Advertisement

فصول البدائع في أصول الشرائع


فصول البدائع
في
أصول الشرائع
تأليف العلامة المحقق شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد
الفناري الرومي
المتوفي 834 ه
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
الجزء الثاني
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة 1971
بيروت - لبنان
(2/1)

منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية بيروت لبنان
جميع الحقوق محفوظة

جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو
مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًّا.

الطبعة الأولى
2006 م - 1427 ه
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت لبنان

الكتاب: فصول البدائع في أصول الشرائع
المؤلف: محمد بن حمزة الفناري
المحقق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: 864 (جزءان)
سنة الطباعة: 2006 م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى
(2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وأما المقصد الأول ففي الأدلة الأربعة، وفيه أربعة أركان؛
الركن الأول من الكتاب، وفيه مقدمة وعشرون فصل في أحكام عشرين قسمًا
فالمقدمة فيها مباحث:
الأول: فيما يتعلق بتعريفه، هو لغةً للكتابة ثم للمكتوب ثم غلب عرفًا للشرع على القرآن كالقرآن لكنه أشهر، وهو الكلام المنزل المعجز سورة منه (1)، فخرج غير المنزل وغير المعجز كسائر الكتب السماوية والسنة المتواترة؛ لأن المراد بالمنزل المحقق منزليته لفظًا لا ما ادعى أو ثبت منزليته معنى فقط فيخرج ثابت بالآحاد من القرآن والسنن أيضًا، وكذا المنسوخ تلاوته؛ لأن منزليته لم تتواتر، والسورة البعض المبين أوله بالتسمية وآخره بالانتهاء إليها وإلى آخر الكل توقيفًا، فسورة منه إن كان للبيان أو للتبعيض الحقيقط فلإخراج البعض؛ لأن سورة نكرة أريد بها الجنس المبهم أو واقعة من سياق النفي المستفاد من الإعجاز والذي يعجز كل سورة من السور المبهمة منه هو كل القرآن وإن كان للتبعيض المجازي أو على حذف المضاف من جنسه في البلاغة العالية فليتناول الكل والبعض وهو أقرب.
قيل: كونه للإعجاز ليس لازمًا بينًا ومعرفة السورة تتوقف على معرفته، لأنها في عرف المتشرعة البعض المذكور من القرآن وإلا فإنه للاحتراز عن نحو سور الإنجيل، فهذا التعريف ليس للتمييز أي لإحداث تصور لم يكن بل لتصوير مفهوم لفظ القرآن أي للالتفات إلى تصور حاصل للعلم بالمراد، والجواب عن الأول: إن المعتبر البينية وقت التعريف وذلك حاصل لسبق العلم بإعجازه في الكلام. وعن الثاني: بأن تميز القرآن غير تصور ماهيته الاصطلاحية، فيجوز أن يتوقف معرفة السورة على تميزه، ويكون الموقوف عليها تصور ماهيته.
وقال الغزالي رحمه الله: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترًا. وأورد عليه الدور، فإن الصحيفة الكتاب والمصحف غلب عرفًا على ما كتب فيه القرآن، فقيل: يراد به ليعلم أنه المراد به ليعلم أنه الدليل، وعليه يبنى الأحكام من منع ولمس، والتنبيه على أن ضابط معرفته التواتر دون التعريف لا لكلام الأولى ولا المنسوخ تلاوته ولا ما لم يتواتر كمتتابعات في قضاء الصوم وإلا فهو اسم علم شخصي والتعريف للحقائق الكلية ويمكن الجواب بمثل
__________
(1) المتعبد بتلاوته، وتعريفه بما نقل بين دفتى المصحف نقلًا متواترًا دوري.
انظر أحكام الأحكام للآمدي (1/ 288)، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص 70) بتحقيقنا، حاشية التلويح على التوضيح (1/ 26 - 29).
(2/3)

ما مر، وبأن تصور المصحف ليس تصور كنهه بل ما يعلم عرفًا أن هذا مصحفٌ وذاك والموقوف تصور كنهه على أنا لا نعلم شخصيته فإن له أفرادًا في صدور الحفاظ ومتون الصحف، ولئن سلم أن المراد به أنه كالشخصي أو شخصي بالاصطلاح الخاص فلا نعلم أن مثله لا يقبل التعريف الرسمي بحسب الوجود الخارجي، ولا سيما في المركبات الاعتبارية، نعم لا يقبل التحديد، لكن ليس التعريف بالمنزل والمنقول كن ذلك في شيء.
وقال مشايخنا: هو القرآن المنزل على رسولنا المكتوب في المصاحف المنقول تواترًا بلا شبهة، فالقرآن تعريف لفظي والباقي رسمي وصفًا كاشفًا، فالمنزل جنس المنزلة وخرج بقيده الكتب السماوية وبالمجموع الأحاديث المنزل معناها فقط إذْ المراد نظمه ومعناه، وبالمكتوب المنسوخ تلاوته بقي حكمه أولًا، وبالتواتر الآحاد كالشاذة، ومنها متتابعات في قضاء رمضان وبالأخير المشهوركمتتابعات في كفارة اليمين، فلا يجوز صلاة المتفرد به هذا إن أريد بالتواتر تواتر الفرع أو الأعم كما فعله الجصاص، وإن أريد به المتعارف فالقيد الأخير تأكيد، وهذا محزه لقوة شبه المشهور به وتصور النقل يتوقف على تصور مطلق المنقول فلا دور ولفظ النبي عليه السلام داخل؛ لأن المراد ما تعلق به الكتب والنقل لغةً، وكذا كل حرف أو كلمة من حيث انتظامها مع طرفيها، وقكد الحيثية لا بد من إرادته فيما يختلف بالاعتبار حتى لا يحرم الحمد لله رب العالمين شكرا على الجنب.
وفي التسمية روايتان عن أبي حنيفة آية فذة أنزلت للفصل والتبرك وليست من القرآن إلا في النمل، فعلى الأول يخرج كل واحدة أو عدة بعينهما بقيد المنزلية إذ لم ينزل شيء منها على تعينه أو التواتر إذ لم يتواتر قرآنية شيء منها على تعينه بخلاف نحو {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، فإن المنزل والمتواتر قرآنيته صادقٌ على كل منها ولم يكن تكرارها في أول كل سورة زندقة لكون إنزالها للفصل والتبرك، وعلى الثاني: بالتواتر إذْ لم يتواتركونها من القرآن ولذا يخالف مالك - رحمه الله -.

الثاني: أن المنقول آحادًا ليس بقرآن بل واجب تواتر تفاصليه لأنه متضمن للإعجاز والتحدي وأصل للأحكام وكل ما هو كذلك فالعادة تقضى بتواتر تفاصليه بخلاف سائر المعجزات إذْ ليست أصل الأحكام وبذا علم أن القرآن لم يعارض وإلا لتواتر، فما لم يتواتر تفصيله ليس بقرآن بعكس النقيض، وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة فالخلاف في بسم الله في أوائل السور مبني على أن الواجب تواتر نقله في كل محل عند الشافعي لتوصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه حتى من النقط، وقضاء العادة قطعًا بعدم الاتفاق على مثله جمع أن أحاديث ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة رضي الله عنهم تناسب قوله أنه آية من
(2/4)

كل سورة أو من غير الفاتحة بعض آية منها وتواتر كونه قرآنا في كل محل عند غيره كما في سائر المكررات فإذا لم يتواتر ذلك في محل ما لم يكن قرآنًا عند مالك وأبي حذيفة في رواية ولأن التوصية بالتجريد إنما يقتضي عادة قرآنيته في الجملة لا قرآنيته في كل محل كما ظنه الشافعي لجواز كونه آية فذة أنزلت للفصل والتبرك أختاره أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله على رواية أبي بكر الرازي وبها أخذ المتأخرون ولذا كتبت بقلم الوحي، أي حين نزلت وإنما كتبت بخط آخر ليعلم أنها ليست أول سورة وآخر أخرى والرواية حيث قالوا ثم يتعوذ ثم يقرأ ويخفي البسملة حيث أدخلوها في القراءة شاهدة له والأحاديث آحاد ومؤولة لتعارضها فحديث ابن عباس رضي الله عنه من حيث كونه آية فذة أو مائة وأربع عشرة آية عن التأويلات ومع أنها من كتاب الله لا من كل سورة وحديثا أبي هريرة وأم سلمة أو بعض آية من الفاتحة فخطأ مالك - رحمه الله - في عدم اختيار التوصية بالتجريد أصلا وخطأ الشافعى في اعتبارها في كل سورة مع الجواز المذكور.
ثم تفريع عدم الجهر على مذهب مالك - رحمه الله - منتظم كالجهر على مذهب الشافعي أما على الرواية الأخيرة لأبي حنيفة فلأنه غير معلوم قرآنيته من حيث ذلك المحل والأصل في الأذكار الإخفاء، وليعلم بالإخفاء أنه ليس من ذلك المحل والجهر ليس من لوازمه كالشفع الأخير ولأن اختلاف العلماء من حيث إن دليل كل شبهة قوية من حجة غيره أوْرث شبهةً في قرآنيته أو في كونها آية تامة لم يجز الصلاة به إذْ المقطوع لا يؤدي بالمظنون وحرمت على نحو الجنب عند نيته القراءة لا الثناء للاحتياط ولم يكفر إحدى الطائفتين الأخرى إجماعًا مع أن كلا من نفي الضروري كونه من القرآن وإثبات الضروري عدم كونه منه مظنة للتكفير، لا يقال دليل كل طائفة قطعيٌ عنده وإلا لم يتضح التمسك به في نفي القرآنية أو إثباتها، فلا معتبر لتعارض الشبهة وألا تجري في الاعتقاديات المختلف فيها كالوحدة وغيرها لأنا نقول قد تبين عدم قطعية دليلي الشافعي ومالك أما دليلنا وإن كان قطعيًا بالنظر إلى نفسه فالقطع به من قضاء العادة التي لا معتبر بها عند معارضة النص، فالنصوص المعارضة لها لو كانت قطعية كان الأخذ بها وترك العادة واجبًا وعند ظنيتها أورثت قدرًا من الشبهة صالحًا لدفع ما يندفع بالشبهات وهذا معنى قوتها بخلاف أدلة سائر الاعتقاديات ولا نعلم عدم صحة التمسك بمثل هذا القطعي في نفي القرآنية وإثباتها.
بقى بحث هو منع أن العادة تقتضي بتواتر تفاصيل مثله لما لا يكفى تواتره في محل ما سواء كان في النمل أو في كونه قرآنًا لإثباته في محالٍ، وجوابه أنه لو لم يجب التواتر في كل
(2/5)

محل وكفي ذلك لزم محالان جواز وقوع سقوط بعض القرآن وثبوت بعض ما ليس فيما مضى، أما الأول فلاحتمال كون الآيات الغير المكررة مكررة أسقط عما لم يتواتر فيه اكتفاء بمحل التواتر.
وأما الثاني: فلاحتمال كون الآيات المكررة غير متواترة بل غير نازلة إلا في محل فأثبت لذلك في غيره مع عدم قرآنيتها. واعترض بأنا لا نعلم لزوم المحالين لأن جواز عدم التواتر في كل محل إنما يستلزمها فيما مضي لو منع وقوع التواتر فيه في كل محل والممكنة السالبة لا تناقض المطلقة الموجبة وكيف يمنعه والوقوع لا يوجب الوجوب إذ المطلقة لا تستلزم الضرورية فلم لا يجوز أن يكون الواقع تواتر المكرر في كل محل وإن لم يجب فلم يقع السقوط والثبوت المذكوران فيما مضي وأجيب بوجوه:
1 - أن المحال الأول لازم وذلك كاف، فإن التواتر لو لم يجب لجاز سقوط بعض المكرر قبل اتفاق تواتره ولا ينافيه وقوع التواتر في سائر المكررات وبذا لم يحصل الجزم بعدم السقوط مع أنا جازمون به، ولا يقال تواتر عدم سقوط بعض المكرر كما تواتر ثبوت بعضه؛ لأن التواتر في العدم لا يتصور إما لأنه لا يستند إلى الحسن، وإما لأنه قبل حصول حد التواتر.
2 - أن وقوع حد التواتر وإن قدح في لزومها فيما مضى فلا يقدح في الجوازين المحذورين فيما يستقبل لولا وجوب التواتر في كل محل مع أن فاعلها مجنون أو زنديق.
3 - أن لنا وجوب التواتر في كل محل دليلًا آخر وهو كونه ما يتوفر الدواعي على نقله كما سيجىء وهذا على مذهب مجوز الانتقال.
تتمة: اختلاف القراءات السبع إن كان فيما لا يختلف خطوط المصاحف به وهو المنتهى بنفس الأداة والهيئة لا بحسب دائرة كالمد واللين أعني تطويل صوت حرف العلة إلى مقدار وعدمه والإمالة والتفخيم وتخفيف الهمزة وغيرها، وإن كان فيما يختلف وهو المسمى بقبيل جوهر اللفظ نحو ملك ومالك يجب تواتر كل منهما ليكون قرآنا.

الثالث: يجوز العمل بالقراءات الشاذة إذا اشتهرت كالخبر المشهور عند الحنفية مثل قراءة ابن مسعود رضي الله عنه في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات بخلاف قراءة أبي رضي الله عنه في قضاء رمضان خلافًا لغيرهم في أنه قرآن أو خبر ورد بيانًا فظن قرآنًا، وأيًّا كان يجب العمل به، قيل يجوز أن يكون مذهبًا لجواز أن يجتهد الصحابي في خبر فرواه بالمعني على زعمه ولئن سلم فالخبر خطأ قطعًا لأنه نقل قرآنًا وليس بقرآن لعدم تواتره فارتفع الثقة. والجواب عن الأول: أن إلحاق ما اجتهد فيه بالقرآن بحيث يظن
(2/6)

كونه قرآنًا من عدل مثله بعيد. وعن الثاني أن خطأيته بالنسبة إليه ممنوعة لجواز أن يتواتر عنده أو يشافه بقرآنيته وبالنسبة إلينا لا يرفع الثقة ولئن سلم فالخطأ في قرآنينه، ويجوز أن يكون مقصوده خبريته لهم أنه ليس بقرآن وشرط صحة العمل بالخبر نقله خبرًا ولا عبرة بغيرهما قلنا لا نعلم الثاني والإجماع فيه كيف والاعتماد على نقل الثقة في إلحاقه بالقرآن أقوى.

الفصل الأول في الخاص
وفيه مقامات:

الأول: في حكم مطلقه وضعًا هو تناول مدلوله يقينًا، أي: في ذاته وقطعا أي للمحتمل وهو إرادة الغير أو لاحتمال البيان كما في المجمل أو المجمل أو لمطلق الاحتمال الناشئ عن الدليل وأيًّا كان لا ينافيه احتمال المجاز حيث لا قرينة لعدم دليله خلافًا لمشايخ سمرقند ومذهبهم مردودٌ باتفاق العرف فبيانه وحقيقته إثبات الظهور ولازمته ازالة الخفاء أما إثبات الثابت وإزالة الزائل وعليه أصول وفروع ونقصان لهما منوع فالأصول منها أن اسم العدد لا يحتمل الأقل والأكثركالواحد لا يحتمل العدد فثلاثة قروء حيض لا أطهار كما عند الشافعي وإلا فعدة الطلاق الشرعي الواقع في الطهر إن احتسب كما هو مذهبه قرآن وبعض الثالث وإن لم يحتسب فثلاثة وبعفى الرابع وبعض الطهر ليس به إذ لا يراد المسمي وإلا لانقضى بثلاث ساعات وإن شرط تحلل الدم بين أفراده فبساعة من الثالث وأشهر عام أو واسطة تجوز فيه بإرادة البعض كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 42]، وإتمام الحيضة الرابعة في عدة المطلقة أثناء الحيض لضرورة تكميل ما لا يجزئ ولذا صارت عدة الأمة قرءين وقطح يد العبد السارق مع إن الرق منصف، ولا يطلق في أنت طالق إذا حضت نصف حيضة حتى يطهر كما في حيضة بخلاف إذا حضت، وتاء الثلاثة للفظ القرء، ومذهبنا مؤيد بقوله عليه السلام "دعي الصلاة أيام أقرائك" (1) مع قوله وعدتها حيضتان وبالاستبراء فإنه بحيضة وبالاشتقاق كما مر. ومنها: أن إلحاق الشيء به فرضًا لأنه يوجب رفعًا لحكم شرعي كزيادة جزء للتخيير أو ركن أو شرط حيث يرفع حرمة ترك الأصل وإجزائه نسخ خلافًا للشافعي وسيجيء بخلاف زيادة عبادة مستقلة فلا يجوز إلا بما يجوز النسخ به فلا يلحق فرضا في أن لا يجوز الصلاة بدونه لا في أن يكفر جاحده.
__________
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 59).
(2/7)

تعديل الأركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود بأمرهما بقوله عليه السلام للأعرابي قم فصلي فإنك لم تصلي" (1) ثلاثًا لأن الركوع ميل عن الاستواء بما يقطعه حتى لو كان إلى القيام أقرب من الركوع لم يجزه والسجود وضع الجبهة على الأرض ولا فاتحة بأمر القراءة بقوله عليه السلام لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ووقوعها فرضًا حين الاقتصار ليس بذلك كسائر السور لأن ذا من حيث قرآنيتها فلا ينافي وجوبها من حيث الخصوصية ولا الطهارة بأمر طواف الزيارة لقوله عليه السلام "ألا لا يطوفن بهذا البيت محدث ولا عريان" (2) وقوله الطواف صلاة فإنه الدوران حولها وهو في نفسه معلوم وإن كان مجملا في حق المبالغة المنصوصة حيث يحتمل العدد والإسراع وفي حق الابتداء إذْ لا بد لتحقق الحركة وتعينها الواجب شرعًا منه وتعينه فالتحقيق خبر العدد والابتداء من الحجر بيانًا ولذا لا يعتبر ما قبله في رواية الرقيات والطهارة أمر زائد، كأمر المسح مجمل في حق المقدار لأنه إمرار وتفسيره بالإصابة لدفع الإسالة خاص في حق التثليث وتعين الناصية أو لأن خبر الأشواط السبعة متواترٌ غير أن التقدير يحتمل أن يكون للاعتداد والإكمال فأخذنا الثاني لتيقنه وجوزنا بأكثرها لقيامه مكان الكل لترجح جانب الوجود كالاقتداء في الركوع ونية التطوع بالصوم قبل الزوال وقد روي إن الابتداء من غير الحجر مكروه لأنه ترك سنة لا باطل.
أما وجوب إعادة طواف الجنب والعريان والمعكوس فليس لعدم جوازه عندنا حتى يكون مجملا لمعنى زائد ثبت شرعًا كالربا بل لنقصانه الفاحش وجوب إعادة الصلاة المنقوص واجبها سهوًا ولذا ينجبر بالدم إنجبارها بالسجدة فهذه الثلاثة عندنا واجبة ورواية ابن شجاع في الطهارة محجوجة بوجوب الدم، وعند الشافعي فرضٌ ولا الولاء بما روي إنه عليه السلام كان يوالي في وضوئه كما شرط مالك - رحمه الله - والترتيب بقوله عليه السلام: "ابدأوا بما بدأ الله به" (3)، والنية بقوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات" (4)، كما شرطهما الشافعي - رحمه الله - والتسمية بقوله عليه السلام: "لا وضوء لمن لم يسم
__________
(1) أخرجه البخاري (1/ 263) ح (724)، ومسلم (1/ 298) ح (397).
(2) لم أجده هكذا، وقوله: "لا يطوف بالبيت عريان" أخرجه: البخاري (1/ 144) ح (362)، ومسلم (2/ 982) ح (1347).
(3) أخرجه مسلم (2/ 886) ح (1218).
(4) أخرجه البخاري (1/ 30) ح (54)، ومسلم (3/ 1515) ح (1907).
(2/8)

الله" (1) كما شرطها الطاهر به بأنه الوضوء لأنه غسل ومسح واشتراط النية في التيمم لإشارته، والمفهوم من ترتب الحكم على المشتق عليه مأخذ؛ لا وجوب نية العلية لا سيما في الشرط الذي شأنه أن يعتبر وجوده كيفما كان لا قصدًا كستر العورة واستقبال القبلة فوجوب النية في كفارة القتل لدفع المزاحمة فهذه تعنيه، ولا التغريب بقوله عليه السلام "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (2) بأمر الجلد فإنه لكونه جزاء كاف أو كل المذكور بل ذلك على تقدير ثبوته بطريق التعزيز منسوخٌ كالرجم بالحجارة دليله قول على رضي الله عنه كفي بالنفي فتنة، وحلف عمران لا يقيم النفط حين ارتد من نفاه، ولذا لم يجعل التغريب واجبًا أو سنةً أو لأن خبره غريب مع عموم البلوى وفي ما بين القبيلين فرق ما بين تبع لأصل وتبعه رعاية لمنازل المشروعات وربما يقرر بأن الإلحاق بالفرضية إذا بطل يصار إلى أقرب المنازل منها هي الوجوب إن أمكن بأن كان الملحق به مقصودًا لذاته كالصلاة والحج؛ لأن الظن يوجب العمل وإلا كأن كان مقصودًا لغيره كالوضوء فإلى السنية إذ لا يمكن جعله واجبًا لعينه بمعنى إثم تاركه لأنه مما يسقط كله بلا إثم بسقوط الغير، ولا واجبا لأجل الصلاة بمعنى عدم جوازها إلا به وإلا لترجح على واجب الصلاة وساوى فرض الوضوء على تقدير عدمها ولا بمعنى أثم المصلي لتركه مع جواز صلاته وإلا لساوى واجب الصلاة واقتضى سهوه جائزا، وإن أريد إثم ما فذا بالسنية كما جاز الوعيد على النقيض عن الثلاث وهذا سر أن أبا حنيفة - رحمه الله - لم يجعل في الوضوء واجبا وقيل لتفاوت درجات الأدلة فإنها أربعة قطعى الثبوت والأدلة وقطعي أحدهما وظنهما:
فالأول: كالنصوص المتواترة تثبت الفرضية والمتوسطان كالآيات المؤولة وأخبار الآحاد القطعية الوجوب والرابع كالأخبار المؤولة السنية، ومن سوى فقد سهى من وجهين كمن سوي بين شريف وخسيس فخبر التعديل للتكرار والفاتحة لشهرته والطهارة للمبالغة من الثالث وهكذا كان غسل اليد ابتداءً للمبالغة في حديث المتيقظ ولكونه مقدمة لولا تعليل آخر الحديث وطهارة العضو حقيقة وحكما ووروده فيما ليس مقصودا لذاته وغيرها من الرابع فخبر الولاء؛ لأن المواظبة ليست دليل الوجوب مطلقًا فإنه عليه السلام واظب على المضمضة والاستنشاق بل هو المواظبة بلا ترك فيما هو مقصودا لذاته وخبر النية مشترك الدلالة لإضمار فيه وخبر الترتيب والتسمية معارض ومستعمل في نفى الفضيلة.
__________
(1) قال اللفظ ابن حجر: لم أجده بهذا اللفظ. انظر / الدراية (1/ 14).
(2) أخرجه مسلم (3/ 1316) ح (1690).
(2/9)

ويرد على الثالث والرابع طردًا وعكسًا وجوب الفاتحة وضم السورة فإن استعمال مثل حديثهما في نفي الفضيلة شائع والمجاز الشائع قادحٌ في القطع باعترافه كما في التسمية، وسنية تخليل اللحية والأصابع الثانية بالأمر القطعي الدلالة لا سيما مع اقترانه بالوعيد وفي أمثلته سعة، ويمكن الجواب بأن القواعد الأربع أصول يجوز العدول عنها لدليل كضعف قرنية المجاز في حديثهما وكشهرته فيهما وتكرر وروده في الفاتحة بخلاف حديث التسمية، وكورود حديثي التخليلين فيما ليس مقصودًا لذاته وهذا كحديث السعي فإنه من حيث كونها مصدرًا بالكتب ومعجزًا بالأمر يصح دالا على ركنيته بيانا لمجمل الحج كما قال الشافعي، لكن صيغة الإباحة في قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، أوجب العدول عنه فقلنا بالوجوب إما لأنه أقرب المَنازل أو فيه الإجماع أو الجمع بين دليلي الركنية والإباحة ومنها أن الخلع طلاق فيزيد به عدده لأنه تعالى بدأ بفعل الزوج وهو الطلاق ثم جمعهما في أن لا يقيما ثم أفرد فعل المرأة وهو الاقتداء بالذكر ففيه بيان بطريق الضرورة أن فعله ما سبق كما في قوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11].
وسبب نزول الآية يفصح عن أنه الخلع لا الطلاق على المال ولا الرجعي ولا يلزم منه زيادة الطلاق على الثلاث مع سبق الطلقتين إذ ليس كل ذكر لبيان الوقوع والإلزام قطعا بل لبيان الشرعية ويحتمل أيضًا أن يكون تنويعًا للثاني إلى الخلع وغيره ويصدق عليه الطلاق بعوض أو للثالث المستفاد من التسريح على ما روي أو زرين عنه عليه السلام ويكون فإن طلقها بيان حكم الثالث، وفيه بعد الخروج الفاء عن التعقيب.
وقال الشافعي رضي الله عنه أولًا فسخ لأنه يحتمله كما بخيار عدم الكفاءة والعتق والبلوغ عندكم كالبيع قلنا تمامه لا نقبله وهذه الصور امتناع قبله والفروع منها أن الصريح يلحق البائن خلافًا للشافعى رضي الله عنه ويتحقق في المختلفة رواية واحدة وفي المطلقة على مال إحدى الروايتين عنه ولا يري البينونة في غيرهما له زوال النكاح كما بعد العدة.
قلنا فاء التعقيب في فإن طلقها المرتبة له على الخلع الذي هو أحد نوعي فعل الزوج المذكور في صدر الآية وذلك عين وصله يصدر الآية كما ذكره المفسرين؛ لأن وجود النوع والجنس واحد ذهابا إلى أن المراد به التطليق الشرعي مرة بعد مرة لا الرجعي وإلا لم يكن هذا أحد نوعية تفيد شرعيته عقيب الخلع؛ لأن بيان حكمه الخاص يستدعيها وحديث أبي سعيد الخدري يويدها فن وصله بصدر الآية بحيث فصله عن الاقتداء فقد
(2/10)

أبطل التركيب، وهذا لا ينافي كون الطلقة الثالثة مستفادة من التسريح ولا تقتضى عدم مشروعيتها إلا بعد الخلع كما ظن فقبله أما بالتسريح أو لكونه مرتبا على صدر الآية، وهو أعم أو بالإجماع، أو بحديث العسيلة ومنها أن المفوضة تستحق مهر المثل بنفس العقد لا بالوطء فلو مات قبله أو طلق بعده يجب كلا وقبله متعة لا يزيد على نصفه وعند أكثر الشافعية به فلو مات أو طلق قبله فلا شيء وبعده يجب كلا واتفقا أنه إذا فرض فات أو طلق بعده يجب كمال المفروض وقبله نصفه لهم إنه خالص حقها، فيتمكن من نفيه ابتداء كما من إسقاطه انتهاء، قلنا: الماء في أن تبتغوا بأموالكم حقيقته الإلصاق بنص العربية، ففى غيره مجاز ترجيحًا له على الاشتراك فلا ينفك الطلب، أي: بالعقد الصحيح لا بالإجارة والمتعة لقوله تعالى: {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، ولا بالنكاح الفاسد لتراخي وجوب المهر فيه إلى الوطء إجماعا عن المال وسائر النصوص المطلقة، وإن كانت مطلقة محمولة على المقيد لاتحاد الحكم والحادثة ككفارة اليمين.
وكما في اشتراط الشهود وحرمة جمع غير الأختين كلاهما بالخبر المشهور والمهر وجوبا حق الشرع إبانة لشرف المحل؛ ولقوله تعالى: {فَرَضْنَا} على وجه، وإنما يصير حقها حالة الملك فتملك الإبراء دون النفي، ومنها: أن المهر مقدر شرعًا بمقدار بعينه معلوم عند الله يظهر باصطلاح الزوجين أو المماثلة كالقيم الظاهرة بالتقويم وكخصال كفارة اليمين فلا يجوز أقل من عشرة دراهم (1).
وعند الشافعي رضي الله عنه كل ما يصلح ثمنًا يصلح مهرًا (2)؛ لأنه حقها فالتقدير إليها، قلنا قوله تعالى: {مَا فَرَضْنَا} [الأحزاب: 50]، أي قدرنا من مهور النساء وأعواض الإماء كما فسر به البعض يفيد أن المتولي لتقديره صاحب الشرع لكن لكونه مجملا في تعيين المقدار بالنسبة إلينا بينه حديث جابر رضي الله عنه من حيث نفي نقصانه أو قياسه على نصاب السرقة بجامع بدليه العضو وتقدير العبد امتثال به ظاهرًا به من حيث كونه فوق ما دون العشرة وباطنا بإظهار ما عينه في عمله فلا يلزم جواز الاصطلاح على ما دونها ولكون التقدير نافيا للنقصان كمقادير الزكاة لا الركعات جاز الزيادة، وقد مر أن المهر وجوبا حق الشرع إبانة للشرف بالتقدير بماله خطر قبل حقيقة الفرض القطع كما في سورة النور من الكشاف ففي التقدير مجاز كالبيان والإيجاب ولئن سلم فمشترك بينهما مع أن حمله على الإيجاب أولى هنا لوصله بولي، وإذ لم يقدر على المولي للإماء
__________
(1) انظر المبسوط لشيخ الإِسلام السرخسي (5/ 66).
(2) انظر الأم للإمام الشافعى (5/ 160).
(2/11)

شيء وجوابه أن في التقدير حقيقة شرعية وإن كان مجازا لغويا لاشتهار استعماله إلى أن استغنى عنه القرنية لقوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236]، والفرائض وفرض القاضي، ففي سائر المعاني مجاز ترجيحًا له على الاشتراك فوصله بولي لتضمين معنى الإيجاب والمقدر في الإماء الأعواض كما مر لا النفقة والكسوة غير إن تقدير العوض لم يبين أصلًا فافترقا في جواز القلة ولئن سلم كونه حقيقة في الإيجاب إذ لم يشتهر في غيرهما شرعا لكنه يستلزم تقديرًا فلا محيص عن الإجمال في جعل التقدير كالشافعي أو اختيار الترك والإيجاب في المهر كمالك القائل، بأن نفي المهر يفسده كنفي الثمن إلى
العبد فقط أبطله.
ونقصان أحدهما قول محمَّد والشافعى لأن قولهما بمحلية الزوج الثاني وهدمه دون الثلاث إبطال لقوله حتى ينكح؛ لأن غاية الحرمة منهية لها ولا إنهاء قبل الثبوت إذ نهاية الشيء لتوقفها من حيث هي غاية عليه توقف البعض من حيث هو بعض على الكل تلغو قبله في حكم الإنهاء كما لو حلف لا يكلمه في رجب حتى يستشير أباه فاستشاره قبل رجب لغت حتى لو كلمه في رجب قبلها حنث، ولأن الثبات ضد المغيا لا أثر للغاية فيه فالثابت بعدها الحل السابق كحل الأكل بعد الليل ولئن سلم فالحل فيما دونها ثابت وإثبات الثابت محال وجوابه أن محليته لم تثبت بالأية بل بإشارة حديثي العسيلة واللعن فحديث العسيلة لشهرته يزاد به على الكتاب فزيد الدخول بعبارته وفهم التحليل من إشارته فإن العود فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى التي هي الحل أمر حادث بعد الدخول لأن عدمه غيابه فيضاف إليه والمستند إلى السبب الأصلي هو الحل الأصلي لا الحاصل
بالعود إليه بل هو إلى سبب العود وهذا إذا كان النكاح في الآية لمعنى العقد لا الوطء كما اختاره المتأخرون وإلا فالدخول بالآية وهو مختار متقدمي أصحابنا لأنه وإن سلم اشتماله على مجازين لغوين في النكاح، والزوج أولى من ارتكاب المجاز العقلي في إسناد الوطء إليها ولو لمعنى التمكين إذ لا يكاد يستعمل كالراكب في المركوب، بخلاف الزنا فإنه اسم للتمكين الحرام ومع نساء لا يفيد لأن التمكين لا ينهي ولا يستلزم الوطء، وحديث اللعن وإن كان من الآحاد أثبت التحليل لأنه ليس زيادةً تكون نسخًا لأن التحليل محقق للإنهاء لا رافع له يوجه، ورفع الشيء قد يكون بإثبات ضده، فلا ينفي كونه غاية ك {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] و {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور: 27] وكالليل مع النهار واللعن غير قادح؛ لأن سببه للمحل شرط التحليل أو قصد تغير المشروع حيث لم يتزوج للتناسل، وللمحلل له تسببه والمسبب شريك المباشر، والأليق أن الغرض من إثبات خساستهما،
(2/12)

لأنه عليه السلام ما بعث لعانا ولما ثبت العود إلى الحالة الأولى لم يزل الحل إلا بثلاث طلقات كالأول فبعد الثلاث أثبت الحل الكامل وبعدما دونها كله ولم يكن إثبات الثابت بل زيادة حل كزيادة الحرمة في انعقاد ظهار ويمين بعده أو لم يزد على الثلاث، إذْ لا زيادة شرعًا فاقتضى ثبوت الحل الثاني انتفاء الأول كتجديد البيع بثمن أقل، أو تداخل العدتين ثم قولهما لأن فيه إعمال الكتاب والسنة جميعًا أولى بما فيه إهمال إحداهما.
وثانيهما: قول الشافعي رضي الله عنه إن مذهب في نقل عصمته المسروق إلى الله وهو المعنى ببطلانها على العبد حيث قلنا حكم السرقة قطع بنفي الضمان، فلو هلك عند السارق أو استهلكه قبل القطع أو بعده لا يضمن إلا في رواية الحسن، فيما استهلك بعده كإتلاف خير المسلم لقوله عليه السلام لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه إبطال لخاص الكتاب به حيث جعل القطع جميع الموجب، ومع نقل العصمة يكون بعضه ولولا هذا الاعتبار لما ورد الإيراد؛ لأن إثبات حكم سكت عنه النص بخبر الواحد غير محذور ونحوه ما مر في زيادة التغريب على الجلد، فللشافعي رضي الله عنه: أن القطع لا ينفي الضمان صريحًا ولا دلالة لاختلافهما اسمًا ومقصودًا ومحلا وسببًا واستحقاقًا فلا يقتضي ثبوت أحدهما انتفاء الآخر فيثبت لعمومات الضمان. قلنا: نقلها بإشارة جزاء إما لفظا فلأن مطلقه عن جبر النقصان في معرض العقوبة يراد به خالص حقه تعالى، وهذا كذلك ولذا لم يكون كون الغصب القصاص مقيدا بالمثل ولم يملك الصنروق منه إثبات الحد وعفوه بعده ولم يورث وأشترط دعواه ليظهر السرقة ويسترد إن أمكن حتى لو وجد المظهر بلا ملك كفي كالمكاتب والمستعير والمستأجر والمستبضع والقابض على سوم الشراء والمستودع والمضارب والمرتهن ومتولي الوقف وسدنه الكعبة وكل جزاء يخلص بهتك حرمة خالصة له ليكون طبقها ومن ضرورته لخويل العصمة إليه، وإما معنى فلأنه مأخوذ من جزى أي قضي وأحكم أو جزءا، أي: كفي فيشير لإطلاقه إلى كماله المستدعي لكمال الجناية بكونها حرامًا لعينهاكشرب الخمر والزنا لا لغيره وإلا كانت مباحة في نفسهاكشرب عصير العنب لأحد والوطء حالة الحيض فيتحول العصمة إليه، وقد يجاب بإن كمال الجزاء يقتضي كون القطع جميع الموجب فلا يجب الضمان معه وهذا لا يحتاج إلى توسط كمال الجناية، وتحول العصمة فلا تناسب فأوجه منه أن القطع إن لم يكن جميع الموجب جاز زيادة نقل العصمةكزيادة التغريب عنده، وإن كان لم يجز زيادة الضمان بالعمومات إذْ لا تصح ناسخة لعدم قوتها أو تراخيها ولا مخصصة للخاص وههنا فوائد:
(2/13)

1 - أن عصمة المال واحدة كانت للعبد إذْ لا يجب القطع إلا بسرقة مال يختص به خلاف صيد الحرم وحشيشه فإذا نقلها الله إلى نفسه تحقيقا لصيانته على العبد لم يبق للعبد حرمة يجب الضمان بهتكها خلاف قتل الصيد المملوك في الحرم والإحرام، وشرب حفر الذمي والقتل الخطأ، واختير هذا النوع من الصيانة وإن اشتمل على إبطال حقه في الضمان لأن نفع القطع يعمه، وغيره كالقود.
2 - أن ملك العبد لا يستلزم عصمته كعصير المسلم إذا تخمر ينتقل عصمتها إلى الله تعالى فلا يلزم من انتقالها بدونه، حيث يثبت له ولاية الاسترداد إن كان قائمًا بقاء اللزوم، بلا لازم فلا ينتقل المالك وإن توقف انعقاد السرقة موجبه للقطع عليه توقفه على العصمة وإذ لا يقطع النباش وذا لوجوه:
أ- كون انتقال العصمة للضرورة فيتقدر بقدرها، ولذا لو وهبه المالك للسارق أو باعه منه أو من غيره صح أو أتلفه غيره يضمن.
ب- كن نقل الملك مبطلا للعصمة أصلًا لأن خالص ملكه تعالى يوصف بالإباحة لأنها كالاحتطاب ونحوه.
ج- كون الملك صفة المالك مقصودا لا لمحل الجناية كالعصمة.
3 - نقل العصمة إليه تعالى لا يوجب الإباحة وإلا لتسبب الجناية للتخفيف وصار القطع مناقضًا لنفسه فاشترط العصمة السابقة التي يحدث انتقالها مع الأخذ تحقيقًا للحفظ في تلك الحالة ويتم بالاستيفاء كما في كل ما يحب الله فعنده يتبين أنها كانت لله فلا يجب الضمان وإن تعذر الاستيفاء تبين أنها للعبد فيجب وبهذا يندفع كثير من الأسئلة.
4 - إن سقوط الضمان لتعذر الحكم به على القاضي حيث اعتبر عصمته في القطع فلا ينافيه الإفتاء بالضمان كما رواه هشام عن محمد - رحمه الله - لدفع الخسران اللاحق بجهة هو متعد فيها.

المقام الثاني في حكم قسمه المسمى بالأمر: إذْ الخاص كمطلق اللفظ فيما مر إما خبرًا أو إنشاءً ولكون السند عين الإخبار أخرنا مباحثه إلى أوانه فالإنشاء المعتبر هنا الأمر والنهى المنوط بهما طرفا التكليف، ولذا عد مباحثهما معظم المفاسد ونعني بهما أياهما معنى وإن استعير عنهما بالخبر في {لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: 83] وتحسنون المقدر كعكسه فيما يجيء من اصنع ما شئت، واستعارة النهى والمستعار في نحو {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] {يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233]، مجرد خبر المبتدأ فقد يقع إنشاء في مثل كيف زيد، لا أين زيد ونحوه لأنه في الحقيقة مقدرة وتنافي الإنشاء لا معه، وعندي أن الخبر جزء
(2/14)

مدلولاتها، والجزء الإنشائي معتبر في الجملة، وهذا أصح، لأن الدليل على إمتناعه صحيح ومنه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، من وجه والمستعار أوْكد لكونه خبرا عن وقوع المطلوب صورة.
ففي الأمر مباحث: الأول: في تعريفه ولكونه من المبادي، قد مر فيها وتكراره هنا لاستيفاء حقه مطابقة وبيان حال تعاريف الطوائف صحة وفسادًا ومثله الخبر وغيره فمن قال بالكلام النفسي كالأشاعرة عرفه تارة بحقيقته الكلامية كاقتضاء فعل غير كف صيغي استعلاء فدخل كف دون لا تكف من غير عناية، وخرج النهي، وما فيه التسفل ولو من الأعلى وهو الدعاء أو التساوي كذا وهو الالتماس إذْ هما لا يسميان أمرًا اتفاقًا، بخلاف ما مع الاستعلاء، ولو من الأدنى وإلا لم يذم بأمر الأعلى ولذا لم يشترط العلو كالمعتزلة ولم يهمل الشرط كالأشعري، وحمل قول فرعون {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110]، وقد كان معبودًا لهم على معنى تشيرون أو تومرون أي تشاورون أو إظهار التواضع لملائه لغاية دهشته من أمر موسى عليه السلام وارتكاب خلاف الظاهر للدليل ليس أول قارورة كسرت في الإِسلام.
وأخرى باللفظ الدالة عليه وهو المناسب لغرضنا فصار حقيقة الأصولية ومنه قول القاضي هو القول المقتضي طاعة المأمور، بفعل المأمور به ورد الدور الوارد من جهة أخذ المشتق، والطاعة التي هي موافقة الأمر بأن الأمر يمكن أن يعرف سابقًا من حيث هو كلام فذلك كاف في معرفة الأشياء الثلاثة، أو يتميز عما عداه ويطلب تصور حقيقته.
وقيل: خبر عن الثواب على الفعل أو عن استحقاقه لئلا يلزم الخلف في خبره عند عفو العمل أي محوه بالردة ولا يقدح استلزام الخبر إما الصدق أو الكذب دونه إذ عدمهما لازم المأمور به فعلا أو تاركًا ووجود لازم للثواب عليه واستحقاقه لغةً ولا تنافي بينهما.
ومن أنكر الكلام النفسي كالمعتزلة لم يمكنهم تعريفه بالطلب فتارة عرفوه بذلك اللفظ، أو بالطلب به ومنه قول القائل لمن دونه فيزعمه أفعل مرادًا به الطلب المطلق وهو المراد بما يتبادر عند الإطلاق لا الاستعلائي، فلا يتكرر قيد الاستعلاء كما ظن فخرج الفعل والإرادة الإشارة، وما من الحاكى والنائم ونحوهما إذْ لا يسمي قوله ومن غير المستعلي ونحو التهديد ولا وجه لمنع كون الصادر من الأدنى المستعلي أمرًا لغةً، أو كونه موجب الامتثال؛ لأن ذمه شامل ودليل عليهما بل كل افعل أمر لغةً وافعل قيل كناية عن كل ما يدل على الطلب من صيغ أي لغة كانت.
والحق ما في إيضاح المفصل أنه علم جنس لذلك من لغة العرب، كفعل ويفعل لكل
(2/15)

مبني للمفعول من الفعلين فيخرج به الإخبار القول عن الطلب، ومنه صيغة افعل مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر أي عما وضعت الصيغة له وهو الطلب الاستعلائي فالمعروف غير المعرف غير أنه تعريف بالمبهم، وأخري باعتبار الإرادة المقترنة بالصيغة كصيغة افعل بإرادات ثلاث إرادة وجود اللفظ ودلالته على الطلب والامتثال ليخرج نحو النائم ومثل التهديد وشبه المبلغ واشتراط مجموع الثلاث لتحقيق ماهية الأمر وإلا فالقيد الأخير كاف في الاحتراز كالفصل القريب والبعيد وأخرى بنفس الإرادة كإرادة الفعل واعتراض عليهما بأن قول السيد لعبده افعل كذا بحضرة سلطان توعد له بالإهلاك على ضربه ليعصيه فيتخلص أمر والألم يظهر عذره وهو مخالفة الأمر ولا يريد ما يفضي إلى هلاكه لكن قد يطلب إذا علم أن طلبه لا يفضي إلى وقوعه فهذا يبطل كون الإرداة عينه وشرطه وقد مر تمامه وإبطالهما بلزوم وقوع المأمورات لا يلزمهم لأن الإرادة عندهم ميل يتبع اعتقاد النفع أو دفع الضرر فيجوز تخلف مراد الله تعالى عندهم بسوء اختيار العبد، لا الصفة المخصصة بالوقوع ومنه يعلم فساد الاستدلال، بنحو إيمان أبي لهب بأنه مأمور به إجماعًا وليس بمراد الله تعالى؛ لأن قوله {لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] يدل على علمه بأنه مستحيل فكيف يريده لأن الإرادة بما فسروه لا تنافي العلم، باللاوقوع والفرق بين الإدارة من العبد وبينها من غيره في التفسير أفسد لأنه مع عدم ثبوته لا يجدي، فإن تقيد الوقوع بالاختيار لا يجوز عدم وقوع المراد نعم، ينفي الجبر ونحوها التقدير والعلم متبوعًا أما تابعًا فأبعد.
الثاني: في أن مراده يختص بصيغة لازمة ولكل من الاختصاص واللزوم معنى لغوي هو اتخاذها خاصة، كما اختص به أبو حنيفة من المسائل، والتبعية أي أن لا يوجد إلا حيث يوجد الملزوم كلزوم أم المتصلة لهمزة الاستفهام.
ومعنى عرفي وهو صيرورته خاصة لها وعدم انفكاكها منه فإن اتفق مرادهما لغةً وعرفًا كان أحدهما مؤكدًا للآخر، وإلا فهم الاختصاص من الطرفين وحمل على كل منهما، والمقصود ها هنا أن الوجوب مثلا لا يستفاد من الفعل أي أن الفعل ليس أمرًا حقيقة ليفيده إذْ لا خلاف في أن كل أمر موجب ولا يخفي توقف هذه الكلية على القول بعموم المشترك، وقد ذهب إليه مالك في رواية والإصطخري وابن أبي هريرة وغيرهما من الشافعية، ولا ريب في أن أصله مجاز فالأمر في المأمور به وهو الفعل مصدرًا كان أو حاصلا به كالشأن في المشؤون من شأنت أي قصدت فالخلاف المذكور ها هنا في كونه أمرًا لا في إيجابه ابتداء وسنستوفيهما في السنة إن شاء الله تعالى.
(2/16)

الثالث: في موجب الأمر وهو مدلول مسماه والتعبير عنه بأن الأمر هل له صيغة تخصه لا يختص بالقول بالكلام النفسي وليس بخطأ، أما الأول فلأن المعنى مراد الأمر، وأما الثاني فلأن المعنى إنها خاصة به حقيقة فيه من حيث هي صيغة لا في غيره عن الندب كأبي هاشم (1) والإباحة (2) كالبعض ولا مشتركة بين الأولين معنويا للطلب، أو لفظيا ولا بين الثلاثة معنويا للإذن، أو لفظيا ولا بينها وبين التهديد لفظيا، ولا للوقف كالاشعري والقاضي ابن سريج بالجيم، فهذه تسعة مذاهب لنا في الوجوب الكتاب والإجماع ودلالته والمعقول فالكتاب من وجوه:
1 - أن قوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، أي إذا أردنا وجوده نقول أحدث فيحدث على كل من التوجيهات الثلاث المبنية على أن يكون الشيء بالإيجاد، أو بكلمة كن نفسيا في الأزل يفيد كون الوجود مع المنع عن النقيض مقصودا بأمر كن فكذا بجميع الأوامر لأنها كن كذا وهو الوجوب والفرق بالتامية والناقصية، غير موثر في حقيقة المقصود غير أن ترتب الوجود في أمر الله تعالى اعتبارا لجانب الأمر يقتضي الجبر ورفع التكليف وقد تفضل الله تعالى له بنوع اختيار وإن كان ضروريا أي تابعا لمشيئته، أو مخلوقا بلا شعوره كالعقل فالعمل يشبه جانب المأمور أيضًا أن بتأكد وجوه الطلب وهو الوجوب المفضى إلى الوجود للعقل والديانة ولا يحتاج هذا في الأوامر الجارية بين العباد لجواز التخلف في طلبهم عن أفراده وفي مرادهم ومطلوب الله مراد لولا نفى الجبر بنقل الإرادة من الوجود المطلق إلى الوجود بالاختيار ولا تخلف في مراده وبهذا يتضح أن أوامر الشرع حقائق والتأويل ليس في دلالة اللفظ بل في ثبوت مؤداه والعمل فيندفع الأوهام المضربة إما بيان الإفادة فلأن التكون إذاكان بالإيجاد وعليه أكثر المفسرين واختاره علم الهدي وأبو زيد كان مجازا عن سرعة الإيجاد وتمثيلا لغائب كمال قدرته يشاهد مفروض قدرته على الإيجاد بأوجز الكلمات بلا صنع آخر ولا يوجد جامع هذا التمثيل إذا لم يكن الوجود قطعًا مقصودًا بالأمر وإذا كان بهذه الكلمة إجراء لسنته على التكوين بها وإن لم يمتنع بدونها كمذهب الأشعري كان حقيقة، لكن المراد الأزلي القائم بذاته أعني بلا تعطل في الأزل لكن بحسب أوقاته المخصوصة ولذا ترتب في الآية على الإرادة فلا يلزم قدم الحادث كما ظن لا المركب من الحروف والأصوات أعنى وبلا تشييد لاستحالة والتسلسل لاحتياج حدوثه إلى أمر آخر وعندهم
__________
(1) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري (1/ 50 - 51).
(2) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري (1/ 50 - 51).
(2/17)

يتدرج التكوين في الكلام ونفسه عين المكون والأمر التكويني لا يقتضي الفهم لإفادته بدونه بل عدمه فعلى هذا كون الوجود مقصودا به أظهروا كذا إذا كان بهما وكانت كلمة مقرونة بالإيجاد تعظيما واظهارا لقدرته كنفخ الصور، وإن أمكنه بدونها والبحث في هذا بأن الوجود حينئذ أما إن تعلق بكليهما فافتقار الإيجاد دلالة النقصان أو بكل منهما فيتوارد العلتان أو بالإيجاد فقط فلا يستقيم التمسك ساقط إذْ لا نسلم أن افتقار صفة للذات إلى أخرى له دلالة النقصان كافتقار الإيجاد إلى الإرادة وافتقارها إلى القدرة خلاف المستحيل وافتقار الكل إلى الحياة، ولا فرق في اقتضاء الافتقار النقصان بينه إلى الشرط وبينه إلى جزء المؤثر مع تعلقه بالايجاد فقط قسم لا يحتمله المورد.
2 - نسبة قيام السماء والأرض بمعنى وجودهما بأمره قال الفراء: قال لهما كونا قائمتين أي ثابتتين تماما لمنافع الخلق وأن سلم أنه كنى بالأمر عن إيجادهما ففي شرح التقويم أن طريقها السببية وذا يجعل الأمر للأيجاب المفضى إلى الإيجاد.
3 - انتفاء الخبرة عن المأمور في قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ} [الأحزاب: 36]، الآية لأن القضاء هنا إتمام الشيء قولًا كما في {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا} [الإسراء: 23]، أي حكمًا لا فعلا كما في {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، بدلالة عطف الرسول وكذا الأمر هو القول مصدرا، أو مميزًا أو حالًا لا الفعل إذْ لو أريد فعله لم يبق لتقى المومنين معنى ولو أريد فعل العبد أو الشيء كما في {إِذَا قَضَى أَمْرًا} [آل عمران: 47]، لزم تقدير الباء وهو خلاف الأصل ولأنه لا يقتضي نفي الخيرة مطلقا لجواز أن يحكم بفعل بالإباحة.
4 - استحقاق الوعيد لتاركه في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، الآية إذ لا وعيد إلا بترك الواجب وهنا بمخالفة الأمر قضية لتركيب الحكم عليها وظاهرها ترك الإمتثال به لأنه المتبادر لا عدم اعتقاد حقيقته ولا حمله على ما يخالفة من الندب وغيره وهذا لا يتوقف على وجوب الحذر حتى يلزم المصادرة بل على نفسه والدليل عام لأن أضافة المصدر للعموم.
5 - الذم والتوبيخ والإنكار على ترك السجود في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]، على زيادة لا أو بمعنى ما دعاك إلى أن لا تسجد إذ المانع من الشيء داع إلى تركه والمراد بإذ أمرتك قوله تعالى: {اسْجُدُوا} [الأعراف: 11]، فلولا أنه وقد ذكر مطلقا للوجوب لأمكنه أن يقول ما ألزمتني فعلام الإنكار.
6 - الذم على المخالفة في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ}
(2/18)

[المرسلات: 48].
7 - عصيان التارك بقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93]، أي تركت مقتضاه إجماعا وتوعد العاصي بقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14]، الآية.
8 - ذمه عليه السلام أبا سعيد بن المعلى على ترك استجابته وهو يصلي حين دعاء فلم يجب مستدلا بقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24]، فأوجب ترك المأمور الذم ولا سيما مع عذر ولا يستفاد الوجوب منقوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]، لولا إفادة الأمر وهذا على أن الظن يكفي فيما مقصوده العمل.
وأما الإجماع فتدلال الأئمة بصيغة الأمر مجردة عن القرآن على الوجوب حتى شاع ولم ينكر وسيجىء تمامه في العمل بالخبر وهذا ليس ظنا في الأصول بل قطعًا ويقينًا بالمعنى الأعم أو على كفاية الظهوركما سيجيء، وأما دلالته أي تثبت من الإجماع في صورة أخرى فإذًا كل من أراد طلب فعل جزما لا يطلبه إلا بلفظ الأمر ونحو أوجبت فعل كذا يدل على الأخبار عنه لا عليه واستعماله إنشاء عارض فالأصل عدم الالتفات إليه ولأنه بواسطة اقتضائه أمرًا.
وأما المعقول ونعني به الاستفادة من موارد اللغة لا إثباتها بالقياس أو الترجيح فمن وجوه:
1 - أن المولى يعد العبد الغير الممتثل عاصيًا ولا ذلك إلا بالوجوب.
2 - أن الإشتراك خلاف الأصل كما في سائر الأفعال والمضارع أيضًا حقيقةً في أكل كما في كل ما أملكه حر وليس حقيقة في الإباحة والتهديد لأنه يقتضي ترجيح الفعل ولا في الندب لاقتضائه الذم على الترك عرفًا.
3 - إن الائتمار لازم الأمر أي مطاوعة فإنه وإن تعدى إلى واحد لازم بالنسبة إلى ما يتعدى إلى اثنين وكل مطاوع لازم لما يطاوعه كالانكسار للكسر فالامتثال لازم للأمر غير أن قاعدة رفع الجبر جوزت التراخي إلى أوان الاختيار وإن كان المأمور به مطلوبا ومردا لمن لا يتخلف إرادته ولولا نقل إرادته من مطلق الوجود إلى الوجود باختيار العبد تمهيدًا لقاعدة التكليف لما كان فرق بينه وبين الجماد والفرق ضروري وإذا جوز الاختيار تخلف المراد عن المطلوب بأوامر الله تعالى فلأن يجوز بين العبد أولى فلذا جاز أمرته فلم يمتثل بخلاف كسرته فلم ينكسر إذْ ذلك أمر لا يتخلل في حصوله الاختيار فبهذا يسقط أن المطاوع هو الائتمار بمعنى المأمورية لا بمعنى الامتثال بل هو مسببه لأن الأثر المطلوب بالأمر ليس المأمورية بل وجود الفعل وحين منع الاختيار اللزوم عادة وشرعا
(2/19)

استعمل الأمر للوجوب المفضي إليه لغة وشريعة فهو حقيقة فيه من الحيثتين وبذا صار المطاوع قسمين وهذا حل لما رمزه المشايخ وشدوه ولما يحم أحد حول فهمه ردوه {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 73].
للمبيح أنها طريق أدنى وجود الفعل وللنادب أنه أدنى الفعل الراجح الذي يقتضيه الطلب وإن لا فارق اجماعًا بين الأمر والسؤال إلا الرتبة فيكون للندب مثله ويردهما أن الأصل فيما ثبت ان اللفظ وضع له وهو الطلب ها هنا الكمال لأن الناقص ثابت من وجه لا سيما إذا لم يمنع مانع كالقصور في الصيغة باقترانها بالصارف عن الإيجاب نحو {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، أو في ولاية المتكلم كما في الدعاء والالتماس فإنه معترض الطاعة وهما صرفهما قصور ولاية المتكلم عنه. قالوا: قال عليه السلام: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (1) رده إلى مشيئتنا قلنا بل إلى استطاعة وهو معنى الوجوب للقائلين لمطلق الطلب أن الثابت في مقتضاه رجحان الفعل فيكون للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز. قلنا: بل مع خصوصية الوجوب لأدلتنا وإما أنه إثبات اللغة بلوازم لماهيات فلا بل عدم القول بالخصوصية بلا دليلها وكذا القول لمطلق الإذن تقريرا وجوابا وللمشرك إطلاقه عليهما والأصل الحقيقة. قلنا: المجاز أولى من الإشتراك وللواقفية أولا لو تعين ما وضع له فبدليل.
وليس إذْ لا مدخل للعقل والنقل آحادًا لا يفيد العلم وتواترًا يوجب استواء طبقات الباحثين، والاختلاف ينافيه قلنا لأتم الحصر بل بالأدلة الاستقرائية المتقدمة ومرجعها تتبع مظان استعماله والأمارات الدالة على مقصوده عند الإطلاق وهنا فائدتان:
1 - أن الاستنباط من النقل قد لا يسمى نقلا وإن كان عائد إليه، كقولنا الجمع المحلي باللام عام إذ يدخله الاستثناء فيراد بالنقل ما مقدماته القريبة نقلية.
2 - إن الظن كاف في مداولات الالفاظ.
وثانيا: أنه مستعمل في معان فلا يتعين شيء منها للإرادة إلا بدليل:
1 - الوجوب أقيموا.
2 - الندب فكاتبوهم.
3 - لإباحة فاصطادوا لأكلوا وأشربوا فأنهما واجبان بخلاف {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51].
__________
(1) أخرجه البخاري (265816) ح (6858).
(2/20)

4 - التهديد ويسمى التوبيخ {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، ويشترط قدرة المخاطب عليه.
5 - التأديب كقوله عليه السلام: "كل مما يليك" (1) وهو لمحاسن الأخلاق.
6 - الإرشاد {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، وهو للمنافع الدنيوية والندب للأخروية.
7 - الإنذار {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا} [الزمر: 8]، وهو إبلاغ مع تخويف والتهديد تخويف.
8 - التقريع وهو التعجيز {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ} [البقرة: 23]، ولكون المخاطب قادرا فقدله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} [الإسراء: 64]، من التهديد.
9 - الإفحام هو الإسكات {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258] ويختص بموضع المناظرة بخلاف التعجيز.
10 - التكوين {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117].
11 - الدعاء والسوال {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [البقرة: 127].
12 - الإهانة {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49].
13 - التسوية {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} [الطور: 16].
14 - الإجلال وهو الإكرام {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46].
15 - التعجب {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} [مريم: 38].
16 - الاحتقار {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [يونس: 80]، فالإهانه للمخاطب والاحتقار لفعله.
17 - الإخبار {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82]، ومنه فاصنع ما شئت، أي صنعت عكس {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233].
18 - الامتنان {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأنعام: 142]، ففيه إظهار منه بخلاف الإباحة.
19 - التسخير {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، ويقصد فيه الانتقال إلى حالة مهينة وسرعة الوجود في التكوين.
20 - التمني ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي، وليس ترجيا لأنه في زعم المحب الساهر
__________
(1) أخرجه البخاري (5/ 2056) ح (5062)، ومسلم (3/ 1599) ح (2022).
(2/21)

المتكلم مع النجوم من برجاء الشوق الباهر مستحيل الانجلاء وبلا آخر.
21 - الالتماس وهو ظاهر (1) قلنا الأصل ترجيح التجوز وعد الاشتراك واستعمال مطلقه في غير الوجوب ممنوع ومع أن غيره مشترك في استدعاء القرينة الصارفة وذا المارة المجاز لو اعتبر في التوقف مثله من الاحتمال يبطل حقائق الألفاظ إذْ ما من لفظ إلا وفيه احتمال تجوز، أو خصوص أو غيرهما أو حقائق الأشياء لاحتمال تبدلها لحظة فلحظة في جنب قدرة الله تعالى بل يعتبر في أن لا يكون محكما ومن ادعاه والفرق بأن لهذا الاحتمال بخلافهما دليل كالوضع ممنوع وإلا فلا كلام وكالشيوع وكثرة الاستعمال غير مفيد لأنهما في المعاني المعلومة مجازيتها أكثر من أن يحصى وأوفر منهما في أكثر هذه المعاني ولأن الأشياء كما يحتمل كثرة تبدلها أيضًا فمن أين علم الشيوع والكثرة ها هنا دونها ثم نقول لو وجب لتوقف في الأمر لذلك لوجب في النهي لاستعماله في معان:
1 - التحريم {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130].
2 - الكراهة النهي عن الصلاة في أرض مغصوبة وعنها في ثوب واحد.
3 - التنزيه {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].
4 - التحقير {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [الحجر: 88].
5 - بيان العاقبة {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا} [إبراهيم: 42].
6 - اليأس {لَا تَعْتَذِرُوا} [التوبة: 66].
7 - الإرشاد {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101].
8 - الشفقة "لا تأخذوا دوابكم كراسي ولا تمشوا في نعل واحد".
9 - الدعاء كقوله عليه السلام: "لا تكلني إلى نفسي" (2).
10 - التسلية {لَا تَحْزَنْ} [التوبة: 40].
ولأن النهي أمر بالانتهاء وكان موجبهما واحد وذا باطل لا لضديتهما مطلقا كما ظن، بل للقطع ببديهية اللغة والشرع بالفرق بينهما حتى من الصبيان والمجانين، ومن
__________
(1) انظر إرشاد الفحول للشوكاني (1/ 346 - 345)، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص 112).
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه (3/ 250) ح (970)، والحاكم في مستدركه (1/ 730) ح (2000)، والضياء في المختارة (6/ 300) ح (2319)، وأبو داود (4/ 324) ح (5090)، والنسائي في الكبرى (6/ 147) ح (10405)، وابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 20) ح (29154)، والإمام أحمد في مسنده (5/ 42)، والطبراني في الصغير (1/ 270) ح (444).
(2/22)

أجاب بإن بين التوقف بين معاني الأمر وبينه بين معاني النهي بونًا بينا لم يفهم معنى التوقف ها هنا فإنه بمعنى لا ادري ولا يتصور التفاوت فيه، لا بمعنى التردد بين المعاني وإلا لم يبق بينه وبين القول بالاشتراك اللفظي فرق ولم يكن لذكر المعاني التي لم يقل أحد بكونه حقيقة فيها وجه وهو غير المعاني الأربعة لا الخمسة فإنه خطأ وتفسيرها بالأحكام الخمسة أفسد وزمام الفهم بيد الله تعالى ثمت ثلاثة:
1 - كذا بعد الحظر لعدم فصل الأدلة ولأن الثابت لا يتغير بلا مغير والورود بعده ليس به، وقيل بالإباحة وهو اختيار الشافعي وعلم الهدى - رحمه الله - أو بانتدب حتى قيل يستحب العقد، وتوقف أمام الحرمين وقيل أن علق بزوال علة عروض النهي كان كما قبل النهى ذكران هذا ليس ببعيد ونقص بقوله تعالى: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا} [الأحزاب: 53]، فإن الدعوة تزيل علة حرمة الدخول وهي عدم الإذن وقد وجب عندها، وجوابه أنها مستلزمة لإزالتها لنفس الإزالة والكلام فيها، قالوا: غلبت في الإباحة بعده في كلام الشارع فتقدم على مقتضي اللغة نحو فاصطادوا فانتشروا فادخروها فزروها فانتبذوها قلنا لا ثم الغلبة كما في {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا} [التوبة: 5] وكالأمر بالصلاة بعد السكر وبها وبالصومَ بعد زوال الحيض والنفاس، وبالقتل لمسلم أو ذمي لقطع أوردة أو حرب وبالحدود للجنايات وأمر المولى بالسقى مثلا بعد النهي وفهم الإباحة فيما ذكروا بالنصوص المبيحة، أو بالقرائن كشرعية الإصطياد والبيع والإدخار وغيرها لنا فلوكان علينا وذا بالوجوب لعاد على موضوع بالنقض ولذا فهمت في الكتابة به عند المدانية والإشهاد عن المبايعة مع عدم قدم الخطر.
2 - إذا أريد به الإباحة والندب قيل حقيقة وعليه فخر الإِسلام لأن معناهما بعض معنى الوجوب والشيء في بعضه حقيقة قاصرة كالإنسان، والرقبة في الأعمى والاشل وكالجمع في بعض الأفراد وفيها منع إذ جواز الترك مأخوذ فيهما وبه تباينهما وإذ إطلاق الكل على الجزء من مشاهير طرق التجوز وقيل مجاز إذ لو كان حقيقة لكان المندوب والمباح مأمورا بهما حقيقة فلا تنفيه عنهما وقد صح أني غير مأمور بصلاة الضحي وصوم أيام البيض بخلافه بالصلوات الخمس، وصوم رمضان ولتعدي أصله وهو مختار الكرخي والجصاص ورد بأن الجزء ليس غير الامتناع انفكاكه. وجوابه: أن الغير في حد المجاز لغوي لا ما اصطلح في الكلام وإلا لم يوجد مجاز إذ لا بد فيه من إطلاق الملزوم على اللازم الغير المنفك فليس غيرا أو تخصيصه بما ليس جزأ غير متعارف أصلًا على أنه ليس إطلاق الكل على الجزء لما مر من المباينة بل استعارة بجامع جواز الفعل قيل الأمر غير
(2/23)

مستعمل في تمام الندب والإباحة بل في جواز الفعل الذي هو حزؤهما وجواز الترك إنما يثبت بعدم دلالة هذا الأمر على حرمة الترك لا بالأمر وجوابه أن معنى الأمر لا يكون ندبا وإباحة بل أمرًا ثالثا ليس معدودا في معانيه ولو سلم ثبوته فليس الكلام فيه فليس كل مامه الخاطر صحيحًا ثم الشيء في بعضه بمعنى الفائت بعض أجزائه الغير المحمولة مع تمام مسماه حقيقة قاصرة كما في الأمثلة المذكورة إذ لا ينتقص مسمى الإنسان بنحو العمى وكذا ما وراء الاثنين تمام حقيقة الجمع العام عند شارطي الانتقال، وإن كانت قاصرة عند شارطي الاستغراق. وقيل: هذا الخلاف في "أم ر" لا في الصيغة فهو عين ما مر في المبادي أن المندوب مأمور به وليس بصحيح إذ لا يساعد الأدلة من الطرفين وللتسوية بين الندب والإباحة هنا لأنه وإن قيل بأنه في الإباحة مجاز بالاجماع وإذ هذا تتمه موجب الصيغة.
3 - إذا استعمل في الوجوب ثم نسخ فبقي الندب أو الإباحة على مذهب الشافعي كما مر فالصيغة حقيقة فيهما لا مجاز ليجتمع الحقيقة والمجاز في الإرادة لأن مرادها الوجوب وإن بقى بالآخر بعض مدلولاته كماذا قلت لشبح تراى هذا إنسان وبعد ما دنا منك ليس بناطق أو ذهب إلى كذا وبعدما نصف الطريق لا نذهب.
الرابع: في أن مطلقه عن قيد العموم وعدمه لا يقتضي العموم أي شمول الأفراد والتكرار أي تعدده في الأوقات وعند الاقتصار على الثاني كالشافعية لم يتدرج فيه الأثنين أو الثلاث معا في طلقي تحته ومعناه اقتضاء الواحدة كمذهب أبي الحسين ومالك وكثير منهم لعدم اقتضائهما كمختار أمام الحرمين، وقال الأستاذ للتكرار مدة العمر دائمًا في المطلق وبحسب الوقت إن أمكن في المؤقت إلا لدليل فلا يلزم تكليف ما لا يطاق وقيل بالوقف يمعنى التردد الاشتراكي وكما لا يوجبه لا يحتمله أيضًا ليثبت بالنية لا مطلقًا خلافًا للشافعي في رواية والصحيح منه كمذهبنا ولا معلقًا بشرط نحو {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا} [المائدة: 6]، الآية أو مخصوصا بوصف نحو {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2]، الآية لأن دليلنا مشترك ولذا لم يتكرر الطلاق في إن دخلت الدار فأنت طالق، أما إلحاق الشرط بالعلة ففاسد لأنها موجبة دونه خلافا لبعض منا ومن الشافعية وقولهم لا يحتمله غلا حينئذ كقول النحاة لا يجوز صرف غير المنصرف إلا لضرورة.
لموجبه أولا أنه مختصر من طلب الفعل بمصدرة المعرف كاضرب من اطلب منك الضرب فيكون في معنى المطول العام لجنسيته والأصل في الجنس عند عدم العهد العموم قلنا لا دليل على التعريف.
وثانيًا: فهم الأقرع بن حابس حين قال النبي عليه السلام: "فحجوا" التكرار الذي فيه
(2/24)

العموم حيث قال: أكل عام يا رسول الله، فسكت الرسول حتى قالها ثلاثًا، فقال: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، أو سراقة حيث قال في حجة الوداع: ألعامنا هذا أم للأبد، والأمر غير مصرح به، قيل: لو فهما لما سألا وأجيب بأنه لعله لمكان الحرج المنفي عنه، قلنا بل مورث الشبهة قياسه على سائر العبادات المتكررة زعمًا منه تكرر سببه مثلها مع معارضة احتمال سببية البيت.
وثالثا: قياسه على النهي قلنا قياس في اللغة ومع الفارق، إما لأن انتفاء الحقيقة مستغرق دون إثباتها، أو لأن دوام فعل بعطل سائر المأمورات والمصالح لا دوام ترك إذ التروك تجتمع وتجامع الأفعال، قيل: الأمر بالشيء نهى عن ضده وإذا وجب التكرر في انتفاء الضد وجب في ثبوته، قلنا لا ولو سلم فإنما يراد النهي عن الضد دائما إن لو أريد الأمر الشيء دائما وإلا ففى ذلك الوقت فاقتضاء النهي الضمني عينا كان أو لازمًا للأمر التكرر موقوف عليه فلو استفيد منه لدار.
ورابعًا: تكرر العبادات قلنا لا بالأمر بل بغيره من السنة والإجماع وربط الحكم بالسبب.
وخامسا: تمسك الصديق - رضي الله عنه - في التكرار بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، من غير نكير حين امتنع بنو حنيفة عن أدائها بعد وفاته عليه السلام، قلنا لعل قوله أو فعله عليه السلام كإرساله الجباة كل حول إلى الملاك أفاد تكراره.
وسادسا: أنه لو لم يتكرر لم يزد النسخ ولا سيما إذا اقتضى الإمرة ولا الاستثناء وإلا كان الواحد حسنا وقبيحا ومستثنى عن نفيه، قلنا لا اللزوم فإن النسخ قبل الفعل جائز ولئن سافلا نسخ إلا بعد دليل التكرار وكذا الاستثناء عين دليله لا النسخ كما ظن وإلا لم يفهم التكليف قبله، ولمجوزه مع إيجاب الوحدة كالشافعي أنه لما اختصر من طلب الفعل كمصدره المنكر الواقع على الأعلى والمحتمل للكل كان كذلك، قلنا: لكنه مفرد ومن الواجب في ألفاظ الوحدان رعاية الوحدة حقيقة إن أمكنت وإلا فاعتبارية ومحض العدد بمعزل منهما ويجيء الحديثان تقريرا وجوابا، ولمجوزهما كالإمام إن شأن الحقيقة احتمالهما إذ كل منهما قيد خارج والامتثال بالمرة لوجود الحقيقة لا لدلالة الأمر، قلنا: لا إن اسم الجنس للحقيقة لا شرط بل مع قيد الوحدة بخلاف علم الجنس ذكره أئمة العربية، ولئن سلم فغايته أن لا يفهم الوحدة من المادة لا من الصيغة، قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك ولا أقل من المعنوي، قلنا: قد يستفسر عن خلاف الظاهر لشبهة، ولموجبه عند التعليق والوصف تكرر الأحكام عندهما قلنا لفهم السببية لا للأمر، فالتكرر ثمة عقلي لا
(2/25)

صيغي ولذا إذا لم يعتبر التعليل لم نتكرر كمسألة الطلاق، إذ ليس للعبد نصب العلة؛ لأنه شركة في الشرع ولا إذن له فيه، بل في مجرد التعليق.
ولذا لا يقع بقوله جعلت الدخول علة للطلاق ولا يعتق جميع غلمانه السود بقوله أعتقت فإنما لسواده والتكرر في كلما للصيغة لا للعلية. قيل: هذا الخلاف فيما لم يثبت عليه الشرط أو الوصف نحو إذا دخل الشهر فأعتق عبدًا من عبيدي مستدلًا من يثبته بنحو: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6]، مما ليس بعلة، وقد تكرر فأجيب بأنه بدليل آخر ولذا لم يتكرر الحج وقد علق بالاستطاعة. وأيضًا يعد العبد بالاشتراء مرة بعد أن دخلت السوق فاشترى كذا ممتثلا وليس بشيء؛ لأن التكرر ثمة بالعلية الثابتة بدليلها لا للصيغة والكلام فيه وللواقفية ما مر أنه لو ثبت فبدليل ولا مدخل للعقل والنقل آحاد إلا يفيد وتواترا يمنعه الخلاف قلنا كما مر أن دليله الاستقراء وأن الظن كاف في معرفة اللغة فالحق مذهب أصحابنا أنه للوحدة إلا لدليل؛ لأن الوحدة مراعي في ألفاظ الوحدان بإجماع أئمة العربية، ولا يلزم من جواز تقيده بالمرة والكثرة التكرار والتناقض لجواز كون التقييد لتأكيد الحقيقة أو لتعيين المجاز، فالمفرد المقترن بأدوات العموم عام بدليله فلا يرد نقضا كما زعم وكذا اقتران دليل العدد والعموم في نحو طلقي ثنتين أو ضم عشرة أو كل يوم فإنه مغير كالشرط والاستثناء والغاية وكالطليقة في اختاري تطليقة فقالت: اخترت فهي رجعية لا مفسر كما في اختاري نفسك فقالت اخترت أو بائنة، ولذا كان الوقوع به فلم يقع حين ماتت قبله وتلك الوحدة إما حقيقية موجبة تثبت ولو بلا نية أو اعتبارية كالجنس الواحد الذي هو جميع الأفراد محتملة لا يثبت إلا بنية والوحدان كما في جميع أسماء الأجناس إما وحدان صيغة نحو: لا أشرب ماء أو الماء وإما دلالة نحو لا أتزوج النساء، ولا أكلم العبيد وبني آدم حيث لا عهد تحقيقًا كما في خالعني على ما في يدي من الدراهم أو تقديرا نحو لا أكلمه الأيام والشهور أو معنى نحو لا أكلم عبيد زيد هذه لأنه جمع صار مجازًا عن الجنس لئلا يلغو آلة العهد ويعمل بالجمعية من وجه، وذلك مؤيد بالنص والعرف فإن كل ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل والثمرة في طلقي نفسك أو امرأتي تطلق واحدة بلا نية ومعها ثلاثًا لاثنتين إلا في الأمة خلافا للشافعى، ولا بالعكس خلافا للواجب ولا مع النية مطلقا خلافا للواقفين وإنما لا يحتاج الواحدة إلى النية عند الإمام لأنه أدنى ما يتحقق به الحقيقة لا لدلالة اللفظ وكذا ينبغى في إن دخلت الدار فطلقي نفسك أن لا يقع ثلاث بلا نية خلافا للطائفة الأخيرة وإنما لم يعمل نية الثلاث في طلقتك وأنت طالق؛ لأنه حين
(2/26)

أنشأ نية لا يحدث إلا ما يقتضيه إخبار به وهو الواحدة إذْ الخبر لا يقتض وجود المخبر به إلا ضرورة الصدق فيتقدر بقدرها بخلاف الإنشاء الأصلي.
وبخلاف أنت بائن الثلاث أحد نوعي البينونة المدلولة ولغلظتها لا تثبت إلا بدليل "تعميم" كذا كل مصدر دل عليه اسم فاعل فرد كالسارق فيراد به السرقة في حق كل سارق يد واحدة إذ لامتناع إرادة كل السرقات وإلا فلا قطع براد سرقة واحدة وبها لا يقطع يدان إجماعًا وإن اقتضاه ظاهرها ولا ليسري أو لا إجماعا وسنة قولًا وفعلا وبقراءة ابن مسعود إذ يحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والحادثة كمتتابعات وكقوله عنيت سالما بعد ما قال أعتق عبدا في فلا تقطع أصلا.
وقال الشافعى: تقطع في الثالثة اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وإلا لتعدد القطع، ولا يحتمله النص ولا يقال ليس لكل سارق إيمان لأن أيديهما كقلوبكما وإذا تحقق إرادة اليد الواحدة بل واليمين فليس أيديكما مثل عبيدكما عاما لكل يد ولا يرد تكرر الجلد بتكرر الزنا والأيتان متماثلتان؛ لأن محل الجلد باق دون محل القطع كما بعد الرابعة.
الخامس: في أن مطلقه عن الوقت كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والنذر بالصدقة المطلقة وهو قسيم المؤقت الذي له وقت محدد إن أخر عنه يكون قضاء أو غير مشروع كالصوم في الليل إن قيل بإيجابه العموم فللفور وإلا فللتراخي بمعنى عدم وجوب التعجيل وهو مذهب الشافعى أيضًا لا وجوب التأخير فإنه مذهب الجبائيين وأبي الحسين البصري وبعض الأشاعرة، وقيل للفور فلو أخر عصي وينسب إلى بعض الحنفية.
وقال القاضي: يقتضي الفور إما الفعل في الحال وإما العزم عليه في ثانيها، وقال الإِمام بالوقف في مدلوله لغه أهو الفور أو القدر المشترك وبالامتثال بالفور؛ لأن وجوب التراخي غير محتمل بخلاف العكس والصحيح من مذهبه ما في البرهان من تجويز الامتثال بهما والتوقف في الإثم بالتأخير لكن لا كالقضاء فإن الصيغة مسترسلة، وقيل بالوقف فيه وفي امتثال المبادر لاحتمال وجوب التراخي فهذه خمسة، لنا: أن المطلوب مطلق الفعل وكل من الفور ووجوب التأخير صفة خارجية لا دلالة عليهما وأنه لو حمل على أحدهما عاد على موضوع إطلاقه بالنقض وأنه جاء لهما فلا يثبت الفور إلا بقرينة ولا يقلب لأن ما قلنا به من التراخي أعم وقريب من قولهم ورد لهما، والأصل عدم الاشتراك والتجوز لا كون أحد التقييدين تكرارا والآخر تناقضا كما مر.
للقائل بالفور أولًا أن العبد المأمور بالسقي يعد عرفا بالتأخير من غير عذر عاصيا، قلنا بقرينة إن طلب السقي عند الحاجة لا لمطلق الصيغة.
(2/27)

وثانيًا: أن كل خبر وإنشاء للمحال فيلحق بالأغلب، قلنا قياس في اللغة وأنه للاستقبال بخلافهما. وثالثًا: أن النهي للفور فهكذا هو لأنه مثله أو لأنه نهي عن الضد، قلنا قد مر جوابهما ولأن النس يفيد التكرار دونه.
ورابعا: ذم إبليس في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75]، الآية على ترك المبادرة والألم بتوجه، قلنا: أمر مقيد بقوله فإذا سويته والكلام في المطلق وبمثله يراد الفور عرفا، أما أن فاء التعقيب قرينة الفور فلا؛ لأنها جزائية ليس من موجبها التعقيب ولذا قال أبو حنيفة: يكبر القوم مع الإِمام مع قوله عليه السلام: "إذا كبر الإِمام فكبروا" (1).
وخامسا: أنه لو جاز التأخير شرعا لوجب أن يعرف وقته وإلا كان تكليفا بألح سواء كان آخر أزمنة الإمكان أولا، ولا دلالة عليه ولا يجاب بالنقض بالتصريح كافعل متى شئت لأن فيه دلالة على التعميم فليس مثله بل بأن المعرفة إنما يجب لو وجب التأخير ولم يكن وقته مسترسلا بل معينا وليس فإن عدم التعيين إطلاق عرفا.
وسادسا: أن النصوص نحو: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} [آل عمران: 133]، والمراد سببها اتفاقا وهو فعل المأمور به واستبقوا الخيرات وفعله منها أوجبت الفور، قلنا دلالتها على أفضلية الفور لا الوجوب وإلا فلا مسارعة ولا استباق إذْ لا يتصوران في المضيق ولئن سلم فليس في جميع أسباب المغفرة إذ لا عموم للمقتضي وإن سلم فبدليل منفصل وهو هذه الأوامر ولا نزاف فيه.
وسابعًا: أنه لو جاز التأخير فإلى أمد إذْ لوكان إلى أبد جاز تركه فلا يكون واجبا فلابد من تعيينه وإلا لكان التكليف بامتناع تأخيره عن ذلك الأمد لا بالأداء إليه كما ظن تكليفا بالمح ولا ذم إلا بذلك وغايته النوعي كحد يغلب على الظن فيه إن عدم يفوته وذلك بأمارة كالمرض فلا يجب على من ليست فيه كمن كموت فجأة فلا يكون الواجب شاملا والكلام فيه.
قلنا: منقوض بقوله افعل متى شئت وبالموسعات العمرية وليس التمسك ها هنا بعدم
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3/ 34) ح (1576)، وابن حبان في صحيحه (2/ 128) ح (402)، وابن عوانة في مسنده (1/ 454) ح (1681)، والبيهقي في الكبرى (2/ 141) ح (2652)، والدارقطني في سننه (1/ 330)، والنسائي في الكبرى (1/ 222) ح (651)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 238)، والإمام أحمد في مسنده (2/ 438) ح (9650).
(2/28)

الدلالة حتى يندفع بالفرق كما ظن وحله أنه إلى الأبد بشرط عدم التفويت، وتقييد المباح بشرط فيه خطر مستقيم شرعا كالمشي في الطريق العام بشرط السلامة والرمي إلى الصيد بشرط ألا يصيب معصوما.
وثامنًا: أنه لو جاز الترك في أول الوقت فأما مع البدل فيجب أن يسقط عند الإتيان به، وليس إنفاقا ولا يختص البدلية بأول الأوقات وإلا فلا وجوب في غيره، إذ ليس الأمر للتكرار وأما لا معه فلا واجب إذ ما يجوز تركه بلا بدل ليس بواجب.
قلنا بعد النقض ما مر لا يلزم من عدم البدل في أول الوقت عدمه مطلقا فلعله الإثم بالتفويت، وإن أريد البدل من الأعمال فغير ما ملتزم في الواجب كالموسعات العمرية.
للقاضي ما تقدم من أن الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وكذا جوابه بإن الإمتثال ليس إلا بالفعل والعزم من أحكام الأيمن.
للإمام أن وجوب الفوز محتمل دون التراخي فيجب البدار، ليخرج عن العهدة بيقين وهذا على ظاهر المنقول عنه لا على الصحيح "قلنا لأنما لجواز التأخير بالأدلة السالفة".
السادس: في أن للأمر بالشىء حكما في ضده أولا ويذكر النهى معه استطرادا "ولتحرير المبحث مقدمات ينكشف بها سره".
1 - أن لكل منهما لفظا مركبا من مادة هي "ام رن ه ي" وصورة ومفهوما، هو نحو أفعل كذا ولا تفعل ضده، ومعنى مفهوم هو إيجاب الفعل أو ندبه وتحريمه، أو كراهته فليس الخلاف في اللفظين لتباينهما ولا في المفهومين له ولا اختلافهما بالإضافة بل في معنيهما أي الإيجاب والتحريم وغيرهما ذكره أبو الحسين في المعتمد.
2 - أنه بين الأمر والنهى المعينين وإنما يتعينان بتعين متعلقيهما فالتعين معتبر في أربعة مواضع في نفس الأمر، وأن اعتبره بعضهم في الأمر مثلا، وبعضهم في المأمور به.
3 - ليس المراد بالضد الذي تعلق به النهى أو الأمر الضمنيان ترك المأمور به كما ظن أو ترك لمنهي عنه كما ينسب إلى علم الهدي - رحمه الله - وإلا صار النزاع لفظيا، ويلزم كون النهى نوعا من الأمر وقيل لأن النهى عن تركه طلب الكف عن الكف وانتهي طلب الكف عن الفعل وكذا الأمر وهو منقوض بلا تكفف عن الصلاة وكف عن الزنا ولا مطلق الضد لأنه غير معين والضد من حيث هو ضد مضأيف ومن حواص الإضافة تكافؤ المتضائفين تحصيلا وإطلاقا وإن عين بالكف أو الترك المذكورين فقد بان فساده ولأنه لا معنى لاختلافهم في مطلق الضد أن الثابت حرمته أو كراهته ولا للتفصيل بإنه هل يفوت المأمور به أو لا بل أضداده الجزئية المعينة كان يكون الأمر بالصلاة نهيا عن الأكل
(2/29)

والشرب وكلام البشر وغيرها مما هو أضداد الشرائط والأركان المعتبرة شرعا أو وعقلا وعرفا، ولذا سيقول الجصاص بأن النهي عن فعل له أضاد ليس أمرا بشيء منها.
4 - قيل: مبني القول بالعينية أعتبار مجموع الاضداد المعينة وبالاستلزام اعتبار كل منها فالأمر بالشي عين النهي عن مجموع الأضداد ومستلزم للنهي عن كل منها وهذا لا يتأتي من جانب النهي وظني أن مبني القول بالعينية النظر إلى نفس التكليف، لتفاصيل لوازمه وسيجيء توضيحه.
5 - ذكر كثير من المشايخ كأبي اليسر وشمس الأئمة وغيرهما أن تصوير العينية يختص بأمر الفور كالواجب المضيق ليدوم فيكون كل ضد منه مفوتا والحق خلافه لجواز كون الموسع نهيا عن مجموع الأضداد الجزئية الشاملة للوقت إذ لولا شمولها لم يتحقق التضاد بحسب الوقت المعتبر أو الكائنة وقت الاشتغال كما مر من المثال فليس هذا النزاع مبنيا على أن الأمر إيجابا بنفس النهي عن ضده متحدًّا وجميع أضداده متعددًا تحريمًا، وهو قول الجصاص وقيل عن غير عين متعددا ليناسب النهي وإنه يستلزم النهي عن الكل لوقوع النكره في سياق النفي وآخرا يتضمنه أي يستلزمه والنهي كذلك في الوجهين، عند القاضي أي أمر بضد بعينه واحدًا ولا بعينه متعددا ولا يستلزمه آخرا وعند الجصاص أمر بضد واحد لا بشيء من الأضداد المتعددة وقيل لا انتهي في الوجهين فقال بعضهم وندبا نهى ندب للترك أي تنزيه عن الفعل وبعضهم لا، وقال علم الهدي الأمر نهي بضد واحد وهو تركه والنهي أمر بضد المنهي عنه، وهو تركه وإن تعدد طرق الترك وفيه ما مر "وممن قال يستلزم حرمة ضده من قال يوجبها أي بالإشارة، ومن قال يدل عليها أي بالدلالة ومن قال يقتضيها أي بالاقتضاء، ويعني بالمقتضي الثابت بالضرورة غير مقصود لا ما يتوقف عليه غير متطوق تصحيح المنطوق واختار الإمام والغزالي أن لا عينية ولا استلزام وهو مذهب المعتزلة ومبناه وجوب ملاحظة الحكم للحاكم، وليس تحريم الضد للإمر وايجاب الضد للناهي ملاحظا فففي كل منهما ثلاثة عشر قولا ومبنى الخلاف أن إيجاب الشيء إيجاب لمقدماته العقلية والعرفية كالشرعية أولًا، فإن قال إيجاب ومن قضيته أن لا يشترط الملاحظة جعل عينه أن اعتبر نفس التكليف والحكم فإنه واحد ولازمه أن اعتبر تفاصيل لوازمه على الكيفيات الثلاث للزوم في الأوال الثلاثة ثم من جعل الكف عن فعل مستلزما لفعل ضد له وأقله السكون طرد الحكم في النهي بأحد الاعتبارين ومن فر من الإلزام الفظيع وهو إلزام وجوب كل من الزنا واللواطة لكونه ضد الآخر أوكن مذهب الكعبي في ابطال المباح وجعله واجبا لكونه ضد منهي عنه اقتصر
(2/30)

عليه، وأما الآخران فلا يصلحان سببا للاقتصار كما ظنوا إذ لا ينافيان الاستلزام كما خصص بأمر الوجوب دون الندب للزوم إبطال المباح إذ ما من وقت إلا ويندب فيه فعل فإن استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب فلو كان ضده مكروهًا لم يكن مباح بخلاف استغراقها بالواجبات.
وأما فقدان الذم على الترك فليس داعيا؛ لأن التنزيه على الترك ها هنا كاف، ومن لم يقل بأنه إيجاب إلا للشرعية؛ لأن الملاحظة أعني للشارع تختص بها فقد نفي، إما في غير الشرعي فلأن السكوت لا يصلح دليلا إلا يرى أن الأمر لا يصلح للإيجاب في غير مدلوله وقد وضع له فلان لا يصلح للتحريم ولم يوضع له أولى وأما في الأمر الشرعي فلأن البحث لغوي ويكفي في الشرعي الاتفاق على الإيجاب في بحه المقدمة فاعلم أن الحق الذي ذهب إليه أصحابنا ثبوت الاستلزام من الطرفين في الجملة ولا يرو الالزام الفظيع وإبطال المباح لعدمة فيهما ولما مر في تلك المسأله أن الفعل الواحد يجوز اتصافه بالحرمة والوجوب أو به وبالإباحة وعارضا والاعتبار في نوط الثواب والعقاب لجهة في ذاته لكونه أقوى وأن الملاحظة غير واجبة للأحكام اللزومية سيما الاقتضائية. ولذا لم يثبت المقتضي لكونه غير مقصود إلا بقدر ما يندفع به الضرورة ولذا اختاروا وجوب جميع مقدمات الواجب كما مر ويقرر الأصل ها هنا عند المتأخرين المحققين على أن تحريم ضد المأمور به أن قصد كما في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222]، فلا كلام فيه وإلا فلم يعتبر تحريمه إلا حال تفويته الَمأمور به كالإفطار للكف المستدام المستفاد من قوله تعالى: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فإذا لم يفوته اقتضى كراهته؛ لأن الضرورة تندفع به كالأمر بالقيام في قوله عليه السلام: "ثم ارفع رأسك حتى تستوي قائما" (1) ليس ينهى عن القعود قصدًا فيكره الصلاة لو قعد فقام ولم يفسد به.
وكذا النهى قيل يقتضي كون الضد في معنى سنة واجبة أي موكدة فإنها قريبة منها والمختار أنه يحتمل اقتضائه فقال الجصاص هذا منقوض بقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ} [البقرة: 228]، الآية حيث أوجب ضده وهو الإظهار لكونه ضدًا واحدًا بخلاف نهي المحرم عن لبس المخيط فلم يوجب لبس شيء متعين غيره، ولذا وجب قبول قولها فيما تخبر به من حيض أو حبل أو غيرهما، قلنا: إذا لم يفوت عدم الضد ترك المنهي
__________
(1) أخرجه البخاري (5/ 2307) ح (5897).
(2/31)

عنه وهنا له ضد واحد فيفوت فدمه تركه أو لبس بنهي بل نسخ لجواز الكتمان كقوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52]، نسخ لقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ} [الأحزاب: 50]، الآية أو للإباحة المطلقة في حقه عليه السلام فلم يبق مشروعا كخبر "لا نكاح إلا بشهود".
فروعنا:
1 - النهي عن الخروج والتزوج في قوله تعالى {وَلَا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1]، {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [البقرة: 235]، لما أفاد وجوب التربص والكف عنهما بالاقتضاء لا قصدا لم يعتبر فعلا بل إثما وحرمة، ومن الجائز اجتماع الحرمات كصيد الحرم للمحرم بوجهين وخمر الذمى على الصائم الذي حلف لا يشرب خمرًا بوجوه جرى التداخل في العدة للزوج، والواطيء يشبه مقصودهما ولذا سميت أجلا فيجتمع اجتماع الآجال كما في الديون وكمن حلف مرات لا يكلم يوما ينقضي إيمانه بيوم وكمرأة تحرم على أزواج بثلاث تطليقات تنقضي بإصابة زوج واحد بخلاف الصوم الذي قاس عليه الشافعي فإن الكف وجب ثمة مقصودًا فاعتبر فعلا ولا تداخل فيه، وحين لم يثبت حرمة الوقاع فيه قصدا لم تتعد إلى دواعيه عكس الاعتكاف تأثيما لا افسادا وعكس الإحرام إلا في وجوب الدم للتمتع بالمرأة، ولذا تساوى الإنزال وعدمه فيه إذ منهية الرفث ولا يتعلق عقوبة حقيقته كما دونه كالحد والكفارة في الصوم إما معنى بهيهما فقضاء الشهوة فيفسدهما بعد الإنزال لا قبله.
2 و 3 - جواز أبو يوسف - رحمه الله - صلاة من سجد على نجس فأعاد على طاهر لأنه لا يفوت المأمور به، فتكره ولا تفسد، وبقي تحريمة من ترك القراءة في ركعات النفل في جميع المسائل الثمانية لأن حرمة ترك القراءة اقتضائية من أمر اقرؤا فلا يحرم إلا قدر ما يفوت القراءة ويفسد الأداء لا التحريمة، وليس من ضرورة فساده، فسادها كما إذا فسد بتذكر الفائته ولأنها شرطه كالطهارة. وقال الساجد على النجس مستعمل له بحكم الفرضية كحامل النجاسة في وجهه، وهو أقوى من حملها في الثوب وبذا يفوت التطهير الواجب المستدام كالكف في الصوم ومحمد - رحمه الله - لم يبق التحريمة بتركها مطلقا لأنها فرض دائم حكمًا، ولذا تفسد باستخلاف الأمي بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة فتركها في ركعة تفسد الأفعال فكذا التحريمة كسائر منافيات الصلاة.
وقال الإمام كما قال محمَّد غير أن تأثيره في فساد التحريمة أيضًا موقوف على أن يقوي لأنها على التيسير ومما يسقط ويتحمل وقوته بالترك في شفع لأنه في ركعة مجتهد في
(2/32)

جوازه وفيه إجماع، ولذا قال أيضا ترك مسافر قراعة فرض الظهر لا يقطعها فلو نوى الإقامة يتم أربعا ويقرأ في الأخريين لإن هذا الاحتمال يمنع تعدي الفساد إلى الإحرام خلاف فجر المقيم وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - وعند محمد لما فسد بترك القراءة مطلقا لم يكن إصلاحه كفجر المقيم وهذا أصل أجدى من تفاريق العصا كبطلان الاعتكاف بالخروج من غير ضرورة والصلاة بالانحراف عن القبلة بالبن وكشف العورة ولو ساعة؛ لأن اللبس والاستقبال والستر فروض مستدامة فعمدتنا ما أشرنا إليه من أن فعل المأمورية لا يحصل إلا بالانتهاء عن أضداده وترك المنهي عنه الا بفعل ضده وأقله السكون فإنه كون عندنا وتصور الحاكم لوازم الحكم غير لازم فكان كل منهما مقدمة الواجب وإن كان عقليا لو عاديا فهذا فرع ذلك والاختلاف في النية والتضمن اعتباري ولا يلتفت إلى أنه لو لم يكن عينه لكان إما مثله أو ضده فلا يجتمعان أو خلافه فيجوزا اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ولا يجوز اجتماع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده لأنهما يعدان أمرا متناقضا ولأنه تكليف بالمح وذلك لأنا لا نعلم جواز اجتماع كل من الخلافين مع ضد الآخر كليا فأنهما قد يكونان متلازمين إن سميا غيرين وإلا فالملازمة ممنوعة كما ها هنا فيمتنع ذلك وقد يكون كل منهما ضد الضد الآخر كالعلم للشك ولضده وهو الظن ولا إلى إن فعل السكون عين ترك الحركة فطلبه طلبه؛ لأن العينية ممنوعة تعقلا ومثال جزئي، أما رجوع النزاع منه لفظيا كما ظن فلا ولا إلى إن أمر الإيجاب يقتض الذم على تركه وهو فعل لأنه المقدور ولا ذم بما لم ينه عنه وذلك لأنه ريما يذم على إن لم يفعل ما أمر به والذم لا ينحصر في فعل المنهي عنه لتحققه في ترك الواجب ولو سمي الكف عن الترك فعلا وطلبه نهيا صار النزاع لفظيا كما مر.
وللإمام ومن تبعه ما مر أنه لو استلزم النهي عن الضد لم يحصل بدون تعقله وتعقل الكف عنه؛ لأن الطلب يستدعي تصور المطلوب ومتعلقه والسكوت لا يصلح دليلا لكنا نقطع بصحة الأمر مع الذهول عنهما، أما عن الأضداد الجزئية فظ، وأما عن الضد العام فلما مر ولأن مشاهدة الكف عن الشيء أي عدم الكف لكن لا نزاع فيه، قلنا ذلك حكم الطلب القصدي لا الضمني والاقتضائي ومن له.
السابع: في أن الامتثال أعني الإتيان بالمأمور به على وجهه وكما أمر به يوجب الإجزاء خلاف لأبي هاشم وأتباعه كالقاضي عبد الجبار.
لنا أولا أنه إن بقي متعلقا بعين المأتي عنه كان طلب تحصيل الحاصل أو بغيره فلم يكن المأتي به كل المأثور به هف.
(2/33)

وثانيا: أنه يقتضي الحسن وما ذلك غلا بالصحة الشرعية.
وثالثا: أنه لو لم ينفض عن عهدته بذلك لوجب عليه ثانيا وثالثا فلم يعلم امتثال مع أنه لا يفيد التكرار.
ورابعا: أن قول المولى لعبده افعل ولا يجزئ عنك يعد تناقضا.
وخامسا: أن القضاء استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء والفرض أنه لم يفت شىء فاستدراكه تحصيل الحاصل لا يقال القضاء ليس عين الأول بل مثله فإما أن يوجب بالأمر الأول فلم يمتثل أولا بالكلية أو بأمر آخر فلا نزاع فيه، لهم أولا أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه حتى يجوز الصلاة في الدار المغصوبة والبيع وقت النداء فكذا الأمر.
قلنا لا نعلم أنه لا يقتضيه فيما فيه القبح وفي المثالين في مجاوره لا في ذاته فلذا جاز ولا نسلم الجامع وتعلق الطلب الجامع يشير مؤثرا في الحكم ولأن بينهما فرقا وهو أن الانتهاء عن الشيء يكون بترك شيء منه فيمكن أن يكون المطلوب ترك وصفه أو مجاوره، أما الامتثال به فليس إلا بالإتيان بجميعه، أما أن القياس بين المتقابلين فاسد لقياس العكس، نعم في إثبات الأصل بالقياس نزاع.
وثانيا أن كثيرا من العبادات الفاسدة يجب المضى فيهاكالحج والصوم الفاسدين، قلنا الإجزاء فيهما للأمر الوارد بإتمامهما لا بأصلهما إذ هو لفساده وجب قضاؤه والحج وإن كان فرض العمر يتضيق بالشروع ولا فرق فيه بين حج الفرض والنفل.
وثالثا. أن مقتضى الأمر فعل المأمور به وسقوط التكليف زائد، قلنا مقتضى المقتضى لما مر.
ورابعا: من صلى آخر الوقت متوضئا بنجس ظنه طهورا مأمور بها ولذا لا يأثم مع وجوب القضاء إذا ظهر نجاسته، قلنا ليس بمأمور بها إذا ظهرت ولا بالإعادة إذا لم تظهر لأن المأمور به صلاة بظن الطهارة لكن إذا تبين خلافه وجب مثله بأمر آخر والأول لا يقض وتسميته قضاء مجاز؛ لأنه مثل الأول بخلاف إعادة الحج الفاسد إذ لا استدراك للفائت هنا بل فعله في وقته على الوجه المأمور به كصلاة فاقد الطهورين، وكان المأتي به ثانيا واجبا مستأنفا بخلاف الفاسد ومما سلف يعلم أن المبحث هو الصحة بمعنى سقوط القضاء لا بمعنى حصول الامتثال به إذْ لا معنى لإنكاره عن مثل أبي هاشم؛ لأن حقيقة الامتثال ذلك.
الثامن: في أن إرادة وجود المأمور به ليست بشرط لصحته فكل ما علم الله وجوده
(2/34)

مراد أمر به أم لا وعند المعتزلة شرط فكل مأمور به مراد، وكل منهى عنه مكروه لله تعالى وجد أم لا لنا نحو: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} [الأنعام: 125]، {ِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34]، فالإضلال والإغواء وكذا الضلالة والغواية مرادة والمأمور به نقيضها ثم هي منهى عنها وليست مكروهة.
وكذا ما روي عنه عليه السلام وعن جميع الأمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والإجماع المتواتر حجة قطعية لهم أولًا قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31]، نفي إرادة الظلم للعباد وعندكم كل ظلم واقع مراده، قلنا اللام كمعنى علَى كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، أي لا يظلم عليهم.
وثانيا: قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فلم يخلق الكافر للكفر ولا العاصي للمعصية كما تقولونَ به، قلناَ عام خص عنه الصبيان والمجانين ليوافق قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179]، فمعناه إلا ليكونوا عبيد في أو المراد من الثقلين من علم الله أن يعبدوه منهما لا العموم. والأصح عندي والله أعلم: أن معناه ليطيعوني فيما هو المراد لا فيما هو المأمور به والمرضى أو لأن أمرتهم بالعبادة وغير لازم منه الفعل وهذا مروي محيي السنة عن علي رضي الله عنه وقيل في الدنيا أو في الآخرة ولكن لا على وجه التكليفك.
وثالثا: أن إرادة غير المرضى والأمر بما لا يريد سفه في الشاهد فكذا في الغائب قلنا لا لجواز اشتمله على عاقبة حميدة كالأمر بذبح إسماعيل عليه السلام حين قال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، أقلها إلزام الحجة بالطاعة أو المعصية.
التاسع: في أن جواز المأمور به يزول بزوال وجوبه بالنسخ خلافا للشافعي؛ لأن الوجوب يتضمنه أن يستلزمه وبطلان المتضمن بطلان للمتضمن أي من حيث هو متضمن، يونسه أن حصة الخاص من العام تستلزمه ولئن سلم فنسخ الوجوب بجميع أجزائه محتمل ولا ثبوت مع احتمال الانتفاء ولذا لما نسخ وجوب قطف الثوب عند إصابة النجاسة لم يبق جوازه، له أن الجواز هو رفع الحرج عن الفعل جزء عام للوجوب الذي هو رفع عنه مع إثباته في الترك وليس من ضرورة انتفائه انتفاء الجواز فلعله بانتفاء المنع من الترك فالناسخ لا يعارض اقتضاء الجواز كما في صوم عاشوراء.
قلنا: رفع الحرج عن الفعل والترك ليس جزؤه بل مناف لجزئه على أن الكلام فيما ليس فيه دليلان ليبقى أحدهما بلا معارض ومجوز صوم عاشوراء فعل النبي عليه السلام أو الشرع العام للصوم لا لأمر الأول والثمرة أن وجوب الكفارة سابقا على الحنث كما في
(2/35)

رواية: "فليكفر ثم ليأت" (1) منسوخ إجماعا فبقي الجواز عنده.
العاشر: أن القضاء بمثل معقول يجب بموجب الأداء لا بسبب جديد كما في غير المعقول خلافا للعراقين من أصحابه وصدر الإسلام وصاحب الميزان والشافعية، لنا أن النص الوارد في قضاء الصوم والصلاة معقول المعنى لأن واجبا ما إذا ثبت لا يسقط إلا بالأداء أو الإسقاط أو العجز ولم يوجد الأولان؛ لأن فوت الوقت مقرر للعهدة لا مسقط لها ولا الثالث في حق أصله الذي هو المعصود لقدرته على صرف ما له من النفل المشروع من جنسه إلى ما عليه ليفيد رفع الإثم وإن لم يفد إحراز الفضيلة كأداء ذي العذر وسقوط فضل الوقت للعجز لا إلى مثل من جنسه لعدمه ولا ضمان من غير جنسه غلا بالإثم عامدا غير مؤثر في سقوط أصله كضمان المتلف المثلي بالتتمة للعجز وأذل سني قضاء وكالديون المؤجلة بعد آجالها.
وسره: أن الوقت وأن قيد الواجب به نصبا لأمارة وجوبه ليس مقصودا فعني العبادة تعظيم الله ومخالفة الهوى كالمأمور بالتصدق باليمنى فشلت بخالف الواجب القدرة الميسرة فإن وصف اليسر مقصود ثمة فلذا يفوت بفوته وإذا عقل الحق بهما المنذورات المتعينة من الصوم والصلاة والاعتكاف فوجب قضاؤها قياسا لا عندهم أصلًا في روياة وبالتفويت لا الفوات بمثل المرض والجنون والإغماء في أخرى وبالفوات أيضًا في ثالثة فلا ثمرة في الأحكام والنص والقياس ليس موجبا جديدا بل النص لإعلام أن ما وجب بالسبب السابق غير ساقط فجزاؤه الإتيان في وقت آخركالنص الناطق برد المغصوب وإن شرف الوقت ساقط والمأتي به بعده كهو فيه والقياس مظهر لسببية السبب، وهذا أشبه بمسائلنا كقضاء الصلوات نهارا مع الإِمام جهرا والسرية بالليل سرا، وكقضاء السفرية في الحضر ركعين وفي العكس أربعًا.
أما اعتبار حال المصلي صحة ومرضًا في القضاء فلانعقاد أصل السبب في الفصلين موجبا للأعلى بتوهم القدرة ومجوزا الانتقال إلى الأدنى للعجز الحالي ولا تفاوت بين الأداء والقضاء في ذلك كالتيمم ابتداء أو بناء ولم يعتبر كمًّا النفل في قضاء المغرب ولا كيفية في قضاء الجهرية بالنهار جهرًا فإن الجهر والثلاث في النوافل بغير مشروع؛ لأن الشرع جوز مثل هذا الفعل في ضمن القضاء فعلا لا مطلقا كتعين أحد الواجب المخير وتملك الأب جارية الابن، وكذا قضاء الظهر بأربع ركعتاها بقراءة وركعتاها بدونها ولم يجز التسليم على رأس الأوليين ولا نفل كذلك.
__________
(1) أخرجه مسلم (3/ 1273) ح (1650).
(2/36)

وأما قضاء الفائتة عن أيام التكبير بدونه فلتبعية جهره في غيرها كفوت رمي الجمار
والجمعة والأضحية عن وقتها، وإنما بطل التكبير ببطلان وصفه لكونه مقصودا كأصله لأنه من شعائر الشرائع، ولنا أيضًا ما أشرنا إليه من أن الزمان غير مقصود بالأمر فلا يؤثر اختلاله في سقوطه وأن الوقت كالأجل فلا يسقط الواجب يمضيه وأنه لو وجب بأمر جديد لكان مأتيا به في وقته وأداء.
لا يقال: لو لم يقصد التقييد بالوقت لجاز التقديم عليه ولم يجز بخلاف أداء الدين وإنما لم يسم أداء لاشتماله على استدراك مصلحة فاتت، لأنا نقول عدم صحته قبل الوقت لوقوعه قبل السبب كأداء الشيء قبل الوجوب فإنه تبرع لا يقع عما سيجب أصلًا لا لأن للوقت مدخلا في مقصود العبادة والواقع في وقته لاستدراك المصلحة تكون إعادة لا قضاء فإن التميز بينهما بفوت الوقت مع أن المصلحة الفائتة إن أريد بها فضيلة الوقت فلا استدراك لها وإن أريد بها غيرها فتصديقه مسبوق بتصويرها.
قالوا: أولًا لو وجب بالأمر لكان مقتضيا للقضاء لأن الاقتضاء وهو مطلق الطلب الشامل للندب أعم من الوجوب فيلزمه واللازم منتف للقطع بأن وجوب صوم الخميس لا يقتض وجوب صوم وقت آخر، قلنا: إن أريد عدم الاقتضاء أولًا أو مع وصف الكمال فيسلم وغير مضر أو مطلقًا فممنوعٌ، وإنما يصح لو كان وصف الإيقاع في الخميس مقصودا في أصل الإيجاب وهو ممنوع ولو سلم فلا على تقدير الفوات.
وثانيا: لو اقتضاه لكان أداء ولكان بمثابة التخيير بين الوقتين قلنا إنما يلزم لو لم يكن اقتضاؤه على طريق جبر الفائت بتسليم ما بقي القدرة عليه.
وثالثا: لو اقتضاه كانا سواء فلا يعصي بالتأخير قلنا بعد الجوابين إنما يستويان لو لم يشتمل أحد المقتضين على التقصير.
ورابعا: إن مثل كل قربة عرفت قربة بوقتها لا يعرف إلا بنص وكيف يقاس وقد ذهب فضل الوقت قلنا مسلم ولكن الكلام في أن المشروع قربة في غيره حقا للعبد يجب إقامته مقام الفائت قياسًا على ما نص عليه الشارع معقول المعنى بخلاف ما لم يشرع مثله أصلًا كالجمعة والجهر بالتكبيركما مر.
قيل: هذا النزاع مبني على أن المطلق وقيده شيئان في الخارج كما في العقل واللفظ أو واحد يعبر عنه بالمركب وهو ينظر إلى أن التركيب بين الجنس والفصل وتمايزهما في العقل فقط أو وفي الخارج وتمم بأن الحق أن لا تركيب في الخارج وإلا لم يصح الحمل لاستنادها إلى وحدة الهوية الخارجية فالموجب بالأمر المقيد بالوقت شيء واحد في الخارج لا شيئان
(2/37)

