيَّةُ دَلَالَتِهِ دُونَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ السَّبَبِ وَقَعَ الْفَرْضُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ. وَأَمَّا عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَلَا وُجُوبَ أَصْلًا؛ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَ وَصَارَ كَالْمُسَافِرِ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ وَلَيْسَتْ الْجُمُعَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ. لَكِنْ ذَلِكَ لِلتَّرْقِيَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبَبِهَا، فَإِذَا فَعَلَ تَمَّ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ فَرْضِ الْإِيمَانِ بَعْدَ بُلُوغِ مَنْ حُكِمَ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ صَبِيًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوْ لِإِسْلَامِهِ وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَمْ يَفْعَلْهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ عَنْ آخِرِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَشُوبُهَا ضَرَرٌ. قُلْنَا مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَيَزُولُ بِهِ تَوَقُّعُ مَضَرَّةٍ أَبَدِيَّةٍ مِنْ رَدِّ إسْلَامِهِ؛ لِيَسْتَمِرَّ عَلَى الْكُفْرِ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْنِيهِ وَلَا يُبَالِي مَعَهُ بِذَلِكَ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لَهُ بِالضَّرَرِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا التَّنَافِي الَّذِي ذُكِرَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ قُلْنَا بِاجْتِمَاعِ كَوْنِهِ تَبَعًا وَأَصْلًا مَعًا وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ بَلْ هُوَ تَبَعٌ مَا لَمْ يَعْقِلْ وَيُقِرَّ مُخْتَارًا، فَإِذَا عَقَلَ وَأَقَرَّ مُخْتَارًا نَقُولُ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَبَقِيَ أَصْلًا. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَنَعَ الْمُضَادَّةَ وَأَجَازَ اجْتِمَاعَهُمَا كَالْمَرْأَةِ تُسَافِرُ مَعَ الزَّوْجِ تَكُونُ مُسَافِرَةً تَبَعًا لَهُ حَتَّى إذَا لَمْ تَنْوِ السَّفَرَ تَكُونُ مُسَافِرَةً، وَلَوْ نَوَتْهُ كَانَتْ مُسَافِرَةً مَقْصُودًا وَتَبَعًا، فَجَعَلَهُمَا أَمْرَيْنِ يَتَأَيَّدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَهُمْ فِي الرِّدَّةِ) يَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَزُفَرَ وَأَبَا يُوسُفَ (إنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَعْلَى الْمَنَافِعِ) وَدَفَعَ أَعْظَمَ الْمَضَارِّ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) مَا قُلْنَا مِنْ (أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً) بِوُجُودِ حَقِيقَتِهَا مِنْ الْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ (وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ) فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ رَدِّهَا فِي الْإِسْلَامِ
(6/96)

كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لَهُ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالْعُقُوبَاتُ مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ مَرْحَمَةً عَلَيْهِمْ. وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِثْلُهُ فِي الرِّدَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّفْعِ وَفِي الرِّدَّةِ مِنْ الضَّرَرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْهِبَةُ؟ . الْجَوَابُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الدَّاخِلَةَ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِالْعِلْمِ أَوْ الْجَهْلِ فَهِيَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا كَالْإِيمَانِ وَالرِّدَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَارِفًا إذَا عُلِمَ جَهْلُهُ بِالْكُفْرِ وَلَا جَاهِلًا إذَا عُلِمَ عِلْمُهُ بِالْإِيمَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، وَصَارَ كَمَا إذَا صَامَ بِنِيَّةٍ يُجْعَلُ صَائِمًا شَرْعًا، فَلَوْ أَكَلَ جُعِلَ مُفْطِرًا وَلَمْ يُجْعَلْ صَائِمًا، وَكَذَا إذَا صَلَّى ثُمَّ أَفْسَدَهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهَا بِذَلِكَ بَلْ هِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ عِلْمِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَجَهْلِهِ بِهَا فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِالْمَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ كَالْهِبَةِ فَإِنَّهُ جَازَ فِيهِ كَوْنُهُ عَلِمَ الْمَصْلَحَةَ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهَا بِالضَّعْفِ، وَجَازَ كَوْنُهُ جَاهِلًا فِي ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ جَالِبَةً لِذَلِكَ فَمَنَعْنَاهَا، بِخِلَافِ الْقَبُولِ فَإِنَّا عَلِمْنَا عِلْمَهُ بِالْمَصْلَحَةِ فَلَا نَجْعَلُهُ جَاهِلًا بِهَا.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَائِقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا لَا تُرَدُّ لَزِمَ ضَرَرُهَا بِالضَّرُورَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى جَعْلِهِ مُرْتَدًّا إذَا ارْتَدَّ أَبَوَاهُ وَلَحِقَا بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ) أَيْ الصَّبِيَّ الْمُرْتَدَّ (يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ) الْمُتَيَقَّنِ وَدَفْعِ أَعْظَمِ الْمَضَارِّ (وَلَا يُقْتَلُ) وَهَذِهِ رَابِعَةُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ لَا يُقْتَلُ فِيهَا الْمُرْتَدُّ: إحْدَاهَا الَّذِي كَانَ إسْلَامُهُ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا؛ فَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا ثَبَتَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ صَارَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ، وَإِنْ بَلَغَ مُرْتَدًّا. الثَّانِيَةُ إذَا أَسْلَمَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ مُرْتَدًّا فَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْتَلُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ فِي الصِّغَرِ. وَالثَّالِثَةُ إذَا ارْتَدَّ فِي صِغَرِهِ. وَالرَّابِعَةُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِقَادِ فَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، ذَكَرَ الْكُلَّ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَهَا خَامِسَةٌ وَهُوَ اللَّقِيطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَلَوْ بَلَغَ كَافِرًا أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ كَافِرًا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي وَجْهِ عَدَمِ قَتْلِهِ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَتْلَ (عُقُوبَةٌ وَالْعُقُوبَاتُ مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ مَرْحَمَةٌ عَلَيْهِمْ) وَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ. وَفِي الْمَبْسُوطِ زَادَ كَوْنَهُ بِحَيْثُ يُنَاظِرُ وَيَفْهَمُ وَيُفْحَمُ.
وَاعْتَرَضَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مَرْحَمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ مُخَلَّدًا فَلَيْسَ بِمَرْحُومٍ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ وَجَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَحَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَى التَّبْصِرَةِ، فَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ. وَلَفْظُهُ فِي الْمَبْسُوطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَإِذَا حُكِمَ بِصِحَّةِ رِدَّتِهِ بَانَتْ
(6/97)

وَمَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ الصِّبْيَانِ لَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْعَقِيدَةِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَلَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ عُقُوبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِهِ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ، وَلَكِنْ لَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ رِدَّتِهِ إهْدَارُ دَمِهِ دُونَ اسْتِحْقَاقِ قَتْلِهِ كَالْمَرْأَةِ إذَا ارْتَدَّتْ لَا تُقْتَلُ، وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.

(وَمَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ الصِّبْيَانِ لَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْعَقِيدَةِ) وَكَذَا لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَجْنُونُ) لَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إسْلَامُهُ (وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ) كَالْمَجْنُونِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ. وَقَالَ فِي قَوْلٍ آخَرَ: يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ كَطَلَاقِهِ. قُلْنَا: الرِّدَّةُ تُبْنَى عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا قَالَ وَوُقُوعُ طَلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَصْدِ، وَلِذَا لَزِمَ طَلَاقُ النَّاسِي. وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيهِ زِيَادَةُ أَحْكَامٍ فَارْجِعْ إلَيْهِ فِي فَصْلِ: وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ إلَى آخِرِهِ.

[فُرُوعٌ] كُلُّ مَنْ أَبْغَضَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَلْبِهِ كَانَ مُرْتَدًّا، فَالسِّبَابُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، ثُمَّ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَنَا فَلَا تَعْمَلُ تَوْبَتُهُ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ. قَالُوا: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ فَإِنَّ الْإِنْكَارَ فِيهَا تَوْبَةٌ فَلَا تَعْمَلُ الشَّهَادَةُ مَعَهُ، حَتَّى قَالُوا: يُقْتَلُ وَإِنْ سَبَّ سَكْرَانَ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ سُكْرُهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ بَاشَرَهُ مُخْتَارًا بِلَا إكْرَاهٍ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ. وَأَمَّا مِثْلُهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَتَعْمَلُ تَوْبَتُهُ فِي إسْقَاطِ قَتْلِهِ.

وَمَنْ هَزَلَ بِلَفْظِ كُفْرٍ ارْتَدَّ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ لِلِاسْتِخْفَافِ فَهُوَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يَكْفُرُ بِهَا تُعْرَفُ فِي الْفَتَاوَى، وَإِذَا تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَا نَأْمُرُهُ بِالرَّجْعَةِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالْكُفْرِ، وَالرِّدَّةُ مُحْبِطَةٌ ثَوَابَ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ. وَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ إنْ عَادَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا ثَانِيًا، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ثَانِيًا إنْ كَانَ حَجَّ.

وَإِذَا أَعْتَقَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ابْنُهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَدُّ أَوْ قُتِلَ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ فَبِمَوْتِهِ يَبْطُلُ، وَإِعْتَاقُ ابْنِهِ قَبْلَ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَا يُتَوَقَّفُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْوَارِثُ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ ثُمَّ سَقَطَ الدَّيْنُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَالْفَرْقُ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَنْ عَدَمِ مِلْكِ الْوَارِثِ وَسَبَبِهِ قُلْنَا: إذَا مَاتَ الِابْنُ وَلَهُ مُعْتَقٌ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ وَلَهُ مُعْتَقٌ فَمَالُهُ لِمُعْتَقِهِ لَا لِمُعْتَقِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ.

وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَلَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ إلَّا الْحَسَنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ إلَّا أَرْبَعَةٌ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا. وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ بَلْ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ.

وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ مُطْلَقًا إلَى الْإِمَامِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ فِي الْعَبْدِ إلَى سَيِّدِهِ.

وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ إنْ لَمْ يَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ عَادَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يُقَامُ مُطْلَقًا وَالْمَبْنِيُّ ظَاهِرٌ.

وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ وَالزِّنْدِيقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَنْ لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ، وَأَمَّا مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ فَهُوَ الْمُنَافِقُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي عَدَمِ قَبُولِنَا تَوْبَتَهُ كَالزِّنْدِيقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الزِّنْدِيقِ لِعَدَمِ الِاطْمِئْنَانِ إلَى مَا يُظْهِرُ مِنْ التَّوْبَةِ إذَا كَانَ يُخْفِي كُفْرَهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ اعْتِقَادِهِ دِينًا، وَالْمُنَافِقُ مِثْلُهُ فِي الْإِخْفَاءِ وَعَلَى هَذَا فَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِحَالِهِ إمَّا بِأَنْ يَعْثُرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِ أَوْ يُسِرَّهُ إلَى مَنْ أَمِنَ إلَيْهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ
(6/98)

بَابُ الْبُغَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَوْبَتُهُ هُوَ الْمُنَافِقُ، فَالزِّنْدِيقُ إنْ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِنًا كُفْرَهُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّدَيُّنِ بِدِينٍ وَيُظْهِرُ تَدَيُّنَهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى أَنْ ظَفِرْنَا بِهِ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَإِلَّا فَلَوْ فَرَضْنَاهُ مُظْهِرًا لِذَلِكَ حَتَّى تَابَ يَجِبُ أَنْ لَا يُقْتَلَ.
وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ الْمُظْهِرِينَ لِكُفْرِهِمْ إذَا أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ، وَكَذَا مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُنْكِرُ فِي الْبَاطِنِ بَعْضَ الضَّرُورِيَّاتِ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَيُظْهِرُ اعْتِرَافَ حُرْمَتِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ وَتَأْثِيرٌ فِي إيلَامِ الْأَجْسَامِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ. وَتَعْلِيمُ السِّحْرِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاعْتِقَادُ إبَاحَتِهِ كُفْرٌ. وَعَنْ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ يَكْفُرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ لَا وَيُقْتَلُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَكَذَلِكَ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَبِيبِ بْنِ كَعْبٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهُمْ قَتَلُوهُ بِدُونِ الِاسْتِتَابَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا ابْنُ قَانِعٍ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْفَهَانِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدُبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ» انْتَهَى، يَعْنِي الْقَتْلَ. قَالَ: وَقِصَّةُ جُنْدُبٍ فِي قَتْلِهِ السَّاحِرَ بِالْكُوفَةِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ مَشْهُورَةٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُكَفَّرُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ. وَأَمَّا الْكَاهِنُ فَقِيلَ هُوَ السَّاحِرُ، وَقِيلَ هُوَ الْعَرَّافُ وَهُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ وَيَتَخَرَّصُ.
وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَهُ مِنْ الْجِنِّ مَنْ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَفْعَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ كَفَرَ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لَمْ يَكْفُرْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ اعْتَقَدَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُهُ كَفَرَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ حُكْمُهُ حُكْمُ السَّاحِرِ. فِي رِوَايَةٍ يُقْتَلُ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: إنْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي كُفْرِ السَّاحِرِ وَالْعَرَّافِ وَعَدَمِهِ. وَأَمَّا قَتْلُهُ فَيَجِبُ وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا عُرِفَتْ مُزَاوَلَتُهُ لِعَمَلِ السِّحْرِ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ لَا بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، وَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَدُّونَ الْمُوَادَعَةَ لَا يُجِيبُهُمْ إلَى ذَلِكَ.

[بَابُ الْبُغَاةِ]
(بَابُ الْبُغَاةِ) قَدَّمَ أَحْكَامَ قِتَالِ الْكُفَّارِ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ. وَالْبُغَاةُ جَمْعُ بَاغٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ اسْمِ فَاعِلٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ كَغُزَاةٍ وَرُمَاةٍ وَقُضَاةٍ. وَالْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ: الطَّلَبُ، بَغَيْتُ كَذَا: أَيْ طَلَبْتُهُ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةَ ذَلِكَ {مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: 64] ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ فِي طَلَبِ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ. وَالْبَاغِي فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ إمَامِ الْحَقِّ. وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا الْخَارِجُونَ بِلَا تَأْوِيلٍ بِمَنَعَةٍ وَبِلَا مَنَعَةٍ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَيَقْتُلُونَهُمْ وَيُخِيفُونَ الطَّرِيقَ وَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ. وَالثَّانِي قَوْمٌ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ
(6/99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَكِنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، إنْ قَتَلُوا قُتِلُوا وَصُلِبُوا، وَإِنْ أَخَذُوا مَالَ الْمُسْلِمِينَ قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ عَلَى مَا عُرِفَ. وَالثَّالِثُ قَوْمٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَحَمِيَّةٌ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلِ كُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ يُوجِبُ قِتَالَهُ بِتَأْوِيلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمُّونَ بِالْخَوَارِجِ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونِ نِسَاءَهُمْ وَيُكَفِّرُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَحُكْمُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حُكْمُ الْبُغَاةِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ يُسْتَتَابُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا دَفْعًا لِفَسَادِهِمْ لَا لِكُفْرِهِمْ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ «أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ: كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا. قِيلَ يَا أَبَا أُمَامَةَ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي نَقْلَ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَبَعْضُهُمْ يُكَفِّرُونَ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِبِدْعَتِهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَنَسَبَهُ إلَى أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالنَّقْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ، نَعَمْ يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ تَكْفِيرٌ كَثِيرٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا ذَكَرْنَا، وَابْنُ الْمُنْذِرِ أَعْرَفُ بِنَقْلِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرٍ الْحَضْرَمِيِّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَضْرَمِيِّ: دَخَلْت مَسْجِدَ الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ كِنْدَةَ، فَإِذَا نَفَرٌ خَمْسَةٌ يَشْتِمُونَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ يَقُولُ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَقْتُلَنَّهُ، فَتَعَلَّقْت بِهِ وَتَفَرَّقَتْ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، فَأَتَيْت بِهِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُلْت: إنِّي سَمِعْت هَذَا يُعَاهِدُ اللَّهَ لَيَقْتُلَنَّكَ، فَقَالَ: اُدْنُ وَيْحَك مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا سَوَّارُ الْمُنْقِرِيُّ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خَلِّ عَنْهُ، فَقُلْت أُخَلِّي عَنْهُ وَقَدْ عَاهَدَ اللَّهَ لَيَقْتُلَنَّكَ؟ قَالَ: أَفَأَقْتُلُهُ وَلَمْ يَقْتُلْنِي؟ قُلْت: فَإِنَّهُ قَدْ شَتَمَك، قَالَ: فَاشْتُمْهُ إنْ شِئْت أَوْ دَعْهُ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَارِجِينَ مَنَعَةٌ لَا نَقْتُلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُفَّارًا لَا بِشَتْمِ عَلِيٍّ وَلَا بِقَتْلِهِ. قِيلَ إلَّا إذَا اسْتَحَلَّهُ، فَإِنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ مُسْلِمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ عَنْ تَأْوِيلٍ وَاجْتِهَادٍ يُؤَدِّيهِ إلَى الْحُكْمِ بِحِلِّهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَحِلِّ بِلَا تَأْوِيلٍ، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْفِيرُهُمْ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ يَسْتَحِلُّونَ الْقَتْلَ بِتَأْوِيلِهِمْ الْبَاطِلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ حَكَّمَتْ الْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَنْ نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَنْ نَمْنَعَكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا، ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ حَكَّمَتْ الْخَوَارِجُ نِدَاؤُهُمْ بِقَوْلِهِمْ الْحُكْمُ لِلَّهِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِذَلِكَ إذَا أَخَذَ عَلِيٌّ فِي الْخُطْبَةِ لِيُشَوِّشُوا خَاطِرَهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلَى الْكُفْرِ لِرِضَاهُ بِالتَّحْكِيمِ فِي صِفِّينَ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ: يَعْنِي تَكْفِيرَهُ.
وَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الْخَوَارِجَ إذَا قَاتَلُوا الْكُفَّارَ مَعَ أَهْلِ الْعَدْلِ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِثْلَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ بِالتَّعْرِيضِ بِالشَّتْمِ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَى الْكُفْرِ شَتْمٌ عَرَّضُوا بِهِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا. وَالرَّابِعُ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَلَى إمَامِ الْعَدْلِ
(6/100)

(وَإِذَا تَغَلَّبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَلَدٍ وَخَرَجُوا مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ دَعَاهُمْ إلَى الْعَوْدِ إلَى الْجَمَاعَةِ وَكَشَفَ عَنْ شُبْهَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ كَذَلِكَ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ قَبْلَ قِتَالِهِمْ، وَلِأَنَّهُ أَهْوَنُ الْأَمْرَيْنِ. وَلَعَلَّ الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِهِ فَيُبْدَأُ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَمْ يَسْتَبِيحُوا مَا اسْتَبَاحَهُ الْخَوَارِجُ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ وَهُمْ الْبُغَاةُ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا تَغَلَّبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَلَدٍ وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ إمَامٍ) النَّاسُ بِهِ فِي أَمَانٍ وَالطُّرُقَاتُ آمِنَةٌ (دَعَاهُمْ إلَى الْعَوْدِ إلَى الْجَمَاعَةِ وَكَشَفَ عَنْ شُبْهَتِهِمْ) الَّتِي أَوْجَبَتْ خُرُوجَهُمْ (لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ) قَبْلَ قِتَالِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ لَا تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ ثَانِيًا وَتُسْتَحَبُّ. وَحَرُورَاءُ: اسْمُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْكُوفَةِ، وَفِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِمُعَاذَةَ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ .
أَسْنَدَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى فِي خَصَائِصِ عَلِيٍّ
إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَ: لَمَّا خَرَجَتْ الْحَرُورِيَّةُ اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافٍ. فَقُلْت لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، قَالَ: إنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْك. قُلْت كَلًّا. فَلَبِسْت ثِيَابِي وَمَضَيْت إلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلْت عَلَيْهِمْ فِي دَارٍ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِيهَا. فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِك يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا جَاءَ بِك؟ قُلْت: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِهْرِهِ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْرَفُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، جِئْت لِأُبَلِّغَكُمْ مَا يَقُولُونَ وَأُبَلِّغَهُمْ مَا تَقُولُونَ. فَانْتَحَى لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ، قُلْت: هَاتُوا مَا نَقَمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنِ عَمِّهِ وَخَتَنِهِ وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ، قَالُوا: ثَلَاثٌ. قُلْت: مَا هِيَ؟ قَالُوا: إحْدَاهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} [يوسف: 40] قُلْت: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ حَلَّتْ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ، قُلْت هَذِهِ أُخْرَى. قَالُوا: وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَمِيرَ الْكَافِرِينَ، قُلْت: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا، قُلْت لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إنْ قَرَأْت عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ هَذَا تَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قُلْت أَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللَّهُ حُكْمَهُ إلَى الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ، قَالَ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] إلَى قَوْلِهِ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] . وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ أَحْكُمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلْ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، قُلْت: أَخْرَجْت مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قُلْت: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ فَتَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا وَهِيَ أُمُّكُمْ؟
(6/101)

(وَلَا يَبْدَأُ بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَءُوهُ، فَإِنْ بَدَءُوهُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ إذَا تَعَسْكَرُوا وَاجْتَمَعُوا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ إلَّا دَفْعًا وَهُمْ مُسْلِمُونَ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْكُفْرِ مُبِيحٌ عِنْدَهُ. وَلَنَا أَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِامْتِنَاعُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ الْإِمَامُ حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ فَيُدَارُ عَلَى الدَّلِيلِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِمْ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ. فَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَتْ أُمَّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] فَأَنْتُمْ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، فَأَتَوْا مِنْهَا بِمَخْرَجٍ، أَخْرَجْت مِنْ هَذِهِ الْأُخْرَى؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قُلْت: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا فَقَالَ: اُكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاك عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاك، وَلَكِنْ اُكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَبْتُمُونِي، يَا عَلِيُّ اُكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ ذَلِكَ مَحْوًا مِنْ النُّبُوَّةِ، أَخْرَجْت مِنْ هَذِهِ الْأُخْرَى؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ سَائِرُهُمْ فَقُتِلُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ قَتَلَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ اسْتَحْكَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: لَمَّا كَانَتْ حَرْبُ مُعَاوِيَةَ وَحَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءَ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، إلَى أَنْ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَخَرَجْت مَعَهُ، حَتَّى إذَا تَوَسَّطْنَا عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ خَطِيبًا فَقَالَ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا يَعْرِفُهُ بِهِ، هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] فَرُدُّوهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ وَقَالُوا وَاَللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ، فَوَاضَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْكِتَابَ وَوَاضَعُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فِيهِمْ ابْنُ الْكَوَّاءِ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ الْكُوفَةَ عَلَى عَلِيٍّ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يَبْدَأُ بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَءُوهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ) وَهُوَ عَيْنُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا (وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ نَبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ إذَا تَعَسْكَرُوا وَاجْتَمَعُوا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبْدَءُوا حَقِيقَةً) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ (لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا دَفْعًا وَهُمْ) أَيْ الْبُغَاةُ (مُسْلِمُونَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ثُمَّ قَالَ {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] (وَنَحْنُ أَدَرْنَا الْحُكْمَ وَهُوَ حِلُّ الْقِتَالِ عَلَى دَلِيلِ قِتَالِهِمْ وَ) ذَلِكَ (هُوَ الِاجْتِمَاعُ) عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ (وَالِامْتِنَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ) لِتَقْوَى شَوْكَتُهُمْ وَتَكْثُرَ جَمْعُهُمْ خُصُوصًا وَالْفِتْنَةُ يُسْرِعُ إلَيْهَا أَهْلُ الْفَسَادِ وَهُمْ الْأَكْثَرُ، وَالْكُفْرُ مَا أَبَاحَ الْقِتَالَ إلَّا لِلْحِرَابَةِ وَالْبُغَاةُ كَذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَطَاقَ الدَّفْعَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ الْإِمَامِ إلَّا إنْ أَبْدَوْا مَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقِتَالُ كَأَنْ ظَلَمَهُمْ أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُمْ ظُلْمًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُعِينُوهُمْ حَتَّى يُنْصِفَهُمْ وَيَرْجِعَ عَنْ جَوْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَالُ مُشْتَبَهًا أَنَّهُ ظُلْمٌ مِثْلُ
(6/102)

وَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً دَفْعًا لِلشَّرِّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ لُزُومِ الْبَيْتِ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ عَدَمِ الْإِمَامِ، أَمَّا إعَانَةُ الْإِمَامِ الْحَقِّ فَمِنْ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْغَنَاءِ وَالْقُدْرَةِ.

(فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَأُتْبِعَ مُوَلِّيهِمْ) دَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَيْ لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ لَمْ يُجْهَزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يُتْبَعْ مُوَلِّيهِمْ) لِانْدِفَاعِ الشَّرِّ دُونَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ إذَا تَرَكُوهُ لَمْ يَبْقَ قَتْلُهُمْ دَفْعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَحْمِيلِ بَعْضِ الْجِبَايَاتِ الَّتِي لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَعَمَّ مِنْهُ، وَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِكُلِّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْمَنْجَنِيقِ وَإِرْسَالِ الْمَاءِ وَالنَّارِ.
وَخُوَاهَرْ زَادَهْ مَعْنَاهُ ابْنُ الْأُخْتِ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي ثَابِتٍ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ وَاسْمُ خُوَاهَرْ زَادَهْ مُحَمَّدٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ حُسَيْنٌ النَّجَّارِيُّ وَهُوَ مُعَاصِرٌ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَمُوَافِقٌ لَهُ فِي اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ؛ لِأَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، وَتُوُفِّيَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ الْآخَرُ وَهُوَ عَامُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا مُعَاصِرٌ لَهُمَا وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ (فَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً دَفْعًا لِلشَّرِّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -)
مِنْ قَوْلِهِ: الْفِتْنَةُ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَرَّ مِنْ الْفِتْنَةِ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ مِنْ النَّارِ» وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: «كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك» رَوَاهُ عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ (فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامٌ) وَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَعَدُوا فِي الْفِتْنَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ وَلَا غَنَاءٌ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي تَرَدُّدٍ مِنْ حِلِّ الْقِتَالِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَتَى عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَطْلُبُ عَطَاءَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَمَنَعَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ كُنْت يَوْمَ صِفِّينَ؟ فَقَالَ: ابْغِنِي سَيْفًا أَعْرِفُ بِهِ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ، فَقَالَ لَهُ: مَا قَالَ اللَّهُ هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] وَمَا رُوِيَ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى اقْتِتَالِهِمَا حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً كَمَا يُتَّفَقُ بَيْنَ أَهْلِ قَرْيَتَيْنِ وَمَحَلَّتَيْنِ أَوْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَالْمَمْلَكَةِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: صَحَّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: رَأَيْت كَأَنَّ قِبَابًا فِي رِيَاضٍ، فَقُلْت لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا لِذِي الْكُلَاعِ وَأَصْحَابِهِ، وَرَأَيْت قِبَابًا فِي رِيَاضٍ فَقُلْت لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقِيلَ: لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ، قُلْت: وَكَيْفَ وَقَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ: إنَّهُمْ وَجَدُوا اللَّهَ وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ انْتَهَى. وَهَذَا؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ.

(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ أُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ) أَيْ يُسْرَعُ فِي إمَاتَتِهِ (وَأُتْبِعَ مُوَلِّيهِمْ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا لِلْقَتْلِ وَالْأَسْرِ (دَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَيْ لَا يَلْتَحِقَا) أَيْ الْجَرِيحُ وَالْمُوَلِّي (بِهِمْ) أَيْ بِالْفِئَةِ عَلَى مَعْنَى الْقَوْمِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ لَمْ يُجْهَزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يُتْبَعْ مُوَلِّيهِمْ لِانْدِفَاعِ الشَّرِّ بِدُونِ ذَلِكَ) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَحْمَدُ أَيْضًا: (لَا يَجُوزُ ذَلِكَ) أَيْ الْإِجْهَازُ وَالِاتِّبَاعُ (فِي الْحَالَيْنِ) حَالَتَيْ الْفِئَةِ وَعَدَمِهَا (لِأَنَّ الْقِتَالَ إذَا تَرَكُوهُ) بِالتَّوْلِيَةِ وَالْجِرَاحَةِ الْمُعْجِزَةِ عَنْهُ (لَمْ يَبْقَ قَتْلُهُمْ دَفْعًا) وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ إلَّا دَفْعًا لِشَرِّهِمْ، وَلِمَا رَوَى
(6/103)

وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ دَلِيلُهُ لَا حَقِيقَتُهُ.

(وَلَا يُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ وَلَا يُقَسَّمُ لَهُمْ مَالٌ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ وَلَا يُكْشَفُ سِتْرٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ، وَهُوَ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَوْلُهُ فِي الْأَسِيرِ تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ يَقْتُلُ الْإِمَامُ الْأَسِيرَ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَالْإِسْلَامُ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالْمَالَ

(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحِهِمْ إنْ احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَالْكُرَاعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. لَهُ أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا قَسَّمَ السِّلَاحَ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
وَأَسْنَدَ أَيْضًا وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ. (وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ) فِي جَوَازِ الْقَتْلِ (دَلِيلُ قِتَالِهِمْ لَا حَقِيقَتُهُ) وَلِأَنَّ قَتْلَ مَنْ ذَكَرْنَا إذَا كَانَ لَهُ فِئَةٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَفْعًا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَيَّزُ إلَى الْفِئَةِ وَيَعُودُ شَرُّهُ كَمَا كَانَ، وَأَصْحَابُ الْجَمَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ أُخْرَى سِوَاهُمْ.

(قَوْلُهُ: وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ) إذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ (وَلَا يُقَسَّمُ لَهُمْ مَالٌ) بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ (لِقَوْلِ عَلِيٍّ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا هَزَمَ طَلْحَةَ وَأَصْحَابَهُ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُقْبِلٌ وَلَا مُدْبِرٌ: يَعْنِي بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَلَا يُفْتَحُ بَابٌ وَلَا يُسْتَحَلُّ فَرْجٌ وَلَا مَالٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَأْخُذُ مَالَ الْمَقْتُولِ وَيَقُولُ: مَنْ اعْتَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ. وَفِي تَارِيخِ وَاسِطَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَلَا تَقْتُلُوا أَسِيرًا. وَإِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ بِالْجَرِيدَةِ أَوْ بِالْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا هُوَ وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
هَذَا وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ كَوْثَرَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ حَكَمَ اللَّهُ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا وَلَا يُقَسَّمُ فَيْؤُهَا» وَأَعَلَّهُ الْبَزَّارُ بِكَوْثَرَ بْنِ حَكِيمٍ وَبِهِ تَعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ عَلَى الْحَاكِمِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلْقَى مَا أَصَابَ مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فِي الرَّحْبَةِ، فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا أَخَذَهُ حَتَّى كَانَ آخِرَهُ قِدْرٌ حَدِيدٌ لِإِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ (وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأَسِيرِ تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ فَإِنْ كَانَتْ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْأَسِيرَ) وَإِنْ كَانَ عَبْدًا يُقَاتِلُ. (وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ) وَالْعَبْدُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ بَلْ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ يُحْبَسُ (لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ دَفْعِهِ الشَّرَّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَفِيهِ خِلَافُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَمَعْنَى هَذَا الْخِيَارِ أَنْ يُحَكِّمَ نَظَرَهُ فِيمَا هُوَ أَحْسَنُ الْأَمْرَيْنِ فِي كَسْرِ الشَّوْكَةِ مِنْ قَتْلِهِ وَحَبْسِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَالِ لَا بِهَوَى النَّفْسِ وَالتَّشَفِّي، وَإِذَا أُخِذَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَكَانَتْ تُقَاتِلُ حُبِسَتْ وَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا دَفْعًا، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ لِلْمَعْصِيَةِ وَلِمَنْعِهَا مِنْ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحِهِمْ إنْ احْتَاجَ أَهْلُ الْعَدْلِ إلَيْهِ) وَكَذَا الْكُرَاعُ يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ) اسْتِعْمَالُهَا فِي الْقِتَالِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْهُمْ وَلَا تُرَدُّ قَبْلَهُ (لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا إلَخْ) يُرِيدُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي آخِرِ مُصَنَّفِهِ فِي بَابِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَسَّمَ يَوْمَ الْجَمَلِ
(6/104)

وَكَانَتْ قِسْمَتُهُ لِلْحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى وَالْمَعْنَى فِيهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ الْأَدْنَى لِدَفْعِ الْأَعْلَى.

(وَيَحْبِسُ الْإِمَامُ أَمْوَالَهُمْ فَلَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يُقَسِّمُهَا حَتَّى يَتُوبُوا فَيَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ) أَمَّا عَدَمُ الْقِسْمَةِ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ. وَأَمَّا الْحَبْسُ فَلِدَفْعِ شَرِّهِمْ بِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَلِهَذَا يَحْبِسُهَا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، إلَّا أَنَّهُ يَبِيعُ الْكُرَاعَ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الثَّمَنِ أَنْظَرُ وَأَيْسَرُ، وَأَمَّا الرَّدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَلِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَلَا اسْتِغْنَامَ فِيهَا. .

قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ لَمْ يَأْخُذْهُ الْإِمَامُ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ وَلَمْ يَحْمِهِمْ (فَإِنْ كَانُوا صَرَفُوهُ فِي حَقِّهِ أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ) لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صَرَفُوهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى أَهْلِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعِيدُوا ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: قَالُوا الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُمْ مُقَاتِلَةٌ فَكَانُوا مَصَارِفَ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَفِي الْعُشْرِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الزَّكَاةِ. وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِيهِمْ فِيهِ؛ لِظُهُورِ وِلَايَتِهِ.

(وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَهُمَا مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْعَسْكَرِ مَا أَجَافَوْا عَلَيْهِ مِنْ كُرَاعٍ وَسِلَاحٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَانَتْ قِسْمَتُهُ لِلْحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ) وَلَوْلَا أَنَّ فِيهِ إجْمَاعًا لَأَمْكَنَ التَّمَسُّكُ بِبَعْضِ الظَّوَاهِرِ فِي تَمَلُّكِهِ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَسْنَدَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الْجَمَلِ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تَطْلُبُوا مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الْعَسْكَرِ، وَمَا كَانَ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ سِلَاحٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ أُمُّ وَلَدٍ، وَأَيُّ امْرَأَةٍ قُتِلَ زَوْجُهَا فَلْتَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَحِلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ؟ فَخَاصَمُوهُ، فَقَالَ: هَاتُوا نِسَاءَكُمْ وَأَقْرِعُوا عَلَى عَائِشَةَ فَهِيَ رَأْسُ الْأَمْرِ وَقَائِدُهُمْ، قَالَ: فَخَصَمَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَرَفُوا وَقَالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْعَادِلِ) أَيْ يَسْتَعِينُ بِكُرَاعِهِ وَسِلَاحِهِ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ (فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى. وَالْمَعْنَى) الْمُجَوَّزُ (فِيهِ أَنَّهُ دَفْعُ الضَّرَرِ الْأَعْلَى) وَهُوَ الضَّرَرُ الْمُتَوَقَّعُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (بِالضَّرَرِ الْأَدْنَى) وَهُوَ إضْرَارُ بَعْضِهِمْ.

(وَيَحْبِسُ الْإِمَامُ أَمْوَالَهُمْ) لِدَفْعِ شَرِّهِمْ وَإِضْعَافِهِمْ بِذَلِكَ (وَلَا يَرُدُّهَا إلَيْهِمْ وَلَا يُقَسِّمُهَا حَتَّى يَتُوبُوا فَيَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ) أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِمْ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ، وَإِذَا حَبَسَهَا كَانَ بَيْعُ الْكُرَاعِ أَوْلَى (؛ لِأَنَّ حَبْسَ الثَّمَنِ أَنْظَرُ) وَلَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَتَوَفَّرَ مُؤْنَتَهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ بِهَا حَاجَةٌ.

(قَوْلُهُ: وَمَا جَبَاهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ لَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ ثَانِيًا) إذَا ظَهَرَ عَلَى الْبُغَاةِ (لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ) إنَّمَا كَانَتْ (لَهُ لِحِمَايَتِهِ إيَّاهُمْ وَلَمْ يَحْمِهِمْ) وَمَا قِيلَ إنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ غَلَبُوا عَلَى بَلْدَةٍ فَأَخَذُوا جِبَايَاتِهَا. قَالُوا: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَتَاهُ سَاعِي الْحَرُورَاء دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ، وَكَذَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، ثُمَّ (إنْ كَانُوا صَرَفُوهُ إلَى حَقِّهِ) أَيْ إلَى مَصَارِفِهِ (أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ) وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صَرَفُوهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا الْأَدَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْمُصَنِّفُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (لَا إعَادَةَ عَلَى الْأَرْبَابِ فِي الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (مُقَاتِلَةٌ) وَهُمْ مَصْرِفُ الْخَرَاجِ (وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ. وَفِي الْعُشْرِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَكَذَلِكَ) وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أُفْتُوا بِالْإِعَادَةِ، وَكَذَا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا لَوْ أَخَذُوهَا وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَالْمَدْفُوعُ مُصَادَرَةً إذَا نَوَى الدَّافِعُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي إذَا
(6/105)

الْعَدْلِ حِينَ الْقَتْلِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا كَالْقَتْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

(وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى مِصْرٍ فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ عَمْدًا ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الْمِصْرِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ) وَتَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَجْرِ عَلَى أَهْلِهِ أَحْكَامُهُمْ وَأُزْعِجُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ لَمْ تَنْقَطِعْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ.

(وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ بَاغِيًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاغِي وَقَالَ قَدْ كُنْت عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ، وَإِنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ يَرِثْهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَرِثُ الْبَاغِي فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ وَلَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ، وَالْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَنَا وَيَأْثَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقَدِيمِ: إنَّهُ يَجِبُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا تَابَ الْمُرْتَدُّ، وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا. لَهُ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا أَوْ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً فَيَجِبُ الضَّمَانُ اعْتِبَارًا بِمَا قَبْلَ الْمَنَعَةِ. وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ دِيَةٌ، وَلَا قِصَاصٌ إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا يُبَاحُ قَتْلُهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالْوِلَايَةِ وَهِيَ بِالْمَنَعَةِ وَلَا وِلَايَةَ لِإِمَامِنَا عَلَيْهِمْ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ وَصَارَ (كَالْقَتْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ كُلُّ مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَاتُ فِي أَوْقَاتِهَا فَهُوَ كَدَارِ الْعَدْلِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى مِصْرٍ) مِنْ أَمْصَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ (فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ رَجُلًا مِنْهُمْ عَمْدًا ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمِصْرِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُمْ غَلَبُوا وَلَمْ يَجْرِ فِيهَا حُكْمُهُمْ بَعْدُ حَتَّى أَزْعَجَهُمْ إمَامُ الْعَدْلِ عَنْ أَهْلِ الْمِصْرِ: أَيْ أَخْرَجَهُمْ قَبْلَ تَقَرُّرِ حُكْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَنْقَطِعْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فَوَجَبَ الْقَوَدُ، أَمَّا لَوْ جَرَتْ أَحْكَامُهُمْ حَتَّى صَارَتْ فِي حُكْمِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِمْ فَلَا قَوَدَ وَلَا قِصَاصَ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ عَذَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ بَاغِيًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ) بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ فَلَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ بِهِ (وَإِنْ قَتَلَ الْبَاغِي) الْعَادِلَ (وَقَالَ: كُنْت عَلَى الْحَقِّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْحَقِّ وَرِثَهُ) ، وَإِنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ يَرِثْهُ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَرِثُ الْبَاغِي) الْعَادِلَ (فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَأَصْلُهُ) أَيْ أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ الْخِلَافُ فِي (أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ) عِنْدَنَا (وَلَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِمْ) دَفْعًا لِشَرِّهِمْ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ (وَالْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ) بَعْدَ قِيَامِ مَنَعَتِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ (لَا يَجِبُ الضَّمَانُ) عَلَيْهِ (عِنْدَنَا) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ اُقْتُصَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا وَكَذَا يَضْمَنُونَ الْمَالَ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ يَضْمَنُ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا نُفُوسٌ وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ فَتُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ تَابَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا. وَلَنَا أَنَّهُ)
إتْلَافٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الضَّمَانِ فِي حَالِ عَدَمِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الضَّمَانِ مَنُوطٌ بِالْمَنَعَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ، فَلَوْ تَجَرَّدَتْ الْمَنَعَةُ عَنْ التَّأْوِيلِ كَقَوْمٍ غَلَبُوا عَلَى أَهْلِ بَلْدَةٍ فَقَتَلُوا وَاسْتَهْلَكُوا الْأَمْوَالَ بِلَا تَأْوِيلٍ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ أُخِذُوا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَوْ انْفَرَدَ التَّأْوِيلُ عَنْ الْمَنَعَةِ بِأَنْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَقَتَلُوا وَأَخَذُوا عَنْ تَأْوِيلٍ ضَمِنُوا إذَا تَابُوا أَوْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ،
(6/106)

وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ كَمَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَأْوِيلِهِمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِلْزَامِ أَوْ الِالْتِزَامِ، وَلَا الْتِزَامَ لِاعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ عَنْ تَأْوِيلٍ، وَلَا إلْزَامَ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ لِوُجُودِ الْمَنَعَةِ، وَالْوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ قَبْلَ الْمَنَعَةِ وَعِنْدَ عَدَمِ التَّأْوِيلِ ثَبَتَ الِالْتِزَامُ اعْتِقَادًا، بِخِلَافِ الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنَعَةَ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَتْلُ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ قَتْلٌ بِحَقٍّ فَلَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَتْلِ الْبَاغِي الْعَادِلَ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ وَالْحَاجَةُ هَاهُنَا إلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ فَلَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ. وَلَهُمَا فِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى دَفْعِ الْحِرْمَانِ أَيْضًا، إذْ الْقَرَابَةُ سَبَبُ الْإِرْثِ فَيُعْتَبَرُ الْفَاسِدُ فِيهِ، إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ بَقَاءَهُ عَلَى دِيَانَتِهِ، فَإِذَا قَالَ: كُنْت عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ يُوجَدْ الدَّافِعُ فَوَجَبَ الضَّمَانُ.

قَالَ (وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَلَيْسَ بِبَيْعِهِ بِالْكُوفَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ بَأْسٌ) ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي الْأَمْصَارِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ بَيْعُ نَفْسِ السِّلَاحِ لَا بَيْعُ مَا لَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا وَشَهِدَتْ عَلَى قَوْمِهَا بِالشِّرْكِ وَلَحِقَتْ بِالْحَرُورِيَّةِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ إنَّهَا رَجَعَتْ إلَى أَهْلِهَا تَائِبَةً، قَالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الْأُولَى ثَارَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا كَثِيرٌ فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمُوا عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فِي فَرْجٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَلَا قِصَاصًا فِي دَمٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَلَا بِرَدِّ مَالٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَيُرَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى زَوْجِهَا وَأَنْ يُحَدَّ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَالْفَاسِدُ مِنْ التَّأْوِيلِ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّافِعِ) أَيْ نَفْيُ الضَّمَانِ وَصَارَ (كَمَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَأْوِيلِهِمْ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ وَهُوَ إلْحَاقُ الْفَاسِدِ مِنْ الِاجْتِهَادِ الَّذِي لَمْ يُسَوَّغْ حَتَّى ضُلِّلَ مُرْتَكِبُهُ بِالصَّحِيحِ بِشَرْطِ انْضِمَامِ الْمَنَعَةِ إلَيْهِ، وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ عِنْدَ انْضِمَامِ الْمَنَعَةِ تَنْقَطِعُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ فَيَلْزَمُ السُّقُوطُ كُلُّهُ مُسْتَنِدًا إلَى الْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْ الْإِلْزَامِ سُقُوطُهُ شَرْعًا، بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ سُقُوطُ الْخِطَابِ بِهِ مَا دَامَ الْعَجْزُ عَنْ إلْزَامِهِ ثَابِتًا، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْقُدْرَةُ تَعَلَّقَ خِطَابُ الْإِلْزَامِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ فِي صُورَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلًا شَرْعِيًّا ضَرُورَةَ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَيَقُولُ أَبُو يُوسُفَ: إلْحَاقُ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ بِالصَّحِيحِ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ كَانَ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ، وَالْحَاجَةُ هُنَا إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِلْحَاقُهُ بِهِ بِلَا دَلِيلٍ، وَهُمَا يَقُولَانِ الْمُتَحَقِّقُ مِنْ الصَّحَابَةِ جَعَلَ تِلْكَ الْمَنَعَةَ وَالِاعْتِقَادَ دَافِعًا مَا لَوْلَاهُ لَثَبَتَ لِثُبُوتِ أَسْبَابِ الثُّبُوتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا تِلْكَ الْمَنَعَةُ وَالِاعْتِقَادُ لَثَبَتَ الضَّمَانُ لِثُبُوتِ سَبَبِهِ مِنْ الْقَتْلِ عَمْدًا، وَإِتْلَافِ الْمَالِ الْمَعْصُومِ فَيَتَنَاوَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ قَائِمَةٌ، وَالْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَانِعٍ وُجِدَ عَنْ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ مَعَ الْمَنَعَةِ فَمُنِعَ مُقْتَضَاهُ مِنْ الْمَنْعِ فَعَمِلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْمِيرَاثِ.

(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسْكَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَيْسَ بِبَيْعِهِ بِالْكُوفَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي الْأَمْصَارِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ بَيْعُ نَفْسِ السِّلَاحِ) ؛ لِأَنَّهُ يُقَاتَلُ بِعَيْنِهِ (لَا مَا لَا يُقَاتَلُ بِهِ إلَّا بِصَنْعَةٍ)
(6/107)

أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُ الْمَعَازِفِ وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ الْخَشَبِ، وَعَلَى هَذَا الْخَمْرُ مَعَ الْعِنَبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَحْدُثُ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ كَرَاهَةُ بَيْعِ الْمَعَازِفِ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تُقَامُ بِهَا عَيْنِهَا (وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ الْخَشَبِ) الْمُتَّخَذَةِ هِيَ مِنْهُ (وَعَلَى هَذَا بَيْعُ الْخَمْرِ) لَا يَصِحُّ وَيَصِحُّ بَيْعُ الْعِنَبِ. وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ أَنَّ الضَّرَرَ هُنَا يَرْجِعُ إلَى الْعَامَّةِ وَهُنَاكَ يَرْجِعُ إلَى الْخَاصَّةِ، ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ.

[فُرُوعٌ] إذَا طَلَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ الْمُوَادَعَةَ أُجِيبُوا إلَيْهَا إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْمُوَادَعَةِ لِحِفْظِ قُوَّتِهِمْ وَالِاسْتِزَادَةِ مِنْ التَّقْوَى عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا مَلَكُوا ثُمَّ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِذَا تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا. وَفِي الْمَبْسُوطِ: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: أُفْتِيهِمْ بِأَنْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوا مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَلَا أُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ الْإِسْلَامَ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ، إلَّا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْمَنَعَةِ فَيُفْتَوْا بِهِ. وَلَوْ اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، كَمَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ لَيْسَ نَقْضًا لِلْإِيمَانِ، فَاَلَّذِينَ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُلْتَزِمِينَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ.

وَإِذَا وَقَعَتْ الْمُوَادَعَةُ فَأَعْطَى كُلُّ فَرِيقٍ رَهْنًا عَلَى أَنَّ أَيَّهمَا غَدَرَ يَقْتُلُ الْآخَرُونَ الرَّهْنَ فَغَدَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَقَتَلُوا الرَّهْنَ لَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ الرَّهْنِ، بَلْ يَحْبِسُونَهُمْ حَتَّى يَهْلِكَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَوْ يَتُوبُوا؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا آمَنِينَ بِالْمُوَادَعَةِ أَوْ بِإِعْطَائِنَا الْأَمَانَ لَهُمْ حِينَ أَخَذْنَاهُمْ رَهْنًا، وَالْغَدْرُ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ لَكِنَّهُمْ يُحْبَسُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى فِئَتِهِمْ، وَكَذَا إذَا كَانَ هَذَا الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ حُبِسَ رَهْنُهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، فَإِنْ أَبَوْا جُعِلُوا ذِمَّةً وَوُضِعَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي أَيْدِينَا آمَنِينَ.
وَحُكِيَ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ اُبْتُلِيَ بِهِ مَعَ أَهْلِ الْمُوصِلِ، ثُمَّ إنَّهُمْ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَهُ، فَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ يَسْتَشِيرُهُمْ فَقَالُوا: يُقْتَلُونَ كَمَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ لَيْسَ لَك ذَلِكَ، فَإِنَّك شَرَطْتَ لَهُمْ مَا لَا يَحِلُّ وَشَرَطُوا لَك مَا لَا يَحِلُّ، كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] فَأَغْلَظَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَقَالَ: مَا دَعَوْتُك لِشَيْءٍ إلَّا أَتَيْتنِي بِمَا أَكْرَهُ، ثُمَّ جَمَعَهُمْ مِنْ الْغَدِ وَقَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا قُلْت فَمَاذَا نَصْنَعُ بِهِمْ. قَالَ: سَلْ الْعُلَمَاءَ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ، قَالَ: لِمَ وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ. قَالَ: لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْكَافِرُ إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ تُوضَعُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ.

وَإِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ جَازَ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَعْلَى شِقَاقًا مِنْ الْكَافِرِ، وَهُنَاكَ يَجُوزُ فَكَذَا هُنَا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى مُنَاظَرَتِهِ لِيَتُوبَ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْمَنْ كُلٌّ مِنْ الْآخَرِ، وَمِنْهُ أَنْ يَقُولَ: لَا بَأْسَ عَلَيْك وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ الذِّمِّيِّ إذَا كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ.

وَلَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا فِيهِ قَاضِيًا مِنْ أَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ صَحَّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ وَالْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ، فَإِنْ كَتَبَ هَذَا الْقَاضِي كِتَابًا إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرِهِ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ
(6/108)

كِتَابُ اللَّقِيطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عِنْدَهُ، إنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُهُمْ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَجَازَهُ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَوْ لَا يَعْرِفُهُمْ لَا يَعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ يَسْكُنُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَلَا يَقْبَلُ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ كِتَابَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ، وَيُكْرَهُ أَخْذُ رُءُوسِهِمْ فَيُطَافُ بِهَا فِي الْآفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ. وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا كَانَ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ.

وَيُكْرَهُ لِلْعَادِلِ قَتْلُ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ. بِخِلَافِ أَخِيهِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْبَاغِي حُرْمَتَانِ: حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَحُرْمَةُ الْقَرَابَةِ، وَفِي الْكَافِرِ حُرْمَةُ الْقَرَابَةِ فَقَطْ.

وَإِذَا كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي صَفِّ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ دِيَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي صَفِّ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَهْدَرَ دَمَهُ حِينَ وَقَفَ فِي صَفِّهِمْ. وَلَوْ دَخَلَ بَابًا بِأَمَانٍ فَقَتَلَهُ عَادِلٌ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا؛ وَهَذَا لِبَقَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ فِي دَمِهِ.

