Advertisement

فتح القدير للكمال ابن الهمام 008


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَكَالَةِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّهَادَاتِ بِأَنْوَاعِهَا وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الرُّجُوعِ عَنْهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ، إمَّا لِمُنَاسِبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْوَكَالَةِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إيصَالُ النَّفْعِ إلَى الْغَيْرِ بِالْإِعَانَةِ فِي حَقِّهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْلُح سَبَبًا لِاكْتِسَابِ الثَّوَابِ وَالصِّيَانَةِ عَنْ الْعِقَابِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ صَاحِب الْعِنَايَةِ عَقِبَ الشَّهَادَةِ بِالْوَكَالَةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ يَحْتَاج فِي مَعَاشِهِ إلَى تَعَاضُدٍ وَتَعَاوُضٍ، وَالشَّهَادَةُ مِنْ التَّعَاضُدِ وَالْوَكَالَةِ مِنْهُ؛ وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا التَّعَاوُضُ أَيْضًا فَصَارَتْ كَالْمُرَكَّبِ مِنْ الْمُفْرَدِ فَآثَرَ تَأْخِيرَهَا انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا التَّعَاوُضُ أَيْضًا كَمَا إذَا كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ مَثَلًا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَاوُضَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمِثَالِ إنَّمَا هُوَ فِي مُتَعَلَّقِ الْوَكَالَةِ، أَعْنِي الْمُوَكَّلَ بِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ أَوْ الشِّرَاءُ لَا نَفْسُ الْوَكَالَةِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا لَا فِي الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ التَّعَاوُضُ فِي مُتَعَلَّقِ الشَّهَادَةِ أَيْضًا كَمَا إذَا شَهِدَ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ مَثَلًا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْوَكَالَةِ التَّعَاوُضُ كَمَا إذَا أَخَذَ الْوَكِيلُ الْأُجْرَةَ لِإِقَامَةِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ شَرْعًا، إذْ الْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ إقَامَتُهَا فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا فَلَا يَجُوزُ فِيهَا التَّعَاوُضُ أَصْلًا. ثُمَّ إنَّ مَحَاسِنَ شَرْعِيَّةِ الْوَكَالَةِ ظَاهِرَةٌ، إذْ فِيهَا قَضَاءُ حَوَائِجِ الْمُحْتَاجِينَ إلَى مُبَاشَرَةِ أَفْعَالٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى هِمَمٍ شَتَّى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَقْوِيَاءَ وَضُعَفَاءَ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْضَى أَنْ يُبَاشِرَ الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ، وَلَا كُلُّ أَحَدٍ يَهْتَدِي إلَى الْمُعَامَلَاتِ، فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى شَرْعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، فَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاشَرَ بَعْضَ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ تَعْلِيمًا لِسُنَّةِ التَّوَاضُعِ، وَفَوَّضَ بَعْضَهَا إلَى غَيْرِهِ تَرْفِيهًا لِأَصْحَابِ الْمُرُوءَاتِ. ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا أُمُورًا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا تَفْسِيرًا لِلْوَكَالَةِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَدَلِيلُ جَوَازِهَا وَسَبَبِهَا وَرُكْنِهَا وَشَرْطِهَا وَصِفَتِهَا وَحُكْمِهَا.
أَمَّا تَفْسِيرُهَا لُغَةً: فَالْوَكَالَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلتَّوْكِيلِ، مِنْ وَكَّلَهُ بِكَذَا إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ. وَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَائِمُ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ، وَالْجَمْعُ الْوُكَلَاءُ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ الْأَمْرُ: أَيْ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. وَأَمَّا شَرْعًا: فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إقَامَةِ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ. وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِهَا فَالْكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} [الكهف: 19]
(8/3)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ تَوْكِيلًا وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِلَا نَكِيرٍ فَكَانَ شَرِيعَةً لَنَا.
وَالسُّنَّةُ وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَعُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ بِهِ أَيْضًا، وَوَكَّلَ عُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ بِالتَّزْوِيجِ» .
وَالْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِهَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَكَذَا الْمَعْقُولُ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
وَأَمَّا سَبَبُهَا فَتَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بِتَعَاطِيهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ.

وَأَمَّا رُكْنُهَا: فَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْوَكَالَةُ كَلَفْظِ وَكَّلْت وَأَشْبَاهِهِ. رَوَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ أَحْبَبْت أَنْ تَبِيعَ عَبْدِي هَذَا أَوْ هَوَيْت أَوْ رَضِيت أَوْ شِئْت أَوْ أَرَدْت فَذَاكَ تَوْكِيلٌ وَأَمْرٌ بِالْبَيْعِ.

وَأَمَّا شَرْطُهَا: فَأَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَسَتَعْرِفُهُ مَشْرُوحًا.

وَأَمَّا صِفَتُهَا: فَهِيَ أَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ الْعَزْلَ بِدُونِ رِضَا صَاحِبِهِ.

وَأَمَّا حُكْمُهَا: فَجَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مُخْتَصَرِهِ (كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ) هَذِهِ ضَابِطَةٌ يَتَبَيَّنُ بِهَا مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ لِأَحَدٍ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ عَقْدُ بَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا بِنَفْسِهِ. وَلَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِذَلِكَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ إبْطَالَ الْقَوَاعِدِ بِإِبْطَالِ الطَّرْدِ لَا الْعَكْسِ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ. وَالْعَجَبُ هَاهُنَا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ حَيْثُ أَجَابَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ الْعَكْسَ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: هَذِهِ ضَابِطَةٌ يَتَبَيَّنُ بِهَا مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ انْتَهَى، فَإِنَّ الْعَكْسَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا وَلَا مَقْصُودًا فِي الضَّوَابِطِ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ بِهَذِهِ الضَّابِطَةِ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ، وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى طَرْدِ هَذِهِ الضَّابِطَةِ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَكِيلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمَ بِبَيْعِهَا.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يَعْقِدُهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَبِدًّا بِهِ وَالْوَكِيلُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ مِنْ شُرُوطِهِ لِكَوْنِ الْمَحَالِّ شُرُوطًا عَلَى مَا عُرِفَ، وَذَاكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ الَّتِي اسْتَقْرَضَهَا الْوَكِيلُ مِلْكَ الْمُقْرِضِ وَالْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِلنَّقْضِ لَا دَافِعٌ. وَدُفِعَ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخَلُّفِ لِمَانِعٍ، وَقَيْدُ عَدَمِ الْمَانِعِ فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ، وَنُقِضَ بِالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَمَا ذَكَرْتُمْ مَوْجُودٌ فِيهِ. وَفُرِّقَ بِأَنَّ مَحَلَّ عَقْدِ الْوَكَالَةِ فِي الشِّرَاءِ هُوَ الثَّمَنُ وَهُوَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ، وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَقْرَضَةُ وَهِيَ لَيْسَتْ مِلْكَهُ.
وَقِيلَ: هَلَّا جَعَلْتُمْ الْمَحَلَّ فِيهِ بَدَلَهَا وَهُوَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ؟ وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّ التَّوْكِيلِ بِإِيفَاءِ الْقَرْضِ لَا بِالِاسْتِقْرَاضِ، هَذَا نِهَايَةُ مَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ كَذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِقْرَاضُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا بَاطِلًا بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ بِنَفْسِهِ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَهُوَ عِبَارَتُهُ دُونَ مِلْكِ غَيْرِهِ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَقْرَضَةُ. وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِقْرَاضِ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي عِبَارَةِ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ لِلْمُقْرِضِ مَثَلًا أَقْرِضْنِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الِاسْتِقْرَاضُ لِنَفْسِهِ لَا لِلْآمِرِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْعَشَرَةَ مِنْ الْآمِرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي عِبَارَةِ الْآمِرِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا: إنَّ فُلَانًا يَسْتَقْرِضُ مِنْك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَفَعَلَ الْمُقْرِضُ كَانَتْ الْعَشَرَةُ لِلْآمِرِ، وَلَكِنَّ الْمَأْمُورَ يَصِيرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رَسُولًا لَا وَكِيلًا، وَالْبَاطِلُ هُوَ الْوَكَالَةُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ دُونَ الرِّسَالَةِ فِيهِ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ، فَالرَّسُولُ مُعَبِّرٌ وَالْعِبَارَةُ مِلْكُ الْمُرْسِلِ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ فَيَصِحُّ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ.
وَأَمَّا الْوَكَالَةُ فَغَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ بَلْ الْعِبَارَةُ لِلْوَكِيلِ فَلَا يُمْكِنُنَا تَصْحِيحُ هَذَا الْأَمْرِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ. بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مَنْقُوضٌ بِجَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِيهَابِ وَالِاسْتِعَارَةِ؛ وَسَيَأْتِي تَمَامُ بَحْثِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأُجِيبَ عَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ كَمَا يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ يَمْلِكُ تَوْكِيلَ غَيْرِهِ بِبَيْعِهَا أَيْضًا، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا آخَرَ بِبَيْعِهَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ هَاهُنَا لِمَعْنًى فِي الْمُسْلِمِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاجْتِنَابِ عَنْهَا وَفِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِبَيْعِهَا اقْتِرَابُهَا فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا عَارِضًا فِي الْوَكِيلِ، وَالْعَوَارِضُ لَا تَقْدَحُ فِي الْقَوَاعِدِ، حَتَّى أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْحَائِضُ وَالْمُحَرَّمَةُ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَأَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ
(8/4)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعِنَايَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَالذِّمِّيُّ جَازَ لَهُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ وَالْمُمْتَنِعُ تَوَكُّلُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ عَنْ التَّوَكُّلِ وَإِنْ صَحَّ التَّوْكِيلُ، وَقَدْ وُجِدَ الْمَانِعُ وَهُوَ حُرْمَةُ اقْتِرَابِهِ مِنْهَا انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَكُونُ جَوَابًا عَنْ النَّقْضِ بِالِاسْتِقْرَاضِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ، وَلَمْ يُجِبْ بِمَا أَجَابَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ لِذَلِكَ أَيْضًا انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا لَا يَكَادُ يَكُونُ جَوَابًا عَنْ النَّقْضِ بِالِاسْتِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُنَاكَ فِي نَفْسِ التَّوْكِيلِ وَهُوَ بُطْلَانُ الْأَمْرِ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْمَانِعُ هَاهُنَا عَلَى رَأْيِهِ إنَّمَا هُوَ حَقُّ التَّوَكُّلِ وَهُوَ حُرْمَةُ اقْتِرَابِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْخَمْرِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَلَمْ يُجِبْ بِمَا أَجَابَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُنَافٍ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ، فَلَا وَجْهَ لِدَرْجِ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ فِي حَيِّزِ جَوَابٍ لِمَا فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ الْمُصَنِّفِ إلَخْ. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الْقَائِلُ: بَقِيَ فِيهِ بَحْثٌ، إذْ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ كَالْكَسْرِ وَالِانْكِسَارِ، ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي مَا مَعْنَى جَوَازِهِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ الِانْكِسَارَ مُطَاوِعُ الْكَسْرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى الْغَيْرِ، وَالتَّوَكُّلُ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ تَحَقُّقِ الْأَوَّلِ بِدُونِ الثَّانِي، ثُمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ لُزُومُ مُطَاوِعٍ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، أَلَا يَرَى إلَى صِحَّةِ قَوْلِك خَيَّرْته فَلَمْ يَخْتَرْ، وَصِحَّةُ قَوْلِك نَبَّهْته فَلَمْ يَتَنَبَّهْ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُك وَكَّلْته فَلَمْ يَتَوَكَّلْ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا.

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَعْلِيلِ جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ (لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ) بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ رَجُلًا ذَا وَجَاهَةٍ لَا يَتَوَلَّى الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ (فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ) فَلَوْ لَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ لَزِمَ الْحَرَجُ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ (فَيَكُونُ) أَيْ الْإِنْسَانُ (بِسَبِيلٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّوْكِيلِ (دَفْعًا لِحَاجَتِهِ) وَنَفْيًا لِلْحَرَجِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ دَلِيلٌ أَخَصُّ مِنْ الْمَدْلُولِ وَهُوَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ عَجْزٌ أَصْلًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانُ حِكْمَةِ الْحُكْمِ وَهِيَ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي الْأَفْرَادِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ مَعَ جَوَابِهِ الْمَزْبُورِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ الْخَاصَّ وَأَرَادَ الْعَامَّ، وَهُوَ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لِلْعَجْزِ حَاجَةٌ خَاصَّةٌ وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَنَاطُ هُوَ الْحَاجَةُ وَقَدْ تُوجَدُ بِلَا عَجْزٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: وُجُودُ الْحَاجَةِ بِدُونِ الْعَجْزِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا وَمِنْهُمْ الشَّارِحُ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ أَبَدًا إمَّا لِلْعَجْزِ وَإِمَّا لِلتَّرَفُّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَيْسَ فِي صُورَةِ التَّرَفُّهِ حَاجَةً فَتَأَمَّلْ (وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ) أَيْ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ (حَكِيمَ بْنِ حِزَامٍ) وَيُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ. وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً أَوْ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافِهَا، وَعَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتِّينَ سَنَةً وَفِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاهِينِ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي مُخْتَصَرِهِ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْجَوْزِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ «عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَأُضْحِيَّةٍ، فَتَصَدَّقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدِّينَارِ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» (وَبِالتَّزْوِيجِ عُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ) أَيْ وَكَّلَهُ بِتَزْوِيجِ أُمِّهِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَنَا فِي تَوْكِيلِ عُمَرَ بْنِ أُمِّ سَلَمَةَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ سِنُّ عُمَرَ بْنِ أُمِّ سَلَمَةَ يَوْمَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهُ سَنَةً وَاحِدَةً فَكَيْفَ يُوَكِّلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ طِفْلٌ لَا يَعْقِلُ؟ انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا النَّظَرِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ لَهُ مِنْ الْعُمْرِ يَوْمَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثُ سِنِينَ، وَكَيْفَ يُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا زَوْجٌ. بَيَانُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
(8/5)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
تَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَمَاتَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِعُمَرَ تِسْعُ سِنِينَ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: قَوْلُهُ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَاتَ وَلِعُمَرَ تِسْعُ سِنِينَ بَعِيدٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ. وَيُقَوِّي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: سَلْ هَذِهِ، فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَخْشَاكُمْ» وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ كَبِيرًا.
وَأَقُولُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذِكْرُ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ عَلَى قَوْلِهِ كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَيْهِ، فَيُتَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَوْكِيلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَادَّتَيْنِ الْمَخْصُوصَتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْكُلِّيَّةِ، فَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ تَأْيِيدِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي مَبْنَاهُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِوُقُوعِ التَّوْكِيلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إقَامَةُ دَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ عَلَى دَعْوَى الْكُلِّيَّةِ السَّابِقَةِ، وَكَأَنَّهُ عَنْ هَذَا قَالَ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ إلَخْ، وَلَمْ يَقُلْ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ إلَخْ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مُخْتَصَرِهِ: (وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ) أَيْ فِي جَمِيعِهَا (لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحَاجَةِ) يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ (إذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَهْتَدِي إلَى وُجُوهِ الْخُصُومَاتِ) تَعْلِيلٌ لِجَرَيَانِ مَا قَدَّمَهُ هَاهُنَا. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: أَمَّا التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِنَّمَا جَازَ لِمَا رَوَيْنَا قَبْلَ هَذَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ» ، فَإِذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَازَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَا انْتَهَى. أَقُولُ: تَعْلِيلُهُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَا صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ الْأَوَّلُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَاتِ لَا فِي التَّوْكِيلِ فِي الْعُقُودِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيلِهِ الْأَوَّلِ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي الْعُقُودِ دُونَ الْخُصُومَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَّلَ عَقِيلًا) أَيْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْتَارُ عَقِيلًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَكِيًّا حَاضِرَ الْجَوَابِ؛ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَقْبَلَهُ يَوْمًا وَمَعَهُ عَنْزٌ فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى سَبِيلِ الدُّعَابَةِ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ أَحْمَقُ، فَقَالَ عَقِيلٌ: أَمَّا أَنَا وَعَنْزِي فَعَاقِلَانِ (وَبَعْدَمَا أَسَنَّ عَقِيلٌ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ) الطَّيَّارَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إمَّا؛ لِأَنَّهُ وَقَّرَ عَقِيلًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِكِبَرِ سِنِّهِ، أَوْ لِأَنَّهُ انْتَقَصَ ذِهْنَهُ فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ شَابًّا ذَكِيًّا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَكْرَهُ الْخُصُومَةَ، وَكَانَ إذَا كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ وَكَّلَ فِيهَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَمَّا كَبِرَ عَقِيلٌ وَكَّلَنِي. وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ بِالْخُصُومَةِ. وَقَالَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَا يَحْضُرُ الْخُصُومَةَ وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ لَهَا قُحَمًا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْخُصُومَةَ إلَى عَقِيلٍ، فَلَمَّا كَبِرَ وَرَقَّ حَوَّلَهَا إلَيَّ، فَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: مَا قُضِيَ لِوَكِيلِي فَلِي وَمَا قُضِيَ عَلَى وَكِيلِي فَعَلَيَّ انْتَهَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: إنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا بِالْخُصُومَةِ، ثُمَّ وَكَّلَ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَانَ لَا يَحْضُرُ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ: إنَّ لَهَا لَقُحَمًا، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَحْضُرُهَا: أَيْ مَهَالِكَ وَشَدَائِدَ. وَقُحَمُ الطَّرِيقِ مَا صَعُبَ مِنْهُ وَشَقَّ عَلَى سَالِكِهِ انْتَهَى. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِصُنْعِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْأَوْلَى أَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ وَرَدَ الذَّمُّ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48] ، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ الرَّدُّ مِنْ الْمُنَافِقِ وَالْإِجَابَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ اعْتِقَادًا، كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي. وَذُكِرَ فِي
(8/6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
غَايَةِ الْبَيَانِ

(وَكَذَا بِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا) أَيْ وَكَذَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِإِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَاسْتِيفَائِهَا لِمَا مَرَّ مِنْ دَفْعِ الْحَاجَةِ (إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ بِاسْتِيفَائِهَا) أَيْ بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ) وَأَمَّا الْوَكَالَةُ بِإِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَعَدَمُ صِحَّتِهَا مُطْلَقًا: أَيْ مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ وَمَعَ حُضُورِهِ أَمْرٌ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ إيفَاءَهَا إنَّمَا يَكُونُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ أَوْ الْبَدَنِ لِإِقَامَةِ الْعُقُوبَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْجَانِي، إذْ إقَامَةُ الْعُقُوبَةِ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي ظُلْمٌ صَرِيحٌ. فَلِذَلِكَ اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِنَفْيِ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ بِاسْتِيفَائِهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ، وَقَالَ فِي تَعْلِيلِهِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ (تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ) فَلَا تُسْتَوْفَى بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرْبِ شُبْهَةٍ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ (وَشُبْهَةُ الْعَفْوِ ثَابِتَةٌ حَالَ غَيْبَتِهِ) أَيْ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا الْوَجْهُ مَخْصُوصٌ بِالْقِصَاصِ، إذْ الْحُدُودُ لَا يُعْفَى عَنْهَا، فَالْمُرَادُ أَنَّ فِي الْقِصَاصِ ثُبُوتَ شُبْهَةٍ أُخْرَى حَالَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ وَهِيَ شُبْهَةُ الْعَفْوِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ عَفَا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْوَكِيلُ (بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ) أَيْ بَلْ الْعَفْوُ هُوَ الظَّاهِرُ (لِلنَّدْبِ الشَّرْعِيِّ) لِقَوْلِهِ {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] وَفِي الْقِصَاصِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ فَيُسْتَوْفَى بِالتَّوْكِيلِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذِهِ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلَافِ سَائِرِ حُقُوقِهِ فَافْتَرَقَا (بِخِلَافِ غَيْبَةِ الشَّاهِدِ) حَيْثُ يَسْتَوْفِيَ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الرُّجُوعِ) يَعْنِي أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ هِيَ الرُّجُوعُ وَالظَّاهِرُ فِي حَقِّهِ عَدَمُ الرُّجُوعِ، إذْ الصِّدْقُ هُوَ الْأَصْلُ لَا سِيَّمَا فِي الْعُدُولِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ مِثْلَ هَاتَيْكَ الشُّبْهَةِ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجْمَ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا يُسْتَوْفَى عِنْدَ غَيْبَةِ الشُّهُودِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ اعْتِبَارَ شُبْهَةِ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الشُّهُودِ هُنَاكَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: عَدَمُ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ إذْ ذَاكَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهُوَ بُدَاءَةُ الشُّهُودِ بِالرَّجْمِ لَا بِمُجَرَّدِ شُبْهَةِ الرُّجُوعِ فَتَأَمَّلْ (وَبِخِلَافِ حَالَةِ الْحَضْرَةِ) أَيْ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ فِي الْمَجْلِسِ حَيْثُ يُسْتَوْفَى ذَلِكَ عِنْدَهَا (لِانْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ) أَيْ شُبْهَةِ الْعَفْوِ، فَإِنَّ الْعَفْوَ عِنْدَ حُضُورِ الْمُوَكِّلِ مِمَّا لَا يَخْفَى فَلَا شُبْهَةَ، أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ انْتِفَاءَ الشُّبْهَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الشُّبْهَةِ مُطْلَقًا، وَالْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ تَنْدَرِئُ بِمُطْلَقِ الشُّبُهَاتِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ عَلَى أَنَّ شُبْهَةَ الْعَفْوِ مَخْصُوصَةٌ بِالْقِصَاصِ، فَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَضْرَةِ وَالْغَيْبَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ أَصْلًا. وَلَمَا اُسْتُشْعِرَ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِيفَاءِ رَأْسًا إذْ هُوَ يَسْتَوْفِيهِ بِنَفْسِهِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ) إمَّا لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ، أَوْ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ (فَلَوْ مُنِعَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِيفَاءِ (يَنْسَدُّ بَابُ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا) أَيْ يَنْسَدُّ بَابُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَجَازَ التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِيفَاءِ عِنْدَ حُضُورِهِ اسْتِحْسَانًا لِئَلَّا يَنْسَدَّ بَابُهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَقَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: هَذَا أَيْ جَوَازُ التَّوْكِيلِ بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِ تَفْسِيرِهِمْ إيَّاهُ بِهَذَا الْمَعْنَى: لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ: أَيْ جَمِيعِهَا وَبِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، وَاسْتَثْنَى إيفَاءَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاءَهَا بَقِيَتْ الْخُصُومَةُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ هَذَا الَّذِي ارْتَكَبُوهُ فِي حِلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَاهُنَا تَكَلُّفٌ بَارِدٌ وَتَعَسُّفٌ شَارِدٌ، حَيْثُ جَعَلُوا الْبَعْضَ الْغَيْرَ الْمُعَيَّنَ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ بَلْ الدَّاخِلَ فِي مُجَرَّدِ كُلِّيَّتِهِ مُشَارًا إلَيْهِ بِلَفْظِ هَذَا الَّذِي يُشَارُ بِهِ إلَى الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، أَوْ إلَى مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ. ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا لَمَنْدُوحَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَعْنًى ظَاهِرٍ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ صَرِيحًا فِيمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ قَوْلِنَا وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِإِقَامَةِ الشُّهُودِ أَيْضًا) أَيْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي بَعْضٍ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَيْضًا: أَيْ كَمَا لَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِإِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَاسْتِيفَائِهَا بِالِاتِّفَاقِ. (وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ يُذْكَرُ تَارَةً مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَارَةً مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ. قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ قَوْلِهِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقِيلَ هَذَا الِاخْتِلَافُ) بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ
(8/7)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ (دُونَ حَضْرَتِهِ) أَيْ هُوَ جَائِزٌ فِي حَضْرَتِهِ بِالِاتِّفَاقِ (لِأَنَّ كَلَامَ الْوَكِيلِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ عِنْدَ حُضُورِهِ) فَصَارَ كَأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِنَفْسِهِ. (لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (أَنَّ التَّوْكِيلَ إنَابَةٌ) وَالْإِنَابَةُ فِيهَا شُبْهَةٌ لَا مَحَالَةَ (وَشُبْهَةُ النِّيَابَةِ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ فِي بَابِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) أَيْ كَالشُّبْهَةِ الَّتِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ بِهَا الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَا بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (وَكَمَا فِي الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ وَكَالشُّبْهَةِ الَّتِي فِي التَّوْكِيلِ بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ لِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ بِالِاتِّفَاقِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ مَحْضٌ) أَيْ لَا حَظَّ لَهَا فِي الْوُجُوبِ وَلَا فِي الظُّهُورِ (لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُضَافٌ إلَى الْجِنَايَةِ وَالظُّهُورَ إلَى الشَّهَادَةِ) وَالشَّرْطُ الْمَحْضُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ يَجُوزُ لِلْمُوَكِّلِ مُبَاشَرَتُهُ بِنَفْسِهِ (فَيَجْرِي فِيهِ التَّوْكِيلُ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ) أَيْ بَاقِيهَا لِقِيَامِ الْمُقْتَضَى وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ. لَا يُقَالُ: الْمَانِعُ مَوْجُودٌ وَهُوَ الشُّبْهَةُ كَمَا فِي الِاسْتِيفَاءِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَا مَرَّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الشُّبْهَةُ فِي الشَّرْطِ لَا تَصْلُحُ لِلْمَنْعِ، إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَا الْوُجُودُ وَلَا الظُّهُورُ، بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُودُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الظُّهُورُ (وَعَلَى هَذَا خِلَافُ) الْمَذْكُورِ

(التَّوْكِيلُ بِالْجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ (الْحَدُّ) أَوْ الْقِصَاصُ؛ فَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ) أَيْ فِي التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ (أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَمْنَعُ الدَّفْعَ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْجَوَابِ إنَّمَا يَكُونُ لِلدَّفْعِ، وَدَفْعُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، فَالشُّبْهَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي دَلِيلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُعْتَبَرَةً لَا تُمْنَعُ هَاهُنَا (غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَ الْوَكِيلِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مُوَكِّلِهِ: يَعْنِي لَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ اسْتِحْسَانًا (لِمَا فِيهِ) أَيْ لِمَا فِي إقْرَارِهِ (مِنْ شُبْهَةِ عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ) فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّا حَمَلْنَا التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ عَلَى الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْخَصْمِ مِنْ الْخُصُومَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَالْإِقْرَارُ ضِدُّ الْخُصُومَةِ، وَالْمَجَازِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ فَالْحَقِيقَةُ شُبْهَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ دُونَ مَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ. كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَوَازَ التَّوْكِيلِ بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ إنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَحْدِ السَّرِقَةِ. وَأَمَّا التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الشُّرْبِ فَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِمَا لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ، فَإِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ بِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ

(وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ) سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ قِبَلِ الطَّالِبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمَطْلُوبِ (بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ) وَيَسْتَوِي فِيهِ الشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا) يَعْنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَعْذُورًا بِعُذْرِ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ بِدُونِ رِضَا الْخَصْمِ عِنْدَهُ أَيْضًا (وَقَالَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ) أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْخَصْمُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ مَعْذُورًا أَمْ لَا، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: أَوْ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) أَيْضًا، وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ يُفْتِي بِقَوْلِهِمَا.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَبِهِ أَخَذَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ. وَقَالَ: شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ بِالْمُدَّعِي التَّعَنُّتَ فِي إبَاءِ الْوَكِيلِ يَقْبَلُ التَّوْكِيلَ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ الْقَصْدَ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُدَّعِي لِيَشْتَغِلَ الْوَكِيلُ بِالْحِيَلِ وَالْأَبَاطِيلِ وَالتَّلْبِيسِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ التَّوْكِيلَ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ ذَلِكَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ) أَيْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَيْنَ صَاحِبَيْهِ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي الْجَوَازِ، حَتَّى إذَا وَكَّلَ فَرَضِيَ الْخَصْمُ لَا يَحْتَاجُ فِي سَمَاعِ خُصُومَةِ الْوَكِيلِ إلَى تَجْدِيدِ وَكَالَةٍ (إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ) مَعْنَاهُ إذَا وَكَّلَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ هَلْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ أَمْ لَا؟ عِنْدَهُ يَرْتَدُّ خِلَافًا لَهُمْ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا
(8/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِرِضَا الْخَصْمِ: أَيْ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْجَوَازِ، وَأَرَادَ اللُّزُومَ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مِنْ لَوَازِمِ اللُّزُومِ فَيَجُوزُ ذِكْرُ اللَّازِمِ وَإِرَادَةُ الْمَلْزُومِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَقَدْ تَصَرَّفَ فِيهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ تَحْرِيرًا وَإِيرَادًا حَيْثُ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ مَجَازًا لِقَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْجَوَازِ، وَأَرَادَ اللُّزُومَ فَإِنَّ الْجَوَازَ لَازِمُ اللُّزُومِ فَيَكُونُ مِنْ ذِكْرِ اللَّازِمِ وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ، وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَوَازَ لَازِمُ اللُّزُومِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. سَلَّمْنَا لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَجَازٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَجَازٍ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِ مَجَازًا بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْكَاكِيُّ مِنْ أَنَّ الِانْتِقَالَ فِي الْمَجَازِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَفِي الْكِنَايَةِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ لَفْظَ الْمَجَازِ لَمْ يُذْكَرْ فِي تَحْرِيرِ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَوْ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَكَانَ مَدَارُ رَدِّهِ الْمَزْبُورَ عَلَى لَفْظٍ زَادَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فِي بَيَانِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُمْ حَقَّقُوا أَنَّ الِانْتِقَالَ فِي الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ كِلَيْهِمَا مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ. وَرَدُّوا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْكَاكِيُّ بِأَنَّ اللَّازِمَ مَا لَمْ يَكُنْ مَلْزُومًا لَمْ يُنْتَقَلْ مِنْهُ إلَى الْمَلْزُومِ، وَجَعَلُوا الْعُمْدَةَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا جَوَازَ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ وَعَدَمَ جَوَازِهَا، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لَفْظُ يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَجَازًا عَنْ مَعْنًى يَلْزَمُ بِلَا مَحْذُورٍ أَصْلًا.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا: التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ إنْ رَضِيَ بِهِ الْخَصْمُ وَإِلَّا فَلَا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ وَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ وَإِلَى التَّوْجِيهِ بِجَعْلِهِ مَجَازًا انْتَهَى. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّ قَوْلَهُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ لَازِمٍ أَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ هُوَ مَعْنَى الثَّانِي بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى الْجَوَازِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ يُغَايِرُ مَعْنَى اللُّزُومِ، فَنَفْيُ الْأَوَّلِ يُغَايِرُ نَفْيَ الثَّانِي قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَوَّلِ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ وَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ، فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةُ فَيَتَبَادَرُ إلَى ذِهْنِ النَّاظِرِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي نَفْسِ الْجَوَازِ، فَدَفَعَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ فَهَذَا الْكَلَامُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِأَوَّلِ مَنْ حَمَلَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ عَلَى اللُّزُومِ، بَلْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي: إنَّ التَّوْكِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُوَكِّلَ بِأَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ وَيُجِيبَ، وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ حَيْثُ قَالَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ: التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ لَا يَقَعُ لَازِمًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: يَقَعُ لَازِمًا. وَذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ أَنَّ رِضَا الْخَصْمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ وَلُزُومِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. بَعْضُهُمْ قَالُوا: رِضَا الْخَصْمِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطِ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بَلْ هُوَ شَرْطُ لُزُومِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَلْ رِضَا الْخَصْمِ عِنْدَهُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ. ذُكِرَ فِي شُفْعَةِ الْأَصْلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَذُكِرَ فِي وَكَالَةِ الْأَصْلِ: لَا يُقْبَلُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّوْكِيلَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْخَصْمَ الْحُضُورُ. وَالْجَوَابُ لِخُصُومَةِ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا مَرَضًا لَا يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ بِنَفْسِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ سَفَرٍ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (أَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهِ) أَيْ فِي خَالِصِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِالْجَوَابِ وَكِلَاهُمَا مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ. أَمَّا الْخُصُومَةُ فَلِأَنَّهَا الدَّعْوَى وَهِيَ خَالِصُ حَقِّ الْمُدَّعِي حَتَّى لَا يُجْبَرَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّهُ إمَّا إنْكَارٌ أَوْ إقْرَارٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَالِصُ حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا غَيْرِهِ) فَصَارَ (كَالتَّوْكِيلِ بِتَقَاضِي الدُّيُونِ) وَقَبْضِهَا وَإِيفَائِهَا (وَلَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَنَّ الْجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْخَصْمِ) يَعْنِي أَنَّ الْجَوَابَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلِهَذَا يَسْتَحْضِرُهُ) أَيْ يَسْتَحْضِرُ الْمُدَّعِي الْخَصْمَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِيُجِيبَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ تَصَرُّفًا فِي خَالِصِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، لَكِنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ (وَ) هَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ (النَّاسَ
(8/9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُتَفَاوِتُونَ فِي الْخُصُومَةِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الدَّعْوَى وَالْإِثْبَاتِ، وَمِنْ جِهَةِ الدَّفْعِ وَالْجَوَابِ. فَرُبَّ إنْسَانٍ يُصَوِّرُ الْبَاطِلَ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، وَرُبَّ إنْسَانٍ لَا يُمْكِنُهُ تَمْشِيَةُ الْحَقِّ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ذَكَرَهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَالْأَسْرَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُوَكَّلُ عَادَةً إلَّا مَنْ هُوَ أَلَدُّ وَأَشَدُّ فِي الْخُصُومَاتِ لِيَغْلِبَ عَلَى الْخَصْمِ (فَلَوْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ) أَيْ بِلُزُومِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِلَا رِضَا الْخَصْمِ (يَتَضَرَّرُ بِهِ) أَيْ يَتَضَرَّرُ الْخَصْمُ بِهِ (فَيَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاهُ) فَصَارَ (كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (يَتَخَيَّرُ الْآخَرُ) أَيْ يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْكِتَابَةِ وَفَسْخِهَا، فَكَانَ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا مُتَوَقِّفًا عَلَى رِضَا الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفًا فِي خَالِصِ حَقِّهِ لِمَكَانِ ضَرَرِ شَرِيكِهِ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْحُضُورَ وَالْجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْطَعُهُ عَنْ أَشْغَالِهِ وَيُحْضِرُهُ لِيُجِيبَ خَصْمَهُ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذَا الْجَوَابِ؛ فَرُبَّ إنْكَارٍ يَكُونُ أَشَدَّ دَفْعًا لِلْمُدَّعِي مِنْ إنْكَارٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ الْوَكِيلِ ذَلِكَ الْأَشَدَّ، فَإِنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِهَذَا التَّوْكِيلِ أَنْ يَشْتَغِلَ الْوَكِيلُ بِالْحِيَلِ وَالْأَبَاطِيلِ لِيَدْفَعَ حَقَّ الْخَصْمِ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْخَصْمِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلُهُ بِمَا هُوَ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ يَتَّصِلُ بِهِ ضَرَرٌ بِالْغَيْرِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا لَا يُمْلَكُ بِدُونِ رِضَاهُ انْتَهَى. كَلَامُهُ.
وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ سَبَقَ الدَّلِيلُ الْمَزْبُورُ فِي الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَامٌّ لِصُورَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَلِصُورَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَصُرِّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْفَتَاوَى أَيْضًا. وَفِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ الْمَزْبُورِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِصُورَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا تَرَى فَكَانَ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ لِتَحَمُّلِهِ التَّقْرِيرَ بِوَجْهٍ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِنَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهِ، فَإِنَّ الْجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْخَصْمِ وَلِهَذَا يَسْتَحْضِرُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَالْمُسْتَحَقُّ لِلْغَيْرِ لَا يَكُونُ خَالِصًا لَهُ. سَلَّمْنَا خُلُوصَهُ لَهُ لَكِنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ غَيْرُهُ، وَهَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْخُصُومَةِ، فَلَوْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ لَتَضَرَّرَ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاهُ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ دَلِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْعِيٌّ لِمَا قَالَاهُ، وَالْآخَرُ: تَسْلِيمِيٌّ لَهُ، فَيَرِدُ حِينَئِذٍ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ مَا يَرِدُ عَلَى تَقْرِيرِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَوْنِ الدَّلِيلِ مَخْصُوصًا بِإِحْدَى صُورَتَيْ الْمَسْأَلَةِ الْعَامَّةِ الْمُدَّعَاةِ تَأَمَّلْ تَقِفُ.
فَالْوَجْهُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا وَاحِدًا وَيُقَرَّرَ بِوَجْهٍ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا فَعَلْنَاهُ فِي شَرْحِنَا، لَكِنَّ الْإِنْصَافَ أَنَّ تَأْثِيرَ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ إنَّ الْجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْخَصْمِ إنَّمَا هُوَ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ الْمُتَأَمِّلِ (بِخِلَافِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا، وَالْمُرَادُ بَيَانُ وَجْهِ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَذَلِكَ (لِأَنَّ الْجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ) أَيْ غَيْرُ وَاجِبٍ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ (هُنَالِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا لِعَجْزِ الْمَرِيضِ بِالْمَرَضِ وَعَجْزِ الْمُسَافِرِ بِالْغَيْبَةِ، فَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمَا الْجَوَابُ لَزِمَ الْحَرَجُ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] أَقُولُ: هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْفَرْقِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ إنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي فَلَا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْمُدَّعِي سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا أَوْ مَرِيضًا مُسَافِرًا، فَإِنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ لَا عَلَى مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَامَّةٌ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا تَحَقَّقْته، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَوَقُّعَ الضَّرَرِ اللَّازِمِ بِالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ مِنْ الْمَوْتِ وَآفَاتِ التَّأْخِيرِ أَشَدُّ مِنْ الضَّرَرِ اللَّازِمِ بِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْخُصُومَةِ فَيُتَحَمَّلُ الْأَدْنَى دُونَ الْأَعْلَى.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ كَانَ غَائِبًا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ أَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي الْمِصْرِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَدَمَيْهِ إلَى بَابِ الْقَاضِي كَانَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مُدَّعِيًا كَانَ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ أَوْ ظَهْرِ إنْسَانٍ، فَإِنْ ازْدَادَ مَرَضُهُ بِذَلِكَ صَحَّ التَّوْكِيلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَزْدَادُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى (ثُمَّ كَمَا يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ
(8/10)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (مِنْ الْمُسَافِرِ يَلْزَمُ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ) إذْ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ مَصَالِحِهِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ أَنْ يُوَكِّلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى السَّفَرِ لَكِنْ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ يُرِيدُ السَّفَرَ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ إلَى زِيِّهِ وَعِدَّةِ سَفَرِهِ أَوْ يَسْأَلُ عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ فَيَسْأَلُ عَنْ رُفَقَائِهِ كَمَا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ انْتَهَى

(وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُخَدَّرَةً) اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِي تَفْسِيرِ الْمُخَدَّرَةِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَتُهَا بِالْبُرُوزِ وَحُضُورِ الْمَجْلِسِ الْقَاضِي. وَقَالَ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ: هِيَ الَّتِي لَا يَرَاهَا غَيْرُ الْمَحَارِمِ، وَأَمَّا الَّتِي جَلَسَتْ عَلَى الْمِنَصَّةِ فَرَآهَا الْأَجَانِبُ لَا تَكُونُ مُخَدَّرَةً، فَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ (لَمْ تَجْرِ عَادَتُهَا بِالْبُرُوزِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ) فَإِنَّ هَذَا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِمُخَدَّرَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى التَّفْسِيرِ لَهَا (قَالَ الرَّازِيّ) أَرَادَ بِهِ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ الْجَصَّاصَ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الرَّازِيّ صَاحِبَ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَإِلَيْهِ انْتَهَتْ رِيَاسَةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ بَعْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَثِمِائَةٍ وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ (يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ) أَيْ يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ مِنْهَا بِلَا رِضَا الْخَصْمِ وَبِدُونِ عُذْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ (لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَنْطِقَ بِحَقِّهَا لِحَيَائِهَا فَيَلْزَمُ تَوْكِيلُهَا) دَفْعًا لِلْحَرَجِ، فَلَوْ وَكَّلَتْ بِالْخُصُومَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْيَمِينُ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ بِالْخُرُوجِ وَمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ فِي الْحَوَائِجِ يَبْعَثُ إلَيْهَا الْحَاكِمُ ثَلَاثَةً مِنْ الْعُدُولِ يَسْتَحْلِفُهَا أَحَدُهُمْ وَيَشْهَدُ الْآخَرَانِ عَلَى حَلِفِهَا، وَكَذَا فِي الْمَرِيضَةِ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا يَمِينٌ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَجْرِي فِي الْأَيْمَانِ، هَكَذَا ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي، وَذَكَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَبْعَثُ إلَى الْمُخَدَّرَةِ وَالْمَرِيضَةِ أَوْ إلَى الْمَرِيضِ خَلِيفَةً فَيَفْصِلُ الْخُصُومَةَ هُنَالِكَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْخَلِيفَةِ كَمَجْلِسِهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ (قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ مَا قَالَهُ الرَّازِيّ (شَيْءٌ اسْتَحْسَنَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ) وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُخَدَّرَةِ أَنْ تُوَكِّلَ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُخَالِطْ الرِّجَالَ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ أَيْضًا، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ أَخَذُوا بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى انْتَهَى

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ) قِيلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ حَاصِلًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ، فَأَمَّا كَوْنُ الْمُوَكِّلِ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجُوزَ عِنْدَهُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِشِرَاءِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ الْحَلَالَ بِبَيْعِ الصَّيْدِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَإِنْ امْتَنَعَ لِعَارِضٍ، وَبَيْعُ الْخَمْرِ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بِعَارِضِ النَّهْيِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ وَالتَّبْيِينِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ: أَيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ الَّذِي وَكَّلَ الْوَكِيلَ بِهِ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ رِوَايَةِ الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ كَوْنُ التَّوْكِيلِ حَاصِلًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ، فَأَمَّا كَوْنُ الْمُوَكِّلِ مَالِكًا لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي وَكَّلَ الْوَكِيلَ بِهِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ خُذْ عَبْدِي هَذَا وَبِعْهُ بِعَبْدٍ أَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِهِ عَبْدًا صَحَّ التَّوْكِيلُ بِهَذَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مُبَاشَرَةُ الْمُوَكِّلِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّصَرُّفِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِعَبْدٍ أَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك بِهَذَا الْعَبْدِ عَبْدًا لَا يَجُوزُ. قُلْت: إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي التَّوْكِيلِ بِهَذَا وَلَمْ يَجُزْ فِي مُبَاشَرَةِ نَفْسِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ عَنْ الْجَوَازِ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ تُؤَدِّ إلَيْهَا فَلَا تَمْنَعُ كَمَا فِي بَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةِ طَعَامٍ أَوْ شِرَائِهِ ثُمَّ جَهَالَةُ الْوَصْفِ فِي التَّوْكِيلِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُبَاشَرَةُ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فَتُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَالْمَانِعُ مِنْ الصِّحَّةِ الْمُنَازَعَةُ لَا نَفْسُ الْجَهَالَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي جَوَابِهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْفَارِقَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إنَّمَا أَفَادَ كَمِّيَّةَ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الذَّخِيرَةِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فِي مِثْلِهَا، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَدْفَعُ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ بَلْ يُقَوِّيهِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي مَسْأَلَةِ الذَّخِيرَةِ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا. وَالْفَارِقُ الْمَذْكُورُ يُقَرِّرُ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ، وَلَوْ وَكَّلَ بِهِ جَازَ عِنْدَهُ
(8/11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَمَنْشَأُ هَذَا التَّوَهُّمِ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِلْعَهْدِ: أَيْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ الَّذِي وَكَّلَ بِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ احْتِرَازًا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَيَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فَإِنَّ الْأَنْسَبَ لِكَلِمَةِ " مَنْ " جِنْسُ التَّصَرُّفِ انْتَهَى. وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَنْسَبَ لِكَلِمَةِ " مَنْ " جِنْسُ التَّصَرُّفِ، وَأَجَابَ حَيْثُ قَالَ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَدْخُولَ كَلِمَةِ " مَنْ " هُوَ قَوْلُهُ مَنْ يَمْلِكُ دُونَ التَّصَرُّفِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْمَالِكَ لِلتَّصَرُّفِ الْمَخْصُوصِ لَا يَتَعَدَّدُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ إدْخَالُ " مَنْ " فِي مَنْ يَمْلِكُ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَالِكَ لِلتَّصَرُّفِ الْمَخْصُوصِ لَا يَتَعَدَّدُ، أَلَا يَرَى إلَى الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ مَالًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا تَصَرُّفًا مَخْصُوصًا، وَإِنْ وَصَلَ مَبْلَغُهُمْ فِي التَّعَدُّدِ إلَى الْأَلْفِ، مَثَلًا إذَا كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ كَثِيرِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِسُكْنَى أَوْ غَيْرِهِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ اسْتِقَامَةِ إدْخَالِ " مَنْ " حِينَئِذٍ فِي مَنْ يَمْلِكُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَوَهَّمُ لَوْ كَانَتْ كَلِمَةُ " مَنْ " هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لِلتَّبْيِينِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمَقَامِ فَيَسْتَقِيمُ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ كُلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِكَلِمَةِ " مَنْ " فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَنْسَبَ لِكَلِمَةِ " مَنْ " جِنْسُ التَّصَرُّفِ حَرْفُ الْجَرِّ الدَّاخِلَةُ عَلَى الِاسْمِ الْمَوْصُولِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهَا نَفْسُ الِاسْمِ الْمَوْصُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي قَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ. إذْ لَوْ كَانَ مَدَارُ كَلَامِهِ زِيَادَةَ حَرْفِ الْجَرِّ لَقَالَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ فَقَطْ، فَوَجْهُ الْأَنْسَبِيَّةِ حِينَئِذٍ أَنَّ الِاسْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ مُبْهَمَاتِ الْمَعَارِفِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي النَّحْوِ وَمِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ جِنْسَ الْمَالِكِ لَا الْفَرْدَ الْمُعَيَّنَ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَمْلِكُهُ جِنْسُ الْمَالِكِ هُوَ جِنْسُ التَّصَرُّفِ دُونَ التَّصَرُّفِ الْمَعْهُودِ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: إنَّ الْأَنْسَبِيَّةَ قَدْ فَاتَتْ فِي قَوْلِهِ وَيَقْصِدُهُ كَمَا لَا يَخْفَى.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِكَلِمَةِ مَنْ صَرَاحَةً لَكِنَّهُ مَقْرُونٌ بِهَا حُكْمًا فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا هُوَ فِي حَيِّزِ كَلِمَةِ مَنْ وَهُوَ قَوْلُهُ يَعْقِلُ الْعَقْدَ فِي قَوْلِهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْطُوفَ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ، فَقَدْ حَصَلَتْ الْأَنْسَبِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَاكَ أَيْضًا. ثُمَّ إنَّ حَمْلَ التَّصَرُّفِ فِي قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: وَمِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَى جِنْسِ التَّصَرُّفِ دُونَ التَّصَرُّفِ الَّذِي وَكَّلَ بِهِ مِمَّا سَبَقَ إلَيْهِ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الشَّرْطُ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطُ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا، وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى مَذْهَبِهِ، بَلْ الشَّرْطُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مَالِكًا لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: قُلْت هَذَا الشَّرْطُ الَّذِي شَرَطَهُ الْقُدُورِيُّ يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا الْقَائِلُ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ كُنْهَ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ، إذْ مَضْمُونُ كَلَامِهِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَهَا شَرْطٌ فِي الْمُوَكِّلِ وَشَرْطٌ فِي الْوَكِيلِ.
فَالْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَيَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعًا فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا عَلَى وَجْهٍ يُلْزِمُهُ حُكْمَ التَّصَرُّفِ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ فِي تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَيْعًا وَشِرَاءً؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُوَكِّلَ عَاقِلٌ بَالِغٌ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعًا فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يُلْزِمُهُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا تَصَرَّفَ بِوِلَايَتِهِ.
وَالشَّرْطُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنْ يَعْقِلَ الْعَقْدَ وَيَقْصِدَهُ حَاصِلٌ فِي الْوَكِيلِ أَيْضًا وَهُوَ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ مَعْنَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَيَقْصِدُهُ، فَصَحَّ الشَّرْطُ إذَنْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ ابْنُ الْهُمَامِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ تَوْكِيلَ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ خَمْرٍ وَشِرَائِهَا وَالْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُهُ. أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمُلْكِهِ التَّصَرُّفَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا، وَهَذَا حَاصِلٌ فِي تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ خَمْرٍ وَشِرَائِهَا، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاهُ لِذَلِكَ، وَهُوَ خَطَأٌ إذْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ لِعَدَمِ الْبُلُوغِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ إذَا وَكَّلَ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونَ يَصِحُّ بَعْدَ أَنْ يَعْقِلَ مَعْنَى الْبَيْعِ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ
(8/12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
صَاحِبُ الْغَايَةِ هَاهُنَا لَيْسَ بِمَثَابَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ هُوَ خَطَأٌ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، فَإِنَّ الَّذِي يُهِمُّهُ فِي تَوْجِيهِ الْمَقَامِ هُوَ قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِمِلْكِهِ التَّصَرُّفَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِحُكْمِ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي فَصْلِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا فَفَضْلَةٌ مِنْ التَّوْجِيهِ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ هُوَ الِاحْتِرَازُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ فَكَوْنُهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ فِي عَامَّةِ التَّصَرُّفَاتِ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى، وَعَنْ هَذَا تَرَى الْفُقَهَاءَ فِي كُلِّ عَقْدٍ جَعَلُوا الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ شَرْطًا فِيهِ وَقَصَدُوا بِهِ الِاحْتِرَازَ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَمْ يَسْتَثْنُوا الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ عَنْهُ صَرَاحَةً (وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ) قِيلَ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ الْوَكِيلِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الْمَبِيعَ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ غَيْرَهُ.
وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا لَا يَمْلِكَانِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُمَا، كَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ لِلْقِيلِ الثَّانِي: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَيَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ يَحْتَمِلُ أَحْكَامَ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَجِنْسَ الْأَحْكَامِ. فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ عَنْ الْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْأَحْكَامُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي الْكَلَامِ شَرْطَانِ. وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَيَكُونُ مِلْكُ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْأَحْكَامِ شَرْطًا وَاحِدًا، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا أُذِنَ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ صَحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَحْكَامُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ. فَإِنْ قُلْت: إذَا جَعَلْتهمَا شَرْطًا وَاحِدًا لَزِمَك الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ وَيَلْزَمُهُ جِنْسُ الْأَحْكَامِ وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ قُلْت: غَلَطٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ فَوَاتُ رَأْيِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ) تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاطِ مَا شُرِطَتْ الْوَكَالَةُ بِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ لِكَوْنِهِ نَائِبًا عَنْهُ فَيَكُونُ التَّوْكِيلُ تَمْلِيكَ التَّصَرُّفِ وَتَمْلِيكُ التَّصَرُّفِ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهُ مُحَالٌ (فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا) أَيْ لِلتَّصَرُّفِ (لِيَمْلِكَهُ مِنْ غَيْرِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْوَكِيلُ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ أَوْ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ، وَالثَّانِي مُسْلِمٌ وَيَنْتَقِضُ بِتَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِأَهْلِيَّتِهِ وَلِهَذَا لَوْ تَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ صَحَّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَكِيلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَكِيلٌ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَثْبُتُ لَهُ خِلَافَةٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ فِيمَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ. وَتَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ وَلَا الْكَلَامِ فِيهِ، وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا لِجَوَازِ ثُبُوتِ شَيْءٍ بِأَمْرَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ انْتَهَى أَقُولُ: فِي جَوَابِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَكِيلٌ مَالِكًا لِجِنْسِ التَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ إنَّمَا يُتَوَهَّمُ فِي التَّوْكِيلِ بِتَصَرُّفٍ لَا بِعَيْنِهِ بِأَنْ قَالَ: اصْنَعْ مَا شِئْت أَوْ اعْمَلْ بِرَأْيِك، وَأَمَّا فِي التَّوْكِيلِ بِتَصَرُّفٍ بِعَيْنِهِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَادَّةِ النَّقْضِ بِتَوْكِيلِ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا بِبَيْعِ خَمْرٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ قَطْعًا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَكِيلَ هُنَاكَ إنَّمَا يَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ التَّصَرُّفَ الْمُعَيَّنَ الْمَعْهُودَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ وَهُوَ بَيْعُ الْخَمْرِ لَا جِنْسُ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَصَحَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ هُنَاكَ بِتَصَرُّفٍ آخَرَ، كَأَنْ يَهَبَ الْخَمْرَ الَّتِي وُكِّلَ بِبَيْعِهَا لِذِمِّيٍّ أَوْ يَشْتَرِيَ بِهَا مِنْهُ شَيْئًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا. وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يَخْتَارَ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ.
وَيُدْفَعُ النَّقْضُ الْمَذْكُورُ بِحَمْلِ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَوْ بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ جَائِزٌ لِلْمُسْلِمِ فِي الْأَصْلِ. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بِعَارِضِ النَّهْيِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كِلَا الْوَجْهَيْنِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ نَقْلًا عَنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ) بِأَنْ يَعْرِفَ مَثَلًا أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ وَيَعْرِفَ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنْ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي مَأْذُونِ الذَّخِيرَةِ وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ وَالْمَجْنُونِ (وَيَقْصِدُهُ) أَيْ يَقْصِدُ الْعَقْدَ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ هَازِلًا فِيهِ، كَذَا رَأَى جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ. وَرَدَّ عَلَيْهِمْ الشَّارِحُ ابْنُ الْهُمَامِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِهِمْ: أَيُّ ارْتِبَاطٍ بَيْنَ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ وَكَوْنِ الْوَكِيلِ هَازِلًا فِي الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ فِي بَيْعِ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ غَايَتُهُ أَنْ لَا يَصِحَّ ذَلِكَ الْبَيْعُ وَالْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: الْقَصْدُ شَرْطٌ فِي وُقُوعِ الْعَقْدِ عَنْ الْآمِرِ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ هَازِلًا لَا يَقَعُ عَنْهُ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْعِبَارَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ) وَأَهْلِيَّةُ الْعِبَارَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ
(8/13)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَأَلْحَانِ الطُّيُورِ (حَتَّى لَوْ كَانَ) أَيْ الْوَكِيلُ (صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونًا كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا) إذْ لَيْسَ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الْعِبَارَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمَا حُكْمٌ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ مِنْ الْفَاحِشِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ، وَمَعْرِفَةُ مَا زَادَ عَلَى " ده نيم " فِي الْمَتَاعِ وَ " ده يازده " فِي الْحَيَوَانِ وَ " ده دوازده " فِي الْعَقَارِ، أَوْ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْفِقْهِ. انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْرِفَةَ نَفْسِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ الدَّاخِلِ تَحْتَ أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْفِقْهِ فَمَمْنُوعٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ لَا يُمَارِسُ الْعِلْمَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْفِقْهِ يُعْرَفُ بِاخْتِلَاطِهِ بِالنَّاسِ وَتَعَامُلِهِ مَعَهُمْ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى " ده نيم " فِي الْمَتَاعِ وَ " ده يازده " فِي الْحَيَوَانِ، وَ " ده دوازده " فِي الْعَقَارِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ غَبْنٌ يَسِيرٌ كَمَا هُوَ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّوقِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْرِفَةَ عِبَارَاتِ أَهْلِ الشَّرْعِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْيَسِيرِ وَاصْطِلَاحَاتِهِمْ فِيهِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْفِقْهِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي ذَلِكَ شَيْئًا، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ مِنْ الْفَاحِشِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي

(وَإِذَا وَكَّلَ الْحُرُّ الْبَالِغُ أَوْ الْمَأْذُونُ مِثْلَهُمَا جَازَ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالْعَاقِلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ لَا يَجُوزُ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَقْلِ مِمَّا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الْمَأْذُونُ لِيَشْمَلَ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ، فَإِنَّ تَوْكِيلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَهُ جَائِزٌ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِمَا. ثُمَّ إنَّ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْمِثْلِيَّةِ فِي صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ فَوْقَهُ كَتَوْكِيلِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْحُرَّ أَوْ مَنْ دُونَهُ كَتَوْكِيلِ الْحُرِّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ مَالِكٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَكِيلَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ) يَشْمَلُ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ مِنْ الْمِثْلِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالدُّونِيَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: وَلَوْ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ أَشْمَلَ لِتَنَاوُلِهِ تَوْكِيلَ الْحُرِّ الْبَالِغِ مِثْلَهُ أَوْ الْمَأْذُونَ، وَتَوْكِيلُ الْمَأْذُونِ مِثْلَهُ أَوْ الْحُرَّ الْبَالِغَ انْتَهَى. وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَدْ رَامَ تَوْجِيهَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ: وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَهُمَا جَوَازُ تَوْكِيلِ مَنْ كَانَ فَوْقَهُمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّهُ لَا يُجْدِي كَثِيرٌ طَائِلٌ، إذْ يَبْقَى حِينَئِذٍ جَوَازُ تَوْكِيلِ مَنْ كَانَ دُونَ الْمُوَكِّلِ مَحَلًّا لِلْكَلَامِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ كَانَ فَوْقَهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ سَمَاجَةٍ إذْ لَا أَحَدَ فَوْقَ الْحُرِّ الْبَالِغِ

(وَإِنْ وَكَّلَ) أَيْ الْحُرُّ الْبَالِغُ أَوْ الْمَأْذُونُ (صَبِيًّا مَحْجُورًا يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ جَازَ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْحُقُوقُ) أَيْ حُقُوقُ مَا بَاشَرَاهُ مِنْ الْعَقْدِ كَالْقَاضِي وَأَمِينِهِ حَيْثُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمَا فِيمَا فَعَلَاهُ (وَتَتَعَلَّقُ بِمُوَكَّلِهِمَا) وَإِنَّمَا جَازَ تَوْكِيلُهُمَا عِنْدَنَا لِانْتِفَاءِ مَا يَمْنَعُهُ، أَمَّا مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ فَلِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ مَالِكٌ لَهُ) أَيْ لِلتَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ وَلِهَذَا صَحَّ طَلَاقُهُ وَإِقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُهُ) أَيْ التَّصَرُّفَ (فِي حَقِّ الْمَوْلَى) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ (وَالتَّوْكِيلُ لَيْسَ تَصَرُّفًا فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ تَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ الْعِبَارَةِ وَالْعَبْدُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ صِحَّتَهَا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا (إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ (الْتِزَامُ الْعُهْدَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ أَمَّا الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَلِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ بِعَدَمِ الْبُلُوغِ (وَالْعَبْدُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ) أَيْ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَلِثُبُوتِ حَقِّ سَيِّدِهِ فِي مَالِيَّتِهِ، فَلَوْ لَزِمَهُ الْعُهْدَةُ لَتَضَرَّرَ بِهِ الْمَوْلَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَتَلْزَمُ) أَيْ الْعُهْدَةُ (الْمُوَكِّلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِمَا حَيْثُ انْتَفَعَ بِتَصَرُّفِهِمَا.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أُعْتِقَ لَزِمَهُ الْعُهْدَةُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ لُزُومِهَا كَانَ حَقَّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ لُزُومِهَا كَانَ قُصُورَ أَهْلِيَّتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ مُلْزِمًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَيْضًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْوَجْهِ مِمَّا ذُكِرَ صَرِيحًا فِي الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ قَاضِي خَانْ. ثُمَّ إنَّ فِي تَقْيِيدِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ بِقَوْلِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مَأْذُونَيْنِ تَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِهِمَا لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ. وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ إذَا وُكِّلَ بِالْبَيْعِ فَبَاعَ لَزِمَهُ الْعُهْدَةُ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا وَإِذَا وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ؛ فَإِنْ وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا بَلْ تَكُون الْعُهْدَةُ عَلَى
(8/14)

قَالَ (وَالْعَقْدُ الَّذِي يَعْقِدُهُ الْوُكَلَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ) : كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، فَكَذَا تَوَابِعُهُ وَصَارَ كَالرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْآمِرِ حَتَّى إنَّ الْبَائِعَ يُطَالِبُ الْآمِرَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ ضَمَانُ كَفَالَةٍ لَا ضَمَانُ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ مَا يُفِيدُ الْمِلْكَ لِلضَّامِنِ فِي الْمُشْتَرِي، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هَذَا الْتَزَمَ مَالًا فِي ذِمَّتِهِ اسْتَوْجَبَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ، وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ لَا ضَمَانُ الْكَفَالَةِ.
وَأَمَّا إذَا وُكِّلَ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ حَالٍّ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْعُهْدَةُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ ضَمَانُ ثَمَنٍ حَيْثُ مَلَّكَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ بِالثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْ الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَ مِنْهُ وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ بِمَا يَضْمَنُ مِنْ الثَّمَنِ لَا يُمَلِّكُ الْمُشْتَرِيَ لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ حَبْسَهُ بِذَلِكَ فَكَانَ ضَمَانَ كَفَالَةٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَالْجَوَابُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا وُكِّلَ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ الْمَحْجُورَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِمَا الْحُقُوقُ فَلِقَبْضِهِمَا الثَّمَنَ وَتَسْلِيمِهِمَا الْمَبِيعَ اعْتِبَارٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ بَعْدُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ فِي التَّوْكِيلِ بِعَقْدِ السَّلَمِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الْبَائِعِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ مَحْجُورٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ مَجْنُونٌ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، وَقِيلَ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ مَحْجُورٌ مَقَامَ مَجْنُونٍ. قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ عِنْدَ نَقْلِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: وَفِي الْكَافِي لِلْعَلَّامَةِ النَّسَفِيِّ: ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ أَوْ عَبْدٌ مَحْجُورٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ مَجْنُونٌ تَصْحِيفٌ انْتَهَى (لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ (دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى) ظَنِّ (أَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ إلَّا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ (فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ يَتَخَيَّرُ) ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ عَنْهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَصَارَ (كَمَا إذَا عَثَرَ) أَيْ اطَّلَعَ (عَلَى عَيْبٍ) أَيْ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا عَدَمُ الرِّضَا. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَلَا لِلْبَائِعِ ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ.

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْعُقُودُ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوُكَلَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ) وَقَالَ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ: وَالْعَقْدُ الَّذِي يَعْقِدُهُ الْوُكَلَاءُ: أَيْ جِنْسُ الْعَقْدِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ) أَيْ تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ وَيُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ) أَقُولُ: هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ تَنْتَقِضُ بِمَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ صَبِيًّا مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ، فَإِنَّ حُقُوقَ عَقْدِهِمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَمَا عَرَفْته فِيمَا مَرَّ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ (لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ فَكَذَا تَوَابِعُهُ وَصَارَ) أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ فِي هَذَا الضَّرْبِ (كَالرَّسُولِ) فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: كُنْ رَسُولِي فِي بَيْعِ عَبْدِي وَحُقُوقُ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ بِلَا خِلَافٍ (وَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ) أَيْ وَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي فَإِنَّ حُقُوقَ عَقْدِ النِّكَاحِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ اتِّفَاقًا كَمَا سَيَجِيءُ
(8/15)

وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْعَاقِدُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقُومُ بِالْكَلَامِ، وَصِحَّةُ عِبَارَتِهِ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ كَانَ سَفِيرًا عَنْهُ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ كَالرَّسُولِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَصِيلًا فِي الْحُقُوقِ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْكِتَابِ (يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ إذَا اشْتَرَى، وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ وَيُخَاصِمُ فِي الْعَيْبِ وَيُخَاصِمُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْعَاقِدُ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذَا الضَّرْبِ هُوَ الْعَاقِدُ (حَقِيقَةً) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ (لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقُومُ بِالْكَلَامِ وَصِحَّةُ عِبَارَتِهِ) أَيْ وَصِحَّةُ عِبَارَةِ الْعَاقِدِ: أَيْ صِحَّةُ كَلَامِهِ (لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا لَهُ أَهْلِيَّةُ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ لَا لِكَوْنِهِ وَكِيلًا) ، فَكَانَ الْعَقْدُ الْوَاقِعُ مِنْهُ وَلِغَيْرِهِ سَوَاءً.
وَفِي الْكَافِي: فَقَضِيَّتُهُ تَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ الْحَاصِلُ بِالتَّصَرُّفِ وَاقِعًا لَهُ غَيْرَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا اسْتَنَابَهُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ جَعَلْنَاهُ نَائِبًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَرَاعَيْنَا الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ (وَكَذَا حُكْمًا) أَيْ وَكَذَا الْوَكِيلُ فِي هَذَا الضَّرْبِ هُوَ الْعَاقِدُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ لَوْ كَانَ سَفِيرًا) عَنْهُ (لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ (كَالرَّسُولِ) وَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُمَا لَا يَسْتَغْنِيَانِ عَنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ (وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ) أَيْ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ فِي هَذَا الضَّرْبِ هُوَ الْعَاقِدُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (كَانَ أَصِيلًا فِي الْحُقُوقِ فَتَتَعَلَّقُ) حُقُوقُ الْعَقْدِ (بِهِ) أَيْ تَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ (فَلِهَذَا) أَيْ فَلِكَوْنِ الْوَكِيلِ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَصْلًا فِي الْحُقُوقِ (قَالَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ. وَقِيلَ: أَيْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَبْسُوطِ (يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ) أَيْ يُسَلِّمُ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ (وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ) إذَا بَاعَ (وَيُطَالَبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ: أَيْ يُطَالَبُ الْوَكِيلُ (بِالثَّمَنِ إذَا اشْتَرَى وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ) أَيْ وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ إذَا اشْتَرَى (وَيُخَاصَمُ فِي الْعَيْبِ وَيُخَاصِمُ فِيهِ) بِفَتْحِ الصَّادِ فِي الْأَوَّلِ وَكَسْرِهَا فِي الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ فِيمَا إذَا بَاعَ، وَالثَّانِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا فَائِدَةً جَلِيلَةً يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهَا قَدْ ذَكَرَهَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحُقُوقَ نَوْعَانِ: حَقٌّ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ، وَحَقٌّ يَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ. فَالْأَوَّلُ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ وَمُطَالَبَةِ ثَمَنِ الْمُشْتَرِي وَالْمُخَاصَمَةِ فِي الْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِثَمَنٍ مُسْتَحَقٍّ. فَفِي هَذَا النَّوْعِ لِلْوَكِيلِ وِلَايَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَكِنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَا يُجْبِرُهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي الْعَمَلِ بَلْ يُوَكِّلُ الْمُوَكِّلُ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ بَعْضُ هَذَا، وَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ فَوِلَايَةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا وَكَّلُوا مُوَكِّلَ مُورِثِهِمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْمُوَكَّلِ وِلَايَةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِلَا تَوْكِيلٍ مِنْ الْوَكِيلِ أَوْ وَارِثِهِ. وَفِي النَّوْعِ الْآخَرِ يَكُونُ الْوَكِيلُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُجْبِرَ الْوَكِيلَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَأَخَوَاتِهِمَا إلَى هُنَا كَلَامُهُ (وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْوَكِيلِ، هَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ إنَّ الْحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ يَتَعَلَّقُ
(8/16)

اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ كَالْعَبْدِ يُتَّهَبُ وَيُصْطَادُ هُوَ الصَّحِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْمُوَكِّلِ فَكَذَا تَوَابِعُهُ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً، لَكِنْ لَا أَصَالَةَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ تَوَابِعُهُ أَيْضًا بَلْ خِلَافَةٌ عَنْ الْوَكِيلِ، وَمَعْنَى الْخِلَافِ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً وَيَنْعَقِدَ السَّبَبُ مُوجِبًا حُكْمَهُ لِلْوَكِيلِ فَكَانَ الْمُوَكِّلُ قَائِمًا مَقَامَ الْوَكِيلِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ (اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ خَلَفٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ فِي حَقِّ اسْتِفَادَةِ التَّصَرُّفِ وَالْمُوَكِّلَ خَلَفٌ عَنْ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْمِلْكِ (كَالْعَبْدِ يُتَّهَبُ وَيُصْطَادُ) فَإِنَّهُ إذَا اُتُّهِبَ: أَيْ قَبِلَ الْهِبَةَ وَاصْطَادَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى ابْتِدَاءً خِلَافَةً عَنْ الْعَبْدِ، فَإِنْ وَلَّاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمِلْكِ بِذَلِكَ السَّبَبِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ جِهَتَيْنِ: جِهَةُ حُصُولِهِ بِعِبَارَتِهِ وَجِهَةُ نِيَابَتِهِ، وَإِعْمَالُهُمَا وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا، فَلَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ وَالْحُقُوقَ لِلْوَكِيلِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ لِحُصُولِهِمَا بِعِبَارَتِهِمْ وَأَهْلِيَّتِهِ بَطَلَ تَوْكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ أَثْبَتْنَاهُمَا لِلْمُوَكِّلِ بَطَلَ عِبَارَةُ الْوَكِيلِ. فَأَثْبَتْنَا الْمِلْكَ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ الْغَرَضُ مِنْ التَّوْكِيلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ فَتُعَيَّنُ الْحُقُوقُ لِلْوَكِيلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ لِغَيْرِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَيَصْطَادُ فَإِنَّ مَوْلَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمِلْكِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمِلْكَ طَرِيقَةُ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: قَوْلُ أَبِي طَاهِرٍ أَصَحُّ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (هُوَ الصَّحِيحُ) وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ طَرِيقَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَهِيَ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِلَيْهَا ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهِيَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّحْرِيرِ، وَإِنَّمَا قَالَ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا اشْتَرَى مَنْكُوحَتَهُ أَوْ قَرِيبَهُ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَجَوَابُهُ أَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ مُسْتَقِرٍّ دَائِمٍ وَمِلْكُ الْوَكِيلِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلَا دَائِمٍ فِيهِ بَلْ يَزُولُ عَنْهُ فِي ثَانِي الْحَالِ وَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ بِاعْتِبَارِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ.
قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ حُرَّةً عَلَى رَقَبَتِهَا فَأَجَازَ مَوْلَاهَا فَإِنَّهُ تَصِيرُ الْأَمَةُ مَهْرًا لِلْحُرَّةِ وَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ وَإِنْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلزَّوْجِ فِيهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ حَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْحُرَّةِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ إطْلَاقَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ انْتَهَى. أَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا النَّظَرِ
(8/17)

قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ (وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إلَى مُوَكِّلِهِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَلَا يُطَالَبُ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلَ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَانَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ظَاهِرٌ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمِلْكَ الْكَامِلَ هُوَ الْمِلْكُ الْمُسْتَقِرُّ فَلَا مُخَالَفَةَ. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: إنَّ الْقَاضِيَ أَبَا زَيْدٍ خَالَفَهُمَا وَقَالَ: الْوَكِيلُ نَائِبٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ أَصِيلٌ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ، فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ لَهُ ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ قِبَلِهِ فَوَافَقَ أَبَا الْحَسَنِ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ، وَوَافَقَ أَبَا طَاهِرٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَهَذَا حَسَنٌ، كَذَا ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ وَالْفَتَاوَى الصُّغْرَى (قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) أَرَادَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، وَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْقَصْرُ عَلَيْهِ قُصُورٌ بَلْ الظَّاهِرُ عُمُومُ الْحَوَالَةِ لِمَا يَذْكُرُهُ فِي فَصْلٍ فِي الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ إلَخْ. أَقُولُ: الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْوَكِيلَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِمُقْتَضَى تَعَلُّقِ حُقُوقِ عَقْدِ الشِّرَاءِ بِالْوَكِيلِ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إنْ بَقِيَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ يَبْقَى حَقُّ الرَّدِّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ بَلْ كَانَ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ لِانْتِهَاءِ حُكْمِ الْوَكَالَةِ بِالتَّسْلِيمِ فَيَتَوَقَّفُ الرَّدُّ عَلَى إذْنِ الْمُوَكِّلِ. وَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ هَاهُنَا وَكَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ أَحَالَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ بِقَوْلِهِ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ إلَخْ فَمِمَّا لَا مِسَاسَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رُدَّ الْعَبْدُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِعَيْبٍ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ قَاصِرَةٍ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ وَرَاءَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ يَجْرِي بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ لَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ الْعَيْبِ، فَلِهَذَا لَمْ يُعَمِّمْهَا الشُّرَّاحُ كَمَا تَوَهَّمَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ) أَيْ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ (إلَى مُوَكِّلِهِ) هَذِهِ ضَابِطَةُ الضَّرْبِ الثَّانِي: أَيْ كُلُّ عَقْدٍ لَا يَسْتَغْنِي الْوَكِيلُ فِيهِ عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ (كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ) فَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (فَلَا يُطَالَبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلَ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا) أَيْ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا (لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ (سَفِيرٌ مَحْضٌ) أَيْ مُعَبِّرٌ مَحْضٌ حَاكٍ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ، وَمَنْ حَكَى قَوْلَ الْغَيْرِ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ قَوْلِ ذَلِكَ الْغَيْرِ (أَلَا يُرَى أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ) كَيْفَ (وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَانَ النِّكَاحُ) مَثَلًا (لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ نَفْسِهِ فَيَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْوَكَالَةِ وَالْكَلَامِ فِيهِ (فَصَارَ كَالرَّسُولِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْوَكِيلُ فِي هَذَا الضَّرْبِ سَفِيرًا مَحْضًا فَقَدْ صَارَ كَالرَّسُولِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُكْمَ
(8/18)

وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَيَتَلَاشَى فَلَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ شَخْصٍ وَثُبُوتُ حُكْمِهِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ سَفِيرًا.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَخَوَاتِهِ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الرِّسَالَةِ يَرْجِعُ إلَى الْمُرْسِلِ دُونَ الرَّسُولِ (وَهَذَا) يَعْنِي كَوْنَ الْحُقُوقِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ مُتَعَلِّقَةً بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، وَهَذَا عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ هَذَا مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ دَلِيلٍ عَلَى مُدَّعٍ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ إلَخْ، وَيُرِيدُ بِهِ بِذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ لَمِّيٍّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ دَلِيلًا إنِّيًّا فَهَاهُنَا لَمَّا بَيَّنَ إنِّيَّةَ كَوْنِ الْحُقُوقِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ مُتَعَلِّقَةً بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ بِكَوْنِ الْوَكِيلِ فِيهَا سَفِيرًا مَحْضًا غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَمِّيَّتَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ (لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ) حَتَّى لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ، إذْ الْخِيَارُ يَدْخُلُ عَلَى الْحُكْمِ فَيُوجِبُ تَرَاخِيَهُ عَنْ السَّبَبِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ (إسْقَاطٌ) أَيْ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطَاتِ.
أَمَّا فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلِأَنَّ مَحَلَّ النِّكَاحِ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، وَهُنَّ فِي الْأَصْلِ خُلِقْنَ حَرَائِرَ وَالْحُرِّيَّةُ تَسْتَدْعِي انْتِفَاءَ وُرُودِ الْمِلْكِ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِهَا، إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ أَثْبَتَ نَوْعَ مِلْكٍ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِالنِّكَاحِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّسْلِ، فَكَانَ ذَلِكَ إسْقَاطًا لِمَعْنَى الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْحُرِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ الْكُرْدِيِّ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ فَكَانَ النِّكَاحُ إسْقَاطًا لِلْحُرْمَةِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي. وَإِذَا كَانَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ إسْقَاطًا (فَيَتَلَاشَى) أَيْ فَيَضْمَحِلُّ (فَلَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ) أَيْ صُدُورُ السَّبَبِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ (مِنْ شَخْصٍ وَثُبُوتُ حُكْمِهِ لِغَيْرِهِ) كَمَا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ (فَكَانَ سَفِيرًا) أَيْ فَكَانَ الْوَكِيلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَفِيرًا مَحْضًا.
فَإِنْ قُلْت: لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ بَلْ فِي الْحُقُوقِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ؟ قُلْت: إنَّهُمْ قَالُوا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ، وَتَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِالْوَكِيلِ اعْتِبَارًا لِعِبَارَتِهِ، وَهَا هُنَا إذَا لَمْ يَنْفَصِلْ الْحُكْمُ عَنْ الْعِبَارَةِ لِكَوْنِهَا لِلْإِسْقَاطِ، فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ لِلْوَكِيلِ أَوْ تَنْتَقِلَ الْعِبَارَةُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ التَّوْكِيلَ وَيُنَافِي الْإِضَافَةَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ سَفِيرًا

(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى مُوَكِّلِهِ (مِنْ أَخَوَاتِهِ) أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ الَّتِي بَيْنَهُنَّ أُخُوَّةٌ: أَيْ مُشَارَكَةٌ فِي الْحُكْمِ (الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ) .
(8/19)

وَالْكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ. فَأَمَّا الصُّلْحُ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَالْوَكِيلُ بِالْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالْإِقْرَاضِ سَفِيرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَوْلُهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ. وَقَوْلُهُ مِنْ أَخَوَاتِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِمُبْتَدَإٍ ثَانٍ وَهُوَ قَوْلُهُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ. وَالْجُمْلَةُ أَعْنِي الْمُبْتَدَأَ الثَّانِيَ مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، فَحَاصِلُ الْمَعْنَى وَمِنْ أَخَوَاتِ الضَّرْبِ الثَّانِي الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا: أَيْ الْعُقُودُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ أَخَوَاتِهَا الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَقَالَ: إنَّمَا فَسَّرْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ عَلَى مَالٍ وَأَخَوَاتِهِ مِنْ مَشْمُولَاتِ الضَّرْبِ الثَّانِي لَا مِنْ أَخَوَاتِهِ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ التَّرْكِيبُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ أَصْلًا فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَأَخَوَاتِهِ مِنْ مَشْمُولَاتِ الضَّرْبِ الثَّانِي لَا مِنْ أَخَوَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الضَّرْبِ الثَّانِي وَمَشْمُولَاتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إضَافَةُ الْأَخَوَاتِ إلَى ضَمِيرِ الضَّرْبِ الثَّانِي لِكَوْنِهَا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِالْأَخَوَاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مُشَارَكَتِهَا فِي الْحُكْمِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ مِنْ أَخَوَاتِهِ. نَعَمْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْإِضَافَةِ اعْتِبَارُ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، لَكِنَّ قَرِينَةَ الْمَقَامِ صَارِفَةٌ عَنْهُ إلَى مَا قُلْنَا فَتَدَبَّرْ (وَالْكِتَابَةُ) عَطْفٌ عَلَى الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ الْكَلَامِ السَّابِقِ؛ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ) وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْعُقُودَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرْبِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ دُونَ الْمُعَاوَضَاتِ.
أَمَّا الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةُ فَلِأَنَّ الْبَدَلَ فِيهِمَا بِمُقَابَلَةِ إزَالَةِ الرِّقِّ وَفَكِّ الْحَجْرِ. وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلِأَنَّ الْبَدَلَ فِيهِ بِمُقَابَلَةِ دَفْعِ الْخُصُومَةِ وَافْتِدَاءِ الْيَمِينِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَأَمَّا الصُّلْحُ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ) أَرَادَ بِالصُّلْحِ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى الْبَيْعِ الصُّلْحَ عَنْ إقْرَارٍ فِيمَا إذَا كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ فَإِنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ أَوْ كَانَ عَلَى بَعْضِ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الدَّيْنِ فَهُوَ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ عَنْ إقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ فَكَانَ الْوَكِيلُ فِيهِ سَفِيرًا مَحْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ وَالتَّوْكِيلُ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ.
أَقُولُ: فَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا وَقَعَ هَاهُنَا فِي الشُّرُوحِ مِنْ تَفْسِيرِ الصُّلْحِ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى الْبَيْعِ بِالصُّلْحِ عَنْ إقْرَارٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَقْصِيرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَرَامِ وَتَحْقِيقِ الْمَقَامِ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا هَاهُنَا لَمَا بَدَّلَ الْمُصَنِّفُ اللَّفْظَ الْيَسِيرَ بِاللَّفْظِ الْكَثِيرِ (وَالْوَكِيلُ بِالْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالْإِقْرَاضِ سَفِيرٌ أَيْضًا) وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ لِفُلَانٍ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ أَوْ يُودِعَهُ أَوْ يُرْهِنَهُ فَقَبَضَ الْوَكِيلُ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِرَدِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى يَدِهِ، وَلَا أَنْ يَقْبِضَ الْوَدِيعَةَ وَالْعَارِيَّةَ وَلَا الرَّهْنَ وَلَا الْقَرْضَ مِمَّنْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ هَذِهِ الْعُقُودِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ فِيهِ أَصِيلًا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي يُلَاقِيهِ الْقَبْضُ فَكَانَ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا عَنْ الْمَالِكِ انْتَهَى. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا) أَيْ فِي الْعُقُودِ الْمَذْكُورَةِ (يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ) أَيْ
(8/20)

وَأَنَّهُ يُلَاقِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ، إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِقَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَنَظَائِرِهِمَا (وَأَنَّهُ) أَيْ الْقَبْضَ (يُلَاقِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ) أَيْ لِغَيْرِ الْوَكِيلِ، فَالْحُكْمُ أَيْضًا يُلَاقِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِغَيْرِ الْوَكِيلِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (فَلَا يُجْعَلُ) أَيْ الْوَكِيلُ (أَصِيلًا) لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقُومُ بِالْقَبُولِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصِيلًا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي التَّكَلُّمِ وَكَلَامُهُ مَمْلُوكٌ لَهُ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَقَوْلُهُ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا مُقْتَضَاهُ أَصِيلًا فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَيَدْفَعُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا لَاقَى مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِغَيْرِ الْوَكِيلِ كَانَ ثَابِتًا لِمَنْ لَهُ الْمَحَلُّ وَالْحُقُوقُ فِيمَا يُثْبِتُ الْحُكْمَ بِالْعِبَارَةِ وَحْدَهَا فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْحُكْمُ الِانْفِصَالَ عَنْهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْمُوَكِّلِ بِجَعْلِ الْعِبَارَةِ سِفَارَةً فَفِيمَا احْتَاجَ إلَى الْقَبْضِ أَوْلَى لِضَعْفِهَا فِي الْعَلِيَّةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: مَا اسْتِشْكَالُهُ بِشَيْءٍ وَلَا دَفْعُهُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَمْ يُجْعَلْ أَصِيلًا فِي الْحُكْمِ ثَبَتَ أَيْضًا مَا فِيهِ الْكَلَامُ وَهُوَ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِالْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، إذْ قَدْ كَانَ مَبْنَى تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِالْوَكِيلِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَكِيلُ أَصِيلًا فِي الْحُكْمِ، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ فِي الْعُقُودِ الْمَذْكُورَةِ أَصِيلًا فِيهِ تَعَيَّنَ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ فِيهَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى انْتِقَالِ الْحُقُوقِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْحُكْمُ الِانْفِصَالَ عَنْ الْعِبَارَةِ لَيْسَ إلَّا كَوْنُ السَّبَبِ إسْقَاطًا مُتَلَاشِيًا، وَالسَّبَبُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلَا مُسَاوَاةَ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلَوِيَّةِ. وَأَمَّا الضَّعْفُ فِي الْعَلِيَّةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْخَلٌ فَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ نَفْسِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ لَا فِي حَقِّ الِانْتِقَالِ فَتَأَمَّلْ.
(وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ وَكَّلَهُ بِالِاسْتِيهَابِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ الِارْتِهَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ الْوَكِيلُ سَفِيرًا أَيْضًا فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ وَالْحُقُوقُ كُلُّهَا بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ. وَفِي الْعِنَايَةِ: أَمَّا إذَا قَبَضَ الْمُوَكِّلُ فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ لِلْمُوَكِّلِ، وَتَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِالْوَكِيلِ لِاجْتِمَاعِ الْقَوْلِ وَالْقَبْضِ. وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى مُوَكِّلِهِ وَهِيَ تَجْعَلُ الْقَبْضَ لَهُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ انْتَهَى (وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ) يَعْنِي إذَا وَكَّلَ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ يَكُونُ الْوَكِيلُ سَفِيرًا أَيْضًا وَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى مُوَكِّلِهِ، حَتَّى لَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ يَقَعُ عَنْهُ لَا عَنْ مُوَكِّلِهِ (إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ) اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: " وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ " (حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ) فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَ الَّذِي اسْتَقْرَضَهُ مِنْ الْآمِرِ، وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ
(8/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَالِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَاعْلَمْ أَنِّي أُعِيدُ لَك هَاهُنَا مَا ذَكَرْته فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَأَزِيدُك مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ لِكَوْنِ الْمَقَامِ مِنْ مَعَارِكِ الْآرَاءِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَك فَاحْمَدْ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ سَمَحَ ذِهْنُك بِخِلَافِهِ فَلَا مَلُومَةَ فَإِنَّ جَهْدَ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ: التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَرُدَّ بِالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّهُ هُوَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ مِلْكُهُ. وَأُورِدَ بِأَنَّهُ هَلَّا جُعِلَ مَحَلُّهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ الْبَدَلَ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ إيفَاءِ الْقَرْضِ لَا الِاسْتِقْرَاضِ. وَأُورِدَ التَّوْكِيلُ بِالِاتِّهَابِ وَالِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَلَا مَحَلَّ لَهُ سِوَى الْمُسْتَعَارِ وَالْمَوْهُوبِ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ بَدَلٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ فَيُجْعَلُ مَحَلًّا لِلتَّوْكِيلِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُسْتَعَارَ وَالْمَوْهُوبَ مَحَلُّ التَّوْكِيلِ بِالْإِعَارَةِ وَالْهِبَةِ لَا الِاسْتِعَارَةُ وَالِاتِّهَابُ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ فِيهِمَا عِبَارَةُ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِجَعْلِهَا مُوجِبَةً لِلْمِلْكِ عِنْدَ الْقَبْضِ بِإِقَامَةِ الْمُوَكِّلِ مَقَامَ نَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلْيَكُنْ فِي الِاسْتِقْرَاضِ كَذَلِكَ. فَالْجَوَابُ أَنَّا اعْتَبَرْنَا الْعِبَارَةَ مَحَلًّا لِلتَّوْكِيلِ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَنَحْوِهَا ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْعَقْدِ خَلَفًا عَنْ بَدَلٍ يَلْزَمُ فِي الذِّمَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَدَلٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ اعْتَبَرْنَاهَا مَحَلًّا لَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَفِيهِ بَدَلٌ مُعْتَبَرٌ لِلْإِيفَاءِ فِي الذِّمَّةِ لَزِمَ اجْتِمَاعُ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةِ عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِبُطْلَانِ التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَهُوَ الدَّلِيلُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَمُخْتَارِ جُمْهُورِ الشُّرَّاحِ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي صَدْرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَيْسَ بِتَامٍّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَالْأَمْرَ بِهِ إنَّمَا لَا يَجُوزُ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَرِضَاهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِلْكَ الْغَيْرِ أَوْ أَمَرَ بِغَصْبِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ فَيَجُوزُ قَطْعًا؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ لِنَفْسِهِ يَقْبِضُ الْمَالَ الْمُسْتَقْرَضَ الَّذِي هُوَ مِلْكُ الْمُقْرِضِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ يَقْبِضُ الْمُسْتَعَارَ الَّذِي هُوَ مِلْكُ الْمُعِيرِ وَيَسْتَعْمِلُهُ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْمُقْرِضِ بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ لَا بِالْجَبْرِ وَالْغَصْبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّدِّ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الشِّرَاءِ مِنْ أَنَّهُ أَمْرٌ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ أَمْرٌ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ بِإِيجَادِ الْعَقْدِ، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ مِنْ مُتَفَرِّعَاتِ الْعَقْدِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ أَمْرًا بِقَبْضِ الْمَبِيعِ. سَلَّمْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ أَمْرٌ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَمْرٌ بِهِ بَعْدَ إيجَادِ
(8/22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَقْدِ لَا قَبْلَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْمَبِيعُ بَعْدَ إيجَادِ الْعَقْدِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لَا مِلْكُ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ الِاسْتِقْرَاضِ فَإِنَّ الْمُسْتَقْرَضَ لَا يَكُونُ مِلْكَ الْمُسْتَقْرِضِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بَلْ بِالْقَبْضِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. فَالصَّوَابُ فِي تَمْشِيَةِ النَّقْضِ بِالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَمْرٌ بِتَمَلُّكِ الْمَبِيعِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ كَمَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ إنَّ مَحَلَّهُ هُوَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ أَنَّ مَحَلَّ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ هُوَ نَفْسُ الثَّمَنِ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ إنَّمَا هُوَ مَحَلُّ التَّوْكِيلِ بِإِيفَاءِ الثَّمَنِ بَعْدَ تَمَامِ عَقْدِ الشِّرَاءِ لَا مَحَلُّ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّهُ هُوَ إيجَابُ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ جَوَابُهُ عَنْ الْإِيرَادِ الْآتِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ هُوَ أَنَّهُ هَلَّا جُعِلَ مَحَلُّهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ أَيْضًا إيجَابَ الْبَدَلِ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَتَيَسَّرُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ إيفَاءِ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ إيفَائِهِ هُوَ نَفْسُ الْبَدَلِ لَا إيجَابُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ.
بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْبَدَلَ فِي بَابِ الْقَرْضِ إنَّمَا يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ بِالْقَبْضِ لَا بِعَقْدِ الْقَرْضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ الْأَمْرِ بِالْقَبْضِ أَوَّلًا حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ بِإِيجَابِ الْمِثْلِ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ بَعْدُ لِكَوْنِ الْمَقْبُوضِ مِلْكَ الْغَيْرِ. وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّقْضِ بِالِاتِّهَابِ وَالِاسْتِعَارَةِ: إنَّ الْمُسْتَعَارَ وَالْمَوْهُوبَ مَحَلُّ التَّوْكِيلِ بِالْإِعَارَةِ وَالْهِبَةِ لَا الِاسْتِعَارَةِ وَالِاتِّهَابِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ فِيهِمَا عِبَارَةُ الْمُوَكِّلِ غَيْرُ تَامٍّ، فَإِنَّهُ إنْ قَالَ الْوَكِيلُ بِالِاسْتِعَارَةِ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَسْتَعِيرُ مِنْك كَذَا، وَقَالَ الْوَكِيلُ بِالِاتِّهَابِ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَتَّهِبُ مِنْك كَذَا، فَإِنَّهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَا مُتَصَرِّفَيْنِ فِي عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يُخْرِجَا الْكَلَامَ حِينَئِذٍ مَخْرَجَ الْوَكَالَةِ بَلْ أَخْرَجَاهُ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ دُونَ الرِّسَالَةِ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ صَحِيحَةٌ فِي الِاسْتِقْرَاضِ أَيْضًا حَتَّى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَوْ أَخْرَجَ كَلَامَهُ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ فَقَالَ إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا كَانَ مَا اسْتَقْرَضَهُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ بِالِاسْتِعَارَةِ: أَسْتَعِيرُ مِنْك كَذَا لِفُلَانٍ الْمُوَكِّلِ، وَقَالَ الْوَكِيلُ بِالِاتِّهَابِ أَتَّهِبُ مِنْك كَذَا لِفُلَانٍ الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّمَا فِي هَاتِيكَ الصُّورَةِ جَرْيًا عَلَى حُكْمِ وَكَالَتِهِمَا وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مُتَصَرِّفَيْنِ فِي عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا حَيْثُ لَمْ يَحْكِيَا عَنْهُ كَلَامًا، بَلْ إنَّمَا تَكَلَّمَا بِكَلَامِ أَنْفُسِهِمَا إلَّا أَنَّهُمَا أَضَافَا الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِمَا كَمَا فِي سَائِرِ صُوَرِ الضَّرْبِ الثَّانِي، فَأَيْنَ يَتَمَشَّى الْقَوْلُ بِأَنَّ مَحَلَّ التَّوْكِيلِ فِيهِمَا عِبَارَةُ الْمُوَكِّلِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْهُ يُخَالِفُ صَرِيحَ مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَارْتَضَاهُ كِبَارُ الشُّرَّاحِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِنَقْلِ الْعِبَارَةِ إنَّمَا هُوَ الرِّسَالَةُ، فَإِنَّ الرَّسُولَ مُعَبِّرٌ وَالْعِبَارَةُ مِلْكُ الْمُرْسِلِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ.
وَأَمَّا الْوَكَالَةُ فَغَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ الْعِبَارَةَ فِيهَا لِلْوَكِيلِ. وَأَمَّا خَامِسًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَالْجَوَابُ إنَّا اعْتَبَرْنَا الْعِبَارَةَ مَحَلًّا لِلتَّوْكِيلِ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَنَحْوِهَا ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْعَقْدِ خَلَفًا عَنْ بَدَلٍ يَلْزَمُ فِي الذِّمَّةِ إلَخْ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْخَلَفِ عَنْ الْبَدَلِ عَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِهِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَأَمَّا فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعَاتِ فَلَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِيَةِ فَلَا مَعْنَى لِحَدِيثِ الْخَلْفِيَّةِ هَاهُنَا.
وَأَيْضًا اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ إنَّمَا تَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ اعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ فِي الِاسْتِقْرَاضِ خَلَفًا عَنْ بَدَلٍ لَا عَدَمَ جَوَازِ اعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْتَبَرَ مَحَلًّا لِلتَّوْكِيلِ فِي الِاسْتِقْرَاضِ أَيْضًا لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ تُجْعَلْ خَلَفًا عَنْ بَدَلٍ؟ أَلَا يُرَى أَنَّهَا اُعْتُبِرَتْ مَحَلًّا لِلرِّسَالَةِ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَلِهَذَا صَحَّتْ الرِّسَالَةُ فِيهِ تَأَمُّلٌ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَالَ بَعْضُهُمْ فِي بَيَانِ بُطْلَانِ اسْتِقْرَاضِ الْوَكِيلِ: إنَّ الْعِبَارَةَ لِلْوَكِيلِ وَالْمَحَلَّ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ مِلْكُ الْغَيْرِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ الَّتِي يَسْتَقْرِضُهَا الْوَكِيلُ مِلْكَ الْمُقْرِضِ، وَالْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ.
قُلْت: هَذَا الَّذِي قَالَ يَبْطُلُ بِالتَّوْكِيلِ بِالِاسْتِعَارَةِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا فَهِمَهُ هَذَا الْقَائِلُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ أَقْرِضْنِي كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا حَتَّى لَا يَكُونَ الْقَرْضُ لِلْمُوَكِّلِ بَلْ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ، إلَّا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَبَلَّغَ
(8/23)

بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فِيهِ.

قَالَ (وَإِذَا طَالَبَ الْمُوَكِّلُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ لِمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إلَى الْعَاقِدِ (فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ حَقُّهُ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْك يَسْتَقْرِضُ كَذَا فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الِاسْتِقْرَاضُ وَيَقَعُ الْقَرْضُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُوَكِّلَ عَنْهُ فَافْهَمْهُ فَفِيهِ غِنًى عَنْ تَطْوِيلٍ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: وَفِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ أَنَّ الْوَكِيلَ هَاهُنَا سَفِيرٌ أَيْضًا لَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ بَلْ بِمُوَكِّلِهِ لِإِضَافَتِهِ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً، وَمِنْهُمْ هَذَا الشَّارِحُ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا مَا فَهِمَهُ هَذَا الشَّارِحُ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِبُطْلَانِ صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ مَعْنًى، إذْ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَصِيرُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ مَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَوْهِبِ وَالْمُرْتَهِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ لَا إلَى الْمُوَكِّلِ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ وَيَكُونُ مَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ لَا لِمُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ كُلَّهَا مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي، وَمِنْ شَرْطِ هَذَا الضَّرْبِ أَنْ يُضِيفَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ، فَإِذَا انْتَفَى بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ قَطْعًا، وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الشَّارِحَ قَدْ هَرَبَ هَاهُنَا عَنْ وَرْطَةٍ وَوَقَعَ فِي وَرْطَةٍ أُخْرَى أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى حَتَّى أَفْسَدَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِقْرَاضِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ. قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَصِحُّ، وَلَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ فِيمَا إذَا اسْتَقْرَضَ لِلْآمِرِ إلَّا إذَا بَلَّغَ عَلَى سَبِيلِ الرِّسَالَةِ فَيَقُولُ أَرْسَلَنِي إلَيْك فُلَانٌ يَسْتَقْرِضُ مِنْك فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُسْتَقْرِضِ: أَيْ الْمُرْسِلِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزٌ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا طَالَبَ الْمُوَكِّلُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ) أَيْ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُوَكِّلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ، لِمَا) تَقَدَّمَ (أَنَّ الْحُقُوقَ تَعُودُ إلَى الْعَاقِدِ) فِي الْبَيْعِ وَأَمْثَالِهِ، وَلِهَذَا إذَا نَهَاهُ الْوَكِيلُ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ صَحَّ، وَإِنْ نَهَاهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَةُ الْمُوَكِّلِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَكِيلِ (فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ) أَيْ إنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ (جَازَ) يَعْنِي وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ جَازَ دَفْعُهُ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا.
فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ لِلْعَطْفِ لَا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَلَكِنْ لَوْ بُدِّلَتْ بِالْوَاوِ لَكَانَ أَحْسَنَ كَمَا لَا يَخْفَى (وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (ثَانِيًا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَتْ مُطَالَبَتُهُ حَقَّ الْوَكِيلِ (وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ)
(8/24)

وَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ الدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْنٌ يَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ يَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ أَيْضًا دُونَ دَيْنِ الْوَكِيلِ وَبِدَيْنِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَ وَحْدَهُ إنْ كَانَ يَقَعُ الْمُقَاصَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ عِنْدَهُمَا وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْفَصْلَيْنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَدْ وَصَلَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إلَى نَفْسِهِ (فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُوَكِّلِ (ثُمَّ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا فِي الصَّرْفِ فَقَبْضُ الْمُوَكِّلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ فِي الصَّرْفِ بِالْقَبْضِ فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ وَلَوْ ثَبَتَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْقَبُولِ وَقَبِلَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ. فَكَذَا إذَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ وَقَبَضَ الْمُوَكِّلُ، أُشِيرَ إلَى هَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ نَفْسِ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ حَقَّ الْمُوَكِّلِ (لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْنٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ أَيْضًا دُونَ دَيْنِ الْوَكِيلِ) حَتَّى لَا يَرْجِعَ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُقَاصَّةَ إبْرَاءٌ بِعِوَضٍ فَتُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَوْ أَبْرَآهُ جَمِيعًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَخَرَجَ الْكَلَامَانِ مَعًا بَرِئَ الْمُشْتَرِي بِإِبْرَاءِ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ فَكَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ احْتَجْنَا إلَى قَضَاءٍ آخَرَ فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَقْضِي لِلْمُوَكِّلِ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ لَمْ نَحْتَجْ إلَى قَضَاءٍ آخَرَ فَجَعَلْنَاهُ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ قَصْرًا لِلْمَسَافَةِ فَقَدْ أَثْبَتْنَا حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ يَمْلِكُ إسْقَاطَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ لَأَثْبَتْنَا حُكْمًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ. وَلَمَا اُسْتُشْعِرَ أَنْ يُقَالَ الْمُقَاصَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ نَفْسِ الثَّمَنِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَإِنَّهَا تَقَعُ بِدَيْنِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي دَيْنٌ عَلَى الْوَكِيلِ وَحْدَهُ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَبِدَيْنِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَ وَحْدَهُ) إنْ كَانَ (تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِمَا أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُشْتَرِي (عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: يَعْنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ عِنْدَهُمَا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ وَحْدَهُ لِعِلَّةِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ بِغَيْرِ عِوَضٍ عَنْ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُمَا فَيَمْلِكُ الْمُقَاصَّةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا إبْرَاءٌ بِعِوَضٍ فَتُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ) أَيْ وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ يَضْمَنُ الثَّمَنَ (لِلْمُوَكِّلِ فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ فِي فَصْلِ الْإِبْرَاءِ وَالْمُقَاصَّةِ، بِخِلَافِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ
(8/25)

(بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) (فَصْلٌ فِي الشِّرَاءِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ الْفَصْلَيْنِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ إبْرَاءُ الْوَكِيلِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مِلْكُ الْمُوَكِّلِ، فَإِبْرَاءُ الْوَكِيلِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى خِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ وَهَبَهُ لِلْمُشْتَرِي. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ خَالِصُ حَقِّ الْوَكِيلِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَكَانَ هُوَ فِي الْإِبْرَاءِ عَنْ الْقَبْضِ مُسْقِطًا حَقَّ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ.
ثُمَّ أَنَّهُ لَمَّا أُسْقِطَ حَقُّ الْقَبْضِ انْسَدَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ بَابُ الِاسْتِيفَاءِ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْقَبْضِ فَصَارَ ضَامِنًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّاهِنِ يَعْتِقُ الْمَرْهُونَ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ وَلَكِنْ يَضْمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ لِانْسِدَادِ بَابِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مِثْلُ هَذَا الْبَيْعِ الَّذِي يُوجِبُ مُقَاصَّةَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ يَصِلُ إلَيْهِ ثَمَنُهُ وَهَا هُنَا لَا يَصِلُ. قُلْت: إنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْآمِرِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْآمِرَ يَمْلِكُ إبْرَاءَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ عِنْدَهُمْ فَيَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ بِعِوَضٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.

[بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]
[فَصْلٌ فِي الْوَكَالَةِ فِي الشِّرَاءِ]
(بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ)
(فَصْلٌ فِي الشِّرَاءِ)
قَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ الْوَكَالَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وُقُوعًا وَأَمَسُّ حَاجَةً وَهُوَ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَدَّمَ فَصْلَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ. وَالْبَيْعُ يُنْبِئُ عَنْ إزَالَتِهِ، وَالْإِزَالَةُ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لِتَقْدِيمِ فَصْلِ الشِّرَاءِ
(8/26)

(قَالَ: وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ضَعِيفُ جِدًّا، بَلْ هُوَ أَمْرٌ وَهْمِيٌّ لَا تَحْقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ كَمَا يُنْبِئُ عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ يُنْبِئُ أَيْضًا عَنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّ الْبَيْعَ كَمَا يُنْبِئُ عَنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَبِيعِ يُنْبِئُ أَيْضًا عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا إنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ سَالِبٌ لِلثَّمَنِ وَالْبَيْعُ عَلَى عَكْسِهِ، فَهُمَا سِيَّانِ فِي الْإِنْبَاءِ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَالْإِزَالَةِ.
وَإِنْ وُجِّهَ بِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْعُمْدَةَ فِي عَقْدِ الْمُبَايَعَةِ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَكْفِي إنْبَاءُ الشِّرَاءِ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَالْبَيْعِ عَنْ الْإِزَالَةِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ. قُلْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ لَيْسَ بِمُقَدَّمٍ عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْبَائِعِ عَنْهُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي كُلِّ مَبِيعٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ هُوَ قَبْلَ زَوَالِ مِلْكِ الْبَائِعِ عَنْهُ مِلْكَانِ مُسْتَقِلَّانِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَلَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَزَوَالَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ مَعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّخْصَيْنِ. وَأَمَّا قَضِيَّةُ كَوْنِ الْإِزَالَةِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّمَا تُجْرَى فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فَهِيَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ. فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَجْهَ فِي تَقْدِيمِ فَصْلِ الشِّرَاءِ عَلَى فَصْلِ الْبَيْعِ مَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَقْدِيمِ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى سَائِرِ أَبْوَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ كَوْنِهِ أَكْثَرَ وُقُوعًا وَأَمَسَّ حَاجَةً، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُوَكِّلُ الْآخَرَ بِالشِّرَاءِ فِي مَأْكِلِهِ وَمَشَارِبِهِ وَمَلَابِسِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي قَلَّمَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ فِي أَوْقَاتِهِ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا، وَقَلَّمَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى شِرَاءَهَا بِنَفْسِهِ.
بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ فِي بَابِ الْبَيْعِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ فِي الْعَيْنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَةِ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ) كَذَا فِي الشُّرُوحِ (فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ) كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ جِنْسٌ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَكَذَا الْجَارِيَةُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ (وَصِفَتُهُ) أَيْ نَوْعُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالتُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، فَقِيلَ الْجِنْسُ هُوَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُتَغَايِرَةٌ، وَالنَّوْعُ اسْمٌ لِأَحَدِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمٍ فَوْقَهُ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مُحَالًا إلَى أَهْلِ الْمَنْطِقِ: الْجِنْسُ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالنَّوْعِ، وَالنَّوْعُ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالشَّخْصِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يُعَرِّفُ بِهِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا لَا حَاصِلَ لَهُ بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُبْهَمٌ مُتَنَاوِلٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مُرَادَةٍ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ هَاهُنَا قَطْعًا. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا لَا يُطَابِقُ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ قَطْعًا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَأَرَادَ بِالْجِنْسِ النَّوْعَ لَا مُصْطَلَحَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَهُوَ الْكُلِّيُّ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالنَّوْعِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، وَالنَّوْعُ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، أَوْ أَرَادَ مُصْطَلَحَ أَهْلِ النَّحْوِ وَهُوَ مَا عُلِّقَ عَلَى شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجِنْسِ مَا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ الْمَهْرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي جَوَّزَ كَوْنَهَا مُرَادَةً بِالْجِنْسِ هَاهُنَا مَنْظُورٌ فِيهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالنَّوْعِ فِي قَوْلِهِ وَأَرَادَ بِالْجِنْسِ النَّوْعَ الْمَنْطِقِيَّ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْأَجْنَاسِ الشَّرْعِيَّةِ مَا لَيْسَ بِنَوْعٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِنَوْعَيْنِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُمَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْنَافِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّوْعَ اللُّغَوِيَّ بِمَعْنَى الْقِسْمِ يَلْزَمُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْوَاعِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ أَصْنَافُهَا أَيْضًا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا قِسْمٌ مِمَّا هُوَ الْأَعَمُّ مِنْهُ، فَلَا يَتَمَيَّزُ الْجِنْسُ الشَّرْعِيُّ عَنْ النَّوْعِ الشَّرْعِيِّ وَمَا دُونَهُ فَيُخْتَلَ مَعْنَى الْمَقَامِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُصْطَلَحُ أَهْلِ النَّحْوِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ. وَحَاصِلُهُ مَا عُلِّقَ عَلَى شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ يَصْدُقُ عَلَى مَا فَرَّقَ الْأَجْنَاسَ الشَّرْعِيَّةَ كَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَالرَّقِيقِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِمَّا يَجْمَعُ الْأَجْنَاسَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَيَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى مَا تَحْتَ الْأَجْنَاسِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا دُونَهَا، فَلَا يَتَمَيَّزُ الْجِنْسُ الشَّرْعِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِهِ فَيَخْتَلُّ مَعْنَى
(8/27)

أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ) لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَيُمْكِنُهُ الِائْتِمَارُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمَقَامِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُصْطَلَحُ حُكَمَاءِ الْيُونَانِ فِي الْجِنْسِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ سِينَا يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَفْهُومٍ كُلِّيٍّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ فَيَعُمُّ مَا فَوْقَ الْأَجْنَاسِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا تَحْتَهَا مِنْ الْأَنْوَاعِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَصْنَافِهَا، فَلَا يَتَمَيَّزُ الْجِنْسُ الشَّرْعِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا فَيَخْتَلُّ مَعْنَى الْمَقَامِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْمُرَادُ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ هَاهُنَا غَيْرُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَنْطِقِ، فَإِنَّ الْجِنْسَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْحَقِيقَةِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ كَالْحَيَوَانِ، وَالنَّوْعُ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى كَثِيرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالْحَقِيقَةِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ كَالْإِنْسَانِ مَثَلًا، وَالصِّنْفُ هُوَ النَّوْعُ الْمُقَيَّدُ بِقَيْدٍ عَرَضِيٍّ كَالتُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْجِنْسِ مَا يَشْمَلُ أَصْنَافًا عَلَى اصْطِلَاحِ أُولَئِكَ وَبِالنَّوْعِ الصِّنْفُ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِالْفِقْهِ أَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَقْرَبُ إلَى ضَبْطِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ، لَكِنَّ فِيهِ أَيْضًا إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالصِّنْفِ فِي قَوْلِهِ وَبِالنَّوْعِ الصِّنْفِ الصِّنْفَ الْمَنْطِقِيَّ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ، يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْحِمَارَ نَوْعٌ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِنْفٍ مَنْطِقِيٍّ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ أَيْضًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الصِّنْفَ اللُّغَوِيَّ بِمَعْنَى الضَّرْبِ وَالْقِسْمِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّقِيقَ مَثَلًا صِنْفٌ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ بِنَوْعٍ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُ الْأَجْنَاسَ الشَّرْعِيَّةَ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ مَثَلًا صِنْفَانِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَيْسَا بِنَوْعَيْنِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُمَا عِنْدَهُمْ جِنْسَانِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ (أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ) أَيْ أَوْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَمِقْدَارِ ثَمَنِهِ (لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَيُمْكِنُهُ الِائْتِمَارُ) أَيْ فَيُمْكِنُ الْوَكِيلُ الِامْتِثَالَ لِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا عَنْ الصِّفَةِ أَوْ الثَّمَنِ لَا يُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَكِيلُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِهِ. وَاعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ مَعْلُومٌ وَهُوَ الشِّرَاءُ.
وَالْجَوَابُ: إنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَيْسَ هُوَ الشِّرَاءَ، بَلْ هُوَ شِرَاءُ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ النَّوْعُ لَمْ يُعْلَمْ الْفِعْلُ الْمُضَافُ إلَيْهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ شِرَاءُ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَمَعْنَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ نَوْعَهُ مَعَ جِنْسِهِ أَوْ مَبْلَغَ ثَمَنِهِ مَعَ جِنْسِهِ لَمْ يَصِرْ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَلَمْ يُمْكِنْ لِلْوَكِيلِ الِائْتِمَارُ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ شِرَاءَ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ لِكَوْنِهِ خِلَافَ الْمَفْرُوضِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ شِرَاءُ نَوْعٍ مَا مِنْ أَنْوَاعِ جِنْسٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ حِينَئِذٍ مَعْلُومٌ، وَهُوَ شِرَاءُ نَوْعٍ مَا مِنْ جِنْسٍ، فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يَصِيرُ مُؤْتَمَرًا بِمَا أُمِرَ بِهِ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَكَّلَ بِهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ شِرَاءَ نَوْعٍ مُطْلَقٍ مِنْ جِنْسٍ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الْمُوَكِّلِ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُوَكِّلِ شِرَاءَ نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ النَّوْعُ الْمُرَادُ لَمْ يُمْكِنْ لِلْوَكِيلِ
(8/28)

(إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً فَيَقُولَ: ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْت) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَشْتَرِيهِ يَكُونُ مُمْتَثِلًا. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَهَالَةَ الْيَسِيرَةَ تَتَحَمَّلُ فِي الْوَكَالَةِ كَجَهَالَةِ الْوَصْفِ اسْتِحْسَانًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الِائْتِمَارُ بِأَمْرِهِ عَلَى وَفْقِ مُرَادِهِ، فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا عَلَى وَفْقِ مُرَادِ الْمُوَكِّلِ فَيُمَكِّنُ لِلْوَكِيلِ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِهِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي فَلَا يَدْرِي مُرَادَ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ: يَعْنِي إذَا وَكَّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً (فَيَقُولُ ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْت) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ) أَيْ إلَى رَأْيِ الْوَكِيلِ (فَأَيَّ شَيْءٍ يَشْتَرِيهِ يَكُونُ مُمْتَثِلًا) لِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ فَيَقَعُ عَنْهُ. أَعْلَمْ أَنَّ الْجَهَالَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: فَاحِشَةٌ وَهِيَ جَهَالَةُ الْجِنْسِ كَالتَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالرَّقِيقِ وَهِيَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِثَالِ. وَيَسِيرَةٌ وَهِيَ جَهَالَةُ النَّوْعِ كَالتَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ وَالْمَرْوِيِّ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ: لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيَانِ وَصْفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَلَنَا «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَّلَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ شَاةٍ لِلْأُضْحِيَّةِ» وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهَا. وَمَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ لِكَوْنِهَا اسْتِعَانَةً فَيَتَحَمَّلُ فِيهَا الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ اسْتِحْسَانًا. وَفِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ الْوَصْفِ بَعْضُ الْحَرَجِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَجَهَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كَالتَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ شِرَاءِ أَمَةٍ أَوْ دَارٍ، فَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ أَوْ النَّوْعَ وَيُجْعَلُ مُلْحَقًا بِجَهَالَةِ النَّوْعِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ أَوْ النَّوْعَ لَا يَصِحُّ وَيُلْحَقُ بِجَهَالَةِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِامْتِثَالَ.
كَذَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي أَخْذًا مِنْ الْمَبَاسِيطِ وَالْجَوَامِعِ. فَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُشِيرَ إلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي بَابِ الْوَكَالَةِ. فَقَالَ (وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَهَالَةَ الْيَسِيرَةَ تَتَحَمَّلُ فِي الْوَكَالَةِ كَجَهَالَةِ الْوَصْفِ اسْتِحْسَانًا) هَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تَتَحَمَّلَ الْجَهَالَةُ فِي الْوَكَالَةِ وَإِنْ قَلَّتْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّا نَجْعَلُ الْوَكِيلَ كَالْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ ثُمَّ كَالْبَائِعِ مِنْ
(8/29)

لِأَنَّ مَبْنَى التَّوْكِيلِ عَلَى التَّوَسُّعَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ. وَفِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ بَعْضُ الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ

(ثُمَّ إنْ كَانَ اللَّفْظُ يَجْمَعُ أَجْنَاسًا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ) ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ فَلَا يُدْرَى مُرَادُ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ (وَإِنْ كَانَ جِنْسًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا لَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ) ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا، وَبِذِكْرِ النَّوْعِ تَقِلُّ الْجَهَالَةُ فَلَا تَمْنَعُ الِامْتِثَالَ. مِثَالُهُ: إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا فَإِنْ بَيَّنَ النَّوْعَ كَالتُّرْكِيِّ وَالْحَبَشِيِّ أَوْ الْهِنْدِيِّ أَوْ السِّنْدِيِّ أَوْ الْمُوَلِّدِ جَازَ، وَكَذَا إذَا بَيَّنَ الثَّمَنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ بَيَّنَ النَّوْعَ أَوْ الثَّمَنَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الصِّفَةَ وَالْجَوْدَةَ وَالرَّدَاءَةَ وَالسِّطَةَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ، وَمُرَادُهُ مِنْ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ النَّوْعُ

(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ) لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَفِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْخَيْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُوَكِّلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيَانِ وَصْفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ قَوْلُهُ (لِأَنَّ مَبْنَى التَّوْكِيلِ عَلَى التَّوَسُّعَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ وَفِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ) يَعْنِي اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْوَصْفِ أَوْ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ (بَعْضُ الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ) شَرْعًا بِالنَّصِّ

(ثُمَّ إنْ كَانَ اللَّفْظُ) أَيْ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ (يَجْمَعُ أَجْنَاسًا) كَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ (أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ) كَالدَّارِ وَالرَّقِيقِ (لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ) هَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ (لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ) أَيْ يُوجَدُ فَرْدٌ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ (فَلَا يُدْرَى مُرَادُ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ) فَالْوَكِيلُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِثَالِ (وَإِنْ كَانَ) أَيْ اللَّفْظُ (جِنْسًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا) كَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ (لَا يَصِحُّ) أَيْ التَّوْكِيلُ (إلَّا بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ) هَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِ الْجَهَالَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا وَبِذِكْرِ النَّوْعِ تَقِلُّ الْجَهَالَةُ فَلَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالَ) أَيْ امْتِثَالَ أَمْرِ الْآمِرِ (مِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْجَهَالَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمِثَالَ لِهَذَا النَّوْعِ دُونَ النَّوْعَيْنِ السَّابِقَيْنِ؛ لِأَنَّ مِثَالَ ذَيْنِك النَّوْعَيْنِ سَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، بِخِلَافِ هَذَا النَّوْعِ وَهَذَا سِرٌّ تَفَرَّدْت بِبَيَانِهِ.
(إذَا وَكَّلَهُ) أَيْ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا (بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ لَا يَصِحُّ) أَيْ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ (لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا) أَيْ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ: يَعْنِي اللَّفْظَ عَبْدٌ وَجَارِيَةٌ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا فَلَا يُدْرَى الْمُرَادُ (فَإِنْ بَيَّنَ النَّوْعَ كَالتُّرْكِيِّ أَوْ الْحَبَشِيِّ أَوْ الْهِنْدِيِّ أَوْ السِّنْدِيِّ أَوْ الْمُوَلَّدِ) وَفِي الْمُغْرِبِ: " الْمُوَلَّدَةُ الَّتِي وُلِدَتْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ " (جَازَ) أَيْ التَّوْكِيلُ وَكَذَا إذَا بَيَّنَ الثَّمَنَ (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إنْ كَانَ يُوجَدُ بِمَا سَمَّى مِنْ الثَّمَنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ لَا يَصِحُّ بِبَيَانِ الثَّمَنِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ النَّوْعَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (وَلَوْ بَيَّنَ النَّوْعَ أَوْ الثَّمَنَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الصِّفَةَ) وَهِيَ (الْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ وَالسِّطَةُ) أَيْ الْوَسَطُ، السِّطَةُ مَعَ الْوَسَطِ كَالْعِدَّةِ مَعَ الْوَعْدِ وَالْعِظَةِ مَعَ الْوَعْظِ فِي أَنَّ التَّاءَ فِي آخِرِهَا عُوِّضَتْ عَنْ الْوَاوِ السَّاقِطَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فِي الْمَصْدَرِ وَالْفِعْلُ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ (جَازَ) أَيْ التَّوْكِيلُ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْجَهَالَةِ (جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ) أَيْ يَسِيرَةٌ فَلَا يُبَالِي بِهَا (وَمُرَادُهُ) أَيْ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ (مِنْ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ) أَيْ فِي مُخْتَصَرِهِ (النَّوْعُ) لِيُوَافِقَ كَلَامُهُ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَشَايِخِ

(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ) أَيْ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ كَمَا ذَكَرَ فِيمَا مَرَّ، وَلَمَّا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ كَانَ الشِّرَاءُ وَاقِعًا عَلَى الْوَكِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَالَ: رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً فَاشْتَرَى فَهُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ وَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ (لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَدُبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَفِي الْعُرْفِ عَلَى الْخَيْلِ
(8/30)

وَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ فَقَدْ جَمَعَ أَجْنَاسًا، وَكَذَا الثَّوْبُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلْبُوسَ مِنْ الْأَطْلَسِ إلَى الْكِسَاءِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا وَكَذَا الدَّارُ تَشْمَلُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْجِيرَانِ وَالْمَرَافِقِ وَالْمَحَالِّ وَالْبُلْدَانِ فَيَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ (قَالَ: وَإِنْ سَمَّى ثَمَنَ الدَّارِ وَوَصَفَ جِنْسَ الدَّارِ وَالثَّوْبِ جَازَ) مَعْنَاهُ نَوْعُهُ، وَكَذَا إذَا سَمَّى نَوْعَ الدَّابَّةِ بِأَنْ قَالَ حِمَارًا أَوْ نَحْوَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ فَقَدْ جَمَعَ أَجْنَاسًا) يَعْنِي أَنَّ لَفْظَ الدَّابَّةِ سَوَاءٌ حُمِلَ عَلَى اللُّغَةِ أَوْ عَلَى الْعُرْفِ قَدْ جَمَعَ أَجْنَاسًا فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ فِيهِ فَاحِشَةً (وَكَذَا الثَّوْبُ) أَيْ هُوَ أَيْضًا يَجْمَعُ أَجْنَاسًا (لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلْبُوسَ مِنْ الْأَطْلَسِ إلَى الْكِسَاءِ) أَيْ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ فِيهِ أَيْضًا فَاحِشَةً (وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ) أَيْ تَسْمِيَةُ الثَّوْبِ (مَهْرًا) فَإِنَّ الْجَهَالَةَ الْفَاحِشَةَ تُبْطِلُ التَّسْمِيَةَ فِي بَابِ الْمَهْرِ أَيْضًا (وَكَذَا الدَّارُ تَشْمَلُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ) يَعْنِي أَنَّ الدَّارَ وَإِنْ لَمْ تَجْمَعْ أَجْنَاسًا حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ (لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْجِيرَانِ وَالْمَرَافِقِ وَالْمَحَالِّ وَالْبُلْدَانِ فَيَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ) أَيْ يَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ الْآمِرِ بِشِرَاءِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ. قَالَ (وَإِنْ سَمَّى ثَمَنَ الدَّارِ وَوَصَفَ جِنْسَ الدَّارِ وَالثَّوْبِ جَازَ) أَيْ التَّوْكِيلُ هَذَا لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ) يَعْنِي مَعْنَى جِنْسِ الدَّارِ فِي قَوْلِهِ وَوَصَفَ جِنْسَ الدَّارِ (نَوْعُهُ) فَحِينَئِذٍ تَلْتَحِقُ بِجَهَالَةِ النَّوْعِ وَهِيَ جَهَالَةٌ يَسِيرَةٌ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ كَمَا مَرَّ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَتَقْيِيدُهُ بِذِكْرِ نَوْعِ الدَّارِ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ فَقَالَ فِيهِ: وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ دَارًا وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ سَمَّى الثَّمَنَ جَازَ؛ لِأَنَّ بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ تَصِيرُ مَعْلُومَةً عَادَةً، وَإِنْ بَقِيَتْ جَهَالَةٌ فَهِيَ يَسِيرَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ. وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ فِي دِيَارِنَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيَانِ الْمَحَلَّةِ انْتَهَى.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. وَأَنَا أَقُولُ: فِي تَحْقِيقِ الْمَقَامِ: إنَّمَا حَمَلَ الْمُصَنِّفُ الْجِنْسَ الْوَاقِعَ فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَاهُنَا عَلَى النَّوْعِ لِئَلَّا يَخْتَلَّ مَعْنَى الْمَقَامِ، فَإِنْ لَوْ أَجْرَى الْجِنْسَ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَاهُ الظَّاهِرِيِّ كَانَ ذِكْرُ وَصْفِ الْجِنْسِ مُسْتَدْرَكًا بِالنَّظَرِ إلَى مَسْأَلَةِ الدَّارِ وَمُخِلًّا بِالنَّظَرِ إلَى مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا سَمَّى ثَمَنَ الدَّارِ يَلْغُو هُنَاكَ وَصْفُ جِنْسِهَا، إذْ لَا مَدْخَلَ لِوَصْفِ جِنْسِ الْجِنْسِ فِي رَفْعِ الْجَهَالَةِ، وَإِنَّمَا تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ أَوْ بِبَيَانِ النَّوْعِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ قَبْلُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الثَّوْبَ مَعْطُوفٌ عَلَى الدَّارِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: إنْ وَصَفَ الْمُوَكِّلُ جِنْسَ الثَّوْبِ جَازَ التَّوْكِيلُ، وَلَا صِحَّةَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرٍ إنْ كَانَ الْجِنْسُ يَجْرِي عَلَى مَعْنَاهُ الظَّاهِرِيِّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَجْمَعُ أَجْنَاسًا فَالْجَهَالَةُ فِيهِ فَاحِشَةٌ وَهِيَ لَا تَرْتَفِعُ. وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ارْتِفَاعُهَا بِمُجَرَّدِ وَصْفِ الْجِنْسِ.
وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى مَعْنَى النَّوْعِ فَيَصِحُّ الْمَعْنَى فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ بِلَا غُبَارٍ، إذْ بِبَيَانِ النَّوْعِ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ الَّتِي تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ حِينَئِذٍ مُقَيَّدَةً بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ وَوَصْفِ النَّوْعِ، مَعَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الثَّمَنِ كَافِيَةٌ فِيهَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، بَلْ فِي رِوَايَةِ عَامَّةِ الْكُتُبِ، فَتَصِيرُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُخَالِفَةً لِرِوَايَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ هَاهُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مَدَارُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الدَّارِ فَاحِشَةٌ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَدَارُ رِوَايَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ عَلَى أَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهَا مُتَوَسِّطَةٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. ثُمَّ إنَّا إنْ جَعَلْنَا وَصْف النَّوْعِ فِي حَقِّ الدَّارِ بَيَانَ الْمَحَلَّةِ صَارَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَيْنَ مَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَكَانَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَذَا إذَا سَمَّى نَوْعَ الدَّابَّةِ بِأَنْ قَالَ حِمَارًا وَنَحْوَهُ) أَيْ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْحِمَارِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ صَارَ مَعْلُومًا
(8/31)

(قَالَ: وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا فَهُوَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا) اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ مَطْعُومٍ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ كَمَا فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ إذْ الطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُطْعَمُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعُرْفَ أَمْلَكُ وَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إذَا ذُكِرَ مَقْرُونًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِتَسْمِيَةِ النَّوْعِ، وَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِي الْوَصْفِ فَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَمِيرُ أَنْوَاعٌ مِنْهَا مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِ الْعُظَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا اخْتِلَافُ الْوَصْفِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِمَعْرِفَةِ حَالِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى قَالُوا: إنَّ الْقَاضِيَ أَوْ الْوَالِيَ إذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِشِرَاءِ حِمَارٍ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَرْكَبُ مِثْلَهُ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ مَقْطُوعَ الذَّنَبِ أَوْ الْأُذُنَيْنِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَهُ الْفَالِيزِيُّ بِذَلِكَ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمَهْرِ فِي مَسْأَلَةِ التَّزَوُّجِ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُسَمِّيَ جِنْسَ الْحَيَوَانِ دُونَ الْوَصْفِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى فَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ انْتَهَى.
فَقَدْ جُعِلَ الْحِمَارُ هُنَاكَ جِنْسًا وَهُنَا نَوْعًا وَالتَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هُنَاكَ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجِنْسِ مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ دُونَ مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ قَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا بِأَنَّ الْحِمَارَ نَوْعٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّوْعِ هَاهُنَا مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ وَإِلَّا لَلَزِمَ بَيَانُ ثَمَنِ الْحِمَارِ أَيْضًا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ لُزُومِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْحِمَارُ جِنْسًا عَلَى مُصْطَلَحِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا فَهُوَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِدَفْعِ الدَّرَاهِمِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ اشْتَرَى لِي طَعَامًا لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ الْمِقْدَارَ وَجَهَالَةُ الْقَدْرِ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ كَجَهَالَةِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْآمِرِ بِمَا سَمَّى لَهُ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ اسْتِحْسَانٌ (وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ مَطْعُومٍ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ) أَيْ لِحَقِيقَةِ الطَّعَامِ (كَمَا فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ) يَعْنِي إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا يَحْنَثُ بِأَكْلِ أَيِّ طَعَامٍ كَانَ (إذْ الطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُطْعَمُ) بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعُرْفَ أَمْلَكُ) أَيْ أَقْوَى وَأَرْجَحُ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْحَقِيقَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْعُرْفِ (عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ عَلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا (إذَا ذُكِرَ) أَيْ الطَّعَامَ (مَقْرُونًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) يَعْنِي أَنَّ الْعُرْفَ فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا، وَبَائِعُ الطَّعَامِ فِي النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ الْحِنْطَةَ وَدَقِيقَهَا دُونَ مَنْ يَبِيعُ الْفَوَاكِهَ فَصَارَ التَّقْيِيدُ الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، وَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي طَعَامًا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِشِرَاءِ الْبُرِّ وَدَقِيقِهِ
(8/32)

وَلَا عُرْفَ فِي الْأَكْلِ فَبَقِيَ عَلَى الْوَضْعِ، وَقِيلَ إنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ فَعَلَى الْحِنْطَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ فَعَلَى الْخُبْزِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَى الدَّقِيقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلَا عُرْفَ فِي الْأَكْلِ فَبَقِيَ عَلَى الْوَضْعِ) أَيْ فَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي حَقِّ الْأَكْلِ عَلَى الْوَضْعِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ بِأَكْلِ أَيِّ مَطْعُومٍ كَانَ. قَالُوا: هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ مِنْ انْصِرَافِهِ إلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا إنَّمَا هُوَ عُرْفُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّ سُوقَ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا عِنْدَهُمْ يُسَمَّى سُوقَ الطَّعَامِ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ غَيْرِهِمْ فَيَنْصَرِفُ إلَى شِرَاءِ كُلِّ مَطْعُومٍ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ: الطَّعَامُ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا مَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ إدَامٍ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْصَرِفُ التَّوْكِيلُ إلَيْهِ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا (وَقِيلَ إنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ فَعَلَى الْحِنْطَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ فَعَلَى الْخُبْزِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَى الدَّقِيقِ) هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مُطْلَقٌ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً إذَا وَكَّلَ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ يَنْصَرِفُ إلَى شِرَاءِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ قِيلَ مُخَالِفٍ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَزَاهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفِ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ، وَلَكِنْ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ مُخَالِفٍ لِلْأَوَّلِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَوَّلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ فَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا قُلْنَا: ثُمَّ إنْ قَلَّتْ الدَّرَاهِمُ فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خُبْزًا، وَإِنْ كَثُرَتْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا الْخُبْزَ؛ لِأَنَّ ادِّخَارَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِادِّخَارُ فِي الْحِنْطَةِ.
وَذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ طَعَامًا وَدَفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ صَحَّ التَّوْكِيلُ اسْتِحْسَانًا. وَيَنْصَرِفُ التَّوْكِيلُ إلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا وَخُبْزِهَا وَتُحَكَّمُ الدَّرَاهِمُ فِي تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَلِيلَةً بِحَيْثُ لَا يَشْتَرِي بِمِثْلِهَا فِي الْعُرْفِ إلَّا الْخُبْزَ، فَالتَّوْكِيلُ يَنْصَرِفُ إلَى الْخُبْزِ إلَى آخِرِهِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْقُدُورِيُّ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ اتَّخَذَ وَلِيمَةً يَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ التَّوْكِيلِ الْخُبْزُ وَإِنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ، فَإِذَا اشْتَرَى الْخُبْزَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ إلَى هَاهُنَا كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ رَأْيِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ هَاهُنَا مِنْ أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْأَوَّلِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ. وَأَقُولُ: فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ: الْعُرْفُ يَصْرِفُ إطْلَاقَ اللَّفْظِ الْمُتَنَاوَلِ لِكُلِّ مَطْعُومٍ إلَى الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا، وَالدَّرَاهِمُ بِقِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا وَسِطَتِهَا تُعَيِّنُ أَفْرَادَ مَا عَيَّنَهُ الْعُرْفُ. وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يَتَرَجَّحُ عَلَى ذَلِكَ وَيَصْرِفُهُ إلَى خِلَافِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِثْلَ الرَّجُلِ اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ وَدَفَعَ دَرَاهِمَ كَثِيرَةً لِيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا فَاشْتَرَى بِهَا خُبْزًا وَقَعَ عَلَى الْوَكَالَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: نِسْبَةُ هَذَا الْكَلَامِ إلَى نَفْسِهِ عَجِيبٌ، فَإِنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ. وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ أَقُولُ هُوَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ بِعَيْنِهِ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ نِسْبَتَهُ إلَى نَفْسِهِ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ وَجْهِ مَا ذَكَرَ أَوَّلًا مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانَ طَرِيقِ دُخُولِ مَا ذَكَرَ ثَانِيًا بِقِيلَ فِي الْأَوَّلِ وَبَيَانَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا بِقِيلَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ بِتَحَكُّمِ الدَّرَاهِمِ، وَقَصْدُ إفَادَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ بِقِيلَ دَاخِلٌ فِي الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ الْخُبْزُ أَيْضًا دُونَ الْأَوَّلِ،
(8/33)

قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ وَقَبَضَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا إلَيْهِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي فِي الْمُشْتَرِي دَعْوَى كَالشَّفِيعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ لَا بَعْدَهُ.

قَالَ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ الْمَزْبُورِ مِنْ أَنَّ الدَّرَاهِمَ بِقِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا وَسِطَتِهَا تُعَيِّنُ أَفْرَادَ مَا عَيَّنَهُ الْعُرْفُ، وَالْخُبْزُ لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا عَيَّنَهُ الْعُرْفُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِيهِ. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يُدْرَجَ الْخُبْزُ فِي الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا الْمَذْكُورَيْنِ أَوْ أَنْ يُجْعَلَ فِي حُكْمِهِمَا فَيَكْتَفِي بِذِكْرِهِمَا عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا مَجَالَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْخُبْزَ قَسِيمًا لِلْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا فِي الذِّكْرِ وَالْحُكْمِ حَيْثُ قَالُوا: إنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ فَعَلَى الْحِنْطَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ فَعَلَى الْخُبْزِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَى الدَّقِيقِ فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ. نَعَمْ قَدْ ذَكَرَ الْخُبْزَ مَعَ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا فِي الذَّخِيرَةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانِ تَحْكِيمِ الدَّرَاهِمِ كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ نَقْلِ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي تَصْحِيحِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَمَسْأَلَةِ الْمَبْسُوطِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْكَلَامِ الثَّانِي دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ وَقَبَضَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ) أَيْ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّ مَا اشْتَرَاهُ عَلَى الْبَائِعِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِيهِ (مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ (مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ) أَيْ مِنْ حُقُوقِ عَقْدِ الشِّرَاءِ (وَهِيَ كُلُّهَا إلَيْهِ) أَيْ الْحُقُوقُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ) أَيْ فَإِنْ سَلَّمَ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُوَكِّلِ (لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ (لِأَنَّهُ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ) أَيْ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَخَرَجَ مِنْ الْوَكَالَةِ وَالْقَطْعِ حَقُّهُ (وَلِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ (إبْطَالَ يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْمُوَكِّلِ (الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ الْحَقِيقِيَّةِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ كَوْنِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا إلَى الْوَكِيلِ كَذَا قِيلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَيَأْتِي قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ لَا بَعْدَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي حَيِّزِ هَذَا التَّفْرِيعِ كَمَا تَرَى. فَالْحَقُّ فِي التَّفْسِيرِ أَنْ يُقَالَ: أَيْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ فِي صُورَةٍ وَعَدَمِ جَوَازِهِ فِي أُخْرَى (كَانَ) أَيْ الْوَكِيلُ (خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي فِي الْمُشْتَرِي دَعْوَى كَالشَّفِيعِ) إذَا ادَّعَى حَقَّ الشُّفْعَةِ فِي الْمُشْتَرِي (وَغَيْرِهِ) أَيْ وَغَيْرِ الشَّفِيعِ كَمَنْ يَدَّعِي الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ الْمِلْكُ (قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ كَانَ خَصْمًا: أَيْ كَانَ الْوَكِيلُ خَصْمًا لِذَلِكَ الْمُدَّعِي قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ (لَا بَعْدَهُ) أَيْ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لَهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) يَعْنِي إذَا وَكَّلَ شَخْصًا أَنْ يَعْقِدَ عَقْدَ الصَّرْفِ أَوْ يُسَلِّمَ فِي مَكِيلٍ مَثَلًا فَفَعَلَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ
دَفْعًا لِلْحَاجَةِ
(عَلَى مَا مَرَّ) فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ. قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: يَرُدُّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْوَكَالَةِ
(8/34)

وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ دُونَ قَبُولِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَبِيعُ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ مَعَ أَنَّ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ لِقَبُولِ السَّلَمِ يَجُوزُ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنْهُ. فَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَمْلِكَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْمَعْدُومِ، إلَّا أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ رُخْصَةً لَهُ
دَفْعًا
لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَمَا ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فَلَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُهُ غَيْرَهُ. أَوْ نَقُولُ: جَازَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ
ضَرُورَةَ
دَفْعِ حَاجَةِ الْمَفَالِيسِ. وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ فِي التَّوْكِيلِ وَلَمْ يَرِدْ نَقْضًا عَلَى الْكُلِّيِّ الَّذِي قَالَهُ الْقُدُورِيُّ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ لِعَارِضِ الضَّرُورَةِ، وَالْعَوَارِضُ لَا تَقْدَحُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ هَذَا مَا سَمَحَ بِهِ خَاطِرِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ تَبِعَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي كِلَا وَجْهَيْ جَوَابِهِ وَلَكِنَّهُ أَجْمَلَهُمَا. أَقُولُ: فِي كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمَا نَظَرٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ بِلَا خِلَافٍ، مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ مُجَرَّدُ جَوَازِ عَقْدِ السَّلَمِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ، فَجَوَازُ التَّوْكِيلِ فِيهِ عَلَى فَرْضٍ لَا يُنَافِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، كَمَا أَنَّ جَوَازَهُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ لَمْ يُنَافِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ مَعَ انْتِقَاضِهِ أَيْضًا بِمِثْلِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي التَّوْكِيلِ أَيْضًا
ضَرُورَةَ
دَفْعِ الْحَاجَةِ سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ مُقَدَّرًا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ أَيْضًا. لَا يُقَالُ: إنَّمَا جَازَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ حَاجَةِ الْمَفَالِيسِ إلَى الثَّمَنِ لَا لِمُطْلَقِ الضَّرُورَةِ. وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ فِي التَّوْكِيلِ ضَرُورَةُ دَفْعِ حَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَى الْعَمَلِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ يَتَحَقَّقُ فِي التَّوْكِيلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ضَرُورَةُ دَفْعِ حَاجَةِ الْمَفَالِيسِ إلَى الثَّمَنِ أَيْضًا مَعَ زِيَادَةٍ، فَإِنَّ الْمُفْلِسَ الْعَاجِزَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَوْكِيلِ غَيْرِهِ لِقَبُولِ السَّلَمِ تَشْتَدُّ حَاجَتُهُ إلَى الثَّمَنِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ) أَيْ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ بِالتَّوْكِيلِ بِعَقْدِ السَّلَمِ التَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ تَوْكِيلُ رَبِّ السَّلَمِ غَيْرَهُ بِأَنْ يَعْقِدَ عَقْدَ السَّلَمِ، وَلَفْظُ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ. يُقَالُ: أَسْلَمَ فِي كَذَا: إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِالسَّلَمِ (دُونَ قَبُولِ السَّلَمِ) أَيْ لَيْسَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ التَّوْكِيلَ بِقَبُولِ السَّلَمِ وَهُوَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ: لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبُولِ السَّلَمِ (لَا يَجُوزُ فَإِنَّ الْوَكِيلَ حِينَئِذٍ يَبِيعُ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمُوَكِّلِ (وَهَذَا لَا يَجُوزُ)
(8/35)

(فَإِنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ (وَلَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْمُسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ مَنْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ فِي الدُّيُونِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ الْبُيُوعِ. وَإِذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بِقَبُولِ عَقْدِ السَّلَمِ كَانَ الْوَكِيلُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ الطَّعَامُ فِي ذِمَّتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْآمِرِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ كَانَ قَرْضًا لَهُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِشَيْءٍ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ كَمَا فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ وَالثَّمَنُ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَوْكِيلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ غَيْرُهُ بِقَبُولِ السَّلَمِ عَلَى أَنْ يُطَالِبَ الْوَكِيلَ بِتَسْلِيمِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بِجَامِعِ مَعْنَى الدَّيْنِيَّةِ. فَإِنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ كَالثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي.
قُلْنَا: بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ فَرْقٌ، فَإِنَّ الْمُسَلِّمَ فِيهِ دَيْنٌ لَهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ لِلثَّمَنِ حُكْمُ الْمَبِيعِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ هُنَاكَ الْجَوَازُ هُنَا. كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ: إنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبْدَلُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَآخَرُ يَمْلِكُ بَدَلَهُ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ الْمُبْدَلَ وَيَلْزَمُ الْبَدَلُ فِي ذِمَّتِهِ. وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَاجْعَلْ الْمُسَلِّمَ فِيهِ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ وَالْمَالَ لَهُ كَمَا فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ. فَالْجَوَابُ هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: إنَّهُ عَدَلَ هَاهُنَا عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ حَيْثُ قَصَدَ التَّصَرُّفَ الزَّائِدَ وَلَكِنْ أَفْسَدَ؛ لِأَنَّ مَآلَ جَوَابِهِ الِاعْتِرَافُ بِعَدَمِ تَمَامِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ حَاصِلٌ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ قَبُولِ السَّلَمِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَبِالضَّرُورَةِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْآمِرِ بِهِ. وَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِمَّا تَلَقَّتْهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بِالْقَبُولِ فَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَافِ بِعَدَمِ تَمَامِهِ مَعَ تَحْقِيقِ الْمُخْلِصِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِالْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ. عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ قَدْ عَرَفْت عَدَمَ تَمَامِهِ بِمَا أَوْرَدْنَا عَلَيْهِ فِيمَا قَبْلُ

(فَإِنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: أَيْ إنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ صَاحِبَهُ الَّذِي عَقَدَ مَعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ (لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ) يَعْنِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ قَبْضَ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِذَا وُجِدَ الِافْتِرَاقُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَبَطَلَ الْعَقْدُ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ يَصِيرُ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارِفٌ بِنَفْسِهِ فَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ.
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ الْعَقْدَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ انْتَهَى (وَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ) أَيْ لَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْمُسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ) أَيْ قَبْضُ الْوَكِيلِ بَدَلَ الصَّرْفِ (وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ (كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الصَّرْفِ مِنْ تَتِمَّةِ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ مِمَّنْ يُصْدَرُ عَنْهُ الْعَقْدُ: أَقُولُ: لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيلِ وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَالْقَبْضُ مِنْ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ
(8/36)

بِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ، وَيَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسِلِ فَصَارَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَيَصِحُّ قَبْضُهُ وَالْقَبْضُ مِنْهُ لَكَانَ أَوْلَى وَأَلْيَقَ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ عَامٌّ لِبَابَيْ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلَهُ فَإِنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عَامُّ لَهُمَا. وَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا خَاصٌّ بِبَابِ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي بَابِ السَّلَمِ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ لَا مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ، وَالْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ لَيْسَ بِقَابِضِ الْبَدَلِ بَلْ هُوَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ فَكَانَ الدَّلِيلُ قَاصِرًا عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمُدَّعِي، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا فَتَدَبَّرْ (بِخِلَافِ الرَّسُولِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ إذَا قَبَضَ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فَلَا يَتِمُّ الْعَقْدُ بِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِخِلَافِ الرَّسُولَيْنِ: أَيْ الرَّسُولِ فِي بَابِ الصَّرْفِ وَالرَّسُولِ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الرَّسُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الصَّرْفِ وَالرَّسُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي السَّلَمِ: أَيْ مِنْ جَانِبِ رَسُولِ السَّلَمِ وَمِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الرِّسَالَةُ مِنْ جَانِبِهِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ (لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا فِي مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ فِي الْعَقْدِ لِلْوَكِيلِ فِي الْعَقْدِ فِي بَابَيْ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَرِسَالَةُ الرَّسُولِ فِي الْعَقْدِ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْدِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الرِّسَالَةِ فِيهِ هَذَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَوْضِيحِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ: وَإِلَّا لَكَانَ افْتِرَاقٌ بِلَا قَبْضٍ، وَفَصَّلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مُرَادَهُ بِأَنْ قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا عَقَدَ الْمُرْسِلُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقْبِضْ وَفَارَقَ صَاحِبَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِلْإِرْسَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثُ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُفِيدُ أَنْ لَا تَكُونَ الرِّسَالَةُ فِي الْقَبْضِ فَقَطْ، لَا أَنْ تَكُونَ فِي الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ مَعًا، وَبِدُونِ دَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَيْضًا لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى تَأَمَّلْ (وَيَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسِلِ) أَيْ وَيَنْتَقِلُ كَلَامُ الرَّسُولِ فِي الْعَقْدِ إلَى الْمُرْسِلِ (فَصَارَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُ الرَّسُولِ فَلَمْ يَتِمُّ الْعَقْدُ بِهِ. وَأَقُولُ: هَاهُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّسَالَةَ فِي السَّلَمِ إنَّمَا تَجُوزُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ لَا مِنْ جَانِبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ كَالْوَكَالَةِ فِيهِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، فَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ فِي بَابِ السَّلَمِ هُوَ الرَّسُولُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ فَقَطْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وَظِيفَةَ رَبِّ السَّلَمِ هِيَ الْعَقْدُ وَتَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ لَا قَبْضُهُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ عَقْدِ السَّلَمِ، وَإِنَّمَا الْقَبْضُ وَظِيفَةُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِالنَّظَرِ إلَى الرَّسُولِ فِي بَابِ السَّلَمِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ إنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ ظَاهِرٌ عَلَى نُسْخَةِ، بِخِلَافِ الرَّسُولَيْنِ وَهِيَ نُسْخَةٌ أَطْبَقَ عَلَيْهَا الشُّرَّاحُ حَتَّى أَنَّ صَاحِبَيْ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ شَرَحَا هَذِهِ النُّسْخَةَ وَلَمْ يَذْكُرَا النُّسْخَةَ الْأُخْرَى أَصْلًا، وَصَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ جَعَلَهَا أَصْلًا وَذَكَرَ الْأُخْرَى نُسْخَةً وَفَسَّرَ كُلُّهُمْ الرَّسُولَيْنِ بِالرَّسُولِ فِي الصَّرْفِ وَالرَّسُولِ فِي السَّلَمِ.
وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ بِخِلَافِ الرَّسُولِ فَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ الرَّسُولَ عَامًّا لِلرَّسُولِ فِي الصَّرْفِ وَالرَّسُولِ فِي السَّلَمِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ حَيْثُ فَسَرُّوا الرَّسُولَ بِالرَّسُولِ فِي الصَّرْفِ وَالرَّسُولِ فِي السَّلَمِ. وَكَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: بِخِلَافِ الرَّسُولِ: أَيْ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ
(8/37)

(قَالَ: وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ) ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَلِهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي لِلْمُوَكِّلِ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ لَمَّا كَانَتْ رَاجِعَةً إلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَهُ الْمُوَكِّلُ يَكُونُ رَاضِيًا بِدَفْعِهِ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْهُ يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
انْتَهَى. وَأَمَّا إذَا جُعِلَ مَخْصُوصًا بِالرَّسُولِ فِي الصَّرْفِ لِيَكُونَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّسُولِ مُطَابِقًا لِمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ، فَإِنَّ الْمَعْنَى هُنَاكَ فَيَصِحُّ قَبْضُ الْوَكِيلِ بَدَلَ الصَّرْفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ) لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا (فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ (مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ) أَيْ بَيْعٌ حُكْمِيٌّ فَصَارَ الْوَكِيلُ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي تَعْلِيلِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ انْتَهَى، أَقُولُ: هَذَا شَرْحٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَا لَا يَرْتَضِيهِ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ أَوَّلًا إلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ إلَى الْمُوَكِّلِ طَرِيقَةُ الْكَرْخِيِّ. وَالْمُصَنِّفُ قَدْ اخْتَارَ فِيمَا مَرَّ طَرِيقَةَ أَبِي طَاهِرٍ، وَقَالَ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَنْ طَرِيقَةِ الْكَرْخِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً هُنَاكَ، وَمِنْهُمْ هَذَا الشَّارِحُ. وَطَرِيقَةُ أَبِي طَاهِرٍ ثُبُوتُ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً لِلْمُوَكِّلِ، لَكِنْ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ ثَبَتَ لِلْمُوَكَّلِ ابْتِدَاءً عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي طَاهِرٍ إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ لَا أَصَالَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ فِي انْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا فِي الْمُبَادَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِانْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا (إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ) وَالتَّحَالُفُ مِنْ خَوَاصِّ الْمُبَادَلَةِ (وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ) أَيْ وَإِذَا وَجَدَ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا بِالْمُشْتَرَى رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ خَصَائِصِ الْمُبَادَلَةِ.
لَا يُقَالُ: مَا ذَكَرْتُمْ فَرْعٌ عَلَى الْمُبَادَلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا دَلِيلٌ إنِّيٌّ لَا دَلِيلٍ لَمِّيٌّ فَلَا يُنَافِي الْفَرْعِيَّةَ تَأَمَّلْ (وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ (مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيل وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ رَجَعَ الْوَكِيلُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ قَطْعًا (وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ) دَلِيلٌ آخَرُ (لَمَّا كَانَتْ إلَيْهِ) أَيْ لَمَّا كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْوَكِيلِ (وَقَدْ عَلِمَهُ الْمُوَكِّلُ) أَيْ عَلِمَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ (فَيَكُونُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (رَاضِيًا بِدَفْعِهِ) أَيْ بِدَفْعِ الثَّمَنِ (مِنْ مَالِهِ) أَيْ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ، وَالْأَمْرُ ثَابِتٌ هُنَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا دَفْعُ الثَّمَنِ عَلِمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِدَفْعِ الثَّمَنِ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ فَكَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ آمِرًا بِهِ دَلَالَةً (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ (قَبْلَ حَبْسِهِ) أَيْ قَبْلَ حَبْسِ الْوَكِيلِ الْمَبِيعَ (هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ) أَيْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْمُوَكَّلِ، هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ: يَعْنِي أَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ حَبْسِهِ إيَّاهُ لَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ (لِأَنَّ يَدَهُ) أَيْ يَدَ الْوَكِيلِ (كَيَدِ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْهُ) أَيْ الْوَكِيلُ (يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ) أَيْ بِيَدِ الْوَكِيلِ، فَالْهَلَاكُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ
(8/38)

(وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِيَدِهِ فَكَأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ

(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يَحْبِسَهُ) أَيْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ (حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ أَوْ لَمْ يَدْفَعْ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ وَسَامَحَهُ الْبَائِعُ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ هَلْ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ عَنْ الْمُوَكِّلِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الدَّرَاهِمَ مِنْهُ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِلْوَكِيلِ فِي مَوْضِعِ نَقْدِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ بَيْعٍ حُكْمِيٍّ انْعَقَدَ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ النَّقْدِ وَعَدَمِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قُلْت هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ مِنْ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ، وَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا؟ وَقَدْ صَرَّحَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي الشِّرَاءِ فَقَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ وَقَبَضَهُ فَطَلَبَ الْآمِرُ أَخْذَ الْعَبْدِ مِنْ الْوَكِيلِ وَأَبَى الْوَكِيلُ أَنْ يَدْفَعَهُ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ فَهُوَ سَوَاءٌ، إلَى هُنَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ عَنْ الْمُشْتَرِي بِقَبْضِ الثَّمَنِ فَكَذَا لِلْوَكِيلِ، وَهَذَا لَا يُفَصِّلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ أَوْ لَا (وَقَالَ زَفَرٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ (لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِيَدِهِ) أَيْ بِيَدِ الْوَكِيلِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ هَلَاكَهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ (فَكَأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ) أَيْ فَكَأَنَّ الْوَكِيلَ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُوَكِّلِ (فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ) تَشْرِيحُهُ أَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ يَدُ الْمُوَكِّلِ حُكْمًا، فَلَوْ وَقَعَ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْحَبْسِ، وَكَذَا إذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ حُكْمًا (قُلْنَا) لَنَا طَرِيقَانِ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: مَدَارُ أَحَدِهِمَا تَسْلِيمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ. وَمَدَارُ الْآخَرِ مَنْعُ ذَلِكَ.
فَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (هَذَا) أَيْ هَذَا الْقَبْضُ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ) يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ لَكِنَّ هَذَا الْقَبْضَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَتَوَسَّلُ إلَى الْحَبْسِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا، وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الْوَكِيلِ فِي الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ
(8/39)

فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ، عَلَى أَنَّ قَبْضَهُ مَوْقُوفٌ فَيَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ وَلِنَفْسِهِ عِنْدَ حَبْسِهِ (فَإِنْ حَبَسَهُ فَهَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَضَمَانَ الْمَبِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَضَمَانَ الْغَصْبِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَهُمَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْهُ فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَقِّهِ بِاعْتِبَارِ رِضَاهُ بِتَسْلِيمِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرِّضَا فِيمَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ) وَأَشَارَ إلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (عَلَى أَنَّ قَبْضَهُ مَوْقُوفٌ) يَعْنِي عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ بَلْ قَبْضُ الْوَكِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ مَوْقُوفٌ: أَيْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِتَتْمِيمِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْ يَكُونَ لِإِحْيَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِحَبْسِهِ (فَيَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ وَلِنَفْسِهِ عِنْدَ حَبْسِهِ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ عَنْ الْمُوَكِّلِ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِلْمُوَكِّلِ فَيَقَعُ لَهُ، وَإِنْ حَبَسَهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَإِنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا بِقَبْضِهِ (فَإِنْ حَبَسَهُ) أَيْ حَبَسَ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ (فَهَلَكَ) أَيْ الْمَبِيعُ (كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) يَعْنِي يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، فَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا وَقِيمَةُ الْمَبِيعِ عَشَرَةٌ رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِخَمْسَةٍ (وَضَمَانُ الْمَبِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) يَعْنِي يَسْقُطُ بِهِ الثَّمَنُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُخْتَلَفِ وَالْحَصْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
(قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَمْ يَقُلْ رَأْسًا وَضَمَانُ الْمَبِيعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى مَا هُوَ اللَّائِقُ الْمُعْتَادُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ قَوْلُهُمَا (وَضَمَانُ الْغَصْبِ عِنْدَ زَفَرٍ) يَعْنِي يَجِبُ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَلَا يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ، وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ انْتَهَى. وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ الشَّارِحُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ، وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ انْتَهَى.
وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِمَّا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي عَلَى قَوْلِ زَفَرٍ تَأَمَّلْ تَقَفْ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَبْسَ (مَنْعٌ بِغَيْرِ حَقٍّ) لِمَا مَرَّ أَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِيهِ فَصَارَ غَاصِبًا (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُوَكِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ) إذْ لِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ (فَيَسْقُطُ) أَيْ الثَّمَنُ (بِهَلَاكِهِ) أَيْ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ.
وَاعْتِرَاضٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ الضَّمَانُ حَبَسَ أَوْ لَمْ يَحْبِسْ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَحْبِسْ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ إذَا حَبَسَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ بِالْقَبْضِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فَتَقْوَى جِهَةُ كَوْنِهِ بَائِعًا فَلَزِمَ الضَّمَانُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْبِسْ فَقَبَضَهُ كَانَ لِمُوَكِّلِهِ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ أَمَانَةً كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا أَنَّهُ يُشْبِهُ الرَّسُولَ يُشْبِهُ الْبَائِعَ أَيْضًا
(8/40)

وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الرَّهْنُ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ وَهَا هُنَا لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْعَقْدِ. قُلْنَا: يَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ، كَمَا إذَا رَدَّهُ الْمُوَكِّلُ بِعَيْبٍ وَرَضِيَ الْوَكِيلُ بِهِ.

(قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ مِنْ لَحْمٍ يُبَاعُ مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِانْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ، فَإِنْ لَمْ تَجْعَلْ جِهَةَ مُشَابَهَتِهِ بِالْبَائِعِ سَاقِطَةً عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْبِسْ الْمَبِيعَ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ جَعَلْت تِلْكَ الْجِهَةَ سَاقِطَةً عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَمَعَ عَدَمِ ظُهُورِ عِلَّةِ الْإِسْقَاطِ فِيمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَمَشَّى فِيهَا مَا ذَكَرَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِيمَا إذَا دَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ بِانْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ شَامِلَةٌ لِصُورَتَيْ الْحَبْسِ وَعَدَمِ الْحَبْسِ، وَعِلَّتُهَا انْعِقَادُ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ) أَيْ الْهَالِكُ (مَضْمُونٌ بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا قَبْلَ الْحَبْسِ كَمَا تَقَدَّمَ وَصَارَ مَضْمُونًا بَعْدَ الْحَبْسِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ بِمَعْنَى الرَّهْنِ، أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ الرَّهْنُ بِعَيْنِهِ) يَعْنِي هُوَ بِمَعْنَى الرَّهْنِ، وَهَذَا لِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ، وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمَبِيعِ) لِنَفْيِ قَوْلِهِمَا: يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْمَحْبُوسَ هَاهُنَا لَيْسَ كَالْمَبِيعِ (لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ) أَيْ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ (وَهَا هُنَا لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْعَقْدِ) يَعْنِي الَّذِي بَيْنَ الْوَكِيلِ وَبَائِعِهِ. وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (قُلْنَا يَنْفَسِخُ) أَيْ الْعَقْدُ (فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ) وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْوَكِيلِ وَمِثْلُهُ لَا يُمْتَنَعُ (كَمَا إذَا رَدَّهُ الْمُوَكِّلُ بِعَيْبٍ) أَيْ إذَا وَجَدَ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا بِالْمُشْتَرَى فَرَدَّهُ إلَى الْوَكِيلِ (وَرَضِيَ الْوَكِيلُ بِهِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَائِعِهِ.
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَبَيْنَ هَلَاكِهِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بَعْدَ الْحَبْسِ؛ فَفِي الْأَوَّلِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَفِي الثَّانِي لَا، وَانْفِسَاخُ الْبَيْعِ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْفِسَاخِهِ مِنْ الْأَصْلِ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ مَوْضِعِ النِّزَاعِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: وَإِنَّهُ كَمَا تَرَى فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّ الْوَكِيلَ بَائِعٌ كَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ بَائِعٍ لَيْسَ بِوَكِيلٍ فَاسْتَوَيَا فِي وُجُودِ الْفَسْخِ وَبَطَلَ الْفَرْقُ، بَلْ إذَا تَأَمَّلْت وَجَدْت مَا ذُكِرَ مِنْ جَانِبِ أَبِي يُوسُفَ غَلَطًا أَوْ مُغَالَطَةً، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَنْ الْوَكِيلِ بِمَنْزِلَةِ بَائِعِ الْبَائِعِ، وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَائِعِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَسْخُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَبَائِعِهِ فَكَانَ ذِكْرُهُ أَحَدَهُمَا: يَعْنِي غَلَطًا أَوْ مُغَالَطَةً

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ مِنْ لَحْمٍ يُبَاعُ مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ) أَيْ إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مِنْ ذَلِكَ اللَّحْمِ يُسَاوِي قِيمَتُهُ
(8/41)

لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشْرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ بِدِرْهَمٍ) وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ وَظَنَّ أَنَّ سِعْرَهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ عِشْرِينَ فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَصَارَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ فَيَنْفُذُ شِرَاؤُهَا عَلَيْهِ وَشِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مِنْهُ لَا تُسَاوِي دِرْهَمًا نَفَذَ الْكُلُّ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ (لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشَرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ بِدِرْهَمٍ) إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) أَيْ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ (قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ) أَيْ فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْهُ: وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ لَزِمَ الْآمِرَ مِنْهَا عَشَرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَالْبَاقِي لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ قَدْرٍ مُسَمًّى، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَمْرُهُ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ أَمْرُهُ قَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ وَزَادَهُ مَنْفَعَةً بِالشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِمَّا سَمَّى لَهُ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ.
إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ كَمَا تَرَى (لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَمَرَهُ) أَيْ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَ الْوَكِيلَ (بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ وَظَنَّ أَنَّ سِعْرَهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ عِشْرِينَ فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يُخَالِفْ لِلْمُوَكِّلِ فِيمَا أَمَرَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ ظَنُّهُ مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ فَلَيْسَ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ سِيَّمَا إذَا زَادَهُ خَيْرًا (وَصَارَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ) حَيْثُ جَازَ ذَلِكَ فَكَذَا هَذَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ) أَيْ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ) وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ يُسَاوِي دِرْهَمًا وَقَدْ خَالَفَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ (فَيَنْفُذُ شِرَاؤُهَا) أَيْ شِرَاءُ الزِّيَادَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ (وَشِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ) أَيْ وَيَنْفُذُ شِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.
(8/42)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلْزِمَ الْآمِرَ عِنْدَهُ عَشَرَةً بِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَشَرَةَ تَثْبُتُ ضِمْنًا لِلْعِشْرِينِ لَا قَصْدًا وَقَدْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةٍ قَصْدًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا يَقَعُ عِنْدَهُ الْوَاحِدَةُ لِثُبُوتِهَا فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ، وَالْمُتَضَمَّنُ لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ مَا فِي ضِمْنِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ. قُلْنَا: ذَاكَ مُسَلَّمٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُتَضَمَّنَ لَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ لَا مِنْ الْمُوَكِّلِ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلَا مِنْ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ امْرَأَةُ الْمُوَكِّلِ لَا امْرَأَةُ الْوَكِيلِ، وَأَمَّا هُنَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الشِّرَاءُ مِنْ الْمُوَكِّلِ ثَبَتَ مِنْ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا لَا يَتَوَقَّفُ بَلْ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ كَمَا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي خَالَفَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَلَمَّا ثَبَتَ الْمُتَضَمَّنُ وَهُوَ الْعِشْرُونَ ثَبَتَ مَا فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ، وَإِلَّا أَنَّ الْوَكِيلَ خَالَفَ الْمُوَكِّلَ حَيْثُ اشْتَرَى الْعَشَرَةَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مُخَالَفَةٌ إلَى خَيْرٍ فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْكُلُّ مَقْصُودًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الضِّمْنُ فِي الشِّرَاءِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ مَوْلَانَا حَمِيدِ الدِّينِ.
أَقُولُ: الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَتَوَزَّعُ إلَخْ وَاضِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْهُ فَمُشْكِلٌ لَا يُعْقَلُ إذَا بَعُدَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ الشِّرَاءَ فِي الْمُتَضَمَّنِ وَهُوَ الْعِشْرُونَ يَثْبُتُ مِنْ الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَا فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ يَثْبُتُ مِنْ الْمُوَكِّل، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ مَا فِي ضِمْنِ الشَّيْءِ يَتْبَعُ حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ دَائِمًا، فَثُبُوتُ شِرَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ الْوَكِيلِ نَفْسِهِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ شِرَاءِ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي ضِمْنِهِ مِنْهُ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِنَفَاذِ شِرَاءِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَنَفَاذِ شِرَاءِ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي ضِمْنِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا لَا يَخْفَى. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتِمَّةِ مُحَالًا إلَى الْمُنْتَقَى، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا هَرَوِيًّا بِعَشَرَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ هَرَوِيَّيْنِ بِعَشَرَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي عَشَرَةَ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُنَا أَيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُ الْآمِرِ وَزَادَهُ خَيْرًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ مَا اشْتَرَاهُ عَلَى الْآمِرِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا فَكَيْفَ نَفَذَ هَاهُنَا شِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّحْمَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَهِيَ لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْقِيمَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَلَامُنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ اللَّحْمُ مِمَّا يُبَاعُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مِنْهُ بِدِرْهَمٍ فَحِينَئِذٍ كَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُوَكِّلِ: أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَالثَّوْبَانِ وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقِيمَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَذَلِكَ لَا يُعَيِّنُ حَقَّ الْمُوَكِّلِ فَيَثْبُتُ حَقُّهُ مَجْهُولًا فَلَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي التَّتِمَّةِ فَقَالَ: لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أُعْطِيهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا
(8/43)

بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ بَدَلُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مَا يُسَاوِي عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ حَيْثُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ يَتَنَاوَلُ السَّمِينَ وَهَذَا مَهْزُولٌ فَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ.