إن فات أحدهما يبقى الآخر فالمأتي بعد فواته شيء آخر فلا يقتضيه الأمر الأول.
قلنا لا إن كل مطلق مع قيده كالجنس والفصل جعلهما واحد لاحتمال أن يكونا عارضا ومعروضا عروضا عرضيا كالحجر الأبيض فينفك أحدهما عن الآخر، ومنه المقيد كمعنى كالابن والواجب في صحة الحمل مطلق وحدة الهوية ولو اعتبارية لا الحقيقية فقط، ولذا صح على الإنسان حمل صفات النفس والبدن عند القائل بتباينهما ولو سلم فذا في الوجود المحقق والمعتبر في المشروعات الوجود الاعتباري، ولذا صح اتصاف أحدهما بالجواز والآخر بالفساد وحكم بالانفكاك بينهما ولهما إيجاب واحد كأنواع الصلاة وأصنافها وأشخاصها الواجبة بنص واحد على أنه إنما يعتبر القيد جزأ في المشروع إذا كان له مدخل في مقصوده كما مر.
فرع: نذر اعتكاف رمضان فصامه ولم يعتكف وجب القضاء باعتكاف شهر بصوم مقصود لا في رمضان آخر في الأصح، فعند العراقين بسبب حديد وهو التفويت لأنه كالنذر ابتداء ورد بوجوبه بالفوات أيضًا كما بمرض يمنعه من الاعتكاف لا الصوم المبطون ولا يمكن جعله كالنذر لعدم الاختيار وعندنا بالنذر السابق لأن الاعتكاف الواجب لا النفل في الأصح يتبعه صوم مقصود شرطا فالتزامه إلتزام لصوم للاعتكاف أثر في إيجابه غير أنه سقط عند الأداء بعارض راجح معارض فضيلة الوقت، أو فضيلة اتصاله بالصوم الفرض؛ لأن الفضيلتين مع منعهما إيقاع صوم آخر من عند العبد تجبران بنقصانه فإذا مانع العجز عن مثله إذْ القدرة بعد الوقت تستوي في الحب؛ والممات كعدمها كما في تضيق الحج وضمان المغصوب المثلي بالقيمة لانقطاعه بقي مضمونا بإطلاق نذره وصار كالنذر في المطلق حالتئذ، بخلاف ما إذا فات الصوم أيضًا حيث جاز الاعتكاف في قضائه لأن فضيلة الاتصال بالفرض باقية وخلف الشيء كهو.
وروى الحسن عن أبي يوسف - رحمه الله - سقوط الاعتكاف إذ لا يمكن قضاؤه إلا بصوم قصدي لم يلتزمه فيبطل كتكبير التشريق، وقال زفر: يصح قضاؤه في رمضان آخر؛ لأن الشرط يعتبر وجوده كيف ما كان لا قصدا كالطهارة وما اخترناه أحوط الوجوه الأربعة أي إيجاب القضاء بسبب الأداء بصوم قصدي أحوط من إيجابه بالتفويت لوجوبه بالفوات أيضًا ومن إيجابه في رمضان آخر وإبطاله أصلا؛ لأن الزيادة الحاصلة بشرف الاتصال بالوقت أو الفرض إذا احتملت السقوط الزوال فلأن تحتمل رخصتها نقصان الصوم والقصدي الثابتة به العود إلى الكمال أولى ووجوه الأولوية ثلاثة كون الانتقال من نقصان في الرخصة لازيادة واجتهادا في الإيجاب والإكمال لا الإجزاء بما ثبت وجوبه ولا
(2/38)

الإبطال، وإن السبب في سقوط الزيادة خوف الفوت بالموت فقط وفي زوال النقصان هو وموضوع النذر.
الحادي عشر: الأمر للمكلف أن يأمر غيره بشيء سواء كان بلفظ "أم ر" وبالصيغة ليس أمرا لذلك الغير به (1) كقوله عليه السلام: "مروهم بالصلاة لسبع" إلا لدليل على أنه مبلغ وإلا لكان قولك مر عبدك أن يتجر في مالك تعديا ومناقضا لقولك للعبد لا يتجر وليس إذ ليس المراد أمرا على طريق التعدي والواسطة لا ترفع التناقض قالوا فهم ذلك من أمر الله رسوله أن يأمرنا وكذا من أمر الملك وزيره به قلنا ثمة دلالة على أنهما مبلغان.
الثاني عشر: المطلوب بالأمر بالفعل المطلق الماهية بلا شرط لا يقيد الكلية اتفاقا لاستحالة وجوده، ولا بقيد الجزئية خلافا لبعض، لعدم التعرض لتشخصها وهذا معنى أن أصل المطلق أجراؤه على إطلاقه قالوا القاطع لا يعارضه الظاهر فإن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب، إذ لو وجدت وكل موجود فيها جزئي كانت كلية وجزئية قلنا إنما يقوم على استحالة وجود الماهية المطلقة أي الماهية بشرط الإطلاق والكلية لا مطلق الماهية وعدم التقييد بالجزئية ليس تقييد إعدامها، ومطلقا لا ينافي الجزئية سواء وجدت بذاتها لا بكليتها في ضمن الجزئيات، كمذهب الجمهور أو وجد ما يصدق عليه كما اختار بعض المتأخرين وقد مر.
واعلم أن المختار ها هنا صحيح لا مطلقا بل باعتبار مدلول، مادة المصدر الذي يتضمنه الأمر فلا ينافيه ما مر من وجوب رعاية الوحدة الحقيقية والاعتبارية عند انضمام الصورة إلى المادة في الاعتبار فلا تخطيء فيخطأ ابن أخت خالتك.
الثالث عشر: قيل: الأمر إن المتماثلان تأسيس إلا لمانع حالي مثل لام العهد في صل ركعتين صل الركعتين أو حالي في اسقني ماءً، اسقني ماء لدفع الحاجة بمرة غالبا وقيد الآمدي بقوله إن كان قابلا للتكرار احترازا عن مثل صم هذا اليوم مكررًا فإنه غير قابل للتعدى ويغني عنه العهد إما إذا كان الثاني معطوفا فاتفاقا لأن التأكيد بواو العطف لم يعهد أو يقل حتى لو اشتمل على قرينة التأكيد، كلام العهد وغيره يصار إلى الترجيح فإن أمتنع وجب التوقف وإما إذا لم يكن فلان وضع الكلام للإفادة لا للإعادة ولسان التأسيس أكثر والأكثر أظهر ولأن الظاهر في كل أمر الإيجاب والحق أنه تأكيد إلا لمانع كالعطف لأنه عند التكرير أغلب وأكثرية التأسيس حاصلة ممنوعة وفي غيره لا يفيد وكذا وضعه للإفادة
__________
(1) انظر إحكام الأحكام للامدي (2/ 267 - 268).
(2/39)

على إن الحقيقة العرفية متقدمة على اللغوية ولأن الأصل براءة الذمة عن الثانية إذ تقليل خلاف الأصل هو الأصل وظاهر الأمر مطلق الإيجاب لا الإيجاب المستأنف والاحتياط في الإيجاب معارض به في التأكيد عند التحريم كقوله للجلاد اجلد الزاني مائة مكررًا.
الرابع عشر: في أن الأمر المطلق عن دليل عينية الحسن وغيريته يتناول الضرب الأول من القسم الأول وهو حسن لعينه لا يقبل السقوط لوجهين:
1 - أن الأمر لما اقتضى الحسن ضرورة حكمة الأمر فكماله الحاصل الإطلاق يقتضي كماله.
2 - أن لما أوجب كون المأمور به عبادة حسنة لذاتها لكونها تعظيم الله فكذا كماله فالحسن الأول سابق، والثاني لأحق فغير الضرب الأول محتمله لا يصرف إليه إلا لدليل على جواز سقوطه كالصلاة أو شبهه بها كالزكاة أو غيره كالوضوء والجهاد وغيرهما وذهب شرذمة إلا أنه يثبت الحسن لغيره لأنه مقتضى ضروري ولا يثبت به إلا الأدنى.
قلنا: على الطريق الأخير موجب لا مقتضى ولئن سلم فالاقتضاء ينافي العموم لا الكمال وفيه الكلام.
فرع: قال زفر والشافعى: فأمر الجمعة يوجب حسنها وإن لا يشرع لمن تناوله كغير المعذور إلا هي، لأن فرض الوقت واحد منهما إجماعا ولما تعينت لدفع الظهر فلا يجوز هو ما لم يفت الجمعة ولمن لم يتناوله كالمعذور إلا الظهر فإذا أداه لم ينتقض بالجمعة ويردان لا يجوز لو أداها قبله وذا خلاف الإجماع فالصحيح عنهما إن المعذور مخير بينهما فأيهما أدى لا ينتقض بالآخر كمكفر اليمين بإحدى خصالها وقلنا الأصل مسلم والنزاع في كيفية تناول الأمر فلا نعلم لنها بنسخ الظهر وألا يقضى هو بل هي بأدائه بها وإقامتها مقامه فأمر غير المعذور بنقصه بها بعد أدائه وقبلها كما أمر بإمقاطه قبله وكيف لا يبقى الظهر مشروعا في حقه وللجمعة شرائط لا يتمكن من تحصيلها بنفسه فيجوز الظهر الذي أداه قبلها لأن عدم الوجوب لا يمنع الصحة غير أنه آثم للنهى عنه وهو لمعنى في الجمعة فلا يقتضي فساده وهذا متحقق في حق المعذور أيضًا لعموم النص لكن رخص له في تركها ترفيها ورخصة الترفيه تقرر العزيمة لا تسقطها كيف ولو لم ينتفض ظهره بعد ما صلى الجمعة بل فسدت هي عاد الترخيص على موضوعه بالنقض إذ هو حرج ليس في غير المعذور فكيف فيه أما إبطال الظهر فلا كمال ولذا لو شرع المعذور فيها وخرج الوقت قبل التمام يلزمه قضاؤه عتدنا استحسانا لا عندهما.
(2/40)

المقام الثالث في حكم النهى الذي يقابله
وفيه مباحث:
الأول: إنه لغة المنع ومنه الناهية للعقل (1) واصطلاحًا اقتضاء كف صيغي عن فعل استعلاء (2) فلا يرد كف عن الزنا منعا كما مر أو لأنه تحريم للفعل وإن كان إيجابا للكف فهو أمر ونهى بالاعتبارين وهذا لا يصح جواب في الأمر إذ يبقى قوله غير كف زائدًا وألا نسب أنه اللفظ الدال عليه واعتبر به كلا من مقابلات المزيفات السبعة مع اعتراضاته والخلاف في أن لمراده صيغة تخصه ولا يستعمل في غيره وهو الخطر لا الكراهة وبالعكس أو مشتركة لفظا بينهما فقط إذ لا قائل به فيما وراءهما وللمشترك معنى بينهما فقط وهو طلب الكف استعلاء أو للوقف بمعنى لا أدري كما في الأمر.
وفي التقويم لا وقف ها هنا وإلا لصار موجب الأمر واحدا ولا سبيل إليه وقد سلف تحقيقه ويخالفه في أنها للتكرار والدوام فينسحب حكمها على جميع الأزمان لأنه عدم ويلزمه الفور فيجب الانتهاء في الحال وفي أن تقدم الوجوب الكائن مثله قرينة على أنه للإباحة في الأمر عند البعض ليس كذا هنا فإن الأستاذ نقل إجماع القائلين بالحظر على أنه له بعده أيضًا وأن توقف الإِمام لقيام الاحتمال.
الثاني: أنه يقتضي القبح ضرورة حكمة الناهي فهو مدلوله لا موجبة خلافا للأشعري كما مر ثم مطلقة عن دليل العينية أو الغيرية أن كان عن الحسيات وهي ما لا يتوقف تحققه على ورود الشرع كالقتل وشرب الخمر والزنا وعلامته صحة الإطلاق اللغوي عليه على أنه حقيقة يقتضي القبح لعينه إلا دليل نحو {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، فإن النهي للأذى ولذا يثبت به الحل للزوج الأول والنهيب وتكميل المهر وإحصان الرجم ولا يبطل به إحصان القذف وإن كان عن الشرعيات كالصلاة والبيع والنكاح والإجارة ونحوها مما زيد في حقيقته أشياء شرعا كانت غير معتبرة لغة، فالقبح لغيره عندنا فيفيد الشرعية أصلًا والقبح وصفا لكن مع رعاية إطلاقه في إفادة التحريم وحقيقته في بابه على اختيار العبد إلا لدليل يقتضي العينية كنكاح منكوحات الآباء وبيع الملاقيح هي ما في أرحام الأمهات والمضامين هي ما في أصلاب الآباء وعكسه للشافعي - رحمه الله - واجبا ومحتملا فجعله دالا على بطلان نفس المنهي عنه فقيل شرعًا وقيل
__________
(1) انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي (4/ 398).
(2) انظر فواتح الرحموت شرح مسلم (1/ 395)، إرشاد الفحول للشوكاني (1/ 377).
(2/41)

لغةً، وقال أبو حسين البصري يدل عليه في العبادات دون المعاملات فتنافي الأجزاء وهو موافقة الأمر أو سقوط القضاء لا السببية وهي استتباع المعاملة أثرها فإن مقابله وهو الصحة يستعمل في الأمرين وقيل لا يدل إلا على فساد الوصف ولا على صحة الأصل فهذه خمسة مذاهب.
لنا أولًا أن النهى للانتهاء بالاختيار فيعتمد إمكانه وتصور صدوره من العبد ليثاب بالإحجام ويعاقب بالإقدام ولما لا أصل له حسًّا وشرعًا فهو ممتنع كالمنسوخ فلا يتعلق النهي به كف وامتناع مثله بناءً على عدمه وعدم المنهي عنه بناء على الامتناع ولذا لا يثاب على الأول كمن لا يشرب الخمر لأنه لا يجده فهما في طرفي نقيض لأي مما يتنافيان فلو ثبت القبح الذاتي مقتضى له كان المقتضي مبطلا لمقتضيه ومخرجا له عن حقيقته إلى النسخ وفي أبطاله أبطال نفسه فيتناقض، ومحصله توجيهان:
1 - أن المنهي عنه إذا لم يكن صحيحا بأصله لم يكن شرعيا ومعتبرا شرعا لكن المنهي هو الصوم والصلاة الشرعيان لا الإمساك والدعاء أو نقول وكل ما لم يكن شرعيا كان ممتنعا ومنسوخا فلا يكون منهيا لاختلافهما حدا وحقيقة وخاصة وحكما، ورد بأنه أنما لا يتصور ويكون ممتنعا لا شرعيا لو أريد بالشرعي المعتبر شرعا أما أريد ما يسمد الشرع بذلك وهو الصورة المعينة أي المشتملة على الأركان صحت أم لا، أي اشتملت على الشرائط أيضًا أم لا وذلك هو الحق وإلا لزم دخول شرائط الشيء فيه إذ بها اعتباره فيتصور ولذا يقال صلاة صحيحة وفاسدة وقال عليه السلام، دعي الصلاة أيام أقرائك.
2 - أنه إذا لم يكن صحيحا لم يكن شرعيا بل كان ممتعا فلم يتعلق الابتلاء بالنهي عنه لعدم تصور الإقدام والإحجام بالاختيار وإلا كان النهي نسخًا وليس كذلك إجماعًا وربما يوضح الملازمة الثانية بأن منع الممتنع لا يفيد، ورد بأنه إن أريد بالشرعي المسمي بذلك فالملازمة الأولى ممنوعة لأنه ليس ممتنعا وإن أريد المعتبر شرعا فالثانية لأن امتناعه علم بهذا النهي ومنع الممتنع بهذا المنع مفيد كتحصيل الحاصل هذا التحصيل.
والجواب عن الأول أن الكلام في النهي عن الشرعي فأن كان مجرد الصورة كان هو المعتبر في الثواب باجتنابه، والعقاب بارتكابه وليس الصورة بدون الشرائط كصورة الصلاة بدون النية والاستقبال وغيرهما والبيع بدون المال عبث وذلك لأن مفسدة النهي في الإتيان بالمجموع لا بمجرد الصورة وإلا لكان كل واحدكل لحظة مثابا بترك صور المناهي اللامتناهية وإن لم تنعقد أسبابها وشرائطها التي لم تخطر بالبال شيء منها وليس كذلك إجماعًا ولا يلزم الإثم بالسجدة بدون الطهارة لأنها حسية لا شرعية وتسمية الباطلة
(2/42)

بالصلاة مجازية، وكذا النهى عن النفط في دعي الصلاة {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22]، ومن هذا يعلم أن شرائط الشيء داخله في شرعيته لا وجوده.
وتحقيقه كونه مقيدًا بها وكون المطلق مع قيوده حقيقة واحدة اعتبارية فليس هذا النزاع مبينا على أن الشرط داخل في حقيقة السبب ومانع عن انعقاده سببا عندنا وعن تأثيره لا تحققه عنده كما ظن إذ لا حاجة هنا إلى دخوله في حقيقة المشروط أو سببه بل في شرعيته مع أن الحق في تلك المسألة أيضًا مذهبنا كما سيتضح.
وعن الثاني أنا لا نعلم أن امتناعه علم بهذا النهي وأنما يصح لو صح تعلق النهى به وكيف يصح، وتعلقه به يخرجه عن حقيقته.
أما الجواب بأن تصور اللغوي أو الشرعي حاله النهي كاف لصحته ففاسد للقطع بأن النهى ليس عن الإمساك المطلق والدعاء وبأن التصور في وقت الانتهاء عن الفعل وهو المستقبل هو الواجب والمعتبر كما في الأمر له أن حقيقة النهى في اقتضاء القبح كالأمر في اقتضاء الحسن فكما كان المأمور به حسنًا لمعنى في عينه إلا لدليل يكون المنهي عنه قبحا لعينه إلا له بناء على أن المطلق يتناول الكامل إذا القاصر ثابت لا من وجه لا قياسا في اللغة فمن جعل مجازا في الأصل حقيقة في الوصف عكس الحقيقة وقلب الأصل هذا معتمدة أما التمسك باستبدال العلماء بالنهى على الفساد وبأنه بناء على تبعية الأحكام لمصالح العباد تفضلا أو لم يفسد، فإن ساوى حكمه النهى حكمه الثبوت تعارضنا وخلا النهى عنها أو كانت مرجوحة فأولى لفوات الزائد من مصلحة الصحة الخالص عن المعارض أو راجحة فامتناع الصحة لخلوها بل لفوات الزائد من مصلحة النهى الخالص عنه فإنما يفيد أن اقتضاء القبح في الجملة ولا نزاع فيه ولتفريعه طريقان:
1 - أن الرضا بالمشروع أدني درجاته لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]، والتوصية المبالغة في الأمر المقتضي للرضا ولأن المقصود من الشرع الهداية إلى السعادة العظمى وهي رضاء الله تعالى، ثم القبح ينافي الرضا وإن لم يناف المشبه والقضاء كالكفر والمعاصي ومنافي اللازم مناف للملزوم فالقبيح لا يكون مشروعا فالنهى عن التصرف الشرعي نسخ له بما اقتضاه من التحريم السابق.
2 - إن حكمه وجوب الانتهاء وكون الارتكاب معصية لا طاعة في العبادة ومشروعا في المعاملة لتضاد بين الأوليين، وتناف بين الآخرين فإن كل مشروع لا معصية فكل معصية حسيا كان أو شرعيا لا مشروع ولذا لم يفد الزنا حرمة المصاهرة وهي الحرمات الأربع فإن المصاهرة نعمة أمتن الله بها وكرامة كالنسب ولذا تعلق به الكرامات من
(2/43)

الحضانة والنفقة والإرث والولايات وكذا حرمتها صيانة للمحارم عن مذلة النكاح الذي فيه ضرب استرقاق، ولا لغضب واستيلاء الكفرة على مال المسلم بالإحراز الملك وسفر المعصية كالإباق وقطع الطريق والبغي الرخصة وهي نعمة لدفع الحرج، ثم النعمة لا تنال بالمحظور المحض بخلاف الوطء بشبهة النكاح الفاسد والجارية المشتركة ولا يرد لزوم الاغتسال وفساد الصوم والإحرام والاعتكاف بالزنا إذ ليست نعمة ولا لزوم المضي على المحرم مجامعا أو المجامع بعده مع فساد الإحرام لأنه منهي لغيره المجاور وهو الجماع مطلقا مقارنا أو معاقبا حلالًا أو حراما فينبغي أن لا يفسد به كالصلاة في المغصوب لكنه محظورة كالكلام والحدث للصلاة فيفسد وينبغي أن لا يبقي غير أنه لازم شرعا عقوبة بخلاف الصلاة فأثر في إيجاب القضاء لا في ترك الأداء والمقارن لم يعتبر مانعًا مع أن المنع أسهل من الرفع؛ لأن محظوريته فرع اعتبار الوجود للإحرام ولا الطلاق في الحيض أو في طهر الجماع مع ترتب الفرقة؛ لأن نهيهما للمجاور وهو تطويل العدة وتلبيس أمرها أهي بوضع الحمل أو بالأقراء أو تلبيس النفقة إذْ لو لم يكن حاملًا في البائن لا يجب النفقة عنده ولا لزوم كفارة الظهار لأنها جزاء حرام كالقود والرجم والكلام في حكم مطلوب تعلق بسبب مشروع له كالملك بالبيع ولترتب فروعه هذه على ماريتنا عليه اندفعت المناقشات الواهية.
قلنا: على دليله نعم لولا التناقض ببطلان المقتضي ورفع الابتلاء بذلك فما ذكرنا عمل بمقتضى النهي وهو القبح والمنهي وهو الإمكان ورعاية لمنازل المشروعات وحدودها وعلى وجهي التفريع قبح التابع لا ينافي الرضا بالمتبوع بالاعتبارين أي يجوز كون الشيء مأمورا به ذاتا ومنهيا عنه عرضا فإن المشروعات تحتمل هذا الوصف كما مر من الإحرام والطلاق الفاسدين والصلاة في المغصوب والبيع وقت النداء، والحلف على محظور.
أما الأقسام الثلاثة الباقية منها ممتنعان وقسم واقع لكن لا يتأدى به المأمور به أمرا مطلقا بخلاف الوضوء بماء مغصوب ولأثم إن كل مشروع وطاعة لا معصية من كل وجه ولا سيما في المعاملات الفاسدة المترتبة إحكامها ولئن سلم فالقبح ينافي الرضا والمشروعية في موضوعه لا مطلقا والكلام في إنه الذات أو الوصف وعلى فروعه أما ثبوت حرمة المصاهرة فلكون الزنا كالوطء الحلال سبب الماء وهو سبب الولد المعصوم وجودًا وهو سبب البعضية التي بها الحرمة فإن الاستمتاع بالجزء حرام إلا لضرورة النسل حكيما كان كما في الموطأة، أو حقيقيًّا كما في حواء رضي الله عنها وتسري إلى أبيه وأمه لأضافته
(2/44)

بكماله علي كل منهما وإلي أسبابه ودواعيه احتياطا ولم يسر إلى ما بين الأجداد والجدات إذ لضعفه لكونه حكيما لم يظهر في الأباعد وعمل مثله لا لوصف نفسه ككونه زنا بل لعله أصله وهو الولد كالتراب وهو لا يوسف بالحرمة وذمه بانخلاقه من امتزاج بين مائين غير مشروع لا معنى له.
وقوله عليه السلام "ولد الزنا شر الثلاثة" (1) كان مراده عليه السلام به مولود معين والأقرب ولد الزنا أصلح من ولد الرشدة ولهذاكان مثله في استحقاق معظم الكرامات وأما ثبوت الملك بالغصب فشرط للضمان المحتمل وجوبه فيتبع مشروطة حسنًا لآن للفائت ولئلا يجتمع البدلان في ملك، وإن قبح لو كان مقصودا لكن يعتبر مقدما على الضمان لأنه شرط مقتضى وملك البدل مترتب عليه فلذا ينفذ بيع الغاصب ويتسلم الكسب؛ لأنه كالزوائد المتصلة تبع محض يثبت بثبوت الأصل بخلاف المنفصلة كالولد والثمر فلكون زوال الملك ضروريا لا يتحقق فيها وهذا وإن كان بدل خلافة كالتيمم لا بدل مقابلة كالثمن ومن شأنه أن لا يعتبر عند القدرة على الأصل كما إذا عاد العبد الآبق أعتبر ها هنا لاتصال القضاء بزوال الملك عند الحكم بالضمان احترازا عن اجتماع البدلين في ملك وعند حصول المقصود بالبدل لا عبرة بالقدرة على الأصل كمن صلى بالتيمم ثم وجد الماء ولا يرد ضمان المدير مع عدم الملك؛ لأنه يزيل ملك المولى تحقيقا لشرطه ولا يملكه الغاصب صونا لحقه كالموقف ولم يكتف بالإزالة في جميع الصور وبها يندفع ضرورة اجتماع البدلين لأن الأصل مملوكية المال وأن يكون الغرم بأن الغنم فلا يرتكب إلا لضرورة أو يجعل ضمانه مقابلا لفوت اليد وذا جائز حال العجز والضرورة بخلاف القن.
وأما النهي عن استيلائهم فلغيره وهو عصمة المحل الثابتة لحقنا دونهم لانقطاع ولاية التبليغ والإلزام عنهم فصاركالاستيلاء على الصيد ولئي سلم ثبوتها في حق الكل لكن سببها وهو الإحراز باليد أو الدار قد يناهي بإحرازهم فسقطت في حكم الدنيا ولا يرد أنها متحققة في ابتداء لاستيلاء فلا يقيد زوالها بعده كمن أخذ صيد الحرم وأخرجه لا يملكه ويجب الضمان بالهلاك في يده وكمن اشترى خزا فصارت حلا لا ينعقد البيع؛ لأن
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (2/ 233) ح (2853) وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى (10/ 57)، وأبو داود (2914) ح (3963)، والنسائي في الكبرى (3/ 178) ح (3930)، والطبراني في الأوسط (7/ 210) ح (7294)، والحارث في مسنده (514/ البغية)، الطبراني في الكبير (10/ 674).
(2/45)

الأصل أن الفعل الممتد كابتدائه حكم البقاء كلبس الخف في حق المسح ولبس الثوب في حق الحنث فكان بعد الإحراز كابتداء الاستيلاء على مال مباح، وكذا صيد الحرم فإنه يملك بعد لإخراج حتى ذكر في الجامع جواز بيعه ولو أكله بحل إلا أنه يجب الجزاء صيانة لحرمة الجرم بخلاف شري الخمر فإنه غير ممتد، وهذا بخلاف استيلائهم على رقاب المسلمين؛ لأن سبب عصمة الأنفس وهو الإِسلام لم ينه بالإحراز.
وأما سفر المعصية فليس منهيا لعينه بل لمجاورة من قطع الطريق والتمرد على المولى ولذا يفترقان بتبديل القصد إلى الحج وإن أذن المولى وبالإغارة ونحوها بمسافة يوم.
فروعنا:
1 - شرع أصل بيع العبد بالخمر؛ لأن الثمن وصف للزومه لا أصل ومحل لكونه وسيلة إلى ما ينتفع بذاته ولذا لا يشترط وجوده فضلا عن تعينه ولا قدرة تسليمه ولا بقاؤه في الإقالة وجاز استبداله بخلاف المبيع فالفساد فيه كالخمر فإنه مال؛ لأن فيه مصلحة الآدمي لا متقوم إذ ليس بواجب الإبقاء بعينه أو كمثله أو بقيمته يفسد ولا يبطل لعدم الخلل في ركنه، وهو الإيجاب والقبول من الأهل في المحل وكذا بيع الخمر بالعبد معينين؛ لأن كلا يصلح ثمنا فيصرف إلى الخمر فينعقد في العبد فاسدا ويثبت الملك بالقبض بالإذن لا في الخمر فلا يثبت به وكذا إذا لم يعين الخمر إذا يجعل ثمنا كبيع خل غير معين لعبد معين أو دراهم بثوب معين بخلاف بيع الخمر الدراهم أو الدنانير لتعينه مبيعا والميتة وجلدها في المسألتين إذ ليس بمال وإنما يحصل المالية بصنع مكتسب ولا متقوم فيبطل ولو قضي بجوازه لا ينفذ، قيل: هي الميتة حتف أنفها؛ أما المخنوقة والموقوذة والمجروحة ففاسد لحلها عند المجوس وإذا يصح فيما بينهم عند أبي يوسف خلافا لمحمد.
2 - نهى الربا مرادا به العقد وهو معاوضة مالين في أحدهما فضل والبيع بشرط لا يقتضيه العقد ولأحد المتعاقدين أو المبيع المستحق نفع فيه فالنهي للفضل أو الشرط وهو وصف للزومه شرطا ولا اختلال في أصله وهو الإيجاب والقبول من الأهل في المحل فيوثر فساد الوصف في دفع وصف الأصل وهو أنه حلال جائز فصار حراما فاسدا والملك يحتمله كمحك صيد الحرم والخمر وجلد الميتة مع حرمة الانتفاع بها واشترط التقوية بالقبض لضعفه كالتبرعات وللفرق بينهما بأن المفسد في صلب العقد في البيع لم يعد صحيحا بإسقاط الفضل بخلاف إسقاط الأجل المجهول.
3 - كذا فساد شهادة من حد قذفا فلا يصح وصف أولهما فلا يقبل ويخرج منهن
(2/46)

أهلية اللعان لكن لاتصال حتى ينعقد النكاح بها كما بشهادة الأعمى إذا لا يتوقف على الأداء.
4 - كذا صوم يومي العبد وأيام التشريق فالنهى لمعنى الإعراض عن ضيافة الله تعالى فيفسد لوصفه وهو كونه يوم عيد، وبيانه: أن المتناول مشتهى بأصله طيب بوصف الضيافة لتركه طاعة بأصله في وقته معصية بوصفه وهو الإعراض عن الضيافة كالجوهر الفاسد وكذا يصح لخلوه عن المعصية ذكرا حتى لو قال لله على صوم يوم النحر لم يصح نذره في رواية الحسن كقولها لله علي صوم أيام حيضي بخلاف قوله غدا وكان يوم النحر، وبخلاف ضرب أبيه أو شتم أمه إذ لا جهة لغير المعصية فلا يصح النذر به أصلًا لا لشروعه في ظاهر الرواية لاتصاله بها فعلا وصح صلاة وقت المنهي لعراء أركانها وشروطها عن القبح حتى الوقت بأصله والفساد في وصفه لنسبه إلى الشيطان كما في بطن عرنة ووادي محسر في المكان وحديث الرغم معرفة لا تسمع في مقابلة الحديث غير أن الوقت ظرفها لا معيارها، فصارت ناقصة لا فاسدة فتضمن بالشروع بخلاف الصوم لقيامه بالوقت فإنه معياره وجودا ويذكر في حده تعقلا وقد يفرق بأن جزء الصوم ككله اسما فلا ينعقد شروعه للنهي بخلاف الصلاة إذ أولها ليست صلاة إلى السجدة وتبين الحلف بهما ولنقصانها للسببية لا يتأدى بها الكامل بخلاف الصلاة في المغصوب إذ ليس المكان سببا ولا وصفا فلا يورث فسادا ولا نقصا بل كراهة لتعلق نهيه بالشغل المجاور لا كما قال أحمد والزيدية وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري والإمام الرازي أنها لا تصح؛ لأن الصلاة حركة وسكون والشغل جزء منهما وجزء الجزء جزء والنهي الجزئي مبطل؛ لأن مصداق الجوار الانفكاك وهو حاصل.
ويويده إجماع السلف على أنهم ما أمروا الظلمة بقضاء الصلوات المؤدات في المغصوب ولا نهوا عنها إذ لو وقع لانتشر، وفيه بحث لأن الجزئية إذا صحت تنافي الانفكاك إذ لا كل بدون الجزء.
وتحقيقه: أن المعتبر في جزئية الصلاة شغل ما ولا فساد فيه وإلا لفسد كل صلاة بل في تعينه المكاني بل من حيث اتصافه بالتعدي وذا مما ينفك عن ذلك الشغل المعين بتعين مكانه بأن يلحقه إذن مالكه أو ينتقل ملكه إلى المصلي أو إلى بيت المال ولا يجيء مثله في الصلاة في الوقت المكروه؛ لأن نقصانه للسببية ولا في الصوم لأن تعين الوقت معتبر فيه بالوجهين وبه يعرف أن الوقت سبب للنوافل أيضًا إذ الكلام فيها إذكل وقت داع إلى الشكر فيه.
(2/47)

5 - كره البيع وقت النداء؛ لأن ترك السعي مجاور قد يقترفان بخلاف بيع الحر والمائن ونكاح المحارم وأزواج الآباء وصوم الليل فإن النهي فيها مستعار للنفى لفقد المحل ونسخ صوم الليل؛ لأن الوصال غير ممكن فتعين النهي للابتلاء لأنها المعنية لشهوة البطن غالبا، والفرج يتبعه لأنه وجاء إلا أنه لو واصل بالنية في رمضان تأدي لأن القبح في المجاور وهو الإمساك في الليل بخلاف صوم يوم النحر والمنفي في قوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود نكاح الشرعي، فلا خلف ولا حمل على النهي وإنما يسقط الحد ويثبت النهيب والعدة لشبهة العقد، أو نقول أريد النهي لكن مع الدليل على بطلانه فإن النكاح ملك ثابت لضرورة النسل ولذا لا يظهر أثره فيما وراء ذلك فلو قطع طرفها أو آجرت نفسها أو وطئت بشبهة فالأرش والأجرة والعقر لها لكن لا ينفك عن الحل لأنه المقصود والنهي يقتضي تحريما يضاده فبطل بالمضادة بخلاف البيع الموضوع لملك العين والحل تبع حيث لا يضاده تحريم الاستمتاع لجواز اجتماعه مع الملك كما في المحرم كالأمة المجوسية وفيما لا يحتمل الحل أصلًا كالعبد والبهائم.
للقائل بدلالته على البطلان لغة استدلال العلماء به عليه وإنه نقيض الأمر المقتضى للصحة فيقتضى نقيضها، ورد الأول بمنع دلالته استدلال لهم على البطلان اللغوي بل الشرعي.
والثاني: بأن اقتضاء الأمر الصحة شرعي فكذا اقتضاء النهي سلمنا لكن المتقابلات جاز اشتراكها في لازم واحد فضلا عن التناقض سلمنا لكن نقيض اقتضاء الصحة عدم اقتضائها لا اقتضاء البطلان وفي الكل نظر، فإن استدلالهم لا بد من الانتهاء استقراء موارد اللغة ولا سيما قبل تدوين قواعد الشرع ومنه بعلم أن اقتضاء الأمر الصحة لغوي والاستدلال على تناقض مقتضاهما ليس بمجرد التناقض المراد به التقابل بل بالعرف المستمر على أن الأثر المطلوب بإحداهما نقيض المطلوب بالآخر وقد مر، وعدم الاقتضاء ليس أثرا والكلام في أثرهما والحق أن اقتضاءهما مطلق الصحة والبطلان لغوي، والشرعيين شرعي مستفاد من اللغوي، وللنافي للبطلان مطلقا أنه لو فعلت لكان مناقضا للتصريح بصحته لكن يصح نهيتك عن الربا العينة ولو فعلت لعاقبتك ولكن يثبت به الملك. قلنا: الظهور في الشيء لا يمنع التصريح بنقيضه الصارف عنه، ولأبي الحسين أن المنهي عنه في العبادة معصية فلا يكون مأمورًا به وإن نهي لمجاوره لا في العاملة فإن اللامشروعية لا تنافي المشروعية من وجهين قلنا كذا المأمور به ذاتا القبح صفة كما مر على أن المأمور به مطلق الفعل وأن لم يتحقق إلا في المعنيات، فالتعينات غيره مجاز القبح
(2/48)

فيها دونه.
(تتمة) كذا المنهي عنه لوصفه كعقد الربا أمر إذا بنهيه نهي الفضل يكون مشروعا بأصله دون وصفه بالأولى خلافا لكثير منهم الشافعي رحمه الله تعالى قال نهي الوصف يضاد وجوب الأصل لأن نفى اللازم ملزوم نفى الملزوم قبل معناه أنه ظاهر في عدم وجوب أصله لأنه يضاده عقلا وإلا ورد نهي الكراهة لأنها كالحرمة ضد الوجوب وقد جامعته في الصلاة في المغصوب والصوم يوم الجمعة مفردا، وليس بوارد لأن الفارق اعتبار اللزوم في الوصف لا في المجاور قلنا لا ضرورة صارفة عن أصلنا إلا عند الدلالة على القبح العيني أو الجزئي فإن صحة الإجراء والشروط كافية في صحة الشىء وإن لم يصح أوصافهما وترجيح الصحة وهو الأصل باعتبار الأجزاء أولى من ترجيح البطلان باعتبار الوصف الخارجي لها ككون وقت صوم العيد يوم ضيافة الله تعالى فإنه وصف لمطلق النهار المعتبر لمعاينته جزءًا في الصوم فجعل وصف الجزء وصفا للكل بخلاف وصف وقت الصلاة في الأوقات المكروهة وهو كونه منسوبا إلى الشيطان إذا الوقت لظرفيته لم يعتبر جزأ فيها فجعل وصفه مجاورا لا مؤثرا في فساده بل نقصانه لسببيته، فهذا اتضح الفرق {حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51]، وقبح اللازم ليس عدمه وليعلم أن قبح الصلاة في الوقت المكروه جعله البعض للوصف ففرق بينها وبين صوم العيد بالظرفية والبعض للمجاور ففرق بينها وبين الصلاة في المغصوب بالسببية وعليك بالاختيار بعد الاختيار.
الثالث: أنه يوجب دوام ترك المنهي عنه إلا لدليل ولذا لم يزل العلماء يستدلون به عليه في كل وقت قالوا قد انفك الدوام عنه في نحو نهي الحائض عن الصلاة والصوم قلنا نهي مقيد مع عمومة لأوقات الحيض والكلام في المطلق.

الفصل الثاني في العام
وفيه مقامات:

الأول: في حكمه وفيه بحثان:
أحدهما فيما قبل التخصيص: هو: أن يوجب الحكم وضعا فيما تناوله يقينا وقطعا الخاص هو المذهب عند العراقين من مشايخنا بدليل قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الخاص رضي الله عنه لا يقضي عليه بل ردما ينسخ الخاص به كحديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه بحديث استنزاه البول محلي باللام وقوله ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة أي عشر لأن الزكاة تجب فيه إن بلغ قيمته نصابا بقوله ما سقته السماء ففيه العشر فلا يشترط بلوغ الخمسة كما عندهما فإن علم تراخي العام فيهما فذاك وإلا حمل على المقارنة وثبت حكم التعارض فرجح المحرم أو لم ينسخ منه شيء والمتفق
(2/49)

على العمل به إذا وجب العشر فيما وراء الخمسة بالعام كما نصفه عند كرة المؤنه بالدالية أو يرجح العام مطلقا احتياطا وذكر محمَّد شبيهه في الوصفية بخاتم ثم بالفص لأخر أن الحلقية للأول والفص يستهمانه مفصولا.
وإن كان للثاني موصولا والأشهر أنه قوله خلافًا لأبي يوسف وقيل قولهم، وقالوا القول لمدعي العموم في المضاربة للترجيح بدلالة عقد الاسترباح بعد قيام المعارضة، ولذا عم بالإطلاق ولم يفسد بعدم التنصيص على التخصيص كالوكالة وعند بعضهم صيغ العموم حقيقة في أخص الخصوص ومجاز في العموم، وقال الأشعري تارة بالاشتراك وأخري بالوقف حتى يقوم الدليل على المراد وقيل بالوقف في الأخبار دون الأمر والنهي وقال القاضي بالوقف بمعنى لا أدري لوضعت لشىء منهما أو بعد العلم بالوضع في الجملة أوضعت للعموم منفردا فيكون حقيقة فيه فقط أو وللخصوص فتكون مشتركة، أو للخصوص فقط فيكون مجازا وقال الشافعي يوجب العموم لا على اليقين وهو مذهب مشايخ سمرقند منهم علم الهدي والثمرة مع الأولين في نحو لفلان علي دراهم فيجب الاستفسار عند الواقفية كعلي شىء وثلاثة عند المخصصين لأنها الموجب وعندنا لأنها الأقل بعد استحالة إرادة الجميع ومع الشافعي رضي الله عنه وغيره أن غير المخصص من الكتاب والسنية المتواترة لا تخصص بغير الواحد كما بالقياس لأنهما ظنيان فلا يعارضانه والتخصيص بطريق التعارض فلا تخصص متروك التسمية عامدا بمثل حديث عائشة رضي الله عنها والبراء وأبي هريرة كما بالقياس على الناسي إذ الناسي لم يخص منه بل أقيم ملته مقام الذكر كالتيمم مقام الوضوء والعامد لكونه معرضا قصدا لا يستحق التخفيف فلا يصح قياسه ولأن النسيان لكونه من قبل صاحب الحق مرفوع حكمه بالحديث كما في الإفطار ناسيا فكأن الترك لم يوجد، وحديث عائشة لنا لأن سوألها عند الشك في التسمية دليل أنها من شرائط الحل عندهم وفتواه عليه السلام بالإباحة بناء على ظاهر أن المسلم لا يدعها كالمشتري في سوق المسلمين.
وإن احتمل ذبح المجوسي وحديث البراء وأبي هريرة محمول على النهييان بدليل ما قد يروي وإن تعمد لم يحل وكون المراد بالآية ما ذبح لغير الله مطلقا اختيار الكلي أو للأوثان اختيار العطاء أو الميتة والمنخنقه اختيار ابن عباس رضي الله عنه بدليل {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، وأنه يقبل شهادة آكل متروك التسمية محمدًا وليجادلوكم فإن مخاصمتهم كانت في أكل الميتة قائلين: تأكون مقتول ربكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون فإن الكفر باستحلال الميتة لا متروك التسمية غير قادح لما سيتحقق أن العبرة
(2/50)

لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لا سيما عند ترتب الحكم على الوصف الصالح للعلبة وأكل من اعتقد الحرمة متروك التسمية كالحنفي فسق يرد شهادته وإنما لا يرد شهادة غير معتقدها التأويله كما لا يحرم الباغي عن الميراث بقتل العادل لتأويله، ولا المرضعات في {أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] بحديث ابن الزبير رضي الله عنه، مع أنه لا يثبت خمس رضعات إلا يعدم القائل بالفصل إذ العطف بولا لتأكيد النفى السابق ولا بما روته عائشة مع أنه لا يجوز العمل بالقراءة الشاذة ولا يجعلها خبرًا كما مر إلا على وجه الإلزام ولا المسافر للعصيان في الترخيص بالقياس بجامع أن النعمة لا تنال بالمعصية.
ولا الأصواف والأوبار في الميتة بشيء مع أنا نمنع كونها أجزاء للميتة إذ لا موت فيها لعدم الحياة ولا الأيامى والصالحون من العباد، في الجبر فيجبر العبد كالجارية بقياسه على المكاتب مع أنه حر يدا وجبر الطالحين بالدلالة أو بعدم القائل بالفصل ولا مالك ذي الرجم المحرم في العتق بقياس غير الولاد على بني العم بجامع جواز الشهادة ووضع الزكاة. ولا داخل الحرم بنحو حديث أنس كما بالقياس على منشئ القتل فيه إذ لم يخص منه لأن كان بمعنى صار بدليل التعليق بالدخول فلو التجأ مباح الدم بردة أو زنا أو قصاص أو قطع لا يقتل ولا يؤدي بضرب بل لا يطعم ولا يسقي ليخرج ولا على الأطراف لأنها كالأموال إذ يجري فيها الإباحة دون النفس والضمير في كان لنفسه دون ماله وطرفه وقتل ابن خطل حين أحلت مكة للنبي عليه السلام كما ورد به الأثر ولئن ثبت زيادة ولا فارا بدم فمعناه لا تسقط عقوبته وتقييده بالأمن من الذنوب أولى منه العمل بالعموم ما أمكن وضمير من دخله أما للبيت فإذا حصل الأمن بدخوله حصل بدخول حرمه لعدم القائل بالفصل هذا إن لم يصر آمنا بدخوله كما عند بعض الشافعية بل يخرج لئلا يتلوث ثم يقتل وأن صار آمنا كما عن بعضهم فبطريق إلحاق حرمه به لا تصادفه بالأمن في حر ما آمنا والبلد آمنا والإجماع على أمن الصيد وإن لم يلزم كون التبع كالمتبوع كما في القبلية وأما لأنه للحرم وأن لم يذكر لذكر متبوعة لقول المفسرين واستدلالهم بقوله {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97]، وهو في الحرم وكون المراد متعبدة مع أنه ليس قول من يعتد به ينافيه ظاهر كونه بيان الآيات لأن الظاهر أنها ظهور أثر قدمه في الصماء وغوصه إلى الكتب وبقاؤه إلى الآن.
ولا الإهاب فيطهر جلد الميتة به خلافا لمالك مطلقًا والشافعي في جلد غير مأكول
(2/51)

اللحم بقوله "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" (1)، أما لأن الأول نص في الطهارة وهذا يحتمل عدم الانتفاع ببيعه وأكله يؤيده حديث ميمونة إنما حرم من الميتة أكلها بعد ما قال عليه السلام هلا انتفعتم بإهابها فقيل أنها ميته، فليس نصا في النجاسة بعد الدباغ أو تعارض مع حديث ميمونة فعلمنا بحديثنا وأما لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، قاله الأصمعي والمدبوغ إذ تم فلا تعارض لعدم إيجاد المحل، نقضان وجوابان:
1 - خص عن قوله عليه السلام "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (2) مثل أم أخته بالرأي قلنا المراد ما سبب حرمته النسب بخصوصه وليس تحريم أم الأخت مثلا له بل لكونها أمة موطوءة أبيه ولذا يحرم موطوئته ولو لم يكن منها أخت.
2 - خص عن قوله كل طلاق واقع، إلا طلاق الصبي والمجنون طلاق النائم بالرأي. قك بل أما برواية زيادة النائم أو بدلالته إذ يفهم كل عارف باللغة أن منع طلاقهما لعدم تميزهما فكذا من تمثل بحالهما من النائم وكذا زائل العقل بشرب الدواء المباح أو الصداع أما بالسكر عن المحرم فلا زجرا له، لنا أولًا مبادرة الذهن إلى العموم في نحو قول المولى عبيدي أحرار ولا تضرب أحدا وغيره من العمومات.
وثانيا: احتجاج أهل اللسان بالعمومات كالسارق والزانية واحتجاج عمر عند قتال أبي بكر مانعي الزكاة بقوله "أمرت أن أقاتل الناس" (3) الحديث عليه لمنعه فقرره أبو بكر رضي الله عنه واحتج عليه بقوله "إلا بحقه" فإن الزكاة من حقه وابن مسعود على عليّ رضي الله عنه في أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل لأبعد الأجلين بأن القصرى نزلت بعد الطولى فنسخت بعمومها خصوص الأولى وإن كان من وجه وعليّ رضي الله عنه عمل بالاحتياط لعدم عمله بالتاريخ وعلي رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه في تحريم الأختين وطئا بملك اليمين بقوله أحلهما أو ما ملكت إيمانهم وحرمهما وأن تجمعوا بين الأختين لأن معناه حرم الجمع محلي باللام فتناوله نكاحا ووطئا وإلا وجه أن معناه لا تفعلوا جمعا والمحرم مغلب وعثمان رضي الله عنه رجح المحلل باعتبار الأصل
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (4/ 93) ح (1271)، والترمذي (4/ 222) ح (1729)، والبيهقي في الكبرى (1/ 14) ح (42)، وأبو داود (4/ 67) ح (4127)، والنسائي في الكبرى (3/ 85) ح (4575)، والإمام أحمد في مسنده (4/ 310).
(2) أخرجه البخاري (2/ 935) ح (2502).
(3) أخرجه البخاري (1/ 17) ح (25)، ومسلم (1/ 51) ح (20).
(2/52)

وأبي بكر رضي الله عنه بقوله عليه السلام "الأئمة من قريش" (1)، "ونحن معاشر الأنبياء لا نورث" (2) قيل فهم العموم فيها من ترتب الحكم على ما يصلح عليه أو من ذكره لتمهيد قاعدة شرعية أو من قوله عليه السلام "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" أو من تنقيح المناط وهو إلغاء الخصوصية.
قلنا هذه الجهات لا تفرق بين الألفاظ التي ادعي فيها العموم وبين غيرها ومن عادتهم عند التمسك بغيرها التصريح بهذه الجهات فحين لم يتعرضوا الشيء منها في نحو هذه الاستدلالات أصلا مع التصريح بالعموم مطلقا علم عادة ظهورها في العموم.
وثالثا: إن هذا شاع بينهما ولم ينكر فكان إجماعا ويقتضى عادة القطع بتحقق الإجماع أو يكفي الظن والحق لأن تجوز القرائن لا يمنع الظهور وإلا لم يظهر للفظ مفهوم ظاهر إذ مستند النقل تتبع الاستعمال لا نص الواضع.
ورابعا: فهم العموم في وقايع لا تحصتي لمن تتيعها حتى كذب عثمان رض الله عنه قوله، وكل نعيم لا محالة زائل بدوام نعيم الجنة وفهم التوحيد من لا إله إلا الله عند الكل واعترض ابن الزبعرى جاهلا بلسان قومه على قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]، بقوله أليس قد عبدت الملائكة والمسيح ورد قول اليهود ما أنزل الله من شيء بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي} [الأنعام: 91]، الآية والإيجاب الجزئي لا يناقض إلا السلب الكلي.
وخامسا: أن العموم معنى مقصود تفهيمه على التعين عرفًا وشرعًا كما يقول من يريد عتق كافة عبيده عبيدي أحرار وطلاق جملة نسوانه كل امرأة في طالق غيبا كان الفاهم أو ذكيا فلابد من لفظ يوضع له والتعبير بالمجاز أو المشترك لا يفي بذلك مع أن الأصل عدمه.
ثم قال الشافعي لكن إرادة الخصوص محتملة في كل عام إلا لدليل، على عدمها كما في قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231]، و {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (4/ 85) ح (6962)، الضياء في المختارة (2/ 72) ح (449)، والبيهقي في الكبرى (8/ 143)، النسائي في الكبرى (3/ 467) ح (5942)، والطبراني في الأوسط (2614) ح (3521)، الإِمام أحمد في مسنده (3/ 129) ح (12329)، والروياني في مسنده (2/ 25) ح (764)، والطبراني في الصغير (1/ 260) ح (425)، والطيالسي في مسنده (1/ 284) ح (2133)، وأبو يعلى في مسنده (6/ 321) ح (3644)، الطبراني في الكبير (1/ 252) ح (725).
(2) أخرجه البخاري (3/ 1126) ح (2926)، ومسلم (3/ 1379) ح (1758).
(2/53)

وَالْأَرْضِ} [النساء: 170]، ومع الاحتمال لا يثبت اليقين فصار دليلا ظنيا كخبر الواحد والقياس وهذا احتمال زائد على ما في الخاص من احتمال المجاز والنسخ ولذا افترقا لا سيما إذا لم يكن العام المخصص مجازا فلم يخرج بذلك عن حقيقته واحتمال النسخ بعدم الوقوف على الناسخ بعد التفحص.
قلنا الاحتمال الغير الناشئ عن دليل لا يقدح في القطع المراد ها هنا فلم يدل القرينة على خلاف الموضوع له كان ذلك لازمًا قطعًا عاديًا وإلا لارتفع الأمان عن اللغة والشرع وكلفنا درك الغيب وإرادة الخاص بخصوصه من العام أما بطريق المجاز أو خلاف الظاهر فزيادة هذا الاحتمال أما من كثرة احتمال المجازات ومثلها وهي مع القلة سيان عند عدم القرينة على أنا لا نعلم أن كل إخراج لبعض المحتملات يورث شبهة فإن التخصيص بالعقل والإخراج المتراخي نسخا لا يورثانها كما سيجىء والموصول قليل ما هو، للقائلين بأنها حقيقة في الخصوص أولا أنه متيقن لأنه مراد أو داخل فيه فيكون أحوط.
قلنا: اللغة تثبت بالنقل لا الترجيح العقلي من أنه معارض بأن العموم أحوط في كثير من الواجب وقليل من المباح.
وثانيا: أن قولهم المشتهر حتى صار مثلا ما من عام إلا وقد خص عنه البعض غالبي مبالغة كنفسه لا كلي لما مر من نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، فيكون في الأغلب حقيقة في الأغلب أيضًا يكون ظاهرا إذا لم يدل دَليل على أنه للأقل وقد مر دلائله للقائلين بالاشتراك إطلاقه فيهما مشتهرا والأصل الحقيقة.
قلنا المجاز أولى منه فيحمل عليه وإلا فلا مجاز مشتهرا للواقفية مطلقا أنه مجمل فيما يصلح له كالجمع في إعداده ولذا يؤكد بما يفيد الاستغراق وقد يذكر ويراد الواحد نحو {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]، أي نعيم ابن مسعود قلنا مجرد الاحتمال لا يقتضي الإجمال والتأكيد ليصير محكما كما في الخاص للواقف في الأخبار فقط انعقاد الإجماع على عموم التكليف وهو بالأمر والنهى ولا دليل عليه في غيرهما.
قلنا معارض بالأخبار العامة من عمومات العقيدة والعمل والوعد والوعيد فجميع المكلفين مكلفون بمعرفتها (تحصيل) فالعام والخاص إذا تعارضنا أن علم التاريخ نضار الخاص المتأخر مع الوصل مخصصا ومع الفصل ناسخا في مقدار ما تناوله اتفاقا والعام المتأخر ناسخا وجهول التاريخ يحمل على المقارنة وترتب حكم المعارضة في متناولهما عندنا وعند الشافعي رضي الله عنه يخصصه الخاص تقدم أو تأخر أو جهل لقطعيته دونه والعرف يكذبه كمن قال لعبده اضرب زيدا ثم قال لا تضرب أحدا.
(2/54)

البحث الثاني: فيما بعده
وفيه مسائل:

الأولى: في تعريف التخصيص هو لغة: تمييز بعض الجملة بحكم واصطلاحا قصر العام على بعض جزيئاته مطلقا عند الشافعية وبدليل مستقل متصل عندنا لأنه إن كان بغير مستقل أي بكلام يتعلق بصدره وهو خمسة: الاستثناء والشرط والصفة والغاية والبدل فليس تخصيصا بل بيان تغيير أو تفسير أو تقرير لأن الحكم لا يتم إلا بآخر الكلام وما لم يتم لا يحكم باستيفاء مقتضياته عمومًا وخصوصا في حقه إن كان بالمستقبل فإن لم يتصل فهو نسخ وبيان تبديل لأن حكمه قد تقرر والرفع بعد التقرر نسخ قالوا لا قصر ثمة لإدارة المجموع قلنا لا يلزم من انتفاء القصر من حيث الذات وهو أن لا يراد بعض جزيئاته ابتداء انتفاؤه مطلقا لجواز تحققه من حيث الحكم وهو إخراج البعض بعد إرادة الكل فإن جزيئاته بعد النسخ جزيئاته ولا يتناولها الحكم فإن كان النسخ رفعا فكما في الاستثناء وإن كان بيانا لأمد الحكم فكما في الغاية غير أنه مستقل وإن اتصل فهو تخصيص ومخصصه أما العقل نحو {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، خص منه ذاته تعالى ومنه تخصيص الصبي والمجنون من خطابات الشرع وأما الحس نحو {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ} [الذاريات: 42]، الآية خص منه الجبال ومنه {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، بيانًا كان أو تبعيضًا إذ لم يعط كل شيء وأما العادة كمن حلف لا يأكل رأسا وأما نقصان بعض الأفراد كالمكاتب في كل مملوك في حر وإما زيادته كنحو العنب من الفاكهة ولا يتصور أن إلا في المشكك وعلى تعريف الشافعية نقوض نحو على عشرة إلا ثلاثة وضربت زيدا رأسه وأكرم الرجال إلا الجهال والعالم واحد فإن التخصيص فيها على الأجزاء.
وأجيب بأن لا تخصيص في الأوليين إذ لا عام وكذا في الثالث لأن الجمع معهود أو مجاز عن الجنس فالمراد جزيئات المفرد على أن في جوازه ترددا كما سيجيء وعرفه أبو الحسين بإخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه وفيه شبه:
1 - أنه يتناول النسخ إلا أن يريد تخصيصا يطلق على ما يتناوله.
2 - أن الإخراج وتناول الخطاب متنافيان المخرج غير متناول فكيف يجتمعان وفي الجواب عنه بأن المراد ما تناوله على تقدير عدم المخصص كقولهم عام مخصص أي لولا تخصيصه تعريف الشيء بنفسه والإضمار في الحدود ولا نعلم أن المخصص ليس بعام حيث جاز التمسك بعمومه في الأصح ووجه بأن المراد ما يتناوله في الجملة لا إضمار القيد وهو فاسد لأن المراد بالخطاب هو المشخص وإلا لفسد من وجوه شتى
(2/55)

وللمخصص أثر في تعينه فلا يتناول المخرج أصلًا فجوابه الصحيح أمن المراد التناول وضعا والإخراج إرادة، أما ذاتا وحكما وهو المعنى بالعام المخصص ولو كان الباقي واحدا وذلك لجريان العرف على أن يراد بالدلالة في تفسير الألفاظ الوضعية وهي المرادة لتناول.
3 - انتفاضة بالنقوض المذكورة إلا إذا أريد تناول الجزئيات وفيه الإضمار وعرفه الآمدي بأنه تعريف أن العموم للخصوص وفيه تعريف بما يساويه إلا أن يريد بما في الحد اللغوي فلا دور فإن دون التأثير عين الأثر في الخارج والمعتبر في التعريف المفهوم العقلي.
(تنبيه) قيل قد يطلق التخصيص على قصر اللفظ على بعض المسمى كما قد يطلق العام على ما يتناول الأجزاء وأن لم يكن عاما لعدم دلالته باعتبار أمر مشترك بين المتناولات كالعدد والمسلمين عهدا والعبد في على عشرة إلا ثلاثة وجاءني مسلمون فأكرمت المسلمين إلا زيدا واشتريت العبد إلا ثمة فيباينان الأولين مفهوما ويعمانهما من وجه وجودا وربما يحمل على بعض المسميات فيحكم بعمومهما مطلقا وفي إطلاق المسميات على الأجزاء بعد ولو قيل أريد بالكل في هذه الأمثلة كل واحد من أجزائه لكان العام وتخصيصه بالمعنيين الأولين وفيه ضبطٌ للأقسام وتقليل لانتشار الأحكام واحتراز عن القول بالاشتراك اللفظي الاصطلاحي مع إمكان دفعه كما هو الأسهل محذورا هو الإضمار.

(تتمة) قيل: التخصيص بكل من التفسيرين لا يستقيم إلا فيما يؤكد بكل، وهو ذو أجزاء أو جزئيات يصح افتراقها حسا أو حكمًا ونقض بالنكرة في سياق النفي وأجيب بأن المراد بالتأكيد أعم من الاصطلاحي والملحق به من نحو كل رجل ولم يدفع النقض بالفعل المنفى إلا بتأويل بعيد ينخرم فيه الضيفة.

الثانية: في جوازه في جميع العمومات وقيل يمتنع مطلقا وقال شذوذ لا يؤبه به يمتنع في الخير لنا عدم لزوم المحال لا لذاته ولا لغيره، ووقوعه كما في الأمر والنهي كما أمر في آيتي: {وَأُوتِيَتْ} [النمل: 23]، {مَا تَذَرُ} [الذاريات: 42]، ولهم أنه كذب في الخبر إذ ينفى، فيصدق، وبداء في الإنشاء وللمفصل القياس على النسخ.
قلنا قيام الدلالة على التخصيص دافع للكذب والبداء وبين التخصيص والنسخ فروق ستعلم.

الثالثة: في أنه في الباقي يعد التخصيص حقيقة أم مجاز والثمرة صحة الاستدلال بعمومه فقيل مبني على اشتراط الاستيعاب أيضًا على أنه حقيقة وهو المختار عندنا أما في
(2/56)

غير المستقل والمستقل المتراخي فمطلقا إذ لا تخصيص فيهما وإما في المقارن فمن حيث التناول ولذا أوجب العمل وأن كان من حيث قصوره عن سائر الأفراد مجازًا بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء لأن كلا من الأفراد جزء للعام من حيث العموم وإن كان جزئيا من حيث ماهيته وهو كمذهب إمام الحرمين لولا شموله غير المستقل والمستقل المتراخي عنده، والحق أن غير المستقل دافع لأن تمام الحكم بقيوده والمستقل المتراخي دافع لتمام الحكم قبله لاستقلاله وتقرر تماميته للفصل والمستقل المتصل أعني التخصيص له شبههما، وفيه ثمانية مذاهب أخر:
1 - للحنابلة حقيقة في الكل مطلقًا.
2 - لأبي الحاجب وغيره مجاز مطلقًا.
3 - لأبي بكر الرازي حقيقة إن لم ينحصر الباقي بل له كثرة يعسر معرفة قدرها والإعجاز.
4 - لأبي الحسين حقيقة إن خصص بغير مستقل مطلقا كالأشياء الخمسة ومجاز بمستقل من سمع أو حس أو عقل هو الذي نقله البعض والحق أن المخصص بغير المستقل ليس حقيقة ولا مجازا عنده قاله في المعتمد.
5 - للقاضي حقيقة إن خص بشرط أو استثناء لا غيرهما.
6 - لعبد الجبار حقيقة إن خص بشرط أو صفة لا استثناء وغيره.
7 - أن خص بلفظي متصل أو منفصل.
8 - للإمام حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه لنافي أنه حقيقة في التناول أو لا لو لم يكن حقيقة لما صح الاحتجاج بعمومه غذ لم يبق عاما ولا ظاهرا في العموم، وقد احتج الصحابة وغيرهم كما سيجيء.
وثانيا التخصيص: لا يغير التناول للباقي على ما كان عليه وقد كان حقيقة بل الطارى عدم تناول الغير، قيل التناول وحده غير التناول مع الغير والموضوع له هو الثاني. قلنا إن أريد أنه الموضوع له من حيث مفهوم العام فممنوع، وإلا كان كلا مجموعيا لا إفراديا وكأن متناولته أجزاء لا جزئياته وليس ذلك محل النزاع وأن أريد من حيث عمومة فسلم لكنه يقتضي مجازيته من حيث الاقتصار لا من حيث التناول وقيل تحقيقه أن من صيغ العموم ما وضع لنفس الشمول ككل وما وضع للماهية مع الشمول كأسماء الشرط والاستفهام وما وضع للماهية التي يعرضها الشمول كاسم الجنس الجمع المعرفين تعريف الجنس، على ثلاثة تعريفات:
(2/57)

فالأول: كالكلي المنطقي.
والثاني: كالعقلي.
والثالث: كالطبيعي.
وهذا الدليل منزل في الثالث والغرض إبطال المجازية في الكل والاعتراض ناظر إلى الأولين دون الثالث لأن تعريف الجنس للإشارة إلى الماهية من حيث هي ففي كل من جزئياتها حقيقة كما قبل التعريف والعموم من المقام كالخطابة وإنما أفاد التعريف الإشارة إلى الجنسية ليضح إطلاقها على القليل والكثير حقيقة.
وفيه بحث:
فأولا: لأن المقام آية كون اللام للعموم وإلا لما أسنده أهل العربية إلى اللام فالتخصيص يعتبر في مفهوم اللام.
وثانيًا: لأن الجنسية إن أريد بها غير العموم والإشارة إلى المفهوم فلا قائل بأن اللام فيما لا عهد لها وإن أريد بها العموم فالجنسية غيركافية في العموم لا سيما عند مشترطي الاستغراق وإلا لكان مثل ماء وزيت منكرًا عاما ولا قائل به وتناول الجمع المحلي بلام الاستغراق المفرد لكون استغراق الجمع مجازا عن استغراق المفرد كما سيجىء.
وثالثا: لأن العموم بعد ما حصل ولو من المقام، فالتخصيص قادح فيه ومغير لموضوعه غايته أن لا يعتبر التجوز في المنطوق من الكلام بل في المقدر المفهوم من المقام.
ورابعًا: أن عند نفس العام من حيث هو حقيقة، ومن حيث عمومة مجازا ليس أمرا يختص بفهم العموم من الوضع الشخصي أو النوعي، أو الوضع المستقل أو الضمني إذ لا حجر في الاعتبار وسببه اعتبار الواضع ملاحظ تصدق المفهوم الكلي على الأفراد ففيه اعتبار كلية المفهوم وهو الأصل واعتبار تعدد الأفراد وهو التبع على أنه لو ورد فإنما يرد على الإمام أما علينا، حيث قك لا مخصص إلا المستقل المقارن فلا إذ لاستقلاله جعلنا العام حقيقة كالمنسوخ ولمقارنته جعلناه كلا مطلقا على البعض كالمستثنى منه فعبر عنهما بجهتي التناول والاقتصار لله در الحنفية في الفرق بين المستقل المقارن وغيره، وثالثا لا يتوقف سبقه إلى الفهم على القرينة إذ الموقوف عليها عدم إرادة المخرج وذلك إمارة الحقيقة.
وفي أنه مجاز من حيث الاقتصار تغير الشمول الذي وضع له صيغ العموم منطوقة أو مفهومة، لابن الحاجب لو كان حقيقة في الباقي لكان مشتركا ولكان كل مجاز حقيقة لأن
(2/58)

ظهوره في الباقي بالنظر إلى القرينة وكل مجاز كذلك، قلنا: لا نعلم الملازمة إما لأن إرادة الاستغراق باقية والمخصص بمنزلة بدل البعض وإرادة الباقي من مجموعهما كما في الاستثناء كأنه يقول لا تقتلوا من جميع المشركين أهل الذمة فلا يلزم الاشتراك وأما لأن الاشتراك أو المجاز أنما يلزم لو لم يكن إطلاقه على الباقي بالوضع الأول وهو ممنوع أما شخصيا فظاهر وأما نوعيا فلان الباقي ليس جزءًا ولا جزئيا معتبرًا خصوصه من حيث تناول مفهوم العام وأما من حيث عمومة فسلم وملتزم ومنه يعلم عدم لزوم كون كل مجاز حقيقة بالنظر إلى مفهوم اللفظ وإن وجد الوضع النوعي العلاقي، للرازى أن معنى العموم فيما لم ينحصر قلنا لا نعلم إذ المعتبر فيه عدم التعرض للانحصار لا التعرض لعدمه وذلك صادق ولوكان الباقي واحدًا وهذا جار في الصيغ منشؤه توهم أن النزاع في لفظ العام كما توهم لأبي الحسين لوكان المقيد بما لا يستقل مجازًا لكان الدال المركب مع شىء الموضوع بمعنى آخر مجازًا فيه كمسلمين والمسلم ولفظ الاستثناء في نصوص الأعداد فإن مجموع المستثنى والمستثنى منه والأداة موضوع لمعناه عندهم بيان اللزوم أن كلا صار يقيده الذي كالجزء لمعنى آخر بخلاف المستقل وحين صار العام مع المخصص شيئًا واحدًا عنده لم يكن العام بانفراده حقيقة ولا مجازا قلنا لا نعلم اللزوم فإن الدال في هذه الأمثلة مجموع المركب وليس فيها مقيد وقيد ولا ريب أن الاستثناء أيضًا كذلك إذا كان مجموع الثلاثة موضوعا لمعناه وليس العام المخصص مثلها، للقاضي - رحمه الله - مثله إلا أن التخصيص في الصفة ليس بها لجواز شمولها لأفراد الموصوف نحو الجسم الحادث والصانع القديم بل من قرينة خارجية عقلية أو حسية أو لفظية ليست جزءًا من الدال وهذا شأن المجاز والغاية والبدل كالصفة قد يشملان المغيا والمبدل.
ولعبد الجبار مثل ما اتفقا عليه لكنه يفرق بين الشرط والاستثناء بأن الاستثناء يخرج من آحاد العموم والغاية في معناه فمعنى أكرم القوم إلا أن خرجوا أكرمهم في جميع الأوقات غلا وقت خروجهم، أما الشرط فيخرج من الحالات والوصف مع الموصوف كشيء واحد لأن الاستثناء عنده ليس بتخصيص لبقاء المستثنى منه على عمومه كما توهم لتصريحه في عمد الأدلة بأنه تخصيص ولأنه إذا لم يكن تخصيصا كان المستثنى منه حقيقة عنده مع أنه مجاز، قلنا: إخراج الحالات يستلزم إخراج الآحاد كما في الأوقات على أنه قد يجيء لصريح إخراج الآحاد نحو أكرم بني تميم إن كانوا من بني سعد وتمسك القائل بأن المخصص باللفظية حقيقة بمثل ما قالوا ضعيف إذ لا يعم المنفصل لعدم كونه كالجزء.
(2/59)

للإمام في أنه مجاز في الاقتصار كما ذكر وحقيقة في التناول ما لنا وزاد أن العام كتعداد إفراده بألفاظها الخاصة لقول أهل العربية إن وضعه للاختصار عنه فيكون المخصص كتعداد بعضها، قلنا: لا كونه كذلك في كل حكم وغرضهم بيان حكمة وضعه إذ المعدد استعمل كل منه في واحد نصا ولا نتغير ذلك بطرح البعض.
وفيه بحث لأن ما تقرر عندهم من أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع تشبيه من الطرف الآخر والتشابه بين الشيئين يقتضي المساواة والظاهر من مطلقها المساواة في أداء المقصود وذلك هو الباقي فيما نحن فيه ولا تغير في أدائه بطرح البعض إلا من حيث الاقتصار.
الرابعة: في أن العام المخصص حجة ظنية فيما بقي كغير المخصص عند الشافعي سواء كان المخصوص معلوما كالمستأمن من المشركين أو مجهولا كأن يقال هذا العام مخصوص وكالربا من البيع إذا لم ينحصر في الأشياء الستة اتفاقا وكسارق ما دون ثمن المجن من آية السرقة، ولذا اختلف فيه وكمواضع الشبهة من نصوص الحدود، وقد اختلف في الشبه المعتبرة وهو المذهب عندنا ولذا استدل أبو حنيفة - رحمه الله - على فساد البيع بالشرط بنهيه عليه السلام عن بيع وشرط، وقد خص منه شرط الخيار وعلى الشفعة بالجوار بقوله عليه السلام: "الجار أحق بصقبه"، وقد خص منه وجود الشريك ومحمد على عدم جواز بيع العقار قبل القبض بنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يقبض (1) وقد خص منه بيع المهر والميراث وبذل الصلح قبله وخصصه أبو حنيفة - رحمه الله - بالقياس وفيه سبعة مذاهب أخر:
1 - للكرخي وأبي ثور ليس حجة مطلقا.
2 - ليس حجة إن كان المخصوص مجهولا وإلا فكما قبل التخصيص.
3 - كما قبله مطلقا؛ لأن المجهول يسقط نفسه.
4 - للبلخي حجة إن خص بمعلوم متصل وإلا فلا.
5 - لأبي عبد الله البصري أن أنباء لفظ العام قبله عن الباقي بعده بأن كان الباقي في غير مقيد إنباء المشرك عن الحربي بخلاف السارق عن سارق النصاب عن الحرز فجمعه وإلا فلا.
6 - لعبد الجبار إن لم يحتج قبله إلى بيان بأن كان ظاهرا كالمشرك في الذمي لا مجملا
__________
(1) أخرجه البيهقي في الكبرى (5/ 312) ح (10461)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (38/ 4)، الطبراني في الأوسط (2/ 154) ح (1554).
(2/60)

كالصلاة في الحائض ولذلك بينه بقوله عليه السلام: "صلوا" الحديث فحجة وإلا فلا.
7 - حجة في أقل الجمع من اثنين أو ثلاثة على الرأيين وهذه الأربعة كالباقي متفقة في أن جهالة المخصوص قادحة في الحجية.
لنا في حجيته أولا احتجاج الصحابة وغيرهم به حتى شاع ولم ينكر فكان إجماعا احتجاج فاطمة رضي الله عنها في ميراثها من أبيها على أبي بكر بعموم آية الميراث وقد خص مد صور الموانع فقرره وعدل إلى قوله عليه السلام "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" واحتجاجهم في الربا ولا حدود وغيرها مما مر.
وثانيا: أنه كان متناولًا للباقي والأصل بقاء تناوله وهذان ينتهضان على الكل. وثالثا: على غير البصري وعبد الجبار أنه إذا قال أكرم بني تميم وأما بني سعد منهم فلا تكرم فترك إكرام غيرهم عد عاصيا فدل على ظهوره فيه، أما الاستدلال بأنه لو كانت إفادته للباقي موقوفة على إفادته للآخر لزم أما الدور أو التحكم فوقوع بأنه دور معية كما بين أبوة زيد وبنوة ابنه وقيام اللبنتين المتساندتين وليس ذا بمحال وفي ظنيته الإجماع على جواز تخصيصه بالقياس والآحاد والتخصيص بطريق المعارضة فهو أدنى من الآحاد وسره كونه غير محمول على ظاهره الذي كان وسببه أن جهالة المخصوص أو احتمال تعليله إلا عند الجبائي قدح فيه وتحقيقه كما مر أنه يشبه الاستثناء بحكمه من حيث بيانه عدم الدخول تحت الجملة أي من حيث أنه دافع لا رافع لاتصاله والناسخ بصيغته من حيث استقلالها المقتضي لكونه رافعًا لا دافعًا فلابد من العمل بالشبهين في المخصص المعلوم والمجهول.
فالمجهول يوجب جهالة العام كهى في المستثنى أو سقوط نفسه كهى في الناسخ فلا يسقط العام الثابت بالشك ويدخله الشبهة الأول والمعلوم يوجب قطعية العام كهو في المستثنى الغير المحتمل للتعليل لكونه عدما أو جهالة فيما بقى لاحتمال تعليله من حيث استقلاله الناسخ فلا يسقط حجيته بالشك لكن يدخله شبهه للأمر الثاني وليس المراد تشبيهه بالناسخ في احتمال التعليل فإنه لا يحتمل التعليل لإخراج شيء من الأفراد الباقية بالقياس لأن الناسخ رافع فلو علل لكانت علته أيضًا رافعة ولن يصح رفع حكم النص بالقياس بخلاف التخصيص فإنه دافع والدفع بيان أنه لم يثبت والقياس يصلح له وهذا معنى أن النسخ بطريق المعارضة لا التخصص وعن ذا لزم فرق آخر أن العام فيما بقى من التخصيص ظني ومن النسخ قطعي واندفع الطعن في تعليل دليل الخصوص بأنه يشبه الناسخ أو الاستثناء وكلاهما لا يعلل إذ المخصص ليس رافعا ولا عدما.
(2/61)

نظائر الثلاثة من الفروع
للاستئناء بيع الحر والعبد أو الحي والميت أو النحل والخمر أو الذكية والميتة ونحوها بثمن فإنه كبيع عبدين بألف إلا هذا بحصته منه حيث لم يدخل الحر في البيع سببه وحكمه ابتداء وبقاء ففسد لأمرين:
1 - كون البيع بالحصة ابتداء كبيع عبد بحصته من ألف موزع عليه وعلى آخر وذلك لايجوز بخلافه بقاء كما في نظير النسخ.
2 - الشرط المخالف لمقتضى العقد وهو صيرورة ما ليس بمبيع شرطا لقبول المبيع كبيع الحر والعبد صفقة بثمنين فاسد عنده خلافا لهما وللنسخ بيع عبدين وبألف وموت أحدهما قبل التسليم حيث دخل البيت تحت البيع ثم ارتفع فلم يفسد بيع الآخر؛ لأن كونه بيعا بالحصة بقائي والجهالة الطارية لا تفسد وكذا لوكان أحدهما مدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد فإن الدخول في العقد باعتبار الرق والتقوم الموجودين فيهم.
ولذا جاز بيعهم من أنفسهم ونفذ القضاء ببيع المدبر مطلقا وأم الولد إلا عند محمَّد - رحمه الله - وجاز بيع المكاتب من غيره أيضًا برضاه في أصح الروايتين فامتناع الحكم بقائي لاستحقاقهم أنفسهم كاستحقاق الغير وللتخصيص بيع عبدين بثمن مع الخيار في أحدهما فإنه لكون الخيار مؤثرا في الحكم دون السبب تيسيرًا لأمر الخطر يشبه النسخ من حيث دخوله في السبب وتصح الصور الأربع من هذه الجهة لأن البيع بالحصة بقائي ويشبه الاستثناء من حيث دخوله في الحكم ولا يصح شيء منها من تلك الجهة لكون غير المبيع شرطا لقبوله فيما علم محل الخيار وثمنه وله وللجهالة في الثلاثة الباقية ولابد من العمل بالشبهين فصح إن علمًا بشبه النسخ لعدم إفضائه إلى المنازعة ولم يعتبر اشتراط الفاسد بخلاف بيع الحر والعبد في صفقة بثمنين عنده؛ لأنه مبيع يشبه النسخ وهو اعتبار السبب وفسد إن جهل أحدهما أو كلاهما يشبه الاستثناء لإفضائه إليها.
للكرخي أن دليل الخصوص مجهولًا يوجب الجهالة كالاستثناء ومعلوما يحتمل التعليل لاستقلاله فلا يدرى قدر الباقي بخلاف الاستثناء وفيه ترك لأحد الشبهين في كل من الشقين وإبطال لليقين بالشك فيهما ولا أن التعليل يوجب الجهالة إذ ما وجد فيه العلة يخص وما لا فلا وللثاني أنه كالاستثناء، وللثالث أنه كالنسخ في كل منهما ترك لأحد الشبهين على التكافؤ ولا يخفى وجوه الأقوال الآخر وأجوبتها مما مر، نعم لمنكري حجيته وجه كلي هو أن ليس بعد الحقيقة دليل على تعين أحد المجازات والمجمل ليس حجة بدون البيان ولمعين أقل الجمع أنه المتيقن.
(2/62)

قلنا: لعدم التعين الشك في الباقي لما مر من أدلة الظهور.

المقام الثاني في ألفاظ العموم
وفيه مباحث:
الأول: في تقسيمها هي قسمان عام بصيغة ومعناه وهو مجموع اللفظ متناول المعنى تناول دلالة لا احتمال أو مستغرقه كان له واحد من لفظ كالرجال أو لا كالنساء وعام بمعناه فقط وهو مفرد اللفظ ومتناول المعنى أو مستغرقه، إما للمجموع من حيث هو بمنزلة الجمع كالرهط والقوم والجن الإنس والجميع أو لكل واحد على الشمول أو على البدل فقوله الرهط الذي يدخل الحصن كالرجال يوجب للجميع نفلا واحدا لا لواحد المنفرد ومن دخل لكل داخل منفرد ومجتمع ومن دخل أولا لكل منفرد سابق لا للآخرين ولا وجود للعام بصيغته فقط إذ لا عموم حين إذ.
الثاني: أن الأوليين أعنى الجمع وما في معناه اسم للثلاثة فصاعدا للاعتبار الاجتماع أو الاستغراق ولا يطلق على ما دونهما إلا مجازا لأن أقل الجمع ثلاثة فلو حلف لا يتزوج نساء لا يحنث بامرأتين وعند البعض يصح لاثنين حقيقة وقال الإِمام يصح لاثنين وواحد بأن أراد مجازا فذلك وإلا ففاسد النزاع في نحو رجال ومسلمين وضربوا وأضربوا لا لفظ (ج م ع) ولا في نحو نحن فعلنا {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، لنا: في أنه ليس حقيقة فيما دون الثلاثة أو لا مبادرة الذهن عند سماعها إلى الزائد على الاثنين.
وثانيا: إجماع أهل اللغة في اختلاف صيغِ الواحد والثلاثة والجمع وفي أنه يصح مجازا إطلاقه على الاثنين في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11]، وعلى الواحد في قوله تعالى {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]، وفيه بحث سيجيء، وفيهما قول ابن عباس لعثمان رض الله عنهما ليس الإخوان إخوة في لسان قومك فقال: لا انقض أمرا قبلى وتوارثه الناس فقرره وعدل إلى الإجماع على خلاف الظاهر، أما أن للاثنين حكم الجمع في الإرث استحقاقا وحجيا والوصية إجماعا في الكل واستدلالا بالآية في استحقاق الإرث وإلحاقا للآخرين به فليس من إطلاق اللفظ في شيء.
لمدعي الحقيقة في الاثنين أو فيه وفي واحد:
أولًا: الإخوة والناس والأصل الحقيقة.
وثانيا: مستمعون في {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15]، والمراد موسى وهارون.
وثالثا: قوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فيطلق ما وضع للجماعة عليهما ولا ينافيه أن ليس النزاع في (ج م ع) كما توهم.
(2/63)

ورابعا: أن في المثنى اجتماعا قلنا الأدلة السالفة اقتضت ارتكاب الحمل على الجماعة الشرعية المعتبرة في سنة تقدم الإمام أو حصول فضيلتها وتكمل بالإمام في غير الجمعة وبثلاثة سواء فيها والفرق أن كلا من الإِمام والجماعة شرط في أدائها فلم يعتبر مع الآخر بخلاف سائر الصلوات لا على اللغوية التي فيها النزاع؛ لأنه عليه السلام بعث لتعليم الشرع أو على اجتماع الرفقة بعد قوة الإِسلام كما في قوله عليه السلام: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والجماعة ركب" (1) وسره تحقق الاتفاق في اجتماع الثلاثة لاندفاع تعارض الفردين بالثالث، ولذا جعل الثلاثة في الشرع حدا في إبلاء الأعذار كما في الأسئلة الثلاثة لموسى علية السلام ومدة السفر ومسح المسافر وخيار الشر وغيرها وتسمية الدال على ما فوق الاثنين جمعا للاجتماع لا يقتضي تسمية كل ما فيه اجتماع به كالقارورة.
لنا: في المجازية أيضًا قول ابن عباس - رضي الله عنه - ليس الأخوان إخوة وأنه لا يجوز رجلان عالمون ورجال عالمان.
قلنا: الأول معارض بقول زيد الأخوان إخوة فالتحقيق نفي الحقيقة واثبات المجاز. والثاني: ممنوع لزومه إذْ ربما أوجبوا مراعاة صورة اللفظ والمعنى به أن يكون في كلا الصفة والموصوف أشعار بالاثنينية، أو ما فوقها فلا يعد فيه بناء على جواز زيد وبكر وعمر والعالمون كما توهم، ويؤيده ما يقرر أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع أو ممنوع بطلان لازمه أن لم يجب تلك المراعاة.
الثالث: أن الأولين إذا دخلهما لام الجنس وإضافته يطلق على الواحد مجازًا حيث يحنث في لا يتزوج النهياء ولا يكلم بني آدم بالواحد ولو أوصي بشيء لزيد وللفقراء نصف إذا لم يرد العهد أو الاستغراق المجموعي كالمفرد العرف بلام الجنس فيقع على الأدنى ويحتمل الكل مع النية وحينئذ يعم عموم المفرد كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، ويخص خصوصه وهذا لا ينافي ما قال أهل العربية أن متناول الجمع الغير المعهود مستغرقا جميع جمل الجنس لا وحدانة ولا مستغرقا جملة واحدة إذ أفراد الجمع الجمل وإذ فيه رعاية صيغة الجمع ومعناه فإن وضعها للحقيقة المتعددة لا لمطلق الحقيقة وفرعوا عليه أن استغراق المفرد أشمل في الإيجاب والسلب فالكتاب والملك أعم من الكتب والملائكة وأنه في المقام
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (2/ 112) ح (2496)، وابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 536) ح (33643).
(2/64)

الخطابي يحمل على جميع الأفراد بجعل كل فرد درجا في جملة وفي الاستدلالي على الثلاثة وذلك لأن كلامهم بناء على حقيقة فيجوز العدول عنه عند التجوز، ويدل على صحته ووقوعه النص والعرف والدليل، أما النص والعرف فنحو {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52]، والخيل والبغال والحمير ونحو فلان يحب النساء ويخالط النساء وقوله لمريده البروزا تتبرجين للرجال وأما الدليل فلأنا لو بقيناه جمعًا لغي تعريف الجنس أصلًا للمنافاة بين إرادة الحقيقة من حيث هي وإرادة أفراد المفرد الواجبة في الجمع ولو جعلناه لجنس الفرد مجازا عملنا بالجمعية من وجه لأن إرادة أفراد المفرد محتمله فيه وإن لم يكن واجبه وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إهمال أحدهما أو لأن الجمعية تقتضي التعدد ورفع الإبهام فبينهما منافاة أما الجنس فهو لمعرف من بين الأجناس الجامع لأفراده كما سيجيء، لا يقال في تبقية الجمع أعمال للحقيقتين معا من كل وجه، لأن جنسية الجمع في تناول الجمل تناول احتمال كما أن عهديته في اختصاصه بجملة واستغراقه في تناولها تناول دلالة، وأيضًا لو تم هذا لم يكن جمع ما عرف بلام الجنس مستعملا في حقيقته وهو باطل لغة لتنصيص أئمتها وشرعا بحمله على الثلاثة في خالعنى على ما في يدي من الدراهم والعشرة في لا أكلمه الأيام والشهور عند أبي حنيفة رضي الله عنه والجمعة والسنة عندهما لأنا نقول وضع الجمع للمتعدد من حيث أنه أفراد جنس المفرد لا من حيث هو إفراد الجمع ولذا لو أريد بمنكره المجموع أو الثلاثة فقط صح ولا من حيث هو متعدد مطلقا بخلاف ألفاظ العدد ولذا صح إرادة الواحد في إن تزوجت النهياء لا في ثلاث نسوة أو الثلاث منها، وإذا وجب بحسب وضعه ملاحظة الجنسية في مفهوم مرده والفردية في مفهوم نفسه لم يناسب اعتبار جنسية أخرى في تناول الجمل كيفا وصدقه على جميع الجمل إن علم هو من حيث هي جملة واحدة أما العهد والاستغراق فيلائمان وضعه لأن الملاحظ فيهما الفردية لا الجنسية فالله در علمائنا في تدقيق الأنظار وتحقيق الأسرار وهذا يقتضى أولوية الحمل على المجاز مع لام الجنس لا مطلقا كما يؤيد أشهرية استعماله في الكتاب والسنة وغيرهما ولا يقتضى نفي الحقيقة لجوازيتها فإنها شأن الحقيقة المكثورة واللام في المسائل المذكورة ليست للجنس بل للعهد الخارجي الحقيقى لما تقدمه من قال في مسألة الخلع والتقديري في الأخرين، وذلك أيام الجمعة وشهور السنة عندهما لثلاثة فصاعدا إلى العشرة عنده لأن مميز ما فوقها مفرد وقالت الشافعية قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع أموالهم ولا يكفي أخذ واحدة من جملتها وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60]، الآية
(2/65)

يقتضي صرفها إلى ثلاثة من كل نوع ولا يكفي الصرف إلى واحد من الجملة.
أما الأول: فلأن المال من اسم الجنس الذي يطلق على القليل والكثير كالماء والعلم وقد يسمى جنسا ومثله إذا جمع يراد به الأنواع لا الأفراد ولذا، قال في الكشاف في جمع العالمين ليتناول كل جنس ما سمي به ومعنى العموم تناول كل واحد من الجزئيات المرادة فعموم مثله تناول كل نوع.
وأما الثاني: فلأن الفقير مما لا يطلق على الكثير كالرجل وجزئيات جمعه الجمل لا آحاد الفقير وحين لم يصح الاستغراق مرادا حمل على الجنس وإرادة جزئي من جزئيات الجنس هو أقل ما يطلق عليه لأن الأصل براءة الذمة وهو ثلاثة من كل صنف كما لو أوصي لهم.
قلنا فيهما بحث من وجوه:
1 - أن عموم الجمع استغراق عندهم استغراق مراتب المجموع فإذا أريد بالأموال أنواعه يكون المراد حمل الأنواع التي أقلها ثلاثة فلا يجب الأخذ من كل نوع ولا من جميع الأنواع بل من كلا ثلاثة أنواع مثلا ولا قائل به وهو المراد بأن استغراق كل واحد أي نوعي أمر زائد على عموم الجمع، قيل: لما اشتمل كل نوع على الآحاد وجد استغراق الجمل قلنا لا بد من استغراق جمل وفرد الجمع وهو النوع حينئذ والحق أن مرادهم بقصد الأنواع المختلفة قصد أفراد تلك احترزا عن قصد أفراد نوع واحد فالاستغراق إن علم هو لجمل الأفراد وإن كان باعتبار الأنواع لا لجمل الأنواع فضلا عن كل نوع.
2 - أن تناول الجمع المعرف بلام الجنس للجمل حقيقة مكثورة علمًا وشرعًا كما مر، فيحمل على جني المفرد لأن بين الجمعية وجنسيتها تنافيًا لا على الجميع إذْ من الأموال ما لم تجب فيه الصدقة إجماعا غير أنه مجمل في مقدار الصدقة ومقدار ما فيه الصدقة فبينتها السنة وكذا في المصارف لامتناع الصرف إلى الجميع فيحمل على جنس المفرد فلا يجب أكثر من أقل ما ينطلق عليه الجنس وهو الواحد، ثم الزكاة حق الله تعالى والآية لبيان علة الصرف وهي الفقر وإن اختلف جهاته فعند تحققها يحصل المقصود ولو في صنف واحد لا للاستحقاق بخلاف الوصية.
3 - ما مر أن عموم الجمع استغراق الجميع ولذا فرق بين للرجال عندي درهم ولكل رجل فألزم في الأول واحد وفي الثاني دراهم بعدة الرجال، وكذا بين للرجال الداخلين الحصين ولكل رجل فلئن سلم أنه للاستغراق لا يقتضي الأخذ من كل نوع ولا من كل
(2/66)

فرد فيحتاج إلى تخصيص القليل أو بعض الأنواع بالإجماع.
فروع مرتبة على أصول ممهدة:
فالأصول أن حقيقة اللفظ لغوية كانت كالواحد في لا أشرب الماء، أو عرفيه وشرعية كهو في الجمع المعرف لما مر من أولويته عند عدم العهد والاستغراق أن ثبتت بلا نية فنيتها تصدق ديانة وفضاء، وأن كان حقيقة لا تثبت بلا نية فكذا خلافا لأبي قاسم الصفار فإنها عنده كالمجاز أي إن كان فيه تغليظ يصدق فيهما وإلا فديانة فقط أمانيه ما لا يحتمله ومجازا فلا تصدق أصلًا.
والفروع أنه ينحث هذه المسائل عند تعريف الجنس بالواحد بلا نية إذ لا عهد ولا دليل على الاستغراق المجموعي بل على عدمه وهو أن هذا اليمين للمنع والظاهر أن لا يمنع إلا ما يكمن، وتزوج جميع النساء غير ممكن كما في {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60]، بخلاف {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103]، فإنه عندنا لسلب العموم لا لعموم السلب كما ظنت المعتزلة لامتناعه عندهم إذ لا تمدح به بل بتخصيصه بعد الإمكان بالخواص أو بنفي الإحاطة حملا للإدراك على الرؤية الخاصة فإن نوى الكل يصدق قضاء وديانة ذكره شمس الأئمة ولا قضاء عند أبي القاسم وقيل لا ينعقد عند إرادة الكل لعدم التصور كما في لا شربن الماء في الكوز ولا ماء فيه وهو فاسد لأن البر ها هنا عدم التزوج مثلا وهو متصور فينعقد في لا أتزوج وفي أن تزوجت بخلاف لأتزوجن وإن لم أتزوج والمنكر نحو لا يتزوج نساء على الثلاثة عند تعذر الكل لعدم الجنسية فإن نوي الزيادة ينوي فيهما لأنها موجبة وكذا إن نوي الواحدة يصدق فيهما اتفاقا لأنها محتمل فيه تغليظ، إلا عندنا في المجازية أيضًا إذ لا يحتملها عنده كما في ثلاث نسوة ولا يصدق نية المثني أصلًا لا في المعرف ولا في المنكر إذ شأن العام أن لا يتعرض للعد المحض بل للذات مع صفة العموم أو الخصوص فلا يحتملانه كما إذا حلف لا يشرب ماء البحر حنث بشرب قطرة وله نية الكل لا نية الرطل منه.
الرابع: أن الجمع المنكر عام يصح التمسك بعمومه عند المتأخرين من مشايخنا المكتفين بالاجتماع وعند المشترطين للاستغراق ليس من صيغ العموم إلا عند الجبائي، لنا أنه مع جواز صدقه على جميع الأفراد ضر به حقيقة بخلاف المفرد المنكر لو حمل على بعض مراتب المجموع لكان تحكما كما قال أئمة العربية في الجمع العرف في المقام الخطابي وكلا منافيه إذ المقصود تحصيل الظن، قيل التحكم في الحمل على عدم الجميع لا في عدم الحمل على الجميع، فإن حكم بعدم صلوحه له جاء التخصيص وإن حكم
(2/67)

بصلوحه له حقيقة كان حمله عليه أولى لاندراج سائر الحقائق التي نسبة الحقيقة إليها على السوية تحته ولا يعارض ذلك بأن أقل ما ينطلق عليه متيقن لأن طلب التيقن في المقام الاستدلالي كالإقرار، وكلامنا في الخطابي مع أن تيقن الأقل يعارضه الاحتياط في الكل بل التحقيق إن وجب حمله على الكل ما لم يصرف صارف لأن كون نسبة مفهوم الجمع إلى جميع أفراده على السوية يقتضي أن يتعلق حكمه بجميع أفراده وليس ذلك إلا بالحمل على فرد يندرج سائر أفراده تحته وليس للمفرد ذلك لفرد إلا في الجنس، وسيجيء مثله فيه ومجرد كون الأصل براءة الذمة لا يعارض الظاهر إجماعا وإلا لم يثبت بالظاهر شيء، أما وقوعه على الثلاثة في نحو أن اشتريت عبيدا فلأن عدم الإمكان صارف عن الكل وبعد الكل لا يتخطى عن القليل بلا دليل والفرق بين جمع القلة والكثرة للنحاة فإن مرمى غرضنا المراد العرفي لا اللغوي يدل عليه مسائل الوصية والإقرار كاعتقوا عبيدًا ولفلان دراهم يحمل على ثلاثة مع أنهما جمع كثرة وما يقال من أن جميع الأفراد ليس عاما بالمعنى المتنازع فيه ممنوع لما مر أن المعتبر مسميات معروض العموم وهو مفهوم المفرد لا مسميات نفس العموم ولا المجموع وإلا لم يكن كل إنسان ونحو من ما عاما إذ لا يصدق باعتبار عمومها على فرد واحد قالوا رجال في صلوحه لكل عدد فوق الاثنين كرجل بين الوحدان وإذ لو فسر بالثلاثة صح اتفاقا قلنا قد وضح الفرق والتفسير قرينة العدول عن الظاهر.
الخامس: في صيغ نفس العموم منها تعريفا اللام والإضافة في المفرد والجمع والأصل فيهما عند الأصوليين العهد إما خارجيا حقيقيا نحو جاءني رجل إن كلمت الرجل أو تقديريا نحو إن كلمت الأمير إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد وإما ذهنيا نحو إن كلمت اللئيم يسبني ثم الاستغراق عند جمهورهم حقيقيا كان نحو {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} [العصر: 2]، أو عرفيًّا نحو لئن جمع الأمير الصاغة، ثم تعريف الجنس لأن الإقدام في هذا الترتيب أفيد والإفادة أولى من الإعادة وعند أئمة العربية الأصل تعريف الجنس لأن وضعهما للإشارة إلى مفهوم ما دخلا عليه والعهد والاستغراق مجموعيا في الجمع وأفراديا في لمفرد إلا إذا تعذر الحمل وهو مذهب جمهورهم فيقع على الكل ويحتمل الأقل مجازا أو حقيقة على الخلاف وإذا تعذر يحمل على الجنس وعند أئمة اللغة وبعضهم على الجنس مطلقا إلا أن حكم الجنس أيضًا عند الأوليين أن يقع على الكل غلا عند تعذره فيقع على الأقل ويحمل الكل مع النية.
وعلى المذهب الأخير حكم الجنس أن يقع على الأقل ويحتمل الكل وإن كان حقيقة
(2/68)

فيهما وهو مذهب فخر الإسلام وأبي زيد الدبوسي مع اتفاق الأصوليين في صحة العموم ولذا اتفقوا على أن شيئًا من أصناف الجنس نحو لا أشرب ماء أو الماء أو ماء البحر أو مياه البحر أو المياه، لا يحتمل ما بين القطرة والكل أصلا كالقطرتين الرطل لما مر أن شأن العام أن لا يتعرض للعدد المحض بل للذات والصفة والتحقيق أن لا خلاف في أن للمعرف لا للعهد صحة العموم كان مفردا أو جمعا مجازا عنه ولا في أن للمقام مدخلا في كونه للعموم أما الأول فلصحة الاستثناء نحو أن الإنسان الآية وضربي زيدا إلا في وقت قيامه، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ} [النور: 4، 5]، {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ} [الحجر: 42]، الآية وقد استدل على عموم الجمع المعرف بأن تعريفه حين لا عهد لا يكون للماهية لأنه جمع ولا أولوية لبعض الأفراد وعليه نقض إجمالي بالجمع المنكر مع أنه قائل بعدم عمومه وتفصيلي في أنه لا يكون للماهية في نحو {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: 8]، ولئن كان مجازا فالمجاز المشتهر أفيد للظهور الذي له نجهد كل الجهد.
وأما الثاني فلوجوب عدم قرنية العهد وصلاحيته للعموم بل الخلاف في أن الجمهور تجعل العموم أصلًا في الجنس الحقيقى والمجازي وعند تعذره يصرفه إلى الأدنى بلانية اتفاقا لا إلى الكل إلا بها أما عند فخر الإِسلام ومن تبعه فلأن الجنس أوالى ومن الجنس الواحد الحقيقي أعلى وأما عند الجمهور فلظاهر الصارف عن الكل وهو كون المنع باليمين عما هو ممكن وها هنا لا إمكان في الكل اللغوي، ولو في الطلاق ومن أمثلته المرأة التي أتزوجها طالق لأن تعليق الحكم بالمبهم المعين بالوصف العام يفيد تعليقه بذلك الوصف وذلك يصح عندنا بخلاف هذه المرأة فإن تعريفها بأبلغ جهته لا بالوصف فيتنجز إن كانت مملوكة وكذا نظائره.
ومنها: كل وكلما والجميع وما في معناه فكل لإحاطة الأفراد على الأفراد فيما أضيف إليه المحقق أو المعذور بأن يعتبر كل فرد كان ليس معه غيره فالمحقق نحو {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، والمقدر نحو {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]، لكن بحسب المفهوم سواء لم يوجد في الوجود ما يصدق عليه نحو كل عنقاء طائر أو يوجد فرد واحد نحو كل من دخل هذا الحصن أولا وقد دخلوا فرادى أو متعدد كهو وقد دخلوا معًا حيث يستحق كل نفلًا موصولًا كان من أو موصوفًا كما سيظهر لأن الأول الحقيقي وهو الفرد السابق على غيره لما لم يوجد بخلاف المسألة السابقة حمل على الاعتباري وهو المعتبر كأن ليس معه غيره السابق على المتخلف الداخل بعد ولو قال ها هنا من دخل أو لا بطل النفل والفرق أمران:
(2/69)

1 - اقتضاء الكل أفراد الأفراد على المعنى المذكور وعدم اقتضاء من فلم يوجد الأول وبه يفارق جميع من دخل لولا فإن النفل للجميع لاقتضائه اجتماع الأفراد.
2 - اقتضاء لفظه الكل تعدد من دخل أولا وقد أمكن فلابد من حمل الأول على ذلك لو الجميع لإحاطة الأفراد على الاجتماع لكونه مثبتًا عنه فلذا قالوا أجمعون في قوله تعالى {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)} [الحجر: 30]، لمنع التفرق هذا حقيقتها وإن استعمل كل منهما لمعنَى الآخر مجازا فالكل له في المجموعى نحو كل الناس يحمل ألف من وليس الكل الواقع في حيز النفي المراد به نفى الشمول من هذا بل مستعمل في حقيقته غير أن صدق سلب الإيجاب على الكل تارة بالسلب الكلي وأخري بالسلب عن البعض مع الإيجاب للبعض الآخر وأيا كان فالسلب الجزئي لازم ولذا جعل سورة قالوا إذا دخل على النكرة أوجب عموم الأفراد وعلى المعرفة عموم الإجزاء فكل رمان مأكولٌ صادقٌ وكل الرمان كاذب فحمل الثاني على الكل المجموعي، وفيه بحث لانتفاضة بحديث ذي اليدين حيث رد كل مالك لم يكن بقوله بعض ذلك قد كان وبقوله عيه السلام "الناس كلهم هلكى إلا العالمون" وكذا كل ما يقع تأكيدا وبقوله نبا كله لم أصنع.
ولأن المراد في كل الرمان مأكول لو كان الكل المجموعى لم يكن كاذبا كما يصدق بنو تيمم يقري الضيف ويحمي الحريم فإن الثابت للبعض ثابت للمجموع من حيث هو حقيقته كما في فرض الكفاية بخلاف كل إنسان يشبعه رغيف والتحقيق أن بين معنيي الكل عمومًا من وجه فيصدق الإفرادي فيما يحكم به من حيث الانفراد المجموعى فيما يحكم به بالاعتبارين فرادهم والله تعالى أعلم وهو استحقاق السابق النفل واحدا كان أو جمعا فبعمومه يتناول استحقاق الكل مجتمعين واستحقاق الأول متعقبين وذلك بدلالة التشجيع فإنه إذا تعلق بأولية الجمع فبأولية الواحد بالأولى ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في الوجود ولا في الإدارة أما عدم استحقاق كل واحد تمام النفل فلعدم دليله وليس يكفى فيه التمسك بدلالة النص كما ظن لأن المفهوم بها لا يبطن حقيقة المنطوق أبطال الانفراد بحقيقة الجميع وأما كلما فلعموم الأفعال نحو {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56]، فكل امرأة أتزوجها طالق يعم الأعيان فلا يحنث لو تزوجها بعينها ثانية وكلما تزوجت الأفعال فيحنث وإن تزوجها بعد الزوج الآخر بخلاف كلما دخلت الدار لأن التعليق بغير التزوج يقتض وجود الملك عند اليمين فلا يتجاوز طلقاته وكذا نظائره من كل عبد اشتريته، وكلما اشتريت عبدا والحكم على كل وجميع بأنهما محكمان في العموم ينافيه جواز تخصيصهما واستعارتهما مطلقا واستعمالهما للواحد مجازا كما مر
(2/70)

مثالهما ومنه ما في القضايا المنحرفة، ومنها وقوع النكرة في سياق النفي وما بمعناه من
النهي والاستفهام والشرط المثبت من حيث هو ممنوع باليمين والمنفط بالعكس أما
عمومها في سياق النفط فلانها لفرد مبهم وفي نفيه نفي جميع الأفراد ضرورة ولذا صار لا
إله إلا الله كلمة توحيد بالإجماع لنفيه وجود كل معبود بحق غير الذات المعين المسمى بالله وصار قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وإنه إيجاب جزئي ردا لقولهم ما أنزل الله على بشر من شيء فلولا أنه سلب كلي لما رده لكن فيه تفصيل وهو أن عمومها إذا أريد نفي الجنس أما صيغة نحو لا رجل بالفتح أو دلالة نحو ما من رجل أو استعمالا نحو ما فيها أحد أو ديار أو إرادة نحو ما جاءني رجل إذْ لو أريد ما جاءني رجل واحدًا نصب النفي على قيد الوحدة كما في ما جاءني رجل كوفي فلا ينافيه مجيء رجلين أو أكثر ومبناه أن اسم الجنس حامل لمعنى الجنسية والوحدة أو العدد فربما يقصد بذكره الأول نحو {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]، وربما الثاني نحو {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51]، فالأوصاف مبنية للقصد فيعم فيَ الأول لأن انتفاء الجنس يستلزم انتفاء كل فرد ويخص في الثاني فالثلاثة الأول نصوص في العموم والرابع محتمل كما علم في الفرق بين قراءتي {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، بالفتح والرفع أن الأولى توجب الاستغراق والثانية تجوزه والمساوي للجنس الفرد المنتشر المطلق لا المقيد بالوحدة، ومثله النهى بعينه وأما في الاستفهام فإذا كان للإنكار نحو {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، وأما في الشرط المثبت فخاص بصورته مطلقا وعام بمعناه أن قصد المنع عنه نحو أن ضربت رجلا فعبدي حر إذْ معناه لا أضرب رجلا أما أن قصد الحمل عليه نحو إن قتلت حريصا ذلك من النفل كذا فخاص والمنفي بالعكس نحو إن لم أضرب فاسقا وإن لم تقتل مسلما فقد نجوت من القصاص.
ومنها وصفها بصفة عامة معممة نحوية كانت أو معنوية فالعامة أي بالعموم المنطقي احتراز عن نحو دخول هذه الدار اليوم متوحدا قبل كل أحد والمعممة احتراز عما لم يصلح أن يقصد عليتها لترتب الحكم على موصوفها أو صلح لكن وجد دليل الأعراض عن قصد الوصف بها وإن لزم فإن تعميم الوصف بقصد العلية والترتيب على الموصوف بالمشتق كالترتيب عليه وإلا فالنكرة الموصوفة مقيد، وهو من أقسام الخاص والمراد عمومها بالنسبة إليها قبل الوصف في ذلك المحل ولها أمثلة:
1 - ما يصلح وقوعها مبتدأً أو شيئًا في حكمه بسبب تعميم الصفة حيث جعلها في تأويل هذا الجنس نحو {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} [البقرة: 221]، {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
(2/71)

وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 263]، بخلاف رجل مجهول النسب مات فإنه لا يصلح بذلك للمبتدأ إليه ذكره محققوا النحاة لأن تلك الصفة لا تصلح علة للموت بخلاف الإيمان والمعروفية للخيرية وقد يكفي صلوح عليه الأخبار كالعلم في رجل عالم جاعني والنكارة في رجل بالباب.
2 - ما وقع في محل الإباحة لذلك الوصف نحو لا أكلم إلا رجلا كوفيا ولا أتزوج إلا امرأة حجازية ولا أقربكما إلا يومًا أقربكما فيه فلا إيلاء لعدم علامته وهو عدم إمكان القربان بدون لزوم شيء نعم لو قربهما في يومين متفرقين حنث ولو قال إلا يوما لم يصر موليا إلا بعد غروب الشمس من يوم قربهما فيه. 3 - أي إذا قصد وصفة بتلك الصفة فإنها الفرد منهم مما يضاف إليه يعينه الوصف المقصود عليته للحكم المترتب عليه فيتعمم بعمومه واحدا كان نحو أي عبدي ضربك أو متعددا نحو أي عبيدي ضربك وشتمك قصد انفراد كل بالاتصاف نحو ايتهم حمل هذه الخشية وهي يحملها واحد بدلالة إظهار الجلادة فلو اجتمعوا لم يعتقوا أو أطلق كما إذا لم يحملها واحد فيعتقون بالحمل جميعا وفرادى لأن المقصود محمولية هذه الخشبة هنا والوصف في الكل علة العتق وهذا معنى التعليل بوقوعه في موضع الشرط بخلاف أي عبيدي ضربته أو وطئته دابتك أو دابة زيد فهو حر حيث لا يعتق إلا واحد إذ صار قطع الإسناد عنه مع إمكانه إليه بلا واسطة بخلاف مسألة الايلاء دليل الأعراض عن قصد الوصف بذلك إذ الوصف للفاعل لأنه العلة لا المحل لأنه الشرط وأن لزم وصفه بالمضروبية مثلا فإنها يثبت ضرورة تعدي الفعل لا قصدا فيتقدر بقدرها ولا يظهر أثره في التعميم لا سيما عند قطعه إلى المخاطب إذ يقصد فيه لخير المخاطب عرفا كما في كل أي خبر تريد حيث لا يتمكن إلا من أكل خبز واحد بخلاف أيما أهاب دبغ فقد طهر فإن ضربهم المخاطب مرتبا عتق الأول لعد المزاحم وإلا فواجد منهم، وتعينه إلى المولي لأن العتق ملتقى من جهته وكذا نظائرها من نحو أي نسائي كلمتك أو كلمتها أو شاءت أو شئت طلاقها أو أي عبيدي.
تذنيبان:
الأول: النكرة عند عدم الدلائل المذكورة لا لفظا ولا تقديرا كما لني قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92]، مطلقة خاصة لأنها فرد صيغة ومعنى لا عامة خلافا للشافعى -رحمه الله- له أولا تناولها للمقيدات كالصحيحة والزمنة وغيرهما.
وثانيا: تخصيص الزمنة والعمياء والمجنونة والمدبرة وغير المملوكة بالإجماع.
(2/72)

وثالثا: بالإجماع الاستثناء نحو اعتق رقبة إلا كافرة وإذا كانت عامة صح تخصيص الكافرة منها بالقياس على كفارة القتل قلنا تناولها تناول احتمال لا دلالة إذ تعرضه للذات لا لصفات، لا بالنفى ولا بالإثبات وإخراج لمذكورات ليس تخصيصا بل لأن اللفظ لا يتناولها لأن التحرير يقتض الملك لقوله عليه السلام لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم وأطلاقه كما له البينة إذا الكامل هو الموجود مطلقا والناقص هالك من وجه فلا يتناول الزمنة وغيرها والاستثناء منقطع فلا يدل على العموم أو مفرغ فالعام مقدر، الثاني أن الإعادة بالمعرفة تقتضي الاتحاد سواء كانت لنكره أو معرفة لأن ظاهرها العهد حينئذ وبالنكرة التغاير وإلا لعهدت فلا يعدل عن الأصول الأربعة إلا لمانع كما تغايرتا في قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنعام: 92]، إلى قوله {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ} [الأنعام: 156]، وفي {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48]، للتقدم والتأخر واتحدتا في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وفي {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، لدليل الوحدانية قيل وذلك معنى قول ابن عباس وهو رواية ابن مسعود عن النبي عليه السلام "لن يغلب عسر يسرين" ونظم في قوله.
إذا أصبحت مغموما ففكر في {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، فعسر بين يسرين إذا فكرته فافرح.
ونظر فخر الإِسلام - رحمه الله - في القاعدة فإنه مذهب أهل البصرة والكوفة بل في المثال لأن الثانية تأكيد لا تأسيس والقاعدة فإنه مذهب أهل البصرة والكوفة بل في المثال لأن الثانية تأكيد لا تأسيس والقاعدة ممهدة فيه ومثله {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15]، {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34، 35].
ومن فروعها أن الإقرار بألف مقيد بصك حين أدار الصك على الشهود مرتين يوجب ألفا وكذا منكر في مجلس واحد على تخريج الكرخي لكونه جامعا للمتفرقات أما في مجلسين فالفين عند أبي حنيفة بشرط مغايرة الشاهدين الآخرين في رواية وبشرط عدم مغايرتهما في أخرى إذ هو كما كتب بكل ألف صكا وأشهد على كل صك شاهدين وألفا عندهما لدلالة العرف على أن يكون إلا قرار لتأكيد الحق بتكثير الشهود وأما إقراره مقيدا أو لا ومنكرا ثانيًا أو بالعكس وقد اختلف المجلس فلا رواية فيهما وينبغي أن يجب في الأول ألفان عنده وفي الثاني ألف اتفاقًا فالصور لفان ستة اتفاقية واثنتان خلافيتان.
السادس: في صيغ العموم مع الماهية منها ما وهو شرطية واستفهامية عام قطعا
(2/73)

وموصولة وموصوفة يحتمل العموم والخصوص لاشتراكهما بين الواحد والتثنية والجمع نحو من يستمعون ومن ينظر وليس افرد الضمير مقتضيا للخصوص لجواز أن يكون للفظه ولا جمعه دليل العموم إلا عند من يكتفي بانتظام جمع من المسميات فعمومه من المسائل فيما قال من شاء من عبيدي عتقه فهو حر فشاؤا عتقوا فقالا وكذا من شئت من عبيدي عتقه فشاء الكل لأن من بعد المهم لبيانه كما في خالعني على ما في يدي من الدراهم وقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، والإسناد إلى الخاطب غير مانع من عمومه كما في فأذن لمن منهم وترجي من تشاء منهن وقال أبو حنيفة رضي الله عنه أصل من التبعيض لأن استعمالها فيه أكثر وكثرة الاستعمال تقتض مبادرة الفهم وهي أمارة الحقيقة فلا يكون غيره حقيقة دفعا للاشتراك وهذا لا ينافي قول أئمة العربية أن أصلها ابتداء الغاية أي دخولها على مبدأ المسافة لأن المبدأ في الحقيقة بعض المذكور فلا يخلو عن التبعيض أو معناه أصله التبعيض بعد ابتداء الغاية فلا يعدل عنه إلى البيان إلا لدليل كإسناد الوصف العام المقصود عليته المؤكد لعموم من في المسألة الأولى مع إمكان لأن يقال لم يعدل لكن المفهوم بعض منكر فعم بعموم تلك الصفة وكون كل وثن رجسا والرجس واجب الاجتناب وكقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} [النور: 62]، في {لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62]، وذلك أدني أن تقر أعينهن في ترجي من تشاء وعدم دلَيل لا يَنافي وجود آخر كاللام العاهدة لما في مسألة الخلع بخلاف مسألتنا قيل ولأن البعض متيقن لتحققه على تقدير البيان والتبعيض ورد بأن البعض المراد ها هنا قسيم الكل فلا يتحقق على تقدير البيان وجوابه منعه وإلا لما عم الكل بعموم الصفة فإذا كان للتبعيض يقصر عن الكل بواحد وهو الآخر إن أعتق مرتبا وإلا فالخيار إلى المولي وخصوصه فيما قال من دخل هذا الحصن أولا ودخلوا متعاقبين فالنفل للأول بخلافهم مجتمعين حيث يبطل كما مر وعده خاصا بعارض القيد لا ينافي عده عاما بأصله كما في كل من دخل هذا الحصين اليوم وحده قبل كل أحد، ومنها ما في ذوات ما لا يعقل وصفا من يعقل كما في الدار وما زيد وهو كمن في أنهما شرطية واستفهامية عام مطلقا وموصولة وموصوفة يحتمل العموم والخصوص والأصل هو العموم لكثرته نحو {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284]، فلو قال لامرأته طلقي نفسك من الثلاث ما شئت تطلَقها ثلاثا عندهما وما دونها عنده إذ لا صارف عن التبعيض بخلاف قوله كل من مالي ما شئت فإن وقوعه في موضوع إظهار السماحة صارف عنه، وإنما لم يرد في قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، جميع ما تيسر لئلا يتعسر ما أطلق أن
(2/74)

يتيسر وعند بعض أئمة اللغة يعم العاقل وغيره كالذي معنى وعموما فإن قال إن كان ما في بطنك أو الذي فيه غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية لم تعتق لأن الجميع لم يكنه وعند الأصولين مستعار لمن كما في قوله {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، على أحد الوجهين أو إرادة لصغته بمعنى والقادر الباني كقولَه: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ} [الزخرف: 13]، كن لنا كما يستعار لما في قوله {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل: 17]، إخراجا لهم مخرج اعتقادهم الفاسد بإلهية الأصنام أو مشاكلة في قوله {مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور: 45]، ثم ما ذكر في السادس مع ما في معنى الجمع عمومه وضعط وما ذكر في الخامس عارض وكلاهما معنوي والصيغى هو الجمع.
(تذنيب) في ما ينتهي إليه خصوصها هو أمران واحد فيما هو فرد بصيغته أو ملحق به من الجمع أو ما في معناه المعرفين وكذا الطائفة معرفا ومنكر لقول ابن عباس رضي الله عنه يقع على الواحد فصاعدا وعملا بصيغة الفردية وتاء الجمعية كالمعتزلة وثلاثة في الجمع المنكر عندهم والمعرف عند أئمة العربية نظرا إلى حقيقته.
وقال أكثر الشافعية: لا بد من بقاء ما فوق النصف فيقرب من مفهوم العام وقيل إلى ثلاثة، وقيل: إلى اثنين، وقيل: إلى واحد، وقيل: التخصيص بالاستثناء والبدل إلى واحد وبمتصل غيرهما ومنفصل في محصور قليل إلى الاثنين وفي غير محصور وعد كثير إلى ما فوق النصف.
لنا: أن دليل جوازه لا يفصل وكذا وقوعه أما إلى واحد فقيل كالناس في قوله تعالى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] والمراد نعيم بن مسعود باتفاق المفسرين ولا معتبر للقول بأنه هو مع من أذاع كلامه في المدينة قيل اللام فيه للعهد فليس عاما قلنا الناس جمع فلا يصح عهد الواحد به.
وفيه بحث فإنه معرف بلام الجنس، فجاز إرادة الواحد به لأنه أدنى ما يصلح له على ما مر نحو (شربت الماء- وأكلت الخبز) لا للتخصيص إذ لا عموم نعم كل من دخل الحصين وحده أولا لا يتحقق إلا في واحد مع عمومه وكذا مثل {حَافِظُونَ} في {وإنا له لَحَافِظُونَ}.
والمراد هو الله تعالى وحده وكونه من باب تنزيل الذات منزلته مع اتباعه تعظيمًا استعارة لا ينافيه لأن التخصيص تجوز وذا بيان لمجوزه وإذا صح مطلقا فيصح إلى أدنى ما ينطلق عليه في كل قسم لا إلى الواحد مطلقا أو الثلاثة أو الاثنين كذلك إلا في الجمع وعند من يجعله أقله.
(2/75)

قالوا: لو قال قتلت كل من في المدينة أو أكلت كل رمانة في البستان أو كل من دخل داري فهو حر وفسرها بثلاثة عد القائل مخطئا ولاغية وقوله خطأ ولاغية.
قلنا: لا نعلم كما لو قال كل من في المدينة من الأعداء وهم ثلاثة أو كل رمانة متشققة وهي ثلاثة أو كل من دخل قبل الطلوع وقد دخل ثلاثة ولئن سلم فذلك لإشعار إظهار جلادته أو سماحته بتتميم التعميم ومحل النزاع ما فيه قرينة عدم التعميم فأين هذا من ذا ومما يؤيده أن المفصل جوز تخصيص البدل والاستثناء لو عد المخصصين إلى واحد فأي فرق بين الأمثلة المذكورة وبين أكرم كلا من الناس اهدها أو إلا الجهال والعالم واحد حتى لا يعد لاغية دونهما.

