Advertisement

فتح القدير للكمال ابن الهمام 007


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بَابُ الرِّبَا)
قَالَ الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الرِّبَا]
(بَابُ الرِّبَا) هُوَ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيَّةِ قَطْعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] بِسَبَبِ زِيَادَةٍ فِيهِ فَمُنَاسَبَتُهُ بِالْمُرَابَحَةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةً إلَّا أَنَّ تِلْكَ حَلَالٌ وَهَذِهِ مَنْهِيَّةٌ، وَالْحِلُّ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ فَقُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ، وَالرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحُهَا خَطَأٌ (قَوْلُهُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ) وَفِي عِدَّةٍ مِنْ النُّسَخِ: الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ إلَى آخِرِهِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا زِيَادَةُ " مُتَفَاضِلًا ". الرِّبَا يُقَالُ لِنَفْسِ الزَّائِدِ، وَمِنْهُ ظَاهِرُ
(7/3)

فَالْعِلَّةُ عِنْدَنَا الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ وَالْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ.
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَيُقَالُ الْقَدْرُ مَعَ الْجِنْسِ وَهُوَ أَشْمَلُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا» وَعَدَّ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ: الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ.
وَيُرْوَى بِرِوَايَتَيْنِ بِالرَّفْعِ مِثْلٌ وَبِالنَّصْبِ مِثْلًا.
وَمَعْنَى الْأَوَّلِ بَيْعُ التَّمْرِ، وَمَعْنَى الثَّانِي بِيعُوا التَّمْرَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْله تَعَالَى {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] أَيْ الزَّائِدَ فِي الْقَرْضِ وَالسَّلَفِ عَلَى الْمَدْفُوعِ وَالزَّائِدُ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ بَيْعِ بَعْضِهَا بِجِنْسِهِ، وَسَنَذْكُرُ تَفْصِيلَهَا.
وَيُقَالُ لِنَفْسِ الزِّيَادَةِ: أَعْنِي بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، وَمِنْهُ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] أَيْ حَرَّمَ أَنْ يُزَادَ فِي الْقَرْضِ وَالسَّلَفِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَدْفُوعِ وَأَنْ يُزَادَ فِي بَيْعِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ بِجِنْسِهَا قَدْرًا لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِعْلٌ وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ لَفْظِ مُحَرَّمٍ لَا يُرَادُ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى إسْقَاطِ لَفْظِ مُتَفَاضِلًا، أَوْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بِتَقْدِيرِ إثْبَاتِهَا فَكَانَ الْمُرَادُ حُكْمَ الرِّبَا وَهُوَ الْحُرْمَةُ، أَمَّا عَلَى اسْتِعْمَالِ الرِّبَا فِي حُرْمَتِهِ فَيَكُونُ لَفْظُ الرِّبَا مَجَازًا، أَوْ عَلَى حَذْفِهِ وَإِرَادَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، وَالرِّبَا مُرَادٌ بِهِ الزِّيَادَةُ مُبْتَدَأٌ، وَالْمَجْرُورُ خَبَرُهُ: أَيْ حُرْمَةُ الزِّيَادَةِ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ مَكِيلٍ.
ثُمَّ قَوْلُهُ (فَالْعِلَّةُ الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ) مُرَتَّبًا بِالْفَاءِ لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى مُشْتَقٍّ يُوجِبُ كَوْنَ مَبْدَإِ الِاشْتِقَاقِ عِلَّتَهُ، وَلَمَّا رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مَعَ الْجِنْسِ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ مَعَ الْجِنْسِ (وَ) قَدْ (يُقَالُ) بَدَلَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ (الْقَدْرُ وَهُوَ أَشْمَلُ) وَأَخْصَرُ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذَا يَشْمَلُ الْعَدَّ وَالذَّرْعَ وَلَيْسَا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا: أَيْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ كَوْنُهُ مَكِيلًا مَعَ اتِّحَادِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْجِنْسِ فَهِيَ عِلَّةٌ مُرَكَّبَةٌ (وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ)
(7/4)

وَالْحُكْمُ مَعْلُومٌ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الطَّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ، وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ، وَالْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصٌ.
وَالْأَصْلُ هُوَ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْنِ التَّقَابُضِ وَالْمُمَاثَلَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَخْرَجَ السِّتَّةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مِثْلَهُ سَوَاءً " وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ «يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ «فَقَدْ أَرْبَى إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ» وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِيعُوا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ " مِثْلٌ " بِالرَّفْعِ فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» وَهَكَذَا قَالَ إلَى آخِرِ السِّتَّةِ، وَكَذَا مَا رَوَى مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ هَكَذَا» إلَى آخِرِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَذَكَرَ التَّمْرَ بَعْدَ الْمِلْحِ آخِرًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهُ وَعَيْنُهُ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا» إلَى أَنْ قَالَ: «وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا» انْتَهَى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَوَازَ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى زِيَادَةِ الْفِضَّةِ وَالشَّعِيرِ، بَلْ لَوْ كَانَ الزَّائِدُ الذَّهَبَ وَالْبُرَّ جَازَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ مِنْ تَفْضِيلِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ وَالْبُرِّ عَلَى الشَّعِيرِ (قَوْلُهُ وَالْحُكْمُ) يَعْنِي حُرْمَةَ الرِّبَا أَوْ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ (مَعْلُولٌ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْقِيَاسِ عِنْدَ شَرْطِهِ، بِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَكَذَا عُثْمَانُ الْبَتِّيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ حُكْمَ الرِّبَا مُقْتَصِرٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.
أَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَلِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ الْقِيَاسَ، وَأَمَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَلِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ فِي كُلِّ أَصْلٍ أَنَّهُ مَعْلُولٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ هُنَا وَلِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْعَدَدَ وَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي قَوْلِهِ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ» قُلْنَا: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ كَالطَّعَامِ فِي قَوْلِهِ «لَا تَبِيعُوا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ، وَسَنُقِيمُ عَلَيْهِ الدَّلِيلَ.
وَأَمَّا إبْطَالُ الْعَدَدِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَالْإِبْطَالُ الْمَمْنُوعُ هُوَ الْإِبْطَالُ بِالنَّقْصِ، أَمَّا بِالزِّيَادَةِ بِالْعِلَّةِ فَلَا، وَتَخْصِيصُ هَذِهِ السِّتَّةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ عَامَّةَ الْمُعَامَلَاتِ الْكَائِنَةِ يَوْمئِذٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فِيهَا، وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ قَصْرُ حُكْمِ الرِّبَا عَلَى السِّتَّةِ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَيْضًا مَأْثُورٌ عَنْ قَتَادَةَ وَطَاوُسٍ، قِيلَ فَانْحَزَمَ قَوْلُهُ بِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي الْقَدْرَ وَالْجِنْسَ فَعِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ، وَبِأَحَدِهِمَا مُفْرَدًا يَحْرُمُ النَّسَاءُ وَيَحِلُّ التَّفَاضُلُ كَمَا سَيَأْتِي (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ وَالْمُسَاوَاةُ مُخَلِّصٌ) مِنْ الْحُرْمَةِ (وَهِيَ) أَعْنِي الْحُرْمَةَ (الْأَصْلُ) وَعِنْدَ مَالِكٍ الْعِلَّةُ
(7/5)

وَكُلُّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إظْهَارَ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ وَهُوَ الطَّعْمُ لِبَقَاءِ الْإِنْسَانِ بِهِ وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْمَصَالِحِ بِهَا، وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا وَالْحُكْمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْبَيْعِ، إذْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ التَّقَابُلِ وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، فَكُلُّ مَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ فَهُوَ رِبًا وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ الْبُرَّ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ لِيُفِيدَ بِكُلِّ مَعْنًى ظَاهِرًا فِيهِ، فَنَبَّهَ بِالْبُرِّ عَلَى مُقْتَاتٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَقُومُ الْأَبْدَانُ بِهِ، وَالشَّعِيرُ يُشَارِكُهُ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَفًا وَقُوتًا لِبَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ فَيَلْحَقُ بِهِ الذُّرَةُ وَنَحْوُهَا، وَنَبَّهَ بِالتَّمْرِ عَلَى كُلِّ حَلَاوَةٍ تُدَّخَرُ غَالِبًا كَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ وَالزَّبِيبِ، وَبِالْمِلْحِ عَلَى أَنَّ مَا أَصْلَحَ الْمُقْتَاتَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ فَهُوَ فِي حُكْمِهَا فَيُلْحَقُ الْأَبَازِيرُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مُعَلَّلَانِ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ عِنْدَهُمْ وَهِيَ كَوْنُهُمَا قِيَمَ الْأَشْيَاءِ وَأُصُولَ الْأَثْمَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ مَعَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، وَفِي الْجَدِيدِ: هِيَ الطُّعْمُ فَقَطْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي النَّقْدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا عَيْنَهُمَا وَالتَّعَدِّي إلَى الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ وَجْهٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا رِبًا فِيهَا لِانْتِفَاءِ الثَّمَنِيَّةِ الْغَالِبَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطُ عَمَلِ الْعِلَّةِ وَعَنْ هَذَا لَمْ يُجْعَلْ الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ نَسَاءً. وَعَلَى الْجَدِيدِ يَحْرُمُ الرِّبَا فِي الْمَاءِ، وَجْهُ قَوْلِهِ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالطَّعَامُ مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّعْمِ فَكَانَ مَبْدَأُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً، وَرُوِيَ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» إلَى آخِرِهِ. فَأَفَادَ أَنَّ الْحُرْمَةَ أَصْلٌ وَالْمُسَاوَاةَ مُخَلِّصٌ مِنْهَا، إذْ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَى قَوْلِهِ " لَا تَبِيعُوا " لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُطْلَقًا، فَمَا لَمْ تَثْبُتْ الْمُسَاوَاةُ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فَامْتَنَعَ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَتَيْنِ وَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ وَالْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَدْرِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذَا النَّصِّ، إذَا يَجُوزُ الْحَفْنَةُ بِالْحَفْنَتَيْنِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ يُفِيدُ أَنَّهَا عِلَّةٌ مَنْصُوصَةٌ، وَلَوْ أَخَذْنَا فِي اسْتِنْبَاطِ عِلَّتِهِ أَدَّانَا إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَيْضًا.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطَيْ التَّقَابُضِ وَالتَّمَاثُلِ وَهَذَا الِاشْتِرَاطُ (يُشْعِرُ بِالْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ) فَوَجَبَ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ تُوجِبُ الْعِزَّةَ وَالْخَطَرَ، وَفِي الطُّعْمِ ذَلِكَ لِتَعَلُّقِ بَقَاءِ النُّفُوسِ بِهِ وَالثَّمَنِيَّةُ الَّتِي بِهَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ الْعُرُوضِ الَّتِي بِهَا حُصُولُ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ بَقَاءِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُصُولِ الشَّهَوَاتِ (وَلَا أَثَرَ لِلْجِنْسِيَّةِ) وَالْقَدْرِ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إظْهَارِ الْعِزَّةِ وَالْخَطَرِ (فَجَعَلْنَاهُ شَرْطًا، وَالْحُكْمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرْطِ) كَالرَّجْمِ مَعَ الْإِحْصَانِ (وَلَنَا أَنَّهُ) أَيْ النَّصُّ الْمَشْهُورُ (أَوْجَبَ التَّمَاثُلَ شَرْطًا لِلْبَيْعِ) وَإِيجَابُ الْمُمَاثَلَةِ (هُوَ الْمَقْصُودُ بِسَوْقِ الْحَدِيثِ) إذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارِ لَفْظِ بِيعُوا حَيْثُ انْتَصَبَ مِثْلًا: أَيْ بِيعُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِثْلًا بِمِثْلٍ،
(7/6)

أَوْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى، أَوْ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ التَّسْلِيمِ بِهِ، ثُمَّ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوْتِهِ حُرْمَةُ الرِّبَا وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَالْمِعْيَارُ يَسْوَى الذَّاتَ، وَالْجِنْسِيَّةُ تَسْوَى الْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ هِيَ الْأَصْلُ.
وَقَوْلُهُ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» الْحَدِيثَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ النَّهْيُ إلَى مَا بَعْدَ إلَّا نَحْوَ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلَّا رَاكِبًا، وَحَاصِلُهُ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ عِنْدَ بَيْعِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي إيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْبَيْعِ الْمُنْبِئِ عَنْ التَّقَابُلِ إذْ كَانَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَاسْتَدْعَى شَيْئَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ وَكَذَا تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ بِالتَّمَاثُلِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي كَوْنِهِ مُسْتَدْعِيَ الْعَقْدِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الْقَدْرِ لِيَتِمَّ مَعْنَى الْبَيْعِ (أَوْ) أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ (صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى) فَإِنَّهُ إذَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ قَابَلَ كُلُّ جُزْءٍ كُلَّ جُزْءٍ، فَإِذَا كَانَ فَضْلٌ فِي أَحَدِهِمَا صَارَ ذَلِكَ الْفَضْلُ تَاوِيًا عَلَى مَالِكِهِ، فَلِقَصْدِ صِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُوبِلَ الْمَالُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جُزْءٌ لَمْ يُقَابَلْ بِجُزْءٍ مِنْ الْآخَرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّوَى إلَّا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ مَعَ تَحَقُّقِ الْفَضْلِ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ، ثُمَّ مِنْ تَتْمِيمِ التَّمَاثُلِ الْمُسَاوَاةُ فِي التَّقَابُضِ فَإِنَّ لِلْحَالِ مَزِيَّةً عَلَى الْمُؤَخَّرِ فَإِيجَابُ التَّقَابُضِ أَيْضًا لِذَلِكَ وَبِهِ ظَهَرَ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّيَانَةِ عَنْ التَّفَاوُتِ حِفْظًا عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ) تَمَامُهَا (بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى وَالْمِعْيَارُ يَسْوَى الذَّاتَ) أَيْ الصُّورَةَ (وَالْجِنْسِيَّةُ تَسْوَى الْمَعْنَى
(7/7)

فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا، لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْخَالِي عَنْ عِوَضِ شَرْطٍ فِيهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا، أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ، أَوْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» وَالطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ، وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِهَا الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا دُونَ التَّضْيِيقِ فِيهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِمَا ذَكَرَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَيَظْهَرَ بِذَلِكَ الْفَضْلُ فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا، لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْخَالِي عَنْ عِوَضِ شَرْطٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَقْدِ، وَعَلِمْت أَنَّ الْخُلُوَّ فِي الْمُعَاوَضَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فَلَزِمَ مَا قُلْنَا مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ مَعَ الْجِنْسِ (وَلَمْ يُعْتَبَرْ) فِي إثْبَاتِ الْمُمَاثَلَةِ عَدَمُ تَفَاوُتِ (الْوَصْفِ) إمَّا (لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتًا عُرْفًا) وَفِيهِ نَظَرٌ (أَوْ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الْبِيَاعَاتِ) وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو عِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ عَنْ تَفَاوُتٍ مَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» إنْ صَحَّ يُفِيدُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُفَادٌ مِنْ حَدِيثِ بَيْعِ التَّمْرِ بِالْجَنِيبِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَعِلَّةُ إهْدَارِهِ مَا ذَكَرْنَا، وَعِنْدَ تَأَمُّلِ هَذَا الْكَلَامِ يَتَبَادَرُ أَنَّ الْمُتَنَاظِرَيْنِ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَكَذَا مَالِكٌ عَيَّنُوا الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ عَلَى شَرْعِ الْحُكْمِ، وَهَؤُلَاءِ عَيَّنُوا الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ، فَإِنَّ الْكَيْلَ يُعَرِّفُ الْمُمَاثَلَةَ فَيُعْرَفُ الْجَوَازُ وَعَدَمَهَا فَيُعْرَفُ الْحُرْمَةُ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْمَحَلُّ وَذَلِكَ بِجَعْلِهَا الطُّعْمَ وَالِاقْتِيَاتَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوا عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَنَا هِيَ قَصْدُ صِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَحِفْظِهَا عَلَيْهِمْ، وَظُهُورُ هَذَا الْقَصْدِ مِنْ إيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِقْدَارِ وَالتَّقَابُضِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى لُبٍّ فَضْلًا عَنْ فَقِيهٍ.
وَأَمَّا الطُّعْمُ فَرُبَّمَا يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِهِ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ لِأَنَّ الطُّعْمَ مِمَّا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ اشْتِدَادًا تَامًّا (وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ دُونَ التَّضْيِيقِ) فَإِنَّ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ جَرَتْ فِي حَقِّ جِنْسِ الْإِنْسَانِ أَنَّ مَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ إطْلَاقُ الشَّرْعِ فِيهِ أَوْسَعَ كَالْمَاءِ وَالْكَلَإِ لِلدَّوَابِّ، فَإِنْ قَالَ: دَلَّ التَّرْتِيبُ عَلَى الْمُشْتَقِّ عَلَيْهِ، قُلْنَا: ذَلِكَ بِشَرْطِ كَوْنِهِ صَالِحًا مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ
(7/8)

إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ إذًا: بَيْعُ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ لِوُجُوبِ شَرْطِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمِعْيَارِ؛ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى مَكَانَ قَوْلِهِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَفِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ (وَإِنْ تَفَاضَلَا لَمْ يَجُزْ) لِتَحَقُّقِ الرِّبَا وَلَا يَجُوزُ (بَيْعُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) لِإِهْدَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْوَصْفِ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ) لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بِالْمِعْيَارِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْفَضْلُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّ الطَّعَامَ مُشْتَقٌّ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِبَعْضِ الْأَعْيَانِ الْخَاصَّةِ وَهُوَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ لَا يَعْرِفُ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا الْخِطَابِ غَيْرَهُ بَلْ التَّمْرُ وَهُوَ غَالِبُ مَأْكُولِهِمْ لَا يُسَمُّونَهُ طَعَامًا وَلَا يَفْهَمُونَهُ مِنْ لَفْظِ الطَّعَامِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا فِيمَا قَدَّمْنَا أَجَازَ التَّصَرُّفَ فِي كُلِّ مَبِيعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ سِوَى الطَّعَامِ، قَالَ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّهُ بِالذِّكْرِ وَلَمْ يُرِدْ كُلَّ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ مِنْ الْبَقْلِ وَالْمَاءِ وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَوْلَا دَلِيلٌ آخَرُ عَمَّهُ.
وَإِلْحَاقُهُ بِالْبُضْعِ فِيهِ خَلَلٌ لِأَنَّ الْبُضْعَ مَصُونٌ شَرْعًا وَعُرْفًا وَعَادَةً عَنْ الِابْتِذَالِ وَالْإِبَاحَةِ فَكَانَ الِاشْتِرَاطُ مِنْ تَحْقِيقِ غَرَضِ الصِّيَانَةِ، بِخِلَافِ بَاقِي الْأَمْوَالِ فَإِنَّ أَصْلَهَا الْإِبَاحَةُ، وَيُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهَا مُبَاحًا حَتَّى الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَإِنَّمَا لَزِمَ فِيهَا الْعَقْدُ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّ إنْسَانٍ بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّغَالُبِ فَوَضْعُهَا عَلَى ضِدِّ وَضْعِ الْبُضْعِ مِنْ الِابْتِذَالِ وَالِامْتِهَانِ دَفْعًا لِلْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَإِلْحَاقُهَا بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا حَصَرُوا الْمُعَرَّفَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَجَازُوا بَيْعَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ مُجَازَفَةً، فَأَجَازُوا بَيْعَ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ وَالْحَفْنَةِ مِنْ الْبُرِّ بِحَفْنَتَيْنِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمِعْيَارِ الْمُعَرِّفِ لِلْمُسَاوَاةِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْفَضْلُ، وَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ لَا بِالْمِثْلِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْجَوْزِ مِنْ الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ. أَمَّا فِيهِ فَكَلَامُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْجَوْزَةَ مِثْلُ الْجَوْزَةِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ، وَكَذَا التَّمْرَةُ بِالتَّمْرَةِ لَا فِي حُكْمِ الرِّبَا، لِأَنَّ الْجَوْزَةَ لَيْسَتْ مِثْلًا لِلْجَوْزَةِ لِعَدَمِ دَلِيلِ الْمُمَاثَلَةِ وَلِوُجُودِ التَّفَاوُتِ، إلَّا أَنَّ النَّاسَ أَهْدَرُوا التَّفَاوُتَ فَقُبِلَ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ ضَمَانُ الْعُدْوَانِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الشَّرْعِ وَهُوَ وُجُوبُ التَّسْوِيَةِ فَلَا.
وَمِنْ فُرُوعِ ضَمَانِ مَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ بِالْقِيمَةِ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ حَفْنَةً فَعَفِنَتْ عِنْدَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهَا، فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا أَخَذَهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَسَادِ الَّذِي حَصَلَ لَهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَمَّا كَانَتْ الطَّعْمُ حَرُمَ الْحَفْنَةُ وَالتُّفَّاحَةُ بِثِنْتَيْنِ وَقَالُوا مَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ فِي حُكْمِ الْحَفْنَةِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَهُ، فَعُرِفَ أَنَّهُ لَوْ وُضِعَتْ مَكَايِيلُ أَصْغَرُ مِنْ نِصْفِ الصَّاعِ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ بِهَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ نِصْفَ صَاعٍ، فَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ صَاعٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ نِصْفِ صَاعٍ فَصَاعِدًا بِحَفْنَةٍ.
وَفِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ قِيلَ: لَا رِوَايَةَ فِي الْحَفْنَةِ بِقَفِيزٍ وَاللُّبِّ بِالْجَوْزِ، وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ الرِّبَا، وَلَا يَسْكُنُ الْخَاطِرُ إلَى هَذَا بَلْ يَجِبُ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِالْقَصْدِ إلَى صِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ تَحْرِيمُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ وَالْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، أَمَّا إنْ كَانَتْ مَكَايِيلُ أَصْغَرُ مِنْهَا كَمَا فِي دِيَارِنَا مِنْ وَضْعِ رُبْعِ الْقَدَحِ وَثُمُنِ الْقَدَحِ الْمِصْرِيِّ فَلَا شَكَّ، وَكَوْنُ الشَّرْعِ لَمْ يُقَدِّرْ بَعْضَ
(7/9)

وَلِهَذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعِلَّةُ هِيَ الطَّعْمُ وَلَا مُخَلِّصَ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فَيَحْرُمُ، وَمَا دُونَ نِصْفِ الصَّاعِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَفْنَةِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرْعِ بِمَا دُونَهُ، وَلَوْ تَبَايَعَا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا غَيْرَ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْجِصِّ وَالْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ.
وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ.

قَالَ (وَإِذَا عُدِمَ الْوَصْفَانِ الْجِنْسُ وَالْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَيْهِ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ) لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِبَاحَةُ.
وَإِذَا وُجِدَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ بِأَقَلَّ مِنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إهْدَارَ التَّفَاوُتِ الْمُتَيَقَّنِ، بَلْ لَا يَحِلُّ بَعْدَ تَيَقُّنِ التَّفَاضُلِ مَعَ تَيَقُّنِ تَحْرِيمِ إهْدَارِهِ، وَلَقَدْ أُعْجَبُ غَايَةَ الْعَجَبِ مِنْ كَلَامِهِمْ هَذَا.
وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّمْرَةَ بِالتَّمْرَتَيْنِ وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ فِي الْكَثِيرِ فَالْقَلِيلُ مِنْهُ حَرَامٌ

(وَ) يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ مَا لَوْ تَبَايَعَا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا غَيْرَ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْجِصِّ وَالْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْقَدْرِ (وَالْجِنْسِ) مَعَ التَّفَاضُلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ لِلصِّيَانَةِ (وَعِنْدَهُ يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ) هَذَا وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالصِّيَانَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ عَبْدٍ بِعَبْدَيْنِ وَبَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ، وَجَوَازُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ حَالًّا. فَإِنْ قِيلَ: الصِّيَانَةُ حِكْمَةٌ فَتُنَاطُ بِالْمُعَرِّفِ لَهَا وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ. قُلْنَا: إنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عِنْدَ خَفَاءِ الْحِكْمَةِ وَعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، وَصَوْنُ الْمَالِ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، فَإِنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَعَدَمَهَا مَحْسُوسٌ وَبِذَلِكَ تُعْلَمُ الصِّيَانَةُ وَعَدَمُهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ ضَبْطُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ تَفَادِيًا عَنْ نَقْضِهِ بِالْعَبْدِ بِعَبْدَيْنِ وَثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بِهَرَوِيَّيْنِ.
وَفِي الْأَسْرَارِ: مَا دُونَ الْحَبَّةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا قِيمَةَ لَهُ

(قَوْلُهُ وَإِذَا عُدِمَ الْوَصْفَانِ الْجِنْسُ وَالْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَيْهِ) وَهُوَ الْقَدْرُ (حَلَّ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ) كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ بِمَرْوِيَّيْنِ إلَى أَجَلٍ وَالْجَوْزِ بِالْبِيضِ إلَى أَجَلٍ (لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ) وَعَدَمُ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ، لَكِنْ إذَا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ لَزِمَ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهَا تُؤَثِّرُ الْعَدَمَ بَلْ لَا يَثْبُتُ الْوُجُودُ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْوُجُودِ فَيَبْقَى عَدَمُ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا عُدِمَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ (وَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ) مُطْلَقًا (الْإِبَاحَةُ) إلَّا مَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ مِنْ أَصْنَافِهِ كَانَ الثَّابِتُ الْحِلَّ (وَإِذَا وُجِدَا) أَيْ الْجِنْسُ وَالْمَعْنَى الْمَضْمُومُ إلَيْهِ
(7/10)

حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ.
وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعُدِمَ الْآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ مِثْلَ أَنْ يُسَلِّمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ أَوْ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ، فَحُرْمَةُ رِبَا الْفَضْلِ بِالْوَصْفَيْنِ وَحُرْمَةُ النَّسَاءِ بِأَحَدِهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النَّسَاءَ لِأَنَّ بِالنَّقْدِيَّةِ وَعَدَمِهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا شُبْهَةُ الْفَضْلِ، وَحَقِيقَةُ الْفَضْلِ غَيْرُ مَانِعٍ فِيهِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ فَالشُّبْهَةُ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَهُوَ الْقَدْرُ (حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ) كَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ التَّسَاوِي وَالتَّقَابُضِ (لِوُجُودِ الْعِلَّةِ) الْمُعَرِّفَةِ لِلْحُكْمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعُدِمَ الْآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ مِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ) ثَوْبًا (هَرَوِيًّا فِي ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ) فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ مَعَ عَدَمِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا إذَا بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدٍ إلَى أَجَلٍ لِوُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ، وَلَوْ بَاعَ الْعَبْدَ بِعَبْدَيْنِ أَوْ الْهَرَوِيَّ بِهَرَوِيَّيْنِ حَاضِرًا جَازَ (أَوْ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ) فِي صُورَةِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَضْمُومِ وَهُوَ الْمُسَوَّى، وَكَذَا حَدِيدٌ فِي رَصَاصٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَجُوزَ فُلُوسٌ فِي خُبْزٍ وَنَحْوِهِ فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهَا وَزْنِيَّةٌ (فَحُرْمَةُ رِبَا الْفَضْلِ بِالْوَصْفَيْنِ) جَمِيعًا (وَحُرْمَةُ النَّسَاءِ بِأَحَدِهِمَا) وَالنَّسَاءُ بِالْمَدِّ لَيْسَ غَيْرُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ نَسَاءً) لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَّزَ جَيْشًا فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلٍ " وَهَذَا يَكُونُ سَلَمًا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ بَاعَ بَعِيرًا بِأَرْبَعَةٍ إلَى أَجَلٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ بَاعَ بَعِيرًا يُقَالُ لَهُ عُصْفُورٌ بِعَشْرَيْنِ بَعِيرًا إلَى أَجَلٍ ". وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّأْجِيلَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ يُظْهِرُ التَّفَاوُتَ فِيهِ حُكْمًا، وَالتَّفَاوُتُ حَقِيقَةً أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنْهُ حُكْمًا، فَإِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ بِأَنْ بَاعَ الْوَاحِدَ بِالِاثْنَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْجَوَازِ بِالِاتِّفَاقِ
(7/11)

وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى الْقَدْرِ أَوْ الْجِنْسِ وَالنَّقْدِيَّةُ أَوْجَبَتْ فَضْلًا فِي الْمَالِيَّةِ فَتَتَحَقَّقَ شُبْهَةُ الرِّبَا وَهِيَ مَانِعَةٌ كَالْحَقِيقَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ النُّقُودَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ جَمَعَهُمَا الْوَزْنُ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَتَّى جَازَ هَذَا الْبَيْعُ إذَا كَانَ حَالًّا اتِّفَاقًا فَالتَّفَاوُتُ حُكْمًا أَوْلَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ بِالنَّقْدِيَّةِ إلَى آخِرِهِ (وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا نَظَرًا إلَى الْقَدْرِ أَوْ الْجِنْسِ وَ) عُرِفَ أَنَّ (النَّقْدِيَّةَ أَوْجَبَتْ فَضْلًا فِي الْمَالِيَّةِ) حَتَّى تُعُورِفَ الْبَيْعُ بِالْحَالِ بِأَنْقَصَ مِنْهُ بِالْمُؤَجَّلِ (فَتَتَحَقَّقُ) بِوُجُودِهِ (شُبْهَةُ) عِلَّةِ (الرِّبَا) فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ الرِّبَا (وَشُبْهَةُ الرِّبَا مَانِعَةٌ كَحَقِيقَةِ الرِّبَا) بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ مُجَازَفَةً وَإِنْ ظَنَّ التَّسَاوِيَ وَتَمَاثَلَتْ الصُّبْرَتَانِ فِي الرُّؤْيَةِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا شُبْهَةُ ثُبُوتِ الْفَضْلِ، بَلْ قَالُوا: لَوْ تَبَايَعَا مُجَازَفَةً ثُمَّ كِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَهَرَا مُتَسَاوِيَيْنِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا أَيْضًا خِلَافًا لِزُفَرَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُسَاوَاةِ عِنْدَ الْعَقْدِ شَرْطُ الْجَوَازِ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرِّبَا وَالرِّيبَةِ، وَكَذَا الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ نَسِيئَةً يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مِمَّا أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ مِنْ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» فَأَلْزَمَ التَّقَابُضَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّسِيئَةِ، وَكَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرَهُمَا يَدًا بِيَدٍ. وَأَمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا» ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَيْضًا قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» فَقَامَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ وُجُودَ أَحَدِ جُزْأَيْ عِلَّةِ الرِّبَا عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ النَّسَاءِ ثُمَّ عَلَّلْنَا
(7/12)

فِي صِفَةِ الْوَزْن، فَإِنَّ الزَّعْفَرَانَ يُوزَنُ بِالْأَمْنَاءِ وَهُوَ مُثَمَّنٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالنُّقُودُ تُوزَنُ بِالسَّنَجَاتِ وَهُوَ ثَمَنٌ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.
وَلَوْ بَاعَ بِالنُّقُودِ مُوَازَنَةً وَقَبَضَهَا صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْوَزْنِ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِيهِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا لَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَنْزِلُ الشُّبْهَةُ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الرِّبَا: أَعْنِي الْفَضْلَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ لِلشُّبْهَةِ حُكْمَ الْحَقِيقَةِ أَنْ يَحْرُمَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ التَّفَاضُلُ أَيْضًا، لِأَنَّ لِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ حُكْمَ الْعِلَّةِ فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ حُكْمِ الْعِلَّةِ وَحُكْمُ الْعِلَّةِ هُوَ حُرْمَةُ التَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ فَيَثْبُتَ فِيهِمَا، ثُمَّ يُقَدَّمُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى حَدِيثِ الْبَعِيرِ بِبَعِيرَيْنِ لِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ وَذَلِكَ مُبِيحٌ، أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا. وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَجُوزَ إسْلَامُ النُّقُودِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الزَّعْفَرَانِ وَفِي سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ كَالْقُطْنِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ.
أَجَابَ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْوَزْنَ فِي النُّقُودِ وَفِي تِلْكَ الْأَمْوَالِ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّهُ فِي النُّقُودِ بِالْمَثَاقِيلِ وَالدَّرَاهِمِ الصَّنَجَاتِ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ بِالْأَمْنَاءِ وَالْقَبَّانِ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الصُّورَةِ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ آخَرُ مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَالزَّعْفَرَانَ وَغَيْرَهُ يَتَعَيَّنُ، وَآخَرُ حُكْمِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ النُّقُودَ مُوَازَنَةً وَقَبَضَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْوَزْنِ، وَتَفْسِيرُهُ لَوْ اشْتَرَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُوَازَنَةً فَوَزَنَهَا الْبَائِعُ بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي وَسَلَّمَهَا فَقَبَضَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ وَزْنِهَا ثَانِيًا، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ يُشْتَرَطُ إعَادَةُ الْوَزْنِ فِي مِثْلِهِ (فَإِذَا اخْتَلَفَا) أَيْ النَّقْدُ وَالزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْوَزْنِ (صُورَةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا لَمْ يَجْمَعْهُمَا الْقَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَتَنْزِلُ الشُّبْهَةُ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ) وَقَوْلُهُ صُورَةً وَمَعْنًى وَحُكْمًا نَشْرٌ
(7/13)

قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَيْلًا فَهُوَ مَكِيلٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُرَتَّبٌ بَعْدَ اللَّفِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْيِينَ بِالتَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَزْنِ، وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ بِاعْتِبَارِهِ اخْتِلَافًا فِي مَعْنَى الْوَزْنِ، وَكَذَا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الزَّعْفَرَانَ وَالْمِسْكَ وَالزَّبَادَ يُوزَنُ بِالصَّنَجَاتِ أَيْضًا، وَكَذَا الْأَخِيرُ، بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّقْدِ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ لَا يَجُوزُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ بَعْدَمَا اتَّزَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ وَقَبَضَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يُعِيدَ الْوَزْنَ مَمْنُوعٌ، بَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُوَازَنَةً مِنْ آخَرَ ثُمَّ يَلْزَمَ بَعْدَ هَذَا الْبَيْعِ أَنْ يَزِنَهُ الْآخَرُ لِيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ تَصَرُّفُ الْآخَرِ فِيهِ، وَكَذَا نَقُولُ فِي الدَّرَاهِمِ إذَا قَبَضَهَا، وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إذَا بِالدَّرَاهِمِ حَتَّى كَانَتْ ثَمَنًا أَوْ بَاعَهَا لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، بِخِلَافِ الزَّعْفَرَانِ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَذَلِكَ ثَمَنٌ وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْحُكْمِيِّ وَحْدَهُ لَا يُوجِبُ اعْتِبَارَهُ غَيْرَ مُشَارِكٍ لَهُ فِي أَصْلِ الْوَزْنِ.
وَإِذَا ضَعُفَ هَذَا فَالْوَجْهُ فِي هَذَا أَنْ يُضَافَ تَحْرِيمُ الْجِنْسِ بِانْفِرَادِهِ إلَى السَّمْعِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيُلْحَقَ بِهِ تَأْثِيرُ الْكَيْلِ الْوَزْنَ بِانْفِرَادِهِ ثُمَّ يُسْتَثْنَى إسْلَامُ النُّقُودِ فِي الْمَوْزُونَاتِ بِالْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يُفْسِدَ أَكْثَرَ أَبْوَابِ السَّلَمِ وَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ خِلَافَ النَّقْدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَلَّمَ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا كَإِسْلَامِ حَدِيدٍ فِي قُطْنٍ أَوْ زَيْتٍ فِي جُبْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا إذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَزْنِيًّا بِالصَّنْعَةِ إلَّا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ فَلَوْ أَسْلَمَ سَيْفًا فِيمَا يُوزَنُ جَازَ إلَّا فِي الْحَدِيدِ لِأَنَّ السَّيْفَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا وَمَنَعَهُ فِي الْحَدِيدِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ إنَاءٍ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ نُحَاسًا كَانَ أَوْ حَدِيدًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَثْقَلَ مِنْ الْآخَرِ، بِخِلَافِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ وَزْنًا لِأَنَّ صُورَةَ الْوَزْنِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِيهِمَا فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالصَّنْعَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْوَزْنِ بِالْعَادَةِ.
وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ حِينَئِذٍ إسْلَامُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِاخْتِلَافِ طَرِيقَةِ الْوَزْنِ. أُجِيبُ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُ لِامْتِنَاعِ كَوْنِ النَّقْدِ مُسَلَّمًا فِيهِ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَهُمَا مُتَعَيِّنَانِ لِلثَّمَنِيَّةِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعًا؟ قِيلَ: إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْمُسَلَّمِ فَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، هَذَا وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يُعْرَفُ بِاخْتِلَافِ الِاسْمِ الْخَاصِّ وَاخْتِلَافُ الْمَقْصُودِ؛ فَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: جِنْسٌ وَاحِدٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا.
قُلْنَا: بَلْ جِنْسَانِ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ اسْمًا وَمَعْنًى، وَإِفْرَادُ كُلٍّ عَنْ الْآخَرِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَإِلَّا قَالَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ، وَكَوْنُ اسْمِ الْأَعَمِّ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَخَصِّ لَا يُوجِبُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ يَكُونُ مُتَمَاثِلًا كَالْحَيَوَانِ يُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ مُتَبَايِنَةٍ بِلَا شَكٍّ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا بِالْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ، وَالثَّوْبُ الْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ وَهُوَ بِسُكُونِ الرَّاءِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الصَّنْعَةِ وَقِوَامِ الثَّوْبِ بِهَا، وَكَذَا الْمَرْوِيُّ الْمَنْسُوجُ بِبَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ وَاللَّدُّ الْأَرْمَنِيُّ وَالطَّالَقَانِيُّ جِنْسَانِ، وَالتَّمْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْحَدِيدُ وَالرَّصَاصُ وَالشَّبَهُ أَجْنَاسٌ، وَكَذَا غَزْلُ الصُّوفِ وَالشَّعْرُ وَلَحْمُ الْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْأَلْيَةُ وَاللَّحْمُ وَشَحْمُ الْبَطْنِ أَجْنَاسٌ، وَدُهْنُ الْبَنَفْسَجِ وَالْخَيْرِيُّ جِنْسَانِ، وَالْأَدْهَانُ الْمُخْتَلِفَةُ أُصُولُهَا أَجْنَاسٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْلِ زَيْتٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ بِرَطْلٍ مَطْبُوخٍ مُطَيَّبٍ لِأَنَّ الطِّيبَ زِيَادَةٌ

(قَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَيْلًا فَهُوَ مَكِيلٌ
(7/14)

أَبَدًا، وَإِنَّ تَرَكَ النَّاسُ الْكَيْلَ فِيهِ مِثْلَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَكُلُّ مَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَزْنًا فَهُوَ مَوْزُونٌ أَبَدًا، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْوَزْنَ فِيهِ مِثْلُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ وَالْأَقْوَى لَا يُتْرَكُ بِالْأَدْنَى (وَمَا لَمْ يَنُصُّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ) لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَادَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمَنْظُورُ إلَيْهَا وَقَدْ تَبَدَّلَتْ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِجِنْسِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَبَدًا، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْكَيْلَ فِيهِ) حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ وَزْنًا وَإِنْ تَمَاثَلَا فِي الْوَزْنِ إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي الْكَيْلِ أَيْضًا (وَكُلُّ مَا نُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَزْنًا فَهُوَ مَوْزُونٌ أَبَدًا مِثْلُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ) لِأَنَّ الْعُرْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَاطِلٍ كَتَعَارُفِ أَهْلِ زَمَانِنَا فِي إخْرَاجِ الشُّمُوعِ وَالسُّرُجِ إلَى الْمَقَابِرِ لَيَالِيَ الْعِيدِ، وَالنَّصُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّ حُجِّيَّةَ الْعُرْفِ عَلَى الَّذِينَ تَعَارَفُوهُ وَالْتَزَمُوهُ فَقَطْ، وَالنَّصُّ حُجَّةٌ عَلَى الْكُلِّ فَهُوَ أَقْوَى، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَفِي الْمُجْتَبَى: ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ مَا يَعْتَادُهُ أَهْلُ خُوَارِزْمَ مِنْ بَيْعِ الْحِنْطَةِ الرَّبِيعِيَّةِ بِالْخَرِيفِيَّةِ مَوْزُونًا مُتَسَاوِيًا لَا يَجُوزُ (وَمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ) فِي الْأَسْوَاقِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْعَادَةُ (دَلَالَةٌ) عَلَى الْجَوَازِ فِيمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا» الْحَدِيثَ، وَمِنْ ذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَشُرْبُ مَاءِ السِّقَاءِ لِأَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْمَاعِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ أَصْلٍ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ كَالدَّقِيقِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ) الْكَيْلِ فِي الشَّيْءِ أَوْ الْوَزْنِ فِيهِ مَا كَانَ فِي ذَاكَ الْوَقْتِ إلَّا لِأَنَّ الْعَادَةَ إذْ ذَاكَ بِذَلِكَ (وَقَدْ تَبَدَّلَتْ) فَتَبَدَّلَ الْحُكْمُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَقْرِيرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُمْ عَلَى مَا تَعَارَفُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ مِنْهُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْعُرْفِ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، كَذَا وَجْهٌ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ أَبَا يُوسُفَ لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنَّهُ كَنَصِّهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ: يُصَارُ إلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ بَعْدَ النَّصِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْعَادَةِ يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ النَّصِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيًّا لَنَصَّ عَلَيْهِ عَلَى وِزَانِ مَا ذَكَرْنَا فِي سُنِّيَّةِ التَّرَاوِيحِ، مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ بَلْ فَعَلَهُ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَ، لَكِنْ لَمَّا بَيَّنَ عُذْرَ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ عَلَى مَعْنًى لَوْلَاهُ لَوَاظَبَ حُكِمَ بِالسُّنِّيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ، لِأَنَّا أَمِنَّا مِنْ بَعْدِهِ النَّسْخَ فَحَكَمْنَا بِالسُّنِّيَّةِ، فَكَذَا هَذَا لَوْ تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعَادَةُ الَّتِي كَانَ النَّصُّ بِاعْتِبَارِهَا إلَى عَادَةٍ أُخْرَى تَغَيَّرَ النَّصُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِجِنْسِهَا
(7/15)

مُتَسَاوِيًا وَزْنًا، أَوْ الذَّهَبَ بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ عَلَى مَا هُوَ الْمِعْيَارُ فِيهِ، كَمَا إذَا بَاعَ مُجَازَفَةً إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزْنًا لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فِي مَعْلُومٍ.
قَالَ (وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إلَى الرَّطْلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ) مَعْنَاهُ مَا يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ لِأَنَّهَا قُدِّرَتْ بِطَرِيقِ الْوَزْنِ حَتَّى يُحْتَسَبَ مَا يُبَاعُ بِهَا وَزْنًا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَكَايِيلِ، وَإِذَا كَانَ مَوْزُونًا فَلَوْ بِيعَ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ بِمِكْيَالٍ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِي الْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَازَفَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُتَسَاوِيًا وَزْنًا وَالذَّهَبَ بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ الْفَضْلِ فِي أَحَدِهِمَا) وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ إلَى آخِرِهِ) اسْتِثْنَاءٌ عَلَى قَوْلِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ مَكِيلٌ أَبَدًا: أَيْ يَلْزَمُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالْكَيْلِ أَبَدًا فَهُوَ بِعُمُومِهِ يَمْنَعُ السَّلَمَ فِي الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزْنًا فَاسْتَثْنَاهُ وَقَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَحَّحَ فِيهِ كَوْنُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مَعْلُومًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِيهِ نِزَاعٌ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْوَزْنِ، بِخِلَافِ بَيْعِهَا بِجِنْسِهَا فَإِنَّ الْمُصَحَّحَ هُنَاكَ التَّمَاثُلُ بِالْمُسَوَّى الشَّرْعِيِّ الْمُعَيَّنِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُسَوَّى اُلْتُحِقَ بِالْجُزَافِ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا مَكِيلٌ بِالنَّصِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ. وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ وَقَدْ عَرَفْت الْفَرْقَ. وَقَوْلُهُ فِي الْكَافِي: الْفَتْوَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَادُوا أَنْ يُسَلِّمُوا فِيهَا كَيْلًا فَأَسْلَمَ وَزْنًا لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ، بَلْ إذَا اتَّفَقَا عَلَى مُعَرَّفٍ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِوُجُودِ الْمُصَحِّحِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ. وَفِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ رُوِيَ عَنْهُمَا جَوَازُ السَّلَمِ وَزْنًا فِي الْمَكِيلَاتِ وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَوْزُونَاتِ كَيْلًا أَنَّهُ يَجُوزُ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فَرْقٌ بَيْنَ الْكَيْلِيِّ نَصًّا وَالْوَزْنِيِّ عَادَةً وَقَلَبَهُ، فَأَمَّا الْوَزْنُ نَصًّا وَعَادَةً كَمَا فِي إنَاءَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ حَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ وَزْنًا مِنْ الْآخَرِ؛ فَفِي الْإِنَاءَيْنِ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُبَاعَا وَزْنًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ، وَفِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَجُوزُ.
فَإِنَّهُ يَجْرِي فِيهِمَا رِبَا الْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ وَزْنًا فِي الْعَادَةِ فَإِنَّ الْوَزْنَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ لِلصَّنْعَةِ بِالْعَادَةِ، وَأَمَّا فِي الْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ فَالْوَزْنُ فِيهِ ثَابِتٌ بِالْعُرْفِ فَيَخْرُجَ بِالصَّنْعَةِ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا بِالْعُرْفِ (قَوْلُهُ وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ) هَذَا فِي التَّحْقِيقِ تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ أَلْفَاظٍ رُبَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهَا الْمَبِيعُ بِلَفْظٍ
(7/16)

قَالَ (وَعَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَبْضُ عِوَضَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يُقَدَّرُ وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِيهَا أَنَّهَا اسْمٌ يَرْجِعُ إلَى الْوَزْنِ كَمَا اُشْتُهِرَ فِي الْمَنِّ وَالْقِنْطَارِ أَوْ إلَى الْكَيْلِ كَمَا فِي الصَّاعِ وَالْمُدِّ فَلَا يَدْرِي أَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْ قَبِيلِ الْوَزْنِ فَيَجْرِيَ حُكْمُ الْوَزْنِ عَلَى الْمَبِيعِ أَوْ الْمَكِيلِ فَيَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكَيْلِيِّ وَذَلِكَ كَاسْمِ الرَّطْلِ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْأُوقِيَّةِ، فَأَفَادَ أَنَّ الْمَنْسُوبَ إلَيْهَا مِنْ الْمَبِيعَاتِ وَزْنِيٌّ فَيَجْرِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَوْ بِيعَ مَا يُنْسَبُ إلَى الرِّطْلِ وَالْأُوقِيَّةِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مُتَسَاوِيَيْنِ يُعْرَفُ قَدْرُهُمَا كَيْلًا وَلَا يُعْرَفُ وَزْنُ مَا يُحِلُّهُمَا لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْوَزْنِ فَيَكُونَ بَيْعَ الْجُزَافِ. وَلَوْ تَبَايَعَا كَيْلًا مُتَفَاضِلًا وَهُمَا مُتَسَاوِيَا الْوَزْنِ صَحَّ، وَلَيْسَ قَوْلُنَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ تَسَاوِيهِمَا وَزْنًا لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ تَسَاوِيهِمَا وَزْنًا يَجُوزُ، فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ أَمْوَالَ الرِّبَا لَوْ بِيعَتْ مُجَازَفَةً ثُمَّ ظَهَرَ تَسَاوِيهِمَا لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا، بَلْ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ تَسَاوِيهِمَا فِيمَا يَجِبُ نِسْبَتُهُمَا إلَيْهِ مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَانَ جَائِزًا.
ثُمَّ الرَّطْلُ وَالْأُوقِيَّةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عُرْفُ الْأَمْصَارِ، وَيَخْتَلِفُ فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ أَمْرُ الْمَبِيعَاتِ، فَالرَّطْلُ الْآنَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَزْنُ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا بِوَزْنِ كُلِّ عَشْرَةٍ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَفِي مِصْرَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَفِي الشَّامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ، وَفِي حَلَبٍ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدٍ الرَّطْلَ بِأَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ تَفْسِيرٌ لِلرَّطْلِ الْعِرَاقِيِّ الَّذِي قَدَّرَ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَيْلَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، ثُمَّ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة الرَّطْلُ الْمَذْكُورُ لِغَيْرِ الْكَتَّانِ، وَرَطْلُ الْكَتَّانِ مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ، وَكُلُّ رَطْلٍ فِي عُرْفِ دِيَارِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَأَقْطَارِهِ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَرُبَّمَا كَانَ فِي غَيْرِهَا عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وَحِينَئِذٍ لَا يُشْكِلُ اخْتِلَافُ كَمِّيَّةِ الْأُوقِيَّةِ بِاخْتِلَافِ الرَّطْلِ.
وَفِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ الْأُوقِيَّةُ مَثَلًا اثْنَا عَشَرَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي نَحْوِ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ عَشَرَةٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَعَ أَسْمَاءٍ أُخَرَ تَوْقِيفِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ تُعْرَفُ بِالِاسْتِكْشَافِ وَالسُّؤَالِ عَنْهَا فَيُعْرَفُ الْحَالُ. وَقَوْلُهُ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ وَزْنُهُ إلَى آخِرِهِ عُرِفَ تَقْرِيرُهُ

(قَوْلُهُ وَعَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنْسِ الْأَثْمَانِ) ذَهَبًا وَفِضَّةً بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بِجِنْسِهِ اُشْتُرِطَ فِيهِ التَّسَاوِي وَالتَّقَابُضِ قَبْلَ افْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ حَتَّى لَوْ عَقَدَا عَقْدَ الصَّرْفِ وَمَشَيَا فَرْسَخًا ثُمَّ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا صَحَّ وَأَنْ لَا يَكُونَ بِهِ خِيَارٌ، وَكَذَا السَّلَمُ وَلَا أَجَلَ كَذَا ذُكِرَ، وَهُوَ مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ التَّقَابُضِ يُفِيدُهُ.
وَلَوْ أُسْقِطَ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ فِي الْمَجْلِسِ عَادَ صَحِيحًا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ اُشْتُرِطَ مَا سِوَى التَّسَاوِي. وَاسْتَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ
(7/17)

لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءَ وَهَاءَ» مَعْنَاهُ يَدًا بِيَدٍ، وَسَنُبَيِّنُ الْفِقْهَ فِي الصَّرْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (وَمَا سِوَاهُ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ) .
لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «يَدًا بِيَدٍ» وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ فَيَتَعَاقَبُ الْقَبْضُ وَلِلنَّقْدِ مَزِيَّةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا» إلَى آخِرِهِ، وَهَاءَ مَمْدُودٌ مِنْ هَاءٍ وَأَلِفٍ وَهَمْزَةٍ بِوَزْنِ هَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَمَعْنَاهُ خُذْ وَهَاتِ: يَعْنِي هُوَ رِبًا إلَّا فِيمَا يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ خُذْ، وَمِنْهُ {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ يَعْنِي يَدًا بِيَدٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ قَالَ (وَمَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى عَقْدِ الصَّرْفِ (مِمَّا فِيهِ الرِّبَا) مِنْ بَيْعِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بِجِنْسِهَا، أَوْ بِخِلَافِ الْجِنْسِ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ، فَلَوْ افْتَرَقَا بَعْدَ تَعْيِينِ الْبَدَلَيْنِ عَنْ غَيْرِ قَبْضٍ جَازَ عِنْدَنَا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ) أَيْ كُلُّ مَطْعُومٍ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ فَاكِهَةٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَدًا بِيَدٍ» وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَاقُبُ فِي الْقَبْضِ وَلِلنَّقْدِ
(7/18)

فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ الرِّبَا.
وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ كَالثَّوْبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَيَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لِيَتَعَيَّنَ بِهِ؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَدًا بِيَدٍ» عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَكَذَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَتَعَاقُبُ الْقَبْضِ لَا يُعْتَبَرُ تَفَاوُتًا فِي الْمَالِ عُرْفًا، بِخِلَافِ النَّقْدِ وَالْمُؤَجَّلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَزِيَّةٌ فَيَكُونُ كَالْمُؤَجَّلِ إذْ يَحْصُلُ التَّفَاوُتُ فِي الْبَدَلَيْنِ.
(وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيِّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي) صِحَّةِ بَيْعِهِ (وَالْقَبْضُ كَالثَّوْبِ) بِالثَّوْبِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الْقَبْضُ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَا يَحْصُلُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تَتَعَيَّنُ مَمْلُوكَةً بِالْعَقْدِ إلَّا بِالْقَبْضِ. قَالَ: وَمَعْنَى (قَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ) وَكَذَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " يَدًا بِيَدٍ " وَلَهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ " عَيْنًا بِعَيْنٍ " وَلَفْظُهُ فِي مُسْلِمٍ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَقَوْلُهُ يَقَعُ التَّعَاقُبُ فَيَحْصُلَ التَّفَاوُتُ مَمْنُوعٌ، بَلْ هَذَا الْقَدْرُ مُهْدَرٌ لَا يُعَدُّ زِيَادَةً مَا لَمْ يُذْكَرْ الْأَجَلُ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِ " يَدًا بِيَدٍ " عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فِي الصَّرْفِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِهِ هُنَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ التَّعْيِينُ لَا التَّقَابُضُ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا لِلْمُشْتَرَكِ أَوْ لِلْحَقِيقَةِ فِي الْمَجَازِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ فَسَّرَ هَاءَ وَهَاءَ بِ " يَدًا بِيَدٍ "، وَفَسَّرَ يَدًا بِيَدٍ بِالتَّعْيِينِ لِرِوَايَةِ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى التَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ لَا يَنْفِيهِ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ هُنَاكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّعْيِينِ أَيْضًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ التَّعْيِينُ هُنَاكَ بِالتَّقَابُضِ يَكُونُ لَا بِغَيْرِهِ، لَمَّا قُلْنَا إنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَانَ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَيْهِ اسْتِدْلَالًا عَلَيْهِ، لِكَيْ يَنْبَغِيَ أَنْ يُقَالَ حَمْلُ يَدًا بِيَدٍ عَلَى مَعْنَى عَيْنًا بِعَيْنٍ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ قَلْبِهِ. وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ رِوَايَةَ عَيْنًا بِعَيْنٍ تَفْسِيرٌ لِلْمُحْتَمِلِ، لِأَنَّ يَدًا بِيَدٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَهِيَ تَفْسِيرٍ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقَبْضَ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَائِدَةٌ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَبْضِ ضَرُورَةً فَلَزِمَ
(7/19)

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَتَيْنِ وَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ) لِانْعِدَامِ الْمِعْيَارِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا.
وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ لِوُجُودِ الطَّعْمِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَلَا تَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا، وَإِذَا بَقِيَتْ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا وَكَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّ عَيْنًا بِعَيْنٍ تَفْسِيرًا لِيَدًا بِيَدٍ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَدْفَعَهُ بِمَنْعِ الِاحْتِمَالِ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّقَابُضِ. وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَيْنًا بِعَيْنٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَخَصُّ مِنْ التَّعْيِينِ، وَكُلُّ قَبْضٍ يَتَضَمَّنُ تَعْيِينًا وَلَيْسَ كُلُّ تَعْيِينٍ قَبْضًا، وَبَابُ الرِّبَا بَابُ احْتِيَاطٍ فَيَجِبَ أَنْ تُحْمَلَ الْعَيْنِيَّةُ عَلَى الْقَبْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ فَهْمُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ اصْطَرَفَ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ طَلْحَةُ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَيْفَ وَمَعْنَى هَاءَ خُذْ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَمِنْهُ {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] وَقَالَ قَائِلٌ: تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ مِنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الصَّرْفِ فِي اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فَدُفِعَ بِأَنَّ الِاسْمَ يُنْبِئُ هُنَاكَ عَنْ صَرْفِ كُلٍّ إلَى الْآخَرِ مَا فِي يَدِهِ، وَالْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةُ تُعْطَفُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْفَرْعِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ يَسْتَقِلُّ بِمَطْلُوبِهِ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَتَيْنِ وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَتَيْنِ) إلَى آخِرِهِ وَمَبْنَى ذَلِكَ سَبَقَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ يَدًا بِيَدٍ، أَوْ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. صُورَتُهَا فِيهِ: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ بَيْضَةٍ بِبَيْضَتَيْنِ وَجَوْزَةٍ بِجَوْزَتَيْنِ وَفَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ وَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ يَدًا بِيَدٍ جَازَ
(7/20)

وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِهِمَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يَعُودُ وَزْنِيًّا لِبَقَاءِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى الْعَدِّ إذْ فِي نَقْضِهِ فِي حَقِّ الْعَدِّ فَسَادُ الْعَقْدِ فَصَارَ كَالْجَوْزَةِ بِالْجَوْزَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ كِلَاهُمَا وَلَا أَحَدُهُمَا دَيْنًا. وَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ: أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَطْعًا لِاصْطِلَاحٍ النَّاسِ عَلَى سُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ مِنْهَا فَيَكُونَ أَحَدُهُمَا فَضْلًا خَالِيًا مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَهُوَ الرِّبَا.
وَأَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِغَيْرِ عَيْنِهِمَا لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا أَمْسَكَ الْبَائِعُ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَطَالَبَهُ بِفَلْسٍ آخَرَ. أَوْ سَلَّمَ الْفَلْسَ الْمُعَيَّنَ وَقَبَضَهُ بِعَيْنِهِ مِنْهُ مَعَ فَلْسٍ آخَرَ لِاسْتِحْقَاقِهِ فَلْسَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ عَيْنُ مَالِهِ وَيَبْقَى الْفَلْسُ الْآخَرُ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَ فَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِفَلْسٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الْفَلْسَيْنِ وَدَفَعَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا مَكَانَ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْآخَرُ فَضْلًا بِلَا عِوَضٍ اسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْبَيْعِ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ إنْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ. وَالرَّابِعُ أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِعَيْنِهِمَا فَيَجُوزَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْفَلْسَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مَا دَامَ رَائِجًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا يَتَعَيَّنُ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ ثَبَتَتْ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَلَا تَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَإِذَا بَقِيَتْ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَا بِغَيْرِ عَيْنِهِمَا وَكَبَيْعِ
(7/21)

بِخِلَافِ النُّقُودِ لِأَنَّهَا لِلثَّمَنِيَّةِ خِلْقَةٌ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا لِأَنَّهُ كَالِئٌ بِالْكَالِئِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ.
وَلَهُمَا أَنَّ ثَمَنِيَّتَهَا فِي حَقِّهِمَا ثَبَتَتْ بِاصْطِلَاحِهِمَا إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا، وَإِذَا بَطَلَتْ الثَّمَنِيَّةُ تَعَيَّنَتْ بِالتَّعْيِينِ لِصَيْرُورَتِهَا عُرُوضًا. اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْفُلُوسَ إذَا كَسَدَتْ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ لَا تَكُونُ ثَمَنًا بِاصْطِلَاحِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تَصِيرَ عُرُوضًا بِاصْطِلَاحِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ اتِّفَاقِ مَنْ سِوَاهُمَا عَلَى ثَمَنِيَّتِهَا. أُجِيبُ بِأَنَّ الْفُلُوسَ فِي الْأَصْلِ عُرُوضٌ، فَاصْطِلَاحُهُمَا عَلَى الثَّمَنِيَّةِ بَعْدَ الْكَسَادِ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ ثَمَنًا بِاصْطِلَاحِهِمَا لِوُقُوعِ اصْطِلَاحِهِمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَخِلَافِ النَّاسِ.
وَأَمَّا إذَا اصْطَلَحَا عَلَى كَوْنِهَا عُرُوضًا فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ فَيَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَنْ سِوَاهُمَا عَلَى الثَّمَنِيَّةِ. وَقَوْلُهُ وَلَا يَعُودُ وَزْنِيًّا وَإِنْ صَارَ عُرُوضًا، جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ فَلْسٍ بِفَلْسَيْنِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَيْعُ قِطْعَةِ نُحَاسٍ بِقِطْعَتَيْنِ بِغَيْرِ وَزْنٍ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ كَانَ عَلَى أَمْرَيْنِ: الثَّمَنِيَّةِ وَالْعَدَدِيَّةِ، وَاصْطِلَاحُهُمَا عَلَى إهْدَارِ ثَمَنِيَّتِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ إهْدَارَ الْعَدَدِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ عَدَمِ الثَّمَنِيَّةِ وَعَدَمِ الْعَدَدِيَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الثَّمَنِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْعَدَدِيَّةِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْعَدَدِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الثَّمَنِيَّةِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ، بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لِأَنَّ النُّقُودَ لِلثَّمَنِيَّةِ خِلْقَةٌ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ عَيْنِهِمَا لِأَنَّهُ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ كَوْنُ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يَسْتَلْزِمُ النَّسِيئَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ بِالنُّقُودِ بَيْعٌ بِمَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ حَالًّا فَكَوْنُهُ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَيْسَ مَعْنَاهُ نَسِيئَةً، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ، وَالْكَالِئُ بِالْكَالِئِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ النَّسِيئَةُ بِالنَّسِيئَةِ.
وَفِي الْفَائِقِ: كَلَأُ الدَّيْنُ بِالرَّفْعِ كَلَأً فَهُوَ كَالِئٌ إذَا تَأَخَّرَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَعَيْنُهُ كَالْكَالِئِ الضِّمَارِ
يَهْجُو رَجُلًا يُرِيدُ بِعَيْنِهِ عَطِيَّتَهُ الْحَاضِرَةَ كَالْمُتَأَخِّرِ الَّذِي لَا يُرْجَى، وَمِنْهُ كَلَأَ اللَّهُ بِك أَكْلَأَ الْعُمُرَ: أَيْ أَكْثَرَهُ تَأْخِيرًا، وَتَكَلَّأْتُ كَلَأً: أَيْ اسْتَنْسَأْتُ نَسِيئَةً.
وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْبَزَّارُ فِي مَسَانِيدِهِمْ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاعَ كَالِئٌ بِكَالِئٍ» وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِمُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ فَقِيلَ لَهُ إنَّ شُعْبَةَ يَرْوِي عَنْهُ، فَقَالَ: لَوْ رَأَى شُعْبَةُ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَضُعِّفَ بِالْأَسْلَمِيِّ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُتْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَغَلَّطَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الزُّبَيْدِيُّ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَعَنْ كَالِئٍ بِكَالِئٍ. وَالْحَدِيثُ لَا يَنْزِلُ عَنْ
(7/22)

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ) لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ وَالْمِعْيَارُ فِيهِمَا الْكَيْلُ، لَكِنَّ الْكَيْلَ غَيْرُ مُسَوٍّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ لِاكْتِنَازِهِمَا فِيهِ وَتَخَلْخُلِ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ كَيْلًا بِكَيْلٍ

(وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا) لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحُسْنِ بِلَا شَكٍّ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ) أَيْ دَقِيقِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (وَلَا بِالسَّوِيقِ) أَيْ سَوِيقِ الْحِنْطَةِ. أَمَّا سَوِيقُ الشَّعِيرِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يَسْتَلْزِمُ شُبْهَةُ التَّفَاضُلِ، وَحَقِيقَتُهُ جَائِزَةٌ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَضْلًا عَنْ شُبْهَتِهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَنَّ الْمُجَانَسَةَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا وَإِنْ انْتَفَتْ اسْمًا وَصُورَةً وَمَعْنًى مَوْجُودَةٌ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحِنْطَةِ مِنْ نَحْوِ الْهَرِيسَةِ وَالْمَقْلُوَّةِ وَإِخْرَاجِ النَّشَا مُنْتَفٍ فِي الدَّقِيقِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَجْزَاؤُهَا لِأَنَّ مِنْ أَجْزَائِهَا النُّخَالَةَ أَيْضًا فَالْحِنْطَةُ كُسِرَتْ عَلَى أَجْزَاءٍ صِغَارٍ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي الْمُجَانَسَةَ، وَالْمِعْيَارُ فِي كُلٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ الْكَيْلُ، وَالْكَيْلُ لَا يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ بِعَارِضِ ذَلِكَ التَّكْسِيرِ صَارَتْ أَجْزَاؤُهَا مُكْتَنِزَةً (فِيهِ) أَيْ فِي الْكَيْلِ: أَيْ مُنْضَمَّةً انْضِمَامًا شَدِيدًا، وَالْقَمْحُ فِي الْكَيْلِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا كَيْلًا بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ، فَصَارَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَيْلًا كَبَيْعِ الْجُزَافِ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَحُرْمَةُ الرِّبَا إنَّمَا كَانَتْ مُنْتَهِيَةً بِالْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ إلَّا فِيمَا لَا اعْتِبَارَ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَتَّفِقَ كَبْسٌ فِي كَيْلِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَمْ يَتَّفِقْ قَدْرُهُ سَوَاءً فِي الْأُخْرَى، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعِلْمُ بِهَا صَارَتْ مُنْتَفِيَةً بِالضَّرُورَةِ (فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ كَيْلًا بِكَيْلٍ) مُسَاوٍ، وَقَوْلُنَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَظْهَرِ عَنْهُ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، لِأَنَّ الدَّقِيقَ نَفْسُ الْحِنْطَةِ فُرِّقَتْ أَجْزَاؤُهَا فَأَشْبَهَ بَيْعَ حِنْطَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا بِكَبِيرَةٍ جِدًّا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُرُوضِ الْجَهْلِ بِالْمُسَاوَاةِ بِعُرُوضِ الطَّحْنِ يَدْفَعُهُ.
وَبَيْعُ النُّخَالَةِ بِالدَّقِيقِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَازَهُ لِأَنَّ النُّخَالَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا لِأَنَّهَا لَا تُطْعَمُ. وَقَوْلُنَا الْمِعْيَارُ فِي الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ الْكَيْلُ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا فِيمَا إذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ، أَمَّا بِالدَّرَاهِمِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ وَزْنًا بِالدَّرَاهِمِ وَكَذَا الدَّقِيقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا) وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَكَذَا اسْتِقْرَاضُهُ كَيْلًا وَالسَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَدِلُ فِي الْكَيْلِ لِأَنَّهُ يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ كَوْنَهُ لَا يُعْلَمُ بَلْ يُعْلَمُ، وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّفَاوُتِ بِالْكَبْسِ يُتَوَهَّمُ مِثْلُهُ فِي كَيْلِ الْقَمْحِ وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ. وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْإِمَامِ الْفَضْلِيِّ: إنَّمَا يَجُوزُ إذَا تَسَاوَيَا كَيْلًا إذَا كَانَا
(7/23)

(وَبَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَفَاضِلًا، وَلَا مُتَسَاوِيًا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْمَقْلِيَّةِ وَلَا بَيْعُ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ، فَكَذَا بَيْعُ أَجْزَائِهِمَا لِقِيَامِ الْمُجَانَسَةِ مِنْ وَجْهٍ.
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَكْبُوسَيْنِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَفْظُ مُتَسَاوِيًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَنُصِبَ كَيْلًا عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ مِثْلَ تَصَبَّبَ عَرَقًا وَالْأَصْلُ مُتَسَاوِيًا كَيْلُهُ. وَفِي بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا رِوَايَتَانِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ رِوَايَةِ الْمَنْعِ فَقَالَ فِي جِنْسٍ آخَرَ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَكَذَا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا لَا يَجُوزُ وَفِيهَا أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الدَّقِيقَيْنِ أَخْشَنَ أَوْ أَدَقَّ، وَكَذَا بَيْعُ النُّخَالَةِ بِالنُّخَالَةِ.
وَفِي شَرْحِ أَبِي نَصْرٍ: يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ إذَا كَانَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ النُّعُومَةِ. وَاَلَّذِي فِي الْخُلَاصَةِ أَحْسَنُ لِإِهْدَارِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ زِيَادَةِ النُّعُومَةِ، وَبَيْعُ الدَّقِيقِ الْمَنْخُولِ بِغَيْرِ الْمَنْخُولِ لَا يَجُوزُ إلَّا. مُمَاثِلًا، وَبَيْعُ النُّخَالَةِ بِالدَّقِيقِ يَجُوزُ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَنْ كَانَتْ النُّخَالَةُ الْخَالِصَةُ أَكْثَرَ مِنْ النُّخَالَةِ الَّتِي فِي الدَّقِيقِ.

ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَبَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِ نَوْعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ بِسَوِيقِ ذَلِكَ النَّوْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَسَاوِيًا، أَمَّا دَقِيقُ الْحِنْطَةِ بِسَوِيقِ الشَّعِيرِ وَعَكْسُهُ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ (وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ) بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا (لِأَنَّهُمَا) أَيْ دَقِيقَ الْحِنْطَةِ وَسَوِيقَهَا مَثَلًا (جِنْسَانِ) وَإِنْ رَجَعَا إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ (لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ) اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَعْدَ الْقَلْيِ وَالطَّحْنِ فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ مِنْ الدَّقِيقِ مِثْلُ أَنْ يُصْنَعَ
(7/24)

قُلْنَا: مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ وَهُوَ التَّغَذِّي يَشْمَلُهُمَا فَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ الْبَعْضِ كَالْمَقْلِيَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالْعِلْكَةِ بِالْمُسَوِّسَةِ.

