Advertisement

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 001


الكتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام
المؤلف: أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: 660هـ)
راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد
الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة
(وصورتها دور عدة مثل: دار الكتب العلمية - بيروت، ودار أم القرى - القاهرة)
طبعة: جديدة مضبوطة منقحة، 1414 هـ - 1991 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ لِيُكَلِّفَهُمْ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَيَعْبُدُوهُ، وَيُقَدِّسُوهُ وَيُمَجِّدُوهُ وَيَشْكُرُوهُ وَلَا يَكْفُرُوهُ، وَيُطِيعُوهُ وَلَا يَعْصُوهُ، وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ وَيُطِيعُوهُ وَيَنْصُرُوهُ؛ فَأَمَرَهُمْ عَلَى لِسَانِهِ بِكُلِّ بِرٍّ وَإِحْسَانٍ، وَزَجَرَهُمْ عَلَى لِسَانِهِ عَنْ كُلِّ إثْمٍ وَطُغْيَانٍ وَكَذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَنَهَاهُمْ عَنْ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالطَّغْوَى. وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ، كَمَا زَجَرَهُمْ عَنْ الِاخْتِلَافِ وَالِابْتِدَاعِ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ عِبَادَهُ بِكُلِّ خَيْرٍ؛ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، وَوَعَدَهُمْ بِالثَّوَابِ عَلَى قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] .
وَنَهَاهُمْ عَنْ كُلِّ شَرٍّ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعِقَابِ عَلَى مَحْظُورٍ جَلِيلِهِ وَحَقِيرِهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] ، وَبِقَوْلِهِ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] .
وَكَذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ إجَابَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ؛ إحْسَانًا إلَيْهِمْ، وَإِنْعَامًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ طَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ. فَعَرَّفَهُمْ مَا فِيهِ رُشْدُهُمْ وَمَصَالِحُهُمْ لِيَفْعَلُوهُ، وَمَا فِيهِ غَيُّهُمْ وَمَفَاسِدُهُمْ لِيَجْتَنِبُوهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ لَهُمْ لِيُعَادُوهُ وَيُخَالِفُوهُ، فَرَتَّبَ مَصَالِحَ الدَّارَيْنِ عَلَى طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، فَأَنْزَلَ الْكُتُبَ بِالْأَمْرِ وَالزَّجْرِ وَالْوَعْدِ الْوَعِيدِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَصْلَحَهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
(1/3)

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا]
عَلَى الظُّنُونِ
الِاعْتِمَادُ فِي جَلْبِ مُعْظَمِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا عَلَى مَا يَظْهَرُ فِي الظُّنُونِ. وَلِلدَّارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا، وَتَحْصِيلُ مُعْظَمِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِهَا مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ؛ فَإِنَّ عُمَّالَ الْآخِرَةِ لَا يَقْطَعُونَ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ الظُّنُونِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا يَعْمَلُونَ، وَقَدْ جَاءَ التَّنْزِيلُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الدُّنْيَا إنَّمَا يَتَصَرَّفُونَ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ الظُّنُونِ، وَإِنَّمَا اُعْتُمِدَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا عِنْدَ قِيَامِ أَسْبَابِهَا؛ فَإِنَّ التُّجَّارَ يُسَافِرُونَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ يُسْتَعْمَلُونَ بِمَا بِهِ يَرْتَفِقُونَ، وَالْأَكَّارُونَ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُسْتَغَلُّونَ، وَالْجَمَّالُونَ وَالْبَغَّالُونَ يَتَصَدَّرُونَ لِلْكِرَاءِ لَعَلَّهُمْ يُسْتَأْجَرُونَ، وَالْمُلُوكُ يُجَنِّدُونَ الْأَجْنَادَ وَيُحَصِّنُونَ الْبِلَادَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ بِذَلِكَ يَنْتَصِرُونَ.
وَكَذَلِكَ يَأْخُذُ الْأَجْنَادُ الْحَذَرَ وَالْأَسْلِحَةَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ وَيَسْلَمُونَ، وَالشُّفَعَاءُ يَشْفَعُونَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ يُشْفَعُونَ وَالْعُلَمَاءُ يَشْتَغِلُونَ بِالْعُلُومِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ يَنْجَحُونَ وَيَتَمَيَّزُونَ.
وَكَذَلِكَ النَّاظِرُونَ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي تَعَرُّفِ الْأَحْكَامِ، يَعْتَمِدُونَ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِمَا يَطْلُبُونَ، وَالْمَرْضَى يَتَدَاوَوْنَ لَعَلَّهُمْ يُشْفَوْنَ وَيَبْرَءُونَ. وَمُعْظَمُ هَذِهِ الظُّنُونِ صَادِقٌ مُوَافِقٌ غَيْرُ مُخَالِفٍ وَلَا كَاذِبٍ، فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ الْغَالِبَةِ الْوُقُوعُ خَوْفًا مِنْ نُدُورِ وَكَذِبِ الظُّنُونِ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا الْجَاهِلُونَ.
(1/4)

[فَصْلٌ فِيمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ]
فِيمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ لِمَا عَارَضَهُ أَوْ رَجَحَ عَلَيْهِ
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِقَامَةِ مَصَالِحَ مُتَجَانِسَةٍ وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا عَنْ الْأَمْرِ، إمَّا لِمَشَقَّةِ مُلَابَسَتِهَا وَإِمَّا لِمَفْسَدَةٍ تُعَارِضُهَا، وَزَجَرَ عَنْ مَفَاسِدَ مُتَمَاثِلَةٍ وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا عَنْ الزَّجْرِ إمَّا لِمَشَقَّةِ اجْتِنَابِهَا، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ تُعَارِضُهَا، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالنَّفْعِ وَالضَّرِّ، وَالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ كُلَّهَا خُيُورٌ نَافِعَاتٌ حَسَنَاتٌ، وَالْمَفَاسِدَ بِأَسْرِهَا شُرُورٌ مُضِرَّاتٌ سَيِّئَاتٌ، وَقَدْ غَلَبَ فِي الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالُ الْحَسَنَاتِ فِي الْمَصَالِحِ، وَالسَّيِّئَاتِ فِي الْمَفَاسِدِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَفِي تَفَاوُتِهِمَا]
فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَفِي تَفَاوُتِهِمَا
وَمُعْظَمُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَمَفَاسِدِهَا مَعْرُوفٌ بِالْعَقْلِ وَذَلِكَ مُعْظَمُ الشَّرَائِعِ؛ إذْ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَنَّ تَحْصِيلَ الْمَصَالِحِ الْمَحْضَةِ، وَدَرْءَ الْمَفَاسِدِ الْمَحْضَةِ عَنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَعَنْ غَيْرِهِ مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ أَرْجَحِ الْمَصَالِحِ فَأَرْجَحِهَا مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ دَرْءَ أَفْسَدِ الْمَفَاسِدِ فَأَفْسَدِهَا مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ أَرْجَحِ الْمَصَالِحِ فَأَرْجَحِهَا مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ دَرْءَ أَفْسَدِ الْمَفَاسِدِ فَأَفْسَدِهَا مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَرْجُوحَةِ مَحْمُودٌ حَسَنٌ، وَأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَرْجُوحَةِ مَحْمُودٌ حَسَنٌ.
وَاتَّفَقَ الْحُكَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الشَّرَائِعُ عَلَى تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَعَلَى تَحْصِيلِ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ أَنَّ ذَلِكَ
(1/5)

لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي التَّسَاوِي وَالرُّجْحَانِ، فَيَتَحَيَّرُ الْعِبَادُ عِنْدَ التَّسَاوِي وَيَتَوَقَّفُونَ إذَا تَحَيَّرُوا فِي التَّفَاوُتِ وَالتَّسَاوِي.
وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ يَدْفَعُونَ أَعْظَمَ الْمَرَضَيْنِ بِالْتِزَامِ بَقَاءِ أَدْنَاهُمَا، وَيَجْلِبُونَ أَعْلَى السَّلَامَتَيْنِ وَالصِّحَّتَيْنِ وَلَا يُبَالُونَ بِفَوَاتِ أَدْنَاهُمَا، وَيَتَوَقَّفُونَ عِنْدَ الْحِيرَةِ فِي التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتِ؛ فَإِنَّ الطِّبَّ كَالشَّرْعِ وُضِعَ لِجَلْبِ مَصَالِحِ السَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَلِدَرْءِ مَفَاسِدِ الْمَعَاطِبِ وَالْأَسْقَامِ، وَلِدَرْءِ مَا أَمْكَنَ دَرْؤُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِجَلْبِ مَا أَمْكَنَ جَلْبُهُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ أَوْ جَلْبُ الْجَمِيعِ فَإِنْ تَسَاوَتْ الرُّتَبُ تُخُيِّرَ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ اُسْتُعْمِلَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ عِرْفَانِهِ وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ الْجَهْلِ بِهِ. وَاَلَّذِي وَضَعَ الشَّرْعَ هُوَ الَّذِي وَضَعَ الطِّبَّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضُوعٌ لِجَلْبِ مَصَالِحَ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ.
وَكَمَا لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ لِلْمُتَوَقِّفِ فِي الرُّجْحَانِ فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الرَّاجِحُ، فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلطَّبِيبِ الْإِقْدَامُ مَعَ التَّوَقُّفِ فِي الرُّجْحَانِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لَهُ الرَّاجِحُ، وَمَا يَحِيدُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا جَاهِلٌ بِالصَّالِحِ وَالْأَصْلَحِ، وَالْفَاسِدِ وَالْأَفْسَدِ، فَإِنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا جَاهِلٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ أَوْ أَحْمَقُ زَادَتْ عَلَيْهِ الْغَبَاوَةُ. فَمَنْ حَرَّمَ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ مِنْ الْكَفَرَةِ رَامٍ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الْحَيَوَانِ فَحَادَ عَنْ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ مَصْلَحَةَ حَيَوَانٍ خَسِيسٍ عَلَى مَصْلَحَةِ حَيَوَانٍ نَفِيسٍ، وَلَوْ خَلَوْا عَنْ الْجَهْلِ وَالْهَوَى لَقَدَّمُوا الْأَحْسَنَ عَلَى الْأَخَسِّ، وَلَدَفَعُوا الْأَقْبَحَ بِالْتِزَامِ الْقَبِيحِ. {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم: 29] ؟ فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَعَصَمَهُ أَطْلَعَهُ عَلَى دَقِّ ذَلِكَ وَجُلِّهِ، وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ فَازَ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.
قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعُدُّهُمْ قَلِيلًا فَقَدْ صَارُوا أَقَلَّ مِنْ الْقَلِيلِ، وَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْأَحْكَامِ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَعَصَمَهُ مِنْ الزَّلَلِ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الرَّاجِحَةِ، فَأَصَابَ الصَّوَابَ فَأَجْرُهُ عَلَى قَصْدِهِ وَصَوَابِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَخْطَأَ الرُّجْحَانَ
(1/6)

فَإِنَّ أَجْرَهُ عَلَى قَصْدِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيُعْفَى عَنْ خَطَئِهِ وَزَلَلِهِ. وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الْخَطَأُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُصُولِ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ وَدَرْءَ الْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ مَرْكُوزٌ فِي طَبَائِعِ الْعِبَادِ نَظَرًا لَهُمْ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَلَوْ خَيَّرْت الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ بَيْنَ اللَّذِيذِ وَالْأَلَذِّ لَاخْتَارَ الْأَلَذَّ، وَلَوْ خُيِّرَ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ لَاخْتَارَ الْأَحْسَنَ، وَلَوْ خُيِّرَ بَيْنَ فَلْسٍ وَدِرْهَمٍ لَاخْتَارَ الدِّرْهَمَ، وَلَوْ خُيِّرَ بَيْنَ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ لَاخْتَارَ الدِّينَارَ. لَا يُقَدِّمُ الصَّالِحَ عَلَى الْأَصْلَحِ إلَّا جَاهِلٌ بِفَضْلِ الْأَصْلَحِ، أَوْ شَقِيٌّ مُتَجَاهِلٌ لَا يَنْظُرُ إلَى مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْخَالِصَةَ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ، فَإِنْ الْمَآكِلَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ وَالْمَنَاكِحَ وَالْمَرَاكِبَ وَالْمَسَاكِنَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِنَصَبٍ مُقْتَرِنٍ بِهَا، أَوْ سَابِقٍ، أَوْ لَاحِقٍ، وَأَنَّ السَّعْيَ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا شَاقٌّ عَلَى مُعْظَمِ الْخَلْقِ لَا يُنَالُ إلَّا بِكَدٍّ وَتَعَبٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْآفَاتِ مَا يُنْكِدُهَا وَيُنَغِّصُهَا، فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَاقٌّ. أَمَّا الْمَآكِلُ وَالْمَشَارِبُ فَيَتَأَلَّمُ الْإِنْسَانُ بِشَهْوَتِهَا، ثُمَّ يَتَأَلَّمُ بِالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهَا. ثُمَّ يَتَأَلَّمُ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْأَقْذَارِ وَمُعَالَجَةِ غُسْلِهِ بِيَدِهِ.
وَأَمَّا الْمَلَابِسُ فَمَفَاسِدُهَا مَشَقَّةُ اكْتِسَابِهَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ آفَاتِهَا؛ كَالتَّخَرُّقِ وَالتَّفَتُّقِ وَالْبِلَى وَالِاحْتِرَاقِ.
وَأَمَّا الْمَنَاكِحُ فَيَتَأَلَّمُ الْمَرْءُ بِمُؤَنِهَا وَنَفَقَتِهَا وَكُسْوَتِهَا وَجَمِيعِ حُقُوقِهَا.
وَأَمَّا الْمَرَاكِبُ فَمَفَاسِدُهَا مَشَقَّةُ اكْتِسَابِهَا وَالْعَنَاءُ فِي الْقِيَامِ بِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا وَحِفْظِهَا وَسِيَاسَتِهَا، وَمَا عَسَاهُ يَلْحَقُهَا مِنْ الْآفَاتِ، وَكَذَلِكَ الرَّقِيقُ فِيهِ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ.
وَأَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِكَدٍّ وَنَصَبٍ، وَتَقْتَرِنُ بِهَا آفَاتُهَا مِنْ الِانْهِدَامِ وَالِاحْتِرَاقِ وَالتَّزَلْزُلِ وَالتَّعَيُّبِ وَسُوءِ الْجَارِ، وَالضِّيقِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ ضِيقَهَا، وَاتِّسَاعِهَا عَلَى مَنْ يَتَأَلَّمُ بِاتِّسَاعِهَا، وَسُوءِ صُقْعِهَا فِي الْوَخَامَةِ وَالدَّمَامَةِ وَالْبُعْدِ مِنْ الْمَاءِ وَمُجَاوَرَةِ الْأَتُّونَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ وَالْمَدَابِغِ ذَوَاتِ الرَّوَائِحِ الْمُسْتَخْبَثَاتِ.
(1/7)

وَالِاشْتِهَاءُ كُلُّهُ مَفَاسِدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْآلَامِ، فَلَا تَحْصُلُ لَذَّةُ شَهْوَةٍ إلَّا بِتَأَلُّمِ الطَّبْعِ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مُؤَدِّيَةً إلَى مَفْسَدَةٍ عَاجِلَةٍ أَوْ آجِلَةٍ يَعْقُبُهَا مَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْعِظَامِ، وَرُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا وَبِيلًا. فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَتْ الشَّهْوَةُ أَلَمًا وَمَرَارَةً فَالْجَنَّةُ إذَنْ دَارُ الْآلَامِ وَالْمَرَارَاتِ لِأَنَّ فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ؟ قُلْت أَلَمُ الشَّهْوَةِ مُخْتَصٌّ بِدَارِ الْمِحْنَةِ.
وَأَمَّا دَارُ الْكَرَامَةِ فَإِنَّ اللَّذَّةَ تَحْصُلُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ يَتَقَدَّمُهَا أَوْ يَقْتَرِنُ بِهَا، لِأَنَّ اللَّذَّةَ وَالْأَلَمَ فِي ذَلِكَ عَرَضَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي هَذِهِ الدَّارِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ، وَتِلْكَ الدَّارُ قَدْ خُرِقَتْ فِيهَا الْعَادَةُ كَمَا خُرِقَتْ فِي الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالتَّعَادِي وَالتَّحَاسُدِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ.
وَكَذَلِكَ تُخْرَقُ الْعَادَةُ فِي وُجْدَانِ لَذَّتِهَا مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ سَابِقٍ أَوْ مُقَارِنٍ؛ فَيَجِدُ أَهْلُهَا لَذَّةَ الشَّرَابِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ وَلَا ظَمَأٍ، وَلَذَّةَ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا سَغَبٍ، وَكَذَلِكَ خَرْقُ الْعَادَاتِ فِي الْعُقُوبَاتِ؛ فَإِنَّ أَقَلَّ عُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ لَا تَبْقَى مَعَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَيَاةٌ.
وَأَمَّا فِي تِلْكَ الدَّارِ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَتَأْتِيهِ أَسْبَابُ الْمَوْتِ مِنْ كُلِّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ.
وَأَمَّا مَصَالِحُ الْآخِرَةِ وَمَفَاسِدُهَا فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَمَصَالِحُ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدُهُمَا فِي رُتَبٍ مُتَفَاوِتَةٍ فَمِنْهَا؛ مَا هُوَ فِي أَعْلَاهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي أَدْنَاهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ. فَكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَفِيهِ مَصْلَحَةُ الدَّارَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، وَكُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَفِيهِ مَفْسَدَةٌ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا، فَمَا كَانَ مِنْ الِاكْتِسَابِ مُحَصَّلًا لِأَحْسَنِ الْمَصَالِحِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مُحَصَّلًا لِأَقْبَحِ الْمَفَاسِدِ فَهُوَ أَرْذَلُ الْأَعْمَالِ. فَلَا سَعَادَةَ أَصْلَحَ مِنْ الْعِرْفَانِ وَالْإِيمَانِ وَطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَلَا شَقَاوَةَ أَقْبَحَ مِنْ الْجَهْلِ بِالدَّيَّانِ وَالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. وَيَتَفَاوَتُ ثَوَابُ الْآخِرَةِ بِتَفَاوُتِ الْمَصَالِحِ فِي الْأَغْلَبِ، وَيَتَفَاوَتُ عِقَابُهَا بِتَفَاوُتِ الْمَفَاسِدِ فِي الْأَغْلَبِ، وَمُعْظَمُ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِاكْتِسَابِ الْمَصَالِحِ وَأَسْبَابِهَا، وَالزَّجْرُ عَنْ اكْتِسَابِ الْمَفَاسِدِ وَأَسْبَابِهَا، فَلَا نِسْبَةَ بِمَصَالِح الدُّنْيَا وَمَفَاسِدِهَا إلَى مَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَمَفَاسِدِهَا، لِأَنَّ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ
(1/8)

خُلُودُ الْجِنَانِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ، مَعَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَيَا لَهُ مِنْ نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وَمَفَاسِدَهَا خُلُودُ النِّيرَانِ وَسَخَطُ الدَّيَّانِ مَعَ الْحَجْبِ عَنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَيَا لَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَالْمَصَالِحُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا مَصَالِحُ الْمُبَاحَاتِ.
الثَّانِي مَصَالِحُ الْمَنْدُوبَاتِ.
الثَّالِثُ: مَصَالِحُ الْوَاجِبَاتِ.
وَالْمَفَاسِدُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَفَاسِدُ الْمَكْرُوهَاتِ.
الثَّانِي: مَفَاسِدُ الْمُحَرَّمَاتِ.

[فَائِدَةٌ قَدَّمَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ عَلَى مَصَالِحِ الدنيا]
(فَائِدَةٌ) قَدَّمَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ عَلَى مَصَالِحِ هَذِهِ الدَّارِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتَفَاوُتِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَدَرَءُوا مَفَاسِدَ الْآخِرَةِ بِالْتِزَامِ مَفَاسِدِ بَعْضِ هَذِهِ الدَّارِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِتَفَاوُتِ الرُّتْبَتَيْنِ.
وَأَمَّا أَصْفِيَاءُ الْأَصْفِيَاءِ فَإِنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ لَذَّاتِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ أَشْرَفُ اللَّذَّاتِ فَقَدَّمُوهَا عَلَى لَذَّاتِ الدَّارَيْنِ. وَلَوْ عَرَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا عَرَفُوهُ؛ لَكَانُوا أَمْثَالَهُمْ فَنَصِبُوا لِيَسْتَرِيحُوا وَاغْتَرَبُوا لِيَقْتَرِبُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ تَحْضُرُهُ الْمَعَارِفُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ، فَيَنْشَأُ عَنْهَا الْأَحْوَالُ اللَّائِقَةُ بِهَا بِغَيْرِ تَصَنُّعٍ وَلَا تَخَلُّقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَذْكِرُ الْمَعَارِفَ لِيَنْشَأَ عَنْهَا أَحْوَالُهَا، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَقَدْ يَتَكَلَّفُ الْمَحْرُومُ اسْتِحْضَارَ الْمَعَارِفِ فَلَا تَحْضُرُهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ عَرَّفَ نَفْسَهُ لِهَؤُلَاءِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ وَلَا وَصَبٍ، بَلْ جَادَ عَلَيْهِمْ وَسَقَاهُمْ خَالِصَ وَبْلِهِ وَصَافِيَ فَضْلِهِ فَشَغَلَهُمْ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ فَلَا هَمَّ لَهُمْ سِوَاهُ وَلَا مُؤْنِسَ لَهُمْ غَيْرَهُ وَلَا مُعْتَمَدَ لَهُمْ إلَّا عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهُمْ إلَّا إلَيْهِ؛ فَرَضُوا بِقَضَائِهِ وَصَبَرُوا عَلَى بَلَائِهِ وَشَكَرُوا لِنَعْمَائِهِ، يَتَّسِعُ عَلَيْهِمْ مَا يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ وَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ مَا يَتَّسِعُ لِلنَّاسِ، أَدَبُهُمْ الْقُرْآنُ مُعَلِّمُهُمْ الرَّحْمَنُ وَجَلِيسُهُمْ الدَّيَّانُ وَسَرَابِيلُهُمْ الْإِذْعَانُ، قَدْ انْقَطَعُوا عَنْ الْإِخْوَانِ وَتَغَرَّبُوا عَنْ الْأَوْطَانِ، بُكَاؤُهُمْ طَوِيلٌ وَفَرَحُهُمْ قَلِيلٌ يَرِدُونَ كُلَّ حِينٍ مَوْرِدًا لَمْ يَتَوَهَّمُوهُ، وَيَنْزِلُونَ مَنْزِلًا لَمْ يَفْهَمُوهُ، وَيُشَاهِدُونَ مَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، لَا يَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ عَارِفٌ، وَلَا يَصِفُ أَحْوَالَهُمْ وَاصِفٌ، إلَّا مَنْ نَازَلَهَا وَلَابَسَهَا، قَدْ اتَّصَفُوا بِأَخْلَاقِ الْقُرْآنِ عَلَى حَسْبِ الْإِمْكَانِ، وَتِلْكَ الْأَخْلَاقُ مُوجِبَةٌ لِرِضَا الرَّحْمَنِ وَسُكْنَى الْجِنَانِ فِي الرَّغَدِ وَالْأَمَانِ، مَعَ النَّظَرِ إلَى الدَّيَّانِ.
(1/9)

[فَصْلٌ فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ مَصَالِحُ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدُهُمَا]
فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ مَصَالِحُ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدُهُمَا
أَمَّا مَصَالِحُ الدَّارَيْنِ وَأَسْبَابُهَا وَمَفَاسِدُهَا فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ، فَإِنْ خَفِيَ مِنْهَا شَيْءٌ طُلِبَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ الْمُعْتَبَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الصَّحِيحُ.
وَأَمَّا مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَأَسْبَابُهَا وَمَفَاسِدُهَا فَمَعْرُوفَةٌ بِالضَّرُورَاتِ وَالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ وَالظُّنُونِ الْمُعْتَبَرَاتِ، فَإِنْ خَفِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ طُلِبَ مِنْ أَدِلَّتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُتَنَاسِبَاتِ وَالْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ رَاجِحَهُمَا وَمَرْجُوحَهُمَا فَلْيَعْرِضْ ذَلِكَ عَلَى عَقْلِهِ بِتَقْدِيرِ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ فَلَا يَكَادُ حُكْمٌ مِنْهَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مَا تَعَبَّدَ اللَّهَ بِهِ عِبَادَهُ وَلَمْ يَقِفْهُمْ عَلَى مَصْلَحَتِهِ أَوْ مَفْسَدَتِهِ، وَبِذَلِكَ تُعْرَفُ حُسْنُ الْأَعْمَالِ وَقُبْحُهَا، مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَلْبُ مَصَالِحِ الْحَسَنِ، وَلَا دَرْءُ مَفَاسِدِ الْقَبِيحِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خَلْقٌ وَلَا رِزْقٌ وَلَا تَكْلِيفٌ وَلَا إثَابَةٌ وَلَا عُقُوبَةٌ، وَإِنَّمَا يَجْلِبُ مَصَالِحَ الْحَسَنِ وَيَدْرَأُ مَفَاسِدَ الْقَبِيحِ طُولًا مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتَفَضُّلًا، وَلَوْ عُكِسَ الْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا إذْ لَا حَجْرَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَاصِدِ هَذَا الْكِتَابِ]
الْغَرَضُ بِوَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ مَصَالِحِ الطَّاعَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ لِسَعْيِ الْعِبَادِ فِي تَحْصِيلِهَا، وَبَيَانُ مَقَاصِدِ الْمُخَالَفَاتِ لِيَسْعَى الْعِبَادُ فِي دَرْئِهَا، وَبَيَانُ مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ لِيَكُونَ الْعِبَادُ عَلَى خَبَرٍ مِنْهَا، وَبَيَانُ مَا يُقَدَّمُ مِنْ بَعْضِ الْمَصَالِحِ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا يُؤَخَّرُ مِنْ بَعْضِ الْمَفَاسِدِ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا يَدْخُلُ تَحْتَ اكْتِسَابِ الْعَبِيدِ دُونَ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ،
(1/10)

وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا مَصَالِحُ إمَّا تَدْرَأُ مَفَاسِدَ أَوْ تَجْلِبُ مَصَالِحَ، فَإِذَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104] ؛ فَتَأَمَّلْ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ نِدَائِهِ، فَلَا تَجِدُ إلَّا خَيْرًا يَحُثُّك عَلَيْهِ أَوْ شَرًّا يَزْجُرُك عَنْهُ، أَوْ جَمْعًا بَيْنَ الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، وَقَدْ أَبَانَ فِي كِتَابِهِ مَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْمَفَاسِدِ حَثًّا عَلَى اجْتِنَابِ الْمَفَاسِدِ وَمَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ حَثًّا عَلَى إتْيَانِ الْمَصَالِحِ. فَصْلٌ فِي تَقْسِيمِ اكْتِسَابِ الْعِبَادِ
اعْلَمْ أَنَّ اكْتِسَابَ الْعِبَادِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمَصَالِحِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ.
وَالثَّانِي: مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَصَالِحَ أُخْرَوِيَّةٍ.
الثَّالِثُ مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الِاكْتِسَابَاتِ مَأْمُورٌ بِهَا، وَيَتَأَكَّدُ الْأَمْر بِهَا عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهَا فِي الْحُسْنِ وَالرَّشَادِ، وَمِنْ هَذِهِ الِاكْتِسَابَاتِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ الثَّوَابِ كَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ، وَقَدْ يَكُونُ الثَّوَابُ خَيْرًا مِنْ الِاكْتِسَابِ كَالنَّظَرِ إلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَرِضَاهُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ سِوَى النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ الِاكْتِسَابِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمَفَاسِدِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَفَاسِدَ دُنْيَوِيَّةٍ، الثَّانِي مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَفَاسِدَ أُخْرَوِيَّةٍ، الثَّالِثُ: مَا هُوَ سَبَبٌ لِمَفَاسِدَ دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الِاكْتِسَابَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَيَتَأَكَّدُ النَّهْيُ عَنْهَا عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهَا فِي الْقُبْحِ وَالْفَسَادِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ]
الْمَصَالِحُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: اللَّذَّاتُ وَأَسْبَابُهَا، وَالْأَفْرَاحُ وَأَسْبَابُهَا. وَالْمَفَاسِدُ
(1/11)

أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الْآلَامُ وَأَسْبَابُهَا، وَالْغُمُومُ وَأَسْبَابُهَا، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ، فَأَمَّا لَذَّاتُ الدُّنْيَا وَأَسْبَابُهَا وَأَفْرَاحُهَا وَآلَامُهَا وَأَسْبَابُهَا، وَغُمُومُهَا وَأَسْبَابُهَا، فَمَعْلُومَةٌ بِالْعَادَاتِ، وَمِنْ أَفْضَلِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا لَذَّاتُ الْمَعَارِفِ وَبَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَذَّاتُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ، فَلَيْسَ مَنْ جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَنْ جُعِلَتْ الصَّلَاةُ شَاقَّةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَنْ يَرْتَاحُ إلَى إيتَاءِ الزَّكَاةِ كَمَنْ يَبْذُلُهَا وَهُوَ كَارِهٌ لَهَا، وَأَمَّا لَذَّاتُ الْآخِرَةِ وَأَسْبَابُهَا وَأَفْرَاحُهَا وَأَسْبَابُهَا، وَآلَامُهَا وَأَسْبَابُهَا وَغُمُومُهَا وَأَسْبَابُهَا، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَالزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ.
وَأَمَّا اللَّذَّاتُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف: 71] ، وَقَوْلِهِ: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ - بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [الصافات: 45 - 46] .
وَأَمَّا الْأَفْرَاحُ فَفِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 11] ، وَقَوْلِهِ: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 170] .
وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} [آل عمران: 171] .
وَأَمَّا الْآلَامُ فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] ، وَقَوْلِهِ: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] .
وَأَمَّا الْغُمُومُ فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} [الحج: 22] .

[فَائِدَةٌ سَعَى النَّاسُ فِي جَانِبِ الْأَفْرَاحِ وَاللَّذَّاتِ وَفِي دَرْءِ الْغُمُومِ الْمُؤْلِمَاتِ]
(فَائِدَةٌ) سَعَى النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي جَانِبِ الْأَفْرَاحِ وَاللَّذَّاتِ وَفِي دَرْءِ الْغُمُومِ الْمُؤْلِمَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الْأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ فَالْأَعْلَى وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى طَلَبِ الْأَدْنَى، وَمِنْهُمْ السَّاعُونَ فِي الْمُتَوَسِّطَاتِ، وَالْقَدَرُ مِنْ وَرَاءِ سَعْيِ السَّعَادَةِ وَكُلٌّ مُتَسَبِّبٌ فِي مَطْلُوبِهِ. فَمِنْ بَيْنِ ظَافِرٍ وَخَائِبٍ وَمَغْلُوبٍ وَغَالِبٍ وَرَابِحٍ وَخَاسِرٍ وَمُتَمَكِّنٍ وَحَاسِرٍ، كُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ وَإِلَى الْقَضَاءِ يَنْقَلِبُونَ، فَمَنْ طَلَبَ لَذَّاتِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ فِي الدُّنْيَا وَلَذَّةَ النَّظَرِ وَالْقُرْبِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ الطَّالِبِينَ، لِأَنَّ مَطْلُوبَهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَطْلُوبٍ، وَمَنْ طَلَبَ نَعِيمَ الْجِنَانِ وَأَفْرَاحَهَا وَلَذَّاتِهَا فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ طَلَبَ أَفْرَاحَ هَذِهِ الدَّارِ وَلَذَّاتِهَا فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَتَفَاوَتُ هَؤُلَاءِ الطُّلَّابُ فِي رُتَبِ
(1/12)

مَطْلُوبَاتِهِمْ. فَمِنْهُمْ الْأَعْلَوْنَ وَالْمُتَوَسِّطُونَ، فَأَمَّا طُلَّابُ الْآخِرَةِ فَاقْتَصَرُوا مِنْ طَلَبِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَأَفْرَاحِهَا عَلَى مَا يَدْفَعُ الْحَاجَةَ أَوْ الضَّرُورَةَ وَاشْتَغَلُوا بِمَطَالِبِ الْآخِرَةِ، وَلَنْ يَصِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا إلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، وَقَدْ غَرَّ بَعْضَهُمْ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بَعْضَ مَا طَلَبُوا فَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ بِحَزْمِهِمْ وَقُوَاهُمْ فَخَابُوا وَنَكَصُوا وَوُكِّلُوا إلَى أَنْفُسِهِمْ فَهَلَكُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ وَاظَبَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ خَيْرًا إلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَلَا يَنَالُ ضَيْرًا إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَزَالُونَ فِي زِيَادَةٍ، لِأَنَّ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَارِفَ وَالْأَحْوَالَ إذَا دَامَتْ أَدَّتْ إلَى أَمْثَالِهَا وَإِلَى أَفْضَلَ مِنْهَا. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ اللَّهِ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنْهُ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ مَشَى إلَيْهِ هَرْوَلَ إلَيْهِ وَمَنْ نَسَبَ شَيْئًا إلَى نَفْسِهِ فَقَدْ زَلَّ وَضَلَّ، وَمَنْ نَسَبَ الْأَشْيَاءَ إلَى خَالِقِهَا الْمُنْعِمِ بِهَا كَانَ فِي الزِّيَادَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] ، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] .
وَأَفْضَلُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ التَّذَلُّلُ لِعِزَّةِ اللَّهِ وَالتَّخَضُّعُ لِعَظَمَتِهِ وَالْإِيحَاشُ لِهَيْبَتِهِ، وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْعَارِفِينَ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ طَرِيقُ الْجَاهِلِينَ أَوْ الْغَافِلِينَ، وَقَدْ تَمَّتْ الْحِكْمَةُ وَفُرِغَ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَسَيَنْزِلُ كُلُّ أَحَدٍ فِي دَارِ قَرَارِهِ حُكْمًا وَعَدْلًا وَحَقًّا، قِسْطًا وَفَضْلًا، وَمَا ثَبَتَ فِي الْقِدَمِ لَا يُخْلِفُهُ الْعَدَمُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الْهِمَمُ، بَعْدَ أَنْ جَرَى بِهِ الْقَلَمُ وَقَضَاهُ الْعَدْلُ الْحَكَمُ، فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ وَإِلَى أَيْنَ الْمَذْهَبُ وَقَدْ عَزَّ الْمَطْلَبُ وَوَقَعَ مَا يُذْهِبُ، فَيَا خَيْبَةً مِنْ طَلَبِ مَا لَمْ تَجُزْ بِهِ الْأَقْدَارُ وَلَمْ تَكْتُبْهُ الْأَقْلَامُ، يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَخَيْبَةٍ مَا أَفْحَمَهَا. أَيْنَ الْمَهْرَبُ مِنْ اللَّهِ وَأَيْنَ الذَّهَابُ عَنْ اللَّهِ وَأَيْنَ الْفِرَارُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ؟ بَيِّنًا يُرَى أَحَدُهُمْ قَرِيبًا دَانِيًا إذْ أَصْبَحَ بَعِيدًا نَائِيًا، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا حِفْظًا وَلَا رَفْعًا
(1/13)

بِأَيِّ نَوَاحِي الْأَرْضِ نَرْجُو وِصَالَكُمْ ... وَأَنْتُمْ مُلُوكٌ مَا لِمَقْصِدِكُمْ نَحْوُ
وَاَللَّهِ لَنْ تَصِلَ إلَى شَيْءٍ إلَّا بِاَللَّهِ فَكَيْفَ تُوصَلُ بِغَيْرِهِ.

[فَصْلٌ الْمَصَالِحُ ضَرْبَانِ]
(فَصْلٌ) الْمَصَالِحُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ الْأَفْرَاحُ وَاللَّذَّاتُ، وَالثَّانِي مَجَازِيٌّ وَهُوَ أَسْبَابُهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الْمَصَالِحِ مَفَاسِدُ فَيُؤْمَرُ بِهَا أَوْ تُبَاحُ لَا لِكَوْنِهَا مَفَاسِدَ بَلْ لِكَوْنِهَا مُؤَدِّيَةً إلَى مَصَالِحَ، وَذَلِكَ كَقَطْعِ الْأَيْدِي الْمُتَآكِلَةِ حِفْظًا لِلْأَرْوَاحِ، وَكَالْمُخَاطَرَةِ بِالْأَرْوَاحِ فِي الْجِهَادِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِكَوْنِهَا مَفَاسِدَ بَلْ لِكَوْنِهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْ شَرْعِهَا كَقَطْعِ السَّارِقِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْجُنَاةِ وَرَجْمِ الزُّنَاةِ وَجَلْدِهِمْ وَتَغْرِيبِهِمْ: وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرَاتُ، كُلُّ هَذِهِ مَفَاسِدُ أَوْجَبَهَا الشَّرْعُ لِتَحْصِيلِ مَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْحَقِيقَةِ، وَتَسْمِيَتُهَا بِالْمَصَالِحِ مِنْ مَجَازِ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ.
وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِدُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ الْغُمُومُ وَالْآلَامُ، وَالثَّانِي مَجَازِيٌّ وَهُوَ أَسْبَابُهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الْمَفَاسِدِ مَصَالِحَ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْهَا لَا لِكَوْنِهَا مَصَالِحَ بَلْ لِأَدَائِهَا إلَى الْمَفَاسِدِ وَذَلِكَ كَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالتَّرَفُّهَاتِ بِتَرْكِ مَشَاقِّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فَإِنَّهَا مَصَالِحُ نُهِيَ عَنْهَا لَا لِكَوْنِهَا مَصَالِحَ بَلْ لِأَدَائِهَا إلَى الْمَفَاسِدِ الْحَقِيقَةِ وَتَسْمِيَتُهَا مَفَاسِدُ مِنْ مَجَازِ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ.

[فَائِدَةٌ الْمَصَالِحُ الْمَحْضَةُ]
(فَائِدَةٌ) الْمَصَالِحُ الْمَحْضَةُ قَلِيلَةٌ وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» . وَالْمَكَارِهُ مَفَاسِدُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مَكْرُوهَاتٍ مُؤْلِمَاتٍ، وَالشَّهَوَاتُ مَصَالِحُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا شَهَوَاتٍ مَلَذَّاتٍ مُشْتَهَيَاتٍ، وَالْإِنْسَانُ بِطَبْعِهِ يُؤْثِرُ مَا رُجِحَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ، وَيَنْفِرُ مِمَّا رُجِحَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ الْحُدُودُ وَوَقَعَ التَّهْدِيدُ
(1/14)

وَالزَّجْرُ وَالْوَعِيدُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا نَظَرَ إلَى اللَّذَّاتِ وَإِلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ نَفَرَ مِنْهَا بِطَبْعِهِ لِرُجْحَانِ مَفَاسِدِهَا، لَكِنَّ الْأَشْقِيَاءَ لَا يَسْتَحْضِرُونَ ذِكْرَ مَفَاسِدِهَا إذَا قَصَدُوهَا، وَلِذَلِكَ يُقْدِمُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْعَاقِلَ إذَا ذَكَرَ مَا فِي قُبْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْ التَّعْزِيرِ وَالذَّمِّ الْعَاجِلَيْنِ وَالْعِقَابِ الْآجِلِ، زَجَرَهُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ اطِّلَاعَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ حَمَلَهُ أَلَمُ الِاسْتِحْيَاءِ وَالْخَجَلِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَاجْتِنَابِ لَذَّاتِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا فَكَّرَ فِي الْمَصَالِحِ الشَّاقَّةِ مِنْ الْغُمُومِ وَالْآلَامِ دَعَاهُ ذَلِكَ إلَى تَرْكِهَا، فَإِذَا ذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَكَارِهِهَا وَمَشَاقِّهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَصْبِرُ عَلَى أَلَمِ مَرَارَةِ الدَّوَاءِ، وَأَلَمِ قَلْعِ الْأَضْرَاسِ الْمُتَوَجِّعَةِ وَأَلَمِ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْمُتَآكِلَةِ؛ لِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ لَذَّاتِ الْعَافِيَةِ وَفَرَحَاتِهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ اطِّلَاعَ الرَّبِّ عَلَيْهِ وَنَظَرَهُ إلَيْهِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الطَّاعَةِ وَتَحَمُّلِ مَكَارِهِهَا وَمَشَاقِّهَا، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الطَّعَامِ الشَّهِيِّ وَالشَّرَابِ الْهَنِيِّ لِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمَا جَعَلَ فِي الطَّاعَاتِ شَيْئًا مِنْ الْمَكَارِهِ وَالْمَشَقَّاتِ، كَمَا فَعَلَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَلَمَا جَعَلَ فِي الْمَعَاصِي شَيْئًا مِنْ اللَّذَّاتِ وَالرَّاحَاتِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمَا قَعَدَ أَحَدٌ عَنْ طَاعَةٍ وَلَا أَقْدَمَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَكِنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِشِدَّةِ الِابْتِلَاءِ، وَلَيْسَ الْمَلَائِكَةُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَلَا أَلَمَ.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَخْلُقْ الْأَوْهَامَ وَلَا الشُّكُوكَ وَلَا التَّخَيُّلَاتِ وَلَا الظُّنُونَ فِي الْعَقَائِدِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، بَلْ خَلَقَ الْعِلْمَ بِالْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوَهُّمٍ مُضَلِّلٍ وَلَا شَكٍّ مُتْعِبٍ، وَلَا تَخَيُّلٍ مُجْهِلٍ وَلَا ظَنٍّ مُوهِمٍ، وَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَزُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْجَنَّةِ بِحَيْثُ
(1/15)

لَا يَبْقَى لِأَهْلِهَا إلَّا مَحْضُ الْعُلُومِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ نَعِيمُهُمْ وَسُرُورُهُمْ وَفَرَحُهُمْ وَحُبُورُهُمْ، أَمْ يَبْقَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا؟ وَلَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَلَعَلَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ الطَّائِعِينَ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِينَ، وَإِنَّمَا نَفْعُ الطَّاعَاتِ لِأَرْبَابِهَا وَسُوءُ الْمُخَالَفَاتِ لِأَصْحَابِهَا.

وَالْقُلُوبُ مَعَادِنُ الْخَوَاطِرِ وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْعُزُومِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْبُغْضِ وَالْحُبِّ وَالطَّوَاعِيَةِ وَالْإِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَقْوَالِ، وَكَذَلِكَ اسْتِحْسَانُ الْحَسَنِ وَاسْتِقْبَاحُ الْقَبِيحِ، وَكَذَلِكَ الظُّنُونُ الصَّادِقَةُ وَالْكَاذِبَةُ، وَقَدْ قُسِمَ لِكُلِّ قَلْبٍ مِنْ ذَلِكَ مَا سَبَقَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَاَللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَسْعَدَ مَنْ أَسْعَدَ بِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَأَشْقَى مَنْ أَشْقَى بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَكَيْفَ الْخَلَاصُ مِمَّا حُقَّ وَكُتِبَ، وَأَيْنَ الْمَهْرَبُ مِمَّا حُتِمَ وَوَجَبَ؟ فَمِثْلُ الْقَلْبِ كَمِثْلِ نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ الْمِيَاهُ عَلَى الدَّوَامِ، فَكَذَلِكَ الْخَوَاطِرُ فِي وُرُودِهَا عَلَى قُلُوبِ الْأَنَامِ لَا يَذْهَبُ خَاطِرُنَا بِهِ وَلَا مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ مِنْ الْعُزُومِ وَالْأَحْوَالِ وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ إلَّا رَدَّهُ خَاطِرٌ إمَّا مِنْ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ ثُمَّ الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ مِنْهَا مَا يَنْفَعُ، وَمِنْهَا مَا يَضُرُّ، وَمِنْهَا مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، فَكَذَلِكَ الْخَوَاطِرُ الْجَارِيَةُ فِي الْقُلُوبِ وَالْوَارِدَةُ عَلَيْهَا مِنْهَا مَا يَنْفَعُ وَمِنْهَا مَا يَضُرُّ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَالْإِنْسَانُ بَعْدَ ذَلِكَ مُكَلَّفٌ بِاجْتِنَابِ الْعُزُومِ عَلَى الْمَفَاسِدِ وَوَسَائِلِهَا، وَبِالْقُصُودِ إلَى الْمَصَالِحِ وَأَسْبَابِهَا وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الْخَوَاطِرِ، وَلَا بِوُرُودِ الْخَوَاطِرِ وَلَا بِمَيْلِ الطَّبْعِ إلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الْخَوَاطِرُ، وَلَا بِنُفُورِهِ عَمَّا أَتَتْ بِهِ الْخَوَاطِرُ.
وَالْخَوَاطِرُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ كَوُرُودِ الْمِيَاهِ عَلَى الْأَنْهَارِ.
(1/16)

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْخَوَاطِرِ بِالِاكْتِسَابِ، وَعَلَى الِاكْتِسَابِ يَتَرَتَّبُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.

[فَصْلٌ فِي الْحَثِّ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ]
لَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدْ جَبَلَ عِبَادَهُ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْأَفْرَاحِ وَاللَّذَّاتِ، وَالنُّفُورِ مِنْ الْغُمُومِ وَالْمُؤْلِمَاتِ وَأَنَّهُ قَدْ حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَعَدَ مَنْ عَصَى هَوَاهُ وَأَطَاعَ مَوْلَاهُ بِمَا أَعَدَّهُ فِي الْجِنَانِ مِنْ الْمَثُوبَةِ وَالرِّضْوَانِ، تَرْغِيبًا فِي الطَّاعَاتِ لِيَتَحَمَّلُوا مَكَارِهَهَا وَمَشَاقَّهَا، وَيَتَوَعَّدُ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ وَأَطَاعَ هَوَاهُ بِمَا أَعَدَّهُ فِي النِّيرَانِ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَالْهَوَانِ، زَجْرًا عَنْ الْمُخَالَفَاتِ لِيَجْتَنِبُوا مَلَاذَّهَا وَرَفَاهِيَتَهَا، وَمَدَحَ الطَّائِعِينَ تَرْغِيبًا فِي الدُّخُولِ فِي حَمْدِهِ وَمِدْحَتِهِ، وَذَمَّ الْعَاصِينَ تَنْفِيرًا مِنْ الدُّخُولِ فِي لَوْمِهِ وَمَذَمَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ وَضَعَ الْحُدُودَ وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةَ زَجْرًا عَنْ السَّيِّئَاتِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعِبَادِ اتِّبَاعُ الرَّشَادِ، وَتَنَكُّبُ أَسْبَابِ الْفَسَادِ، وَقَضَاءُ اللَّهِ وَقَدْرُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، فَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ، وَلَا خُرُوجَ لِعَبْدٍ عَمَّا حُكِمَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ بِمَثَابَةِ الْأَوْقَاتِ]
فِي بَيَانِ أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ بِمَثَابَةِ الْأَوْقَاتِ
التَّكَالِيفُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ جَالِبَةً لِلْمَصَالِحِ بِأَنْفُسِهَا وَلَا دَارِئَةً لِلْمَفَاسِدِ بِأَنْفُسِهَا، بَلْ الْأَسْبَابُ فِي الْحَقِيقَةِ مَوَاقِيتُ لِلْأَحْكَامِ وَلِمَصَالِحِ الْأَحْكَامِ، وَاَللَّهُ هُوَ الْجَالِبُ لِلْمَصَالِحِ الدَّارِئُ لِلْمَفَاسِدِ، وَلَكِنَّهُ أَجْرَى عَادَتَهُ وَطَرَدَ سُنَّتَهُ بِتَرْتِيبِ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى
(1/17)

بَعْضٍ، لِتَعْرِيفِ الْعِبَادِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ مَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ فَيَطْلُبُوهُ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَوُجُودِهَا، وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ شَرٍّ فَيَجْتَنِبُوهُ عِنْدَ قِيَامِهَا وَتَحَقُّقِهَا وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعَادَةِ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، فَكَمْ مِنْ مُرَغَّبٍ لَمْ يَرْغَبْ، وَكَمْ مِنْ مُرَهَّبٍ لَمْ يُرْهَبْ، وَكَمْ مِنْ مَزْجُورٍ لَمْ يَزْدَجِرْ، وَكَمْ مِنْ مُذَكَّرٍ لَمْ يَتَذَكَّرْ، وَكَمْ مِنْ مَأْمُورٍ بِالصَّبْرِ لَمْ يَصْطَبِرْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَطَعَ كُلَّ مُسَبَّبٍ عَنْ سَبَبِهِ، وَخَلَقَ الْمُسَبَّبَاتِ كُلَّهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الْأَسْبَابِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَ الْأَسْبَابَ كُلَّهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الْمُسَبَّبَاتِ، لَكِنَّهُ قَرَنَ الْأَسْبَابَ بِالْمُسَبَّبَاتِ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ، لِيُضِلَّ بِذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَاءَ لَأَقَامَ الْأَجْسَادَ بِدُونِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَمَا تَحَلَّلَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى الْخَلَفِ وَالْإِبْدَالِ. فَلَهُ أَنْ يَخْلُقَ أَلَمَ النَّارِ بِغَيْرِ نَارٍ وَلَذَّةَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا جِمَاعٍ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَاتِ، وَاللَّذَّاتِ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَهَا دُونَ مُسَبِّبَاتِهَا، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَ مُسَبَّبَاتِهَا دُونَهَا وَكَذَلِكَ الْقُوَى الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَ آثَارَهَا ابْتِدَاءً كَجَذْبِ الْغِذَاءِ بِغَيْرِ قُوَّةٍ جَاذِبَةٍ، وَأَمْسَكَ الْغِذَاءَ فِي حَالِ إمْسَاكِهِ بِغَيْرِ قُوَّةٍ مُمْسِكَةٍ، وَغَذَّى بِغَيْرِ، قُوَّةٍ مُغَذِّيَةٍ، وَدَفَعَ بِغَيْرِ قُوَّةٍ دَافِعَةٍ، وَصَوَّرَ بِغَيْرِ قُوَّةٍ مُصَوِّرَةٍ، وَلَمَّا رَأَى الْأَغْبِيَاءُ الْعُمْيُ عَنْ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ رَبْطَ الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ غَيْرِ انْفِكَاكٍ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ، اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ صَادِرَةٌ عَنْ الْأَسْبَابِ، وَأَنَّ الْأَسْبَابَ أَفَادَتْهَا الْوُجُودَ؛ فَاقْتَطَعُوا ذَلِكَ عَنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَأَضَافُوهُ إلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى أَبْرَزَتْ حُسْنَ وَجْهِهَا ... لَهَامَ بِهَا اللُّوَّامُ مِثْلَ هُيَامِي
(1/18)

وَلَكِنَّهَا أَخْفَتْ مَحَاسِنَ وَجْهِهَا ... فَضَلُّوا جَمِيعًا عَنْ حُضُورِ مَقَامِي
وَمَا أَشَدَّ طَمَعَ النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَضَعْ اللَّهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ سَبَبًا، كُلَّمَا نَظَرُوا فِيهِ وَحَرَصُوا عَلَيْهِ ازْدَادُوا حِيرَةً وَغَفْلَةً، فَالْحَزْمُ الْإِضْرَابُ عَنْهُ كَمَا فَعَلَ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَالْبَصَائِرُ كَالْأَبْصَارِ فَمَنْ حَرَصَ أَنْ يَرَى بِبَصَرِهِ مَا وَارَتْهُ الْجِبَالُ لَمْ يَنْفَعْهُ إطَالَةُ تَحْدِيقِهِ إلَى ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ السَّاتِرِ.
وَكَذَلِكَ تَحْدِيقُ الْبَصَائِرِ إلَى مَا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهَا وَسَتَرَهُ بِالْأَوْهَامِ وَالظُّنُونِ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ كَمْ مِنْ اعْتِقَادٍ جَزَمَ الْمَرْءُ بِهِ وَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مُخَالِفِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ وَقُبْحُهُ بَعْدَ الْجَزْمِ بِصَوَابِهِ وَحُسْنِهِ. وَمِنْ السَّعَادَةِ أَنْ يَخْتَارَ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَأَفْضَلِهَا بِحَيْثُ لَا يَضَعُ بِذَلِكَ مَا هُوَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْهُ، وَالسَّعَادَةُ كُلُّهَا فِي اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ فِي كُلِّ وِرْدٍ وَصَدْرٍ، وَنَبْذِ الْهَوَى فِيمَا يُخَالِفُهَا؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123] ، أَيْ فَلَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا عَنْ الصَّوَابِ وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 3] ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] مَا مِنْ طَاعَةٍ يَأْتِي بِهَا الطَّالِبُ عَلَى وَجْهِهَا إلَّا أَحْدَثَتْ فِي قَلْبِهِ نُورًا، وَكُلَّمَا كَثُرَتْ الطَّاعَاتُ تَرَاكَمَتْ الْأَنْوَارُ حَتَّى يَصِيرَ الْمُطِيعُ إلَى دَرَجَاتِ الْعَارِفِينَ الْأَبْرَارِ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ الْمُطِيعُونَ الْمُخْلِصُونَ. فَإِذَا خَلَتْ الْأَعْمَالُ
(1/19)

عَنْ الْإِخْلَاصِ لَمْ يَزْدَدْ الْعَامِلُونَ إلَّا ظُلْمَةً فِي الْقُلُوبِ، لِأَنَّهُمْ عَاصُونَ بِتَرْكِ الْإِخْلَاصِ وَإِبْطَالِ مَا أَفْسَدَهُ الرِّيَاءُ وَالتَّصَنُّعُ مِنْ الْأَعْمَالِ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَوْ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَرَّفَ عِبَادَهُ نَفْسَهُ وَأَوْصَافَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ لَهَامُوا فِي جَلَالِهِ وَتَحَيَّرُوا فِي كَمَالِهِ، لَكِنَّهُ كَشَفَ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّعَدَاءِ وَسَدَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَشْقِيَاءِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ كَشْفَ حِجَابٍ سَدَلَهُ اللَّهُ وَلَا حِفْظَ مَا ضَيَّعَهُ اللَّهُ وَأَهْمَلَهُ، جَرَتْ الْمَقَادِيرُ مِنْ الْأَزَلِ وَاسْتَمَرَّتْ فِي الْأَبَدِ وَجَفَّتْ الْأَقْلَامُ بِمَا قُضِيَ عَلَى الْأَنَامِ؛ فَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَّا بِمَقَادِيرَ سَابِقَةٍ وَكِتَابَةٍ لَاحِقَةٍ. فَلَوْ تَهَيَّأَتْ أَسْبَابُ السَّعَادَةِ كُلُّهَا لِلْأَشْقِيَاءِ لَمَا سَعِدُوا، وَلَوْ تَهَيَّأَتْ أَسْبَابُ الشَّقَاوَةِ كُلُّهَا لِلسُّعَدَاءِ لَمَا شَقُوا: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ} [الرعد: 11] ، {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107] .

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا رُتِّبَ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْمُخَالَفَاتِ]
فِي بَيَانِ مَا رُتِّبَ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْمُخَالَفَاتِ
الطَّاعَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ فِي الْآخِرَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالنُّسُكِ وَالِاعْتِكَافِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ فِي الْآخِرَةِ لِبَاذِلِهِ وَفِي الدُّنْيَا لِآخِذِيهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْأَوْقَافِ وَالصَّلَاةِ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الطَّاعَاتِ وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الْمُخَالَفَاتِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْحَثِّ عَلَى الطَّاعَاتِ دَقِّهَا وَجُلِّهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، وَالزَّجْرِ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ دَقِّهَا وَجُلِّهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، فَأَمَّا الْحَثُّ عَلَى الطَّاعَاتِ فَبِمَدْحِهَا وَبِمَدْحِ فَاعِلِيهَا، وَبِمَا وُعِدُوا عَلَيْهَا مِنْ الرِّضَا وَالْمَثُوبَاتِ، وَبِمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكِفَايَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّأَهُّلِ لِلشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْوِلَايَةِ.
وَأَمَّا الزَّجْرُ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ فَبِذَمِّهَا وَذَمِّ فَاعِلِيهَا، وَبِمَا وُعِدُوا
(1/20)

عَلَيْهَا مِنْ السَّخَطِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَبِرَدِّ الشَّهَادَاتِ وَالْوِلَايَاتِ وَالِانْعِزَالِ عَنْ الْوِلَايَاتِ.
وَأَمَّا مَا قُرِنَ بِالْآيَاتِ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ جَاءَ أَيْضًا حَاثًّا عَلَى الطَّاعَاتِ، وَزَجْرًا عَنْ الْمُخَالَفَاتِ، مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَ سَعَةَ رَحْمَتِهِ لِيَرْجُوهُ فَيَعْمَلُوا بِالطَّاعَاتِ، وَيَذْكُرَ شِدَّةَ نِقْمَتِهِ لِيَخَافُوهُ فَيَجْتَنِبُوا الْمُخَالَفَاتِ، وَيَذْكُرَ نَظَرَهُ إلَيْهِمْ، لِيَسْتَحْيُوا مِنْ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ فَلَا يَعْصُوهُ، وَيَذْكُرَ تَفَرُّدَهُ بِالضُّرِّ وَالنَّفْعِ، لِيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَيَغُوضُوا إلَيْهِ، وَيَذْكُرَ إنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ إلَيْهِمْ، لِيُحِبُّوهُ وَيُطِيعُوهُ وَلَا يُخَالِفُوهُ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهَا وَأَحْسَنَ إلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ يَذْكُرُ أَوْصَافَ كَمَالِهِ لِيُعَظِّمُوهُ وَيَهَابُوهُ، وَيَذْكُرُ سَمْعَهُ لِيَحْفَظُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَيَذْكُرُ بَصَرَهُ لِيَسْتَحْيُوا مِنْ نَظَرِ مُرَاقَبَتِهِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرِ رَحْمَتِهِ وَعُقُوبَتِهِ، لِيَكُونُوا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَإِنَّ السَّطْوَةَ لَوْ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ لَخِيفَ مِنْ أَدَائِهَا إلَى الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ الرَّحْمَةُ بِالذِّكْرِ لَخِيفَ مِنْ إفْضَائِهَا إلَى الْغُرُورِ بِإِحْسَانِهِ وَكَرَامَتِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 50] ، وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] ، وَقَوْلِهِ: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98] وَقَدْ يَجْمَعُ الْمَدَائِحَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لِيَتَعَرَّفَ بِهَا إلَى عِبَادِهِ فَيَعْرِفُوهُ بِهَا وَيُعَامِلُوهُ بِمُقْتَضَاهَا.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي قَصَصِ الْأَوَّلِينَ وَإِنْجَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِهْلَاكِ الْكَافِرِينَ، إنَّمَا ذَكَرَهُ زَجْرًا عَنْ الْكُفْرِ وَحَثًّا عَلَى الْإِيمَانِ، فَيَا خَيْبَةَ مَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ، وَيَا غِبْطَةَ مَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ.
(1/21)

[فَصْلٌ فِيمَا عُرِفَتْ حِكْمَتُهُ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ وَمَا لَمْ تُعْرَفْ حِكْمَتُهُ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ]
فِيمَا عُرِفَتْ حِكْمَتُهُ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ وَمَا لَمْ تُعْرَفْ حِكْمَتُهُ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ
الْمَشْرُوعَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ظَهَرَ لَنَا أَنَّهُ جَالِبٌ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ دَارِئٌ لِمَفْسَدَةٍ، أَوْ جَالِبٌ دَارِئٌ لِمَفْسَدَةٍ، أَوْ جَالِبٌ دَارِئٌ لِمَصْلَحَةٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَظْهَرْ لَنَا جَلْبُهُ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْؤُهُ لِمَفْسَدَةٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّعَبُّدِ. وَفِي التَّعَبُّدِ مِنْ الطَّوَاعِيَةِ وَالْإِذْعَانِ مِمَّا لَمْ تُعْرَفْ حِكْمَتُهُ وَلَا تُعْرَفُ عِلَّتُهُ مَا لَيْسَ مِمَّا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ وَفُهِمَتْ حِكْمَتُهُ، فَإِنَّ مُلَابِسَهُ قَدْ يَفْعَلُهُ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ حِكْمَتِهِ وَفَائِدَتِهِ، وَالْمُتَعَبِّدُ لَا يَفْعَلُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ إلَّا إجْلَالًا لِلرَّبِّ وَانْقِيَادًا إلَى طَاعَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَجَرَّدَ التَّعَبُّدَاتُ عَنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، ثُمَّ يَقَعَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى الطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ، مِنْ غَيْرِ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مَصْلَحَةِ الثَّوَابِ، وَدَرْءِ مَفْسَدَةٍ غَيْرُ مَفْسَدَةِ الْعِصْيَانِ، فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الثَّوَابَ قَدْ يَكُونُ عَلَى مُجَرَّدِ الطَّوَاعِيَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَصِّلَ تِلْكَ الطَّوَاعِيَةُ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ، سِوَى مَصْلَحَةِ أَجْرِ الطَّوَاعِيَةِ.

[فَصْلٌ فِي تَفَاوُتِ رتب الْأَعْمَال بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ]
طَلَبُ الشَّرْعِ لِتَحْصِيلِ أَعْلَى الطَّاعَاتِ، كَطَلَبِهِ لِتَحْصِيلِ أَدْنَاهَا فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، كَمَا أَنَّ طَلَبَهُ لِدَفْعِ أَعْظَمِ الْمَعَاصِي كَطَلَبِهِ لِدَفْعِ أَدْنَاهَا، إذْ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ طَلَبٍ وَطَلَبٍ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَطْلُوبَاتِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، لِذَلِكَ انْقَسَمَتْ الطَّاعَاتُ إلَى الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ، لِانْقِسَامِ
(1/22)

مَصَالِحِهَا إلَى الْكَامِلِ وَالْأَكْمَلِ، وَانْقَسَمَتْ الْمَعَاصِي إلَى الْكَبِيرِ وَالْأَكْبَرِ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إلَى الرَّذِيلِ وَالْأَرْذَلِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ الصَّغَائِرُ مِنْ الْكَبَائِرِ]
فِيمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ الصَّغَائِرُ مِنْ الْكَبَائِرِ
إذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ فَاعْرِضْ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ عَلَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلِّ مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ فَهِيَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَإِنْ سَاوَتْ أَدْنَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ أَوْ أَرْبَتْ عَلَيْهَا فَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ. فَمَنْ شَتَمَ الرَّبَّ أَوْ الرَّسُولَ أَوْ اسْتَهَانَ بِالرُّسُلِ أَوْ كَذَّبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَوْ ضَمَخَ الْكَعْبَةَ بِالْعَذِرَةِ أَوْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ فِي الْقَاذُورَاتِ فَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ امْرَأَةً مُحْصَنَةً لِمَنْ يَزْنِي بِهَا أَوْ مُسْلِمًا لِمَنْ يَقْتُلُهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَفْسَدَةَ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يَسْتَأْصِلُونَهُمْ بِدَلَالَتِهِ وَيَسْبُونَ حُرُمَهُمْ وَأَطْفَالَهُمْ، وَيَغْتَنِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَزْنُونَ بِنِسَائِهِمْ وَيُخَرِّبُونَ دِيَارَهُمْ، فَإِنَّ تَسَبُّبَهُ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَعْظَمُ مِنْ تَوْلِيَتِهِ يَوْمَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَذَبَ عَلَى إنْسَانٍ كَذِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِسَبَبِهِ، وَلَوْ كَذَبَ عَلَى إنْسَانٍ كَذِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ تَمْرَةٌ بِسَبَبِ كَذِبِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ وَأَكْلَ مَالَ الْيَتِيمِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ وَقَعَا فِي مَالٍ خَطِيرٍ فَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِنْ وَقَعَا فِي مَالٍ حَقِيرٍ كَزَبِيبَةٍ وَتَمْرَةٍ فَهَذَا مُشْكِلٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْكَبَائِرِ فِطَامًا عَنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، كَمَا جُعِلَ شُرْبُ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَفْسَدَةُ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ الْمَالُ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ.
(1/23)

وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ الْحَقِّ كَبِيرَةٌ فَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ مُتَسَبِّبٌ مُتَوَسِّلٌ وَالْحَاكِمُ مُبَاشِرٌ فَإِذَا جُعِلَ التَّسَبُّبُ كَبِيرَةً فَالْمُبَاشَرَةُ أَكْبَرُ مِنْ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالزُّورِ عَلَى قَتْلٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ فَسَلَّمَ الْحَاكِمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَى الْوَالِي فَقَتَلَهُ وَكُلُّهُمْ عَالِمُونَ بِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فَشَهَادَةُ الزُّورِ كَبِيرَةٌ وَالْحُكْمُ أَكْبَرُ مِنْهَا وَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ أَكْبَرُ مِنْ الْحُكْمِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى تَسَاوِي الْمَفَاسِدِ وَتَفَاوُتِهَا عِزَّةٌ وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهَا إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْوُقُوفُ عَلَى التَّسَاوِي أَعَزُّ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى التَّفَاوُتِ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ إلَّا بِالتَّقْرِيبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّصِّ عَلَى كَوْنِ الذَّنْبِ كَبِيرَةً أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ، فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ فَقَالَ. نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ. جَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّسَبُّبَ إلَى سَبِّهِمَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ سَبِّهِمَا أَكْبَرُ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»
جُعِلَ اللَّعْنُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِفَرْطِ قُبْحِهِ بِخِلَافِ السَّبِّ الْمُطْلَقِ. وَقَدْ نَصَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَنَّ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ، مَعَ الْخِلَافِ فِي رُتَبِ الْعُقُوقِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَلَا فِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَا يَحْرُمُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ فَهُوَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِمَا وَمَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُمَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ طَاعَتُهُمَا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ وَلَا فِي كُلِّ مَا يَنْهَيَانِ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ حَرُمَ عَلَى الْوَلَدِ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا مِنْ تَوَقُّعِ قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلِشِدَّةِ تَفَجُّعِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ سَفَرٍ يَخَافَانِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَقَدْ سَاوَى الْوَالِدَانِ الرَّقِيقَ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى. وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكَبَائِرَ بِأَنْ قَالَ. كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ لَعْنٌ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ. فَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ كَبِيرَةٌ لِاقْتِرَانِ اللَّعْنِ بِهِ.
وَكَذَلِكَ قَتْلُ
(1/24)

الْمُؤْمِنِ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهُ اقْتَرَنَ بِهِ الْوَعِيدُ وَاللَّعْنُ وَالْحَدُّ، وَالْمُحَارَبَةُ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالْقَذْفُ كَبَائِرُ لِاقْتِرَانِ الْحُدُودِ بِهَا، وَعَلَى هَذَا كُلُّ ذَنْبٍ عُلِمَ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ مَا قُرِنَ بِهِ الْوَعِيدُ أَوْ اللَّعْنُ أَوْ الْحَدُّ أَوْ أَكْبَرُ مِنْ مَفْسَدَتِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ.

[فَائِدَةٌ مَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا قَذْفًا لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالْحَفَظَةَ]
(فَائِدَةٌ) فَإِنْ قِيلَ الْكَذِبُ فِيمَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ صَغِيرَةٌ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا قَذْفًا لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالْحَفَظَةَ؟ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاجِهْ بِهِ الْمَقْذُوفَ وَلَمْ يَغْتَبْهُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ، هَلْ يَكُونُ قَذْفُهُ كَبِيرَةً مُوجِبَةً لِلْحَدِّ مَعَ خُلُوِّهِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْأَذَى؟ قُلْنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ وَلَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ عِقَابَ الْمُجَاهِرِ فِي وَجْهِ الْمَقْذُوفِ أَوْ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ، بَلْ عِقَابَ الْكَذَّابِينَ غَيْرِ الْمُصِرِّينَ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّ الَّذِي يُؤْذِيك مِنْهُ سَمَاعُهُ ... وَإِنَّ الَّذِي قَالُوا وَرَاءَك لَمْ يُقَلْ
شَبَّهَهُ بِاَلَّذِي لَمْ يُقَلْ لِانْتِفَاءِ ضَرَرِهِ وَأَذِيَّتِهِ، فَإِنْ قِيلَ إذَا اغْتَابَهُ بِالْقَذْفِ لَمْ يَتَأَذَّ الْمَقْذُوفُ مَعَ غَيْبَتِهِ، فَلِمَ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ مَعَ انْتِفَاءِ مَفْسَدَةِ التَّأَذِّي؟ قُلْنَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ بَلَغَهُ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْقَذْفِ فِي الْخَلْوَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَذَفَهُ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ احْتَقَرُوهُ بِذَلِكَ وَزَهِدُوا فِي مُعَامَلَتِهِ وَمُوَاصَلَتِهِ، وَرُبَّمَا أَشَاعُوا ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْلُغَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَذْفُهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالْإِنْسَانُ يَكْرَهُ بِطَبْعِهِ أَنْ يُهْتَكَ عِرْضُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَأَمَّا قَذْفُهُ فِي الْخَلْوَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إجْرَائِهِ عَلَى لِسَانِهِ وَبَيْنَ إجْرَائِهِ عَلَى قَلْبِهِ.

[فَصْلٌ فِي مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فِي ظَنِّهِ وَلَيْسَتْ فِي الْبَاطِنِ كَبِيرَةً]
فِي مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فِي ظَنِّهِ يَتَصَوَّرُهَا بِتَصَوُّرِ الْكَبَائِرِ وَلَيْسَتْ فِي الْبَاطِنِ كَبِيرَةً
إنْ قِيلَ لَوْ أَنَّ إنْسَانًا قَتَلَ رَجُلًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ دَمَهُ
(1/25)

أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ وَأَنَّهُ زَانٍ بِهَا فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ أَوْ أَكَلَ مَالًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لِيَتِيمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُهُ، أَوْ شَهِدَ بِالزُّورِ فِي ظَنِّهِ وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ مُوَافِقَةً لِلْبَاطِنِ، أَوْ حَكَمَ بِبَاطِلٍ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ حَقٌّ، فَهَلْ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِكَبِيرَةٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمَفْسَدَةُ؟ قُلْنَا أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْفَاسِقِينَ، وَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ لِجُرْأَتِهِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ، وَتَبْطُلُ بِذَلِكَ كُلُّ وِلَايَةٍ تُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ إنَّمَا شُرِطَتْ فِي الشَّهَادَاتِ وَالرِّوَايَاتِ وَالْوِلَايَاتِ، لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِصِدْقِهِ فِي أَخْبَارِهِ وَشَهَادَتِهِ وَبِأَدَائِهِ الْأَمَانَةَ فِي وِلَايَتِهِ، وَقَدْ انْخَرَمَتْ الثِّقَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِجَرَاءَتِهِ عَلَى رَبِّهِ بِارْتِكَابِ مَا يَعْتَقِدُهُ كَبِيرَةً، لِأَنَّ الْوَازِعَ عَنْ الْكَذِبِ فِي أَخْبَارِهِ وَشَهَادَتِهِ، وَعَنْ التَّقْصِيرِ فِي وِلَايَتِهِ إنَّمَا هُوَ خَوْفُهُ مِنْ الْجُرْأَةِ عَلَى رَبِّهِ بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ، أَوْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ جُرْأَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ سَقَطَتْ الثِّقَةُ، بِمَا يَزَعُهُ عَنْ الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ وَالنُّصْحِ فِي وِلَايَتِهِ.
وَأَمَّا مَفَاسِدُ الْآخِرَةِ وَعَذَابُهَا فَلَا يُعَذَّبُ تَعْذِيبَ زَانٍ وَلَا قَاتِلٍ وَلَا آكِلٍ مَالًا حَرَامًا، لِأَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فِي الْغَالِبِ كَمَا أَنَّ ثَوَابَهَا مُرَتَّبٌ عَلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ فِي الْغَالِبِ، وَلَا يَتَفَاوَتَانِ بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَجْرُ التَّصَدُّقِ بِتَمْرَةٍ كَأَجْرِ التَّصَدُّقِ بِبَدْرَةٍ، وَلَكَانَتْ غِيبَةُ الْمُؤْمِنِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلَى الْكَبَائِرِ كَغِيبَتِهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلَى الصَّغَائِرِ، وَلَكَانَ سَبُّ الْأَنْبِيَاءِ كَسَبِّ الْأَوْلِيَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَذَّبُ تَعْذِيبَ مَنْ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً لِأَجْلِ جُرْأَتِهِ وَانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ بَلْ يُعَذَّبُ عَذَابًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ بِجُرْأَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُضْبَطَ الْكَبِيرَةُ بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا فِي دِينِهِ إشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَابِطٍ لِذَلِكَ.
(1/26)

[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ]
فِي حُكْمِ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ
فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلْتُمْ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِمَثَابَةِ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، فَمَا حَدُّ الْإِصْرَارِ أَيَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ أَمْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا إذَا تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكَرُّرًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ إشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ.

[فَصْلٌ فِي إتْيَانِ الْمَفَاسِدِ ظَنًّا أَنَّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ]
فِي إتْيَانِ الْمَفَاسِدِ ظَنًّا أَنَّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ
مَنْ أَتَى مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ فِي ظَنِّهِ وَهُوَ مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَنْ أَكَلَ مَالًا يَعْتَقِدُهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ يَظُنُّ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا يَعْتَقِدُهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ سَكَنَ دَارًا يَعْتَقِدُهَا فِي مِلْكِهِ، أَوْ اسْتَخْدَمَ عَبْدًا يَعْتَقِدُهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ وَكِيلَهُ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ، وَلَا يَتَّصِفُ فِعْلُهُ بِكَوْنِهِ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً وَلَا مُبَاحًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَأَفْعَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَيَلْزَمُ ضَمَانُ مَا فَوَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَائِزٌ، وَالْجَوَائِزُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَآثِمِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا.

[فَصْلٌ فِيمَنْ فَعَلَ مَا يَظُنُّهُ قُرْبَةً أَوْ وَاجِبًا وَهُوَ مَفْسَدَةٌ]
فِيمَنْ فَعَلَ مَا يَظُنُّهُ قُرْبَةً أَوْ وَاجِبًا وَهُوَ مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يَظُنُّهُ قُرْبَةً أَوْ مُبَاحًا وَهُوَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمُحَرَّمَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِمَا يَظُنُّهُ حَقًّا بِنَاءً عَلَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَالْمُصَلِّي
(1/27)

يُصَلِّي عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، أَوْ كَمَنْ يُصَلِّي عَلَى مُرْتَدٍّ يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمًا، وَكَالشَّاهِدِ يَشْهَدُ بِحَقٍّ عَرَفَهُ بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِ بَقَائِهِ فَظَهَرَ كَذِبُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذَا خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنْ يُثَابُ فَاعِلُهُ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ، إلَّا مَنْ صَلَّى مُحْدِثًا فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى قَصْدِهِ وَعَلَى مَا أَتَى بِهِ فِي صَلَاتِهِ مِمَّا لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ فِيهِ.
وَلَوْ أُوجِرَ مُضْطَرًّا طَعَامًا قَاصِدًا لِحِفْظِ حَيَاتِهِ وَكَانَ الطَّعَامُ مَسْمُومًا فَقُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ إيجَارِهِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَلَوْ أَكَلَ فِي الْمَخْمَصَةِ طَعَامًا يَجْهَلُ كَوْنَهُ مَسْمُومًا فَقَتَلَهُ فَلَا دِيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي مَالِهِ اخْتِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ]
فِي بَيَانِ تَقْسِيمِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ
الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: مَا تَعْرِفُهُ الْأَذْكِيَاءُ وَالْأَغْبِيَاءُ
الثَّانِي مَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَذْكِيَاءُ، الثَّالِثُ مَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَوْلِيَاءُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ أَنْ يَهْدِيَهُ إلَى سَبِيلِهِ فَقَالَ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، وَلِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَهْتَمُّونَ بِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ وَشَرْعِهِ فَيَكُونُ بَحْثُهُمْ عَنْهُ أَتَمَّ وَاجْتِهَادُهُمْ فِيهِ أَكْمَلَ، مَعَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَكَيْفَ يَسْتَوِي الْمُتَّقُونَ وَالْفَاسِقُونَ؟ لَا وَاَللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ فِي الدَّرَجَاتِ وَلَا فِي الْمَحْيَا وَلَا فِي الْمَمَاتِ. وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرِضُوا عَنْ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي عُلُومِهِمْ وَيَلْغُونَ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَيَفْهَمُونَ غَيْرَ مَقْصُودِهِمْ، كَمَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْقُرْآنِ الْمُبِينِ فَقَالُوا: {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] . فَكَمَا جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ، جَعَلَ لِكُلِّ عَالِمٍ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ. فَمَنْ صَبَرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَاوَةِ الْأَغْبِيَاءِ كَمَا صَبَرَ الْأَنْبِيَاءُ، نُصِرَ كَمَا نُصِرُوا وَأُجِرَ كَمَا أُجِرُوا وَظَفِرَ
(1/28)

كَمَا ظَفِرُوا وَكَيْفَ يَفْلَحُ مَنْ يُعَادِي حِزْبَ اللَّهِ وَيَسْعَى فِي إطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ؟ وَالْحَسَدُ يَحْمِلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا حَسَدُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَمَلَهُمْ حَسَدُهُمْ عَلَى أَنْ قَاتَلُوهُ وَعَانَدُوهُ، مَعَ أَنَّهُمْ جَحَدُوا رِسَالَتَهُ وَكَذَّبُوا مَقَالَتَهُ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ تَفَاوُتِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَتَسَاوِيهَا]
الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ فِي رُتَبٍ مُتَفَاوِتَةٍ، وَعَلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ تَتَرَتَّبُ الْفَضَائِلُ فِي الدُّنْيَا، وَالْأُجُورُ فِي الْعُقْبَى، وَعَلَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ تَتَرَتَّبُ الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ وَعُقُوبَاتُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ تَسْتَوِي مَصْلَحَةُ الْفِعْلَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُوجِبُ الرَّبُّ تَحْصِيلَ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ نَظَرًا لِمَنْ أَوْجَبَهَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُ أَجْرَهَا أَتَمَّ مِنْ أَجْرِ الَّتِي لَمْ يُوجِبْهَا. فَإِنَّ دِرْهَمَ النَّفْلِ مُسَاوٍ لِدِرْهَمِ الزَّكَاةِ لَكِنَّهُ أَوْجَبَهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجِبْهُ لَتَقَاعَدَ الْأَغْنِيَاءُ عَنْ بِرِّ الْفُقَرَاءِ فَيَهْلِكُ الْفُقَرَاءُ، وَجَعَلَ الْأَجْرَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى غَيْرِهِ، تَرْغِيبًا فِي الْتِزَامِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَى أَحَدِ الْعَمَلَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ مَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى نَظِيرِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْإِيجَابِ وَوُجُوبِ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ حَجَّ الْفَرْضِ وَعُمْرَتَهُ مُتَسَاوِيَانِ بِحَجِّ النَّفْلِ وَعُمْرَتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
الثَّانِي: أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مُسَاوٍ لِصَوْمِ شَعْبَانَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، مَعَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ، بَلْ لَوْ وَقَعَ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي أَقْصَرِ الْأَيَّامِ وَصَوْمُ غَيْرِهِ فِي أَطْوَلِهَا لَكَانَ صَوْمُ رَمَضَانَ أَفْضَلَ مَعَ خِفَّتِهِ وَقِصَرِهِ مِنْ صَوْمِ سَائِرِ الْأَيَّامِ مَعَ ثِقَلِهَا وَطُولِهَا.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذِّكْرَ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ مُتَسَاوِيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مُمَاثِلَةٌ لِسَائِرِ
(1/29)

التَّكْبِيرَاتِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ حَمْدَلَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ مُسَاوِيَةٌ لِقِرَاءَتِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهَا إذَا قُرِئَتْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْأَذْكَارُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ إذَا قُصِدَ بِهَا الْقِرَاءَةُ شُرِطَتْ فِيهَا الطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَلَوْ قُصِدَ بِهَا الذِّكْرُ كَالْبَسْمَلَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْحَمْدَلَةِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَالتَّسْبِيحَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ، مَعَ تَسَاوِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَكَذَلِكَ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ فِي الزَّكَاةِ قَدْ تُسَاوِي مَصْلَحَتُهُ مَصْلَحَةَ نَظِيرِهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ فِي سَدِّ الْخَلَّاتِ وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا إخْرَاجُ دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَحَدُهُمَا زَكَاةٌ وَالْآخَرُ صَدَقَةٌ.
الثَّانِي: شَاتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا وَزَكَّى بِالْأُخْرَى، الثَّالِثُ إخْرَاجُ الْعُشْرِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ عُشْرٍ آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، فَالزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ مَعَ الْقَطْعِ بِالِاسْتِوَاءِ فِي دَفْعِ الْحَاجَاتِ وَسَدِّ الْخَلَّاتِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّفَلُ مِنْ الصَّدَقَاتِ أَكْمَلَ مَصْلَحَةً مِنْ الْفَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَتَكُونُ الزَّكَاةُ أَفْضَلَ. وَلَهُ أَمْثِلَةٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَاةٍ نَفِيسَةٍ أَوْ بِغَيْرِ نَفِيسٍ أَوْ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ وَيُزْكِي بِشَاةٍ خَسِيسَةٍ أَوْ بَعِيرٍ رَذْلٍ أَوْ بِحِنْطَةٍ رَدِيَّةٍ.
الثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ مَخَاضٍ فِي الزَّكَاةِ وَيَتَصَدَّقَ بِحِقَّةِ أَوْ جَذَعَةٍ.
الثَّالِثُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفِضَّةٍ لَيِّنَةٍ حَسَنَةٍ وَيُزْكِيَ بِفِضَّةٍ خَشِنَةٍ رَدِيَّةٍ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ، فَإِنَّ الْجَيِّدَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ أَكْمَلُ مَصْلَحَةً وَأَتَمُّ فَائِدَةً فِي بَابِ الصَّدَقَاتِ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ أَجْرَهُ دُونَ أَجْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ، وَمَدَارُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمُولٌ بِهِ إذَا سَاوَى الْفَرْضُ النَّفَلَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي دِرْهَمِ الصَّدَقَةِ وَدِرْهَمِ الزَّكَاةِ، وَفِي حَجِّ الْفَرْضِ وَحَجِّ النَّفْلِ وَفِي صَوْمِ الْفَرْضِ وَصَوْمِ النَّفْلِ، فَإِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا إذَا تَفَاوَتَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ مِثْلَ أَنْ يُزَكِّيَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَيَتَصَدَّقَ بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَزَكَّى
(1/30)

بِشَاةٍ وَتَصَدَّقَ بِعَشْرَةِ آلَافِ شَاةٍ، فَيُحْتَمَلُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ أَفْضَلَ مِنْ النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَفَاوُتِ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ الْحَدِيثُ بِالْعَمَلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَصْلَحَةِ كَدِرْهَمِ الزَّكَاةِ مَعَ دِرْهَمِ الصَّدَقَةِ، وَشَاةِ الزَّكَاةِ مَعَ شَاةِ الصَّدَقَةِ، وَلَكِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ تَفَضُّلِ الرَّبِّ أَنْ يُؤْجَرَ عَلَى أَقَلِّ الْعَمَلَيْنِ الْمُتَجَانِسَيْنِ، أَكْبَرَ مِمَّا يُؤْجَرُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا، كَمَا فَضُلَ أَجْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ قِلَّةِ عَمَلِهَا عَلَى أَجْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَعَ كَثْرَةِ عَمَلِهِمْ، وَكَمَا فَضُلَ أَجْرُ الْفَرَائِضِ عَلَى مُسَاوِيهَا مِنْ النَّوَافِلِ طُولًا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَكَمَا أَنَّ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُوجِبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِقِيَامِ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيِ رَمَضَانَ.
وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ مَعَ التَّسَاوِي.
وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدَيْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ مَا شُرِعَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْحَسَنَةُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ فِي غَيْرِهَا، مَعَ أَنَّ تَسْبِيحَهَا كَتَسْبِيحِ غَيْرِهَا، وَصَلَاتَهَا كَصَلَاةِ غَيْرِهَا، وَقِرَاءَتَهَا كَقِرَاءَةِ غَيْرِهَا؛ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ بِمَا لَا يَتَفَضَّلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِالتَّسَاوِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَفَضُّلًا مِنْ الْإِلَهِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْتٍ وَوَقْتٍ.
وَكَذَلِكَ تَفَضُّلُهُ سُبْحَانَهُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ بِتَضْعِيفِ الْأُجُورِ؛ كَمَا جَعَلَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَعَ التَّسَاوِي بَيْنَ الصَّلَوَاتِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ يُؤْجِرُ عَلَى قَلِيلِ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُؤْجِرُ عَلَى كَثِيرِهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مِثْلُكُمْ وَمِثْلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَرَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، فَهُمْ أَنْتُمْ، فَغَضِبَتْ
(1/31)

الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ ، فَقَالَ هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا لَا قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» ، وَهُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِكُلِّ مُجْتَازٍ بِالطَّرِيقِ بِإِزَالَةِ الشَّوْكِ وَالْأَحْجَارِ وَالْأَقْذَارِ مَعَ مَشَقَّةِ ذَلِكَ وَخِفَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ.

فَإِنْ قِيلَ هَلْ تَتَفَاوَتُ رُتَبُ الْمَعَارِفِ وَالْإِيمَانِ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، كَمَا تَفَاوَتَتْ رُتَبُ الْعِبَادَاتِ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ؟ قُلْنَا نَعَمْ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْأَوَّلَ وَالتَّعَرُّفَ الْأَوَّلَ مَفْرُوضٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَاسْتِحْضَارُهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَفْلٌ لَا يَلْزَمُ تَعَاطِيهِ، فَيَكُونُ تَفَاوُتُهُمَا لِسَبَبِ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ لَا بِتَفَاوُتِ شَرَفِهِمَا فِي أَنْفُسِهِمَا فَإِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الشَّرَفِ وَالْكَمَالِ، إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا التَّفَاوُتُ فِي الْأَحْوَالِ فَظَاهِرٌ فَإِنَّ مَرْتَبَةَ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ أَكْمَلُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لِأَنَّ الْإِعْظَامَ وَالْإِجْلَالَ صَدَرَا عَنْ مُلَاحَظَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَكَانَ لَهُمَا شَرَفَانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ مَصْدَرِهِمَا، وَالثَّانِي مِنْ تَعَلُّقِهِمَا.
وَأَمَّا الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ فَإِنَّ الْخَوْفَ صَدَرَ عَلَى مُلَاحَظَةِ الْعُقُوبَاتِ وَالرَّجَاءَ صَدَرَ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَثُوبَاتِ، وَتَعَلَّقَا بِمَا صَدَرَا عَنْهُ فَانْحَطَّا عَنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ رُتْبَةُ الْمَحَبَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْإِنْعَامِ وَالْأَفْضَالُ مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَةِ الْمَحَبَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ، لِصُدُورِ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَغْيَارِ، وَصُدُورِ مَحَبَّةِ الْإِجْلَالِ عَنْ مُلَاحَظَةِ أَوْصَافِ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، وَالتَّعْظِيمُ وَالْمَهَابَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَحَبَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ لِمَا فِي الْمَحَبَّةِ مِنْ اللَّذَّةِ بِجَمَالِ الْمَحْبُوبِ، بِخِلَافِ الْمُعَظِّمِ الْهَائِبِ فَإِنَّ الْهَيْبَةَ وَالتَّعْظِيمَ يَقْتَضِيَانِ التَّصَاغُرَ وَالِانْقِبَاضَ، وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِي ذَلِكَ فَخَلَصَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَسْتَوِي الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ
(1/32)

وَالْمَحْجُوجُ عَنْهُ فِي مَقَاصِدِ الْحَجِّ؟ قُلْنَا: قِيلَ يَسْتَوِيَانِ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْأَجْرِ، وَأَيْنَ مُجَرَّدُ بَذْلِ الْأُجْرَةِ فِي مُبَاشَرَةِ الْحَجِّ وَالْقِيَامِ بِأَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ مَعَ تَحَمُّلِ مَشَقَّتِهِ، وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّنَاوُشِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهَكَذَا الْأَبْدَالُ كُلُّهَا لَا تُسَاوِي مُبْدَلَاتِهَا، فَلَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَيْسَ صَوْمُ الْكَفَّارَةِ كَإِعْتَاقِهَا وَلَا إطْعَامُهَا كَصِيَامِهَا، وَلَا تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ فِي الْمَصَالِحِ لِمَا فِي شَرْطِ الِانْتِقَالِ إلَى أَحَدِهِمَا مِنْ فَقْدِ الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ لَوْ حَصَلَ لِلْأَجِيرِ عَلَى الْحَجِّ تَذَلُّلٌ وَتَمَسْكُنٌ وَتَنَاوُشٌ وَخُضُوعٌ وَخُشُوعٌ وَإِجْلَالٌ وَتَعْظِيمٌ وَمَهَابَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَأُنْسٌ وَفَرَحٌ وَسُرُورٌ وَخَوْفٌ وَرَجَاءٌ وَبُكَاءٌ وَاسْتِحْيَاءٌ، فَهَلْ يَحْصُلُ أَجْرُ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ؟ قُلْنَا: لَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَرْكَانِ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنِهِ وَلَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ إلَّا النِّيَّةَ لِوُقُوفِ الصِّحَّةِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ، بَلْ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ لِلْعَجْزِ عَنْهُ فِي الْغَالِبِ، وَعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَسُنَنِهِ.

فَإِنْ قِيلَ. مَا تَقُولُونَ فِي مَنْ سَدَّ جَوْعَةَ مِسْكِينٍ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ؟ هَلْ يُسَاوِي أَجْرُهُ أَجْرَ مَنْ سَدَّ جَوْعَةَ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ سَدَّ عَشْرَ جَوْعَاتٍ، وَالْكُلُّ عِبَادُ اللَّهِ، وَالْفَرْضُ الْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ؟ قُلْنَا لَا يَسْتَوِيَانِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَلِيٌّ لِلَّهِ أَوْ أَوْلِيَاءٌ لَهُ فَيَكُونُ إطْعَامُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ تَكْرِيرِ إطْعَامِ وَاحِدٍ.
وَقَدْ حَثَّ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْإِحْسَانِ إلَى الصَّالِحِينَ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الْجَمَاعَةِ مَا لَا يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الْوَاحِدِ، كَمَا يُرْجَى مِنْ دُعَاءِ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ مَا لَا يُرْجَى مِنْ دُعَائِهِمْ إذَا نَقَصُوا عَنْ ذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث، وَلِمِثْلِ
(1/33)

هَذَا أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَى الْأَصْنَافِ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّ دَفْعَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِدَفْعِ الرِّقِّ عَنْ الْمُكَاتَبِينَ، وَالْغُرْمِ عَنْ الْغَارِمِينَ، وَالْغُرْبَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَكَذَلِكَ التَّأْلِيفُ عَلَى الدِّينِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ، وَكَذَلِكَ إعَانَةُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ تِلْوُ الْإِيمَانِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَتَرَتَّبُ الشَّرْعُ عَلَى الْفِعْلِ الْيَسِيرِ مِثْلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْلِ الْخَطِيرِ، كَمَا رُتِّبَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ عَلَى الْحَجِّ الْمَبْرُورِ، وَرُتِّبَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَةِ تَأْمِينِ الْمُصَلِّي تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، وَرُتِّبَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ عَلَى قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، كَمَا رَتَّبَهُ عَلَى قِيَامِ جَمِيعِ رَمَضَانَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الطَّاعَاتِ وَإِنْ تَسَاوَتْ فِي التَّكْفِيرِ فَلَا تَسَاوِي بَيْنَهَا فِي الْأُجُورِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَتَّبَ عَلَى الْحَسَنَاتِ رَفْعَ الدَّرَجَاتِ وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ التَّسَاوِي فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَكَلَامُنَا فِي جُمْلَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْأَعْمَالِ. فَمِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَكُونُ شَرِيفًا بِنَفْسِهِ وَفِيمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَيَكُونُ الْقَلِيلُ مِنْهُ أَفْضَلَ مِنْ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْخَفِيفُ مِنْهُ أَفْضَلَ مِنْ الشَّاقِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ الثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، بَلْ ثَوَابُهُ عَلَى قَدْرِ خَطَرِهِ فِي نَفْسِهِ، كَالْمَعَارِفِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الْمُرْضِيَةِ. فَرُبَّ عِبَادَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَةٍ فِي الْمِيزَانِ وَعِبَادَةٍ ثَقِيلَةٍ عَلَى الْإِنْسَانِ خَفِيفَةٍ فِي الْمِيزَانِ بِدَلِيلِ أَنَّ التَّوْحِيدَ خَفِيفٌ عَلَى الْجَنَانِ وَاللِّسَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ وَمَنَّ بِهِ الرَّحْمَنُ، وَالتَّفَوُّهُ بِهِ أَفْضَلُ كُلِّ كَلَامٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْجِنَانَ وَيَدْرَأُ غَضَبَ الدَّيَّانِ، وَقَدْ صَرَّحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
(1/34)

بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، لَمَّا «قِيلَ لَهُ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ» ، وَجُعِلَ الْجِهَادُ دُونَهُ مَعَ أَنَّهُ أَشَقُّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ أَفْضَلُ الْمَعَارِفِ، وَاعْتِقَادُهُ أَفْضَلُ الِاعْتِقَادَاتِ، مَعَ سُهُولَةِ ذَلِكَ وَخِفَّتِهِ مَعَ تَحَقُّقِهِ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَتْ شَاقَّةً عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَتْ صَلَاةُ غَيْرِهِ مَعَ مَشَقَّتِهَا مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهِ مَعَ خِفَّتِهَا وَقُرَّتِهَا، وَكَذَلِكَ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَائِهَا مَعَ الْبُخْلِ، وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ.
وَكَذَلِكَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاهِرَ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ.
وَجَعَلَ لِلَّذِي يَقْرَؤُهُ يُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ أَجْرَيْنِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا بَلَى قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَا شَيْءٌ أَنَجَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
(1/35)

وَالْحَاصِلُ بِأَنَّ الثَّوَابَ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتَبِ فِي الشَّرَفِ، فَإِنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ أَكْثَرُ الثَّوَابِ عَلَى أَكْثَرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] .

[فَصْلٌ فِيمَا يَتَفَاوَتُ أَجْرُهُ بِتَفَاوُتِ تَحَمُّلِ مَشَقَّتِهِ]
إنْ قِيلَ: مَا ضَابِطُ الْفِعْلِ الشَّاقِّ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَفِيفِ؟ قُلْت: إذَا اتَّحَدَ الْفِعْلَانِ فِي الشَّرَفِ وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَالْأَرْكَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي أَجْرِهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لَا عَلَى عَيْنِ الْمَشَاقِّ، إذْ لَا يَصِحُّ التَّقَرُّبُ بِالْمَشَاقِّ، لِأَنَّ الْقُرَبَ كُلَّهَا تَعْظِيمٌ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ عَيْنُ الْمَشَاقِّ تَعْظِيمًا وَلَا تَوْقِيرًا.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَحَمَّلَ مَشَقَّةً فِي خِدْمَةِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَرَى ذَلِكَ لَا لِأَجْلِ كَوْنِهِ شَقَّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَرَاهُ لَهُ بِسَبَبِ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْخِدْمَةِ لِأَجْلِهِ، وَذَلِكَ كَالِاغْتِسَالِ فِي الصَّيْفِ وَالرَّبِيعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي شِدَّةِ بَرْدِ الشِّتَاءِ؛ فَإِنَّ أَجْرَهُمَا سَوَاءٌ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَالْأَرْكَانِ، وَيَزِيدُ أَجْرُ الِاغْتِسَالِ فِي الشِّتَاءِ لِأَجْلِ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ، فَلَيْسَ التَّفَاوُتُ فِي نَفْسِ الْغُسْلَيْنِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِيمَا لَزِمَ عَنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِلِ فِي مَنْ يَقْصِدُ الْمَسَاجِدَ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَآخَرَ يَقْصِدُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَإِنَّ ثَوَابَيْهِمَا يَتَفَاوَتَانِ بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ، وَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِسُنَنِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَشَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا. فَإِنَّ الشَّرْعَ يُثِيبُ عَلَى الْوَسَائِلِ إلَى الطَّاعَاتِ كَمَا يُثِيبُ عَلَى الْمَقَاصِدِ، مَعَ تَفَاوُتِ أُجُورِ الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ.
وَكَذَلِكَ جَعَلَ لِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا
(1/36)

الْمُصَلِّي إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ رَفْعَ دَرَجَةٍ وَحَطَّ خَطِيئَةٍ، وَجَعَلَ أَبْعَدَهُمْ مَمْشًى إلَى الصَّلَاةِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَقْرَبِهِمْ مَمْشًى إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ جَعَلَ لِلْمُسَافِرِينَ إلَى الْجِهَادِ - بِمَا يَلْقَوْنَهُ مِنْ الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَالْمَخْمَصَةِ وَالنَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَقَطْعِ الْأَوْدِيَةِ وَبِمَا يَنَالُونَهُ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَبِالْوَطْءِ الْغَائِظِ لِلْكُفَّارِ - أَجْرَ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَكَذَلِكَ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ النَّاشِئَةِ عَنْ الْعِبَادَةِ أَوْ عَنْ وَسَائِلِ الْعِبَادَةِ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ بِشِدَّةِ الْمَشَاقِّ وَخِفَّتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مُسْنَدًا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْت فَاخْرُجِي إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي مِنْهُ ثُمَّ الْحَقِينَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ: غَدًا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِك أَوْ قَالَ نَفَقَتِك» . قُلْت: هَذَا مَشْكُوكٌ فِيهِ هَلْ قَالَ قَدْرُ نَصَبِك أَوْ قَالَ قَدْرُ نَفَقَتِك؟ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ قَوْلَهُ: عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يُنْفَقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ قَوْلَهُ: عَلَى قَدْرِ نَصَبِك فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى قَدْرِ تَحَمُّلِ نَصَبِك لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُ الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِي. وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ مَوَارِدِ الشَّرْعِ وَمَصَادِرِهِ أَنَّ مَطْلُوبَ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَلَيْسَتْ الْمَشَقَّةُ مَصْلَحَةً. بَلْ الْأَمْرُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْمَشَقَّةَ بِمَثَابَةِ أَمْرِ الطَّبِيبِ الْمَرِيضَ بِاسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ الْمُرِّ الْبَشِعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُ إلَّا الشِّفَاءَ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ كَانَ غَرَضُ الطَّبِيبِ أَنْ يُوجِدَهُ مَشَقَّةُ أَلَمِ مَرَارَةِ الدَّوَاءِ، لَمَا حَسُنَ ذَلِكَ فِيمَنْ يَقْصِدُ الْإِصْلَاحَ.
وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ يَقْطَعُ مِنْ وَلَدِهِ الْيَدَ الْمُتَآكِلَةَ حِفْظًا لِمُهْجَتِهِ لَيْسَ غَرَضُهُ إيجَادَهُ أَلَمَ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ حِفْظُ مُهْجَتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُتَوَجِّعًا مُتَأَلِّمًا لِقَطْعِ يَدِهِ.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا حَكَاهُ «عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: وَمَا تَرَدَّدْت فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ
(1/37)

مِنْهُ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَشَاقَّ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَشَاقٌّ تَسُوءُ الْمُؤْمِنَ وَغَيْرَهُ، وَإِنَّمَا يَهُونُ أَمْرُهَا لِمَا يُبْتَنَى عَلَى تَحَمُّلِهَا مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَيَكُونُ قَلِيلُ الْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرِهِ، وَخَفِيفُهُ أَفْضَلَ مِنْ ثَقِيلِهِ، كَتَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ، وَكَتَفْضِيلِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ نَقْصِ رَكَعَاتِهَا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ رَآهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى، مَعَ أَنَّهَا أُقْصَرُ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَلَوْ كَانَ الثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ مُطْلَقًا، لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَمَا فَضُلَتْ رَكْعَةُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَلَمَا فَضُلَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ عَلَى مِثْلِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ.
وَأَمَّا الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْمُبَادَرَةِ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ، فَإِنَّ الْمَشْيَ إلَى الْجَمَاعَاتِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ، فَقُدِّمَ الْخُشُوعُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ الَّتِي لَا تُدَانِيهِ فِي الرُّتْبَةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أُمِرَ بِالْمَشْيِ إلَى الْجَمَاعَةِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ النِّدَاءِ وَتَكْمِيلِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَسْرَعَ لَانْزَعَجَ وَذَهَبَ خُشُوعُهُ؛ فَقَدَّمَ الشَّرْعُ رِعَايَةَ الْخُشُوعِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ وَعَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ بِكُلِّ مَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ كَإِفْرَاطِ الظَّمَأِ وَالْجُوعِ، وَكَذَلِكَ يُؤَخِّرُهَا الْحَاقِنُ وَالْحَاقِبُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ بِكُلِّ مُشَوِّشٍ يُؤَخِّرُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِمِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ إلَى آخَرِ الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَيَقَّنُ وُجُودَ الْمَاءِ فِي أَوَاخِرِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الصَّلَاةِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِنَّمَا فَضُلَتْ لِأَنَّ اهْتِمَامَ الشَّرْعِ بِشَرَائِط الْعِبَادَاتِ أَعْظَمُ مِنْ اهْتِمَامِهِ بِالسُّنَنِ الْمُكَمِّلَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْمَاءِ لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى الْجَمَاعَاتِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُبَادَرَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَبَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالِانْفِرَادِ، وَلَوْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْمُبَادَرَةِ كَمَصْلَحَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَتَعَيَّنَتْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا تَحَمَّلَ الصَّائِمُ
(1/38)

مَشَقَّةَ رَائِحَةِ الْخُلُوفِ، فَقَدْ فَضَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى إزَالَةِ الْخُلُوفِ بِالسِّوَاكِ، مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ ثَوَابَهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلَمْ يُوَافِقْ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ ثَوَابِ الْعَمَلِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْفَضِيلَةِ حُصُولُ الرُّجْحَانِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوِتْرَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَكَمْ مِنْ عِبَادَةٍ قَدْ أَثْنَى الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ فَضِيلَتَهَا مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا أَفْضَلُ مِنْهَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَزَاحُمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ نَوْعٌ مِنْ التَّطَهُّرِ الْمَشْرُوعِ لِإِجْلَالِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّ مُخَاطَبَةَ الْعُظَمَاءِ مَعَ طَهَارَةِ الْأَفْوَاهِ تَعْظِيمٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ السِّوَاكُ وَلَيْسَ فِي الْخُلُوفِ تَعْظِيمٌ وَلَا إجْلَالٌ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ فَضِيلَةَ الْخُلُوفِ تَرْبُو عَلَى تَعْظِيمِ ذِي الْجَلَالِ بِتَطْيِيبِ الْأَفْوَاهِ؟ ، وَيَدُلُّ أَنَّ مَصْلَحَةَ السِّوَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْخُلُوفِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ، وَلَوْلَا أَنَّ مَصْلَحَتَهُ أَتَمُّ مِنْ مَصْلَحَةِ تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْخُلُوفِ لَمَا أُسْقِطَ إيجَابُهُ لِمَشَقَّتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ انْتَهَتْ إلَى رُتَبِ الْإِيجَابِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى اعْتِبَارِهِ بِقَوْلِهِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ الْمُعَارِضِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى دَمِ الشَّهِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَاكَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَشُرِعَ لَهُ تَطْهِيرُ فَمِهِ بِالسِّوَاكِ، وَجَسَدُ الْمَيِّتِ قَدْ صَارَ جِيفَةً غَيْرَ مُنَاجِيَةٍ، فَلَا يَصِحُّ - مَعَ ذَلِكَ - الْإِلْحَاقُ.
(1/39)

[فَصْلٌ فِي تَسَاوِي الْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَفَاسِدِ]
فِي تَسَاوِي الْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَفَاسِدِ
قَدْ تَتَسَاوَى الْعُقُوبَاتُ الْعَاجِلَةُ مَعَ تَفَاوُتِ الزَّلَّاتِ مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبَ تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْمُخَالَفَاتِ، فَإِنَّ مَنْ شَرِبَ قَطْرَةً مِنْ الْخَمْرِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا يُحَدُّ كَمَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَ مَا أَسْكَرَهُ وَخَبَلَ عَقْلَهُ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْوَسَائِلَ إلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ، مِثْلَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ شُرْبِ الْقَطْرَةِ مِنْ الْخَمْرِ خِفَّةُ حَدِّ السُّكْرِ وَثِقَلُ مَا عَدَاهُ مِنْ الْحُدُودِ، مَعَ أَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى السَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ لَا يُحَرِّكُ الدَّاعِيَةَ إلَيْهِمَا، وَلَا يَحُثُّ عَلَيْهِمَا، بِخِلَافِ وَسَائِلِ الزِّنَا مِنْ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهَا تُؤَكِّدُ الْحَثَّ عَلَيْهِ، وَالدُّعَاةَ إلَيْهِ، وَالْقَتْلَ فِي الزَّوَاجِرِ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَكُونُ وِزْرُ مَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ كَوِزْرِ مَنْ سَرَقَ أَلْفَ دِينَارٍ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ يَتَفَاوَتُ وِزْرُهُمَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِتَفَاوُتِ مَفْسَدَةِ سَرِقَتَيْهِمَا. قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] ، {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
وَالْقَطْعُ الْوَاجِبُ فِي الْأَلْفِ مُتَعَلِّقٌ بِرُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْأَلْفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعُقُوبَةِ الْعَاجِلَةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الْعُقُوبَةِ الْآجِلَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجَابَ بِمِثْلِ هَذَا فِي حَدَّيْ الْقَطْرَةِ وَالسَّكْرَةِ. لَكِنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا، فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْحَدَّيْنِ وَتَكْفِيرِ الذَّنْبَيْنِ.
وَفِي السَّرِقَتَيْنِ. اسْتَوَيَا فِي الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَهُمَا أَخْذُ رُبْعِ دِينَارٍ، فَيُكَفِّرُ الْحَدَّانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِرُبْعِ الدِّينَارِ مِنْ السَّرِقَتَيْنِ، وَيَبْقَى الزَّائِدُ إلَى تَمَامِ الْأَلْفِ لَا مُقَابِلَ لَهُ
(1/40)

وَلَا تَكْفِيرَ.
وَأَمَّا تَفَاوُتُ حَدَّيْ زِنَا الْبِكْرِ وَالْمُحْصَنِ، فَفِيهِ إشْكَالٌ يَسَّرَ اللَّهُ حَلَّهُ.

فَإِنْ قِيلَ لِمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي الْحُدُودِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْجَرَائِمِ وَتَحْقِيقِ الْمَفَاسِدِ؟ قُلْنَا: تَعْذِيبُ الْأَمَاثِلِ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَشَدُّ مِنْ تَعْذِيبِ الْأَرَاذِلِ؛ لِأَنَّ صُدُورَ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مَعَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ أَقْبَحُ مِنْ صُدُورِهَا مِنْ الْأَرَاذِلِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] ، وَإِلَى قَوْلِهِ: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا} [الإسراء: 74] {إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] ، وَإِلَى قَوْلِهِ: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ} [الحاقة: 44] {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 46] . وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِمَا يَجِبُ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ الْمُفَضَّلِ مِنْ شُكْرِ إحْسَانِ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ، فَإِذَا قَابَلَ إحْسَانَهُ بِعِصْيَانِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَقْبَحَ مِنْ عِصْيَانِ غَيْرِهِ. وَلِذَلِكَ قَبُحَتْ مَعْصِيَةُ الْوَالِدَيْنِ وَعُقُوقُهُمَا لِمَا يَجِبُ مِنْ شُكْرِ إنْعَامِهِمَا بِتَرْبِيَتِهِمَا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وَلَوْ سَبَّ الْوَزِيرُ الْمِلْكَ بِمِسَبَّةٍ سَبَّهُ بِهَا السَّائِسُ لَاسْتَحَقَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِسِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَوَّيْتُمْ بَيْنَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَقَتْلِ الْمُحَارِبَةِ؟ قُلْنَا: سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لِتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ.

فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَسْتَوِي إثْمُ الذَّابِحِ، وَإِثْمُ مَنْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ إنْسَانٍ فَسَرَتْ إلَى نَفْسِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ، وَيَتَفَاوَتَانِ فِي الْعُقُوبَةِ الْآجِلَةِ؛ لِأَنَّ جُرْأَةَ الذَّابِحِ عَلَى انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ فِي الذَّبْحِ أَشَدُّ مِنْ جُرْأَةِ الْقَاطِعِ عَلَى انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ فِي الْقَطْعِ.
وَكَذَلِكَ
(1/41)

لَوْ جَرَحَ أَحَدُ الْجَانِيَيْنِ جُرْحًا وَاحِدًا وَجَرَحَ الْآخَرُ مِائَةَ جِرَاحَةٍ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا أُنْمُلَةً وَاحِدَةً وَقَطَعَ الْآخَرُ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَنَامِلِ، فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ فِي عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ لِتَفَاوُتِهِمَا فِي تَعَدُّدِ الْمَعْصِيَةِ وَعِظَمِ الْجُرْأَةِ، مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ الْجَانِي رَجُلًا أَوْ قَطَعَ الْجَانِي الْآخَرُ رَجُلًا إرْبًا إرْبًا حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْعُهْدَةِ الْعَاجِلَةِ، وَيَتَفَاوَتَانِ فِي الْعُقُوبَةِ الْآجِلَةِ لِعِظَمِ. الْجُرْأَةِ، وَتَعَدُّدِ الْمَعْصِيَةِ فِي أَحَدِهِمَا وَاتِّحَادِهَا فِي الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْمَثُلَةِ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ الذَّبْحِ وَقَطْعِ الرَّقَبَةِ.

فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُحَرِّمُ الرَّبُّ مَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَدْ يُحَرِّمُ الرَّبُّ مَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ عُقُوبَةً لِمُخَالَفَتِهِ وَحِرْمَانًا لَهُمْ أَوْ تَعَبُّدًا. أَمَّا تَحْرِيمُ الْحُرُمَاتِ، فَكَمَا حَرَّمَ عَلَى الْيَهُودِ كُلَّ ذِي ظُفْرٍ، وَكَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الثُّرُوبَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، عُقُوبَةً لَهُمْ لَا لِمَفْسَدَةٍ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ لَمَا أَحَلَّ ذَلِكَ لَنَا مَعَ أَنَّا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] ، وَبِقَوْلِهِ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] .
وَأَمَّا تَحْرِيمُ التَّعَبُّدِ فَكَتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ، وَالدَّهْنِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُحَرَّمْ لِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهَا تَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ أَوْصَافِهَا، وَصَارَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ لِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ.

[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ الْمَصَالِحِ إلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ]
فِي انْقِسَامِ الْمَصَالِحِ إلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ
الْمَصَالِحُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا وَاجِبُ التَّحْصِيلِ، فَإِنْ عَظُمَتْ الْمَصْلَحَةُ وَجَبَتْ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْدُوبَةُ التَّحْصِيلِ، الثَّالِثُ مُبَاحَةُ
(1/42)

التَّحْصِيلِ ثُمَّ الْمَصَالِحُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهُمَا: أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ مُتَوَقَّعَةُ الْحُصُولِ، إذْ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؟ وَلَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ بِالْقَبُولِ، وَلَوْ قُطِعَ بِالْقَبُولِ لَمْ يُقْطَعْ بِحُصُولِ ثَوَابِهَا وَمَصَالِحِهَا، لِجَوَازِ ذَهَابِهَا بِالْمُوَازَنَةِ وَالْمُقَاصَّةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَصَالِحُ دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا نَاجِزُ الْحُصُولِ كَمَصَالِح الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ، وَالْمَنَاكِحِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَرَاكِبِ، وَكَذَلِكَ مَصَالِحُ الْمُعَامَلَاتِ النَّاجِزَةِ الْأَعْوَاضُ وَحِيَازَةُ الْمُبَاحِ - كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مُتَوَقَّعُ الْحُصُولِ كَالِاتِّجَارِ لِتَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ وَكَذَلِكَ الِاتِّجَارُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِمَا يُتَوَقَّعُ فِيهَا مِنْ الْأَرْبَاحِ.
وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُمْ الصَّنَائِعَ وَالْعُلُومَ لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ مَصَالِحِهَا وَفَوَائِدِهَا، وَكَذَلِكَ بِنَاءُ الدَّارِ وَزَرْعُ الْحُبُوبِ وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَصَالِحُهُ مُتَوَقَّعَةٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا، وَكَذَلِكَ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ مَصَالِحِ الِانْزِجَارِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يَكُون لَهُ مَصْلَحَتَانِ إحْدَاهُمَا عَاجِلَةٌ وَالْأُخْرَى آجِلَةٌ كَالْكَفَّارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّاتِ، فَإِنَّ مَصَالِحَهَا الْعَاجِلَةَ لِقَابِلِيهَا، وَالْآجِلَةَ لِبَاذِلِيهَا، فَمَصَالِحُهَا الْعَاجِلَةُ نَاجِزَةُ الْحُصُولِ، وَالْآجِلَةُ مُتَوَقَّعَةُ الْحُصُولِ.

[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ الْمَفَاسِدِ إلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ]
فِي انْقِسَامِ الْمَفَاسِدِ إلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ
الْمَفَاسِدُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ - أَحَدُهَا: مَا يَجِبُ دَرْؤُهُ فَإِنْ عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ وَجَبَ دَرْؤُهُ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ وَذَلِكَ كَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالْغَصْبِ وَإِفْسَادِ الْعُقُولِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ فَيُحْظَرُ فِي شَرْعٍ وَيُبَاحُ فِي آخَرَ تَشْدِيدًا عَلَى مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ، وَتَخْفِيفًا عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ، الثَّالِثُ: مَا تَدْرَؤُهُ الشَّرَائِعُ كَرَاهِيَةً لَهُ.
(1/43)

ثُمَّ الْمَفَاسِدُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ مُتَوَقَّعَةُ الْحُصُولِ لَا يُقْطَعُ بِتَحَقُّقِهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ أَوْ الْعَفْوِ أَوْ الشَّفَاعَةِ أَوْ الْمُوَازَنَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَاجِزُ الْحُصُولِ كَالْكُفْرِ وَالْجَهْلِ الْوَاجِبِ الْإِزَالَةُ، وَكَالْجَوْعِ وَالظَّمَأِ وَالْعُرْيِ وَضَرَرِ الصِّيَالِ وَالْقِتَالِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مُتَوَقَّعُ الْحُصُولِ كَقِتَالِ مَنْ يَقْصِدُنَا مِنْ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ وَأَهْلِ الصِّيَالِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ لَهُ مَفْسَدَتَانِ: إحْدَاهُمَا عَاجِلَةٌ وَالْأُخْرَى آجِلَةٌ، كَالْكُفْرِ، فَالْعَاجِلَةُ نَاجِزَةُ الْحُصُولِ وَالْآجِلَةُ مُتَوَقَّعَةُ الْحُصُولِ.
وَأَمَّا مَا يَكُونُ مَفْسَدَتُهُ عَاجِلَةً وَمَصْلَحَتُهُ آجِلَةً فَكَالصِّيَالِ عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ، فَإِنَّ دَرْءَ مَفْسَدَتِهِ عَاجِلٌ حَاصِلٌ لِمَنْ دُرِئَتْ عَنْهُ، وَمَصْلَحَةُ دَرْئِهِ آجِلَةٌ لِمَنْ دَرَأَهُ.

[فَائِدَةٌ إذَا عَظُمَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْجَبَهَا الرَّبُّ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ]
وَكَذَلِكَ إذَا عَظُمَتْ الْمَفْسَدَةُ، حَرَّمَهَا فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَقَدْ يُقَدِّمُ الشَّرْعُ بَعْضَ الْمَصَالِحِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ عَلَى غَيْرِهَا، وَيُخَالِفُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ.
وَكَذَلِكَ الْمَفَاسِدُ، فَالْقِصَاصُ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَاجِبٌ حَقًّا لِلَّهِ كَمَا فِي حَدِّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا، وَهُوَ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُقْتَرِنٌ بِحَقِّ الرَّبِّ، وَرُجِّحَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ الرَّبِّ فِي شَرْعِنَا نَظَرًا لِلْجَانِي وَلِوَلِيِّ الدَّمِ.
وَكَذَلِكَ حَرُمَ فِي النِّكَاحِ الزِّيَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَرْعِ عِيسَى نَظَرًا لِلنِّسَاءِ وَكِيلَا يَتَضَرَّرْنَ بِكَثْرَةِ الضَّرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَأَجَازَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَطْءِ وَمُؤَنِ النِّكَاحِ، وَأَجَازَ فِي شَرْعِنَا الزِّيَادَةَ عَلَى وَاحِدَةٍ نَظَرًا لِلرِّجَالِ وَحَرَّمَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ نَظَرًا لِلنِّسَاءِ وَرَحْمَةً بِهِنَّ، وَوَطْءُ الْإِمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ نَظَرًا لِلرِّجَالِ.

[فَصْلٌ فِي تَفَاوُتِ الْأَعْمَالِ مَعَ تَسَاوِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ]
فِي تَفَاوُتِ الْأَعْمَالِ مَعَ تَسَاوِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَمَاكِنَ وَالْأَزْمَانَ كُلَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ، وَيَفْضُلَانِ بِمَا يَقَعُ فِيهِمَا لَا بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِمَا، وَيَرْجِعُ تَفْضِيلُهُمَا إلَى مَا يُنِيلُ اللَّهُ الْعِبَادَ فِيهِمَا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ
(1/44)

فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَاقِبَ بِغَيْرِ كُفْرٍ وَلَا عِصْيَانٍ، وَيَتَفَضَّلَ بِغَيْرِ طَاعَةٍ وَإِيمَانٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ يُنْشِئُ فِي الْجَنَّةِ أَقْوَامًا وَفِي الْجَنَّةِ آخَرِينَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَقَهُ فِي الْجِنَانِ مِنْ الْحُورِ الْعَيْنِ. وَتَفْضِيلُ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا دُنْيَوِيٌّ كَتَفْضِيلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمَانِ، وَكَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْبُلْدَانِ عَلَى بَعْضٍ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ وَطِيبِ الْهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الْأَهْوَاءِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: تَفَضُّلٌ دِينِيٌّ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اللَّهَ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِمَا بِتَفْضِيلِ أَجْرِ الْعَامِلِينَ كَتَفْضِيلِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى صَوْمِ سَائِرِ الشُّهُورِ
وَكَذَلِكَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَشَعْبَانَ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَضْلُهُمَا رَاجِعٌ إلَى جُودِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ فَضْلُ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ كُلِّ لَيْلَةٍ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي فِيهِ مِنْ إجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ وَنَيْلِ الْمَأْمُولِ مَا لَا يُعْطِيهِ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَكَذَلِكَ اخْتِصَاصُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ فِيهَا، وَمِنًى بِالرَّمْيِ فِيهَا، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِالسَّعْيِ فِيهِمَا، مَعَ الْقَطْعِ بِتَسَاوِي الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ مَكَّةَ عَلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ.

[فَصْلٌ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ]
فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ
إنْ قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَيْهَا؟ قُلْنَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِي مَكَّةَ بِمَا لَا يَجُودُ بِمِثْلِهِ فِي الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُ قَصْدِهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهَذَانِ وَاجِبَانِ لَا يَقَعُ مِثْلُهُمَا فِي الْمَدِينَةِ، فَالْإِثَابَةُ عَلَيْهِمَا إثَابَةٌ عَلَى وَاجِبٍ، وَلَا يَجِبُ قَصْدُ الْمَدِينَةِ بَلْ قَصْدُهَا بَعْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِسَبَبِ زِيَارَتِهِ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
(1/45)

الْوَجْهُ الثَّانِي: إنْ فَضُلَتْ الْمَدِينَةُ بِإِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ النُّبُوَّةِ، كَانَتْ مَكَّةُ أَفْضَلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِهَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً أَوْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إنْ فَضُلَتْ الْمَدِينَةُ بِكَثْرَةِ الطَّارِقِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا بِكَثْرَةِ مَنْ طَرَقَهَا مِنْ الصَّالِحِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّهَا آدَم وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِمَلِكٍ دَارَانِ فُضْلَيَانِ فَأَوْجَبَ عَلَى عَبِيدِهِ أَنْ يَأْتُوا إحْدَى دَارَيْهِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِغُفْرَانِ سَيِّئَاتِهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ وَإِسْكَانِهِمْ فِي قُرْبِهِ وَجِوَارِهِ فِي أَفْضَلِ دُورِهِ، لَمْ يُرَتِّبْ ذُو لُبٍّ أَنَّ اهْتِمَامَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ أَتَمُّ مِنْ اهْتِمَامِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ بُيُوتِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَقَالَ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ» ، وَقَالَ فِي الْمَدِينَةِ، «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّقْبِيلَ وَالِاسْتِلَامَ ضَرْبٌ مِنْ الِاحْتِرَامِ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ السَّلَامِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا اسْتِقْبَالَهَا فِي الصَّلَاةِ حَيْثُمَا كُنَّا مِنْ الْبِلَادِ وَالْفَلَوَاتِ، فَإِنْ قِيلَ إنْ دَلَّتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا عَلَى فَضْلِهَا فَلْتَكُنْ الصَّخْرَةُ أَفْضَلَ مِنْهَا لَمَّا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا؟ فَالْجَوَابُ إنَّ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ أُمَّتِهِ إلَى الْكَعْبَةِ أَطْوَلُ زَمَانًا، فَإِنَّهَا قِبْلَتُهُمْ إلَى الْقِيَامَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ مَصْلَحَتَهَا أَكْبَرُ لَمَا اخْتَارَهَا لَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ، وَكُلُّ فِعْلٍ نُسِخَ إيجَابُهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي زَمَانِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ مِثْلِهِ لِقَوْلِهِ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] ، وَكَوْنُهُ أَفْضَلَ فِي زَمَانِهِ وَجْهٌ، لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى.
(1/46)

الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا اسْتِدْبَارَ الْكَعْبَةِ وَاسْتِقْبَالَهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ إلَّا لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ بَوَّأَهَا لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِابْنِهِ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَجَعَلَهَا مُبَوَّأً وَمَوْلِدًا لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا حَرَمًا آمِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ مَكَّةَ لَا تُدْخَلُ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إمَّا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَلَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا بَدَلٌ مِنْهُ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي مَكَّةَ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] ، عَبَّرَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَنْ الْحَرَمِ كُلِّهِ، وَهَذَا مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ، كَمَا يُعَبَّرُ بِالْوَجْهِ عَنْ الْجُمْلَةِ، وَبِالرَّأْسِ عَنْ الْجُمْلَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهُوَ مَسْنُونٌ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْمَدِينَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اغْتِسَالَهُ لِأَجْلِ الْحَجِّ لَا لِأَجْلِ دُخُولِ الْبَلَدِ كَمَا فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْبَيْتِ فِي كِتَابِهِ بِمَا لَمْ يُثْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] ، وَكَيْفَ لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ مَكَانًا أَوْجَبَ اللَّهُ إتْيَانَهُ عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ أَفْضَلُ مِنْ مَكَان لَا يَجِبُ إتْيَانُهُ، وَمِنْ شَرَفِ مَكَّةَ
(1/47)

أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُكْرَهُ فِيهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَاتِ لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ. «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «اللَّهُمَّ إنَّك أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْك» . فَهَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ وَصْفِ الْمَكَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ، وَلَا يَقُومُ بِهِ قِيَامَ الْعَرَضِ بِالْجَوْهَرِ كَقَوْلِهِ {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} [سبأ: 15] وَصَفَهَا بِالطِّيبِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِهَوَائِهَا.
وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ وُصِفَتْ بِالْقُدْسِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِمَنْ حَلَّ بِهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَكَذَلِكَ الْوَادِي الْمُقَدَّسُ وُصِفَ بِقُدْسِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِقُدْسِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ حَلُّوا فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَسْوَاقُهَا» ، أَرَادَ بِمَحَبَّةِ الْمَسَاجِدِ مَحَبَّةَ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ ذِكْرِهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّلَوَاتِ، وَأَرَادَ بِبُغْضِ الْأَسْوَاقِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ، مَعَ كَوْنِ أَهْلِهَا لَا يَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ وَلَا يَغُضُّونَ الْأَبْصَارَ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ بَلَدٌ خَائِفٌ وَآمِنٌ وُصِفَ بِصِفَةِ مَنْ حَلَّ فِيهِ مِنْ الْخَائِفِينَ وَالْآمِنِينَ، فَكَذَلِكَ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا هُوَ وَصْفٌ بِمَا حَصَلَ فِيهِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ إقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِرْشَادُهُ أَهْلَهُ إلَى مَا بُعِثَ بِهِ، فَكَانَتْ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا كَانَ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا وَإِرْشَادُهُ أَهْلَهَا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَإِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إقَامَتِهِ بِغَيْرِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّاعَةَ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا أَحَبُّ إلَى رَسُولِهِ مِنْ
(1/48)

جَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَيْكَ أَلَا تَكُونَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِهِ. كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَى رَبِّهِ. فَالتَّعْبِيرُ بِالْأَحَبِّ فِي الْبَلَدَيْنِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدَيْنِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، إذْ لَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخَالِفَ رَبَّهُ فِي مَحَبَّةِ مَا أَحَبَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدَيْنِ بِحَسْبِ مَا وَقَعَ فِيهِ: مِنْ إبْلَاغِ الرِّسَالَةِ، وَالْأَمْرِ بِالطَّاعَاتِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمَعَاصِي، وَكُلُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّا سِوَاهُ مِنْ النَّوَافِلِ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فِي أَمْرِ مَعَاشِي فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك فِي أَمْرِ مَعَادِي وَهَذَا مُتَّجَهٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِهِ وَتَبْلِيغِ أَمْرِهِ إلَى أَنْ تَكَامَلَ الْوَحْيُ وَبَشَّرَهُ بِإِكْمَالِ دِينِهِ وَإِتْمَامِ إنْعَامِهِ بِقَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمَاكِنَ وَالْأَزْمَانَ يُوصَفَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِمَا قَوْله تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] وَقَوْلُهُ {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67] فَوَصَفَهُمَا بِصِفَةِ أَهْلِهِمَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] وَصَفَهَا بِالتَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ فِيهَا وَهُوَ تَحْرِيمُ صَيْدِهَا، وَعَضُدِ شَجَرِهَا وَاخْتِلَاءِ خَلَائِهَا، وَتَحْرِيمُ الْتِقَاطِ لَقَطَتِهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ. وَكَذَلِكَ وَصَفَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَشْهُرَ بِالتَّحْرِيمِ.
فِي قَوْلِهِ: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] . وَفِي قَوْلِهِ. {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 194] .
وَقَالَتْ الْعَرَبُ. يَوْمٌ بَارِدٌ وَلَيْلٌ نَائِمٌ، وَنَهَارٌ صَائِمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
وَنِمْت وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمٍ
وَفِي الْكِتَابِ. {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: 9] ، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 156] وَكَذَلِكَ يَوْمٌ عَصِيبٌ، وَقَمْطَرِيرٌ، وَثَقِيلٌ. كُلُّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِمَا يَحْصُلُ فِي تِلْكَ الْأَزْمَانِ، وَكَذَلِكَ وَصَفَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ بِكَوْنِهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، إنَّمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْعَمَلِ الْوَاقِعِ فِيهَا.
وَأَمَّا فَضْلُ الثُّغُورِ فَعَائِدٌ إلَى فَضِيلَةِ الرِّبَاطِ
(1/49)

فِيهَا عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ - فَيُثَابُ حَاضِرُوهَا عَلَى نِيَّةِ الْجِهَادِ - وَعَلَى التَّسَبُّبِ إلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ حِرَاسَتُهَا مِمَّنْ يَقْصِدُهَا مِنْ الْكُفَّارِ.
وَأَمَّا فَضِيلَةُ الْمَسَاجِدِ فَلَيْسَتْ رَاجِعَةً إلَى أَجْرَامِهَا وَلَا إلَى أَعْرَاضٍ قَامَتْ بِأَجْرَامِهَا، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ فَضِيلَتُهَا إلَى مَقْصُودِهَا مِنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهَا، وَإِيدَاعُ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ لِهَذِهِ الْفَضَائِلِ كَإِيدَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ لَيْسَ إلَّا جُودًا مِنْ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ: {إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَوْصَافِ الشِّرَافِ لَمْ يَضَعْهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِمَعْنَى اقْتَضَاهَا وَاسْتَدْعَاهَا، بَلْ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا مَنَّ بِهِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا فَضْلًا مِنْ فَضْلِهِ وَجُودًا مِنْ جُودِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَمَاكِنُ وَالْأَزْمَانُ أَوْدَعَ اللَّهُ فِي بَعْضِهَا فَضْلًا لَا وُجُودَ لَهُ فِي غَيْرِهَا، مَعَ الْقَطْعِ بِالتَّمَاثُلِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَكَذَلِكَ الْأَجْسَامُ الَّتِي فَضُلَتْ بِأَعْرَاضِهَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ.

[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ إلَى فُرُوضِ كِفَايَاتٍ وَفُرُوضِ أَعْيَانٍ]
اعْلَمْ أَنَّ الْمَصَالِحَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ لِعِظَمِ الْمَصْلَحَةِ فِي فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فِي تَرْكِهِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَتَعَلُّمِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا يَتَعَيَّنُ تَعَلُّمُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَى نَيْلِ رُتْبَةِ الْفُتْيَا، وَكَجِهَادِ الطَّلَبِ وَجِهَادِ الدَّفْعِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّينَ، وَكُسْوَةِ الْعَارِينَ وَإِغَاثَةِ الْمُسْتَغِيثِينَ، وَالْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ بَيْنَ ذَوِي الِاخْتِصَامِ، وَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى وَالشَّهَادَاتِ، وَتَجْهِيزِ الْأَمْوَاتِ، وَإِعَانَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ وَحِفْظِ الْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: فَرْضٌ
(1/50)

عَلَى الْأَعْيَانِ كَتَعَلُّمِ مَا يَتَعَيَّنُ تَعَلُّمُهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَادَاتِ الْأَعْيَانِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّلَوَاتُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ دُونَ ابْتِلَاءِ الْأَعْيَانِ بِتَكْلِيفِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِتَكْلِيفِ الْأَعْيَانِ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حِدَتِهِ، لِتَظْهَرَ طَاعَتُهُ أَوْ مَعْصِيَتُهُ، فَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْعَيْنِ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَيَسْقُطُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْقَائِمِينَ بِهِ دُونَ مَنْ كُلِّفَ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ.
أَمَّا سُقُوطُهُ عَنْ فَاعِلِيهِ فَلِأَنَّهُمْ قَامُوا بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ، وَأَمَّا سُقُوطُهُ عَنْ الْبَاقِينَ فَلِتَعَذُّرِ التَّكْلِيفِ بِهِ وَالتَّكْلِيفُ تَارَةً يَسْقُطُ بِالِامْتِثَالِ، وَتَارَةً يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ، فَإِذَا خَاضَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِهِ ثُمَّ لَحِقَهُ آخَرُونَ قَبْلَ تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ، كَانَ مَا فَعَلُوهُ فَرْضًا وَإِنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِغَيْرِهِمْ، لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعَدُوِّ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِدَفْعِهِمْ ثُمَّ يَلْحَقُ بِهِمْ آخَرُونَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، فَيُكْتَبُ لَهُمْ أَجْرُ الْفَرْضِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ فِي الثَّوَابِ بِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُومَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ أَوْ تَكْفِينِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ حَمْلِهِ أَوْ دَفْنِهِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، ثُمَّ يَلْحَقُهُمْ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَغِلَ بِعِلْمِ الشَّرْعِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ الْوَاجِبَةُ، ثُمَّ يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهِ فَيَكُونُ مُفْتَرِضًا لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمْ تَكْمُلْ بَعْدُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ثَانِيًا مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا أَوَّلًا بَعْدَ إسْقَاطِ فَرْضِهَا فِي الْحُكْمِ لَكَانَتْ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ فَرْضًا عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ مَعَ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِصَلَاةِ السَّابِقِينَ، وَلَيْسَ هَذَا
(1/51)

كَاللَّاحِقِينَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْفَرْضِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ جَمِيعَ مَصَالِحِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إذَا أُتِيَ بِهَا فَقَدْ دَخَلَتْ فِي الْوُجُودِ قَطْعًا وَلَا يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى الظَّنِّ، وَمَصْلَحَةُ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يُقْطَعُ بِدُخُولِهَا فِي الْوُجُودِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْأَعْظَمَ إجَابَةُ الدُّعَاءِ وَهُوَ غَيْبٌ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يُقْبَلَ دُعَاءُ مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الصَّلَاةِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ مُحَصِّلَةً لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ إجَابَةُ الدُّعَاءِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مَنْ هَهُنَا مِنْ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ - إذَا صَلَّى عَلَيْهِ الْأَبْرَارُ - أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي الْبَاطِنِ، بِخِلَافِ مَصَالِحِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهَا تَتَحَقَّقُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَلِذَلِكَ يُكَرَّرُ الدُّعَاءُ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْوَاحِدِ كَدُعَاءِ الْفَاتِحَةِ وَالْقُنُوتِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يُكَرَّرُ التَّسْلِيمُ وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الْأَمْوَاتِ، وَلَوْ عُلِمَتْ الْإِجَابَةُ لَكَانَ الدُّعَاءُ عَبَثًا، وَكَذَلِكَ تَكْرِيرُ التَّسْلِيمِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالِافْتِرَاقِ مَعَ كَوْنِهِ دُعَاءً بِكُلِّ سَلَامَةٍ.
وَكَذَلِكَ كَرَّرَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِغْفَارَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ بَلْ لِلْإِلْحَاحِ فِي الِاسْتِغْفَارِ عَلَى تَقْصِيرٍ وَاحِدٍ أَوْ تَقْصِيرَيْنِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أُمِرَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاسْتِغْفَارِ مَعَ وَعْدِهِ بِغُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قُلْنَا وُعِدَ بِغُفْرَانٍ مَبْنِيٍّ عَلَى اسْتِغْفَارِهِ كَمَا وُعِدَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَعِيمِ الْجِنَانِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْإِيمَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ تَكْرِيرُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الْإِجَابَةِ؟ قُلْنَا لَا تُكَرَّرُ لِمَا فِي التَّكْرِيرِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَلَا ضَابِطَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ. إذًا بَعُدَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِصَلَاةِ الْفَجَرَةِ الَّذِينَ نُبْعِدُ إجَابَةَ دُعَائِهِمْ فَهَلَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ بَرَرَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ قَبُولُ دُعَائِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَرَرَةَ لَا يُتَيَسَّرُونَ فِي أَوْقَاتِ حُضُورِ الْجَنَائِزِ
(1/52)

وَرُبَّ فَاجِرٍ مَقْبُولِ الدُّعَاءِ لِشِدَّةِ تَضَرُّعِهِ وَقِيَامِهِ بِآدَابِ الدُّعَاءِ، وَرُبَّ بَرٍّ مَرْدُودِ الدُّعَاءِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْقِيَامِ بِآدَابِهِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْمَصَالِحِ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ
وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَتَسْلِيمِ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَنْ مَرُّوا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَمَا يُفْعَلُ بِالْأَمْوَاتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي سُنَّةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالرَّوَاتِبِ، وَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ، وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ، وَالتَّهَجُّدِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَالِاعْتِكَافِ وَالتَّطَوُّعِ بِالنُّسُكَيْنِ، وَالطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ نُسُكٍ، وَالصَّدَقَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَمَصَالِحُ هَذَا دُونَ مَصَالِحِ الْوَاجِبِ.
وَالْمَفَاسِدُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُؤْجَرُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا نَوَى بِتَرْكِهِ الْقُرْبَةَ كَالتَّعَرُّضِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ وَتَفُوتُهُ مَصْلَحَةٌ بِتَرْكِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَغَمْسِ الْيَدَيْنِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا لِمَنْ قَامَ مِنْ الْمَنَامِ، وَتَرْكِ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ.

[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ إلَى الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ]
فِي انْقِسَامِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ إلَى الْوَسَائِلِ وَالْمَقَاصِدِ
الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ
وَالثَّانِي: وَسَائِلُ، وَلِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ، فَالْوَسِيلَةُ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَفْضَلُ
(1/53)

الْوَسَائِلِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى أَرْذَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَرْذَلُ الْوَسَائِلِ، ثُمَّ تَتَرَتَّبُ الْوَسَائِلُ بِتَرَتُّبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْوُقُوفِ عَلَى تَرَتُّبِ الْمَصَالِحِ عَرَفَ فَاضِلَهَا مِنْ مَفْضُولِهَا، وَمُقَدَّمَهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ فَيَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِمَعْرِفَةِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ أَعْظَمَهَا بِأَخَفِّهَا عِنْدَ تَزَاحُمِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا يُدْرَأُ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ دَفْعِ جَمِيعِهَا، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَسَنَذْكُرُ أَمْثِلَةَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ]
ِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَصْلَحَةٌ أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَظَرًا لِعِبَادِهِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةُ الرُّتَبِ مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا. فَأَفْضَلُ الْمَصَالِحِ مَا كَانَ شَرِيفًا فِي نَفْسِهِ، دَافِعًا لِأَقْبَحِ الْمَفَاسِدِ، جَالِبًا لِأَرْجَحِ الْمَصَالِحِ، وَقَدْ «سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» .
جَعَلَ الْإِيمَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ لِجَلْبِهِ لِأَحْسَنِ الْمَصَالِحِ، وَدَرْئِهِ لِأَقْبَحِ الْمَفَاسِدِ، مَعَ شَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ وَشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَمَصَالِحُهُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا عَاجِلَةٌ وَهِيَ إجْرَاءُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَصِيَانَةُ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْحُرُمِ وَالْأَطْفَالِ.
وَالثَّانِي: آجِلَةٌ وَهُوَ خُلُودُ الْجَنَانِ وَرِضَاءُ الرَّحْمَنِ. وَجَعْلُ الْجِهَادِ تِلْوَ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرِيفٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ وُجُوبُ الْوَسَائِلِ - وَفَوَائِدُهُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَصَالِحُهُ، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ فَأَمَّا مَصَالِحُهُ الْعَاجِلَةُ فَإِعْزَازُ الدِّينِ، وَمَحْقُ الْكَافِرِينَ، وَشِفَاءُ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ اغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ وَتَخْمِيسِهَا، وَإِرْقَاقِ نِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ.
وَأَمَّا مَصَالِحُ الْآجِلَةِ فَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74] ،
(1/54)

فَجَعَلَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ لِلْقَتْلَى وَالْغَالِبِينَ، وَالْغَالِبُ أَفْضَلُ مِنْ الْقَتِيلِ، لِأَنَّهُ حَصَّلَ مَقَاصِدَ الْجِهَادِ، وَلَيْسَ الْقَتِيلُ مُثَابًا عَلَى الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى تَعَرُّضِهِ لِلْقَتْلِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ فَوَائِدِ الْجِهَادِ دَرْؤُهُ لِمَفَاسِدَ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ، أَمَّا الْآجِلَةُ فَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَالْغُفْرَانُ دَافِعٌ لِمَفَاسِدِ الْعِقَابِ.
وَأَمَّا الْعَاجِلَةُ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ الْكُفْرَ مِنْ صُدُورِ الْكَافِرِينَ إنْ قُتِلُوا أَوْ أَسْلَمُوا خَوْفًا مِنْ الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ يَدْرَأُ اسْتِيلَاءَ الْكُفَّارِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَإِرْقَاقِ حَرَمِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الدِّينِ. وَجَعَلَ الْحَجَّ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ لِانْحِطَاطِ مَصَالِحِهِ عَنْ مَصَالِحِ الْجِهَادِ وَهُوَ أَيْضًا يَجْلِبُ الْمَصَالِحَ وَيَدْرَأُ الْمَفَاسِدَ.
أَمَّا جَلْبُهُ لِلْمَصَالِحِ فَلِأَنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ وَأَمَّا دَرْؤُهُ لِلْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ الْعُقُوبَاتِ بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ، وَلَا تَزَالُ رُتَبُ الْمَصَالِحِ الْوَاجِبَةِ التَّحْصِيلِ تَتَنَاقَضُ إلَى رُتْبَةٍ لَوْ تَنَاقَضَتْ لَانْتَهَيْنَا إلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبَاتِ.
وَكَذَلِكَ تَتَفَاوَتُ رُتَبُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِيمَا تَجْلِبُهُ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ تَدْرَؤُهُ مِنْ مَفْسَدَةٍ، فَقِتَالُ الدَّفْعِ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ الطَّلَبِ، وَدَفْعُ الصِّوَالِ عَنْ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْضَاعِ أَفْضَلُ مِنْ دَرْئِهِمْ عَنْ الْمَنَافِعِ وَالْأَمْوَالِ.
وَكَذَلِكَ تَتَفَاوَتُ رُتَبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْمَفَاسِدِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ رُتَبِ الْمَصَالِحِ: مَا نَدَبَ اللَّهُ عِبَادَهُ إلَيْهِ إصْلَاحًا لَهُمْ، وَأَعْلَى رُتَبِ مَصَالِحِ النَّدْبِ دُونَ أَدْنَى رُتَبِ مَصَالِحِ الْوَاجِبِ، وَتَتَفَاوَتُ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى مَصْلَحَةٍ يَسِيرَةٍ لَوْ فَاتَتْ لَصَادَفْنَا مَصَالِحَ الْمُبَاحِ.
وَكَذَلِكَ مَنْدُوبُ الْكِفَايَةِ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ رُتَبِ مَصَالِحِهِ وَفَضَائِلِهِ.
(1/55)

[فَائِدَةٌ فِي مَصَالِحِ الْمُبَاحِ]
ِ: مَصَالِحُ الْمُبَاحِ عَاجِلَةٌ بَعْضُهَا أَنْفَعُ وَأَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَكَلَ شِقَّ تَمْرَةٍ كَانَ مُحْسِنًا إلَى نَفْسِهِ بِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِشِقِّ تَمْرَةٍ كَانَ مُحْسِنًا إلَى نَفْسِهِ بِمَصْلَحَةٍ آجِلَةٍ، وَإِلَى الْفُقَرَاءِ بِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ، وَمَنْ أَتَى مَصْلَحَةً أُخْرَوِيَّةً قَاصِرَةً عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَذُخْرُهَا، وَمَنْ أَتَى مَصْلَحَةً مُتَعَدِّيَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَلِمَنْ تَعَدَّتْ إلَيْهِ أَجْرُهَا الْآجِلُ إنْ كَانَتْ فِي دِينِهِ وَكَانَ نَفْعُهَا الْعَاجِلُ إنْ كَانَتْ فِي دُنْيَاهُ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمَفَاسِدِ]
فِي بَيَانِ الْمَفَاسِدِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ حَرَّمَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ، وَضَرْبٌ كَرِهَ اللَّهُ إتْيَانَهُ، وَالْمَفَاسِدُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ رُتْبَتَانِ إحْدَاهُمَا: رُتْبَةُ الْكَبَائِرِ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْكَبِيرِ وَالْأَكْبَرِ وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا، فَالْأَكْبَرُ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ مَفْسَدَةً.
وَكَذَلِكَ الْأَنْقَصُ فَالْأَنْقَصُ، وَلَا تَزَالُ مَفَاسِدُ الْكَبَائِرِ تَتَنَاقَصُ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى مَفْسَدَةٍ لَوْ نَقَصَتْ لَوَقَعَتْ فِي أَعْظَمِ رُتَبِ مَفَاسِدِ الصَّغَائِرِ وَهِيَ الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ. ثُمَّ لَا تَزَالُ مَفَاسِدُ الصَّغَائِرِ تَتَنَاقَصُ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى مَفْسَدَةٍ لَوْ فَاتَتْ لَانْتَهَتْ إلَى أَعْلَى رُتَبِ مَفَاسِدِ الْمَكْرُوهَاتِ وَهِيَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ، وَلَا تَزَالُ تَتَنَاقَصُ مَفَاسِدُ الْمَكْرُوهَاتِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى حَدٍّ لَوْ زَالَ لَوَقَعَتْ فِي الْمُبَاحِ.
وَقَدْ أَبَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَفَاوُتِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ، إذْ سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيُّ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، قِيلَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك قِيلَ. ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك» جَعَلَ الْكُفْرَ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ مَعَ قُبْحِهِ فِي نَفْسِهِ، لِجَلْبِهِ لِأَقْبَحِ الْمَفَاسِدِ وَدَرْئِهِ لِأَحْسَنِ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّهُ يَجْلِبُ مَفَاسِدَ الْكُفْرِ وَيَدْرَأُ مَصَالِحَ الْإِيمَانِ. وَمَفَاسِدُهُ ضَرْبَانِ:
(1/56)

أَحَدُهُمَا عَاجِلٌ وَهُوَ إرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَسَلْبُ الْأَمْوَالِ وَإِرْقَاقِ الْحَرَمِ وَالْأَطْفَالِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: آجِلٌ وَهُوَ خُلُودُ النِّيرَانِ مَعَ سُخْطِ الدَّيَّانِ. وَأَمَّا دَرْؤُهُ لِأَحْسَنِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ فِي الدُّنْيَا عَنْ الْمُشْرِكِينَ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانَ وَعَنْ الْإِسْلَامِ وَالْأَمْنِ مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَاغْتِنَامِ الْأَمْوَالِ، وَيَدْرَأُ فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَ الْجَنَانِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ. وَجَعَلَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ تَالِيًا لِاِتِّخَاذِ الْأَنْدَادِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِفْسَادِ وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ وَالْخُرُوجِ مِنْ حَيِّزِ الْعَدَالَةِ إلَى حَيِّزِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِعِقَابِ الْآخِرَةِ، وَتَغْرِيمِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالِانْعِزَالِ عَنْ الْوِلَايَةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَجَعَلَ الزِّنَا بِحَلِيلَةِ جَارِهِ تِلْوَ قَتْلِ الْأَوْلَادِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا كَاخْتِلَافِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَحُصُولِ الْعَارِ، وَأَذِيَّةِ الْجَارِ، وَالتَّعَرُّضِ لَحَدِّ الدُّنْيَا أَوْ لِعِقَابِ الْآخِرَةِ، وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَيِّزِ الْعَدَالَةِ إلَى حَيِّزِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَالِانْعِزَالِ عَنْ جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ.

[فَصْلٌ تَقْسِيم الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ]
تَنْقَسِمُ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ إلَى نَفِيسٍ وَخَسِيسٍ، وَدَقِيقٍ وَجُلٍّ، وَكُثْرٍ وَقُلٍّ، وَجَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، وَآجِلٍ أُخْرَوِيٍّ وَعَاجِلٍ دُنْيَوِيٍّ، وَالدُّنْيَوِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَقَّعٍ وَوَاقِعٍ، وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرْجِيحِ بَعْضِ الْمَصَالِحِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرْجِيحِ بَعْضِ الْمَفَاسِدِ عَلَى بَعْضٍ، يَنْقَسِمُ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ فَعَلَ مَا اُتُّفِقَ عَلَى صَلَاحِهِ، وَتَرَكَ مَا اُتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ، وَأَسْعَدُ مِنْهُ مَنْ ضَمَّ إلَى ذَلِكَ فِعْلَ مَا اُخْتُلِفَ فِي صَلَاحِهِ، وَتَرَكَ مَا اُخْتُلِفَ فِي فَسَادِهِ، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ
(1/57)

لِحِيَازَةِ الْمَصَالِحِ بِالْفِعْلِ وَلِاجْتِنَابِ الْمَفَاسِدِ بِالتَّرْكِ، وَقَلِيلٌ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ الْقَلِيلِ بِالْمَعْدُومِ.
فَمِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَمِنْهَا مَا يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ خَاصَّةُ الْخَاصَّةِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى الْخَفِيِّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ بِنُورٍ يَقْذِفُهُ فِي قَلْبِهِ، وَهَذَا جَارٍ فِي مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدِهِمَا، وَفِي مِثْلِهِ طَالَ الْخِلَافُ وَالنِّزَاعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي عُلُومِ الشَّرَائِعِ وَالطَّبَائِعِ، وَتَدْبِيرِ الْمَسَالِكِ وَالْمَهَالِكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالنِّيَّاتِ وَجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ نَصْبِ الْخَلِيفَتَيْنِ لِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاخْتِلَافَاتِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْأَصْلَحِ وَالْمَفَاسِدِ وَالْأَفْسَدِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ نَصْبَهُمَا لَتَعَطَّلَ تَحْصِيلُ مَا خَفِيَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَاجْتِنَابِ مَا خَفِيَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَكَذَلِكَ تَرْجِيحُ الْخَفِيِّ.
وَأَمَّا نَصْبُ الْقَضَاءِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ مَصَالِحَ الْقَضَاءِ خَاصَّةٌ، وَمَصَالِحَ الْخِلَافَةِ عَامَّةً، وَيَتَعَذَّرُ نَصْبُ قَاضٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَلَا شَكَّ أَنَّ نَصْبَ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ الْوَسَائِلِ إلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.
وَأَمَّا نَصْبُ أَعْوَانِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ فَمِنْ وَسَائِلِ الْوَسَائِلِ.
وَكَذَلِكَ الرَّسَائِلُ الْإِلَهِيَّةُ وَسَائِلُ إلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الشَّرَائِعِ وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْوَسَائِلِ وَكَذَلِكَ تَحَمُّلُ الشَّهَادَاتِ وَسِيلَةٌ إلَى أَدَائِهَا، وَأَدَاؤُهَا وَسِيلَةٌ إلَى الْحُكْمِ بِهَا وَالْحُكْمُ بِهَا وَسِيلَةٌ إلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يَخْفَى مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مِنْ غَيْرِ تَعَبُّدٍ]
الْأَفْعَالُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا خَفِيَتْ عَنَّا مَصَالِحُهُ وَمَفَاسِدُهُ فَلَا نُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ مَصْلَحَتُهُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ أَوْ الرَّاجِحَةُ عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِمَدْحِ الْأَنَاةِ فِيهِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ رُشْدُهُ وَصَلَاحُهُ.
(1/58)

الضَّرْبُ الثَّانِي مَا ظَهَرَتْ لَنَا مَصْلَحَتُهُ، وَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَلَّا تُعَارِضَ مَصْلَحَتُهُ مَفْسَدَتَهُ وَلَا مَصْلَحَةً أُخْرَى، فَالْأَوْلَى تَعْجِيلُهُ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ تُعَارِضَ مَصْلَحَتُهُ مَصْلَحَةً هِيَ أَرْجَحُ مِنْهُ مَعَ الْخُلُوِّ عَنْ الْمَفْسَدَةِ، فَيُؤَخَّرُ عَنْهُ رَجَاءً إلَى تَحْصِيلِهِ، وَإِنْ عَارَضَتْهُ مَفْسَدَةٌ تُسَاوِيهِ قُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ التَّعْجِيلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا خَلَا عَنْ الْمُعَارِضِ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ مَهْمَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ الْخَلِيَّةُ عَنْ الْمَفَاسِدِ يَسْعَى فِي تَحْصِيلِهَا، وَمَهْمَا ظَهَرَتْ الْمَفَاسِدُ الْخَلِيَّةُ عَنْ الْمَصَالِحِ يَسْعَى فِي دَرْئِهَا، وَإِنْ الْتَبَسَ الْحَالُ احْتَطْنَا لِلْمَصَالِحِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا وَفَعَلْنَاهَا، وَلِلْمَفَاسِدِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا وَتَرَكْنَاهَا. وَإِنْ دَارَ الْفِعْلُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَأَتَيْنَا بِهِ، وَهَذَا فِيمَا لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ النَّفْسِ فَإِنَّهُ مَحْبُوبٌ عَلَى قَوْلٍ وَوَاجِبٌ عَلَى آخَرَ.
وَأَمَّا مَا تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ فَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ حَزْمِ النِّيَّةِ، وَإِنْ دَارَ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ وَأَتَيْنَا بِهِ، وَإِنْ دَارَ بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَاجْتَنَبْنَاهُ، وَإِنْ دَارَ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَتَرَكْنَاهُ. وَقَدْ جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِمَدْحِ السُّرْعَةِ فِي أُمُورٍ كَالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَضَرْبِ الرِّقَابِ فِي الْقِصَاصِ، لِمَا فِي السُّرْعَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَهْوِينِ الْمَوْتِ، وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَرَ بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ وَالذِّبْحَةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا قِصَاصُ الْأَطْرَافِ تُحْمَدُ فِيهِ السُّرْعَةُ. وَلَوْ صِيلَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي نَفْسٍ أَوْ بِضْعٍ أَوْ مَالٍ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرْنَا فِي الدَّفْعِ عَنْهُ لَتَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ، فَإِنَّ السُّرْعَةَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ وَاجِبٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا.
وَكَذَلِكَ السُّرْعَةُ فِي الْقِتَالِ وَمُكَافَحَةِ الْأَبْطَالِ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُسَارَعَةَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأَثْنَى عَلَى الْمُسَارِعِينَ فِيهَا، وَقَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84] . وَقَدْ جَعَلَ لِمَنْ قَتَلَ الْوَزَغَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مِائَةَ حَسَنَةٍ، وَلِمَنْ قَتَلَهُ بِضَرْبَتَيْنِ سَبْعِينَ حَسَنَةً، لِمَا فِي
(1/59)

الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى إزْهَاقِ رُوحِهِ وَدَفْعِ ضَرَرِهِ وَإِحْسَانِ قِتْلَتِهِ.

[قَاعِدَةٌ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ]
ِ إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصْلَحَتَانِ وَتَعَذَّرَ جَمْعُهُمَا فَإِنْ عُلِمَ رُجْحَانُ إحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رُجْحَانٌ، فَإِنْ غَلَبَ التَّسَاوِي فَقَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ رُجْحَانُ إحْدَاهُمَا فَيُقَدِّمُهَا وَيَظُنُّ آخَرُ رُجْحَانَ مُقَابِلِهَا فَيُقَدِّمُهُ، فَإِنْ صَوَّبْنَا الْمُجْتَهِدَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَصْلَحَةٌ لَمْ يُحَصِّلْهَا الْآخَرُ، وَإِنْ حَصَرْنَا الصَّوَابَ فِي أَحَدِهِمَا فَاَلَّذِي صَارَ إلَى الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ وَاَلَّذِي صَارَ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ مُخْطِئٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، إذَا بَذَلَ جُهْدَهُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَعَارَضَتْ الْمَفْسَدَةُ وَالْمَصْلَحَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُصَوِّبُونَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ أَصَابَ الْمَرْجُوحَ الَّذِي لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمَّا جَازَ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. قُلْنَا: تَرْكُ الرُّجْحَانِ رُخْصَةً عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَفِي الرُّخَصِ تُتْرَكُ الْمَصَالِحُ الرَّاجِحَةُ إلَى الْمَصَالِحِ الْمَرْجُوحَةِ لِلْعُذْرِ دَفْعًا لِلْمَشَاقِّ، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الِاسْتِدْرَاكِ لَأَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ عَامَّةٍ بِخِلَافِ مَنْ أَخْطَأَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ، وَالْأَقْيِسَةَ الْجَلِيَّةَ أَوْ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ، فَإِنَّ خَطَأَ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إلَّا نَادِرًا، فَمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فَيَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ لِنُدْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْعَ يَجْعَلُ الْمَصْلَحَةَ الْمَرْجُوحَةَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى الرَّاجِحَةِ أَوْ عِنْدَ مَشَقَّةِ الْوُصُولِ إلَى الرَّاجِحَةِ، بَدَلًا مِنْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا يُبَدَّلُ الْوُضُوءُ بِالتَّيَمُّمِ، وَالصِّيَامُ بِالْإِعْتَاقِ، وَالْإِطْعَامُ بِالصِّيَامِ، وَالْعِرْفَانُ بِالِاعْتِقَادِ فِي حَقِّ الْعَوَامّ، وَالْفَاتِحَةُ بِالْأَذْكَارِ، وَجِهَةُ السَّفَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالْقِبْلَةِ، وَجِهَةُ الْمُقَاتَلَةِ فِي الْجِهَادِ بِالْقِبْلَةِ.
(1/60)

(فَائِدَةٌ) الْحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبْنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
أَيْ امْنَعُوهُمْ.
وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ أَوْ فِعْلُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَحَاصِلُهُ الْمَنْعُ مِنْ تَرْكِ الْمَصَالِحِ الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْمَفَاسِدِ الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ، وَالْوَعْظُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ، الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ أَوْ النَّهْيُ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَفَاسِدِ الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ، وَاَلَّذِي يُسَمِّيهِ الْجَهَلَةُ الْبَطَلَةُ سِيَاسَةً هُوَ فِعْلُ الْمَفَاسِدِ الرَّاجِحَةِ أَوْ تَرْكُ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفَاسِدِ. فَفِي تَضْمِينِ الْمُكُوسِ وَالْخُمُورِ وَالْأَبْضَاعِ مَصَالِحُ مَرْجُوحَةٌ مَغْمُورَةٌ بِمَفَاسِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [النمل: 24] ، وَبِمِثْلِ هَذَا يَفْتِنُونَ الْأَشْقِيَاءَ أَنْفُسَهُمْ بِإِيثَارِ الْمَفَاسِدِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ قَضَاءً لِلَذَّاتِ الْأَفْرَاحِ الْعَاجِلَةِ، وَيَتْرُكُونَ الْمَصَالِحَ الرَّاجِحَةَ لِلَذَّاتٍ خَسِيسَةٍ أَوْ أَفْرَاحٍ دَنِيئَةٍ، وَلَا يُبَالُونَ بِمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْعَاجِلَةِ أَوْ الْآجِلَةِ. وَذَلِكَ كَشُرْبِ الْخُمُورِ وَالْأَنْبِذَةِ لِلَذَّةِ إطْرَابِهَا، وَالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ، وَأَذِيَّةِ الْأَعْدَاءِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَتْلِ مَنْ أَغْضَبَهُمْ وَسَبِّ مَنْ غَاضَبَهُمْ، وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَكَذَلِكَ يَهْرُبُونَ مِنْ الْآلَامِ وَالْغُمُومِ الْعَاجِلَةِ الَّتِي أُمِرْنَا بِتَحَمُّلِهَا لِمَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَاجِلَةِ، وَلَا يُبَالُونَ بِمَا يَلْتَزِمُونَ مِنْ تَحَمُّلِ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ تَحْصِيلًا لِلَذَّاتِ أَدْنَاهُمَا، وَكَذَلِكَ يَتْرُكُونَ أَعْظَمَ الْمَصْلَحَتَيْنِ تَحْصِيلًا لِلَذَّاتِ أَدْنَاهُمَا.
أَسْكَرَتْهُمْ اللَّذَّاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَنَسُوا الْمَمَاتَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْآفَاتِ فَوَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ سِيَاسَةَ الرَّحْمَنِ، وَاتَّبَعَ سِيَاسَةَ الشَّيْطَانِ، وَارْتَكَبَ الْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، أُولَئِكَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالضَّلَالِ.
(1/61)

وَالْجَهْلُ مَفْسَدَةٌ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا يَجِبُ إزَالَتُهُ كَالْجَهْلِ بِمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بِبَعْضِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اُخْتُلِفَ فِي إزَالَتِهِ.
وَالْعِرْفَانُ مَصْلَحَةٌ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ مِنْ عُلُومِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ وَلَا حَدَّ لَهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ تَحْصِيلِهِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.

[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ الْمَصَالِحِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَفَاسِدِ]
إذَا اجْتَمَعَتْ الْمَصَالِحُ الْأُخْرَوِيَّةُ الْخَالِصَةُ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُهَا حَصَّلْنَا الْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ وَالْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17] {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] .
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55] ، وَقَوْلُهُ: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] ، فَإِذَا اسْتَوَتْ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ تَخَيَّرْنَا، وَقَدْ يَقْرَعُ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَلِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَتَقْدِيمِ الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: تَقْدِيمُ الْعِرْفَانِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِتِلْكَ، وَيَقُومُ الِاعْتِقَادُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ مَقَامَ الْعِرْفَانِ، وَيَقُومُ الْإِيمَانُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْعِرْفَانِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْعَامَّةِ إلَى الْعِرْفَانِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْإِيمَانِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الشَّرَائِعِ وَالْأَخْبَارِ وَعَذَابِ الْفُجَّارِ وَثَوَابِ الْأَبْرَارِ، وَالْعِرْفَانُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ذَلِكَ لِشَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالدَّيَّانِ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ أَيْضًا مُقَدَّمٌ بِالزَّمَانِ إلَّا عَلَى النَّصِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْمُفْضِي إلَيْهِ، وَلَيْسَ يَقْدُمُ النَّظَرُ إلَّا بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ
(1/62)

الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمُرْسِلَ، فَقَدْ تَأَخَّرَ لِقُصُورِ رُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْإِيمَانِ. وَالْعِرْفَانِ لِكَوْنِهِ تَعَلَّقَ بِمَخْلُوقٍ، وَلِتَعَذُّرِ تَحْصِيلِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيمَانِ وَالْعِرْفَانِ، وَلِفَضْلِ الْإِيمَانِ تَأَخَّرَتْ الْوَاجِبَاتُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ تَرْغِيبًا فِيهِ، فَإِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ فِي الِابْتِدَاءِ لَنَفَرُوا مِنْ الْإِيمَانِ لِثِقَلِ تَكَالِيفِهِ.
وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا. أَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ إيجَابَ الصَّلَاةِ إلَى لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَنَفَرُوا مِنْ ثِقَلِهَا عَلَيْهِمْ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الصِّيَامُ لَوْ وَجَبَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَنَفَرُوا مِنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: تَأْخِيرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ إلَى مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ فِي الِابْتِدَاءِ لَكَانَ إيجَابُهَا أَشَدَّ تَنْفِيرًا لِغَلَبَةِ الضِّنَّةِ بِالْأَمْوَالِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: الْجِهَادُ لَوْ وَجَبَ فِي الِابْتِدَاءِ لَأَبَادَ الْكَفَرَةُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِقِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَثْرَةِ الْكَافِرِينَ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَوْ أُجِّلَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَنَفَرُوا مِنْهُ لِشِدَّةِ اسْتِعْظَامِهِمْ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقِتَالُ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: الْقَصْرُ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، لَوْ ثَبَتَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَنَفَرَتْ الْكُفَّارُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَصْرُ عَلَى ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ؛ فَتَأَخَّرَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ تَأْلِيفًا عَلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ، وَمَصْلَحَتُهُ تَرْبُو عَلَى جَمِيعِ الْمَصَالِحِ.
وَلِمِثْلِ هَذَا قَرَّ الشَّرْعُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى خِلَافِ
(1/63)

شَرَائِطِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ أَسْقَطَ عَنْ الْمَجَانِينِ مَا يُتْلِفُونَهُ مِنْ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ أَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ لَنَفَرُوا مِنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَكَذَلِكَ بُنِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِأَنَّ عَهْدَهَا لَوْ بَقِيَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَنَفَرُوا، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ قَدْ زَنَوْا فَأَكْثَرُوا مِنْ الزِّنَا وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. إنَّ مَا تَقُولُ وَتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] الْآيَةُ، وَقَالَ فِي غَيْرِهِمْ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ.
وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُلَائِمًا لِطِبَاعِهِمْ حَاثًّا عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ أَلِفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَامْتَنَعَ مِنْ قَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ عُرِفَ بِنِفَاقِهِمْ خَوْفًا أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِأَنَّهُ أَخَذَ فِي قَتْلِ أَصْحَابِهِ فَيَنْفِرُوا مِنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مَصَالِحُ أُخِّرَتْ، لِمَا فِي تَقْدِيمِهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ.

الْمِثَالُ الثَّانِي مِنْ تَقْدِيمِ الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ: تَقْدِيمُ بَعْضِ الْفَرَائِضِ عَلَى بَعْضٍ، كَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: تَقْدِيمُ كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَى نَوْعِهَا مِنْ النَّوَافِلِ كَتَقْدِيمِ فَرَائِضِ الطَّهَارَاتِ عَلَى نَوَافِلِهَا، وَفَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ عَلَى نَوَافِلِهَا، وَفَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ عَلَى نَوَافِلِهَا، وَتَقْدِيمِ فَرَائِضِ الصِّيَامِ عَلَى نَوَافِلِهِ، وَكَتَقْدِيمِ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى نَوَافِلِهِمَا، مَعَ أَنَّهُمَا لَا يَقَعَانِ إلَّا وَاجِبَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَجِبَانِ بِالشُّرُوعِ، وَلَكِنْ لَيْسَ مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فِي رُتْبَةِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَفْرُوضَاتِ عَلَى نَوْعِهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ
(1/64)

مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ» .

الْمِثَالُ الرَّابِعُ: تَقْدِيمُ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ وَنَوَافِلِهَا عَلَى مَفْرُوضَاتِ الْأَعْمَالِ وَنَوَافِلِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِيهِ إشْكَالٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الصُّبْحِ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ. وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِهَادَ تِلْوَ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ الْحَجَّ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُمَا لَمْ يَسْتَقِمْ كَوْنُ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَجَّ الْمَفْرُوضَ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَيَجْعَلَ اسْتِغْرَاقَ الصَّلَاةِ لِأَزْمَانٍ تَتَّسِعُ لِلْحَجِّ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجِّ، لِأَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى اللَّهِ بِالصَّلَاةِ فِي زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْحَجِّ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» ، «وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» ، «وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ. حَجٌّ مَبْرُورٌ» ، وَهَذَا جَوَابٌ لِسُؤَالِ السَّائِلِ فَيَخْتَصُّ بِمَا يَلِيقُ بِالسَّائِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَّا لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلَى ذِي الْجَلَالِ، فَكَأَنَّ السَّائِلَ قَالَ: «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ لِي؟ فَقَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ يَشْتَغِلُ بِبِرِّهِمَا، وَقَالَ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْجِهَادِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَقَالَ لِمَنْ يَعْجِزُ عَنْ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ:
(1/65)

«الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا» ، وَيَجِبُ التَّنْزِيلُ عَلَى مِثْلِ هَذَا لِئَلَّا يَتَنَاقَضَ الْكَلَامُ فِي التَّفْضِيلِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ: تَقْدِيمُ الْمُبْدَلَاتِ عَلَى أَبِدَالِهَا؛ كَتَقْدِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ، وَكَتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتُّرَابِ، وَكَتَقْدِيمِ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَإِفْسَادِ الصِّيَامِ عَلَى صَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْبَدَلِ قَاصِرَةٌ عَنْ مَصْلَحَةِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ.

الْمِثَالُ السَّادِسُ: تَقْدِيمُ مَا شُرِعَ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ، إذَا كَانَ مَخْصُوصًا بِأَوْقَاتٍ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ، لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ فِي وَصْفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: شَرْعِيَّةُ الْجَمَاعَاتِ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيرُ الْأَوْقَاتِ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ: تَقْدِيمُ بَعْضِ الرَّوَاتِبِ عَلَى بَعْضٍ؛ كَتَقْدِيمِ الْوَتْرِ وَسُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى سَائِرِ الرَّوَاتِبِ، وَهَلْ يُقَدَّمُ الْوَتْرُ عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْوَتْرِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنُ: تَقْدِيمُ إنْقَاذِ الْغَرْقَى الْمَعْصُومِينَ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ، لِأَنَّ إنْقَاذَ الْغَرْقَى الْمَعْصُومِينَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُنْقِذَ الْغَرِيقَ ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا فَاتَهُ مِنْ مَصْلَحَةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُقَارِبُ إنْقَاذَ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ مِنْ الْهَلَاكِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الصَّائِمُ فِي رَمَضَانَ غَرِيقًا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْقَاذِهِ إلَّا بِالْفِطْرِ، أَوْ رَأَى مَصُولًا عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ إلَّا بِالتَّقَوِّي بِالْفِطْرِ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيُنْقِذُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ، لِأَنَّ فِي النُّفُوسِ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحَقًّا لِصَاحِبِ النَّفْسِ، فَقُدِّمَ ذَلِكَ عَلَى فَوَاتِ أَدَاءِ الصَّوْمِ دُونَ أَصْلِهِ.

الْمِثَالُ التَّاسِعُ: تَقْدِيمُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُهُمَا لِتَأَكُّدِ تَعْجِيلِهَا، وَتُقَدَّمُ عَلَى الْجُمُعَةِ إنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ،
(1/66)

فَإِنْ خِفْنَا تَغَيُّرَ الْمَيِّتِ قَدَّمْنَاهُ عَلَى الْجُمُعَةِ وَإِنْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ، لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ مِنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ حَقِّ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ عَلَى مَحْضِ حَقِّ الْعَبْدِ، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ ثُمَّ تُقْضَى الصَّلَاةُ.
وَلَوْ قَدَّمْنَا الْجُمُعَةَ لَسَقَطَتْ حُرْمَةُ الْمَيِّتِ لَا إلَى بَدَلٍ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ فَقَوْلَانِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْجُمُعَةُ مَعَ الْكُسُوفِ خَطَبَ لِلْجُمُعَةِ وَذَكَرَ فِيهَا الْكُسُوفَ، فَإِنْ قَدَّمْنَا الْكُسُوفَ عَلَى الْعِيدِ صَلَّى الْكُسُوفَ وَعَقَّبَهُ بِالْعِيدِ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ أَهَمُّ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.

الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ لِغَيْرِهَا، فَذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فَلْيُؤَدِّ الْأَدَاءَ وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ عَلَى الْمُؤَدَّاةِ لَفَاتَتْ رُتْبَةُ الْأَدَاءِ فِي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْأَدَاءِ فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِهَا فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَلَا يَتِمُّ قَوْلُ الْمُخَالِفِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ فَضِيلَةَ تَقْدِيمِ الْمَقْضِيَّةِ تُزَكَّى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْأَدَاءِ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَهَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا ضَاقَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ إلَّا لِلْفَرِيضَةِ، فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْفَرِيضَةَ لِكَمَالِ مَصْلَحَةِ أَدَائِهَا عَلَى مَصْلَحَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الرَّوَاتِبُ وَالْفَرَائِضُ قَابِلَةً لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ أَتَمُّ مِنْ فَضِيلَةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ، فَقَدَّمْنَا أَفْضَلَ الْأَدَاءَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ.
(1/67)

الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: إذَا ضَاقَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَقْتُ عِشَاءِ الْآخِرَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ إلَّا لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا لَفَاتَهُ إتْيَانُ عَرَفَةَ، فَقَدْ قِيلَ يَدَعُ الصَّلَاةَ وَيَذْهَبُ إلَى عَرَفَةَ لِأَنَّ أَدَاءَ فَرْضِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ إذْ جَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْوَ الْجِهَادِ وَجَعَلَ الْجِهَادَ تِلْوَ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ يَشْتَغِلُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إلَى عَرَفَةَ، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ، لِأَنَّ مَشَقَّةَ فَوَاتِ الْحَجِّ عَظِيمَةٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِأَجْلِ حِفْظِ مَالٍ يَسِيرٍ، فَجَوَازُهُ لِحِفْظِ أَدَاءِ الْحَجِّ أَوْلَى
الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: تَقْدِيمُ الْكَفَّارَاتِ عَلَى التَّطَوُّعَاتِ.

الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: النَّفَقَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُفْتَقِرَاتِ إلَى النِّيَّاتِ، فَيُقَدِّمُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَيُقَدِّمُ نَفَقَةَ زَوْجَاتِهِ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ، لِأَنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ حَاجَاتِهِ، وَتُقَدَّمُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ عَلَى نَفَقَةِ الرَّقِيقِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، وَتُقَدَّمُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى الْقَرِيبِ وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ مُضْطَرًّا يُخْشَى هَلَاكُهُ وَالْقَرِيبُ مُحْتَاجًا لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ، وَتُقَدَّمُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ عَلَى نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ وَالْأَنْعَامِ، لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ وَمَصْلَحَتَهُ أَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ حِفْظًا لِرُوحِ الْإِنْسَانِ وَإِنْ مَلَكَ حَيَوَانًا يُؤْكَلُ وَحَيَوَانًا لَا يُؤْكَلُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا نَفَقَةَ أَحَدِهِمَا وَتَعَذَّرَ بَيْعُهُمَا احْتَمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ نَفَقَةَ مَا لَا يُؤْكَلُ عَلَى نَفَقَةِ مَا يُؤْكَلُ وَيَذْبَحَ الْمَأْكُولَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْمَأْكُولُ يُسَاوِي أَلْفًا وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ يُسَاوِي دِرْهَمًا، فَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ.
(1/68)

الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ: إذَا اجْتَمَعَ مُضْطَرَّانِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُمَا لَزِمَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الضَّرُورَتَيْنِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَتَيْنِ، وَإِنْ وَجَدَ مَا يَكْفِي ضَرُورَةَ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الضَّرُورَةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ وَالصَّلَاحِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَسِّمَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ وَالِدًا أَوْ وَالِدَةً، أَوْ قَرِيبًا أَوْ زَوْجَةً، أَوْ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إمَامًا مُقْسِطًا أَوْ حَاكِمًا عَدْلًا، قُدِّمَ الْفَاضِلُ عَلَى الْمَفْضُولِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ وَجَدَ الْمُكَلَّفُ مُضْطَرَّيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَمَعَهُ رَغِيفٌ لَوْ أَطْعَمَهُ لِأَحَدِهِمَا لَعَاشَ يَوْمًا وَلَوْ أَطْعَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ لَعَاشَ نِصْفَ يَوْمٍ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَهُ أَحَدَهُمَا أَمْ يَجِبُ فَضُّهُ عَلَيْهَا، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَالْعَدْلُ التَّسْوِيَةُ، فَدَفْعُهُ إلَيْهِمَا عَدْلٌ وَإِنْصَافٌ وَإِحْسَانٌ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] .
وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ مُحْتَاجَيْنِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ إلَى فَضِّ الرَّغِيفِ عَلَيْهِمَا، وَأَلَّا يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِهِ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا مُوغِرٌ لِصَدْرِ الْآخَرِ مُؤْذٍ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى قُوتِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَفُضُّهُ عَلَيْهِمَا تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ نِصْفُ الرَّغِيفِ شِبَعًا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ سَادًّا لِنِصْفِ جَوْعَةِ الْآخَرِ فَكَيْفَ يَفُضُّهُ عَلَيْهِمَا؟ قُلْت يَفُضُّهُ عَلَيْهِمَا بِحَيْثُ يَسُدُّ مِنْ جَوْعَةِ أَحَدِهِمَا مَا يَسُدُّ مِنْ جَوْعَةِ الْآخَرِ، فَإِذَا كَانَ ثُلُثُ الرَّغِيفِ سَادًّا لِنِصْفِ جَوْعَةِ أَحَدِهِمَا، وَثُلُثَاهُ سَادًّا لِنِصْفِ جَوْعَةِ الْآخَرِ فَلْيُوَزِّعْهُ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْصَافُ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ إشْبَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ مِقْدَارِ كِلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ هَذَا، لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَعْظَمَ إنَّمَا هُوَ كِفَايَةُ الْبَدَنِ فِي التَّغْذِيَةِ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُطْعِمَ الْكَبِيرَ الرَّغِيبَ أَكْثَرَ مِمَّا يُطْعِمُ الصَّغِيرَ الزَّهِيدَ، وَلِمِثْلِ هَذَا يُعْطَى الرَّاجِلُ سَهْمًا
(1/69)

وَاحِدًا مِنْ الْغَنَائِمِ وَيُعْطَى الْفَارِسُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، دَفْعًا لِحَاجَتَيْهِمَا، فَإِنَّ الرَّاجِلَ يَأْخُذُ سَهْمًا لِحَاجَتِهِ، وَالْفَارِسَ يَأْخُذُ أَقْوَى الْأَسْهُمِ لِحَاجَتِهِ وَالسَّهْمُ الثَّانِي لِفَرَسِهِ وَالسَّهْمُ الثَّالِثُ لِسَائِسِ فَرَسِهِ، فَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ الَّذِي أُخِذَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَسَّمَ مَالَ الْمَصَالِحِ عَلَى الْحَاجَاتِ دُونَ الْفَضَائِلِ؟ قُلْنَا ذَهَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى قِسْمَتِهِ عَلَى الْفَضَائِلِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ، وَخَالَفَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ لَمَّا الْتَمَسَ مِنْهُ تَفْضِيلَ السَّابِقِينَ عَلَى اللَّاحِقِينَ فَقَالَ: إنَّمَا أَسْلَمُوا لِلَّهِ وَأَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ. وَمَعْنَى هَذَا أَنِّي لَا أُعْطِيهِمْ عَلَى إسْلَامِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهَا لِلَّهِ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُمْ أَجْرَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ وَدَفْعٌ لِلْحَاجَاتِ، فَأَضَعُ الدُّنْيَا حَيْثُ وَضَعَهَا اللَّهُ مِنْ دَفْعِ الْحَاجَاتِ وَسَدِّ الْخَلَّاتِ، وَالْآخِرَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْفَضَائِلِ فَأَضَعُهَا حَيْثُ وَضَعَهَا اللَّهُ، وَلَا أُعْطِي أَحَدًا عَلَى سَعْيِهَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا قُسِّمَتْ الْغَنَائِمُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَارِسُ لَا عِيَالَ لَهُ وَالرَّاجِلُ لَهُ عِيَالٌ كَثِيرٌ؟ قُلْنَا لَمَّا حَصَلَ ذَلِكَ بِكَسْبِ الْغَانِمِينَ وَسَعْيِهِمْ فُضِّلُوا عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِمْ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ عَنَاءَ الْفُرْسَانِ فِي الْقِتَالِ أَكْمَلُ مِنْ عَنَاءِ الرَّجَّالَةِ.
فَإِنْ قِيلَ هَلَّا قَدَّرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ بِالْحَاجَاتِ كَنَفَقَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَلِمَ قَدَّرَهَا بِالْأَمْدَادِ؟ قُلْنَا لَمَّا كَانَتْ النَّفَقَةُ عِوَضًا عَنْ الْبِضْعِ قَدَّرَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْوَاضِ التَّقْدِيرُ، وَلَهُ قَوْلُ إنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْمَعْرُوفِ لِنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
(1/70)

لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلَمْ تَكُنْ هِنْدُ عَارِفَةً بِكَوْنِ الْمَعْرُوفِ مُدَّيْنِ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ وَمُدًّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ وَمُدًّا وَنِصْفًا فِي حَقِّ الْمُتَوَسِّطِ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْكِسْوَةَ بِالْمَعْرُوفِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .
وَكَذَلِكَ السُّكْنَى وَمَاعُونُ الدَّارِ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ، وَالْغَالِبُ فِي كُلِّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ إلَى الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ، أَوْ إلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَلَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيرِ الْحَبِّ فَإِنَّ مَا يُضَمُّ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ إصْلَاحِهِ مَجْهُولٌ، وَالْمَجْهُولُ إذَا ضُمَّ إلَى الْمَعْلُومِ صَارَ الْجَمِيعُ مَجْهُولًا، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي السَّلَفِ وَلَا فِي الْخَلَفِ أَنَّ أَحَدًا أَنْفَقَ الْحَبَّ عَلَى زَوْجَتِهِ مَعَ مُؤْنَتِهِ، بَلْ الْمَعْهُودُ مِنْهُمْ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مُؤَدٍّ إلَى أَنْ يَمُوتَ كُلُّ وَاحِدٍ وَنَفَقَةُ زَوْجَتِهِ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَنْ الْحَبِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ بِمَا يُطْعِمُهُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا رِبًا لَا يَصِحُّ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لَمْ يَبَرَّ مِنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاقَدْ عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ، وَمَا بَلَغَنَا أَنَّ أَحَدًا أَطْعَمَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْعَادَةِ ثُمَّ أَوْصَى بِأَنْ تُوَفَّى نَفَقَتَهَا حَبًّا مِنْ مَالِهِ، وَلَا حَكَمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَزْوَاجِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَتْ النَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْبِضْعِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ، وَالْبِضْعُ مُقَابَلٌ بِالصَّدَاقِ فَتَكُونُ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى، فَإِنَّ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ رَقَبَتِهِ، وَالنَّفَقَةُ جَارِيَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمِلْكِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْعَدْلِ تَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ بِالْحَاجَاتِ مَعَ تَفَاوُتِهَا عَدْلٌ وَتَسْوِيَةٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِمْ فِي دَفْعِ حَاجَاتِهِمْ لَا فِي مَقَادِيرِ مَا وَصَلَ إلَيْهِمْ
(1/71)

لِأَنَّ دَفْعَ الْحَاجَاتِ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ فِي النَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ الْمَصَالِحِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْعَدْلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّسْوِيَةُ، وَالْقَاضِي لَا يُسَوِّي بَيْنَ الْخُصُومِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِمْ، بَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي إلَّا بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ وَظَّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَهَذَا تَفَاوُتٌ لَا تَسْوِيَةٌ فِيهِ. قُلْنَا مَعْنَى التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ وَجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُدَّعِينَ فِي الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ فِي تَوْظِيفِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِينَ، وَالْأَيْمَانُ عَلَى الْمُنْكِرِينَ، وَرَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعِينَ عِنْدَ نُكُولِ الْمُنْكِرِينَ.
وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ الْمُدَّعِينَ فِيمَا وُظِّفَ عَلَيْهِمْ كَالْوَلِيِّ فِي الْقَسَامَةِ، وَالزَّوْجِ فِي اللِّعَانِ، وَالْأُمَنَاءِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِمْ فِي التَّلَفِ، وَالْمُدَّعِينَ فِي قَبُولِ قَوْلِهِمْ فِي الرَّدِّ. وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْأَسْبَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْعَدْلِ وَاجْتِنَابِ إيغَارِ الصُّدُورِ، يَجِبُ عَلَى الْحُكَّامِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْإِقْبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مُوجِبٌ لِإِيغَارِ صَدْرِ الْآخَرِ وَحِقْدِهِ، وَلَا يَجْرِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى أَمْرِ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ أَخَّرَتْهُ وَأَوْجَبَتْ بُغْضَهُ وَإِذْلَالَهُ، كَمَا يَظْهَرُ بِالْغُبَارِ وَإِظْهَارِ الصَّغَارِ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ خَطَبَ إلَى الْوَلِيِّ إحْدَى ابْنَتَيْهِ فَهَلْ يَتَخَيَّرُ فِي تَزْوِيجِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ أَوْ يَبْدَأُ بِإِحْدَاهُمَا؟ قُلْنَا. إنْ تَسَاوَيَا فِي الصَّلَاحِ وَالتَّوَقَانِ إلَى النِّكَاحِ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَقْرَعُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الصَّلَاحِ - وَاخْتَلَفَا فِي التَّوَقَانِ قَدَّمَ أَتُوقُهُمَا، وَإِنْ خَفَّ تَوَقَانُ الصَّالِحَةِ وَزَادَ تَوَقَانُ الطَّالِحَةِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ تَقْدِيمُ الطَّالِحَةِ دَرْءًا لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ فُجُورِهَا.
وَأَمَّا الصَّالِحَةُ فَيَزَعُهَا صَلَاحُهَا عَنْ الْفُجُورِ. وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي الرَّجُلَ
(1/72)

وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْهُ خِيفَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ، لِأَنَّ تُقَى الْمُتَّقِي يَزَعُهُ عَنْ الْعِصْيَانِ، وَفُجُورَ الْفَاجِرِ يُوقِعُهُ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ: مِنْ تَقْدِيمِ الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ: إذَا كَانَ لَهُ عَبْدَانِ أَحَدُهُمَا بَرٌّ تَقِيٌّ وَالْآخَرُ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، قَدَّمَ إعْتَاقَ الْبَرِّ التَّقِيِّ عَلَى إعْتَاقِ الْفَاجِرِ الشَّقِيِّ، لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْأَبْرَارِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْفُجَّارِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قَرِيبًا وَالْآخَرُ أَجْنَبِيًّا، قَدَّمَ الْقَرِيبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِاشْتِمَالِ عِتْقِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْإِعْتَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ فِي غَايَةِ الصَّلَاحِ فِي تَقْدِيمِ عِتْقِهِ عَلَى عِتْقِ الْقَرِيبِ الْفَاسِقِ نَظَرٌ. وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا لِلْإِعْتَاقِ فَلْيَشْتَرِ الْمَكْدُودَ وَالْمَجْهُودَ، فَإِنَّ إعْتَاقَهُ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ الْمُرَفَّهِ لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عَنْهُ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ وَصُعُوبَةِ الْجَهْدِ وَالْكَدِّ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْفَعُهُ مِنْ مُجَرَّدِ ذُلِّ الرِّقِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لِلْقِنْيَةِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْكَدَّ وَالْجَهْدَ لَأُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْمَفْسَدَةِ عَنْ الْعَبْدِ. وَكَمْ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ الْخَيْرِ.

الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ: إذَا وَجَدَ مَنْ يَصُولُ عَلَى بِضْعٍ مُحَرَّمٍ، وَمَنْ يَصُولُ عَلَى عُضْوٍ مُحَرَّمٍ أَوْ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ مَالٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ حِفْظِ الْبِضْعِ وَالْعُضْوِ وَالْمَالِ وَالنَّفْسِ، جَمَعَ بَيْنَ صَوْنِ النَّفْسِ وَالْعُضْوِ وَالْبِضْعِ وَالْمَالِ لِمَصَالِحِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، قَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْ النَّفْسِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْعُضْوِ، وَقَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْ الْعُضْوِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْبِضْعِ وَقَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْ الْبِضْعِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمَالِ، وَقَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْ الْمَالِ الْخَطِيرِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمَالِ الْحَقِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْخَطِيرِ غَنِيًّا وَصَاحِبُ الْحَقِيرِ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَفِي هَذَا نَظَرٌ وَتَأَمُّلٌ، وَتَفَاوُتُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الدَّفْعَ عَنْ الْعُضْوِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْبِضْعِ لِأَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ سَبَبٌ مُفْضٍ
(1/73)

إلَى فَوَاتِ النَّفْسِ، فَكَانَ صَوْنُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى صَوْنِ الْبِضْعِ، لِأَنَّ مَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَعْظَمُ مِمَّا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْأَبْضَاعِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ: تَقْدِيمُ الدَّفْعِ عَنْ الْإِنْسَانِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَك أَنْ تَجْعَلَ هَذَا كُلَّهُ مِنْ بَابِ تَحَمُّلِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ دَفْعًا لِأَعْظَمِهِمَا. فَنَقُولُ: مَفْسَدَةُ فَوَاتِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَرْوَاحِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ فَوَاتِ الْأَبْضَاعِ وَمَفْسَدَةُ فَوَاتِ الْأَبْضَاعِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ فَوَاتِ الْأَمْوَالِ، وَمَفْسَدَةُ فَوَاتِ الْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ فَوَاتِ الْأَمْوَالِ الْخَسِيسَةِ، وَمَفْسَدَةُ هَلَاكِ الْإِنْسَانِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ هَلَاكِ الْحَيَوَانِ.

الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ: إذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنْ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعُظْمَى، وَحَضَرَ اثْنَانِ يَصْلُحَانِ لِلْوِلَايَةِ، لَمْ يَجُزْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ بِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ: فَتَتَعَطَّلُ الْمَصَالِحُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَرَى مَا لَا يَرَى الْآخَرُ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَيَخْتَلُّ أَمْرُ الْأُمَّةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَإِنَّمَا تُنَصَّبُ الْوُلَاةُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ لِلْقِيَامِ بِجَلْبِ مَصَالِحِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَبِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] .
فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَخَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِتَأَذِّي مَنْ يُؤَخَّرُ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلَحَ تَعَيَّنَتْ وِلَايَةُ الْأَصْلَحِ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ أَصْلَحِ الْمَصَالِحِ فَأَصْلَحِهَا، وَأَفْضَلِهَا فَأَفْضَلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَصْلَحُ بَغِيضًا لِلنَّاسِ أَوْ مُحْتَقَرًا عِنْدَهُمْ، وَيَكُونَ الصَّالِحُ مُحَبَّبًا إلَيْهِمْ عَظِيمًا فِي أَعْيُنِهِمْ، فَيُقَدَّمُ الصَّالِحُ عَلَى الْأَصْلَحِ، لِأَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ مُوجِبٌ لِلْمُسَارَعَةِ إلَى طَوَاعِيَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ أَرْجَحَ مِمَّنْ يَنْفِرُ مِنْهُ لِتَقَاعُدِ أَعْوَانِهِ عَنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَيَصِيرُ الصَّالِحُ بِهَذَا السَّبَبِ أَصْلَحَ.
(1/74)

الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ يَصْلُحَانِ لِوِلَايَةِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَّيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُطْرًا إنْ شَغَرَتْ الْأَقْطَارُ، وَإِنْ كَانَتْ مَشْحُونَةً بِالْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ تَخَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا أَوْ وَلَّيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ الْبَلَدِ، أَوْ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِمَامِ.

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ يَصْلُحُونَ لِلْقِيَامِ بِالْأَيْتَامِ، قَدَّمَ الْحَاكِمُ أَقْوَمَهُمْ بِذَلِكَ وَأَعْرَفَهُمْ بِمَصَالِحِ الْأَيْتَامِ، وَأَشَدَّهُمْ شَفَقَةً وَمَرْحَمَةً، فَإِنْ تَسَاوَوْا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَخَيَّرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضَ الْوِلَايَةِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ وَاخْتِلَافٌ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِهَا، وَتَعْطِيلِ دَرْءِ مَفَاسِدِهَا، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ كُلَّمَا ضَاقَتْ قَوِيَ الْوَالِي عَلَى الْقِيَامِ بِجَلْبِ مَصَالِحِهَا وَدَرْءِ مَفَاسِدِهَا، وَكُلَّمَا اتَّسَعَتْ عَجَزَ الْوَالِي عَنْ الْقِيَامِ بِذَلِكَ.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ يَصْلُحُونَ لِلْأَذَانِ فَإِنْ تَسَاوَوْا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» ، فَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ عَنْ النَّظَرِ إلَى حَرَمِ النَّاسِ وَمَعْرِفَةِ الْمَوَاقِيتِ وَحُسْنِ الصَّوْتِ، قَدَّمْنَا الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ أَعْظَمُ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يُجْهَدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ مَعَهُمْ» .

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: لَا يُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ إلَّا أَشْجَعُ النَّاسِ وَأَعْرَفُهُمْ بِمَكَائِدِ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ مَعَ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ فِي الِاتِّبَاعِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ وَاحِدَةً تَخَيَّرَ الْإِمَامُ، وَلَهُ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَيْ لَا يَجِدَ بَعْضَهُمْ عَلَى الْإِمَامِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْجِهَاتُ صَرَفَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ.
(1/75)

وَالضَّابِطُ فِي الْوِلَايَاتِ كُلِّهَا أَنَّا لَا نُقَدِّمُ فِيهَا إلَّا أَقْوَمَ النَّاسِ بِجَلْبِ مَصَالِحِهَا وَدَرْءِ مَفَاسِدِهَا، فَيُقَدَّمُ فِي الْأَقْوَمِ بِأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا، عَلَى الْأَقْوَمِ بِسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، فَيُقَدَّمُ فِي الْإِقَامَةِ الْفَقِيهُ عَلَى الْقَارِئِ، وَالْأَفْقَهُ عَلَى الْأَقْرَأِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ أَعْرَفُ بِاخْتِلَالِ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ، وَبِمَا يَطْرَأُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الْوَرِعُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ وَرَعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى إكْمَالِ الشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَالْأَرْكَانِ، وَيَكُونُ أَقْوَمَ إذًا بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدَّمَ بَعْضَ الْأَصْحَابِ بِنَظَافَةِ الثِّيَابِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُتَنَزِّهَ مِنْ الْأَقْذَارِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَنْجَاسٍ أَنَّهُ يَتَنَزَّهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ؛ فَيَكُونُ أَقْوَمَ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الْبَصِيرُ عَلَى الْأَعْمَى عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِأَنَّهُ يَرَى مِنْ النَّجَاسَاتِ مَا لَا يَرَاهُ الْأَعْمَى؛ فَيَكُونُ أَشَدَّ تَحَرُّزًا مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي اجْتِنَابُهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا غَضُّ الْأَعْمَى عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَيْسَ غَضُّهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا غَسْلُ الْمَوْتَى وَتَكْفِينُهُمْ وَحَمْلُهُمْ وَدَفْنُهُمْ فَيُقَدَّمُ فِيهِ الْأَقَارِبُ لِأَنَّ حُنُوَّهُمْ عَلَى مَيِّتِهِمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى أَكْمَلِ الْقِيَامِ بِمَقَاصِدِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الْآبَاءُ عَلَى الْأَوْلَادِ، لِأَنَّ حُنُوَّ الْآبَاءِ أَكْمَلُ مِنْ حُنُوِّ الْأَوْلَادِ.
وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الْقَرِيبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَمْوَاتِ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ؛ لِأَنَّ مِنْ الصَّلَاةِ الشَّفَاعَةَ لِلْمَيِّتِ، وَالْقَرِيبُ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ وَشِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ لَهُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْأَجَانِبُ.
وَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ الْأُمَّهَاتُ عَلَى الْآبَاءِ فِي الْحَضَانَةِ لِمَعْرِفَتِهِنَّ بِهَا وَفَرْطِ حُنُوِّهِنَّ عَلَى الْأَطْفَالِ، وَإِذَا اسْتَوَى النِّسَاءُ فِي دَرَجَاتِ الْحَضَانَةِ فَقَدْ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ وَقَدْ يَتَخَيَّرُ وَالْقُرْعَةُ أَوْلَى.
وَيُقَدَّمُ الْآبَاءُ عَلَى الْأُمَّهَاتِ فِي النَّظَرِ فِي مَصَالِحِ أَمْوَالِ الْمَجَانِينِ وَالْأَطْفَالِ.
وَفِي التَّأْدِيبِ وَارْتِيَادِ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ، لِأَنَّهُمْ أَقْوَمُ بِذَلِكَ وَأَعْرَفُ بِهِ مِنْ الْأُمَّهَاتِ.
وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ الْأَقَارِبُ عَلَى الْمَوَالِي وَالْحُكَّامِ، وَيُقَدَّمُ مِنْ الْأَقَارِبِ أَرْفَقُهُمْ بِالْمُوَلَّى عَلَيْهِ كَالْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ
(1/76)

أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ، فَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْذَنَ لِأَسَنِّهِمْ وَأَعْلَمِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ، وَلَا تَعْدِلُ إلَى غَيْرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ قَلْبِهِ، وَلِمَا فِي تَوْلِيَتِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، فَإِنْ أَذِنَتْ الْجَمِيعَ جَازَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ النِّكَاحِ، فَإِذَا أَذِنَتْ لَهُمْ فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا أَفْضَلَهُمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ لَمْ يُقَدِّمُوا أَحَدَهُمْ وَتَنَازَعُوا أَيَّهُمْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِتَسَاوِيهِمْ. وَالْإِنْسَانُ يَأْنَفُ مِنْ تَقْدِيمِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَأْنَفُ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُفَوَّضَ الْعَقْدُ إلَى أَفْضَلِهِمْ، وَيُقَدَّمُ الْجَدُّ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ، وَيُقَدَّمُ الْأَوْصِيَاءُ عَلَى الْحُكَّامِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَقْرَبَ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ لِأَنَّ شَفَقَتَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ فِي تَفْرِيقِ مَالِ الْمَصَالِحِ أَنْ يَصْرِفُوهُ فِي تَحْصِيلِ أَعْلَاهَا مَصْلَحَةً فَأَعْلَاهَا، وَفِي دَرْءِ أَعْظَمِهَا مَفْسَدَةً فَأَعْظَمِهَا.

[فَصْلٌ فِيمَا لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ مِنْ الْوِلَايَاتِ]
الْعَدَالَةُ شَرْطٌ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ لِتَكُونَ وَازِعَةً عَنْ الْخِيَانَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الْوِلَايَةِ. وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي وِلَايَةِ الْقَرِيبِ عَلَى الْأَمْوَاتِ فِي التَّجْهِيزِ وَالدَّفْنِ وَالتَّكْفِينِ وَالْحَمْلِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ فَرْطَ شَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَمَرْحَمَتِهِ تَحُثُّهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْغَسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ انْكِسَارُهُ بِالْحُزْنِ عَلَى التَّضَرُّعِ فِي دُعَاءِ الصَّلَاةِ فَتَكُونُ الْعَدَالَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ.

وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ النِّكَاحِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ
(1/77)

إنَّمَا شُرِطَتْ فِي الْوِلَايَاتِ لِتَزَعَ الْوَلِيَّ عَنْ التَّقْصِيرِ وَالْخِيَانَةِ، وَطَبْعُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ يَزَعُهُ عَنْ التَّقْصِيرِ وَالْخِيَانَةِ فِي حَقِّ وَلِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ كَانَ ذَلِكَ عَارًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَطَبْعُهُ يَزَعُهُ عَمَّا يُدْخِلُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلِيَّتِهِ مِنْ الْأَضْرَارِ وَالْعَارِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ مَسْتُورًا صَحَّ النِّكَاحُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ اعْتِمَادًا عَلَى الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ مَعَ قُوَّةِ الْوَازِعِ، وَلَوْ كَانَ شُهُودُ النِّكَاحِ مَسْتُورِينَ صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِغَلَبَةِ الْأَنْكِحَةِ فِي الْبَوَادِي وَالْقُرَى حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْعُدُولُ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ فِي ذَلِكَ. وَلِلتَّعْلِيلِ بِقُوَّةِ الْوَازِعِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ؛ وَلِأَنَّ طِبَاعَهُمْ تَزَعُهُمْ عَنْ الْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ الْمُضِرِّ بِهِمْ فِي حُقُوقِهِمْ، كَالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إلَّا مِنْ عَدْلٍ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَزَعُهُ طَبْعُهُ عَنْ الْكَذِبِ، فَشُرِطَتْ الْعَدَالَةُ فِي الشَّاهِدِ لِتَكُونَ وَازِعَةً عَنْ الْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ.
وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَزَعُهُ عَنْ الْكَذِبِ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ أَوْ قَطْعَهُ أَوْ جَلْدَهُ.

وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي وِلَايَةِ الْآبَاءِ عَلَى الْأَطْفَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهَا بِوِلَايَةِ النِّكَاحِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الطَّبْعِ الْوَازِعِ عَنْ التَّقْصِيرِ وَالْإِضْرَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِضْرَارَ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ يَدْخُلُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَالطَّبْعُ وَازِعٌ عَنْهَا.
وَأَمَّا فِي وِلَايَةِ الْمَالِ فَإِنَّ طَبْعَهُ يَزَعُهُ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالطِّفْلِ لِأَجْلِ غَيْرِهِ وَلَا يَزَعُهُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِنَّ طَبْعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى تَقْدِيمِ نَفْسِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَحْفَادِهِ، فَتُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِيهِ لِتَكُونَ وَازِعَةً عَنْ التَّقْصِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ اتِّفَاقًا لِقُوَّةِ الدَّاعِي، وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِ لِوَالِدَيْهِ وَأَوْلَادِهِ.
وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ لِضَعْفِ الْوَازِعِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَالْخِيَانَةِ بِخِلَافِ الْأَبِ.
(1/78)

وَأَمَّا الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى فَفِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهَا اخْتِلَافٌ لِغَلَبَةِ الْفُسُوقِ عَلَى الْوُلَاةِ، وَلَوْ شَرَطْنَاهَا لَتَعَطَّلَتْ التَّصَرُّفَاتُ الْمُوَافِقَةُ لِلْحَقِّ فِي تَوْلِيَةِ مَنْ يُوَلُّونَهُ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَالسُّعَاةِ وَأُمَرَاءِ الْغَزَوَاتِ، وَأَخْذِ مَا يَأْخُذُونَهُ وَبَذْلِ مَا يُعْطُونَهُ. وَقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ وِلَايَتِهِمْ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ الْعَدَالَةُ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ الْمُوَافِقَةِ لِلْحَقِّ لِمَا فِي اشْتِرَاطِهَا مِنْ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَفَوَاتُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ أَقْبَحُ مِنْ فَوَاتِ عَدَالَةِ السُّلْطَانِ.
وَلَمَّا كَانَ تَصَرُّفُ الْقُضَاةِ أَعَمَّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَوْصِيَاءِ وَأَخَصَّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَئِمَّةِ اُخْتُلِفَ فِي إلْحَاقِهِمْ بِالْأَئِمَّةِ، فَمِنْهُمْ مِنْ أَلْحَقَهُمْ بِالْأَئِمَّةِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ أَعَمُّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَوْصِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُمْ بِالْأَوْصِيَاءِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ أَخَصُّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَئِمَّةِ.
وَالْمَشَاقُّ فِي الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي الرُّخَصِ وَالتَّحْقِيقَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَعْطِيلِ تَصَرُّفَاتِ الْوُلَاةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَشَقَّةٌ خَاصَّةٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْأَوْصِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَشَقَّةٌ بَيْنَ الْمَشَقَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَصَرُّفِ الْقَضَاءِ.

[فَصْلٌ فِي تَنْفِيذِ تَصَرُّفَاتِ الْبُغَاةِ وَأَئِمَّةِ الْجَوْرِ لِمَا وَافَقَ الْحَقَّ لِضَرُورَةِ الْعَامَّةِ]
وَقَدْ يُنَفَّذُ التَّصَرُّفُ الْعَامُّ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ كَمَا فِي تَصَرُّفِ الْأَئِمَّةِ الْبُغَاةِ فَإِنَّهُ يُنَفَّذُ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا نُفِّذَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ وَتَوْلِيَتُهُمْ لِضَرُورَةِ الرَّعَايَا، وَإِذَا نُفِّذَ ذَلِكَ مَعَ نُدْرَةِ الْبَغْيِ فَأَوْلَى أَنْ يُنَفَّذَ تَصَرُّفُ الْوُلَاةِ وَالْأَئِمَّةِ مَعَ غَلَبَةِ الْفُجُورِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ لَا انْفِكَاكَ لِلنَّاسِ عَنْهُمْ،
(1/79)

وَأَمَّا أَخْذُهُمْ الزَّكَاةَ، فَإِنْ صَرَفُوهَا فِي مَصَارِفِهَا أَجْزَأَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ صَرَفُوهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا لَمْ يَبْرَأْ الْأَغْنِيَاءُ مِنْهَا عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَا فِي إجْزَائِهَا مِنْ تَضَرُّرِ الْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا، فَإِنَّهَا إنَّمَا نُفِّذَتْ لِتَمَحُّصِهَا. وَأَمَّا هَهُنَا فَالْقَوْلُ بِإِجْزَاءِ أَخْذِهَا نَافِعٌ لِلْأَغْنِيَاءِ مُضِرٌّ لِلْفُقَرَاءِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ عَنْ الْفُقَرَاءِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ عَنْ الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْت لِأَنَّ مَصَالِحَ الْفُقَرَاءِ أَوْلَى مِنْ مَصَالِحِ الْأَغْنِيَاءِ، لِأَنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ نَصِيبِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ مَا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ مِنْ تَثْنِيَةِ الزَّكَاةِ، وَلِمِثْلِ هَذَا يَتَخَيَّرُ السَّاعِي فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ؛ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ وَخَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَلَا تُخَيَّرُ الْوُلَاةُ فِيمَا يَصْنَعُونَ إلَّا نَادِرًا وَهُوَ إذَا تَسَاوَى تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ، أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَتَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي التَّعْزِيرِ وَجَبَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعَفْوِ وَالْإِغْضَاءِ وَجَبَ.

[فَصْلٌ فِي تَقَيُّدِ الْعَزْلِ بِالْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْأَصْلَحِ]
إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ عَزْلَ الْحَاكِمِ فَإِنْ أَرَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ عَزَلَهُ لِمَا فِي إبْقَاءِ الْمُرِيبِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ إذْ لَا يَصْلُحُ فِي تَقْرِيرِ الْمُرِيبِ عَلَى وِلَايَةٍ عَامَّةٍ وَلَا خَاصَّةٍ، لِمَا يُخْشَى مِنْ خِيَانَتِهِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِيبَةً فَلَهُ أَحْوَالٌ.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْزِلَهُ بِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْمُسْلِمِينَ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ جِهَةِ فَضْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَفْوِيتُ الْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ.
الْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْزِلَهُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَيُنَفَّذُ عَزْلُهُ تَقْدِيمًا لِلْأَصْلَحِ عَلَى الصَّالِحِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
(1/80)

الْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْزِلَهُ بِمَنْ يُسَاوِيهِ؛ فَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّخَيُّرِ عِنْدَ تَسَاوِي الْمَصَالِحِ، وَكَمَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ الْوِلَايَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الْعَزْلِ وَعَارِهِ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ الْوِلَايَةِ.
فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لِلْمُوَلَّى؟ قُلْنَا حِفْظُ الْمَوْجُودِ أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ الْمَفْقُودِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ النَّفْعِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ بِالْعَادَةِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يُجْهَدْ لَهُمْ وَيَنْصَحْ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ مَعَهُمْ» . وَلَمَّا اُتُّهِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَنَّهُ قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِيَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَرَّتْ مَنَايَا مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ ... عَقِيلَتَهُ الْحَسْنَاءَ أَيَّامَ خَالِدِ
حَرَّضَ عُمَرُ عَلَى أَنْ يَعْزِلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَزَى عَلَى امْرَأَتِهِ، فَامْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَزْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ فِي الْقِيَامِ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَصْوَبُ مِمَّا رَآهُ عُمَرُ لِأَنَّ تِلْكَ الرِّيبَةَ لَمْ تَكُنْ قَادِحَةً فِي كَوْنِهِ أَقْوَمَ بِالْحَرْبِ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمَّا تَوَلَّى عُمَرُ عَزَلَهُ عَنْ حَرْبِ الشَّامِ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَوَصَلَ كِتَابُ الْعَزْلِ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ لِلْقِتَالِ، فَلَمْ يُخْبِرْ خَالِدًا حَتَّى انْقَشَعَتْ الْحَرْبُ لِعِلْمِهِ بِتَقَدُّمِهِ فِي مَكَانِ الْحَرْبِ، وَتَرْتِيبِ الْقِتَالِ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لَتَشَوَّشَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخْبِرْهُ لِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْكِتَابِ.
(1/81)

[فَصْلٌ فِي تَصَرُّفِ الْآحَادِ فِي الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ عِنْدَ جَوْرِ الْأَئِمَّةِ]
فِي تَصَرُّفِ الْآحَادِ فِي الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ عِنْدَ جَوْرِ الْأَئِمَّةِ
لَا يَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ إلَّا الْأَئِمَّةُ وَنُوَّابُهُمْ، فَإِذَا تَعَذَّرَ قِيَامُهُمْ بِذَلِكَ، وَأَمْكَنَ الْقِيَامُ بِهَا مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنْ الْآحَادِ بِأَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، فَلْيَصْرِفْ إلَى مُسْتَحِقِّيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيهِ، بِأَنْ يُقَدِّمَ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، وَالْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ، فَيَصْرِفُ كُلَّ مَالٍ خَاصٍّ فِي جِهَاتِهِ أَهَمِّهَا فَأَهَمِّهَا، وَيَصْرِفُ مَا وَجَدَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فِي مَصَارِفِهَا أَصْلَحِهَا فَأَصْلَحِهَا، لِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَا ذَلِكَ لَفَاتَتْ مَصَالِحُ صَرْفِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَلَأَثِمَ أَئِمَّةُ الْجَوْرِ بِذَلِكَ وَضَمِنُوهُ، فَكَانَ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِهَا. وَإِنْ وَجَدَ أَمْوَالًا مَغْصُوبَةً، فَإِنْ عَرَفَ مَالِكِيهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُمْ بِحَيْثُ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ صَرَفَهَا فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَوْلَاهَا فَأَوْلَاهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ، وَهَذَا بِرٌّ وَتَقْوَى. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ، فَإِذَا جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، مَعَ كَوْنِ الْمَصْلَحَةِ خَاصَّةً، فَلَأَنْ يُجَوِّزَ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا غَلَبَةُ الظَّلَمَةِ لِلْحُقُوقِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَامَ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ أَتَمُّ مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ بِأَيْدِي الظَّلَمَةِ يَأْكُلُونَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَيَصْرِفُونَهَا إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ ظَفِرَ بِهِ كَمَنْ وَجَدَ اللُّقْطَةَ فِي مَضْيَعَةٍ، وَإِذَا جَوَّزَ الشَّرْعُ لِمَنْ جُحِدَ حَقُّهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ جَاحِدِهِ إذَا ظَفِرَ بِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَنْ يَأْخُذَهُ وَيَبِيعَهُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ فَجَوَازُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ عُمُومِهِ أَوْلَى.
(1/82)

وَقَدْ خَيَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَاجِدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْفَظَهُ إلَى أَنْ يَلِيَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي مَصَارِفِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِوَقْتٍ يُتَوَقَّعُ فِيهِ ظُهُورُ إمَامٍ عَدْلٍ.
وَأَمَّا فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْمَأْيُوسِ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَاجِدِهِ أَنْ يَصْرِفَهُ عَلَى الْفَوْرِ فِي مَصَارِفِهِ، لِمَا فِي إبْقَائِهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهِ وَحِرْمَانِ مُسْتَحِقِّيهِ مِنْ تَعْجِيلِ أَخْذِهِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ مَاسَةً إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ تَعْجِيلُهَا.

[فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ]
إنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا دَفَعَ الظَّلَمَةُ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَى إنْسَانٍ شَيْئًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَهُ: إنْ عَلِمَ الْمَبْذُولُ لَهُ أَنَّ مَا يُدْفَعُ لَهُ مَغْصُوبٌ فَلَهُ حَالَانِ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَلَوْ أَخَذَ لَفَسَدَ ظَنُّ النَّاسِ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَقْتَدُونَ بِهِ وَلَا يَقْبَلُونَ فُتْيَاهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ لِمَا فِي أَخْذِهِ مِنْ فَسَادِ اعْتِقَادِ النَّاسِ فِي صِدْقِهِ وَدِينِهِ، لَا يَقْبَلُونَ لَهُ فُتْيَا، فَيَكُونُ قَدْ ضَيَّعَ عَلَى النَّاسِ مَصَالِحَ الْفُتْيَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ تِلْكَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الدَّائِمَةِ أَوْلَى مِنْ أَخْذِ الْمَغْصُوبِ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَكَذَلِكَ الشُّهُودُ وَالْحُكَّامُ مَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَالِكِهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَّا يَكُونَ الْمَبْذُولُ لَهُ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ جَهِلَ مَالِكَهُ بَحَثَ عَنْهُ إلَى أَنْ يَعْرِفَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ صَرَفَهُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَهَمِّهَا فَأَهَمِّهَا، وَأَصْلَحِهَا فَأَصْلَحِهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ تِلْكَ الْمَصَالِحَ دَفَعَهُ
(1/83)

إلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا تَرَبَّصَ بِهَا إلَى أَنْ يَجِدَهُ فَيَتَعَرَّفُهَا مِنْهُ، أَوْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ لِيَصْرِفَهَا فِي مَصَالِحِهَا إنْ كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي يَبْذُلُونَهُ مَأْخُوذًا بِحَقٍّ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ لِمَصَالِحَ خَاصَّةٍ كَالزَّكَاةِ لِأَرْبَابِهَا وَالْخُمُسِ لِأَرْبَابِهِ، وَالْفَيْءِ لِلْأَجْنَادِ عَلَى قَوْلٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَبْذُولُ لَهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَالِ الْخَاصِّ فَإِنْ أُعْطِيَ قَدْرَ حَقِّهِ فَلْيَأْخُذْهُ، وَإِنْ أُعْطِيَ زَائِدًا عَلَى حَقِّهِ فَلْيَأْخُذْ قَدْرَ حَقِّهِ وَيَكُونُ حُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى حَقِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ فَلْيَأْخُذْهُ إنْ لَمْ تَفُتْ بِأَخْذِهِ مَصْلَحَةُ الْفُتْيَا، وَلْيَصْرِفْهُ فِي الْمَصَارِفِ الْعَامَّةِ أَصْلَحِهَا فَأَصْلَحِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ فَعَلَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ بُذِلَ لَهُ الْمَالُ مِنْ جِهَةٍ مَجْهُولَةٍ فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّهِ فَقَدْ صَارَ بِالْيَأْسِ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلْيَأْخُذْهُ وَيَصْرِفْهُ فِيهَا، وَإِنْ تَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ مُسْتَحِقِّيهِ فَلْيَأْخُذْهُ بِنِيَّةِ الْبَحْثِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُمْ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ صَارَ كَمَالِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.

[فَصْلٌ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي يَدِهِ حَرَامٌ]
فَإِنْ قِيلَ، مَا تَقُولُونَ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَالِهِ حَرَامٌ، هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: إنْ غَلَبَ الْحَرَامُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَنْدُرُ الْخَلَاصُ مِنْهُ لَمْ تَجُزْ مُعَامَلَتُهُ، مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ إنْسَانٌ أَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّهَا حَرَامٌ إلَّا دِينَارًا وَاحِدًا، فَهَذَا لَا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ، لِنُدْرَةِ الْوُقُوعِ فِي الْحَلَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ إذَا اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بَرِّيَّةٌ بِأَلْفِ حَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ، وَإِنْ عُومِلَ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارِ أَوْ اصْطِيَادِ أَكْثَرَ مِنْ حَمَامَةٍ فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ بِأَنْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَلَالٍ جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ بِأَلْفِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ اخْتَلَطَتْ أَلْفُ حَمَامَةٍ بَرِّيَّةٍ بِحَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لِنُدْرَةِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.
وَكَذَلِكَ الِاصْطِيَادُ، وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرُّتْبَتَيْنِ
(1/84)

مِنْ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ مَرَاتِبُ مُحَرَّمَةٌ، وَمَكْرُوهَةٌ، وَمُبَاحَةٌ، وَضَابِطُهَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَشْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْحَرَامِ وَتَخِفُّ بِكَثْرَةِ الْحَلَالِ، فَاشْتِبَاهُ أَحَدِ الدِّينَارَيْنِ بِآخَرَ سَبَبُ تَحْرِيمٍ بَيِّنٍ، وَاشْتِبَاهُ دِينَارٍ حَلَالٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ حَرَامٍ سَبَبُ تَحْرِيمٍ بَيِّنٍ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَلَالِ فَكُلَّمَا كَثُرَ الْحَرَامُ تَأَكَّدَتْ الشُّبْهَةُ، وَكُلَّمَا قَلَّ خَفَّتْ الشُّبْهَةُ إلَى أَنْ يُسَاوِيَ الْحَلَالُ الْحَرَامَ فَتَسْتَوِي الشُّبُهَاتُ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مُسْتَقْصًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[قَاعِدَةٌ فِي تَعَذُّرِ الْعَدَالَةِ فِي الْوِلَايَاتِ]
قَاعِدَةٌ: إذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ عَدْلٌ، وَلَّيْنَا أَقَلَّهُمْ فُسُوقًا وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: - أَحَدُهَا: إذَا تَعَذَّرَ فِي الْأَئِمَّةِ فَيُقَدَّمُ أَقَلُّهُمْ فُسُوقًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا كَانَ الْأَقَلُّ فُسُوقًا يُفَرِّطُ فِي عُشْرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مَثَلًا وَغَيْرُهُ يُفَرِّطُ فِي خُمُسِهَا لَمْ تَجُزْ تَوْلِيَةُ مَنْ يُفَرِّطُ فِي الْخُمُسِ فَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ تَوْلِيَةُ مَنْ يُفَرِّطُ فِي الْعُشْرِ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ حِفْظَ تِسْعَةِ الْأَعْشَارِ بِتَضْيِيعِ الْعُشْرِ أَصْلَحُ لِلْأَيْتَامِ وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ تَضْيِيعِ الْجَمِيعِ، وَمِنْ تَضْيِيعِ الْخُمُسِ أَيْضًا، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ أَشَدِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا، وَلَوْ تَوَلَّى الْأَمْوَالَ الْعَامَّةَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالتَّبْذِيرِ نُفِّذَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْعَامَّةُ إذَا وَافَقَتْ الْحَقَّ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا يُنَفَّذُ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ، إذْ لَا مُوجِبَ لِإِنْقَاذِهِ مَعَ خُصُوصِ مَصْلَحَتِهِ، وَلَوْ اُبْتُلِيَ النَّاسُ بِتَوْلِيَةِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ يَرْجِعُ إلَى رَأْيِ الْعُقَلَاءِ فَهَلْ يُنَفَّذُ تَصَرُّفُهُمَا الْعَامُّ فِيمَا يُوَافِقُ الْحَقَّ كَتَجْنِيدِ الْأَجْنَادِ وَتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ؟ فَفِي ذَلِكَ وَقْفَةٌ.
وَلَوْ اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى إقْلِيمٍ عَظِيمٍ فَوَلَّوْا الْقَضَاءَ لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ إنْفَاذُ ذَلِكَ كُلِّهِ جَلْبًا لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَدَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ الشَّامِلَةِ، إذْ يَبْعُدُ عَنْ رَحْمَةِ الشَّرْعِ وَرِعَايَتِهِ لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ تَعْطِيلُ
(1/85)

الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَتَحَمُّلُ الْمَفَاسِدِ الشَّامِلَةِ، لِفَوَاتِ الْكَمَالِ فِيمَنْ يَتَعَاطَى تَوْلِيَتَهَا لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا، وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الْحُكَّامُ إذَا تَفَاوَتُوا فِي الْفُسُوقِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فُسُوقًا، لِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا غَيْرَهُ لَفَاتَ مَعَ الْمَصَالِحِ مَا لَنَا عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقِيَامِ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يُجَوَّزْ هَذَا وَأَمْثَالُهُ لَضَاعَتْ أَمْوَالُ الْأَيْتَامِ كُلُّهَا، وَأَمْوَالُ الْمَصَالِحِ بِأَسْرِهَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] . وَلَوْ فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فِي شُهُودِ الْحُكَّامِ فَفِي هَذَا وَقْفَةٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُدَّعِي مُعَارَضَةٌ بِمَفْسَدَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ وَالْأَبَدَانِ، وَالظَّاهِرُ مِمَّا فِي الْأَيْدِي لِأَرْبَابِهَا.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي وِلَايَةِ الْأَيْتَامِ فَيَخْتَصُّ بِهَا أَقَلُّهُمْ فُسُوقًا فَأَقَلُّهُمْ، لِأَنَّ حِفْظَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ الْكُلِّ، فَإِذَا كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ أَلْفًا وَأَقَلُّ وِلَايَةٍ فُسُوقًا يَخُونُ فِي مِائَةٍ مِنْ الْأَلْفِ وَيَحْفَظُ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ يَخُونُ فِي مِائَتَيْنِ فَمَا زَادَ عَلَيْهَا.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: فَوَاتُ الْعَدَالَةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ وَالْأَئِمَّةِ يُقَدَّمُ فِيهَا الْفَاسِقُ عَلَى الْأَفْسَقِ تَحْصِيلًا لِلْمَصَالِحِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: إذَا تَفَاوَتَتْ رُتَبُ الْفُسُوقِ فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فُسُوقًا، مِثْلَ إنْ كَانَ فِسْقُ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَفِسْقُ الْآخَرِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ، وَفِسْقُ الْآخَرِ بِالتَّضَرُّعِ لِلْأَمْوَالِ، قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَمْوَالِ عَلَى الْمُتَضَرِّعِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَقْدِيمُهُ قَدَّمْنَا الْمُتَضَرِّعَ لِلْأَبْضَاعِ عَلَى مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلدِّمَاءِ، وَكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ التَّقْدِيمُ عَلَى الْكَبِيرِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْأَكْبَرِ وَالصَّغِيرِ مِنْهَا وَالْأَصْغَرِ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهَا.
(1/86)

فَإِنْ قِيلَ: أَيَجُوزُ الْقِتَالُ مَعَ أَحَدِهِمَا لِإِقَامَةِ وِلَايَتِهِ وَإِدَامَةِ تَصَرُّفِهِ مَعَ إعَانَتِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ دَفْعًا لِمَا بَيْنَ مَفْسَدَتَيْ الْفُسُوقَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ وَدَرْءًا لِلْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ، وَفِي هَذَا وَقْفَةٌ وَإِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّا نُعِينُ الظَّالِمَ عَلَى فَسَادِ الْأَمْوَالِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْأَبْضَاعِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ.
وَكَذَلِكَ نُعِينُ الْآخَرَ عَلَى إفْسَادِ الْأَبْضَاعِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الدِّمَاءِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَجُوزُ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً بَلْ لِكَوْنِهَا وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَكَذَلِكَ إذَا حَصَلَ بِالْإِعَانَةِ مَصْلَحَةٌ تَرْبُو عَلَى مَصْلَحَةِ تَفْوِيتِ الْمَفْسَدَةِ كَمَا، تُبْذَلُ الْأَمْوَالُ فِي فِدَى الْأَسْرَى الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَالْفَجَرَةِ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ وَلِيًّا وَلَا حَاكِمًا فَهَلْ لَهَا أَنْ تُحَكِّمَ أَجْنَبِيًّا يُزَوِّجُهَا؟ أَوْ تُفَوِّضَ إلَيْهِ التَّزْوِيجَ مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمٍ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَمَبْنَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَلَى الضَّرُورَاتِ وَمَسِيسِ الْحَاجَاتِ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ مَا لَا يَجُوزُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ ظَفِرَ بِمَالِ غَرِيمِهِ الْجَاحِدِ لِدَيْنِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مِثْلَ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَبِيعَهُ.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ هُرُوبِ الْجَمَّالِ وَتَرْكِهِ الْجِمَالَ، كَذَلِكَ الِالْتِقَاطُ وَتَخْيِيرُ الْمُلْتَقِطِ فِي التَّمْلِيكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ الْمُعْتَبَرِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمُضْطَرِّ الطَّعَامَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ.
(1/87)

[فَصْلٌ فِي تَقْدِيمِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ بِالزَّمَانِ إذَا اتَّسَعَ وَقْتُ الْفَاضِلِ]
قَدْ يَتَقَدَّمُ الْمَفْضُولُ عَلَى الْفَاضِلِ بِالزَّمَانِ عِنْدَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الْفَاضِلِ، كَتَقْدِيمِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ عَلَى الْفَرَائِضِ فِي أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ: تَقْدِيمُ الْمَفْضُولِ الَّذِي يُخَافُ فَوْتُهُ عَلَى الْفَاضِلِ الَّذِي لَا يُخْشَى فَوْتُهُ؛ كَتَقْدِيمِ حَمْدَلَةِ الْعَاطِسِ وَتَشْمِيتِهِ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ، وَفِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَتَقْدِيمِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ الْمَسْنُونِ عَلَى تَوَالِي كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ رَدُّ السَّلَامِ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ، وَإِنْ وَقَعَ الْأَذَانُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي فِي الْفَاتِحَةِ لَمْ يُجِبْهُ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ وَلَاءُ الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ فَفِي إجَابَتِهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِجَابَةِ قَدْ عَارَضَتْهَا مَصْلَحَةُ مُوَالَاةِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَتِهَا.

[فَصْلٌ فِي تَسَاوِي الْمَصَالِحِ مَعَ تَعَذُّرِ جَمْعِهَا]
إذَا تَسَاوَتْ الْمَصَالِحُ مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ تَخَيَّرْنَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِلتَّنَازُعِ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا إذَا رَأَيْنَا صَائِلًا يَصُولُ عَلَى نَفْسَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُتَسَاوِيَيْنِ وَعَجَزْنَا عَنْ دَفْعِهِ عَنْهُمَا فَإِنَّا نَتَخَيَّرُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: لَوْ رَأَيْنَا مَنْ يَصُولُ عَلَى بِضْعَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَعَجَزْنَا عَنْ الدَّفْعِ عَنْهُمَا فَإِنَّا نَتَخَيَّرُ، وَلَوْ وَجَدْنَا مَنْ يَقْصِدُ غُلَامًا بِاللِّوَاطِ وَامْرَأَةً بِالزِّنَا فَفِي هَذَا نَظَرٌ وَتَأَمُّلٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ الزَّانِي، لِأَنَّ مَفَاسِدَ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ
(1/88)

مِثْلُهَا فِي اللِّوَاطِ، وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى حَدِّ الزِّنَا وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ اللَّائِطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِدَفْعِ اللَّائِطِ لِأَنَّ جِنْسَهُ لَمْ يُحَلَّلْ قَطُّ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ الذُّكُورِ وَإِبْطَالِ شَهَامَتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: لَوْ رَأَيْنَا مَنْ يَصُولُ عَلَى مَالَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لِمُسْلِمَيْنِ مَعْصُومَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ تَخَيَّرْنَا.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: إذَا حَجَزَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَجَبَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الدُّيُونِ بِالْمُحَاصَّةِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِائَةً وَمَالُهُ عَشَرَةً سَوَّى بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِإِيصَالِ كُلٍّ مِنْهُمْ إلَى عُشْرِ دَيْنِهِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلَيْنِ بِحَيْثُ تَضِيقُ عَنْهُ التَّرِكَةُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمُحَاصَّةِ؛ إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: إذَا حَضَرَ فَقِيرَانِ مُتَسَاوِيَانِ تَخَيَّرَ فِي الدَّفْعِ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَفِي الْفَضِّ عَلَيْهِمَا.
الْمِثَالُ السَّابِعُ: إذَا حَضَرَتْ أُضْحِيَّتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ تَفَاوَتَتْ بَدَأَ بِأَفْضَلِهِمَا، وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مُهْرِيَّةٌ تُسَاوِي أَلْفًا، وَعَشْرَةُ أَيْنُقٍ تُسَاوِي أَلْفًا، فَالتَّضْحِيَةُ بِأَيِّهِمَا أَفْضَلُ؟ فَكَانَ الْجَوَابُ أَنَّ التَّضْحِيَةَ بِالْأَيْنُقِ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْمِيمِ الْإِقَاتَةِ وَالنَّفْعِ، وَفَضِيلَةُ الْمُهْرِيَّةِ تَفُوتُ بِذَبْحِهَا بِخِلَافِ عِتْقِ أَنْفُسِ الرَّقَبَتَيْنِ وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا عِنْدَ أَهْلِهَا، لِأَنَّ شَرَفَ الْمُخْرَجِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُشَرِّفِهِ؛ فَإِخْرَاجُ أَشْرَافِ الْمَالِ أَحْسَنُ فِي الطَّوَاعِيَةِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا تَعْظِيمُ الْمُهْدَى إلَيْهِ وَأَفْضَلُ الْهَدَايَا أَنْفَسُهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ حِصَانًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ وَيَذْبَحَهُ وَيَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ بِالْأَلْفِ أَلْفَ شَاةٍ وَيَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّصَدُّقَ
(1/89)

بِلُحُومِ الشِّيَاهِ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ مَا يُحَصِّلُهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْمَنَافِعِ؛ وَلِأَنَّ فَضِيلَةَ الْحِصَانِ تَفُوتُ بِذَبْحِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ إلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهَا شَيْءٌ.
الْمِثَالُ الثَّامِنُ: إذَا مَلَكَ نَفَقَةَ زَوْجِهِ وَلَهُ زَوْجَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ سَوَّى بَيْنَهُمَا.
الْمِثَالُ التَّاسِعُ: إذَا كَانَ لَهُ ابْنَانِ مُتَسَاوِيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا فَلْيُوَزِّعْهَا بَيْنَهُمَا.
الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ مُتَسَاوِيَانِ وَلَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَفُضَّهُ عَلَى مَالِكَيْهِمَا وَإِنْ قَدَّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ جَازَ.
الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: لَوْ دُعِيَ الشَّاهِدُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إلَى شَهَادَةٍ بِحَقَّيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ تَخَيَّرَ فِي إجَابَةِ مَنْ شَاءَ مِنْ الدَّاعِينَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَقَّانِ فَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَحَدِهِمَا وَأَمِنَ فَوَاتَ الْآخَرِ وَجَبَ الْبِدَارُ إلَى مَا يَخْشَى فَوَاتَهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ تَخَيَّرَ.

[فَصْلٌ فِي الْإِقْرَاعِ عِنْدَ تَسَاوِي الْحُقُوقِ]
وَإِنَّمَا شُرِعَتْ الْقُرْعَةُ عِنْدَ تَسَاوِي الْحُقُوقِ دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ، وَلِلرِّضَاءِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ، وَقَضَاهُ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ، فَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ عِنْدَ تَسَاوِيهِمْ فِي مَقَاصِدِ الْخِلَافَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ تَسَاوِيهِمْ فِي مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَقَارُعُهُمْ عَلَى الْأَذَانِ عِنْدَ تَسَاوِي الْمُؤَذِّنِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْمُتَسَابِقِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي تَغْسِيلِ الْأَمْوَاتِ عِنْدَ تَسَاوِي الْأَوْلِيَاءِ فِي الصِّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْحَاضِنَاتِ إذَا كُنَّ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ،
(1/90)

وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ إذَا أَذِنَتْ لَهُمْ الْمَرْأَةُ وَكُلُّهُمْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ؛ لِمَا فِي تَخَيُّرِ الزَّوْجِ مِنْ إيغَارِ صُدُورِهِنَّ وَإِيحَاشِ قُلُوبِهِنَّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْبُدَاءَةَ بِإِحْدَاهُنَّ فِي الْقَسْمِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي زِفَافِهِنَّ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الْإِعْتَاقِ إذَا زَادُوا عَلَى الثُّلُثِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ قَتْلِ جَمَاعَةٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْقَتْلَى إذَا طَلَبُوا الْقِصَاصَ دَفْعًا لِإِيغَارِ صُدُورِهِمْ، وَإِذَا تَسَاوَتْ السِّهَامُ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي لَمْ يَتَخَيَّرْ الْقَاسِمُ بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي التَّقَدُّمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَلَوْ حَضَرَ الْحَاكِمَ خُصُومٌ لَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِئَلَّا يُوغِرَ صُدُورَهُمْ، وَإِنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَالْمَرْأَةِ وَالْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ قَدَّمَ الْمَرْأَةَ عَلَى الرِّجَالِ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَقَدَّمَ الْمُسَافِرَ عَلَى الْمُقِيمِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِفَوْتِ الرِّفَاقِ، وَلَا وَجْهَ لِلْإِقْرَاعِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ، إذْ لَا يُفِيدُ ثِقَةً بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ وَلَا بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَاعُ فِي الْتِقَاطِ اللُّقَطَاءِ، وَلَوْ تَسَاوَى اثْنَانِ يَصْلُحَانِ لِلْوِلَايَةِ أَوْ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَحْكَامِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا مَنْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ ذَلِكَ. فَكُلُّ هَذِهِ الْحُقُوقِ مُتَسَاوِيَةُ الْمَصَالِحِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَقْرَعَ لِيُعَيِّنَ بَعْضَهَا دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَالْعِنَادِ، فَإِنَّ مَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إذَا قُدِّمَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ أَدَّى ذَلِكَ إلَى مَقْتِهِ وَبِغْضَتِهِ، وَإِلَى أَنْ يَحْسُدَ الْمُتَأَخِّرُ الْمُتَقَدِّمَ؛ فَشُرِعَتْ الْقُرْعَةُ دَفْعًا لِهَذَا الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ، لَا لِأَنَّ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ رُجِّحَتْ عَلَى الْأُخْرَى، وَلَا يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُرَجِّحُ الثِّقَةَ بِإِحْدَى
(1/91)

الشَّهَادَتَيْنِ إذْ لَا تَزِيدُ بَيَانًا، وَالتَّرْجِيحُ فِي كُلِّ بَابٍ إنَّمَا يَقَعُ بِالزِّيَادَةِ فِي مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْبَابِ.

[فَصْلٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ إلَّا بِإِفْسَادِهِ]
أَوْ بِإِفْسَادِ بَعْضِهِ أَوْ بِإِفْسَادِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ
فَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ إلَّا بِفَسَادِهِ فَكَإِفْسَادِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ لِأَجْلِ الشِّفَاءِ وَالِاغْتِذَاءِ وَإِبْقَاءِ الْمُكَلَّفِينَ لِعِبَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَإِحْرَاقِ الْأَحْطَابِ وَإِبْلَاءِ الثِّيَابِ وَالْبُسُطِ وَالْفُرُشِ وَآلَاتِ الصَّنَائِعِ بِالِاسْتِعْمَالِ.

وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ إلَّا بِإِفْسَادِ بَعْضِهِ فَكَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ حِفْظًا لِلرُّوحِ، إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهَا، وَإِنْ كَانَ إفْسَادًا لَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَهُوَ حِفْظُ الرُّوحِ.
وَكَذَلِكَ حِفْظُ بَعْضِ الْأَمْوَالِ بِتَفْوِيتِ بَعْضِهَا؛ كَتَعْيِيبِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، وَأَمْوَالِ الْمَصَالِحِ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْغَصْبُ، فَإِنَّ حِفْظَهَا قَدْ صَارَ بِتَعْيِيبِهَا فَأَشْبَهَ مَا يَفُوتُ مِنْ مَالِيَّتِهَا مِنْ أُجُورِ حَارِسِهَا وَحَانُوتِهَا. وَقَدْ فَعَلَ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَ ذَلِكَ لَمَّا خَافَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَصْبَ فَخَرَقَهَا لِيُزَهِّدَ غَاصِبَهَا فِي أَخْذِهَا

وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ إلَّا بِإِفْسَادِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فَكَقَطْعِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ سَلَامَةِ الْخُفَّيْنِ.
وَأَمَّا إتْلَافُ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالتَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِإِخْزَائِهِمْ وَإِرْغَامِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] ، وَمِثْلُهُ قَتْلُ
(1/92)

خُيُولِهِمْ وَإِبِلِهِمْ، إذَا كَانَتْ تَحْتَهُمْ فِي حَالِ الْقِتَالِ.
وَكَذَلِكَ قَتْلُ أَطْفَالِهِمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِهِمْ، لِأَنَّهُ أَشَدُّ إخْزَاءً لَهُمْ مِنْ تَحْرِيقِ دِيَارِهِمْ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ.

[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ الْمَفَاسِدِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَصَالِحِ]
إذَا اجْتَمَعَتْ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ فَإِنْ أَمْكَنَ دَرْؤُهَا دَرَأْنَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ دَرَأْنَا الْأَفْسَدَ فَالْأَفْسَدَ وَالْأَرْذَلَ فَالْأَرْذَلَ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَقَدْ يَتَوَقَّفُ وَقَدْ يَتَخَيَّرُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَفَاسِدِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَلِاجْتِمَاعِ الْمَفَاسِدِ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِلَ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْرَأَ مَفْسَدَةَ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنْ إقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ دَرْءُ الْقَتْلِ بِالصَّبْرِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الِاسْتِسْلَامِ لِلْقَتْلِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ لِلْجَمْعِ عَلَى وُجُوبِ دَرْئِهَا، عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ دَرْئِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ عَلَى حُكْمٍ بِبَاطِلٍ فَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ أَوْ الْحُكْمِ بِهِ قَتْلًا أَوْ قَطْعَ عُضْوٍ وَإِحْلَالَ بِضْعٍ مُحَرَّمٍ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ وَلَا الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْقَتْلِ أَوْلَى مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ بِغَيْرِ جُرْمٍ، أَوْ إتْيَانِ بِضْعٍ مُحَرَّمٍ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَوْ الْحُكْمُ بِمَالٍ لَزِمَهُ إتْلَافُهُ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِالْحُكْمِ حِفْظًا لِمُهْجَتِهِ كَمَا يَلْزَمُ حِفْظُهُمَا بِأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ غُصَّ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسِيغُ بِهِ الْغُصَّةَ سِوَى الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْحَيَاةِ أَعْظَمُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ رِعَايَةِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَاتِ.
(1/93)

الْمِثَالُ الثَّانِي: إذَا اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ أَكَلَهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْغَيْرِ أَخَفُّ مِنْ حُرْمَةِ النَّفْسِ، وَفَوَاتَ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ بِبَدَلٍ، وَهَذَا مِنْ قَاعِدَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ وَبَذْلِ الْمَصْلَحَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا إذَا وَجَدَ عَادِمُ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ الْخُبْثِ، فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ بِهِ الْخُبْثَ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثِ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا وَجَدَ الْمُحْرِمُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ لِغَسْلِ الطِّيبِ الْعَالِقِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُ بِهِ الطِّيبَ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ التَّنَزُّهِ مِنْهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثِ، تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ بَدَلِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَلَوْ عَكَسَ لَفَاتَتْ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.

الْمِثَالُ الرَّابِعُ: إذَا عَتَقَ بَعْضَ عَبْدٍ سَرَى الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ تَحْصِيلًا لِبَدَلِ مِلْكِ شَرِيكِهِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ: إذَا عَتَقَ الْوَاقِفُ أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْنَا لَا مِلْكَ لَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَإِنْ مَلَكْنَاهُ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ هُوَ الْوَاقِفُ كَانَ إعْتَاقُهُ كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ هُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ نَفَذَ إعْتَاقُهُ عَلَى الْأَصَحِّ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ، وَيَلْزَمُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يُوقَفُ بَدَلُهُ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ بَدَلِ الْوَقْفِ، فَكَانَ تَحْصِيلُ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَعَ بَدَلِ الْأُخْرَى، أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ وَتَعْطِيلِ بَدَلِ الْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ النَّجَاسَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَكْلُهَا، لِأَنَّ مَفْسَدَةَ فَوَاتِ النَّفْسِ وَالْأَعْضَاءِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ أَكْلِ النَّجَاسَاتِ.
(1/94)

الْمِثَالُ السَّادِسُ: إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ إنْسَانًا مَيِّتًا أَكَلَ لَحْمَهُ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي أَكْلِ لَحْمِ مَيِّتِ الْإِنْسَانِ، أَقَلُّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فِي فَوْتِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ: لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَنْ يَحِلُّ قَتْلُهُ كَالْحَرْبِيِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ الَّذِي تَحَتَّمَ قَتْلُهُ وَاللَّائِطِ وَالْمُصِرِّ، عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، جَازَ لَهُ ذَبْحُهُمْ وَأَكْلُهُمْ إذًا لَا حُرْمَةَ لِحَيَاتِهِمْ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةُ الْإِزَالَةِ، فَكَانَتْ الْمَفْسَدَةُ فِي زَوَالِهَا أَقَلَّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فِي فَوَاتِ حَيَاةِ الْمَعْصُومِ، وَلَك أَنْ تَقُولَ فِي هَذَا وَمَا شَابَهَهُ جَازَ ذَلِكَ تَحَصُّلًا لِأَعْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْ دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَتَقُولُ: جَازَ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ إذَا لَمْ يَجِدْ طَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهَا، لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ أَكْمَلُ مِنْ مَصْلَحَةِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الشِّفَاءَ يَحْصُلُ بِهَا، وَلَمْ يَجِدْ دَوَاءً غَيْرَهَا، وَمِثْلُهُ قَطْعُ السِّلْعَةِ الَّتِي يَخْشَى عَلَى النَّفْسِ مِنْ بَقَائِهَا.
فَإِنْ قِيلَ. قَدْ أَجَزْتُمْ قَلْعَ الضِّرْسِ إذَا اشْتَدَّ أَلَمُهُ وَلَمْ تُجَوِّزُوا قَطْعَ الْعُضْوِ إذَا اشْتَدَّ أَلَمُهُ؟ قُلْنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ مُفَوِّتٌ لِأَصْلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَلْعَ الضِّرْسِ مُفَوِّتٌ لِتَكْمِيلِ الِانْتِفَاعِ فَإِنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَضْرَاسِ وَالْأَسْنَانِ يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَلْعَ الضِّرْسِ لَا سِرَايَةَ لَهُ إلَى الرُّوحِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْعُضْوِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ الْتَزَمَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ إدْخَالَ الضَّيْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِعْطَاءَ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ؟ قُلْنَا: الْتَزَمَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ وَهِيَ قَتْلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ لَا يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي قَتْلِهِمْ مَعَرَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ إيقَاعَ الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ إلَى الْكُفَّارِ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَامِلِينَ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ
(1/95)

عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْقِتَالِ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً وَهِيَ إسْلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْكَافِرِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الفتح: 25] أَيْ فِي مِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ رَحْمَتِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا} [الفتح: 25] أَيْ لَوْ تَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَتَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

وَلِتَسَاوِي الْمَفَاسِدِ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا إذَا وَقَعَ رَجُلٌ عَلَى طِفْلٍ مِنْ بَيْنِ الْأَطْفَالِ إنْ أَقَامَ عَلَى أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ، وَإِنْ انْفَتَلَ إلَى آخَرَ مِنْ جِيرَانِهِ قَتَلَهُ، فَقَدْ قِيلَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي انْتِفَاءِ الشَّرَائِعِ قَبْلَ نُزُولِهَا وَلَمْ تَرِدْ الشَّرِيعَةُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْفِتَالُ إلَى الْكَافِرِ، لِأَنَّ قَتْلَهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ قَتْلِ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ؟ فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّا نُجَوِّزُ قَتْلَ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ عِنْدَ التَّتَرُّسِ بِهِمْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ.

الْمِثَالُ الثَّانِي: إذَا اغْتَلَمَ الْبَحْرُ بِحَيْثُ عَلِمَ رُكْبَانُ السَّفِينَةِ أَنَّهُمْ لَا يَخْلُصُونَ إلَّا بِتَغْرِيقِ شَطْرِ الرُّكْبَانِ لِتَخِفَّ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَلَا يَجُوزُ إلْقَاءُ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأَنَّهُمْ مُسْتَوُونَ فِي الْعِصْمَةِ، وَقَتْلُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مُحَرَّمٌ، وَلَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ مَالٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُحْتَرَمٌ لَوَجَبَ إلْقَاءُ الْمَالِ ثُمَّ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ. لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي فَوَاتِ الْأَمْوَالِ وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ أَخَفُّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فِي فَوَاتِ أَرْوَاحِ النَّاسِ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا أُكْرِهَ إنْسَانٌ عَلَى إفْسَادِ دِرْهَمٍ مِنْ دِرْهَمَيْنِ لِرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ تَخَيَّرَ فِي إفْسَادِ أَيِّهِمَا شَاءَ.
(1/96)

الْمِثَالُ الرَّابِعُ: لَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى إتْلَافِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ مِنْ حَيَوَانَيْنِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ قَدَحِ خَمْرٍ مِنْ قَدَحَيْنِ تَخَيَّرَ أَيْضًا.

الْمِثَالُ السَّادِسُ: لَوْ وَجَدَ حَرْبِيِّينَ فِي الْمَخْمَصَةِ فَإِنْ تَسَاوَيَا تَخَيَّرَ فِي أَكْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ، تَفَاوَتَا بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجْنَبِيًّا وَالْآخَرُ أَبًا أَوْ ابْنًا أَوْ أُمًّا أَوْ جَدَّهُ كُرِهَ أَنْ يَأْكُلَ قَرِيبَهُ وَيَدَعَ الْأَجْنَبِيَّ، كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي الْجِهَادِ، وَلَوْ وَجَدَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا مَعَ بَالِغٍ كَافِرٍ أَكَلَ الْكَافِرَ بَعْدَ ذَبْحِهِ وَكَفَّ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِمَا فِي أَكْلِهِمَا مِنْ إضَاعَةِ مَالِيَّتِهِمَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ الْحَقِيقِيَّ أَقْبَحُ مِنْ الْكَافِرِ الْحُكْمِيِّ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ: لَوْ وَجَدَ كَافِرَيْنِ قَوِيَّيْنِ أَيِّدَيْنِ فِي حَالِ الْمُبَارِزَةِ تَخَيَّرَ فِي قَتْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْرَفَ بِمَكَايِدِ الْقِتَالِ وَالْحُرُوبِ، وَأَضَرَّ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ قَتْلَهُ عَلَى قَتْلِ الْآخَرِ لِعِظَمِ مَفْسَدَةِ بَقَائِهِ، بَلْ لَوْ كَانَ ضَعِيفًا وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَكَايِدِ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، قَدَّمَ قَتْلَهُ عَلَى قَتْلِ الْقَوِيِّ، لِمَا فِي إبْقَائِهِ مِنْ عُمُومِ الْمَفْسَدَةِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنُ: لَوْ قَصَدَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوَّانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ مِنْ الْمَغْرِبِ، فَتَعَذَّرَ دَفْعُهُمَا جَمِيعًا، دَفَعْنَا أَضَرَّهُمَا أَوْ أَكْثَرَهُمَا عَدَدًا وَنَجْدَةً وَنِكَايَةً فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّعِيفَةُ أَقْرَبَ إلَيْنَا مِنْ الْقَوِيَّةِ وَنَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَغْشَانَا الْفِئَةُ الْقَوِيَّةُ فَنَبْدَأُ بِهَا، وَلَوْ تَكَافَأَ الْعَدُوَّانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَغَيْرِهِمَا تَخَيَّرْنَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ.
(1/97)

[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ الْمَصَالِحِ مَعَ الْمَفَاسِدِ]
إذَا اجْتَمَعَتْ مَصَالِحُ وَمَفَاسِدُ فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ فَعَلْنَا ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّرْءُ وَالتَّحْصِيلُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ دَرَأْنَا الْمَفْسَدَةَ وَلَا نُبَالِي بِفَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] . حَرَّمَهُمَا لِأَنَّ مَفْسَدَتَهُمَا أَكْبَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا.
أَمَّا مَنْفَعَةُ الْخَمْرِ فَبِالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْمَيْسِرِ فَبِمَا يَأْخُذُهُ الْقَامِرُ مِنْ الْمَقْمُورِ.
وَأَمَّا مَفْسَدَةُ الْخَمْرِ فَبِإِزَالَتِهَا الْعُقُولَ، وَمَا تُحْدِثُهُ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا مَفْسَدَةُ الْقِمَارِ فَبِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ لَا نِسْبَةَ إلَى الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ إلَيْهَا. وَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ حَصَّلْنَا الْمَصْلَحَةَ مَعَ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ، وَإِنْ اسْتَوَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ فَقَدْ يُتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا، وَقَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي تَفَاوُتِ الْمَفَاسِدِ.

فَنَبْدَأُ بِأَمْثِلَةِ الْأَفْعَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مِنْ رُجْحَانِ مَصَالِحِهِمَا عَلَى مَفَاسِدِهِمَا وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهُمَا مَا يُبَاحُ.
وَالثَّانِي: مَا يَجِبُ لِعَظْمِ مَصْلَحَتِهِ، وَالثَّالِثُ مَا يُسْتَحَبُّ لِزِيَادَةِ مَصْلَحَتِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْمُبَاحِ، وَالرَّابِعُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ لَكِنَّهُ جَائِزٌ بِالْحِكَايَةِ وَالْإِكْرَاهِ، إذَا كَانَ قَلْبُ الْمُكْرَهِ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، لِأَنَّ حِفْظَ الْمُهَجِ
(1/98)

وَالْأَرْوَاحِ أَكْمَلُ مَصْلَحَةً مِنْ مَفْسَدَةِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةٍ لَا يَعْتَقِدُهَا الْجَنَانُ، وَلَوْ صَبَرَ عَلَيْهَا لَكَانَ أَفْضَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ اعْتِزَازِ الدِّينِ وَإِجْلَالِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالتَّغْرِيرُ بِالْأَرْوَاحِ فِي إعْزَازِ الدِّينِ جَائِزٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّلَفُّظَ بِهَا.

الْمِثَالُ الثَّانِي: مَا يَكْفُرُ بِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ إذَا فَعَلَهُ بِالْإِكْرَاهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكُفْرِ بِالْجَنَانِ، وَلَا عَلَى جَحْدِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ؛ إذْ لَا اطِّلَاعَ لِلْمُكْرَهِ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْجَنَانُ مِنْ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ وَجَحْدٍ وَعِرْفَانٍ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ مَفْسَدَةٌ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ، أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّ تَحَمُّلَ مَشَقَّةِ الْمَكْرُوهِ، أَوْلَى مِنْ تَحَمُّلِ مَفْسَدَةِ تَفْوِيتِ الْوَاجِبِ. فَإِنْ قِيلَ هَلَّا حَرَّمْتُمْ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَضْرَارِ بِإِفْسَادِ الْأَجْسَادِ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا أَهْلَ الْفَسَادِ؟ قُلْنَا أَسْبَابُ الضَّرَرِ أَقْسَامٌ: - أَحَدُهَا مَا لَا يَخْتَلِفُ مُسَبِّبُهُ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَقَعَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ؛ كَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ وَشُرْبِ السُّمُومِ الْمُذَفَّفَةِ، وَالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ، فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ فِي حَالِ اخْتِيَارٍ وَلَا فِي حَالِ إكْرَاهٍ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ قَتْلُ نَفْسِهِ بِالْإِكْرَاهِ، وَلَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ لَا يُطِيقُهُ لِفَرْطِ أَلَمِهِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ، وَلَوْ وَقَعَ بِرُكْبَانِ السَّفِينَةِ نَارٌ لَا يُرْجَى الْخَلَاصُ مِنْهَا فَعَجَزُوا عَنْ الصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا نَجَاةَ لَهُمْ مِنْ آلَامِهَا إلَّا بِالْإِلْقَاءِ فِي الْمَاءِ الْمُغْرِقِ؛ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ، إذْ اسْتَوَتْ مُدَّتَا الْحَيَاةِ فِي الْإِحْرَاقِ وَالْإِغْرَاقِ، لِأَنَّ إقَامَتَهُمْ فِي النَّارِ سَبَبٌ مُهْلِكٌ لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ إغْرَاقُ أَنْفُسِهِمْ فِي الْمَاءِ لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَى شِدَّةِ الْآلَامِ إذَا تَضَمَّنَ الصَّبْرُ عَلَى شِدَّتِهَا بَقَاءَ الْحَيَاةِ،
(1/99)

وَهَهُنَا لَا يُفِيدُ الصَّبْرُ عَلَى أَلَمِ النَّارِ شَيْئًا مِنْ الْحَيَاةِ فَتَبْقَى مَفْسَدَةً لَا فَائِدَةَ لَهَا.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَغْلِبُ تَرَتُّبُ مُسَبِّبِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ نَادِرًا فَهَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الظَّنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي أَكْبَرِ الْأَحْوَالِ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يَتَرَتَّبُ مُسَبِّبُهُ إلَّا نَادِرًا، فَهَذَا لَا يُحَرَّمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ مِنْ أَذِيَّتِهِ وَهَذَا كَالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فِي الْأَوَانِي الْمَعْدِنِيَّةِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وِجْدَانِ غَيْرِهِ، خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ نَادِرِ ضَرَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ اسْتِعْمَالُهُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ مِنْ شَرِّهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْمَصَالِحِ الْغَالِبَةِ لِوُقُوعِ الْمَفَاسِدِ النَّادِرَةِ، وَمَنْ وَقَفَ الْكَرَاهَةَ عَلَى اسْتِعْمَالٍ فِيهِ عَلَى قَصْدِ اسْتِعْمَالِهِ فَقَدْ غَلِطَ، لِأَنَّ مَا يُؤَثِّرُ بِطَبْعِهِ الَّذِي جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا يَقِفُ تَأْثِيرُهُ عَلَى قَصْدِ الْقَاصِدِينَ؛ فَإِنَّ الْخُبْزَ يُشْبِعُ، وَالْمَاءَ يَرْوِي، والسقمونيا تُسْهِلُ، وَالسُّمُّ يَقْتُلُ، وَالْفَرْوَةُ تُدْفِئُ، وَلَا يَقِفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِ الْقَاصِدِينَ.

الْمِثَالُ الرَّابِعُ: مِنْ أَمْثِلَةِ الْأَفْعَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَعَ رُجْحَانِ مَصَالِحِهَا عَلَى مَفَاسِدِهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْأَحْدَاثِ الثَّلَاثَةِ، مَفْسَدَةٌ يَجِبُ اتِّقَاؤُهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اتِّقَاؤُهَا فَلِلْمُكَلَّفِ حَالَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إبْدَالِهَا بِالتَّيَمُّمِ فَيَجِبُ جَبْرًا لِمَا فَاتَ مِنْ مَصَالِحِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجَزَ عَنْ بَدَلِهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الْحَاصِلَةَ مِنْ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ، أَكْمَلُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ اسْتِصْحَابِ الْأَحْدَاثِ فِي الصَّلَاةِ.
(1/100)

الْمِثَالُ الْخَامِسُ: الصَّلَاةُ مَعَ الْأَنْجَاسِ مَفْسَدَةٌ يَجِبُ اتِّقَاؤُهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ جَلِيسُ الرَّبِّ مُنَاجٍ لَهُ، فَمِنْ إجْلَالِ الرَّبِّ أَلَّا يُنَاجَى إلَّا عَلَى أَشْرَفِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ شَقَّ الِاجْتِنَابُ بِعُذَرٍ غَالِبٍ كَفَضْلَةِ الِاسْتِجْمَارِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَطِينِ الشَّوَارِعِ وَدَمِ الْقُرُوحِ وَالْبَثَرَاتِ جَازَتْ صَلَاتُهُ رِفْقًا بِالْعِبَادِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الِاجْتِنَابُ بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ الطَّهَارَةُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ الْعُظْمَى أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ بِمَثَابَةِ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي الصَّلَاةِ.

الْمِثَالُ السَّادِسُ: الصَّلَاةُ مَعَ تَجَدُّدِ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَشَقَّتْ مِنْ الْآخَرِ كَصَلَاةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَذَرَبُ الْمَعِدَةِ، جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَوْ مِنْ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ: الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِصَلْبٍ أَوْ عَجْزٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَجَبَ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي حُوِّلَ وَجْهُهُ إلَيْهَا لِئَلَّا تَفُوتَ مَقَاصِدُ الصَّلَاةِ وَسَائِرُ شَرَائِطِهَا بِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِهَا لَا نِسْبَةَ لِمَصْلَحَتِهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ مَقَاصِدِهَا، وَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ الْغَازِي مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ سَقَطَ اسْتِقْبَالُهَا وَصَارَ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْمُقَاتِلِ بَدَلًا مِنْ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ.
وَكَذَلِكَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ يَصِيرُ صَوْبَهُ بَدَلًا مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَحْصِيلَ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا، وَلَوْ مَنَعْنَا التَّنَفُّلَ فِي الْأَسْفَارِ لَامْتَنَعَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ التَّنَفُّلِ فِي السَّفَرِ وَلَامْتَنَعَ الْأَبْرَارُ مِنْ الْأَسْفَارِ حِرْصًا عَلَى إقَامَةِ النَّافِلَةِ.
(1/101)

الْمِثَالُ الثَّامِنُ: صَلَاةُ الْعُرْيَانِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ قُبْحِ الْهَيْئَةِ لَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَتِرٌ مِنْ رَبِّهِ، فَمِنْ عَدَمِ السُّتْرَةَ صَلَّى عُرْيَانًا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِئَلَّا تَفُوتَ مَقَاصِدُ الصَّلَاةِ حِفْظًا لِلسُّتْرَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ مِنْ التَّوَابِعِ.

الْمِثَالُ التَّاسِعُ: نَبْشُ الْأَمْوَاتِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِمْ، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ إذَا دُفِنُوا بِغَيْرِ غُسْلٍ أَوْ وُجِّهُوا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ غُسْلِهِمْ وَتَوْجِيهِهِمْ إلَى الْقِبْلَةِ أَعْظَمُ مِنْ تَوْقِيرِهِمْ بِتَرْكِ نَبْشِهِمْ، فَإِنْ جَيَّفُوا وَسَالَ صَدِيدُهُمْ لَمْ يُنْبَشُوا لِإِفْرَاطِ قُبْحِ نَبْشِهِمْ، وَلَوْ ابْتَلَعُوا جَوَاهِرَ مَغْصُوبَةً شُقَّتْ أَجْوَافُهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَوَاهِرُ لِمُسْتَقِلٍّ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَسْتَخْرِجَهَا إلَى أَنْ تَتَجَرَّدَ عِظَامُهُمْ عَنْ لُحُومِهِمْ حِفْظًا لِحُرْمَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَأَمْوَالِ الْمَصَالِحِ وَالْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ اسْتَخْرَجَهَا حِفْظًا عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَصَرْفًا لَهَا فِي جِهَاتِ اسْتِحْقَاقِهَا، وَإِنْ دُفِنُوا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ جَازَ نَقْلُهُمْ، لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْحَيِّ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَالْأَوْلَى بِمَالِكِ الْأَرْضِ أَلَّا يَنْقُلَهُمْ، فَإِنْ أَبَى فَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَهُمْ إلَى أَنْ تَتَجَرَّدَ عِظَامُهُمْ عَنْ لُحُومِهِمْ وَتَتَفَرَّقَ أَوْصَالُهُمْ.
وَكَذَلِكَ شَقُّ جَوْفِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْجَنِينِ الْمَرْجُوِّ حَيَاتُهُ، لِأَنَّ حِفْظَ حَيَاتِهِ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً مِنْ مَفْسَدَةِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ أُمِّهِ، وَإِذَا اخْتَلَطَ قَتْلَى الْكَافِرِينَ بِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ تَغْسِيلُ الْجَمِيعِ وَتَكْفِينُهُمْ وَحَمْلُهُمْ، نَظَرًا لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، بَلْ يُنْوَى الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، فَتَجْهِيزُ الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَتَجْهِيزُ الْكَافِرِينَ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.

الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِلتَّغَذِّيَةِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّ الْحَيَوَانِ
(1/102)

لَكِنَّهُ جَازَ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْحَيَوَانِ.
وَكَذَلِكَ ذَبْحُ مَنْ يُبَاحُ دَمُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْمُصِرِّ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، جَائِزٌ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ، حِفْظًا لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ الْمَعْصُومِ الْوَاجِبَةِ الْحِفْظِ، وَالْإِبْقَاءُ بِإِزَالَةِ حَيَاةٍ وَاجِبَةِ الْإِزَالَةِ وَالْإِفْنَاءِ.

الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَتْلُ الصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ الْمَأْكُولِ بِغَيْرِ الذَّبْحِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهُ جَازَ بِالْحَرَجِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الذَّبْحِ لِمَصْلَحَةِ تَغْذِيَةِ الْأَجْسَادِ.

الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: ذَبْحُ صَيْدِ الْحَرَمِ، أَوْ الصَّيْدُ فِي الْإِحْرَامِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، تَقْدِيمًا لِحُرْمَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ الرَّبِّ.
وَكَذَلِكَ أَكْلُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْهُمْ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ وَمَسِيسِ الْحَاجَاتِ.
وَكَذَلِكَ جَوَازُ أَكْلِ النَّجَاسَاتِ وَالْمَيْتَاتِ مِنْ النَّاسِ وَالْخَنَازِيرِ وَالضِّبَاعِ وَالسِّبَاعِ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ، لِأَنَّ حِفْظَ الْأَرْوَاحِ أَكْمَلُ مَصْلَحَةً مِنْ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَمَيْتَةً وَطَعَامَ أَجْنَبِيٍّ، فَهَلْ يَتَخَيَّرُ، أَوْ يَتَعَيَّنُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ مَالُ الْغَيْرِ، فِيهِ اخْتِلَافٌ، مَأْخَذُهُ أَيُّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَخَفُّ وَأَيُّهَا أَعْظَمُ.

الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْكُ الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ وَحُقُوقِ النَّاسِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِكْرَاهِ؛ فَإِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ أَوْلَى مِمَّا يُتْرَكُ بِالْإِكْرَاهِ، مَعَ أَنَّ تَدَارُكَهُ مُمْكِنٌ، فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَبَيْنَ حِفْظِ الْأَرْوَاحِ.

الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْخَمْرُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِكْرَاهِ لِأَنَّ
(1/103)

حِفْظَ النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ الْعُقُولِ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ، وَلِأَنَّ فَوَاتَ النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ دَائِمٌ، وَزَوَالَ الْعُقُولِ يَرْتَفِعُ عَنْ قَرِيبٍ بِالصَّحْوِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ: شَهَادَةُ الزُّورِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا بِالْقَتْلِ أَوْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ كَقَطْعِ عُضْوٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ يَتَضَمَّنُ قَتْلَ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ أَوْ زِنًا أَوْ لِوَاطًا لَمْ يَجُزْ، لِقُبْحِ الْكَذِبِ وَقُبْحِ التَّسَبُّبِ إلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ جَازَتْ لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِ الشَّاهِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَا أُكْرِهَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ، وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْحُكْمِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ.

الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ: هِجْرَةُ الْمُسْلِمِ مُحَرَّمَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ، لَكِنَّهَا جَازَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْ الْمُحْرَجِ الْغَضْبَانِ.

الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ: الْحَجْرُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْتَقِلِّ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مَنَافِعِ نَفْسِهِ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَلَى النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ مُبَاشَرَتِهِ عَنْهُنَّ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِي وَيَشْتَدُّ خَجَلُهَا مِنْ الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا وَلَا سِيَّمَا الْمُسْتَحِيَاتُ الْخَضِرَاتِ.
وَكَذَلِكَ إجْبَارُ النِّسَاءِ عَلَى النِّكَاحِ مَفْسَدَةٌ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الرِّقَّيْنِ، لَكِنَّهُ جَازَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْأَصَاغِرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْأَكْفَاءِ، إذْ لَا يَتَّفِقُ حُصُولُ الْأَكْفَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ: الْحَجْرُ عَلَى الْمَرْضَى فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَفْسَدَةٌ فِي
(1/104)

حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ، نَظَرًا لِمَصْلَحَةِ الْوَرَثَةِ فِي سَلَامَةِ الثُّلُثَيْنِ لَهُمْ، كَمَا ثَبَتَ تَقْدِيمُ حَقِّهِ فِي الثُّلُثِ عَلَى حُقُوقِهِمْ.

الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْحَجْرُ عَلَى الْمُفْلِسِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِ لَكِنَّهُ ثَبَتَ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْغُرَمَاءِ عَلَى مَفْسَدَةِ الْحَجْرِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ غُرَمَائِهِ عَلَى مَصْلَحَتِهِ فِي الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ إلَى يَوْمِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ بِالْكِسْوَةِ وَالْإِنْفَاقِ وَمَصْلَحَةَ مَنْ يَلْزَمُهُ مَصْلَحَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصَالِحِ غُرَمَائِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ الَّذِي هُوَ مُهِمٌّ فِي الشَّرْعِ وَالطَّبْعِ؟ قُلْنَا: الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ تَوْفِيرُ الْحُقُوقِ لِلْغُرَمَاءِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ تَبَعًا لِذَلِكَ، وَأَمَّا حَجْرُ التَّبْذِيرِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لِرُجْحَانِ مَصْلَحَةِ الْحَجْرِ عَلَى مَفْسَدَةِ الْإِطْلَاقِ، وَالْحَجْرُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا تُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، إذْ لَا يَأْتِي مِنْهُمْ التَّصَرُّفُ.
وَفِي الْحَجْرِ عَلَى الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ ثَابِتٌ لِمَصْلَحَتِهِ، لِأَنَّ إطْلَاقَهُ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ فِي حَقِّهِ لَا تُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ.
وَكَذَلِكَ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ، فَإِنَّهَا مَصْلَحَةٌ لَهُ فِي أُخْرَاهُ لَا تُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي أُخْرَاهُ.

الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ: الْحَجْرُ عَلَى الْعَبِيدِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ مَصْلَحَةٌ فِي حَقِّ السَّادَةِ، لِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ.

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: بَيْعُ الْعَبْدِ فِي جِنَايَتِهِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّ السَّيِّدِ مَصْلَحَةٌ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ خَالَفَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَخِلَافُهُمْ ظَاهِرٌ.
(1/105)

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: وَضْعُ الْيَدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ مَفْسَدَةٌ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ، إلَّا فِي حَقِّ الْحُكَّامِ وَنُوَّابِ الْحُكَّامِ، إذَا غَلِطُوا بِذَلِكَ فِي مَعْرِضِ التَّصَرُّفِ بِالْأَحْكَامِ، أَوْ النِّيَابَةِ عَنْ الْحُكَّامِ. لِأَنَّ التَّغْرِيمَ يَكْثُرُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَيُزَهِّدُهُمْ فِي وِلَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْأَمْوَالِ لِمَصَالِحِ أَرْبَابِهَا.
وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْحُكَّامِ إيَّاهَا لِحِفْظِهَا، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْحُكَّامِ.
وَكَذَلِكَ الْأَمَانَةُ الشَّرْعِيَّةُ، مِثْلَ مَنْ طَيَّرَتْ إلَيْهِ الرِّيحُ ثَوْبًا. وَالِالْتِقَاطُ مَحْبُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالِالْتِقَاطُ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّمَلُّكِ جَائِزٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَالِكِ وَالْمُلْتَقِطِ، وَظَفَرُ الْمُسْتَحَقِّ بِجِنْسِ حَقِّهِ وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَهَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُبَاحَةِ إلَّا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: إتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِ مَضْمُونٌ بِبَذْلِهِ، إلَّا فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَالصِّوَالِ وَالْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِتَالِ

الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْجَهْلِ بِكَوْنِهِ مُسْتَحَقَّ مَفْسَدَةٍ مُوجِبَةٍ لِلضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَلَّادًا، لِمَا فِي تَغْرِيمِهِ مِنْ تَكَرُّرِ الْغُرْمِ الدَّاعِي إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَتْلُ الْمُسْلِمِ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ بِالزِّنَا بِغَيْرِ الْإِحْصَانِ، وَبِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْبَغْيِ وَالصِّيَالِ.

الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: تَقْدِيمُ عَاقِلَةِ الْحَاكِمِ الدِّيَةَ فِيمَا يُخْطِئُ بِهِ الْحَاكِمُ فِي مَعْرِضِ الْأَحْكَامِ، وَمَصَالِحُ الْإِسْلَامِ مَضَرَّةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَتَجِبُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ دُونَ الْعَاقِلَةِ عَلَى قَوْلٍ، لِمَا فِي تَغْرِيمِ عَاقِلَتِهِ مِنْ تَكْرِيرِ تَحْمِيلِ الْعَقْلِ وَكَذَلِكَ مَا يُفْسِدُهُ الْإِمَامُ وَيُفَوِّتُهُ مِنْ الْأَمْوَالِ بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، هَلْ يَغْرَمُهُ أَوْ يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
(1/106)

الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: تَصْحِيحُ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ مَفْسَدَةٌ، لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِيَانَةِ فِي الْوِلَايَةِ، لَكِنَّهَا صَحَّحْنَاهَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ الْفَاسِقِ وَالْحَاكِمِ الْفَاسِقِ؛ لِمَا فِي إبْطَالِ وِلَايَتِهِمَا مِنْ تَفْوِيتِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَنَحْنُ لَا نُنَفِّذُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ إلَّا مَا يُنَفَّذُ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَئِمَّةِ الْمُقْسِطِينَ وَالْحُكَّامِ الْعَادِلِينَ، فَلَا نُبْطِلُ تَصَرُّفَهُ فِي الْمَصَالِحِ لِأَجْلِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَفَاسِدِ، إذْ لَا يُتْرَكُ الْحَقُّ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْبَاطِلِ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ أَنَّا نُصَحِّحُ تَصَرُّفَهُمْ الْمُوَافِقَ لِلْحَقِّ مَعَ عَدَمِ وِلَايَتِهِمْ لِضَرُورَةِ الرَّعِيَّةِ، كَمَا نُصَحِّحُ تَصَرُّفَاتِ إمَامِ الْبُغَاةِ مَعَ عَدَمِ أَمَانَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَالضَّرُورَةُ فِي خُصُوصِ تَصَرُّفَاتِهِ، فَلَا نَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فَإِنَّ وِلَايَتَهُ قَائِمَةٌ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى الْأَئِمَّةِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: تَوَلِّي الْآحَادِ لِمَا يَخْتَصُّ بِالْأَئِمَّةِ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَمْوَالِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ جَائِرًا يَضَعُ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مُسْتَحَقِّهِ، فَيَجُوزُ لِمَنْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مُسْتَحَقِّيهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي لَوْ دُفِعَ إلَى الْإِمَامِ الْجَائِرِ لَضَاعَ، وَلَكَانَ دَفْعُهُ إلَيْهِ إعَانَةً عَلَى الْعِصْيَانِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: نِكَاحُ الْأَحْرَارِ الْإِمَاءَ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الْأَوْلَادِ لِلْإِرْقَاقِ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ خَوْفِ الْعَنَتِ وَفَقْدِ الطَّوْلِ، دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ وُقُوعِ التَّائِقِ فِي الزِّنَا الْمُوجِبِ فِي الدُّنْيَا لِلْعَارِ وَفِي الْآخِرَةِ لِعَذَابِ النَّارِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُحَرَّمُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ نَاجِزَةٍ مُحَقِّقَةٍ لِتَوَقُّعِ مَفْسَدَةٍ مُمْهَلَةٍ؟ قُلْنَا لَمَّا غَلَبَ وُقُوعُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ جَعَلَ الشَّرْعُ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ، فَإِنَّ الْعُلُوقَ غَالِبُ كَثِيرٍ، وَالشَّرْعُ قَدْ يَحْتَاطُ لِمَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ احْتِيَاطُهُ لِمَا تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ.
(1/107)

أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حَصْرُ الْوَرَثَةِ فِيهِ، وَإِنْ أَثْبَتَ نَفْيَ الزَّوْجَاتِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْإِثْبَاتُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ مَنْ سِوَى الْأُصُولِ وَالزَّوْجَاتِ، وَذَلِكَ احْتِيَاطٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ طَلَبَ هَذَا الْأَمِينُ مِنْ التَّرِكَةِ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَهِيَ عَشْرَةُ آلَافٍ، فَهَلْ يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ قَبْلَ الْحَصْرِ أَمْ لَا؟ قُلْنَا نَعَمْ يُدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ إذَا كَانَ عَدَدُ الْوَرَثَةِ لَا يَنْتَهِي إلَى مِثْلِ عَدَدِ التَّرِكَةِ فِي الْعَادَةِ، كَمَا يُدْفَعُ إلَى ذَوِي الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ عَائِلَةً، إذْ مِنْ الْمُحَالِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْتَهِيَ عَدَدُ الْوَرَثَةِ إلَى أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ فَمَا النَّظَرُ بِعَشْرَةِ الْآلَافِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ حُرٌّ مَجْبُوبُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَلْيَجُزْ ذَلِكَ مَعَ أَمْنِ الْعَنَتِ وَوِجْدَانِ الطَّوْلِ إذْ لَا يُتَوَقَّعُ لَهُ وَلَدٌ فَيَرِقُّ؟ قُلْت: إنْ أَلْحَقْنَا بِهِ النَّسَبَ جَازَ كَغَيْرِ الْمَجْبُوبِ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ النَّسَبُ فَاَلَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ ذَلِكَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ.

الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ: تَزَوَّجَ الضَّرَّاتِ بِعَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ مَفْسَدَةٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالزَّوْجَاتِ، لَكِنَّهُ جَازَ أَنْ تَضُرَّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِثَلَاثٍ نَظَرًا لِمَصَالِحِ الرِّجَالِ وَتَحْصِيلًا لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ، فَإِنْ خِيفَ مِنْ الْجَوْرِ عَلَيْهِنَّ اُسْتُحِبَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ، دَفْعًا لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ مَفْسَدَةِ الْجَوْرِ، وَحُرِّمَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ نَظَرًا لِلنِّسَاءِ وَدَفْعًا لِمَظَانِّ جَوْرِ الرِّجَالِ عَلَى الْأَزْوَاجِ، كَمَا جَازَ كَسْرُ الْمَرْأَةِ بِثَلَاثِ طَلْقَاتٍ وَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا نَظَرًا لِمَصَالِحِ النِّسَاءِ وَزَجْرًا لِلرِّجَالِ عَنْ تَكْثِيرِ مَفْسَدَةِ الطَّلَاقِ.
(1/108)

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: التَّقْرِيرُ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ مَفْسَدَةٌ إلَّا فِي تَقْرِيرِ الْكُفَّارِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا أَسْلَمُوا، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، لِأَنَّا لَوْ أَفْسَدْنَاهَا لَزَهِدَ الْكُفَّارُ فِي الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ بُطْلَانِ أَنْكِحَتِهِمْ فَتَقَاعَدُوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ أَوْلَى مِنْ التَّنْفِيرِ مِنْ الْإِسْلَامِ بِإِفْسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ، إذْ لَا مَفْسَدَةَ أَقْبَحُ مِنْ تَفْوِيتِ الْإِسْلَامِ وَالسَّعْيِ فِي تَفْوِيتِهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُمْ بِمَنْ قَتَلُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَغْرَمُونَ مَا أَتْلَفُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُمْ ذَلِكَ لَتَقَاعَدُوا عَنْ الْإِسْلَامِ.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: التَّقْرِيرُ عَلَى الْكُفْرِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ وَفِي تَقْرِيرِ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُقَرَّرُ لِوُجُوبِ إزَالَةِ الْمَفَاسِدِ عَلَى الْفَوْرِ وَالْكُفْرُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
وَالثَّانِي: يُقَرَّرُ نَظَرًا لَهُ كَمَا تَجُوزُ مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى التَّقْرِيرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ وَأَنْكَرِ الْمُنْكَرَاتِ. فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَازَ التَّقْرِيرُ بِالصُّلْحِ عَشْرَ سِنِينَ رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَوَقُّعًا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لِإِسْلَامِ بَعْضِ الْكَافِرِينَ. وَقَدْ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ فَدَخَلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْكُفْرَ أَنْكَرُ الْمُنْكَرَاتِ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَدْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَكَذَلِكَ لَا تُخَلَّى كُلُّ سَنَةٍ مِنْ غَزْوَةٍ، وَوَاجِبُ الْإِمَامِ الْقِتَالُ عَلَى الدَّوَامِ، وَالِاسْتِمْرَارُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ إزَالَةَ الْمَفَاسِدِ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَمَا الظَّنُّ بِإِزَالَةِ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ الْكُفْرُ بِالْمَلِكِ الدَّيَّانِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَرَرْتُمْ الْكَوَافِرَ عَلَى كُفْرِهِنَّ عَلَى الدَّوَامِ؟ قُلْنَا لِأَنَّهُنَّ قَدْ صِرْنَ مَالًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قُرْبِ رُجُوعِهِنَّ إلَى الْإِسْلَامِ.
(1/109)

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وُجُوبُ إجَارَةِ مُسْتَجِيرِ الْكُفَّارِ إلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، لَعَلَّهُ إذَا سَمِعَهُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ وَيَمِيلَ إلَيْهِ.

الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وُجُوبُ إجَارَةِ رُسُلِ الْكُفَّارِ مَعَ كُفْرِهِمْ، لِمَصْلَحَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسَالَةِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: التَّقْرِيرُ بِالْجِزْيَةِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ لِإِيمَانِهِمْ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي يُوَافِقُ أَعْظَمُ أَحْكَامِهَا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فَخَفَّ كُفْرُهُمْ لِإِيمَانِهِمْ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ، بِخِلَافِ مَنْ جَحَدَهَا فَإِنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مُعْظَمِ أَحْكَامِهِ وَكَلَامِهِ، فَكَانَ كُفْرُهُ أَغْلَظَ، بِخِلَافِ مَنْ آمَنَ بِالْأَكْثَرِ وَكَفَرَ بِالْأَقَلِّ، وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ عِوَضًا عَنْ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، إذْ لَيْسَ مِنْ إجْلَالِ الرَّبِّ أَنْ تُؤْخَذَ الْأَعْوَاضُ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى سَبِّهِ وَشَتْمِهِ وَنِسْبَتِهِ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَبْعَدَ، وَإِنَّمَا الْجِزْيَةُ مَأْخُوذَةٌ عِوَضًا عَنْ حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصِيَانَةِ أَمْوَالِهِمْ وَحَرَمِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ، مَعَ الذَّبِّ عَنْهُمْ إنْ كَانُوا فِي دِيَارِنَا، وَلَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ سُكْنَى دَارِ الْإِسْلَامِ إذْ يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ مَعَ تَقْرِيرِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ.
(فَائِدَةٌ) إنْ قِيلَ الْجِزْيَةُ لِلْأَجْنَادِ عَلَى قَوْلٍ وَلِلْمَصَالِحِ عَلَى قَوْلٍ، وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْخِلَافِ مِنْهَا مَعَ ظُهُورِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ أَكَلُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ أَكْثَرَهَا، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْجِزْيَةِ مَا يَكُونُ قِصَاصًا بِبَعْضِ مَا أَخَذُوهُ فَأَكَلُوهُ.

الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: التَّقْرِيرُ عَلَى الْمَعَاصِي كُلِّهَا مَفْسَدَةٌ لَكِنْ يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إنْكَارِهَا بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِهَا
(1/110)

مَعَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ إنْكَارُهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَمَحْثُوثًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُخَاطَرَةَ بِالنُّفُوسِ فِي إعْزَازِ الدِّينِ مَأْمُورٌ بِهَا كَمَا يُعْذَرُ بِهَا فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَقِتَالِ مَانِعِي الْحُقُوقِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهَا مِنْهُمْ إلَّا بِالْقِتَالِ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» . جَعَلَهَا أَفْضَلَ الْجِهَادِ لِأَنَّ قَائِلَهَا قَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ كُلَّ الْجُودِ، بِخِلَافِ مَنْ يُلَاقِي قِرْنَهُ مِنْ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْهَرَهُ وَيَقْتُلَهُ فَلَا يَكُونُ بَذْلُهُ نَفْسَهُ مَعَ تَجْوِيزِ سَلَامَتِهَا، كَبَذْلِ الْمُنْكِرِ نَفْسَهُ مَعَ يَأْسِهِ مِنْ السَّلَامَةِ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: انْهِزَامُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَافِرِينَ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ إذَا زَادَ الْكَافِرُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّقَارُبِ فِي الصِّفَاتِ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَدَفْعًا لِمَفْسَدَةِ غَلَبَةِ الْكَافِرِينَ لِفَرْطِ كَثْرَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ التَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ، وَالتَّحَيُّزُ إلَى فِئَةٍ مُقَاتِلَةٍ بِنِيَّةِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُتَحَيِّزُ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا إدْبَارًا إلَّا أَنَّهُمَا نَوْعٌ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى الْقِتَالِ.

الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: قَتْلُ الْكُفَّارِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَالْأَطْفَالِ مَفْسَدَةٌ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ إذَا تَتَرَّسَ بِهِمْ الْكُفَّارُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُمْ إلَّا بِقَتْلِهِمْ.

الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَتْلُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَفْسَدَةٌ إلَّا إذَا تَتَرَّسَ بِهِمْ الْكُفَّارُ وَخِيفَ مِنْ ذَلِكَ اصْطِلَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ خِلَافٌ، لِأَنَّ قَتْلَ عَشَرَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنْ قَتْلِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

الْمِثَالُ الْأَرْبَعُونَ: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْكُفَّارِ، لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنُّفُوسِ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ
(1/111)

مَصْلَحَةِ إعْزَازِ الدِّينِ بِالنِّكَايَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ النِّكَايَةُ وَجَبَ الِانْهِزَامُ لِمَا فِي الثُّبُوتِ مِنْ فَوَاتِ النُّفُوسِ مَعَ شِفَاءِ صُدُورِ الْكُفَّارِ وَإِرْغَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ صَارَ الثُّبُوتُ هَهُنَا مَفْسَدَةً مَحْضَةً لَيْسَ فِي طَيِّهَا مَصْلَحَةٌ.

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: الْإِرْقَاقُ مَفْسَدَةٌ، وَلَكِنَّهُ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ فَثَبَتَ فِي نِسَاءِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ، زَجْرًا عَنْ الْكُفْرِ وَتَقْدِيمًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ إذْ اخْتَارَ الْإِمَامُ إرْقَاقَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الرِّجَالِ أَمَّا إرْقَاقُ الرِّجَالِ فَمِنْ آثَارِ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا إرْقَاقُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَلَيْسَ عُقُوبَةً لَهُمْ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مُصِيبَةٌ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا، كَمَا يُصَابُونَ بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ مِنْ غَيْرِ إجْرَامٍ.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: قَتْلُ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ بِغَيْرِ عُذْرٍ إذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا بِالْقِتَالِ، دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْحُقُوقِ الَّتِي امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَتْلُ الْمُرْتَدِّ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ جَازَ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْكُفْرِ.

الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: الْكَذِبُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ، فَيَجُوزُ تَارَةً وَيَجِبُ أُخْرَى وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكْذِبَ لِزَوْجَتِهِ لِإِصْلَاحِهَا وَحُسْنِ عِشْرَتِهَا فَيَجُوزُ لِأَنَّ قُبْحَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ يَسِيرُ، فَإِذَا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً تَرْبُو عَلَى قُبْحِهِ أُبِيحَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ تَحْصِيلًا لِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ.
وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِعُمُومِ مَصْلَحَتِهِ.
(1/112)

الثَّانِي: أَنْ يَخْتَبِئَ عِنْدَهُ مَعْصُومٌ مِنْ ظَالِمٍ يُرِيدُ قَطْعَ يَدِهِ فَيَسْأَلُهُ عَنْهُ فَيَقُولُ مَا رَأَيْته فَهَذَا الْكَذِبُ أَفْضَلُ مِنْ الصِّدْقِ، لِوُجُوبِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ الْعُضْوِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الصِّدْقِ الَّذِي لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، فَمَا الظَّنُّ بِالصِّدْقِ الضَّارِّ؟ وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ إذَا اخْتَبَأَ عِنْدَهُ مَعْصُومٌ مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْأَلَ الظَّالِمُ الْقَاصِدُ لِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ الْمُسْتَوْدَعَ عَنْ الْوَدِيعَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَهَا، لِأَنَّ حِفْظَ الْوَدَائِعِ وَاجِبٌ وَإِنْكَارَهَا هَهُنَا حِفْظٌ لَهَا، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا لَضَمِنَهَا وَإِنْكَارُهَا إحْسَانٌ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَخْتَبِئَ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ أَوْ غُلَامٌ يُقْصَدَانِ بِالْفَاحِشَةِ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاصِدُ عَنْهُمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَهُمَا الْخَامِسُ: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الشِّرْكِ الَّذِي هُوَ أَقْبَحُ الْكَذِبِ أَوْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ مَفْسَدَةَ لَفْظِ الشِّرْكِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ، دُونَ مَفْسَدَةِ فَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّ الْكَذِبَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِيهِ وَيُثَابُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَلَى قَدْرِ رُتْبَةِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الْوُجُوبِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَرْوَاحِ، وَلَوْ صَدَقَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لَأَثِمَ إثْمَ الْمُتَسَبِّبِ إلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَتَتَفَاوَتُ الرُّتَبُ لَهُ، ثُمَّ التَّسَبُّبُ إلَى الْمَفَاسِدِ بِتَفَاوُتِ رُتَبِ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِنْ تَرْجِيحِ الْمَصَالِحِ عَلَى الْمَفَاسِدِ: الْغِيبَةُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ إذَا تَضَمَّنَتْ مَصْلَحَةً وَاجِبَةَ التَّحْصِيلِ، أَوْ جَائِزَةَ التَّحْصِيلِ، وَلَهَا أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُشَاوَرَ فِي مُصَاهَرَةِ إنْسَانٍ فَذَكَرَهُ بِمَا يَكْرَهُ كَمَا قَالَ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَمَّا خَطَبَهَا أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ: إنْ أَبَا جَهْمٍ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» فَذَكَرَهُمَا بِمَا يَكْرَهَانِهِ
(1/113)

نُصْحًا لَهَا وَدَفْعًا لِضِيقِ عَيْشِهَا مَعَ مُعَاوِيَةَ وَتَعْرِيضًا لِضَرْبِ أَبِي الْجَهْمِ. فَهَذَا جَائِزٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ وَاجِبٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَدْحُ فِي الرُّوَاةِ وَاجِبٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ إثْبَاتِ الشَّرْعِ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الشَّرْعِ بِهِ، لِمَا عَلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ خَبَرٍ يُجَوِّزُ الشَّرْعُ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إلَيْهِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: جَرْحُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْحُكَّامِ فِيهِ مَفْسَدَةُ هَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ مِنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ أَعَمُّ وَأَعْظَمُ، فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ ذَنْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْرَحَهُ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.

الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: النَّمِيمَةُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ أَوْ مَأْمُورٌ بِهَا إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَصْلَحَةٍ لِلْمَنْمُومِ إلَيْهِ، مِثَالُهُ: إذَا نَقَلَ إلَى مُسْلِمٍ أَنَّ فُلَانًا عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا، أَوْ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، أَوْ عَلَى التَّعَرُّضِ لِأَهْلِهِ فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ تَوَسُّلٌ إلَى دَفْعِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ عَنْ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ أَضْدَادِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] الْآيَةُ.
وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُنَافِقِينَ.
(1/114)

الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: هَتْكُ الْأَعْرَاضِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزَّانِي بِالزِّنَا لِإِقَامَةِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ لِإِقَامَةِ الْقِصَاصِ، وَعَلَى الْقَاذِفِ بِالْقَذْفِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ لِلْمَقْذُوفِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ لِتَغْرِيمِ الْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ.
وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى السُّرَّاقِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ بِمَا صَنَعُوهُ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، لِإِقَامَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ؛ فَهَذَا كُلُّهُ صِدْقٌ مُضِرٌّ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَاتِكٌ لِسِتْرِهِ، لَكِنَّهُ جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ إقَامَةِ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْغَرَامَاتِ الْمَالِيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ صِدْقٌ مُضِرٌّ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ نَافِعٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِمَا يَضُرُّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَيَنْفَعُ الْمَحْكُومَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُكَّامِ عَلَى إقَامَةِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَكَذَلِكَ تَوْلِيَةُ الْوُلَاةِ الَّذِينَ يَضُرُّونَ قَوْمًا وَيَنْفَعُونَ آخَرِينَ. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُؤَخِّرَك حَتَّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ وَيَضُرَّ بِك آخَرِينَ» .

الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: كَشْفُ الْعَوْرَاتِ وَالنَّظَرُ إلَيْهَا مَفْسَدَتَانِ مُحَرَّمَتَانِ عَلَى النَّاظِرِ وَالْمَنْظُورِ إلَيْهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ الْأَسْتَارِ، وَيَجُوزَانِ لِمَا يَتَضَمَّنَانِهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْخِتَانِ أَوْ الْمُدَاوَاةِ أَوْ الشَّهَادَاتِ عَلَى الْعُيُوبِ أَوْ النَّظَرِ إلَى فَرْجِ الزَّانِيَيْنِ، لِإِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، إنْ كَانَ النَّاظِرُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ بِالزِّنَا وَكَمُلَ الْعَدَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ.

الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: الرَّمْيُ بِالزِّنَا مَفْسَدَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ، الْإِيلَامِ بِتَحَمُّلِ الْعَارِ، لَكِنَّهُ يُبَاحُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَيَجِبُ فِي بَعْضِهَا، لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ.
(1/115)

أَحَدُهَا: قَذْفُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ إذَا تَحَقَّقَ زِنَاهَا شِفَاءً لِصَدْرِهِ لِمَا أَدْخَلَتْهُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ فِرَاشِهِ وَإِرْغَامِ غَيْرَتِهِ.
الثَّانِي: وُجُوبُ قَذْفِهَا إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْذِفَهَا لِنَفْيِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ نَفْيَهُ لَخَالَطَ بَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَجَمِيعَ مَحَارِمِهِ، وَوَرِثَهُ وَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَتَوَلَّى أَنْكِحَةَ بَنَاتِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنَّسَبِ، فَيَلْزَمُهُ نَفْيُهُ دَرْءًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَتَحْصِيلًا لِأَضْدَادِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ، وَلَوْ أَتَتْ بِهِ خُفْيَةً بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ لَمْ يَجِبْ نَفْيُهُ، وَالْأَوْلَى بِهِ السِّتْرُ وَالْكَفُّ عَنْ الْقَذْفِ.
الثَّالِثُ: جَرْحُ الشَّاهِدِ وَالرَّاوِي بِالزِّنَا، وَهُوَ وَاجِبٌ دَفْعًا عَنْ الْمَشْهُودِ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.

[فَائِدَةٌ إذَا قَذَفَ امْرَأَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ]
(فَائِدَةٌ) إذَا قَذَفَ امْرَأَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ إلَيْهَا لِيُعْلِمَهَا بِقَذْفِهِ، نُصْحًا لَهَا حَتَّى تَعْفُوَ أَوْ تَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا، وَهَذَا ضَارٌّ بِالْقَاذِفِ نَافِعٌ لِلْمَقْذُوفِ، وَفِي وُجُوبِهِ اخْتِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» لَمْ يَكُنْ هَذَا حِرْصًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجْمِهَا وَإِنَّمَا كَانَ إعْلَامًا بِمَا يُمْكِنُ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّهَا بِسَبَبِ هَتْكِ عِرْضِهَا.

الْمِثَالُ الْخَمْسُونَ: مِنْ أَمْثِلَةِ الْأَفْعَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَعَ رُجْحَانِ مَصَالِحِهَا عَلَى مَفَاسِدِهَا، قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ إفْسَادٌ لَهَا، لَكِنَّهُ زَاجِرٌ حَافِظٌ لِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ، فَقُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ حِفْظِ الْأَمْوَالِ عَلَى مَفْسَدَةِ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ.
(1/116)

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: قَطْعُ أَعْضَاءِ الْجَانِي حِفْظًا لِأَعْضَاءِ النَّاسِ.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: جَرْحُ الْجَانِي حِفْظًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ الْجِرَاحِ

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: قَتْلُ الْجَانِي مَفْسَدَةٌ بِتَفْوِيتِ حَيَاتِهِ لَكِنَّهُ جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ حَيَاةِ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .

الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: التَّمْثِيلُ بِالْجُنَاةِ إذَا مَثَّلُوا بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ مَصْلَحَةٌ زَاجِرَةٌ عَنْ التَّمْثِيلِ فِي الْجِنَايَةِ.

الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: حَدُّ الْقَاذِفِ صِيَانَةٌ لِلْأَعْرَاضِ.

الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: جَلْدُ الزَّانِي وَنَفْيُهُ حِفْظًا لِلْفُرُوجِ وَالْأَنْسَابِ وَدَفْعًا لِلْعَارِ.

الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: الرَّجْمُ فِي حَقِّ الزَّانِي الثَّيِّبِ مُبَالَغَةٌ فِي حِفْظِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: حَدُّ الشُّرْبِ حِفْظًا لِلْعُقُولِ عَنْ الطَّيْشِ وَالِاخْتِلَالِ.

الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: حُدُودُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْأَمْوَالِ.

الْمِثَالُ السِّتُّونَ: دَفْعُ الصَّوْلِ - وَلَوْ بِالْقَتْلِ - عَنْ النُّفُوسِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ.
(1/117)

الْمِثَالُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: التَّعْزِيرَاتُ دَفْعًا لِمَفَاسِدِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ وَهِيَ إمَّا حِفْظًا لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِحُقُوقِ عِبَادِهِ، أَوْ لِلْحَقَّيْنِ جَمِيعًا.

الْمِثَالُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: الْحَبْسُ وَهُوَ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّ الْمَحْبُوسِ، لَكِنَّهُ جَازَ لِمَصَالِحَ تُرَجَّحُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا حَبْسُ الْجَانِي عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُسْتَحِقِّ حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقِصَاصِ، وَمِنْهَا حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ إلْجَاءً إلَيْهِ وَحَمْلًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا حَبْسُ التَّعْزِيرِ رَدْعًا عَنْ الْمَعَاصِي، وَمِنْهَا حَبْسُ كُلِّ مُمْتَنِعٍ مِنْ تَصَرُّفٍ وَاجِبٍ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ: كَحَبْسِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِ إحْدَاهُمَا، وَالْمُقِرُّ بِأَحَدِ عَيْنَيْنِ وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِهَا دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْمُبْطِلِ بِالْحَقِّ، وَمِنْهَا حَبْسُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ فَإِنْ قِيلَ: إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ وَمَعَ عَجْزِكُمْ عَنْ دَفْعِهِ إلَى خَصْمِهِ، فَإِنَّكُمْ تُخَلِّدُونَ عَلَيْهِ الْحَبْسَ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ. وَالتَّخْلِيدُ هُنَا فِي الْحَبْسِ عَذَابٌ كَبِيرٌ عَلَى جُرْمٍ صَغِيرٍ؟ قُلْنَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا عَاقَبْنَا بِعَذَابٍ صَغِيرٍ عَلَى جُرْمٍ صَغِيرٍ، فَإِنَّهُ عَاصٍ فِي كُلِّ سَاعَةٍ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ، فَتُقَابَلُ كُلُّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ امْتِنَاعِهِ بِسَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ حَبْسِهِ، وَلِلْحَاكِمِ زَجْرُهُ وَتَعْزِيرُهُ إذَا لَمْ يَنْجَعْ الْحَبْسُ فِيهِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّاتٍ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
فَإِنْ قِيلَ؛ وَإِذَا شَهِدَ مَسْتُورَانِ ظَاهِرُهُمَا الْعَدَالَةُ فَلِمَ تَحْبِسُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُزَكِّيَا، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ لِمَ يَحُولُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ؟ قُلْنَا لِأَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ
(1/118)

مِنْ شَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَصْلِ بَرَاءَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ تَحْبِسُونَ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ بِالْحَقِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغِنَى؟ قُلْنَا لَهُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنْ نَعْرِفَ لَهُ مَالًا بِمِقْدَارِ الْحَقِّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَنَحْبِسُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ ذَلِكَ، وَقَدْ انْتَسَخَ فِكْرَةَ الْقَدِيمِ بِالْغِنَى الَّذِي عَهِدْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَكَانَ ضَعِيفًا عَنْ الْكَسْبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْفِقُ مِمَّا عَهِدْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ تَسْتَوْعِبُ نَفَقَتَهَا الْغِنَى الَّذِي عَهِدْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْبَسَ لِمُضَارَعَةِ هَذَا الظَّاهِرِ لِاسْتِمْرَارِ غِنَاهُ؟ قُلْنَا جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ مُشْكِلٌ جِدًّا وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ حَلَّهُ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ ظَاهِرٌ فِيمَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْغِنَى دُونَ مَنْ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ تَسْتَوْعِبُ نَفَقَتُهَا أَضْعَافَ غِنَاهُ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اكْتِسَابِ غَيْرِ مَا فِي يَدِهِ، وَلَيْسَ تَقْدِيرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ كَسْبِهِ بِأَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُعْرَفُ لَهُ غِنًى وَلَا فَقْرٌ وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: لَا يُحْبَسُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَقْرُهُ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ فُقَرَاءَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا.
وَالثَّانِي: نَحْبِسُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَا فَوْقَ كِفَايَتِهِمْ، وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ، وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا إذَا كَانَ الْحَقُّ كَثِيرًا عَزِيزًا كَالْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ، إذْ لَيْسَتْ الْغَلَبَةُ مُتَحَقِّقَةً فِي الْغِنَى الْمُتَّسَعِ فَكَيْفَ نَحْبِسُ الْغَرِيمَ عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ وَلَيْسَ الْغَالِبُ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ عَشْرَةَ آلَافٍ وَلَا ضَابِطَ لِمِقْدَارِ الْغَالِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ
(1/119)

يُخَلَّدُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ فِي الْحَبْسِ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ الِانْفِصَالُ مِنْهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إذَا أَدَّى قَدْرًا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْغَلَبَةِ وَجَبَ إطْلَاقُهُ، وَهَذَا قَرِيبُ الْمَذْهَبِ.
الثَّالِثُ: إنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ بِاخْتِيَارِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّ الْفُقَرَاءَ يَلْتَزِمُونَ الْأُجُورَ وَالْمُهُورَ وَالْأَثْمَانَ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْهَا. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ أَحْوَالِ مُدَّعِي الْإِعْسَارَ أَنْ يُعْهَدَ لَهُ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ مِقْدَارِ الْحَقِّ الَّذِي لَزِمَهُ فَيُحْبَسُ عَلَيْهِ وَفِي حَبْسِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَالِ الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ نَزْرًا يَسِيرًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُطْلَقُ الْأَصْلُ.
وَالثَّانِي: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ مَا لَزِمَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا يَجِيءُ
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ إذْ لَا غَلَبَةَ.
الْحَالُ الرَّابِعَةُ إنْ ثَبَتَ عُسْرُهُ فَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ حَتَّى يَثْبُتَ يَسَارُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ عُسْرَتِهِ، وَأَنَّهُ إنْ اكْتَسَبَ شَيْئًا صَرَفَهُ فِي نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. فَإِنْ قِيلَ: تُخَلِّدُونَ مَجْهُولَ الْحَالِ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ يَمُوتَ؟ قُلْنَا الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ عَدْلَيْنِ يَسْأَلَانِ عَنْ أَمْرِهِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمَا فَقْرُهُ شَهِدَا بِذَلِكَ وَوَجَبَ إطْلَاقُهُ؛ إذْ لَا يَلِيقُ بِالشَّرِيعَةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ أَنْ يُخَلَّدَ الْمُسْلِمُ فِي الْحَبْسِ بِظَنٍّ ضَعِيفٍ، وَإِنَّمَا يُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ مَنْ ظَهَرَ عِنَادُهُ وَإِصْرَارُهُ عَلَى الْبَاطِلِ إلَى أَنْ يَفِيءَ إلَى الْحَقِّ.
وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ عَلَى الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ يَمُوتَ؛ حِفْظًا لِحَقِّ
(1/120)

مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصَ إلَى أَنْ يَقْدُمَ الْغَائِبُ أَوْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، إذْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِحَبْسِهِ الَّذِي هُوَ أَخَفُّ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِ يَدِهِ.

الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: مِنْ أَمْثِلَةِ الْأَفْعَالِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَعَ رُجْحَانِ مَصَالِحِهَا عَلَى مَفَاسِدِهَا: قِتَالُ الْبُغَاةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْبَغْيِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسُهَا أَوْ الْمُتَسَبِّبُ إلَيْهَا عَاصِيًا.
وَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ وَالْمَنْهِيُّ عَاصِيَيْنِ، بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُلَابِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ، وَالْآخَرُ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ التَّحْصِيلِ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا أَمْرُ الْجَاهِلِ بِمَعْرُوفٍ لَا يَعْرِفُ إيجَابَهُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: نَهْيُهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ، مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِمْ فِي بَغْيِهِمْ لِتَأْوِيلِهِمْ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الصَّبِيُّ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ فَهَلْ يَجُوزُ ضَرْبُهُ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ تَأْدِيبِهِ؟ قُلْنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ الَّذِي لَا يُبَرِّحُ مَفْسَدَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى مَصْلَحَةِ التَّأْدِيبِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّأْدِيبُ سَقَطَ الضَّرْبُ الْخَفِيفُ، كَمَا يَسْقُطُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُعَزَّرُ الْبَالِغُ لَا يَرْتَدِعُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إلَّا بِتَعْزِيرٍ مُبَرِّحٍ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالصَّبِيِّ؟ قُلْنَا: لَا يَلْحَقُ بِهِ بَلْ نُعَزِّرُهُ تَعْزِيرًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَنَحْبِسُهُ
(1/121)

مُدَّةً يُرْجَى فِيهَا صَلَاحُهُ.
وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعْنَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ فِي التَّعْزِيرِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَرْدَعُ الْمُعَزَّرَ فَانْضَمَّ إلَيْهِ الْحَبْسُ مُدَّةً يُرْجَى فِي مِثْلِهَا حُصُولُ الِارْتِدَاعِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: قَتْلُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ، وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُمْ إلَّا بِقَتْلِهِمْ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: حُدَّ الْحَنَفِيُّ عَلَى شُرْبِ النَّبِيذِ، مَعَ الْجَزْمِ بِعَدَالَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ، دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ شُرْبِ الْمُسْكِرِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حَدَدْتُمْ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ، كَمَا حَدَدْتُمْ الْحَنَفِيَّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِي حِلِّ شُرْبِهِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنَا لَا تَتَحَقَّقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ، وَيُلْحِقُ النَّسَبَ، وَيُثْبِتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْأَنْسَابَ، وَلَا يُوجِبُ مَهْرًا وَلَا عِدَّةً، وَالْمَفْسَدَةُ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ مِثْلُهَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
الْمِثَالُ السَّابِعُ: إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي الْقِصَاصِ، ثُمَّ عَفَا وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ، أَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، وَأَرَادَ الِاقْتِصَاصَ، فَلِلْفَاسِقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْقَتْلِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.
الْمِثَالُ الثَّامِنُ: إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي بَيْعِ جَارِيَتِهِ فَبَاعَهَا، فَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ وَطْأَهَا ظَنًّا أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَبِعْهَا، فَأَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهَا وَلَوْ بِالْقَتْلِ، مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْوَطْءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنْ زَانِيًا وَلَا آثِمًا.
الْمِثَالُ التَّاسِعُ: ضَرْبُ الْبَهَائِمِ فِي التَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّرَاسِ وَالْجِمَاحِ وَكَذَلِكَ ضَرْبُهَا حَمْلًا عَلَى الْإِسْرَاعِ لِمَسِّ الْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالْقِتَالِ.
(1/122)

وَأَمَّا مَا رَجَحَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ فَكَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ حِفْظًا لِلرُّوحِ إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ بِقَطْعِهَا.
وَأَمَّا مَا تَكَافَأَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ، فَقَدْ يُتَخَيَّرُ فِيهِ وَقَدْ يُمْتَنَعُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا كَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْخَوْفِ فِي قَطْعِهَا وَإِبْقَائِهَا، وَكُلُّ شَيْءٍ يُمَثَّلُ بِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
(فَائِدَةٌ فِي تَنْوِيعِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ) حُدُودُ الشَّرْعِ: قَتْلٌ، وَجَلْدٌ، وَتَغْرِيبٌ وَرَجْمٌ، وَقَطْعُ أَعْضَاءٍ، وَأَيْدٍ وَأَرْجُلٍ، وَجَرْحٌ، وَصَلْبٌ وَتَعْزِيرٌ بِضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَوْبِيخٍ، أَوْ جَمْعٍ بَيْنَ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الصَّلَاحِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْوَسَائِلِ إلَى الْمَصَالِحِ]
ِ يَخْتَلِفُ أَجْرُ وَسَائِلِ الطَّاعَاتِ بِاخْتِلَافِ فَضَائِلِ الْمَقَاصِدِ وَمَصَالِحِهَا، فَالْوَسِيلَةُ إلَى الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْوَسَائِلِ، فَالتَّوَسُّلُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ، وَالتَّوَسُّلُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ إلَى مَعْرِفَةِ آيَاتِهِ، وَالتَّوَسُّلُ بِالسَّعْيِ إلَى الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَاتِ، وَالتَّوَسُّلُ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ بِالسَّعْيِ إلَى الْجَمَاعَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَالتَّوَسُّلُ بِالسَّعْيِ إلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ بِالسَّعْيِ إلَى الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَاتُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ، وَكُلَّمَا قَوِيَتْ الْوَسِيلَةُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْمَصْلَحَةِ، كَانَ أَجْرُهَا أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِ مَا نَقَصَ عَنْهَا، فَتَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ مِنْ أَفْضَلِ الْوَسَائِلِ، لِأَدَائِهِ إلَى جَلْبِ كُلِّ صَلَاحٍ دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ، وَإِلَى دَرْءِ كُلِّ فَاسِدٍ زَجَرَتْ عَنْهُ الرُّسُلُ، وَالْإِنْذَارُ وَسِيلَةٌ إلَى دَرْءِ مَفَاسِدِ
(1/123)

الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ، وَالتَّبْشِيرُ وَسِيلَةٌ إلَى جَلْبِ مَصَالِحِ الطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ.
وَكَذَلِكَ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ، رُتْبَتُهُ فِي الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رُتْبَةِ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي بَابِ الْمَصَالِحِ، فَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ أَفْضَلُ أَنْوَاعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَمْرِ بِالنَّوَافِلِ، وَالْأَمْرُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ مِنْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» ؛ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرِ بِمَعْرُوفَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمَرَ بِأَفْضَلِهِمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ أَعْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ عَلَى أَدْنَاهُمَا، مِثَالُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرِ بِمَعْرُوفَيْنِ فَمَا زَادَ، أَنْ يَرَى جَمَاعَةً قَدْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَقُولُ لَهُمْ بِكَلِمَةِ صَلُّوا أَوْ قُومُوا إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ أَمْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُ مَا يَجِبُ تَعْلِيمُهُ، وَتَفْهِيمُ مَا يَجِبُ تَفْهِيمُهُ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ رُتَبِهِ وَهَذَانِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: وَسِيلَةٌ إلَى مَا هُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، كَتَعْرِيفِ التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ الْإِلَهِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ وَالتَّوَسُّلُ إلَيْهِ مِنْ أَفْضَلِ الْوَسَائِلِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى وَسِيلَةٍ كَتَعْلِيمِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى إقَامِهِ الطَّاعَاتِ، الَّتِي هِيَ وَسَائِلُ إلَى الْمَثُوبَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ.
وَيَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التَّوَسُّلِ إلَى الْجِهَادِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] .
(1/124)

وَإِنَّمَا أُثِيبُوا عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَلَيْسَا مِنْ فِعْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا إلَيْهِمَا بِسَفَرِهِمْ وَسَعْيِهِمْ. وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَالتَّأَهُّبُ لِلْجِهَادِ بِالسَّفَرِ إلَيْهِ، وَإِعْدَادِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ، وَسِيلَةٌ إلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْجِهَادِ، فَالْمَقْصُودُ مَا شُرِعَ الْجِهَادُ لِأَجْلِهِ، وَالْجِهَادُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَأَسْبَابُ الْجِهَادِ كُلُّهَا وَسَائِلُ إلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى مَقَاصِدِهِ، فَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ مِنْ بَابِ وَسَائِلِ الْوَسَائِلِ. وَيَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التَّوَسُّلِ إلَى الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ رَاحَ إلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فُرُوضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُوَاتُهُ إحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» .
وَتَتَفَاوَتُ الْحَسَنَاتُ الْمَكْتُوبَةُ وَالسَّيِّئَاتُ الْمَحْطُوطَةُ، بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَمْشِي إلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] .
وَتَتَفَاوَتُ رُتَبُ تِلْكَ الْأَعْشَارِ بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الْحَسَنَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِبُدْرَةٍ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، لَا نِسْبَةَ لِشَرَفِ حَسَنَاتِ التَّمْرَةِ إلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ الْوِلَايَاتُ تَخْتَلِفُ رُتَبُهَا بِاخْتِلَافِ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَتَدْرَؤُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ، فَالْوِلَايَةُ الْعُظْمَى أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ وِلَايَةٍ، لِعُمُومِ جَلْبِهَا الْمَنَافِعَ، وَدَرْئِهَا الْمَفَاسِدَ، وَتَلِيهَا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ سَائِرِ الْوِلَايَاتِ، وَالْوِلَايَةُ عَلَى الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى الْحَجِّ، لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجِهَادِ أَكْمَلُ مِنْ فَضِيلَةِ الْحَجِّ، وَتَخْتَلِفُ رُتَبُ الْوِلَايَاتِ بِخُصُوصِ مَنَافِعِهَا وَعُمُومِهَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَلَا شَكَّ بِأَنَّ الْوَسَائِلَ تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ فَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَاتُ وَالْجَمَاعَاتُ أَوْ الْغَزَوَاتُ سَقَطَ عَنْهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْوُجُوبَ مِنْ وُجُوبِهِنَّ.
وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ وَسَائِلُ الْمَنْدُوبَاتِ بِسُقُوطِهِنَّ لِأَنَّهَا اسْتَفَادَتْ النَّدْبَ مِنْهُنَّ، فَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ مَكْتُوبَتَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُمَا، فَيَقْضِي
(1/125)

إحْدَاهُمَا: لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ، وَيَقْضِي.
الثَّانِيَةَ: فَإِنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَإِنْ ذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْمَفْرُوضَةُ سَقَطَ وُجُوبُهَا بِسُقُوطِ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، وَهَلْ تَبْطُلُ أَوْ تَبْقَى نَفْلًا؟ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى صَلَاةً مَخْصُوصَةً فَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ فَهَلْ تَبْطُلُ أَوْ تَبْقَى نَفْلًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الْأُولَى أَنَّهَا فَرْضُهُ اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا وَسَقَطَتْ الثَّانِيَةُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ فَرْضَهُ الثَّانِيَةُ سَقَطَ وُجُوبُ الْأُولَى وَفِي بَقَائِهَا نَفْلًا خِلَافٌ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّتْ النِّيَّةُ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ؟ قُلْنَا: صَحَّتْ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّتِهِ فَصَحَّتْ لِذَلِكَ نِيَّتُهُ، لِظَنِّهِ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مُعَيَّنَةٌ فَشَكَّ فِي أَدَائِهَا، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ مَعَ شَكِّهِ، لِاسْتِنَادِ نِيَّتِهِ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي سُقُوطِ الْوَسَائِلِ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ، أَنَّ النَّاسِكَ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ مَأْمُورٌ بِإِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، مَعَ أَنَّ إمْرَارَ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَسِيلَةٌ إلَى إزَالَةِ الشَّعْرِ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِمْرَارَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ لَا لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً، كَانَ هَذَا مِنْ قَاعِدَةِ مَنْ أُمِرَ بِأَمْرَيْنِ فَقَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَعَجَزَ عَنْ الْآخَرِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ وَسَائِلِ الْمَفَاسِدِ]
يَخْتَلِفُ وَزْنُ وَسَائِلِ الْمُخَالَفَاتِ بِاخْتِلَافِ رَذَائِلِ الْمَقَاصِدِ وَمَفَاسِدِهَا، فَالْوَسِيلَةُ إلَى أَرْذَلِ الْمَقَاصِدِ أَرْذَلُ مِنْ سَائِرِ الْوَسَائِلِ، فَالتَّوَسُّلُ إلَى الْجَهْلِ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، أَرْذَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ إلَى الْجَهْلِ بِأَحْكَامِهِ، وَالتَّوَسُّلُ إلَى الْقَتْلِ أَرْذَلُ مِنْ التَّوَسُّلِ إلَى الزِّنَا، وَالتَّوَسُّلُ إلَى الزِّنَا أَقْبَحُ مِنْ التَّوَسُّلِ إلَى أَكْلٍ بِالْبَاطِلِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْقَتْلِ بِالْإِمْسَاكِ أَقْبَحُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ،
(1/126)

وَكَذَلِكَ مُنَاوَلَةُ آلَةِ الْقَتْلِ أَقْبَحُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مُحَرَّمٌ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الزِّنَا، وَالْخَلْوَةُ بِهَا أَقْبَحُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا، وَعِنَاقُهَا فِي الْخَلْوَةِ أَقْبَحُ مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا بِغَيْرِ حَائِلٍ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِقُوَّةِ أَدَائِهِ إلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالتَّحْرِيمِ.
وَهَكَذَا تَخْتَلِفُ رُتَبُ الْوَسَائِلِ بِاخْتِلَافِ قُوَّةِ أَدَائِهَا إلَى الْمَفَاسِدِ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ تَشْتَدُّ بِالْعِنَاقِ بِحَيْثُ لَا تُطَاقُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّظَرُ، وَالتَّفْسِيرُ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِقُوَّةِ أَدَائِهِ إلَى الزِّنَا، وَكُلَّمَا قَوِيَتْ الْوَسِيلَةُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْمَفْسَدَةِ كَانَ إثْمُهَا أَعْظَمَ مِنْ إثْمِ مَا نَقَصَ عَنْهَا، وَالْبَيْعُ الشَّاغِلُ عَنْ الْجُمُعَةِ حَرَامٌ لَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ، بَلْ لِكَوْنِهِ شَاغِلًا عَنْ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ رُتِّبَتْ مَصْلَحَةُ التَّصَرُّفِ وَالطَّاعَاتِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْجُمُعَةِ، قُدِّمَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ عَلَى الْجُمُعَةِ. لِفَضْلِ مَصْلَحَتِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، فَيُقَدَّمُ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ، وَإِطْفَاءُ الْحَرِيقِ، عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الدَّفْعُ عَنْ النُّفُوسِ وَالْأَبْضَاعِ عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ بَيْنَ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الْخَفِيفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ.
وَلَوْ تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إلَى الْجُمُعَةِ تَصَرُّفًا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ لَمْ يُحَرَّمْ ذَلِكَ، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَسِيلَةٌ إلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ ذَلِكَ الْمُنْكَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَرُتْبَتُهُ فِي الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رُتْبَةِ دَرْءِ مَفْسَدَةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي بَابِ الْمَفَاسِدِ، ثُمَّ تَتَرَتَّبُ رُتَبُهُ عَلَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى أَصْغَرِ الصَّغَائِرِ، فَالنَّهْيُ عَنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَهْيٍ فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ دَرْءِ أَعْظَمِ الْفِعْلَيْنِ مَفْسَدَةٌ وَدَرْءُ أَدْنَاهُمَا مَفْسَدَةُ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَ رِدْءِ الْمَفَاسِدِ، مِثْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْ
(1/127)

مُنْكَرَيْنِ مُتَفَاوِتَيْنِ أَوْ مُتَسَاوِيَيْنِ فَمَا زَادَ، بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. مِثَالُ الْمُتَفَاوِتَيْنِ أَنْ يَرَى إنْسَانًا يَقْتُلُ رَجُلًا وَآخَرَ يَسْلُبُ مَالَ إنْسَانٍ، فَيَقُولُ لَهُمَا كُفَّا عَمَّا تَصْنَعَانِ. وَمِثَالُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَنْ يَرَى اثْنَيْنِ قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى قَتْلِ إنْسَانٍ أَوْ سَلْبِ مَالِهِ فَيَقُولُ لَهُمَا كُفَّا عَنْ قَتْلِهِ أَوْ سَلْبِهِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ لِلْجَمَاعَةِ كُفُّوا عَمَّا تَصْنَعُونَ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْمُنْكَرَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ أَحَدِهِمَا دَفَعَ الْأَفْسَدَ فَالْأَفْسَدَ، وَالْأَرْذَلَ فَالْأَرْذَلَ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ، مِثْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْغَازِي مِنْ قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِسَهْمٍ وَمِنْ قَتْلِ عَشْرَةٍ بِرَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ تَنْفُذُ فِي جَمِيعِهِمْ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ رَمْيَ الْعَشَرَةِ عَلَى رَمْيِ الْوَاحِدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ بَطَلًا عَظِيمَ النِّكَايَةِ فِي الْإِسْلَامِ، حَسَنَ التَّدْبِيرِ فِي الْحُرُوبِ: فَيَبْدَأُ بِرَمْيِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ بَقَائِهِ، لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ بَقَاءِ الْعَشَرَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ فُوَّهَةَ نَهْرٍ عَلَى أَلْفٍ مِنْ الْكُفَّارِ لَا نَجَاةَ لَهُمْ مِنْهَا وَقَدَرَ عَلَى قَتْلِ مِائَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ آلَاتِ الْقِتَالِ لَكَانَ فَتْحُ فُوَّهَةِ النَّهْرِ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ الْمِائَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ كَانَ فَتْحُ الْفُوَّهَةِ أَخَفَّ مِنْ قَتْلِ الْمِائَةِ بِالسِّلَاحِ.
وَكَذَلِكَ تَتَفَاوَتُ كَرَاهَةُ الْمُنْكَرِ بِالْقُلُوبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إنْكَارِهِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ بِتَفَاوُتِ رُتَبِهِ، فَتَكُونُ كَرَاهَةُ الْأَقْبَحِ أَعْظَمَ مِنْ كَرَاهَةِ مَا دُونَهُ.
فَإِنْ عَلِمَ الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ أَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ لَا يُجْدِيَانِ وَلَا يُفِيدَانِ شَيْئًا، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، سَقَطَ الْوُجُوبُ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ وَيَبْقَى الِاسْتِحْبَابُ، وَالْوَسَائِلُ تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِيهِ الْأَنْصَابُ وَالْأَوْثَانُ وَلَمْ يَكُنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّمَا رَآهُ.
وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُلَّمَا رَأَى الْمُشْرِكِينَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ لَا يُنْكِرُونَ عَلَى الْفَسَقَةِ وَالظَّلَمَةِ فُسُوقَهُمْ وَظُلْمَهُمْ وَفُجُورَهُمْ، كُلَّمَا رَأَوْهُمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُجْدِي إنْكَارُهُمْ.
(1/128)

وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْفَسَقَةِ مَنْ إذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَيَزْدَادُ فُسُوقًا إلَى فُسُوقِهِ، وَفُجُورًا إلَى فُجُورِهِ، فَمَنْ أَتَى شَيْئًا مُخْتَلِفًا فِي تَحْرِيمِهِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ لِانْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَحْلِيلَهُ لَمْ يَجُزْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْمُحَلِّلِ ضَعِيفًا تُنْقَضُ الْأَحْكَامُ بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ، إذْ لَا يُنْقَضُ إلَّا لِكَوْنِهِ بَاطِلًا، وَذَلِكَ كَمَنْ يَطَأُ جَارِيَةً بِالْإِبَاحَةِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ تَحْرِيمًا وَلَا تَحْلِيلًا أُرْشِدَ إلَى اجْتِنَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبِيخٍ وَلَا إنْكَارٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وَسَائِلَ الْمَكْرُوهِ مَكْرُوهَةٌ، وَالْمَنْدُوبِ مَنْدُوبَةٌ، وَالْمُبَاحِ مُبَاحَةٌ.
وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْمَظَالِمِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ رُتَبِهَا فِي الْمَفَاسِدِ فَالْوِلَايَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَقْبَحُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى الضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمُكُوسِ وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ، وَتَضْمِينِ الْخُمُورِ وَالْأَبْضَاعِ، وَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ عَلَى إثْمٍ وَعُدْوَانٍ وَفُسُوقٍ وَعِصْيَانٍ، وَقَدْ تَجُوزُ الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى مَصْلَحَةٍ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا مَا يُبْذَلُ فِي افْتِكَاكِ الْأَسَارَى فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَى آخِذِيهِ مُبَاحٌ لِبَاذِلِيهِ وَمِنْهَا أَنْ يُرِيدَ الظَّالِمُ قَتْلَ إنْسَانٍ مُصَادَرَةً عَلَى مَالِهِ وَيَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ مَالِهِ فِكَاكًا لِنَفْسِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يُكْرِهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَا وَلَا يَتْرُكُهَا إلَّا بِافْتِدَاءٍ بِمَالِهَا أَوْ بِمَالِ غَيْرِهَا فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ عِنْدَ إمْكَانِهِ. وَلَيْسَ هَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ مُعَاوَنَةً عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَإِنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ عَلَى دَرْءِ الْمَفَاسِدِ فَكَانَتْ الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ فِيهَا تَبَعًا لَا مَقْصُودًا.
(1/129)

[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْآثَارِ بِاخْتِلَافِ الْمَفَاسِدِ]
يَخْتَلِفُ إثْمُ الْمَفَاسِدِ بِاخْتِلَافِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَبِاخْتِلَافِ مَا تُفَوِّتُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ، فَيَخْتَلِفُ الْإِثْمُ فِي قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَإِزَالَةِ مَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ بِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ، فَلَيْسَ إثْمُ مَنْ قَطَعَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرُ مِنْ الرِّجْلِ كَإِثْمِ مَنْ قَطَعَ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ مِنْ الْيَدِ، لِمَا فَوَّتَهُ مِنْ مَنَافِعِهَا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَسَوَاءٌ قَطَعَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْإِثْمُ فِي قَطْعِ الْأُذُنِ كَالْإِثْمِ فِي قَطْعِ اللِّسَانِ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ مَنَافِعِ اللِّسَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ مَنْ قَتَلَ فَاسِقًا ظَالِمًا مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ بِمَثَابَةِ مَنْ قَتَلَ إمَامًا عَدْلًا، أَوْ حَاكِمًا مُقْسِطًا، أَوْ وَلِيًّا مُنْصِفًا، لِمَا فَوَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ. وَعَلَى هَذَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْله تَعَالَى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] لَمَّا عَمَّتْ الْمَفْسَدَةُ فِي قَتْلِ نَفْسٍ جَعَلَ إثْمَهَا كَإِثْمِ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لِمَا فَوَّتَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مَصَالِحَ وَلَمَّا عَمَّتْ الْمَفْسَدَةُ فِي إنْقَاذِ وُلَاةِ الْعَدْلِ وَالْإِقْسَاطِ وَالْإِنْصَافِ مِنْ الْمَهَالِكِ، جَعَلَ أَجْرَ مُنْقِذِهَا كَأَجْرِ مُنْقِذِ النَّاسِ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ جَمِيعًا لِعُمُومِ مَا سَعَى فِيهِ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَعْضَاءِ نَفْسِهِ يَتَفَاوَتُ إثْمُهَا بِتَفَاوُتِ مَنَافِعِ مَا جَنَى عَلَيْهِ، وَبِتَفَاوُتِ مَا فَوَّتَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ عَدْلِهِ وَإِقْسَاطِهِ وَبِرِّهِ وَإِنْصَافِهِ وَنُصْرَتِهِ لِلدِّينِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُتْلِفَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلَيْسَ قَطْعُ الْعَالِمِ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ الْمُفْتِي أَوْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِسَانَ نَفْسِهِ كَقَطْعِ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِلِسَانِهِ.
وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْبَطَلِ الشَّدِيدِ النِّكَايَةِ فِي الْجِهَادِ يَدَ نَفْسِهِ أَوْ رِجْلَ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ قَطْعِ الضَّعِيفِ
(1/130)

الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْجِهَادِ يَدَ نَفْسِهِ أَوْ رِجْلَ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسَاوِي الْأَعْضَاءِ فِي الْأَبْدَالِ تَسَاوِي تَفْوِيتِهَا فِي الْآثَامِ.
وَكَذَلِكَ فَقْءُ الْعَيْنَيْنِ أَشَدُّ إثْمًا مِنْ صَلْمِ الْأُذُنَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ الرِّجْلَيْنِ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ قَطْعِ أَصَابِعِهِمَا، وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ قَطْعِ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ مِنْهُمَا. وَالْمَدَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ عَلَى رُتَبِ تَفْوِيتِ الْمَصَالِحِ وَتَحْقِيقِ الْمَفَاسِدِ. فَكُلُّ عُضْوٍ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ أَتَمَّ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ أَعْظَمَ وِزْرًا، فَلَيْسَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَقْلِ وَاللِّسَانِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْخَنَاصِرِ وَالْآذَانِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُؤْجَرُ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ]
ِ وَتَخْتَلِفُ الْأُجُورُ بِاخْتِلَافِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ؛ فَإِذَا تَحَقَّقَتْ الْأَسْبَابُ وَالشَّرَائِطُ وَالْأَرْكَانُ فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي الظَّاهِرِ مَا يُوَافِقُ الْبَاطِنَ مِنْ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ وَالشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ، فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّرْعِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَذَبَ الظَّنُّ بِأَنْ ثَبَتَ فِي الظَّاهِرِ مَا يُخَالِفُ الْبَاطِنَ، أُثِيبَ الْمُكَلَّفُ عَلَى قَصْدِ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ، وَلَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ وَلَا ثَوَابَ عَلَى الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ وَلَا ثَوَابَ عَلَى الْمَفَاسِدِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ وَالْمَسَاكِنِ الْمَرَاكِبِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِحِلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ صَدَقَ ظَنُّهُ فَغَلَبَ حَصَلَتْ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَذَبَ ظَنُّهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُ مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ تَلِفَ عِنْدَهُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي مَا يُنْفِقُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي الْقُرُبَاتِ: كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَالصَّدَقَاتِ وَعِمَارَةِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَجَمِيعِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِحِلِّ شَيْءٍ مِنْ
(1/131)

ذَلِكَ، فَإِنْ وَافَقَ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ أُثِيبَ مُتَعَاطِيهِ عَلَى قَصْدِهِ وَفِعْلِهِ، لِأَنَّهُ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَعَمِلَهَا، فَكُتِبَ لَهُ بِذَلِكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِسَبَبِ مَا حَصَّلَهُ مِنْ مَصَالِحِ تِلْكَ الْقُرُبَاتِ. وَإِنْ اخْتَلَفَ ظَنُّهُ فِي ذَلِكَ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ وَنِيَّتِهِ دُونَ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ عِقَابٌ إذْ لَا يَتَقَرَّبُ إلَى الرَّبِّ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» : أَيْ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً وَلَا وَسِيلَةً إلَيْك؛ إذْ لَا يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ إلَّا بِأَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ وَالْخُيُورِ، وَلَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ، بِخِلَافِ ظَلَمَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالشُّرُورِ، كَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَظُلْمِهِمْ الْعِبَادَ، وَإِفْشَاءِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الْعِنَادِ، وَتَخْرِيبِ الْبِلَادِ، وَلَا يُتَقَرَّبُ إلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ إلَّا بِالْحَقِّ وَالرَّشَادِ، فَإِنْ قِيلَ: الْجِهَادُ إفْسَادٌ، وَتَفْوِيتُ النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْأَمْوَالِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ؟ قُلْنَا: لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إفْسَادًا، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الصَّلَاحِ، كَمَا أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ وَسِيلَةٌ إلَى حِفْظِ الْأَرْوَاحِ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إفْسَادًا لِلْيَدِ.
وَكَذَلِكَ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ وَشُرْبُ الْأَدْوِيَةِ الْمُرَّةِ الْبَشِعَةِ، وَكَذَلِكَ مَا يَتَحَمَّلُهُ النَّاسُ مِنْ الْمَشَاقِّ الَّتِي هِيَ وَسَائِلُ الْمَصَالِحِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْضِيَ الْمُكَلَّفُ دَيْنَهُ بِمَالٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، أَوْ يُنْفِقُهُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجِهِ وَأَقَارِبِهِ وَرَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ، وَذَلِكَ الْمَالُ فِي الْبَاطِنِ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، فَيُثَابُ عَلَى قَصْدِهِ وَنِيَّتِهِ، وَلَا يُثَابُ عَلَى إنْفَاقِهِ، لِأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْمَفَاسِدِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ إذَا اعْتَكَفَ الْمُكَلَّفُ فِي مَكَانِ يَظُنُّهُ مَسْجِدًا، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا فِي الْبَاطِنِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ وَاعْتِكَافِهِ، لِأَنَّهُ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَعَمِلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا فِي الْبَاطِنِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ اعْتِكَافِهِ، لِأَنَّ اعْتِكَافَهُ إفْسَادٌ لِمَنَافِعَ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَتَلْزَمُهُ أُجْرَتُهَا.
(1/132)

الْمِثَالُ الْخَامِسُ أَنْ يَقْتُلَ الْحَاكِمُ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، أَوْ يَرْجُمَهُ أَوْ يَحُدَّهُ، أَوْ يُسَلِّمَ الْمَرْأَةَ إلَى مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَوْجُهَا، فَإِنْ كَذَبَ الظَّنُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى قَصْدِهِ، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى مَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ، وَحَدِّ نَفْسٍ بَرِيئَةٍ مَظْلُومَةٍ أَوْ رَجْمِهَا، وَتَسْلِيمِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ إلَى مَنْ يَزْنِي بِهَا، وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْمَفَاسِدِ أَقْصَى غَايَاتِهَا أَنْ يُعْفَى عَنْهَا، أَمَّا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَلَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَاعَدَهُ وَعَاوَنَهُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ. وَإِنْ صَدَقَ ظَنُّهُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ، فَيُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ وَفِعْلِهِ، لِأَنَّهُ هَمَّ بِحَسَنَاتٍ وَعَمِلَهَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَاعَدَهُ وَعَاوَنَهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَنُهِينَا عَنْ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَلَوْ عَلِمَ الشَّاهِدُ وَالْحَاكِمُ وَمُبَاشِرُ الْقَتْلِ وَالرَّجْمِ أَنَّ الْقَتِيلَ مَظْلُومٌ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ أَجْنَبِيَّةٌ، كَانَ إثْمُ الْمُبَاشِرِ أَعْظَمَ مِنْ إثْمِ الْحَاكِمِ إذَا لَمْ يُخْبِرْ الْحَاكِمَ، وَإِثْمُ الْحَاكِمِ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قَدْ حَقَّقَ الْمَفَاسِدَ، وَالْحَاكِمُ سَبَبٌ لِمُبَاشَرَتِهِ، وَالشَّاهِدُ سَبَبٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَلَّى الْمُكَلَّفُ صَلَاةً مُعْتَقِدًا لِاجْتِمَاعِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ صَلَّى مُحْدِثًا، أَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّ إمَامَهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَلَّى عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَبْطُلُ جَمِيعُ مَا بَاشَرَهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا وَخُضُوعِهَا وَخُشُوعِهَا أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِحَّةُ الطَّهَارَةِ وَلَا الْوَقْتِ، كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَالدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَمُلَاحَظَةِ مَعَانِي الْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالْمَهَابَةِ وَالْإِجْلَالِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ صَحِيحٌ يُثَابُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ
(1/133)

الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا مَا يَقِفُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خَطَأٌ مُحَرَّمٌ لَوْ شَعَرَ بِهِ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْجُنُبِ فَفِي الثَّوَابِ عَلَيْهَا نَظَرٌ مَأْخَذُهُ النَّظَرُ فِي تَعَذُّرِ الْجِهَةِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ، فَهَذِهِ كَانَ بِمَثَابَتِهِ؟ قُلْنَا: لَا يُثَابُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى خَطَئِهِ وَإِنَّمَا ثَوَابُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَصْدِهِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا، وَإِذْ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى قَصْدِهِ وَأَجْرٌ عَلَى إصَابَتِهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إذَا وَافَقَ الظَّاهِرُ الْبَاطِنَ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ فَعَلَ الْمُكَلَّفُ مَا هُوَ مَفْسَدَةٌ فِي ظَنِّهِ وَاعْتِقَادِهِ، وَلَيْسَ بِمَفْسَدَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَهَلْ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عِقَابَ مَنْ عَصَى اللَّهَ بِتَحْقِيقِ الْمَفْسَدَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَلَّا يُعَاقَبَ إلَّا عَلَى جُرْأَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ دُونَ تَحْقِيقِهِ الْمَفْسَدَةَ، لِأَنَّ الْأَوْزَارَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِغَرِ الْمَفَاسِدِ وَكِبَرِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْمَفَاسِدَ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، إذْ لَا تَعْظِيمَ فِيهَا لِلرَّبِّ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهَا لِعِبَادِهِ، بَلْ هِيَ ضَارَّةٌ لِلْعِبَادِ كَمَا ذَكَرْنَاهَا فِي رَجْمِ مَنْ لَا يَجُوزُ رَجْمُهُ، وَقَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَأَخْذِ مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ، وَتَسْلِيمِ مَنْ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ؛ كَتَسْلِيمِ الْجَارِيَةِ وَالزَّوْجَةِ بِمَا بُعِثَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ عَلَى خِلَافِ الْبَاطِنِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مِنْ الْأَفْعَالِ]
ِ لَا يُثَابُ الْإِنْسَانُ وَلَا يُعَاقَبُ إلَّا عَلَى كَسْبِهِ وَإِكْسَابِهِ. وَلَا يَكُونُ إلَّا بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16] ، وَقَالَ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] ، أَيْ لَيْسَ لَهُ إلَّا
(1/134)

جَزَاءُ سَعْيِهِ، وَقَالَ: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ بِالتَّكَالِيفِ تَعْظِيمُ الْإِلَهِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِفَاعِلِيهِ، إذْ لَا يَكُونُ مُعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ مُنْتَهِكًا لَهَا بِانْتِهَاكِ غَيْرِهِ، وَلَا مُنْتَهِكُ الْمُحَرَّمَاتِ مُعَظِّمًا لَهَا بِتَعْظِيمِ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، وَلَا فِي الطَّاعَاتِ الْبَدَنِيَّاتِ، إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ الطَّاعَاتِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَاتِ رَحْمَةً لِلْعَاجِزِينَ بِتَحْصِيلِ ثَوَابِ هَذِهِ الْقُرُبَاتِ، وَلِلنَّائِبِينَ عَنْهُمْ بِالتَّسَبُّبِ إلَى إنَالَةِ ثَوَابِ هَذِهِ الطَّاعَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» ، وَمَعْنَاهُ انْقَطَعَ أَجْرُ عَمَلِهِ أَوْ ثَوَابُ عَمَلِهِ فَهَذَا عَلَى وَفْقِ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مِنْ كَسْبِهِ فَجُعِلَ لَهُ ثَوَابُ التَّسَبُّبِ إلَى تَعْلِيمِ هَذَا الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ تُحْمَلُ عَلَى الْوَقْفِ وَعَلَى الْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِ دَارِهِ وَثِمَارِ بُسْتَانِهِ عَلَى الدَّوَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ، لِتَسَبُّبِهِ إلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ التَّسَبُّبِ، وَلَيْسَ الدُّعَاءُ مَخْصُوصًا بِالْوَلَدِ، بَلْ الدُّعَاءُ شَفَاعَةٌ جَائِزَةٌ مِنْ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَلَيْسَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنْ هَذِهِ، لِأَنَّ ثَوَابَ الدُّعَاءِ لِلدَّاعِي وَالْمَدْعُوُّ بِهِ حَاصِلٌ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ، فَإِنْ طَلَبَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ كَانَتْ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ مَخْصُوصَيْنِ بِالْمَدْعُوِّ لَهُ، وَثَوَابُ الدُّعَاءِ لِلدَّاعِي، كَمَا لَوْ شَفَعَ إنْسَانٌ لِفَقِيرٍ فِي كِسْوَةٍ أَوْ فِي الْعَفْوِ عَنْ زَلَّةٍ، كَانَتْ لِلشَّافِعِ ثَوَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْعَفْوِ وَالْكِسْوَةِ، وَكَانَتْ مَصْلَحَةُ الْعَفْوِ وَالْكِسْوَةِ لِلْفَقِيرِ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ الْمُصَابَ مَأْجُورٌ عَلَى مُصِيبَتِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ صَرِيحٌ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا تَسَبُّبٍ، فَمَنْ قُتِلَ وَلَدُهُ أَوْ غُصِبَ مَالُهُ أَوْ أُصِيبَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصَائِبُ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا تَسَبُّبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهَا، بَلْ إنْ صَبَرَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُ الصَّابِرِينَ وَإِنْ
(1/135)

رَضِيَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُ الرَّاضِينَ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى نَفْسِ الْمُصِيبَةِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16] ، كَيْفَ وَالْمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ عُقُوبَاتٌ عَلَى الذُّنُوبِ، وَالْعُقُوبَةُ لَيْسَتْ ثَوَابًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا دُونَهَا إلَّا قُصَّ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ حَتَّى الْهَمِّ يَهُمُّهُ وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» .
فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» ، عَلَى تَقْدِيرِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ صَبْرِهِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] . هَذَا فِي الْمَصَائِبِ الَّتِي لَا تَسَبُّبَ لَهُ إلَيْهَا.
وَأَمَّا مَا تَسَبَّبَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ السَّيِّئَاتِ كُتِبَ عَلَيْهِ وَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَنْ جَرَحَ إنْسَانًا فَسَرَى الْجِرَاحُ إلَى نَفْسِهِ كَانَ وِزْرُ الْقَتْلِ وَقِصَاصُهُ وَدِيَتُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إنْسَانٍ حَجَرًا ثُمَّ مَاتَ الْمُلْقِي قَبْلَ وُصُولِ الْحَجَرِ عَلَى الْمُلْقَى عَلَيْهِ فَهَلَكَ بِذَلِكَ الْحَجَرِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُلْقِي، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ إثْمَ الْقَاتِلِينَ الْعَامِدِينَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِ الْقَتْلِ وَقَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ التَّكْلِيفِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَتْلُ مُسَبَّبًا عَنْ إلْقَائِهِ، قُدِّرَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ إلْقَائِهِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَسَبَّبُ إلَيْهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ أُجِرَ عَلَيْهِ وَمِثَالُهُ: التَّسَبُّبُ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجِرَاحِ أَوْ الرَّمْيِ كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا فِي كَافِرٍ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ بَعْدَ مَوْتِ الرَّامِي فَقَتَلَهُ كَانَ لَهُ سَلْبُهُ وَأَجْرُ قَتْلِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ بِسَبَبِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَهَذَا مُتَسَبِّبٌ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ الْكَفَرَةَ أَوْ الْفَجَرَةَ، وَلَا يُثَابُ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَيْهِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
وَكَذَلِكَ تَسَبُّبُ الْغَازِي إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ لِحُضُورِهِ الْمَعْرَكَةَ.
(1/136)

فَإِنْ قِيلَ: الْقَتْلُ مَعْصِيَةٌ مِنْ الْقَاتِلِ الْكَافِرِ، فَكَيْفَ يَتَمَنَّى الْإِنْسَانُ الشَّهَادَةَ مَعَ أَنَّ تَسَبُّبَهَا مَعْصِيَةٌ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَا يَتَمَنَّى الْقَتْلَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَتْلٌ وَإِنَّمَا تَمَنَّى أَنْ يَثْبُتَ فِي الْقِتَالِ، فَإِنْ أَتَى الْقَتْلُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ ثَوَابُهُ عَلَى تَعَرُّضِهِ لِلْقَتْلِ لَا عَلَى نَفْسِ الْقَتْلِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ، وَعَلَى هَذَا يُجْعَلُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} [آل عمران: 143] ، أَيْ تَمَنَّوْنَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْا أَسْبَابَهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَمَنَّى الْإِنْسَانُ الْقَتْلَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِنِيلِ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ قَتْلًا وَمَعْصِيَةً، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِك، وَمَوْتًا فِي بَلَدِ رَسُولِك.
وَأَمَّا قَتْلُ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنَّهُ خَطَأٌ مِنْ الْبُغَاةِ، وَلَا يُثَابُ الْمَقْطُوعُ عَلَى خَطَأِ غَيْرِهِ، وَكَذَا الثَّوَابُ عَلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْبَغْيِ بِالْقِتَالِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ الصِّفَاتِ وَمَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ]
ِ كُلُّ صِفَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لَا كَسْبَ لِلْمَرْءِ فِيهَا، كَحُسْنِ الصُّوَرِ، وَاعْتِدَالِ الْقَامَاتِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ، وَالشَّجَاعَةِ وَالْجُودِ، وَالْحَيَاءِ وَالْغَيْرَةِ، وَالنَّخْوَةِ وَشِدَّةِ الْبَطْشِ، وَنُفُوذِ الْحَوَاسِّ، وَوُفُورِ الْعُقُولِ، فَهَذَا لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ مَعَ فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَسْبٍ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ، وَإِنَّمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى ثَمَرَاتِهِ الْمُكْتَسَبَةِ، فَمَنْ أَجَابَ هَذِهِ الصِّفَاتِ إلَى مَا دَعَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ كَانَ مُثَابًا عَلَى إجَابَتِهِ جَامِعًا لِصِفَتَيْنِ حَسْنَاوَيْنِ إحْدَاهُمَا: جِبِلِّيَّةٌ، وَالْأُخْرَى كَسْبِيَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ إلَى ذَلِكَ كَانَ وَصْفُهُ حَسَنًا وَفِعْلُهُ قَبِيحًا، وَأَمَّا مَا يَصْدُرُ عَنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنْ آثَارِهَا الْمُكْتَسَبَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ فَلَا ثَوَابَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قَصَدَ بِهَا الرِّيَاءَ وَالتَّسْمِيعَ أَثِمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ قَصَدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى أُجِرَ وَفَازَ بِخَيْرِ الدَّارَيْنِ وَمَدْحِهِمَا.
(1/137)

[فَصْلٌ فِيمَا يُعَاقَبُ مِنْ قُبْحِ الصِّفَاتِ وَمَا لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ]
ِ كُلُّ صِفَةٍ قَبِيحَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لَا كَسْبَ لِلْإِنْسَانِ فِيهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهَا وَلَا وِزْرَ، كَقُبْحِ الصُّورَةِ، وَدَمَامَةِ الْخَلْقِ، وَشَنَاعَةِ الْأَعْضَاءِ، وَنَقْصِ الْعُقُولِ وَالْحَوَاسِّ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ كَالْقِحَةِ وَالْجُبْنِ وَالشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَالْمَيْلِ إلَى كُلِّ رَذِيلَةٍ، وَالنُّفُورِ عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَالْقَسْوَةِ وَالْعَجَلَةِ فِيمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ غَيَّهُ مِنْ رُشْدِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْقِبَاحِ. فَمَنْ أَجَابَ هَذِهِ الصِّفَاتِ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى قُبْحِ إجَابَتِهِ، لَا عَلَى قُبْحِ أَوْصَافِهِ، وَمَنْ خَالَفَهَا وَوَافَقَ الشَّرْعَ فِي قَهْرِهَا وَالْعَمَلِ بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا كَانَ مُثَابًا عَلَى مُخَالَفَتِهِ غَيْرَ مُعَاقَبٍ عَلَى قُبْحِ صِفَاتِهِ، هَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى عَمَلِهِ وَعَلَى مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرِّيَاءَ أَوْ التَّسْمِيعَ أَثِمَ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّجَمُّلَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ، فَلَا أَجْرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ، وَلَا وِزْرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ، وَقَدْ جَوَّزَ الشَّرْعُ التَّجَمُّلَ وَالتَّزَيُّنَ بِقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النحل: 6] وَقَوْلُهُ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] . وَلَا أَعْرِفُ فِي الْوُجُودِ شَيْئًا أَكْثَرَ تَقَلُّبًا فِي الْأَوْصَافِ وَالْأَحْوَالِ مِنْ الْقُلُوبِ، لِكَثْرَةِ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ الْخَوَاطِرِ وَالْقُصُورِ، وَالْكَرَاهَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالْأَفْرَاحِ وَالْأَحْزَانِ، وَالِانْقِبَاضِ وَالِانْبِسَاطِ، وَالِارْتِفَاعِ وَالِانْحِطَاطِ، وَالظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ، وَالشُّكُوكِ وَالْعِرْفَانِ، وَالنُّفُورِ وَالْإِقْبَالِ، وَالْمَسْأَلَةِ وَالْمَلَالِ، وَالْخُسْرَانِ وَالنَّدَمِ، وَاسْتِقْبَاحِ الْحَسَنِ وَاسْتِحْسَانِ الْقَبِيحِ، وَلِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» ، وَكَانَتْ
(1/138)

يَمِينُهُ «لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» ، وَسُمِّيَ الْقَلْبُ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ، وَلَا عِقَابَ عَلَى الْخَوَاطِرِ، وَلَا عَلَى حَدِيثِ النَّفْسِ لِغَلَبَتِهَا عَلَى النَّاسِ، وَلَا عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ إلَى الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، إذْ لَا تَكْلِيفَ بِمَا يَشُقُّ اجْتِنَابُهُ مَشَقَّةً فَادِحَةً، وَلَا بِمَا يُطَاقُ فِعْلُهُ وَلَا تَرْكُهُ. وَمَبْدَأُ التَّكْلِيفِ الْعُزُومُ وَالْقُصُودُ، فَالْعَزْمُ عَلَى الْحَسَنَاتِ حَسَنٌ، وَعَلَى السَّيِّئَاتِ قَبِيحٌ، وَعَلَى الْمُبَاحِ مَأْذُونٌ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُلُومِ]
ِ كُلُّ الْعُلُومِ شَرِيفَةٌ، وَتَخْتَلِفُ رُتَبُ شَرَفِهَا بِاخْتِلَافِ رُتَبِ مُتَعَلِّقَاتِهَا، فَمَا تَعَلَّقَ بِالْإِلَهِ وَأَوْصَافِهِ كَانَ أَشْرَفَ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ شَرِيفٍ. وَالْعُلُومُ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا الضَّرُورِيَّاتُ وَلَا ثَوَابَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِ الْعَالِمِ بِهَا.
الثَّانِي النَّظَرِيَّاتُ، وَيُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِالتَّسَبُّبِ إلَيْهَا.
الثَّالِثُ عُلُومٌ يُمْنَحُهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِأَنْ يَخْلُقَهَا اللَّهُ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا نَظَرٍ وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَشْرَفُ مِنْ الْآخَرِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَلَهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ وَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى الْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ عَنْهُ، فَإِنْ حَدَثَ عَنْهَا أَمْرٌ مُكْتَسَبٌ كَانَ الثَّوَابُ عَلَيْهِ دُونَهَا وَكَفَى بِهِ شَرَفًا فِي نَفْسِهِ وَهِيَ كَالْمَحَامِدِ الَّتِي يَلْتَمِسُهَا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَ يَدَيْ شَفَاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، فَكَمْ مِنْ شَرَفٍ عَظِيمٍ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ
(1/139)

الثَّوَابِ فَإِنَّ النَّظَرَ إلَى اللَّهِ أَشْرَفُ مِنْ كُلِّ شَرِيفٍ وَأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ رُوحَانِيٍّ أَوْ جُثْمَانِيٍّ، وَقَدْ جُعِلَ زِيَادَةً عَلَى الْأُجُورِ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَابَل بِهِ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ أَوْ حَالٌ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَكَذَلِكَ رِضْوَانُ اللَّهِ مِنْ أَفْضَلِ مَا أُعْطِيَتْهُ وَلَا ثَوَابَ عَلَيْهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: عُلُومٌ إلْهَامِيَّةٌ، يَكْشِفُ بِهَا عَمَّا فِي الْقُلُوبِ، فَيَرَى أَحَدُهُمْ بِعَيْنَيْهِ مِنْ الْغَائِبَاتِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِسَمَاعِ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ شَمُّهُ وَمَسُّهُ وَلَمْسُهُ وَكَذَلِكَ يُدْرِكُ بِقَلْبِهِ عُلُومًا مُتَعَلِّقَةً بِالْأَكْوَانِ، وَقَدْ رَأَى إبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْمَلَائِكَةَ وَالشَّيَاطِينَ وَالْبِلَادَ النَّائِيَةَ، بَلْ يَنْظُرُ إلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى السَّمَوَاتِ وَأَفْلَاكَهَا وَكَوَاكِبَهَا وَشَمْسَهَا وَقَمَرَهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ وَيَقْرَأُ مَا فِيهِ.
وَكَذَلِكَ يَسْمَعُ أَحَدُهُمْ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ وَأَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجَانِّ، وَيَفْهَمُ أَحَدُهُمْ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَعَزَّهُمْ وَأَدْنَاهُمْ، وَأَذَلَّ آخَرِينَ وَأَقْصَاهُمْ، وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ الْعَالِمُ وَالْحَاكِمُ وَمَا لَا يُثَابَانِ عَلَيْهِ]
إنْ قِيلَ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يُثَابُ الْعَالِمُ وَالْحَاكِمُ؟ قُلْنَا: إنْ تَعَلَّمَا الْعِلْمَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ أَثِمَا مَا لَمْ يَتُوبَا، فَإِنْ أَفْتَى أَحَدُهُمَا وَحَكَمَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ كَانَا مَأْثُومَيْنِ أَيْضًا لِرِيَائِهِمَا، فَإِنْ أَفْتَى أَحَدُهُمَا وَحَكَمَ الْآخَرُ مُخْلِصَيْنِ لِلَّهِ أُثِيبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا فَعَلَهُ خَالِصًا لِلَّهِ، وَإِنْ تَعَلَّمَا مُخْلِصَيْنِ لِلَّهِ أُجِرَا عَلَى تَعَلُّمِهِمَا، فَإِنْ عَزَمَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِمَا أَمَرَا بِهِ فِي الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ أُثِيبَا عَلَى عَزْمِهِمَا، فَإِنْ أَمْضَيَا مَا عَزَمَا عَلَيْهِ، أُثِيبَا عَلَى عَزْمِهِمَا وَفِعْلِهِمَا، وَإِنْ رَجَعَا عَمَّا عَزَمَا عَلَيْهِ، أُثِيبَا
(1/140)

عَلَى عَزْمِهِمَا وَأَثِمَا بِرُجُوعِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْإِفَادَةُ وَالتَّدْرِيسُ وَعِلْمُ الْحَدِيثِ، وَكُلُّ عِلْمٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ الْمُتَنَاظِرَانِ وَمَا لَا يُثَابَانِ عَلَيْهِ]
إنْ قِيلَ: هَلْ يُثَابُ الْمُتَنَاظِرَانِ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ أَمْ لَا؟ قُلْنَا إنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمُنَاظَرَتِهِ إرْشَادَ خَصْمِهِ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ فَهُمَا مَأْجُورَانِ عَلَى قَصْدِهِمَا وَتَنَاظُرِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مُتَسَبِّبَانِ إلَى إظْهَارِ الْحَقِّ، وَإِنْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَظْهَرَ عَلَى خَصْمِهِ وَيَغْلِبَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَقُّ مَعَهُ أَوْ مَعَ خَصْمِهِ فَهُمَا آثِمَانِ، وَإِنْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا الْإِرْشَادَ وَقَصَدَ الْآخَرُ الْعِنَادَ، أُجِرَ قَاصِدُ الْإِرْشَادِ، وَأَثِمَ قَاصِدُ الْعِنَادِ. ثُمَّ إنْ قَصَدَا أَوْ أَحَدُهُمَا الْعِنَادَ وَأَظْهَرَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ خَصْمِهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى عِنَادِهِ أَثِمَ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُهُ بِالْأَجْرِ إنْ قَصَدَ وَجْهَ اللَّهِ، وَإِنْ قَطَعَ عَزْمَهُ عَنْ الْعِنَادِ وَعَادَ إلَى اتِّبَاعِ الرَّشَادِ وَانْقَطَعَتْ مَعْصِيَتُهُ أُثِيبَ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الرَّشَادِ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْعِنَادِ أَثِمَ عَلَى عَزْمِهِ وَعِنَادِهِ، وَوَجَبَ تَعْزِيرُهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ لَمْ يُعَزَّرْ فِيهَا فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِعِقَابِ الْآخِرَةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُصَاةِ. وَلَوْ عَزَمَ أَحَدُهُمَا عَلَى قَبُولِ الْحَقِّ إذَا ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ خَصْمِهِ فَعَانَدَهُ فَهُوَ مَأْثُومٌ لِعِنَادِهِ مَأْجُورٌ عَلَى عَزْمِهِ فَاَلَّذِي يَسْخَرُ مِنْ خَصْمِهِ وَيَضْحَكُ مِنْهُ وَيَسْتَضْحِكُ النَّاسَ مِنْهُ أَشَدُّ وِزْرًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ السُّخْرِيَةَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَوْلَى بِذَوِي الْأَلْبَابِ أَلَّا يُنَاظِرُوا مَنْ هَذَا شَأْنُهُ، لِئَلَّا يَتَسَبَّبُوا بِمُنَاظَرَتِهِ إلَى إيقَاعِهِ فِي الْآثَامِ الْمَذْكُورَةِ.
(1/141)

[فَصْلٌ فِي تَفْضِيلِ الْحُكَّامِ عَلَى الْمُفْتِينَ وَالْأَئِمَّةِ عَلَى الْحُكَّامِ]
إنْ قِيلَ: هَلْ يَتَسَاوَى أَجْرُ الْحَاكِمِ وَالْمُفْتِي الْقَائِمَيْنِ بِوَظَائِفِ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ إنَّ أَجْرَ الْحَاكِمِ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ يُفْتِي وَيُلْزِمُ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى فُتْيَاهُ وَالْآخَرُ عَلَى إلْزَامِهِ، هَذَا إذَا اسْتَوَتْ الْوَاقِعَةُ الَّتِي فِيهَا الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ، وَتَخْتَلِفُ أُجُورُهُمَا بِاخْتِلَافِ مَا يَجْلِبَانِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَيَدْرَآنِهِ، مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَتَصَدِّي الْحَاكِمِ لِلْحُكْمِ أَفْضَلُ مِنْ تَصَدِّي الْمُفْتِي لِلْفُتْيَا، وَأَجْرُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَفْضَلُ مِنْ أَجْرِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ، لِأَنَّ مَا يَجْلِبُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَيَدْرَأُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَتَمُّ وَأَعَمُّ؛ وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ، إمَامٌ عَادِلٌ» ، فَبَدَأَ بِهِ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَاتِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ فَإِنَّ الْوُلَاةَ الْمُقْسِطِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَجَلُّ قَدْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ لِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ إقَامَةِ الْحَقِّ وَدَرْءِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَدْفَعُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَظْلِمَةٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْ يَجْلِبُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَصْلَحَةٍ فَمَا دُونَهَا، فَيَا لَهُ مِنْ كَلَامٍ يَسِيرٍ وَأَجْرٍ كَبِيرٍ.
وَأَمَّا وُلَاةُ السُّوءِ وَقُضَاةُ الْجَوْرِ فَمِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وِزْرًا وَأَحَطِّهِمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، لِعُمُومِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ الْعِظَامِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ الْجِسَامِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَأْثَمُ بِهَا أَلْفَ إثْمٍ وَأَكْثَرَ عَلَى حَسَبِ عُمُومِ مَفْسَدَةِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَعَلَى حَسَبِ مَا يَدْفَعُهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ وَتِجَارَةٍ بَائِرَةٍ.
(1/142)

مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَأْمُرَ بِقِتَالِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَوْ يَتَمَكَّسَهُمْ أَوْ يَتَضَمَّنَ الْبَغَايَا وَالْخُمُورَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُغْضِبَاتِ لِرَبِّ الْأَرْضِينَ وَالسَّمَوَاتِ. وَإِذَا أَمَرَ الْعَادِلُ بِإِبْطَالِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْجَائِرُ أُثِيبَ عَلَى رِدْءِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْجَائِرُ أُثِيبَ عَلَى دَرْءِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَاتِ، عَلَى حَسَبِ قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا وَعُمُومِهَا وَشُمُولِهَا، فَيَا لَهُ مِنْ سَعْيٍ رَاجِحٍ وَإِنْجَازٍ رَابِحٍ. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ: «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ» وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْعَادِلُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِجَلْبِ كُلِّ صَالِحٍ كَامِلٍ، وَدَرْءِ كُلِّ فَاسِدٍ شَامِلٍ فَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْعَامَّةِ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ بِحَسَبِ مَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَزَجَرَ عَنْهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَأُجِرَ عَلَيْهَا بِعَدَدِ مُتَعَلِّقَاتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَكَذَلِكَ أَجْرُ أَعْوَانِهِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْجِهَادِ كَانَ مُتَسَبِّبًا إلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ بِأَمْرِهِ الْأَجْنَادَ بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَلِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ أَجْرُ الْإِمَامِ مُتَوَسِّلٌ إلَى مَصَالِحِ الْجِهَادِ، وَالْمُقَاتِلُ مُبَاشِرٌ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَجْرَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ أَجْرِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ، فَإِذَا كَانُوا أَلْفًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَجْرُ مُبَاشَرَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا بَاشَرَ، وَلِلْإِمَامِ أَجْرُ تَسَبُّبِهِ إلَى قِتَالِ الْأَلْفِ، فَقَدْ صَدَرَ مِنْهُ أَلْفُ تَسَبُّبٍ، وَأَلْفُ تَسَبُّبٍ أَفْضَلُ مِنْ مُبَاشَرَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ بِتِلْكَ التَّسْمِيَاتِ حَصَلَتْ مَصَالِحُ الْقِتَالِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ أَمَرَ وَاحِدًا بِالْقِتَالِ فَقَاتَلَ وَحَصَّلَ الْمَصْلَحَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُبَاشِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ.
(1/143)

وَلَيْسَ أَمْرُ الْحَاكِمِ لِأَحَدِ أَعْوَانِهِ كَذَلِكَ. فَالْحَاكِمُ مُتَصَدٍّ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى وَجَوَابِهَا وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَاسْتِزْكَائِهَا ثُمَّ الْحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَدَرَ مِنْهُ طَاعَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَلَمْ يُصْدَرْ مِنْ آحَادِ أَعْوَانِهِ سِوَى طَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا الْمُفْتُونَ فَيُثَابُونَ عَلَى تَصَدِّيهمْ لِلْفَتَاوَى، وَتَتَفَاوَتُ أُجُورُهُمْ بِتَفَاوُتِ تِلْكَ الْفَتَاوَى وَكَثْرَتِهَا، وَعُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا.

[فَصْلٌ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْجَوْرِ وَالْعَدْلِ فِي وِلَايَتِهِ]
إنْ قِيلَ: إذَا جَارَ الْأَئِمَّةُ وَالْحُكَّامُ وَعَدَلُوا فَهَلْ يَقُومُ عَدْلُهُمْ بِجَوْرِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ مَا فَوَّتُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ، إنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُمْ طُرِحَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَيِّئَاتِ مَنْ ظَلَمُوهُ، ثُمَّ طُرِحُوا فِي الْجَحِيمِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَخَذَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِمْ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُمْ طُرِحَ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِمْ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُمْ طُرِحَ عَلَيْهِمْ مِنْ عُقُوبَاتِ - سَيِّئَاتِ - مَنْ ظَلَمُوهُ بِقَدْرِ ظُلْمِهِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَعْرَاضِ، وَفِيمَا أَخَّرُوهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُهَا، أَوْ قَدَّمُوهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يَجِبُ تَأْخِيرُهَا، فَقَدْ قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] الْآيَةُ.

فَإِنْ قِيلَ لَوْ مَاتَ الْمُكَلَّفُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَأْثَمْ بِسَبَبِهِ وَلَا بِمَطْلِهِ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ بِمِقْدَارِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ؟
(1/144)

قُلْنَا: نَعَمْ، يُؤْخَذُ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِ بِمِقْدَارِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، كَمَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُ وَمَسَاكِنُهُ وَعَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بِسَبَبِ الدَّيْنِ لَا بِمَطْلِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يُطْرَحْ عَلَيْهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاصٍ وَلَا آثِمٌ، وَلَا يَتَعَجَّبْنَ مُتَعَجِّبٌ مِنْهُ، ذَلِكَ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ مَا يَفْضُلُ عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ بَعْدَ فِنَاءِ حَسَنَاتِهِ؟ قُلْت: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَوَّضَ رَبَّ الدَّيْنِ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُعَوِّضْهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ ثَوَابِ الْإِيمَانِ الْمَنْدُوبِ نَظَرٌ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ وَمَا لَا يُثَابُونَ]
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ تَوَسُّلٌ إلَى أَدَائِهَا وَأَدَاؤُهَا تَوَسُّلٌ إلَى الْحُكْمِ بِهَا، وَالْحُكْمُ بِهَا تَوَسُّلٌ إلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَدَرْءِ مَفَاسِدِ الْحُكْمِ بِالْجَوْرِ. فَمَنْ شَهِدَ بِالْحُكْمِ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْإِعَانَةِ عَلَى اسْتِيفَاءِ تِلْكَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي حَصَّلَ بِهَا، وَلِذَلِكَ كَتَبَ لَهُ أَجْرَ مَا دَرَأَهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ بِشَهَادَتِهِ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهَا، وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الَّذِينَ. تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى مَا أَعَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ، وَالْآخَرُ عَلَى إخْلَاصِهِ لِلَّهِ. وَإِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ رِيَاءً وَسُمْعَةً أَثِمَ عَلَى رِيَائِهِ، دُونَ مُعَاوَنَتِهِ عَلَى إرْجَاعِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّيهِ.
(1/145)

وَإِنْ شَهِدَ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَهَذَا شَاهِدُ زُورٍ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ. وَإِنْ بَنَى شَهَادَتَهُ عَلَى الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ وَلَا يُثَابُ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهَا إعَانَةٌ عَلَى بَاطِلٍ. وَإِنْ شَهِدَ بِالْأُجْرَةِ وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ، فَهَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، إنْ سَامَحَ بِبَعْضِ الْعِوَضِ أُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ]
ِ الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنْ النَّاسِ وَلَا تَوْقِيرًا، وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ، وَلَا دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَهُ رُتَبٌ: مِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا خَوْفًا مِنْ عَذَابٍ وَمِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَمَهَابَةً وَانْقِيَادًا وَإِجَابَةً، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ، بَلْ يَعْبُدُ مَوْلَاهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَإِذَا رَآهُ غَابَتْ عَنْهُ الْأَكْوَانُ كُلُّهَا وَانْقَطَعَتْ الْأَعْرَاضُ بِأَسْرِهَا وَأُمِرَ الْعَابِدُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْدِيرِ نَظَرِهِ إلَى اللَّهِ، فَلْيُقَدِّرْ أَنَّ اللَّهَ نَاظِرٌ إلَيْهِ، وَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهُ وَالْخَوْفِ وَالْمَهَابَةِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْعِبَادَاتِ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعُظَمَاءِ يُوجِبُ مَهَابَتَهُمْ وَإِجْلَالَهُمْ وَالْأَدَبَ مَعَهُمْ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ، فَمَا الظَّنُّ بِالنَّظَرِ إلَى رَبِّ السَّمَوَاتِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّرَ إنْسَانٌ فِي نَفْسِهِ أَنَّ عَظِيمًا مِنْ الْعُظَمَاءِ نَاظِرٌ إلَيْهِ، وَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِ،
(1/146)

لَمْ يُتَصَوَّرْ لَأَنْ يَأْتِيَ بِرَذِيلَةٍ، وَأَنَّهُ يَتَزَيَّنُ لَهُ بِمُلَابَسَةِ كُلِّ فَضِيلَةٍ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي عِيَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ]
ِ الرِّيَاءُ إظْهَارُ عَمَلِ الْعِبَادَةِ لِيَنَالَ مُظْهِرُهَا عَرَضًا دُنْيَوِيًّا إمَّا بِجَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ تَعْظِيمٍ أَوْ إجْلَالٍ، فَمَنْ اقْتَرَنَ بِعِبَادَتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَبْطَلَهَا لِأَنَّهُ جَعَلَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ وَسِيلَةً إلَى نَيْلِ أَعْرَاضٍ خَسِيسَةٍ دَنِيَّةٍ، فَاسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَهَذَا هُوَ الرِّيَاءُ الْخَالِصُ.
وَأَمَّا رِيَاءُ الشِّرْكِ فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْعِبَادَةَ لِأَجْلِ اللَّهِ وَلِأَجْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَغْرَاضِ الْمُرَائِينَ وَهُوَ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ أَيْضًا، قَالَ تَعَالَى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْته لِشَرِيكِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: تَرَكْته لِشَرِيكِي» .

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ التَّسْمِيعِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ]
ِ وَهُوَ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا تَسْمِيعُ الصَّادِقِينَ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الطَّاعَةَ خَالِصَةً لِلَّهِ، ثُمَّ يُظْهِرُهَا وَيُسْمِعُ النَّاسَ بِهَا لِيُعَظِّمُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ وَيَنْفَعُوهُ وَلَا يُؤْذُوهُ. وَهَذَا مُحَرَّمٌ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَهَذَا تَسْمِيعُ الصَّادِقِينَ» .
الضَّرْبُ الثَّانِي: تَسْمِيعُ الْكَاذِبِينَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ صَلَّيْت وَلَمْ يُصَلِّ، وَزَكَّيْت وَلَمْ يُزَكِّ، وَصُمْت وَلَمْ يَصُمْ، وَحَجَجْت وَلَمْ يَحُجَّ، وَغَزَوْت وَلَمْ يَغْزُ. فَهَذَا أَشَدُّ ذَنْبًا مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى إثْمِ التَّسْمِيعِ إثْمَ الْكَذِبِ، فَأَتَى بِذَلِكَ
(1/147)

مَعْصِيَتَيْنِ قَبِيحَتَيْنِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ آثِمٌ إثْمَ التَّسْمِيعِ وَحْدَهُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «الْمُتَسَمِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطِ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» .
وَكَذَلِكَ لَوْ رَاءَى بِعِبَادَاتٍ ثُمَّ سَمَّعَ مُوهِمًا لِإِخْلَاصِهَا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالتَّسْمِيعِ وَالرِّيَاءِ جَمِيعًا. وَإِثْمُ هَذَا أَشَدُّ إثْمًا مِنْ الْكَاذِبِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ مَا سَمَّعَ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا أَثِمَ بِرِيَائِهِ وَتَسْمِيعِهِ وَكَذِبِهِ ثَلَاثَةَ آثَامٍ. وَمَنْ أَمِنَ الرِّيَاءَ لِقُوَّةٍ فِي دِينِهِ فَأَخْبَرَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ لِيَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُ طَاعَتِهِ الَّتِي سَمَّعَ بِهَا وَأَجْرُ تَسَبُّبِهِ إلَى الِاقْتِدَاءِ فِي تِلْكَ الطَّاعَاتِ الَّتِي سَمَّعَ بِهَا عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهَا

[فَائِدَةٌ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ وَطَاعَتُهَا مَصُونَةٌ مِنْ الرِّيَاءِ]
(فَائِدَةٌ) أَعْمَالُ الْقُلُوبِ وَطَاعَتُهَا مَصُونَةٌ مِنْ الرِّيَاءِ، إذْ لَا رِيَاءَ إلَّا بِأَفْعَالٍ ظَاهِرَةٍ تُرَى أَوْ تُسْمَعْ. وَالتَّسْمِيعُ عَامٌّ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ.
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ لَا يَظْهَرُ غَالِبًا بِالرِّيَاءِ وَالتَّسْمِيعِ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَوِزْرُهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ شَرَفِ الْمُرَائِي بِهِ فَأَشْرَفُ مَا يُرَائِي بِهِ أَشَدُّ وِزْرًا مِمَّا دُونَهُ، فَإِنَّ الرِّيَاءَ مَفْسَدَةٌ وَإِفْسَادُ الْأَشْرَفِ أَقْبَحُ مِنْ إفْسَادِ الشَّرِيفِ. وَلَيْسَ حُبُّ الرِّيَاءِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي مَعْصِيَةً، فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الرِّيَاءِ كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبِّبِ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَأْثَمُ مُشْتَهَيْهِ بِشَهْوَتِهِ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ بِعَزْمِهِ عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِ، ثُمَّ بِمُلَابَسَتِهِ. وَكُلُّ مَا تَكْرَهُهُ الطِّبَاعُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَالْأَسْمَاعُ، مِنْ الْخُيُورِ وَالشُّرُورِ فَلَا إثْمَ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَلَا النُّفُورِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى فِعْلِهِ إنْ كَانَ قَبِيحًا أَوْ تَرْكِهِ إنْ كَانَ حَسَنًا. فَشَهْوَةُ الرِّيَاءِ وَالشُّكْرِ، وَقَهْرِ الْأَقْرَانِ وَإِضْرَارِ الْأَعْدَاءِ لَا إثْمَ فِيهَا لِخُرُوجِهَا عَنْ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ، وَلِتَعَذُّرِ الِانْفِكَاكِ مِنْهَا وَالِانْفِصَالِ عَنْهَا، وَمَنْ اسْتَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ الْمَحْبُوبَاتِ فِي غَيْرِ بَابِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَزَلَّ. وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُجَاهِدَ طَبْعَهُ وَيُخَالِفَ فِيمَا يَدْعُو إلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ
(1/148)

وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ أُعِينَ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ حَبَّبَ إلَيْهِ الطَّاعَةَ وَالْإِيمَانَ، وَكَرَّهَ إلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا أَدَبَ كَأَدَبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا خُلُقَ كَأَخْلَاقِهِ فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ أَعَانَهُ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ لِيَتَخَلَّقَ مِنْهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَصِلُ إلَيْهِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ هَمَّ وَلَمَّ فَيَا سَعَادَةَ مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَاسْتَسَنَّ بِسِيرَتِهِ وَأَخَذَ بِطَرِيقَتِهِ، وَامْتَلَأَ قَلْبُهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ، فِي دِقِّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَجُلِّهِ وَكُثْرِهِ وَقُلِّهِ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71] ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ قَالَ، تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] . وَكَانَ خُلُقُهُ الْمَمْدُوحُ بِالْعَظَمَةِ وَاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ، الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا جَاءَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَ كَثِيرٌ مِمَّنْ اشْتَهَرَ بِالْوِلَايَةِ بَعْضَ أَدَبِ الشَّرْعِ فَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ؟ قُلْنَا: أَمَّا مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا مَا تَرَكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا لَمْ يَقْدَحْ فِي وِلَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْوِلَايَةِ فِي حَالِ مُلَابَسَتِهِ دُونَ مَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَقَدْ غَلَّظَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذَا الذَّنْبِ الصَّغِيرِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْقِطُ الْوِلَايَةَ بِصَغِيرَةٍ يَرْتَكِبُهَا الْوَلِيُّ، وَهَؤُلَاءِ جَهَلَةٌ لِأَنَّ اجْتِنَابَ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَضْلًا عَنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إذَا عَرَفَ صَغِيرَةَ الْوَلِيِّ أَخْرَجَهُ عَنْ الْوِلَايَةِ وَطَعَنَ فِيهِ، وَرُبَّمَا هَجَرَهُ وَرَفَضَهُ وَقَلَاهُ وَأَبْغَضَهُ وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ حُسْنُ ظَنِّهِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى أَنْ يَعْتَقِدَ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ بِإِبَاحَةِ تِلْكَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَهُ مَا لَمْ يُحِلَّهُ لِغَيْرِهِ وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِيجَابِ، إلَّا لِعُذْرٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ، وَهَذَا أَشَرُّ الْأَقْسَامِ. وَأَشَرُّ مِنْهُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ قُرْبَةٌ لِصُدُورِهِ
(1/149)

عَنْ ذَلِكَ الْوَلِيِّ، وَأَسْعَدُهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ وِلَايَتَهُ مَعَ ارْتِكَابِهِ لِذَلِكَ الذَّنْبِ الصَّغِيرِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، فَقَدْ عَصَى آدَم وَدَاوُد وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَخْرُجْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَتِهِ عَنْ حُدُودِ وِلَايَتِهِ، وَلَوْ رُفِعَتْ صَغَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ. لَمْ يَجُزْ تَعْزِيرُهُمْ عَلَيْهَا، بَلْ يَقْبَلُ عَثْرَتَهُمْ وَيَسْتُرُ زَلَّتَهُمْ، فَهُمْ أَوْلَى مَنْ أُقِيلَتْ عَثْرَتُهُ، وَسُتِرَتْ زَلَّتُهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ غِيبَةُ الْأَنْبِيَاءِ بِنِسْبَتِهِمْ إلَى مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ الذُّنُوبِ؟ قُلْنَا: إنْ ذُكِرَ ذَلِكَ تَعْبِيرًا لَهُمْ وَإِزْرَاءً عَلَيْهِمْ حُرِّمَ وَكَانَ كُفْرًا، فَإِنَّ اللَّهَ مَا ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْبِيرًا وَإِزْرَاءً عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى سِعَةِ رَحْمَتِهِ وَسُبُوغِ نِعْمَتِهِ، وَإِطْمَاعًا فِي التَّوْبَةِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، فَإِنَّ مُسَامَحَةَ الْأَكَابِرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسَامَحَةَ الْأَصَاغِرِ أَوْلَى، لِأَنَّ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ مِنْ الْأَمَاثِلِ كَبِيرَةٌ. وَلِهَذَا قَوْله تَعَالَى: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] ، وَإِنْ ذُكِرَ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لِأَجْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ رُبَّمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ وَيُحَثُّ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ الْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ وَلِيًّا فِي شَطْرِ عُمْرِهِ ثُمَّ صَارَ فَاسِقًا فِي الشَّطْرِ الْآخَرِ فَمَا حُكْمُ وِلَايَتِهِ مَعَ فُسُوقِهِ؟ قُلْت: إنْ زَادَتْ مَفَاسِدُ فُسُوقِهِ عَلَى مَصَالِحِ وِلَايَتِهِ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَأُخِذَ بِمَا فَضَلَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وَإِنْ زَادَتْ مَصَالِحُهُ عَلَى مَفَاسِدِ فُسُوقِهِ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَأُجِرَ بِمَا فَضَلَ مِنْ حَسَنَاتِهِ.
(1/150)

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الْأَدْيَانِ وَطَاعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَتْ شِرْكًا]
فِي عِبَادَةِ الدَّيَّانِ وَطَاعَةِ الرَّحْمَنِ إنْ قِيلَ: هَلْ يَكُونُ انْتِظَارُ الْإِمَامِ الْمَسْبُوقِ لِيُدْرِكَهُ فِي الرُّكُوعِ شِرْكًا فِي الْعِبَادَةِ أَمْ لَا؟ قُلْت: ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ قُرْبَتَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى إدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَهِيَ قُرْبَةٌ أُخْرَى، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ مِنْ أَفْضَلِ الْوَسَائِلِ عِنْدَ اللَّهِ، وَرُتَبُ تِلْكَ الْمَعُونَاتِ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ رُتَبِ الْمُعَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرُبَاتِ. وَالْإِعَانَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ الْإِعَانَاتِ.
وَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ شَرْعِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعُونَةُ بِالْفَتَاوَى وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْقُرُبَاتِ الْبَدَنِيَّاتِ كَانَ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا مِنْ أَفْضَلِ الْإِعَانَاتِ فَإِذَا أَعَانَ الْمُصَلِّيَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ أَوْ سِتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ دَلَّهُ عَلَى الْقِبْلَةِ، كَانَ مَأْجُورًا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا شِرْكٌ فِي الْعِبَادَةِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. فَإِنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ لَوْ كَانَتْ رِيَاءً وَشِرْكًا، لَكَانَ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ رِيَاءً وَشِرْكًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، لِأَنَّ الرِّيَاءَ وَالشِّرْكَ أَنْ يَقْصِدَ بِإِظْهَارِ عَمَلِهِ مَا لَا قُرْبَةَ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ نَيْلِ أَعْوَاضِ نَفْسِهِ الدَّنِيَّةِ وَهُوَ قَدْ أَعَانَ عَلَى الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ وَأَرْشَدَ عِبَادَهُ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا شِرْكًا لَكَانَ الْأَذَانُ وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ شِرْكَيْنِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَجُلًا صَلَّى مُنْفَرِدًا فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَنْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟» وَرُوِيَ: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَرَاءَهُ» لِيُفِيدَهُ فَضِيلَةَ الِاقْتِدَاءِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رِيَاءً وَلَا شِرْكًا لِمَا فِيهِ مِنْ إفَادَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُقَرِّبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(1/151)

وَإِذَا أَحَسَّ الْإِمَامُ بِدَاخِلٍ وَهُوَ رَاكِعٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَظِرَهُ لِيُنِيلَهُ فَضِيلَةَ إدْرَاكِ الرُّكُوعِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ شِرْكًا وَلَا رِيَاءً، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ مِثْلَهُ صَدَقَةً وَاتِّجَارًا، وَأَمَرَ بِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ رِيَاءً وَشِرْكًا وَهَذَا شَأْنُهُ فِي الشَّرِيعَةِ؟ وَلَا وَجْهَ لِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، وَمَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِهِ فَقَدْ أَبْعَدَ، فَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَقُولُ فِي الِانْتِظَارِ الْمَشْرُوعِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ هَلْ كَانَ شِرْكًا وَرِيَاءً، أَوْ عَمَلًا صَالِحًا لِلَّهِ تَعَالَى؟

[فَصْلٌ فِي تَفَاوُتِ فَضْلِ الْإِسْرَارِ وَالْإِعْلَانِ بِالطَّاعَاتِ]
إنْ قِيلَ: هَلْ الْإِخْفَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِعْلَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِنَابِ الرِّيَاءِ أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ الطَّاعَاتِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا مَا شُرِعَ مَجْهُورًا بِهِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْخُطَبِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْأَعْيَادِ، وَالْجِهَادِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَتَشْيِيعِ الْأَمْوَاتِ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ. فَإِنْ خَافَ فَاعِلُهُ الرِّيَاءَ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهِ إلَى أَنْ تَحْضُرَهُ نِيَّةُ إخْلَاصِهِ، فَيَأْتِي بِهِ مُخْلِصًا كَمَا شُرِعَ، فَيَحْصُلُ عَلَى أَجْرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَعَلَى أَجْرِ الْمُجَاهِدِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ.
الثَّانِي: مَا يَكُونُ إسْرَارُهُ خَيْرًا مِنْ إعْلَانِهِ كَإِسْرَارِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَإِسْرَارِ أَذْكَارِهَا، فَهَذَا إسْرَارُهُ خَيْرٌ مِنْ إعْلَانِهِ.
الثَّالِثُ: مَا يُخْفَى تَارَةً وَيُظْهَرُ أُخْرَى كَالصَّدَقَاتِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ، كَانَ الْإِخْفَاءُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِبْدَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] ، وَمَنْ أَمِنَ الرِّيَاءَ فَلَهُ حَالَانِ:
(1/152)

إحْدَاهُمَا أَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ - فَإِخْفَاؤُهَا أَفْضَلُ، إذْ لَا يَأْمَنُ مِنْ الرِّيَاءِ عِنْدَ الْإِظْهَارِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ كَانَ الْإِبْدَاءُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ خُلَّةِ الْفُقَرَاءِ مَعَ مَصْلَحَةِ الِاقْتِدَاءِ، فَيَكُونُ قَدْ نَفَعَ الْفُقَرَاءَ بِصَدَقَتِهِ وَبِتَسَبُّبِهِ إلَى تَصَدُّقِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ نَفَعَ الْأَغْنِيَاءَ بِتَسَبُّبِهِ إلَى اقْتِدَائِهِمْ بِهِ فِي نَفْعِ الْفُقَرَاءِ.

[قَاعِدَةٌ فِي بَيَانِ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ]
(قَاعِدَةٌ فِي بَيَانِ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ) جَلْبُ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْخَالِقِ كَالطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ، وَتَرْكِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَحُقُوقُ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مَا هُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ كَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا، وَالْإِيمَانِ بِمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، كَالْإِيمَانِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ الشَّرَائِعُ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَبِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.

الثَّانِي: مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ، فَهَذِهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ مِنْ وَجْهٍ، وَنَفْعٌ لِعِبَادِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْغَرَضُ الْأَظْهَرُ مِنْهَا نَفْعُ عِبَادِهِ وَإِصْلَاحُهُمْ بِمَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ نَدْبٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ لِبَاذِلِيهِ وَرِفْقٌ لِآخِذِيهِ.

الثَّالِثُ: مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُقُوقِ الْمُكَلَّفِ وَالْعِبَادِ، أَوْ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحُقُوقِ الثَّلَاثَةِ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا الْأَذَانُ فِيهِ الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَالتَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.
وَأَمَّا حَقُّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَأَمَّا حَقُّ الْعِبَادِ فَبِالْإِرْشَادِ إلَى تَعْرِيفِ دُخُولِ الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ، وَالدُّعَاءُ إلَى الْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي.
وَكَذَلِكَ الْإِقَامَةُ، حَقُّ اللَّهِ مِنْهَا التَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالرَّسُولِ
(1/153)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّهَادَةُ بِالرِّسَالَةِ، وَحَقُّ الْعِبَادِ إعْلَامُهُمْ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ وَحُضُورِ الْإِمَامِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى هَذِهِ الْفَوَائِدِ؟ قُلْنَا: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ لِهَذِهِ الْفَوَائِدِ، وَلِأَنَّ عَمَلَهُ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَرِدْ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا سِوَى الْجَهْرِ بِالْأَذْكَارِ الْمَعْرُوفَةِ وَبِانْتِقَالِهِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْإِمَامَةَ لِتَسَبُّبِ فَضْلِ الْإِمَامِ إلَى إفَادَةِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لِنَفْسِهِ وَلِلْحَاضِرِينَ.
وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي الْأَذَانِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُؤْجَرُ الْمُؤْتَمُّ عَلَى إفَادَتِهِ الْإِمَامَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» .
(فَائِدَةٌ) : مَقْصُودُ الْجَمَاعَةِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الِاقْتِدَاءُ
وَالثَّانِي: الِاجْتِمَاعُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى التَّعْظِيمِ تَعْظِيمٌ ثَانٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَدَمَ وَالْأَجْنَادَ إذَا اجْتَمَعُوا وَكَثُرُوا كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ أَوْقَرَ فِي النُّفُوسِ وَأَعْظَمَ فِي الصُّدُورِ، وَلَوْ سَارَ الْمَلِكُ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ، أَوْ جَلَسَ وَهُمْ مُتَبَاعِدُونَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ مَا يَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّبَاعُدِ الْمَانِعِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الصَّلَاةُ وَفِيهَا الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ أَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَالنِّيَّاتُ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالتَّسْبِيحَاتُ وَالتَّحِيَّاتُ وَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ.
وَكَذَلِكَ تَوَابِعُهَا مِنْ التَّوَرُّكِ وَالِافْتِرَاشِ وَالْكَفِّ عَنْ الْكَلَامِ وَكَثِيرِ الْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا حَقُّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَضْرُبٌ - أَحَدُهَا: التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَحُّمِ وَالتَّبَرُّكِ.
(1/154)

الثَّانِي: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَفِي الْأَوَّلِ خِلَافٌ.
الثَّالِثُ: الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ.
وَأَمَّا حَقُّ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَدُعَائِهِ فِي الْفَاتِحَةِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي الْفَاتِحَةِ.
وَكَذَلِكَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ، وَكَذَلِكَ التَّسْلِيمُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى آلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
وَكَذَلِكَ التَّسْلِيمَاتُ الْأُخْرَيَاتُ عَلَى الْحَاضِرِينَ، وَلَمَّا اشْتَمَلَتْ الصَّلَاةُ عَلَى هَذِهِ الْحُقُوقِ كَانَتْ مِنْ أَفْضَلِ عَمَلِ الْعَامِلِينَ.
الرَّابِعُ: الْجِهَادُ وَفِيهِ الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ: أَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَكَمَحْوِ الْكُفْرِ وَإِزَالَتِهِ مِنْ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمِنْ أَلْسِنَتِهِمْ، وَكَتَخْرِيبِ كَنَائِسِهِمْ وَكَسْرِ صُلْبَانِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ.
وَأَمَّا حَقُّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَحَقُّ الْمُسْلِمِينَ فَالذَّبُّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحَرَمِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ - وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْأَخْمَاسِ.
وَأَمَّا حَقُّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرَمِهِ وَأَطْفَالِهِ وَمَا يَأْخُذُ مِنْ سِهَامِ الْغَنِيمَةِ وَأَسْلَابِ الْمُشْرِكِينَ.
الْخَامِسُ: كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فِيهَا حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ وَهُوَ الصِّيَامُ، وَفِيهَا حَقٌّ لِلْمُظَاهِرِ وَهُوَ تَحْلِيلُ الْوَطْءِ، وَفِيهَا حَقُّ الْأَرِقَّاءِ بِالْإِعْتَاقِ، وَلِلْمَسَاكِينِ بِالْإِطْعَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ جَلْبِ مَصَالِحَ وَدَرْءِ مَفَاسِدَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: حُقُوقُ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ كَتَقْدِيمِهِ نَفْسِهِ بِالْكِسَاءِ وَالْمَسَاكِنِ وَالنَّفَقَاتِ، وَكَذَلِكَ حُقُوقُهُ فِي النَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ، وَتَرْكِ التَّرَهُّبِ.
(1/155)

الثَّانِي: حُقُوقُ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى بَعْضٍ، وَضَابِطُهَا جَلْبُ كُلِّ مَصْلَحَةٍ وَاجِبَةٍ أَوْ مَنْدُوبَةٍ، وَدَرْءُ كُلِّ مَفْسَدَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ مَكْرُوهَةٍ. وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ، وَسُنَّةِ عَيْنٍ وَسُنَّةِ كِفَايَةٍ، وَمِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ فَرْضِ عَيْنٍ. وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعًا قَوْله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْمَفَاسِدِ، وَأَمْرٌ بِالتَّسَبُّبِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] ، وَهَذَا أَمْرٌ بِالْمَصَالِحِ وَأَسْبَابِهَا، وَنَهْيٌ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ الْمَفَاسِدِ وَأَسْبَابِهَا. وَالْآيَاتُ الْآمِرَةُ بِالْإِصْلَاحِ وَالزَّاجِرَةِ عَنْ الْإِفْسَادِ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَعَنْ النَّهْيِ عَلَى الْإِفْسَادِ الْمُتَعَلِّقِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
فَمِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَمْرِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115] ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] ، وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء: 94] ، وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ، وَقَوْلُهُ: «اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» وَقَوْلُهُ: «مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» ، وَقَوْلُهُ. «فِي كُلِّ كَبِدَةٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» ، «وَأَمَرَ بِرَدِّ الْخَيْطِ مِنْ الْغُلُولِ» .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» ، وَقَوْلُهُ: «لَا تُحَقِّرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ وَجْهُك إلَيْهِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ
(1/156)

طَلْقٍ» ، وَقَوْلُهُ: «لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» ، وَأَتَمُّ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْئِهَا، دَقِّهَا وَجَلِّهَا، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَمِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْإِفْسَادِ قَوْله تَعَالَى {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف: 56] ، وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] ، وَقَوْلُهُ: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] ، وقَوْله تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83] ، وقَوْله تَعَالَى {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] وَأَعَمُّ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] . وَهَذَا زَجْرٌ عَنْ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، لِأَنَّ أَسْبَابَهَا مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُورِ. وَقَدْ نَصَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّهْيِ عَنْ غَصْبِ قَضِيبٍ مِنْ أَرَاك، وَقَالَ، «إيَّاكُمْ وَمِحْرَابَ الذُّنُوبِ» . وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَشْتَمِلَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَصَالِحِ كُلِّهَا دَقِّهَا وَجُلِّهَا، وَعَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا، دَقِّهَا وَجَلِّهَا. فَمِنْهُ يَدُلُّ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، إذْ لَا يَعِدُ الثَّوَابَ إلَّا عَلَى فِعْلِ مَأْمُورٍ، وَلَا يُوعِدُ بِالْعِقَابِ إلَّا عَلَى مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُخَالَفَةِ الرَّبِّ إلَّا ذُلُّ الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا، وَخَجِلَةُ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْعُقْبَى، مَعَ الْعَفْوِ بَعْدَ ذَلِكَ زَاجِرًا كَافِيًا، فَكَيْفَ بِمَنْ يُعَاقَبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْعَذَابِ وَحِرْمَانِ الثَّوَابِ؟

وَلِحُقُوقِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى بَعْضٍ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا التَّسْلِيمُ عِنْدَ الْقُدُومِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَعِيَادَةُ الْمَرْضَى، وَمِنْهَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَعَلَى كُلِّ مُبَاحٍ، وَمِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حُقُوقِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ سَعْيٌ فِي جَلْبِ مَصَالِحِ
(1/157)

الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، سَعْيٌ فِي دَرْءِ مَفَاسِدَ الْمُنْهَى عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ النُّصْحُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَقَدْ بَايَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَمِنْهَا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَمِنْهَا حُكْمُ الْحُكَّامِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ بِإِنْصَافِ الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ، وَتَوْفِيرِ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ الْعَاجِزِينَ، وَصَرْفُ الدُّعَاءِ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، إذْ قَالَ فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَلَّفَنِي أَنْ أَصْرِفَ عَنْهُ الدُّعَاءَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ قَوِيَّكُمْ عِنْدَنَا لَضَعِيفٌ حَتَّى نَأْخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، وَإِنَّ ضَعِيفَكُمْ عِنْدَنَا لَقَوِيٌّ حَتَّى نَأْخُذَ لَهُ الْحَقَّ وَمَعْنَى صَرْفِ الدُّعَاءِ عَنْ اللَّهِ أَنْ يُنْصِفَ الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ وَلَا يُحْوِجَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ حَاجَاتِ النَّاسِ وَضَرُورَاتِهِمْ بِحَيْثُ لَا يُحْوِجُهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَمَا أَفْصَحَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَمَا أَجْمَعَهَا لِمُعْظَمِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ حِفْظُ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالْعَاجِزِينَ وَالْغَائِبِينَ وَمِنْهَا الْتِقَاطُ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ وَالْأَطْفَالِ الْمُهْمَلِينَ، وَمِنْهَا الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَمِنْهَا اصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ كُلِّهِ دَقِّهِ وَجَلِّهِ، وَمِنْهَا إنْظَارُ الْمُعْسِرِينَ وَإِبْرَاءُ الْمُقْتِرِينَ، وَمِنْهَا حُقُوقُ نِكَاحِ النِّسَاءِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَحُقُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَمِنْهَا الْقَسْمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، وَمِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ إلَّا فِي اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَاتِ، وَمِنْهَا الْإِحْسَانُ إلَى الرَّقِيقِ بِأَنْ لَا يُكَلِّفَهُ مَا لَا يُطِيقُ، وَأَنْ يُطْعِمَهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَيُلْبِسَهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَأَنْ يُكْرِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِكْرَامَ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَلَا بَيْنَ الْأُخْتِ وَأُخْتِهَا، وَعَلَى الْأَرِقَّاءِ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ سَادَاتِهِمْ الَّتِي حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَنَدَبَ إلَيْهَا، وَمِنْهَا سَتْرُ الْفَضَائِحِ وَالْكَفُّ عَنْ إظْهَارِ الْقَبَائِحِ، وَمِنْهَا الْكَفُّ عَنْ الشَّتْمِ وَالظُّلْمِ، وَمِنْهَا جُرْحُ الشُّهُودِ وَتَعْدِيلُهُمْ وَتَفْطِيرُ الصَّائِمِينَ وَإِبْرَارُ الْمُقْسِمِينَ، وَمِنْهَا كِسْوَةُ الْعُرَاةِ وَفَكُّ الْعُنَاةِ، وَمِنْهَا الْقَرْضُ وَالضَّمَانُ وَالْحَجْرُ بِالْإِفْلَاسِ
(1/158)

عَلَى الْمَرْضَى فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَمِنْهَا إعَانَةُ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا تَوَلَّوْهُ مِنْ الْقِيَامِ بِتَحْصِيلِ الرَّشَادِ وَدَفْعِ الْفَسَادِ وَحِفْظِ الْبِلَادِ وَتَجْنِيدِ الْأَجْنَادِ وَمَنْعِ الْمُفْسِدِينَ وَالْمُعَانِدِينَ.
وَمِنْهَا نُصْحُ الْمُسْتَنْصِحِينَ بَلْ نُصْحُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِسْعَافُ الْقَاصِدِينَ، وَمِنْهَا الْإِنْكَارُ عَلَى النَّاسِ بِالْيَدِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَبِاللِّسَانِ، أَوْ يَكْرَهُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ إنْ عَجَزَ عَنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، وَمِنْهَا الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَقَارِبِ كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، إذْ كَانُوا عَاجِزِينَ، وَمِنْهَا حَضَانَةُ الْأَطْفَالِ وَتَرْبِيَتُهُمْ وَتَأْدِيبُهُمْ وَتَعْلِيمُهُمْ حُسْنَ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ إذَا صَلَحُوا لِذَلِكَ، وَالسَّعْيُ فِي مَصَالِحِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ وَجَلْبِ الْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ لَهُمْ، وَدَرْءِ الْأَفْسَدِ فَالْأَفْسَدِ عَنْهُمْ، وَإِذَا وَجَبَ هَذَا فِي حَقِّ الْأَصَاغِرِ وَالْأَطْفَالِ فَمَا الظَّنُّ بِمَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَمِنْهَا حُسْنُ الصُّحْبَةِ وَكَرَمُ الْعِشْرَةِ، وَكَفُّ الْأَذَى وَبَذْلُ النَّدَى، وَإِكْرَامُ الضِّيفَانِ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجِيرَانِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَمِنْهَا الْعَدْلُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَالْإِحْسَانُ وَالْإِجْمَالُ، وَمِنْهَا الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ، وَإِنْجَازُ الْوُعُودِ، وَإِكْرَامُ الْوُفُودِ، وَمِنْهَا الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ إذَا اقْتَتَلُوا وَاخْتَلَفُوا وَامْتَنَعُوا مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ بَغَوْا عَلَى الْأَئِمَّةِ أَوْ اجْتَرَءُوا عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَمِنْهَا إرْشَادُ الْحَيَارَى، وَتَزْوِيجُ الْأَيَامَى وَوُدُّ الْأَصْدِقَاءِ، وَإِكْرَامُ الْأَرِقَّاءِ وَالْبَشَاشَةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَمِنْهَا أَنْ يُحْسِنَ إلَى مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَبَلَغَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَيُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ، وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُحْسِنَ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْهِ، وَمِنْهَا أَنْ يُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ كَتَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِكْرَامِ الْأَتْقِيَاءِ، وَاحْتِرَامِ الْأَوْلِيَاءِ، وَتَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَرَحْمَةِ الضُّعَفَاءِ، وَمِنْهَا أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَأَنْ لَا يَبِيعَ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَا يَسُومَ عَلَى سَوْمِهِ، وَلَا يَشْتَرِيَ عَلَى شِرَائِهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلَا
(1/159)

يَجْلِسَ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَظْلِمَهُ وَلَا يَشْتُمَهُ، وَلَا يُبْرِمَهُ، وَلَا يُخْجِلَهُ وَلَا يُرَحِّلَهُ وَلَا يُعَجِّلَهُ، وَلَا يُحَقِّرَهُ وَلَا يَخْفَرَهُ؛ وَمِنْهَا الْإِيفَاءُ إذَا وَفَى، وَالْإِغْضَاءُ إذَا اسْتَوْفَى، وَمِنْهَا أَنْ يُسَامِحَ بِحَقِّهِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، وَأَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْعَوْرَاتِ، وَيُجِيبَ الدَّعَوَاتِ، وَيُقِيلَ الْعَثَرَاتِ، وَيَغْفِرَ الزَّلَّاتِ، وَيَسُدَّ الْخَلَّاتِ.
وَأَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى النَّاسِ بِمَالِهِ وَجَاهِهِ وَجَمِيعِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمَبَرَّاتِ، وَمِنْهَا أَلَّا يُحَاسِدَهُمْ وَلَا يُقَاطِعَهُمْ وَلَا يُدَابِرَهُمْ وَلَا يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُسِيءَ إلَيْهِمْ، وَأَنْ يَتْرُكَ اعْتِيَابَهُمْ وَهَمْزَهُمْ وَلَمْزَهُمْ، وَالطَّعْنَ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَالْقَدْحَ فِي أَنْسَابِهِمْ، وَأَنْ لَا يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ، وَلَا يَحْتَكِرَ احْتِكَارًا يَزِيدُ فِي الْأَثْمَانِ، وَأَنْ لَا يَنْجُشَ وَلَا يَبْخَسَ وَلَا يُنْقِصَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ حُقُوقِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى بَعْضٍ أَنْ يَنْظُرَ الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ الْمُوسِرِ وَيُوَسِّعَ عَلَى الْمُقْتِرِ، وَلَا يُمَاطِلَ بِالْحُقُوقِ، وَأَنْ يُجَانِبَ الْعُقُوقَ، وَلَا يُخَاتِلَ وَلَا يُمَاحِلَ وَلَا يُجَاحِدَ بِالْبَاطِلِ، وَلَا يَقْطَعَ كَلَامَ قَائِلٍ، وَمِنْهَا أَلَّا يُؤَخِّرَ الزَّكَاةَ إذَا وَجَبَتْ، وَلَا الدُّيُونَ إذْ طُلِبَتْ، وَلَا الْأَحْكَامَ إذَا أَمْكَنَتْ، وَلَا الشَّهَادَةَ إذَا تَعَيَّنَتْ، وَلَا الْفُتْيَا إذَا تَبَيَّنَتْ وَأَلَّا يُؤَخِّرَ حُقُوقَ النَّاسِ إلَّا بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَطَبْعِيٍّ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُؤَخِّرَ الزَّكَاةَ لِحُضُورِ جَارٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ أَشَدُّ ضَرُورَةً مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَإِلَى حُضُورِ نَائِبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يَجِبُ دَفْعُهُ إلَى الْأَئِمَّةِ الْمُقْسِطِينَ.
وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ لَا يَجِبُ دَفْعُهَا إلَّا عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إحْضَارِهَا فَإِنْ كَانَ بِهَا لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا إقْبَاضَهَا، دَفْعًا لِضَرَرِ إنْكَارِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ مِنْ وَرَثَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ إنْكَاحِ الْكُفْءِ إذَا الْتَمَسَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ.
وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ
(1/160)

مَا يَتَعَيَّنُ مِنْ الشَّهَادَاتِ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ مَشْغُولًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ صَلَاةٍ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ الْأَمَانَةِ إلَى أَرْبَابِهَا مَعَ الِاشْتِغَالِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ أَوْ الِاسْتِحْمَامِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي إيجَابِ بَعْضِ الْحُقُوقِ كَوَضْعِ الْأَجْذَاعِ وَقِسْمَةِ التَّعْدِيلِ عَنْ الِامْتِنَاعِ. وَإِنَّمَا أَتَيْت بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّتِي أَكْثَرُهَا مُتَرَادِفَاتٌ، وَفِي الْمَعَانِي مُتَلَاقِيَاتٌ حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ، وَالتَّقْرِيرُ فِي الْجِنَانِ، كَمَا تَكَرَّرَتْ الْمَوَاعِظُ وَالْقِصَصُ وَالْأَمْرُ وَالزَّجْرُ، وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَالتَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّكْرِيرِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ التَّقْرِيرِ فِي الْقُلُوبِ مَا لَيْسَ الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ؛ وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَكْرِيرِ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ وَوَصَايَاهُ أَلْقَاهَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا الْإِلَهُ لِمَا عَلِمَ فِيهَا مِنْ إصْلَاحِ الْعِبَادِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ. وَلَوْ قُلْت فِي حَقِّ الْعِبَادِ هُوَ أَنْ يَجْلُبَ إلَيْهِمْ كُلَّ خَيْرٍ، وَيَدْفَعَ عَنْهُمْ كُلَّ ضَيْرٍ، لَكَانَ ذَلِكَ جَامِعًا عَامًّا وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِالتَّكْرِيرِ وَتَنْوِيعِ الْأَنْوَاعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت فِي حَقِّ الْإِلَهِ هُوَ أَنْ يُطِيعُوهُ وَلَا يَعْصُوهُ لَكَانَ مُخْتَصَرًا عَامًّا وَلَكِنْ لَا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْإِطْنَابُ وَالْإِسْهَابُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت فِي بَعْضِ حُقُوقِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَنْفَعَهَا فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا وَلَا يَضُرَّهَا فِي أُولَاهَا وَأُخْرَاهَا، لَكَانَ ذَلِكَ شَامِلًا لِجَمِيعِ حُقُوقِ الْمَرْءِ، وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ أَنَّ الْإِيجَازَ وَالِاخْتِصَارَ أَوْلَى مِنْ الْإِسْهَابِ وَالْإِكْثَارِ، وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ظَنِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّكْرِيرِ الْوَاقِعِ فِي الْقُرْآنِ وَالْعَادَةُ شَاهِدَةٌ بِخَطَئِهِ فِي ظَنِّهِ، وَمَا دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَ الْقُرْآنُ إلَيْهِ، أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ لِلْأَغْبِيَاءِ الْجَاهِلِينَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَادَةَ اللَّهِ وَلَا يَفْهَمُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ كِتَابِهِ وَفَهْمِ خِطَابِهِ.
(1/161)

وَقَدْ نَظَرْت فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْته يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا الثَّنَاءُ عَلَى الْإِلَهِ، وَالثَّانِي: الْأَحْكَامُ، وَالثَّالِثُ: تَوَابِعُ الْأَحْكَامِ وَمُؤَكِّدَاتُهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: مَدْحُ الْأَفْعَالِ وَذَمُّهَا تَرْغِيبًا فِي مَمْدُوحِهَا، وَتَزْهِيدًا فِي مَذْمُومِهَا وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ التَّأْكِيدِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَدْحُ الْفَاعِلِينَ تَرْغِيبًا لِلْعِبَادِ فِي الدُّخُولِ فِي مِدْحَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي هِيَ زَيْنٌ لِلطَّائِعِينَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: ذَمُّ الْغَافِلِينَ تَنْفِيرًا مِنْ الدُّخُولِ فِي مَذَمَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ شَيْنٌ لِلْعَاصِينَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ: «يَا مُحَمَّدُ اعْطِنِي فَإِنَّ مَدْحِي زَيْنٌ وَهَجْوِي شَيْنٌ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ» .
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْوَعْدُ بِأَنْوَاعِ الثَّوَابِ الْآجِلِ تَرْغِيبًا فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الطَّاعَاتِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: الْوَعِيدُ بِأَنْوَاعِ الْعِقَابِ الْآجِلِ تَنْفِيرًا مِنْ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: الْوَعْدُ بِأَنْوَاعِ الثَّوَابِ الْعَاجِلِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ قَدْ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْعَاجِلَةِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .
وَكَذَلِكَ بَيَانُ مَا فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَاجِلَةِ كَقَوْلِهِ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] ، وَكَقَوْلِهِ: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ، فَإِنَّ فِي مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ حَثًّا عَلَيْهِ وَتَرْغِيبًا فِيهِ.
(1/162)

النَّوْعُ السَّابِعُ: الْوَعِيدُ بِأَنْوَاعِ الْعِقَابِ الْعَاجِلِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ قَدْ جُبِلَتْ عَلَى الْخَوْفِ مِنْ الْمَكْرُوهِ الْآجِلِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، وَكَقَوْلِهِ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، وَكَقَوْلِهِ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] .
وَكَذَلِكَ بَيَانُ مَا فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْعَاجِلَةِ كَقَوْلِهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} [النساء: 3] ، وَكَقَوْلِهِ: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] ، فَإِنَّ فِي بَيَانِ مَفْسَدَةِ الْفِعْلِ زَجْرًا عَنْهُ وَتَزْهِيدًا فِيهِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ: الْأَمْثَالُ وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذُكِرَ تَرْغِيبًا فِي الْخُيُورِ وَلَهُ مِثَالَانِ. أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فِي النَّفَقَاتِ وَحَثًّا عَلَى التَّبَرُّعَاتِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْأَمْثَالِ: مَا ذُكِرَ تَنْفِيرًا مِنْ الشُّرُورِ وَلَهُ مِثَالَانِ. أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] ، ذَكَرَهُ تَنْفِيرًا مِنْ النِّفَاقِ.
(1/163)

الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] ، ذَكَرَهُ تَنْفِيرًا مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ: قِصَصُ الْمُرْسَلِينَ وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ إنْجَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِهْلَاكِ الْكَافِرِينَ، ذَكَرَهُ تَرْغِيبًا فِي اتِّبَاعِ الْمُرْسَلِينَ، وَتَنْفِيرًا مِنْ عِصْيَانِ النَّبِيِّينَ، وَكَذَلِكَ اللَّوْمُ وَالتَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ: تُمَنُّنَّهُ عَلَيْنَا بِمَا خَلَقَهُ لِأَجْلِنَا لِنَشْكُرَهُ عَلَى إحْسَانِهِ إلَيْنَا وَإِنْعَامِهِ عَلَيْنَا، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ، ذَكَرَ ذَلِكَ لِنَشْكُرَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الْجِسَامِ الَّتِي لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَذْكُرُهَا إلَّا عِنْدَ اخْتِلَالِهَا أَوْ فَقْدِهَا، ثُمَّ صَرَّحَ بِالسَّبَبِ فَقَالَ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
الْمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] .
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] ، وَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [الجاثية: 13] ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ تُمَنِّنَا عَلَيْنَا كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِأَمْرَيْنِ، أَحَدِهِمَا: شُكْرُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: إبَاحَتُهُ لَنَا، إذْ لَا يَصِحُّ التَّمَنُّنُ عَلَيْنَا بِمَا نُهِينَا عَنْهُ، وَقَدْ تَمَنَّنَ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ بِالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ، وَالْمَرَاكِبِ وَالْفَوَاكِهِ، وَالتَّجَمُّلِ وَالتَّزَيُّنِ وَالتَّحَلِّي بِالْجَوَاهِرِ، فَذَكَرَ تَمَنُّنَهُ بِالضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَاتِ، وَالتَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، فَمِنْهُ مَا هُوَ جَالِبٌ لِلْمَصَالِحِ كَقَوْلِهِ:
(1/164)

{لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] ، وَمِنْهُ مَا هُوَ دَارِئٌ لِلْمَفَاسِدِ كَقَوْلِهِ: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] . وَمِنْ مَدْحِ الْإِلَهِ نَفْسَهُ مَا لَا يَخْرُجُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ بَلْ يَخْرُجُ مَخْرَجَ تَأْكِيدِ الْأَحْكَامِ كَقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 18] ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فِي الطَّاعَاتِ، وَتَنْفِيرًا مِنْ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، وَكَقَوْلِهِ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] ، فَإِنَّا إذَا تَأَمَّلْنَا نَظَرَهُ إلَيْنَا وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْنَا اسْتَحْيَيْنَا مِنْهُ أَنْ يَرَانَا حَيْثُ نَهَانَا، أَوْ يَفْقِدَنَا حَيْثُ اقْتَضَانَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] ، لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَمَدُّحًا بِسَمْعِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَهْدِيدًا لِقَائِلِيهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بِصِفَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ دُونَ الْحَيَاةِ وَالْكَلَامِ، فَإِنَّهُمَا لَا يُذْكَرَانِ إلَّا تَمَدُّحًا، أَمَّا الْحَيَاةُ فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] وَأَمَّا الْكَلَامُ فَفِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 76] يُرِيدُ بِمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَمَدَّحُ بِالْحَيَاةِ وَلَا يَصِحُّ تَمَدُّحُ غَيْرِهِ بِهَا لِاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهَا؟ . قُلْنَا: إنَّمَا يَتَمَدَّحُ بِحَيَاةٍ يَخْتَصُّ بِهَا بِأَزَلِيَّتِهَا وَأَبَدِيَّتهَا وَكَوْنِهَا غَيْرَ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ الصِّفَاتُ عَنْ كُلِّ حَيَاةٍ، صَحَّ التَّمَدُّحُ بِهَا لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهَا تُذْكَرُ تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ، وَإِنَّمَا تَمَدَّحَ بِالْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 76] ، وَهُوَ لِأَنَّهُ قَابَلَ بِهِ الْأَبْكَمَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ، فَقَابَلَ الْأَمْرَ بِالْعَدْلِ بِالْبَكَمِ الَّذِي هُوَ الْخَرَسُ
(1/165)

الْمَانِعُ مِنْ الْكَلَامِ
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا وَالْأَنْوَاعُ بِأَسْرِهَا شَاهِدَةٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ التَّأْكِيدَ وَالتَّكْرِيرَ أَنْفَعُ وَأَنْجَعُ مِنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوَابِعِ الْأَمْرِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَكْرِيرِهِ. وَاَللَّهُ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَطُوبَى لِمَنْ فَهِمَ خِطَابَهُ، وَتَبِعَ كِتَابَهُ، وَقَبِلَ نَصَائِحَهُ، فَمِنْ أَفْضَلِ مَنَائِحِهِ تَفَهُّمُ كِتَابِهِ، وَتَعَقُّلُ خِطَابِهِ، لِيَتَقَرَّبَ بِذَلِكَ إلَيْهِ شُكْرًا عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ إبْلَائِهِ وَمَنْحِهِ وَإِعْطَائِهِ، وَشُكْرُهُ هُوَ طَاعَتُهُ وَاجْتِنَابُ مَعْصِيَتِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ شُكْرِهِ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَالِانْقِطَاعُ إلَيْهِ، وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ التَّكْرِيرِ مَا يَدْخُلُ فِي بَابَيْنِ مِنْ الْمَصَالِحِ فَيَذْكُرُ فِي أَحَدِ الْبَابَيْنِ لِأَجْلِ النَّوْعِ الَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ الْبَابِ وَيُكَرِّرُ فِي الْبَابِ الْآخَرِ لِأَجْلِ النَّوْعِ الْآخَرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْبَابِ الْآخَرِ، فَمَا وَقَعَ مِنْ هَذَا كَانَ تَكْرِيرُهُ فِي بَابَيْنِ لِأَجْلِ أَنَّ فِيهِ دَلَالَتَيْنِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَمُعْظَمُ حُقُوقِ الْعِبَادِ تَرْجِعُ إلَى الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَقَدْ أَوْحَى بِذَلِكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَصِيَّةً مُؤَكَّدَةً بِقَوْلِهِ: «دِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي أَعْلَى غَايَاتِ الِاحْتِرَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ» ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَى رَبِّهِ بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ فَقَالُوا نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» أَيْ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ بِاعْتِرَافِهِمْ أَنِّي بَلَّغْتهمْ.

وَاعْلَمْ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا حُقُوقُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ.
وَالثَّانِي حُقُوقُهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ إكْرَامِهِمْ وَغُسْلِهِمْ وَحَمْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ وَدَفْنِهِمْ وَتَوْجِيهِهِمْ إلَى الْقِبْلَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالزِّيَارَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَمَا يُفْعَلُ بِهِمْ مِمَّا نَدَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إلَى السَّابِعَةِ، وَكَإِحْسَانِ الْأَكْفَانِ وَإِحْسَانِ الْحَمْلِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الدُّعَاءِ، وَحُسْنِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ وَحُسْنِ الدَّفْنِ، وَلَا تَسْقُطُ حُقُوقُ الْمَيِّتِ بِإِسْقَاطِهِ، فَلَوْ
(1/166)

أَوْصَى بِأَلَّا يُغَسَّلَ وَلَا يُكَفَّنَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ لِمَا فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

[فَائِدَةٌ مَا مِنْ حَقٍّ لِلْعِبَادِ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمْ إلَّا وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ]
(فَائِدَةٌ) مَا مِنْ حَقٍّ لِلْعِبَادِ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمْ أَوْ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِمْ إلَّا وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ، وَهُوَ حَقُّ الْإِجَابَةِ وَالطَّاعَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يُبَاحُ بِالْإِجَابَةِ أَوْ لَا يُبَاحُ بِهَا، وَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْآدَمِيِّ بِالْعَفْوِ فَهَلْ يُعَزَّرُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِانْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إغْلَاقًا لِبَابِ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ]
حُقُوقُ الْبَهَائِمِ وَالْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ مِثْلِهَا وَلَوْ زَمِنَتْ أَوْ مَرِضَتْ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا، وَأَلَّا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يُؤْذِيهَا مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا بِكَسْرٍ أَوْ نَطْحٍ أَوْ جُرْحٍ، وَأَنْ يُحْسِنَ ذَبْحَهَا إذَا ذَبَحَهَا وَلَا يُمَزِّقَ جِلْدَهَا وَلَا يَكْسِرَ عَظْمَهَا حَتَّى تَبْرُدَ وَتَزُولَ حَيَاتُهَا وَأَلَّا يَذْبَحَ أَوْلَادَهَا بِمَرْأَى مِنْهَا، وَأَنْ يُفْرِدَهَا وَيُحْسِنَ مَبَارِكَهَا وَأَعْطَانَهَا، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا فِي إبَّانِ إتْيَانِهَا، وَأَنْ لَا يَحْذِفَ صَيْدَهَا وَلَا يَرْمِيَهُ بِمَا يَكْسِرُ عَظْمَهُ أَوْ يُرْدِيهِ بِمَا لَا يُحَلِّلُ لَحْمَهُ.

وَالْحُقُوقُ كُلُّهَا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ.
وَالثَّانِي وَسَائِلُ وَوَسَائِلُ وَسَائِلٍ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ كُلُّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا لَهُ سَبَبٌ وَإِلَى مَا لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ فَأَمَّا مَا لَا سَبَبَ لَهُ فَكَالْمَعَارِفِ وَالْحَجِّ وَالِاعْتِكَافِ وَالطَّوَافِ، وَأَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ فَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّاتِ
(1/167)

فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ دُخُولُ أَشْهُرِ الْحَجِّ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَمَا كَانَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا؟ قُلْنَا قَدْ يَجِبُ الْحَجُّ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ عَلَى مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ وَفِي هَذَا بَحْثٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ حَظْرٌ وَلَا إيجَابٌ وَلَا كَرَاهَةٌ وَلَا اسْتِحْبَابٌ إلَّا بِفِعْلٍ دَاخِلٍ تَحْتَ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ وَاخْتِيَارِهِ، وَالتَّكَالِيفُ مُقَيَّدَةٌ بِالْحَيَاةِ.

[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ الْحُقُوقِ إلَى الْمُتَفَاوِتِ وَالْمُتَسَاوِي وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ]
فِي انْقِسَامِ الْحُقُوقِ إلَى الْمُتَفَاوِتِ وَالْمُتَسَاوِي وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ اعْلَمْ أَنَّ حُقُوقَ الرَّبِّ وَحُقُوقَ عِبَادِهِ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا مُتَسَاوِي، وَالثَّانِي مُتَفَاوِتٌ، وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِي تَسَاوِيهِ وَتَفَاوُتِهِ؛ وَسَأَذْكُرُ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً فِي فُصُولٍ تُرْشِدُ إلَى نَظَائِرِهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي تَقْدِيمِ حُقُوقِ اللَّهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ جَمْعِهَا وَعِنْدَ تَيَسُّرِهِ لِتَفَاوُتِ مَصَالِحِهَا وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا تَقْدِيمُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الطَّاعَاتِ الْوَاجِبَاتِ فِي أَوَاخِرِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الظُّهْرِ لِلْإِبْرَادِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الْمَقْضِيَّةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ إذَا اتَّسَعَ وَقْتُ الْمُؤَدَّاةِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَقْضِيَّةِ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْمُؤَدَّاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ الْأَدَاءِ فِي الصَّلَاتَيْنِ.
وَمِنْهَا التَّرْتِيبُ فِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ النَّوَافِلِ الْمُؤَقَّتَةِ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ عَلَى الرَّوَاتِبِ، وَمِنْهَا
(1/168)

تَقْدِيمُ الرَّوَاتِبِ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُبْتَدَآت، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى سَائِرِ الرَّوَاتِبِ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى سَائِرِ الصَّدَقَاتِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى مَنْدُوبَيْهِمَا، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْإِفْرَادِ عَلَى الْقِرَانِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَقْدِيمُ التَّمَتُّعِ عَلَى الْإِفْرَادِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَقْدِيمُ الْقِرَانِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ آخَرِينَ، وَمِنْهَا التَّقْدِيمُ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ، وَمِنْهَا التَّأْخِيرُ فِي جَمْعِ مُزْدَلِفَةَ، وَمِنْهَا رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْهَا رَمْيُ سَائِرِ الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْهَا الْإِتْمَامُ فِي سَفَرٍ لَا تَبْلُغُ مَسِيرَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الصِّيَامِ فِي حَقِّ مَنْ يَضُرُّهُ الصِّيَامُ، وَفِي تَقْدِيمِ تَرْتِيبِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي حَقِّ الْمَزْحُومِ قَوْلَانِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْكَفَّارَاتِ عَلَى الْوَصَايَا الْمَنْدُوبَاتِ عِنْدَ ضِيقِ التَّرِكَاتِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَهَاتَانِ فَضِيلَتَانِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا التَّأْخِيرَ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى رِعَايَةِ الشُّرُوطِ وَمَا رَجَعَ إلَى رِعَايَةِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ أَوْلَى مِمَّا رَجَعَ إلَى السُّنَنِ وَالْآدَابِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَادِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُبَادَرَةِ وَتَرْكِهَا وَالْقَادِرُ عَلَى الْمَاءِ لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ لِشَرَفِهِ وَعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وَلَوْ ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي لَا يُؤَخِّرُ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ فَضِيلَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَلَا يُؤَخِّرُهَا لِفَضِيلَةٍ مَظْنُونَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ الْمَرَاوِزَةِ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ أَوْلَى إذْ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الِانْفِرَادِ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا وَاَلَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرُ السُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ فِي انْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ قَوْلَيْنِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّعَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ عَلَى أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ قُدِّمَ غُسْلُ الْمَيِّتِ عَلَى غُسْلِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لِأَنَّهُ آخِرُ عَهْدِ الْمَيِّتِ، وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ
(1/169)

يَصْبِرَانِ إلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَيُقَدَّمُ غُسْلُ النَّجَاسَةِ عَلَى غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ غُسْلَ النَّجَاسَةِ لَا بَدَلَ لَهُ وَغُسْلَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ.
وَفِي تَقْدِيمِ غُسْلِ الْمَيِّتِ عَلَى غُسْلِ النَّجَاسَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ غُسْلُ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ آخِرُ عَهْدِهِ.
وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ غُسْلُ النَّجَاسَةِ إذْ لَا بُدَّ لَهُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ وَفِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فَتَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَالْآخَرُ الْقُرْعَةَ فَمَنْ يُجَابُ؟ وَجْهَانِ وَمِنْهَا تَقْدِيمُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ عَلَى سَائِرِ الْأَغْسَالِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْعُرْيَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ مَانِعٍ لِلصِّحَّةِ، وَالِانْفِرَادُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَيُقَدَّمُ سَتْرُ السَّوْأَتَيْنِ عَلَى سَتْرِ الْفَخِذَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَفِي الْمُقَدَّمِ مِنْهُمَا اخْتِلَافٌ، وَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ سَتْرِ النِّسَاءِ عَلَى سَتْرِ الرِّجَالِ دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَلَوْ انْحَلَّ إزَارُ الْمُصَلِّي أَوْ كَشَفَ الرِّيحُ سَوْأَتَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِنُدْرَتِهِ وَعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ، وَإِنْ رَدَّهُ قَرِيبًا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ تَكَشَّفَ أَوْ تَحَرَّفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ لَاقَى نَجَاسَةً يَابِسَةً فَإِنْ تَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمْ تَبْطُلْ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَتَسَاوَى مِنْ حُقُوقِ الرَّبِّ فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ الْعَبْدُ]
ُ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَيْنِ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي فِدْيَةٌ مِنْ رَمَضَانَيْنِ فَمَا زَادَ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ زَكَاةُ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ
(1/170)

فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي تَقْدِيمِ أَيَّتِهَا شَاءَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ بِنَذْرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِنُذُورٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، مُتَخَيَّرٌ بَيْنَ الْعُمَرِ وَالْحِجَجِ، وَيُرَتِّبُ الْعُمَرَ عَلَى الْحِجَجِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا اخْتَلَفَ فِي تَفَاوُتِهِ وَتَسَاوِيهِ مِنْ حُقُوقِ الْإِلَهِ]
ِ لِاخْتِلَافٍ فِي تَسَاوِي مَصْلَحَتِهِ وَتَفَاوُتِهَا وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنَّ الْعَارِيَ هَلْ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِيًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، أَوْ يُصَلِّي قَائِمًا مُتِمًّا لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَقِيَامِهِ لِأَنَّهَا أَرْكَانٌ عَظِيمَةُ الْوُقُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَتْ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ مُخْتَلَفٌ فِي اشْتِرَاطِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا؟ فِيهِ خِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ إتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ حُبِسَ فِي حَبْسٍ لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ فَهَلْ يَسْجُدُ عَلَى النَّجَاسَةِ إتْمَامًا لِلسُّجُودِ أَوْ يُقَارِبُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهَا أَوْ يَتَخَيَّرُ، فِيهِ الْأَوْجُهُ الْمَاضِيَةُ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً فَقَدْ قَطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَضَعُ جَبْهَتَهُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَيَسْتَصْحِبُ النَّجَاسَةَ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ نَجِسٌ فَهَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا تَوَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ أَوْ مُسْتَتِرًا تَوَقِّيًا لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ، أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَهُوَ فِي مَكَان نَجِسٍ فَهَلْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ تَوَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ أَوْ يُصَلِّي بِثَوْبِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ تَوَقِّيًا لِلْعُرْيِ أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهَا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ.
(1/171)

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يُقَدَّمُ مِنْ حُقُوقِ بَعْضِ الْعِبَادِ عَلَى بَعْضٍ]
ٍ لِتَرَجُّحِ التَّقْدِيمِ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا تَقْدِيمُ نَفَقَةِ الْمَرْءِ وَكِسْوَتِهِ وَسُكْنَاهُ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَأُصُولِهِ وَفُصُولِهِ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ نَفَقَةِ زَوْجِهِ وَكِسْوَتِهَا وَسُكْنَاهَا عَلَى نَفَقَةِ أُصُولِهِ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، وَمِنْهَا بَيْعُ مَالِهِ وَمَسْكَنِهِ وَعَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ فِي نَفَقَةِ هَؤُلَاءِ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِمْ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُهُ عَلَى غُرَمَائِهِ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكِسْوَتِهِ وَكِسْوَةِ عِيَالِهِ مِنْ حِينِ يَحْجِزُ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ وَفَاءِ دَيْنِهِ. وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْمُضْطَرِّ عَلَيْهِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِمَا. وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى الْمُقِيمِ فِي الْمُخَاصَمَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَمِنْهَا تَقَدُّمُ الْأَفَاضِلِ عَلَى الْأَرَاذِلِ فِي الْوِلَايَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ عَلَى الْفَاضِلِ فِي الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ ذَوِي الضَّرُورَاتِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ فِيمَا يُنْفَقُ مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ.
وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ بِالْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ عَلَى مَا دُونَهَا مِنْ الْحَاجَاتِ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ بِالسَّبْقِ فِي الْفَتَاوَى وَالْحُكُومَاتِ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ فِي الْقِصَاصِ بِالسَّبْقِ إلَى الْجِنَايَاتِ، بِأَنْ يَبْدَأَ بِقِصَاصِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْ الْقَتْلَى أَوْ الْجَرْحَى أَوْ مَقْطُوعِي الْأَعْضَاءِ، وَتَقْدِيمُ الْقَاتِلِ بِسَلْبِ الْقَتِيلِ عَلَى سَائِرِ الْغُزَاة.
وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ بِالسَّبْقِ إلَى الْمَسَاجِدِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَاكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِالْفَسْخِ بِعُيُوبِ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ وَفِي الطَّلَاقِ بِالْإِيلَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ بِالْفُسُوخِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
(1/172)

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يَتَسَاوَى مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ الْمُكَلَّفُ]
ُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرَيْنِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا النَّفَقَاتُ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعَبِيدِ وَالْأَوْلَادِ وَالْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ إذَا وَسِعْتهمْ النَّفَقَاتُ، وَمِنْهَا إذْنُ الْمَرْأَةِ لِأَوْلِيَائِهَا فِي النِّكَاحِ وَالْإِنْكَاحِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الدَّرَجَاتِ، وَمِنْهَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَاتِ، وَكَذَلِكَ تَسْوِيَةُ الْحُكَّامِ بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمُحَاكَمَاتِ.
وَكَذَلِكَ تَسْوِيَةُ الشُّرَكَاءِ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْبَلُ قِسْمَةَ التَّعْدِيلِ فِي الْمُقَوَّمَاتِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْإِجْبَارِ عَلَى قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ تَسْوِيَةُ الْحُكَّامِ فِي قِسْمَةِ مَالِ الْمَحْجُوزِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي حَقِّ الشُّفْعَةِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ السَّابِقِينَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمُبَاحَاتِ.

[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَتَقَدَّمُ مِنْ حُقُوقِ الرَّبِّ عَلَى حُقُوقِ عِبَادِهِ]
ِ إحْسَانًا إلَيْهِمْ فِي أُخْرَاهُمْ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا تَقْدِيمُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عِنْدَ ضِيقِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُ إنْقَاذِ الْغَرْقَى وَتَخْلِيصِ الْهَلْكَى عَلَى الصَّلَوَاتِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَمِنْهَا تَحَمُّلُ الْمَشَقَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَضَاءِ الْأَوْطَارِ وَالرَّاحَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَاجَاتِ،
(1/173)

وَمِنْهَا بَذْلُ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مَعَ تَعْرِيضِ النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ لِلْفَوَاتِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ سِرَايَةِ الْعِتْقِ عَلَى صَرْفِ الْأَمْوَالِ فِي قَضَاءِ الْأَوْطَارِ وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ، وَهَذَا عَلَى الْحَقِيقَةِ حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْعَبْدِ، لَكِنْ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ إذْ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْعَبْدِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا التَّغْرِيرُ بِالنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ فِي قِتَالِ مَنْ يَجِبُ قِتَالُهُ، فَمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ يَجِبُ أَدَاؤُهُ بِالْمُحَارَبَةِ كَقِتَالِ الْبُغَاةِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالِاعْتِكَافِ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ وَطْءِ الْحَيْضِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ إلْجَاءٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ وَطْءِ الْمُتَحَيِّرَة فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَتَضْعِيفِ الصَّوْمِ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَ شَهْرَيْنِ فَمَا زَادَ.
وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْعَصَائِبِ عِنْدَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ لِبَاسِ الْمَخِيطِ وَتَحْرِيمُ سَتْرِ رُءُوسِ الرِّجَالِ وَوُجُوهِ النِّسَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ قَلْمِ الْأَظْفَارِ وَإِبَانَةِ الشَّعْرِ وَالطِّيبِ وَالْإِدْهَانِ فِي الْإِحْرَامِ وَالتَّلَذُّذِ بِالنِّسَاءِ، وَتَحْرِيمُ أَكْلِ الصَّيْدِ وَالِاصْطِيَادِ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ النِّكَاحِ وَالْإِنْكَاحِ فِي الْإِحْرَامِ، وَمِنْهَا تَحْرِيمُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ عَلَى الصُّوَّامِ، وَمِنْهَا تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا حَقُّ اللَّهِ إذْ لَا تَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا الْأَنْسَابُ فَإِنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ وَلَا تَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ مُسْقِطِيهَا، وَمِنْهَا تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ، فَلَوْ رَضِيَ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَجْعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُكُولٍ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْهَا دَفْعُ الْغَرَرِ عَنْ الْبِيَاعَاتِ فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ لِلْحَقَّيْنِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ عَصَبَاتِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَوْ فَوَّضَ اسْتِيفَاءَهُ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَوْفَوْهُ خَوْفًا مِنْ الْعَارِ وَالشَّنَارِ، بِخِلَافِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُمَا حَقَّانِ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ، غَلَبَ عَلَيْهِمَا حَقُّ الْعَبْدِ بِالِاسْتِيفَاءِ وَالْإِسْقَاطُ شِفَاءٌ لِغَلِيلِ الْمَقْذُوفِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا، وَمِنْ ذَلِكَ حَدُّ
(1/174)

السَّرِقَةِ وَجَبَ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ، وَلَمْ يُفَوَّضْ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ عَلَى الْمُلَّاكِ أَنْ يَقْطَعُوا السَّارِقَ بِسَرِقَةِ رُبْعِ دِينَارٍ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.

[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِيمَا يَتَقَدَّمُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ عَلَى حُقُوقِ الرَّبِّ]
ِّ رِفْقًا بِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ، لِيَقُومَ الْمُكَلَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَظَائِفِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَكُلُّ حَقٍّ يَجِبُ لِلَّهِ عَلَى الْفَوْرِ بِالْإِلْجَاءِ وَالْإِكْرَاهِ، وَمِنْهَا الْأَعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِقَطْعِ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْهَا الْأَعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ، وَمِنْهَا الْأَعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجِهَادِ، وَمِنْهَا الِانْهِزَامُ يَوْمَ الزَّحْفِ وَهُوَ جَائِزٌ إذَا أَرْبَى عَدَدُ الْكَفَرَةِ عَلَى عَدَدِ الْإِسْلَامِ مَعَ التَّقَارُبِ فِي الصِّفَاتِ، وَلَيْسَ مِنْهَا وُجُوبُ الْفِرَارِ مِنْ الْكُفَّارِ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَقُتِلَ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْكُفَّارِ، فَإِنَّ ثُبُوتَهُ لَا جَدْوَى لَهُ إلَّا كَسْرَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَشِفَاءَ صُدُورِ الْكَافِرِينَ، وَمِنْهَا التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ وَفِي الْإِحْصَارِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الصِّيَامِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْفَارِ، وَمِنْهَا قَصْرُ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثِ فِي السَّفَرِ، وَمِنْهَا جَمْعُ التَّقْدِيمِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْأَسْفَارِ وَالْأَمْطَارِ، وَمِنْهَا الشُّرْبُ فِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْحَكَّةِ.
(1/175)

[الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ تَقْدِيمِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى حُقُوقِ عِبَادِهِ]
وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَزَكَوَاتٌ فَإِنْ كَانَتْ نُصُبُ الزَّكَوَاتِ بَاقِيَةً قُدِّمَتْ الزَّكَوَاتُ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا بِالنُّصُبِ يُشْبِهُ تَعَلُّقَ الدُّيُونِ بِالرُّهُونِ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَدَّمَ الدُّيُونَ نَظَرًا إلَى رُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لِتَكَافُؤِ الْمَصْلَحَتَيْنِ عِنْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الزَّكَوَاتِ نَظَرًا إلَى رُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ؛ فَجَعَلَ دَيْنَ اللَّهِ أَحَقَّ بِالْقَضَاءِ مِنْ دُيُونِ الْعِبَادِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزَّكَوَاتِ فِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَكَانُوا أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ وَاحِدٍ عَلَى حَقَّيْنِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ لِغَنِيٍّ، إذْ لَا نِسْبَةَ لِحَقِّهِ إلَى حَقِّ الْفُقَرَاءِ مَعَ ضَرُورَتِهِمْ وَخَصَاصَتِهِمْ، وَإِذَا كَانَ فِي الْكَفَّارَةِ عِتْقٌ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِاهْتِمَامِ الشَّرْعِ بِهِ وَكَثْرَةِ تَشَوُّقِهِ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُكَمِّلُ مُبَعَّضَهُ فِيمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ، وَيَسْرِي إلَى أَنْصِبَاءِ الشُّرَكَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْغَلَاءِ الشَّدِيدِ وَالْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ فَهَلْ يُقَدَّمُ الطَّعَامُ فِيهَا عَلَى الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: أَمَّا الْكَفَّارَةُ الْمُرَتَّبَةُ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ تَرْتِيبِهَا بَلْ يُقَدَّمُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ، وَيُؤَخَّرُ فِيهَا مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْأَيْمَانِ وَكَفَّارَةُ الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ فَيُقَدَّمُ فِيهَا الطَّعَامُ وَالنُّسُكُ عَلَى الصِّيَامِ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ الطَّعَامُ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ عَاجِزًا عَنْ الِاكْتِسَابِ مَعَ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ، فَإِنَّ إعْتَاقَهُ يَضُرُّ بِهِ
(1/176)

وَبِالْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِنَفَقَتِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَمَانِعٌ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِالطَّعَامِ مَعَ سُوءِ الْحَالِ وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: اجْتِمَاعُ الْحَجِّ وَالدُّيُونِ عَلَى الْمَيِّتِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْحَجَّ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي تَقْدِيمِهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الدَّيْنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا إنْ وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ بِالْحِصَّةِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذْ اجْتَمَعَ حَقُّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ مَعَ الدُّيُونِ فَفِيهِ نَفْسُ الْأَقْوَالِ، وَالْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ سِرَايَةِ الْعِتْقِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي اجْتِمَاعِ الدُّيُونِ وَالزَّكَوَاتِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الطَّاعَاتِ]
الْوَاجِبَاتُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا مَا تَمَيَّزَ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَهْمَا قَصَدَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُرْبَةَ كَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَذَانِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنْ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ لَكِنَّهُ شُرِعَ قُرْبَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهَذَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا بِنِيَّتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: نِيَّةُ إيجَادِ الْفِعْلِ.
وَالثَّانِيَةِ: نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ أُثِيبَ عَلَى أَجْزَائِهِ الَّتِي لَا تَقِفُ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّهْلِيلَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْفَاسِدَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا شُرِعَ لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الْأُخْرَوِيَّةُ إلَّا تَبَعًا كَإِقْبَاضِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي
(1/177)

تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ، وَالنَّسْجِ وَالْغَزْلِ، وَالصَّنَائِعِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا بَقَاءُ الْعَالَمِ، وَدَفْعِ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ وَقَطْعِ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ، فَهَذَا لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. فَكَمْ مِنْ مُقِيمٍ لِصُوَرِ الطَّاعَاتِ وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الْعِصْيَانِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ طَاعَةَ الدَّيَّانِ، فَحِينَئِذٍ يُثَابُ عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَ الْإِنْسَانُ الْقُرْبَةَ بِوَسِيلَةٍ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ لَا يُثَابُ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ، كَمَنْ قَصَدَ نَوْمَ بَعْضِ اللَّيْلِ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قِيَامِ بَقِيَّتِهِ، وَكَمَنْ قَصَدَ الْأَكْلَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ، وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ بِمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ لَعُوقِبَ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ وَطْءَ جَارِيَةٍ أَوْ أَكْلَ طَعَامٍ يَظُنُّهُمَا لِغَيْرِهِ، فَوَطِئَ وَأَكَلَ مَعَ كَوْنِهِمَا مِلْكًا لَهُ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى قَصْدِهِ دُونَ فِعْلِهِ.

[قَاعِدَةٌ فِي الْجَوَابِرِ وَالزَّوَاجِرِ]
(قَاعِدَةٌ) فِي الْجَوَابِرِ وَالزَّوَاجِرِ الْجَوَابِرُ مَشْرُوعَةٌ لِجَلْبِ مَا فَاتَ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَالزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَالْغَرَضُ مِنْ الْجَوَابِرِ جَبْرُ مَا فَاتَ مِنْ مَصَالِحِ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَبْرُ آثِمًا، وَكَذَلِكَ شُرِعَ الْجَبْرُ مَعَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ وَالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ، وَعَلَى الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ، بِخِلَافِ الزَّوَاجِرِ فَإِنَّ مُعْظَمَهَا لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى عَاصٍ زَجْرًا لَهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ تَجِبُ الزَّوَاجِرُ دَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ وَلَا عُدْوَانٍ، كَمَا فِي حَدِّ الْحَنَفِيِّ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ، وَرِيَاضَةِ الْبَهَائِمِ، وَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ زَوَاجِرُ أَمْ جَوَابِرُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا زَوَاجِرَ عَنْ الْعِصْيَانِ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْأَمْوَالِ وَتَحْمِيلَ الْمَشَاقِّ رَادِعٌ زَاجِرٌ عَنْ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا جَوَابِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ وَقُرُبَاتٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّاتِ، وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ زَاجِرًا، بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرُبَاتٍ
(1/178)

إذْ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا الْأَئِمَّةُ وَنُوَّابُهُمْ.

وَالْجَوَابِرُ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ. وَالْجَوَابِرُ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ. فَأَمَّا الْجَوَابِرُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعِبَادَاتِ فَمِنْهَا جَبْرُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِالطَّهَارَةِ بِالتُّرَابِ، وَمِنْهَا جَبْرُ مَا فَاتَ بِالسَّهْوِ مِنْ تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ وَالْكَفِّ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمُفْسِدَةِ بِالسُّجُودِ، وَمِنْهَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْقُنُوتُ بِالسُّجُودِ، وَمِنْهَا جَبْرُ مَا فَاتَ مِنْ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الْمُسَابَقَةِ بِجِهَةِ الْمُقَاتَلَةِ، وَمِنْهَا جَبْرُ الْقِبْلَةِ بِصَوْبِ السَّفَرِ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَإِنَّهَا جَابِرَةٌ لِمَا فَاتَ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي صَلَاةِ الِانْفِرَادِ، وَمِنْهَا جَبْرُ مَا بَيْنَ السَّنَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ فِي الزَّكَاةِ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَهَذَا جَبْرٌ خَارِجٌ عَنْ قِيَاسِ الْجَبْرِ بِالْقِيَمِ، وَمِنْهَا جَبْرُ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ بِمُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ، وَكَذَلِكَ جَبْرُ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ بِالْفِدْيَةِ لِمَا فَاتَهُمَا مِنْ أَدَاءِ الصِّيَامِ، وَمِنْهَا جَبْرُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ طَعَامٍ، وَمِنْهَا جَبْرُ مَنَاهِي النُّسُكِ بِالدِّمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ. وَمِنْهَا نَقْصُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِالدَّمِ ثُمَّ بِالصِّيَامِ، وَمِنْهَا جَبْرُ الرَّمْيِ وَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ النُّسُكِ وَالطَّعَامِ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَمِنْهَا جَبْرُ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ بِالْمِثْلِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ، وَمِنْهَا جَبْرُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكِهِ بِقِيمَتِهِ وَلِلرَّبِّ بِالْمِثْلِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، وَهَذَا مُتْلِفٌ وَاحِدٌ جُبِرَ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَمِنْهَا جَبْرُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ بِالنَّعَمِ وَالتَّخَيُّرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ، وَالْأَمْوَالَ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِجَابِرٍ مَالِيٍّ وَالنُّسُكَانِ يُجْبَرَانِ تَارَةً بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ وَتَارَةً يُجْبَرَانِ بِجَابِرٍ مَالِيٍّ فَالْبَدَنِيُّ
(1/179)

كَالصِّيَامِ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَبَعْضِ مَحْضُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَالْمَالُ كَذَبْحِ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامِ وَإِتْلَافِ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ بِالْهَدْيِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، وَالصَّوْمُ تَارَةً يُجْبَرُ بِمِثْلِهِ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ وَتَارَةً يُجْبَرُ بِالْمَالِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.

وَأَمَّا الْجَوَابِرُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَمْوَالِ فَالْأَصْلُ رَدُّ الْحُقُوقِ بِأَعْيَانِهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَإِذَا رَدَّهَا كَامِلَةَ الْأَوْصَافِ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهَا، وَإِنْ رَدَّهَا نَاقِصَةَ الْأَوْصَافِ جَبَرَ أَوْصَافَهَا بِالْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَال، إنْ رَدَّهَا نَاقِصَةَ الْقِيمَةِ مُوَفَّرَةَ الْأَوْصَافِ لَمْ يَضْمَنْ مَا نَقَصَ قِيمَتَهَا بِانْخِفَاضِ الْأَسْوَاقِ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفِتْ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا وَلَا مِنْ أَوْصَافِهَا. مِثَالُهُ: إذَا غَصَبَ حِنْطَةً تُسَاوِي مِائَةً فَرَدَّهَا وَهِيَ تُسَاوِي عَشَرَةً، أَوْ غَصَبَ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةً فَرَدَّهُ وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسَةً لِانْحِطَاطِ الْأَسْعَارِ لِأَنَّ الْغَايَةَ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ فِي الشَّرْعِ، وَالصِّفَاتُ وَالْمَنَافِعُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ أَعْيَانِهَا فَتُضْمَنُ الصِّفَاتُ عِنْدَ الْفَوَاتِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيَمِ الْأَعْيَانِ.
وَتُضْمَنُ الْمَنَافِعُ بِأُجُورِ الْأَمْثَالِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْأَعْيَانِ، وَلَهَا حَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَتُجْبَرُ بِمَا يُمَاثِلُهَا فِي الْمَالِيَّةِ وَجَمِيعِ الْأَوْصَافِ الْخُلُقِيَّةِ كَضَمَانِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتِ، وَالسِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ، وَالشَّيْرَجُ بِالشَّيْرَجِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ جَبْرُهَا لِقِيَامِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَجَمِيعِ الْأَعْرَاضِ؛ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ إذَا تَسَاوَتْ فِي قَدْرِ الْمَالِيَّةِ وَفِي الْأَوْصَافِ الْخُلُقِيَّةِ فَقَدْ حَصَلَ الْجَبْرُ بِمَا يَقْصِدُهُ الْعُقَلَاءُ مِنْ الْمَالِيَّةِ وَالْأَوْصَافِ وَجَمِيعِ الْأَعْرَاضِ، وَلَا مُبَالَاةَ بِتَفَاوُتِ الْعَيْنِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضُ عَاقِلٍ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَلَا يَعْدِلُ ذَلِكَ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا إذَا أَدَّى إلَى نَقْصِ الْمَالِيَّةِ مِثْلُ أَنْ يَشْرَبَ الْمُضْطَرُّونَ مَاءً مَغْصُوبًا فِي مَظَانِّ فَقْدِ
(1/180)

الْمَاءِ وَغَلَاءِ ثَمَنِهِ وَارْتِفَاعِ قِيمَتِهِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَهُ إذَا حَضَرُوا بِقِيمَتِهِ فِي مَحَلِّ عِزَّتِهِ كَيْ لَا تَضِيعَ عَلَى مَالِكِهِ قِيمَتُهُ وَمَالِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ.
الْمِثَالِ الثَّانِي: جَبْرُ لَبَنِ الْمُصْرَاةِ بِالتَّمْرِ فَإِنَّهُ مِثْلِيٌّ خَارِجٌ عَنْ جَبْرِ الْأَعْيَانِ بِالْقِيَمِ وَالْأَمْثَالِ، وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا اخْتَلَطَ مِنْ لَبَنِ الْبَائِعِ بِلَبَنِ الْمُشْتَرِي فَتَوَلَّى الشَّرْعُ تَقْدِيرَهُ، إذْ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى تَقْدِيرِهِ، وَجَعَلَهُ بِالتَّمْرِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلَّبَنِ فِي الِاقْتِيَاتِ وَلِعِزَّةِ التَّقْدِيرِ عِنْدَ الْعَرَبِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَبَرَ الْمَالَ الْمَقْطُوعَ بِحِلِّهِ بِمِثْلِهِ مِنْ مَالٍ أَكْثَرُهُ حَرَامٌ فَقَدْ فَاتَ وَصْفٌ مَقْصُودٌ فِي الشَّرْعِ وَعِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ، فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى أَخْذِهِ مَعَ التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ بَيْنَ الْحَلَالِ الْمَحْضِ وَبَيْنَ مَا تَمَكَّنَتْ بِشُبْهَةِ الْحَرَامِ؟ قُلْنَا: فِي هَذَا نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ وَظَاهِرُ حُكْمِهِمْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ كَمَا يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى أَخْذِ مَالٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَفِي هَذَا أَيْضًا بُعْدٌ وَإِشْكَالٌ.
الْحَالُ الثَّانِيَةُ: مِنْ تَعَذُّرِ رَدِّ الْأَعْيَانِ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ كَالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ فَيُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يُمَاثِلُهُ فِي الْقِيمَةِ وَالْمَالِيَّةِ لِتَعَذُّرِ جَبْرِهِ بِمَا يُمَاثِلُهُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ لَيْسَ فِي يَدِهِ بِأَنْ أَحْرَقَ دَارًا لَيْسَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ قَتَلَ عَبْدًا فِي يَدِ سَيِّدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ دَابَّةً فِي يَدِ رَاكِبِهَا فَإِنَّهُ يُجْبِرُ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ وَقْتَ إتْلَافِهِ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَوَّتَهَا.
وَإِنْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِهِ الضَّامِنَةِ بِتَفْدِيَتِهِ أَوْ بِتَفْوِيتِهِ أَوْ بِتَفْوِيتِ غَيْرِهِ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقِيمَتِهِ أَكْبَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ وَضَعَ يَدَهُ إلَى حِينِ الْفَوَاتِ تَحْتَ يَدِهِ، لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِرَدِّهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَقْصَى قِيمَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُجْبِرُ كُلَّ شَيْءٍ بِمِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَوْصَافُهُ، وَهَذَا إنْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ فِي الْمَالِيَّةِ فَقَرِيبٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَقَدْ أُبْعِدَ عَنْ الْحَقِّ وَنَأَى عَنْ الصَّوَابِ، فَإِنَّ جَبْرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ظُلْمٌ لِغَاصِبِهِ، وَجَبْرَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ
(1/181)

ظُلْمٌ لِمَالِكِهِ بِمَا نَقَصَ مِنْ مَالِيَّتِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى جَبْرِ الصَّيْدِ بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ حَائِدٌ عَنْ قَوَاعِدِ الْجَبْرِ.
وَأَمَّا صِفَاتُ الْأَمْوَالِ فَلَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَالطَّرِيقُ إلَى جَبْرِهَا إذَا فَاتَتْ بِسَبَبٍ مُضَمِّنٍ أَوْ فَاتَتْ تَحْتَ الْأَيْدِي الضَّامِنَةِ أَنْ تُقَوَّمَ الْعَيْنُ عَلَى أَوْصَافِ كَمَالِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمَ عَلَى أَوْصَافِ نُقْصَانِهَا فَيُجْبَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِثْلُ إنْ غَصَبَ شَابَّةً حَسَنَةً فَصَارَتْ عِنْدَهُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ فَيَجْبُرُ مَا فَاتَ مِنْ صِفَةِ شَبَابِهَا وَنَضَارَتِهَا بِمَا بَيْنَ قِيمَتَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَيَّبَ شَيْئًا مِنْ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ يَجْبُرُهُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمَعِيبًا، وَكَذَلِكَ لَوْ هَدَمَ دَارًا فَإِنَّهُ يَجْبُرُ تَأْلِيفَهَا بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا فِي حَالَتَيْ الْبِنَاءِ وَالِانْهِدَامِ، لِأَنَّ تَأْلِيفَهَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ حَفَرَ الْأَرْضَ فَنَقَصَتْ بِحَفْرٍ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ التُّرَابَ إلَى حَفْرِهِ لِيُسَوِّيَ الْأَرْضَ كَمَا كَانَتْ. وَهَذَا قَضَاءٌ بِأَنَّ تَأْلِيفَ بَعْضِ التُّرَابِ إلَى بَعْضٍ وَتَسْوِيَةَ الْحَفْرِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ لَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَرْشَ النُّقْصَانِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَفَعَ خَشَبَةً مِنْ جِدَارٍ أَوْ حَجَرًا مِنْ بَيْنِ أَحْجَارٍ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى مَكَانَيْهِمَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِمِثْلِ الْغَرَضِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، فَأَشْبَهَ تَسْوِيَةَ الْحَفْرِ وَطَمَّ الْآبَارِ تَنْزِيلًا لِتَمَاثُلِ التَّأْلِيفَاتِ مَنْزِلَةَ تَمَاثُلِ الْمِثْلِيَّاتِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَضَ قَصْرًا مَبْنِيًّا بِالْأَحْجَارِ مِنْ غَيْرِ طِينٍ وَلَا جَيَّارٍ وَأَمْكَنَ أَنْ يَرُدَّ كُلَّ حَجَرٍ فِي مَكَانِهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا سَوَّى الْحَفْرَ وَطَمَّ الْآبَارَ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا هَدَمَ الْجِدَارَ الْمُشْتَرَكَ أُجْبِرَ عَلَى إعَادَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا لَا يُسَاوِي تَأْلِيفَهُ فَهُوَ صَوَابٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ مَعَ تَفَاوُتِ التَّأْلِيفِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّرْعِ، وَإِبْدَالُ الْمُتْلَفَاتِ لِأَدَائِهِ إلَى إبْدَالِ الْفَائِتِ بِدُونِهِ أَوْ بِأَفْضَلَ مِنْهُ.
(1/182)

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ بِصِفَةٍ تَرْغَبُ بِمِثْلِهَا الْعُصَاةُ وَتَزِيدُ بِهَا الْقِيَمُ عِنْدَهُمْ كَالْكَبْشِ النَّطَّاحِ وَالدِّيكِ الْمِهْرَاشِ وَالْغُلَامِ الْفَاتِنِ بِحُسْنِ صُورَتِهِ وَحَرَكَتِهِ فَإِنَّ لِهَؤُلَاءِ قِيمَةً زَائِدَةً عِنْدَ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أَهْلِ الصَّلَاحِ؟ قُلْنَا: لَا نَظَرَ إلَى ذَلِكَ لِفَسَادِ الْغَرَضِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، كَمَا لَا نَظَرَ إلَى قِيمَةِ الزَّمْرِ وَالْكُوبَةِ وَالصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الرُّشْدِ وَالصَّلَاحِ كَمَا فِي كَسْرِ الْأَوْثَانِ وَالصُّلْبَانِ.
وَأَمَّا جَبْرُ الْأُرُوشِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ جَبْرِ الصِّفَاتِ يُقَوَّمُ الْعَرَضُ صَحِيحًا وَمَعِيبًا وَيَحْسِبُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مَنْسُوبًا إلَى الثَّمَنِ.

وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَمَنَافِع الْمَلَاهِي وَالْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالتَّقْبِيلِ وَالضَّمِّ الْمُحَرَّمِ فَلَا جَبْرَ لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ احْتِقَارًا لَهَا، كَمَا لَا تُجْبَرُ الْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ لِحَقَارَتِهَا، فَإِنْ اسْتَوْفَى شَيْئًا مِنْهَا بِغَيْرِ مُطَاوَعَةٍ مِنْ ذِي الْمَنْفَعَةِ فَلَا يُجْبَرُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا مَهْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا كُرْهًا أَوْ شُبْهَةً، وَلَا يُجْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي اللِّوَاطِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّمْ قَطُّ فَأَشْبَهَ الْقُبَلَ وَالْعِنَاقَ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مُتَقَوِّمَةً فَتُجْبَرُ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالصَّحِيحَةِ وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْأَيْدِي الْمُبْطِلَةِ وَالتَّفْوِيتُ بِالِانْتِفَاعِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَوَّمَهَا وَنَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْأَمْوَالِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَبْرِهَا بِالْعُقُودِ وَجَبْرِهَا بِالتَّفْوِيتِ وَالْإِتْلَافِ، لِأَنَّ الْمَنَافِعَ هِيَ الْغَرَضُ الْأَظْهَرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ، فَمَنْ غَصَبَ قَرْيَةً أَوْ دَارًا قِيمَتُهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَبَقِيَتْ فِي يَدِهِ سَبْعِينَ سَنَةً يَنْتَفِعُ بِهَا مَنَافِعَ تُسَاوِي أَضْعَافَ قِيمَتِهَا وَلَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهَا لَكَانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ الَّذِي لَمْ تَرِدْ شَرِيعَةٌ بِمِثْلِهِ وَلَا بِمَا يُقَارِبُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ.
(1/183)

وَأَمَّا مَنَافِعُ الْأَحْرَارِ فَيُجْبَرُ اسْتِيفَاؤُهَا فِي الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَفِي غَيْرِ الْعُقُودِ، وَهَلْ تُجْبَرُ بِحَبْسِ الْحُرِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ لَهَا؟ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُرَّ عَلَى مَنَافِعِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْأَبْضَاعُ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالصَّحِيحَةِ وَفِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَوَطْءِ الْإِكْرَاهِ بِمُهُورِ الْأَمْثَالِ، وَلَا تُجْبَرُ مَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ إلَّا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ تَفْوِيتٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَلَا تُجْبَرُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنَافِعِ الْأَبْضَاعِ وَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الْفَائِتَةِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَنَافِعِ يُجْبَرُ بِقَلِيلِ الْأَجْرِ وَحَقِيرِهَا، وَضَمَانُ الْأَبْضَاعِ بِمُهُورِ الْأَمْثَالِ يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ. فَلَوْ جُبِرَ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي لَجُبِرَ بِمَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ مِنْ الْأَمْوَالِ. فَإِذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ مِائَةً وَمُدَّةُ الْإِيلَاجِ لَحْظَةٌ لَطِيفَةً، فَأَمْسَكَهَا يَوْمًا يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَيْ لَحْظَةٍ لَلَزِمَهُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ أَلْفَا دِينَارٍ بَلْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَوْ عَشَرَةُ آلَافٍ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ بِعَشَرَةِ آلَافِ إيلَاجَةٍ وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ.

وَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ قِيَامِ جَبْرِ الْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ وَالْأَوْصَافِ إذْ لَا تُجْبَرُ بِأَمْثَالِهَا وَلَا تَخْتَلِفُ جَوَابِرُهَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ: فَيُجْبَرُ الْمُسْلِمُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْمُسْلِمَةُ بِخَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ، وَيُجْبَرُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَتُجْبَرُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ بِسُدُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَيُجْبَرُ الْمَجُوسِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْمَجُوسِيَّةُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَا عِبْرَةَ فِي جَبْرِ الْأَمْوَالِ بِالْأَدْيَانِ فَيُجْبَرُ الْعَبْدُ الْمَجُوسِيُّ الَّذِي يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ، وَيُجْبَرُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُسَاوِي مِائَةً بِمِائَةٍ، لِأَنَّ الْمَجْبُورَ هُوَ الْمَالِيَّةُ دُونَ الْأَدْيَانِ.
(1/184)

وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَصِلُ إلَى الْعِظَامِ فِي الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ وَأَرْشُهُ مُقَدَّرٌ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ بِسَبَبِ طُولِهِ وَلَا قِصَرِهِ وَلَا ضِيقِهِ وَلَا اتِّسَاعِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ مِنْ الْجِرَاحِ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الْإِتْلَافِ يُجْبَرُ بِأَرْشِ النَّقْصِ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا سَلِيمًا وَمَجْنِيًّا عَلَيْهِ وَبِحَسَبِ مَا بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدِّيَةِ دُونَ الْقِيمَةِ.
وَأَمَّا أَعْضَاءُ بَنِي آدَمَ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالدِّيَةِ تَارَةً وَبِمُقَدَّرٍ يُنْسَبُ إلَى الدِّيَةِ تَارَةً، وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي الدَّوَابِّ لَمْ يُجْبَرْ بِمُقَدَّرٍ وَجُبِرَ بِمَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ السَّالِمِ مِنْ الْجِنَايَةِ.
وَلَوْ وَجَبَ فِي الْإِنْسَانِ دِيَاتٌ ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَتِهَا لَعَادَتْ الدِّيَاتُ إلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ فُرِضَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ لَجُبِرَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ وَلَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا مِنْ أُرُوشِ أَعْضَائِهِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى جِنَايَاتِ الْأُنَاسِ التَّعَبُّدُ الَّذِي لَا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَالْحُكُومَاتُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ مِنْ وَجْهٍ فَهِيَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ نِسْبَتِهَا إلَى الدِّيَاتِ. وَقَدْ سَوَّى الشَّرْعُ بَيْنَ أَرْشِ إبْهَامِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَخِنْصَرِهَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَكَذَلِكَ سَوَّى بَيْنَ أَرْشِ إبْهَامِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَخِنْصَرِهَا مَعَ التَّفَاوُتِ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ سَوَّى بَيْنَ أَرْشِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَرْشِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ مَعَ بَقَاءِ مُعْظَمِ مَنَافِعِ الرِّجْلَيْنِ وَفَوَاتِ مُعْظَمِ مَنَافِعِ الْيَدَيْنِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فِي مُجَانَبَةِ الْقِيَاسِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَرْشِ إبْهَامِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَسَبَّابَتِهَا وَبَيْنَ أَرْشِ خِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَبِنَصْرِهَا، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَرْشِ إبْهَامِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَأَرْشِ خِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَأَعْجَبُ مِنْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ دِيَةِ الْأُذُنَيْنِ وَدِيَةِ اللِّسَانِ مَعَ تَفَاوُتِ النَّفْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ دِيَةِ الشَّمِّ وَالْعَقْلِ وَدِيَةِ الْبَصَرِ وَالشَّمِّ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْيَدَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ دِيَاتِ الْأَسْنَانِ وَالْأَصَابِعِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي الْمَنَافِعِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مُوضِحَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُسْتَوْعِبَةٌ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ
(1/185)

وَالْأُخْرَى بِقَدْرِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْهَاشِمَتَيْنِ وَالْمِنْقَلَتَيْنِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا فِي الْهَشْمِ وَنَقْلِ الْعِظَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَعَبُّدًا لَا يَقِفُ الْعِبَادُ عَلَى مَعْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ خُولِفَ الْقِصَاصُ فِي التَّمَاثُلِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْجَابِرِ وَالْمَجْبُورِ فِي غَيْرِ الْإِنَاسِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُجْبَرُ بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِ أَعْضَائِهِ كَمَا يُجْبَرُ جَزَاءُ الصَّيْدِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِ أَعْضَائِهِ، وَالْعَبْدُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبَعِيرِ وَالْإِنْسَانِ فَتُجْبَرُ أَعْضَاؤُهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ نَظَرًا إلَى مَالِيَّتِهِ كَمَا تُجْبَرُ أَعْضَاءُ الْبَعِيرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ نِسْبَةَ أُرُوشِ جِرَاحَةِ الْعَبْدِ إلَى قِيمَتِهِ كَنِسْبَةِ أُرُوشِ جِرَاحِ الْحُرِّ إلَى دِيَتِهِ.

وَأَمَّا الزَّوَاجِرُ فَنَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا مَا هُوَ زَاجِرٌ عَنْ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبٍ حَاضِرٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ مُلَابِسَةٍ لَا إثْمَ عَلَى فَاعِلِهَا وَهُوَ مَا قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ الْمَوْجُودَةِ وَيَسْقُطُ بِانْدِفَاعِهَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَقَعُ زَاجِرًا عَنْ مِثْلِ ذَنْبٍ مَاضٍ مُنْصَرِمٍ أَوْ عَنْ مِثْلِ مَفْسَدَةٍ مَاضِيَةٍ مُنْصَرِمَةٍ وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا مَا يَجِبُ إعْلَامُ مُسْتَحِقِّهِ بِهِ لِيَبْرَأَ مِنْهُ أَوْ يَسْتَوْفِيَهُ وَذَلِكَ كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَكَحَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مُسْتَحِقَّهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا الْأَوْلَى بِالْمُتَسَبِّبِ إلَيْهِ سَتْرُهُ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. وَالْجَرَائِمُ الْمَزْجُورُ عَنْهَا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَجِبُ زَجْرُهَا عَلَى مُرْتَكِبِهَا كَالْكَفَّارَاتِ الزَّاجِرَةِ عَنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ وَإِفْسَادِ الِاعْتِكَافِ وَالطَّهَارَةِ.
(1/186)

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَتَخَيَّرُ فِيهِ مُسْتَوْفِيهِ بَيْنَ اسْتِيفَائِهِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ عَنْهُ وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ، وَكَحَدِّ الْقَذْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: التَّعْزِيرَاتُ الْمُفَوَّضَاتُ إلَى الْأَئِمَّةِ الْحُكَّامِ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْجِنَايَاتِ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ لَمْ يَجُزْ لِلْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ وَإِسْقَاطُهَا إذَا طَلَبَهَا مُسْتَحِقُّهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ فَاسْتِيفَاؤُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلَحِ فَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ اسْتِيفَاءَهَا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ دَرْأَهَا وَجَبَ دَرْؤُهَا.

أَمَّا الزَّوَاجِرُ عَنْ الْإِضْرَارِ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ. أَحَدُهَا قَتْلُ تَارِكِ الصَّلَاةِ حَثًّا عَلَيْهَا فَإِنْ أَتَى بِهَا تَرَكْنَاهُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الزَّجْرُ عَنْ مَفْسَدَةِ الْبُغَاةِ فَإِنْ رَجَعُوا إلَى الطَّاعَةِ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَهَذَا زَجْرٌ عَنْ مَفْسَدَةٍ لَا إثْمَ فِيهِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّوْا تَرَكْنَاهُمْ وَهُوَ أَيْضًا زَجْرٌ عَنْ مَفْسَدَةٍ لَا إثْمَ فِيهَا.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: تَحْرِيمُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا عَلَى مَنْ طَلَّقَهَا زَجْرًا لَهُ عَنْ تَكْرِيرِ أَذِيَّتِهَا بِالطَّلَاقِ، وَهَذَا زَجْرٌ عَمَّا لَيْسَتْ مَفْسَدَتُهُ مُحَرَّمَةً.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: قِتَالُ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ كَالْمُمْتَنِعِينَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا بِالْحَرْبِ، فَإِنْ أَدَّوْا الْحُقُوقَ سَقَطَ قِتَالُهُمْ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: زَجْرُ النَّاظِرِ إلَى الْحُرُمِ فِي الدُّورِ بِرَمْيِ عَيْنِهِ، فَإِنْ انْكَفَّ سَقَطَ رَمْيُهَا.
الْمِثَالُ السَّابِعُ: قِتَالُ الصِّوَالِ مَا دَامُوا مُقْبِلِينَ عَلَى الصِّيَالِ، فَإِنْ انْكَفُّوا حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَقِتَالُهُمْ.
(1/187)

الْمِثَالُ الثَّامِنُ: قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا.
الْمِثَالُ التَّاسِعُ: قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ.
الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: ضَرْبُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ النَّاشِزَةَ إلَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْ النُّشُوزِ.
الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قِتَالُ الْفِئَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ عَصَبِيَّةً أَوْ عَلَى الدُّنْيَا إلَى أَنْ تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: قِتَالُ الدَّاخِلِ إلَى الدُّورِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُغِيثِ إلَى أَنْ يُوَلِّيَ خَارِجًا.
الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ إلَى أَنْ يَبْذُلُوهَا.
الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قِتَالُ الْخَوَارِجِ إلَى أَنْ يَرْجِعُوا إلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الزَّوَاجِرُ عَمَّا تَصَرَّمَ مِنْ الْجَرَائِمِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عُقُوبَتُهَا إلَّا بِاسْتِيفَائِهَا أَوْ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّهَا فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْذِفَ رَجُلًا مُحْصَنًا قَذْفًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحُكَّامِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إعْلَامُ مُسْتَحِقِّهِ بِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالْمُخْتَارُ إيجَابُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِرْصًا مِنْهُ عَلَى إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ نُصْحًا لِلْمَقْذُوفَةِ حَتَّى إذَا كَانَتْ عَفِيفَةً تَخَيَّرَتْ بَيْنَ حَدِّ الْقَذْفِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ، وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا رَجَمَهَا.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الْقِصَاصُ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ يَجِبُ عَلَى الْجَانِي إعْلَامُ
(1/188)

مُسْتَحِقِّهِ بِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْإِعْلَامِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا سَرَقَ مَالَ إنْسَانٍ سَرِقَةً مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِالسَّرِقَةِ بَلْ يُخْبِرُ مَالِكَ السَّرِقَةِ بِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مَالًا بِقَدْرِ الْمَسْرُوقِ إنْ كَانَ تَالِفًا لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يُبَرِّئَهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِذِكْرِ السَّرِقَةِ لِأَنَّ زَاجِرَهَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَالْأَوْلَى بِمُرْتَكِبِهَا أَنْ يَسْتُرَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ بَاقِيًا رَدَّهُ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَرُدُّهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِسَرِقَةٍ، وَلَا يُوَكِّلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ بِنَفْسِهِ، إذْ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ إلَّا إلَى الْحَاكِمِ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ انْتِزَاعُ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْغَاصِبِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: حَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ إنْ مَحَّصْنَاهُ لِلَّهِ فَهُوَ كَحَدِّ السَّرِقَةِ يُجْبَرُ بِالْمَالِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَلَا يَذْكُرُ سَبَبَهُ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ جَعَلْنَا فِيهِ مَعَ تَحَتُّمِهِ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ بِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ فَيَسْتَوْفِيَهُ الْإِمَامُ.
وَأَمَّا مَا الْأَوْلَى بِالتَّسَبُّبِ إلَيْهِ سَتْرُ سَبَبِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْأَوْلَى بِفَاعِلِهَا سَتْرُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ أَظْهَرَهَا لِلْأَئِمَّةِ لِيَسْتَوْفُوهَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا بِكَبِيرَةٍ لِمَا يُبْتَنَى عَلَى إظْهَارِهَا مِنْ إقَامَةِ شِعَارِ الدِّينِ وَزَجْرِ الْمُفْسِدِينَ عَنْ الْفَسَادِ، وَيُكْرَهُ لِلْمُذْنِبِ الْمُجْرِمِ أَنْ يَكْشِفَ عُيُوبَهُ وَيَجْهَرَ بِذُنُوبِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرُ الَّذِي يَبِيتُ يَعْصِي رَبَّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ يَقُولُ: فَعَلْت كَذَا كَذَا فَيَفْضَحُ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ سَتَرَهُ رَبُّهُ» .
وَأَمَّا الشُّهُودُ عَلَى هَذِهِ الْجَرَائِمِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حُقُوقٌ لِلْعِبَادِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِهَا وَأَنْ يُعَرِّفُوا بِهَا أَرْبَابَهَا، وَإِنْ كَانَتْ زَوَاجِرُهَا حَقًّا مَحْضًا لِلَّهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فَيَشْهَدُوا بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَطَّلِعُوا مِنْ إنْسَانٍ عَلَى تَكَرُّرِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى شُرْبِ الْخُمُورِ وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ، فَالْأَوْلَى أَنْ
(1/189)

يَشْهَدُوا عَلَيْهِ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي السَّتْرِ عَلَيْهِ مِثْلٍ زَلَّة مِنْ هَذِهِ الزَّلَّاتِ تَقَعُ نُدْرَةً مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ ثُمَّ يُقْلِعُ عَنْهَا وَيَتُوبُ مِنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا، وَقَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِضِرَارٍ فِي حَقِّ مَاعِزٍ: هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك يَا ضِرَارُ؟» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . فَإِنْ قِيلَ: إذَا عَلِمَ الشُّهُودُ أَنَّ الزَّانِيَ قَدْ تَابَ مِنْ الزِّنَا فَصَلَحَتْ حَالُهُ بِحَيْثُ يَجُوزُ لَهُمْ تَزْكِيَتُهُ فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إنْ أَسْقَطْنَا الْحَدَّ بِالتَّوْبَةِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ بَقِينَا الْحَدَّ مَعَ التَّوْبَةِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَالْأَوْلَى كِتْمَانُهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَالْحَدُّ وَالْقِصَاصُ؟ قُلْنَا: هُوَ مَجَازٌ عَنْ وُجُوبِ تَمْكِينِهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَاتِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَا عَلَى الْجَارِحِ أَنْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ وَلَا عَلَى الزَّانِي أَنْ يَجْلِدَ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يَرْجُمَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُعَزَّرُ، وَقَدْ صَرَّحَ الرَّبُّ بِإِيجَابِ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا، وَأَدَاؤُهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَمْكِينِ أَهْلِهَا مِنْ قَبْضِهَا وَأَخْذِهَا، فَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْعُقُوبَاتِ عَلَى ذَوِي الْجَرَائِمِ.

وَالْحُقُوقُ فِي الشَّرْعِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ قَبْضِهِ وَأَخْذِهِ كَأَمَانَاتِ الرَّبِّ وَأَمَانَاتِ عِبَادِهِ، فَأَمَّا أَمَانَاتُ الرَّبِّ فَكَاسْتِئْمَانِهِ الْآبَاءَ وَالْأَوْصِيَاءَ عَلَى الْيَتَامَى، وَكَاسْتِئْمَانِهِ مَنْ أَطَارَتْ إلَيْهِ الرِّيحُ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ وَكَاسْتِئْمَانِهِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ رَبُّهَا وَانْتَقَلَتْ إلَى وَرَثَتِهِ مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدِ الْأَمِينِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ لِوَرَثَتِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ بِهَا أَرْبَابَهَا إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِهَا، ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِهَا إلَّا التَّمْكِينُ مِنْ قَبْضِهَا.
وَأَمَّا أَمَانَاتُ النَّاسِ فَكَالْوَدَائِعِ وَلَا يَجِبُ فِيهَا إلَّا التَّمْكِينُ مِنْ قَبْضِهَا.
(1/190)

الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْحُقُوقِ: مَا تَكُونُ مُؤْنَةُ إقْبَاضِهِ عَلَى مُقْبِضِهِ كَالْأَثْمَانِ وَالْعَوَارِيّ وَالْغُصُوبِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْجُنَاةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ التَّمْكِينُ كَمَا فِي الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِقْبَاضُ وَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْعَوَارِيّ وَالْغُصُوبِ وَالدُّيُونِ وَالْأَثْمَانِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِي أُجْرَةِ الْجَلَّادِ وَالْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّمْكِينَ لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِي أُجْرَةُ الْمُسْتَوْفِي، وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّسَلُّمَ وَجَبَ أُجْرَةُ الْمُسْتَوْفِي عَلَى الْجَانِي كَمَا تَجِبُ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.

[فَائِدَةٌ سَجْدَتَا السَّهْوِ جَبْرٌ مِنْ وَجْهٍ وَزَجْرٌ لِلشَّيْطَانِ مِنْ وَجْهٍ]
(فَائِدَةٌ) سَجْدَتَا السَّهْوِ جَبْرٌ مِنْ وَجْهٍ وَزَجْرٌ لِلشَّيْطَانٍ عَنْ الْوَسْوَاسِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِمَا فِي السَّجْدَتَيْنِ مِنْ تَرْغِيمِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا سَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَعَصَيْت فَلِي النَّارُ. فَإِنْ قِيلَ: مُحَرَّمَاتُ الْحَجِّ تِسْعٌ مَنْ تَعَمَّدَهَا زُجِرَ عَنْهَا بِالْكَفَّارَةِ إلَّا النِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ فَإِنَّهُ يُزْجَرُ عَنْهُمَا بِالتَّعْزِيرِ دُونَ التَّكْفِيرِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ لَمْ يَحْصُلَا عَلَى غَرَضِهِمَا مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي ارْتَكَبَاهُ بِخِلَافِ مَنْ ارْتَكَبَ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ عَلَى الْأَغْرَاضِ الَّتِي حُرِّمَتْ لِأَجْلِهَا، فَإِنَّ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْ الطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الرَّأْسِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْجِمَاعِ وَبِمَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَكْلِ الصَّيْدِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ حَاصِلٌ لِمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ، فَزُجِرَ بِالْكَفَّارَةِ فِطَامًا لَهُ عَنْ السَّعْيِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذَّاتِ، وَالنِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ كَلَامٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ
(1/191)

شَيْءٌ مِنْ الْأَغْرَاضِ وَلَا يَصِحَّ وَمَا جَازَتْ مُبَاشَرَتُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ لِعُذْرٍ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ جَبْرًا لَا زَجْرًا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ زَوَاجِرَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا زَوَاجِرَ جَعَلَهَا جَوَابِرَ لِمَا نَقَصَ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَمَهْمَا جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ وَجَبَ كَأَكْلِ الْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ الصَّيْدَ فَلَيْسَتْ كَفَّارَةً زَاجِرَةً بَلْ هِيَ جَابِرَةٌ لَا غَيْرُ، إذْ لَا زَجْرَ عَمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ أَذِنَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الزَّجْرُ عَنْ الْمَفَاسِدِ الْمُحَقَّقَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ زُجِرَ الْحَنَفِيُّ بِالْحَدِّ عَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ مَعَ إبَاحَتِهِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ بِمُبَاحٍ وَإِنَّمَا يُخْطِئُ فِي شُرْبِهِ، وَقَدْ عَفَا الشَّرْعُ عَنْ الْمَفَاسِدِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الْمُخْطِئِينَ الْجَاهِلِينَ دُونَ الْعَامِدِينَ الْعَارِفِينَ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا قُلْنَا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَهَلَّا كَانَ شُرْبُ الْحَنَفِيِّ مُبَاحًا؟ قُلْنَا: مَنْ صَوَّبَ الْمُجْتَهِدِينَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ بِهِ إلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: مَا مَفَاسِدُ الْجَرَائِمِ الَّتِي شُرِعَتْ عَنْهَا الزَّوَاجِرُ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَرْوَاحِ فَزَاجِرٌ عَنْ إزْهَاقِ النُّفُوسِ وَقَطْعِ الْحَيَاةِ وَهِيَ مِنْ أَعْلَى الْمَفَاسِدِ.
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا فَزَاجِرٌ عَنْ تَفْوِيتِ الِانْتِفَاعِ بِالْأَعْضَاءِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَغْرَاضِ الَّتِي خُلِقَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ وَالْأَطْرَافُ لِأَجْلِهَا، وَالْقِصَاصُ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقٍّ لِلَّهِ وَحَقٍّ لِلْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ عُضْوٌ خَسِيسٌ بِعُضْوٍ نَفِيسٍ، وَإِنْ أَذِنَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَغَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَسَقَطَ بِإِسْقَاطِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَمِنْ وَرَثَتِهِ اسْتِيفَاؤُهُ فَلَا يُؤَدِّي تَفْوِيضُهُ إلَيْهِمْ إلَى تَحَقُّقِ الْمَفَاسِدِ لِأَنَّهَا تَنْدَفِعُ بِتَشَفِّيهِمْ فِي الْغَالِبِ.
وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَزَاجِرٌ عَنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا وَعَنْ مَفَاسِدِ مَا فِيهِ، مِنْ مَفَاسِدِ
(1/192)

اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ وَإِرْغَامِ أَنْفِ الْعَصَبَاتِ وَالْأَقَارِبِ، وَلَمْ يُفَوِّضْهُ الشَّرْعُ إلَى مَنْ تَأَذَّى بِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَزْنِيِّ بِهَا، لِأَنَّهُ لَوْ فَوَّضَهُ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَوْفَوْهُ غَالِبًا خَوْفًا مِنْ الْعَارِ وَالِافْتِضَاحِ.
وَأَمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ فَزَاجِرٌ عَنْ مَفْسَدَةِ تَفْوِيتِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَوَسَّلُ بِهَا إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَيَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَمْ يُفَوِّضْ الشَّرْعُ اسْتِيفَاءَهُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِغَلَبَةِ الرِّقَّةِ فِي مُعْظَمِ النَّاسِ عَلَى السَّارِقِينَ، فَلَوْ فُوِّضَ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَوْفَوْهُ رِقَّةً وَحُنُوًّا وَشَفَقَةً عَلَى السَّارِقِينَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُقْطَعُ يَدٌ دِيَتُهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِل أَوْ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ أَوْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؟ قُلْنَا: لَيْسَ الزَّجْرُ عَمَّا أُخِذَ وَإِنَّمَا الزَّجْرُ عَنْ تَكْرِيرِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ السَّرِقَةِ الْمُفَوِّتَةِ لِلْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا ضَابِطَ لَهَا وَلَوْ شَرَطَ الشَّرْعُ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ مَالًا خَطِيرًا لَضَاعَتْ أَمْوَالُ الْفُقَرَاءِ النَّاقِصَةُ عَنْ نِصَابِ الْخَطِيرِ، وَفِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ عَامَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ.
وَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ فَزَاجِرٌ عَنْ شُرْبِ كَثِيرِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فِي شَيْءٍ حَقِيرٍ، فَمَا الظَّنُّ بِإِفْسَادِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَخْطَرُ مِنْ كُلِّ خَطِيرٍ؟ وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الْحَدَّ فِي شُرْبِ الْيَسِيرِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى شُرْبِ الْكَثِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ الْحَدُّ فِي إزَالَةِ عَقْلِهِ بِغَيْرِ سُكْرٍ كَالْبَنْجِ وَغَيْرِهِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ إفْسَادَ الْعَقْلِ بِذَلِكَ فِي غَايَةِ النُّدُورِ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيحٌ
(1/193)

وَلَا إطْرَابٌ يَحُثَّانِ عَلَى تَعَاطِيهِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ فَإِنَّ مَا فِيهِمَا مِنْ التَّفْرِيحِ وَالْإِطْرَابِ حَاثٌّ عَلَى شُرْبِهِمَا فَغَلَبَتْ لِذَلِكَ مَفْسَدَتُهُمَا فَوَجَبَ الْحَدُّ لِغَلَبَةِ الْمَفْسَدَةِ، وَلَمْ تَجِبْ فِي الْبَنْجِ وَنَحْوِهِ لِنُدْرَةِ الْإِفْسَادِ بِهِ.
وَأَمَّا حَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ فَزَاجِرٌ عَنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالْقَطْعِ وَعَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ بِالْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا تَحَتَّمَ كَمَا تَحَتَّمَ حَدُّ الزِّنَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ ضَمُّوا إلَى جِنَايَاتِهِمْ إخَافَةَ السَّبِيلِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَازٍ بِهَا، بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا أَوْ سَرَقَ مَالَهُ فِي خُفْيَةٍ.
وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَزَاجِرٌ عَنْ هَتْكِ الْأَعْرَاضِ بِالتَّعْبِيرِ بِالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَعَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ لِلْآدَمِيِّ لِدَرْءِ تَغَيُّرِهِ بِالْقَذْفِ، وَقَدْ غَلَّبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يُسْقِطْهُ بِإِسْقَاطِ الْمَقْذُوفِ، وَغَلَّبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ فَأَسْقَطَهُ بِإِسْقَاطِهِ كَالْقِصَاصِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِرَجْمِ الثَّيِّبِ الزَّانِي وَقَدْ قِيلَ فِيهَا مَا لَا أَرْتَضِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَفْسَدَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِجَعْلِ الرِّبَا مِنْ الْكَبَائِرِ لَمْ أَقِفْ فِيهَا عَلَى مَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ مَطْعُومًا أَوْ قِيمَةً لِلْأَشْيَاءِ أَوْ مُقَدَّرًا لَا يَقْتَضِي مَفْسَدَةً عَظِيمَةً تَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ لِأَجْلِهَا، وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لِشَرَفِهِ حَرُمَ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسَاءِ، فَإِنَّ مَنْ بَاعَ أَلْفَ دِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ صَحَّ بَيْعُهُ، وَمَنْ بَاعَ كُرَّ شَعِيرٍ بِأَلْفِ كُرِّ حِنْطَةٍ، أَوْ بَاعَ مَدَّ شَعِيرٍ بِأَلْفِ مَدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ بَاعَ مَدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِ، أَوْ دِينَارًا بِمِثْلِهِ، أَوْ دِرْهَمًا بِمِثْلِهِ وَأَجَّلَ ذَلِكَ لَحْظَةً فَإِنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلُوحُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ مَعْنًى يُصَارُ إلَيْهِ وَلَا يُعْتَمَدُ.
وَأَمَّا التَّعْزِيرَاتُ فَزَوَاجِرُ عَنْ ذُنُوبٍ لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا حُدُودٌ وَلَا كَفَّارَاتٌ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ الذُّنُوبِ فِي الْقُبْحِ وَالْإِيذَاءِ، وَقَدْ قَدَّرَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِعَشَرَةِ سِيَاطٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
(1/194)

أَنْ يَجْلِدَ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، وَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِمَا نَقَصَ عَنْ أَدْنَى الْحُدُودِ، وَقَدَّرَهَا آخَرُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: يُعَزَّرُ فِي الْيَمِينِ الْغُمُوسِ مَعَ إيجَادِ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ قُلْنَا يُعَزَّرُ لِجُرْأَتِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَالْكَفَّارَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِ الْحَالِفِ مُجْتَرِئًا وَإِنَّمَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ مُوجِبِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ حَيْثُ لَا عِصْيَانَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَزْدَجِرُ الْجَلْدُ الْقَوِيُّ الَّذِي عَمَّ فَسَادُهُ وَعَظُمَ عِنَادُهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؟ قُلْنَا: يَضُمُّ إلَيْهِ الْحَبْسَ الطَّوِيلَ الَّذِي يُرْجَى الِازْدِجَارَ بِمِثْلِهِ وَلِلْإِمَامِ صَلْبُهُ مُبَالَغَةً فِي زَجْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ مَنْ آذَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ مِنْ ضُرُوبِ الْأَذَى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ بِمُخَالَفَتِهِ وَآذَى الْمُسْلِمَ بِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ، فَإِذَا عَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَنْ عُقُوبَةِ ذَلِكَ الْأَذَى أَوْ عَنْ حَدِّهِ فَهَلْ تَسْقُطُ عُقُوبَةُ اللَّهِ فِي مُخَالَفَتِهِ؟ قُلْنَا هَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَ عُقُوبَتَهُ تَبَعًا لِسُقُوطِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا زَجْرًا عَنْ الْجُرْأَةِ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ فَوَجَبَتْ جَبْرًا لِمَا فَوَّتَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ جَبْرًا لِمَا فَاتَ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ زَجْرًا عَنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الْعَبْدِ وَتَحْصِيلًا لِاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَكُمْ فِي خَوْفِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، فَإِنَّ الْجَانِيَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا جَنَى خَافَ الْقِصَاصَ فَكَفَّ عَنْ الْقَتْلِ فَاسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ وَحَيَاةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ زَجْرًا عَنْ تَفْوِيتِ حَقِّ الرَّبِّ.
(1/195)

[فَصْلٌ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمَاثُلُ مِنْ الزَّوَاجِرِ وَمَا لَا يُشْتَرَطُ]
ُ الْأَصْلُ فِي الْقِصَاصِ التَّمَاثُلُ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ اعْتِبَارُهُ إلَى إغْلَاقِ بَابِ الْقِصَاصِ قَطْعًا أَوْ غَالِبًا وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: التَّسَاوِي فِي أَجْرَامِ الْأَعْضَاءِ كَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالْأَنْفِ وَالشِّفَاهِ وَالْجُفُونِ وَسُمْكِ اللَّحْمِ فِي الْجِرَاحِ، لَوْ شَرَطَ التَّسَاوِيَ بَيْنَ أَجْرَامِهِمَا لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ إلَّا فِي أَنْدَرِ الصُّوَرِ، بَلْ يُؤْخَذُ أَعْظَمُ الْعُضْوَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا.
وَكَذَلِكَ تَفَاوُتُ الْجِرَاحِ فِي سُمْكِ مَا عَلَى الْعَظْمَ مِنْ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، بِخِلَافِ التَّسَاوِي فِي مِسَاحَاتِ الْجِرَاحَاتِ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَبَدَانِ، فَإِنَّا نَأْخُذُ مِسَاحَتَهَا فِي الطُّولِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ لَا يُؤَدِّي إلَى إغْلَاقِ بَابِ الْقِصَاصِ، وَلَا نَظَرَ إلَى التَّفَاوُتِ فِي سُمْكِ اللَّحْمِ الْمُجَلِّلِ لِلرَّأْسِ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ تَسَاوِيهِ لَأُغْلِقَ بَابُ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ كَبَطْشِ الْيَدَيْنِ وَمَشْيِ الرِّجْلَيْنِ وَبَصَرِ الْعَيْنَيْنِ وَسَمْعِ الْأُذُنَيْنِ وَذَوْقِ اللِّسَانِ، لَوْ شَرَطَ فِيهَا التَّسَاوِيَ عَلَى حِيَالِهَا لَمَا وَجَبَ فِيهَا قِصَاصٌ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: التَّسَاوِي فِي الْعُقُولِ، إذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِيهَا لَوْ اُعْتُبِرَ التَّسَاوِي لَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهَا، وَلَا وُقُوفَ لَنَا عَلَى تَسَاوِي الْعُقُولِ بَلْ يُؤْخَذُ أَتَمُّ الْعُقُولِ بِأَقَلِّهَا، وَأَنْفُذُ الْأَبْصَارِ بِأَضْعَفِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالْمَشْيِ وَالْبَطْشِ وَسَائِرِ مَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَقَطْعُ أَيْدِي الْجَمَاعَةِ بِقَطْعِ يَدِ الْوَاحِدِ، لَوْ اعْتَبَرْنَا فِيهَا التَّسَاوِي لَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ بِتَوَاطُؤِ الْجَمْعِ عَلَى
(1/196)

الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ أَنْدَرُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقَتْلِ فَلِذَلِكَ خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا خَالَفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحَيَاةِ الَّتِي لَمْ يَبْقَ بِهَا إلَّا صَبَابَةٌ يَسِيرَةٌ فَإِنَّا نَأْخُذُ بِهَا الْحَيَاةَ الطَّوِيلَةَ الْمَرْجُوَّةَ الدَّوَامِ فَيُقْتَلُ الشَّابُّ الْأَيِّدُ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ بِالشَّيْخِ الْهَرِمِ الَّذِي نَضَبَ عُمْرُهُ وَانْقَضَى دَهْرُهُ، وَكَذَلِكَ يُؤْخَذُ الشَّبَابُ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ بِقَتْلِهِ مَنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ وَيَئِسَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهَا إلَّا سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ لَا نَظَرَ إلَى التَّفَاوُتِ فِي الصَّنَائِعِ فَتُؤْخَذُ يَدُ الصَّانِعِ الْمَاهِرِ فِي صِنَاعَتِهِ بِيَدِ الْأَخْرَقِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِثْلُ أَنْ تُؤْخَذَ يَدُ ابْنِ الْبَوَّابِ بِيَدِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ تُؤْخَذُ يَدُ أَحْذَقِ النَّاسِ فِي الرِّمَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّنَائِعِ بِيَدِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرِّمَايَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الصَّنَائِعِ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مُتَعَلِّقَاتِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَحَالِّهَا]
فِي بَيَانِ مُتَعَلِّقَاتِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَحَالِّهَا، مَبْدَأُ التَّكَالِيفِ كُلِّهَا وَمَحَلُّهَا أَوْ مَصْدَرُهَا الْقُلُوبُ، وَأَوَّلُ وَاجِبٍ يَجِبُ - بَعْدَ النَّظَرِ - مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ صِفَاتِهِ، وَهِيَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ عِبَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا مَشْرُوعَةٌ لِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ وَالْأَجْسَادِ، وَلِنَفْعِ الْعِبَادِ فِي الْآجِلِ وَالْمَعَادِ إمَّا بِالتَّسَبُّبِ أَوْ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَصَلَاحُ الْأَجْسَادِ مَوْقُوفٌ عَلَى صَلَاحِ الْقُلُوبِ، وَفَسَادُ الْأَجْسَادِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَسَادِ الْقُلُوبِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، أَيْ إذَا صَلَحَتْ بِالْمَعَارِفِ وَمَحَاسِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ بِالطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ،
(1/197)

وَإِذَا فَسَدَتْ بِالْجَهَالَاتِ وَمَسَاوِئِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ بِالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
وَطَاعَةُ الْأَبَدَانِ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ نَافِعَةٌ بِجَلْبِهَا لِمَصَالِحِ الدَّارَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَبِدَرْئِهَا لِمَفَاسِدِ الدَّارَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، وَالْأَحْوَالُ نَاشِئَةٌ عَنْ الْمَعَارِفِ وَالْقُصُودُ نَاشِئَةٌ عَنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ نَاشِئَانِ عَنْ الْقُصُودِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ، وَأَحْكَامُ اللَّهِ كُلُّهَا مَصَالِحُ لِعِبَادِهِ، فَطُوبَى لِمَنْ قَبِلَ نُصْحَ رَبِّهِ، وَتَابَ عَنْ ذَنْبِهِ.

[قَاعِدَةٌ فِي بَيَانِ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَحْكَامِ]
لِلْأَحْكَامِ تَعَلُّقٌ بِالْقُلُوبِ وَالْأَبْدَان وَالْجَوَارِحِ وَالْحَوَاسِّ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ.
وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا بَدَنِيَّةٌ، وَإِنَّمَا قُسِمَتْ إلَى الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ لِتَعَلُّقِ بَعْضِهَا بِالْأَمْوَالِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِيِّ تَارَةً يَكُونُ بِالْأَقْوَالِ كَالْأَوْقَافِ وَالْوَصَايَا، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْأَفْعَالِ كَإِقْبَاضِ الْفُقَرَاءِ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَاتِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْإِعْتَاقِ فِي الْكَفَّارَاتِ فَنَبْدَأُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ.
فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَإِنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْمَقَاصِدِ وَالْوَسَائِلِ: فَأَمَّا الْمَقَاصِدُ فَكَمَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، أَمَّا الْوَسَائِلُ فَكَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا مَقْصُودَةٌ لِلْعَمَلِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَحْوَالُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ كَالْمَهَابَةِ وَالْإِجْلَالِ، وَالثَّانِي وَسِيلَةٌ إلَى غَيْرِهِ كَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ وَازِعٌ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْعُقُوبَاتِ، وَالرَّجَاءُ حَاثٌّ عَلَى الطَّاعَاتِ لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَثُوبَاتِ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُلُوبِ، فَكُلُّهَا وَسَائِلُ كَالنِّيَّاتِ، وَالْحُقُوقُ كُلُّهَا إمَّا فِعْلٌ لِلْحَسَنَاتِ، وَإِمَّا كَفٌّ عَنْ السَّيِّئَاتِ، فَنَبْدَأُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ
(1/198)

الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ مَا كَانَ مِنْ الْحَسَنَاتِ دُونَ أَضْدَادِهَا، فَإِنَّا إذَا ذَكَرْنَاهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ أَضْدَادِهَا مِنْ السَّيِّئَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهَا، وَالْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُلُوبِ أَنْوَاعٌ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ ذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهَا مِنْ الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَانْتِفَاءِ الْجَوْهَرِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ وَالتَّوَجُّدِ بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الذَّوَاتِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ حَيَاتِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَاةِ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ عِلْمِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ، وَالتَّعَلُّقِ بِكُلِّ وَاجِبٍ وَجَائِزٍ وَمُسْتَحِيلٍ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْعُلُومِ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ إرَادَتِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ، وَالتَّعَلُّقِ بِمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْإِرَادَاتِ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُمْكِنَاتِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْقُدُورِ.

النَّوْعُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ سَمْعِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ وَالتَّعَلُّقِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ قَدِيمٍ أَوْ حَادِثٍ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَسْمَاعِ.
(1/199)

النَّوْعُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ بَصَرِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالْأَحْدِيَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُوجِبِ وَالْمُوجِدِ، وَالتَّعَلُّقِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ أَوْ حَادِثٍ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْأَبْصَارِ.

النَّوْعُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ كَلَامِهِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالتَّعَلُّقِ بِجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ، وَالتَّوَحُّدِ بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ.
فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ حُكْمًا كَالْحَيَاةِ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ كَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ تَأْثِيرًا كَالْقُدْرَةِ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ وَلَا تَأْثِيرٍ كَالْكَلَامِ، وَأَعَمُّهَا تَعَلُّقًا الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ، وَأَخَصُّهَا السَّمْعُ، وَمُتَوَسِّطُهَا الْبَصَرُ.

النَّوْعُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ مَا يَجِبُ سَلْبُهُ عَنْ ذَاتِهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَمِنْ كُلِّ صِفَةٍ لَا كَمَالَ فِيهَا وَلَا نُقْصَانَ.

النَّوْعُ الْعَاشِرُ: مَعْرِفَةُ تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالِاخْتِرَاعِ.

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ صِفَاتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْ قُدْرَتِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ ذَاتِهِ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ، فَالْأَعْرَاضُ أَنْوَاعٌ كَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ، وَالْإِعْزَازِ وَالْإِغْنَاءِ وَالْإِقْنَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَالْإِعَادَةِ وَالْإِفْنَاءِ.

النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ كَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَالتَّكْلِيفِ وَالْجَزَاءِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.

النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ حُسْنِ أَفْعَالِهِ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا نَفْعِهَا وَضَرِّهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ، لَهُ حَقٌّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَمَهْمَا قَالَ فَالْحَسَنُ الْجَمِيلُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ
(1/200)

وَالْأَرَضِينَ وَأَقْصَاهُمْ لَكَانَ عَادِلًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلَوْ أَثَابَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ لَكَانَ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا بِذَلِكَ كُلِّهِ.

النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: اعْتِقَادُ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي حَقِّ الْخَاصَّةِ، لِمَا فِي تَعَرُّفِ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ لِلْعَامَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْخَاصَّةَ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ وَالتَّفَرُّدِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ مُرِيدٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ صَادِقٌ فِي أَخْبَارِهِ، وَكَلَّفَ الْعَامَّةَ أَنْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ لِعُسْرِ وُقُوفِهِمْ عَلَى أَدِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ فَاجْتَزَى مِنْهُمْ بِاعْتِقَادِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ عَالِمًا بِعِلْمٍ قَادِرًا بِقُدْرَةٍ فَإِنَّهُ مِمَّا يَلْتَبِسُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ لِالْتِبَاسِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قِدَمِ كَلَامِهِ وَفِي أَنَّ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ صِفَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ أَوْ هِيَ مُتَأَوَّلَةٌ بِمَا يَرْجِعُ إلَى الصِّفَاتِ فَيُعَبِّرُ بِالْوَجْهِ عَنْ الذَّاتِ، وَبِالْيَدَيْنِ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَبِالْعَيْنَيْنِ عَنْ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ أَهِيَ جِهَةٌ أَمْ لَا جِهَةَ لَهُ مِمَّا يَطُولُ النِّزَاعُ فِيهِ وَيَعْسُرُ الْوُقُوفُ عَلَى أَدِلَّتِهِ، وَقَدْ تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي الْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ أَهُمَا مِنْ صِفَاتِ السَّلْبِ أَمْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ؟ وَقَدْ كَثُرَتْ مَقَالَاتُ الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى جَمَعَهَا ابْنُ فُورَكٍ فِي مُجَلَّدَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَصْوِيبٌ لِلْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ بَلْ الْحَقُّ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْبَاقُونَ مُخْطِئُونَ خَطَأً مَعْفُوًّا عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَالِانْفِكَاكِ عَنْهُ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ مُعْتَقِدِ الْجِهَةِ فَإِنَّ اعْتِقَادَ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِمُتَحَرِّكٍ وَلَا سَاكِنٍ وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْ الْعَالَمِ وَلَا مُتَّصِلٍ بِهِ، وَلَا دَاخِلٍ فِيهِ وَلَا خَارِجٍ عَنْهُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ أَحَدٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فِي الْعَادَةِ، وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى أَدِلَّةٍ صَعْبَةِ الْمُدْرَكِ عَسِرَةِ الْفَهْمِ فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا فِي حَقِّ الْعَادِي.
وَلِذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُلْزِمُ أَحَدًا مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ
(1/201)

يُقِرُّهُمْ عَلَى مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا انْفِكَاكَ لَهُمْ عَنْهُ، وَمَا زَالَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْمُهْتَدُونَ يُقِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْعَامَّةَ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الْحَقِّ فِيهِ وَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مِنْ جَوَازِ الْمُنَاكَحَاتِ وَالتَّوَارُثِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ إذَا مَاتُوا وَتَغْسِيلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ وَحَمْلِهِمْ وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَامَحَهُمْ بِذَلِكَ وَعَفَا عَنْهُ لِعُسْرِ الِانْفِصَالِ مِنْهُ وَلَمَا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِلَهَ يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْسَادِ النَّاسِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا عَفَا عَنْ الْمُجَسَّمَةِ لِغَلَبَةِ التَّجَسُّمِ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَوْجُودًا فِي غَيْرِ جِهَةٍ بِخِلَافِ الْحُلُولِ فَإِنَّهُ لَا يَعُمُّ الِابْتِلَاءُ بِهِ وَلَا يَخْطِرُ عَلَى قَلْبِ عَاقِلٍ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ النَّظَرَ عِنْدَ الْبُلُوغِ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَإِنَّ مُعْظَمَ النَّاسِ مُهْمِلُونَ لِذَلِكَ غَيْرُ وَاقِفِينَ عَلَيْهِ وَلَا مُهْتَدِينَ إلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفَسِّقْهُمْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا شَاكِّينَ فِيمَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فَيَلْزَمُهُمْ الْبَحْثُ عَنْهُ وَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى أَنْ يَعْتَقِدُوهُ أَوْ يَعْرِفُوهُ، وَكَيْفَ نُكَفِّرُ الْعَامَّةَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى قَدِيمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُتَّجَهٌ مَعَ الْقَضَاءِ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَوَعْدًا وَوَعِيدًا وَخَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا وَنِدَاءً وَمَسْمُوعًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَوْتٍ وَأَنَّ اعْتِقَادَ مِثْلِ هَذَا لَصَعْبٌ جِدًّا عَلَى الْمُعْتَقِدِينَ الذَّاهِبِينَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْقَوَاطِعِ، الْمُكَفِّرِينَ لِجَاحِدِيهِ.
وَكَذَلِكَ كَيْفَ نُكَفِّرُ الْعَامِّيَّ بِجَهْلِهِ أَنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ النَّبِيِّ مُخْبِرًا عَنْ اللَّهِ فَلَا تَرْجِعُ النُّبُوَّةُ إلَى صِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ بَلْ تَكُونُ عِبَارَةٌ عَنْ نِسْبَةِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ، وَالْقَوْلُ لَا يُوجِبُ صِفَةً ثُبُوتِيَّةً لِلْمَقُولِ لَهُ وَلَا لِلْمَقُولِ فِيهِ أَوْ عَنْ كَوْنِ النُّبُوَّاتِ عِبَارَةً عَنْ إخْبَارِهِ عَنْ اللَّهِ فَتَرْجِعُ إلَى صِفَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَقَدْ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ
(1/202)

- رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عِبَارَاتٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ مَثَّلَ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَنْ كَتَبَ إلَى عَبِيدِهِ يَأْمُرُهُمْ بِأَشْيَاءَ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَاخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ آخَرُونَ أَزْرَقُ الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ هُوَ أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ رَبْعَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ طِوَالٌ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي لَوْنِهِ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَسْمَرَ أَوْ أَحْمَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي صِفَتِهِ اخْتِلَافٌ فِي كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ اخْتِلَافُ الْمُسْلِمِينَ فِي صِفَاتِ الْإِلَهِ اخْتِلَافًا فِي كَوْنِهِ خَالِقَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْمٌ فِي صِفَاتِ أَبِيهِمْ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَصْلُهُمْ الَّذِي خُلِقُوا مِنْ مَائِهِ وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَوْصَافِهِ اخْتِلَافًا فِي كَوْنِهِمْ نَشَئُوا عَنْهُ وَخُلِقُوا مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ فِي جِهَةٍ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا؟ قُلْنَا: لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، لِأَنَّ الْمُجَسِّمَةَ جَازِمُونَ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ وَجَازِمُونَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَذْهَبِ مَنْ يُصَرِّحُ بِخِلَافِهِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا مِنْ قَوْلِهِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ.
وَفِي الْأَحْوَالِ كَالْعَالَمِيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ وَفِي تَعَدُّدِ الْكَلَامِ وَاتِّحَادِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَاتَّفَقُوا عَلَى كَمَالِهِ بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
(فَائِدَةٌ) اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ، بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ
(1/203)

نُقْصَانٍ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ فَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَمَالٌ فَأَثْبَتَهَا لَهُ، وَاعْتَقَدَ آخَرُونَ أَنَّهَا نُقْصَانٌ فَنَفَوْهَا عَنْهُ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّ الْإِنْسَانَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ خَلَقَهَا ثُمَّ سَبَّهُ عَلَيْهَا وَلَامَهُ لَمَّا فَعَلَهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلُهَا، وَعَذَّبَهُ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِدْهَا، لَكَانَ ظَالِمًا وَالظُّلْمُ نُقْصَانٌ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا ثُمَّ يَلُومَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ وَيَقُولَ لَهُ كَيْفَ فَعَلْتَهُ وَلِمَ فَعَلْته؟ ؟ وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ خَلَقَهَا لَمَا قَدَرَ الْإِلَهُ عَلَى خَلْقِهَا وَنَفْيُ الْقُدْرَةِ عَيْبٌ وَنُقْصَانٌ، وَلَيْسَ تَعْذِيبُ الرَّبِّ عَلَى مَا خَلَقَهُ بِظُلْمٍ بِدَلِيلِ تَعْذِيبِهِ لِلْبَهَائِمِ وَالْمَجَانِينِ وَالْأَطْفَالِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَالْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ بَاطِلٌ، فَرَأَوْا أَنْ يَكُونَ كَمَالُهُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَرَأَوْا تَعْذِيبَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَخْلُقُوهُ جَائِزًا مِنْ أَفْعَالِهِ غَيْرَ قَبِيحٍ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الْمُجَسِّمَةِ مَعَ الْمُنَزِّهَةِ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَكَانَ حَادِثًا وَلَفَاتَهُ كَمَالُ الْأَزَلِيَّةِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إيجَابُ الْمُعْتَزِلِيِّ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُثِيبَ الطَّائِعِينَ كَيْ لَا يَظْلِمَهُمْ وَالظُّلْمُ نُقْصَانٌ، وَقَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ لَيْسَ ذَلِكَ بِنَقْصٍ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ لَكَانَ فِي قَيْدِهِ، وَالتَّقَيُّدُ بِالْأَغْيَارِ نُقْصَانٌ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الطَّاعَاتِ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ، لِأَنَّ إرَادَتَهَا كَمَالٌ وَيَكْرَهُ الْمَعَاصِيَ وَإِنْ وَقَعَتْ لِأَنَّ إرَادَتَهَا نُقْصَانٌ، وَقَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ لَوْ أَرَادَ مَا لَا يَقَعُ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إرَادَتِهِ لِكَلَالِهَا عَنْ النُّفُوذِ فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمَعَاصِيَ مَعَ وُقُوعِهَا لَكَانَ ذَلِكَ كَلَالًا فِي كَرَاهِيَتِهِ وَذَلِكَ نُقْصَانٌ.
(1/204)

الْمِثَالُ الْخَامِسُ: إيجَابُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةَ الصَّلَاحِ لِعِبَادِهِ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ النُّقْصَانِ، وَقَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِلْزَامَ نُقْصَانٌ وَكَمَالُ الْإِلَهِ أَنْ يَكُونَ فِي قَيْدِ الْمُتَأَلِّهِينَ.
النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مِنْ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْعِرْفَانِ.

النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ: النَّظَرُ فِي تَعْرِيفِ ذَلِكَ أَوْ اعْتِقَادُهُ وَهُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ.
النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ بِفِعْلِهِ مِنْ طَاعَتِهِ بِأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، وَمَوَانِعِهَا وَمُبْطِلَاتِهَا، وَأَوْقَاتِهَا وَمُقَدِّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا، وَمُضَيَّقِهَا وَمُوَسَّعِهَا، وَمُعَيَّنِهَا وَمُخَيَّرِهَا وَمُؤَدَّاهَا وَمُقْضِيهَا.

النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ مَا زَجَرَ عَنْ فِعْلِهِ مِنْ مَعَاصِيهِ لِيُجْتَنَبَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] .
النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ تَصَرُّفَاتِ الْعِبَادِ وَمُعَامَلَاتِهِمْ صَحِيحِهَا وَفَاسِدِهَا وَبَيَانِ الْمُحَلَّلَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْوِلَايَاتِ وَلَوَاحِقِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.

النَّوْعُ الْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ أَحْكَامِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالِاسْتِدْلَالَات الْمُسْتَقِيمَةِ، وَالْعِبَارَاتِ الْقَوِيمَةِ.

النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ خِطَابِهِ وَخِطَابِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
(1/205)

النَّوْعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: النَّظَرُ فِي مَعْرِفَةِ مَا الْتَبَسَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَدِلَّتِهَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا

النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الظُّنُونُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَأَسْبَابِهَا وَسَائِرِ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ إذْ لَوْ شُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ لَفَاتَ مُعْظَمُ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَلَا يَكْفِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْصَافِ الْإِلَهِ إلَّا الْعِلْمُ أَوْ الِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الظَّانَّ مُجَوِّزٌ بِخِلَافِ مَظْنُونِهِ، وَإِذَا ظَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْإِلَهِ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ نَقِيضَهَا وَهُوَ نَقْصٌ وَلَا يَجُوزُ تَجْوِيزُ النَّقْصِ عَلَى الْإِلَهِ، لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَجْوِيزِ نَقِيضِ الْمَظْنُونِ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ لَوْ ظَنَّ الْحَلَالَ حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَجْوِيزَ نَقْصٍ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ لَوْ أَحَلَّ الْحَرَامَ وَحَرَّمَ الْحَلَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فَدَارَ تَجْوِيزُهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَالٌ، بِخِلَافِ الصِّفَاتِ فَإِنَّ كَمَالَهَا شَرَفٌ وَضِدَّهُ نُقْصَانٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعَارِفِ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْوَاجِبَةِ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ الْعَامِّ وَالْمَقْصُودُ بِالشَّرَائِعِ إرْفَاقُ الْعِبَادِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْإِيمَانُ الْحُكْمِيُّ مَعَ عُزُوبِ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ مَا لَمْ يَطْرَأْ ضِدٌّ يُنَاقِضُ الْمَعَارِفَ وَالِاعْتِقَادَ، وَالْعِرْفَانُ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِقَادِ، وَحُكْمُ الْعِرْفَانِ أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِ الِاعْتِقَادِ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَحْوَالُ النَّاشِئَةُ عَنْ مَعْرِفَةِ الصِّفَاتِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْخَوْفَ نَاشِئٌ عَنْ مَعْرِفَةِ شِدَّةِ النِّقْمَةِ، وَالرَّجَاءَ نَاشِئٌ عَنْ مَعْرِفَةِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ، وَالتَّوَكُّلَ نَاشِئٌ عَنْ مَعْرِفَةِ تَفَرُّدِ الرَّبِّ بِالضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ.
وَالْمَحَبَّةُ تَنْشَأُ تَارَةً عَنْ مَعْرِفَةِ الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، وَتَارَةً عَنْ مَعْرِفَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، وَالْمَهَابَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ كَمَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ حَاثَّةٌ عَلَى الطَّاعَةِ الَّتِي تُنَاسِبُهَا، فَالْخَوْفُ حَاثٌّ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، وَالرَّجَاءُ حَاثٌّ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ
(1/206)

وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لِمَا يُرْجَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَثُوبَاتِ، وَالتَّوَكُّلُ حَاثٌّ عَلَى الْإِجْمَالِ فِي الطَّلَبِ وَالدُّعَاءِ، وَالِابْتِهَالُ زَاجِرٌ عَنْ الْوُقُوفِ مَعَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَحَبَّةُ حَاثَّةٌ عَلَى طَاعَةٍ مِثْلِ طَاعَةِ الْهَائِبِينَ الْمُجِلِّينَ الْمُعَظِّمِينَ الْمُسْتَحْيِينَ، وَهُوَ أَكْمَلُ مِنْ طَاعَةِ الْمُحِبِّينَ، وَلَا يُمْكِنُ اكْتِسَابُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فِي الْعَادَةِ إلَّا بِاسْتِحْضَارِ الْمَعَارِفِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأٌ لِهَذِهِ الْأَحْوَالِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ؛ الْقُصُودُ وَالنِّيَّاتُ وَالْعُزُومُ عَلَى الطَّاعَاتِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الْأَوْقَاتِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الطَّاعَاتِ قَبْلَ وُجُوبِهَا وَوُجُوبِ أَسْبَابِهَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الْعِبَادَاتُ وَجَبَتْ فِيهَا الْقُصُودُ إلَى اكْتِسَابِهَا وَالنِّيَّةُ بِالتَّقَرُّبِ بِهَا إلَى رَبِّ السَّمَوَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالنِّيَّاتِ وَالْإِخْلَاصَ يَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقِيٍّ وَحُكْمِيٍّ، فَالْإِيمَانُ الْحُكْمِيُّ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَالنِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَشْرُوطَةٌ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَاتِ دُونَ اسْتِمْرَارِهَا، وَالْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا، وَكَذَلِكَ إخْلَاصُ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ فِي أَوَّلِهَا، وَالْحُكْمِيُّ كَافٍ فِي دَوَامِهَا، وَلَوْ وَجَبَ الْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالنِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي اسْتِمْرَارِ الْعِبَادَاتِ لَحَصَلَتْ الْمَشَقَّةُ فِي اسْتِحْضَارِ الْإِيمَانِ وَالنِّيَّاتِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ اسْتِحْضَارَ النِّيَّةِ شَاقٌّ عَسِيرٌ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ تَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ، وَالْإِيمَانُ لَا يَتَضَمَّنُ نِيَّةَ الْقُرُبَاتِ، وَالْغَرَضُ مِنْ النِّيَّاتِ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، أَوْ تَمْيِيزُ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ أَثْنَاءَ تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: الْغُسْلُ فَإِنَّهُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ مَا يُفْعَلُ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ كَالْغُسْلِ عَنْ الْأَحْدَاثِ، وَغَيْرِهَا يُفْعَلُ لِأَغْرَاضِ الْعِبَادِ مِنْ التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ وَالِاسْتِحْمَامِ وَالْمُدَاوَاةِ وَإِزَالَاتِ الْأَوْضَارِ وَالْأَقْذَارِ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ وَجَبَ تَمْيِيزُ مَا يُفْعَلُ لِرَبِّ الْأَرْبَابِ عَمَّا يُفْعَلُ لِأَغْرَاضِ الْعِبَادِ.
(1/207)

الْمِثَالُ الثَّانِي: دَفْعُ الْأَمْوَالِ مُرَدَّدٌ بَيْنَ أَنْ يُفْعَلَ هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً، وَبَيْنَ أَنْ يُفْعَلَ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَلَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ، وَجَبَ أَنْ تُمَيَّزَ النِّيَّةُ لِمَا يُفْعَلُ لِلَّهِ عَمَّا يُفْعَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ تَارَةً يُفْعَلُ لِغَرَضِ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَتَارَةً يُفْعَلُ قُرْبَةً إلَى رَبِّ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ، فَوَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ أَغْرَاضِ الْعِبَادِ إلَى التَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: حُضُورُ الْمَسَاجِدِ قَدْ يَكُونُ لِلصَّلَوَاتِ أَوْ الرَّاحَاتِ أَوْ لِلْقُرْبَةِ بِالْحُضُورِ فِيهَا زِيَارَةً لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
لِمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ هَذِهِ الْجِهَاتِ وَجَبَ أَنْ يُمَيِّزَ الْحُضُورَ فِي الْمَسْجِدِ زِيَارَةً لِرَبِّ الْأَرْبَابِ عَمَّا يُفْعَلُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لَمَّا كَانَ ذَبْحُ الذَّبَائِحِ فِي الْغَالِبِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ ضِيَافَةِ الضِّيفَانِ وَتَغْذِيَةِ الْأَبْدَانِ، وَنَادِرُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَفْعَلَ تَقَرُّبًا إلَى الْمَلِكِ الدَّيَّانِ شُرِطَتْ فِيهِ النِّيَّةُ تَمْيِيزًا لِذَبْحِ الْقُرْبَةِ عَنْ الذَّبْحِ لِلِاقْتِيَاتِ وَالضِّيَافَاتِ، لِأَنَّ تَطَهُّرَ الْحَيَوَانِ بِالذَّكَاةِ كَتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ بِالْمِيَاهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ، تَارَةً يَكُونُ لِلَّهِ وَتَارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَتُمَيِّزُهُ الطَّهَارَةُ الْوَاقِعَةُ لِلَّهِ عَنْ الطَّهَارَةِ الْوَاقِعَةِ لِغَيْرِهِ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: الْحَجُّ لَمَّا كَانَتْ أَفْعَالُهُ مُرَدَّدَةً بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ تَمْيِيزًا لِلْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ.
وَأَمَّا مِثَالُ تَمْيِيزِ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ فَكَالصَّلَاةِ تَنْقَسِمُ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَالنَّفَلُ يَنْقَسِمُ إلَى رَاتِبٍ وَغَيْرِ رَاتِبٍ، وَالْفَرْضُ يَنْقَسِمُ إلَى مَنْذُورٍ وَغَيْرِ مَنْذُورٍ، وَغَيْرُ الْمَنْذُورِ يَنْقَسِمُ إلَى ظُهْرٍ وَعَصْرٍ وَمَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَصُبْحٍ، وَإِلَى قَضَاءٍ وَأَدَاءٍ فَيَجِبُ فِي النَّفْلِ أَنْ يُمَيِّزَ الرَّاتِبَ عَنْ غَيْرِهِ بِالنِّيَّةِ وَكَذَلِكَ تُمَيَّزُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْفَرْضِ تُمَيَّزُ الظُّهْرُ عَنْ الْعَصْرِ، وَالْمَنْذُورَةُ عَنْ الْمَفْرُوضَةِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعِبَادَةِ
(1/208)

الْمَالِيَّةِ تُمَيَّزُ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَنْ النَّافِلَةِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ الْمَنْذُورَةِ وَالنَّافِلَةِ.
وَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ صَوْمُ النَّذْرِ عَنْ صَوْمِ النَّفْلِ، وَصَوْمُ الْكَفَّارَةِ عَنْهُمَا، وَصَوْمُ رَمَضَانَ عَمَّا سِوَاهُ، وَيُمَيِّزُ الْحَجَّ عَنْ الْعُمْرَةِ تَمَيُّزًا لِبَعْضِ رَاتِبِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ.
وَلَا يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ دُونَ تَعْيِينِ الرُّتْبَةِ، فَإِنْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ حُمِلَ عَلَى أَقَلِّهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّقَرُّبَ بِمَا زَادَ عَلَى رُتْبَتِهَا، فَإِذَا نَوَى الرَّاتِبَةَ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ حَتَّى يُعَيِّنَهَا بِتَعَيُّنِ الصَّلَاةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا بِأَنْ يُضِيفَهَا إلَى الصَّلَاةِ التَّابِعَةِ لَهَا، وَإِذَا نَوَى الْعِيدَ أَوْ الْكُسُوفَ أَوْ الِاسْتِسْقَاءَ فَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهَا إلَى أَسْبَابِهَا لِتَمْيِيزِ رُتْبَتِهَا عَنْ رُتَبِ الرَّوَاتِبِ، وَإِنْ نَوَى الْفَرَائِضَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى أَوْقَاتِهَا وَأَسْبَابِهَا، وَلَيْسَتْ الْأَوْقَاتُ وَالْأَسْبَابُ قُرْبَةً وَلَا صِفَةً لِلْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي النِّيَّةِ لِتَبْيِينِ الْمَرْتَبَةِ، وَإِنْ نَوَى الْكَفَّارَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهَا أَجْزَأَتْهُ لِأَنَّ رُتْبَتَهَا مُتَسَاوِيَةٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا، إذْ الْعِتْقُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مِثْلُ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ إضَافَةَ الْكَفَّارَاتِ إلَى أَسْبَابِهَا كَإِضَافَةِ الصَّلَاةِ إلَى أَوْقَاتِهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَسَاوِي الرُّتَبِ، وَلَيْسَتْ الْأَوْقَاتُ وَالْأَسْبَابُ مِنْ الْعِبَادَاتِ حَتَّى يَجِبَ ذِكْرُهَا لَا سِيَّمَا أَسْبَابَ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ مُعْظَمَهَا جِنَايَاتٌ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْأَسْبَابُ قُرْبَةً وَلَا دَالَّةً عَلَى تَفَاوُتِ رُتْبَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَصْدِهَا لِأَنَّ الْعِتْقَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ قَدْ يُمَيَّزُ عَنْ الْعِتْقِ الْمَنْدُوبِ بِرُتْبَتِهِ، بِخِلَافِ رُتَبِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَلِذَلِكَ شَرَعَ بَعْضَهَا مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي بَعْضٍ كَالْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَالتَّطْوِيلِ وَالتَّقْصِيرِ، وَلَوْ تَسَاوَتْ مَقَاصِدُ الصَّلَاةِ تَسَاوَتْ مَقَاصِدُ الْعِتْقِ لِمَا اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ وَأَوْصَافُهَا، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي صَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُلْحَقَ بِالْكَفَّارَاتِ فَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِصَلَاةِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِالْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، فَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ غَيْرَ مُلْتَبِسَةٍ بِالْعَادَةِ كَالْإِيمَانِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ
(1/209)

وَالْحَيَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَهَابَةِ، فَهَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُرْبَةً فِي أَنْفُسِهَا مُتَمَيِّزَةً لِلَّهِ بِصُورَتِهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَصْدِ تَمْيِيزِهَا وَبِجَعْلِهَا قُرْبَةً مُتَمَيِّزَةً، فَلَا حَاجَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ إلَى نِيَّةٍ تَصْرِفُهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا لَا يُشَارَكُ فِيهِ وَالْأَذَانُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، إذْ لَا تَرَدُّدَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ وَلَا بَيْنَ رُتَبِ الْعِبَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّ النِّيَّةَ لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى نِيَّةٍ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى التَّسَلْسُلِ لِأَنَّ انْصِرَافَهَا بِصُورَتِهَا إلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُمَيِّزٌ لَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى مُمَيِّزٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا رُتَبَ لَهَا فِي نَفْسِهَا، وَمِثْلُ هَذَا نَقُولُ فِي الْكَلَامِ إنْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ بِصَرَاحَتِهِ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً افْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ مُمَيِّزَةٍ لِتَرَدُّدِهِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْمُعَامَلَاتِ إنْ امْتَازَ الْمَقْصُودُ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا يُمَيِّزُهُ، فَمَنْ اسْتَأْجَرَ عِمَامَةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ قَدُومًا أَوْ سَيْفًا أَوْ بِسَاطًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ مَنْفَعَةٍ لِأَنَّ صُورَتَهُ مُنْصَرِفَةٌ إلَى مَنْفَعَتِهِ مُمَيِّزَةٌ لَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى مُمَيِّزٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مُرَدَّدَةً كَالدَّابَّةِ تُكْتَرَى لِلْعَمَلِ وَالرُّكُوبِ.
وَالْأَرْضِ تُكْتَرَى لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الْمَنْفَعَةِ بِاللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ حُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِامْتِيَازِهِ بِغَلَبَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا غَالِبَ فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزٍ بِاللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ الْحُقُوقُ الْمُتَعَيِّنَةُ لَا يَفْتَقِرُ أَدَاؤُهَا إلَى نِيَّةٍ بَلْ تَصِحُّ وَتُبْرَى مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِتَعَيُّنِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَإِنْ تَرَدَّدَتْ مِثْلُ أَنْ يَقْبِضَ الْمَدِينُ مَالًا لِرَبِّ الدَّيْنِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِبَاحَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُ إقْبَاضَ الدَّيْنِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِقْبَاضِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ بِنِيَّةٍ فَلَوْ أَطْلَقَ الشِّرَاءَ عَنْ النِّيَّةِ لَانْصَرَفَ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى يَتِيمِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ
(1/210)

نِيَّةِ التَّصَرُّفِ التَّقَرُّبَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، بِخِلَافِ نِيَّةِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْقَصْدَ بِتَمْيِيزِهَا التَّقَرُّبُ إلَى الْمَعْبُودِ بِذَلِكَ الْمَقْصُودِ، وَكَذَلِكَ مَا تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْهَا إلَّا مُجَرَّدَ التَّمْيِيزِ دُونَ التَّقَرُّبِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أُثِيبَ نَاوِي الْقُرْبَةِ عَلَى مُجَرَّدِ نِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَلَا يُثَابُ عَلَى أَكْثَرِ الْأَعْمَالِ إلَّا إذَا نَوَاهُ؟ فَالْجَوَابُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ مُنْصَرِفَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَفْسِهَا، وَالْفِعْلُ الْمُرَدَّدُ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ إلَى اللَّهِ فَلِذَلِكَ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قِيلَ: لِمَ أُثِيبَ عَلَى النِّيَّةِ ثَوَابَ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا الْفِعْلُ أُثِيبَ بِعَشْرٍ مَعَ كَوْنِ النِّيَّةِ مُتَّصِلَةً إلَى اللَّهِ بِنَفْسِهَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْوِيَّ، بِهِ تَتَحَقَّقُ الْمَصَالِحُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلِذَلِكَ كَانَ أَجْرُهُ أَعْظَمَ وَثَوَابُهُ أَوْفَرَ.

(فَائِدَةٌ) هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ إضَافَةَ النِّيَّةِ إلَى اللَّهِ أَوْ يَكْفِيهِ اسْتِلْزَامُهُ الْقُرْبَةَ لِلْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ.
(فَائِدَةٌ) الَّذِي يُنْوَى مِنْ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ فَيُوَجِّهُ النِّيَّةَ إلَى التَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ غَيْرَهُ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ كَالتَّيَمُّمِ فَهَذَا يَنْوِي بِهِ اسْتِبَاحَةَ مَا يُحَرِّمُهُ الْحَدَثُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعَ تَحْدِيدُهُ، وَإِنْ نَوَى أَدَاءَ التَّيَمُّمِ أَوْ فَرِيضَةَ التَّيَمُّمِ فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ
وَالثَّانِي: يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
(1/211)

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ كَطَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ بِالْمَاءِ، فَهَذَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَهُ فِي نَفْسِهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ مَقْصُودَهُ، وَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ شَيْءٍ يُحَرِّمُهُ ذَلِكَ الْحَدَثُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ مِمَّا يُحَرِّمُهُ ذَلِكَ الْحَدَثُ، وَإِنَّمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَهِيَ قُرْبَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ الصَّلَاةُ وَالتَّيَمُّمُ مُمْتَازَانِ بِصُورَتَيْهِمَا عَنْ الْعَادَاتِ وَعَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلِمَ افْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ - مَعَ تَمْيِيزِهِمَا؟ قُلْنَا.
أَمَّا التَّيَمُّمُ فَإِنَّهُ افْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ - لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا يُفْعَلُ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً، وَلَيْسَ مَسْحُ الْوَجْهِ بِالتُّرَابِ نَوْعًا مِنْ التَّعْظِيمِ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ بَلْ صُورَتُهُ كَصُورَةِ اللَّعِبِ وَالْعَبَثِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ تَصْرِفُهُ عَنْ اللَّعِبِ وَالْعَبَثِ إلَى الْعِبَادَةِ إذْ لَا تَعْظِيمَ فِي صُورَتِهِ، وَالْعِبَادَاتُ كُلُّهَا إجْلَالٌ وَتَعْظِيمٌ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِيهَا لِوُجُوبِ تَرْتِيبِهَا، وَإِذَا بَطَلَ أَوَّلُهَا بَطَلَ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ فَلَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ فِيهَا لِتَمْيِيزِهَا عَنْ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِتَمْيِيزِ رُتَبِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مَرْتَبَةَ التَّكْبِيرِ فِي النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ دُونَ مَرْتَبَتِهِ فِي النَّوَافِلِ الْمُرَتَّبَةِ وَالْمُؤَقَّتَةِ، وَرُتَبُ الْعِبَادَةِ فِي النَّوَافِلِ الْمُؤَقَّتَةِ دُونَ رُتَبِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَنْذُورَةِ، فَإِذَا وَقَعَ مُرَدَّدًا بَيْنَ هَذِهِ الْجِهَاتِ، فَقَدْ تَرَدَّدَ بَيْنَ رُتَبٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا يَعْتَقِدُ بِهِ فِي رُتْبَةٍ عُلْيَا وَحُمِلَ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ، وَكَانَ مَا بَعْدَهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَبْنِيًّا عَلَى رُتْبَتِهِ وَهُوَ مُرَدَّدٌ وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُرَدَّدِ مِثْلُهُ فِي التَّرَدُّدِ، بَلْ رُتْبَةُ التَّكْبِيرِ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَعْلَى مِنْ رُتْبَتِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ أَصْلَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا وَقَعَ مُرَدَّدًا بَيْنَ رُتْبَةِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ وَرُتْبَةِ التَّكْبِيرِ الْخَارِجِ عَنْ الصَّلَاةِ.
(1/212)

فَصْلٌ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعِبَادَةِ إذَا كَانَ الْغَرَضُ بِالنِّيَّاتِ التَّمْيِيزَ كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ لِيَقَعَ أَوَّلُهَا مُمَيَّزًا ثُمَّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ مُقَارَنَتُهَا إيَّاهَا كَمَا فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نِيَّةِ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ، لِمَا فِي التَّوْكِيلِ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْإِخْلَاصِ وَدَفْعِ إخْجَالِ الْفَقِيرِ مِنْ بَاذِلِهَا، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ النِّيَّةُ عَنْ أَوَّلِ الْعِبَادَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ مَا مَضَى يَقَعُ مُرَدَّدًا بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ، أَوْ بَيْنَ رُتَبِ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ فَإِنْ اسْتَمَرَّتْ إلَى أَنْ شَرَعَ فِي الْعِبَادَةِ أَجْزَأَهُ مَا اقْتَرَنَ مِنْهَا بِالْعِبَادَةِ وَإِنْ انْقَطَعَتْ النِّيَّةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ تَصِحَّ الْعِبَادَةُ لِتَرَدُّدِهَا، فَإِنْ قَرُبَ انْقِطَاعُهَا أَجْزَأَتْ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّهَا إذَا انْقَطَعَتْ وَقَعَ ابْتِدَاءُ الْعِبَادَةِ مُرَدَّدًا فَإِنْ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ السَّابِقَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِهَا وَقَرِيبِهَا لِتَحَقُّقِ تَرَدُّدِهَا ابْتِدَاءَ الْعِبَادَةِ مَعَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَصْحِبَ ذِكْرَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ النِّيَّاتِ، وَلَا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْ ذِكْرِ النِّيَّةِ بِمُلَاحَظَةِ مَعْنَى الْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْأَهَمِّ فِي الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ مُلَاحَظَةِ النِّيَّةِ وَذِكْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا يَنْوِي سَائِرَ الصَّلَاةِ؟ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرْطٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُفْرَدُ بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ.
(فَائِدَةٌ) يَكْفِي فِي الْعِبَادَاتِ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الصَّلَاةِ: يَنْوِي مَعَ التَّكْبِيرِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ النِّيَّةِ
(1/213)

مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ إلَى آخِرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلنِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ الْمُوجِبِ لِلْوَسْوَاسِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ تُجْزِئُ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا تُجْزِئُ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ نِيَّةٌ فَرْدَةٌ، وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَعَ التَّكْبِيرِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ نَصًّا فِي بَسْطِ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ، لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى ابْتِدَائِهِ وَعَلَى انْتِهَائِهِ كَمَا يُطْلَقُ لَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهَا وَعَلَى آخِرِ أَجْزَائِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ لَفْظُ التَّكْبِيرِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ وَهُوَ الْهَمْزَةُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُتَصَوَّرُ بَسْطُ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا عَرْضُ فَرْدٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبَسْطُ، وَإِنَّمَا يُبْسَطُ الْعِلْمُ بِالنِّيَّةِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِلْمَ عَرَضٌ لَا يُتَصَوَّرُ الْغَرَضُ مِنْهُ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ بَسْطُ الْغَرَضِ مِنْ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى.
يَبْسُطُهَا تَكْرِيرُهَا بِتَوَالِي أَمْثَالِهَا.
فَصْلٌ فِي قَطْعِ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ وَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْعِبَادَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ الْمُسْتَصْحِبَةِ كَمَا يَبْطُلُ الْإِيمَانُ الْمُسْتَصْحِبُ بِطَرَيَانِ ضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِهِ.
وَلَوْ قَطَعَ نِيَّةَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ وَلَا عُمْرَتُهُ، وَإِنْ قَطَعَ نِيَّةَ الصِّيَامِ بَطَلَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَأَحْكَامُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ أَغْلَظُ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي النُّسُكِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ نَوَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ أَوْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُحْكَمْ بِانْعِقَادِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ نِيَّتِهِ، وَلَوْ تَرَدَّدَ أَيَسْتَمِرُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ أَمْ يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ مِنْ صَوْمِهِ وَلَا مِنْ نُسُكِهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ أَنَّهُ نَوَى فِي أَوَّلِهَا صَحَّ صَوْمُهُ وَنُسُكُهُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنْ فَعَلَ فِي حَالِ شَكِّهِ رُكْنًا لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
(1/214)

بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا مُتَعَمِّدًا رُكْنًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِفَوَاتِ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ زِيَادَتَهُ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِرُكْنٍ لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ قَصَرَ زَمَانُ الشَّكِّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ الْقَلِيلِ وَالْفِعْلِ الْيَسِيرِ فِي حَالِ النِّسْيَانِ، وَإِنْ طَالَ زَمَنُ التَّرَدُّدِ فَفِي الْبُطْلَانِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْبُطْلَانِ بِالْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَالْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي حَالِ النِّسْيَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النِّسْيَانَ الْيَسِيرَ غَالِبٌ وَالْكَلَامَ الْيَسِيرَ نَادِرٌ، وَقَدْ فَرَّقَ فِي الْأَعْذَارِ بَيْنَ غَالِبِهَا وَنَادِرِهَا، وَإِنْ أَتَى فِي حَالِ الشَّكِّ بِرُكْنٍ يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْتَدُّ بِهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْحَقِيقِيَّةِ، وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ إنْ قَصَرَ زَمَانُ الشَّكِّ وَإِنْ طَالَ فَوَجْهَانِ وَالْفَرْقُ فِي تَغْلِيظِ أَحْكَامِ النِّيَّةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِيهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ، وَزُجِرَ عَنْ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ وَالْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَأُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى مُنَاجَاةِ ذِي الْجَلَالِ وَقَدْ قَالَ: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» فَكَانَ تَرَدُّدُهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْمُجَالَسَةِ تَرْكًا لِلْإِقْبَالِ عَلَى ذِي الْجَلَالِ وَسُوءَ أَدَبٍ، فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ تَرَدُّدَهُ فِي قَطْعِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ.
فَإِنَّ مَنْ أَمَرَهُ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ بِمُنَاجَاتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ فَجَالَسَهُ وَنَاجَاهُ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى قَطْعِ مُجَالَسَتِهِ أَوْ مُنَاجَاتِهِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا فَإِنَّهُ يَعُدُّ ذَلِكَ - إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ - مِنْ سُوءِ أَدَبِ الْمُنَاجَاةِ وَالْمُجَالَسَةِ، وَلَيْسَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ بِمَثَابَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمُجَالَسَةِ وَالْمُنَاجَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّسُكِ وَالصِّيَامِ أَنَّ النَّاسِكَ لَا يَخْرُجُ مِنْ نُسُكِهِ بِأَقْوَى الْمُفْسِدَاتِ وَهُوَ الْجِمَاعُ، فَكَذَلِكَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ قَوَاعِدُ النِّيَّاتِ فَجَازَ أَنْ يَنْوِيَ إحْرَامًا كَإِحْرَامِ غَيْرِهِ، وَجَازَ أَنْ يُبْهِمَ إحْرَامَهُ ثُمَّ يَصْرِفَهُ إلَى أَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا، وَجَازَ أَنْ يَنْوِيَ النَّفَلَ فَيَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ أَوْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي قَضَائِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
(1/215)

فَإِنْ قِيلَ: هَلْ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ بِنِيَّةٍ تَقَعُ فِي أَثْنَائِهَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ وَلَهُ صُوَرٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَنَفِّلُ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَنْوِيَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ فَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِالنِّيَّةِ الْأُولَى وَصَحَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا كَتَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمُفَرِّقَ يَنْوِي مَا لَا يَكُونُ صَلَاةً مُفْرَدَةً وَهَهُنَا قَدْ نَوَى بِالنِّيَّةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَهِيَ صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا وَنَوَى الزِّيَادَةَ بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ وَهِيَ صَلَاةٌ أَيْضًا عَلَى حِيَالِهَا، وَلَيْسَ كَمَنْ نَوَى تَكْبِيرَةً أَوْ قَوْمَةً أَوْ نَوَى مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً عَلَى انْفِرَادِهَا فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْمُنْفَرِدَةَ لَا تَكُونُ ظُهْرًا.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا نَوَى الِاقْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ ثُمَّ نَوَى التَّطْوِيلَ الْمَشْرُوعَ أَوْ السُّنَنَ الْمَشْرُوعَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ لِاشْتِمَالِ النِّيَّةِ الْأُولَى عَلَى الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى السُّنَنِ النَّابِعَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَلَاةً مُسْتَقِلَّةً فَقَدْ ثَبَتَ لِلتَّابِعِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْمَتْبُوعِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رُخَصِ النَّوَافِلِ كَمَا رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ فِي صَلَاتِهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ تَوْسِعَةً لِتَكْثِيرِ النَّوَافِلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى التَّسْلِيمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ التَّشَهُّدِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ فِي الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ يُجْزِئَانِهِ بِالنِّيَّةِ الْأُولَى وَالرَّكْعَتَانِ الْأُخْرَيَانِ يُجْزِئَانِهِ بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّيَّتَيْنِ تَمْيِيزُ رُتْبَةِ الظُّهْرِ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالنِّيَّتَيْنِ.
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا اقْتَرَنَ بِصَلَاةِ الْقَاصِرِ مَا يُوجِبُ الْإِتْمَامَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ إتْمَامَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِالنِّيَّةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تُجْزِئُهُ بِالنِّيَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ جَعَلَ الْقَصْرَ مُعَلَّقًا
(1/216)

عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَطْرَأَ مَا يُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَشْعُرُ بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ مَعَ أَنَّهُ حُكْمُهُ الْإِتْمَامُ.
الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا مَاتَ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْحَجّ وَجَوَّزْنَا الْبِنَاءَ عَلَيْهِ فَاسْتَأْجَرْنَا مَنْ يَبْنِي عَلَيْهِ وَقَدْ وَقَعَ مَا تَقَدَّمَ بِنِيَّةِ الْأَجِيرِ الْأَوَّلِ وَمَا تَأَخَّرَ بِنِيَّةِ الْأَجِيرِ الثَّانِي فَيُؤَدَّى الْحَجُّ بِنِيَّتَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ: إحْدَاهُمَا فِي ابْتِدَائِهِ وَالثَّانِيَةُ فِي انْتِهَائِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: النِّيَّةُ قَصْدٌ وَلَا بُدَّ لِلْقَصْدِ مِنْ مَقْصُودٍ مُكْتَسَبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَصْدُ، فَأَيُّ كَسْبٍ مَقْصُودٍ لِلْإِمَامِ إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ مَعَ الْقَوْمِ لَا تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ؟ وَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَمَ النَّاسِكُ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعَ اتِّحَادِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ تَزِيدُ عَلَى أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَوْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمْ تَصِحَّ عَلَى قَوْلٍ إذْ لَا يَنْوِي بِهَذِهِ الْمَسَائِلَ مُشْكِلَةً وَلَا يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ نَوَى الْأَحْكَامَ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا مِنْ صِفَاتِ كَسْبِهِ، وَالنِّيَّاتُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِكَسْبٍ أَوْ صِفَةٍ تَابِعَةٍ لِلْكَسْبِ، وَمِنْ الْمُشْكِلِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ يَنْعَقِدَانِ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِحْرَامِ أَفْعَالُ الْحَجِّ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي وَقْتِ النِّيَّةِ وَلِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ كَمَا لَا تَتَقَدَّمُ مَحْظُورَاتُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِانْفِكَاكُ عَنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إنْ نَوَى الْإِحْرَامَ مَعَ مُلَابَسَتِهِ لِمَحْظُورَاتٍ سِوَى الْجِمَاعِ لَصَحَّ إحْرَامُهُ وَإِنْ كَانَ الْكَفُّ عَنْهُمَا هُوَ الْإِحْرَامُ لَمَا صَحَّ مَعَ مُلَابَسَتِهَا كَمَا لَا يَصِحُّ الصِّيَامُ مَعَ مُلَابَسَتِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ هُوَ الْكَفُّ عَنْ الْجِمَاعِ لَمَا صَحَّ إحْرَامُ مَنْ يَجْهَلُ وُجُوبَ الْكَفِّ
(1/217)

عَنْ الْجِمَاعِ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ يَمْنَعُ مِنْ تَوَجُّهِ النِّيَّةِ، إذْ لَا يَصِحُّ قَصْدُ مَا يَجْهَلُ حَقِيقَتَهُ، وَشَرْطُ ابْنِ خَيْرَانَ التَّلْبِيَةَ مُتَّجَهٌ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ وَشَرَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّلْبِيَةَ أَوْ سَوْقَ الْهَدْيِ.
فَصْلٌ فِي تَرَدُّدِ النِّيَّةِ مَعَ تَرَجُّحِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ النِّيَّةُ قَصْدٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُهُ إلَّا إلَى مَعْلُومٍ أَوْ مَظْنُونٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْهُومِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَزْمُهَا مُسْتَنِدًا إلَى عِلْمٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ ظَنٍّ، فَإِذَا نَوَى مَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ تَحَقُّقُهُ رَاجِحًا صَحَّتْ نِيَّتُهُ مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ الزَّكَاةَ عَنْ مَالٍ شَكَّ فِي هَلَاكِهِ أَوْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ ثَابِتٌ مُحَقَّقٌ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ مَا نَوَاهُ رَاجِحًا بِالِاسْتِصْحَابِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ لِأَنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا مَعَ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ مَالٍ شَكَّ هَلْ مَلَكَهُ أَمْ لَا، وَكَمَا لَوْ نَوَى الصِّيَامَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ صَوْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَصَلَاتُهَا مَعَ عَدَمِ رُجْحَانِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْحَيْضِ وَالْحَيْضِ عَلَى الطَّهَارَةِ؟ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا اُسْتُثْنِيَ لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ السَّبِيكَةِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَمْيِيزِ الذَّهَبِ مِنْ الْفِضَّةِ فَيَزُولُ الشَّكُّ، وَلَا قُدْرَةَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مُعَلَّقًا عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ جَزَمَ النِّيَّةَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا جَزَمَهُ مَوْقُوفُ التَّحَقُّقِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ فَهَذِهِ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ لِجَزْمِهَا وَقَدْ أَضَافَ إلَيْهَا الِاعْتِرَافَ بِوُقُوفِ عِبَادَتِهِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَذَلِكَ إتْيَانٌ بِطَاعَتَيْنِ، وَإِنْ تَشَكَّكَ بِالْفِعْلِ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ لِتَرَدُّدِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَعَ مِنِّي الصَّوْمُ وَلَا يَجْزِمَ بِذَلِكَ فَهَذَا لَا يَصِحُّ تَرَدُّدُهُ وَشَكُّهُ.
(1/218)

فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ النِّيَّاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّاعَاتِ، وَالطَّاعَاتُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهُمَا: طَاعَةٌ مُتَّحِدَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهَا، مِثَالُهُ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَنْوِيَ إمْسَاكَ السَّاعَةِ الْأُولَى وَحْدَهَا ثُمَّ يَنْوِيَ إمْسَاكَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ وَكَذَلِكَ يُفْرِدُ كُلَّ إمْسَاكٍ بِنِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِهَا إلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَصِحُّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ نِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى أَرْكَانِهَا وَأَبْعَاضِهَا مِثْلُ أَنْ أَفْرَدَ التَّكْبِيرَ بِنِيَّةٍ وَالْقِيَامَ بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ وَالرُّكُوعَ ثَالِثَةٍ وَكَذَلِكَ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى حِيَالِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: طَاعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ أَبْعَاضَهُ بِالنِّيَّةِ وَأَنْ يَجْمَعَهُ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَحَدِ جُزْئَيْ الْجُمْلَةِ فِي الْقِرَاءَةِ مِثْلُ أَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ فَاَلَّذِينَ آمَنُوا، فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُثَابُ إلَّا إذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْجُمَلِ الْمُفِيدَةِ، إذْ لَا قِيمَةَ فِي الْإِتْيَانِ بِأَحَدِ جُزْئَيْ الْجُمْلَةِ وَجُمَلُ الْقُرْآنِ أَحَدُهَا مَا لَا يُذْكَرُ إلَّا قُرْآنًا كَقَوْلِهِ: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ ذِكْرًا لَيْسَ بِقُرْآنٍ كَقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقِرَاءَةَ لِغَلَبَةِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ.
(1/219)

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اُخْتُلِفَ فِي اتِّحَادِهِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَمَنْ رَآهُمَا مُتَّحِدَيْنِ مَنَعَ مِنْ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَائِهِمَا، وَمَنْ رَآهُمَا مُتَعَدِّدَيْنِ جَوَّزَ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهَا.

النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ التَّوْبَةُ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ أَحَدُهُمَا: النَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ.
وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ.
وَالثَّالِثُ: إقْلَاعٌ عَنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ، فَهَذِهِ التَّوْبَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْعَزْمِ، وَالنَّدَمِ، وَالْإِقْلَاعِ، وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مُجَرَّدَ النَّدَمِ فِي حَقِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَزْمِ وَالْإِقْلَاعِ فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ، كَمَا لَا يَسْقُطُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا عَجَزَ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَتَوْبَةِ الْأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَتَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَا وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، أَيْ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِمَأْمُورٍ فَأْتُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَأْمُورِ مَا اسْتَطَعْتُمُوهُ، أَيْ مَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، فَالْأَعْمَى وَالْمَجْبُوبُ قَادِرَانِ عَلَى النَّدَمِ عَاجِزَانِ عَنْ الْعَزْمِ وَالْإِقْلَاعِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلتَّائِبِ إذَا ذَكَرَ ذَنْبَهُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ أَنْ يُجَدِّدَ النَّدَمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ، لَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ يُذْنِبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، بَلْ مَعْنَاهُ تَجْدِيدُ التَّوْبَةِ وَتَكْرِيرُهَا عَنْ ذَنْبٍ وَاحِدٍ
(1/220)

صَغِيرٍ، وَذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْظَامِهِ لَهُ مَعَ صِغَرِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ تَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ لِرَبِّهِ، فَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ لَا يَنْسَى الصَّغِيرَ الْحَقِيرَ مِنْ الذُّنُوبِ حَتَّى يُجَدِّدَ التَّوْبَةَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ إجْلَالًا لِرَبِّهِ وَبَيْنَ مَنْ يَنْسَى عَظِيمَ ذُنُوبِهِ وَلَا تَمُرُّ عَلَى بَالِهِ احْتِقَارًا لِذُنُوبِهِ وَجَهْلًا بِعَظَمَةِ رَبِّهِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ وُعِظَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْ سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَالْعَارِفُ الْمُوقِنُ إذَا ذَكَرَ الصَّغِيرَةَ خَجَلَ مِنْهَا وَنَدِمَ عَلَيْهَا وَتَأَلَّمَ لَهَا، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِهَا إجْلَالًا لِرَبِّهِ وَفَرْقًا مِنْ ذَنْبِهِ، وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فَمَنْ أَخَّرَهَا زَمَانًا صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا، وَكَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عِصْيَانُهُ بِتَكَرُّرِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَّسِعَةِ لَهَا، فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا وَهَذَا جَارٍ فِي تَأْخِيرِ كُلِّ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُتَصَوَّرُ التَّوْبَةُ مَعَ مُلَاحَظَةِ تَوَحُّدِ اللَّهِ بِالْأَفْعَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا مَعَ أَنَّ النَّدَمَ عَلَى فِعْلِ الْأَغْيَارِ لَا يُتَصَوَّرُ؟ قُلْنَا: مَنْ رَأَى لِلْآدَمِيِّ كَسْبًا خَصَّصَ النَّدَمَ وَالْعَزْمَ بِكَسْبِهِ دُونَ صُنْعِ رَبِّهِ، وَمَنْ لَا يَرَى الْكَسْبَ خَصَّصَ التَّوْبَةَ بِحَالِ الْغَفْلَةِ عَنْ التَّوَحُّدِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ فِعْلًا لَهُ وَلَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِخْلَاصُ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِطَاعَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَلَا يُرِيدَ بِهَا سِوَاهُ، فَإِنْ قَصَدَ بِهَا سِوَاهُ كَانَ مُرَائِيًا، سَوَاءٌ قَصَدَ النَّاسَ عَلَى انْفِرَادِهِمْ أَوْ قَصَدَ الرَّبَّ وَالنَّاسَ جَمِيعًا.

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ: فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ بِهِ طَاعَةً فَلْيَرْضَ بِالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ بِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً فَلْيَرْضَ بِالْقَضَاءِ وَلَا يَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ بِهِ بَلْ يَكْرَهُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً فَلْيَرْضَ بِالْقَضَاءِ وَلَا يَتَسَخَّطُ بِالْمَقْضِيِّ بِهِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ.
(1/221)

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ التَّفْكِيرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَنُفُوذِ إرَادَتِهِ.
وَكَذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِي آيَاتِ كِتَابِهِ وَفِي فَهْمِ شَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَكَذَلِكَ تَدَبُّرُ آيَاتِ كِتَابِهِ وَكَذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِي الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، لِيَكُونَ الْمُتَفَكِّرُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لِيَعْمَلَ بِطَاعَتِهِ رَجَاءً لِثَوَابِهِ، وَبِتَجَنُّبِ مَعْصِيَتِهِ.

وَأَفْعَالُ الْقُلُوبِ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَمِنْهَا الْحُزْنُ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَمِنْهَا الْفَرَحُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَمِنْهَا مَحَبَّةُ الطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ، وَكَرَاهَةُ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَمِنْهَا الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ كَحُبِّ الْأَنْبِيَاءِ وَبُغْضِ الْعُصَاةِ وَالْأَشْقِيَاءِ، وَمِنْهَا الصَّبْرُ عَلَى الْبَلِيَّاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَعَنْ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، وَمِنْهَا التَّذَلُّلُ وَالتَّخَضُّعُ وَالتَّخَشُّعُ وَالتَّذَكُّرُ وَالتَّيَقُّظُ، وَغِبْطَةُ الْأَبْرَارِ عَلَى بِرِّهِمْ، وَالْأَخْيَارِ عَلَى خَيْرِهِمْ، وَالْأَتْقِيَاءِ عَلَى تَقْوَاهُمْ، وَمِنْهَا الْكَفُّ عَنْ أَضْدَادِ هَذِهِ الْمَأْمُورَاتِ، وَمِنْهَا الشَّوْقُ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ، وَمِنْهَا أَنْ يُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ لَهُمْ مِثْلَ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهَا مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ إذَا دَعَوْا إلَى الْمُخَالَفَاتِ وَالْعِصْيَانِ، وَمِنْهَا ذِكْرُهَا ذَمِّ اللَّذَّاتِ وَذِكْرِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ السَّمَوَاتِ، وَمِنْهَا السُّرُورُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَالِاغْتِمَامِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَنِعْمَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمِنْهَا الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ مِنْ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَمِنْهَا إضْمَارُ النَّصِيحَةِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَمِنْهَا اسْتِحْضَارُ الْمَخْلُوقَاتِ عِنْدَ نُزُوعِ النَّفْسِ إلَى اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ.
وَمِنْهَا أَنْ يُقَدِّرَ إذَا عَبَدَ رَبَّهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ لِتَقَعَ الْعِبَادَةُ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرْ أَنَّ اللَّهَ نَاظِرٌ إلَيْهِ، وَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ إحْسَانُ
(1/222)

الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهَا تَفْرِيغُ الْقَلْبِ مِنْ الْأَكْوَانِ الْحَادِثَاتِ شُغْلًا بِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفَنَاءِ عِنْدَ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَالصَّفَاءِ، وَحَقِيقَتُهُ غَفْلَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِلشَّغْلِ بِرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهَا الزُّهْدُ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ بِالْحَثِّ عَلَيْهِ وَالنَّدْبِ إلَيْهِ كَالنِّكَاحِ، وَالزُّهْدُ فِي الشَّيْءِ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنْ التَّعَلُّقِ بِهِ مَعَ الرَّغْبَةِ عَنْهُ، وَالْفَرَاغِ مِنْهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ خُلُوُّ الْيَدِ مِنْهُ وَلَا انْقِطَاعُ الْمِلْكِ عَنْهُ، فَإِنَّ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَقُدْوَةَ الزَّاهِدِينَ مَاتَ عَنْ فَدَكَ وَالْعَوَالِي وَنِصْفِ وَادِي الْقُرَى وَسِهَامِهِ مِنْ خَيْبَرَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الْأَرْضَ كُلَّهَا وَكَانَ شُغْلُهُمَا بِاَللَّهِ مَانِعًا لَهُمَا مِنْ التَّعَلُّقِ بِكُلِّ مَا مَلَكَا.

[فَصْلٌ فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْأَبْدَانِ]
فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْأَبْدَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ.
فَالْمَقَاصِدُ: كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ، وَالِاعْتِكَافِ وَالسَّعْيِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَبِمِنًى وَالْأَغْسَالِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ.
وَالْوَسَائِلُ: كَالْمَشْيِ إلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ وَجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَإِلَى تَغْيِيرِ الْمُذَكِّرَاتِ وَالْمَشْيِ إلَى عِيَادَةِ الْمَرْضَى وَزِيَارَةِ الْأَمْوَاتِ، وَمِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لُبْسُ الْمَخِيطِ فِي الْإِحْرَامِ وَالتَّضَمُّخِ وَالْأَدْهَانِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْجَوَارِحِ]
الْجَوَارِحُ كَالْأَلْسُنِ وَالشِّفَاهِ وَالْأَفْوَاهِ وَالْبُطُونِ وَالْأُنُوفِ وَالْعُيُونِ وَالْآذَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالرُّكَبِ وَالْأَصَابِعِ وَالْأَنَامِلِ وَالْفُرُوجِ وَغَيْرِهَا.
(1/223)

فَأَمَّا اللِّسَانُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَنَانِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْكَبَائِرِ كُلِّهَا وَالصَّغَائِرِ بِأَسْرِهَا، وَالْأَمْرِ بِكُلِّ مُنْكَرٍ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مَعْرُوفٍ، وَالْقَذْفِ وَتَكْذِيبِ مَنْ لَا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ وَتَصْدِيقِ مَنْ لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ، وَالْكُفْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ وَالسِّحْرِ، وَالْهَجْوِ، وَكُلِّ كَلِمَةٍ مُحَرَّمَةٍ: كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّفَاخُرِ بِالْأَحْسَابِ وَالنِّيَاحَةِ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَصْدِيقُ مَنْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ وَتَكْذِيبُ مَنْ يَجِبُ تَكْذِيبُهُ، وَالْأَمْرُ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، وَالشَّهَادَةُ بِالْحَقِّ، وَالْحُكْمُ بِالْقِسْطِ وَأَمْرُ الْأَئِمَّةِ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ وَتَعْلِيمُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعِبَادَاتِ الْمَرَضِيَّةِ، وَالْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَزَجْرُ الْمُفْسِدِينَ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّينَ، وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِينَ، وَالثَّنَاءُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ الْمَذْكُورَةِ وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ، فَلَا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِغْفَارُ، وَالدُّعَاءُ، وَالْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، وَالْإِقَامَةُ وَالْأَذَانُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ: كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَحَمْدَلَتِهِ، وَالسَّلَامِ وَرَدِّهِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ.
وَقَدْ قَالَ لُقْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ذَلِكَ: لَيْسَ فِي الْإِنْسَانِ أَحْسَنُ مِنْ مُضْغَتَيْنِ وَأَفْسَدُ مِنْ مُضْغَتَيْنِ وَهُمَا: الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَصَدَقَ فِيمَا قَالَهُ لِامْتِيَازِهِمَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ عَنْ سَائِرِ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.
وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ الْكَفُّ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ مِنْ الْكُفْرِ فَمَا دُونَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسَانِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ.
وَلَيْسَ لِلْجَنَانِ فِي مِثْلِ هَذَا كُلِّهِ إلَّا الْقَصْدُ إلَيْهِ وَالْعَزْمُ عَلَيْهِ مَعَ إخْلَاصِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إثْمُ الْمَعَاصِي أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ
(1/224)

قَصْدِهَا، كَمَا أَنَّ أَجْرَ الطَّاعَاتِ أَعْظَمُ مِنْ أَجْرِ قَصْدِهَا، فَإِنَّ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَجْرَ النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ عَنْ النِّيَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَدَ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ بِأَجْرٍ فَنَوَى عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَحْفِرَهَا فَسَبَقَهُ إلَى حَفْرِهَا يَهُودِيٌّ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ، أَيْ نِيَّةُ عُثْمَانَ خَيْرٌ مِنْ حَفْرِ الْيَهُودِيِّ الْبِئْرَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ يُؤْجَرُ عَلَى نِيَّةِ الْحَفْرِ وَإِنْ لَمْ يَحْفِرْ، وَلَا أَجْرَ لِلْيَهُودِيِّ بِحَفْرِهِ لِإِحْبَاطِهِ بِيَهُودِيَّتِهِ.
وَأَمَّا الشِّفَاهُ فَإِنَّهَا مُعِينَةٌ عَلَى الْكَلَامِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِتْمَامِ الْكَلَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّقْبِيلُ الْمُحَرَّمُ وَالْمَأْمُورُ بِهِ، كَتَقْبِيلِ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.

وَأَمَّا الْأَفْوَاهُ وَالْبُطُونُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْقَى فِيهَا مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ، وَيَجِبُ أَنْ يَطْرَحَ فِيهَا مَا يَجِبُ أَكْلُهُ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ.
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْرَحَ فِيهَا مَا يُنْدَبُ إلَى أَكْلِهِ مِنْ الْوَلَائِمِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا، وَكَذَلِكَ الِابْتِلَاعُ وَالْمَضْغُ بِالْأَسْنَانِ، وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ «أَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فِي الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ» ، وَتَقَيَّأَ الْعُمَرَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَحْمَ جَزُورٍ أَكَلَاهُ ثُمَّ تَبَيَّنَّ لَهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَنْ يَتَقَيَّأَهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْإِسْكَارِ وَإِنْ كَانَ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً اطَّرَدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَأْكُولَاتِ بِالْحَرَامِ فَيَحْرُمُ تَغْذِيَةُ الْأَجْسَادِ بِالْحَرَامِ كَمَا يَحْرُمُ بِنَاءُ الدُّورِ بِالْآلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَيَجِبُ نَثْرَتُهَا إنْ
(1/225)

بُنِيَتْ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْغِذَاءَ قَدْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ وَبَطَلَتْ مَالِيَّتُهُ وَاسْتَقَرَّ بَدَلُهُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ أَبْنِيَةِ الدُّورِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ غَذَّى شَاةً عَشْرَ سِنِينَ بِمَالٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ أَكْلَهَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ اسْتِحَالَةَ الْأَغْذِيَةِ عَنْ صِفَاتِهَا إلَى صِفَاتِ الْأَعْضَاءِ إتْلَافٌ لَهَا لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهَا وَاسْتِحْقَاقِ مَالِكِهَا لِبَدَلِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا مَضَغَ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ فِي الْأَفْوَاهِ فَقَدْ فَسَدَتْ مَالِيَّتُهُ وَبَطَلَتْ قِيمَتُهُ وَاسْتَقَرَّ بَدَلُهُ، فَهَلْ يَبْقَى اخْتِصَاصُ مَالِكِهِ كَمَا يَبْقَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ عَلَى اخْتِصَاصِ مَالِكِهِ إذْ بَطَلَتْ مَالِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَيَحْرُمُ ابْتِلَاعُهُ؟ قُلْت: لَا يَبْطُلُ اخْتِصَاصُهُ كَمَا لَا يَبْطُلُ الِاخْتِصَاصُ بِالْعَبْدِ لِوُجُوبِ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَحَفْرِ قَبْرِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ، وَلَا نُسَلِّمُ إبْطَالَ مَالِيَّتِهِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ وَيَجُوزُ إطْعَامُهُ لِلطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْأَطْفَالِ، وَإِنْ أَكَلَ مَا يَحْرُمُ لِضُرِّهِ كَالسَّمُومِ وَغَيْرِهَا وَجَبَ اسْتِقْيَاؤُهُ إذَا كَانَتْ دَافِعَةً لِضَرَرِهِ أَوْ لِبَعْضِ ضَرَرِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً لِغَيْرِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ اسْتِقَاءَتِهَا لَزِمَهُ اسْتِقَاءَتُهَا إذْ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا إلَى رَبِّهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَتَسْلِيمُهَا بِالِاسْتِقَاءَةِ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ، وَرَدُّ الْمَغْصُوبَاتِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَفْوَاهِ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ التَّطْهِيرُ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ كَمَا يَتَعَلَّقُ الِاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُنُوفِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَفْوَاهِ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ فَتْحِهَا عِنْدَ التَّثَاؤُبِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْأُنُوفِ التَّحْمِيدُ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَغَضُّ الصَّوْتِ بِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْضًا السُّجُودُ عَلَيْهَا نَدْبًا.

وَأَمَّا الْعُيُونُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا غَسْلُهَا مِنْ الْأَنْجَاسِ دُونَ الْأَحْدَاثِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا.
وَأَمَّا الْآذَانُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَغْسَالُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ وَالْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ.
(1/226)

وَأَمَّا الْوُجُوهُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ، فَأَمَّا الْإِيجَابُ فَكَالسُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ.
وَأَمَّا النَّدْبُ فَكَالْإِطْرَاقِ فِي الصَّلَاةِ وَالْبَشَاشَةِ فِي وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْعَبُوسَةِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْفَاسِقِينَ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْضًا تَحْرِيمُ سَتْرِهَا فِي النِّسَاءِ فِي الْإِحْرَامِ وَاسْتِحْبَابُ كَشْفِهَا لِلرِّجَالِ فِيهِ.

وَأَمَّا الرُّءُوسُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْغُسْلُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَضَمُّخُهَا بِالطِّيبِ وَاسْتِحْبَابِهِ فِي حَالِ الْإِحْلَالِ، وَقِيلَ الْإِحْرَامُ وَالْإِحْلَالُ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ سَتْرِهَا فِي الْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْغُسْلُ بِشُعُورِ الْوَجْهِ وَالْأَجْسَادِ، وَقَصِّ الشَّوَارِبِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَتَقْصِيرِ شَعْرِ الرُّءُوسِ وَحَلْقِهَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ جَزُّ الشُّعُورِ حِيَالَ الْمَنَاكِبِ وَالْآذَانِ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالشُّعُورِ أَيْضًا تَحْرِيمُ دُهْنِهَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.

وَأَمَّا الْأَيْدِي: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كُلُّ بَطْشٍ أُمِرَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا كِتَابَةُ مَا أُمِرْنَا بِكِتَابَتِهِ وَالرَّفْعِ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَفِي بَعْضِ الدَّعَوَاتِ، وَالْوَضْعِ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وَعَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ، وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِالْيُمْنَى مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ بَسْطُهَا إلَى كُلِّ مَصْلَحَةٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَكَذَلِكَ قَبْضُهَا عِنْدَ كُلِّ مَفْسَدَةٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَكَذَلِكَ الْبُدَاءَةُ بِغُسْلِ الْأَيْمَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْأَغْسَالِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَكَذَلِكَ انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِمَسِّ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ.

وَأَمَّا الْأَرْجُلُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ
(1/227)

كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كُلُّ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، فَأَمَّا الْمَصَالِحُ فَكَالْمَشْيِ إلَى الْمَسَاجِدِ وَإِلَى الْجِهَادِ وَإِلَى تَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالْأَعْيَادِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالرَّمَلِ وَالْإِسْرَاعِ، وَصَفِّهَا مَعَ تَفْرِيقِهَا فِي قِيَامِ الصَّلَاةِ وَكَشْفِهَا فِي الْإِحْرَامِ.
وَأَمَّا الْمَفَاسِدُ: فَكَالْمَشْيِ إلَى كُلِّ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ.
وَأَمَّا الرُّكَبُ: فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا السُّجُودُ عَلَيْهَا وَنَصْبُهَا فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَتَقْدِيمُهَا فِي الْوَضْعِ عَلَى الْأَيْدِي فِي السُّجُودِ.

وَأَمَّا الْأَصَابِعُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كُلُّ مَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَكَالرَّمْيِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكِتَابَةِ مَا يَجِبُ كِتَابَتُهُ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ فَكَقَبْضِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى فِي التَّشَهُّدَيْنِ وَعَقْدِ الْإِبْهَامِ مَعَ الْمُسَبِّحَةِ وَرَفْعِ الْمُسَبِّحَةِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَبَسْطِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسْرَى، وَفَتْحِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَالْبُدَاءَةِ بِتَخْلِيلِ خِنْصَرِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَالْخَتْمِ بِخِنْصَرِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، لِأَنَّ خِنْصَرَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى هِيَ يَمِينُ أَصَابِعِهَا وَإِبْهَامَهَا هُوَ يَمِينُ إبْهَامِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَإِبْهَامَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى يَمِينُ الَّتِي تَلِيهَا.
وَكَذَلِكَ إلَى آخِرِهَا، وَكَذَلِكَ مَسْحُ الْآذَانِ بِأَصَابِع الْيَدَيْنِ وَلَمْ يُقَدِّمْ الشَّرْعُ مَسْحَ يَمِينِ الْأُذُنَيْنِ عَلَى يُسْرَاهُمَا إذْ لَا فَضْلَ لِيُمْنَاهُمَا عَلَى يُسْرَاهُمَا فِي الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ لَمْ يُقَدِّمْ يَمِينَ الْخَدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِخِلَافِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فَإِنَّهُ قُدِّمَتْ يُمْنَاهَا عَلَى يُسْرَاهَا فِي الطَّهَارَاتِ وَالْمُصَافَحَاتِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالذَّبْحِ لِتَمْيِيزِهَا بِالْقُوَى الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهَا وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْعُضْوَيْنِ فَكَانَ مِنْ تَعْظِيمِ الْعِبَادَةِ وَشُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهَا أَفْضَلَ الْعُضْوَيْنِ، وَلَمَّا شُرِّفَتْ بِمُبَاشَرَةِ الْعِبَادَاتِ كُرِهَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا وَأَنْ يَمَسَّ بِهَا
(1/228)

السَّوْآتِ، وَكَذَلِكَ لَا يَبْدَأُ بِهَا فِي الدُّخُولِ فِي الْحُشُوشِ وَلَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الشَّرِيفِ بِالشَّرِيفِ حَسَنَةٌ فِي الْعُقُولِ، وَكَذَلِكَ يَبْدَأُ بِهَا فِي الِانْتِقَالِ لِأَنَّهُ إكْرَامٌ لَهَا وَيُؤَخِّرُ نَزْعَهَا لِذَلِكَ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى بُدِئَ بِوَجْهِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ جُدْرَانِهِ، وَابْتُدِئَ بِالطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ يَمِينُ الْبَيْتِ فَيَبْدَأُ الطَّائِفُ بِوَجْهِ الْبَيْتِ مِنْ يَمِينِ الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ إلَى مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ لِأَنَّ الدَّاخِلَ مِنْهَا يَأْتِي الْبَيْتَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، وَلَا يُؤْتَى مِنْ وَرَائِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَلِشَرَفِ وَجْهِ الْبَيْتِ أُمِرْنَا بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إلَيْهِ دُونَ سَائِرِ جِهَاتِهِ وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كُلِّ مَنْ جَاءَ إلَى بَيْتٍ مُكَرِّمًا لِرَبِّهِ أَوْ زَائِرًا فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ الَّذِي فِيهِ بَابُهُ، وَعَلَيْهِ يَقِفُ الْقَاصِدُونَ، وَلِذَلِكَ تُزَخْرِفُ النَّاسُ وُجُوهَ بُيُوتِهِمْ الَّتِي فِيهَا أَبْوَابُهُمْ، وَكُلُّ مَنْ أَتَى الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا فَقَدْ أَصَابَ.
وَسُمِّيَ الْيَمِينُ يَمِينًا لِوُقُوعِهِ عَلَى يَمِينِ الْبَيْتِ، وَسُمِّيَ الشَّامُ شَامًا لِأَنَّهُ عَلَى شَامَةِ الْبَيْتِ، وَسُمِّيَ الدَّبُّورُ دَبُورًا لِأَنَّهَا تَأْتِي مِنْ قِبَلِ دُبُرِ الْبَيْتِ وَبَابُهُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ هَهُنَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَابَلْتُهُ كَانَ مَا حِذَاءُ يَمِينُكَ يَسَارًا لَهُ وَمَا حِذَاءُ يَسَارِك يَمِينًا لَهُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى جَانِبَاهُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى جَانِبَاهُ الْآخَرَانِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ، وَكَذَلِكَ قَدَّمْنَا الْأَعَالِيَ عَلَى الْأَسَافِلِ فِي الطَّهَارَةِ لِشَرَفِهَا فَبُدِئَ بِالْوَجْهِ لِشَرَفِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَلِمَا اشْتَمَلَ مِنْ الْحَوَاسِّ وَالنُّطْقِ، وَثَنَّى بِالْيَدَيْنِ لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُمَا فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدَّمَ الرَّأْسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ لِشَرَفِهِ عَلَيْهِمَا وَلَا سِيَّمَا لِمَا اسْتَوْدَعَ فِيهِ مِنْ الْقُوَى الدَّارِكَةِ وَالْقُوَى الْمُوجِبَةِ لِحَرَكَاتِ الْأَعْضَاءِ وَأُخِّرَتْ الرِّجْلَانِ لِتَقَاعُدِهِمَا عَمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَجِبُ تَرْتِيبُ الْغُسْلِ وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَقُدِّمَتْ الْمَضْمَضَةُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لِشَرَفِ مَنَافِعِ الْفَمِ عَلَى مَنَافِعِ الْأَنْفِ
(1/229)

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ بُدِئَ بِغَسْلِ الْفَرْجَيْنِ فِي الْإِغْسَالِ؟ قُلْنَا: بُدِئَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَوْ أُخِّرَا لَانْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ بِمَسِّهِمَا فَقُدِّمَا مُحَافَظَةً عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الِانْتِقَاضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فِي طَاعَةٍ، وَقَدْ خَرَجَ عَمَّا ذَكَرْتُهُ فِي تَقْدِيمِ الْيُمْنَى بِالشَّرَفِ، حَلْقُ الرَّأْسِ مَعَ تَسَاوِي الشَّعْرِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَوْدَيْنِ.
وَكَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ نَادِرَةٍ كَكُحْلِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَقَصِّ إحْدَى الشَّارِبَيْنِ.
وَأَمَّا تَقْلِيمُ أَظْفَارِ الْيَدَيْنِ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْأَفْضَلِ الْأَنْفَعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُسَبِّحَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبُدَاءَةِ أَشْيَاءَ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِيُمْنَى الْمُتَسَاوِيَيْنِ تُفْعَلُ تَيَمُّنًا وَتَفَاؤُلًا بِالْيُمْنَى وَالْبَرَكَةِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» ، لِأَنَّ التَّفَاؤُلَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ وَالتَّطَيُّرَ سُوءُ ظَنٍّ بِاَللَّهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى، «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَيَظُنُّ بِي مَا شَاءَ» ، وَالتَّفَاؤُلُ أَنْ يَرَى أَوْ يَسْمَعَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَيْرِ فَيَرْجُوَهُ وَيَطْلُبَهُ وَذَلِكَ حُسْنُ ظَنٍّ بِاَللَّهِ، وَالطِّيَرَةُ أَنْ يَرَى أَوْ يَسْمَعَ مَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرِّ فَيَخَافَهُ وَيَرْهَبَهُ، وَذَلِكَ سُوءُ ظَنٍّ بِاَللَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اسْتَحَبَّ حُسْنَ الظَّنِّ عِنْدَ الْمَوْتِ وَتَرَكَ الْخَوْفَ بِمَعْزِلٍ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَعَ الْخَوْفَ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ زَاجِرَةٌ عَنْ الْعِصْيَانِ، وَإِذَا حَضَرَ الْمَوْتُ انْقَطَعَتْ الْمَعَاصِي فَسَقَطَ الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ رَادِعٌ عَنْهَا مَانِعٌ مِنْهَا بِخِلَافِ حُسْنِ الظَّنِّ.

وَأَمَّا الْأَنَامِلُ فَإِدْخَالُهَا فِي صِمَاخَيْ الْأُذُنَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ الْمَأْمُورِ بِعَدِّهَا، وَالْكِتَابَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهَا، وَكَذَلِكَ اسْتِحْبَابُ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ لِلْمُحِلِّينَ وَتَحْرِيمُ قَلْمِهَا عَلَى الْمُحْرِمِينَ، وَتَرْكُ قَلْمِهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِلْمُضَحِّينَ.
(1/230)

وَأَمَّا الْفُرُوجُ: فَيَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ كَشْفِهَا مِنْ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ.
وَكَذَلِكَ الْخِتَانُ الْمُتَعَلِّقُ بِفُرُوجِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَيَتَعَلَّقُ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِمَسِّهَا، وَبِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ مَنِيٍّ أَوْ حَيْضٍ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهِ مِنْهَا، وَتَحْرِيمُ الِاسْتِمْنَاءِ بِهَا، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهَا النَّدْبُ إلَى النِّكَاحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ كَتَعَاهُدِ الْمَرْأَةِ وَالسُّرِّيَّةِ بَيْنَ الضَّرَّاتِ وَالسُّرِّيَّاتِ فِيهِ، وَفِي إيجَابِ الْوَطْءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ اخْتِلَافٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ حُكْمًا سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ تَعْدِيدِ أَحْكَامِ الْأَسْبَابِ وَإِيجَادِهَا، وَيَتَعَلَّقُ بِالْأَلْيَتَيْنِ الْجُلُوسُ عَلَى الْأَرْضِ بِهِمَا فِي تَشَهُّدِ التَّحَلُّلِ وَعَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى فِي سَائِرِ جِلْسَاتِ الصَّلَوَاتِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْحَوَاسِّ]
وَهِيَ خَمْسٌ: إحْدَاهَا حَاسَّةُ الْبَصَرِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: أَمَّا الْإِيجَابُ: فَكَإِيجَابِ الْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحِرَاسَةِ الْأَجِيرِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِرَاسَتِهِ وَحِرَاسَةِ كُلِّ أَمِينٍ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِرَاسَتِهِ، وَكَنَظَرِ الشُّهُودِ إلَى مَا يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَإِسْقَاطِهَا فِي الدَّعَاوَى وَالْمُخَاصَمَاتِ.
وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ: فَكَالنَّظَرِ إلَى الْكَعْبَةِ وَإِلَى الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ لِلْقِرَاءَةِ وَإِلَى الْخَاطِبِينَ فِي الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَاتِ وَالْخَاطِبِينَ السَّائِلِينَ وَالْمُجِيبِينَ، وَإِلَى الْمَصْنُوعَاتِ كُلِّهَا لِلتَّفَكُّرِ فِي الْقُدْرَةِ وَنُفُوذِ الْإِرَادَةِ وَبَدِيعِ الْحِكْمَةِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى مَنَازِلِ الْهَالِكِينَ لِلِاتِّعَاظِ وَالِاعْتِبَارِ.
(1/231)

وَأَمَّا التَّحْرِيمُ: فَكَتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَى السَّوْآتِ وَالْعَوْرَاتِ وَالصُّوَرِ الْمُشْتَهَاةِ كَالْمُرْدِ وَالْأَجْنَبِيَّات.
وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ: فَكَكَرَاهَةِ نَظَرِ الْإِنْسَانِ إلَى سَوْأَتِهِ وَسَوْأَةِ جَارِيَتِهِ وَزَوْجَتِهِ. وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ: فَكَالنَّظَرِ إلَى كُلِّ مَا خَرَجَ عَنْ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ: كَالنَّظَرِ إلَى الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْمَنَاظِرِ الْحَسَنَةِ مِنْ الدِّيَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ.

الثَّانِيَةُ حَاسَّةُ السَّمْعِ: وَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ.
أَمَّا الْإِيجَابُ: فَكَالِاسْتِمَاعِ إلَى كُلِّ مَا يَجِبُ اسْتِمَاعُهُ كَاسْتِمَاعِ الْخُطَبِ الْوَاجِبِ اسْتِمَاعُهَا وَاسْتِمَاعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَكَاسْتِمَاعِ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَكَذَلِكَ اسْتِمَاعُ الْحُكَّامِ لِلدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْأَقَارِيرِ وَالشَّهَادَاتِ.
وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ: فَكَاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَالْإِصْغَاءِ إلَى الْخُطَبِ الْمَنْدُوبَةِ كَخُطْبَةِ الْكُسُوفَيْنِ وَالْعِيدَيْنِ.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَكَاسْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْقَذْفِ وَالتَّسْمِيعِ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ هُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَكَاسْتِمَاعِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَاتِ وَأَصْوَاتِ النِّسَاءِ الْفَاتِنَاتِ.
وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ: فَكَاسْتِمَاعِ الْمَلَاهِي الْمَكْرُوهَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ كَرِهَتْهَا الشَّرِيعَةُ. وَلَا يَخْفَى أَمْثِلَةُ الْمُبَاحِ كَاسْتِمَاعِ كُلِّ كَلِمَةٍ مُبَاحَةٍ أَوْ صَوْتٍ مُطْرِبٍ مُبَاحٍ كَأَصْوَاتِ الْأَطْيَارِ الطَّيِّبَةِ، وَنَشْدِ الْأَشْعَارِ الْمُطْرِبَةِ.
(1/232)

الثَّالِثَةُ حَاسَّةُ الشَّمِّ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: أَمَّا الْإِيجَابُ: فَكَإِيجَابِ مَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ شَمُّهُ أَوْ عَلَى الشُّهُودِ بِأَمْرِهِ إيَّاهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْخُصُومُ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي رَوَائِحِ الْمَشْمُومِ، لِأَجْلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ لِمَنْعِ الرَّدِّ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ: فَكَاسْتِحْبَابِ شَمِّ مَا فِي شَمِّهِ شِفَاءٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ.
وَأَمَّا الطِّيبُ الْمَحْبُوبُ لِلْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ وَالْأَعْيَادِ وَالتَّحْلِيلِ لِلْإِحْرَامِ فَفِيهِ مَصْلَحَتَانِ: إحْدَاهُمَا لِلْمُتَطَيِّبِ، وَالثَّانِيَةُ لِمَنْ يُقَارِبُهُ وَيُدَانِيهِ مِنْ النَّاسِ.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ: فَكَتَحْرِيمِ شَمِّ الطِّيبِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَتَحْرِيمِ اشْتِمَامِ طِيبِ النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ الْحِسَانِ.
وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ: فَكَكَرَاهَةِ شَمِّ الْأَدْهَانِ الْمُضِرَّةِ بِالْأَمْزِجَةِ وَالْحَوَاسِّ وَالْأَبْدَانِ.
وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَكَإِبَاحَةِ مَا يُبَاحُ شَمُّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْأَزْهَارِ، وَلَوْ شَمَّ طِيبًا لَا يَمْلِكُهُ كَشَمِّ الْإِمَامِ الطِّيبِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي جُرْمِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ تَوَرَّعَ عَنْهُ بَعْضُ الْأَكَابِرِ، وَقَالَ وَهَلْ يُنْتَفَعُ مِنْ الطِّيبِ إلَّا بِرِيحِهِ وَفِي كَوْنِهِ وَرِعًا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ شَمَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نَقْضًا وَلَا عَيْبًا فَيَكُونُ إدْرَاكُ الشَّمِّ لَهُ بِمَثَابَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَظَرَ الْإِنْسَانُ إلَى بَسَاتِينِ النَّاسِ وَغُرَفِهِمْ وَدُورِهِمْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا خَشَى الِافْتِتَانَ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، فَقَدْ قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ
(1/233)


لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه: 131] وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَّ جِدَارَ إنْسَانٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ مَسِّهِ، وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى جِدَارِ إنْسَانٍ لَجَازَ كَمَا لَوْ جَازَ مُطَيِّبًا أَوْ جَالَسَهُ مُتَطَيِّبٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَأْذُونٌ بِحُكْمِ الْعُرْفِ وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِنَادِ إلَى جِدَارِهِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا كَانَ الِاسْتِنَادُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجِدَارِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ فِي ذَلِكَ شَمُّ رِيحِ الْمُتَطَيِّبِ، وَكَذَلِكَ مِمَّا لَا أَعُدُّهُ وَرَعًا أَكْلُ طَعَامٍ حَلَالٍ مَحْضٍ حَمَلَهُ ظَالِمٌ وَلَا سِيَّمَا الطَّعَامُ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلَيْهِ كَطَعَامِ الْوَلَائِمِ، لِأَنَّ مَا كَانَ حَلَالًا بِوَصْفِهِ وَسَبَبِهِ فَلَا وَجْهَ لِاجْتِنَابِهِ إلَّا بِالْوَسْوَاسِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي لَا لَفْتَةَ لِلشَّرْعِ إلَى مِثْلِهَا.

الرَّابِعَةُ حَاسَّةُ الذَّوْقِ: فَلَا يُذَاقُ بِهَا مَكْرُوهٌ وَلَا حَرَامٌ وَيُذَاقُ بِهَا الطَّعَامُ الْمَنْدُوبُ إلَى أَكْلِهِ وَذَوْقِهِ كَطَعَامِ الْوَلَائِمِ لِمَا فِي ذَوْقِهِ مِنْ جَبْرِ قُلُوبِ الْإِخْوَانِ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ الذَّوْقُ عَلَى الْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْخُصُومِ فِي مَطْعَمِ الْمَبِيعِ.

الْخَامِسَةُ حَاسَّةُ اللَّمْسِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: أَمَّا الْإِيجَابُ: فَكَإِيجَابِ لَمْسِ الْمُصَلِّي بِالْجِبَاهِ.
وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ: فَكَاسْتِحْبَابِ لَمْسِ الْمُصَلِّي بِالْأُنُوفِ وَالْأَكُفِّ وَلَمْسِ أَرْكَانِ الْبَيْتِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلِ الْوَالِدَيْنِ وَأَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَكَذَا لَمْسُ الْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ فِي لِقَاءِ الْإِخْوَانِ.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ: فَكَلَمْسِ عَوْرَاتِ الْأَجَانِبِ، وَكَذَلِكَ لَمْسُ مَا خَرَجَ عَنْ الْعَوْرَةِ مِنْ أَبْدَانِ النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْمُرْدِ الْحِسَانِ عِنْدَ مَخَافَةِ الِافْتِتَانِ، وَكَذَلِكَ التَّلَامُسُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمُحْرِمِينَ بِشَهْوَةٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
(1/234)

وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ: فَكَكَرَاهَةِ لَمْسِ الْفُرُوجِ بِالْأَيْمَانِ، وَكَذَلِكَ لَمْسُ السُّرِّيَّةِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَتَقْبِيلُهُمَا عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى فَسَادِ الصِّيَامِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ: فَعَامٌّ لِكُلِّ مَا جَوَّزَ الشَّرْعُ لَمْسَهُ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ وَسَائِرِ الْأَعْيَانِ وَمُعْظَمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوَاسِّ وَسَائِلُ إلَى مَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، بِخِلَافِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُ مَقَاصِدُ إلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.

[فَصْلٌ فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّاعَاتُ مِنْ الْأَمْوَالِ]
فِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّاعَاتُ مِنْ الْأَمْوَالِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْأَمْوَالَ وَالْمَنَافِعَ وَسَائِلَ إلَى مَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ، وَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَ عِبَادِهِ فِيهَا ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَاِتَّخَذَ الْأَغْنِيَاءُ الْفُقَرَاءَ سُخْرِيًّا فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمْ كَالْحَرْثِ وَالزَّرْعِ وَالْحَصْدِ وَالطَّحْنِ وَالْخَبْزِ وَالْعَجْنِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَبِنَاءِ الْمَسَاكِنِ وَحَمْلِ وَنَقْلِ الْأَثْقَالِ وَحِرَاسَةِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ.
وَكَذَلِكَ تَمَنَّنَ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَبَاحَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَبِمَا جَوَّزَهُ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَالْجَعَالَاتِ وَالْوَكَالَاتِ تَحْصِيلًا لِلْمَنَافِعِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً فَإِنَّ الْبَيْعَ لَوْ لَمْ يَشْرَعْهُ الشَّرْعُ لَفَاتَتْ مَصَالِحُ الْخَلْقِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَقْوَاتِهِمْ وَلِبَاسِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ وَمَزَارِعِهِمْ وَمَغَارِسِهِمْ وَسَوَاتِرِ عَوْرَاتِهِمْ وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى عَالِمِ خَفِيَّاتِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا وَالصَّدَقَاتِ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ لَا يَجُودُ مُسْتَحِقُّهَا إلَّا نَادِرًا.
وَكَذَلِكَ الْإِجَارَاتُ لَوْ لَمْ يُجَوِّزْهَا الشَّرْعُ لَفَاتَتْ مَصَالِحُهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَسَاكِنِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْحِرَاثَةِ وَالسَّقْيِ وَالْحَصَادِ وَالتَّنْقِيَةِ وَالنَّقْلِ
(1/235)

وَالطَّحْنِ وَالْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْعَوَارِيِّ وَبَذْلِ الْمَنَافِعِ كَالْخِدْمَةِ نَحْوَهَا فَإِنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا نَادِرًا لِضِنَةِ أَرْبَابِهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْمِنَّةِ عَلَى مَنْ بُذِلَتْ لَهُ، وَلِتَعَطُّلِ الْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَالْأَسْفَارِ إلَّا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الظَّهْرِ وَالْأَدَوَاتِ وَالْآلَاتِ وَلَكَانَ الْإِنْسَانُ جَمَّالًا بَغَّالًا سَائِسًا لِدَوَابِّهِ حَمَّالًا لِأَمْتِعَتِهِ ضَارِبًا لِأَخْبِيَتِهِ، وَلَتَعَطَّلَتْ الْمُدَاوَاةُ وَالْفَصْدُ وَالْحَجَّامَةُ وَالْحَلْقُ وَالدَّلْكُ وَجَبْرُ الْفَكِّ، وَلَتَعَطَّلَتْ إقَامَةُ الْحُدُودِ لِافْتِقَارِ الْمَرْءِ إلَى أَنْ يَكُونَ كَاتِبًا حَاسِبًا فَلَّاحًا حَصَّادًا حَطَّابًا صَانِعًا دَبَّاغًا خَيَّاطًا حَشَّاشًا زَبَّالًا بَنَّاءً نَبَّالًا رَمَّاحًا قَوَّاسًا حَرَّاثًا لِأَمْوَالِهِ حَمَّالًا لِأَعْدَالِهِ وَأَثْقَالِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ لَوْ لَمْ تَجُزْ لَفَاتَ عَلَى الْمُلَّاكِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ رَدِّ الْمَفْقُودِ مِنْ أَمْوَالِهَا كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ فَشُرِعَتْ الْجَعَالَةُ رِفْقًا بِالْفَاقِدِ وَالْوَاجِدِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ لَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَتَضَرَّرَ مَنْ يَبْتَذِلُ وَلَا يَعْرِفُ التَّصَرُّفَ بِمَا يَفُوتُهُ مِنْ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، وَلَتَضَرَّرَ الْوَكِيلُ بِمَا يَفُوتُهُ مِنْ الثَّوَابِ إنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا أَوْ مِنْ الْجَعْلِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ أَخْذَ الْأَمْوَالِ إلَّا بِأَسْبَابٍ نَصَبَهَا، وَمُعْظَمُهَا حُقُوقٌ تَتَعَلَّقُ بِالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِحَقِّهِ وَلَا صَرْفُهُ إلَّا لِمُسْتَحِقِّهِ وَأَوْجَبَ لِنَفْسِهِ حُقُوقًا فِي الْأَمْوَالِ عَلَى خَلْقِهِ لِيَعُودَ بِهَا عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَيَدْفَعَ بِهَا ضَرُورَةَ الْمُضْطَرِّينَ وَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ وَنَدَبَ إلَى الصَّدَقَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ وَالضِّيَافَاتِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَاكِنِ مِنْ الطَّاعَاتِ]
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَاكِنِ مِنْ الطَّاعَاتِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَاكِنِ قُرُبَاتٌ مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ: فَأَمَّا الْمَالِيَّةُ فَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرَمِ كَالْهَدَايَا وَدِمَاءِ الْقُرُبَاتِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَمِنْهَا مَا تَخْتَصُّ تَفْرِقَتُهُ
(1/236)

بِبُلْدَانِ الْأَمْوَالِ نَدْبًا وَوُجُوبًا كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ عَلَى أَهْلِ بُلْدَانِ الْأَمْوَالِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَيَّنُ لِأَهْلِ بَلَدِ الْبَاذِلِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمِنْهَا مَا يُنْذَرُ مِنْ الذَّبْحِ وَالتَّفْرِقَةِ عَلَى أَهْلِ الْبُلْدَانِ.
وَأَمَّا الْبَدَنِيَّةُ فَأَنْوَاعٌ أَحَدُهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ الْمُتَعَيِّنَانِ فِي الْحَرَمِ مِنْ النَّسَائِكِ الْمُخْتَصَّةِ بِأَهْلِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الِاعْتِكَافُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَنَاسِكِ كَالطَّوَافِ وَمَحَلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَلَوْ طَافَ خَارِجًا عَنْهُ لَمْ يُجِزْهُ وَلَوْ وَسِعَ لَأَجْزَأَ فِيهِ الطَّوَافُ كَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالرَّمْيِ بِمِنًى إلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَا يَخْتَصُّ بِدَارِ الْإِقَامَةِ كَالْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَمَا يَخْتَصُّ فَضْلُهُ بِالْبُيُوتِ كَصَلَوَاتِ النَّوَافِلِ فِيهَا.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدَيْنِ مِنْ فَضِيلَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: مَا يَخْتَصُّ بِالْمَسَاجِدِ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَاتِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ: مَا يَخْتَصُّ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ مِنْ شَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهَا لِلْقُرُبَاتِ وَالزِّيَارَاتِ.

[فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْمَانِ مِنْ الطَّاعَاتِ]
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْمَانِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ، وَهُمَا مُخْتَصَّتَانِ بِزَمَنِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ.
(1/237)

النَّوْعُ الثَّانِي: الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَاتُ وَهِيَ مُخْتَصَّةُ الْأَدَاءِ بِالْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ جَائِزَةُ الْقَضَاءِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأَدَاءِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْجُمُعَاتُ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتِ الظُّهْرِ لَا تَقْبَلُ الْقَضَاءَ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الصِّيَامُ الْوَاجِبُ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِشَهْرِ رَمَضَانَ قَابِلٌ لِلْقَضَاءِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: الصِّيَامُ الْمَنْدُوبُ الْمُعَيَّنُ الْأَوْقَاتِ، كَصِيَامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَالْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَعَاشِر ذِي الْحِجَّةِ وَعَاشِرِ الْمُحَرَّمِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: الضَّحَايَا وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِيَوْمِ الْعِيدِ وَبِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا تَقْبَلُ الْقَضَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَنْذُورَةً.
النَّوْعُ السَّابِعُ: الْحَجُّ وَهُوَ مُؤَقَّتٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِشَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ، وَعِنْدَ آخَرِينَ بِالشَّهْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَعَشْرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالشَّهْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَتِسْعِ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ: الْعُمْرَةُ وَلَا وَقْتَ لَهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
النَّوْعُ التَّاسِعُ: الصَّلَوَاتُ وَالْأَوْقَاتُ كُلُّهَا قَابِلَةٌ لَهَا إلَّا الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةَ الْمَكْرُوهَاتِ.
النَّوْعُ الْعَاشِرُ: صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَالْأَوْقَاتُ كُلُّهَا قَابِلَةٌ لَهُ إلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَأَكْثَرُ اخْتِصَاصِ الْعِبَادَاتِ بِالْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ مِمَّا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
(1/238)

[فَصْلٌ فِي تَنْوِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ]
فِي تَنْوِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا الْأَقْوَالُ: كَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّحْمِيدَاتِ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّهْلِيلَاتِ وَالتَّسْلِيمَاتِ وَالدَّعَوَاتِ، وَحَمْدَلَةِ الْعَاطِسِينَ وَتَشْمِيتِهِمْ، وَالتَّحِيَّاتِ وَرَدِّهَا، وَالْخُطَبِ الْمَشْرُوعَاتِ وَالْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَالسُّؤَالِ عَمَّا يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَالْفُتْيَا وَالْحُكْمِ وَالشَّهَادَاتِ، وَالْإِقَامَةِ وَالْأَذَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْبَسْمَلَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ فَزَعِ الشَّيَاطِينِ وَهَمَزَاتِهِمْ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْأَفْعَالُ الْمُجَرَّدَةُ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَالْهَلْكَى وَدَفْعِ الصِّوَالِ وَالْأَغْسَالِ، وَكَذَلِكَ تَجْهِيزُ الْأَمْوَاتِ وَإِكْرَامُهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْكَفُّ كَالصِّيَامِ الَّذِي هُوَ كَفٌّ مُجَرَّدٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَفِّ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا الِاعْتِكَافُ وَهُوَ مُكْثٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ مَعَ الْكَفِّ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَالْجِمَاعِ، وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالتَّعْرِيفُ وَالْإِحْرَامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَعْرُوفَاتِ وَهُوَ: الطِّيبُ وَالدُّهْنُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَالْجِمَاعُ وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةِ النِّكَاحِ وَالْإِنْكَاحُ، وَقَتْلُ الصَّيْدِ وَأَكْلُ مَا صَادَهُ أَوْ صِيدَ لَهُ وَسَتْرُ وُجُوهِ النِّسَاءِ وَرُءُوسِ الرِّجَالِ وَلُبْسُ الرِّجَالِ الْخِفَافَ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: الصَّلَاةُ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَفْعَالِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَعَلَى الْأَقْوَالِ وَعَلَى الْكَفِّ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ وَكَثْرَةِ الْأَفْعَالِ الْمُتَوَالِيَةِ وَعَنْ الِالْتِفَاتِ
(1/239)

بِالْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّاتِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ الظَّاهِرِ.
وَكَذَلِكَ الْبَاطِنُ عَمَّا أُمِرَ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُورٌ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ أَنْ يُلَاحِظَ مَعَانِيَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي آيَةٍ وَعْدٌ رَجَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] .
وَإِذَا كَانَتْ آيَاتُ الصِّفَاتِ تَأَمَّلْ تِلْكَ الصِّفَةَ فَإِنْ كَانَتْ مُشْعِرَةً بِالتَّوَكُّلِ فَلْيَعْزِمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْحَيَاءِ فَلْيَسْتَحْيِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلتَّعْظِيمِ فَلْيُعَظِّمْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْحُبِّ فَلْيُحِبَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَاثَّةً عَلَى طَاعَةٍ فَلْيَعْزِمْ عَلَى إتْيَانِهَا، وَإِنْ كَانَتْ زَاجِرَةً عَنْ مَعْصِيَةٍ فَلْيَعْزِمْ عَلَى اجْتِنَابِهَا، وَلَا يَشْتَغِلُ عَنْ مَعْنَى ذِكْرٍ مِنْ الْأَذْكَارِ بِمَعْنَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ يَلِيقُ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّاهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَشْتَغِلُ عَنْ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاسْتِحْضَارِ مَعْنًى غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيُكْرَهُ التَّسْبِيحُ فِي الْقُعُودِ مَكَانَ الدُّعَاءِ، وَإِذَا دَعَا فَلْيَتَأَدَّبْ فِي الدُّعَاءِ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِخْفَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] فَالْتِفَاتُ الْجَنَانِ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ إعْرَاضٌ عَنْ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَفْضَلِ أَجْزَاءِ الْإِنْسَان، وَلَيْسَ الِالْتِفَاتُ بِالْأَرْكَانِ كَالِالْتِفَاتِ بِالْجَنَانِ لِأَنَّ الِالْتِفَاتَ بِالْجَنَانِ مُفَوِّتٌ لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ الْعِبَادَاتِ وَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَعَنْهَا تَصْلُحُ الْأَجْسَادُ وَتَسْتَقِيمُ الْأَبْدَانُ فَمَنْ صَلَّى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَتْ صَلَاتُهُ كَامِلَةً نَاهِيَةً عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] ، فَيَكُونُ الْأَلِفُ فِيهَا وَاللَّامُ لِلْكَمَالِ، وَمَا أَجْدَرَ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُنْهِيَ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، إنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ وَالْمُلَاحَظَاتِ كَانَ إذَا تَحَلَّلَ مِنْ الصَّلَاةِ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ الزَّاجِرَةِ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
(1/240)

النَّوْعُ السَّادِسُ: إسْقَاطُ الْحُقُوقِ كَالِاعْتِكَافِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْإِسَاءَاتِ، وَيَتَفَاوَتُ شَرَفُ الْإِسْقَاطِ بِتَفَاوُتِ الْمُسْقِطِ فِي الشَّرَفِ، فَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْعَفْوُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ التَّعْذِيرِ، وَالْإِبْرَاءُ مِنْ الدِّينَارِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِبْرَاءِ مِنْ الدِّرْهَمِ.
وَكَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ شَرَفُ التَّمْلِيكِ بِتَفَاوُتِ شَرَفِ الْمُمَلَّكِ، وَإِخْرَاجُ بِنْتِ مَخَاضٍ فِي الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِ الشَّاةِ، وَإِخْرَاجُ بِنْتِ اللَّبُونِ أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَإِخْرَاجُ الْحِقَّةِ أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِ بِنْتِ اللَّبُونِ، وَإِخْرَاجُ الْجَذَعَةِ أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِ الْحِقَّةِ، وَإِخْرَاجُ الثَّنِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِ الْجَذَعَةِ، وَكَذَلِكَ إخْرَاجُ جَزَرَاتِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ أَفْضَلُ مِمَّا دُونَ ذَلِكَ.

وَالْعِبَادَاتُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَالْمُضَيَّقِ وَقْتُهُ وَالْمُوَسَّعِ زَمَانُهُ، وَإِلَى الْمُخَيَّرِ وَالْمُرَتَّبِ، وَإِلَى مَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ، وَلَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ، وَإِلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ وَلَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ، وَإِلَى مَا لَا يَقْبَلُهُمَا، وَإِلَى مَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَى مَا يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَى مَا يَقْبَلُ التَّدَاخُلَ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ، وَإِلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَإِلَى مَا عَزِيمَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ رُخْصَتِهِ، وَإِلَى مَا رُخْصَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ عَزِيمَتِهِ، وَإِلَى مَا يُقْضَى فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَى مَا لَا يُقْضَى إلَّا فِي مِثْلِ وَقْتِهِ، وَإِلَى مَا يَقْبَلُ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ، وَإِلَى مَا يَتَعَذَّرُ وَقْتُ قَضَائِهِ مَعَ قَبُولِهِ لِلتَّأْخِيرِ، وَإِلَى مَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ مُتَرَاخِيًا، وَإِلَى مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَى مَا يَدْخُلُهُ الشَّرْطُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَإِلَى مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ، وَلِكُلِّ حُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ حِكْمَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ: مِنْهَا مَا عَرَفْنَاهُ، وَمِنْهَا مَا جَهِلْنَاهُ كَمَا فِي الْأَوْقَاتِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالسَّجَدَاتِ وَالْقَعَدَاتِ، وَمَقَادِيرِ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِ الدِّيَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ، وَتَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ
(1/241)

- رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَكَذَلِكَ تَعَيُّنُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ وَتَقْدِيرِ الْحُدُودِ وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ مَعَ الْقَطْعِ بِبَرَاءَةِ الْأَرْحَامِ.
وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ بَعْضِ الْأَقَارِبِ وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ، وَكَذَلِكَ حُضُورُ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَكَذَلِكَ تَوْقِيتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَتَعْيِينُ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَكَذَلِكَ مَسْحُ الْخِفَافِ وَالْعَصَائِبِ وَالْعَمَائِمِ وَالْجَبَائِرِ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا.
وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فَإِنَّ أَسْبَابَهُمَا لَا تُنَاسِبُهُمَا بَلْ هِيَ شَبِيهَةٌ بِالْأَوْقَاتِ، وَكَذَلِكَ إبْدَالُهُمَا بِالتَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ، وَكَذَلِكَ تَفَاوُتُ الْأَوْقَاتِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ الْإِحْصَانِ فِي رَجْمِ الْمُحْصَنِينَ وَالْمُحْصَنَاتِ، وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ النِّسَاءِ وَمَسِّ الْفُرُوجِ، وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ الْغُسْلُ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا لَا مَصَالِحَ فِيهَا ظَاهِرَةً وَلَا بَاطِنَةً سِوَى مَجْرَى الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. فَأَمَّا الْأَدَاءُ فَمَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ شَرْعًا.
وَأَمَّا الْمُضَيَّقُ وَقْتُهُ فَمَا كَانَ فِيهِ بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ كَالصِّيَامِ، فَإِنَّ وَقْتَهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَأَمَّا الْمُوَسَّعُ زَمَانُهُ فَكَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمَهَا فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُوَسِّطَهَا، أَوْ يُؤَخِّرَهَا بِحَيْثُ يَقَعُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ أَوْقَاتِهَا، وَأَذَانُ كُلِّ صَلَاةٍ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتِهَا لَا يُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا إلَّا أَذَانَ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ بِالطَّهَارَاتِ وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ وَقْتِهَا وَكَالْأُضْحِيَّةِ فِي وَقْتِهَا وَصَلَاةِ الضُّحَى.

وَأَمَّا الْمُخَيَّرُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا مَا لَا تَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ثَمَنِهِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ شِرَاءِ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ.
(1/242)

الْمِثَالُ الثَّانِي: تَخَيُّرُ الْمُتَوَضِّئِ بَيْنَ الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَكَذَلِكَ التَّخَيُّرُ فِي غُسْلِ النَّجَاسَاتِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ وَالْعَزِيمَةُ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ تَقْدِيمِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَبَيْنَ تَأْخِيرِهَا، وَتَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ إلَّا لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَوْلٍ، أَوْ لِتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، أَوْ لِلْإِبْرَادِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَوْ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ عَلَى قَوْلٍ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: التَّخْيِيرُ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ وَتَطْوِيلِهَا، وَتَخْفِيفُهَا أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يُؤْثَرَ التَّطْوِيلُ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ: التَّخْيِيرُ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالْعَزِيمَةُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ.
الْمِثَالُ السَّابِعُ: التَّخَيُّرُ فِي الصَّلَوَاتِ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
الْمِثَالُ الثَّامِنُ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ جَمْعِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْأَسْفَارِ وَالْعَزِيمَةُ أَفْضَلُ إلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَإِنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ بِعَرَفَةَ أَوْلَى، وَجَمْعَ التَّأْخِيرِ بِمُزْدَلِفَةَ أَفْضَلُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ دَرَجَ النَّاسُ، وَكَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْفَارِهِ تَفْرِيقَ الصَّلَوَاتِ عَلَى أَوْقَاتِهَا.
الْمِثَالُ التَّاسِعُ: التَّخَيُّرُ فِي الْخُطَبِ بَيْنَ التَّطْوِيلِ وَالتَّقْصِيرِ، وَالتَّقْصِيرُ أَفْضَلُ.
(1/243)

الْمِثَالُ الْعَاشِرُ: يَتَخَيَّرُ الْمَعْذُورُ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْجُمُعَةُ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الْحَادِيَ عَشَرَ: مَنْ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْمُسِنَّةِ وَالتَّبِيعِ وَالْمُسِنَّةُ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ: مَنْ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ شَاةٍ وَبِنْتِ الْمَخَاضِ وَابْنِ لَبُونٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقٍّ وَحِقَّةٍ وَجَذَعٍ وَجَذَعَةٍ وَثَنِيٍّ وَثَنِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ سِنٍّ مَعَ مَا فَوْقَهُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَنْ عِنْدَهُ مِائَتَانِ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ تَلْزَمُهُ الْحِقَاقُ أَوْ يَخْتَارُ السَّاعِي الْأَصْلَحَ لِلْفُقَرَاءِ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ إخْرَاجِ الْجَيِّدِ وَالْأَجْوَدِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْأَجْوَدُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ إيثَارِ الْفُقَرَاءِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ فِي الْجُبْرَانِ بَيْنَ الشَّاتَيْنِ وَالْعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَأَنْفَعُهُمَا لِلْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ فِي الْجَبْرِ بَيْنَ السِّنِّ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَخَيْرُهُمَا لِلْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ تَعْجِيلِ زَكَاةِ الضَّالِّ الْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَبَيْنَ التَّأْخِيرِ إلَى الْحُضُورِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ إرْفَاقِ الْفُقَرَاءِ.
الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى أَحَدِ سَنَى وُجُوبِهَا.
الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَاتِ بَعْدَ وُجُوبِهَا وَبَيْنَ تَأْخِيرِهَا، وَتَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ.
(1/244)

الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ: يَتَخَيَّرُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالْإِبْهَامِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ عَلَى الْقَدِيمِ، وَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ عَلَى الْجَدِيدِ لِإِعَانَتِهِ عَلَى مَقَاصِدِ النُّسُكَيْنِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: التَّخَيُّرُ بَيْنَ الصِّيَامِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْإِفْطَارِ، وَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى أَذْكَارِ عَرَفَةَ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: التَّخَيُّرُ فِي التَّضْحِيَةِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَسَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْبَقَرُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ، وَسَبْعٌ مِنْ الْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ الْبَقَرِ: وَسَبْعٌ مِنْ الْبَقَرِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ، وَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ أَفْضَلُ مِنْ الْبَدَنَةِ، وَلَا يَدُلُّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْمَصَالِحِ وَالْفَضَائِلِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْجُمُعَةِ عَلَى الظُّهْرِ، وَتَقْدِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ، وَتَقْدِيمِ الْجَذَعَةِ عَلَى الشَّاةِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: بَدَلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ.
الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَفَّارَةُ الْحَلْقِ فِي الْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ وَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ.
الْمِثَالُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّحْرِيرِ
(1/245)

وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهَذِهِ كَفَّارَةٌ مُخَيِّرَةٌ مُرَتَّبَةٌ.
الْمِثَالُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: يُخَيَّرُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ فَسْخُ عَقْدٍ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ وَفِعْلِهِ مَا هُوَ الْأَغْبَطُ لِلْمَفْسُوخِ عَلَيْهِ.
الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: تَخَيُّرُ الشَّفِيعِ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْعَفْوِ، وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي نَادِمًا مَغْبُونًا.
الْمِثَالُ الثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الْوَلِيِّ الْمُجْبَرِ بَيْنَ الْأَكْفَاءِ الْمُتَسَاوِينَ.
الْمِثَالُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الْمَرْأَةِ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ اتِّحَادِ الدَّرَجَةِ، وَتَخْصِيصِ الْإِذْنِ: بِالْأَسَنِّ أَوْلَى وَأَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الرِّجَالِ فِي السَّفَرِ بِالنِّسَاءِ أَوْ الْإِقَامَةِ بِهِنَّ وَفِعْلُ الْأَرْفَقِ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الرِّجَالِ فِي تَعْيِينِ الْمَسَاكِنِ، وَتَعْيِينُ الْأَرْفَقِ بِالنِّسَاءِ أَفْضَلُ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الرِّجَالِ بَيْنَ الْجِمَاعِ وَتَرْكِهِ، وَفِعْلُ الْأَصْلَحِ لِلزَّوْجَيْنِ أَفْضَلُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خُيِّرَ الرَّجُلُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَأُجْبِرَتْ الْمَرْأَةُ؟ قُلْنَا: لَوْ خُيِّرَتْ النِّسَاءُ لَعَجَزَ الرِّجَالُ عَنْ إجَابَتِهِنَّ إذْ لَا تُطَاوِعُهُمْ الْقُوَى عَلَى إجَابَتِهِنَّ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُمْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِضَعْفِ الْقُوَى وَعَدَمِ الِاسْتِنْشَارِ وَالْمَرْأَةُ يُمْكِنُهَا التَّمَكُّنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جَعَلَ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ؟ قُلْنَا: لِوُفُورِ عُقُولِ
(1/246)

الرِّجَالِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا هُوَ الْأَصْلَحُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالتَّلَاقِ وَالِاتِّصَالِ وَالِافْتِرَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ جَوَّزَ لِلرِّجَالِ الطَّلَاقَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ النِّسَاءِ وَأَذِيَّتِهِنَّ؟ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكْرَهُ الْمَرْأَةَ وَيَسُوءُهَا لِسُوءِ أَخْلَاقِهَا أَوْ لِدَمَامَةِ خَلْقِهَا أَوْ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، فَلَوْ أُلْزِمَ بِإِمْسَاكِهَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ الضَّرَرِ لَعَظُمَ الْإِضْرَارُ بِالرِّجَالِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا شَرَعَ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَاحِدَة كَيْ لَا يَتَكَرَّرَ عَلَى النِّسَاءِ كَسْرُ الطَّلَاقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ؟ قُلْنَا: لَوْ جَوَّزَ الشَّرْعُ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لَعَظُمَ الْإِضْرَارُ بِالنِّسَاءِ، وَلَوْ قُصِرَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَتَضَرَّرَ الرِّجَالُ، فَإِنَّ النَّدَمَ يَلْحَقُ الْمُطَلِّقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ فَقُصِرَ الطَّلَاقُ عَلَى الثَّلَاثِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَدْ عُرِفَتْ فِي مَوَاطِنِ الشَّرِيعَةِ كَإِحْدَادِ النِّسَاءِ عَلَى الْمَوْتَى وَالتَّهَاجُرِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ فَضَّلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ بِتَحْذِيرِهِنَّ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِنَّ وَالْإِلْزَامِ بِالسَّفَرِ وَالْمُقَامِ؟ وَفَضَّلَ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ بِإِيجَابِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِسْكَانِ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي نَيْلِ الْمُرَادِ وَقَضَاءِ الْأَوْطَارِ، قُلْنَا: لَمَّا جَعَلَ لِلرِّجَالِ التَّحَكُّمَ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْذِيرِ وَالتَّسْفِيرِ وَالْإِلْزَامِ بِالتَّمْكِينِ، جَعَلَ لَهُنَّ ذَلِكَ جَبْرًا لِمَا جَعَلَ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَحْكَامِ الرِّجَالِ فِي الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ وَلُزُومِ الْمَسَاكِنِ وَتَعْيِينِ الدِّيَارِ وَالْمَوَاطِنِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ إذْ لَا قُدْرَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الْغَالِبِ عَلَى اكْتِسَابِ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَسَاكِنِ، وَمَاعُونِ الدَّارِ وَلَا يَلِيقُ بِالرِّجَالِ الْكَامِلَةُ أَدْيَانُهُمْ وَعُقُولُهُمْ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِمْ النِّسَاءُ لِنُقْصَانِ عُقُولِهِنَّ وَأَدْيَانِهِنَّ وَفِي ذَلِكَ كَسْرٌ لِنَخْوَةِ الرِّجَالِ مَعَ غَلَبَةِ الْمَفَاسِدِ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَنْ يَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» .
(1/247)

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اُعْتُبِرَتْ الْمَسَاكِنُ بِحَالِ النِّسَاءِ وَالنَّفَقَاتُ والكسي بِحَالِ الرِّجَالِ قُلْنَا: الْمَرْأَةُ تَتَعَيَّرُ بِالْمَسْكَنِ الْخَسِيسِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ حَالَهَا لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَوْلِيَائِهَا وَأَعْدَائِهَا، بِخِلَافِ الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ فَإِنَّهُمَا لَا يُشَاهَدَانِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ فَكَانَ تَضَرُّرُهَا بِالْمَسْكَنِ الْخَسِيسِ أَعْظَمَ مِنْ تَضَرُّرِهَا بِأَكْلِ الرَّدِيءِ وَلُبْسِ الْخَسِيسِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مِنْ أَمْثِلَةِ التَّخَيُّرِ: إذَا زَادَ الْعَدُوُّ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَالْغُزَاةُ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالِانْهِزَامِ إذَا لَمْ يُخْشَ الِاصْطِلَامُ. الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: تَخَيُّرُ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ بَيْنَ جَلْبِ الْمَصَالِحِ الْمُتَسَاوِيَةِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَسَاوِيَةِ، وَكَذَلِكَ تَخَيُّرُ الْآحَادِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ.

وَأَمَّا الْمُرَتَّبُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا تَرْتِيبُ التَّيَمُّمِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: تَرْتِيبُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ فِيهَا مُرَتَّبٌ عَلَى التَّحْرِيرِ، وَالْإِطْعَامُ مُرَتَّبٌ عَلَى الصِّيَامِ وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ الْبَقَرَةُ بَعْدَ الْبَدَنَةِ، وَالشَّاةُ بَعْدَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ الطَّعَامُ وَالصِّيَامُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: كَفَّارَةُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَالصَّوْمُ فِيهَا مُرَتَّبٌ عَلَى النُّسُكِ الْمِثَالُ الرَّابِعُ: تَرْتِيبُ السَّعْيِ عَلَى الطَّوَافِ فِي النُّسُكَيْنِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: تَرْتِيبُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمِثَالُ السَّادِسُ: تَرْتِيبُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى التَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَوَاتِ.
الْمِثَالُ السَّابِعُ: تَرْتِيبُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَفِي تَرْتِيبِ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ
(1/248)

خِلَافٌ.

وَأَمَّا مَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ وَلَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ فَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، فَإِنَّ الْعَصْرَ يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَا يَقْبَلَانِ التَّأْخِيرَ عَنْ وَقْتِهِمَا.

وَأَمَّا مَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ وَلَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا الظُّهْرُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا، وَيَقْبَلُ التَّأْخِيرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: الْمَغْرِبُ لَا تَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى وَقْتِهَا وَتَقْبَلُ التَّأْخِيرَ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: الصَّوْمُ لَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى وَقْتِهِ، وَيَقْبَلُ التَّأْخِيرَ إلَى الْأَوْقَاتِ الْقَابِلَةِ لِلصِّيَامِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ تَقْبَلُ التَّأْخِيرَ وَلَا تَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ لَا تَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى التَّقْدِيمِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَتَقْبَلُ التَّأْخِيرَ.

وَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ وَلَا التَّأْخِيرَ فَكَصَلَاةِ الصُّبْحِ لَا تَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى وَقْتِهَا وَلَا التَّأْخِيرَ عَنْهُ بَلْ تَقْبَلُ الْقَضَاءَ.

وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فَكَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَزَكَاةِ الْأَنْعَامِ وَالنَّقْدَيْنِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ.
وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْمُعَشَّرَاتِ وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الرِّكَازِ عِنْدَ وِجْدَانِهِ وَفِي زَكَاةِ الْمَعَادِنِ خِلَافٌ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْخُصُومِ وَيَجِبُ سُلُوكُ أَقْرَبِ الطُّرُقِ فِيهِ دَفْعًا لِعِظَمِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ بَيَانُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَلَى الْمُفْتِي عَلَى
(1/249)

الْفَوْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ كُلُّهَا شُرِعَتْ عَلَى الْفَوْرِ تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ فَإِنَّهَا لَوْ أُخِّرَتْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ مُلَابَسَةِ جَرَائِمِهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَضَرْبُ الصِّبْيَانِ وَقَتْلُ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ دَفْعًا لِمَفَاسِدِ الصِّيَالِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِالْقَتْلِ.
وَكَذَلِكَ حَدُّ الْحَنَفِيِّ عَلَى شُرْبِ النَّبِيذِ وَدَفْعُ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ عَلَى الزِّنَا وَالْقَتْلِ وَالْعُقُوبَاتِ وَلَوْ بِالْقَتْلِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ قُدِّمَ أَخَفُّهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِيفَائِهَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ الْأَشَقَّ لَوْ قُدِّمَ طَالَ الِانْتِظَارُ إلَى الْبُرْءِ، وَإِذَا قُدِّمَ الْأَخَفُّ لَمْ يَطُلْ وَلِأَنَّ حِفْظَ مَحَلِّ الْحُقُوقِ وَاجِبٌ، فَلَوْ قُدِّمَ الْأَشَقُّ لَكَانَ تَغْرِيرًا بِضَيَاعِ مَحَلِّ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالنَّهْيِ زَوَالُ الْمَفْسَدَةِ، فَلَوْ أُخِّرَ النَّهْيُ عَنْهَا لَتَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ وَالْمَعْصِيَةُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ كَيْ لَا تَتَأَخَّرَ مَصْلَحَتُهُ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا سَدُّ الْخُلَّاتِ وَدَفْعُ الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ وَهِيَ مُحَقَّقَةٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَفِي تَأْخِيرِهَا إضْرَارٌ بِالْمُسْتَحَقِّينَ مَعَ أَنَّ الْفُقَرَاءَ تَتَعَلَّقُ أَطْمَاعُهُمْ بِهَا وَيَتَشَوَّفُونَ إلَيْهَا فَهُمْ طَالِبُونَ لَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ دُونَ لِسَانِ الْمَقَالِ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي لَا شُعُورَ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَشَوَّفُونَ إلَى مَا لَا شُعُورَ لَهُمْ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى الْمُكَلَّفِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ إلَى أَدَائِهِ مَعَ عِلْمِ صَاحِبِهِ بِهِ وَلَا تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ إلَّا إذَا طَلَبَهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ تُشْعِرُ بِالطَّلَبِ بِلِسَانِ الْحَالِ فَفِي وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ تَرَدُّدٌ وَاحْتِمَالٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْخُصُومِ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ ظَالِمٌ مُبْطِلٌ وَظُلْمُهُ مَفْسَدَةٌ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لَتَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَدَاءُ
(1/250)

الشَّهَادَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَكَذَلِكَ الْفُتْيَا عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ عَنْ الْمُسْتَفْتِي. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سُئِلَ عَمَّا مَسَّتْهُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ بَادَرَ بِالْجَوَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ صَبَرَ حَتَّى يَنْزِلَ الْوَحْيُ بِجَوَابِ الْوَاقِعَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتُونَ بَعْدَهُ إذَا سُئِلُوا عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ صَبَرُوا حَتَّى يَجْتَهِدُوا فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ، فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فَالِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَاجِبٌ وَكُلُّ وَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ إذَا ضَاقَ وَقْتُهُ، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فَفِي وُجُوبِ قَضَائِهَا عَلَى الْفَوْرِ خِلَافٌ لِأَنَّ وَقْتَهَا لَمَّا ضَاقَ صَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ صَارَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَّا أَحْرَمَ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ هَلَّا وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ؟ قُلْنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهُ ثَوَابُ الْآخِرَةِ وَهُوَ مُتَرَاخٍ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا دَفْعُ الْحَاجَاتِ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي فَكَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْكَفَّارَاتِ.

وَأَمَّا مَا يَقْبَلُ التَّدَاخُلَ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا الْعُمْرَةُ تَدْخُلُ فِي الْحَجِّ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: فِي الْوُضُوءِ إذَا تَعَدَّدَ أَسْبَابُهُ أَوْ تَكَرَّرَ السَّبَبُ الْوَاحِدُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: الْغُسْلُ إذَا تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهُ أَوْ تَكَرَّرَ السَّبَبُ الْوَاحِدُ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: سُجُودُ السَّهْوِ يَتَدَاخَلُ مَعَ تَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ، وَلَا تَدَاخُلَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ غَرَامَةٌ مُتْلِفَةٌ.
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: الْحُدُودُ الْمُتَدَاخِلَةُ الْمُتَمَاثِلَةُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ أَسْبَابِهَا حَدٌّ وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ.

وَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُ التَّدَاخُلَ كَالصَّلَوَاتِ، وَالزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، وَدُيُونِ
(1/251)

الْعِبَادِ وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، فَلَا يَتَدَاخَلُ فِيهَا، فَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ أَوْ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةً عَلَى عُمْرَةٍ، أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَنْ ظُهْرَيْنِ انْعَقَدَ لَهُ حَجٌّ وَاحِدٌ وَعُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ جَامَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ ثَلَاثُونَ كَفَّارَةً لِتَعَدُّدِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْجِنَايَاتُ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ فَأَوْجَبَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَيْنِ فَفِيهِ فِي التَّدَاخُلِ رِوَايَتَانِ.

وَأَمَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَالْكَفَّارَاتِ، وَدُخُولِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ، وَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا تَدَاخُلَ فِي الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّ التَّدَاخُلَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ تَعَدُّدُ الْأَحْكَامِ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ، وَأَوْلَى الْوَاجِبَاتِ بِالتَّدَاخُلِ الْحُدُودُ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ مُهْلِكَةٌ وَالزَّجْرُ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ مِنْهَا، أَلَا تَرَى إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ مُوجِبَةٌ لِلْحَدِّ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْحَدُّ بِالْإِيلَاجَاتِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْإِيلَاجَةِ الْأُولَى لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ حُدُودٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَرَّرْتُمْ الْحَدَّ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ؟ وَالْقَطْعُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ السَّرِقَتَيْنِ؟ قُلْنَا لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ يَزْجُرُهُ حِينَ أَقْدَمَ عَلَى الْجَرِيمَةِ ثَانِيًا، جَدَّدْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ إصْلَاحًا لَهُ بِالزَّجْرِ وَفِطَامًا لَهُ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ، إذْ لَا يُمْكِنُ إهْمَالُهُ بِغَيْرِ زَاجِرٍ فَإِنَّ إهْمَالَهُ مُؤَدٍّ إلَى تَكْثِيرِ جَرَائِمَ وَتَفْوِيتِ مَصْلَحَةِ الزَّجْرِ.
وَأَمَّا دُخُولُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِبَادَاتِ فَيَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى حَدِّ وُرُودِهِ، وَشَرْطُ التَّدَاخُلِ التَّمَاثُلُ: فَلَا يَدْخُلُ جَلْدٌ فِي قَطْعٍ وَلَا رَجْمٍ، وَقَدْ يَقَعُ التَّدَاخُلُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَذَلِكَ فِي الْعِدَدِ إذَا كَانَتْ الْعِدَّتَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَا شَخْصَيْنِ فَفِي التَّدَاخُلِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ تَدْخُلُ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ إذَا فَاتَتْ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ قَدْ صَارَتْ قَتْلًا، وَلَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ دِيَةٌ لِنَفْسِهِ وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْأَطْرَافِ عَلَى قَاطِعِهَا، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاطِعُ الْأَطْرَافِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى التَّدَاخُلِ وَفِيهِ إشْكَالٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ السِّرَايَةَ قَدْ
(1/252)

انْقَطَعَتْ بِالْقَتْلِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَتْ بِالِانْدِمَالِ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ شُرَيْحٍ الشَّافِعِيَّ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ مُتَّجَهٌ.

وَأَمَّا مَا عَزِيمَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ رُخْصَتِهِ فَكَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ.
وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِطَهَارَةِ التُّرَابِ.
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالطَّوَافِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِطَهَارَةِ التُّرَابِ.
وَكَذَلِكَ صَوْمُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ التَّرَخُّصِ بِتَأْخِيرِهِ.

وَأَمَّا مَا رُخْصَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ عَزِيمَتِهِ فَكَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنْهَا كَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَفْضَلَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ حَيْثُ وَقَعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَرُّطِ فِيهِ وَلَيْسَ كَمَا أُطْلِقَ، بَلْ الْخِلَافُ عَلَى أَقْسَامٍ.
الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَوَازِ فَالْخُرُوجُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بِالِاجْتِنَابِ أَفْضَلُ.
الْقِسْمِ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْإِيجَابِ فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ كَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَاهُ مِنْ السُّنَنِ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ وَكَثْرَتِهَا فِيهِ.
وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَاهَا وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَا خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَتْرُكُ الْمَشْيَ أَمَامَهَا لِاخْتِلَافِهِمْ وَالضَّابِطُ فِي هَذَا أَنَّ مَأْخَذَ الْمُخَالِفِ إنْ كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْبُعْدِ مِنْ الصَّوَابِ فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ وَلَا الْتِفَاتَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ نَصُّهُ دَلِيلًا شَرْعًا، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَأْخَذُهُ مِمَّا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ.
(1/253)

وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْأَدِلَّةُ فِي سَائِرِ الْخِلَافِ بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ كُلَّ الْبَعْدِ فَهَذَا مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ حَذَرًا مِنْ كَوْنِ الصَّوَابِ مَعَ الْخَصْمِ وَالشَّرْعُ يَحْتَاطُ لِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، كَمَا يَحْتَاطُ لِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
وَأَمَّا الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إنَّهُ رُخْصَةٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى الصَّلَاةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

وَأَمَّا مَا يُقْضَى فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتٍ فَكَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا الْمَنْذُورَاتِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُقْضَى إلَّا فِي مِثْلِ وَقْتِهِ فَهُوَ كَالْحَجِّ.

وَأَمَّا مَا يَقْبَلُ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ فَكَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

وَأَمَّا مَا يَقْبَلُ الْأَدَاءَ وَلَا يَقْبَلُ الْقَضَاءَ فَكَالْعُمْرَةِ وَالْجُمُعَاتِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرَّوَاتِبَ وَالْأَعْيَادَ قَابِلَةٌ لِلْقَضَاءِ، وَلَوْ فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ فَهَلْ يُحْكَمُ بِفَوَاتِ الْعُمْرَةِ تَبَعًا لِلْحَجِّ؟ فِيهِ خِلَافٌ.

وَأَمَّا مَا لَا يُوصَفُ بِقَضَاءٍ وَلَا أَدَاءٍ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُبْتَدَآت الَّتِي لَا أَسْبَابَ لَهَا كَالصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ الَّتِي لَا أَسْبَابَ لَهَا وَلَا أَوْقَاتَ، وَكَذَا الْجِهَادُ لَا يُتَصَوَّرُ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَضْرُوبٌ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا لَا يُوصَفَانِ بِقَضَاءٍ وَلَا أَدَاءً، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَكَذَلِكَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ الْأَذْكَارُ الْمَشْرُوعَاتُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.

وَأَمَّا مَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ قَضَائِهِ مَعَ قَبُولِهِ لِلتَّأْخِيرِ، فَكَصَوْمِ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى دُخُولِ رَمَضَانَ ثَانٍ، مَعَ جَوَازِ قَضَائِهِ مَعَ رَمَضَانَ آخَرَ.

أَمَّا مَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ مُتَرَاخِيًا فَكَصَلَاةِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي.

وَأَمَّا مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ، فَكَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إذَا فَسَدَا أَوْ فَاتَتَا.

وَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ الشَّرْطُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَالنَّذْرُ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرَائِطِ
(1/254)

مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمَنْذُورَاتِ وَلَوْ شَرَطَ الْمُحْرِمُ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ أَوْ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ فَفِي صِحَّةِ الشَّرْطِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الِاعْتِكَافِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ بِكُلِّ عَرَضٍ مُعْتَبَرٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمٍ مَنْذُورٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ لِعَرَضٍ صَحِيحٍ لَا يُبِيحُ مِثْلُهُ الْإِفْطَارَ جَازَ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ وَيَقْضِيَهُ.

وَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ فَكَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الْوَاجِبَيْنِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَمِنْ الطَّاعَاتِ مَا يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ فِعْلِهِ لَا بِوَقْتِ وُجُوبِهِ فَكَطَهَارَةِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالتَّسَتُّرِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامِ أَرْكَانِهَا كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِ فِعْلِهَا لَا بِوَقْتِ وُجُوبِهَا، فَإِذَا قَدَرَ فِي وَقْتِ وُجُوبِهَا عَلَى إكْمَالِهَا بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا أَوْ طَهَارَتِهَا ثُمَّ عَجَزَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا نَاقِصَةً وَتُجْزِئُهُ، وَكَذَلِكَ الْعَدَالَةُ تُعْتَبَرُ بِوَقْتِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا بِوَقْتِ تَحَمُّلِهَا، وَمِنْ الطَّاعَاتِ مَا يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَكَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِكْرًا ثُمَّ صَارَ مُحْصَنًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْأَبْكَارِ وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ مُحْصَنٌ ثُمَّ صَارَ رَقِيقًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْإِحْصَانِ.
وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ يُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ فِيهِ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ دُونَ وَقْتِ اسْتِيفَائِهِ. وَمِنْ الطَّاعَاتِ مَا اُخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِهِ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ أَوْ بِوَقْتِ أَدَائِهِ كَالْكَفَّارَاتِ وَكَفَائِتَةِ السَّفَرِ إذَا قَضَاهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ.
(1/255)