المقام الثالث: في شتائت مباحث العموم
الأول: أن العموم للفظ حقيقة وللمعنى إذا شمل أشياء من غير أن يدل على شموله لفظ قيل لا يصح وقيل يصح حقيقة والجمهور على صحته مجازا وهو المختار، لنا أن حقيقته أن يصدق موجود واحد على متعدد دفعه ولا يتصور في المعاني؛ لأن الموجود في كل محل معنى غير الموجود في غيره وردما يطلق عموم المعنى على أن يكون للفظ معان متعددة فيقال تعددها باختلافها فالنظام لا يكون إلا للمشترك فلا يتحقق إلا عند من يقول بعمومه نعم يقال المطر أوحصب البلاد تنزيلا للموجودات المتعددة منزلة واحد لاشتراكها في الماهية من حيث هي.
ومن نفى التجوز يقول بعمومه نعم يقال عم المطر أو حصب البلاد تنزيلا للموجودات المتعددة منزلة واحد لاشتراكها في الماهية من حيث هي ومن نفى التجوز أيضًا جعل التجوز في الفاعل قولًا بأن المراد بالمطر الأمطار والحق للتجوز توسعا.
قالوا الماهية الكلية واحدة صادقة على جزيئاتها والمرئي الواحد يتعلق به إبصارات متعددة والصوت أو المشموم الواحد يسمعه أو يشمه طائفة والأمر والنهي النفسيان يعمان خلقا كثيرا قلنا الماهية الكلية ماهية واحدة لا موجود واحد إذ الموجود في كل فرد غير الآخر.
ولا وجود في الذهن عندنا ولئن سلم فصدقها على جزيئاتها تناول احتمال لا دلالة والمرئي لا يصدق على الإبصارات ولا الأمر والنهي على الخلق الكثير ومدرك سامعة كل أحد وشامتة هو الهواء التكيف المجاور لها.
الثاني: أن العبرة لعموم اللفظ في جواب السؤال وحكم الحادثة إذا كان مستقلا زائدا على القدر الكافي لا لخصوص سبب الورود، وقال مالك والشافعي ومن تبعهما يختص
(2/76)

بسببه وقال أبو الفرج يختص جواب السؤال لا حكم الحادثة وأقسامها أربعة؛ لأن كلا إما مستقل أو غيره أما غير المستقل بقسميه فيتبع ما قبله في العموم والخصوص ولا يعرف فيهما خلاف.
فالقسم الأول: ما يكون جزاء لما قبله ففي العموم كأن يقال ما بال من واقع في نهار رمضان عامدًا فقال فليكفر وفي الخصوص كقوله واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا فقال فكفر إذن ومنه زنا ماعز فرجم وسهى فسجد وتعميمه بعد فهم علية الوصف بالدلالة لا بعموم القضاء مع أن المثال للتوضيح وإن ظن أن للشافعي خلافا في هذا فهما مما ذكر في البرهان من قوله ترك الاستقصاء في حكايته الأحوال مع الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال والحق أنه محمول على صورة الاستقلال.
القسم الثاني: ما لا يكون جزاء فعمومه كقوله عليه السلام نعم لمن قال أتتوضأ بماء البحر وخصوصه نحو قوله أليس في عليك ألف درهم فيقول بلى يكون إقرار لا نعم أو كان في عليك كذا فنعم إقرار لا بلى فعند أئمة اللغة نعم مقررة لما سبق مطلقا وبلى موجبة فيلزمها سبق النفي استفهاما أو خبرًا أو (أجل) مخصوصة بالخبر وقيل أولى فيه.
وعند الأصولين يعتبر المتعارف فلا يفرقون بين هذه الكلمات في الجواب إلا بأن نعم وبلى لمحض الاستفهام مع سبق النفي أو بدونه أن يدرج أداة الاستفهام أو يستعار له الخالي عنه وأجل يجمعهما فقوله نعم أو بلى بعد أطلقت امرأتك تطليق وبعد أليس في عليك أو أكان إقرار وكذا أجل والمدرج أو المستعار نحو نعم بعد قوله في عليك كذا أي إلى نحو قوله تعالى {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} [الشعراء: 22] على قول ويحتمل التقدير والاستعارة.
وذكر محمد - رحمه الله - نعم فيما لا يحتمل الاستفهام كما في اقض الألف التي عليك أو أخبر فلانا أن له عليك كذا أو أبشر أو قل فقال نعم يكون إقرارا والأمر لا يحتمله وأما قسما المستقل فغير الزائد على القدر الكافي كقوله بعد ما قيل له تعالى تغدى معي أن تغديت فكذا أو قيل تغتسل الليلة عن جنابة فقال إن اغتسلت اختص به فلا يحنث بالتغدي الآخر والاغتسال لا فيها أو فيها لا عنها إلا عند زفر - رحمه الله- فإنه عممه عملا بعموم اللفظ.
قلنا: خصصه دلالة الحال عرفا كما ينصرف الشراء بالدراهم إلى نقد البلد وأما الزائد سواء كان جواب سؤال كقوله عليه السلام لما سئل عن بئر بضاعة خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه أو حكم حادثة كما روى أنه عليه السلام مر
(2/77)

بشاة ميمونة فقال: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" (1)، قلنا في عمومه.
أولًا: تعميم الصحابة العمومات مع ابتنائها على أسباب خاصة كآية الظهار في خولة امرأة أوس بن الصامت أو سلمة بن صخر وآية اللعان في هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء أو في عويمر العجلاني وآية السرقة في سرقة المجن أو رداء صفوان وآية القذف في قذفة عائشة وغير ذلك وشاع ولم ينكر.
ثانيا: أن خصوص السبب لا يصلح معارضة لعموم النفى إذ لا منافاة.
ثالثا: أن العام ساكت عن الاقتصار والسكوت ليس حجة، قالوا أولًا لو عم لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد كغيره ولم يجز اتفاقا، قلنا: لا نعلم الملازمة للقطع بدخوله في الإرادة إذ لا يجوز الجواب عن غير المسئول عنه أو لا نسلمها إن أرى السبب الشخص لذلك والاتفاق في بطلان اللازم إن أريد السبب النوعي أقصي الأمر أن نحتاج إلى الفرق بين السبب الشخصي الذي ورد فيه وبين الأسباب الشخصية الآخر إن كان المخصص اجتهاد إلا إن كان نصًا فإن أبا حنيفة أخرج السبب النوعي في فرد آخر في موضعين حيث لم ينف الحمل باللعان بعد نفيه بقوله زنيت وهذا الحمل منه مع انتفائه في هلال ولم يرد غير قصته في باب اللعان.
واعتبر عموم الفراش في قوله عليه السلام: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" والحق الولد الآتي في النكاح وأن يتقنا استحالة المعلوق من الزوج وأخرج ولد الأمة ولم يلحقه يمولاها وإن أقر بالوطئ والافتراش وروده في ولد أمة زمعة حين نساوق سعد بن أبي وقاص بعهد أخيه عتبة مع عبد بن زمعة إلى النبي عليه السلام فقال ذلك قيل يعرف عند تتقيح المناط أن سبب الانتفاء اللعان وإلحاق ولد الأمة بمولاها الاستفراش وليس الخصوصية وقال هلال وربيعة أثر فيه مع أنه لا يجوز أن ينسب إلى عاقل تجويز إخراج السبب فقول أبي حنيفة رضي الله عنه محمول على أن الحديثين لم يلغياه بكمالهما قلنا فيه وجوه:
1 - ما في الروايات أن عبد بن زمعة قال ولد على فراش أبي أقر به أبي ومن مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الأمة تفسير فراشًا بالوطئ إذ أقر به المولى ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه (2).
2 - أن وليدة زمعة كانت أم ولد له ذكره أبو يوسف رضي الله عنه في الأمالي ويدل
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) انظر بدائع الصنائع (6/ 243).
(2/78)

عليه الوليدة لأنها اسم لأم الولد ونسب ولد أم الولد يثبت من غير دعوة.
3 - أن في رواية البخاري هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر قال شمس الأئمة -رحمه الله- فهذا قضاء بالملك لعبد لكونه ولد أمة أبيه ثم اعتقه عليه بإقراره بنسبه والدليل عليه قوله عليه السلام لبنت زمعة "أما أنت يا سودة فاحتجبي منه لأنه ليس بأخ لك" (1) وقوله عليه السلام "الولد للفراش" لتحقيق نفى النسب عن عتبة لا لإلحاقه بزمعة.
4 - أن من مذهب أبي حنيفة وقيل هو مذهب أبي يوسف أن إقرار الورثة ببنوة ولد الأمة لمنزلة الدعوة من ألب فهذه الأربعة ما يعزى إلى عبد العزيز البخاري -رحمه الله-.
وأقول: بل وراء ذلك جواز أن يكون كل من الانتفاء مع أن أحكام الحمل لا يترتب عليه إلا بعد الوجود لقيام الاحتمال ومن إلحاق ولد الأمة مع أن المقصود بوطئها قضاء الشهوة لا الولد لوجود مانع إتلاف المالية عنده ونقصان القيمة عندهما ولذا جاز العزل عنها بلا رضاها بخلاف المنكوحة بناء على علمه عليه السلام بذلك بالوحي كما يؤيده آخر حديث هلال فلذا كان للخصوصية مدخل فبدأ عرف أن الطعن بالغلط على إمام المسلمين كان من غير تحقيق لمرامه.
والحكم بعدم بلوغ الحديثين إياه استقراء على النفي مع أنهما مبحوث عنهما مستوفى في غير موضع من المبسوط وهو منقول عن الإمام رضي الله عنه.
وثانيا: لو عم لم يكن لذكر السبب فائدة وقد بالغوا في بيانه وتدوينه قلنا يجوز أن يكون فائدته معرفة الأسباب والسير والقصص وفيها الثقة بصحتها ومنع تخصيصه بالاجتهاد واتساع الشرعية.
وثالثا: لو عم لم يطابق الجواب السؤال قلنا إن أريد بالمطابقة المساواة فلا نعلم وجودها عادة إذ قد يزاد وشريعة كجواب موسى عليه السلام عن وما تلك بيمينك وعيسى عن أنت قلت ومحمد عليه السلام بقوله الطهور ماؤه والحل ميتته، وأن زيد بها الكشف عن السؤال فلا نعلم عدمها فيما زاد قيل فلا أقل من أن الأولى ترك الزيادة.
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (4/ 108) ح (7038)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه والضياء في المختارة (9/ 354) ح (321)، والبيهقي في الكبرى (6/ 87) ح (11246)، والدارقطنى في سننه (4/ 240)، وعبد الرازق في مصنفه (7/ 443) ح (13820)، والطبراني ق الأوسط (3/ 132) ح (2706)، والامام لحمد في مسنده (514)، وأبو يعلى في مسنده (2/ 187) ح (6813).
(2/79)

قلنا أفاده الأحكام الشرعية أولى من رعاية الأحكام اللفطة والأولى أولى ما لم يعارضة
أولى منها كيف وإذا جاز عدم التعرض للمقصود في الأسلوب الحكيم وعد من كمال البلاغة فلأن يجوز الزيادة لمثل فوائده أولى.
ورابعا: أن السبب مثير للحكم كالعلة مع المعلول فيختص به إذ لأصل عدم علة أخرى قلنا ليس الكلام في ذا فإن السبب المؤثر يختص الحكم به ما لم يظهر آخر.
وخامسا: أن ورود العام في هذا السبب صارف له إلى هذا المجاز ولا صارف إلى الخصوصيات الآخر فالحكم بتلك المجازات لخكم قلنا لا مجاز لأن الخصوصية في التحقيق لا الإرادة.
للفارق أن الظاهر في بيان حكم للحادثة إرادة مقتضى اللفظ إذ لا منافاة وفي جواب السوال قصد المطابقة والقصر عليه والتصريح بخلافه لا يمنع الظهور.
قلنا ذلك الظهور مستفاد من دلالة الحال وظهور العموم من صريح الزيادة في المقال كيلا يلزم إلغاؤها والعمل بالناطق مع الصراحة أولى منه بالمبطن مع الدلالة فلو قال في المسألتين إن تغذيت اليوم اغتسلت الليلة أو في هذه الدار صار مبتدئا فإن عنى الجواب صدق ديانة لا قضاء لأن فيه مع كونه خلاف الظاهر تخفيفا بخلاف نية الابتداء بدون الزيادة ففيها تغليظ فيصدق ديانة وقضاء.
الثالث: نفي المساواة في نحو قوله تعالى {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] لا يقتض أن يعم الأحكام الدنيوية فلا ينافيه قتل المسلم بالذمي بحديث ينطق صدره بالحكم وآخره بالتعليل وكون ديته كدية المسلم وكون استيلائه على مال المسلم سبب الملك كعكسه.
وقالت الشافعية: يقتضيه فينافيه الأحكام؛ لأن الفعل نكرة في سياق النفي فيعم في أقسامه ما أمكن كلا آكل العام فيها اتفاقا والخلاف في عمومه بحسب المفعولات أو الأسباب أو الأوقات أو غيرها مما هو مقتضى الوجود لا اللفظ فإذا العمل في بعض الأفراد لم يسقط فيما بقي كالعام المخصوص وهذا استدلال بالاستقراء لا قياس في اللغة لا يقال لو عم لما صدق إذْ بين كل شيئين مساواة من بعض الوجوه كالوجود وغيره وأقلها في نفي ما عداهما عنهما ولأن إثباته لو خص لما أفاد للعلم به فيعم فيخص نفيه؛ لأنه نقيضه للتكاذب عرفا لأنهما معارضان بأن نفيه لو خص لما أفاد للعلم بعدم مساواتهما من وجه ولو في التشخيص وإلا فلا اثنينية.
وبأن إثباته لو عم صدق إذ لا مساواة في التشخيص فيخص فيعم النفي وهذه هي الشبه الأربع المتعارضة باعتبار عدم الصدق وعدم الافادة في طرفي النفي والإثبات وحلها
(2/80)

مأن الفعل نكرة إذا وقع في الإثبات لا يعم لكن ربما يفيد لتعينه بقرينة وإذا وقع في النفي يعم لكن ربما يصدق أمر بنية مخصصة بعض المتناولات أو لإدارة الاستغراق العرفي كنفي كل مساواة يصح انتفاؤها بتخصيص العقل كما في قوله تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] أي كل شيء يخلق.
ولنا في ذلك طرق: لما لم يدل إثباته على المساواة من كل وجه أما لأنه نكرة في الإثبات، وإما لأنها بعض أفراد الاستواء ولا دلالة للأعم على الأخص إلا بقرينة، ولا قرينة عليها لكذبها وإلا فلا اثنينية تعين إرادة المساواة من الوجه المعين الذي يدل عليه القرينة كالفوز هنا بقرينة قوله {هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 20] والإدراك في قوله {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [فاطر: 19] فرده أنه كان ينفي تلك المساواة كما هو ظاهر مقام رد الزعم الحقيقي أو الاعتباري فقد خص وإن كان ينفي الكل وذلك يحتاج إلى القرينة المعنية ليصدق فالظاهر أنها تلك القرينة والعقل لا يصلح مخصصا ها هنا إلا إذا قلنا له حكم في الحسن والقبح.
2 - ولئن سلمنا أن المراد نفي مساواة يصح انتفاؤها فليس المساواة التي يعتمد عليها القصاص بين المسلم والذمي كذلك فإنها المساواة في العصمة التي يعمل فيها الإتلاف وهي ثابتة بكلا العهد والدار مؤبدة بخلاف المستأمن من المؤقتة عصمته وهذا بالفروع أنسب.
3 - أن النكرة في سياق النفي لا تعم في كل محل بل عمومها في البعض بورودها في محل العموم كما مر في ما جاءني رجل وليست الآية في نحو ما نحن فيه واردة في محله بخلاف لا آكل والعام المخصوص فيجب الاقتصار على ما تيقن أنه مراد كمعدم المساواة في الفوز والادراك يويده أن المساواة غير منفية بين الأعمى والبصير في الأحكام المذكورة.
4 - الطريقة المسلوكة في "رفع عن أمتي الخطأ" (1) إذْ لا يراد نفي الاستواء في الذوات
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (16/ 202) ح (7219)، والحاكم في مستدركه (2/ 216) ح (2801)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى (6/ 84) ح (11236)، والدارقطني في سننه (4/ 170)، وابن ماجه (1/ 659) ح (2043)، وابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 82)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (9513)، والطبراني في الأوسط (8/ 161) ح (8273)، والصيداوي في معجم الشيوخ (1/ 362361)، والطبراني في مسند الشاميين (2/ 152) ح (1090)، والصغير (5212) ح (765)، والكبير (9712) ح (1430)، وانظر التلخيص الحبير (1/ 281)، خلاصته البدر لمنير (1/ 54)، نصب الراية للزيلعي (2/ 64).
(2/81)

فإنه في الحقيقة كاذب وفي مشخصاتها غير مفيد فيراد بهما أحكامهما مجازا وحيث ارتدت الأخروية بالإجماع أو بسياق قوله {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] لا يراد الدنيوية وهما نوعان مختلفان لتعلق الأخروية بصحة العزيمة وفسادها، والدنيوية بوجود الركن والشرط وعدمهما كما يفترقان في الصلاة بالماء النجسة غير عالم وفيها مرائيًا مراعيًا، ومثلها صلاة المحدث على ظن الطهارة وصلاة المتطهر طى ظن الحدث تهتكًا فصار المجاز الموضوع وضعا نوعيا للمختلفين مشتركًا أيضًا فلا يعم أما عندنا فلعدم عموم المشترك.
وأما عند الشافعي - رحمه الله - فلعدم عموم المجاز هذا سياقة المتأخرين وأما سياقة المتقدمين التي اختارها أبو زيد - رحمه الله - فعدم الفرق بين المقتضى والمحذوف كما سيجيء فإنه مقتضى ضرورة صدق النص فلا يضمر الجميع أوْ لا يراد لاندفاع الضرورة بإرادة ما اتفق عليه من الأخروية وسيجيء تحقيق السياقتين وسيأتي في موضعين آخرين إن شاء الله تعالى، وعن هذا قلنا كاف التشبيه لا يوجب العموم كما في قول عائشة رضي الله عنها "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" فحمل على الإثم في الآخرة لا القطع في الدنيا إلا أن يقبل محل العموم لارتفاع المانع كقول على رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا حتى يقتل المسلم بالذس ويضمن إذا أتلف خمره أو خنزيره؛ لأن التشبيه بين العامين ولأن فيه حقن الدم وفي حديث عائشة رضي الله عنها إثبات الحد الذي يحتال لدرء.
الرابع: أن الفعل المثبت أعني الاصطلاحي الدال على مقابل القول لا عموم له فحكايته لا يقتض العموم لا للأقسام كصلي داخل الكعبة للفرض والنفل ولا للجهات أي جهات الوضع كصلي بعد غيبوبة الشفق الأحمر والأبيض إلا عند من قال بعموم المشترك لوجهات وقوع الفعل نحو كان يجمع بين الظهر والعصر لجمعهما في وقت الأولى والثانية ولا للأزمان.
أما دلالة كان يجمع ككان حاتم يقري الضيف على الاستمرار فللفظ الراوي وهو كان لا الفعل المضارع كما ظن فإن قصد الاستمرار فيه يستفاد من تقدم ما يدل على المضي إعطاء الدليلين حقهما هو المفهوم من كلام عبد القاهر ومثله لو يطيعكم كما يستفاد في {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] من وقوعه جزء الاسمية وللأمة إلا بدليل آخر للتأسي فيه خاصة كصلوَا وخذوا أو كوقوعه بيانا فيتبع المبين عمومًا وخصوصا أو عامة نحو {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ} [الأحزاب: 21] الآية وكقياس الأمة عليه بجامع يعلم عليته
(2/82)

خلافا للبعض.
لنا أنه نكرة في سياق الإثبات قالوا قد عمم نحو سهى فسجد وفعلت أنا ورسول الله فاغتسلنا وزنا ماعز فرجم ونحوها وشاع ولم ينكر قلنا تعميمه كان بدليل آخر مما مر.
الخامس: الحكاية بلفظ ظاهره العموم نحو نهى عن بيع الغرر، وقضي بالشفعة للجار يحمل على كل غرر وكل جار خلافا للأكثرين فلا يدل على ثبوت الشفعة لجار لا يكون شريكا.
لنا أن العدل العارف بوضع اللفظ وجهة دلالته لا ينقله ظاهرا إلا بعد ظهوره وقطعه قالوا يحتمل أنه كان خاصا وظن العمة والاحتجاج بالمحكي والعموم في الحكاية.
قلنا الظاهر لا يترك باحتمال خلافه وإلا فلا استدلال به وهذه المسألة ليست عين ما عبر عنها في كتبنا بقولهم حكايته الفعل لا تعم كما ظن لأنها فيما ليس في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الاستغراق في الجار والغرر ولذا قالوا في دليله أن المحكي عنه واقع على صفة معينة وهو الدليل فيكون في معنى المشترك.
فإن ترجح بعض الوجوه فذاك وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله والباقي بالقياس عليه ونظيره صلى النبي عليه السلام في الكعبة، فقال الشافعى -رحمه الله- لا يعم فيحمل على النفل لا الفرض احتياطا إذ يلزم استدبار بعض الكعبة قلنا بينهما في أمر الاستقبال حالة الاختيار تساوٍ فيثبت في الآخر قياسا قيل لا يصح حمل لام الجار مثلا على الاستغراق لأن قضاءه عليه السلام إنعلما وقع لجار معين قلنا لا نعلم لجواز أن يكون حكمه عليه السلام بصيغة العموم نحو الشفعة ثابتة لكل جار قيل فيكون نقل الحديث بالمعنى لا حكايته الفعل لا منافاة.
السادس: في عموم العلة المنصوصة بأن يتحقق الحكم إنعلما تحققت وأنه لا باللغة صيغة بل بالشرع قياسا وقال القاض لا يعم وقيل يعم بالصيغة مثاله قوله عليه السلام في قتلى أحد "زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دمًا" (1) حيث يعم كل شهيد.
لنا في عمومه أدلة وجوب تتبع القياس والظاهر استقلال العلة بالعلية وفي أنه ليس بالصيغة لزوم عتق كل عبد أسود إذا قال أعتقت غلامًا لسواده، واللازم باطل ولا قائل به أي للإجماع السكوتي.
__________
(1) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده (5/ 431) ح (23708)، وانظر نصب الراية (2/ 307)، الدارية في تخريج أحاديث الهداية (2/ 307).
(2/83)

للقاضي احتمال أن يكون خصوصية المحل جزأ العلة، قلنا الظاهر هو الاستقلال فلا يترك بمجرد الاحتمال وإلا لم يصح قياس للمعمم بالصيغة أن حرمت الخمر لإسكاره كحرمت المسكر لإسكاره عرفا قلنا المراد أن لا فرق أصلًا أو في الحكم الأول ممنوع والثاني غير مفيد إذ لا يلزم كونه بالصيغة.
السابع: في عموم المفهوم عند الجمهور ونفاه الغزالي - رحمه الله - قيل النزاع لفظي، فمن فسره بما يستغرق في محل النطق لم يقل به ومن فسره بما يستغرق في الجملة قال به لا حقيقي لأنه إن أريد ثبوت الحكم في جميع ما سوي المنطوق من صور وجود العلة في الموافقة وعدمها في المخالفة.
فلا يتصور النفي من القائل به كالغزالي وإن أريد ثبوته فيها بالمنطوق فلا يتصور إثباته والحق إنه حقيقي لما ثبت أن العموم من عوارض الألفاظ لا المعاني ولا لأفعال فمن قال بأن المفهوم ملحوظ يوجه إليه القصد عند التلفظ بالمنطوق قال به وبقبوله للتخصيص كما ذهب إلى مثله، في لا آكل من جعله محذوف المفعول المراد ومن قال بأنه سكوت وعدم تعرض وحصوله بتبعية ملزومة المنطوق نفاهما كما نفي لا آكل من جعله منزلا منزلة اللازم.
واعلم أن الظاهر في الموافقة هو الأول فإن من قصد منع الأذى بان قصده باكر منه ظاهرا وفي المخالفة هو الثاني فإن إيجاب الزكاة في السائمة ليس قصدا إلى عدمه في المعلوفة ظاهرا فالقول بالعموم في الموافقة دون المخالفة لعدم القول بها كما هو مذهبنا هو الحق.
ولذا قيل القول بالمفهوم مع القول بأن سكوت وعدم تعرض ليجتمعان، وإن أمكن توجيهه بأن القول للزومه وكونه سكوتا عن القصد بالنطق لا تنافيه.
الثامن: قال أصحابنا عطف المخصص على العام يقتضي تخصيصه ظاهرا كما يقتضي سياق عطف ولا ذو عهد في عهده علي إلا يقتل مسلم بكافؤ تخصيص الحرق لآن المنذر مخصص بالحربي إجماعًا إذْ يقتل الذمي هو المشهور في تعبير الآمدي بأن الأول ليس عمومه وإلا لزم عموم الثاني فيفسد.
ونقل الشافعية عنا عبارتين أخريين أن العطف على العام يوجب التعميم صيغة فالأول كعطف وبعولتهن على والمطلقات والثاني كعطف ولا ذو عهد على ما قبله خلافا لهم فيهما.
فأولا: لأن المعطوف فيهما مخصص مع عموم المعطوف عليه حقيقة في الأول واتفاقا
(2/84)

وصيغة في الثاني عندكم قلنا تخصيصه بمنفصل كالإجماع فيهما.
وثانيا: أنه مبني على وجوب تقدير قيد الأول في الثاني وليس كذلك وإلا لوجب في ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا تقدير الظرف في عمرو.
قلنا: ملتزم من حيث الظهور أو قدر في الحديث ضرورة أن لا يمتنع قتل ذي العهد مطلقا ولا ضرورة هنا قيل معناه ولا ذو عهد ما دام في عهده فلا تقدير، قلنا فيكون عطف القتل لا قصاصًا عليه قصاصًا والظاهر خلافه.
التاسع: في عموم خطاب الرسول عليه السلام نحو {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1]، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] للامة إلا لدليل نحصص ولا خلاف في عمومه بدليل شرعي مشترك مطلقا أو فيه خاصة كقياس لهم عليه أو نص أو إجماع ولا في عدم الوضع لغة بل في اللهم عرفا وأحمد معنا خلافا للشافعية.
لنا أولًا أن الأمر لمقتدى طائفة بأمر ما مفهم للأمر له ولأتباعه عرفا ولو لم يكن المتخاطبان من المتشرعة.
وتحقيقه أن أمر مثله إما أن يشتمل على قرينة العموم كالأمر بالأمور السرية ولا كلام في خصوصه وإما أن لا يشتمل عليهما كالأمر بمجاملة الصديق ومعاملة الشقيق وغيرهما ولا شك في فهم أمر الاتباع فيه.
أيضًا قيل الواقع فيه عدم العلم بالخصوص وهو أعم من العلم بعدم الخصوص قلنا نقلة العرف ثقة لا يتهم في نقلهم ولئن سلم فالغالب من القسمين الأوليين في أمر المقتدي هو العموم والغالب كالمتحقق فيلحق به وإلحاق المشكوك بالغالب في الاستعمال ليس قياسا في اللغة بل عملا بالاستقرار على أن لا نعلم أن لا قرينة على العموم في خطاب الرسول مطلقا فإن كل خطاب توجه إليه تفصيل للهداية إلى جناب الحق والصراط المستقيم وإنما يقصد بمثله الكل لا هو وحده فالظاهر عمومه وبهذا علم أن منع فهم العموم مكابرة وأن الدعاء دليل العموم والشياع لا يعم كل مثال مما يفهم فيه أمر الاتباع.
وثانيا: أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] نداء له وأمر للكل فكما جاز تخصيصه بالنداء عند أمر الكل جاز تخصيصه بالأمر كذلك وكون التخصيص بالنداء للتشريف لا ينافيه لجواز كون التخصيص بالأمر كذلك وافعل وأتباعك ليس مثله إذْ لا كلام في صحته بل نظيره يا فلان افعلوا فلولا أنهم أمروا دون النداء لكان في صحته ألف نزاع، وثالثا قوله تعالى {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37] حيث أخبر أن الإباحة له ليشمل الأمة إباحة تزوج أزواج
(2/85)

الأدعياء لا تزوج زينب كما فهم فإما أن يعلم ذلك بطريق القياس أو مطلقا أي بدلالة العرف.
والأول خلاف الظاهر لأن ظاهره جوازه مطلقا لا جوازه بالقياس ولذا يفهمه نفاته، ورابعا قوله تعالى {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] قيل يجوز أن يكون لقطع احتمال العموم حتى لا يقاس الأمة عليه لا لقطع العموم المفهوم قلنا خلاف الظاهر لأن الظاهر التخصيص دفع العموم لا دفع احتماله لهم ولا أن مثله موضوع الخطاب المفرد، قلنا غير محل النزاع إذ لا نزاع في عدم وضعه لغة.
ورابعا: لو عم لجاز إخراج غير المذكور تخصيصا لعمومه ولا قائل به قلنا قد يقع التخصيص في العام عرفا كإخراج غير الوطء من النظر وغيره من الاستمتاعات المرادة عرفا في {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] وهذا على أنه محذوف لا مقتضى وأيا كان يصح سندا.
العاشر: في عدم عموم خطاب واحد من الأمة لغيره بصيغته خلافا للحنابلة ولعلهم يدعون ذلك بالقياس أو بقوله عليه السلام "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (1)، لنا أولا عدم الوضع لغة والفهم عرفا، وثانيا عدم فائدة قوله حكمي على الواحد الحديث إذا لفهم التعميم من صيغة الخطاب، لهم أو لا النصوص الدالة على أنه مبعوث إلى الكافة قلنا أي ليبين لكل من الحر والعبد والمسافر والمقيم مثلا حكمه الخاص به لا أن الكل للكل.
وثانيا قوله عليه السلام "حكمي على الواحد، قلنا فالفهم بهذا لا بالصيغة أو معناه عمومه بالقياس وإن كان خلاف الظاهر للجمع بين الأدلة.
وثالثا حكم الصحابة بما حكم النبي به على الواحد من غير نكير كضرب الجزية على كل مجوسى لضربه على مجوس هجر فكان إجماعا.
قلنا إن كان ذلك بالقياس فلا نزاع في جوازه وإلا فهو ليس بمحل الإجماع فلا يسمع دعوى الإجماع.
ورابعا: قوله عليه السلام لأبي بردة في التضحية بالجذعة "ولا تجزي عن أحد بعده" (2) بالتاء أي لا تقضي من قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة:
__________
(1) لا أصل له: قاله العراقى وغيرما انظر المصنوع (1/ 95)، كشف الخفاء للعجلوني (1/ 436)، تحفة الطالب (1/ 286).
(2) أخرجه البخاري (1/ 325) ح (912)، ومسلم (3/ 1552) ح (1961).
(2/86)

48] فلو عم الخطاب لم يكن له فائدة.
أما في قصة أعرابي واقع أهله في نهار رمضان فلم تثبت فيه لا تجزي أحدا بعدك اللهم إلا أن يكون نقلا بالمعنى كما ذكر القرنوي في شرح الحاوي وكذا تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بجواز لبس الحرير لكلمة كانت بهما أو شكوا القمل وقيل لا تخصيص فيه بل يجوز لكل أحد لحاجة.
قلنا فائدته قطع احتمال الشركة للإلحاق بالقياس الحادي عشر في أن الإناث المختلطة مع المذكور تندرج تحت نحو المسلمين وفعلوا وافعلوا بطريق التبعية خلافا للكثير لا الإناث المنفردات ولا المذكور تحت صيغة جمع المونث ولا النساء في نحو الرجال إجماعا.
كما يندرج إذا عرف التغليب وفي نحو الناس ومن وما إجماعا ولذا قال في السير أمنوني على أبنائي وله بنون وبنات يشملهما أو بنات فقط لا يندرج وعلى بناتي لا يندرج البنون بخلاف أولادي مطلقا.
لنا أولًا: غلبة الاستعمال عند الاختلاط كما دخل في {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 161] نساء بني إسرائيل وفي {اهْبِطُوا} [البقرة: 36] حواء مع آدم وإبليس قيل صحة الإطلاق لا يستدعي الظهور قلنا بل الظهور عرف بالعرف ولأن الأصل فيه الحقيقة لا يقال حقيقة للرجال وحدهم إجماعا والمجاز أولى من الاشتراك لانا نقول إما لغة أو مطلقا لكن عند الانفراد فسلم وأما عرفا عند الاختلاط فممنوع.
وثانيا: مشاركتهن في نحو أحكام الصوم والصلاة وغيرهما وإن وردت بالصيغ المتنازع فيها قيل بدليل خارجي ولذا لم يدخلن في الجهاد والجمعة وغيرهما.
قلنا الأصل عدمه بالاستئناء فيما لا يشاركنهم يحتاج إليه وذا أدل دليل على التناول لولاه.
وثالثا: دخولهن في الثانية إجماعًا إذا قال أوصيت للرجال والنساء ثم لهم بكذا قيل المتقدمة قرينة.
قلنا لا نعلم لجواز إرادة الخصوص في الثانية بل الإفراز ظاهر فيها قالوا أو لا عطف المسلمات على المسلمين دليل عدم الدخول إذ عطف الخاص على العام لا يحسن.
قلنا: غير محل النزاع فإنه صورة الاقتصار على جمع المذكور على أن عدم حسنه ممنوع إذا قصد فائدة التأسيس أولى من فائدة التأكيد.
قلنا لا تأكيد إذ هو ما فيه تقوية الأول وثانيا ما روي عن أم سلمة من سبب نزول قوله أن المسلمين والمسلمات، حيث نفت ذكرهن مطلقًا ولو كن داخلات في الجملة لما
(2/87)

منفيها التصريح بذكرهن وإلا كانت زاعمة أن الأحكام السابقة ليست متناولة لهن وذلك ربما يفضي إلى الكفر فضلا عن الكذب، وثالثا إجماع أهل العربية على أن حقيقتها جمع المذكر، قلنا لغة أو عند الانفراد كما مر.
الثاني عشر: مثل من وما من العام المشترك بينهما لا يختص بالمذكر وان عاد إليه ضميره عند الأكثرين للإجماع في من دخل صيغة الخطاب المتناولة للعبد لغة مثل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] متناولة شرعا مطلقا خلافا للبعض وعند أبي بكر الرازي يتناولهم في حقوق الله دون حقوق الناس.
لنا: تحقق المقتضي هو التناول اللغوي وعدم المانع إذْ الرق لا يصلح مانعا، ولهم أولا أن ذلك الظاهر يترك بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده، إذْ التكليف صرف لها إلى غيره.
قلنا: وجوب الصرف عند الطلب فلا لناقض عدمه عند عدمه ولذا حاز صرفها إلى نفسه ولئن سلم فقد استثنى وقت تضايق العبادات حتى جاز عصيانه لو أدى طاعته إلى فواتها ولا مناقضة بين وجوب العبادة ووجوب الصرف إلى السيد عند عدم التضايق.
وثانيًا: خروج العبد عن خطاب الجمعة والحج والعمرة والجهاد والتبرعات والتقارير ونحوها فلو عم الخطاب لزم التخصيص والأصل عدمه.
قلنا: ارتكب لدليله كخروج المريض عن الصوم والأربعة المتقدمة والمسافر عن الصوم والجمعة والحائض عن الصلاة أيضًا.
الرابع عشر: العمومات الواردة على لسان الرسول عليه السلام المتناولة له لغة نحو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104]، {يَا عِبَادِيَ} [العنكبوت: 56] يشمله مطلقًا (1) خلافا للبعض (2) بقرينة الورود على لسانه وعند الحليمي إن لم يكن مصدرا بقل.
لنا أولا: تحقق المقتضى وعدم المانع.
وثانيا: فهم الصحابة دخوله ولو مصدرا بقل ولذا إذا لم يفعل بمقتضاها سألوه عن موجب التخصيص ويذكره وهو تقرير لدخوله كما علل في صوم الوصال بعد نهيه عنه
__________
(1) أو كان معه "قل" أم لا، وهو قول حجة الدين الغزالي، وسيف الدين الآمدي، وأكثر أهل العلم، انظر المستصفى للغزالي، (2/ 80 - 81)، إحكام الأحكام للآمدي (2/ 397)، نهاية السول للإسنوي (2/ 371)، البرهان لإمام الحرمين (1/ 365 - 367).
(2) حيث قال الصيرفي والحليمى: يدخل إلا أن يكون معه "قل"، انظر إحكام الأحكام للآمدي (2/ 397)، نهاية السول للإسنوي (2/ 372).
(2/88)

بأني أبيت عند ربي وفي عدم فسخ العمرة بعد أمره به بأني قلدت هديا ولهم أولا أنه أمر أو مبلغ فلا يكون مأمورا من جهة أخري.
قلنا الآمر هو الله والمبلغ جبريل وهو حال لتبليغ ما هو داخل فيه وهو المراد ببلغ أو الحكاية تبليغ آخر، وثانيا خصوصه عليه لسلام بأحكام من وجوب وتحريم وإباحة دليل عدم مشاركته فالوجوب كركعتي الفجر ذكرها الآمدي وعند الحسن البصري رحمه الله على الكل نقله النواوي وصلاة الأضحى والضحى والوتر والتهجد والسواك وتخيير نسائه فيه والمشاورة وتغيير المنكر ومصابرة العدو الكثير وقضاء دين الميت المعسر.
والتحريم كمصرفية الزكاة القرآنية وخائنة الأعين وهي الإيماء إلى مباح على خلاف ما يظهر وصدقة التطوع ونزع لامته حتى تقاتل والمن ليستكثر ونكاح الكتابية والأمة والإباحة كالنكاح بلا شهود وولي ومهر والزيادة على أربع نسوة وصوم الوصال وصفى المغنم وحمس الخمس وجعل إرثه صدقة وأن يشهد ويقبل ويحكم لنفسه وولده.
قلنا خصوصه لدليل مانع خروج المريض وغيره من العمومات، للحليمي أن الأمر بالأمر ليس أمرا قلنا لا نعلم عند عدم المانع ولئن سلم فهذا الظاهر يترك بالدليل السابق أما الجواب بأن جميع الخطابات في تقدير قل فممنوع ولئن سلم فليس المقدر كالملفوظ من كل وجه.
الخامس عشر: خطاب المشافهة ليس أمرًا لمن بعد الموجودين في زمن الرسول عليه السلام صيغة بل بدليل آخر من إجماع أو قياس أو نص أو كون الأمر في معنى الخبر وما مر من أن الأمر يتعلق بالمعدوم فمعناه تعلق الكلام النفسي كأن تقوم نفس الأب طلب العلم من ابن مولد لا توجه الكلام اللفظي، وقالت الحنابلة عام لمن بعدهم.
لنا أولا: أنه لا يقال للمعدومين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] ونحوه لا وحدهم ولا منضمين إلى الموجودين إلا تغليبا وهو خلاف الظاهر فيحتاج إلى دليل مما ذكر ولذا يقال إذا تعلق أمر الرسول بالمعدوم كان في معنى الخبر لأن خطاب المشافهة موضوع للتفهيم وبهذا يعرف أن لا منافاة بين نداء الحاضر وتكليف الكل.
وثانيًا: إذا لم يتوجه إلى الصبي والمجنون لعم فهمهما مع وجودهما فإلى المعدوم أولى وهذا استدلال على عدم العموم بعدم توجه الخطاب لا بعدم توجه التكليف حتى يقدح فيه احتمال الخصوص ولهم أولا أن من بعد الرسول لو لم يكن مخاطبا لم يكن مرسلا إليهم واللازم منتف بالإجماع، وإن منعوا تناول مثل {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً} [سبأ: 28] للمعدومين قلنا يحصل التبليغ بنصب الدليل على المشاركة.
(2/89)

وثالثًا: احتجاج العلماء في كل عصر بها وهو إجماع على العموم قلنا لعله لعلمهم بتناوله لهم بدليل آخر ككون خطاب التكليف في معنى الإخبار جمعا بين الأدلة وإن دل ظاهر سياق القصص على أن احتجاجهم بنفس العموم قيل على الجوابين أن الأدلة الأُخر أيضًا من الخطابات أو مما ثبت حجيته بها من الإجماع والقياس فلا يتناول المعدومين قلنا بإجماع أو تنصيص على ثبوت الحكم أو حجية الأدلة في حق المعدومين أيضًا نحو الجهاد ماض إلى يوم القيامة مثلا.
السادس عشر: دخول المتكلم في عموم متعلق الخطاب خبرا كان نحو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] أو إنشاء نحو من أكرمك فأكرمه ولا تهنه إذا أريد الخطَاب العام المَراد به كل أحد كما في
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
البيت يقتضي دخوله فيه وقيل لا لقرينة أن الخطاب منه مثاله قوله عليه السلام "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" (1).
لنا: تحقق المقتضي وعدم المانع ولهم لزوم خلق الله تعالى نفسه في {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، قلنا خص عقلا.
السابع عشر: أن الوارد للمدح أو الذم يبقى على عمومه، ويثبت الحكم به في جميع متناولاته خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فأحال التمسك بعموم الذهب والفضة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الآية في وجوب الزكاة بالحلي المباح الاستعمال كما هو مذهبنا أما في المحرم لعينه كما بينهما أو بالقصد كأن يقصد بحلي النساء أن يلبسه الغلمان، أو بحلي الرجال كالسيف والمنطقة، أن يلبسه الجواري فيوافقنا في وجوبهما.
لنا تحقيق المقتضى وانتفاء المانع إذ لا ينافيه المدح والذم، له أن التوسع والعموم مبالغة وإغراقا معهود فيهما.
قلنا فسياقهما دليل إرادته فعدمها ولئن سلم فلا منافاة بينه وبينهما حتى يدل ثبوت أحدهما على انتفاء الآخر، ومما يواجههما المطلق والمقيد فالمطلق ما دل على الذات دون الصفات؛ لا بالنفي ولا بالإثبات وقيل ما دل على شايع في جنسه أي حصة محتملة
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2/ 377) ح (1499)، والحاكم في مستدركه (1/ 331) ح (768)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والترمذي (1/ 435) ح (223)، والبيهقي في الكبرى (3/ 63) ح (4755)، وأبو داود (1/ 154) خ (561)، وابن ماجه (1/ 257) ح (781).
(2/90)

لحصص كثيرة لم يطرأ عليها تعيين فخرج ما فيه تعين إما شخصا في وضعه كالعلم، أو في استعماله كالمبهم والمضمر وإما حقيقة في وضعه كأسامة أو استعماله كالأسد وإما حصة فهذا نحو {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16] وكل حصص كالرجال وخرج كل عام ولو نكرة كل رجل ولا رجل فيبطل تعريف الآمدي بالنكرة في سياق الإثبات فالمقيد ما دل لا على شايع في جنسه فيدخل المعارف والعمومات ورجح الثاني بأن الدال على الذات هو الدال على الحقيقة كما في المنهاج وذلك موضوع الطبيعة والمطلق موضوع المهملة لا ذلك وفيه بحث لأن حقيقة اسم الجنس فرد لا بعينه أي لم يعتبر تعيينه فاستعماله في موضوع المهملة حقيقة كما عرفت في الفرق بينه وبين علم الجنس ولئن سلم فالدال على الذات أعم من الدال عليه من حيث هو أو من حيث تحققه وأيضًا عدم إخراج المعهود الذهني تحكم وليس لأنه مطلق كما ظن لكونه مقيدا باعتبار حضوره الذهني وإلا لم يكن معرفة كيف وبه الفرق بين المصدر المعرف والمنكر وبن الرجال وكل رجل وأيضًا مثل رقبة مؤمنة وهو المقيد تعارفا لشيوعه داخل في المطلق دون المقيد مع تقييده والأصل بين القسمين التمايز الحقيقي لا الإضافي فالأولى ما ذكره أصحابنا.
بحث شريف
حكم المطلق أن يجري على إطلاقه والمقيد على تقييده فإذا وردا فإما في سبب الحكم كنصي صدقة الفطر أو لا فإما في حكم أي محكوم به واحد مع وحدة الحادثة نحو "إن ظاهرت فاعتق رقبة ورقبة مسلمة" أو تعددها نحو "إن ظاهرت فرقبة وإن قتلت فرقبة مؤمنة" وإما في حكمين كذلك نحو تقييد صوم الظهار بما قبل المسيس وإطلاق إطعامه وكتقييد صيام القتل بالتتابع وإطلاق إطعام الظهار فهذه خمسة، وذكر المنفي قسما آخر ليس بتحقيق لأن الحكم في النفي عام لا مطلق والمعرفة ليست لمطلق فحمل المطلق على المقيد أي إرادة معنى المقيد فيهما متفق على عدمه في القسمين الأخيرين لاختلاف الحكم إلا إذا استلزم حكم المطلق بالاقئضاء أمرا ينافيه حكم المقيد لا عند تقيده بضد قيده نحو: "أعتق عني رقبة ولا تملكني رقبة كافرة" ومتفق على ثبوته في الثاني تقدم أو تأخر نحو فصيام ثلاثة أيام مع قراءة ابن مسعود؛ لأنها مشهورة بخلاف قراءة أبي في قضاء رمضان غير أنه إذا تأخر المقيد كان نسخا عندنا دونه.
لنا في الحمل أنه بعد امتناع العمل بكل منهما عمل بهما وهو أولى وفيه الخروج عن العهدة بيقين، وفي أن المقيد المتأخر ناسخ:
أولا: أنه كتراخي المخصص بل أولى فإنه رافع لتمام ما به صحة استعمل اللفظ وبإثبات حكم شرعي لم يكن وهو لبعض الثابت أما إذا تأخر المطلق فإنه لا يدفع القيد
(2/91)

الثابت لسكوته بخلاف العام المتأخر.
وثانيا: أن المطلق في المقيد مجاز فيكون المقيد عند تقدمه قرينة لا عند تأخره لتراخيه وجعل المتناول بدلا بوضعه عاما خروج عن الاصطلاح الممهد والأصل المشيد.
قالوا أولا: لو كان التقييد المتأخر نسخا لكان التخصيص نسخا لأنه مجاز مثله وقد، سلف الفرق مع أنه ملتزم على أن الكلام في التقييد الموافق والتخصيص الموافق ليس تخصيصا فضلا عن النسخ كما مر أنه مبني على القول بمفهوم اللقب.
وثانيا: لكان إطلاق المتأخر نسخا وقد سلف أنه ساكت بقي الأول والثالث ولا حمل فيهما عندنا خلافا له فلا يجوز إعتاق الكافرة عن الظهار لقيد المؤمنة في القتل ولا يجب صدقة الفطر إلا عن مسلم لتقيدها به في حديث فقال أكثرهم مراده الحمل بجامع وشذوذ منهم من غير جامع لأن بعض القرآن يفسر بعضا لأنه ككلمة واحدة وكذا الحديث.
لنا أولا: الأصل المستفاد من قوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101] وهو وجوب العمل بالإطلاق ووجهه أن التقييد يوجب التغليظ والمساءلة كما في بقرة بني إسرائيل فإن السؤال عن القيود إذا أوجبهما فالتقييد بالأولى، وذلك لأن النهي ليس عن السؤال عن المجمل والمشكل لأنه واجب ولا عن المفسر والمحكم إذ ليس محلا له بل عن ممكن العمل من نوع إبهام يؤيده قوله عليه السلام: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسألتهم عن أنبيائهم" (1)، وقول ابن عباس رضي الله عنه: "أبهموا ما أبهم الله واتبعوا ما بين الله" (2)، ولذا لم يشترط عامة الصحابة في أمهات النساء الدخول حملا على الربائب المقيدة واشترط علي رضي الله عنه ليس للحمل بل لشركة العطف وقال أبو حنيفة ومحمد فيمن قرب التي ظاهر منها في خلال الاطعام يصح وفي خلال الصيام أو الإعتاق لا لتقيدهما بقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] دونه.
وثانيا: أن الأصل العمل بكل دليل ما أمكن، قيل فأي فائدة في قيد المقيد، قلنا استحباب القيد وفضله وأنه عزيمة فلا يحمل على المقيد إلا إذا امتنع كما سلف ولا امتناع عند اختلاف الحادثة في السبب إذ لا مزاحمة في الأسباب واتحادهما في خبري التخالف بإشارة التراد فإنه لا يتصور إلا حال قيام السلعة لا للحمل نظيره التعليق بالشرط لما لم يوجب النفي صار معلقا ومرسلًا كما أن نكاح الأمة معلق بعدم طول الحرة
__________
(1) لم أجده.
(2) ذكره الشيخ الزرقاني في شرحه، انظر شرح الزرقاني (3/ 182).
(2/92)

ومرسل لأن تنافي الشيئين ما في كل حكم في الموجود الشخصي لا فيما يحتمل الوجود بهما بدلا قالوا:
أولا: المطلق ساكت والمقيد ناطق فكان أولى؛ لأن السكوت عدم ولأن المقيد كالمحكم، قلنا نعم لكن تعارضتا كما في اتحاد الحادثة.
وثانيًا: أن القيد وصف يجري مجرى الشرط فينفي بمفهوم مخالفته الجواز في المنصوص وفي غيره من جنسه كالكفارات فإنها جنس واحد ولذا مطلق نص الشهادة وزكاة الإبل على المقيد بالعدالة في حادثتين والسوم في السبب إجماعا كيف وأنتم قيدتم الرقبة بالسلامة بالقياس بلا ورود تقييدها بها في موضع فمعه أولى وإنما لم يثبت طعام اليمين في القتل وصومه فيها وطعام غيرهما فيهما وزيادة بعض الصلوات والطهارات وأركانها ونحوها من الحدود لأن تفاوتها بالاسم العلم فلا يوجب النفي ليعدي.
قلنا بعض النقض بأنه لم يشترط التتابع في صوم اليمين حملا على الظهار والقتل ولا يصح اعتذاره بأن الحمل إذا لم يعارض أصله أصل آخر مقيد كصوم التمتع المقيد بالتفريق ها هنا إذ ليس صوم المتعة مقيدا بالتفريق.
ولذا لو صام بعد الرجوع جملة العشرة جاز وقبله بالتفريق لا بل ذلك لأن صوم المتعة صومان مطلقان موقتان بوقتين لا نعلم أن كل قيد بمعنى الشرط بل إذا كان المقيد منكرا لفظا أو معنى لتعرفه نحو المرأة التي أتزوجها بخلاف هذه المرأة ومثله النبيون الذين أسلموا {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ولئن كان فلا نعلم نفي المشرط فإن الإثبات لا يوجب نفيا لا صيغة ولا دلالة ولا اقتضاء فعدم إجزاء تحرير الكافرة في القتل عدم أصلي كعدم إجزاء ما لا يكون تحريرا فلا يعدي ولا يقال يعدي القيد فيثبت العدم ضمنا ومثله جائز لأنا نقول تعدية القيد للوجود عند وجوده مستدرك وللعدم عند عدمه تعدية مقصودها إثبات ما ليس بحكم شرعي مع أن فيه إبطالا لشرعي آخر وهو أجزاء الكافرة التي يدل عليها المطلق أي يتناولها بإطلاقه ووجوب القيد ينافيه فلا يجوز وإلا كان القياس دليلا على زوال المكنة الثانية بالنص وناسخا.
ومن ها هنا يعرف أن المراد باجتماع المطلق والمقيد في حكم وحادثة اجتماعهما صريحا لا تعدية على أن شرط التعدية عدم نص في المقيس قال على المعدي أو عدمه ولئن كان فلا نعلم المماثلة سببا وحكما أما سببا فلا صورة وذلك ولا معنى لأن القتل أعظم الكبائر أما العمد الذي يتعلق به الكفارة عنده فظ وأما الخطأ فلكون العمد أعظم من الغموس كان الخطأ أعظم المنعقدة.
(2/93)

وأما حكما فلا صورة للفرق بين صور الكفارات ولا معنى إذ ليس في كفارة القتل تيسير غيرها بإدخال الإطعام والتخير وبعد الأكل إن صح القياس فهو لنا لا تحرير كفارة اليمين يجب أن يكون أخف من تحرير القتل قياسًا على سائر خصالها وجواب ما ذكره من صور النقض، أن نسخ إطلاق نصوص العدالة بآية التبين ونصوص الزكاة بقوله عليه السلام ليس من العوامل والحوامل والعلوفة صدقة وتقييد الرقبة بالسلامة لعدم تناول المطلق ما كان ناقصا في كونه رقبةً وهو فائت جنس المنفعة لأنه ثابت من وجه وهذا هو أن المطلق ينصرف إلى الكامل ومن البين أن الفهم يتبادر إليه.
وأما الحمل بلا جامع فأفسد لجواز إرادة كل من الإطلاق والتقييد في موضعه من القرآن وكونه كلمة واحدة في أنه لا تناقض ولا اختلاف في الأصول فإما في اعتبارات دلالاته فلا وأيضًا إن أريد بالواحدة الكلام النفسي فليس الكلام فيه مع جواز توارد التعلقات المختلفة عليه وإن أريد العبارة فهي مختلفة.

الفصل الثالث في حكم المشترك
الذي وضع أولا لما زاد على حقيقته من حيث اختلافها فقد خرج المجاز والمنقول والمنفرد خاصا وعاما وهو الوقف متأملا ليدرك معناه برجحان بعض وجوهه فإنه يحتمله بخلاف المجمل إلا ببيان من المجمل فما انسد باب ترجيحه يكون منه ولا عموم له خلافا للشافعي رضي الله عنه والقاضي وأبي علي الجبائي وعبد الجبار، وتحريره أن يراد كل واحد من معنى به معا إذا أمكن اجتماعهما كأنعم على مولاك شكرا للإنعام أو إتماما للإكرام وإن كانا متضادين نحو رأيت الجون صحلاف: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
وافعل في الأمر والتهديد أو الندب والإباحة لا أن يراد بدلا أي كل في حال سواء كان مع عدم اعتبار الاجتماع أو مع اعتبار عدم الاجتماع ولا أن يراد المجموع لعلاقة مجاز أو لا أن يراد معنى ثالث يعمهما مجازًا كأحدهما لا بعينه لا حقيقة إلا عند السكاكي ومن أن يراد ما يسمى به إذ لا نزاع في جواز هذه الثلاثة أما الأول فعندهم يجوز مطلقا حقيقة وقيل في النفي دون الإثبات وهو ضعيف لأن النفي يرفع مقتضى الإثبات.
فالعام قسمان متفق الحقيقة ومختلفها وعند ابن الحاجب مجازا والحق عدم جوازه وهو مذهب بعض الشافعية وجميع أهل اللغة وجمهور أصحابنا والخلاف في جوازه في جمعه مبني عليه في مفرده في الأصح بل مبني على اعتبار قيد من جنسه في مفهوم المع ثم متى تجرد عن القرينة المعينة وجب حمله على ذلك عند الشافعي وأبي بكر وهذا غير مذهب السكاكي لا عند باقيهم وقال أبو الحسين والغزالي يصح أن يراد عقلًا لكن اللغة منعت.
(2/94)

لنا في أنه لا يجوز، لا حقيقة لأن تعينها لتعيين الوضع فإن تحقق وضع واحد لكل منهما معا فلا نزاع فيه، وإن لم يتحقق إلا لأحدهما فإن لم يعتبر الواضع حين الوضع انفرد ذلك المعنى وعدم اجتماعهن حتى جاز اجتماعه لم يكن ذلك المعنى تمام الموضوع له من كل وجه وذا خلاف المفروض وإن اعتبره فالاجتماع مناف له فلزم لو جاز إرادتهما وضعا أن يكون كل منهما مرادًا وإن لا يكون لأن وضع الآخر مناف له.
وهو مع ومنه يعلم أن الانفراد معتبر في المستعمل فيه وأن الملاحظ في الوضع اعتبار عدم الاجتماع لا عدم اعنبار الاجتماع كما ظن كثبوت يشترك بين شخصين ممكن بانتفاعهما المنفعة الخاصة لغوية لا عقلية كما ظن فمنع ومنه يعلم غلط السكاكي أيضًا في أن معنى المشترك الدائر بين الوضعين أحدهما لا بعينه غير مجموع بينهما إذ لا وضع يساعده ولا مجازا إذ لا علاقة تجوزه بين أحد المعنيين وكل منهما معا على ما هو المفروض وإلا فلا نزاع في مجازيته ولا حقيقة ومجازًا إذ فيه الجمع وهو مراد التنقيح بالشق الثاني.
قالوا أولا: يتبادر ذلك عند عدم القرينة المعينة وذلك أمارة الحقيقة قلنا لا نعلم ولئن سلم فالمعتبر التبادر على أنه الموضوع له والمراد كما مر ومنه أيضًا يفهم فساد مذهب السكاكي.
وثانيا: مستعمل فيهما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} [الحج: 18] حيث أريد به وضع الجبهة في الناس وغيره في غيره وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] حيث أريد بالصلاة الرحمة والاستغفار.
قلنا في الأولى: أريد بالسجود الانقياد قيل التسخيري عام وقد قال وكثير من الناس ولا يناسبه عطف وكثير حق عليه العذاب والتكليفي لا يتأتى في غير الناس وجوابه أن المراد الانقياد المعتبر في كل نوع والمعتبر في المكلف التكليفى وفي غيره التسخيري أو أضمر الفعل في وكثير بمعنى آخر فإذا جاز إضمار المغاير لفظا ومعنى في علفتها تبنا وماء باردا فلأن يجوز هذا أولى.
وقد دل الدليل على حذفه وتعيينه وقيل المراد بالسجود وضع الجبهة فقدرة الله شاملة لإيجاده في الكل بإيجاد ما يتوقف عليه كما ذهب إليه في: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] فإن ما يناسبه ظاهر قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] إرادة حقيقته لا معنى لا تفهمون دلالته على قدسه كما ظن لأن المخاطبين كانوا عارفين بذلك لا يقال قوله ألم تر لا يناسب هذا المعنى الخفي لانا تقول
(2/95)

هذا خطاب عارف باقي من أمثاله وإلا فالإلزام مشترك إذ المراد بالانقياد في الجمادات والحيوانات بل وفي السماويات أخفى وفي الثانية أريد بصلاة الكل معنى واحد إذ إيجاب الاقتداء يقتضي الوحدة في كل المراد أو في جزئه.
والأول هو الظاهر حقيقي أو مجازي كالعناية بأمر الرسول إظهارا لشرفه ولأن تحقق ذلك بأسباب محتلفة بحسمب موصوفاتها فسرت بالمعاني المختلفة كما يقال في قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] المحبة من الله تعالى إيصال الثواب ومنهم الطاعة ليس المراد الاشتراك اللفظي بل بيان لوازمها في كل موصوف أو العناية لازمة للمعاني الثلاثة.
وقيل: أريد بها الدعاء ففط الله تعالى أنه يدعو ذاته إلى إيصال الخير فلكون لازمه الرحمة فسروه بها وقال الزمخشري عفى الله عنه حقيقتها الرحمة، واستغفار الملائكة ودعاء المؤمنين سينها فإسنادها إلى الطائفتين مجازي ومن الجائز إسناد الشيء إلى مجموع في بعضه حقيقي نحو بنو تميم يقري الضيف ويحمي الحريم.

الفصل الرابع في حكم المؤوَّل
هو العمل يما ظن منه على احتمال السهو الغلط إذ بيانه غير قاطع وإلا كان مفسرا كما في قوله أنت بائن بتة بتلة حال مذاكرة الطلاق المرجحة لجهة بينونته نكاحا لا خلقا ومكانا، حتى لو قال أردت البينونة الحسية لا يصدق قضاء لأنها خلاف الظاهر وفيها تخفيف.
وإنما لم يرجح مفسره هذا على مؤوله ذلك كما هو الواجب لأن الترجيح بعد التعارض ولا تعارض لتقدم الوقوع بالمؤول الذي خلافه تخفيف منزلة الحكم به ولا يعتبر التفسير بعد الحكم بخلاف سائر المأولات.
تتمة: التأويل إن كان بما لا يحتمله اللفظ يسمى متعذرًا وهو مردود وإلا فإن ترجح فقريبا وإن احتاج إلى المرجح الأقوى فبعيدا تذنيب قال الشافعية للحنفية تأويلات بعيدة:
1 - في قوله عليه السلام لغيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي هو الصحيح لابن عبلان "وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن" (1) تارة بأنه أراد بأمسك ابتداء
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (9/ 465)، ح (4157)، والحاكم في مستدركه (2/ 209) ح (779)، والترمذي (3/ 435) ح (1128)، والبيهقي في الكبرى (7/ 149) ح (93623)، والدارقطني في سننه (3/ 269)، والإمام الشافعي في مسنده (1/ 274)، وابن ماجه (1/ 628)، ح (1953)، والامام مالك في موطئه (2/ 586) ح (218)، والطحاوية في شرح معاني الآثار =
(2/96)

النكاح وبفارق لا تنكح وأخرى بأمسك الأوائل وفارق الأواخر فإنهم يرون الأول إن تزوجهن معا، والثاني مرتبا والشافعية إمساك أي أربع شاء بلا تجديد وجه البعد أنه متجدد الإسلام لا يعرف شيئًا من الأحكام فخطاب مثله بأي ظاهر مثله بعيد وإنه لم ينقل تجديد لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
وكذا لنوفل بن معاوية "وقد أسلم على خمس اختر أربعًا وفارق واحدةً" فقال عمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها ففيه وجه ثالث وهذا لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى وفيه أربعة أوجه تجدد الإِسلام وعدم النقل وتعميم الآية والتعرض لعدم الترتيب.
قلنا: لا بعد فيها أما الإمساك فإذا أريد به إبقاء الحالة الأولى وإطلاق البقاء على ما يتجدد في الأمثال شائع عرفا والداعي الجمع بينه وبين الأصل الممهد أنهم غير مخاطبين بالشرائع فيبقى أنكحتهم الجائزة عندهم بعد الإِسلام إن لم يكن ما ينالق بقاءها كالنكاح بغير الشهود ولق العدة خلافا لزفر فيهما لأن الخطاب يعمهم عنده وللإمامين في الثاني لأن حرمته اتفاقية دون الأول.
أما جمع الأختين والزيادة على الأربع وهذا الطلقات الثلاث فينافى البقاء كالمحرمة كما أن تعرضنا لهم لا يجب إلا بالإِسلام ولو من أحدهما أو بمرافعتها عنده لأنه كتحكيمهما فإن استحقاق إحداهما لا يبطل بمواقعة الأخرى وإسلام إحداهما يعلو وأما إرادة الأوائل فاعترف منصفهم بقرية بناء على جواز علمه بالوحي أنه يختار الأوائل.
وهذا شأن الإفتاء يكتفي فيه بالإطلاق عند الإطباق ولا يجب التعرض لتفصيل فيه وقوله عمدت إلى أقدمهن مع أنه لا يتعرض لسماع النبي عليه السلام ذلك يحتمل الأقدم في النشوء على الكفر وهو المناسب لعرض الراغب في محاسن الإسلام وأما عدم النقل فلعله لكون أنكحتهم مرتبة ولا تجديد فيها وأما تعميم الآية فصحيح بشرط تقدمها في النكاح فظاهره عدم التعرض للترتيب لا التعرض لعدمه.
2 - أن المراد في قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] إطعام طعام ستين لأن المقصود وهو دفع الحاجة في واحد ستين يومًا كهو في ستين شخصا وجه بعده جعل المعدوم مذكورا والمذكور معدوما إرادة أو جعل المقصود من المفعولين غير مقصود
__________
= (3/ 253)، والطبراني في الأوسط (2/ 190) ح (1680)، والإمام أحمد في مسنده (2/ 13) ح (4609).
(2/97)

وبالعكس مع الفرق لفضل الجماعة وقرب دعائهم للمحسن على الإجابة إذ لعل فيهم مستجابا.
قلنا إلحاق بمعنى دفع الحاجة لا إضمار والفرق ليس بشيء إذْ مناط التكفير نفس الإحسان لا الدعاء للمحسن ولئن سلم فلا نعلم بعد كل إضمار وإن المقصود الحقيقي يجب أن يوافقه الظاهري وإلا فلا تأويل وليس فيه جعل المذكور معدوما لاندراجه تحت المراد.
3 - أن المراد في قوله عليه السلام: "في أربعين شاة" قيمته لأن المعنى دفع الحاجة وإنجاز وعد رزق الفقراء وهو كما قبله تقريرا وجوابا قيل هذا ابعد لأنه إذا وجب قيمتها فلا يجزي نفسها لعدم النص وفيه مخالفة الإجماع ولأن المؤدي إلى إبطال أصله يبطل نفسه.
فلنا: في الاعتراف بالإلحاق دفع لهما إذ يفيد أحدهما عبارة والآخر استنباطا ولا يكون إبطالا بل تعميما.
4 - أن المراد بأيما في قوله عليه السلام: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (1) هي الصغيرة والأمة والمكاتبه والمجنونة وبالبطلان الأول إليه عند اعتراض الولي عليه مطلقا في المذكورات ولعدم الكفاءة أو الغبن الفاحش في المهر في المكلفة فبين التأويلين منع الخلو ولا الجمع ولا منه كما ظن لأن النكاح للرقيقة موقوف على إجازة المولى ولغير المكلفة لكونه مترددا بين النفع والضر كالبيع على إجازة الولي بخلاف نحو الطلاق وقبول الهدية وغيرهما مالكة بضعها فيعتبر رضاها كبيع السلعة واعتراض الولي لدفع نقصان الكفاءة أو المهر فإن الشهوة مع قصور النظر للحديث.
ولأنهن سريعات الاغترار سيئات الاختيار مطتها بخلاف السلعة وجه بعده أنه على أن يحتمل منع المرأة عما لا يليق بمحاسن العادات من نهوضها بنفسها إبطال للتعميم المستفاد من مقام تمهيد القاعدة والتصريح بأداته المؤكدة ولتأكيد التكرير الدافع لاحتمال
__________
(1) أخرجه ابن الجارود في المنتقى (1/ 175) ح (700)، وابن حبان في صحيحه (9/ 384) ح (4074)، والحاكم في مستدركه (2/ 182) ح (27060)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والترمذي (3/ 407)، ح (1102)، وقال حسن، والدرامي (2/ 185) ح (2184)، والبيهقي في الكبرى (7/ 105) ح (13376)، والدارقطني في سننه (3/ 221)، والإمام الشافعي في مسنده (1/ 220)، وأبو داود (2/ 229) ح (2083) وابن ماجه (1/ 605) ح (1879)، عبد الرزاق في مصنفه (6/ 195) ح (10472)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (713)، والإمام أحمد في مسنده (6/ 47) ح (24251).
(2/98)

السهو والتجوز مع أنهما بالحمل على صورة نادرة كقول السيد لعبد أيما امرأة لقيتها فانكحها فقال أردت المكاتبة، إن رضيت هي ومكاتبها.
قلنا: منع الشخص عن التصرف في خالص حقه لا يكون إلا لمعنى في غيره كالتشبه إلى الوقاحة هنا والمبالاة ينعقد عنده بعبارتها وأن إذن وليها فمن ضرورته جوازه في نفسه فيصرف إلى ما فيه جمع بين الدليلين وتعميم القواعد بحسب الطاقة وليس التكرير لدفع كل تجوز بل لعله لدفع أن لا يراد بالبطلان عدم الانعقاد كما هو حقيقته بلا عدم ترتب الثمرات كبطلان البيع الفاسد وهو المتعارف العام في الفعل الواقع ولئن سلم فلا نعلم تأويله بالأول إليه بل بالإضمار أي باطل عند اعتراض الولي بدلالة أن إذنه كعبارته في المعنى أو عند عدم الكفاءة كما روى الحسن عن الإِمام واختاره المتأخرون احتياطًا عن عدم جوازه عنده أما قوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (1) فقد عمل بحقيقته في الشاهد إذ زيد به لشهرته على خاص فأنكحوا لا في الولي جمعًا بين الأدلة ففيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وجوابه أن المنفي ها هنا نكاح نحو الأمة والصغيرة واشتراط الشهادة في كل نكاح رواية أخرى ساكتة عن الولي.
5 - أن المراد بقوده عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" كقضاء الصوم ونذره لما ثبت من صحة الصيام بنية من النهار وجه بعده حمله على نادر قلنا لا يعد جمعا بين الدليلين لا سيما وهو مخصص اتفاقا كالنفل عند الكل قالوا فليحمل على أقرب تأويل كنفي الفضلية.
قلنا: فيما فعلنا إبقاء الحقيقة والعموم في بعض الأصناف وفي ذلك إبقاء العموم فقط فهذا أقرب المجازين.
6 - إن المراد من قوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] الفقراء منهم لأن المقصود سد الخلة، وجه بعده تعطل لفظ العموم وظهور أن القرابة ولو مع الغني يناسب سببا للاستحقاق وإلا لساواهم سائر الفقراء مع أنه عليه السلام أعطى العباس من الخمس مع غناه.
قلنا: التعميم باق فيما هو المراد بالقرابة فإنها عندنا مجملة بين قرابة النصرة والنسب،
__________
(1) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (2/ 256) ح (1687) بتحقيفنا، وأخرجه البيهقي في الكبرى (7/ 111) ح (13423)، والدارقطني في سننه (3/ 221)، وعبد الرزاق دط مصنفه (6/ 196) ح (374)، والطبراني في الأوسط (6/ 264) ح (366)، والكبير (18/ 142) ح (299). وانظر/ التلخيص الحبير (3/ 156).
(2/99)

بين حديث التشبيك أنها قرابة النصرة وعام مخصص عنده ولذا يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب لا بني نوفل وبني عبد شمس اتفاقا وأيا كان خص بالفقراء بدلالة حديث: "أن خمس الخمس عوض لهم عن الزكاة" ولذا يحرمهم الطحاوية والحق للكرخي لإجماع الأربعة الراشدين على قسمته على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل وتقديمهم، يدفع المساواة ولعل إعطاء ابن العباس باعتبار كونه ابن السبيل.
7 - أن اللام في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] الآية لبيان المصرف فيجوز الاقتصار على واحد منهم وهو قول مالك رحمه الله قال إمام الحرمين للشافعي رحمه الله في وجوب ثلاثة من كل صنف بعيد لأن اللام في التمسك، والواو في الشريك ظاهر إن ولذا لو أوصى بثلث ماله لهؤلاء لم يجز حرمان لبعضهم فهي للاستحقاق وقال الغزالي لا يعد فيه لأن سياق الآية قبلها من قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] يقتضي بيان المصرف لئلا يتوهم أن المعطى مختار في الإعطاء والمنع ويعلم أن المصارف هؤلاء وهم ليسوا منها ورده الآمدي - رحمه الله - بأن ذلك قد يحصل ببيان الاستحقاق إذ لا منافاة بين القصد إلى بيان المصرف والاستحقاق بصفة التشريك فلا يصح صارفا عن الظاهر.
قلت يعني به أن معنى اللمز في الصدقات اللمز في صرفها لا في نفسها فسياقه يقتضي أن يراد إنما صرف الصدقات لهؤلاء والصرف لا يملك فاللام صلة ولا دلالة على التمليك وأيضًا المجهول لا يستحق فهي حق الله وحاجة الفقير لها كتعظيم الكعبة للصلاة وهذه الأسماء أسباب الحاجة كأجزاء الكعبة فالبعض يكفي وكذا الواحد من البعض كما روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنه بخلاف مسألة الوصية وهو مؤيد بنحو قوله تعالى: {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} [البقرة: 271] وقوله عليه السلام وردها في فقرائهم فلاستعارتها عن الجنس إذ لا معهود والكل متعذر يتناول الواحد.

الفصل الخامس في حكم الظاهر
وهو وجوب العمل بما ظهر منه خاصًا كان أو عامًا يقينًا حتى صح إثبات الحدود والكفارات به على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ وعلى احتمال السقوط بالنص وما فوقه عند التعارض لمرجوحيته بيانًا وقوةً، والتساوي في القوة شرط التعارض الموجب للتساقط لا مطلقه ولا خلاف في إيجابه العمل فلذا صار يقينا بل الخلاف في أنه يوجب العلم أيضًا عند العراقين وأبي زيد ولو عامل وعند علم الهدى وعامة الأصولين لا يوجبه
(2/100)

مع وجوب اعتقاد أن مراد الله تعالى منه حق ومبناه اعتبار الاحتمال البعيد أعني غير الناشئ عن الدليل وعدمه وهو الحق كما في العلوم العادية مثال تعارضه مع النص من الكتاب كما قالا إن قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] نص في أن مدة الرضاع حولان وقوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] ظاهر فيه لأنها سبقت لمنة الوالدة على الولد فتجرحت الأولى.
وقال الإِمام: نعم لولا حمل الحولين على مدة استحقاق المطلقة أجرة الرضاع حيث لا يجبر الزوج على إعطائها بعدهما قيل وكقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ظاهر في إباحة غير المحرمات مطلقا وقوله تعالى: {مَثْنَى} [النساء: 3] نص في حرمة ما وراء الأربع فترجح وإنما يصح لوعد ما سبق له ظاهرا وإلا فمن تعارض النص مع المفسر ومن السنة قوله عليه السلام للعرنيين اشربوا من أبوالها وألبانها ظاهر في إطلاق شرب أبوال الإبل، لأن سوقه ألبان للشفاء وقوله عليه السلام: "استنزهوا من البول" (1) نص في وجوب الاحتراز فهذا مرجح ولذا لم يجوز الإمام شربه ولو للتداوي.
ومن المسائل قولها أبنت نفسي بعد ما قال لها طلقي نفسك ظاهر في الإبانة نص في الطلاق إذْ سوقه له، لأن كلامها للجواب عن طلقي فرجح الرجعي وهذا معنى أنه لم يفوض إليها إلا الرجعي فيلغو الوصف الزائد لا يقال لا تعارض إلا بين كلامين وليس ها هنا كلامان لأنا نقول معنى التعارض أنه دار بين كونه نصا في ذلك وظاهرا في هذا فجحل نصا وكذا في نظائره الآتية من تزوج امرأة إلى شهر وغير كذا قيل الصحيح الكلي هو الجواب الآتي.
ثم إنما يترجح النص عليه بعد تساويهما في الرتبة فلا يترجح نص خبر الجواب الآتي ثم إنما يترجح نص خبر الواحد على ظاهر الكتاب كما في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فإنه ظاهر في أنها ناكحة نص في ثبوت الحرمة الغليظة وقوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي" (2)، وإن كان نصا في اشتراط الولي لكن خبر الواحد لا يقوى على معارضته.

الفصل السادس في حكم النص
هو وجوب العمل بما وضح منه كذلك على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ
__________
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 128)، وانظر التلخيص الجيد (1/ 106)، الدارية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 59)، نصب الراية للزيلعي (1/ 128).
(2) تقدم تخريجه.
(2/101)

والسقوط المفسر المساوي وما فوقه عند التعارض اتفاقا فيه واختلافا في إيجاب العلم.
وهذه الأمور في حيز العدم عند العدم دليله كالمجاز مثال تعارضه مع المفسر قوله عليه السلام: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" نص يحتمل التأويل باستعارة اللام للتوقيت وقوله عليه السلام: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" (1) مفسر فيه فرجح.
وفيما إذا تزوج امرأة إلى شهر فالأول نص في النكاح يحتمل المتعة والآخر مفسر فيها فرجح، وفيما قال داري لك هبة أو سكني هبة فأول الكلام نص في لقليك الرقبة يحتمل تمليك المنفعة وآخره مفسر فيه فرجح وقيل آخره محكم في المثالين فهما من تعارض النص والمحكم كتعارض قوله عليه السلام: "من استنج منكم فليستنج بثلاثة أحجار"، مع قوله "من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج" فقد رجح محكم التخيير في الثاني من نص اشتراط الثلاثة ومداره على فرض احتمال النسخ وامتناعه بسبب فإن الفرض كاف في التمثيل وبه يعرف صحة تفريق المعنى في التمثيل بها بالاعتبارين.

الفصل السابع في حكم المفسر
هو وجوب العمل به والعلم بذلك اتفاقا على احتمال النسخ والسقوط بالمحكم عند التعارض قيل مثاله قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] فإن ذوي العدل مسوق لمقبولية الشهادة لأنها فائدة العدالة ووجوب قبولها منهم بالإجماع فهو نص فيها ومفسر لا يحتمل غير قبول شهادة العدول؛ لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء وقوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] المقتضي لعدم القبول من المحدود في القذف فإن تاب وعدل محكم في رده إذ لا يحتمل النسخ للتأييد فرجح فاعترض عليه يمنع أن الأول مفسر حيث يحتمل الأمر الإيجاب والندب ومخصص من الأعمى والعبد ومنع أن الإشهاد إنما يكون للقبول فلعله للتحمل فقط كشهادة العميان والمحدودين في القذف في النكاح ولقوله ليس شيء منهما بهائل فإن المستشهد به للمفسر ذوي عدل لا غير واحتمال المجاز الذي في الأمر والتخصيص الذي في مجرور منكم لا ينافيه.
والعدالة تقصد للقبول لا للتحمل وهذا لأن كون مجموع الكلام مفسرًا لا يكاد يوجد لا سيما في كلام الله تعالى لأنه إن كان خبرا فمحكم وإن كان إنشاء فلكل نوع منه
__________
(1) أخرجه الترمذي (1/ 220) ح (126)، والربيع في مسنده (1/ 222) ح (555)، وأبو طالب القاضي في العلل (1/ 57) ح (73)، وانظر نصب الراية للزيعلي (1/ 202).
(2/102)

محتملات مجازية بل وهذا كونه محكما كالنهي في لا تقبلوا فالتحقيق يقتضي أن يكون التمثيل لهما بقيد من الكلام لا بمجموعه كالمفعول في: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] وإلا فاحتمال أن يراد بالقتل الضرب الشديد مجازا واحتمال الأَمر المعاني المجازية قائمًا فكيف يكون مفسرًا لا يقال مقصود التفاوت بين هذه وإلا قام الترجيح لو تعارضت ولا تعارض إلا بين الحكمين لأنا نقول المراد تعارض الحكمي باعتبار تعلقهما بذينك القيدين والله أعلم.

الفصل الثامن في حكم المحكم
هو وجوب العمل به والعلم من غير احتمال وقد مر تحقيق الحق في أن الدليل اللفظي قد يفيد اليقين بمعنى عدم احتمال ما في الشرعيات لأنه منحصر مضبوط على ما هو المشهور، وفي العقليات أيضًا على ما اخترنا وقد رجح على ظاهر قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ} [النساء: 3] ونص قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ومحكم قوله تعالى: {وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] فحرم نكاح أزواج النبي عليه السلام.
ومن مسائل الجامع أنه لو قال في عليك ألف درهم الحق أو الصدق أو اليقين منصوبا بمعنى ادعيت الحق أو مرفوعًا بمعنى قولك الحق صار تصديقا لأنها أوصاف الخبر تصلح لذلك ظواهر باعتبار أن المسوق له المقر به متضمن لا ملفوظ ونصوصا باعتبار أن المتضمن كالملفوظ.
ولو قال الصلاح كان ردًّا لأنه لما لم يصلح وصفا للخبر إذ لا يقال خبر صلاح لم يصلح تصديقا فيكون محكما في ابتداء الكلام أي أَتبع الصلاح واترك الدعوة الباطلة أو الصلاح أولى بك منها فمتى دخل الصلاح جاء الفساد ولو قال البر كان مجملا محتملا لهما؛ لأنه موضوع لأنحاء الإحسان قولا وفعلا لا يختص بالجواب ولا ينافيه فهذا قرن بما يصلح تصديقا من الألفاظ الثلاثة يحمل عليه لأنها بيان لإجماله، وإذا قرن بالصلاح يكون ردا وابتداء لأن المحكم بينه وكذا لو قرن بالصلاح الألفاظ الثلاثة كان ردا حملا للظاهر وللنص على المحكم فأصلها أن كلام المدعى عليه إن صلح تصديقا أو ردا فذا أو احتمله وإلا فكالمسكوت.

الفصل التاسع في حكم الخفي
وهو الطلب أي النظر في أن اختفاءه في محله لمزيد فينتظمه أو لنقصان فلا ينتظمه كالسارق في الطرار والنباش فإن اختلاف الاسم دليل اختلاف المسمى ظاهرًا فنظر أن
(2/103)

السرقة أخذ المال مسارقة عن عين الحافظ أو قاصد الحفظ بحرز المكان وقد انقطع حفظه بعارض وهذا في غاية الكمال في الطَّرِّ لأنه قطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه فكان اختصاصه باسم آخر لحذق في فعله فصح تعدية الحدود إليه وفي غاية القصور وفي النبش إما لأنه الأخذ مسارقة عن عين من لعله يهجم عليه وهو لذلك غير حافظ ولا قاصد ولأنه ارذل الأفعال وأردأ الخصال وفي السرقة مع أنها قطعة من حرير دلالة على خطر المأخوذ حيث اشترط فيه النصاب فلم يصح تعدية الحدود إلى مثله فلذلك قال الإمام ومحمد رحمهما الله لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح وإن سرق مالا آخر من ذلك البيت لاختلال الحرز بإمكان التأويل في الدخول بزيارة القبر.
وقال أبو يوسف والشافعية يقطع لأن الأخذ على الخفية يتناوله فعند الغزالي إذا سرق من بيت محرزًا وفي مقبرة متصلة بالعمران وعند القفال مطلقا.
وكالزاني في اللائط فإن الزنا صفح ماء محترم في محل مشتهى بحيث يؤدي إلى استهلاك الفراش أو إهلاك الولد واللواط لا يؤدي إليهما فلا يعدي الإمام حده إليه.

الفصل العاشر في حكم المشكل
وهو الطلب ثم التأمل أي النظر في محامله صم التكليف في الفكر ليميز مراده الداخل في أشكاله أما الغموض في المعنى نحو: {أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] فطلب أنه يجيء بمعنى من أين نحو: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37] وبمعنى كيف نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} [مريم: 20].
ثم تأمل أن المراد ليس الأول ليباح الدبر لأنه موضع الفرث لا الحرث والفرث أذى أصلي فبالأولى أن يحرم ويؤيده سبب النزول فتعين الثاني المفيد في الإطلاق في الأوصاف أعني قاعدة ومضطجعة ومستدبرة وإما لاستعارة بديعة نحو: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان: 16] فطلب حقيقتها ومجازها وتأمل أن لا صحة لها فتعين هو وقد مرت أمثلته.

الفصل الحادي عشر في حكم المجمل
هو التوقف إلى الاستفسار عملا مع اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالا ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا فإن حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالاجماع فيطلب معانيه الصالحة للعلية ويتأمل لتعيين ما هو العلة فيعدى بحسبه وإن لم يحتج إليهما يكتفي بالاستفسار فإن كان بيانه قطعيا صار مفسرا كما في الصلاة والزكاة وإن كان ظنيا صار مأولا كمقدار المسح.
(2/104)

الفصل الثاني عشر في حكم المتشابه
وهو التسليم واعتقاد حقيقة المراد علما والتوقف لبدا عمل وهو عبودية لأنها الرضا بفعل الرب والإمعان في الطلب عبادة لأنه فعل يرضي الرب والأولى أولى ولذا تسقط الثانية في العقبي دون الأولى والمراد بالأبد إلى آخر الدنيا لأن انقطاع رجاء بيانه للابتلاء فيختص بداره وينكشف في العقبي وإنما عد من أقسام النظم من حيث يعرف به حكم الشرع ولا يعرف به أصلا لأن حيثية المعرفة أعم من إيجابها وسلبها انجر إليه التقسيم أو يعرف به أن لنا منه اشتد الوجهين بلوى وأن لله شيئا استأثر بعلمه عبر عنه به والفرق بينه وبين المجمل الذي لم يبين بوروده في الاعتقادات وورود المجمل في العمليات غالبا.
تحصيل ما يتعلق بهذه الفصول للخفاء والبيان من الأصول وفيه بابان:

الباب الأول في المجمل
وفيه بحثان:

الأول: قد مرت الإشارة إلى أن الشافعية يسمون كل ما لم يتضح المراد منه أي بعد ما دل وأورد المهمل متشابها ومقابله محكما فكذلك يسمون قسمًا من المتشابه مجملا لا يعرف قبل البيان من المجمل وبعده مبينا فقيل في تعريفه ما له دلالة غير واضحة فيتناول القول والفعل والمشترك والمتواطئ إذا أريد به واحد من أفراده لا الحقيقة.
وهذا يقتضي الترادف بينه وبين المتشابه مع أن المتشابه مشترك بينه وبين المؤول كما مر فهو قسم منه قسيم للمؤول فإن التشابه عندهم بالدلالة على شيئين أو أكثر فحين التساوي جمل وعند مرجوحية أحدهما مؤول كما أن الراجح لكن لا يرد الظاهر لأن دلالته واضحة ولذا عدوه كالنص قسما في المحكم.
وقيل هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند إطلاقه شيء ولام اللفظ للعهد وإلا فالنكرة كافية للتعريف والأصل عدم الزيادة فلا يرد على طرده المهمل ولا المستحيل إذا أريد بالشيء اللغوي ولا على عكسه المشترك الدائر بين المعنى بناء على أنه يفهم منه أحد محامله لا بعينه لأن المراد فهم الشىء على أنه مرادًا نعم يرد الفعل لوعد مجملا كالقيام من الركعة الثانية من غير تشهد يحتمل الجواز والسهو إذ ليس لفظا إلا أن يقال أريد تعريف المجمل الذي من أقسام المتن اللفظ.
وقال أبو الحسين: ما لا يمكن معرفة المراد منه قيل الجار متعلق بالمعرفة لا بالمراد وإلا لم يصدق على مجمل لإمكان معرفة كل مجمل بالبيان لكن المعرفة من البيان منه فيرد
(2/105)

على طرده المشترك المقرون بالبيان إذْ ليس بمجمل وكذا المجازيين أولا فالمعرفة فيهما ليست منهما بل من البيان لو كان ويمكن أن يقال المشترك مجمل من حيث هو وذلك كاف في الصحة؛ لأن قيد الحيثية مراد في مثله ولا نعلم أن المتردد بين المعاني المجازية مع الصارف على الحقيقة ليس محملا فالأوضح ما مر لهم أما المجمل ما تساوى دلالته بين المعنين أو أكثر والأصح ما مر.
لنا: أنه ما لا يدرك مراده مع رجائه إلا بالاستفسار إما لغرابة أو تغيير في مفهومه اللغوي أو تساو فالمبين ما يقابله ولا يختص بمقابلته.

الثاني: فيما اختلف في إجماله:
1 - التحريم المضاف إلى العين نحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] حقيقة وعند العراقيين مجاز من حذف المضاف أو التعبير بالمحل لأن تعلقه بالمقدور وهو الفعل ثم منهم من ذهب إلى إجماله كالكرخي منا وأبي عبد الله البصري والبهشمية إذْ لا يضمر الجميع لأن الضرورة تندفع بالبعض ولا أولوية بين الأبعاد.
قلنا: لا نعلم التجوز إذْ المراد أحد نوعي الحرمة وهو حرمة المحل أعني خروجه من محلية الفعل أعني خروجه من الاعتبار شرعًا كالمنهي الفساد والمنع عن شرب الماء الموجود والحماية ويعبر عنهما بالحرمة العينية والغيرية فالمنع في الأول أوكد فإلحاقه بالثاني غلط ولئن كان مجازا فالعرف يعين المراد كالأكل من الميتة والشرب في الخمر والتمتع في النساء فلا إجمال.
2 - نحو: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (1)، "وإنما الأعمال بالنيات" (2) مما يراد به لازم من لوازمه وإلا لزم الكذب وهو الحكم لأنه مبعوث لبيانه مجمل بعد التجوز لكونه مقولا شرعا على الدنيوي كالصحة والفساد والأخروي كالثواب والعقاب وهما مختلفان حقيقة ومحلا ومقصودًا ومناطًا فقط ببط الأول بتحقيق ما يتوقف عليه، والثاني بصحة العزيمة؛ ولذا يفترقان إجماعا في ظن تحققه وإلا فلا يرادان معا وإلا لتلازما فيتحققا معا في الأول وينتفيا معا في الثاني وحينئذ إن أريد بالأعمال مثلا ما صدق عليه الحكم على التعين مجازا من الثواب أو الصحة صار مشتركا وهو مراد فخر الإِسلام فلا بحث فيه.
وإن أريد مطلق الأثر الثابت بها صار في حكم المشترك أو صار حكم العمل مشتركا بين حكم عزيمته وحكم تحقق ما يتوقف عليه فصار مجملا وحين أريد الأخروي اتفاقا
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(2/106)

إذ المؤاخذة بالخطأ ليست ممتنعة في الحكمة بدليل: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: 286] لم يرد الدنيوي لما مر عندنا ولعدم عموم المجاز عنه فلم يصح تمسك بالأول على عدم فساد الصلاة بالكلام ناسيا والصوم بالإفطار مخطئا وبطلان طلاق المخطئ وبالثاني على اشتراط نية الوضوء وقال البصري بأن لا إجمال في حديث الرفع لأن العرف عين إرادة رفع العقاب كقول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والضمان بإتلاف مال الغير جبر المتلف لا العقاب إذ لا يقصد به الزجر كما في الصبي.
قلنا العرف مشترك إذْ لا نعلم إرادة رفع العقاب في كل موضع فإنه بعد ترتيب الوعد كللى أمر له شروط أو منافيات قد يراد برفع الخطأ الاعتداد في الشروط بما عدمت فيه وفي المنفيات بما وجدت فيه خطأ في ترتب الوعد من غير تعرض لترتب الوعيد أصلا.
تنبيه: من لم يفرق بين المقتضي والمحذوف من أصحابنا كأبي زيد جعل الحكم مقتضى فبنى على أن لا عموم له عندنا لا عند الشافعي رضي الله عنه وفيه التقصي عن تكلف إثبات الاشتراك أو حكمه.
3 - المسح في حق المقدار مجمل خلافا لغيرنا كمالك والقاضي وابن جني لأن مسح الرأس لغة مسح الكل، والشافعي وعبد الجبار وأبو الحسين البصري للعرف الطارئ على أطرقة للبعض فالمشهور من أن مسح بعض الرأس واجب وكله سنة وبعضهم على أن الواجب مطلقه.
قلنا: ما دخل عليه الباء لا يراد استيعابه عرفا كما مر أما الآلة فلأن المقصود منها مقدار ما يتوسل به وأما غيرها فلأن دخول الباء لتشبيهه بها نحو مسحت يدي بالمنديل والحائط ورأس اليتيم فلا فرق بينهما في ذلك كما ظن وحمله على الصلة خلاف الأصل وبعد انتفاء الكل فليس المراد مطلق البعض بما سلف من الوجوه.
4 - نحو قوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور"، "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، "لا نكاح إلا بولي"، "لا صيام لمن لم يبيت"، مما ينفي الفعل والمراد صفته لا إجمال فيه بين نفي الصحة ونفي الكمال خلافا للقاضي.
لنا أنه إن ثبت عرف شرعي في نفي الصحة أو عرف لغوي في نفي الفائدة نحو لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ولا طاعة إلا لله فلا إجمال وإن انتفيا فالأولى حمله على نفي الصحة إلا لدليل كالإجماع في "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولزوم النسخ في لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب عندنا لأنه كالعدم في عدم الجدوى قكان أقرب المجازين إلى الحقيقة المتعذرة وظاهرا فيه فلا إجمال وهذا ترجيح له أن العرف الشرعي
(2/107)

مشترك قلنا لا نعلم بل ذلك للاختلاف في الظهور يعني أنه ظاهر عند كل في واحد ولا قائل بالتردد ولئن سلم التردد فنفي الصحة راجح بأنه أقرب إلى نفي الذات.
5 - قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] مجمل في حق مقدار ما يجب قمه خلافا للأكثر، لنا أن إرادة كل اليد وبعضها المطلق منتفيان بالإجماع لا بالخبر إذ لا يزاد به على خاص الكتاب فلا بد من مقدار بينة خبر الواحد.
قالوا أولا اليد حقيقة في جملة العضو إذْ الأصل خلاف الاشتراك والقطع في الإبانة فلا إجمال. قلنا: بل المعاني الثلاثة مشتركة في الاستعمال وغلبته وذلك آية الاشتراك ولئن سلم فالمراد إجماله بعد العلم بعدم إرادة الكل والبعض المطلق كما مر، وثانيا إنما يكون مجملا لوكان مشتربما بين الكل لا متواطئا فيها ولا حقيقة في أحدها ومجازا في الباقي ووقوعه واحد لا بعينه من اثنين أقرب من وقوع ثالث بعينه فيغلب ظن عدم الإجمال.
قلنا: إثبات اللغة بالترجيح ونفي لمطلق الإجمال في محل النزاع أما ما يثبت إجماله بدليل آخر فلا.
6 - اللفظ المستعمل تارة في معنى وأخرى في معنيين إذا لم يثبت ظهوره في أحد الاستعمالين مجمل خلافا لشرذمة.
قلنا: إثبات اللغة بالترجيح بكثرة الفائدة على أنه معارض بأن الموضوع لواحد أكثر ففيه أظهر فيتعارضان. وثانيًا: إجماله عند الاشتراك لا التواطؤ والتجوز ووقوع المبهم أقرب. قلنا: مر جوابه.
7 - قيل: اللفظ الذي له معنى لغوي ومحمل شرعي إذا صدر من الشارع ليس مجملا بل يتعين الشرعي محملا لأنه بعث لتعريف الأحكام الشرعية لا الموضوعات اللغوية فقوله عليه السلام "الطواف صلاة" (1) يراد به كهي في اشتراط الطهارة لا أنه يسمى صلاة لغة.
قلنا: الكلام فيما لم يتضح دلالته على الشرع ولئن سلم فلا يراد ظاهره إذ ليس صلاة حقيقة وفي المجازات كثير لاحتمال إرادة أنه كهي في الفضلية واحراز الثواب وكونه إمارة الإيمان وشيء منها غير متعين على أن حمله على اشتراط الطهارة يؤدي إلى نسخ خاص الكتاب.
__________
(1) أخرجه ابن الجارود في المنتقى (1/ 120) ح (461)، والحاكم لما مستدركه (1/ 630) ح (1686) والدارمي (2/ 66) ح (1847)، والبيهقي في الكبرى (5/ 85) ح (9074)، وأبو يعلى في مسنده (4/ 467) ح (2599).
(2/108)

8 - اللفظ الذي له مسمى لغوي وشرعي بناء على الحقائق الشرعية كالنكاح في الوطئ والعقد إذا صدر عن الشارع ظاهر في الشرعي مطلقا وقيل مجمل وقال الغزالي في النهي مجمل كما عن صوم يوم النحر وفي الإثبات ظاهر فيه كقوله عليه السلام: "إني إذا لصائم" (1) بعد سؤاله عن عائشة رضي الله عنها أعندك شيء فقالت لا وقيل في الإثبات بالشرعي وفي النهي باللغوي فلا إجمال.
لنا: ظهور إطلاق المستعمل في متعارفه فلا يسمع تمسكهم بصلوحه لهما بعد وضوح اتضاحه وفرق الغزالي بأن النهي لو كان شرعيا لكان صحيحا والنهي لا يدل على الصحة ولا دليل عليهما غيره إجماعا فيكون مجملا بين المجاز الشرعى والحقيقة اللغوية والجواب بأن الشرع ليس الصحيح شرعا بل ما يسميه الشارع به من الهيآت قد استفيد فساده من باب النهي بل الحق منع أن النهي لا يدل على الصحة.
ومن يعلم جواب الرابع فإنه لما لم يمكنه حمله في النهي على الشرعي حمله على اللغوي فالرد والتحقيق كما سلف.