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا بَاعَهُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
خُبْزًا أَوْ عَصِيدًا أَوْ طَرِيَّةً وَهُوَ شَبَهُ الرَّشْتَةِ لَا يَتَأَتَّى مِنْ السَّوِيقِ، كَمَا أَنَّ مَا يُقْصَدُ بِالسَّوِيقِ وَهُوَ أَنْ يُذَابَ مَعَ عَسَلٍ وَيُشْرَبَ أَوْ يُلَتَّ بِسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَيُؤْكَلَ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الدَّقِيقِ، وَإِذَا كَانَا جِنْسَيْنِ جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَسَاوِيًا وَمُتَفَاضِلًا. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ وَلَهُ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِالْحِنْطَةِ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَذَلِكَ لَيْسَ إلَّا لِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاوِي مَعَ مُسَاوَاةِ الْكَيْلِ لِاكْتِنَازِ أَحَدِهِمَا فِيهِ دُونَ الْآخَرِ، وَالدَّقِيقُ أَجْزَاءُ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالسَّوِيقُ أَجْزَاءُ الْمَقْلِيَّةِ، وَلَمْ يَزِدْ الدَّقِيقُ عَلَى الْحِنْطَةِ إلَّا بِتَكْسِيرِهِ بِالطَّحْنِ، وَكَذَا الْآخَرُ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ بَعْدَ اتِّحَادِهِ.
وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ غَيْرُ الْمَقْلِيَّةِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِالدَّقِيقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِاسْتِلْزَامِهِ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا الْفَضْلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا مَعَ الْمُجَانَسَةِ فَكَانَتْ الْمُجَانَسَةُ ثَابِتَةً بَيْنَ السَّوِيقِ وَالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقُ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ فَتَثْبُتَ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ ثُمَّ يَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِالْمُسَاوَاةِ فَيَمْتَنِعُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُمْ اخْتَلَفَتْ الْمَقَاصِدُ وَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ (قُلْنَا أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ) هِيَ مُتَّحِدَةٌ فِيهِ (وَهُوَ التَّغَذِّي فَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ بَعْضِهَا) الَّذِي هُوَ دُونَ الْمَقْصِدِ الْأَعْظَمِ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ وَغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ حَتَّى امْتَنَعَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ بِسَبَبِ اتِّحَادِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَقْصُودِ الْأَعْظَمِ مَعَ فَوَاتِ مَا دُونَهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ، فَإِنَّ الْمَقْلِيَّةَ لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ وَلَا لِلْهَرِيسَةِ وَلَا تُطْحَنُ فَيُتَّخَذَ مِنْهَا خُبْزٌ (وَ) كَذَا (الْعِلْكَةُ) أَيْ الْجَيِّدَةُ السَّالِمَةُ مِنْ السُّوسِ (مَعَ الْمُسَوِّسَةِ) وَمَعَ ذَلِكَ جُعِلَا جِنْسًا وَاحِدًا غَيْرَ أَنَّ الْمُسَوَّسَةَ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْعِلْكَةِ كَيْلًا مُتَسَاوِيًا، وَالْمَقْلِيَّةُ مَعَ غَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْكَيْلَ لَا يُسَوِّي بَيْنَهُمَا.
فَأَمَّا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِالْمَقْلِيَّةِ فَاخْتَلَفُوا. قِيلَ يَجُوزُ إذَا تَسَاوَيَا وَزْنًا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَة. وَقِيلَ لَا وَعَلَيْهِ عَوَّلَ فِي الْمَبْسُوطِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّارَ قَدْ تَأْخُذُ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمُسَوِّسَةٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ كَأَنَّهَا هِيَ سَوَّسَتْ: أَيْ أَدْخَلَتْ السُّوسَ فِيهَا

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَنْهُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) سَوَاءً كَانَ اللَّحْمُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ
(7/25)

إلَّا إذَا كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقْطِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ السَّقْطِ أَوْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ فَصَارَ كَالْخَلِّ بِالسِّمْسِمِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْحَيَوَانِ أَوْ لَا مُسَاوِيًا لِمَا فِي الْحَيَوَانِ أَوْ لَا بِشَرْطِ التَّعْيِينِ، أَمَّا بِالنَّسِيئَةِ فَلَا لِامْتِنَاعِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ وَاللَّحْمِ.
وَفَصَّلَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ: إنْ بَاعَهُ بِلَحْمٍ غَيْرِ جِنْسِهِ كَلَحْمِ الْبَقَرَةِ بِالشَّاةِ الْحَيَّةِ. وَلَحْمِ الْجَزُورِ بِالْبَقَرَةِ الْحَيَّةِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَلَحْمِ شَاةٍ بِشَاةٍ حَيَّةٍ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ لَحْمُ الشَّاةِ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ، وَبَاقِي اللَّحْمِ (بِمُقَابَلَةِ السَّقْطِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا) إمَّا لِزِيَادَةِ السَّقْطِ إنْ كَانَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ مِثْلَ مَا فِي الْحَيَوَانِ مِنْ اللَّحْمِ، أَوْ لِزِيَادَةِ اللَّحْمِ إنْ كَانَ اللَّحْمُ أَقَلَّ مِمَّا فِي الشَّاةِ فَصَارَ كَبَيْعِ الْحِلِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ دُهْنُ السِّمْسِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّقْطِ مَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ كَالْكَرِشِ وَالْمِعْلَاقِ وَالْجِلْدِ وَالْأَكَارِعِ؛ وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَذْبُوحَةً مَسْلُوخَةً جَازَ إذَا تَسَاوَيَا وَزْنًا بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْلُوخَةِ الْمَفْصُولَةُ مِنْ السَّقْطِ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَقْطِهَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الِاعْتِبَارِ.
وَلَوْ بَاعَ شَاةً مَذْبُوحَةً بِشَاةٍ حَيَّةٍ يَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِاللَّحْمِ جَازَ كَيْفَمَا كَانَ فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَحْمٌ بِلَحْمٍ وَزِيَادَةُ اللَّحْمِ فِي إحْدَاهُمَا مَعَ سَقْطِهَا بِإِزَاءِ السَّقْطِ، وَعَلَى هَذَا شَاتَانِ مَذْبُوحَتَانِ غَيْرُ مَسْلُوخَتَيْنِ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّحْمَ بِمِثْلِهِ وَزِيَادَةُ لَحْمِ الشَّاةِ بِإِزَاءِ الْجِلْدِ وَنَحْوِهِ، فَالْمُرَادُ هُنَا مِنْ الْمَسْلُوخَةِ وَغَيْرِهَا بِاعْتِبَارِ الْجِلْدِ وَعَدَمِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ أَصْلًا لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ وَلَا بِغَيْرِهِ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَلَوْ بَاعَهُ بِلَحْمٍ غَيْرِ جِنْسِهِ كَلَحْمِ الْبَقَرَةِ بِشَاةٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَجُوزُ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ لَا يَصِحُّ لِعُمُومِ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ (أَنَّهُ بَاعَ مَوْزُونًا بِمَا لَيْسَ بِمَوْزُونٍ) فَغَايَتُهُ اتِّحَادُ الْجِنْسِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ كَالْعَصِيرِ مَعَ الْعِنَبِ وَاللَّبَنِ مَعَ السَّمْنِ،
(7/26)

لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُوزَنُ عَادَةً وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثِقَلِهِ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّةً بِصَلَابَتِهِ وَيَثْقُلُ أُخْرَى، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْوَزْنَ فِي الْحَالِ يُعَرِّفُ قَدْرَ الدُّهْنِ إذَا مِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّجِيرِ، وَيُوزَنُ الثَّجِيرُ.

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ سُئِلَ عَنْهُ أَوَ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ؟ فَقِيلَ نَعَمْ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَا إذًا»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَكِنَّ اتِّحَادَهُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُقَدَّرِ بِهِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ بِهِ النَّسَاءُ فَقُلْنَا بِشَرْطِ التَّعْيِينِ وَلَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ (لِأَنَّهُ لَا يُوزَنُ عَادَةً) فَلَيْسَ فِيهِ أَحَدُ الْمُقَدَّرَيْنِ الشَّرْعِيَّيْنِ الْوَزْنُ أَوْ الْكَيْلُ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ ثِقَلِهِ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ يُثَقِّلُ نَفْسَهُ وَيُخَفِّفُهَا فَلَا يُدْرَى حَالُهُ، بِخِلَافِ الدُّهْنِ وَالسِّمْسِمِ (لِأَنَّ الْوَزْنَ يُعَرِّفُ قَدْرَ الدُّهْنِ إذَا مِيزَ مِنْ الثَّجِيرِ) ثُمَّ يُوزَنُ الثَّجِيرُ هَذَا عَلَى التَّنَزُّلِ وَإِلَّا فَهُمَا عَلَى مَا قَالَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ يَعْتَبِرَانِ لَحْمَ الشَّاةِ مَعَ الشَّاةِ الْحَيَّةِ جِنْسَيْنِ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] أَيْ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَيَّ مَعَ الْجَمَادِ جِنْسَانِ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّسَاءُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ سَلَمٌ وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّمْعَ ظَاهِرٌ فِي مَنْعِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَمِنْهُ ضَعِيفٌ وَقَوِيٌّ، فَمِنْ الْقَوِيِّ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» .
وَفِي لَفْظٍ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيِّ بِالْمَيِّتِ» . وَمُرْسَلُ سَعِيدٍ مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ السُّلَمِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ نَحْوَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ أَثْبَتَ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ عَدَّهُ مَوْصُولًا وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُرْسَلَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ مُطْلَقًا.
وَأَسْنَدَ الشَّافِعِيُّ إلَى رَجُلٍ مَجْهُولٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» ، وَأَسْنَدَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ "، وَبِسَنَدِهِ إلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ تَابِعُونَ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَعَلَّهُ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ مَشَايِخَنَا ذَكَرُوهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ جَزُورًا نُحِرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ بِعِنَاقِهِ فَقَالَ: أَعْطُونِي بِهَذَا الْعِنَاقِ لَحْمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَصِحُّ هَذَا» وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ نُحِرَ لِيُتَصَدَّقَ بِهِ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
(7/27)

وَلَهُ أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ أُهْدَى إلَيْهِ رُطَبٌ أَوَ كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا» سَمَّاهُ تَمْرًا.
وَبَيْعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْبَيْعُ بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ فَبِآخِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ، فَقَدْ تَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقَوْلِ بِالْجَوَازِ.
وَأَمَّا الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا كَيْلًا مُتَمَاثِلًا، لِلْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ الْبَيْضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قَالَ نَعَمْ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ» فَهَذَا حُكْمٌ مُنَبَّهٌ فِيهِ عَلَى عِلَّتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَنْقُصُ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي ثَانِي الْحَالِ عَنْ الْمُسَاوَاةِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ أُهْدَى لَهُ رُطَبٌ أَوَ كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا» فَسَمَّاهُ) أَيْ سَمَّى الرُّطَبَ (تَمْرًا) وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ الْمُهْدَى رُطَبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ تَمْرًا.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا» وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ. وَلَفْظٌ آخَرُ «إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» وَالْجَمْعُ أَصْنَافٌ مَجْمُوعَةٌ مِنْ التَّمْرِ.
وَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُ الْخِلَافِيِّينَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا أَنَّهُ يَحْنَثُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ، وَسَنَذْكُرُ تَمَامَهُ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَمْرًا) هَذَا اللَّفْظُ يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ دَخَلَ بَغْدَادَ وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ، فَسَأَلُوهُ عَنْ التَّمْرِ فَقَالَ: الرُّطَبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ
(7/28)

إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ وَمَدَارُ مَا رَوَيَاهُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ دَائِرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ وَزَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ.
وَأَبْدَلَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقْلَةِ) وَغَلَّطَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ الْمُصَنِّفَ فِي قَوْلِهِ زَيْدَ بْنَ عَيَّاشٍ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ. وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدِّينِ مُغَلْطَاي. قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ الْمَخْرَجُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: زَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ أَبُو عَيَّاشٍ الدَّوْرَقِيُّ، وَيُقَالُ الْمَخْزُومِيُّ، وَيُقَالُ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ الْمَدَنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَغَيْرُ مَشَايِخِنَا ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ هُوَ مَجْهُولٌ، وَقَدْ رَدَّ تَرْدِيدَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَمْرًا أَوْ لَا بِأَنَّ هُنَا قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ الْجِنْسِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْآخَرِ كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لِعَدَمِ تَسْوِيَةِ الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا، فَكَذَا الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ لَا يُسَوِّيهِمَا الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا يَسْوَى فِي حَالِ اعْتِدَالِ الْبَدَلَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَجِفَّ الْآخَرُ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُهُ وَيَعْتَبِرُ التَّسَاوِي حَالَ الْعَقْدِ، وَعُرُوضِ النَّقْصِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحَالِ إذَا كَانَ مُوجِبُهُ أَمْرًا خِلْقِيًّا وَهُوَ زِيَادَةُ الرُّطُوبَةِ، بِخِلَافِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِهَا فَإِنَّا فِي الْحَالِ نَحْكُمُ بِعَدَمِ التَّسَاوِي لِاكْتِنَازِ أَحَدِهِمَا فِي الْكَيْلِ، بِخِلَافِ الْآخَرِ لِتَخَلْخُلِ كَثِيرٍ وَرَدَّ طَعْنَهُ فِي أَبِي عَيَّاشٍ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثِقَةٌ كَمَا نَقَلْنَا آنِفًا مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ التَّنْقِيحِ، وَأَيْضًا رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ مَجْهُولًا وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ ثِقَتَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ وَعِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ وَهُمَا مِمَّنْ احْتَجَّ بِهِمَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ عَرَفَهُ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الرِّجَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ، فَإِنْ كَانَ هُوَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَدْ عَرَفَهُ أَئِمَّةُ النَّقْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ السَّنَدِ فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْهُ نَسِيئَةً، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا زِيَادَةُ " نَسِيئَةً "، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ نَسِيئَةً» وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: اجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ يُرِيدُ بِالْأَرْبَعَةِ مَالِكًا وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَالضَّحَّاكَ بْنَ عُثْمَانَ وَآخَرَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ بَعْدَ صِحَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ يَجِبُ قَبُولُهَا لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ لَمْ يُورِدْهَا إلَّا فِي زِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ الْحَاضِرِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُمْ لَا يَغْفُلُ عَنْ مِثْلِهَا فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ فِي تَحْرِيرِ الْأُصُولِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ زِيَادَةٌ لِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعُوا فِيهِ فَسَمِعَ هَذَا مَا لَمْ يَسْمَعْ الْمُشَارِكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِالسَّمَاعِ، فَمَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ الْحَالَ كَذَلِكَ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي مَجَالِسَ ذَكَرَ فِي بَعْضِهَا مَا تَرَكَهُ فِي آخَرَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ " عَرِيًّا عَنْ الْفَائِدَةِ إذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَسِيئَةً. وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ مَنْفَعَةٌ لِلْيَتِيمِ بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ
(7/29)

قَالَ (وَكَذَا الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ) يَعْنِي عَلَى الْخِلَافِ وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ.
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ، وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَكَذَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ بِالْيَابِسَةِ، أَوْ التَّمْرُ أَوْ الزَّبِيبُ الْمُنْقَعُ بِالْمُنْقَعِ مِنْهُمَا مُتَمَاثِلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْمَالُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْتَبِرُهُ فِي الْحَالِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَمَنْعُهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِشْفَاقِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ كَانَ وَلِيَّ يَتِيمٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ وَكَذَا الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ: يَعْنِي عَلَى الْخِلَافِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ مَعَ التَّسَاوِي كَيْلًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ) لَهُمَا يَعْنِي فِي مَنْعِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ» بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّبِيبَ إمَّا مِنْ جِنْسِ الْعِنَبِ فَيَجُوزَ مُتَسَاوِيًا أَوْ لَا فَيَجُوزَ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ جَوَازَ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.
وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الِاعْتِبَارِ، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْقَلْيَ كَائِنٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ فَتُعْدَمُ اللَّطَافَةُ الَّتِي كَانَتْ الْحِنْطَةُ بِهَا مِثْلِيَّةً، بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ الْحَاصِلِ بِأَصْلِ الْحَلْقَةِ كَالرُّطَبِ مَعَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ مَعَ الزَّبِيبِ لَا يُعْتَبَرُ فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، فَصَارَ فِي بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا، يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَلَى الْخِلَافِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْكِتَابِ، يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ الزَّبِيبَ مَوْجُودٌ فِي الْعِنَبِ فَصَارَ كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْمَنْعِ بَيْنَ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَجَوَازِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ وَرَدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ التَّمْرِ عَلَى الرُّطَبِ وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ هَذَا فِي الزَّبِيبِ فَافْتَرَقَا (وَأَمَّا الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ فَيَجُوزُ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا) وَكَذَا الْعِنَبُ بِالْعِنَبِ يَجُوزُ (عِنْدَنَا) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُزَنِيُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ لَهَا حَالُ جَفَافٍ كَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ وَالْجَوْزِ وَالْكُمَّثْرَى وَالرُّمَّانِ وَالْإِجَّاصِ لَا يُجِيزُ بَيْعَ رُطَبِهِ بِرُطَبِهِ، كَمَا لَا يُجِيزُ بَيْعَ رُطَبِهِ بِيَابِسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ النُّقْصَانِ إذْ قَدْ يَكُونُ نُقْصَانُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْبَاقِلَاءِ الْأَخْضَرِ بِمِثْلِهِ، لِأَنَّ بَيْنَ الْبَاقِلَائِتَيْن فَضَاءً يَتَفَاوَتُ فَيَمْنَعَ تَعْدِيلَ الْكَيْلِ فَكَانَ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ، وَبَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْمَبْلُولَةِ وَالرَّطْبَةِ بِالرَّطْبَةِ أَوْ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ يَجُوزُ، وَكَذَا بَيْعُ التَّمْرِ الْمُنْقَعِ وَالزَّبِيبِ الْمُنْقَعِ بِالْمُنْقَعِ وَالْيَابِسِ مِنْهُمَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا مِنْ بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ إلَى هُنَا.
وَالْمُنْقَعُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أُنْقِعَ الزَّبِيبُ فِي الْخَابِيَةِ فَهُوَ مُنْقَعٌ. وَأَصْلُهُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَعْتَبِرُ الْمُسَاوَاةَ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الْمَآلُ عِنْدَ الْجَفَافِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الْمَبْلُولَةِ وَالرَّطْبَةِ مَعَ مِثْلِهَا أَوْ الْيَابِسَةِ. أَمَّا مَعَ الْيَابِسَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَبْلُولَةُ مَعَ الْمَبْلُولَةِ فَالتَّفَاوُتُ يَقَعُ فِي قَدْرِ الْبَلَلِ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ
(7/30)

وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ لَهُمَا.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَبَيْنَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِيمَا يَظْهَرُ مَعَ بَقَاءِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَفِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ تَفَاوُتًا فِي عَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ إنَّمَا لَا يَجُوزُ إذَا انْتَفَخَتْ، أَمَّا إذَا بُلَّتْ مِنْ سَاعَتِهَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْيَابِسَةِ إذَا تَسَاوَيَا كَيْلًا. وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرَانِ الْمُسَاوَاةَ بِتَأْوِيلِ التَّسَاوِي فِي الْحَالِ (عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ) أَيْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَغَيْرِهِ (إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ تَرَكَ هَذَا الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ) مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْحِنْطَةُ الرَّطْبَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الرُّطَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ مَقْصُودَةٌ وَفِي الْحِنْطَةِ عَيْبٌ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ نَقَضَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ التَّفَاوُتَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَنْعِ، وَمَا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا بِالْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ فَإِنَّ الرُّطُوبَةَ الْحَاصِلَة فِيهَا بِصُنْعِ الْعِبَادِ وَبِهَا يَحْصُلُ التَّفَاوُتُ مَعَ أَنَّهُ جَازَ الْعَقْدُ. أُجِيبُ بِأَنَّ الْحِنْطَةَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ رَطْبَةٌ وَهِيَ مَالُ الرِّبَا إذْ ذَاكَ وَالْبَلُّ بِالْمَاءِ يُعِيدُهَا إلَى مَا هُوَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ فِيهَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِخِلَافِ الْقَلْيِ (وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ) مِنْ بَيْعِ الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ إلَى هُنَا حَيْثُ مَنَعَهُ (وَبَيْنَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ) حَيْثُ أَجَازَهُ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْعِنَبِ بِالْعِنَبِ فَإِنَّهُ يُجِيزُهُ، وَحَاصِلُهُ (أَنَّ التَّفَاوُتَ) إنْ ظَهَرَ مَعَ بَقَاءِ الِاسْمِ عَلَى الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ زَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُمَا لَا يَفْسُدُ، فَفِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ بِالْعِنَبِ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَعْدَ خُرُوجِ الْبَدَلَيْنِ عَنْ الِاسْمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَإِنَّ الِاسْمَ حِينَئِذٍ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَلَا يَكُونُ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَا يَتَغَيَّرُ فَيَظْهَرَ فِي نَفْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعَ
(7/31)

التَّفَاوُتُ بَعْدَ زَوَالِ ذَلِكَ الِاسْمِ فَلَمْ يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ.

وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبُسْرَ تَمْرٌ، بِخِلَافِ الْكُفُرَّى حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ لَا قَبْلَهُ، وَالْكُفَرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ، حَتَّى لَوْ بَاعَ التَّمْرَ بِهِ نَسِيئَةً لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ.

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالسِّمْسِمُ بِالشَّيْرَجِ حَتَّى يَكُونَ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ فَيَكُونَ الدُّهْنُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِالثَّجِيرِ) لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْرَى عَنْ الرِّبَا إذْ مَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ مَوْزُونٌ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا فِيهِ لَوْ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ بَاعَ الْبُسْرَ بِالتَّمْرِ) مُتَسَاوِيًا يَجُوزُ (وَمُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبُسْرَ تَمْرٌ بِخِلَافِ الْكُفُرَّى) وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَقْصُورًا كُمُّ النَّخْلِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَنْشَقُّ (حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ) أَيْ كَيْلًا مِنْ التَّمْرِ بِكَيْلَيْنِ مِنْ الْكُفُرَّى وَقَلْبِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْرٍ (لِأَنَّ) الْكُفُرَّى لَمْ يَنْعَقِدْ بَعْدُ فِي صُورَةِ التَّمْرِ (وَهَذَا الِاسْمُ) أَعْنِي التَّمْرَ لَهُ (مِنْ أَوَّلِ مَا تَنْعَقِدُ صُورَتُهُ لَا قَبْلَهُ) وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَوَرَّدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ فَكَانَ غَيْرَهُ.
فَأَجَابَ بِالْمَنْعِ بَلْ يَحْنَثُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ مَسْطُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمَذْهَبِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَكَذَا ادَّعَى أَنَّهُ يَحْنَثُ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا وَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى هَذَا، إذْ يَكْفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَكَلَامُنَا فِيهِ لُغَةٌ. وَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُطَالَبُونَ بِتَصْحِيحِ أَنَّ اسْمَ التَّمْرِ يَلْزَمُ الْخَارِجَ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يَطِيبَ ثُمَّ يَجِفَّ مِنْ اللُّغَةِ وَلَا يُنْكَرُ صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ بِاعْتِبَارِ مَجَازِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْكُفَرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ إلَى آخِرِهِ) جَوَابُ سُؤَالٍ هُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْكُفُرَّى تَمْرًا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إسْلَامُ التَّمْرِ فِيهِ وَشِرَاءُ التَّمْرِ بِهِ نَسِيئَةً فَقَالَ: الْكُفُرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ تَفَاوُتًا غَيْرَ مُهْدِرٍ فَلَا يَجُوزُ إسْلَامُهُ فِيهِ، وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ نَسِيئَةً لِلْجَهَالَةِ فَتَقَعَ الْمُنَازَعَةُ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ حَتَّى يَكُونَ الزَّيْتُ وَالشَّيْرَجُ مَعْلُومًا أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ) فَلَوْ جَهِلَ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَقَلُّ أَوْ مُسَاوٍ لَا يَجُوزُ، فَالِاحْتِمَالَات أَرْبَعٌ، وَالْجَوَازُ فِي أَحَدِهَا بِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الدُّهْنِ الْمُفْرَدِ (وَالزَّائِدُ) مِنْهُ (بِ) مُقَابَلَةِ (الثَّجِيرِ) وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ إذَا كَانَ الثِّقَلُ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أَمَّا إذَا
(7/32)

أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، فَالثَّجِيرُ وَبَعْضُ الدُّهْنِ أَوْ الثَّجِيرُ وَحْدَهُ فَضْلٌ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَالشُّبْهَةُ فِيهِ كَالْحَقِيقَةِ، وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ، وَالْكِرْبَاسُ بِالْقُطْنِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَانَ لَا قِيمَةَ لَهُ كَمَا فِي الزُّبْدِ بَعْدَ إخْرَاجِ السَّمْنِ مِنْهُ فَيَجُوزُ مَعَ مُسَاوَاةِ الْخَارِجِ لِلسَّمْنِ الْمُفْرَدِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ زُفَرُ: يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ فَلَا يَثْبُتُ الْفَسَادُ بِالشَّكِّ.
وَالْأَصْلُ الصِّحَّةُ. وَقُلْنَا: الْفَسَادُ غَالِبٌ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرَيْ النُّقْصَانِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَالصِّحَّةُ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَكْثَرِيَّةِ فَكَانَ هُوَ الظَّاهِرُ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ أَصْلًا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ وَقْتَ الْعَقْدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الضِّمْنِ فَتَمْنَعُ النَّسِيئَةَ كَمَا فِي الْمُجَانَسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، وَذَلِكَ كَالزَّيْتِ مَعَ الزَّيْتُونِ وَالشَّيْرَجِ مَعَ السِّمْسِمِ، وَتَنْتَفِي بِاعْتِبَارِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ فَيَخْتَلِفُ الْجِنْسُ مَعَ اتِّحَادِ الْأَصْلِ حَتَّى يَجُوزَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ مَعَ دُهْنِ الْوَرْدِ أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الزَّيْتُ أَوْ الشَّيْرَجُ فَصَارَا جِنْسَيْنِ بِاخْتِلَافِ مَا أُضِيفَا إلَيْهِ مِنْ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ وَالْفَرْضِ وَلَمْ يُبَلْ بِاتِّحَادِ الْأَصْلِ وَعَلَى هَذَا دُهْنُ الزَّهْرِ فِي دِيَارِنَا وَدُهْنُ الْبَانِ؛ أَصْلُهُمَا اللَّوْزُ يُطَبَّقُ بِالزَّهْرِ وَبِالْخِلَافِ مُدَّةً ثُمَّ يُعْصَرُ اللَّوْزُ فَيَخْرُجَ مِنْهُ دُهْنٌ مُخْتَلِفُ الرَّائِحَةِ فَيَجُوزَ بَيْعُ أَحَدِ الدُّهْنَيْنِ بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا، وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ ضُمَّ إلَى الْأَصْلِ مَا طَيَّبَهُ دُونَ الْآخَرِ جَازَ مُتَفَاضِلًا حَتَّى أَجَازُوا بَيْعَ قَفِيزِ سِمْسِمٍ مُطَيَّبٍ بِقَفِيزَيْنِ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْلِ لَوْزٍ مُطَبَّقٍ بِرَطْلَيْ لَوْزٍ غَيْرِ مُطَبَّقٍ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْلِ دُهْنِ لَوْزٍ مُطَبَّقٍ بِزَهْرِ النَّارِنْجِ بِرَطْلَيْ دُهْنِ اللَّوْزِ الْخَالِصِ، وَكَذَا رَطْلُ زَيْتٍ مُطَيَّبٍ بِرَطْلَيْ زَيْتٍ لَمْ يُطَيَّبْ فَجَعَلُوا الرَّائِحَةَ الَّتِي فِيهَا بِإِزَاءِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّطْلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُ الدُّهْنَ الْمُطَيَّبَ وَغَيْرَهُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ.
وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِدُهْنِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ لِأَنَّ الدُّهْنَ وَزْنِيٌّ وَالسِّمْسِمَ كَيْلِيٌّ. أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ السِّمْسِمِ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الدُّهْنِ كَانَ بَيْعُ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَجُوزُ بَيْعُ السِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ مُتَفَاضِلًا صَرْفًا لِكُلٍّ مِنْ دُهْنِهِ وَثَجِيرِهِ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ. أُجِيبُ بِأَنَّ الصَّرْفَ يَكُونُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ صُورَةً كَمَسْأَلَةِ الْإِكْرَارِ وَلَا صُورَةَ هُنَا مُنْفَصِلَةٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْجَوْزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالْعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِبْسِهِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ) يَعْنِي إنْ كَانَ الدُّهْنُ الْمُفْرَدُ وَالسَّمْنُ وَالدُّبْسُ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّبَنِ وَالتَّمْرِ جَازَ، وَقَدْ عَلِمْت تَقْيِيدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الثُّفْلُ لَهُ قِيمَةٌ وَأَظُنُّ أَنْ لَا قِيمَةَ لِثُفْلِ الْجَوْزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيعَ بِقِشْرِهِ فَيُوقَدَ، وَكَذَا الْعِنَبُ لَا قِيمَةَ لِثُفْلِهِ فَلَا تُشْتَرَطُ زِيَادَةُ الْعَصِيرِ عَلَى مَا يَخْرُجُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُطْنِ بِغَزْلِهِ) فَبَعْضُهُمْ لَا يُجَوِّزُ مُتَسَاوِيًا لِأَنَّ الْقُطْنَ يَنْقُصُ بِالْغَزْلِ فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ
(7/33)

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا) وَمُرَادُهُ لَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؛ فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا الْمَعْزُ مَعَ الضَّأْنِ وَكَذَا مَعَ الْعِرَابِ الْبَخَاتِيِّ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ أَلْبَانُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ.
وَلَنَا أَنَّ الْأُصُولَ مُخْتَلِفَةٌ حَتَّى لَا يَكْمُلَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَعَ الدَّقِيقِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: لَا يَجُوزُ إلَّا مُتَسَاوِيًا لِأَنَّ أَصْلَهُمَا وَاحِدٌ وَكِلَاهُمَا مَوْزُونٌ، وَإِنْ خَرَجَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْوَزْنِ جَازَ مُتَفَاضِلًا. وَبَيْعُ الْغَزْلِ بِالثَّوْبِ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ بِالْإِجْمَاعِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ بَيْعَ الْقُطْنِ بِالثَّوْبِ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَهَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَحْلُوجِ بِالْقُطْنِ وَالْغَزْلِ بِالْقُطْنِ إذَا كَانَ يُعْلَمُ أَنَّ الْخَالِصَ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْآخَرِ وَهَذَا فِي الْمَحْلُوجِ مَعَ الْقُطْنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْفَاضِلَ بِإِزَاءِ حَبِّ الْقُطْنِ وَهُوَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقَدْ يُعْلَفُ لِبَعْضِ الدَّوَابِّ. وَأَمَّا فِي الْغَزْلِ فَكَأَنَّهُ لِيَكُونَ الْفَاضِلُ مِنْ الْقُطْنِ الْمُفْرَدِ بِإِزَاءِ صَنْعَةِ الْغَزْلِ، فَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْأَقْوَالِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا دُونَ الرِّوَايَاتِ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ اللُّحُومِ) جَمْعُ لَحْمٍ (الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَمُرَادُهُ لَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ أُصُولِهَا وَلَمْ يَحْدُثُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا زِيَادَةٌ تُصَيِّرُهُ جِنْسَيْنِ (فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ) فَ (جِنْسٌ وَاحِدٌ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ الْبَقَرِ بِلَحْمِ الْجَامُوسِ مُتَفَاضِلًا (وَكَذَا الْمَعْزُ مَعَ الضَّأْنِ وَالْعِرَابُ مَعَ الْبَخَاتِي) لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مَعَ الْآخَرِ مُتَفَاضِلًا لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُ لَحْمِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الطُّيُورِ كَالسَّمَّانِ مَثَلًا وَالْعَصَافِيرِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالَ الرِّبَا إذْ لَا يُوزَنُ لَحْمُ الطَّيْرِ وَلَا يُكَالُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ لُحُومِ الطَّيْرِ الدَّجَاجُ وَالْإِوَزُّ لِأَنَّهُ يُوزَنُ فِي عَادَةِ دِيَارِ مِصْرَ بِعَظْمِهِ.
وَقَوْلُهُ وَمُرَادُهُ إلَى آخِرِهِ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ اللُّحُومَ كُلَّهَا ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ: الطُّيُورُ جِنْسٌ، وَالدَّوَابُّ أَهْلِيُّهَا وَوَحْشِيُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالْبَحْرِيَّاتُ (وَكَذَا أَلْبَانُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللُّحُومَ وَالْأَلْبَانَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ) مِنْ الْكُلِّ وَهُوَ التَّغَذِّي، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ غَيْرُ الْمُخْتَارِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِنَا، ثُمَّ دُفِعَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ أُصُولَهَا (مُخْتَلِفَةُ) الْأَجْنَاسِ
(7/34)

فَكَذَا أَجْزَاؤُهَا إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ.
قَالَ (وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ) لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَصْلَيْهِمَا، فَكَذَا بَيْنَ مَاءَيْهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا جِنْسَيْنِ.
وَشَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَكَذَا أَجْزَاؤُهَا إذَا لَمْ تَتَبَدَّلْ بِالصَّنْعَةِ) فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تُعَدُّ أَجْنَاسًا، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا (وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلِّ الْعِنَبِ) مُتَفَاضِلًا وَكَذَا عَصِيرُهُمَا (لِاخْتِلَافِ أَصْلَيْهِمَا) جِنْسًا، وَتَخْصِيصُ الدَّقَلِ وَهُوَ رَدِيءُ التَّمْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ، لِأَنَّ الدَّقَلَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْعَادَةِ يُتَّخَذُ خَلًّا (وَ) أَمَّا (شَعْرُ الْمَعْزِ وَصُوفُ الْغَنَمِ) فَ (جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ) بِخِلَافِ لَحْمِهِمَا وَلَبَنِهِمَا جُعِلَ جِنْسًا وَاحِدًا كَمَا ذَكَرْنَا لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّ مَا يُقْصَدُ بِالشَّعْرِ مِنْ الْآلَاتِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِالصُّوفِ فَصَارَ مَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأُمُورِ الْمُتَفَرِّعَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: اخْتِلَافُ الْأُصُولِ، وَاخْتِلَافُ الْمَقَاصِدِ، وَزِيَادَةُ الصَّنْعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْأَصْلِ فِي الصُّوفِ وَالشَّعْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مُتَفَاضِلًا وَزْنًا، وَبِالنَّظَرِ إلَى الْمَقَاصِدِ اُخْتُلِفَ فَيَجُوزُ مُتَفَاضِلًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ مُتَفَاضِلًا تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَارُضِ دَلِيلِهِمَا وَتَسَاوِيهِمَا فَيُرَجَّحُ الْمُحَرَّمُ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقَاوِمُ الصُّورَةُ الْمَعْنَى، وَأَلْزَمَ عَلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الْمَعْنَى كَوْنَ أَلْبَانِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ جِنْسًا وَاحِدًا لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ. وَأُجِيبُ بِمَنْعِ اتِّحَادِهِ فَإِنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ يُقْصَدُ لِلسَّمْنِ وَلَبَنَ الْإِبِلِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَذَا أَغْرَاضُ الْآكِلِ تَتَفَاوَتُ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَطِيبُ لَهُ الْبَقَرُ وَيَتَضَرَّرُ بِهِ دُونَ الضَّأْنِ وَكَذَا فِي الْإِبِلِ.
وَمِنْ الِاخْتِلَافِ بِالصَّنْعَةِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ إنَاءَيْ صُفْرٍ أَوْ حَدِيدٍ أَحَدُهُمَا أَثْقَلُ مِنْ الْآخَرِ، وَكَذَا قَمْقَمَةٌ بِقُمْقُمَتَيْنِ وَإِبْرَةٌ بِإِبْرَتَيْنِ وَسَيْفٌ بِسَيْفَيْنِ وَدَوَاةٌ بِدَوَاتَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَيَمْتَنِعُ
(7/35)

قَالَ (وَكَذَا شَحْمُ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا.

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا) لِأَنَّ الْخُبْزَ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوْزُونًا فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّفَاضُلُ وَإِنْ اصْطَلَحُوا بَعْدَ الصِّيَاغَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَزْنِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَدِّ وَالصُّورَةِ

(وَيَجُوزُ بَيْعُ شَحْمِ الْبَطْنِ بِالْأَلْيَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) وَاللَّحْمِ بِالْأَلْيَةِ مُتَفَاضِلًا (لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا) وَأَمَّا شَحْمُ الْجَنْبِ وَنَحْوِهِ فَتَابِعُ اللَّحْمِ وَهُوَ مَعَ شَحْمِ الْبَطْنِ وَالْأَلْيَةِ جِنْسَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ نَسِيئَةً لِأَنَّ الْوَزْنَ يَجْمَعُهُمَا، وَأَمَّا الرُّءُوسُ وَالْأَكَارِعُ وَالْجُلُودُ فَيَجُوزُ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَمَا كَانَ لَا نَسِيئَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ بِالْوَصْفِ حَتَّى إنَّ السَّلَمَ فِيهِ لَا يَجُوزُ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا) يَدًا بِيَدٍ قِيلَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ (لِأَنَّ الْخُبْزَ صَارَ) إمَّا (عَدَدِيًّا) فِي عُرْفٍ (أَوْ مَوْزُونًا) فِي عُرْفٍ آخَرَ (فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ) فَبِفَرْضِ كَوْنِ الْجِنْسِيَّةِ جَمَعَتْهُمَا اخْتَلَفَ الْقَدْرُ فَجَازَ التَّفَاضُلُ، وَالدَّقِيقُ إمَّا كَيْلِيٌّ فَكَذَلِكَ أَوْ وَزْنِيٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ عُرْفُ بِلَادِنَا، وَمَنْ جَعَلَهُ وَزْنِيًّا لَمْ يُثْبِتْ الْجِنْسِيَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُبْزِ فَيَجُوزَ التَّفَاضُلُ أَيْضًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لِنَفْيِ الْجَوَازِ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلنَّكِرَةِ فِي النَّفْيِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
(7/36)

وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَهَذَا إذَا كَانَا نَقْدَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ نَسِيئَةً جَازَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ نَسِيئَةً يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَا السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِهِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ وَالْخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ بِهِمَا لِلتَّعَامُلِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَأَحْمَدُ لِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ، إذْ فِي الْخُبْزِ أَجْزَاءُ الدَّقِيقِ، أَوْ أَنَّ الدَّقِيقَ بِعَرَضٍ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ وَلَا يُدْرَى ذَلِكَ.
(وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْجَوَازُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا كَيْفَمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ (وَهَذَا إذَا كَانَا نَقْدَيْنِ) فَأَمَّا بَيْعُهُمَا نَسِيئَةً (فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ نَسِيئَةً) أَوْ الدَّقِيقُ بِأَنْ أَسْلَمَ الْخُبْزَ فِيهِمَا فَدَفَعَهُ نَقْدًا (جَازَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ) نَسِيئَةً بِأَنْ أُسْلِمَ حِنْطَةٌ أَوْ دَقِيقًا فِي خُبْزٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدٍّ لَهُ فَإِنَّهُ يَتَفَاوَتُ فِي الصَّنْعَةِ عَجْنًا وَخَبْزًا، وَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ عِنْدَهُ وَيَكُونُ مِنْهُ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ (وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ وَزْنِيٌّ) أَوْ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْوَزْنِ إنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيهِ الْعَدَدَ وَالنُّضْجَ وَحِسَّ الْعَجْنِ وَصِفَاتٍ مَضْبُوطٍ نَوْعُهُمَا وَخُصُوصُ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِعَيْنِهِ مِنْ الْعَجْنِ وَالنَّارِ مُهْدَرٌ.
وَاخْتَارَهُ الْمَشَايِخُ لِلْفَتْوَى إذَا أَتَى بِشَرَائِطِهِ
لِحَاجَةِ النَّاسِ
، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ وَقْتَ الْقَبْضِ حَتَّى يُقْبَضَ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي سُمِّيَ حَتَّى لَا يَصِيرَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ إذَا قُبِضَ مُتَجَوِّزًا مَا هُوَ دُونَ مَا سُمِّيَ صَنْعَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالِاحْتِيَاطُ فِي مَنْعِهِ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ الْأَخْذُ مِنْ النَّوْعِ الْمُسَمَّى خُصُوصًا فِيمَنْ يَقْبِضُ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فِي أَيَّامٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا كَذَا رَغِيفًا فَقَلَّ أَنْ لَا يَصِيرَ مُسْتَبْدَلًا (وَلَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِ الْخُبْزِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالْخُبْزِ وَالْخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ) بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جَدِيدًا أَوْ عَتِيقًا (وَالتَّقْدِيمُ) فِي التَّنُّورِ (وَالتَّأْخِيرُ) عَنْهُ وَيَتَفَاوَتُ جَوْدَةُ خُبْزِهِ بِذَلِكَ، وَإِذَا مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ السَّلَمَ فِيهِ وَبَابُ السَّلَمِ أَوْسَعُ حَتَّى جَازَ فِي الثِّيَابِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهَا فَهُوَ لِاسْتِقْرَاضِهِ أَمْنَعُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ بِهِمَا) أَيْ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا (لِلتَّعَامُلِ) بَيْنَ الْجِيرَانِ بِذَلِكَ، وَالْحَاجَةُ قَدْ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ بَيْنَ الْجِيرَانِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَزْنًا لَا عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ) وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: قَدْ أَهْدَرَ الْجِيرَانُ تَفَاوُتَهُ وَبَيْنَهُمْ يَكُونُ اقْتِرَاضُهُ غَالِبًا، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ، وَجَعَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَنَا أَرَى أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ
(7/37)

قَالَ (وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيْسَ مِلْكَ الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَصَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ.

قَالَ (وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا.
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ وَلَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ) أَيْ الْمَأْذُونِ غَيْرِ الْمَدْيُونِ (لِأَنَّهُ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا) لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْبَيْعِ وَكَذَا الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ) أَيْ الْبَيْعُ بِطَرِيقِ الرِّبَا (أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) فَلِعَدَمِ مِلْكِهِ لِمَا فِي يَدِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا (وَعِنْدَهُمَا) إنْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَمَّا فِي يَدِهِ لَكِنْ (تَعَلَّقَ بِمَا) فِي يَدِهِ (حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَصَارَ) الْمَوْلَى (كَالْأَجْنَبِيِّ) عَنْهُ (فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا) بَيْنَهُمَا (كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ) وَفِي الْمَبْسُوطِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا، وَلَكِنْ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ كَسْبَهُ مَشْغُولٌ بِحَقِّ غُرَمَائِهِ فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ دَيْنِهِ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ لَا بِجِهَةِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ لَا، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْحُرِّ يَدًا وَتَصَرُّفًا فِي كَسْبِهِ فَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا

(قَوْلُهُ وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ) وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ وَالْمُسْلِمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ فَلَوْ بَاعَ مُسْلِمٌ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْتَأْمَنًا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ حَلَّ، وَكَذَا إذَا بَاعَ مِنْهُمْ مَيْتَةً أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ قَامَرَهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ يَحِلُّ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَمَنْ ذَكَرْنَا، (لَهُمْ) إطْلَاقُ النُّصُوصِ فَإِنَّهَا لَمْ تُقَيِّدْ الْمَنْعَ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُسْتَأْمِنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا، فَإِنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَهُ فَكَذَا الدَّاخِلُ مِنَّا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ، وَنَقَلَ مَا رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ
(7/38)

وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمِنِ مِنْهُمْ لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِعَقْدِ الْأَمَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ذَلِكَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ حَدَّثَنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا رِبَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ» أَظُنُّهُ قَالَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، أَسْنَدَهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَمَكْحُولٌ ثِقَةٌ، وَالْمُرْسَلُ مِنْ مِثْلِهِ مَقْبُولٌ، «وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {الم} [الروم: 1] {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] الْآيَةَ قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: تَرَوْنَ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ: هَلْ لَك أَنْ تُخَاطِرَنَا، فَخَاطَرَهُمْ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبْ إلَيْهِمْ فَزِدْ فِي الْخَطَرِ فَفَعَلَ، وَغَلَبَتْ الرُّومُ فَارِسًا فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ كَانَتْ مَكَّةُ دَارَ شِرْكٍ (وَلِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ) وَإِطْلَاقُ النُّصُوصِ فِي مَالٍ مَحْظُورٍ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ بِطَرِيقِ الْغَدْرِ (فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ غَدْرًا فَبِأَيِّ طَرِيقٍ يَأْخُذُهُ حَلَّ) بَعْدَ كَوْنِهِ بِرِضًا (بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ) عِنْدَنَا (لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِالْأَمَانِ) فَإِذَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ يَكُونُ غَدْرًا، وَبِخِلَافِ الزِّنَا إنْ قِيسَ عَلَيْهِ الرِّبَا لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ بَلْ بِالطَّرِيقِ الْخَاصِّ، أَمَّا الْمَالُ فَيُبَاحُ بِطِيبِ النَّفْسِ بِهِ وَإِبَاحَتِهِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ لِمُعَارَضَةِ إطْلَاقِ النُّصُوصِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ حَدِيثِ مَكْحُولٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَوْ سُلِّمَ حُجِّيَّتُهُ فَالزِّيَادَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ، وَإِثْبَاتُ قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ نَحْوِ {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] وَنَحْوِهِ هُوَ الزِّيَادَةُ فَلَا يَجُوزُ.
وَيُدْفَعُ بِالْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُطْلَقَاتِ مُرَادٌ بِمَحَلِّهَا الْمَالُ الْمَحْظُورُ بِحَقٍّ لِمَالِكِهِ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ لَيْسَ مَحْظُورًا إلَّا لِتَوَقِّي الْغَدْرِ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِي التَّحْقِيقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ خَبَرُ مَكْحُولٍ أَجَازَهُ النَّظَرُ الْمَذْكُورُ، أَعْنِي كَوْنَ مَالِهِ مُبَاحًا إلَّا لِعَارِضِ لُزُومِ الْغَدْرِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي حِلَّ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَنَالُهَا الْمُسْلِمُ، وَالرِّبَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ إذْ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الدِّرْهَمَانِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِ وَمِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ، وَجَوَابُ الْمَسْأَلَةِ بِالْحِلِّ عَامٌّ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا الْقِمَارُ قَدْ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ مَالُ الْخَطَرِ لِلْكَافِرِ بِأَنْ يَكُونَ الْغَلَبُ لَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تُفِيدُ نَيْلَ الْمُسْلِمِ الزِّيَادَةَ، وَقَدْ الْتَزَمَ الْأَصْحَابُ فِي الدَّرْسِ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ حِلِّ الرِّبَا وَالْقِمَارِ مَا إذَا حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ لِلْمُسْلِمِ نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْجَوَابِ خِلَافَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(7/39)

(بَابُ الْحُقُوقِ) (وَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ فَلَيْسَ لَهُ الْأَعْلَى إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ. وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فَوْقَهُ بَيْتٌ بِكُلِّ حَقٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَعْلَى، وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِحُدُودِهَا فَلَهُ الْعُلُوُّ وَالْكَنِيفُ) جَمَعَ بَيْنَ الْمَنْزِلِ وَالْبَيْتِ وَالدَّارِ، فَاسْمُ الدَّارِ يَنْتَظِمُ الْعُلُوَّ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَالْعُلُوُّ مِنْ تَوَابِعِ الْأَصْلِ وَأَجْزَائِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ. وَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ، وَالْعُلُوُّ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَالْمَنْزِلُ بَيْنَ الدَّارِ وَالْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ مَرَافِقُ السُّكْنَى مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ إذْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَنْزِلُ الدَّوَابِّ، فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكْرِ التَّوَابِعِ، وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِدُونِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[بَابُ الْحُقُوقِ]
(بَابُ الْحُقُوقِ) مَحِلُّ هَذَا الْبَابِ عَقِيبَ كِتَابِ الْبُيُوعِ قَبْلَ الْخِيَارِ (قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى مَنْزِلًا فَوْقَهُ مَنْزِلٌ) حَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ ثَلَاثَةٌ: الْبَيْتُ، وَالْمَنْزِلُ، وَالدَّارُ.
فَالْبَيْتُ أَصْغَرُهَا وَهُوَ اسْمٌ لِمُسَقَّفٍ وَاحِدٍ جُعِلَ لِيُبَاتَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى هَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ لَهُ دِهْلِيزًا.
وَالْجَوَابُ فِيهِ أَنَّ عُلُوَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ: يَعْنِي إذَا بَاعَ الْبَيْتَ لَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ.
(7/40)

وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَسْكَنٍ يُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خَانَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ عُلُوٍّ، وَكَمَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِي اسْمِ الدَّارِ يَدْخُلُ الْكَنِيفُ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَلَا تَدْخُلُ الظُّلَّةُ إلَّا بِذِكْرِ مَا ذَكَرْنَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ قَالَ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ الْعُلُوِّ صَرِيحًا لِأَنَّ الْعُلُوَّ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ مُسَقَّفٌ يُبَاتُ فِيهِ وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ بَلْ مَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ.
وَأَوْرَدَ: الْمُسْتَعِيرُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ وَالْمُكَاتِبِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْبَاعِ، بَلْ لَمَّا مَلَكَ الْمُسْتَعِيرُ الْمَنْفَعَةَ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ مَا مَلَكَ كَذَلِكَ، وَالْمُكَاتِبُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ لَمَّا صَارَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ عَبْدَهُ مِنْ أَكْسَابِهِ.
وَالْمَنْزِلُ فَوْقَ الْبَيْتِ دُونَ الدَّارِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَانٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَنْزِلُ فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ مَطْبَخٌ وَمَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَيَتَأَتَّى فِيهِ السُّكْنَى بِالْعِيَالِ مَعَ ضَرْبِ قُصُورٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ صَحْنٌ غَيْرُ مُسَقَّفٍ وَلَا إصْطَبْلُ الدَّوَابِّ فَلِكَوْنِ الْبَيْتِ دُونَهُ صَلَحَ أَنْ يَسْتَتْبِعَهُ فَلِشَبَهِهِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ الْعُلُوُّ فِيهِ تَبَعًا عِنْدَ ذِكْرِ التَّوَابِعِ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ لَهُ فِيهِ أَوْ مِنْهُ، أَوْ بِكُلِّ حَقٍّ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ، وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْتِ لَا يَدْخُلُ بِلَا ذِكْرِ زِيَادَةٍ.
وَالدَّارُ اسْمٌ لِسَاحَةٍ أُدِيرَ عَلَيْهَا الْحُدُودُ وَتَشْتَمِلُ عَلَى بُيُوتٍ وَإِصْطَبْلٍ وَصَحْنٍ غَيْرِ مُسَقَّفٍ وَعُلُوٍّ فَيُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّحْنِ لِلِاسْتِرْوَاحِ وَمَنَافِعِ الْأَبْنِيَةِ لِلْإِسْكَانِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَبْنِيَةِ بِالتُّرَابِ وَالْمَاءِ أَوْ بِالْخِيَامِ وَالْقِبَابِ، وَالْعُلُوُّ مِنْ تَوَابِعِ الْأَصْلِ وَأَجْزَائِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ بِلَا ذِكْرِ زِيَادَةٍ عَلَى شِرَاءِ الدَّارِ
، وَكَذَا يَدْخُلُ الْكَنِيفُ الشَّارِعُ.
وَالْكَنِيفُ هُوَ الْمُسْتَرَاحُ، أَمَّا الظُّلَّةُ وَهُوَ السَّابَاطُ الَّذِي يَكُونُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الدَّارِ وَالْآخَرُ عَلَى دَارٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى أُسْطُوَانَاتٍ فِي السِّكَّةِ وَمِفْتَحُهَا فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مَا لَمْ يَقُلْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ بِكُلِّ
(7/41)

لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ. وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ فَشَابَهَ الْكَنِيفَ.

قَالَ: وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَارٍ أَوْ مَنْزِلًا أَوْ مَسْكَنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهُ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، (وَكَذَا الشُّرْبُ وَالْمَسِيلُ) لِأَنَّهُ خَارِجُ الْحُدُودِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ التَّوَابِعِ فَيَدْخُلَ بِذِكْرِ التَّوَابِعِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ، إذْ الْمُسْتَأْجِرُ لَا يَشْتَرِي الطَّرِيقَ عَادَةً وَلَا يَسْتَأْجِرُهُ فَيَدْخُلَ تَحْصِيلًا لِلْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ، أَمَّا الِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَادَةً يَشْتَرِيهِ، وَقَدْ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَصَلَتْ الْفَائِدَةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَقٍّ هُوَ لَهَا أَوْ مَرَافِقهَا أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَهُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ الظُّلَّةُ بِتَأْوِيلِ السَّابَاطِ (مَبْنِيٌّ عَلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ. وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مِفْتَحُهُ فِي الدَّارِ يَدْخُلُ)
بِلَا ذِكْرِ زِيَادَةٍ، وَلِأَنَّ مِفْتَحَهَا إذَا كَانَ فِي الدَّارِ كَانَتْ تَبَعًا لِلدَّارِ كَالْكَنِيفِ الشَّارِعِ قَالُوا هَذَا فِي عُرْفِهِمْ: أَيْ عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ (أَمَّا فِي عُرْفِنَا يَدْخُلُ الْعُلُوُّ) مَا ذُكِرَ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ بَيْتًا فَوْقَهُ عُلُوٌّ أَوْ مَنْزِلًا كَذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَسْكَنٍ يُسَمَّى خَانَهُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ وَلَهُ عُلُوٌّ سَوَاءً كَانَ صَغِيرًا كَالْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا دَارَ السُّلْطَانِ تُسَمَّى سُرَايَ

(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى بَيْتًا فِي دَارٍ أَوْ مَنْزِلًا) فِيهَا (أَوْ مَسْكَنًا) فِيهَا (لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ) فِي هَذِهِ الدَّارِ إلَى ذَلِكَ الْمُشْتَرَى (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِكُلِّ حَقٍّ أَوْ بِمَرَافِقِهِ أَوْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَكَذَا الشُّرْبُ وَالْمَسِيلُ لِأَنَّهُ خَارِجُ الْحُدُودِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ التَّوَابِعِ فَيَدْخُلَ بِذِكْرِهَا) وَفِي الْمُحِيطِ: الْمُرَادُ الطَّرِيقُ الْخَاصُّ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ، فَأَمَّا طَرِيقُهَا إلَى سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَإِلَى طَرِيقٍ عَامٍّ فَيَدْخُلُ، وَكَذَا مَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقِّ تَسْيِيلِ الْمَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ خَاصَّةً.
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إذَا كَانَ طَرِيقُ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ أَوْ مَسِيلُ مَائِهَا فِي دَارٍ أُخْرَى لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْحُقُوقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ، إلَّا أَنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي هَذِهِ الدَّارُ يَدْخُلُ وَهُوَ غَيْرُ مَا فِي الْكِتَابِ.
فَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَدْخُلُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَلَمْ يَشْتَرِ جَمِيعَ هَذِهِ الدَّارِ إنَّمَا اشْتَرَى شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْهَا فَلَا يَدْخُلُ مِلْكُ الْبَائِعِ وَمِلْكُ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا بِذِكْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ لِلدَّارِ الْمَبِيعَةِ طَرِيقٌ فِي دَارٍ أُخْرَى فَالْمُشْتَرِي لَا يَسْتَحِقُّ الطَّرِيقَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ جُذُوعُ دَارٍ أُخْرَى عَلَى الدَّارِ الْمَبِيعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْبَائِعِ يُؤْمَرُ بِرَفْعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ طَرِيقٌ لِدَارٍ أُخْرَى أَوْ سَيْلُ مَاءٍ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّارُ لِلْبَائِعِ فَلَا طَرِيقَ لَهُ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّرِيقُ: يَعْنِي فِي الْإِجَارَةِ يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالشُّرْبُ وَالْمَسِيلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ وَلَا انْتِفَاعَ بِغَيْرِ دُخُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا عَيْنًا، بَلْ إمَّا كَذَلِكَ أَوْ لِيَتَّجِرَ فِيهَا أَوْ يَأْخُذَ نَقْضَهَا فَلَمْ تَتَعَيَّنْ فَائِدَةٌ لِلْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْجَحْشِ كَمَا وُلِدَ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا الْأَرْضُ السَّبِخَةُ، وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ ذَلِكَ.
وَفِي الْكَافِي: وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عُلُوًّا وَاسْتَثْنَى الطَّرِيقَ
(7/42)

(بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عُلُوًّا وَاسْتَثْنَى الطَّرِيقَ يَصِحُّ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعُلُوُّ ثُمَّ أُجِيزَ الْبَيْعُ صَحَّ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبُيُوعِ الْمَاضِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ سَاحَةِ الْعُلُوِّ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ بِمُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ، وَالْمَبِيعُ الْبِنَاءُ لَا السَّاحَةُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْهَوَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ يُشْكِلُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَفِيهَا صِفَةٌ فِيهَا بَيْتٌ وَبَابُهُ فِي الصِّفَةِ وَمَسِيلُ مَاءِ ظَهَرَ الْبَيْتِ عَلَى ظَهْرِ الصِّفَةِ فَاقْتَسَمَا فَأَصَابَ الصِّفَةَ أَحَدُهُمَا وَقِطْعَةً مِنْ السَّاحَةِ لَمْ يَذْكُرُوا طَرِيقًا وَلَا مَسِيلًا وَصَاحِبُ الْبَيْتِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ السَّاحَةِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَسِيلَ مَاءَهُ فِي ذَلِكَ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ، فَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْتُمْ فِي الْإِجَارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ الْحُقُوقُ تَحَرِّيًا لِجَوَازِ الْقِسْمَةِ كَمَا أَدْخَلْتُمُوهَا تَحَرِّيًا لِجَوَازِ الْإِجَارَةِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَوْضِعَ الشُّرْبِ لَيْسَ مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ الْإِجَارَةُ، وَإِنَّمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الِانْتِفَاعِ، وَالْآجِرُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأُجْرَةَ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ؛ فَفِي إدْخَالِ الشُّرْبِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمَا هَذَا بِالْأُجْرَةِ وَهَذَا بِالِانْتِفَاعِ، أَمَّا هُنَا فَمَوْضِعُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ دَاخِلٌ فِي الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُمَا كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ، فَمُوجِبُ الْقِسْمَةِ اخْتِصَاصُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ نَصِيبُهُ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا لِأَحَدِهِمَا حَقًّا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ تَضَرَّرَ بِهِ الْآخَرُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ دُونَ رِضَاهُ، وَإِنَّمَا دَلِيلُ الرِّضَا اشْتِرَاطُ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الْحُقُوقُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ إحْدَاثُ طَرِيقٍ فِيمَا اشْتَرَاهُ وَتَسْيِيلُ مَائِهِ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ، وَفِي الْقِسْمَةِ إذَا ذُكِرَ الْحُقُوقُ وَأَمْكَنَهُ الطَّرِيقُ وَالتَّسْيِيلُ فِيمَا أَصَابَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَتَطَرَّقُ وَيَسِيلُ فِيمَا أَصَابَهُ فَطُولِبَ بِالْفَرْقِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ إيجَادُ الْمِلْكِ مِنْ الْعَدَمِ لِقَصْدِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ ذَلِكَ فَمَا شَرَطَهُ يَتِمُّ مُطْلَقًا.
وَالْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ تَمْيِيزُ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لَهُمَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا لِيَنْتَفِعَ بِهِ عَلَى الْخُصُوصِ بِحَيْثُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، إذْ لَوْ لَمْ يُرْدِ ذَلِكَ الْخُصُوصَ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ فَلَا يَدْخُلَانِ إلَّا بِرِضًا صَرِيحٍ وَلَا يَكْفِي فِيهِ ذِكْرُ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ.

[بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ]
(7/43)

(وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ فَإِنَّهَا كَاسْمِهَا مُبَيَّنَةٌ فَيَظْهَرُ بِهَا مِلْكُهُ مِنْ الْأَصْلِ وَالْوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا فَيَكُونُ لَهُ، أَمَّا الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ يُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِإِثْبَاتِهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ لَهُ.
ثُمَّ قِيلَ: يَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي الْقَضَاءِ بِالْأُمِّ تَبَعًا، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ وَإِلَيْهِ تُشِيرُ الْمَسَائِلُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالزَّوَائِدِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَدْخُلُ الزَّوَائِدُ فِي الْحُكْمِ، فَكَذَا الْوَلَدُ إذَا كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَقُّ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ تَمَامِ أَبْوَابِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ ظُهُورُ عَدَمِ الصِّحَّةِ بَعْدَ التَّمَامِ ظَاهِرًا، وَلَكِنْ لَمَّا نَاسَبَ الْحُقُوقَ لَفْظًا وَمَعْنًى ذُكِرَ عَقِيبَهُ (قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ) فَإِنْ كَانَ (بِبَيِّنَةٍ) اسْتَحَقَّ وَلَدَهَا مَعَهَا وَأَرْشَهَا إنْ كَانَ (وَإِنْ) كَانَ (بِ) مُجَرَّدِ (إقْرَارِ) الْمُشْتَرِي (لَهُ بِهَا) لَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَدَ بِذَلِكَ (وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ) أَيْ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ غَيْرُ مُقْتَصِرَةٍ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ (فَإِنَّهَا كَاسْمِهَا مُبَيَّنَةٌ) لَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ بِهِ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ إثْبَاتِ مِلْكٍ فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ وَلَا الْقَاضِي، وَإِنَّمَا تُظْهِرُ الْبَيِّنَةُ مَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ قَبْلِيَّةً لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، وَلِهَذَا تَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا إذَا اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنْ آخَرَ وَاشْتَرَى مِنْ الْآخَرِ آخَرُ وَهَكَذَا ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ بِقَضَاءٍ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ أَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْكُلِّ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى أَحَدِهِمْ أَنَّهُ مِلْكُهُ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارُوا مَقْضِيًّا عَلَيْهِمْ بِالْقَضَاءِ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ فِي يَدِ الْأَخِيرِ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ حَيْثُ يَرْجِعُونَ فَالْوَلَدُ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ إظْهَارُ الْبَيِّنَةِ الْمِلْكَ فَيَكُونُ لَهُ (أَمَّا الْإِقْرَارُ فَحُجَّةٌ قَاصِرَةٌ) عَلَى الْمُقِرِّ حَتَّى لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً لِضَرُورَةِ تَصْحِيحِ خَبَرِهِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِثْبَاتِهِ فِي الْحَالِ، وَالْوَلَدُ فِي الْحَالِ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا، وَالْإِقْرَارُ إنَّمَا هُوَ بِهَا فَقَطْ فَلَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ لَا يَكُونُ لَهُ.
وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَقَرِّ لَهُ إذَا لَمْ يَدَّعِهِ، فَلَوْ ادَّعَاهُ كَانَ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ، وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْوَلَدَ لِلْمُسْتَحِقِّ بِالْبَيِّنَةِ فَقَضَى الْقَاضِي بِالْأُمِّ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْقَضَاءِ فَيَصِيرُ هُوَ أَيْضًا مَقْضِيًّا بِهِ،؟ قِيلَ نَعَمْ تَبَعًا كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِهِ تَبَعًا (وَقِيلَ) لَا، بَلْ (يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ بِالْوَلَدِ أَيْضًا) لِأَنَّهُ أَصْلُ يَوْمِ الْقَضَاءِ لِانْفِصَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِلَيْهِ تُشِيرُ الْمَسَائِلُ)
(7/44)

فِي يَدِ غَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ تَبَعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْأَصْلِ وَلَمْ يَعْلَمْ الزَّوَائِدَ لَا تَدْخُلُ الزَّوَائِدُ تَحْتَ الْحُكْمِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ الزَّوَائِدُ فِي يَدِ غَائِبٍ لَمْ تَدْخُلْ، فَحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي ضِمْنِ الْقَضَاءِ عَلَى الْحَاضِرِ وَهُوَ أَمْرٌ جَائِزٌ عُرِفَ أَنَّهُ يَشْتَرِي الْقَضَاءَ بِالْوَلَدِ بِخُصُوصِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ، وَلَكِنْ يُوجِبُ تَوَقُّفَهُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَتَبِعَهُ الْجَمَاعَةُ، فَاعْتَرَضَهُ شَارِحٌ بِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ بَيْعَ فُضُولِيٍّ: يَعْنِي بَائِعَ الْمُشْتَرِي الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَفِيهِ إذَا وُجِدَ عَدَمُ الرِّضَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَإِثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا: يَعْنِي الْمَوْقُوفَ الْمَفْسُوخَ لَا تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.
وَاسْتَوْضَحَ بِمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ وَصَلَ إلَى الْمُشْتَرِي يَوْمًا لَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ وَإِنْ جُعِلَ مُقِرًّا بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ لَكِنْ بِمُقْتَضَى الشِّرَاءِ وَقَدْ انْفَسَخَ الشِّرَاءُ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَيَنْفَسِخُ الْإِقْرَارُ.
ثُمَّ قَالَ: لَا جَرَمَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ أَقَرَّ نَصًّا أَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ يَوْمًا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمِلْكِ لَهُ لَمْ يَبْطُلْ.
وَنَقَلَهُ عَنْ شَرْحِ قِسْمَةِ خُوَاهَرْ زَادَهُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُوَ الْمُتَصَوَّرُ.
وَقَوْلُهُ إثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا إنْ أَرَادَ دَلِيلَ عَدَمِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ فَلَيْسَ بِلَازِمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا بِأَنْ يَذْهَبَ مِنْ يَدِهِ مَجَّانًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِحْقَاقَ وَيُثْبِتْهُ اسْتَمَرَّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عَيْنُهُ وَلَا بَدَلُهُ فَإِثْبَاتُهُ لِيَحْصُلَ أَحَدُهُمَا إمَّا الْعَيْنُ أَوْ الْبَدَلُ بِأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَيَصِلَ الثَّمَنُ إلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ إثْبَاتَ الِاسْتِحْقَاقِ لَيْسَ مَلْزُومًا لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ، بَلْ الْمُحَقَّقُ أَنَّهُ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الرِّضَا بِذَهَابِهِ وَذَهَابِ بَدَلِ عَيْنِهِ.
وَأَمَّا مَا اسْتَوْضَحَ بِهِ مِنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فَلَيْسَ مُفِيدًا لَهُ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ عَيْنَهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعَبْدِ بِعَيْنِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ عَدَمُ الرِّضَا بِالْمَبِيعِ وَإِلَّا لَمْ يَأْخُذْ وَأَجَازَهُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ مُجَرَّدِ إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْقَضَاءِ بِهِ حَتَّى ظَهَرَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْفَتَّاحُ الْجَوَادُ لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مَرْجُوَّ إلَّا خَيْرُهُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: مِمَّا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ يُوجِبُ تَوَقُّفَ اسْتِحْقَاقِ الْعَقْدِ السَّابِقِ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَلَا يُوجِبُ نَقْضَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى يَنْفَسِخُ أَقْوَالُ: قِيلَ إذَا قَبَضَ الْمُسْتَحِقُّ، وَقِيلَ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ
(7/45)

قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَإِذَا هُوَ حُرٌّ وَقَدْ قَالَ الْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ لَهُ) ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً مَعْرُوفَةً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ وَرَجَعَ هُوَ عَلَى الْبَائِعِ.

وَإِنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا مُقِرًّا بِالْعُبُودِيَّةِ فَوَجَدَهُ حُرًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَمَا قَضَى لَهُ أَوْ بَعْدَمَا قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ فَسْخًا لِلْبِيَاعَاتِ مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلٌّ عَلَى بَائِعِهِ بِالْقَضَاءِ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِصُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ.
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَفْسَخْ وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى.
وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْفَسْخِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهَا أَيْضًا: إذَا اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَا الْبَائِعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ احْتِمَالَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى النِّتَاجِ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ عَلَى تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ثَابِتٌ إلَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي فَيَلْزَمُ الْعَجْزُ فَيَنْفَسِخُ انْتَهَى.
يَعْنِي يَلْزَمُ الْعَجْزُ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ، أَوْ الْمُرَادُ أَنْ يَفْسَخَ الْمُسْتَحِقُّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ، نَعَمْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ اتِّفَاقُ عَدَمِ رُجُوعِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ أَنْ قُضِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَأَخَذَ الْمَبِيعَ وَاسْتَمَرَّ غَيْرَ مُجِيزٍ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ فَإِنَّ سُكُوتَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ عَنْ الْإِجَازَةِ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْإِجَازَةِ، وَلَمْ يُجِزْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَيْ اشْتَرَى إنْسَانًا (قَالَ لَهُ اشْتَرِنِي فَإِنِّي عَبْدٌ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ) أَيْ فَظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا (فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً مَعْرُوفَةً) أَيْ يُدْرَى مَكَانُهُ (لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ بَائِعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْقَابِضِ وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَبْدِ) بِمَا دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ (وَرَجَعَ) الْعَبْدُ (عَلَى بَائِعِهِ) بِمَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالضَّمَانِ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِي أَدَائِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَدَّى عَنْ آخَرَ دَيْنًا أَوْ حَقًّا عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَيْسَ مُضْطَرًّا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْقَيْدَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا عَبْدٌ وَقْتَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَائِهِ أَوْ قَالَ اشْتَرِنِي وَلَمْ يَقُلْ فَإِنِّي عَبْدٌ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ

(وَلَوْ ارْتَهَنَ عَبْدًا مُقِرًّا بِالرِّقِّ فَظَهَرَ حُرًّا) وَقَدْ كَانَ قَالَ ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدُ الرَّاهِنِ (لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ (عَلَى كُلِّ حَالٍ)
(7/46)

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِمَا لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْ بِالْكَفَالَةِ وَالْمَوْجُودُ لَيْسَ إلَّا الْإِخْبَارُ كَاذِبًا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ الْأَجْنَبِيُّ ذَلِكَ أَوْ قَالَ الْعَبْدُ ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا أَمَرَهُ وَإِقْرَارِهِ أَنِّي عَبْدٌ، إذْ الْقَوْلُ لَهُ فِي الْحُرِّيَّةِ فَيُجْعَلُ الْعَبْدُ بِالْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ ضَامِنًا لِلثَّمَنِ لَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ وَالضَّرَرِ، وَلَا تَعَذُّرَ إلَّا فِيمَا لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ، وَالْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَأَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الْآمِرُ بِهِ ضَامِنًا لِلسَّلَامَةِ كَمَا هُوَ مُوجِبُهُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ بَلْ هُوَ وَثِيقَةٌ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ حَتَّى يَجُوزَ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَالْمُسَلَّمِ فِيهِ مَعَ حُرْمَةِ الِاسْتِبْدَالِ فَلَا يُجْعَلُ الْأَمْرُ بِهِ ضَمَانًا لِلسَّلَامَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا يُعْرَفُ مَكَانُهُ أَوْ لَا يُعْرَفُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (عَنْهُمْ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِمَا)
أَيْ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ (لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالْمُعَاوَضَةِ) وَهِيَ الْمُبَايَعَةُ هُنَا (أَوْ بِالْكَفَالَةِ) وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثَابِتًا (بَلْ) الثَّابِتُ (لَيْسَ إلَّا) مُجَرَّدُ (الْإِخْبَارِ كَاذِبًا فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ) لِشَخْصٍ (ذَلِكَ) وَكَقَوْلِ الْعَبْدِ (ارْتَهِنِّي فَإِنِّي عَبْدٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَانِيًا. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَمْرِهِ وَإِقْرَارِهِ)
فَكَانَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ، وَالتَّغْرِيرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ تُجْعَلُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَكَانَ بِتَغْرِيرِهِ (ضَامِنًا) لِدَرْكِ (الثَّمَنِ لَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ رُجُوعِهِ عَلَى الْبَائِعِ) ، وَلَا تَعَذُّرَ إلَّا فِيمَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ (كَالْمَوْلَى إذَا قَالَ) لِأَهْلِ السُّوقِ (بَايِعُوا عَبْدِي فَإِنِّي قَدْ أَذِنْت لَهُ) فَفَعَلُوا (ثُمَّ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ) فَإِنَّهُمْ (يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْعَبْدِ) وَيُجْعَلُ الْمَوْلَى بِذَلِكَ ضَامِنًا لِدَرْكِ مَا ذَابَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ عَنْ النَّاسِ (بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ بَلْ عَقْدَ وَثِيقَةٍ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّهِ حَتَّى جَازَ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ) فَلَوْ هَلَكَ يَقَعُ اسْتِيفَاءً لِلدَّيْنِ، فَلَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً كَانَ اسْتِبْدَالًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ لَا يُجْعَلُ الْأَمْرُ بِهِ ضَمَانًا لِأَنَّهُ لَيْسَ تَغْرِيرًا فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ
(7/47)

وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ.
وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا قَوْلُ الْمَوْلَى بَايِعُوا عَبْدِي هَذَا فَإِنِّي قَدْ أَذِنْت لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ ضَرْبُ إشْكَالٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لِأَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ، وَالتَّنَاقُضُ يُفْسِدُ الدَّعْوَى. وَقِيلَ إذَا كَانَ الْوَضْعُ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ فَالدَّعْوَى فِيهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ فَرْجِ الْأُمِّ. وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ لَكِنَّ التَّنَاقُضَ غَيْرُ مَانِعٍ لِخَفَاءِ الْعَلُوقِ وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ فِي الْإِعْتَاقِ فَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ لِاسْتِبْدَادِ الْمَوْلَى بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمْنِ هَذَا الطَّرِيقِ فَقَالَ اُسْلُكْهُ فَإِنَّهُ آمِنٌ فَسَلَكَهُ فَنُهِبَ مَالُهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُومٍ فَأَكَلَهُ فَمَاتَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابًا لَا يُطَاقُ (وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُعْبَأُ بِقَوْلِهِ) فَالرَّجُلُ هُوَ الَّذِي اغْتَرَّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (ثُمَّ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ ضَرْبُ إشْكَالٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّعْوَى) أَيْ دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ (شَرْطٌ) فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَتِهَا وَالدَّعْوَى لَا تَصِحُّ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ لِلتَّنَاقُضِ، فَإِنَّ دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ تُنَاقِضُ تَصْرِيحَهُ بِرِقِّهِ.
فَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى إنْ كَانَتْ بِحُرِّيَّةِ الْأَصْلِ (فَالدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ) كَقَوْلِهِمَا فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ مُطْلَقًا (لِتَضَمُّنِهِ تَحْرِيمَ فَرْجِ أُمِّهِ) عَلَى السَّيِّدِ وَتَحْرِيمَ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِهَا، وَحُرْمَةُ الْفَرْجِ حَقُّهُ تَعَالَى وَالدَّعْوَى لَيْسَتْ شَرْطًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي عِتْقِ الْأَمَةِ حَتَّى أَنَّ الشُّهُودَ يَحْتَاجُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَى تَعْيِينِ الْأُمِّ، وَالْحُرُمَاتُ لَا تَحْتَاجُ فِي الْقَضَاءِ بِهَا إلَى الدَّعْوَى، وَإِذَا لَمْ تَحْتَجْ إلَى الدَّعْوَى لَا يَضُرُّ التَّنَاقُضُ فِيهَا (وَقِيلَ هُوَ) أَيْ الدَّعْوَى (شَرْطٌ) مُطْلَقًا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَدَعْوَى الْإِعْتَاقِ فِي الْكَافِي وَالصَّحِيحُ أَنَّ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَالْعِتْقِ الْعَارِضِ (لَكِنَّ التَّنَاقُضَ) فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى بِهَا، أَمَّا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ (فَلِخَفَاءِ) حَالِ (الْعَلُوقِ) فَإِنَّهُ يُسْبَى مَعَ أُمِّهِ أَوْ بِدُونِهَا وَلَا يُعْلَمُ بِحُرِّيَّتِهَا وَرِقِّهَا حَالَ الْعَلُوقِ بِهِ فَيُقِرُّ بِالرِّقِّ ثُمَّ تَظْهَرُ لَهُ حُرِّيَّةُ أُمِّهِ فَيَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ، وَفِي الْإِعْتَاقِ الْعَارِضِ فَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ فَيُقِرُّ بِالرِّقِّ
(7/48)

فَصَارَ كَالْمُخْتَلِعَةِ تُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَالْمُكَاتَبِ يُقِيمُهَا عَلَى الْإِعْتَاقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.

قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارٍ) مَعْنَاهُ حَقًّا مَجْهُولًا (فَصَالَحَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّارُ إلَّا ذِرَاعًا مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ دَعْوَايَ فِي هَذَا الْبَاقِي.
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَاهَا كُلَّهَا فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِسَابِهِ) لِأَنَّ التَّوْفِيقَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ عِنْدَ فَوَاتِ سَلَامَةِ الْمُبْدَلِ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ عَلَى مَعْلُومٍ جَائِزٌ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيمَا يَسْقُطُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ يَعْلَمُهُ فَيَدَّعِيهِ، وَالتَّنَاقُضُ فِي دَعْوَى مَا فِيهِ خَفَاءٌ يُعْذَرُ فِيهِ (وَصَارَ كَالْمُخْتَلِعَةِ تُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَطْلِيقِ) الزَّوْجِ إيَّاهَا (ثَلَاثًا قَبْلَ اخْتِلَاعِهَا) تُقْبَلُ (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ يُقِيمُهَا عَلَى الْإِعْتَاقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ) تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى سُؤَالِ الْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ إقْرَارٌ بِقِيَامِ الْعِصْمَةِ وَالرِّقِّ وَلَمْ يَضُرَّهُمَا التَّنَاقُضُ لِلْخَفَاءِ فَتَرْجِعُ الْمَرْأَةُ وَالْمُكَاتَبُ بِبَدَلِ الْخُلْعِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ.
وَذَكَرَ هُنَا مَسْأَلَةَ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَهِيَ أَصْلٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
وَهِيَ: رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا وَخَاطَهُ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَقَالَ هَذَا الْقَمِيصُ لِي وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَالْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ فِي الْأَصْلِ انْقَطَعَ بِالْقَطْعِ وَالْخِيَاطَةِ كَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ يَنْتَقِلُ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الثَّوْبُ إلَى الضَّامِنِ، فَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ الْكَائِنِ مِنْ الْأَصْلِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا صَارَ إلَى حَالٍ لَوْ كَانَ غَصْبًا مَلَكَهُ بِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنُ الْكَذِبِ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ يُقْضَى بِهَا لَهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَعُرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَسْتَحِقَّهُ بِاسْمِ الْقَمِيصِ، وَلَوْ كَانَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ قَبْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ.
وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ إذَا اشْتَرَى حِنْطَةً وَطَحَنَهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الدَّقِيقُ؛ وَلَوْ قَالَ كَانَتْ قَبْلَ الطَّحْنِ لِي يَرْجِعُ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى لَحْمًا فَشَوَاهُ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً فَذَبَحَهَا وَسَلَخَهَا فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ رَجُلٌ آخَرُ أَنَّ الرَّأْسَ وَالْأَطْرَافَ وَاللَّحْمَ وَالْجِلْدَ لَهُ فَقُضِيَ بِهَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ هَذَا اسْتِحْقَاقُ عَيْنِ الشَّاةِ

(قَوْلُهُ حَقًّا فِي دَارٍ) أَيْ مَجْهُولًا فَصَالَحَهُ الَّذِي فِي يَدِهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتُحِقَّتْ (الدَّارُ إلَّا ذِرَاعًا لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى الَّذِي صَالَحَهُ (بِشَيْءٍ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَقُول مُرَادِي مِنْ الْحَقِّ الَّذِي ادَّعَيْته أَوْ الْحَقِّ الَّذِي أَدَّعِيهِ هَذَا الْبَاقِي (وَلَوْ) كَانَ (ادَّعَاهَا كُلَّهَا فَصَالَحَهُ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ رَجَعَ بِحِسَابِهِ، لِأَنَّ التَّوْفِيقَ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ عِنْدَ فَوَاتِ سَلَامَتِهِ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى) أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا (أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ مَجْهُولٍ عَلَى مَعْلُومٍ جَائِزٌ) لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْمَجْهُولِ جَائِزٌ عِنْدَنَا (لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيمَا يَسْقُطُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ) ، وَالْآخَرُ أَنَّ صِحَّةَ الدَّعْوَى لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصُّلْحِ لِأَنَّ دَعْوَى الْحَقِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِجَهَالَةِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلِذَا لَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً لَا تُقْبَلُ، أَمَّا إذَا ادَّعَى إقْرَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ.
(7/49)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فُرُوعٌ]
اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ هُوَ مِلْكُ فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ أَوْ ادَّعَاهُ فُلَانٌ وَصَدَّقَهُ هُوَ أَوْ أَنْكَرَ فَحَلَفَ فَنَكَلَ لَيْسَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَحَلَفَ فَنَكَلَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ النُّكُولَ مِنْ الْمُضْطَرِّ كَالْبَيِّنَةِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ إذْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ وَلَا سَلَامَتَهُ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ لَا يُقْبَلُ لِتَنَاقُضِهِ، فَإِنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشِّرَاءِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِذَا ادَّعَاهُ لِغَيْرِهِ تَنَاقَضَ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ يُقْبَلُ لِعَدَمِ تَنَاقُضِهِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ وَهِيَ تَدَّعِي ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا مِلْكُ فُلَانٍ وَهُوَ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ شِرَائِهَا حَيْثُ يُقْبَلُ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ وَفُرُوعِهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى.
بَاعَ عَقَارًا ثُمَّ بَرْهَنَ أَنَّ مَا بَاعَهُ وَقْفٌ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْوَقْفِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ؛ وَلَوْ بَرْهَنَ أَنَّهُ وَقْفٌ مَحْكُومٌ بِلُزُومِهِ يُقْبَلُ، وَلَوْ بَرْهَنَتْ أَمَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ أَنَّهَا مُعْتَقَةُ فُلَانٍ أَوْ مُدَبَّرَتُهُ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ يَرْجِعُ الْكُلُّ إلَّا مَنْ كَانَ قِبَلَ فُلَانٍ.
اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ لَهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي وَالْيَدَ لِلْبَائِعِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِيهِمَا فَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا حُضُورُهُمَا.
وَلَوْ قُضِيَ لَهُ بِهَا بِحَضْرَتِهِمَا ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهَا مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ هُوَ بَاعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي قُبِلَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ يُقَرِّرُ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ وَلَا يَنْقُضُهُ.
وَلَوْ فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بِطَلَبِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهَا مِنْهُ يَأْخُذُهَا وَتَبْقَى لَهُ وَلَا يَعُودُ الْبَيْعُ الْمُنْتَقَضُ؛ وَلَوْ قُضِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ بَعْدَ إثْبَاتِهِ بِالْمُسْتَحَقِّ ثُمَّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ بَعْدَ الْفَسْخِ تَبْقَى الْأَمَةُ لِلْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهَا الْمُشْتَرِيَ لِنُفُوذِ الْقَضَاءِ بِالْفَسْخِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا عِنْدَهُ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ فَبَرْهَنَ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ بَائِعِ بَائِعِهِ قُبِلَ لِأَنَّهُ خَصْمٌ؛ وَلَوْ بَرْهَنَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ يُقْبَلُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ رَدَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَمَعَ ذَلِكَ أَقَامَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيِّنَةَ وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقَعَ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يُثْبِتَ بِهَا لِيُمْكِنَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ.
هَكَذَا ذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ فِي بَابِ دَعْوَى الدَّيْنِ بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ فَتَاوَاهُ.
وَذَكَرَ فِي بَابِ مَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ فَتَاوَاهُ الْمُدَّعِي لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ لَهُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْإِقْرَارِ لَا بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُقْبَلُ عَلَى الْمُنْكِرِ لَا الْمُقِرِّ.
وَذَكَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ الدَّعْوَى: ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَقَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْعَيْنِ لِلْمُدَّعِي يُقْضَى بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، بَعْضُهُمْ قَالُوا بِالْإِقْرَارِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ حِينَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا وَاسْتَحَقَّ الْمُدَّعِي الْقَضَاءَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يُبْطِلُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ بِإِقْرَارِهِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ دَعْوَى الدَّيْنِ إلَّا أَنْ تُخَصَّ تِلْكَ بِعَارِضِ الْحَاجَةِ إلَى الرُّجُوعِ وَقَصْدِ الْقَاضِي إلَى الْقَضَاءِ بِإِحْدَى الْحُجَّتَيْنِ بِعَيْنِهَا فَيَتَحَصَّلُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ يَنْبَغِي عَلَى مَا جَعَلَهُ الْأَظْهَرَ أَنْ يَقْضِيَ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ سَبَقَتْهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَتَمَكَّنُ مِنْ اعْتِبَارِهِ قَضَاءً بِالْبَيِّنَةِ فَعِنْدَ تَحَقُّقِ حَاجَةِ الْخَصْمِ إلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ قَضَاءً بِهَا لِيَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُ بِالرُّجُوعِ، وَلَوْ قَضَى بِالِاسْتِحْقَاقِ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ فَرَدَّهُ إلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ الْبَائِعِ لِثُبُوتِ التَّقَابُلِ وَلَوْ لَمْ يَتَرَادَّا وَلَكِنَّ
(7/50)

(فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ) قَالَ (وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ؛ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِأَنَّهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَقَدْ فُقِدَا، وَلَا انْعِقَادَ إلَّا بِالْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْقَاضِيَ قَضَى لِلْمُسْتَحِقِّ وَفَسَخَ الْبَيْعَ ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُ الْقَضَاءِ يَظْهَرُ فَسَادُ الْفَسْخِ.
وَلَوْ أَحَبَّ الْبَائِعُ أَنْ يَأْمَنَ غَائِلَةَ الرَّدِّ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَأَبْرَأهُ الْمُشْتَرِي مِنْ ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ قَائِلًا لَا أَرْجِعُ بِالثَّمَنِ إنْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فَظَهَرَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَا يَعْمَلُ مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
قَالُوا: وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَائِعِي قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنِّي اشْتَرَاهُ مِنِّي، فَإِذَا أَقَرَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ فَهُوَ أَيْضًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ]
مُنَاسَبَةُ هَذَا الْفَصْلِ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ تَتَضَمَّنُ دَعْوَى الْفُضُولِيِّ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ بَائِعَك بَاعَ مِلْكِي بِغَيْرِ أَمْرِي لِغَصْبِهِ أَوْ فُضُولِهِ. وَأَحْسَنُ الْمَخَارِجِ الْمُلْتَمَسَةِ فِيهِ فُضُولُهُ، وَالْفُضُولُ جَمْعُ فَضْلٍ غَلَبَ فِي الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا وِلَايَةَ فِيهِ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْجَهَلَةِ لِمَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْتَ فُضُولِيٌّ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ (قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِأَنَّهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَقَدْ فُقِدَا، وَلَا انْعِقَادَ إلَّا بِالْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ) وَصَارَ كَبَيْعِ الْآبِقِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَطَلَاقِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي عَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» .
قُلْنَا: الْمُرَادُ الْبَيْعُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْمُطَالَبَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ النَّافِذُ، أَوْ الْمُرَادُ أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ فَيُسَلِّمَهُ بِحُكْمِ
(7/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ذَلِكَ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّ الْحَادِثَ يَثْبُتُ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ، وَحُكْمُ ذَلِكَ السَّبَبِ لَيْسَ هَذَا، بَلْ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِجَازَةِ مِنْ حِينِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ النَّهْيِ يُفِيدُ هَذَا وَهُوَ قَوْلُ حَكِيمٍ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِي فَيَطْلُبُ مِنِّي سِلْعَةً لَيْسَتْ عِنْدِي فَأَبِيعُهَا مِنْهُ ثُمَّ أَدْخُلُ السُّوقَ فَأَشْتَرِيهَا فَأُسَلِّمُهَا، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» .
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْجَوْزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْقَزَّازِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ سَمِعَهُ مِنْ قَوْمِهِ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ.
وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ الْخَيَّاطُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ: حَدَّثَنَا الْحَيُّ «عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْعِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا رَبِحَ فِيهِ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ دِينَارًا إلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاةً ثُمَّ بَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى شَاةً بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَتِك؛ فَأَمَّا الشَّاةُ فَضَحِّ بِهَا، وَأَمَّا الدِّينَارُ فَتَصَدَّقْ بِهِ» وَقَوْلُك لَا انْعِقَادَ إلَّا بِالْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ، إنْ أَرَدْت لَا انْعِقَادَ عَلَى وَجْهِ النَّفَاذِ سَلَّمْنَاهُ وَلَا يَضُرُّ، وَإِنْ أَرَدْت لَا انْعِقَادَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ إلَى أَنْ يَرَى الْمَالِكُ مَصْلَحَةً فِي الْإِجَازَةِ فَيُجِيزَ فِعْلَهُ أَوْ عَدَمَهَا فَيُبْطِلَهُ مَمْنُوعٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِهِ وَهُوَ تَحَقُّقُ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ لِكُلٍّ مِنْ الْعَاقِدِ وَالْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا مَانِعٍ شَرْعِيٍّ فَيَدْخُلُ ثُبُوتُهُ فِي الْعُمُومَاتِ.
أَمَّا تَحَقُّقُ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّ الْمَالِكَ يَكْفِي مُؤْنَةَ طَلَبِ الْمُشْتَرِي وَوُفُورَ الثَّمَنِ وَقَرَارَهُ وَنَفَاقَ سِلْعَتِهِ وَرَاحَتَهُ مِنْهَا وَوُصُولَهُ إلَى الْبَدَلِ الْمَطْلُوبِ لَهُ الْمَحْبُوبِ وَالْمُشْتَرِي وُصُولُهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ وَدَفْعُهَا بِالْمَبِيعِ وَارْتِفَاعِ أَلَمِ فَقْدِهَا إذَا كَانَ مُهِمًّا لَهُ وَالْعَاقِدُ يَصُونُ كَلَامَهُ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَالْإِهْدَارِ بَلْ وَحُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ إذَا نَوَى الْخَيْرَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى حُصُولِ الرِّفْقِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ خَيْرًا لِكُلٍّ مِنْ جَمَاعَةِ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَانَ الْإِذْنُ فِي هَذَا الْعَقْدِ ثَابِتًا دَلَالَةً، إذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ لَهُ بِلَا ضَرَرٍ يَشِينُهُ أَصْلًا وَبِالْعُمُومَاتِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ وَصَارَ كَالْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَدْيُونِ،
(7/52)

وَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ وَقَدْ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ، إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ لِلْمَالِكِ مَعَ تَخْيِيرِهِ، بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ حَيْثُ يَكْفِي مُؤْنَةُ طَلَبِ الْمُشْتَرِي وَقَرَارُ الثَّمَنِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَفْعُ الْعَاقِدِ لِصَوْنِ كَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَفِيهِ نَفْعُ الْمُشْتَرِي فَثَبَتَ لِلْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ، كَيْفَ وَإِنَّ الْإِذْنَ ثَابِتٌ دَلَالَةً لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَأْذَنُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُسْتَغْرِقِ وَبِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا حَيْثُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْإِجْمَاعِ، فَهَذَا أَصْلٌ لِقِيَاسٍ صَحِيحٍ.
لَا يُقَال: فَإِذَا ثَبَتَ الْإِذْنُ دَلَالَةً يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ الْعَقْدُ. لِأَنَّا نَقُولُ: الثَّابِتُ دَلَالَةً مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ الِانْعِقَادُ مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ الْمَالِكِ فَثَبَتَ بِهَذَا الْقَدْرِ.
فَأَمَّا نَفَاذُهُ بِلَا رَأْيِهِ فَفِيهِ إضْرَارٌ بِهِ، إذْ قَدْ لَا يُرِيدُ بَيْعَهُ فَيَثْبُتُ، بِخِلَافِ بَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ، فَإِنَّ الطَّيْرَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ أَصْلًا قَبْلَهُ وَمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، وَبَيْعُ الْآبِقِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا وَهُوَ عِنْدَنَا مُفِيدٌ لِلْمِلْكِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَعَدَمُ تَوَقُّفِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ وَلَوْ بِمَالٍ لِحَقِّ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ أَنْزَلَهُ كَالْمَجْنُونِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا إذْ صَحَّ تَوْكِيلُهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، وَطَلَاقُ الْمَرْأَةِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ شُرِعَ لِلتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاوُنِ وَانْتِظَامِ الْمَصَالِحِ فَلِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ ذَلِكَ مِنْهُ لَا عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ وَلَا عَلَى إجَازَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَإِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ أَوْ إجَازَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَلْغُوَ لِعَدَمِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَهُوَ الْمِلْكُ.
قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَرْتِيبِهِ فِي الْحَالِ عَدَمُهُ مُطْلَقًا بَلْ هُوَ مَرْجُوٌّ فَلَا يَلْزَمُ عَدَمُهُ، وَكَوْنُ مُتَعَلِّقِ الْعَقْدِ مَرْجُوًّا كَافٍ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ. وَعَنْ هَذَا صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالشَّرْطِ، وَإِلَّا فَلَا وُقُوعَ فِي الْحَالِ وَلَا يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُلْغَى، لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى صَحَّ وَانْعَقَدَ سَبَبًا فِي الْحَالِ مُضَافًا أَوْ عِنْدَ الشَّرْطِ كَقَوْلِنَا هَذَا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (تَصَرُّفُ تَمْلِيكٍ) مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ، وَالْإِضَافَةِ فِي مِثْلِهِ بَيَانِيَّةٌ: أَيْ تَصَرُّفٌ هُوَ تَمْلِيكٌ وَحَرَكَةٌ هِيَ إعْرَابٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ هُنَا لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ تَتَوَقَّفُ عِنْدَنَا إذَا صَدَرَتْ، وَلِلتَّصَرُّفِ مُجِيزٌ: أَيْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِجَازَةِ سَوَاءٌ كَانَ تَمْلِيكًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّزَوُّجِ أَوْ إسْقَاطًا، حَتَّى لَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَةَ غَيْرِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَأَجَازَ طَلُقَتْ وَانْعَقَدَ، وَكَذَا سَائِرُ الْإِسْقَاطَاتِ لِلدُّيُونِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْفُضُولِيِّ بِالشِّرَاءِ فَفِي شِرَاءِ الْفُضُولِيِّ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَطَرِيقُهُ الْخِلَافُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْ هَذَا لِفُلَانٍ فَقَالَ الْمَالِكُ بِعْت فَقَالَ الْفُضُولِيُّ قَبِلْت لِأَجْلِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ، أَمَّا إذَا قَالَ الْفُضُولِيُّ اشْتَرَيْت هَذَا لِأَجْلِ فُلَانٍ فَقَالَ بِعْت أَوْ قَالَ الْمَالِكُ ابْتِدَاءً بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ لِأَجْلِ فُلَانٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت نَفَذَ عَلَى الْفُضُولِيِّ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى إجَازَة فُلَانٍ لِأَنَّهُ وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يَتَوَقَّفُ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِ ظَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إيقَافِهِ إلَى رِضَا الْغَيْرِ.
وَقَوْلُهُ لِأَجْلِ فُلَانٍ
(7/53)

قَالَ (وَلَهُ الْإِجَازَةُ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا وَالْمُتَعَاقِدَانِ بِحَالِهِمَا) لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِهِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَحْتَمِلُ لِأَجْلِ شَفَاعَتِهِ أَوْ رِضَاهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لَمْ يَجِدْ نَفَاذًا (قَوْلُهُ وَلَهُ الْإِجَازَةُ) أَيْ لِلْمَالِكِ (إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا) وَهُوَ الْمَبِيعُ (وَ) كَذَا (الْمُتَعَاقِدَانِ) وَهُمَا الْفُضُولِيُّ وَاَلَّذِي خَاطَبَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ أَرْبَعَةٍ: الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمَالِكِ حَتَّى لَوْ مَاتَ لَا تَصِحُّ إجَازَةُ الْوُرَّاثِ كَمَا سَنَذْكُرُ، هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا: أَيْ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ وَهَذَا (لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْعَقْدِ) الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ هَذَا التَّصَرُّفِ وَقِيَامُهُ (بِقِيَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمَالِكَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْهُ وَهُوَ فَرْعُ وُجُودِهِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ. عَقْدُ الْفُضُولِيِّ فِي حَقِّ وَصْفِ الْجَوَازِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَأَخَذَتْ الْإِجَازَةُ حُكْمَ الْإِنْشَاءِ، وَلَا بُدَّ فِي الْإِنْشَاءِ مِنْ قِيَامِ الْأَرْبَعَةِ، وَبِالتَّفْصِيلِ شَرْطُ بَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ فِيهِ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ بَعْدَ الْهَلَاكِ وَالْمُشْتَرِي لِيَلْزَمهُ الثَّمَنُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ حَالَ أَهْلِيَّتِهِ وَالْبَائِعُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْإِجَازَةِ وَلَا تَلْزَمُ
(7/54)

وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ كَانَ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا لَهُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَلِلْفُضُولِيِّ أَنْ يَفْسَخَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ دَفْعًا لِلْحُقُوقِ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ مَحْضٌ، هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَإِنْ كَانَ عَرْضًا مُعَيَّنًا إنَّمَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إذَا كَانَ الْعَرْضُ بَاقِيًا أَيْضًا. ثُمَّ الْإِجَازَةُ إجَازَةُ نَقْدٍ لَا إجَازَةُ عَقْدٍ حَتَّى يَكُونَ الْعَرْضُ الثَّمَنُ مَمْلُوكًا لِلْفُضُولِيِّ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ وَالشِّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَّا حَيًّا وَالْمَالِكُ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَكُونُ مِنْهُ لَا مِنْ وَارِثِهِ.

(وَإِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ صَارَ) الْمَبِيعُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي (وَالثَّمَنَ مَمْلُوكًا لَهُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ، فَلَوْ هَلَكَ لَا يَضْمَنُهُ (كَالْوَكِيلِ فَإِنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِهَا صَارَ تَصَرُّفُهُ نَافِذًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْمُشْتَرِي إذَا أَجَازَ الْمَالِكُ لَا يَنْفُذُ بَلْ يَبْطُلُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَهَذَا بِسَبَبِ أَنَّ الْمِلْكَ الْبَاتَّ إذَا طَرَأَ عَلَى الْمَوْقُوفِ وَهُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْفُضُولِيِّ يَبْطُلُ الْمَوْقُوفُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ وَطِئَهَا مَوْلَاهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَاتَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ تَوَقَّفَ النِّكَاحُ إلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ مِلْكٌ بَاتٌّ لِلْوَارِثِ فِي الْبُضْعِ لِيَبْطُلَ، وَهَذَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْوَارِثِ بِكَوْنِهِ مِنْ الْوِلَادِ، بِخِلَافِ نَحْوِ ابْنِ الْعَمِّ (وَلِلْفُضُولِيِّ) أَيْ فِي الْبَيْعِ (أَنْ يَفْسَخَ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَالِكِ) حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ لَا يَنْفُذُ لِزَوَالِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ (لِيَدْفَعَ الْحُقُوقَ عَنْ نَفْسِهِ) فَإِنَّهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ يَصِيرُ كَالْوَكِيلِ فَتَرْجِعُ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِالتَّسْلِيمِ وَيُخَاصَمُ فِي الْعَيْبِ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ فَلَهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاحِ) لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ (لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ مَحْضٌ) أَيْ كَنَاقِلِ عِبَارَةٍ، فَبِالْإِجَازَةِ تَنْتَقِلُ الْعِبَارَةُ إلَى الْمَالِكِ فَتَصِيرُ الْحُقُوقُ مَنُوطَةً بِهِ لَا بِالْفُضُولِيِّ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالْإِجَازَةِ ضَرَرُ تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ.
وَقَدْ ثَبَتَ لِلْمَالِكِ وَالْوَلِيِّ حَقٌّ أَنْ يُجِيزَ، وَكَذَا بِالْفِعْلِ كَأَنْ زَوَّجَ امْرَأَةً بِرِضَاهَا مِنْ غَائِبٍ فَقَبْلَ أَنْ يُجِيزَ زَوَّجَهُ أُخْتَهَا تَوَقَّفَ الْعَقْدُ الثَّانِي أَيْضًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ بَعْدَ عَقْدِهِ فُضُولًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ أُخْتَهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ يَبْطُلُ لِطُرُوءِ الْبَاتِّ عَلَى الْمَوْقُوفِ (هَذَا) الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيمَا (إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا) بِأَنْ بَاعَ الْفُضُولِيُّ مِلْكَ غَيْرِهِ بِعَرْضٍ مُعَيَّنٍ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ اُشْتُرِطَ قِيَامُ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَخَامِسٍ وَهُوَ ذَلِكَ الثَّمَنُ الْعَرْضُ.
وَإِذَا أَجَازَ مَالِكُ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنُ عَرْضٌ فَالْفُضُولِيُّ يَكُونُ بِبَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ مُشْتَرِيًا بِالْعَرْضِ مِنْ وَجْهٍ، وَالشِّرَاءُ لَا يَتَوَقَّفُ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فَيَنْفُذُ عَلَى الْفُضُولِيِّ فَيَصِيرُ مَالِكًا لِلْعَرْضِ، وَاَلَّذِي تُفِيدُهُ الْإِجَازَةُ أَنَّهُ أَجَازَ لِلْفُضُولِيِّ أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَرْضِ مِنْ مَالِهِ كَأَنَّهُ قَالَ اشْتَرِ هَذَا الْعَرْضَ لِنَفْسِك وَانْقُدْ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِي هَذَا قَرْضًا عَلَيْك، فَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا كَثَوْبٍ أَوْ جَارِيَةٍ فَقِيمَتُهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا لِلْجَارِيَةِ أَوْ الثَّوْبِ، وَالْقَرْضُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْقِيَمِيَّاتِ لَكِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ
(7/55)

(وَلَوْ هَلَكَ الْمَالِكُ) لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَرِّثِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ. وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا يَعْلَمُ حَالَ الْمَبِيعِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوَّلًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامَهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لِأَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي شَرْطِ الْإِجَازَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَصْدًا، وَهُنَا إنَّمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا مُقْتَضًى لِصِحَّةِ الشِّرَاءِ فَيُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُ صِحَّةِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ الشِّرَاءُ لَا غَيْرُ، كَالْكَفِيلِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَصِيرُ مُقْرِضًا حَتَّى يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ ثَوْبًا لِأَنَّ الثَّوْبَ مِثْلِيٌّ فِي بَابِ السَّلَمِ، فَكَذَا فِيمَا جُعِلَ تَبَعًا لَهُ.
فَكَذَا هُنَا إذْ لَا صِحَّةَ لِشِرَاءِ الْعَبْدِ إلَّا بِقَرْضِ الْجَارِيَةِ، وَالشِّرَاءُ مَشْرُوعٌ فَمَا فِي ضِمْنِهِ يَكُونُ مَشْرُوعًا، هَذَا وَإِنَّمَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يُضِفْهُ إلَى آخَرَ وَوَجَدَ الشِّرَاءُ النَّفَاذَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْبِقْ بِتَوْكِيلٍ لِلْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ، فَأَمَّا إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالشِّرَاءُ يَتَوَقَّفُ وَفِي الْوَكَالَةِ يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَجَازَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لَهُ أَوْ لَمْ يُجِزْ، أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى آخَرَ بِأَنْ قَالَ لِلْبَائِعِ بِعْ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا فَقَالَ بِعْت وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي هَذَا الْبَيْعَ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ.

وَقَوْلُهُ (وَلَوْ هَلَكَ الْمَالِكُ لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى إجَازَةِ الْغَائِبِ الْكَبِيرِ جَازَتْ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ الْإِعَادَةِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ الْقِسْمَةُ مُبَادَلَةٌ كَالْبَيْعِ فَلَا تَجُوزُ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ هُوَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ مُقَدَّمٌ. وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَهُ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ أَيَّهُمَا شَاءَ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ، وَأَيَّهُمَا اخْتَارَ بَرِئَ الْآخَرُ مِنْ الضَّمَانِ لِتَضَمُّنِ التَّضْمِينِ تَمْلِيكًا، فَإِذَا مَلَكَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يُتَصَوَّرُ تَمْلِيكُهُ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِيَ بَطَلَ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْفُضُولِيِّ لَا بِمَا ضَمِنَ.
وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْبَائِعِ نُظِرَ إنْ كَانَ قَبَضَ الْبَائِعُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ يَنْفُذُ بَيْعُهُ لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِ وَهُوَ غَصْبُهُ تَقَدَّمَ عَقْدُهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ أَمَانَةً، وَإِنَّمَا صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالتَّسْلِيمِ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِ تَأَخَّرَ عَنْ عَقْدِهِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِتَضْمِينِ الْبَائِعِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَهُ أَوَّلًا حَتَّى صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ثُمَّ بَاعَهُ فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ، هَذَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنِ دَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ بِعَيْنٍ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ فَلَا تَلْحَقُهُ إجَازَةٌ وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَضْمَنُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ الْعَرْضِ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
(وَلَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا يَعْلَمُ حَالَ الْمَبِيعِ جَازَ الْبَيْعُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ) ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَعْلَمَ قِيَامُهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ لِأَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ
(7/56)

قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ) اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» وَالْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَلَوْ ثَبَتَ فِي الْآخِرَةِ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتِقَ الْغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانَ، وَلَا أَنْ يُعْتِقَ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزُ الْبَائِعُ ذَلِكَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي شَرْطِ الْإِجَازَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَجَازَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْبَيْعَ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ) كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا، لَكِنَّهُمْ أَثْبَتُوا خِلَافَهُ مَعَ زُفَرَ فِي بُطْلَانِ الْعِتْقِ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي جَرَتْ الْمُحَاوَرَةُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابُ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَا رَوَيْت لَك عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا رَوَيْت أَنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ؛ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَلْ رَوَيْت لِي أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ. وَإِثْبَاتُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِحَّةِ الْعِتْقِ بِهَذَا لَا يَجُوزُ لِتَكْذِيبِ الْأَصْلِ الْفَرْعَ صَرِيحًا. وَأَقَلُّ مَا هُنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: هَذِهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَنَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ، وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالُوا: وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ قِيَاسٌ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانٌ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا عِتْقَ بِلَا مِلْكٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (وَالْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ) وَقْتَ الْعِتْقِ (وَلَوْ ثَبَتَ فِي الْآخِرَةِ) أَيْ عِنْدَ الْإِجَازَةِ (ثَبَتَ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ) وَقْتَ الْعِتْقِ (مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالْمُصَحِّحُ لِلْإِعْتَاقِ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ سَلَف تَخْرِيجُهُ.
(وَلِهَذَا) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ الْمِلْكُ الْكَامِلُ (لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتِقَهُ الْغَاصِبُ ثُمَّ يُؤَدِّيَ الضَّمَانُ وَلَا الْمُشْتَرِي) يَشْرِطُ (الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ يُجِيزُ لِلْبَائِعِ) الْبَيْعُ
(7/57)

وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَسْرَعُ نَفَاذًا حَتَّى نَفَذَ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ مَوْقُوفًا بِتَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَوَقَّفَ الْإِعْتَاقُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ فَصَارَ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ وَكَإِعْتَاقِ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ بِالدُّيُونِ يَصِحُّ، وَيَنْفُذُ إذَا قَضَى الدُّيُونَ بَعْدَ ذَلِكَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَكَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ أَسْرَعُ نَفَاذًا) مِنْ الْعِتْقِ (حَتَّى نَفَذَ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ) بَعْدَ أَنْ بَاعَ (وَكَذَا لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ) وَلَا الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ حَتَّى إذَا أُجِيزَ لَا يَقَعُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَكُلٌّ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ فِي الْحَاجَةِ إلَى الْمِلْكِ عَلَى السَّوَاءِ، وَكَذَا إذَا جَعَلَ فُضُولِيٌّ أَمْرَ امْرَأَةِ رَجُلٍ بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ أَجَازَ الزَّوْجُ لَا تَطْلُقُ بَلْ يَثْبُتُ التَّفْوِيضُ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا الْآنَ طَلُقَتْ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَا.
(وَلَهُمَا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ مَوْقُوفًا بِتَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ) أَوَّلَ الْبَابِ (فَيَثْبُتُ الْإِعْتَاقُ مَوْقُوفًا مُرَتَّبًا عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ) وَمُطْلَقٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَخَرَجَ جَوَابُ قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ عِتْقَ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مُطْلَقٍ إذْ الْخِيَارُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَا بَاتًّا وَلَا مَوْقُوفًا، وَقَدْ يُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْفَتْحُ أَصَحُّ، وَبِمَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْغَصْبِ؛ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ لَا يَنْفُذُ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَعْتَقَ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ، عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ لَيْسَ سَبَبًا مَوْضُوعًا لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ إنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ ضَرُورَةَ أَدَاءِ الضَّمَانِ فَهُوَ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يُعْتَبَرَ سَبَبًا لَا أَنَّهُ وُضِعَ سَبَبًا فَيُقْتَصَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا أُجِيزَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ فَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِبُطْلَانِ عَقْدِهِ بِالْإِجَازَةِ، فَإِنَّ بِهَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي بَاتًّا، وَالْمِلْكُ الْبَاتُّ إذَا وَرَدَ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَبْطَلَهُ.
وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ مَوْلَاهُ لِلْغَاصِبِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ فَوَرِثَهُ فَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْبَاتِّ مَعَ الْمَوْقُوفِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهٍ يَطْرَأُ فِيهِ الْبَاتُّ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ فِيهِ مِلْكٌ بَاتٌّ وَعَرَضَ مَعَهُ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ (وَصَارَ كَإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ) فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ فَكِّ الرَّهْنِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ إعْتَاقٌ فِي بَيْعٍ مَوْقُوفٍ (وَكَإِعْتَاقِ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ يَصِحُّ ثُمَّ يَنْفُذُ إذَا قَضَى الدَّيْنَ.
(7/58)

بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْغَاصِبِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْغَصْبَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، وَقِرَانُ الشَّرْطِ بِهِ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ أَصْلًا، وَبِخِلَافِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا بَاعَ لِأَنَّ بِالْإِجَازَةِ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ مِلْكٌ بَاتٌّ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَهُ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَأَمَّا) عِتْقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ (إذَا أَدَّى الْغَاصِبُ الضَّمَانَ) فَنَقُولُ (يَنْفُذُ) كَذَا ذَكَرَهُ هِلَالُ الرَّأْيِ ابْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ فِي وَقْفِهِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي يُوسُفَ.
ذَكَرَ فِيمَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَاعَهَا فَوَقَفَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَدَّى الْغَاصِبُ ضَمَانَهَا حَتَّى مَلَكَ قَالَ يَنْفُذُ وَقْفُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْعِتْقُ أَوْلَى، وَأَمَّا عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ وَفِي التَّفْوِيضِ الْمَوْقُوفِ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ جُعِلَ شَرْعًا سَبَبًا لِحُكْمٍ إذَا وُجِدَ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَمْ يَسْتَعْقِبْ حُكْمَهُ وَتَوَقَّفْ إنْ كَانَ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ جُعِلَ مُعَلَّقًا وَإِلَّا احْتَجْنَا إلَى أَنْ نَجْعَلَهُ سَبَبًا فِي الْحَالِ مُتَأَخِّرًا حُكْمُهُ إنْ أَمْكَنَ فَالْبَيْعُ لَيْسَ مِمَّا يُعَلَّقُ فَيُجْعَلُ سَبَبًا فِي الْحَالِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْإِجَازَةِ ظَهَرَ أَثَرُهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ وَلِذَا مَلَكَ الزَّوَائِدَ.
وَأَمَّا التَّفْوِيضُ فَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ فَجَعَلْنَا الْمَوْجُودَ مِنْ الْفُضُولِيِّ مُعَلَّقًا بِالْإِجَازَةِ فَعِنْدَهَا يَثْبُتُ التَّفْوِيضُ لِلْحَالِ لَا مُسْتَنِدًا فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا مِنْ وَقْتِ الْإِجَازَةِ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَا يَتَعَلَّقُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَالِ التَّوَقُّفِ سَبَبًا لِمِلْكِ الطَّلَاقِ بَلْ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ الْمُسْتَعْقَبِ لَهُ إذَا ثَبَتَ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَجْلِ صِحَّةِ الطَّلَاقِ مَقْصُودًا
(7/59)

قَالَ (فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ فَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ فَالْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي) لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَمَّ لَهُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ يَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَأَخَذَ الْأَرْشَ ثُمَّ رُدَّ فِي الرِّقِّ يَكُونُ الْأَرْشُ لِلْمَوْلَى، فَكَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُشْتَرَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أُجِيزَ الْبَيْعُ فَالْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِضِدِّ ذَلِكَ مِنْ انْتِظَامِ الصَّالِحِ بَيْنَهُمَا لَا لِوُقُوعِ الشَّتَاتِ بِالْفُرْقَةِ فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمَقْصُودِ أَوَّلًا وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ لَيْسَ إلَّا لِصِحَّةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ مَقْصُودًا لِصِحَّةِ الْعَتَاقِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا عِتْقَ " الْحَدِيثُ النَّافِذُ فِي الْحَالِ، وَغَايَةُ مَا يُفِيدُ لُزُومَ الْمِلْكِ لِلْعِتْقِ وَهُوَ ثَابِتٌ هُنَا فَإِنَّا لَمْ نُوقِعْهُ قَبْلَ الْمِلْكِ.
فَحَاصِلُ الْخِلَافِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي يَرْجِعُ إلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمِلْكُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ لَا فِي مِلْكٍ فَيَبْطُلُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، وَعِنْدَهُمَا يُوجِبُهُ مَوْقُوفًا لِأَنَّ الْأَصْلَ اتِّصَالُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ وَالتَّأْخِيرِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ وَالضَّرَرِ فِي نَفَاذِ الْمِلْكِ لَا فِي تَوَقُّفِهِ، وَبَعْدُ فَالْمُقَدِّمَةُ الْقَائِلَةُ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْإِعْتَاقِ الْمِلْكُ الْكَامِلُ لَمْ يُصَرَّحْ فِيهَا بِدَفْعٍ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَخْرَجَ مِنْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَنْعٌ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ كَامِلٍ وَقْتَ ثُبُوتِهِ بَلْ وَقْتُ نَفَاذِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ

(قَوْلُهُ فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ) أَيْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَاصِبِهِ. وَحَاصِلُ وُجُوهِ هَذِهِ
(7/60)

عَلَى مَا مَرَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ مَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ثُمَّ يُجِيزَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْغَاصِبِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْتِقَهُ وَلَكِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوَهُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَرْشِ فَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْغَاصِبِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ هَذَيْنِ وَلَكِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْغَاصِبِ وَهُوَ الَّذِي يَلِي هَذَا الْفَرْعَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ثُمَّ أَجَازَ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ فُرُوعٍ تَتَفَرَّعُ عَلَى إجَازَةِ بَيْعِ الْغَاصِبِ: أَوَّلُهَا مَا إذَا أَجَازَ بَيْعَ الْغَاصِبِ بَعْدَ عِتْقِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَهِيَ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا.
وَالثَّانِي مَا إذَا أَجَازَ بَيْعَ الْغَاصِبِ بَعْدَ أَنْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً فَأَخَذَ أَرْشَهَا فَإِنَّ الْأَرْشَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ لِأَنَّ قَطْعَ يَدِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ إذَا لَمْ يَفُتْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِقَطْعِهَا.
بِخِلَافِ مَوْتِهِ فَإِذَا لَحِقَتْهُ الْإِجَازَةُ ظَهَرَ أَنَّهُ قُطِعَ فِي مِلْكِهِ فَيَسْتَحِقُّ أَرْشَ يَدِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ سَبَبًا لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قُطِعَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ أَدَّى الضَّمَانَ فَمَلَكَ الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ الزَّوَائِدُ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَمْ يُوضَعْ سَبَبًا لِلْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ مُسْتَنِدًا لِوَقْتِ الْغَصْبِ
(7/61)

(وَيَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ. قَالَ: فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَيَظْهَرُ فِي الْمُتَّصِلِ لَا الْمُنْفَصِلِ ثُمَّ (يَتَصَدَّقُ) هَذَا الْمُشْتَرِي (بِمَا زَادَ) مِنْ أَرْشِ الْيَدِ (عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ أَيْ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ (لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ) لَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيَّ نِصْفَهُ وَاَلَّذِي دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ هُوَ مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ، فَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ يَكُونُ رَبِحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَهَذَا لِأَنَّ أَرْشَ يَدِ الْعَبْدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَالْحُرُّ نِصْفُ دِيَتِهِ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الثَّمَنِ فَلَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ (فِيهِ شُبْهَةَ عَدَمِ الْمِلْكِ) لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْأَرْشِ يَثْبُتُ يَوْمَ الْقَطْعِ مُسْتَنِدًا إلَى يَوْمِ الْبَيْعِ وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ لَوْ وَجَبَ التَّصَدُّقُ لِشُبْهَةِ عَدَمِ الْمِلْكِ فِي الزَّوَائِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْكُلِّ، لِأَنَّ فِي الْكُلِّ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ لِعَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي بَيَانِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْمِلْكِ فِي الزَّوَائِدِ. وَلَوْ قِيلَ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ إنَّمَا تُؤْثِرُ الْمَنْعَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا بِانْفِرَادِهِ دُفِعَ بِأَنَّ كَوْنَهُ لَمْ يَضْمَنْ يَسْتَقِلُّ بِالْمَنْعِ اتِّفَاقًا فَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْمِلْكِ إذْ لَا تُفِيدُ شَيْئًا.
وَوَزَّعَ فِي الْكَافِي الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مَقْبُوضًا وَأَخَذَ الْأَرْشَ يَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ رِبْحٌ مَا لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّ الْعَبْدَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَ الْأَرْشَ بَعْد الْقَبْضِ فَفِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ أَيْ الْمِلْكُ حَقِيقَةً وَقْتَ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَكَانَ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ أَعْتَقَ الْعَبْدَ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى بَيْعَ الْغَاصِبِ كَانَ الْأَرْشُ لِلْعَبْدِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذِهِ أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هُوَ (حُجَّةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ) يَعْنِي كَوْنُ الْأَرْشِ لِلْمُشْتَرِي حُجَّةً عَلَى مُحَمَّدٍ فِي عَدَمِ تَجْوِيزِهِ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ إعْتَاقٌ فِي مِلْكٍ مَوْقُوفٍ، وَهَذَا اسْتِحْقَاقُ أَرْشٍ مَمْلُوكٍ بِمِلْكٍ مَوْقُوفٍ (وَالْعُذْرُ لَهُ) أَيْ جَوَابُهُ بِالْفَرْقِ (بِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ وَجْهٍ يَكْفِي لِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ كَالْمُكَاتَبِ) إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ فَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ عَجَزَ فَ (رُدَّ فِي الرِّقِّ فَإِ) نَّ (الْأَرْشَ لِلْمَوْلَى) مَعَ أَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ حَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَكَذَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَجَازَ) الْبَائِعُ (الْبَيْعَ) يَكُونُ (الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا مَرَّ) حَيْثُ لَا يَكْفِي فِيهِ إلَّا الْمِلْكُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَالثَّالِثُ مِنْ الْفُرُوعِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ) أَيْ بَيْعَ الْغَاصِبِ
(7/62)

لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْعُ يَفْسُدُ بِهِ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْغَرَرُ.

قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ شُرُوطِهَا قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِالْقَتْلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ) أَيْ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مِنْ الْآخَرِ (لِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَثْبُتُ لِلْبَائِعِ مِلْكًا بَاتًّا إلَى آخِرِهِ (وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ الِانْفِسَاخِ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ) أَيْ بَيْعِ الْغَاصِبِ (بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِعْتَاقَ (لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ غَرَرُ) الِانْفِسَاخِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ قَبْضِهِ يَجُوزُ، وَلَوْ بَاعَهُ لَا يَجُوزُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الْبَيْعُ كَمَا يَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ. وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ شَامِلٌ لِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ مُطْلَقًا غَاصِبًا أَوْ غَيْرَ غَاصِبٍ، إذْ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا وَتَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ هُنَاكَ مُعَارِضًا لِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ مُرَجِّحًا عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحَقُّقِ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ مِنْ غَيْرِ شَائِبَةِ ضَرَرٍ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ ثَابِتًا فِي الْبَيْعِ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ حَتَّى يَطْلُبَ مُشْتَرِيًا آخَرَ فَتَجَرُّدُ الْبَيْعِ الثَّانِي عُرْضَةٌ لِلِانْفِسَاخِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ الْمُعَارِضِ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ مُجَرَّدُ غَرَرِ الِانْفِسَاخِ بِلَا اعْتِبَارِ النَّفْعِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعٌ أَصْلًا، لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ خُصُوصًا فِي الْمَنْقُولَاتِ لِجَوَازِ هَلَاكِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَنْفَسِخُ فَالْمُعْتَبَرُ مَانِعًا غَرَرُ الِانْفِسَاخِ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ نَفْعًا.
وَفَرَّقَ الْعَتَّابِيُّ بِغَيْرِ هَذَا بَيْنَ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ وَبَيْنَ بَيْعِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْهُ لِلْمِلْكِ فَهُوَ مُقَرَّرٌ لِلْمِلْكِ حُكْمًا، وَالْمُقَرَّرُ لِلشَّيْءِ مِنْ حُقُوقِهِ فَجَازَ أَنْ يَتَوَقَّفَ بِتَوَقُّفِهِ وَالْبَيْعُ إزَالَةٌ لَهُ بِلَا إنْهَاءٍ فَكَانَ ضِدًّا مَحْضًا لِحُكْمِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِهِ وَلَا يَنْفُذُ بِنَفَاذِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَعْتَقَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ، وَلَوْ بَاعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَا يَرْجِعُ

وَالرَّابِعُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الْمُشْتَرِي وَ) لَكِنْ (مَاتَ فِي يَدِهِ أَوْ قُتِلَ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ؟ لَمْ يَجُزْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ
(7/63)

إذْ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي بِالْقَتْلِ حَتَّى يُعَدَّ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الْبَدَلِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَتْلِ مِلْكًا يُقَابَلُ بِالْبَدَلِ فَتَحَقَّقَ الْفَوَاتُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ثَابِتٌ فَأَمْكَنَ إيجَابُ الْبَدَلِ لَهُ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ قَائِمًا بِقِيَامِ خَلَفِهِ.

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْبَيْعِ وَأَرَادَ رَدَّ الْمَبِيعِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ) لِلتَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى، إذْ الْإِقْدَامُ عَلَى الشِّرَاءِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ، وَالْبَيِّنَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى (وَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَرْطِهَا قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ) وَهَذَا فِي الْمَوْتِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرْ إيجَابَ الْبَدَلِ لِلْمُشْتَرِي بِالْقَتْلِ فَيَكُونُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاقِيًا بِبَقَاءِ بَدَلِهِ فَتَصِحُّ الْإِجَازَةُ كَمَا فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ إذَا قُتِلَ فِيهِ الْعَبْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ كَمَا يَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، بَلْ يَجْعَلُ قِيَامَ بَدَلِهِ كَقِيَامِهِ فَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَخْتَارَ الْبَيْعَ فَيَدْفَعَ الثَّمَنَ وَيَرْجِعَ بِبَدَلِ الْعَبْدِ عَلَى قَاتِلِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَهُ فَيَصِيرَ إلَى الْبَائِعِ فَدَارَ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ حَالَ الْقَتْلِ مِلْكًا يُقَابَلُ بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مَوْقُوفٌ، وَالْمِلْكُ الْمَوْقُوفُ لَا يُقَابَلُ بِالْبَدَلِ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ) قَوْلُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَيْسَ مِنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ صُورَتُهَا: بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ مِنْ رَجُلٍ فَأَقَامَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ مَالِكُهُ بِبَيْعِهِ أَوْ أَقَامَ عَلَى قَوْلِ رَبِّ الْعَبْدِ ذَلِكَ وَأَرَادَ بِذَلِكَ رَدَّ الْعَبَدِ فَإِنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ لِلتَّنَاقُضِ عَلَى الدَّعْوَى، إذْ الْإِقْدَامُ عَلَى الشِّرَاءِ دَلِيلُ دَعْوَاهُ صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَدَعْوَاهُ إقْرَارُهُ بِعَدَمِ الْأَمْرِ يُنَاقِضُهُ، إذْ هُوَ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الْبَيْعَ وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ يُبْنَى عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى فَحَيْثُ لَمْ تَصِحَّ لَمْ تُقْبَلْ؛ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بَلْ ادَّعَى الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيْعِهِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي أَمَرَك أَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي عَدَمَ الْأَمْرِ فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي الْأَمْرَ لِأَنَّ الْآخَرَ مُنَاقِضٌ، إذْ إقْدَامُهُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ دَلِيلُ اعْتِرَافِهِ بِالصِّحَّةِ وَقَدْ نَاقَضَ بِدَعْوَاهُ عَدَمَ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ الْآخَرِ، وَلِذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ لَا الْبَاطِلَةِ.
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ الْبَائِعُ عِنْدَ الْقَاضِي بِذَلِكَ حَيْثُ يَحْكُمُ بِالْبُطْلَانِ، وَالرَّدِّ إنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَلِذَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ إنْكَارِهِ إيَّاهُ، إلَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ: يَعْنِي إنَّمَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً، فَإِذَا وَافَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عَلَيْهِمَا فَلِذَا شَرَطَ طَلَبَ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَكُونَ نَقْضًا بِاتِّفَاقِهِمَا لَا بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الْبَائِعِ، وَالْمُرَادُ بِفَسْخِ الْقَاضِي أَنَّهُ يُمْضِي إقْرَارَهُمَا لَا أَنَّ الْفَسْخَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ وَفُرُوعِهَا أَنَّ صَاحِبَ الْعَبْدِ إذَا حَضَرَ وَصَدَّقَهُمَا نَفَذَ الْفَسْخُ فِي حَقِّهِ
(7/64)

بَطَلَ الْبَيْعُ إنْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّنَاقُضَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا، فَلِهَذَا شَرَطَ طَلَبَ الْمُشْتَرِي. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا صَدَّقَ مُدَّعِيَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لِلْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ. وَفَرَّقُوا أَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَتَقَرَّرَ، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا وَقَالَ كُنْت أَمَرْته كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ إقْدَامَهُمَا إقْرَارٌ مِنْهُمَا بِالْأَمْرِ فَلَا يَعْمَلُ رُجُوعُهُمَا فِي حَقِّهِ، وَيَغْرَمُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ لَهُ وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْبَائِعِ لَا لَهُ، وَيَبْطُلُ عَنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنُ لِلْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لِلْآمِرِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ يَمْلِكُ إبْرَاءَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَيَمْلِكُ الْإِقَالَةَ بِغَيْرِ رِضَا الْآمِرِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمْلِكُ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ) إلَى آخِرِهِ. صُورَةُ مَسْأَلَةِ الزِّيَادَاتِ: اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَبَضَهَا وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ ادَّعَاهَا مُسْتَحِقٌّ كَانَ الْمُشْتَرِي خَصْمًا لِأَنَّهُ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي أَمَرَ بِتَسْلِيمِهَا وَلَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا لَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَا لَوْ جَحَدَ دَعْوَاهُ فَحَلَفَ فَنَكَلَ فَقَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّ نُكُولَهُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَإِقْرَارِهِ. فَرْقٌ بَيْن هَذَا وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلَهُ بِإِقْرَارِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ يَلْزَمُهُ كَرَدِّهِ بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخْتَارٌ فِي النُّكُولِ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ وُجُودِ مَا يُطَلِّقُ لَهُ الْحَلِفَ وَهُوَ الْبَيْعُ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمِلْكِ، لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا فَالِاضْطِرَارُ إنَّمَا لَحِقَهُ بِعَمَلٍ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُ نُكُولِهِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
أَمَّا الْوَكِيلُ فَمُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ إذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يُطْلِقُ لَهُ الْحَلِفَ فَإِنَّ غَيْرَ الْمَالِكِ يَخْفَى عَلَيْهِ عَيْبُ مِلْكِ الْمَالِكِ. وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ لِأَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَلْتَفِتُ
(7/65)

فِي يَدِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ أَنْ لَا يَكُونُ الْعَيْنُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي دَعْوَاهُ، لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشِّرَاءِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَبِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَبِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ نَاقَضَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ.
رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَبَضَهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ الْعَبْدَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِكَذَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ بِهِ.
وَالثَّانِيَةُ مَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا وُهِبَ لِرَجُلٍ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ الْوَاهِبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْجَارِيَةِ وَالْعُقْرِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ مَعَ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ بِهِ وَفَرَّقَ أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَاهِبِ فَالْفَرْقُ أَنَّ تَنَاقُضَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْحُرِّيَّةِ كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالتَّنَاقُضُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا قُبِلَ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا قَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُتَنَاقِضِ الْمُدَّعِي بِهَا بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالرِّقِّ وَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ لِلتَّدْبِيرِ مَثَلًا، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فِعْلُ نَفْسِهِ مِنْ اسْتِيلَادِهِ وَوَطْئِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ تَنَاقُضُهُ وَلَا يُحْكَمَ بِبَيِّنَتِهِ.
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ فَبِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ الْغَائِبِ قُبِلَ الْبَيْعُ مِنْهُ فَقَدْ أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ مِلْكُ الْغَائِبِ لِأَنَّ الْبَيْعَ إقْرَارٌ مِنْ الْبَائِعِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي. ثُمَّ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْقَاقِ لَوْ أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ قُبِلَتْ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ وَيَثْبُتُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ وَهُوَ إقْرَارُ الْبَائِعِ، وَلَوْ كَانَ مُنَاقِضًا فَالتَّنَاقُضُ يَرْتَفِعُ بِتَصْدِيقِ الْخَصْمِ وَهُوَ يُثْبِتُ بِهَذَا تَصْدِيقَ الْخَصْمِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْخَصْمِ وَلَا تُقْبَلُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ فَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ مَا لَمْ يَدَّعِ الْوُصُولَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْغَائِبِ. وَلَوْ أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْوُصُولَ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَفَرْقٌ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ، كَمَا لَا تُقْبَلُ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَسَلَامَةُ الْمَبِيعِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ فَلَا يَكُونُ مُدَّعِيًا حَقَّ الرُّجُوعِ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ: وَضَعَ فِيمَا إذَا أَخَذَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ مُدَّعِيًا لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَمَعَ هَذَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ. لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَخَذَ الْعَبْدُ مِنْ يَدِهِ، وَهَذَا هُوَ فَرْقُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مَنْظُورٌ فِيهِ بِأَنَّ وَضْعَ مَسْأَلَةِ الزِّيَادَاتِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْجَارِيَةَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَمَا أَسْمَعْتُك، فَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْجَامِعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ، أَمَّا إذَا أَقَامَهَا عَلَى إقْرَارِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ رَبَّ الْعَبْدِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْبَيْعِ فَتُقْبَلُ لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ يُنَاقِضُ دَعْوَاهُ إقْرَارَ الْبَائِعِ بِعَدَمِ الْأَمْرِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلَا يُنَاقِضُ دَعْوَاهُ إقْرَارَهُ بِعَدَمِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْبَيْعِ.
قَالَ: وَمَسْأَلَةُ
(7/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الزِّيَادَاتِ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا أَيْضًا فَتَقَعُ الْغُنْيَةُ عَنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقِيلَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ رَبِّ الْعَبْدِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَمْ تُقْبَلْ لِلتَّنَاقُضِ وَالزِّيَادَاتِ عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَمْ يَلْزَمْ التَّنَاقُضُ فَقُبِلَتْ. وَمِمَّا يُنَاسِبُ الْمَسْأَلَةَ: بَاعَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِلَا أَمْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ مَوْلَاهُ ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنْ مَوْلَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ أَوْ وَرِثَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ قَالَ مُحَمَّدٌ: تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ. وَمِنْ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ مَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْقَاضِي سَلْ الْبَائِعَ أَنَّ الْأَمَةَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَوْ لَيْسَتْ لَهُ؟ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ مَظْلُومٌ وَلَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ بِإِقْرَارِهِ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ أَلْزَمَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي تَحْلِيفَهُ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّمَا يُحَلِّفُهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْنَى لَوْ أَقَرَّ بِهِ يَلْزَمُهُ، فَإِذَا جَحَدَ يَسْتَحْلِفُ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، فَإِنَّهُ قِيلَ نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ مُنَاقِضٌ لِأَنَّ شِرَاءَهُ إقْرَارٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّ إنْكَارُ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَكَمَا لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ لَا يُسْتَحْلَفُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ. دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي الْمَأْذُونِ: اشْتَرَى عَبْدٌ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ أَنَا مَحْجُورٌ وَقَالَ الْبَائِعُ مَأْذُونٌ فَأَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى لَا تُقْبَلُ وَلَا يَسْتَحْلِفُ خَصْمَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ يَلْزَمُهُ.
وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْبَائِعِ أَنَّك مَا بِعْته مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ يَلْزَمُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي مَسْأَلَتِنَا الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُنَاقِضٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ الْعَقْدَ أَصْلًا وَلَا الثَّمَنَ، فَإِنَّ بَيْعَ مَالِ الْغَيْرِ مُنْعَقِدٌ وَبَدَلُ الْمُسْتَحِقِّ مَمْلُوكٌ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُ وَصْفَ الْعَقْدِ وَهُوَ اللُّزُومُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَكَانَ مُتَنَاقِضًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَجَعَلْنَاهُ مُنَاقِضًا فِي حَقِّ الْبَيِّنَةِ وَلَمْ نَجْعَلْهُ مُنَاقِضًا فِي حَقِّ الْيَمِينِ لِيَكُونَ عَمَلًا بِهِمَا، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَى لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، فَلَوْ لَمْ نَجْعَلْهُ مُنَاقِضًا فِي حَقِّهَا يَلْزَمُنَا أَنْ لَا نَجْعَلَهُ مُنَاقِضًا فِي حَقِّ الْيَمِينِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَأْذُونِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُنْكِرٌ لِحُكْمِ الْعَقْدِ أَصْلًا، لِأَنَّ شِرَاءَ الْمَحْجُورِ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَنِ فَكَانَ مُنَاقِضًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْخُصُومَةِ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُوَافَقَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْفَرْقِ قَالَ: وَلَوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْجَارِيَةُ وَلَكِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ، فَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ أَوْ اُسْتُحْلِفَ فَنَكَلَ وَقَضَى الْقَاضِي بِحُرِّيَّتِهَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.
أَمَّا حُرِّيَّةُ الْجَارِيَةِ فَلِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَصَحَّ إقْرَارُهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ نُكُولَهُ وَإِقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَوْلُهُ فَاسْتُحْلِفَ فَنَكَلَ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لَا يَجْرِي فِي دَعْوَى الرِّقِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَهُمَا يَجْرِي إلَّا أَنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ عَلَى الْأَمَةِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَأَبَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا بِيعَتْ الْأَمَةُ وَسُلِبَتْ فَانْقَادَتْ لِذَلِكَ فَانْقِيَادُهَا كَإِقْرَارِهَا بِالرِّقِّ فَدَعْوَاهَا الْحُرِّيَّةَ كَدَعْوَى الْعِتْقِ الْعَارِضِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهَا حُرَّةٌ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَاقِضٍ فِي فَصْلِ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ فِيهَا يَظْهَرُ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ أَخَذَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَنْفِي انْعِقَادَ الْعَقْدِ وَمِلْكَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ، فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ مُظْهِرَةً أَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشِّرَاءِ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِانْعِقَادِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ.
أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ وَلَا مِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، فَلَوْ قَبِلْنَا بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَظْهَرُ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الشِّرَاءِ إقْرَارٌ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ، وَمَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ وَيَصِيرُ مُكَذِّبًا شُهُودَهُ سَاعِيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ بِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي الْفَصْلَيْنِ، إلَّا
(7/67)

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ دَارًا لِرَجُلٍ وَأَدْخَلَهَا الْمُشْتَرِي فِي بِنَائِهِ لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - آخِرًا، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: يَضْمَنُ الْبَائِعُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهِيَ مَسْأَلَةُ غَصْبِ الْعَقَارِ وَسَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ أَقَامَ الْعَبْدَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ قُبِلَتْ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيمَنْ بَاعَ أَرْضًا ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَ مَا هُوَ وَقْفٌ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَصَارَ كَالْبَيْعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ التَّدْبِيرِ وَنَحْوِهِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حُرَّةٌ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى حُرْمَةِ الْفَرْجِ فَتُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، حَتَّى لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَمَةِ عَبْدٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا تُقْبَلُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَالتَّنَاقُضُ يَمْنَعُ الدَّعْوَى.
وَلَوْ ادَّعَى الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهَا أَمَتُهُ أَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَأَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ أَوْ أَبَى الْيَمِينَ وَقَضَى عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ بِذَلِكَ، إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الشِّرَاءِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ فَكَانَ مُدَّعِيًا لِلدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ مُنَاقِضًا، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الشِّرَاءِ بَيْنَهُمَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّهَا وَقْتُ الْعَقْدِ كَانَتْ مَمْلُوكَةً مَحَلًّا لِلْعَقْدِ، وَالْإِعْتَاقُ الْمُتَأَخِّرُ لَا يُبْطِلُ الشِّرَاءَ السَّابِقَ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ دَارًا لِرَجُلٍ) أَيْ عَرْصَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَفِي جَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا بَاعَهَا ثُمَّ اعْتَرَفَ بِالْغَصْبِ بَعْدَمَا أَدْخَلَهَا الْمُشْتَرِي فِي بِنَائِهِ فَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي (لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِمَنْ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ مِنْهُ (وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا يَضْمَنُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ غَصْبِ الْعَقَارِ) هَلْ يَتَحَقَّقُ أَوْ لَا؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا فَلَا يَضْمَنُ، وَعَنْهُ مُحَمَّدِ نَعَمْ فَيَضْمَنُ.
[فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ]
بَاعَ الْأَمَةَ فُضُولِيٌّ مِنْ رَجُلٍ وَزَوَّجَهَا مِنْهُ فُضُولِيٌّ آخَرُ فَأُجِيزَا مَعًا ثَبَتَ الْأَقْوَى فَتَصِيرُ مَمْلُوكَةً لَا زَوْجَةً؛ وَلَوْ زَوَّجَاهَا مِنْ رَجُلٍ فَأُجِيزَا بَطَلَا، وَلَوْ بَاعَاهَا مِنْ رَجُلٍ فَأُجِيزَا تُنَصَّفُ بَيْنَهُمَا وَيُخَيَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيْنَ أَخْذِ النِّصْفِ أَوْ التَّرْكِ. وَلَوْ بَاعَهُ فُضُولِيٌّ وَآجَرَهُ آخَرُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ زَوَّجَهُ فَأُجِيزَا مَعًا ثَبَتَ الْأَقْوَى فَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ أَقْوَى، وَكَذَا تَثْبُتُ الْهِبَةُ إذَا وَهَبَهُ فُضُولِيٌّ وَآجَرَهُ آخَرُ وَكُلٌّ مِنْ الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَالْإِجَارَةُ أَحَقُّ مِنْ الرَّهْنِ لِإِفَادَتِهَا مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَالْبَيْعُ أَحَقُّ مِنْ الْهِبَةِ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ، فَفِيمَا لَا يَبْطُلُ بِالشُّيُوعِ كَهِبَةِ فُضُولِيٍّ عَبْدًا وَبَيْعِ آخَرَ إيَّاهُ يَسْتَوِيَانِ لِأَنَّ الْهِبَةَ مَعَ الْقَبْضِ تُسَاوِي الْبَيْعَ فِي إفَادَةِ الْمِلْكِ، وَهِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يُقَسَّمُ صَحِيحَةٌ فَيَأْخُذُ كُلٌّ النِّصْفِ.
وَلَوْ تَبَايَعَ غَاصِبًا عِرْضَيْ رَجُلٍ وَاحِدِ لَهُ فَأَجَازَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْبَيْعِ ثُبُوتُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفِ وَهُمَا حَاصِلَانِ لِلْمَالِكِ فِي الْبَدَلَيْنِ بِدُونِ هَذَا الْعَقْدِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ فَلَمْ تَلْحَقْهُ الْإِجَازَةُ. وَلَوْ غَصْبًا مِنْ رَجُلَيْنِ وَتَبَايَعَا وَأَجَازَ الْمَالِكُ جَازَ. وَلَوْ غَصَبَا النَّقْدَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ وَعَقْدَ الصَّرْفِ وَتَقَابَضَا ثُمَّ أَجَازَ جَازَ لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَاصِبِينَ
(7/68)

(بَابُ السَّلَمِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِثْلَ مَا غَصَبَ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ، فَلَوْ وَصَلَ إلَى الْمَالِكِ بِوَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ أَوْ تَمَامِ الْمُدَّةِ تَمَّ الْبَيْعُ، وَلَوْ لَمْ يُجِيزَا فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْبَيْعِ بِهِمَا، وَإِنْ عَلِمَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ، وَقِيلَ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا لِلرَّاهِنِ وَالْمُؤَجِّرِ. وَفِي الْمُرْتَهِنِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: بَيْعُ الْمَغْصُوبِ مَوْقُوفٌ إنْ أَقَرَّ بِهِ الْغَاصِبُ أَوْ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، فَلَوْ أَجَازَ تَمَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ أَخْلَفَ بَدَلًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِشْرٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ شِرَاءَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبٍ جَاحِدٍ يَجُوزُ وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ فِي الدَّعْوَى.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ: رَجُلٌ غَصَبَ عَبْدًا وَبَاعَهُ وَدَفَعَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ إنَّ الْغَاصِبَ صَالَحَ الْمَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ عَلَى شَيْءٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ صَالَحَهُ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَانَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ الْغَاصِبِ فَيَنْفُذُ بَيْعُ الْغَاصِبِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى عَرْضٍ كَانَ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَاصِبِ فَيَبْطُلُ بَيْعُ الْغَاصِبِ.
وَمِنْ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَيَقْصِدُهُ، وَكَذَا شِرَاؤُهُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ وَالِدِهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ الْقَاضِي، وَكَذَا الَّذِي بَلَغَ سَفِيهًا، وَالْمَعْتُوهُ، وَكَذَا بَيْعُ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ فِي الصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ فَاسِدٌ، فَلَوْ قَبَضَ الْمَوْلَى الثَّمَنَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهُ صَحَّتْ إجَازَتُهُمْ وَيَهْلَكُ الثَّمَنُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ وَنَقَضَهُ بَعْضُهُمْ بِحَضْرَةِ الْعَبْدِ وَالْمُشْتَرِي لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَمِنْهُ بَيْعُ الْمَرِيضِ عَيْنًا مِنْ وَارِثِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَوْ صِحَّةِ الْمَرِيضِ، فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ نَفَذَ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ بَطَلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ السَّلَمِ]
(بَابُ السَّلَمِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إلَى بَيْعٍ مُطْلَقٍ وَمُقَايَضَةٍ وَصَرْفٍ وَسَلَمٍ، لِأَنَّهُ إمَّا بَيْعُ عَيْنٍ بِثَمَنٍ وَهُوَ الْمُطْلَقُ، أَوْ قَلْبُهُ وَهُوَ السَّلَمُ، أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ فَالصَّرْفُ، أَوْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ فَالْمُقَايَضَةُ.
وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَايَضَةِ قَبْضٌ فَقُدِّمَا وَشُرِطَ فِي الْآخَرِينَ، فَفِي الصَّرْفِ قَبْضُهُمَا وَفِي السَّلَمِ قَبْضُ أَحَدِهِمَا، فَقُدِّمَ انْتِقَالًا بِتَدْرِيجٍ. وَخُصَّ بِاسْمِ السَّلَمِ
(7/69)

السَّلَمُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ آيَةُ الْمُدَايَنَةِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ وَأَنْزَلَ فِيهَا أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] الْآيَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِتَحَقُّقِ إيجَابِ التَّسْلِيمِ شَرْعًا فِيمَا صُدِّقَ عَلَيْهِ: أَعْنِي تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَالِ، وَكَانَ عَلَى هَذَا تَسْمِيَةُ الصَّرْفِ بِالسَّلَمِ أَلْيَقَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وُجُودُ السَّلَمِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الظَّاهِرُ الْعَامُّ فِي النَّاسِ سَبَقَ الِاسْمُ لَهُ، وَيُعْرَفُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ بَيْعُ آجِلٍ بِعَاجِلٍ.
وَمَا قِيلَ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَعُرِفَ أَيْضًا أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى عَقْدِهِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِأَنْ قَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِعْتُك كَذَا حِنْطَةً بِكَذَا إلَى كَذَا، وَيَذْكُرُ بَاقِي الشُّرُوطِ أَوْ يَقُولُ الْمُسْلَمُ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ إلَى آخِرِهِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَصِحَّةُ الْمَذْهَبِ عَنْهُ عُسْرُ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعْنَى، وَمَعْنَى أَسْلَمْتُ إلَيْكَ إلَى كَذَا وَبِعْتُكَ إلَى كَذَا فِي الْبَيْعِ مَعَ بَاقِي الشُّرُوطِ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَذَاكَ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ لَا بِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ. وَعُرِفَ أَنَّ رُكْنَهُ رُكْنُ الْبَيْعِ.
وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهِ شِدَّةُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ شَرَائِطَهُ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ، وَلِرَبِّ السَّلَمِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ الدَّيْنُ الْكَائِنُ فِي الذِّمَّةِ، أَمَّا فِي الْعَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَبْضِهِ عَلَى انْعِقَادِ مُبَادَلَةٍ أُخْرَى عَلَى مَا سَيُعْرَفُ وَالْمُؤَجَّلُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: السَّلَفُ، فَاعْتُبِرَ فِي الشَّرْعِ كَأَنَّ الثَّمَنَ يُسَلِّفُهُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لِيَقْضِيَهُ إيَّاهُ، وَجَعَلَ إعْطَاءَ الْعِوَضِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِيهِ قَضَاءً كَأَنَّهُ هُوَ، إذْ لَا يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَجَعَلَ الْهَمْزَةَ فِي أَسْلَمْتُ إلَيْكَ لِلسَّلْبِ بِمَعْنَى أَزَلْتُ سَلَامَةَ رَأْسِ الْمَالِ حَيْثُ سَلَّمْتُهُ إلَى مُفْلِسٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ بَعِيدٌ، وَلَا وَجْهَ لَهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمَدْفُوعِ هَالِكًا، وَصِحَّةُ هَذَا الِاعْتِبَارِ تَتَوَقَّفُ عَلَى غَلَبَةِ تَوَائِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْوَاقِعُ أَنَّ السَّلَمَ كَذَلِكَ بَلْ الْغَالِبُ الِاسْتِيفَاءُ (قَوْلُهُ وَهُوَ) يَعْنِي السَّلَمَ (عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ آيَةُ الْمُدَايَنَةِ) أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدِهِ.
وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ وَأَذِنَ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ
(7/70)

وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَالْقِيَاسُ وَإِنْ كَانَ يَأْبَاهُ وَلَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ إذْ الْمَبِيعُ هُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ.

قَالَ (وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] الْآيَةُ، وَعَنْهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَزَّاهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمُصَنِّفِينَ إلَى الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ فِي صَحِيحِهِ لِأَبِي حِسَانَ الْأَعْرَجِ وَاسْمُهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُصَنِّفُ قَدْ ذَكَرَ لَفْظَ الْحَدِيثِ: أُحِلَّ السَّلَفُ الْمَضْمُونُ، فَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الْمُرَادُ بِالْمَضْمُونِ الْمُؤَجَّلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: السَّلَفُ الْمُؤَجَّلُ، وَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لَا مُؤَسِّسَةٌ، وَيَكُونُ مَا رَوَى الْمُخْرِجُونَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ مِنْ قَوْلِهِ الْمَضْمُونُ إلَى أَجَلٍ جَمْعًا بَيْنَ مُقَرَّرَيْنِ.
وَقَوْلُهُ مُسَمًّى أَيْ مُعَيَّنٌ (وَ) كَذَا (بِالسُّنَّةِ) إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ غَرَابَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَإِنْ كَانَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْقُرْطُبِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُثِرَ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ. قِيلَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُرَكَّبٌ مِنْ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» ، إلَى أَنْ قَالَ: «وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَتَقَدَّمَ.
وَالرُّخْصَةُ فِي السَّلَمِ رَوَاهُ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُسَلِّفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ. فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسَلِّفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «إنَّا كُنَّا لَنُسَلِّفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بِكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ» .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَوَازَهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، إذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لِلْحَاجَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِرْبَاحِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَهُوَ بِالسَّلَمِ أَسْهَلُ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ نَازِلًا عَنْ الْقِيمَةِ فَيُرْبِحُهُ الْمُشْتَرِي، وَالْبَائِعُ قَدْ يَكُونُ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْحَالِ إلَى السَّلَمِ وَقُدْرَةٌ فِي الْمَآلِ عَلَى الْمَبِيعِ بِسُهُولَةٍ فَتَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ الْحَالِيَّةِ إلَى قُدْرَتِهِ الْمَالِيَّةِ فَلِهَذِهِ الْمَصَالِحُ شُرِعَ. وَمَنَعَ بَعْضُ مَنْ نَقَدَ الْهِدَايَةِ.
قَوْلُهُمْ السَّلَمُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، قَالَ: بَلْ هُوَ عَلَى وَفْقِهِ فَإِنَّهُ كَالِابْتِيَاعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ. وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ وَبَيْنَ الْآخِرِ، بَلْ هُوَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَمَصْلَحَةِ النَّاسِ.
قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَتَلَا الْآيَةَ
(7/71)

وَالْمُرَادُ بِالْمَوْزُونَاتِ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا ثُمَّ قِيلَ يَكُونُ بَاطِلًا، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ التَّصْحِيحَ إنَّمَا يَجِبُ فِي مَحِلٍّ أَوْجَبَا الْعَقْدَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ انْدَفَعَ فِيهِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ قِيَاسَ السَّلَمِ عَلَى الِابْتِيَاعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى بَيْعِ الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ عَادَةً مَعَ الْحُلُولِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ، وَأَطَالَ كَلَامًا وَحَاصِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الْقَوْمَ قَاسُوا السَّلَمَ عَلَى بَيْعِ الْمَعْدُومِ فَيَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَأَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ أَوْلَى بِهِ، وَلَيْسَ كَلَامُهُمْ هَذَا بَلْ إنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْأَصْلِيِّ فِيهِ، وَكَوْنُهُ مَعْدُومًا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ عَادَةً لَيْسَ هُوَ مُعْتَبَرًا فِي مَفْهُومِ السَّلَمِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ مِنْ عِنْدِهِ.
وَقَوْلُهُ أَيُّ فَرْقٍ إلَى آخِرِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، وَكَلَامُهُ يُفِيدُ الِاعْتِرَافَ بِكَوْنِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ وَالْمَحِلِّ لِوُرُودِهِ فَانْعِدَامُهُ يُوجِبُ انْعِدَامَ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ صِحَّةِ الْبَيْعِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ الْبَيْعُ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الذِّمَّةِ وَصْفٌ يُطَابِقُهُ الثَّمَنُ لَا عَيْنُ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ رَآهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَكَوْنُهُ فِيهِ مَصْلَحَةِ النَّاسِ لَا يَنْفِي أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بَلْ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ شُرِعَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ (- رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالْمُرَادُ بِالْمَوْزُونَاتِ) أَيْ الَّتِي يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا (غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) أَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَإِنْ أَسْلَمَ فِيهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَالِاتِّفَاقُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ غَيْرَهَا مِنْ الْعُرُوضِ كَكُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ ثَوْبٍ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَلَا يَصِحُّ سَلَمًا بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا وَالنُّقُودُ أَثْمَانٌ فَلَا تَكُونُ مُسَلَّمًا فِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فَهَلْ يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الْكُرِّ وَالثَّوْبِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ يَبْطُلُ رَأْسًا؟ حَكَى الْمُصَنِّفُ فِيهِ خِلَافًا (قِيلَ يَبْطُلُ) وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ (وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ) وَلَا يَبْطُلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَوْلَ عِيسَى بْنِ أَبَانَ أَصَحُّ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي أَوْجَبَ الْمُتَعَاقِدَانِ الْبَيْعَ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ وَهُمَا لَمْ يُوجِبَاهُ إلَّا فِي الدَّرَاهِم، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ الثَّوْبِ وَلَمْ يُوجِبَاهُ فِيهِ فَكَانَ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدِي أُدْخِلَ فِي الْفِقْهِ لِأَنَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى الصَّادِرِ بَيْنَهُمَا إعْطَاءُ صَاحِبِ الثَّوْبِ بِرِضَاهُ ثَوْبَهُ إلَى الْآخِرِ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ، وَهَذَا مِنْ إفْرَادِ الْبَيْعِ بِلَا تَأْوِيلِ إذْ هُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ بِالتَّرَاضِي، وَكَوْنُهُ أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى الثَّوْبِ لَا يَقْدَحُ فِي أَنَّ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمَا هُوَ هَذَا الْمَعْنَى وَفِيهِ تَصْحِيحُ تَصَرُّفِهِمَا، وَإِدْخَال الْبَاءِ عَلَى الثَّوْبِ كَإِدْخَالِهَا عَلَى الثَّوْبِ الْمُقَابَلِ بِالْخَمْرِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى خَمْرًا بِثَوْبٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بَلْ يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْخَمْرُ وَهُوَ مُبْطِلٌ اعْتِبَارًا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهِمَا مَا أَمْكَنَ
(7/72)

قَالَ (وَكَذَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِذِكْرِ الذَّرْعِ وَالصِّفَةِ وَالصَّنْعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِتَرْتَفِعَ الْجَهَالَةُ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ صِحَّةِ السَّلَمِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْمَذْرُوعَاتِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِذَكَرِ الذَّرْعِ وَالصِّفَةِ وَالصَّنْعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِلضَّبْطِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الصِّحَّةِ.
وَعُرِفَ مِنْ تَعْلِيلِهِ هَذَا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَضْبُوطًا عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ مِنْ غَيْرِ إفْضَاءٍ إلَى الْمُنَازَعَةِ، فَلِهَذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْمَذْرُوعَاتِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْبَسْطِ وَالْحُصْرِ وَالْبَوَارِي إذَا بَيَّنَ الطُّولَ وَالْعَرْضَ.
وَفِي الْإِيضَاحِ: يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْوَزْنِ فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ لِبَقَاءِ التَّفَاوُتِ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَزْنِ فَإِنَّ الدِّيبَاجَ كُلَّمَا ثَقُلَ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ، وَالْحَرِيرُ كُلَّمَا خُفَّ زَادَتْ انْتَهَى. وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ. وَفِي عُرْفِنَا ثِيَابُ الْحَرِيرِ أَيْضًا وَهِيَ الْمُسَمَّاةِ بِالْكَمْخَاءِ كُلَّمَا ثَقُلَ ازْدَادَتْ الْقِيمَةُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَزْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ تَزِيدُ بِالثِّقَلِ أَوْ بِالْخِفَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي النَّصِّ الْمُفِيدِ لِشَرْعِيَّتِهِ إلَّا الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا. لَا يُقَالُ: السَّلَمُ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ جَازَ أَنْ يُعَلَّلَ وَيُلْحَقَ بِالْمَخْرَجِ غَيْرُهُ بِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمُ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ الْقِيَاسَ لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ شَرْعِيَّةَ السَّلَمِ لَيْسَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعَامِ بَلْ مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ فَالْعَامُّ وَهُوَ لَفْظُ مَا لَيْسَ عِنْدَك الْوَاقِعُ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَهُوَ لَا تَبِعْ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذِكْرِ الْأَجَلِ فِيمَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَعَدَمِهِ، وَشَرْعِيَّةُ السَّلَمِ تَقْيِيدٌ لَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْأَجَلَ فِي الْمَبِيعِ، أَمَّا إذَا ذَكَرَ الْأَجَلَ فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ لَا بَعْضُهُ لِيَكُونَ تَخْصِيصًا بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، بَلْ كُلُّ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ بِلَا ذِكْرِ أَجَلٍ عَلَى عُمُومِهِ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ وَكُلِّهِ مَعَ ذِكْرِهِ مَخْرَجٌ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَكِنْ بِشَرْطِ ضَبْطِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، كَمَا أَنَّ مَا عِنْدَهُ أَيْضًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَنْ غَيْرِ سَلَمٍ مَعَ جَهَالَتِهِ وَعَدَمِ ضَبْطِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّهُ مَعَ شَرْطِهِ مِنْ الضَّبْطِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَجَلٍ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ أَجَلٍ، وَكَوْنُ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لَيْسَ تَعْيِينًا لَهُمَا وَلَا أَمْرًا بِخُصُوصِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ السَّلَمِ، بَلْ حَاصِلُهُ أَمْرٌ بِتَعْيِينِ الْأَجَلِ وَالْكَيْلِ عَلَى تَقْدِيرِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ بَيَانًا لِشَرْطِ الصِّحَّةِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَهَالَةِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ وَهُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةِ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَقَالَ: مِنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الثِّمَارِ فَلِيَكُنْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» ، ثُمَّ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَ الْوَزْنَ لِيُفِيدَ عَدَمَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْكَيْلِ، فَإِنَّ سَبَبَ شَرْعِيَّةِ
(7/73)

وَكَذَا فِي الْمَعْدُودَاتِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ، لِأَنَّ الْعَدَدِيَّ الْمُتَقَارِبِ مَعْلُومُ الْقَدْرِ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ، بِخِلَافِ الْبِطِّيخِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِرْبَاحِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُقِلِّ الرَّاجِي فَأُنِيطَ بِمَظِنَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى أَخْذِ الْعَاجِلِ بِالْآجِلِ وَإِعْطَائِهِ وَشَرْطُ الضَّبْطِ لِدَفْعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِذَا أَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ سَبَبَ شَرْعِيَّتِهِ لَا تَخْتَلِفُ وَهُوَ الْحَاجَةُ الْمَاسَةُ إلَى أَخْذِ الْعَاجِلِ بِالْآجِلِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ مِنْ الْقَزَّازِينَ فِي الْمَذْرُوعِ كَمَا فِي أَصْحَابِ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، يَفْهَمُ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ سَبَبَ الْمَشْرُوعِيَّةِ الْمَنْقُولِ فِي أَثْنَاءِ الْأَحَادِيثِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلِذَا كَانَ ثُبُوتُ السَّلَمِ فِي الْمَذْرُوعَاتِ بِالدَّلَالَةِ: أَعْنِي دَلَالَاتِ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلسَّبَبِ لِمَنْ سَمِعَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فِي الْمَذْرُوعَاتِ مَانِعٌ وَهُوَ أَنَّ الضَّبْطَ بِالذَّرْعِ دُونَهُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِمَا.
فَالْجَوَابُ حِينَئِذٍ. إنْ قُلْتَ: الذَّرْعُ لَا يُضْبَطُ الْقَدْرُ كَمَا يُضْبَطُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ بَلْ الذَّرَاعُ الْمُعَيَّنُ يَضْبِطُ كَمْيَّةَ الْمَبِيعِ بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَيْسَ فِي الصَّنْعَةِ، وَنَحْنُ مَا قُلْنَا إنَّ مُجَرَّدَ ذِكْرِ عَدَدِ الذُّرْعَانِ مُصَحِّحٌ لَلسَّلَمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ حَتَّى يَنْضَبِطُ، كَمَا أَنَّ الْمَكِيلَ أَيْضًا لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ مُجَرَّدُ ذِكْرِ عَدَدِ الْكَيْلِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْأَوْصَافَ مَعَهُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّقْرِيرَ فَإِنَّ فِي غَيْرِهِ خَبْطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْمَعْدُودَاتِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ) أَيْ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدًا (لِأَنَّ الْعَدَدِيَّ الْمُتَقَارِبُ مَضْبُوطٌ بِالْعَدَدِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمُ فَيَجُوز السَّلَمُ فِيهِ) عَدَدًا (وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى إهْدَارِ التَّفَاوُتِ) بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ حِينَئِذٍ يَسِيرُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلِذَا لَا تُبَاعُ بَيْضَةُ دَجَاجَةٍ بِفَلْسٍ وَأُخْرَى بِفَلْسَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الضَّابِطُ فِي الْمَعْدُودِ الْمُتَقَارِبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْمُصَنِّفُ: أَعْنِي أَنَّ مَا تَفَاوَتَتْ مَالِيَّتُهُ مُتَفَاوِتٌ كَالْبِطِّيخِ وَالْقَرْعِ وَالرُّمَّانِ وَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ وَالسَّفَرْجَلِ، فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَالِيَّةِ إلَّا إذَا ذَكَرَ ضَابِطًا غَيْرَ مُجَرَّدِ الْعَدَدِ كَطُولٍ وَغِلَظٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْمَعْدُودَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ الْجُوَالِقَاتِ وَالْفِرَاءِ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا بِذِكْرِ مُمَيَّزَاتٍ. وَأَجَازُوهُ فِي الْبَاذِنْجَانِ وَالْكَاغَدِ عَدَدًا لِإِهْدَارِ التَّفَاوُتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى كَاغَدٍ بِقَالِبٍ خَاصٍّ وَإِلَّا لَا يَجُوزُ، وَكَوْنُ الْبَاذِنْجَانَ مُهْدَرَ التَّفَاوُتِ لَعَلَّهُ فِي بَاذِنْجَانِ دِيَارِهِمْ وَفِي دِيَارِنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ بِيضِ النَّعَامِ وَجَوْزُ الْهِنْدِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ فِي بِيضِ الدَّجَاجِ وَالْجَوْزِ الشَّامِيّ وَالْفِرِنْجِ لِعَدَمِ إهْدَارِ التَّفَاوُتِ مِنْ جِنْسَيْنِ لِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَدِ بَيَانُ الصِّفَةِ أَيْضًا، فَلَوْ أَسْلَمَ فِي بِيضِ النَّعَامِ أَوْ جَوْزِ الْهِنْدِ جَازَ كَمَا جَازَ فِي الْآخَرِينَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَنَعَهُ فِي بِيضِ النَّعَامِ ادِّعَاءٌ لِتَفَاوُتِ آحَادِهِ فِي الْمَالِيَّةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْغَرَضِ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ فِي عُرْفِ مَنْ يَبِيعُ بِيضَ النَّعَامِ الْأَكْلُ لَيْسَ غَيْرُ كَعُرْفِ أَهْلِ الْبَوَادِي يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفِ حُصُولُ الْقِشْرِ لِيَتَّخِذَ فِي سَلَاسِلَ الْقَنَادِيلِ كَمَا فِي دِيَارِ مِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْصَارِ يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْعَدَدِ إلَّا مَعَ تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ وَاللَّوْنِ مَعَ نَقَاءِ الْبَيَاضِ أَوْ إهْدَارِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ
(7/74)

وَالرُّمَّانُ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَبِتَفَاوُتِ الْآحَادِ فِي الْمَالِيَّةِ يُعْرَفُ الْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بِيضِ النَّعَامَةِ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ فِي الْمَالِيَّةِ، ثُمَّ كَمَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا عَدَدًا يَجُوزُ كَيْلًا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ كَيْلًا لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ. وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَدَدًا أَيْضًا لِلتَّفَاوُتِ. وَلَنَا أَنَّ الْمِقْدَارَ مَرَّةُ يُعْرَفُ بِالْعَدَدِ وَتَارَةٌ بِالْكَيْلِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَعْدُودًا بِالِاصْطِلَاحِ فَيَصِيرُ مَكِيلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا وَكَذَا فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا. وَقِيلَ هَذَا عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ. وَلَهُمَا أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا بِاصْطِلَاحِهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَلَا تَعُودُ وَزْنِيًّا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَكَمَا يَجُوزُ عَدَدًا فِي الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ يَجُوزُ كَيْلًا، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ بَلْ مَعْدُودٍ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ عَدَدًا أَيْضًا لِلتَّفَاوُتِ) بَيْنَ آحَادِهِ. قُلْنَا: أَمَّا التَّفَاوُتُ فَقَدْ أَهْدَرَ فَلَا تَفَاوَتَ إذْ لَا تَفَاوَتَ فِي مَالِيَّتِهِ؛ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَعْدُودًا فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ كَيْلُهُ مَعَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمِقْدَارِ لَيْسَ إلَّا لِلضَّبْطِ وَالضَّبْطُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْعَدَدِ بَلْ يَتَعَرَّفُ بِطَرِيقٍ آخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْكَيْلُ غَيْرُ مَعْدُومٍ فِيهِ لِمَا يَبْقَى بَيْنَ كُلِّ جَوْزَتَيْنِ وَبَيْضَتَيْنِ مِنْ التَّخَلْخُلِ: قُلْنَا: قَدْ عِلْمنَا بِهِ وَرَضِيَ رَبُّ السَّلَمِ فَإِنَّمَا وَقَعَ السَّلَمُ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَمْلَأُ هَذَا الْكَيْلَ مَعَ تَخَلْخُلِهِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا وَالْمَعْدُودُ لَيْسَ مِنْهَا، وَكِيلُهُ إنَّمَا كَانَ بِاصْطِلَاحِهِمَا فَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَكِيلًا مُطْلَقًا لِيَكُونَ رِبَوِيًّا.
وَإِذَا أَجَزْنَاهُ كَيْلًا فَوَزْنًا أَوْلَى (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا) أَيْ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، فَكَانَ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ. وَقِيلَ بَلْ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. أَمَّا عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ بِدَلِيلِ مَنْعِهِ بِبَيْعِ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ فِي بَابِ الرِّبَا لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ، وَهَذَا مَا أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو اللَّيْثِ الْخُوَارِزْمِيَّ أَنَّ السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ لَا يَجُوزُ عَلَى وَفْقِ هَذَا التَّخْرِيجِ، لَكِنْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ الْجَوَازُ. وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُثَمَّنًا، فَإِذَا أَقْدَمَا عَلَى السَّلَمِ فَقَدْ تَضَمَّنَ إبْطَالُهُمَا اصْطِلَاحَهُمَا عَلَى الثَّمَنِيَّةَ، وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَعَامَلُ فِيهَا بِهِ وَهُوَ الْعَدُّ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُهُ عَلَى الثَّمَنِ فَلَا مُوجِبَ لِخُرُوجِهَا فِيهِ عَنْ الثَّمَنِيَّةَ فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فَامْتَنَعَ بَيْعُ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ جَوَابُ الْمُصَنِّفُ الْمَذْكُورِ عَلَى تَقْدِيرِ تَخْرِيجِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
وَقَوْلُنَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي إلَى آخِرِهِ هُوَ تَقْرِيرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَعُودُ وَزْنِيًّا: يَعْنِي إذَا بَطَلَتْ ثَمَنِيَّتُهَا لَا يَلْزَمُ خُرُوجُهَا عَنْ الْعَدَدِيَّةِ إلَى الْوَزْنِيَّةِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ عَدَمِ الثَّمَنِيَّةِ عَدَمُ الْعَدَدِيَّةِ كَالْجَوْزِ وَالْبِيضِ بَلْ يَبْقَى عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تُعُورِفَ التَّعَامُلُ بِهِ فِيهَا وَهُوَ الْعَدَدُ إلَّا أَنْ يُهْدِرَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ الْفُلُوسَ أَثْمَانٌ فِي زَمَانِنَا وَلَا تُقْبَلُ إلَّا وَزْنًا فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا إلَّا وَزْنًا فِي دِيَارِنَا فِي زَمَانِنَا وَقَدْ
(7/75)

(وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوز لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالسِّنِّ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ، وَالتَّفَاوُتُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ. وَلَنَا أَنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرَ يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فِي الْمَالِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ فَيُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَانَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْأَعْصَارِ عَدَدِيَّةٌ فِي دِيَارِنَا أَيْضًا

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ) دَابَّةَ كَانَ أَوْ رَقِيقًا، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ (يَجُوزُ) لِلْمَعْنَى وَالنَّصِّ.
أَمَّا الْمَعْنَى (فَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا) أَيْ مُنْضَبِطًا (بِبَيَانِ الْجِنْسِ) كَفَرَسٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ عَبْدٍ (وَالسِّنُّ) كَابْنِ مَخَاضٍ أَوْ عَشَّارٍ (وَالنَّوْعُ) كَعَرَبِيٍّ وَبَخْتِيٍّ وَحَبَشِيٍّ (وَالصِّفَةُ) كَأَحْمَرَ وَأَسْمَرَ وَطَوِيلٍ أَوْ رَبَعَةٍ (وَالتَّفَاوُتُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرٌ) وَهُوَ مُغْتَفَرٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ سَلَمٌ أَصْلًا، فَإِنَّ الْغَائِبَ لَوْ بَلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ النِّهَايَةَ لَا بُدَّ مِنْ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْئِيِّ، فَإِنَّ بَيْنَ جَيِّدٍ وَجَيِّدٍ مِنْ الْحِنْطَةِ تَفَاوُتًا لَا يَخْفَى وَإِنْ صَدَقَ اسْمُ الْجُودَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَيْنَ ثَوْبِ دِيبَاجٍ أَحْمَرَ وَثَوْبُ دِيبَاجٍ أَحْمَرَ فَعُلِمَ أَنَّ التَّفَاوُتَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ شَرْعًا فَصَارَ الْحَيَوَانُ كَالثِّيَابِ وَالْمَكِيلِ، وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصَ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ
(7/76)

بِخِلَافِ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ مَصْنُوعُ الْعِبَادِ فَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ الثَّوْبَانِ إذَا نُسِجَا عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَى أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بِكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ لِلرَّجُلِ بِكْرَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إيَّاهُ، إنَّ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ يُوفِيهَا صَاحِبُهَا بِالرَّبْذَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ، وَاسْتَوْصَفَ بَنُو إسْرَائِيلَ الْبَقَرَةَ فَوَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فَعَلِمُوهَا بِالْوَصْفِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَّا لَا يَصِفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إلَيْهِ وَلَا تَصِفُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ بَيْن يَدَيْ زَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا» فَقَدْ جَعَلَ الْمَوْصُوفَ كَالْمَرْئِيِّ.
وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ الْغُرَّةَ وَمِائَةً مِنْ الْإِبِلِ دِيَةٌ فِي الذِّمَّةِ وَأَثْبَتَ مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ، وَصِحَّةُ الدَّعْوَى بِالْحَيَوَانِ الْمَوْصُوفِ وَالشَّهَادَةِ بِهِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ كَوْنُ الْمُدَعِّي وَالْمَشْهُودُ بِهِ مَعْلُومًا.
قُلْنَا: أَمَّا الْمَعْنَى فَيَمْنَعُ أَنَّ بَعْدَ الْوَصْفِ فِي الْحَيَوَانِ يَصِيرُ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا بَلْ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَصِيرُ مَعَهُ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَيْنِ وَالْمُتَسَاوِيَيْنِ سِنًّا وَلَوْنًا وَجِنْسًا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فِي حُسْنِ الشِّيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ وَفَهْمِ الْمَقَاصِدِ مَا يُصَيِّرُهُ بِأَضْعَافِ قِيمَةِ الْآخَرِ، وَكَذَا بَيْنَ الْفَرَسَيْنِ وَالْجَمَلَيْنِ (بِخِلَافِ الثِّيَابِ) فَإِنَّهَا مَصْنُوعَةُ الْعَبْدِ بِآلَةٍ خَاصَّةٍ، فَإِذَا اتَّحَدَتْ لَمْ تَتَفَاوَتْ إلَّا يَسِيرًا، وَكَذَا بَيْنَ الْجَيِّدِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ مِثْلًا بِاتِّفَاقِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَوَانَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَلَّمَا يَتَفَاوَتُ الثَّوَبَانُ إذَا نُسِجَا عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ) يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ قَلِيلًا لَا عَدَمَ التَّفَاوُتِ أَصْلًا كَمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ قَلَّمَا فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ: أَعْنِي قَلَّ إذَا كَفَّ بِمَا اسْتَعْمَلَ لِلنَّفْيِ: كَقَوْلِهِ وَقَلَّمَا وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ وَحِينَ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ قِلَّةَ التَّفَاوُتِ وَجَبَ أَنْ تَجْعَلَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْمَعْنَى قَلَّ التَّفَاوُتُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي قَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشَّارِحِينَ إذَا اتَّحَدَ الصَّانِعُ وَالْآلَةُ اتَّحَدَا الْمَصْنُوعُ مِنْ التَّسَاهُلِ.
وَأَمَّا النَّصُّ الْمَذْكُورُ فَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ، فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَكَذَا، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ فَأَسْقَطَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَقَدَّمَ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ. ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَاهُ عَفَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي حَبِيبٍ: عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ.
وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَأَسْقَطَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَقَدَّمَ أَبَا سُفْيَانَ كَمَا فَعَلَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ مُسْلِمِ بْنِ كَثِيرٍ، وَمَعَ هَذَا الِاضْطِرَابِ فَعَمْرُو بْنُ حُرَيْشٍ مَجْهُولُ الْحَالِ وَمُسْلِمُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمْ أَجِدْ لَهُ ذِكْرًا وَلَا أَعْلَمْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَبُو سُفْيَانَ فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
فَلَا حُجَّةَ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَزَّارُ قَالَ الْبَزَّارُ: لَيْسَ فِي الْبَابِ أَجَلٌ إسْنَادًا مِنْ هَذَا.
وَقَوْلُ الْبَيْهَقِيّ إنَّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلٌ بِسَبَبِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ كَذَلِكَ كَأَنَّهُ هُوَ مَبْنَى قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً غَيْرُ ثَابِتٍ، لَكِنْ هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ بَعْدَ تَصْرِيحِ الثِّقَاتِ بِابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ دَاوُد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ مُسْنَدًا، وَغَايَةُ مَا فِيهِ تَعَارُضُ الْوَصْلِ
(7/77)

وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ» وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَجْنَاسِهِ حَتَّى الْعَصَافِيرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْإِرْسَالِ مِنْ الثِّقَاتِ وَالْحُكْمُ فِيهِ لِلْوَصْلِ كَمَا عُرِفَ، وَقَدْ تَأَيَّدَ بَعْدَ تَصْحِيحِهِ بِأَحَادِيثَ مِنْ طُرُقٍ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سُمْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» وَقَوْلُ الْبَيْهَقِيّ: أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ لَا يُثْبِتُونَ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سُمْرَةَ مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ لَهُ، فَإِنَّهُ فَرَّعَ الْقَوْلَ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ الْإِرْسَالَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ لَا يَقْدَحُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ شَاهِدًا مُقَوِّيًا فَلَا يَضُرُّهُ الْإِرْسَالُ.
وَأَيْضًا اُعْتُضِدَ بِالْوُصُولِ السَّابِقِ أَوْ الْمُرْسَلِ الَّذِي يَرْوِيهِ مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الْآخَرِ، وَحَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَيَوَانُ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسَاءٌ، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَأَنَّهُ لِلْخِلَافِ فِي الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ.
وَحَدِيثٌ آخَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ سَوَاءٌ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ مُرْسَلٌ وَجَوَابُهُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَتَضْعِيفُ ابْنِ مَعِينٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ لَا يَضُرُّ لِذَلِكَ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي خَبَّابٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» وَحَمَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى كَوْنِ النَّهْيِ فِيمَا إذَا كَانَ النَّسَاءُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى يَكُونَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ تَقْيِيدًا لِلْأَعَمِّ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِلَا مُوجِبٍ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ» هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَوْنِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الذِّمَارِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ ابْن عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ» وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.
وَتَضْعِيفُ ابْنِ مَعِينٍ بْن جَوْنِي فِيهِ نَظَرٌ بَعْد تَعَدُّدِ مَا ذَكَرَ مِنْ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ وَالْحِسَانِ مِمَّا هُوَ بِمَعْنَاهُ يَرْفَعُهُ إلَى الْحُجِّيَّةِ بِمَعْنَاهُ لِمَا عُرِفَ فِي فَنِّ الْحَدِيثِ، وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُرَجَّحَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ إنْ صَحَّ لِأَنَّهُ أَقْوَى سَنَدًا: أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ حِبَّانَ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ يُرَجَّحُ عَلَى الْمُبِيحِ.
وَفِي الْبَابِ أَثَرُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ
(7/78)

قَالَ (وَلَا فِي أَطْرَافِهِ كَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ) لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا إذْ هُوَ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ لَا مُقَدَّرٌ لَهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: دَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى زَيْدِ بْنِ خُوَيْلِدَةَ الْبِكْرِيِّ مَالًا مُضَارَبَةَ، فَأَسْلَمَ زَيْدٌ إلَى عِتْرِيسِ بْنِ عُرْقُوبِ الشَّيْبَانِيِّ فِي قَلَائِصَ، فَلَمَّا حَلَّتْ أَخَذَ بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضُ، فَأُعْسِرَ عِتْرِيسُ وَبَلَغَهُ أَنَّ الْمَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ فَأَتَاهُ يَسْتَرْفِقُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَعَلَ زَيْدٌ؟ فَقَالَ نَعَمْ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اُرْدُدْ مَا أَخَذْتَ وَخُذْ رَأْسَ مَالِكَ وَلَا تُسَلِّمْنَ مَا لَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: فِيهِ انْقِطَاعٌ يُرِيدُ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُرْوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةِ عَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدِ، إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ عِنْدَنَا خُصُوصًا مِنْ إرْسَالِ إبْرَاهِيمَ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْأَحَادِيثُ وَالطُّرُقُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُمْرَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَطْلُوبِ، وَمَا ذَكَرُوا مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَقَرَةِ بِالْوَصْفِ فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ أَوْصَافًا ظَاهِرَةً لِيُطَبِّقُوهَا عَلَى مَعِينٍ مَوْجُودٍ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا مِمَّا تَحْصُلُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ وَكَلَامُنَا فِي أَنَّهُ يَنْتَفِي مَعَهُ التَّفَاوُتُ الْفَاحِشُ مُطْلَقًا مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا مَنْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصْفُ الرَّجُلِ الْحَدِيثِ فَلِلُحُوقِ الْفِتْنَةِ عَلَى السَّامِعِ وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِفَاءِ التَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالشَّخْصِ. وَأَمَّا ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْمَهْرِ وَالدِّيَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ فِيهِ لَيْسَ مُقَابَلًا بِمَالٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَجْرِي فِيهِ الْمُسَاهَلَةُ، بِخِلَافِ مَا قُوبِلَ بِمَالٍ فَإِنَّهُ تَجْرِي فِيهِ الْمُشَاحَحَةُ فَجْرَيْنَا عَلَى مُوجِبِ ذَلِكَ وَقُلْنَا: مَا وَقَعَ مِنْ الْحَيَوَانِ بَدَلَ مَالٍ كَالْمَبِيعِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ لَمَا يَجْرِي فِيهِ الْمُشَاحَحَةُ عَادَةً، بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالْمَهْرِ وَمَا مَعَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِوَضًا عَنْ مَالٍ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْآخَرِ فَيَجُوزُ فَعَمَلنَا بِالْآثَارِ فِيهِمَا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُ التَّفَاوُتِ بَعْدَ الْأَوْصَافِ يَبْقَى فَاحِشًا لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ سِوَى مَا تَضَمَّنَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ، فَإِذَا انْطَبَقَ الْمَذْكُورُ مِنْهَا عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِقَبُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ التَّفَاوُتُ قَلِيلًا بِحَسَبِ الْبَاطِنِ أَوْ كَثِيرًا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَيْسَ إلَّا الْمَوْصُوفُ فَقَطْ.
نَعَمْ لَوْ عَيَّنَ مِنْ الْأَوْصَافِ الذَّكَاءَ وَجُودَةَ الْفَهْمِ وَالْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ زَمَانِ الِاخْتِبَارِ، وَبَعْدَهُ تَجْرِي الْمُنَازَعَةُ فِي أَنَّ أَخْلَاقَهُ مَا هِيَ وَفِي تَحْرِيرِهَا.
فَالْمُفْزِعُ فِي إبْطَالِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ لَيْسَ إلَّا السُّنَّةُ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَمَّا سَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: قُلْتَ لَهُ: إنَّمَا لَا يَجُوزُ فِي الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بِالْوَصْفِ، قَالَ: لَا، لِأَنَّا نُجَوِّزُ السَّلَمَ فِي الدَّيَابِيجِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْعَصَافِيرِ، وَلَعَلَّ ضَبْطُ الْعَصَافِيرِ بِالْوَصْفِ أَهْوَنُ مِنْ ضَبْطِ الدَّيَابِيجِ وَلَكِنَّهُ بِالسَّنَةِ.
وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: وَالْعَصَافِيرُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُقْتَنَى وَلَا يُحْبَسُ لِلتَّوَالُدِ وَلَا يَتَيَسَّرُ أَخْذُهُ وَلَا رُجْحَانُ أَخْذِهِ يُقَامُ مَقَامَ الْمَوْجُودِ، بِخِلَافِ السَّمَكِ الطَّرِيِّ لِرُجْحَانِ إمْكَانِ أَخْذِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازُ السَّلَمِ فِيمَا يُقْتَنَى مِنْهَا كَالْحَمَامِ وَالْقُمْرِيِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا لَا تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ كَالْعَصَافِيرِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا وَفِي لُحُومِهَا، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى الدَّلِيلِ، لِأَنَّا إنْ عَلَّلْنَاهُ بِعَدَمِ الضَّبْطِ فَالْعِبْرَةُ لِعَيْنِ النَّصِّ لَا لِمَعْنَى النَّصِّ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا عُمُومَهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ قِيلَ. فَالسَّمَكُ الطَّرِيُّ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ الْحَيَوَانِ فَجَازَ فِي الْعَصَافِيرِ قِيَاسًا عَلَى الثِّيَابِ بِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ شَرَطَ حَيَاةَ السَّمَكِ الطَّرِيِّ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَيْفَمَا كَانَ حَتَّى لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ كَانَ لَنَا أَنْ نَمْنَعَ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ (قَوْلُهُ وَلَا فِي أَطْرَافِهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي أَطْرَافِ الْحَيَوَانِ (كَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ) وَهُوَ جَمْعُ كَرَاعٍ وَهُوَ
(7/79)

قَالَ (وَلَا فِي الْجُلُودِ عَدَدًا وَلَا فِي الْحَطَبِ حُزَمًا وَلَا فِي الرَّطْبَةِ جُرُزًا) لِلتَّفَاوُتِ فِيهَا، إلَّا إذَا عُرِفَ ذَلِكَ بِأَنْ بَيَّنَ لَهُ طُولَ مَا يَشُدُّ بِهِ الْحُزْمَةَ أَنَّهُ شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَفَاوَتُ.

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَا دُونَ الرُّكْبَةِ فِي الدَّوَابِّ.
قِيلَ الْمَانِعُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ وَهَذِهِ أَبْعَاضُهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَيَوَانُ إنْ كَانَ النَّهْيُ تَعَبُّدًا، وَلَا الْمَعْنَى إنْ كَانَ مَعْلُولًا بِالتَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزُ فِي الْجُلُودِ لَكِنَّهُ جَائِزٌ بِذِكْرِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالنَّوْعِ وَالْجُودَةِ، وَلِذَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجُلُودِ وَزْنًا. وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا ذَكَرَ فِي مَنْعِهِ أَنَّهَا عَدَدِيَّةٌ مُتَفَاوِتَةٌ وَلَا مُقَدَّرٌ لَهَا فَامْتَنَعَ السَّلَمُ عَدَدًا وَغَيْرُ عَدَدٍ لِانْتِفَاءِ الْمَقْدُورِ.
وَعِنْدِي لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ وَزْنًا بَعْدَ ذِكْرِ النَّوْعِ، وَبَاقِي الشُّرُوطِ، فَإِنَّ الْأَكَارِعَ وَالرُّءُوسَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ حِينَئِذٍ لَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَقَوْلُ مَالِكٍ بِجَوَازِهِ عَدَدًا بَعْدَ ذِكْرِ النَّوْعِ لِخِفَّةِ التَّفَاوُتِ جَيِّدٌ لَكِنْ يُرَادُ أَنَّهَا رُءُوسُ عَجَاجِيلٍ أَوْ أَبْقَارٍ كِبَارٍ وَنَحْوِهِ فِي الْغَنَمِ، فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرٌ (لَا فِي الْجُلُودِ عَدَدًا) وَكَذَا الْأَخْشَابُ وَالْجُوَالِقَاتُ وَالْفِرَاءُ وَالثِّيَابُ الْمَخِيطَةُ وَالْخِفَافُ وَالْقَلَانِسُ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الْعَدَدَ لِقَصْدِ التَّعَدُّدِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ ضَبْطًا لِكَمِّيَّتِهِ ثُمَّ يَذْكُرُ مَا يَقَعُ بِهِ الضَّبْطَ كَأَنْ يَذْكُرَ فِي الْجُلُودِ مِقْدَارًا مِنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ بَعْدَ النَّوْعِ كَجُلُودِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَكَذَا فِي الْأَدِيمِ بِأَنْ يَقُولَ طَائِفِيٍّ أَوْ بَرْغَالِيٍّ، وَفِي الْخَشَبِ طُولُهُ وَغِلَظُهُ وَنَوْعُهُ كَسَنْطٍ أَوْ حَوْرٍ وَنَحْوِهِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ فِي الْكَاغَدِ عَدَدًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدِ تَسْمِيَةِ طُولِهِ وَعِرْضِهِ وَثُخْنِهِ وَرِقَّتِهِ وَنَوْعِهِ، إلَّا أَنْ يُغْنِيَ ذِكْرُ نِسْبَتِهِ عَنْ قَدْرِهِ كَوَرَقٍ حَمَوِيّ، وَفِي الْجَوَالِيقِ طُولُهُ وَوُسْعُهُ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ مُمَيِّزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ قَاطِعًا لِلِاشْتِرَاكِ (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (فِي الْحَطَبِ حُزَمًا وَلَا فِي الرَّطْبَةِ جُرُزًا لِلتَّفَاوُتِ إلَّا إذَا عَرَفَ ذَلِكَ) بِأَنْ يُبَيِّنَ طُولَ مَا يَشُدُّ بِهِ الْحُزْمَةَ أَنَّهُ شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ إذَا كَانَ لَا يَتَفَاوَتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنْ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا أَصْلًا بَلْ لَا يَجُوزُ بِهَذَا الْعَقْدِ، وَلَوْ قَدَّرَ بِالْوَزْنِ فِي الْكُلِّ جَازَ.
وَفِي دِيَارِنَا تَعَارَفُوا فِي نَوْعٍ مِنْ الْحَطَبِ الْوَزْنَ فَيَجُوزُ الْإِسْلَامُ فِيهِ وَزْنًا وَهُوَ أَضْبَطُ وَأَطْيَبُ، وَكَوْنُ الْعُرْفِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ الْمُقَدَّرَاتِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَتَعَامَلَ فِيهِ بِمِقْدَارٍ آخَرَ يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ كَمَا قُلْنَا فِي الْبَيْضِ كَيْلًا، وَعَنْهُ كَانَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ السَّلَمِ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قُوبِلَ نَحْوَ الْحِنْطَةِ بِجِنْسِهَا وَزْنًا وَهُوَ كَيْلِيٌّ لِمَا عُرِفَ فِي بَابِ الرِّبَا، أَمَّا السَّلَمُ فَلَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحِنْطَةِ لَا يَكُونُ حِنْطَةٌ وَقَدْ رَضِيَا بِضَبْطِهِ وَزْنًا كَيْ لَا يَصِيرَ تَفَاوُتُ الْحِنْطَتَيْنِ الْمُتَّحِدَتِي الْوَزْنِ كَيْلًا، وَبِهَذَا تَضْعُفُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحِنْطَةِ وَزْنًا.
وَذَكَر قَاضِي خَانْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ، وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْقَتِّ وَزْنًا وَالرَّطْبَةِ الْقَضْبَ، والْجُرَزِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ جُرْزَةٌ: وَهِيَ الْحُزْمَةُ مِنْ الرَّطْبَةِ كَحُزْمَةِ الرِّيحَانِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا الْجِزَز بِكَسْرِ الْجِيمِ وِزَاءَيْنِ أَوَّلُهُمَا مَفْتُوحَةٌ فَجَمْعُ جِزَّةٌ وَهِيَ الصُّوفُ الْمَجْزُوزُ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ
(7/80)

مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَوْ مُنْقَطِعًا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْمَحِلِّ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَالَ وُجُوبِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُسَلِّفُوا فِي الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ بِالتَّحْصِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّحْصِيلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَوْجُودًا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنْ الْحُلُولِ (حَتَّى لَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَوْ مُنْقَطِعًا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) وَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْمَحِلُّ (لَا يَجُوزُ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (إذَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ جَازَ) وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوُجُودِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَهُوَ بِالْوُجُودِ وَقْتُ الْمَحِلِّ فَاشْتِرَاطُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِلَا مُوجِبٍ، بَلْ دَلِيلُ نَفْيِهِ عَدَمُ دَلِيلِ وُجُودِهِ لِأَنَّ نَفْيَ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ يَكْفِي لِنَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
وَلَهُمْ أَيْضًا إطْلَاقُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَعْنِي «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ» فَأَفَاضَ فِي بَيَان الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» فَلَوْ كَانَ عَدَمُ الِانْقِطَاعِ شَرْطًا لَبَيَّنَهُ، وَحِينَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَثْبُتْ بَلْ لَزِمَ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا بِسُكُوتِهِ عَنْهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي بَيَانِ مَا هُوَ شَرْطٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مِثْلِهِ.
قُلْنَا: بَلْ فِيهِ مُدْرَكُ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ «عَنْ رَجُلٍ نَجْرَانِيٍّ. قُلْتُ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أُسْلِمُ فِي نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ؟ قَالَ لَا، قُلْت لِمَ؟ قَالَ لِأَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي حَدِيقَةِ نَخْلٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ النَّخْلُ فَلَمْ تُطْلِعْ النَّخْلُ شَيْئًا ذَلِكَ الْعَامُ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أُؤَخِّرَكَ حَتَّى تَطْلُعَ، فَقَالَ الْبَائِعُ: إنَّمَا النَّخْلُ هَذِهِ السَّنَةُ، فَاخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: أَخَذَ مِنْ نَخْلِك
(7/81)

(وَلَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْمَحِلِّ فَرَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ فَسَخَ السَّلَمَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وُجُودَهُ) لِأَنَّ السَّلَمَ قَدْ صَحَّ وَالْعَجْزُ الطَّارِئُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ فَصَارَ كَإِبَاقِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَيْئًا؟ قَالَ لَا، قَالَ: بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَهُ، اُرْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ وَلَا تُسْلِمُوا فِي نَخْلٍ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ»
وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ أَوَّلًا يَصْدُقُ عَلَى السَّلَمِ إذَا وَقَعَ قَبْلَ الصَّلَاحِ أَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَفِيهِ مَجْهُولٌ كَمَا رَأَيْتَ، وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» فَيَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِلنَّهْيِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ» وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ» فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ الْكَبِيرِينَ فِي الْعِلْمِ وَالتَّتَبُّعِ أَنَّهُمَا فَهِمَا مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ بَيْعَ السَّلَمِ، فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ فَلَزِمَ اشْتِرَاطُ وُجُودِهِ عِنْدَهُمَا عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ.
وَأَمَّا لُزُومُ وُجُودِهِ بَيْنَهُمَا فَإِمَّا لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ لِأَنَّ الثَّابِتَ قَائِلَانِ: قَائِلٌ بِاشْتِرَاطِهِ عِنْد الْمَحِلِّ فَقَطْ، وَقَائِلٌ عِنْدَهُمَا وَفِيمَا بَيْنَهُمَا، فَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِهِ عِنْدَهُمَا لَا غَيْرُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَنَقُولُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ النَّصِّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّ الْأَدَاءَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ فَلَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ عِنْدَهُ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ وَبِالِاسْتِمْرَارِ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحْصِيلِ، فَإِنْ أَخْذَ السَّلَمِ مَظِنَّةُ الْعَدَمِ وَبِالْأَخْذِ بِذَلِكَ مَظِنَّةُ التَّحْصِيلِ شَيْئًا فَشَيْئًا فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ وَبِاعْتِبَارِ الظِّنَّةِ تُنَاطُ الْأَحْكَامُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى كَوْنِ بَعْضِ مَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ قَدْ يُحَصِّلُهُ دَفْعَةً عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ كَالذَّرَاعِ وَأَهْلُ النَّخْلِ، فَإِنَّ مَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يُحْصَى وَأَكْثَرُهُمْ يُحَصِّلُ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِدَفَعَاتٍ، أَرَأَيْتَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فِي الْجُلُودِ أَيَذْبَحُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَلْفَ رَأْسٍ لِيُعْطِيَ جُلُودَهَا لِرَبِّ السَّلَمِ، وَكَذَا الْأَسْمَاكُ الْمَالِحَةُ وَالثِّيَابُ وَالْأَخْشَابُ وَالْأَحْطَابُ وَالْأَعْسَالُ.
وَالْمُشَاهَدُ فِي بَعْضٍ مَنْ لَهُ نَخْلٌ أَوْ زَيْتُونٌ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَحَصَّلُ لَهُ لِيُعْطِيَ مَا يَخْرُجُ لَهُ وَيَشْتَرِي الْبَاقِيَ، وَكَثِيرٌ يَأْخُذُونَ لِيَسْتَرِيحُوا فِي رَأْسِ الْمَالِ وَيُنْفِقُوا مِنْ فَضْلِ الْكَسْبِ عَلَى عِيَالِهِمْ وَيُحَصِّلُوا الْمُسْلَمَ فِيهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، لِأَنَّ وَضْعَ الْمُسْلِمِ شَرْعًا لِاعْتِبَارِ ظَنِّ مَا ذَكَرْنَا فَيَكُونُ هُوَ السَّبَبُ فِي اشْتِرَاطِ الشَّرْعِ وُجُودَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، ثُمَّ الِانْقِطَاعُ الَّذِي يُفْسِدُ الْعَقْدَانِ لَا يُوجَدُ فِي السُّوقِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي الْبُيُوتِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ الثَّلْجِيُّ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ. وَفِي مَبْسُوطِ أَبِي اللَّيْثِ: لَوْ انْقَطَعَ فِي إقْلِيمٍ دُونَ إقْلِيمِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي لَا يُوجَدُ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ فَيَعْجَزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ فِي الرُّطَبِ بِبُخَارَى لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِسِجِسْتَانَ

(وَلَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْمَحِلِّ) أَيْ حُلُولُ الْأَجَلِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ (لَكِنْ رَبُّ السَّلَمِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ فَسَخَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ وُجُودَهُ) وَقَالَ زُفَرُ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْكَرْخِيِّ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَصَارَ كَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ لَا يَبْقَى عِنْدَ فَوَاتِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ ثُمَّ كَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَكَذَا هُنَا.
وَلَنَا (أَنَّ السَّلَمَ قَدْ صَحَّ) ثُمَّ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ بِعَارِضٍ (عَنْ شَرَكِ الزَّوَالِ) فَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي (كَمَا لَوْ أَبِقَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ
(7/82)

قَالَ (وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنًا مَعْلُومًا وَضَرْبًا مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ مَعْلُومُ الْقَدْرِ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ إذْ هُوَ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَدَدًا) لِلتَّفَاوُتِ. قَالَ (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ إلَّا فِي حِينِهِ وَزْنًا مَعْلُومًا وَضَرْبًا مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ فِي زَمَانِ الشِّتَاءِ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَنْقَطِعُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ وَزْنًا لَا عَدَدًا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي لَحْمِ الْكِبَارِ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُقَطَّعُ اعْتِبَارًا بِالسَّلَمِ فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْهِ هُنَا دَيْنٌ وَمَحِلُّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَيَبْقَى الدَّيْنُ بِبَقَاءِ مَحِلِّهِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ التَّسْلِيمُ إذَا كَانَ وُجُودُهُ مَرْجُوًّا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْعَيْنِ فَإِنَّ بِهَلَاكِهِ يَفُوتُ مَحِلُّ الْعَقْدِ، وَكَذَا الْفُلُوسُ إذَا كَسَدَتْ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ لَكِنْ الثَّمَنُ الْكَائِنُ فِيهَا فُلُوسٌ هِيَ أَثْمَانٌ وَلَا وُجُودَ لَهَا بَعْدَ الْكَسَادِ فَيَفُوتُ الْمَحِلُّ، ثُمَّ هُوَ لَيْسَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بَلْ الظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُهُ فِي الْوُجُودِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ لِإِدْرَاكِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ أَوَانًا مَعْلُومًا، وَكَذَا لِغَيْرِهَا أَوَانٌ يَكْثُرُ وُجُودُهَا فِيهِ مِنْ السَّنَةِ بِرُخَصٍ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي السَّمَكِ الْمَالِحِ وَزْنًا مَعْلُومًا وَضَرْبًا مَعْلُومًا) بِأَنْ يَقُولَ بُورِيٌّ أَوْ رَايٌ، وَفِي أَسْمَاكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة الشَّفْشُ وَالدُّونِيسُ وَغَيْرُهَا (لِأَنَّهُ) حِينَئِذٍ (مَعْلُومُ الْقَدْرِ مَضْبُوطُ الصِّفَةِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ، وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ) فِي التُّحْفَةِ: وَأَمَّا الصِّغَارُ فَيَجُوزُ فِيهِ كَيْلًا وَوَزْنًا سَوَاءٌ فِيهِ الطَّرِيُّ وَالْمَالِحُ. وَفِي الْمُغْرِبِ: سَمَكٌ مَلِيحٌ وَمَمْلُوحٌ وَهُوَ الْمُقَدِّدُ الَّذِي فِيهِ الْمِلْحُ، وَلَا يُقَالُ مَالِحٌ إلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: لَكِنْ قَالَ الشَّاعِرُ:
بَصَرِيَّةٌ تَزَوَّجَتْ بَصْرِيًّا ... أَطْعَمَهَا الْمَالِحَ وَالطَّرِيَّا
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَكَفَى بِذَلِكَ حُجَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ، وَظَاهِرُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَدِيءٍ وَلَمْ يَجِدْ سِوَى هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمَغْرِبِ إلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ، وَلَيْسَ لِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فَائِدَةٌ، بَلْ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ مِلْحٌ وَمَلِيحٌ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الرَّاجِزِ
أَطْعَمَهَا الْمَالِحَ وَالطَّرِيَّا
ذَاكَ مُوَلَّدٌ لَا يُؤْخَذُ بِلُغَتِهِ.
وَأَمَّا الطَّرِيُّ فَيَجُوزُ حِينَ وُجُودِهِ وَزْنًا أَيْضًا، فَإِذَا كَانَ يَنْقَطِعُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ يَنْقَطِعُ فِي الشِّتَاءِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَلَا يَنْعَقِدُ فِي الشِّتَاءِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي الصَّيْفِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهَى الْأَجَلِ لَا يَبْلُغُ الشِّتَاءَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ
(7/83)

قَالَ (وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَا: إذَا وَصَفَ مِنْ اللَّحْمِ مَوْضِعًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ) لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مَضْبُوطُ الْوَصْفِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ. وَيَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ وَزْنًا وَيَجْرِي فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ، بِخِلَافِ لَحْمِ الطُّيُورِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُ مَوْضِعٍ مِنْهُ. وَلَهُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لِلتَّفَاوُتِ فِي قِلَّةِ الْعَظْمِ وَكَثْرَتِهِ أَوْ فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ عَلَى اخْتِلَافِ فُصُولِ السَّنَةِ، وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ. وَفِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ لَا يَجُوزُ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي السَّمَكِ الطَّرِيِّ إلَّا فِي حِينِهِ: يَعْنِي أَنْ يَكُونَ السَّلَمُ مَعَ شُرُوطِهِ فِي حِينِهِ كَيْ لَا يَنْقَطِعُ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْحُلُولِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَنْقَطِعُ جَازَ مُطْلَقًا وَزْنًا لَا عَدَدًا لَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْكِبَارِ الَّتِي تُقَطَّعُ كَمَا يُقَطَّعُ اللَّحْمُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي لَحْمِهَا اعْتِبَارًا بِالسَّلَمِ فِي اللَّحْمِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَنْعُ السَّلَمِ فِي الْكِبَارِ وَزْنًا مَعَ إجَازَتِهِ فِي اللَّحْمِ فَإِنَّ هُنَاكَ يُمْكِنُ إعْلَامُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ الْجَنْبِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ الْفَخِذِ وَلَا يَتَأَتَّى فِي السَّمَكِ ذَلِكَ.
وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ فِي حِينِهِ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ حِينٍ مَدْفُوعِ، فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ عَدَمُ الْوُجُودِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَفِي بَعْضِ السَّنَةِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمُ الِاصْطِيَادِ لِيَرُدَّ مَا ذَكَرَهُ

(قَوْلُهُ وَلَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي اللَّحْمِ) وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَأْكِيدٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ كَقَوْلِهِ لَا خَيْرَ فِي اسْتِقْرَاضِ الْخُبْزِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ يَقُولُهُ فِيمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ تَحَرُّزًا عَنْ الْقَطْعِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّأْيِ بَعِيدٌ. فَكُلُّ الْأَحْكَامِ الْقِيَاسِيَّةِ الْمَظْنُونَةِ مُعَبَّرٌ عَنْهَا فِي الْفِقْهِ بِلَا يَجُوزُ كَذَا أَوْ يَجُوزُ كَذَا. وَكُلُّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا مَظْنُونَاتٌ لَا مَقْطُوعَاتٌ، وَأَيْضًا الْمُجْتَهِدُ قَاطِعٌ بِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ (وَقَالَا: إذَا وَصَفَ مِنْ اللَّحْمِ مَوْضِعًا مَعْلُومًا بِصِفَةٍ) كَكَوْنِهِ ذَكَرًا وَخَصِيًّا وَسَمِينًا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ جِنْسَهُ مِنْ نَحْوِ الضَّأْنِ وَسِنَّهُ ثَنِيٌّ وَمِنْ الْفَخِذِ الْكَتِفِ أَوْ الْجَنْبِ مِائَةُ رِطْلٍ.
وَفِي الْحَقَائِقِ وَالْعُيُونِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهَذَا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ ثُبُوتِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ قِيلَ لَا خِلَافَ، فَمَنَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا أَطْلَقَا السَّلَمَ فِي اللَّحْمِ وَقَوْلُهُمَا إذَا بَيَّنَّا مَا ذَكَرْنَاهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَوْزُونٌ فِي عَادَةِ النَّاسِ مَضْبُوطٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوَصْفِ.
وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى كَوْنِهِ مَوْزُونًا وَكَذَا كَوْنُهُ مَضْمُونًا بِالْمِثْلِ جَائِزُ الِاسْتِقْرَاضِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ فِيهِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ قَاطِعٌ فِيهِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْعَظْمِ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّى مَوْضِعًا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِيهِ عَظْمٌ كَانَ تَرَاضِيًا عَلَى قَطْعِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْعَظْمِ، وَلِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ وَلِذَا جَازَ السَّلَمُ فِي الْأَلِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ عَظْمٍ وَالسَّلَمِ فِيهَا وَفِي الشَّحْمِ بِالْإِجْمَاعِ (بِخِلَافِ لَحْمِ الطُّيُورِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُ مَوْضِعٍ مِنْهُ) لِأَنَّ عُضْوَ الطَّيْرِ صَغِيرٌ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي مَنْعِهِ مُطْلَقًا.
(7/84)

الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالتَّضْمِينُ بِالْمِثْلِ مَمْنُوعٌ.
وَكَذَا الِاسْتِقْرَاضُ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْمِثْلُ أَعْدَلُ مِنْ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ يُعَايَنُ فَيُعْرَفُ مِثْلَ الْمَقْبُوضِ بِهِ فِي وَقْتِهِ، أَمَّا الْوَصْفُ فَلَا يُكْتَفَى بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ مَا لَا يُصْطَادُ مِنْ الطُّيُورِ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَلَا فِي لَحْمِهِ.
وَمَا صِيدَ قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ يَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْعَظْمِ لَا يَعْتَبِرُهُ النَّاسُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْمَلُ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْمَنْعِ مُطْلَقًا فِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ. فَإِنَّ الْعِلَّةَ حِينَئِذٍ ثَابِتَةٌ. ثُمَّ يَجِبُ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي مِائَةِ رِطْلٍ مِنْ لَحْمِ الدَّجَاجِ مَثَلًا أَنْ يُعَيِّنَ الْمَوْضِعَ بَعْدَ كَوْنِهِ بِعَظْمٍ.
فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُحِبُّ الصَّدْرَ مِنْهَا فَيَقُولُ أَوْرَاكًا أَوْ غَيْرِ الصَّدْرِ أَوْ يَنُصُّ عَلَى صَدْرِهَا وَأَوْرَاكِهَا، فَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ مِنْ لَحْمِ الدَّجَاجِ السَّمِينِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُنَازَعَةِ بِسَبَبِ مَا ذَكَرْنَا لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ النَّاسِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقَعُ سَلَمًا فِي الْمَجْهُولِ لِتَفَاوُتِ اللَّحْمِ بِقِلَّةِ الْعَظْمِ وَكَثْرَتُهُ، بِخِلَافِ لَحْمِ السَّمَكِ فَإِنَّ مَضْمُونَهُ مِنْ الْعَظْمِ قَلِيلٌ مَعْلُومٌ إهْدَارُهُ بَيْنَ النَّاسِ. وَلِذَا هُوَ فَرْقٌ بَيْنَ لَحْمِ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُمَا إذَا سَمَّى مَوْضِعًا كَانَ تَرَاضِيًا عَلَى قَطْعِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْعَظْمِ.
قُلْتُ: لِلْمُشَاهَدِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ حَالًا بِعَظْمِهِ جَرَيَانُ الْمُعَاكَسَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْعَظْمِ، حَتَّى أَنَّ الْمُشْتَرِي يَسْتَكْثِرُهُ فَيَأْمُرُهُ بِنَزْعِ بَعْضِهِ وَالْجَزَّارُ يَدُسُّهُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ فِي الْمُؤَجَّلِ الْمُسْتَأْخَرِ التَّسْلِيمُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ. ثَانِيهِمَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْفُصُولِ سِمَنًا وَهُزَالًا، فَلَوْ سَمَّى السَّمِينَ قَدْ يَكُونُ انْتِهَاءُ الْأَجَلِ فِي فَصْلِ الْهُزَالِ. وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي الْمُنْقَطِعِ وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ فِي مَخْلُوعِ الْعَظْمِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ شُجَاعٍ عَنْهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْأَصَحُّ) لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ يَثْبُتُ مَعَ إحْدَاهُمَا كَمَا يَثْبُتُ مَعَهُمَا. وَقَوْلُهُمَا يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ مَمْنُوعٌ بِمَا ذُكِرَ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِيمَنْ غَصَبَ لَحْمًا فَشَوَاهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ لَا يَسْقُطُ ضَمَانَ الْغَصْبِ وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ اللَّحْمِ.
قِيلَ وَلَا تُوجَدُ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ إلَّا هُنَا مِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّهُ رَأَى وَسَطَ غَصْبِ الْمُنْتَقَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَهْلَكَ لَحْمًا قَالَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَحَلَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ (أَنَّ الْقَبْضَ) أَيْ قَبْضَ اللَّحْمِ الْقَرْضُ (يُعَايِنُ فَيَعْرِفُ مِثْلَهُ بِهِ) أَيْ بِالْمَقْبُوضِ. أَمَّا السَّلَمُ فَلَيْسَ فِيهِ مَقْبُوضٌ مُعَيَّنٌ بَلْ مُجَرَّدُ وَصْفٍ فَلَا يُكْتَفَى بِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا وَكَذَا الِاسْتِقْرَاضُ وَزْنًا أَيْضًا مَمْنُوعٌ بَلْ ذَاكَ مَذْهَبُهُمَا، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ أَيْ تَسْلِيمِ أَنَّ ضَمَانَ اللَّحْمِ بِالْمِثْلِ كَمَا اخْتَارَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ جَرَيَانَ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِ قَاطِعٌ بِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالسَّلَمِ بِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ فِي الضَّمَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَتَمَامُ الْمُعَادَلَةِ بِالْمِثْلِ لِأَنَّهُ مَثَلٌ صُورَةً وَمَعْنًى.
(7/85)

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَّا مُؤَجَّلًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ حَالًّا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» فِيمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ رُخْصَةً
دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ
فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَقْدِرَ عَلَى التَّحْصِيلِ فِيهِ فَيُسَلِّمُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَمَّا الْقِيمَةُ فَمِثْلٌ مَعْنًى فَقَطْ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ رَدُّ الْعَيْنِ وَالْمِثْلُ أَقْرَبُ إلَى الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، وَكَذَا بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اسْتِقْرَاضِهِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَمِ وَالْقَرْضِ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْقَرْضِ مُعَايَنٌ مَحْسُوسٌ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارَ الْمَقْبُوضِ ثَانِيًا بِالْأَوَّلِ.
أَمَّا السَّلَمُ فَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ وَبِالْوَصْفِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا تُعْرَفُ مُطَابَقَتُهُ لِلْمَوْجُودِ عِنْدَ الْقَبْضِ كَمَعْرِفَةِ مُطَابَقَتِهِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَقْبُوضِ الْمُوجِبِ لِلْمِثْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَمَّا الْوَصْفُ فَلَا يُكْتَفَى بِهِ: أَيْ لَا يَكْتَفِي بِالْوَصْفِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَالْمَقْبُوضِ كَمَا هُوَ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ أَوَّلًا وَالْمَقْبُوضِ ثَانِيًا.
وَلَمَّا أَهْدَرَ الشَّارِعُ فِي بَابِ الرِّبَا كَوْنُ الْجُودَةِ فَارِقًا ثَبَتَ الرِّبَا بَيْنَ لَحْمَيْ نَوْعٍ مُتَفَاضِلًا وَإِنْ اخْتَلَفَ مَوْضِعُهُمَا كَلَحْمِ فَخِذٌ مَعَ لَحْمِ ضِلْعٍ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَّا مُؤَجَّلًا) وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ السَّلَمُ الْحَالُّ) بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا: أَسْلَمْتُ هَذِهِ الْعَشَرَةَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (لِإِطْلَاقِ النَّصِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ (وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ) وَالظَّاهِرِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَدِيثٍ. وَهَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَإِنَّمَا الْوَجْهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ، وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى نَفْيِهِ بِأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ الْأَجَلُ لَكَانَ لِتَحْصِيلِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْعَاقِدِ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ تَسْلِيمَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالْفَرْضُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ،
(7/86)

وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ لَمْ يُوجَدْ الْمُرَخِّصُ فَبَقِيَ عَلَى النَّافِي.