وَإِذَا حَمَلَ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي فَقَالَ تُبْت وَأَلْقَى السِّلَاحَ كَفَّ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كُفَّ عَنِّي حَتَّى أَنْظُرَ لَعَلِّي أَتُوبَ وَأَلْقَى السِّلَاحَ. وَمَا لَمْ يُلْقِ السِّلَاحَ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ كَانَ لَهُ قَتْلُهُ، وَمَتَى أَلْقَاهُ كَفَّ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنْهُ بِإِلْقَائِهِ السِّلَاحَ.

وَلَوْ غَلَبَ أَهْلُ الْبَغْي عَلَى بَلَدٍ فَقَاتَلَهُمْ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَأَرَادُوا أَنْ يَسْبُوا ذَرَارِيَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا دُونَ ذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُسْبَوْنَ فَوَجَبَ قِتَالُهُمْ.

وَإِذَا وَادَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْعَدْلِ غَزْوُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَأَمَانُ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ فِي مَنَعَةٍ نَافِذٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ غَدَرَ بِهِمْ الْبُغَاةُ فَسُبُوا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ.

وَلَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَأَلْجَئُوهُمْ إلَى دَارِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْبُغَاةَ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الشِّرْكِ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِالْبُغَاةِ وَالذِّمِّيِّينَ عَلَى الْخَوَارِجِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الْعَدْلِ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكِلَابِ.

وَإِذَا وَلَّى الْبُغَاةُ قَاضِيًا فِي مَكَانٍ غَلَبُوا عَلَيْهِ فَقَضَى مَا شَاءَ ثُمَّ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ فَرُفِعَتْ أَقْضِيَتُهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ نَفَّذَ مِنْهَا مَا هُوَ عَدْلٌ، وَكَذَا مَا قَضَاهُ بِرَأْيِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ قَاضِي الْعَدْلِ.

وَلَوْ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِأَهْلِ الْحَرْبِ فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ سَبْينَا أَهْلَ الْحَرْبِ وَلَا تَكُونُ اسْتِعَانَةُ الْبُغَاةِ بِهِمْ أَمَانًا مِنْهُمْ لَهُمْ حَتَّى يَلْزَمَنَا تَأْمِينُهُمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مَنْ يَدْخُلُ دَارَ الْإِسْلَامِ تَارِكًا لِلْحَرْبِ وَهَؤُلَاءِ مَا دَخَلُوا إلَّا لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ.

[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
ِ أَعْقَبَ اللَّقِيطَ وَاللُّقَطَةَ الْجِهَادَ لِمَا فِيهِ مِنْ كَوْنِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ تَصِيرُ عُرْضَةً لِلْفَوَاتِ وَقَدَّمَ اللَّقِيطَ عَلَى
(6/109)

اللَّقِيطُ سُمِّيَ بِهِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ لِمَا أَنَّهُ يُلْقَطُ. وَالِالْتِقَاطُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَائِهِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ضَيَاعُهُ فَوَاجِبٌ. قَالَ (اللَّقِيطُ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ إنَّمَا هُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَكَذَا الدَّارُ دَارُ الْأَحْرَارِ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ

(وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اللُّقَطَةِ لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّفْسِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَالِ. وَاللَّقِيطُ لُغَةً: مَا يُلْقَطُ: أَيْ يُرْفَعُ مِنْ الْأَرْضِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، سُمِّيَ بِهِ الْوَلَدُ الْمَطْرُوحُ خَوْفًا مِنْ الْعَيْلَةِ أَوْ مِنْ تُهْمَةِ الزِّنَا بِهِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى أَنْ يُلْتَقَطَ فِي الْعَادَةِ كَالْقَتِيلِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (وَالِالْتِقَاطُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ) إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ ضَيَاعُهُ (فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ضَيَاعُهُ كَانَ وَاجِبًا) وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إلَّا إذَا خَافَ هَلَاكَهُ فَفَرْضُ عَيْنٍ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلِ الْوُجُوبِ قَبْلَ الْخَوْفِ. نَعَمْ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ضَيَاعُهُ أَوْ هَلَاكُهُ فَكَمَا قَالُوا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا الْوُجُوبُ بِاصْطِلَاحِنَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ إلْزَامُ الْتِقَاطِهِ إذَا خِيفَ هَلَاكُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالثَّابِتُ إلْزَامُهُ بِقَطْعِيِّ فَرْضٍ (قَوْلُهُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَبْدًا) أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى يُحَدَّ قَاذِفُهُ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا، وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ مَعَ احْتِمَالِ السُّقُوطِ، وَإِنَّمَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ بِالْحُرِّيَّةِ (لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ الْحُرِّيَّةُ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا عَرَضَ الرِّقُّ بِعُرُوضِ الْكُفْرِ لِبَعْضِهِمْ، فَمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْعَارِضِ لَا يُحْكَمُ بِهِ (وَكَذَا الدَّارُ دَارُ الْأَحْرَارِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الْغَالِبَ) وَالْغَالِبَ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الدُّنْيَا الْأَحْرَارُ.

(قَوْلُهُ: وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ. وَأَصْلُهُ مَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجِئْت بِهِ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ كَذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ اذْهَبْ بِهِ فَهُوَ حُرٌّ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. وَعَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَغَيْرُ الشَّافِعِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَيَقُولُ فِيهِ: وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمِيلَةَ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَتَاهُ بِهِ فَاتَّهَمَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَأُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هُوَ حُرٌّ وَوَلَاءُهُ لَك وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَتُهْمَةُ عُمَرَ دَلَّ عَلَيْهَا مَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، وَهُوَ مَثَلٌ لِمَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ خِلَافَ بَاطِنِهِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَتْهُ الزَّبَّاءُ. وَمَا قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إلَى الْإِمَامِ أَوَّلًا لَيْسَ بِلَازِمٍ. نَعَمْ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِالْإِنْفَاقِ وَقَصَدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا فَعَلَ أَبُو جَمِيلَةَ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إلَيْهِ، وَإِذَا جَاءَ بِهِ إلَى الْإِمَامِ لَا يُصَدِّقُهُ فَيُخْرِجُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَفَقَتَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الِالْتِقَاطِ؛ لِأَنَّهُ عَسَاهُ ابْنُهُ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا.
وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيِّنَةِ إلَى مَا يُرَجِّحُ صِدْقَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ عَرِيفُهُ إنَّهُ رَجُلٌ
(6/110)

وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاجِزٌ عَنْ التَّكَسُّبِ، وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا قَرَابَةَ فَأَشْبَهَ الْمُقْعَدَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا قَرَابَةَ؛ وَلِأَنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَلِهَذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ فِيهِ. وَالْمُلْتَقِطُ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِهِ لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْوِلَايَةِ.

قَالَ (فَإِنْ الْتَقَطَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حَقُّ الْحِفْظِ لَهُ لِسَبْقِ يَدِهِ (فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ ابْنُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
صَالِحٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَيْسَتْ عَلَى أَوْضَاعِ الْبَيِّنَاتِ فَإِنَّهَا لَمْ تَقُمْ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِيَتَرَجَّحَ صِدْقُهُ فِي إخْبَارِهِ بِالِالْتِقَاطِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: هَذِهِ لِكَشْفِ الْحَالِ وَالْبَيِّنَةُ لِكَشْفِ الْحَالِ مَقْبُولَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى خَصْمٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ إذَا أُتِيَ بِلَقِيطٍ فَرَضَ لَهُ مَا يُصْلِحُهُ رِزْقًا يَأْخُذُهُ وَلِيُّهُ كُلَّ شَهْرٍ وَيُوصِي بِهِ خَيْرًا، وَيَجْعَلُ رَضَاعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَفَقَتَهُ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَجَدَ لَقِيطًا فَأَتَى بِهِ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَلْحَقَهُ عَلِيٌّ عَلَى مَالِهِ (وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا قَرَابَةَ) أَغْنِيَاءَ لِتَجِبَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالْمُقْعَدِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ (وَالْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ) أَيْ لِبَيْتِ الْمَالِ غُنْمُهُ: أَيْ مِيرَاثُهُ وَدَيْنُهُ، حَتَّى لَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ قَتِيلًا فِي مَحَلَّةٍ كَانَتْ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ دِيَتُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَعَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ، وَكَذَا إذَا قَتَلَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ خَطَأً فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَالْخِيَارُ إلَى الْإِمَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِهِ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (وَلِهَذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) وَبَدَأَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَتَى بِهِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ، وَلَأَنْ أَكُونَ وَلَّيْتُ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلَ الَّذِي وَلَّيْتَ مِنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. فَحَرَّضَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ الْإِمَامَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ إلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُلْتَقِطُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ) عَلَى أَنْ يَلْحَقَهُ الدَّيْنُ؛ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ إذَا كَبُرَ وَاكْتَسَبَ (إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِهِ لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ) يَعْنِي بِهَذَا الْقَيْدِ بِأَنْ يَقُولَ: أَنْفِقْ عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ إلَى آخِرِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ إنَّمَا يُوجِبُ ظَاهِرًا تَرْغِيبَهُ فِي إتْمَامِ الِاحْتِسَابِ وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ. وَقِيلَ يُوجِبُ لَهُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي كَأَمْرِ اللَّقِيطِ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا (لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي) فَإِذَا أَنْفَقَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُصَيِّرُهُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَبَلَغَ فَادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَذَا فَإِنْ صَدَّقَهُ اللَّقِيطُ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ وَعَلَى الْمُلْتَقِطِ الْبَيِّنَةُ.

(قَوْله فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ ابْنُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ:) وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ
(6/111)

مَعْنَاهُ: إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُلْتَقِطُ نَسَبَهُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُلْتَقِطِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إقْرَارٌ لِلصَّبِيِّ بِمَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِالنَّسَبِ وَيُعَيَّرُ بِعَدَمِهِ. ثُمَّ قِيلَ يَصِحُّ فِي حَقِّهِ دُونَ إبْطَالِ يَدِ الْمُلْتَقِطِ. وَقِيلَ يُبْتَنَى عَلَيْهِ بُطْلَانُ يَدِهِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ قِيلَ يَصِحُّ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأَصْلِ.

(وَإِنْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ وَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُلْتَقِطُ نَسَبَهُ) يَعْنِي سَابِقًا عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوْ مُقَارِنًا. أَمَّا إذَا ادَّعَيَاهُ عَلَى التَّعَاقُبِ فَالسَّابِقُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَالْخَارِجِ أَوْلَى، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا فَالْمُلْتَقِطُ أَوْلَى وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا وَالْخَارِجُ مُسْلِمًا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى وَلِأَحَدِهِمَا يَدٌ فَكَانَ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى وَهُوَ الذِّمِّيُّ. وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ، ثُمَّ ثُبُوتُ النَّسَبِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْخَارِجِ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَهُوَ حَقُّ الْحِفْظِ الثَّابِتِ لِلْمُلْتَقِطِ وَحَقُّ الْوَلَاءِ الثَّابِتِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إقْرَارُ الصَّبِيِّ بِمَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِالنَّسَبِ) وَيَتَأَذَّى بِانْقِطَاعِهِ، إذْ يُعَيَّرُ بِهِ وَيَحْصُلُ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ رَاغِبًا فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَنٍّ بِهِ. وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ مَا اُعْتُبِرَتْ إلَّا بِحُصُولِ مَصْلَحَتِهِ هَذِهِ لَا لِذَاتِهَا وَلَا لِاسْتِحْقَاقِ مِلْكٍ، وَهَذَا مَعَ زِيَادَةِ مَا ذَكَرْنَا حَاصِلٌ بِهَذِهِ الدَّعْوَى فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَثْبُتُ بُطْلَانُ يَدِ الْمُلْتَقِطِ ضِمْنًا مُتَرَتِّبًا عَلَى وُجُوبِ إيصَالِ هَذَا النَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَحَقُّ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَصَارَ كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ تَصِحُّ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِحَّ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ لَا يَذْكُرُونَ غَيْرَ هَذَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ عِنْدَ الْبَعْضِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْمُدَّعِي وَيَكُونُ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مَنْفَعَتَيْ الْوَلَدِ وَالْمُلْتَقِطِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَأَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ فِي دَعْوَى ذِي الْيَدِ (فَقِيلَ يَصِحُّ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا) أَيْ لَيْسَ فِيهِ قِيَاسٌ مُخَالِفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا أَيْضًا فِيهِ إلَّا أَنَّ وَجْهَ الْقِيَاسِ فِيهِ غَيْرُهُ فِي دَعْوَى الْخَارِجِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ اسْتِلْزَامُهُ إبْطَالَ حَقٍّ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَهُنَا هُوَ اسْتِلْزَامُهُ التَّنَاقُضَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ لُقَطَةٌ كَانَ نَافِيًا نَسَبَهُ، فَلَمَّا ادَّعَاهُ تَنَاقَضَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَضُرُّ فِي دَعْوَى النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى ثُمَّ يَظْهَرُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْأَصْلِ الَّذِي أَحَالَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ.

(وَلَوْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ) خَارِجَانِ مَعًا (وَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ)
(6/112)

فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ لِمُوَافَقَةِ الْعَلَامَةِ كَلَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فَهُوَ ابْنُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ. وَلَوْ سَبَقَتْ دَعْوَةُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ ابْنُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي زَمَانٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ إلَّا إذَا أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى.

(وَإِذَا وُجِدَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ فَادَّعَى ذِمِّيٌّ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَطَابَقَ (فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) مِنْ الْآخَرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ فَيُقَدَّمَ عَلَى ذِي الْعَلَامَةِ أَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَذُو الْعَلَامَةِ ذِمِّيٌّ فَيُقَدَّمُ الْمُسْلِمُ؛ وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَأَحَدُهُمَا ذِمِّيٌّ كَانَ ابْنًا لِلْمُسْلِمِ (وَلَوْ لَمْ يَصِفْ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً كَانَ ابْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ) وَهُوَ الدَّعْوَى، وَكَذَا لَوْ أَقَامَا وَهُمَا مُسْلِمَانِ وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَةُ أَحَدِهِمَا سَابِقَةً عَلَى الْأُخْرَى كَانَ ابْنَهُ، وَلَوْ وَصَفَ الثَّانِي عَلَامَةً لِثُبُوتِهِ فِي وَقْتٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ ذُو الْعَلَامَةِ لِلتَّرْجِيحِ بِهَا بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبَيْ الِاسْتِحْقَاقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى اثْنَانِ عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَذَكَرَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَكَذَا فِي دَعْوَى اللُّقَطَةِ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُنَاكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى بَلْ الْبَيِّنَةُ، فَلَوْ قَضَى لَهُ لَكَانَ إثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ ابْتِدَاءً بِالْعَلَامَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، إنَّمَا حَالُ الْعَلَامَةِ تَرْجِيحُ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَلَوْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ خَارِجَانِ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ لِظُهُورِ تَقَدُّمِ الْيَدِ، وَكُلَّمَا لَمْ يَتَرَجَّحْ دَعْوَى وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ يَكُونُ ابْنًا لَهُمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُرْجَعُ إلَى الْقَافَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ. وَلَا يَلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ إلَى خَمْسَةٍ. وَلَوْ ادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الزَّوْجُ. وَإِنْ ادَّعَتْهُ امْرَأَتَانِ وَأَقَامَتَا الْبَيِّنَةَ فَهُوَ ابْنُهُمَا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ حَيَاةِ اللَّقِيطِ، فَلَوْ مَاتَ عَنْ مَالٍ فَادَّعَى إنْسَانٌ نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّقِيطَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ وَبِالْمَوْتِ اسْتَغْنَى عَنْهُ فَبَقِيَ كَلَامُهُ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْمِيرَاثِ، وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا وُجِدَ) اللَّقِيطُ (فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ) فَهُوَ مُسْلِمٌ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمِصْرِ كَانَ مِصْرًا لِلْكُفَّارِ ثُمَّ أُزْعِجُوا وَظَهَرْنَا عَلَيْهِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ فِيهِ كُفَّارٌ كَثِيرُونَ أَوْ لَا (فَإِنْ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ أَنَّهُ ابْنُهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ
(6/113)

مِنْهُ وَكَانَ مُسْلِمًا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَضْمَنُ النَّسَبَ وَهُوَ نَافِعٌ لِلصَّغِيرِ، وَإِبْطَالُ الْإِسْلَامِ الثَّابِتِ بِالدَّارِ وَهُوَ يَضُرُّهُ فَصَحَّتْ دَعْوَتُهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ.

(وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ فِي بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ كَانَ ذِمِّيًّا) وَهَذَا الْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاجِدُ ذِمِّيًّا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِدُ مُسْلِمًا فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْ ذِمِّيًّا فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ اللَّقِيطِ اُعْتُبِرَ الْمَكَانُ لِسَبْقِهِ، وَفِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ اُعْتُبِرَ الْوَاجِدُ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لِقُوَّةِ الْيَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَبَوَيْنِ فَوْقَ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ حَتَّى إذَا سُبِيَ مَعَ الصَّغِيرِ أَحَدُهُمَا يُعْتَبَرُ كَافِرًا، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ اُعْتُبِرَ الْإِسْلَامُ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْهُ وَكَانَ مُسْلِمًا) اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَثْبُتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ عَنْهُ نَفْيَ إسْلَامِهِ الثَّابِتِ بِالدَّارِ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ دَعْوَاهُ تَضَمَّنَتْ) شَيْئَيْنِ (النَّسَبَ وَهُوَ نَفْعٌ لِلصَّغِيرِ وَنَفْيَ الْإِسْلَامِ الثَّابِتِ بِالدَّارِ وَهُوَ ضَرَرٌ بِهِ) وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الْكَافِرِ الْكُفْرُ لِجَوَازِ مُسْلِمٍ هُوَ ابْنُ كَافِرٍ بِأَنْ أَسْلَمَتْ أُمُّهُ (فَصَحَّحْنَا دَعْوَتَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ) مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ (دُونَ مَا يَضُرُّهُ) إلَّا إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نَسَبِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَافِرًا.
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الرَّجُلِ يَلْتَقِطُ اللَّقِيطَ فَيَدَّعِيهِ نَصْرَانِيٌّ وَعَلَيْهِ زِيُّ أَهْلِ الشِّرْكِ فَهُوَ ابْنُهُ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي رَقَبَتِهِ صَلِيبٌ أَوْ عَلَيْهِ قَمِيصُ دِيبَاجٍ أَوْ وَسَطُ رَأْسِهِ مَجْزُوزٌ انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ قَمِيصُ الدِّيبَاجِ عَلَامَةً فِي هَذِهِ الدِّيَارِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُونَهُ وَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَيَجِبُ أَنْ يُنْزَعَ مِنْ يَدِهِ إذَا قَارَبَ أَنْ يَعْقِلَ الْأَدْيَانَ كَمَا قُلْنَا فِي الْحَضَانَةِ إذَا كَانَتْ أُمَّهُ الْمُطَلَّقَةُ كَافِرَةً.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ فِي بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ) فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (كَانَ ذِمِّيًّا) هَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (هَذَا الْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاجِدُ ذِمِّيًّا رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي هَذَا الْمَكَانِ) أَيْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ (أَوْ كَانَ) الْوَاجِدُ (ذِمِّيًّا) لَكِنْ وَجَدَهُ (فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَفِي كِتَابِ اللَّقِيطِ الْعِبْرَةُ بِالْمَكَانِ) فِي الْفَصْلَيْنِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْوَاجِدُ مُسْلِمًا فِي نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ ذِمِّيًّا فِي غَيْرِهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْقُدُورِيُّ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ سَابِقٌ وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ (وَفِي كِتَابِ الدَّعْوَى) اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ (فِي بَعْضِ النُّسَخِ اُعْتُبِرَ الْوَاجِدُ) فِي الْفَصْلَيْنِ (وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ) فِي الْفَصْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ الْمَكَانِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّبِيَّ الْمَسْبِيَّ مَعَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ كَافِرًا حَتَّى لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ (وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ) أَيْ نُسَخِ كِتَابِ الدَّعْوَى مِنْ الْمَبْسُوطِ (اُعْتُبِرَ الْإِسْلَامُ) أَيْ مَا يَصِيرُ الْوَلَدُ بِهِ مُسْلِمًا (نَظَرًا لِلصَّغِيرِ) وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَهُ كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُسْلِمٌ فِي كَنِيسَةٍ كَانَ مُسْلِمًا فَصَارَتْ الصُّوَرُ أَرْبَعًا: اتِّفَاقِيَّتَانِ، وَهُوَ مَا إذَا وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ فِي نَحْوِ كَنِيسَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ. واختلافيتان وَهُمَا مُسْلِمٌ فِي نَحْوِ كَنِيسَةٍ أَوْ كَافِرٌ فِي نَحْوِ قَرْيَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. وَفِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ قِيلَ: يُعْتَبَرُ بِالسِّيمَا وَالزِّيِّ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} [الرحمن: 41] وَفِي الْمَبْسُوطِ: كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ الْكُفَّارُ: يَعْنِي
(6/114)

(وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّقِيطَ عَبْدُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ظَاهِرًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ (فَإِنْ ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُ (وَكَانَ حُرًّا) ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ قَدْ تَلِدُ لَهُ الْحُرَّةُ فَلَا تَبْطُلُ الْحُرِّيَّةُ الظَّاهِرَةُ بِالشَّكِّ (وَالْحُرُّ فِي دَعْوَتِهِ اللَّقِيطَ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنْ الذِّمِّيِّ) تَرْجِيحًا لِمَا هُوَ الْأَنْظَرُ فِي حَقِّهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَوْتَانَا بِمَوْتَاهُمْ الْفَصْلُ بِالزِّيِّ وَالْعَلَامَةِ، وَلَوْ فُتِحَتْ الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَوُجِدَ فِيهَا شَيْخٌ يُعَلِّمُ صِبْيَانًا حَوْلَهُ الْقُرْآنَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ.

(قَوْلُهُ: وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّقِيطَ عَبْدُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ لِمَا قَدَّمْنَا (إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً) لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لَيْسَتْ عَلَى خَصْمٍ فَلَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ خَصْمٌ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ فَلَا تَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ هُنَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا هُنَا كَيْ لَا يُنْقَضَ بِمَا إذَا ادَّعَى خَارِجٌ نَسَبَهُ فَإِنَّ يَدَهُ تَزُولُ بِلَا بَيِّنَةٍ عَلَى الْأَوْجَهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ يَدَهُ اُعْتُبِرَتْ لِمَنْفَعَةِ الْوَلَدِ، وَفِي دَعْوَى النَّسَبِ مَنْفَعَةٌ تَفُوقُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ اعْتِبَارَ يَدِ الْمُلْتَقِطِ فَتُزَالُ لِحُصُولِ مَا يَفُوقُ الْمَقْصُودَ مِنْ اعْتِبَارِهَا، وَهُنَا لَيْسَ دَعْوَى الْعَبْدِيَّةِ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِمَّا يَضُرُّهُ لِتَبْدِيلِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ فَلَا تُزَالُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُ، وَكَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ قَدْ تَلِدُ لَهُ الْحُرَّةُ) فَيَكُونُ الْأَبُ عَبْدًا وَالْوَلَدُ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فَيُقْبَلُ فِيمَا يَنْفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي دَعْوَى الذِّمِّيِّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ رِقُّهُ (فَلَا تَبْطُلُ الْحُرِّيَّةُ الظَّاهِرَةُ بِالشَّكِّ) إذَا لَمْ تُضَفْ وِلَادَتُهُ إلَى امْرَأَةٍ أَمَةٍ، فَإِنْ أَضَافَ إلَى امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَبْدٌ، فَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: فِي دَعْوَى الْعَبْدِ نَفْعٌ هُوَ النَّسَبُ وَضَرَرٌ هُوَ الرِّقُّ، وَأَحَدُهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يَنْفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ، وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ لَمَّا صَدَّقَهُ الشَّرْعُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ يُصَدِّقُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ تَبَعًا فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ تَبَعًا، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ ثُبُوتُ كُفْرِهِ لِجَوَازِ إسْلَامِ زَوْجَتِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ إنَّهُ مِنْ زَوْجَتِي الذِّمِّيَّةِ لَا يُصَدَّقُ (قَوْلُهُ: وَالْحُرُّ فِي دَعْوَتِهِ اللَّقِيطَ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ) يَعْنِي إذَا ادَّعَيَاهُ وَهُمَا خَارِجَانِ
(6/115)

(وَإِنْ وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ مَالٌ مَشْدُودٌ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ) اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ. وَكَذَا إذَا كَانَ مَشْدُودًا عَلَى دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَصْرِفُهُ الْوَاجِدُ إلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ وَلِلْقَاضِي وِلَايَةُ صَرْفِ مِثْلِهِ إلَيْهِ. وَقِيلَ يَصْرِفُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لِلَّقِيطِ ظَاهِرًا (وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ.

(وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمُلْتَقِطِ) لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ.

قَالَ (وَلَا تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ الْمُلْتَقِطِ) اعْتِبَارًا بِالْأُمِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِتَثْمِيرِ الْمَالِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالرَّأْيِ الْكَامِلِ وَالشَّفَقَةِ الْوَافِرَةِ وَالْمَوْجُودُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدُهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ ذِمِّيًّا ادَّعَاهُ مَعَ مُسْلِمٍ خَارِجٍ رُجِّحَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى الذِّمِّيُّ أَنَّهُ ابْنُهُ وَالْمُسْلِمُ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَهُوَ ابْنُ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِالنَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ مَعَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي دَعْوَى رِقِّهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةَ رِقِّهِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا ادَّعَاهُ ابْنًا لَهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ كَافِرًا. وَلَوْ وُجِدَ طِفْلٌ فِي يَدِ عَبْدٍ مَحْجُورٍ ذَكَرَ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى الِالْتِقَاطِ وَكَذَّبَهُ مَوْلَاهُ. وَقَالَ هُوَ عَبْدِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَا فِي يَدِهِ كَمَا فِي يَدِ الْمَوْلَى، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ لِآخَرَ وَكَذَّبَهُ الْمَوْلَى لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ لِلْمَأْذُونِ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى صَحَّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ لِغَيْرِ السَّيِّدِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ فَيَكُونُ الْوَلَدُ الَّذِي فِي يَدِهِ حُرًّا إلَّا أَنْ يُقِيمَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ عَبْدُهُ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ مَالٌ مَشْدُودٌ عَلَيْهِ أَوْ دَابَّةٌ هُوَ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا فَالْكُلُّ لَهُ) بِلَا خِلَافٍ (اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ) أَيْ فِي دَفْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَنْهُ ثُمَّ يَثْبُتُ مِلْكُهُ فِي ذَلِكَ بِقِيَامِ يَدِهِ مَعَ حُرِّيَّتِهِ الْمَحْكُومِ بِهَا. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) يُرِيدُ قَوْلَهُ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ (ثُمَّ يَصْرِفُهُ الْوَاجِدُ إلَيْهِ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ) أَيْ لَا حَافِظَ لَهُ، وَمَالِكُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْحِفْظِ. (وَلِلْقَاضِي وِلَايَةُ صَرْفِ مِثْلِهِ إلَيْهِ) وَكَذَا لِغَيْرِ الْوَاجِدِ بِأَمْرِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ (وَقِيلَ لَهُ صَرْفُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي) أَيْضًا (؛ لِأَنَّهُ لِلَّقِيطِ) كَمَا حَكَمَنَا بِهِ (وَلِلْوَاجِدِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ) وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَطْفٌ عَلَى وِلَايَةٍ مِنْ قَوْلِهِ وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ: أَيْ لِلْوَاجِدِ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ، وَلَهُ شِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لِلَّقِيطِ مِنْهُ، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ.

(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ تَزْوِيجُ اللَّقِيطِ) وَاللَّقِيطَةِ (لِانْعِدَامِ سَبَبِ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ) وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ.

(وَلَا) تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ (بِبَيْعٍ) وَلَا شِرَاءِ شَيْءٍ لِيَسْتَحِقَّ الثَّمَنَ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي إلَيْهِ لَيْسَ إلَّا الْحِفْظُ وَالصِّيَانَةُ، وَمَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ ذَلِكَ (اعْتِبَارًا بِالْأُمِّ) فَإِنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُلْتَقِطُ كَالتَّزْوِيجِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ فَعَدَمُ مِلْكِهِ لِذَلِكَ أَوْلَى (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْ الْأُمِّ وَالْمُلْتَقِطِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ إنَّمَا هُوَ لِتَثْمِيرِ الْمَالِ وَذَلِكَ) إنَّمَا (يَتَحَقَّقُ بِالرَّأْيِ الْكَامِلِ وَالشَّفَقَةِ الْوَافِرَةِ وَالْمَوْجُودُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَحَدُهُمَا) ؛ لِأَنَّ فِي الْأُمِّ شَفَقَةً كَامِلَةً مَعَ قُصُورٍ فِي الرَّأْيِ، وَفِي الْمُلْتَقِطِ رَأْيٌ كَامِلٌ مَعَ قُصُورِ شَفَقَةٍ لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ، وَنَظِيرُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَا قَدَّمَهُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلصَّغِيرَةِ إذَا بَلَغَتْ وَقَدْ زَوَّجَهَا
(6/116)

قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ لَهُ الْهِبَةَ) ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ عَاقِلًا وَتَمْلِكُهُ الْأُمُّ وَوَصِيُّهَا.

قَالَ (وَيُسَلِّمُهُ فِي صِنَاعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَثْقِيفِهِ وَحِفْظِ حَالِهِ. قَالَ (وَيُؤَاجِرُهُ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذَا رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَثْقِيفِهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ فَأَشْبَهَ الْعَمَّ. بِخِلَافِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.

(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (لِلَّقِيطِ الْهِبَةَ) وَالصَّدَقَةَ عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُحَقَّقٌ وَلِذَا يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ عَاقِلًا وَتَمْلِكُهُ الْأُمُّ وَوَصِيُّهَا) .

قَالَ (الْقُدُورِيُّ: وَيُسَلِّمُهُ فِي صِنَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّثْقِيفِ وَحِفْظِ حَالِهِ) عَنْ الشَّتَاتِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ الْفَسَادِ. ثُمَّ (قَالَ) الْقُدُورِيُّ (وَيُؤَاجِرُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّثْقِيفِ يَعْنِي التَّقْوِيمَ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ ذَكَرَهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْأَصَحُّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا (فَأَشْبَهَ الْعَمَّ، بِخِلَافِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ إتْلَافَ مَنَافِعِهِ) بِالِاسْتِخْدَامِ وَالْإِعَارَةِ بِلَا عِوَضٍ، فَبِالْعِوَضِ بِالْإِجَارَةِ أَوْلَى.

[فُرُوعٌ] ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ عَبْدًا لَهُ بَعْدَمَا عَرَفَ الِالْتِقَاطَ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَالْخَارِجِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ ابْنُهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ. وَأَثَرُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ فِي كَوْنِهِ كَافِرًا وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ.

وَلَوْ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَتَنَازَعَا فِي كَوْنِهِ عِنْدَ أَحَدِهِمَا قُضِيَ بِهِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ الْمُسْلِمُ أَوْلَى بِحِفْظِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يُعَلِّمُهُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ.

وَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ فَأَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدُ فُلَانٍ وَفُلَانٌ يَدَّعِيهِ. إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِمَا لَا يُقْضَى بِهِ إلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ كَالْحَدِّ الْكَامِلِ وَنَحْوِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ، وَصَارَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ وَلَا يَصِيرُ بِهِ عَبْدًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَلِأَنَّهُ مُكَذَّبٌ شَرْعًا فِي ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ اللَّقِيطَةُ امْرَأَةً فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ بَعْدَمَا كَبُرَتْ إنْ كَانَ بَعْدَ التَّزْوِيجِ صَحَّ وَكَانَتْ أَمَةً لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا تُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَلَا بَقَاءً فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِرِقِّهَا انْتِفَاءُ النِّكَاحِ.

وَلَوْ بَلَغَ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ وَلِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ صَدَاقٌ وَصَدَاقُهَا لَازِمٌ عَلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ هَذَا، وَكَذَا إذَا اسْتَدَانَ دَيْنًا أَوْ بَايَعَ إنْسَانًا أَوْ كَفَلَ كَفَالَةً أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ وَسَلَّمَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ لَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَوْ أَنَّهُ وَالَى رَجُلًا بَعْدَمَا أَدْرَكَ الْمُلْتَقِطَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ وَلَاؤُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِأَنْ جَنَى جِنَايَةً وَعَقَلَهُ بَيْتُ الْمَالِ فَلَا يَصِحُّ وَلَا يَنْتَقِلُ مِيرَاثُهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ وَلَاءَهُ لَمْ يَتَأَكَّدْ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ وَصَارَ كَاَلَّذِي أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يَجْنِيَ فَيَعْقِلَهُ بَيْتُ الْمَالِ.
(6/117)

كِتَابُ اللُّقَطَةِ قَالَ (اللُّقَطَةُ أَمَانَةٌ إذَا أَشْهَدَ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَحْفَظَهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كِتَابُ اللُّقَطَةِ
هِيَ فُعَّلَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَصْفُ مُبَالَغَةٍ لِلْفَاعِلِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَلُعَنَةٍ وَضُحَكَةٍ لِكَثِيرِ الْهَمْزِ وَغَيْرِهِ، وَبِسُكُونِهَا لِلْمَفْعُولِ كَضُحْكَةٍ وَهُزْأَةٍ لِلَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ وَيُهْزَأُ بِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمَالِ لُقَطَةٌ بِالْفَتْحِ لِأَنَّ طِبَاعَ النُّفُوسِ فِي الْغَالِبِ تُبَادِرُ إلَى الْتِقَاطِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ، فَصَارَ الْمَالُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاعٍ إلَى أَخْذِهِ بِمَعْنَى فِيهِ نَفْسُهُ كَأَنَّهُ الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ مَجَازًا، وَإِلَّا فَحَقِيقَتُهُ الْمُلْتَقِطُ الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ. وَمَا عَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ أَيْضًا فَمَحْمُولٌ عَلَى هَذَا: يَعْنِي يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ أَيْضًا.
ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي صِفَةِ رَفْعِهَا فَنُقِلَ عَنْ الْمُتَقَشِّفَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ يَحِلُّ، وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ، أَمَّا الْحِلُّ فَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بَلْ أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُ.
وَأَسْنَدَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَصَابَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ» وَأَمَّا أَفْضَلِيَّةُ التَّرْكِ فَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي فَقَدَهَا فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ خُصُوصَ الْمَكَانِ، فَإِذَا تَرَكَهَا كُلُّ أَحَدٍ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَجِدَهَا صَاحِبُهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ عَادَةً أَنْ يَمُرَّ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مَرَّةً أُخْرَى فِي عُمُرِهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سُقُوطَهَا فِي أَثْنَاءِ الطُّرُقَاتِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا أَوْ يَجْلِسُ فِي عَادَةِ أَمْرِهِ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ إلَيْهِ، وَقَيَّدَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَا إذَا كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ يَتْرُكُهَا، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَصِلَ يَدٌ خَائِنَةٌ إلَيْهَا، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَفِي الْخُلَاصَةِ يَفْتَرِضُ الرَّفْعَ، وَلَوْ رَفَعَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَضَعَهَا مَكَانَهَا فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَسَنَذْكُرُهُ

[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
(قَوْلُهُ وَاللُّقَطَةُ أَمَانَةٌ إذَا أَشْهَدَ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَحْفَظَهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا،
(6/118)

لِأَنَّ الْأَخْذَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْوَاجِبُ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ عَلَى مَا قَالُوا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلْمَالِكِ لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا فَصَارَ كَالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْآخِذُ أَخَذْته لِلْمَالِكِ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَضْمَنُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ لِاخْتِيَارِهِ الْحِسْبَةَ دُونَ الْمَعْصِيَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْأَخْذَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بَلْ هُوَ أَفْضَلُ) وَظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ اشْتِرَاطُ عَدْلَيْنِ إلَى آخِرِهِ (وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ) يَعْنِي إذَا كَانَ أَشْهَدَ أَوْ إذَا كَانَ أَمَانَةً بِأَنْ أَشْهَدَ (لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ) فَلَوْ هَلَكَتْ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا صَدَّقَهُ الْمَالِكُ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا وَصَارَ تَصَادُقُهُمَا كَبَيِّنَتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا (وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ وَقَالَ أَخَذْتُهَا لِلرَّدِّ لِلْمَالِكِ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَضْمَنُ)
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ ذَكَرَ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ (وَالْقَوْلُ لَهُ) مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا (لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ) إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ (اخْتِيَارُهُ الْحِسْبَةَ لَا الْمَعْصِيَةَ) وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِلْمَالِكِ فَإِذَا أَخَذَ إنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْمَالِكِ
(6/119)

وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ وَادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ وَهُوَ الْأَخْذُ لِمَالِكِهِ وَفِيهِ وَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يَبْرَأُ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الظَّاهِرِ يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَرِّفُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَيَكْفِيهِ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ وَاحِدَةً كَانَتْ اللُّقَطَةُ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِي أَنَّهُ أَخَذَهُ لَهُ أَوْ لِنَفْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ بِالشَّكِّ (وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ وَادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ وَهُوَ الْأَخْذُ لِمَالِكِهِ، وَفِيهِ وَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يَبْرَأُ. وَمَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الظَّاهِرِ يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ التَّصَرُّفِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ)
فَإِنْ قَالَ كَوْنُ أَخْذِ الْمَالِ سَبَبًا لِلضَّمَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَأَمَّا بِإِذْنِهِ فَمَمْنُوعٌ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ هَذَا الْأَخْذَ سَبَبُ الضَّمَانِ لَمْ يَقَعْ الشَّكُّ فِي الْبَرَاءَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبِ الضَّمَانِ حَتَّى يَنْفَعَ مَا ذَكَرْتُمْ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ إذْنَ الشَّرْعِ مُقَيَّدٌ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ «مَنْ أَصَابَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ» وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا أَمْكَنَهُ الْإِشْهَادُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ عِنْدَ الرَّفْعِ أَوْ خَافَ أَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ أَخَذَهَا مِنْهُ ظَالِمٌ فَتَرَكَهُ لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ كَوْنِي مَنَعَنِي مِنْ الْإِشْهَادِ كَذَا (قَالَ: وَيَكْفِيهِ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَدِلُّوهُ عَلَيَّ) أَوْ عِنْدِي ضَالَّةٌ أَوْ شَيْءٌ فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ إلَى آخِرِهِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا يَطْلُبُهَا فَقَالَ هَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ اللُّقَطَةِ (وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ) أَيْ اللُّقَطَةَ بِتَأْوِيلِ الْمُلْتَقِطِ (اسْمُ جِنْسٍ) وَلَا يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ الْأَخْذِ وَيَقُولَ أَخَذْتهَا لِأَرُدَّهَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَرِّفْهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَفَى فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ إشْهَادًا. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَكْفِيهِ مِنْ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ إلَى آخِرِهِ يُفِيدُ مِثْلَهُ، فَاقْتَضَى هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ التَّعْرِيفُ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَصَابَ ضَالَّةً فَلْيُشْهِدْ» مَعْنَاهُ فَلْيُعَرِّفْهَا. وَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَا عَدْلٍ لِيُفِيدَ عِنْدَ جَحْدِ الْمَالِكِ التَّعْرِيفَ: أَيْ الْإِشْهَادَ. فَإِنَّهُ إذَا اسْتَشْهَدَ ثُمَّ عَرَّفَ بِحَضْرَتِهِ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَإِلَّا فَالتَّعْرِيفُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا بِحَضْرَةِ الْعُدُولِ، وَعَلَى هَذَا فَخِلَافِيَّةُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا أَصْلًا حَتَّى ادَّعَى ضَيَاعَهَا وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ لِيَرُدَّهَا وَأَخَذَهَا كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمَا إنَّ إذْنَ الشَّرْعِ مُقَيَّدٌ بِالْإِشْهَادِ أَيْ بِالتَّعْرِيفِ، فَإِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا فَقَدْ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا فِي الْأَخْذِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ: أَيْ التَّعْرِيفُ وَقْتَ الْأَخْذِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ قَبْلَ هَلَاكِهَا لِيُعَرِّفَ بِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَا لِنَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا لَا يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِكَوْنِهِ رَدَّهَا فِي مَكَانِهَا أَوْ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ بِالرَّدِّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَبِهِ يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْهُ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا لَمْ يَذْهَبْ بِهَا، فَإِنْ ذَهَبَ بِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا ضَمِنَ، وَبَعْضُهُمْ ضَمِنَهُ ذَهَبَ بِهَا أَوْ لَا، وَالْوَجْهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَا ذَكَرْنَا لَا يَنْفِي وَجْهَ التَّضْمِينِ بِكَوْنِهِ مُضَيِّعًا مَالَ غَيْرِهِ بِطَرْحِهِ بَعْدَمَا لَزِمَهُ حِفْظُهُ بِالْأَخْذِ
(6/120)

قَالَ (فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشْرَةً فَصَاعِدًا عَرَّفَهَا حَوْلًا) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ أَيَّامًا مَعْنَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى. وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» . وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ وَرَدَ فِي لُقَطَةٍ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا فِي مَعْنَى الْأَلْفِ فِي تَعَلُّقِ الْقَطْعِ بِهِ فِي السَّرِقَةِ وَتَعَلُّقِ اسْتِحْلَالِ الْفَرْجِ بِهِ وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَاهَا فِي حَقِّ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ، فَأَوْجَبْنَا التَّعْرِيفَ بِالْحَوْلِ احْتِيَاطًا، وَمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْأَلْفِ بِوَجْهٍ مَا فَفَوَّضْنَا إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ) اللُّقَطَةُ (أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ عَرَّفَهَا أَيَّامًا) وَفَسَّرَهَا الْمُصَنِّفُ بِحَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَصَاعِدًا عَرَّفَهَا حَوْلًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْنِ إلَى عَشْرَةٍ عَرَّفَهَا شَهْرًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ يُعَرِّفُهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إنْ كَانَتْ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا: يَعْنِي إلَى الْعَشَرَةِ يُعَرِّفُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا: يَعْنِي إلَى ثَلَاثَةٍ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ دَانِقًا فَصَاعِدًا يُعَرِّفُهَا يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الدَّانِقِ يَنْظُرُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ثُمَّ يَضَعُهُ فِي كَفِّ فَقِيرٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ، بَلْ يُعَرِّفُ الْقَلِيلَ بِقَدْرِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَخْذٌ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا وَهُوَ جَيِّدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَدَّرَ بِذَلِكَ التَّقْدِيرَاتِ فِي الْقَلِيلِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّ الْمَالِكَ فِي تِلْكَ التَّقَادِيرِ لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَدِ فَكَانَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ غَلَبَةَ ظَنِّ تَرْكِهَا، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ تَقْدِيرُهُ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَيُذْكَرُ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ.
وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ، فَمَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً» وَمَعْنَى لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ: أَيْ لَا يَحِلُّ لِلْمُلْتَقِطِ تَمَلُّكُهَا، وَهَذَا لَا يَتَعَرَّضُ لِلِالْتِقَاطِ نَفْسِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» (وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ وَرَدَ فِي لُقَطَةٍ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمَ، وَالْعَشَرَةُ فَمَا فَوْقَهَا فِي مَعْنَى الْأَلْفِ شَرْعًا فِي تَعَلُّقِ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهِ وَتَعَلُّقِ اسْتِحْلَالِ الْفَرْجِ بِهِ وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَاهَا فِي حَقِّ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ فَأَوْجَبْنَا التَّعْرِيفَ بِالْحَوْلِ) إلْحَاقًا لَهَا بِمَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهَا احْتِيَاطًا (وَمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْأَلْفِ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا فَفَوَّضْنَا) التَّعْرِيفَ فِيهَا (إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ) وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ
(6/121)

وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُلْتَقِطِ يُعَرِّفُهَا إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا لَا يَبْقَى عَرَّفَهُ حَتَّى إذَا خَافَ أَنْ يَفْسُدَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا. وَفِي الْجَامِعِ: فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الْوُصُولِ إلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا كَالنَّوَاةِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ يَكُونُ إلْقَاؤُهُ إبَاحَةً حَتَّى جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَلَكِنَّهُ مُبْقًى عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْت بِهَا فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْته ثَالِثًا فَقَالَ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي قَصْرَ حَدِيثِ الْعَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالتَّعْرِيفِ سَنَةً فِي غَيْرِ حَدِيثٍ مُطْلَقًا عَنْ صُورَةِ الْمِائَةِ دِينَارٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَغَيْرُهُ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ (قَوْلُهُ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّقَادِيرِ لَيْسَ بِلَازِمٍ) وَلَا التَّقْدِيرُ بِالْعَامِ (وَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ يُعَرِّفُهُ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا) وَهَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَاخْتَارَهُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الثَّلَاثِ سِنِينَ فِي الْمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ لَيْسَ السَّنَةُ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ بَلْ مَا يَقَعُ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ أَنَّ صَاحِبَهُ يَتْرُكُهُ أَوْ لَا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ خَطَرِ الْمَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ لَمَّا كَانَ ذَا خَطَرٍ كَبِيرٍ أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا لَا يَبْقَى عَرَّفَهُ حَتَّى يَخَافَ فَسَادَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ وَفِي الْجَامِعِ) يَعْنِي الْأَسْوَاقَ وَأَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ فَيُنَادِي مَنْ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَطْلُبْهُ عِنْدِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ بِتَعْرِيفِهَا سَنَةً يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّعْرِيفِ عُرْفًا وَعَادَةً وَإِنْ كَانَ ظَرْفِيَّةُ السَّنَةِ لِلتَّعْرِيفِ يَصْدُقُ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ كُلَّمَا وَجَدَ مَظِنَّةً، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ الْوَلْوَالِجِيِّ مِمَّا يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ هُوَ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْهُ، أَمَّا الْوَاجِبُ فَأَنْ يَذْكُرَهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهُ كَالنَّوَاةِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ يَكُونُ إلْقَاؤُهُ إبَاحَةً فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا) لِلْوَاجِدِ (بِلَا تَعْرِيفٍ) .
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ رَأَى تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا» وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، حَتَّى إذَا وَجَدَهَا فِي يَدِهِ لَهُ أَخْذُهَا لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ، وَإِنَّمَا إلْقَاؤُهَا إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ (لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ) وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَجَمَعَهَا
(6/122)

قَالَ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا) إيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِهَا عِنْدَ الظَّفَرِ بِصَاحِبِهَا وَإِيصَالِ الْعِوَضِ وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اعْتِبَارِ إجَازَةِ التَّصَدُّقِ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا رَجَاءَ الظُّفْرِ بِصَاحِبِهَا قَالَ (فَإِنْ) (جَاءَ صَاحِبُهَا) يَعْنِي بَعْدَمَا تَصَدَّقَ بِهَا (فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَى الصَّدَقَةَ) وَلَهُ ثَوَابُهَا لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْفَقِيرِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَحِلِّ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ لِثُبُوتِهِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا لِأَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكًا لَهُ بِالْجَمْعِ، وَعَلَى هَذَا الْتِقَاطُ السَّنَابِلِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَقْيِيدِ هَذَا الْجَوَابِ: أَعْنِي جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا بِمَا إذَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً فِي مَكَان فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمَّا جَمَعَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا أَلْقَاهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا بَلْ سَقَطَتْ مِنْهُ أَوْ وَضَعَهَا لِيَرْفَعَهَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ جَزَّ صُوفَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُ الشَّاةِ فِي يَدِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَلَوْ دَبَغَ جِلْدَهَا كَانَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَالتُّفَّاحُ وَالْكُمَّثْرَى وَالْحَطَبُ فِي الْمَاءِ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا) أَوْ أَكَلَهَا إنْ كَانَ فَقِيرًا، أَوْ اسْتَقْرَضَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَيَتَمَلَّكُهَا إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا أَبَدًا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا، وَإِذَا خَشِيَ الْمَوْتَ يُوصِي بِهَا كَيْ لَا تَدْخُلَ فِي الْمَوَارِيثِ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ أَيْضًا يُعَرِّفُونَهَا، وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُعَرِّفُوهَا حَتَّى هَلَكَتْ وَجَاءَ صَاحِبُهَا أَنْ يَضْمَنُوا لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى لُقَطَةٍ وَلَمْ يُشْهِدُوا: أَيْ لَمْ يُعَرِّفُوا، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِذَلِكَ أَنَّ قَصْدَهُمْ تَعْمِيَتُهَا عَنْ صَاحِبِهَا، وَيَجْرِي فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا (بَعْدَ التَّصَدُّقِ فَهُوَ) بِأَحَدِ خِيَارَاتٍ ثَلَاثٍ (إنْ شَاءَ أَمْضَى الصَّدَقَةَ وَلَهُ ثَوَابُهَا لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَحُصُولُ الثَّوَابِ لِلْإِنْسَانِ يَكُونُ بِفِعْلٍ مُخْتَارٍ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ قَبْلَ لُحُوقِ الْإِذْنِ وَالرِّضَا فَبِالْإِجَازَةِ وَالرِّضَا يَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ لِرِضَاهُ بِذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ وَهِيَ تَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَحِلِّ وَقَدْ يَكُونُ مَجِيءُ الْمَالِكِ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِ الْفَقِيرِ لَهَا؟ أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمِلْكُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، أَمَّا هُنَا فَالْمِلْكُ يَثْبُتُ قَبْلَ ذَلِكَ شَرْعًا لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّصَدُّقِ عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ الْمَالِكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَهُ دُونَ مِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ وَحَالُ الْفَقِيرِ يَقْتَضِي سُرْعَةَ اسْتِهْلَاكِهَا ثَبَتَ عَدَمُ تَوَقُّفِ اعْتِبَارِهَا عَلَى قِيَامِ الْمَحِلِّ بَعْدَ ثُبُوتِ اعْتِبَارِهَا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ شَرْعًا إجْمَاعًا
(6/123)

(وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) إلَّا أَنَّهُ بِإِبَاحَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الضَّمَانَ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا فِي تَنَاوُلِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمِسْكِينُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا أَخَذَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.

قَالَ (وَيَجُوزُ الِالْتِقَاطُ فِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْبَعِيرِ) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إذَا وُجِدَ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَيْهِ الثَّوَابُ (وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَإِنْ قُلْت: لَكِنَّهُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَإِبَاحَةٌ مِنْهُ.
قُلْنَا: الثَّابِتُ مِنْ الشَّارِعِ إذْنُهُ فِي التَّصَدُّقِ لَا إيجَابُهُ (هَذَا) الْقَدْرُ (لَا يُنَافِي) وُجُوبَ الضَّمَانِ (حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا فِي) إذْنِهِ (فِي تَنَاوُلِ مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ) وَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ مَعَ ثُبُوتِ الضَّمَانِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُثْبِتَ إذْنَهُ مُقَيَّدًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُ ضَمَانِ مَالِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمِسْكِينَ) إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ (هَلَكَ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَإِنْ قُلْت: إذَا قَبَضَهَا الْفَقِيرُ ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَسْتَرْجِعُهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ مَعَ ثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ كَمَا فِي الْهِبَةِ. وَالْمُرْتَدُّ: الرَّاجِعُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا بَعْدَ أَخْذِ الْوَرَثَةِ مَالَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِاللِّحَاقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جُعِلَ كَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ إذْنِهِ (وَإِنْ كَانَ قَائِمًا أَخَذَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ) وَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إذَا تَصَدَّقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، أَمَّا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ فَلَا يَرْجِعُ رَدُّوهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ الْقَاضِي بِنَفْسِهِ كَانَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَهُ إذَا جَاءَ فَضْلًا عَنْ الْمُلْتَقِطِ الْمُتَصَدِّقِ بِأَمْرِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَاضِي نَاظِرٌ لِلْغَيْبِ فِي أَمْوَالِهِمْ حِفْظًا لَهَا لَا إتْلَافًا فَلَا يَنْفُذُ مِنْ إتْلَافِهِ إلَّا مَا لَزِمَهُ شَرْعًا الْقِيَامُ وَالتَّصَدُّقُ لَيْسَ كَذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ الِالْتِقَاطُ فِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْبَعِيرِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ) وَأَحْمَدُ (إذَا وُجِدَ الْبَقَرُ وَالْبَعِيرُ فِي الصَّحْرَاءِ فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ،
(6/124)

وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْفَرَسُ. لَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ الْحُرْمَةُ وَالْإِبَاحَةُ مَخَافَةَ الضَّيَاعِ، وَإِذَا كَانَ مَعَهَا مَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا يَقِلُّ الضَّيَاعُ وَلَكِنَّهُ يُتَوَهَّمُ فَيَقْضِي بِالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبُ إلَى التَّرْكِ.
وَلَنَا أَنَّهَا لُقَطَةٌ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ كَمَا فِي الشَّاةِ (فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَنْ ذِمَّةِ الْمَالِكِ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِهِ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً فِي مَالِ الْغَائِبِ نَظَرًا لَهُ وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْفَرَسُ) لَهُمَا (أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ الْحُرْمَةُ وَإِبَاحَةُ الِالْتِقَاطِ مَخَافَةَ الضَّيَاعِ، وَإِذَا كَانَ مَعَهَا مَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِهِ) كَالْقَرْنِ مَعَ الْقُوَّةِ فِي الْبَقَرِ وَالرَّفْسِ مَعَ الْكَدْمِ وَزِيَادَةِ الْقُوَّةِ فِي الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ (يَقِلُّ) ظَنُّ (الضَّيَاعِ وَلَكِنَّهُ يُتَوَهَّمُ فَيَقْضِي بِالْكَرَاهَةِ فِي الْأَخْذِ وَالنَّدْبِ إلَى التَّرْكِ) هَذَا، وَلَكِنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ وَحِلِّهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(وَلَنَا أَنَّهَا لُقَطَةٌ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَيُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ كَمَا فِي الشَّاةِ) لَكِنَّ هَذَا قِيَاسٌ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا، قُلْت: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ، وَفِي الصَّحِيحِ قَالَ خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَالَك وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» وَرَوَى أَبُو دَاوُد «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ بِبَقَرَةٍ حَتَّى تَوَارَتْ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ ضَالَّةَ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
أَجَابَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ إذْ ذَاكَ لِغَلَبَةِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْأَمَانَةُ لَا تَصِلُ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ، فَإِذَا تَرَكَهَا وَجَدَهَا، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَأْمَنُ وُصُولَ يَدٍ خَائِنَةٍ إلَيْهَا بَعْدَهُ، فَفِي أَخْذِهَا إحْيَاؤُهَا وَحِفْظُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَهُوَ أَوْلَى.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ أَنْ يَجِبَ الِالْتِقَاطُ وَهَذَا أَحَقُّ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ وُصُولُهَا إلَى رَبِّهَا وَأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقُ الْوُصُولِ، فَإِذَا تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَصَارَ طَرِيقُ التَّلَفِ فَحُكْمُهُ عِنْدَهُ بِلَا شَكٍّ خِلَافُهُ وَهُوَ الِالْتِقَاطُ لِلْحِفْظِ وَالرَّدِّ. وَأَقْصَى مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَوْقَاتِ خَصَّ مِنْهَا بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ مِنْ الدَّيْنِ لَوْ لَمْ يَتَأَيَّدْ بِحَدِيثٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الضَّالَّةِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ» ، فَتَأَيَّدَ بِهِ زِيَادَةٌ بَعْدَ تَمَامِ الْوَجْهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَنْ ذِمَّةِ الْمَالِكِ) أَيْ عَنْ أَنْ يَشْغَلَهَا بِالدَّيْنِ بِلَا أَمْرِهِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِهِ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً فِي مَالِ الْغَائِبِ نَظَرًا لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ) الْآنَ
(6/125)

(وَإِذَا رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْبَهِيمَةِ مَنْفَعَةٌ آجَرَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا) لِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا مَنْفَعَةٌ وَخَافَ أَنْ تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَتَهَا بَاعَهَا وَأَمَرَ بِحِفْظِ ثَمَنِهَا) إبْقَاءً لَهُ مَعْنًى عِنْدَ تَعَذُّرِ إبْقَائِهِ صُورَةً (وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَيْنًا عَلَى مَالِكِهَا) لِأَنَّهُ نَصَبَ نَاظِرًا وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، قَالُوا: إنَّمَا يَأْمُرُ بِالْإِنْفَاقِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى رَجَاءَ أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهَا، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ يَأْمُرُ بِبَيْعِهَا لِأَنَّ دَارَّةَ النَّفَقَةِ مُسْتَأْصَلَةٌ فَلَا نَظَرَ فِي الْإِنْفَاقِ مُدَّةً مَدِيدَةً.
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَفِي الْأَصْلِ شَرْطُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَصْبًا فِي يَدِهِ فَلَا يَأْمُرُ فِيهِ بِالْإِنْفَاقِ وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ فِي الْوَدِيعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ لِكَشْفِ الْحَالِ وَلَيْسَتْ الْبَيِّنَةُ تُقَامُ لِلْقَضَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِذَا رَفَعَ إلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ كَانَ لِلْبَهِيمَةِ مَنْفَعَةٌ) وَثَمَّ مَنْ يَسْتَأْجِرُهَا (آجَرَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا لِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا بِلَا إلْزَامِ دَيْنٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا مَنْفَعَةٌ) أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهَا (وَخَافَ أَنْ تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَتَهَا بَاعَهَا وَأَمَرَ بِحِفْظِ ثَمَنِهَا إبْقَاءً لَهُ مَعْنًى عِنْدَ تَعَذُّرِ إبْقَائِهِ صُورَةً) فَإِنَّ الثَّمَنَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ إذْ يَصِلُ بِهِ إلَى مِثْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ (وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا أَذِنَ) لَهُ (فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَيْنًا عَلَيْهِ) إذْ (فِيهِ نَظَرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) جَانِبِ الْمَالِكِ بِإِبْقَاءِ عَيْنِ مَالِهِ لَهُ وَجَانِبِ الْمُلْتَقِطِ بِالرُّجُوعِ (قَالَ الْمَشَايِخُ: إنَّمَا يَأْمُرُ بِالْإِنْفَاقِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى قَدْرِ مَا يُرْجَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهَا) ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ يَأْمُرُ بِبَيْعِهَا لِأَنَّ دَارَّةَ النَّفَقَةِ مُسْتَأْصَلَةٌ لِلْعَيْنِ مَعْنًى، بَلْ رُبَّمَا تَذْهَبُ الْعَيْنُ وَيَفْضُلُ الدَّيْنُ عَلَى مَالِكِهَا، وَلَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ مِنْ الْقَاضِي ذَلِكَ لَوْ أَمَرَ بِهِ لِلتَّيَقُّنِ بِعَدَمِ النَّظَرِ، وَإِذَا بَاعَهَا أَعْطَى الْمُلْتَقِطَ مِنْ ثَمَنِهَا مَا أَنْفَقَ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ مَالُ صَاحِبِهَا وَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ عَلَيْهِ بِعِلْمِ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ إذَا ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَاعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ جَاءَ وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ أَبْطَلَهُ وَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ.
وَإِنْ جَاءَ وَهِيَ هَالِكَةٌ فَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْبَائِعُ، فَإِنْ ضَمِنَ الْبَائِعُ نَفَذَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ مَلَكَ اللُّقَطَةَ مِنْ حِينِ أَخَذَهَا وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ (وَفِي الْأَصْلِ) يَعْنِي الْمَبْسُوطَ (يَشْتَرِطُ الْبَيِّنَةَ) فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ رَفَعَهَا إلَى الْقَاضِي وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ الْتَقَطَهَا أَمَرَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ غَصَبَهَا، وَلَا يَأْمُرُ بِالنَّفَقَةِ إلَّا فِي الْوَدِيعَةِ) وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ (لِكَشْفِ الْحَالِ) أَيْ لِيَنْكَشِفَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لَا لِلْقَضَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى خَصْمٍ لَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ:
(6/126)

وَإِنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي بِقَوْلِ الْقَاضِي لَهُ أَنْفِقْ عَلَيْهِ إنْ كُنْت صَادِقًا فِيمَا قُلْت حَتَّى تَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ صَادِقًا، وَلَا يَرْجِعُ إنْ كَانَ غَاصِبًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَالِكِ بَعْدَ مَا حَضَرَ وَلَمْ تُبَعْ اللُّقَطَةُ إذَا شَرَطَ الْقَاضِي الرُّجُوعَ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ (وَإِذَا حَضَرَ) يَعْنِي (الْمَالِكُ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ حَتَّى يُحْضِرَ النَّفَقَةَ) لِأَنَّهُ حَيٌّ بِنَفَقَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ؛ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ رَادُّ الْآبِقِ فَإِنَّ لَهُ الْحَبْسَ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعَلِ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ لَا يَسْقُطُ دَيْنُ النَّفَقَةِ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ قَبْلَ الْحَبْسِ، وَيَسْقُطُ إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْحَبْسِ شَبِيهَ الرَّهْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْإِمَامُ خَصْمٌ فِيهَا عَنْ صَاحِبِهَا (وَإِنْ قَالَ) الْمُلْتَقِطُ (لَا بَيِّنَةَ لِي يَقُولُ لَهُ أَنْفِقْ عَلَيْهَا إنْ كُنْت صَادِقًا) وَفِي الذَّخِيرَةِ: يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدِي الثِّقَاتِ بِأَنْ يَقُولَ أَمَرْته بِالْبَيْعِ أَوْ الْإِنْفَاقِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ (وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ (إذَا شَرَطَ الْقَاضِي) ذَلِكَ (وَهَذَا رِوَايَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ) وَقِيلَ يَرْجِعُ بِمُجَرَّدِ أَمْرِهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي اللَّقِيطِ (وَإِذْ حَضَرَ الْمَالِكُ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ حَتَّى يُحْضِرَ النَّفَقَةَ لِأَنَّهُ حَيٌّ بِنَفَقَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْمِلْكَ مِنْهُ فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ. وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ رَادُّ الْآبِقِ فَإِنَّ لَهُ الْحَبْسَ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعَلِ لِمَا ذَكَرْنَا)
مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْمَبِيعِ (وَلَا يَسْقُطُ دَيْنُ النَّفَقَةِ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ قَبْلَ الْحَبْسِ، وَيَسْقُطُ إذَا هَلَكَ بَعْدَ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْحَبْسِ كَالرَّهْنِ) مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ الْحَبْسِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ هَلَكَ بَعْدَهُ سَقَطَ لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْحَبْسِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَحَافِظُ الدِّينِ فِي الْكَافِي أَيْضًا، فَيُفْهَمُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
وَجَعَلَ الْقُدُورِيُّ هَذَا قَوْلَ زُفَرَ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَأَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَحَبَسَهَا بِالنَّفَقَةِ فَهَلَكَتْ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهَا دَيْنٌ غَيْرُ بَدَلٍ عَنْ عَيْنٍ وَلَا عَنْ عَمَلٍ مِنْهُ فِيهَا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا: أَيْ الْعَيْنَ عَقْدٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَصَرَّحَ فِي الْيَنَابِيعِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ عَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَحَبَسَهَا لِيَأْخُذَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا فَهَلَكَتْ لَمْ تَسْقُطْ النَّفَقَةُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَحَاصِلُ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي التَّقْرِيبِ نَفْيُ الْحُكْمِ: أَعْنِي السُّقُوطَ لِعَدَمِ دَلِيلِ السُّقُوطِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ ثَابِتٌ وَلَيْسَتْ الْعَيْنُ الْمُلْتَقَطَةُ رَهْنًا لِيَسْقُطَ بِهَلَاكِهَا إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهَا عَقْدُ الرَّهْنِ. وَالْمُصَنِّفُ أَوْجَدَ الدَّلِيلَ وَهُوَ الْإِلْحَاقُ بِالرَّهْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَقِيقَتِهِ لَكِنَّ النَّقْلَ كَمَا رَأَيْت. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ
(6/127)

قَالَ (وَلُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ التَّعْرِيفُ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ إلَى أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَرَمِ «وَلَا يَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ، وَفِي التَّصَدُّقِ بَعْدَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ إبْقَاءُ مِلْكِ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ فَيَمْلِكُهُ كَمَا فِي سَائِرِهَا، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِالْتِقَاطُ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْحُرْمِ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِمَكَانِ أَنَّهُ لِلْغُرَبَاءِ ظَاهِرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا أَصْلًا فَأَبْلَغُ

(قَوْلُهُ وَلُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ سَوَاءٌ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا لَا حُكْمَ لَهَا سِوَى ذَلِكَ مَنْ تَصَدَّقَ وَلَا تُمْلَكُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» الْحَدِيثَ. الْمُنْشِدُ: الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ: الطَّالِبُ.
قَالَ الْمُثَقَّبُ:
يَسِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إسَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلنَّاشِدِ
وَيُرْوَى يَصِيخُ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، فَالْفِعْلُ مِنْ الْأَوَّلِ أَنْشَدَ الضَّالَّةَ يَنْشُدُهَا، وَأَنْشَدَهَا إنْشَادًا: إذَا أَعْرَفْتَهَا، وَمِنْ الثَّانِي نَشَدْتهَا أَنْشُدُهَا نَشْدًا وَنِشْدَانًا بِكَسْرِ النُّونِ: إذَا طَلَبْتهَا
(وَلَنَا إطْلَاقُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ وَغَيْرِهِ وَسُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) أَيْ وِعَاءَهَا مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا (وَوِكَاءَهَا) أَيْ رِبَاطَهَا الَّذِي شُدَّتْ بِهِ وَعَرِّفْهَا سَنَةً وَتَقَدَّمَ، فَإِمَّا أَنْ يَقْضِيَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ وَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا فَيُحْمَلُ كُلٌّ عَلَى مَحْمَلٍ وَهُوَ أَوْلَى، لَكِنْ لَا تَعَارُضَ لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ: لَا يَحِلُّ الِالْتِقَاطُ إلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُ وَلَا يَحِلُّ لِنَفْسِهِ.
وَتَخْصِيصُ مَكَّةَ حِينَئِذٍ لِدَفْعِ وَهْمِ سُقُوطِ التَّعْرِيفِ بِهَا بِسَبَبِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا وُجِدَ بِهَا مِنْ لُقَطَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلْغُرَبَاءِ وَقَدْ تَفَرَّقُوا فَلَا يُفِيدُ التَّعْرِيفُ فَيَسْقُطُ كَمَا يَسْقُطُ فِيمَا يَظْهَرُ إبَاحَتُهُ، فَبَيَّنَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ فِي وُجُوبِ
(6/128)

(وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ فَادَّعَى اللُّقَطَةَ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ. فَإِنْ أَعْطَى عَلَامَتَهَا حَلَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ) . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يُجْبَرُ، وَالْعَلَامَةُ مِثْلُ أَنْ يُسَمِّيَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا. لَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ يُنَازِعُهُ فِي الْيَدِ وَلَا يُنَازِعُهُ فِي الْمِلْكِ، فَيُشْتَرَطُ الْوَصْفُ لِوُجُودِ الْمُنَازَعَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَا تُشْتَرَطُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ لِعَدَمِ الْمُنَازَعَةِ مِنْ وَجْهٍ.
وَلَنَا أَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ كَالْمِلْكِ فَلَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ وَهُوَ الْبَيِّنَةُ اعْتِبَارًا بِالْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الدَّفْعُ عِنْدَ إصَابَةِ الْعَلَامَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ» وَهَذَا لِلْإِبَاحَةِ عَمَلًا بِالْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» الْحَدِيثَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّعْرِيفِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ» . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا، وَلَا عَمَلَ عَلَى هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لِفُشُوِّ السَّرِقَةِ بِمَكَّةَ مِنْ حَوَالِي الْكَعْبَةِ فَضْلًا عَنْ الْمَتْرُوكِ، وَالْأَحْكَامُ إذَا عُلِمَ شَرْعِيَّتُهَا بِاعْتِبَارِ شَرْطٍ ثُمَّ عُلِمَ ثُبُوتُ ضِدِّهِ مُتَضَمِّنًا مَفْسَدَةً بِتَقْدِيرِ شَرْعِيَّتِهِ مَعَهُ عُلِمَ انْقِطَاعُهَا، بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِشَرْعِيَّتِهَا لِسَبَبٍ إذَا عُلِمَ انْتِفَاؤُهُ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي الْبَقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ كَالرَّمْلِ وَالِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ

(قَوْلُهُ وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ فَادَّعَى اللُّقَطَةَ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَعْطَى عَلَامَتَهَا حَلَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)
وَأَحْمَدَ (يُجْبَرُ) وَإِعْطَاءُ عَلَامَتِهَا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ وَزْنِهَا وَعَدَدِهَا وَوِكَائِهَا وَيُصِيبُ فِي ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا، وَالْمُوجِبُ لِلدَّفْعِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَرِّفْهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِكَائِهَا وَوِعَائِهَا فَأَعْطِهِ إيَّاهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ وَفِيهِ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَك» وَأَيْضًا (فَإِنَّ صَاحِبَ الْيَدِ) وَهُوَ الْمُلْتَقِطُ (إنَّمَا يُنَازِعُهُ فِي الْيَدِ لَا فِي الْمِلْكِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ فَكَانَتْ مُنَازَعَتُهُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَيُشْتَرَطُ مَا هُوَ حُجَّةٌ مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَفِي الْوَصْفِ الْمُطَابِقِ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ الْبَيِّنَةُ لِعَدَمِ مُنَازَعَتِهِ) مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (وَلَنَا أَنَّ الْيَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ كَالْمِلْكِ) حَتَّى أَنَّ غَاصِبَ الْمُدَبَّرِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَلَمْ يُفَوِّتْ غَيْرَ الْيَدِ فَيَكُونُ مِثْلَهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ غَيْرَ أَنَّا أَبَحْنَا لَهُ الدَّفْعَ عِنْدَ إصَابَةِ الْعَلَامَةِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَوْهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّعْوَى،
(6/129)

وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا إذَا كَانَ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ اسْتِيثَاقًا، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ التَّكْفِيلِ لِوَارِثٍ غَائِبٍ عِنْدَهُ. وَإِذَا صُدِّقَ قِيلَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ كَالْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ إذَا صَدَّقَهُ.
وَقِيلَ يُجْبَرُ لِأَنَّ الْمَالِكَ هَاهُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْمُودِعُ مَالِكٌ ظَاهِرًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْمُدَّعِي هُنَا صَاحِبُ اللُّقَطَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ إذَا دَفَعَهَا بِالْعَلَامَةِ فَقَطْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا اسْتِيثَاقًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ التَّكْفِيلِ لِوَارِثٍ غَائِبٍ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذَا قُسِمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْوَرَثَةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَارِثِ كَفِيلٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يُؤْخَذُ.
وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ هُنَا غَيْرُ ثَابِتٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ غَيْرَهُ فَيَجِيءُ وَيَتَوَارَى الْآخِذُ فَيُحْتَاطُ بِالْكَفِيلِ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ مَعْلُومٌ ثَابِتٌ، وَكَوْنُ غَيْرِهِ أَيْضًا لَهُ حَقٌّ أَمْرٌ مَوْهُومٌ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَقِّ الثَّابِتِ إلَى زَمَانِ تَحْصِيلِ الْكَفِيلِ بِحَقٍّ مَوْهُومٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَفْعَ الْمُلْتَقِطِ لَوْ كَانَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَأْخُذُ كَفِيلًا وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَذُكِرَ فِي جَامِعِ قَاضِي خَان أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ. وَأُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ نَفَى الْخِلَافَ فِي التَّكْفِيلِ فِي اللُّقَطَةِ.
وَقَالَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ فِيهِ: أَيْ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ عِنْدَ رَفْعِ اللُّقَطَةِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ. عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَأْخُذُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَأْخُذُ، هَذَا إذَا دَفَعَهُ بِمُجَرَّدِ الْعَلَامَةِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ مَعَ الْعَلَامَةِ أَوْ لَا مَعَهَا فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ دَفْعِهِ إلَيْهِ، لَكِنْ هَلْ يُجْبَرُ؟ قِيلَ يُجْبَرُ كَمَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً، وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ كَالْوَكِيلِ يَقْبِضُ الْوَدِيعَةَ إذَا صَدَّقَهُ الْمُودِعُ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ، وَدَفَعَ بِالْفَرْقِ (بِأَنَّ الْمَالِكَ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ) أَيْ الْمَالِكُ الْآخِذُ لِهَذِهِ اللُّقَطَةِ الَّتِي صَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ مُدَّعِيهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْمُودِعُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ مَالِكٌ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ لِلْحَاضِرِ بِحَقِّ قَبْضِهَا وَإِقْرَارُهُ بِحَقِّ قَبْضِ مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَلْزَمُهُ إقْبَاضُهُ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِذَا دَفَعَ بِالتَّصْدِيقِ أَوْ بِالْعَلَامَةِ وَجَاءَ آخَرُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُدَّعِي قَضَى لَهُ بِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْقَابِضُ أَوْ الْمُلْتَقِطُ، فَإِنْ ضَمِنَ الْقَابِضُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ فَفِي رِوَايَةٍ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا كَانَ الدَّفْعُ بِتَصْدِيقِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَرْجِعُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(6/130)

وَلَا يَتَصَدَّقُ بِاللُّقَطَةِ عَلَى غَنِيٍّ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ التَّصَدُّقُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ» يَعْنِي صَاحِبَهَا، «فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ» وَالصَّدَقَةُ لَا تَكُونُ عَلَى غَنِيٍّ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ (وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَانْتَفِعْ بِهَا» وَكَانَ مِنْ الْمَيَاسِيرِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ لِلْفَقِيرِ حَمْلًا لَهُ عَلَى رَفْعِهَا صِيَانَةً لَهَا وَالْغَنِيُّ يُشَارِكُهُ فِيهِ.
وَلَنَا مَالُ الْغَيْرِ فَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِرِضَاهُ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْفَقِيرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَالْغَنِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْذِ لِاحْتِمَالِ افْتِقَارِهِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالْفَقِيرُ قَدْ يَتَوَانَى لِاحْتِمَالِ اسْتِغْنَائِهِ فِيهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُهَا وَصَاحِبُ الْبَيِّنَةِ ظَلَمَهُ بِتَضْمِينِهِ فَلَا يَظْلِمُهُ هُوَ وَصَارَ كَالْمُودِعِ إذَا صَدَّقَ الْوَكِيلَ بِالْقَبْضِ وَدَفَعَ إلَيْهِ ثُمَّ حَضَرَ الْمُودِعُ وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ وَضَمِنَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ لِزَعْمِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ قَبَضَهُ بِأَمْرِهِ وَالْمُودِعُ ظَالِمٌ فِي تَضْمِينِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْمِلْكِ لَكِنَّهُ لَمَّا قَضَى بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي بِالْبَيِّنَةِ فَقَدْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا بِتَكْذِيبِ الْقَاضِي فَبَطَلَ إقْرَارُهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ دَفَعَ بِلَا تَصْدِيقٍ، ثُمَّ ظَهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَصَارَ كَإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ إذَا اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ بِبَيِّنَةٍ فَقَضَى لَهُ بِهِ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ، وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي فِي إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُودِعِ. وَاَلَّذِي فَرَّقَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ فِي زَعْمِ الْمُودِعِ أَنَّ الْوَكِيلَ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُودِعُ فِي قَبْضِهِ لَهُ بِأَمْرِهِ وَلَيْسَ بِضَامِنٍ، بَلْ الْمُودِعُ ظَلَمَهُ فِي تَضْمِينِهِ إيَّاهُ، وَمَنْ ظُلِمَ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ مُوهِنًا فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْقَابِضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ ضَامِنٌ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِاللُّقَطَةِ عَلَى غَنِيٍّ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الصَّدَقَةُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ: يَعْنِي صَاحِبَهَا، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ» وَالصَّدَقَةُ لَا تَكُونُ عَلَى غَنِيٍّ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ) وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سُمَيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ، فَمَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلْيُؤَدِّهِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ فَلْيُخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الَّذِي لَهُ» وَفِيهِ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ.
وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ إذَا كَانَ غَنِيًّا أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِطَرِيقِ الْقَرْضِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْسِهِ صَدَقَةً لَا فَرْضًا فَيَكُونُ فِيهِ لِلْمَالِكِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ تَحْقِيقًا لِلنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَانِبِ الْمَالِكِ بِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ وَجَانِبِ الْمُلْتَقِطِ كَمَا لَوْ كَانَ الْفَقِيرُ غَيْرَ الْمُلْتَقِطِ، وَلِهَذَا جَازَ دَفْعُهَا إلَى فَقِيرٍ غَيْرِ الْمُلْتَقِطِ وَإِنْ كَانَ أَبَا الْمُلْتَقِطِ أَوْ ابْنَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ (وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ تَحْقِيقِ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِطَرِيقِ الْقَرْضِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» ) قَالُوا (وَأُبَيُّ كَانَ مِنْ الْمَيَاسِيرِ) بِدَلِيلِ مَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِك» .
فَقَدْ جَعَلَ لَهُ مَالًا، قُلْنَا: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ الْخِطَابَ لِأُبَيِّ، فَإِنَّهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(6/131)

وَانْتِفَاعُ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ جَائِزٌ بِإِذْنِهِ (وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلِهَذَا جَازَ الدَّفْعُ إلَى فَقِيرٍ غَيْرِهِ (وَكَذَا إذَا كَانَ الْفَقِيرُ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ غَنِيًّا) لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي اللُّقَطَةِ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ، إلَى أَنْ قَالَ: فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِك» وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَحْكِي قَوْلَهُ لِسَائِلٍ يَسْأَلُهُ، وَجَازَ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ فَقِيرًا. ثُمَّ هُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَقْرِ أُبَيٍّ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاءِ قَرَابَتِك، فَجَعَلَهَا» أَبُو طَلْحَةَ فِي أُبَيٍّ وَحَسَّانٍ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ أُبَيًّا كَانَ فَقِيرًا، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ قَضَايَا الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال.
وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ، إلَى أَنْ قَالَ وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ " فَهِيَ لَك " فَهُوَ أَيْضًا مِنْ قَضَايَا الْأَحْوَالِ الْمُتَطَرِّقِ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، إذْ يَجُوزُ كَوْنُ السَّائِلِ فَقِيرًا، لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْخِطَابَ لِأُبَيِّ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَضَايَا الْأَحْوَالِ ذَاتِ الِاحْتِمَالِ، إذْ الْمَالُ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ نِصَابًا، وَكَوْنُهُ خَالِيًا عَنْ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ نِصَابًا فَجَازَ كَوْنُهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، وَكَوْنُهُ مَدْيُونًا. قَالُوا: لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ لَا تَحِلُّ لِلْمُلْتَقِطِ إلَّا بِطَرِيقِ الصَّدَقَةِ فَيَمْتَنِعُ إذَا كَانَ غَنِيًّا لَمَّا أَكَلَهَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ.
وَقَدْ أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْلِهَا فِيمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ يَبْكِيَانِ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمَا؟ قَالَتْ: الْجُوعُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَجَدَ دِينَارًا بِالسُّوقِ، فَجَاءَ فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَخُذْ لَنَا دَقِيقًا، فَجَاءَ الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَخُذْ دِينَارَك وَالدَّقِيقُ لَك، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَقَالَتْ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ وَخُذْ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمٍ بِلَحْمٍ، فَعَجَنَتْ وَخَبَزَتْ وَأَرْسَلَتْ إلَى أَبِيهَا فَجَاءَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذْكُرُ لَك فَإِنْ رَأَيْته حَلَالًا لَنَا أَكَلْنَاهُ، مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا فَبَيْنَمَا هُمْ مَكَانَهُمْ إذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ الدِّينَارَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فَدُعِيَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّي فِي السُّوقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عَلِيُّ اذْهَبْ إلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ لَهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَك: أَرْسِلْ إلَيَّ بِالدِّينَارِ وَدِرْهَمُك عَلَيَّ، فَأَرْسَلَ بِهِ فَدَفَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْغُلَامِ» .
قُلْنَا: هَذَا الْحَدِيثُ تُكُلِّمَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهِ إنْفَاقَهُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ فَدَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ. وَقَوْلُ الْمُنْذِرِيِّ: وَلَعَلَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا فَمُرَاجَعَتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْخَلْقِ إعْلَانٌ بِهِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاكْتِفَاءَ فِي التَّعْرِيفِ بِمَرَّةٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ اشْتَرَوْا وَخَبَزُوا وَأَحْضَرُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَكْلِ. نَعَمْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِأَنَّ عَلِيًّا عَرَّفَهُ قَبْلَ
(6/132)

كِتَابُ الْإِبَاقِ (الْآبِقُ أَخْذُهُ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فَاطِمَةَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، وَفِيهِ «أَنَّهُ أَتَى بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَعَرَّفَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: شَأْنُك بِهِ» .
وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمُخْتَارِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِحَوْلٍ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ إلَى أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ إلَى أَنَّ طَالِبَهُ قَطَعَ نَظَرَهُ عَنْهُ. وَفِي سَنَدِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ الْبَزَّارُ عَلَى الظَّنِّ: هُوَ عِنْدِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: هُوَ مَتْرُوكٌ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَمِنْ جِهَةِ الِاضْطِرَابِ، لِأَنَّ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ أَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْلَمُوهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَوْا وَصَارَ مُهَيَّئًا لِلْأَكْلِ يُنَاقِضُ مَا فِي الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ فَأَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِأَخْذِهِ.
وَفِي الْأُولَى أَنَّهُ دَفَعَ عَيْنَهُ لِلْمُنْشِدِ. وَفِي الثَّانِيَةِ " أَنَّهُ جَعَلَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَقَالَ: إذَا جَاءَنَا أَدَّيْنَاهُ إلَيْك " وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ.
ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا حُجِّيَّتَهُ كَانَ الثَّابِتُ بِهِ أَنَّ اسْتِقْرَاضَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ هَذَا مَحِلُّ النِّزَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ جَوَازُ افْتِرَاضِ الْمُلْتَقِطِ الْغَنِيِّ، فَلَوْ سَلَّمْنَا ضَعْفَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّدَقَةِ بِنَاءً عَلَى تَضْعِيفِ السَّمْتِيِّ كَفَانَا جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ هُوَ يُثْبِتُ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ الْغَنِيِّ فِيهَا حُكْمًا آخَرَ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُ فِي إثْبَاتِهِ بِالدَّلِيلِ وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَيَبْقَى عَلَى الِانْتِفَاءِ.

[كِتَابُ الْإِبَاقِ]
كُلٌّ مِنْ الْإِبَاقِ وَاللَّقِيطِ وَاللُّقَطَةِ تَحَقَّقَ فِيهِ عُرْضَةُ الزَّوَالِ وَالتَّلَفِ، إلَّا أَنَّ التَّعَرُّفَ لَهُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٌ فِي الْإِبَاقِ فَكَانَ الْأَنْسَبُ تَعْقِيبَ الْجِهَادِ بِهِ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ، وَكَذَا الْأَوْلَى فِيهِ، وَفِي اللُّقَطَةِ التَّرْجَمَةُ بِالْبَابِ لَا بِالْكِتَابِ.
وَالْإِبَاقُ فِي اللُّغَةِ: الْهَرَبُ، أَبَقَ يَأْبِقُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وَالْهَرَبُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْقَصْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا قِيلَ هُوَ الْهَرَبُ قَصْدًا. نَعَمْ لَوْ قِيلَ الِانْصِرَافُ وَنَحْوُهُ عَنْ الْمَالِكِ كَانَ قَيْدُ الْقَصْدِ مُفِيدًا وَالضَّالُّ لَيْسَ فِيهِ قَصْدُ التَّغَيُّبِ بَلْ هُوَ الْمُنْقَطِعُ عَنْ مَوْلَاهُ لِجَهْلِهِ بِالطَّرِيقِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ الْآبِقُ أَخْذُهُ أَفْضَلُ) مِنْ تَرْكِهِ (فِي حَقِّ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ) أَيْ يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَوْلَاهُ، بِخِلَافِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ وَالضَّعْفَ وَلَا يُعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي اللُّقَطَةِ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُهُ عَلَى الْمَوْلَى إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مَعَ قُدْرَةٍ تَامَّةٍ
(6/133)

لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَائِهِ، وَأَمَّا الضَّالُّ فَقَدْ قِيلَ كَذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ تَرْكُهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فَيَجِدُهُ الْمَالِكُ وَلَا كَذَلِكَ الْآبِقُ ثُمَّ آخِذُ الْآبِقِ يَأْتِي بِهِ إلَى السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ، ثُمَّ إذَا رُفِعَ الْآبِقُ إلَيْهِ يَحْبِسُهُ، وَلَوْ رُفِعَ الضَّالُّ لَا يَحْبِسُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْآبِقِ الْإِبَاقُ ثَانِيًا، بِخِلَافِ الضَّالِّ

قَالَ (وَمَنْ رَدَّ الْآبِقَ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ جُعْلُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ رَدَّهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بِالشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِمَنَافِعِهِ فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الضَّالَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْهِ فَيَجِبُ أَخْذُهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِ الضَّالِّ، قِيلَ أَخْذُهُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ النُّفُوسِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ (وَقِيلَ تَرْكُهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ) مُنْتَظِرًا لِمَوْلَاهُ حَتَّى يَجِدَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ انْتِظَارَهُ فِي مَكَان غَيْرِ مُتَزَحْزِحٍ عَنْهُ لَيْسَ بِوَاقِعٍ بَلْ نَجِدُ الضُّلَّالَ يَدُورُونَ مُتَحَيِّرِينَ، لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَحِلَّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَاجِدُ الضَّالِّ مَوْلَاهُ وَلَا مَكَانَهُ، أَمَّا إذَا عَلِمَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَفْضَلِيَّةِ أَخْذِهِ وَرَدِّهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ آخِذُ الْآبِقِ يَأْتِي بِهِ إلَى السُّلْطَانِ) أَوْ الْقَاضِي فَيَحْبِسُهُ مَنْعًا لَهُ عَنْ الْإِبَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ حِفْظَهُ عَنْ إبَاقِهِ مِنْ الْأَخْذِ إلَّا بِذَلِكَ عَادَةً، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ.
أَمَّا لَوْ فُرِضَ قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى السُّلْطَانِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ خَيَّرَهُ الْحَلْوَانِيُّ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إلَى السُّلْطَانِ أَوْ يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا الضَّالُّ وَالضَّالَّةُ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، وَإِذَا حَبَسَ الْإِمَامُ الْآبِقَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَاهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ عَبْدُهُ يَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ بَاقٍ إلَى الْآنِ فِي مِلْكِك لَمْ يَخْرُجْ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ، فَإِذَا حَلَفَ دَفَعَهُ إلَيْهِ.
وَهَذَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَرَضَ بَعْدَ عِلْمِ الشُّهُودِ بِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ زَوَالِهِ بِسَبَبٍ لَا يَعْلَمُونَهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِفُهُ مَعَ عَدَمِ خَصْمٍ يَدَّعِي لِصِيَانَةِ قَضَائِهِ عَنْ الْخَطَإِ وَنَظَرًا لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ مَوْهُوبٍ لَهُ، ثُمَّ إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَنْ بَيِّنَةٍ فَفِي أَوْلَوِيَّةِ أَخْذِ الْكَفِيلِ وَتَرْكِهِ رِوَايَتَانِ، وَكَمَا يَدْفَعُهُ بِالْبَيِّنَةِ يَدْفَعُهُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ هُنَا كَفِيلًا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مُدَّةَ حَبْسِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَرُدُّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا كَبِرَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِفَقْرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ الْكَسْبِ، بِخِلَافِ مَالِكِ الْعَبْدِ، وَإِذَا لَمْ يَجِئْ لِلْعَبْدِ طَالِبٌ وَطَالَتْ مُدَّتُهُ بَاعَهُ الْقَاضِي وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ بَعْدَ أَخْذِ مَا أَنْفَقَ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ مَالِكُهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَهُوَ قَائِمٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَا يَأْخُذُهُ وَلَا يُنْتَقَضُ بَيْعُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ كَحُكْمِهِ، بِخِلَافِ الضَّالِّ إذَا طَالَتْ مُدَّتُهُ فَإِنَّهُ يُؤَاجِرُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْشَى إبَاقَهُ فَلَا يَبِيعُهُ، أَمَّا الْآبِقُ فَيُخْشَى ذَلِكَ مِنْهُ فَلِذَلِكَ يَبِيعُهُ وَلَا يُؤَاجِرُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ الطُّولَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الضَّالَّةِ الْمُلْتَقَطَةِ لِأَنَّ دَارَّةَ النَّفَقَةِ مُسْتَأْصَلَةٌ، وَلَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ لِلْمَالِكِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ رَدَّ الْآبِقَ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ جَعْلُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) فِضَّةً بِوَزْنِ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ (وَإِنْ رَدَّهُ لِأَقَلَّ) مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ (فَبِحِسَابِهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بِالشَّرْطِ) بِأَنْ يَقُولَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا كَمَا إذَا رَدَّ بَهِيمَةً ضَالَّةً أَوْ عَبْدًا ضَالًّا. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الرَّادَّ تَبَرَّعَ
(6/134)

وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ أَصْلِ الْجُعْلِ، إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ أَرْبَعِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَا دُونَهَا، فَأَوْجَبْنَا الْأَرْبَعِينَ فِي مَسِيرَةِ السَّفَرِ وَمَا دُونَهَا فِيمَا دُونَهُ تَوْفِيقًا وَتَلْفِيقًا بَيْنَهُمَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِمَنَافِعِهِ فِي رَدِّهِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا فَكَذَا هَذَا. وَقَوْلُنَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ (وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَصْلِ الْجُعْلِ، إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَرْبَعِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَا دُونَهَا) وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ الْفَتْوَى بِهِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَخْفَى فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: " كُنْت قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا قَدِمَ بِإِبَاقٍ مِنْ الْفَيُّومِ، فَقَالَ الْقَوْمُ لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَجُعْلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ ".
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعِيدٍ نَفْسِهِ أَيْضًا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي رَبَاحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: " أَصَبْت غِلْمَانًا إبَاقًا بَالِغِينَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ، قُلْت هَذَا الْأَجْرُ فَمَا الْغَنِيمَةُ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ كُلِّ رَأْسٍ " وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي هَاشِمٍ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي جُعْلِ الْآبِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ " أَعْطَيْت الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ". وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ".
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا " وَأَخْرَجَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ يُوجَدُ فِي خَارِجِ الْحَرَمِ بِدِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ. وَالْمَفْهُومُ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فِي الْمُتَبَادِرِ الْقُرْبِ لَا قَدْرِ مَسِيرَةِ سَفَرٍ عَنْهُ، وَعَنْ هَذَا رَوَى عَمَّارٌ " إنْ أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَإِنْ أَخَذَهُ خَارِجَ الْمِصْرِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ " لَعَلَّهُ اعْتَبَرَ الْحَرَمَ كَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ أَرْبَعِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ دُونَهَا) يُرِيدُ الْمَرْوِيَّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَقَدْ عَلِمْت الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّ الْجُعْلَ أَرْبَعُونَ، وَسَنَدُهُ أَحْسَنُ مِنْ الْأُخْرَى، وَالرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ مُضَعَّفَةٌ بِالْحَرْثِ الْمَذْكُورِ فَكَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْوَى الْكُلِّ فَرَجَّحْنَاهَا، وَكَذَا قَوْلُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنِهِ: هُوَ أَمْثَلُ مَا فِي الْبَابِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْأَقَلِّ إذَا سَاوَى الْأَكْثَرَ فِي الْقُوَّةِ. وَقِيلَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ، وَهُنَا يُمْكِنُ إذْ تُحْمَلُ رِوَايَاتُ الْأَرْبَعِينَ عَلَى رَدِّهِ مِنْ مَسِيرَةِ السَّفَرِ وَرِوَايَاتُ الْأَقَلِّ عَلَى مَا دُونَهَا، وَيُحْمَلُ قَوْلُ عَمَّارٍ خَارِجَ الْمِصْرِ عَلَى مُدَّةِ السَّفَرِ (وَالتَّلْفِيقُ) الضَّمُّ لَفَقْت الثَّوْبَ أَلْفِقُهُ: إذَا ضَمَمْت
(6/135)

وَلِأَنَّ إيجَابَ الْجُعْلِ أَصْلُهُ حَامِلٌ عَلَى الرَّدِّ إذْ الْحِسْبَةُ نَادِرَةٌ فَتَحْصُلُ صِيَانَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّقْدِيرُ بِالسَّمْعِ وَلَا سَمْعَ فِي الضَّالِّ فَامْتَنَعَ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى صِيَانَةِ الضَّالِّ دُونَهَا إلَى صِيَانَةِ الْآبِقِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَارَى وَالْآبِقُ يَخْتَفِي، وَيُقَدَّرُ الرَّضْخُ فِي الرَّدِّ عَمَّا دُونَ السَّفَرِ بِاصْطِلَاحِهِمَا أَوْ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَقِيلَ تُقَسَّمُ الْأَرْبَعُونَ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إذْ هِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ السَّفَرِ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يُقْضَى لَهُ بِقِيمَتِهِ إلَّا دِرْهَمًا) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهَا وَلِهَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شِقَّهُ إلَى شِقِّهِ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا فَكَانَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابَةِ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ بَعْدَ كَوْنِهِ مُثْبَتًا لِلزِّيَادَةِ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ رَاجِحٌ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا (وَلِأَنَّ إيجَابَ أَصْلِ الْجُعْلِ حَامِلٌ عَلَى الرَّدِّ إذْ الْحِسْبَةُ) وَهُوَ رَدُّهُ احْتِسَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ نَادِرَةٌ فَشُرِعَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْعِبَادِ مِنْ صِيَانَةِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ (وَتَقْدِيرُ الْجُعْلِ) إنَّمَا يُدْرَى (بِالسَّمْعِ وَلَا سَمْعَ فِي الضَّالِّ فَامْتَنَعَ) إلْحَاقُهُ بِهِ قِيَاسًا وَدَلَالَةً أَيْضًا لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى صِيَانَةِ الضَّالِّ فِي رَدِّهِ دُونَهَا فِي رَدِّ الْآبِقِ لِمَا فِي رَدِّهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّحَفُّظِ فِي حِفْظِهِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي مُرَاعَاتِهِ كَيْ لَا يَأْبِقَ ثَانِيًا مِمَّا لَيْسَ فِي رَدِّ الضَّالِّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْآبِقُ لِرَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا فَالْجُعْلُ عَلَى قَدْرِ النَّصِيبِ، فَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يُعْطِيَ تَمَامَ الْجُعْلِ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِنَصِيبِ الْغَائِبِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيمَا يُعْطِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى نَصِيبِهِ إلَّا بِهِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا رَدَّهُ بِلَا اسْتِعَانَةٍ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِآخَرَ: إنَّ عَبْدِي قَدْ أَبَقَ فَإِذَا وَجَدْته خُذْهُ فَوَجَدَهُ فَرَدَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ مَالِكَهُ اسْتَعَانَ بِهِ وَوَعَدَهُ الْإِعَانَةَ وَالْمُعِينُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ (وَمَا دُونَهُ فِيمَا دُونَهُ) أَيْ أَوْجَبْنَا مَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ فِيمَا دُونَ السَّفَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَمَّا عَرَّفْنَا إيجَابَ الْجُعْلِ بِكُلِّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِقْدَارٌ وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ، فَإِذَا حَمَلْنَا بَعْضَهُ عَلَى مَا دُونَ السَّفَرِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالْإِيجَابِ فِيمَا دُونَ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ مَا ذُكِرَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ وَيُقَدَّرُ الرَّضْخُ فِي الرَّدِّ عَمَّا دُونَ السَّفَرِ بِاصْطِلَاحِهِمَا) أَيْ الْمَالِكِ وَالرَّادِّ أَوْ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي يُقَدِّرُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ، قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالِاعْتِبَارِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ (تُقْسَمُ الْأَرْبَعُونَ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ) لِكُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَقْضِي لَهُ بِقِيمَتِهِ إلَّا دِرْهَمًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ آخِرًا (لَهُ أَرْبَعُونَ) وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُذْكَرْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَعَ مُحَمَّدٍ وَجْهُ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ) أَيْ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ مُخَالَفَةِ مَنْ سِوَاهُمَا لِوُجُوبِ حَمْلِ قَوْلِ
(6/136)

لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَلَى الْأَقَلِّ لِأَنَّهُ حَطَّ مِنْهُ.
وَمُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى الرَّدِّ لِيَحْيَا مَالُ الْمَالِكِ فَيَنْقُصُ دِرْهَمٌ لِيَسْلَمَ لَهُ شَيْءٌ تَحْقِيقًا لِلْفَائِدَةِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ إذَا كَانَ الرَّدُّ فِي حَيَاةٍ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ مِلْكِهِ؛ وَلَوْ رَدَّ بَعْدَ مَمَاتِهِ لَا جُعْلَ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الْقِنِّ، وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ أَبَا الْمَوْلَى أَوْ ابْنَهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا جُعْلَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَتَبَرَّعُونَ بِالرَّدِّ عَادَةً وَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ إطْلَاقُ الْكِتَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَنْ نَقَصَ مِنْهَا عَلَى مَا نَقَصَ مِنْ السَّفَرِ فَلَا يُنْتَقَصُ عَنْهَا (وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ) مِنْ إيجَابِ الْجُعْلِ (حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى الرَّدِّ لِيَحْيَا مَالُ الْمَالِكِ فَيَنْقُصَ) مِنْهُ (دِرْهَمٌ لِيَسْلَمَ لَهُ شَيْءٌ تَحْقِيقًا لِلْفَائِدَةِ) أَيْ فَائِدَةِ إيجَابِ الْجُعْلِ، وَتَعْيِينُ الدِّرْهَمِ لِأَنَّ مَا دُونَهُ كُسُورٌ (وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ إذَا كَانَ الرَّدُّ فِي حَيَاةِ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ مِلْكِهِ) وَبِهِ تَحْيَا مَالِيَّتُهُ لَهُ إمَّا بِاعْتِبَارِ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا لَا مَالِيَّةَ فِيهَا عِنْدَهُ لَكِنَّهُ أَحَقُّ بِأَكْسَابِهَا (وَلَوْ رَدَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ لَا جُعْلَ لَهُ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بِالْمَوْتِ) فَيَقَعُ رَدُّ حُرٍّ لَا مَمْلُوكٍ عَلَى مَالِكِهِ، وَهَذَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الْمُدَبَّرُ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ حِينَئِذٍ بِالْمَوْتِ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِيرُ كَالْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِيُعْتَقَ وَلَا جُعْلَ فِي رَدِّ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَفِيدُ بِرَدِّهِ مِلْكًا بَلْ اسْتَفَادَ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَكَانَ كَرَدِّ غَرِيمٍ لَهُ وَبِرَدِّ غَرِيمٍ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، بِخِلَافِ الْقِنِّ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ أَبَا الْمَوْلَى أَوْ ابْنَهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا جُعْلَ) لَهُ، وَقَيَّدَ فِي عِيَالِهِ إنْ رَجَعَ إلَى الرَّادِّ أَوْ إلَى الِابْنِ اقْتَضَى أَنْ يَتَقَيَّدَ نَفْيُ الْجُعْلِ إذَا كَانَ الرَّادُّ ابْنًا بِكَوْنِهِ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ: أَيْ فِي نَفَقَتِهِ وَتَمْوِينِهِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَسْتَوْجِبُ جُعْلًا سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِ أَبِيهِ الْمَالِكِ أَوْ لَا، وَجُمْلَةُ الْحَالِ أَنَّ الرَّادَّ إنْ كَانَ وَلَدَ الْمَالِكِ أَوْ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْوَصِيُّ لَا يَسْتَحِقُّ جُعْلًا مُطْلَقًا، أَمَّا الْوَلَدُ فَلِأَنَّ الرَّادَّ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ وَبِاعْتِبَارِهِ يَجِبُ، وَكَالْأَجِيرِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخِدْمَةِ، وَالْأَبُ إذَا اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لِيَخْدُمَهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أُجْرَةً لِأَنَّ خِدْمَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الِابْنِ فَوَجَبَ مِنْ وَجْهٍ وَانْتَفَى مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، وَهَذَا يُفِيدُ عَدَمَ الْوُجُوبِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ فَبِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَإِنْ كَانَ زَوْجًا فَالْقِيَاسُ يَجِبُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَطْلُبَ الزَّوْجُ عَبْدَ امْرَأَتِهِ تَبَرُّعًا فِي الْعُرْفِ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَالثَّابِتُ عُرْفًا كَالثَّابِتِ نَصًّا، وَإِنْ
(6/137)

قَالَ (وَإِنْ أَبَقَ مِنْ الَّذِي رَدَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَكِنَّ هَذَا إذَا أَشْهَدَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي اللُّقَطَةِ.
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَائِعِ مِنْ الْمَالِكِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْآبِقَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْجُعْلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ بِحَبْسِ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ فِي يَدِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا. قَالَ (وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى كَمَا لَقِيَهُ صَارَ قَابِضًا بِالْإِعْتَاقِ) كَمَا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى، وَكَانَ إذَا بَاعَهُ مِنْ الرَّادِّ لِسَلَامَةِ الْبَدَلِ لَهُ، وَالرَّادُّ وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَانَ زَوْجَةً فَلَا يَجِبُ لِهَذَا، وَلِأَنَّ الرَّدَّ بِجِهَةِ الْخِدْمَةِ يَمْنَعُهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْخِدْمَةِ عَلَى الزَّوْجِ كَالْوَلَدِ، وَلِذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِتَخْدُمَهُ لَا يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ؛ وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَإِنَّمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِرَدِّ عَبْدِ الْيَتِيمِ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ، وَشَأْنُ الْوَصِيِّ أَنْ يَحْفَظَ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمْ مِنْ الْأَبِ وَبَاقِي الْأَقَارِبِ، فَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِ الْمَالِكِ لَا يَجِبُ لَهُمْ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ وَجَبَ لَهُمْ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالْعُرْفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَطْلُبُ الْآبِقَ بِمَنْ فِي عِيَالِهِ فَكَانَ التَّبَرُّعُ مِنْهُمْ ثَابِتًا عُرْفًا وَهُوَ كَالثَّابِتِ نَصًّا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ حِينَئِذٍ لَمْ يُوجَدْ نَصًّا وَلَا عُرْفًا (قَوْلُهُ وَإِنْ أَبَقَ مِنْ الَّذِي رَدَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّادِّ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيِّ: لَا شَيْءَ لَهُ أَيْ لَا جُعْلَ لِلرَّادِّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ (وَكَذَا إذَا مَاتَ عِنْدَهُ) إلَّا أَنَّ نَفْيَ الْجُعْلِ يَصِحُّ بِلَا شَرْطٍ لِأَنَّ الْجُعْلَ كَالثَّمَنِ وَالرَّادُّ كَالْبَائِعِ لِلْمَالِكِ، لِأَنَّهُ بِإِبَاقِهِ كَالْهَالِكِ مِنْ حَيْثُ فَوَاتُ جَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ بِهِ، وَبِالرَّدِّ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِلْكَهُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَالْبَائِعِ وَلِذَا كَانَ لَهُ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعْلِ، وَالْبَائِعُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ أَبَقَ وَهُوَ عَبْدٌ سَقَطَ الثَّمَنُ فَكَذَا يَسْقُطُ الْجُعْلُ، وَانْتِفَاءُ الضَّمَانِ يُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ أَمَانَةً عِنْدَهُ كَمَا فِي اللُّقَطَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ إذَا قَالَ أَخَذْته لِأَرُدَّهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا، فَلَوْ أَنْكَرَ الْمَوْلَى إبَاقَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ظَهَرَ مِنْ الرَّدِّ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُسْقِطُهُ وَهُوَ إذْنُ الشَّارِعِ بِإِبَاقِهِ وَالْمَالِكُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا لَا يَجِبُ الْجُعْلُ إذَا جَاءَ بِهِ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى إبَاقَهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ شُهُودٌ أَنَّهُ أَبَقَ مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ يَشْهَدُوا عَلَى إقْرَارِ الْمَوْلَى بِإِبَاقِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى كَمَا لَقِيَهُ) أَيْ رَآهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (يَصِيرُ بِالْإِعْتَاقِ قَابِضًا) فَيَجِبُ الْجُعْلُ (كَمَا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى) إذَا أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا وَيَجِبُ الثَّمَنُ (وَكَذَا إذَا بَاعَهُ الْمَوْلَى مِنْ الرَّادِّ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِهِ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا (لِسَلَامَةِ بَدَلِهِ) وَهُوَ الثَّمَنُ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: لِلرَّادِّ حُكْمُ الْبَيْعِ مِنْ الْمَالِكِ فَبَيْعُ الْمَالِكِ مِنْ
(6/138)

لَكِنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَجَازَ.

قَالَ (وَيَنْبَغِي إذَا أَخَذَهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ) فَالْإِشْهَادُ حَتْمٌ فِيهِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، حَتَّى لَوْ رَدَّهُ مَنْ لَمْ يُشْهِدْ وَقْتَ الْأَخْذِ لَا جُعْلَ لَهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ أَمَارَةٌ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ وَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخِذِ أَوْ اتَّهَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ فَرَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ لَا جُعْلَ لَهُ لِأَنَّهُ رَدَّهُ لِنَفْسِهِ، إلَّا إذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِيَرُدَّهُ فَيَكُونُ لَهُ الْجُعْلُ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ

(وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ رَهْنًا فَالْجُعْلُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّهُ أَحْيَا مَالِيَّتَهُ بِالرَّدِّ وَهِيَ حَقُّهُ، إذْ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهَا وَالْجُعْلُ بِمُقَابِلَةِ إحْيَاءِ الْمَالِيَّةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ، وَالرَّدُّ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَبِقَدْرِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَالْبَاقِي عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّ حَقَّهُ بِالْقَدْرِ الْمَضْمُونِ فَصَارَ كَثَمَنِ الدَّوَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الرَّادِّ قَبْلَ قَبْضِهِ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَهُوَ لَا يَجُوزُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (لَكِنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ) لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ) الْمُطْلَقِ (عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَجَازَ) .
وَأَوْرَدَ أَنَّ الشُّبْهَةَ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي الْحُرُمَاتِ. أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ رِضَا الْمَالِكِ كَانَ الثَّابِتُ الشُّبْهَةَ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حَقِيقَةً فَمَعَ عَدَمِ الرِّضَا الثَّابِتِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ

(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إذَا أَخَذَهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَالْإِشْهَادُ حَتْمٌ فِيهِ) أَيْ فِي أَخْذِ الْآبِقِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْآخِذِ (عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) وَتَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ حَتْمٌ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ تَسَاهُلٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ بِقَصْدِ الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِاسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ وَلِسُقُوطِ الضَّمَانِ إنْ مَاتَ عِنْدَهُ أَوْ أَبَقَ (لِأَنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ أَمَارَةٌ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ) الرَّادُّ (مِنْ الْآخِذِ أَوْ اتَّهَبَهُ) مِنْهُ (فَرَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ لَا جُعْلَ لَهُ لِأَنَّهُ رَدَّهُ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ الِاتِّهَابِ قَاصِدٌ لِتَمَلُّكِهِ ظَاهِرًا فَيَكُونُ غَاصِبًا فِي حَقِّ سَيِّدِهِ فَرَدَّهُ لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ رَدَّهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ أَوْ وَرِثَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُهُ، فَإِذَا رَدَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ لِأَنَّهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ الشِّرَاءِ مِنْ الْآخِذِ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَيْته لِأَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ إلَّا بِشِرَائِهِ فَحِينَئِذٍ (يَكُونُ لَهُ الْجُعْلُ) وَلَا يَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي

(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ رَهْنًا فَالْجُعْلُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) لِأَنَّ بِالرَّدِّ حَيِيَتْ مَالِيَّتُهُ وَمَالِيَّتُهُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْهَا وَالْجُعْلُ عَلَى مَنْ حَيِيَتْ لَهُ الْمَالِيَّةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِالْإِبَاقِ سَقَطَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ كَمَا بِالْمَوْتِ، وَبِالْعَوْدِ عَادَ الدَّيْنُ وَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالرَّهْنِ اسْتِيفَاءً مِنْ مَالِيَّتِهِ كَمَا لَوْ مَاتَتْ الشَّاةُ الْمَرْهُونَةُ فَدَبَغَ جِلْدَهَا فَإِنَّ الدَّيْنَ يَعُودُ بِهِ (وَالرَّدُّ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ وَمَوْتِهِ سَوَاءٌ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْجُعْلِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ) قُسِمَ الْجُعْلُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، فَمَا أَصَابَ الدَّيْنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَمَا بَقِيَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ مَثَلًا الدَّيْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَقِيمَةُ الرَّهْنِ أَرْبَعُمِائَةٍ يَكُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ثَلَاثُونَ وَعَلَى الرَّاهِنِ عَشَرَةٌ، وَصَارَ الْجُعْلُ
(6/139)

وَتَخْلِيصُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا فَعَلَى الْمَوْلَى إنْ اخْتَارَ قَضَاءَ الدَّيْنِ، وَإِنْ بِيعَ بُدِئَ بِالْجُعْلِ وَالْبَاقِي لِلْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ فِيهِ كَالْمَوْقُوفِ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْتَقِرُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَانِيًا فَعَلَى الْمَوْلَى إنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ لِعَوْدِ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوْلِيَاءِ إنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ لِعَوْدِهَا إلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الرَّدِّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِلْوَاهِبِ مَا حَصَلَتْ بِالرَّدِّ بَلْ بِتَرْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَعْدَ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ لِصَبِيٍّ فَالْجُعْلُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَثَمَنِ دَوَاءِ الرَّهْنِ وَتَخْلِيصِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ انْقَسَمَ انْقِسَامًا عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا) أَيْ إنْ كَانَ الْعَبْدُ الْآبِقُ مَدْيُونًا بِأَنْ كَانَ مَأْذُونًا فَلَحِقَهُ فِي التِّجَارَةِ دَيْنٌ أَوْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ وَاعْتَرَفَ بِهِ الْمَوْلَى فَالْجُعْلُ عَلَى مَنْ يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ لَهُ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ سَبَبَ الدَّيْنِ كَالْمَوْقُوفِ، إنْ اخْتَارَ الْمَوْلَى قَضَاءَ دَيْنِهِ كَانَ الْجُعْلُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ اسْتَقَرَّ لَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ بَيْعَهُ فِي الدَّيْنِ كَانَ الْجُعْلُ فِي الثَّمَنِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ وَالْبَاقِي لِلْغُرَمَاءِ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ (فَيَجِبُ) أَيْ الْجُعْلُ عَلَى مَنْ يَسْتَقِرُّ لَهُ الْمِلْكُ تَجُوزُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ مِلْكَ ثَمَنِهِ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِهِ (وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْعَبْدُ (جَانِيًا) أَيْ جَنَى خَطَأً فَلَمْ يَدْفَعْهُ مَوْلَاهُ وَلَمْ يَفْدِهِ حَتَّى أَبَقَ فَرَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ يَكُونُ الْجُعْلُ عَلَى مَنْ سَيَصِيرُ لَهُ إنْ اخْتَارَ الْمَوْلَى فِدَاءَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِمْ لِعَوْدِهَا إلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا فَأَبَقَ ثُمَّ رُدَّ لَا جُعْلَ عَلَى أَحَدٍ، أَمَّا الْمَوْلَى فَلِأَنَّهُ إنْ قَتَلَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِالرَّدِّ مَنْفَعَةٌ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ بِالْعَفْوِ.
وَأَمَّا وَلِيُّ الْقِصَاصِ فَإِنْ قَتَلَ فَالْحَاصِلُ لَهُ التَّشَفِّي لَا الْمَالِيَّةُ، وَإِنْ عَفَا فَظَاهِرٌ (وَإِنْ كَانَ مَوْهُوبًا) فَإِنْ أَبَقَ مِمَّنْ وَهَبَ لَهُ ثُمَّ رُدَّ (فَ) الْجُعْلُ (عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ) سَوَاءٌ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الرَّدِّ أَوْ لَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَرْجِعْ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ بَعْدَ الْمَجِيءِ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ الْمَالِيَّةُ لَكِنْ لَمْ تَحْصُلْ بِالرَّدِّ بَلْ بِتَرْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ رَدِّهِ مِمَّا يَمْنَعُ رُجُوعَهُ مِنْ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَصَلَ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ الرَّدِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّرْكَ آخِرُ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ وَإِلَيْهَا يُضَافُ الْحُكْمُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْكُلِّ لَا يَكُونُ بِالرَّدِّ وَحْدَهُ فَلَا يَدْفَعُ الْوَارِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بَلْ يُقَرِّرُهُ (وَإِنْ كَانَ) الْآبِقُ (لِصَبِيٍّ فَالْجُعْلُ فِي مَالِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ،
(6/140)

وَإِنْ رَدَّهُ وَصِيُّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الرَّدَّ فِيهِ.

كِتَابُ الْمَفْقُودِ (إذَا غَابَ الرَّجُلُ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَوْضِعٌ وَلَا يُعْلَمُ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ نَصَّبَ الْقَاضِي مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ) لِأَنَّ الْقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَالْمَفْقُودُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَصَارَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَفِي نَصْبِ الْحَافِظِ لِمَالِهِ وَالْقَائِمِ عَلَيْهِ نَظَرٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ لِإِخْفَاءِ أَنَّهُ يَقْبِضُ غَلَّاتِهِ وَالدَّيْنَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَائِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ، وَيُخَاصِمُ فِي دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ رَدَّ وَصِيَّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي التَّقْسِيمِ، وَكَذَا الْيَتِيمُ يَعُولُهُ رَجُلٌ فَرَدَّ آبِقًا لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَبَرَّعَ لَهُ بِمُؤْنَتِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ لَا يَتَبَرَّعُ لَهُ بِمَا هُوَ دُونَهُ مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ فِيهِ التَّبَرُّعُ.
وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ: أَبَقَتْ أَمَةٌ وَلَهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ فَرَدَّهُمَا رَجُلٌ لَهُ جُعْلٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ ابْنُهَا قَارَبَ الْحُلُمَ فَلَهُ ثَمَانُونَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُرَاهِقْ لَمْ يُعْتَبَرْ آبِقًا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ: لَوْ أَخَذَ آبِقًا فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ وَجَاءَ بِهِ إلَى مَوْلَاهُ وَأَخَذَ جُعْلَهُ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخَذَهُ يَأْخُذُ الْجُعْلَ مِنْهُ ثَانِيًا وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ جَاءَ بِالْآبِقِ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ فَلَمَّا دَخَلَ الْبَلَدَ أَبَقَ مِنْ الْأَخْذِ فَوَجَدَهُ آخَرُ فَرَدَّهُ إلَى سَيِّدِهِ، إنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ فَالْجُعْلُ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ لِأَقَلَّ فَجَاءَ بِهِ لَا جُعْلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَا جُعْلَ لِلسُّلْطَانِ وَالشِّحْنَةِ أَوْ الْخَفِيرِ فِي رَدِّ الْآبِقِ وَالْمَالِ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِوُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لِأَخْذِهِمْ الْعَطَاءَ عَلَى ذَلِكَ وَنَصْبِهِمْ لَهُ.

[كِتَابُ الْمَفْقُودِ]
هُوَ الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُدْرَى حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ
(قَوْلُهُ إذَا غَابَ الرَّجُلُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَوْضِعٌ وَلَا يُعْلَمُ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ نَصَّبَ الْقَاضِي مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالِهِ (وَيَسْتَوْفِي حُقُوقَهُ لِأَنَّ الْقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَالْمَفْقُودُ عَاجِزٌ عَنْهُ فَصَارَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ فِي أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرْنَا لِمَا ذَكَرْنَا (وَقَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ (يَسْتَوْفِي فِي حُقُوقِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَقْبِضُ غَلَّاتِهِ وَالدَّيْنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ غَرِيمٌ وَيُخَاصِمُ فِي دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ)
(6/141)

لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي حُقُوقِهِ، وَلَا يُخَاصِمُ فِي الَّذِي تَوَلَّاهُ الْمَفْقُودُ وَلَا فِي نَصِيبٍ لَهُ فِي عَقَارٍ أَوْ عُرُوضٍ فِي يَدِ رَجُلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ بِلَا خِلَافٍ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فِي الدَّيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِهِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا رَآهُ الْقَاضِي وَقَضَى بِهِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، ثُمَّ مَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ يَبِيعُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُ صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَيَنْظُرُ لَهُ بِحِفْظِ الْمَعْنَى (وَلَا يَبِيعُ مَا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ فِي نَفَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي حِفْظِ مَالِهِ فَلَا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُ حِفْظِ السُّورَةِ وَهُوَ مُمْكِنٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَيْ بِعَقْدِ الَّذِي نَصَّبَ الْقَاضِي (لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي حُقُوقِ عَقْدِهِ، وَلَا يُخَاصِمُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي تَوَلَّاهُ الْمَفْقُودُ وَلَا فِي نَصِيبٍ لَهُ فِي عَقَارٍ أَوْ عُرُوضٍ فِي يَدِ رَجُلٍ) وَلَا فِي حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ إذَا جَحَدَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ إنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ بِلَا خِلَافٍ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَكِيلِ يَقْبِضُ الدَّيْنَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فِيهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ (وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ) يَعْنِي إذَا كَانَ وَكِيلُ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ (فَلَوْ قَضَى بِخُصُومَتِهِ كَانَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ) وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْغَائِبِ: وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْمَفْقُودِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ شَرِكَةً فِي عَقَارٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ رَدًّا بِعَيْبٍ أَوْ مُطَالَبَةً لِاسْتِحْقَاقِهِ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَلَا الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يُسْمَعَانِ عَلَى خَصْمٍ وَالْوَكِيلُ لَيْسَ خَصْمًا، وَالْوَرَثَةُ إنَّمَا يَصِيرُونَ خُصَمَاءَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَوْتُهُ بَعْدُ فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ.
(وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا رَآهُ الْقَاضِي) أَيْ إذَا رَأَى الْقَاضِي الْمَصْلَحَةَ فِي الْحُكْمِ لِلْغَائِبِ وَعَلَيْهِ فَحَكَمَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ حَتَّى يُمْضِيَهُ قَاضٍ آخَرُ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَإِنَّ نَفَاذَ قَضَائِهِ لَمَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يُمْضِيَهُ قَاضٍ آخَرُ.
أُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ الْمُجْتَهِدُ سَبَبُهُ وَهُوَ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ هَلْ تَكُونُ حُجَّةً لِلْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ أَمْ لَا، وَإِذَا قَضَى بِهَا نَفَذَ كَمَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ. وَفِي الْخُلَاصَةِ الْفَتْوَى عَلَى هَذَا (ثُمَّ مَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ) كَالثِّمَارِ وَنَحْوِهَا (يَبِيعُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُ صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَيَنْظُرُ لِلْغَائِبِ بِحِفْظِ مَعْنَاهُ) وَلَا يَبِيعُ مَا لَا يَخَافُ فَسَادَهُ مَنْقُولًا كَانَ أَوْ عَقَارًا (فِي نَفَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْقَاضِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي الْحِفْظِ وَفِي الْبَيْعِ تَرْكُ حِفْظِ الصُّورَةِ بِلَا مُلْجِئٍ فَلَا يَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا عُرُوضٌ أَوْ عَقَارٌ أَوْ خَادِمٌ وَاحْتَاجَ وَلَدُهُ) أَوْ زَوْجَتُهُ إلَى النَّفَقَةِ لَا يُبَاعُ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَبِيعُ الْعُرُوضَ عَلَى الْوَارِثِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ فِيمَا
(6/142)

قَالَ (وَيُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ مَالِهِ) وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْأَوْلَادِ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ قَرَابَةِ الْوِلَادِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ حَالَ حَضْرَتِهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ إعَانَةً، وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فِي حَضْرَتِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْبَتِهِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ تَجِبُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ مُمْتَنِعٌ، فَمِنْ الْأَوَّلِ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَالْإِنَاثُ مِنْ الْكِبَارِ وَالزَّمِنِيُّ مِنْ الذُّكُورِ الْكِبَارِ، وَمِنْ الثَّانِي الْأَخُ وَالْأُخْتُ وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ. وَقَوْلُهُ مِنْ مَالِهِ مُرَادُهُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ النَّقْدَانِ وَالتِّبْرُ بِمَنْزِلَتِهِمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ قِيمَةً كَالْمَضْرُوبِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمَا إذَا كَانَ الْمُودِعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُوصَى، وَبَيْعُ الْعُرُوضِ فِيهِ مَعْنَى حَقِّهِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ حِفْظُ الثَّمَنِ لِلْإِيصَالِ إلَى وَرَثَتِهِ أَيْسَرَ، وَهُنَا لَا وِلَايَةَ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَفْقُودِ إلَّا فِي الْحِفْظِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مُحْتَاجٌ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ عُرُوضِهِ وَيُنْفِقُهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ بَيْعُ الْعُرُوضِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَمَالِي وَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَبَ وَإِنْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بَقِيَ أَثَرُهَا حَتَّى صَحَّ اسْتِيلَادُهُ جَارِيَةَ ابْنِهِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، وَإِذَا ثَبَتَ بَقَاءُ أَثَرِ وِلَايَتِهِ كَانَ كَالْوَصِيِّ فِي حَقِّ الْوَارِثِ الْكَبِيرِ، وَلِلْوَصِيِّ بَيْعُ الْعُرُوضِ دُونَ الْعَقَارِ (وَيُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي الْحَاصِلَ فِي بَيْتِهِ وَالْوَاصِلُ مِنْ ثَمَنِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَمِنْ مَالِهِ مُودِعٌ عِنْدَ مُقِرٍّ وَدَيْنٌ عَلَى مُقِرٍّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَيْسَ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى الْأَوْلَادِ) قُلْت: وَلَا هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِيهِمْ بَلْ يَعُمُّ قَرَابَةَ الْوِلَادِ، يَعْنِي مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا (وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ حَالَ حَضْرَتِهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ) لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا حَاجَتَهُمْ بِيَدِهِمْ مِنْ مَالِهِ إذَا كَانَ جِنْسُ حَقِّهِمْ مِنْ النَّقْدِ وَالثِّيَابُ لِلُّبْسِ فَكَانَ إعْطَاءُ الْقَاضِي إنْ كَانَ الْمَالُ عِنْدَهُ أَوْ تَمْكِينُهُمْ إنْ كَانَ عِنْدَهُمْ إعَانَةً لَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مَأْذُونِينَ شَرْعًا أَنْ يَتَنَاوَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ (وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فِي حَضْرَتِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) فَمِنْ الْأَوَّلِ: أَعْنِي الْمُسْتَحِقِّينَ بِلَا قَضَاءٍ (الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَالْإِنَاثُ الْكِبَارُ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، وَكَذَا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالزَّمِنِيُّ مِنْ الذُّكُورِ الْكِبَارِ فَكُلُّ مَنْ لَهُ مَالٌ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حُضُورِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْبَتِهِ، إلَّا الزَّوْجَةَ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا بِالْعَقْدِ وَالِاحْتِبَاسِ وَاسْتِحْقَاقَ غَيْرِهَا بِالْحَاجَةِ وَهِيَ تَنْعَدِمُ بِالْغِنَى (وَمِنْ الثَّانِي) يَعْنِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْقَضَاءِ (الْأَخُ وَالْأُخْتُ وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ) وَنَحْوُهُمْ مِنْ قَرَابَةِ غَيْرِ الْوِلَادِ.
(وَقَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ (مِنْ مَالِهِ، يَعْنِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ) عَيْنُ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ (يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ النَّقْدَانِ وَالتِّبْرُ) أَيْ غَيْرُ الْمَضْرُوبِ (وَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ قِيمَةً كَالْمَضْرُوبِ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَالتِّبْرُ فِي يَدِ الْقَاضِي (فَإِنْ كَانَتْ وَدِيعَةً أَوْ دَيْنًا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا) إنْ كَانَ الْمُودِعُ مُقِرًّا الْوَدِيعَةِ
(6/143)

وَالْمَدْيُونُ مُقِرِّينَ بِالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُونَا ظَاهِرَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَا ظَاهِرَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَاهِرَ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ أَوْ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ يَشْتَرِطُ الْإِقْرَارَ بِمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
فَإِنْ دَفَعَ الْمُودِعُ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي يَضْمَنُ الْمُودِعُ وَلَا يُبَرَّأُ الْمَدْيُونُ لِأَنَّهُ مَا أَدَّى إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ وَلَا إلَى نَائِبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ بِأَمْرِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَاضِي نَائِبٌ عَنْهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالنِّكَاحُ وَالنَّسَبُ الْمَدْيُونُ كَذَلِكَ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ.
(وَهَذَا) يَعْنِي اشْتِرَاطَ إقْرَارِهِمَا بِالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ (إذَا لَمْ يَكُونَا ظَاهِرَيْنِ) عِنْدَ الْقَاضِي (فَإِنْ كَانَا ظَاهِرَيْنِ) مَعْرُوفَيْنِ لَهُ (فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقْرَارِهِمَا بِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ أَحَدَهُمَا الْوَدِيعَةَ وَالدَّيْنَ أَوْ النِّكَاحَ وَالنَّسَبَ) جَعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا (يَشْتَرِطُ إقْرَارَ مَنْ فِي جِهَتِهِ الْمَالُ بِالْآخَرِ الَّذِي لَيْسَ ظَاهِرًا فَيُقِرُّ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ هَذِهِ زَوْجَتُهُ وَهَذَا وَلَدُهُ، وَفِي الثَّانِي بِأَنَّ لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةً أَوْ عَلَيَّ دَيْنُهُ وَقَوْلُهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ جَوَابِ الْقِيَاسِ الَّذِي قَالَ بِهِ زُفَرُ لَا أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ، قَالَ: لَا يُنْفِقُ مِنْ الْوَدِيعَةِ شَيْئًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُودِعِ بِذَلِكَ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ لَيْسَ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِلَا خَصْمٍ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الدَّيْنِ أَيْضًا. قُلْنَا: الْمُودِعُ مُقِرٌّ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكُ الْغَائِبِ، وَأَنَّ لِلْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ حَقَّ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ مُعْتَبَرٌ فَيَنْتَصِبُ هُوَ خَصْمًا بِاعْتِبَارِ مَا فِي يَدِهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى الْقَضَاءُ مِنْهُ إلَى الْمَفْقُودِ، وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَيْسَ فِي الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ خَاصَّةً بَلْ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمَفْقُودِ، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا فِي جَوَابِهِ: نَعَمْ الْقِيَاسُ مَا ذَكَرْت، لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا ذَلِكَ بِحَدِيثِ هِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ.
قَالَ فِيهِ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ بِالْمَعْرُوفِ» إذْ هُوَ يُفِيدُ مُطْلَقًا جَوَازَ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ لِمَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ، ثُمَّ إذَا ثَبَتَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ قَرَابَةُ غَيْرِ الْوِلَادِ بِالْقِيَاسِ، وَثُبُوتُ نَفَقَةِ الْأَبِ بِالدَّلَالَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهَا آكَدُ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَسْتَحِقُّهَا بِمُجَرَّدِ الْحَاجَةِ، بَلْ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَالْأَبُ يَسْتَحِقُّهَا بِمُجَرَّدِهَا وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ (قَوْلُهُ وَلَوْ دَفَعَ الْمُودِعُ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي يَضْمَنُ الْمُودِعُ وَلَا يُبَرَّأُ الْمَدْيُونُ لِأَنَّهُ مَا أَدَّى إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ وَلَا إلَى نَائِبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ بِأَمْرِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَاضِي نَائِبٌ عَنْهُ) فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ هَؤُلَاءِ بِالْقَبْضِ، وَلَيْسَ الْقَاضِي نَائِبًا فِي الْحِفْظِ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ.
وَفِي إيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ أَيْضًا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ إلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَفِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ إذَا عَلِمَ بِوُجُوبِهِ، بِخِلَافِ الْمُودِعِ فَإِنَّهُ الْمَأْمُورُ بِالْحِفْظِ فَقَطْ فَيَضْمَنُ إذَا أَعْطَاهُمْ بِلَا أَمْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمُودِعُ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ فِي عِيَالِ الْمُودِعِ بَرِئَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إذَا دَفَعَهَا إلَيْهِمْ لِلْحِفْظِ عَلَيْهِ لَا لِلْإِتْلَافِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَأْخُذَ الْقَاضِي مِنْهَا كَفِيلًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَهَابِهِ أَوْ عَجَّلَ لَهَا النَّفَقَةَ، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ جَازَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَخْذُ الْكَفِيلِ إلَّا لِخَصْمٍ وَلَيْسَ هُنَا خَصْمٌ طَالِبٌ هَذَا
(6/144)

وَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ وَالْمَدْيُونُ جَاحِدَيْنِ أَصْلًا أَوْ كَانَا جَاحِدَيْنِ الزَّوْجِيَّةَ وَالنَّسَبَ لَمْ يَنْتَصِبْ أَحَدٌ مِنْ مُسْتَحِقِّي النَّفَقَةِ خَصْمًا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه لِلْغَائِبِ لَمْ يَتَعَيَّنْ سَبَبًا لِثُبُوتِ حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا كَمَا تَجِبُ فِي هَذَا الْمَالِ تَجِبُ فِي مَالٍ آخَرَ لِلْمَفْقُودِ.

قَالَ (وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ) وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَكَذَا قَضَى فِي الَّذِي اسْتَهْوَاهُ الْجِنُّ بِالْمَدِينَةِ وَكَفَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَلَوْ كَانَ الْمُودِعُ وَالْمَدْيُونُ جَاحِدَيْنِ أَصْلًا) أَيْ جَاحِدَيْنِ لِكُلٍّ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ وَالنَّسَبِ وَالزَّوْجِيَّةِ (أَوْ جَاحِدَيْنِ النَّسَبَ وَالزَّوْجِيَّةَ) مُعْتَرِفَيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ وَلَيْسَا ظَاهِرَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي (لَمْ يَنْتَصِبْ أَحَدٌ مِنْ مُسْتَحِقِّي النَّفَقَةِ) الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ (خَصْمًا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ الْوَدِيعَةِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُودِعَ وَالْمَدْيُونَ لَيْسَا خَصْمًا فِي ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْقَضَاءِ بِهَا، وَلَا مَا يَدَّعِيهِ لِلْغَائِبِ سَبَبًا مُتَعَيِّنًا لِثُبُوتِ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ النَّفَقَةُ (لِأَنَّهَا كَمَا تَجِبُ فِي هَذَا الْمَالِ تَجِبُ فِي مَالٍ آخَرَ لِلْمَفْقُودِ) وَسَتَعْرِفُ تَفْصِيلَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَدَبِ الْقَاضِي

(قَوْلُهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ، لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَكَذَا قَضَى فِي الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ بِالْمَدِينَةِ)
(6/145)

بِهِ إمَامًا، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ حَقَّهَا بِالْغَيْبَةِ فَيُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ اعْتِبَارًا بِالْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ، وَبَعْدَ هَذَا الِاعْتِبَارِ أَخَذَ الْمِقْدَارَ مِنْهُمَا الْأَرْبَعَ مِنْ الْإِيلَاءِ وَالسِّنِينَ مِنْ الْعُنَّةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَلَنَا قَوْلُهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ» .
وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهَا: هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَسْتَبِينَ مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلِأَنَّهُ مَنَعَ حَقَّهَا بِالْغَيْبَةِ) وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ (فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ اعْتِبَارًا بِالْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ) فَإِنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا بَعْدَ مُدَّةٍ كَذَلِكَ، وَهَذَا مِنْهُ فِي الْإِيلَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بَلْ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي بَعْدَهَا، وَبَعْدَ هَذَا الِاعْتِبَارِ أَخَذَ فِي الْمُدَّةِ الْأَرْبَعَ مِنْ الْإِيلَاءِ وَالسِّنِينَ مِنْ الْعُنَّةِ بِجَامِعِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا (عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ) وَحَدِيثُ الَّذِي أَخَذَتْهُ الْجِنُّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ: أَنَّ رَجُلًا انْتَسَفَتْهُ الْجِنُّ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَأَتَتْ امْرَأَتُهُ عُمَرَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَمَرَ وَلِيَّهُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَتْ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَالصَّدَاقِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الْفَقِيدِ الَّذِي فُقِدَ قَالَ: دَخَلْت الشِّعْبَ فَاسْتَهْوَتْنِي الْجِنُّ، فَمَكَثْت أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَتَتْ امْرَأَتِي عُمَرَ الْحَدِيثُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَمَّا جَاءَ: إنْ شِئْت رَدَدْنَا إلَيْكَ امْرَأَتَكَ وَإِنْ شِئْتَ زَوَّجْنَاكَ غَيْرَهَا، قَالَ: بَلْ زَوِّجْنِي غَيْرَهَا، ثُمَّ جَعَلَ عُمَرُ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجِنِّ وَهُوَ يُخْبِرُهُ.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ: ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَحِلُّ. وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: تَذَاكَرَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ الْمَفْقُودَ فَقَالَا: تَتَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ثُمَّ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَنَا «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ» ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ سَوَّارِ بْنِ مُصْعَبٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ» وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ " حَتَّى يَأْتِيَهَا الْخَبَرُ " وَهُوَ مُضَعَّفٌ بِمُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إنَّهُ يَرْوِي عَنْ الْمُغِيرَةِ مَنَاكِيرَ أَبَاطِيلَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَسَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ. أَشْهَرُ فِي الْمَتْرُوكِينَ مِنْهُ.
ثُمَّ عَارَضَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ قَوْلَ عُمَرَ، وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ. أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عَلِيًّا مِثْلُهُ. وَقَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
(6/146)

خَرَجَ بَيَانًا لِلْبَيَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَرْفُوعِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عُرِفَ ثُبُوتُهُ وَالْغَيْبَةُ لَا تُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَالْمَوْتُ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ فَلَا يُزَالُ النِّكَاحُ بِالشَّكِّ، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْإِيلَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا مُعَجَّلًا فَاعْتُبِرَ فِي الشَّرْعِ مُؤَجَّلًا فَكَانَ مُوجِبًا لِلْفُرْقَةِ، وَلَا بِالْعُنَّةِ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ تَعْقُبُ الْأَوَدَةَ، وَالْعُنَّةُ قَلَّمَا تَنْحَلُّ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهَا سَنَةً.

قَالَ (وَإِذَا تَمَّ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذِهِ رِوَايَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَافَقَ عَلِيًّا عَلَى أَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَبَدًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ كُلُّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى يَسْتَبِينَ مَوْتُهُ. وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ إلَخْ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ. وَذَهَبَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ، وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لَا مُثْبِتًا بِالْأَصَالَةِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ ابْنَ مَسْعُودٍ مُرَجِّحٌ آخَرُ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي مُرَجِّحٍ آخَرَ فَقَالَ (وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عُرِفَ ثُبُوتُهُ وَالْغَيْبَةُ لَا تُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَالْمَوْتُ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ فَلَا يَزَالُ النِّكَاحُ بِالشَّكِّ) وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ: ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ رَجَعَ فِيهَا عُمَرُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ، وَامْرَأَةُ أَبِي كَنَفٍ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا.
وَقَوْلُنَا فِي الثَّلَاثِ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَامْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عُرِفَتْ، وَأَمَّا امْرَأَةُ أَبِي كَنَفٍ فَكَانَ أَبُو كَنَفٍ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا وَلَمْ يُعْلِمْهَا حَتَّى غَابَ ثُمَّ قَدِمَ فَوَجَدَهَا قَدْ تَزَوَّجَتْ، فَأَتَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ لَهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَيْسَ لَك عَلَيْهَا سَبِيلٌ، فَقَدِمَ عَلَى أَهْلِهَا وَقَدْ وَضَعَتْ الْقُصَّةَ عَلَى رَأْسِهَا فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ لِي إلَيْهَا حَاجَةً فَخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَبَاتَ عِنْدَهَا ثُمَّ غَدَا إلَى الْأَمِيرِ بِكِتَابِ عُمَرَ فَعَرَفُوا أَنَّهُ جَاءَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ، وَهَذَا أَعْنِي عَدَمَ ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ فِي حَقِّهَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ بِهَا حَتَّى إذَا اعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي لَمْ يَبْقَ لِلْأَوَّلِ عَلَيْهَا سَبِيلٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُ إيَّاهَا صَحِيحٌ وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَالْمَرْأَةُ الَّتِي يُنْعَى إلَيْهَا زَوْجُهَا فَتَعْتَدُّ وَتَتَزَوَّجُ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِيهَا إذَا أَتَى زَوْجُهَا حَيًّا يُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْمَهْرِ، وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَهُوَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي وَلَهَا الْمَهْرُ عَلَيْهِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْإِيلَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا مُعَجَّلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاعْتُبِرَ فِي الشَّرْعِ مُؤَجَّلًا) وَهَذَا عَلَى رَأْيِنَا بِأَنَّ الْوُقُوعَ بِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِالْإِيلَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفْرِيقِ الْقَاضِي. قَالَ (وَلَا بِالْعُنَّةِ) لِأَنَّ فِي الْغَالِبِ تَعْقُبُهَا الرَّجْعَةُ (وَالْعُنَّةُ قَلَّمَا تَنْحَلُّ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهَا سَنَةً) فَكَانَ عَوْدُ الْمَفْقُودِ أَرْجَى مِنْ زَوَالِ الْعُنَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ مَا شَرَعَ فِيهَا

(قَوْلُهُ وَإِذَا تَمَّ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ رِوَايَةُ
(6/147)

الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: وَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُقَدَّرُ بِمَوْتِ الْأَقْرَانِ، وَفِي الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِتِسْعِينَ، وَالْأَقْيَسُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ. وَالْأَرْفَقُ أَنْ يُقَدَّرَ بِتِسْعِينَ، وَإِذَا حُكِمَ بِمَوْتِهِ اعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) كَأَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُعَايَنَةً إذْ الْحُكْمِيُّ مُعْتَبَرٌ بِالْحَقِيقِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُقَدَّرُ بِمَوْتِ الْأَقْرَانِ، وَفِي الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ بِتِسْعِينَ، وَالْأَقْيَسُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ (وَالْأَرْفَقُ أَنْ يُقَدَّرَ بِتِسْعِينَ) وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الْأَعْمَارَ فِي زَمَانِنَا قَلَّمَا تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، بَلْ لَا يُسْمَعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُقَدَّرُ بِهَا تَقْدِيرًا بِالْأَكْثَرِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ إنَّ هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الطَّبَائِعِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ بِالنُّصُوصِ كَنُوحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَغَيْرِهِ، فَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ تَوْجِيهًا لِمَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ، وَكَيْفَ وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالتَّوَارِيخُ بِالْأَعْمَارِ السَّالِفَةِ لِلْبَشَرِ بَلْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا فِي قَوْلٍ لَهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلَانِهِ وَيُوجِبُونَ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مِنْ النَّوَادِرِ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بَعْدَ مَوْتِ أَقْرَانِهِ فَلَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَوْتُ أَقْرَانِهِ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ وَآخَرُونَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَوْتُ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، فَإِنَّ الْأَعْمَارَ قَدْ تَخْتَلِفُ طُولًا وَقِصَرًا بِحَسَبِ الْأَقْطَارِ بِحَسَبِ إجْرَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ، وَلِذَا قَالُوا: إنَّ الصَّقَالِبَةَ أَطْوَلُ أَعْمَارًا مِنْ الرُّومِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِأَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا كَبِيرًا فِي تَعَرُّفِ مَوْتِهِمْ مِنْ الْبُلْدَانِ، بِخِلَافِهِ مِنْ بَلَدِهِ فَإِنَّمَا فِيهِ نَوْعُ حَرَجٍ مُحْتَمَلٌ.
وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَذُكِرَ عَنْهُ وَجْهٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ مِنْهُ لَهُمْ. قِيلَ إنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: أَنَا أُبَيِّنُهُ لَكُمْ بِطَرِيقٍ مَحْسُوسٍ فَإِنَّ الْمَوْلُودَ إذَا كَانَ بَعْدَ عَشْرٍ يَدُورُ حَوْلَ أَبَوَيْهِ هَكَذَا وَعَقَدَ عَشْرًا، فَإِذَا كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ فَهُوَ بَيْنَ الصِّبَا وَالشَّبَابِ هَكَذَا، وَعَقَدَ عِشْرِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ يَسْتَوِي هَكَذَا وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ
(6/148)

(وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِهِ فِيهَا فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مَعْلُومَةً (وَلَا يَرِثُ الْمَفْقُودُ أَحَدًا مَاتَ فِي حَالِ فَقْدِهِ) لِأَنَّ بَقَاءَهُ حَيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ

(وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِلْمَفْقُودِ وَمَاتَ الْمُوصِي) ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ الْمَفْقُودِ وَارِثٌ لَا يُحْجَبُ بِهِ وَلَكِنَّهُ يُنْتَقَصُ حَقُّهُ بِهِ يُعْطَى أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأَثْقَالُ هَكَذَا وَعَقَدَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ يَنْحَنِي مِنْ كَثْرَةِ الْأَثْقَالِ وَالْأَشْغَالِ هَكَذَا وَعَقَدَ خَمْسِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ سِتِّينَ يَنْقَبِضُ لِلشَّيْخُوخِيَّةِ هَكَذَا وَعَقَدَ سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ سَبْعِينَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَا هَكَذَا وَعَقَدَ سَبْعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ ثَمَانِينَ يَسْتَلْقِي هَكَذَا وَعَقَدَ ثَمَانِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ تِسْعِينَ تَنْضَمُّ أَعْضَاؤُهُ فِي بَطْنِهِ هَكَذَا وَعَقَدَ تِسْعِينَ، فَإِذَا كَانَ ابْنَ مِائَةٍ يَتَحَوَّلُ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْعُقْبَى كَمَا يَتَحَوَّلُ الْحِسَابُ مِنْ الْيُمْنَى إلَى الْيُسْرَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ فِي الْمَفْقُودِ احْتِيَاطًا، وَالْغَالِبُ فِيمَنْ طَالَ عُمُرُهُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمِائَةَ.
فَقَوْلُهُ فِي الْمَبْسُوطِ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ مُوجِبًا لِخَطَئِهِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ عِنْدَهُ، وَكَوْنُهُ هُوَ خَرَجَ عَنْ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ مُخْطِئًا فِيمَا أَعْطَى مِنْ الْحُكْمِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ فِي فَرَائِضِهِ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهَا مِائَةُ سَنَةٍ لِأَنَّ الْحَيَاةَ بَعْدَهَا نَادِرٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّادِرِ. وُورِيَ أَنَّهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ قَوْلِهِ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ أَنَّهَا تِسْعُونَ سَنَةً لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ زَمَانِنَا هَذَا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَعْمَارِ الطِّوَالِ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ، نَعَمْ الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ اخْتَارُوا سِتِّينَ بَنَوْهُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ الْأَعْمَارِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مَا جَاءَ إلَّا مِنْ اخْتِلَافِ الرَّأْيِ فِي أَنَّ الْغَالِبَ هَذَا فِي الطُّولِ أَوْ مُطْلَقًا، فَلِذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْأَلْيَقُ بِطَرِيقِ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْأَقْيَسُ إلَخْ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ اعْتِبَارًا لِحَالِهِ بِحَالِ نَظَائِره، وَهَذَا رُجُوعٌ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَرْفَقُ) أَيْ بِالنَّاسِ (أَنْ يُقَدَّرَ بِتِسْعِينَ) وَأَرْفَقُ مِنْهُ التَّقْدِيرُ بِسِتِّينَ. وَعِنْدِي الْأَحْسَنُ سَبْعُونَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ» فَكَانَتْ الْمُنْتَهَى غَالِبًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، فَأَيُّ وَقْتٍ رَأَى الْمَصْلَحَةَ حَكَمَ بِمَوْتِهِ وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ وَقْتِ الْحُكْمِ لِلْوَفَاةِ كَأَنَّهُ مَاتَ فِيهِ مُعَايَنَةً، إذْ الْحُكْمِيُّ مُعْتَبَرٌ بِالْحَقِيقِيِّ (قَوْلُهُ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ) أَيْ مِمَّنْ يَرِثُ الْمَفْقُودَ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ (لَمْ يَرِثْ مِنْ الْمَفْقُودِ) بِنَاءً عَلَى الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَفْقُودِ فَتَجْرِي مُنَاسَخَةٌ فَتَرِثُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمَفْقُودِ (لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ بَعْدُ) وَحِينَ مَاتَ هَذَا كَانَ الْمَفْقُودُ مَحْكُومًا بِحَيَاتِهِ كَمَا إذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مَعْلُومَةً (وَلَا يَرِثُ الْمَفْقُودُ أَحَدًا مَاتَ فِي حَالِ فَقْدِهِ لِأَنَّ بَقَاءَهُ حَيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) يَعْنِي وَقْتَ مَوْتِ ذَلِكَ الْأَحَدِ (بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ) بَلْ فِي دَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ وَلِذَا جَعَلْنَاهُ حَيًّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يُورَثُ مَالُهُ فِي حَالِ فَقْدِهِ مَيِّتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يَرِثُ هُوَ غَيْرَهُ

(وَكَذَلِكَ) لَوْ (أَوْصَى لَهُ وَمَاتَ الْمُوصِي) فِي حَالِ فَقْدِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أَقْضِي بِهَا وَلَا أُبْطِلُهَا حَتَّى يَظْهَرَ حَالُ الْمَفْقُودِ: يَعْنِي يُوقَفُ نَصِيبُ الْمَفْقُودِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ إلَى أَنْ يَقْضِيَ بِمَوْتِهِ، فَإِذَا قُضِيَ بِهِ جُعِلَ كَأَنَّهُ الْآنَ، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِمَالِ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ مَاتَ حِينَ فُقِدَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا الْمَفْقُودُ مَيِّتٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مَنْ بِحَيْثُ يَرِثُهُ الْمَفْقُودُ إنْ كَانَ مَعَ الْمَفْقُودِ وَارِثٌ لَا يُحْجَبُ بِالْمَفْقُودِ) حَجْبَ حِرْمَانٍ (وَلَكِنَّهُ يُنْتَقَصُ حَقُّهُ بِهِ يُعْطِي) ذَلِكَ الْوَارِثُ (أَقَلَّ نَصِيبِهِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي) حَتَّى يَظْهَرَ
(6/149)

وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ يُحْجَبُ بِهِ لَا يُعْطَى أَصْلًا. بَيَانُهُ: رَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَتَيْنِ وَابْنِ مَفْقُودٍ وَابْنِ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَالْمَالُ فِي يَدِ الْأَجْنَبِيِّ وَتَصَادَقُوا عَلَى فَقْدِ الِابْنِ وَطَلَبَتْ الِابْنَتَانِ الْمِيرَاثَ تُعْطَيَانِ النِّصْفَ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَيُوقَفُ النِّصْفُ الْآخَرُ وَلَا يُعْطَى وَلَدَ الِابْنِ لِأَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِالْمَفْقُودِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْمِيرَاثَ بِالشَّكِّ (وَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَيَاةُ الْمَفْقُودِ أَوْ مَوْتُهُ أَوْ يُقْضَى بِمَوْتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ يُحْجَبُ بِهِ لَا يُعْطِي) لِذَلِكَ الْوَارِثِ شَيْئًا (بَيَانُهُ: رَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَتَيْنِ وَابْنٍ مَفْقُودٍ وَابْنِ ابْنٍ أَوْ ابْنَةِ ابْنٍ وَالْمَالُ) الْمَوْرُوثُ (فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ وَتَصَادَقُوا) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ وَالْوَرَثَةُ (عَلَى فَقْدِ الِابْنِ وَطَلَبَتْ الْبِنْتَانِ الْمِيرَاثَ تُعْطَيَانِ النِّصْفَ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ) لِأَنَّ أَخَاهُمَا الْمَفْقُودَ إنْ كَانَ حَيًّا فَلَهُمَا النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، فَالنِّصْفُ مُتَيَقَّنٌ فَتُعْطِيَانِهِ.
(وَيُوقَفُ النِّصْفُ الْآخَرُ) فِي يَدِ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ (وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الِابْنِ شَيْئًا) لِأَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِالْمَفْقُودِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ بِالشَّكِّ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْأَجْنَبِيِّ (إلَّا إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ) بِأَنْ كَانَ أَنْكَرَ أَنَّ لِلْمَيِّتِ عِنْدَهُ مَالًا حَتَّى أَقَامَتْ الْبِنْتَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَقَضَى بِهَا، لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُؤْخَذُ الْفَضْلُ الْبَاقِي مِنْهُ وَيُوضَعُ فِي يَدِ عَدْلٍ لِظُهُورِ خِيَانَتِهِ، وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَتَصَادَقُوا عَلَى فَقْدِ الِابْنِ بَلْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي فِي يَدِهِ الْمَالُ مَاتَ الْمَفْقُودُ قَبْلَ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُعْتَبَرٌ فِيمَا فِي يَدِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ ثُلُثَيْهِ لِلْبِنْتَيْنِ فَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ لَهُمَا وَلَا يَمْنَعُ إقْرَارَهُ قَوْلُ أَوْلَادِ الِابْنِ أَبُونَا أَوْ عَمُّنَا مَفْقُودٌ، لِأَنَّهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ لَا يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا وَيُوقَفُ الثُّلُثُ الْبَاقِي فِي يَدِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْبِنْتَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى الْفَقْدِ لَا يُحَوَّلُ الْمَالُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَا يُؤَخَّرُ شَيْءٌ لِلْمَفْقُودِ بَلْ يُقْضَى لِلْبِنْتَيْنِ بِالنِّصْفِ مِيرَاثًا وَيُوقَفُ النِّصْفُ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا دُفِعَ إلَيْهِ.
وَإِنْ ظَهَرَ مَيِّتًا أُعْطِيَ
(6/150)

وَنَظِيرُ هَذَا الْحَمْلُ فَإِنَّهُ يُوقَفُ لَهُ مِيرَاثُ ابْنِ وَاحِدٍ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ آخَرُ إنْ كَانَ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْحَمْلِ يُعْطَى كُلٌّ نَصِيبَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْقُطُ بِالْحَمْلِ لَا يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَغَيَّرُ بِهِ يُعْطِي الْأَقَلَّ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ كَمَا فِي الْمَفْقُودِ وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبِنْتَانِ سُدُسَ كُلِّ الْمَالِ مِنْ ذَلِكَ النِّصْفِ وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِوَلَدِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَلَوْ قَالَتْ الْبِنْتَانِ مَاتَ أَخُونَا وَلَيْسَ بِمَفْقُودٍ وَقَالَ وَلَدُ الِابْنِ بَلْ مَفْقُودٌ وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمَا أُعْطِيَتَا الثُّلُثَيْنِ وَوُقِفَ الثُّلُثُ، لِأَنَّهُمَا فِي هَذِهِ يَدَّعِيَانِ الثُّلُثَيْنِ وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَإِنْ ظَهَرَ حَيَاتُهُ أَخَذَ مِنْهُمَا السُّدُسَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ وَلَدِ الْمَفْقُودِ وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ مَفْقُودٌ يُعْطَى الْبِنْتَانِ النِّصْفَ، لِأَنَّهُمَا إنَّمَا ادَّعَيَاهُ بِالْإِقْرَارِ بِفَقْدِهِ وَيُوقَفُ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي يَدِ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ. وَلَوْ ادَّعَى وَلَدُ الْمَفْقُودِ أَنَّ أَبَاهُمَا مَاتَ لَمْ أَدْفَعْ إلَيْهِمَا شَيْئًا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَ أَبِيهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِذَا قَامَتْ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَهُ يُعْطَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ لِلْبِنْتَيْنِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ عَلَى هَذَا مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأَوْلَادِ ابْنٍ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَعْدَهُ يُعْطَى لَهُمْ النِّصْفُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَابْنٍ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ عَنْ وَلَدٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَنَظِيرُهُ) أَيْ فِي وَقْفِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي النَّصِيبِ (الْحَمْلُ فَإِنَّهُ يُوقَفُ لَهُ مِيرَاثُ ابْنٍ وَاحِدٍ عَلَى