الباب الثاني في المبين
وفيه مباحث مشتركة ومقاصد مختصة:

المبحث الأول
أن البيان يطلق على التبين وهو الإظهار كالسلام على التسليم من بان أي ظهر أو انفصل وهو الغالب كما قال تعالى: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 4] أي إظهار ما في الضمير بالمنطق المعرب عنه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وقال عليه السلام: "إن من البيان لسحرا" فاختاره أصحابنا ويناسبه تعريف الضمير في الإخراج من خبر الأشكال التي حيز التجلي والوضوح وما أورد عليه من البيان الابتدائي ومجازية لفظ الحيز في الموضعين والتكرار في الوضوح مناقشات واهية لأن مقتضي الإخراج عرفًا تجويز الإشكال لا وقوعه نحو ضيق فمم الركية.
ويجوز التجوز في الحدود إذا اشتهر والترادف للتوضيح فإنه محل البيان وقد يطلق على ما به التبين ولذا عرف القاضي والأكثرون بأنه الدليل وعلى محل التبيين وهو المدلول ولذا عرفه عبد الله البصري بأنه العلم عن الدليل.
__________
(1) أخرجه أبو داود (2/ 329) ح (2455)، والنسائي في الكبري (2/ 116) ح (2638)، وعبد الرازق في مصنفه (4/ 277) ح (7764)، والطرني في الأوسط (7/ 233) ح (7364).
(2/109)

قلنا البيان بيان علم به السامع فاقرا ولم يعلم قاصرا إذ لو كان علمًا لم يكن النبي مبينا للكل وقد قيل لتبيين للناس ما نزل إليهم.

المبحث الثاني
وجوه تقسيمه:
1 - انه إما مفرد أو مركب مع أقسامها ويتضح بتنويره فيما يقابله من المجمل فإن الإجمال اما مفردا كالمشترك المتردد أصالة كالعين أو إعلال كالمختار يحتمل الفاعل والمفعول وإما في مركب إما بجملته نحو: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] يحتمل الزوج والولي أو في مرجع الضمير منه كمَا يحكى عن ابن جريح أنه سئل عن أبي بكر وعلى رضي الله عنهما أيهما أفضل فقال أقربهما إليه فقيل من هو قال من بنته في بيته فأجمل فيهما أو مرجع الصفة تجوز طبيب ماهر لتردده بين مطلق المهارة والمهارة فيه أو في تعدد المجازات مع الصارف عن الحقيقة ومنه التخصيص أو الاستثناء أو الصفة أو البدل أو الغلبة المجهولات فلكل مبين يقابله.
2 - قد يسبقه إجمال وهو ظاهر وقد لا نحو: {اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] ابتداء.
3 - قد يكون قولا وذا بالاتفاق وقد يكون فعلا عند الجمهور خلافا لشرذمة.
لنا أولا: بيانه عليه السلام الصلاة والحج بالفعل لا يقال بل بقوله صلوا وخذوا إذ البيان بالفعل وهما دليلا بيانيته.
وثانيًا: أن مشاهدة الفعل أدل كما قيل ليس الخبر كالمعاينة قالوا الفعل يطول فالبيان به يوجب تأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه غير جائز.
قلنا: يطول القول أكثر في مثل هيئات الركعتين ولئن سلم فلا تأخير لأنه لا يشرع فيه عقيب الإمكان لا امتداد الفعل كمن قال لغلامه ادخل البصرة فصار عشرة أيام حتى دخلها ولئن سلم فلأنما عدم جوازه مع غرض في التأخير كسلوك أقوى البيانين على أن جوازه مطلقا مما ذهب إليه وسيجىء ذنابة إذا ورد بعد الإجمال قول وفعل صالحان للبيان فإن اتفقا كطواف واحد والأمر به بعد آية الحج فإن عرف المتقدم فهو البيان وإلا فأحدهما لا بعينه وقيل إذا لم يرجح أحدهما وإلا فهو المتأخر لأن المرجوح لا يؤكد به.
قلت ذلك في المفردات لا في المؤكد المستقل وإن اختلفا كطوافين والأمر بواحد وصورة اربع فالقول هو البيان تقدم أو لا والفعل ندب أو واجب مختص به لأن فيه جمعا بين الدليلين وقال أبو الحسين المقدم هو البيان ففي صور في تقدم القول اتفاق ويلزمه نسخ
(2/110)

الفعل في طوافين ثم الأمر بواحد وهو باطل، أما عكسه فليس نسخا بل زيادة للتكليف.
4 - في أقسام القول أنه إن لم يكن بالمنطوق بل يتركه في محله فبيان ضرورة وإن كان فللازم المعنى كمدة بقاء المشروع بيان تبديل ولعينه بالتغيير بيان تغيير كالاستثناء والشرط والصفة والبدل والغاية ولخصيص العام القطعي والاستدراك فإنها بيان مدة نفس المشروع لإبقائه ولا بالتغيير فلتأكيد المعنى المعلوم برفع احتماله المرجوح بيان تقرير ولتبين المراد المجهول بأحد الوجوه الثلاثة بيان تفسير.
5 - في أقسام الفعل أن بيانه إما بنفسه وذا إما وضعي كالخطوط والعقود والنصب أو عرفي كالإشارة أو بضرورة معرفة أن فعله للبيان كإمامة جبريل أو بدليل عقلي كوقوعه وقت الحاجة إلى العمل بالمجمل نحو قطع يد السارق من الكوع وإما بتركه كترك التشهد الأول عمدا ليعلم عدم وجوبه وترك ما يتناول الخطاب به له ولأمته قبل الفعل ليعلم تخصيصه أو بعده ليعلم نسخه في حقه فإن علم أن أمته في ذلك كهو ثبت في حقهم أيضًا وإلا فلا.

المبحث الثالث
أن الأكثر على أن المبين يجب كونه أقوى، وقال الكرخي لا أقل من المساواة وجوز أبو الحسن الأدنى والصحيح من مشايخنا عدم جواز الأدنى في المغير والمبدل لا في المقرر والمفسر.
لنا أن إلغاء الراجح بالمرجوح بافى فإن تخصيص العام إلغاء لدلالته والتحكم في المساوي ممنوع بل لكونه محمولا على المقارنة عند الجهل بالتاريخ يخص العام.
لا يقال الصحابة رضي الله عنهم خصصوا الكتاب بخبر الواحد من غير نكير فكان إجماعًا لأنا نقول بعد ما ثبت تخصيصه بقطعي من إجماع وغيره ولئن سلم فخبر الواحد عندهم كان قطعيا مسموعا من النبي عليه السلام وأما تقييد المطلق متراخيا فنسخ عندنا إذ لا دلالة له على المقيد فضلا عن قوتها وضعفها كالعام المنطقى بخلاف العام الأصولي المخصص حيث يدل على بعض أفراده تضمنا فحين قيد متراخيا لم يبق مطلقًا وتبدل والعام المخصص عام مخصص ولو خصص.
ثانيا: متراخيًا ولم يتبدل من القطع إلى الظن بخلاف غير المخصص أو خصص متراخيا أما تقييده متصلا فبيان لما هو المراد منه تغيير لما هو الظاهر لولاه فيكون بيان تغيير موجبا توقيف أول الكلام على الآخر المغير لئلا يلزم نفي شيء وإثباته معا واحتمال للتوقف مع الفصل وإلا لزم بطلان الأحكام هذا في الظاهر وأما المجمل ونحوه فيكفي في
(2/111)

بيانه تفسيرا أدنى دلالة ولو مرجوحًا إذ لا تعارض فإنه لا يدفع دلالته بل يجمع بينهما وفي بيان التقرير بالأولى لأنه تأكيدٌ للظاهر لا إظهار لما ليس فيه.

المبحث الرابع
أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إلا على قول من جوز تكليف المحال أما خبر وضع العقالين في آية الخيطين قبل نزول: {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] فحمله على تقدير ثبوته نفل الصوم ووقت الأجل وقت فرض الصوم وعن وقت الخطاب قيل يجوز مطلقا وهو مختار ابن الحاجب، وقال الصيرفي والحنابلة يمتنع مطلقًا وقال الكرخي: يمتنع في الظاهر إذا أريد به غير ظاهره ويتناول تخصيص العام وتقييد المطلق وتفسير الأسماء الشرعية والنسخ لا في المجمل كالمشترك والمتواطئ المراد به معين، وقال أبو الحسين من المعتزلة والقفال والدقاق وأبو اسحق المروزي من الأشاعرة كما قال الكرخي لكنه في البيان الإجمالي أي بجواز التأخير في المجمل وامتناعه في غيره لكن الممتنع تأخيره هو البيان الإجمالي كان يقال هذا العام مخصوص أو سيخص أو سيقيد المطلق أو سينسخ الحكم وجوزوا تأخير التفصيل بعد قرآن البيان الإجمالي.
وقال: الجبائيان وعبد الجبار لا يجوز التأخير أصلا إلا في النسخ وهو المفهوم من المعتمد ولا ينبئك مثل خبير والمختار عند مشايخنا جوازه إجمالا وتفصيلا في بيان التقرير والتفسير كتبين المجمل بل والمشكل والخفي ومنه تصير الأسماء الشرعية وفي بيان التبديل ومنه تقييد المطلق متراخيا كما مر وتعيين معين أريد بالنكرة من أقسامه عندنا وامتناعه في بيان التغيير باقسامه.
قال فخر الإِسلام رحمه الله وكذا عند الشافعي - رحمه الله - إلا أن تجويزه التراخي في تخصيص العام دوننا بناء على أنه تفسير عنده لما كان محتملا له وللكل كالمجمل وبيان محض فشرطه محل موصوف بالإجمال والاشتراك أي بالخفاء والجهل محققا في البيان البنائي أو مقدرًا كما في البيان الابتدائي وأما شرط سبق الكلام له تعلق في الجملة كما ظن وليس مشهورا والتغيير عندنا من القطع إلى الاحتمال لما مر أن العام قبل التخصص قطعي عندنا دونه وإنما لم يجوز التراخي في الاستثناء والخمسة المتصلة الباقية مع أنها تخصيصات عنده لعدم استدلالها وليس الخلاف في جواز قصر العام على بعض متناولاته بمستقل متراخ بل في أن يكون تخصيص فيكون في الباقي ظنيا أو نسخ فيكون قطعيا بناء على أن دليل النسخ لا يحتمل التعليل.
(2/112)

فليس اشتراط المقارنة كاشتراط الاستقلال مجرد اصطلاح كما ظن بل ليفيد الظن والجري على هذا مستمر ومهول التاريخ محمول على المقارنة وذلك كثير لنا في جوازه في التقرير والتفسير كقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19].
حيث أريد التفسير لأنه فسر بيان ما اشكل عليك من معانيه ولأنه إيضاح لغة ولأنه مرادٌ إجماعًا فلا يراد غيره دفعا لعموم المشترك ولو سلم عمومه فبيان التعبئة أخص منه لما سيأتي وفي التقرير معنى التفسير بل أولى وأن الخطاب بالمجمل مفيد للابتلاء بعقد القلب على أحقية المراد به مع انتظار البيان كما بالمتشابه مع عدمه كما يبتلى بالفعل عنده وفي امتناعه في التفسير قوله عليه السلام: "فليكفر عن يمينه" (1).
إذْ لو جاز تراخيه لما وجب التكفير أصلا لأن الإبطال بالاستثناء محتمل ولو استدل الإجماع على وجوب الكفارة ووقوع نحو الطلاق والعتاق ولزوم الأقارير ونحوها مما لا يحصى لكان أولى على ما لا يخفى هذا المعتمد لا أن التأخير إلى مدة معينة تحكم وإلى الأبد تكليف مع عدم الفهم لكفاية تعينها عند الله تعالى يعلمه من وقت التكليف به ولا أن الخطاب يستلزم التفهيم ولذا لا يصح خطاب الجماد ولا الزنجى بالعربي ولا تفهيم بظاهره لأنه غير مراد ولا بباطنه لأنه غير مبين متعذر والقصد إلى ما يمتنع حصوله سفه وذلك لأنه مع نقضه بالنسخ يجوز قصد تفهيم الظاهر مع لخويز التخصيص عند الحاجة فلا جهالة إذ لم يعتقد عدم التخصيص ولا أدلة إذ لم يقصد فهم التخصيص تفصيلا للمجوزين مطلقا.
أولا: قوله تعالى في المغنم {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] إلى قوله: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] ثم بين أن السلب للَقاَتل مطلقًا على ما رأي وإذا رأه الإِمام على آخر.
قلنا ذلك بشرط التنفيل قبل الإحراز عندنا ولم يكن حينئذ غنيمة ومذهبنا أولى جمعا بين حديث التنفيل وحديث خبيب بن أبي سلمة رضي الله عنه.
وثانيا: أنه بين ذوى القربى بأنهم بنو هاشم دون بني أمية وبنى نوفل متراخيا قلنا بيان مجمل القرابة فإنها تحتمل قرابة النصرة وقرابة النسب قيل ظاهرة في الثانية قلنا ولئن سلم فقرابات النسب أيضًا مختلفة فهو بيان المراد بالعام الذي تعذر العمل بعمومه.
ثالثا: بيانه بقرة بني إسرائيل متراخيًا وجه تمسكهم قيل إن المطلق عندهم عام وقيل
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2/113)

من حيث أريد به خلاف الظاهر في الجملة إذ المذبوحة هى المأمور بها بعينها من أول الأمر لرجوع الضمائر إليها وإلا كان الأمر ثانيا وثالثا جديدا وليس كذا إجماعا ولا دلالة على التعين والأمر ليس للفور ليكون تأخيرًا عن وقت الحاجة.
قلنا بل تقييد للمطلق وهو كإطلاق القيد نسخ أي لإطلاقه السابق فلا يرد أن قيود الجواب الأول لم تنسخ بالجواب الثاني إذ هى أيضًا مرادة فيجوز متراخيا إذ المراد بها أولا غير معينة بدليل قول ابن عباس رض الله عنهما لو ذبحوا أي بقرة لاجزأتهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم والاستدلال به من حيث إنه تفسير سلطان المفسرين لا من حيث إنه خبر واحد ولئن سلم فليس معاضا لظاهر الكتاب لأن ظاهره الإطلاق ورجوع الضمائر إليها لا يقتضى اتحاد التكليف وإن قوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] دليل على قدرتهم وأن سؤالهم كان تعنتًا وفاء {فَذَبَحُوهَا} [البقرة: 71] يمنع كون الذم لتوانيهم في الذبح بعد البيان.
ورابعا: بيان قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] بعد سؤال ابن الزبعري أليس قد بعدت الملاَئكةَ والمسيح بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} [الأنبياء: 101].
قلنا: لا يتناولهما لأن ما لما لا يعقل كما نقل عن الرسول قوله له: "ما أجهلك بلغة قومك" وذلك لأن تعذيب الشخص بعبادة الغير إياه معلوم الانتفاء عقلا وكذا عدم رضاء الملائكة والأنبياء بها وإذ لا دليل على رضاهم والأصل عدمه فالظاهر عدم إرادة التعميم لعدم الحاجة وأن الذين كالتقييد بقوله من دون الله لتوضيح خروجهم وبيان جهله ودفع وهو التجوز لمن أو للذي أو تجوز للتغليب لا للتخصيص من أنه خبر وذكر عدم جواز التأخير عن وقت الحاجة في محل النزاع دليل تخصيص الاختلاف بما فيه التكليف.
وخامسا: بيان وأهلك وهو عام يتناول بنيه بقوله في كنعان: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]، قلنا متصل لدخوله في قوله: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] أي وعد إهلاك الكفار فهو منهم ولئن سلم فبيان أن المراد أهل ديَانة لا أهل نسبة فإن أهل الرسل من اتبعهم وذلك بيان المجمل وقوله: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} لحسن ظنه بإيمان ابنه حين شاهد الآية الكبرى.
ولما وضح له أمره أعرض عنه وذا في الأنبياء بناء على العلم البشري إلى أن ينزل الوحى غير عزيز كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ} [التوبة: 114] فقد استغفر بناء على رجاء أن يؤمن وظن جوازه ما دام يرجى له الإيمان والعقل يجوزه إلى أن
(2/114)

يجىء الوحى فهو كقول نبينا عليه السلام لعمه "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه".
وسادسا: بيان قوله تعالى: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] بقوله تعالى: {لَنُنَجِّيَنَّهُ} [العنكبوت: 32] بعد قول إبراهيم "إن فيها لوطا"، قلنا بل متصل لأن قوله: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] استثناء معنى كقوله في آية أخري {إِلَّا آلَ لُوطٍ} [الحجر: 59] وقول إبراهيم عليه السلام بعد علمه بخروجه بالاستثناء طلب لمزيد الإكرام له بتخصيصه بوعده النجاة فإن التخصيص بعد التعميم من موجبات التفخيم كما أن قول: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260] بعد علمه طلب للطمانينة الحاصلة بالمعاَينة المنضمة إلى الاستدلال أو خوف من عموم العذاب بشؤم المعصية.
تنبيه: هذه الوجوه تصح تمسكًا للشافعى - رحمه الله - أيضًا في جواز تخصيص العموم لكن على الأول من وجهى مسئلة البقرة.
وسابعا: أن التأخير ليس ممتنعًا لا لذاته ولا لغيره وإلا لعرف بالضرورة أو النظر ولا ضرورة بالضرورة في محل النزاع ولا نظر إذ لو كان لكان الامتناع لجهل مراد المتكلم ولا يصلح مانعا كما في النسخ قلنا معارض إذ لا ضرورة في جوازه ولانظر إذ لو جاز لجاز لعدم المانع ولا جزم به غايته عدم الوجدان، وحله أن ليس كل واقع معلوما بأحد الطريقين ولئن سلم فعدم الدليل لا يقتض العلم بعدم المدلول بل عدم العلم به.
وثامنا: نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] ثم بينه جبرائيل عليه السلام: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ثم بين تفاصيل الجنس والنصاب بتدريج وآية السرقة ثم بين اشتراط الحرز والنصاب وآية الزنا ثم بين أن المحصن يرجم ونهى عليه السلام عن بيع المزاينة وهو أن يبيع التمر على النخيل بمجذوذ مثله كيله حرصا وقيل على أنه إن زاد فله وأن نقص فعلى إنه مفض إلى المزاينة أي المدافعة بالنزاع ثم رخص في العرايا وهي هو ولكن فيما دون قدر الزكاة كخمسة أوسق.
قلنا: أما بيان للمجمل كالصلاة والزكاة والربا ولا نزاع لنا فيه أو توضيح لتحقق الماهية فإن الخفية من مفهوم السرقة ولا يتحقق في التافه المبتذل كالقليل وفي غير المحرز عادة أو لعدم العذر الواجب بدلالة أنها خيانة أو نسخ بما يصلح ناسخًا كحديث الرجم إن علم تراخيه وإلا فتخصيص العام بمثله قوة كتخصيص عمومات الحدود المخرج عنها مواضع الشبهات والعرايا عندنا بيع مجازا بل بر مبتدا لأنه أن يبيع المعرى له ما على النخيل للمعرى بتمر مجذوذ لعذر طرأ بعد هبته كذا فسروه ولأن العرية العطية ولاتفاقه
(2/115)

فيما دون خمسة أوسق ظنه الراوي شرطا.
وتاسعا: أن جبرائيل عليه السلام قال له عليه السلام: {اقْرَأْ} فقال ما أقرأ كرره ثلاث مرات فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] فتبين المراد.
لا يقال: إنما يصح الاستدلال بالظاهر فيما ليس كهذا متروك الظاهر فإن الأمر فيه إما للفور ففيه تأخير عن وقت الحاجة فيمتنع وإما للتراخي وهو للوجوب لا الجواز إذ لا قائل بوجوب التأخير والجواز حكم يمتنع تأخيره أيضًا لأنه عن وقت الحاجة لأنا لا نعلم أن الأمر قبل البيان للفور أو للتراخي إنما صحة ذلك الترديد بعد الفهم.
قلنا كان المراد الأمر بقراءة معين لم يكن معهودا وإلا لم يسأل ما اقرأ والنسبة إلى المعينات سواسية فيكون مجملا وتأخير بيانه نجوزه للجبائي ومتابعيه في امتناع تأخيره أما في المجمل:
فالأول: لأن الجهل بصفة الشيء يخل بفعله في وقتها ولا جهل بالصفة في النسخ قلنا لا يخل ولا يضر قبل وقت الفعل وهو وقت الحاجة.
وثانيا: أن الخطاب به قبل البيان كالخطاب بالمهمل في عدم الإفهام فلو جاز ذاك لجاز هذا قيل له معنى مرجو بيانه بالآخرة بخلافه فأجيب بان المراد مهمل وضعه من لم يصطلح مع غيره لمعنى فخاطبه مريدًا إياه.
قلنا فذاك ليس لمهمل بل مجمل بالغرابة وهو أحد أقسامه فلا نعلم امتناع الخطاب به إذ هو من محل النزاع فعينه مصادرة والجواب بان في المجمل طاعة ومعصية بالعزم على فعل أحد مدلولاته وتركه إذا بين بخلاف المهمل عائدٌ إلى ذلك مع أنه تخصيص ببعض أقسام المجمل كالمشترك لا كالهلوع والأسماء الشرعية وأما في الظاهر المراد خلافه كتخصيص العام مثلا أنه يوجب الشك في كل واحدة من متناولاته هل هو مراد أم لا فلا يعلم تكليف فينتفي غرض الخطاب والكل في النسخ داخلون إلى أوانه.
قلنا المنتفي غرضه التفصيلي لا الإجمالي وهو الابتلاء بالعزم وتركه إذا فهم والجواب بأن الشك في متناولاته على البدل وفي النسخ على الاجتماع لأنه محتمل في كل زمان فكان أجدر بالامتناع فيه ما فيه للبون البين بين الشك في أصل الثبوت وبينه في الرفع بعد الثبوت مدة في حصول غرض الخطاب.
ولأبى الحسين أن تأخير مطلق البيان يوهم وجوب الاستعمال في الجميع وأنه تجهيل وإغواء فيمتنع من الشارع بخلاف تأخير التفصيلى بعد الإجمالى قلنا لا يضر إذا بين قبل وقت الحاجة ولعل الغرض هو الفعل وقت الحاجة والعلم قبله مع الداعي إلى تقديم
(2/116)

التكليف والصارف عن تقديم التبين كالابتلاء بالعزم وإمعان النظر وقد وقع مثله فيما يوجب الظنون الكاذبة نحو يد الله فوق أيديهم ونحوه تذنيبات.
1 - إذا جوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة فتأخر تبليغ الرسول إليه أجوز لخلوه من كثير من مفاسده كعدم الإفهام والإفادة أما إذا منع فاختير جوازه إذ لا استحالة بالذات ولعل لتاخيره مصلحة.
وقيل بامتناعه لأن {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] للفور والألم يفد فائدة جديدة
لأن وجوب التبليغ يقضي به العقل ورد الثالى بأنه مع إمكان أن الأمر لا للوجوب تجوزا
ولا للفور وفائدته تقوية ما يقتضيه العقل ظاهر في تبليغ لفظ القرآن لا في كل الأحكام.
2 - إذا جوز تأخير وجوده فتأخير إسماع المخصص السمعي للداخل تحت العام بعد إسماع العام أجوز وإذا منع فالمختار جوازه وهو مذهب النظام وأبى هاشم خلافا لأبي الهذيل والجبائي.
لنا قياس الطرد أعني الدلالة الزاما على المانع فإنه إذا ثبت جواز التأخير في وجوده ثبت في إسماعه بالأولى وقياس العكس من المانع لأنه إنما منع في وجوده لبعد الاطلاع مع عدمه فيجوز في إسماعه لقربه مع وجوده ووقوعه فلأن فاطمة رضي الله عنها سمعت:
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] ولم تسمع مخصصه "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (1) والصحابة سمعوا "اقتلوا المشركين كافة" مخصصه في المجوس عند من يقول به "سنوا به سنة أهل الكتاب" إلى زمان خلافة عمر رضي الله عنه.
3 - إذا منع تأخير المخصص مع ذكر بعض المخصصات دون بعض وإذا جوز فالمختار جوازه وقيل يجب ذكر الجميع لنا مع عدم الامتناع الذاتي ووقوعه كما أخرج عن "اقتلوا المشركين" أهل الذمة ثم العبد ثم المرأة على التدريج وكذا غيرها قالوا تخصيص البعض فقط يوهم وجوب الاستعمال في الباقي وأنه تجهيل، قلنا لا نعلم امتناعه كما مر في الكل.
الخامس: أن الهجوم على الحكم بالعموم قبل التأمل فيما يعارضه من الخصوص إلى أن يجىء وقت العمل لا يجوز إجماعا كما في كل دليل مع معارضه أما العمل به قبل البحث في أن له مخصصا فممتنع خلافا للصيرفي كذا في المحصول ومختصر به ولا إجماع فيه إذ إما في عصره فلا ينعقد مع مخالفته أو قبله فهو انعقد بمعرفته أو بعده فلم يخالف فيه من بعده
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2/117)

وبعد وجوب البحث فبلغه.
قيل: بحيث يغلب معه ظن انتفاء المخصص وقال القاضي لا بد من القطع بانتفائه وكان الخلاف في أن النقلي هل يفيد اليقين وأن العام هل هو القطعي الدلالة على العموم مبني على هذا.
لنا: لو اشترط القطع لبطل العمل بالعمومات المعمول بها اتفاقا إذ الغاية عدم الوجدان، قالوا إذا كانت المسألة مما كثر البحث فيها ولم يطلع يقضي العادة بعدمه وإن لم يكن منه فبحث المجتهد يوجب القطع بعدمه.
قلنا: لا نعلم حكم القسمين فكثيرًا ما يبحث بين الأئمة أو يبحث المجتهد ثم يوجد ما نرجع به.
هذا عند مشايخنا القائلين بأن الاحتمال وإن لم ينشأ عن دليل قادح في القطع، أما عند مشايخنا القائلين بعدم قدحه إلا إذا نشأ عن دليل وهو الحق كما مر فالمختار القطع بما ذكر من قضاء العادة وقضاؤها فيما لا يوجد ما يرجع به وإلا فلا اعتماد على الدليل العقلي أيضًا لاحتمال الرجوع بظهور خطأه كما يقع كثير والإجماع على الاعتماد وهذا كله بالنظر إلى مجرد العام ونحوه.
أما بالنظر إلى القرائن الحاقة ومنها العادة العامة فقد يحصل القطع كما سلف.

المقصد الأول في بيانيّ التقرير والتفسير
فبيان التقرير توكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز أو الخصوص نحو: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] ينفي أن يراد المسرع وغيره {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] ينفي إرادة البعض ومثله قوله لها أنت طالق وله أنت حر وقال عنيت المعنى الشرعي وبيان التفسير بيان المجمل والمشترك وغيرهما مما فيه خفاء ففي المجمل كما مر من بيان الصلاة والزكاة والسرقة المجملة في مقدار ما يجب به القطع ومحله ومثله قوله لها أنت بائن وسائر الكنايات وقال عنيت الطلاق ولفلان طى ألف وفي البلد نقود مختلفة ففسر بإحدها وفي المشترك كما أن الإحالة في "أحلنا" كمعنى الإنزال بقرينة دان المقامة وفي: {أُحِلَّ لَكُمْ} [البقرة: 187]، بمعنى الإباحة بقرينة الرفث وكلاهما يصح موصولا ومفصولا في الأصح من أصحابنا وقد مر.

المقصد الثاني في بيان التغيير
وهو الاستثناء اتفاقا والشرط إلا عند السرخسي وأبي زيد إذْ عندهما الشرط تبديل والنسخ ليس ببيان لأن الشرط يبدل الكلام من انعقاده للإيجاب إلى التعليق أي إلى أن
(2/118)

ينعقد عند وجوده لا للحال فإنه رفع الحكم لا إظهار ابتداء وجوده.
قلنا: الشرط فيه تغيير من ذلك الوجه واظهار إيجاب عند وجوده فكان بيان تغيير كالاستثناء إخراج صورة عما هو المقصود ذكره له حيث بعض المفهوم لا سيما في العدد الذي لا يحتمله حقيقة ولا مجازا ولذا يصح علمًا للجنس كأسامة وإظهار لعدم تعلق الحكم إلا بعد الإخراج كما لا يدخل شىء منه تحت قوله له على ألف لو صدر عن غير المكلف.
أما النسخ فليس تغييرًا بل رفعا وإبطالا بالنسبة إلينا لكنه عند الله بيان نهاية مدة الحكم فسمي بيان تبديل للجهتين ها هنا يعلم أن تقييد المطلق كقيود الفعل ليس من بيان المغير مطلقا بل إذا اقتضى تغيير ما يوجبه الكلام لولاه إلى محتمله كما بهذين الوجهين أعني من القطع إلى الاحتمال ومن المقصود ذكره إلى نقضه وإن لم يقتضه فإن اتصل فبيان ما هو أول المقصود من المذكور وإن انفصل فتبديل القصد من المبهم إلى المعين إذ المبهم مما يصلح مرادا بدون التعيين وإن لم يلح متحققا بدونه ولا يلزم من عدم تحققه عدم إرادته إلا معه كما علم.
وهو أقسام: منها: الاستثناء وفيه مقاصد: أحدها: أنه لغة من الثني وهو الصرف واصطلاحا إن كان للمشترك بين المتصل والمنقطع أي متواطئًا فالدلالة على المخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها والمستثنى مخالف سبق عليه أحد أدواته فبالإخراج ولو تقديرًا أي من حيث التناول لولا القرينة أو صورة أو ذاتًا على المذاهب ومنع الدخول تحقيقًا أي من حيث الإرادة أو معنى أو حكما متصل وبدونه منقطع ومنفصل.
فلا بد فيه بعد التعلق من المخالفة بأحد وجهين لكونه بمعنى لكن إما بالنفي والإثبات نحو: ما جاءني القوم إلا حمارا أو زيدا وهو ليس منهم ونحوه في وجه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم: 62] وعليه {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77]، إلا على قول مقاتل، وإما بعدم الاجتماع نحو: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، بخلاف ما جاءني إلا أن الجوهر الفرد حق وإن كان مشتركا بينهما أي لفطا وهو الحق أو حقيقة في المتصل مجازا في المنقطع كما هو الحق في صيغ الاستثناء ولذا لم يحمله جمهور العلماء عللا عند تعذر المتصل وتكلفوا في ارتكاب مخالفة الظاهر للجنسية حملا لكلام العاقل على الاتصال بقدر الإمكان.
فمن حيث القيمة مطلقًا عند الشافعى رحمه الله كما في على ألف إلا ثواني أي قيمته ومن حيث المعنى المقصود في المقدرات فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف واعتبر محمد
(2/119)

الصورة مطلقا وخير الأمور أوساطها فلا يمكن جمعها في حدٍّ واحد وإن تحقق معنى مشترك بينهما كما مر إذ لا يكون ذلك حقيقة الاستثناء لعدم وضعه له فيقسم أولا ثم يعرف كل بما مر أو بما قال بعض أصحابنا هو المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلا وأخواتها فهو أولى من تعريفه بالإخراج بإلا وأخواتها لا لأن إلا للصفة داخل إذ لا إخراج حيث لا يتحقق التناول بل لأن الإخراج تقديري أو صوري أو ذاتي، والمنع عن الدخول تحقيقي أو معنوي أو حكمي ورعاية الثواني أولى ولو أريد به ففيه مجازان.
وفي الثاني واحد وبما قال الغزالي رحمه الله هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة قال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول لأنه إن أراد بالصيغ ألفاظ أدوات الاستثناء كما ظن كان تعريفا لفطا لا حقيقيا ولا سيما والمطلوب في الأصول هما وعن هذا أنه قد يمتنع جمعهما في حد وإن قيل بالتواطؤ وإن أراد معانيها فلا بد من تفسير الدلالة بالوضعية كما هو المتعارف لئلا يرد نحوها جاءني القوم ولم يجيء زيد فإن لزوم عدم إرادته من الكلام الأول عقلي لا وضعي إذ لم يوضع نحو لم يجىء إلا للنفي.
ولذا جاز لم يجىء القوم ولم يجىء زيد ومن القول بإنه تعريف جنس من الاستثناء من حيث عمومه لئلا يرد أن كل استثناء ذو صيغة لا ذو صيغ إذ المتعارف صدق التعريف على كل فرد مع أن في فيه نظرا هو أنه لا يمنعه من الصفة نحو: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، لأن لا دلالة وضعية على ذلك بخلاف أكرم الناس إن لم يكونوا جهالا وإن ادعى عدم دلالته حين استعارته للوصفية وإلا خص انه إخراج بحرف وضعت له وأنه تعريف ليس بلفظي.
ثانيها: في أنه لا تناقض فيه وان توهم أن في على عشرة إلا ثلاثة اثباتا للثلاثة في ضمن العشرة ونفيا لها صريحا كيف وأنه واقع في كلام الله نحو: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] وإنما يحتاج إلى دفعه في الإخبار لجواز النفي بعد الإثباتَ وعكسه في الإنشاء.
كما في دليل الخصوص والنسخ ففيه وجوه:
1 - أن المراد بالعشرة السبعة مجازًا والاستثناء قرينته ولا يرد عليه ما مر أن الأعداد أعلام أجناس ولا تجوز فيها إذ الممنوع الاستعارة ولئن سلم فالعلم عدد لا يراد به معدوده ولذا يتصرف اخذت عشرة من الدراهم ولأنها ليست جزءًا مختصا ليلزمها فيصح التجوز لأن كل عدد جزء لكل مما فوقه إذْ الاختصاص يطلب إطلاق الجزء على الكل
(2/120)

كعين الرئية وإلا فالجزء لازم ولا أنه يؤدي في نحو اشتريت الجارية إلا نصفها إلى استثناء الشيء من نفسه أو إلى التسلسل.
فإن استثناء النصف من النصف يوجب إرادة الربع ومن الربع ارادة الثمن وهلم جرا هذا الاستثناء من حيث التناول لولا القرينة فالمفهوم قبلها هو الكل لا من حيث إرادة المعنى المجازي فإنها بعد الإخراج ولقام القرينة لا قبلهما فالذي أطلق مجازا على نصف الجارية هي الجارية المقيدة لا المطلقة كاشتريت جارية نصفها للغير فما لم يتم التقييد لقيام القرينة يكون الملاحظ المعاني الوضعية فلذا يرجع الضمير إلى كمال الجارية ويتحقق أن الاستثناء إخراج بعض من كل كما أجمع عليه وأن العشرة نص في مدلوله وأن فيه رعاية وضع الإخراج والمخرج والمخرج عنه وليس مثله جعلوا الأصابع في آذانهم إلا اصولها كذلك لأن الاستثناء وإرجاع الضمير بعد تمام القرينة.
2 - قول القاضي أن المجموع موضوعٌ بإزاء السبعة فلها مفرد ومركب يريد به أنه موضوع وضعًا نوعيًا والمعاني الإفرادية ليست مهجورة في الموضوعات النوعية فلا يراد أنه خارج عن قانون اللغة إذ الأمر مركب مزجي فيها عن ثلاثة ولا مركب اعرب جزؤه الأول وليس بمضاف ولا مشبه به نحو اثني عشر ولا انه لإخراج ولا نصوصية للعشرة في مدلولها حينئذ ويرجع الضمير إلى بعض الاسم ويقصد بجزء من المفرد الدلالة على جزء معناه لأن امتناع جميع ذلك في الأوضاع الشخصية أما النقض بنحو برق نحوه وأبي عبد الله فليس بشيء لأن الأول من باب الحكاية الغير المقصود التركيب فيه بل نثره نثر أسماء العدد وليس ما نحن فيه كذلك والثاني فيه مضاف وهذا في التحقيق عين ما يقال مراده التعبير عن السبعة بلازم مركب نحو أربعة ضمت إليها ثلاثة كالتعبير عن الإنسان لمجموع مستوى القامة الضاحك بالطبع أو بمجموع الحيوان الناطق عقلا والبدن النفس خارجًا فارتضاء أحدهما وازراء الآخر يفضي إلى خلاف الأطر الفارقة ولا ريب أن اعتبار المقيد في ذاته لكونه مقيدا في نفس الأمر غير اعتباره من حيث هو مقيد وغير اعتبار المجموع فيه يحقق التقابل بين المذاهب.
3 - أن المراد من كل حقيقته والإسناد إلى العشرة بعد إخراج الثلاثة منها والفرق بين المذاهب الثلاثة من وجوه:
1 - ما ذكر.
2 - أن المستثنى منه مجاز على الأول دون الأخيرين.
(2/121)

3 - ما قيل إن في الأول إيجابا وسلبا بالمنطوق لأن الاستثناء لا يصلح قرينة لارادة السبعة بالعشرة إلا إذا نفي الثلاثة منها ولا حكم في الأخيرين بالنفي أو الإثبات في المستثنى بل مجرد دلالة على مخالفته لحكم الصدر وهي أعم من الحكم عليه بنقيض حكمه فرق بينهما بأن تلك الدلالة في الثاني بمفهوم العلم في العددي لأن العدد كالعلم خاص بمفهومه وبفهوم الوصف في غيره؛ لأن معنى جاءني القوم إلا زيدا جاءني غير زيد منهم، وفي الثالث بإشارة الإخراج قبل الإسناد لكن لا نقتضي الحكم بالنقيض كما في الأول؛ لأن الإخراج هنا قبل الحكم وثمة بعده؛ لأن القرينة سياقية فالثالث أوكد في تلك الدلالة لأن الإشارة طريق اتفاقي واضح.
ثم قيل ميل الشافعي إلى الأول ولذا جعله من النفي إثباتًا ومن الإثبات نفيا وتخصيصًا غير مستقل بطريق المعارضة ويعني بها إثبات حكم مخالف للسابق.
ومشايخنا مالوا إلى الأخيرين ولذا جعلوه تكلما بالباقي بعد الثنيا أي المستثنى إما تعبيرًا عنه بالمجموع أو بالعشرة المقيدة بإخراج الثلاثة وبيانًا مغيرًا لا تخصيصًا فقالوا بالإثبات في المستثنى في كلمة التوحيد بالإشارة على الثالث إذْ لو لم يكن حكم المستثنى خلاف حكم الصدر لما خرج منه لا على الثاني؛ لأن التخصيص بالعلم أو الوصف لا يقتضي النفي عما عداهما عندهم بل بضرورة أن وجود الآلة كان ثابتا في عقولهم وقد نفي غيره.
وبعضهم مالوا في غير العددي إلى الثالث فقالوا بإثبات حكم في المستثنى مخالف للصدر بطريق الإشارة بشهادة العرف وبنوا ذلك على أن المستثنى كالغاية، وفي العددي إلى الثاني حتى قالوا في إن كان في إلا مائة فكذا ولم يملك إلا خمسين لا يحنث لأن معناه إن كان في فوق المائة فلم يشترط وجود المائة وفي ليس له على عشرة إلا ثلاثة لا يلزمه شيء كأنه قال ليس له علي سبعة.
وفيه نظر من وجوه:
1 - أن بيان عدم إرادة الثلاثة يكفي قرينة لإرادة السبعة ولا يلزم إرادة عدم الثلاثة.
2 - أن دلالة الاستثناء على مخالفة حكم الصدر في الخارج ممنوعة وفي العقل بمعنى أن ليس فيه حكم الصدر مسلمة لكن لا تقتضي حكمًا بخلافه من الإثبات أو النفي لا بالعبارة ولا بالإشارة فإن الأخص لا يلزم الأعم فلا يتم الإشارة المذكورة ولو في كلمة التوحيد، وقوله: إذْ لو لم يكن إلخ لا يفيد الحكم بالنقيض إذ يكفي للخروج عدم الحكم السابق.
(2/122)

3 - أن الإخراج لو أفاد بالإشارة الحكم بالنقيض لأفاد في كلا القولين الأخيرين لأن الإخراج بحسب الصورة والذات لا بحسب المعنى والحكم متحقق فيهما كما مر كيف والمدلول بالإشارة لازم المنطوق فلو كان حاصلا كان مطرد اللزومة، فكان مذهبنا مثل مذهب الشافعي ولم يكن أيضًا عنده منطوقًا مع ما عرفت أن بيان منطوقيته غير تام.
4 - أن فرق البعض بين العددي وغيره غير مسلم فإن كون المستثنى كالغاية لا يقتضي الإشارة المذكورة لأن شأن الغاية إنهاء الحكم بخلافه ومرادهم بما ذكروا في ذلك لزوم هذا الأخص من ذلك الأعم بحسب المقام كما تحقق ولئن سلم فكونه كالغاية لا يفرق بين العددي وغيره وكذا المسألتان.
أما الأولى: فلما كان معناها إن كان في فوق المائة بدلالة العرف كان المستثنى ما دون ما فوقها وذلك موجود كالخمسين ولو سلم فعدم اشتراط وجود المائة من خطران حيث سرى من المستثنى منه في المستثنى حتى لو قال والله ما كان في إلا مائة وجب وجودها.
وأما الثانية: فلا اختصاص فيها بالثاني؛ لأن إسناد ليس إلى العشرة بعد إخراج الثلاثة عنها كاف في ذلك ثم إذا لم يلزم ثبوت الثلاثة كان مؤيدا لما قلنا من عدم الإشارة بحسب اللفظ هذا.
ولله الملك العلام، در التحقيق في هذا المقام، وذلك في فوائد سمح بها الألمعي من مهرة الفحول، ولعمري أنها تنسمت من مهب قبول القبول.
1 - أن مرجع القول الثالث إلى أحد الأولين إذ لا ريب أن العشرة مثلا أطلقت أو قيدت ليست حقيقة في السبعة مع لنها مرادة فإن أطلق فيها مجرد العشرة المقيدة كنحو: أربعة ضمت إليها ثلاثة كانت مجازًا وإن أطلق المجموع على أنه تعبير ببعض لوازمها كجذر التسعة والأربعين ونصف الأربعة عشر على طريق قوله: بنت سبع وأربع وثلاث، كانت حقيقة إذ التعبير عن الشيء بلازم حقيقته باعتبار أنه الذي يصدق عليه ليس مجازا فلا خروج عنهما.
وأقول بعد أنه أقرب إلى الثاني لأن اعتبار المقيد من حيث هو مقيد أقرب إلى اعتبار المجموع من اعتباره في ذاته وهو مقيد ولذا حكموا عليهما بأنهما حقيقة فيهما واشتركا في ظهور كونهما تكلما بالباقي بعد الثنيا يفهم من هذه الفائدة أن الأخيرين بل الثلاثة مشتركة في الإفادة بالإشارة أو الضرورة أو كونه بمعنى الغاية وفي الإخراج الصوري والبيان المعنوي وفي عدم التعرض للحكم بنقيض حكم الصدر كما يجب.
(2/123)

نعم لو بنى على القول بمفهوم الصفة للمستثنى فإن الاستثناء في محل الصفة للمستثنى منه اعتبر قرينة أو جزءً أو قيدًا لكان شيئًا.
2 - أن الاستثناء كان من النفي أو الإثبات لا يدل على المخالفة في النسبة الخارجية بل النفسية فإن كان مدلول الجملة هي النفسية فالمخالفة في المستثنى عدم الحكم النفسي فيه لا الحكم بخلافه وإن كان مدلولها الخارجية فالاستثناء إعلام بعدم التعرض لها والسكوت لا بالتعرض لعدمها.
أقول: وكل من الأوليين أعم فلا يلزمه الأخص إلا بحسب خصوصية المقام كما أن السكوت عن الإثبات يسئلزم نفي الحكم بالبراعة الأصلية وعن المسلب قد يستلزم إثباته كما إذا علم ثبوت حكم لعدة قلب عن غير المستثنى علم ثبوته في المستثنى بالاستصحاب نحو ما قام القاعدون لمقدم عمرو إلا زيد وعليه وضع الاستثناء المفرغ ومنه كلمة التوحيد أو يقال أفادتها الإثبات بالعرف الشرعي لا اللغوي.
ولذا يندفع تشكيك الإمام الرازي رحمه الله أن المقدر فيها إن كان الموجود لم يلزم عدم إمكان إله غيره وإن كان الممكن لم يلزم منه وجود ذات الله تعالى بل إمكانه إذ يلزم عرفًا وإن لم يلزم لغة وهذه الوجوه هي مجمل الإشارة المقولة فيه وفي الغاية التي بها التوفيق بين الإجماعات الأربعة:
1 - إفادة القصر بما وإلا.
2 - أنه إخراج.
3 - أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا.
4 - أنه من النفي إثبات وبالعكس.
5 - أن هذا في الخبر أما فيما هو عدة الأحكام وهو الطلب فلأنه يدل إما على طلب تحصيل النسبة النفسية كإكرام الناس في أكرمهم أو لا تكرمهم إلا زيدًا في الخارج كالأمر والنهي وبالعكس كالاستفهام فالاستثناء بعده دل على انتفاء النسبة النفسية التي بين المستثنى منه وما نسب إليه في المستثنى لا على طلب دخصيل خلافها خارجًا فلا دلالة على المخالفة في الخارجية أصلا لكن في النفسية فبعد الثبوت يفيد عدم الحكم النفسي فيه وبعد النفي ثبوته لكن عقلا لأن النفي العام إنما هو بعد تعقل الثبوت العام وحين نفي عقلا عن غير المستثنى بقى الثبوت له فيه.
تنبيه: كفى كرامةً للحنفية اعتراف أفضل متأخريها بأن لا تعرض في الاستثناء للحكم بالنقيض ومنه يلزم عدم التعرض في الوصف أيضًا لأنه في معناه، ثالثها في أدلة المذهبين.
(2/124)

لنا: في أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا أي استخراج صوري وبيان معنوي أن المستثنى لم يرد لا نحو قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] لأن سقوط الحكم بالمعارضة حالي انشائي فلا يتصور في الإخبار عن الخارج لا سيما عن الماضي وفي العدد بخلاف الإنشاء والأصل خلاف التجوز.
وثانيا: اجماع أهل اللغة أنه استخراج أي صورة وتكلم بالباقى الثنيا أي معنى كما مر.
وثالثا: أنه بخلاف النسخ لا يستغرق أي لا يجوز استثناء الكل عن الكل ولو فيما يصح الرجوع عنه كأوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي يثبت الوصية وطريق المعارضة يقتضي استواء البعض والكل كالنسخ ولا وجه للفرق بآدائه في الاستثناء إلى الناقض لا في النسخ وإلا لأدى إلى استثناء البعض أيضًا لأن اختلاف الزمان مشترك إذ تخلل العمل ليس بلازم للاختلاف.
ورابعا: أنه بخلافه لا يستقل كصدره وشرط المعارضة التساوى في القوة كالنسخ أو فهو تبع له والتبع لا يعارض أصله إجماعا.
وخامسا: أنه لوكان معارضًا كان التكلم بالصدر باقيا حكما بصيغته بقاء المشركين بعد تخصيص أهل الذمة ولذا كان منتهى تخصيص الجمع ثلاثة والمفرد واحدا والعشرة في السبعة غير باقية بحقيقتها.
قيل: وليصر مجازا قلنا خلاف الأصل فلا يعدل إليه إلا لضرورة انتفت بجعله تكلما بالباقي، قيل عدم بقاء حكم الصيغة مشترك مع ذلك.
قلنا: إنما يطلب بقاؤه لتقابله المعارض أما بالشيء بلا حكم ولا انعقاد له فسايغ شايع كطلاق الصبي وكل ممتنع بعد لمانع، قيل فليكن بعد المعارضة كذلك قلنا ما قلناه مرجح بأنه حقيقة بلا ضرورة صارفة.
وسادسا: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92] فمعناه ليس له ذلك عمدا لا أن له ذلك خطأ لحرمته بناء على ترك التروي ولذا وجبت الكفارة والخصم يحمله على المنقطع فرارًا عنه ولو صح في المفرغ فالأصل لمتصل.
فرع: بعت هذا العبد بألف إلا نصفه بيع النصف بألف لدخوله في المبيع لا الثمن وعلى أن في نصفه بيع النصف بخمسمائة لأن على شرط معارض لاستقلاله ولأنه في المعنى ليس شرطا بل بيع شيء من شيئين فيعتبر الإيجاب السابق إلى أن يقع البيع من المشتري ومنه والبيع من النفس صحيح إذا أفاده فالتقسيم هنا فيدخل ليخرج بقسطه من الثمن كمن اشترى عبدين بألف أحدهما ملكه وكشرى رب المال مال المضاربة ليفيد
(2/125)

ولاية التصرف بخلاف الشرط الغير المعارض نحو إن كان في نصفه حيث يبطل العقد فالمسألة افادت أصولا.
1 - الفرق بين الاستثناء والشرط وإن شملهما بيان التغيير.
2 - الفرق بين الشرطين بالابطال وعدمه بالاعتبار لمعناه وهو بيع شىء من شيئين.
3 - صحة البيع من نفسه إذا أفاد وللشافعي رضي الله عنه في أنه إخراج لبعض ما حكم عليه في الصدر وتخصيص بالمعارضة.
أولا: أن إعدام التكلم الموجود إنكار للحقيقة بخلاف التكلم مع عدمه في البعض قلنا ليس إعداما بل لكونه حقيقة أولى.
وثانيا: إجماعهم على أنه من النفى إثبات وبالعكس فلنا مرادهم بالإثبات عدم النفى وبالعكس إطلاقا للخاص على العام ولئن سلم فتعارض الإجماعين يدفع بأنه استخراج صوريّ في الأفراد وتكلم بالباقي في الحكم لما مر أن المجموع عبارة يصلح لذلك ونفى وإثبات بإشارته بحسب خصوصية المقام أو العرف لعدم ذكرهما قصدًا بل لازمًا عن كونه كالغاية المنهية للوجود بالعلم وبالعكس لكن في ذلك المقام لا مطلقًا لما مر من قوله تعالى: {إِلَّا خَطَأً} ولما سيجيء من نحو "لا صلاة إلا بطهور".
وثالثًا: دلالة الإجماع على أن لا إله إلا الله كلمة توحيد ولو من الدهري ولا يحصل إلا بالإثبات بعد النفي قلنا لإشارته بالوجهين ولأن الأصل في التوحيد التصديق القلبي لا الذكر اللساني اكتفى بعد النفي قصدًا إنكارًا لدعوى التعدد بالإشارة الغير المقصودة في الإثبات لأنه كلما يذهب إلى النفي بالكلية والحكم بإسلام قائله بناء على الأغلب عملا بظاهر الحديث ويمكن أن يجعل تكلما بالباقي ونفيا لا لمطلق الألوهية بل لها عن غير الله تعالى ويكون الاستثناء منقطعا فيكون كل من النفى والإثبات مقصودا لطيفة سلكها بعض أصحابنا لإبطال أن كل استثناء من النفي إثبات هي أنه لوكان إثباتًا لاستلزم قولنا "لا صلاة إلا بطهور" كل صلاة طهور ثابتة أي جائزة لوجهين:
1 - أن خبر لا محذوف أي لا صلاة ثابتة إلا صلاة بطهور فالمستثنى نكرة موصوفة في سياق الإثبات مقصود بها الجنس وقد عرفت في بحث العام لنها عامة لا سيما بعد النفي نحو لا أجالس إلا رجلا عالمًا حيث يشمل الإباحة رجل عالم فلا يحنث بمجالسة أي فرد واحد فصاعدا منه.
ومنه علم أن مثل هذا العموم للاستغراق بخلاف لأكر من رجلا عالمًا أو ما كتبت إلا بالقلم وإذا عمت وقد حكم عليها بالثبوت حصل كل صلاة مقترنة بطهور ثابتة.
(2/126)

2 - أن النفي شامل لكل فرد فكذا إيجابه إلا فالبعض لا يكون مقترنة بطهور فالمعنى إلا كل صلاة مقترنة بطهور وقد حكم عليها بالثبوت وأما صلاة فاقد الطهورين فليست صلاة بل تشبها بها إذ الكلام فيما هو شرط ولو كان معناه لا صلاة بغير طهور لم يلزم شيء فلما ثبت العموم فلوجهين لم يرد أن رفع السلب الكلي إيجاب جزئي فلا يلزم إلا جواز شيء منها حال الاقتران بالطهور لأنه المراد به أما بعض المقترنة بالطهور فلا نعلم كفايتها في اللزوم أو بعض مطلق الصلاة فلا ينافي العموم الذي ادعيناه ولا أن اللازم أن كل صلاة بطهور صلاة لأن المسلوب في صدر الكلام الثبوت والجواز فكذا المثبت في عجزه وبأن المنفي الجواز علم إن انتفى على حقيقته فلا يحتاج إلى التأويل بالمبالغة أو بأن سائر صفاتها لم يعتبر بالنسبة إليه أو بأن المنفي ما زعم المخاطب ثبوته كصحة الصلاة بغير طهور وقولنا في لا أجالس إلا رجلا عالما له أن يجالس كل عالم ليس إثباتًا بعد النفى بل ذلك بالإباحة الأصلية وبإفادة المقام إياها.
فروعه: جعل الشافعي معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [البقرة: 160] فلا تجلدوهم واقبلوا شهادتهم وأولئك هم الصالحون فقبل شهادته لأن ردها من حقوق الله تعالى فيكفي في سقوطه التربة كشرب الخمر بخلاف جلد القذف فإنه حق العبد خالصا عندنا وغالبا عنده.
ولذا يجري فيه التوارث ولا عفو عنده فلا يسقط بمجرد التوبة إلى الله كالمظالم بل وإلى العبد بان يعتذر حتى يعفو فيسقط كالقصاص، وقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء متساويين" (1).
فعمم صدر الكلام في القليل والكثير؛ لأن المعارضة في المكيل خاصة ك {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] فإن عفو المطلقة قبل المس وقد فرض لها تختص بالعاقلة الكبيرة فالمجنونة والصغيرة تحت حكم الصدر وأسقط في على ألف درهم إلا ثوبا قدر قيمته كما مر؛ لأن دليل المعارضة يجب العمل به في المذكور ما أمكن لكونه كلاما برأسه لا كما لو كان قيدًا مستخرجا.
ولذا قال النسفي -رحمه الله- هذا من ثمرة ذلك الاختلاف يعني لاقتضائه الجنسية
__________
(1) أخرجه مسلم (3/ 1214) ح (1592)، وابن حبان في صحيحه (11/ 385) ح (5011)، وأبو
عوانة في مسنده (3/ 396) ح (5458)، والبيهقي في الكبرى (5/ 283) ح (10287)، والدارقطني في سننه (3/ 24) ح (83)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 3)، والطبراني في الأوسط (1/ 105) ح (325)، والإمام أحمد في مسنده (6/ 400) ح (27290).
(2/127)

المصححة للحمل على الاتصال هذا ويمكن تخريجها عنده على أصول أخر، ومن الجائز توارد التخريجات على مسألة فلا بحث فيه.
فالأولى على أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى الجميع أو على أن أولئك الفاسقون في معنى التعليل لعدم القبول وسنبطلهما بأن الرد ثابت بضرورة عدم استقلاله وقد اندفعت بالأخيرة وأن الواو يمنع التعليل والثانية على أن القليل باق عن المستثنى فلئن جعل تكلمًا بالباقي اندرج تحت النهي أيضًا. قلنا: إلاسواء ك ألا يعفون استثناء حال مفرغ من العام المقدر مجانسًا لعدم المجانسة ظاهرًا والأحوال المقدرة من المجازفة والمفاضلة والمساواة مختصة بالكثير الداخل تحت القدر ولا يقدر بحيث يندرج القلة والكثرة تحتها لأن ذا تعميم فوق الضرورة الداعية إلى التقدير فلا يجوز لما عرف في الجامع وكذا {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] تكلم بالباقي مثله غير أن حالة العفو تستدعي أهلية العافية له وقال أبو زيد منقطع لأن الوجوب الثابت بالصدر لا ينتفي بالعفو بل العفو بعده وعن هذا كما قال بعض مشايخنا بأن الاستثناء في {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [البقرة: 160] متصلٌ لكنه يرجع إلى الأخيرة كما مر أو مفرغ والتقدير إلا حال توبة الذين تابوا وفيه تكلف.
قال بعضهم: منقطعٌ قال أبو زيد: لأنه لا إخراج عن الحكم المذكور وهو أن من قذف صار فاسقا إذْ معناه أن من تاب لا يبقى فاسقا وفخر الإِسلام -رحمه الله- لأن التائب ليس بفاسق؛ فلا تناول وهذا بناء على أن الصفة مجاز في الماضي فيصح نفيه.
وقيل: لأن الفسق لازم القذف والتائب قاذف فيكون فاسقًا في الجملة وإن لم يمكنه في الحال فلا إخراج وهذا بناء على كونها حقيقة في الماضي وهو المذكور في العفو والفرق بين الأول والأخيرين أن المستثنى منه فيه هو أولئك وفيهما الفاسقون فاعترض عليه بأن الإخراج يتحقق لو أريد الفاسقون دائمًا وليس بشيء لأنه خلاف الظاهر بل بعيد لأن الشرط لا يستدعيه وعليهما بأن الاستثناء عن المحكوم عليهم وهم الرماة لا الحكم بالفسق والتائبون بعضهم نحو القوم منطلقون إلا زيدا.
ورد بأن شرط المتصل تناول الحكم للمستثنى على تقدير السكوت عنه ولا يتناول التائب الفاسق أصلا إن أريد الفاسق دائما ويتناوله إن أريد الفاسق في الماضي أو في الجملة ولا يصح إخراجه.
لا يقال المراد الفاسق حقيقة وهو الفاسق في الحال لأنه لا يتناول التائب كالفاسق دائما وهذا هو مراد فخر الإِسلام - رحمه الله - في الحقيقة لا كونه مستثنى من الفاسقين
(2/128)

ومن ذهب من أصحابنا إلى أنه متصل ينظر إلى تناول لفظ أولئك والحكم بالفسق باعتبار الدلالة اللغوية ولا ينافيه عم التناول شرعا بقوله عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (1) أو بالإجماع كقولنا خلق الله كل شيء إلا ذاته وصفاته أو نقول عدم التناول الشرعي مستفاد من دلالة هذا الاستثناء والحديث مبين له وربما يقال المرتفع بالتوبة عقاب الفسق لا نفسه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له لا عينه ونظيره إلا ما قد سلف فإن المرتفع ليس حرمة الجمع السالف بين الأختين بل عقابه بالعفو والثالثة على أن الأصل المتصل فلا يصار إلى المنقطع ما أمكن قليس من ضرورة إلزام القيمة كونه للمعارضةكما في المقدرات عند غير محمد وزفر.
قلنا: منقطع لعدم المجانسة ولا معنى بخلاف المقدر كالمكيل والموزون والمعدود المتقارب للمجانسة المعنوية من حيث الثبوت في الذمة ثمنا وحالا ومؤجلا وجواز الاستقراض وهذه الأحكام الشرعية أثر الجنسية الحلقية ولذا يقال النقدان مخلوقان للثمينة فهذه تبين حكم الشرع من حكم اللغة الناظرة على الخلقة لا عكسه كما وهم ولجنسيتهما من وجه لم يجز بيع أحدهما بالآخر نسيئة وإن جاز حالا لأن ربا النقد كمال الفضل فيترتب على كمال الجنسية.
رابعها: أنه يشترط فيه كما مر في مطلق بيان التغيير الاتصال لفظًا أو حكمًا فلا يضر قطعه بتنفس وسعال ونحوهما مما لا يعد انفصالا عرفًا وروي عن ابن عباس رضي الله عنه صحة الانفصال إلى شهر وقيل مطلقًا بنية الوصل وعليه حمل مذهب ابن عباس رضي الله عنه وإلا فبعيد وقيل يصح في كتاب الله خاصة.
لنا قوله عليه السلام وليكفر عن يمينه حيث لم يقل فليستثن أو يكفر مع كونه اسهل الطريقين والإجماع على لزوم إحكام الأقارير والطلاق ونحوها من غير أن يوقف على الاستثناء بعد.
وأيضًا يؤدي تجويزه إلى أن أن لا يعلم كذب لجواز أن يصيره الاستثناء صدقا أو بالعكس.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه (2/ 1419) ح (4250)، والبيهقي في الكبرى (10/ 1540)، والطبراني في الكبير (10/ 150) ح (10281)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 97) ح (108)، والبيهقي في الشعب (5/ 436) ح (7178).
(2/129)

قالوا أولا: قال عليه السلام: "لأغزون قريشا فسكت ثم قال إن شاء الله" (1).
قلنا لعله سكوت ضرورة من تنفس أو سعال فيحمل عليه جمعا بين الأدلة.
وثانيًا: قوله عليه السلام حين سأله اليهود عن مدة لبث أصحاب الكهف فقال غدا أجيبكم فتأخر الوحي بضعة عشر يوما ثم نزل {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23] فقال إن شاء الله ولا كلام يعود إليه الاستثناء إلا قوله أجيبكم وهو استثناء عرفا ولأنه في معنى إلا أن يشاء الله.
قلنا: بل يعود إلى مقدار متعارف مثله أي فعل تعليق ما أقول بأني فاعله غدا بالمشيئة إن شاء الله أو أذكر ربى إن شاء الله وأذكر هذه الكلمة وإذا قدر أذكر فالأول أولى لقوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24].
وثالثا: أن قول ابن عباس رض الله عنه متبع لكونه ترجمان القرآن ومن المشهود له بالبلاغة. قلنا: محمول على ما مر من سماع دعوى نيته أو على أن الإتيان بعد شهر بالعبارة الصحيحة نحو بلى فاعل غدا إن شاء الله امتثال للأمر المستفاد من نهي الآية أو لقوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} [آل عمران: 41] ولمن خصه بكتاب الله.
أولا: أن غير أولى الضرر نزل بعد ما نزل {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] بزمان قلنا بيان تبديل لأنه تقييد للمطلق متراخيا.
ثانيا: أن القرآن اسم للمعنى فقط فلا يضر في وصله فصل اللفظ قلنا لا نسلمهما فإن كونه عربيا ومعجزًا ومخالفته للقراءة الفارسية في الأحكام آية أنه اسمهما مع أن الأدلة غير فاصلة.
تعميم: ولشمول شرط الوصل كل بيان مغير لما يوجبه الكلام لولاه وكونه أعم مما مر لوجوده في الصفة والحال والاستدراك وغيرها.
قلنا لو قال لزيد على ألف وديعة يصدق موصولا فقط لأنه تغيير لحقيقة وجوب الألف إلى مجاز لزوم حفظه على حذف المضاف أو إطلاق اسم المحل على الحال فإن الدراهم محل الحفظ، ولو قال أسلم إليّ في بُرّ أو أسلفنى أو أقرضنى أو أعطاني ولكن لم اقبض يصدق موصولا في الأصح لجواز استعارتها للعقد وليس برجوع لكن شرط الوصل
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (10/ 185) ح (4343)، والبيهقي في الكبرى (10/ 47) ح، وأبو داود (3/ 231) ح (3285)، وعبد الرزاق في مصنفه (6/ 385) ح (1306)، والطبراني في الأوسط (1/ 300) ح (6004)، وأبو يعلى في مسنده (5/ 78) ح (2674)، والطبراني في الكبير (11/ 282) ح (11742).
(2/130)

استحساني نظرًا إلى حقائقها يقتضي القبض والقياس لا يفصل الفصل من الوصل لأنها عقود شرعا فكان نحو اشتريت منه فلم اقبض بيان تقرير وكذا دفع إلى أو نقد لكن لم اقبض عند محمد - رحمه الله - لشيوع الاستعارة له كالإعطاء إطلاقا لاسم المسبب خلافًا لأبي يوسف رضي الله عنه لاختصاصهما بالتسليم لغة وشرعا بخلاف الإعطاء المستعمل بمعنى الهبة فكان رجوعا فلا يقبل أصلا.
وكذا عندهما لو أقر به قرضًا أو ثمن مبيع وقال هو أو وهو زيوف فلتنوع الدراهم لم يكن رجوعا ولغلبة الجياد حتى تنصرف عليها مطلقا صار الزيوف كالمجاز فكان تغييرا والإمام - رحمه الله - يجعله رجوعا لأن الزيافة عارضة وعيب لا يحتملها مطلق الاسم فلا يقبله مطلقا كدعوى الأجل في الدين والخيار في البيع؛ لأن مقتضى مطلقهما الحلول واللزوم.
ولو قال على ألف من ثمن جارية باعينها لكنى لم أقبضها لم يصدق عنده أصلا سواء صدقه في البيع أم لا بل ادعى الالف مطلقا أو من جهة أخرى كالقرض والغصب لأنه رجوع فإن إنكار القبض في غير المعين ينافي الوجوب وقالا يصدق مع التصديق في البيع وإن فصل لثبوته حينئذ بتصادقهما وليس إقرارًا بالقبض ومع التكذيب فيه إن وصل لأنه تغيير من جهة أن الأصل في البيع وجوب المطالبة بالثمن وعدم قبض المبيع محتمل البيع لا من العوارض.
قلنا: وجوب الثمن لمبيع لا يعرف أثره دلالة قبضه ولذا يقال غير المعين كالمستهلك والدلالة كالصريح.
خامسها: أن الاستثناء يجرى في اللفظ لا في الفعل خلافًا لأبي يوسف فإذا أودع الصبي العاقل الحجور عليه شيئًا فاستهلكه يضمن عنده لتنوع التسليط إلى الاستحفاظ وغيره كالإباحة والتمليك والتوكيل والنص على الحفظ جعل غيره وعدم ولاية الصبى عليه لا يبطله؛ لأن الاستثناء تصرف للناطق على نفسه فيثبت الاستحفاظ لكن لا يتعدى إلى الصبى لعدم الولاية عليه فانعدم، وصار كالملقى على الطريق فيؤاخذ به؛ لأنه ضمان فعل كما قبل الإيداع، وفالا: الاستثناء كم اللفظ والتسليط فعل كيف وهو مطلق لا عام إذ لا عموم للفعل.
ولئن سلم فالأمر بالحفظ قول ليس من جنس الدفع فيكون منقطعا معارضا له إن صح شرعا مثل قول الشافعي رضي الله عنه في المتصل لكن لا يصح إذ ليس المخاطب من أهل الالتزام بالعقد فيبقى تسليطا مطلقا فلا يضمن بالاستهلاك كما بتضييع الوديعة.
(2/131)

سادسها: من شرطه أن يكون مما أوجبه الصيغة قصدا لا مما يثبت ضمنا لأنه تصرف لفظي ففيمن وكل بالخصوصية غير جائز الإقرار عليه أو على أن لا يقر عليه يبطل عند أبي يوسف لكون الإقرار مملوكا له لقيامه مقام الموكل لا لأنه من الخصومة ولذا لا يختص بمجلسها فيثبت بالوكالة ضمنا لا قصدا فلا يصح استثناؤه ولا إبطاله ليعارضة الشرط بل بالعزل عن الوكالة وقال محمد يصح الاستثناء إما لتناولها اياه بعموم مجازها وهو الجواب وقد انقلب حقيقة شرعيته ديانة إذْ المهجور شرعًا كالمهجور عادة فالحق بها فكل من الاستثناء والتقييد تغيير فصح بشرط الوصل لا منفصلا إلا أن يعزله أصلا لا عن الإقرار فقط لكون ذكره حكمًا للوكالة بخلاف من وكل بيع عبدين حيث لا يصح استثناء أحدهما منفصلا ويصح العزل عن بيع أحدهما وإما للعمل بحقيقة الخصومة لغة فإن الإقرار مسألة لا يتناوله فصح بيان تقرير وصلا وفصلا وهو مختار الخصاف أما استثناء الإنكار فقيل لا يصح اتفاقا إذْ حقيقته عينه ومجازها إما عينه أو إقرار بتبعه ولا تبع مع عدم المتبوع والأصح أنه على الخلاف أيضًا لكن على الطريق الأول لمحمد - رحمه الله - لأن مجازها شامل لهما لا عين شيء منهما فيصح استثناء أحدهما لا على الثاني إذ ليس عملا بالحقيقة بوجه ولا يصح عند أبي يوسف - رحمه الله - لا لدليل الإقرار بل لأن الإنكار عين الخصومة قصدا والتبع لا ينفك عن المتبوع فيكون استثناء الكل من الكل.
سابعها: أن استثناء الكل أو الأكثر منه باطل اتفاقا كان بلفظه أو بما يساويه مفهوما لا وجودا فيصح عبيدى احرار إلا هؤلاء لاحتمال الكلام بقاء ما يكون عبارة عنه لا إلا عبيدي أو مماليكي والأكثر على جواز المساوي والأكثر وقالت الحنابلة والقاضي أو لا يمنعها فيجب أن يبقي أكثر من النصف.
وقال ثانيا بمنعه في الأكثر خاصة، وقيل: بمنعهما في العدد الصريح لا في نحو أكرم بني إلا الجهال وهم ألف والعالم واحد لكفاية الاحتمال.
لنا أولأ وقوعه نحو: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وهم الأكثر لقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] وكل غير مؤمن غاو فالمساوي أولى.
وثانيا: صحة أن يقال: "كلكم جائع إلا من أطعمته" (1) وقد أطعم الأكثر كيف وهو
__________
(1) أخرجه مسلم (4/ 1994) ح (2577)، والحاكم في مستدركه (4/ 269) ح (7606)، والبيهقي في الكبرى (6/ 93) ح (12283)، والبزار في مسنده (9/ 441) ح (4053)، والبيهقي في الشعب (5/ 450) ح (7088)، والبخاري في الأدب المفرد (1/ 172) ح (490).
(2/132)

وارد في الحديث القدسى أورده الترمذي ومسلم ولكونه آحادًا لم يتمسك بوقوعه.
وثالثا: دلالة إجماع فقهاء الامصار على إلزام الواحد على من قال على عشرة إلا تسعة لمشترطي الأقل أن الاستثناء إنكار بعد الإقرار خالفناه في الأقل لأنه قد ينسى فبقي غيره.
قلنا: لا نعلم بل تكلم بالباقي ولو سلم فليجز باتباع أدلتنا أما استقباح على عشرة إلا تسعة ونصفا وثلثا فلا يقتضي عدم صحته بل ذلك للتطويل بل مع إمكان الاختصار.
ثامنها: الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة لا نزاع في إمكان رده إلى الجميع والأخير بل للظهور فعندنا إلى الأخيرة وعند الشافعي رضي الله عنه إلى الجميع كالشرط وقال القاضي والغزالي بالوقف بمعنى لا أدري وعليه ابن الحاجب رحمه الله والمرتضى بالاشتراك فهم كالحنفية في الحكم وهو عدم الرد إلى غير الأخيرة بلا قرينة لا في التخريج لأن عدم ظهور التناول غير ظهور عدم التناول وقال أبو الحسين البصري إن ظهر إضراب الثانية عن الأولى فللاخيرة وإلا فللجميع فظهوره إما بالاختلاف نوعا أي إنشاءً وخبرًا أو اسمًا للمستثنى منه أو محكوما به مع أن لا يكون الاسم الثاني ضمير الأول وأن لا يشترك الجملتان غرضا كالتعظيم والإهانة فأقسام الاختلاف أفرادًا وجمعًا سبعة أربعة منها وهي ما فيها الاختلاف اسمًا لا يتصور فيها كون الاسم الثاني ضمير الأول وإلا لم يختلفا اسما فالثلاثة الباقية باعتبار اشتمالها على هذا الشرط وعدمه معنة وهي مع الأربعة باعتبار الشرط الثاني عشرون فالأقسام السبعة للاختلاف المشتملة على شرطين صور ظهور الإضراب وهي الأربعة من الثمانية التي فيها الاختلاف اسما والثلاثة من الاثني عشر الباقية فالثلاثة عشر الباقية التي منها أربعة لا اختلاف فيها بوجه من الوجوه الثلاثة لأنه مع أحد الشرطين أو كليهما أو بدونهما صور ظهور عدم الإضراب والأمثلة غير خافية.
تنبيه: صورة رجوع الاستثناء إلى الأخيرة عند الواقفية أعم من صور ظهور الإضراب لأن مطلق الإمارة أعم من الاختلافات السبعة وصورة رجوعه إلى الجملة عندهم أخص لأن ظهور الاتصال أخص من عدم ظهور الاضراب {تَنْزِيلُ} [السجدة: 2] ففي قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] عند غير الشافعي وأبي الحسين راجع إلى الأخيرة لما سيجيء مؤيدًا ذلك بأن الأخير اسمية لا تعلق لها بالحكام وبالحد وما قبلها فعلية إنشائية خوطب بها الحكام للحد إذ هذا الاختلاف مع الاشترك في الضمير والتسبب عن الشرط أمارة الإعراض عن الأسلوب السابق لغرض كالاستثناء عنه فقط لأن الامتناع مع الداعى اشتد فلا يصلح الاشتراك فيهما دليلا لعدم ظهور الإضراب كما توهموا.
(2/133)

قيل الغرض تعليل السابق قلنا لا يناسبه الواو وان أريد أنه في معرض التعليل وإن لم يسق له لا يتم التقريب وعندهما إلى الجملة للاشتراك المذكور غير أن لا يرجع إلى الجلد لكونه حق العبد.
قيل يرجع باعتبار أن يدرج الاستحلال في واصلحوا وفيه أن يتوقف قبول شهادته عندهم على الاستحلال أيضًا وليس كذلك.
لنا أولا: أن رجوع الاستثناء لضرورة عدم استقلاله ووضعه للرجوع لا ينافيه لأنه بواسطة وضعه غير مستقل مع اعتباره جزءًا للعبارة عن الباقي بعد الثنيا ومقدمًا على الحكم والأمور الاعتبارية كثيرًا ما يصار إليها للدواعي كاعتبار الوصف مع الموصوف شيئأ واحدًا والبدل مقصودًا من البدل والغاية جزءًا من المغيا أو منهيا لوجوده ومقررا والحال في معنى الصفة والاستدراك في معنى الاستثناء فيقدر بقدر ما تندفع به والثابت بهذه الضرورة المشتملة على وجوه من خلاف الظاهر الأصل عدم ارتكابه وتقليله ما أمكن بخلاف الشرط وسائر المتعلقات الغير مسمتقلة.
وثانيا: أن الرجوع إلى الأخيرة متحققه على التقديرين وإلى غيرها مشكوك مع أن حكم الأولى بكمالها متيقن وارتفاع بعضه بالاستثناء أو توقفه على المغير مشكوك لجواز ترتبه على الأخيرة فقط والوقوف عندما تحقق وهذا يناسب الواقفية أيضًا من حيث الحكم ولا يقلب لجواز كونه للأولى لدليل لأن الاحتمال المحتاج إلى الدليل كعدمه قبله.
وثالثا: أن في عليَّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين يعود إلى الأخيرة حتى يلزم ثمانية. قيل: الكلام في المتعاطفة قلنا كذا في غيرها لاشتراك العلة بل أولى لأن ما يجوز على المقيد يجوز على المطلق ولذا لم يذكر أبو الحسين قيد العطف.
قيل: الكلام في الجمل وهذه مفردات قلنا ففي المستقلة أولى قيل: لتعذر عوده إلى الجميع وإلا كان الاثنان مثبتا ومنفيا لاستثنائه منهما وكان لغوًا للزوم الستة على التقديرين وبعد تعذر الجميع جعل للأخيرة لقربها حتى لو تعذر للأخيرة جعل للأولى نحو عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة يلزم خمسة.
قلنا يجوز ذلك بالاعتبارين عما في كل عدد يستثنى من عدد وفي كل عدد يتضمنه كلا المستثنى والمستثنى منه وحديث اللغو لغو لاحتمال أن يقال بعد الكل إلا واحد بل التمسك منزل فيه فلا تناقض لو رجع المنفى على إلى كل مثبت وبالعكس ولا لغو إذ يلزم الستة حينئذ وعند العود إلى الأخير فقط سبعة إذ القاعدة أن يجمع المثبتات على حدة والمنفيات كذلك ويرفع الثانية عن الأولى فيعرف الباقية.
(2/134)

للشافعى - رحمه الله - أولا أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ قلنا لا من كل وجه فقد يمنع الاستقلال.
وثانيا: القياس على الشرط قلنا قياس في اللغة ومع الفارق السالف وأن الشرط مبدل للتنجيز إلى التعليق لا مبطل لا كلا ولا بعضا كالنسخ والاستثناء إلا فيما لا يقبل التعليق كالتمليك وأنه يجعل مقصود المقام المنع أو الحمل لجعله يمينًا والظاهر عدم اختلاف المقصود بين المتصلات أما أن الشرط مقدم تقديرًا فلا يفيد إذْ لا تقدم إلا على ما يرجع إليه إلا أن يقال الفصل بين المتصلات خلاف الظاهر فيجاب بأنه الفصل لفظًا لا تقديرًا فالظاهر أن التأخير لفظًا وهو خلاف الأصل للاحتراز عنه فيعارضه.
وثالثًا: أنه في على خمسة وخمسة إلا ستة للجميع قلنا مفردات وليس المستقلة مثلها في الاشتراك ولأن رجوعه إلى الأخير متعذر ولأن مدعاكم الرجوع إلى كل واحد بل النزاع فيما يصلح له وللأخيرة.

للواقفية المشتركة
أولا: حسن الاستفهام
أيهما المراد قلنا لعله لمعرفة الحقيقة أو لدفع احتمال خلاف الظاهر

وثانيًا: صحة الإطلاق
للأخيرة والجميع والأصل الحقيقة قلنا المجاز أولى ومنها الشرط.

وفيه مباحث

الأول في حده
قد مر ما هو الصحيح عن مشايخنا وكيف يتميز عن السبب والعلة وجزئها والركن وعرفه الغزالي بما لا يوجد المشروط بدونه ورد بأنه دور وغير مطرد لصدقه على جزء العلة فاجيب عن الأول بأنه في قوة شرط الشيء ما لا يوجد بدونه أي المعرف ذات المشروط والموقوف مفهومه وعن الثاني أن المعلول قد يوجد بدون جزء العلة إذا وجد بعلة أخرى ولا يدفع الإيراد بالعلة المساوية وجزئها المساوي.
وقيل: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر أي لا ذاته فيخرج جزء العلة ورد بأنه لا يتناول شرط القديم كالحياة للعلم القديم إذ لا تأثير لأن المحوج إلى المؤثر الحدوث واختار بعضهم ما يستلزم نفيه نفي أمر لا على جهة السببية فيخرج السبب أي العلة وجزؤه ولا خفاء أن الفرق بينهما موقوف على معرفة المميز بينهما فهو تعريف بمثله في الخفاء.
(2/135)

الثاني في تقسيمه
قد مر أنه تعليقي جعلي أو حقيقي شرعي أو وضعي أي عقلي على منع الخلو والثاني كالطهارة للصلاة والحياة للعلم، والأول قد يسمى لغويا هو ما دخله أداة الشرط حقيقة أو دلالة سواء كان مما يتوقف عليه وجود الجزاء فقط نحو إن جاء غد فأنت طالق أو مقتضيا له جعلا نحو إن كلمت فلانا فأنت طالق حيث جعل التكلم مقتضيا له أو وضعا نحو: إن طلعت الشمس فالبيت مضيء وقد يدخل على شرط شبيه بالعلة من حيث استتباعه للوجود وهو ما لا يبقى للمعلول أمر يتوقف عليه سواه فمن شأنه أن يخرج ما لولاه لدخل إذ لو لم يدخل لولاه لتوقف على أمر آخر نحو أكرم بني تميم أو عبيدي أحرار إن دخلوا يخرج غير الداخلين عن وجوب الإكرام والعتق، وبهذا عد بيانا وتخصيصا كذا.
قيل: والحق أنه يخرج أما ما لولاه لدخل كما في ذلك أو ما لولاه لاحتمل الدخول أي على تقدير تحقق غيره مما يتوقف عليه وإن لم يكن الآن إذ كل منهما إخراج الداخل على التقدير وهذا المقدار متفق عليه غير أن إخراجه في حق تأخير انعقاد الجزاء علة إلى وقت وجود الشرط عندنا لأن الإيجاب لا يثبت إلا في محله ولا يوجد إلا بركنه لا كبيع الحر وشطره والشرط حال بينه وبين المحل لأن أثره في المعلق بالذات وهو الاعتاق مثلا لا حكمه ونأخره أثر الأثر ولذا لا يحنث بالتعليق من حلف لا يعتق قبل وجود الشرط اتفاقا بخلاف الإضافة لأنها إيجاب في الحال والتقييد لتعيين زمان وقوعه واللازم يحقق إفضاءه ولذا جاز التعجيل في علي أن أتصدق بدرهم غدًا لا في إذا جاء غد فعلي ذلك وعند الشافعي رضي الله عنه في تأخير حكم العلة المنعقدة فبناه أن المعلق عندنا التطليق مثلا وعنده وقوع الطلاق والحق لنا لأن مجموع الجملة تطليق والوقوع أثره لأن المعتبر عنده مجرد المشروط الموجب للحكم على كل التقادير والتعليق خصصه بتقدير معين فاعدم غيره وعندنا مجموع الشرط والجزاء فهو إيجاب على تقدير ساكت عن غيره ومجرد المشروط كانت من أنت طالق فلا ينعقد عليه ففيه بحث من وجوه:
1 - أنا لا نعلم إيجاب المشروط على كل تقدير لأن الكلام يتم بآخره والإيجاب لولا عدم الشرط لا يكون إيجابا فلا يتم التقرير فلا يترتب الإعدام كيف وهل النزاع إلا في أن التقييد لا يكون إعدامًا.
2 - إن أريد بمجرد المشروط نفس الطلاق فليس جزاء بل بعضه وإن أريد التطليق له لا لجزئه.
3 - أن اعتبار المجموع خلاف اعتبار العربية ولا شك أن الأصول الفقهية مقتبسة منه
(2/136)

فكيف يظن بمثل الإِمام - رحمه الله - مخالفته والثمرة بطلان تعليق نحو العتاق والطلاق بالملك عنده لاشتراط الملك عند وجود السبب وفاقا وتجويز تعجيل النذر المعلق وكفارة اليمين المالية قبل الحنث لأنه كتعجيل الزكاة بعد النصاب والمالي يحتمل الفصل بين نفس الوجوب ووجوب الداء كالثمن لا يجب أداؤه قبل المطالبة بخلاف البدني خلافا لنا في الكل كيف واليمين انعقدت للبر فلا يكون سببًا للكفارة بل سببها كما قيل الحنث فبينهما تناف والمال في حقوق الله تعالى غير مقصود لتنزهه عن الانتفاع والخسران بخلاف حقوق العباد وإنما المقصود هو الأداء حتى إنما جاز الإنابة في الزكاة لكونها فعله فالمالي فيه كالبدني فإذا احتمل المال احتمل البدني أيضًا وقياسه على الأجل وشرط الخيار فاسد لأنهما لم يدخلا على السبب بل الأجل على الثمن والخيار على الحكم لأن البيع لا يحتمل الخطر عكس الإسقاطات المحصنة فكان القياس عدم دخوله.
وقد جوز لضرورة دفع الغبن فاندفعت بدخوله في الحكم لأنه أدنى الخطرين وفيه تصحيح تصرف العاقل ما أمكن ومن ثمراته أن الإخراج لإيجاب عدم الشرط عدم المشروط عنده لأن العلة منعقدة، فلولا إيجابه العدم لترتب الوجود على علته وعندنا لعدم الأولى لا الشرعي لعدم علته فلا يجوز تعدية ذلك العدم بالقياس وفي قوله: "إن كانت الإبل معلوفة فلا تؤد زكاتها" لا يجب الزكاة في السائمة وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25] لا يوجب عدم حل نكاح الأمة عند طول الحرة فيحل نَكاحها بالأيات المطلقة ويجوز تعليق الحكم الواحد بكل من الأمرين فلا توقف لوجوده على أحدهما معينا وان كان أحدهما كلا والآخر جزعًا منه فلا يتوقف على الجزء الآخر وأن يكون الحكم الواحد معلقًا ومرسلا كالطلقات الثلاث المعلقة بشيء والمحتجزة قبل وجوده أما وجوده بالشخص فبأحد الوجهين معنيًّا خلافا له فيها وفي كون طول الحرة الكتابية مانعًا نكاح الأمة روايتان عنده فمنعه مع فهم عدم مانعيته لمعارضة إمكان صيانة الجزء عن الأرقاق الذي هو إهلاك حكمي بنكاحها.

الثالث في أنه إما واحد أو متعدد على الجمع
فينوقف المشروط على حصولهما معا أو على التفريق فعلى حصول أيهما كان وهو المراد بالبدل لا حصول احدهما مع عدم الآخر لأن أحد الأمرين واحد لا متعدد وكذا الجزاء فاللازم حصول واحد أو كليهما أو احدهما والحاصل من تداخل الاعتبارات الثلاث تسعة.
فرع: في إن دخلتما فأنتما طالقان فدخلت احديهما قيل تطلق الداخلة إذ المراد عرفا
(2/137)

تعليق طلاق كل بدخولها، وقيل: لا واحدة منهما لأن الشرط دخولهما معا، وقيل: كلاهما لأنه دخول أيهما كان والذي ذكره أصحابنا أن مدخول كلمة الشرط بجميع أجزائه شرط واحد وكل من اجزاء الجزاء الصالح للجزائية جزاء وهو الموافق لما تقرر في العلوم العقلية أن تعدد المقدم لا يقتضي تعدد الشرطية بخلاف تعدد التالي وللأصل المقرر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط ففي قوله لأربع عنده إن حضتن فأنتن طوالق لا يقع شيء عند حيض البعض بل تطلق الكل عند حيض الكل.
فإن قلنا حضنا فصدق الواحدة أو المثنى لا يقع شيء أو الثلاث تطليق المكذبة فقط لكمال الشرط في حقها فقط نعم لو قال إن حضتن حيضة يكفي في طلاقهن حيضة الواحدة لأن الحمل على نسبة الفرد إلى المتعدد مجازا نحو: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] أولى من اللغو والمحال كما عرف فتطلق الكل بخبر الفرد إن صدقها وإلا تطلق المخبرة فحسب لأنها أمينة في حقها دون حق غيرها فيما لا يختص بحيضها بخلاف الحرمة والعدة وفي قوله إن دخلتن دارا لا يحنث لا بدخول الكل.
أما إذا تقابل الجمل في نفس الشرط نحو إن دخلتما دارين فأنتما طالقان تطلقان بدخول كل في دار عندنا حكمت لتقابل الجمل وعند زفر - رحمه الله - بدخول كل في دارين كأن دخلتما هذه ودخلتما هذه أما إن دخلتما هذه وهذه فكدخلتما دارين وأما في مسألة إن شئتما فأنتما طالقان فالمعتبر شرطا عند زفر مشيئة كل منهما في حق نفسها إلا أن المتعارف في مخاطبة المرأة بالطلاق المعلق بالمشبه تعليق طلاقها بمشيئتها كقوله إن شئتما طلقتكما فصار كقوله لكل أنت طالق إن شئت وعندنا مشيئتهما معا لطلاقهما معا في المجلس فلا يقع لمشيئة إحديهما لهما أو لصاحبتها أو بموت إحديهما قبل المشبه لأنه بعض الشرط إذْ معناه إن شتئما الطلاق كما في إن دخلتما هذه الدار والحق لنا لما مر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط.
لا يقال المشروط بالكل مشروط بكل جزء منه فيكون كل جزء شرطًا لأنا نسلمه لمعنى التوقف عليه لا لمعنى عدم التوقف إلا عليه والكفاية في ترتب التالي.
ذنابة: قياس الشرط اقتضاء صدر الكلام ليعلم من أول الأمر نوعه كالاستفهام والقسم والنفي ففي أكرمك إن دخلت الدار ما تقدم خبر دليل للجزاء المحذوف لا جزاء أي لفظا وإلا لجاز ولكن معنى إذ لا تتجيز فلم يجز جزمه لاستقلاله لفظا وقدر مدلوله جزاء لكونه جزاء معنى رعاية للمسألتين ولذا اختلف فيه واتفق على إطلاق الجزاء عليه.
(2/138)

ومنها الصفة: نحو أكرم بني تميم الطوال فيخرج القصار والبدل نحو: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ} [آل عمران: 97] فيخرج غير المستطيع والغاية نحو أكرمهم إلى أن يدخلوا فيخرج الداخلون.

تتمة: هذه الأربعة كالاستثناء في وجوب الاتصال وتعقيب المتعدد أنه للجميع أو الأخير والاختلاف والاختيار وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الشرط للجميع والفرق سلف من وجوه أربعة وكذا الأقسام التسعة بحسب اتحاد الغاية والمغيا وتعددهما.

ومنها تخصيص العام:
وفيه مباحث:

المبحث الأول
أن قصر العام على بعض أفراده بالمستقل المتصل حقيقة أو حكما للجهل بالتاريخ فخرج غير المستقل وهو ما مر والمفصل المتراخي فإنه نسخ وقد مر أن دونه بيانا مغيرا من القطع إلى الظن والصحيح أن ذلك في التخصيص باللفظ أما بالعقل فقطعي كما قبله ولذا يكفر من أنكر فرضية العبادات الثابتة بخطابات خص عنها غير المكلف بالعقل فهذا تعريف مطلقه وإن أريد ما هو الغير قيد باللفظين أيضًا.

المبحث الثاني
في جواز التخصيص بالعقل خلاف الشرذمة، لنا: خروج الواجب القديم من نحو {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120] لاستحالة مخَلوقيته ومقدوريته وغير المكلف من نحو {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] لعدم فهمه كل ذلك بالعقل.
قيل: التخصيص فرع صحة التعميم لغة وهو معلوم إذْ القائل بأني فاعل كل شىء لو أراد نفسه لحظي لغة قلنا التخصيص للمفرد وعمومه لغة من حيث هو الظاهر وبعد التركيب حكم العقل بتخصيصه بل وحين التركيب أيضًا غايته الكذب والخطأ لغة غيره وغير لازم منه.
قالوا أولا: ليس العقل متأخر والبيان متأخر عن المبين قلنا الواجب تأخر صفة مبينيته لا ذاته.
وثانيا: لو جاز التخصيص عقلا لجاز النسخ عقلا وليس إجماعا قلنا فرق بان النسخ سواء كان بيان لمد الحكم أو رفعه محجوب عن نظر العقل بخلاف خروج البعض عن الخطاب كما مر.
(2/139)

وثالثًا: أن ترجيح العقل على الشرع عند التعارض تحكم قلنا لا نعلم بل صرف للمحتمل القاطع.

المبحث الثالث في جواز تخصيص الكتاب بالكتاب
خلافا للبعض لكنه عند القاضي وإمام الحرمين إذا علم تأخر الخاص إذْ لو علم تقدمه ينسخه العام مطلقا ومن وجه في قدر ما تناولاه ولو جهل التاريخ يحمل على المقارنة فيثبت حكم التعارض في ذلك القدر وكذا عندنا لكن إذا اتصل الخاص المتأخر إذ لو تراخى كان ناسخا ويبقى العام في الباقي قطعيا فلم يجز تخصيصه بالقياس وخبر الواحد وعند الشافعي ومالك يخصصه الخاص تقدم أو تأخر أو جهل.
لنا: في الجواز ووقوعه ما مر من تخصيص الربا من البيع والمستأمن من المشركين وفي اشتراط تأخر الخاص:
أولا: إن قوله لا تقتل احدا بعد قوله اقتل زيدا منع له عن قتل زيد أيضًا هو المفهوم بالدلالة العادية القطعية فيصير نسخا قيل تخصيصه ممكن فيصار إليه دون النسخ لأولويته لغلبيته وكونه دفعا لا رفعا كما إذا تأخر قلنا لا يعارضان ما ذكر من الدلالة العادية فضلا عن الترجيح. وثانيًا: قول ابن عباس رضي الله عنه "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" (1) وظاهره أخذ الجماعة فكان إجماعا قيل محمول على ما لا يقبل التخصيص جمعا بين الأدلة قلنا سنبطل دليلكم وفي اشتراط وصله التراخي يقتضي سبق الثبوت فلا يحتمل إلا الرفع للمخصصين مطلقا أنه لو لم يخصص لبطل القاطع وهو الخاص بالمحتمل وهو العام والعقل قاض ببطلانه أما كون العام محتملا فقيل لجواز أن يراد به الخاص وقد مر أنه من احتمال المجاز فلا ينافي القطع، وقيل: للاختلاف في أنه للعموم أو الخصوص أو يوقف قلنا قد أبطلنا الأخيرين فلا يؤبه بهما على أنه عند الخصوم للعموم قطعا وللمعنيين مطلقا أن المبين هو الرسول عليه السلام لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] لا الكتاب ولا يكذب قلنا معارض بقوله في صفة القرَآن {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] والحل أن الكل ورد على لسانه فهو المبين تارة بالقرآن وأخرى بالسنة.
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (8/ 329) ح (3563)، والدارمى (2/ 16) ح (1708)، والبيهقي في الكبرى (4/ 240) ح (7930)، والإمام الشافعي في مسنده (1/ 157)، والإمام مالك في الموطأ (1/ 294) ح (650)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 64).
(2/140)

المبحث الرابع في جواز تخصيص السنة بالسنة
خلافا لشرذمة وهذه كالسالفة.

المبحث الخامس في جواز تخصيص السنة بالقرآن
لقوله تعالى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] قالوا هي تبيين القرآن لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} فالمبين قلنا الرسول هو المبين بكل منهما.

المبحث السادس في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد
كما بالمتواتر اتفاقا وينسب إلى الأئمة الأربعة لكنه عندنا بالمشهور مطلقا وبغيره بعد التخصيص لا بالعقل لا بعد النسخ، وقيل بعهد التخصيص بقطعي أو منفصل (وقال الكرخي بعد التخصيص بمنفصل قطعي أو ظني فالمنفصل ليس ناسخًا عندهما)، وتوقف القاضي بمعنى لا أدري.
لنا وقوعه كتخصيص الصحابة من قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] نكاح المرأة على عمتها وخالتها بقوله عليه السلامَ: "لا تنكحوا المرَأة على عمتها ولا على خالتها" فإنه مشهور وكما خص قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] بقوله عليه السلام: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" بعد تخصيص صور الموانع منه قيل إن أجمعوا على ذلك فالمخصص هو الإجماع لا السنة وإلا فلا نعلم التخصيص إذ لا يتصور فيه دليل سوى الإجماع. وأجيب: بأن عدم إنكارهم للتخصيص بخبر الواحد إجماع دل على جوازه أما قبل التخصيص فالعام قطعط الدلالة كما مر والثبوت فلا يعارضه غير المشهور لكونه ظني الثبوت والتخصيص بطريق التعارض لا لرد عمر خبر فاطمة بنت قيس في عدم وجوب النفقة والسكنى المخصص لقوله تعالى وأسكنوهن إذْ ذلك للتردد في صدقها ولذا علل الرد به.
قال ابن أبان ولذا لا يخصصه أول الأمر إلا قطعي وبعد ما خصصه صار ظنيا وقال الكرخي القطعي إذا ضعف بالتجوز لا يبقى قطعيا لأن نسبته إلى مراتب التجوز بالجواز سواء والمخصص بالمنفصل مجاز عنده دون المتصل فيعارضه الظن وفي تخصيصه الأول بالظني نظر إلا أن يريد ظنيا يكون سندا للإجماع للقاضي أن الكتاب قطعي ثبوتا وظني دلالة والخبر بالعكس فتعارضا فتوقف قلنا بل ودلالة كما مر.
السابع: أن الإجماع يخصصهما كإيجاب نصف الثمانين على العبد بالإجماع المخصص لآية حد القذف ولا بد أن يتضمن نصًّا مخصصًا يكون سنده نفسه أو قياسا يظهر حكمه حتى لو أمكن الإجماع في عهد الرسول على خلاف المنصوص متراخيًا كان
(2/141)

يتضمن نصا ناسخا لكن لا إجماع فيه كما لا نسخ بعده والحق عندنا أن لا تخصيص مع التراخي بل ذلك بنص مجهول التاريخ محمول على المقارنة والمعارضة فإن أمكن العمل بهما وإلا يطلب الترجيح فإذا ترجح الخاص يكون مخصصا.
الثامن: من قال بالمفهوم جوز تخصيص العام به سواء فيه الموافقة والمخالفة وذكروا في مثاله المخالفة ليعرف صحة تخصيص الموافقة بالأولى وهو تخصيص قوله عليه السلام "خلق الماء طهورا" الحديث بمفهوم قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" قلنا التخصيص بطريق المعارضة ولا يصلح المفهوم لضعفه معارضا المنطوق والجمع بين الدليلين من أحكام المعارضة على أن العام ورد في بئر بضاعة وكان ماؤه جاريا يسقى منه خمسة بساتين وإنما لا يخصص عموم اللفظ بخصوص السبب إذا لم يرد مخصص مثله في القوة وقد ورد هنا حديث المستيقظ والنهي عن البول والاغتسال في الماء الدائم من غير فصل ولئن سلم فحديث القلتين ضعفه أبو داود وقال لا يحضرني من ذكره ومثله دون المرسل فلا يكون حجة عندهم بالأولى ولئن سلم فيحتمل أن يراد إذا بلغ انتقاصا ضعف عن احتماله لا لمعنى يدفعه.
التاسع: فعل الرسول عليه السلام بخلاف العموم كالوصال في الصوم بعد نهي الناس عنه يخصص العموم إن قيل بحجيته فإن لم يثبت وجوب اتباع الأمة ففي حقه فقط وإن ثبت فبدليل خاص لذلك الفعل نسخ لتحريمه وبدليل عام في جميع أفعاله مثل خذوا عني مناسككم أي عباداتكم لا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني لأن الأمر لا يقتضى العموم قيل يصير مخصصا بالنهي الأول من حيث هو خاص من وجه وإن لم يكن قطعيا لعمومه من وجه وذلك لأنه مرادا وداخل تحت الإرادة فيلزم على الأمة موجبه لا الاقتداء بالفعل وقيل لا بل يجب العمل بدليل وجوب اتباع فعله وهو المختار وقيل بالتوقف.
لنا أن العام المتأخر ناسخ قالوا تخصيص دليل الاتباع بالنهي الخاص المقدم جمع بين الدليلين قلنا الجمع من أحكام المعارضة ولا معارضة عند العلم بالتاريخ ولئن سلم فالدليل الثاني مجموع دليل التباع مع الفعل وهو أخص.
العاشر: علم الرسول عليه السلام بما فعله المكلف مخالفا للعموم وعدم إنكاره مخصص للفاعل وهذا من جزئيات القسم الثالث من أقسام بيان الضرورة كما سيجيء فلو تبين علة لتقريره الحق به من يوافقه فيها إما قياسا أو بقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة إذ سكوته عن إنكار غير الجائز لا يجوز لقوله عليه السلام: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" وإن لم يتبين فلا يتعدى لا قياسًا لتعذره ولا بالحديث لتخصيصه
(2/142)

إجماعًا بما علم فيه عدم الفارق للاختلاف في الأحكام قطعًا وها هنا لم يعلم.
الحادي عشر: مذهب الصحابي على خلاف العام مخصص والصحيح إن كان هو الراوي، وقيل: لا والمسألة فرع التمسك بالأثر لكنه إذا لم يكن الراوي يحتمل أن لا يبلغه أو لا يعتمد عليه.
الثاني عشر: أن العام قد يخصص بالعادة كما يعتمد عليها في كل يجوز ومعناه أن العادة إذا اختصت يتناول نوع من أنواع متناولات اللفظ العام تخصصه به استحسانا نحو أن يحلف أن لا يأكل رأسا يقع على المتعارف الذي يباع في السوق ويكبس في التنانير وهو عند أبي حنيفة رأس البقر والغنم وعندهما الثاني فقط أو بيضا يختص ببيض الإوز والدجاج ونحوها إلا سائر الطيور الغير المتعارفة وفي المبسوط ببيض الطور لا السمك أو طبيخا أو شواء فعلى اللحم المسلوق ومائه لا المقلي إذ لا يسمى مطبوخا ولا نحو البيض والباذنجان والجبن والسلق والجزر وهذا أحد أقسام ما يترك به الحقيقة ذكرناه تتبعا وسنستوفيها إن شاء الله تعالى وقيل لا يخصصه وهو القياس لأنه الحقيقة اللغوية.
لنا: أن الكلام للإفهام فالمطلوب به ما يسبق على الأفهام وذا هو المتعارف قطعا فينصرف الفعل المتعلق به إليه انصراف اللفظ الغالب استعماله في أحد متناولاته عرفا إليه كالدابة إلى ذات القوائم والنقد إلى نقد البلد للتعامل لا سيما في الأيمان المبنية على العرف قالوا العادة في التناول لا تصلح دليلا على نقل اللفظ من العموم إلى الخصوص بخلافها في غلبة الاسم قلنا غلبة العادة تستلزم غلبة الاسم ولئن سلم فالتخصيص ككل صرف عن الظاهر ليس من لوازمه نقل اللفظ فمن الجائز صرفه بالسياق والسابق والمحل والحال كما سنذكر وليعلم أن هذا نظير الحقيقة المهجورة مع المجاز المتعارف وفي مثله يحمل على المجاز اتفاقا بخلاف المستعملة معه غير أن المتعارف ها هنا في الفعل لا في اللفظ كما في تلك المسألة كما في وضع القدم للدخول والتوكل بالخصومة للجواب.
الثالث عشر: أن الخاص الذي يوافق العام في الحكم إن كان له مفهوم معتبر يدل به على نفي الحكم عن غيره يخصصه كما مر وإلا فلا خلافا لأبي ثور فإن قوله عليه السلام في شاة ميمونة "دباغها طهورها" (1) لا يخصص "أيما أهاب دبغ فقد طهر" (2) وهو فرع
__________
(1) أخرجه الدارمى (2/ 117) ح (1986)، والبيهقي ق الكبرى (1/ 17) ح (57)، والدارقطني في سننه (1/ 44)، وأبو داود (4/ 66) ح (4125)، والنسائي في الكبرى (3/ 84) ح (4570)، والإمام أحمد في مسنده (1/ 279) ح (2522).
(2) أخرجه مسلم (1/ 277) ح (366)، وابن الجارود في المنتقى (1/ 27) ح (61)، وأبو نعيم في =
(2/143)

مفهوم اللقب وسيجىء أنه مردود.
الرابع عشر: أن رجوع الضمير إلى بعض ما يتناوله العام كضمير {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] إلى الرجعيات من قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] لا يخصصه خلافا لإمام الحرمين وأبي الحسين وقيل بالتوقف.
لنا: أن صرف أحد اللفظين عن الظاهر كمجازيته لا يقتضيه في الآخر، قالوا فيلزم المخالفة بين الضمير والمرجوع إليه قلنا لا يسمى مخالفة كإعادة الظاهر مقيدًا، للواقف لا بد من تخصيص الظاهر أو المضمر دفعا لتلك المخالفة ولا مرجح قلنا في تخصيص الظاهر تخصيص المضمر دون العكس فهو أولى ولو سلم فالظاهر أقوى دلالة ودفع الأضعف أسهل.
الخامس عشر: في جواز تخصيص العام بالقياس إن كان مخصصا قيل وهو مختار كثير من مشايخنا كابن أبان وغيره كتخصيص المدبور من قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] قياسًا على الفقر لما خص منه كثير من الأموال بالإجماع وغيره كاللآلئ والجواهر والتخصيص في الجملة منقول من الأئمة الأربعة والأشعري وأبي هاشم وأبي الحسين وشرط الكرخي التخصيص بمنفصل وابن سريج جلاء القياس قيل هو قياس المعنى لا الشبه أو ما علته ظاهرة كما لا يقتضي القاضي وهو غضبان من دهش العقل المانع عن تمام الفكر أو الذي لو قضي بخلافه ينقض والحق أنه ما قطع ينفي تأثير الفارق منه والبعض خروج الأصل المقيس عليه بنص وتوقف الإِمام والقاضي وعمل حجة الإِسلام بالأرجح من الظن الحاصل بالعام والحاصل بالقياس إن كان تفاوت وإلا فتوقف واختار ابن الحاجب أن ثبت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخرجًا عن العام خص به وإلا فقرائن آحاد الوقائع إن رجحت خاص القياس عمل به وإلا فبعموم الخبر وقال الجبائي يقدم العام جليا أوْ لا ومخصوصًا أوْ لا فهذه ثمانية مذاهب.
لنا ما مر أن التخصيص بطريق المعارضة والقياس لكونه ظنى الدلالة يعارض النص إلا إذا كان كذلك والعام قبل التخصيص قطعى الدلالة كما مر وهو المراد بقول الجبائي لزم تقديم الأضعف عن الأقوى إذ الاجتهاد في خبر الواحد في أمرين السند والدلالة وفي
__________
= مستخرجه على مسلم (1/ 410) ح (805) بتحقيقنا، والبيهفى في الكبرى (1/ 20) ح (68)، والدارقطنى في سننه (1/ 46)، والإمام الشافعي في مسنده (1/ 10)، وأبو داود (4/ 66) ح (4133).
(2/144)

القياس في ستة حكم الأصل وعلته ووجودها فيه وخلوها عن المعارض فيه ووجودها في الفرع وخلوها عنه فيه مع الأمرين إن كان الأصل الخبر. قال ابن الحاجب: ما ثبت عليته بنص أو إجماع أو كان أصله مخرجا بنص يتنزل منزلة نص خاص فيتخصص به جمعا بينهما ثم الإلزام بذلك إنما يراه عند الإبطال وها هنا إعمال لهما على أنه منقوض بتخصيص الكتاب بالسنة والمنطوق بالمفهوم.
قلنا: إن علم المعارض المماثل قوة من النص وغيره فالتخصيص به وإذا كان الأصل مخرجًا كان العام مخصصًا وظنيا فيعارضه القياس ثم لا نعلم أن إعمال الدليلين جائز أينما كان بل عند تساويهما قوة وإلا تعين العمل بالأقوى وإليه ينظر مذهب الغزالي - رحمه الله - وبه يعرف عدم ورود النقض بالتخصيصين لعدم قولنا بهما غير أن الجبائي اعتبر تفاصيل الظن وإمكان كثرة تطرق الخلل ونحن اعتبرنا نفس الظن فبعد حصوله واجب العمل به على المجتهد إجماعًا قلت مقدماته أو كثرت قال قدم الخبر في حديث معاذ وصوبه الرسول عليه السلام قلنا منقوضٌ بتقديم الكتاب على السنة وأنها تخصصه مشهورًا أو متواترًا أن التخصيص ليس إبطالا بل بيانًا وإعمالا بهما عند صلوح التعارض وقال أيضًا صحة العمل بالقياس للإجماع ولا إجماع ها هنا للخلاف قلنا الإجماع على صحة مطلق العمل به لا على صحة كل قياس يعمل به فلا ينافيه العمل به في موضع مع الخلاف فيه ولأن الإجماع في الحقيقة على العمل بالظن وأنه حاصل وبعد حصوله صار وجوب العمل به قطعيا كما مر في صدر الكتاب، للكرخي ما مر أن المخصص بالمنفصل مجاز فيضعف فيخصص بالظني قلنا المنفصل دافع فهو ناسخ والباقي بعده قطعي ثم مناط أمر القياس حصول الظن وهو وجداني سواء فيه جلاؤه وخفاؤه والباقي إما غير مخالف أو ظاهر الاندفاع وربما يستدل على أن القياس لا يخصصه مطلقا بأن العلة المستنبطة إنما تخصص راجحة لا مرجوحة ولا مساوية فيثبت باحتمال بعينه وينتفي باحتمالين آخرين منهما وهو أقرب من وقوع واحد معين وارجح ظنا وجوابه بأنه يجري في كل تخصيص ليس بشيء لجواز العلم برجحان المخصص أو قصد العمل بكلا الدليلين عند التساوي لا عند المرجوجية لعدم قوة المعارضة بل بأن هذا النوع من الترجيح إنما هو إذا لم يعرف بينهما شيء من الأحوال الثلاثة فيلتزمه لولا الحكم بالمساواة وبأن نمنع عدم التخصيص عند المساواة فإنه عمل بهم لا إبطال للعام.
(2/145)

المقصد الثالث في بيان الضرورة
وفيه إضافة الحكم على سببه فإنه بيان يقع للضرورة وأقسامه أربعة:
1 - ما هو في حكم المنطوق للزومه منه عرفا كالآية {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] لأن بيان نصيب أحد الشريكين بيان لنصيب الآخر.
ومنه بيان نصيب المضارب فقط في المضاربة وهذا عكسه استحسانًا لهذا لا قياسا لأن المحتاج إلى البيان نصيب المضارب وإلا فكل الربح نماء ملك رب المال وغير لازم لاحتمال أن يشترط بعض الباقي لعامل آخر ومثله المزارعة قياسًا واستحسانًا وعليه من أوصى لزيد وسعد بألف أو بالثك فقال لزيد منه أربعمائة.
2 - ما بينه حال الساكت القادر كسكوت النبي عليه السلام عن تغيير ما يعاينه من قول أوفعل من مسلم حتى لو سكت عما سبق نهيه كان نسخا لا استغناء عنه بما سبق كما وهم لأن تقريره على منكر وإلا لما صدق مدحهم بقوله: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
[آل عمران: 104] إذ المراد عن كل منكر أما ما يعاينه من كافر كشرب الخمر والذهاب إلى كنيسة فسكوته لا يدل على جوازه وهذا سكوت الصحابة رضي الله عنهم عندنا كسكوتهم في خلافة عمر رضي الله عنه عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور بعد تقويم البدن فدل أن المنافع لا تضمن بالإتلاف المجرد عن العقد وشبهته بدلالة حالهم أن البيان كان واجبا عليهم يطلب صاحب الحادثة حكمها وهو رجل من بني عذرة تزوج أمة آبقة مغررا وولدت فاستحت وكانت أول حادثة لم يسمعوا فيها نصا بعده عليه السلام.
ومنه سكوت البكر في النكاح بدلالة حال الحياء والناكل عن اليمين بيان لوجوب المنال عند الإمامين بدلالة حال امتناعه عن اليمين الواجبة والإمام الأعظم رضي الله عنه لم يجعله إقرار لاحتمال الاحتراز عن نفس اليمين والاقتداء عنها اقتداء بالصحابة إذْ صلاح حاله لليمين ونسبته إلى الكذب ومنه دعوة المولى أكبر أولاد أمة ولدتهم في بطون بيان لنفى نسب الأخيرين بدلالة حال لزوم الإقرار عليه لو كانوا منه والسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب بيان المنفى.
3 - ما بينه ضرورة دفع الغرور كسكوت من يرى عبده يعامل كان إذنا لأن الناس يستدلون به على إذنه فيعاملونه فكان إضرار وسكوت الشفيع عن طلبها كان إسقاطا لضرورة دفع الغرور والضر رضي الله عنه عن المشترى وليس مندرجا في القسم الثاني كما ظن لأنه سكوت مع امتناعه شرعا لولا الرضا أو مع وجوبه عرفًا عند الرضا وليس ما نحن فيه بشيء منهما كيف وربما يكون المولى لفرط الغيظ أو لأن يتأمل في صلاحيته
(2/146)

للإذن فيأذن وكذا سكوت الشفيع.
4 - ما بينه ضرورة طول الكلام مثل له على مائة ودرهم أو دينار أو قفيزين جعل العطف بيانا لها عندنا وعند الشافعي مجمله وإليه بيانها لأن العطف لم يوضع للبيان بل للمغايرة وإلا فكذلك مائة وثوب أو شاة أو عبد وهو القياس. قلنا: استحسناه بالعرف والاستدلال فإن إرادة التفسير بالمعطوف فإن مميزه عينه متعارفة في نحو مائة وعشرة دراهم للإيجاز حتى يستهجن ذكره في العربية ويعد تكرارًا وكذا مائة ودرهم وعطف كل غير عدد إذا كان مقدار لأنه مما يثبت في الذمة في عامة المعاملة كالمكيل والموزون بخلاف له علي مائة وثوب فضلا عن نحو وعبد فإنه لا يثبت في الذمة إلا في السلم فلا يرتكب إلا فيما صرح به كالمعطوف ولأن المعطوفين كشيء واحد كالمضافين ولذا لم يجز الفصل بينهما إلا بالظرف فكما يعرف المضاف إليه مضافه يعرف المعطوف المعطوف عليه إذا صلح كما في المقدر. واتفقوا في له أحد وعشرون درهما أو شاة أنه بيان لكونه تفسيرا يعقب مبهمين متعاطفين والعطف للشركة فيما يتم به أحد المعطوفين كما على مائة وثلاثة دارهم أو ثلاثة أثواب أو شياه وأبو يوسف -رحمه الله- جعل على مائة وثوب أو شاة بيانا لأن احتمال قسمة الجميع قسمة واحدة جبرا دل على الاتحاد إذ الجبري ليس إلا في متحد الجنس بخلاف مائة وعبد قيل لا يصح الفرق لأن عدم التقسيم الجبرى في الرقيق مذهب الإمام وعند صاحبيه كغيره. فأجيب: بان جريانه بأنه عندنا عند اتفاق المتقاسمين وذا في الحقيقة بيع لا قسمة ورد بأن الرواية جريانه عندهما ولو بإرادة البعض ثم وجه بأن الفرق بالاتفاق في جريانه في غير الرقيق لا فيه والحق أن الحق قولهما في الرقيق على جريانه برأي القاضي لا بدونه كما في غيره.