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْأَجَلُ أَدْنَاهُ شَهْرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا حَقِيقَةً فَقَدْ ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ بِمَا دَخَلَ فِي يَدِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلِهَذَا أَوْجَبْنَا تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْرُجُ بِالْكِتَابَةِ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُلْكِهِ شَيْءٌ فَلَا يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمٍ بَدَلَ الْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالكُمْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» فَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِالتَّأْجِيلِ فِي السَّلَمِ فَيَمْنَعُ الْحَالَّ، بَلْ مَعْنَاهُ: مَنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيُسْلِمْ فِي مَكِيلٍ مَعْلُومٍ أَوْ فِي مَوْزُونٍ فَلْيُسْلِمْ فِي مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلِيَكُنْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ أَيْضًا أَمْرًا بِأَنْ يَكُونَ السَّلَمُ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَعْدُودِ وَالْمَذْرُوعِ لِأَنَّ النَّسَقَ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ قَاطِبَةً فِي إخْرَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْعَامِّ لِلتَّرْخِيصِ لِلْمَفَالِيسِ الْمُحْتَاجِينَ إلَى نَفَقَةٍ عَاجِلَةٍ قَادِرِينَ عَلَى الْبَدَلِ بِقُدْرَةٍ آجِلَةٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَحِلُّ الرُّخْصَةِ إلَّا مَعَ ذِكْرِ الْأَجَلِ فَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، وَكَوْنُهُ قَادِرًا حَالَ الْعَقْدِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي حَقِّهِ. وَلَمَّا كَانَ جَوَازُهُ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ بَاطِنَةٌ أُنِيطَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَمَا هُوَ الْمُسْتَمِرُّ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ وَنَحْوَهُ وَهُوَ ذَكَرَ الْأَجَلَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى كَوْنِ الْمَبِيعِ مَعْدُومًا مِنْ عِنْدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ مَوْجُودًا قَادِرًا هُوَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ (وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ لَمْ يُوجَدْ الْمُرَخَّصُ) مَعْنَاهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَجَلَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُمْ: الْغَرَرُ فِي السَّلَمِ الْحَالِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الْمُؤَجَّلِ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا لَا يُفِيدُ شَيْئًا: أَعْنِي بَعْدَمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِ إلَى الْمَالِ الْعَاجِزِ عَنْ الْعِوَضِ فِي الْحَالِ، فَإِنَّ الْغَرَرَ قَدْ يُحْمَلُ فِيهِ لِتِلْكَ الْحَاجَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ

(قَوْلُهُ وَالْأَجَلُ أَدْنَاهُ شَهْرٌ إلَى آخِرِهِ) فِي التُّحْفَةِ: لَا رِوَايَةٌ عَنْ أَصْحَابِنَا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي الْمَبْسُوطِ فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ.
وَالْأَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالشَّهْرِ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْآجِلِ وَأَقْصَى الْعَاجِلِ. وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: الصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهُوَ جَدِيرٌ أَنْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ مُحَقَّقٌ فِيهِ، وَكَذَا مَا عَنْ الْكَرْخِيِّ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَإِلَى عُرْفِ النَّاسِ فِي تَأْجِيلِ مِثْلِهِ، كُلُّ هَذَا تَنْفَتِحُ فِيهِ الْمُنَازَعَاتُ، بِخِلَافِ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الزَّمَانِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ: فَإِنْ قَدَّرَا نِصْفَ يَوْمٍ جَازَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا قَدَّرُوا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اسْتِدْلَالًا بِمُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ ثَمَّةَ بِالثَّلَاثِ بَيَانُ أَقْصَى الْمُدَّةِ، فَأَمَّا أَدْنَاهُ فَغَيْرُ مُقَدَّرٌ انْتَهَى.
وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ يُرْوَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أُسْتَاذُ الطَّحَاوِيِّ. وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَلِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دِينَهُ عَاجِلًا فَقَضَاهُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ فَكَانَ مَا دُونَ الشَّهْرِ
(7/87)

وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ

(وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا بِذِرَاعِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ) مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُهُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ فِيهِ التَّسْلِيمُ فَرُبَّمَا يَضِيعُ فَيُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ كَالْقِصَاعِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ كَالزِّنْبِيلِ وَالْجِرَابِ لَا يَجُوزُ لِلْمُنَازَعَةِ إلَّا فِي قُرْبِ الْمَاءِ لِلتَّعَامُلِ فِيهِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ (وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا) أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِيهِ آفَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ، فَالشَّهْرُ وَمَا فَوْقَهُ آجِلٌ، قَالُوا: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَبِذِرَاعِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ) أَمَّا إذَا عُرِفَ فَيَجُوزُ لِضَبْطِ الْمِقْدَارِ لَوْ تَلَفَ ذَلِكَ الْمِكْيَالُ وَالذِّرَاعُ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ احْتِمَالِ هَلَاكِ مَا قُدِّرَ بِهِ فَيَتَعَذَّرُ الْإِيفَاءُ.
قَالَ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يُرِيدُ أَوَّلَ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِإِنَاءٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ وَبِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ، إلَى أَنْ قَالَ: بِخِلَافِ السَّلَمِ إلَى آخِرِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَيْسَ بِمُكَايَلَةٍ وَلَا مُجَازَفَةٍ، وَبَيْعُ الْحِنْطَةِ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَالْحَصْرُ مَمْنُوعٌ وَيَتَقَدَّرُ التَّسْلِيمُ فَهَذَا بَيْعٌ مُجَازَفَةً، ثُمَّ لَا بُدَّ (أَنْ يَكُونَ الْمِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ كَالْقِصَاعِ) وَالْحَدِيدِ وَالْخَزَفِ (فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْكَبِسُ بِالْكَبْسِ كَالزِّنْبِيلِ) وَالْغِرَارَةِ (لَا يَجُوزُ لِلْمُنَازَعَةِ) عِنْدَ التَّسْلِيمِ (إلَّا فِي قُرْبِ الْمَاءِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِلتَّعَامُلِ فِيهِ) فَإِنَّهُ أَجَازَهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ سِقَاءِ كَذَا كَذَا قِرْبَةً مِنْ مَاءِ النِّيلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَثَلًا بِهَذِهِ الْقِرْبَةِ وَعَيَّنَهَا جَازَ الْبَيْعُ، وَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا عَيَّنَ هَذِهِ الْقِرْبَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنْ بِمِقْدَارِهَا.
وَالزِّنْبِيلُ بِالْفَتْحِ بِلَا تَشْدِيدٍ وَبِالْكَسْرِ مُشَدَّدُ الْبَاءِ وَيُقَالُ زِنْبِيلٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَلَا فِي طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا) كَحِنْطَةِ بَلْدَةِ الْفَهْمِيِّينَ وَالْمَحَلَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ (أَوْ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا) أَوْ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ (لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِيهِ آفَةٌ فَتَنْتَفِي قُدْرَةُ التَّسْلِيمِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ
(7/88)

- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ «أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» وَلَوْ كَانَتْ النِّسْبَةُ إلَى قَرْيَةٍ لِبَيَانِ الصِّفَةِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مَا قَالُوا كالخشمراني بِبُخَارَى وَالْبَسَاخِيِّ بِفَرْغَانَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «أَرَأَيْتَ لَوْ ذَهَبَ ثَمَرَةُ هَذَا الْبُسْتَانِ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» ) فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَذَا الْبَيْعِ ثَمَنًا إنْ لَمْ يُخْرِجْ هَذَا الْبُسْتَانُ شَيْئًا فَكَانَ فِي بَيْعِ ثَمَرِ هَذَا الْبُسْتَانِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ فَلَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ صَعِيدِيَّةٍ أَوْ شَامِيَّةٍ فَإِنَّ احْتِمَالَ أَنْ لَا يَنْبُتَ فِي الْإِقْلِيمِ بِرُمَّتِهِ شَيْءٌ ضَعِيفٌ فَلَا يَبْلُغُ الْغَرَرَ الْمَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ فَيَجُوزُ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ وُرُودُهُ فِي السَّلَمِ أَوْ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَرَدَّ فِي السَّلَمِ وَفِي الْبَيْعِ، أَمَّا فِي السَّلَمِ فَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ فِي الَّذِي أَسْلَمَ فِي تِلْكَ الْحَدِيقَةِ النَّخْلَ فَلَمْ يَطْلُعْ شَيْءٌ فَأَرَادَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ الثَّمَنَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ وَقَالَ إنَّمَا النَّخْلُ هَذِهِ السَّنَةُ، حَيْثُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخَذَ مِنْ نَخْلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ لَا، قَالَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَهُ؟ اُرْدُدْ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ» الْحَدِيثُ.
وَأَمَّا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنَّ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» فَيَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ السَّلَمِ وَالْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَيُوجِبُ رَدَّ الثَّمَنِ فَهُوَ دَلِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ هَذَا؟» (فَلَوْ كَانَتْ نِسْبَةُ الثَّمَرَةِ إلَى قَرْيَةٍ) مُعَيَّنَةٍ (لِبَيَانِ الصِّفَةِ) لَا لِتَعْيِينِ الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِهَا بِعَيْنِهِ (كالخشمراني وَالْبَسَاخِيِّ) بِبُخَارَى وَهِيَ قَرْيَةٌ حِنْطَتُهَا جَيِّدَةٌ (بِفَرْغَانَةَ لَا بَأْسَ بِهِ) وَلِأَنَّهُ لَا يُرَادُ خُصُوصُ النَّابِتِ هُنَاكَ، بَلْ الْإِقْلِيمُ، وَلَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ الْحِنْطَةِ هُنَاكَ لِأَنَّهُ إقْلِيمٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ مِنْ حِنْطَةِ هَرَاةَ يُرِيدُ هَرَاةَ خُرَاسَانَ وَلَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ طَعَامِ إقْلِيمٍ بِكَمَالِهِ، فَالسَّلَمُ فِيهِ وَفِي طَعَامِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ سَوَاءٌ، وَكَذَا فِي دِيَارِ مِصْرَ فِي قَمْحِ الصَّعِيدِ.
وَاَلَّذِي فِي الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُجْتَبِي وَفِي غَيْرِهِ: لَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةِ بُخَارَى أَوْ حِنْطَةِ سَمَرْقَنْدَ أَوْ إسْبِيجَابَ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ انْقِطَاعِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةِ هَرَاةَ لَا يَجُوزُ، وَفِي ثَوْبِ هَرَاةَ وَذَكَرَ شُرُوطَ السَّلَمِ يَجُوزُ لِأَنَّ حِنْطَتَهَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُهَا إذْ الْإِضَافَةُ لِتَخْصِيصِ الْبُقْعَةِ فَيَحْصُلُ السَّلَمُ فِي مَوْهُومِ الِانْقِطَاعِ، بِخِلَافِ إضَافَةِ الثَّوْبِ لِأَنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ لَا لِتَخْصِيصِ الْمَكَانِ، وَلِذَا لَوْ أَتَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بِثَوْبٍ نُسِجَ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ هَرَاةَ مِنْ جِنْسِ الْهَرَوِيِّ: يَعْنِي مِنْ صِفَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ يُجْبَرُ رَبُّ السَّلَمِ عَلَى قَبُولِهِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمَانِعَ وَالْمُقْتَضِي الْعُرْفُ، فَإِنْ تُعُورِفَ كَوْنُ النِّسْبَةِ لِبَيَانِ الصِّفَةِ فَقَطْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا يُبَيِّنُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ: لَوْ كَانَ ذَكَرَ النِّسْبَةَ لَا لِتَعْيِينِ الْمَكَانِ كالخشمراني فَإِنَّهُ يُذْكَرُ لِبَيَانِ الْجُودَةِ لَا يَفْسُدُ
(7/89)

قَالَ (وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا بِسَبْعِ شَرَائِطَ: جِنْسٌ مَعْلُومٌ) كَقَوْلِنَا حِنْطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ (وَنَوْعٌ مَعْلُومٌ) كَقَوْلِنَا سَقِيَّةٌ أَوْ بَخْسِيَّةٌ (وَصِفَةٌ مَعْلُومَةٌ) كَقَوْلِنَا جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ (وَمِقْدَارٌ مَعْلُومٌ) كَقَوْلِنَا كَذَا كَيْلًا بِمِكْيَالٍ مَعْرُوفٍ وَكَذَا وَزْنًا (وَأَجَلٌ مَعْلُومٌ) وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا وَالْفِقْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا (وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى مِقْدَارِهِ) كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
السَّلَمُ، وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ حِنْطَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِثْلَ الثَّوْبِ جَازَ السَّلَمُ وَإِلَّا لَا، أَمَّا السَّلَمُ فِي الْحِنْطَةِ الصَّعِيدِيَّةِ وَالْعِرَاقِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ فَلَا شَكٌّ فِي جَوَازِهِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ حَدِيثَةٍ قَبْلَ حُدُوثِهَا فَالسَّلَمُ بَاطِلٌ لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ فِي الْحَالِ، وَكَوْنُهَا مَوْجُودَةٌ فِي وَقْتِ الْعَقْدِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ شَرْطٌ لِصِحَّةِ السَّلَمِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَّا بِسَبْعِ شَرَائِطَ) تُذْكَرُ فِي الْعَقْدِ.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَهِيَ الْخَمْسُ الْأُولَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلسَّلَمِ شُرُوطًا غَيْرِهَا وَلَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ ذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ بَلْ وُجُودُهَا. وَشَرَائِطُ جَمْعُ شَرِيطَةٌ، فَقَوْلُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبْعٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَبْعَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمَعْدُودِ شَرْطًا وَسَبْعٌ عَلَى تَقْدِيرِهَا شَرِيطَةٌ وَكُلٌّ وَارِدٌ عَلَى اعْتِبَارٍ خَاصٍّ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ النُّسَخِ لَيْسَ إلَّا الْمَشْهُورُ سَبْعُ شَرَائِطِ (جِنْسٌ مَعْلُومٌ كَحِنْطَةٍ شَعِيرٍ وَنَوْعٌ مَعْلُومٌ كَسَقِيَّةٍ) وَهِيَ مَا يُسْقَى سَيْحًا (أَوْ بَخْسِيَّةٍ) وَهِيَ مَا يُسْقَى بِالْمَطَرِ وَنَسَبَتْ إلَى الْبَخْسِ لِأَنَّهَا مَبْخُوسَةُ الْحَظِّ مِنْ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّيْحِ غَالِبًا (وَصِفَةٌ مَعْلُومَةٌ كَجَيِّدٍ رَدِيءٍ) وَسَطٌ مُشْعِرٌ سَالِمٌ مِنْ الشَّعِيرِ (وَمِقْدَارٌ مَعْلُومٌ كَذَا كَيْلًا بِمِكْيَالٍ مَعْلُومٍ) فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ بِالتَّفْصِيلِ، فَإِنَّ مَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مُسَلَّمًا فِيهِ يَجُوزُ كَوْنُهُ رَأْسَ السَّلَمِ وَلَا يَنْعَكِسُ، فَإِنَّ النُّقُودَ تَكُونُ رَأْسَ مَالٍ وَلَا سَلَمَ فِيهِ (وَ) الْخَامِسُ (أَجَلٌ مَعْلُومٌ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: أَيْ فِي اشْتِرَاط هَذِهِ الْخَمْسَةِ مَا رَوَيْنَا: يَعْنِي قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» الْحَدِيثُ، نَصَّ عَلَى شَرْطَيِّ الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ وَالْأَجَلِ الْمَعْلُومِ، وَثَبَتَ بَاقِي الْخَمْسَةِ بِالدَّلَالَةِ لِظُهُورِ إرَادَةِ الضَّبْطِ الْمُنَافِي لِلْمُنَازَعَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْفِقْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ (وَ) السَّادِسُ (ذِكْرُ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرِهِ) يَعْنِي تَنْقَسِمُ أَجْزَاءَ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ أَوْ الْمَعْدُودَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، وَهَذَا الشَّرْطُ فِي قَدْرِهِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ ثَوْبًا لِأَنَّ الذِّرَاعَ وَصْفٌ لَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَإِعْلَامُ الْوَصْفِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فَوَجَدَهُ أَحَدَ عَشَرَ تُسَلَّمُ لَهُ الزِّيَادَةُ، وَلَوْ وَجَدَهُ تِسْعَةٌ لَا يَحُطُّ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ، وَالْمُسْلَمُ
(7/90)

(وَتَسْمِيَةُ الْمَكَانِ الَّذِي يُوفِيهِ فِيهِ إذَا كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) وَقَالَا: لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَةِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَلَا إلَى مَكَانِ التَّسْلِيمِ وَيُسَلِّمُهُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، فَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ. وَلَهُمَا فِي الْأُولَى أَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ وَالْأُجْرَةَ وَصَارَ كَالثَّوْبِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رُبَّمَا يُوجَدُ بَعْضُهَا زُيُوفًا لَا يَسْتَبْدِلُ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهُ لَا يَدْرِي فِي كَمْ بَقِيَ أَوْ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْمَوْهُومُ فِي هَذَا الْعَقْدِ كَالْمُتَحَقِّقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِيهِ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِ الذُّرْعَانِ لِيُشْتَرَطَ إعْلَامُهُ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءُ فَجَهَالَةُ قَدْرِ الذُّرْعَانِ لَا تُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهُنَا الْمُسْلَمُ فِيهِ بِمُقَابِلَةِ الْمُقَدَّرَاتِ فَيُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَيَفْسُدُ الْعَقْدَ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ اتِّفَاقًا فَصَارَتْ أَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا.
وَالثَّانِي عَشَرَ تَسْمِيَةُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ وَهُوَ يَخُصُّ الْمُسْلَمَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ عَشْرَ أَنَّ أَنْ لَا يَشْمَلَ الْبَدَلَيْنِ إحْدَى عِلَّتِي الرِّبَا لِأَنَّ انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَالرَّابِعُ عَشَرَ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْمُسْلَمُ فِيهِ بِالتَّعْيِينِ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ وَتَقَدَّمَ، فِي التِّبْرِ رِوَايَتَانِ.
وَالْخَامِسُ عَشَرَ انْعِقَادُ الثَّمَنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا ذُكِرَ بِسَبَبِ اشْتِرَاطِهِ لِأَجْلِ إعْلَامِ قَدْرِهِ (وَ) السَّابِعُ (تَسْمِيَةُ الْمَكَانِ الَّذِي يُوفِيهِ فِيهِ إذَا كَانَ لِلْمُسَلَّمِ فِيهِ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) أَيْ إذَا كَانَ نَقْلُهُ يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَةٍ وَنَحْوِهِ لِثِقَلِهِ (وَقَالَا: لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَةِ رَأْسَ الْمَالِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا) يَقْبِضُهُ دُفْعَةً (وَلَا إلَى مَكَانِ التَّسْلِيمِ وَيُسَلِّمُهُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، فَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ) خِلَافِيَّتَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (لَهُمَا فِي الْأُولَى) وَبِقَوْلِهِمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إعْلَامِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ بِلَا مُنَازَعَةً (يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ) إلَى الْعَيْنِ الثَّمَنُ الْمُعَجَّلُ فَأُغْنِي عَنْ إعْلَامِ قَدْرِهِ وَصَارَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُعَجَّلِ، وَالْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ إذَا دَفَعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْمِقْدَارِ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَكَرَأْسِ الْمَالِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِيهِ إعْلَامُ كَمْيَّةِ ذُرْعَانِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَهُ.
مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ بِهِ، وَقَوْلُ الْفَقِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ بِجَامِعِ أَنَّهُ عِوَضٌ تَنَاوَلَهُ عَقْدُ السَّلَمِ، وَلِأَنَّ جَهَالَةَ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَانِعٌ اتِّفَاقًا وَجَهَالَةُ رَأْسِ الْمَالِ مُؤَدٍّ إلَيْهِ،
(7/91)

لِشَرْعِهِ مَعَ الْمُنَافِي، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا لِأَنَّ الذَّرْعَ وَصْفٌ فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى مِقْدَارِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُمْتَنِعِ شَرْعًا مُمْتَنِعٌ شَرْعًا. بَيَانُ تَأْدِيَتِهِ إلَيْهِ أَنَّهُ رُبَّمَا يُنْفِقُ رَأْسَ الْمَالِ كَمَا يُنْفِقُهُ الْمُحْتَاجُونَ فَرُبَّمَا يَظْهَرُ فِيهِ زُيُوفٌ فَيَخْتَارُ الِاسْتِبْدَالَ بِهِ وَرَدَّهُ.
وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرُ رَأْسِ الْمَالِ زُيُوفًا فَإِنَّهُ إذَا رَدَّهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهَا فِي الْمَجْلِسِ يَفْسُدُ السَّلَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ الِاسْتِبْدَالَ فِي أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ خِلَافًا لَهُمَا.
وَقَدْ لَا يُتَّفَقُ الِاسْتِبْدَالُ بِهَا فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْرُ الْمَكِيلِ مَعْلُومًا لَمْ يَدْرِ فِي كَمْ انْتَقَضَ وَفِي كَمْ بَقِيَ فَيَصِيرُ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَجْهُولُ الْمِقْدَارِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ يَلْزَمُ هَذَا أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْهُومًا فَالْمَوْهُومُ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَهُ حُكْمُ الْمَعْلُومِ (لِشَرْعِهِ مَعَ الْمُنَافِي) وَهُوَ كَوْنُ الْمَبِيعِ مَعْدُومًا فَإِنَّ مَا يُشْرَعُ لِذَلِكَ يَكُونُ ضَعِيفًا فِي الشَّرْعِيَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ تَوَهُّمُ الْغَرَرَ الْمَذْكُورِ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْلِيلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ ثَمَرَةَ هَذَا الْحَائِطِ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا لِأَنَّ الذَّرْعَ وَصْفٌ فِيهِ) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةً فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ عَشَرَ كَانَ كُلُّهُ لَهُ وَالْمَبِيعُ لَا يُقَابِلُ الْأَوْصَافَ فَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرِهِ، وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ الثَّوْبُ أَوْ الْحَيَوَانُ الْمَجْعُولُ رَأْسَ مَالٍ مُخَرَّقًا وَسَمَّى عَدَدًا مِنْ الذَّرِعَانِ فِيهِ فَوَجَدَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنْقَصَ أَوْ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ تَالِفًا لَا يَنْتَقِصُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ شَيْءٌ. بَلْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ بِكُلِّ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ هَذَا اعْتِبَارٌ لِشُبْهَةِ الشُّبْهَةِ أَوْ أَنْزَلَ مِنْهَا فَإِنَّ فِي وُجُودِ الزَّيْفِ احْتِمَالًا. ثُمَّ اخْتِيَارُ الرَّدِّ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَدَمُ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ فِيهِ أَيْضًا ذَلِكَ، وَالْمُعْتَبَرُ الشُّبْهَةُ لَا النَّازِلُ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الشُّبْهَةُ لَا غَيْرُ وَهُوَ احْتِمَالُ أَنْ لَا تَخْرُجَ الثَّمَرَةُ.
أُجِيبَ تَارَةٌ بِأَنَّهَا شُبْهَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ الْكُلَّ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُودِ الزَّيْفِ، وَتَارَةٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ كَالنَّقْدِ مَعَ النَّسِيئَةِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْمَوْهُومُ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ طَرِيقَ الْمَنْعِ مَا انْحَصَرَ فِي وُجُودِ الزَّيْفِ بَلْ ظُهُورُ اسْتِحْقَاقِ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ طَرِيقٌ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ اعْتِبَارِ الْمَوْهُومِ فِي هَذَا الْعَقْدِ إجْمَاعُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُلٍ
(7/92)

وَمِنْ فُرُوعِهِ إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ أَحَدِهِمَا. وَلَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ مَكَانَ الْعَقْدِ يَتَعَيَّنُ لِوُجُودِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُزَاحِمُهُ مَكَانٌ آخَرَ فِيهِ فَيَصِيرُ نَظِيرُ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فِي الْأَوَامِرِ فَصَارَ كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِعَيْنِهِ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ لِاحْتِمَالِ هَلَاكِ هَذَا الْكَيْلِ قَبْلَ الْحُلُولِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمِنْ فُرُوعِهِ) أَيْ مِنْ فُرُوعِ الْخِلَافِ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ (إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ) كَكُرِّ حِنْطَةٍ وَكُرِّ شَعِيرِ عَشَرَةً مَثَلًا (وَلَمْ يُبَيِّنْ رَأْسَ مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا) مِنْ الْعَشَرَةِ (أَوْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ) كَدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ كَبُرٍّ أَوْ أَسْلَمَ تَمْرًا وَحِنْطَةً مُعَيَّنِينَ فِي كَذَا مَنًّا مِنْ الزَّعْفَرَانِ (وَلَمْ يُبَيِّن مِقْدَارُ أَحَدِهِمَا) يَعْنِي عَرَفَ مِقْدَارَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ فِي حِصَّةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ فَيَبْطُلُ فِي الْآخَرِ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الصِّفَةِ أَوْ (لِجَهَالَةِ حِصَّةِ الْآخَرِ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَيَكُونُ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَجْهُولًا. وَلَهُمَا فِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ اشْتِرَاطُ مَكَانِ التَّسْلِيمِ فِيمَا لَهُ مُؤْنَةٌ (أَنَّ مَكَانَ الْعَقْدِ يَتَعَيَّنُ) لِلْإِيفَاءِ (لِوُجُودِ الْعَقْدِ) فِيهِ (الْمُوجِبُ لِلتَّسْلِيمِ) مَا لَمْ يَصْرِفَاهُ بِاشْتِرَاطِ مَكَانِ غَيْرِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُقْتَضَى عَقْدٍ مُطْلَقٍ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَمَا صَحَّ اشْتِرَاطُ غَيْرِهِ، فَإِنَّ تَغْيِيرَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مَرْدُودٌ أَوْ هُوَ مُفْسِدٌ عَلَى مَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَصَارَ كَانْصِرَافِهِ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ مَا لَمْ يُسَمِّيَا نَقْدًا غَيْرَهُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَيَلْحَقُ بِالثَّمَنِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِيَهُمَا مَعًا.
فَلَمَّا اقْتَضَى وُجُوبَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ وَجَبَ فِي الْآخَرِ كَذَلِكَ وَصَارَ الْمَكَانُ كَالزَّمَانِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ لِلْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ أَوْ لِلْأَدَاءِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ التَّسْلِيمَ يَحْتَاجُ إلَى مَكَان وَهَذَا الْمَكَانُ لَا يُزَاحِمُ فِيهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ كَأَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، وَإِلْحَاقًا أَيْضًا بِالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ حَيْثُ يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ وَالْقَرْضِ وَالِاسْتِهْلَاكِ. وَيَرِدُ أَنَّ كَوْنَ تَعْيِينِ غَيْرِ مَكَانِ الْعَقْدِ غَيْرِ مُفْسِدٍ يُنْقَضُ بِمَا إذَا اشْتَرَى كُرًّا وَشَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ حَمْلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فَيُفْسِدُ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَهُ.
أُجِيبَ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْعَيْنَ بِمُجَرَّدِ شِرَائِهَا، فَإِذَا شَرَطَ حَمْلًا فَقَدْ شَرَطَ عَمَلًا فِي مِلْكِهِ مَعَ الشِّرَاءِ ثُمَّ سُمِّيَ الثَّمَنُ فِي مُقَابِلَةِ ذَلِكَ كُلَّهُ فَصَارَ بَائِعًا آجِرًا وَمُشْتَرِيًا مُسْتَأْجِرًا مَعًا فَهُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ فَيَفْسُدُ. أَمَّا عَقْدُ السَّلَمِ فَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي بِهِ الْعَيْنَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا عَيْنٌ، فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ بِالْقَبْضِ بِالنَّقْلِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ عَمَلٌ مِنْ الْبَائِعِ فِي مِلْكِهِ نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ بَائِعًا وَآجِرًا.
وَأُورِدَ أَيْضًا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ طَعَامًا وَالطَّعَامُ فِي السَّوَادِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَعْلَمُ مَكَانَهُ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ
(7/93)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَالِّ فَلَا يَتَعَيَّنُ، بِخِلَافِ الْقَرْضِ وَالْغَصْبِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فَالْجَهَالَةُ فِيهِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، لِأَنَّ قِيَمَ الْأَشْيَاءِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ، وَصَارَ كَجَهَالَةِ الصِّفَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ تَعَيَّنَ مَكَانُ الْبَيْعِ مَكَانًا لِلتَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إذَا كَانَتْ خَوَابِيَ الْحِنْطَةِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِصْرَ وَسَوَادٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُطَالِبُهُ بِالتَّسْلِيمِ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ وَالْبَائِعُ يُسَلِّمُهُ إلَيْهِ فِي الْأَبْعَدِ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ أَنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ لَا يَتَعَيَّنُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا وَالْمَبِيعُ فِي السَّلَمِ حَاضِرٌ لِأَنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَهُوَ حَاضِرٌ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَالْمَبِيعُ حَاضِرٌ بِحُضُورِهِ وَفِي بَيْعِ الْعَيْنِ إذَا كَانَ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّسْلِيمَ) فِي السَّلَمِ (غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ) مَكَانَ الْعَقْدِ (بِخِلَافِ الْقَرْضِ وَالْغَصْبِ) فَإِنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِمَا وَاجِبٌ فِي الْحَالِ فَيَتَعَيَّنُ مَكَانُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْحَالِ، وَكَذَا انْدَفَعَ قِيَاسُهُ عَلَى رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ وَتَضَمُّنُ مَنْعِ مَا قَالَا مِنْ أَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ يُوجِبُ تَعْيِينَ مَكَانِهِ، بَلْ الْعَقْدُ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ فَقَطْ إلَّا إنْ اقْتَضَى أَمْرًا آخَرَ تَعْيِينَ مَكَانِهِ (فَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فَالْجَهَالَةُ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، لِأَنَّ قِيَمَ الْأَشْيَاءِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ) دَفْعًا لِلْمُنَازَعَةِ لِأَنَّ الْمُسَلِّمَ يُطَالِبُهُ بِالتَّسْلِيمِ فِي مَكَان يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ وَتَرْتَفِعُ قِيمَتُهُ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَلَى عَكْسِهِ.
وَبِخِلَافِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ لِلْحَالِ فَافْتَرَقَا، وَإِلْحَاقُهُ بِالْأَمْرِ فِي تَعَيُّنِ أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ بِلَا جَامِعٍ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ التَّسْلِيمُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِلْحَالِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الْعَقْدِ مِمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ إذْ لَا مُلَازَمَةٌ تَظْهَرُ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَعَيُّنِهِ مَعَ تَأَخُّرِ التَّسْلِيمِ حَتَّى إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَنْعِ تَعْيِينِ الْعَقْدِ الْمَكَانِ وَإِلْحَاقِهِمَا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَالْقَرْضِ ظَهَرَ الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ السَّلَمِ وَبِالثَّمَنِ فِي الْعَيْنِ مَحِلِّ النِّزَاعِ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَيْضًا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَعْيِينُهُ أَيْضًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَبِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ يُمْنَعُ فِيهِ حُكْمُ الْأَصْلِ، فَإِنَّا لَا نُعَيِّنُ مَكَانَ
(7/94)

وَعَنْ هَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَهُ يُوجِبُ التَّخَالُفَ كَمَا فِي الصِّفَةِ. وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ لِأَنَّ تَعَيُّنِ الْمَكَانِ قَضِيَّةُ الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَالْقِسْمَةُ، وَصُورَتُهَا إذَا اقْتَسَمَا دَارًا وَجَعَلَا مَعَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ.
وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الثَّمَنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَعِنْدَهُمَا يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الدَّارِ وَمَكَانُ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ لِلْإِيفَاءِ. قَالَ (وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَقْدِ لِتَسْلِيمِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَلْ أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِنَفْيِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، فَلَوْ عَقَدَا السَّلَمَ وَمَشَيَا فَرْسَخًا ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ جَازَ.
وَقَوْلُهُمْ الْمُوجِبُ لِلتَّسْلِيمِ وُجِدَ فِيهِ. قُلْنَا: نَعَمْ وَلَا يَسْتَلْزِمُ الْمُوجِبُ فِي مَكَان أَنْ يُوجِبَ مُقْتَضَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَإِنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ عَقْلِيَّةٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ فِي مَكَان وَأَثَرُهُ الْإِيجَابُ مُطْلَقًا فَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ إلَّا سَمْعًا (قَوْلُهُ وَعَنْ هَذَا) أَيْ وَعَنْ كَوْنِ الْمَكَانِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْقِيمَةِ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ: إنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْقِيمَةِ، فَهُوَ كَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي جُودَتِهِ وَرَدَاءَتِهِ.
وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ: أَيْ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفُ عِنْدَهُ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمَكَانِ لَيْسَ قَضِيَّةُ الْعَقْدِ عِنْدَهُ.
وَعِنْدَهُمَا يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمَكَانِ لَمَّا ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْعَقْدِ فِيهِ كَانَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا هُنَا قَالَ (وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الثَّمَنُ) فِي الْبَيْعِ النَّاجِزِ إذَا كَانَ لَهُ مُؤْنَةُ حَمْلٍ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ (وَالْأُجْرَةُ) بِأَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا مَثَلًا بِمَا لَهُ حَمْلُ وَمُؤْنَةٍ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ عِنْدَهُ يَشْتَرِطُ بَيَانُ مَكَانِ تَسْلِيمِهَا وَعِنْدَهُمَا لَا (وَالْقِسْمَةُ) فِيمَا (إذَا اقْتَسَمَا دَارًا وَجَعَلَا مَعَ نُصِبْ أَحَدِهِمَا شَيْئًا لَهُ حَمْلُ وَمُؤْنَةٍ. وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الثَّمَنِ)
بِالْإِجْمَاعِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ) عِنْدَهُ (إذَا كَانَ مَوْجَلًا وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. وَعِنْدَهُمَا يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الدَّارِ) فِي الْقِسْمَةِ (وَمَكَانُ تَسْلِيمِ الدَّابَّةِ) فِي الْإِجَارَةِ (لِلْإِيفَاءِ) (قَوْلُهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ)
(7/95)

لِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ (وَيُوفِيهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْبُيُوعِ.
وَذَكَرَ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ يُوفِيهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، وَلَا وُجُوبَ فِي الْحَالِّ. وَلَوْ عَيَّنَا مَكَانًا، قِيلَ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْمِصْرَ فِيمَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ يُكْتَفَى بِهِ لِأَنَّهُ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا ذَكَرْنَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ وَصِغَارِ اللُّؤْلُؤِ: يَعْنِي الْقَلِيلَ مِنْهُ وَإِلَّا فَقَدْ يُسَلَّمُ فِي أَمْنَانٍ مِنْ الزَّعْفَرَانِ كَثِيرَةٌ تَبْلُغُ أَحْمَالًا، وَكَذَا الْمِسْكُ وَصِغَارُ اللُّؤْلُؤِ لَا يَشْتَرِطُ فِيهِ بَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (وَيُوفِيهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَسْلَمَهُ فِيهِ) وَكُلَّمَا قُلْنَا يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الْعَقْدِ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مِمَّا يَتَأَتَّى التَّسْلِيمُ فِيهِ وَمَا لَا بِأَنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ دِرْهَمًا فِي مَرْكَبٍ فِي الْبَحْرِ أَوْ جَبَلٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا مِنْهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْبُيُوعُ) يَعْنِي مِنْ أَصْلِ الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي الْإِجَارَاتِ مِنْ أَصْلِ الْمَبْسُوطِ (يُوفِيهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ) وَالْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا (لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلُّهَا سَوَاءٌ) إذْ الْمَالِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ فِيمَا لَا حِمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ، بَلْ بِعِزَّةِ الْوُجُودِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ وَقِلَّتِهَا، بِخِلَافِ مَالَهُ مُؤْنَةٌ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ وَالْحَطَبَ يُوجَدُ فِي الْمِصْرِ وَالسَّوَادِ ثُمَّ يُشْتَرَى فِي الْمِصْرِ بِأَكْثَرِ مِمَّا يُشْتَرَى فِي السَّوَادِ (وَلَوْ عَيَّنَا مَكَانًا، قِيلَ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ) وَالشَّرْطُ الَّذِي لَا يُفِيدُ لَا يَجُوزُ.
(وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ (ثُمَّ لَوْ عَيَّنَا الْمِصْرَ فِيمَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ يُكْتَفَى بِهِ لِأَنَّهُ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي أَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمِصْرِ الْوَاحِدِ عَادَةً. قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمِصْرُ عَظِيمًا، فَلَوْ كَانَ بَيْنَ جَوَانِبِهِ نَحْوَ فَرْسَخٍ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْمُنَازَعَةِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَكَان يَحْمِلُهُ إلَى مَنْزِلِهِ لَا خَيْرَ فِيهِ. وَلَوْ شَرَطَ الْحَمْلَ إلَى مَنْزِلِهِ ابْتِدَاءً قِيلَ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا.
وَرَوَى الْبَلْخِيّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ. وَقِيلَ إنَّمَا لَا يَجُوزُ قِيَاسًا إذَا شَرَطَ الْإِيفَاءَ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ الْحَمْلَ إلَى مَنْزِلِهِ. أَمَّا لَوْ شَرَطَ الْإِيفَاءَ فِي مَنْزِلِهِ فَيَجُوزُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. وَفِي بَيْعِ الْعَيْنِ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ فِي الْمِصْرِ أَنْ يُوفِيَهُ إلَى مَنْزِلِهِ وَالْعَقْدُ فِي مِصْرَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ جَوَانِبِ الْمِصْرِ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ.
وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا بِطَعَامٍ مِنْ جِنْسِهِ وَشَرْطَ أَحَدُهُمَا التَّوْفِيَةَ إلَى مَنْزِلِهِ لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ كَيْفَمَا كَانَ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُوفِيَهُ فِي مَكَانِ كَذَا فَسَلَّمَهُ فِي غَيْرِهِ وَدَفَعَ الْكِرَاءَ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ صَارَ قَابِضًا، وَلَا يَجُوزُ
(7/96)

قَالَ (وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ حَتَّى يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ فِيهِ) أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ النُّقُودِ فَلِأَنَّهُ افْتِرَاقٌ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا» ، فَلِأَنَّ السَّلَمَ أَخْذُ عَاجِلٍ بِآجِلٍ، إذْ الْإِسْلَامُ وَالْإِسْلَافُ يُنْبِئَانِ عَنْ التَّعْجِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الِاسْمِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ لِيَتَقَلَّبَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِيهِ فَيَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ إذَا كَانَ فِيهِ خِيَارُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَخْذُ الْكِرَاءِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ إلَيْهِ لِيُسَلِّمَهُ فِي الْمَكَانِ الْمَشْرُوطِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ

(قَوْلُهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ حَتَّى يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ) بَدَنًا تَحْقِيقُهُ أَنَّ قَبْضَ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ شَرْطُ بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ (أَمَّا إذَا كَانَ) رَأْسُ الْمَالِ (مِنْ النُّقُودِ فَلِأَنَّهُ) لَوْ لَمْ يَقْبِضْ (افْتَرَقَا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ) لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فَلَا يَقَعُ الْعَقْدُ إلَّا عَلَى دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ فَيَقَعُ بِدَفْعِ الْعَيْنِ الْمُقَاصَّةِ عَنْهُ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» أَيْ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجِيزُ التَّأْخِيرَ وَيَقُولُ: إذَا لَمْ يَشْرُطْ التَّأْجِيلَ لَا يُخَرِّجَهُ إلَى الدَّيْنِ عُرْفًا، وَبِقَوْلِنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ (وَإِنْ كَانَ عَيْنًا) فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَشْتَرِطُ تَعْجِيلُهُ لِأَنَّ عَدَمَ تَسْلِيمِهِ لَا يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ بَلْ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُشْتَرَطُ إعْمَالًا لِمُقْتَضَى الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِسْلَافَ فِي كَذَا يُنْبِئُ عَنْ تَعْجِيلِ الْمُسَلِّمِ دُونَ الْآخِرِ لِأَنَّ وَضَعَهَا فِي الْأَصْلِ لِأَخْذِ عَاجِلٍ بِآجِلٍ وَالشَّرْعُ قَرَّرَهُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي اُعْتُبِرَ فِيهَا لَوْ فَرَضْنَا فَرْضًا أَنَّهَا صَارَتْ إعْلَامًا فَأَصْلُ الْوَضْعِ كَافٍ بِاعْتِبَارِ مَا اعْتَبَرَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَحْكَامِ فَلَزِمَ التَّعْجِيلُ (وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِهِ لِيَتَقَلَّبَ فِيهِ الْمُسْلَمُ) إلَيْهِ إذْ الْفَرْضُ إفْلَاسُهُ وَحَاجَتُهُ إلَى الْعَقْدِ لِإِفْلَاسِهِ فَيَتَقَلَّبُ فِيهِ لِيَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَى الْأَجَلِ (وَ) لِهَذَا: أَيْ لِاشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ (قُلْنَا: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ إذَا كَانَ فِيهِ خِيَارُ
(7/97)

الشَّرْطِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْض لِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ، وَكَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الشَّرْطِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ لِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ خَرَجَ الْبَدَلُ عَنْ مِلْكِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْآخَرِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا هُوَ مِلْكٌ مُتَزَلْزِلٌ فَإِنَّهُ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَفْسَخَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَلَا يُتِمَّ الْقَبْضُ لِأَنَّ تَمَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَمَامِ الْمِلْكِ فِي الْمَقْبُوضِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ إذَا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقُهُ مِنْ تَمَامِ قَبْضِهِ لِجَوَازِ إجَازَةِ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ قَبْضَهُ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ لِأَنَّ مَنْعَهُ الْمِلْكَ لَيْسَ بِقَضِيَّةِ السَّبَبِ، بَلْ السَّبَبُ وُجِدَ مُطْلَقًا لَا مَانِعَ فِيهِ سِوَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَجَازَ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْغَيْرُ، فَإِذَا أَجَازَ اُلْتُحِقَتْ الْإِجَارَةُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّ عَدَمَ الْمِلْكِ قَضِيَّةُ السَّبَبِ نَفْسِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِشَرْطِ سُقُوطِ الْخِيَارِ وَكَانَ تَأْثِيرُهُ أَكْثَرُ مِنْ تَأْثِيرِ عَدَمِ الْقَبْضِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ مِنْ عَدَمِ الْقَبْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَهُ فَلَا حُكْمَ أَصْلًا وَهُوَ الْمِلْكُ فَلَا قَبْضَ، وَلِذَا قُلْنَا إنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ وَلَا يَتَوَقَّفُ إذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ وَإِعْتَاقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْفُضُولِيِّ يَتَوَقَّفُ.
(وَكَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ) أَيْ فِي السَّلَمِ (خِيَارُ رُؤْيَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ) إذْ فَائِدَةُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ رَدُّ الْمَبِيعِ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، فَإِذَا رُدَّ الْمَقْبُوضُ عَادَ دَيْنًا كَمَا كَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَيْنَ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ بَلْ يَعُودُ حَقُّهُ فِي مِثْلِهِ، وَلِأَنَّ إعْلَامَ الدَّيْنِ لَيْسَ إلَّا بِذِكْرِ الصِّفَةِ فَقَامَ ذِكْرُ الصِّفَةِ مَقَامَ الْعَيْنِ فَلَا يَتَصَوَّرُ خِيَارُ رُؤْيَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي.
وَلَا يُشْكَلُ بِالِاسْتِصْنَاعِ فَإِنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الصَّانِعِ وَيَجْرِي فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ: يَعْنِي إذَا رَدَّ مَا يَأْتِي بِهِ يَنْفَسِخُ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَبِيعَ فِيهِ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الصَّانِعِ بَلْ الْعَيْنُ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَصَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ عَيْنًا مِثْلِيًّا أَوْ قِيَمِيًّا (بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ) فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ (لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ) لِأَنَّ تَمَامَهُ بِتَمَامِ الصَّفْقَةِ
(7/98)

وَلَوْ أُسْقِطَ خِيَارُ الشَّرْطِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَرَأْسُ الْمَالِ قَائِمٌ جَازَ خِلَافًا لَزُفَرَ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ

(وَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ جَمَعُوهَا فِي قَوْلِهِمْ إعْلَامُ رَأْسِ الْمَالِ وَتَعْجِيلُهُ وَإِعْلَامُ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَتَأْجِيلُهُ وَبَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ مِائَتِي دِرْهَمٍ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ مِائَةٌ مِنْهَا دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَمِائَةٌ نَقْدٌ فَالسَّلَمُ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ بَاطِلٌ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ وَيَجُوزُ فِي حِصَّةِ النَّقْدِ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ وَلَا يَشِيعُ الْفَسَادَ لِأَنَّ الْفَسَادَ طَارِئٌ، إذْ السَّلَمُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَلِهَذَا لَوْ نَقَدَ رَأْسَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَتَمَامُهُمَا بِتَمَامِ الرِّضَا وَهُوَ تَمَامُ وَقْتِ الْعَقْدِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ أُسْقِطَ خِيَارُ الشَّرْطِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ قَائِمٌ جَازَ) السَّلَمُ (خِلَافًا لَزُفَرَ) وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقِيَامِ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَسْقَطَاهُ بَعْدَ إنْفَاقِهِ أَوْ اسْتِهْلَاكِهِ لَا يَعُودُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ بِالْإِهْلَاكِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَم إلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ كَانَ بِرَأْسِ مَالٍ هُوَ دَيْنٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ الْآنَ فِي مَعْنَى الِابْتِدَاءِ، إذْ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَقْدِ وُجُودٌ شَرْعًا، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ كَقَوْلِ زُفَرَ (وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ) فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ ثُمَّ أَسْقَطَ الْأَجَلَ قَبْلَ حُلُولِهِ يَنْقَلِبُ جَائِزًا عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُمْ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ جَمَعُوهَا إلَى آخِرِهِ) فَإِعْلَامُ رَأْسِ الْمَالِ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ وَتَعْجِيلِهِ تَتِمُّ خَمْسَةٌ، وَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ النَّقْدِ الْفُلَانِيِّ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَالِيَّةِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الرَّوَاجِ كَقَوْلِنَا عَدْلِيَّةً أَوْ غِطْرِيفِيَّةً، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ وَتَسَاوَتْ رَوَاجًا يُعْطِيهِ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ رَوَاجًا انْصَرَفَ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَيَنْبَغِي فِي دِيَارِنَا إذَا سَمَّى مُؤَيِّدَيْهِ يُعْطِيهِ الْأَشْرَفِيَّةَ وَالْجَقْمَقِيَةَ لِتَعَارُفِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ مُؤَيِّدِيهِ، وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ وَإِعْلَامِ الْمُسْلَمِ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى مِثْلِهَا خَلَا التَّعْجِيلَ وَتَأْجِيلُهُ وَبَيَانُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ يَتِمُّ أَحَدَ عَشَرَ، وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ بِالْفِعْلِ فِي الْحَالِ لَيْسَ هُوَ شَرْطًا عِنْدَنَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ اتَّفَقَ عَجْزُهُ عِنْدَ الْحُلُولِ وَإِفْلَاسُهُ لَا يَبْطُلُ السَّلَمُ وَقَدْ بَقِيَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَلَا يَجُوزُ فِي النُّقُودِ وَأَنْ لَا يَكُونَ حَيَوَانًا، وَانْتِقَادُ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ نَقْدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَنْ لَا يَشْمَلَ الْبَدَلَيْنِ إحْدَى عِلَّتِي الرِّبَا وَعَدَمُ الْخِيَارِ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ وَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ لَمْ يَتِمَّ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي السَّلَمِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ مِائَتَيْنِ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ (مِنْهَا مِائَةٌ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَنَقَدَهُ مِائَةٌ أَنَّ السَّلَمَ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ بَاطِلٌ لِفَوَاتِ قَبْضُهُ وَلَا يَشِيعُ الْفَسَادُ) فِي الْكُلِّ خِلَافًا لَزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ فَسَادٌ قَوِيٌّ لِتَمَكُّنِهِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ. وَأَيْضًا فَقَدْ جَعَلَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي صِحَّةِ الدَّيْنِ شَرْطًا لِقَبُولِهِ فِي صِحَّةِ النَّقْدِ
(7/99)

الْمَالِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ إلَّا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْبَيْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فَيَنْعَقِدُ صَحِيحًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ.
وَلَنَا أَنَّ الْفَسَادَ طَارِئٌ. فَلَا يَشِيعُ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْمُفْسِدِ، أَمَّا إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى مِائَتَيْنِ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ مِائَتَيْنِ فِي كَذَا ثُمَّ جَعَلَ إحْدَاهُمَا الدَّيْنَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إنْ أَضَافَ إلَى الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا بِأَنْ قَالَ أَسْلَمْتُ مِائَةَ الدَّيْنِ وَهَذِهِ الْمِائَةُ فِي كَذَا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ يَفْسُدُ فِي الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَوَابَ فِيهِمَا عَدَمُ الْفَسَادِ عِنْدَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ قَيَّدَ بِهِ بِدَلِيلِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ إلَّا إذَا كَانَا يَعْلَمَانِ عَدَمَ الدَّيْنِ فَيَفْسُدُ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ هَازِلَانِ بِالْبَيْعِ حَيْثُ عَقَدَا بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ الْمِائَةُ عَلَى ثَالِثٍ فَإِنَّهُ يَشِيعُ الْفَسَادُ، وَلِذَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَ الْمِائَةِ دَيْنًا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمِائَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَيْسَتْ مَالًا فِي حَقِّهِمَا، وَحِينَ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالدَّيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْفَسَادُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ ذَلِكَ، بَلْ بِالِافْتِرَاقِ بِلَا قَبْضِ تِلْكَ الْمِائَةِ، وَلِهَذَا لَوْ نَقَضَ الْمِائَةَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ السَّلَمُ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَلْزَمْ قَوْلُهُ جَعَلَ الْقَبُولَ فِي الْفَاسِدِ شَرْطًا إلَى آخِرِهِ إذْ لَمْ يَلْزَمْ الْفَسَادُ بِالْإِضَافَةِ لَفْظًا إلَى الدَّيْنِ وَكَانَ الْفَسَادُ طَارِئًا بِلَا شُبْهَةَ.
وَقَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ: إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَوْعَيْنِ نَقَدَ هَذَا وَدَيْنُ ذَاكَ فَالْكُلُّ فَسَدَ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ ذَا وَقِسْطَ ذَا وَالْبُرُّ فِي الشَّعِيرِ وَالزَّيْتُ كَذَا فَاسْتُشْكِلَتْ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَقِيلَ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالنَّوْعَيْنِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا يَتَعَدَّى الْفَسَادُ كَمَا ذَكَر فِي الْهِدَايَةِ. وَاسْتَشْكَلَهُ صَاحِبُ الْحَوَاشِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ عِنْدَهُ إذَا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْئَيْنِ وَفَسَدَ فِي أَحَدِهِمَا يُفْسِدُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَبُولُ الْفَاسِدِ شَرْطًا إلَى آخِرِهِ، قَالَ: إلَّا أَنَّ هَذَا فِي الْفَسَادِ الْمُقَارَنِ الَّذِي تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَا فِي الطَّارِئِ، وَهَذَا طَارِئٌ لِأَنَّ قَبْضَ رَأْسِ الْمَالِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ، أَمَّا الْعَقْدُ فِي نَفْسِهِ فَصَحِيحٌ.
وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ حَافِظُ الدِّينِ فِي الْمُصَفَّى بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفْسُدَ فِي النَّقْدِ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَوْعَيْنِ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَسَادَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَعْرِفَةَ رَأْسِ الْمَالِ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَدَّمَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا عَلَى اشْتِرَاطِهِ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى قَدْرِهِ، فَإِذَا قُوبِلَ بِشَيْئَيْنِ كَانَ الِانْقِسَامُ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ انْتَهَى. وَهُوَ جَيِّدٌ مَا فَرَّعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ الْمَنْظُومَةِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا دَيْنًا فَإِنَّهُ
(7/100)

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ

(وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ

(فَإِنْ تَقَايَلَا السَّلَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِرَأْسِ الْمَالِ شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ كُلَّهُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَكَ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ» أَيْ عِنْدَ الْفَسْخِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَوْ كَانَ عَيْنَيْنِ فَسَدَ فِيهَا لِذَلِكَ أَيْضًا

(وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ: أَمَّا الْأَوَّلُ) وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ فَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الشَّرْعِ وَهُوَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ شَرْعًا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ (وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (فَإِنَّهُ مَبِيعٌ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ فَلَا تَجُوزُ هِبَتُهُ وَلَا الِاسْتِبْدَالُ بِهِ، أَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَا هُوَ أَرْدَأَ مِنْ الْمَشْرُوطِ فَقَبِلَهُ رَبُّ السَّلَمِ أَوْ أَجْوَدَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِبْدَالِ فَإِنَّهُ جِنْسُ حَقِّهِ فَهُوَ كَتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهِ وَإِسْقَاطُهُ فِي حَقِّ بَابِ السَّلَمِ وَمِنْ جِنْسِ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ

(وَلَا يَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَ) لَا (التَّوْلِيَةُ) مَعَ دُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ التَّصَرُّفِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِمَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُرَابَحَةِ وَالْوَضِيعَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ، وَفِي الْوَضِيعَةِ إضْرَارٌ بِرَبِّ السَّلَمِ فَيُبْعِدُ وُجُودُهُمَا، بِخِلَافِ أَخْذِهِ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ، وَالشَّرِكَةُ هِيَ مَعْنَى أَخْذُ بَعْضِهِ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْبَعْضِ إنَّ التَّوْلِيَةَ تَجُوزُ عِنْدَهُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ وَالسَّلَمِ

(قَوْلُهُ فَإِنْ تَقَايَلَا السَّلَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِرَبِّ السَّلَمِ (أَنْ يَشْتَرِي مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِرَأْسِ الْمَالِ شَيْئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ كُلَّهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك أَوْ رَأْسَ مَالِكَ» ) أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا هُوَ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ: لَا أَعْرِفَهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَعِيدِ الْجَوْهَرِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيِّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ: اللَّفْظُ لِلدِّرْهَمِيِّ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: فَلَا يَأْخُذُ إلَّا مَا أَسْلَمَ فِيهِ أَوْ رَأْسَ مَالِهِ، وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ الْمُصَنِّفِ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُحَسِّنُ
(7/101)

وَلِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا بِالْمَبِيعِ فَلَا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَبِيعًا لِسُقُوطِهِ فَجَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ مَبِيعًا لِأَنَّهُ دَيْنٌ مِثْلُهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِ الِابْتِدَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَدِيثَهُ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " إذَا أَسْلَفْت فِي شَيْءٍ فَلَا تَأْخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِكَ أَوْ الَّذِي أَسْلَفْتَ فِيهِ ". وَأَسْنَدَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ نَحْوَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَقَوْلُهُ لَا تَأْخُذْ إلَّا سَلَمَك: يَعْنِي حَالَ قِيَامِ الْعَقْدِ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ: أَيْ عِنْدَ الْفَسْخِ. فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ كَالْمَبِيعِ فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُهُ أَخَذَ شَبَهًا بِالْمَبِيعِ (بِ) سَبَبِ (أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ) غَيْرِ الْمُتَعَاقِدِينَ وَالشَّرْعُ ثَالِثٌ، وَعَرَفَ أَنَّ صِحَّتهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمَبِيعِ إلَى الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ بَعْدَ إقَالَةِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَبْطُلُ الْإِقَالَةُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا لِأَنَّ بِالْإِقَالَةِ يَسْقُطُ الْمَبِيعُ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَا عَيْنٌ فَيَتَلَاشَى فَلَا يَعُودُ لَكِنَّهَا قَدْ صَحَّتْ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ رَأْسَ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ ضَرُورَةً لِأَنَّهُ دَيْنٌ مِثْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَجَعْلُ الدَّيْنَ مَبِيعًا لَيْسَ مُحَالًا.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ: لَوْ كَانَتْ بَيْعًا جَدِيدًا لَكَانَتْ بَيْعُ سَلَمٍ لِأَنَّهَا إقَالَةُ بَيْعِ سَلَمٍ فَكَانَ يَلْزَمُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَلْزَمْ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ (بِأَنَّهُ) يَعْنِي عَقْدَ الْإِقَالَةِ (لَيْسَ فِي حُكْمِ الِابْتِدَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ لُزُومَ قَبْضِهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ لِئَلَّا يَفْتَرِقَا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالْإِقَالَةِ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا بِتَكَلُّفٍ يَسِيرٍ. وَحَاصِلُ جَوَابِ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ جُعِلَ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالْقَبْضُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ فَلَيْسَ شَرْطًا لَهُ
(7/102)

وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ قَضَاءٌ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ جَازَ) لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ، وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا مَرَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ) أَيْ فِي مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ بِرَأْسِ مَال السَّلَمِ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بَعْدَ إقَالَةِ السَّلَمِ. فَعِنْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا شَاءَ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُ بِالْإِقَالَةِ بَطَلَ السَّلَمُ وَصَارَ رَأْسَ الْمَالِ دَيْنًا عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَيَسْتَبْدِلُ بِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
قَالَ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الْأَثَرِ وَالْمَعْنَى فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ بِالْأَثَرِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ) وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا أَوْ أَرْبَعُونَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكُ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفُ (فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ أَنْ يَقْبِضَهُ قَضَاءٌ) عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَاقْتَضَاهُ رَبُّ السَّلَمِ بِحَقِّهِ بِأَنْ اكْتَالَهُ مَرَّةً وَحَازَهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا حَقَّهُ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ يَهْلَكُ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيُطَالِبُهُ رَبُّ السَّلَمِ بِحَقِّهِ (وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ) أَيْ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ (ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ) أَيْ رَبُّ السَّلَمِ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ (ثُمَّ اكْتَالَهُ) مَرَّةً أُخْرَى (لِنَفْسِهِ) صَارَ مُقْتَضِيًا مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ وَهَذَا (لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ صَفْقَتَانِ بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِي فِيهِ صَاعَانِ) صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي (وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا مَرَّ) فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي بَابَ الْمُرَابَحَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ اجْتِمَاعُ الصَّفْقَتَيْنِ.
وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ مَا سُمِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْكُرُّ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْكَيْلِ فَكَانَ الْكَيْلُ مُعَيِّنًا لِلْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهَذَانِ عَقْدَانِ وَمُشْتَرِيَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْفِيرِ مُقْتَضَى كُلِّ عَقْدٍ عَلَيْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّانِيَ لَوْ كَالَهُ فَزَادَ لَمْ تَطِبْ لَهُ الزِّيَادَةُ وَوَجَبَ رَدُّهَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي كَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَقَبَضَهُ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكِيلَهُ إقَامَةً لِحَقِّ الْعَقْدِ الثَّانِي وَالصَّفْقَتَانِ شِرَاءُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ بَائِعِهِ الْكُرَّ وَالصَّفْقَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَ قَبْضِهِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يَصِيرُ بَائِعًا مِنْ رَبِّ السَّلَمِ مَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ لَيْسَ عَيْنُ حَقِّهِ فَإِنَّهُ دَيْنٌ، وَهَذَا عَيْنُ قَاصَصَهُ بِهِ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي صِحَّةِ الْأَمْرِ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ. وَعِنْدِي لَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ اقْبِضْ الْكُرَّ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْ فُلَانٍ عَنْ حَقِّكَ فَذَهَبَ فَاكْتَالَهُ ثُمَّ أَعَادَ كَيْلَهُ صَارَ قَابِضًا، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ بَلْ الثَّانِي، فَلَمَّا قَالَ لَهُ اقْبِضْهُ عَنْ حَقِّكَ وَالْمُخَاطَبُ يَعْلَمُ طَرِيقَ صَيْرُورَتِهِ قَابِضًا لِنَفْسِهِ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّةً لِلْقَبْضِ عَنْ الْآمِرِ وَثَانِيًا لِيَصِيرَ هُوَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ صَارَ قَابِضًا حَقَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَافْعَلْ مَا تَصِيرُ بِهِ قَابِضًا.
وَلَفْظُ الْجَامِعِ يُفِيدُ مَا قُلْنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى قَوْلِ
(7/103)

وَالسَّلَمُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا لَكِنْ قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَاحِقٌ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً.
وَإِنْ جَعَلَ عَيْنَهُ فِي حَقٍّ حُكْمٌ خَاصٌّ وَهُوَ حُرْمَةُ الِاسْتِبْدَالِ فَيَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَمًا وَكَانَ قَرْضًا فَأَمَرَهُ بِقَبْضِ الْكُرِّ جَازَ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ فَكَانَ الْمَرْدُودُ عَيْنَ الْمَأْخُوذِ مُطْلَقًا حُكْمًا فَلَا تَجْتَمِعُ الصَّفْقَتَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَاكْتَالَهُ ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ جَازَ. وَقَوْلُهُ (وَالسَّلَمُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا إلَى آخِرِهِ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بَيْعُ رَبِّ السَّلَمِ مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَانَ سَابِقًا عَلَى شِرَاءِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ بَائِعِهِ فَلَا يَكُونُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَائِعًا بَعْد الشِّرَاءِ مَا اشْتَرَاهُ فَلَمْ تَجْتَمِعْ الصَّفْقَتَانِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ السَّلَمُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى شِرَاءِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مِنْ بَائِعِهِ (لَكِنْ قَبْضُ) رَبِّ السَّلَمِ (الْمُسْلَمِ فِيهِ لَاحِقٌ) لِشِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ (وَأَنَّهُ) أَيْ قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ (بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً) وَاعْتِبَارُهُ عَيْنُهُ فِي حَقِّ حُكْمٍ خَاصٍّ وَهُوَ صِحَّةُ قَبْضِهِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَيْ لَا يَلْزَمُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَهُ إيَّاهُ مُطْلَقًا فَأَخْذُ الْعَيْنِ عَنْهُ فِي حُكْمِ عَقْدٍ جَدِيدٍ فَيَتَحَقَّقُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ مَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: لَوْ أَسْلَمَ مِائَةٌ فِي كُرٍّ ثُمَّ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كُرُّ حِنْطَةٍ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَقَبَضَهُ فَلَمَّا حَلَّ السَّلَمُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْكُرَّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ. يُرِيدُ أَنَّ رَبَّ السَّلَمِ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ وَهُوَ الْكَرُّ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَهُ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا جُعِلَا عِنْدَ الْقَبْضِ كَأَنَّهُمَا جَدَّدَا عَقْدًا.
وَمِثْلَ هَذَا فِيمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَوْزُونًا كَذَلِكَ إلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ قَبْضُ رَبِّ السَّلَمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ حِنْطَةٌ مُجَازَفَةً أَوْ مَلَكهَا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَأَوْفَاهُ رَبُّ السَّلَمِ فَكَالَهُ مَرَّةً، وَتَجُوزُ بِهِ يُكْتَفَى بِكَيْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَهُوَ السَّلَمُ.
وَلَوْ اشْتَرَى الْمَعْدُودَ عَدًّا وَالسَّلَمُ فِي مَعْدُودٍ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ الْعَدِّ فِي بَيْعِ الْمَعْدُودِ بَعْدَ شِرَائِهِ عَدًّا هَذَا (فَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَلَمًا) وَلَكِنْ أَقْرَضَهُ (فَأَمَرَهُ بِقَبْضِ الْكُرِّ) وَلَمْ يَقُلْ اقْبِضْهُ لِي ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَقَبَضَهُ بِأَنْ اكْتَالَهُ مَرَّةً (جَازَ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ وَكَانَ الْمَرْدُودُ عَيْنُ الْمَأْخُوذِ مُطْلَقًا فَلَمْ تَجْتَمِعْ صَفْقَتَانِ) فَلَمْ يَجِبْ الْكَيْلَانِ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ فِي الْقَرْضِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَزِمَ تَمَلُّكِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً أَوْ تَفَرُّقٌ بِلَا قَبْضٍ فِيهِ وَهُوَ رِبًا، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِي الْقَرْضِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً، وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ سَلَمًا فَلَمَّا حَلَّ اقْتَرَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ فَفَعَلَ جَازَ لَمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ عَقْدَ الْقَرْضِ عَقْدُ مُسَاهَلَةٍ لَا يُوجِبُ الْكَيْلَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ آخَرَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا
(7/104)

قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ فَأَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ أَنْ يَكِيلَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي غَرَائِرِ رَبِّ السَّلَمِ فَفَعَلَ وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْكَيْلِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَ الْآمِرِ، [لِأَنَّ] حَقَّهُ فِي الدَّيْنِ دُونَ الْعَيْنِ فَصَارَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مُسْتَعِيرًا لِلْغَرَائِرِ مِنْهُ وَقَدْ جَعَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ فِيهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ دَيْنٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ كِيسًا لِيَزِنهَا الْمَدْيُونُ فِيهِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا.
وَلَوْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ مُشْتَرَاةٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا صَارَ قَابِضًا لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ صَحَّ حَيْثُ صَادَفَ مِلْكَهُ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْعَيْنَ بِالْبَيْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِالطَّحْنِ كَانَ الطَّحِينُ فِي السَّلَمِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَفِي الشِّرَاءِ لِلْمُشْتَرِي لِصِحَّةِ الْأَمْرِ، وَكَذَا إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهُ فِي الْبَحْرِ فِي السَّلَمِ يَهْلَكُ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَفِي الشِّرَاءِ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَبْلَ الْكَيْلِ

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرٍّ فَأَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ أَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِ رَبِّ السَّلَمِ) وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْإِضْمَارِ فِيهِمَا لَكِنَّهُ أَظْهَرَهُ لِدَفْعِ الِالْتِبَاسِ (فَفَعَلَ وَهُوَ) أَيْ رَبُّ السَّلَمِ (غَائِبٌ لَمْ يَكُنْ قَضَاءٌ) حَتَّى لَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَالتَّقْيِيدُ بِغَيْبَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَالَ فِيهَا وَرَبُّ السَّلَمِ حَاضِرٌ يَصِيرُ قَابِضًا بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْغَرَائِرُ لَهُ أَوْ لِلْبَائِعِ (لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْكَيْلِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَ الْآمِرِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الدَّيْنِ لَا الْعَيْنِ فَصَارَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مُسْتَعِيرُ الْغَرَائِرَ مِنْهُ جَاعِلًا مِلْكَ نَفْسِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ فَدَفَعَ) الدَّائِنُ إلَيْهِ كِيسًا (لِيَزِنَهَا الْمَدْيُونُ فِيهِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي غَرَائِرِ رَبِّ السَّلَمِ طَعَامٌ بِلَا تَرَدُّدٍ، فَإِنْ كَانَ قِيلَ لَا يَصِيرُ قَابِضًا لِمَا قَرَّرْنَا أَنَّ أَمْرَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا لِأَنَّ أَمَرَهُ بِخَلْطِ طَعَامِ السَّلَمِ بِطَعَامِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مُعْتَبَرٌ فَيَصِير بِهِ قَابِضًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فِيمَنْ دَفَعَ نِصْفَ دِرْهَمٍ إلَى صَائِغٍ وَقَالَ زِدْ مِنْ عِنْدِك نِصْفَ دِرْهَمٍ وَصُغْ لِي بِهِمَا خَاتَمًا فَفَعَلَ جَازَ وَصَارَ بِالْخَلْطِ قَابِضًا (وَلَوْ كَانَتْ مُشْتَرَاةٌ) غَيْرُ مُسَلَّمٌ فِيهَا (وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا) أَيْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي غَرَائِرَهُ لِلْبَائِعِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَهَا فِيهَا فَفَعَلَ بِغَيْبَتِهِ (وَصَارَ قَابِضًا لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ صَحَّ) هُنَا (لِأَنَّهُ مَلَكَ عَيْنَ الْحِنْطَةِ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ فَصَادَفَ أَمْرُهُ مِلْكَهُ) وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِطَحْنِ الْحِنْطَةِ الْمُسْلَمِ فِيهَا فَطَحَنَهَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كَانَ الدَّقِيقُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَلَوْ أَخَذَ رَبُّ السَّلَمِ الدَّقِيقَ كَانَ حَرَامًا لِأَنَّهُ اسْتِبْدَالٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مُشْتَرَاةٌ فَأَمَرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أَنْ يَطْحَنَهَا فَطَحَنَهَا كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي، فَلَوْ هَلَكَ الدَّقِيقُ فِي الْأَوَّلِ هَلَكَ مِنْ مِلْكِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَعُودُ دَيْنُ رَبِّ السَّلَمِ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَلَوْ هَلَكَ فِي الثَّانِي هَلَكَ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَتَقَرَّرَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ (إذَا أَمَرَ) رَبُّ السَّلَمِ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ (أَنْ يَصُبَّهُ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) وَلَوْ أَمَرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِهِ كَانَ قَابِضًا فَيَهْلَكُ (مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي
(7/105)

وَيَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ الْكَيْلِ فِي الشِّرَاءِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْكَيْلِ وَالْقَبْضِ بِالْوُقُوعِ فِي غَرَائِرِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ أَمَرَهُ فِي الشِّرَاءِ أَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِ الْبَائِعِ فَفَعَلَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ غَرَائِرَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا فَلَا تَصِيرُ الْغَرَائِرُ فِي يَدِهِ، فَكَذَا مَا يَقَعُ فِيهَا، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَهُ وَيَعْزِلَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ بَيْتِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْبَيْتَ بِنَوَاحِيهِ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَصِرْ الْمُشْتَرِي قَابِضًا.

وَلَوْ اجْتَمَعَ الدَّيْنُ وَالْعَيْنُ وَالْغَرَائِرُ لِلْمُشْتَرِي، إنْ بَدَأَ بِالْعَيْنِ صَارَ قَابِضًا، أَمَّا الْعَيْنُ فَلِصِحَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ وَبِمِثْلِهِ يَصِيرُ قَابِضًا، كَمَنْ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً وَأَمَرَهُ أَنْ يَزْرَعهَا فِي أَرْضِهِ، وَكَمَنْ دَفَعَ إلَى صَائِغٍ خَاتَمًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ عِنْدِهِ نِصْفَ دِينَارٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِمَا قُلْنَا وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ الْكَيْلِ) الْوَاحِدِ (فِي الشِّرَاءِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوُقُوعِ فِي غَرَائِرِ الْمُشْتَرِي) وَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ لَا يُكْتَفَى إلَّا بِكَيْلَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ قَبْلَ بَابِ الرِّبَا، وَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْعِ أَمَرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ أَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِ الْبَائِعِ فَفَعَلَ بِغَيْبَتِهِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا (لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ غَرَائِرَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا) فَلَمْ تَتِمَّ الْإِعَارَةُ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَقْدُ تَبَرُّعٍ لَمْ تَتِمَّ إلَّا بِالْقَبْضِ (فَلَمْ تَصِرْ الْغَرَائِرُ فِي يَدِهِ فَكَذَا مَا يَقَعُ فِيهِ) عَلَى تَأْوِيلِ الظَّرْفِ وَنَحْوِهِ (وَصَارَ كَمَا لَوْ أَمَرَ الْمُشْتَرِي) الْبَائِعُ (أَنْ يَكِيلَهُ وَيَعْزِلَهُ فِي مَكَان مِنْ بَيْتِ الْبَائِعِ) فَفَعَلَ بِغَيْبَتِهِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا

(وَلَوْ اجْتَمَعَ الدَّيْنُ وَالْعَيْنُ) بِأَنْ اشْتَرَى رَبُّ السَّلَمِ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كُرًّا مُعَيَّنًا بَعْدَ حُلُولِ السَّلَمِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَ فِي غَرَائِرِ الْمُشْتَرِي كِلَيْهِمَا فَفَعَلَ بِغَيْبَتِهِ، إنْ بَدَأَ بِالْكُرِّ الْعَيْنِ ثُمَّ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُمَا (أَمَّا الْعَيْنُ فَلِصِحَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَاقَى مِلْكَهُ (وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ وَبِمِثْلِهِ يَصِيرُ قَابِضًا كَمَنْ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً) وَلَمْ يَقْبِضْهَا (ثُمَّ أَمَرَ) الْمُقْرِضَ (أَنْ يَزْرَعهَا فِي أَرْضِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَكَمَنْ دَفَعَ إلَى صَائِغٍ خَاتَمًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ نِصْفَ دِينَارٍ) فَفَعَلَ بِغَيْبَتِهِ لَزِمَتْهُ الزِّيَادَةُ وَتَقَرَّرَ بَدَلُهَا عَلَيْهِ لِاتِّصَالِ مِلْكِهِ فِيهِمَا
(7/106)

وَإِنَّ بَدَأَ بِالدَّيْنِ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، أَمَّا الدَّيْنُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلِأَنَّهُ خَلَطَهُ بِمُلْكِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَصَارَ مُسْتَهْلِكًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ، وَهَذَا الْخَلْطُ غَيْرُ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْبُدَاءَةَ بِالْعَيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِي الْمَخْلُوطِ لِأَنَّ الْخَلْطَ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ عِنْدَهُمَا.

قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ جَارِيَةً فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقَبَضَهَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ثُمَّ تَقَايَلَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا، وَلَوْ تَقَايَلَا بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ بَدَأَ بِالدَّيْنِ) فَكَالَهُ فِي الْغَرَائِرِ (لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، أَمَّا فِي الدَّيْنِ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ) لِمَا قُلْنَا (وَأَمَّا) فِي (الْعَيْنِ فَلِأَنَّهُ يَخْلِطُ مَالَ الْمُشْتَرِي) بِجِنْسِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ) بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. لَا يُقَال: هَذَا الْخَلْطُ لَيْسَ بِتَعَدٍّ لِيَكُونَ بِهِ مُسْتَهْلِكًا لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِمَنْعِ إذْنِهِ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِجَوَازِ كَوْنِ مُرَادِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعَيْنِ (وَعِنْدَهُمَا) لَمَّا لَمْ يَكُنْ اسْتِهْلَاكًا يَصِيرُ الْمُشْتَرِي (بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ) لِعَيْبِ الشَّرِكَةِ (وَإِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِي الْمَخْلُوطِ) وَأَوْرَدَ أَنَّ صَبْغَ الصَّبَّاغِ يَتَّصِلُ بِالثَّوْبِ وَلَا يَصِيرُ مَالِكُهُ قَابِضًا بِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ثُمَّةَ الْفِعْلُ لَا الْعَيْنُ، وَالْفِعْلُ لَا يُجَاوِزُ الْفَاعِلُ لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَسْلَمَ جَارِيَةً فِي كُرِّ حِنْطَةٍ) حَاصِلُ هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ وَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ وَبَيْعُ الْمُقَايَضَةِ، فَفِي السَّلَمِ تَجُوزُ الْإِقَالَةُ قَبْلَ هَلَاكِ الْجَارِيَةِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ تَعْتَمِدُ قِيَامَ الْعَقْدِ وَهُوَ بِقِيَامِ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَقْبِضَ، فَفِي السَّلَمِ الْمَبِيعُ قَصْدًا هُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، فَهَلَاكُ الْجَارِيَةِ وَعَدَمُهُ لَا يَعْدَمُ الدَّيْنَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَجَازَتْ الْإِقَالَةُ إذَا مَاتَتْ قَبْلَ الْإِقَالَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لِقِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَإِذَا جَازَتْ انْفَسَخَ فِي الْجَارِيَةِ تَبَعًا فَوَجَبَ رَدُّهَا وَقَدْ عَجَزَ فَيَرُدُّ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ كَانَ فِيهِ فَصَارَ كَالْغَصْبِ، وَفِيمَا لَوْ كَانَ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مَثَلًا لَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَبْطُلُ لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَا تَبْقَى عَلَى الصِّحَّةِ إذَا هَلَكَتْ بَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً بِأَنْ
(7/107)

هَلَاكِ الْجَارِيَةِ جَازَ) لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ تَعْتَمِدُ بَقَاءَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي السَّلَمِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَصَحَّتْ الْإِقَالَةُ حَالَ بَقَائِهِ، وَإِذَا جَازَ ابْتِدَاءٌ فَأَوْلَى أَنْ يَبْقَى انْتِهَاءٌ، لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ، وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ انْفَسَخَ فِي الْجَارِيَةِ تَبَعًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَقَدْ عَجَزَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا (وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَقَايَلَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَطَلَتْ الْإِقَالَةُ، وَلَوْ تَقَايَلَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَالْإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْجَارِيَةُ فَلَا يَبْقَى الْعَقْدُ بَعْدَ هَلَاكِهَا فَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ ابْتِدَاءً وَلَا تَبْقَى انْتِهَاءً لِانْعِدَامِ مَحِلِّهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ حَيْثُ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ وَتَبْقَى بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ فِيهِ.

قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ شَرَطْتُ رَدِيئًا وَقَالَ رَبُّ السَّلَم لَمْ تَشْتَرِطْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ) لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ مُتَعَنِّتٌ فِي إنْكَارِهِ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَرْبُو عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فِي الْعَادَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
دَفَعَ الْجَارِيَةَ فِي ثَوْبٍ تَبْقَى الْإِقَالَةُ بَعْدَ هَلَاكِهَا إذَا كَانَ الْعَرْضُ الْآخَرُ بَاقِيًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَبِيعٌ مِنْ وَجْهِ (قَوْلِهِ وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ إلَى آخِرِهِ) الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ خَرَجَ كَلَامُ أَحَدِهِمَا مَخْرَجَ التَّعَنُّتِ وَهُوَ أَنْ يُنْكِرَ مَا يَنْفَعُهُ كَانَ بَاطِلًا اتِّفَاقًا وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ أَنْ يُنْكِرَ مَا يَضُرُّهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ أَيْضًا إذَا اتَّفَقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ خَصْمُهُ هُوَ الْمُنْكِرُ وَقَالَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرُ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ. إذَا عُرِفَ هَذَا جِئْنَا إلَى الْمَسَائِلِ

(أَسْلَمَ إلَى رَجُلٍ فِي كُرٍّ فَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ شَرَطْتُ لَكَ رَدِيئًا) وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ لَمْ تَشْتَرِطْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ مُتَعَنِّتٌ) لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِ الصِّحَّةِ مُنْكِرُ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ (لِأَنَّهُ) عَلَى كُلِّ حَالٍ (يَرْبُو عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فِي الْعَادَةِ) وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا وَالْمُسْلَمُ فِيهِ نَسِيئَةً لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ قَاطِبَةً عَلَى إعْطَاءِ هَذَا الْعَاجِلِ بِذَاكَ الْآجِلِ،
(7/108)

وَفِي عَكْسِهِ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُنْكِرًا.
وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(وَلَوْ قَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجَلٌ وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ بَلْ كَانَ لَهُ أَجَلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السَّلَمِ) لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ مُتَعَنِّتٌ فِي إنْكَارِهِ حَقًّا لَهُ وَهُوَ الْأَجَلُ، وَالْفَسَادُ لِعَدَمِ الْأَجَلِ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ لِمَكَانِ الِاجْتِهَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْلَا أَنَّهُ يَرْبُو عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ آجِلًا لَمْ تُطَبَّقْ آرَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ الْمُتَعَنِّتِ مَرْدُودٌ فَيَبْقَى قَوْلُ الْآخَرِ بِلَا مُعَارِضٍ.
وَأَمَّا التَّوْجِيهُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الصِّحَّةُ إلَى آخِرِهِ فَيَخُصُّ أَبُو حَنِيفَةَ تَمْشِيَتَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَوْجِيهُ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لِلْآخَرِ وَهُمَا لَا يَقُولَانِ إنَّ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ دَائِمًا لِيُعَلِّلَا هُنَا بِظُهُورِهَا فِي مُبَاشَرَةِ الْعَاقِدِ (وَفِي عَكْسِهِ) بِأَنْ ادَّعَى رَبُّ السَّلَمِ شَرْطُ الرَّدِيءِ وَأَنْكَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الشَّرْطَ أَصْلًا لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ (وَقَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ يَجِبُ (أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَهُ مُنْكِرًا) وَكَلَامُهُ خُصُومَةٌ (وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ) وَسَيُقَرِّرُ الْمُصَنِّفُ الْوَجْهَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ

(وَلَوْ قَالَ) الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَجَلٌ وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ فِيهِ أَجَلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السَّلَمِ أَيْ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا فِي مِقْدَارِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ هُنَا تَعَنُّتٌ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا هُوَ حَقُّهُ (وَهُوَ الْأَجَلُ) لِأَنَّ الْأَجَلَ لِتَرْفِيهِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي الْفَسَادَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَمَّا كَانَ فِي الْعَادَةِ يَرْبُو عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كَانَ إنْكَارُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ الصِّحَّةَ خُصُومَةٌ فَلَا يَكُونُ مُتَعَنِّتًا، وَهَذَا الْإِيرَادُ هُوَ وَجْهُ الْقِيَاسِ.
فَأَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَالْفَسَادُ لِعَدَمِ الْأَجَلِ لَيْسَ مُتَيَقِّنًا) حَتَّى
(7/109)

فَلَا يُعْتَبَرُ النَّفْعُ فِي رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ، بِخِلَافِ عَدَمِ الْوَصْفِ، وَفِي عَكْسِهِ الْقَوْلُ لِرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ يُنْكِرُ حَقًّا لَهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ كَرَبِّ الْمَالِ إذَا قَالَ لِلْمُضَارِبِ شَرَطْتُ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةَ وَقَالَ الْمُضَارِبُ لَا بَلْ شَرَطْتَ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ الرِّبْحِ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَوْلُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ فَكَانَا مُتَّفِقِينَ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَلَا يُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فَيَبْقَى مُجَرَّدُ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ، أَمَّا السَّلَمُ فَلَازِمٌ فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ كَلَامُهُ تَعَنُّتًا فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ خَرَجَ خُصُومَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَكُونَ إنْكَارُهُ إنْكَارُ الصِّحَّةِ دَافِعًا لِزِيَادَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِأَنَّ السَّلَمَ الْحَالَّ جَائِزٌ عِنْدَ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ (فَلَا يُعْتَبَرُ النَّفْعُ فِي رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ قَطْعًا (بِخِلَافِ عَدَمِ الْوَصْفِ) كَالرَّدَاءَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ قَطْعًا لِلْفَسَادِ (وَفِي عَكْسِهِ) وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْأَجَلَ وَرَبُّ السَّلَمِ يُنْكِرُهُ (الْقَوْلُ لِرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ يُنْكِرُ حَقًّا عَلَيْهِ) وَهُوَ زِيَادَةُ الرِّبْحِ الْكَائِنِ فِي قِيمَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى مَا دَخَلَ فِي يَدِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَصَارَ (كَرَبِّ الْمَالِ إذَا قَالَ لِلْمُضَارِبِ شَرَطْتُ لَك نِصْفَ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةَ وَقَالَ الْمُضَارِبُ بَلْ شَرَطْتَ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَإِنَّ الْقَوْلَ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ) زِيَادَةَ (الرِّبْحِ) وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ إنْكَارُ الصِّحَّةِ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ نِصْفُ الرِّبْحِ وَزِيَادَةُ عَشَرَةً وَهِيَ غَلَطٌ، لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْقَوْلُ لِلْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّ إنْكَارَهُ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَا عَلَى هَذَا (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ فَكَانَا مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا) إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسَلِّم الِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُفِيدُ لِتَمَامِ الْفَرْضِ الْمَقْصُودِ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجِبُ نَقْضُهُ وَرَفْعُهُ شَرْعًا، وَلِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ تَبَعٌ لَهُ، فَالِاتِّفَاقُ عَلَى صُدُورِ هَذَا الْعَقْدِ اتِّفَاقٌ عَلَى صُدُورِ شَرَائِطِهِ.
فَإِنْكَارُ الْأَجَلِ إنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ ظَاهِرًا فَلَا يُقْبَلُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي التَّزْوِيجِ بِشُهُودٍ أَوْ بِلَا شُهُودٍ فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِيهِ بِشُهُودٍ (بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّهُ أَيْ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ (لَيْسَ بِلَازِمٍ) وَلِهَذَا يَتَمَكَّنُ رَبُّ الْمَالِ مِنْ عَزْلِهِ قَبْلَ شِرَائِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَكَذَا الْمُضَارِبُ لَهُ فَسْخُهُ، وَإِذَا كَانَ غَيْرُ لَازِمٍ ارْتَفَعَ بِاخْتِلَافِهِمَا، وَإِذَا ارْتَفَعَ بَقِيَ دَعْوَى الْمُضَارِبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ وَرَبُّ الْمَالِ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ لَهُ (أَمَّا السَّلَمُ فَ) عَقْدٌ (لَازِمٌ) فَلَا يَرْتَفِعُ بِالِاخْتِلَافِ فَكَانَ مُدَّعِي الْفَسَادَ مُتَنَاقِضًا ظَاهِرًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ إذَا صَحَّ كَانَ شَرِكَةً، وَإِذَا فَسَدَ صَارَ إجَارَةً فَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ مُدَّعِيَ الْفَسَادِ يَدَّعِي
(7/110)

وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ فَالْقَوْلُ لِمُدَعِّي الصِّحَّةِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لِلْمُنْكِرِ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْإِجَارَةَ، وَمُدَّعِي الصِّحَّةِ يَدَّعِي الشَّرِكَةَ فَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي نَوْعِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ الْحَالِّ وَهُوَ مَا يَدَّعِيهِ مُنْكِرٌ الْأَجَلِ سَلَمٌ فَاسِدٌ لَا عَقْدٌ آخَرُ فَلِهَذَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ لَا يُسَلَّمُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ وَاخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ.
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ رَبُّ الْمَالِ شَرَطْتَ نِصْفَ الرِّبْحِ وَزِيَادَةَ عَشَرَةً فَإِنَّ الْقَوْلَ لِلْمُضَارِبِ، وَلَمْ يَقُلْ اخْتَلَفَا فِي نَوْعِ الْعَقْدِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُضَارِبَ ادَّعَى الشَّرِكَةَ وَالصِّحَّةَ وَرَبُّ الْمَالِ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ شَرَطْتُ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ ثُمَّ قَوْلُهُ وَزِيَادَةَ عَشَرَةً عَطْفًا عَلَيْهِ يَدَّعِي الْفَسَادَ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا عَشَرَةً بِالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إذْ صَدْرُ الْكَلَامِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ، قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي الْأُصُولِ فِيمَا إذَا زَوَّجَهُ الْفُضُولِيُّ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ فَقَالَ أَجَزْتُ نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ يَفْسُدَانِ، لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ بِوُجُودِ الْمُغَيِّرِ فِي آخِرِهِ وَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ، وَأُورِدَ أَيْضًا بِمَا إذَا قَالَ تَزَوَّجْتُكِ وَأَنَا صَغِيرٌ وَقَالَتْ بَلْ بَعْدَ بُلُوغِكَ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ مَعَ أَنَّهُ يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ: أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِأَصْلِ الْعَقْدِ بَلْ أَنْكَرَهُ حَيْثُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالِ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إنْكَارَ الْأَجَلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا فِي أَصْلِ الْأَجَلِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ. وَالثَّانِي فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْأَقَلَّ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمُدَعِّي الْأَكْثَرَ قَضَى بِهَا، وَإِنْ قَامَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُثْبِتِ الزِّيَادَةِ.
وَالثَّالِثُ فِي مُضِيِّ الْأَجَلِ إذَا قَالَ رَبُّ السَّلَمِ مَضَى الْأَجَلُ الْمُسَمَّى وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَوَجُّهَ الْمُطَالَبَةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً قَضَى لَهُ، فَإِنْ أَقَامَاهَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةَ الْأَجَلِ، هَذَا وَالِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ عِنْدَنَا خِلَافًا لَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا فِي بَدَلِهِ بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَةِ: يَعْنِي أَنَّهُ مَا هُوَ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ
(7/111)

قَالَ (وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ إذَا بَيَّنَ طُولًا وَعَرْضًا وَرُقَعَهُ) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي مَعْلُومٍ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ ثَوْبُ حَرِيرٍ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَزْنِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ الْوَصْفَ جَارٍ مَجْرَى الْأَصْلِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: إذَا شَرَطَ فِي السَّلَمِ الثَّوْبَ الْجَيِّدَ فَجَاءَ بِثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ جَيِّدٌ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ فَالْقَاضِي يَرَى اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ وَهَذَا أَحْوَطُ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي، فَإِنْ قَالَا جَيِّدٌ أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّلَمِ يَتَحَالَفَانِ اسْتِحْسَانًا وَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ بِيَمِينِ الطَّالِبِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قَضَى بِهَا، وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قَضَى بِبَيِّنَةِ رَبِّ السَّلَمِ بِسَلَمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ إمَّا عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. اتَّفَقَا عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ أَوْ اخْتَلَفَ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا وَاخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا غَيْرَ فَقَالَ الطَّالِبُ هَذَا الثَّوْبُ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقَالَ الْآخَرُ فِي نِصْفِ كُرٍّ أَوْ فِي شَعِيرٍ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ الرَّدِيئَةِ وَأَقَامَا قَضَى بِبَيِّنَةِ رَبِّ السَّلَمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَأْسِ الْمَالِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا هَذَا الثَّوْبُ وَقَالَ الْآخَرُ هَذَا الْعَبْدُ وَاتَّفَقَا عَلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ أَنَّهُ الْحِنْطَةُ أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا هَذَا الثَّوْبُ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ وَقَالَ الْآخَرُ فِي كُرِّ شَعِيرٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ قَضَى بِالسَّلَمَيْنِ، فَمُحَمَّدٌ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ. وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: كُلٌّ يَدَّعِي عَقْدًا غَيْرَ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ. وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى رَأْسِ الْمَالِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ لِرَبِّ السَّلَمِ وَيَقْضِي بِسَلَمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْقَلْبِ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهِمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي كُرَّيْ حِنْطَةٍ وَقَالَ الْآخَرُ خَمْسَةُ عَشَرَ فِي كُرٍّ وَأَقَامَا، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ فَيَجِبُ خَمْسَةُ عَشَرَ فِي كُرَّيْنِ وَلَا يَقْضِي بِسَلَمَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي بِسَلَمَيْنِ عَقْدٌ بِخَمْسَةِ عَشَرَ فِي كُرٍّ وَعَقْدٌ بِعَشَرَةٍ فِي كُرَّيْنِ. وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِسَلَمَيْنِ كَمَا فِي الثَّوْبَيْنِ. وَفِيهَا: أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ وَشَرَطَ الْوَسَطَ فَجَاءَ بِجَيِّدٍ وَقَالَ خُذْ هَذَا وَزِدْنِي دَرَاهِمَ فَعَلَى وُجُوهٍ: إمَّا إنْ كَانَ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا أَوْ ذَرْعِيًّا، فَفِي الْكَيْلِيِّ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ فَجَاءَ بِأَحَدِ عَشَرَ وَقَالَ زِدْنِي دِرْهَمًا جَازَ لِأَنَّهُ بَاعَ قَفِيزًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَلَوْ جَاءَ بِتِسْعَةٍ وَقَالَ خُذْ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ دِرْهَمًا فَقِبَل جَازَ أَيْضًا فَإِنَّهُ إقَالَةٌ فِي الْبَعْضِ فَيَجُوزُ كَمَا فِي الْكُلِّ وَلَوْ جَاءَ بِحِنْطَةٍ أَجْوَدُ أَوْ أَرْدَأُ فَأَعْطَى دِرْهَمًا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ فِي الْأَرْدَإِ وَالْأَجْوَدِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ.
وَفِي الثَّوْبِ إنْ جَاءَ بِأَزْيَدَ بِذِرَاعٍ وَقَالَ زِدْنِي دِرْهَمًا جَازَ وَهُوَ بَيْعُ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ مُفْرَدًا، وَكَذَا إذَا أَتَى بِالزِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ جَاءَ بِأَنْقَصَ فَرَدَّ مَعَهُ دِرْهَمًا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ إقَالَةٌ فِيمَا لَا يُعْلَمُ حِصَّتُهُ لِأَنَّ الذِّرَاعَ وَصْفٌ وَحِصَّتُهُ مَجْهُولَةٌ، هَذَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ لِكُلِّ ذِرَاعٍ حِصَّةً، فَإِنْ بَيَّنَ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا لَوْ جَاءَ بِأَنْقَصَ وَصْفًا لَا يَجُوزُ وَلَوْ بِأَزْيَدَ وَصْفًا جَازَ الْكُلُّ فِي الْأَصْلِ

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ إذَا بَيَّنَ طُولًا وَعَرْضًا وَرُقْعَةً لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي مَعْلُومٍ) وَالرُّقْعَةُ يُرَادُ بِهَا قَدْرُ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَلْ فِي اشْتِرَاطِ وَزْنِهِ إذَا كَانَ حَرِيرًا
(7/112)

(وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَا فِي الْخَرَزِ) لِأَنَّ آحَادَهَا مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا فَاحِشًا وَفِي صِغَارِ اللُّؤْلُؤِ الَّتِي تُبَاعُ وَزْنًا يَجُوزُ السَّلَمُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْوَزْنِ

(وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي اللَّبِنِ وَالْآجُرِّ إذَا سَمَّى مَلْبَنًا مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبٌ لَا سِيَّمَا إذَا سُمِّيَ الْمَلْبَنُ.

قَالَ (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِهِ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ (وَمَا لَا يُضْبَطُ صِفَتُهُ وَلَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ، وَبِدُونِ الْوَصْفِ يَبْقَى مَجْهُولًا جَهَالَةً تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِنَّ عِنْدَ بَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَشْتَرِطُونَهُ وَالْوَجْهُ بِهَا ظَاهِرٌ، وَكَذَا يَجُوزُ فِي الْبُسُطِ وَالْأَكْسِيَةِ وَالْمُسُوحِ وَالْجُوَالِقِ وَالْبَوَارِي إذَا بَيَّنَ الطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالصَّنْعَةَ، وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ مِنْ الثِّيَابِ عُرْفًا كَالْوَذَارِيِّ يُشْتَرَطُ بَيَانُ وَزْنِهِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ نَاجِزًا.
فِي الْمُنْتَقَى: إذَا بَاعَ ثَوْبَيْ حَرِيرًا يَدًا بِيَدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي السَّلَمِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ يُكْتَفَى بِتَعْرِيفِهَا فِي الْبَيْعِ، غَايَةُ الْأَمْرِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ ثِقَلِهِ وَهُوَ كَعَدَمِ مَعْرِفَةِ عَدَدِ قُفْزَانِ الصُّبْرَةِ وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، وَفِي الطُّولِ يَذْكُرُ عَدَدَ الذُّرْعَانِ يَجِبُ أَنْ يُتَوَسَّطَ عِنْدَ الذَّرْعِ بَيْنَ إرْخَاءِ الثَّوْبِ وَمَدِّهِ إنْ كَانَ الذِّرَاعُ مُخْتَلِفُ الطُّولِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَإِذَا دَخَلَ ثِيَابَ الْحَرِيرِ الْوَزْنُ لَزِمَ أَنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا جُزَافًا فَلِذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ بَيْعَ ثَوْبِ خَزٍّ بِثَوْبِ خَزٍّ يَدًا بِيَدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا وَزْنًا كَأَوَانِي الصُّفْرِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجَوَاهِرِ) بِلَا خِلَافٍ إلَّا لِمَالِكٍ (وَلَا فِي الْخَرَزِ لِأَنَّ آحَادُهَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا) فِي الْمَالِيَّةِ فَإِنَّ الْجَوْهَرَتَيْنِ قَدْ يَتَّحِدَانِ وَزْنًا وَيَخْتَلِفَانِ قِيمَةً بِاعْتِبَارِ حُسْنِ الْهَيْئَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا فِي الصِّغَارِ الَّتِي تُدَقُّ لِلْكُحْلِ وَالتَّدَاوِي فَيَجُوزُ وَزْنًا.

(وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي اللَّبِنِ وَالْآجُرِّ إذَا سَمَّى مَلْبَنًا مَعْلُومًا) لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ إذَا سَمَّى الْمَلْبَنَ. وَقَوْلُهُ (لَا سِيَّمَا إذَا سَمَّى إلَى آخِرِهِ) يُعْطِي أَنَّهُ مُتَقَارِبُ فَلَا تُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْمَلْبَنِ بَلْ إذَا سُمِّيَ يَكُونُ أَحْسَنُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مِائَةِ آجُرَّةٍ مِنْ أَتُّونٍ، وَفِي عُرْفِ بِلَادِنَا يُسَمُّونَهُ قَمِينًا أَوْ قُمَيْرًا وَهُوَ الَّذِي يُبْنَى لِيُشْوَى فِيهِ الْآجُرُّ وَالْحِجَارَةُ تُعْمَلُ جِيرًا لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ فِي النُّضْجِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَلْحَقْنَاهُ فِي السَّلَمِ بِالْمُتَفَاوِتِ الْمُتَقَارِبِ

(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَا أُمّكُنَّ ضَبْطُ صِفَتِهِ إلَى آخِرِهِ) لَا خِلَاف فِيهِ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ وَالنُّحَاسِ وَالتِّبْرِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَالْحِنَّاءِ وَالْوَسْمَةِ وَالرَّيَاحِينِ الْيَابِسَةِ وَالْجُذُوعِ إذَا بَيَّنَ طُولًا وَعَرْضًا وَغِلَظًا وَالْقَصَبُ وَصُوفُ الْأَخْشَابِ، وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي التِّبْنِ كَيْلًا بِالْغَرَائِرِ،
(7/113)

(وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي طَسْتٍ أَوْ قُمْقُمَةٍ أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إذَا كَانَ يُعْرَفُ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ السَّلَمِ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ مَجْهُولٌ. قَالَ (وَإِنْ اسْتَصْنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَجَلٍ جَازَ اسْتِحْسَانًا) لِلْإِجْمَاعِ الثَّابِتِ بِالتَّعَامُلِ.
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعًا لَا عِدَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقِيلَ هُوَ مَوْزُونٌ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ، وَفِي عُرْفِنَا كَيْلُهُ فِي شِبَاكِ اللِّيفِ يُسَمُّونَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ شَنِيفًا

(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي طَسْتٍ أَوْ قُمْقُمَةٍ أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) كَالْكُوزِ وَالْآنِيَةِ مِنْ النُّحَاسِ وَالزُّجَاجِ وَالْحَدِيدِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالطَّوَاجِنِ إذَا ضُبِطَ وَاسْتَقْصَى فِي صِفَتِهِ مِنْ الْغَلَطِ وَالسَّعَةِ وَالضَّيِّقِ بِحَيْثُ يَنْحَصِرُ فَلَا يَتَفَاوَتُ إلَّا يَسِيرًا (قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَصْنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَجَلٍ جَازَ اسْتِحْسَانًا) الِاسْتِصْنَاعُ طَلَبُ الصَّنْعَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِصَانِعِ خُفٍّ أَوْ مُكَعَّبٍ أَوْ أَوَانِي الصُّفْرِ اصْنَعْ لِي خُفًّا طُولُهُ كَذَا وَسِعَتُهُ كَذَا أَوْ دُسَتًا: أَيْ بُرْمَةً تَسَعُ كَذَا وَزْنُهَا كَذَا عَلَى هَيْئَةِ كَذَا بِكَذَا وَيُعْطِي الثَّمَن الْمُسَمَّى أَوْ لَا يُعْطِي شَيْئًا فَيَعْقِدُ الْآخَرُ مَعَهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا تَبَعًا لِلْعَيْنِ. وَالْقِيَاس أَنْ لَا يَجُوز وَهُوَ قَوْلُ زَفَرَ وَالشَّافِعِيّ، إذْ لَا يُمْكِنُ إجَارَةً لِأَنَّهُ اسْتِئْجَار عَلَى الْعَمَل فِي مِلْكِ الْأَجِيرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوز
(7/114)

وَالْمَعْدُومُ قَدْ يُعْتَبَرُ مَوْجُودًا حُكْمًا، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ دُونَ الْعَمَلِ، حَتَّى لَوْ جَاءَ بِهِ مَفْرُوغًا لَا مِنْ صَنْعَتِهِ أَوْ مِنْ صَنْعَتِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَأَخَذَهُ جَازَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَمَا لَوْ قَالَ احْمِلْ طَعَامَكَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إلَى مَكَانِ كَذَا بِكَذَا، أَوْ اُصْبُغْ ثَوْبَك أَحْمَرَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ وَلَا بَيْعًا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِ الْعَاقِدِ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا كَانَ مَعْدُومًا فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَكِنَّا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا لِلتَّعَامُلِ الرَّاجِعِ إلَى الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَوْمِ بِلَا نَكِيرٍ، وَالتَّعَامُلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَصْلٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» «وَقَدْ اسْتَصْنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا. وَاحْتَجَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الْحَجَّامَ»
مَعَ أَنَّ مِقْدَارَ عَمَلِ الْحِجَامَةِ وَعَدَدَ كُرَّاتِ وَضْعِ الْمَحَاجِمِ وَمَصَّهَا غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ أَحَدٍ. وَمِثْلِهِ شُرْبُ الْمَاء مِنْ السِّقَاءِ، وَسَمِعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُودِ الْحَمَّامِ فَأَبَاحَهُ بِمِئْزَرٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ شَرْطًا. وَتَعَامَلَ النَّاسُ بِدُخُولِهِ مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْآنَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَذْكُرَ عَدَدَ مَا يَصُبُّهُ مِنْ مِلْءِ الطَّاسَةِ وَنَحْوِهَا فَقَصَرْنَاهُ عَلَى مَا فِيهِ تَعَامُلٌ، وَفِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ رَجَعْنَا فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ كَأَنْ يَسْتَصْنِعَ حَائِكًا أَوْ خَيَّاطًا لَيَنْسِجَ لَهُ أَوْ يَخِيطَ قَمِيصًا بِغَزْلِ نَفْسِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ أَنَّهُ مُوَاعَدَةٌ أَوْ مُعَاقَدَةٌ، فَالْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَالصَّفَّارُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَصَاحِبُ الْمَنْثُورِ مُوَاعَدَةٌ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ عِنْدَ الْفَرَاغِ بَيْعًا بِالتَّعَاطِي وَلِهَذَا كَانَ لِلصَّانِعِ أَنْ لَا يَعْمَلَ وَلَا يُجْبَرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ السَّلَمِ، وَلِلْمُسْتَصْنِعِ أَنْ لَا يَقْبَلَ مَا يَأْتِي بِهِ وَيَرْجِعَ عَنْهُ، وَلَا تَلْزَمُ الْمُعَامَلَةُ وَكَذَا الْمُزَارِعَةُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِفَسَادِهِمَا مَعَ التَّعَامُلِ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِمَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كَانَ عَلَى الِاتِّفَاقِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ بَيْعًا لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِيهِ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ وَهُمَا لَا يَجْرِيَانِ فِي الْمُوَاعَدَةِ، وَلِأَنَّهُ جَوَّزَهُ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ دُونَ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مُوَاعَدَةً جَازَ فِي الْكُلِّ، وَسَمَّاهُ شِرَاءً فَقَالَ: إذَا رَآهُ الْمُسْتَصْنَعُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، وَلِأَنَّ الصَّانِعَ يَمْلِكُ الدَّرَاهِمَ بِقَبْضِهَا وَلَوْ كَانَتْ مَوَاعِيدُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَإِثْبَاتُ أَبِي الْيُسْرِ الْخِيَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَيْعٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ لَوْ لَمْ يَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنَ الْآخَرِ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ وَحِينَ لَزِمَ جَوَازُهُ عِلْمنَا أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ فِيهَا الْمَعْدُومَ مَوْجُودًا وَفِي الشَّرْعِ كَثِيرٌ كَذَلِكَ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَتَسْمِيَةِ الذَّابِحِ إذَا نَسِيَهَا وَالرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُودِ وَقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ. وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْن دُونَ الْعَمَلِ) نَفْيٌ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ الِاسْتِصْنَاعَ يُنَبِّئُ عَنْهُ كَمَا قُلْنَا، وَالْأَدِيمُ وَالصَّرْمُ بِمَنْزِلَةِ
(7/115)

وَلَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالِاخْتِيَارِ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ الصَّانِعُ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ الْمُسْتَصْنِعُ جَازَ، وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ (وَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ وَلَا خِيَارَ لِلصَّانِعِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَّا بِضَرَرٍ وَهُوَ قَطْعُ الصَّرْمِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا. أَمَّا الصَّانِعُ فَلِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْمُسْتَصْنِعُ فَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ إضْرَارًا بِالصَّانِعِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَشْتَرِيهِ غَيْرُهُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ لِلنَّاسِ كَالثِّيَابِ لِعَدَمِ الْمُجَوَّزِ وَفِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا أَمْكَنَ إعْلَامُهُ بِالْوَصْفِ لِيُمْكِنَ التَّسْلِيمُ، وَإِنَّمَا قَالَ بِغَيْرِ أَجَلٍ لِأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ الْأَجَلَ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ يَصِيرُ سَلَمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَلَوْ ضَرَبَهُ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ يَصِيرُ سَلَمًا بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلِاسْتِصْنَاعِ فَيُحَافَظُ عَلَى قَضِيَّتِهِ وَيُحْمَلُ الْأَجَلُ عَلَى التَّعْجِيلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الصَّبْغِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، وَلِذَا لَوْ جَاءَ بِهِ مَفْرُوغًا لَا مِنْ صَنْعَتِهِ أَوْ مِنْ صَنَعْته قَبْلَ الْعَقْدِ فَأَخَذَهُ جَازَ، وَإِنَّمَا نُبْطِلُهُ بِمَوْتِ الصَّانِعِ لِشَبَهِهِ بِالْإِجَارَةِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَهُوَ إجَارَةٌ ابْتِدَاءً بَيْعٌ انْتِهَاءً، لَكِنْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا عِنْدَ التَّسْلِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا مَاتَ الصَّانِعُ يَبْطُلُ وَلَا يُسْتَوْفَى الْمَصْنُوعُ مِنْ تَرِكَتِهِ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ انْعَقَدَ إجَارَةً أُجْبِرَ الصَّانِعُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْمُسْتَصْنِعُ عَلَى إعْطَاءِ الْمُسَمَّى.
(7/116)

بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ لِأَنَّهُ اسْتِصْنَاعٌ فَاسِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّلَمِ الصَّحِيحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ دَيْنٌ يَحْتَمِلُ السَّلَمَ، وَجَوَازُ السَّلَمِ بِإِجْمَاعٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَفِي تَعَامُلِهِمْ الِاسْتِصْنَاعُ نَوْعُ شُبْهَةٍ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى السَّلَمِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجْبَرْ الصَّانِعُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنٍ لَهُ مِنْ قَطْعِ الْأَدِيمِ وَنَحْوِهِ، وَالْإِجَارَةُ تُفْسَخُ فَفُسِخَ بِهَذَا الْعُذْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُزَارِعَ لَهُ أَنْ لَا يَعْمَلَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَا رَبُّ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ إلَّا بِذَلِكَ وَالْمُسْتَصْنِعُ وَلَوْ شَرْطَ تَعْجِيلَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ فِي الْآخِرَةِ كَشِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِصْنَاعِ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ فِي الْجَوَازِ لَا اللُّزُومِ، وَلِذَا قُلْنَا لِلصَّانِعِ أَنْ يَبِيعَ الْمَصْنُوعَ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ الْمُسْتَصْنِعُ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرَ لَازِمٍ وَأَمَّا بَعْدَ مَا رَآهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلصَّانِعِ، بَلْ إذَا قِبَلَهُ الْمُسْتَصْنِعُ أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ لَهُ لِأَنَّهُ بِالْآخِرَةِ بَائِعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(7/117)

(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ) قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالسِّبَاعِ، الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُ الْمُعَلَّمِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ، لِقَوْلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ]
الْمَسَائِلُ الَّتِي تَشِذُّ عَنْ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَمْ تُذْكَرْ فِيهَا إذَا اُسْتُدْرِكَتْ سُمِّيَتْ مَسَائِلَ مَنْثُورَةً: أَيْ مُتَفَرِّقَةً عَنْ أَبْوَابِهَا (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالسِّبَاعِ، الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُ الْمُعَلَّمِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) هَكَذَا أُطْلِقَ فِي الْأَصْلِ، فَمَشَى بَعْضُهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِ كَالْقُدُورِيِّ. وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: نَصَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَتَضْمِينِ مَنْ قَتَلَهُ قِيمَتَهُ. وَرَوَى الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ نَصُّهُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْعَقُورِ، وَعَلَى هَذَا مَشَى فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ إذَا كَانَ بِحَالٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ.
وَنُقِلَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجَرْوِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ: وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْأَسَدِ إذَا كَانَ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ وَيَصْطَادُ بِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ وَالِاصْطِيَادَ بِهِ لَا يَجُوزُ، قَالَ: وَالْفَهْدُ وَالْبَازِي يَقْبَلَانِ التَّعْلِيمَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ النَّمِرِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ لِشَرِّهِ لَا يَقْبَلُ تَعْلِيمًا. وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْجَوَازُ، وَرِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ بِالْمَنْعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ إنَّمَا هُوَ لِلَّهْوِ وَهَذِهِ جِهَةٌ مُحَرَّمَةٌ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ رِوَايَةِ إطْلَاقِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَالسِّبَاعِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرَّةِ لِأَنَّهَا تَصْطَادُ الْفَأْرَ وَالْهَوَامَّ الْمُؤْذِيَةَ فَهِيَ مُنْتَفَعٌ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ هَوَامِّ الْأَرْضِ كَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَالْفَأْرَةِ وَالنَّمْلِ وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ، وَلَا هَوَامِّ الْبَحْرِ كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ. وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَّاتِ إذَا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْأَدْوِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ فَلَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ النَّجِسِ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ لِلِاسْتِصْبَاحِ فَهُوَ كَالسِّرْقِينِ، وَأَمَّا الْعَذِرَةُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا إذَا خُلِطَتْ بِالتُّرَابِ فَلَا بِجَوَازِ بَيْعِهَا إلَّا تَبَعًا لِلتُّرَابِ الْمَخْلُوطِ، بِخِلَافِ الدَّمِ يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِلصَّيْدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَمَّا اقْتِنَاؤُهُ
(7/118)

- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ مِنْ السُّحْتِ مَهْرَ الْبَغِيِّ وَثَمَنَ الْكَلْبِ» وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَالنَّجَاسَةُ تُشْعِرُ بِهَوَانِ الْمَحَلِّ وَجَوَازُ الْبَيْعِ يُشْعِرُ بِإِعْزَازِهِ فَكَانَ مُنْتَفِيًا. وَلَنَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِلصَّيْدِ وَحِرَاسَةِ الْمَاشِيَةِ وَالْبُيُوتِ وَالزَّرْعِ فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَهُ فِي دَارِهِ إلَّا إنْ خَافَ لُصُوصًا أَوْ أَعْدَاءً لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» وَجْهُ قَوْلِهِ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ وَثَمَنَ الْكَلْبِ وَكَسْبَ الْحَجَّامِ مِنْ السُّحْتِ» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدَيْنِ فِيهِمَا ضَعْفٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَجَرَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» (وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ وَالنَّجَاسَةُ تُشْعِرُ بِهَوَانِ الْمَحَلِّ وَالْبَيْعُ بِرِفْعَتِهِ) فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَعَارَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا (أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» ) وَهُوَ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ.
نَعَمْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ» وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ لَيْسَ فِيهَا هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ، لَكِنْ رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي سَنَدِهِ عَنْ الْهَيْثَمِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «أَرْخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» وَهَذَا سَنَدٌ جَيِّدٌ، فَإِنَّ الْهَيْثَمَ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ مِنْ أَثْبَاتِ التَّابِعِينَ، فَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى رَأْيِهِمْ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا وَالْمُخَصِّصُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِالْعَامِّ فَيَجُوزُ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى أَجَازُوا تَخْصِيصَ الْعَامِّ الْقَاطِعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً فَبَطَلَ مُدَّعَاهُمْ مِنْ عُمُومِ مَنْعِ الْبَيْعِ، ثُمَّ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ مِمَّا يُعَلَّلُ وَيُخْرَجُ مِنْ الْعَامِّ مَرَّةً أُخْرَى، وَتَعْلِيلُ إخْرَاجِ كَلْبِ الصَّيْدِ سَاطِعٌ أَنَّهُ لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَخُصُوصُ الِاصْطِيَادِ مُلْغًى إذْ لَا يَظْهَرُ مُوجِبٌ
(7/119)

وَلِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا فَكَانَ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، بِخِلَافِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَلْعًا لَهُمْ عَنْ الِاقْتِنَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِذَلِكَ فَصَارَ الْكَلْبُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ خَارِجًا سَوَاءٌ اُنْتُفِعَ بِهِ فِي صَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةِ مَاشِيَةٍ وَخَرَجَ الْعَقُورُ.
وَمَنْ مَشَى مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ يَقُولُ: كُلُّ كَلْبٍ تَتَأَتَّى مِنْهُ الْحِرَاسَةُ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْكُلِّ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ نَسْخٌ لِمُوجِبِ الْعَامِّ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا نَسْخَ بِقِيَاسٍ. فَالْوَجْهُ أَنْ يُعَلَّلَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ بِنَفْعٍ لَا تَرْبُو عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ، وَيَدَّعِي فِي الْعَقُورِ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ تَرْبُو عَلَى مَنْفَعَةِ حِرَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ خَاصَّةٌ يَقْتَرِنُ بِهَا ضَرَرٌ عَامٌّ لِلنَّاسِ فَيَخْرُجُ مَا سِوَاهُ.
وَقَصُرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ نَظَرَهُ عَلَى الْحَدِيثِ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْمَذْهَبِ بَلْ ذَكَرَهُ لِنَفْيِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ: أَعْنِي شُمُولَ الْمَنْعِ فَيَحْتَاجُ بَعْدَهُ إلَى دَلِيلِ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ إلَّا الْوَجْهَ الثَّانِيَ، وَعَلَى تَقْرِيرِنَا يَتِمُّ الْأَوَّلُ أَيْضًا.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ عَلَى عُمُومِ بَيْعِ الْكَلْبِ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَضَى فِي كَلْبٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا» وَلَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلًا لَا يُعْرَفُ إلَّا مَوْقُوفًا حَدَّثَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَنْ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو " أَنَّهُ قَضَى فِي كَلْبِ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَقَضَى فِي كَلْبِ مَاشِيَةٍ بِكَبْشٍ ". وَثَانِيًا هُوَ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا تُوجِبُ الْعُمُومَ فِي أَنْوَاعِ الْكِلَابِ فَجَعْلُهَا دَلِيلًا عَلَى الْعُمُومِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ.
ثَانِيهمَا هُوَ قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا فَكَانَ مَالًا) يَعْنِي مَالًا مَمْلُوكًا مُتَقَوِّمًا. أَمَّا كَوْنُهُ مَالًا فَلِأَنَّ الْمَالَ اسْمٌ لِغَيْرِ الْآدَمِيِّ خُلِقَ لِمَنْفَعَتِهِ الْمُطْلَقَةِ شَرْعًا، وَهَذَا كَذَلِكَ فَكَانَ مَالًا، وَأَمَّا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُتَقَوِّمٌ فَلِأَنَّهُ مُحَرَّزٌ مَأْذُونٌ شَرْعًا
(7/120)

وَلَا نُسَلِّمُ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَحْرُمُ التَّنَاوُلُ دُونَ الْبَيْعِ. وَقَالَ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا " وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّنَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَالتَّقَوُّمُ بِالتَّمَوُّلِ، وَكِلَاهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا إذْ قَدْ أَذِنَ الشَّرْعُ فِي اقْتِنَاءِ كَلْبِ الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ بَيْعُهُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَرَجَّحُ عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُسَلَّمَ أَنَّهُ مَالٌ مُحَرَّزٌ مُتَقَوِّمٌ لَكِنْ ثَبَتَ مَنْعُ الشَّرْعِ مِنْ بَيْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ. فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِادِّعَاءِ نَسْخِ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِمَا قُلْنَا أَوَّلَ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ كَانَ أَمْرًا مُحَقَّقًا فِي الْأَوَّلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ عُلِمَ نَسْخُ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ تَرْكِ قَتْلِهَا عَلَى مَا حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: مَالِي وَلِلْكِلَابِ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَفِي كَلْبٍ آخَرَ نَسِيَهُ سَعِيدٌ» .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَجَبَ حَمْلُ مَا رُوِيَ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي سُؤْرِهَا وَالنَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهَا وَبَيْعِهَا ثُمَّ التَّرْخِيصُ فِي بَيْعِ النَّوْعِ الَّذِي أَذِنَ فِي اقْتِنَائِهِ، الْأَوَّلُ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِيَةِ، فَكَانَ مَنْعُ الْبَيْعِ عَلَى الْعُمُومِ مَنْسُوخًا بِإِطْلَاقِ بَيْعِ الْبَعْضِ بِالضَّرُورَةِ. وَأَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ: نَجِسُ الْعَيْنِ بِالْمَنْعِ بِدَلِيلِ إطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. قَالَ (وَلَوْ سَلَّمَ فَنَجَاسَةُ عَيْنِهِ تُوجِبُ حُرْمَةَ أَكْلِهِ لَا مَنْعَ بَيْعِهِ) بَلْ مَنْعُ الْبَيْعِ بِمَنْعِ الِانْتِفَاعِ شَرْعًا، وَلِهَذَا أَجَزْنَا بَيْعَ السِّرْقِينِ وَالْبَعْرِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا لِإِطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا عِنْدَنَا، بِخِلَافِ الْعَذِرَةِ لَمْ يُطْلَقْ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَمُنِعَ بَيْعُهَا، فَإِنْ ثَبَتَ شَرْعًا إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ مَخْلُوطَةً بِالتُّرَابِ وَلَوْ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَالِاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ كَمَا قِيلَ جَازَ بَيْعُ ذَلِكَ التُّرَابِ الَّتِي هِيَ فِي ضِمْنِهِ، وَبِهِ قَالَ مَشَايِخُنَا. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْخَمْرِ لِنَصٍّ خَاصٍّ فِي مَنْعِ بَيْعِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «إنَّ رَجُلًا أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ شُرْبَهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَسَارَّ إنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ سَارَرْته؟ قَالَ: أَمَرْته بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، قَالَ فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهُ فَبَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» وَهَذَا يَتِمُّ بِهِ
(7/121)

وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. .

قَالَ (وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبِيَاعَاتِ كَالْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَلِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مُحْتَاجُونَ كَالْمُسْلِمِينَ. قَالَ (إلَّا فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ خَاصَّةً) فَإِنَّ عَقْدَهُمْ عَلَى الْخَمْرِ كَعَقْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْعَصِيرِ، وَعَقْدُهُمْ عَلَى الْخِنْزِيرِ كَعَقْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الشَّاةِ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ فِي اعْتِقَادِهِمْ، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَعْتَقِدُونَ. دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا

قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك خَمْسَمِائَةٍ مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَرْحُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَيَقُومُ إشْكَالًا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ السِّرْقِينِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِي نَحْوِ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، فَإِنَّا بَيَّنَّا فِي الْأُصُولِ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْأَعْيَانِ تُقَدَّرُ إضَافَتُهُ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْنِ كَالشُّرْبِ مِنْ الْخَمْرِ وَالْأَكْلِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَاللُّبْسِ مِنْ الْحَرِيرِ، فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا» يَعْنِي إذَا حَرَّمَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الشَّيْءِ " حَرَّمَ بَيْعَهُ وَأَكْلَ ثَمَنِهِ " كَالْمَقْصُودِ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَقْصُودِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي السِّرْقِينِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ، فَإِنْ قَالَ النَّجَاسَةُ سَبَبٌ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ.
أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ تَحْرِيمَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الشَّيْءِ مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهِ

. (قَوْلُهُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْبِيَاعَاتِ كَالْمُسْلِمِينَ) يَجُوزُ لَهُمْ مِنْهَا مَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمُوجِبِ الْبِيَاعَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مُحْتَاجُونَ إلَى مُبَاشَرَتِهَا، وَقَدْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا بِالْإِقَامَةِ فِي دَارِنَا وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُمْ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَا سَلَمَ فِي حَيَوَانٍ وَلَا نَسِيئَةَ فِي صَرْفٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ هُمْ فِي الْبُيُوعِ كَالْمُسْلِمِينَ (إلَّا فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) فَإِنَّا نُجِيزُ بَيْعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِخُصُوصٍ فِيهِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْت سُوَيْد بْنَ غَفَلَةَ يَقُولُ: حَضَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ عُمَّالُهُ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَأْخُذُونَ فِي الْجِزْيَةِ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْخَمْرَ، فَقَالَ بِلَالٌ: أَجَلْ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ وَلَّوْا أَرْبَابَهَا بَيْعَهَا ثُمَّ خُذُوا الثَّمَنَ مِنْهُمْ، وَلَا نُجِيزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَيْعَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» لَمْ يُعْرَفْ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك خَمْسَمِائَةٍ مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ فَقَالَ
(7/122)

فَفَعَلَ فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الْأَلْفَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْخَمْسَمِائَةِ مِنْ الضَّامِنِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى الضَّمِينِ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَتَلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْعَقْدِ مِنْ وَصْفٍ مَشْرُوعٍ إلَى وَصْفٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ كَوْنُهُ عَدْلًا أَوْ خَاسِرًا أَوْ رَابِحًا، ثُمَّ قَدْ لَا يَسْتَفِيدُ الْمُشْتَرِي بِهَا شَيْئًا بِأَنْ زَادَ فِي الثَّمَنِ وَهُوَ يُسَاوِي الْمَبِيعَ بِدُونِهَا فَيَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ كَبَدَلِ الْخُلْعِ لَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُقَابَلَةُ تَسْمِيَةً وَصُورَةً، فَإِذَا قَالَ مِنْ الثَّمَنِ وُجِدَ شَرْطُهَا فَيَصِحُّ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يُوجَدْ فَلَمْ يَصِحَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِعْت فَهُوَ جَائِزٌ) وَهُوَ جَوَابٌ لِلْكُلِّ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلُ الضَّامِنِ ذَلِكَ بَعْدَ مُفَاوَضَةٍ بَيْنَ فُلَانٍ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ بِأَلْفٍ وَإِبَاءً أَوْ ابْتِدَاءً. قَالَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ: وَيَكُونُ الْبَيْعُ بَعْدَهُ دَلَالَةً عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ امْتِثَالٌ بِذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت فَقَالَتْ طَلَّقْت، يُجْعَلُ قَبُولًا اسْتِحْسَانًا، فَكَذَا هَذَا. وَفِي بَعْضِهَا مَا يُفِيدُ أَنَّهُ إيجَابٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبَاءً وَلَا مُسَاوَمَةً وَحَصَلَ إيجَابُ الْعَقْدِ عَقِيبَ ضَمَانِ الرَّجُلِ كَانَ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْ عَبْدَك أَمْرٌ وَلَفْظَةُ الْأَمْرِ لَا تَكُونُ فِي الْبَيْعِ إيجَابًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْنِي هَذَا بِكَذَا فَقَالَ بِعْت لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقْبَلَ الْآخَرُ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ طَلِّقِي نَفْسَك فِي التَّفْوِيضِ فِي الْخُلْعِ فَلَا بُدَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقُولُ بَعْدَ بِعْت مِنْ الْبَائِعِ اشْتَرَيْت أَوْ مَعْنَاهُ عَلَى مَا سَلَفَ هُنَاكَ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ مِنْ الثَّمَنِ فَبَاعَ جَازَ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ فَقَطْ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: مِنْ الثَّمَنِ فَقَدْ أَضَافَ الْتِزَامَهُ زِيَادَةَ خَمْسِمِائَةٍ فِي الثَّمَنِ إلَى بَيْعِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَالضَّمَانُ جَائِزُ الْإِضَافَةِ فَقَدْ وُجِدَ الْمُقْتَضِي لِلُّزُومِ بِلَا مَانِعٍ. وَإِذَا لَمْ يَقُلْ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَلْتَزِمْ الْخَمْسَمِائَةِ مِنْ الثَّمَنِ بَلْ الْتَزَمَ مَالًا يُعْطِيهِ إيَّاهُ إنْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ، وَهَذِهِ رِشْوَةٌ إذْ لَمْ تُقَابَلْ بِالْمَبِيعِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مِنْ الثَّمَنِ فَيَنْعَقِدُ بِأَلْفٍ فَقَطْ، ثُمَّ فِي الْأَوَّلِ إنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَأْخُذَ الْخَمْسَمِائَةِ مِنْ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَلَى الْمُشْتَرِي صَارَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُرَابِحَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ دَارًا وَلَهَا شَفِيعٌ أَخَذَهَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَلَوْ رَدَّ
(7/123)

قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى زَوَّجَهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ) لِوُجُودِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِعَيْبٍ أَوْ تَقَايَلَا فَالْبَائِعُ يَرُدُّ الْأَلْفَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْخَمْسَمِائَةِ عَلَى الضَّامِنِ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ وَيُرَابِحُ عَلَى أَلْفٍ وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ.
وَلَوْ تَقَايَلَا أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ أَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْخَمْسَمِائَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا يَجُوزُ فَكَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ عَلَيْهِ. أَجَابَ الْكَرْخِيُّ بِمَنْعِ كَوْنِ الشِّرَاءِ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا يَجُوزُ إذْ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَتَعَقَّبَهُ الرَّازِيّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى غَيْرِ الْبَائِعِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ كَوْنَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ إذَا كَانَ أَصْلُ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَجُوزَ وَلَكِنَّا تَرَكْنَاهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «فِي الَّذِي امْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِلدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ فَالْتَزَمَهُ أَبُو قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَلَّى عَلَيْهِ» فَقَدْ الْتَزَمَ دَيْنًا لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَحْصُلُ لِلْمُلْتَزِمِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي مُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ.
وَدُفِعَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ لَزِمَ جَوَازُ اشْتِرَاطِ كُلِّ الثَّمَنِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ. فَالْجَوَابُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَهَا شِبْهٌ بِبَدَلِ الْخُلْعِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ يُسَلَّمُ لِلْمُلْتَزِمِ وَبَدَلُ الْخُلْعِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا التَّعْلِيلُ قَاصِرٌ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ كَمَا لَا تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ، وَوُجُودُهَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَكْثَرُ أَحْوَالِ الْعَقْدِ، فَإِنَّ أَحْوَالَهُ ثَلَاثَةٌ: كَوْنُهُ خَاسِرًا، وَرَابِحًا، وَعَدْلًا. وَكَوْنُهَا لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فِي وَجْهٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ رَابِحًا فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَقَلِّ بَلْ الْوَاجِبُ اعْتِبَارُ الْحَالِ الْأَغْلَبِيَّةِ فِي الْمُشَابَهَةِ خُصُوصًا إذَا كَانَ يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَالْأَوْلَى مَا قِيلَ: إنَّ الزِّيَادَةَ ثَبَتَتْ تَبَعًا فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ عَلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ أَصْلِ الثَّمَنِ الثَّابِتِ مَقْصُودًا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ ثَبَتَتْ الزِّيَادَةُ ثَمَنًا وَالْأَجْنَبِيُّ ضَامِنٌ لَهَا لَزِمَ جَوَازُ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهَا كَالْكَفِيلِ.
قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ تَوَجُّهُ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْأَصِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَيْدٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفٌ وَأَنَا كَفِيلٌ بِهَا فَأَنْكَرَ فُلَانٌ طُولِبَ الْكَفِيلُ بِهَا دُونَ فُلَانٍ فَجَازَ هُنَا كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَلْتَزِمْهَا إنَّمَا الْتَزَمَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَجْنَبِيُّ وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِلَا سَبَبٍ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى زَوَّجَهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ) وَوَطْءُ الزَّوْجِ قَبْضٌ مِنْ الْمُشْتَرِي خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِوُجُودِ سَبَبِ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ عَلَى
(7/124)

وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الرَّقَبَةِ عَلَى الْكَمَالِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ. (وَهَذَا قَبْضٌ) لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ (إنْ لَمْ يَطَأْهَا فَلَيْسَ بِقَبْضٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا؛ لِأَنَّهُ تَعْيِيبٌ حُكْمِيٌّ فَيُعْتَبَرُ بِالتَّعْيِيبِ الْحَقِيقِيِّ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ فِي الْحَقِيقِيِّ اسْتِيلَاءً عَلَى الْمَحَلِّ وَبِهِ يَصِيرُ قَابِضًا وَلَا كَذَلِكَ الْحُكْمِيُّ فَافْتَرَقَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأَمَةِ (وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ عَلَى الْكَمَالِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَهَا لَا عَلَى الْكَمَالِ كَمَا فِي مِلْكِ نِصْفِهَا لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ إنْكَاحُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالْغَرَرِ دُونَ النِّكَاحِ، وَفِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ احْتِمَالُ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالنِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: أَعْنِي الْمَرْأَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ وَتَزْوِيجَ الْآبِقَةِ يَجُوزُ.
وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْوَارِدُ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَارِدًا فِي النِّكَاحِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِيَثْبُتَ بِدَلَالَتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ الْمُشْتَرِي فَصَارَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي كَانَ قَابِضًا فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ، وَلَوْ لَمْ يَطَأْهَا الزَّوْجُ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا اسْتِحْسَانًا، حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ قَبْلَ الْوَطْءِ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ التَّزْوِيجِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، حَتَّى إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ هَلَكَتْ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ تَعْيِيبٌ مِنْهُ لِلْمَبِيعِ، وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ خِيَارُ الرَّدِّ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا ذَاتَ زَوْجٍ، وَالْمُشْتَرِي إذَا عَيَّبَ الْمَبِيعَ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا فِعْلٌ حِسِّيٌّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالتَّزْوِيجُ تَعْيِيبٌ حُكْمِيٌّ بِمَعْنَى تَقْلِيلِ الرَّغَبَاتِ فِيهَا فَكَانَ كَنُقْصَانِ السِّعْرِ لَهُ وَكَالْإِقْرَارِ مِنْهُ عَلَيْهَا بِدَيْنٍ. وَالْمُشْتَرِي إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى الْعَبْدِ الْمَبِيعِ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ قَابِضًا فَكَذَا مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ كَأَنْ فَقَأَ عَيْنَهَا مَثَلًا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ.
وَاسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا الْإِعْتَاقُ وَالتَّدْبِيرُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِهِمَا قَابِضًا وَلَيْسَ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَى الْمَحَلِّ بِفِعْلٍ حِسِّيٍّ.
وَالْجَوَابُ إنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ نَفْسُ الْفِعْلِ قَبْضًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي يَكُونُ قَبْضًا هُوَ الْفِعْلُ الْحِسِّيُّ الَّذِي يَحْصُلُ الِاسْتِيلَاءُ، وَالْقَبْضُ الْحَاصِلُ بِالْعِتْقِ ضَرُورِيٌّ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْهَاءٌ لِلْمِلْكِ وَمِنْ ضَرُورَةِ إنْهَاءِ الْمِلْكِ كَوْنُهُ قَابِضًا وَالتَّدْبِيرُ مِنْ وَادِيهِ لِأَنَّهُ بِهِ يَثْبُتُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ لِلْمُدَبَّرِ وَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ. هَذَا وَإِذَا صَحَّ النِّكَاحُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَوْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ بَطَلَ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَتَى انْتَقَضَ قَبْلَ الْقَبْضِ انْتَقَضَ مِنْ الْأَصْلِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا، وَقَيَّدَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ بُطْلَانَ النِّكَاحِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْتِ، حَتَّى لَوْ مَاتَتْ
(7/125)

قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَغَابَ فَأَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهَا إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ مَعْرُوفَةً لَمْ يُبَعْ فِي دَيْنِ الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُ الْبَائِعِ إلَى حَقِّهِ بِدُونِ الْبَيْعِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُشْتَرِي (وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ هُوَ بِيعَ الْعَبْدُ وَأَوْفَى الثَّمَنَ) لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ فَيَظْهَرُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مَشْغُولًا بِحَقِّهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْجَارِيَةُ بَعْدَ النِّكَاحِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَإِنْ بَطَلَ الْبَيْعُ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَغَابَ) قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ (فَأَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ) وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ (فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَةُ) الْمُشْتَرِي غَيْبَةً (مَعْرُوفَةً لَمْ يَبِعْهُ) الْقَاضِي (فِي دَيْنِ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُ الْبَائِعِ إلَى حَقِّهِ بِدُونِ الْبَيْعِ) فَيَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي فِي الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ هُوَ بِيعَ الْعَبْدُ وَأَوْفَى الثَّمَنَ) بِنَصْبِ الثَّمَنِ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِبِيعَ وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ هُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمَعْرُوفَةَ أَنْ يُعْلَمَ أَيْنَ هُوَ.
وَقَوْلُهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ بَيْعِ الْقَاضِي (لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ) يَعْنِي بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ (فَيَظْهَرُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ) وَهُوَ كَوْنُهُ (مَشْغُولًا بِحَقِّهِ) يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْقَاضِي لَيْسَ
(7/126)

وَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي يَبِيعُهُ الْقَاضِي فِيهِ كَالرَّاهِنِ إذَا مَاتَ وَالْمُشْتَرِي إذَا مَاتَ مُفْلِسًا وَالْمَبِيعُ لَمْ يُقْبَضْ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، ثُمَّ إنْ فَضَلَ شَيْءٌ يُمْسَكُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ حَقِّهِ وَإِنْ نَقَصَ يَتْبَعُ هُوَ أَيْضًا. قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اثْنَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا فَلِلْحَاضِرِ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَيَقْبِضَهُ، وَإِذَا حَضَرَ الْآخَرُ لَمْ يَأْخُذْ نَصِيبَهُ حَتَّى يَنْقُدَ شَرِيكُهُ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا دَفَعَ الْحَاضِرُ الثَّمَنَ كُلَّهُ لَمْ يَقْبِضْ إلَّا نَصِيبَهُ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِمَا أَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ)
لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَلَا يَقْبِضُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا لَا تُقَامُ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ فَمَا هِيَ إلَّا لِكَشْفِ الْحَالِ لِيُجِيبَهُ الْقَاضِي إلَى الْبَيْعِ نَظَرًا لِلْغَائِبِ لَا لِيَثْبُت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِمْهَا لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ (وَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ) وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِمَالِيَّةِ هَذَا الْعَبْدِ لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ فِي يَدِهِ إلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا كَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِمَالِيَّتِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ كَالْمُرْتَهِنِ إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَإِنَّهُ أَحَقُّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَيُعِينُهُ الْقَاضِي عَلَى بَيْعِهِ (بِخِلَافِ مَا بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ) أَيْ الْبَائِعِ (لَمْ يَبْقَ مُعَلَّقًا بِهِ) بَلْ هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَالْبَيِّنَةُ حِينَئِذٍ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ وَلَا يَثْبُتُ دَيْنٌ عَلَى غَائِبٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْبَيْعِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا طَرِيقُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَتَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ: الْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهَا عَلَى إثْبَاتِ حَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ وَلَيْسَ ثَمَّ خَصْمٌ لَا قَصْدِيٌّ وَلَا حُكْمِيٌّ، فَهُوَ كَمَنْ أَقَامَهَا عَلَى غَائِبٍ لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ لَا تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى حَقِّهِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تُقْبَلُ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الثَّمَنِ وَعَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ وَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي وَرُبَّمَا تَرْبُو النَّفَقَةُ عَنْ الثَّمَنِ وَالْقَاضِي نَاظِرٌ لِإِحْيَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ فَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَهَا لِدَفْعِ الْبَلِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَهَا لِيُثْبِتَ حَقًّا عَلَى الْغَائِبِ لِيَنْزِعَ شَيْئًا مِنْ يَدِهِ لَا يَقْبَلُهَا، وَالْإِجْمَاعُ فِي مِثْلِهِ لِدَفْعِ الْبَلِيَّةِ عَنْ الْبَائِعِ وَلَيْسَ فِيهِ إزَالَةُ يَدِ الْغَائِبِ عَمَّا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بَيْعَ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ. أُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَنْصِبُ الْقَاضِي مَنْ يَقْبِضُهُ ثُمَّ يَبِيعُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَثْبُتُ ضِمْنًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ النَّظَرُ لِلْبَائِعِ بِإِحْيَاءِ حَقِّهِ وَالْبَيْعُ ضِمْنٌ لَهُ. هَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي وَاحِدًا فَغَابَ، فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اثْنَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ إعْطَاءِ الثَّمَنِ فَالْحَاضِرُ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ نَصِيبِهِ إلَّا بِنَقْدِ جَمِيعِ الثَّمَنِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَوْ نَقَدَهُ اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ هَلْ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِ حِصَّةِ الْغَائِبِ؟ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يُجْبَرُ. وَالثَّانِي لَوْ أَنَّهُ قَبِلَ هَلْ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ نَصِيبِ الْغَائِبِ لِلْحَاضِرِ؟ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا، بَلْ لَا يَقْبِضُ إلَّا نَصِيبَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُهَايَأَةِ، وَعِنْدَهُمَا يُجْبَرُ. وَالثَّانِي لَوْ قَبَضَ الْحَاضِرُ الْعَبْدَ هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا نَقَدَهُ؟
(7/127)

وَلَهُمَا أَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ، وَالْمُضْطَرُّ يَرْجِعُ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ عَنْهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا قَضَى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.

قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمِثْقَالَ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيَجِبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ مِثْقَالٍ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَجِبُ مِنْ الذَّهَبِ مَثَاقِيلُ وَمِنْ الْفِضَّةِ دَرَاهِمُ وَزْنُ سَبْعَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ، وَلِلْحَاضِرِ حَبْسُ نَصِيبِ الْغَائِبِ إذَا حَضَرَ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا نَقَدَهُ عَنْهُ.
وَجْهُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاضِرَ قَضَى دَيْنَ الْغَائِبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا فَلَا يَرْجِعُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا (وَلَهُمَا أَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهِ) أَيْ فِي دَفْعِ حِصَّةِ الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّادِرَ إلَيْهِمَا مِنْ الْبَائِعِ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمُضْطَرُّ يَرْجِعُ وَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، وَصَارَ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ إذَا أَفْلَسَ الرَّاهِنُ وَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَابَ، فَإِنَّ الْمُعِيرَ إذَا افْتَكَّهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهِ، وَصَارَ كَصَاحِبِ الْعُلُوِّ إذَا سَقَطَ بِسُقُوطِ السُّفْلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ إذَا لَمْ يَبْنِهِ مَالِكُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى بِنَاءِ عُلُوِّهِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلَا يُمَكِّنُهُ مِنْ دُخُولِهِ مَا لَمْ يُعْطِهِ مَا صَرَفَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ السُّفْلِ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ كَوْنِ صَاحِبِهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا لَا يَكُونُ مُضْطَرًّا فِي إيفَاءِ الْكُلِّ، إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ إلَى الْقَاضِي فِي أَنْ يَنْقُدَ حِصَّتَهُ لِيَقْبِضَ نَصِيبَهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السُّفْلِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ لَوْ خَاصَمَهُ فِي أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِبِنَائِهِ فَكَانَ مُضْطَرًّا حَالَ حُضُورِهِ كَغَيْبَتِهِ (وَلَهُ) أَيْ لِلْحَاضِرِ.
وَمِثْلُ صُورَةِ حُضُورِهِمَا فِي عَدَمِ الِاضْطِرَارِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ دَارًا فَغَابَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الْأُجْرَةِ فَنَقَدَ الْحَاضِرُ جَمِيعَهَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي نَقْدِ حِصَّةِ الْغَائِبِ، إذْ لَيْسَ لِلْآجِرِ حَبْسُ الدَّارِ لِاسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ. وَإِذَا ثَبَتَ حَقُّ الْحَبْسِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلْحَاضِرِ فَلَهُ حَبْسُهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْكُلَّ، وَلَوْ بَقِيَ دِرْهَمٌ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً إلَخْ)
(7/128)

لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَلْفَ إلَيْهِمَا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَزْنِ الْمَعْهُودِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

قَالَ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ جِيَادٍ فَقَضَاهُ زُيُوفًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَأَنْفَقَهَا أَوْ هَلَكَتْ فَهُوَ قَضَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
صُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْت هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ إلَخْ. وَلَفْظُ الْجَامِعِ: فِي رَجُلٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَبِيعُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَفِضَّةٍ قَالَ هُمَا نِصْفَانِ خَمْسُمِائَةِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَخَمْسُمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ، وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ الصِّفَةِ مِنْ الْجَوْدَةِ وَغَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِأَلْفٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الصِّفَةِ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْجِيَادِ.
وَعُرِفَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَإِنْ احْتَمَلَ الْعِدَّةَ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَالَ. وَقِيلَ بَلْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُسَاوَمَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَاعَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَثْبُتُ الِانْقِسَامُ. وَفِيهِ أَنَّ إضَافَةَ الْمِثْقَالِ إلَى الذَّهَبِ ثُمَّ عَطْفَ الْفِضَّةِ عَلَيْهِ مُرْسَلًا يُوجِبُ كَوْنَ الْفِضَّةِ أَيْضًا مُضَافًا إلَيْهَا الْمِثْقَالُ، وَيَنْفِي وَهْمَ أَنْ يَفْسُدَ لِجَهَالَةِ الْفِضَّةِ لِأَنَّ الْمِثْقَالَ غَالِبٌ فِي الذَّهَبِ فَتَصِيرُ الْفِضَّةُ مُرْسَلَةً عَنْ قَيْدِ الْوَزْنِ بَلْ يَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا، وَكَذَا صِفَةُ الْجَوْدَةِ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، فَالْمِثْقَالُ الْمُتَقَدِّمُ فَسَّرَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ غَدًا وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَقَعَا جَمِيعًا غَدًا فَإِنَّهُمَا مُضَافَانِ. ذَكَرَهُ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ قَالَ أَلْفٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَعَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ بِالْمَثَاقِيلِ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فِي الدَّرَاهِمِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَلْفٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجَبَ خَمْسُمِائَةِ مِثْقَالٍ مِنْ الذَّهَبِ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ مِنْ الْفِضَّةِ، لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي وَزْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَا يَصْرِفُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْمُتَعَارَفِ فِيهِ فَيُصْرَفُ إلَى الْوَزْنِ الْمَعْهُودِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَجِبُ كَوْنُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُتَعَارَفُ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ فِي اسْمِ الدَّرَاهِمِ مَا بِوَزْنِ سَبْعَةٍ وَالْمُتَعَارَفُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ الْآنَ كَالشَّامِ وَالْحِجَازِ لَيْسَ ذَلِكَ بَلْ وَزْنُ رُبْعٍ وَقِيرَاطٍ مِنْ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ.
وَأَمَّا فِي عُرْفِ مِصْرَ لَفْظُ الدِّرْهَمِ يَنْصَرِفُ الْآنَ إلَى زِنَةِ أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ مِنْ الْفُلُوسِ، إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْفِضَّةِ فَيَنْصَرِفَ إلَى دِرْهَمٍ بِوَزْنِ سَبْعَةٍ فَإِنَّ مَا دُونَهُ ثَقُلَ أَوْ خَفَّ يُسَمُّونَهُ نِصْفَ فِضَّةٍ وَكَذَا هَذَا الِانْقِسَامُ فِي كُلِّ مَا يَقْرُبُهُ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا قَرْضًا أَوْ سَلَمًا أَوْ غَصْبًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ مَهْرًا أَوْ وَصِيَّةً أَوْ كَفَالَةً أَوْ جُعْلًا فِي خُلْعٍ، وَمِنْهُ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَسِمْسِمٍ كَانَ عَلَيْهِ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ جِيَادٍ فَقَضَاهُ عَشَرَةً زُيُوفًا وَهُوَ) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ (لَا يَعْلَمُ) أَنَّهَا زُيُوفٌ (فَهُوَ قَضَاءٌ) حَتَّى لَوْ أَنْفَقَهَا الدَّائِنُ أَوْ هَلَكَتْ ثُمَّ عَلِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ:
(7/129)

يَرُدُّ مِثْلَ زُيُوفِهِ وَيَرْجِعُ بِدَرَاهِمِهِ) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْوَصْفِ مَرْعِيٌّ كَهُوَ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يُمْكِنُ رِعَايَتُهُ بِإِيجَابِ ضَمَانِ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ. حَتَّى لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِيمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ جَازَ فَيَقَعُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ وَلَا يَبْقَى حَقُّهُ إلَّا فِي الْجَوْدَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بِإِيجَابِ ضَمَانِهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا بِإِيجَابِ ضَمَانِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ إيجَابٌ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الزُّيُوفِ وَيَرْجِعَ بِالْجِيَادِ)
وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُمَا قِيَاسٌ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ. لَهُ أَنَّ حَقَّهُ فِي الْجَوْدَةِ مَرْعِيٌّ كَحَقِّهِ فِي الْمِقْدَارِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ضَمَانُ الْوَصْفِ بِانْفِرَادِهِ (لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا) مِنْ ضَمَانِ الْأَصْلِ لِيَصِلَ إلَى الْوَصْفِ (وَلَهُمَا أَنَّهُ) أَيْ الزُّيُوفَ (مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، حَتَّى لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِيمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ) بِهِ كَالصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (جَازَ) وَمَا جَازَ إلَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ اسْتِبْدَالًا بَلْ نَفْسُ الْحَقِّ (فَيَقَعُ بِهِ الِاسْتِيفَاءُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى حَقُّهُ فِي الْجَوْدَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بِإِيجَابِ ضَمَانِهَا) بَعْدَ هَلَاكِ الدَّرَاهِمِ (لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا (وَلَا بِإِيجَابِ ضَمَانِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ إيجَابٌ لَهُ عَلَيْهِ) يَعْنِي هُوَ إيجَابٌ لِلْقَابِضِ عَلَى نَفْسِهِ (وَلَا نَظِيرَ لَهُ) فِي الشَّرْعِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَنْفَصِلُ بِمَنْعِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بَلْ تَدَارُكُهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ إيجَابِ الْمِثْلِ مُمْكِنٌ وَهَذَا كَمَا لَوْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ نَبَهْرَجَةً فَهَلَكَتْ أَلَيْسَ يَرُدُّ مِثْلَهَا، فَإِنْ قَالَ: السَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْجِيَادِ حَتَّى يَصِيرَ مُقْتَضِيًا حَقَّهُ بِهَا. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُقْتَضِيًا حَقَّهُ بِالزَّيْفِ إلَّا إنْ عَلِمَ فَرَضِيَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ تَارِكٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ وَهُوَ صِفَةُ الْجَوْدَةِ قَوْلُهُمْ فِيهِ مَانِعٌ وَهُوَ كَوْنُهُ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ جِنْسَ حَقِّهِ، فَإِذَا ضَمِنَ مِثْلَهُ كَانَ الْوُجُوبُ لِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْمَدْيُونُ لَا يُضَمِّنُهُ شَيْئًا. قُلْنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا أَفَادَ كَالْمَوْلَى إذَا أَتْلَفَ بَعْضَ أَكْسَابِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ، وَقَدْ أَفَادَ هُنَا تَدَارُكَ حَقِّهِ فَصَارَ كَشِرَاءِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ إلَّا إذَا أَفَادَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ أَوْ كَسْبَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ. وَيُجَابُ بِمَنْعِ الِاتِّحَادِ فِي الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ، بَلْ الضَّمَانُ فِي الْمَأْذُونِ لِلْغُرَمَاءِ وَهُنَا الْمَقْبُوضُ كُلُّهُ مِلْكٌ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ وَمَنْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ.
وَفِي النَّوَازِلِ: اشْتَرَى بِالْجِيَادِ وَنَقَدَ الزُّيُوفَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالْجِيَادِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِمَا اشْتَرَى. وَلَوْ بَاعَهَا مُرَابَحَةً فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ الْجِيَادُ. وَفِي الْأَجْنَاسِ: اشْتَرَى بِالْجِيَادِ وَنَقَدَ الزُّيُوفَ ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِالْجِيَادِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(7/130)

قَالَ (وَإِذَا) (أَفْرَخَ طَيْرٌ فِي أَرْضٍ رَجُلٍ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ) وَكَذَا إذَا بَاضَ فِيهَا (وَكَذَا إذَا تَكَنَّسَ فِيهَا ظَبْيٌ) لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حِيلَةٍ وَالصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَكَذَا الْبَيْضُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ وَلِهَذَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِكَسْرِهِ أَوْ شَيِّهِ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ لَمْ يُعِدَّ أَرْضَهُ فَصَارَ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ لِلْجَفَافِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ وَلَوْ أَفْرَخَ طَيْرٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَكَذَا إذَا بَاضَ فِيهَا وَكَذَا إذَا تَكَنَّسَ فِيهَا ظَبْيٌ) أَيْ دَخَلَ كِنَاسَهُ وَالْكِنَاسُ بَيْتُ الظَّبْيِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تُكْسَرُ: أَيْ وَقَعَ فِيهَا فَتُكْسَرُ، وَيُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا لَوْ كَسَرَهُ رَجُلٌ فِيهَا فَإِنَّهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَا لِلْآخِذِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّيْرِ وَالْبَيْضِ وَالْفَرْخِ وَقَدْ أُصْلِحَ فِي نُسْخَةٍ لِأَنَّهَا (مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ) أَيْ يَدُ الْآخِذِ إلَيْهِ (وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِلَا حِيلَةٍ وَالصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ وَالْبَيْضُ أَصْلُ الصَّيْدِ) فَيُلْحَقُ بِهِ (وَلِهَذَا يَجِبُ عَنْهُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِكَسْرِهِ أَوْ شَيِّهِ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} [المائدة: 94] فِي قَوْله تَعَالَى {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] كَذَا ذُكِرَ.
وَقَوْلُهُ (وَصَاحِبُ الْأَرْضِ لَمْ يُعِدَّ أَرْضَهُ لِذَلِكَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ هِيَ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ: أَيْ إنَّمَا يَكُونُ لِلْآخِذِ إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَعَدَّهَا لِذَلِكَ بِأَنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا لِيَسْقُطَ فِيهَا أَوْ أَعَدَّ مَكَانًا لِلْفِرَاخِ لِيَأْخُذَهَا، فَإِنْ كَانَ أَعَدَّهَا لِذَلِكَ لَا يَمْلِكُهَا الْآخِذُ بَلْ رَبُّ الْأَرْضِ يَصِيرُ بِذَلِكَ قَابِضًا حُكْمًا، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً لِيُجَفِّفَهَا فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ لَا لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِدَّهَا الْآنَ لِلْأَخْذِ، وَكَمَا إذَا دَخَلَ الصَّيْدُ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ فَأَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَيْهِ أَوْ سَدَّ الْكُوَّةَ كَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ، وَكَذَا إذْ وَقَعَ فِي ثِيَابِهِ النِّثَارُ مِنْ السُّكَّرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ مَا لَمْ يَكُفَّ ثَوْبَهُ عَلَى السَّاقِطِ فِيهِ، وَمَا هَذِهِ مَصْدَرِيَّةٌ نَائِبَةٌ عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ: أَيْ لِلْآخِذِ فِي زَمَانِ عَدَمِ كَفِّهِ الثَّوْبَ.
وَقَوْلُهُ أَوْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لَهُ: أَيْ لِلنِّثَارِ بِأَنْ بَسَطَ ثَوْبَهُ لِذَلِكَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ، فَإِذَا كَفَّهُ أَوْ كَانَ مُسْتَعِدًّا فَهُوَ لَهُ، أَمَّا إذَا عَسَّلَ النَّحْلُ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ عُدَّ مِنْ أَنْزَالِهِ: أَيْ مِنْ زِيَادَاتِ الْأَرْضِ: أَيْ مَا يَنْبُتُ فِيهَا فَيَمْلِكُهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَالشَّجَرِ النَّابِتِ فِيهَا وَكَالتُّرَابِ وَالطِّينِ الْمُجْتَمِعِ فِيهَا بِجَرَيَانِ الْمَاء عَلَيْهَا. وَالْأَنْزَالُ جَمْعُ نُزُلٍ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَذُكِرَ ضَمِيرٌ؛ لِأَنَّهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَكَانِ، وَمِثْلُهُ وَقَعَ فِي شِعْرِ الْعَرَبِ قَالَ:
(7/131)

وَكَذَا إذَا دَخَلَ الصَّيْدُ دَارِهِ أَوْ وَقَعَ مَا نُثِرَ مِنْ السُّكَّرِ وَالدَّرَاهِمِ فِي ثِيَابِهِ مَا لَمْ يَكُفَّهُ أَوْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَسَّلَ النَّحْلُ فِي أَرْضِهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْزَالِهِ فَيَمْلِكُهُ تَبَعًا لِأَرْضِهِ كَالشَّجَرِ النَّابِتِ فِيهَا وَالتُّرَابِ الْمُجْتَمِعِ فِي أَرْضِهِ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(كِتَابُ الصَّرْفِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضٌ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا
وَمِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: لَوْ اتَّخَذَ فِي أَرْضِهِ حَظِيرَةً لِلسَّمَكِ فَدَخَلَ الْمَاءُ وَالسَّمَكُ مَلَكَهُ؛ وَلَوْ اُتُّخِذَتْ لِغَيْرِهِ، فَمَنْ أَخَذَ السَّمَكَ فَهُوَ لَهُ، وَكَذَا فِي حَفْرِ الْخَفِيرَةِ إذَا حَفَرَهَا لِلصَّيْدِ فَهُوَ لَهُ أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ فَهُوَ لِلْآخِذِ، وَكَذَا صُوفٌ وُضِعَ عَلَى سَطْحِ بَيْتٍ فَابْتَلَّ بِالْمَطَرِ فَعَصَرَهُ رَجُلٌ، فَإِنْ كَانَ وَضَعَهُ لِلْمَاءِ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ وَإِلَّا فَالْمَاءُ لِلْآخِذِ، وَلَوْ بَاضَ صَيْدٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ أَوْ تَكَسَّرَ فِيهَا فَجَاءَ رَجُلٌ لِيَأْخُذَهُ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى أَخْذِهِ قَرِيبًا مِنْهُ بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ كَانَ الصَّيْدُ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ لَا يَمْلِكُ.

[كِتَابُ الصَّرْفِ]
لَمَّا كَانَ قُيُودُهُ أَكْثَرَ كَانَ وُجُودُهُ أَقَلَّ فَقَدَّمَ مَا هُوَ أَكْثَرُ وُجُودًا. وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ عَقْدًا عَلَى الْأَثْمَانِ وَالثَّمَنُ فِي الْجُمْلَةِ تَبَعٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ أُخِّرَ عَنْ الْبُيُوعِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ: أَعْنِي الْمَبِيعَاتِ، وَمَفْهُومُهُ لُغَةً وَشَرْعًا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَشَرْطُهُ التَّقَابُضُ لِلْبَدَلَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ أَجَلٌ وَلَا خِيَارُ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ أَوْ تَمَامَهُ عَلَى الرَّأْيَيْنِ مِنْهُمْ وَذَلِكَ يُخِلُّ بِالْقَبْضِ الْمَشْرُوطِ وَهُوَ الْقَبْضُ لِلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّعْيِينُ، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْعَيْبُ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ فَلَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ، فَلَوْ افْتَرَقَا وَفِي الصَّرْفِ خِيَارُ عَيْبٍ أَوْ رُؤْيَةٍ جَازَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّقْدِ وَسَائِرِ الدُّيُونِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ عَلَى مِثْلِهَا لَا عَيْنِهَا، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ لِصَاحِبِ الدِّينَارِ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهُ، وَكَذَا لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ بِخِلَافِ الْأَوَانِي وَالْحُلِيِّ.
وَلَوْ أَسْقَطَا فِي الْمَجْلِسِ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالْأَجَلِ عَادَ الصَّرْفُ صَحِيحًا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَأُورِدبَ عَلَيْهِ كَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ التَّقَابُضُ شَرْطُ الْجَوَازِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْعَقْدِ فَإِنَّمَا هُوَ حُكْمُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ لَيْسَ
(7/132)

قَالَ (الصَّرْفُ هُوَ الْبَيْعُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عِوَضَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ) سُمِّيَ بِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى النَّقْلِ فِي بَدَلَيْهِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ.
وَالصَّرْفُ هُوَ النَّقْلُ وَالرَّدُّ لُغَةً، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا الزِّيَادَةَ إذْ لَا يُنْتَقَعُ بِعَيْنِهِ، وَالصَّرْفُ هُوَ الزِّيَادَةُ لُغَةً كَذَا قَالَهُ الْخَلِيلُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْعِبَادَةُ النَّافِلَةُ صَرْفًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إلَّا شَرْطُ بَقَائِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَالْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ الْقَائِلِينَ: إنَّهُ الْجَوَازُ. وَأَجَابُوا بِأَنَّ تَأَخُّرَهُ ضَرُورَةُ نَفْيِ إيجَابِ قَبْضِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ مُقَارِنًا أَوْ مُتَقَدِّمًا شَرْعًا وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا صُورَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا التَّكَلُّفِ بِارْتِكَابِ الْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا مَفْهُومُهُ شَرْعًا فَبَيْعُ مَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْقُدُورِيِّ (الصَّرْفُ هُوَ الْبَيْعُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عِوَضَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ) وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ بَيْعُ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ لِيَدْخُلَ بَيْعُ الْمَصُوغِ بِالْمَصُوغِ أَوْ بِالنَّقْدِ، فَإِنَّ الْمَصُوغَ بِسَبَبِ مَا اتَّصَلَ مِنْ الصَّنْعَةِ بِهِ لَمْ يَبْقَ ثَمَنًا صَرِيحًا وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ وَمَعَ بَيْعِهِ صَرْفٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ اصْطِلَاحًا بِهِ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ اللُّغَوِيَّ هُوَ النَّقْلُ، وَمِنْهُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ: " فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ " وَنَقْلُ كُلٍّ مِنْ الْبَدَلَيْنِ عَنْ مَالِكِهِ إلَى الْآخَرِ بِالْفِعْلِ شَرْطُ جَوَازِهِ فَكَانَ فِي الْمُسَمَّى مَعْنَى اللُّغَةِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَشْرُوطِ فِيهِ (أَوْ هُوَ) أَيْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ الزِّيَادَةُ، وَهَذَا الْعَقْدُ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الزِّيَادَةُ دُونَ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِ الْبَدَلِ الْآخَرِ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الطَّعَامِ وَالثَّوْبِ وَالْخِمَارِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ قَصْدَ كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ التِّجَارَةُ وَالرِّبْحُ فِيهِ بِالنَّقْلِ وَإِلَّا خَلَا الْعَقْدُ عَنْ الْفَائِدَةِ، وَالزِّيَادَةُ تُسَمَّى صَرْفًا وَبِهِ سُمِّيَتْ الْعِبَادَةُ النَّافِلَةُ صَرْفًا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّرْفِ النَّافِلَةُ الَّتِي هِيَ الزِّيَادَةُ، وَالْعَدْلُ الْفَرْضُ الَّذِي هُوَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ فِي مُنَاسَبَةِ تَسْمِيَةِ الْفَرْضِ عَدْلًا فَقِيلَ عَلَيْهِ قَدْ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِغَيْرِ هَذَا.
قَالَ فِي الْفَائِقِ:
(7/133)

قَالَ (فَإِنْ بَاعَ فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ لَا يَجُوز إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ وَالصِّيَاغَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» الْحَدِيثَ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي ذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَمْرِ الْمَدِينَةِ «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» الصَّرْفُ: التَّوْبَةُ لِأَنَّهُ صَرْفُ النَّفْسِ عَنْ الْفُجُورِ إلَى الْبِرِّ. وَالْعَدْلُ: الْفِدْيَةُ مِنْ الْمُعَادَلَةِ وَالْفِدَاءِ يُعَادِلُ نَفْسَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ إحْدَاثِ الْحَدَثِ فِعْلُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْجَمْهَرَةِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ: الصَّرْفُ الْفَرِيضَةُ، وَالْعَدْلُ النَّافِلَةُ.
وَفِي الْغَرِيبَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمْ: الصَّرْفُ النَّافِلَةُ وَالْعَدْلُ الْفَرِيضَةُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا اعْتِرَاضَ مَعَ أَنَّهُ الْأَنْسَبُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ تَنْقَسِمُ إلَى ثَمَنِ كُلِّ حَالٍ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَى مَا هُوَ مَبِيعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ مِنْ الْعُرُوضِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِلَى مَا هُوَ ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ مَبِيعٍ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ، فَإِنَّهَا إذَا عُيِّنَتْ فِي الْعَقْدِ كَانَتْ مَبِيعَةً؛ وَإِنْ لَمْ تُعَيَّنْ، فَإِنْ صَحِبَهَا حَرْفُ الْبَاءِ وَقَابَلَهَا مَبِيعٌ فَهِيَ ثَمَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهَا حَرْفُ الْبَاءِ وَلَمْ يُقَابِلْهَا ثَمَنٌ فَهِيَ مَبِيعَةٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ.
قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] الثَّمَنُ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ وَالنُّقُودُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ إلَّا دَيْنًا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَعِنْدَهُمْ يَتَعَيَّنُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إذَا عُيِّنَتْ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُعَيَّنَةُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهَا. هَذَا تَقْسِيمُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ، وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى الثَّمِينَةِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ سِلْعَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ رَائِجَةً فَهِيَ ثَمَنٌ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً فَهِيَ سِلْعَةٌ كَالْفُلُوسِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ بَاعَ فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) يَعْنِي فِي الْعِلْمِ لَا بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَقَطْ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ وَالصِّيَاغَةِ) فَيَدْخُلُ الْإِنَاءُ بِالْإِنَاءِ، فَلَوْ بَاعَاهُمَا مُجَازَفَةً وَلَمْ يَعْلَمَا كَمِّيَّتَهُمَا وَكَانَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ وَزْنًا فِي الْمَجْلِسِ فَظَهَرَا مُتَسَاوِيَيْنِ يَجُوزُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ وُزِنًا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ: الشَّرْطُ التَّسَاوِي وَقَدْ ثَبَتَ، وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِهِ زِيَادَةٌ بِلَا دَلِيلٍ. قُلْنَا: بَلْ هُوَ شَرْطٌ بِدَلِيلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَوْهُومَ فِي هَذَا الْعَقْدِ جُعِلَ كَالْمَعْلُومِ شَرْعًا، وَمَا لَمْ تُعْلَمْ الْمُسَاوَاةُ تَوَهُّمُ الزِّيَادَةِ حَاصِلٌ فَيَكُونُ كَثُبُوتِ حَقِيقَةِ الزِّيَادَةِ؛ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ إذَا وُزِنَ فِي الْمَجْلِسِ فَظَهَرَ مُتَسَاوِيًا أَيْضًا، لَكِنْ جَازَ فِي الِاسْتِحْسَانِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَأَنَّ الْعَقْدَ أُنْشِئَ الْآنَ؛ لِأَنَّ سَاعَاتِهِ كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَزْنًا مَعْلُومًا فَلِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا، إذْ الْمُسَاوَاةُ وَزْنًا تَسْتَلْزِمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَيْلِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيمَا كَانَ مَكِيلًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقْدِيرُ بِالْكَيْلِ عَلَى مَا سَلَفَ.
وَعَنْ هَذَا إذَا اقْتَسَمَا مَكِيلًا مُوَازَنَةً لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ كَالْبَيْعِ. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ (بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» الْحَدِيثَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ وَجْهُ انْتِصَابِهِ أَنَّهُ بِالْعَامِلِ الْمُقَدَّرِ: أَيْ بِيعُوا، وَالْأَوْلَى حَيْثُ كَانَ الذَّهَبُ
(7/134)


قَالَ (وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَإِنْ اسْتَنْظَرَك أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرُهُ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا لِيَخْرُجَ الْعَقْدُ عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْآخَرِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَوَجَبَ قَبْضُهُمَا سَوَاءٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَرْفُوعًا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُجْعَلَ عَامِلُهُ مُتَعَلِّقَ الْمَجْرُورِ: أَيْ الذَّهَبُ يُبَاعُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ.
نَعَمْ حَدِيثُ الْخُدْرِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مُفَرَّغٌ لِلْحَالِ، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ «وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» وَالشِّفُّ بِالْكَسْرِ مِنْ الْأَضْدَادِ يُقَالُ لِلنُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا لَا تَزِيدُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَتَّضِحُ فِي مَعْنَى النَّقْصِ وَإِلَّا لَقَالَ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ، وَقَوْلُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا تُشِفُّوا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ تَفْسِيرٌ لِمِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنَّ الْمِثْلِيَّةَ أَعَمُّ، فَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارِ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» أَيْضًا، وَتَخْرِيجُهُ وَهُوَ دَلِيلُ سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْجَوْدَةِ وَسُقُوطُ زِيَادَةِ الصِّيَاغَةِ بِمَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإِنَاءٍ كُسِرَ وَإِنِّي قَدْ أَحْكَمْت صِيَاغَتَهُ، فَبَعَثَنِي بِهِ لِأَبِيعَهُ فَأُعْطِيت وَزْنَهُ وَزِيَادَةً، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا. هَذَا وَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسَاوَاةِ الْمَصُوغُ بِالْمَصُوغِ وَالتِّبْرُ بِالْآنِيَةِ، حَتَّى لَوْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ بِإِنَاءِ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ وَأَحَدُهُمَا أَثْقَلُ مِنْ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ إنَاءَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا نُحَاسٍ أَوْ شِبْهِهِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِنْ تَفَاضَلَا وَزْنًا مَعَ أَنَّ النُّحَاسَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يُوزَنُ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ صِفَةَ الْوَزْنِ فِي النَّقْدَيْنِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالصَّنْعَةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَوْزُونًا بِتَعَارُفِ جَعْلِهِ عَدَدِيًّا لَوْ تُعُورِفَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّ الْوَزْنَ فِيهِ بِالْعُرْفِ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَوْزُونًا بِتَعَارُفِ عَدَدِيَّتِهِ إذَا صِيغَ وَصُنِعَ.

(قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ) بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ. وَفِي فَوَائِدِ الْقُدُورِيِّ: الْمُرَادُ بِالْقَبْضِ هُنَا الْقَبْضُ بِالْبَرَاجِمِ لَا بِالتَّخْلِيَةِ يُرِيدُ بِالْيَدِ، وَذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ هَذَا الْقَبْضَ شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ ابْتِدَاءِ الصِّحَّةِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: فَإِذَا افْتَرَقَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بَعْدَ وُجُودِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا ظَهَرَ الْفَسَادُ فِيمَا هُوَ صَرْفٌ يَفْسُدُ فِيمَا لَيْسَ صَرْفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلَا يَفْسُدُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ (لِمَا رُوِّينَا) يَعْنِي قَوْلَهُ
(7/135)

كَانَا يَتَعَيَّنَانِ كَالْمَصُوغِ أَوْ لَا يَتَعَيَّنَانِ كَالْمَضْرُوبِ أَوْ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا وَلَا يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَتَعَيَّنُ فَفِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ التَّعْيِينِ لِكَوْنِهِ ثَمَنًا خِلْقَةً فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ اعْتِبَارًا لِلشُّبْهَةِ فِي الرِّبَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِافْتِرَاقُ بِالْأَبْدَانِ، حَتَّى لَوْ ذَهَبَا عَنْ الْمَجْلِسِ يَمْشِيَانِ مَعًا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ نَامَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا لَا يَبْطُلُ الصَّرْفُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَدًا بِيَدٍ " وَكَذَا مَا رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» وَقَوْلُ عُمَرَ: " وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى آخِرِهِ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْهُ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ، وَإِنَّ اسْتَنْظَرَك أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرُهُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ هَاتِ وَهَاتِ، إنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرِّبَا " وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ " الرِّمَا " بِالْمِيمِ وَهُوَ الرِّبَا. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَالَ: أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ. وَلَمَّا ثَبَتَ نَصُّ الشَّرْعِ بِإِلْزَامِ التَّقَابُضِ عَلَّلَهُ الْفُقَهَاءُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَحَلَّهُ أَنَّ لِلتَّقَدُّمِ مَزِيَّةً عَلَى النَّسِيئَةِ فَيَتَحَقَّقُ الْفَضْلُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَهُوَ الرِّبَا، وَلَمَّا كَانَ مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ فِي قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يُجْعَلَا مَعًا نَسِيئَةً قَالَ: لَا بُدَّ شَرْعًا مِنْ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ كَيْ لَا يَلْزَمَ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ: أَيْ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْآخَرُ لَزِمَ الرِّبَا بِمَا قُلْنَا.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، فَإِذَا وَجَبَ قَبْضُ أَحَدِهِمَا فَكَذَا الْآخَرُ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: تَعْلِيلُ الْكِتَابِ يَخُصُّ الثَّمَنَيْنِ الْمَحْضَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَتَعَيَّنَانِ وَالْحُكْمُ وَهُوَ لُزُومُ التَّقَابُضِ ثَابِتٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْمَصُوغِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ مَا رُوِّينَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ» وَعَلَّلَ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ الْمُتَعَيَّنَ أَيْضًا كَالْمَصُوغِ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ التَّعْيِينِ إذْ فِيهِ شُبْهَةُ الثَّمَنِيَّةِ إذْ قَدْ خُلِقَ ثَمَنًا، وَالشُّبْهَةُ فِي بَابِ الرِّبَا كَالْحَقِيقَةِ عَلَى مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَلَمَّا كَانَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَنَاوَلَ
(7/136)

وَإِنْ وَثَبَ مِنْ سَطْحٍ فَثِبْ مَعَهُ، وَكَذَا الْمُعْتَبَرُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ فِيهِ.

(وَإِنْ بَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ جَازَ التَّفَاضُلُ) لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ (وَوَجَبَ التَّقَابُضُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
النَّصَّ بِإِطْلَاقِهِ لَمْ يَدْفَعْهُ أَنَّ الثَّابِتَ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ بَلْ وَجَبَ بِالنَّصِّ إلْحَاقُ شُبْهَةِ شُبْهَةِ الرِّبَا بِشُبْهَةِ الرِّبَا فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَقَوْلُهُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُمَا لَوْ مَشَيَا كُلٌّ فِي جِهَةٍ كَانَ افْتِرَاقًا مُبْطِلًا. وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنْ وَثَبَ مِنْ سَطْحٍ فَثِبْ، يُفِيدُ عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَقْدِ بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ، بَلْ إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ الْآخَرُ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ وُثُوبِ أَحَدِهِمَا اخْتَلَفَ مَكَانُهُمَا وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَانِعًا إلَّا إذَا لَمْ يَثِبْ مَعَهُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: وَعَنْ أَبِي جَبَلَةَ قَالَ: سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقُلْت: إنَّا نَقْدُمُ أَرْضَ الشَّامِ وَمَعَنَا الْوَرِقُ الثِّقَالُ النَّافِقَةُ وَعِنْدَهُمْ الْوَرِقُ الْخِفَافُ الْكَاسِدَةُ، فَنَبْتَاعُ وَرِقَهُمْ الْعَشْرَ بِتِسْعَةٍ وَنِصْفٍ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُ، وَلَكِنْ بِعْ وَرِقَك بِذَهَبٍ وَاشْتَرِ وَرِقَهُمْ بِالذَّهَبِ، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ، وَإِنْ وَثَبَ عَنْ سَطْحٍ فَثِبْ مَعَهُ. وَفِيهِ دَلِيلُ رُجُوعِهِ عَنْ جَوَازِ التَّفَاضُلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا رُجُوعُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا أَجَابَ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ طَرِيقَ تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَ لِبِلَالٍ «بِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِيهِ» إنَّمَا الْمَحْظُورُ تَعْلِيمُ الْحِيَلِ الْكَاذِبَةِ لِإِسْقَاطِ الْوُجُوبَاتِ.
قَالَ (وَكَذَا الْمُعْتَبَرُ فِي قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ) يَعْنِي أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ دُونَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ (بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ) فَإِنَّهَا لَوْ قَامَتْ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ بَطَلَ، وَكَذَا إذَا مَشَتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ إعْرَاضِهَا عَمَّا كَانَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِبْطَالِ هُنَاكَ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، وَالْقِيَامُ وَنَحْوُهُ دَلِيلُهُ فَلَزِمَ فِيهِ الْمَجْلِسُ، وَلِتَعَلُّقِ الصِّحَّةِ بِعَدَمِ الِافْتِرَاقِ لَا يَبْطُلُ لَوْ نَامَا فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا أَوْ طَالَ قُعُودُهُمَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جُعِلَ الصَّرْفُ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ يَبْطُلُ بِدَلِيلِ الْإِعْرَاضِ كَالْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ، حَتَّى لَوْ نَامَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ فُرْقَةٌ، وَلَوْ نَامَا جَالِسَيْنِ فَلَا.
وَعَنْهُ: الْقُعُودُ الطَّوِيلُ فُرْقَةٌ دُونَ الْقَصِيرِ، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ فَأَرْسَلَ رَسُولًا يَقُولُ لَهُ: بِعْتُك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي عَلَيْك بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَك عَلَيَّ فَقَالَ: قَبِلْت كَانَ بَاطِلًا، وَكَذَا لَوْ نَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ مِنْ بَعِيدٍ لِأَنَّهُمَا مُتَفَرِّقَانِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ قَالَ الْأَبُ: اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْت هَذَا الدِّينَارَ مِنْ ابْنِي الصَّغِيرِ بِعَشَرَةٍ وَقَامَ قَبْلَ نَقْدِهَا بَطَلَ. هَذَا وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَالْحَوَالَةِ بِهِ كَمَا فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ جَازَ التَّفَاضُلُ لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ وَاشْتُرِطَ الْقَبْضُ) لِمَا رَوَى السِّتَّةُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ
(7/137)

لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» (فَإِنْ افْتَرَقَا فِي الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَطَلَ الْعَقْدُ) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْقَبْضُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ وَلَا الْأَجَلُ لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا لَا يَبْقَى الْقَبْضُ مُسْتَحَقًّا وَبِالثَّانِي يَفُوتُ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ، إلَّا إذَا أُسْقِطَ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَعُودُ إلَى الْجَوَازِ لِارْتِفَاعِهِ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» قِيلَ: وَمَعْنَى قَوْلُهُ رِبًا: أَيْ حَرَامٌ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِهِ فِي حَقِيقَتِهِ شَرْعًا وَأَنَّ اسْمَ الرِّبَا تَضَمَّنَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْخَاصَّةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى حَالَةَ التَّقَابُضِ مِنْ الْحَرَامِ بِحَصْرِ الْحِلِّ فِيهَا فَيَنْتَفِي الْحِلُّ فِي كُلِّ حَالَةٍ غَيْرِهَا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى حَالَةُ التَّفَاضُلِ وَالتَّسَاوِي وَالْمُجَازَفَةِ فَيَحِلُّ كُلُّ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا أُسْقِطَ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ لَازِمِ قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ وَهُوَ فَوَاتُ الشَّرْطِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْبُطْلَانِ: أَيْ شَرْطُ الْخِيَارِ يَفُوتُ الشَّرْطُ إلَّا إذَا أَسْقَطَهُ فَلَا يَفُوتُ فَيَعُودُ إلَى الْجَوَازِ.
وَقَدَّمْنَا نَقْلَ خِلَافِ زُفَرَ فِيهِ: هَذَا وَبَيْنَ الْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقَبْضِ وَالْفَسَادِ
(7/138)

قَالَ (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ، حَتَّى لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْعَشَرَةَ حَتَّى اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا فَالْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ فَاسِدٌ) لِأَنَّ الْقَبْضَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي تَجْوِيزِهِ فَوَاتُهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْعَقْدُ فِي الثَّوْبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ، لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ فَيَنْصَرِفُ الْعَقْدُ إلَى مُطْلَقِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْأَجَلِ فَرْقٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ جَارِيَةً فِي عُنُقِهَا طَوْقُ فِضَّةٍ زِنَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَتَّى انْصَرَفَ لِلطَّوْقِ مِائَةٌ مِنْ الْأَلْفِ فَيَصِيرُ صَرْفًا فِيهِ وَتِسْعُمِائَةٍ لِلْجَارِيَةِ بَيْعًا، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَدَ بِتَرْكِ الْقَبْضِ بَطَلَ فِي الطَّوْقِ، وَبَيْعُ الْجَارِيَةِ بِتِسْعِمِائَةٍ صَحِيحٌ، وَلَوْ فَسَدَ بِالْأَجَلِ فَسَدَ فِيهِمَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. وَفَرَّقَ بِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ انْعَقَدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ الْمُفْسِدُ فَيَخُصُّ مَحَلَّهُ وَهُوَ الصَّرْفُ، وَفِي الثَّانِي انْعَقَدَ أَوَّلًا عَلَى الْفَسَادِ فَشَاعَ، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَفِي الْكَامِلِ: لَوْ أُسْقِطَ الْأَجَلُ مَنْ لَهُ الْأَجَلُ دُونَ الْآخَرِ صَحَّ فِي الْمَشْهُورِ، وَلَيْسَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى مِثْلِهَا، بِخِلَافِ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ لِتَعَيُّنِهِ فِيهِ، وَلَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا دُونَ الِافْتِرَاقِ زَيْفًا أَوْ سُتُّوقًا فَحُكْمُهُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِهِ الِاسْتِبْدَالُ وَالْبُطْلَانُ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.

(قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ) وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثَمَنُ الصَّرْفِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي أَحَدِ بَدَلَيْ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِهِبَةٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا بَيْعٍ، فَإِنْ فَعَلَ بَعْضَ ذَلِكَ مَعَ الْعَاقِدِ بِأَنْ وَهَبَهُ الْبَدَلَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، فَإِنْ قَبِلَ بَطَلَ الصَّرْفُ لِتَعَذُّرِ وُجُوبِ الْقَبْضِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الشَّرْطُ يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَا يُنْتَقَضُ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ وَمَا مَعَهَا سَبَبُ الْفَسْخِ فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ.
وَفَرَّعَ عَلَيْهِ (مَا لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ) مَثَلًا (وَلَمْ يَقْبِضْ الْعَشَرَةَ حَتَّى اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا فَالْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْقَبْضَ) فِي الْعَشَرَةِ (مُسْتَحَقٌّ حَقًّا لِلَّهِ) فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَوْ جَازَ الْبَيْعُ فِي الثَّوْبِ سَقَطَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّوْبِ وَالصَّرْفُ عَلَى حَالِهِ بِقَبْضِ بَدَلِهِ مِنْ عَاقِدِهِ مَعَهُ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ فَسَادَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ حَقُّ اللَّهِ وَصِحَّةُ بَيْعِ الثَّوْبِ حَقُّ الْعَبْدِ فَتَعَارَضَا فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْعَبْدِ لِتَفَضُّلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقَّيْنِ وَلَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْعَبْدِ بَعْدُ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ اللَّهِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ فَيَمْتَنِعُ لَا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ وَالتَّقْدِيمُ فِيمَا إذَا ثَبَتَا فَيَرْتَفِعُ أَحَدُهُمَا فَضْلًا، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صِحَّةُ بَيْعِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ بَدَلَ الصَّرْفِ
(7/139)

وَلَكِنَّا نَقُولُ: الثَّمَنُ فِي بَابِ الصَّرْفِ مَبِيعٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ سِوَى الثَّمَنَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ مَبِيعًا أَنْ يَكُونَ مُتَعَيَّنًا كَمَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ.

. قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ النَّقْدَ لَا يَتَعَيَّنُ، فَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إلَى بَدَلِ الصَّرْفِ كَعَدَمِ إضَافَتِهِ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ بِدَرَاهِمَ لَمْ يَصِفْهَا، وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْبِيَاعَاتِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُ الثَّوْبِ كَقَوْلِنَا: قُلْنَا قَبْضُ بَدَلِ الصَّرْفِ وَاجِبٌ وَالِاسْتِبْدَالُ يُفَوِّتُهُ فَكَانَ شَرْطُ إيفَاءِ ثَمَنِ الثَّوْبِ مِنْ بَدَلِ الصَّرْفِ شَرْطًا فَاسِدًا فَيَمْتَنِعُ الْجَوَازُ لِإِسْقَاطِ الثَّمَنِ بِهِ، كَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَا يَخْفَى كَثْرَةُ مَا ذَكَرُوا فِي عَدَمِ تَعَيُّنِ النَّقْدِ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَشَارَ إلَى دَرَاهِمَ وَعَيَّنَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا وَيَدْفَعَ غَيْرَهَا.
وَحَاصِلُ شِرَاءِ الثَّوْبِ بِبَدَلِ الصَّرْفِ لَيْسَ إلَّا تَعْيِينَ ثَمَنِ الدَّرَاهِمِ، فَلَوْ كَانَ شَرْطًا فَاسِدًا يَمْنَعُ الْجَوَازَ بَطَلَ مَا ذَكَرُوا فِي عَدَمِ تَعَيُّنِ الدَّرَاهِمِ فِي الْبَيْعِ وَكَانَ كُلَّمَا تَعَيَّنَتْ الدَّرَاهِمُ فَسَدَ الْبَيْعُ لَا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ، لَا جَرَمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا أَجَابَ بِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَابِ الصَّرْفِ مَبِيعٌ لِاسْتِدْعَاءِ الْبَيْعِ مَبِيعًا وَلَا مَبِيعَ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ فَكَانَ كُلُّ ثَمَنٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا وَجَعَلَهُ بَدَلَ الثَّوْبِ وَثَمَنُهُ بَيْعٌ لَهُ وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ: يَعْنِي وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ بَائِعِ الثَّوْبِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ زُفَرَ إنَّمَا قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُ الثَّوْبِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ بَدَلِ الصَّرْفِ ثَمَنًا فَجَازَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِذَا قَالَ بِصِحَّةِ بَيْعِ هَذَا الثَّوْبِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ نَقْدِ بَدَلِ الصَّرْفِ فِي ثَمَنِهِ كَانَ بِالضَّرُورَةِ قَائِلًا بِأَنَّ الْبَيْعَ انْعَقَدَ مُوجِبًا دَفْعَ مِثْلِهِ، وَيَكُونُ تَسْمِيَةُ بَدَلِ الصَّرْفِ تَقْدِيرًا لِثَمَنِ الثَّوْبِ سَوَاءٌ سَمَّيْته مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا لَزِمَ تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ هُنَا هَكَذَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا وَاقِعًا لَمْ يَنْتَهِضْ مَا دَفَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ صِحَّةُ بَيْعِ الثَّوْبِ وَإِعْطَاءُ ثَمَنٍ يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكُ بَائِعِ الثَّوْبِ بَدَلَ الصَّرْفِ لَزِمَ بِالضَّرُورَةِ إعْطَاءُ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا نَقَلَ الْقُدُورِيُّ عَنْهُ: أَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ جَائِزٌ وَيَكُونُ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مِثْلَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، قَالَ: وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ زُفَرَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ، فَإِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ يَقَعُ الْبَيْعُ بِمِثْلِ بَدَلِ الصَّرْفِ، وَعَلَى هَذَا فَبُطْلَانُ بَيْعِ الثَّوْبِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ جَوَابُ الْمَذْهَبِ مُشْكِلٌ. وَتَنْظِيرُ النِّهَايَةِ بِغَاصِبِ الدَّرَاهِمِ إذَا اشْتَرَى وَأَشَارَ إلَيْهَا وَدَفَعَ مِنْهَا حَيْثُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ الْمَبِيعِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُطَابِقٍ؛ لِأَنَّ إجَازَةَ بَيْعِ الثَّوْبِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا بِأَنْ يَدْفَعَ مِثْلَ بَدَلِ الصَّرْفِ لَا نَفْسِهِ.

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً) وَكَذَا سَائِرُ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، بِخِلَافِ جِنْسِهَا
(7/140)

لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ بَيْعِهِ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا.

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَفِي عُنُقِهَا طَوْقُ فِضَّةٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ مِثْقَالٍ بِأَلْفَيْ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَلْفَ مِثْقَالٍ ثُمَّ افْتَرَقَا فَاَلَّذِي نَقَدَ ثَمَنَ الْفِضَّةِ) لِأَنَّ قَبْضَ حِصَّةِ الطَّوْقِ وَاجِبٌ فِي الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ بَدَلَ الصَّرْفِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْ مِثْقَالِ أَلْفٍ نَسِيئَةً وَأَلْفٍ نَقْدًا فَالنَّقْدُ ثَمَنُ الطَّوْقِ) لِأَنَّ الْأَجَلَ بَاطِلٌ فِي الصَّرْفِ جَائِزٌ فِي بَيْعِ الْجَارِيَةِ، وَالْمُبَاشَرَةُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا (وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ فَدَفَعَ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسِينَ جَازَ الْبَيْعُ وَكَانَ الْمَقْبُوضُ حِصَّةَ الْفِضَّةِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْخَمْسِينَ مِنْ ثَمَنِهِمَا) لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ قَدْ يُرَادُ بِذِكْرِهِمَا الْوَاحِدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ حَالِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْمُجَازَفَةِ اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ (وَالْمُسَاوَاةُ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ) أَيْ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَكُلُّ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَذَلِكَ (لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِمَا ذَكَرْنَا، يَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» ) لَكِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ لِمَا رُوِّينَا، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَجْلِسِ مَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَعَبَّرَ بِالْمَجْلِسِ عَنْهُ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَفِي عُنُقِهَا طَوْقٌ فِيهِ أَلْفُ مِثْقَالٍ بِأَلْفَيْ مِثْقَالِ فِضَّةٍ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَلْفَ مِثْقَالٍ ثُمَّ افْتَرَقَا) صُرِفَ الْمَنْقُودُ إلَى الطَّوْقِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الدَّافِعُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ خُذْهُ مِنْهُمَا صُرِفَ أَيْضًا إلَى الطَّوْقِ وَصَحَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ بِتَحْكِيمِ ظَاهِرِ حَالِهِمَا، إذْ الظَّاهِرُ قَصْدُهُمَا إلَى الْوَجْهِ الْمُصَحَّحِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُفِيدُ تَمَامَ مَقْصُودِهِمَا إلَّا بِالصِّحَّةِ، فَكَانَ هَذَا الِاعْتِبَارُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَالظَّاهِرُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ صَرَّحَ فَقَالَ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ حِينَئِذٍ عَارَضَهُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِي الطَّوْقِ كَمَا إذَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
فَإِنْ قُلْت: فَفِي قَوْلِهِ خُذْهُ مِنْهُمَا عَارَضَهُ أَيْضًا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لِأَنَّ الْمُثَنَّى قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْوَاحِدِ أَيْضًا (قَالَ تَعَالَى {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَالْمُرَادُ مِنْ أَحَدِهِمَا) وَهُوَ الْبَحْرُ الْمِلْحُ، وَ
(7/141)

(فَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْحِلْيَةِ) لِأَنَّهُ صُرِفَ فِيهَا (وَكَذَا فِي السَّيْفِ إنْ كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِضَرَرٍ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِدُونِ الضَّرَرِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَالْجِذْعِ فِي السَّقْفِ (وَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّصُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ جَازَ الْبَيْعُ فِي السَّيْفِ وَبَطَلَ فِي الْحِلْيَةِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَصَارَ كَالطَّوْقِ وَالْجَارِيَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ الْمُفْرَدَةُ أَزْيَدَ مِمَّا فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ لَا يَدْرِي لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلرِّبَا أَوْ لِاحْتِمَالِهِ، وَجِهَةُ الصِّحَّةِ مِنْ وَجْهٍ وَجِهَةُ الْفَسَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ فَتَرَجَّحَتْ. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] وَإِنَّمَا الرُّسُلُ مِنْ الْإِنْسِ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَقَالَ تَعَالَى {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] وَإِنَّمَا نَسِيَهُ فَتَى مُوسَى.
«وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَابْنِ عَمٍّ لَهُ: إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا» وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ تَعَالَى {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وَالْمُرَادُ دَعْوَةُ مُوسَى، إلَّا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَارُونَ كَانَ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ، فَإِذَا صَحَّ الِاسْتِعْمَالُ وَكَثُرَ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَذَكَرْنَا مِنْ قَرِيبٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَسَادُ بِسَبَبِ الْأَجَلِ فِي الْعَقْدِ شَاعَ الْفَسَادُ فِي الْجَارِيَةِ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ بِخِلَافِهِ عَنْ الِافْتِرَاقِ. هَذَا وَلَقَدْ وَقَعَ الْإِفْرَاطُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ طَوْقُهَا أَلْفُ مِثْقَالِ فِضَّةٍ فَإِنَّهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِالْمِصْرِيِّ وَوَضْعُ هَذَا الْمِقْدَارِ فِي الْعُنُقِ بَعِيدٌ عَنْ الْعَادَةِ بَلْ نَوْعُ تَعْذِيبٍ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ كَوْنَ قِيمَتِهَا مَعَ مِقْدَارِ الطَّوْقِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا بِيعَ نَقْدٌ مَعَ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ الثَّمَنَ عَلَى النَّقْدِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا فِيمَا إذَا بَاعَ سَيْفًا مُحَلَّى بِمِائَةٍ وَحِلْيَتُهُ خَمْسُونَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ فَدَفَعَ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتُ، وَلَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا فِي الصُّورَتَيْنِ حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ فِي حِصَّةِ الطَّوْقِ وَالْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِيهَا وَيَصِحُّ فِي الْجَارِيَةِ.
وَأَمَّا السَّيْفُ فَإِنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ لَمْ تَتَخَلَّصْ مِنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ فِيهِ فَسَدَ فِي السَّيْفِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ فِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ كَمَا مَرَّ فِي جِذْعٍ مِنْ سَقْفٍ، فَإِنْ كَانَ
(7/142)

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ ثُمَّ افْتَرَقَا وَقَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ وَصَحَّ فِيمَا قُبِضَ وَكَانَ الْإِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ صَرْفٌ كُلُّهُ فَصَحَّ فِيمَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ وَالْفَسَادُ طَارِئٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ثُمَّ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ فَلَا يَشِيعُ. قَالَ (وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الْإِنَاءِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ فِي الْإِنَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَتَخَلَّصُ بِلَا ضَرَرٍ جَازَ فِيهِ كَالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ وَبَطَلَ فِي الْحِلْيَةِ خَاصَّةً.
ثُمَّ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ الْمُفْرَدَةُ: يَعْنِي الثَّمَنَ أَكْثَرَ مِنْ الطَّوْقِ وَالْحِلْيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَا يَدْرِي وَاخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلرِّبَا حَقِيقَةً فِيمَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيَةً بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْبَدَلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمَبِيعُ الْفِضَّةُ زِيَادَةً مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ نَفْسُ الْجَارِيَةِ وَالسَّيْفِ أَوْ احْتِمَالُ الرِّبَا فِيمَا إذَا لَمْ يُدْرَ الْحَالُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: فِي صُورَةِ الِاحْتِمَالِ لَمْ يُقْطَعْ بِالْفَسَادِ. أَجَابَ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِنَّهَا مِنْ وَجْهَيْنِ، وَهُوَ تَجْوِيزُ الْأَقَلِّيَّةِ وَالْمُسَاوَاةُ، بِخِلَافِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهَا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فَتَرَجَّحَتْ جِهَةُ الْفَسَادِ، عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ الرِّبَا كَافٍ فِي الْفَسَادِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّرْجِيحِ مَعَ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِمَا يَصْلُحُ بِنَفْسِهِ عِلَّةً لِلْفَسَادِ وَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ احْتِمَالَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ مُفْسِدٌ فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَا، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا اُشْتُرِيَ بِالْفِضَّةِ فِضَّةً مَعَ غَيْرِهَا أَوْ بِالذَّهَبِ ذَهَبًا مَعَ غَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ ثُمَّ افْتَرَقَا) وَقَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ وَصَحَّ فِيمَا قُبِضَ وَكَانَ الْإِنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ صَرْفٌ كُلُّهُ فَصَحَّ فِيمَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ (وَ) لَا يَشِيعُ (الْفَسَادُ) فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ (طَارِئٌ) بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي الْكُلِّ (فَيَصِحُّ ثُمَّ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ فَلَا يَشِيعُ) وَلَا يَتَخَيَّرُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ عَيْبَ الشَّرِكَةِ جَاءَ بِفِعْلِهِمَا وَهُوَ الِافْتِرَاقُ بِلَا قَبْضٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الْإِنَاءِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ (لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ) وَلَمْ يَحْدُثْ بِصَنْعَةٍ،
(7/143)

(وَمَنْ بَاعَ قِطْعَةَ نُقْرَةٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهَا وَلَا خِيَارَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ.

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارًا بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ جَازَ الْبَيْعُ وَجُعِلَ كُلُّ جِنْسٍ بِخِلَافِهِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بَاعَ كُرَّ شَعِيرٍ وَكُرَّ حِنْطَةٍ بِكُرَّيْ شَعِيرٍ وَكُرَّيْ حِنْطَةٍ: وَلَهُمَا أَنَّ فِي الصَّرْفِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ تَغْيِيرَ تَصَرُّفِهِ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ الِانْقِسَامُ عَلَى الشُّيُوعِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَالتَّغْيِيرُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْحِيحُ التَّصَرُّفِ، كَمَا إذَا اشْتَرَى قَلْبًا بِعَشَرَةٍ وَثَوْبًا بِعَشَرَةٍ بَاعَهُمَا مُرَابَحَةً لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُ الرِّبْحِ إلَى الثَّوْبِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ مِنْ الْبَائِعِ مَعَ عَبْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ فِي الْمُشْتَرَى بِأَلْفٍ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِصَرْفِ الْأَلْفِ إلَيْهِ. وَكَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ وَقَالَ بِعْتُك أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِصَرْفِهِ إلَى عَبْدِهِ. وَكَذَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ وَافْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الدِّرْهَمَيْنِ وَلَا يُصْرَفُ الدِّرْهَمُ إلَى الثَّوْبِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَنَا أَنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمُطْلَقَةَ تَحْتَمِلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ قِطْعَةَ نُقْرَةٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَهَا حَيْثُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهَا (وَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ) فَلَمْ يَلْزَمْ الْعَيْبُ وَهُوَ الشَّرِكَةُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَقْطَعَ حِصَّتَهُ مِنْهَا.

(قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ وَدِرْهَمٍ جَازَ) الْبَيْعُ (وَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْجِنْسَيْنِ (بِخِلَافِهِ) فَيُعْتَبَرُ الدِّرْهَمَانِ بِالدِّينَارَيْنِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ (وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بَاعَ كُرَّ شَعِيرٍ وَكُرَّ حِنْطَةٍ بِكُرَّيْ شَعِيرٍ وَكُرَّيْ حِنْطَةٍ) أَوْ بَاعَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِسَيْفٍ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ وَلَا يَدْرِي مِقْدَارَ الْحِلْيَتَيْنِ، وَكَذَا دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارَيْنِ (لَهُمَا أَنَّ فِي الصَّرْفِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ تَغْيِيرُ تَصَرُّفِهِ) أَيْ تَصَرُّفِ الْعَاقِدِ (لِأَنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ الِانْقِسَامُ عَلَى الشُّيُوعِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ عَلَى الشُّيُوعِ مُقَابِلًا لِكُلِّ جُزْءٍ عَلَى الشُّيُوعِ
(7/144)

مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ كَمَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ، وَأَنَّهُ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِتَصْحِيحِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، وَفِيهِ تَغْيِيرُ وَصْفِهِ لَا أَصْلِهِ لِأَنَّهُ يَبْقَى مُوجِبُهُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْكُلِّ بِمُقَابَلَةِ الْكُلِّ، وَصَارَ هَذَا كَمَا إذَا بَاعَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ بِخِلَافِ مَا عُدَّ مِنْ الْمَسَائِلِ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُرَابَحَةِ فَلِأَنَّهُ يَصِيرُ تَوْلِيَةً فِي الْقَلْبِ بِصَرْفِ الرِّبْحِ كُلِّهِ إلَى الثَّوْبِ. وَالطَّرِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جِنْسُ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَخِلَافُ جِنْسِهِ وَأَجْزَاءُ جِنْسِهِ أَكْثَرُ إذْ أَجْزَاءُ دِينَارَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْزَاءِ دِينَارٍ بِالضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مُقَابَلٌ بِكُلِّ جُزْءٍ عَلَى الْعُمُومِ وَإِلَّا كَانَتْ الذَّرَّةُ مِنْ الدِّينَارِ مُقَابَلَةً بِجَمِيعِ الدِّينَارَيْنِ وَالدِّرْهَمِ فَلَمْ يَبْقَ لِلذَّرَّةِ مَا يُقَابِلُهَا أَوْ يُقَابِلُ الْكُلَّ بِنَفْسِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَهُوَ اعْتِبَارٌ مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ وَهُوَ أَنْ يُقَايِلَ الذَّرَّةَ بِأَلْفِ ذَرَّةٍ ثُمَّ تَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفُ بِنَفْسِهَا مُقَابِلَةً لِذَرَّةٍ أُخْرَى وَأُخْرَى وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَنْتَفِي الِانْقِسَامُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِانْقِسَامَ كَمَا ذَكَرْنَا مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَجَارِيَةً بِثَوْبٍ وَفَرَسٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فِي الثَّوْبِ وَالْفَرَسِ جَمِيعًا.
وَلَوْلَا أَنَّ الِانْقِسَامَ عَلَى الشُّيُوعِ لَمَا رَجَعَ فِي الثَّوْبِ وَالْفَرَسِ جَمِيعًا، وَتَغْيِيرُ تَصَرُّفِهِمَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْحِيحُ التَّصَرُّفِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ، عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى قَلْبًا وَزْنُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ وَثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُمَا مُرَابَحَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُ الرِّبْحِ إلَى الثَّوْبِ وَحْدَهُ لِيَخْلُوَ الْقَلْبُ عَنْ التَّفَاضُلِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ مِنْ الْبَائِعِ مَعَ عَبْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ، وَيَفْسُدُ فِي الْمُشْتَرَى بِأَلْفٍ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِصَرْفِ الْأَلْفِ إلَيْهِ، وَكَذَا إذَا جُمِعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ وَقَالَ بِعْتُك أَحَدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِصَرْفِهِ إلَى عَبْدِهِ. وَكَذَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ وَافْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَسَدَ فِي الدِّرْهَمَيْنِ وَلَا يُصْرَفُ إلَى الثَّوْبِ لِمَا ذَكَرْنَا فَهَذِهِ أَحْكَامٌ إجْمَاعِيَّةٌ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ تَغْيِيرَ التَّصَرُّفِ لَا يَجُوزُ،
(7/145)

صَرْفُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَلْفِ إلَى الْمُشْتَرِي. وَفِي الثَّالِثَةِ أُضِيفَ الْبَيْعُ إلَى الْمُنَكَّرِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْبَيْعِ وَالْمُعَيَّنُ ضِدُّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ كَانَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَصْحِيحِهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدِي فِي التَّعْلِيلِ أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِالْمُمَاثَلَةِ تَحْقِيقًا وَهُنَا لَمْ تَتَحَقَّقْ فَيَفْسُدُ لِلْعَقْدِ.
قَالَ صَاحِبُ الْوَجِيزِ: وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: تَعَبَّدْنَا بِتَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا إذَا تَمَحَّضَتْ مُقَابَلَةُ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ أَمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
فَإِنْ قُلْت: الثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَإِنْ قُلْت الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَلَيْسَ صُورَةَ الْخِلَافِيَّةِ، انْتَهَى بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ مُقَابَلَةِ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ وَالْجُزْءِ الشَّائِعِ بِالشَّائِعِ لَا يَقْتَضِي الرِّبَا وَالْفَسَادَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ لَوْ كَانَ التَّفَاضُلُ لَازِمًا حَقِيقَةً، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا قُوبِلَ مُعَيَّنٌ بِمُعَيَّنٍ وَتَفَاضَلَا، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ فِي التَّصْحِيحِ إلَى التَّوْزِيعِ وَصُرِفَ كُلٌّ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ عَيْنًا، لَكِنَّ الْأَصْحَابَ اقْتَحَمُوهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِيٍّ إجْمَاعِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ مَهْمَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُ تَصَرُّفِ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ يَرْتَكِبُ وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، وَلِهَذَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَتُتْرَكُ حَقِيقَتُهُ إذَا كَانَ لَا يَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِهِ، وَيُدْرَجُ فِي كَلَامِهِ زِيَادَةٌ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا إذَا كَانَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذَلِكَ، كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّ الْمُقَابَلَةَ عَلَى وَجْهِ الشُّيُوعِ إنْ لَمْ تَقْتَضِ حَقِيقَةَ الرِّبَا اسْتَلْزَمَ شُبْهَةً، وَشُبْهَةُ الرِّبَا مُعْتَبَرَةٌ كَحَقِيقَةٍ؛ فَقَالُوا: الْعَقْدُ كَذَلِكَ إنَّمَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُقَابَلَةِ لَا مُقَابَلَةَ الْكُلِّ بِالْكُلِّ وَلَا الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الِاقْتِضَاءِ يَحْتَمِلُ مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ وَهُوَ الْجِنْسُ الْمُعَيَّنُ هُنَا بِجِنْسٍ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْت هَذَيْنِ الدِّرْهَمَيْنِ وَالدِّينَارَ بِدِينَارَيْنِ وَدِرْهَمٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الدِّرْهَمَيْنِ بِالدِّينَارَيْنِ وَالدِّينَارَ بِالدِّرْهَمِ صَحَّ وَهُوَ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّصْحِيحِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِيهِ تَغْيِيرُ وَصْفِ الْعَقْدِ كَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ شَائِعًا لَا أَصْلُهُ لِأَنَّهُ يَبْقَى مُوجِبُهُ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْكُلِّ بِمُقَابَلَةِ الْكُلِّ وَصَارَ كَمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ فِيمَا إذَا بَاعَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ يَنْصَرِفُ إلَى نَصِيبِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ عَدَمَ الصَّرْفِ فِيهَا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَالتَّعْيِينِ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُرَابَحَةِ فَعَدَمُ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ أَصْلُ الْعَقْدِ إذْ يَصِيرُ تَوْلِيَةً فِي الْقَلْبِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ حَمْلِ الْمُثَنَّى عَلَى الْوَاحِدِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّوْقِ وَالْجَارِيَةِ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ بِعْتهمَا بِعِشْرِينَ مُرَابَحَةً فِيهِمَا بِعَشَرَةٍ أَنْ يُحْمَلَ فِيهِمَا عَلَى أَحَدِهِمَا: يَعْنِي الثَّوْبَ، كَمَا حُمِلَ قَوْلُهُ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ مِنْ ثَمَنِهِمَا عَلَى ثَمَنِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الطَّوْقُ وَكَوْنُ الطَّوْقِ لَمْ يَصِرْ مُرَابَحَةً لَا يَضُرُّ إذْ يَصْدُقُ أَنَّ الْعَقْدَ مُرَابَحَةٌ بِثُبُوتِ الرِّبْحِ فِي بَعْضِ مَبِيعَاتِ الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ مَعَ عَبْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ طَرِيقُ تَصْحِيحِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ أَنْ يَكُونَ بِصَرْفِ الْخَمْسِمِائَةِ إلَى الْعَبْدِ الْآخَرِ فَيَكُونُ بَائِعًا مَا اشْتَرَاهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِذَلِكَ يَكُونُ بِصَرْفِ أَكْثَرَ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ بِدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إلَى الْعَبْدِ الْآخَرِ فَيَصِيرُ بَائِعًا
(7/146)

وَفِي الْأَخِيرَةِ الْعَقْدُ انْعَقَدَ صَحِيحًا وَالْفَسَادُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَكَلَامُنَا فِي الِابْتِدَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِلْمُشْتَرِي مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَاهُ مِنْهُ. وَنُقِضَ بِأَنَّ طَرِيقَ الصِّحَّةِ أَيْضًا لَيْسَ مُتَعَيِّنًا فِيمَا قُلْتُمْ، بَلْ لَهُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُعْتَبَرَ مُقَابَلَةُ دِرْهَمٍ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ بِمُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ وَدِينَارٌ مِنْ الدِّينَارَيْنِ بِمُقَابَلَةِ الدِّينَارِ وَالدِّينَارُ الْآخَرُ بِمُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ مَا أَمْكَنَ تَقْلِيلُهُ مُتَعَيَّنٌ، وَتَصْحِيحُ التَّصَرُّفِ مَعَ قِلَّةِ التَّغْيِيرِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا قُلْنَا فَكَانَ مَا قُلْنَا مُتَعَيِّنًا، بِخِلَافِ مَا فُرِضَ فَإِنَّ فِيهِ ثَلَاثَ تَغْيِيرَاتٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي ادَّعَيْنَاهُ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا هُوَ صَرْفُ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ كَيْفَ كَانَ لَا بِخُصُوصِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَنْ يُصْرَفَ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بِمُقَابَلَةِ الدِّينَارِ فِي فُرُوضٍ كَثِيرَةٍ لَا يُخْرَجُ عَنْ صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ، وَإِلَى هَذَا رَجَعَ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي الْجَوَابِ: التَّعَدُّدُ إنَّمَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ الْوُجُوهِ تَرْجِيحٌ بَلْ تَسَاوَتْ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ فَتَتَمَانَعُ الْوُجُوهُ فَيَمْتَنِعُ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَا، وَفِيمَا اعْتَبَرْنَاهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى اسْمِ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ فَلَا يُغَيَّرُ عَنْهُ، وَنَحْنُ أَسْلَفْنَا لَنَا فِي أَصْلِ هَذَا الْأَصْلِ نَظَرًا اسْتَنَدَ إلَى جَوَازِ ثُبُوتِ الشَّيْءِ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ اجْتَمَعَتْ دَفْعَةً.
وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ وَقَالَ بِعْتُك أَحَدَهُمَا فَلِأَنَّ الْبَيْعَ أُضِيفَ إلَى الْمُنَكَّرِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْبَيْعِ لِجَهَالَتِهِ، وَلِأَنَّ الْمُعَيَّنَ ضِدُّهُ فَلَا يُحْمَلُ الشَّيْءُ عَلَى ضِدِّهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ مَاصَدَقَاتِ النَّكِرَةِ، فَإِنَّ زَيْدًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَلَا شَكَّ أَنْ يَحْتَمِلَهُ فَيَجِبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ عَبْدِي أَوْ حِمَارِي حُرٌّ: إنَّهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ وَيَجْعَلُ اسْتِعَارَةُ الْمُنَكَّرِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَكَذَا مَا قِيلَ: إنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ يَجِبُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ وَهُوَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمُعَيَّنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَوْرَدَ عَلَى دَفْعِ النُّقُوضِ الْمَذْكُورَةِ إنْ لُحِظَ لَهُ جَوَابٌ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّك النَّقْضُ فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ، إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي مَحَلٍّ آخَرَ إذَا اعْتَرَفَ بِخَطَئِهِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ خَطَأً فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَثَوْبًا بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ وَافْتَرَقَا بِلَا قَبْضٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا طَرَأَ الْفَسَادُ بِالِافْتِرَاقِ وَالصَّرْفِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ وَهُوَ قَدْ انْعَقَدَ بِلَا فَسَادٍ وَكَلَامُنَا لَيْسَ فِي الْفَسَادِ الطَّارِئِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلْيُصْرَفْ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ لِيَبْقَى صَحِيحًا كَمَا يُصْرَفُ لِيَنْعَقِدَ صَحِيحًا وَالْمُقْتَضَى وَاحِدٌ فِيهِمَا وَهُوَ الِاحْتِيَالُ لِلصِّحَّةِ. قُلْنَا: الْفَسَادُ هُنَاكَ لَيْسَ طُرُّوهُ مُتَحَقِّقًا وَلَا مَظْنُونًا لِيَجِبَ اعْتِبَارُ الصَّرْفِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ بَلْ يُتَوَهَّمُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا يَتَقَايَضَانِ بَعْدَمَا عَقَدَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهَا أَوَّلًا وَهِيَ الرُّجُوعُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ وَالْفَرَسِ فَإِنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ الْمُقَابَلَةَ لِلْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ عَلَى الشُّيُوعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إذَا كَانَ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْإِيضَاحِ قَالَ: الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى إبْدَالٍ وَجَبَ قِسْمَةُ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَتَظْهَرُ الْفَائِدَةُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَفَاوَتُ فَالْقِسْمَةُ عَلَى الْأَجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ فَالْقِسْمَةُ عَلَى الْقِيمَةِ، وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ الرِّبَا فَإِنَّمَا تَجِبُ الْقِسْمَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ.
مِثَالُهُ: بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ، فَإِنَّ الْخَمْسَةَ بِالْخَمْسَةِ وَالْخَمْسَةَ الْأُخْرَى بِإِزَاءِ الدِّينَارِ، وَكَذَا لَوْ قَابَلَ جِنْسَيْنِ بِجِنْسَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ. انْتَهَى.

وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ
(7/147)

قَالَ (وَمَنْ بَاعَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ جَازَ الْبَيْعُ وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا وَالدِّينَارُ بِدِرْهَمٍ) لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ فِي الدَّرَاهِمِ التَّمَاثُلُ عَلَى مَا رُوِّينَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ فَبَقِيَ الدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ وَهُمَا جِنْسَانِ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهِمَا.

(وَلَوْ تَبَايَعَا فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ وَأَحَدُهُمَا أَقَلُّ وَمَعَ أَقَلِّهِمَا شَيْءٌ آخَرُ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ بَاقِي الْفِضَّةِ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَمَعَ الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ كَالتُّرَابِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ) لِتَحَقُّقِ الرِّبَا إذْ الزِّيَادَةُ لَا يُقَابِلُهَا عِوَضٌ فَيَكُونُ رِبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَذْكُورَةِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ وَهِيَ (قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ جَازَ الْبَيْعُ) وَتَكُونُ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا وَالدِّينَارُ بِدِرْهَمِ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ فِي الدَّرَاهِمِ التَّمَاثُلُ وَهُوَ بِذَلِكَ فَيَبْقَى الدِّرْهَمُ بِالدِّينَارِ وَهُمَا جِنْسَانِ لَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا.

ثُمَّ فَرَّعَ الْمُصَنِّفُ فَرْعًا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً فِي الْحُكْمِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ فَقَالَ (وَلَوْ تَبَايَعَا فِضَّةً بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبًا بِذَهَبٍ) يَعْنِي وَأَحَدُهُمَا أَقَلُّ مِنْ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ مَعَ الْأَقَلِّ شَيْئًا آخَرَ كَفُلُوسٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ قَدْرَ الزِّيَادَةِ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ أَوْ أَقَلَّ بِقَدْرٍ يُتَغَابَنُ فِيهِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَأَنْ يَضَعَ مَعَهُ كَفًّا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ فَلْسَيْنِ.
وَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ كَيْفَ تَجِدُهُ فِي قَلْبِك؟ قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ.
وَلَمْ تُرْوَ الْكَرَاهَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ صَرَّحَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَلِفَ النَّاسُ التَّفَاضُلَ وَاسْتَعْمَلُوهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا. وَقِيلَ: إنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّهُمَا بَاشَرَا الْحِيلَةَ لِسُقُوطِ الرِّبَا كَبَيْعِ الْعِينَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِهَذَا. وَأُورِدَ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ الْبَيْعُ فِي مَسْأَلَةِ الدِّرْهَمَيْنِ وَالدِّينَارِ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْخِلَافِيَّةُ مَكْرُوهًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهَةَ هُنَاكَ لِأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّائِدُ دِينَارًا بِمُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ وَقِيمَةُ الدِّينَارِ تَبْلُغُ الدِّرْهَمَ وَتَزِيدُ وَحِينَئِذٍ لَا كَرَاهَةَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، وَكَمَا أَنَّ قِيمَةَ الدِّينَارِ تَبْلُغُ وَتَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الدِّرْهَمِ فَالدِّرْهَمُ لَا تَبْلُغُ قِيمَةُ قِيمَتِهِ الدِّينَارَ وَلَا تَنْقُصُ بِقَدْرٍ يُتَغَابَنُ فِيهِ، فَالْعَقْدُ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ هُنَاكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَصْلًا كُلِّيًّا يُفِيدُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا إذَا ضَمَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَكَفٍّ مِنْ تُرَابٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلْ الزِّيَادَةَ مَالٌ.
(7/148)

قَالَ (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَبَاعَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدَفَعَ الدِّينَارَ وَتَقَاصَّا الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ فَهُوَ جَائِزٌ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا بَاعَ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِهَذَا الْعَقْدِ ثَمَنٌ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ بِالْقَبْضِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْمَبِيعِ لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ، فَإِذَا تَقَاصَّا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فَسْخَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَرْعٌ]
اشْتَرَى تُرَابَ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي التُّرَابِ شَيْءٌ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ فِضَّةٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبَدَلَيْنِ هُمَا الْفِضَّةُ لَا التُّرَابُ. وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِتُرَابِ ذَهَبٍ أَوْ بِذَهَبٍ جَازَ لِعَدَمِ لُزُومِ الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، فَلَوْ ظَهَرَ أَنْ لَا شَيْءَ فِي التُّرَابِ لَا يَجُوزُ وَكُلُّ مَا جَازَ فَمُشْتَرِي التُّرَابِ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةٌ فَبَاعَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ وَقَبَضَ الدِّينَارَ) فَإِنْ كَانَ أَضَافَ إلَى الْعَشَرَةِ الدَّيْنَ جَازَ اتِّفَاقًا، وَيَجِبُ بِهَذَا الْعَقْدِ عَشَرَةٌ ثُمَّ لَا يَجِبُ
(7/149)

الْأَوَّلِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الدَّيْنِ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ، وَفِي الْإِضَافَةِ إلَى الدَّيْنِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَالْفَسْخُ قَدْ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَمَا إذَا تَبَايَعَا بِأَلْفٍ ثُمَّ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَزُفَرُ يُخَالِفُنَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالِاقْتِضَاءِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَعَيُّنُهُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي الصَّرْفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِدَفْعِ الرِّبَا بِالتَّسَاوِي، وَقَدْ انْدَفَعَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِقَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَهُوَ الدِّينَارُ وَالْقَبْضُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْهُ التَّعْيِينُ فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ قَدْ تَحَقَّقَ سَابِقًا، فَعِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَقْبُوضِ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ وَهُوَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْبُوضًا قَبْضًا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْيِينُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ عَشَرَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعَشَرَةُ الدَّيْنَ، وَلِذَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا إذَا بَاعَهُ الْمَدْيُونُ بِالْعَشَرَةِ دِينَارًا بِعَشَرَةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ ثُمَّ تَقَاصَّا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ الْعَقْدِ عَشَرَةٌ مُطْلَقَةٌ فَلَا تَصِيرُ تِلْكَ الْعَشَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ: مُوجِبُ الْعَقْدِ عَشَرَةٌ مُطْلَقَةٌ تَصِيرُ مُتَعَيِّنَةً بِالْقَبْضِ وَبِالْإِضَافَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ إلَى الْعَشَرَةِ الدَّيْنِ صَارَتْ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ بِقَبْضٍ سَابِقٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُبَالِي بِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْيِينِ بِالْقَبْضِ بِالْمُسَاوَاةِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ فَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَشَرَةِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ بِأَلْفٍ ثُمَّ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّ الْفَسْخَ لَازِمٌ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَى الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ مُطْلَقًا مَعَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ لِلصِّدْقِ، لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ
(7/150)

وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا. فَإِنْ كَانَ لَاحِقًا فَكَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ انْفِسَاخَ الْأَوَّلِ وَالْإِضَافَةَ إلَى دَيْنٍ قَائِمٍ وَقْتَ تَحْوِيلِ الْعَقْدِ فَكَفَى ذَلِكَ لِلْجَوَازِ.