قَالَ (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْحِرْزِ وَالظَّنِّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ وَنَسَبَهُ إلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ: وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَعَلَ اللَّحْمَ مِثْلِيًّا، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيلٍ آخَرَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ اللَّحْمُ أَيْضًا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، لَكِنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ قَلِيلٌ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مَفْرُوضِ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ وَالْقِيمَةِ وَقَدْ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّ فِي تَطَرُّقِ الْخَلَلِ فِي احْتِمَالِ التَّسَاوِي كَثْرَةً مَادَّةً وَصُورَةً وَطُولًا وَعَرْضًا وَرِفْعَةً وَرُقْعَةً، وَأَجَلُهُ كَوْنُهُ حَاصِلًا بِصُنْعِ الْعِبَادِ مَحَلَّ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فَلَا يَلْزَمُ تَحَمُّلَهُ مَنْ تَحَمَّلَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ خَلَلًا انْتَهَى كَلَامُهُ (بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ تَمْثِيلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ (لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ) أَيْ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ (بَدَلُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ الْوَكِيلُ لَا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْ ثَوْبِي هَذَا عَلَى أَنَّ ثَمَنَهُ لَك لَا يَصِحُّ (فَتَكُونُ لَهُ) أَيْ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْمُوَكِّلِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَرُدَّ بِأَنَّ الدِّرْهَمَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ مِلْكَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّةَ مُبْدَلُ مِنْهُ لَا بَدَلٌ فَكَانَ الْفَرْقُ ظَاهِرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَلِكَ قِيَاسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَهُوَ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَ الزَّائِدَ لَا يَفْسُدُ بِطُولِ الْمُكْثِ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى نَاجِزَةٍ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي اللَّحْمِ فَيُتْلَفُ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّدِّ وَالْجَوَابِ شَيْءٌ فَتَأَمَّلْ (بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مَا يُسَاوِي عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ (حَيْثُ يَصِيرُ) أَيْ يَصِيرُ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ) لِوُجُودِ الْمُخَالَفَةِ (لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتَنَاوَلُ السَّمِينَ، وَهَذَا) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ (مَهْزُولٌ فَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ) فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ

. (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ سَوَاءٌ نَوَى عِنْدَ الْعَقْدِ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ لِشِرَاءٍ لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ اشْتَرَيْت لِنَفْسِي، هَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَصَرَّحَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ. كَذَا فِي الشُّرُوحِ نَقْلًا عَنْ التَّتِمَّةِ. وَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَبْدِ فِي الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ فَشِرَاؤُهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَكَالَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَمَتَى أَتَى بِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ
(8/44)

لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْرِيرِ الْآمِرِ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْآمِرِ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ (يُؤَدِّي إلَى تَعْزِيرِ الْآمِرِ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ) وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَلِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي اشْتِرَائِهِ لِنَفْسِهِ (عَزْلَ نَفْسِهِ) عَنْ الْوَكَالَةِ (وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ) ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ عِلْمِ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَزْلِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ يَحْصُلُ بِأَسْبَابِ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا حُضُورُ صَاحِبِهِ، وَمِنْهَا بَعْثُ الْكِتَابِ وَوُصُولُهُ إلَيْهِ، وَمِنْهَا إرْسَالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ وَتَبْلِيغُهُ الرِّسَالَةَ إيَّاهُ، وَمِنْهَا إخْبَارُ وَاحِدٍ عَدْلٍ أَوْ اثْنَيْنِ غَيْرِ عَدْلَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِخْبَارُ وَاحِدٍ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ سِيَّمَا فِي الْبَدَائِعِ. فَاشْتِرَاطُ عِلْمِ الْآخَرِ فِي صِحَّةِ فَسْخِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْعَقْدَ الْقَائِمَ بَيْنَهُمَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ عَزْلَ نَفْسِهِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ سَبَبِ وَاحِدٍ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ سَائِرِ الْأَسْبَابِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى انْتِفَاءِ سَائِرِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ أَيْضًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ عِبَارَاتِ الْكُتُبِ أَصْلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِي إقْحَامِ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ عَلَى مَا قِيلَ الْإِيمَاءُ إلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ قَالَ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا اشْتَرَى يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ فَصْلُ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَخْرُجُ مِنْ الْوَكَالَةِ بِأَشْيَائِهِ: مِنْهَا عَزْلُ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ وَنَهْيُهُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ بِالْعَزْلِ وَالنَّهْيِ.
وَلِصِحَّةِ الْعَزْلِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: عِلْمُ الْوَكِيلِ بِأَنَّ الْعَزْلَ فَسْخٌ فَلَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْفَسْخِ، فَإِذَا عَزَلَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ انْعَزَلَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابَ الْعَزْلِ فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ مِنْ الْعَزْلِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَبَلَغَ الرِّسَالَةَ وَقَالَ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَقُولُ إنِّي عَزَلْتُك عَنْ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ كَائِنًا مَنْ كَانَ الرَّسُولُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا بَعْدَ أَنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسِلِ وَسَفِيرٌ عَنْهُ فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ بِالْعَزْلِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فَخَبَرُ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدْلِ أَوْلَى. وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَا يَنْعَزِلُ، وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَنْعَزِلُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ وَإِنْ كَذَّبَهُ إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ بَيْنَ كَلَامَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَدَافُعًا، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ الْوَكِيلَ بِشَرْطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ سَوَاءٌ عَزَلَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ أَوْ عَزَلَهُ بِغَيْبَتِهِ مِنْهُ، وَلَكِنَّ عِلْمَ الْعَزْلِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابٍ شَتَّى عَلَى مَا فَصَّلَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ كَمَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ صِحَّةِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ فِي صُورَةِ إنْ عَزَلَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ كَمَا تَرَى. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ أَحَالَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا إذَا نَكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ الْمَهْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ
(8/45)

فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَى الثَّانِي وَهُوَ غَائِبٌ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ. وَلَوْ اشْتَرَى الثَّانِيَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ نَفَذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى الْوَكِيلِ لَا عَلَى الْمُوَكِّلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْمَهْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْمُوَكَّلَ بِهِ نِكَاحٌ مُضَافٌ إلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ لَا بُدَّ أَنْ يُضِيفَ النِّكَاحَ إلَى مُوَكِّلِهِ فَيَقُولُ زَوَّجْتُك لِفُلَانٍ، وَالْمَوْجُودُ فِيمَا إذَا نَكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُك فَكَانَتْ الْمُخَالَفَةُ مَوْجُودَةٌ فَوَقَعَ عَلَى الْوَكِيلِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ الْمُوَكَّلَ بِهِ هُنَا شِرَاءٌ مُطْلَقٌ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا شِرَاءٌ مُضَافٌ إلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
(فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى) يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنِ مُسَمَّى (فَاشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِهِ) أَيْ بِخِلَافِ جِنْسِ الْمُسَمَّى بِأَنْ سَمَّى دَرَاهِمَ مَثَلًا فَاشْتَرَى بِدَنَانِيرَ (أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ) كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ (أَوْ وَكَّلَ) أَيْ الْوَكِيلُ (وَكِيلًا بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَى الثَّانِي) أَيْ فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ الثَّانِي وَهُوَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ (وَهُوَ غَائِبٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ غَائِبٌ (يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ) أَيْ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ تَفْرِيعًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْقُدُورِيِّ: يَعْنِي إنَّمَا لَا يَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: أَمَّا إذَا وُجِدَ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ (خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ. أَمَّا إذَا اشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِ مَا سَمَّى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ فَلِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ نَقْدُ الْبَلَدِ فَالْأَمْرُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَاءٍ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُحْضِرَ رَأْيَهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ حَالَ غَيْبَتِهِ (فَنَفَذَ) أَيْ الشِّرَاءُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (وَلَوْ اشْتَرَى الثَّانِي) أَيْ الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ نَفَذَ) أَيْ الشِّرَاءُ (عَلَى الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ) أَيْ رَأْيُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا) أَيْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ آمِرِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا يَصِيرُ كَأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ.
أَلَا يَرَى أَنَّ الْأَبَ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِحَضْرَتِهَا جَازَ؟ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي بَاشَرَتْ الْعَقْدَ وَكَانَ الْأَبُ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ شَاهِدَيْنِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ فَبَلَغَ الْوَكِيلُ فَأَجَازَهُ يَجُوزُ، وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؟ فَإِنَّهُ لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فَطَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ الثَّانِي لَا يَقَعُ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، وَالرِّوَايَةُ فِي التَّتِمَّةِ وَالذَّخِيرَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الْوَكَالَةِ فِي التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مُتَعَذَّرٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ الرَّأْيِ إلَى الْوَكِيلِ، وَتَفْوِيضُ الرَّأْيِ إلَى الْوَكِيلِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِمَا إذَا انْفَرَدَا عَنْ مَالٍ إلَى الرَّأْيِ فَجَعَلْنَا الْوَكَالَةَ فِيهِمَا مَجَازًا عَنْ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَالرَّسُولُ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُرْسِلِ، فَصَارَ الْمَأْمُورُ فِيهِمَا مَأْمُورًا بِنَقْلِ عِبَارَةِ الْآمِرِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَتَوْكِيلُ الْآخَرِ أَوْ الْإِجَازَةُ لَيْسَ مِنْ النَّقْلِ فِي شَيْءٍ فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَكِيلُ. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا فَالْعَمَلُ
(8/46)

قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ: فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ) قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَخِلَافًا، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُطْلَقٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِحَقِيقَةِ الْوَكَالَةِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، فَاعْتُبِرَ الْمَأْمُورُ وَكِيلًا وَالْمَأْمُورُ بِهِ حُضُورُ رَأْيِهِ وَقَدْ حَضَرَ بِحُضُورِهِ أَوْ بِإِجَازَتِهِ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيه بِمَالِ الْمُوَكِّلِ) إلَى هُنَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ (قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ أَضَافَ) أَيْ الْوَكِيلُ (الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ) هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْقُدُورِيِّ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ هُوَ الْإِضَافَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ بِغَيْرِ إضَافَةٍ إلَيْهِ (لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ (تَفْصِيلًا) فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةً، إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمَ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ (وَخِلَافًا) فَإِنَّهُ إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحْكُمُ النَّقْدُ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ لَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ يَقَعُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَهُوَ مُطْلَقٌ) أَيْ قَوْلُهُ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ مُطْلَقٌ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِضَافَةِ إلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ، كَذَا قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا، عَلَى أَنَّهُ إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِلنَّقْدِ الْمُطْلَقِ لَا لِلنَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ كَوْنِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ الْقُدُورِيِّ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ الْإِضَافَةَ إلَى دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِهِ إنَّمَا هُوَ وُقُوعُ التَّفْصِيلِ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ لَا وُقُوعُهُ فِي النَّقْدِ الْمُطْلَقِ، إذْ لَا مِسَاسَ لَهُ بِكَلَامِ الْقُدُورِيِّ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ مَالُ الْمُوَكِّلِ دُونَ مُطْلَقِ الْمَالِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَدْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الْمَذْكُورَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ وَزَادَ إخْلَالًا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ وُجُوهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِذَا عَلِمْت هَذِهِ الْوُجُوهَ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ تَفْصِيلًا إذَا اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ نَوَاهُ لِلْمُوَكِّلِ لَا مُعْتَبَرَ بِالنَّقْدِ انْتَهَى.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: " وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ " قَيْدٌ مُفْسِدٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ نَوَى لِلْمُوَكِّلِ لَا يُعْتَبَرُ النَّقْدُ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِلْمُوَكِّلِ أَيْضًا كَانَ لَهُ صِدْقُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَطْ، إذْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَكُونُ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ لِلْوَكِيلِ كَمَا سَيَجِيءُ، فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مُنَاسِبًا لِشَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَخِلَافًا لِشَرْحِ قَوْلِهِ تَفْصِيلًا. وَأَيْضًا أَنَّهُ بَعْدَمَا صَرَّحَ أَنَّ التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ حَيْثُ قَالَ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ تَفْصِيلًا كَيْفَ يَتَيَسَّرُ لَهُ بَيَانُ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ فِي النَّقْدِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ قَالَ: إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ لَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّكَاكَةَ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَفْحَشُ. وَأَقُولُ: الْحَقُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالتَّفْصِيلِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَخِلَافًا صُورَتَيْ التَّكَاذُبِ وَالتَّوَافُقِ، وَبِالْخِلَافِ الْخِلَافُ الْوَاقِعُ فِي صُورَتَيْ التَّوَافُقِ؛ فَالْمَعْنَى أَنَّ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ تَفْصِيلًا، فَإِنَّهُ إذَا نَقَدَ مِنْ مَالِهِ فَإِذَا تَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ يَحْكُمُ النَّقْدُ
(8/47)

وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ لِلْعَاقِدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْكُمُ النَّقْدُ أَيْضًا، وَخِلَافًا فَإِنَّهُ إذَا نَقَدَ مِنْ مَالِهِ وَتَوَافَقَا عَلَى عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ لِلْعَاقِدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْكُمُ النَّقْدُ، بِخِلَافِ الْإِضَافَةِ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ فَإِنَّهُ لَا تَفْصِيلَ وَلَا خِلَافَ فِيهَا، فَكَانَ حَمْلُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَلَيْهَا أَوْلَى.
ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ لَنَا بَحْثٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنَّ فِيهِ إخْلَالًا بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ صُورَةَ إنْ أَضَافَ الْعَقْدُ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ وَتَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ لَا تَكُونُ دَاخِلَةً حِينَئِذٍ فِي شَيْءٍ مِنْ قِسْمَيْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لِلْوَكِيلِ أَلْبَتَّةَ بِمُوجِبِ مَا بَقِيَ فِي الْكَلَامِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّهُ يَحْكُمُ النَّقْدُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ. فَفِيمَا نَقَدَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ الْعَقْدُ لَهُ قَطْعًا، وَإِنَّ صُورَةَ إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ وَتَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ لَا تَكُونُ دَاخِلَةً أَيْضًا حِينَئِذٍ فِي شَيْءٍ مِنْ قِسْمَيْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ فِيهَا أَيْضًا لِلْوَكِيلِ بِمُوجِبِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا كَمَا سَيَأْتِي، فَيَلْزَمُ حَمْلُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَلَى مَا فِيهِ الْخِلَافُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْمُصَنِّفُ.
وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ هَرَبَ الْمُصَنِّفُ فِي حَلِّ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ هَاهُنَا عَنْ وَرْطَةٍ وَوَقَعَ فِي وَرْطَةٍ أُخْرَى مِثْلِ الْأُولَى بَلْ أَشَدَّ مِنْهَا فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ؟ وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَفَطَّنَ لِذَلِكَ حَيْثُ زَادَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ أَوْ يَنْقُدَ مِنْ مَالِهِ، وَقَالَ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ إلَى آخِرِهِ (وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ) أَيْ إنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ (كَانَ) أَيْ الْعَقْدُ (لِنَفْسِهِ) هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (حَمْلًا لِحَالِهِ) أَيْ حَالِ الْوَكِيلِ (عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ لِلْآمِرِ لَكَانَ وَاقِعًا لِلْوَكِيلِ، فَلَوْ وَقَعَ لَهُ كَانَ غَاصِبًا لِدَرَاهِمِ الْآمِرِ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ شَرْعًا. كَذَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ، وَأَمَّا إذَا أَضَافَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ وَلَكِنْ لَمْ يَنْقُدْ مِنْ دَرَاهِمِهِ بَلْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْغَصْبُ قَطْعًا. وَجَوَابُ مَسْأَلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ مُتَّحِدٍ فِي الصُّورَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَنُقِلَ عَنْهَا فِي النِّهَايَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ (أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا وَتَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ الشِّرَاءَ إذَا كَانَ مُضَافًا إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ يَقَعُ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ فَلَمَّا أَضَافَ الْعَقْدَ هَاهُنَا إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ وَقَعَ لَهُ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ فِي النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ الْعَامَّةُ.
قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ أَنْ جَرَى فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَهِيَ تَوْزِيعُ التَّعْلِيلِ الْمَزْبُورِ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلَانِ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَيُضِيفُ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ شَرْعًا فَكَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ وَيُضِيفَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ. وَأَمَّا الْعَادَةُ
(8/48)

إذْ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعُرْفًا. وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ، فَإِنْ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَهُوَ لِلْآمِرِ، وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ وَيَعْمَلَ لِلْآمِرِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ، وَإِنْ تَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ يَحْكُمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَحْكُمُ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَجَارِيَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي لِغَيْرِهِ وَيُضِيفُهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ، وَكَذَا عَلَى الْعَكْسِ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً دَلِيلًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي يُعْلَمُ بِالدَّلَالَةِ، فَإِنَّهُ، كَمَا لَا يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَيُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ شَرْعًا فَكَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ وَيُضِيفَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ وَالْعَادَةُ مُشْتَرِكَةٌ لَا مَحَالَةَ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِالْأَوَّلِ يَصِيرُ غَاصِبًا دُونَ الثَّانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ شَرْعًا انْتَهَى.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ (إذْ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعُرْفًا) يُنَادِي بِأَعْلَى الصَّوْتِ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَزْبُورَ بِشِقَّيْهِ مَعًا لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ؛ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى مَا يَحِلَّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً دَلِيلًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَيَكْتَفِي فِي الْعِلْمِ بِالْوَجْهِ الثَّانِي بِدَلَالَةِ شِقِّهِ الثَّانِي: أَعْنِي قَوْلَهُ أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً عَلَى ذَلِكَ. وَالْإِنْصَافُ أَنَّ فِي تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا تَعْقِيدًا وَاضْطِرَابًا كَمَا تَرَى، وَلِهَذَا تَحَيَّرَ الشُّرَّاحُ فِي حَلِّهِ الْوَافِي وَشَرْحِهِ الْكَافِي (وَإِنْ أَضَافَهُ) أَيْ الْعَقْدَ (إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ) هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ (لِلْآمِرِ فَهُوَ) أَيْ الْعَقْدُ (لِلْآمِرِ، وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ) أَيْ فَالْعَقْدُ لِنَفْسِهِ (لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ وَيَعْمَلَ لِلْآمِرِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ) أَيْ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُعْتَبَرَةً.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا نَوَاهَا لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ مِنْ كَوْنِهِ غَاصِبًا لِدَرَاهِمِ الْآمِرِ. فَإِنْ قُلْت: الْغَصْبُ فِي صُورَةِ الْإِضَافَةِ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ فِي ضِمْنِ نَفْسِ الْعَقْدِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِبُطْلَانِهِ، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَفِي النَّقْدِ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِهِ بُطْلَانُ الْعَقْدِ فَافْتَرَقَتْ الصُّورَتَانِ. قُلْت: الْغَصْبُ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْإِضَافَةِ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ بَلْ يَتَحَقَّقُ فِي النَّقْدِ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَهُوَ لَمْ يُوجَدْ فِي ضِمْنِ نَفْسِ الْعَقْدِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، بَلْ إنَّمَا وُجِدَ فِي النَّقْدِ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ الْعَقْدِ فِي تَيْنِك الصُّورَتَيْنِ مَعًا فَلَا يَتِمُّ الْفَرْقُ تَدَبَّرْ (وَإِنْ تَكَاذَبَا) أَيْ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ (فِي النِّيَّةِ) فَقَالَ الْوَكِيلُ نَوَيْت لِنَفْسِي وَقَالَ الْمُوَكِّلُ نَوَيْت لِي (يَحْكُمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ) فَمِنْ مَالِ مَنْ نَقَدَ الثَّمَنَ كَانَ الْمَبِيعُ لَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ النَّقْدَ (دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ حَمْلِ حَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً (وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ) فَفِيهِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
(قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ) أَيْ الْعَقْدُ (لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفْسِهِ (إلَّا إذَا ثَبَتَ جَعَلَهُ) أَيْ جَعَلَ الْعَمَلَ (لِغَيْرِهِ) بِالْإِضَافَةِ إلَى مَالِهِ أَوْ بِالنِّيَّةِ لَهُ (وَلَمْ يَثْبُتْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْكُمُ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِنِيَّتِهِ (يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ) وَهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ وَأَنْ يَكُونَ
(8/49)

فَيَبْقَى مَوْقُوفًا، فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلَ لِصَاحِبِهِ وَلِأَنَّ مَعَ تَصَادُقِهِمَا يَحْتَمِلُ النِّيَّةَ لِلْآمِرِ، وَفِيمَا قُلْنَا حَمْلُ حَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِنَفْسِهِ (فَيَبْقَى مَوْقُوفًا، فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلَ لِصَاحِبِهِ) فَتَعَيَّنَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ (وَلِأَنَّ مَعَ تَصَادُقِهِمَا) عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ (يَحْتَمِلُ النِّيَّةُ لِلْآمِرِ) بِأَنْ نَوَى لَهُ وَنَسِيَهُ (وَفِيمَا قُلْنَا) أَيْ فِي تَحْكِيمِ النَّقْدِ (حَمَلَ) أَيْ حَالَ الْوَكِيلِ (عَلَى الصَّلَاحِ) وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ غَاصِبًا عَلَى تَقْدِيرِ النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ (كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ) بَقِيَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى أَيِّ نَقْدٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقَيِّدَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ الشِّرَاءَ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ يَتَعَيَّنُ، وَإِنَّمَا نَقُولُ الْوَكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِمَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِهَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِذَا تَقَيَّدَتْ بِهَا لَمْ يَكُنْ الشِّرَاءُ بِغَيْرِهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْوَكَالَةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ، وَمَأْخَذُهُمْ الْمَبْسُوطُ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ بَعْدَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَسَيَظْهَرُ لَك فِيمَا سَيَجِيءُ عَنْ قَرِيبٍ. وَجَوَابُ مَسْأَلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ وَإِلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِ الْإِضَافَةِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَغَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ، وَبِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يُجْعَلَ مَدَارُهُ مَا هُوَ الْمُقَيَّدُ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ؟ وَكَأَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ تَنَبَّهَ لِهَذَا حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ: لِأَنَّ الثَّمَنَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَيَّنُ لَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ التَّعَيُّنِ مِنْ حَيْثُ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ بِهِ، وَقَدْ تَعَيَّنَ قَدْرُهُ وَوَصْفُهُ وَلِهَذَا لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إذَا اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ انْتَهَى. لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَيْضًا بِمَا يَشْفِي الْغَلِيلَ هَاهُنَا كَمَا تَرَى.
ثُمَّ أَقُولُ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ الْعِلَّةُ فِي كَوْنِ الْعَقْدِ لِمَنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِهِ تَعَيُّنَ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ بَلْ حُمِلَ حَالُهُ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً كَمَا مَرَّ مُبَيَّنًا وَمَشْرُوحًا، فَلَا ضَيْرَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَالدَّرَاهِمُ وَإِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُضِيفُ شِرَاءَ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ إلَى دَرَاهِمِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ
(8/50)

وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ فِي الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ

قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي وَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْته لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ) ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
شَرْعًا وَعُرْفًا انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ فِي الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ) الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ وِفَاقًا وَخِلَافًا؛ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ اسْتِفَادَةِ حُكْمِهِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ نَفْيًا لِقَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَالْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ إجْمَاعًا وَلَا يَحْكُمُ النَّقْدُ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَالسَّلَمِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ لِلنَّقْدِ أَثَرًا فِي تَنْفِيذِ السَّلَمِ، فَإِنَّ الْمُفَارَقَةَ بِلَا نَقْدٍ تُبْطِلُ السَّلَمَ، فَإِذَا جَهِلَ مَنْ لَهُ الْعَقْدُ يُسْتَبَانُ بِالنَّقْدِ، وَلَيْسَ الشِّرَاءُ كَذَلِكَ فَكَانَ الْعَقْدُ لِلْعَاقِدِ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ. كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَصَارَ مُخَالِفًا بِتَرْكِ مَا هُوَ الشَّرْطُ.
وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَلَا يَصِيرُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ عَنْ الْآمِرِ مُخَالِفًا فَيَبْقَى حُكْمُ عَقْدِهِ مَوْقُوفًا عَلَى النَّقْدِ كَذَا فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ بُيُوعِ الْمَبْسُوطِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَقَالَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (قَدْ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي وَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَهُ لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْآمِرُ (دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَأْمُورِ (الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَنْقُودًا إلَى الْمَأْمُورِ (أَخْبَرَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ) أَيْ اسْتِئْنَافَ سَبَبِهِ (وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ) فَإِنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ هُوَ الْعَقْدُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِئْنَافِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَيْتٌ إذْ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالْمَيْتُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعَقْدِ فَكَانَ قَوْلُ الْوَكِيلِ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي لِإِرَادَةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ (وَهُوَ) أَيْ الْآمِرُ (يُنْكِرُ) ذَلِكَ (وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ) فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ مَعْنَاهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ سَبَبِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ بِالْحَذْفِ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ
(8/51)

وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا حِينَ اخْتَلَفَا، إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُودًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الشِّرَاءِ فَلَا يُتَّهَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْقَوْلُ لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِذَلِكَ وَلَا ثَمَنَ فِي يَدِهِ هَاهُنَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ رَاجِعٌ إلَى " مَا " فِي عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْأَحْسَنُ فِي حَلِّ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ. وَقِيلَ: إنَّمَا قَالَ وَهُوَ الرُّجُوعُ وَلَمْ يَقُلْ وَهُوَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَكِيلِ مِنْ ذِكْرِ الْعَقْدِ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ لَا الْعَقْدِ لِأَجْلِ الْآمِرِ، فَتَرَكَ الْوَاسِطَةَ وَهِيَ الْعَقْدُ وَصَرَّحَ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ الرُّجُوعُ فَكَانَ ذِكْرًا لِلْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةً لِلسَّبَبِ، وَجَازَ هَذَا؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ مُخْتَصٌّ بِالشِّرَاءِ لِأَجْلِ الْآمِرِ، وَإِلَى هَذَا التَّوْجِيهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَهُوَ بِهَذَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ انْتَهَى.
(وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي) وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا إلَى الْمَأْمُورِ (هُوَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: عَلَّلَ فِي الْهِدَايَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَدْفَعْ الْآمِرُ الثَّمَنَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَفِيمَا إذَا دَفَعَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ. أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ فَلَمْ يَتِمَّ بِهِ الْفَرْقُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ فِيمَا إذَا لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، وَفِيمَا إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ يَدَّعِي الْآمِرُ الثَّمَنَ عَلَى الْمَأْمُورِ فَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ مَخْصُوصٌ بِصُورَتِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ لَا يَشْمَلُ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ إذْ الثَّمَنُ فِيهَا مَقْبُوضٌ لِلْوَكِيلِ فَلَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ قَطْعًا، وَقَدْ لَبَّسَ هَذَا الْقَائِلُ فِي تَعْلِيلِهِ حَيْثُ ذَكَرَ أَوَّلَ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَتَرَكَ آخِرَهُ الْفَارِقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ ضَمَّ إلَى مَا ذَكَرَهُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا تَرَكَهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ بِمَقْبُوضِ الْوَكِيلِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا إنَّهُ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى (وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا حِينَ اخْتَلَفَا) فَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتُهُ لَكَ، وَقَالَ الْآمِرُ بَلْ اشْتَرَيْتَهُ لِنَفْسِك (إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ) يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ الثَّمَنُ (مَنْقُودًا فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ أَيْضًا (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الشِّرَاءِ) لِلْآمِرِ إذْ الْعَبْدُ حَيٌّ وَالْحَيُّ مَحَلُّ الشِّرَاءِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ الْآمِرِ (فَلَا يُتَّهَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الشِّرَاءِ لِأَجْلِ الْآمِرِ فَإِنْ قِيلَ: إنْ وَقَعَ الشِّرَاءُ أَوَّلًا لِلْوَكِيلِ كَيْفَ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَمْلِكَ اسْتِئْنَافَهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ تَمَلُّكَ اسْتِئْنَافِ الشِّرَاءِ دَائِرٌ مَعَ التَّصَوُّرِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَفَاسَخَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مَعَ بَائِعِهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ لِأَجْلِ الْمُوَكِّلِ.
كَذَا فِي الشُّرُوحِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ الشِّرَاءِ لِأَجْلِ الْآمِرِ (مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ) أَيْ بِأَنْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ (فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهَا الْآمِرَ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلُ (أَمِينٌ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَوْ فِي هَذَا الْوَجْهِ (فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِذَلِكَ) أَيْ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ تَبَعًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا (وَلَا ثَمَنَ فِي يَدِهِ هَاهُنَا) أَيْ لَا ثَمَنَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا
(8/52)

وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا وَالْعَبْدُ حَيٌّ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ عَلَى مَا مَرَّ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالثَّمَنُ غَيْرَ مَنْقُودٍ حَتَّى يَكُونَ أَمِينًا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَافْتَرَقَا (وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ) يَعْنِي إنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ (ثُمَّ اخْتَلَفَا وَالْعَبْدُ حَيٌّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْعَبْدَ حَيٌّ (فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْإِجْمَاعِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَأْمُورَ (أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ فِي الْحَالِ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ) أَيْ فِي إخْبَارِهِ عَنْ ذَلِكَ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ) أَيْ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ، قَيَّدَ بِهِ، إذْ فِي حَالِ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ حَالَ حَضْرَتِهِ (عَلَى مَا مَرَّ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ (بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاخْتَلَفَا (عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ) يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ جَانِبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التُّهْمَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي صُورَةِ الْمُعَيَّن أَيْضًا بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُوَافَقَةِ لِلْآمِرِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ، كَأَنْ اشْتَرَاهُ بِخِلَافِ جِنْسِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى أَوْ بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ الثَّانِي بِغَيْبَةِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً قَالَ لِلْآمِرِ اشْتَرَيْته لَك بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَالْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُوَافَقَةِ لِلْآمِرِ. وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَمْلِكُهُ قَطْعًا عَلَى مَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، فَمَا الدَّافِعُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إنَّ
(8/53)

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ أَمَرَهُ ثُمَّ جَاءَ فُلَانٌ وَقَالَ أَنَا أَمَرْته بِذَلِكَ فَإِنَّ فُلَانًا يَأْخُذُهُ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْإِنْكَارُ اللَّاحِقُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
احْتِمَالَ أَنَّ اشْتِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ شُبْهَةٌ، وَبَعْدَ ذَلِكَ احْتِمَالُ أَنَّ اشْتِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُوَافَقَةِ شُبْهَةُ شُبْهَةٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ الشُّبْهَةَ تُعْتَبَرُ وَشُبْهَةُ الشُّبْهَةِ لَا تُعْتَبَرُ، وَالتُّهْمَةُ فِي صُورَةِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ نَفْسُ الشُّبْهَةِ وَفِي صُورَةِ الْمُعَيَّنِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي الْأُولَى وَلَمْ تُعْتَبَرْ فِي الثَّانِيَةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ الْوَلِيُّ إذَا أَقَرَّ بِتَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ. قُلْنَا: قَوْلُهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقَوْلُهُ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقُ الْجَوَابِ مَعَ اخْتِلَافِ التَّخْرِيجِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يُرَدَّ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِهِ. أَوْ نَقُولُ: لَوْ كَانَ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ إخْبَارٌ عِنْدَ حُضُورِ شَاهِدَيْنِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ عِنْدَهُ أَيْضًا، فَكَانَ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلنِّكَاحِ ابْتِدَاءً فَلَا يُرَدُّ الْإِشْكَالُ لِمَا أَنَّهُ إنَّمَا لَا يُقْبَلُ هُنَاكَ إقْرَارٌ بِتَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إنْشَاؤُهُ شَرْعًا لِعَدَمِ الشُّهُودِ فَكَانَ لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ فَاطَّرَدَ الْجَوَابُ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُمَا.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: فَإِنْ قُلْت: الْأَصْلُ فِي الدَّلَائِلِ الِاطِّرَادُ. وَهَذَا لَا يَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا أَقَرَّ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَا وَكِيلُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَمَوْلَى الْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ مَعَ أَنَّ الْمُقِرَّ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الْعَقْدِ؟ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا بَلْ يَمْلِكُ مُقَيَّدًا بِحَالِ حَضْرَةِ الشُّهُودِ وَلَمْ يَكُنْ شُهُودُ النِّكَاحِ حُضُورًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِنْشَاءُ بِلَا شُهُودٍ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الثَّانِي. وَقَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ: إنَّ قَوْلَهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقَوْلُهُ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعِيدٌ عَنْ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا قَوْلُهُ وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ وَحْدَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا بَلْ يَمْلِكُهُ مُقَيَّدًا بَحْثٌ، فَإِنَّ تَمَلُّكَ الِاسْتِئْنَافِ دَائِرٌ مَعَ التَّصَوُّرِ كَمَا ذَكَرُوا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالدَّوَرَانِ مَعَ التَّصَوُّرِ الْإِمْكَانُ الشَّرْعِيُّ، وَمَا لَمْ يَحْضُرْ الشُّهُودُ لَمْ يُمْكِنْ إنْشَاءُ النِّكَاحِ شَرْعًا. وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إنْشَاءٌ شَرْعًا لِعَدَمِ الشُّهُودِ. وَأَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ شُهُودُ النِّكَاحِ حُضُورًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِنْشَاءُ بِلَا شُهُودٍ فَكَوْنُ تَمَلُّكِ الِاسْتِئْنَافِ دَائِرًا مَعَ التَّصَوُّرِ لَا يَقْدَحُ أَصْلًا فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْغَايَةِ. لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا بَلْ يَمْلِكُهُ مُقَيَّدًا بِحَالِ حَضْرَةِ الشُّهُودِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ؛؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ. وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ حَيًّا حِينَ اخْتَلَفَا أَوْ هَالِكًا.
وَقَدْ ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ مِنْهَا فِي الْكِتَابِ مُدَلِّلًا وَمُفَصِّلًا كَمَا عَرَفْت فَبَقِيَ مِنْهَا وَجْهَانِ، وَهُمَا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَيَكُونَ الْعَبْدُ هَالِكًا وَالثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا مَعَ دَلِيلِهِمَا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْسِيمِ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ: وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هَالِكًا وَالثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُودٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الرُّجُوعَ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ لَهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: دَلِيلُ الْوَجْهِ الْأَخِيرِ مِنْهَا مَحَلُّ إشْكَالٍ، فَإِنَّ الْآمِرَ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِاشْتِرَاءِ الْمَأْمُورِ لِلْآمِرِ لَكِنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِاشْتِرَائِهِ لِنَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ بَلْ اشْتَرَيْته لِنَفْسِك. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ بَلْ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ أَلْبَتَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِإِنْكَارِ الْآمِرِ شِرَاءَ الْمَأْمُورِ حُكْمٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ) أَيْ لِأَجْلِ فُلَانٍ (فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ) أَيْ الْمُشْتَرِي (أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ أَمَرَهُ ثُمَّ جَاءَ فُلَانٌ وَقَالَ أَنَا أَمَرْته بِذَلِكَ فَإِنَّ فُلَانًا يَأْخُذُهُ) يَعْنِي أَنَّ لِفُلَانٍ وِلَايَةَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهَا (لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ) أَيْ قَوْلَ الْمُشْتَرِي السَّابِقَ وَهُوَ قَوْلُهُ لِفُلَانٍ (إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْإِنْكَارُ اللَّاحِقُ) ؛ لِأَنَّ
(8/54)

(فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ آمُرْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ فَيَكُونُ بَيْعًا عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بِالتَّعَاطِي، كَمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَتَّى لَزِمَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي لِلتَّعَاطِي وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ لِاسْتِتْمَامِ التَّرَاضِي وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْإِقْرَارَ بِالشَّيْءِ لَا يَبْطُلُ بِالْإِنْكَارِ اللَّاحِقِ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ لِفُلَانٍ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي الْوَكَالَةِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لِشَفَاعَةِ فُلَانٍ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: أَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا طَلَبَ مِنْ الشَّفِيعِ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ فَقَالَ الشَّفِيعُ سَلَّمْتهَا لَك بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ اسْتِحْسَانًا كَأَنَّهُ قَالَ سَلَّمْت هَذِهِ الشُّفْعَةَ لِأَجْلِك. قُلْنَا: اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ وَالِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِلَا قَرِينَةٍ، وَسُؤَالُ التَّسْلِيمِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَرِينَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ بِغَيْرِ سَبْقِ سُؤَالِ التَّسْلِيمِ لَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ وَلَيْسَتْ الْقَرِينَةُ بِمَوْجُودَةٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ (فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ آمُرْهُ بِذَلِكَ) ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ سَبِيلٌ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ) أَيْ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي (ارْتَدَّ بِرَدِّهِ) أَيْ بِرَدِّ فُلَانٍ، فَإِذَا عَادَ إلَى تَصْدِيقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأَنَّهُ عَادَ حِينَ انْتَفَى الْإِقْرَارُ فَلَمْ يَصِحَّ تَصْدِيقُهُ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ) رُوِيَ لَفْظُ الْمُشْتَرِي بِرِوَايَتَيْنِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَعَلَى الْكَسْرِ يَكُونُ الْمُشْتَرِي فَاعِلًا، وَقَوْلُهُ لَهُ: أَيْ لِأَجْلِهِ وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفًا وَهُوَ إلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْفُضُولِيُّ الْعَبْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِأَجْلِ فُلَانٍ إلَيْهِ. وَعَلَى الْفَتْحِ يَكُونُ الْمُشْتَرَى لَهُ مَفْعُولًا ثَانِيًا بِدُونِ حَرْفِ الْجَرِّ وَهُوَ فُلَانٌ، وَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا يَعُودُ إلَى الْمُشْتَرِي، فَالْمَعْنَى: إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْفُضُولِيُّ الْعَبْدَ إلَى الْمُشْتَرَى لَهُ وَهُوَ فُلَانٌ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ إلَّا فِي صُورَةِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ صُورَةَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فُلَانًا لَوْ قَالَ أَجَزْت بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ آمُرْهُ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ الْعَبْدُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَلْحَقُ الْمَوْقُوفَ دُونَ الْجَائِزِ، وَهَذَا عَقْدٌ جَائِزٌ نَافِذٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.
كَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَيَكُونُ بَيْعًا عَنْهُ) أَيْ فَيَكُونُ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ بَيْعًا مُبْتَدَأً (وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) أَيْ وَعَلَى فُلَانٍ عُهْدَةُ الْأَخْذِ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ، كَذَا فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ وَفَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بِالتَّعَاطِي) كَمَا لَا يَخْفَى (كَمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ) أَيْ كَالْفُضُولِيِّ الَّذِي اشْتَرَى لِغَيْرِهِ (بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَتَّى لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْعَقْدُ الْمُشْتَرِيَ (ثُمَّ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ) حَيْثُ كَانَ بَيْعًا بِالتَّعَاطِي. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ بَيْعَ التَّعَاطِي كَمَا يَكُونُ بِأَخْذٍ وَإِعْطَاءٍ فَقَدْ يَنْعَقِدُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ كَانَ أَخْذًا بِلَا إعْطَاءٍ لِعَادَةِ النَّاسِ وَثَبَتَ بِهِ أَنَّ النَّفِيسَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْخَسِيسَ فِي بَيْعِ التَّعَاطِي سَوَاءٌ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ بِقَوْلِهِ (وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ) أَيْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي لِلتَّعَاطِي وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ وَهُوَ) أَيْ الْبَيْعُ بِالتَّعَاطِي (يَتَحَقَّقُ فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ) أَيْ نَفِيسِ الْأَمْوَالِ وَخَسِيسِهَا (لِاسْتِتْمَامِ التَّرَاضِي) أَيْ لِاسْتِتْمَامِ التَّرَاضِي فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ) أَيْ التَّرَاضِي
(8/55)

قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ، وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ (إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُمَا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ) ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الْبَيْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: 29] فَلَمَّا وُجِدَ التَّرَاضِي فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِالتَّعَاطِي فِيهِمَا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الْكَرْخِيُّ إنَّ الْبَيْعَ بِالتَّعَاطِي لَا يَنْعَقِدُ إلَّا فِي الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ، وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ اشْتِرَائِهِمَا مُتَفَرِّقَيْنِ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ.
(وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ (فِي الْبَيْعِ) فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ (إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ جَازَ: أَيْ جَازَ اشْتِرَاءُ أَحَدِهِمَا إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَذْكُورَ (تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ) وَهُوَ لَا يَتَحَمَّلُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْبَيْعَ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ (وَهَذَا كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَعَنْ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا، وَقَدْ سَمَّى لَهُ ثَمَنَهُمَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُمَا بِأَلْفٍ) أَيْ لَوْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ (وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ قِيمَتَهُمَا سَوَاءٌ (فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ جَازَ) أَيْ جَازَ الشِّرَاءُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ (وَإِنْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ) قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ (لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرُ) بَلْ يَقَعُ عَنْ الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْآمِرُ (قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا) أَيْ بِالْعَبْدَيْنِ (وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيُقَسَّمُ) أَيْ الْأَلْفُ (بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ وَيَعْمَلُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ
(8/56)

فَكَانَ آمِرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ الشِّرَاءُ بِهَا مُوَافَقَةً وَبِأَقَلَّ مِنْهَا مُخَالَفَةً إلَى خَيْرٍ وَالزِّيَادَةُ إلَى شَرٍّ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا اسْتِحْسَانًا) ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ وَقَدْ حَصَلَ غَرَضُهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِالْأَلْفِ وَمَا ثَبَتَ الِانْقِسَامُ إلَّا دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ يَفُوقُهَا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ مَا يُشْتَرَى بِمِثْلِهِ الْبَاقِي جَازَ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ فِيمَا قُلْنَا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ بَاقِيَةٌ يُشْتَرَى بِمِثْلِهَا الْبَاقِي لِيُمْكِنَهُ تَحْصِيلُ غَرَضِ الْآمِرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَكَانَ آمِرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ، ثُمَّ الشِّرَاءُ بِهَا) أَيْ بِخَمْسِمِائَةِ (مُوَافَقَةً) لِأَمْرِ الْآمِرِ (وَبِأَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ بِالشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ (مُخَالَفَةً إلَى خَيْرٍ) فَيَجُوزُ (وَبِالزِّيَادَةِ إلَى شَرٍّ) أَيْ الشِّرَاءُ بِالزِّيَادَةِ مُخَالَفَةٌ إلَى شَرٍّ (قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: احْتَمَلَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهُ عَلَى الْآمِرِ إذَا زَادَ زِيَادَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا. وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِي الَّذِي يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْآمِرُ، فَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ، وَاحْتُمِلَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَا يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ، وَفِي قَوْلِهِمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَلِيلَةً انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا قَالُوا: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِيلَةً بِحَيْثُ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْمِيَةَ فِي حَقِّ هَذَا الْوَاحِدِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ جَازَ كَذَا هَاهُنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَابَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفَصَّلَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا انْتَهَى. وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَبِالزِّيَادَةِ إلَى شَرٍّ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا) فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ وَيَلْزَمُ الْآمِرُ (اسْتِحْسَانًا) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْآمِرُ لِثُبُوتِ الْمُخَالَفَةِ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ) يَعْنِي أَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ قَائِمٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ بِالْخُصُومَةِ (وَقَدْ حَصَلَ غَرَضُهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ) أَيْ وَقَدْ حَصَلَ عِنْدَ اشْتِرَاءِ الْبَاقِي غَرَضُ الْأَوَّلِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ (وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَمَا ثَبَتَ الِانْقِسَامُ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ (إلَّا دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ يَفُوقُهَا) أَيْ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ: يَعْنِي أَنَّ الِانْقِسَامَ بِالسَّوِيَّةِ إنَّمَا كَانَ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَإِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ بَطَلَتْ الدَّلَالَةُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ (مِنْ الْأَلْفِ مَا يُشْتَرَى بِمِثْلِهِ الْبَاقِي جَازَ) وَلَزِمَ الْآمِرُ (لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ (لَكِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ) أَيْ الْمُتَعَارَفُ (فِيمَا قُلْنَا) أَيْ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ (وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ بَاقِيَةٌ يُشْتَرَى بِمِثْلِهَا الْبَاقِي) مِنْ الْعَبْدَيْنِ (لِيُمْكِنَهُ) أَيْ لِيُمْكِنَ الْمَأْمُورُ (تَحْصِيلَ غَرَضِ الْآمِرِ) وَهُوَ تَمَلُّكُ
(8/57)

قَالَ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَذَا الْعَبْدَ فَاشْتَرَاهُ جَازَ) ؛ لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينَ الْبَائِعِ؛ وَلَوْ عَيَّنَ الْبَائِعَ يَجُوزُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ (وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَقَالَا: هُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ إذَا قَبَضَهُ الْمَأْمُورُ) وَعَلَى هَذَا إذَا أَمَرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ. لَهُمَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَيْنًا، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَصَارَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءً فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَبْدَيْنِ مَعًا

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ) أَيْ الْآخَرُ (بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْأَلْفِ (هَذَا الْعَبْدَ) يَعْنِي الْعَبْدَ الْمُعَيَّنَ (فَاشْتَرَاهُ جَازَ) وَلَزِمَ الْآمِرَ قَبْضُهُ أَوْ مَاتَ قَبْلَهُ عِنْدَ الْمَأْمُورِ (لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينَ الْبَائِعِ، وَلَوْ عُيِّنَ الْبَائِعُ يَجُوزُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) يُشِيرُ إلَى مَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا عُيِّنَ الْبَائِعُ إلَخْ (وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا) أَيْ بِالْأَلْفِ الَّتِي عَلَيْهِ (عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ) أَيْ فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي (قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي) فَالْأَلْفُ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (لَهُ) أَيْ لِلْآمِرِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (هُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (لَازِمٌ لِلْآمِرِ إذَا قَبَضَهُ الْمَأْمُورُ) سَوَاءٌ قَبَضَهُ الْآمِرُ أَوْ مَاتَ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (إذَا أَمَرَهُ) أَيْ إذَا أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (أَنْ يُسَلِّمَ مَا عَلَيْهِ) أَيْ يَعْقِدَ عَقْدَ السَّلَمِ (أَوْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ يَعْقِدَ عَقْدَ الصَّرْفِ فَإِنَّ عَيَّنَ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ وَمَنْ يَعْقِدُ بِهِ عَقْدَ الصَّرْفِ صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا فَعَلَى الِاخْتِلَافِ. قَالَ الشُّرَّاحُ: وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِدَفْعِ مَا عَسَى يُتَوَهَّمُ أَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ لِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ قَدْ سَبَقَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ مَسْأَلَةُ جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ مُدَلَّلَةً وَمُفَصَّلَةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِأَحْوَالِ الْقَبْضِ مُسْتَوْفًى، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمُ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِمَا، وَهَلْ يَلِيقُ بِشَأْنِ الْمُصَنِّفِ دَفْعُ مِثْلِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ.
فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ تَخْصِيصَهُمَا بِالذِّكْرِ إنَّمَا هُوَ لِإِزَالَةِ مَا يَتَرَدَّدُ فِي الذِّهْنِ مِنْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ هَلْ هُوَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي بَابَيْ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ أَيْضًا أَمْ لَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُمَا شَأْنًا مَخْصُوصًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَقَوْلُهُ هَذَا عَلَى نَهْجِ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَالتَّوْكِيلُ فِي الْإِسْلَامِ بِالطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ (لَهُمَا) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَيْنًا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ دَيْنًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ أَوْ عَيْنًا غَيْرَ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَنُورُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ) وَيَجِبُ مِثْلُ الدَّيْنِ وَكُلُّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَانَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ (فَصَارَ الْإِطْلَاقُ) بِأَنْ قَالَ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَا عَلَيْهِ (وَالتَّقْيِيدُ) بِأَنْ أَضَافَهُ إلَى مَا عَلَيْهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْعَقْدِ الْمَزْبُورِ (سَوَاءٌ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ) أَيْ وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ الْآمِرَ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقْ بِمَالِي عَلَيْك عَلَى الْمَسَاكِينِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ
(8/58)

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِالْعَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ أَوْ أَسْقَطَ الدَّيْنَ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا) أَيْ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ (تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: لَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ.
وَأَمَّا قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَلَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ الْأَلْفِ الدِّرْهَمِ جَارِيَةً وَأَرَاهُ الدَّرَاهِمَ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَى الْوَكِيلِ حَتَّى سُرِقَتْ الدَّرَاهِمُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَزِمَ الْمُوَكِّلُ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْوَكَالَاتِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَاتِ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ فَتُعْتَبَرُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الشِّرَاءِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَكَذَا فِيمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ. وَأَمَّا بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ هَلْ تَتَعَيَّنُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. بَعْضُهُمْ قَالَ: تَتَعَيَّنُ حَتَّى تَبْطُلَ الْوَكَالَةُ بِهَلَاكِهَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَكَالَةَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ يَتَعَيَّنَانِ فِي الشِّرَاءِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، فَكَذَا فِيمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ يَتَعَيَّنَانِ فِي الْأَمَانَاتِ. وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ.
وَفَائِدَةُ النَّقْدِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا يُؤَقَّتُ بَقَاءَ الْوَكِيلِ بِبَقَاءِ الدَّرَاهِمِ الْمَنْقُودَةِ، فَإِنَّ الْعُرْفَ الظَّاهِرَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا دَفَعَ الدَّرَاهِمَ إلَى الْوَكِيلِ يُرِيدُ شِرَاءَهُ حَالَ قِيَامِ الدَّرَاهِمِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ. وَالثَّانِي قَطَعَ رُجُوعَ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِيمَا وَجَبَ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ يُوجِبُ دَيْنَيْنِ، دَيْنًا لِلْبَائِعِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَدَيْنًا لِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، إلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي النِّهَايَةِ بِنَوْعِ إجْمَالٍ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَى هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ حَدَّثُوا بَعْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، فَلَعَلَّ اعْتِمَادَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ التَّقْيِيدِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ السُّؤَالُ بِشَيْءٍ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ حَدَّثُوا بَعْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَقُولُوا مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ تَعَيُّنِ النُّقُودِ فِي الْوَكَالَاتِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ بِاجْتِهَادِهِمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ بَلْ بِتَخْرِيجِهِمْ إيَّاهُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا هُوَ حَالُ أَصْحَابِ التَّخْرِيجِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَصْلِهِ عَلَى تَخْرِيجِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَأَمْثَالُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الزِّيَادَاتِ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَى الْوَكِيلِ. فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ هُنَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ فَقَطْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا قَالَ بِهِ أَيْضًا، فَلَوْ عَمِلَ بِمَفْهُومِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى لِلْوَكِيلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا سَلَّمَ الْمُوَكِّلُ الدَّرَاهِمَ إلَى الْوَكِيلِ وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ لِي بِهَا عَيْنًا فَاشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَعَ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَقَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِخِلَافِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً، وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا يُفَصِّلُ مَا فِي الْكِتَابِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا مَرَّ انْتَهَى.
أَقُولُ: هُوَ مَدْفُوعٌ بِحَمْلِ إطْلَاقِ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى مَا هُوَ الْمُقَيَّدُ فِي كَلَامِ الثِّقَاتِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ إذَا وَرَدَا وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالْحَادِثَةُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَهَا هُنَا كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ (أَلَا تَرَى) تَنْوِيرٌ لِتَعَيُّنِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الْوَكَالَاتِ (أَنَّهُ) أَيْ الْآمِرُ (لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِالْعَيْنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ) أَيْ الْآمِرُ أَوْ الْوَكِيلُ (الْعَيْنَ) كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَهْلَكَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (أَوْ أَسْقَطَ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (الدَّيْنَ) بِأَنْ أَبْرَأهُ عَنْ الدَّيْنِ بَعْدَ التَّوْكِيلِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا بِنَاءُ الْمَفْعُولِ (بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) جَوَابُ
(8/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ. وَنَقَلَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ عَنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا قَبَضَ الدَّنَانِيرَ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا فَاشْتَرَى بِدَنَانِيرَ غَيْرِهَا ثُمَّ نَقَدَ دَنَانِيرَ الْمُوَكِّلِ فَالطَّعَامُ لِلْوَكِيلِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِدَنَانِيرِ الْمُوَكِّلِ. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ يَتَعَيَّنَانِ فِي الْوَكَالَةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّمَا قَيَّدَ: يَعْنِي الْمُصَنِّفُ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي السَّلَمِ مِنْ بُيُوعِ فَتَاوَاهُ فَقَالَ: رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا ثَوْبًا قَدْ سَمَّاهُ فَأَنْفَقَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْسِهِ دَرَاهِمَ الْمُوَكِّلِ وَاشْتَرَى ثَوْبًا لِلْآمِرِ بِدَرَاهِمِ نَفْسِهِ فَإِنَّ الثَّوْبَ لِلْمُشْتَرِي لَا لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَقَيَّدَتْ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِهَلَاكِهَا، وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا لِلْآمِرِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَمْسَكَ دَرَاهِمَ الْآمِرِ كَانَ الثَّوْبُ لِلْآمِرِ وَتَطِيبُ لَهُ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ اسْتِحْسَانًا، كَالْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ إذَا قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ بِمَالِ نَفْسِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: دَلَالَةُ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ عَلَى أَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ مَمْنُوعَةٌ. غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا أَنْفَقَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْسِهِ دَرَاهِمَ الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِيمَا إذَا هَلَكَتْ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ بِغَيْرِ صُنْعِ الْوَكِيلِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَالَ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِهَلَاكِهَا وَلَمْ يَقُلْ بِاسْتِهْلَاكِهَا، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَالْهَلَاكِ لَمَا قَالَ كَذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ
(8/60)