المقصد الرابع في بيان التبديل
وهو النسخ ويستدعي الكلام في تعريفه وجوازه ومحله وشرطه الناسخ والمنسوخ ففيه مباحث:
الأول: في تعريفه هو لغة التبديل وهو إخلاف شىء بغيره ولذا سماه به في قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] وذا يعتبر تارة في نفس الشيء فيعبر عنه بالإزالة نحو نسخت الشمس الظل لأنها تخلفه شيئا فشيئا وأخرى في مكانه فيعبر بالنقل نحو نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى آخر ومنه مناسخات المواريث لانتقال المال في الورثة وتناسخ الأرواح لانتقالها في الأشباح والتعبير عنه في القرآن بالتبديل أدل دليل
(2/147)

على أنه حقيقته لا سيما وقد نقله الثقة من مشايخنا ففي كل من المعنين الآخرين مجازا باسم الملزوم فلا يلتفت إلى أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل باسم اللازم أو بالعكس باسم الملزوم أو مشترك واصطلاحا أن يدل على خلاف حكم شرعي دليل شرعي متراخ فالدلالة أولى من الرفع كابن الحاجب والبيان كبعض الفقهاء لأن صدق كل منهما باعتبار دون آخر فإنه بيان محض في علم الله المتعلق بأمد حكمه ورفع وتبديل في علمنا بإطلاقه الظاهر في البقاء.
ومن اللفظ والخطاب كإمام الحرمين والغزالي فأولا لأنه دليل النسخ لا عينه ولذا يقال نسخ به ويسمى ناسخًا ولا يلزم من كون شرط دوام الحكم عدم قول الله الدال على انتفائه أن يكون قطع الدوام ذلك القول لجواز أن يكون آلته كما أن عدم الآلة القتالة شرط بقاء المنقول وتفسير القول بالكلام النفسي ولقثيله بمدلول نسخت ينافي وقوعه موقع اللفظ ووصفه بالدال على الانتفاء فإنه عين النفي الخفي.
وثانيا: أن لفظ العدل نسخ حكم كذا داخل ليس بنسخ وفعل الرسول خارج نسخ إلا عند تأويل الدلالة بالذاتية فالأولى عدمه على أن دلالة الفعل عند من يجعله موجبًا ذاتية ويخرج بقولنا على خلاف حكم شرعى أي ما ينافيه لا ما يغايره رفع المباح الأصلي ولا يرد نسخ التلاوة فقط جمعًا لأن المقصود تعريف النسخ المتعلق بالأحكام إلا أن يدرج الأحكام اللفطة كصحة التلاوة في الصلاة وحرمتها على نحو الجنب وبقولنا دليل شرعي دلالة عدم الأهلية كما بالموت والجنون على عدمه كما خرج عدمه بالإذهاب عن القلوب وبانتهاء وقت الموقت ويتناول الكتاب والسنة القولية والفعلية وغيرها وبمتراخ المخصص ونحو الاستثناء لأنه دافع والناسخ رافع لا يقال لا يصح كونه رافعًا فإنه إما للحكم وتعلقه وهما قديمان فلا يرتفعان لأن القدم ينافي العدم لأثرهما وهو الفعل فليس الفعل الماضي أو الحاضر إذْ لا يتصور نسخهما ولا المستقبل قيل: لأن ما في المستقبل إذا نسخ لم يكن وما لم يكن لا يرفع فما في المستقبل لم ينسخ وفيه أن رفع المرفوع بهذا الرفع غير ممتنع.
والأولى: أن ما في المستقبل غير موجود فكيف يرفع لأنا نقول قد مر أن قدم المتعلق يختلف فيه بين المشايخ فيمكن أن يكون محل النسخ إياه لكن شبهة الأثر عائدة إن تمت امتنع النسخ والحق أن المنسوخ ليس نفس الفعل بما تعلق الحكم التكليفي لكن بالنسبة إلى إطلاقه في علمنا كما مر، أما بالنسبة إلى علم الله تعالى فالتعليق القديم مكيف بهذه الكيفية ومغيا بهذا الأمد فالمرتفع دوامه الظاهري الاستصحابي لا الحقيقي وهو المراد بالتعلق المظنون في المستقبل والقول بأن القديم الإيجاب والمرتفع الوجوب التنجيزي الذي هو
(2/148)

أثره ليس بتحقيق كما مر أن اختلافهما اعتباري وفي الحقيقة شيء واحد لأن ارتفاع الأثر اللازم يوجب ارتفاع الملزوم فإن أريد التعلق بالوجه الذي قررناه فذلك هو هو.
الثالط في جوازه: أجمع أهل الشرائع على جوازه إلا غير العيسوية من اليهود ففرقة منهم عقلا وفرقة سمعا وكذا على وقوعه غلا أبا مسلم الأصفهاني لأن كلاهما يسمى نسخا تخصيص عنده والحكم الأول مقيد بالغاية حتى في الشرائع المتقدمة إلى ظهور خاتم الأنبياء عليه السلام وبذا يعلم أن ليس النزاع في إطلاق لفظ النسخ وكيف يتصور من المسلم وقد ورد في القرآن بل في ورود نص على خلاف حكم نص سابق غير موقت والحق أن بشارة موسى وعيسى عليهما السلام بشرع محمد عليه السلام يحتمل أن تكون لتفسيره أو تقريره أو نسخ البعض وغير لازم منه توقيت جميع أحكامهم المنسوخة.
لنا في مجرد جوازه القطع به عقلا أما إذا لم يعتبر المصالح أي للعباد فالله غني عن العالمين فظاهر لأن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وأما إذا اعتبرت تفضلا على ما عليه الفقهاء فلجواز اختلاف مصلحة الفعل أو الأمر باختلاف الأوقات وعلم الخبير القدير به وإن كان غيبًا عنا كشرب الدواء ففي ذلك حكمة بالغة لا بداء كما في الإماتة والإحياء وفيهما أمر آدم باستحلال الأخوات والجزء كحواء ونسخ في سائر الشرائع.
قيل: بناؤه على حجية شرع من قبلنا ما لم يرد مخالفه فأولى منه أن يقال ثم حرم عليه إذا وجد أولاد أولاده لاندفاع ضرورة التناسل وليس بشيء لأن الكلام ها هنا في مطلق النسخ لا في النسخ بشريعتنا أما وجوب الختان يوم ولادة الطفل في شريعة موسى عليه السلام بعد جواز تركه في شريعة إبراهيم عليه السلام وحرمة جمع الأختين عندهم بعد جوازه في شريعة يعقوب عليه السلام والسبب بعد جوازه قبلهم فقيل لا يصلح للتمسك لأن كلا منهما رفع الإباحة الأصلية ولا ترد بأن الإباحة فيها بالشريعة فإن الناس لم يتركوا سدى في زمان لأن تقييد الحكم بالشرعي مستدرك حينئذ بل بأن سكوت الأنبياء عند مشاهدتها تشريع منهم فكانت أحكامًا شرعية.
لليهود أولا قول موسى عليه السلام تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض وهذه شريعة مؤبدة عليكم فإنه متواتر قلنا على أن التأبيد قد يستعمل في الزمان المديد لا نعلم أنه قوله ومتواتر كيف وكتابهم محرف لا يصلح حجة ولذا اختلف نسخها ولم يجز الإيمان بالتورية التي فيهم بل يجب بالتي أنزل على موسى عليه السلام وكيف يتواتر بعد بخت نصر وقد قتل علماء اليهود شرقا وغربا واحرق أسفار التوراة قيل اختلقه ابن الراونى ويؤيد كونه مختلقا أنهم لم يحتجوا به للنبي عليه السلام وإلا لاشتهر عادة ولو كان
(2/149)

لفعلوه عادة.
وثانيا: أن النسخ لحكمة ظهرت بداء ولا لها عبث وكلاهما على الله تعالى محال قلنا لحكمة لكن المتجدد نفس المصلحة كما في شرب الدواء لا العلم بهذا فلا بداء.
وسره كونه بيانًا بالنسبة إليه وإلا فإن وجد المصلحة الأولى وقت النسخ فلا تجدد وإلا فلا ثبوت فلا نسخ اولا لحكمة لكن المنفى قصدها والعلم المتجدد بها ولا عبث لأنه ما لا مصلحة فيه وإن سلم أن ما لا قصد إلى مصلحة فيه يمنع استحالته على الله تعالى.
وتنويره إن أريد بظهور الحكمة تجددها اخترنا الإثبات ولا بداء أو تجدد العلم بها اخترنا النفي ولا عبث ولا إحالة فيه.
وثالثا: أنه يوجب كون الشيء حسنًا وقبيحًا معا لا يجاب بأنه في زمانين كما فعل وإلا فلا رفع، قيل: ولأن اجتماعهما على مذهب من يجوز النسخ قبل التمكين من الفعل كما هو المختار إنما هو في زمان وليس بشيء لأن المجتمع فيه الفعلان المأمورية والمنهى عنه لا الحسن والقبح بل بان الحكم حال النسخ حسن ظاهرا قبيح حقيقة أما الأول فلبقائه بالاستصحاب لا يقال ليس بحجة عندنا فلا علم بحكمه إلا حال نزوله لأنه حجة إنما
علم عدم تغيره فإن العلم بعدم نزول المغير في زمن الرسول عليه السلام علم بعدم المغير إذ لو كان لبين قطعا أو لأن النص هو المفيد بالإجماع أن الأحكام الشرعية لها حكم البقاء إلى زمان نزول الناسخ على احتماله وهذا كله في زمنه أما بعده فكونه خاتم النبين الثابت بالتواتر الموجب لانسداد باب الوحى بعده المقتض لامتناع النسخ بعده يفيد البقاء يقينا وأما الثاني فلأن الحكم الأول مغيا بهذه الغاية في الحقيقة.
ورابعا: أن الحكم الأول إما مغيا بها فلا رفع بعد غايته أو موبد فلا نسخ لأربعة أوجه التناقض والتادية إلى أن لا يمكن التعبير عن التأييد وإلى نفي الوثوق بتأييد حكم وإلى جواز نسخ شريعتكم والثواني باطلة باعترافكم.
قلنا: بعد ما مر مغيا عند الله ولا ينافي رفعه بالنظر إلينا لا نعلم الحصر بل مطلق عن القيدين قيل ولو سلم فالتأييد قيد الواجب والنسخ للوجوب أي الفعل أبدًا واجب في الجملة وإذا جاز نسخ وجوب المؤقت قبل وقته مع النصوصية فهذا أولى فلا تناقض ولا تأدية لأن المنسوخ غير ما عبر عن تأييده والوثوق لفة ونسخ الحكم المؤيد غير نسخ حكم المؤبد.
وفيه بحث
فأولا: لأن نسخ الوجوب يستلزم نسخ الجواز عندنا كما مر أنه الحق فإذا نسخ
(2/150)

وجوب المؤبد لم يبق جوازه فارتفع تأييده أيضًا.
وثانيا: وفيه سر واضح حجابه.
وثالثا: يكشفه لوقته كتابه.
رابعا: لأن ترديدهم إما مغيا أو مؤبد إنما هو في محل النسخ وإذا كان محله الوجوب كان الترديد فيه فلا يتم ذلك مخلصا والتعويل على ما سلكه أصحابنا.
وخامسا: أنه لو جاز فرفع الحكم إما قبل وجوده والشيء قبل وجوده لا يرتفع وإما بعده أي بعد ابتداء وجوده حالة بقائه لا حالة عدمه بعد الوجود لأن انعدام المعدوم ممتنع لكن الموجود لا ينعدم بعينه أي لا يكون المقصود بالنسخ ارتفاع عينه بل أن لا يوجد مثله ثانيا فيعود إلى الارتفاع قبل الوجود وأما معه فلمثله النسخ وإما في الحكم التكليفي فذلك يجوز ارتفاع تعلقه قبل وجود الفعل كما بالموت كذا قيل.
وفيه بحث: لأن التردد إذا كان في الحكم كان معنى هذا القسم ارتفاع الحكم قبل وجود نفسه ولا شك في امتناعه.
لا يقال فالأولى اختيار أنه بعد الحكم حالة بقائه قوله الموجود لا ينعدم بعينه قلنا فلا انعدام لأن جميع الموجودات المنعدمة كذلك بل ينعدم بارتفاع بقائه.
لأنا نقول المرتفع وجودًا كان أو بقاء لا ينعدم حالة وجوده ولا بعده بعينه وإلا لكان موجودًا معدومًا معا فالحق شيدنا أركانه أن المرتفع لبقاء المطون الاستصحابي لا المتحقق قطعا وذلك كاف لإطلاق الارتفاع فلله در من أختار بيانه.
سادسا: أن الحكم في علم الله إما مؤبد فليزم من النسخ جهله وإما موقت بلا ثبوت له بعد الوقت فلا رفع قلنا موقت بوقت معين عنده لعلمه بالارتفاع بالنسخ لكن ذلك التوقيت مما يقرر النسخ لا ينافيه ولا يخلو عن البحث انه لما لم يثبت وقت النسخ كيف ينسخ والأولى أن المرتفع بقاؤه المطون في نظرنا كما مر.
ولنا على الأصفهاني أولا إجماع الأمة قبل ظهوره وان شريعتنا بخلاف كل الشرائع أي تنسخ أحكامها المخالفة.
وثانيا: أن شريعتنا إن توقفت على النسخ وهي ثابتة ثبت والأحاد إثباته بالأدلة الشرعية بلا دور فهنا الإجماع قبل ظهور ومنها نحو قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] الآية.
وثالث: أن التوجه إلى بيت المقدس نسخ بعد وجوبه إجماعا بالتوجه إلى القبلة وكذا الوصية للوالدين بآيات لمواريث وكذا ثبات الواحد للعشرة بثبات الواحد للاثنين وغيرها،
(2/151)

الثالث في محله وهو حكم يحتمل الوجود والعدم من حيث ذاته ولم يلحق منافيه من تأييد أو تأقيت ثبت نصا أو دلالة وإلا فلا نسخ.
وتنويره أن الحكم إما أن لا يحتمل العدم لذاته كالأحكام العقلية من أسماء الله وصفاته وما يجري مجراها من الأمور الحسية أو لا يحتمل الوجود كالممتنع أو يحتملها كالشرعية الفرعية فإن لحقه تأييد أي دوام ما دامت دار التكليف نصا كآيتى ادخلوا خالدين ولا حمل على المكث الطويل بلا قرينة وفيه الكلام. قيل ومنه: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] فهو تأييد في صورة التأقيت وذا باعتبار تضمنه الحكم بوجوب تقدم المؤمن على الكافر في الكرامات كالشهادة أو لأن مفهومه يحتملهما ذاتا كقوله عليه السلام: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" أو دلالة كالشرائع التي قبض عليها النبي عليه السلام كما مر أو توقيت كان يقول أحللت هذا إلى عشر سنين أو كان إخبارًا عن الأمور الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية لم يقبل النسخ والإلزام خلاف قضية العقل والبداء والتناقض والكذب وإن أطلق فهذا هو المحل لجواز النسخ إذ لا دليل على البقاء عقلا أو نصا بل ظاهرا بخلاف الأقسام الستة فهذا كالبشرى يثبت الملك دون البقاء فينسخ لانعدام الداعي إلى شرعه لا أن الناسخ بعينه أبطله بل أظهره فلم يلزم تنافض وبداء واجتماع حسن وقبح في آن واحد بل في آنين ولو في فعل واحد كإيجاب الصوم غدا ونسخه قبله ولا يرد ذبح إسماعيل عليه السلام أنه مأمور به بعد الفداء لأنه فداؤه ومنهي عنه - رحمه الله - لأنه حرام قيل لأنه ليس بمنسوخ بل ثابت نحول مما أضيف إليه بسبب الفداء على ذلك قد صدقت الرؤيا أي حققت مما أمرت به بالإتيان ببدله فإن الإبدال ليس نسخا كالتيمم فذبح الشاة بالأمر الأول.
فأولا: لأنه لا أمر آخر والمأمور بلا أمر مح.
وثانيا: لأن موجب الفداء هو موجب الأصل كالشيخ الفاني هو المعلوم من نص النقدية كما عرف وأبرز في صورة ذبح الولد تحقيقا للابتلاء فيه وفي والده.
ورد بمنع أن الأمر بنفس الذبح بل بالاشتغال بمقدماته وإلا قال إني ذبحتك وقد اشتغل بها وبذا صدق الرؤيا، وأجيب أنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه بلا دليل بل ترويع الولد والإقدام على المذبح بالجد دليل الظاهر والعبارة عن المباشرة إنما هي أذبحك أما ذبحتك فعبارة الفراغ عنها وتصديقه الرؤيا في الذبح حاصل وهو إمرار السكين على محل الذبح إمرار بالمبالغة.
(2/152)

وأقول فيه بحث لأن هذا الجواب محقق لاجتماع المأمورية والحرمة بعد الفداء لدافع والصحيح أن ذبح الولد مقيدا بالإتيان ببدله على الكيفية الواقعة من الترويع وغيره هو المأمور به من أول الأمر فلم يكن ذبح الولد مطلقا حسنًا أصلا.
فها هنا مسألتان الأولى لا يجوز نسخ الخبر عند الجمهور ماضيا ومستقبلا خلافا لبعض المعتزلة والأشعرية فإن أريد تكليف الشارع بالإخبار بشىء شرعي أو عقلي أو عادي فلا نزاع في جوازه لأنه للحكم في الحقيقة وكذا نسخ تلاوة الخبر لأنه لجوازها في الصلاة أو حرمتها لعلة الجنب أو نحوها وهل يجوز أن يكلفه الأخبار بنقيضه فعلى الرسول لا لأنه يرفع الثقة وعلى غيره نعم لجواز تكليفهم بالكتاب كما في المواضع الثلاثة خلافا للمعتزلة فهان أحدهما كذب والتكليف به قبيح فمبناه التقبيح العقلي وإن أيد نسخ الخارجي الذي يطابقه مفهوم الخبر فإن كان مما لا يتغير كوجود الصانع وحدوث العالم فلا اتفاقا للزوم الجهل والكذب كما في نسخ مدلوله النفسي وهو الجزم بالنسبة أو مما يتغير كإيمان زيد وكفره فالمختار لا لما مر خلافًا لهم ومنهم من أجازه في المستقبل فقط لأن الماضي قد تحقق قالوا إذا قال أنتم مأمورن بصوم رمضان ثم قال لا تصوموا رمضان جاز اتفاقا قلنا المنسوخ وجوب الصوم لا مدلول الخبر وهو وقوع الأمر.
تنبيهات
1 - قوله أنا افعل كذا ألف سنة أو أبدا ثم قال أردت عشرين سنة جائز اتفاقا لكنه تخصيص إن وصل وإلا فغير مسموع لأنه بيان تغيير لا نسخ.
2 - {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] قيل أي ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله أو يتركه غير منسوخ وقيل يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة فلا دلالة فيه على نسخ الخبر.
3 - قلة من الآخرين ليس ناسخا لقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 14] لأنه إن صحت الحكاية فزيادة ألحقت بتضرعهم أو بدعاء الرسول عليه السلام وإلا وهو الأولى سياقا فالأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين.
4 - {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118] لم ينسخ بقوله فبدت لهما سوآتهما ولا آيات الوعيد بالخَلود في النار بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] بل هي من باب تقييد المطلق بالقرائن لأن مجهول التاريخ مقارن.
5 - النزاع في خبر في غير الأحكام الشرعية أما فيها فكالآلام والنهي، الثانية في المقيد بالتأييد والتوقيت إن كانا قيدي الفعل نحو صوموا إلا الموالي كذا لأن الفعل يعمل بمادته
(2/153)

والوجود من الهيئة فالجمهور منا من السعة على جواز نسخه خلافا للجصاص وعلم الهدى والقاضي ابن زيد والشيخين ومن تبعهما أما إن كانا قيدي الوجوب نحو الصوم واجب مستمر أبدا لا يجوز اتفاقا أو ظاهرا محتملا نحو صوم رمضان يجب أبدا فإن الفعل أصل في العمل والمختار في التنازع أعمال الثاني ويحتمل ظرفا للصوم يجوز عند الجمهور ويحمل على خلاف الظاهر من أعمال إلا بعد وقيد على التجوز بالأبد عن المكث الطويل وفيه أن هذا التجوز يجوز في "يجب" أبدا أيضًا لا عندهم.
للجمهور أن أبدية الفعل المكلف به لا ينافي عدم أبدية التكليف به كما أن تقيده بزمان يجامع عدم تقيد التكليف به نحو هم غدا فمات قبله ولذا جاز نسخه اليوم كما مر وذلك لجواز اختلاف زمانيهما وإذا جاز ذلك في صم غدا مع قوة النصوصية فيما تناوله فهذا مع احتمال التجوز في الأبد أولى لا يقال تقييد الفعل بالأبدية لا من حيث هو بل من حيث كلف به فيستلزم أبدية التكليف به فإذا انتفت أبدية التكليف بالنسخ انتفت أبديته لأنا نقول إن أريد بالحيثية تقييد التكليف بها فليس يلازم ولئن لزم فملتزم وإن أريد اعتبارها في الفعل وقت التكليف فسلم ولا يقتضي تقييد التكليف.
وللمشايخ المتأخرين أولا أن ورود النسخ على الصوم الدائم والمؤقت يجعله غير دائم وموقت لأنه ينافيهما وعلى وجوبه يستلزمه لأنه إذا لم يجب جاز تركه فلم يدم فبين دوام الصوم ونسخ وجوبه منافاة نقيض كل لازم لملزومه فيكون مبطلا لنصوصية التأبيد كتأبيد الوجوب بعينه.
وثانيا: أن التأبيد بمنزلة التنصيص على كل وقت من الأوقات بخصوصيته ولا نسخ فيه بمنزلة التنصيص على وقته فقط من نحو صم غدًا أولا يرى أن التأبيد في الخبر قطعي حتى نسب حمل قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] في حق الجنة والنار وأهليهما على المبالغة إلى الزيغ والضلال فَكذا في الحكم إذْ لا فرق بينهما في دلالة اللفظ.
وثالثا: أن عدم الجواز في نحو الصوم واجب مستمر أبدا إن كان لكونه خبرا مؤديا إلى الكذب فكذا الصوم المستمر المؤيد في رمضان واجب وإن كان باعتبار كونه حكمًا وإيجابًا فالإيجاب المويد للصوم كالايجاب للصوم المؤيد في أن نسخه بداء فالفرق تحكم.
وأقول: هذا القول كان حقيقا بالقبول لو بني عدم جواز نسخ المؤيد على لزوم رفع نصوصية التأبيد كما هو المفهوم من الكتب حتى فرقوا بينه وبين نسخ بعض أفراد العام بأنه لا يوجب كون المراد ولا بعضها فلا يرفع نصوصية العموم وهذا يرفع نصوصية
(2/154)

التأبيد لكن سر المسألة عندي أن اجتماع الحسن والقبح في زمان واحد إن لزم امتنع لامتناع لازمه وإلا فلا فنسخ الوجوب المؤبد يستلزمه ولو في بعض أزمنة ما نسخ وجوب الفعل المؤبد فلا لاحتمال أن يكون زمان الوجوب غير زمان الفعل أو بعضا منه فيتصف بالقبح في غير زمانه كما في صم غدا ثم نسخه قبله.
وها هنا يطلع على خلل نكتهم فإن الفعل المؤبد إذا لم يلاحظ معه الحكم الشرعي لا يتصور نسخه ولا قبحه فكيف يستلزم نسخ وجوبه نسخه ولا نعلم أن لا نسخ في التنصيص على كل وقت إذا قيد به الفعل بل إذ قيد به الوجوب فليس الإيجاب المؤيد كإيجاب المؤبد.
وفي فرقهم أيضًا منع يستند بأن نسبة الأزمان إلى نصوصية التأبيد كنسبة الأفراد إلى نصوصية العموم عندهم فالرفع وعدمه مشتركان.
تتمة: لا مثال للتأبيد والتأقيت في نصوص الأحكام الشرعية فليس في هذا الخلاف كثير فائدة أما نحو {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] فللتحريم في الحيض و {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ} [البقرة: 187] لإباحتهما في الليل وهما مطلقان لا مؤقتان وكذا نظيرهما.
الرابع: في شرطه هو التمكن من عقد القلب عندنا فإنه كاف وعند المعتزلة والصيرفي من الشافعية والجصاص وعلم الهدى والقاضي ابن زيد من الحنفية التمكن من الفعل أيضًا وهو أن يمضي بعد وصول الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل من وقته المقدر له شرعا ولا يكفي ما يسع جزعًا منه فكل من النسخ قبل دخول وقته أو بعده وقبل مضى ذلك القدر محل النزاع وبناؤه على أن الأصل عندنا عمل القلب فالنسخ بيان انتهاء مدته لكفايته مقصودا تارة كما في إنزال المتشابه وكونه أقوى المقصودين أخرى لتوقف كون العمل قربة عليه بدون العكس وعدم احتماله السقوط دونه وعندهم عمل البدن لأنه المقصود. بكل تكليف فصار النسخ لبيان انتهاء مدته فلو نسخ قبله كان بداء.
لنا أولا: خبر المعراج حيث نسخ الزائد على الخمس من الخمسين قبل التمكن من الفعل لا من عقد النبي عليه السلام وهو أصل وعقد جميع المكلفين ليس بشرط وهم ينكرون المعراج بمعنى الإسراء إلى المسجد الأقصى لثبوته بالكتاب بل بمعنى الصعود إلى السماء والحديث مشهور متلقى بالقبول كالمتواتر لا يمكن إنكاره.
وثانيا: أنه بعد وجود فرد من المأمور به أو زمان يسعه بدونه جائز اتفاقا وإن كان ظاهر الأمر يتناول كل ما في العمر فكما بين النسخ ثمة أن الأدنى هو المقصود ولم يؤد إلى
(2/155)

البداء فكذا هنا بل أولى.
وثالثا: أن النسخ يقتضي تحقق المنسوخ ليكون بيانا لانتهاء حسنه وقبح ما يتصور من أمثاله ولما لم يتحقق قبل الفعل بعد التمكن إلا عقد القلب مع الاتفاق في جواز نسخه علم أن محكم المقصود من الأمر ذلك وعمل البدن الروائد كالتصديق والإقرار في الإيمان.
أما التمسك بأن التكليف ثابت قبل وقت الفعل فيجوز رفعه بالنسخ كما بالموت من حيث يمكن مع ثبوت التكليف مع الموت لأن شرطه الحياة عقلا فلا رفع وبأن كل تكليف قبل وقت الفعل أو معه أو بعده لا نسخ لتعين الإطاعة والعصيان من حيث إن ليس كل نسخ كمحل النزاع لجواز أن يكون قبل وقت الفعل وبعد التمكن بوجود الوقت الذي يسعه وبقصة الذبح حيث أمر به لقوله تعالى: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] ولا قدامه وترويعه ونسخ قبل وقته لأنه لم يفعل فلو حضر وقته كان عاصيا من حيث إمكان أن يكون موسعا وقد انقضى منه ما يسعه ولا يعصي به ومثل هذا التعلق بالمستقبل لا يمنع النسخ عندهم ولا يرد لو كان موسعًا لآخر الإقدام والترويع رجاء أن ينسخ أو يموت فمثله من عظائم الأمور يؤخر عادة لأنا لا نعلم عدم التأخير فكونها في أول أوقات الإمكان غير معلوم أو من حيث أنه ليس بنسخ كما مر فإن الاستخلاف ليس نسخا.
ويكون مقرر للأصل وفائدة الأصل ابتلاؤهما بالانقياد وحرمة الذبح بعد الفداء حرمة أصلية معتادة كاستخلاف عقد الذمة عن الحرب لا شرعية ليقال التحريم بعد الوجوب نسخ لا من حيث أنه لم يؤمر بل يوهمه من الرؤيا أو لم يؤمر إلا بمقدمات الذبح وقد فعلها أو أنه ذبح لكن كان كلما قطع شيئًا التحم عقيبه أو خلق صفيحة نحاس يمنعه إذ لولا الأمر لم يقدم على المحرم ولما سماه بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء ولكان على أصلهم توريطا لإبراهيم عليه السلام في الجهل بما يظهر أنه أمر وليس نقله معتبرًا والأمر بالذبح مع الصحيفة تكليف بالمحال فلا يجوز عندهم فليس شيء منها بشيء.
ولهم بعد ما مر من البداء أن الفعل لا بد من وجوبه وقت النسخ وإلا فلا رفع فلو عدم وجوبه به لكان مأمورا به وغير مأمور به حينئذ قلنا إن صح منع النسخ مطلقا وحله جواز كونه مأمورا به في وقت وجائزا تركه في وقت بعده هو وقت النسخ وكلاهما قبل وقت الفعل المقدر له شرعا فلا تناقض كذا قيل وحاصله أن زمان التكليف متعدد وإن اتحد زمان الفعل ولا يتم إلا مع حديث الاستصحاب المار إذ لا نسخ وقت الوجوب.
وها هنا مسائل
الأولى: شرط بعضهم في نسخ التكليف تكليفا يكون بدلا عنه أي خطابا لا وضعيا
(2/156)

سواء كان فيه كلفة كالوجوب والتحريم أو لا كالإباحة الشرعية والجمهور على جوازه بدونه.
لنا أولا: أن لا مصلحة وإلا فلعلها فيه بلا بدل.
وثانيا: وفوعه كنسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول عليه السلام فالإباحة أصلية أما الإباحة بعد نسخ وجوب الإمساك عن المباشرة بعد الإفطار وتحريم لحوم الأضاحي فشرعية وإنما تصح مثالا لو أريد بالتكليفى إلزام ما فيه كلفة لهم أو لا: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الآية ولا يتصور الخير والمثل إلا في البدل والجواب عنه بأن الآية هو اللفظ فبدلها لفظ فالمراد نأت بلفظ خير لا بحكم خير والنزاع في الثاني لما سيجيء أن ليس المراد اللفظ بل بأن الحكم أعم من البدل والشرعي فلعل الخير في حكمة الله عدم الحكم الشرعي وهو حكم أصلى ولئن كان فربما كان مخصصا بما نسخ لا إلى بدل ولئن كان فدلالته على عدم الوقوع والكلام في عدم الجواز.
الثانية: شرط بعض الشافعية كون البدل تكليفا أخف كنسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة بوجوب ثبات الواحد للعشرة بوجوب ثباته للاثنين وتحريم الأكل بعد النوم في رمضان بإباحته أو مساويا كنسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس بوجوبه إلى المسجد الحرام والجمهور على جوازه بدونه.
لنا ما تقدم من حديث المصلحة والوقوع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وصوم عاشوراء وهي يوم بصوم شهر رمضان ووجوب الحبس في البيوت على الزاني بالجلد أو الرجم والصفح عن الكفرة بقتال مقاتليهم ثم يقتالهم كافة.
لهم أولا: أن النقل إلى إلا نقل أبعد مصلحة قلنا بعد النقض بأصل التكليف لا نعلم وجوب رعاية المصلحة ولئن كان فلعلها في الأثقل بعد الأخف كمن القوة إلى الضعف والصحة إلى السقم والشباب إلى الهرم.
وثانيا: بعد قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الآية والخير هو الأخف والمثل هو المساوي والأشق ليس بشيء منهما قلنا خير باعتبار الثواب قال تعالى: {ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} [التوبة: 120] الآية وقال عليه السلام: "أجرك بقدر نصبك" (1) ويقول للمريض الجوع خير لك.
وثالثا: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
__________
(1) لم أجده.
(2/157)

الْيُسْرَ} [البقرة: 185] الآية والنقل إلى الأثقل تعسير قلنا الآية مطلقة لا عامة والسلام للجنس لا للاستغراق ولئن كان فالسياق دليل إرادته في الآخرة كتخفيف الحساب وتكثير الثواب ولئن كان فحاز باعتبار ما يؤل إليه لأن عاقبة التكليف هذان ولئن كان دنيويا وحقيقة فخصوص بما مر من النسخ بالأثقل تخصيصه بأنواع التكاليف الشاقة والباليات في الأبدان والأموال.
الثالثة: بلوغ الناسخ إلى المكلف بعد الرسول شرط لزوم حكمه فبين التبليغين لا يلزم كما قبل التبليغ إلى الرسول خلافا لقوم.
لنا أولا: لزوم اجتماع التحريم والتحليل أن ترك العمل بالأول لحرمته للناسخ ووجوبه لعدم اعتقاد نسخه وكذا إن عمل بالثاني لعكسها.
وثانيا: لو ثبت قبله لثبت قبل تبليغ جبرائيل أيضًا بعد وجوده لاستوائها في وجود الناسخ وعدم علم المكلف به والفرض أنه لا يمنع والتالي باطل اتفاقا لهم أنه حكم محدد لا يعتبر علم المكلف به كما عند بلوغه إلى مكلف واحد.
قلنا الفارق بينهما وهو التمكن من العلم معتبر قطعا وإلا كان تكليف الغافل وهو من ليس له صلاحية اللهم لا من ليس عالما وإلا لم يكن الكفار مكلفين.
الخامس في الناسخ والمنسوخ: وفيه مباحث: الأول الإجماع "لا يصلح ناسخا ولا منسوخا" (1) خلافا لبعض مشايخنا (2) لأن زمن الإجماع بعد عهد الرسول إذ لا إجماع فيه دون راية وهو منفرد ولا نسخ بغده عليه السلام وسقوط نصيب المؤلفة في زمن أبى بكر رضي الله عنه لسقوط سببه لا بالإجماع وهذا وإن عم صورة فالمراد به أن لا ينسخ الكتاب والسنة به وبالعكس لا الإجماع بالإجماع فذلك يجوز.
والفرق أنه لا ينعقد مخالفا لهما ولو وجد فبنص هو المعارض بخلافه في مصلحة ثم في أخرى، وقيل: لا يجوز مطلقا أما ناسخيته فلأنه إما عن نص فهو الناسخ وإما لا عنه فالأول إما قطعي ولا إجماع على خلاف القاطع لكونه خطأ وإما ظني فقد انتفى بمعارضة الإجماع القاطع فلا ثبوت لحكمه فلا رفع.
وفيه بحث: فإن للإجماع عبرة وإن لم يعرف نصه وأيضًا إذا عرف نصه ربما لم
__________
(1) وهو قول الجمهور، انظر المستصفى للغزالي (1/ 126)، المحصول لفخر الدين الرازي (1/ 561)، اللمع لأبي إسحاق الشيرازي (ص/33)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 81).
(2) وهو قول بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان، انظر الحصول لفخر الدين الرازي (1/ 561) إحكام الأحكام للآمدي (3/ 229).
(2/158)

يعرف تاريخه فلم ينسخ بخلاف الإجماع المتراخي والإجماع على خلاف الظني لا يجب قاطعيته فلعله ظني راجح ولئن سلم فالثابت قبل انعقاده ولو بالظني إذا ارتفع به صار نسخا كارتفاع الثابت بالظني من الكتاب وخبر الواحد إذا نزل نص قطعي بخلافه وأما منسوخيته وهو رفع الحكم الثابت به فإما بقاطع من نص أو إجماع فيكون الإجماع الأول على خلاف القاطع وهو مح وإما لا به وكيف ينسخ القاطع بغيره ولا يقدم الأضعف بالإجماع.
أما القياس القطعي الذي نص الشارع على عليته فالنسخ به نسخ بالنص القاطع وفيه أيضًا بحث إذ إنما يتم لو كان الإجماع الأول قطعيا وهو غير لازم وكان منشأ لنزاع ذلك.
لهم في جواز ناسخيته مطلقا قول عثمان رضي الله عنه بعد ما قال ابن عباس رضي الله عنه كيف تحجب الأم بالأخوين وليس الأخوان إخوة حجبها قومك يا غلام فأبطل حكم القرآن بالإجماع قلنا الإبطال به يتوقف على القطع بعدم حجب ما ليس بإخوة وذا فرع المفهوم وعلى أن الأخوين ليسا إخوة وذا فرع أن الجمع لا يطلق على اثنين ثم هذا بالظاهر لجواز البخاري ولو سلم القطع فيهما فالإجماع الأول مشروط بعدم الثاني فحين انعقد لا إجماع غيره.
الثاني أن القياس المظنون لا ينسخ به ولا ينسخ أعم من أن يكون جليا أو خفيا واستنباطًا أو قياس شبه خلافا لابن عباس وابن سريج من الشافعية مطلقا ولأبي القاسم الإنماطي في نسخ قياس الاستنباط القرآني للقرآن والسني للسنة لأنه بنوعه في الحقيقة دون قياس الشبه أو في القياس الجلي في رواية أما الأول فلأن شرطه التغذية إلى ما لا نص فيه والمنسوخ ثابت بالنص أو بما فيه نص ولما سيجيء في السنة من اتفاق الصحابة على ترك الرأي ولو بخبر الواحد وقيل لأن الحكم الأول إما قطعي فلا يرتفع به وإما ظني مرجوح وإلا فلا نسخ فعند ظهور الراجح بطل شرط العمل به وهو رجحانه فلا حكم له فلا رفع وبذا يعرف أنه لا ينسخ إذ لا حكم له عند ظهور الراجح.
وفيه بحث لأن المرتفع بالناسخ لحكم المطون ثبوته في وقت ظهور لولاه لا المتحقق وإلا لتناقض كما مر ولا ريب أن الظني السابق ثابت حينئذ لولاه ورفع المرتفع المرتفع بهذا الرافع متحقق ها هنا كما مر من نسخ الظني من الكتاب السنة بقطعي أو راجح منهما.
قيل بينهما فرق هو أن الناسخ المتراخي ليس بموجود حين العمل بهما والقياس
(2/159)

موجود لأنه مظهر لا مثبت قلنا على أنه لا يفيد في إبطال منسوخيته غير لازم لجواز أن يكون النص الذي يظهر حكمه متراخيا نعم لو قيل لما كان مظهرًا كان الناسخ والمنسوخ في الحقيقة نصه لا نفسه لكان شيئا ولا سيما لا نسخ بعده عليه السلام والعبرة في زمنه عليه السلام بالنص.
قال الشافعي -رحمه الله-: القياس المقطوع وهو ما جميع مقدماته قطعية كأن كان حكم الفرع أقوى كحرمة الضرب على حرمة التأفف أو مساويا كحرمة صب البول في الماء الدائم على حرمة التبول فيه أو أدنى كحرمة النبيذ على حرمة الخمر ينسخ بالمقطوع في حياته عليه السلام سواء كان الناسخ نصا كالنص القطعي على خلاف حكم الفرع أو قياسا كالنص على خلاف حكم الفرع في محل يكون قياس الفرع عليه أقوى وهذا متفق على جوازه بينهم أما القياس على حكم الأصل المنسوخ فمختلف فيه كما سيجيء وأما بعد حياته عليه السلام فلا نسخ نعم قد يظهر أنه كان منسوخا.
وفيه بحث فإن القسمين الأولين مفهوم الموافقة المسمى عندنا دلالة النص والثالث ممنوع قطعيته وأيضًا فاعتبار ولا قرار للرأي في عهده دون الرجوع إليه.
للمجوزين مطلقا قياسه على التخصيص به ولا يصلح كون أحدهما في الأعيان والآخر في الأزمان فارقا إذ لا أثر له قلنا بعد النقض بالإجماع والعقل وخبر الواحد حيث يخصص بها ولا ينسخ الدفة أهون من الرفع وللأنماطي أنه نسخ بالنص في الحقيقة قلنا لا نعلم فإن الوصف المدعى علة غير مقطوع بأنه علة المنصوص حتى لو كان مقطوعا كالعلة المنصوصة جاز.
الثالث: أن النسخ بعدهما إما للكتاب أو السنة وكل بنوعه أو بالأجر فالكتاب به كالعدتين والسنة بها كإخبار وخالف الشافعي رضي الله عنه في المختلفين على نسخها به في رواية.
لنا فيه أولا: إمكانه في نفسه وعدم لزوم المحال كعكسه وبلا منع السمع فإن بيان أمد الحكم والله تعالى بعثه مبينا فمن الجائز أن يتولى بنفسه بيان ما أجرى على لسانه كعكسه.
وثانيا: وقوعه كنسخ التوجه إلى بيت المقدس وقد فعله عليه السلام في المدينة ستة عشر شهرا وحرمة المباشرة بالليل وصوم يوم عاشوراء وليس في الآيات ما يدل عليها بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 144] والآن باشروهن وفمن شهد منكم قيل يجوز أن يكون نسخها بالسنة ويوافقها القرآن أو يثبت المنسوخ بشرائع من قبلنا أو بقرآن نسخ تلاوته قلنا لو قدح ذلك لما صح إجماع العلماء على صحة الحكم بناسخيه
(2/160)

نص علم تأخره كما يخالفه وحجية شرائع من قبلنا معتبرة بما قص فيه ولم يقص في الكتاب وما نسخ تلاوته لا يسمى قرآنا بل سنة لأنه وحي غير متلو ولذا لا يجوز به الصلاة ومنه مصالحة الرسول عليه السلام أهل مكة من الحديبية على رد نسائهم ثم نسخ بقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] الآية وربما يتمسك بنسخ الشرائع السالفة بشريعتنا فيحتمل حجة له لأنها ما ثبتت إلا بتبليغه عليه السلام فلها حكم السنة ولعكسه لأنها ثابتة بالوحي المتلو وقد نسخ كلها أو بعضها في حقنا بقول أو فعل منه عليه السلام.
له أولا: لتبين للناس فلا يكون ما جاء به رافعا قلنا المعنى من البيان التبليغ ولو سلم فالنسخ بيان أمد الحكم ولو سلم فيدل على مبنيته في الجملة ولا ينافي كونه ناسخا لما ارتفع منها.
وثانيا: أنه مطعنة للناس توجب نفرتهم قلنا إذا علم أنه مبلغ لا غير لم يوجبها كما في الأقسام الأُخر.
ولنا في عكسه بعد ما تقدم من إمكانه ووقوعه ومنه ما سيجىء من أن أهل قباء استداروا في خلال الصلاة بقول ابن عمر رضي الله عنه إن القبلة قد حولت إلى الكعبة ولم ينكره الرسول عليه السلام أن المنسوخ بها حكم الكتاب لا نظمه وهي في حقه وحي مطلق مثله ولا لضحك بنسخ التوجه إلى الكعبة في الابتداء بالسنة الموجبة للتوجه إلى بيت المقدس لاحتمال كونهما بالسنة وهو الظاهر ولا بنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله عليه السلام: "لا وصية لوارث" (1) لأنه لا يصلح ناسخا وليس متواتر الفرع حتى يجعل مشهورا وإن تلقته الأمة كيف ولم يذكره في الخلف البخاري ومسلم والنسائي وفي السلف مالك ولأن النسخ بآية المواريث لا لكونها مترتبة على وصية منكرة نسخت بإطلاقها المعهودة السابقة وإلا لوجب ذكرها أيضًا وإطلاق المقيد نسخ كتقييد المطلق وليست عينها لإعادتها نكرة ولر سلم لم يدل الآية على تقدم وصية إلا جانب ولم يستند الإجماع إلا إليها وذلك لجواز كونها شاملة لها وإن لم يكن عينها ولو سلم مباينتها لا ينفيها إلا بمفهوم اللقب لأن في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] إشارة إلى أنه تولى بنفسه بيان حق كل من الأقارب بعد ما فوضه إلينا لعجزنا عن معرفة مقاديره كما قال تعالى: {لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ} [النساء: 11] وقد أوضحها قوله عليه السلام: "إن
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2/161)

الله أعطى كل ذي حق حقه" (1) ولا وصية لوارث.
تحريره أن الوصية شاملة شرعا للأوامر والنواهي والمواعظ والتخصيص بالتبرع بعد الموت عرف فقهي طارئ وهي للأقارب كانت مفوضة إلينا هو المفهوم من قوله بالمعروف ثم أوجبها الشارع مقدرة في آية المواريث ولا شك أنها تنافي المفوضة فنسخها وحين لم ينسخ بها إلا وصية الأقارب لتلك المنافاة بقيت وصية الأجانب فتعينت مراده بقوله {بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} [النساء: 11] والحديث أوضح الأمرين نسخ الوصية المفوضة وإن المنسَوخة وصية الأَقارب.
وهذا تحقيق لكلام المشايخ لم أسبق إليه وبه يندفع أن إيجاب حق بسبب لا ينافي إيجابا كان بسبب آخر ولا نسخ بدون المنافاة وقال شمس الأئمة المنتفي بآية المواريث وجوب الوصية لا جوازها فالجواز نسخ بالحديث.
وفيه بحث لأن الجواز إباحة أصلية لا يكون رفعها نسخا ولا ينسخ الإمساك في البيوت أو الجلد لظاهر عمومه في حق الحصين بالرجم يفعله أو قوله عليه السلام إما لما روينا عن عمر رضي الله عنه أن الرجم كان مما يتلى في كتاب الله وهو قوله "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" وإما لأن قوله تعالى {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] بمعنى إلى أن فكان وجوب الإمساك مغيا به فبين عليه السلام إجماله بقوله أو فعله وذا جائز اتفاقا لأنه ليس نسخا وهذا أولى لما سبق أن المنسوخ تلاوته في حكم السنة فإن تواتر أو اشتهر فقد صح التمسك وإلا فلا يصح ناسخا على ما سيجيء ولا بنسخ لا يحل لك النساء من بعد بقول عائشة رضي الله عنها ما قبض رسول الله حتى أباح لله تعالى له من النساء ما شاء إن قوله من بعد محكم في التأييد ولو سلم فبقوله {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: 50] الآية.
وقولها أباح ظاهر في أنها في الكتاب ولا بنسخ {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] الآية بنهيه عن أكل ذي ناب إما لأنَ النهي رافع للإباحة الأصلية لا بحكم قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 29] لأن معناه كما قيل خلق الكل للكل لا كل واحد لكل واحد ولئن سلم فالحديث مخصص لا ناسخ أو لأن معناه لا أجد إلا أن والتحريم في المستقبل لا ينافيه ولا ينسخ قوله تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ
__________
(1) هو ضمن حديث لا وصية لوارث، أخرجه ابن الجارود في المنتقى (1/ 238) ح (949)، وغيره، وتقدم تخريجه.
(2/162)

شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 11] الآية بالسنة إذ منسوخ ولأبتلى ناسخة لا يقال ولم يظهَر في السنة أيضًا لأن القرآن محصور دونها ولا نسخ للمتلو بأحدهما وذلك لأدْ في كونه منسوخا اضطرابا فقيل وردت في أن يعطي لمن ارتدت امرأته ولحقت من غرم الصداق على سبيل الندب.
وقيل: على سبيل الوجوب لكن من مال الغنيمة لا من كل مال فعنى عاقبتم غنمتم أو غلبتم ثم لم ينسخ وقيل نسخ بآية القتال وقيل بقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] ومع هذه الاحتمالات لا تمسك ولا بتقرير النبي عليه السلام قول أبي رضي الله عنه حين نسي آية فقال لأبي هلا ذكرتنيها فقال ظننت أنها نسخت فقال عليه السلام: "لو نسخت لأخبرتكم ولم يكن له ناسخ في الكتاب لجواز أن يعتقد نسخها بآية لم تبلغه لضيق الوقت أو لعله ظن النسخ بالإنشاء كيف وقد مر أن السنة لا تصح ناسخة لنظم الكتاب لتقوم مقامه في الإعجاز وصحة الصلاة وغيرهما.
له أولا قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] الآية إما لأن السنة ليست خبرا ولا مثلا أو لأن ضمير نأت الله تعالى قلنا المراد خيرية الحكم أو مثليته في حق المكلف حكمة أو ثوابا كسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن إذ لا تفاضل في القرآن من حيث اللفظ وبلاغته لكون جميع مقتضيات الأحوال مرعيا في كل منه ولذا لم يتفاوت في صحة الصلاة به وكره فعل يوهم اعتقاده على أن حكم القرى كما مر مثل السنة، والسنة أيضًا من عنده لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيات 3، 4] وبه يعلم الجواب عن تمسكه.
ثانيا: بقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] حيث يكون تبديله من الله تعالى كان بالسنة أو بالاجتهاد الذي يفعله بإذن الله لا من تلقاء نفسه أو المراد لا أضع لفظا لم ينزل مكان ما أنزل.
وثالثا: قوله عليه السلام: "إذا روى لكم عني حديث فأعرضوه" (1) الحديث فقد دل على رده عند المخالفة قلنا خبر العرض إن سلم ثبوته ففيما أشكل تأريخه ليحمل على المقارنة فيرد لعدم قوته على المعارضة أو أشكل صحته فلم يصلح لنسخ الكتاب به.
الرابع: لا ينسخ المتواتر كتابا كان أو سنة بآحاد لا يفيد القطع بالقرآن إلحاقه وينسخ بالمشهور وأما الأول فلأن المظنون لا يقابل القاطع قالوا التوجه إلى بيت المقدس كان
__________
(1) لم يثبت فيه شيء، وانظر كشف الخفاء للعجلوني (2/ 569).
(2/163)

متواتر فاستداروا في قباء بخبر الواحد ولم ينكره الرسول عليه السلام قلنا للقطع بالقرآن فإن نداء مناديه عليه السلام بحضرته في مثلها قرينة صدقة عادة وبه يجاب عن تمسكهم ثانيا ببعثه الآحاد ليبلغ مطلق الأحكام حتى ما ينسخ متواتر لو كان وأما الثاني فلأن النسخ من حيث بيانه يجوز بالأحاد كبيان المجمل والتخصيص ومن حيث تبديله بشرط المتواتر فيجوز بالمتوسط بينهما عملا بشبهيه.
تحصيل: لتعيين الناسخ من المنسوخ طرق صحيحة كالعلم بالتاريخ وتنصيص الرسول بناسخيته صريحا كهذا ناسخ أو دلالة كأحاديث كنت نهيتكم وكالإجماع وكذا تنصيص الصحابة خلافا لمن لا يرى التمسك بالأثر.
ولهم إذا تعارض متواتران فعين الصحابي أحدَهما أنه ناسخ قولان من حيث أن الناسخ آحاد وربما قاله اجتهادا وإليه يميل أبو الحسين أو متواتر والأحاد دليل ناسخيته فقد يقبل مآلا ما لا يقبل ابتداء كالشاهدين في الإحصان دون الرجم المرتب عليه وشهادة النساء في الولادة دون النسب وهو مذهب القاضي عبد الجبار وقال الكرخى إن قال هذا نسخ ذاك لم يقبل وإن قال هذا منسوخ قبل لان الإطلاق دليل ظهوره عنده وفاسده كتأخره في المصحف إذ لم يرتب ترتيب النزول وكحداثة سن الصحابة أو تأخر إسلامه إذ لا يلزم منهما تأخر منقولهما إلا أن ينقطع صحبة الأول قبل الثاني فيرجع إلى العلم بالتاريخ وكموافقته للبراءة الأصلية فيجعل متأخرا ليفيد وذلك لأن تأخره يستلزم تغييرين والأصل قلته لا نسخين لأن رفع الحكم الأصلي ليس نسخا.
تنبيه: إذا لم يعلم الناسخ وجب التوقف لا التخيير كما ظن لأن فيه رفع حكمهما أحدهما حق قطعا.
الخامس: الثابت بدلالة النص يجوز نسخه مع نسخ الأصل دونه بلا عكس لأن حكم الأصل ملزومه كتحريم التأفيف والضرب فرفع اللازم ملزومه رفعه لأنه عكس نقيضه بلا عكس.
للمجوز مطلقا أنهما دلالتان متغايرتان فجاز رفع كل بلا أخرى قلنا لا نعلم الكبرى عند الاستلزام. وللمانع مطلقا من طرف الأصل ما مر ومن طرف الفحوى أنه تابع لا يبقى بدونه قل ضد التبعية في الدلالة والفهم لا في ذات الحكم والمرتفع بالنسخ ذاته لا دلالة اللفظ فلا يتم التقريب.
السادس: إذا نسخ حكم أصل القياس لا يبقى حكم فرعه خلافا للبعض ثم بينهم في
(2/164)

أنه يسمى نسخا لحكم الفرع نزاع لفظي.
لنا أن نسخه يوجب إلغاء علية علته لأنها بترتب الحكم وبانتفائها ينتفي الفرع، لهم أنه تابع للدلالة لا الحكم كما في الفحوى.
قلنا بل يلزم هنا انتفاء الحكمة المعتبرة في الفرع لاتحادها لا في الفحوى؛ لأن حكمه الأصل ثمة كالتعظيم المحرم للتأفيف أقوى فلا يلزم من ارتفاعه ارتفاع الأدنى كالتعظيم المحرم للضرب.
قالوا أنتم قستم الفرع بالأصل في عدم الحكم بجامع عدم العلة ولا يصلح جامعا.
قلنا لا بل حكمنا بانتفاء الحكم المعين لانتفاء علته المخصوصة وذا ليس قياسا إذ لا يحتاج إلى أصل وفرع وعلة.
هذا جواب القائلين بالاستدلال وسنبين إن شاء الله تعالى أنه راجع إلى أحد الأربعة فهذا إما على إجماع القائلين بالحكم والمصالح أن الحكم لا يثبت بلا حكمة ما وإما إلى النصوص المفيدة له نحو: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام: 145] الآية وإما إلى قياس بجامع صالح.
السابع: أن المنسوخ أربعة عندنا لتلاوة مع الحكم المستفاد منها أو أحدهما.
والرابع: وصف الحكم فالمورد منسوخ الكتاب إن اختص التلاوة به ونسخ بعض الحكم مندرج فيه اندراج نسخ الشرط تحت الوصف فالأول كصحف إبراهيم عليه السلام وما روت عائشة رضي الله عنها أنه كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات وذلك إما بدليل شرعي أو بموت العلماء أو بالإنسان وذا جائز في حياته للاستثناء في قوله تعالى:
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6، 7] ولقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] وروى عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن سورة الأَحزاب كانت تعدل سورة البقرة لا بعد وفاته عليه السلام صيانة للدين بقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] خلافا لبعض الرافضة والملحدة ورواياتهم مردودة والثاني والثاكَ أنكرهما بعض المعتزلة.
لنا أولا: جوازه من حيث إن اللفظ أحكاما مقصودة كالإعجاز وجواز الصلاة والثواب بقرائنه وحرمتها على نحو الجنب لا تلازم بينها وبين الحكم المستفاد منه فيجوز افتراقهما نسخا كسائر المتباينة.
وثانيا: وقوعه فالتلاوة فقط كما روى عمر رضي الله عنه أنه كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما نكالا من الله ويراد بهما عرفًا المحصن والمحصنة لأن الشيخوخة
(2/165)

تستلزم الدخول بالنكاح عادة وكمتتابعات في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لأنه لما الحق بالمصحف ولا تهمة في روايته حمل على نسخ نظمه وبقاء حكمه وللمنع فيه وهو أن التواتر في القرآنية شرط فيها ولم يتحقق فيما نسخت تلاوته فلم يكن الباقي حكم القرآن.
جوابه: هو أن ذلك في حقنا أما في حق الرواة فيثبت بإخبار الرسول عليه السلام أنه من عند الله غايته كونه قرآنا فيما مضى بالظن ولا محذور فإن القطع شرط فيما بقى لا فيما نسخ والحكم فقط كنسخ إيذاء الزواني باللسان وإمساكهن في البيوت والاعتداد بالحول ووصية الوالدين وسورة الكافرين ونحوها.
لهم أولا فيهما أن التلاوة والحكم متلازمان كالعلمية مع العلم والمنطوق مع المفهوم قلنا بعد أن لا عالمية فإنها عين قيام العلم بالذات إذ الحال لا نعلم لزوم المفهوم إن أريد به الموافقة كما هو اللائق ولذا صح قول الملك إذا استوجب شريف حدا اجلده ولا تقل له وإن أريد المخالفة فلا نعلم ثبوته فضلا عن لزومه ولئن سلمنا فالتلازم بين التلاوة والحكم لكونهما إمارته وذا في الابتداء لا البقاء ولذا يتكرر التلاوة دون الحكم والنسخ في البقاء.
أما المثالان فالمتلازم بينهما لو ثبت ثبت في الحالين وبذا يسقط بأن لهم أن النص وسيلة حكمه فلا اعتبار لها عند فواته كوجوب الوضوء بعد سقوط الصلاة وأن الحكم لا يثبت إلا به فلا يبقى دونه كالملك الثابت بالبيع بعد انفساخه وذلك أن التوسل والنسب هنا في الابتداء وفي الصورتين مطلقا وثالثا ورابعا في بقاء التلاوة أنه يوهم بقاء الحكم وأنه تجهيل قبيح وأنه يبطل فائدته والقرآن منزه عنه قلنا بعد بطلان التقبيح العقلي إنما يكون تجهيلا لو لم ينصب عليه دليلا وهو للمجتهد دليله وللمقلد الرجوع إليه ولمجرد التلاوة فائدة كالأحكام اللفظية وأما الرابع وهو نسخ وصف الحكم كالأجزاء والاعتداد وحرمة ترك الواجب بزيادة جزء في الواجب المخير كالشاهد والمبين علي قسمي الاستشهاد أو المعين كركعة على ركعتي الفجر ومنه زيادة التغريب على الجلد وعشرين على أربعين سوطا وإن فارقاها بعدم وجوب الاستيناف لعدم وجوب الاتصال بين أجزائه أو شرط كالطهارة على الطواف ومنه زيادة قيد الإيمان على مطلق الرقبة.
وذكر ابن الحاجب من صورها رفع مفهوم المخالفة كإيجاب الزكاة في المعلوفة بعد نص السائمة ورد بعدم صحته محلا لنزاع الحنفية لعدم قولهم به فوجه بأنه تفريع على تقدير القول به وأنكره الشافعية والحنابلة مطلقا وقوم غير مفهوم المخالفة وهو الجزاء والشرط وقال عبد الجبار - رحمه الله - إن غيرت تغييرا شرعيا وفسره أبو الحسين بأن
(2/166)

جعلت الأصل كالعدم ووجب أصنافه فنسخ كزيادة الركعة وإلا فلا كالتغريب والعشرين فأورد عليه أن زيادة شرط منفصل كالطهارة في الطواف ليس نسخا عنده ويجب الاستئناف بدونه وزيادة وظيفة في الخبر نسخ عنده ولا يجب الاستيناف فيها وليندفع ذلك فسره ابن الحاجب يكون الأصل كالعدم فقط فأخطأ بإدراج بعض الحد لأنه كالعدم في عدم الإجزاء.
أما إدراج المخير مع أن الأصل فيه مجزي فوجه بأن تركه لما صار كوجوده في عدم الحرمة وإن كان تركه قبل الزيادة حراما لا وجوده صار وجوده كعدمه في عدم الحرمة ولو بدل الثالث بإمكان الإجزاء بدونه لكان أقرب ولم يندفع إشكال زيادة الشرط أصلا ويرد عليه أيضًا أن الزيادة في المخير إذا كانت نسخا فزيادة مثل التغريب والعشرين أولى إذ به اشتراكهما في عدم وجوب الاستئناف أصل المخير مجزئ دونهما.
وقال الغزالي رحمه الله: إن صار الكل شيئا واحدا كركعة في الفجر فنسخ وإلا كعشرين في الحد والطهارة في الطواف فضل المخير واختار ابن الحاجب مذهب أبي الحسين أنه أن رفع الزيادة حكمًا شرعيا ثابتا بدليل شرعي فنسخ وإلا نحو أن يكون عدما أصليا فلا.
وهذا أقرب لأنه مبني على حقيقة النسخ وهو مآل مذهبنا وان اختلف في بعض الأمثلة لأصل آخر فمن الوفاقية زيادة الركعة والتغريب والعشرين لحرمة هذه الثلاثة قبلها بالإجماع وإن كان سنده في الأخيرين لا ضرر ولا إضرار في الإسلام فليس تخصيصا والتخير بعد التعين كما بين غسل الرجل ومسح الخف بعد وجوب الغسل عينا وكل منهما حكم شرعي وإيجاب الزكاة في المعلوفة بعد نص السائمة على تقدير ثبوت المفهوم وتحقق شرائطه ومن الخلافية زيادة وظيفة على المخير كالحكم بهما.
ولو جاز بثالث لذكر وزيادة غسل عضو في الوضوء وركن في الصلاة قالوا المرفوع فيها عدم جواز الحكم بشاهد ويمين وعدم وجوب ذلك لزائد فيهما قلنا يرفع الأول حرمة تركهما أو وجوب أحدهما في الحكم والآخر أن الأجزاء بدونهما وكل منها حكم شرعي.
قالوا حرمة ترك الأمرين لا يعلم بمجرد التخيير بينهما ولو قيل بالمفهوم لأن مفهوم طلبهما أن غيرهما غير مطلوب لا أنه غير مجزي بل مع العلم بأن الأصل عدم ثالث والإجزاء امتثال به وعدم توقف على شيء آخر والأول لم يرتفع والثاني عدم أصلي قلنا جعل تعيين الأمر الواحد بشخصه شرعيا فرفعه غير نسخ تحكم يوضحه أن منكر وجوب أحدهما أو حرمة تركهما يكفر ولا يكفر منكر العدم الأصلي إن لم يعتبر شرعيا.
(2/167)

ولذا يقال المذكور في صدد الجزاء يكون كله وذا بإشارة العرف ولئن سلم فالحكم هو المجموع ولا يلزم من كون جزئه عدما أصليا كون المجموع كذلك على أن الإجزاء قد سلف أنه حكم شرعي وضعي وبهذا يعرف بطلان مذاهب الخصوم أجمع وقال أبو الحسين حرمة الترك مبنية على عدم اتخلف عنه وأنه عد أصلى وكل مبني عليه ليس حكما شرعيا فليس رفعه نسخا ولذا ثبت التخيير بين غسل الرجل ومسح الخف وبين الوضوء بالنبيذ والتيمم وبين القسمين والشاهد واليمين.
قلنا: عدم الخلف ليس علة لحرمة الترك بل مثبتها النص عنده ولو ارتفع شرعية الحكم بذلك القدر لم يكن وجوب شىء ما شرعيا لأن حرمة تركه مبنية على عدم الخلف والتخيير بين الأمرين يجعل كل أصلا فليس هذا استخلافًا ولذا صار نسخا دونه ففي المسألتين الأوليين بالخبر المشهور الذي يزاد به وينسخ اتفاقا والثالثة ممنوعة فالثمرة عدم جواز الزيادة بخبر الواحد إذا لم يشتهر خلافا لهم وفي أن زيادة عبادة مستقلة ليست نسخا إذ لا تأثير لها في عدم إجزاء مسبب بعد سببه اتفاق لا إجماع إذ قال بعضهم إيجاب صلاة سادسة نسخ لأنه لا يبطل كون الوسطى وسطى فوجوب المحافظة عليها.
قلنا لا يبطل وجوب ذلك الوسطى بل كونها وسطى وليس شرعيا وقال الغزالي إذا لم يتحد الأصل بالزيادة كانت ضما لا رفعا كزيادة عبادة مستقلة وإذا اتحد بها ركنين وصارا حقيقة أخرى التحق بالعلم حقيقة فصار نسخا لا يقال إن اعتبر اتحاد الماهية الاعتبارية الشرعية فزيادة الحد كذلك لأن المجموع هو الحد شرعًا والفرق بوجوب الاستئناف لشرط آخر هو وجوب الاتصال بين أجزاء الصلاة لا بين أجزاء الحد وإن اعتبر وجوب الاستئناف فالطواف بعد اشتراط الطهارة كذلك لأن له أن يقول المعتبر كلاهما أي وجوب الاستئناف لفقد ركن.
قلنا رفع الكل لا يتوقف على رفع كل جزء فوجوب الاستئناف وعدمه في تحقق الرفع سواسية وعد اعتبار الشرط مبني على أن الشرعي هو المشتمل على الأركان فقط لا المعتبر شرعا وقد تقدم بطلانه وبه يعرف فساد مذهب عبد الجبار بعد ما مر في إدارة الفرق على كون وجوده كالعدم أو وجوب الاستئناف.
وقال الشافعي أولا الزيادة ضم وتقرير للأصل والنسخ رفع وتبديل ففي في حقوق الله تعالى كزيادة عبادة مستقلة وفي حقوق العباد كمن ادعى ألفا وخمسمائة فشهد شاهد بألف وآخر به وبخمسمائة.
يوضحه أن الناسخ متأخر لو تقارنا لتنافيا ومثبت الزيادة يوجب الجمع لا ينافيه ويزيد
(2/168)

توضيحه أن الزيادة مقيدة كتقييد الرقبة بالإيمان والمطلق في التناول البدلي كالعام في التناول الشمولي فكما أن تخصيصه ليس نسخا فكذا تقييده ومن البين الفرق بين الدفع والرفع قلنا إن أريد المنافاة في الوجود فلا يعتبر وإن أريد في الحكم الشرعي فالمنافاة ظاهرة إذْ ليس للبعض كالمطلق حكم وجود الكل كالمقيد لا في العبادة كبعض الركعات ولا في العقوبة كبعض الحد حتى لا يبطل شهادة القاذف ببعضه. أما بطلانها عندك فلترتبه على القذف لا الحد ولا في الكفارة كصوم المظاهر شهرًا ثم إطعام ثلاثين لا يكون مكفرا بشيء منهما وهذا بعض العلة لا يوجب حكمها ولذا قال الأولان بعض المثلث لا يحرم لأنه بعض المسكر والحرمة في غير الخمر للسكر بالحد وقالوا جميعًا بعض المطهر للحديث والجنب كالعدم وإن قال الشافعي - رحمه الله - في قول لا يجوز التيمم قبل استعماله لأن {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] عام، قلنا مخصوص فيخص غير الكافي.
يوضحه أن المطلق يستلزم بدون القيد والمقيد عدمه وتنالني اللزوم ملزوم تنافي الملزومات إذ لا يشكل أن الجلد بعد إلحاق النفي لا يبقى حدا وإذا تنافيا كان أحدهما منهيا للآخر وبيان أمد الحكم الشرعي نسخ فنظيره اختلاف الشهود في قدر الثمن أي البيع بألف أو بألف وخمسمائة لأنه الموجب للتغيير لا ما قاله ومثله الطلاق المنجز والمعلق أما إلحاق التناول البدلي بالشمولي فإلحاق للمحتمل بالموجب وللساكت بالناطق.
يوضحه أن العام بعد التحاقه عامل فيما هو المراد بنفسه والمطلق بعد التقييد عامل بالمقيد فيحقق أن التقييد إثبات ابتدائي والتخصيص إخراج بنائي.
فروعنا: فلا يزاد التغريب على الجلد والنية والترتيب والولاء شرطا على الوضوء ولا هو على الطواف ولا الفاتحة والتعديل فرضا بخبر الواحد ولا الإيمان على الرقية بالقياس وقد مر تمامه.
ذنابة: أما نقصان الجزء كركعتى الظهر أو الشرط كطهارته فنسخ لهما اتفاقا وهذا لما هما له وقيل ليس بنسخ مطلقا وعند عبد الجبار جزاءً لا شرطًا. لنا أن رفع الجزء أو الموقوف عليه رفع للكل والموقوف.
قالوا: لو كان نسخا لافتقر الباقي إلى دليل جديد قلنا إنما يلزم لو كان بنسخ كل جزء أما بنسخ بعض الأجزاء فلا فالباقي من حيث خصوصيته ليس منسوخا لا يحتاج إلى حكم ودليل جديدين.
الثامن: في أن نسخ جميع التكاليف غير جائز وإن جاز رفعه بإعدام العقل اتفاقا
(2/169)

كالاتفاق على امتناع نسخ وجوب معرفة الله تعالى لا مطلقا بل بالنهي عنها لا على تجويز تكليف المحال لأن الحلم بنهيه يستدعي معرفته فعندنا لا يجوز نسخ نحو وجوب المعرفة مطلقا وحرمة الكفر وكذا نحو الظلم والكذب وسائر القبائح العقلية الثابتة عند المعتزلة وعند الغزالي يجوز إلا في وجوب معرفة النسخ والناسخ وقالت الأشعرية بجواز نسخ الجميع لأن كل حسن وقبح شرعي عندهم فيجوز نسخها إذ التكليف غير واجب أصلا.
وعند المعتزلة عقلي فلا يجوز أن ينسخ منها لا ما يختلف باختلاف المصالح قلنا ما يتوقف ثبوت الشرع عليه من وجوب المعرفة وحرمة الكفر وغيرهما مما لا يقبل السقوط عقلا لا شرعا لما مر من الدور فلا ينسخ بخلاف غيره على أن نحو الظلم والكذب مما قد لا يقبح.
وللغزالي رحمه الله تعالى أن نسخ الجميع مستلزم لنقيضه فيكون مجالا إذ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ أي الشارع ولعدم تمام ملازمته إذ وقوع الشىء لا يستلزم معرفته بل وإمكان معرفة غيره بعضهم إلى معرفة نسخ الجميع يستلزم معرفتهما فيجب على ذلك التقدير وذا خلاف المفروض لا يقال جواز الشىء لا يستلزم معرفته فضلا عن وجوب معرفته والمستلزم لوجوب معرفتهما وجوب معرفته لا عينها لأنا نقول كلامنا في الوجوب الشرعي لمعرفة النسخ وهو ثابت إذْ لا نسخ إلا بدليل شرعى يجب فهمه قلنا المراد بنسخ الجميع أن لا يبقى تكليف فمن أين الوجوب الشرعى ولئن سلم فلا نعلم وجوب فهم كل دليل شرعي وإنما يجب فهم ما يترتب عليه امتثال بنوع ما والناسخ للجميع ليس كذلك ولئن سلم وجوب معرفته لكن معرفته إنما تستلزم المعرفين في الابتداء لا في البقاء لإمكان أن تعرفه بالمعرفتين فيسقطا في البقاء لوقوعهما فإن الواجب المطلق يرتفع بالوقوع مرة ويسقط سائر التكاليف بالنسخ وإذا كان اللزوم في حال وبطلان اللازم في أخرى لم يتم الاستثنائي.

الفصل الثالث عشر في حكم الحقيقة
هو وجود ما وضع له أي ثبوته أمرًا أو نهيا خاصا أو عاما نحو: {ارْكَعُوا} [الحج: 77]، {وَلَا تَقْتُلُوا} [الإسراء: 31] مخاطبا به ومخاطبا ثم لزوم وجوده بحيث لا يسقط عن المسمى أي لا يصح نفيه عن الموضوع له وعن محل الكلام بخلاف المجاز كما مر فلا يخرج عن حكمه شيء مما يتناوله إلا أن يهجر تفاهمه عرفا لتعذر العمل به أو هجره
(2/170)

فيصير كالمستثنى خلافا لزفر رحمه الله كمن حلف لا يسكن فانتقل من ساعته لم يحنث بالسكون حال الانتقال استحسانًا والقياس قول زفر ولا تقتل وقد كان جرح فمات به أو لا يطلق وقد كان علقه فوجد الشرط أو لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من عينه عند بعض المشايخ.
قال شمس الأئمة والأصح خلافه لذا قد يؤكل عينه عادة أو من هذه الشجرة التي لا يؤكل عينها فأكل من عينها لما حنث في الجميع ثم بقاؤه، فمتى أمكن العمل بالحقيقة لا يعدل عنها لأن المستعار خلف لا يزاحم الأصل ولذا حملنا الإقراء على الحيض لأنها حقيقة لا على الأطهار لأنها إن كانت مشتركة وهو الصحيح لتساوى الاستعمالين فبالترجيح كما مر.
وإن لم يثبت اشتراكها كما ذهب إليه فالمجاز هو الثاني لأن المجتمع والمنتقل الحيض إن كان بما كما يعرفه الفقهاء وإن كان ضرورة فهو رديفهما ومسببهما أما الطهر فليس سببا مجتمعا ولا متنقلا ولا جامعا لأنه عدم والانتقال في الأحوال مع أنه معنوي لا حسي لذي الحال لا للحال وحملنا العقد في قوله تعالى: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] على ربط اللفظيين لإيجاب حكم كاليمين بالجواب لإيجاب الصدق لا على القصد الذي هو سبب الربط كما فعله الشافعي رضي الله عنه فأوجب الكفارة في الغموس لأنه أقرب إلى الحقيقة التي هي عقد الحبل وهذا النكاح في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] على الوطئ ليثبت حرمة المصاهرة بالزنا لا العقد لأنه أقرب إلى حقيقته التي هي الجمع فإن إطلاقه على العقد لأنه سبب الوطئ.
قيل استعارة اسم المسبب للسبب لا يصح وأجيب بأن مسبب مخصوص إذ لا عقد إلا بالقصد ولا وطئ يقصد شرعا إلا بالنكاح ووطئ الأمة استخدام ولو قيل بأن العقد لكونه جمع بين اللفظيين لا لسببيتهما لكان وجها ونحتاج في ترجيح مذهبنا فيهما إلى أصول أُخر كما يذكر.
الاستثناء من القاعدة إلا إذا تعذر التعامل بها أو هجر وفرق ما بينهما أن الأول فيه مشقة وأنه كما ليس مرادا ليس داخلا في الإرادة بخلاف الثاني فإنه متروك العمل بلا مشقة عرفا شرعا.
وقد يكون داخلا في الإدارة أما المتعذرة فنحو لا يأكل من هذه النخلة أو الكرمة أو القدر يقع على ما يؤخذ منه في الأصح فالأصل أن الشجرة إن كانت مما يؤكل كالريباس وقصب السكر فعلى عينها وإلا فعلى ثمرها إن كان وإلا كالخلاف فعلى دفنها هذا إذا لم
(2/171)

ينو وإلا فعلى ما نوى وذلك لأن الحقيقة وهي أكل العبن لأنه المقصود بالمنع الذي له اليمين متعذرة لا عدمه حتى يرد أنه غير متعذر.
وكذا لا يأكل من هذا الدقيق ولا يشرب من هذا البئر إن كانت ملأى فكالنهر مختلف فيه وإلا فعلى الاعتراف اتفاقا لا الكرع لتعذره فإن تكلف في المسألتين فأكل من عينه وكرع فقيل يحنث وإلا شبه لا لقولهم في لا ينكح فلانة وهي أجنبية يقع على العقد فإن زنا لم يحنث لكونه متهذرا شرعا وعرفا وأما المهجورة عرفا فنحو لا يضع قدمه في دار فلان فمن حقيقته وضع القدم حافيا دخل أو لا ولم يقع عليه لهجره عرفا أريد مجازاة المتعارف وهو الدخول كيفما كان فوضع القدم حافيا مع الدخول داخل وبدونه لا فقد جاز دخول الحقيقة وشرعا فكالتوكيل بالخصومة ينصرف إلى مطلق الجواب مجازا فإنه مسبب الخصومة أو يقارنها فيكون مشاكلة ومطلقة يتناول الإقرار لأنه كلام يقطع كلام الغير ويطابقه من جلب الفلاة قطعها فله إقرار على موكله خلافا لزفر والشافعي - رحمه الله - لأن المسألة ضد المشاجرة قلنا المشاجرة بغير حق حرام لقوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا} [الأنفال: 46].
ولأن الموكل لا يملك شرعا لا ما هو الحق من الجواب بخلاف الإنكار مع وجود الحق فلا يفوضه إلا ذلك لأن المهجور شرعا كالمهجور عادة ولذا من حلف لا يكلم هذا الصبي يحنث بالتكلم بعد ما كبر لأن المراد هذا الذات مجازا لهجران هجرانه بالحديث.
تنويرها بمقدمة الحلف على موصوف إن صلح وصفه داعيا يتقيد به منكرا ومعرفا لئلا يلغو فمنكرا مقصودا كرطبا ومعرفا غير مقصود كالرطب لمن يضره فلا يحنث بأكله تمرا وإن لم يصلح يتقيد منكرا لأنه معرفة فيكون مقصودا بالحلف نحو لا يكلم شابا لا معرفا بالإشارة نحو هذا الشاب إذ لا يصلح الوصف داعيا لأنه مظنة السفاهة لكن حرمة هجرانه أوجبت المصير إلى إرادة مطلق الذات الذي هو جزؤه مجازا بخلاف صبيا إذ لا معرف فيه غير الصبا فيكون مقصودا بالحلف فيتقيد به وإن كان هجرانه حراما كمن حلف ليشربن اليوم خمرا وليسرقن ينعقد مع حرمتها المقصود بينهما أما بعد إرادة الذات لزوم ترك الترحم صبيا والتوقير كبيرا وفي الجملة هجر المؤمن الذي هو حرام فوق ثلاثة أيام فضمني غير مصرح به والضمنيات لا تعتبر، حتى لو قال للصبي: لا أكلم هذا الذات لا يكون مرتكبا للمنهي عنه، فكان مما يثبت ضمنا لا قصدا كتضحية الجنينن وبيع الشراب والطريق.
(2/172)

أما إذا استعملت الحقيقة فإن هجر المجاز أو غلبت فهي أولى اتفافا؛ لأن شأنها اليقين عند عدم القرينة الصارفة وإلا فلا ثقة للغات أصلا، والأصل عدم الحادة وإن غلب عليها تعارفا فكذا عند الإمام في الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف وبالعكس عندهما إذ المتبادر بحسب التعارف.
فعند مشايخ بلخ أرادوا تعارف التعامل وعند مشايخ العراق تعارف التفاهم وقال مشايخ ما وراء النهر: الثاني قوله والأول قولهما ولذا يحنث من حلف لا يأكل لحما بأكل لحم الأدمي أو الخبز ببر عنده لوقوع التفاهم لا عندهما لعدم التعامل.
وقوله: أولى لأن المقصود التفاهم هذا في المبسوط وفي التمر أنه لا يحنث اتفاقا إذ لا تفاهم فيما لا تعامل كأكل النخلة.
بيانه: فيمن حلف لا يأكل الحنطة أو من هذه يقع عنده على عينها لأكلها عادة مقلية ومطبوخة وغيرهما عند الحاجة، وعندهما على مضمونها ولو في عينها ولا يشرب من الفرات فعنده على الكرع لاستعماله فيه كما في الحديث وعندهما على ما ينسب إليه بالمجاورة كالمأخوذ بالأواني لا النهر لانقطاع نسبة التبعية إلا في قوله من ماء الفرات لأنه حقيقة فلا عبرة للنسبة وإنما كان الكرع حقيقته؛ لأن ظاهر ممن يقتضي عدم الواسطة كما بين في: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] وللاستثناءين في قوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249] الآية إذ معناه إلا قليلا لم يكرعوا، قيل هذه الخلافية ابتدائية فعنده لعَدم الضرورة الصارفة عن الحقيقة وعندهما الرجحان الغالب فإنه كالمتحقق لا لأن المجاز المتعارف حقيقة عرفيةكما ظن إذْ هي عند هجرانها وقيل بنائية على أخرى هي أن خلفية المجاز في التكلم عنده، وفي الحكم عندهما.
تحريرها بعد أن لا خلاف في خلفية المجاز ووجوب تصور الأصل لثبوت اتخلف وأنهما من أوصاف اللفظ وأن التغيير فيه لا في مقصود المتكلم أن خلفيته عنها عنده بأن صار التكلم بلفظ مجازا خلفا عن التكلم به حقيقة ثم يثبت حكمه بالاستبداد لوضعيتهما للفظ وكون التغيمر فيه وعندهما بأن يكون حكم لازم الحقيقة خلفًا عن حكمها مع الصارف عنه لئلا يلغو لأن الحكم هو المقصود فاعتبار اتخلفية فيه أولى ولسان الانتقال عن الشيء يستدعي إمكانه قلنا التجوز لتوسيع الطرق لا لضرورة أداء المقصود والانتقال يستدعى فهمه لا مكانه وذا بأن يصح عمارته كما في أسدًا يرمي والحال ناطقة لغة في أنت طالق مائة إلا تسعمائة وتسعة وتسعين شرعا حيث يقع واحدة بعد أن المهجور شرعا كالمهجور عادة.
(2/173)

تنويره فيمن قال لعبده الأسن هذا ابني لم يعتق عندهما وهو قول الشافعي رضي الله عنه إذ لم ينعقد لإثبات البنوة لاستحالتها كقوله أعتقتك قبل أن أخلق أو يخلق أو للأصغر هذا جدي أو لعبده بنتي أو لأمته ابني فيلغو كقوله هذا أخي بخلافه للأصغر المعروف النسب حيث يعتق إجماعا لأنه حقيقة وإن لم ينقلب النسب ولذا يصير أمة أو ولد له لا كقوله أنت حر لصحته في مخرجه لولا عارض تعلق حق الغير لإمكان خلقه من مائة بوطء الشبهة فنظيرهما الغموس والحلف على مس السماء أما قوله لامرأته المعروفة النسب وهي أصغر هذه بنتي فإنما لا تحرم لأن موجب النسب في النكاح انتفاء حل المحلية من الأصل لإزالة الملك بعد ثبوته وذلك حقها لا حقه فلا يصدق على إبطاله.
نكتة: تصور حكم الحقيقة أعني إمكانه الذاتي من حيث المتكلم وكلامه ومحل كلامه غير تصور الحقيقة أعني إمكانها من حيث أنه كلام وأخص منه لتحقق الثاني في هذا ابني للأسن دون الأول وإن انتفيا في أعتقتك قبل أن لخلق فالإمام لا يشترط لصحة الانتقال من الحقيقة على المجاز إلا الثاني وهما الأول أيضًا وهما غير تصور البر الذي لا يشترطه أبو يوسف لانعقاد اليمين المطلقة وبقاء المؤقتة والانتقال إلى الكفارة ويشترطه الطرفان لأنه الإمكان الحالي ولو تخرق العادة فهو أخص منهما ولا منافاة بين أن يشترطه الإمام للانتقال إلى الكفارة ولا يشترط الأعم منه للانتقال إليه كما وهم لأن الانتقالين منفصلان وأيضًا لا يرد نقضا على مطلق قولنا لا بد من تصور الأصل للنقل إلى اتخلف اتفاقا لأن المراد به الإمكان الذاتي لا الحالي وإلا لما وجد مجاز لامتناعه مع الإمكان الحالي للحقيقة.
بيانه من حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه أو اليوم فصب قبل مضيه أو لأقتلن زيدا وهو ميت ولم يعلم بموته يحنث عنده لا عند الطرفين غير أن الحالف في مسألة القتل إذا علم موته يحمل على أنه يعقد يمينه على حياته المستحدثة بقدرة الله تعالى المتعارفة هي عود عين روحه إلى بدنه يحنث بالعجز الحالي وإذا لم يعلم يعقدها على الحياة المعهودة الحاصلة ولا تفصيل في مسألة الكوز إذ لم يتعارف عود عين مائه إليه وإن كان مقدورا لله تعالى فلا يحمل على عقد يمينه إلا على المتعارف وهو أن كل ماء يحصل عد في الكوز يكون غير مائه وقد حلف على مائه.
وقال الإمام يشترط صحة التكلم من حيث أن له حقيقة بخلاف أعتقتك قبل أن أخلق لخلق أو لعبده هذا ابني أو لأمته إذْ نسبة العتق كنسبته إلى الحمار وحين اعتبر الاختلاف بالذكورة والأنوثة فاحشًا في الإنسان لم يتعارف التجوز أيضًا كما لم يعتبر بين الأب والابن ولذا لا يعتق وإن كان أصغر هنا فإذا وجد وفهمت حقيقته وتعذر العمل بها
(2/174)

لا حد الأمور الخمسة يصار إلى لازمه المتعين وهو ها هنا عتقه من حين ملكه إقرار به قضاء وإن كان كاذبا وفيه إشارة إلى أنه لا يعتق ديانة كما يصار في وهبت ابنتي أو نفسي منك نكاحا أو بمهر كذا إلى النكاح قالا لاحتمال تمليك الحرة عقلا وشرعا في الجملة كما في شريعة يعقوب حتى قال بنوه جزاؤه من وجد في رحله قلنا لما انتسخ في شريعتنا لم يبق محلا كنكاح المحارم لم ينعقد أصلا ولم يصر شبهة في سقوط الحد عندهما مع بقاء المحلية في حق الأجنبي فانتفى الإمكان الحالي بخلاف مس السماء.
أما في قوله هذا أخي فعلى رواية الحسن وهو قول الإمام يعتق لا في ظاهر الرواية لاشتراك الأخوة بين الشركة في الدين والقبيلة والنسب فلا يفيد بلا بيان فلو قال أخي لأبي وأمي يعتق أما لو علل بأنها مجاورة صلب أو رحم فيستدعي واسطة فلا يفيد بدون إلْباتها وكذا في هذا جدي مع البرغري نفى الرواية فيه فلا وأما يا ابني حيث لا يعتق به إلا في رواية شاذة فلأن النداء لاستحضار المنادى بصورة الاسم فلا يستدعى تحقيق معناه إلا إذا كان معروفا بذلك الاسم.
ضابطة: النداء بوصف ثابت لاستحضاره به نحو يا طويل لمن له طول وبغير ثابت فإن صح ثبوته من جهة المنادى يثبت اقتضاء نحو يا عتيق وإلا فلاستحضاره بصورة الاسم نحو يا ابني لأكبر سنا منه أو أصغر معروف النسب.
تنبيه: التجوز في مسألتنا من إطلاق السبب عن المسبب كما أنه في قوله عبدي أو حماري حر أو على هذا الجدار ألف حيث يعتق العبد ويجب الألف عند الإمام من إطلاق المطلق وهو إلا حد لا بعينه على المقيد وعندهما لما لم يصلح إلا حد المبهم محلا لغا.
وقد ظن بعض الظن أنه استعارة تبعية في ابني لأنه بمعنى مولودي دفعا لتوهم أنه مبتدأ وخبر فيكون تثبيتها لا استعارة في الأصح لأن مبناها على دعوى الجنسية وفي المبتدأ والخبر قول بالمغايرة كما أن بناء الخلاف على أن هذا ابني تشبيه عندهما مثل هذا كابني بخلافه للأصغر سنا فإنه حقيقة فلا حاجة إلى إضمار التشبيه أما الإمام فجعل نية الحرية قرينة المجاز إيهام خيل إلهاما لتحقيق الخلاف في نحو ابني هذا فعل كذا.
تقريب: فالحقيقة إذا استعملت صارت أولى تكلما والمجاز لغلبته صار أولى حكما لقربه فهما قلنا الترجيح بالغلبة ترجيح بالزيادة من جنس العلة وهو مردود بخلاف المهجورة وقال الإمام فخر الإِسلام لعمومه الحقيقة أيضًا والعموم إنما يصلح دليلا لو اعتبر الحكم لا التكلم فليس مستقلا كما ظن وهذا فيما يكون المجاز أعم والدليل الشامل
(2/175)

ما مر.
تدقيق الفصل وتحقيق الأصل: قوله للأصغر المعروف النسب هذا ابني حقيقة في إثبات بنوته وإن لم ينقلب النسب لا تحرير مبتدأ لجواز ثبوت النسب من واحد ولو بوطء الشبهة واشتهاره من آخر ولذا يثبت أمومة الولد لأمة لا كانت حرة كما مر لأن إمكان العمل بالحقيقة بعينها يدل عليه مسائل الجامع.
قال في صحته لجارية لها أولاد ببطون أحدهم ولدي ومات قبل البيان يعتق عند لصاحبين ثلث الأول ونصف الثاني لأن أحوال الإصابة واحدة فإن للأسباب تزاحمًا فبنوة أحدهما يمنع الباقين وأحوال الحرمان متعددة لإمكان اجتماعها وكذا الثالث.
ولو كان تحريرا مبتدأ عتق الثلث من كل نحو أحدهم حر وهو قول الإِمام رضي الله عنه ولو قال في مرضه ولا مال غيرهم ولا أجازه وهو سواء يجعل كل رقبة ستة للنصف والثلث وسهام العتق من الثلاثة أحد عشر يضيق عنها الثلث فيجعل كل أحد عشر ويعتق سهما الأكبر وثلاثة الأوسط وستة الأصغر ويسعون في الباقي ولو قال في صحته عبد وابنه وابنى ابنه ببطنين وكلهم أصغر فمات مجهلا يعتق ربع الأول لأن أحوال حرمانه ثلاثة وثلث الثاني لأن لحرمانه حالتين وحالا أصابه بكونه مرادا أو حافدا أريد أبوه وثلاثة أرباع كل من الأخيرين لان أحدهما حر بيقين لوجوب أن يراد أحدهما أو أبوهما أحدهما والآخر حر لو أريد هو أو أبوه أو جده ليس حرا لو أريد أخوه فيعتق النصف منه لوحدة أحوال الإصابة فحرية الكل والنصف قسمت بينهما ولو كان ابن الابن واحد فثلث الأول ونصف الثاني وكل الثالث والكل بحكم الحقيقة وهي البنوة لاحتمال النسب لا لأنه تحرير مبتدأ وإلا لعتق من كل ثلثه.
ثم قيل هذه أيضًا خلافية فيعتق عند الإمام من كل ربعه أو ثلثه كما في الأولى والأصح أنهما وفاقية والفرق له أن احتمال النسب في الأولى على السواء والتفاوت في العتق الحاصل بالسراية من الأم وذلك كالمجاز من الحقيقة فلا يجمع بينهما وها هنا لا عتق بطريق السراية إذ لا يلزم من حرية الأب حرية أولاده بل بجهة النسب بكونهم حفدة وهم في ملكه فلذا يعتبر الأحوال.
أما لو قال في مرضه ولا مال ولا أجازه يجعل كل رقبة اثنى عشر للربع والثلث يبلغ ثمانية وأربعين يضيق سهام الوصية وهي خمسة وعشرون عن ثلثها وهو ستة عشر فجعل الخمسة والعشرون ثلثا لكن ثلث الرقبات الأربع رقبة وثلث فالرقبة ثلاثة أرباع الثلث وليس لخمسة وعشرين ربع صحيح فضربت الأربعة فيها بلغ الثلث كل رقبة خمسة
(2/176)

وسبعين فضرب كل من ثلاثة الجد وأربعة الأب وعتق مبلغيه ويسعى في الباقي أما فيه فعن الإِمام طريقان:
1 - أنه إقرار بالحرية من حين ملكه فيكون إقرار بأمومة الولد لأمة لاحتمالها الإقرار.
2 - أن الإقرار بالنسب تحرير مبتدأ كما قلنا في رجلين ورثا عبدا مجهولا فادعى أحدهما بنوته غرم لشريكه كأنه اعتقه ولو كان كأنه ورثه لم يغرم لعدم الفعل منه ولذلك لأن النسب لو ثبت لثبت بقوله والاستناد إلى القول شأن التحرير فيجعل مجازا عنه وإثبات أمومة الولد من حكم الفعل لا القول.
قال شمس الأئمة والأول أصح إذ لو قال هذا ابني مكرها لا يعتق فليس تحريرا مبتدأ والغرم لشريكه لا يختص بالإنشاء فقد يثبت بالإقرار كقوله عتق على من حين ملكته.
تفريغ آخر: يجوز الصلاة بآية قصيرة والجمعة بخطة قصيرة عنده لأن القراءة والذكر فيهما مستعملان وعندهما لا بد مما يسمى قراءة وخطة عرفا ولا نقض عليهما دون الآية لأنه خارج إجماعا والعام الذي خص عنه حقيقة في الباقي أو قريب منها ولا عليهما بما خلف لا يقرأ القرآن حيث يحنث بقراءة آية لأن القراءة في الآية الفذة متعارفة خارج الصلاة كالذكر مطلقا خارج الجمعة والتعارف في الثلاث للصلاة.

فصل
في الأمور الخمسة التي يترك بها الحقيقة أعني القرائن الصارفة عنها مقالية كانت أو حالية وواحدة كانت أو متعددة أو ممتلئة منها ودلالتها على الصرف عقلية أو عرفية.
وحصرها المشايخ في خمسة إما بدلالة العرف قولا والعادة فعلا أو اللفظ في نفسه بحسب اشتقاقه أو إطلاقه أو السباق أو حال المتكلم أو محل الكلام لأن القرينة إن كانت مقالية فدلالتها إما من نفس ذلك اللفظ من حيث اشتقاقه أو إطلاقه المقتضي لكمال حقيقته القوية في القوة والضعيفة في الضعف وهو الثاني وإما من لفظ يقارنه ويندرج فيه كون القرينة في التبعية نسبة الحدث إلى فاعله أو إلى مفعوله الأول أو الثاني أو المجرور أو غيره أو المجموع وهو الشاك وإن كانت حالية فإما من حال المتكلم الحقيقة ككونه بحيث يستحيل صدور ذلك الكلام عنه عقلا ومنه كونه حكيما لا يأمر بالفحشاء أو عادة ومنه كونه موحدا غير دهري في أنبت الربيع البقل أو الإضافية ككونه مجيبا وهو الرابع وإما من حال الكلام كصدقه وهو الخامس وإما من حال أهل الكلام كتعارفهم الأقوال وتعودهم الأفعال وهو الأول قدم لأنه أغلب ثم دلالة القرينة عرفية أو عادية عامتان أو خاصتان بالشرع أو غيره في الأول ويندرج فيهما الحسية التي يعرف العرف فيها بالحس فالأول
(2/177)

قسمان ما بدلالته الاستعمال قول وله أمثلة:
1 - المنقولات الشرعية كالصلاة عن الدعاء إلى العبادة المخصوصة المشروعة للذكر وكل ذكر دعاء وكالحج من القصد إلى عبادة هو فيها وكالعمرة اسم من الاعتمار وهو الزيادة والزكاة عن النماء والتطهير إلى العبادتين فإنها فيها مجازات لغوية تعورفت إلى أن صارت حقائقها مهجورة حتى لا يلزم الحالف بها إلا العبادات والتعارف لإيجابه التفاهم دليل ترك الحقيقة كالدراهم في نقد البلد فمن نذرها يلزمه المجازات.
2 - المنقولات العرفية كمن نذر المشي إلى بيت الله تعالى يلزمه حجة أو عمرة ماشيا والخيار إليه وليس كناية لأن حقيقته مطلق المشي وليس بمراد على أن إرادتهما معا في الكناية أيضًا ممنوع كما مر أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة إهداء ثوب استحسانا فيهما وفي القياس لا شيء عليه إذ ليس من جنسهما واجب شرعا والعرف مخصوص بالمشي المضاف إلى الكعبة أو بيت الله أو مكة فالمشي إلى الحرم والمسجد الحرام ليس كذلك عند الإمام لذلك منه لزوم ذبح الهدي بالحرم بقوله علي أن أذبح الهدي ولزوم ذبح الشاة بقوله علي أن أنحر ولدي أو أذبحه أو أضحية عند الطرفين.
3 - أمثلة الحقائق المعذرة السالفة التي بالحس عرف تركها من آكل النخلة والقدر والدقيق ورب ماء البئر الغير المملوءة.
4 - أمثلة الحقائق المهجورة التي عرف بالحس أو الشرع عرف هجرها من وضع القدم والتوكل بالخصومة وعدم كلام هذا الصبي.
وما بدلالة العادة فعلا ومنه استحالة صدور الفعل عن الفاعل المذكور عادة في نحو هزم الأمير ونبى الوزير وكسا اتخلفية وذلك نحو وقوع لا يأكل رأسا على المتعارف كرأس البقر والغنم عنده والغنم فقط عندهما لا رأس الجراد والعصفور وهو فيهما حقيقة وبيضا على بيض الإوز والدجاج.
وفي المبسوط بيض الطير مطلقا أي ما له قشر ويؤكل لا بيض السمك وطبخا أو شواء على اللحم المطوخ أو مائه لا المقلي ولا البيض والباذنجان والسلق والجزر استحسانا في الكل للتعود عليهم إذا نوى الكل والتمثيل بهذه لصرف اللفظ عن بعض الأفراد التي هي حقائق وعن هذا مر أن المخصص كالمجاز أو على مذهب الكرخي أن المخصص مجازا أو لغاية تقاربهما بفهم حال أحدهما من مثال الآخر.
والثانى أيضًا قسمان:
ما بدلالة اشتقاق اللفظ نحو لا يأكل لحما لا يقع على لحم السمك خلافا لمالك فإنه
(2/178)

حقيقة فيه لقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] ولذا لا يصح نفيه منه قلنا لما عنا الشدة بدلالَة التحامَ الحرب والجرح والملحمة وهي بالدم ولا دم فيه ولذا يعيش في الماء ويحل بلا زكاة لم يتناوله مطلقه ولذا لا يطلق على لحم السمك إلا مفيدا ومنه الآية فإنها دليل أنه فرد منه في الجملة لا إرادته من مطلقه وكذا على الجراد إذ لا دم له ولذا لا يذبح ولا يرد لحم الخنزير والأدمى على ما في المبسوط أنه يحنث بهما لأن الإضافة فيهما للتعرف كلحم الطير لا للتقييد ومدار الفرق وجود الشدة الدموية وعدمها.
وما بدلالة إطلاقه فإن شأن المطلق أن ينصرف إلى الكامل في الحقيقة ككل مملوك لا يتناول المكاتب بنت مولاه بموت المولى أما الرقبة في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] فيتناوله لكمال رقه وأنه عبد ما بقى عليه درهم ولذا يقبل الفسخ لا يتناول لا الشلاء والعمياء لهلاكهما من جهة فوت المنفعة والمدبر وأم الولد عكسه في هذه الأحكام فيتناولهما المملوك لا الرقبة لأن في التحرير إزالة الرق عنده ونفسها عندهما فيستدعى كماله وكذا كل امرأة لا يتناول المبتوتة ولو في العدة إلا بالنية ومطلق الصلاة صلاة الجنازة وإدراجها في: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] بالإلحاق الإجماعي.
ثم هذا يقتضى كمال حقيقته القوية في القوة ومنه ما يقتضي كمال حقيقته الضعيفة في الضعف نحو لا يأكل فاكهة لم يحنث عند الإِمام بأكل الرمان والعنب والرطب إلا إذا نوى وقالا وهو قول الشافعي - رحمه الله - يحنث كالتين لتناوله بل الكامل أولى كالطرار قلنا لما أنبأ عن التنعيم الزائد على التغذى وهو بالتبعية لا الغذائية والدوائية انصرف إلى الكامل فيها وهو القاصر فيها فإنهما تغيران التفكه والطر يقرر أمر السرقة والحق تخريجه من كماله لا من نقصانه كما زعم وإلا يلزم أن ينصرف بعض المطلق إلى الناقص.
قال المتأخرون ينبغى أن يحنث في عرفنا اتفاقا ومثله لا يأكل إذا ما يقع على ما يصطبغ الخبز به كالملح والخل لا على اللحم والبيض والجبن خلافا لهما لأن الموآدمة الموافقة والتبعية وللحديث في الثمرة وخصص ما يؤكل وحده لا تابعا غالبا كالبطيخ والتمر والعنب بخلاف تلك.
قلنا كمال الموافقة والتبعية فيما يختلط به ولا يحتاج إلى تجديد الحمل والمضغ والابتلاع فلا يتناول مطلقه القاصر فيها فإن كان كاملا من جهة أخرى والحديث مع أنه مقيد في دليل فرديته فقط وعن أبي يوسف روايتان والفرق على إحديهما شيوع إطلاق الفاكهة على تلك لا الإدام على هذه وقوله أشتري جارية لخدمني فاشترى الشلاء أو العمياء أو جارية أطأها فأشترى أخته من الرضاع لا يجوز.
(2/179)

والثالث: أيضًا قسمان ما بسياقه المتقدم وسياقه المتأخر وقد يطلق السياق عليهما نحو: [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ] [الكهف: 29] ترك حقيقة الأمر بتعليقه بالشية وكذا من شاء فليكفر بذلك وهذا سياق وبقوله {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] وهذا سياق وحمل الثاني على الإنكار والتوبيخ على فعله والأَولَ عَلى تركه.
ومنه جمعهما في {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] للسياق.
ومن المسائل قوله للمستأمن أنزل فأَنت آمن أمان وإن قارنه ستعلم ما تلقى أو إن كنت رجلًا ليس به فلو نزل صار فيئًا وكذا طلق امرأتى أو افعل كذا إن كنت رجلًا أو إن قدرت ليس توكيلا ونعم لك على ألف درهم ما بعدك ليس إقرارا والكل توبيخ بالسياق عرفا.
والرابع: أيضًا قسمان ما بدلالة حال المتكلم الثابتة قبل الكلام عقلا نحو: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] أي حرك بوسوستك لما استحال صدور الأمر بالمعصية منه لكوَنه حَكيما لا يأمر بالفحشاء لا لكونها غير أصلح حمل على الأقدار الظاهري الذي هو منح الأسباب والألات السليمة فإنه لازم الإيجاب لا مسببه كما ظن أو عادة نحو انبت الربيع وشفى الطيب وسرتني رؤيتك من الموحد.
وما بدلالة حاله الثابتة عند الكلام عادة ككونه مجيبا فيمن دعا إلى غذاء فحلف لا يتغذى وامرأة قامت للخروج فيقال لئن خرجت ينصرف إلى ذلك الغذاء والخروج مع أن الفعل نكرة في سياق النفى ولا خلاف في عمومه إلا بحسب المفعولات ونحوها مما هي شرط الوجود لا الفهم ويسمى يمين الفور سبق بإخراجه أبو حنيفة - رحمه الله - أخذًا من حديث جابر وابنه حيث دعيا إلى نصرة الإِسلام فحلفا أن لا ينصراه ثم نصراه بعد مدة ولم يحنثا وكان يقال قبله اليمين مؤبدة أو مؤقتة فأخرج قسما ثالثا هو مؤبدة لفظا مؤقتة معنى.
ومنه ما وكل بشراء اللحم يتقيد بالني مقيما وبالمطبوخ والمسوى مسافرا أو بشراء فرس أو خادم يتقيد بحال الأمر أدلى أو أعلى.
والخامس: قسم واحد هو كلام لولا ما فيه من التجوز لما صدق فيقيد تجوزا بما يقتضيه محله فالصارف صدقة والمعين للمجاز محله فلذا جاز أن يقال بدلالة حال الكلام أو محله وقد ظن أن نحو اليمين بأن لا يأكل النخلة منه لأنها لا تقبل إلاَّكل وهو بعض الظن وإلا لكان كل من الحقائق المتعذرة المهجورة عرفا أو شرعا ونحو أنبت الربيع البقل كذلك.
(2/180)

منه: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [فاطر: 19] أي في الإدراك البصري، {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] أي في الفوز بالسباق فلا ينافيه قصاص المسلم بالذمي ومساواة ديتهما وتملك الحربي بالاستيلاء كما ظنه الشافعي - رحمه الله- كما في الآية الأولى لأن الفعل وإن عم لكونه نكرة في سياق النفي فحقيقته عموم النفي لا نفي العموم كما وهم لكنه خص ضرورة صدقه بما يقتضيه محله وهذا أحد الوجوه السالفة في تحقيقه.
ومنه: أن كاف التشبيه قد يفيد إطلاقه بعد أنه لا يوجب العموم إلا إذا دخل في العام واحتمله محله وقد مر.
ومنه: الأعمال بالنيات ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان، أي حكمها أي ما صدق عليه حكمها وقد مر مرتين.
تنبيه: مر بحث تحريم الأعيان وما بينه وبين تحريم الأفعال تحصيل قد يعتذر الحقيقة والمجاز معا كقوله لأمر إنه المعروفة النسب تولد لمثله أو لا هذه بنتي لا تحرم وإن أصر إلا أن القاضي يفرق بينهما عند الإصرار لكونها كالمعلقة كما في الجب والعنة خلافا للشافعي فيما يولد لمثله لأن ملك النكاح أضعف من ملك اليمين والأولاد أنس له منه فينتفي بذلك بالأولى.
قلنا: تعذر الطريقان فيه أما الحقيقة ففي الآسن ظاهر وكذا في غيره أما في حق ثبوت النسب فلأنه مطلقا وفي حق كل الناس إبطال حق من اشتهر منه وفي حق نفسه فقط لأن الشرع كذبه وتكذيبه ليس أدلى من تكذيب نفسه فقام مقام رجوعه والإقرار بالنسب مما يحتمل الرجوع.
وأما في حق التحريم لكونه لازما وموجبا للبناة لا لكونه مرادا مجازا إذ الكلام في الحقيقة فلان الملزوم لو بطل كما قلنا يبطل اللازم ببطلانه كبطلان العتق لبطلان شراء الابن ولو صح ولم يتأت ما قلنا في بطلانه كما في مجهولة النسب فإن المذكور في المبسوط وإشارات الأسرار أنها أيضًا لا تحرم فلما لا تحرم أو كان مجازا عن التحريم في الآسن وغيره وهو أنه على تقدير ثبوته تحريم يتوقف على النكاح السابق فإن هذا القول للأجنبية المعروفة النسب أو المكذبة لغو وكل تحريم يتوقف عليه لا يكون منافيا ومبطلا لانعقاده وإلا لكان مبطلا لنفسه كالتطليق والتحريم اللازم من البنتية مرادا كان أو موجبا ينافيه فهذا مما لا حقيقة له فلا يصار إلى مجازه اتفاقا نحو أعتقتك قبل أن لخلق أو لعبدته هذه بنتي بخلاف قوله لعبده الاسن وغيره هذا ابني فإن العتق لا ينافي تلك اليمين بل قد
(2/181)

يتوقف عليه كما في شراء الابن هذا أقصى ما فهمته من كلام فخر الإِسلام عامله الله بكامل كرمه.
بقى أنه إذا لم يتأت ما قلنا في معروفه النسب فأي دليل على عدم ثبوت النسب يشملها والمجهولة التي تولد لمثله والأجنبية المكذبة مطلقا وهو ما مر أن حل المحلية حقها الثابت شرعا كرامة لها ولذا يزداد بحريتها وينتقض برقها فلا يملك الزوج إبطاله إقرارًا عليها ومنه يعلم أن تكذيب الشرع ليس لثبوت النسب من غيره بل أعم منه وأن ذكر التحريم اللازم ليس قبيحا وأن دليله ليس بطلان الحقيقة مطلقا إذ لم يعلم ذلك بعد كما ظن كل منهما.