قَالَ (وَيَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ وَدِرْهَمَيْ غَلَّةٍ بِدِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَدِرْهَمِ غَلَّةٍ) وَالْغَلَّةُ مَا يَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ وَيَأْخُذُهُ التُّجَّارُ. وَوَجْهُهُ تَحَقُّقُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْوَزْنِ وَمَا عُرِفَ مِنْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْجَوْدَةِ.

قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْفِضَّةَ فَهِيَ فِضَّةٌ، وَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الدَّنَانِيرِ الذَّهَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَيْسَ قَيْدًا فِي الْعَقْدِ بِهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهَا أَصْلًا إذْ لَا وُجُودَ لِلْمُطْلَقِ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ وَعَلَى ذَلِكَ مَشَوْا. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُمَا لَمَّا غَيَّرَا مُوجِبَ الْعَقْدِ فَقَدْ فَسَخَاهُ إلَى عَقْدٍ آخَرَ اقْتَضَاهُ، وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ زُفَرُ بِالِاقْتِضَاءِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ فِي أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ: إنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْأَمْرِ إذَا أَعْتَقَهُ الْمَالِكُ لَمْ يَنْفَسِخْ فَلَا يَتَحَوَّلُ حُكْمُهُ (وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا) عَلَى بَيْعِ الدِّينَارِ (فَإِنْ كَانَ لَاحِقًا) قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بِأَنْ عَقَدَا الدِّينَارَ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَ مُشْتَرِي الدِّينَارِ مِنْ بَائِعِهِ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ ثُمَّ قَاصَصَهُ بِثَمَنِ الدِّينَارِ عَنْهَا فَفِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حُصُولِ الِانْفِسَاخِ وَالْإِضَافَةِ إلَى الدَّيْنِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا اسْتَقْرَضَ بَائِعُ الدِّينَارِ عَشَرَةً مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَصَبَ مِنْهُ فَقَدْ صَارَ قِصَاصًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرَاضِي لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْقَبْضُ.

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ دِرْهَمِ غَلَّةٍ بِدِرْهَمَيْ غَلَّةٍ وَدِرْهَمٍ صَحِيحٍ، وَالْغَلَّةُ مَا يَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ) لَا لِلزِّيَافَةِ، بَلْ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُ مُقَطَّعَةٌ مُكَسَّرَةٌ يَكُونُ فِي الْقِطْعَةِ رُبُعٌ وَثُمُنٌ وَأَقَلُّ وَبَيْتُ الْمَالِ لَا يَأْخُذُ إلَّا الْغَالِيَ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْوَزْنِ وَالْجَوْدَةِ فَالصِّحَّةُ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ سَاقِطَةٌ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ إلَخْ) الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا
(7/151)

فَهِيَ ذَهَبٌ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا مِنْ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْجِيَادِ حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُ الْخَالِصَةِ بِهَا وَلَا بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إلَّا مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ بِهَا إلَّا وَزْنًا) لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ غِشٍّ عَادَةً لِأَنَّهَا لَا تَنْطَبِعُ إلَّا مَعَ الْغِشِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْغِشُّ خِلْقِيًّا كَمَا فِي الرَّدِيءِ مِنْهُ فَيُلْحَقُ الْقَلِيلُ بِالرَّدَاءَةِ، وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ سَوَاءٌ (وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمَا الْغِشَّ فَلَيْسَا فِي حُكْمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهَا فِضَّةً خَالِصَةً فَهُوَ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ.

(وَإِنْ بِيعَتْ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا جَازَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ) فَهِيَ فِي حُكْمِ شَيْئَيْنِ فِضَّةٍ وَصُفْرٍ وَلَكِنَّهُ صُرِفَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا شُرِطَ الْقَبْضُ فِي الْفِضَّةِ يُشْتَرَطُ فِي الصُّفْرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْغِشُّ أَقَلُّ، أَوْ الْغَالِبُ الْغِشُّ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَقَلُّ أَوْ مُتَسَاوِيَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الذَّهَبَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالْفِضَّةَ فِي الدَّرَاهِمِ فَهُمَا كَالذَّهَبِ الْخَالِصِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ لِأَنَّهَا عَلَى مَا قِيلَ قَلَّمَا تَنْطَبِعُ إلَّا بِقَلِيلِ غِشٍّ (وَقَدْ يَكُونُ الْغِشُّ خُلُقِيًّا كَمَا فِي الرَّدِيءِ مِنْهُ) الَّذِي يُقَالُ لَهُ نَاقِصَ الْعِيَارِ فِي عُرْفِنَا وَالرَّدَاءَةُ مُهْدَرَةٌ شَرْعًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجَيِّدِ. فَكَذَا الْغِشُّ الْمَغْلُوبُ إلْحَاقًا لَهُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ كَالْخَالِصَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِالْخَالِصِ مَعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَّا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوَزْنِ، وَكَذَا بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهَا بِهَا إلَّا وَزْنًا كَاسْتِقْرَاضِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ (وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِمَا الْغِشَّ فَلَيْسَ فِي حُكْمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) الْخَالِصَةِ (اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهَا فِضَّةً خَالِصَةً فَهُوَ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ) وَهِيَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ مِثْلَ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَا يَدْرِي لَا يَصِحُّ فِي الْفِضَّةِ وَلَا فِي النُّحَاسِ أَيْضًا إذَا كَانَ لَا تَتَخَلَّصُ الْفِضَّةُ إلَّا بِضَرَرٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْخَالِصَةُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الدَّرَاهِمِ جَازَ لِيَكُونَ مَا فِي الدَّرَاهِمِ مِنْ الْفِضَّةِ بِمِثْلِهَا مِنْ الْخَالِصَةِ وَالزَّائِدُ مِنْ الْخَالِصَةِ بِمُقَابَلَةِ الْغِشِّ.

(وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ) أَيْ يُصْرَفُ كُلٌّ مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَى غِشِّ الدَّرَاهِمِ الْأُخْرَى (لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ شَيْئَيْنِ فِضَّةٍ وَ) غِشِّ (صُفْرٍ) أَوْ غَيْرِهِ (وَلَكِنَّهُ) مَعَ هَذَا (صُرِفَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ) وَقَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَتَجَوَّزَ الْمُصَنِّفُ (بِالْمَجْلِسِ) عَنْهُ (لِوُجُودِ الْفِضَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِذَا شُرِطَ الْقَبْضُ فِي الْفِضَّةِ يُشْتَرَطُ فِي الصُّفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي كُلِّ دَرَاهِمَ
(7/152)

وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمْ يُفْتُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الْعَدَالَى وَالْغَطَارِفَةِ لِأَنَّهَا أَعَزُّ الْأَمْوَالِ فِي دِيَارِنَا، فَلَوْ أُبِيحَ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَنْفَتِحُ بَابُ الرِّبَا، ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِالْوَزْنِ فَالتَّبَايُعُ وَالِاسْتِقْرَاضُ فِيهَا بِالْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِالْعَدِّ فَبِالْعَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِهِمَا فَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُعْتَادُ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَصٌّ، ثُمَّ هِيَ مَا دَامَتْ تَرُوجُ تَكُونُ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَرُوجُ فَهِيَ سِلْعَةٌ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَإِذَا كَانَتْ يَتَقَبَّلُهَا الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَهِيَ كَالزُّيُوفِ لَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
غَالِبَةِ الْغِشِّ، بَلْ إذَا كَانَتْ الْفِضَّةُ الْمَغْلُوبَةُ بِحَيْثُ تَتَخَلَّصُ مِنْ النُّحَاسِ إذَا أُرِيدَ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّصُ لِقِلَّتِهَا بَلْ تَحْتَرِقُ لَا عِبْرَةَ بِهَا أَصْلًا بَلْ تَكُونُ كَالْمُمَوَّهَةِ لَا تُعْتَبَرُ وَلَا يُرَاعَى فِيهَا شَرَائِطُ الصَّرْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَاللَّوْنِ وَقَدْ كَانَ فِي أَوَائِلِ قَرْنِ سَبْعِمِائَةٍ فِي فِضَّةِ دِمَشْقَ قَرِيبٌ مَعَ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَ) مَعَ هَذَا مَشَايِخُنَا يَعْنِي مَشَايِخَ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ مِنْ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ (لَمْ يُفْتُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ) أَيْ بَيْعِهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا (فِي الْعَدَالَى وَالْغَطَارِفَةِ) مَعَ أَنَّ الْغِشَّ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ الْفِضَّةِ (لِأَنَّهَا أَعَزُّ الْأَمْوَالِ فِي دِيَارِنَا، فَلَوْ أُبِيحَ التَّفَاضُلُ فِيهَا يَنْفَتِحُ بَابُ الرِّبَا) الصَّرِيحِ، فَإِنَّ النَّاسَ حِينَئِذٍ يَعْتَادُونَ التَّفَاضُلَ فِي الْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ فَيَدْرُجُونَ إلَى ذَلِكَ فِي النُّقُودِ الْخَالِصَةِ فَمُنِعَ ذَلِكَ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ.
وَالْغَطَارِفَةُ دَرَاهِمُ مَنْسُوبَةٌ إلَى غِطْرِيفِ بْنِ عَطَاءٍ الْكِنْدِيِّ أَمِيرِ خُرَاسَانَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ، وَقِيلَ: هُوَ خَالُ الرَّشِيدِ (ثُمَّ إنْ كَانَتْ) هَذِهِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي غَلَبَ غِشُّهَا (تَرُوجُ بِالْوَزْنِ فَالْبَيْعُ بِهَا وَالِاسْتِقْرَاضُ بِالْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا تَرُوجُ بِالْعَدِّ فَالْبَيْعُ بِهَا وَالِاسْتِقْرَاضُ لَهَا بِالْعَدِّ) لَيْسَ غَيْرُ (وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِهِمَا فَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُعْتَادُ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ) عَلَى مَا عُرِفَ فِي الرِّبَا (وَمَا دَامَتْ تَرُوجُ فَهِيَ أَثْمَانٌ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ) وَلَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ رَائِجَةٍ فَهِيَ سِلْعَةٌ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَهَذَا إذَا كَانَا يَعْلَمَانِ بِحَالِهَا وَيَعْلَمُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنَّ الْآخَرَ يَعْلَمُ، فَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا أَوْ يَعْلَمَانِ وَلَا يَعْلَمُ كُلٌّ أَنَّ الْآخَرَ يَعْلَمُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَتَعَلَّقُ بِالدَّرَاهِمِ الرَّائِجَةِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَا بِالْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي لَا تَرُوجُ، وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُهَا الْبَعْضُ وَيَرُدُّهَا الْبَعْضُ فَهِيَ فِي حُكْمِ الزُّيُوفِ وَالنَّبَهْرَجَةِ، فَيَتَعَلَّقُ الْبَيْعُ بِجِنْسِهَا لَا بِعَيْنِهَا كَمَا هُوَ فِي الرَّائِجَةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ خَاصَّةً ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ وَأَدْرَجَ نَفْسَهُ فِي الْبَعْضِ
(7/153)

بِعَيْنِهَا بَلْ بِجِنْسِهَا زُيُوفًا إنْ كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ بِحَالِهَا لِتَحَقُّقِ الرِّضَا مِنْهُ، وَبِجِنْسِهَا مِنْ الْجِيَادِ إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لِعَدَمِ الرِّضَا مِنْهُ.

(وَإِذَا اشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً فَكَسَدَتْ وَتَرَكَ النَّاسُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قِيمَتُهَا آخِرُ مَا تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا) لَهُمَا أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ بِالْكَسَادِ وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ، كَمَا إذَا اشْتَرَى بِالرُّطَبِ فَانْقَطَعَ أَوَانُهُ.
وَإِذَا بَقِيَ الْعَقْدُ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقْتَ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ الِانْقِطَاعِ لِأَنَّهُ أَوَانُ الِانْتِقَالِ إلَى الْقِيمَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الثَّمَنَ يَهْلَكُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الَّذِي يَقْبَلُونَهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ تَعَلُّقَ الْعَقْدِ عَلَى الرَّوَاجِ، فَإِنْ اسْتَوَتْ فِي الرَّوَاجِ جَرَى التَّفْصِيلُ الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ، وَتَعْيِينُ الْمُصَنِّفِ الْجِيَادَ تَسَاهُلٌ.

(وَ) مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي غَلَبَ غِشُّهَا أَنَّهُ (لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِهَا فَكَسَدَتْ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِهَا (بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا مَقْبُوضًا رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا أَوْ هَالِكًا رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا فَلَا حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا يَبْطُلُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا (فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمَغْصُوبِ إذَا هَلَكَ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ آخِرُ مَا تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا) وَهُوَ يَوْمُ الِانْقِطَاعِ (لِأَنَّهُ أَوَانُ الِانْتِقَالِ إلَى الْقِيمَةِ) وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّتِمَّةِ وَالْحَقَائِقِ بِهِ يُفْتَى رِفْقًا بِالنَّاسِ (لَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ صَحَّ) بِالْإِجْمَاعِ (إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ) أَيْ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ لِانْعِدَامِ الثَّمَنِيَّةِ (بِالْكَسَادِ) وَالضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْكَسَادَ (لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ كَمَا إذَا اشْتَرَى بِالرُّطَبِ) شَيْئًا (فَانْقَطَعَ) فِي (أَوَانِهِ) بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِي الْأَسْوَاقِ لَا يَبْطُلُ اتِّفَاقًا وَتَجِبُ الْقِيمَةُ أَوْ يَنْتَظِرَ زَمَانَ الرُّطَبِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَكَذَا هُنَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الثَّمَنَ يَهْلَكُ بِالْكَسَادِ) لِأَنَّ مَالِيَّةَ
(7/154)

بِالْكَسَادِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ بِالِاصْطِلَاحِ وَمَا بَقِيَ فَيَبْقَى بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ فَيَبْطُلُ، وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ يَجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ هَالِكًا كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ الْغَالِبَةِ الْغِشِّ (بِالِاصْطِلَاحِ) لَا بِالْخِلْقَةِ (وَمَا بَقِيَ) الِاصْطِلَاحُ بَلْ انْتَفَى فَانْتَفَتْ الثَّمَنِيَّةُ (فَبَقِيَ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ) بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّ مَالِيَّتَهُمَا بِالْخِلْقَةِ لَا بِالِاصْطِلَاحِ، كَمَالِيَّةِ الْعَبْدِ لَمَّا كَانَتْ بِالْحَيَاةِ ذَهَبَتْ بِذَهَابِ الْحَيَاةِ. لَا يُقَالُ: فَلْتَصِرْ مَبِيعَةً إذَا انْتَفَتْ ثَمَنِيَّتُهَا. لِأَنَّا نَقُولُ: تَصِيرُ مَبِيعَةً فِي الذِّمَّةِ وَالْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي السَّلَمِ.
وَاعْتُرِضَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي بِأَنَّ انْتِفَاءَ ثَمَنِيَّتِهَا يُوجِبُ أَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ مُقَاصَّةٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ دَيْنًا وَلَا يَبْطُلُ بِعَدَمِ الْقَبْضِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ ثُبُوتِ التَّعْيِينِ فِي الْبَدَلَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ الِافْتِرَاقُ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، إلَّا أَنَّ الْمُجِيبَ نَظَرَ إلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ بَاعَ بِدَرَاهِمَ كَذَا وَكَذَا غَلَبَ غِشُّهَا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ إذَا كَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَحْضَرَ الدَّرَاهِمَ وَأَشَارَ إلَيْهَا بِعَيْنِهَا بَلْ بَاعَ بِهَا عَلَى نَمَطِ مَا يُبَاعُ بِالْأَثْمَانِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ حَالَ رَوَاجِهَا أَثْمَانًا وَإِنَّمَا كَسَدَتْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَمْ يَنْتَبِهْ هَذَا الْمُعْتَرِضُ لِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ لُزُومُ كَوْنِهِ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ، ثُمَّ شُرِطَ فِي الْعُيُونِ أَنْ يَكُونَ الْكَسَادُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، فَلَوْ كَسَدَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَبْطُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تَهْلَكْ لِيَصِيرَ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ وَلَكِنْ تَعَيَّبَتْ فَيَكُونُ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مِثْلَ النَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ دَنَانِيرَ.
قَالُوا: وَمَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَفِيَ الْبَيْعُ بِالْكَسَادِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي بَيْعِ الْفَلْسِ بِالْفَلْسَيْنِ. عِنْدَهُمَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لِاصْطِلَاحِ بَعْضِ النَّاسِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ، فَالْكَسَادُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَسَادِ مِثْلُهُ فِي الِانْقِطَاعِ، وَالْفُلُوسُ النَّافِقَةُ إذَا كَسَدَتْ كَذَلِكَ هَذَا إذَا كَسَدَتْ أَوْ انْقَطَعَتْ، فَلَوْ تَكْسُدُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ وَلَكِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ، وَعَكْسُهُ لَوْ غَلَتْ قِيمَتُهَا وَازْدَادَتْ فَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ وَلَا
(7/155)

قَالَ (وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ) لِأَنَّهَا مَالٌ مَعْلُومٌ، فَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً جَازَ الْبَيْعُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ بِالِاصْطِلَاحِ، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ بِهَا حَتَّى يُعَيِّنَهَا لِأَنَّهَا سِلَعٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهَا (وَإِذَا بَاعَ بِالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ ثُمَّ كَسَدَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافًا لَهُمَا) وَهُوَ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي وَيُطَالَبُ بِالنَّقْدِ بِذَلِكَ الْعِيَارِ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْبَيْعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْبَيْعِ بِالرُّطَبِ أَنَّ الرُّطَبَ مَرْجُوُّ الْوُصُولِ فِي الْعَامِ الثَّانِي غَالِبًا فَكَانَ لَهُ مَظِنَّةٌ يَغْلِبُ ظَنُّ وُجُودِهِ عِنْدَهَا، بِخِلَافِ الْكَسَادِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَظِنَّةٌ مُحَقَّقَةُ الْوُجُودِ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ يُرْجَى فِيهَا بَلْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي غَالِبِيَّةِ الْغِشِّ الْكَسَادُ وَعَدَمُ الثَّمَنِيَّةِ، وَالشَّيْءُ إذَا رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ قَلَّمَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُحِيطِ: دَلَّالٌ بَاعَ مَتَاعَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وَاسْتَوْفَاهَا فَكَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ لَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ لِأَنَّ حَقَّ الْقَبْضِ لَهُ.

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ) لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ (فَإِنْ كَانَتْ نَافِقَةً جَازَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ) بَلْ لَوْ عُيِّنَتْ لَا تَتَعَيَّنُ وَلِلْعَاقِدِ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَ مَا عَيَّنَ (لِأَنَّهَا) حِينَئِذٍ (أَثْمَانٌ) كَالدَّرَاهِمِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَجُوزُ، وَلَوْ اُسْتُبْدِلَ بِهَا جَازَ، وَلَوْ بَاعَ فَلْسًا بِفَلْسَيْنِ يَجُوزُ عَلَى مَا سَلَفَ فِي بَابِ الرِّبَا؛ وَلَوْ بَاعَ فَلْسًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفُلُوسَ الرَّائِجَةَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ وَضْعًا لِاصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَى سُقُوطِ قِيمَةِ الْجَوْدَةِ فَيَكُونُ رِبًا، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً فَهِيَ مَبِيعَةٌ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ (وَإِذَا بَاعَ الْفُلُوسَ النَّافِقَةَ ثُمَّ كَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَهُوَ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ) أَيْ فِي الدَّرَاهِمِ الْغَالِبَةِ الْغِشِّ يَبْطُلُ الْبَيْعُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا، ثُمَّ تَجِبُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ الْخِلَافَ.
وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَسْرَارِ الْبُطْلَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ سِوَى خِلَافِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. اسْتَدَلَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ انْقِطَاعِ الرُّطَبِ الْمُشْتَرَى بِهِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَتَخْمِيرِ الْعَصِيرِ الْمُشْتَرَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْطُلُ
(7/156)

(وَلَوْ اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا نَافِقَةً فَكَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا) لِأَنَّهُ إعَارَةٌ، وَمُوجِبُهُ رَدُّ الْعَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَقْدُ فِيهَا، وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الرُّطَبِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَمَالِيَّتُهُ لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِبَاقِ بَلْ هُوَ مَالٌ بَاقٍ حَيْثُ هُوَ، وَإِنَّمَا عَرَضَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسَلُّمِ وَكَذَا بِالتَّخَمُّرِ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِ الْمَالِكِ بَلْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْكَسَادِ لِهَلَاكِ الثَّمَنِ بِهِ، إلَّا أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَسَادِ الْمَغْشُوشَةِ وَكَسَادِ الْفُلُوسِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ ثَمَنٌ بِالِاصْطِلَاحِ، فَإِنَّ غَالِبَةَ الْغِشِّ الْحُكْمُ فِيهَا لِلْغَالِبِ وَهُوَ النُّحَاسُ مَثَلًا، فَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْفُلُوسِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ اشْتَرَى مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ وَقَبَضَ الْفُلُوسَ أَوْ الدِّرْهَمَ ثُمَّ افْتَرَقَا جَازَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ كَسَدَتْ الْفُلُوسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْفَلْسُ هُوَ الْمَقْبُوضُ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ كَسَادَهَا كَهَلَاكِهَا. وَهَلَاكُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ، وَإِنْ كَانَ الْفَلْسُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ بَطَلَ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ كَسَادَ الْفُلُوسِ كَهَلَاكِهَا، وَهَلَاكُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبْطُلَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّمَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إبْطَالَهُ فَسْخًا لِأَنَّ كَسَادَهَا كَعَيْبٍ فِيهَا وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ إذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ الْقَبْضِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ الْخِيَارُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَلَوْ نَقَدَ الدِّرْهَمَ وَقَبَضَ نِصْفَ الْفُلُوسِ ثُمَّ كَسَدَتْ الْفُلُوسُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ النِّصْفَ الْآخَرَ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهَا، وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ نِصْفَ الدِّرْهَمِ وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى فَاكِهَةً أَوْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ بِفُلُوسٍ ثُمَّ كَسَدَتْ وَقَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ الْقِيمَةَ أَوْ مِثْلَهُ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِي هَذَا: إنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْفُلُوسِ وَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ الْفُلُوسَ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ أَوْجَبْنَا رَدَّ قِيمَةِ الْفُلُوسِ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا وَهَاهُنَا لَا يَتَمَكَّنُ. وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا إذَا لَمْ تَكْسُدْ الْفُلُوسُ غَيْرَ أَنَّ قِيمَتَهَا غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الْعَدَدَ الَّذِي عَيَّنَهُ مِنْهَا.

(قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا فَكَسَدَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَرُدُّ مِثْلَهَا) عَدَدًا اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا اسْتَقْرَضَ دَرَاهِمَ غَالِبَةَ الْغِشِّ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَلَسْت أَرْوِي ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْفُلُوسِ إذَا أَقْرَضَهَا ثُمَّ كَسَدَتْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ يَوْمَ الْقَرْضِ فِي الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي آخِرِ وَقْتِ إنْفَاقِهَا. وَجْهُ قَوْلِهِ. (أَنَّهُ) أَيْ الْقَرْضَ (إعَارَةٌ وَمُوجِبُهُ) أَيْ مُوجِبُ عَقْدِ الْإِعَارَةِ (رَدُّ الْعَيْنِ) إذْ لَوْ كَانَ اسْتِبْدَالًا حَقِيقَةً مُوجِبًا لِرَدِّ الْمِثْلِ اسْتَلْزَمَ الرِّبَا لِلنَّسِيئَةِ فَكَانَ
(7/157)

مَعْنًى وَالثَّمَنِيَّةِ فَضْلٌ فِيهِ إذْ الْقَرْضُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ قِيمَتُهَا لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ وَصْفُ الثَّمَنِيَّةِ تَعَذَّرَ رَدُّهَا كَمَا قُبِضَ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهَا، كَمَا إذَا اسْتَقْرَضَ مِثْلِيًّا فَانْقَطَعَ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ الْقَبْضِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ الْكَسَادِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ غَصَبَ مِثْلِيًّا فَانْقَطَعَ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْظَرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُوجِبًا رَدَّ الْعَيْنِ إلَّا أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْعَقْدُ لَمَّا كَانَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِالِاسْتِهْلَاكِ لَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ لَزِمَ تَضَمُّنُهُ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ؛ فَبِالضَّرُورَةِ اكْتَفَى بِرَدِّ الْعَيْنِ مَعْنًى وَذَلِكَ بِرَدِّ الْمِثْلِ، وَلِذَا يُجْبَرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى قَبُولِ الْمِثْلِ إذَا أَتَى بِهِ الْغَاصِبُ فِي غَصْبِ الْمِثْلِيِّ بِلَا انْقِطَاعٍ مَعَ أَنَّ مُوجِبَ الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالْكَاسِدِ (وَالثَّمَنِيَّةُ فَضْلٌ فِي الْقَرْضِ) غَيْرُ لَازِمٍ فِيهِ وَلِذَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهَا بَعْدَ الْكَسَادِ، وَكَذَا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُ كُلِّ مِثْلِيٍّ وَعَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ وَلَا ثَمَنِيَّةَ (وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ وَصْفُ الثَّمَنِيَّةِ تَعَذَّرَ رَدُّهَا كَمَا قَبَضَهَا فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهَا) وَهَذَا لِأَنَّ الْقَرْضَ وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ وَصْفَ الثَّمَنِيَّةِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ اعْتِبَارِهَا إذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ قَرْضًا مَوْصُوفًا بِهَا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِهَا، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الْمُشَارِ إلَيْهَا وَصْفُهَا لَغْوٌ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِذَوَاتِهَا وَتَأْخِيرُ دَلِيلِهِمَا بِحَسَبِ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِهِ قَوْلَهُمَا (ثُمَّ أَصْلُ الِاخْتِلَافِ) فِي وَقْتِ الضَّمَانِ اخْتِلَافُهُمَا (فِيمَنْ غَصَبَ مِثْلِيًّا فَانْقَطَعَ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْقَضَاءِ) وَقَوْلُهُمَا أَنْظَرُ لِلْمُقْرِضِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ فِي رَدِّ الْمِثْلِ إضْرَارًا بِهِ.
ثُمَّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَنْظَرُ لَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ (فَكَانَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنْظَرَ) لِلْمُسْتَقْرِضِ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرَ) لِأَنَّ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ مَعْلُومَةٌ ظَاهِرَةٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا بِخِلَافِ ضَبْطِ وَقْتِ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّهُ عُسْرٌ فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ فِي ذَلِكَ.
(7/158)

لِلْجَانِبَيْنِ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ.

قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ جَازَ وَعَلَيْهِ مَا يُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ مِنْ الْفُلُوسِ) وَكَذَا إذَا قَالَ بِدَانِقِ فُلُوسٍ أَوْ بِقِيرَاطِ فُلُوسٍ جَازَ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِالْفُلُوسِ وَأَنَّهَا تُقَدَّرُ بِالْعَدَدِ لَا بِالدَّانِقِ وَالدِّرْهَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: مَا يُبَاعُ بِالدَّانِقِ وَنِصْفُ الدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فَأَغْنَى عَنْ بَيَانِ الْعَدَدِ. وَلَوْ قَالَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْ فُلُوسٍ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ مَا يُبَاعُ بِالدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْمُرَادُ لَا وَزْنُ الدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالدِّرْهَمِ وَيَجُوزُ فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ، لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ الْمُبَايَعَةَ بِالْفُلُوسِ فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ فَصَارَ مَعْلُومًا بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الدِّرْهَمُ قَالُوا: وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَصَحُّ لَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ) فَاكِهَةً أَوْ غَيْرَهَا بِأَنْ قَالَ مَثَلًا لِبَائِعِ سِلْعَةٍ اشْتَرَيْتهَا مِنْك بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ فَقَالَ بِعْتُك (انْعَقَدَ مُوجِبًا لِدَفْعِ مَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمِ فِضَّةٍ، وَكَذَا إذَا قَالَ بِدَانِقٍ مِنْ الْفُلُوسِ) وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ (أَوْ بِقِيرَاطٍ) وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ (وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِالْفُلُوسِ وَهِيَ تُقَدَّرُ بِالْعَدِّ لَا بِالدَّانِقِ وَالدِّرْهَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِهَا) وَإِلَّا فَالثَّمَنُ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الدَّانِقِ وَالدِّرْهَمِ ثُمَّ شَرَطَ إيفَاءَهُ مِنْ الْفُلُوسِ وَهُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ.
فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ فُلُوسًا وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ بِالدَّانِقِ فُلُوسًا، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَا يُبَاعُ بِالدَّانِقِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفُلُوسِ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ نِصْفَ الدِّرْهَمِ ثُمَّ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ فُلُوسٌ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُبَاعُ بِهِ مِنْ الْفُلُوسِ وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْعَدِّ بِخُصُوصِهِ، وَإِذَا صَارَ كِنَايَةً عَمَّا يُبَاعُ بِنِصْفٍ وَرُبُعِ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْ جَهَالَةُ الثَّمَنِ وَلَا صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ حِينَئِذٍ مِنْ الِابْتِدَاءِ مَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ (وَلَوْ قَالَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ، لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ فِي الْعَادَةِ فِي الْفُلُوسِ فِيمَا دُونَ الدِّرْهَمِ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الدِّرْهَمُ. قَالُوا: وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَصَحُّ وَلَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا) أَيْ الْمُدُنِ الَّتِي وَرَاءَ النَّهْرِ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الْفُلُوسَ بِالدَّرَاهِمِ، وَلِأَنَّ الْمَدَارَ هُوَ الْعِلْمُ بِمَا يُبَاعُ بِالدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ مَعَ وُجُوبِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَالدَّرَاهِمِ فَضْلًا عَنْ الدِّرْهَمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَبْسُوطِ خِلَافَ مُحَمَّدٍ وَالْمَذْكُورُ مِنْ خِلَافِهِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سِيَّمَا بِغَيْرِ لَا وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ لَمْ يَثْبُتْ فِي كَلَامِ مَنْ يَحْتَجُّ بِكَلَامِهِ فِي اللُّغَةِ وَفِي بَعْضِهَا
(7/159)

قَالَ (وَمَنْ أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا وَقَالَ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً جَازَ الْبَيْعُ فِي الْفُلُوسِ وَبَطَلَ فِيمَا بَقِيَ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ بَيْعَ نِصْفِ دِرْهَمٍ بِالْفُلُوسِ جَائِزٌ وَبَيْعُ النِّصْفِ بِنِصْفٍ إلَّا حَبَّةً رِبًا فَلَا يَجُوزُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَطَلَ فِي الْكُلِّ) لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَّحِدَةٌ وَالْفَسَادُ قَوِيٌّ فَيَشِيعُ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ، وَلَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الْإِعْطَاءِ كَانَ جَوَابُهُ كَجَوَابِهِمَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُمَا بَيْعَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى الصَّوَابِ.

(قَوْلُهُ وَمَنْ أَعْطَى صَيْرَفِيًّا دِرْهَمًا فَقَالَ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ) أَوْ رُبُعِهِ أَوْ قِيرَاطًا مِنْهُ (فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً) وَعَلَى وِزَانِهِ أَنْ يَقُولَ وَبِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً وَقِسْ الْبَاقِيَ (جَازَ الْبَيْعُ فِي الْفُلُوسِ وَبَطَلَ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ النِّصْفِ الْآخَرِ أَوْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ وَبَاقِي الصُّوَرِ (لِأَنَّ بَيْعَ نِصْفِ الدِّرْهَمِ بِالْفُلُوسِ جَائِزٌ وَبَيْعَ نِصْفِ دِرْهَمٍ بِنِصْفِ) دِرْهَمٍ (إلَّا حَبَّةً رِبًا فَلَا يَجُوزُ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَطَلَ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَّحِدَةٌ وَالْفَسَادُ قَوِيٌّ) مُقَارِنٌ لِلْعَقْدِ (فَيَشِيعُ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ) يَعْنِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ إذَا لَمْ يُفَصَّلْ الثَّمَنُ يَشِيعُ الْفَسَادُ اتِّفَاقًا، وَإِذَا فُصِّلَ لَا يَشِيعُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَشِيعُ (فَلَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الْإِعْطَاءِ) بِأَنْ قَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً (كَانَ جَوَابُهُ كَجَوَابِهِمَا) فِي أَنَّ الْفَسَادَ يَخُصُّ النِّصْفَ الْآخَرِ (لِأَنَّهُمَا بَيْعَانِ) لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمُظَفَّرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَرَّرَ لَفْظَ الْإِعْطَاءِ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الصَّفْقَةِ عِنْدَهُ بِتَعَدُّدِ الْبَيْعِ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَلَفْظُ أَعْطِنِي مُسَاوَمَةً، وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ بِعْنِي
(7/160)

(وَلَوْ قَالَ أَعْطِنِي نِصْفَ دِرْهَمٍ فُلُوسًا وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً جَازَ) لِأَنَّهُ قَابَلَ الدِّرْهَمَ بِمَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً فَيَكُونُ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً بِمِثْلِهِ وَمَا وَرَاءَهُ بِإِزَاءِ الْفُلُوسِ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِكَذَا لَيْسَ إيجَابًا، حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْت لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الْأَوَّلُ قَبِلْت فَأَعْطِنِي وَلَيْسَ مِنْ مَادَّةِ الْبَيْعِ أَوْلَى، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّدْ الْبَيْعُ فَيَشِيعُ الْفَسَادُ عَلَى قَوْلِهِ كَالصُّورَةِ الْأُولَى.
وَجْهُ الْمُخْتَارِ أَنَّ ذَلِكَ صَارَ مَعْلُومَ الْمُرَادِ أَنَّهُ إيجَابٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ تُعُورِفَ فِي مِثْلِهِ صَحَّ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ، أَوْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا دُفِعَ إلَيْهِ الْمُخَاطَبُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ بَيْعًا فِي النِّصْفَيْنِ بِالْمُعَاطَاةِ فِيهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَوْ قَالَ) حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الدِّرْهَمَ الْكَبِيرَ (أَعْطِنِي نِصْفَ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً) (جَازَ) فِيهِمَا (لِأَنَّهُ قَابَلَ الدِّرْهَمَ بِمَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً فَ) يَتَحَرَّى لِلْجَوَازِ بِأَنْ (يَكُونَ نِصْفُ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً بِمِثْلِهِ وَمَا وَرَاءَهُ بِإِزَاءِ الْفُلُوسِ) نَعَمْ قَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ نِصْفُ دِرْهَمِ فُلُوسٍ مَعْنَاهُ مَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِهِ كَانَ الْحَاصِلُ أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ مَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً، وَمَا يُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ مَعْلُومٌ أَنَّهُ يَخُصُّ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ فَصَارَ كَالْأَوَّلِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفَ دِرْهَمِ فُلُوسٍ وَبِنِصْفِهِ نِصْفَ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً.
وَجَوَابُهُ أَنَّ مُوجِبَ التَّحَرِّي لِلتَّصْحِيحِ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً، وَمَا يُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَحَبَّةٍ وَمَا يُبَاعُ مِنْ الْفُلُوسِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً بِمِثْلِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ (ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْأُولَى، وَلِذَا قَالَ شَارِحُهُ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ النَّاسِخِ، وَيَجُوزُ فِي فُلُوسٍ الْجَرُّ صِفَةً لِدِرْهَمٍ وَالنَّصْبُ صِفَةً لِلنِّصْفِ.

[فُرُوعٌ]
تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي ضِمْنِ التَّعْلِيلِ فَرُبَّمَا يُغْفَلُ عَنْهَا. تَصَارَفَا جِنْسًا بِجِنْسٍ مُتَسَاوِيًا فَزَادَ أَحَدُهُمَا أَوْ حَطَّ شَيْئًا وَقَبِلَ الْآخَرُ الْتَحَقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَبَطَلَ الْعَقْدُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَلْتَحِقُ فِيهِمَا وَلَا يَبْطُلُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ الْحَطُّ فَقَطْ وَيُجْعَلُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً. وَلَوْ تَصَارَفَا بِغَيْرِ الْجِنْسِ فَزَادَ أَوْ حَطَّ جَازَ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ غَيْرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ يَجِبُ قَبْضُهَا فِي مَجْلِسِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ ثَمَنُ الصَّرْفِ، وَعِنْدَ مَنْ لَا يَلْحَقُ الزِّيَادَةَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَلَوْ افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضِهَا بَطَلَ حِصَّتُهَا مِنْ الْبَدَلِ الْآخَرِ كَأَنَّهُ بَاعَ الْكُلَّ ثُمَّ فَسَدَ فِي الْبَعْضِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ، وَالْحَطُّ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَرُدُّ الَّذِي حَطَّ مَا حَطَّ، وَإِنْ كَانَ الْحَطُّ قِيرَاطَ ذَهَبٍ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الدِّينَارِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرًا وَكُلُّ مَالٍ رِبَوِيٍّ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً وَلَا مُوَاضَعَةً إذَا اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ وَيَجُوزُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى مَصُوغًا مِنْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ أَوْ مِنْ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَتَقَابَضَا فَوَجَدَهُ الْمُشْتَرِي مَعِيبًا لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَإِنْ رَدَّهُ بِقَضَاءٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ مِنْ الْبَائِعِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ
(7/161)

(كِتَابُ الْكَفَالَةِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَبِغَيْرِ قَضَاءٍ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، فَإِنْ قَبَضَ صَحَّ الرَّدُّ وَإِلَّا بَطَلَ وَعَادَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي حَقِّ الشَّرْعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِأَنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ حَدَثَ عَيْبٌ آخَرُ رَجَعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا لِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ فِضَّةً لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا، فَإِنْ قَبِلَهُ الْبَائِعُ بِعَيْبِهِ لَهُ ذَلِكَ وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدُ. وَلَوْ اشْتَرَى دِينَارًا بِدِرْهَمٍ وَلَا دِينَارَ لِهَذَا وَلَا دِرْهَمَ لِلْآخَرِ ثُمَّ اقْتَرَضَا وَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ، وَفِي الْمَكِيلِ لَا يَجُوزُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اشْتَرَى فُلُوسًا بِدَرَاهِمَ وَلَا فُلُوسَ وَلَا دَرَاهِمَ لَهُمَا ثُمَّ نَقَدَ أَحَدُهُمَا وَتَفَرَّقَا جَازَ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْفُلُوسِ دِينَارٌ لَمْ يَجُزْ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي تَقْسِيمِ الطَّحَاوِيِّ. اشْتَرَى سَيْفًا حِلْيَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فِضَّةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ حِلْيَتَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَإِنْ شَاءَ زَادَ فِي الثَّمَنِ مِائَةً أُخْرَى وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَالْمِائَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بَلْ يَزِيدُ شَيْئًا لِيَتَمَحَّضَ الْمِائَتَانِ لِلْحِلْيَةِ، وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ التَّقَابُضِ وَالتَّفَرُّقِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي إبْرِيقِ فِضَّةٍ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي نِصْفِ الْإِبْرِيقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْكَفَالَةِ]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابُ الْكَفَالَةِ) أَوْرَدَ الْكَفَالَةَ عَقِيبَ الْبُيُوعِ لِأَنَّهَا غَالِبًا يَكُونُ تَحَقُّقُهَا فِي الْوُجُودِ عَقِيبَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَطْمَئِنُّ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ بِالثَّمَنِ، أَوْ لَا يَطْمَئِنُّ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ فِي السَّلَمِ، فَلَمَّا كَانَ تَحَقُّقُهَا فِي الْوُجُودِ غَالِبًا بَعْدَهَا أَوْرَدَهَا فِي التَّعْلِيمِ بَعْدَهَا، وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ خَاصَّةٌ بِالصَّرْفِ وَهِيَ أَنَّهَا تَصِيرُ بِالْآخِرَةِ مُعَاوَضَةً عَمَّا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْأَثْمَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، ثُمَّ لَزِمَ تَقْدِيمُ الصَّرْفِ لِأَنَّهُ مِنْ أَبْوَابِ الْبَيْعِ السَّابِقِ عَلَى الْكَفَالَةِ فَلَزِمَتْ الْكَفَالَةُ بَعْدَهُ.
وَمَحَاسِنُ الْكَفَالَةِ جَلِيلَةٌ وَهِيَ: تَفْرِيجُ كَرْبِ الطَّالِبِ الْخَائِفِ عَلَى مَالِهِ، وَالْمَطْلُوبِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ كُفِيَا مُؤْنَةَ مَا أَهَمَّهُمَا وَقَرَّ جَأْشُهُمَا وَذَلِكَ نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْعَالِيَةِ حَتَّى امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا حَيْثُ قَالَ {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ يَتَضَمَّنُ الِامْتِنَانَ عَلَى مَرْيَمَ، إذْ جَعَلَ لَهَا مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهَا وَيَقُومُ بِهَا بِأَنْ أَتَاحَ لَهَا ذَلِكَ، وَسَمَّى نَبِيًّا بِذِي الْكِفْلِ لَمَّا كَفَلَ جَمَاعَةً مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِمَلِكٍ أَرَادَ قَتْلَهُمْ. وَسَبَبُ وُجُودِهَا تَضْيِيقُ الطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ قَصْدِ الْخَارِجِ رَفْعَهُ عَنْهُ إمَّا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إزَالَةً لِلْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِمَّنْ يَهُمُّهُ مَا أَهَمَّهُ. وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا دَفْعُ هَذِهِ الْحَاجَةِ
(7/162)

الْكَفَالَةُ: هِيَ الضَّمُّ لُغَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] ثُمَّ قِيلَ: هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَقِيلَ فِي الدَّيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالضَّرَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَدَلِيلُ وُقُوعِ شَرْعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْإِجْمَاعُ.
وَشَرْطُهَا فِي الْكَفِيلِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، فَلَا كَفَالَةَ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ مَحْجُورٍ وَلَا مُكَاتَبٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا؛ فَلَا كَفَالَةَ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَيْنًا صَحِيحًا إذْ لَا يَلْزَمُ دَيْنٌ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ وَلُزُومُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِيَصِلَ الْعَبْدُ إلَى الْعِتْقِ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، وَأَمَّا مَفْهُومُهَا (الْكَفَالَةُ) لُغَةً فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الضَّمُّ سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَلِّقُهُ عَيْنًا أَوْ مَعْنًى. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: تَرْكِيبُهُ دَالٌّ عَلَى الضَّمِّ وَالتَّضْمِينِ، وَمِنْهُ كِفْلُ الْبَعِيرِ كِسَاءٌ يُدَارُ حَوْلَ سَنَامِهِ كَالْحَوِيَّةِ يُرْكَبُ عَلَيْهِ، وَكِفْلُ الشَّيْطَانِ مَرْكَبُهُ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ (ثُمَّ قِيلَ: هِيَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَقِيلَ فِي الدَّيْنِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)
فَلَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ؛ فَيَثْبُتُ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْأَصِيلِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الْمَبْسُوطِ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمَا يُخَالُ مِنْ لُزُومِ صَيْرُورَةِ الْأَلْفِ الدَّيْنِ الْوَاحِدِ أَلْفَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ مَا يُوجِبُ زِيَادَةَ حَقِّ الطَّالِبِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ وَإِنْ ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَالِاسْتِيفَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ. فَإِنَّ كُلًّا ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ وَلَيْسَ حَقُّ الْمَالِكِ إلَّا فِي قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَاخْتِيَارُهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْآخَرِ، فَكَذَا هُنَا يُرِيدُ بِاخْتِيَارِهِ التَّضْمِينَ الْقَبْضَ مِنْهُ لَا مُجَرَّدَ حَقِيقَةِ اخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا وَبِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِلْكَفِيلِ صَحَّ وَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ مَعَ أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا تَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ شَيْئًا يَصِحُّ مَعَ أَنَّ الشِّرَاءَ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَصِحُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ اعْتِبَارٌ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي ذِمَّتَيْنِ، إنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي عَيْنٍ ثَبَتَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فِي ظَرْفَيْنِ حَقِيقِيَّيْنِ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي مُجَرَّدِ الْمُطَالَبَةِ لَا الدَّيْنِ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي الذِّمَّتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ شَرْعًا لَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ إلَّا بِمُوجِبٍ وَلَا مُوجِبَ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ يَحْصُلُ بِالْمُطَالَبَةِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ اعْتِبَارِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ يُطَالَبُ بِالثَّمَنِ وَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَسْلِيمِ الْهِبَةِ وَالدَّيْنِ فَإِنَّا جَعَلْنَاهُ فِي حُكْمِ الدَّيْنَيْنِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ بِالْفِعْلِ وَقَبْلَهُ لَا ضَرُورَةَ فَلَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّيْنَ فِعْلٌ يَقْتَضِي أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ
(7/163)

قَالَ (الْكَفَالَةُ ضَرْبَانِ: كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ. فَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ وَالْمَضْمُونُ بِهَا إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْأَصِيلِ إذْ فِعْلُ الْأَدَاءِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ الْوَجْهُ أَنْ تُطْلَقَ الْمُطَالَبَةُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ كَمَا تَكُونُ بِالدُّيُونِ تَكُونُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا وَهُوَ مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ هَلَكَ ضَمِنَ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَبِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا. وَالْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا وَيَجِبُ تَسْلِيمُهَا، وَإِذَا هَلَكَتْ يَجِبُ تَسَلُّمُ قِيمَتِهَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ، وَالْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِغَيْرِهَا وَهِيَ الْأَعْيَانُ الْوَاجِبَةُ التَّسْلِيمِ قَائِمَةٌ، وَعِنْدَ هَلَاكِهَا لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ مِثْلِهَا وَلَا قِيمَتِهَا وَهُوَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُضْمَنُ بِالثَّمَنِ وَكَالرَّهْنِ يُضْمَنُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ هَلَكَتْ لَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ قِيمَتُهَا. وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْوَاجِبَةُ التَّسْلِيمِ وَهِيَ أَمَانَةٌ كَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجَرِ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا وَمَتَى هَلَكَتْ لَا تَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ قِيمَتُهَا، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الْغَيْرِ الْوَاجِبَةِ التَّسْلِيمِ كَالْوَدِيعَةِ وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا أَصْلًا.

وَأَمَّا رُكْنُهَا فَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالْأَلْفَاظِ الْآتِيَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَخِيرِ الْقَبُولَ رُكْنًا فَجَعَلَ الْكَفَالَةَ تَتِمُّ بِالْكَفِيلِ وَحْدَهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ فَقِيلَ: إنَّ الْكَفَالَةَ تَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ وَحْدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الطَّالِبِ أَوْ تَصِحُّ نَافِذًا وَلِلطَّالِبِ حَقُّ الرَّدِّ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ مَنْ يَقُولُ بِالتَّوَقُّفِ يَقُولُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْكَفِيلُ.

وَأَمَّا حُكْمُهَا فَثُبُوتُ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لِلْكَفِيلِ مَتَى شَاءَ سَوَاءٌ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْأَصِيلِ أَوْ لَا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُطَالِبُهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ: يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَلَا يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْأَصِيلِ أَصْلًا كَمَا فِي الْحَوَالَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْمَنْظُومَةِ مِنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ خِلَافُ مَا فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ أَصْحَابِهِ. احْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَضَرَ جِنَازَةً فَقَالَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ دِرْهَمَانِ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ، فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا وَفَكَّ رِهَانَك كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً؟ فَقَالَ لِلنَّاسِ كَافَّةً» فَدَلَّ أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِيءٌ مِنْ الضَّمَانِ، وَلِلْعَامَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» وَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ «الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ» وَصَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ صَارَ وَفَاءً، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَدْيُونٍ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً، وَقَوْلُهُ " فَكَّ اللَّهُ رِهَانَك " لِأَنَّهُ كَانَ بِحَالٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا ضَمِنَ عَنْهُ فَكَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْجَوَابُ بَعْدُ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَتِمُّ بِصَلَاتِهِ عَقِيبَ ضَمَانِ عَلِيٍّ إذْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ تَمَّ بِذَلِكَ

(قَوْلُهُ قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ (الْكَفَالَةُ ضَرْبَانِ: كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ) وَيَدْخُلُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ الْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي ذَكَرَاهَا (وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ وَالْمَضْمُونُ بِهَا إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ)
(7/164)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ بِهِ، بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى مَالِ نَفْسِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَهَذَا يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِنَوْعَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِطَرِيقِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ مَكَانَهُ فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ يَسْتَعِينَ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَيْهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحَقُّقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فِي الْمُطَالَبَةِ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ لَا تَجُوزُ وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الْأَظْهَرِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ كَقَوْلِنَا. وَاسْتَدَلَّ لِقَوْلِهِ الْمُضَعَّفِ (بِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ بِهِ) فَكَانَ كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا يَنْقَادُ لَهُ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ خُصُوصًا إذَا كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَكَذَا بِأَمْرِهِ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِكَفَالَتِهِ لَا يُثْبِتُ لَهُ وِلَايَةً عَلَيْهِ وَصَارَ كَالْكَفَالَةِ بِبَدَنِ الشَّاهِدَيْنِ (وَ) اسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ (قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» ) بِاعْتِبَارِ عُمُومِهِ.
وَقَوْلُهُ (بِنَوْعَيْهِ) أَيْ نَوْعَيْ عَقْدِ الْكَفَالَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِالزَّعِيمِ فِي الْمَالِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ غَارِمٌ، وَالْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْمَالِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْغُرْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَالِ بَلْ الْغُرْمُ أَدَاءُ مَا يَلْزَمُهُ مِمَّا يَضُرُّهُ، وَالْغَرَامُ اللَّازِمُ ذَكَرَهُ فِي الْمُجْمَلِ، وَالْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ يَلْزَمُهُ الْإِحْضَارُ، وَقَدْ تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَالَةِ الْمَالِ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ مَاسَّةٌ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ) وَحَاصِلُهُ إلْحَاقُهُ بِجَامِعِ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا إحْيَاءً لِلْحُقُوقِ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالشَّرَائِطِ، وَمَا طَرَأَ مِنْ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ بِانْتِفَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَنْقَادُ إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِلَا أَمْرِهِ يُمْكِنُهُ إحْضَارُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَعْوَانِ الْحَاكِمِ. وَأَبْطَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْكَفَالَةِ فَلَا يَصِحُّ دَلِيلًا. وَلَا يَخْفَى أَنْ لَيْسَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُدْرَةِ الْمَنْفِيَّةِ الْقُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِيَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْكَفَالَةِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ بِقَلِيلٍ تَأَمَّلْ: وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَلَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ» وَكَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - خُصُومَةٌ فَكَفَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنَفْسِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاعْتُرِضَ بِالْمُنَاقَضَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ فِيهِمَا لَا تَصِحُّ وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ وَاجِبًا كَتَسْلِيمِهَا لِلْجَوَابِ. وَالْجَوَابُ مَنَعَ عَدَمَ صِحَّتِهَا مُطْلَقًا بَلْ الْمَنْصُوصُ فِي الْأَصْلِ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مِنْ وَجْهٍ فِي بَعْضِهَا وَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي بَعْضِهَا.
وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ فَعَدَمُ صِحَّةِ
(7/165)

قَالَ (وَتَنْعَقِدُ إذَا قَالَ تَكَفَّلْت بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ وَكَذَا بِبَدَنِهِ وَبِوَجْهِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْبَدَنِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ عُرْفًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، كَذَا إذَا قَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْكَفَالَةِ لِلُزُومِ التَّنَافِي، فَإِنَّ الْحَدَّ يَحْتَالُ فِي دَرْئِهِ وَصِحَّةُ الْكَفَالَةِ لِلِاسْتِيثَاقِ وَالِاحْتِيَالِ لِاسْتِيفَائِهِ فَقَامَ الْمَانِعُ فِيهِمَا. وَأَمَّا الْجَبْرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ فِيهَا فَفِي الْحُدُودِ لَا يُجْبَرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْقِصَاصُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِنَفْسِ الشَّاهِدِ لِيُؤَدِّيَ فَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تُفِيدُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ عِنْدَ مُطَالَبَةِ الطَّالِبِ لَهُ بِالْأَدَاءِ إمَّا أَنْ يُجِيبَ وَيَحْضُرَ أَوْ لَا؛ فَفِي الْأَوَّلِ لَا حَاجَةَ إلَى الْكَفَالَةِ، وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُ فِسْقُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَوْ أَحْضَرَهُ الْكَفِيلُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ

(قَوْلُهُ وَتَنْعَقِدُ إذَا قَالَ تَكَفَّلْت إلَخْ) شُرُوعٌ فِي ذِكْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْكَفَالَةُ، وَهِيَ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ تَكَفَّلْتُ وَضَمِنْتُ وَزَعِيمٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ وَعَلَيَّ وَإِلَيَّ وَلَك عِنْدِي هَذَا الرَّحْلُ وَعَلَيَّ أَنْ أُوفِيَك بِهِ أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَلْقَاك بِهِ أَوْ دَعْهُ إلَيَّ، وَحَمِيلٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى كَفِيلٍ بِهِ، يُقَالُ حَمَلَ بِهِ حَمَالَةً بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ. وَرُوِيَ فِي الْفَائِقِ " الْحَمِيلُ ضَامِنٌ " وَأَمَّا الْقَبِيلُ فَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى الْكَفِيلِ، وَيُقَالُ قَبَلَ بِهِ قَبَالَةً بِفَتْحِهَا فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُوجِبُ لُزُومَ مُوجِبِ الْكَفَالَةِ إذَا أُضِيفَتْ إلَى جُمْلَةِ الْبَدَنِ أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ حَقِيقَةً فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَمَا لَا فَلَا عَلَى وِزَانِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا مَرَّ مِثْلُ كَفَلْتُ أَوْ أَنَا حَمِيلٌ أَوْ زَعِيمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ أَوْ رُوحِهِ أَوْ جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يُعَبَّرُ بِهَا حَقِيقَةً كَالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ وَالْبَدَنِ وَعُرْفًا وَلُغَةً وَمَجَازًا كَهُوَ رَأْسٌ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا إذَا كَفَلَ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْبَلْخِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْبَدَنَ. وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ فِي الْكَفَالَةِ وَالطَّلَاقِ إذْ الْعَيْنُ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ، يُقَالُ عَيْنُ الْقَوْمِ وَهُوَ عَيْنٌ فِي النَّاسِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي زَمَانِهِمْ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ وَيَتَأَتَّى فِي دَمِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ (وَكَذَا)
(7/166)

بِنِصْفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ تَكَفَّلْتُ بِيَدِ فُلَانٍ أَوْ بِرِجْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْبَدَنِ حَتَّى لَا تَصِحَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِمَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ تَصِحُّ (وَكَذَا إذَا قَالَ ضَمِنْته) لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُوجِبِهِ (أَوْ قَالَ) هُوَ (عَلَيَّ) لِأَنَّهُ صِيغَةُ الِالْتِزَامِ (أَوْ قَالَ إلَيَّ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَلَيَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ» ) (وَكَذَا إذَا قَالَ أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ بِهِ) لِأَنَّ الزَّعَامَةَ هِيَ الْكَفَالَةُ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ. وَالْقَبِيلُ هُوَ الْكَفِيلُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّكُّ قَبَالَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَعْرِفَةَ دُونَ الْمُطَالَبَةِ.

قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ تَسْلِيمَ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ إذَا طَالَبَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) وَفَاءً بِمَا الْتَزَمَهُ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحِقٍّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ مَا دَرَى لِمَاذَا يَدَّعِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذَا أَضَافَ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ كَكَفَلْتُ (بِنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ فَذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا) وَوَجْهُ ضَمِنْت (بِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ) بِمُوجِبِهِ (لِأَنَّ مُوجِبَ الْكَفَالَةِ لُزُومُ الضَّمَانِ فِي الْمَالِ) فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ (وَعَلَى صِيغَةِ الْتِزَامٍ وَإِلَيَّ فِي مَعْنَاهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَرَكَ كَلًّا) أَيْ يَتِيمًا (فَإِلَيَّ) لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ) اقْتَصَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا الْحَدِيثُ يُرِيدُ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ» وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد «وَأَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ» (بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ) لَا تَثْبُتُ بِهِ الْكَفَالَةُ (لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَعْرِفَةَ دُونَ الْمُطَالَبَةِ) وَكَذَا بِمَعْرِفَتِهِ وَكَذَا أَنَا ضَامِنٌ لَك عَلَى أَنْ أُوقِفَك عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَنْ أَدُلَّك عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَنْزِلِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لِتَعْرِيفِهِ أَوْ عَلَى تَعْرِيفِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. وَالْوَجْهُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَعَدٍّ إلَى اثْنَيْنِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَنْ يُعَرِّفَهُ الْغَرِيمَ، بِخِلَافِ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا مَعْرِفَةَ الْكَفِيلِ لِلْمَطْلُوبِ. وَعَنْ نُصَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبَا سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيَّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِيك لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ قَالَ هَذَا عَلَى مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ: هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَالظَّاهِرُ مَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَفِي خِزَانَةِ الْوَاقِعَاتِ وَبِهِ يُفْتِي: أَيْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ نَصَّ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَك بِمَعْرِفَةٍ فَلَأَنْ يَلْزَمَهُ، وَعَلَى هَذَا مُعَامَلَةُ النَّاسِ. وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: لَوْ قَالَ الدَّيْنُ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ أَنَا أَدْفَعُهُ إلَيْك أَوْ أُسَلِّمُهُ إلَيْك أَوْ أَقْبِضُهُ لَا يَكُونُ كَفَالَةً مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِزَامِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ مُتَفَرِّقَاتِ خَالِهِ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا قَالَهُ مُنَجَّزًا فَلَوْ مُعَلَّقًا يَكُونُ كَفَالَةً نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ يُؤَدِّ فَأَنَا أُؤَدِّي، نَظِيرُهُ فِي النَّذْرِ لَوْ قَالَ: أَنَا أَحُجُّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ

(قَوْلُهُ فَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ) أَيْ بِالنَّفْسِ (تَسْلِيمَ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ) أَوْ يَوْمٍ (لَزِمَهُ إحْضَارُهُ فِيهِ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ) وَهَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ عَنْ
(7/167)

وَلَوْ غَابَ الْمَكْفُولُ بِنَفْسِهِ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ يَحْبِسُهُ لِتَحَقُّقِ امْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ الْحَقِّ. قَالَ (وَكَذَا إذَا ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَاَلَّذِي أُعْسِرَ، وَلَوْ سَلَّمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَرِئَ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إسْقَاطَهُ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ.
قَالَ (وَإِذَا أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ فِي مَكَان يَقْدِرُ الْمَكْفُولُ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إحْضَارُهُ فِيهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَا يَحْبِسُهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي حَبْسِهِ، كَمَا إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُلُ، فَإِنْ غَابَ وَعَلِمَ مَكَانَهُ لَا يُطَالِبُ الْكَفِيلَ لِلْحَالِ وَيُؤَجِّلُ إلَى مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ الْإِحْضَارُ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ ظَهَرَتْ مُمَاطَلَةُ الْكَفِيلِ فَيُحْبَسُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي تَعَذُّرُ الْإِحْضَارِ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَوْ بِشُهُودٍ بِذَلِكَ فَيُخْرَجُ مِنْ الْحَبْسِ وَيُنْظَرُ إلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ كَالْإِعْسَارِ بِالدَّيْنِ، وَإِذَا أُخْرِجَ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكْفُولِ لَهُ فَيُلَازِمُهُ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَشْغَالِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَكَانَهُ سَقَطَتْ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ؛ فَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ تَعْرِفُ مَكَانَهُ وَقَالَ الْكَفِيلُ لَا أَعْرِفُ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ خُرْجَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَخْرُجُ إلَيْهَا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِلتِّجَارَةِ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ وَيُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجَهْلُ وَمُنْكِرٌ لُزُومَ الْمُطَالَبَةِ.
وَقِيلَ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْكَفِيلِ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَظْهَرَ عَجْزُهُ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى مَا يُسْقِطُهَا، فَإِنْ أَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا يُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) يَعْنِي يُمْهِلُهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يُؤَاخَذُ الْكَفِيلُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ وَاللِّحَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتًا فَهُوَ حُكْمِيٌّ فِي مَالِهِ لِيُعْطِيَ الْأَقْرَبَ إلَيْهِ، أَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا، وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ. لِلشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ كَمَا هُوَ فِيمَا دُونَهَا، وَالثَّانِي يَسْقُطُ إلْحَاقًا بِالْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ (قَوْلُهُ إذَا أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فِي مَكَان يَقْدِرُ الْمَكْفُولُ لَهُ
(7/168)

أَنْ يُخَاصِمَهُ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مِصْرٍ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ التَّسْلِيمَ إلَّا مَرَّةً. قَالَ (وَإِذَا كَفَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِئَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا: لَا يَبْرَأُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَا عَلَى الْإِحْضَارِ فَكَانَ التَّقْيِيدُ مُفِيدًا (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ يَبْرَأْ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ فِيهَا فَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ، وَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ فِي سَوَادٍ لِعَدَمِ قَاضٍ يَفْصِلُ الْحُكْمَ فِيهِ، وَلَوْ سَلَّمَ فِي مِصْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْمِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ فِيهِ. وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْرَأُ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى أَنْ يُخَاصِمَهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مِصْرٍ) مِنْ الْأَمْصَارِ (بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ) سَوَاءٌ قَبِلَهُ الطَّالِبُ أَوْ لَا كَالْمَدْيُونِ إذَا جَاءَ بِالدَّيْنِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ الطَّالِبِ (وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ التَّسْلِيمَ) بِالْكَفَالَةِ (إلَّا مَرَّةً) وَقَدْ حَصَلَتْ. ثُمَّ الشَّرْطُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمِصْرُ وَهُوَ الْمِصْرُ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ مَسَائِلِ التَّسْلِيمِ، وَوَضْعُهَا هُنَا أَنْسَبُ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُثْبِتُ بِذَلِكَ قُدْرَةَ الْمُخَاصَمَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُمَا يَقُولَانِ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّكْفِيلِ بِنَفْسِهِ تَحْصِيلُهُ فِي وَقْتٍ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ وَهَذَا لَا يَكُونُ ظَاهِرًا إلَّا فِي مِصْرِهِ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ ظَاهِرٌ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَمْصَارِ، وَلَا يُفِيدُ التَّكْفِيلُ فَائِدَتَهُ الْمَقْصُودَةَ بِهِ، وَقَوْلُهُمَا أَوْجَهُ. وَفِي الْفَتَاوَى: الْقَاضِي إذَا أَخَذَ كَفِيلًا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْكَفِيلَ إذَا سَلَّمَهُ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى رَسُولِهِ بَرِيءَ، وَإِنْ سَلَّمَ إلَى الْمُدَّعِي لَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يُضِفْ الْكَفَالَةَ إلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ أَضَافَ بِأَنْ قَالَ أَكْفُلُ لِلْمُدَّعِي فَالْجَوَابُ عَلَى الْعَكْسِ، أَمَّا إنْ عَيَّنَ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَوْ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِيءَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَفَالَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَهُوَ قُدْرَةُ الْمُخَاصَمَةِ.
وَحِينَ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ رَأَى الْمَشَايِخُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ إلَى حَضْرَةِ الْقَاضِي بِمُعَاوَنَةِ النَّاسِ وَعُبَّارُ الطَّرِيقِ الْآنَ لَا يَقْدِرُونَ أَوْ لَا يَفْعَلُونَ إنْ قَدَرُوا فَكَانَ التَّقْيِيدُ مُفِيدًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ نَصًّا وَقَالَ: لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُعِينُونَهُ لِلْإِحْضَارِ. قِيلَ وَيَجِبُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَذَا. وَلَوْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ عِنْدَ الْأَمِيرُ فَسَلَّمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَدَفَعَهُ عِنْدَ الثَّانِي جَازَ، ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ (وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ سَوَادٍ لَا يَبْرَأُ) اتِّفَاقًا
(7/169)

وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ فِيهِ.

قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ، وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الْحُضُورُ عَنْ الْأَصِيلِ فَيَسْقُطُ الْإِحْضَارُ عَنْ الْكَفِيلِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الْوَاجِبِ بِخِلَافِ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ.
وَلَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِوَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُحَاكَمَةِ فِيهِ) وَفِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ مَحْبُوسٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ الْكَفِيلُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَى السِّجْنِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَفِي الْعُيُونِ: لَوْ ضَمِنَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَحُبِسَ الْمَطْلُوبُ فِي السِّجْنِ فَأَتَى بِهِ الَّذِي ضَمِنَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ فِي السِّجْنِ؛ وَلَوْ ضَمِنَهُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ يَبْرَأُ، وَلَوْ خُلِّيَ عَنْ الْحَبْسِ ثُمَّ حُبِسَ ثَانِيًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ، إنْ كَانَ الْحَبْسُ الثَّانِي مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا صَحَّ الدَّفْعُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّلْطَانِ لَا يَبْرَأُ.
وَلَوْ حَبَسَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ أَخَذَ الطَّالِبُ الْكَفِيلَ فَقَالَ: ادْفَعْهُ إلَيَّ فَدَفَعَهُ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ قَالَ مُحَمَّدٌ: بَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ وَهُوَ فِي حَبْسِهِ. وَمَفْهُومُ هَذَا الْقَيْدِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ.
وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ فِي السِّجْنِ دَفَعْت نَفْسِي إلَيْك عَنْ كَفَالَتِهِ كَانَ جَائِزًا أَيْضًا وَبَرِئَ الْكَفِيلُ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ: رَجُلٌ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْكَفِيلُ لَا يُحْبَسُ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ

(قَوْلُهُ وَإِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الْحُضُورُ عَنْ الْأَصِيلِ فَيَسْقُطُ الْإِحْضَارُ عَنْ الْكَفِيلِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ) يَعْنِي يَبْرَأُ (لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الْوَاجِبِ) الَّذِي هُوَ إحْضَارُ النَّفْسِ (بِخِلَافِ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ) إذَا مَاتَ فَإِنَّهُ يُطَالِبُ بِأَدَاءِ مَا كَفَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَصْلُحُ لِلْوَفَاءِ بِذَلِكَ فَيُطَالِبُ بِهِ الْوَصِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْوَارِثُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَيِّتِ وَتَرْجِعُ وَرَثَةُ الْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ: أَعْنِي الْمَكْفُولَ عَنْهُ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ كَمَا فِي الْحَيَاةِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَمَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ الْأَجَلِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ حَالًّا وَلَا تَرْجِعُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ بَاقٍ فِي حَقِّ الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ.
وَعَنْ زُفَرَ لَا يَحُلُّ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَى الْكَفِيلِ أَيْضًا. أَمَّا لَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ فَلَا تَسْقُطُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ كَمَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَالِ لِأَنَّ الْكَفِيلَ مَوْجُودٌ عَلَى
(7/170)

الْمَيِّتِ.

قَالَ (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسِ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ إذَا دَفَعْت إلَيْك فَأَنَا بَرِيءٌ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ بَرِيءٌ) لِأَنَّهُ مُوجِبُ التَّصَرُّفِ فَيَثْبُتُ بِدُونِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الطَّالِبِ التَّسْلِيمَ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَلَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ صَحَّ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ الدَّفْعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قُدْرَتِهِ، وَالْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي الْمُطَالَبَةِ فَيُطَالِبُهُ بِذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسِ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ إذَا دَفَعْته إلَيْك أَنَا بَرِيءٌ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ بَرِيءٌ لِأَنَّهُ) أَيْ دَفْعَ الْمَطْلُوبِ هُوَ (مُوجِبُ التَّصَرُّفِ) يَعْنِي الْكَفَالَةَ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهِ إلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ كَالْمِلْكِ مُوجِبُ الْبَيْعِ فَيَثْبُتُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مُوجِبَ الْكَفَالَةِ وُجُوبُ الدَّفْعِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ وَجَوَازُهُ عِنْدَ عَدَمِهَا وَالْبَرَاءَةُ مُوجِبُ الدَّفْعِ فَكَانَتْ حُكْمَ مُتَعَلِّقٍ مُوجِبِ الْكَفَالَةِ، فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَتْ وَقَدْ وُجِدَ، إذْ قَدْ فَرَضَ الدَّفْعَ فَتَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اشْتِرَاطِهَا.
وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ) يَعْنِي إذَا سَلَّمَ الْمَدْيُونُ الدَّيْنَ لِلدَّائِنِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْقَبْضِ بَرِيءَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ كَالْغَاصِبِ إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْمَالِكِ يَبْرَأُ مَعَ أَنَّهُ جَانٍ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَالْبَائِعُ إذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْكَفِيلَ تَسْلِيمُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مَا أُرِيدَتْ إلَّا لِلتَّوَثُّقِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ فَمَا لَمْ يَسْتَوْفِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ بِبَيَانِ أَنَّ عَقْدَ الْكَفَالَةِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ مَرَّةً لَا بِقَيْدِ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ) أَيْ مِنْ كَفَالَةِ الْكَفِيلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: سَلَّمْت نَفْسِي أَوْ دَفَعْت نَفْسِي إلَيْك مِنْ كَفَالَةِ فُلَانٍ (صَحَّ) عَنْ كَفَالَتِهِ فَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِذَلِكَ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَكْفُولَ (مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُطَالَبٌ بِالْحُضُورِ: يَعْنِي إذَا طَالَبَ الْكَفِيلَ فَكَانَ
(7/171)

وَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَكِيلُ الْكَفِيلِ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ.

قَالَ (فَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ إلَى وَقْتِ كَذَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ إ