وَإِذَا تَعَيَّنَتْ كَانَ هَذَا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ دُونِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَكُونُ أَمْرًا بِصَرْفِ مَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَالِي عَلَيْك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالِاسْتِهْلَاكِ دُونَ الْهَلَاكِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسَلَّمَةُ إلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ. فَأَقُولُ: كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَيَّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ حَتَّى لَا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ الْمُسَلَّمَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الدَّرَاهِمَ كَمَا فِي هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِهِ. وَنُقِلَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسَلَّمَةُ إلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، بَلْ إنَّمَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ الْمُسَلَّمَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الدَّرَاهِمَ فَيَقُومُ مِثْلُهَا مَقَامَهَا فَتَصِيرُ كَأَنَّ عَيْنَهَا بَاقِيَةٌ، فَذَكَرَ الِاسْتِهْلَاكَ لِبَيَانِ تَسَاوِيهِمَا فِي بُطْلَانِ الْوَكَالَةِ بِهِمَا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ خَلَا قَوْلِهِ وَنَقَلَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَمْ نَجِدْ فِي نُسَخِ النِّهَايَةِ هُنَا مَسْأَلَةً مَنْقُولَةً عَنْ الذَّخِيرَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ الْمَذْكُورُ فِيهَا هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةُ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ كَمَا نَقَلْنَاهُ فِيمَا قَبْلُ (فَإِذَا تَعَيَّنَتْ) أَيْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ (كَانَ هَذَا) أَيْ التَّوْكِيلُ الْمَذْكُورُ (تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَكِّلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْغَيْرُ (بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (وَذَلِكَ) أَيْ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ (لَا يَجُوزُ) لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ (كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي) بِأَنْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو مَثَلًا دَيْنٌ فَاشْتَرَى زَيْدٌ مِنْ آخَرَ شَيْئًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى عَمْرٍو فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: أَيْ كَمَا إذَا اشْتَرَى هَذَا الْمَأْمُورُ بِدَيْنٍ هُوَ حَقَّ الْآمِرِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَأْمُورِ انْتَهَى.
وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ حَيْثُ قَالَ: يَعْنِي كَمَا إذْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِدَيْنٍ عَلَى غَيْره كَمَا إذَا أَمَرَهُ زَيْدٌ مَثَلًا أَنْ يَشْتَرِيَ بِدَيْنٍ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو شَيْئًا مِنْ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ انْتَهَى.
وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ تَغَايُرٌ لَا يَخْفَى (أَوْ يَكُونُ أَمْرًا بِصَرْفِ) أَيْ بِدَفْعِ (مَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبْضِ مُتَعَلِّقٌ بِصَرْفٍ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَانَ هَذَا تَمْلِيكَ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْمَعْنَى: أَوْ يَكُونُ التَّوْكِيلُ الْمَذْكُورُ أَمْرًا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ بِدَفْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ رَبُّ الدَّيْنِ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَكَانَ مَا أَدَّى الْمَدْيُونُ إلَى الْبَائِعِ أَوْ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ مِلْكَ الْمَدْيُونِ وَلَا يَمْلِكُهُ الدَّائِنُ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَذَلِكَ بَاطِلٌ) أَيْ أَمْرُ الْإِنْسَانِ بِدَفْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ بَاطِلٌ (كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَا لِي عَلَيْك
(8/61)

مَنْ شِئْت، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَالَ لِلَّهِ وَهُوَ مَعْلُومٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مَنْ شِئْت) فَإِنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِصَرْفِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ إلَّا بِالْقَبْضِ إلَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْمَدْيُونُ بِنَفْسِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْبَائِعَ) يَعْنِي بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ عَيَّنَ الْبَائِعَ، فَإِنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ هُنَاكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْبَائِعَ (يَصِيرُ) أَوَّلًا (وَكِيلًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُوَكِّلِ (فِي الْقَبْضِ) تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ) أَيْ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ الْبَائِعُ فَيَصِيرُ قَابِضًا لِرَبِّ الدَّيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ وَهَبَ دَيْنَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَوَكَّلَ الْمَوْهُوبَ لَهُ بِقَبْضِهِ، وَكَذَا إذَا عَيَّنَ الْمَبِيعَ؛ لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينَ الْبَائِعِ كَمَا مَرَّ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْبَائِعَ، وَمَتَى أُبْهِمَ الْمَبِيعُ أَوْ الْبَائِعُ يَكُونُ الْبَائِعُ مَجْهُولًا وَالْمَجْهُولُ لَا يَصْلُحُ وَكِيلًا. قِيلَ: يُشْكِلُ بِمَا لَوْ آجَرَ حَمَّامًا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَمَرَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْمَرَمَّةِ مِنْ الْأُجْرَةِ أَجَّرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَمْرًا بِتَمْلِيكِ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَهُوَ الْأَجِيرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ مَجْهُولٌ وَتَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَاكَ قَوْلُهُمَا، وَلَئِنْ كَانَ قَوْلَ الْكُلِّ فَإِنَّمَا جَازَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَجِدُ الْآجِرَ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَجَعَلْنَا الْحَمَّامَ قَائِمًا مَقَامَ الْآجِرِ فِي الْقَبْضِ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنْ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ عَلَى آخَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَائِعَ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ هُنَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِشَرْطٍ وَهُوَ أَدَاءُ الثَّمَنِ عَلَى الْغَيْرِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَبَعْضِ الشُّرَّاحِ. أَقُولُ: فِي هَذَا الْجَوَابِ بَحْثٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَعَلَ هُنَا وَكِيلًا بِالْقَبْضِ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ بَيْعًا بِشَرْطِ أَدَاءِ الثَّمَنِ عَلَى الْغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ أَدَاءُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِيَدِ وَكِيلِهِ كَمَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ عَيَّنَ الْبَائِعَ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ النُّقُودَ لَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ فِي الْمُعَاوَضَاتِ لَمْ يَلْزَمْ الِاشْتِرَاطُ الْمَذْكُورُ هُنَا أَصْلًا. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَمُ الْجَوَازِ هُنَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِشَرْطٍ لَا لِكَوْنِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي ارْتِبَاطٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَمَا كَانَ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَلِكَ مَعْنَى، فَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِحَمْلِ مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ دُونَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ كَمَا عَرَفْته فِيمَا قَبْلُ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُ فَتَأَمَّلْ.
وَأُجِيبُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ بِوَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ صَارَ وَكِيلًا فَإِنَّمَا يَصِيرُ وَكِيلًا فِي ضِمْنِ الْمُبَايَعَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ الْمُتَضَمِّنُ لِيَثْبُتَ الْمُتَضَمَّنُ، وَالْمُبَايَعَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنِ فَلَا يَثْبُتُ الْمُتَضَمَّنُ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْقَبْضِ يَثْبُتُ فِيهِ بِأَمْرِ الْآمِرِ، وَأَنَّهُ يَسْبِقُ الشِّرَاءُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَ الدَّيْنَ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَيْثُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَثْبُتُ الْأَمْرُ مِنْ الْوَاهِبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ فِي ضِمْنِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَتَوَقَّفُ إلَى زَمَانِ الْقَبْضِ فَيَكُونُ التَّوْكِيلُ بِالْقَبْضِ سَابِقًا عَلَى التَّمْلِيكِ مَعْنَى (وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا عَلَى الْآمِرِ بِالتَّصَدُّقِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سِيَاقِ دَلِيلِهِمَا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْآمِرَ بِالتَّصَدُّقِ (جَعَلَ الْمَالَ لِلَّهِ تَعَالَى) وَنَصَبَ الْفَقِيرَ وَكِيلًا عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَبْضِ حَقِّهِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (وَهُوَ مَعْلُومٌ) أَيْ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعْلُومٌ فَكَانَ كَتَعْيِينِ الْبَائِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّصَادُقِ فِي الشِّرَاءِ بِأَنْ لَا دَيْنَ لَهُ
(8/62)

وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ نَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْمَأْمُورِ فَيَهْلِكُ مِنْ مَالِهِ إلَّا إذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ مِنْهُ لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ تَعَاطَيَا.

قَالَ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ. وَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتُهَا بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ) وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ وَالْآمِرُ يَدَّعِي عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْهِ فَلِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الشِّرَاءِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا وَلَكِنْ يَتَعَيَّنَانِ فِي الْوَكَالَاتِ، فَلَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنَا فِي الشِّرَاءِ لَمْ يَبْطُلْ الشِّرَاءُ بِبُطْلَانِ الدَّيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَرْغِينَانِيُّ وَالْمَحْبُوبِيُّ وَقَاضِي خَانْ (وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ) رُجُوعٌ إلَى أَوَّلِ الْبَحْثِ: يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُعْلَمْ بَائِعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ (نَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْمَأْمُورِ فَهَلَكَ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي إذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ (إلَّا إذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ مِنْهُ) فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَ حِينَئِذٍ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ (لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ) بَيْنَهُمَا (تَعَاطِيًا) فَكَانَ هَالِكًا فِي مِلْكِ الْآمِرِ.
قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا بَعْدَهُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ فَتُعْتَبَرُ بِالشِّرَاءِ، وَعَزَاهُ إلَى الزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُمَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالتَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ لَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ، فَكَذَا التَّوْكِيلُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْمُعَيَّنِ لِكَوْنِهِ أَمْرًا لَهُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ بِالتَّمْلِيكِ لَا تَوْكِيلًا لِلْمَدِينِ بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ لِلْمَجْهُولِ فَكَانَ تَوْكِيلًا لِلْمَدِينِ بِالتَّمْلِيكِ فِي الْإِسْلَامِ وَالشِّرَاءِ وَالصَّرْفِ وَلَا يَجُوزُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَلْزَمُهُمَا التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَيْضًا، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِهِمَا إنَّ عَدَمَ جَوَازِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ النُّقُودُ فِي الْوَكَالَاتِ لَمْ يَكُنْ لِتَعْيِينِ الْآمِرِ الْأَلْفَ الَّتِي عَلَى الْمَأْمُورِ تَأْثِيرٌ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ اشْتِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ، بَلْ صَحَّ اشْتِرَاءُ الْمَأْمُورِ عَبْدًا لَهُ بِأَيَّةِ أَلْفٍ كَانَتْ، فَكَانَ ذِكْرُ تِلْكَ الْأَلْفِ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ وَعَدَمُ ذِكْرِهَا فِيهِ سَوَاءٌ فَصَحَّ التَّوْكِيلُ. وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ دَلِيلِهِمَا حَيْثُ قَالَ: فَكَانَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ، وَلَا بُدَّ فِي تَمَامِ التَّعْلِيلِ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْمَصِيرِ إلَى تَعْيِينِ النُّقُودِ فِي الْوَكَالَاتِ وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ فِي تَدْقِيقِهِ وَتَحْقِيقِهِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتُهَا بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ) إلَى هُنَا لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمُرَادُهُ) أَيْ مُرَادُ مُحَمَّدٍ (إذَا كَانَتْ) أَيْ الْجَارِيَةُ (تُسَاوِي أَلْفًا) يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ كَوْنُ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمَأْمُورِ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ أَلْفًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَأْمُورَ (أَمِينٌ فِيهِ) أَيْ فِي الْخُصُوصِ الْمَزْبُورِ (وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ وَالْآمِرُ يَدَّعِيْ عَلَيْهِ
(8/63)

ضَمَانَ خَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ حَيْثُ اشْتَرَى جَارِيَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَالْأَمْرُ تَنَاوَلَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا فَيَضْمَنُ.
قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ) أَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَلِلْمُخَالَفَةِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَالْوَكِيلَ فِي هَذَا يَنْزِلَانِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ. ثُمَّ يُفْسَخُ الْعَقْدُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا فَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمَأْمُورَ.

قَالَ (وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بِأَلْفٍ وَصَدَّقَ الْبَائِعُ الْمَأْمُورَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ) قِيلَ لَا تَحَالُفَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ضَمَانَ خَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (يُنْكِرُ) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْجَارِيَةُ (تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلُ (خَالَفَ) أَيْ خَالَفَ الْآمِرَ إلَى شَرٍّ (حَيْثُ اشْتَرَى جَارِيَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَالْأَمْرُ يَتَنَاوَلُ مَا يُسَاوِي أَلْفًا) وَأَيْضًا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ (فَيَضْمَنُ) أَيْ الْمَأْمُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُخَالِفَ الْآمِرَ إلَى شَرٍّ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ.
(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَلْفَ) وَاخْتَلَفَا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا) أَيْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ (خَمْسَمِائَةٍ فَلِلْمُخَالَفَةِ) وَلِتَحْقِيقِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ كَمَا مَرَّ آنِفًا (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا، فَمَعْنَاهُ) أَيْ فَمَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ (أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ) وَيَنْدَفِعُ بِهِ مَا قِيلَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّ الْجَارِيَةَ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا وَجَبَ أَنْ تَلْزَمَ الْآمِرَ سَوَاءٌ قَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفٍ كَانَ مُوَافِقًا لِلْآمِرِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهَا كَانَ مُخَالِفًا إلَى خَيْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْآمِرَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَالتَّحَالُفُ يُخَالِفُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مَعْنَى ذَاكَ؟ وَالْجَوَابُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ يَمِينِ التَّحَالُفِ وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ لَا يَتَمَشَّى هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَالْوَكِيلَ فِي هَذَا) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ (يَنْزِلَانِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي) لِلْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا (وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ ثُمَّ يُفْسَخُ) يَعْنِي فَإِذَا تَحَالَفَا يُفْسَخُ (الْعَقْدُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَهُوَ الْعَقْدُ الْحُكْمِيُّ (فَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمَأْمُورَ) قِيلَ هُنَا مُطَالَبَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ وَالْأَمَانَةُ، وَإِذَا لَمْ يَقْبِضْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ وَالْمُبَادَلَةُ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ سَبَقَتْ الْأَمَانَةُ الْمُبَادَلَةَ، وَالسَّبَقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ بِخِلَافِ الثَّانِي

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ) وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ (فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ) اشْتَرَيْتُهُ (بِأَلْفٍ وَصَدَّقَ الْبَائِعُ) أَيْ بَائِعُ الْعَبْدِ (الْمَأْمُورَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ) إلَى هُنَا لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (قِيلَ لَا تَحَالُفَ هَاهُنَا) وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ (لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ
(8/64)

إذْ هُوَ حَاضِرٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ غَائِبٌ، فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ، وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ يَمِينِ التَّحَالُفِ وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ وَالْبَائِعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا وَقَبْلَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوَكِّلِ إذْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْخِلَافُ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ أَظْهَرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذْ هُوَ) أَيْ الْبَائِعُ (حَاضِرٌ) فَيَجْعَلُ تَصَادُقَهُمَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَنْشَأَ الْعَقْدُ لَزِمَ الْآمِرُ فَكَذَا هَاهُنَا (وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ) أَيْ الْبَائِعُ (غَائِبٌ فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ) لِعَدَمِ مَا يَرْفَعُهُ وَوَجَبَ التَّحَالُفُ (وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ أَنَّهُمَا يَنْزِلَانِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ، وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ قِيلَ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ وَالتَّحَالُفَ مُخَالَفَةٌ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ يَمِينِ التَّحَالُفِ وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ) يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا اكْتَفَى بِذِكْرِ مُعْظَمِ الْيَمِينِ مِنْ يَمِينَيْ التَّحَالُفِ. وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ: أَيْ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ فِي الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآمِرِ حُكْمًا، وَإِنَّمَا قَالَ إنَّ يَمِينَ الْبَائِعِ الَّذِي هُوَ الْمَأْمُورُ مُعْظَمُ يَمِينَيْ التَّحَالُفِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ هَاهُنَا وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْآمِرُ فَمُنْكِرٌ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ، فَلَمَّا كَانَ يَمِينُ الْمَأْمُورِ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالتَّحَالُفِ كَانَتْ أَعْظَمَ الْيَمِينَيْنِ، ثُمَّ إذَا وَجَبَ الْيَمِينُ عَلَى الْمَأْمُورِ وَهُوَ الْمُدَّعِي فَلَأَنْ تَجِبَ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ الْمُنْكِرُ أَوْلَى، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَمَا بَيَّنَ الْمَقَامَ عَلَى هَذَا النَّمَطِ: هَكَذَا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ إلَّا أَنَّ فِيهِ إشْكَالًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ يُصَدَّقُ فِيمَا قَالَهُ، وَفِي التَّحَالُفِ لَا يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ التَّحَالُفَ لَمَا قَالَ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ (وَالْبَائِعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا) هَذَا جَوَابٌ عَنْ تَعْلِيلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ إذْ هُوَ حَاضِرٌ: يَعْنِي أَنَّ بَائِعَ الْعَبْدِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ مَعًا (وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ (أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوَكِّلِ إذْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلِ (بَيْعٌ) فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُعْتَبَرًا (فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُوَكِّلِ (فَبَقِيَ الْخِلَافُ) بَيْنَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ فَلَزِمَ التَّحَالُفُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ الْقَوْلُ بِالتَّحَالُفِ (قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ وَهُوَ أَظْهَرُ) وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَكِنْ جَعَلَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَصَحَّ. قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَ هَذَا: هَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الثَّمَنِ عِنْدَ التَّوَكُّلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْوَكِيلُ أَمَرْتنِي بِالشِّرَاءِ بِأَلْفٍ وَقَالَ الْمُوَكِّلُ لَا بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الْوَكِيلِ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ التَّوْكِيلِ الثَّمَنَ لِلْعَبْدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ
(8/65)

(فَصْلٌ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الثَّمَنِ؟ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّصَادُقَ فِي الثَّمَنِ خِلَافُ التَّحَالُفِ فِيهِ، فَيُصَوِّرُ بِأَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، وَبِأَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ أَصْلًا. وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّصَادُقُ عَلَى الثَّمَنِ مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ وَمِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتِهِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ

[فَصْلٌ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ]
لَمَّا كَانَ شِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَكِنَّهُ شِرَاءُ صُورَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُتَنَاوَلُ إلَّا لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنْ أُرِيدَ الشِّرَاءُ وَكَالَةً، وَإِلَّا فَلِلثَّانِيَةِ لَا غَيْرُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَائِل لَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِل إلَخْ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، إذْ الْمُرَادُ بِالشِّرَاءِ مَا هُوَ عَامٌّ لِلشِّرَاءِ وَكَالَةً وَلِلشِّرَاءِ أَصَالَةً فَيَتَنَاوَلُ الْكَلَامُ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا. وَأَمَّا الِاحْتِيَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَأَمْرٌ ضَرُورِيٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ أَنْ لَا يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ، إذْ نَفْسُ الشِّرَاءِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ قَطْعًا. ثُمَّ أَقُولُ فِي اسْتِشْكَالِ مَا فِي الشُّرُوحِ: التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ، بَلْ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ إنَّمَا يَصِيرُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ أَنْ لَوْ كَانَ شِرَاؤُهُ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لِنَفْسِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا.
وَالتَّوْكِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا هُوَ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لِلْمُوَكِّلِ، فَإِنْ وَافَقَ الْعَبْدُ أَمْرَ الْآمِرِ فَشِرَاؤُهُ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ عَلَى مَالٍ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى بَلْ هُوَ شِرَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ خَالَفَ أَمْرَهُ فَيَكُونُ شِرَاؤُهُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ، وَلَا يُنَافِي كَوْنَ التَّوْكِيلِ فِي هَاتِيك الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، إذْ الْمَسْأَلَةُ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ وَضْعِهَا بِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ؛ لِأَمْرِ الْآمِرَ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا التَّوْكِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّمَا هُوَ بِشِرَاءِ رَجُلٍ نَفْسَ الْعَبْدِ الْمُوَكَّلِ مِنْ مَوْلَاهُ لِذَلِكَ الْعَبْدِ، فَإِذَا وَافَقَ وَكِيلُهُ أَمْرَهُ فَاشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لَهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ مَعْنِيٍّ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءَ صُورَةٍ فَجَرَى التَّوْجِيهُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ الْأُخْرَى فَكَانَ قَاصِرًا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: ثُمَّ إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ وَتِلْكَ الْإِضَافَةُ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَالْفَاعِلُ
(8/66)

قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ الْمَوْلَى بِأَلْفٍ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ لِلْمَوْلَى: اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا فَهُوَ حُرٌّ وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ إعْتَاقٌ وَشِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولُ الْإِعْتَاقِ بِبَدَلٍ وَالْمَأْمُورُ سَفِيرٌ عَنْهُ إذْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْحُقُوقَ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ إعْتَاقًا أَعْقَبَ الْوَلَاءَ (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِلْمَوْلَى فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
هُوَ الْعَبْدُ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: أَيْ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ الْأَجْنَبِيَّ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ، وَالْأَجْنَبِيُّ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: أَيْ تَوْكِيلُ الْأَجْنَبِيِّ الْعَبْدَ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالتَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَنْ يُوَكِّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا لِيَشْتَرِيَهُ مِنْ مَوْلَاهُ وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، وَأَنْ يُوَكِّلَ الْعَبْدَ رَجُلٌ لِيَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ. فَالْعَبْدُ فِي الْأَوَّلِ مُوَكِّلٌ، وَفِي الثَّانِي وَكِيلٌ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَتَنَاوَلُهُمَا بِجَعْلِ الْأَلْفِ وَاللَّامِ بَدَلًا مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَجَعْلِ الْمَصْدَرِ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مَتْرُوكٌ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي تَوْكِيلِ الْعَبْدِ رَجُلًا أَوْ فِي تَوْكِيلِ الْعَبْدِ رَجُلٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: تَنَاوُلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَصْلٌ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَفِي ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لَا يَخْفَى، فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَدِّرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَالْمَتْرُوكِ أَمْرًا عَامًّا، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: فَصْلٌ فِي تَوْكِيلِ أَحَدٍ آخَرَ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ لِيَتَنَاوَلَ عُنْوَانَ هَذَا الْفَصْلِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ الْمَوْلَى) أَيْ مِنْ مَوْلَايَ (بِأَلْفٍ وَدَفَعَهَا) أَيْ دَفَعَ الْعَبْدُ الْأَلْفَ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الرَّجُلِ الَّذِي وَكَّلَهُ (فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ) أَيْ الْوَكِيلُ (لِلْمَوْلَى اشْتَرَيْته أَيْ الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ) أَيْ لِنَفْسِ الْعَبْدِ (فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا) أَيْ فَبَاعَ الْمَوْلَى ذَلِكَ الْعَبْدَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (فَهُوَ حُرٌّ) أَيْ فَذَلِكَ الْعَبْدُ حُرٌّ يَعْنِي صَارَ حُرًّا (وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى) أَيْ وَوَلَاءُ ذَلِكَ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى (لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَبْدِ (إعْتَاقٌ) أَيْ إعْتَاقٌ عَلَى مَالِ، وَالْإِعْتَاقُ عَلَى الْمَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْقَبُولِ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
(وَشِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولُ الْإِعْتَاقِ بِبَدَلٍ وَالْمَأْمُورُ سَفِيرٌ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْعَبْدِ حَيْثُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَيْهِ (إذْ لَا يُرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقَ) أَيْ لَا يُرْجِعُ إلَى الْمَأْمُورِ حُقُوقَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْعَبْدِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ رَسُولًا، وَلَا عُهْدَةَ عَلَى الرَّسُولِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَصَارَ كَأَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ (اشْتَرَى) نَفْسَهُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ (وَإِذَا كَانَ إعْتَاقًا) أَيْ وَإِذَا كَانَ بَيْعُ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ الْعَبْدِ إعْتَاقًا لِذَلِكَ الْعَبْدِ (أَعْقَبَ الْوَلَاءَ) أَيْ أَعْقَبَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَارَ حُرًّا وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِلْمَوْلَى) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْوَكِيلُ اشْتَرَيْت الْعَبْدَ لِنَفْسِ الْعَبْدِ (فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي) يَعْنِي صَارَ مِلْكًا لَهُ
(8/67)

لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَيُحَافِظْ عَلَيْهَا. بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِيهِ مُتَعَيَّنٌ، وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ (وَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ (وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ مِثْلُهُ) ثَمَنًا لِلْعَبْدِ فَإِنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِهِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَيْنِ هُنَاكَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْحَالَيْنِ الْمُطَالَبَةُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْعَاقِدِ، أَمَّا هَاهُنَا فَأَحَدُهُمَا إعْتَاقٌ مُعَقِّبٌ لِلْوَلَاءِ وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْمَوْلَى عَسَاهُ لَا يَرْضَاهُ وَيَرْغَبُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِأَنَّ اللَّفْظَ) أَيْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَيْت عَبْدَك بِكَذَا (حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ) أَيْ مَوْضُوعٌ لِلْمُعَاوَضَةِ دُونَ الْإِعْتَاقِ (وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا) يَعْنِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَهْمَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا (إذَا لَمْ يُبَيِّنْ) أَيْ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَلَمْ يَقُلْ اشْتَرَيْت عَبْدَك لِأَجْلِ نَفْسِهِ (فَيُحَافَظُ عَلَيْهَا) أَيْ فَيُحَافَظُ اللَّفْظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مُمْكِنٌ هُنَا؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ. قُلْنَا: قَدْ أَتَى الْوَكِيلُ هَاهُنَا بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مَا وَكَّلَ بِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ، وَمَا أَتَى بِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الشِّرَاءِ الْمَحْضِ فَكَانَ مُخَالِفًا لِلْآمِرِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ.
وَسَتَجِيءُ الْإِشَارَةُ مِنْ الْمُصَنِّفِ إلَى نَظِيرِ هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ (بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ) حَيْثُ يُجْعَلُ لِلْإِعْتَاقِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ (لِأَنَّ الْمَجَازَ) وَهُوَ كَوْنُ الشِّرَاءِ مُسْتَعَارًا لِلْإِعْتَاقِ (فِيهِ) أَيْ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ (مُتَعَيَّنٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا فَصَارَ شِرَاؤُهُ نَفْسَهُ مَجَازًا عَنْ الْإِعْتَاقِ، أَوْ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَمْلِكَ نَفْسَهُ ثُمَّ يَعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى وَجَبَ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَالْمَالُ غَيْرُ الْآدَمِيِّ خُلِقَ لِمَصَالِحِ الْآدَمِيِّ فَلَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِالْمُعَاوَضَةِ فَجُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْإِعْتَاقِ وَالْمُجَوَّزُ مَعْنَى إزَالَةِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ الْمِلْكَ بِعِوَضٍ إلَى آخَرَ، وَالْإِعْتَاقُ يُزِيلُهُ لَا إلَى آخَرَ (وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً) يَعْنِي إذَا كَانَ الْعَقْدُ مُعَاوَضَةً فِيمَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لِلْمَوْلَى (يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (وَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى) أَيْ وَالْأَلْفُ الَّتِي دَفَعَهَا الْعَبْدُ إلَى الْمُشْتَرِي حِينَ أَنْ وَكَّلَهُ تَكُونُ لِلْمَوْلَى (لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَلْفِ (ثَمَنًا لِلْعَبْدِ) قَوْلُهُ ثَمَنًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ: أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ثَمَنٌ لِلْعَبْدِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الثَّمَنَ (فِي ذِمَّةٍ) أَيْ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي (حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَدَّى تِلْكَ الْأَلْفَ إلَى الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ وَكَسْبُهُ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا يَقَعُ ثَمَنًا.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْعَبْدِ نَفْسِهِ حَتَّى عَتَقَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَلْفٌ أُخْرَى؟ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ: وَفِيمَا إذَا بَيَّنَ الْوَكِيلُ لِلْمَوْلَى أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِلْعَبْدِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَلْفٌ أُخْرَى؟ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَالُ الْمَوْلَى فَلَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ مِلْكِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ النِّهَايَةِ: قُلْت وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ جَعَلَ شِرَاءَ نَفْسِهِ قَبُولَهُ الْإِعْتَاقَ بِبَدَلٍ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى كَانَ إعْتَاقًا بِلَا بَدَلٍ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ.
(بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ بِأَنْ يُوَكِّلَ أَجْنَبِيٌّ أَجْنَبِيًّا بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ (حَيْثُ لَا يَشْتَرِطُ بَيَانَهُ) أَيْ بَيَانَ الشِّرَاءِ: يَعْنِي لَا يَشْتَرِطُ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ وَقْتَ الشِّرَاءِ اشْتَرَيْته لِمُوَكِّلِي فِي وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ (لِأَنَّ الْعَقْدَيْنِ) يَعْنِي الَّذِي يَقَعُ لَهُ وَاَلَّذِي يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ (هُنَاكَ) أَيْ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ (عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ) أَيْ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُبَايَعَةُ، وَالنَّمَطُ النَّوْعُ وَالطَّرِيقَةُ أَيْضًا (وَفِي الْحَالَيْنِ) أَيْ حَالِ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَحَالِ الْإِضَافَةِ إلَى مُوَكِّلِهِ (الْمُطَالَبَةُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْعَاقِدِ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ (وَأَمَّا هَاهُنَا) أَيْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (فَأَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ (إعْتَاقٌ مُعَقِّبٌ لِلْوَلَاءِ وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَكِيلِ) أَيْ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْإِعْتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ سَفِيرٌ (وَالْمَوْلَى عَسَاهُ) أَيْ لَعَلَّهُ (لَا يَرْضَاهُ) أَيْ لَا يَرْضَى الْإِعْتَاقَ؛ لِأَنَّهُ يُعْقِبُ الْوَلَاءَ وَمُوجِبُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ (وَيَرْغَبُ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ) أَيْ وَالْمَوْلَى عَسَاهُ يَرْغَبُ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ (فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ) اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَكِيلِ عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْعِتْقِ، فَإِنَّ
(8/68)

(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك فَقَالَ لِمَوْلَاهُ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ، وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ إلَّا أَنَّ مَالِيَّتَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْبَائِعُ الْحَبْسَ بَعْدَ الْبَيْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقُ وَالْمَالُ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ الْوَكِيلِ. وَذَكَرَ فِي بَابِ وَكَالَةِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقُ وَالْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَهَكَذَا فِي وَكَالَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَنَّ تَوَكُّلَهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ كَتَوَكُّلِهِ بِشِرَائِهِ لِغَيْرِهِ، وَهُنَاكَ يَصِيرُ هُوَ الْمُطَالَبُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَعَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ الثَّمَنَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْآمِرِ، وَلَيْسَ إلَيْهِ مِنْ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْبَدَلِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الرَّجُلَ بِبَيْعِ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ الْعَبْدِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَاَلَّذِي يَلِي قَبْضَ الْأَلْفِ هُوَ الْمَوْلَى دُونَ الْوَكِيلِ فَكَذَا هَاهُنَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك) هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَشْمَلُهُمَا هَذَا الْفَصْلُ.
فَمَنْ وَكَّلَ عَبْدًا بِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ مَوْلَاهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُضِيفَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ أَوْ إلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مُوَكِّلِهِ (فَقَالَ لِمَوْلَاهُ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفَعَلَ) أَيْ فَفَعَلَ الْمَوْلَى ذَلِكَ (فَهُوَ) أَيْ الْعَقْدُ أَوْ الْعَبْدُ (لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ (أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا لِمَوْلَاهُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ (وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ (مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ) لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ فَكَانَ تَوْكِيلُهُ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ كَتَوْكِيلِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمَوْلَى أَوْ كَتَوْكِيلِ أَجْنَبِيٍّ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: أَمَّا صِحَّةُ هَذَا التَّوْكِيلِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُخَاطَبٌ لَهُ عِبَارَةٌ مُلْزِمَةٌ كَالْحُرِّ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الْحُرُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ بِالشِّرَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَهُ عِبَارَةً صَحِيحَةً فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ (إلَّا أَنَّ مَالِيَّتَهُ فِي يَدِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ: يَعْنِي أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ فِي يَدِ نَفْسِهِ (حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْبَائِعُ الْحَبْسَ بَعْدَ الْبَيْعِ) فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَحْبِسَهُ بَعْدَ
(8/69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبَيْعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ فِي يَدِهِ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا لَهُ فَصَارَ كَالْمُودِعِ إذَا اشْتَرَى الْوَدِيعَةَ وَهِيَ بِحَضْرَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَبْسُهَا (لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ) لِكَوْنِهَا مُسَلَّمَةً إلَيْهِ. قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يَصِيرُ تَسْلِيمُهَا يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ، كَمَا قُلْنَا إنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ لَيْسَ بِقَبْضٍ فِي الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْحَبْسِ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ قُلْت: الشَّرْعُ لَا يَرُدُّ بِالْمُحَالِ، وَكَوْنُ الْمَالِيَّةِ هَاهُنَا فِي يَدِ الْعَبْدِ أَمْرٌ حِسِّيٍّ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَكَوْنُ قَبْضِ الْوَكِيلِ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَجَازَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ انْتَهَى.
أَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ. أَمَّا السُّؤَالُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ كَمَا قُلْنَا إنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ لَيْسَ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ فِي أَثْنَاءِ هَذَا السُّؤَالِ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ التَّسْلِيمَ الْكَائِنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَفْوٌ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ كَمَا مَرَّ فِي حَبْسِ الْوَكِيلِ الْمَبِيعَ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ قَبْضُ الْوَكِيلِ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ لَا يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُوَكِّلِ هُنَاكَ فَلَا يَكُونُ نَظِيرًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ. فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: بَدَلُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي قَبْضِ الْوَكِيلِ. وَتَوْضِيحُ الْمَقَامِ أَنَّ لَنَا قَوْلَيْنِ فِي قَبْضِ الْوَكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ: أَحَدُهُمَا أَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ وَتَسْلِيمٌ إلَيْهِ لَكِنَّهُ تَسْلِيمٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ لَيْسَ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ فَيَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ وَلِنَفْسِهِ إنْ حَبَسَهُ، وَصِحَّةُ التَّنْظِيرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ فَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ وَبَيْنَ كَوْنِ قَبْضِ الْوَكِيلِ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَالثَّانِي أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ، فَجَازَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مِمَّا لَا يُجْدِي طَائِلًا فِي قَطْعِ مَادَّةِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ خُلَاصَتَهُ مَنْعُ كَوْنِ التَّسْلِيمِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مُسْقِطًا لِحَقِّ الْحَبْسِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ تَسْلِيمًا ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا مَنْعَ تَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَكَوْنُ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ مِمَّا لَا مَرَدَّ لَهُ إنَّمَا يَدْفَعُ مَنْعَ تَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ فِيهِ لَا مَنْعَ كَوْنِ التَّسْلِيمِ فِيهِ مُسْقِطًا لِحَقٍّ الْحَبْسِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ الْفَرْقِ الْمَزْبُورِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا أَدْرَجَهُ فِي أَثْنَاءِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُقَدَّمَةِ الْمُسْتَدْرَكَةِ الْمُخِلَّةِ بِالْمَقْصُودِ كَمَا عَرَفْته لَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَكَوْنُهَا بِيَدِهِ كَذَلِكَ، وَقَبْضُ الْوَكِيلِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْقَبْضُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ إذَا قَامَ بِمَكَانٍ
(8/70)

فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى الْآمِرِ صَلَحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا فَيَقَعُ. الْعَقْدُ لِلْآمِرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا يُجْعَلُ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِالِاعْتِبَارِ، وَجَازَ تَرْكُ الِاعْتِبَارِ إذَا اقْتَضَاهُ ضَرُورَةً، أَمَّا مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَّجَ نَفْسَهُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَمَالِيَّتُهُ لَا تَنْفَكُّ سُلِّمَتْ إلَيْهِ، وَلَا حَبْسَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ نَظَرِهِ وَجَوَابِهِ الَّذِي اسْتَصْوَبَهُ بَحْثٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ الْحِسِّيَّ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ إنَّمَا هُوَ قَبْضُ الْوَكِيلِ، وَاَلَّذِي عَدَاهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي جَوَابِهِ أَمْرًا اعْتِبَارِيًّا إنَّمَا هُوَ كَوْنُهُ قَبْضُ الْوَكِيلِ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ فَلَمْ يَكُنْ الْآمِرُ بِالْعَكْسِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِعَدَمِ انْفِكَاكِ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ عَدَمَ انْفِكَاكِهَا عَنْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا فِي نَفْسِهِ مُنَافٍ لِمَا قَالَهُ سَابِقًا فِي النَّظَرِ مِنْ أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَكَوْنُهَا بِيَدِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَدَمَ انْفِكَاكِهَا عَنْهَا فِي اعْتِبَارِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَلِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ أَهْلُ الشَّرْعِ هَذَا الِاعْتِبَارَ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي قَبْضِ الْوَكِيلِ؟ عَلَى أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ قَبْضِ الْوَكِيلِ وَبَيْنَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بِأَنَّ الِانْفِكَاكَ جَائِزٌ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَتَعَيَّنَ التَّسْلِيمُ هَاهُنَا دُونَ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إنَّمَا يَدْفَعُ مَنْعَ تَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ هَاهُنَا، وَقَدْ عَرَفْت أَنْ خُلَاصَةَ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ مَنْعُ كَوْنِ التَّسْلِيمِ هُنَا مُسْقِطًا لِحَقِّ الْحَبْسِ لَا مَنْعُ تَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ هَاهُنَا، فَلَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ جَوَابًا عَنْهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الصَّوَابَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنْ يُقَالَ كَمَا ذَكَرَهُ، لَا الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ كَذَا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ إيفَاءِ حَقِّ الْمَقَامِ.
وَالْأَشْبَهُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَتَعْيِينِ الْجَوَابِ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: وُقُوعُ الْمَالِيَّةِ فِي يَدِ الْعَبْدِ ضَرُورِيٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِلْمَوْلَى فَكَانَ كَالْوَكِيلِ لَهُ وِلَايَةُ حَبْسِ الْمَبِيعِ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. قُلْنَا: لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ لِلْوَكِيلِ عَنْ هَذَا فِي جِنْسِ الْوَكَالَاتِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ لِلْبَائِعِ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فِي جِنْسِ الْوَكَالَةِ بِأَنْ بَاعَ عَبْدَهُ لِوَكِيلٍ لَا يَشْتَرِي نَفْسَهُ انْتَهَى (فَإِذَا أَضَافَهُ) أَيْ أَضَافَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ (إلَى الْآمِرِ صَلُحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا فَيَقَعُ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ) هَذَا نَتِيجَةُ الدَّلِيلِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَكُلُّ مَنْ صَلُحَ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ مَالٍ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْآمِرِ صَلُحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا، فَالْعَبْدُ إذَا أَضَافَهُ إلَى الْآمِرِ صَلُحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا فَيَقَعُ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْتُ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مِنْ أَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ إنَّمَا تُفِيدُهُ الْمِلْكَ إذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ مِنْ الْمَوْلَى وَالْقَبُولُ مِنْ الْعَبْدِ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ: بِعْنِي نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ فَقَالَ: بِعْتُ، لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ حَتَّى يَقُولَ الْعَبْدُ قَبِلْتُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فَإِنَّهُ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ مُقَدَّرٍ، وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْإِعْتَاقِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُقَدَّرًا فَيَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْتُ مَسْبُوقًا بِقَوْلِ الْعَبْدِ بِعْنِي نَفْسِي. فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَضَافَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ إلَى الْآمِرِ فَمَنْ الْمُطَالَبِ بِالثَّمَنِ؟ قُلْنَا: الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، فَيَجِبُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقُ. قُلْت: زَالَ الْحَجْرُ هَاهُنَا بِالْعَقْدِ الَّذِي بَاشَرَهُ مَعَ مَوْلَاهُ، فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ صِحَّةِ الْمُبَاشَرَةِ وَهُوَ إذْنٌ
(8/71)

(وَإِنْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى دُونَ الْمُعَاوَضَةِ، وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَلَكِنَّهُ أَتَى بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ وَفِي مِثْلِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ (وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَقَعُ امْتِثَالًا بِالشَّكِّ فَيَبْقَى التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَإِنْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ) أَيْ إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ بِعْنِي نَفْسِي مِنِّي فَقَالَ الْمَوْلَى بِعْت (فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْهُ إعْتَاقٌ (دُونَ الْمُعَاوَضَةِ) أَيْ لَمْ يَرْضَ بِهَا فَلَا يَقَعُ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ. وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ الْعَبْدُ وَكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَلَكِنَّهُ أَتَى بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ) وَهُوَ الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ فَكَانَ مُخَالِفًا (وَفِي مِثْلِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إذَا خَالَفَ فَأَتَى بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ يَنْفُذُ الْعَقْدُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ (وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ) أَيْ وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ فَقَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ (فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي الِامْتِثَالَ وَغَيْرَهُ (فَلَا يَقَعُ امْتِثَالًا) أَيْ فَلَا يُجْعَلُ امْتِثَالًا (بِالشَّكِّ فَيَبْقَى التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّصَرُّفِ أَنْ يَقَعَ عَمَّنْ بَاشَرَهُ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَعُورِضَ بِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَعَلَى مَجَازِهِ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَلْبَتَّةَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ قَرِينَةٌ لِلْمَجَازِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَهِيَ إضَافَةُ الْعَبْدِ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ وَرَضِيَ الْمَوْلَى بِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى دُونَ الْمُعَاوَضَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِطْلَاقِ عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْمُوَكِّلِ وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ إنَّمَا وُجِدَتْ فِي مَسْأَلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ إنَّمَا وَقَعَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ الِاعْتِرَاضِ وَلَا مِسَاسَ لِهَذَا الْجَوَابِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ أَصْلًا. لَا يُقَالُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي عُدَّتْ قَرِينَةً هَاهُنَا الْإِضَافَةُ الْمَارَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ قَوْلِهِ بِعْنِي، بَلْ الْإِضَافَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ قَوْلِهِ نَفْسِي فِي قَوْلِهِ بِعْنِي نَفْسِي، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ قَرِينَةً لِلْمَجَازِ،
(8/72)

(فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ) قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ بِعْنِي نَفْسِي لَا يُنَافِي الْمُعَاوَضَةَ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَبَيْعُ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُعَاوَضَةُ، بَلْ الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: لَا يُقَالُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ صَحِيحًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ وَالتَّرْجِيحَ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا إضَافَةَ إلَى نَفْسِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ فِيمَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُضِفْ إلَى أَحَدٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ. وَأَيْضًا إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِعْنِي نَفْسِي فَأَيْنَ تُوجَدُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ حَتَّى تَكُونَ قَرِينَةً لِلْمَجَازِ؟ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ بَعْضِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ بِعْنِي فَقَطْ فَلَا يُجْدِي شَيْئًا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِطْلَاقِ مَجْمُوعُ مَا صَدَرَ عَنْ الْعَبْدِ، إذْ بِهِ تَمْتَازُ هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ صُورَتَيْ الْإِضَافَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِ قَيْدِ الْإِضَافَةِ عَنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ الْإِطْلَاقُ الْمَفْرُوضُ وَيَصِحُّ الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ. وَبِالْجُمْلَةِ لَا حَاصِلَ لِهَذَا الْجَوَابِ وَلَا مُطَابَقَةَ فِيهِ لِمَا فِي الْكِتَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ أَصْلِ الْمُعَاوَضَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ حَيْثُ قَالَا: فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِحَقِيقَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَوْ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِمُوَكِّلِهِ كَانَ الشِّرَاءُ مَعْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهِيَ الْمُعَاوَضَةُ، وَلَوْ وَقَعَ لِلْعَبْدِ كَانَ مَعْمُولًا بِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْإِعْتَاقِ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمُعَاوَضَةِ. قُلْنَا: عَارَضَتْ جِهَةُ أَصَالَةِ الْحَقِيقَةِ جِهَةَ أَصَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَقَعَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَّحْنَا هَذِهِ الْجِهَةَ بِحَسَبِ مَقْصُودِ الْبَائِعِ ظَاهِرًا وَهُوَ أَنْ لَا يَفُوتَ وَلَاءُ الْعَبْدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ يَفُوتُ هَذَا الْغَرَضُ، أَوْ نَقُولُ: لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ رَجَّحْنَا جَانِبَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالْمُعَاوَضَةُ مُبَاحَةٌ مَحْضَةٌ انْتَهَى.

[فَصْلٌ فِي الْوَكَالَةِ الْبَيْعِ]
(فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمَا ذَكَرَ لِتَقْدِيمِ فَصْلِ الشِّرَاءِ ثَمَّةَ فَهُوَ وَجْهُ تَأْخِيرِ فَصْلِ الْبَيْعِ هُنَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُول: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ: مِنْهَا قَوْلُهُ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ إلَخْ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَالتَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ حُكْمُ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ إلَخْ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَيْضًا حُكْمُ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ؛ فَقَوْلُهُمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مَحَلُّ مُنَاقَشَةٍ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِنَوْعِ عِنَايَةٍ فَتَأَمَّلْ.
(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ
(8/73)

أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) أَيْ وَسَائِرُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعَبِيدِهِ وَمُكَاتَبِهِ، صَرَّحَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ. إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْإِجْمَالَ فَقَالَ بَدَلَهَا: وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ. قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ فِي تَمْثِيلِ قَوْلِهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ مِثْلُ ابْنِهِ وَأَخِيهِ. أَقُولُ: فِي تَمْثِيلِهِ الثَّانِي خَبْطٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي مُطْلَقِ الْوَكَالَةِ. وَأَمَّا إذَا قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِعُمُومِ الْمَشِيئَةِ بِأَنْ قَالَ بِعْ مِمَّنْ شِئْت فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَنُقِلَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
(وَقَالَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: تَخْصِيصُ الْبَيْعِ بِالذِّكْرِ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِهِ مِنْ الشِّرَاءِ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: خُصَّ قَوْلُهُمَا فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا فِي الْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مِثْلِ الْقِيمَةِ فَائِدَةٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْبَيْعَ مِنْهُمْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا فَكَانَ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ مُلْحَقًا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَقَالَ فِيهَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ وَالْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُضَارَبَةِ يَجُوزُ، وَبَيْعُ الْمُضَارِبِ وَشِرَاؤُهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَيْعُهُ مِنْهُ بِأَكْبَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَشِرَاؤُهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَبِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ عَلَى رِوَايَةِ الْوَكَالَةِ وَالْبُيُوعِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْفَرْقِ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ حَيْثُ جَوَّزَ بَيْعَ الْمُضَارِبِ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ ظَهَرَ الرِّبْحُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مَعَ أَنَّ لَهُ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ حُكْمَ الْوَكِيلِ. أُجِيبُ بِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ أَعَمُّ تَصَرُّفًا مِنْ الْوَكِيلِ فَقَدْ يَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ رَبُّ الْمَالِ نَهْيُهُ، وَقَدْ يَكُونُ نَائِبًا مَحْضًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلِشَبَهِهِ بِالْمُسْتَبِدِّ بِالتَّصَرُّفِ جَازَ تَصَرُّفُهُ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَلِشَبَهِهِ بِالنَّائِبِ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ مَعَهُمْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَنَائِبٌ مَحْضٌ فِي تَصَرُّفٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي تَصَرُّفِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ (إلَّا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا، قَيَّدَ فِي الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ إلَّا مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي
(8/74)

لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ إذْ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَبَيْعَهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ عِنْدَ تَعْمِيمِ الْمُشَبَّهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَلَا يَظْهَرُ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: نَعَمْ إنَّ الْعَبْدَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ يَمْلِكُ مَوْلَاهُ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ مَوْلَاهُ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا وَلَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَمْلِكُ مَوْلَاهُ مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا لَا يَعْتِقُ. فَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ تَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَا فِي يَدِهِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا حَتَّى يَصِيرَ مَوْلَاهُ مَمْنُوعًا عَنْ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِهِ، وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا مِنْ أَكْسَابِهِ وَبَيْعُ مَوْلَاهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْغَيْرِ الْمَدْيُونِ شَيْئًا مِنْ مَوْلَاهُ وَلَا يَبِيعُ مَوْلَاهُ شَيْئًا مِنْهُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا، وَسَيَنْكَشِفُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ، فَقَوْلُهُ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَبَيْعُهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ كَسْبَهُ مِلْكٌ خَالِصٌ لِمَوْلَاهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَبَيْعُهُ مِنْهُ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ جَانِبِهِمَا (لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِشَخْصِ دُونَ آخَرَ، وَالْمُطْلَقُ يُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ فَكَانَ الْمُقْتَضَى مَوْجُودًا وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ التُّهْمَةُ (وَلَا تُهْمَةَ هَاهُنَا) ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْمَالِيَّةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِمَوْجُودٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمَّا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إذْ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةٌ) أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلِابْنِ وَطْءُ جَارِيَةِ نَفْسِهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ مُتَبَايِنًا عَنْ مِلْكِ أَبِيهِ لَكَانَتْ جَارِيَتُهُ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً وَلَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ (وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةٌ) ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الْأَمْلَاكِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْمَنَافِعِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا نَفْعَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إيثَارُ الْعَيْنِ فَلَا تُهْمَةَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَنْفِيهِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى وَانْتَفَى الْمَانِعُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ كَمَا فِي الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ (بِخِلَافِ الْعَبْدِ) يَعْنِي الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لِمَا عَرَفْتَ (لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْوَكِيلِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ (لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ) أَيْ مَا فِي يَدِ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ (لِلْمَوْلَى) أَيْ مِلْكٌ خَالِصٌ لِلْمَوْلَى لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ، فَصَارَ الْبَيْعُ
(8/75)

وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ. وَلَهُ أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ الْوَكَالَاتِ، وَهَذَا مَوْضِعُ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ فَصَارَ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
مِنْهُ بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ، وَالْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ إذَا تَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ كَانَ مُسْتَزِيدًا مُسْتَنْقِصًا قَابِضًا مُسَلِّمًا مُخَاصَمًا مُخَاصِمًا فِي الْعَيْبِ، وَفِيهِ مِنْ التَّضَادِّ مَا لَا يَخْفَى (وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ) حَتَّى لَا تَصِحَّ تَبَرُّعَاتُهُ وَلَا تَزْوِيجُ عَبْدِهِ (وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ) يَعْنِي وَقَدْ يَنْقَلِبُ حَقُّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَصَارَ كَالْعَبْدِ (وَلَهُ) أَيْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْوَكَالَاتِ) يَعْنِي مَنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنَّ مَوَاضِعَ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْوَكَالَاتِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْإِعَانَةِ فَكَانَتْ مَوَاضِعَ أَمَانَةٍ (وَهَذَا) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ (مَوْضِعُ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِمَالِ الْآخَرِ عَادَةً فَصَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَالِ صَاحِبِهِ مِنْ وَجْهٍ (فَصَارَ) أَيْ بَيْعُ الْوَكِيلِ مِنْ هَؤُلَاءِ (بَيْعًا مِنْ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ) فَكَانَ فِيهِ تُهْمَةُ إيثَارِ الْعَيْنِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
أَقُولُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ، وَهَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِهِمَا أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَالتُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ لِتَبَايُنِ الْأَمْلَاكِ وَانْقِطَاعِ الْمَنَافِعِ.
وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ قِبَلِهِ أَنَّ التُّهْمَةَ مُتَحَقِّقَةٌ وَالْمَنَافِعَ مُتَّصِلَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَآلَ هَذَا مَنْعٌ لِمَا عُلِّلَ بِهِ مِنْ قِبَلِهِمَا لَا تَسْلِيمَ وَالْتِزَامَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ فِي شَيْءٍ. نَعَمْ فِيهِ تَسْلِيمٌ لِمُقَدَّمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَهِيَ أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنْ لَا يَتِمُّ بِهَا وَحْدَهَا مَطْلُوبُهُمَا فَلَا يَكُونُ تَسْلِيمُهَا تَسْلِيمًا لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قِبَلِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكَالَةَ بِالْإِجَارَةِ وَالصَّرْفِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ شُرِعَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ مَعْدُومَةً، وَالصَّرْفَ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ عَرِيَ عَنْهَا غَيْرُهُ فَكَانَا مِمَّا يَظُنُّ عَدَمُ جَوَازِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِيمَا سِوَاهُمَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: السَّلَمُ أَيْضًا شُرِعَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَهُ شُرُوطٌ مُخَالِفَةٌ لِلْغَيْرِ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَذْكُرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَهُمَا، كَمَا قَالَ فِي الْمُخْتَلِفِ حَيْثُ
(8/76)

قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعَرَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا، وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجُمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ. وَلَهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَالَ فِيهِ بَعْدَ بَيَانِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ: وَالسَّلَمُ وَالصَّرْفُ وَالْإِجَارَةُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ أَيْضًا عِنْدَهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَقَبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِمَا عَزَّ وَهَانَ وَبِأَيِّ مَنْ كَانَ وَإِلَى أَجَلٍ كَانَ مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ كَذَا قَالُوا (وَقَالَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَيَجُوزُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ (وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) أَيْ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنُّقُودِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمَا إلَّا بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا بَاعَ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، وَإِنْ بَاعَ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ بِأَنْ بَاعَ مَثَلًا إلَى خَمْسِينَ سَنَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَقَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَاقْضِ دَيْنِي، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُلَازِمُونَنِي، أَوْ قَالَ بِعْ فَإِنِّي أَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةِ عِيَالِي فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ جَانِبِهِمَا (لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ) أَيْ بِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ (لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا) أَيْ فَتَتَقَيَّدُ التَّصَرُّفَاتُ بِمَوَاقِعِ الْحَاجَاتِ (وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِالنُّقُودِ وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلٍ تَقَيُّدِ التَّصَرُّفَاتِ بِمَوَاقِعِهَا (يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اللَّحْمِ مَكَانَ الْفَحْمِ، لَكِنَّ الْفَحْمَ أَلْيَقُ لِقِرَانِ قَوْلِهِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ، إذْ كُلُّ الْأَزْمَانِ زَمَانُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّحْمِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَالْجَمْدُ) بِسُكُونِ الْمِيمِ لَا غَيْرُ هُوَ مَا جَمَدَ مِنْ الْمَاءِ فَكَانَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ لِلِاسْمِ بِالْمَصْدَرِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالدِّيوَانِ (وَالْأُضْحِيَّةُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَقَيَّد: أَيْ يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ بِأَيَّامِ الْبَرْدِ، وَبِشِرَاءِ الْجَمْدِ بِأَيَّامِ الصَّيْفِ، وَبِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهَا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرُ (وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ) وَلِهَذَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِهِ، وَهُوَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ.
(وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ (بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ إخْرَاجَ السِّلْعَةِ مِنْ الْمِلْكِ بَيْعٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ السِّلْعَةِ فِي الْمِلْكِ شِرَاءٌ (فَلَا يَتَنَاوَلُهُ) أَيْ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَبَيْعَ الْمُقَايَضَةِ (مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ) ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ (فَيَجْرِي) أَيْ يَجْرِي الْمُطْلَقُ (عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ) فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّ
(8/77)

وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ مِنْ الْعَيْنِ، وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ لَكِنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ.
أَقُولُ: هَذَا أَقْبَحُ مِمَّا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، إذْ لَمْ يَقُلْ الْخَصْمُ هُنَا قَطُّ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ، بَلْ قَالَ إنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ: يَعْنِي أَنَّ مَا هُوَ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ مِنْ الْآمِرِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْمُتَعَارَفِ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْحُكْمُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ حَتَّى يَصِيرَ مَحَلًّا لِلْمَنْعِ أَوْ التَّسْلِيمِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا قَوْلًا بِالْمُوجَبِ بِتَسْلِيمِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقٌ.
وَالْحَقُّ أَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مَنْعٌ لِكَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ هَاهُنَا مُقَيَّدًا بِالْمُتَعَارَفِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ لُزُومِ إجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَأَنَّ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ) أَيْ الْعَرَضِ (مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ) أَيْ السَّآمَةِ (مِنْ الْعَيْنِ) تَنْزِلُ فِي الْجَوَابِ مِنْ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ أَوْ الْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الثَّمَنِ لِتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَعِنْدَ التَّبَرُّمِ مِنْ الْعَيْنِ، وَفِي هَذَا لَا يُبَالِي بِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَكَثْرَتِهِ وَنَقْدِيَّةِ الثَّمَنِ وَعَرْضِيَّتِهِ فَكَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَلَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (وَالْمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ، وَهِيَ مَسَائِلُ شِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجَمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ لَيْسَتْ بِمُسَلَّمَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ هِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ عَلَى إطْلَاقِهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ الْحَاجَةِ.
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا تَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَنَقُولُ: إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ لَا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ شِرَاءِ الْفَحْمِ دَفْعُ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشِّتَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْ شِرَاءِ الْجُمْدِ دَفْعُ ضَرَرِ الْحَرِّ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالصَّيْفِ، حَتَّى لَوْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ بِأَنْ وُجِدَ التَّوْكِيلُ مِمَّنْ يَعْتَادُ تَرَبُّصَ الْفَحْمِ كَالْحَدَّادِينَ أَوْ تَرَبُّصَ الْجَمْدِ كَالْفَقَّاعِينَ لَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ، كَذَا قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. وَكَذَا التَّوْكِيلُ بِالْأُضْحِيَّةِ يَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ بِالْغَرَضِ لَا بِالْعَادَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُوَكِّلِ خُرُوجُهُ عَنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي أَيَّامِ تِلْكَ السَّنَةِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَلِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْوَقْتِ لَا عَامٌّ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا وَاحِدًا،
(8/78)

وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَر فِيهِ، وَالْمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَقَدْ صَارَ الْمُتَعَارَفُ مُرَادًا فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا، فَأَمَّا هَذَا فَعَامٌّ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ أَيْضًا (وَأَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ (بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، فَلَمَّا جُعِلَ هَذَا بَيْعًا مُطْلَقًا فِي الْيَمِينِ جُعِلَ فِي الْوَكَالَةِ كَذَلِكَ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ فِي الْيَمِينِ فِي نَوْعِ جَرَيَانِهِ فِي الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ قَدِيدًا حَنِثَ، وَفِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ لَحْمًا قَدِيدًا وَقَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْآمِرِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى لَحْمٍ يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْقَدِيدُ لَا يُبَاعُ بِهَا عَادَةً فَلَا يَقَعُ التَّوْكِيلُ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ اخْتَلَفَ فِي حَقِّهِمَا فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا حَقِيقَةً وَعُرْفًا، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عُرْفًا فَيُقَالُ بَيْعٌ رَابِحٌ وَبَيْعٌ خَاسِرٌ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ.
وَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ الِاعْتِرَافُ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ فِي حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ وَالتَّشَبُّثِ بِادِّعَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَاهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا يَقُولُ بِهِ الْخَصْمُ بَلْ يَدَّعِي أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَهِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَنَحْنُ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَنْهُ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ، فَإِذَا وَرَدَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَالْحُكْمِ مِنْ حَقِّ الْيَمِينِ وَالْبَيْعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِالْمَصِيرِ إلَى الْأَصْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْرِيرُهُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَلَكَهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إنَّمَا لَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ (مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ) أَيْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا) أَيْ وِلَايَةَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ (نَظَرِيَّةٌ) أَيْ بِشَرْطِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الصَّغِيرِ بِالشَّفَقَةِ وَإِيصَالِ النَّفْعِ إلَيْهِ (وَلَا نَظَرَ فِيهِ) أَيْ فِي الْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
(وَالْمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا، وَكَذَا الْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، بَلْ هِيَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ
(8/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ. قَالَ: وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ وَالْمُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هُوَ الْبَيْعُ الْمُقَابِلُ لِلشِّرَاءِ وَهُوَ وَصْفُ الْبَائِعِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرَاءِ فِي قَوْلِهِ الْمَزْبُورُ هُوَ الشِّرَاءُ الْمُقَابِلُ لِلْبَيْعِ وَهُوَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَرِي، وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ: أَعْنِي مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ إنَّمَا هُوَ حَدُّ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعَ الِارْتِبَاطِ الشَّرْعِيِّ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمَا، فَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَوْلِهِ لِوُجُودِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَهُوَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ هَذَا الْحَدَّ حَدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْبِيَاعَاتِ الْغَيْرِ الِاضْطِرَارِيَّةِ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إذْ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ صِدْقِ هَذَا الْحَدِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَطُّ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي بِطَرِيقِ الِاكْتِسَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِمَالٍ هِيَ بَاءُ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْحَدُّ الشِّرَاءَ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ بَاءَ الْمُقَابَلَةِ وَالْعِوَضِ لَا تُنَافِي تَنَاوُلَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ الشِّرَاءَ، فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ وَالْمُعَاوَضَةَ يَتَحَقَّقَانِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ بِلَا تَفَاوُتٍ، وَإِنَّمَا بَقِيَ حَدِيثُ دُخُولِ الْبَاءِ عَلَى الثَّمَنِ وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْبَيْعُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ مِلْكِهِ مُتَوَصِّلًا بِهِ إلَى تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالشِّرَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ مِلْكِ غَيْرِهِ مُتَوَصِّلًا إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى تَحْرِيرِهِ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا عِنْدَهُ، إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ عَلَى بَدَلَيْ الْمُقَايَضَةِ مَعًا فَلَا يُنْتَقَضُ بِسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، فَإِنَّ صِدْقَ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْمَزْبُورِ فِي سَائِرِهَا مُخْتَصٌّ بِالسِّلْعَةِ وَصِدْقَ الشِّرَاءِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالثَّمَنِ فَيَسْقُطُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ عَلَى الْمُقَايَضَةِ بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْبِيَاعَاتِ فَفِي تَقْرِيرِهِ قُصُورٌ انْتَهَى فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ يُطْلَقَانِ عَلَى عَقْدٍ شَرْعِيٍّ يُرَدُّ عَلَى مَجْمُوعِ مَالَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ
(8/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ وَمَعْنَى الشِّرَاءِ مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ وَمُتَغَايِرَانِ بِالِاعْتِبَارِ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَفْظُ الْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ وَلَفْظُ الشِّرَاءِ فِي الشِّرَاءِ، فَيَمْتَازُ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَلَفْظَ الشِّرَاءِ مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَصَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ حَتَّى صَرَّحَ نَفْسَهُ أَيْضًا هُنَاكَ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مِنْ الْأَضْدَادِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
وَقَالَ: يُقَالُ بَاعَ الشَّيْءَ إذَا شَرَاهُ أَوْ اشْتَرَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ اخْتِصَاصُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَعَيُّنُ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِإِطْلَاقِ أَحَدِ ذَيْنِك اللَّفْظَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ يَصِحُّ إطْلَاقَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ، عَلَى أَنَّ اتِّحَادَ مَعْنَيَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالذَّاتِ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ وَلَا يُرَى لَهُ وَجْهٌ سَدِيدٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبَيْعَ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِالتَّعَاطِي كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي صُورَةِ التَّعَاطِي لَا يَلْزَمُ إطْلَاقُ لَفْظٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا، فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِإِطْلَاقِ لَفْظٍ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَامْتَازَ بِهِ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي لَكَانَ الصَّادِرُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَيْعًا وَمِنْ الْآخَرِ شِرَاءً أَلْبَتَّةَ فَلَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ هِيَ حِينَئِذٍ إمَّا بَيْعٌ وَإِمَّا شِرَاءٌ لَا غَيْرُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا بَيْعًا وَشِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ صُدُورِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ صُدُورِهِ فَيَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ.
ثُمَّ إنَّهُ فَرْعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ سُقُوطُ بَعْضِ مَا قِيلَ هَاهُنَا. وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَصْلُ كَمَا عَرَفْته لَمْ يَصِحَّ الْفَرْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْفَرْعِ فَرْعُ صِحَّةِ الْأَصْلِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا أَسْئِلَةً وَأَجْوِبَةً يَسْتَدْعِي بَسْطُهَا تَحْقِيقَ الْمَقَامِ فَنَقُولُ: إنْ قِيلَ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُوصَفَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِصِفَةٍ وَبِضِدِّهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ بَيْعَ الْمُقَايَضَةِ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَزِمَ هَذَا الْمُحَالُ. قُلْنَا إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُحَالُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ نَفْسِهِ وَشِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي أَنْ يُجْعَلَ هُوَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ وَثَمَنًا بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ الْبَاءِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَحَقُّقِ إلْصَاقِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ يَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ تَصْحَبُ الْأَثْمَانَ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِكَوْنِهِ مَبِيعًا بِحِيَالِهِ. قُلْنَا: قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَاءَ إنَّمَا تُعَيِّنُ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِيَّةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ الْمَكِيلَاتِ أَوْ الْمَوْزُونَاتِ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلثَّمَنِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ، وَالْعُرُوضُ الْمُعَيَّنَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْمَبِيعِيَّةِ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ. أَمَّا الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةٍ، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ تَتَعَيَّنُ لِلثَّمَنِيَّةِ، كَمَا إذَا قَالَ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهَا الْبَاءُ فَلَا تَتَعَيَّنُ لَهَا أَيْضًا. ثُمَّ إنَّ كَلَامَنَا هَاهُنَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَهِيَ تُنَبِّئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ يُقَالُ هُمَا قَيْضَانِ: أَيْ مُسَاوِيَانِ، فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ مُتَعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْمَبِيعِيَّةِ وَلَا لِلثَّمَنِيَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، وَإِنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي أَحَدِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ بَيْعُ الْمُقَايَضَةِ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ جَانِبَ الْبَيْعِ فِيهِ حَتَّى نَفِدَ الْبَيْعُ عَلَى الْآمِرِ عِنْدَهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ بِعَرْضٍ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ؟ قُلْنَا: رَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الْبَيْعِ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ بِعَرَضٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ لَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ؟ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا، حَتَّى لَوْ أَجَازَ صَاحِبُهُ كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
(8/81)

قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَإِنْ قُلْت: كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الْمُقَايَضَةِ بَائِعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ نَفْسِهِ مُشْتَرِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَرْضِ الْآخَرِ كَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِدَيْ عَقْدِ الصَّرْفِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ لِمَا أَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ بَيْعٌ وَالْبَيْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي جَعْلِهِ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا، فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، ثُمَّ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ يُتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِرِوَايَةِ الْحَسَنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ فِي بَيْعِ الصَّرْفِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالصَّرْفِ مِنْ صَرْفِ الْمَبْسُوطِ، فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعَ اتِّحَادِهِمَا فِي الْعِلَّةِ؟ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ عِلَّةِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ هُنَا أَيْضًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِلتُّهْمَةِ، فَإِنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ عَقَدَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْمُوَكِّلَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ عَقْدَ الصَّرْفِ لِنَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ عَرَضَ الْآخَرِ بِمُقَابَلَةِ عَرَضِ الْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تُرَدَّ التُّهْمَةُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَلَمْ يُمْنَعْ الْجَوَازُ لِذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالصَّرْفِ إذَا اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، إلَّا أَنَّ الشِّرَاءَ أَصْلٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَصْلٌ وَالْعِبْرَةُ لِلْأَصْلِ فَكَانَ شِرَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ لَا يَتَحَمَّلُ فِي الشِّرَاءِ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةُ. وَلَا يَلْزَمُ الْوَكِيلُ بِالصَّرْفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالْأَقَلِّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالنَّصِّ فَكَذَا وَكِيلُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ إنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْأَقَلِّ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْبَدَلَانِ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَيَمْلِكُهُ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ الْوَكِيلِ بِالصَّرْفِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، بَلْ يَعُمُّ صُورَتَيْ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي صَرْفِ الْمَبْسُوطِ بِصُورَةِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَحَطَّ عَنْهُ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ انْتَهَى.
فَتَلْزَمُ هَذِهِ الصُّورَةُ قَطْعًا وَتَكْفِي فِي وُرُودِ السُّؤَالِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَلَعَمْرِي إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَدْ خَرَجَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ، وَغَبَنَ فِي تَصَرُّفَاتِهِ غَبْنًا فَاحِشًا، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: فَعَلَيْك بِهَذَا وَتَطْبِيقِهِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ مُلَاحَظًا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ تُحْمَدُ الْمُتَصَدِّي لِتَلْفِيقِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا) وَهِيَ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ (وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) وَهُوَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
(8/82)

لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إذَا زَوَّجَهُ امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التُّهْمَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ الْعَقْدُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِعُمُومِ الْأَمْرِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ) أَيْ فِي الشِّرَاءِ (مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ) أَيْ فَلَعَلَّ الْوَكِيلَ (اشْتَرَاهُ) أَيْ اشْتَرَى الشَّيْءَ الَّذِي وَكَّلَ بِهِ (لِنَفْسِهِ) أَيْ لِأَجْلِ نَفْسِهِ (فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ انْتَهَى.
وَالتُّهْمَةُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مُعْتَبَرَةٌ، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ يَسْتَوْجِبُ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ وَيُوجِبُ لِنَفْسِهِ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْآمِرِ، وَالْإِنْسَانُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَلْزَمَ الْآمِرَ الثَّمَنُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ بِإِزَائِهِ مَا يَعْدِلُهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ وَقَبَضْتُ وَهَلَكَ فِي يَدِي فَهَاتِ الثَّمَنَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ عِنْدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِالشِّرَاءِ يُلَاقِي مِلْكَ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ إطْلَاقُ أَمْرِهِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ أَمْرَهُ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ أَوْ الْإِطْلَاقَ فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَاشْتَرَى ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَبِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَالِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَفِي جَانِبِ الْبَيْعِ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ، وَالْإِطْلَاقُ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى الْمَبِيعِ الَّذِي رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ.
وَهَذِهِ فُرُوقٌ أَرْبَعَةٌ بَيْنَ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمَبْسُوطِ (حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ) أَيْ يَنْفُذُ الْعَقْدُ عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ كَانَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ) أَيْ شِرَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ (لِنَفْسِهِ) وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ قَالُوا عَامَّةَ الْمَشَايِخِ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَتَحَمَّلُ فِيهِ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ لَا الْفَاحِشُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَحَمَّلُ فِيهِ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ أَيْضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا (وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إذَا زَوَّجَهُ) أَيْ زَوَّجَ مُوَكِّلَهُ (امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ زَادَهَا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إذَا زَوَّجَهَا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ زَادَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَرْضَاهُ، وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَتَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الشِّرَاءُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ كَانَ الْعَبْدُ لِلْآمِرِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا فِي الْكِتَابِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ (لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْعَقْدِ) أَيْ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التُّهْمَةُ) أَيْ تُهْمَةُ أَنْ يَعْقِدَ أَوَّلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَلْحَقُهُ بِغَيْرِهِ (وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلِقُ الْعَقْدَ) أَيْ لَا يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ حَيْثُ يَقُولُ اشْتَرَيْتُ وَلَا يَقُولُ اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ، يَعْنِي يَجُوزُ لَهُ الْإِطْلَاقُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَتَتَمَكَّنُ تِلْكَ التُّهْمَةُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: جَوَازُ عَقْدِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا فِيمَا لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَدِ كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَالَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ كَالْخُبْزِ
(8/83)

قَالَ (وَاَلَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانَاتِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارَاتِ " ده دوازده ")
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا زَادَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرُ وَإِنْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ كَالْفَلْسِ مَثَلًا (قَالَ) فِي بُيُوعِ التَّتِمَّةِ وَبِهِ يُفْتِي (وَاَلَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مُقَابِلَهُ مِمَّا يَتَغَابَنُ فِيهِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: تَكَلَّمُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النَّوَادِرِ أَنَّ كُلَّ غَبْنٍ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ يَسِيرٌ، وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ فَاحِشٌ. قَالَ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانَاتِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارَاتِ " ده دوازده ") اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ سَوْقِ الْكَلَامِ هَاهُنَا يُشْعِرُ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذِكْرِ هَذَا الْقَوْلِ تَفْسِيرَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ مَا ذَكَرَهُ سَابِقًا كَانَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ إلَخْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّطْبِيقُ لِمَا عَيَّنَ فِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَعَنْ هَذَا كَانَ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا فِرْقَتَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ تَرَدَّدَ فِي تَعْيِينِ مُرَادِهِ وَجَعَلَ كَلَامَهُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ وَلَكِنْ ذَكَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيلَ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِالثَّانِي فَقَالَ هَذَا بَيَانُ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ.
وَقَالَ الشَّارِحُ الْكَاكِيُّ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ: وَكَانَ قَوْلُهُ وَقِيلَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْغَبْنُ الْفَاحِشُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ كَانَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ غَبْنًا يَسِيرًا. وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ الْبَارِعُ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَرُوِيَ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: قَدْرُ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي الْعُرُوضِ " ده نيم " وَفِي الْحَيَوَانِ " ده يازده " وَفِي الْعَقَارِ " ده دوازده " انْتَهَى. وَمِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ قَلِيلٌ
(8/84)

لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْأَوَّلِ وَيَقِلُّ فِي الْأَخِيرِ وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ.

قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا) ؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ جُمْلَةً فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةً، وَإِذَا لَمْ يَبِعْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ عِنْدَهُمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ قَلِيلٌ وَمَا لَا يَدْخُلُ فَهُوَ كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي. وَمُحَمَّدٌ قَدَّرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: يَعْنِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِدَهٍ نيم وَمَشَايِخُ بَلْخٍ فَصَلُّوا ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ شُعَيْبٍ. حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدَّرُوا الْيَسِيرَ فِي الْعَقَارِ بِدَهٍ دوازده، وَفِي الْحَيَوَانِ بِدَهٍ يازده، وَفِي الْعُرُوضِ بِدَهٍ نيم انْتَهَى كَلَامُهُ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى جَعْلِ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْغَبْنِ الْيَسِيرِ.
هَذَا وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْعُرُوض (وَيَقِلُّ فِي الْأَخِيرِ) وَهُوَ الْعَقَارَاتُ (وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ (وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ) ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ يَزِيدُ بِقِلَّةِ التَّجْرِبَةِ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَتِهَا، وَقِلَّتُهَا وَكَثْرَتُهَا بِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ وَكَثْرَتِهِ، ثُمَّ إنَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ نِصَابٌ تُقْطَعُ بِهِ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ فَجُعِلَتْ أَصْلًا وَالدِّرْهَمُ مَالٌ يُحْبَسُ لِأَجْلِهِ فَقَدْ لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْمُمَاكَسَةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيمَا كَثُرَ وُقُوعُهُ يَسِيرًا وَالنِّصْفُ مِنْ النَّصَفَةِ فَكَانَ يَسِيرًا وَضُوعِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوُقُوعِ، فَمَا كَانَ أَقَلَّ وُقُوعًا مِنْهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ ضِعْفُهُ، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْأَقَلِّ اُعْتُبِرَ فِيهِ ضِعْفُ ضِعْفِهِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا وَكَّلَهُ) أَيْ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا (بِبَيْعِ عَبْدٍ) أَيْ بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِبَيْعِ عَبْدِهِ (فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) إنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَبْدِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ،؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ نِصْفَ مَا وَكَّلَ بَيْعَهُ وَلَيْسَ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ) فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَنَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ) أَيْ كُلَّ الْعَبْدِ (بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ (أَوْلَى) أَيْ فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْبَعْضِ مَعَ بَيْعِ الْبَعْضِ بِمِقْدَارٍ مِنْ الثَّمَنِ أَنْفَعُ لِلْآمِرِ مِنْ بَيْعِ الْكُلِّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِكَوْنِهِ غَبْنًا فَاحِشًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ بِثَمَنِ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ عَيْبَ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا بَيْعُ النِّصْفِ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَا مُخَالَفَةً مِنْ الْوَكِيلِ إلَى شَرٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. قُلْنَا: ضَرَرُ الشَّرِكَةِ أَقَلُّ وَأَهْوَنُ مِنْ ضَرَرِ بَيْعِ الْكُلِّ بِثَمَنِ النِّصْفِ، فَإِذَا جَازَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ وَهُوَ أَهْوَنُ أَوْلَى (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِ ذَلِكَ الْعَبْدِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ، وَبَيْعُ النِّصْفِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ (وَلِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ) ؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ (إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا) أَيْ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ (لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيَهُ جُمْلَةً فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ الْبَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ (وَقَعَ وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (وَإِذَا لَمْ يَبِعْ) الْبَاقِيَ (ظَهَرَ أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ (لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْبَيْعِ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ (اسْتِحْسَانٌ عِنْدَهُمَا) إذْ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ لِثُبُوتِ الْمُخَالَفَةِ بِبَيْعِ النِّصْفِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ: وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ
(8/85)

(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ) ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا، فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الْبَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةً فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ. وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ. وَآخَرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ يُصَادِفُ مِلْكَهُ فَيَصِحُّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إطْلَاقُهُ وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
- رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَنْسَبُ بِعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ

(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا) الشِّقْصُ: الْجُزْءُ مِنْ الشَّيْءِ وَالنَّصِيبِ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الْبَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ) أَيْ شِرَاءُ الْبَعْضِ (وَسِيلَةً) إلَى الِامْتِثَالِ (فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ جَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ كَوْنُ الشِّرَاءِ مَوْقُوفًا (بِالِاتِّفَاقِ) بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ إذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ أَعْتَقَهُ الْآمِرُ جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ.
فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ صَرِيحًا نَفَذَ عَلَيْهِ وَالْإِعْتَاقُ إجَازَةٌ مِنْهُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَنَاوَلَتْ مَحَلًّا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إجَازَتِهِ فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: إنَّهُ قَدْ خَالَفَ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا التَّوَقُّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخِلَافَ يُتَوَهَّمُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَقَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بَقِيَ مُخَالِفًا فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْآمِرُ لَمْ يَجُزْ.
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِيضَاحِ (وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ إلَخْ: يَعْنِي أَنَّ التُّهْمَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ فَافْتَرَقَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ (وَآخَرُ) أَيْ وَفَرْقٌ آخَرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ) فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ (يُصَادِفُ مِلْكَهُ) أَيْ مِلْكَ الْآمِرِ (فَيَصِحُّ) أَيْ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ لِوِلَايَةِ الْآمِرِ عَلَى مِلْكِهِ (فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إطْلَاقُهُ) أَيْ إطْلَاقُ الْأَمْرِ (وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ) فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ (صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ) وَهُوَ مِلْكُ الْبَائِعِ (فَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ الْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ (فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ) أَيْ تَقْيِيدُ الْأَمْرِ وَإِطْلَاقُهُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُتَعَارَفُ، وَالْمُتَعَارَفُ فِيهِ أَنْ يَشْتَرِيَ
(8/86)


قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْآمِرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْعَبْدَ جُمْلَةً كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَاعِدُهُ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَمَا اكْتَفَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الشَّرْحِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ أَمْرٌ بِالشِّرَاءِ، وَقَدْ قَالَ الْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ صَحَّ بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِذَا صَحَّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ فَجَعَلْنَاهُ الثَّمَنَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ وَصَرَفْنَاهُ إلَى الْمُتَعَارَفِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَان، وَلَوْ عَمِلْنَا بِإِطْلَاقِهِ كَانَ ذَلِكَ إبْطَالًا لِلْقِيَاسِ وَالْعُرْفِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْإِعْمَالُ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّا لَمْ نَعْمَلْ بِالْإِطْلَاقِ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الدَّلَائِلِ، فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَعْمَلَ بِالْإِطْلَاقِ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ أَيْضًا لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ يَعْمَلْ بِالْقِيَاسِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْعُرْفِ أَيْضًا لَزِمَ إبْطَالُ الدَّلِيلَيْنِ مَعًا، بِخِلَافِ صُورَةِ الْبَيْعِ حَيْثُ عَمِلَ فِيهَا بِالْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا صَادَفَ مِلْكَ الْآمِرِ. قُلْت: لَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْفَرْقِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ بِالنَّصِّ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ، فَلَوْ جَازَ تَقْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِهِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لَجَازَ تَقْيِيدُهُ بِهِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي شَرْحِ الْفَرْقِ الثَّانِي: إنَّ الْأَمْرَ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ صَادَفَ مِلْكَ الْآمِرِ فَصَحَّ أَمْرُهُ لِوِلَايَتِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَاعْتُبِرَ إطْلَاقُ الْأَمْرِ فَجَازَ بَيْعُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مُطْلَقًا عَنْ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَصَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَهُوَ مَالُ الْبَائِعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْآمِرِ فِي مَالِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا صَحَّ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا عُمُومَ لِمَا ثَبَتَ ضَرُورَةً فَلَمْ يُعْتَبَرْ إطْلَاقُهُ فَلَمْ يَجُزْ شِرَاءُ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ يَتَأَدَّى بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ شِرَاءُ الْكُلِّ لَا الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْكُلِّ لَا يَحْصُلُ بِشِرَاءِ الْبَعْضِ إلَّا إذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا فَيَجُوزَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مَقْصُودُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْبَيَانِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْهُومٍ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَا ارْتَكَبَهُ فِي جَوَابِهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ) وَسَلَّمَهُ (وَقَبَضَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ فَرَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ الْمُشْتَرِي (بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ) أَيْ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ أَصْلًا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالسِّنِّ الشَّاغِيَةِ، أَوْ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ (بِقَضَاءِ الْقَاضِي) مُتَعَلِّقٌ بِرَدِّهِ: أَيْ رَدِّهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ كَمَا سَيَأْتِي (بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَيْ قَضَائِهِ بِبَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي (أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) أَيْ أَوْ قَضَائِهِ بِإِبَاءِ الْبَائِعِ عَنْ الْيَمِينِ عِنْدَ تَوَجُّهِهَا إلَيْهِ (أَوْ بِإِقْرَارِهِ) أَيْ أَوْ قَضَائِهِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْبَائِعَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ (يَرُدُّهُ) أَيْ يَرُدُّ الْعَبْدَ الَّذِي رُدَّ عَلَيْهِ (عَلَى الْآمِرِ) بِلَا حَاجَةٍ إلَى خُصُومَةٍ، إذْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رَدٌّ
(8/87)

لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ. وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَارِيخُ الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِظُهُورِ التَّارِيخِ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ الْأَطِبَّاءُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى الْمُوَكِّلِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُهُ لَا مَحَالَةَ، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي مَعَ الْإِقْرَارِ؟ قُلْنَا: يُمْكِنُ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَقَضَاءُ الْقَاضِي كَانَ إجْبَارًا عَلَى الْقَبُولِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ مُقِرًّا بِالْعَيْبِ يُرَدُّ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ؟ قُلْت: الْكَلَامُ وَقَعَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا كَانَ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ بِإِقْرَارِهِ بِلَا قَضَاءٍ لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ فَظَهَرَتْ الْفَائِدَةُ إذًا فَافْهَمْهُ وَاغْتَنِمْهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِشَافٍ، إذْ هُوَ لَا يَحْسِمْ عِرْقَ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ هَاتِيَك الْفَائِدَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى وُقُوعِ الْقَضَاءِ: أَيْ حَاصِلَةٌ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَكَلَامُ السَّائِلِ فِي سَبَبِ وُقُوعِ الْقَضَاءِ ابْتِدَاءً. يَعْنِي أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ الْمُنَازَعَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فَصْلَ الْخُصُومَةِ وَرَفْعَ الْمُنَازَعَةِ فَرْعُ تَحَقُّقِ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَفِيمَا إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَا خُصُومَةَ وَلَا مُنَازَعَةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ رَأْسًا فَبِأَيِّ سَبَبٍ يَقَعُ الْقَضَاءُ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَائِدَةَ؟ فَالْجَوَابُ الشَّافِي هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْمُقِرِّ بِالْعَيْبِ عَنْ قَبُولِ الْمَعِيبِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إلَى وُقُوعِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْجَبْرِ عَلَى الْقَبُولِ.
قَالَ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ (لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ) إذْ الْكَلَامُ فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ (فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ) يَعْنِي الْبَيِّنَةَ وَالنُّكُولَ وَالْإِقْرَارَ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ لَمْ يَتَوَقَّفْ قَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى وُجُودِ هَذِهِ الْحُجَجِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِدُونِهَا لِعِلْمِهِ قَطْعًا بِوُجُودِ هَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ الْبَائِعِ. فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ إلَخْ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ صَحِيحٌ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، إلَّا أَنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِإِدْخَالِ الْفَاءِ عَلَيْهِ يَأْبَى ذَلِكَ جِدًّا؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ السُّؤَالِ مَا سَبَقَ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَكَيْفَ يَتِمُّ تَفْرِيعُ الْجَوَابِ عَلَيْهِ؟ وَكَأَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَاقَ هَذِهِ الْبَشَاعَةَ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ دَفْعٌ لِسُؤَالِ سَائِلٍ فَقَرَّرَ السُّؤَالُ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ لَمَّا جَاءَ إلَى تَقْرِيرِ الْجَوَابِ قَالَ: فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ إلَخْ، فَجَعَلَ الْجَوَابَ قَوْلَهُ: وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكِتَابِ إلَخْ دُونَ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ، لَكِنْ لَا يُجْدِي ذَلِكَ طَائِلًا، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ ابْتِدَاءً فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ إلَى آخِرِهِ بِأَنَّ هَذَا دَفْعٌ لِذَلِكَ السُّؤَالِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِإِخْرَاجِ قَوْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ عَنْ جَوَابِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَإِدْخَالُهُ فِي التَّعْلِيلِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ قَدْ تَمَّ بِدُونِ الْقَوْلِ الْمَزْبُورِ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَمَّا صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرُهُ لَمَّا رَأَوْا مَعْنَى الْكَلَامِ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّرْفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَرَّحُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَخْ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِبَيَانِ رَكَاكَةِ الْفَاءِ حِينَئِذٍ، فَتَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ بِتَبْدِيلِ الْفَاءِ بِالْوَاوِ لَكَانَ كَلَامُهُ أَسْلَمَ وَأَوْفَى (وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا) أَيْ اشْتِرَاطُ هَذِهِ الْحُجَجِ (فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَيْبَ الْمَذْكُورَ (لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي (تَارِيخُ الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ) أَيْ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا (لِظُهُورِ التَّارِيخِ) أَيْ لِأَجْلِ ظُهُورِ التَّارِيخِ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَرُدُّ الْمَبِيعَ عَلَيْهِ (أَوْ كَانَ عَيْبًا) إشَارَةً إلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ: أَيْ أَوْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي يُرِيدُ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِهِ عَيْبًا (لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ) كَالْقَرَنِ فِي الْفَرْجِ وَنَحْوِهِ (أَوْ الْأَطِبَّاءُ) أَيْ أَوْ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْأَطِبَّاءُ
(8/88)

وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ فَيَفْتَقِرُ إلَيْهَا فِي الرَّدِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي عَايَنَ الْبَيْعَ وَالْعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الْوَكِيلُ إلَى رَدٍّ وَخُصُومَةٍ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
كَالدِّقِّ وَالسُّعَالِ الْقَدِيمِ (وَقَوْلُهُنَّ) أَيْ قَوْلُ النِّسَاءِ.
(وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ) لِلْمُشْتَرِي (لَا فِي الرَّدِّ) أَيْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ (فَيَفْتَقِرُ) أَيْ الْقَاضِي (إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْحُجَجِ الْمَذْكُورَةِ (فِي الرَّدِّ) عَلَى الْبَائِعِ. أَقُولُ: فِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ، إذْ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا، فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ وَالِاحْتِيَاجِ، إلَى التَّأْوِيلِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَتْمِيمِ ذَلِكَ بَلْ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ جَوَابُ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، إذْ يَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَأْمُورِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مِثْلَ الْجَوَابِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ النِّسَاءِ وَلَا قَوْلُ الْأَطِبَّاءِ حُجَّةً فِي حَقِّ الرَّدِّ بَلْ كَانَ الْقَاضِي فِيهِ مُفْتَقِرًا إلَى إحْدَى الْحُجَجِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ أَيْضًا كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِإِقْرَارِهِ قَضَاءً بِحُجَّةٍ قَاصِرَةٍ لَمْ يُضْطَرَّ الْمَأْمُورُ إلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَعَدَّى إلَى الْآمِرِ بِعَيْنٍ مَا ذَكَرُوا فِيمَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي زَادَ هَاهُنَا تَأْوِيلًا ثَالِثًا وَقَدَّمَهُ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَى شَرْطُ الْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولِ وَالْإِقْرَارِ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَى الْقَاضِي أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ قَدِيمٌ أَمْ لَا. أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا، وَلَكِنْ لَا يَعْلَمْ تَارِيخَ الْبَيْعِ فَاحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِيُظْهِرَ التَّارِيخَ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ الْأَطِبَّاءُ كَالْقَرَنِ فِي الْفَرْجِ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِنَّ فَيَفْتَقِرُ إلَى هَذِهِ الْحُجَجِ لِلرَّدِّ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا: أَقُولُ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِمَّا لَا يُرَى لَهُ وَجْهُ صِحَّةٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّدِّ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَالْعَيْبُ الَّذِي يُشْتَبَهُ عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ قَدِيمٌ أَمْ لَا مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا مَا يَتَعَيَّنُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَاَلَّذِي يُشْتَبَهُ أَنَّهُ قَدِيمٌ أَمْ لَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ وَإِلَّا لَمَا اشْتَبَهَ حَالُهُ، فَإِنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهُ قَدِيمٌ أَلْبَتَّةَ (حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي عَايَنَ الْبَيْعَ وَالْعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ) أَيْ الْقَاضِي (إلَى شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْحُجَجِ (وَهُوَ) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ (رَدٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الْوَكِيلُ إلَى رَدٍّ وَخُصُومَةٍ) مَعَ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَالْفَسْخُ بِالْحُجَّةِ الْكَامِلَةِ عَلَى الْوَكِيلِ فَسْخٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ (قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا رَدَّهُ) أَيْ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ (بِعَيْبٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَيْبٍ (يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِرَدِّهِ: أَيْ رَدِّهِ عَلَيْهِ بِبَيِّنَهٍ (أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) أَيْ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ) أَيْ كَامِلَةٌ فَتَتَعَدَّى، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقِيلَ: أَيْ مُثَبَّتَةٌ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً فَيَثْبُتُ بِهَا قِيَامُ الْعَيْبِ عِنْدَ الْمُوَكِّلِ فَيَنْفُذُ الرَّدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَخْذًا مِنْ الْكَافِي (وَالْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي النُّكُولِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ خِلَافِ زُفَرٍ فِي إبَاءٍ عَنْ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَدَّ
(8/89)

لِبُعْدِ الْعَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُمَارَسَتِهِ الْمَبِيعَ فَلَزِمَ الْآمِرَ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ لَزِمَ الْمَأْمُورَ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتَ وَالنُّكُولَ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَالْبَائِعُ ثَالِثُهُمَا، وَالرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى الْوَكِيلِ بِنُكُولِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَجَدَ عَيْبًا فَرَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِنُكُولِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ، فَجَعَلَ هَذَا وَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءً فِي حَقِّ الْبَائِعِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْوَكِيلِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا النُّكُولِ (لِبُعْدِ الْعَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ) أَيْ عَنْ عِلْمِ الْوَكِيلِ (اعْتِبَارُ عَدَمِ مُمَارَسَةِ الْمَبِيعِ) فَإِنَّهُ لَمْ يُمَارِسْ أَحْوَالَ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْعَبْدُ فَلَا يَعْرِفُ بِعَيْبِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَيَخَافُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا فَيَنْكُلَ، وَالْمُوَكِّلُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ فَكَانَ الْخَلَاصُ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ (فَيَلْزَمُ الْآمِرَ) أَيْ فَيَلْزَمُ الْعَبْدُ الْآمِرَ أَوْ فَيَلْزَمُ حُكْمُ النُّكُولِ الْآمِرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَيَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَيَكُونَ هُوَ فِي الْإِقْرَارِ مُخْتَارًا لَا مُضْطَرًّا، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى النُّكُولِ، وَلَكِنْ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْجِعْ بِعُهْدَةِ عَمَلِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِع الصَّغِيرِ (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ (بِإِقْرَارٍ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ (لَزِمَ الْمَأْمُورَ) أَيْ لَزِمَ الْعَبْدُ الْمَأْمُورَ وَهُوَ الْوَكِيلُ (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ) فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَأْمُورُ (غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِقْرَارِ (لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتُ وَالنُّكُولُ) بِرَفْعِ السُّكُوتِ وَالنُّكُولِ: يَعْنِي يُمْكِنُهُ السُّكُوتُ وَالنُّكُولُ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالسُّكُوتِ وَالنُّكُولِ (إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ) يَعْنِي لَكِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ (فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ) أَيْ بِنُكُولِ الْمُوَكِّلِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ يَذْكُرْ الْإِقْرَارَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْمُخَاصَمَةِ هُنَا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِتَامٍّ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَفَائِدَةُ الْخُصُومَةِ أَنْ يُجْبِرَهُ الْقَاضِي عَلَى الْقَبُولِ كَمَا قَالُوا فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ مُخَاصَمَةِ الْوَكِيلِ لَا قَبْلَهَا، فَلَا مَعْنًى لِقَوْلِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْمُخَاصَمَةِ هَاهُنَا إذَا كَانَ مُقِرًّا فَتَدَبَّرْ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الرَّدُّ) أَيْ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ (بِغَيْرِ قَضَاءٍ) يَعْنِي أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَنْ يُخَاصِمَ الْمُوَكِّلَ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّدُّ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ (وَالْعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ) فَبِخِلَافِهِ (حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ) يَعْنِي الْمُوَكِّلَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الرَّدَّ بِالْإِقْرَارِ وَالرِّضَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ (بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ) وَإِنْ كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (وَالْبَائِعُ) يَعْنِي الْمُوَكِّلَ (ثَالِثُهُمَا) أَيْ ثَالِثُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُمَا الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَنْ يُخَاصِمَ مُوَكِّلَهُ أَوْ يَقُولَ آمُرَهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَقُولَ مَكَانَ قَوْلِهِ وَالْبَائِعُ ثَالِثُهُمَا وَالْمُوَكِّلُ ثَالِثُهُمَا أَوْ الْآمِرُ ثَالِثُهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُخَاصَمَةِ الْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ لَيْسَ بِبَائِعٍ انْتَهَى.
وَاعْتَذَرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنْ قَالَ: عَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا انْتَقَلَ إلَى الْوَكِيلِ وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ قَدْ حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ انْتَهَى (وَالرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْخُصُومَةِ مَعَ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا فِيمَا إذَا حَصَلَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ لِكَوْنِهِ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَقَالَ الرَّدُّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ
(8/90)

لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الْإِقْرَارُ، فَمِنْ حَيْثُ الْفَسْخُ كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ، وَمِنْ حَيْثُ الْقُصُورُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ بِإِقْرَارِهِ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي) يَعْنِي أَنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا مُبْتَدَأً لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ التَّرَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَرُدُّهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ فَيُجْعَلُ فَسْخًا لِعُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي (غَيْرَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الْإِقْرَارُ) يَعْنِي لَكِنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حُجَّةٍ قَاصِرَةٍ وَهِيَ الْإِقْرَارُ فَعَمِلْنَا بِالْجِهَتَيْنِ (فَمِنْ حَيْثُ الْفَسْخُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّدَّ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ (كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يُخَاصِمَ) أَيْ مَعَ الْمُوَكِّلِ (وَمِنْ حَيْثُ الْقُصُورُ فِي الْحُجَّةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ (لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلُ إلَّا بِحُجَّةٍ) أَيْ إلَّا بِإِقَامَةِ الْوَكِيلِ الْحُجَّةَ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذِهِ فَائِدَةُ الْحَاجَةِ إلَى الْقَضَاءِ مَعَ الْإِقْرَارِ فَيَسْقُطُ مَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ، لَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُهُ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ قَدْ عَرَفْت فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ أَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ فَائِدَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ حَاصِلَةٌ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَمَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِ تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ وَحُصُولِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إلَى قَضَاءٍ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ الْقَضَاءُ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَائِدَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهَذَا كَلَامٌ جَيِّدٌ لَا يَسْقُطُ بِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، فَإِنَّ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ ثَبِّتْ الْعُرْسَ ثُمَّ اُنْقُشْ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ بَلْ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ السُّؤَالِ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُقِرَّ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ وَيَمْتَنِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْقَبُولِ، فَقَضَاءُ الْقَاضِي كَانَ جَبْرًا عَلَيْهِ عَلَى الْقَبُولِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرْنَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ الْجَوَابَ جَوَابٌ حَسَنٌ وَوَجْهٌ وَجِيهٌ، فَإِنَّ فِيهِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ التَّوْجِيهِ الَّذِي تَمَحَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي مَسْأَلَةِ رَدِّ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: وَمَعْنَى الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ فَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى فَتَفَكَّرْ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الرَّدُّ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَجَّرَ وَسَلَّمَ ثُمَّ طَعَنَ الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ بِعَيْبٍ فَقَبِلَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ إجَارَةً جَدِيدَةً فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَكَذَا هَذَا. قُلْنَا: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي إجَارَةِ الدَّارِ لَا يَصِيرُ مَقْبُوضًا بِقَبْضِ الدَّارِ، وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَ بِانْهِدَامِ الدَّارِ كَانَ فِي ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَبِيعِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِلَهُ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَهُنَاكَ يَلْزَمُ الْآمِرَ فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ. وَقَالَ: شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَفِي الْكِتَابِ عَلَّلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَقَالَ: إنَّ فَسْخَ الْإِجَارَةِ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ فِي حَقِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْإِجَارَةُ عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ يَتَجَدَّدُ انْعِقَادُهَا بِحَسَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنَافِعِ، فَبَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يُمْتَنَعُ الِانْعِقَادُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ عَقْدًا مُبْتَدَأً.
وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى الْعَقْدُ مُنْعَقِدٌ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَعْدُو مَوْضِعَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى أَنْ يُجْعَلَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَقْدًا مُبْتَدَأً لِقِيَامِ الدَّارِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (وَلَوْ كَانَ الْعَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ) أَيْ وَكَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ بِإِقْرَارِ الْوَكِيلِ (يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ) أَيْ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ الْأَصْلِ (لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا غَيْرَ مَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي لَوْ رُفِعَ الْأَمْرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ رَفَعَا الْأَمْرَ إلَيْهِ فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا يُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِذَا تَعَيَّنَ الرَّدُّ صَارَ تَسْلِيمُ الْخَصْمِ وَتَسْلِيمُ
(8/91)

وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْحَقُّ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الرَّدِّ ثُمَّ إلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا.

قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَمَرْتُك بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ أَمَرْتنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ) ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْقَاضِي سَوَاءً كَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ) أَيْ عَامَّةِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْوَكِيلِ (أَنْ يُخَاصِمَهُ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلُ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ (وَالْحَقُّ) أَيْ حَقُّ الْمُشْتَرِي (فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي يَثْبُتُ أَوَّلًا فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَهُوَ وَصْفُ السَّلَامَةِ (ثُمَّ يَنْتَقِلُ) بِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ (إلَى الرَّدِّ، ثُمَّ) يَنْتَقِلُ بِامْتِنَاعِ الرَّدِّ بِحُدُوثِ عَيْبٍ أَوْ بِحُدُوثِ زِيَادَةٍ فِي الْمَبِيعِ (إلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ) وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْحَقُّ مُتَعَيَّنٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَتِمَّ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا) يُرِيدُ بِالْكِفَايَةِ كِفَايَةَ الْمُنْتَهَى وَهِيَ شَرْحٌ لِلْبِدَايَةِ: أَلَّفَهَا الْمُصَنِّفُ قَبْلَ الْهِدَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّيبَاجَةِ، وَلَمْ نَعْلَمْ وُجُودَ نُسَخِهَا الْآنَ وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا رَآهَا. قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَ بَيَانِ الْمَقَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ: وَهَكَذَا ذُكِرَ الرِّوَايَتَانِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نُزُولًا مِنْ اللُّزُومِ إلَى أَنْ لَا يُخَاصِمَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَانَ الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَلَعَمْرِي إنَّ رُتْبَتَهُ لَا تَتَحَمَّلُ الْإِقْدَامَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَّهُ أَقْرَبَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ سِيَّمَا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي مَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَلْبَتَّةَ لَا غَيْرُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ

(قَالَ) أَيْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ قَالَ لِأَخَرَ أَمَرْتُكَ بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِي إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ وَتَقْيِيدِهِ فَقَالَ الْآمِرُ أَمَرْتُك بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بَلْ أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ (لِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ، وَمَنْ يُسْتَفَادُ الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَهُ فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، إلَّا إذَا كَانَ فِي الْعَقْدِ مَا يُخَالِفُ مُدَّعَاهُ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ) إذْ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ قَدْ يَكُونُ مُقَيَّدًا وَقَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ التَّقْيِيدُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّقْيِيدِ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَقُلْ وَكَّلْتُك بِبَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِبَيْعِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ وَكَّلْتُك بِمَالِي أَوْ فِي مَالِي لَا يَمْلِكُ إلَّا الْحِفْظَ وَكَانَ مُدَّعِيًا لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ (الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ) فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرْتُك بِالنَّقْدِ وَقَالَ الْمُضَارِبُ بَلْ دَفَعْت مُضَارَبَةً وَلَمْ تُعَيِّنْ شَيْئًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَصْوِيرِ الِاخْتِلَافِ هَاهُنَا: فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَمَرْتُك أَنْ تَعْمَلَ فِي الْبَزِّ وَقَالَ
(8/92)

لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ فَقَامَتْ دَلَالَةُ الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ وَالْمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْإِطْلَاقُ بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ إلَى الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ ثُمَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ يَنْتَظِمُهُ نَقْدًا وَنَسِيئَةً إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ.

قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَضَاعَ فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا فَتَوِيَ الْمَالُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُضَارِبُ دَفَعْت إلَيَّ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. أَقُولُ: هَذَا التَّصْوِيرُ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِنَّ صُورَتَهَا هَكَذَا: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً فَاخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَمَرْتُك أَنْ تَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَقَالَ الْمُضَارِبُ أَعْطَيْتنِي الْمَالَ مُضَارَبَةً وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. قَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ. انْتَهَى لَفْظُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ إلَّا أَنَّ فِي الْعَقْدِ مَا يُخَالِفُ دَعْوَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُضَارِبَ (يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَصِحُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَيَثْبُتُ الْإِذْنُ عَامًّا (فَقَامَتْ دَلَالَةُ الْإِطْلَاقِ) أَيْ فَقَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَنْ ادَّعَى الْإِطْلَاقَ فِي الْمُضَارَبَةِ كَانَ مُدَّعِيًا لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ) أَيْ فِي نَوْعٍ مُسَمًّى (وَالْمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ) أَيْ وَادَّعَى الْمُضَارِبُ الْمُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ آخَرَ (حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْإِطْلَاقُ فِيهِ بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ) أَيْ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ (إلَى الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ) وَفِيهَا الْقَوْلُ لِلْآمِرِ كَمَا مَرَّ آنِفًا (ثُمَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْبَيْعِ) فِي صُورَةِ الْوَكَالَةِ (يَنْتَظِمُهُ) أَيْ يَنْتَظِمُ الْبَيْعَ (نَقْدًا وَنَسِيئَةً إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ) مُتَعَارَفٍ عِنْدَ التُّجَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ فِيهَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ) حَتَّى لَوْ بَاعَ بِأَجَلٍ غَيْرِ مُتَعَارَفٍ عِنْدَ التُّجَّارِ بِأَنْ بَاعَ إلَى خَمْسِينَ سَنَةٍ جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ) أَيْ الْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَمِلَ بِالْإِطْلَاقِ وَهُمَا بِالْمُتَعَارَفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَذْكُرَ مَسْأَلَةَ النَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِقَوْلِهِ وَالْوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا فَضَاعَ) أَيْ الرَّهْنُ (فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (كَفِيلًا فَتَوْيُ الْمَالِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْكَفِيلِ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَأْمُورِ. قَالَ الْكَاكِيُّ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْكَفِيلِ
(8/93)

لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهَا وَالْكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ، وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ نِيَابَةً وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَأَخْذِ الرَّهْنِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَقْبِضُ أَصَالَةً وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا، إذْ الضَّمَانُ عَلَى الْكَفِيلِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ لَيْسَ بِمَحَلِّ الشَّكِّ فَضْلًا عَنْ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ عَلَى الْوَكِيلِ إذْ هُوَ مَحَلُّ شُبْهَةٍ فَهُوَ مَوْرِدُ الْبَيَانِ؛ أَلَا يَرَى قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ) أَيْ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ (وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُقُوقِ (وَالْكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ) أَيْ بِالثَّمَنِ (وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ) أَيْ لِجَانِبِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَقَدْ ازْدَادَ بِالْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ فَكَانَا مُؤَكَّدَيْنِ لِحَقِّ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ (فَيَمْلِكُهُمَا) أَيْ فَيَمْلِكُهُمَا الْوَكِيلُ، فَإِذَا ضَاعَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الرَّهْنِ كَاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُهُ أُقِيمَ مَقَامَهُ. وَلَوْ هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ هَلَكَ أَمَانَةً فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَفَالَةِ هَاهُنَا الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ التَّوْيِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصِيلَ لَا يَبْرَأُ. وَقِيلَ بَلْ هِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَالتَّوَى فِيهَا بِأَنْ يَمُوتَ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ مُفْلِسَيْنِ، وَقِيلَ التَّوَى فِيهَا بِأَنْ يُرْفَعَ الْأَمْرُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ فَيَحْكُمَ عَلَى مَا يَرَاهُ أَوْ يَمُوتَ الْكَفِيلُ مُفْلِسًا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: فَتَوْيِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ بِأَنْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ بِنَفْسِ الْكَفَالَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَيَحْكُمُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ فَتَوْيِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ انْتَهَى.
وَإِنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَدْ اخْتَارَ ذَلِكَ، وَزَيَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَفِي النِّهَايَةِ الْمُرَادُ بِالْكَفَالَةِ هَاهُنَا الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ التَّوَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْكَفَالَةِ، وَقِيلَ الْكَفَالَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، فَإِنَّ التَّوَى يَتَحَقَّقُ فِيهَا بِأَنْ مَاتَ الْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ مُفْلِسَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا تَوَى مُضَافٌ إلَى أَخْذِهِ الْكَفِيلَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ كَفِيلًا أَيْضًا لَمْ يَتْوَ دَيْنُهُ كَمَا فِي الرَّهْنِ، وَالتَّوْيِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ كَفِيلًا أَيْضًا لَتَوِيَ بِمَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُفْلِسًا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَوَالَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتْوَى فِيهَا بِمَوْتِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا بَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنَّمَا يَتْوَى بِمَوْتِهِمَا مُفْلِسَيْنِ فَصَارَ كَالْكَفَالَةِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالتَّوْيِ تَوًى مُضَافٌ إلَى أَخْذِهِ الْكَفِيلَ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْمُرَافَعَةِ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ عَنْ الدَّيْنِ بِالْكَفَالَةِ وَلَا يَرَى الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصِيلِ بِمَوْتِهِ مُفْلِسًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مَالِكِيًّا وَيَحْكُمَ بِهِ ثُمَّ يَمُوتَ الْكَفِيلُ مُفْلِسًا إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ.
(بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ) إذَا أَخَذَ بِالدَّيْنِ رَهْنًا أَوْ كَفِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (يَفْعَلُ نِيَابَةً) أَيْ يَتَصَرَّفُ نِيَابَةً عَنْ الْمُوَكِّلِ حَتَّى إذَا نَهَاهُ الْمُوَكِّلُ عَنْ الْقَبْضِ صَحَّ نَهْيُهُ (وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَأَخَذَ الرَّهْنَ) فَيَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَقْبِضُ) أَيْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ (أَصَالَةً) لَا نِيَابَةً (وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَيَنْزِلُ الْوَكِيلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ لَوْ أَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا جَازَ فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ.
(8/94)

(فَصْلٌ)
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ) (فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ) وَهَذَا فِي تَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
[فَصْلٌ إذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ]
فَصْلٌ)
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ وِكَالَةِ الْوَاحِدِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ وِكَالَةِ الِاثْنَيْنِ لِمَا أَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ حُكْمُهُمَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْوَجْهِ: وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْفَصْلِ كَبِيرُ حَاجَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُفْهَمُ هُنَا شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الْوِكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَهُوَ الْوِكَالَةُ بِالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِجَارَةِ، وَهَذَا حَسَنٌ انْتَهَى (وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخِرِ) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُمَا بِكَلَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتهمَا بِبَيْعِ عَبْدِي أَوْ بِخُلْعِ امْرَأَتِي، وَأَمَّا إذَا وَكَّلَهُمَا بِكَلَامَيْنِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَوَكَّلَ آخَرَ بِهِ أَيْضًا فَأَيُّهُمَا بَاعَ جَازَ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ حَيْثُ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهِ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّيْنِ إذَا أَوْصَى إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عَقْدٍ عَلَى حِدَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَرِدُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ صَارَا وَصِيَّيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَهَاهُنَا حُكْمُ الْوِكَالَةِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ، فَإِذَا أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ اسْتَبَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفِ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ بِدُونِ الْآخَرِ (فِي تَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ.
وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ مُقَيَّدًا بِتَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ لَمَا احْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَاءِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ مِنْ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الَّتِي اسْتَثْنَى التَّوْكِيلَ بِهَا مِنْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ مَا سِوَى الْخُصُومَةِ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمَّا تَمَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ تِلْكَ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلًا بِالنَّظَرِ إلَى التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ وَمُنْقَطِعًا بِالنَّظَرِ إلَى التَّوْكِيلِ بِمَا سِوَاهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ صِيغَةَ الِاسْتِثْنَاءِ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ، فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ هَاهُنَا مُطْلَقٌ، وَبَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْآتِي يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، وَمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ كَالْخُصُومَةِ وَيَصِيرُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالنَّظَرِ إلَى الْكُلِّ فَيَنْتَظِمُ الْمَقَامُ وَيَتَّضِحُ الْمَرَامُ. فَإِنْ قُلْت: لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ هَاهُنَا مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ
(8/95)

لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لَا بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا، وَالْبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي. قَالَ (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِالْخُصُومَةِ) لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذَّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إلَى الشَّغْبِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَالرَّأْيُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ سَابِقًا لِتَقْوِيمِ الْخُصُومَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ، بَلْ مُرَادُهُ بَيَانُ حَاصِلِ الْمَعْنَى بِمُلَاحَظَةِ دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ الْآتِي عَلَيْهِ.
قُلْت: حَاصِلُ الْمَعْنَى هَاهُنَا بِمُلَاحَظَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْآتِي أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ فِي تَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَلَا يَتَعَذَّرُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَبَيَانُ الْمَعْنَى هَاهُنَا بِمَا ذَكَرَهُ لَا يُطَابِقُ الْحَاصِلَ مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ لَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا بَعْدَهُ فَلَا يُجْدِي كَبِيرَ طَائِلٍ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لَا بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا) إذْ لَا يَنَالُ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا مَا يَنَالُ بِرَأْيِهِمَا، حَتَّى إنَّ رَجُلًا لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِبَيْعٍ أَوْ بِشِرَاءٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ اشْتَرَى وَالْآخَرُ حَاضِرٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْآخَرُ، وَفِي الْمُنْتَقَى: وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ أَحَدُهُمْ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَأَجَازَ بَيْعَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ فَأَجَازَهُ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِبَيْعِ شَيْءٍ وَأَحَدُهُمَا عَبْدٌ مَحْجُورٌ أَوْ صَبِيٌّ لَمْ يَجُزْ لِلْآخَرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِبَيْعِهِ وَحْدَهُ حِينَ ضَمَّ إلَيْهِ رَأْيَ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَا حُرَّيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَأَجَازَ كَانَ جَائِزًا لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِرَأْيِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَبِيعَهُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ (وَالْبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا) هَذَا جَوَابُ شُبْهَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا قَدَّرَ الْمُوَكِّلُ الْبَدَلَ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي التَّوْكِيلِ بِالْإِعْتَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَجَابَ عَنْهَا بِأَنَّ الْبَدَلَ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا (وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي) يَعْنِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْبَدَلِ إنَّمَا يَمْنَعُ النُّقْصَانَ لَا الزِّيَادَةَ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُ الثَّمَنُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا لِذَكَاءِ أَحَدِهِمَا وَهِدَايَتِهِ دُونَ الْآخَرِ فَيَحْتَاجُ إلَى رَأْيِهِمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَكَذَا يَخْتَارُ أَحَدُهُمَا الْمُشْتَرِيَ الَّذِي يُمَاطِلُ فِي الثَّمَنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَيْضًا (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِالْخُصُومَةِ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ: يَعْنِي أَنَّ أَحَدَ الْوَكِيلَيْنِ لَا يَتَصَرَّفُ بِانْفِرَادِهِ إلَّا فِي الْخُصُومَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ خَاصَمَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ جَازَ.
وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: فَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْخُصُومَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ صَاحِبِهِ فِي خُصُومَتِهِ؟ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: يُشْتَرَطُ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ مَا فِي الْكِتَابِ (لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا) أَيْ فِي الْخُصُومَةِ (مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إلَى الشَّغْبِ) الشَّغْبُ بِالتَّسْكِينِ تَهْيِيجُ الشَّرِّ، وَلَا يُقَالُ شَغَبٌ بِالتَّحْرِيكِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ (فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) وَلَا بُدَّ مِنْ صِيَانَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَنْ الشَّغْبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ إظْهَارُ الْحَقِّ وَبِالشَّغْبِ لَا يَحْصُلُ، وَلِأَنَّ فِيهِ ذَهَابَ مَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَلَمَّا وَكَّلَهُمَا بِالْخُصُومَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمَا صَارَ رَاضِيًا بِخُصُومَةِ أَحَدِهِمَا (وَالرَّأْيُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ سَابِقًا لِتَقْوِيمِ الْخُصُومَةِ) إشَارَةً إلَى دَفْعِ قَوْلِ زُفَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُخَاصِمَ دُونَ صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الرَّأْيِ
(8/96)

(قَالَ: أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الرَّأْيِ بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ مَحْضٌ، وَعِبَارَةُ الْمَثْنَى وَالْوَاحِدُ سَوَاءٌ. وَهَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْمُوَكِّلُ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا.
وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الرَّأْيَيْنِ يَحْصُلُ فِي تَقْوِيمِ الْخُصُومَةِ سَابِقًا عَلَيْهَا فَيَكْتَفِي بِذَلِكَ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ قَوْلُهُ بِالْخُصُومَةِ أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُطَلِّقَهَا بِانْفِرَادِهِ (أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَعْتِقَهُ وَحْدَهُ (أَوْ يَرُدَّ وَدِيعَةً عِنْدَهُ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِرَدِّ وَدِيعَةٍ، فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرُدَّهَا مُنْفَرِدًا. قَيَّدَ بِرَدِّهَا، إذْ لَوْ وَكَّلَهُمَا بِقَبْضِ وَدِيعَةٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَبْضِ، صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، فَقَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَصْلِ: إذَا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِقَبْضِ وَدِيعَةٍ لَهُ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ ضَامِنًا لِأَنَّهُ شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْقَبْضِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ مُمْكِنٌ وَلِلْمُوَكِّلِ فِيهِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّ حِفْظَ اثْنَيْنِ أَنْفَعُ، فَإِذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا صَارَ قَابِضًا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فَيَصِيرُ ضَامِنًا. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ ضَامِنًا لِلنِّصْفِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِقَبْضِ النِّصْفِ. قُلْنَا: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِقَبْضِ النِّصْفِ إذَا قَبَضَ مَعَ صَاحِبِهِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ فَغَيْرُ مَأْمُورٍ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ مَضْمُونَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ هَاهُنَا. وَلَكِنْ مَا عَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا يُقَسَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي الْوَدِيعَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ كَلَامُهُ بِشَيْءٍ، إذْ مَنْشَؤُهُ الْغُفُولُ عَنْ قَيْدِ الْإِذْنِ، فَإِنَّ الَّذِي سَيَجِيءُ فِي الْوَدِيعَةِ هُوَ أَنَّهُ إنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ عِنْدَ رَجُلَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يُقَسَّمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَهُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ وَلَكِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ فَيَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقَسَّمُ جَازَ أَنْ يَحْفَظَهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَحْفَظَهُ بِإِذْنِ الْآخَرِ فِي الْوَجْهَيْنِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنْ لَا يَجُوزَ حِفْظُ أَحَدِهِمَا الْكُلَّ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا بِلَا خِلَافٍ، وَأَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْآخَرِ أَيْضًا فِيمَا يُقَسَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا. وَمَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا الْكُلَّ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَهُوَ تَامٌّ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا بِالِاتِّفَاقِ (أَوْ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادَ فِيهِ أَيْضًا (لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ) يَعْنِي الطَّلَاقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالْعَتَاقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَرَدَّ الْوَدِيعَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ (لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الرَّأْيِ بَلْ هُوَ) أَيْ بَلْ أَدَاءُ الْوِكَالَةِ فِيهَا (تَعْبِيرٌ مَحْضٌ) أَيْ تَعْبِيرٌ مَحْضٌ لِكَلَامِ الْمُوَكِّلِ (وَعِبَارَةُ الْمَثْنَى وَالْوَاحِدِ سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَعْنَى (وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ
(8/97)

بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُمَا طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا أَوْ قَالَ أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ إلَى رَأْيِهِمَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا فَاعْتَبَرَهُ بِدُخُولِهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُمَا طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا، أَوْ قَالَ أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا) حَيْثُ لَا يَجُوزُ انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ مَا قَالَهُ لَهُمَا فِيهِمَا (تَفْوِيضٌ إلَى رَأْيِهِمَا) فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا، وَنَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ) كَمَا مَرَّ فِي بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ.
وَإِذَا كَانَ تَمْلِيكًا صَارَ التَّطْلِيقُ مَمْلُوكًا لَهُمَا فَلَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْآخَرِ. قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْدِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى إيقَاعِ نِصْفِ تَطْلِيقَةٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْآخَرِ، إذْ بِإِيقَاعِ النِّصْفِ تَقَعُ تَطْلِيقَةً كَامِلَةً. فَإِنْ قِيلَ: الْإِبْطَالُ هُنَا ضِمْنِيٌّ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ الْإِبْطَالِ مَعَ قُدْرَتِهِمَا إلَى الِاجْتِمَاعِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ أَلَا يَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ طَلَّقَاهَا فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي كَوْنِهِ تَمْلِيكًا انْتَهَى.
أَقُولُ: جَمِيعُ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ عَلَى النَّقْضِ سَقِيمٌ، أَمَّا قَوْلُهُ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ أَيْضًا فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُقَرَّرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلَّقَاهَا بِدُونِ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ تَوْكِيلٌ لَا تَمْلِيكٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ فَلَا يَلْزَمُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ كَمَا يَظْهَرُ بِمُرَاجَعَةِ مَحَلِّهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا مَدْخَلَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ فِي كَوْنِهِ تَمْلِيكًا فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُصَرَّحِ بِهِ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْ بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ انْتَهَى. وَإِلَى قَوْلِهِ فِي أَوَاسِطِ فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ انْتَهَى (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْآمِرَ (عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا) أَيْ بِفِعْلِ الْمَأْمُورَيْنِ (فَاعْتَبَرَهُ) صِيغَةَ أَمْرٍ مِنْ الِاعْتِبَارِ (بِدُخُولِهِمَا) أَيْ فَاعْتَبَرَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِفِعْلِ الرَّجُلَيْنِ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِدُخُولِ الرَّجُلَيْنِ: أَيْ بِدُخُولِهِمَا الدَّارَ مَثَلًا. يَعْنِي يُشْتَرَطُ ثَمَّةَ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ دُخُولُهُمَا جَمِيعًا، حَتَّى لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُمَا الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِعْلُ التَّطْلِيقِ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ إلَى رَأْيِهِمَا رَاجِعٌ إلَيْهِ. وَإِلَى قَوْلِهِ أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا وَقَدْ تَبِعَهُ فِي جَعْلِ قَوْلَهُ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِهِ كَصَاحِبِ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّحْرِيرِ وَهُوَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ حَيْثُ قَالُوا بِصَدَدِ بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَاعْتَبَرَهُ بِدُخُولِهِمَا، حَتَّى لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتُمَا الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يُوجَدْ الدُّخُولُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَكَذَا هُنَا فِي قَوْلِهِ طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِعْلُ التَّطْلِيقِ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
أَقُولُ: وَأَنَا لَا أَرَى بَأْسًا فِي إبْقَاءِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تَعْلِيلَيْهِ عَامًا لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ كَمَا يُوجَدُ فِي صُورَةِ إنْ قَالَ لَهُمَا طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي صُورَةِ إنْ قَالَ لَهُمَا أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ بِأَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ بِالْيَدِ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ. وَقَالَ الشُّرَّاحُ فِي بَيَانِهِ: وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى أَمْرُك بِيَدِك إنْ أَرَدْت طَلَاقَك فَأَنْتِ
(8/98)

قَالَ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ) لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
طَالِقٌ انْتَهَى. وَلِذَلِكَ لَمْ أُخَصِّصْ قَوْلَهُ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا إلَخْ بِصُورَةِ إنْ قَالَ لَهُمَا طَلَّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا، بَلْ شَرَحْته بِوَجْهٍ يَعُمُّ الصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا رَأَيْته

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (فَوَّضَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ (التَّصَرُّفَ) أَيْ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ (دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ) أَيْ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ التَّوْكِيلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَلَا يَمْلِكُهُ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِعِلَّةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ (رَضِيَ بِرَأْيِهِ) أَيْ بِرَأْيِ الْوَكِيلِ (وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ) فَلَا يَكُونُ الرِّضَا بِرَأْيِهِ رِضًا بِرَأْيِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْوَكِيلُ فِي تَوْكِيلِ الْغَيْرِ مُبَاشِرًا غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَلَا تَجُوزُ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ تَشْكِيكٌ، وَهُوَ أَنَّ تَفَاوُتَ الْآرَاءِ مُدْرَكٌ بِيَقِينٍ وَإِلَّا لَمَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ. وَأَيْضًا الرِّضَا بِرَأْيِ الْوَكِيلِ وَرَدُّ تَوْكِيلِهِ تَنَاقُضٌ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَقْوَى رَأْيًا أَوْ قَوِيَّهُ فِي رَأْيِ الْأَوَّلِ لَمَا وَكَّلَهُ فَرَدُّ تَوْكِيلَهُ مَعَ الرِّضَا بِرَأْيِهِ مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْقُوَّةِ فِي الرَّأْيِ لِمَا يَكُونُ بِحَسَبِ ظَنِّ الْمُوَكِّلِ، وَحَيْثُ اخْتَارَهُ لِلتَّوْكِيلِ مِنْ بَيْنِ مَنْ يَعْرِفُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْأُمُورِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَا ثَمَّةَ مَنْ يَفُوقُهُ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، فَقَبُولُ تَوْكِيلِهِ حِينَئِذٍ مُنَاقِضٌ لِظَنِّهِ فَلَا يَجُوزُ انْتَهَى. أَقُولُ: الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يَدْفَعُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ مِنْ التَّشْكِيكِ الْمَذْكُورِ دُونَ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْهُ، لِأَنَّ قَبُولَ تَوْكِيلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مُنَاقِضًا لِظَنِّ الْمُوَكِّلِ، إلَّا أَنَّ رَدَّ تَوْكِيلِهِ أَيْضًا مُنَاقِضٌ لِرِضَا الْمُوَكِّلِ بِرَأْيِ الْوَكِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْهُ، فَمَا الرُّجْحَانُ فِي إيثَارِ هَذَا التَّنَاقُضِ عَلَى ذَاكَ التَّنَاقُضِ؟ ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْهُ: إنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِ الْوَكِيلِ فِي تَصَرُّفٍ خَاصٍّ وَهُوَ مَا وُكِّلَ بِهِ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ الْإِجَارَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالتَّوْكِيلُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَلَا تَنَاقُضَ فِي رَدِّ تَوْكِيلِهِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ تَنَاقُضًا لَوْ كَانَ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِرَأْيِ الْوَكِيلِ فِي التَّوْكِيلِ أَوْ بِرَأْيِهِ مُطْلَقًا، وَلِهَذَا إذَا أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ أَوْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ بِأَنَّ الدَّلِيلَ خَاصٌّ بِمَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ وَالْمُدَّعَى عَامٌّ لِغَيْرِهِ أَيْضًا. أَقُولُ: أَصْلُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ رَضِيَ بِفِعْلِهِ دُونَ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْأَفْعَالِ
(8/99)

قَالَ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ) لِوُجُودِ الرِّضَا (أَوْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك) لِإِطْلَاقِ التَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِهِ، وَإِذَا جَازَ فِي هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلًا عَنْ الْمُوَكَّلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فَيَعُمُّ مَا يَعُمُّهُ الْمُدَّعَى، إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَقَالَ: لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ) اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، فَإِنَّهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ (لِوُجُودِ الرِّضَا) أَيْ لِوُجُودِ الرِّضَا حِينَئِذٍ بِرَأْيِ غَيْرِهِ أَيْضًا (أَوْ يَقُولَ لَهُ) عَطْفٌ عَلَى يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ: أَيْ أَوْ إلَّا أَنْ يَقُولَ لِلْوَكِيلِ (اعْمَلْ بِرَأْيِك) فَيَجُوزَ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ (لِإِطْلَاقِ التَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِهِ) أَيْ إلَى رَأْيِ الْوَكِيلِ فَيَدْخُلَ تَوْكِيلُهُ الْغَيْرَ تَحْتَ الْإِجَازَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِذَا جَازَ فِي هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ إذَا جَازَ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ غَيْرَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَوَكَّلَ غَيْرَهُ (يَكُونُ الثَّانِي) أَيْ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَهُوَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ (وَكِيلًا عَنْ الْمُوَكِّلِ) لَا عَنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ (عَزْلَهُ) أَيْ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي (وَلَا يَنْعَزِلُ) أَيْ الْوَكِيلُ الثَّانِي (بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (وَيَنْعَزِلَانِ) أَيْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ وَالْوَكِيلُ الثَّانِي (بِمَوْتِ الْأَوَّلِ) أَيْ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ (وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي فَصْلٍ آخَرَ قَبْلَ بَابِ التَّحْكِيمِ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ، إلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا فُوِّضَ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ فَيَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصْلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ. أَقُولُ: وَالْعَجَبُ مِنْ الشُّرَّاحِ هَاهُنَا سِيَّمَا مِنْ فُحُولِهِمْ كَصَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَصَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ وَصَاحِبِ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَيَانِ مَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ قَضَى الثَّانِي بِمَحْضَرٍ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ قَضَى الثَّانِي فَأَجَازَهُ الْأَوَّلُ جَازَ كَمَا فِي الْوِكَالَةِ، فَحَقَّقُوا
(8/100)

قَالَ (فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ جَازَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُضُورُ رَأْيِ الْأَوَّلِ وَقَدْ حَضَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي الْوِكَالَةِ مَعَ أَنَّ نَظِيرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا إنَّمَا هُوَ مَا تَرَكُوهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ هُنَاكَ بَعْدَ ذِكْرِ مَا ذَكَرُوهُ: وَإِذَا فُوِّضَ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ يَصِيرُ الثَّانِي نَائِبًا عَنْ الْأَصْلِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ، وَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا اغْتَرُّوا بِمَا فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي الْوِكَالَةِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْوِكَالَةِ، لَكِنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ التَّشْبِيهُ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ جَازَ لَا التَّشْبِيهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
بَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ ظَاهِرٌ فِي صُورَةِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْإِذْنَ لَهُ فِي الْعَزْلِ أَيْضًا، وَأَمَّا فِي صُورَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك تَوْكِيلٌ عَامٌّ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْوَكِيلِ فَيَمْلِكُ تَوْكِيلَ غَيْرِهِ كَالْمَالِكِ، فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي أَيْضًا بِعُمُومِ وِكَالَتِهِ عَنْ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ، وَبِكَوْنِهِ كَالْمَالِكِ بِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ لَهُ، كَمَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ وَأَنْ يَعْزِلَ عَنْهُ إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ النَّصْبُ وَالْعَزْلُ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ: رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ وَقَالَ لَهُ مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ غَيْرَهُ جَازَ تَوْكِيلُهُ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلَ الْمُوَكَّلِ الْأَوَّلِ لَا وَكِيلَ الْوَكِيلِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ أَوْ عُزِلَ أَوْ جُنَّ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي؛ وَلَوْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلُ أَوْ جُنَّ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ لَحِقَ بِدَارٍ الْحَرْبِ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلَانِ، وَلَوْ عَزَلَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ جَازَ عَزْلُهُ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ الْأَوَّلَ رَضِيَ بِصَنِيعِ الْأَوَّلِ وَعَزْلُ الْأَوَّلِ الثَّانِي مِنْ صَنِيعِ الْأَوَّلِ، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ الْأَوَّلَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا رَضِيَ بِعَمَلِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِرَأْيِهِ، وَأَنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ الثَّانِيَ مِنْ عَمَلِهِ بِرَأْيِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عَزْلُهُ إيَّاهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مُشْكِلٌ دُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (فَإِنْ وَكَّلَ) أَيْ الْوَكِيلُ (بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ) أَيْ وَكِيلُ الْوَكِيلِ (بِحَضْرَتِهِ) أَيْ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (جَازَ) أَيْ جَازَ الْعَقْدُ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ) أَيْ مَقْصُودَ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ (حُضُورُ رَأْيِ الْأَوَّلِ) أَيْ حُضُورُ رَأْيِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (وَقَدْ حَضَرَ) أَيْ وَقَدْ حَضَرَ رَأْيُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَحَصَلَ مَقْصُودُهُ فَجَازَ الْعَقْدُ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ هُنَاكَ بِمُجَرَّدِ حَضْرَةِ صَاحِبِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِجَازَةِ صَرِيحًا كَمَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّ عَقْدَ وَكِيلِ الْوَكِيلِ جَائِزٌ عِنْدَ حَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجَازَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَقْدَ الْوَكِيلِ الثَّانِي لَا مُطْلَقَ الْحَضْرَةِ.
هَكَذَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ:
(8/101)

وَتَكَلَّمُوا فِي حُقُوقِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ جَازَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ لِلْجَوَازِ إجَازَةَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي وِكَالَةِ الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ وِكَالَةِ الْأَصْلِ وَشَرْطِ إجَازَتِهِ فَقَالَ: إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ جَازَ. وَحَكَى عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجَازَ، فَكَانَ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ صَارَ وُجُودِ هَذَا التَّوْكِيلِ وَعَدَمِهِ بِمَنْزِلَةٍ، وَلَوْ عَدِمَ التَّوْكِيلَ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى بَاعَهُ هَذَا الرَّجُلَ وَالْوَكِيلُ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْدُ هَذَا الْفُضُولِيِّ إلَّا بِإِجَازَتِهِ، لِأَنَّ الْإِجَازَةَ لِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ لَا تَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ لِكَوْنِ السُّكُوتِ مُحْتَمَلًا، كَذَا هَاهُنَا. وَمَتَى أَجَازَ فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ إجَارَتَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْأَوَّلِ أَنَّ بَيْعَ الثَّانِي حَالَ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتَعَرِّي الْعَقْدِ عَنْ رَأْيِ الْأَوَّلِ، وَمَتَى بَاعَ بِحَضْرَتِهِ فَقَدْ حَضَرَ هَذَا الْعَقْدَ رَأْيُ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا أَحَدُ وَكِيلَيْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ إذَا أَمَرَ صَاحِبَهُ بِالْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ فَبَاعَ بِحَضْرَتِهِ، فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إجَازَتِهِ انْتَهَى، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ كَمَا هُوَ دَأَبُهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا فِيمَا نَقَلَ عَنْ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ، فَأَجَازَ الْوَكِيلُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِي اشْتِرَاطِ الْإِجَازَةِ لِلْحَاضِرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَأَجَازَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ أَوْ غَائِبٌ فَقَطْ، أَمَّا فِي تَعْلِيلِهِمْ فَلِأَنَّهُ مُعَارِضٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الرَّأْيُ وَقَدْ حَضَرَ كَمَا ذَكَرَهُ انْتَهَى. وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ نَظَرِهِ فِيمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ حَيْثُ قَالَ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الثَّانِي إلَخْ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنْهُمَا. نَعَمْ لَوْ كَانَتْ الْعِبَارَةُ وَأَجَازَ بِالْوَاوِ فَيَجُوزُ كَوْنُهَا حَالِيَّةً لَاحْتَمَلَ مَا ذَكَرَهُ انْتَهَى. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ لِلسَّبَبِيَّةِ لَا لِلْعَطْفِ، كَمَا فِي قَوْلِك: زَيْدٌ فَاضِلٌ فَأَكْرِمْهُ، وَنَحْوُ الَّذِي يَطِيرُ فَيَغْضَبَ زَيْدٌ الذُّبَابُ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي مَوْضِعِهِ؛ وَلَئِنْ سَلِمَ كَوْنُهَا لِلْعَطْفِ وَكَوْنُ قَوْلِهِ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الثَّانِي إلَخْ فَلَا يَسْلَمُ كَوْنُ قَوْلِهِ فَأَجَازَ الْوَكِيلُ مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنْ قَيْدَيْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ إنَّمَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْمَعْطُوفِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَيْدُ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ سِرْت وَضَرَبْت زَيْدًا، وَقَوْلِنَا إنْ جِئْتنِي أُعْطِك وَأَكْسُك، وَأَمَّا فِيمَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فَلَا يُوجِبُ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ أَنْ يَتَقَيَّدَ الْمَعْطُوفُ بِقَيْدَيْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلْ جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَطْ.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ عَقْدِ وَكِيلِ الْوَكِيلِ عِنْدَ حُضُورِهِ وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ عَقْدِ أَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ وَكِيلَ الْوَكِيلِ لَمَّا كَانَ يَتَصَرَّفُ بِتَوْكِيلِهِ وَرِضَاهُ بِالتَّصَرُّفِ كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ رِضًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْظًا مِنْهُ عَلَى اسْتِبْدَادِهِ بِالتَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مِنْ صَاحِبِهِ انْتَهَى قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَتَكَلَّمُوا فِي حُقُوقِهِ) أَيْ فِي حُقُوقِ عَقْدِ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ: يَعْنِي إذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى جَازَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى مَنْ تَكُونُ؟ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ
(8/102)

(وَإِنْ عَقَدَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ فَاتَ رَأْيَهُ إلَّا أَنْ يُبْلِغَهُ فَيُجِيزَهُ (وَكَذَا لَوْ بَاعَ غَيْرُ الْوَكِيلِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ) لِأَنَّهُ حَضَرَ رَأْيُهُ (وَلَوْ قَدَّرَ الْأَوَّلُ الثَّمَنَ لِلثَّانِي فَعَقَدَ بِغِيبَتِهِ يَجُوزُ) لِأَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَاهِرًا وَقَدْ حَصَلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ، لِأَنَّهُ لَمَا فَوَّضَ إلَيْهِمَا مَعَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَهَرَ أَنَّ غَرَضَهُ اجْتِمَاعُ رَأْيِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُقَدِّرْ الثَّمَنَ وَفَوَّضَ إلَى الْأَوَّلِ كَانَ غَرَضُهُ رَأْيَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَمْرِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ فِي الثَّمَنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
إنَّمَا رَضِيَ بِلُزُومِ الْعُهْدَةِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْعُهْدَةُ عَلَى الثَّانِي إذْ السَّبَبُ وَهُوَ الْعَقْدُ وُجِدَ مِنْ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي كَالْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِهِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي وَهُوَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: ثُمَّ إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى جَازَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى مَنْ؟ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْفَصْلَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ فِي فَتَاوَاهُ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ، وَفِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَالْعُيُونِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الثَّانِي انْتَهَى. وَقَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: فَإِنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فَبَاعَ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ جَازَ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى (وَإِنْ عَقَدَ) أَيْ الْوَكِيلُ الثَّانِي (فِي حَالِ غِيبَتِهِ) أَيْ فِي حَالِ غِيبَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ (لِأَنَّهُ فَاتَ رَأْيَهُ) أَيْ رَأْيَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ حُضُورُ رَأْيِهِ (إلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ) أَيْ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ خَبَرُ عَقْدِ الْوَكِيلِ الثَّانِي الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ (فَيُجِيزَهُ) أَيْ فَيُجِيزَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ ذَلِكَ الْعَقْدَ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِتَحَقُّقِ رَأْيِهِ (وَكَذَا لَوْ بَاعَ غَيْرُ الْوَكِيلِ) أَيْ وَكَذَا يَجُوزُ لَوْ بَاعَ الْأَجْنَبِيُّ (فَبَلَغَهُ) أَيْ فَبَلَغَ خَبَرُ الْبَيْعِ الْوَكِيلَ (فَأَجَازَهُ) أَيْ فَأَجَازَ الْبَيْعَ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ (لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ) أَيْ بِإِجَازَتِهِ (وَلَوْ قَدَّرَ الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ (الثَّمَنَ) أَيْ ثَمَنَ مَا أُمِرَ بِبَيْعِهِ (لِلثَّانِي) أَيْ لِلْوَكِيلِ الثَّانِي الَّذِي وَكَّلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ بِعْهُ بِكَذَا (فَعَقَدَ بِغِيبَتِهِ) أَيْ فَعَقَدَ الثَّانِي بِذَلِكَ الثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ بِغِيبَةِ الْأَوَّلِ (يَجُوزُ) أَيْ الْعَقْدُ (لِأَنَّ الرَّأْيَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَاهِرًا) إنَّمَا قَالَ ظَاهِرًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَقَدْ حَصَلَ) أَيْ وَقَدْ حَصَلَ تَقْدِيرُ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ بِالرَّأْيِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ الرَّهْنِ اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الثَّمَنِ إنَّمَا يَمْنَعُ النُّقْصَانَ لَا الزِّيَادَةَ، فَلَوْ بَاشَرَ الْأَوَّلُ رُبَّمَا بَاعَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لِذَكَاتِهِ وَهِدَايَتِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ (لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إلَيْهِمَا) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا فَوَّضَ الرَّأْيَ إلَى الْوَكِيلَيْنِ (مَعَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَهَرَ أَنَّ غَرَضَهُ اجْتِمَاعُ رَأْيِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي) الَّذِي لَا يُمَاطِلُ فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالْبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا، وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي (أَمَّا إذَا لَمْ يُقَدِّرْ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (الثَّمَنَ وَفَوَّضَ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ وَفَوَّضَ الرَّأْيَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (كَانَ غَرَضُهُ) أَيْ غَرَضُ الْمُوَكِّلِ (رَأْيَهُ) أَيْ رَأْيَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ (فِي مُعْظَمِ الْأَمْرِ) أَيْ مُعْظَمِ أَمْرِ عَقْدِ الْبَيْعِ (وَهُوَ التَّقْدِيرُ فِي الثَّمَنِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ
(8/103)

قَالَ (وَإِذَا زَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَهَا لَمْ يَجُزْ) مَعْنَاهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا لِأَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ يَقْطَعَانِ الْوِلَايَةَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَرْقُوقَ لَا يَمْلِكُ إنْكَاحَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ إنْكَاحَ غَيْرِهِ، وَكَذَا الْكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْوِيضِ إلَى الْقَادِرِ الْمُشْفِقِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى النَّظَرِ، وَالرِّقُّ يُزِيلُ الْقُدْرَةَ وَالْكُفْرُ يَقْطَعُ الشَّفَقَةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَا تُفَوَّضُ إلَيْهِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْبِيَاعَاتِ الِاسْتِرْبَاحُ، وَالْعَادَةُ جَرَتْ فِي الْوِكَالَةِ أَنْ يُوَكِّلَ الْأَهْدَى فِي تَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي التَّوْكِيلِ بِتَقْدِيرِ ثَمَنٍ صَالِحٍ لِزِيَادَةِ الرِّبْحِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يُبَالِي بِنِيَابَةِ الْآخَرِ عَنْهُ فِي مُجَرَّدِ الْعِبَارَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اخْتِيَارُ الْمُشْتَرِي الَّذِي لَا يُمَاطِلُ فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ مِنْ مُهِمَّاتِ الْبِيَاعَاتِ وَمُعْظَمَاتِ أُمُورِهَا أَيْضًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ وَالْبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا، وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي، فَكَيْفَ يَتِمُّ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا: فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يُبَالِي بِنِيَابَةِ الْآخَرِ عَنْهُ فِي مُجَرَّدِ الْعِبَارَةِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَإِذَا زَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ أَوْ بَاعَ) أَيْ أَوْ بَاعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (أَوْ اشْتَرَى لَهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ الْمَوْصُوفَةِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَهَا (التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا) أَيْ فِي مَالِ الصَّغِيرَةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ اشْتَرَى لَهَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا شَيْئًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَالْآخَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا بِمَالِهَا. وَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ جَائِزًا لَا مَحَالَةَ كَانَ الْمُرَادُ هَاهُنَا هُوَ الثَّانِي.
وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ (لِأَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ يَقْطَعَانِ الْوِلَايَةَ) يَعْنِي أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، وَالرِّقُّ فِي الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، وَالْكُفْرُ فِي الذِّمِّيِّ يَقْطَعَانِ الْوِلَايَةَ (أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَرْقُوقَ لَا يَمْلِكُ إنْكَاحَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ إنْكَاحَ غَيْرِهِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعُ الْوِلَايَةِ الْقَاصِرَةِ (وَكَذَا الْكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] (حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ) أَيْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (وَلِأَنَّ هَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْوِلَايَةَ (وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ) أَيْ وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ نَظَرًا لِلضُّعَفَاءِ وَالصِّغَارِ لِعَجْزِهِمْ (فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْوِيضِ) أَيْ تَفْوِيضِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ (إلَى الْقَادِرِ الْمُشْفِقِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى النَّظَرِ) بِالْقُدْرَةِ وَالشُّفْعَةِ (وَالرِّقُّ يُزِيلُ الْقُدْرَةَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] (وَالْكُفْرُ يَقْطَعُ الشَّفَقَةَ عَلَى الْمُسْلِمِ) كَمَا لَا يَخْفَى (فَلَا تُفَوَّضُ إلَيْهِمَا)
(8/104)

(قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَالْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالْحَرْبِيُّ كَذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ أَبْعَدُ مِنْ الذِّمِّيِّ فَأَوْلَى بِسَلْبِ الْوِلَايَةِ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نَافِذًا عِنْدَهُمَا لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمِلَّةِ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ، ثُمَّ تَسْتَقِرُّ جِهَةُ الِانْقِطَاعِ إذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَبْطُلُ وَبِالْإِسْلَامِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَيَصِحَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
أَيْ فَلَا تُفَوَّضُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ النَّظَرِيَّةُ إلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ.
قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إلَى الْعَاقِدِ الْمُشْفِقِ مَكَانَ الْقَادِرِ الْمُشْفِقِ، وَجَعَلَ الشَّارِحُ الْكَاكِيُّ هَذِهِ النُّسْخَةَ أَصْلًا. وَقَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَى الْقَادِرِ مَكَانَ الْعَاقِدِ. أَقُولُ: وَأَنَا لَمْ أَرَ نُسْخَةً إلَى الْعَاقِدِ قَطُّ وَلَمْ أَجِدْ لَهَا وَجْهًا هَاهُنَا، إذْ لَا يُوجَدُ حِينَئِذٍ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالرِّقُّ يُزِيلُ الْقُدْرَةَ مُتَعَلِّقٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ (قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: وَالْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالْحَرْبِيُّ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُمَا عَلَى وَلَدِهِمَا الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ. قَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّمَا خَصَّ قَوْلَهُمَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَرِدُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا نَافِذَةٌ، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ عِنْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى الْمِلْكِ وَقَدْ تَرَكَا أَصْلَهُمَا فِي تَصَرُّفَاتِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ فَإِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
أَقُولُ: قَدْ أُدْرِجَ فِي قَوْلِهِمَا الْحَرْبِيُّ أَيْضًا، وَالْعُذْرُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَجْرِي فِيهِ قَطْعًا فَلَا يَتِمُّ (لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ) وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا (أَبْعَدُ مِنْ الذِّمِّيِّ) لِأَنَّ الذِّمِّيَّ صَارَ مِنَّا دَارًا وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مِنَّا دِينًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ مَا هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ (فَأَوْلَى بِسَلْبِ الْوِلَايَةِ) أَيْ فَالْحَرْبِيُّ أَوْلَى بِسَلْبِ الْوِلَايَةِ: يَعْنِي إذَا سُلِبَتْ وِلَايَةُ الذِّمِّيِّ كَمَا عَرَفْت فَالْحَرْبِيُّ أَوْلَى بِسَلْبِهَا (وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتُصَرِّفُهُ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نَافِذًا عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (لَكِنَّهُ) أَيْ لَكِنَّ تَصَرُّفَهُ (مَوْقُوفٌ) أَيْ مَوْقُوفٌ عَلَى إسْلَامِهِ؛ إنْ أَسْلَمَ صَحَّ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ (وَعَنْ وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَكِنَّهُ وَهُوَ التَّصَرُّفُ بِمَعْنَى الْوِلَايَةِ: يَعْنِي لَكِنَّ تَصَرُّفَهُ: أَيْ وِلَايَتَهُ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إسْلَامِهِ (بِالْإِجْمَاعِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَوْقُوفٌ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ فِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ وَوُقُوفٌ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَمَسَائِلِ الْمُرْتَدِّ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا تَعْقِيدًا قَبِيحًا وَاحْتِيَاجًا إلَى بَيَانِ مَعْنَاهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ بِهِ.
وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ الشُّرَّاحِ كَيْفَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ أَصْلًا مَعَ تَقَيُّدِهِمْ بِكَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْبَيِّنَةِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى. فَحَقُّ الْعِبَارَةِ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِمْ مَوْقُوفَةٌ بِالْإِجْمَاعِ (لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ (وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَذَلِكَ) أَيْ الْوِلَايَةُ النَّظَرِيَّةُ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، أَوْ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ (بِاتِّفَاقِ الْمِلَّةِ) أَيْ بِسَبَبِ اتِّفَاقِ الْمِلَّةِ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَلَدِ (وَهِيَ) أَيْ الْمِلَّةُ (مُتَرَدِّدَةٌ) فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً فِي الْحَالِ لَكِنَّهَا مَرْجُوُّ الْوُجُودِ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مَجْبُورٌ عَلَيْهَا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ جِهَةُ الِانْقِطَاعِ إذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَبْطُلُ) أَيْ تَصَرُّفُهُ (وَبِالْإِسْلَامِ) أَيْ بِالْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ (يُجْعَلُ) أَيْ الْمُرْتَدُّ (كَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مُسْلِمًا فَيَصِحُّ) أَيْ تَصَرُّفُهُ.
أَقُولُ: بَقِيَ فِي هَذَا الْمُقَامِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا زَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ ابْنَتَهُ إلَى هَاهُنَا لَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ الْوِكَالَةِ قَطُّ، وَقَدْ وُجِدَ ذِكْرُهُ مَرَّةً فِي بَابِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَثْبُتَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَلَا نَظَرَ فِي التَّفْوِيضِ إلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
(8/105)

(بَابُ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ) قَالَ (الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَقُولُ رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ انْتَهَى. فَذِكْرُهُ مَرَّةً أُخْرَى سِيَّمَا فِي كِتَابِ الْوِكَالَةِ بَعِيدُ الْمُنَاسَبَةِ.

[بَابُ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ]
أَخَّرَ الْوِكَالَةَ بِالْخُصُومَةِ عَنْ الْوِكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَقَعُ بِاعْتِبَارِ مَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ بِمُطَالَبَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ، أَوْ لِأَنَّهَا مَهْجُورَةٌ شَرْعًا فَاسْتَحَقَّتْ التَّأْخِيرَ عَمَّا لَيْسَ بِمَهْجُورٍ، وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَذُكِرَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ أَيْضًا. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَانْظُرْ إلَى تَفْسِيرِ الْخُصُومَةِ هَلْ فِيهِ مَا يُوجِبُ هَجْرَهَا اهـ. أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْخُصُومَةَ بِحَقِيقَتِهَا وَهِيَ الْمُنَازَعَةُ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46] وَإِنَّمَا شُرِعَتْ وَوَقَعَتْ مِنْ الْأَشْرَافِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَجَازًا عَنْ جَوَابِ الْخَصْمِ بِنَعَمْ أَوْ لَا كَمَا سَيَأْتِي بَحْثُهُ عَنْ قَرِيبٍ مُفَصَّلًا وَمَشْرُوحًا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ هَاهُنَا أَيْضًا فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْ الشُّرَّاحِ حَيْثُ قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَهْجُورَةً شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46] حَتَّى تُرِكَتْ حَقِيقَتُهَا إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ مَجَازًا أَخَّرَ ذِكْرَ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ عَمَّا لَيْسَ بِمَهْجُورٍ شَرْعًا بَلْ هُوَ مُقَرَّرٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ) أَطْلَقَ كَلَامَهُ فِي رِوَايَةٍ لِيَتَنَاوَلَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَحْبُوبِيَّ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ (عِنْدَنَا) أَيْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَظْهَرِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَبْضَ كَمَا قُلْنَا (هُوَ) أَيْ زُفَرُ (يَقُولُ) إنَّهُ (رَضِيَ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (بِخُصُومَتِهِ) أَيْ بِخُصُومَةِ الْوَكِيلِ (وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ) لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَوْلٌ يُسْتَعْمَلُ فِي إظْهَارِ الْحُقُوقِ وَالْقَبْضُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ (وَلَمْ يَرْضَ بِهِ) أَيْ وَلَمْ يَرْضَ الْمُوَكِّلُ بِالْقَبْضِ إذْ يَخْتَارُ لِلْخُصُومَةِ فِي الْعَادَةِ أَلَحَّ النَّاسِ وَلِلْقَبْضِ آمَنَ النَّاسِ، فَمَنْ يَصْلُحُ
(8/106)

وَلَنَا أَنْ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ إتْمَامَهُ وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ، وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
لِلْخُصُومَةِ لَا يُرْضَى بِأَمَانَتِهِ عَادَةً.
(وَلَنَا أَنَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَلَكَ إتْمَامَهُ وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ يَكُونُ بِالْقَبْضِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْمَطْلُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمُرَافَعَةِ بِإِثْبَاتِ الْخُصُومَةِ فَلَمَّا وَكَّلَهُ بِفَصْلِهَا وَالْفَصْلُ بِالْقَبْضِ دَخَلَ تَحْتَهُ ضِمْنًا، كَذَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِهِ: وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْخُصُومَةِ وَالْخُصُومَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ لِتَوَهُّمِ الْإِنْكَارِ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَعَذُّرِ الْإِثْبَاتِ بِعَارِضٍ مِنْ مَوْتِ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ وَالْمَطْلِ وَالْإِفْلَاسِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا أَسْلَفَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَحُكْمُ الْوِكَالَةِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّ مَنْشَأَهُ الْغَفْلَةُ عَنْ فَائِدَةِ قَوْلِهِ مَا دَامَ وَكِيلًا فِي قَوْلِهِ إنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ وَكِيلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ ثَابِتًا عَلَى وِكَالَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا أُمِرَ بِهِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَغْرِيرُ الْآمِرِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا، وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ أَنَّ الْوِكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَحُكْمُهَا جَوَازُ أَنْ يُبَاشِرَ الْوَكِيلُ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ وَأَنْ لَا يُبَاشِرَهُ بِشَرْطِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ أَوْ عَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ وَإِعْلَامِهِ الْمُوَكِّلَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي قَوْلِهِ وَالْخُصُومَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ قَبْضُ الْوَكِيلِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٌ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّهُ وَقَبَضَ الْمُوَكِّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ. أَقُولُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَبْضَ الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ قَطْعًا بِمُقْتَضَى مُقَدِّمَتِهِ الْقَائِلَةِ: وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْمُوَكِّلُ الْخُصُومَةَ إلَى الْوَكِيلِ وَالْتَزَمَ الْوَكِيلُ إقَامَتَهَا دَخَلَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مَا لَا تَتِمُّ الْخُصُومَةُ إلَّا بِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ فَمَلَكَهُ الْوَكِيلُ قَطْعًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ مَا دَامَ عَلَى وِكَالَتِهِ (وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ) وَمَشَايِخُ بَلْخٍ أَفْتَوْا بِقَوْلِ زُفَرَ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْقَبْضِ غَيْرُ ثَابِتٍ نَصًّا وَلَا دَلَالَةً.
أَمَّا نَصًّا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا دَلَالَةً فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُوَكِّلُ غَيْرَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالتَّقَاضِي وَلَا يَرْضَى بِأَمَانَتِهِ وَقَبْضِهِ، وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَنَظِيرُهُ) أَيْ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ (الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي) فَإِنَّهُ (يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا) أَيْ لِأَنَّ التَّقَاضِيَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْأَسَاسِ تَقَاضَيْته دَيْنِي وَبِدَيْنِي، وَاقْتَضَيْته دَيْنِي وَاقْتَضَيْت مِنْهُ حَقِّي: أَيْ أَخَذْته. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَقَاضَاهُ الدَّيْنَ قَبَضَهُ مِنْهُ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ
(8/107)

إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا بِقَوْلِهِ: أَيْ لِأَنَّ التَّقَاضِيَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: تَقَاضَيْته دَيْنِي وَتَقَاضَيْته بِدَيْنِي وَاسْتَقْضَيْته طَلَبْت قَضَاءَهُ، وَاقْتَضَيْت مِنْهُ حَقِّي أَخَذْته. وَقَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ عَنْهُ: قُلْت لَمْ أَدْرِ وَجْهَ النَّظَرِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ التَّقَاضِي هُوَ الْقَبْضُ بَلْ قَالَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ.
أَقُولُ: بَلْ لَا وَجْهَ لِمَا قَالَ لِأَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ هُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِمَّا فِي الْمُغْرِبِ كَوْنُ التَّقَاضِي فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى طَلَبِ الْقَضَاءِ لَا بِمَعْنَى الْقَبْضِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ التَّقَاضِي هُوَ الْقَبْضُ بَلْ قَالَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى التَّقَاضِي فِي اللُّغَةِ طَلَبَ الْقَضَاءِ لَا غَيْرُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الِاتِّحَادُ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ قَطْعًا. ثُمَّ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ: لَعَلَّ صَاحِبَ الْمُغْرِبِ فَسَّرَ التَّقَاضِي بِطَلَبِ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ لِلَّفْظِ التَّقَاضِي لِكَوْنِهِ غَالِبًا عَلَى مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ الْأَصْلِيِّ كَمَا سَتَعْرِفُهُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ عَامَّةُ ثِقَاتِ أَرْبَابِ اللُّغَةِ فِي كُتُبِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ كَوْنِ مَعْنَى التَّقَاضِي هُوَ الْأَخْذُ وَالْقَبْضُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّقَاضِي، فَفَسَّرَ الِاقْتِضَاءَ بِالْأَخْذِ عَلَى أَصْلِهِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعُرْفِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ كَمَا عَرَفْته مِمَّا نَقَلْنَاهُ فِيمَا مَرَّ آنِفًا عَنْ الْأَسَاسِ وَصَرَّحَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ حَيْثُ قَالَ: وَاقْتَضَى دَيْنَهُ وَتَقَاضَاهُ بِمَعْنًى فَتَدَبَّرْ (إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ) أَيْ بِخِلَافِ الْوَضْعِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ التَّقَاضِي الْقَبْضَ بَلْ يَفْهَمُونَ مِنْهُ الْمُطَالَبَةَ (وَهُوَ) أَيْ الْعُرْفُ (قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ) أَيْ رَاجِحٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ بَلْ يَفْهَمُونَ الْمَجَازَ، فَصَارَ الْمَجَازُ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ لِتَسَارُعِ أَفْهَامِ النَّاسِ إلَيْهِ (وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ) يَعْنِي فَتْوَى الْمَشَايِخِ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي الْقَبْضَ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ وَالْمَجَازُ مُتَعَارَفٌ وَهِيَ أَوْلَى مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَجْهٌ لِأَصْلِ الرِّوَايَةِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ أَوْ عَلَى الْعُرْفِ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ قَالُوا عَلَى الْعُرْفِ فَلَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا النَّظَرُ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ التَّقَاضِي غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ بَلْ هِيَ مَهْجُورَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ثِقَاتُ الْمَشَايِخِ كَالْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّقَاضِي فِي عُرْفِ دِيَارِنَا لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ، كَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي دِيَارِنَا، وَجُعِلَ التَّقَاضِي مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُطَالَبَةِ مَجَازًا لِأَنَّهُ سَبَبَ الِاقْتِضَاءِ وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ أَصْلٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ قَطُّ، فَلَوْ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ فِي لَفْظِ التَّقَاضِي مُسْتَعْمَلَةً لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَطْعًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشَايِخِ الْفَتْوَى عَلَى الْعُرْفِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَرْكُ أَصْلِ إمَامِهِمْ الْمُجْتَهِدِ، وَلَيْسَتْ وَظِيفَتُهُمْ إلَّا الْجَرَيَانُ عَلَى أَصْلِهِ الْكُلِّيِّ، وَإِنْ جَازَ لَهُمْ بَعْضٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ
(8/108)

قَالَ (فَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا مَعًا) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الْخُصُومَةِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوْ إبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَدَارُ فَتْوَاهُمْ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَهُمَا.
لِأَنَّا نَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ أَنْ لَا يَقَعَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ؛ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ: الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ كَانَ لِأَصْلِنَا الْمَذْكُورِ تَأْثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ فِيهَا، عَلَى أَنَّ صَاحِبَ التَّلْوِيحِ قَالَ: وَفِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ إنَّمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُمَا إذَا تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ بِعُمُومِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ الْحِنْطَةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا تَمْشِيَةَ لِأَصْلِهِمَا الْمَذْكُورِ هَاهُنَا رَأْسًا، فَلَا مَجَالَ لَأَنْ يُجْعَلَ مَدَارُ الصِّحَّةِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَفَتْوَى الْمَشَايِخِ فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالتَّقَاضِي كَانَ مُسْتَعْمَلًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي الْأَوَائِلِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، فَكَانَ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَمَّا ظَهَرَتْ الْخِيَانَةُ فِي الْوُكَلَاءِ وَجَرَى الْعُرْفُ عَلَى أَنْ جَعَلُوا التَّقَاضِيَ فِي التَّوْكِيلِ بِالتَّقَاضِي مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُطَالَبَةِ مَجَازًا وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً أَفْتَى مَشَايِخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ بِالِاتِّفَاقِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَقَامِ غُبَارٌ أَصْلًا.