الفصل الرابع عشر في حكم المجاز
منه ثبوت ما استعير له خاصا كان كالغائط للحديث أو عاما نحو الصالح في حديث ابن عمر فإنه لما لم يحله إجماعا عاما عندنا مطعوما كان أو جصا ونوره فيقضي بعبارته حومة بينهما متفاضلا ولأن المراد ما يكال به فالكيل مأخذه يكون علة بإشارته فيجوز الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين فيعارض فيهما قوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام إلا سواء بسواء" فإنه عكسه في العبارة والإشارة قال الشافعي - رحمه الله - لا يعارضه إذْ لا عموم للمجاز فلما أريد بالمكيل المطعوم ليوافقه أو بالإجماع لم يرد غيره وذلك لأن طريق ثبت ضرورة التوسعة على المتكلم وهي تندفع بلا عموم كما في المقتضى عندكم ولئن سلم المعارضة غلب المحرم على المبيح والخلاف نقل الثقة فالأوجه لمنعه قلنا ما كر في التنزيل متعلقا بالمتكلم لا يكون ضروريا.
تنويره أنه إن أريد بضرورة التوسعة حصولها فالترادف كذلك فلا عموم لشىء من المترادفات وليس كذا وإن أريد أنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الحقيقة فلا نسلمه بل هو أحد نوعي الكلام كالحقيقة وإلا لما وقع في كلام الله تعالى المنزه عن العجز والضرورة ولئن سلم فربما يكون العجز عن الحقيقة لتحصيل العموم كيف ومن الواجب في صناعه البلاغة رعايته في خطاب الذكي وعند قصد شيء من فوائده السالفة وإن كانت الحقيقة حاضرة.
والتحقيق أن العموم لدليله كالتثنية والجمع كان في الحقيقة أو في المجاز وتغليب المحرم معارض بالمثل أما وقوع المقتضي في كلام الله تعالى فلأن ضرورته عائدة إلى وقوف السامع وصحة الكلام ولذا عد في أقسامه وهذه عائدة إلى المتكلم إذ المجاز من أقسام الاستعمال.
(2/182)

ومنه استحالة اجتماعه مع الحقيقة في الإرادة بخلافه في الاحتمال والتناول الظاهري كما في استيمان الأبناء والموالي وقد يسمى عموم المجاز لمحما يطلق في المشهور على كون المعنى المجازي بحيث يعم معنى الحقيقة.
ولخرير المذاهب وتقرير الأقوال كما سبق في عموم المشترك فلا خلاف في إرادة المجموع من حيث هو مجازا عند شروط إطلاق الجزء على الكل من كون الكل ماهية واحدة اعتبر لزومها للجزء كالرقبة على الإنسان بخلاف الأسد على المفترس والشجاع ولا في إرادة كل منهما بدلا ولا في إرادة معنى يعمهما مجازًا بل في إرادة كل منهما فأحدهما للوضع والآخر لمناسبته للأول قبل ولا في امتناع أن يستعمل فيما بحيث يكون اللفظ حقيقة ومجازا بحسبه فإنه موضوع للحقيقي وحده فهو في المجموع مجاز اتفاقًا ولا في رجحان الحقيقة إذا دار بينهما وخلا عن القرينة بل في أن إيراد المعينات معًا ويكون كل مناط الحكم أحدهما بالوضع والآخر بالقرينة نحو رأيت أسدين يرمي أحدهما ويفترس الآخر وإن كان اللفظ مجازًا في هذا الاستعمال.
وفيه شيء أما رواية فلان المنصوص في كتب الشافعية أن مذهبه أن اللفظ ظاهر في المعنيين بل حقيقة فيهما كما في المشترك حيث الحق المعنى المجازي للوضع النوعي للعلاقة بالحقيقى وكونه مجازًا فيهما مختار ابن الحاجب رحمه الله فكيف ادعى الاتفاق في المجازية والأصح أن الخلاف في التثنية والجمع بناء على المفرد ولا صحة للمثال المذكور عند اشتراط الجنسية في مفهومها وأما دراية فلما كان اللفظ مجازًا لم يكن لا بد من القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي فإما عن نفسه فلا يكون مرادًا وإما عن وحدته كما وهم فدل أن وحدته معتبرة في الوضع ومعدودة إن لم ينافيها إرادة المجازى لم يتحقق الصرف وقد اعترف به وإن نافتها امتنع اجتماعهما وستزداد وضوحًا.
لنا مسلكان:
1 - أن الجمع لم يرد لغة قيل هو الحق مع أنه استقراء النفى وعدم الوجدان لا يقتضى عدم الوجود.
2 - امتناعه لكن بحسب وضع اللغة لا عقلا وهو المختار كما في المشترك وبناؤه على أن الكلام في اللفظ الذي معناه تمام الموضوع له من كل وجه فلا بد للواضع من ملاحظة انفراده حين الوضع بمعنى اعتبار عدم الاجتماع لا بمعنى عدم اعتبار الاجتماع وإلا لم يكن تمامه فالجمع مخالفه فنقول كل ما ذكروه من أدلة امتناعه مبنى عليه فلنعدها تصحيحًا لها.
(2/183)

1 - أن المتبوع راجح أي عند الخلو عن القرينة وإلا فلا ثقة على أن المتبوع هو المعنى الحقيقط بصفة الانفراد لا مطلقًا لأن الكلام في تمام الموضوع له من كل وجه.
2 - أن الاستقرار في محله أي الموضوع له عند الخلو عنها قاعدة وطبيعية فلو استعمل فيهما لزم الاستقرار وعدمه أو مخالفة الوضع.
3 - لزوم إرادته منفردًا حتى لا يخالف الوضع وعدمها.
4 - لزوم الاستغناء عن القرينة الصارفة والاحتياج إليها قيل المشروط بتلك القرينة كون اللفظ مجازًا إلا إرادة المعنى المجازي متصلًا بالحقيقي بنوع علاقة والنزاع في الثاني وليس بشيء فإن اللفظ في هذا الاستعمال مجاز باعترافه كيف ولا وضع يوافقه فلو كان حقيقة فلا ثقة للغة وإذا كان مجازًا لم يكن بد من قران القرينة الصارفة كيف وكون اللفظ مجاز اللازم له وشرط اللازم شرط للملزوم.
قال الموضوع له هو المعنى الحقيقي وحده والقرينة هنا صارفة عن وحدته وليس مخلص لأن الوحدة إذ لوحظت في الوضع يلزم من انتفائها هنا انتفاؤه وإلا فلا صرف ولأن الصرف إن وجد فلا موضوع له وإن لم يوجد فلا مجاز.
5 - أن المعنى الحقيقي بتمامه حق اللفظ ومحله المشغول به وضعًا كما أن الثوب المملوك بتمامه حق المالك شرعًا والملبوس بتمامه مكان اللابس عقلا فكما يمنع هذا كون ذلك الثوب حق المستعير شرعًا في آن واحد وشاغل لابس آخر عقلا يمنع ذلك أيضًا وضعًا وإن لم يمنع عقلا وشرعًا وهذا تمثيل للتوضيح وإلحاق لمقتضى الوضع بمقتضاهما أما استعارة الراهن ثوب الرهن من المرتهن فمجاز وتصرفه بالمالكية ولذا لا يضمن المرتهن ولا يسقط الدين بهلاكه.
فروعها قسمان:
ما أريدت به الحقيقة:
1 - ما أريدت به الحقيقة لم يرد به المجاز كالوصية لموالى زيد أو أبنائه وأولاده لا يتناول موالى مواليه وأحفاده لأنها مضافة حقيقة في الأوائل ومجاز فيما بالوسائط إذ ثمة مباشرة وهنا تسبيب لا لأن كون إضافة المشتق للاختصاص في معناه كما ظن فإنها للاختصاص في الإثبات لا في الثبوت. أما مطلقه فحقيقة في الكل فلو وجد من الأوائل اثنان فصاعدًا ولا أعلى له كان كلها لهم أو واحد فالنصف له والباقي للورثة.
لا يقال الجمع في الواحد والاثنين مجاز ففيه الجمع.
(2/184)

لأنا نقول لا جمع في الإرادة والمتحقق وجود الواحد أو الاثنين لإرادتهما أو لم يوجد فالكل لما بالوسائط منزلا كذلك في كل مرتبة ولا يرد تكملة الثلثين ببنات الابن مع الصلبية لأنها بالسنة أو لأن الوارد فيها لفظ النساء لا البنات لكنه في الأبناء قول الإِمام آخرًا فإن قوله أولا وهو قولهما تناول الفريقين بعموم المجاز لأن إطلاق الأبناء عليهما متعارف فهو كالشرب من الفرات وأيضًا عند للذكرر خاصة وعندهما وللإناث حال الاختلاط لذلك لا حال انفرادهن اتفاقًا أما الأولاد التي للذكرر والإناث مختلطة ومنفردة اتفاقًا فأشار شمس الأئمة رحمه الله أن فيها الخلاف السابق، وقيل: عدم تناول الأحفاد وفاق فيها فالفرق لهم عدم تعارف أولاد فلان في أحفاده كتعارف بني فلان وهذا كما لم يعم المشترك لكانت الوصية للموالي وله أسافل وأعالي باطلة وإن رويت الأقسام الأُخر من ترجيح الأعالي شكرًا للأنعام أو الأسافل قصدًا للإتقام أو القسمة بينهما وهو قول الشافعي قولا بعموم المشترك أو عموم المجاز ولا يرد ما حلف لا يكلم مواليه يتناول الأعلى والأسفل لأنه بمعنى أحدهما فيعم في سياق النفي كهو وإنما يبطل الوصية لأحد هذين للجهالة فإنه في سياق الإثبات فإذ لم يجز عموم المشترك لاختلاف الحقيقتين مع أن دلالتهما وضعية وغير مشروطة بالقرينة فلأن لا يجوز عموم المجاز والحقيقة على اختلاف دلالتهما من وجهين أولى.
وقالوا إذا جاز عموم المشترك عند بعضهم ولا مناسبة بين معنييه فلأن يجوز عموم المجاز، وفيه هي أولى. قلنا: لولا تنافي اللازمين وهما اشتراط القرينة وعدمها أما الاستئمان على الأبناء فإنما يدخل فيه الأحفاد استحسانًا لا لجمع بل لأن تناولها الظاهري للفروع الخلقية حيث يطلق بنو آدم وبنو هاشم وبنو لقيم على الكل صار شبهة وهو مما يثبت بها عكس الوصية حقنًا للدم وصونًا لبنيان الرب ولذا يثبت بقوله أنزل لأقتلك أو دعائه إلى نفسه للمقاتلة فظنه الكافر أما أنا فنزل بخلافه على الآباء والأمهات حيث لا يدخل الأجداد والجدات لأنها أصول خلقة فمع معارضته لم يظهر أثر تناول ظاهر الاسم لأنه طريق ضعيف فحرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد على هذا بالإجماع لا بتناول لفظ الأمهات والبنات وكذا استحقاق الميراث ولا يلزم أن المكاتب إذا اشترى أباه بتكاتب عليه لأن كلامنا في تناول اللفظ لا في سراية الحكم بطريق شرعي.
ثم هذه التخريجات على تقدير أن لا يثبت إرادة الفرع من الابن والبنت والأصل من الأب والأم بعموم المجاز لدلالة القرينة أو أنهما معناهما لغة أما لو ثبت كما قيل في آية تحريم النكاح والمواريث وهن أم الكتاب وإله آبائك فلا كلام في تناول الوصية
(2/185)

كالاستيمان وحرمة النكاح واستحقاق الميراث وإنما لم يتعرض المشايخ له هنا إما لعدم ثبوتها وإما لأنه لا يتأتى في الموالى.
ومن نظيره أن لا يلحق غير الخمر بها حدًا بتناول اللفظ لأنها في الني من ماء العنب حقيقة وفي المسكرات الآخر مجاز باعتبار مخامرة العقل كما استدل بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه على وجوب الحد بقليله وإلحاقنا عند حصول السكر بالإجماع وبقوله عليه السلام والسكر من كل شراب لا لتناوله.
2 - ما أريد به المجاز لم يرد به الحقيقة كقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] لما أريد المجامعة مجازًا بإجماع الأئمة الأربعة حتى حل للجنب التيمم بطل إرادة المس باليد ليكون مس المرأة حدثًا خلافًا للشافعي رضي الله عنه وإرادة مطلق المس الشامل لا قرينة لها ولم يفسر به أحد ولو صحت ويثبت فلا نزاع كما لا نزاع في حمل القراءتين على المعنين كما في يطهرن مشددًا ومخففًا وأرجلكم منصوبًا ومجرورًا وقد يقال من حمله من الصحابة على المس باليد لم يجوز تيمم الجنب كابن مسعود رضي الله عنه ومن حمله على الوطئ لم يجعل المس حدثًا كعلي وابن عباس رضي الله عنهما ومن تبعهما.
فالقول بهما بالقراءتين خرق لإجماعهم ورد بأن عدم القول بأحد الحكمين ليس قولا بعدمه بل سكون فلا خرق قلنا سيجيء أن مثله خرق عند الخلافيين جرًا على أن السكوت فيما عم به البلوى بيان لا سيما في الصحابة على أن عدم قولهم بالعلم ممنوع.
رفع إبهامات لدفع إيهامات:
قلنا بعموم المجاز لا بالجمع بينهما فيما يحنث بالدخول حافيًا ومنتعلا ماشيًا وراكبًا في لا يضع قدمه في دار فلان إذ المراد لا يدخل مطلقًا لأنه مسببه لهجر حقيقته وهو وضع القدم حافيًا ولو بدون دخول الجسد فلو نوى حقيقته يصدق ديانة ولو نوى المشي فديانة وقضاء لأنه حقيقة مستعملة.
كذا في المبسوط أما في المحيط فينوي حقيقته ديانة وقضاء مطلقًا وبالملك والإجارة والعارية في لا يدخل دار فلان أو بيت فلان خلافًا للشافعي في غير الملك لأن المراد نسبة السكنى التي تعمهما فصار كمسكن فلا لأنها لا تهجر لذاتها بل لبغض ساكنها وهي أعم من الحقيقة والتقديرية بالتمكن منها للمالك غير أن شمس الأئمة رحمه الله ذكر أنه لا يحنث بدخول مملوكته المسكونة لغيره فتختص بالحقيقة وينوي حقيقته لأنها مستعملة وبما قدم ليلا أو نهارًا في امرأته طالق يوم يقدم زيد لأن ظرف الفعل بلا واسطة معيار له كما عرف فإذا قارن الممتد امتد المعيار فيراد النهار وإذا قارن غير الممتد كوقوع الطلاق
(2/186)

لم يمتد فيراد الوقت الذي يعمهما وينوي حقيقته ديانة وقضاء في ظاهر الرواية وفي رواية أبي يوسف ديانة فقط لأنه المتعارف في المجاز والحقيقة خلاف الظاهر.
قال جواهر زاده والحق هو الظاهر لأنها حقيقة مستعملة كما في وضع القدم وبه يعرف أن المراد بالمقارن المظروف لا المضاف إليه وهو الحق لأنه الموثر والمقصود من الإضافة البيان لا النظر فيه فذكر المضاف إليه من بعض المشايخ فيما وافق المظروف امتدادًا وعده تسامح كيف والرواية الظهيرية المحفوظة فيمن قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان فقدم نهارًا ولم تعلم حتى حسن الليل لا خيار لها دليل عدم اعتبار المضاف إليه إذ لو علمت قبل جنان الليل بعد مهلة من قدومه لها الخيار ومنه يعلم أن ما ذكر صاحب التنقيح في شرح الوقاية من حمله في قسمي اختلاف المظروف والمضاف إليه على النهار لكونه حقيقة مع مخالفته لما يفهم من المحيط أن اليوم مشترك بين المعنين ومتعارف فيهما بحسب الشرطين غير صحيح رواية ودراية والممتد ما صح فيه ضرب المدة كاللبس والركوب والمساكنة وغير الممتد ما لم يصح كالخروج والدخول والقدوم فالطلاق لا يمتد إذ لا يصح طلقت شهرًا وتفويضه يمتد لصحة فوضت يومًا وعد الكلام مما لا يمتد لأنه لا يمتد يومًا غالبًا والمراد ذلك.
تنبيه:
هذان أصلان فلا يتغيران إلا بالقرينة كما بالنية.
ومنه قولهم اركب يوم يأتيك العدو واكتسب يوم لخاف الفقر في الممتد وأنت طالق يوم تنكشف الشمس وأنت حر يوم يصوم الناس في غيره على أننا نمنع التخيف ففي الأول لإخراجه مخرج الغالب وفي الثاني لأنه لا يلزم من عدم التحقق عدم الإرادة كما عمل الصاحبان به لا بالجمع كما وهم في لا يأكل من هذه الحنطة ولا نية له فعنده على القضم وعندهما يحنث بأكلها وأكل ما يتخذ منها رواية واحدة لأن المراد أكل ما فيها بالعادة كالخبز بخلاف السويق إلا عند محمَّد رحمه الله لأنه غير جنس الدقيق عرفًا ولذا صح مبايعتهما متفاضلا ولو نوى عينها صحت لأنه حقيقته كما في لا يأكل من الدقيق ونوى عينه وإن صرف بلا نية إلى نحو الخبز عندهم وكذا لو نوى ما يتخذ منها لأنه محتمل وفي لا يشرب من الفرات ولا نية له فعنده على الكرع ولو نوى الاغتراف لا يصدق قضاء لأنه مجاز فيه تخفيف وعندهما يحنث بالاغتراف باليد أو بالإناء وكذا بالكرع في الأصح عنهما لا لأن المراد ماء الفرات كما وهم وإلا يحنث بالشرب من نهر يأخذ منه كما هو الحكم فيه بل لأنه أريد الماء المنسوب إليه المجاور له وبالنهر ينقطع
(2/187)

النسبة لا بالأواني.
قال الطرفان رحمهم الله فيمن قال على صوم رجب ونوى اليمين أو كليهما عليه بالحنث قضاء المنذور والكفارة كما اتفقوا على النذر فيما نواه أو منع نفى اليمين أو لم ينو شيئًا وعلى اليمين لو نواها ونفى النذر وقال أبو يوسف يمين في الأول ونذر في الثاني وإلا الجمع.
قلنا إطلاق اللفظ على لازم مسماه مع نية الصرف عنه مجازى كما في الرابعة من الاتفاقيات لا إطلاقه على مسماه مقصودًا لازمه معه أو مسكوتًا عنه إذ كثيرًا ما يقصد لوازم الحقائق معها لا بطريق إطلاق عليها لو كان مع الصارف عن الحقائق فلا نزاع فيه ولو جاز بلا صارف ارتفع الثقة عن اللغة وهذا معنى قولهم اسم الذات مستجمع لجميع الصفات فيعمل في الأحكام بحسب الاعتبارين وذلك في الشرعيات كالهبة بشرط العوض والإقالة تسميان بيعًا لأنه من لوازمها وكشراء القريب يسمى إعتاقًا لأنه من لوازمه وموجباته فكذا ما نحن فيه مسماه نذر أطلق صيغته عليه وموجبه يمين قصدت معه أو بدونه لكن لا إطلاقًا للصيغة عليها بل للزومها وهذا معنى أنه نذر بصيغته أي بالنظر إليها يمين بموجبه أي بالنظر إلى موجبه ولازمه وهو تحريم المباح اللازم لمسمى النذر الذي هو إيجاب المباح وتحريم المباح يمين بالآية أو معناه دمين حكمًا بواسطة حكمه الذي هو وجوب المنذور إذ من لوازمه حرمة تركه وهو حكم اليمين قاله النسفي رحمه الله أو معناه يمين بواسطة معناه وهو الإيجاب فإن إيجاب المباح يوجب تحريم ضده وهو اليمين قاله فخر الإِسلام رحمه الله غير أن الموجب هنا تحريم المباح وهو ثابت نوى أولًا ثبوت موجبات التصرفات الثلاثة كذلك فلا مخالفة بينها وبينه في اللزوم لكن كون تحريم المباح يمينًا غير مسلم مطلقًا بل إذا قصد وصرح به كما في مورد الآية وإلا كان نحو البيع والتصديق والإبراء والإعتاق والتطليق يمينًا لكونه موجبًا لحرمة التصرف فيما كان مباحًا أو إذا لم يشتهر صرف اللفظ إلى ما يباينها حكمًا وهو النذر كما في ذكر النذر إذ لازمه ليس أقوى منه وما يقال من أن فراء القريب علة للعتق فلا يحتاج إلى النية وهذه الصيغة تصلح لليمين لا علة لها فإنما يتم بأحد هذين الوجهين فمن هنا افترقا في وجوب النية وقد علم هنا وفيما مر أن الكناية مع الصارف مجاز وبدونه حقيقة وإلا فلا ثقة فلا نفضي هنا بالتزام كونه كناية مخالفًا لتصريح الجمهور كما ظن وكذا في إرادة الحج ماشيًا بعلي المشي إلى بيت الله وإلا كان كل مطلق في مقيد كناية لا مجازًا فالكناية من الإِمام النسفي فيه مجاز.
(2/188)

تصحيح المجاز وتوضيح الجواز:
من بعض الظن إنكار المجاز اللغوي في التصرف الشرعي زعمًا بأنه لكونه إنشاء من الأفعال وقيام فعل مقام آخر محال والحق بلا خلاف بين الفقهاء أولى الأبصار جريانه في الإنشاء كالإخبار وأن الاتصال معنويًا كان أو صوريًا كما يصلح طريقًا للاستعارة اللغوية يصلح للشرعية وأنها غير مختصة باللغة إذ المشروع كالمحسوس قائم بمعناه الذي شرع له ومتعلق صورة بسببه وعلته فوجود المناسبة معنى في الشرع كيف شرع والاتصال صورة من حيث السببية والعلية بين المشروعين يصحح انتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر كما بين المحسوسين.
ولأن حكم الشرع متعلقًا بلفظ شرع سببًا له أو علة في تعلقه ذاك إذ الكلام فيه لا يكون إلا واللفظ قال عليه لغة كما في البيع وغيره فجريانه في الشرعيات عين جريانه في اللغويات فنقول الاتصال المعنوي فيها المشابهة في معنى المشروع كيف شرع والصوري هو السببية أي الإفضاء إلى ما ليس مقصودًا منه والتعليل، أي إيجاب ما هو المقصود منه أما المعنوي فكالوصية للإرث في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] لكون كل مثبتًا للملك بالخلافة بعد الفراغ عن حاجة الميت والكفالة للحوالة بشرط براءة الأصل والحوالة لها بشرط مطالبته وللوكالة في قول محمَّد رحمه الله يقال للمضارب المفترق بلا ربح وفي رأس المال دين أحل رب المال عليه أي وكله يقبض ديونهم.
وأما الصوري فالسببية المحضة منه لا تتعاكس بل يستعار اسم السبب للمسبب لافتقاره إليه كالهبة لنكاح النبي عليه السلام أربعة من أزواجه لا كما ظن بعض الشافعية أنه بمنزلة التسري حتى صح بلا ولي وشاهد في حالة الإحرام وزائدًا على التسع وبلا قسم وبلا انحصار وطلاقه في عدد وبلا مهر قلنا حقيقة الهبة تمليك المال فلا يتصور في غير المال ولم يكن في نكاحه بذلك توقف على القبض ولا حق الرجوع وكان فيه وجوب العدل في القسم والطلاق والعدة وهذه تنافي التسري والأصح من الشافعي أنه نكاح لكنه يختص بحضرته عليه السلام لقوله تعالى {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50].
ولأنه عقد شرع لمصالح لا تحصى من أمور الدين والدنيا لا يفيدها غير ما وضع له من لفظي النكاح والتزويج عربيًا كان أو غيره في الأصح أو لا ينعقد بغيره مطلقًا أو إن كان يحسن العربية وهذا كلفظ الشهادة موجب للحكم بنفسه بالنص فلا يقوم الحلف بالله مقامه لأنه موجب بغيره وهو مخافة هتك حرمة اسم الله تعالى ولا أعلم ولا أتيقن لأنهما خبران وضعا وعرفا وكذا المفاوضة عندكم على ما حكى عن الكرخي وروى الحسن بن زياد والصحيح أنه فيمن لا يعرف أحكامها قلنا قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ}
(2/189)

[الأحزاب: 50] أي في أحكامه المختصة كعدم المهر وغيره وإلا فوجوه الكلام لا تختص به عليه السلام والمصالح المذكورة ثمرات غير محصورة لا تصلح بناء صحة النكاح عليها فربما لا تترتب بل على حكم الملك له عليها.
ولذا يلزمه المهر عوضًا والطلاق يكون بيده فإذا انعقد بما ليس للتمليك وضعًا كالنكاح لكونه علمًا له عالمًا بوضعه كالنص لا بمعناه كالقياس فلأن ينعقد بما وضع له أولى فينعقد نكاحنا أيضًا بها لكن مع القرينة من ذكر النكاح أو المهر أو الخطبة أو النية وإلا فيحتمل الهبة الخدمة والتمكين من الوطىء.
وقال شمس الأئمة لا حاجة إلى النية في النكاح بألفاظ التمليك لتعين المحل للمجاز وثبوته عن قبول الحقيقة بخلاف التطليق بالإعتاق كما ينعقد بكل لفظ وضع لتمليك العين حالا بخلاف الإباحة والإجازة والإعارة والإقراض والوصية والأصح انعقاده بلفظ البيع لأنه كالهبة وضع لملك الرقبة وهو سبب ملك المتعة وإن لم يكن مقصودًا منه بخلاف ملك المنفعة إذ ليس سببًا لملك المتعة.
وكذا الإباحة بل أولى لأن الإتلاف فيها على ملك المبيح والوصية لا توجب الملك بل الخلافة المضافة إلى ما بعد الموت وليست أعلى من النكاح المضاف إليه لا يقال ملك المتعة في النكاح غير هذا حيث يقبل الطلاق والايلاء والظهار بخلافه فلم يكن سببًا لأنا نقول متحدان ذاتا فيكون سببًا والاختلاف من حال المقصود به وعدمها فكم مما يثبت مقصودًا ولا يثبت تابعًا كالتخلص من الشفيع في شراء التمر مقصودًا لا تابعا للشجر فعند الاستعارة يكون ملك المتعة مقصودًا ويترتب أحكامه وكألفاظ العتق للطلاق مع النية لأن إزالة ملك الرقبة سبب إزالة ملك المنعة ولا يستعار اسم المسبب لسببه لعدم افتقار السبب إليه إلا إذا كان المسبب مختصًا به نحو أعصر خمرًا وأسنمة الآبال في سحابه إذ الافتقار حينئذ من الطرفين فلذا لم يجز استعارة النكاح للبيع لأن ملك المتعة ليس مقصودًا في البيع ليختص به كما في شراء المجوسية والأخت من الرضاع والعبد والبهيمة وكذا استعارة الطلاق للعتق لأن إزالة ملك المتعة ليس سببًا ولا مسببًا مختصًا لإزالة ملك الرقبة خلافًا للشافعي رحمه الله لا بالسببية بل بالمشابهة في المعنى فإن كلا منهما إسقاط بني على السراية واللزوم ولذا يصح معلقًا وفي المجهول ومن غير قبول المرأة والعبد وبغير شهود.
ومعنى السراية عند الإِمام وجوب السعاية في الباقي على معتق البعض إذا كان مشتركًا وعندهم عتق الكل فيه كما إذا كان منفردًا ولزومه أنه لا يقبل الفسخ والرد والرجوع قلنا لا استعارة لكل مشابهة كما مر بل بها في المعاني المختصة البينة الثبوت للمستعار منه
(2/190)

والانتفاء عن غيره كشجاعة الأسد لا بخره كما لا يعلل النص بكل وصف من غير أثر خاص وإلا لبطل الابتلاء وكان كل الموجودات متناسبة ولا مشابهة بينهما كذلك لأن معناهما ما وضعا له لغة وذا للطلاق إزالة القيد لا الرق إذ لا رق في النكاح والحديث مجاز وللإعتاق إثبات القوة الشرعية من عتق الطير وعتقت البكر وليس بين إزالة القيد ليعمل القوة الثابتة عملها وبين إثبات القوة بعد العدم مشابهةكما ليست بين إطلاق الحي وإحياء الميت لا يقال الإعتاق أيضًا إزالة القيد لأنه إما إزالة الرق أو إزالة الملك وكل منهما كان مانعًا للملكية الثابتة بكونه آدميًا ولذا صح تعليقه والإثبات لا يعلق لأنا نقول الرق لما سلب الولايات فقد أهلكه حكمًا ولذا صار الإعتاق إحياء وإثباتًا للقوة.
فالمالكية بالحرية لا بالآدمية وإنما يعلق إما لأنه إثبات للقوة لا للملك حتى ينافي التعليق لكن فيه معنى التمليك وذا لا ينافيه كالنذر وإما لأنه إثبات للقوة بواسطة إزالة الملك وهو معنى قول الإِمام رحمه الله أنه إزالة الملك على معنى أنها التصرف الصادر من المالك وبهذا يسند إليه ويترتب الولاء عليه وإن كان معناه في نفسه مسببها فإطلاقه عليها مجاز فاشتمل على جهتي الإثبات والإسقاط بخلاف الطلاق لا يقال فقد قالوا لا يصح للتعليق إلا الإسقاطات المحضة بخلاف الإبراء.
لأنا نقول معنى ذلك أن لا يكون فيه جهة إثبات الملك كما في الإبراء لا أن لا يكون جهة الإثبات مطلقًا.
أما استعارة الطلاق لنفس إزالة الملك لا للإعتاق فمع أنه غير المبحث لا تصح لأنها إما بالإعتاق فعادت إليه أو لا به فمتحققة في البيع وغيره فليس الجامع مع أمرا مختصًا ولا بينًا يفهم فليفهم فإن قلت فهلا تنعقد الإجارة بلفظ البيع وملك المنفعة مسبب ملك الرقبة كملك المتعة قلنا تنعقد في الحر إذا أضافه إلى نفسه لا إذا أضافه إلى المنفعة كنفس الإجارة لا لفساد الاستعارة بل لعدم صلاحية المحل لإضافة العقد لأن المنفعة معدومة ليس بمقدور للبشر إيجادها أما في العبد والدار فإن أضيف إلى المنفعة ففى التقويم أنه إجارة والأصح أنه لا يجوز أو إلى العين فبدون المدة بيع لصلاحية المحل ومعها لا رواية فيجوز أن يكون إجارة إذا سمى جنس العمل أيضًا لأن تسمية الإجارة بيعًا متعارف أهل المدينة وأن لا يكون بل بيعًا صحيحًا ويصرف المدة إلى تأجيل الثمن أو بيعًا فاسدًا لأن الحقيقة القاصرة أولى من المجاز.
وأما التعليل فيتعاكس كما في إن شريت عبدًا فهو حر فشرا نصفه فأعتق ثم نصفه يعتق لأنه يعد مشتريًا ولو بالتفرق فمن الجائز أن يحيط معنى الصفة الحال والماضي تعارفا
(2/191)

إلا أن ينوى شراء الكل فيصدق ديانة فقط وهذا إن كان شراء صحيحًا وإلا فلا يعتق ولو مجتمعًا إذ لا ملك به قبل القبض وقد تم شرط حنثه إلا إذا كان في يده ومضمونًا بنفسه حتى ينوب قبضه عن قبض الشراء، ولو قال إن ملكت عبدًا ففعل لا يعتق استحسانًا والقياس العتق لإطلاقه عن قيد الاجتماع كما في المعين وذلك لأنه لا يعد مالك عبد إلا عند ملك الكل يؤيده سبب تسمية المسألة استحقاقية أما المعين فيتعين في التفرق والاجتماع إما لأن صفة الاجتماع في المعين لغوًا ولعدم التعارف على نفي الملك عن المعين لمملوكيته متفرقًا والمقصود من هذه المسألة أنه لو نوى بالملك الشراء يصدق ولو قضاء لأن فيه تغليظًا ولق عكسه ديانة فقط لأن فيه لخفيفًا فإن الشراء علة الملك وهو مقصود أصلى منه فجرى الاستعارة من الطرفين وإن كان المعلول أعم لجواز ثبوته بالإرث وقبول الهبة والوصية لأن المعلول لكونه مقصودًا منه باعث على وجوده ومقتض لفعله ففيه مع معلوليته علية من وجه بخلاف المسبب المحض إذ ليس فيه هذا لا لعمومه كما ظن.

الفصل الخامس عشر: في حكم الصريح
وهو تعلق الحكم بعينه حتى استغنى عن النية إذ قام لفظه مقام معناه قيام السفر مقام المشقة فيقع الطلاق بينا طالق أو مطلقة أو طلقتك ولو غلطًا حين أراد أن يقول سبحان الله نعم لو نوى محتمله كرفع القيد الحسن ينوي ديانة فقط فقوله تعالى {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] بعد قوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] صريح في حصول الطهارة بالتراب بعد إعواز الماء وهي طهارة مطلقة من غير هذا القيد ومشروطة به ابتداء وبقاء فانتفى كلا قولي الشافعي أنه ليس بطهارة بل ساتر للحديث كطهارة المحدث ولذا لو رأى الماء مع القدرة عاد الحدث أو أنه طهارة ضرورية فلا يشرع لفرضين وقيل الوقت ولا بغير طلب وفوت ولا يجوز لمريض لم يخف ذهاب نفس في الوضوء أو طرف لتعذر ما ثبت بالضرورة بقدرها قلنا عود الحدث لانتفاء شرط بقاء رفعه فإنه لا يزال رافعًا بشرط إعواز الماءكما أن مسح الخف لا يزال مانعًا لحدث القدم مطلقًا بشرط استتاره به ومسح الجبيرة بشرط أن لا يسقط عن برؤ.
وبه يسقط أنه إن رفع مطلقًا لا ينتقض برؤية الماء لأن المرتفع لا يعود وإلا فلا يكون طهارة مكلقة وذلك لأن حيثية الإطلاق غير حيثية التقييد.

الفصل السادس عشر: في حكم الكناية
منه أن لا يجب العمل بها إلا بالنية كما في حال الرضا في جميع الكنايات فإن أنكرها
(2/192)

فالقول له مع اليمين أو ما يقوم مقامها كحال مذاكرة الطلاق فيما يصلح جوابًا لا ردًا فلا يصدق في إنكار النية قضاء بل ديانة وفيما يصلح لهما قضاء أيضًا وكحالة الغضب لأنها دليل إرادة الطلاق فلو أنكر يصدق ولو قضاء إلا فيما لا يصلح إلا جوابًا وذلك لتعين المراد منها بأحديهما.
وقال أئمة العربية قرينتها غير صارفة بخلاف قرينة المجاز فلذا لا يجتمع اجتماعها مع الحقيقة.
وقال النسفي رحمه الله يجوز هى بلا اتصال كأبي البيضاء عن الحبشي وأبى العيناء عن الضرير وأيضًا لا انتقال فيها بخلافه فيهما.
وفيه بحث لما مر أن الحقيقة عند عدم الصرف في متعينه وإلا فلا وثوق على اللغة ولا انتقال ويلزم مخالفة الوضع بلا ضرورة يؤيده اجتماعها مع المجاز في غير المتعارف وإن لا فهم لغير الموضوع له بلا اتصال وأن التضاد اتصال ولو تباينًا بوجود الانتقال وعدمه لما اجتمعا.
ومنه أنها لما فيها من الإبهام قاصرة في الكلام عن إفهام المرام بالتمام فلا يثبت بها ما يندرئ بالشبهات فلا يحد بالتعريض نحو لست بزان خلافًا لمالك رحمه الله ولا بقوله لمست أو وطئت أو جامعت فلانة حتى يقول نكتها أو زنيت بها ولا يحد مصدق القاذف بقوله صدقت لاحتماله وجوهًا كصدقت في إنجاز وعدك بنسبته إلى الزنا والاستهزاء وكصدقت إلى الآن فلم كذبت الآن خلافًا لزفر لأنه ظاهر فيه كقوله هو كما قلت قلنا الظاهر لا يكفي لإيجاب الحد بخلاف هو كما قلت لأن كاف التشبيه يوجب العموم في محل يقبله أما أنت كالحر فلا مكان العمل بحقيقته.
أي في حرمة الدم ووجوب العبادات لا يصار إلى مجاز الإنشاء ولا إلى العموم لئلا يجتمع الحقيقة والمجاز.

الفصلين السابع عشر والثامن عشر في حكم الدال بعبارته وإشارته
هو إيجاب الحكم قطعًا فيهما غير أن الأول أقوى لتقويه بالسوق وشبها برؤية المقابل المقصود بالنظر وغيره المدرك بأطرافه وقيل لأن القطع فيه متعين وفي الثاني محتمل والأول هو هو ولذا يرجح عند التعارض كما رجح عبارة مروي أبى أمامة الباهلي عنه عليه السلام
(2/193)

من قوله عليه السلام "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام" (1) على إشارة قوله عليه السلام في بيان نقصان دينهن "تقعد في قعر بيتها شطر دهرها لا تصوم ولا تصلي" (2).
وهي أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا على أن الشطر قد يجيء بمعنى البعض ولئن سلم أنه بمعنى النصف فبضم ما قبل البلوغ إلى ثلث ما بعده، إلى تمام العمر الغالب وهو الستون يكمل زمن القعود نصفًا.
فمن أمثلة ح ما اجتمعا فيه قوله تعابي {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] عبارة في استحقاق سهم من الغنيمة إشارة إلى زوال ملكهم عن المخلف في دار الحرب لأن الفقر به لا يبعد اليد لوجوب الزكاة على المنقطع من ماله وإلى لقلك الحربي أموالنا بعد الإحراز بها خلافا للشافعي فيهما وجعل الفقراء مجازًا كان لا مال لهم ولا ضرورة تدعو إليه وقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة: 233] عبارة في إيجاب الإرضاع على المنكوحات من كل وجهَ أو من وجه كالمعتدة عن بائن أو ثلاث تدينا أو قضاء أو عجز عن الاستيجار أو لم يجد ظئرًا أو لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه إشارة إلى عدم جواز استيجار المنكوحة من كل وجه باتفاق الروايات ومن وجه في رواية خلافا للشافعى إذ قد وجب فلا يجب ثانيًا بالاستئجار أو لأن وجوب النفقة على الأب بمقابلة الإرضاع وقوله تعالى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] عبارة في إيجاب النفقة على الأب أعنى فضل نفقة تحتاج إليهَا حالة الإرضاع إن أريد بهن المنكوحات كما يدل عليه ذكر الرزاق والكسوة دون الأجر وفي إيجاب أجر الرضاع إن أريد للمطلقات كما يقتضيه وعلى الوارث فإن نفقة النكاح لا تنتقل إليه إشارة إلى أن النسب إلى الأب فيعتبر به في الإمامة الكبرى والكفاءة ومهر المثل لا بها وله حق التملك في ماله للأم الملك المفيد للاختصاص التام وإن لم يفد الملك إذ ليس له حق الملك في الحال بوجه ولذا يطأ الابن جاريته ويتصرف في ماله بلا رضاه كما للمكاتب حيث لا يطأ المكاتبة مولاها بل له أن يجعل ملكا في المال كالشفيع للمبيع.
__________
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (1/ 219) برقم (61)، والربيع في مسنده (1/ 218) ح (541)، والطبراني في الأوسط (1/ 189 - 190) ح (599) وفي مسند الشاميين (2/ 370) ح (1515)، وفي الكبير (12918) ح (7586)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 260 - 261) ح (304) بتحقيقنا، وانظر التلخيص الحبير (1/ 172)، الدراية في لخريج أحاديث الهداية (1/ 84).
(2) لا أصل له بهذا اللفظ، وانظر التلخيص الحبير (1/ 162) كشف الخفاء للجلودى (1/ 379).
(2/194)

وعليه مسائل:
1 - لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم الحرمة (1) بل لا يعاقب به مطلقًا فلا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه ولا يحبس بدينه.
2 - يفرض نفقته محتاجًا قدر على الكسب على الابن الموسر بخلاف الابن القادر.
3 - يجب نفقة خادمته عليه امرأة وجارية بخلاف نفقة خادمة الابن.
4 - له استيلاد جاريته.
5 - لا يجب العقر عليه بذلك لثبوت الملك قبيل الوطئ.
6 - يثبت نسب ولدها.
7 - لا يجب عليه رد قيمة الولد.
8 - إذا أنفق ماله على نفسه عند الضرورة لا يجب الضمان.
9 - ينفرد بتحمل نفقة الولد كالعبد.
10 - ينفرد بتحمل نفقته وله.
وقوله: {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] عبارة في إيجاب أجر الرضاع أو فضل نفقته إشارةَ إلى استغناته عن التقدير كيلا ووزنًا كما قال به الإمام رضي الله عنه خلافًا لهما فإن بالمعروف يستعمل في مجهول الصفة والقدركما في الحديث ولأن الجهالة فيه غير مفضية إلى النزاع إذْ العادة جرت بالتوسعة على الأظآر شفقة على الصغار وقوله {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ} [البقرة: 233] أي: وعلى وارث المولود له وقيل على وارث الصبي الذي لوَ مات يرثه عبارة في بيجاب النفقة التي منها أجر الرضاع على الوارث إشارة أولا إلى أن علة استحقاقها الإرث فيستحق بغير الولادة لشمول اللفظ المحلي باللام وعموم المعنى بالإيماء فإن الترتيب على المشتق دليل عليه مأخذه فيجب نفقة كل ذي رحم محرم منه من الصغر والنساء والعاجزين من الرجال محتاجين.
وعند ابن أبي ليلى رحمه الله نفقة كل وارث وإن لم يكن محرما للعموم قلنا قرأ ابن مسعود وعلى الوارث ذي الرحم المحرم خلافًا للشافعي في غير الولاد فإن أصله أن استحقاق الصلة بالجزئية ويحمل الآية على نفى المضارة لا يختص بوجوبه بالوارث ولو أريد ذلك لقيل ولا الوارث فإن على ظاهر في العطف على مثله وذلك ظاهر في الأبعد والأصل أن استحقاق الصلة لحرمة القطعة وهي بالمحرمية.
وثانيًا: إلى أن من عدا الأب بتحملها على قدر الميراث فيجب على الأم والجد ثلاثًا.
__________
(1) انظر حاشية ابن عابدين (4/ 4).
(2/195)

وقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة: 187] عبارة في إباحة المفطرات الثلاث في الليالي ونسخ ما قبل الإحلال من تحريمها في ابتداء الإِسلام بعد ما صلى العشاء أو نام إشارة إلى استواء الكل في الحرمة لدخولها تحت خطاب واحد فلا يخص الإفطار بالوقاع بالكفارة كما قال الشافعي رحمه الله تمسكًا بأن النص ورد فيه وله مزية فلا يلحقان به إذ المزية ممنوعة حينئذ.
أما مزية السجود من أركان الصلاة فمع أنها ليست في الوجوب والركنية إما لأنها بخطابات متعددة أو بدليل مستقل كحديث الأقرب وكونه نهاية في التذلل كإشارة أحل {لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} إلى هنا إلى صحة صوم المصبح جنبًا فإن حله إلى الانفجار يقتضي جواز الغسل بعده يؤيده حديث عائشة رضي الله عنها فما روى بعض أصحاب الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مؤول بأن المراد من أصبح بصفة توجب الجنابة أي مخالطًا لأهله وكإشارة ثم أتموا إلى جواز النية نهارًا لأنه لما أباح المفطرات إلى أول الفجر كان معنى قوله {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} [البقرة: 187] ثم ابتدأوا به وألقوه فوجب ترتيب ابتدائه على آخر الليل ووقوعه في جزء من النهار وإن جعل التراخي من ابتداء الفعل كما في قوله تعالى {فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ولا شك أن الصوم المبتدأ به إمساك عنها لا مطلقًا بل مع النية فقد جازت النية من النهار ولم يجب مع ورود الأمر لأن وجوب الكل مؤخرًا لا يقتضي وجوب كل جزء كذلك.
وهذا لا يحتاج إلى ذكر أن الليل لا ينقضي إلا بجزء من النهار مع أن مراد فخر الإِسلام منه بيان أنه لا فصل بينهما أصلًا فمن ضرورة التراخي وقوع العزيمة في النهار، وقيل: قصد الصوم قصد الفعل، فلا بد من تقدمه عليه فيتقدم النية على الصوم ضرورة، وليس بشيء لأن النية هنا قصد جعل الإمساك العادي عباديا، وذا يمكن أن يقارنه لا قصد إيجاده فإن وجوده لا يتوقف عليه، وأما جعل النية المتأخرة متقدمة فأمر حكمي عرفي لميته في موضعه، وإذا ثبتت الإشارة فقوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" (1) محمول على نفي الفضيلة لا على حقيقته، وإلا لنسخ به الكتاب،
__________
(1) لم أجده هكذا بلفظ "يعزم"، لكن "يبيت"، أو"يجمع"، أخرجه: الدارمي (2/ 12) ح (1698)، والبيهقي في الكبرى (4/ 202) ح (7698)، والنسائي في الكبرى (2/ 117) ح (2643)، وانظر الدراية (1/ 275). وأخرجه الترمذي (3/ 108) ح (730)، والدارقطني في سننه (173/ 2)، وابن ماجه (1/ 542) ح (1700)، وابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 292) ح (9112)، وبلفظ "يؤرضه من الليل" أخرجه الطبراني في الأوسط (9/ 45) ح (9094)، وابن أبي شيبة في مصنفه =
(2/196)

فجوز تقديمها تخفيفًا بخبر الواحد الذي لا ينسخ به الكتاب، وتفضيله لا لكمال الصوم بل للمسارعة على أدائه كالابتكار يوم الجمعة أو ليخرج عن الخلاف فلا بحث فيه، وقوله تعالى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] عبارة في إيجاب إحدى الخصال على التخيير إشارة إلى أن اَلأصلَ في جهة الإطعام الإباحة لا التمليك، خلافًا للشافعى، لأن إطعام ما يؤكل عينه متعارف في التمليك كإطعام الحنطة بخلاف إطعام الأرض ولأنه أدفع لحاجة المسكين كما في الزكاة والكسوة والخلاف مطرد في كل ما شرع بلفظ الإطعام بخلاف ما شرع بلفظ الأداء أو الإيتاء. قلنا: الإطعام جعل الغير طاعم أي: آكلًا فحقيقته التمكين لا التمليك، يؤيده {تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89]، فان المتعارف الإباحة لهم، وإضافته إلى المساكين لحاجتهم إلى الاَّكل دون التملك، وأن التمكين أقرب إلى سد الجوعة من التمليك وإنما تعورف أطعمت هذا لما لم يؤكل بعد في التمليك، مجازًا لصارف عن حقيقته كما تجوز في أطعمت الأرض لصارف عن عينها إلى منفعتها وإنما الحق التمليك بها خلافًا لحمدان بن سعل ومن تبعه، لأنه أدفع لحاجة الفقير فإن فيه إباحة وزيادة من حيث المقصود لأنه سبب لقضاء كل حوائج المسكين التي منها الأكل، فلخفاء قضائها أقيم التمليك مقامه واستقام التعدية بطريق الدلالة إلى الكل المشتمل على النصوص لا بطريق أن التمليك لاشتماله على التمكين أحد أفراد الإباحة كما ظن لأن المنصوص الإطعام بطريق الإباحة لا هي أما الكسوة اسمًا كان بالكسر أو مصدرًا بالفتح أو وبالكسر فيتناول التمليك القاضي كل الحوائج. تقديرًا فلم يتعد إلى ما هو جزء منها وذلك لأن إضافة الوجوب إلى العين وإن قدر الفعل المناسب كالإيتاء يستدعي مبالغة في اختصاصها بالوجوب كإضافة التحريم إليها على ما مر وهي بالتمليك كما في الزكاة ولأن التكفير يقتضي زوال الملك المكفر ليتم الانزجار له واندفاع الحاجة للفقير به وذا بالتمليك هنا لا بالإعارة وفي الطعام بالإباحة فلا حاجة إلى الزيادة فلذا كان مصدرًا كهو اسمًا ولم يكن إلحاق الإعارة به هنا لنقصانها في ذلك وفي أنها بعض الحوائج ومنقضية قبل كمال المقصود على نقيض إعارة الإطعام بالكسوة فيهما ففي الأصل لأن التمليك فيه ليس لمنصوص بل فهم من ضرورة إضافة الوجوب إلى العين فلا يعلى، وفي الفرع لأنه قياس للمنصوص على خلاف مقتضى نصه، ثم في لفظي الإطعام والمساكين إشارة إلى أنهم صاروا مصارف لحوائجهم لا لإغنائهم، فإن الإطعام للجائع أما للطاعم فكإغناء الغنى
__________
= (2/ 292) ح (9111).
(2/197)

والمسكنة وهي الحاجة مأخذ المشتق فالمراد عشر حاجات فإطعام واحد في عشرة أيام كإطعام عشرة في يوم خلافًا للشافعي رحمه الله، لأن المنصوص مساكين، والواحد لا يتعدد بتكرار الزمان كما لا يتعدد الشاهد بتكرار الأداء، قلنا: المقصود وهو طمأنينة القلب وتقليل تهمة الكذب لا يحصل ثمة بالتكرار بخلاف دفع الحاجة هنا فصاركاعتبار رأس ونصاب متعددًا بتعدد المؤنة والنماء.
ثم هنا أصلان: أولًا: لما اعتبر التمليك في الكسوة قاضيًا لجميع الحوائج اعتبر فيها الجميع لا حاجة اللبوس فقط فجوز صرف عشرة أثواب في عشرة أيام إلى مسكين واحد وإن لم يتجدد حاجة لبوسه إلا بعد ستة أشهر لكن لا بد من اعتبار تجدد الحاجات وهو بالزمان وأدناه يوم لا ساعة لن لخدد الحاجة فيه معلوم وفيما دونه موهوم، ولا يترك المعلوم بالموهوم مع قول بعض المشايخ للجواز صرفها في عشر ساعات والطعام كالثوب في التمليك على القولين لا في الإباحة إذْ لا يصح بالإجماع إلا في عشرة ليال إذْ لم يعتبر حينئذ قاضيًا للحوائج فلا بد من تجدد حاجة الأكل.
ثانيًا: أن مسكينًا في حق مكلف غيره في حق آخر لأن تكليف الغير غير تكليفه فلا تكلف بالتفريق إلا بالنظر إلى أداء نفسه ويجعل أداء الغير كالعدم بالنسبة إليه لئلا يخرج فيصح أداء مكلفين إلى مسكين ولو في ساعة، وقوله عليه السلام "اغنوهم عن المسئلة في مثل هذا اليوم" من جوامع الكلم عبارة في إيجاب صدقة الفطر إشارة إلى مسائل:
1 - لابجب إلا على الغني لأن الإغناء منه.
2 - لا يصرف إلا إلى فقير إذْ لا غناء للغني.
3 - أن وجوب أدائها بالفجر لأنه مبدأ اليوم وإنما يغنيه في ذلك اليوم أداء يقع فيه.
4 - تأديها بمطلق المال لأن الإغناء به ورماكان بالنقد أهم للفقير منه بالحنطة والشعير.
5 - أن الأولى أداؤها قبل الخروج إلى المصلى ليحضره الفقير فارغ البال عن قوت العيال.
6 - أن الأولى أن يصرفها إلى مسكين واحد ليحصل الإغناء التام.

الفصل التاسع عشر: في حكم الدال بدلالته
هو إيجاب الحكم قطعًا مثلهما حتى صح إثبات الحدود وكفارة الفطر به كإيجاب حد القطاع لحى الدرء ولا مجاز به له إذ لا يباشر القتال بجامع القهر ولتخويف قطاع للطريق وإيجاب الرجم على غير ماعز بجامع أنه زنا محض وذلك لأن مناطه مفهوم لغة فيضاف
(2/198)

إلى الشرع لما لم يبق فيه شبهة دارئة للحدود هي الواقعة في نفس المناط لا في طريق دليل ثبوته لاتفاق الفقهاء على صحة إثباتها بأخبار الآحاد وإثبات أسبابها بالبينات وإن صدرت عمن ليس بمعصوم عن الكذب والغلط والنسيان بخلاف القياس فإن مناطه مستنبط بالرأي نظرًا لا لغة حتى اختص بالفقهاء ولذا لا يضاف حكمه إلى النص.
وقال الشافعي رضي الله عنه دلائل حجية القياس لا تفصل.
قلنا أولًا كل منهما عقوبة مقدرة زاجرة وللذنوب ماحية ولا مدخل للعقل في معرفة ما يحصل به إزالة الأثام ومقادير الأجزية والأجرام.
وثانيًا: أن في القياس الشبهة في نفس المناط والحدود مما يندرئ بها وإنما جمعنا بين النكتتين لأن من مشايخنا من رجح معنى العبادة في كفارة الفطر كسائر الكفارات لما تؤدى بما هي عبادة فتعلق بالأولى يناسبه أن الثبوت بالدلالة دون القياس يعم سائرها كما يفهم من عبارة فخر الإِسلام رحمه الله وغيره.
إن قيل فلم يجب هذه على غير المتعمد من المخطئ والمعذور وجوب سائرها عليه أجيب ليقيد نصه الذي لا يحتمل التعليل بالتعمد فاقتصر عليه وشمول نصها ظاهرًا أو نصًا والمشهور منهم ترجيح معنى العقوبة فيها وجعلها كالحدود بخلاف سائرها لتعلقها بالإفطار العمدي الذي هو جناية أبدًا وغيرها ربما يشرع متعلقة بالمندوب كالعود في الظهار أو فيما يجب تحصيله ككلام الأب فيما حلف لا يكلم أباه فتعلقوا بالثانية مع تأتي الأولى لأنها أظهر وأوفق لعدم وجوب هذه على غير المتعمد بخلاف سائر الكفارات ولا ينافيه عموم الفرق إياها بالنكتة الأولى إلا أنه عند التعارض دونهما فإن الثلاثة بعد استوائها في لغوية المعنى يرجح الأولان بدلالة النظم أو الفهم بلا واسطة التعدية كما قال الشافعي رضي الله عنه لما وجب الكفارة بالقتل الخطأ مع قيام العذر فالعمد أولى.
قلنا يشير إلى قوله تعالى {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] إلى عدم وجوبها لأن جهنم كل المذكور في الجزاء أو الجزاء اسم للكَامل ولذا جمع في جزاء الخطأ بينهما والإشارة أقوى.
وحاصله أمران التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بالشيء على ما يساويه أما على الأعلى فنوعان قطعي جلي إن اتفق على طريق تعيين مناطه وظني خفي إن اختلف فيه أما القطعي فمن أمثلته ما فهم من حرمة التأفيف حرمة الضرب كما مر وهما معلومان لغة صورة ومعنى فصورة التأفيف التصويت بالشفتين عند الكراهية ومعناها المقصود الأذى المتحقق ق الضرب ومثله ما فهم من قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
(2/199)

يَرَهُ} [الزلزلة: 7].
جزاء ما فوقها ومن {بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك} [آل عمران: 75] تأدية ما دونه.
وأما الظني فكما في إيجاب الكفارة على المفطر في رمضان بالأكل والشرب خلافًا للشافعي بدلالة سؤال الأعرابي بقوله واقعت امرأتي في نهار رمضان عامدًا مترتبًا على قوله هلكت وأهلكت عن الجناية على الصوم بتفويت ركنه التي هي معنى المواقعة لا عن الوقاع من حيث هو وذا مما يفهم لغة فكذا جوابه عليه السلام عن حكم الجناية لوجوب التطابق خصوصًا عن أفصح الناس والوقاع آلتها وهي متحققة فيهما بل أولى لكون حرص الصائم عليهما أشد وشوقه إليهما أحد لمصادفة شرع الصوم وقتهما الغالب وكونه وجاء فالظن من اختلافهم أن طريق فهم المناط يفضى إلى أنه الجناية المطلقة أو المقيدة.
لا يقال بل قاصران عنه لإفساده صومين ولذا قال هلكت وأهلكت دونهما ولأن فيه داعين هما طبعًا الفاعلين بخلافهما لأنا نقول لا يعتبر في وجوب الكفارة على كل أحد إلا إفساد صومه واشتراطه بالداعيين ولا سيما من المسلم أو المسلمين يقتضي قلة وقوعه واستغناء عن الزاجر بخلافهما وأما على المساوى فكإيجاب الكفارة على المرأة لتحقق الجناية وكونها معنى فطره معقول لغة وعند الشافعي رضي الله عنه لا يجب عليها في قول لأنه المباشر دونها بخلاف الزنا حيث سماها الله تعالى زانية ويتحمل عنها الزوج إذا كانت مالية في آخر كثمن ماء الاغتسال قلنا تمكينها فعل كامل كما في الزنا إذ لا يجب الحد مع النقصان ولا معنى للتحمل لأن الكفارة عبادة أو عقوبة وبالنكاح لا يتحمل شىء فيهما بخلاف مؤن الزوجية وكإثبات حكم النسيان الوارد في الأكل والشرب في الوقاع خلافًا لسفيان الثوري بمعنى كونه سماويًا محمولا عليه طبعًا وذا مفهوم لغة وميل الطبع إليها مساو فكان نظيرهما وشمول كل منهما قصورًا وكمالا فلهما مزية في أسباب الدعوة وقصور في حالة ما إذا يغلبان البشر وهو بالعكس يحقق المساواة.
ومن هنا لم يكن الجماع ثانيًا في الصوم كالأكل ناسيًا في الصلاة إن قيل اشتبه الفهمٍ في هذه المسائل على فقيه مبرز في الفقه بعد أن بلغه الأدلة فكيف يكون مفهومًا لغويا ومناطًا قطعيًا صالحًا لاثبات ما يندرى بالشبهات أجيب بما سلف أن معنى لغويته عدم توقف فهم مناطه على مقدمة شرعية من تأثير نوع المعنى أو جنسه في نوع الحكم أو جنسه شرعًا بخلاف القياس لا فهم كل أحد ومعنى قطعيته قطعية مفهوميته لغة بالمعنى المذكور كالجناية من سؤال الأعرابي لا قطعية دليل مناطيته ولا قطعية تعدى الحكم إلى
(2/200)

الملحق ولا قطعية كونه أعلى أو مساويًا ومن طريق الدلالة إثبات حكم القود الوارد في قوله عليه السلام "لا قود إلا بالسيف" (1) إذا أريد لا قود يجب إلا بالقتل بالسيف عند الإِمام رضي الله عنه وهو قول زفر بجرح ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا وما يشبهه فيعدى إلى الرمح والخنجر والسكين والسهم لا إلى المثقل إلا إذا جرح فيجب اتفاقًا وعندهما وهو قول الشافعي بما لا يطق البنية احتمال كحجر الرحى والاسطوانة العطمة لأن القود عقوبة انتهاك حرمة النفس وذا بما لا يطق احتماله إنما البدن وسيلة وما كان عاملا بنفسه لا بوسيلة كان أكمل ولما كان عدم احتمال البنية فيما بالجارح أتم ثبت فيه بالدلالة.
يوضحه استواء الحجر والحديد في قود قطاع الطريق فكذا في غيرهم وإن مثل الغرز بالإبرة والضرب بالسنجات لما أوجب القود فالضرب بحجر الرحى والحياة معه لا يرجى أولى.
قلنا الأصل أن المعتبر فيما يترتب عليه حكم كماله لأن للناقص شبهة العدم ثم إن كان الحكم مما يثبت بالشبهة كالمعاملات والحرمات يلحق الناقص به وإن كان مما لا يثبت بها كالعقوبات فلا كما يعلى حرمة الزنا إلى مواضع الشبهة لا حده وكما يعلى حرمة المصاهرة إلى التقبيل والمس ووجوب الكفارة والدية من القتل الكامل خطأ أي بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا إلى سائر أنواع الحطأ لأنهما كالحرمة مما يثبت بالشبهة.
إذا تقرر هذا فالكامل هو الجارح الناقض ظاهر التخريب البنية وباطنًا بإراقة الدم وإفساد الطبائع بمقابلة كمال الوجود لا ما لا يحتمله البنية بدليل اختصاص الزكاة به وذلك لأن المعتبر في القود بالنص الجناية على النفس التي هي معنى الإنسان خلقة وصورة وذا بدمه وطبائعه فتكامل الجناية بإفسادهما فاعتباره أولى خصوصًا في العقوبات لا على الجسم لأنه فرع وتبع ولا على الزوج لأنه لا يقبل الجناية أما القاضي أبو زيد فرجح حمل الحديث على الاستيفاء واختاره صاحب الهداية رحمه الله أي لا قتل قصاصًا إلا بالسيف لوجهين:
1 - أن القود اسم قتل المجازاة وجب أو لا فلا بد في تخصيصه بالواجب من مجازية ما
__________
(1) أخرجه البيهقي في الكبرى (8/ 63)، والدارقطني في سننه (3/ 87) رئم (20)، وابن ماجه (2/ 889) ح (2667)، وابن أبي شيبة في مصنفه (5/ 432) ح (27722)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 183) والبزار في مسنده (9/ 115) ح (3663) والطبراني في الكبير (10/ 89) ح (10044).
(2/201)

ولأنه حينئذ يتعلق قوله بالسيف به بلا تجوز وتقديرًا وعلى الأول لا بد من أن يراد بالقود وجوبه أو يقدر مضافًا.
2 - أن القود يجب بغير السيف كالرمح وغيره.
ومنه إثباتهما كالشافعي حكم الزنا في اللواطة لمزية الحرمة فيها لأنها لا تنكشف بحال وفي سفح الماء فوقه بعد تساويهما في قضاء الشهورة لسفح الماء في محل محرم مشتهى، وقال الإِمام رضي الله عنه يجب فيها أشد التعزير وللإمام أن يقتله إن اعتاد لا الحد لما مر أنه يتعلق بالكامل وهو سفح الماء بحيث يؤدي إلى فساد الفراش باشتباه النسب وإهلاك البشر بعد من يقوم بتربيته دينًا ودين لا تضيعه فقد يحل بالعزل في الحرة بإذنها وفي الأمة بدونه ولئن سلم فهو غالب الوجود بالشهوة الداعية من الطرفين بخلافها فلا يلزم من احتياجه إلى الزاجر احتياجها والحرمة المجردة عن هذه المعاني غير معتبرة في شرع الحد كشرب البول والدم فلا ترجح بها.
ومنه إيجاب الشافعي رحمه الله الكفارة في القتل العمد والغموس بالوارد في الخطأ والمنعقدة لمزية الإثم فيهما لعدم العذر والكذب من الأصل قلنا لا يجب الكفارة بالعمد وجب القود أو لا كقتل ابنه وعبده ومسلم لم يهاجر في دار الحرب ولا بالغموس لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فيدور سببها بين الخطر والإباحة وهما كبيرتان محضتان لا تصلحان سببًا لها كالمباح المحض ووجوب التوبة والاستغفار مع أن طاعة ليس بهما بل نقض لهما فلا يضاف إليهما وجوبهما بل إلى ديانته كوجوب الكفارة بالزنا أو شرب الخمر في رمضان لكونه مفطرًا ولذا لا تجب بهما ناسيًا لا لأنهما سبباها والفطر دائر بين الخطر لهتك العبادة والإباحة للتصرف في مملوكه على أن معنى العقوبة راجح في كفارة الفطر فجاز إيجابها بما يترجح فيه معنى الخطر وإنما وجبت بشبه العمد عند الإِمام لأن فيه شبهة الخطأ من حيث إن المثقل ليس بآلة للقتل خلقة بل للتأدب فلم يخل عن شبهة إباحة وهي مما يثبت بشبهة السبب كما يثبت بحقيقته ولم تجب في قتل المستأمن عمدًا مع شبهة حله لأنها شبهة المحل لا الفعل فاعتبرت في إسقاط القود المقابل بالمحل من وجه حيث لم يجب الدية معه ولولاها لوجبا كمحرم قتل صيدًا مملوكا وإن كان جزاء الفعل بالحقيقة إذ يثبت للمقتول حكم الشهادة ويقتل الجماعة بواحد فبقى الفعل كبيرة محضة والكفارة جزاء الفعل من كل وجه وكانت الشبهة في مسألة القتل بالمثقل فيه فأثرت في إسقاط القود وإيجاب الكفارة ولما أن المحظور المحض كترك الواجب عمدًا لا يصلح سببًا للعبادة الجائزة قلنا سجود السهو الثابت بالحديث لا يجب بالعمد خلافًا للشافعى رحمه
(2/202)

الله بدلالة تمكن النقصان وزيادة.
تتمة: قال بعض الأصولين ليس للدلالة عموم لأن معنى النص إذا ثبت علةً لا يحتمل أن لا يكون علةً والإشارة تصلح له، ومعناه أن العلة لا تخصص لأنها مدار الحكم وملزومه فلو وجد دليل يعترض عليها لكان نسخا لا تخصيصًا وكذا الإشارة عند بعض منهم أبو زيد لما لم يسق الكلام له والأصح أنها قد لخصص كما قال الشافعي بتخصيص إشارة قوله تعالى في حق الشهداء {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهمْ} [آل عمران: 169] إلى أن لا يصلى عليهم في حق حمزة رضي الله عنه حيث صلى عليه السلام عليه حين استشهد سبعين صلاة والحق بناء الفرق على أن العموم للمنطوق لا للمفهوم كما مر ويفرع عليه قبول التخصيص.

الفصل العشرون: في حكم الدال بالاقتضاء
وهو أن يطلب شرطًا لصحة المنصوص عليه كائنًا مع حكمه حكمًا له ومضافًا إلى نفس النظم لا معناه كالعتق إلى شراء القريب فلا يعارضه القياس كما لا يعارضه الثلاثة السابقة فالثابت به كالثابت بها غير أنه لثبوته بناء على الحاجة والضرورة كان إنزال منها لو عارضها.
قال فخر الإِسلام وعلامة المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره ويصلح لما أريد له فصحة المذكور به أن يتوقف صحته عليه بخلاف {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] على المختار وعدم الغاية عند الظهور أن لا يتغير به إعراب مفرداته فيتغير نسبة الحكم بتغيره بخلاف واسأل القرية والمقصود منه أن لا يتغير نسبة الحكم إذ لو حصل بدون تغير الإعراب أيضًا لم يكن مقتضى نحو أعجبنى سؤال القرية لكن قيد به إخراجًا له مخرجِ المشتهر أو الغالب فما عد العلامة النسفي نحو قوله تعالى {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفجَرَت} [البقرة: 60] و {فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى} [يوسف: 19] من المقتضى إنما يصح عند من لم يقيد الصحة بالشرعية وما يقال من أن النسبة بتغير عند ظهوره في المثال المشهور إذ بعد البيع يكون العبارة أعتق عبدي فذا من سوء الفهم إذ هذه ليست في معناه ولا تفيد فائدته بل صحتها بعد تمام العقد من الطرفين حتى لو قال المأمور في جوابه بعت عبدي وأعتقته لا يقع عن الأمر وصلوحه لما أريد له يحتمل معنييها.
1 - أن لا يتغير معناه بخلاف قوله لعبده المتزوج تمردًا طلقها لا يكون إجازة اقتضاء لأن غرضه الرد والمتاركة فيكون توكيلا بالطلاق وليس في وسعه بخلافه للمزوج
(2/203)

الفضولي إذ الطلاق يعد الإجازة في يده فيصح الأمر به قبلها.
2 - أن يصلح مستتبعًا للمقتضى بخلاف يدك طالق إذ لا يصلح مستتبعًا للنفس ولذا قالوا الكفار لا يخاطبون بالشرائع وإلا ثبت الإيمان مقتضى تبعًا لها وهو عكس المعقول فمذهبه وهو مختار شمس الأئمة وصدر الإِسلام وصاحب الميزان أن نحو واسأل القرية وإن أكلت وحرمت عليكم أمهاتكم وإنما الأعمال بالنيات من قبيل المحذوف أو المضمر الذي هو كالمنطوق به فلا يخرج دلالته من الأقسام الأربعة المذكورة فلا بد عندهم من تقييد الصحة بالشرعية.
وعد شيء منها في أمثلة المقتضى كما فعله فخر الإِسلام إنما هو على سوق من يقول به.
أما عامة أصحابنا منهم أبو زيد وهو مذهب الشافعي رحمه الله أنه ثلاثة أقسام كما مر ما أضمر ضرورة صدق الكلام نحو رفع عن أمتي أو ضرورة صحته عقلا نحو واسأل القرية أو شرعًا نحو فتحرير رقبة فعرفوه بجعل غير المنطوق منطوقًا لتصحيح المنطوق من غير تقييد بالشرعى كما قيده فخر الإِسلام رحمه الته بقوله فأمر شرعى ضروري ثم العموم في الكل وتجويز التخصيص مذهب الشافعي وعدمه في الكل مذهب أبي زيد والعموم في المحذوف دون المقتضى مذهب الفارقين إلا أبا اليسر حيث لم يقل بعموم المحذوف أيضًا.
للشافعي رحمه الله أنه ثابت بالنص كالثلاثة قلنا العموم صفة النظم وإنما أنزلناه منظومًا شرطًا لغيره وضرورة تصحيحه فيتقدر بقدرها بخلاف الثلاثة فهما كتناول الميتة لا يتجاوز به سد الرمق وحل الذكية يظهر في الشبع والحمل والتمول والعموم الثابت بقولك أعتق عبيدك عني نفس المقتضى وفرق ما بين العموم المقتضى وعموم المقتضى بين.
وللفارق أن الحذف للاختصار وهو أمر لغوي فالمختصر أحد طريقي اللغة قيقبل العموم كالمطول والاقتضاء أمر شرعي ضروري يندفع ضرورته بالخصوص فحقيقة الفرق بينهما يكون الاحتياج لغويا في الحذف وشرعيًا في الاقتضاء وقيل أو عقليًا ثم المضمر يرادف المحذوف أو كالمحذوف حكمًا وإن فرق بينهما بأنه ما له أثر نحو والقمر قدرناه وبلدة ليس بها أنيس والمحذوف ما لا أثر له نحو واسأل القرية.
ومنه يعلم أن تغير الإعراب عند الظهور لا مدخل له في صحة العموم بل وليس قيدًا في المحذوف غلا غالبًا في الوقوع فعلى هذا اختصاص الحكم بالآخرة في حديثي الرفع والنية وعدم عمومه لاشتراك الحكم لا للاقتضاء كما مر مرات.
(2/204)

تفريعات:
1 - تبطل نية الثلاث في اعتدى بعد الدخول لأنه وقع مقتضى الأمر بالاعتداد ولذا كان رجعيًا إذ الضرورة تندفع به والمقتضى له اعتداد لهذا الأمر أثر في إيجابه فلذا يقع به ولو في عدة طلاق آخر وهذا تخريج غير ما مر من أنه مستعار لكوني طالقًا.
2 - تبطل نية الثلاث في أنت طالق وطلقتك خلافًا للشافعي رحمه الله فعنده يقع ما نوى كما في طلقي نفسك وأنت باين وإذا يقع الثلاث تفسيرًا لهما قلنا نية غير المحتمل لأن طالق نعت فرد للمرأة لا عموم فيه ومحتمله هو الطلاق بمعنى التطلمِق وهو المراد هنا لأن ما هو صفة المرأة يقتض ضرورة صدقه إيقاعًا سابقًا وهو الذي في يده فأثبتناه وهذا الشرعي واللغوي المصدر القائم بها لا به وكيف يراد هو وأنه غير واقع بعد وقد أخبر عن وقوعه فلا بد من إثبات الإيقاع والوفع قبيله ليصدق ويصح شرعًا وكذا المدلول اللغوي لطلقت المصدر الماضي وليس موجودًا فاقتضى سابقًا ليصبح والمقتضى لا عموم له وإنما صحت في أنت طالق طلاقًا وأنت الطلاق وإن كان المصدر المذكور صفة للمرأة لأن نية التعميم في المذكور المقتضى للتطليق يقتضى التعميم فيه فذلك هو التعميم المقتضى لا تعميم المقتضى كبيع العبيد في أعتق عبيدك عني بألف وللغفلة عن هذا ظن أن المراد بالطلاق التطليق والمراد أنت طالق لأني طلقتك تطليقات ثلاثًا.
وفيه بعد من وجوه لا سيما في أنت الطلاق وهذا طريق جعله إنشاء فلا يقال هو إنشاء وضرورة الصدق في الإخبار فلا اقتضاء إذ لولا اعتبار الاقتضاء حال إنشائيته كلما عمل بإخباريته إذا أمكن كقوله للمطلقة والمنكوحة إحديكما طالق لا يقع شىء ولئن لم يلاحظ إخباريته فلأن مدلوله الحقيقي معدوم ولو لفظًا والمعدوم لا يحتمل العموم أو لأنه لما جعل إنشاء شرعًا صار فعلا لا قولا والفعل لا يتعدد بالنية لأنها تعمل في المراد من الأقوال ثم الباين كالطالق في كل ذلك لكن صحت نية الثلاث فيه لأمر آخر هو أن لاتصال البينونة بها وجهين انقطاع الملك وانقطاع الحل فالنية عينت أحد محتمليه فإذا لم ينو أو نوى مطلق البينونة تعين الأدنى المتيقن وإذا نوى انقطاع الحل يثبت العدد ضمنًا كالملك في المغصوب في ضمن الضمان أما الطلاق فغير متصل بالمحل في الحال اتفاقًا لبقاء جميع أحكام النكاح فضلا عن تنوعه إنما هو في نفسه انعقاد العلة فقط والأفعال قبل الحلول في المحال لا تنوع إلى النقصان والكمال كالرمي بل المتنوع أثره كالجرح والقتل ولئن سلم اتصاله فغير متنوع بل تنوعه بالعدد فهو الأصل في التنويع فلا يثبت مقتضى وإلاكان الأصل تبعًا أو نقول تنوعه إلى مزيل الملك بانقضاء العدة وإلى مزيل الحل بكمال
(2/205)

العدد فهما محتملا متعلقيه لا نفسه وأما طلقى فليس إخبارًا وضعًا ليقتضى إيقاعًا سابقًا ولا إيقاعًا للطلاق ليكون معدومًا ولا أن إنشائيته جعلية شرعًا ليكون فعلا بل قول موضوع لغة لطلب مصدره فله طالب أن يعين مطلوبه بالنية وعلى تنوع الفعل يصحح نية التخصيص صح نية السفر ديانة في إن خرجت خلافًا للقاضى أبى هيثم لتنوعه إلى المديد المرخص وغيره لا قضاء لأن فيه تخفيفًا ونية بيت واحد لا يعينه في لا نساكن فلانًا مع أنه بلا نية يقع على الدار والمكان يقتضى لتنوع المساكنة إلى كاملها في بيت وغيره في دار ويتعين الأدنى لعدم النية وأما من أقر ببنوة صغير صدقته أمه المعروفة بالحرية وبأموميته بعد موته فإنما يثبت نكاحها دلالة كما قل شمس الأئمة أو إشارة كما اختاره أبو زيد أن النكاح الصحيح هو المتعين للولادة في مثلها فالإقرار بالولد إقرار بالوالدة ولئن ثبت اقتضاء لثبوت النسب كما قال فخر الإِسلام فإنما ترث لأن الإرث لازم النكاح في أصله إذ لا يتنوع إلى موجب الإرث وغيره إلا بعارض لا يعتبر فالإرث هنا للنكاح كالملك للبيع الثابت مقتضى في أعتق عبدك عني بألف.
3 - يبطل نية مكان ومأكول ومشروب دون آخر في إن خرجت أو أكلت أو شربت عندنا قضاء اتفاقًا وديانة إلا عن أبي يوسف رحمه الله في رواية لا عند الشافعي رحمه الله في المفعول به رواية واحدة والشرط كالنفي هنا لأنها وإن دلت على المصدر لغة لم يدل على المكان والمفعول إلا شرطًا لأن المحال شروط وكذا نية تخصيص سبب وفاعل في إن اغتسلت أو اغتسل لأن اللغة لا تقتض ذكر السبب وفاعل المبني للمفعول ولا بد منهما بخلافها لو ذكر طلاقًا وموضعًا ومأكولا ومشروبًا وغسلا واحدًا حيث يصدق في نية التخصيص ديانة والفرق أن هذه الاقتضاءات إن كانت شرعية فقد علم وإن لم تكن بل كانت عقلية حيث يعرفها من لم يعرف الشرع أصلًا فللاقتضاء عند من يقول به أو لأن نية التخصيص في غير الملفوظ لغو مطلقًا إليه أشير في المبسوط فإنما ذكرها من شرط الشرعية هنا أخذًا بسوق القوم إما أنه يحنث فيها بكل مفعول ومكان وحال فلحصول المحلوف عليه لا للعموم وإنما لم يذكروا المصدر لأنه المدلول اللغوي إذا أريد مطلقه فيصح ديانة نية التخصيص في أنواعه إذاكان متنوعًا في نفسه كما سلف في مسألتى إن خرجت ولا أساكن لا إن أريد النوع ثم ينوي تخصيص ذلك النوع ففي إن اغتسلت يصح نية تخصيص الفرض أو النفل أو التبرد إن كانت أنواعه لا إن كانت أوصافه كما نص عليه وقيل إنما يصح نية التخصيص في اغتسلت اغتسالا لا في اغتسلت لأن المصدر المصرح يقوم مقام الاسم الذي له عموم بخلاف غير المصرح وكونه في حكم المصرح
(2/206)

في حق صحة الفعل لا في حق إقامته مقام الاسم.
وتحقيق مذهبنا أن لا آكل أو إن أكلت لنفي نفس الحقيقة فلا يحتمل إثبات بعض أفرادها للمنافاة الظاهرة فلو نوى مأكولا دون مأكول فقد نوى ما لا يحتمله لفظه بخلاف لا آكل شيئًا ولا آكل أكلا إذ قد يقصد به عدم التعيين لما هو معين عند المتكلم إذا فسره ببيان نيته فقد عين أحد محتملاته.
ونظيره الفرق بين قراءتي {لا رَيْبَ} [البقرة: 2] بالفتح والرفع على ما علم فيما مر من الفرق الواضح بين نفي الجنس المساوي للفرد المنتشر نصًا وبين الفرد المقيد بالإبهام المحتمل لهما، واستدق الإِمام فخر الدين الرازي هذا النص للإمام الأعظم رحمه الله والفضل ما شهدت به الأعداء فلا يرد أن التأكيد تقوية مدلول الأول من غير زيادة فلا تفاوت بينهما.
للشافعي رحمه الله أن نفي الحقيقة إنما يتحقق بنفي كل مأكول ولذا يحنث بأيها أكل وذلك معنى العموم فوجب قبوله للتخصيص.
قلنا منقوص بتخصيص بعض الأزمنة والأمكنة بالنية حيث لا يجوز اتفاقًا والحل ما مر على أن دليلهم يفيد عموم المعنى والمبحث العموم الذي هو من عوارض الألفاظ ومنهما يعلم أن التزام جواز التخصيص في الجميع فاسد كفساد فرقهم بأن المفعول به من معقولية الفعل فلا يخطر بالبال إلا به فيكون كالمذكور بخلاف غيره وذلك لأن المتعدي قد يراد تعلقه بالمفعول وقد لا بتنزيله منزلة اللازم كما لو عم كلا الاستعمالين في المعاني ونزل في أكثر الفواصل القرآنية فلم يكن من ضرورياته كما في غيره.
ومن حكمه أن يثبت بشرط المقتضى لا شرط نفسه كالبيع الثابت في ضمن الأمر بالإعتاق بألف إلا عند زفر فإنه ينكر الاقتضاء ويشترط أهلية الإعتاق في الأمر لا القبول ولا يثبت فيه خيار العيب والرؤية ويصح في الأبق وذا شأن التابع كإقامة الجندي والغلام والمرأة بنية السلطان والمولى والزوج فليس كالمذكوركما ظنه الشافعى رحمه الله ولذا لو قال المأمور بعته منك بألف وأعتقته يقع عنه لأنه كان مأمورًا بالبيع الضمني وأتى به مقصودًا فكان ابتداء عقد توقف على قبول الأمر فإعتاقه قبله يقع منه وقال أبو يوسف رحمه الله في الأمر به بغير شيء يعتق عن الأمر ويملكه هبة ويسقط القبض كما في البيع الفاسد مثل أن يقول أعتق عبدك عني بألف ورطل خمر وقوله لغيره أطعم عني كفارة يميني لأنه القبول وأنه ركن لما سقط فالشرط أولى وقالا يقع عن المأمور لأن مالية العبد تلفت على ملك المولى في يده غير مقبوضة للطالب ولا محتملة لها لهلاكها بالإتلاف لا حقيقة
(2/207)

وهو ظاهر ولا حكمًا لأن القبض والتسليم في الهبة لا يسقط في صورة فلا يحتمله ودليل السقوط يعمل في محله بخلاف القبول في البيع حيث يحتمل كلا ركنيه السقوط بالتعاطي في النفيس والخسيس في الأصح وفي نحو كيف تبيع الحنطة فقال قفيزًا بدرهم فقال كلني خمسة أقفزة فكالها فالشرط أولى كما في نحو بعتك هذا الثوب فأقطعه فقطعه والبيع الفاسد كالصحيح مشروع بأصله فيعتبر به نظرًا إلى الأصل وفي مسألة التكفير جعل الفقير قابضًا عن الأمر ثم عن نفسه لكون الطعام قائمًا ولضة المالية تالفة.
وهذه تحصيلات المنطوق والمفهوم على سوق الشافعية.
الأول في تعريفها قسموا الدلالة إلى المنطوق والمفهوم وإن جعلهما قليل منهم فسمى المدلول فأدرجوا غير دلالة النص في المنطوق وإياها في المفهوم فالمنطوق دلالة اللفظ على الحاصل في محل النطق إما حكمًا له تكليفيًا شرعيًا في الشرع وإيجابًا وسلبًا مطلقًا وإما حالًا من أحواله أي حكمًا وضعيًا بأن يكون شرطًا له عقلا كتحصيل القوس في أرم أو شرعًا كالوضوء للصلاة والتمليك في أعتق عبدك عني أو سببًا له أو مانعًا كالحيض لترك الصلاة أو لنفسها وكما يستدل بقوله عليه السلام "تمكث إحداهن شطر دهرها" (1)، الحديث أن أكثر عشرة أو خمسة عشر قيل فنحو رفع عن أمتي واسأل القرية ليس من الاقتضاء إذْ ليس المقدر حكمًا أو حالًا للمنطوق.
وأقول إلا أن يجعل الاقتضاء أعم من وجه أو يفسر الحال يما يتناول المقدر فيهما فأقسام المنطوق أربعة ..
1 - الدلالة على حكم مذكور لمذكور كأقم الصلاة الآية على وجوب صلاة الظهر.
2 - على غير مذكور لمذكور نحو {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} على جواز إصباح الصائم جنبًا.
3 - على حال مذكورة لمذكور نحو السارق والسارقة الآية على كون السرقة علة.
4 - على غير مذكورة لمذكور كحديث الحيض على أكثر مدته والمفهوم دلالته على حكم أو حال غير المذكور لغير ما نطق به فهو قسمان نحو ولا تقل لهما أف على حكم الضرب ونحو {وَمنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينَار} [آل عمران: 75] الآية على علية الأمانة لتأدية ما دون القنطارَ كذا ذكر.
وفيه بحث فإن الأمانة مذكورة إلا أن يراد كونه أمينًا والمذكور جعله أمينًا.
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2/208)

الثاني: في تقسيم المنطوق هو صريح إن كانت مطابقة أو تضمنًا لما مر أن فهم الكل عين فهم الجزئين ذاتًا وغير صريح إن كانت التزامًا وهذه ثلاثة لأنه إن كان مقصودًا للمتكلم فقسمان استقراء.
1 - أن يتوقف الصدق والصحة العقلية أو الشرعية عليه نحو رفع الحديث واسأل القرية وأعتق عبدك عني بألف ويسمى اقتضاء.
2 - أن يقترن وصف مذكور في الجملة بحكم لو لم يكن ذلك الوصف أو نظيره علة له كان بعيدًا ويسمى إيماء وأقسامه خمسة.
1 - عين الوصف علة لحكم مذكور في كلام الشارع والوصف في كلام غيره كقوله عليه السلام أعتق لمن قال واقعت أهلي في نهار رمضان.
2 - نظير الوصف علة الحكم في كلامه والنظير في كلام غيره كما في حديث الخثعمية.
3 - أن يفرق بين حكمين بوصفين صفة أو استثناء أو غاية أو غيرها نحو للراجل سهم وللفارس سهمان.
4 - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا مناسبًا نحو لا يقضى القاضي وهو غضبان.
5 - أن يذكر الوصف دون الحكم فيستنبط نحو أحل الله البيع فإنه حله وصف حكمه الصحة فالعلية في الكل مدلولة لا بالوضع للوصف المذكور وأما إذا ذكر الحكم دون الوصف كما في العلل المستنبطة فالمختار أنه ليس من الإيماء وإن لم يكن مقصودًا فإشارة.
ولها أمثلة منها حديث الحيض إلى أن أكثر من خمسة عشر عندهم وهو ظاهر فإن المقصود وهو المبالغة في نقصان الدين يقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض وعشرة عندنا وهذا أوجه كما مر أن العمر الغالب هو الستون بالحديث ولا حيض إلا بعد البلوغ فالثلاث مما بعده إذا ضم بما قبله وذا مجموع زمان الترك يبلغ نصف العمركذا قيل.
وفيه بحث لأن سياق الذم يوجب اعتبار ترك زمان الوجوب إذ لا ذم بترك غير الواجب إلا أن يقال ليس الذم بترك الواجب فقط بل بالمجموع منه.
ومن عدم الأهلية على أن المناسب للسياق أن لا يكون الذم بترك الواجب بل بعدم أثر الأهلية إذ لا وجوب لنحو الصلاة في أيام الحيض أيضًا.
وأما إشارته إلى أن أقل الطهر خمسة عشر إذ لو كان زمانه أقل لذكره في ذلك السياق فإنما يناسب توجيههم ويقويه.
(2/209)

ومنها قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} [البقرة: 187] إلى جواز إصباح الصائم جنبًا بوجهين:
1 - استغراق الليل بجواز الرفث فإن الحل ليلة الصيام يقتض جوازه في آخر جزء منها.
2 - امتداد إباحة المباشرة حتى يتبين.
قيل فعد صاحب المنهاج هذه الآية والاقتضاء من المفهوم ليس بجيد لأن الدلالة فيهما على سؤال وحكم للمنطوق.
وأقول إلا أن يريد بعض أقسام الاقتضاء كما مر وغير خاف على المنصف أن الضبط الوافي والميز الشافي لأصحابنا كما سلف في المبادي.
الثالث: في تقسيم المفهوم إن وافق حكم المذكور حكم غيره إثباتًا ونفيًا فالموافقة وإلا فالمخالفة تسمى فحوى الخطاب أو لحنه أي مفهومه كقوله تعالى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] في حرمة الضرب وكآخر الزلزلة في المجازاة بالأمرين فيما فوق الذرة ونحو {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] في تأدية ما دونه و {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] في عدم تأدية ما فوقه قيل والكل تنبيه بالأدنى أي بالأقلَ مناسبة على الأعلى وقيل: بالعكس فيراد بهما الأصغر والأكبر فلذا كان الحكم في غير المذكور أقوى وإنما يعرف ذلك باعتبار المعنى المقصود من الحكم كالإكرام في منع التأفيف وعدم تضييع الإحسان والإساءة في الجزاء والأمانة وعدمها في القنطار والدينار ولذا قال قوم بأنه قياس جلي وقد مر فساده ثم هذا على تقدير أن يكون مساواة المسكوت عنه بواسطة لا موافقة ولا مخالفة كما قيل أما إذا ألحق بالموافقة كما فعله أصحابنا فلا يشترط الانتقال من الأدنى وهو الحق لأن اشتراك العلة مدار اشتراك الحكم.
قيل إن كان التعليل بالمعنى في الموافقة والسببية للفرع قطعتين فقطعية كما مر وإلا فظنية كقول الشافعي رحمه الله إذا أوجب القتل الخطأ وغير الغموس الكفارة فالعمد والغموس أولى وإنما يتم لو كان المعنى الزاجر أما لو كان التلافي للمضرة فلا إذ ربما لا يقبله العمد والغموس لعظمهما وقد مر ما فيه.
الرابع في أقسام مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب وشرطه حصره القائلون به بالاستقراء في اللقب، والصفة، والشرط، والغاية، والاستثناء، والبدل، والعدد، وإنما، والحصر، وقران العطف، وليعم أمران:
1 - إن عدها مفهومًا من جهة الحكم لا ينافي عد نحو الصفة والشرط إيماء ومنطوقًا
(2/210)

من جهة دلالتهما على علية الوصف.
2 - إن عد الغاية والاستثناء مفهوم المخالفة إنما يصح في بعض الأمثلة كالمرافق حيث يدل على أن غسل ما بعدها ليس بواجب وكالاستثناء المفرغ وإلا فالدلالة في نحو أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا والاستثناء التام على حكم المذكوركذا ذكر.
وفيه نظر فإن المرافق وما وراءها مذكور في الأيدي لتناوله إلى الإبط وغير المذكور في الاستثناء حكم المستثنى وهو مذكور في المفرغ غالبًا فالأولى تمثيل الغاية بنحو الليل في الصوم والاستثناء إن صح أنه من المفهوم المفسر بما ذكر بنحو ليس إلا وليس غير منه على أنه يجب ذكر ما هو المستثنى قبلهما وعندنا يسمى الكل تمسكًا فاسدًا إذ الإثبات لم يوضع للنفي وبالعكس فلا يدل عليه فتحقق نقيض الحكم كعدم وجوب الزكاة في غير السائمة إما لكونه أمرًا أصليًا وبدليل آخر وبالقرائن الحالية أو القالية قالوا واشترط في الجميع أمور:
1 - أن لا يظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم وإلا كان موافقة وكذا مساواته أما القياس فقد يكون حكم أصله ثابتًا بالإجماع لا لنص ويكون علته في الفرع أدنى إلا عند من جعل جنسه المساواة.
2 - أن لا يخرج مخرج الأغلب كتقييد الربائب بالكون في الحجور والخلع بخوف عدم إقامة حدود الله ونكاح المرأة نفسها بعدم إذن الولي لأن وجه الحمل على التخصيص تحقيق الفائدة فإذا ظهرت أخرى كالمدح والذم والتأكيد في الصفة بطل وجه الدلالة.
3 - أن لا يكون لخصوصية السؤال أو الحادثة كالسؤال عن سائمة الغنم أو كون الغرض بيانها.
4 - أن لا يكون تقدير جهالة للمتكلم بحكم المسكوت عنه ولا خوف يمنع عن ذكره ولا غيرهما من موانعه والفقه ما مر أن الحاجة إلى تحقيق فائدة التخصيص إنما يتحقق عند عدم فائدة أخرى والحق أن هذا الاشتراط لا يتصور في نحو الاستثناء والغاية والبدل والحصر وأن كون الغرض بيان المذكور فائدة شاملة يمكن أن يمنع به كل فرد منه على أن تخصيص الحكم النفسي المفسر بالعلم بوقوع النسبة أولا وقوعها عندنا وبالإذعان عند الحكيم يكفي فائدة فلا يجب تخصيص الحكم الخارجي وهو الوقوع أو اللاوقوع أما عدم تأديته أصلًا كما في الإنشاء أو لعدم تأدية مخالفه كما في الخبر فلا يلزم تأدية العدم فيهما.
(2/211)

الخامس: في مفهوم اللقب وهو نفى الحكم عما لم يتناوله النص باسم الجنس كالماء في حديث الغسل أو العلم نحو زيد موجود.
منعه الجمهور خلافًا لأبي بكر الدقاق وبعض الحنابلة والأشعرية.
لنا أولا: أن القول بالمفهوم حيث يتعين التخصيص فائدة وليس التنصيص باللقب كذلك إذ لو طرح اختل الكلام.
وثانيًا: لزوم الكفر من سعد موجود ومحمد رسول الله لاقتضائهما نفى وجود غيره حتى الله جل جلاله ونفى رسالة سائر الأنبياء.
وثالثًا: الآيات والأحاديث التي ليس التنصيص باللقب فيها للتخصيص نحو {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا} [التوبة: 36] الآية {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ} [لقمان: 34] الآية ونحو "ولا يبولن أحدكَم" (1) الحديث لا تخصص بالأشهر الحرم وبالغد وبالجنابة دون الحيض كذا قيل في توجيهها.
وفيها بحث سيجيء أن القيود من قبيل الأوصاف بل الوجه التوجيه بتخصيص المخاطبين والنفس والبول أما الاستدلال بأن القول به يفضي إلى بطلان القياس الحق ففاسد لأن موضع القياس مستثنى اتفاقًا لأن ذكر الأصل كذكر مناط حكمه لا لأن شرط المفهوم عدم ظهور المساواة كما مر إذ القياس قد يكون للأدنى إلا عند من جعلها جنسه.
لهم أولا فهم الأنصار وهم من أهل اللسان عدم وجوب الاغتسال بالإكسال من قوله عليه السلام: "الماء من الماء" (2) قلنا بموجب العلة ذلك من حرف الاستغراق أي جنس الاغتسال الذي يتعلق بالماء من الماء فلا يرد ما من الحيض والنفاس وقد سلمناه لكن يكون وجود الماء تارة عيانًا كالإنزال وأخرى دلالة كالتقاء الخاتنين لسببيته كالسفر والنوم.
وثانيًا أنه لولا التخصيص فلا فائدة للتنصيص.
لا يجاب كشمس الأئمة بأنها التأمل للاستنباط لنيل ثوابه ولا يحصل بالتعميم لما مر أن موضع القياس مستثنى بل فائدته إفهام مقصود الكلام.
وثالثًا: التبادر إلى الفهم في قوله لمن يخاصمه ليست أمي بزانية ولا أختي حتى أوجب به الحد مالك وأحمد.
__________
(1) أخرجه البخاري (1/ 94) ح (236) ومسلم (1/ 235) ح (282).
(2) أخرجه مسلم (1/ 269) ح (343).
(2/212)

قلنا من القرائن الحالية كالخصام وإرادة الإيذاء لا من اللفظ.
السادس: في مفهوم الصفة ولا يراد بها التعب بل كل قيد في الذات من نحو سائمة الغنم ولى الواجد وطرفي الزمان والمكان وغيرهما حتى قال إمام الحرمين بجواز تناولهما لمفهوم الغاية والعدد فضلا عن الشرط فإن المحدود والمعدود موصوفان بالحد والعد.
والعد والمظروف بالاستقراء في الظرفين فقال به الشافعي وأحمد ومالك والأشعري مطلقًا وأبو عبد الله البصري في ثلاث صور:
في موضع البيان كبيان خذ من غنمهم صدقة بقوله عليه السلام: "في الغنم السائمة زكاة" (1) حاشية.
2 - في تمهيد القاعدة كقوله عليه السلام "إن تخالف المتبايعان في القدر أو في الصفة فليتحالفا وليتحالفا" (2) فالظرفان صفة معنى وهو أوجه من اعتبار الشرط صفة من حيث المعنى.
دخول غير ما له الصفة فيه دخول الواحد في {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} [البقرة: 282] ونفيناه كالقاضي والغزالي والمعتزلة والقفال وابن سريج والنزاع في وصف خاص لا مادح ولا غيره.
لنا أولًا لو ثبت فينقل إذ لا مدخل للعقل في مثله متواتر أو جار مجراه في الاعتماد لأن الآحاد لا تفيد ولم يوجد وإلا لما اختلف فيه وبقيد الجريان اتباعًا لصاحب الكشف رحمه الله اندفع منع اشتراط التواتر.
وثانيًا أنه لو أفاد لم يحسن بعد الأمر المقيد السؤال عن حال عدم القيد كما إذاكان النفي مصرحًا.
وفيه بحث سيجيء مع جوابه.
وثالثًا لو ثبت في الإنشاء لثبت في الخبر لأن الحذر عن عدم الفائدة مشترك لكن قولنا في الشاة الغنم السائمة لا يدل على عدم المعلوفة لا لغة ولا عرفًا قطعًا ولا يجاب بالالتزام لولا القرينة فإنه مكابرة ولا بأنه قياس في اللغة إذ المراد به دخوله تحت القاعدة الكلية
__________
(1) لا يوجد بهذا اللفظ وأصله أخرجه البخاري (2/ 527) ح (1386).
(2) أخرجه الدارمي (2/ 325) ح (2549) والبيهقي في الكبرى (5/ 333) ح (10591) والدارقطني في سننه (2013) برقم (67)، والشافعي في مسنده (1/ 328) ح (302) والطبراني في الكبير (10/ 174) ح (10365)، وابن الجوزي في التحقيق (2/ 185) ح (1458) بتحقيقنا، وانظر التلخيص الحبير (3/ 30).
(2/213)

الثابتة بالاستقراء القائلة بان كل ما ظن أن لا فائدة للفظ سواه تعين لأن يكون مرادًا ولا بأن للخبر خارجيًا شأنه الإشعار بوقوعه فلا يلزم من عدم الإشعار عدمه والإنشاء لا خارجي له فانتفاء إيجاب الزكاة في المعلوفة مثلا عين انتفاء وجوبها وذلك لأن حاصله أن النص غير متعرض لحكم المسكوت عنه ونحن نقول به ولا فرق فيه بينهما لأن عدم الحكم بالشىء كما هو أعم من حصوله ولا حصوله خارجًا كذلك أعم من الحكم بالعدم فالكلام في أن الإيجاب في السائمة ليس نفيًا للوجوب في المعلوفة لا في انتفاء إيجاب الشيء ليس انتفاء لوجوبه.
ورابعًا لو صح لما جاز تعليق الحكم الواحد بالقيدين المتخالفين معًا كإيجاب الزكاة في السائمة والمعلوفة إما لعدم فائدة القيدين حينئذ وإما التناقض منطوق كل مع مفهوم الآخر.
وخامسًا: لو ثبت لما ظهر خلافه بدليل وإلا لزم التعارض.
ونظر فيهما بأن هذا المفهوم ظني فيترجح المنطوق عليه والتناقض والتعارض في الظواهر جائزان لجواز التأويل بالدليل ودفعه أقوى دليل علمِه وفائدتهما دفع احتمال تخصيصهما وجوابه أن معناهما لو ثبت لزم خلاف الأصل من التناقض والتعارض وإن لم يثبت لم يلزم وما يفضى إلى خلافه مرجوح إلا الدليل فإن أقامه كان معارضة وهي مقررة لا مبطلة ودفع احتمال التخصيص لو كفى فائدة فليكف لأحد التقييدين فقط لمثبتيه أولا أن أبا عبيد القاسم الكوفي أو أبا عبيدة معمر بن المثنى وكل منهما إمام في معرفة اللسان فهم من قوله عليه السلام: "ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه" (1) أي مطل الغنى يحل حبسه ومطالبته أن مطل غير الغنى ليس كذا ولما فسر الشعر في قوله عليه السلام: "لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا" (2) بالهجاء أو بهجاء الرسول عليه السلام قال فلم يكن لذكر الامتلاء معنى لاستواء قلته وكثرته فيه فجعل لامتلاء من الشعر في قوة الشعر الكثير.
قال إمام الحرمين المراد مطلق الشعر وبامتلائه الاعتناء بتكثيره بحيث يكون مرغوبًا
__________
(1) أخرجه البخاري معلقًا بغير الجزم (2/ 845) باب لصاحب الحق مقال (13)، والبيهقي في الكبرى (6/ 51) ح (11061)، والنسائي ق الكبرى (4/ 59) ح (6288) وابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 489) ح (22402)، والطبراني في الأوسط (3/ 46) ح (2428) في مسند المقلين (1/ 37) ح (12)، والإمام أحمد في مسنده (4/ 389).
(2) أخرجه الشاشى في مسنده (1/ 175) ح (120).
(2/214)

عن غيره إذ لا يلام عليه إلا حله إذًا وكذا الشافعي قال به وهو ممن يعلم لغة العرب فالظاهر فهمه.
قلنا يجوز إن بنياه على اجتهادهما لا على فهمه كيف والبحث معهما ومع أمثالهما قيل لو كان هذا قادحًا لما ثبت شيء من مفهوم اللغات.
قلنا لا نعلم إذ الكلام مع من في صدد إثبات أحكام الشرع وإلا فليجب على جميع الأمة والأئمة تصديق ما بناه الشافعي رضي الله عنه على اللغة من الأحكام والإجماع على خلافه مع أن نفي الأخفش إياه لغة معارض مؤيد بالعلم الأصلي وإن رواته ليست من أئمة الاجتهاد.
وثانيًا: لولا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدة وكلام البلغاء بريء عنه فكلام الله تعالى أولى.
لا يجاب بأن الوضع لا يثبت بترتيب الفائدة بل بالنقل لما مر أنه إثبات بقاعدة استقرائية بل بما مر أن فائدته الإشعار بتعلق الحكم النفسي به سواء لم يكن له خارجي كالإنشاء أو كان كالخبر يطابقه أو لا فإن الألفاظ موضوعة بإزاء ما في النفس وهو المعبر عنه يكون الغرض بيانه أو عدم احتمال تخصيصه أو لا فإن الألفاظ موضوعة بإزاء ما في النفس وهو المعبر عنه يكون الغرض بيانه أو عدم احتمال تخصيصه عامًا وإذا استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال أو كثرة بواعثه على الحكم وغير ذلك.
قيل مثله خارج عن محل النزاع قلنا الأولى فائدة عامة ولذا ما يجاب عن النقض بمفهوم اللقب بأن فائدة ذكره عدم اختلال الكلام ليس بشيء لأن الداعي عدم اختلال المقصود وذا إنما يتم بجميع قيوده ويؤيده قول أئمة العربية أن القيد مناط الإفادة حتى قيل ينصب النهي في {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] على كل منهما وفي وكفورا على المجموع.
وثالثًا: لو لم يكن فيه الاختصاص لزم الاشتراك إذ لا واسطة بين ثبوت الحكم للمسكوت عنه وعدمه وليس للاشتراك اتفاقًا.
قلنا على أنه منقوض بمفهوم اللقب إن أريد أن نفس الأمر لا يخلو عن أحدهما فمسلم لكن الكلام في إفادة اللفظ ولا حصر بين الإفادتين لأن عدم الإفادة واسطة وبعبارة أخرى إن أريد اختصاص الحكم النفسي فلا نزاع وإن أريد اختصاص متعلقه وهو الحكم الخارجي أعنى الثبوت والانتفاء فممنوع إما لعدم أدائه أصلًا كما في الإنشاء أو لعدم تعرضه بخلاف مؤداه ولا يلزم من عدم الحكم الحكم بالعلم.
(2/215)

ورابعًا أن قولنا الفقهاء الحنفية فضلاء ينفر الشافعية.
قلنا للتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال أو لأن بعض الناس يفهم الحصر أو لأنه مما يفهم في الجملة ولو من القرائن.
وخامسًا: أن قوله عليه السلام بعد نزول {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80] الآية لأزيدن على السبعين دل على فهمه عليه السلام مفهوم العدد وهو أن حكم ما وراء السبعين خلافه.
وقول يعلي بن أمية لعمر رضي الله عنه ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا فأجاب بأنه سأل النبي عليه السلام وأجاب بحديث الصدقة (1) دل على فهمهما مفهوم الشرط وقرره الرسول عليه السلام وقد مر أن كلا من العدد والشرط صفة في المعنى أو الغرض إلزام من لا يفصل.
قلنا في الأول لا نعلم الفهم فإن العدد هنا للمبالغة ولعل قوله لأزيدن لأنه علم بالوحي أو غيره أن شركة ما زاد غير مراد هنا بخصوصه ولئن فهم فمن أن الأصل جواز الاستغفار له لكونه مظنة الإجابة لا من العدد وفي الثاني لعل فهمهما من استصحاب الحال في وجوب الإتمام.
وسادٍسًا أن فائدة التخصيص أكثر إذ فيه النفي عن الغير وتكثيرها يلائم غرض العقلاء فالظاهر هو ولا دور كما في كل برهان أن والحل إن توقف المؤثر على عقلي وتوقف الأثر عيني.
قلنا تكثيرها لا يكفي دالا على الوضع بل على الترجيح بعد التردد بين الثابتين نقلا.
وسابعًا إن فهم العلية من دليل الإيماء لاستبعاد عدم إرادة التعليل ففهم الشىء لعدم الإفادة بدونه أولى إذ هذا أشد محذورًا.
قلنا ذا متعارف لا هذا إلا بدليل.
قيل مشترك كما يفهم من قولنا الإنسان الطويل لا يطير فيستبعده العقلاء. قلنا لعله لفهم التعليل إِذ الطول ليس علة ثم لايقتضي من انتفاء العلة انتفاء المعلول لجواز ثبوته بعلل شتى ولذا قال مشايخنا أقصى درجات الوصف عليته وحين لم ينف فغيره أولى.
وثامنًا كالشرط في أنه معترض على ما يوجب لولاه بخلاف العلة لأن إيجابها ابتدائي قلنا قياس في اللغة بل هو هو كما مر.
__________
(1) انظر التمهيد لابن عبد البر (15/ 272).
(2/216)

تتمة: النصوص التي صفاتها للاختصاص معارضة بما ليس كذلك نحو {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] في جزاء الصيد إذ يجب على الخاطى {وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب: 50] لحل من لم يهاجر اتفاقًا {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا} [النساء: 6] فلا تمسك بالوقوع في نزاع الظهور.
فروع: وصف الربائب بكونها من نسائنا والفتيات بكونها من المؤمنات لا يعدم الحرمة في بنت المزنية والحل في الأمة الكتابية خلافًا له إما لأن دعوة المولى أكبر أو لإدامة ولدتهم في بطون تنفي نسب الأصغرين فإما لأن دلالة حاله وهي فرضية التزام النسب عند دليله والتبري عند دليله جعلت سكوته في موضع الحاجة إلى البيان بيانًا إصلاحًا لأمره فإن ضرورة بترك الفرض أعلى وإما لعدم شرط الثبوت وهو الدعوة وليسا ولدي أم الولد حتى لا يشترط الدعوة لولادتهما قبل ثبوت الأمومية ودعوة الواحد ممن في بطن دعوة للجميع وأما رد قول شهود الميراث لا نعمل له وارثًا في بلخ عندهما فلزيادة تورث بإيهامها علمهم في مكان آخر شبهة بها ترد والشبهة مسلمة وقال سكونهم عن سائر الأمكنة ليس في موضع الحاجة لعدم وجوب ذكر المكان فليس بيانًا لوجوده على أنه يحتمل أن يكون للاحتراز عن المجازفة.
السابع: في مفهوم الشرط وهو أقوى ولذا قال به كل من قال بمفهوم الصفة لأنه صفة معنى وبعض من لا يقول به كأبي الحسن الكرخي منا وأبى الحسين البصري من المعتزلة وابن سريج من الشافعية.
لنا ولهم ما تقدم فيها من مقبول ومزيف ولهم أيضًا أن شأن الشرط أن يلزم من انتفائه انتفاء المشروط ولا يرد {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] لخروجه مخرج الأغلب ومخرج المبالغة لأن المولى أحق بإرادته أو تحالف لمعارض أقوى وهو الإجماع أو لعدم شرط التكليف حينئذ لأنهن إذا لم يردن التحصن لم يكرهن على البغاء فلا يمكن الإكراه عليه وهذا أولى من أن يقال أردن البغاء لأن عدم جواز خلو ضدين ليس بينهما ثالث عن الإرادة إنما هو عندهم لا عند من أورده عليهم وهو أبو عبد الله البصري وعبد الجبار من المعتزلة.
قلنا هو شرط لإيقاع الحكم لا لثبوته كما مر فينتفى الإيقاع بانتفائه وإن كان حلفا فيحنث به من حلف لا يحلف لا من حلف لا يوقع أو لا يقع إلا عند وجوده ولذا قلنا لا يصير سببًا إلا عنده ولئن سلم فذا في الشرط الوضعي أو الشرعي لا اللغوي لاحتمال أن يكون سببًا أو علة بل هو الغالب قيل فإن اتحد العلة انتفى المعلول بانتفائها وإن تعددت
(2/217)

فكذا لأن الأصل عدم غيرها.
قلنا: لا نعلم بل الغالب تعدد العلل والغالب كالمتحقق ولئن سلم فاللزوم منه لا يقتضي عليته ولذا قلنا عدم الإيقاع والوقوع والجزاء عدم أصلى فإن قلت ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه خطب امرأة فأبوا أن يزوجوها إلا بزيادة صداق فقال إن تزوجتها فهي طالق ثلاثًا فبلغ ذلك الرسول عليه السلام فقال: "لا طلاق قبل النكاح" (1) مفسر يبطل ذلك.
قلنا إن صح فمؤول لأن مداره على الزهرى وقد عمل بخلافه وذلك لأنه أول قوله عليه السلام "لا طلاق قبل النكاح" بأن المرأةكانت تعرض على الرجل فيقول هي طالق ثلاثًا فتحرم فرده الرسول عليه السلام بذلك فرد الزهري المعلق إلى المرسل دليل أنه يرى صحة التعليق بالنكاح.
الثامن: في مفهوم الغاية وهو أقوى من مفهوم الشرط لما يختص به من الدليل ولذا قال به كل من قال بذاك وبعض من لم يقل كالقاضى وعبد الجبار.
لنا: ما تقدم وللقائل به ذلك ووجه يخصه هو أن الغاية آخر فلو دخل ما بعدها لما كانت آخرًا.
قلنا: قولًا بالموجب سلمناه لكن لا نزاع في عدم دخول ما بعد الآخر بل في أن مدخول حرف لغاية آخر أم لا فقد لا يكون آخرًا كالليل في الصوم فلا يدخل وقد يختلف في أنه الآخر أما ما قبله كالمرافق فإنها آخر محل الغسل عندنا لا عند زفر وكالعاشر في الإقرار من واحد إلى عشرة ليس آخرًا عندنا وعليه معظم الشافعية آخر عند الصاحبين كالواحد وليس آخرين عند زفر رحمه الله وكذا في ضمنت مالك على فلان من واحد إلى عشرة يلزم عند زفر ثمانية وعند بعض الشافعية تسعة وعند بعضهم عشرة وهو قياس قولنا لأن عموم ما يجعلها لإسقاط ما وراء الغاية بخلاف الإقرار فإنها فيه لمد الحكم كالجدارين في بعث من هذا إلى هذا وكذا النخلتان وكذا في الإقرار في قول الرافعي من
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (2/ 455) ح (3573) وقال مدار سند هذا الحديث على إسنادين واهيين جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولذلك لم يقع الاستقصاء من الشيخين في طلب هذه الأسانيد "الصحيحة" والله أعلم، والدارمي (2/ 214) ح (2266)، والبيهقي في الكبرى (7/ 383) ح (15028)، والدارقطني في سننه (1414)، وابن ماجه (1/ 660) ح (2048) وابن أبي شيبة في مصنفه (6414)، وعبد الرزاق في مصنفه (7/ 464) ح (13899) والبزار في مسنده (6/ 439) ح (3472) والطبراني في الأوسط (8/ 168) ح (8296) والحارث في مسنده (1/ 439) ح (357) البغية.
(2/218)

الشافعية خلافًا للغزالي في النخلة الأولى.
ولي في هذا الجواب نظر لأن النزاع إذا كان في حكم مدخول حرف الغاية وهو مذكور لم يصح عده من المفهوم كيف وكلام العلماء ظاهر في أن المفهوم لما بعده والحق في الجواب ما مر غير مرة أن عدم التعرض ليس تعرضًا للعدم.
إن قلت الغاية منهية والإنهاء إعدام وهو تعرض للعدم.
قلنا إنها للنسبة النفسية فيكون إعدامًا للإيقاع لا إيقاعًا للعدم فالمفهوم من العدم إما لأنه الأصل وإما من أحوال الكلام وخصوصيات المقام ومبنى هذه الشبهة اشتباه أن الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني المعقولة كما هو الحق أو بإزاء الموجودات الخارجية وقد سلف تخقيقه.
التاسع في مفهوم الاستثناء والبدل والعدد فالاستثناء والبدل تبينا غير أن مفهوم الاستثناء يختص ببعض المفرغ ليكون حكم المسكوت عنه ودالا يكون إلا إثباتًا لاختصاص المفرغ بالنفط إلا في قلائل قلما تتعارف نحو قرأت إلا يوم كذا ومفهوم البدل شامل نحو {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} [آل عمران: 97] الآية أما مفهوم العدد نحو "خمس من الفواسق" (1) َ الَحديث: "وأحلت لنا ميتتان ودمان" (2) الحديث فيقول به بعض الفقهاء يمنعون من الإلحاق بالقياس على المعدود كما على المحدود والمذهبان مرويان من أصحابنا فقول صاحب الهداية بعد حديث الفواسق ولأن الذئب في معنى الكلب العقور أي في أنه يبتدئ بالأذى وكذا قوله العقعق غير مستثنى لأنه لا يبتدئ بالأذى فليس كغراب الجيف مع قوله في جواب قياس الشافعي السباع على الفواسق والقياس ممتنع لما فيه من إبطال العدد ناظر إلى المذهبين فلهم ما مر وأنه عددي لزم إبطال نص العدد إذ هو لا يحتمل الزيادة والنقصان كما علم في ثلاثة قروء.
قلنا التعميم بعلته لا سيما إذا كانت مفهومة لغة إذ الثابت بدلالة النص منصوص لا بنفسه وعدم التعرض ليس تعرض العدم.
العاشر في مفهوم الاستثناء إنما هو نفي غير المذكور آخرًا فاعتمد البعض في أنه لا يفيد الحصر على أنه مثل إن وما زائدة كالعدم. قلنا بل بينهما فرق لإفادته الحصر بالنقل
__________
(1) أخرجه البخاري (3/ 1204) ح (3136) ومسلم (2/ 856) ح (1198).
(2) أخرجه البيهقي في الكبرى (1/ 254) ح (1128)، والإمام الشافعي في مسنده (1/ 340)، وابن ماجه (2/ 1102) ح (3314) والربيع في مسنده (1/ 243) ح (618) والإمام أحمد في مسنده (2/ 97) ح (5723) وعبد بن حميد في مسنده (1/ 260) ح (820).
(2/219)

عن أئمة اللغة واستعمال الفصحاء، وقد يفيده بالمنطوق لأنه بمعنى النفي والاستثناء وهو يفيده منطوقًا إذا كان المستثنى منه مذكور كما مر وقد مر البحث فيه.
قلنا: بون بين بين إفادة نفى غير المذكور وإفادة النفي المذكور وبذلك الفرق بين المنطوق والمفهوم وأما الفروق الآخر البينة في علم المعاني فمبينة على ضمنية النفي فيه فلا تعلق لها بما نحن فيه أما الاحتجاج في الحصر بمثل "إنما الولاء لمن أعتق" فليس بتام لجواز استفادته من عموم الولاء إذ معناه كل ولاء للمعتق فلا يكون بعضه لغيره لأن الجزئي السالب نقيض الكلي الموجب.
إن قيل لا نعلم المناقضة وسالبية الجزئي هنا لجواز اجتماعهما صدقًا يكون بعض الولاء له ولغيره شركة.
قلنا: يستلزم الجزئي السلب إذ ما للغير ولاء وليس للمعتق.
لا يقال تغاير إضافي نحو خرجت بوجه غير وجه الدخول لا وجودي فلا يصدق سلبه عن المعتق لجواز أن يعرض لشيء واحد إضافات متعددة نحو جميع هذا الكتاب سماع لزيد وكله أو بعضه سماع لعمر ولأنا نقول بل وجودى لأن اللام للاختصاص والاستحقاق ويمتنع اجتماع الاستحقاقين كما في ملكته الدار لزيد ظاهر في الاستقلال إذ ما لعمرو وغيره على تقدير الشركة وليس له حتى أو قال كل الدراهم لزيد ولعمر ويقتض مقابلة الجملة بالجملة التوزيع فلا يكون البعض لزيد.
تنبيه: فعلم أن كل إيجاب كلي يفيد الحصر الموضوع في المحمول عند التغاير الحقيقي بين ما ثبت له المحمول وما لم يثبت له ولا شك أن حصر الموصوف في الصفة إضافي فالأئمة من قريش ظاهره حصر الإِمام فيهم والإنسان حيوان يفيد نفي الجمادية في الجملة والإنسان ضاحك يفيد نفي أنه ليس بضاحك دائمًا هذا ما ذكروا.
والحق عند مشايخنا أنه بمعنى ما وإلا وقد مر في الاستثناءان شأنه السكوت عن غير المذكور وضعًا.
الحادي عشر: في مفهوم الحصر ويراد به عرفًا النفى عن الغير ويحصل من تصرف في التركيب كتقديم ما حقه التأخير من متعلقات الفعل والفاعل المعنوي والخبر حيث يفهم من العدو عن الأصل قصد النفي عن الغير وابن الحاجب ينكره إلا في نحو العالم أو الرجل زيد وصديقى زيد مما أريد بالمعرف المبتدأ الجنس أي المعهود الذهني لا غيره لكن الصفة وغيره ونحو الرجل زيد لعموم دليله الآتي من لزوم الاختيار عن الأعم بالأخص.
أما إذا كان المعرف هو الخبر نحو زيد العالم أو زيد الرجل أو هو العبد ونحو قوله:
(2/220)

أنا الرجل المدعو عاشق فقره ... إذْ لم يكارمني صروف زماني
فلا وعند عبد القاهر ومن تبعه كل من الخمسة للحصر فالعالم زيد فصر المسند إليه في المسند وعكسه عكسه واللام فيهما للعهد الذهني ويفرق بأن الأول يقال لمن يطلب تعيين العالم المستحضر والثاني لمن يطلب حكمًا معلومًا للعين المستحضر باسمه والثالث حصر كمال السند لأن الجنس مطلق فينصرف إلى الكامل مريحًا أنه لا يعتد برجولية غيره والرابع حصر المسند إليه في جنس المسند مريدًا اشتهاره به واندراجه تحت ذلك الجنس المحقق لا تحت مقابله وكذا الخامس غير أن جنس المسند فيه موهوم مقدر مجري مجرى المعلوم المحقق.
فعلم أن الحصر عندهم لا ينحصر في المعرف نحو تميمي أنا ولا بين المبتدأ أو الخبر نحو إياك نعبد والله أحمد ولا بعدهما في تعريف المبتدأ نحو في الدار رجل ولا بعده في العهد الذهني لصحة إرادة الجنس في تعريف الخبر وإنما أنكر ابن الحاجب غيره نظرًا إلى مجيئها لغير الحصر في مواضع كثيرة والحق إذا قيل بالمفهوم خلافه إذ ليس دعوى أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر كلية بل مطلقة وهو الحق في الصفة أيضًا عند القائلين به.
وفيه مذاهب ثلاثة كما في إنما:
1 - لا يفيده وهو المذهب.
2 - يفيده بالمنطوق.
3 - بالمفهوم والثاني ظاهر بطلانه لأن المنفي عنا وحكمه كالعالم في المثلين وليس بمذكور لهم أنه لو لم يفد حيث لا عهد خارجيًا فإنه المبحث إذ لا حصر معه كما علم في المعاني وسيفهم من الدليل لزم الحكم بالخاص على كل من أفراد العام وبطلانه ظاهر.
بيانه أن التعريف في العالم زيد ليس للجنس أي الحقيقة من حيث هي إذ الحكم عليها بأنها زيد كاذب لا لكليتَها وجزئيته كما ظن فإن الحقيقة من حيث هي ليست كلية ولا جزئية ولا هي من حيث كونها معروضة للكلية وهو الكلي الطيعي عند التحقيق ولا المجموع وهو الكلي العقلي إذ لا يصح حمل الجزئي على شيء من الثلاثة كما لا يصح حمل الأخيرين على الجزئي بخلاف الأول على ما سيتضح بل لما صدق عليه فأما بعد تخصيصه بالعهد الذهني بوجه ككونه كاملا في العلم والصداقة في يصحح أن يحمل عليه زيد فقد ثبت المدعي.
لا يقال الثابت به إن أكمل الناس في العلم زيد وهو غير الحصر المدعي.
لأنا نقول نعم لولا تضمنه ادعاء أن غير الكامل ليس علمًا كما علم في المعاني على
(2/221)

أن العهد بنحو الكمال غير ملتزم بل يكفي بنفس العلم وإما مستغرقًا فإما للأفراد المقدرة بمعنى كل شخص يقدر فردًا له زيد وفيه المدعي أيضًا وإما للمحققة ولا أقل من فرد غير زيد كعمرو فإذا حكم على كل فرد منه حكم يزيد على عمرو أيضًا.
إن قيل: يحتمل ما صدق عليه مطلقًا من غير تعيين ولا استغراق والمهملة لا تستلزم الكلية.
قلنا يحمل مثله في المقام الخطابي على الاستغراق دفعًا للتحكم كما علم.
قيل فيكون كاذبًا لما عرف أن أحد طرفي القضية متى سوِّرَ بسور الإيجاب الكلي قلنا صدقه خطابي لا برها في على قول البحتري:
ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتت ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد
ولذا يستفاد الحصر، ولا يرد على ابن الحاجب رحمه الله أنه لازم في زيد العالم بعينه ولا فرق بأن الإخبار عن الأخص بالأعم جائز قطعًا بخلاف العكس لأن ذلك في النكرة لا في نحو الإنسان هو الحيوان ولا بأن المتأخر يصح عاهدًا لزيد السابق قرينة له لأن الخبر العاهد لا بد من كونه مستقلا بالإشارة كالموصولات مع قطع النظر عن المسند إليه ولأن الكلام فيما لا عهد خارجيًا وذلك لأن المسند يقصد به مفهومه فمعناه زيد شيء ثبت له العلم لا جزئياته كلها أو بعضها وإلا كانت منحرفة ولم تتعارف في العلوم بخلاف صورة التقديم فمعناها جميع جزئياته أو بعضها المعهود ذهنًا زيد وفيه الحصر.
يوضحه أن الفرق بين المنكر والمعرف الجنسي أو المعهود الذهني ليس إلا بالإشارة وعدمها فلاتحاد المعنى صح حمله بلا حصر وبه يعلم فساد تمسك بعض المانعين بأنه لو أفاده التقديم لأفاده التأخير لاتحاد مفهومهما كيف ولو صح لورد في عكس كل قضية هذا.
والحق عند مشايخنا أن الحصر فيه إن لزم فمن مجموع الكلام والمقام كالإشارة الحسية واللفظ بمجرده ساكت وتأخير الخبر في ذلك كتقديمه إذ قصد الاستغراق الادعائي لا يجعل القضية منحرفة ولا يتوقف على امتناع قصد المعاني الآخر إذ لا حجر للمتكلم في مثله.
الثاني عشر في مفهوم قرآن العطف وهو نفى الحكم في المعطوف عما نفى عنه في المعطوف عليه فيستدل بقوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] على عدم وجوب الزكاة على الصبي عدم وجوب الصلاة عليه وقد فعله بعض أصحابنا رحمهم الله وقد مر الكلام عليه.
(2/222)

تنبيه: شيء من هذه المفهومات لو ثبت كان إشارة والله تعالى أعلم.

الركن الثاني: من السنة وفيها مقدمة وعدة فصول
أما المقدمة ففيها مباحث
الأول أنها لغة الطريقة (1) وشرعًا في العبادات النافلة وههنا ما صدر عن الرسول غير القرآن قولًا كان ويخص بالحديث أو فعلا وتقريرًا (2).
الثالى: أن الأكثر على جواز الذنب قبل الرسالة خلافًا للروافض مطلقًا والمعتزلة في الكبيرة ومعتمدهما إيجاب التنفر عن اتباعهم ومبناه التنقيح العقلي وبعدها في عصمتهم عن تعمد الكذب إجماعًا وعن غلطه عند غير القاضي.
ومبناه أن دلالة المعجزة على الصدق اعتقادًا عنده ومطلقًا عند غيره وكذا عن الكفر إلا الأزارقة مطلقًا والشيعة تقية وغيرهما أربعة أقسام فالكبائر عمدًا ممتنعة إلا عند الحشوية سمعًا وإلا عند المعتزلة وسهوًا جوزه الأكثرون والصغائر عمدًا جوزه غير الجبائي وسهوًا جائز اتفاقًا إلا الخسية كسرقة حبة واستيفاؤه في الكلام فما ليس بذنب سواء كان عمدًا ويسمى معصية فإنها اسم فعل محرم قصد مع العلم بحرمته عينه لا مخالفة الأمر به وإلا كان كفرًا أو خطأ ويسمى زلة وهو اسم فعل فعل في ضمن قصد مباح.
وقال علم الهدى هي ترك الأفضل أي من الأنبياء وقد تسمى معصية مجازًا نحو {وَعَصَى آدَمُ} [طه: 121] و {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص: 15] إن وضح فيه أمر الجبلة ويسمى طبعًا كالأكل فلا خلاف في إباحته.
وما ثبت تخصيصه به كوجوب الضحى والأضحى والوتر عند من لم يقل به فيهما والمشاورة والتخيير في نسائه وإباحة الوصال والزيادة على أربع نسوة أو ثبت أنه سهو نحو سهى فسجد لا مشاركة فيه.
وما عرف أنه بيان النص المعلوم جهته من الوجوب وغيره فيتبع تلك الجهة اتفاقًا عرف ببيانيته بنص نحو خذوا وصلوا أو بقرينة كوقوع الفعل بعده كقطع يد السارق من الكوع إن كانت اليد مجملة وإلا فالزيادة بالإجماع وكإدخال المرافق في غسل الأيدي أو إخراجها على القول بالاشتراك لا الثلاثة الباقية وغير الأقسام الأربعة إن علمت جهته من الوجوب وغيره إذ ما يقتدي به من أفعاله أربعة مباح ومستحب وواجب وفرض.
وقيل ثلاثة لأن الثابت بدليل فيه اضطراب لا يتصور في حقه فلا واجب.
__________
(1) انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي (4/ 237) مادة (سنن).
(2) انظر إحكام الأحكام للآمدي (1/ 241).
(2/223)

ووجه بأنه تقسيم لأفعاله بالنسبة إلينا فأمته مثله مطلقًا عند الجمهور وهو مذهب الجصاص والجرجاني من أصحابنا والشافعى وجميع المعتزلة إلا أن يقوم دليل الخصوص لأن الأصل الاقتداء وقال الكرخي منا وجميع الأشعرية والدقاق من الشافعية باختصاصه بالرسول عليه السلام حتى يقوم دليل الشركة وقال أبو علي بن خالد رحمه الله مثله في العبادات وقيل كما لم يعلم جهته.
وفيه خمسة مذاهب في حقنا الوجوب، والندب، والإباحة، والوقف، والتفصيل بأنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فالاباحة ومذهب الكرخي فيه من اعتقاد الإباحة لأنها المتيقنة والفضل مشكوك في حقه والتوقف في حقنا مندرج هنا في الوقف وقول الجصاص من اعتقاد الإباحة في حقه وكذا في حقنا إلا بدليل.
ومنه قصد القربة وهو مختار فخر الإِسلام مندرج في التفصيل الذي اخترناه وهو الأصح لأصالة الاقتداء قال أبو اليسر وفي المعاملات بدل فعله على الإباحة بالإجماع.
لنا في الأول رجوع الصحابة إلى فعله عليه السلام المعلوم جهته وآية الأسوة قال التأسي فعل مثل ما فعل على وجهته لا فعله مطلقًا وإلا لتأدى بلا نية كالصوم.
وقوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37] ولولا التشريكَ لما أدى تزويجه عليه السلام إلى عدم الحرج في حق المؤمنين.
وفي الثاني أولا أنه إن ظهر قصد القربة ظهر الرجحان لأن الأصل عدم المنع من الترك ولا دليل له وإلا علم جهته وإن لم يظهر فالجواز لبعد المعصية والأصل عدم الرجحان وثانيًا أن نفي الحرج في الآية المذكورة يفهم أن مقتضى فعله الإباحة.
للموجبين طريقان أنه للوجوب ابتداء وأنه مر والأمر موجب.
فللأولين أولًا قوله تعالى {فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] وثانيًا فاتبعوني وثالثًا آية الأسوة حيث جعلها لازم الإيمان فعدمه لازم لعدمها ولازم الواجب واجب وملزوم الحرام حرام.
ورابعًا: حديث خلع النعال وصوم الوصال وعدم التمتع بالحج إلى العمرة حيث لم ينكر اتباعهم والجواب عن:
1 - أن المراد بما آتاكم أمركم ليتجاوب طرفا النظم وعن
2 - أن المتابعة والأسوة فعل مثل فعله على وجهه أو الامتثال لقوله أو كلاهما فلا يلزم الوجوب قبل العلم بجهته على أن يلزم وجوب الضدين إذا فعلهما إباحة أو ندبًا وترك المندوب ليس بمكروه كليًا وإلا لم يجز له ترك السنن الغير المؤكدة ولئن سلم فمكروهيته في ضمن فعل ما لا في ضمن كل فعل وإلا لكره الواجب وعن
3 - لمنع عدم الإنكار فإن الاستفهام فيها له ولئن سلم فالاتباع لعله كان ندبًا لهم بالقرينة ولئن سلم فالوجوب من
(2/224)

نحو صلوا وخذ وإلا من الفعل لأدلتنا السالفة مع أن القول كاف فيه والأصل عدم الترادف.
قال الغزالي رحمه الله هم لم يتبعوا في جميع أفعاله فالصحيح التمسك بالمخالفة على عدم الإيجاب لا بالاتباع على الإيجاب.
وخامسًا إيجاب الصحابة رضي الله عنهم الغسل في التقاء الختانين بمجرد قول عائشة رضي الله عنها فعلت أنا ورسول الله فاغتسلنا.
وجوابه أن الإيجاب بحديثه والسؤال الدفع وهم التخصيص أو لقوله صلوا فإنه شرط الصلاة أو لقرينة السؤال بأنه يجب أم لا.
وسادسًا أن الوجوب أحوط لا من الإثم قطعًا كما يجب الخصر عند صلاة نسيها وترك الجميع لطلاق ومبهمة إلى أن تعين وكما يروى أن استفتى فيمن صلى خمسًا بخمس وضوآت بقي في أحدها لمعة نسيه أيها فأفتى بتجديد وضوء تام وقضاء الخمس فقضاها بلا تجديد وأعاد الاستفتاء فأجاب كالأول فاتفق علماء عصره على أنه مصيب أو لا للاحتياط ومخطئ ثانيًا لأن وضوء العشاء إن كان تامًا صح قضاء الكل وإن كان هو الناقض لم يجب إلا قضاؤه.
وجوابه يمنع أن الوجوب أحوط في كل شيء بل فيما لا يحتمل التحريم فاسد لأنه أحوط فيما يحتمله أيضًا إذا لم يعلم حرمته كصوم الثلاثين إذا غم هلال الفطر بل الحق أن الاحتياط تارة للإيجاب وآخر للتحريم وقد يفيد الندب، أما الإيجاب ففيما ثبت وجوبه كوجوب الخمس لصلاة نسيها أولان الأصل وجوبه كصوم الثلاثين إذا غم هلال الفطر أو كان وجوبه أرجح كوجوب الغسل لانفصال المني عن مقره بشهوة لا دفق عند غير أبي يوسف ووجوب نقض الضفائر وبلها على الرجال كالأتراك والعلوية على أصح الروايتين لأنهما متناولا آية الجنابة ومبالغة التطهير وحديث الماء من الماء دون مخصصهما عكس نحو داخل العين وفيما لا شهوة أصلا وضفائر النساء أما إذا انتفى القيود الثلاثة فلا كصوم يوم الشك.
لا يقال الغسل بالتقاء الختانين كذلك فلم وجب ولا سيما على المفعول به في الدير لأن هذا من باب إدارة الحكم على المظنة فالاعتبار لها لا للمئنة لاحتمال خفاء الإنزال خصوصًا عند قلته ولأن الدبر كالقبل في كونه مظنة الشهوة للبعض الغير المضبوط وإلحاقه به فيما يثبت بالشبهات إجماعي بخلاف ما يندرئ بها كالحد عند الإِمام رضي الله عنه ألحق به وأما التحريم فكذا أما فيما ثبت حرمته كاشتباه المذكا بالميتة وكل محرم غلب
(2/225)

على المبيح أو كان حرمته هو الأصل كعدم حل المفضاة المطلقة ثلاثًا بدخول المحلل إلا عند الحبل لاحتمال أن يقع في دبرها عكسه خروج الدودة من دبرها لاحتمال أن يكون من قرحة في قبلها فلا يرتفع الوضوء المتيقن بالشك فهذا ما يفيد استحباب الوضوء دون حرمة نحو الصلاة والذي به يفارقه صوم يوم الشك هو التشبه بالنصارى ولذا يفيد كراهته بعدم موافقة يوم الصوم وفي حق العوام دون الخواص.
وللآخرين أن الأمر يطلق على الفعل نحو {أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 152] {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73] والأصل الحقيقة وجوابه أنه مجاز لأن الأمر سببه وهو أولى من الاشتراك وقد يقال أمر فرعون قوله ووصفه بالرشد مجاز لأن صفة صاحبه ولا يخفى أن هذا الاستدلال إنما ينتهض على أن مطلق الفعل موجب فلا يناسب التحرير
المذكور إلا بتكلف زائد كالتخصيص والمتخلف وإن جوابه تنزلي.
وفيه أيضًا خلاف فمن قال بأنه حقيقة اضطر إلى أنه موجب لما ترتب عنده من الشكل الأول ومن قال بأنه ليس بموجب لم يقل بأنه حقيقة.
ومن القائلين بالحقيقة من ادعى الاشتراك اللفظى بين الصيغة والفعل ومن ادعى الاشتراك المعنوي فقيل لمعنى أحدهما مطلقًا وقيل لمعنى الشأن المشترك بين القول والفعل وينسب هذا إلى أبى الحسين ومفزعهم أن الأصل عدم الاشتراك والتجوز وقد ثبت الاستعمال فيهما ويرده الإجماع قبل ظهورهم على أنه حقيقة في الصيغة وأن الأدلة تجوز ارتكاب خلاف الأصل وإلا ارتفع الاشتراك والتجوز أصلا والأول أيضًا الذهن يتبادر إلى القول ويصح نفيه عن الفعل وإن الأصل اختصاص المقصود باللفظ كالماضي والمضارع وهذا أعظم المقاصد فهو أولى به وأن الفعل لو كان أمرًا لكان الآكل والشارب آمرًا بهما.
قيل: وهذا يختص بإبطال الأمر في الفعل بمعنى المصدر لا بمعنى الشأن وليس بشيء لأن الثاني أعم فإبطال صدقه يعم الأول فيحصل عليه ويؤيد إنكاره عليه السلام فني الأحاديث الثلاثة.
وليتذكر أن استدلال الآخرين على إيجاب مطلق الفعل وأن الأجوبة تنزلية ولو قيل بأن التحرير المذكور إنما هو في الخلاف في إيجاب الفعل ابتداء لا في أمريته وإيجابه بها فإنه في مطلقه لكان أنسب للمتون لكن ما في الكشف مصرح بأنه التحرير في المقامين.
وللنادبين أن الوجوب يستلزم التكليف بالتبليغ وإلا لكان بالمح والإباحة لا مدح معها وقد مدح بآية الأسوة وجوابه منع المدح بل المذكور فيها حسن الأسوة ولئن سلم
(2/226)

فالمدح بالناسي لا بنفس الفعل ووجوب التبليغ يعم الأحكام.
ولأصحاب الإباحة تحققها لكونها أولى والوقوف عند إثبات ما تحقق ونفي ما لم يتحقق كمن وكل رجلا بماله ثبت الحفظ لا التصرف إلا بالتصريح.
قيل جواز الترك مأخوذ في الإباحة ولا نعلم التيقن والتحقق باعتباره.
قلنا كاف في ذلك أن الأصل عدم المنع منه كما مر.
وجوابه أن ذلك فيما لم يقصد به القربة ومما يبطل الوقف أن الأصل أن يتبع الإِمام كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] حتى يقوم الدليل على غيره.
الثالث في التقرير ما علمه ولم ينكره مع القدرة إن كان مما علم إنكاره كمضي كافر في كنيسة فلا أثر لسكوته اتفاقًا وإلا دل على الجواز إذا ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة وسيجيء وإلا لزم ارتكابه لمحرم وهو تقريره على محرم وإن استبشر مع عدم الإنكار فالجواز أوضح.
أما تمسك الشافعي رحمه الله في اعتبار القيافة في إثبات النسب باستبشاره وعدم إنكاره في قصة المدلجي فيما بين زيد بن حارثة وأسامة فاعترض القاضي عليه بأن عدم إنكاره لأنه وافق الشرع اتفاقًا واستبشاره لحصول إلزام الخصم بأصله فلا يدل على تقريرها.
وأجيب عن الأول: تارة بأن القول بالحق لسند منكر منكر فيحرم تقرير السند كما قال عليه السلام وكذب المجتمعون ورب الكعبة وقد نزل المطر وأخرى بأن المقرر عدم رده عليه السلام القائف عن الكلام على الإنساب بالقيافة. وعن الثاني: بأن إنكاره لم يكن مانعًا من حصول الإلزام بالقيافة فكان عليه أن ينكره المنع طريقه لولا تقريره والحق أن مقام الكلام في الشىء غير مقامة في طريقه ومن كان أبلغ الناس لا يتصور تجاوزه مقتضى المقام فمن الجائز أن يكون الملتفت إليه ها هنا نفس ثبوت النسب لا طريقه وهو الظاهر من النزاع ويكون عدم الإنكار والاستبشار لحصول المقصود في ذلك من غير التفات إلى طريقه بخلاف حديث المنجمين فإن النزاع ثمة في طريق المطر وهو مراد القاضي على أن القيافة يجوز أن يكون بينهم مما علم إنكاره عليه السلام لها فلم يكن إلى التصريح حاجة ويؤيده كتاب عمر رضي الله عنه من مثله.
الرابع: تعارض الفعل مع الفعل أو القول وذكره وإن كان أنسب باب التعارض لكن لما كان فرعًا فذًا مختصًا بالقول بإيجابه عقب به.
(2/227)

لا يتصور تعارض الفعل إلا مجازًا بشرطين الدلالة على وجوب تكرير الأول له عليه السلام أو لأمته أو مطلقًا وعلى وجوب التأسي وفي الحقيقة الثاني ناسخ لحكم دليل التكرار لا الفعل إذ رفع حكم قد وجد محال فكون الفعل منسوخًا أو مخصصًا مجازًا ما مع القول فالأقسام اثنان وسبعون لأن دليل التكرار قائم أولا وأيًا كان فمع دلكل وجوب
التأسي أولا وكل من الأقسام الأربعة تسعة لأن القول إما أن يختص به أو بالأمة أو يشملهما وعلى التقديرات إما أن يتقدم الفعل أن يتأخر أو يجهل وكل من التسعتين الأوليين اللتين مع دليل التكرار باعتبار أن التكرار له أو لأمته أو مطلقًا سبعة وعشرون.
وفيه بحوث:
الأول أن دليل التأسي إن أريد به الخاص بمحل فلا يلزم من انتفائه انتفاء التأسي وإن أريد العام كما تمسك الموجبون بآيات الأخذ والاتباع والأسوة مطلقًا فذكر أقسام مال لم يوجد فيه دليل التأسي مستدرك وجوابه أريد العام والمراد بما لم يوجد فيه دليل الخصوص له عليه السلام فذكرت ليضبط مواضع التعارض بينهما وترجح أحدهما.
الثاني أن دليل وجوب التكرر للأمة أو مطلقًا يستلزم دليل وجوب التأسي إذ معناه دليل وجوب تكرر التأسي فلا ريب أنه قسم من دليل التأسي فضرب الأقسام الثلاثة لدليل وجوب تكرر فيما ليس فيه دليل التأسي لا يصح.
وجوابه منع أن معناه ذلك بل معناه دليل وجوب تكرر الفعل وهو متصور بدون دليل التأسي كوجوب الصلاة على النبي عليه السلام كلما ذكر وكالصوم مثلا.
الثالث إذا وجد دليل التأسي فكل ما دل على وجوب التكرر في حقه فقط.
وجوابه منع اللزوم لجواز أن يختص التأسي بأصل الفعل بدليل يمنع التأسي في تكرره كما منع في الصلاة وجوب خصوصية الضحى.
وللأحكام أصول:
1 - لا حكم للفعل في المستقبل إن لم يوجد دليل التكرار وإلا فله ذلك على حسب
التكرار في حقه أو في حق أمته أو مطلقًا.
2 - لا حكم له في الأمة عند عدم دليل التأسي.
3 - لا حكم له فيهم مع دليل التأسي أيضًا إذا وجد التأسي قبل القول المتأخر ولم يوجد في ليل التأسي أيضًا إذا وجد التأسي قبل القول المتأخر ولم يوجد دليل التكرار مطلقًا أو في حق الأمة.
4 - لا حكم للقول في الماضي.
(2/228)

5 - لا حكم للقول الخاص لا فيمن يختص به.
6 - الفعل في الوقت أنهاه القول السابق نسخ إن كان تناوله بالتنصيص وتخصيص إن كان بالعموم، وإن تراخى عنه فما لو تأخر العموم عند الشافعية، وعندنا إذا تقدم وقارن فقط لأن الخاص المتراخي والعام المتأخر ناسخ وكل نسخ به نسخ قبل التمكن فيجوز عندنا خلافًا للمعتزلة.
7 - في مجهول التاريخ.
قيل الأخذ بالقول أولى مطلقًا وقيل بالفعل مطلقًا وقيل بالتوقف مطلقًا والمختار التوقف في حقه عليه السلام دفعًا للتحكم والعمل بالقول في حقنا مع تحقق الاحتمالين لأنا متعبدون وفي التوقف إبطال له بخلاف القول.
وبحث فيه بأنه إذا انعدم دليل التكرار في حقه ينبغي أن يكون الأخذ بالقول أولى في حقه أيضًا حملا للفعل على المتقدم إذ حينئذ لا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما لعدم دليل التكرار.
وجوابه أن الاحتراز عن التعارض والنسخ ما أمكن إنما يجب فيما كان المقصود به التعبد والعمل كما في حقنا ففي حقه ممنوع كيف واحتمال تقدم القول في نفس الأمر لا يرتفع بحملنا ولا داعي إلى رفعه والتمسك بالأصل طريق ظني إنما يراد للعمل لا للاعتقاد.
أما الأخذ بالقول في حقنا فلوجوه:
1 - قوة دلالته لوضعه لها وللفعل محامل فيحتاج في اللهم منه إلى القرينة.
2 - عموم دلالته المعدوم والموجود المعقول والمحسوس.
3 - كون دلالته متفقًا عليها.
4 - أن ترجيح الفعل يبطل حكم القول جملة وترجيح القول يبطل حكم الفعل في حقهم ويبقى في حقه إن كان خاصًا بالأمة أو يبقى أصله حيث فعل مرة وإن أبطل دوامه إن كان عامًا له ولأمته والجمع بين الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما بالكلية.
وأما وجه الأخذ بالفعل فإنه أقوى في البيان لبيانه القول كما يدل عليه صلوا وخذوا وكخطوط الهندسة فليس والخبر كالمعاينة.
وجوابه أن البيان بالقول أكثر ولا اعتبار لمظنة الغلبة مع تحقق المئنة ولئن سلم تساويهما في البيان فالترجيح معنا بالأدلة الأربعة العقلية السالفة.
والضابط في أحكام الأقسام أنه عند العلم بالتاريخ وذلك في ثمانية وأربعين قسمًا إن
(2/229)

لم يدل الدليل على وجوب التأسي وذلك في أربعة وعشرين منها فلا تعارض في حق الأمة للأصل الثاني ولا في حقه عليه السلام إن دل على التكرار له عليه السلام أو لأمته أو مطلقًا وقد اختص القول بالأمة وذلك في ستة من الثمانية عشر للأصل الخامس بقي اثنا عشر منها ولا إن لم يدل على التكرار أصلا وذلك في ستة باقية بعد الأربعة والعشرين في ستة باقية بعدها من الأربعة والعشرين وقد تقدم الفعل للأصل الأول والرابع وذلك في ثلاثة أو اختص القول بالأمة للخامس وذلك في واحد بقي اثنان ففي الأربعة عشر الباقية معارضة في حقه والمتأخر ناسخ إن كان تناول المتقدم بالتنصيص عندهم ومطلقًا عندنا لتراخيه وإن دل الدليل على وجوب التأسي وذلك في أربعة وعشرين فإن وجد دليل التكرار في الجملة وذلك في ثمانية عشر منها وقد اختص القول بأحدهما أي بالنبي وذلك في ستة أو بالأمة وذلك في ستة فلا تعارض في حق الآخر سواء اختص دليل التكرار بما اختص القول به أو لا.
وأما كل في حق نفسه والستة العامة فإن اختص دليل التكرار بالأمة في ستة النبي وذلك في قسمين وقد تقدم الفعل وذلك في واحد منها فلا تعارض وفي الخمسة الباقية يعارض وإن اختص بالنبي في ستة الأمة وذلك في قسمين فإن تقدم تأسيهم على القول المتأخر إذ لا يتصور تقدمه على الفعل فلا تعارض وإلا وذلك في الخمسة الباقية وصورة عدم تقدم التأسي تعارض والستة العامة في حق كل منهما كالخاصة له في عدم التعارض في قسم واحد مطلقًا في حق النبي وعلى تقدير تقدم التأسي في حق الأمة وإن لم يوجد دليل التكرار أصلا وذلك في ستة فإن اختص القول بأحدهما وذلك قسمان في حق كل فلا تعارض في حق الآخر أما في حق نفسه مع القسمين العامين ففط أحد قسمي الأمة والعام في حقهم وذلك إذا تقدم التأسي على القول المتأخر فكذا لا تعارض وفي الباقية من الستة المتأخر ناسخ بالوجه المذكور.
ثم عند الجهل بالتاريخ وذلك في أربعة وعشرين من الاثنين والسبعين إن لم يوجد دليل التأسي واختص القول بالأمة في أربعة فلا تعارض أصلًا أو لم يختص في ثمانية فلا تعارض في حقهم وفي حقه يتوقف على المشهور لا في أربعة منها لم يوجد فيها دليل التكرار مطلقًا أو في حقه عليه السلام على البحث المذكور.
وإن وجد دليل التأسي واختص القول بأحدهما في الأربعتين فلا تعارض في حق الآخر وفي الأربعة الخاصة به يتوقف على المشهور لا في اثنين علي المذكور وفي الأربعة الخاصة بالأمة يعمل بالقول والأربعة العامة ي حق كل منهما كخاصته.
(2/230)

تتمتان:
1 - لو اعتبر في الستة التي تأخر فيها القول أو جهل الحال من التسعة التي وجد فيها دليل التأسي دون التكرار ومن التسعة التي وجد فيها معه دليل التكرار له عليه السلام خاصة تقدم تأسيهم على القول وتأخره زاد اثنا عشر قسمًا على الاثنين والسبعين.
لا يقال اعتبار تقدم تأسيهم في مجهول الحال لما رفع التعارض لم يكن بد من القول به إذ الأصل عدمه سيما في حق الأمة لأن الأصل الآخر وهو عدم تحلل التأسي عارضه فلم نقل به.
2 - لو اعبتر في الأربعة والثمانين كون التعارض في حقها وفي حق أمته يبلغ مائة وثمانية وستين قسمًا. الخامس في تقسيم الوحى في حقه عليه السلام ولولا طعن الجهلة في حكمه بالاجتهاد لكان الكف عن هذا التقسيم أولى لإيهامه نوع إحاطة بكماله عليه السلام وهو منفرد بكمال لا يعلمه إلا الله تعالى.
فالوحي نوعان ظاهر ثبت بلسان من تيقنه مبلغًا وهو ما أنزل عليه عليه السلام بلسان الروح الأمين عليه السلام كالقرآن أو ثبت عنده بإشارته بلا كلام كما قال عليه السلام إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها أو تبدى لقلبه يقينًا بإلهام الله تعالى وهو المراد بقوله تعالى {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] والكل مخصوص به بابتلاء درك حقيقته بالتأمل ولا يوجد في غيره من أمته إلا كرامة له كسائركرامات الأولياء إلا أنه منه حجة دون غيره.
وباطن وهو ما ينال باجتهاد الرأي متأملا في حكم المنصوص قاله الأشعرية وأكثر المعتزلة لا يجوز هذا لنطقه عن الوحي بالنص ولاحتمال الاجتهاد الخطأ وحكمه متبع قطعًا وقال مالك والشافعي وعامة أهل الحديث وهو مذهب أبي يوسف من أصحابنا يجوز والأصح انتظار الوحي قدر ما يرجو نزوله ثم العمل بالرأي إلا أن يخاف فوت الغرض في الحادثة والجواز في الحروب وأمور الدنيا متفق عليه.
لنا عموم فاعتبروا والقياس الظاهر على داود وسليمان في قضيتي {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] و {لَقَدْ ظَلَمَك} [صّ: 24] وخبر الخثعمية في الحج وخبر عمر رضي الله عنه في قبلة الصائم وخبر أجر إتيان الأهل وخبر حرمة الصدقة على بني هاشم ولأنه أعلم البشر بمعاني النصوص فيلزمه العمل بحسبها وكان يشاورهم في غير الحرب كمفاداة أسارى بدر بالمال والجهاد حق الله تعالى كأحكام الشرع فجواز الرأي فيها كهو فينا وقد
(2/231)

قال لأبي بكر وعمر رض الله عنهما "قولا فإنني فيما لم يوح إلى مثلكما" (1).
وتقرير اجتهاده تثبيت صوابه كالوحي لكن قدم انتظاره الوحي لأنه مغن عن الرأي وعليه أغلب أحواله فصار كالتيمم والماء وكطلب المجتهد النص الخفي.
تتمة: الوحي الظاهر أولى من الباطن لأنه لا يحتمل الخطأ ابتداء وبقاء والباطن بقاء فقط.
السادس في ضبط فصولها الستة تشارك الكتاب في المتن والسند لأن مرجع الأدلة كان إلى الكلام النفسي لكن البحث فيهما عن العبارة الدالة عليه في المتن ما يتضمنه العبارة من جهات الدلالة كالأمر والنهي والخاص والعام وغيرها وطريق المتن رواية العبارة ويسمى الاتصال أيضًا والسند ويسمى طريق الاتصال الإخبار عن طريق المتن بأنه بالتواتر وغيره والإجماع يشاركهما أيضًا من حيث عبارة المجمعين.
وما جرى عادة مشايخنا على ذكر مباحث المتن في الكتاب لأنه أصل الأدلة والسند ثمة مفروغ عنه معلوم أنه التواتر كما مر فأخروه إلى السنة وإن كان طريقًا إليه ومقدمًا طبعًا اقتفينا أثرهم فيهما ولكون السند إخبارًا بكيفية الاتصال من الراوي في وقاعه كذا للسامع بحيث لا يطعن فيه ذكر له فصول ستة في الاتصال والراوي والانقطاع ومحل الخبر والسامع والطعن مفتتحة بتحصيل ومختتمة بتذييل.
أما التحصيل ففي الخبر وفيه مباحث:
الأول: تعريفه هو للصيغة قسم من الكلام اللساني وللمعنى من النفساني فقيل لا يحد لعسره أو لأنه ضروري إما لأن الخبر الخاص بأنه موجود ضروري فالمطلق أولى وإما لأن التفرقة بينه وبين غيره من أقسام الطلب وغيره ضرورى ولذا يجلب كل بما يستحقه حتى من البله والصبيان.
والضروري نفسه لا ضروريته التي عليها الاستدلال وجوابهما أن الضروري والمتميز بالضرورة حصول نسبة الوجود لا تصور حقيقة مجموع النسبة مع المنتسبين التي هي ماهية الخبر ولا يلزم من حصول أمر تصوره للانفكاك بينهما إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصوره حصوله وقيل يحد فقال القاض والجبائيان وعبد الجبار وغيرهم هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب أي يقبلهما أي يمكن أن يتصف بهما وهو المعنى بالاحتمال وهذا يتناول قول من يرى الواسطة بينهما.
فاعترض بان الواو للجمع ولا يوجدان معا أي في مكان واحد إذ المعية الزمانية
__________
(1) لم أجده.
(2/232)

مقارنة غير لازمة من الجمع وذلك في بعض الأخبار كالصدق في ضعيفة الواحد للاثنين والكذب في نصفيته وخبر الله ورسوله فقدلهم لا يصدق على خبر ليس للعموم مثل لا ريب فيه بالرفع وعموم النكرة في سياق النفي ليس كليًا إلا في حدود نفي الجنس صيغة أو إرادة واستدلالهم بأن كل خبر إما صادق أو كاذب وفي الحقيقة كلامان صادق وكاذب إنما يصح أن لو أريد المعية الزمانية ولا يقتضيها واو الجمع لا سيما عند تفسير الدخول بالقبول والاحتمال.
والجواب بأن المراد بالواو الواصلة أو الفاصلة على تكلفة قد مر وبأن المراد احتماله بقطع النظر عن خصوصية المواد والقائل.
قيل: يشعر بأنه تعريف الماهية بشرط لا والواجب تعريفها لا بشرط وهي ما لا ينافيه تشخيص ما وبه يعرف ضعف الجواب بأن المعرف المفهوم الكلي ويكفي اتصافه في فردين يؤيده أن مقتضى الشيء من حيث هو لا ينفك عنه الصحيح جواب القاضي أن المراد دخوله لغة أي لو قيل صدق فيه أو كذب لم يخطئ لغة ولا ينافيه عدم دخوله حسًا أو عقلا.
وعندي أن الجوابين متساويان ومشتركان في أن التعريف للماهية بلا شرط ويحققه ما مر أنه بمعنى القابلية وقابلية الأشياء لا يقتضي تحققها ولا إمكان اجتماعها لجواز المنافاة بينها.
ووارد أيضًا أن فيه دورًا فإن الصدق مثلا الخبر الموافق ولا فائدة في تبديله بالتصديق غلا توسيع الدائرة لأنه الحكم بالصدق وفي أنه الأخبار تعريف بنفسه أيضًا ووروده موقوف على أن يراد بالصدق في الحد والمحدود مفهوم المصدر ويعرف بمطابقة الخبر أو الصادق ويعرف إما بالخبر الموافق وإما بالمتكلم به أو في الحد الصادق بأحد المعنين وفي المحدود المصدر أو في الحد بصفة المتكلم وفي المحدود بصفة الكلام إذ لو عكس في الثلاثة أو عرف في الأقسام التسعة المصدر بمطابقة النفسي لمتحلقه والصادق بالمطابق نفسية له كلاما كان أو متكلمًا أو قيل بداهتهما وإن صحة ذكره في تنبيهها لا ينافيها لم يرد فوجوه دفعه أحد وعشرون ووروده ستة وبذا يعرف عدم وروده إلزامًا وإن عرفوه بذلك اللهم إلا أن يصرحوا باتحاد المراد في المقامين ولم يثبت.
قيل لا يمكن تعريفهما إلا بالخبر لأنهما أخص منه وإنما يعرف الأخص بالأعم لا يقال لو كانا أخص لا يعرفانه ها هنا إذ الأخص إنما يعرف الأعم إذا كان ذاتيه وقد علم بكنهه وهما ممنوعان ولئن سلم فقد يعلم عنه الكل بدون العلم بكنه الجزء حيث قيل لا يعلم عنه
(2/233)

البسيط والمركب ينتهي إليه لأنا نقول المطلوب ها هنا التمييز لا معرفة الكنه.
وجوابه بمنع الأخصية قولًا بأن المعرف أحد الأمرين وهو مساو فاسد إذ لا بد في معرفة أحد المعنيين من معرفة كل منهما بل بأن الأخص إنما لا يعرف إلا بالأعم إذا طلب كنهه وكان الأعم ذاتيًا ولو سلم فلا يقتضى معرفة الجزء بالكنه ثم ما مر من الجواب عن الدور بأن لماهية الخبر اعتبارها من حيث هي وبه يعرف الصدق والكذب به واعتبار أنها مدلول الخبر وبه يعرف بهما لوضوح نفس ماهيته إنما يناسب القول بضروريته لا كون الغرض كسب حقيقته كما ها هنا وقال أبو الحسين البصري كلام يفيد بنفسه نسبة أمر إلى أمر إثباتًا ونفيًا وعرف الكلام بالمنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع على استعمالها في المعنى وهذا على عرف الفقهاء حيث حكموا ببطلان الصلاة بكلام البشر حرفين فصاعدا أو بحرف ممدود أو مفهم فالحروف أعم من المحققة والمقدرة قاله احترازًا عن نحو همزة الاستفهام والمراد بها ما فوق الواحد وقيل الجنس نحو فلا يركب الأفراس إذا لم يركب إلا واحدًا فيتناولها.
والكلام عن النفسي فإنه الأعم عنده والصوت المجرد والمكتوبة والمتخيلة فالمسموعة تأكيد لاحتراز عما في النفس ردًا على الأشاعرة وعن المكتوب ردًا على الحنابلة ولدفع توهم تناول الأخيرين نظرًا إلى الإطلاق المجازى والمتميزة عن أصوات الحيوانات المشابهة للحروف والمتواضع عليها عن المهملات إذ إطلاق الكلام على المهمل مجاز وبنفسه أي بحسب وضعه لا بضميمة على نحو قم باعتبار نسبة الطلب إلى القائل لأنها عقلية وكذا فهم الإنشاء من الخبر لزومًا أو نقلا نحو {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] ومثل بعت ونكحت والإسناد من التقييد والٍا ضافة ومجرد ذكر الخبر نحو قالًم وقوله نسبة يريد به وقوع نسبة بدليل تقييده بالٍاثبات والنفي يخرج نحو قم باعتبار نسبة القيام إلى المخاطب وفاعل الصفة معها وجميع المركبات التقييدية والإضافية.
قيل ذكر عبد القاهر أن لا دلالة للخبر على وقوع النسبة بل على حكم المخبر بالوقوع ففهم أن نسبة الوقوع واللاوقوع إلى اللفظ سواسية قلنا معناه إعلام الوقوع وإلا لم يشعر بأن له متعلقًا واقعًا في الخارج فمدلوله الصدق والكذب احتمال عقلي ناشئ من عدم وجوب المطابقة بين المفهوم من اللفظ والحاصل في الذهن وبين ما في نفس الأمر.
وحده الحقيقي الأخص أنه الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجة عن مدلوله سواء قامت بالذهن كالعلم أو بالخارج عن المشاعر كالقيام أو لم يقم بشيء منها نحو شريك الباري ممتنع إذ الألفاظ موضوعة بإزاء الأمور الذهنية فمدلول الكلام النسبة الذهنية فإن نسبت
(2/234)

إلى خارجية فالخبر وإلا فالإنشاء والمراد بالنسبة هي مع معروضها كالمضاف المشهوري.
فرع:
نحو بعت خبر لغة وشرعًا إذا لم يقصد به حدوث الحكم أماح فإنشاء لصدق حده إذ لا بيع آخر وانتفاء خاصته إذ لا يحتمل الصدق والكذب ونحو طلقت ماض لا مغير عليه حينئذ فيلزم أن لا يقبل التعليق لكنه يقبله وللفرق الظاهر فمن قال لرجعيته طلقتك وأراد الإخبار لم يقع أو الإنشاء وقع وقيل إخبار لكن عما في الذهن من الرضاء والإرادة بالتخيير أو التعلق فحدوث العقود والفسوخ بها شرعًا بناء على أن الموجبات هي الأمور النفسية لكن لخفائها نيط الأحكام بدلائلها كالسفر ويتغاير النسبة النفسية والخارجية بالاعتبار كما في علمت فلا ينتهض الأدلة عليه بل لا تبقى في الحقيقة نزاع.
الثاني في الصدق والكذب المشهور أن صدقه مطابقته للخارج المذكور لا عن المشاعر وهو الواقع والأمر نفسه أعني تحقق الأشياء في أنفسها وكذبه عدمها لا واسطة في الخبر لأن الاستعمال وتبادر الذهن في المعنين غالب فلا بد من تأويل ما يخالفه دفعًا للاشتراك.
وقال النظام للاعتقاد الجازم أو الراجح فخبر المتوهم كاذب إذ لاعتقاد بما يطابقه ولا مطابقة لما يعتقده وكذا خبر الشاك لعدم الاعتقاد واعتقاده للتساوي مم إذ لا يخطر بباله ولئن سلم فالمعتبر مطابقة المفهوم من اللفظ والنسبة بالتساوي بين الوقوع واللاوقوع ليست به فلا واسطة والفرق بين المذهبين أن المطابقة وعدمها من النسب الثلاث بين اللفطة والخارجية في الأول وبينها وبين العقلية في الثاني.
وقال الجاحظ مطابقتها لهما وعدمها لهما فالمطابق لأحدهما دون الآخر واسطة كالخالي عن الاعتقاد.
وتفصيله أن الصدق العمدي صدق والكذب العمدي كذب والمطابق للواقع دون الاعتقاد أو بلا اعتقاد وغير المطابق للواقع بل للاعتقاد أو بلا اعتقاد واسطة فهي أربع وقيل مفعول الاعتقاد الحكم فالواسطة قسمان المطابق بلا اعتقاد الحكم وغير المطابق بلا هو ولا يناسب لأن الكذب ح هو المطابق للاعتقاد دون الواقع وهذا لا يكون كذبًا عمديًا وأيضًا إن اشترط في الكذب مطابقة الاعتقاد فلا وجه له إذ ما لا يطابقهما أولى به وإن أريد جوازها كان الكذب مخالفة الواقع كمذهب الجمهور وأيضًا عدم اعتقاد الحكم يحتمل اعتقاد خلافه واللااعتقاد أصلا فلا خلاص عن الأربع.
للنظام أولا دواعى تبرؤ المخبر عن الكذب متى ظهر خبره بخلاف الواقع واحتجابه
(2/235)

لها بأن لم يخبر بخلاف الاعتقاد أو الظن وهذا إلزامي يفيدان عدم مطابقة الواقع ليس بمعتبر في الكذب لا كلا ولا جزعًا فيبطل به المذهبان الأخران فلا حاجة إلى دعوى الصدق معها أو تحقيقي طوى فيه وإذا لم يكن كذبًا كان صدقًا إذ لا واسطة بالعرف وجوابه لا نعلم أن دعوى التبرؤ عن مطلق الكذب بل عن الكذب العمدي الموجب للملامة وقريب منه قول عائشة رضي الله عنها ما كذب ولكنه وهم حيث نفى الكذب عما يخالف الواقع فمرادها رضي الله عنها ما كذب عمدًا.
وثانيًا قوله تعالى {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] بعد قولهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] حيث كذبهم فيه مطَابقًا للواقع لا للاعتقاد فدل أنه دعم مطابقة الاعتقاد فقط وجوابه لا نعلم أن التكذيب فيه بل في نشهد لا في نفس مدلوله قطعًا لاحتمال كونه إنشاء بل فيما يتضمنه من أنا نقوله عن علم للعرف أو أنا مستمرون عليها غيبة وحضور للفعل المضارع المنبئ عن الاستمرار أو أن شهادتنا عن صميم القلب للتوكيد أو إخبارنا هذه شهادة أو المراد شأنهم الكذب وإن صدقوا في هذه القضية خاصة ولئن لمنا أن في المشهود به لكن لا في الواقع لصدقهم فيه بل في زعمهم الفاسد ويمكن إلحاقه بالمنع الأول لأن التكذيب على الحقيقة في قولهم إنا كاذبون المذكور حكمًا.
للجاحظ قوله تعالى حكايته لكلام أهل اللسان من الكفار في رد قولهم {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ليتوسلوا به إلى التكذيب في دعوى الرسالة من قولهم {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] حيث حصروا كلامه في كونه افتراء أو كلام مجنون وليسَ مرادهمَ باَلثاني الصدق لأنهم لم يعتقدوا صدقه ليريدوه بل عدم صدقه ولا الكذب لأنه قسيمه أو إضراب عنه وما ذلك إلا لأن المجنون يقول لا عن قصد واعتقاد فهو خبر خال عن الاعتقاد غير مطابق للواقع على زعمهم فلا يرد لا يلزم من ثبوت الواسطة على زعمهم ثبوتها في الواقع.
وجوابه من وجهين:
1 - أن الافتراء هو الكذب عن عمد لغة فلا يرد أن التقييد خلاف الأصل فالمعنى أقصد الكذب أو لم يقصد فعبر عنه بملزومه إذ المجنون لا افتراء له وذا يصح أن يكون كذبًا لأن نقيض الأخص لا يباين الأعم فالحصر للكذب في نوعيه.
2 - أن المعنى أقصد فيكون خبرًا وكذبًا وغير الخبر وحاسم هذا النزاع الإجماع على أن اليهودي إن قال الإِسلام حق يحكم بصدقه أو باطل يحكم بكذبه والمسألة لغوية لكن
(2/236)

علمنا مبنى عليها.
الثالث في تقسيمه باعتبارهما وهو بالقسمة الأولى ثلاثة.
1 - ما يعلم صدقه إما ضرورة بنفس الخبر وهو المتواتر أو بموافقة العلم الضروري كالأوليات وإما نظرًا بمخبره كخبر الله تعالى ورسوله عليه السلام معاينة وأهل الإجماع معاينة أو لموافقة النظر الصحيح كالقطعيات العقلية النظرية فهذه أربعة وفي التفصيل ستة.
2 - ما علم كذبه وهو كل مخالف لهذه الأربعة خمسة عشر وعند اعتبار التفصيل الآحاد ستة والثناء خمسة عشر والثلاث عشرون والرباع أربعة عشر والخماس ستة والسداس واحد والمجموع اثنان وستون.
3 - ما لم يعلم صدقه وكذبه فإما أن يطمأن بصدقه كالمشهور أو يرجح صدقه كخبر الواحد العدل أو كذبه كخبر المكذوب أو يتساوى كخبر مجهول الحال وخبر من عارض دليل صدقه ما أوجب وقفه كخبر الفاسق فحكمه التوقف.
وقال الظاهرية كاذب لعدم دليل العلم بصدقه كخبر مدعي الرسالة وفساده من وجوه:
1 - يلزم اجتماع النقيضين إذا أخبر شخصان بهما ووقوعه معلوم ضرورة.
2 - يلزم العلم بكذب كل شاهد.
3 - بكذب كل مسلم في إسلامه فنكفره وهو باطل بالإجماع والضرورة وخبر مدعي الرسالة كاذب للعلم بكذبه لأن العادة تكذب خلافها عند عدم المعجزة لانعدام العلم بصدقه.
وههنا مسائل الأولى خبر واحد بحضرة النبي عليه السلام فلم ينكره لا يوجب القطع بصدقه وإن كان الظاهر صدقه.
لنا احتمال السكوت لغير الرضا من أنه لم يسمع أو لم يفهم أو علم أن إنكاره لا يفيد أو لم يعلمه أصلا لكونه دنيويًا لو رأى تأخيره إلى قوة الحاجة إلى بيانه وبعد الكل فعدم إنكاره صغيرة وهي جائزة على الأنبياء وإن بعدت فمثله من قبيل من يظن صدقه.
الثانية: خبر واحد بحضور جمع كثير لم يكذبوه إن كان مما يحتمل أن لا يعلموه لغرابته عنهم لم يدل على صدقه أصلا وإن كان مما لو كان لعلموه فإن جاز أن يكون لهم حامل على السكوت كخوف وغيره فكذلك وإن علم عدم الحامل دل على صدقه قطعًا.
لنا أن عدم تكذيبهم مع علمهم بالكذب ممتنع عادة.
قالوا لعلهم ما علموا أو علموا كلهم أو بعضهم وسكتوا كما مر قلنا ذلك معلوم
(2/237)

الانتفاء في المبحث المحرر عادة فمثله مما يعلم صدقه.
الثالثة انفراد الواحد بما يتوفر الدواعى على نقل مثله وشاركه في سبب علمه خلق كثير كقتل الخطب على المنبر يوم الجمعة بمشهد من أهل المدينة دليل كذبه قطعًا خلافًا للشيعة.
لنا الوجدان ولولاه لم يقطع بكذب أن القرآن قد عورض وأن بين مكة والمدينة مدينة أكبر منهما.
ولهم أن لكتمان الأخبار حوامل لا يمكن ضبطها فكيف الجزم بعدمها ولذا لم ينقل النصارى كلام المسيح في المهد ولم يتواتر آحاد معجزات الرسول عليه السلام وغيره مما يعم به البلوى ويمس الحاجة فاختلف فيه كإفراد الإقامة وتثنيتها وغيرها ومن الحوامل التهالك في الملك ولم ينقل النص الجلي على إمامة علي رضي الله عنه مع وجوده وكثرة سامعيه وتوفر الدواعي على نقله في زعمهم وجوابه أن العادة تعرف عدم الحامل على الكتمان كالحامل على أكل طعام واحد ومثل كلام عيسى وآحاد المعجزات لقلة مشاهديها إذ لو كثرت لنقلت عادة فهي غير محل النزاع مع أنا نمنع توفر الدواعي فيها للاستغناء عنها بالمعجزات الأُخر كالقرآن الدائر في رسولنا عليه السلام ومثلها الفروع في عدم توفر الدواعي ولئن سلم فاستمراره مغن عن نقله ولئن سلم فقد نقل المتعارضان لجواز الأمرين والخلاف لعدم الفوز بالترجيح.

الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار الاتصال
وليتذكر أن التقسيمات بالاعتبارات لا تنافي تداخل أقسامها لما كان المقصود الأولى هنا خبر السنة اعتبر مشايخنا في تفسيره اتصاله بالرسول عليه السلام فقالوا إن لم يكن في اتصاله شبهة أصلا فهو المتواتر وإن كانت فإما صورة الشبهة في ابتدائه لا معنى للتلقي ولو من القرن الثاني أو الثالث بقبوله وهو المشهور والمستفيض وإما صورة ومعنى لعدم قطعية اتصاله وعدم التلقي وهو خبر الواحد.
القسم الأول المتواتر: وفيه مباحث:
الأول أنه لغة المتتابع واحدًا بعد واحد بفترة من الوتر (1) نحو {أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] واصطلاحًا خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه (2) كعن البلدان النائية والأمم الخالية وبنفسه احتراز عن إفادته العلم لا بنفسه بل تارة بالقرائن الزائدة على ما لا
__________
(1) انظر لسان العرب (5/ 275) مادة وتر.
(2) انظر أحكام الأحكام للآمدي (2/ 21).
(2/238)

ينفك الخبر عنه فإن القرائن التي يختلف العلم باختلافها إما ما يلزم الخبر عادة من حال الخبر أي الحكم ككونه بالجزم لا التردد وظهور آثار صدقه أو المخبركعدالته وحزمه وكونه ممن يطلع عليه هو دون غيره كدخاليل الملوك في أسرارهم أو المخبر إلى السامع كفطنته أو المخبر عنه أي الواقعة ككونها قرينة الوقوع وبعيدته وكالأخبار المبغضة الموحشة عن الأحبة أو عمن يخالف منه لا المسرة المؤنسة وعكسه وإما زائدة عليه كصراخ وجنازة وخروج المخدرات على حالة منكرة عند باب ملك أخبر بموت ولده المريض وأخرى بغير القرائن كموافقة العلم الحسي أو العقلي ضرورة أو نظرًا كدلالة قول الصادق عليه وربما يدرج هذا في القرائن الزائدة والتحقيق إفرازه.
وحكمه أن يفيد اليقين فيكفر جاحده كنقل القرآن والصلوات الخمس وأعداد الركعات والسجدات ومقادير الزكوات والديات وأروش الجنايات وأعداد الطواف والوقوف بعرفات.
وقالت السمنية والبراهمة لا يفيد إلا الظن وأنه بهت أي إنكار لما يقتضيه صريح العقل وقائله سقيم لا يعرف خلفته مما هو وديته ودنياه وأمه وأباه كالسوفسطائية المنكرة للعيان وعند البعض متهم النظام وأبو عبد الله البلخى الطمأنينة والفرق أنها قريبة إلى اليقين لكن يحتمل أن يخالجه شك ويعتريه وهم وليس المراد الطمأنينة التي في {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] فإنها الحاصلة من انضمام الضرورة إلى الاستدلال.
لنا الوجدان والاستدلال.
أما الأول فإنا نجد العلم الضروري بنحو البلاد النائية والأنبياء والصحابة كعلمنا بالمحسوسات لا فرق بينهما فيما يعود إلى الجزم.
وأما الثاني فلأن اتفاق مثل هذا الجمع المتباين طبائعهم المتفاوت هممهم لا سيما عند عدالتهم وتباعد أماكنهم وغير ذلك إما عن علم أو اختراع والثاني محال عقلا وعادة لا سيما في باب الرواية وإلا لما اشتغلوا ببذل أرواحهم في الجريان على موجبه ولما خفي ذلك بعد يعد الزمان ولما اتفقت كلمتهم بعد ما تفرقوا شرقًا وغربًا واختلفوا ضربا وحربًا وبهذا الطريق صار القرآن معجزة فالقول بالطمأنينة للغفلة من حق التأمل كالداخل على المناحة حيث يحتمل الحيلة ولهم شبه.
1 - إنه ممتنع عادة كعلي أكل طعام واحد.
2 - أن كذب كل جائز فيجوز كذب الكل إذ لا منافاة بين كذبي البعضين ولأن الكل نفس الآحاد.
(2/239)

3 - أنه لو انقطع الاحتمال الاجتماع لانقلب ممتنعًا.
4 - احتمال التواطئ في الاجتماع.
5 - لزوم التناقض إذا أخبر جميع بشىء وجمع بنقيضه.
6 - لزوم تصديق اليهود والنصارى في صلب عيسى وفيما نقلوه من موسى أو عيسى في أن لا نبي بعدي وتصديق المجوس في أخبار زرادشت اللعين من مس النار وإدخال قوائم الفرس في بطه.
7 - لو حصل به علم ضروري لما فرقنا بينه وبين الواحد نصف الاثنين.
8 - لما خالفه فيه إذ الضرورة تستلزم الوفاق فالأولى تنفى وقوعه والأخيرتان ضروريته والبواقي إفادته العلم والجواب إجمالا أنه تشكيك في الضروري كشبه السوفسطائية لا تستحق الجواب وتفصيلا عن:
1 - أن وقوعه مقطوع به والفارق وجود الداعى وعن (2) أن حكم الجزء قد يخالف حكم الكل ذهنًا وخارجًا فالواجب من الخيوط يقطع ومن المقدمتين لا ينتج ومن الشاهدين لا يثبت وعن (3) أن الامتناع في غير محل الإمكان ولئن سلم فالامتناع بالغير لا ينافي الإمكان الذاتي ولئن سلم فالامتناع بالغير لا ينافي الإمكان الذاتي وعن (4) ما مر من استحالته عادةً وعقلا وعن (5) أن تواتر النقيضين محال عادة وعن (6) أن شرائط التواتر مفقودة ففي الصلب لأن الداخلين على عيسى عليه السلام كانوا سبعة من أهل تعنت وعداوة والمصلوب لا يتأمل عادةً وبتغير هيأته وقد أوقع شبهة كما نص الله تعالى وذلك جائز استدراجًا على من علم دوام نعته وإن لم يجز من غيره لطفًا برفع التلبيس مع أن العيسوية وأنصار الحبشة وبعض اليهود على أنه عليه السلام مرفوع إلى السماء وكذا أن لا نبي بعدهما أصله آحاد وأخبار زرادشت تخييل كالشعوذة والتزوير ومواضعة بينه وبين ملكه وما رووا أنه فعلها في خاصة الملك دون مجامع الناس يؤيده وعن جواز الفرق بين الضروريات لسرعة الفهم لا لاحتمال النقيض وعن (8) جواز البهت من الشرذمة القليلة في الضروريات كالسوفسطائية في جميع المحسوسات.
الثاني في أن اليقين الحاصل به ضروري وعند الكعبي وأي الحسين البصري والإمام نظري وعند حجة الإِسلام قسم ثالث وإنما يصح لو فسر الضروري الأول إما بمعنى ما لا تجد النفس إلا الانفكاك عنه سبيلا فضروري وتوقف المرتضى والآمدي.
لنا أولا أنه لا يفتقر إلى توسيط المقدمتين بالوجدان.
وثانيًا: عدم شيوع الخلاف في المتواترات بمعنى أن دعوى خلافها لم يعد بها أي
(2/240)

إنكارًا لما يقتضيه صريح العقل إذ هو شأن النظري وإن كان من العلوم المتسقة.
أولًا أنه محتاج إلى توسيط المقدمتين نحو أنه خبر جماعة كذا عن محسوس وكل ما هو كذلك ليس بكذب بل وإلى ما ليس بكذب صدق.
قلنا لا نعلم الاحتياج بل المعلوم بالوجدان عدمه وإمكان الترتيب لا يستدعي الاحتياج كما في كل قضية قياسها معها وليس هذا دعوى أنه منها كما ظن إذ لا يجب ملاحظة القياس فيه بالوجدان بخلافها.
وثانيًا: أنه لو كان ضروريًا لعلم ضروريته بالضرورة لأن العلم بالعلم وبكيفيته لازم بين بالمعنى الأعم.
قلنا لا أن العلم بكيفية العلم لازم بين إذْ لا يلزم من الشعور بالشيء الشعور بصفته ولئن سلم فلا نعلم أن لازم الضروري ضروري لاحتياجه إلى توسيط الملزوم أما المعارضة بأنه لو كان نظريًا لعلم نظريته بالضرورة ففاسد لأن مثل الشبهة عدم احتياج الملزوم إلى الواسطة.
وللغزالي أنه لو كان نظريًا لم يضطر إليه لأن النظري مقدور ولو كان ضروريًا لم يجتج إلى توسيط المقدمتين.
فقد علم جوابه وأن لا نزاع له في الحقيقة ولا يخفى فساد التوقف لأنه للعجز عن إفساد أحد الدليلين.
الثالث: في شروط التواتر أما صحيحها فثلاثة كلها في المخبرين.
1 - تعددهم إلى أن يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة.
2 - إسنادهم إلى الحس بخلاف حدوث العالم.
3 - استواء الطرفين والواسطة في حد التواتر وأما فاسدها فمنه علم كل واحد وإلا لاستند إلى الظن ومنه أن لا يحصى عدد المتواترين وإلا لاحتمل التواطؤ ومنه عدالتهم إذ الكفر والفسق مظنة الكذب والجزاف ومنه تباين أماكنهم لأنه أدفع للتواطؤ.
ومنه اختلاف النسب والدين ومنه وجود المعصوم فيهم عند الشيعة وإلا لم يمتنع الكذب ومنه وجود أهل الذلة عند اليهود إذ لخوفهم يمتنع تواطؤهم عادة بخلاف أهل العزة والكل فاسد لحصول العلم الضروري وإن كان البعض مقلدًا أو ظانًا أو مجازفًا وعند انحصارهم واجتماعهم كإخبار الحجيج عن واقعة صدتهم وعند كفرهم ولو في باب السنة هو الصحيح كأهل قسطنطينة عن موت ملكهم.
وللضابط في العلم بحصول شرائطه حصول العلم بصدقه عادة ولا يشترط سبق العلم
(2/241)

بها كما يرى من يرى نظريته،
الرابع في أقل عدده قيل خمسة وجزم القاضي بعدم حصوله بالأربعة وإلا حصل بشهود الزنا فلم يحتج إلى التزكية بناء على مذهبه في المسألة الآتية وتردد في الخمسة واعترض على الأول بمنع اللزوم إذ لا يلزم من عدم كفايتها في الشهادة والاجتماع فيها على التحاب والتباغض مظنة التواطؤ عدم كفايتها في الرواية وبالنقض بالخمسة فإن وجوب التزكية مشترك إلا أن يقول أن معنى التردد أن الخمسة قد يفيد العلم بسبب الخامس فلا يجب التزكية وقد لا يفيد لكذبه فيجب وقيل اثنا عشر عدد نقباء موسى ليفيد خبرهم وقيل عشرون لقوله تعالى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ} [الأنفال: 65] ليفيد خبرهم العلم بالإِسلام وقيل أربعون عدد الجمعة عند البعضَ لذلك ولقوله {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] وكان أربعين وقيل سبعون عدد رفقاء موسى لميقاته للعلم بخبرهم إذا رجعوا والمختار أنه لا ينحصر في عدد بل الضابط ما حصل العلم عنده لحصول اقطع بدون العلم بالعدد ولأن الاعتقاد يتقوى بتدريج ككمال العقل والقوة البشرية عاجزة عن ضبطه ولأنه يختلف بالقرائن اللازمة للخبر كما مر وأنواعها أربعة فباعتبار آحاد أو مركبات مثنى وثلاث ورباع يحصل خمسة عشر وباعتبار أربعة وأفرادها لا ينحصر.
الخامس: قال القاضي وأبو الحسين كل خبر أفاد علمًا بواقعة لشخص فمثله يفيد علمًا خرى لأخر والصحيح أن ذلك عند تساوي الخبرين بحسب القرائن اللازمة من كل وجه.
السادس في المتواتر من جهة المعنى وهو القدر المشترك بين الآحاد الكثيرة المختلفة من حيث التضمن أو الالتزام كشجاعة علي رضي الله عنه من أخبار حروبه وسخاوة حاتم من آحاد عطاياه قيل الأول مثال الالتزام والثاني للتضمن والصحيح أنهما للالتزام وليس المراد بذلك أن يفهم المقصود من كل الآحاد بل أعم من ذلك الإعجاز من كل من أخبار المعجزات ومن أن من المجموع من حيث هو كالمثالين.
القسم الثانى الخبر المشهور:
وهو ما انتشر ولو في القرن الثاني والثالث إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لا في أول الصدر الأول ولا يعتبر الشهرة بعد القرنين لأن المشهود بعدالتهما هما.
وحكمه أن يفيد الطمأنينة المذكورة لأن إليه سكونًا بلا اضطراب لكن الحادثة لا عند
(2/242)

التأمل في ابتدائه بخلاف المتواتر فلذا صح عند المتأخرين ما اختاره ابن أبان أن يضلل جاحده ولا يكفركما يكفر جاحد المتواتر ولا يضلل جاحدًا الآحاد عملا بشبهي تلقي القرن المشهود له وكونه آحاد الأصل حيث لا نجد وسعًا في رد المتواتر ونخرج في رده لا في رد خبر الواحد وهذا أعلى درجات المشهور عنده فإنه عنده ثلاثة أقسام تشترك في جواز الزيادة بها على الكتاب وإن كانت نسخًا وتفترق إلى ما اتفق الصدر الأول أيضًا على قبوله كخبر الرجم على آية الجلد جاحده والمتراخي لا يكون تخصيصًا وما اختلف في الصدر الأول فقط كخبر المسح على الخفين فإن عائشة وابن عباس رض الله عنهما أنكراه ثم يروى رجوعهما فلا يضلل ويخشى المأثم وما اختلف فيه الفقهاء كخبر التتابع في صيام كفارة اليمين فلا يضلل ولا يؤثم إذْ لا إثم للمجتهد لكن يخطأ.
وقال أبو بكر الجصاص أحد قسمي المتواتر لأنه إما المتواتر الأصل والفرع أو الفرع فقط فيوجب علم اليقين لكن استدلالا لا ضرورة وثمرته التكفير ونص شمس الأئمة على عدم التكفير اتفاقًا فلا ثمرة.
له أن القائلين مشهود بعدالتهم فلولا صحته لما قبلوه عادة.
قلنا يحتمل أن يكون قبولهم في إبجاب العمل وقال بعض الشافعية لا يفيد إلا الظن فأما إن عرفوه بما يروى عنهم أنه ما زاد نقلته على الثلاثة فمسلم في بعضه وأما بما ذكرنا فممنوع في كله.
القسم الثالث: خبر الواحد
وهو ما لم ينته إلى حد التواتر والشهرة وليس تعريفًا بما يساويه لسبق العلم بهما وقيل خبر أفاد الظن ولا ينعكس لأنه قد لا يفيد الظن إلا أن يزاد في المحدود لعدم الاعتداد به في الأحكام فلا يرد والفرق بين التعريفين أن الثاني يتناول المشهور دون الأول.
وفيه مباحث الأول أنه لا يوجب العلم مطلقًا وهو مذهب الأكثرين وقيل يوجبه عند انضمام القرائن الزائدة على ما لا ينفك عنه الخبر عادة من الأنواع الأربعة وقيل وبغير قرينة فأحمد علمًا ضروريًا مطردًا كرامة من الله تعالى وداود الطائي وغيره علمًا استدلاليا والبعض علمًا غير مطرد.
لنا أولًا لو أوجب لأوجب عادة إذ لا علية عندنا فاطرد كالمتواتر إذ التخلف في العادة للمعجزة أو الكرامة والكلام في غيرهما ولا اطراد بالوجدان.
وثانيًا: للزم تناقض المعلومين إذا أخبر عدلان بمتناقضين وذلك واقع واللازم بطلان المعلومين واقعان وإلا كان جهلا.
(2/243)

وثالثًا: لوجب القطع بتخطئة المخالف اجتهادًا واللازم بط إجماعًا للموجب عند القرائن الزائدة أنه لو أخبر ملك بموت ولده المشرف عليه مع صراخ وجنازة وخروج مخدرات على حال غير معتادة دون موت مثله نجد العلم بموته من أنفسنا ضرورة.
قلنا التيقن بالقرائن لا بالخبر كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل قيل لولا الخبر لجوزنا موت شخص آخر قلنا فنجوزه مع الخبر أيضًا لأنه من حيث هو لا يقطع ذلك الاحتمال بالأدلة الثلاثة ولذا لم يقع في الشرعيات وبهذا يعلم أن التزام لزوم الاطراد في الخبر المحفوف بالقرائن ودعوى امتناع حصول مثله في نقيضها عادة والتزام لخطئة المخالف قطعًا إن كان للخبر فباطلة أو للقرائن فمسلم فيما هي كافية للعلم به فلا مدخل للخبر وفي غيره مم ولئن سلم أن له مدخلا فإن أريد بإبجابه إيجاب المجموع الذي هو جزؤه فذلك اعتراف بعدم إيجابه وإن أريد إيجابه بشرط الانضمام فلا نعلم أنه الموجب.
وللموجبين مطلقا أولًا أنه يوجب العمل إجماعًا بيننا ولا عمل إلا عن علم لقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمِ} [الإسراء: 36] وحصول الظن لا يكفي لأن اتباع الظن مذموم لقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].
قلنا أولًا المتبع هو الإجماع على وجوب العمل بالظواهر وهو قاطع.
وثانيًا أنه مؤول بما المطلوب فيه العلم من أصول الدين لا العمل من أحكام الشرع وقد قيل المراد منع الشهادة إلا بما يتحقق.
وثانيًا: أن صاحب الشرع كامل القدرة ولا ضرورة له في التجاوز عما يوجب اليقين بخلافنا في المعاملات حيث تقبل خبر الواحد وإن لم يفد العلم بلا خلاف قلنا كما هو كامل القدرة كامل الحكمة فلعل له في ذلك حكمة أقلها الابتلاء بالاجتهاد واليسر في اختلاف العباد كما جاء دا اختلاف أمتي رحمة (1) ولمدعط الضرورة ورود الآحاد في أحكام الآخرة كرؤية الله وعذاب القبر فإنا نجد العلم بها وإلا لم يفد شيئًا إذ لا حظ لها إلا العلم وذلك بطريق الكرامة من الله تعالى لمن تيسر له فلا ينافيه عدم اليقين للبعض قلنا لا نعلم أنها توجب العقد بمعنى اليقين بل توجب الظن كما توجب مشاهيرها الطمأنية وأما إن عقد القلب عمل فيكفي فيه حجة فقد نظر فيه بأن سائر الاعتقاديات كذلك
__________
(1) عزاه في المقاصد للبيهقي في المداخل بسند منقطع عن ابن عباس وعزاه للطراني والديلمى وفيه ضعف وعزاه الزركشي وابن حجر في اللآلئ لنصر المقدسي في الحجة مرفوعا وعزاه العراقى لأدم ابن أبي إيأس في كتاب العلم والحكم وغيره، انظركشف الخفاء للعجلوني (1/ 66).
(2/244)

وليس حجة فيها وجوابه بأن المقصود في الأخروية نفس العقد وفي غيرها العمل ليس بشيء ثم إنه معارض بأنا نجد عدم العلم بالضرورة ولعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل أو سموا الظن علمًا.
الثاني أن التعبد به أي تكليف العمل بمقتضى خبر العدل جائز عقلا خلافًا لأبي علي الجبائي.
لنا القطع بجوازه وإن التكليف به لا يستلزم محالا لذاته.
قالوا أولا يستلزم محالا لغيره هو لخليل الحرام أو عكسه بتقديركذبه الممكن وما يؤدي إلى الباطل على تقدير ممكن بط قلنا لا نعلم بطلان الأمرين فإن المخالف للظن ساقط عن المجتهد ومقلده إجماعًا فعند المصوبة لكون الحق متعددًا وعند المخطئة لكون التكليف بموجب الظن ألا يرى إلى التعبد بقول المفتي والشاهدين وإن خالفا الواقع وهذا يصلح سندًا ونقضًا هذا عند ترجيح أحد الخبرين أو تساويهما عند المجتهدين أما عند مجتهد واحد فالعمل ترك العمل بهما أو التخيير بين مقتضيهما.
وثانيًا: يلزم جواز التعبد بالخبر عن الله تعالى بغير معجزة وهو باطل. قلنا لا نعلم الملازمة لأن العادة تفيد العلم بكذبه عند عدم المعجزة ولأن جواز التعبدية يفضي إلى كثرة الكذب عادة بخلاف الخبر عن الرسول عليه السلام.
الثالث أنه واقع أي يوجب العمل خلافًا للقاساني بالمهملة والرافضة وابن داود واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية وهو المعنى بالجواز في المحصول إذ لا معنى له بعد كونه حجة.
لنا القواطع والظواهر أما القواطع فمنها إجماع الصحابة والتابعين حيث استدلوا وعملوا به في وقائع لا تحصى وشاع ذلك ولم ينكر وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح وهذا استدلال بالإجماع المنقول بتواتر القدر المشترك لا بأخبار الآحاد حتى يدور ويفيد وجوب العمل به لأن النزاع في أنه دليل نصبه الشارع للاستدلال به على الأحكام كالكتاب فمقتضاه وجوب العمل ولأن الاستدلال بإيجابهم ولأنه لا قائل بحجيته في الجواز دونه، واعترض عليه بمناقضتين ومعارضة.
1 - لا نعلم أن عملهم بها فغير لازم من موافقتها العمل سببيتها له قلنا علم ذلك من سياق الترتيب عادة.
2 - لا يلزم من وجوب العمل فيما تلقوها بالقبول وجوبه في كل خبر إذ العلة
(2/245)

لخصوصيتها قلنا علم من عادتهم أنه لإفادتها الظن كظاهر الكتاب والمتواتر.
3 - المعارضة بعد عملهم بخبر البعض في وقائع كثيرة أصلًا أو حتى يروى آخر قلنا ذلك لقصورها عن إفادة الظن ورفع الريبة ولا نزاع فيه ويؤيده عمله بعد رواية الآخر مع أنه لم يخرج عن كونه خبر الواحد فهو لنا عليكم لا علينا لكم ومنها بعثه عليه السلام الأفراد إلى الآفاق كعلي ومعاذ إلى اليمن وعتاب إلى مكة أميرًا ودحية إلى هرقل أو قيصر وعبد الله بن حذافة إلى كسرى وعمرو بن أمية إلى الحبشة رسولًا فلو لم يكن خبرهم حجة لما مروا ببيان الأحكام لعدم الفائدة ولا نفتح باب الطعن بالتقصير في التبليغ حيث لم يبلغ بمن يقوم به الحجة.
قيل النزاع في وجوب عمل المجتهد ولا دلالة في هذا عليه قلنا أكثر العرب والصحابة كانوا مجتهدين عالمين بقواعد الاستنباط فيتم والاستدلال بالمجموع ولأنهم بعثوا للإخبار عن الشارع إذ بعثهم تفضيل لقوله تعالى {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: 67] الآية وإنما يحتاج إليه للاجتهاد لا للفتوى عادة ومنها أن الشهادة مع أنها مظنة التهمة بالتحاب والتباغض وليست إخبارًا عن معصوم ولا عمن يخاف على الإِسلام بالكذب عليه ولا المخبر مشهورًا بالثقة إذا أوجبت العمل حتى لو لم يقض بعد البينة العادلة كان فاسقًا وإن لم يرد ذلك فكافر فالرواية أولى وكثرة الاحتياج إلى الشهادة يعارضها عموم مصلحة الزاوية.
وأما الظواهر وللتمسك بها مقدمتان:
1 - أن المتبع فيها الإجماع على صحة التمسك بها أما في الفروع فظاهر وأما في الأصول فبشهادة الإجماع على التمسك بها في حجية الإجماع وسيجىء في الإجماع أن هذا الإجماع بالقاطع فلا دور.
2 - إن كل ما يدل على وجوب العمل بخبر الواحد مطلقًا يدل عليه في حق المجتهد إما لعمومه وإما لأنه في المقلد لغلبة ظنه بصدق مقلده بالإجماع ولاشتماله على دفع الضرر المطون فكذا في المجتهد عند غلبة ظنه بصدق الراوي بدلالته بل أولى لأنها للمقلد أسهل حصولا وسببها أضعف منها للمجتهد فإذا كفى ثمنه فهنا أولى وعموم الرواية يعارضها كثرة الاحتياج إلى الفتوى والشهادة فيعمان بدفعات ولو من واحد بعينه أو ينزل الدلالة بالنسبة إلى كل واحد.
أما حديث الضرورة ففاسد لأن إمكان العمل بالبراعة الأصلية مشترك فمنها الكتاب، كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران:
(2/246)

187] الآية أوجب بيان ما في الكتاب من الواجبات فإنها أحق بالبيان ولأنها بعضه فإما على الكل وليس في وسع كل واحد أن يجتمع مع كافتهم شرقًا وغربًا وكل مخاطب يما في وسعه وإما على كل واحد فلو لم يجب قبوله لما كان لبيان الواجب فائدة للسامع قيل يحتمل أن يكون فائدته أن يحصل التواتر فيجب العمل، قلنا أحد قسمى البيان الفتوى، وحيث لم يشترط فيها التواتر لم يشترط في الآخر إذ لا دلالة على التفصيل.
وكقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] الآية وله توجيهان:
1 - أنه أمر الطائفة المتفقهة بالإنذار، وهو الدعوة إلى العلم والعمل؛ لأن التخصيص يتضمنه فلو لم يكن حجة لم يفد. والطائفة تتناول الواحد في الأصح حيث أريد بطائفة من المؤمنين واحد فصاعدًا. قاله ابن السكيت وبطائفتان من المؤمنين اقتتلوا رجلان من الأنصار. ولأن أقل الفرقة ثلاثة فبعضها واحد أو اثنان ولئن سلم فلا يلزم حد التواتر بالإجماع.
2 - أن لعل للترجي المتضمن للطلب الجازم ولما استحال على الله تعالى الترجي حمل على لازمه وإيجاب الحذر عند ترك العمل يستلزم وجوب العمل والاعتراض بأن المراد بالإنذار فتوى الفقيه في أحكام الفروع بدلالة ظاهر التفقه لأن الاحتياج إلى التفقه في الفتوى لا في الرواية؛ فالقوم المقلدون مزجوا به في المقدمة الثانية من وجهين على أن الدعوة إلى العلم في المجتهد أظهر وكقوله تعالى {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} [البقرة: 159] الآية أوعد بالكتمان لقصد إظهار ما في القرآن من الواجبات ولولا وجوب العمل بها لم يفد إظهارها للسامع. قيل المراد القرآن وهو متواتر والكلام فما الآحاد ولئن سلم فيجوز أن يكون إيجاب الإظهار على كل؛ لأن يبلغ باجتماعهم حد التواتر.
والجواب عن:
1 - أن كون المراد هو القرآن بالآحاد فلو لم يكن حجة لم يرد مع تخصيص لشموله الوحي الغير المتأول فالمراد إظهار ما في القرآن من الشرائع لأنه المقصود وأخبار الآحاد تفاصيله كلا أو بعضًا منطوقًا أو مفهومًا. وعن:
2 - على أنه بعيد لندرة حصول التواتر (ما مر أن إيجاب إظهار الأحكام أعم ندبًا لفتوى أم بالرواية، فلو كان فائدته حصول التواتر لوجب فيهما أذلا دلالة على التخصيص والتفصيل وحيث لم يشترط في الأول لم يشترط فما الثاني وكقوله تعالى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] علل عدم قبول خبر الواحد بالفسق لترتبه على الوصف:
(2/247)

المناسب، فلو كان عدم قبوله لذاته لما علله بتعين؛ لأن ما امتنع بالذات لم يمتنع بالغير فإذا صح قبوله وجب لما مر فهذا ليس استدلالا بمفهوم المخالفة (ومنها السنة كقوله عليه السلام خبر بريرة في الهدية وخبر سلمان في الصدقة ثم في الهدية وخبر أم سلمة في الهدايا وقول الرسل في هدايا الملوك على أيديهم وإرساله الرسل (ومنها دلالة الإجماع حيث أجمعت الأمة على قبول أخبار الآحاد من الوكلاء والرسل والمضاربين وغيرهم) وفيهما بحث.
أما في الأول فلاحتمال أن يكون قبوله لعلمه بصدقها غيبًا بخلافنا.
وأما في الثانية: فلأنه ليس في باب الاجتهاد.
والجواب عنه:
- أنه على كثرتها التي لا تحصى خلاف الظاهر لعدم اختصاصها بمقام التحدي.
وعن:
- أن ما يورث غلبة الظن للمجتهد المتفرس المستفسر أقوى فبالقبول أولى.
- ومنها أن عدالة الراوي ترجح جانب الصدق لكون الكذب محظور دينه وعقله فيقيد غلبة الظن فيوجب العمل كما في القياس بل أولى إذ لا شبهة في الأصل هنا بل في طريق الوصول، والمنكرون ينكرون إما لعدم الدليل أو لدليل العدم شرعًا أو عقلا.
أما الأول فلأن لهم في كل من الأدلة طعنًا، وإن أجبنا عنه.
وأما الثاني: فلأنه يفيد الظن والقرآن نهى عن اتباع الظن وذم عليه في الآيتين وكلاهما دليل الحرمة. ولأنه عليه السلام توقف في خبر ذي اليدين وقال كل ذلك لم يكن نفيًا للكل تقريرًا لسؤاله أو لكل ردًا له أول بها النواوي، والأخير أولى للرواية الأخرى حتى أخبره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وجوابهما بعد ما مر من المتبع الإجماع، وأن الإنكار للريبة وإن عمله بعد خبر هما لنا لا علينا أن هذه الأدلة ليست قاطعة إذ لا عموم لها في الأشخاص والأزمان ولئن سلم يحتمل التخصيص فإذا صح التمسك بمثلها في نفى التعبد ففى التعبد أولى احتياطًا وأن خبر ذي اليدين ليس في تعبد الأمة بالمنقول عن الرسول وهو المبحث وأنه فيما انفرد واحد بالإخبار بين جمع في أمر الغالب عدم وقوعه وعدم الغفلة وظن كذبه وعدم العمل به واجب اتفاقًا لغير الشيعة كما مر.
وأما الشاك: فأمر مع جوابه من أن صاحب الشرع كامل القدرة فلا ضرورة له في التجاوز عما يوجب اليقين.
(2/248)

الرابع: أن دليل إيجابه العمل شرعي كما ذكرنا وعقلط عند أبى الحسن البصري وابن سريج والقفال فتمسك أبو الحسين بأن تحصيل المصالح ودفع المضار جملة واجبة عقلا وأخبار الآحاد تفصيل بما لأن النبي عليه السلام بعث لذلك ومفيدة للظن بهما وكل جملة واجبة عقلا فالظن بتفضيله يوجب العمل عقلا. وجوابه بعد إبطال التحسين والتنقيح العقلين منع أن العمل بالظن في تفاصيل مقطوع الأصل واجب بل أولى احتياطًا ولئن سلم في العقليات منع في الشرعيات وقياسها بطل لعدم التماثل وأما لأن القياس شرعي فلا لأن القياس الذي أصله عقلي، عقلط بخلاف ما سيجيء من القياس على الفتوى.
ولقسك الباقون أولا بأن صدقه ممكن فيجب اتباعه احتياطًا
لا يقال الاحتياط يفيد الأولوية كما مر لأنه في الشرعيات يفيد الوجوب ولذا لم يحمل هذا على الدليل العقلي بل على القياس.
فأجيب بأن لا أصل له في الشرع فالمتواتر يوجب الاتباع لإفادته العلم لا للاحتياط والفتوى فرق بينهما وبينه لخصوصها بالمقلد وعمومه في الأشخاص والأزمان ولئن سلم ذلك بناء على ما مر من المعارضة فهو دليل شرعي لأن أصله شرعي.
وثانيًا بأنه لو لم يجب لخلت أكثر الوقائع عن الحكم لأن الكتاب والمتواتر لا يفيان بها منطوقًا أو مفهومًا أو قياسًا وهو ممتنع عقلا، وجوابه منع بطلان التالي.
أما مع الملازمة بناء على أن عدم الدليل دليل العدم شرعًا فعند من يقول به، أو إذا انحصر، ولذا أخرا، وبالنظر إلى المتقدم الوضعط لا لقوته ترقيا. والله أعلم.

الفصل الثاني: في الراوي
وفيه مباحث:
الأول: في تقسيمه وهو إما معروف بالرواية وشرائها فقط. أو بالفقه والاجتهاد. وإما مجهول؛ أي: في الرواية بأن لم يعرف ذاته إما بحديث أو حديثين، ولا عدالته وطول صحبته ولا يوجد في الصدر الأول.
وأقسامه خمسة؛ لأن الثقات إما أن يتلقوا حديثه بالقبول أو بالرد أو يختلفوا فيهما، أو بالسكوت، أو لم يظهر بين السلف.
أحكام الأقسام:
فالمعروف بالكل كالخلفاء، وكالعبادلة، ومعاذ، وأبى موسى الأشعري، وعائشة، وأبى ابن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، يقبل حديثه، وافق القياس فتأيد به ولو من وجهه أو لا فطرحه.
(2/249)

وقيل القياس مقدم وربما ينسب إلى مالك رحمه الله.
وقال أبو الحسن البصري إن ثبت علة القياس بقطعي قدم وإلا فإن قطع بحكم الأصل دون العلة اجتهد فيه حتى يظهر دليل أحدهما فيتبع، وإلا فالخبر مقدم.
وقال بعض المتأخرين إن لم يترجح نص العلة على الخبر في الدلالة فالخبر وإن ترجح فإن قطع بوجود العلة في الفرع فالقياس وإلا فالتوقف.
لنا أولا أن عمر ترك القياس في مسألة الجنين بأنه عليه السلام أوجب فيه الغرة، وقال لولا هذا لقضينا فيه برأينا، وفي دية الأصابع، حيث رأى تفاوتها بتفاوت منافعها، فتركه بقوله عليه السلام في كل إصبع عشر، وفي ميراث الزوجة من دية زوجها، ولم ينكره أحد فكان إجماعًا.
وثانيًا: حديث معاذ حيث أخر القياس عنه وقرره النبي عليه السلام.
وثالثًا: أن القياس أضعف لأن الاجتهاد المخبر في أمرين عدالة الراوي ودلالة الخبر وللقياس في سنة حكم الأصل وتعليله في الجملة وتعين العلة ووجودها في الفرع ونفى المعارض في الأصل وفي الفرع وإن كان الأصل خبرًا زاد أمره على السنة وما فيه الاجتهاد أكثر فالخطأ فيه أوفر والظن به أندر.
ورابعًا: أن علة القياس ساكنة وشهادتها بالإشارة والخبر نطاق فكان فوقها في الإبانة وكذا السماع لكونه إحساسًا فوق الرأي في الإصابة ولذا قدم خبر الواحد على التحري في القبلة.
قالوا أولًا القياس حجة بالإجماع لأن نفاته ظهرت بعد القرون الثلاثة والإجماع أقوى من الخبر.
قلنا الخبر أيضًا حجة إجماعًا فيترجح بما مر.
وثانيًا: أن الاحتمال في القياس أقل لأن الخبر باعتبار العدالة يحتمل كذب الراوي وفسقه وكفره وخطأه وباعتبار الدلالة التجوز وغيره مما هو خلاف الظاهر وباعتبار حكمه النسخ والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك.
قلنا: الاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور ويأدي الجميع في القياس إذا كان أصله خبرًا وأنتم تقدمونه.
وثالثًا: رد الصحابة إياه بالقياس.
قلنا: كان لمعان نذكرها لا لترجيح القياس.
قال المفصلون إذا ترجح نص العلة وقطع وجودها في الفرع ترجح القياس لترجح
(2/250)

نصه وإن لم يقطع توقف لتعارض النصين.
قلنا: فلم يكن الترجيح أو التعارض للقياس من حيث هو بل للنص في الحقيقة فالمتبع ما لنا من الطريقة ويحدث من هنا فساد تفصيل أبى الحسين بلا شائبة شبهة ومانع مبين.
والمعروف بالرواية فقط؛ كأبي هريرة، وأنس بن مالك يقبل إن وافق القياس مطلقًا أو خالف من وجه وإن خالف من كل وجه وهو المراد بانسداد باب الرأي يضطر إلى تركه.
أما الأول فلكون الراوي ثقة بخلاف خبر المجهول إذا خالف القياس من وجه حيث يجوز تركه.
وأما الثاني فلأن النقل بالمعنى كان مستفيضًا فيهم فإذا قصر فقهه لم يؤمن أن يذهب عليه شيء من معانيه لأن للحديث خطرًا وقد أوتى جوامع الكلم فدخله شبهة زائدة في متنه وفي شيء يضاف إليه الحكم ولا يترك العمل بالكتاب والسنة المشهورة، أعنى حديثي معاذ الدالين على حجية القياس بالإجماع عليها في القرون الثلاثة إلا لقطعيته وليس بحيث يصاب بالاجتهاد بخلاف القياس مثل حديث أبى هريرة رضي الله عنه في المصراة فإن قياسه على ضمان العدوان بالمثل أو القيمة إجماعًا بمنع وجوب التمر لا أن هذا ضمان عدوان وإلا فمخالفته للكتاب كاف في رده ولهذا أنكرت عليه عائشة رضي الله عنها في روايته أن ولد الزنا شر الثلاثة وأن الميت يعذب ببكاء أهله، متمسكة بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وأنكر ابن عباس رضي الله عنهما عليه روايته الوضوء مماسته النار، ومن حمل جنازة فليتوضأ، قائلا كيف نتوضأ مما عنه نتوضأ، أيلزمنا الوضوء بحمل عيدان يابسة، ويعنى به قصورهم بالنسبة إلى فقه الحديث، فأما الازدراء، فمعاذ الله.
وحديث المجهول كوابصة بن معبد وسلمة بن المحبق ومعقل بن سنان رضي الله عنهم يقبل إذا تلقاه السلف بالقبول أو بالسكوت فإنه في موضع الحاجة بيان ولايتهم السلف بالتقصير كحديث المعروف بقسميه لتعديلهم إياه، وهذا إن اختلف في قبوله عندنا كحديث معقل في قصة بَرْوَعَ أنه مات عنها هلال قبل الفرض والدخول فقضى لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمهر مثل نسائها فعمل ابن مسعود رضي الله عنه. ورواه من القرن الثاني علقمة ومسروق ونافع والحسن، وأنه قرن العدول فأخذنا بقوله قياسًا للموت بكونه مؤكدًا على الدخول ولذا وجب العدة ورد على رضي الله عنه لعود المعقود عليه سالمًا فلا يوجب العوض وأخذه الشافعي، وإذا تلقوه بالرد صار مستنكرًا لا يترك به القياس اتفاقًا كحديث فاطمة بنت ليس عليه السلام لم يجعل لها نفقة ولا سكنى ورده عمر رضي الله عنه
(2/251)

وغيره، وكذا حديث بُسْرة في مس الذكر.
أما إذا لم يظهر حديثه بين السلف فلا يترك به وجوبًا لكن يجوز العمل به إذا لم يخالف القياس ليضاف الحكم إلى النص فلا يمنعه نافيه وهذا في القرون الثلاثة؛ لأن العدالة أصل فيها لا بعدها لظهور الفسق.
ولذا جوز أبو حنيفة رضي الله عنه القضاء بظاهر العدالة (1) لأنه في القرن الثالث، وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ} [الإسراء: 36] الآية تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116] دل على المنع من اتباع الظن مطلقًا فخولف في المعلوَم عدالته بالإجماع فيبقى في غيره وجوابه بعد ما مر أن المتبع هو الإجماع على إثبات الظن في الفروع وأن ذلك مخصوص بالأصول أن المراد بالمعلوم عدالته إن كان المتيقن فبط للإجماع على أنه إذا عدل الراوي اثنان يجب قبول روايته مع عدم التيقن وإن كان المظنون فهو حاصل بالأصل، أما أن المراد أعم من التيقن أو الظن بالقول فتخصيص بلا دليل واصطلاح غير معهود.
قيل: مبنى الخلاف على أن الأصل هو الفسق لأنه أثر القوه الشهوية والغضبية الغريزيتين والعدالة أثر التزام تكاليف الشر فهي طارئة ولأنه الغالب فيما بعد القرون الثلاثة بالحديث وأكثر أئمة المذهبين فيهم فلا ظن بعدالتهم ما لم يختبر حالهم ولم يترك الخبير بها.
قلنا: أولًا العقل الذي ليس مطروحًا في معرفة الحسن والقبيح بالكلية بل آلة لها غريزي وهي أثره.
وثانيًا: أن غريزية سبب الفسق لا ينافى ما ادعيناه من أصالة العدالة في القرون الثلاثة بالحديث واتباعه أولى، لا سيما أن التأثير بإجراء العادة لا بالإيجاب، فالمتبع في معرفة كيفيته صاحب الشرع.
وثالثًا: أن العدالة فيما بين رواة الحديث لا سيما إذا كانوا فقهاء هي الأصل ببركته هو الغالب بينهم في الواقع كما نشاهده، فلذا قلنا مجهول القرون الثلاثة في الرواية، أما في الضهادة فإن اختص قول الإِمام بالقرون الثلاثة كما قيل من أنه اختلاف زمان فذاك وإن كان اختلاف برهان وإن أفتى المتأخرون بقولهما فبالنظر إلى الإِسلام والتزام الأحكام وكمال العقل الزاجرة عن المعصية، وأن أول البلوغ يصادف العدالة لا شك أنها الأصل فيجوز العمل به فيما يكثر فيه الوقوع وإبطال الحقوق ثم ترجيحنا هذا أولى لأنه فيما بين نفسي العدالة والفسق لا سببهما.
__________
(1) انظر: المبسوط للسرخسى (16/ 88)، تخفة الفقهاء (3/ 363).
(2/252)

الثاني: في شرائطه منها مصححة للقبول ومنها مكملة؛ أما المصححة فأربعة:
الأول: العقل، أي الكامل ولذا قد يعبر عنه بالتكليف وقد مر تفسيره وأنه لا يكمل شرعًا لا حين البلوغ وإنما اشترط لأن كل موجود فبصورته ومعناه يتحقق فالصوت والحروف لا يكون كلامًا إلا بالعقل الذي به الفهم والتفهيم بخلاف ألحان الطور والنائم فخبر الصبي وإن قارب البلوغ ليس بحجة في الشرع لاحتمال أن يعلم عدم حرمة الكذب عليه فيكذب فلا يحصل ظن صدقه ولأن الشرع لم يجعله وليًّا في أمر دنياه ففي دينه أولى، أما عدم ولاية العبد فلحق المولى لا لنقصان عقله ولأن قوله في حقه لا يقبل فكيف في حق غيره ولأن قول الفاسق أوثق وهو مردود فكيف الصبي وكذا المجنون والمعتوه.
وإجماع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم كما يرويه مالك رحمه الله فعلى تقدير تسليمه كان لضرورة أن لا يضيع حقوق الجنايات حيث كثرت بينهم منفردين عن العدول والمشروع استثناء لا يرد نقضًا كالعرايا وشهادة خزيمة أما لتحمل في الصبي والرواية بعد البلوغ فمقبول لأن الخلل الدفع عن تحمله وقياسًا على جواز الشهادة اتفاقًا فالرواية أولى ولإجماع الصحابة على قبول رواية جماعة من أحداث ناقلي الحديث كابن عباس، وابن الزبير، وأبى الطفيل، ومحمود بن الربيع، وغيرهم. من غير فرق واستفسار، وأما إحضار الصبيان فيحتمل التبرك ولذا يحضرون من لا يضبطه وقد اصطلحوا على أن يكتبوا لتحمل الطفل حضورًا وجسدًا، ولتحمل الكبير سماعًا.
الثاني: الضبط، وهو الحفظ مع الحزم والمراد مجموع المعاني الأربعة، حق السماع بأن لا يفوت منه شيء ثم فهم تمام معناه، لإمكان أن ينقله بالمعنى بخلاف القرآن، إذ المعتبر في حقه نظمه المعجز المتعلق به أحكام مخصوصة والمقصود في السنة، معناها حتى لو بذل مجهود في حفظ لفظ السنة كان حجة ولأنه محفوظ عن التغيير لقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ثم حفظه باستفراغ الوسع ثم المراقبة أي الثبات عليه إلى حين الأداء فمن ازدرى نفسه ولم يرها أهلا للتبليغ فقصر في شيء منها ثم روى بتوفيق الله تعالى لا يقبل وإنما اشترط لأن طرق الإصابة لا يترجح إلا به فلا يظن بصدق الخبر دونه لاحتمال السهو.
وهو نوعان: ظاهر وباطن:
فالظاهر: ضبط معناه لغة، وهو الشرط عند الأكثر والباطن ضبطه فقهًا أي من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الكامل فلاشتراط الأول لم يكن خبرًا لمغفل خلقة أو مساهلة
(2/253)

حجة وإن وافق القياس والكمال.
الثاني: قصرت رواية من لم يعرف بالفقه عن رواية من عرف به.
الثالث: العدالة وهي الاستقامة لغة ومنه طريق عدل وجابر للجادة والبينات واستقامة السيرة والدين شريعة وحاصلها هيئة راسخة في النفس لخمل على ملازمة التقوى والمروءة وترك البدعة ليستدل بذلك على رجحان صدقه.
وهي قسمان: قاصر يثبت بظاهر الإِسلام، واعتدال العقل الزاجرين عن المعاصي كما مر. وكامل ليس له حد يدرك مداه فاعتبر أدنى كماله هو ما لا يؤدى إلى الحرج وتضييع الشريعة وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة، ولماكانت هيئة خفية نصب لها علامات هي اجتناب أمور أربعة وإن ألم بمعصية لأن في اعتبار اجتناب الكل سد بابه:
1 - الكبائر: وهي تسعة برواية ابن عمر رضي الله عنهما "الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم؛ أي: الظلم فيه لشرفه" وزاد أبو هريرة رضي الله عنه "أكل الربا" وعلى رضي الله عنه "السرقة، وشرب الخمر" وقيل: كل ما توعد الشارع عليه بخصوصه وقيل: كل ماكان مفسدته مثل مفسدة أقلها أو أكثر مفسدة دلالة الكفار إلى استئصال المسلمين أكثر من مفسدة الفرار عن الزحف ومفسدة إمساك المحصنة للزنا بها أكثر من مفسدة القذف، وقد يقال ما يدل على قلة المبالاة بالدين دلالة أدنى ما ذكره وعلى هذا كثيرة.
2 - الإصرار على الصغائر فقد قيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، ومرجعه أن يعرف بالعرف بلوغه مبلغًا ينفي الثقة.
3 - الصغائر الخسية؛ أي الدالة على خسة النفس كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة.
4 - المباح الدال على ذلك كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأرذال، والحرف الدنية مما لا يليق كالحياكة، والدباغة، والحجامة، والأكل والبول على الطريق، وذكر قاضى خان الأكل والشرب في السوق، فإن مرتكب الكل لا يجتنب الكذب غالبًا فخبر الفاسق والمستور وهو من يعلم ذاته دون صفته مردود.
قال الشافعي فخبر المجهول أولى إذ لا يعلم لذاته ولا صفته فربما لو علم ذاته علم بالفسق بخلاف من علم ولم يعرف بالفسق، قلنا قبلناه في القرن المشهود بعدالته وكذا
(2/254)

المستور فيه.
وأما المبتدع، وهو من ليس معتقده كأهل السنة فإن تضمن بدعته الكفر ويسمى صاحبها الكافر المتأول، فمن كفر به جعله كالكافر وسيجيء، ومن لم يكفر كالبدع الواضحة فإنها إما غير واضحة فيقبل اتفاقًا وإما واضحة ويسمى الفاسق المتأول؛ كفسق الخوارج، والروافض، والجبرية، والقدرية، والمعطلة، والمشبهة، وكل منها اثنتا عشرة فرقة، تبلغ اثنتين وسبعين.
فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته منهم الشافعي والقاض لقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ومنهم من قبلهما.
أما في الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حب الاعتقاد لا يدل عليه، بل أمارة الصدق لأن موقعه فيه تعمقه في الدين والكذب حرام في كل الأديان لا سيما من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصده عنه إلا من تدين بتصديق المدعى المنتحل بنحلته كالخطابية وكذا من اعتقد بحجية الإلهام. وقد قال عليه السلام نحن نحكم بالظاهر وأما في الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول فعليه أولى إلا من يعتقد وضع الأحاديث ترغيبًا أو ترهيبًا كالكرامية أو ترويجًا لمذهبه كابن الراوندي.
وأصحابنا قبلوا شهادكم لما مر دون روايتهم إذ ادعوا الناس إلى هواهم على هذا جمهور أئمة الفقه والحديث لأن الدعوة إلى التنحل داعية إلى التقول فلا يولقن على الرواية ولا كذلك الشهادة.
قيل مذهب القاضي أولى لأن الآية أحق بالعمل من الحديث لتواترها وخصوصها والعام يحتمل التخصيص ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود، والحديث خص عنه خبر الكافر والفاسق.
قلنا: مفهومها أن الفسق هو المقتضى للتثبت فيراد به ما هو أمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق، وقبول الصحابة قتلة عثمان رواية وشهادة إجماعهم عليه، ولئن سلم فليس بدعة واضحة لأن كثيرًا من القتلة وغيرهم يجعلونه اجتهاديًّا ونحو الخلاف في البسملة أنها من القرآن أو زيادة الصفات وغيرها من مسائل الاعتقاد إذ لم يتضمن كفرًا أو لم يكفر بها وإن ادعى الخصم القطع ليس من الواضحة لقوة الشبهة من الجانبين فيقبل.
ومن مسائل العمل كشرب النبيذ، واللعب بالشطرنج من يجتهد بحله أو مقلد له فالقطع أنه ليس بفسق صوبنا أو خطأنا لوجوب العمل دموجا الظن ولا يفسق بالواجب فالصحيح أن لا يحد مثله بشرب النبيذ وإن حده الشافعي لا لأنه فاسق بل لزجره لظهور
(2/255)

التحريم عنده ولذا قال أحدّه وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب ليس بفسق بخلافه في مقام القذف.
الرابع الإِسلام وهو تحقيق الإيمان كما أنه تصديق الإِسلام وهو نوعان ظاهر بنشوء بين المسلمين وتبعية الأبوين أو الدار وكامل يثبت بالبيان وأدناه البيان إجمالا بتصديق جميع ما أتى به النبي عليه السلام مطلقًا، والإقرار به لأن في شرط التفصيل حرجًا ولذا اكتفى بعد الاستيصاف بنعم وكان دأبه عليه السلام، والمقبول منه أدنى الكامل إلا أن يظهر أمارته كالصلاة بالجماعة للحديث، ولذا قال محمَّد في الصغيرة بين المسلمين إذا لم تصف حين أدركت تبين من زوجها وإنما اشترط لا لأن الكفر يقتضى الكذب بل لأن الكافر ساع في هدم الدين فتثبت به تهمة زائدة كما في الأب لولد، فلا يقبل روايته ولا شهادته على المسلم ولانقطاع الولاية عليه ويقبل على الكافر عندنا صيانة للحقوق إذ أكثر معاملاتهم مما لا يحضر مسلمان وإن خالفا ملة، لأن الكفر كله ملة فللذمي على مثله والمستأمن وللمستأمن على مثله من دارهما فقط وعند مالك والشافعي لا يقبل والاستدلال على اشتراطه بأنه لا يوثق به كالفاسق وبأن الفاسق في قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6] يتناوله بالعرف المتقدم وهو الخارج عن طاعة الله تعالى وإن لم يتناوله بالمتأخر وهو مسلم ذو كبيرة أو صغيرة أصر عليها ضعيف لأنه قد يوثق بقوله لتدينه في مطلق دينه المتضمن لتحريم الكذب أو في تحريم الكذب ولأن المراد الفسق المفضي إلى الكذب والتدين رادع عنه.
تتمة: يزاد في الشهادة شروط عليها كالبصر والذكورة والحرية وأن لا يحد في القذف وعدم القرابة للشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه، والعدد وغيرها مما ذكر في بابها فيقبل رواية الأعمى والعبد والمرأة والمحدود في القذف إلا في رواية الحسن كما قبلت الصحابة رضي الله عنهم منهم من غير طلب التاريخ لا شهادتهم لأنها تفتقر إلى تمييز زائد ينعدم بالعمى وولاية كاملة متعدية تنعدم بالرق وتقصر بالأنوثة وحد القذف وتحقيق ظن غالب بعدم بواعث الكذب لا يحصل عند القرابة، وللعداوة، ولا يغلب عند وحدة المخبر لأن البراءة الأصلية تعارض دليل صدقه فإذا تعدد رجح وبناء الجميع على حروف فارقة:
1 - أن فيها إلزامًا على المشهود عليه واللزوم على سامع الخبر بالتزامه طاعة الله ورسوله، كعلى القاضى بتقلده.
2 - إن حكم الخبر يلزم الخبر أولًا ثم يتعداه ولا يشترط لمثله قيام الولاية بخلاف الشهادة حتى كان العبد كالحر في الشهادة بهلال رمضان، أيضًا وما يلزم العبد والفقير من
(2/256)

خبر الزكاة، مثلا اعتقاد وجوبه.
3 - أن الشهادة لخصوصها تؤثر المحبة والعداوة ويجرى المساهلة فيها والخبر عام والذي ترى شهود الزور أكثر من رواة المفترى.
وأما المكلمة: فربما يظن أنها شرط الصحة وليست.
فمتها العدد عند الجبائي، حيث شرط لقبوله أحد أمور أربعة: خبرا آخر، أو موافقة ظاهر له، أو انتشاره بين الصحابة، أو عمل بعضهم بموجبه.
وزاد في خبر الزنا رواية أربعة من العدول ويكفى في بطلانه ما تقدم من عمل الصحابة بلا عدد وإنفاذ الآحاد للتبليغ وغيرهما، ومن الجواب عن توقفهم في قبول المنفرد ونحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ} [الإسراء: 36].
ومنها البصر والذكورة وعدم القرابة والعداوة لأن أضدادها فادحة في الضبط والعادلة بخلاف الحرية فإن قدح الرق في الولاية وهي ليست من لوازم الرواية وجوابه ما مر من الحروف الفارقة مع قبول الصحابة رواية الأعمى وعائشة رضي الله عنها وغيرهما.
ومنها الإكثار من الرواية، وقد قبلت الصحابة حديث أعرابي لم يرو غيره نعم أثره في الترجيح عند التعارض.
ومنها كون الراوي معروف النسب وألحق قبوله إذا عرفت عدالته وإن لم يكن له نسب فضلا عن معروفيته.
ومنها الفقه والعربية أو معرفة معنى الحديث فيقبل بدونها لقوله عليه السلام "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، أما اشتراط موافقته للقياس عند أصحابنا فليس مطلقًا بل عند عدم فقه الراوي لما مر من احتمال نقله بالمعنى ولم يطلع على عنه مراده لا ينافيه عدالة الراوي وظهور صدقه.

الفصل الثالث: في الانقطاع
وهو نوعان: ظاهر، وباطن؛ لأنه إما صورة أو معنى.
والظاهر هو الإرسال بأقسامه الأربعة لأنه إما من كل وجه، فمن الصحابة أو القرنين بعدهم أو من دونهم، وإما من وجه فقط.
والباطن إما بالمعارضة بأقسامه الأربعة لمخالفته الكتاب أو السنة المعروفة، أو لشذوذ فيما عم به البلوى لمحالصلاة ومقدماتها لحاجة الكل إليها أو لإعراض الصحابة عنه وإما لقصور في الناقل بأقسامه الأربعة لانتفاء إحدى الشرائط الأربع.
فبيان الأقسام الاثني عشر في ثلاث مباحث:
(2/257)

الأول في الإرسال
الحديث إما مستند؛ وهو الذي يرويه واحد عن واحد رآه وسمع منه بإحدى الطرق الآتية متصلة إلى من سمع من النبي عليه السلام.
وإما مرسل وهو الذي يرويه عمن لم يسمع منه فمرسل الصحابي مقبول إجماعًا لأن قوله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهر في سماعه بنفسه فيحتمل عليه إلا أن يصرح بالرواية عن غيره وإن احتمل غيره (1) كما قال البراء بن عازب ما كل ما تحدثه سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما حدثنا عنه لكنا لا نكذب وكذا مرسل القولين بعدهم عندنا وعند مالك وحماد وإبراهيم النخعي خلافًا للشافعي حيث شرط لقبوله أحد أمور خمسة:
1 - أن يسنده غيره أو نفسه مرة أخرى كمراسيل سعيد بن المسيب حيث أوردها مسانيد قيل عليه، العمل بالمسند، واعتذر بأن مقصود جواز العمل به وإن لم يثبت عدالة رواة المسند أو أن العمل لا يحتاج إلى تعديلهم وفيه نظر لأن العمل بحديث المستور والمجهول غير جائز عنده وإن تعدد والظن الحاصل بانضمام الإرسال لا يربو عنده على الحاصل بانضمام إسناد آخر.
2 - أن يرسل آخر وعلم أن شيوخهما مختلفة قبل عليه ضم الباطل إلى مثله لا يوجب القبول واعتذر بأن الظن رلما لا يحصل بأحدهما أو لا يقوى ويراد أن تعدده لا يربو على تعدد الإسناد إلى المستور أو المجهول عنده.
3 - أن يعززه قول صحابي.
4 - أن يعززه قول أكثر أهل العلم ولا شك أن انضمام هذين يقوى الظن لكن الكل في أن مثل هذا الظن كاف في الحجية عنده.
5 - أن يعلم من حال الراوي أنه لا يرسل إلا بروايته عن عدل وهذا صحيح وموافق لمذهبنا لأن كلامنا في مثله وعند البعض لا يقبل مطلقًا وعند بعض المتأخرين إن كان الراوي من أئمة نقل الحديث قبل وإلا فلا فإن ما أرادوا بأئمته من لو أسند لقبل إذ هو عدل لا يروى إلا عن عدل فذلك مذهبنا وإلا فلا بد من تصويره.
لنا أولًا عمل الصحابة به كأبي هريرة في قوله عليه السلام "من أصبح جنبًا فلا صوم له حتى أسند بعد رد عائشة إلى الفضل بن عباس وكابن عباس رضي الله عنهما في أن لا ربا إلا في النسيئة حتى أسند بعد المعارضة بحديث ربا النقد إلى أسامة بن زيد وشاع أمثاله
__________
(1) انظر: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 174)، اللمع لأبي إسحاق الشيرازى (41)،
شرح الكوكب المنير (2/ 581)، المختصر في أصول الففه لابن اللحام ص (109)، بتحقيقنا.
(2/258)

ولم ينكر.
وثانيًا: اتفاق الصحابة على قبول روايات ابن عباس رضي الله عنهما مع أنه لم يسمع منه عليه السلام إلا أربع أحاديث كما ذكره الغزالي رحمه الله أو بضعة عشر كما ذكره السرخسي رحمه الله واعترض عليهما بأنه استدلال في غير محل النزاع إذ لاكلام في قبول مراسيل الصحابة لعدالتهم وجوابه أن وجوب عدالتهم مختلف فيه كما سيجيء وقبول مراسيلهم متفق عليه لكن بيننا وبين الشافعي لا بين الكل إذ منهم من يردها أيضًا، ذكره في جامع الأصول فهذا الاستدلال عليهم.
وثالثًا: إرسال الثقة من التابعين كابن المسيب في الميدنة ومكحول من الشام وعطاء بن أبي رباح من مكة وسعيد بن أبي هلال من مصر والشعبي والنخعي من الكوفة، والحسن البصري من البصرة، حتى قال إذا اجتمع أربعة من الصحابة أرسلته وغيرهم ولم ينكر أحد فكان إجماعًا، حتى قال البعض رد المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ولا يلزم عدم جواز تكفير المخالف أو تخطئته قطعًا لأن ذلك في الإجماع الضروري لا في الاستدلالي أو الظني.
ورابعًا: لو لم يكن المروى عنه عدلا لكان جزمه بالإسناد الموهم لسماعه عن عدل تدليسًا، وهو بعيد من الثقة.
وخامسًا: أن الكلام في إرسال من لو أسند إلى غير، لا يظن به الكذب فلان لا يظن به كذبه على الرسول وفيه زيادة الوعيد أولى ولذا قلنا بأنه فوق المسند ولأن المعتاد أن العدل إذا لم يتضح له طريق الاتصال رواه ليحمله ما تحمله وإذا وضح طواه غير أنه ضرب مزية يثبت بالاجتهاد فلم يجز نسخ الكتاب به بخلاف المتواتر والمشهور إذ مزيتهما لمعنى في نفسهما وهو قوة الاتصال.
قيل: فيه بحث لأن العدالة التي هي شرط القبول معلومة في المسند بالتصريح وفي المرسل بالدلالة والصريح أقوى منها ولأن الراوي الثقة ربما يظن الواسطة عدلا فيطويها ولعله لا يظهر عند السامع كذلك فليزم التصريح كيلا يلزم التقليد والجواب عنه:
1 - أن المصرح به ذكر العدل لا عدالته فضلا عن قوتها والمفهوم من دلالة عادة الطى قوة العدالة فأين أحدهما عن الآخر. وعن:
2 - أنه وارد فيما إذا عدله الراوي بصريح لفظه وليس مردودًا والاتباع لغلبة الظن بالصدق المخصوص ليس تقليدًا.
وسادسًا: قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] إما إلزاميًّا فإن
(2/259)

عدم الشرط ملزوم عدم المشروط عند الخصم، وإما تحقيقيًّا؛ حيث يفيد صحة القبول عند عدم الفسق بالطريق الكلف وفيها المقصود، لهم.
أولًا أن جهالة الصفة تمنع صحة الرواية فجهالة الذات والصفة أولى، قلنا الثقة لا يتهم بالفعلة عن صفات من سكت عن ذكره ولذا لو قال حدثني الثقة صحت روايته.
وثانيًا: أنه لو قبل لقبل في عصرنا إذ لا تأثير للزمان، قلنا ملتزم في الثقة أولًا ثم الملازمة، لما للشهادة بالعدالة ثمة أو لجريان العادة بالإرسال بلا دراية أصحاب الرواية هنا.
وثالثًا: لو جاز لم يكن في الإسناد فائدة فكان ذكره إجماعًا على العبث وهو ممتنع عادة، قلنا: لا نعلم اللزوم، فمن فوائده معرفة رتب النقلة للترجيح وكون القبول متفقًا عليه وكون الراوي متفقًا على عدالته.
وأما مرسل من دون القرنين فقال مشايخنا منهم الكرخي يقبل من كل عدل لبعض ما ذكر وبعضهم منهم ابن أبان لا يقبل لأنه زمان فشو الفسق ولتغير عادة الإرسال إلا أن يروى الثقات مرسلة كما رووا مسنده كمراسيل محمَّد بن الحسن وأما المرسل من وجهه فبعض أهل الحديث رد الاتصال بالانقطاع ترجيحًا للجرح على التعديل وعامتهم على العكس وهو الصحيح لأن الساكت لا يعارض الناطق وربما يطلق أصحاب الحديث المنقطع على معان أخر:
1 - أن لا يسمع بعض الرواة ممن روى عنه.
2 - أن يروى عن رجل ولا يسميه جهلًا به لكونه معروفًا.
3 - أن يترك بين الراوين راو كما يطلقون المعضل على ما يرويه تبع التابع من الرسول عليه السلام، إذا لم يظهر اتصاله أصلا أو لا يرويه عن أحد كالموقوف، ثم يوجد متصلًا، والموقوف على قول الصحابي أو من دونه.
المبحث الثاني: في الانقطاع بالمعارضة:
أما ما خالف الكتاب فلأن اليقين لا يترك دمًا فيه شبهة سواء فيه الخاص والعام والنص والظاهر فلا يخص العام قبل التخصيص ولا يزاد على الخاص ولا يترك الظاهر بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي رضي الله عنه لأن المتن أصل ومتن الكتاب لا شبهة فيه كسنده فوجب ترجيحه قبل المصير إلى المعنى، ولقوله عليه السلام: "يكثر لكم
(2/260)

الأحاديث من بعدى" (1). الحديث، فإبطال اليقين بالشبهة فتح باب البدعةكما أن رد الخبر الذي هو حجة والعمل بالقياس أو استصحاب الحال الذي في طريقه أو حجيته شبهة فتح باب الجهل وله أمثلة:
1 - حديث فاطمة بنت قيس أن الرسول عليه السلام لم يفرض لها نفقة ولا سكنى وقد طلقت ثلاثًا لمخالفته قوله تعالى: {أَسْكنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] الآية، ففي السكنى ظاهر وفي النفقة لأن المعنى وأنفقوا من وجدكم لقراءة ابن مسعود كذلك والضمير للنساء المطلقة فبعمومها يتناول المبتوتة الحائل وفيها خلاف الشافعي رضى الله عنه وظاهر الكتاب أولى من نص الآحاد وإفراز أولات الحمل لدفع وهم سقوط النفقة عند طوله ولذا قال عمر رضي الله عنه "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا" (2)، الأثر.
والسنة ما قال سمعته عليه السلام يقول للمطلقة الثلاث النفقة والمسكنى ما دامت في العدة وقيل مراده بالكتاب والسنة القياس الثابت بهما أي: على الحامل والرجعية.
2 - حديث زيد بن ثابت في القضاء بشاهد ويمين، ففط المبسوط أنه بدعة وأول من قضى به معاوية ولذا رده زيد بن جابر وثابت أيضًا لمخالفته قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} [البقرة: 282] الآية.
فأولا لأن التفسير بعد الإيهام يراد به القصر استعمالا كما في "يشيب ابن آدم ... "
الحديث فلا يرد منع الإجمال والقصر إذ المراد بالقصم الاستعمالي ما هو خارج عن الطرق المدونة والأئمة لا تتهم في النقليات.
وثانيًا: لأن قوله تعالى: {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] على تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى العدد المذكور للشاهد كما قال بعض المفسرين والأئمة لا تتهم يكون بمعنى الأقل ولا مزيد على الأقل وكون العدد أقسط إلى أعدل عند الله وأقوم على أدائها بالنسبة إلى الواحد ظاهر لأن التعدد عنده يتوجح الظن بالصدق ويتقوى الأداء بالتذاكر.
وثالثها: أنه انتقل بعد الرجلين إلى غير المعهود وهو شهادة النساء فإنهن لخلقهن
__________
(1) لم أجده.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه (10/ 63) ح (4250)، وأبو عوانة في مسنده (3/ 184) ح (4620)، والدارمي في سننه (2/ 218) ح (2274)، والبيهفى في الكبرى (7/ 475)، وابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 137)، وعبد الرزاق في مصنفه (4/ 24) ح (12027)، والطحاوي في شرح معانى الآثار (3/ 67)، وإسحاق في مسنده (1/ 224) ح (7)، وابن أبي عاصم في الآحاد (6/ 10) ح (3187).
(2/261)

لتمرار والستر يمنعن عن الحضور عن الحكم إلا للضرورة وذلك استقصاء في بيان أن ليس وراء الأمرين ما يصلح حجة كما انتقل في الآية الأخرى إلى شهادة الكفار حين كانت حجة بقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] وإلى يمين الشاهد بقوله تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: 106] مع إنه ليس ليشروع أصلا ويمين الخصم مشروع في الجملة كما في التحالف.
3 - خبر المصراة لمخالفته قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] الآية.
4 - حديث مس الذكر فإنه كالبول عند الخصم فكَما لا مدحِ به لا يمدح بهذا وقد مدح به في قوله تعالى في أهل قباء المستنجين بالماء: {يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] قيل المدح من حيث التطهر لا المس وإن كان لازمه وأيضًا النقض بالمس بعد الطهارة لا مطلقًا فلا ينافيه مجح غير الناقض وجوابه أن ناقضية المس من حيث إنه مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى إنزال ما يوجب الغسل أو الوضوء أو الغسل وإن قل عند القائل به والتطهر المشتمل على مظنة ما يوجب إعادته لا يناسب المدح به والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فلا يدفعه كون سبب نزوله الغسل من الجظ بة وأما ما خالف السنة المشهورة فلأنها فوقه كحديث الشاهد واليمين لمخالفته قوله عليه السلام البينة على المدعى واليمين على من أنكر إما لأن القسمة تنافى الشركة وإما لأن تعريف المتبدأ بلام الجنس يقتضي الحصر وكحديث سعد بن أبي وقاص أنه عليه السلام سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم قال: فلا إذًا" (1).
وقد تمسك به الصاحبان في فساده حيث اعتبرا المساواة في أعدل الأحوال وهو حال الجفاف. قلنا إن كان الرطب تمرًا كما يدل عليه قوله نهى عن بيع التمر حتى يزهى أي يحمر أو يصفر، وقول الشاعر:
وتمر على رأس النخيل وماء
ولذا لو أوصى بالرطب فيبس قبل الموت لا تبطل كما تبطل بالعنب فصار زبيبًا قبله ولو أسلم في تمر فقبض رطبًا أو بالعكس لم يكن استبدالا والمعتبر في المماثلة حال العقد لا حالة مفقودة يتوقع حدوثها فقد خالف قوله عليه السلام "التمر بالتمر" (2) الحديث.
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (11/ 372) ح (4997)، والحاكم في مستدركه (2/ 44) ح (2264)، والنسائي في الكبرى (2214)، ح (6173)، والإمام ًا حمد في مسنده (1/ 179) ح (544).
(2) أخرجه البخاري (2/ 760) ح (2062)، ومسلم (3/ 1211) ح (1588).
(2/262)

والاختلاف في الصفة غير معتبر لقوله عليه السلام "جيدها ورديها سواء" وكذا التفاوت إذا لم يرجع إلى القدر بخلاف المنتفخة بالقلي حيث لم يجز.
قالا الرطب ليس بتمر كما في اليمين. قلنا بناؤها على العرف الطارىء وشأن اليمين أن تتقيد بوصف دعا إليها وإن لم يكن تمر فقد خالف قوله عليه السلام إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم وأما ما شذ فيما بين الصحابة فيما عم به البلوى فلاستحالة أن يخفى عليهم ما يثبت به حكم الحادثة المشتهرة بينهم عادة فإذا لم ينقلوه ولم يتمسكوا به دل على زيادته وانقطاعه لمعارضة القبضة العقلية القائلة لو وجد لاشتهر وأدلة وجوب التبليغ عليهم ولذا لا يقبل شهادة الواحد من المصر إذا لم يعتل المطلع بخلاف ما إذا كان علة أو جاء من موضع آخر كحديث الجهر بالتسمية مع أنه معارض بأحاديث أقوى في الصحة وحديث مس الذكر والوضوء مماسته النار ومن حمل الجنازة ورفع اليدين قبل الركوع وبعده.
وأما ما أعرض عنه الصحابة رضي الله عنهم فلأنهم الأصول في نقل الشريعة فإعراضهم عنه عند اختلافهم إلى الرأي دليل انقطاعه فقد عارض إجماعهم على ترك العمل به فيحمل على السهو أو النسخ أو بأول والمراد اتفاق غير ذلك الراوي كحديث الطلاق بالرجال فقد ذهب عمر وعثمان ورواية زيد وعائشة إلى اعتباره بالرجل وعلى وابن مسعود بالمرأة وابن عمر بمن رق منهما ولم يتمسكوا إلا بالرأي.
وكقوله عليه السلام "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كيلا يأكلها الصدقة أو الزكاة" فذهب على وابن عباس إلى عدم وجوبها في مال الصبي وابن عمر وعائشة إلى الوجوب وابن مسعود رضي الله عنه إلى أن يعد الوصي السنين عليه فيخبره بعد البلوغ فيؤدى إن شاء ولم يحاجوا إلا بالرأي وهذان الانقطاعان قول عامة المتأخرين وبعض المتقدمين من أصحابنا خلافًا لبعضهم ولعامة الأصولين والمحدثين فالوظيفة في المسائل المذكورة فيهما أن يجاب لمعارضة أحاديث أخر أقوى في الصحة كما روى البخاري بإسناده عن أنس في عدم الجهر بالتسمية وغيره أو يطعن في الرواية كما أن الطلاق بالرجال موقوف على زيد رضى الله عنه مع أنه معارض بحديث عائشة رضي الله عنها طلاق الأمة تطليقتان فتأويله انقطاع الطلاق إليهم وتأويل الصدقة في الحديث الآخر بالنفقة لإضافتها إلى جميع المال ولمعارضة أحاديث أخر فقد تسمى النفقة صدقة كما قال عليه السلام نفقة الرجل على نفسه صدقة وينفقون مفسر بها والزكاة محمولة على زكاة الرأس وهو صدقة الفطر.
للمخالفين فيهما أن الخبر حجة على الكل فإذا صح سنده لا يقدح شذوذه وترك
(2/263)

الصحابة العمل به فإنهم محجوجون به كغيرهم وفي الأول خاصة قبول الأمة له في تفاصيل الصلاة ونحوها وإن القياس مع أنه أضعف يقبل فالخبر أولى وفي الثاني خاصة إن ترك العمل يحتمل أن يكون لمعارض أو فقد شرط والجواب عن:
1 - إن الاستحالة العادية معارض عقلي راجح. وعن:
2 - منع الشذوذ فيما تمسكوا به من نحونا قضية القصد والحجامة والقهقهة والتقاء الختانين وقبول القياس لأنه آخر الأدلة وعن:
3 - إن ترك من يذهب إلى موجبه الاستدلال به لا يحتمل المعارض ولو سلم فالغرض استحقاقه أن لا يعمل به بأي وجه كان مع أنه لو كان لأظهروه وتمسكوا به عادة لا بالقياس على أن الأصل عدم مانع آخر بل هو بعيد والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور فعدم عمل الشافعي بالانقطاع الباطن المعنوي كمخالفة الكتاب والحديث المشهور والشذوذ فيما عم به البلوى مع العمل بالانقطاع الصوري في المرسل وعكسنا دأبنا في اعتبارنا المعاني واعتباره الصور.
المبحث الثاني: في الانقطاع لقصور في الناقل:
وقد تقدم حكمه في الرواية والشهادة، أما في غيرهما فخبر الصبي والمعتوه أي المختلط العقل بلا زوال، قيل: كالعاقل البالغ لقبول أهل قباء خبر ابن عمر رضي الله عنهما بتحويل القبلة إلى الكعبة وهو صغير لأنه كان قبل بدر بشهرين وعرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل بدر بيوم واحد وهو ابن أربعة عشر سنة فرده لصغره والمعتوه ملحق به وقيل كالفاسق يجب ضم التحري لقصور في عقلهما.
والصحيح من مشايخنا أنهما كالكافر لا يقبل خبرهما في الديانات بحال وإن عقلا لأنه لا يلزمهما ولو قبل على غيرهما يكون ملزمًا ولا يصلح لأن الولاية المتعدية فرع القائمة ولا إلزام بما على أنفسهما لتوقف تصرفهما على رأى الولي ألا يرى أن الصحابة لم ينقلوا ما تحملوا في صغرهم إلا في كبرهم.
والجواب عن حديث قباء أن اعتمادهم على رواية أنس رضي الله عنه فقد روى أنه الذي أتاهم فيحمل على إتيانهما معًا ولو سلم فكان ابن عمر رضي الله عنهما ذا أربعة عشر سنة ويجوز البلوغ حينئذ ورده عن الحرب كان لضعفه وأما خبر المغفل الذي غلب على طبعه الغفلة فمثلهما لا يقبل لترجح السهو وكذا المساهل أي المجازف الذي لا يبالي بالسهو والتزوير ولا يشتغل بتداركهما فقد يكون العبادة ألزم من الخلقة لكن تهمة الغفلة بدون الغلبة ليست بشىء إذ قلما يخلو عامة البشر عن ضرب غفلة.
(2/264)

وأما خبر الفاسق في الديانات فالأصل الاحتياط فيه بضم التحري فإذا أخبر بنجاسة الماء إذا وقع صدقه في القلب تيمم قبل الإراقة والأحوط بعدها بخلاف الكافر والصبي والمعتوه حيث يتوضأ وإن وقع في قبله صدقهم مع أن الاحتياط بالتيمم بعد الإراقة أفضل وكذلك يجب أن يكون رواية الحديث أي لا يعمل بها وجوبًا لكن يستحب العمل إن كان الاحتياط فيه وقيل معناه أن الاستحباب حينئذ في العمل بقول الفاسق فوقه بقولهم (فالحاصل أن خبر الفاسق في الرواية هدر لرجحان كذبه ولا ضرورة إذ في عدول الرواة كثرة وفي نحو الحال والحرمة محكم الرأي لتعسر الحصول من العدول لخصوصه لكن لا مكان العمل بالأصل لم يكن ضرورته لازمة بخلاف خبره في الوكالات والهدايا ونحوهما مما لا إلزام فيه فثمة ضرورة لازمة في وجدان العدول فيقبل من كل مميز عدلا كان أو لا وصبيًا أو بالغًا مسلمًا أو كافرًا ولأن في نحو الحل والحرمة معنى الإلزام من وجه كما سيجىء بخلاف المعاملات.
ثم خبر المستور في كتاب الاستحسان مثل الفاسق في الديانات وفي رواية الحسن مثل العدل بناء على القضاء بظاهر العدالة والصحيح الأول لغلبة الفسق في هذا الزمان وما كان شرطا لا يكتفي بوجوده ظاهرًا كما إذا قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال العبد لم أدخل فالقول للمولى.
وليس في دعم قبول رواية الحديث بعد القرون الثلاثة هذا الخلاف احتياطًا في الرواية ونص شمس الأئمة عليه فيها وخبر صاحب الهوى مر حكمه والكافر علم ضمنًا والله أعلم.

الفصل الرابع: في محل الخبر
وهو الحادثة وهي إما حقوق الله تعالى فإما أن لا تندرئ بالشبهات نحو العبادة خالصة مقصودة كانت أو لا كالوضوء والأضحية وغالبة على العقوبة كما خلا كفارة الفطر من الكفارات أو على المؤنة كصدقة الفطر أو مغلوبة عنها كالعشر ومنه الحق القائم بنفسه كالخصر وإما أن تندرئ بها كالعقوبة خالصة وقاصرة وتابعة للمؤنة كالخراج وغالبة على العبادة ككفارة الفطر أو حقوق العباد.
فإما ما فيه الزام أو ليس فيه من كل وجه أو فيه من وجه دون آخر فهذه خمسة أقسام، وإنما لم يقسم حقوق الله باعتبار الإلزام لأن اللزوم فيها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولذا يجب على سامع الخبر حكمه من غير قضاء والشهادة فيها لمحض الاظهار أو من حيث تضمنها لحق العباد.
(2/265)

أما الأول من حقوق الله تعالى: بأصنافه الخمسة فخبر الواحد حجة رواية بشرائطه السابقة في ابتدائها وبقائها، قيل في بقائها فقط لأنه أسهل وقيل لا بد من العدلين كالشهادة قلنا: الأدلة المذكورة لا تفصل والقياس على الشهادة في اشتراط شيء من شرائطها لا يصح لضيق بابها وكذا شهادة كالشهادة بهلال رمضان مع علة المساء يقبل الواحد العدل رجلا وامرأة حرًا وعبدًا لأنه أمر ديني كالرواية، ولذا لم يشترط لفظة الشهادة وقبل عن المحدود في القذف في ظاهر الرواية، ويروى لا يقبل لأنه شهادة إذ لا يجب العمل به إلا بعد القضاء واشترط مجلسه والعدالة وكذا في سائر الديانات.
أما خبر الصبي والمعتوه والكافر فلا يقبل فيها أصلا وإخبار الفاسق والمستور رواية لا تقبل وديانة تقبل بشرط انضمام المتحرى للضرورة هنا وكمرة عدول الرواة.
وأما الثاني منها: بإضافة الثلاثة كالقصاص والحدود وحرمان الميراث وكفارة الفطر عندنا فتقبل فيما روى عن أبي يوسف واختاره الجصاص لأن الأدلة لا تفصل ولدلالة الإجماع على العمل بالبينة وأنها خبر الواحد وبدلالة النص الذي فيه شبهة كالرجم في حق غير ماعز وغيره مع أن مواضع الشبهات مخصوصة والعلم المخصوص دون خبر الواحد إذ يعارضه القياس لا إياه وهو قول الكرخي لا يقبل جمعًا بين تلك الأدله والدارئة لشبهة فيه كما في القياس وقبول البينة إما بالإجماع أو بالنص القطعي الوارد على خلاف القياس نحو: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] فمحل الخلاف عليه لا يقاس ولأن الشهادة ق حقوق الله تعالى مَظهرة وخبر الواحد مثبت ولأن البينة لإثبات سببها وهو الفعل لا نفسها ولأنها لو لم يعمل فمِها لانسد بابها إذ الإقرار نادر والتواتر أندر بخلاف خبر الواحد لأن أكثر أنواعها ثابت بالكتاب والكلام ق مثل حد الشرب الغير الثابت به أما الفرق بان لها شرائط كثيرة ففيه ما فيه وخبر الواحد إذا كان ظني الدلالة يكون كالعام المخصوص يعارضه القياس بالأولى مع أن المعارضة في الحقيقة للنص المخصص الذي يظهر القياس عموم حكمه.
قيل: والأصح عند الإِمام هو الأول لأنها أحكام عملية لا علمية وقد تمسك في قتل مسلم بذمي بالمرسل وفي قتل جماعة بواحد بأثر عمر رضي الله عنه وهما دون المسند وإنما لم يعمل بالرأي لأن الحدود مقدرة مكيفة لا مدخل للرأي ق معرفتهما ولكلام صاحب الشرع أن يثبتهما والقصاص أعظم ولأن الشبهة في نفسه لا في طريق ثبوته المقنن فلذا لم يعمل ق اللواطة بالرأي ولا بخبرها لغرابته وعملا بالدلالة ولا شك أن الخبر القطعي الدلالة أعلى من العام المخصوص ولا قائل بالتفصيل.
(2/266)

وأما حقوق العباد فرواية الواحد في أقسامها الثلاثة مقبولة مع شرائطها وغير الرواية ففي الأول كالبياعات والأملاك وغيرهما لا يقبل لكونه إلزامًا إلا بالولاية فإنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى فلا تقبل من نحو العبد والصبي والكافر ولكونه مظنة التزوير والتلبيس إلا بالعدالة وسائر الشرائط الرافعة إياهما وبلفظة الشهادة لأنها أبلغ في إفادة العلم لأنها من المشاهدة المعاينة كما قال على رضي الله عنه إذا علمت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع وبالعدد عند الإمكان لأن الطمأنينة معه أظهر ولأن الترجيح على البراءة الأصلية به.
وفيه بحث سيجيء بخلاف حقوق الله تعالى فإن ظهور الصديق كاف لعدم المنازع ولأن لزومها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولأن الغالب فيها عدم تهمة الحيلة والتزوير ولهذه المعاني لم يحتج إلى القضاء بعد الإخبار أما إذا لم يمكن العدد فلا يشترط كشهادة المرأة بالولادة والبكارة وسائر ما لا يطلع عليه الرجال، قال مالك - رحمه الله - الشهادة بالرضاع في المملوكة يمينًا أو متعةً تقبل من المرأة الواحدة الثقة (1) لأن الحرمة أمر ديني كمن اشترى لحمًا فأخبره عدلٌ أنه ذبيحة المجوس قلنا فيها إلزام إبطال الملك الذي هو حق العبد مقصودًا وإن لزمه الحرمة كالعتق والطلاق والإخبار بحرية الأمة لأن الحل والحرمة في البضع يستلزمان الملك وعدمه لا ينفكان عنه ولذا يؤثر فيهما الإباحة من مالك الأمة ونفس الحرة بخلافهما في الطعام والشراب فإنهما مقصودان برأسهما فيهما حيث ينفكان عنهما فاعتبر أمرًا دينيًّا فالحل بدون الملك في الإباحة وعكسه في العصير المتخمر واللحم المذكور حتى لا يملك الرجوع على بايعه فالشهادة بهما لا يتضمن الشهادة بالملك وإبطاله.
وأيضًا فيها إبطال استحقاق الوطئ للولي أو الزوج على الأمة والمنكوحة حيث كان يلزمهما الانقياد بما وليس في حل الطعام وحرمته استحقاق حق لشخص على آخر والحق أن فيه تفصيلا وهو أن الاحتياج إلى التأكيد في الشهادة بالدافع وهو القاطع المقارن كما بفساد أصل النكاح لارتداد أحدهما أو الرضاع حالة إذن إما بالرافع وهو القاطع الطارىء كما بارتضاع المنكوحة الصغيرة من أم الزوج أو زوجته إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر فيجوز أن يقبل فيها الواحد والفرق أن ظاهر الإقدام على العقد دليل الصحة فيعارض الواحد في الأول ولا معارضة في الثاني أو أن الثاني موضع مسالمة والخبر مجوز غير ملزم كما في الخبر بموت الزوجة أو الزوج أو
__________
(1) انظر /المدونة (4/ 247).
(2/267)

طلاقه بخلاف الأول ولكون الشهادة بأن اللحم ذبيحة المجوس من الأول لم يقبل في حق إبطال الملك حتى لم يرجع على بايعه إلا لعدلين وإن قيل في الحرمة لانفكاكها وعلى هذا تدور المسائل وفيه عمل بشبهى إبطال الملك ولثبات الحرمة.
ومن هذا الشهادة بالفطر إذ ينتفعون بها ويلزمهم الكف عن الصوم فيشترط العدد وكذا تزكية السر ورسول القاضي والمترجم عند محمَّد رحمه الله اعتبارًا بالشهادة حتى شرط أربعة في تزكية الزنا ولذا يشترط إجماعًا سائر الشروط سوى لفظتها حتى المذكورة في مزكى الحدود.
ولهما أنها ليست كالشهادة ولذا لا يشترط لفظتها ومجلس القضاء فلا يشترط أهلية الشهادة والعدد ولأنه أمر تعبدي لا يتعداهما.
وهذا أولى مما يقال أنه معقول من حيث إنه لترجيح الواحد على البراءة الأصلية لأن الاثنين يكفى وإن عارضهما ألف أصل ويوضحه عدد شهود الزنا لما في العلانية فيشترط الأهلية والعدد إجماعًا على ما قاله الخصاف رحمه الله لأنها في معنى الشهادة حتى يقبل تزكية السر من الأب أو الابن أو أحد الزوجين والمولى أو الشريك أو غيرها دونها.
وفي القسم الثاني كالوكالة والمضاربة والرسالة في الهدايا والودائع والعوارى والإذن في التجارة يقبل خبر كل مميز ولو كان صبيًّا أو كافرًا ووقوع صدقهما في القلب شرط الاستحباب ولذا أطلقه محمَّد رحمه الله في الجامع الصغير وفيه روايتان وذلك لأمرين عموم الضرورة الداعية وعدم الإلزام ومن لوازمه أن يكون خانة مسالمة لا منازعة فليس أمرًا ثالثًا بخلاف الديانات التي هى حقوق الله تعالى فإن فيها إلزامًا من جهة لزوم الإقدام والإحجام وعدمه من جهة عدم الجبر فلهذا شرط فيها أحد شريها وهو العدالة وإن لم يشترط العدد ولم يعكس للديانة فالأصل تقرر على قبول الواحد أو أن المسالمة وعدمه زمان المنازعة.
ومن فروعه: غصبه فلان فأخذته لا يقبل وفرده على تقبل وما مر من الخبر بالرضاع الطارى وكذا بالموت من الطرفين أو الطلاق من الزوج الغائب إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر بعد العدة إذ ليس فيها معنى المنازعة كما مر وهو مجوز لا ملزم بخلافه بالمقارن.
وجعل فخر الإِسلام الشهادة بهلال رمضان منه باعتبار أن الملزم النص لا هى أولى منه جعل شمس الأئمة من أول قسمى حقوق الله تعالى لأنه أمر ديني ولذا الأشترط فيها الإِسلام والتكليف والعدالة إجماعًا بخلاف ما نحن فيه.
(2/268)

وفي القسم الثالث: كالخبر بعزل الموكل وحجر المولى وفسخ الشركة والمضاربة حيث يبطل عملهم بعده مطلقًا أو للموكل وإن تصرفوا في حق أنفسهم وإنكاح البكر البالغة حيث يلزمها النكاح لو سكتت وإن كان لها فسخه وبيع الدار المشفوعة للشفيع حيث يلزمه الكف عن الطلب لو سكتت وإن كان له الطلب قبله وجناية العبد للمولى فأعتقه حيث يلزمه الأرش لا لو لم يعتق إن كان المبلغ رسولًا أو وكيلا ممن إليه الإبلاغ كالموكل والمولى والأب والجد والأمير والقاضي يقبل خبر الواحد الغير العدل وإن كان فضوليًّا يشترط أحد شطريها أما العدد أو العدالة بعد وجود سائر الشرائط وإن لم يصرح به الأصل.
وقال بعض مشايخنا يشترط العدالة في المثنى أيضًا عنده والأصح هو الأول والفرق أن الرسول والوكيل يقومان مقام الأصل وإن تطرق التزوير فيهما قليل بخلاف الفضولي فيهما فلا بد من تأكيد الحجة بأحد شطريها عملا بشبهى الإلزام وعدمه عند أبى حنيفة رضي الله عنه وقالا هي كالقسم الثاني لأنها من باب المعاملات والضرورة مشتركة قلنا فيه إلقاء شبهة الإلزام.
ومنه الإخبار بالشرائع للمسلم الذي لم يهاجر.
أما عنده فلأنه من حيث ثبوت الشرائع به في حقه ملزم ومن حيث أن اللزوم بالتزام الإِسلام ليس به.
وأما عندهما فلتحقق الضرورة إذ لا يكاد يقع انتقال العدول من دارنا إلى دارهم وهذه الضرورة هي الموجبة لإلحاقه بالمعاملات وإن كانت من الديانات.
وقال شمس الأئمة رحمه الله: الأصح عند لزوم الشرائع إياه بخر الفاسق الواحد لأنه ليس بفضولي بل رسول الرسول لقوله عليه السلام "ألا فليبلغ الشاهد الغائب" (1) وساع في إسقاط ما لزمه من التبليغ فهو كرسول المولى.
وعد فخر الإِسلام تزكية السر على قول غير محمَّد منه في سقوط شرط العدد لا العدالة وكذا رسول القاضي والمترجم أولى منه عده شمس الأئمة من أول حقوق الله تعالى لأن وجوب القضاء على القاضي من حقوق الشرع.

الفصل الخامس: في وظائف السمع
وهي ثلاثة: السماع والضبط والتبليغ. ولكل منها عزيمة ورخصة.
__________
(1) أخرجه البخاري (3711) ح (67) ومسلم (2/ 987) ح (1354).
(2/269)

القسم الأول: السماع وله ست طرق، أربع عزايم فيها استماع حقيقة أو حكمًا ورخصتان ليس فيهما ذلك والأربع اثنتان منها نهاية العزيمة والأخريان خليفتاهما لشبههما بالرخصة.
أ- قراءة الشيخ عليه في معرض الأخبار، وعبارتها المختارة حدثني ويجوز أخبرني وأنبأني ونبأني عند انفراده وعند انضمامه بصيغة الجمع أولى والكل إذا قصد الشيخ إسماعهم وإلا قال: قال وحدث وأخبر وسمعته يقول.
ب- قرأته على الشيخ من كتاب أو حفظ وهو يقول نعم أو يسكت إذ لم يكن ثمة مخيلة إكراه أو غفلة أو غيرهما من المقدرات المانعة للإنكار فسكوته تقرير خلافًا لبعض الظاهرية.
لنا أنه يفهم منه عرفًا تصديقه وإن فيه إيهام الصحة فينفذ من العدل عند عدمها وعبارتها كالأولى وقيل يقيد بقوله قراءة عليه لئلا يكذب.
قال الحاكم القراءة إخبار ويروى ذلك عن الأئمة الأربعة وفي حكمها قراءة غير على الشيخ بحضوره وقيل يقيد بقوله سماعًا يقرأ عليه لكنها نازلة من حيث أن السامع ربما يغفل واصطلح ابن وهب على تخصيص التحديث بالأولى وأخبرني بقراءته وأخبرنا بقراءة غيره.
قال المحدثون الأولى أولى وهو مذهب الشافعية لأنه طريق الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم والذي يفهم من مطلق الحديث والمشافهة وأبعد عن السهو والغلط.
وعند أبى حنيفة رضي الله عنه الثانية أولى لأن رعاية الطالب لكونه أمر نفسه أشد عادة وطبيعة قالا من عن الغلط أكثر ولأن المحافظة عن قراءة التلميذ من الطرفين وعند قراءة الشيخ منه فقط ولأنه لا مصحح لغلظ الشيخ لو وقع وهو لغلظ التلميذ مصحح ولأن الغفلة مما تعرض للسامع كثيرًا فغفلته عن بعض ما قرأه الشيخ أمكن من تركه بعض ما يقرأ أما الرسول عليه السلام فكان مأمونًا عن السهو بل الصحبة أيضًا ببركة صحبته ويقرأ من المحفوظ، وكلامنا فيمن يجري عليه ويقرأ من المكتوب حتى لو قرأ من المحفوظ كالصحابة كان الأولى أولى والمشافهة مشتركة لغة لأن التصديق تقرير لما سبق والمختصر مثل المشبع.
ج- الكتابة على رسم الكتب بالختم والعنوان وذكر الأسانيد فالبسملة فالثناء فقوله إذا بلغك كتابي هذا وفهمته فحدث به عني بهذا الإسناد وهي مقبولة لأن الرسول يرى
(2/270)

الكتاب حجة وكتاب الله أصل الدين وعبارتها في المختار، أخبرنا وما في معناه لا حدثنا وكلمنا كما يقول أخبرنا الله تعالى لا كلمنا الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام وقلنا لا يحنث في لا يحدث ولا يكلم بالكتابة وهذا بالرسالة بخلاف لا يخبر وفي الزيادات إن كلمت أو حدثت يقع على المشافهة.
د- الرسالة بما ذكر في الكتابة وأثر تبليغ الرسول كان بالإرسال والصحيح أن جل الرواية بهما بعد ثبوتهما بالبينة وعند المحدثين معرفة خط الكاتب أو غلبة ظن الصدق كافية وعبارتها كما قبلها.
وأما الرخصتان فالإجازة وهي أن يقول مشافهة أو رسالة أو كناية حدثني فلان بن فلان بما في هذا الكتاب على ما فهمته بأسانيده هذه فأجزت لك الحديث به أو بما صح عندك أنه من مسموعاتي فإن كان المجاز له عالمًا بما فيه وكان مأمونًا بالضبط والفهم صحت اتفاقًا وإلا فلا عند أبى حنيفة ومحمد وأبى بكر الرازي ومن تبعهم خلافًا لأكثر أئمة الحديث والفقهاء كما في كتاب القاضي إلى القاضي فقد جوزه أبو يوسف بلا علم الشهود لأن ذلك لضرورة دفع احتمال الغدر من الشهود لكونه من باب الإسرار عادة ولذا لم يجوز في الصكوك فيحتمل عنده أن لا يجوز في الرواية لعدم اشتمالها على السر وأن يجوز لضرورة حصول التبليغ تداركًا لما ظهر في أمر الدين من التواني بشرط أن يأمن التغيير حتى لم يجوز والإشارة إلى غير المسموعة بعينها من نسخ البخاري مثلا إلا أن يعلم اتفاقهما من كل وجه والأصح الأحوط قولهما وإن أبا يوسف معهما في الرواية لأنها أصل الدين القويم وخطبها جسيم وفي جواز الإجارة من غير علم حسم للمجاهدة وفتح للتقصير فلا يؤمن من الخلل ولذا شرط علم المجيز اتفاقًا قالوا أولا لم يزل العلماء يتداولون الإجازة من غير علم.
قلنا: للتبرك كسماع الصبي الذي ليس من أهل التحمل.
وثانيًا: يجوز في القرآن الذي هو أعظم، قلنا: محفوظ عن التبديل.
وثالثًا: أنه عليه السلام كان يرسل كتبه بمن لا يعلم ما فيها ليعمل من يراها بموجبها لا لمجرد التبرك قلنا لعل ذلك يصان ببركته فلا يصح القياس لا سيما في زمان فشو الكتب ومشاهدة التزوير ومنه يعلم أن الإجازة لجميع أمة الموجودين لا لقوم معينين بعيد الصحة والمعدوم كما لمن يولد في بني فلان ما تناسلوا والمعلقة كأجزت لفلان إن شاء أو لمن شاء أو لمن شئت رواية حديثي مخاطبًا أبعد لعدم تعين المتحمل فلذا خالف في كل منها الموافق لما قبله والحق أن الأجدر بالاحتياط ورعاية خطر الحديث هو مذهب مشايخنا
(2/271)

ظاهر أن العدل لا يروى إلا بعد العلم بعدالته وروايته هو الثاني فإن علم الشيخ باستحقاق الرواية أوثق من علم الراوي بنفسه لأن الغالب في جبلة النفوس استحسان نفسها لا ظن السوء بها وعبارتها المستحبة أجازني ويجوز أخبرني وقيل وحدثني إجازة وقيل ومطلقًا وهما رخصتان والأصح أن ذلك في الإجازة مشافهة إما بالكلية أو الرسالة فلا يستعمل التحدث ويجوز أنبأني بالاتفاق لأنه إنباء عرفًا ولغة كما أنه إخبار لغة كما قال:
زعم الغراب منبئ الأنباء
وأعلاها المشافهة ثم الرسالة لأنها ناطقة بخلاف الكتابة.
والثاني: المناولة ويسمى العرض وفسرها الأصوليون بأن يناوله الشيخ كتاب سماعه أو آخر مصححًا ويقول حدث به عني وبدونه لا تكفى فيغنى عنها ذلك القول غير أنها توكده ولذا هي أعلى من الإجازة المفردة وأحوط لأنها إجازة محصورة ما هي معلومة بل قيل أوفي من السماع والمحدثون إن تناول المستفيد جزءًا من حديثه ليتأمل الشيخ فإذا عرف ذلك قال له إنه روايتي عن شيوخي فحدث به عني والكلام فيها خلافًا واستدلالا وإن مشايخنا يشترط العلم وعبارة عنها مقيدة بالمناولة أو العرض كما في الإجازة بعينه وعلى الشيخ أن يشترط فيهما البراءة من الغلط والتصحيف والتزام شروط الرواية ليخرج عن العهدة ذكره المحدثون وبذلك يعلم أن القول ما قالت حذام. لأن اشتراط عدم التغيير بمن يستحقه بالعلم ما فيه.
القسم الثاني: الضبط: وعزيمته الحفظ من السماع إلى الأداء وهو فضيلة الرسول عليه السلام لقوة نور قلبه والصحابة ببركة صحبته ورخصته الكتابة حيث صارت سنة مرضية وانقلبت عزيمة صيانة للعلم.
وهي نوعان: مذكثرة للحادثة وهو المنقلب عزيمة وإمام لا يفيد تذكره.
وكل منهما إما بخطه أو بخط ثقة معروف موثقًا بيده أو يد أمينة وإما بهما موثقًا بيد ثقة وإما غير موثق وإما بخط مجهول وكل من الثمانية إما أن يعتبر في الرواية أو ديوان القاضي أو الصكوك فهذه أربعة وعشرون.
فالمذكر بأقسامه الاثنى عشر مقبول اتفاقًا ولا يشترط عدم لخلل النسيان اتفاقًا إذ منه الإنسان.
والإمام لا يقبله الإِمام مطلقًا لأن غير المتذكر من الخط كالأعمى من المراعاة والعزيمة قوله وإنه أمارة إتقانه مع أنه كان في الحديث أعلم أهل زمانه.
وأبو يوسف يقبل أو الأربعة في المحال الثلاث. وثانيها أيضًا في باب الرواية دون
(2/272)

القضاء لغلبة التزوير فيه وعدم التبديل فيها عادة لا ثالثها وهو الغالب في الصكوك لأنها في يد الخصم غالبًا حتى قيل لو كان في يد الشاهد يقبل ففي أمن القاضي بالأولى.
ومحمد يقبل غير الرابع ولو في الصكوك إذا علم الخط بلا شبهة لحصول غلبة الظن بناء على أن الخطوط كالأعيان في خلقها متفاوتة لإظهاره القدرة عليهما والتشابه نادر لا حكم له وأما الرابع المجهول فلا يقبل إمامًا إلا إذا كان مضمومًا بجماعة من المجاز لهم أو بخطورو مجهولة لا يتوهم التزوير في مثلها ونسبتهم بأمة لا بجماعة من الأحاديث المسموعة المشتبه بينها فإنه لو لم يسمع حديثًا من البخاري مثلا واشتبه فيه لم يجز رواية حديث منه لأن كلا يجوز ان يكونه.
قال شمس الأئمة وإنما يقبل المستثنى في الرواية لا القضاء والشهادة لاعتبار مزيد الاستقصاء في المظالم ومنصوصية اشتراط العلم كتابًا وسنة بقى ما لم يسمعه ووجده بخط أبيه أوثقه في كتاب معروف أو قال شيخه هذا خطى وذلك يقبل منه ثمنه لم يسلطه على الرواية بقوله أو حاله كالجلوس للرواية أو قال عدل هذه نسخة صحيحة لصحيح البخاري فليس له الرواية بل يقول وجدت بخط فلان أو قال فلان هكذا وهل يعمل به فالمقلد لا يقول بل يسأل المجتهد وهذا المجتهد في الأصح ما لم يسمعه وإن علم صحة النسخة بقول عدل.
القسم الثالث: التبليغ: فعزيمة النقل باللفظ ورخصته النقل بالمعنى من أولوية الأول إجماعًا ومنعه ابن سيرين وأبو بكر الرازي وبعض أئمة الحديث والجمهور يجوزونه وتشديد مالك رحمه الله في عدم تبديل باء القسم بتائه وعكسه محمول على المبالغة في أولوية رعاية الصورة.
لنا اختلاف ألفاظ الرواة في نقل واقعة واحدة والظاهر أنه عليه السلام قاله مرة وشاع ولم ينكر واتفاق الصحابة على نحو أمرنا ونهانا وقول ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه السلام كذا أو نحوه أو قريبًا منه والإجماع على جواز تفسيره بالعجمية فبالعربية أولى والقطع بأن المقصود في التخاطب المعنى.
قالوا أولًا قال عليه السلام: "نضر الله امرأ" (1) الحديث قلنا دعا لمن اختار الأولى ولا
__________
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (1/ 268) (66)، والحاكم في مستدركه (1/ 162) ح (214)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1/ 40) ح (11)، والضياء في المختارة (6/ 307 - 308) ح (2329)، والترمذي (5/ 33) ح (2656) وحسنه، والدارمى (1/ 86) ح (228)، والإمام الشافعى في مسنده (1/ 240) وأبو داود (3/ 322) ح (3660)، وابن ماجه (1/ 84) ح (230)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (1/ 253)، والبزار في مسنده (5/ 382) ح (2014)، والشاشي في مسنده (1/ 314) ح (275)، والطبراني في الأوسط (2/ 38) ح (1304) =
(2/273)

منع ولئن سلم الأداء كما سمع متحقق في مراعى المعنى كما فق الشاهد والمترجم وإن بدلا لفظه. وثانيًا: أنه يؤدي عند تعاقب النقول إلى اختلال كثير وإن كان التغيير في كل مرة أدنى شيء قلنا النزاع في العارف بمواقع الألفاظ المغير أصلًا.
وإذا قال مشايخنا الألفاظ خمسة أقسام والجواز في اثنين:
1 - ماكان محكمًا أي متضح المعنى غير محتمل وجوهًا لا ما لا يحتمل النسخ يجوز لأهل اللسان مطلقًا كما قال- عليه السلام - "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (1) ظاهرًا كعلم يحتمل الخصوص وحقيقة يحتمل المجاز يجوز لمن حوى إلى علم اللغة فقه البشرية لا لغيره إذ لعل المحتمل هو المراد لا موجبه فينقله إلى ما لا يحتمله بمن بدل قوله عليه السلام "من بدل دينه فاقتلوه" إلى كل من بدل وقد خص الأنثى والصغير منه وقوله: "لا وضوء لمن لم يسم الله" إلى لا يجوز وضوعه مع أن الفضيلة والباقية لا رخصة فيها فماكان مشكلا أو مشتركًا فإذ ليس تأويله حجة على غيره وماكان مجملا ومتشابهًا إذ لا يمكن تفسيرهما من الراوي وماكان من جوامع الكلم وفيه خلاف البعض إذ لا يؤمن الغلط فيه لإحاطتها لمعان يقصر عنها الألباب نحو الخراج بالضمان والغنم بإزاء الغرم والعجماء جبار ولا ضرر ولا إضرار في الإِسلام والبينة على المدعى واليمين على من أنكر ومن قال يجوز إلا بلفظ مرادف لا لجوز إلا القسم الأول.
تتمتان: إحديهما في استيفاء الرواة وجموعها في ستة أقسام:
متفق على وجوب قوله نحو سمعته وحدثني وأخبرني وشافهني إذ لا احتمال فيه.
2 - قول الصحابي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذا قول غيره قال الشيخ ظاهره السماع منه فيقبل وقال القاضي يحتمل الواسطة فيبتنى قوله على عدالته إذ العدل لا يروى إلا عن عدل فإن قيل بعدالة جميع الصحابة تقبل منهم. له أن الواحد منا يقول قال الرسول وقد قال ابن عباس قال عليه السلام إنما الربا في النسيئة فلما رجع فيه قال سمعته من أسامة بن زيد (قلنا قرينة حال من لم يعاصر المروى عنه تدل على أنه لم يسمع في المطلق فضلا عن الصحابي المعاصر والوقوع على الندرة لا ينافى في الظهر سمعته أمر بكذا ونهى عن كذا فالأكثر على أنه حجة لأن العدل لا يجزم إذا علمه خلافًا لبعض الظاهرية قالوا فيه ثلاث احتمالات الواسطة في الظهور كما في قوله وأن يرى ما ليس يأمر أمرًا كالصيغة والفعل
__________
= والصيداوي في معجم الشيوخ (1/ 283)، والإمام أحمد في مسنده (1/ 436) ح (57).
(1) أخرجه مسلم (3/ 1406) ح (1780).
(2/274)

واللازم من النهى الخاص إلا أن يثبت أن أمره للواحد أمر للجماعة.
قلنا الاحتمالات البعيدة الظهور لا سيما إذا علم من عادة الصحابة وسائر العدول أنه لا يطلقونه إلا في أمر الأمةكما لا يجزمون إلا مع العلم.
4 - صيغة ما لم بسم فاعله هو نحو أمرنا ونهينا وأوجب وحرم وغيرها فالأكثر على أنه حجة لظهوره في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الأمر والناهي كالمختص بملك قالوا فيه الاحتمالات الثلاث ورابع من حيث الفاعل المطوي وخامس من حيث ظنه المستنبط مأمورًا به لكونه واجب العمل وقال بعضهم بالتفصيل فأمرنا من أبى بكر رضي الله عنه حجة إذ لم يتأمر عليه غير الرسول عليه السلام ومن غيره لا لما ذكر إنما نحو أوجب وحظر وأبيح فحجة مطلقًا إذ لا يقال أوجب الإِمام إلا مجازًا ولا يخفى أن الاحتمالات في التابعي أكثر.
قلنا العدل لا يطلق إلا وهو يريد من يجب طاعته والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور.
5 - السنة أو من السنة كذا مطلقها طريقة النبي عليه السلام عند الشافعية حيث ساوى المرأة والرجل فيما دون النفس إلى ثلث الدية عنده ونصف ديتها في الثلث وما فوقه فأوجب في ثلاث أصابع ثلاثين إبلا وفي الأربع عشرين بقول سعيد بن المسيب أنه السنة إذ مراسيله مقبولة عنده ولا يقتل الحر بالعبد عنده لقول ابن عمر وابن الزبير من السنة قلنا فيه الاحتمالات الخمسة وشهرة إطلاق السنة على الطريقة المرضية مطلقًا كسنة العمرين وسنة الصحابة والتابعين والشهرة قادحة في الظهور فينفى الاحتجاج كيف وكبار الصحابة مثل عمر وعلى رضي الله عنهما أفتوا بتنصف دية المرأة في النفس وما دونها مطلقًا وتأثير قطع الرابعة في إسقاط عشر من الإبل غير معقول وفي الثانية عموم النص مثل النفس بالنفس يشمله وقوله الحر بالحر والعبد بالعبد تخصيص بالذكر فلا ينفى ولذا يقتل العبد بالحر إجماعًا وكونه تفاوتًا إلى نقصان لا يؤثر في تغيير المنصوص لو كان (وما ينبئ عنه القصاص ليس المساواة من كل وجه إجماعًا إذ لولاها لم يتحقق إتلاف ما وهي بالدين أو الدار ويستوي الحر بالعبد فيهما والقضاء بالرجم جزاء على الجريمة فلا يمنعه وجود العصمة وأما أن الرق أثر الكفر فيتسبب لشبهة الإباحة فيبطله جريان القصاص بين العبدين.
6 - كنا نفعل أو كانوا يفعلون فإن ضم إلى ذلك سماع الرسول عليه السلام وعدم إنكاره فلا كلام نحو قول ابن عمر كنا نفاضل على عهد رسول الله عليه السلام فنقول خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فبلغ ذلك رسول الله فلا ينكره وإلا
(2/275)

كقول عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون أي اليد في الشيء التافه أي الحقير فالأكثر على أنه حجة مطلقًا لأنه ظاهر في الجميع وأنه عمل الجماعة وأنه حجة وقيل لو قاله التابعي لا يدل على فعل الجميع والظاهر دلالته أما عليه أو على فعل البعض وسكوت الباقي مع عدم الإنكار قالوا فلا يسوغ المخالفة لأنه إجماع قلنا لا نعلم فإن ذلك فيما كان قطعيًا إذا لم يتعلق المحذوف بالمذكور تعلقًا بغير المعنى كشرط العبادة وركنها وكالغاية في لا تباع النخلة حتى تزهى والاستثناء في لا يباع مطعوم بمضعوم إلا سواء بسواء وشرط المحدثون أن تذكره مرة بتمامه كيلا يتطرق إليه سوء الظن بتهمة التحريف والتلبيس.
7 - في انفراد الثقة بالزيادة لفظًا كانت أو معنى كرواية أنه عليه السلام دخل البيت أو دخل وصلى فإن اتحد مجلس السماع فإن كان كثرة الرواة الآخر بحيث لا يتصور غفلتهم عن مثلها لم تقبل وإلا فالجمهور على القبول وعن أحمد روايتان لنا أنه عدل جازم فيقبل كانفراده بحديث وعدم إقدامه على الكذب هو الظاهر فعلى الرسول أظهر لا سيما وقد بلغه الوعيد به وغيره من الرواة ساكت وغير جازم بالنفي لاحتمال الحضور أو الذهاب في أثناء المجلس أو النسيان أو الشاغل عن السماع قالوا نسبة الوهم إليه أولى لوحدته.
قلنا: جزم العدل بسماعه ما لم يسمع مع وحدته أبعد بكثير عن ذهول الإنسان عما جرى بحضوره مع كثرتهم.
وإن تعدد المجلس أو جهل حاله وحده وتعددا يقبل اتفاقًا.
ومثله اختلافًا ودليلا كون الزيادة والنقص من واحد مرتين وإسناد عدل مع إرسال الباقين أو رفعه مع وقفهم أو وصله بأن لم يترك راويًا في البين مع قطعهم.
3 - في الإدراج وهو أن يضيف الراوي إلى الحديث شيئًا من قوله بحيث لا يميزه عن قول الرسول فإن ثبت أنه ليس قول الرسول لا يقبل قبول الحديث وإلا فالظاهر من الثقة لا يدرج فإذا روى من الصحابة مرة لا تمييزه عن قول الرسول وأخرى بتمييزه فالحق أن يعمل بهما بأن يجعل من قول الرسول ويحمل الأخرى على ظن الراوي كذلك أو تكرار قول الرسول من عنده إذ العمل بهما أولى من إهمال أحدهما وذلك الحمل أولى من نسبة التلبيس إلى الصحابة رضي الله عنهم ولذا جعلنا قوله إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلواتك من حديث التشهد لا من قول ابن مسعود رضي الله عنهما.

الفصل السادس: في الطعن
وفيه مباحث: الأولى في تقسيمه هو، إما من المروى عنه أو من غيره وكل منهما
(2/276)

سبعة أقسام:
أما الأول فلأن إنكاره إما بالقول أو بالفعل والأول إما بالنفى الجازم أو المتردد وبالتأويل وما بالفعل إما بالعمل بخلافه قبل الرواية أو بعدها أو مجهول التاريخ أو بالامتناع عن العمل بموجبه.
وأما الثاني: فلأنه إما من الصحابة فيما يحتمل الخفاء على الطاعن أو لا يحتمله، وإما من سائر أئمة الحديث فالطعن مبهم أو مفسر بما لا يصلح جرحًا أو يصلح لكن مجتهدًا فيه أو متفقًا عليه لكن ممن يوصف بالإتقان والنصيحة أو بالمعصية والعداوة.
الثاني: في أحكام أقسام الأول أما الجازم فيسقط العمل اتفاقًا في الأصح لكذب أحدهما قطعًا ولعدم تعينه لا يسقط عدالتهما المتيقنة بالشك كبينتين متعارضتين فيقبل رواية كل منهما في غير ذلك الخبر وأما المتردد سواء نفى ولم يصر عليه وقال لا أدرى فقال أبو يوسف يسقط وهو مختار الكرخي والشيخين وسائر المتأخرين.
وقال محمَّد ومالك والشافعي ومن تبعهم لا يسقط ولأحمد روايتان مثاله ما رواه سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام قال: "أيما امرأة" (1) الحديث وقد أنكره الزهري.
وما رواه ربيعة عن سهيل في الشاهد واليمين ولم يعرفه سهيل حين سئل وكان يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي نظيرة إنكار أبى يوسف رواية مسائل ثلاث أو أربع أو ست من الجامع الصغير على محمَّد فلم يقل بها وصححها محمَّد للراد ولا ما قال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر حين كنا في إبل فاجنبت فتمعكت في التراب فذكرته للرسول عليه السلام فقال: أما كان يكفيك ضربتان ولم يذكره عمر رضي الله عنه فلم يقبل وكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ولو لم ينحك حضور عمر رضي الله عنه لقبله لعدالته وفضله ولم ينكر أحد ما فعله عمر رضي الله عنه فازداد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أول فلا يحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر رضي الله عنه فإذا رد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أولى فلا بحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر رضي الله عنه فليس مما نحن فيه.
وثانيًا: أنه يرد بتكذيب دلالة العادة كالغرابة في الحادثة المشهورة فبتصريح الراوي وعليه مداره أولى أما قياسه على الشهادة حيث لا يقبل شهادة الفرع من نسيان الأصل فلا يتم لأن بابها أضيق فقد اعتبر فيه بعد الحرية والذكررة والعدد لفظة الشهادة وامتناع
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2/277)

العنعنة والحجاب للقائل أولًا حديث ذي اليدين حيث قبل رواية أبى بكر وعمر رضي الله عنهما عنه أو شهادتهما عليه بما لم يذكر وجوابه أن الظاهر أنه عليه السلام عمل بذكره بعد روايتهما إذ كان لا يقر على الخطأ.
وثانيًا أن الحمل على نسيان المروى عنه أولى من تكذيب الثقة الراوي وجوابه بأن نسيان الحاكي سماعه عن غيره وزعم أنه منه في الاحتمال سواء فيه شيء لأن إنكار الأصل جازمًا ليس محل النزاع ومترددًا ليس كالاحتمال الذي في الفرع لجزمه بالرواية وأنه عدل كما لو مات الأصل أو جن.
قال مشايخنا: اختلاف الصاحبين هنا فرعه في الشهادة على حكم القاضي بقضية لا بذكره ولا يلزم ذلك مالكًا واحمد لأنهما يوجبان الحكم كمحمد بل أصحاب الشافعي حيث لا يوجبونه، وجوابهم بان نسيان الترافع وطول المقاولة ومآل النزاع أبعد من نسيان الرواية معارض بل مرجوح بأن وجوب ضبطها والثبات عليها يجعل نسيانها عن الثقة في غاية الندرة.
ولذا قال المحدثون الحق التفصيل بأن ينظر الشيخ في نفسه فإن رأى أن عادته غلبة النسيان قبل رواية غيره عنه وإلا رد إذ قلما لا يتذكر مثله بالتذكير والأمور تبنى على الظواهر لا على النوادر.
وأما بالتأويل من الشيخ فإن كان كتعيين بعض معاني المجمل مما ليس ظاهرًا في بعض المحتملات كان ردًا لسائر الوجوه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة معاينة فيصلح للترجيح وإن لم يصلح حجة على الغير لما سيجيء وإن كان ظاهرًا فحمله على غيره كتخصيص العام وتقييد المطلق.
قيل: يعتبر ظهوره وإليه ذهب الكرخي وأكثر مشايخنا والشافعي حيث قال كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته.
وقيل يحتمل على تأويله لمثل ما مر.
وقال أبو الحسين البصري وعبد الجبار إن علم بالضرورة أنه علم مقصود النبي عليه السلام وجب المصير إليه وإن جهل نظر في دليله فإن اقتضاه أَتبع وإلا أخذ بظاهر الخبر وهذا في الحقيقة عين المذهب الأول وهو الحق لأن تأويله لا يبطل الاحتمال اللغوي لا يكون حجة على غيره كاجتهاده ولا يلزمنا حديث ابن عباس رضي الله عنه "من بدل دينه فاقتلوه" حيث قال ابن عباس لا نقتل المرتدة فأخذنا به خلافًا للشافعي لأنا عملنا فيه بنهى النبي عليه السلام من قتل النساء مطلقًا لا بتخصيصه ولا الشافعي إثباته خيار
(2/278)

المدلس بحديث ابن عمر رضي الله عنه المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وقد حمله على اقتراق الأبدان وإن احتمل افتراق الأقوال وأنه في معنى المشترك بينهما لأنه أثبته بدلالة ظاهر الحديث لا بتأويله.
قلنا ظاهره افتراق الأقوال لأن حقيقة المتبايع حالة المباشرة ومجاوبة الركنين وأما عمله بخلاف مرويه قبل بلوغه وروايته فليس جرحًا إذْ يحمل على تركه بالحديث إحسانًا للظن به وكذا مجولا تاريخه لأن حجية الحديث لا تسقط بالشبهة وأما بعدها بما هو خلاف بيقين لا ببعض محتملاته كما مر وذلك بأن كان نصًا في معناه فسقط حملا له على وقوفه على أنه منسوخ أو ليس بثابت إذ لو كان خلافه باطلا سقطت روايته أيضًا.
وقيل: يعمل الخبر إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن وهو بعيد أما عمل غيره وإن كان أكثر الأمة فلا يسقط مثل حديث عائشة رضي الله عنها: "أيما امرأة نكحت" (1) الحديث ثم زوجت أي بعد الرواية ابنة أخيها حفصة وهو غائب. قيل: لعل الولاية انتقلت إلى الأبعد لغيبة الأقرب. قلنا: جوزت نكاح المرأة نفسها دلالةً فإنه إذا انعقد بعبارة غير المتزوجة فبعبارتها أولى وحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع حيث قال مجاهد صحبته عشر سنين فلم أره رفع اليدين إلا في تكبيرة الافتتاح.
وأما الامتناع عن العمل كترك الصلاة في جميع وقته من غير اشتغال بعمل فمثل العمل بخلافه لحرمته.
وشمس الأئمة رحمه الله ذكر ترك ابن عمر رفع اليدين في القبيلين لأن الترك فعل من
الثالث: في أحكام أقسام الثاني:
فالأول وهو طعن الصحابة فيما لا يحتمل الخفاء بمنع القبول إذ لو صح لما خفي عادة فيحمل على السياسة أو عدم الختم أو الانتساخ مثاله قوله عليه السلام "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (2) أي حكم زنا غير المحصن بغير المحصن.
وقوله "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" (3) أي: المحصن كناية فيهما فالخلفاء
__________
(1) تقدم تخريجه.
(2) أخرجه مسلم (3/ 1316) ح (1690).
(3) أخرجه النسائي في الكبرى (4/ 270) ح (7142)، والإمام أحمد في مسنده (5/ 318) ح (767) والطيالسى في مسنده (1/ 79) ح (584) والمحاملي في أماليه (1/ 374) ح (421) وابن الجوزي في التحقيق (2/ 323) ح (1802) بتحقيقنا. وانظر نصب الراية للزيلعي (3/ 330).
(2/279)

الراشدون لم يعملوا بهما وهم الأئمة والحدود إليهم حتى حلف عمر حين لحق من فيه بالروم مرتدًا أن لا ينفى أبدًا وقال على رضي الله عنه كفي بالنفي فتنة فعلم أنه كان سياسة ولما امتنع عمر رضي الله عنه عن قسمة سواد العراق بين الغانمين حين فتحه عنوة علم أن قسمة خيبر لم تكن حتمًا فيتخير الإِمام في الأراضي بين الخراج والقسمة اتفاقًا.
ومنه نكاح المتعة كما قال ابن سيرين هم رأوها وهم نهوا عنها أما عمل ابن مسعود بالتطيق وهو إرسال المصلى كفيه مطقة بين الفخذين بعد حديث عمر في أخذ الركب أو وائل بن حجر في الوضع عليها أو أبى حميد الساعدي في الجمع بينهما فلم يوجب جرحًا إذ كان ذلك لأن التطبيق عزيمة لا للإنكار غير أن أحد الثلاثة رخصة إسقاط عندنا وهو مذهب عامة الصحابة ولذا نهى سعد بن أبي وقاص ابنه عنه مستندًا إلى نهى عبد الله ولأن التخيير بينهما في العزيمة نوع تخفيف لاكما نحن فيه.
الثاني طعنهم فيما يحتمله لا يمنعه لأن النادر يحتمل الخفاء كحديث زيد بن خالد الجهني في الوضوء بالقهقهة (1) لأنها نادرة لا سيما في الصحابة وإن لم يعمل به أبو موسى الأشعري وكحديث الخثعمية "حجى عن أبيك واعتمري" وحديث يرخص الحائض بترك طواف الصدر وإن لم يعمل ابن عمر بهما فلم يجوز الحج عن الغير وأوجب إقامتها حتى تطهر.
الثالث: الطعن المبهم عن سائر أئمة الحديث كأن الحديث غير ثابت أو مجروح أو متروك أو رواية غير عدل أو غيره لا يقبل خلافًا للقاضي وجماعة لأن الظاهر العدالة بين المسلمين للعقل والدين لا سيما في القرون الثلاثة ولأن قبوله يبطل السنن ولأنه لا يقبل في الشهادة وهي أضيق ففيها أولى.
الرابع: طعنهم بما لا يصلح جرحًا لا يقبل كطعن أبي حنيفة - رحمه الله - لا سيما من المتعصب بدس ابنه لأخذ كتب أستاذه حماد فإنه آية إتقانه ويجوز لذلك الغرض عند ظن المنع وكالطعن بالتدليس هو لغة كتمان عيب السلعة عن المشترى
واصطلاحًا كتمان انقطاع أو خلل في الإسناد كما في العنعنة فإنها توهم شبهة الإرسال وحقيقته ليست بجرح ومنه قول من عاصر الزهري قال الزهري موهمًا أنه سمع
__________
(1) ضعيف جدًا. أخرجه الدارقطني فما سننه (1/ 164) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 28) وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (1/ 223)، وأبو بكر الإسماعلي في معجم الشيوخ (2/ 530 - 531) ح (167)، وابن الجوزى فما العلل (1/ 370 - 371) ح (617)، وانظر الدراية في تخريج الهداية (1/ 36)، نصب الراية للزيلعى (1/ 48).
(2/280)

منه. وبالتلبيس بذكر كنية الراوي كقول سفيان حدثني أبو سعيد يحتمل الثقة هو الحسن البصري وغيره وهو محمَّد الكلبي وكقول محمَّد بن الحسن حدثني الثقة يريد أبا يوسف ولم يصرح به للخشونة بينهما أو بذكر موضعه نحو حدثنا بما وراء النهر موهمًا أنه يريد جيحون وهو يريد جيحان وذا لأن الكناية صيانة له وللسامع عن الطعن بالباطل وليس كل تهمة قادحة إذا لم تكن فاطعة ولا التهمة في حديث مسقطة كل الأحاديث كما في الكلبي لتفسيره وربيعة بن عبد الرحمن وغيرهما والتسمية بالثقة شهادة بالعدالة.
وللكناية وجوه أُخر ككون المروى عنه دونه في السنن أو قرينة أو تلميذه إذ الجميع صحيح عند أهل الفقه والحديث نعم يصير جرحًا إذا لم يفسر حين استفسر وكالطعن بما ليس ذنبًا شرعيًا كما في محمَّد بن الحسن بقول ابن المبارك لا يعجبني أخلاقه وقد قال فيه هو من يحيى الله به دين الأمة ودنياهم اليوم وأخلاق القدوة غير أخلاق أهل العزلة وكما بسباق الخيل والقدم مع أنه استعدادًا لجهاد وبالمزاح فإنه يحق من امرئ لا يستفزه الخفة مباح وبالصغر إذ لا يقدح عند التحمل كحديث عبد الله العذري في صفية الفطر أنها نصف صاع من حنطة وقدمناه على حديث الخدري أنها صاع لأنه بعد استوائهما في الاتصال أثبت متنا لكونه مع قصته وقولا لا فعلا وقد تأيد برواية ابن عباس رضي الله عنه وكما بعدم احتراف الرواية لأن العبرة للإتقان كما في أبى بكر رضي الله عنه.
الخامس: طعنهم بمجتهد فيه لا يقبل كما بالاستكثار من فروع الفقه في أبى يوسف لأن كثرة الاجتهاد دليل قوة الذهن والضبط وبالإرسال فإنه دليل الإتقان من الثقة.
السادس: طعنهم مفسرًا بالفسق لكن من متهم بالعصبية كطعن الملحدين في أهل السنة لا يسمع.
السابع: ذلك ممن يوصف بالنصيحة مقبول وقد مر كلياته في وجوه الانقطاع قيل والصحيح من وجوه الطعن يبلغ أربعين فما لم يتل هنا يرام في كتاب الجرح والتعديل.
وأما التذييل ففي مباحث الجرح والتعديل.
الأول: في تعريفهما الجرح وصف متى التحق بالراوي والشاهد بطل العمل بقولهما والتعديل وصف متى التحق بهما أخذ به ويرادفه التزكية.
الثاني: في عدم اشتراط العدد فيهما وعليه القاضي وهو مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف في الرواية والشهادة إلا في تزكية العلانية وأكثر الشافعية على عدمه في الرواية واشتراطه في الشهادة وهو مذهب محمَّد وقيل يجب العدد فيهما، لما مر أن باب الرواية وقضاء القاضي بعد الشهادة من حقوق الله فيعمل فيهما بخبر الواحد تعديلا وجرحًا.
(2/281)

أما التعديل فلأنه بعد تسليم كونه شرطًا لا يربو على حال المشروط لتبعيته وكفاية وجوده كيف ما كان وأما الجرح فإنه رد إلى أصل العدم لا أخرج عنه وأما ترجح الجارحين على الجماعة المعدلة وكذا جارح على معدل في رواية والأصح العمل بثالث فليس لهذا بل لأن الخارج مثبت للفسق والمعدل ناف والمثبت المستوفى للنصاب لا غالب عليه لا يقال أصالة العدالة في باب الشهادة يقتضي كون الجرح إلزامًا وإخراجًا من الأصل لأن إصابتها عند عدم تعرض الخصم أما عند طعنه فيشترط التعديل ويكون الجرح دفعًا لا رفعًا كما يشترط مطلقًا في الرواية بعد القرون الثلاثة غير أن تزكية العلانية لاستناد ظهور لزوم الحق إليها عند التعرض استناده إلى الشهادة مطلقًا ألحقت بها واشترط شروطها كما مر ومثلها تزكية السر عند محمَّد والحق بما لأن الإلزام بالظواهر وتزكية السر للاحتياط وإنما لم يشترط لفظة الشهادة لأنها تنبئ عن التيقن وذلك في العلم بعدم أسباب الجرح متعذر بل مبناه على الظاهر ولا مجلس افيضاء إحرازًا لفضيلة الستر ولا حضور الخصم احترازًا عن فتنة العداوة أو الكذب استحياء.
وللمشترطين في الشهادة دون الرواية إلحاق التبع بالمتبوع فيهما.
وجوابه أن لذلك وجهًا في الرواية فإن الاحتياط في التبع لا يربو على أصله أما في الشهادة فإنما يثبت لو وجب عدم نقصان التبع وعدم زيادته عليه وهو مم ولذا يصح تعديل شهود الزنا إلا عند محمَّد رحمه الله ويكفى واحد في أصل الشهادة بهلال رمضان ويجب في تعديله اثنان عندهم ولا يقال ذلك للاحتياط في العبادة إذ لا احتياط في المتردد بين الوجوب والحرمة في شيء من طرفيه كصوم يوم الشك، ولموجبي العدد فيهما أو لا أنهما شهادة كسائر الشهادات.
وجوابه بعد المعارضة بأنه إخبار كسائر الأخبار الفرق بما مر في الرواية وتزكية الشر.
وثانيًا: أنه أحوط لتعيده في التعديل احتمال العمل بما ليس بحديث وبينة وفي الجرح احتمال عدم العمل بما هو حديث وبينة.
وجوابه بعد المعارضة لما في كل بما في الآخر الفرق في تزكية العلانية يتضمنها للإلزام وأن الأحوطية تفيد الأولوية ولئن سلم فالاحتياط في الجرح ليس في محن لأن كونه حديثًا وبينة لم يثبت بعد حتى يحتاط في تبعيد احتمال العمل به.
الثالث: في إطلاق الجرح والتعديل يكفي فيهما عندنا رواية وشهادة وعليه القاضي حتى قلنا يكفي في التعديل هو عدل مقبول الرواية أو الشهادة رواية واحدة وفي عدل فقط روايتان والأصح قبول لثبوت الحرية بالدار وفي الجرح الله يعلم بعد الاستفسار إحرازًا
(2/282)

السبب فيهما وقال الشافعي يكفى في التعديل دون الجرح وقيل بالعكس وقال الإِمام إن صدر عمن يعلم أسبابهما كفى وإلا فلا.
لنا أن غير البصير بحالهما وإن كان عدلا لا يصلح بما حتى لو عمل بخبر غير العدل البصير فسق وبطلت عدالته والبصير يتبع لحصول الثقة.
قيل أسباب الجرح مختلف فيها فربما جرح بسبب لا نراه.
وجوابه بأن إطلاق العدل البصير في محل الخلاف تدليس قادح في عدالته مردود بأن الواجب معرفة أسبابه اجتهادًا أو تقليدًا لا معرفة الاتفاق والاختلاف فيها فربما لا يخطر الخلاف بباله.
ولو سلم فالبناء على ما هو الحق عنده ليس تدليسًا.
والصحيح أن الغالب من أسبابه متفق عليه والغالب من البصير أن يعرف محل الخلاف والاتفاق والغالب من الحاكي للمجتهد أو القاصر إذا كان ثقة أن ينبه على الخلاف وإلا فإطلاقه تدليسًا قادح في عدالته وبناء على زعمه يؤدى إلى التقليد فيحمل على أنه لإحراز فضيلة الستر ولما تقرر أن الغالب بوجه كالمتحقق فبوجوه أولى واتباع غالب الظن ليس تقليدًا بل أقصى غاية الاجتهاد.
لا يقال لو كفى الإطلاق في الجرح عندكم لسمع الشهادة على جرح مجرد وهو ما يفسق به ولم يوجب حقًا للشرع أو العبد مثل هو فاسق أو آكل الربا أو استأجرهم للشهادة وأعطاهم مالى أو صالحتهم ودفعته على أن لا يشهدوا على وشهدوا لأنا نقول لا يلزم من كفاية الإطلاق في مطلق العمل كفايته للإلزام إذا كان على وجه الشهادة إذ عدم سماعها حينئذ لعدم إمكان الإلزام بالفسق وهو معنى عدم دخول الفسق تحت الحكم إذ له الرفع بالتوبة حتى لو علم القاضي بفسقهم لا يحكم به أيضًا وإن لم يقبل شهادتهم حتى يعلم توبتهم ومضى مدة يظن باستقرار التوبة فمِها بخلاف شهادتهم على إقرار المدعى بفسق شهوده فإن الإقرار يدخل تحت الحكم ولأن هتك الستر من غير ضرورة فسق لا يعمل بشهادتهم وضرورة دفع خصومة المدعى تندفع بالأخبار للقاضي من غير شهادة وبوظيفة التزكيتين لموجب ذكر السبب فيهما أن الإطلاق لا ينفك عن الشك للالتباس والاختلاف في أسبابهما فلا يصلح للإثبات.
وجوابه أن قول العدل يوجب الظن فلا شك للشافعي أن الاكنفاء بالإطلاق في الجرح يؤدى إلى تقليد المجتهد في سبب الجرح فربما لو ذكره لم يره جرحًا والمقلد في بعض المقدمات ليس بمجتهد بخلافه في التعديل فإن الإطلاق فيه أمارة عدم علمه بفسق ما فلا
(2/283)

فسق أصلًا لوقوع النكري في سياق النفي وهذا عمل بالإجماع لا تقليد.
قلنا اتباع ظن الصدق من المجتهد المتفرس ليس تقليدًا كما مر.
ولئن سلم فإن لم يجب للجارح معرفة الخلاف فإطلاقه في التعديل أمارة عدم فسق مما يراه جرحًا فلا يدل على الإجماع وإن وجب فإن أطلق تلبيسًا فليس بعدل وإن أطلق اكتفاء بزعمه لم يخرج عن التقليد للعاكس إن كثرة التصنع في العدالة بين الناس يؤدى إلى الالتباس.
فلا بد من بيان سببه بخلاف الجرح وقد علم جوابه والإمام إن شرط العلم بأنه عالم بأسبابهما فلزومه مم وإن اكتفى بالظن فذلك حاصل ممن يوثق ببصيرته وضبطه.
الرابع في تعارض الجرح والتعديل الجرح مقدم عند الأكثرين مطلقًا والتعديل عند البعض كذا والصحيح من مشايخنا تقديم جرح الاثنين على تعديل الجماعة أما عند وحدتهما فيتبع الثالث.
لنا أن شأن المعدل الظن بعدم أسباب الجرح إذ العلم بالعلم لا يتصور والجارح السبب كقتل فلان يوم كذا وجزم المعدل بنفيه بأن يراه بعد ذلك اليوم تعارضًا واحتيج إلى الترجيح بالثالث وإلى هذا دليل مقدمي الجرح مطلقًا ثم نقول ما دام الجارح واحدًا يعارضه ظاهر العدالة الذي يقتضيه العقل والدين ويتقوى به المعدل الواحد على معارضته وإذا تعدد المعدل ترجح عليه.
أما إذا استوفى الجارح نصاب الشهادة تقرر فلا يعارضه التعديل وإن تكثر إذ لا حكم للزائد عليه.
الخامس في طرق التعديل وهي أربعة:
1 - أن يحكم بشهادته من يرى العدالة شرطًا في فبولها اتفاقًا أما من لا يرى فليس بتعديل.
2 - أن يبنى عليه عارف بوجوه العدالة بأنه عدل.
3 - أن يعمل بروايته العالم إن رآها شرطًا في قبولها إذ العمل بخبر الفاسق فسق ولم يمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر وإلا فلا.
4 - رواية العدل عنه وفيها مذاهب:
1 - تعديل إذ الظاهر أنه لا يروى إلا عن عدل.
2 - ليس بتعديل إذ كثيرًا ما نرى من يروى ولا يفكر ممن يروى.
3 - وهو المختار إن علم من عادته أنه لا يروى إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا.
(2/284)

السادس: الصحابة عدول وقيل كغيرهم يحتاجون إلى التعديل.
وقال واصل بن عطاء كغيرهم إلى حين ظهور الفتن من فتنة عثمان وما بني عليها مما بين علي ومعاوية وبعده لا تقبل الداخلون فيها من الطرفين إذ الفاسق غير معين ومجهول العدالة لا يقبل عنده والخارجون كغيرهم وقالت المعتزلة عدول إلا من علم أنه قاتل عليا فإنه مردود.
لنا من الكلام نحو أمة وسطا أي عدولا وخير أمة ورحماء بينهم ومن الحديث "بأيهم اقتديتم اهتديتم" "وخير القرون" الحديث ولما نال مدى أحدهم ومن العقل ما تواتر عنهم من الجد في الطاعة وبذل المال والنفس والفتن محمولة على الاجتهاد الموجب للعمل ولا يفسق بالواجب.
السابع: الصحابي من رأى الرسول (1) وقبل وطالت صحبته وقيل وروى والمسألة لفطة فلا مناقشة في الاصطلاح إذ لو أريد اللغوي فالحق الأول لأنه للقدر المشترك دفعًا للمجاز والاشتراك كالزيارة والحديث بدليل صحبه قليلًا أو كثيرًا من غير تكرار ولا نقض ولأن من حلف لا يصحب يحنث بالصحبة لحظة وإن أريد العرفي فعلى موجب التعارف وفهم الملازمة من نحو أصحاب الجنة وأصحاب الحديث بعرف مجدد والمنفى عن الوافد والرائي الصحبة بقيد اللزوم ونفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم قالوا إذا قال العدل المعاصر أنا صحابي فهو صفي ظاهرا لا قطعًا فتهمة أنه يدعى رتبة تستدعى ريبة والله أعلم.

الركن الثالث في الإجماع: وفيه مقدمة وعشرة فصول
أما المقدمة ففي تفسيره هو لغة لمعنيين العزم نحو قوله تعالى: {فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ} [يونس: 71]، وقوله عليه السلام "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" فيتصور من واحد والاتفاق (2) ما جمع صار ذا جمع كالبن فلا يتصور.
واصطلاحًا اتفاق المجتهدين من أمة محمَّد عليه الإِسلام في عصر على حكم شرعي (3)
__________
(1) أي مسلمًا، ليخرج من رآه واجتمع به بعد ذلك، كما في زيد بن عمرو بن نفيل، فإنه مات قبل
المبعث، وليخرج أيضًا من رآه وهو كافر ثم أسلم بعد موته انظر شرح الكوكب المنير (2/ 465).
(2) انظر إحكام الأحكام للآمدي (1/ 280)، المحصول لفخر الدين الرازي (2/ 312)، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 211).
(3) انظر المحصول لفخر الدين الرازي (2/ 312)، أحكام الأحكام للآمدي (1/ 280 - 282)، نهاية السول للإسنوي (3/ 237)، التوضيح على التنقيح ومعه التلويح (2/ 41).
(2/285)

فخرج المقلد وبعض المجتهدين وجميعهم من أرباب الملل السالفة مخالفة وموافقة ولى عصر يتناول القليل والكثير من شرط انقراض عصر المجمعين يقول إلى انقراضه وخرج الاتفاق على حكم غير ديني كان السقمونيا مسهل فإن إنكاره ليس كفرًا بل جهل به وعلى ديني غير شرعي لأن إدراكه إما بالحس ماضيًا كأحوال الصحابة أو مستقبلا كأحوال الآخرة وأشراط الساعة فالاعتماد في ذلك على النقل لا الإجماع من حيث هو وإما بالعقل فإن حصل اليقين به فالاعتماد عليه وإلا من قبيل الشرعيات التي يحصل بالإجماع القطع فيها كتفضيل الصحابة على غيرهم عند الله وغيره من الاعتقاديات ومن عمم اكتفى بعلى حكم ويشمل سنة وحمسين قسمًا لأنه إما عقلي أو عرفي أو لغوى أو شرعي وكل إما مئبت أو منفى وكل من الثمانية إما قولي أو فعلى أو تقريري أو مختلف ثنائية ثلاثة وثلاثية واحد وهذا من قال بجوازه بعد خلاف مستقر أما من لم يجوزه ويرى استحالته فأخرجه بالجنس ومن جوزه وقال بانعقاده اكنفى به.
وقال الغزالي هو اتفاق أمة محمَّد على أمر ديني ويشعر بالاتفاق من البعثة إلى القيامة ويخالفه إجماع القائلين بالإجماع لأنه لا يفيد ورد عنا به بأن المراد في عصر كما في قوله تعالى {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] فإن فاطمة أفضل إجماعًا
فأورد أنه لا يطرد لصدقه على اتفاق غير المجتهدين ورد عناية بان المراد اتفاق المجتهدين وليس العنايتان بسلامة الأمير بل لسبقهما إلى فهم التشرعة من نحو لا تجتمع أمتي على الضلالة مع محافظة لفظ الحديث إما أنه لا يتناول الاتفاق على عقلي أو عرفي كأمر الحروب فلا ينعكس فغير وارد لأنا لا نتم حجيته فيهما لو لم يتعلق به عمل أو اعتقاد.

الفصل الأول في إمكانه
خلافًا للنظام وبعض الشيعة.
فأولا لأن العادة قاضية بامتناع تساويهم في نقل الحكم إليهم لانتشارهم في الأقطار وجوابه منعه فيمن يجد في الطلب والبحث عن الأدلة.
وثانيًا: لأن اتفاقهم لو كان عن قاطع لنقل عادة فأغنى عن الإجماع وعن ظنى ممتنع لاختلاف القرائح والأنظار كعلي أكل الزبيب الأسود في زمان واحد وجوابه أن الإجماع أغنى عن نقل القطاع والاختلاف دمنع الاتفاق في الدقائق لا في الظني الجلى.

الفصل الثاني في إمكان العلم به
قالوا العادة تقضى بامتناع معرفة علماء الشرق والغرب بأعيانهم فضلا عن معرفة
(2/286)

تفاصيل أحكامهم مع جواز خفاء بعضهم عمدًا أو انقطاعه خملة أو أسره في مطمورة أو كذبه خوفًا أو تغير اجتهاده قبل السماع عن الباقين وجوابه أنه تشكيك في مصادمة الضرورة للقطع بإجماع الصحابة والتابعين على تقديم القاطع على المطون وهم كانوا محصورين مشهورين ديّنين ولم يرجع واحد منهم وإلا لاشتهر.

الفصل الثالث في إمكان نقل العالم إلى المحتج به
قالوا الآحاد لا تفيد القطع ويجب في التواتر واستواء الطرفين والواسطة ويستحيل عادة مشاهدة أهل التواتر جميع المجتهدين شرقًا وغربًا طبقة بعد طبقة إلى أن يتصل بالمحتج به وجوابه ما مر للقطع بأن الإجماع المذكور منقول إلينا تواترًا.

الفصل الرابع: في حجيته
وخالف النظام والشيعة وبعض الخوارج وهم شرذمة قليلون من أهل الأهواء نشأوا بعد الاتفاق على حجيته فلا عبرة بخلافهم (1) وما روى عن أحمد من قوله من ادعى الإجماع فهو كاذب استبعاد لوجوده أو الاطلاع عليه ممن بزعمه وحده والدليل على حجيته عقلي ونقلي، أما العقلي فمنه أن ما عليه الإجماع لو لم يكن حقا لما أجمع العدد الكثير من العلماء المحققين على القطع بتخطئة مخالفه, لأن العادة قاضية بأن إجماع مثلهم في قطعي شرعي ليس إلا عن نص قاطع لا عن قياس إذ لا يفيد القطع ولا إجماع للدور وما فيه النص القاطع حق وقد أجمعوا لأن ما يدعى حجيته أخص الإجماعات وقيدنا العلماء بالمحققين احترازًا عن الإجماع اتباعًا لآحاد الأوائل من غير تحقيق كإجماع اليهود على أن لا نبي بعد موسى عليه السلام وقد وضح في النسخ وإجماع النصارى على قتل عيسى عليه السلام وقيدناه بالشرعي احترازًا عن إجماع الفلاسفة على قدم العالم فإن معارضة الوهم في العقليات مجلبة للشبهة ولا اشتباه بين القاطع والظني في الشرعيات عند أهل التمييز وخلاصته استدلال بوجود الإجماع على القطع بتخطئة المخالف على وجود نص قاطع فيها لا بحجيته وبذلك على حجيته فالعلم بحجيته لا يتوقف على حجيته فلا مصادرة ومنه أنه لو لم يكن حجة قطعية لما أجمعوا على تقديمه على القاطع وإلا لعارضه إجماعهم على أن غير القاطع لا يقدم على القاطع وهو مح عادة ولا يلزم من الدليلين
__________
(1) انظر: المحصول للرازي (812 - 47) إحكام الأحكام للأمدي (1/ 286 - 321) نهاية السول للإسنوي (3/ 245 - 263) فواتح الرحموث، شرح مسلم الثبوت (2/ 213 - 217) اللمع لأبي محمَّد الشميرازي (ص / 48).
(2/287)

اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر لأن تخطئة المخالف وتقديمه على القطاع مطلقان ولو سلم فالغرض وهو حجية الإجماع في الجملة حاصل أو نقول إن بلغ حد التواتر وهو الأكثر كإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت وإلا يثبت حجيته بالظواهر وحجيتها بالإجماع البالغ ذلك الحد لا به فلا مصادرة.
ومنه استدلال إمام الحرمين أن الإجماع على حكم يدل على وجود دليله القاطع لقضاء العادة بامتناع اتفاق مثلهم على مظنونه، وفيه منع لأن امتناعه إذا دق النظر أما في القياس الجلي وخبر الواحد يعد العلم بوجوب العمل بالظواهر فلا إلا أن يريد به الإجماع على القطع في حكم فيصح كالأول وأما النقلي فمنه أن شريعة محمَّد عليه الصلاة والسلام باقية إلى آخر الدهر بالأحاديث الآتية فلو جاز الخطأ على جماعتهم بان اتفقدا على خطأ أو اختلفوا وخرج الحق عن أقوالهم وقد انقطع الوحي لم تبق فوجب القول بأن إجماعهم صواب كرامة من الله تعالى صيانة لهذا الدين ولا يلزم ذلك في كل مجتهد فلعل المصيب من يخالفه وإذا أفاد القضاء اللزوم صيانة لسبب الدين فلان يفيده الإجماع صيانة لأصل الدين أولى والمراد بالأمة في الأحاديث أمة المتابعة لإطلاقها لا من تمسك بالهوى والبدعة ومنه أن شريعته عليه السلام كاملة لقوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] , فلو لم يكن للمجتهدين ولاية استنباط الأحكام التي ضاق عنها نطاق الوحي الصريح تبقى مهملة فلا يكون الدين كاملا ولو أمكن اتفاقهم على غير الحق كان فاسدًا فضلا عن الكمال ولا ينافيه ثبوت لا أدري من البعض لجوازِ دراية الآخر، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115].
ضم اتباع غير سبيلهم إلى مشاققة الرسول التي هي كفر في استيجاب النار فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد أو أوعد على اتباع غير سبيلهم فيحرم فيجب اتباع سبيلهم إذ لا مخرج عنهما بعد وجوب الاتباع بقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108]، والإجماع سبيلهم وكما الوجوب ترك المشاقة لحقيتة قول الَرسول عليه السلام فوجوب اتباع سبيلهم لحقيته ولا بد من أجوبة عن شبهه:
1 - الوعيد مرتب على كل منهما وإلا لغي ذكر اتباع الغير.
2 - مشاركة المعطوف في حكم الإعراب لا في جميع قيوده ولئن سلم فالمراد بالهدى دليل التوحيد والنبوة لا جميع الأدلة وإلا لم يكن المشاقة في عهد النبي عليه السلام حرامًا.
3 - لغير عام كما لنبي من دخل غير دارى ضربته إذ معيار العموم صحة الاستثناء فلا يختص بالارتداد الذي هو سبب النزول لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
(2/288)

4 - السبيل ليس دليل الإجماع وإن كان التجوز فيه أنسب لأنه الآية أو السنة أو القياس الراجع إليهما فيندرج تحت المشاقة والأصل الإفادة دون الإعادة وبهذا يعلم أنه ليس عين ما أتى به الرسول مع أن أصل العام أن يجرى على عمومه.
5 - ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع غير سبيلهم إذ معنى السبيل ها هنا ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو عمل كما في هذه سبيلي ولئن سلم فالاتباع واجب بما مر فلا مخرج عنهما.
6 - المراد سبيل كل المومنين المجتهدين في عصر وإن قل لأن إرادة الموجودين إلى يوم القيامة تفوت العمل المقصود إذ لا عمل فيه وبعد الكل لا يتخطى عن القليل بلا دليل ولما حرم على المقلد المخالفة لم يبق اعتباره ولما مر أن السابق إلى فهم المتشرعة هو المقيد بالقيدين.
7 - المراد اتباع كل سبيلهم لأن إنكار البعض كاف في الخروج فلا يختص بالإيمان أو مناصرة الرسول عليه السلام على أن التخصيص من غير دليل لا يقبل قيل غايته الظهور وحجيته الظواهر بالإجماع إذ لولاه لوجب العمل بالأدلة المانعة من اتباع الظن ففيه مصادرة مع أنه إثبات لأصل كلي بدليل ظني.
قلنا عن الأول حجية الظواهر بإجماع غير الذي ثبت حجيته بالظواهر كما مر. وعن الثاني إنه جائز كما في القياس ومنه قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] الآية، وصفهم بالخيرية المفسرة على طريق الاستئنًاف بالأمر بَالمعروف والنهى عن المنكر وهذه الخيرية توجب الحقية فيما أجمعوا وإلا كان ضلالا فماذا بعد الحق إلا الضلال وأيضًا لو أخطأوا لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف وهو خلاف المنصوص والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر الأنبياء ولا يلزم من عدم منافاة الضلال الخيرية في كل واحد من المسائل المجتهد فيها عدمها في الكل فقياس الكل على كل واحد يكذبه الحس والعقل والشرع والتفسير قرينة إرادة المجتهدين لأن الحكم لهم أو متلقى منهم لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] ولما لم يرد جميعهم إلى يوم القيامة أريد من في عصره ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] الآية والوساطة العدالة التي هي التوسط بين الإفراط والتفريط في الحكمة والعفة والشجاعة أو الوسط الخيار فوصفهم من يعلم السر والعلانية بها وذلك يقتضي الحكم عليهم بالرسوخ على الصراط المستقيم وذلك بكونهم معصومين عن الخطأ كبيرة كان أو صغيرة لأنها بالإصرار يكون كبيرة وجعلهم شاهدين والحكيم لا
(2/289)

يحكم بشهادة قوم يعلم أن كلهم يقدمون على الكذب والعدالة وقت الشهادة وإن كفت لكن جميع الأمم عدول في الآخرة فليس التفضيل باعتباره ولما لم يتحقق المعنيان في كل واحد لقوله عليه السلام "ما منا إلا وقد عصى إلا يحيى بن زكريا" علم أن المراد الكل وحديث عدم الملازمة كما مر ولما لم يتحقق العدالة إلا بعدم الفسق لم يقدح في المقصود كونها بالنسبة إلى سائر الأمم وأراد المجتهدين في عصر على ما مر.
ومنه استدلال الغزالي رحمه الله بأخبار الآحاد نحوا لا لختمع أمتي على الضلالة (1) أو على الخطأ "لا يزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعه (2) أو "حتى يجىء المسيح الدجال" (3) أو "حتى يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال" (4) "يد الله مع الجماعة من خالف الجماعة قيد شبر فقد مات ميتة جاهلية" (5) "عليكم بالسود الأعظم" (6) "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (7) "أبى الله ذلك والمسلمون" (8) وغير ذلك متمسكًا بوجهين:
1 - أن القدر المشترك متواتر كما في شجاعة على وسخاوة حاتم فيفيد القطع بحجيته
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه (1/ 20) ح (393)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (368) بتحقيقنا، وانظر كشف الخفاء للعجلوني (1/ 67).
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه (15/ 109 - 110) ح (6714)، الحاكم في مستدركه (59314) ح (8653)، والضياء في المختارة (23111) ح (127)، وأبو عوانة في مسنده (4/ 508) ح (7509)، والترمذي (4/ 504) ح (2229)، وقال: حسن صحيح، والبيهقي في الكبرى (9/ 181)، وأبو داود (4/ 97) ح (4252)، وابن ماجه (1/ 5) ح (10)، والبزار في مسنده (4/ 52) ح (1216)، والطبراني في الأوسط (8/