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَإِنْ كَانَا) أَيْ الرَّجُلَانِ (وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا مَعًا) أَيْ لَا يَقْبِضَانِ حَقَّ الْمُوَكِّلِ إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلَ (رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا) وَحْدَهُ (وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ) أَيْ اجْتِمَاعُ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْقَبْضِ مُمْكِنٌ شَرْعًا فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ قَابِضَيْنِ بِالتَّخْلِيَةِ بِلَا مَحْذُورٍ (بِخِلَافِ الْخُصُومَةِ) فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَيْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا (عَلَى مَا مَرَّ) أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إلَى الشَّغْبِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ (قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) قَيَّدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ. وَهُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ إذَا وَقَعَ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ وَقَعَ بِالْقَبْضِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِالتَّمَلُّكِ كَانَ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، كَذَا قَالُوا وَسَيَظْهَرُ حُكْمُ هَذَا الْأَصْلِ فِي دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَنَقَلَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى عَنْ مَفْقُودِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ إجْمَاعًا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ الْقَاضِي كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ دُيُونِ الْغَائِبِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ ثَمَرَةَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ (حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكَّلِ) أَيْ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ (أَوْ إبْرَائِهِ) أَيْ أَوْ عَلَى إبْرَاءِ الْمُوَكِّلِ الْمَدْيُونَ عَنْ الدَّيْنِ (تُقْبَلُ عِنْدَهُ) أَيْ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا جَحَدَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الدَّيْنِ هَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا تُقْبَلُ (وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا) أَيْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَكُونُ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ خَصْمًا (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُمَا
(8/109)

رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ الْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ يَهْتَدِي فِي الْخُصُومَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالْقَبْضِ رِضًا بِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، إذْ قَبْضُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ الْخُصُومَةِ) فَلَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِالْقَبْضِ تَوْكِيلًا بِالْخُصُومَةِ (وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ يَهْتَدِي فِي الْخُصُومَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالْقَبْضِ رِضًا بِهَا) أَيْ بِالْخُصُومَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ) أَيْ وَكَّلَ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِتَمَلُّكِ الْمَقْبُوضِ بِمُقَابِلَةِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ قِصَاصًا (لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا) لَا بِأَعْيَانِهَا (إذْ قَبَضَ الدَّيْنَ نَفْسَهُ) أَيْ قَبَضَ نَفْسَ الدَّيْنِ (لَا يُتَصَوَّرُ) لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ (إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا: يَعْنِي أَنَّ الدُّيُونَ وَإِنْ كَانَتْ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، إلَّا أَنَّ قَبْضَ الْمِثْلِ جُعِلَ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّ الدَّائِنِ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا يُجْبَرُ الْمَدْيُونُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَوْ كَانَ تَمَلُّكًا مَحْضًا لَمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا ظَفَرَ الدَّائِنُ بِجِنْسِ حَقِّهِ حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ.
هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَقَالَ فِي شَرْحِهِ: لَكِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ قَبْضَهُ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ قَضَاءُ دُيُونٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهَا، وَالتَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ تَوْكِيلًا بِالتَّمَلُّكِ كَانَ تَوْكِيلًا بِالِاسْتِقْرَاضِ، إذْ التَّوْكِيلُ بِقَبْضِ مِثْلِ مَالِ الْمُوَكِّلِ لَا عَيْنِ مَالِهِ ثُمَّ يَتَقَاصَّانِ، وَالتَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَجْعَلَ قَبْضَهُ اسْتِيفَاءً لِعَيْنِ حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ لِجَوَازِ تَصْحِيحِ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَجْعَلُهُ رِسَالَةً بِالِاسْتِقْرَاضِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالرِّسَالَةُ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزَةٌ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ، لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ تَوْكِيلٌ بِالِاسْتِقْرَاضِ مَعْنًى، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَمَا قَبَضَهُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَهُ عَلَى الْغَرِيمِ مِثْلُهُ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ رِسَالَةٌ بِالِاسْتِقْرَاضِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَ بِتَوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ إضَافَةِ الْقَبْضِ إلَى مُوَكِّلِهِ بِأَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا وَكَّلَنِي بِقَبْضِ مَالِهِ عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ كَمَا لَا بُدَّ لِلرَّسُولِ فِي الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ إضَافَةِ الْمُرْسِلِ بِأَنْ يَقُولَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْك يَقُولُ لَك أَقْرِضْنِي كَذَا، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ فَإِنَّهُ يُضِيفُ إلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ أَقْرَضَنِي فَصَحَّ مَا ادَّعَيْنَاهُ أَنَّهُ رِسَالَةٌ مَعْنًى، وَالرِّسَالَةُ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزَةٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ الْمَزْبُورَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ، وَالْجَوَابُ غَيْرُ مُخَلِّصٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رَسُولًا لَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ رَسُولٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَكُونَ خَصْمًا، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَسُولٌ
(8/110)

فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَالْقِسْمَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ هُنَالِكَ. وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالِاسْتِقْرَاضِ بِالنَّظَرِ إلَى قَبْضِ مِثْلِ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً وَوَكِيلٌ بِالتَّمَلُّكِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُقَاصَّةِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَوْنُهُ خَصْمًا حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا غُبَارَ عَلَى الْجَوَابِ (فَأَشْبَهَ) أَيْ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ (الْوَكِيلُ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ خَصْمًا، فَإِنَّهُ إذَا أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُوَكِّلِ الشُّفْعَةَ تُقْبَلُ (وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى أَخْذِ الشُّفْعَةِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلَ بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالرُّجُوعِ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ الْوَاهِبَ أَخَذَ الْعِوَضَ تُقْبَلُ (وَالْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ خَصْمٌ يُطَالِبُ بِحُقُوقِ الْعَقْدِ وَلَا يَرَى لِفَصْلِهِ عَمَّا قَبْلَهُ بِإِعَادَةِ لَفْظِ الْوَكِيلِ كَثِيرَ فَائِدَةٍ (وَالْقِسْمَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الشِّرَاءِ: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلُ بِالْقِسْمَةِ.
فَإِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يُقَاسِمَ مَعَ شَرِيكِهِ وَأَقَامَ الشَّرِيكُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ نَصِيبَهُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ (وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الشِّرَاءِ أَيْضًا: أَيْ فَأَشْبَهَ أَيْضًا الْوَكِيلُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ رَضِيَ بِالْعَيْبِ تُقْبَلُ (وَهَذِهِ) أَيْ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَذَا: أَيْ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدِّينِ (أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) أَيْ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، كَذَا صَرَّحُوا بِهِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شُرَّاحَ الْهِدَايَةِ قَدْ افْتَرَقُوا فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا وَتَبْيِينِ الْمُرَادِ بِالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ هَاهُنَا فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا، لَكِنْ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِعِبَارَتَيْنِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَهَذِهِ أَيْ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: قَالُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: أَيْ مَسْأَلَةُ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِمَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ لَا تَثْبُتُ الْوِكَالَةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ وَقَبْضِ الدَّيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنُوا تِلْكَ الثَّلَاثَ الْأُخَرَ مِنْ بَيْنِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ. ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ وَجْهَ الْأَشْبَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ (حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ حَتَّى يَكُونَ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ خَصْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ قَبْضِ الدَّيْنِ (كَمَا يَكُونُ) أَيْ كَمَا يَكُونُ الْوَكِيلُ (خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ) أَيْ قَبْلَ أَخْذِ الْعَقَارِ (هُنَالِكَ) أَيْ فِي التَّوْكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ) فَافْتَرَقَا.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ تَخْصِيصَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ، وَهَذِهِ أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ هُوَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَشْبَهَ بِمَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ لِأَنَّهَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَهَبَ إلَيْهِ فِرْقَةٌ مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ، وَاخْتَرْنَاهُ أَيْضًا فِي شَرْحِنَا هُنَالِكَ بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَلَكِنْ بَقِيَتْ شُبْهَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْوَكِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ لِمَا وُكِّلَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الْبَاقِيَةِ أَيْضًا لَا يَظْهَرُ لِتَخْصِيصِ مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالذِّكْرِ وَجَعْلِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ إيَّاهَا فَقَطْ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ خَصْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْقِسْمَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الشَّرِيكَ الْآخَرَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْوَكِيلُ
(8/111)

وَهَذَا لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوقًا وَهُوَ أَصِيلٌ فِيهَا فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا

قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضٌ، وَالْقَبْضُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ (حَتَّى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَهُ إيَّاهُ وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ فَلَمْ تُعْتَبَرْ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ فَتَقْصُرُ يَدُهُ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْبَائِعُ تُعَادُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَيْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْقِسْمَةِ مَا وُكِّلَ بِتَقْسِيمِهِ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ نَصِيبَهُ مِنْهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، لَا يَظْهَرُ لِتَخْصِيصِ أَشْبَهِيَّةِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ وَجْهٌ، إذْ يَصِيرُ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ أَيْضًا مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَتَأَمَّلْ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى مَطْلَعِ نُكْتَةِ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ (لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوقًا) كَالتَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالتَّمَلُّكِ (أَصِيلٌ فِيهَا) أَيْ فِي الْحُقُوقِ (فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا) أَيْ فِي الْحُقُوقِ: يَعْنِي كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَ الْوَكِيلَ بِتَمَلُّكِ مِثْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ مُبَادَلَةٌ، وَالْمَأْمُورُ بِالْمُبَادَلَةِ يَكُونُ أَصِيلًا فِي حُقُوقِ الْمُبَادَلَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِمَّا يَتِمُّ بِهِ دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالتَّمَلُّكِ أَصِيلٌ فِي الْحُقُوقِ اهـ.
فَعَلَيْك الِاخْتِبَارُ ثُمَّ الِاخْتِيَارُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنَّفِ هُنَا حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْمُبَادَلَةَ لَمْ تَقَعْ مِنْ الْوَكِيلِ بَلْ مِنْ مُوَكِّلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَكِيلُ أَصِيلًا فِي حُقُوقِهَا. وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْمُبَادَلَةُ فِي التَّمَلُّكِ بِأَخْذِ الدَّيْنِ.
قُلْنَا: ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدٌ فَتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمُتَوَجِّهٍ، لِأَنَّ تَعَلُّقَ بَعْضِ الْحُقُوقِ بِشَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ حَقَّ الْخُصُومَةِ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الْأَخْذِ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَذِهِ أَشْبَهَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ هُنَالِكَ. ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ مُبَادَلَةً مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الدُّيُونِ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا إلَّا أَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لِعَيْنِ الْحَقِّ مِنْ وَجْهٍ كَمَا مَرَّ، فَلِشَبَهِهِ بِالْمُبَادَلَةِ تَعَلَّقَ حَقُّ الْخُصُومَةِ بِالْوَكِيلِ، وَلِشَبَهِهِ بِأَخْذِ عَيْنِ الْحَقِّ جَازَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ وُقُوعِ التَّمَلُّكِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِالْمُبَادَلَةِ وَجَبَ أَنْ تَلْحَقَهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ لِأَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ مُبَادَلَةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ اسْتِيفَاءُ عَيْنِ الْحَقِّ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الدُّيُونِ مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ، فَلِشَبَهِهِ بِالْمُبَادَلَةِ جَعَلْنَاهُ خَصْمًا، وَلِشَبَهِهِ بِأَخْذِ الْعَيْنِ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِي الْمَقْبُوضِ عَمَلًا بِهَا اهـ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ بِالِاتِّفَاقِ) أَيْ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا فِي قَبْضِ الدَّيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ (أَمِينٌ مَحْضٌ) حَيْثُ لَا مُبَادَلَةَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ يَقْبِض عَيْنِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ (وَالْقَبْضُ) أَيْ قَبْضُ الْعَيْنِ (لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولُ، حَتَّى إنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ (فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) أَيْ فَأَقَامَ ذُو الْيَدِ (الْبَيِّنَةَ) عَلَى (أَنَّ الْمُوَكِّلِ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ الْعَبْدَ (إيَّاهُ) أَيْ ذَا الْيَدِ (وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) أَيْ الْمُوَكِّلُ (وَهَذَا) أَيْ وُقُوفُ الْأَمْرِ (اسْتِحْسَانٌ) أَيْ مُقْتَضَى الِاسْتِحْسَانِ (وَالْقِيَاسُ) أَيْ مُقْتَضَاهُ (أَنْ يَدْفَعَ) أَيْ الْعَبْدَ (إلَى الْوَكِيلِ) وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ (فَلَمْ تُعْتَبَرْ) أَيْ الْبَيِّنَةُ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ نَفْسِهِ عَنْ الْعَبْدِ (لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ فَتَقْصُرُ يَدُهُ) أَيْ يَدُ الْوَكِيلِ: يَعْنِي يَصِيرُ أَثَرُ الْبَيِّنَةِ مُجَرَّدَ قَصْرِ يَدِهِ لَا إثْبَاتَ الْبَيْعِ (وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْبَيْعُ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ (تُعَادُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبَيْعِ) يَعْنِي لَوْ حَضَرَ
(8/112)

فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ كَذَا هَذَا

. قَالَ (وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) وَمَعْنَاهُ إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ عَلَى الْعَتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ اسْتِحْسَانًا دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.

قَالَ (وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْمُوَكِّلُ لَا بُدَّ لِذِي الْيَدِ مِنْ إعَادَةِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْبَيْعِ فِي مَحْضَرِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْبَيِّنَةِ السَّابِقَةِ فِي إثْبَاتِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ كَوْنِ الْوَكِيلِ خَصْمًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ (فَصَارَ) هَذَا (كَمَا إذَا أَقَامَ) أَيْ ذُو الْيَدِ (الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ) أَيْ عَزَلَ الْوَكِيلَ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ) أَيْ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ هُنَاكَ (فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ (كَذَا هَذَا) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ

(قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالِارْتِهَانِ، فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ الِارْتِهَانَ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ لَا فِي ثُبُوتِ الِارْتِهَانِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ (إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ) أَيْ وَإِذَا أَقَامَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَيِّنَةَ (عَلَى الْعَتَاقِ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِقَامَةِ: أَيْ وَإِذَا أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ إلَى الْمُوَكِّلِ يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْوَكِيلُ بِنَقْلِ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا الْمُوَكِّلِ نَقَلَهَا إلَيْهِ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ نَقْلَهُمَا إلَى مَوْلَاهُمَا الْمُوَكِّلِ قَبَضَهُمَا وَنَقَلَهُمَا إلَيْهِ، فَأَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهَا عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَأَقَامَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ بِنَقْلِهِمَا عَلَى أَنَّ مَوْلَاهُمَا أَعْتَقَهُمَا (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ) أَيْ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهُمْ (حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ) أَيْ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ (اسْتِحْسَانًا) أَيْ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا قِيَاسًا فَلَا تُقْبَلُ لِقِيَامِهَا لِأَعْلَى خَصْمٍ (دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ لَا قِيَاسًا وَلَا اسْتِحْسَانًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ خَصْمًا فِي قَصْرِ يَدِهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ قَصْرِ يَدِهِ الْقَضَاءُ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ فَتُقْبَلُ فِي الْقَصْرِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَعَلَى قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ. فَفِي حَقِّ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْمُوَكِّلِ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ، وَفِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ فَتُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِهِ لَا فِي حَقِّ إزَالَةِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي) مُتَعَلِّقٌ بِأَقَرَّ أَيْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي (جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ) أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَكِّلَ لِيَتَنَاوَلَ اسْمُ الْمُوَكِّلِ لِلْمُدَّعِي
(8/113)

وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوِكَالَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوَّلًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوَكِّلُهُ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ، سِوَى أَنَّ مَعْنَى الْإِقْرَارِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُوَكِّلِ، فَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعِي هُوَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ وَإِقْرَارُ وَكِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَخُلَاصَةُ هَذَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُوَكِّلُهُ الْمُدَّعِيَ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ الْمُدَّعِي فَأَقَرَّ بِالْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، أَوْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) أَيْ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا) وَقَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ جَازَ وَبِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ فَتَأَمَّلْ (إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوِكَالَةِ) فَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ. وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَبْطُلُ الْوِكَالَةُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ)
أَيْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَهُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ مُقْتَضَاهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ) أَيْ الْخُصُومَةُ (مُنَازَعَةٌ) وَمُشَاجَرَةٌ (وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ) أَيْ يُضَادُّ الْخُصُومَةَ الَّتِي هِيَ مُنَازَعَةٌ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ مَا أَمَرَ بِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ (مُسَالَمَةٌ) وَمُسَاعَدَةٌ (وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ، وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ عَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ضِدَّ ذَلِكَ الشَّيْءِ (لَا يَمْلِكُ) أَيْ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ) وَكَذَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا يُضَادُّ الْخُصُومَةَ (وَيَصِحُّ) أَيْ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ) بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزٍ الْإِقْرَارُ، أَوْ بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُقِرَّ عَلَيَّ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ، فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ هُوَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَوْ كَانَ مَجَازًا لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ
(8/114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْخُصُومَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لَيْسَ بِمَجَازٍ لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ أَوْ الْإِنْكَارُ لَا كِلَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَابِ إمَّا الْإِقْرَارُ وَحْدَهُ أَوْ الْإِنْكَارُ وَحْدَهُ لَا مَا يَعُمُّهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، فَلَا نُسَلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَا يَعُمُّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا وَمَشْرُوحًا سِيَّمَا مِنْ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ لَا مَجْمُوعِهِمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، إذْ لَا يَصِحُّ جَمْعُ الْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ مَعًا فِي جَوَابِ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ ثُمَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْجَوَابِ يَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، إذْ اللَّازِمُ فِيهِمَا حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجُزْئِيِّ مِنْ الْكُلِّيِّ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِنْكَارِ لَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا، إذْ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا. ثُمَّ أَقُولُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا فِي كَلَامِ غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْمَحَلِّ: وَكَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، لِأَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْإِقْرَارَ، فَلَوْ تَنَاوَلَهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ. وَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ اهـ. فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَنَّهَا أَمْرٌ جُزْئِيٌّ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ أَصْلًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ فَهُوَ لَا يُنَافِي تَعَدُّدَهَا مِنْ حَيْثُ الْأَفْرَادُ وَصِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا مِنْهَا عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمُقَامِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ انْتَهَى. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ الْمَقَامِ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ، وَكَمَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ انْتَهَى. أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا لِأَنَّ عَدَمَ التَّنَاوُلِ إنَّمَا يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ شَرْعًا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ. نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِمَّنْ يَقُولُ بِجَوَازِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَا يَقُولُ بِكَوْنِ الْإِقْرَارِ مِنْ حُقُوقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، بَلْ يَقُولُ بِكَوْنِهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ حُجَّةً عَلَيْهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ الْكَاكِيَّ وَالشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ جَعَلَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَيَصِحُّ إذَا اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَيْ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَقَرَّرَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ بِمَا لَا حَاصِلَ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ النَّاظِرِ فِي كَلَامِهِمَا. وَلَمَّا رَأَيْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ إطْنَابًا مُمِلًّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ، عَلَى أَنَّ مَآلَ مَا ذَكَرَهُ
(8/115)

وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابٍ هُوَ خُصُومَةٌ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْكَاكِيُّ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ، وَمَآلُ مَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي تَقْرِيرِهِ مَا ذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ عَرَفْت حَالَهُمَا (وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابٍ هُوَ خُصُومَةٌ) يَعْنِي الْإِنْكَارَ (إذْ الْعَادَةُ) فِي التَّوْكِيلِ (جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا) أَيْ فِي الْخُصُومَةِ (الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى) وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الْهِدَايَةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ، لَيْسَ إيرَادُهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ: يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ اهـ.
وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ النَّقْلِ عَنْ النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَكَانَ هَذَا سَهْوَ الْقَلَمِ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَظَنِّي أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ فَكَذَا فِيمَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّتِيجَةِ: يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَكِيلُ الصُّلْحَ وَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمُوَكِّلِ الْإِقْرَارَ أَنْتَجَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ لَا بِجَوَابِ هُوَ مُسَالَمَةٌ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَلِأَجْلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ يَخْتَارُ فِي التَّوْكِيلِ بِخُصُومَةٍ الْأَهْدَى فِي الْخُصُومَةِ فَالْأَهْدَى، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ، وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ، وَقَدْ تَحَيَّرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا لِلِاسْتِشْهَادِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبِيلِ سَهْوِ الْقَلَمِ عَمَّا ظُنَّ أَنَّهُ مُرَادٌ بِذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ذَلِكَ الْإِمَامُ الَّذِي لَنْ تَسْمَحَ بِمِثْلِهِ الْأَدْوَارُ مَا دَارَ الْفَلَكُ الدُّوَّارُ، فَإِنَّ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ وَمَا ظَنَّهُ مُرَادًا بِذَلِكَ بَوْنًا بَعِيدًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ الْحَمْلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَهْوًا عَنْ الْآخَرِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ. قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ. قُلْنَا: إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ بِتَصْحِيحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا كَمَا هُوَ مُرَادُهُ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا لَا يَتَقَيَّدُ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا أَيْضًا بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ.
قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ جَمِيعًا، بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْخُصُومَةِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ زُفَرُ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ مُضَادَّةٌ. قُلْنَا: لِزُفَرَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَنَّ الْأَمْرَ يَنْصَرِفُ إلَى جَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ، إذْ الْعَادَةُ فِي التَّوْكِيلِ جَرَتْ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى، وَالْوِكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَصَرَّحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّفَاقَ جَوَابِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ دَلِيلِهِمَا.
قَوْلُهُ وَلِهَذَا صَرَّحَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ. قُلْنَا: لَا يَدُلُّ مَا صَرَّحَ بِهِ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ
(8/116)

وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَكِيلَ صَحِيحٌ قَطْعًا وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا وَذَلِكَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ فَأَقَرَّ يَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يَتِمُّ مَطْلُوبُهُ. وَأَمَّا صِحَّةُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَمِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ فَانْدَفَعَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَاهُنَا بِحَذَافِيرِهِ. ثُمَّ أَقُولُ: الْإِنْصَافُ أَنَّ كَوْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ خِلَافِيَّةٌ غَيْرُ مُورَدَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ كَمَا اخْتَارَهُ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْمُصَنِّفِ إذْ هُوَ بِصَدَدِ بَيَانِ أَدِلَّةِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، فَمَا الضَّرُورَةُ فِي شُرُوعِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى أَثْنَاءَ ذِكْرِ أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا؟ فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذُكِرَتْ هَاهُنَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ: يَعْنِي لَوْ وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ الْمُطْلَقِ صَرِيحًا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ بَلْ يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى. فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقُ الْجَوَابِ مَجَازًا.
نَعَمْ مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا أَيْضًا عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا إلْزَامُ الْخَصْمِ. إلَّا أَنَّ ذِكْرَهَا هَاهُنَا مِنْ قَبِيلِ رَدِّ الْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ، فَيَصِيرُ اسْتِشْهَادًا تَحْقِيقِيًّا عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلْزَامِيًّا. وَنَظِيرُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَتَدَبَّرْ. (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْكِيلَ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَعْهُودَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ (صَحِيحٌ قَطْعًا) أَيْ صَحِيحٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا) أَيْ صِحَّةُ هَذَا التَّوْكِيلِ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ قَطْعًا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ تَصَرُّفٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ شِرَائِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ ضِمْنًا وَحُكْمًا لِتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا قَصْدًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ اللُّوَّمُ وَالْإِثْمُ فِي ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنَّ لِلْمُسْلِمِ وِلَايَةً فِي جِنْسِ التَّصَرُّفِ لِكَوْنِهِ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا تَصَرَّفَ بِوِلَايَتِهِ. لَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي جَوَابِهِ الثَّانِي بَحْثٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْضَ اللَّازِمَ هَاهُنَا بِصِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةٌ فِي كُلِّ الْأَفْرَادِ فَجَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ بَيْعُ الْخَمْرِ وَشِرَاؤُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عِنْدَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ التَّوْكِيلِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنْ اخْتَلَجَ فِي ذِهْنِك صِحَّةُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ فَتَذَكَّرْ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُوَ قَوْلُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ بِصَدَدِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمِنْ شَرْطِ الْوِكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَقَعَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ، وَلَوْ وَكَّلَ بِهِ جَازَ عِنْدَهُ، وَمَنْشَأُ هَذَا التَّوَهُّمِ أَنْ جَعَلَ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِلْعَهْدِ: أَيْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُ يَمْلِكُ جِنْسَ التَّصَرُّفِ احْتِرَازًا عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَيَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَآلَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْصَ هَاهُنَا بَلْ يُؤَيِّدُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ (مُطْلَقُ الْجَوَابِ) الْمُتَنَاوِلِ لِلْإِنْكَارِ وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا (دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا) أَيْ دُونَ أَحَدِ
(8/117)

وَطَرِيقُ الْمَجَازِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُصْرَفُ إلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا؛ وَلَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَصِحُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْجَوَابَيْنِ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ حَرَامًا لِأَنَّ خَصْمَهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِنْكَارِ فَلَا يُمْلَكُ الْمُعَيَّنُ مِنْهُمَا قَطْعًا فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِ قَطْعًا بَلْ يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَحَيْثُ صَحَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَمْلُوكَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ الدَّاخِلِ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَطَرِيقُ الْمَجَازِ) أَيْ بَيْنَ الْخُصُومَةِ وَمُطْلَقِ الْجَوَابِ (مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) عَلَى مَا سَيَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَيُصْرَفُ إلَيْهِ) أَيْ فَيُصْرَفُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَى التَّوْكِيلِ بِمُطْلَقِ الْجَوَابِ (تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا) أَيْ تَحَرِّيًا لِصِحَّةِ كَلَامِ الْمُوَكِّلِ قَطْعًا، فَإِنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ يُصَانُ عَنْ الْإِلْغَاءِ.

(وَلَوْ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) جَوَابٌ عَنْ مُسْتَشْهَدِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ: يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ (لَا يَمْلِكُهُ) أَيْ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَسْتَلْزِمُ بَقَاءَ الْإِنْكَارِ عَيْنًا، وَقَدْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا، كَذَا ذُكِرَ فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ، أَوْ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ لَا لِأَنَّهُ مِنْ الْخُصُومَةِ فَيَصِيرُ ثَابِتًا بِالْوِكَالَةِ حُكْمًا لَهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ أَوْ لَا يُسْلِمَ الْمَبِيعَ، فَإِنَّ ذَاكَ الِاسْتِثْنَاءَ بَاطِلٌ كَذَا هَذَا، كَذَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ) يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ
(8/118)

لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ زِيَادَةَ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إيَّاهُ؛ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَوْلَى. وَعَنْهُ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ فِي الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ يَصِحُّ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ (لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ) أَيْ لِتَنْصِيصِ الْمُوَكِّلِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (زِيَادَةُ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إيَّاهُ) أَيْ عَلَى تَمَلُّكِهِ الْإِنْكَارَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْإِنْكَارُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ مُحِقًّا، فَإِذَا نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّ خَصْمَهُ مُبْطِلٌ حَمْلًا لِأَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ فَتَعَيَّنَ الْإِنْكَارُ (وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ) أَيْ عِنْدَ إطْلَاقِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ (يُحْمَلُ عَلَى الْأَوْلَى) أَيْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى بِحَالِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ مُحَمَّدٍ (أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ) أَيْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَصَحَّحَ اسْتِثْنَاءَهُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الطَّالِبُ (وَلَمْ يُصَحِّحْهُ فِي الثَّانِي) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (لِكَوْنِهِ) أَيْ لِكَوْنِ الْمَطْلُوبِ (مَجْبُورًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِقْرَارِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ.
وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ: أَوْ يُقَالُ لِكَوْنِ الْمَطْلُوبِ شَخْصًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْخُصُومَةِ (وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ) أَيْ فِي أَصْلِ الْخُصُومَةِ فَلَهُ تَرْكُ أَحَدِ وَجْهَيْهَا، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. وَذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ مِنْ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعِي صَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ أَدَّى الِاسْتِثْنَاءُ فَائِدَتَهُ فِي حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَثْبُتُ مَا ادَّعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَضْطَرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْإِقْرَارِ بِعَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ، إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَجْرِي فِي الْأَيْمَانِ فَلَا يُفِيدُ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ فَائِدَتَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ مُجْمَلًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُدَّعِي قَدْ يَعْجِزُ عَنْ إثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ لَا يَضْطَرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْإِقْرَارِ بِعَرْضِ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مُحِقًّا فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُفِيدًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مَجْبُورٌ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَهُوَ مُبْطِلٌ فَكَانَ مَجْبُورًا فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ مُقَيَّدًا فِيهِ، بِخِلَافِ الطَّالِبِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ حَالٍ فَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ مُفِيدًا إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ احْتِمَالًا مَحْضًا مَوْقُوفًا عَلَى كَوْنِهِ مُبْطِلًا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِي اسْتِثْنَائِهِ الْإِقْرَارَ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا احْتِمَالًا مَحْضًا، فَبِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَجُوزُ إسَاءَةُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَإِلْغَاءُ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَعَ وُجُوبِ حَمْلِ أَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ وَصِيَانَةِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ؟ أَقُولُ: بَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّالِبَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ لِأَنَّ إقْرَارَ الطَّالِبِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعٍ، إذَا الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارُ مُتَبَايِنَانِ.
بَلْ مُتَضَادَّانِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ خَصْمِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّالِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ أَنَّ
(8/119)

فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَإِقْرَارُهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَا إقْرَارُ نَائِبِهِ. وَهُمَا يَقُولَانِ: إنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابَ يُسَمَّى خُصُومَةً حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا، إمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُصُومَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الطَّالِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَالِبٌ: أَيْ مُدَّعٍ يَصِحُّ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَى الْإِقْرَارِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مُخَيَّرٌ، بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَطْلُوبٌ: أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَيْهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّالِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَالِبٌ لَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ قَطُّ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ هُنَاكَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ صِحَّتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ مِنْ صُورَةِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صُلْحُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ دَاعٍ إلَى الصُّلْحِ أَوْ إلَى الْإِبْرَاءِ فَلَمْ يُوجَدْ مُجَوِّزُ الْمَجَازِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إفْضَاءَهَا إلَى الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ مِنْ إفْضَائِهَا إلَى الْإِقْرَارِ فَهُوَ مِثْلُهُ لَا مَحَالَةَ، وَأَيْضًا الْخُصُومَةُ وَالصُّلْحُ مُتَقَابِلَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ الِاسْتِعَارَةُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ إمَّا بِلَا أَوْ بِنَعَمْ، وَالصُّلْحُ عَقْدٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إلَى عِبَارَةٍ أُخْرَى خِلَافُ مَا وُضِعَ جَوَابًا، وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فَنَظَرُهُ الْأَوَّلُ سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إفْضَاءَ الْخُصُومَةِ إلَى الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ أَشَدُّ مِنْ إفْضَائِهَا إلَى الْإِقْرَارِ أَوْ مِثْلِ إفْضَائِهَا إلَيْهِ، كَيْفَ وَالْخَصْمُ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى الْإِقْرَارِ عِنْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُضْطَرُّ إلَيْهِمَا أَصْلًا بَلْ هُوَ مُخْتَارٌ فِيهِمَا مُطْلَقًا، عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ بِاخْتِيَارِ الْخَصْمِ فَقَطْ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ اخْتِيَارِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَعًا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ أَشَارَ الْمُجِيبُ وَهُوَ الشَّارِحُ الْأَتْقَانِيُّ فِي تَقْرِيرِ جَوَابِهِ حَيْثُ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الصُّلْحِ فَنَقُولُ: إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صُلْحُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ دَاعٍ إلَى الصُّلْحِ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ ابْتِدَاءً يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا اهـ (فَبَعْدَ ذَلِكَ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَأْخَذِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ: أَيْ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ أَوْ بَعْدَمَا ثَبَتَ جَوَازُ إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ (يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ) فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (إنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ) فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَمْلِكَ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لَهُ (وَإِقْرَارُهُ) أَيْ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ (لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ مَا لَا يَكُونُ مُوجِبًا إلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَالنُّكُولِ (فَكَذَا إقْرَارُ نَائِبِهِ) أَيْ هُوَ أَيْضًا لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ (وَهُمَا) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (يَقُولَانِ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ (أَنَّ التَّوْكِيلَ) أَيْ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ (يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةً حَقِيقَةً) وَهُوَ الْإِنْكَارُ (أَوْ مَجَازًا) وَهُوَ الْإِقْرَارُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مُطْلَقِ الْجَوَابِ، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ مَجَازٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْخُصُومَةُ وَالْمَجَازَ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا إلَّا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِخُصُومَةٍ لَا حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مَجَازًا إذْ الْإِقْرَارُ إنَّمَا يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوَابٌ، وَلَا جَوَابَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلَا إقْرَارَ يَكُونُ خُصُومَةً مَجَازًا فِي غَيْرِهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْجَوَابُ الْمُوَكَّلِ بِهِ.
، ثُمَّ إنَّ طَرِيقَ كَوْنِ الْإِقْرَارِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوَابُ خُصُومَةٍ مَجَازًا كَمَا وَعَدَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَهُ فِيمَا مَرَّ مَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ (وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا إمَّا لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ (خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُصُومَةِ) جَوَابًا عَنْهَا فَسُمِّيَ بِاسْمِهَا كَمَا سُمِّيَ جَزَاءُ الْعُدْوَانِ عُدْوَانًا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَكَمَا سُمِّيَ جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً فِي قَوْله تَعَالَى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ
(8/120)

أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
وَالْأَسْرَارِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَكَانَ مُجَوِّزُهُ التَّضَادَّ وَهُوَ مُجَوِّزٌ لُغَوِيٌّ لِمَا قَرَّرْنَا فِي التَّقْرِيرِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُجَوِّزًا شَرْعِيًّا. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُجَوِّزَهُ الْمُشَاكَلَةُ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْمُشَاكَلَةِ وَيُتْقِنُ النَّظَرَ فِي مَبَاحِثِهَا أَنَّ الْمُشَاكَلَةَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنَّمَا غَرَّهُ تَمْثِيلُهُمْ مَا نَحْنُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَلَكِنَّ جَوَازَ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا فِي ذَيْنِك الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، تَأَمَّلْ تَقِفْ (أَوْ لِأَنَّهُ) أَيْ الْخُصُومَةُ عَلَى تَأْوِيلِ التَّخَاصُمِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَوْ لِأَنَّهَا (سَبَبٌ لَهُ) أَيْ لِإِقْرَارٍ، وَقَدْ سُمِّيَ الْمُسَبَّبُ بِاسْمِ السَّبَبِ كَمَا يُقَالُ صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، وَكَمَا يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فَكَانَ الْمُجَوِّزُ السَّبَبِيَّةَ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَهُوَ مُجَوِّزٌ شَرْعِيٌّ نَظِيرُ الِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ فِي اللُّغَوِيِّ كَمَا عُرِفَ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ) أَيْ إتْيَانُ الْخَصْمِ (بِالْمُسْتَحَقِّ) فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ سَبَبًا لَهُ حَيْثُ أَفْضَى إلَيْهِ ظَاهِرًا، كَذَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَاخْتَارَهُ الْعَيْنِيُّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.
وَقِيلَ هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا بِمُلَاحَظَةِ الْقَصْرِ فِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ: يَعْنِي لَا الْإِقْرَارُ فِي غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ اهـ. وَيُشْعِرُ بِهِ تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا اخْتِصَاصُهُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ إلَخْ فَتَفَكَّرْ (وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَحَقُّ (الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) لَا غَيْرُ (فَيَخْتَصُّ بِهِ) أَيْ فَيَخْتَصُّ جَوَابُ الْخُصُومَةِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ بَدَلٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَانَ أَوْ فِي تَأْدِيَةٍ لِلْمَقْصُودِ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّمَا لَمْ يَقُلْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إلَخْ لِتَطَرُّقِ الْمَنْعِ عَلَى دَعْوَى الْوُجُوبِ، وَسَنَدُهُ مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ بَيَّنَ حُكْمَهَا انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى زَعْمِ أَنَّ ضَمِيرَ " عَلَيْهِ " وَ " إتْيَانُهُ " فِي قَوْلِهِ " لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ " رَاجِعٌ إلَى الْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَكِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْخَصْمِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ حَقِيقَةً، وَإِنْ عُدَّ الْوَكِيلُ أَيْضًا خَصْمًا لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فَالْوُجُوبُ هَاهُنَا يَصِيرُ حُكْمُ الْخُصُومَةِ لَا حُكْمُ الْوِكَالَةِ، وَوُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ بِمَا لَا يَقْبَلُ الْمَنْعَ قَطْعًا، وَمَا مَرَّ مِنْ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ وَهُوَ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْوِكَالَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا حُكْمُ الْخُصُومَةِ فَلَا يَكَادُ يَصْلُحُ سَنَدًا لِمَنْعِ ذَلِكَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ مَا بَاشَرَهُ
(8/121)

لَكِنْ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الْوِكَالَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا وَصَارَ كَالْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
بِالْوِكَالَةِ كَمَا قَالُوا كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَحُقُوقُهُ تَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ مَعَ إطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْوِكَالَةِ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ.
فَالتَّوْفِيقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْوُجُوبَ حُكْمُ مَا بَاشَرَهُ، وَالْجَوَازُ حُكْمُ أَصْلِ الْوِكَالَةِ فَلَا تَغْفُلْ (لَكِنْ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ) أَيْ عَلَى إقْرَارِ الْوَكِيلِ (فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الْوِكَالَةِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ جَوَابًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْوِكَالَةِ، وَمَعْنَاهُ لَكِنْ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي خَرَجَ مِنْ الْوِكَالَةِ (حَتَّى لَا يُؤْمَرَ) أَيْ لَا يُؤْمَرَ الْخَصْمُ (بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا) فِي كَلَامِهِ حَيْثُ كَذَّبَ نَفْسَهُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالْمُنَاقِضُ لَا دَعْوَى لَهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى وَكِيلًا بِمُطْلَقِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُنَاقِضًا فِي كَلَامِهِ، فَلَوْ بَقِيَ وَكِيلًا بَقِيَ وَكِيلًا بِجَوَابٍ مُقَيَّدٍ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَمَا وَكَّلَهُ بِجَوَابٍ مُقَيَّدٍ وَإِنَّمَا وَكَّلَهُ بِالْجَوَابِ مُطْلَقًا انْتَهَى (وَصَارَ) أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ الْمُقِرُّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ (كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ إذَا أَقَرَّ) أَيْ أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) فَإِنَّهُ (لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) ، بَيَانُ أَنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ إذَا ادَّعَى شَيْئًا لِلصَّغِيرِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ ثُمَّ جَاءَ يَدَّعِي الْمَالَ فَإِنَّ إقْرَارَهُمَا لَا يَصِحُّ (وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا) لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْوِصَايَةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْمَالِ بِسَبَبِ إقْرَارِهِمَا بِمَا قَالَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، كَذَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ، وَالْأَحْسَنُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ إذَا أَقَرَّا عَلَى الْيَتِيمِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِمَا لِزَعْمِهِمَا بُطْلَانَ حَقِّ الْآخِذِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّغِيرِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ أَيْضًا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. الثَّانِي أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ، لِأَنَّ بِاسْتِثْنَاءِ الْإِقْرَارِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَكِيلَ مَا يَتَنَاوَلُ نَفْسَ الْجَوَابِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ جَوَابًا مُقَيَّدًا بِالْإِنْكَارِ، هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْأَصْلِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ وِكَالَةِ الْأَصْلِ، وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْ الطَّالِبِ يَصِحُّ وَمِنْ الْمَطْلُوبِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. الثَّالِثِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِنْكَارِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ.
الرَّابِعِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ جَائِزَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ وَالْإِقْرَارِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ صَحَّ إقْرَارُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِقْرَارِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، وَلَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ مُقِرًّا بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ عِنْدَنَا، ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ بِالصُّلْحِ. الْخَامِسِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَلَا رِوَايَةَ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ: بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَصِحُّ هَذَا التَّوْكِيلُ أَصْلًا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلٌ بِجَوَابِ الْخُصُومَةِ، وَجَوَابُ الْخُصُومَةِ إقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ، فَإِذَا اسْتَثْنَى كِلَاهُمَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ شَيْئًا.
وَحَكَى عَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ صَاعِدٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ
(8/122)

قَالَ (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِقَبْضِهِ عَنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ أَبَدًا) لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
قَالَ: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَصِيرُ الْوَكِيلُ وَكِيلًا بِالسُّكُوتِ مَتَى حَضَرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ حَتَّى يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ مَا هُوَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَحْصُلُ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الذَّخِيرَةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ جُعِلَ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ مَجَازًا بِالِاجْتِهَادِ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ فَيُورِثُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ

. (قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الْمَالِ (عَنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ) أَيْ لَمْ يَكُنْ الْكَفِيلُ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْغَرِيمِ (أَبَدًا) أَيْ لَا بَعْدَ بَرَاءَةِ الْكَفِيلِ وَلَا قَبْلَهَا، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَهْلِكْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، أَمَّا بَعْدَ الْبَرَاءَةِ فَلِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَصِحَّ حَالَ التَّوْكِيلِ لِمَا سَيَذْكُرُ لَمْ تَنْقَلِبْ صَحِيحَةً كَمَنْ كَفَلَ لِغَائِبٍ فَأَجَازَهَا بَعْدَمَا بَلَغَتْهُ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ الْقَبُولِ فَلَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً، وَأَمَّا قَبْلَ الْبَرَاءَةِ فَلِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْكَفِيلُ لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ (وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا) أَيْ وَلَوْ صَحَّحْنَا الْوِكَالَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (صَارَ) أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ (عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ) لِأَنَّ قَبْضَهُ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُوَكِّلِ وَبِقَبْضِهِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْكَفِيلِ فَكَذَا بِقَبْضِ وَكِيلِهِ (فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ) أَيْ رُكْنُ الْوِكَالَةِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِلْغَيْرِ فَانْعَدَمَ عَقْدُ الْوِكَالَةِ لِانْعِدَامِ رُكْنِهِ وَصَارَ
(8/123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
هَذَا كَالْمُحْتَالِ إذَا وَكَّلَ الْمُحِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا لِمَا قُلْنَا. فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذَا بِرَبِّ الدَّيْنِ إذَا وُكِّلَ الْمَدْيُونُ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ سَاعِيًا فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ.
قُلْنَا: ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَدْيُونَ لَا يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ الطَّالِبِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ فَكَانَ لِلْمَنْعِ فِيهِ مَجَالٌ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا نَقْضًا لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي التَّوْكِيلِ لَا فِي التَّمْلِيكِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَأَكْثَرِ الشُّرُوحِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، أَمَّا فِي الْمَنْعِيِّ فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَيْفَ يَصْلُحُ لِلْمُعَارَضَةِ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ حَتَّى يَكُونَ لِلْمَنْعِ فِيهِ مَجَالٌ، وَأَمَّا فِي التَّسْلِيمِيِّ فَلِأَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ بِنَفْسِ الْإِبْرَاءِ بَلْ بِالتَّوْكِيلِ بِالْإِبْرَاءِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ كَلَامَنَا فِي التَّوْكِيلِ لَا فِي التَّمْلِيكِ عَلَى أَنَّ الْمَنْقُوضَ هَاهُنَا لَيْسَ نَفْسَ الْمَسْأَلَةِ بَلْ دَلِيلَهَا الْمَذْكُورَ فَإِنَّهُ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي صُورَةِ تَوْكِيلِ الْمَدْيُونِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ هُنَاكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُمْ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِبْرَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ تَمْلِيكٌ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ تَوْكِيلًا صُورَةً، وَكَلَامُنَا فِي التَّوْكِيلِ الْحَقِيقِيِّ لَا فِيمَا هُوَ تَوْكِيلٌ صُورَةً تَمْلِيكٌ حَقِيقَةً، وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا إنَّمَا يَجْرِي فِي التَّوْكِيلِ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَكِيلِ عَامِلًا لِغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَيَمِيلُ إلَى هَذَا التَّوْجِيهِ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الدَّائِنُ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونُ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَنْ الدَّيْنِ يَصِحُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ سَاعِيًا فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَصِحُّ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَا لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ كَمَا قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك انْتَهَى فَتَأَمَّلْ. قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ عَنْ الْكَافِي: قُلْت لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَلَا يَقْتَصِرُ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا لَمَا ارْتَدَّ بِالرَّدِّ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي سَائِرِ الشُّرُوحِ حَيْثُ قِيلَ: إنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ وَجَوَابَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ عَلَى نَهْجِ مَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي بِنَوْعِ تَغْيِيرِ عِبَارَةٍ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ الدَّائِنُ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ عَنْ الدَّيْنِ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ سَاعِيًا فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. قُلْنَا ذَلِكَ تَمْلِيكٌ وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك اهـ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلدَّيْنِ فَمَمْنُوعٌ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْإِبْرَاءِ كَمَا فِي طَلِّقِي نَفْسَك فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ، فَالتَّوْكِيلُ أَيْضًا تَمْلِيكٌ لِلتَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ بِهِ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ الدَّرْسِ السَّابِقِ أَيْضًا اهـ. أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شِقَّيْ تَرْدِيدِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِسُقُوطِ مَنْعِ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا لِلدَّيْنِ بَلْ كَانَ إسْقَاطُهُ لَهُ لَمَّا ارْتَدَّ بِالرَّدِّ، فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ يَتَلَاشَى لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشُّرَّاحُ بِقَوْلِهِمْ: الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِسُقُوطِ نَقْضِ ذَلِكَ بِالتَّوْكِيلِ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى مَا مَرَّ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ إقَامَةُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ إنَابَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَمْلِيكُ شَيْءٍ أَصْلًا. فَقَوْلُهُ فَالتَّوْكِيلُ أَيْضًا تَمْلِيكٌ لِلتَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ بِهِ كَمَا عُلِمَ فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ أَيْضًا سَاقِطٌ جِدًّا، إذْ لَمْ يُعْلَمْ قَطُّ لَا فِي الدَّرْسِ السَّابِقِ وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ التَّوْكِيلَ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، بَلْ هُمْ مُصَرِّحُونَ بِكَوْنِهِ مُقَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى سِيَّمَا فِي بَابِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ. ثُمَّ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وِكَالَةُ الْكَفِيلِ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِرَبِّ الدِّينِ قَصْدًا، وَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ كَانَ وَاقِعًا فِي ضِمْنِ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ، وَالضِّمْنِيَّاتُ قَدْ لَا تُعْتَبَرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ أَصْلٌ، إذْ الْأَصْلُ أَنْ يَقَعَ تَصَرُّفُ كُلِّ عَامِلٍ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ.
وَقِيلَ لَمَّا اسْتَوَيَا فِي جِهَةِ الْأَصَالَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ الْكَفَالَةُ بِالْوِكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ كَانَتْ طَارِئَةً عَلَى الْكَفَالَةِ فَكَانَتْ نَاسِخَةً لِلْكَفَالَةِ، كَمَا إذَا تَأَخَّرَتْ الْكَفَالَةُ عَنْ الْوِكَالَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ نَاسِخَةً لِلْوِكَالَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَحْبُوبِيَّ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا ضَمِنَ الْمَالَ لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ الضَّمَانُ وَتَبْطُلُ الْوِكَالَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَصْلُحُ نَاسِخَةً لِلْوِكَالَةِ وَمُبْطِلَةً لَهَا لَا عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ لَا بِمَا هُوَ دُونَهُ، وَالْوِكَالَةُ دُونَ
(8/124)

وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا لَا يُقْبَلُ لِكَوْنِهِ مُبَرِّئًا نَفْسَهُ فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ الْعَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ بِقَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّاهُ

. قَالَ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
الْكَفَالَةِ فِي الرُّتْبَةِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْكَفِيلُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْوِكَالَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْوِكَالَةُ نَاسِخَةً لِلْكَفَالَةِ وَإِنْ جَازَ عَكْسُهُ (وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ) أَيْ قَبُولَ قَوْلِ الْوَكِيلِ (مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ) هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوِكَالَةَ تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ قَوْلِ الْوَكِيلِ (لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا) أَيْ لَوْ صَحَّحْنَا الْوِكَالَةَ هَاهُنَا (لَا يُقْبَلُ) أَيْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ (لِكَوْنِهِ مُبَرِّئًا نَفْسَهُ) عَمَّا لَزِمَهُ بِحُكْمِ كَفَالَتِهِ فَانْتَفَى اللَّازِمُ وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِهِ (فَيَنْعَدِمُ) أَيْ التَّوْكِيلُ الَّذِي هُوَ الْمَلْزُومُ (بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ) الَّذِي هُوَ قَبُولُ قَوْلِهِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ فَيَلْزَمُ عَدَمُهُ حَالَ فَرْضِ وُجُودِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْدُومٌ (وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَوْ بُطْلَانُ الْوِكَالَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ بُطْلَانِهَا فِي عَبْدٍ مَدْيُونٍ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَنَظِيرُهُ عَبْدٌ مَدْيُونٌ (أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ) أَيْ ضَمِنَ الْمَوْلَى قَدْرَ قِيمَةِ الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا (لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ الْعَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ) أَيْ فَلَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى الطَّالِبُ وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ (بِقَبْضِ الْمَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا) أَيْ كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا (لِمَا بَيَّنَّاهُ) مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَهَاهُنَا لَمَّا كَانَ الْمَوْلَى ضَامِنًا لِقِيمَةِ الْعَبْدِ كَانَ فِي مِقْدَارِهَا عَامِلًا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يُبَرِّئُ بِهِ نَفْسَهُ فَكَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا

(قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ) أَيْ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ (فِي قَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ) أَيْ الْمَدْيُونُ (أُمِرَ) أَيْ الْغَرِيمُ (بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْغَرِيمِ إيَّاهُ (إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ) أَيْ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْمَدْيُونُ خَالِصُ مَالِ الْمَدْيُونِ، إذْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَتَقَرَّرَ، فَمَا أَدَّاهُ الْمَدْيُونُ مِثْلَ مَالِ رَبِّ الدَّيْنِ لَا عَيْنَهُ، فَكَانَ تَصْدِيقُهُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ أُمِرَ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمَقَرِّ لَهُ (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ
(8/125)

فَصَدَّقَهُ وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الْأَدَاءُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضُهُ (وَإِنْ كَانَ) ضَاعَ (فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ، وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[فتح القدير]
(فَصَدَّقَهُ) أَيْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ فِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ (دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ (الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ رَبِّ الدَّيْنِ حَقَّهُ (حَيْثُ أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ) أَيْ الْقَوْلُ فِي إنْكَارِ الْوِكَالَةِ قَوْلُ رَبِّ الدَّيْنِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ ثَابِتًا وَالْمَدْيُونُ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ سُقُوطُ الدَّيْنِ بِأَدَائِهِ إلَى الْوَكِيلِ وَرَبُّ الدَّيْنِ يُنْكِرُ الْوِكَالَةَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ (فَيَفْسُدُ الْأَدَاءُ) أَيْ يَفْسُدُ الْأَدَاءُ إلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْمَدْيُونِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ ثَانِيًا إلَى رَبِّ الدَّيْنِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ وَيَرْجِعُ الْمَدْيُونُ بِمَا دَفَعَهُ أَوَّلًا (عَلَى الْوَكِيلِ) أَيْ عَلَى مُدَّعِي الْوِكَالَةِ (إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) أَيْ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ بَاقِيًا فِي يَدِهِ (لِأَنَّ غَرَضَهُ) أَيْ غَرَضَ الْمَدْيُونِ (مِنْ الدَّفْعِ) أَيْ مِنْ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ (بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ) مِنْ الدَّيْنِ (وَلَمْ تَحْصُلْ) أَيْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ (فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضَهُ) أَيْ فَلِلْمَدْيُونِ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضَ الْوَكِيلِ (وَإِنْ كَانَ ضَاعَ) أَيْ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ ضَاعَ (فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ) أَيْ الْمَدْيُونُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَكِيلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَدْيُونَ (بِتَصْدِيقٍ) أَيْ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ (اعْتَرَفَ أَنَّهُ) أَيْ الْوَكِيلَ (مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ) وَالْمُحِقُّ فِي الْقَبْضِ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَدْيُونُ (مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ) أَيْ فِي الْأَخْذِ الثَّانِي، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ " وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ " أَنَّ " فِي قَوْلِهِ " اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ " فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَدْيُونَ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ اعْتَرَفَ أَيْضًا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ الثَّانِي (وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ) فَلَا يَأْخُذُ الْمَدْيُونُ مِنْ الْوَكِيلِ بَعْدَ الْإِهْلَاكِ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بَاقِيَةً أَيْضًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً أَمْكَنَ نَقْضُ الْقَبْضِ فَيَرْجِعُ بِنَقْضِهِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهُ مِنْ التَّسْلِيمِ، وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ فَلَمْ يُمْكِنْ نَقْضُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمُحِقَّ فِي الْقَبْضِ كَمَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً لَا يَتَيَسَّرُ نَقْضُ قَبْضِهِ أَيْضًا بِلَا رِضَاهُ فَكَيْفَ يَرْجِعُ بِنَقْضِهِ وَإِنَّ الْمَظْلُومَ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ ابْتِدَاءً كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ كَنَقْضِ الْقَبْضِ هَاهُنَا فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ. فَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فِي الْقَبْضِ عَلَى زَعْمِ الْمَدْيُونِ إلَّا أَنَّ قَبْضَهُ لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ أَصَالَةً، بَلْ كَانَ لِأَجْلِ الْإِيصَالِ إلَى مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَا قَبَضَهُ مِلْكَ نَفْسِهِ، فَإِذَا أَخَذَ الدَّائِنُ مِنْ الْمَدْيُونِ ثَانِيًا وَلَوْ كَانَ ظُلْمًا فِي زَعْمِ الْمَدْيُونِ لَمْ يَبْقَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ إيصَالِ مَا قَبَضَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لِوُصُولِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ إلَى نَفْسِهِ مِنْ الْغَرِيمِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنُ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُ الْمَدْيُونِ عَلَيْهِ ظُلْمًا لَهُ أَصْلًا لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ نَفْسِهِ بَلْ كَانَ مَقْبُوضًا لِأَجْلِ الْإِيصَالِ إلَى مُوَكِّلِهِ؛ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الْإِيصَالِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَلِلْمَدْيُونِ نَقْضُ قَبْضِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ حُصُولِ غَرَضِهِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَيْنُ مَا قَبَضَهُ هَالِكًا، فَإِنَّ مَا قَبَضَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ يَدَهُ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ عَلَى زَعْمِ الْمَدْيُونِ حَيْثُ صَدَّقَهُ فِي الْوِكَالَةِ، وَتَضْمِينُ الْأَمِينِ ظُلْمٌ لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَيَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا وَلَهُ أَلْفٌ آخَرُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَاقْتَسَمَا
(8/126)

قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي زَعْمِهِمَا، وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إلَى حَالَةِ الْقَبْضِ فَتَصِحُّ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى ادِّعَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْغَرِيمِ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَ