Advertisement

قواعد ابن رجب ت مشهور 003


تقرير القواعد وتحرير الفوائد

تصنيف
الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
(736 - 795 ه)

وبآخره
فهرست كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد
تصنيف
جلال الدين أبي الفرج نصر الدين البغدادي

ضبط نصه وعلق عليه ووثق نصوصه وخرج أحاديثه وآثاره
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

[المجلد الثالث]
(3/)

(القاعدة الثلاثون بعد المئة)
المسكن والخادم والمركب المحتاج إليه ليس بمال فاضل يمنع أخذ [الزكوات] (1)، ولا يجب [به] (2) الحج والكفارات، ولا تُوفى (3) منه الديون والنفقات.
نص على ذلك أحمد في مسائل:
- (منها): الزكاة، قال أبو داود: سئل أحمد عن رجل له دار: يقبل من الزكاة؟ قال: نعم. قلت: هي دار واسعة. قال: أرجو أن لا يكون به بأس. قيل له: فإن كان له خادم؟ قال: أرجو. قيل: له فرس. قال: إن كان يغزو عليه في سبيل اللَّه؛ فأرجو أن لا يكون به بأس (4). وقال جعفر ابن محمد: سئل أبو عبد اللَّه عن رجل عنده جارية تساوي مئة دينار يحتاج إليها للخدمة: يأخد من الزكاة؟ قال: نعم. وسئل عن الدار؛ قال: إذا لم يكن فضل كثير ما يحتاج إليه؛ يعطى. وقال في "رواية ابن الحكم": يعطى
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "الزكاة فيه".
(2) في المطبوع: "فيه".
(3) في المطبوع و (أ): "ولا يوفى".
(4) انظر المسألة في: "مسائل أبي داود" (ص 81)، وفيها أيضًا: "قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا يعطى -يعني: من الزكاة- من له خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب".
(3/5)

من الزكاة صاحب المسكن؛ [وإن] (1) كان له مسكن يفضل عنه.
ويتفرع على هذا: أن العَرْض الذي لا يباع على المفلس في دينه إذا كان يفي بدين صاحبه وبيده نصاب؛ فإنه لا يجعل الدين في مقابلته حتى يزكي النصاب بغير خلاف؛ لأنه لا يجب صرفه إلى جهة الدين ووفاؤه منه، وأما ما يباع على المفلس؛ فهل يجعل الدين في مقابلته ويزكي النصاب؟
على روايتين.
- (ومنها): الحج، قال أحمد في "رواية الميموني": إذا كان المسكن والمسكنين والخادم، أو الشيء الذي يعود به على عياله؛ فلا يباع إذا كان كفاية لأهله، وقد تكون (2) المنازل يكريها (3)، إنما هي قوته وقوت عياله، فإذا خرج عن كفايته ومؤنته ومؤنة عياله؛ باع، والضيعة مثل ذلك، إذا كان فضلًا عن المؤنة، باع (4). وقال في "رواية ابن الحكم": إذا كان لرجل أرض؛ فلا أرى أن يبيع ويحج، ولا يجب عليه عندي إلا أن يشاء. قال أصحابنا: لا فرق (5) بين أن يكون المسكن والخادم في ملكه، أو بيده نقد يريد شراءهما به في هذا الباب.
- (ومنها): المفلس، ولأحمد فيه نصوص كثيرة: إنه لا يباع
__________
(1) في (أ): "فإن".
(2) في المطبوع: "يكون".
(3) في (ج): "بكثرتها"!!
(4) في المطبوع و (ج): "باعه".
(5) فى المطبوع و (ج): "ولا فرق".
(3/6)

المسكن إلا أن يكون فيه فضل؛ فيباع الفضل، ويترك له بقدر الحاجة منه، نص عليه في "رواية أبي الحارث" و"أبي طالب".
وأما الخادم؛ فلا يباع عليه إذا كان محتاجًا إليه لزمن أو كِبَر (1) أو حاجة غيرهما، نص عليه [أحمد] (2) في "رواية عبد اللَّه" (3) و"أبي طالب" وغيرهما، وقال في "رواية إسماعيل بن سعيد": إذا كان مسكنًا واسعًا نفيسًا أو خادمًا نفيسًا؛ يشترى له مايقيمه، ويجعل سائره للغرماء. وكذلك نقل عنه موسى بن سعيد، ولا فرق بين أن يكون المسكن والخادم (4) في ملكه أو يحتاج إليهما؛ فيترك له ثمنهما على ظاهر كلام الأصحاب؛ فإنهم قالوا: لو كان مسكنه وثيابه عين مال رجل؛ رجع (5) بها، وترك له بدلها من بقية المال؛ ليشتري له منه إن لم يكن فيه من جنسها؛ لأن حق الغريم يتعلق بعين ماله، بخلاف المفلس؛ فإن حاجته تندفع بغيرها، أما إن (6) لم يكن للمفلس سواها، وهي عين مال رجل، وكان الشراء قبل الإفلاس؛ لم يؤخذ منه، وإن كان بعده؛ ففي "الكافي": يحتمل أن يؤخذ منه؛ لئلا يؤدي إلى الحيلة على أخذ أموال الناس (7).
[والمراد: أنه إذا استدان المعسر ما اشترى به هذه الأعيان؛ أنها
__________
(1) في المطبوع: "أو أكبر"!
(2) ما بين المعقوفتين من (ج) والمطبوع.
(3) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (296/ 1102).
(4) في المطبوع: "الخادم والمسكن".
(5) في المطبوع و (ج): "يرجع".
(6) في المطبوع و (ج): "إذا".
(7) انظر: "الكافي" (2/ 174 - 175).
(3/7)

تؤخذ منه] (1).
- (ومنها): الشريك في عبد إذا أعتق حصته وليس له سوى دار وخادم؛ فهو معسر، لا يعتق عليه سوى حصته، ولا يباع ذلك في قيمة حصة شريكه، قال ابن منصور: قلت لأحمد: من أعتق شقصًا في عبد ضمن إن كان له مال؟ قال: عتق كله في ماله إن كان له مال. قلت: كم قدر المال؟ قال: لا يباع فيه دار ولا رباع، ولم يقم لي علي شيء معلوم. قال القاضي: معناه: لا يباع ما لا غنى له عن سكناه؛ كالمفلس.
- (ومنها): التكفير بالمال لا يباع فيه المسكن و [لا] (2) الخادم، ذكره القاضي والأصحاب، وقالوا: يباع فيه الفاضل من (3) ذلك حتى لو كان له رقبة نفيسة يمكن أن يشتري بثمنها رقبتان، فيستغني بخدمة إحداهما (4) ويعتق الأخرى؛ لزمه ذلك، وهكذا الدار والملابس، وأما إن وجب عليه التكفير وله خادم لا يحتاج إليه ثم احتاج إليه قبل التكفير؛ فمن الأصحاب من جزم هنا بلزوم العتق لأنه بمثابة من كان موسرًا حال [الحنث] (5) ثم أعسر قبل التكفير، فإن العتق يستقر في ذمته.
- (ومنها): نفقة الأقارب، قال أبو طالب: قيل لأحمد: فإن كان له
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج)، وبدله في (ب): "إذا استدان" فقط.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "عن".
(4) في (أ): "أحدهما"!
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "يحنث العتق".
(3/8)

دار يبيعها وينفق على ابنه؟ قال: لا بد له من مسكن، إن كان له فضل عن مسكنه [و] (1) فضل عن نفقة عياله؛ فلينفق عليهم، وإن لم يكن له فضل ولا سعة؛ فلا ينفق عليهم.
وصرح صاحب "الترغيب" بأن نفقة القريب لا يباع فيها إلا ما يباع على المفلس في دينه، وهكذا ينبغي أن يكون حكم الجزية والخراج والعاقلة، وذكر الآمدي: إن من وجبت (2) عليه نفقة قريبه، فغيب ماله وامتنع منها [ووجد له الحاكم] (3) عقارًا؛ فله بيعه والنفقة [منه] (4) على أقاربه. وكذا ذكر صاحب "المغني" في نفقة الزوجة والأولاد (5)، ولعل المراد بذلك العقار الذي لا يحتاج إليه [للسكنى، أو] (6) أن هذا يختص بالممتنع من النفقة مع قدرته عليها للضرورة، حيث لم يقدر له على غير عقاره (7).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (أ) و (ج).
(2) في (ب): "وجب".
(3) في المطبوع و (ج): "ووجد الحاكم له".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، وفي المطبوع: "فيه" بدل "منه".
(5) انظر: "المغني" (8/ 164/ 6473).
(6) في (ب): "في المسكن أو"، وفي (ج): "للسكنى و".
(7) في (أ): "عقار".
(3/9)

(القاعدة الحادية والثلاثون بعد المئة)
القدرة على اكتساب المال بالبضع ليس بغنى معتبر.
صرح به القاضي في "خلافه"، وفرع عليه مسائل:
- (منها): إذا فلست المرأة وهي ممن يرغب في نكاحها؛ لم تجبر على النكاح لأخذ المهر بغير خلاف.
- (ومنها): إنه لا يجب عليها نفقة الأقارب بقدرتها على النكاح وتحصيل المهر.
- (ومنها): إنه لا تمنع من أخذ الزكاة بذلك أيضًا.
- (ومنها): لو كان للمفلس (1) أم ولد؛ لم يجبر على إنكاحها وأخذ مهرها؛ وإن كان يجبر على إجارتها وأخذ أجرتها.
* * *
__________
(1) في المطبوع: "لمفلس".
(3/10)

(القاعدة الثانية والثلاثون بعد المئة) (1)
القدرة على اكتساب المال بالصناعات غنى بالنسبة إلى نففة النفس، ومن تلزم (2) نفقته من زوجة وخادم، وهل هو غنى فاضل عن ذلك؟
على روايتين، ويتفرع على ذلك مسائل:
- (منها): القوي المكتسب لا يباح له أخذ الزكاة بجهة الفقر؛ فإنه غني بالاكتساب، وهل له الأخذ للغرم إذا كان عليه دين؟
على وجهين:
أحدهما: له ذلك، قاله القاضي في "خلافه" وابن عقيل في "عمده" في الزكاة، وكذلك ذكراه في "المجرد" و"الفصول" في باب الكتابة.
والثاني: لا يجوز، وبه جزم الشيخ مجد الدين في "شرح الهداية"، وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في إجباره على الكسب (3) لوفاء دينه؛ كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
__________
(1) هذه القاعدة والتي تليها في (ب) دون ترقيم.
(2) في (ب): "تلزمه".
(3) في المطبوع: "التكسب".
(3/11)

والأول ظاهر كلام أحمد؛ لأنه (1) أباح السؤال للمكاتب، وقال (2): هو مغرم، ويباح له الأخذ من الزكاة مع قوته واكتسابه مع أن دينه لا يجبر على الكسب (3) لوفائه على المذهب، فمن عليه دين؛ يجبر على الكسب (3) لوفائه أولى بالأخذ.
- (ومنها): وجوب الحج على القوي المكتسب، فإن كان بعيدًا [عن] (4) مكة؛ فالمذهب انتفاء الوجوب، وإن كان قريبًا؛ فوجهان.
وقال الشيخ مجد الدين: يتوجه على أصلنا في البعيد أن يجب عليه الحج إن كان قادرًا على التكسب في طريقه، كما يجبره على الكسب لوفاء دينه، ولكن يمكن [الفرق] (5) بأن حقوق اللَّه مبنية على المسامحة، بخلاف حقوق الآدميين، ولهذا لا يجب عليه التكسب لتحصيل مال يحج به ولا يعتق منه (6) في الكفارة.
- (ومنها): وفاء الديون (7)، وفي إجبار المفلس على الكسب (3) للوفاء روايتان مشهورتان، فأما المكاتب؛ فلا يجبر على الكسب (3) لوفاء دينه على المذهب المشهور؛ لأنه دين ضعيف، وخرج ابن عقيل وجهًا بالوجوب كسائر الديون.
__________
(1) في (ج): "لا أنه"!
(2) في المطبوع: "فقال".
(3) في (ب): "التكسب".
(4) في (ج): "من".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "به".
(7) في (ج): "وفاء الدين".
(3/12)

- (ومنها): إن القدرة على الكسب بالحرفة يمنع وجوب نفقته على أقاربه، صرح به القاضي في "خلافه"، وكذا ذكر صاحب "الكافي" (1) وغيره، وأما إن لم يكن له حرفة وهو صحيح؛ فهل تجب له النفقة؟
حكى أبو الخطاب روايتين، وخصهما القاضي بغير (2) العمودين، وأوجب نفقة العمودين مطلقًا مع عدم الحرفة، وفرق في زكاة الفطر من "المجرد" بين الأب وغيره؛ فأوجب (3) النفقة للأب بكل حال، وشرط في الابن وغيره الزمانة.
وأما وجوب النفقة على أقاربه من الكسب؛ فصرح القاضي في "خلافه" وفي "المجرد" وابن عقيل في "مفرداته" وابن الزاغوني والأكثرون بالوجوب، قال القاضي في "خلافه": وظاهر (4) كلام أحمد: لا فرق (5) في ذلك بين الوالدين والأولاد وغيرهم من الأقارب.
وخرج صاحب "الترغيب" المسألة على روايتين من اشتراط انتفاء الحرفة للإِنفاق، وهو ضعيف، وأظهر منه أن يخرج على الخلاف في إجبار المفلس على الكسب لوفاء دينه.
- (ومنها): إن الفقير المكتسب؛ هل يتحمل (6) العقل مع العاقلة؟
__________
(1) انظر: "الكافي" (3/ 374 - 375).
(2) في (ج): "بدون".
(3) في المطبوع: "وأوجب".
(4) في المطبوع: "فظاهر".
(5) في المطبوع: "أنه لا فرق".
(6) في المطبوع: "يحتمل".
(3/13)

فيه روايتان.
- (ومنها): الجزية؛ هل تجب على الفقير المكتسب؟
على روايتين، أشهرهما الوجوب.
* * *
(3/14)

(القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المئة)
يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
في مسائل:
- (منها): شهادة النساء بالولادة يثبت بها النسب ولا يثبت النسب بشهادتهن به استقلالًا.
- (ومنها): شهادة النساء على إسقاط الجنين بالضربة يوجب (1) الغرة إن سقط ميتًا والدية إن سقط حيًّا.
- (ومنها): شهادة امرأة على الرضاع تقبل (2) على المذهب، ويترتب (3) على ذلك انفساخ النكاح.
- (ومنها): لو شهد واحد برؤية هلال رمضان، ثم أكملوا العدة ولم يروا الهلال؛ فهل يفطرون أم لا؟
على وجهين:
أشهرهما (4): لا يفطرون لئلا يؤدي إلى الفطر بقول واحد.
__________
(1) في (ب): "توجب".
(2) في المطبوع: "يقبل"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في (ب): "وترتب".
(4) في (ج): "أحدهما".
(3/15)

والثاني: بلى! ويثبت الفطر تبعًا للصوم.
ومن الأصحاب من قال: إن كان غيمًا؛ أفطروا، وإلا؛ فلا.
- (ومنها): لو أخبر واحد بغروب الشمس؛ جاز الفطر، ومن الأصحاب من اقتضى كلامه حكاية الاتفاق عليه؛ لأن وقت الفطر تابع لوقت صلاة المغرب.
وله مأخذ آخر: وهو أن الغروب (1) عليه أمارات تورث ظنًّا بانفرادها، فإذا انضم إليها قول الثقة؛ قوي، بخلاف الشهادة برؤية هلال الفطر.
- (ومنها): صلاة التراويح ليلة الغيم تبعًا للصيام على أحد الوجهين، وذكر القاضي احتمالًا بثبوت سائر الأحكام المعلقة بالشهر من وقوع الطلاق المعلق به وحلول آجال الديون، وهو ضعيف ها هنا (2).
نعم! إذا شهد واحد برؤية الهلال؛ [ثبت به الشهر، وترتبت] (3) عليه هذه الأحكام؛ وإن كانت لا تثبت بشهادة واحد ابتداءً، صرح به ابن عقيل في "عمد الأدلة".
- (ومنها): لو حلف بالطلاق على حديث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما قاله، فرواه واحد يثبتُ (4) الحديث [به] (5)، ووقع الطلاق؛ وإن كان الطلاق لا يثبت بخبر واحد، ذكره ابن عقيل في "العمد" أيضًا.
__________
(1) في المطبوع: "للغروب".
(2) في المطبوع: "هنا".
(3) في (ب): "يثبت به الشهر ويترتب".
(4) كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) والمطبوع: "ثبت".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3/16)

ويتخرج عدم وقوع الطلاق في المسألتين من المسألة الآتية.
- (ومنها): لو حلف بالطلاق: أنه ما غصب شيئًا، ثم ثبت عليه [الغصب] (1) بشاهد ويمين أو برجل وامرأتين؛ فهل يقع به الطلاق؟
على وجهين، وحكاهما القاضي في "خلافه" في كتاب القطع في السرقة والآمدي روايتين، وجزم القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" وصاحب "المغني" بعدم الوقوع (2)، واختار السامري الوقوع (3)، وقال صاحب "المحرر" في "تعليقه على الهداية": وعندي أن قياس قول من عفا عن الجاهل والناسي في الطلاق: أن لا يحكم عليه به؛ ولو ثبت الغصب برجلين.
- (ومنها): لو علق الطلاق بالولادة، فشهد بها النساء حيث لم يقبل قول المرأة في ولادتها؛ هل يقع الطلاق؟
المشهور الوقوع، وبه جزم القاضي في "خلافه"، وتبعه الشريف أبو جعفر (4) وأبو المواهب العُكبري وأبو الخطاب والأكثرون، ويشهد له نص أحمد في "رواية مهنأ" إذا قال لها: إذا (5) حضت؛ فأنت وضرّتك طالق، فشهد النساء بحيضها؛ يطلقان (6) جميعا.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) انظر: "المغني" (7/ 387/ 6052).
(3) انظر: "إيضاح الدلائل" (2/ 298 - ت عمر السبيل). و"الإنصاف" (9/ 82).
(4) في المطبوع: "أبو حفص"!
(5) في المطبوع: "إن".
(6) في المطبوع: "طلقتا"، وفي (أ): "تطلقان".
(3/17)

وخرج صاحب "المحرر" فيه وجهًا آخر: إنه لا يقع الطلاق من المسألة التي قبلها (1).
- (ومنها): لو ادعى المكاتب إذا أخر نجوم الكتابة، فأنكره السيد، فأتى المكاتب بشاهد وحلف (2) أو برجل وامرأتين على ما قال؛ فهل يعتق أم لا؟
قال الخرقي: يعتق (3)، ولم يحك صاحب "المغني" فيه خلافًا، وحكى صاحب "الترغيب" فيه وجهين.
- (ومنها): إذا وقف وقفًا معلقًا بموته؛ فإنه يصح على المنصوص في "رواية الميموني"، وذكره الخرقي (4)، وقال القاضي: لا يصح، والأول أصح؛ لأنها وصية، والوصايا تقبل التعليق.
- (ومنها): البراءة المعلقة بموت المبرئ تصح أيضًا لدخولها ضمنًا في الوصية، نص عليه في رواية المروذي، وقاله القاضي والأصحاب، وكذلك إبراء المجروح للجاني من دمه أو تحليله منه يكون وصية معلقة بموته، وهل هي وصية للقاتل؟
على طريقين؛ فعند القاضي: هي وصية للقاتل؛ فتخرج (5) على الخلاف في الوصية، وعند أبي بكر: ليس الإِبراء والعفو وصية؛ لأنه إسقاط
__________
(1) انظر: "المحرر" (2/ 70).
(2) في المطبوع: "ويمين".
(3) انظر: "مختصره" (10/ 383/ 8789 - مع "المغني").
(4) انظر: "مختصره" (5/ 365/ 4404 - مع "المغني").
(5) في المطبوع: "فيخرج"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الثاني.
(3/18)

لا تمليك، وقال الآمدي: هو المذهب. قال: وإنما يكون إبراءً محضًا قبل الاندمال، فأما (1) بعده؛ فعلى وجهين.
- (ومنها): إذا قال: إذا جاء رأس الشهر؛ فأنت طالق بألف؛ فإنه يصح، ذكره القاضي، وتدخل المعاوضة تبعًا للطلاق إذا قبلته؛ فإنه لا بد من قبولها [لذلك] (2)، وكذلك لو قالت له: إن طلقتني؛ فلك علي ألف، فطلقها بانت، ولزمها الألف، قال الشيخ تقي الدين: ذكر (3) القاضي في "خلافه" ما يقتضي أنه لا يعلم فيه خلافًا، وقاس الشيخ عليه ما إذا قالت: إن طلقتني؛ فأنت بريء من صداقي، فطلقها: أنه يبرأ من صداقها، ويقع الطلاق بائنًا؛ لأن تعليق الإِبراء أقرب إلى الصحة من تعليق التمليك لتردد الإِبراء بين الإسقاط [والتمليك] (4)، والتمليك يقع معلقًا في الجعالة والسبق؛ فها هنا كذلك (5).
- (ومنها): إذا قال: من أسلم على أكثر من أربع زوجات (6)، كلما أسلمت واحدة منكن؛ فهي طالق؛ فهل يصح؟
على وجهين:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الطلاق اختيار، والاختيار لا يتعلق بالشرط.
__________
(1) في (ج): "وأما".
(2) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(3) في (ب): "وذكر" بزيادة واو.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) انظر: "مجموع الفتاوى" (32/ 286، 287، 352) لابن تيمية.
(6) في المطبوع و (ب): "نسوة".
(3/19)

والثاني: يصح؛ لأن الطلاق يقبل التعليق، والاختيار يثبت تبعًا له وضمنًا.
- (ومنها): إذا قال رجل لآخر: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه؛ فقال القاضي في "خلافه": هو استدعاء للعتق، والملك يدخل تبعًا وضمنًا لضرورة وقوع العتق له. وصرح بأنه ملك قهري، حتى أنه يثبت للكافر على المسلم إذا كان العبد المستدعى عتقه مسلمًا والمستدعي (1) كافرًا، مع أنه منع من شراء الكافر من يعتق عليه بالملك من المسلمين، حيث كان العقد موضوعًا فيه للملك دون العتق، وكذلك على قياس قوله سراية عتق الشريك، وأولى؛ لأنها إتلاف محض يحصل (2) بغير اختيار أحد ولا قصده.
ويتفرع على ذلك: إذا أعتق الكافر الموسر شركًا له من عبد مسلم؛ فإنه يسري، ولا يخرج على الخلاف في شراء مسلم يعتق عليه بملكه كما فعل أبو الخطاب وغيره.
- (ومنها): صلاة الحاج عن غيره ركعتي الطواف تحصل [تبعًا و] (3) ضمنًا للحج؛ وإن كانت الصلاة لا تقبل النيابة استقلالًا، وقد أشار الإِمام أحمد إلى هذا في "رواية الشالنجي".
- (ومنها): إن الوكيل ووصي اليتيم لهما أن يبتاعا بزيادة (4) على ثمن
__________
(1) في (ب): "أو المستدعي".
(2) في (ج): "تحصل"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط.
(3) ما بين المعقوفتين من (ج)، وفي المطبوع: "تحصل ضمنًا وتبعًا للحج".
(4) في المطبوع: "بزائد".
(3/20)

المثل ما يتغابن بمثلها عادة، ولا يجوز لهما هبة ذلك القدر ابتداءً، ذكره القاضي وغيره، ولكنهم جعلوا مأخذه أن المحاباة ليست ببذل صريح، وإنما فيها معنى البذل (1)، وجعلها من هذه القاعدة أولى.
- (ومنها): لو كان له أمتان، لكل منهما ولد، فقال أحدهما: ولدي. ومات (2)، ولم يبين ولا بيّن (3) وارثه، ولم يوجد قافة؛ أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فهو حر وأمه معتقة بالاستيلاد؛ وإنْ كان أقر أنه أحبلها في ملكه، وهل يثبت نسب الولد ويرث (4) أم لا؟
على وجهين:
أحدهما: إنه لا يثبت نسبه ولا يرث (5)، وهو الذي ذكره القاضي في "المجرد" وابن عقيل والسامري (6)؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الأنساب.
[قال القاضي: وهذان الوجهان مخرجان من الخلاف في دخول القرعة فيما إذا زوج الوليان؛ فلم يعلم السابق منهما] (7).
والثاني: يثبت نسبه ويرث، وهو الذي ذكره القاضي في "خلافه"
__________
(1) في (أ) و (ب): "البدل".
(2) في المطبوع: "ثم مات".
(3) في المطبوع: "ولم يتبين ولم يبين".
(4) في المطبوع: "ويرثه".
(5) في المطبوع: "ولا يرث به".
(6) انظر: "إيضاح الدلائل" (1/ 370 - 371/ 269).
(7) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3/21)

وصاحب "التلخيص"، وذكر صاحب ["المغني"] (1) أنه قياس المذهب؛ لأنه حر استندت حريته إلى الإقرار؛ فأشبه ما لو عينه في إقراره.
- (ومنها): لو طلق واحدة معينة من نسائه، ثم مات ولم يُعلم (2) عينها؛ أقرع بينهن، وأخرجت المطلقة بالقرعة، ولم يجب عليها عدة الوفاة، [بل] (3) تحسب لها عدة الطلاق من حينه، وعلى البواقي عدة الوفاة في ظاهر كلام أحمد [رضي اللَّه عنه] (4)؛ لأن الطلاق لما ثبت بالقرعة تبعه لوازمه من العدة وغيرها، وقال القاضي: يعتد الكل بأطول الأجلين. وستأتي المسألة فيما بعد إن شاء اللَّه [تعالى] (4).
- (ومنها): لو قال الخنثى المشكل: أنا رجل، وقبلنا قوله في ذلك في النكاح؛ فهل يثبت في حقه سائر أحكام الرجال تبعًا [للنكاح، فيزول] (5) بذلك إشكاله، أم يقبل قوله في حقوق اللَّه تعالى، وفيما عليه من حقوق الآدميين دون ما له منها؛ لئلا يلزم قبول قوله في استحقاقه ميراث (6) ذكر وديته؟
فيه وجهان.
__________
(1) في المطبوع: "التلخيص". وانظر: "المغني" (5/ 121/ 3896).
(2) في (ج): "ولم تعلم".
(3) في المطبوع: "الوفاة وتحسب".
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(5) كذا في (ب) و (ج)، وفي المطبوع: "للنكاح ويزول"، وفي (أ): "لنكاحه فيزول".
(6) في المطبوع: "بميراث".
(3/22)

(القاعدة الرابعة والثلاثون بعد المئة)
المنع أسهل من الرفع.
ويتخرج على ذلك مسائل كثيرة [جدًّا] (1):
- (منها): [منع تخمر] (2) الخل ابتداءً بأن يوضع فيها خل يمنع تخمرها (3) مشروع، وتخليلها بعد تخمرها (3) ممنوع.
- (ومنها): ذبح الحيوان المأكول يمنع نجاسة لحمه وجلده، وهو مشروع، ودبغ جلده بعد نجاسته بالموت لا يفيد طهارته على [ظاهر] (4) المذهب.
- (ومنها): السفر قبل الشروع في الصيام يبيح الفطر، ولو سافر في أثناء يوم من رمضان؛ ففي استباحة الفطر روايتان، والإتمام [فيه] (5) أفضل بكل حال.
ونقل ابن منصور عن أحمد [رضي اللَّه عنه] (6): إن نوى السفر من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(2) في المطبوع: "تخمير" فقط، وفي (ج): "منع تخمير".
(3) في المطبوع و (ج): "تخمرها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(6) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3/23)

الليل ثم سافر في أثناء النهار؛ أفطر، وإن نوى السفر في النهار وسافر فيه؛ فلا يعجبني أن يفطر (1). والفرق أن نية السفر من الليل تمنع الوجوب إذا وجد السفر في النهار؛ فيكون الصيام قبله مراعًا، بخلاف ما إذا طرأت النية والسفر في أثناء النهار.
- (ومنها): إن الرجل يملك منع زوجته من حج النذر والنفل، فإن شرعت فيه بدون إذنه؛ ففي جواز تحليلها روايتان.
- (ومنها): إن وجود الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة يمنع الدخول فيها بالتيمم، ولو دخل فيها بالتيمم ثم وجد الماء؛ فهل يبطل الصلاة أم لا؟
على روايتين، وكذلك الخلاف في القدرة على نكاح الحرة بعد نكاح الأمة؛ هل يبطل نكاحها؟
على روايتين، ونمنعه ابتداءً، وكذا (2) في القدرة على كفارة الظهار بالعتق بعد الشروع في الصيام لا يوجب الانتقال على الصحيح، وقبله يجب (3).
- (ومنها): إن المرأة تملك منع نفسها حتى تقبض صداقها، فإن سلمت نفسها ابتداءً قبل قبض الصداق؛ فهل تملك الامتناع بعد ذلك حتى تقبضه؟
__________
(1) في المطبوع: "أن يفطر فيه".
(2) في المطبوع: "وكذلك".
(3) في المطبوع: "يوجب".
(3/24)

على وجهين.
وكذلك اختار صاحب "المغني" في البيع: إن البائع يملك الامتناع من تسليم المبيع حتى يقبض ثمنه، فإذا سلمه؛ لم يملك استرجاعه، ومنع المشتري من التصرف فيه والحجر عليه مستندًا إلى هذه القاعدة (1)، وهو خلاف ما قاله القاضي وأصحابه في مسألة الحجر الغريب.
- (ومنها): اختلاف الدين المانع من النكاح يمنعه ابتداءً، ولا يفسخه في الدوام على الأشهر، بل يقف الأمر على انقضاء العدة فيه.
- (ومنها): الإِسلام يمنع ابتداء الرق ولا يرفعه بعد حصوله، وإنما استرق ولد الأمة المسلمة؛ لأنه جزء منها؛ فهو في معنى استدامة الرق على المسلم، وأما الأسرى إذا أسلموا قبل الاسترقاق؛ فإنما جاز استرقاقهم لانعقاد سببه في الكفر انعقادًا تامًّا؛ فاستند إلى سبب موجود في الكفر.
* * *
__________
(1) انظر: "المغني" (6/ 24 - ط هجر).
(3/25)

(القاعدة الخامسة والثلاثون بعد المئة)
الملك القاصر من ابتدائه لا يستباح فيه الوطء، بخلاف ما كان القصور طارئًا عليه.
نص على ذلك أحمد [رضي اللَّه عنه] (1).
نص الأول: المشتراة بشرط الخيار في مدة الخيار، وكذلك المشتراة بشرط أن لا يبيع ولا يهب، أو إن (2) باعها؛ فالمشتري أحق بها، نص عليه أحمد، ونصوصه صريحة بصحة هذا البيع والشرط ومنع الوطء، قال فى "رواية عبد اللَّه" فيمن باع جارية (3) [من رجل] (4) على أن لا يبيع ولا يهب: البيع جائز، ولا يقربها؛ لأن عمر بن الخطاب قال: لا يقرب فرجًا [و] (4) فيه شرط لأحد (5).
__________
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(2) في المطبوع: "وإن".
(3) في المطبوع و (ب): "جاريته".
(4) ما بين المعقوفتين من "مسائل عبد اللَّه بن أحمد".
(5) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (278/ 1038) , وتكملتها فيه: "قيل لأي: فالبيع جائز؟ قال: البيع جائز" اه.
وأثر عمر أخرجه أبو يوسف في "الآثار" (رقم 844)، وفي سنده ضعف وانقطاع.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (7/ 127)، وابن أبي شيبة في "المصنف" =
(3/26)

وكذلك قال (1) في "رواية حرب"، وزاد: وإن (2) اشترطوا إن باعها؛ فهم أحق بها بالثمن؛ فلا يقربها، يذهب (3) إلى حديث عمر حين قال لابن مسعود. [وكذلك نقل مهنأ، وقال في "رواية أبي طالب" فيمن اشترى أمة بشرط لا يقربها وفيها شرط] (4). وكذلك نقل ابن منصور.
وقول عمر الذي أشار إليه هو ما رواه حماد بن سلمة عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته (5)، وشرط لها: إن باعها؛ فهي لها بالثمن الذي اشتراها، فسأل ابنُ مسعود عن ذلك عمر ابن الخطاب؛ فقال: لا تَنكحها (6)، وفيها شرط (7).
قال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج؛ فهو على هذا، والشرط الواحد في البيع جائز؛ إلا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها! لأنه شرط لامرأته الذي شرط، فلم يجز (8) عمر أن يطأها وفيها شرط.
وكذلك نص أحمد في "رواية ابن هانئ" على منع الوطء في الأمة
__________
= ومسدد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (2/ 94 - 95 رقم 1408 - المسندة)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 336). وانظر: "كنز العمال" 4/ رقم 9999، 10002).
(1) في المطبوع: "قال مهنا"! وهذا خطأ.
(2) في المطبوع: "إن" من غير واو.
(3) في (ج): "فيذهب".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في المطبوع: "امرأةٍ".
(6) في المطبوع: "لا ينكحها".
(7) سبق تخريجه.
(8) في المطبوع: "فلم يجوز".
(3/27)

المشتراة بشرط التدبير (1)، ونص أيضًا في "رواية ابن منصور" على المنع من (2) وطء بنت المدبرة دون أمها وكاع (3)، [وكذا] (4) الأصحاب في توجيهه، والأمر فيه واضح على ما قررناه؛ إذ بنت المدبرة مدبرة من ابتداء ملكها، بخلاف أمها، وكذلك نص على المنع من وطء الأمة المملوكة بالعمرى، وحمله القاضي على إلاستحباب، وهو بعيد، والصواب حمله على أن الملك بالعمرى قاصر، ولهذا نقول على رواية: إذا شرط عودها (5) إليه بعده صح (6)؛ فيكون تمليكًا مؤقتًا.
ومن ذلك: الأمة الموصى بمنافعها لا يجوز للوارث وطأها على أصح الوجهين، وهو قول القاضي خلافًا لابن عقيل، ولكن لهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أن منفعة البضع؛ هل هي داخلة في المنافع الموصى بها أم لا؟
ومن الثاني: أم الولد والمدبرة والمكاتبة إذا اشترط (7) وطأها في عقد الكتابة والمؤجرة والجانية، وأما المرهونة؛ فإنما منع من وطئها لوجهين:
__________
(1) انظر: "مسائل ابن هانئ" (2/ 10/ 1208).
(2) في المطبوع: "على منع وطء".
(3) كذا في المطبوع و (أ) و (ب) و (ج)، وعلق مصحح (ج) على هامشها قائلًا: "كذا, ولعله: وكلام".
قلت: وكاع الأصحاب بمعى: اختلفوا وابتعدوا وتنحوا.
(4) ما بين المعقوفتين من (ب) فقط.
(5) في المطبوع: "رجوعها".
(6) في المطبوع: "بعد".
(7) في المطبوع: "اشترطوا"!
(3/28)

أحدهما: إنه يفضي إلى استيلادها؛ فيبطل الرهن، فيسقط (1) حق المرتهن.
والثاني: إن الراهن ممنوع من الانتفاع بالرهن بغير إذن المرتهن، ولو بالاستخدام وغيره؛ فالوطء أولى.
* * *
__________
(1) في المطبوع: "ويسقط".
(3/29)

(القاعدة السادسة والثلاثون بعد المئة)
الوطء المحرم لعارض؛ هل يستتبع تحريم مقدماته أم لا؟
إن كان لضعف الملك وقصوره، أو خشية عدم ثبوته؛ كالأمة المستبرأة (1) إذا ملكت بعقد (2)؛ فيحرم سائر أنواع الاستمتاع بها، وإن كان لغير ذلك من الموانع؛ فهو نوعان:
أحدهما: العبادات المانعة من الوطء، وهي على ضربين: ضرب يمتنع فيها (3) جنس الترفه والاستمتاع بالنساء؛ فيحرم (4) الوطء والمباشرة؛ كالإحرام القوي، وهو ما قبل التحلل الأول والاعتكاف، وضرب يمتنع فيها الجماع وما أفضى إلى الإِنزال؛ فلا يمنع (5) مما بَعُدَ إفضاؤه إليه من الملامسة ولو كانت لشهوة، وهو الصيام، وأما الإحرام الضعيف، وهو ما بين التحللين (6)؛ فالمذهب (7) أنه يحرم الوطء والمباشرة، وفيه رواية
__________
(1) في المطبوع: "كالأمة المشتراة".
(2) في المطبوع: "بعقد محرم".
(3) في المطبوع: "فيه".
(4) في المطبوع: "فيمنع".
(5) في (ج): "فلا يمتنع".
(6) في (ب): "التحليلين".
(7) في المطبوع: "والمذهب".
(3/30)

أخرى أنه يحرم الوطء خاصة.
النوع الثاني: غير العبادات؛ فهل يحرم مع الوطء غيره؟
فيه قولان في المذهب، ويتخرج (1) على ذلك مسائل:
- (منها): الحيض والنفاس يحرم بهما الوطء في الفرج ولا يحرم ما دونه في المذهب الصحيح.
وفيه رواية أخرى: يمنع الاستمتاع ما بين السرة والركبة.
- (ومنها): الظهار، يحرم الوطء في الفرج، وفي الاستمتاع بمقدماته روايتان، أشهرهما التحريم.
- (ومنها): الأمة المسبية في مدة الاستبراء يحرم وطؤها، وفي الاستمتاع [بها] (2) بالمباشرة روايتان، وصحح القاضي في "المجرد" الجواز.
- (ومنها): الزوجة الموطوءة بشبهة (3) يحرم وطؤها مدة الاستبراء، وفي مقدمات الوطء وجهان.
- (ومنها): الجمع بين الأختين المملوكتين في الاستمتاع بمقدمات [الوطء] (4)، قال ابن عقيل: يكره ولا يحرم، ويتوجه أن يحرم، أما إذا قلنا: إن المباشرة لشهوة كالوطء في تحريم الأخت حتى تحرم الأولى؛ فلا إشكال.
__________
(1) في المطبوع: "ويخرج".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "لشبهة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/31)

(القاعدة السابعة والثلاثون بعد المئة)
الواجب بقتل العمد؛ هل هو القود عينًا، أو أحد أمرين؛ إما القود أو الدية (1)؟
فيه روايتان [معروفتان] (2)، ويتفرع عليهما ثلاث (3) قواعد: استيفاء القود، والعفو عنه، والصلح [عنه] (2).
القاعدة الأولى في استيفاد القود: فيتعين حق المستوفى فيه بغير إشكال، [ثم] (4) إن قلنا: الواجب القود عينًا؛ فلا يكون الاستيفاء تفويتًا للمال، وإن قلنا: أحد أمرين (5)؛ فهل هو تفويت للمالك أم لا؟
على وجهين، ويتفرع عليهما (6) مسائل:
- (منها): إذا قتل العبد المرهون، فاقتص الراهن من قاتله بغير إذن المرتهن؛ فهل يلزمه الضمان للمرتهن أم لا؟
__________
(1) في المطبوع: "وإما الدية".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) كذا في المطبوع، وفي (أ) و (ب) و (ج): "ثلاثة"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع: "الأمرين".
(6) في المطبوع: "عليها".
(3/32)

على وجهين، أشهرهما اللزوم، ونص (1) عليه أحمد في "رواية ابن منصور" (2)، وهو اختيار القاضي والأكثرين، [قالوا: ولا يجوز [له] (3) الاقتصاص (4) بدون إذن المرتهن؛ لأن الواجب كان أحد الأمرين (5)، فإذا عينه بالقصاص؛ فقد فوت المال الواجب على المرتهن، وقد كان تعلق حقه برقبة العبد المرهون؛ فتعلق (6) ببدله الواجب؛ فهو كما لو قتله أو أعتقه؛ فيضمنه بقيمته في المنصوص، وبه جزم في "المحرر" (7)، وقال القاضي والأكثرون بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والخلاف في هذا يشبه الخلاف فيما يضمن به العبد الجاني إذا أعتقه عالمًا بالجناية.
__________
(1) في المطبوع: "نص" من غير واو.
(2) في "مسائل ابن منصور" (510/ 499): "قال أحمد: يؤخذ السيد برهن يكون قيمة العبد، ويقتص من العبد، وقال أحمد: مثله: لو أن الراهن أعتق العبد؛ جاز عتقه، ويؤخذ للمرتهن بمثل قيمة العبد رهنًا عنده".
وقال الخرقي في "مختصره" (4/ 243/ 3352 - مع "المغني"): "وإن جرح العبد المرهون أو قتل؛ فالخصم في ذلك صيده، وما قبض بسبب ذلك من شيء؛ فهو رهن".
وفصل ابن قدامة في "المغني" (4/ 244/ 3352)؛ فقال: "ثم إن كانت الجناية موجبة للقصاص؛ فللسيد القصاص لأنه حق له، وإنما ثبت ليستوفي، فإن اقتص؛ أخذت منه قيمة أقلهما قيمة؛ فجعلت مكانه رهنًا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "القصاص".
(5) في المطبوع و (ج): "أمرين".
(6) في المطبوع و (ج): "فيتعلق".
(7) انظر: "المحرر" (1/ 336).
(3/33)

والوجه الثاني: لا يلزمه ضمان، وصححه صاحب "المحرر" (1)؛ لأن المال إنما يتعين بالاختيار، والاختيار نوع تكسب، والتكسب للمرتهن لا يلزم، ولهذا؛ لم يلزم المفلس أخذ المال إذا جنى عليه جناية توجب القود، بل له الاقتصاص (2) مع تعلق حقوق الغرماء بأعيان ماله، وليس له مال آخر يغرم منه؛ فظاهر كلام صاحب "الكافي" (3) أن الوجهين على قولنا موجب العمد القود عينًا، فأما إن قلنا: أحد أمرين؛ وجب الضمان لتفويت المال الواجب، وهو بعيد؛ فإنا إذا (4) قلنا: الواجب القود عينًا؛ فإنما فوت اكتساب (5) المال لم يفوت مالًا واجبًا؛ فلا يتوجه الضمان بالكلية.
وأطلق القاضي وابن عقيل [الضمان] (6) من غير بناء على أحد القولين، ويتعين بناؤه على القول بأن الواجب أحد أمرين؛ لأنهما صرحا في العفو أنه لا يوجب الضمان إذا قلنا: الواجب القود عينًا، وعللا بأنه إنما فوت على المرتهن اكتساب المال، وذلك غير لازم له، والاقتصاص مثل (7) العفو، ثم وجدث الشيخ مجد الدين صرح بهذا البناء الذي ذكرته (8).
- (ومنها): إذا قتل عبد من التركة المستغرقة بالديون عمدًا، وقلنا:
__________
(1) انظر: "المحرر" (1/ 336).
(2) في المطبوع زيادة: "ولا نعدم شيئًا".
(3) انظر: "الكافي" (2/ 153).
(4) في المطبوع و (ج): "فأما إن".
(5) في (ج): "اقتسام".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في (ج): "قبل".
(8) انظر: "المحرر" (1/ 336).
(3/34)

ينتقل الملك (1) إلى الورثة، فاختاروا القصاص؛ فهل يطالبون بقيمة العبد أم لا؟
يخرج على المرهون.
- (ومنها): العبد الموصى بمنفعته إذا قتل عمدًا، فهل لمالك الرقبة الاقتصاص بغير (2) إذن مالك المنفعة، وهل يضمن أم لا؟
صرح القاضي في "خلافه" بالمنع؛ كالرهن سواء، وهذا متخرج (3) على أحد الوجهين، وهو أن حق مالك المنفعة لم يبطل بالقتل، وأما على الوجه الآخر، وهو بطلان حقه بالقتل؛ جعلا للوصية بالمنفعة كالهبة التي لم تقبض؛ فلا يمنع مالك الرقبة من الاقتصاص؛ [فلا] (4) شيء عليه.
- (ومنها): إذا جنى على المكاتب؛ فهل له أن يقتص بدون إذن سيده؟
ذكر القاضي في "المجرد" وابن عقيل الجواز؛ لأن المطالبة بالقصاص والعفو عنه إلى العبد دون سيده؛ ولو كان قنًّا، وقال القاضي في "خلافه": قياس (5) قول أبي بكر في منعه من الاقتصاص من عبيده إذا قتل بعضهم بعضًا: إنه (6) لا يجوز له الاقتصاص بدون إذن سيده. وفيه نظر؛
__________
(1) في (ج): "ينتقل الملك فيه إلى".
(2) في المطبوع: "بعد".
(3) في المطبوع: "يخرج".
(4) في (ب): "ولا".
(5) في المطبوع: "قياس المذهب قول".
(6) في المطبوع: "لأنه".
(3/35)

فإن القاتل قد فوت مالًا مملوكًا؛ فهو كقتل الراهن للمرهون (1) بقصاص استحقه عليه، ولكن لا يلزم [ضمان المكاتب] (2) لسيده؛ لأن السيد لا يستحق انتزاع ذلك منه، وهذا بخلاف اقتصاص المكاتب من الجاني [عليه] (3)؛ فإنه لم يفوت [به] (4) مالًا مملوكًا له.
- (ومنها): لو قتل العبد الموصى به لمعين قبل قبوله؛ فهل للورثة الاقتصاص بدون إذن الموصى له؟
إذا قلنا: هو [ملك لهم] (5)؛ يتوجه المنع، إذا قلنا: [إن] (6) الجناية أوجبت أحد شيئين، فإن فعلوا؛ ضمنوا للموصى له القيمة إذا قبل.
- (ومنها): لو قتل عبده (7) من مال المضاربة عمدًا، فإن كان في المال ربح؛ فهما شريكان، وليس لأحدهما الانفراد بالقصاص ولا العفو، هذا ظاهر كلام القاضي وابن عقيل، فلو اقتص رب المال بغير اختيار المضارب؛ توجه أن يضمن للمضارب حصته من الربح إن قلنا: الواجب بالقتل أحد شيئين.
القاعدة الثانية: في العفو عن القصاص، وله ثلاثة أحوال:
__________
(1) في المطبوع: "المرهون".
(2) في (ج): "المكاتب ضمان" بتقديم وتأخير.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) ما بين المعقوفتين من (ب) والمطبوع.
(5) في (ج): "ملكهم"، وفي المطبوع: "ملك" فقط.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) كذا في (ج) وفي (أ) و (ب) والمطبوع: "عبد"!
(3/36)

أحدها: أن يقع العفو [عنه] (1) إلى الدية، وفيه طريقتان:
إحداهما (2): ثبوت الدية على الروايتين، وهي طريقة القاضي.
والثانية: بناؤه على الروايتين.
فإن قلنا: موجبه أحد شيئين؛ ثبتت الدية، وإلا؛ لم يثبت شيء بدون تراضٍ منهما، وهي طريقة أبي الخطاب وابن عقيل، [وذكرها القاضي أيضًا في المضاربة] (3)؛ فيكون القود باقيًا بحاله؛ لأنه لم يرض بإسقاطه إلا بعوض ولم يحصل له.
والحالة الثانية: أن يعفو عن القصاص ولا يذكر مالًا، فإن قلنا: موجبه القصاص عينًا؛ فلا شيء له، وإن قلنا: أحد شيئين؛ ثبت المال.
وخرج ابن عقيل: أنه [إذا] (4) عفى عن القود؛ سقط، ولا شيء له بكل حال على كل قول؛ لأنه بعفوه عنه تعين الواجب فيه بتصرفه فيه؛ فهو كما لو أسلم على أكثر من أربع، ثم طلق إحداهن؛ فإنه يتعين الاختيار فيها، وهذا ضعيف، فإن إسقاط القود ترك [له] (5) وإعراض عنه وعدول إلى غيره، ليس اختيارًا له, [ولهذا] (6) يملك العفو عن القود والمال جميعًا، وليس له اختيارهما جميعًا، بخلاف الزوجات؛ فإنه لا يملك طلاق أكثر من
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ج): "أحدهما"!
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في (ج): "إن"!.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) في (ب): "وهذا".
(3/37)

أربع منهن على المشهور.
الحالة الثالثة، أن يعفو عن القود إلى غير مال مصرحًا بذلك، فإن قلنا: الواجب القصاص عينًا؛ فلا مال له في نفس الأمر، وقوله هذا لغو، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ سقط القصاص والمال جميعًا، فإن كان ممن لا تبرع له؛ كالمفلس المحجور عليه والمكاتب والمريض فيما زاد على الثلث والورثة مع استغراق الديون للتركة؛ فوجهان:
أحدهما: لا يسقط المال بإسقاطهم، وهو المشهور؛ لأن المال وجب بالعفو عن القصاص؛ فلا (1) يمكنهم إسقاطه بعد ذلك؛ كالعفو عن دية الخطأ.
والثاني (2): يسقط، وفي "المحرر" أنه المنصوص عليه؛ لأن المال لا يتعين بدون اختياره له أو إسقاط (3) القصاص وحده (4)، أما (5) إن أسقطهما في كلام واحد متصل؛ سقطا جميعًا من غير دخول المال في ملكه، ويكون ذلك اختيارًا منه لترك التملك (6)؛ فلا يدخل المال في ملكه، إذا تقرر هذا؛ فهل يكون العفو تفويتًا للمال؟
__________
(1) في المطبوع: "ولا".
(2) في المطبوع: "الثاني".
(3) في (ج): "له وإسقاط".
(4) انظر: "المحرر" (2/ 134).
(5) في المطبوع: "وأما"، وفي (ب): "أما ان أسقطها".
(6) في المطبوع: "اختيارًا منه نقول لترك التملك".
(3/38)

إن قلنا: الواجب (1) القود عينًا؛ لم يكن العفو تفويتًا [للمال] (2)؛ فلا يوجب ضمانًا، صرح به القاضي وابن عقيل، وكلام أبي الخطاب يدل على [وجوب الضمان] (3)، وصرح (4) في "الكافي" بأنه على وجهين (5)، كما لو اقتص منه في هذه الحالة؛ فإن عنده في الضمان وجهين، وقد [سبق] (6) بيان ضعف ذلك ومخالفته لظاهر تعليل القاضي وابن عقيل.
وكذا (7) في "التلخيص": إن في الضمان [ها] (8) هنا وجهين، وصحح عدمه، ولم يذكر في الضمان إذا اقتص خلافًا.
وفرق بعض الأصحاب بين الضمان بالاقتصاص وعدم الضمان بالعفو: بأنه إذا اقتص؛ فقد استوفى بدل المال؛ فلذلك لزمه الضمان، بخلاف ما إذا عفى؛ فإنه لم يستوف [له] (8) بدلًا، بل فات عليهما جميعًا، ولهذا لو أبرأ أحد الشريكين الغريم من حقه؛ بريء، ولم يلزمه الضمان لشريكه، بخلاف ما إذا استوفى حقه أو بدله؛ فإنه يضمن لشريكه نصيبه منه، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، فعفى مجانًا؛ ففي "الكافي": هو
__________
(1) في المطبوع: "إن قلنا: إن الواجب".
(2) في (أ): "لمالٍ".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "وجوبه".
(4) في (ج): "صرح".
(5) انظر: "الكافي" (4/ 51).
(6) في (ج): "تقدم".
(7) في المطبوع و (ج): "وكذلك".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/39)

كالعفو عن المال، فإن كان محجورًا عليه؛ لم يصح، وإن كان [راهنًا] (1)؛ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يصح، وهو اختياره (أعني: صاحب "الكافي") (2)، كما لا يصح عفو المفلس.
والثاني: يصح، وتؤخذ (3) منه القيمة تكون رهنًا؛ لأنه أتلفه (4) بعفوه، وهو قول أبي الخطاب، وبه جزم صاحب "التلخيص".
والثالث: يصح بالنسبة إلى الراهن دون المرتهن؛ فتؤخذ القيمة من الجاني تكون رهنًا مكانه، فإذا زال الرهن؛ ردت إلى الجاني، وهو قول القاضي وابن عقيل.
وأما على الوجه الثاني الذي حكيناه في أصل المسألة بصحة (5) عفو المفلس والمريض فيما زاد على الثلث والورثة ونحوهم؛ فيخرج في الضمان وجهان (6)؛ كالاقتصاص إذا قلنا: الواجب أحد شيئين.
ويتخرج على هذا الأصل مسائل:
- (منها): عفو الراهن عن الجناية على المرهون، وقد ذكرنا حكمه مستوفى.
__________
(1) تصحفت في المطبوع إلى: "واهيًا"!
(2) انظر: "الكافي" (2/ 285).
(3) في المطبوع: "ويؤخذ".
(4) في (ب): "أبلغه".
(5) في المطبوع: "في صحة".
(6) في (ج): "وجهًا".
(3/40)

- (ومنها): عفو المفلس عن الجناية الموجبة للقود مجانًا؛ فالمشهور إنا إن قلنا: الواجب القود عينًا؛ صح، وإن قلنا: [الواجب] (1) أحد أمرين؛ لم يصح [العفو] (2) عن المال، وعلى الوجه الآخر الذي قيل: إنه المنصوص؛ يصح، وعلى (3) طريقة من حكى الضمان في المرهون، وإن قلنا: الواجب القود عينًا؛ يخرج (4) ها هنا مثله.
- (ومنها): عفو المكاتب عن القصاص، وحكمه حكم المفلس.
- (ومنها): عفو الورثة عن القصاص مع استغراق الديون، وحكمه [كذلك] (5).
- (ومنها): عفو المريض عن القصاص، وحكمه فيما زاد على الثلث كذلك.
- (ومنها): إذا عفى الوارث عن العبد الجاني على العبد الموصى بمنفعته؛ هل يضمن لمالك (6) المنفعة قيمتها؟
على وجهين، حكاهما في "الترغيب"، والأظهر تخريجهما على أن حق صاحب المنفقة هل سقط بالإتلاف أم لا؟
__________
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في (ج): "على" من غير واو.
(4) في (ج): "يتخرج".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "حكم ذلك".
(6) في المطبوع: "المالك".
(3/41)

ويتوجه أن لا ينفذ عفوه (1) في قدر قيمة المنافع؛ لأنها ملك للغير إذا قلنا: الواجب أحد أمرين، وهذا بخلاف العفو عن الجاني على العبد (2) المستأجر؛ لأن الإجارة تنفسخ بالقتل، ويرجع المستأجر ببقية الأجرة.
- (ومنها): إذا قتل العبد الموصى به لمعين قبل قبوله؛ فهل للورثة العفو عن قاتله بدون اختيار الموصى له به لأن قيمته له؟
صرح بذلك أبو الخطاب والأصحاب؛ فيتوجه (3) تخريج ذلك على هذا الأصل إن قلنا: الواجب القصاص عينًا، فلم يجب بهذه الجناية مال؛ فلهم العفو، لا سيما (4) على قولنا: إن ملكه قبل القبول لهم، وإن قلنا: [أحد أمرين؛ لم يصح عفوهم، وعلى طريقة من حكى الضمان. وإن قلنا:] (5) الواجب القود عينًا في المرهون؛ يخرج ها هنا مثله.
- (ومنها): العفو عن الوارث الجاني في مرض الموت عن دم العمد إن قلنا: الواجب القود عينًا؛ فهو صحيح، وإن قلنا: [الواجب] (6) أحد شيئين؛ فكذلك صرح به القاضي في "خلافه" في مسألة الوقف (7) على الوارث في المرض، ويتوجه فيه وجه آخر بوقوفه على إجازة الورثة.
__________
(1) في (ج): "عوده".
(2) في (ب): "عبد".
(3) في المطبوع: "ويتوجه".
(4) في المطبوع: "ولا سيما".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(7) في المطبوع: "الواقف"!
(3/42)

(تنبيهان):
أحدهما: لو أطلق العفو عن الجاني عمدًا؛ فهل يتنزل عفوه [على] (1) القود والدية، أو على القود وحده؟
حكى صاحب "المحرر" ثلاثة أوجه:
أحدها -وذكر أنه المنصوص-: إنه ينصرف إليهما (2) جميعًا، ونص عليه أحمد [رحمه اللَّه] (3) في "رواية مهنأ".
والثاني: ينصرف إلى القود وحده؛ إلا أن يقر العافي بإرادة الدية مع القود.
والثالث: يكون عفوًا عنهما؛ إلا أن يقول: لم أرد الدية، فيحلف ويقبل منه (4).
وفي "الترغيب": إن قلنا: الواجب القود وحده؛ سقط، ولا دية، وإن قلنا: أحد شيئين؛ انصرف العفو إلى القصاص في أصح الروايتين، والأخرى: يسقطان جميعًا.
(الثاني): لو اختار القصاص؛ فله ذلك، وهل له [العفو عنه] (5) إلى الدية؟
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "عن".
(2) في المطبوع: "إليها"!
(3) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(4) انظر: "المحرر" (2/ 134)، نقله عنه بنحوه.
(5) في (أ): "العود عنه"، وفي (ج): "العود".
(3/43)

إن قلنا: القصاص هو الواجب عينًا (1)؛ فله تركه إلى الدية، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فعلى وجهين حكاهما في "الترغيب":
أحدهما: نعم، وهو قول القاضي وابن عقيل، ولأن أكثر ما فيه أنه تعين (2) له القصاص؛ فيجوز له تركه إلى مال، كما إذا قلنا: هو الواجب عينًا.
والثاني: [لا] (3)، وهو احتمال في "الكافي" (4) و"المحرر" (5)؛ لأنه أسقط حقه من الدية باختياره؛ فلم يكن له الرجوع إليها، كما لو عفى عنها وعن القصاص، وفارق ما إذا قلنا: القود (6) هو الواجب عينًا؛ لأن المال لم يسقط بإسقاطه، ويجاب عن هذا بأن (7) الذي أسقطه هو الدية الواجبة بالجناية، والمأخوذ هنا غيره، وهو مأخوذ بطريق المصالحة عن القصاص المتعين.
القاعدة الثالثة: الصلح عن موجب الجناية، فإن قلنا: هو القود وحده؛ فله الصلح عنه بمقدار الدية وبأقل وأكثر منها؛ إذ الدية غير واجبة بالجناية، وكذلك إذا اختار القود أولًا، ثم رجع إلى المال، وقلنا له ذلك؛
__________
(1) في المطبوع: "الواجب هو القصاص عينًا"، وفي (ج): "الواجب عينًا هو القصاص".
(2) في المطبوع: "معين"، وفي (ج): "يعين".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) انظر: "الكافي" (4/ 51).
(5) انظر: "المحرر" (2/ 130).
(6) في المطبوع: "ما إذا قلنا: أن القود".
(7) في المطبوع: "أن".
(3/44)

فإن الدية سقط وجوبها، وإن قلنا: أحد شيئين؛ فهل يكون الصلح عنها صلحًا عن القود أو المال؟
على وجهين، يتفرع عليها (1) مسائل:
- (منها): هل يصح الصلح على أكثر من الدية من جنسها (2) أم لا؟
قال أبو الخطاب في "الانتصار" (3): لا يصح؛ لأن الدية تجب بالعفو والمصالحة؛ فلا يجوز أخذ أكثر من الواجب من الجنس، وكذلك قال صاحب "التلخيص": يصح على غير جنس الدية، ولا يصح على جنسها إلا بعد تعيين الجنس؛ من إبل أو بقر أو غنم؛ حذارًا من ربا النسيئة وربا الفضل.
وأطلق الأكثرون جواز الصلح بأكثر من الدية من غير تفصيل، قال في "المغني": لا أعلم فيه خلافًا (4)، وصرح السامري في "فروقه" (5) بجواز الصلح بأكثر من الدية؛ وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، وعلل بأن القود ثابت؛ فالمأخوذ عوض عنه، وليس من جنسه؛ فجاز من غير تقدير كسائر المعاوضات الجائزة، وأما القود؛ فقد يقال: إنما يسقط بعد صحة الصلح وثبوته، وأما مجرد المعاوضة في عقد الصلح؛ فلا توجب (6) سقوطه؛ فإنه
__________
(1) في المطبوع و (ج): "عليهما".
(2) في المطبوع: "من غير جنسها"، وفي (ب): "من من جنسها".
(3) في (ج): "انتصاره".
(4) انظر: "المغني" (3/ 12 - "الشرح الكبير").
(5) انظر: "إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل" (1/ 327).
(6) في المطبوع: "فلا يوجب".
(3/45)

إنما يسقطه (1) بعوض؛ فلا [يسقط بدون] (2) ثبوت العوض له.
- (ومنها): لو صالح عن دم العمد بشقص؛ هل يؤخذ بالشفعة أم لا؟
إن قلنا: الواجب القود عينًا؛ فالشقص مأخوذ بعوض غير مالي؛ فلا شفعة فيه على أشهر الوجهين، وهو قول أبي بكر والقاضي والأكثرين، خلافًا لابن (3) حامد، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فهو مأخوذ بعوض مالي؛ إذ هو عوض عن الدية لتعينها (4) باختيار الصلح، صرح به صاحبا (5) "المغني" (6) و"التلخيص"، وكذلك [ذكر] (7) السامري في "المستوعب"، وهو خلاف ما قرره في "الفروق" (8).
ويتوجه على قول من قال: الصلح عن القود أن يطرد فيه الوجهان الأولان، وهو [وفق] (9) إطلاق الأكثرين.
- (ومنها): لو قتل عبد (10) عبدًا من مال التجارة عمدًا، فصالح
__________
(1) في (ج): "يسقط".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "بد من".
(3) في المطبوع: "لأبي"!
(4) في المطبوع: "لتعيينها".
(5) في المطبوع و (ب) و (ج): "صاحبُ".
(6) انظر: "المغني" (7/ 24 - 25 - ط هجر).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) انظر: "إيضاح الدلائل" (1/ 327).
(9) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وقف على"!
(10) في المطبوع و (ب): "عبده".
(3/46)

المالك عنه بمال؛ فذكر [ابن تميم عن] (1) القاضي في التخريج أنه [قال] (2): إن قلنا: الواجب القصاص عينًا؛ لم يصر المال المصالح به للتجارة إلا بنية، وعلل بأنه ليس بعوض عن المقتول، بل عن القصاص، وإن قلنا: أحد شيئين؛ فهو من مال التجارة بغير نية؛ كثمن المبيع، وعلل بأنه عوض عن المقتول؛ فهو كقتل الخطأ، وهذا متنزل (3) على أن الصلح وقع على المال، أما إن قيل: إنه واقع عن القود؛ فقد يقال كذلك؛ لأنه بدل عن العبد، وقد يقال: لا يصير للتجارة إلا بنية، وظاهر تعليل القاضي يدل عليه؛ لأنه عوض عما كان يستحقه على مالك الجاني من إراقة دمه، بخلاف ما إذا أخذ قيمة الجاني أو باعه في الجناية؛ فإنه استوفى المال الواجب بالقتل عوضًا عن العبد المقتول.
وذكر القاضي وابن عقيل في المضاربة: إذا قتل عبد عبدًا من عبيد المضاربة [عمدًا] (4)، فصالح عنه بمال؛ [فهو] (5) من مال المضاربة لأنه بدل [بكل حال] (6) عن مال المضاربة؛ فهو كالثمن، ولم يبنياه على الخلاف في موجب العمد؛ إذ هو بدل عنه بكل حال، ولا (7) حاجة ها هنا
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (أ) فقط.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(3) في المطبوع: "منزل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(7) في المطبوع: "فلا".
(3/47)

إلى نية، ولكن قد ينبني (1) على ما ذكرناه؛ من أن الصلح هل وقع (2) عن المال أو عن القود؟ وقال أبو البركات في "تعليقه على الهداية": يحتمل عندي أنه متى قلنا: القصاص يجب [عينًا] (3)؛ أن المضاربة قد بطلت، ويكون جميع ما يصالح عليه (4) للسيد ملكًا جديدًا.
* * *
__________
(1) في المطبوع: "يبنى".
(2) في (ب): "يقع".
(3) في (ب): "عنهما"!
(4) في المطبوع: "ما صالح عنه"، وفي (أ): "ما يصالح عنه".
(3/48)

(القاعدة الثامنة والثلاثون بعد المئة)
العين المتعلق بها حق للَّه تعالى أو لآدمي؛ إما أن تكون مضمونة، أو غير مضمونة، فإن كانت مضمونة؛ وجب ضمانها بالتلف والإتلاف بكل حال، وإن لم تكن مضمونة؛ لم يجب ضمانها بالتلف ووجب بالإتلاف إن كان [لها] (1) مستحق موجود، وإلا؛ فلا.
أما الأول؛ فله أمثلة:
- (منها): الزكاة إذا (2) قلنا: تتعلق بالعين على المشهور؛ فإنها لا تسقط بتلف المال، ويجب ضمانها (3).
- (ومنها): الصيد في حق المحرم وفي الحرم مضمون على المالك بالجزاء.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "فإذا".
(3) انظر في المسألة: "الهداية" (1/ 64)، و"الإفصاح" (1/ 210)، و"الكافي" (1/ 375)، و"الفروع" (2/ 343)، و"الإنصاف" (3/ 35)، و"المحرر" (1/ 219)، و"المقنع" (1/ 296)، و"المبدع" (2/ 304)، و"المذهب الأحمد" (43)، و"شرح منتهى الإرادات" (1/ 372)، و"مطالب أولي النهى" (2/ 24).
(3/49)

وأما الثاني؛ فله أمثلة كثيرة:
- (منها): الرهن يضمن بالإتلاف، مثل أن يستهلكه الراهن أو يعتقه إن كان عبدًا، ولا يضمن بالتلف.
- (ومنها): العبد الجاني إذا أعتقه سيده؛ فإنه يضمنه، وهل يضمنه بأرش الجناية مطلقًا أو بأقل الأمرين منه ومن قيمته؟
على روايتين ذكرهما القاضي في "المجرد"، وأنكر في "الخلاف" رواية الضمان بالأرش مطلقًا؛ قال: لأنه أتلف محل الحق؛ فلم (1) يلزمه أكثر من ضمانه، بخلاف ما إذا اختار فداءه؛ فإنه مع بقائه قد يرغب فيه راغب، فيبذل فيه ما يستوفى منه الأرش كله؛ فلذلك ضمنه بالأرش (2) لمحله على رواية.
ونقل عنه ابن منصور: إنه إن (3) علم بالجناية؛ ضمنه (4) بالأرش كله، وإن لم يعلم، لزمه الأقل.
ونقل عنه حرب: إن لم يعلم؛ فلا شيء عليه بحال، وإن علم؛ ضمنه بالقيمة فقط، ولو قتله المالك؛ لزمته (5) قيمته للمجني عليه. ذكره القاضي في "خلافه".
وإن قتله أجنبي؛ ففي "الخلاف الكبير" يسقط الحق؛ كما لو مات،
__________
(1) في (أ): "فلا".
(2) في المطبوع: "بأرش".
(3) في المطبوع: "إذا".
(4) في (ج): "ضمن".
(5) في المطبوع: "لزمه".
(3/50)

وحكى القاضي في "كتاب الروايتين" (1) والآمدي روايتين:
إحداهما: يسقط الحق, قال القاضي: نقلها مُهَنَّأ؛ لفوات محل الجناية.
والثانية: لا يسقط (2)، نقلها حرب، واختارها أبو بكر، وبها جزم القاضي في "المجرد"؛ فيتعلق الحق بقيمته؛ لأنها بدله؛ فهو كما لو مات القاتل عمدًا؛ فإن الدية تجب في تركته، وجعل القاضي المطالبة على هذه الرواية للسيد والسيد يطالب الجاني بالقيمة.
- (ومنها): إذا قتل رجلًا عمدًا، ثم قُتِلَ القاتلُ؛ قال أحمد في "رواية ابن ثواب" في رجل قتل رجلًا عمدًا ثم قتل الرجل خطأً؛ [قال] (3): لهم الدية. قيل له: وإن قتل عمدًا؟ قال: وإن قتل عمدًا. قيل (4) له: فإن قومًا يقولون: [إنه] (5) إذا قتل إنما كان لهم دمه، وليس لهم الدية. قال: ليس كذلك، الحديث: "إن أولياءه بالخيار؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدية" (6)؛ فقد نص على أن القاتل إذا قتل تعينت الدية في تركته، وعلل
__________
(1) انظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (2/ 252 - 253).
(2) في المطبوع: "لا تسقط".
(3) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(4) في المطبوع: "فقيل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) أخرجه الترمذي في "الجامع" (أبواب الدِّيات، باب ما جاء في الدِّية كم هي من الإبل؟ 4/ رقم 1387) -وقال: "حديث حسن غريب"-، وأبو داود في "السنن" (كتاب الدِّيات، باب ولي العمد يرضى بالدية، رقم 4506)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الدَّيات، باب من قتل عمدًا فرضوا بالدِّية، 2/ رقم 2626)، وأحمد في "المسند" (11 =
(3/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= / رقم 6717، 6718، 6724 و 12/ رقم 7088)، والدارقطني في "السنن" (3/ 177)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2209)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 60، 70، 71 - 72)؛ من طريق محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.
وإسناده لا بأس به؛ لأن ابن راشد وسليمان فيهما كلام، لا ينزل حديثهما عن مرتبة الحسن.
وفي الحديث ذكر لمقدار دية الخطأ، وقد أخرجه من الطريق نفسه مختصرًا مقتصرًا عليه النسائي في "المجتبى" (8/ 42)، وأبو داود في "السنن" (رقم 4541، 4564، 4565)، وابن ماجه في "السنن" (رقم 2647)، وأحمد في "المسند" (12/ رقم 7092)، والحربي في "الغريب" (1/ 360)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم 17499، 17702)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 58، 83، 91، 107).
وأخرجه أحمد في "المسند" (11/ رقم 7033) عن محمد بن إسحاق؛ قال: وذكر عمرو بن شعيب، به.
وهذا منقطع؛ فظاهر قول ابن إسحاق (وذكر) عدم السماع، وهو مدلس.
وأخرجه أبو داود في "السنن" (رقم 4562، 4563، 4566) والنسائي في "المجتبى" (8/ 55، 57) والترمذي في "الجامع" (رقم 1390) وأحمد في "المسند" (11/ رقم 6772) وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 785، 781) عن حسين المعلم، والنسائي في "المجتبى" (8/ 55) وابن ماجه في "السنن" (رقم 2655، 2653) وأحمد في "المسند" (11/ رقم 7013) والدارمي في "السنن" (2/ 195) عن مطر الوراق، وابن عدي في "الكامل" (1/ 293) والدارقطني في "السنن" (4/ 96) والطبراني في "الأوسط" (1/ 486) والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 220) عن يحيى بن سعيد وابن جريج، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (6/ 341) - عن يحيى بن سعيد وابن جريج وآخر، والدارقطني في "السنن" (4/ 97) عن يحيى وابن جريج والمثنى؛ جيعهم عن عمرو بن شعيب، به، وفيه الدَّيات فقط دون اللفظ المذكور. =
(3/52)

بأن الواجب بقتل العمد أحد شيئين، وقد فات أحدهما؛ فتعين الآخر، وهذا يدل على أنه لا يجب شيء إذا قلنا: الواجب القود عينًا، وهذا يقوى على قولنا: إن الدية لا تثبت إلا بالتراضي.
وخرج الشيخ تقي الدين وجهًا آخر، وقواه: أنه تسقط (1) الدية بموت القاتل أو قتله بكل حال؛ معسرًا كان أو موسرًا، وسواء قلنا: الواجب القود عينًا، أو: أحد شيئين؛ لأن الدية إنما نجب بأزاء العفو، وبعد موت القاتل لا عفو؛ فيكون موته كموت العبد الجاني (2).
والعجب من القاضي [في "خلافه"] (3)! كيف حمل هذه الرواية على أن أولياء المقتول الأول يخيرون (4) في القاتل الثاني بين أن يقتصوا منه أو يأخذوا الدية؟!
وتبعه على ذلك صاحب "المحرر"؛ فحكاه رواية (5)، ومن تأمل لفظ الرواية؛ علم أنها لا تدل على ذلك ألبتة، وقال القاضي أيضًا في "خلافه": الدية واجبة في التركة، سواء قلنا: الواجب أحد شيئين، أو القصاص عينًا،
__________
= وفي بعض طرقه ضعف؛ فقد رواه عن يحيى وابن جريج والمثنى -وهم مدنيون-: إسماعيل بن عياش, وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، ووهم بعض الرواة في بعض ألفاظه.
انظر: "معالم السنن" (4/ 23)، و"زاد المعاد" (5/ 26).
(1) في المطبوع: "يسقط"، وفي (أ) بدون تنقيط الحرف الأول.
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 292).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في (ب): "يجيزون".
(5) انظر: "المحرر" (2/ 130).
(3/53)

وكلام أحمد يدل على [خلاف] (1) ذلك كما رأيته، وكذلك نص عليه في "رواية ابن القاسم" في الرجل يقتل عمدًا ثم يقدم ليُقادَ منه، فيأتي رجل فيقتله؛ قال: [كان] (2) الولي الأول بالخيار؛ إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية، فلما ذهب الدم؛ فينظر إلى أولياء هذا المقتول الثاني؛ فإن هم أخذوا الدية من القاتل الأخير (3)؛ فقد صار ميراثًا من ماله، ثم يعود أولياء الدم الأول فيأخذونها منهم بدم صاحبهم.
وكذلك نقل أبو طالب (4) عن أحمد، وقال: إذا فاته الدم؛ أخذ الدية من ماله إن كان له مال؛ لأنه مخير: إن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا، وهذا كله تصريح بالحكم والتعليل، وجعل المطالبة بالدية لأولياء القاتل الأول؛ لأن الدية في ماله.
وخرج صاحب "المغني" وجهًا: إن المطالبة (5) لقاتل القاتل؛ لأنه فوت محل الحق؛ فهو كما لو قتل العبد الجاني (6).
وللأصحاب وجهان (7) فيما إذا قتل الجاني بعض الورثة، حيث لا ينفرد بالاستيفاء؛ هل للباقين (8) حصتهم من الدية في مال الجاني،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ج): "الآخر".
(4) في المطبوع: "أبو الخطاب"، وهو خطأ.
(5) في (ج): "وجهان المطالبة".
(6) انظره في: "المغني" (8/ 299/ 6794).
(7) في (ج): "وللأصحاب وجهًا: أن"!
(8) في المطبوع: "الباقين".
(3/54)

أو (1) على المقتص؟
على وجهين (2).
وعلى الأول يرجع ورثة الجاني على المقتص بما فوق حقه، ونقل صالح وابن منصور عن أحمد في رجل قتل رجلًا، فقامت البينة عند الحاكم، فأمر بقتله، فعدا بعض ورثة المقتول، فقتل الرجل بغير أمر الحاكم؛ فقال: هذا قد وجب عليه القتل ما للحاكم ها هنا (3)، وظاهر هذا أنه لا يلزمه ضمان؛ لأنه استوفى الحق لنفسه ولشركائه، ولا سيما إن قلنا: الواجب بقتل العمد القود عينًا.
- (ومنها): لو عين أضحية أو هديًا لا عن واجب في الذمة، فإن أتلفه أو تلف بتفريطه؛ فعليه ضمانه بمثله لأن مستحقه موجود وهم المساكين، وإن تلف بغير تفريط؛ فلا شيء عليه.
ونقل القاضي في "خلافه" وأبو الخطاب في "انتصاره" وابن عقيل في "عمده" رواية بوجوب الضمان؛ كالزكاة، وأخذوه من قول الخرقي: "ومن ساق هديًا واجبًا، فعطب دون محله؛ فعليه مكانه" (4).
وهذا بعيد جدًّا، وكلام الخرقي إنما هو في الواجب في الذمة،
__________
(1) في المطبوع: "أم".
(2) في (ج): "على الوجهين".
(3) انظر: "مسائل صالح" (2/ 314/ 940).
(4) انظر: "مختصر الخرقي" (3/ 284/ 2708 - مع "المغني")، ونصه: "ومن ساق هديًا واجبًا، فعطب دون محله؛ صنع به ما شاء، وعليه مكانه".
(3/55)

قالوا: [وكذا] (1) الخلاف فيمن نذر الصدقة بمال معين، فلم (2) يفعل حتى تلف؛ هل يضمنه؟
على الروايتين (3).
- (ومنها): لو نذر عتق عبد معين، فمات قبل أن يعتقه؛ لم يلزمه عتق غيره، ولزمه كفارة يمين، نص عليه أحمد؛ لعجزه عن المنذور، وإن قنله السيد؛ فهل يلزمه ضمانه؟
على وجهين:
أحدهما: لا يلزمه، قاله القاضي وأبو الخطاب؛ لأن القصد من العتق تكميل الأحكام، والمصرف العبد (4) , فإذا فات المصرف؛ لم يبق مستحق للعتق.
والثاني: يلزمه، قاله ابن عقيل؛ فيجب صرف تيمته في الرقاب أخذًا من قولنا في الولاء: إذا حصل من المعتقين في الكفارة؛ صرف في الرقاب، والولاء أيسر (5) من القيمة؛ لأنه بدل الاكتساب، والقيمة بدل الذات، وإذا كانت الرقاب (6) مصرفًا؛ فلا وجه لسقوط القيمة عنه، ولو أتلفه أجنبي؛ فقال أبو الخطاب: لسيده القيمة، ولا يلزمه صرفها في العتق.
__________
(1) في (ج): "وكذلك".
(2) في المطبوع: "ولم".
(3) في (ج): "على روايتين".
(4) في المطبوع: "للعبد".
(5) في المطبوع: "أليس"!
(6) في المطبوع: "وإذا كانت هذه الرقاب".
(3/56)

وخرج بعض الأصحاب وجهًا بوجوبه، وهو قياس قول ابن عقيل؛ لأن البدل قائم مقام المبدل، ولهذا لو وصى له بعبد، فقتل قبل قبوله؛ فإن قيمته له إذا قبل (1).
* * *
__________
(1) في المطبوع و (ب): "قتل".
(3/57)

(القاعدة التاسعة والثلاثون بعد المئة)
الحقوق الواجبة من جنس إذا كان بعضها مقدرًا بالشرع وبعضها غير مقدر به.
فهي ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون تقدير الحق خشية سقوط صاحبه، حيث (1) كان من لم يقدر حقه يستحق الجميع عند الانفراد؛ كذوي الفروض مع العصبات في الميراث؛ فها هنا قد يزيد الحق الذي لم يقدر على الحق المقدر؛ لأنه أقوى منه.
والنوع الثاني: أن يكون التقدير لنهاية الاستحقاق وغير المقدر موكولًا إلى الرأي والاجتهاد من غير تقديره بأصل يرجع إليه؛ فلا يزاد (2) الحق الذي لم يقدر على المقدر ها هنا؛ وله صور:
- (منها): الحد والتعزير (3)؛ فلا يبلغ بتعزير (4) الحر والعبد أدنى حدودهما إلا فيما سببه الوطء؛ فيجوز أن يبلغ بالتعزير عليه في حق الحر
__________
(1) في المطبوع: "فحيث"، وفي (ج): "بحيث".
(2) في المطبوع: "يراد"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في (ج): "والتغرير"!
(4) في (ج): "بتغرير"!
(3/58)

مئة جلدة بدون نفي، وقيل: لا يبلغ المئة، بل ينقص منه سوطًا، وفي حق العبد خمسين إلا سوطًا، ويجوز النقص منه على ما يراه السلطان، ومن الأصحاب من حكى (1) أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية حدًّا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن يزيد على حد غير جنسها، قال في "المغني": ويحتمله كلام أحمد والخرقي (2). وعن أحمد: لا يزاد في كل تعزير على عشر جلدات؛ لخبر أبي بردة (3).
__________
(1) في (ج): "من قال".
(2) انظر: "المغني" (9/ 148/ 7374).
(3) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، رقم 6848، 6850)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير, رقم 1708)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الحدود، باب في التعزير، رقم 4491، 4492)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الحدود، باب ما جاء في التعزير، رقم 1463)، والنسائي في "السنن الكبرى" (كتاب الرجم) -كما في "التحفة" (9/ 66) -، وأحمد في "المسند" (3/ 466 و 4/ 45)، والدارمي في "السنن" (2/ 176)، والطحاوي في "المشكل" (3/ 164، 165)، والطبراني في "الكبير" (22/ رقم 514 - 517)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 369 - 370، 381 - 382)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 327/ 328)، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه! ان أباه حدثه أنه سمع أبا بُردة الأنصاري يقول: سمعتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تجلدوا فوق عشرة أسواطٍ؛ إلا في حدٍّ من حدود اللَّه".
وأخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم 6849) عن عبد الرحمن بن جابر، عمن سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا عقوبة فوق عشر ضربات؛ إلا في حد من حدود اللَّه".
قال ابن حجر في "الفتح" (12/ 177 - 178): "قوله: (إلا في حد من حدود اللَّه) ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب مخصوص، أو عقوبة مخصوصة، والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا والسرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص في النفس والأطراف والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الأخيرين =
(3/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حدًّا، واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة، هل تسمى عقوبته حدًّا أو لا؟ وهي جحد العارية واللواط وإتيان البهيمة والسحاق وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير، وكذا السحر والقذف بشرب الخمر وترك الصلاة تكاسلًا والفطر في رمضان والتعريض بالزنا، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحد في حديث الباب حق اللَّه، قال ابن دقيق العيد: بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء، وأن عرف الشرع أول الأمر كان يطلق الحد على كل معصية كبرت أو صغرت، وتعقبه ابن دقيق العيد: أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه؛ قال: ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق اللَّه أن يزاد على العشر؛ لم يبق لنا شيء يختص المنع به؛ لأن ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمحرم، وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم؛ فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى.
قلت: والعصري المشار إليه أظنه ابن تيمية، وقد تقلد صاجه ابن القيم المقالة المذكورة؛ فقال: الصواب في الجواب: أن المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر اللَّه ونواهيه، وهي المراد بقوله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229]، وفي أخرى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1]، وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، وقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا} [النساء: 14] , قال: فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية؛ كتأديب الأب ولده الصغير.
قلت: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي؛ فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير؛ فإن كان كبيرة؛ جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحد؛ كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثى، وإن كان صغيرة؛ فهو المقصود بمنع الزيادة؛ فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده، وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ: "لا تعزروا فوق عشرة أسواط".
وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث؛ فأخذ بظاهره الليث وأحمد في =
(3/60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشر. ثم اختلفوا؛ فقال الشافعي: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد؟ قولان، وفي قول أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حده ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي: "لا يبلغ به الحد"، ولم يفصل، وقال الباقون: هو إلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.
وعن عمر: أنه كتب إلى أبي موسى: "لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين"، وعن عثمان: "ثلاثين"، وعن عمر: أنه بلغ بالسوط مئة، وكذا عن ابن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء: لا يعزر إلا عن تكرر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها؛ فلا يعزر. وعن أبي حنيفة: لا يبلغ أربعين. وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين جلدة. وفي رواية عن مالك وأبي يوسف: لا يبلغ ثمانين.
وأجابوا عن الحديث بأجوبة، منها ما تقدم، ومنها قصره على الجلد، وأما الضرب بالعصا مثلًا وباليد؛ فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا رأي الإصطخري من الشافعية، وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب، ومنها أنه منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود، وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها؛ فيصبر مثل الحد، وبالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الإِمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد؛ لأن التعزير شرع المردع، ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد؛ فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه، وتعقب بأن الحد لا يزاد فيه ولا ينقص؛ فاختلفا, وبأن التخفيف والتشديد مسلم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، وبأن الردع لا يراعى في الإفراد، بدليل أن من الناس من لا يردعه الحد، ومع ذلك؛ لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير، فلو نظر إلى كل فرد؛ لقيل بالزيادة على الحد أو الجمع بين الحد والتعزير، ونقل القرطبي أن الجمهور قالوا: بما دل عليه حديث الباب، وعكسه النووي، وهو المعتمد، فإنه لا يعرف القول به عن أحدٍ من الصحابة".
(3/61)

- (ومنها): السهم من الغنيمة والرضخ؛ فلا يبلغ بالرضخ لآدمي سهمه المقدر ولا بالرضخ لمركوب سهمه المقدر.
النوع الثالث:
أن يكون أحدهما مقدرًا شرعًا، والآخر تقديره راجع إلى الاجتهاد، لكنه (1) يرجع إلى أصل يضبط (2) به؛ فهل هو كالمقدر أم لا؟
[إن] (3) كان محلهما واحدًا؛ لم يجاوز به المقدر، وفي بلوغه خلاف، وإن كان محلهما مختلفًا؛ فالخلاف في بلوغ المقدر ومجاوزته؛ فالأول كالحكومة إذا كانت في محل له مقدر؛ فلا يجاوز بها المقدر، وكذلك (4) المحل، وفي بلوغه وجهان، والثاني؛ كدية الحر مع قيمة العبد، فإذا جاوزت قيمته الدية (5)؛ فهل تجب القيمة بكمالها، أم لا يجوز أن يبلغ بها دية الحرب، بل ينقص منها؟
على روايتين، وقد يخرج (6) عليهما جواز بلوغ الحكومة الأرش (7) المقدر مطلقًا.
* * *
__________
(1) في المطبوع: "ولكنه".
(2) في (ج): "يضبطه".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "أو".
(4) في الأصول كلها: "ولذلك".
(5) في المطبوع: "قيمة العبد".
(6) في (ج): "يتخرج".
(7) في (ب): "للإرش".
(3/62)

(القاعدة الأربعون بعد المئة)
من سقطت عنه العقوبة بإتلاف نفس أو طرف مع قيام المقتضي له لمانع؛ فإنه يتضاعف عليه الغرم.
ويتخرج على ذلك مسائل:
- (منها): إذا (1) قتل مسلم ذميًّا عمدًا؛ ضمنه بدية مسلم.
- (ومنها): من سرق من غير حرز؛ فإنه يتضاعف عليه الغرم، نص عليه، وقيل: يختص ذلك بالثمر والكثر.
- (ومنها): الضالة المكتومة تضمن (2) بقيمتها مرتين، نص عليه أحمد في "رواية ابن منصور" معللًا بأن التضعيف في الضمان هو لدرء القطع، وهذا متوجه على أصله في قطع جاحد العارية.
- (ومنها): إذا (3) قلع الأعور عين الصحيح؛ فإنه لا يقتص منه، وتلزمه الدية كاملة، نص عليه.
- (ومنها): الصغير إذا قتل عمدًا، وقلنا: إن له عمدًا صحيحًا؛
__________
(1) في المطبوع: "إذا"!
(2) كذا في (ج)، وفي (ب): "يضمن".
(3) في المطبوع: "لو".
(3/63)

ضوعفت (1) عليه الدية في ماله.
- (ومنها): السرقة عام المجاعة، قال القاضي في "خلافه": بتضاعف الغرم فيها من غير قطع على قول أحمد؛ لأنه احتج في "رواية الأثرم" بحديث عمر في رقيق حاطب (2).
__________
(1) في المطبوع: "ضوعف".
(2) واحتج أحمد في "رواية السعدي" بقول عمر: "لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة"، قال السعدي: "سألتُ أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؛ فقال: العذق: النخلة، وعام سنة: المجاعة؛ فقلتُ لأحمد: نقول به؟ فقال: أي لعمري. قلتُ: إنْ سرق في مجاعةٍ لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك، والناس في مجاعةٍ وشدة" قاله ابن القيم في "إعلام الموقعين" (3/ 11).
وأثر عمر: "لا تقطع اليد" أخرجه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في "جامعه" -كما في "التلخيص الحبير" (4/ 70) - عن أحمد بن حنبل، عن هارون بن إسماعيل، عن علي ابن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن حسَّان بن أزهر: أن ابن حدير حدثه عن عمر (وذكره).
وقصة غلمان حاطب التي أشار إليها المصنف أخرجها الجوزجاني -كما في "إعلام الموقعين" (3/ 11) -: ثنا أبو النعمان عارم، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن حاطب: "أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأُتي بهم عمر، فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب، فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة، وأقروا على أنفسهم. فقال عمر: يا كثير بن الصَّلت! اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم؛ ردهم عمر، ثم قال: أما واللَّه لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم اللَّه عليه حلَّ له؛ لقطعت أيديهم، وأيم اللَّه؛ إذ لم أفعل لأغرمتك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني! بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع منة. قال عمر: اذهب فأعطه ثماني مئة".
ورجاله ثقات؛ عير عارم، اختلط بأخَرةٍ، وفرّج عنا الدارقطني بشأنه؛ فقال: تغيَّر =
(3/64)

- (ومنها): السرقة من الغنيمة، إذا قلنا: هي كالغلول، وأن الغال يحرم سهمه منها على رواية؛ فيجتمع عليه غرم ما سرقه مع حرمان سهمه المستحق منها (1)، وقد يكون قدر السرقة وأقل وأكثر.
وليس من هذه القاعدة تغليظ الدية بقتل ذي الرحم [المحرم] (2) عمدًا؛ لأن القصاص فيه قد يكون واجبًا في [قتل] (3) غير الابن، وإنما هو لزيادة حرمة الجناية؛ فهو كالتضعيف بالقتل في الحرم والأحرام.
* * *
__________
= بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة، قاله الذهبي في "السير" (10/ 267).
وابن حاطب لعله عبد الرحمن, له رؤية، وعدّوه في كبار ثقات التابعين.
(1) في (ب): "منهما".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(3/65)

(القاعدة الحادية والأربعون بعد المئة)
إذا أتلف عينًا تعلق بها حق للَّه (1) تعالى من يجب عليه حفظها واستيفاؤها إلى مدة معلومة؛ لزمه ضمانها بقيمتها في ذلك الوقت لا يوم تلفها، أو بمثلها على صفاتها في ذلك الوقت، لا يوم تلفها على أصح الوجهين.
ويتخرج على ذلك صور:
- (منها): لو ترك الساعي زكاة الثمار أمانة بيد رب المال، فأتلفها قبل جفافها، أو تلفت بتفريطه؛ ضمنها بقدرها يابسًا لا رطبًا على الصحيح، وعنه: يضمنها بمثلها رطبًا.
- (ومنها): لو أتلف الأضحية أو الهدي [قبل يوم النحر] (2)، فعليه ضمانه بأكثر القيمتين من يوم الإتلاف أو يوم النحر.
وفيه وجه: يضمنها بقيمتها يوم التلف (3) بكل حال، كما لو كان أجنبيًا.
وفي "الكافي": يضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها أو هدي مثلها؛ لأنه
__________
(1) في المطبوع: "حق اللَّه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) هنا في المطبوع زيادة: "قبل يوم النحر"!
(3/66)

فوت الإراقة والتفرقة بعد لزومها؛ فلزمه ضمانها، كما لو أتلف شيئين. قال: ويشترى بالقيمة هديًا ويحتمل أن يتصدق به (1).
ويلتحق بهذا: [ما إذا أكل المضحي أو الهدي مما منع] (2) من أكله؛ فإنه يضمنه بمثله لحمًا، نص عليه [أحمد] (3) في "رواية ابن منصور"؛ [لأنه تلزمه] (4) الإِراقة والتفرقة، وقد أتى بأحدهما وبقي الآخر؛ فلزمه ضمانه، ولو أتلفه غيره؛ فعليه قيمته لأنه لا تلزمه (5) الإراقة؛ فلزمته القيمة، ويشتري بها مثله.
* * *
__________
(1) انظر كلامه بطوله في: "الكافي" (1/ 466).
(2) في المطبوع: "ما إذا أكل المضحي جميع أضحيته أو الهدي مما منع"، وفي (ب): "ما إذا كان المضحي أو الهدي مما يمنع".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لا تلزمه"!
(5) في المطبوع: "لا يلزمه"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(3/67)

(القاعدة الثانية والأربعون بعد المئة)
ما زال من الأعيان ثم عاد بأصل الخلقة أو بصنع آدمي؛ هل يحكم على العائد بحكم الأول أو (1) لا؟
فيه خلاف يطرد في مسائل:
- (منها): لو قلع سنه أو قطع أذنه، فأعاده في الحال، فثبت اللحم كما كان ولم يبَّرح (2)؛ فهل يحكم بطهارته أم لا؟
نص أحمد على طهارته إذا ثبت والتحم، وعلى نجاسته إذا لم يثبت؛ فحكى (3) القاضي المسألة على روايتين، وفرق ابن أبي موسى بين أن يثبت ويلتحم فيحكم بطهارته لعود الحياة إليه، بخلاف (4) ما إذا لم يثبت، وهذا حسن، فإن كان ذلك بجناية جانٍ؛ فالمنصوص [عن أحمد] (5) أنه لا قود فيه ولا دية سوى حكومة نقصه، واختاره أبو بكر، وبناه كثير من الأصحاب على القول بطهارته، وقال القاضي: حقه بحاله، فأما إن اقتص من الجاني فأعاده والتحم؛ فهل للمقتص إبانته ثانيًا أم لا؟
__________
(1) في المطبوع: "أم".
(2) في (أ) والمطبوع: "يرح".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وحكى".
(4) في المطبوع: "وهذا بخلاف".
(5) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(3/68)

نص أحمد في "رواية ابن منصور" على أن له إبانته، وعلل بأن القصاص للشين [وقد زال الشين بذلك] (1)، وقال القاضي في "المجرد": ليس له ذلك.
- (ومنها): لو قلع ظفر آدمي أو سنه أو شعره، ثم عاد أو جنى عليه فأذهب شمه أو بصره، ثم عاد بحاله؛ فلا ضمان بحال في المذهب؛ لأن أطراف الأدمي لا تضمن بالإتلاف؛ إذ ليست أموالًا، وإنما تضمن (2) بما نقص الجملة، ولم يوجد نقص، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، صرح به جماعة.
ويتوجه التفريق؛ لأن أعضاء الرقيق أموال، ولهذا يجوز بيع لبن الأمة دون الحرة على وجه لنا، وقد ذكروا في الجارية المغصوبة إذا هزلت عند الغاصب ثم سمنت؛ فهل يضمن نقصها؟
على وجهين، والأشبه بكلامه أنه لا ضمان؛ لأنه نص في "رواية ابن منصور" فيمن كسر خلخالًا لغيره: إن عليه إصلاحه، وبينهما فرق؛ فإن إصلاح الخلخال نوع ضمان، بخلاف عود السمن، ولكن [صرح] (3) صاحب "التلخيص" بأنه لو غصب جدارًا فنقضه ثم أعاده؛ فعليه أرش نقصه؛ إلا أن هذا بناه على أن الواجب الأرش؛ فالبناء عدوان؛ فلا (4) يسقط به الواجب.
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "والشين قد زال".
(2) في المطبوع: "فإنما يضمن"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط حرف المضارعة.
(3) تصحفت على ناسخ (ج) إلى "خرج"، وفي الهامش: "لعله صرح".
(4) في المطبوع: "ولا".
(3/69)

وكذلك ذكر القاضي فيما إذا باع الغاصب الدار المغصوية، فنقضها المشتري ثم بناها: أن على المشتري ضمان [ما بين] (1) قيمتها مبنية ومنقوضة يرجع به على الغاصب.
- (ومنها): نبات الحرم إذا قطعه أو قلع غصنًا من شجرة منه ثم عاد؛ ففي ضمانه وجهان، وكذلك لو جنى على ريش طائر في الحرم أو الإحرام ثم نبت؛ فهل يضمنه؟
على وجهين؛ لتردد ضمان صيد الحرم ونباته، وصيد المحرم بين ضمان الأموال؛ إذ هي أموال في الجملة، وبين ضمان الآدميين؛ لأنه [ضمان] (1) واجب لحق اللَّه تعالى، والأشبه أن صيد الحرم ونباته ملحق بالآدمي (2)؛ لعصمته بمحله بالنسبة إلى جميع الناس، بخلاف صيد [المحرم] (3)؛ فإن تحريمه يختص به (4)؛ فهو شبيه بالأموال المملوكة التي تحل لمالكها دون غيره.
- (ومنها): لو أعاره حائطًا لوضع خشبه عليه، فسقط الجدار ثم أعاده؛ فهل له إعادة الوضع أم لا؟
فيه وجهان:
[أحدهما] (1): ليس له ذلك بدون إذن؛ لأن الثاني غير الأول، فلم
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "بالآدميين".
(3) في (ب): "الحرم".
(4) في (ب): "مختص به".
(3/70)

تتناوله [الإعارة] (1)، ذكره القاضي وابن عقيل في [باب] (2) العارية [والصلح] (2).
[والثاني: له ذلك إن أعاده بآلته العتيقة، وإلا؛ فلا، وحكى عن القاضي [أيضًا] (2)، ولا [أظنه] (3) يصح عنه] (4)، ولو كان الوضع مستحقًّا بعقد صلح؛ فله الوضع بكل حال وجهًا واحدًا.
- (ومنها): إذا أجره دارًا، فانهدم جدارها، فأعاده المؤجر؛ فصرح القاضي وابن عقيل بأن هذا المجدد لم يقع عليه العقد، وفرعا عليه أنه لا يجبر على التجديد، وكذا ذكر صاحب "التلخيص"، مع قوله: إن جدد؛ فلا خيار له، وحكى وجهًا بإجباره على التجديد كما يجبر على الترميم، ويتوجه التفريق بين أن تعاد بآلتها العتيقة أو غيرها؛ كما في التي قبلها.
- (ومنها): مسألة الجدار المشترك إذا انهدم وأعاده أحد الشريكين؛ فهل يعود حق شريكه فيه؟
إن أعاده بآلة جديدة؛ لم يعد، وإن كان بآلته العتيقة؛ فوجهان سبق ذكرهما.
- (ومنها): لو وصى له بدار فانهدمت فأعادها؛ فالمشهور بطلان الوصية بزوال الاسم، ولا يعود (5) بعود البناء؛ لأنه غير الأول، ويتوجه عودها
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "الإعادة والصلح".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) ما بين المعقوفتين مذكور في (ج) آخر هذا الفرع.
(5) في (ج): "ولا تعود".
(3/71)

إن أعادها بآلتها القديمة.
وفيه وجه آخر: لا تبطل الوصية بكل حال، ولو لم يُعِدْ بناءها، وعلى هذا؛ فهل يستحق أنقاضها الموجودة حال الوصية؟
على وجهين يرجعان (1) إلى أن الاعتبار هل هو بحال الوصية أو بحال الموت، وهل يستحق البناء المتجدد فيها؟
على وجهين أيضًا.
(ومنها): إذا انهدمت (2) الكنيسة التي تقرر في دار الإسلام؛ فهل [يمكنون من] (3) إعادتها؟
على روايتين معروفتين بناءً على أن الإعادة هل هي استدامة أو إنشاء؟ ولو فح بلد عنوة وفيه كنيسة منهدمة (4) تقر؛ فهل يجوز بناؤها؟
فيه طريقان:
أحدهما: المنع منه مطلقًا.
والثاني: بناؤه على الخلاف في بناء المنهدمة
* * *
__________
(1) في (ج): "ويرجعان".
(2) في المطبوع: "تهدمت".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "يملكون".
(4) في (ب): "متهدمة".
(3/72)

(القاعدة الثالثة والأربعون بعد المئة)
يقوم البدل مقام المبدل ويسد مسده، ويبنى حكمه على [حكمه] (1) في مواضع كثيرة.
قد (2) سبق ذكر بعضها.
- (منها) (3): إذا مسح [على] (4) الخف ثم خلعه (5)؛ فإنه يجزئه غسل قدميه على إحدى الروايتين، ولو فاتت الموالاة؛ لأن المسح كمل الوضوء وأتمه وقام مقام غسل الرجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقبه غسل القدمين؛ فالوضوء كالمتواصل، وعلى هذا لو وجد ما يكفي [لغسل] (6) بعض أعضاء الحديث الأصغر، فاستعمله فيها ثم تيمم للباقي، ثم وجد الماء بعد فوات الموالاة؛ لم يلزمه إلا غسل باقي الأعضاء، وهو ظاهر ما ذكره الشيخ مجد الدين في "شرح الهداية"، لكنه بناه على سقوط
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "حكم مبدله".
(2) في المطبوع: "وقد".
(3) في (ب): "منها" بدون "و".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في (ب): "خعله"!
(6) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع فقط.
(3/73)

الموالاة بالعذر (1).
- (ومنها): إذا (2) افترق المتصارفان، ثم وجد أحدهما بما قبضه عيبًا وأراد الرد وأخذ بدله في مجلس الرد؛ فهل ينتقض الصرف بذلك أم لا؟
على روايتين.
- (ومنها): إذا حضر الجمعة أربعون (3) من أهل وجوبها، ثم تبدلوا في أثناء الخطبة أو الصلاة بمثلهم؛ انعقدت الجمعة وتمت بهم.
- (ومنها): لو أبدل (4) نصابًا من أموال الزكاة بنصاب من جنسه، بنى على حول (5) الأول على المذهب، ولو أبدله بغير جنسه؛ استأنف إلا في إبدال أحد النقدين بالأخر؛ فإن فيه روايتين، وخرج أبو الخطاب في "انتصاره" رواية بالبناء في الإبدال من غير الجنس مطلقًا (6).
- (ومنها): لو أبدل مصحفًا بمثله؛ جاز، نص عليه، بخلاف ما لو باعه بثمن، وذكر أبو بكر في المبادلة: هل هي بيع أم لا؟
__________
(1) في المطبوع: "للعذر".
(2) في المطبوع: "لو".
(3) في المطبوع: "أربعون رجلًا".
(4) في (ج): "بدل".
(5) في (ج): "الحول".
(6) قال أبو الخطاب في "الانتصار في المسائل الكبار" (3/ 225): "فإن قيل: فيجب إذا بادل بغير الجنس أن يبني على حول ما كان عنده؛ قيل: كذا نقول، وقد أومأ إليه في "رواية الأثرم" في الرجل يكون له مرة دنانير ومرة دراهم تنقلب في يديه، ثم جاء الحول؛ زكاها ما كانت، والدراهم جنس غير الدنانير".
(3/74)

[على] (1) روايتين، وأنكر القاضي ذلك وقال: هي بيع بغير (2) خلاف، وانما أجاز أحمد إبدال المصحف بمثله؛ لأنه لا يدل على الرغبة عنه ولا على الاستبدال به بعوض دنيوي، بخلاف أخذ ثمنه.
- (ومنها): لو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من آلاته (3)؛ جاز، نص عليه؛ لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
- (ومنها): إبدال الهدي والأضاحي بخير منها، وهو جائز، نص عليه (4)، وكذلك إبدال الوقف إذا خرب والمسجد إذا باد أهله، وفي [إبدال] (5) الوقف مع عمارته بخير منه روايتان (6).
- (ومنها): لو مات رب المال وهو في يد المضارب أو شريك العنان، وأراد الوارث تقريره، وأذن له في التصرف؛ جاز، وهل هو ابتداء عقد أو استدامة؟
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(2) في المطبوع: "بلا".
(3) في المطبوع: "الآنية".
(4) أشار إليها ابن عقيل؛ كما سيأتي قريبًا.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ذكر ابن رجب في كتاب "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 170 - 171) مضمون مناظرة دارت بين ابن عقيل وأبي سعد المخرّمي في مسألة بيع الوقف إذا خرب وتعطل، وفيها قول ابن عقيل: "وأما تفريقه بجواز الإبدال في الأضحية بأنفع منها دون الوقف؛ فيقال: والوقف فيه رواية أخرى عن أحمد: بجواز الإبدال؛ كالأضحية، فلمن نصر هذا القول أن ينتصر لهذه الرواية؛ فلا يبقى بينهما فرق، واللَّه أعلم".
(3/75)

على وجهين ذكرهما في "التلخيص" وغيره، وأشار إليهما القاضي وابن عقيل؛ فإن (1) كان المال عرضًا، وقلنا: يصح القراض على العرض (2)، فلا كلام، وإن قلنا: لا يصح؛ فخرجها (3) القاضي على وجهين، قال في "التلخيص": إن قلنا: هو ابتداء؛ فلا يصح، وإن قلنا: تقرير؛ جاز لأنه عرض هو اشتراه وجنس رأس المال قد تعين من قبل؛ فيرجع (4) إليه، بخلاف الابتداء، وأما (5) إذا مات العامل وأراد المالك تقرير وارثه، وكان المال عرضًا؛ فهو كالابتداء وجهًا واحدًا، قاله القاضي والأكثرون، وفرقوا بين موت رب المال وموت العامل بأن رب المال ترك للوارث أصلًا يبني عليه، وهو المال؛ فلذلك صح بناء العقد عليه، بخلاف العامل؛ فإنه لم [يكن منه] (6) سوى العمل، وقد زال بموته؛ فلم يخلف لوارثه أصلًا يبني عليه.
- (منها): لو كاتبه على عوض فأداه، [فبان معيبًا] (7) فرده؛ فهل يستحق بدله ولا يرتفع العتق، أم يرتفع العتق برده؟
على وجهين، وبناه بعضهم على أن الملك هل حصل بالقبض أم يقف على الرضى؟
__________
(1) في المطبوع: "بأن".
(2) في (ب): "العوض".
(3) في المطبوع: "فخرجهما".
(4) في المطبوع: "فرجع"، وفي (أ): "يوضع".
(5) في المطبوع: "أما".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "يلزمه".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فوجده نسيبًا".
(3/76)

- (ومنها): لو اعتاض عن دين الكتابة بغير جنسه؛ فهل يعتق المكاتب؟
على وجهين.
- (ومنها): أن العوض هل يقوم مقام المعوض في البر والحنث أم لا؟
على وجهين.
* * *
(3/77)

(القاعدة الرابعة والأربعون بعد المئة)
فيما يقوم فيه الورثة مقام موروثهم من الحقوق.
وهي نوعان: حق له، وحق عليه.
فأما النوع الأول؛ فما كان من حقوقه يجب بموته؛ كالدية والقصاص في النفس؛ فلا ريب في أن لهم استيفاءه، وسواء (1) قلنا: إنه ثابت لهم ابتداءً أو منتقل إليهم عن موروثهم ولا تؤثر (2) مطالبة المقتول بذلك شيئًا على المعروف من المذهب، ومال الشيخ تقي الدين إلى أن مطالبته بالقصاص توجب تحتمه؛ فلا (3) يتمكنون بعدها من العفو، وما (4) كان واجبًا له في حياته إن كان قد طالب به أو هو في يده؛ ثبت لهم إرثه (5).
- (فمنه): الشفعة إذا طالب بها، نص عليه أحمد في أكثر الروايات، وتوقف في "رواية ابن القاسم" وقال: هو موضع نظر.
- (ومنه): حد القذف، ونص عليه أيضًا، ويستوفيه الوارث (6) لنفسه
__________
(1) في (ب): "سواء" ودون واو.
(2) في المطبوع: "فلا يؤثر".
(3) في (ج): "ولا".
(4) في (ج): "ما" من غير واو.
(5) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 219).
(6) في (ج): "ويستوفيه منه الوارث".
(3/78)

بحكم الإرث عند القاضي، وقال ابن عقيل فيما قرأته بخطه: إنما يستوفي للميت بمطالبته [به] (1) ولا ينتقل، وكذا الشفعة [فيه] (2)، فإن ملك الوارث وإن كان طارئًا على البيع؛ إلا أنه مبني على ملك موروثه.
- (ومنه): خيار الشرط، ونص عليه [أحمد] (3) أيضًا.
- (ومنه): الدم، نص عليه [أحمد] (3) في "رواية محمد بن موسى"، والمراد به ما دون النفس إذا وجب (4) له في حياته، ثم مات من غير سرايته بعد طلبه.
- (ومنه): خيار الرجوع في الهبة إذا طالب به، ذكره القاضي في "خلافه".
- (ومنه): الأرض الخراجية التي بيده؛ لأن هذا حق قد [أخذ به] (5) وحازه، وكذلك الموات المتحجر وحقوق الاختصاصات التي تحت يده كلها.
- (ومنه): حصة المضارب من الربح إذا قلنا: لا تملك بالظهور؛ فإن اشتراطه لها في العقد مع عمله في المال لأجلها أبلغ من المطالبة باللفظ، وهذا بخلاف الغانم [إن] (6) سلمناه (7) على قولنا: لا يملك حصته
__________
(1) في المطبوع: "منه".
(2) ما بين المعقوفتين ليس في (ب)، وغير واضحة في (أ).
(3) ما بين المعقوفتين تفرد بها المطبوع.
(4) في (ج): "وجبت".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أحدثه".
(6) في (ج): "إذا".
(7) في (ب): "سلمنا".
(3/79)

بدون التملك؛ فإنه لم يجاهد للغنيمة، وإنما جاهد لإِعلاء كلمة اللَّه [تعالى] (1) والغنيمة تابعة، وأما إن لم يكن طالب (2) به؛ فهو ضربان:
أحدهما: حقوق التملكات والحقوق التي ليست مالية (3)؛ كالقصاص وحد القذف؛ ففيه قولان في المذهب، أشهرهما أنه لا يورث، ويندرج في ذلك صور:
- (منها): الشفعة؛ فلا تورث [بدون] (4) مطالبته على المذهب، وله مأخذان أشار إليهما أحمد:
أحدهما: إنه حق له؛ فلا يثبت بدون مطالبته به، ولو علمت رغبته من غير مطالبة؛ لكفى في الإِرث، ذكره القاضي في "خلافه".
والثاني: إن حقه فيها سقط بتركه وإعراضه، لا سيما على قولنا: إنها على الفور؛ فعلى هذا لو كان غائبًا؛ فلهم المطالبة، وليس لهم ذلك على الأول.
ونقل عنه أبو الحارث (5): إذا مات صاحب الشفعة؛ فلولده أن يطلبوا الشفعة، تورث (6)، وظاهر هذا أن لهم المطالبة بها بكل حال؛ فإنه صرح
__________
(1) ما بين المعقوفتين تفرد بها المطبوع.
(2) في المطبوع: "يطالب".
(3) في المطبوع: "بمالية".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "أبو طالب".
(6) في المطبوع: "تورثه".
(3/80)

بنفي إرثها في "رواية مهنأ" وغيره؛ فقد (1) وقع التردد في كلامه في ثبوت الإِرث فيها.
- (ومنها): حق الفسخ بخيار الشرط؛ فلا يورث بغير مطالبة (2)، نص عليه أيضًا.
وخرج أبو الخطاب وغيره وجهًا آخر: بإرثه مطلقًا.
- (ومنها): الفسخ الثابت بالرجوع في الهبة؛ فلا يثبت بدون المطالبة أيضًا، صرح به القاضي، وظاهر كلام أبي الخطاب تخريج الخلاف فيه.
وعن أحمد في الهبة المخصص بها بعض الولد: إذا مات الواهب قبل التعديل والرجوع؛ هل للورثة الرجوع أم لا؟
روايتان مأخذهما (3) أن رجوع الوالد في هذه الهبة هل هو من باب الرجوع في الهبة الثابت (4) للوالد دون غيره فلا يقوم غيره فيه مقامه، أو هو ثابت لاستدراك الظلم والجور؟ وعلى هذا فهل (5) هو مأمور به لحق نفسه حيث ظلم واعتدى فأمر بالتعديل فإذا لم يفعله سقط، أو هو مأمور به لحق بقية الأولاد المظلومين فيثبت (6) لهم الرد إذا تعذر الرد من جهته؟
__________
(1) في المطبوع: "وقد".
(2) في المطبوع: "فلا تورث بغير مطالبة"، وفي (ب): "فلا يورث بغير مطالبته".
(3) في المطبوع: و (ج): "ومأخذهما".
(4) في المطبوع: "الثابتة".
(5) في المطبوع: "هل".
(6) في المطبوع: "فيثبت"!
(3/81)

- (ومنها): حد القذف؛ فلا يورث بدون المطالبة أيضًا، نص عليه، وخرج أبو الخطاب فيه وجهًا بالإِرث [مطلقًا] (1).
- (ومنها): القصاص فيما دون النفس، وظاهر كلام أحمد كما قدمناه: إنه يسقط بدون الطلب، وظاهر كلام القاضي والأكثرين أنه يستوفى، وعللوا بأنه يسقط إلى مال؛ فهو كخيار الرد بالعيب.
- (ومنها): خيار قبول الوصية، والمنصوص (2) عن أحمد: إن الوصية تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول، وقال الخرقي: يثبت الخيار بين القبول والرد لورثة الموصى له؛ لأن الوصية لزمت بموت الموصي؛ فهي كالمملوكة (3).
ونقل صالح (4) عن أبيه: إذا أوصى لقرابته أو أهل بيته، ثم مات بعضهم بعد الميت وقبل القسمة؛ قد وجبت الوصية لكل من أوصى له إذا
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "والمطالبة".
(2) كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج): "فالمنصوص"، وفي المطبوع: "المنصوص".
(3) انظر: "مختصر الخرقي" (6/ 69/ 4621 - مع "المغني").
(4) قال في "مسائله" (2/ 277 - 278/ 885): "قلت: الرجل يوصي لأهل بيته أو لقرابته أو لجنسه، من هم؟ فإن مات بعضهم بعد الميت قبل أن تقسم الوصية؛ أيكون له وصية؟ قال: أما القرابة؛ فلا يجاز بهم أربعة آباء؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قسم لسهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، ولم يعد به هؤلاء، وقد وجب لكل من أوصى له إذا كان حيًّا يوم يوصي له".
وانظر في المسألة: "المحرر" (1/ 384)، و"المبدع" (6/ 20 - 21)، و"الإنصاف" (7/ 205 - 206).
(3/82)

كان حيًّا يوم أوصى له.
قال الشيخ مجد الدين: وهذا نص لما قال الخرقي، وليس بنص فيه؛ لاحتمال أن يكون أثبت ملكًا بمجرد الموت من غير قبول أو بالقبول؛ فليس في النص ما ينفيه صريحًا، ورواية ابن منصور بالبطلان لم يتعرض فيها للقبول بل للقبض.
الضرب الثاني: حقوق أملاك ثابتة متعلقة بالأموال (1) الموروثة؛ فتنتقل (2) إلى الورثة بانتقال الأموال المتعلقة بها بدون المطالبة، بخلاف الضرب الأول؛ فإن الحقوق فيه من حقوق المالكين لا من حقوق الأملاك، ولهذا لا تجب الشفعة عندنا لكافر على مسلم؛ لأنه ليس من أهل الاستحقاق على المسلم.
- (ومن صور ذلك): الرهن، فإذا مات وله دين (3) برهن؛ انتقل برهنه إلى الورثة.
- (ومنها): الكفيل، وهو كالرهن؛ لأنه توثقة؛ فهو كالشهادة، وعلله القاضي بأنه يستوفي منه المال؛ فهو كالرهن؛ فالضابط (4) عنده أن ما فيه مال ينتقل إلى الورثة، وما لا؛ فلا.
- (ومنها): الضمان، فإذا مات وله ديْن به ضامن؛ انتقل إلى الورثة
__________
(1) في المطبوع: "بالأملاك".
(2) في المطبوع و (ج): "فينتقل".
(3) في (ج): "وله على مسلم دين".
(4) في المطبوع: "والضابط".
(3/83)

مضمونًا، بخلاف ما إذا أحال به رب الدين في حياته؛ فإنه ينفسخ الضمان بالحوالة، نص أحمد عليه في "رواية مهنأ"؛ لأن الأجنبي ليس بخليفة لرب الدَّيْن؛ فلا ينتقل إليه بحقوقه، بخلاف الوارث.
- (ومنها): الأجل؛ فلا يحل الدين المؤجل إذا وثقه (1) الورثة برهن أو كفيل في أشهر الروايتين.
- (ومنها): الرد بالعيب، وقد (2) تردد القاضي في "خلافه": هل هو ثابت للورثة ابتداءً أو بطريق الإِرث؟ والمشهور أنه إرث؛ لأن الرد إنما يثبت لمن كان العقد له، والخيار الثابت بفوات الصفة المشترطة (3) في العقد مثله، ذكره القاضي أيضًا معللًا بأنه يستحق فيه الأرش، وذكر القاضي في كتاب "التخريج": إن من باع سلعة إلى أجل، ثم مات المشتري، فاشتراها البائع من وارثه بأقل من الثمن؛ لم يجز لأن الوارث يملكها على حكم [ملك] (4) الميت، بدليل أنه يردها على بائعها بالعيب؛ فصار الشراء منه كالشراء من الموروث (5)، وهذا غريب، وهو يشبه الوجه الذي حكاه ابن عقيل في بناء الوارث على حول الموروث (5) في الزكاة.
النوع الثاني: الحقوق التي على (6) الموروث، فإن كانت لازمة؛ قام
__________
(1) في المطبوع: "إذا أوثقه".
(2) في (ب): "فقد".
(3) في المطبوع: "المشروطة".
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(5) في المطبوع: "المورث".
(6) في المطبوع: "التي هي على".
(3/84)

الوارث مقامه في إيفائها، وإن كانت جائز، فإن بطلت بالموت؛ فلا كلام، وإن لم تبطل؛ فالوارث (1) قائم مقامه في إمضائها وردها، ويتخرج على ذلك مسائل:
- (ومنها): إذا مات وعليه ديون أو وصى بوصايا؛ فللورثة تنفيذها إذا لم يعين وصيًّا.
- (ومنها): إذا مات وعليه عبادة واجبة تفعل عنه بعد موته؛ كالحج والمنذورات؛ فإن الورثة يفعلونها عنه، ويجب عليهم ذلك (2) إن كان له مال، وإلا، فلا، ولو فعلها عنه أجنبي بدون إذنهم؛ ففي الإجزاء وجهان، وكذلك الكفارات الواجبة بالمال، قال في "المغني": إن أعتق فيها الأجنبي؛ لم يصح، وإن أعتق الوارث؛ صح لأنه قائم مقام الموروث في ماله وأداء واجباته (3).
وفي "البلغة" (4): إن كان له مال؛ صح عتقه عنه، وإن لم يكن له
__________
(1) في المطبوع: "تبطل بالموت؛ فالوارث".
(2) في المطبوع: "بذلك".
(3) انظر: "المغني" (10/ 11 - 12/ 8036). وانظر: (12/ 42 - 43 - هجر).
(4) لم ينقل المصنف منه الا هنا، ولم يصرِّح باسم مؤلفه ها، وذكر في "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 188) في ترجمة (الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الرّبعي الزبيدي الأصل البغدادي) (ت 631 ه): أنه "صنف تصانيف، منها: "البلغة في الفقه". . . "، وقال عنه: "كان فقيهًا، فاضلًا، دينًا، خيرًا، حسن الأخلاق، متواضعًا".
وذكر ابن رجب أيضًا في "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 359) في ترجمة (أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي الحازمي) (ت 711 ه): أنه اختصر "الكافي" في مجلد =
(3/85)

مال؛ لم يصح عتقه عنه، وصَحَّ (1) إطعامه عنه، وأما الأجنبي؛ فلا يصح عتقه عنه، وفي صحة إطعامه عنه وجهان، ولو مات من أوجب أضحية قبل ذبحها؛ فالوارث يقوم مقامه في الذبح.

(تنبيه):
كثير من الأصحاب يطلق ذكر الوارث [هنا] (2)، وقال ابن عقيل وغيره: الأقرب (3) فالأقرب، وكذلك قال الخرقي: هو الوارث من العصبة (4)، فأما الوارث بالشفعة؛ فيدخل فيه العصبات وذوو الفروض والرحم، وأما الوارث لحد القذف؛ فكذلك على المنصوص، وقيل: يختص بالعصبة، وقيل: بمن عدا الزوجين من الورثة.
- (ومنها): إذا مات الراهن قبل إقباض الرهن الذي لا يلزم (5) بدون قبض؛ فوارثه قائم مقامه في اختيار التقبيض والامتناع، ذكره الأصحاب
__________
= سماه "البلغة"، وصحف ابن الجوزي أيضًا "البلغة في الفقه" مجلد.
انظر: "مؤلفات ابن الجوزي" (ص 101) للعلوجي.
ثم ظفرتُ ب "البلغة في الفقه على مذهب أحمد" لفخر الدين الخضر بن محمد بن تيمية، من كتب الشيخ خلف بن دحيان، وهي الآن في مكتبة وزارة الأوقاف بالكويت، وهو كتاب بديع في ترتيبه وتقسيمه، ولم أظفر بالنص المذكور فيه، ثم رأيته مطبوعًا.
(1) في المطبوع: "ويصح".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "هو الأقرب".
(4) انظر: "مختصره" (12/ 39/ 1466 - ط هجر) مع "المغني".
(5) في المطبوع: "لا يلزمه".
(3/86)

وقالوا (1): وهو ظاهر كلام أحمد في "رواية ابن منصور" (2) وأبي طالب؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم؛ فلا يبطل في الموت؛ كالمبيع (3) في مدة الخيار، بخلاف الشركة والمضاربة، مع أن في المضاربة خلافًا سبق.
- (ومنها): إذا مات الواهب قبل لزوم الهبة بالقبض؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يقوم وارثه مقاصه في ذلك؛ كالرهن، قاله أبو الخطاب.
والثاني: يبطل، وهو المنصوص في "رواية ابن منصور"، واختيار ابن أبي موسى، وقاله القاضي وابن عقيل في الهبة في الصحة، وأما الهبة (4) في المرض إذا مات قبل إقباضها؛ فجعلا الورثة فيها بالخيار لشبهها بالوصية.
* * *
__________
(1) في (ب): "قالوا".
(2) انظر: "مسانل ابن منصور" (ص 523/ رقم 523).
(3) في المطبوع و (ج): "كالبيع".
(4) في المطبوع و (ج): "وأما العطية".
(3/87)

(القاعدة الخامسة والأربعون بعد المئة)
المعتدة البائن في حكم الزوجات.
في مسائل:
- (منها): ان المبتوتة في مرض الموت ترث في العدة دون ما بعدها على إحدى الروايتين؛ لأن الطلاق مانع من الإِرث، فلما قصد به الفرار من الحق المنعقد سببه؛ ضعف منعه، فلم يعمل في المنع ما دامت علق الزوجية باقية (1).
(ومنها): تحريم نكاح الأخت في عدة أختها البائن، والخامسة في عدة الرابعة؛ تنزيلًا لحالة العدة منزلة حالة النكاح.
- (ومنها): أن العدتين من رجلين لا يتداخلان، فإذا وطئت البائن بشبهة في عدتها؛ أتمت عدة الأول، واستأنفت العدة للثاني على المذهب؛ فلا تكون محبوسة على رجلين في عدة واحدة، كما لا تحبس (2) عليهما في نكاح واحد، وإن كان الواطئ بشبهة هو الزوج؛ تداخلت العدتان؛ لأنهما من رجل واحد، إلا أن تحمل من أحد الوطئين؛ ففي التداخل وجهان لكون العدتين من جنسين.
__________
(1) في المطبوع و (ج): "قائمة".
(2) في المطبوع: "كما لا يحبس"، وفي (أ) بدون تنقيط الأول من "يحبس".
(3/88)

وذكر أبو بكر فيما إذا وطئت زوجة الطفل، ثم مات عنها، ثم وضعت قبل تمام عدة الوفاة: إنها لا تحل له حتى تكمل عدة الوفاة. قال الشيخ مجد الدين: وظاهر هذا تداخل العدتين.
- (ومنها): لو طلق المدخول بها طلاقًا بائنًا، ثم نكحها في العدة، ثم طلقها قبل الدخول؛ ففيها طريقان:
أحدهما: إنها على (1) الروايتين في الرجعية إذا روجعت [ثم] (2) طلقت في العدة قبل الإصابة؛ هل تبني أو تستأنف؟ وهو المذكور في "المجرد" و"الفصول" و"المحرر" (3).
والثاني: تبني هنا رواية واحدة، وهو ما في "تعليق القاضي" و"عمد الأدلة"؛ لانقطاع النكاح الثاني عن الأول بالبينونة، بخلاف الرجعية.
- (ومنها): لو مات مسلم وزوجته ذمية، فأسلمت في العدة قبل قسمة ميراثه (4)؛ فنص أحمد في "رواية البرزاطي": على أنها ترث ما لم تنقض عدتها، وعلى هذا، فلو أسلمت المرأة أولًا ثم ماتت في مدة العدة؛ لم يرثها زوجها الكافر ولو أسلم قبل القسمة؛ لانقطاع علق الزوجية عنه بموتها.
وحكى القاضي عن أبي بكر: إن الزوجين لا يتوارثان بالإِسلام قبل القسمة بحال. قال: وظاهر كلام الأصحاب خلافه، وأنه لا فرق في ذلك
__________
(1) في (ب): "أنها هي على".
(2) في المطبوع: "أو".
(3) انظر: "المحرر" (2/ 107).
(4) في المطبوع و (ج): "الميراث".
(3/89)

بين الزوجين وغيرهما؛ كما يرث الزوجان من الدية، سواء قيل بحدوثها على ملكهم أو [على] (1) ملك الموروث. ولم يذكر القاضي المنصوص عن أحمد.
وأما نفقة البائن، فإن كانت بفسخ أو طلاق؛ فلها السكنى والنفقة مع الحمل، وإلا؛ فلا، هذا ظاهر المذهب؛ لأن النفقة في مقابلة التمكن (2) من الاستمتاع، ولهذا لم يجب قبل التسليم ولا مع النشوز، وعنه لها السكنى خاصة إذا لم تكن حاملًا، وعنه لها النفقة والسكنى، حكاها ابن الزاغوني وغيره [مطلقًا، وقيل: هي كالزوجة، يجوز لها الخروج والتحول بإذن الزوج مطلقًا] (3).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(2) في المطبوع: "التمكين".
(3) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3/90)

(القاعدة السادسة والأربعون بعد المئة)
تفارق المطلقة الرجعية الزوجات.
في صور:
- (منها): إن في إباحتها في مدة العدة روايتين، وعلى رواية التحريم؛ فهل يجب لها المهر بالوطء؟
على وجهين.
- (ومنها): إن طلاقها في مدة العدة طلاق بدعة على أصح الروايتين.
-[(ومنها): هل يصح اختيارها لزوجها إذا أعتقت تحت عبد؟ على وجهين] (1).
- (ومنها): إن الإيلاء منها هل يصح (2)؟
على روايتين.
- (ومنها): لو نكحت المطلقة ثلاثًا زوجًا آخر، فخلى بها ثم طلقها، وقلنا: تجب عليها العدة بالخلوة وثبتت الرجعة، وهو المذهب (3)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ب) و (ج) مذكور بعد الصورة التي تليه.
(2) في المطبوع: "يصح منها".
(3) في المطبوع و (ج): "وهو ظاهر المذهب".
(3/91)

ثم وطئها في مدة العدة؛ فهل يحل لزوجها الأول؟
على وجهين (1) حكاهما صاحب "الترغيب".
- (ومنها): إذا علقت الرجعية في مدة العدة بولد؛ فهل تلحق بمطلقها أم لا؟
على روايتين.
- (ومنها): إن المعتدة من أجنبي من طفلها؛ هل تعود إلى حضانته في مدة الرجعة، أم لا تعود حتى تنقضي عدتها؟
على وجهين.
- (ومنها): لو مات زوج الرجعية؛ فهل تنتقل إلى عدة الوفاة أو تعتد بأطولهما؟
على روايتين.
- (ومنها): إن الرجعية يجب عليها لزوم منزلها لحق اللَّه [عز وجل] (2)؛ كالمتوفى عنها، نص عليه أحمد في "رواية أبي داود" (3)، وذكره القاضي في "خلافه" وصاحب "المحرر" (4)، وقيل: هي كالزوجة، يجوز لها الخروج والتحول بإذن الزوج مطلقًا.
__________
(1) في المطبوع: "على روايتين".
(2) في المطبوع و (ج): "تعالى".
(3) في "مسائل أبي داود" (ص 184)؛ قال: "سمعت أحمد قال: إذا طلق امرأته طلاقًا يملك الرجعة؛ فلا يخرجها من البيت الذي طلقها فيه؛ إلا أن تصيب حدًّا، فتخرج، فيقام عليها".
(4) انظر: "المحرر" (2/ 108).
(3/92)

(القاعدة السابعة والأربعون بعد المئة)
أحكام النساء على النصف من أحكام الرجال.
في مواضع:
- (منها): الميراث.
- (ومنها): الدية.
- (ومنها): العقيقة: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة.
- (ومنها): الشهادة.
- (ومنها): العتق؛ فيعدل عتق امرأتين بعتق رجل في الفكاك من النار؛ كما دل عليه الحديث (1)، وحكى ابن أبي موسى في المسألة
__________
(1) أخرجه أبو داود في "سننه" (كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل، 4/ رقم 3967)، والنسائي في "الكبرى" (3/ رقم 4883)، والطيالسي في "المسند" (رقم 1198)، وأحمد في "المسند" (4/ 235)، والطحاوي في "المشكل" (2/ رقم 726)، وعبد بن حميد فى "المنتخب" (رقم 372)، والطبراني في "الكبير" (20/ رقم 755 و 756)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 372)؛ عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السّمط؛ أنه قال لكعب بن مرة أو مرة بن كعب البهزي: حدّثنا حديثًا سمعته من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر: "وأيُّما رجل أعتق امرأتين مسلمتين إلا كانتا فكاكه من النار، يُجزئ مكان كل عظمين منهما عظم من عظامه". لفظ أبي داود.
وتابع شعبة الأعمش عند: أحمد في "المسند" (4/ 235 - 236)، وابن ماجة في =
(3/93)

روايتين:
إحداهما: كذلك.
والثانية -وجعلها المذهب-: إن عتق العبد والأمة في ذلك سواء.
__________
= "السنن" (رقم 2522)، والطحاوي في "المشكل" (2/ رقم 725)، وقال أبو داود: "سالم لم يسمع من شرحبيل، مات شرحبيل بصفّين".
قلت: فإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ إلا أن الحديث صحيح بشواهده.
أخرج الترمذي في "جامعه" (أبواب النذور والإيمان، 4/ رقم 1547) عن عمران ابن عيينة، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما امرئ مسلم اعتق امرأً مسلمًا؛ كان فكاكه من النار، يُجزئ كلُّ عضوٍ مه عضوًا منه، وأيُّما امرئ مسلمٍ أعتق امرأتين مسلمتين؛ كانتا فكاكهُ من النار، يُجزئ كلُّ عضوٍ منهما عضوًا منه".
قال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وقال: "وفي الحديث ما يدل على أن عتق الذكور للرجال أفضل من عتق الإناث"، وقال: "الحديث صح في طرقه".
قلت: إسناد الترمذي حسن، عمران فيه كلام من قبل حفظه.
وله شاهد ثالث عن شرحبيل بن حسنة عند الطحاوي في "المشكل" (2/ رقم 732)، وسنده صحيح، إلا أن فيه أبا قلابة، وقد عنعن، وهو مدلس.
فالحديث صحيح بمجموع طرقه إن شاء اللَّه تعالى.
قال الطحاوي في "المشكل" (2/ 200 - ط الرسالة) عقب الأحاديث: "عقلنا بذلك أنه عليه السلام بما ذكره في الآثار الأول أراد من المعتقين التكافؤ في ذلك، وأن يكون المعتقُ إنْ كان ذكرًا الذي يَفُكّ به نفسه من النار ذكرًا مسلمًا أو أنثيين ملسمتين، وأنَّ المعتق إنْ كان أنثى كان الذي يفك به نفسها من النار أنثى مسلمة، وأنّ ذلك كله لم يجعل إلا في الرقاب المؤمنات دون من سواهنّ من الرِّقاب الكافرات، وباللَّه التوفيق".
(3/94)

- (ومنها): عطية الأولاد في الحياة، فإن المشروع عندنا أن يكون (1) على سبيل الميراث، خلافًا لابن عقيل.
- (ومنها): الصلاة، فإن المرأة تسقط عنها الصلاة أيام الحيض، وأكثر الحيض على ظاهر المذهب خمسة عشر يومًا، وهو نصف الشهر (2).
* * *
__________
(1) في (ج): "تكون".
(2) والصواب أنه لا حدّ لأكثره. وانظر في المسألة: "مسائل عبد اللَّه" (رقم 169)، و"مسائل أبي داود" (ص 22)، و"مسائل ابن هانئ" (1/ 30/ رقم 148)، و"مسائل صالح" (1/ 451/ رقم 459، 460)، و"الهداية" (1/ 23)، و"الإفصاح" (1/ 96)، و"المحرر" (1/ 24)، و"الكافي" (1/ 94)، و"التحقيق" (1/ 262)، و"سنن الخرقي" (ص 15 أو 20 - ط أخرى)، وشروحه: "المغني" (1/ 308)، و"الواضح" (1/ ق 23/ أ)، و"المقنع" (1/ 279)، و"شرح الزركشي" (1/ 407)، و"المقنع" (1/ 89)، وشرحه "المبدع" (1/ 269)، و"الإنصاف" (1/ 358)، و"شرح منتهى الإرادات" (1/ 108)، و"كشاف القناع" (1/ 233)، و"مطالب أولي النهى" (1/ 248)، وذكره ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 241)؛ فقال: "وقال أحمد بن حبل: أقصى ما سمعنا: سبعة عشر يومًا".
وانظر تفصيل الأقوال وأدلتها، وبيان الراجح من المرجوح في: تعليقي على "الخلافيات" للبيهقي (3/ مسألة رقم 48).
(3/95)

(القاعدة الثامنة والأربعون بعد المئة)
من أدلى بوارث وقام مقامه في استحقاق إرثه؛ سقط به، وإن أدلى به ولم يرث ميراثه؛ لم يسقط به.
ويتخرج على ذلك مسألتان:
إحداهما: ولد الأم يدلون بالأم ويرثون معها؛ لأنهم يرثون بالأخوة لا بالأمومة.
والثانية: الجدة أم الأب ترث مع [ابنها] (1) الأب على ظاهر المذهب؛ لأنها ترث ميراث جدة لا ميراث جد.
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/96)

(القاعدة التاسعة والأربعون بعد المئة)
الحق الثابت لمعين يخالف الثابت لغير معين.
في أحكام:
- (منها): من له وارث معين ليى له أن يوصي بأكثر من ثلثه، ومن لا وارث له من [ذي] (1) فرض ولا عصبة ولا رحم؛ هل له أن يوصي بماله كله [أم لا] (2)؟.
على روايتين؛ فمن الأصحاب من بناهما على هذه القاعدة، ومنهم من بناهما على أن بيت المال؛ هل هو عصبة وارث أم لا؟
ويتعلق بهذا إذا أقر الإمام بنسب من لا [يعلم] (3) له وارث معين، قال القاضي وابن عقيل: يثبت نسبه؛ لأن المال للمسلمين والإمام نائبهم، وهذا كأنه تفريع على القول بتوريث بيت المال، ويتوجه مثل ذلك في إجازة الإمام وصية من وصى بكل ماله، وقلنا: لا تجوز (4) له الزيادة على الثلث.
__________
(1) في (ج): "جهة".
(2) ما بين المعقوفتين من (ج) والمطبوع فقط.
(3) في (ج): "يعرف".
(4) في المطبوع: "لا يجوز"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3/97)

وذكر الأصحاب: إن من قتل ولا وارث له؛ فللإمام العفو عن قاتله إلى الدية، وليس له العفو مجانًا؛ لأنه كتوريث القاتل، وهل له أن يقتص؟
على وجهين قد سبق ذكر مأخذهما.
- (ومنها): الأموال التي يجهل ربها يجوز التصدق بها (1)، بخلاف [ما] (2) علم ربها، وقد سبق من ذلك صور عديدة.
- (ومنها): إذا مات من لا وارث له وله (3) دين [مؤجل] (4)؛ فهل يحل؟
قال القاضي في "المجرد" وابن عقيل (5) وصاحب "المغني": يحل؛ لأن الأجل (6) يستحقه الوارث، وقد عدم هنا (7).
وذكر (8) القاضي في "خلافه" احتمالين؛ لأن له وارثًا، لكنه غير معين، وقد يتخرج على هذا ما إذا مات المستأجر (9) ولا وارث له؛ هل تنفسخ الإجارة [أم] (10) لا؟
__________
(1) في المطبوع: "منها".
(2) في (ب): "من".
(3) في المطبوع و (ب) و (ج): "وعليه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(5) في المطبوع: "وابن عقيل في المجرد" بتقديم وتأخير.
(6) في المطبوع: "الأصل".
(7) انظر: "المغني" (4/ 282/ 3444).
(8) في (ج): "وقد ذكر".
(9) في (أ): "المؤجر".
(10) في المطبوع و (ب) و (ج): "أو".
(3/98)

فإن أحمد نص فيمن اكترى بعيرًا ليحج عليه فمات في بعض الطريق، فإن عاد البعير خاليًا؛ فعليه بقدر ما وجب له، ووجهه صاحب "المغني" (1) وغيره بأنه (2) تعذر انتفاعه في بقية المدة، وليس له وارث يستوفي المنفعة؛ فانفسخت الإجارة بذلك.
وصرح الأصحاب بأن الإمام يأخذ بالشفعة إذا مات من لا وارث له بعد المطالبة بها، وفي "عمد الأدلة" لابن عقيل: إن حد القذف كذلك في قياس المذهب.
- (ومنها): إن المال المستحق لغير معين؛ كالزكاة لا يقف (3) أداؤه على مطالبتهم ولا على مطالبة وكيلهم، وهو الإمام، ولهذا لا تسقط الزكاة عندنا بتلف النصاب قبل التمكن من الأداء، بخلاف المستحق لمعين؛ فإنه لا يجب الأداء إليه بدون مطالبة.
* * *
__________
(1) انظر: "المغني" (5/ 271/ 4201).
(2) في (ب): "لأنه"، وفي المطبوع: "غيره بأنه".
(3) في المطبوع: "لا تقف"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3/99)

(القاعدة الخمسون بعد المئة)
تعتبر الأسباب في عقود التمليكات كما تعتبر (1) في الأيمان.
ويتخرج على هذا مسائل متعددة:
- (منها): مسائل العينة.
- (ومنها): هدية [المقترض قبل الوفاء] (2)؛ فإنه لا يجوز قبولها ممن لم [يجز] (3) منه عادة.
- (ومنها): هدية المشركين لأمير الجيش؛ فإنه لا يختص بها على المذهب، بل هي غنيمة أو فيء على اختلاف الأصحاب.
- (ومنها): هدايا العمال، قال أحمد في "رواية أبي طالب" في الهدايا التي تهدي للأمير فيعطى منها الرجل؛ قال: هذا الغلول. ومنع الأصحاب من قبول القاضي هدية من لم تجر العادة بهديته له قبل ولايته.
- (ومنها): هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك؛ فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها؛ فلها الرجوع فيها، نص عليه
__________
(1) في المطبوع: "يعتبر"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(2) في المطبوع: "المقترض قبل الأداء"، وفي (أ): "المفترض قبل الوفاء".
(3) في المطبوع: "يجر له".
(3/100)

[أحمد] (1) في "رواية عبد اللَّه" (2).
- (ومنها): الهدية لمن يشفع له شفاعة (3) عند سلطان (4) ونحوه؛ فلا يجوز ذكره القاضي، وأوما إليه [أحمد] (5)؛ لأنها كالأجرة، والشفاعة من المصالح العامة؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، وفيه حديث صريح في "السنن" (6).
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(2) انظر: "مسائل عبد اللَّه" (273/ 1365).
(3) في المطبوع: "بشفاعة".
(4) في المطبوع: "السلطان".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) أخرج أبو داود في "سننه" (كتاب البيوع، باب في الهدية لقضاء الحاجة، 3/ رقم 3541) عن عمر بن ربيعة، وأحمد في "المسند" (5/ 261) عن ابن لهيعة؛ كلاهما عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، بن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من شفع لأحدٍ شفاعةً، فأهدي له هديةً، فقَبلها؛ فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الرِّبا".
عمر بن ريعة مقبول؛ أي: إذا توبع، وتابعه ابن لهيعة، وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه، وقد روى هذا الحديث على وجه آخر؛ فلعله خلط فيه.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (8/ رقم 7928) -ومن طريقه الشجري في "أماليه" (2/ 236) - عن أسد بن موسى، عن ابن لهيعة، عن عبيد اللَّه بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، به.
وخالد بن أبي عمران هو التُّجيبي، أبو عمر قاضي إفريقية، فقيه صدوق.
وعبد اللَّه بن زَحْر الضّمري الإفريقي صدوق يخطئ.
وأخرجه الرُّوياني في "مسنده" (2/ رقم 1228)، والطبراني في "الكبير" (8/ رقم 7853) عن سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عُبيد اللَّه بن زَحْر، عن علي بن =
(3/101)

ونص أحمد في "رواية صالح" فيمن عنده وديعة فأداها، فأهديت [له] (1) هدية: إنه لا يقبلها إلا بنية المكافأة (2)، وحكم الهدية عند أداء سائر
__________
= يزيد، عن القاسم، به.
فذكر (علي بن يزيد) بدل (خالد بن أبي عمران).
وعلي بن يزيد هو صاحب القاسم، وهو الألهاني، أبو عبد الملك الدِّمشقي، ضعيف، ولعل الحديث حديثه؛ فهو حينئذ ضعيف، واللَّه أعلم.
(تنبيه):
في عزو المصنف الحديث لأصحاب "السنن" نظر؛ فلم يعزه المزي في "التحفة" (4/ رقم 4902) والتبريزي في "المشكاة" (2/ رقم 3757)؛ إلا لأبي داود، وقال شيخنا الألباني عنه: "إسناده حسن"، وهو كذلك في "صحيح سنن أبي داود" (2/ رقم 3025).
(1) في المطبوع: "إليه".
(2) قال ابن رجب في كتاب "الذيل" (1/ 198): "وقد نص أحمد رضي اللَّه عنه. . . في الوديعة. . . أنه لا يجوز لمن ردها إلى صاحبها قبولُ هديته إلا بنية المكافأة" اه.
قلت: وفي "مسائل صالح" (1/ 320/ 271): "وسألته عن قوله: "كل قرض جر منفعة؛ حرام" ما معناه؟ قال: مثل الرجل تكون له الدار، فيجيء الساكن، فيقول: أقرضني خمسين درهمًا حتى أسكن، فيقرضه ويسكن في داره، أو يكون يقرضه القرض، فيهدي له الهدية وقد كان قبل ذلك لا يهدي له، أو يقرضه القرض ويستعمله العمل الذي كان لا يستعمله قبل أن يقرضه؛ فيكون قرضه جر هذه المنفعة، وهذا باب من أبواب الربا، وذلك أنه يرجع بقرضه وقد ازداد منفعة".
والمسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية؛ فقد نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم ذلك، وأن أخذه الزيادة ربا، أما إذا لم يشترط، لكن المستسلف أهدى له هدية بعد الوفاء، أو قضى خيرًا منه؛ فلا بأس لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استسلف بكرًا، فرد خيرًا منه، وقال: "خيار الناس أحسنهم قضاءً". رواه مسلم، وإن فعله قبل الوفاء، لم يجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما قبل القرض. =
(3/102)

الأمانات حكم الوديعة.
- (ومنها): ما نص عليه أحمد في "رواية ابن ماهان" (1) فيمن اشترى لحمًا، ثم استزاد البائع، فزاده، ثم رد (2) اللحم بعيب؛ فالزيادة لصاحب اللحم لأنها أخذت بسب [العقد] (3)؛ فجعلها تابعة للعقد في الرد لأنها مأخوذة بسببه؛ وإن كانت غير لاحقة به.
وتأولها القاضي على أنها إن كانت مأخوذة في المجلس فلحقت بالعقد، وخرج ابن عقيل منها رواية بلحوق الزيادة بعد لزوم العقد، [ولا حاجة] (4) إلى ذلك.
- (ومنها): ما نقله (5) الأثرم عن أحمد في المولى يتزوج العربية يفرق بينهما، وإن (6) كان دفع إليها بعض المهر ولم يدخل بها؛ ترادوا (7)، وإن [كان] (8) أهدى هدية يردونها عليه.
__________
= انظر: "الإجماع" (120/ 511)، "الإشراف" (ق 141/ ب)، و"المغني" (4/ 354 - 356)، و"المبدع" (4/ 209 - 211)، و"صحيح مسلم" (كتاب المساقاة والمزارعة، باب جواز اقتراض الحيوان، 11/ 36 - مع "شرح النووي").
(1) في (ج): "ابن هانئ"، ولعل الصواب ما في المطبوع و (أ) و (ب).
(2) في (ج): "ثم استرد".
(3) في المطبوع: "اللحم".
(4) في المطبوع: "والحاجة".
(5) في المطبوع: "ما حكاه".
(6) في المطبوع: "فإن".
(7) في المطبوع: "يردوه"، وفي (ب): "تزاد".
(8) ما بين المعقوفتين من المطبوع و (ج).
(3/103)

قال القاضي في "الجامع": لأن [شاهد الحال يدل] (1) على أنه وهب له بشرط بقاء العقد، فإذا زال مَلَكَ الرجوع بها؛ كالهبة بشرط الثواب. انتهى.
وهذا في الفرقة القهرية لفقد الكفاءة ونحوها ظاهر، وكذلك الفرقة الاختيارية المسقطة (2) للمهر، فأما الفسخ (3) المقرر للمهر أو نصفه؛ فتثبت معه الهدية، فأما إن كانت العطية لغير المتعاقدين بسبب (4) العقد؛ كأجرة الدلال ونحوها؛ ففي "النظريات" لابن عقيل: إن فسخ البيع بإقالة ونحوها؛ يقف (5) على التراضي؛ فلا يرد الأجرة، بيان فسخ بخيار أو عيب؛ ردت لأن البيع وقع مترددًا (6) بين اللزوم وعدمه. [انتهى] (7).
وقياسه في النكاح أنه إن فسخ لفقد الكفاءة أو لعيبٍ (8)؛ ردت، وإن فسخ لردة أو رضاع أو مخالعة؛ لم ترد.
* * *
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "في هذه الحالة تدل".
(2) في المطبوع: "المقسطة"!
(3) في المطبوع: "النسخ".
(4) في المطبوع: "لسبب".
(5) في المطبوع: "لم يقف".
(6) في (أ): "مردودًا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) في المطبوع: "العيب".
(3/104)

(القاعدة الحادية والخمسون بعد المئة)
دلالة الأحوال تختلف (1) بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يوافقها ورد ما يخالفها، ويترتب عليها الأحكام بمجردها.
ويتخرج عليه مسائل:
- (ومنها): كنايات الطلاق في حالة الغضب والخصومة لا يقبل دعوى إرادة غير الطلاق بها.
- (ومنها): كنايات القذف وحكمها كذلك على الصحيح؛ حتى إن ابن عقيل جعلها مع دلالة الحال صرائح.
- (ومنها): لو تلفظ الأسير بكلمة الكفر، ثم ادعى أنه كان مكرهًا (2)؛ فالقول قوله لأن الأسر دليل الإكراه والتقية.
- (ومنها): لو أتى الكافر بالشهادتين على طريق الاستهزاء أو الحكاية (3)، وقال: لم (4) أرد الإسلام، [مع دلالة الحال على صدقه] (5)؛
__________
(1) في المطبوع: "يختلف".
(2) في المطبوع: "كرها".
(3) في المطبوع: "والحكاية".
(4) في المطبوع: "ولم".
(5) ما بين المعقوفتين في (ج) مذكور بعد قوله الآتي: "فهل يقبل منه".
(3/105)

فهل يقبل منه؟
على روايتين حكاهما القاضي في "روايتيه"، ويتخرج عليهما: لو أقر بمال في هذه الحال، وأفتى جماعة بلزوم ما أقر به.
- (ومنها): لو أقر المحبوس أو المضروب عدوانًا، ثم ادعى الإكراه؛ قُبِلَ قوله، نص عليه، ولو أحضر إلى سلطان فأقر، ثم ادعى أنه دهش ولم يعقل ما أقر به؛ لم يقبل. نص عليه أيضًا.
ويتخرج قبوله إذا ظهرت منه (1) أمارة ذلك من تلجلجه في الكلام ورعدة ونحوها.
- (ومنها): لو دخل حربي إلينا ومعه سلاح، فأدعى أنه جاء مستأمنًا؛ لم يقبل قوله، وإن لم يكن معه سلاح، قبل، نص عليه، وكذلك لو جاء بعض عسكرنا بحربي وادعى أنه أسره، وقال: بل أمَّنَني (2)؛ ففيه روايتان، وثالثة (3): أن القول قول من يدل الحال على صدقه لضعفه أو قوته.
- (منها): لو جاء المكاتب سيده بتمام كتابته، فقبضها السيد ثم قال [له] (4): أنت حر، ثم بأن المال مستحقًا وقال السيد: إنما أردت الإخبار بعتقه بالأداء، ولم أرد تنجيز عتقه؛ فالقول قوله، ذكره القاضي في
__________
(1) في (ج): "منها".
(2) في المطبوع: "أمتني".
(3) في المطبوع: "وثالثها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/106)

"المجرد" (1) وابن عقيل، وقد نص أحمد في "رواية المروذي" في رجل قال (2) لامرأته: إن خرجت؛ فأنت طالق. فاستعارت امرأة ثيابها، فلبستها، فأبصرها (3) زوجها حين خرجت من الباب؛ فقال: قد فعلت! أنت طالق؛ قال (4): يقع طلاقه على امرأته. فنص على وقوع طلاقه [على امرأته] (5)، مع أن الظاهر أنه أراد الإخبار بوقوع طلاقها المحلوف به على خروجها، ولم يدينه (6) في ذلك.
وأيضًا؛ فلو قيل: إنه قصد إنشاء الطلاق؛ [فإنما] (7) أوقعه عليها بخروجها الذي منعها منه، ولم يكن موجودًا، وهذا يشهد لقول القاضي فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق أن دخلت الدار؛ بفتح الهمزة: أنها تطلق مطلقًا، سواء كانت قد دخلت أو لم ندخل، خلافًا لما ذكره ابن أبي موسى: إنها [لا] (8) تطلق إذا لم تكن دخلت من قبل؛ لأنه إنما طلقها لعلة؛ فلا يثبت الطلاق بدونها.
وكذلك أفتى ابن عقيل في "فنونه" فيمن قيل له: قد زنت زوجتك،
__________
(1) في المطبوع: "المجود"!
(2) في المطبوع: "قالت"!
(3) في (أ): "فرآها".
(4) في المطبوع: "وقال".
(5) ما بين المعقوفتين انفردت بها (أ).
(6) في المطبوع: "يدنيه"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فإنه إنما".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/107)

فقال: هي طالق، ثم تبين أنها (1) لم تكن زنت: أنها لا تطلق، وجعل السبب كالشرط اللفظي، وهو (2) قول عطاء بن أبي رباح.
- (ومنها): لو سرق عينًا وادعى أنها ملكه؛ ففي قطعه روايتان (3)، ثالثها: إن كان معروفًا بالسرقة؛ قطع، وإلا؛ فلا، صححها صاحب "الترغيب".
- (ومنها): لو دفع (4) ثوبه إلى من يخيطه أو يقصره، أو ركب سفينته (5) وهو معروف بأخذ الأجرة على ذلك؛ استحق الأجرة.
- (ومنها): [الهبة التي يراد بها الثواب بدلالة حال الواهب من غير شرط، نقل حنبل عن أحمد ما يدل على وجوب إثباته، والمشهور خلافه.
- (ومنها)] (6): لو وُجِد لقيط وبقربه (7) مال ظاهر أو مدفون دَفنًا طريًّا؛ فإنه يحكم له به، وكذلك ما يكون بالقرب من الإنسان أو بين يديه من متاع أو طعام ونحوه، ذكره ابن عقيل؛ قال وكذلك رزمة الثياب وحزمة الحطب يحكم بها للواقف بقُرْبِها؛ لأن ذلك شاهد وضعها عنه للاستراحة؛ فكأنها على رأسه. انتهى.
__________
(1) في المطبوع: "ثم تبين له أنها".
(2) في المطبوع: "وأولى، وهذا هو".
(3) في (أ) و (ب): "روايات".
(4) المطبوع: "لو ادعى دفع".
(5) المطبوع و (ج): "سفينة".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(7) المطبوع: "وبجنبه".
(3/108)

وينبغي تقييده بمن كان يليق به حملها دون من لا يحملها مثله.
- (ومنها): لو تنازع الزوجان (1) في متاع البيت، فما صلح (2) للرجل؛ فهو للرجال (3)، وما صلح (2) للنساء؛ فهو للمرأة (4).
وكذلك لو اختلف صانعان في آلة دكان لهما، أو نازع رب الدار خياطًا فيها في إبرة أو مقص، أو تنازع المؤجر والمستأجر في رف مقلوع أو مصراع له شكل منصوب، ومن هذا الباب: اللوث في القسامة، والقضاء بمعاقد القمط -وهو رواية حكاها ابن أبي موسى-، وإلحاق النسب بالقافة [عند الاختلاف] (5).
- (ومنها): لو ادعى دعوى يشهد الظاهر بكذبها، مثل أن ادعى على الخليفة أنه اشترى منه [باقة بقل] (6) وحملها بيده؛ لم تسمع دعواه بغير
__________
(1) في (ب): "الرجلان".
(2) في (ج): "يصلح".
(3) في المطبوع: "للرجل فهو للرجال".
(4) قال الخرقي في "مختصره" (ص 238): "وإذا كان الزوجان في البيت، فافترقا أو ماتا، فادَّعى كلُّ واحد منهما ما في البيت أنه له أو ورثه؛ حُكم بما كان يصلح للرجال للرجل، وما كان يصلح للنساء للمرأة، وما كان يصلح أن يكون لهما؛ فهو بينهما نصفين" اه.
وقد قال أحمد رحمه اللَّه في "رواية ابن منصور" (260/ 103): "كل شيء للرجال مما لا يختلف فيه، القوس والسلاح ومتاع الرجل متاع اليد، وأما الحلي؛ فللمرأة، وما اختلفا فيه؛ فهو بينهما".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "ما فيه ثقل".
(3/109)

خلاف، ذكره القاضي في "خلافه"، لان أطلق الدعوى عليه؛ ففي سماعها قبل أن يبين أن لها أصلًا روايتان لاحتمال معاملته بوكيله.
- (ومنها): لو اختلف الزوجان في قدر المهر؛ فالقول قول من يدعى مهر المثل على إحدى الروايتين.
* * *
(3/110)

(القاعدة الثانية والخمسون بعد المئة)
المحرمات في النكاح.
أربعة أنواع:
النوع الأول: المحرمات بالنسب، وضابط ذلك أنه يحرم على الإنسان أصوله وفروعه وفروع أصله الأدنى؛ وإن سفلن، وفروع أصوله البعيدة دون بناتهن؛ فدخل (1) في أصوله: أمه وأم أمه وأم أبيه؛ بيان علون، ودخل في فروعه بنته وبنت بنته وبنت ابنه؛ وإن نزلن، ودخل في فروع أصله (2) الأدنى: أخواته من الأبوين أو من أحدهما [وبناتهن] (3) وبنات الأخوة وأولادهم؛ وإن سفلن، ودخل في فروع أصوله البعيدة: العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما؛ وإن علون؛ فلم (4) يبق من الأقارب حلالًا سوى فروع أصوله (5) البعيدة، وهن: بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات.
__________
(1) في المطبوع: "فيدخل".
(2) في (ب): "أصوله".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "ولم".
(5) في المطبوع: "أصول فروعه".
(3/111)

النوع الثاني: المحرمات بالصهر (1)، وهن أقارب الزوجين، وكلهن حلال؛ إلا أربعة أصناف: حلائل الآباء والأبناء وأمهات النساء وبنات النساء المدخول بهن؛ فيحرم على كل واحد من الزوجين أصول الآخر وفروعه؛ فيحرم على الرجل أم امرأته وأم [أمها و] (2) أبيها؛ وإن علت، ويحرم عليه بنت امرأته -وهي الربيبة- وبنت بنتها؛ وإن سفلت (3)، وتحرم بنت الربيب أيضًا، نص عليه في "رواية صالح" (4)، وذكر الشيخ تقي الدين أنه لا يعلم فيه نزاعًا (5)، ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه؛ وإن علا، وامرأة ابنه؛ وإن سفل.
النوع الثالث: المحرمات بالجمع؛ فكل امرأتين بينهما رحم محرم يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا؛ لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب دون الصهر؛ فلا يجوز له الجمع (6) بين المرأة
__________
(1) استدل في "الفنون" (2/ 502 - 503/ 442) على تحريم المصاهرة بمحظور الوطء بأنه فعل يُحَرَّم؛ فاستوى مُباحه ومحظوره في نشر الحرمة؛ كالرضاع؛ انظره غير مأمور.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "سلفت".
(4) في "مسائل صالح" (2/ 29/ 569): "وسألت أبي عن الرجل تكون له المرأة، فتموت ولها ابن، وله ابنة؛ أيتزوج الرجل بابنة ابنها؟ قال: لا يتزوج، وكذا لو كانت لها ابنة، ولابنتها بنت؛ لم يتزوج".
قلت: وانظر أيضًا: "مجموع الفتاوى" (32/ 65 - 66) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه.
(5) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 211).
(6) في المطبوع: "له الجمع".
(3/112)

وعمتها؛ وإن علت، ولا بينها وبين خالتها؛ وإن علت، ولا بين الأختين ولا بين البنت وأمها؛ وإن علت.
قال الشعبي: كان أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا، لم يصلح له أن يتزوجها (1). ذكره الإِمام أحمد في "رواية ابنه عبد اللَّه" بإسناده (2)، وإنما قلنا: لأجل النسب دون الصهر؛ ليخرج من ذلك: الجمع بين زوجة رجل وابنته من غيرها، فإنه مباح؛ إذ لا محرمية بينهما ليخشى عليها (3) القطيعة، لكن يرد على هذا من كان بينهما تحريم من الرضاع؛ فإنه يحرم الجمع (4) بينهما، نص عليه في "رواية الأثرم" وحرب، و [قد] (5) توقف في "رواية ابن منصور" في كون تشبيه الزوجة بالمحرمة من الرضاع ظهارًا (6)؛ فدل [على] (5) أن تحريم الرضاع لا يساوي تحريم النسب من جميع الوجوه، واللَّه أعلم.
النوع الرابع: المحرمات بالرضاع؛ فيحرم به ما يحرم من النسب في
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (6/ رقم 10768) عن الثوري، عن بن أبي ليلى، عن الشعبي؛ قال: "لا ينبغي لرجل أن يجمع بين امرأتين، لو كانت إحداهما رجلًا لم يحل له نكاحها".
وقال عقبه: "قال سفيان: تفسيره عندنا: أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها، يجمع بينهما إنْ شاء".
(2) وهو ساقط من مطبوعه!
(3) في المطبوع و (ب): "عليهما".
(4) في المطبوع: "يحرم عليه الجمع".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "ظاهرًا"!
(3/113)

الأنواع (1) الثلاثة المتقدمة، واختار الشيخ تقي الدين أنه لا يثبت به تحريم المصاهرة؛ فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا على المرأة نكاح أبي زوجها وابنه (2) من الرضاع (3)، وقال أحمد في "رواية ابن بَدِينا" (4) في حليلة الابن من الرضاع: لا يعجبني أن يتزوجها، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وليس على هذا الضابط إيراد صحيح سوى المرتضعة (5) بلبن الزنا، والمنصوص عن أحمد في "رواية عبد اللَّه" أنها محرمة؛ كالبنت من الزنا؛ فلا إيراد إذًا (6)، واللَّه أعلم.
__________
(1) في المطبوع: "الأنواع" بسقوط النون.
(2) في (ب): "وابنته"!
(3) انظر: "الاختيارات الفقيهة" (ص 213).
(4) هو محمد بن الحسن بن هارون بن بَدِيْنا، أبو جعفر الموصلي، توفي سنة ثلاثٍ وثلاث مئة، سكن بغداد، وحدث عن الإمام أحمد، وسئل الدارقطني عنه؛ فقال: "لا بأس به، ما علمتُ إلا خيرًا".
ترجمته في: "طبقات الحنابلة" (1/ 288)، و"المنهج الأحمد" (1/ 317)، و"المقصد الأرشد" (2/ 388).
(5) في المطبوع: "المرضعة".
(6) في "مسائل عبد اللَّه" (331/ 1218): "سألت أبى عن رجل زنا بامرأةٍ، فجاءت بابنة من فجور، ثم كبرت الابنة؛ هل يجوز أن يتزوج بها؟ قال: معاذ اللَّه! يتزوج ابنته؟! هذا قول سوء. حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "احتجبي منه يا سودة"، فهذا يدل لأنه زنا بها، فقضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالولد للفراش" اه.
قلت: وقد كذب على الشافعي؛ فنقل بعضهم عنه أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى!!
انظر في المسألة: "المغني" (7/ 91/ 5358)، و"إعلام الموقعين" (1/ 42 - ط محمد محيي الدين، و 1/ 44 - ط الوكيل)، و"طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة =
(3/114)

(القاعدة الثالثة والخمسون بعد المئة)
ولد الولد؛ هل يدخل في مسمى الولد عند الإطلاق؟
[هذا] (1) ثلاثة أنواع:
أحدها: أن (2) يدخل في مسماه مطلقًا مع وجود الولد وعدمه، وذلك في صور:
- (منها): المحرمات في النكاح؛ كالبنات وحلائل الأبناء.
- (ومنها): امتناع القصاص بين الأب وولده؛ [كما جاء في الحديث: "لا يقتل وَلدٌ بوالد" (3)] (4).
__________
= الأسلاف" للأسمندي الحنفي (ت 552 ه) (ص 51 - 53/ رقم 21)، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (32/ 134)، و"فتح القدير" (3/ 219) لابن الهمام، و"الخرشي" (3/ 209)، و"تحذير الساجد" (ص 35 - 37) لشيخنا الألباني، و"روضة الطالبين" (7/ 112)، و"تكملة المجموع" (16/ 219 - 221).
(1) في (ج): "على".
(2) في المطبوع: "أنه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب) و (ج).
(4) أخرج الحاكم في "المستدرك" (2/ 216 و 4/ 368)، والطبراني في "الأوسط" (9/ رقم 8652، 8901)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 182)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 1713)؛ عن عمر بن عيسى القرشي، عن ابن جريج، عن عطاء =
(3/115)

- (ومنها): امتناع قطعه في السرقة من مال ولده.
- (ومنها): رد شهادة الوالد لولده.
- (ومنها): وجوب إعفاف (1) الولد على والده.
- (ومنها): جر الولاء، فإذا كان ابن معتقه قوم أبوه وجده [رقيقان، فعتق جده] (2)؛ انتقل الولاء إلى موالي الجد، سواء كان الأب موجودًا أو لم يكن في إحدى الروايتين (3)، وفي الأخرى: إن كان الأب مفقودًا؛ جر الجد الولاء إلى مواليه، وإن كان موجودًا؛ لم يجره بحال، وفي الثالثة: لا يجره الجد بحال؛ فيختص جر الولاء بعتق الأب.
__________
= ابن أبي رباح، عن ابن عباس؛ قال: وذكر قصة، وفيها قول عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: "والذي نفسي بيده؛ لو لم أسمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده. . . ".
وسنده ضعيف جدًّا.
عمر بن عيسى منكر الحديث؛ كما قال البخاري، وقال العقيلي: "مجهول بالنقل"، قال ابن حبان: "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به فيما وافق الثقات؛ فكيف إذا انفرد عن الأثبات بالطامات؟! "، وقال النسائي: "ليس بثقة، منكر الحديث".
انظر: "المجروحين" (2/ 87)، و"الميزان" (3/ 216)، و"اللسان" (4/ 320 - 322).
وقد صح: "لا يقتل والد بولده"، وهو مروي عن جمعٍ من الصحابة. انظر: "الإرواء" (7/ رقم 2214).
(1) في المطبوع و (ب): "اعتاق".
(2) في المطبوع: "رقيقيْن، فبعتق جده"!
(3) في (أ): "الروايات".
(3/116)

- (ومنها): الوقف على الولد، فيدخل فيه ولد الولد، نص عليه أحمد في "رواية المروذي" و"يوسف بن موسى" (1) و"محمد بن عبيد اللَّه المنادي"، وهو الذي جزم به الخلال (2) وابن أبي موسى والقاضي [فيما علقه بخطه] (3) على ظهر "خلافه" وغيرهم، وهل يدخلون مع آبائهم بالتشريك، أو لا يدخلون إلا بعدهم على الترتيب؟
على وجهين للأصحاب.
وعلى (4) الترتيب فهل هو ترتيب بطن على بطن، فلا يستحق أحد من ولد الولد شيئًا مع وجود فرد من الأولاد، أو ترتيب فرد على فرد، فيستحق كل ولد نصيب والده بعد فقده؟
على وجهين، والثاني هو منصوص أحمد، وقد سبق ذكره، وفي "أحكام القرآن" (5) للقاضي: إن كان ثم ولد؛ لم يدخل ولد الولد، وإن لم يكن ولد؛ دخل، واستشهد بآية المواريث؛ قال: ويصح حمل اللفظ على حقيقته ومجازه في حالين مختلفين لا في جهة وإحدة، مع أنه ذكر احتمالًا
__________
(1) في المطبوع: "ويوسف بن أبي موسى"! وقد سبق التصويب كما أثبتناه هنا.
(2) قال في "الوقوف والترجُّل" للخلال (ص 59/ 153 - ط دار الكتب العلمية): "أخبرنا أبو بكر المروزي أنه قال لأبي عبد اللَّه: ما تقول في رجل أوقف ضيعة على ولده، فمات الأولاد وتركوا النسوة حوامل؟ فقال: كل ما كان من الأولاد الذكور بنات كن أو بنين؛ فالضيعة موقوفة عليهم، وما كان من البنات؛ فليس لهم شيء لأنهم من رجل آخر ليس هم من ولده".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في المطبوع: "وفي".
(5) ذكره له ابنه في "طبقات الحنابلة" (2/ 205)، وهو من الكتب القليلة التي للحنابلة في تفسير آيات الأحكام. انظر: "المدخل المفصل" (2/ 894 - 895).
(3/117)

بأن إطلاق الولد على ولد الولد حقيقة؛ قال: والأشبه أنه مجاز لصحة نفيه.
وفي "المجرد" للقاضي: لو وقف على أولاده، ثم على أولاد أولاده، ثم على الفقراء؛ [فهو] (1) بعد البطن الثاني من ولده للفقراء؛ فمن (2) الأصحاب من فهم منه أن ولد الولد لا يدخلون في إطلاق الولد، ومنهم من قال: بل لما (3) رتب بطنًا بعد بطن مرتين، ثم [جعله بعدهما] (4) للفقراء؛ علم (5) أنه أراد البطنين الأولين خاصة، بخلاف [حالة] (6) الإطلاق، وإلى هذا أشار صاحب "التلخيص".
- (ومنها): الوصية لولده، وقد جعل الأصحاب حكمها حكم الوقف، وذكر أبو الخطاب أن أحمد نص على دخولهم في ذلك، والمعروف عن أحمد إنما هو في الوقف، وأشار الشيخ تقي الدين إلى دخولهم في الوقف دون الوصية؛ لأن الوقف يتأبد فيستحقه (7) ولده طبقة بعد طبقة، والوصية تمليك للموجودين؛ فيختص بالطبقة العليا الموجودة (8)، وحيث قيل بدخول ولد الولد في الوقف والوصية؛ فإنما هو في ولد البنين، فأما ولد البنات؛ ففيه وجهان للأصحاب، اختار الخرقي والقاضي أنهم لا
__________
(1) في (أ): "فهي".
(2) في المطبوع و (ب): "ومن".
(3) في المطبوع: "إنما".
(4) في المطبوع: "جعل بعدهما"، وفي (ب): "جعله بعدها".
(5) في المطبوع: "اعلم".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) في المطبوع: "فيستحق".
(8) انظر: "مجموع الفتاوى" (31/ 309).
(3/118)

يدخلون (1)، واختار أبو بكر وابن حامد دخولهم، ونص أحمد في رواية المروذي على أنهم لا يدخلون في الوقف على الولد؛ فمن الأصحاب من قال: لا يدخلون في مطلق الولد إذا وقع الاقتصار عليه، ويدخلون في مسمى ولد الولد؛ لأنهم من ولد الولد حقيقة وليسوا بولد حقيقة، وهذه طريقة ابن أبي موسى والشيرازي، ومال إليها صاحب "المغني" (2).
- (ومنها): المنع من (3) دفع الزكاة إلى الولد يدخل (4) فيه ولد الولد، وسواء في ذلك ولد الذكور والإناث على المنصوص عن أحمد؛ لأن ولد البنت قد ثبت (5) له حكم الولد في موضع فيثبت له حكم المنع من الزكاة، بخلاف الوقف والوصية؛ فإن المراعى فيهما صدق (6) الاسم وثبوته في العرف لا جريان الحكم، واللَّه أعلم.
النوع الثاني: ما يدخل فيه عند عدم الولد لا مع وجوده، وذلك في صور:
- (منها): الميراث؛ فيرث ولد الولد جدهم مع فقد أبيهم؛ كما يرثون آباءهم، ولكن لا يرثهم الجد مع فقد الأب؛ كما يرث الأب على ظاهر المذهب.
__________
(1) نسبه ابن قدامة في "المغني" (5/ 358/ 4391) إلى الخرقي.
(2) انظر: "المغني" (5/ 359/ 4391).
(3) في المطبوع: "في".
(4) في المطبوع: "ويدخل".
(5) في (ب): "يثبت".
(6) في (أ): "أصدق".
(3/119)

وفيه وجه آخر: إنه يرثهم كتاب مطلقًا، بحيث يحجب الأخوة كلهم، واختاره (1) ابن بطة وأبو حفص البرمكي والشيخ تقي الدين (2).
- (ومنها): ولاية النكاح؛ فيلي الجد فيها بعد الأب مقدمًا (3) على الابن علي قول الخرقي (4) والقاضي، لكن لا يقوم مقام الأب في الإِجبار على المذهب، وحكى ابن الزاغوني رواية أنه يقوم مقامه في الإِجبار.
- (ومنها): ولاية الصلاة على الجنازة؛ فيلي الجد بعد الأب مقدمًا على الابن علي الصحيح أيضًا.
- (ومنها): الحضانة؛ [فإن الجد] (5) أولى رجالها بها بعد الأب.
النوع الثالث: ما لا يدخل فيه في مسمى الولد بحال، وذلك في صور كثيرة:
- (منها): الرجوع في الهبة.
- (ومنها): الأخذ من مال الولد لغير (6) حاجة (7).
__________
(1) في المطبوع: "اختاره".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 197) لابن تيمية رحمه اللَّه.
(3) في المطبوع: "بعد الأب مطلقًا مقدمًا".
(4) انظر: "مختصر الخرقي" (7/ 11/ 5152 - مع "المغني")، وقال ابن قدامة: "وهو قول الشافعي".
(5) في (ج): "فالجد".
(6) في المطبوع: "بغير".
(7) ذكر ابن رجب في كتاب "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 158) أن من المسائل التي تفرد بها ابن عقيل مسألة: "إن الأب ليس له أن يتملك من مال ولده ما شاء، =
(3/120)

- (ومنها): ولاية المال، وفيه رواية.
- (ومنها): الاستئذان في الجهاد.
- (ومنها): الاستتباع في الإسلام.
- (ومنها): الانفراد بالنفقة مع [عدم] (1) وجود وارث غيره موسرًا، [فإن] (2) كان الوارث الذي معه معسرًا (3)؛ فالمعروف أن حكمه حكم سائر من تلزمه النفقة، هل يلزمه كمال النفقة أو بقدر إرثه؟
على روايتين، أصحهما: لا يلزمه أكثر من مقدار إرثه منه، وفي "الإقناع" لابن الزاغوني أن هذا الخلاف في الجد والجد خاصة، وأن سائر الأقارب لا يلزم الغني منهم (4) النفقة إلا بالحصة بغير خلاف (5).
* * *
__________
= مع عدم حاجته"، وقال: "ذكره في "الفصول" في كتاب النكاح" اه.
(1) ما بين المعقوفتين من (أ) فقط.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "أو معسرًا"؛ وفي (ج): "موسرًا"!
(4) في المطبوع: "منهم الغني" بتقديم وتأخير.
(5) قال الحافظ ابن رجب في كتاب "الذيل على طبقات الحنابلة" (1/ 183): "قال [أي: ابن الزاغوني] أيضًا: "إذا كان بعض ورثة الفقير موسرًا، وبعضهم معسرًا؛ فإن كان الفقير أبًا أو أمًّا؛ لزم الموسر كمال النفقة عليه، وإن كان جدًّا أو جدةً؛ فوجهان، وأما سائر الورثة؛ فلا تلزم المرسر منهم النفقة إلا بقدر حصته من الميراث"، وهذا تفصيل غريب".
(3/121)

(القاعدة الرابعة والخمسون بعد المئة)
خروج البضع من الزوج؛ هل هو متقوم أم لا؛ بمعنى أنه: هل يلزم (1) المخرج له قهرًا ضمانه للزوج بالمهر (2)؟
فيه قولان في المذهب، ويذكر أن روايتين عن أحمد، وأكثر الأصحاب كالقاضي ومن بعده يقولون: ليس بمتقوم، وخصوا هذا الخلاف بمن عدا الزوجة فقالوا: لا تضمن للزوج (3) شيئًا بغير خلاف، واختار الشيخ تقي الدين أنه متقوم على الزوجة وغيرها، وحكاه قولًا في المذهب (4).
ويتخرج على ذلك مسائل:
- (منها): لو أفسد مفسد نكاح امرأة قبل الدخول بها برضاع أو غيره؛ فإنه يجب عليه نصف المهر، حيث يلزم الزوج نصف المهر؛ كما إذا كانت الفرقة من الأجنبي وحده، وله مآخذ:
أحدها (5): إن خروج البضع من الزوج متقوم؛ فيتقوم قبل الدخول
__________
(1) في المطبوع: "يلزمه".
(2) انظر: "الإنصاف" (9/ 341)، و"إيضاح الدلائل" (2/ 73)، و"المقنع" (3/ 15)، و"منتهى الإرادات" (2/ 159).
(3) في المطبوع: "لا يضمن الزوج".
(4) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 237).
(5) في المطبوع: "مأخذان: أحدها"، وفي (ج): "مأخذان: أحدهما".
(3/122)

بنصف المهر المسمى، وفيه وجه بنصف مهر المثل.
والثاني: إنه ليس بمتقوم، لكن المفسد قرر هذا النصف على الزوج إذا كان بصدد أن يسقط عنه بانفساخ النكاح بسبب من جهتها.
والثالث: إن المهر كله يسقط بالفرقة، لكن يجب لها نصف المهر وجوبًا مبتدئًا بالفرقة التي استقل بها الأجنبي؛ فلذلك لزمه ضمانه، ذكره القاضي في "خلافه"، وفيه بعد.
وأما حيث لا يلزم الزوج شيء؛ كما إذا وطئ الأب أو الابن زوجته قبل الدخول بتمكينها؛ فهل يلزمه له نصف المهر أم لا؟
على وجهين مذكورين في "المغني" (1) وغيره، وهما متنزلان على أن البضع؛ هل هو متقوم أم لا؛ إذ لا غرم هنا على الزوج.
ونقل مهنأ عن أحمد في رجل تزوج امرأة، فبعثوا إليه ابنتها، فدخل بها و [هو] (2) لا يعلم؛ قال: حرمتا عليه جميعًا. قال: فقلت له: ما عليه؟ فقال: عليه لهذه المهر بما استحل من فرجها. قلت: وللأخرى ما عليه؟ قال: لها نصف الصداق. قلت: [هل] (3) يرجع بالنصف الذي غرم لابنتها؟ قال: لا، وإنما لم يرجع هنا عنده؛ لأن فساد (4) نكاحه منسوب إليه مباشرة؛ فلذلك استقر الضمان عليه.
__________
(1) انظر: "المغنى" (10/ 189 - ط هجر).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ج): "إفساد".
(3/123)

ويتخرج فيه وجه آخر: إنه يرجع بما غرمه على من غره، وأما إن كان الإِفساد بعد (1) الدخول بإرضاع أو غيره؛ ففيه وجهان:
أحدهما: إن على المفسد ضمان المهر المستقر على الزوج، وهو منصوص أحمد في "رواية ابن القاسم" بناءً على أن خروج البضع متقوم، وكما يضمن الغار المهر لمن غره؛ وإن استقر بالدخول، [بل] (2) هنا أولى؛ لأن المغرور قد يكون فسخ النكاح باختياره، كما إذا دلس عليه عيب ونحوه (3)؛ حيث لم يرض بالمهر إلا مع السلامة من العيوب، وهنا الفسخ بسبب الأجنبي؛ فإنه هو المانع للزوج من الاستمتاع؛ فكان الرجوع عليه بالمهر أولى؛ إذ الزوج يجب تمكينه من جنس الاستمتاع، ويعود إليه المهر بمنعه من جنسه إذا لم يكن [ما] (4) يستحقه مقدرًا، بخلاف منفعة الإجارة؛ فإنها تتقسط على المدة، مع أن الإجارة [تسقط فيها] (5) الأجرة عندنا بمنع المؤجر من التسليم المستحق بالعقد كله.
والوجه الثاني: إنه لا ضمان على المفسد بحال لاستقرار المهر على الزوج بالوطئ بناءً على أن خروجه غير متقوم، وإليه ميل ابن أبي موسى، واختاره [طائفة] (6) من المتأخرين.
__________
(1) في (ج): "قبل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) في المطبوع: "أو نحوه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "تسقطها".
(6) في (ب): "ابن بطة".
(3/124)

وأما إن كان المفسد للنكاح هو الزوجة وحدها بالرضاع أو غيره؛ فقال الأصحاب: لا ضمان عليها (1) بغير خلاف؛ لئلا يلزم استباحة بضعها بغبر عوض، واختار الشيخ تقي الدين أن عليها (1) الضمان (2)، وأخذه من مسألة المهاجرة (3) وامرأة المفقود؛ كما سيأتي.
وكما قال الأصحاب في الغارَّة: إنه لا مهر لها، بل عندنا في الإجارة أن غصب المؤجر يسقط الأجرة كلها، بخلاف غصب غيره؛ لاستحقاق التسليم عليه، وأجاب عمَّا (4) قيل من استباحة البضع بدون عوض: بأن العوض وجب لها بالعقد، ثم وجب عليها ضمانه بسبب آخر؛ فلم يخل العقد من عوض، كما يجب على البائع (5) ضمان ما تعلق به حق توفيه بإتلافه قبل القبض، ولم يخل البيع من ثمن، واللَّه أعلم.
- (ومنها): شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول؛ فإنهم يغرمون نصف المهر، وإن رجعوا بعد الدخول؛ فهل يغرمون المهر كله، أم لا يغرمون شيئًا؟
على روايتين مأخذهما تقويم (6) البضع وعدمه، وعلى التغريم (7)
__________
(1) في (ج): "عليهما".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 223) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه.
(3) في (ج): "المهاجر".
(4) في المطبوع: "عنما".
(5) في المطبوع: "يجب لها بالعقد على البائع".
(6) في (ج): "تقوم".
(7) في (أ): "التقويم".
(3/125)

يغرمون المهر المسمى، وقيل: مهر المثل.
- (ومنها): امرأة المفقود إذا تزوجت بعد المدة المعتبرة، ثم قدم زوجها المفقود؛ فإنه يخير بين زوجته وبين المهر، فإن اختار المهر؛ أخذ من الزوج الثاني المهر الذي أقبضه إياها (أعني: الأول)؛ لأنه هو الذي استحقه على أصح الروايتين، وعلى الثانية يأخذ المهر الذي أعطاها الثاني، وبكل (1) حال؛ فهل يستقر ضمانه على الزوج الثاني، أم يرجع به على المرأة؟
على روايتين:
إحداهما: يرجع به عليها؛ لأن الفرقة جاءت منها؛ فيستقر الضمان عليها.
والثانية (2): لا يرجع به؛ لأن المرأة استحقته بالإصابة؛ فلا يجوز أخذه [منها] (3).
- (ومنها): إذا طلق رجل امرأة، ثم راجعها في العدة وأشهد على الرجعة، ولم تعلم المرأة حتى انقضت عدتها، وتزوجت ودخل بها الثاني، وقلنا على رواية: إن الثاني أحق بها؛ فهل تضمن المرأة لزوجها المهر أم لا؟
على وجهين، واختار القاضي الضمان؛ لأن خروج البضع متقوم.
__________
(1) في (ج): "بكل".
(2) في المطبوع و (أ): "الثاني".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/126)

- (ومنها): إذا أسلمت امرأة (1) من أهل دار الحرب وهاجرت إلينا، ثم تزوجها مسلم بعد انقضاء عدتها في دار الإسلام؛ فهل يلزمه أن يرد على زوجها الكافر مهرها الذي أمهرها إياه؟
على روايتين حكاهما ابن أبي موسى، وظاهر القرآن يدل على وجوبه، لكن أكثر الأصحاب على عدم الوجوب؛ لأن الآية نزلت في قصة صلح الحديبية وكان الصلح قد وقع على رد النساء قبل تحريمه، فلما حرم الرد بعد صحة اشتراطه؛ وجب رد بدله (2)، وهو المهر، وأما بعد ذلك؛ فلا يجوز اشتراط رد النساء؛ فلا يصح اشتراط رد مهورهن لأنه شرط مال للكفار من غير ضرورة، ومن اختار الوجوب؛ كالشيخ تقي الدين؛ منع أن يكون رد النساء مشروطًا في صلح الحديببة، ومنع عدم جواز شرط رد المهر، لا سيما إذا كان مشروطًا من الطرفين
- (ومنها): خلع المسلم زوجته بمحرم يعلمان تحريمه؛ كخمر أو خنزير، قال أبو بكر والقاضي والأصحاب: هو كالخلع الخالي عن العوض، فإذا صححناه؛ لم يلزم الزوج شيء، بخلاف النكاح على ذلك (3)، وعند الشيخ تقي الدين: يرجع إلى المهر؛ كالنكاح (4)،
__________
(1) في المطبوع و (ج): "المرأة".
(2) في (ج): "بدلها".
وانظر في المسألة: "المقنع" (3/ 116)، و"منتهى الإرادات" (2/ 237).
(3) انظر في المسألة: "الهداية" (1/ 262)، و"المقنع" (3/ 78)، و"الإقناع" (3/ 212، 256)، و"الإنصاف" (8/ 398).
(4) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 250).
(3/127)

ويحتمله (1) كلام الخرقي في خلع الأمة على سلعة بيدها أنه يصح، ويتبع (2) بقيمتها بعد العتق (3).
- (ومنها): مخالعة الأب ابنته الصغيرة بشيء من مالها، والمذهب (4) أنه غير جائز، وأن الضمان على الأب، نص عليه أحمد في "رواية ابن الحكم" (5)، وخرج بعض المتأخرين [جوازه بناءً على أن] (6) خروج البضع متقوم؛ فما بذل مالها إلا فيما له قيمة، فلا يكون تبرعًا.
وخرجه بعضهم من الرواية التي نقول فيها: إن للأب العفو عن نصف المهر في الطلاق قبل الدخول بناءً على أنه الذي بيده عقدة النكاح، وذكره (7) صاحب "المغني" احتمالًا في ولي الصغيرة والسفيهة والمجنونة مطلقًا إذا رأى الحط في ذلك (8)، وكذلك أشار إليه ابن عقيل في "الفصول".
- (ومنها): إذا قال لزوجته: أنت طالق بألف، فلم تقبل؛ طلقت
__________
(1) في المطبوع: "ويحتمل".
(2) في (ج): "وتتبع"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(3) قال الخرقي في "مختصره" (7/ 266/ 5792 - مع "المغني"): "وإذا خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم؛ كان الخلع واقعًا، ويتبعها إذا عتقت بمثله إن كان له مثل، وإلا؛ فقيمته".
(4) في المطبوع: "فالمذهب".
(5) في المطبوع: "محمد بن الحكم".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وجهًا بجوازه بأن".
(7) في المطبوع و (ج): "وذكر".
(8) انظر: "المغني" (7/ 195/ 5623).
(3/128)

رجعيًا، ولم يلزمها شيء، نص عليه أحمد [رحمه اللَّه تعالى] (1) في "رواية مهنأ"، ولو قال لعبده: أنت حر بألف، فلم يقبل؛ لم يعتق عند الأصحاب، والفرق بينهما أن خروج البضع غير متقوم، بخلاف العبد؛ فإنه مال محض.
وخرج الشيخ تقي الدين وجهًا: إنه يعتق العبد بغير شيء كما في الطلاق؛ لأن الطلاق والعتاق فيهما حق للَّه [تعالى] (2) وليس العوض بركن فيهما إذا (3) لم يعلقهما عليه، بل أوقعهما منجزًا وشرط فيهما العوض، فإذا لم يلتزما العوض؛ لغي (4) ووقع الطلاق والعتق؛ لما فيهما من الحق للَّه [تعالى] (1) الذي لا يمكن إبطاله (5).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع و (ج).
(3) في (ج): "إن"، وفي (ب): "إذا".
(4) في (ج): "ألغي".
(5) انظر: "مجموع الفتاوى" (31/ 103) لابن تيمية رحمه اللَّه.
(3/129)

(القاعدة الخامسة والخمسون بعد المئة)
يتقرر المهر كله للمرأة بأحد ثلاثة أشياء:
الأول: الوطء؛ فيتقرر به المهر على كل حال، وأما مقدماته؛ كاللمس بشهوة (1) والنظر إلى الفرج أو إلى جسدها، وهي عارية؛ فمن الأصحاب من ألحقه بالوطء وجعله مقررًا رواية واحدة؛ لأنه آكد من الخلوة المجردة، ومنهم من خرجه على وجهين أو روايتين من الخلاف في تحريم المصاهرة [به] (2).
وقال ابن عقيل: إن كانت عادته فعل ذلك في الملأ؛ استقر به المهر لأن ذلك خلوة مثله، وإلا؛ فلا، والمنصوص عن أحمد [رحمه اللَّه] (3) في "رواية مهنأ": إنه إذا تعمد النظر إليها وهي عريانة تغتسل؛ وجب لها المهر.
والثاني: الخلوة ممن يمكنه (4) الوطء بمثله، فإن كان ثم مانع؛ إما حسي؛ كالجبِّ والرَّتَق، أو شرعي؛ كالإِحرام والحيض؛ فهل يقرر المهر؟
على طرق للأصحاب:
__________
(1) في (أ): "لشهوة"، وفي (ج): "بالشهوة"، وفي المطبوع: "للشهوة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) ما بين المعقوفتين تفرد به المطبوع.
(4) في المطبوع: "ممن يمكن"، وفي (ب): "بمن يمكنه".
(3/130)

أحدها: إن في المسألة روايتين مطلقتين، وهي طريقة القاضي [في "الجامع"] (1) وصاحب "المحرر" (2)، [وكذلك صاحب] (3) "المغني" (4)؛ إلا أنه زاد (5) رواية ثالثة بالفرق (6) بين المانع المتأكد شرعًا كالإحرام وصيام رمضان؛ فلا يستقر معه المهر، بخلاف غيره.
والثانية: إن كان المانع من الوطء ودواعيه؛ كالإحرام وصيام رمضان؛ ففيه روايتان، وإن كان لا يمنع الدواعي (7)، كالحيض والجب والرتق؛ استقر رواية واحدة، وهي طريقة القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول".
والثالثة: إن كانت الموانع بالزوج؛ استقر الصداق رواية واحدة، وإن كانت بالزوجة؛ فهل يستقر؟
على روايتين، وهي طريقة القاضي في "خلافه" (8).
__________
(1) نقله المرداوي في "الإنصاف" (8/ 286) عن "الجامع" للقاضي.
(2) انظر: "المحرر" (2/ 35).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وكذا لصاحب".
(4) انظر: "المغني" (7/ 192/ 5617).
(5) في المطبوع: "أورد".
(6) في المطبوع: "بالعوض".
(7) في المطبوع: "الدواهي".
(8) قال المرداوي في "الإنصاف" (8/ 285 - 286) في هذه المسألة: "تقرر المهر على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، قال الزركشي [في "شرح متن الخرقي" (5/ 319)]: وهو المختار للأصحاب، وقال: اتفقوا فيما علمت أن هذا هو المذهب"، قال المرداوي: "وهو من مفرد أن المذهب". =
(3/131)

ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى: إنه لا يستقر المهر بالخلوة بمجردها (1) بدون الوطء؛ أخذًا مما روى يعقوب [بن] (2) بختان عن أحمد: إذا خلا بها، وقال: لم أطأ (3)، وصدَّقتْه؛ أن لها نصف الصداق وعليها العدة، وأنكر الأكثرون هذه الرواية، وحملوا "رواية يعقوب" هذه على وجه آخر (4)، وهو أن الخلوة إنما قررت المهر؛ لأنها (5) مظنة الوطء المقرر؛ فقامت مقامه في التقرير لأن حقيقة الوطء لا يطلع عليه غالبًا؛ [فتعلق الحكم بمظنته] (6) مظنته، فإذا تصادق الزوجان على انتفاء الحقيقة التي هي الوطء (7)، لم يقبل ذلك في إسقاط العدة لأن فيها حقًّا للَّه [عز وجل] (8)، وهل يقبل في سقوط نصف المهر؟
على روايتين، نقل ابن بختان قبوله؛ لأنه حق محض للزوجة، وقد أقرت بسقوطه، ونقل الأكثرون عدم قبوله؛ لملازمته للعدة، وهذا يرجع إلى
__________
= وانظر في المسألة: "مسائل أبي داود" (165)، و"المقنع" (3/ 94)، و"الإنصاف" (8/ 305 - 306)، و"المبدع" (7/ 173)، و"الشرح الكبير" (8/ 97)، و"منح الشافيات" (2/ 132).
(1) في المطبوع: "لمجردها".
(2) في المطبوع: "من".
(3) في المطبوع: "لم أطأها".
(4) نقل المرداوي في "الإنصاف" (8/ 283) عن المصنف هذا الكلام.
(5) في المطبوع: "لأنه".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فعلق الحكم على"، وفي (ج): "فعلق الحكم ب".
(7) في (ج): "التي هي في الوطء".
(8) في المطبوع: "تعالى".
(3/132)

أن الخلوة مقررة [لكونها مظنة للوطء] (1)، ومن الأصحاب من قال: إنما قررت لحصول التمكين بها، وهي طريقة القاضي، وردها ابن عقيل بأن الخلوة مع الجب لا تمكن معها (2)، قال: وإنما قررت لأحد أمرين: إما لإِجماع الصحابة، وهو حجة، أو لأن طلاقها بعد الخلوة [بها] (3) وردها زاهدًا فيها فيه (4) ابتذال وكسر لها؛ فوجب جبره بالمهر، وقيل: بل المقرر وهو (5) استباحة ما لا يستباح إلا بالنكاح من المرأة؛ فدخل في ذلك الخلوة واللمس بمجردهما؛ لأن ذلك كله معقود عليه في النكاح، والمهر يستقر بنيل بعض المعقود عليه لا يقف على نيل جميعه، وهذا ظاهر كلام أحمد في "رواية حرب"، وقيل (6) له: فإن أخذها وعندها نسوة، فمسها وقبض عليها ونحو ذلك من غير أن يخلو بها؛ قال: إذا نال منها شيئًا لا يحل لغيره؛ فعليه المهر، وعلى هذا؛ فقال الشيخ تقي الدين: يتوجه أن يستقر المهر بالخلوة؛ وإن منعته (7) الوطء (8)، بخلاف ما ذكره ابن حامد والقاضي والأصحاب.
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لمظنة الوطء".
(2) في المطبوع: "لا تمكين بها"، وفي (ج): "لا يمكن معها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "ففيه".
(5) في (أ) والمطبوع: "هو".
(6) في المطبوع: "قبل".
(7) في المطبوع: "منعه".
(8) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات الفقهية" (ص 237): "ويتقرر المهر بالخلوة، وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب".
(3/133)

(المقرر الثالث): الموت قبل الدخول، وقيل: الفرقة، وإن طلقها في المرض ثم مات فيه؛ فهل يستقر لها المهر؟
على روايتين بناءً على توريثها منه وعدمه.
[المقرر الرابع] (1): إذهاب [العذرة بالدفع] (2) على رواية خرجها صاحب "المغني" (3)، وقد سبقت] (4).
* * *
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "يتقرر بأمر رابع، وهو".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "عذرتها بدفعها".
(3) انظرها في: "المغني" (7/ 194/ 5622).
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (أ) ولا (ج).
(3/134)

(القاعدة السادسة والخمسون بعد المئة)
فيما يتنصف به المهر [قبل استقراره] (1) وما تسقط به الفرقة قبل الدخول.
إن كانت من جهة الزوج (2) وحده أو من جهة أجنبي وحده؛ تنصف بها المهر المسمى، وإن كانت من جهة الزوجة وحدها؛ سقط بها المهر، وإن كانت من جهة الزوجين معًا أو من جهة الزوجة مع أجنبي (3)؛ ففي تنصيف (4) المهر وسقوطه روايتان؛ فهذه خمسة أقسام:
[القسم] الأول: ما استقل به الزوج، وله صور:
- (منها): طلاقه، وسواء كان منجزًا أو معلقًا بصفة، وسواء (5) كانت الصفة من فعلها أو لم تكن (6)، كذا ذكره الأصحاب؛ قالوا: لأن السبب كان منه، وهو الطلاق، وإنما حقيقته بوجود (7) شرطه، والحكم إنما يضاف إلى
__________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في (ج).
(2) في المطبوع: "الزواج".
(3) في (ج): "الزوجة وأجنبي".
(4) في المطبوع و (ج): "تنصف".
(5) في (ج): "سواء" من غير واو.
(6) في (أ): "يكن".
(7) في المطبوع: "لوجود".
(3/135)

صاحب السبب، وقال الشيخ تقي الدين: إن كانت الصفة من فعلها الذي لها منه بد؛ فلا مهر لها (1).
ويمكن تخريج ذلك من إحدى الروايتين في المريض إذا علق طلاق امرأته على ما لها منه بد ففعلته؛ فإن في إرثها روايتين، ويشهد لذلك مسألة التخيير؛ فإنه لو خيرها قبل الدخول فاختارت نفسها؛ فهل يسقط مهرها أو ينتصف؟
على روايتين حكاهما ابن أبي موسى، والتخيير توكيل (2) محض، والتعليق بفعلها في معناه، والمنصوص عن أحمد [رحمه اللَّه] (3) أنه لا مهر للمخيرة، قال مهنا: سألت أحمد عن رجل تزوج امرأة، ثم طلبت منه الخيار فاختارت نفسها، ولم يكن دخل بها، لها عليه نصف الصداق. قال: في قلبي منها شيء. ثم قال: لا ينبغي أن يكون لها شيء. قلت: إني سألت غير واحد فقال (4): يكون لها عليه نصف الصداق. فقال [لي] (5): فإن أسلمت امرأة مجوسية وأبى زوجها [أن] (6) يسلم؛ يكون لها عليه صداقها؟ قال: في هذا يدخل عليهم. انتهى.
- (ومنها): خلعه، ونصَّ أحمد (7) في رواية مهنا أنه يوجب نصف
__________
(1) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 268).
(2) في (ج): "والتوكيل تخيير".
(3) ما بين المعقوفتين تفرد بها المطبوع.
(4) في (ب) والمطبوع: "قال".
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (ج).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(7) في المطبوع: "نص عليه أحمد".
(3/136)

المهر، وعلله القاضي بأن الخلع يستقل به الزوج؛ لأنه يصح مع الأجنبي بدون رضى المرأة؛ فلذلك (1) نسب إليه.
وفيه وجه آخر: إنه يسقط به المهر؛ فمن الأصحاب من خرجه على أنه فسخ؛ فيكون كسائر الفسوخ من الزوج، ومنهم من جعله مما يشترك [فيه] (2) الزوجان؛ لأنه إنما يكون بسؤال المرأة؛ فتكون الفرقة فيه من قبلها، ولذلك (3) يسقط إرثها بالخلع في المرض، وهذا على قولنا: لا يصح مع الأجنبي [إذا قلنا: هو فسخ] (4) أظهر، فأما إن وقع مع الأجنبي وصححناه؛ فينبغي أن يتنصف [به] (5) المهر وجهًا واحدًا، ومنها إسلامه والزوجة غير كتابية في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يسقط المهر؛ لأنه فعل الواجب عليه، وإنما وقعت الفرقة بامتناعها من الإِسلام؛ فلا يكون لها مهر.
- (ومنها): ردته عن الإِسلام.
- (ومنها): إقراره بالنسب أو بالرضاع أو غير ذلك من المفسدات؛ فيقبل (6) منه في انفساخ النكاح دون سقوط النصف.
- (ومنها): أن يطأ أم زوجته أو ابنتها بشبهة أو زنًا؛ فينفسخ نكاح
__________
(1) في (ب) و (ج): "ولذلك".
(2) في المطبوع: "به".
(3) في (ج): "وكذلك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) في (ب): "فتقبل".
(3/137)

البنت، ويجب لها نصف الصداق، نص عليه [أحمد] (1) في "رواية ابن هانئ" (2).
ويستثنى من هذا القسم الفسوخ التي يملكها الزوج لضرر يلحقه؛ إما لظهور عيب في الزوجة، أو فوات شرط، فيسقط بها المهر لأن حكم الفسوخ في العقود لعيب ظهر في المعقود عليه نزاد (3) العوضين من الجانبين، وقد وجد ذلك قبل تمكنه من قبض المعقود عليه واستيفائه، وإنما استحقت نصف المهر في الطلاق (4) وما كان في معناه؛ جبرًا لها، حيث لم يكن له موجب من جهتها، وهنا قد وجد سبب من جهتها؛ فصار كالمنسوب إليها.
القسم الثاني: ما استقل به الأجنبي وحده.
- (ومن صور ذلك): أن ترضع زوجته الكبرى زوجته الصغرى.
- (ومنها): أن يكره رجل زوجة أبيه أو ابنه على الوطء قبل الدخول.
القسم الثالث: ما استقلت به الزوجة وحدها، وله صور:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (أ) و (ب).
(2) في "مسائل ابن هانئ" (1/ 209/ 1028)؛ قال: "سأله عن رجل له امرأة، ولها أم، فوطئ أم امرأته، ولم يدخل بالابنة؟ قال [أحمد]: لم يدخل بها؟ قلت: لا. قال: ولا أرخى سترًا، ولا أغلق بابًا؛ قلت: لا. قال لها نصف الصداق، وحرمت عليه الابنة، وقال: أنزلها بمنزلة المطلقة".
(3) في المطبوع: "يزاد"، وفي (ج) قبلها فراغ بمقدار كلمة، قال الناسخ في هامشها: "لعله يوجب"؛ أي: يوجب تراد العوضين.
(4) في المطبوع: "الصداق".
(3/138)

- (منها): ردتها.
- (ومنها): إسلامها، وفيه رواية أخرى: إن لها نصف المهر؛ لأنها فعلت الواجب عليها؛ فنسب الفسخ إلى امتناع الزوج [من الإسلام] (1).
- (ومنها): إرضاعها ممن يثبت به المحرمية بينها وبين الزوج، وكذلك ارتضاعها بنفسها وهي (2) صغيرة.
- (ومنها): فسخها النكاح لعيب الزوج، قال الأصحاب: هو منسوب إليها؛ [فيسقط به مهرها، بخلاف فسخ الزوج لعيبها؛ فإنه منسوب إليها] (3) لا إليه؛ فيسقط (4) المهر أيضًا لذلك، وفرقوا بينهما بأن (5) فسخه لعيبها رد للمعقود عليه بعيب؛ فلا ينسب إلا إلى من دلس العيب، بخلاف فسخها لعيبه؛ فإن العيب ليس في المعقود عليه، بل في غيره؛ فقد امتنعت من تسليم المعقود عليه مع سلامة العوضين لضرر دخيل (6)؛ فلذلك نسب الفعل إليها، وهذا يرجع إلى أن الزوج غير معقود عليه في النكاح، وفيه خلاف سبق ذكره، والأظهر في الفرق أن يقال: الفسوخ الشرعية التي يملكها كل من الزوجين على الآخر إنما شرعت لإزالة ضرر حاصل، فإذا (7)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "ارتضاعها منها وهي".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع و (ب): "فسقط".
(5) في (ج): "لأن".
(6) في المطبوع: "دخل".
(7) في (ج): "وإنما".
(3/139)

وقعت قبل الدخول؛ فقد رجع كل من الزوجين إلى (1) ما بذله سليمًا كما خرج منه؛ فلا حق له في غيره، بخلاف الطلاق وما في معناه من موجبات الفرقة بغير (2) ضرر ظاهر؛ فإنه يحصل بها (3) للمرأة انكسار وضرر؛ فجبره الشارع بإعطائها نصف المهر عند تسمية المهر والمتعة عند فقد التسمية، واللَّه أعلم.
ونقل مهنأ عن أحمد في مجبوب تزوج امرأة، فلما دخل عليها (4) لم ترض به؛ لها ذلك، وعليه نصف الصداق إذا لم ترض به. قال الشيخ تقي الدين: هذا يدل على أن المرأة إذا فسخت قبل الدخول، فلها نصف الصداق لأن سبب الفسخ هو العيب من جهته، وهي معذورة في الفسخ (5). وأما القاضي؛ [فقال] (6): قد وجد الدخول، وإنما لم يقرر المهر كله؛ للمانع القائم به.
- (ومنها): فسخها النكاح لإعسار الزوج بالمهر أو النفقة أو غير ذلك؛ كالفسخ لفوات شرط صحيح، قال القاضي والأكثرون: هو منسوب إليها؛ فيسقط به مهرها؛ كما في الفسخ لعيب الزوج. وقال أبو بكر في "التنبيه": فسخها لفوات الشرط يجب لها به نصف المهر (7)؛ لأن فوات
__________
(1) في المطبوع: "كل من الزوجين على الآخر إلى".
(2) في (ج): "لغير".
(3) في المطبوع و (ج): "به".
(4) في (ج): "فلما دخل بها".
(5) انظر: "مجموع الفتاوى" (32/ 26).
(6) في (ب): "فإنه قال".
(7) في المطبوع: "نصف الشرط".
(3/140)

الشرط من قبل الزوج؛ فنسب الفسخ به إليه دونها، وقياسه الفسخ لمنع (1) النفقة ونحوه (2) مما هو من فعل الزوج وهو قادر على إزالته.
فأما (3) الفسخ لعسرته؛ فهو كالفسخ لعيبه [على ما] (4) تقدم، قال الشيخ تقي الدين: ويلزم من قال: إن خروج البضع متقوم بمهر المثل، وأن الفرقة من جهتها كإتلاف البائع للمبيع قبل القبض: أن يخير الزوج بين مطالبتها بمهر المثل وضمان المسمى لها، وبين إسقاط المسمى (5).
- (ومنها): فسخ المعتقة تحت عبد قبل الدخول، وفيه روايتان:
إحداهما: لا مهر لها، اختارها الخرقي (6) وغيره؛ لاستقلالها بالفسخ؛ كالحرة.
والثانية: يتنصف المهر، نقلها مهنأ، واختارها أبو بكر؛ لأن السيد هو مستحق (7) المهر؛ فلا يسقط بفسخ غيره، ويجاب عنه بأن إعتاق السيد تسبب (8) في الفسخ؛ فسقط (9) حقه لتسببه في سقوطه، وإن باشره غيره كمن قال لغيره: ألق متاعي في البحر. ففعل.
__________
(1) في المطبوع: "بمنع".
(2) في المطبوع: "ونحوها".
(3) في المطبوع: "وأما".
(4) في المطبوع: "كما".
(5) نحوه في "الاختيارات الفقهية" (ص 223).
(6) انظر: "مختصره" (7/ 149/ 5524 - مع "المغني").
(7) في المطبوع: "مستحق".
(8) في المطبوع: "لسبب".
(9) في المطبوع: "يسقط".
(3/141)

القسم الرابع: ما اشترك فيه الزوجان، وله صور:
- (منها): لعانهما (1)؛ فذكر أبو بكر أن فرقة اللعان جاءت من جهة (2) الزوجة لأن الفرقة إنما تقع بلعانها، وقال القاضي: يتخرج على روايتين، أصلهما: إذا لاعنها في مرض موته؛ فهل ترثه؟
على روايتين.
- (ومنها): تخالعهما (3)، وقد سبق أن المنصوص عن أحمد أن لها نصف الصداق، وهو قول القاضي وأصحابه.
وإن لنا وجهًا (4) آخر: أنه يسقط المهر [كله] (5) إذا قلنا: هو فسخ؛ فإنه يكون منسوبًا إليهما، فيكون كالتلاعن، بخلاف ما إذا قلنا: إنه طلاق؛ فإن الطلاق يستقل به الزوج؛ [فهو] (6) كما لو قال لها ابتداءً: أنت طالق بألف، فقبلته.
ويتخرج لنا وجه آخر. إنه يسقط به المهر، وإن قلنا: هو طلاق بناءً على أنه جاء من قبلها بسؤالها، ولهذا كان لنا فيمن خالعت زوجها في مرضه؛ هل ترثه (7)؟
__________
(1) في المطبوع: "لعانها".
(2) في (ج): "قِبَلَ".
(3) في المطبوع: "أن يخالعها".
(4) في المطبوع: "ولأن لنا فيه وجهًا".
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) في المطبوع: "هل ترثه أو لا؟ روايتان".
(3/142)

روايتان، وجزم ابن أبي موسى بأنها (1) لا ترثه؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، [فلا يكون] (2) (3) لها شيء من الصداق، حينئذ يؤيد هذا أن الخلع يسقط حقوق الزوجية كلها في إحدى الروايتين عن أحمد، ونصف المهر من الحقوق؛ فيسقط على هذه الرواية.
القسم الخامس: ما كان من جهة الزوجة مع أجنبي، وله صور:
- (منها): شراؤها للزوج، وفيه وجهان:
أشهرهما -وهو اختيار أبي بكر والقاضي وأصحابه-: إنه يتنصف بها (4) المهر تغليبًا لجهة الأجنبي ها، وهو البائع؛ إذ هو أصل العقد، ومنه نشأ، وعنه تلقى.
والثاني: يسقط المهر تغليبًا لجهة الزوجة؛ إذ الانفساخ متعقب لقبولها.
فأما شراء الزوج لزوجته، فهل يتنصف به المهر أو يسقط؟
على وجهين أيضًا، واختار (5) أبو بكر أنه يسقط تغليبًا لجهة البائع هنا أيضًا، وهو سيد الأمة المستحق لمهرها؛ فهو كمجيء الفسخ من الحرة المستحقة للمهر، وهذا متجه على ما أختاره في فسخ المعتقة تحت عبد؛ فعلى هذا، لو باعها السيد الذي زوجها لأجنبي، ثم باعها الأجنبي للزوج
__________
(1) في المطبوع: "أنها".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "فليس".
(4) في (ج): "به".
(5) في (أ): "واختيار"!
(3/143)

قبل الدخول؛ لم يسقط [المهر] (1)؛ لأن الفرقة جاءت من البائع الثاني، وهو غير مستحق المهر (2)، هذا [ظاهر] (1) كلام صاحب "المحرر" (3).
وعلل صاحب "الكافي" سقوط المهر بأن الزوجة شاركت (4) في الفسخ فسقط مهرها؛ كالفسخ بعيب (5)، ومعنى هذا أن كونها أمة صفة لها ثابتة بعد ملك الزوج، وذلك يوجب الفسخ؛ فأسند إليه؛ وإن لم يكن باختيارها، كما أسند (6) فسخها لعيب الزوج إليه؛ وإن لم يكن باختياره، وعلى هذا، فلا فرق بين شرائها من مستحق مهرها وغيره، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين.
- (ومنها): إذا مكنت الزوجة من نفسها من ينفسخ النكاح بوطئه؛ كأبي (7) الزوج أو ابنه؛ فقال القاضي ومن تبعه (8): يسقط مهرها؛ إسنادًا للفسخ إليها. وقال الشيخ تقي الدين: يتخرج على وجهين؛ لأن الفرقة منها ومن أجنبي (9).
وبقي [ها] (1) هنا قسم سادس: وهو (10) الفرقة الإِجبارية، ولها صور:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "مستحق للمهر"!.
(3) انظر: "المحرر" (2/ 35).
(4) في المطبوع: "شاركته".
(5) انظره في: "الكافي" (3/ 98).
(6) في المطبوع: "استند".
(7) في المطبوع: "كأب".
(8) في المطبوع و (ب) و (ج): "اتبعه".
(9) في المطبوع: "الأجنبي".
(10) في المطبوع: "وهي".
(3/144)

- (منها): أن يسلم الكافر وتحته عدد لا يجوز له جمعه في الإسلام؛ فينفسخ نكاح العدد الزائد؛ فلا يجب لهن شيء من المهر، ذكره القاضي في "الجامع" و"الخلاف"، معللًا بأنه ممنوع من إمساكهن؛ فهو كالنكاح الفاسد، وجزم به صاحبا (1) "المغني" (2) و"المحرر" (3).
ويتخرج لنا وجه آخر: إنه يجب نصف (4) المهر من المسألة التي بعدها.
وأما الطلاق في النكاح الفاسد، فذكر (5) ابن عقيل وجهًا: أن المهر يتنصف به قبل الدخول، وعلى المشهور؛ فإنما سقط (6) لأن المهر يجب في النكاح الفاسد بالإصابة لا بالعقد، بخلاف الصحيح.
- (ومنها): إذا تزوج أختين في عقدين، وأشكل السابق، وأمرناه بالطلاق، فطلقها؛ فقال أبو بكر: يتوجه في المهر قولان:
أحدهما: يجب نصف المهر، ثم [يقترعان عليه] (7)؛ فمن وقعت عليها القرعة؛ حكم لها به لأنه واجب [لأحدهما] (8) في نفس الأمر،
__________
(1) في المطبوع و (ب) و (ج): "صاحب المغني".
(2) انظر: "المغني" (7/ 120 - 121/ 5441).
(3) انظر: "المحرر" (2/ 28 - 29).
(4) في المطبوع: "تنصف".
(5) في (ب): "فذكره".
(6) في المطبوع و (ج): "يسقط".
(7) في المطبوع: "يقترعان" فقط، وفي (ب): "يقرعان عليه".
(8) في المطبوع: "علي لإحداهما"!
(3/145)

فتعين (1) بالقرعة.
والثاني: لا يجب شيء (2)؛ لأنه مكره على الطلاق، فكأن الفسخ جاء من جهة المرأة، فلا يستحق (3) شيئًا.
والمنقول عن أحمد في هذه المسألة ما نقله عنه مُهَنَّأ: أنه قال: يفرق بينهما، وقد قيل: يكون نصف المهر لهما جميعًا، وما أخلقه أن يكون كذلك! ولكن لم أسمع فيه شيئًا، وهذا يدل على أنهما يقتسمان نصف المهر لا [يقترعان] (4) عليه، ولو زوج الوليان امرأة [من زوجين] (5)، وجهل السابق منهما، وأمرناهما بالطلاق؛ فهل يجب لها نصف المهر على أحدهما ويعين بالقرعة، أم لا يجب لها شيء؟
على وجهين، وحكي عن أبي بكر أنه اختار [أنه] (6) لا شيء لها، وبه أفتى أبو علي (7) النجاد، قال الشيخ تقي الدين: ويتخرج على هذا الخلاف ما إذا ورثت المرأة زوجها؛ فإن الفرقة ها هنا بفعل اللَّه عز وجل؛ فهو كاشتباه الزوج (8).
__________
(1) في (ب): "فيتعين"، وفي (ج): "فيعين".
(2) في المطبوع: "شيء به".
(3) في المطبوع و (ج): "فلا تستحق".
(4) غير واضحة في المطبوع.
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع و (ج).
(6) في (ج): "أن".
(7) في المطبوع: "أبو يعلى"!
(8) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 206 - 207).
ونقل المرداوي في "الإِنصاف" (8/ 91) كلام المصنف هذا.
(3/146)

(القاعدة السابعة والخمسون بعد المئة)
إذا تغير حال [المرأة] (1) المعتدة بانتقالها من رق إلى حرية، أو طرأ عليها سبب موجب لعدة أخرى من الزوج؛ كوفاته؛ فهل يلزمها الانتقال إلى عدة الوفاة أو إلى عدة حرة؟
إن كان زوجها متمكنًا من تلافي نكاحها في العدة؛ لزمها الانتقال، وإلا؛ فلا إلا ما يستثى من ذلك من الإِبانة في المرض (2)، ويتخرج على هذا مسائل:
- (منها): الرجعية إذا عتقت أو توفي زوجها؛ انتقلت إلى عدة حرة وعدّة (3) وفاة.
- (ومنها): إذا كان (4) تحت عبد مشرك إماء فأسلمن وأعتقن؛ فإن عدتهن عدة حرائر لأنه عتق في عدة يتمكن الزوج فيها من الاستدراك بالإسلام؛ فهي في معنى عدة الرجعية، بخلاف [ما لو] (5) أسلم العبد ثم
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(2) في المطبوع: "المريض"!
(3) في المطبوع و (ج): "أو عدة".
(4) في المطبوع: "إذا كانت".
(5) في المطبوع: "ماذا"!
(3/147)

عتق الإِماء وهن على الشرك؛ فإن عدتهن عدة إماء لأن الزوج لا يمكنه تلافي نكاحهن.
- (ومنها): المرتد إذا قتل في عدة امرأته (1)؛ فإنها تستأنف عدة الوفاة، نص عليه في "رواية ابن منصور"؛ لأنه كان يمكنه تلافي النكاح بالإسلام بناءً على أن الفسخ يقف على انقضاء العدة.
- (ومنها): لو أسلمت [امرأة] (2) كافر، ثم مات قبل انقضاء العدة؛ فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة في قياس التي قبلها، ذكره الشيخ تقي الدين (3).
* * *
__________
(1) في (ج): "امرأة".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "المرأة وهي تحت".
(3) انظر: "مجموع الفتاوى" (31/ 371 - 372).
(3/148)

(القاعدة الثامنة والخمسون بعد المئة)
إذا تعارض معنا أصلان عمل بالأرجح منهما؛ لاعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا؛ خرج في المسألة وجهان غالبًا (1).
- (ومن صور ذلك): ما إذا وقع في الماء نجاسة، وشك في بلوغه القلتين؛ فهل يحكم بنجاسته أو بطهارته (2)؟
على وجهين:
أحدهما: يحكم بنجاسته، وهو المرجح عند صاحبي (3) "المغني" (4) و"المحرر" (5)؛ لأن الأصل عدم بلوغه قلتين.
والثاني: هو طاهر، وهو أظهر؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، [وأما أن أصله القلة] (6)؛ فقد لا يكون كذلك، كما إذا كان كثيرًا ثم نقص وشك في قدر الباقي منه، ويعضد هذا أن الأصل وجوب الطهارة بالماء؛ فلا يعدل
__________
(1) انظر عن القاعدة وتطبيقاتها: "المنثور" (1/ 330) للزركشي، و"الأشباه والنظائر" (ص 68) للسيوطي، و"موسوعة القواعد الفقهية" (1/ 284).
(2) في المطبوع: "طهارته".
(3) في المطبوع و (ب): "صاحب "المغني" و"المحرر".
(4) انظر: "المغني" (1/ 33/ 21).
(5) انظر: "المحرر" (1/ 2).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/149)

إلى التيمم إلا بعد تيقن عدمه.
وأيضًا؛ فللأصحاب خلاف في الماء الذي وقعت فيه النجاسة؛ هل الأصل فيه أن ينجس إلا أن يبلغ حد الكثرة فلا ينجس لمشقة حفظ الكثير من النجاسة، أم الأصل فيه الطهارة إلا أن يكون يسيرًا فينجس لأن اليسير لا يكاد يحيل النجاسة عليه غالبًا (1)؟
فعلى الأول يجب الحكم بنجاسة هذا الماء، وعلى الثاني يحكم بطهارته، وعلى هذين المأخذين يتخرج الخلاف في إثبات نصف القربة الذي روى الشك فيه في ضبط القلتين وإسقاطه، وينبني على ذلك [أن القلتين] (2)؛ هل هما خمس قرب أو أربع، واللَّه أعلم.
- (ومنها): [ما] (3) إذا وقع في الماء اليسير روثة، وشك: هل هي من مأكول أو غيره، أو مات فيه حيوان؟ وشك: هل هو ذو نفس سائلة أم لا؟
وفيه (4) وجهان:
أحدهما: إنه نجس؛ لأن الأصل في الأرواث والميتات النجاسة، وحيث قضي بطهارة شيء منهما (5)؛ فرخصة على خلاف الأصل، ولم يتحقق وجود المرخص ها هنا؛ فبقينا (6) على الأصل.
__________
(1) في المطبوع: "لا يكاد يحمل النجاسة عليه غالبًا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) ما بين المعقوفتين من (أ) والمطبوع.
(4) في المطبوع: "فيه".
(5) في المطبوع: "منها".
(6) في المطبوع: "فيبقى"، وفي (ب): "فبنينا".
(3/150)

والثاني: أنه طاهر، وهو المرجح عند الأكثرين؛ لأن الأصل في الماء الطهارة؛ فلا يزال عنها بالشك، وقد منع بعضهم أن الأصل في الأرواث النجاسة، ونص أحمد في "رواية محمد بن أبي حرب" في رجل وطئ على روث لا يدري لحمار أو برذون؛ فرخص فيه إذا لم يعرفه.
- (ومنها): إذا قعد الذباب على نجاسة رطبة، ثم سقط بالقرب على ثوب، وشك في جفاف النجاسة؛ ففيه وجهان:
أحدهما: إنه نجس؛ لأن الأصل بقاء الرطوبة، ونقله (1) أبو بكر عن أحمد.
والثاني: لا ينجس [الثوب] (2)؛ لأن الأصل طهارة الثوب.
- (ومنها): إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر وركع معه، وشك: هل رفع إمامه قبل ركوعه أو بعده؟
فالمذهب أنه لا يعتد له بتلك الركعة؛ لأن الأصل عدم الإدراك، وهو منقول عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما (3)، وقال صاحب "التلخيص":
__________
(1) في المطبوع: "نقلها"!
(2) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ب) فقط.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة -وعنه ابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 73 - 74) - عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: "إذا جئت والإمام راكع، فوضعت يديك على ركبتيك قبل أو يرفع؛ فقد أدركت".
وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 90) عن ابن جريج ومالك، عن نافع، به، ولفظه: "من أدرك الإمام راكعًا، فركع قبل أن يرفع الإمام رأسه؛ فقد أدرك تلك الركعة".
وإسناده صحيح. =
(3/151)

يحتمل وجهين: أحدهما أنه يعتد له بها؛ لأن الأصل بقاء الإمام في الركوع.
- (ومنها): إذا شك: هل ترك واجبًا في الصلاة؛ فهل يلزمه السجود؟
على وجهين:
أحدهما: يلزمه، لأن الأصل عدم الإِتيان به.
والثاني: [لا] (1)؛ لأن الأصل عدم لزوم السجود.
- (ومنها): إذا كان ماله غائبًا، فإن كان منقطعًا خبره؛ لم يجب
__________
= وما نقله المصنف عن ابن عمر يؤخذ من مفهوم المخالفة، ولا سيما للنَّص الأول، ثم وجدته قد صرح به؛ فقد أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (رقم 3361) -ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 74) - عن ابن جريج، والبيهقي في "السنن الكبري" (2/ 90) عن مالك، وابن جريج عن نافع، به بنحوه، وفي آخره: "وإن رفع قبل أن تركع؛ فقد فاتتك".
وقد تكلم على المسألة، ونبّه على ضرورة إشاعتها النووي في "الفتاوى" له (ص 35)، قال: " (مسألة): إذا أدرك المسبوقُ الإمام راكعًا؛ قال أصحابنا؛ إن كبر المأموم قائمًا ثم ركع واطمأن قبلَ أن يرفع الإمام؛ حُسبت له الركعةُ، فإن لم يطمئن حتى رفع الإمامُ؛ لم تحسب له هذه الركعة، ولو شكَّ في ذلك؛ فهل تحسب له؟
في وجهان، أصحهما: لا تحسب؛ لأن الأصل عدم الإدراك؛ فعلى هذا يسجد للسهو في آخر ركعته التي يأتي بها بعد سلام الإمام؛ لأنه أتى بركعة في حالة انفراده، وهو شاك في زيادتها؛ فهو كمن شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فإنه يأتي بركعة وسجد للسهو، وممن صرح بمسألتنا الغزالي في "الفتاوى"، وهي مسألة نفيسة، تعم البلوى بها، ويغفل أكثر الناس عنها، فينبغي إشاعتُها، واللَّه أعلم".
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/152)

إخراج زكاته (1)، وإن لم يكن خبره منقطعًا؛ كالمودع ونحوه؛ ففي وجوب إخراج زكاته قبل قبضه وجهان، والمنصوص عن أحمد في "رواية مُهَنَّأ" أنه لا يجب، وعلل بأنه لا يدري لعل المال ذهب.
وبنى (2) بعض الأصحاب هذا [الخلاف] (3) على الخلاف في محل الزكاة، فإن قلنا: العين (4)؛ لم يجب الإخراج حتى يقبضها ويتمكن من الإخراج منها، وإن قلنا: الذمة (5)؛ وجب الإِخراج من غيرها، ويتوجه عندي أن يتخرج في وجوب الزكاة في المال المنقطع خبره وجهان بناءً على محل التعلق (6)، فإن قلنا: هو العين؛ وجب لأن الأصل بقاؤها، لكن لا يلزم إخراج الزكاة حتى يقبض؛ كالدين، وإن قلنا: هو الذمة؛ لم يجب لأن الأصل براءة الذمة، وقد شك في اشتغالها، وأما إن قلنا: لا تجب الزكاة في المال الضال والمغصوب؛ فهذا مثله.
- (ومنها): العبد الأبق المنقطع خبره؛ هل تجب فطرته أم لا؟
المنصوص عن أحمد في "رواية صالح": إنه لا تجب؛ لأن الأصل براءة الذمة والفطرة في الذمة (7).
__________
(1) في المطبوع: "الزكاة".
(2) في المطبوع: "ويبنى".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع: "قلنا في العين".
(5) في المطبوع: "قلنا في الذمة".
(6) في المطبوع: "التعليق".
(7) انظر: "مسائل صالح" (رقم 1160).
(3/153)

ويتخرج لنا وجه آخر: إنه يجب بناءً على جواز عتقه؛ لأن الأصل بقاؤه.
- (ومنها): جواز عتقه في الكفارة، والمشهور عدمه، وذكر أبو الخطاب احتمالًا بالإجزاء؛ لأن الأصل بقاؤه.
وذكر ابن أبي موسى في "شرح الخرقي" [في المسألة] (1) وجهين [عن] (2) الأصحاب، وصحح عدم الإجزاء؛ لأن الأصل بقاء الكفارة في الذمة، وقد عضده الظاهر الدال على هلاك العبد من انقطاع خبره؛ فرجح هذا الأصل باعتضاده بهذا الظاهر.
وأيضًا؛ فالكفارة ثابتة في الذمة، وقد شك في وقوع العتق عنها؛ فلا يسقط بمجرد ذلك.
- (ومنها): إذا ظهر بالمبيع عيب، واختلفا؛ هل حدث عند المشتري أو عند البائع؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول البائع؛ لأن الأصل سلامة المبيع ولزوم البيع بالتفرق.
والثانية: القول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم القبض المبرئ.
وأطلق أكثر الأصحاب هذا الخلاف، وفرق بعضهم بين أن يكون المبيع عينًا معينة أو في الذمة، فإن كان في الذمة؛ فالقول قول القابض
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ج): "عند".
(3/154)

وجهًا واحدًا لأن الأصل اشتغال ذمة البائع، ولم (1) تثبت براءتها.
- (ومنها): من لزمه ضمان قيمة عين، فوصفها (2) بعيب ينقص القيمة، وأنكر المستحق، فهل يقبل قوله في دعوى العيب لأنه غارم والأصل براءة (3) ذمته، أو قول خصمه في إنكار العيب لأن الأصل عدمه؟
على وجهين.
- (ومنها): إذا آجره عبدًا وسلمه إليه، ثم ادعى المستأجر أن العبد أبق من يده وأنكر المؤجر؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول المؤجر، نقلها حنبل؛ لأن الأصل عدم الإِباق، وأن المؤجر ملك (4) الأجرة كلها بالعقد.
والثانية: القول قول المستأجر، نقلها ابن منصور؛ [لأن الأصل عدم تسليم المنفعة المعقود عليها، ولو ادعى أن العبد مرض؛ فالقول قول المؤجر، نص عليه في "رواية ابن منصور"] (5) مفرقًا بينه وبين الإِباق؛ لأن المرض يمكن إقامة البينة عليه، بخلاف الإِباق.
- (ومنها): إذا ضرب للعنين الأجل، واختلفا في الإِصابة، والمرأة ثيب؛ فهل القول قول الزوجة لأن الأصل عدم الوطء، أو قول الزوج لأن
__________
(1) في المطبوع: "فلم".
(2) في (ج): "فوضعها".
(3) في المطبوع: "إبراء".
(4) في (ب): "يملك".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/155)

الأصل عدم ثبوت الفسخ؟
على روايتين.
وعنه رواية ثالثة: إنه يخلى معها، ويؤمر بإخراج مائه، وهذا يرجع إلى ترجيح الظاهر على الأصل.
- (ومنها): إذا أسلم (1) الزوجان بعد الدخول، فقال الزوج: أسلمت في عدتك؛ فالنكاح باقٍ، فقالت: بل أسلمت بعد انقضاء عدتي؛ فوجهان:
أحدهما: [إن] (2) القول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
والثاني: إن القول قولها؛ لأن الأصل عدم إسلامه في العدة.
- (ومنها): إذا قال: أسلمت قبلك؛ فلا نفقة لك، وقالت: بل أسلمت قبلك؛ فلي النفقة؛ ففيه وجهان [أيضًا] (3):
أحدهما: القول قولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة.
والثاني: القول (4) قوله؛ لأن النفقة إنما (5) تجب بالتمكين من الاستمتاع (6)، والأصل عدم وجوده، كذا ذكر صاحب "الكافي" (7)، وعلل
__________
(1) في المطبوع: "إذا شك"!
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع و (ج) فقط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع: "والقول"!
(5) في المطبوع: "إنها"!
(6) في (أ): "الاستحقاق".
(7) انظر: "الكافي" (3/ 82).
(3/156)

القاضي بأن (1) النفقة تجب يومًا فيومًا؛ فالأصل عدم وجوبها، وينتقض التعليلان بالاختلاف في النشوز.
- (ومنها): إذا علق الطلاق على عدم شيء، وشك في وجوده؛ فهل يقع الطلاق؟
على وجهين:
[أصحهما: إنه] (2) لا يقع، وهو المذهب عند صاحب "المحرر"؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق (3).
والثاني: يقع، ونقل مهنا عن أحمد ما يدل عليه فيمن حلف ليأكلن (4) تمرة، فاختلطت في تمر (5) كثير: إن لم يأكله كله؛ حنث، وبذلك جزم ابن أبي موسى والشيرازي والسَّامري (6)، [ورجحه ابن عقيل في "فنونه"] (7)؛ لأن الأصل وجود شرط الطلاق، وهو العدم [المعلق عليه] (8).
[وذكر القاضي في "الجامع الكبير" ما يدل على أنه إن وجد ما يدل على انتفائه ظاهرًا؛ وقع الطلاق، وإن وُجد ما يدل على وجوده ظاهرًا؛
__________
(1) في المطبوع: "أن".
(2) في المطبوع و (ج): "أحدهما".
(3) انظر: "المحرر" (2/ 60).
(4) في (أ): "لا يأكل".
(5) في (ج): "بتمر"، وفي (أ): "في ثمر".
(6) انظر: "إيضاح الدّلائل" (2/ 268/ 715).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/157)

فوجهان لأن الأصل وجود شرط الطلاق، وهو العدم المعلق عليه] (1)، وهذا [الخلاف إنما هو فيما] (2) إذا استمر الشك ولم يوجد ما يدل على بقاء العدم ولا على انتفائه؛ فإن وجد ما يدل على بقائه يقينًا؛ وقع الطلاق بغير خلاف، وإن وجد ما يدل على بقائه ظاهرًا، وكان حجة شرعية يجب قبولها؛ فكذلك، وإن كان (3) أمارة محضة وقع أيضًا على المشهور، وإن وجد ما يدل على انتفاء العدم يقينًا؛ لم يقع الطلاق، بغير خلاف، وإن وجد ما يدل على انتفائه ظاهرًا؛ فوجهان على قولنا بوقوع الطلاق مع استمرار الشك المساوي (4).
- (ومنها): لو قتل من لا يعرف، ثم ادعى رقه أو كفره، وأنكر الولي ذلك؛ فهل يقبل قوله لأن الأصل عصمة دمه، أو قول الولي لأن الأصل في القتل إيجاب القصاص؛ إلا أن يمنع مانع، ولم يتحقق وجود المانع؛ على وجهين، أشهرهما الثاني، وحكى الأول عن أبي بكر، وكذا الخلاف فيما إذا جنى على عضو، ثم ادعى شلله، وأنكر (5) المجني عليه، لكن المحكي عن أبي بكر ها هنا (6) أن القول قول المنكر، وكذلك الوجهان إذا قدَّ (7) ملفوفًا نصفين، ثم ادعى أنه كان ميتًا، وأنكر (5) الولي؛ لأن الأصل عصمة
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به (ب).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "بخلاف ما".
(3) في (ب): "كانت".
(4) في المطبوع: "المساوي المطلق عليه".
(5) في المطبوع: "فأنكر".
(6) في المطبوع: "المجكي ها هنا عن أبي بكر".
(7) في المطبوع: "وكذلك الوجهان فيما إذا قدَّ".
(3/158)

الدم، والأصل حياة المقدود.
وكذا (1) الوجهان لو جنى على بطن حامل، فألقت ولدًا لوقت يعيش المولود في مثله، واختلفا في حياته عند الوضع لتعارض أصل الحياة وبراءة الذمة، وكذا (1) الوجهان لو زاد في القصاص من الجراح (2)، وقال: إنما حصلت الزيادة باضطراب المقتص منه، وأنكر ذلك؛ لأن الأصل عدم الاضطراب ووجوب الضمان، والأصل براءة ذمته وما يدعيه محتمل.
- (ومنها): لو شهدت بينة بالنكاح، وقد ثبت الطلاق؛ فهل يجب به جميع المهر أم (3) نصفه فقط؟
على وجهين:
أحدهما: يجب المهر كله؛ لأنه وجب بالعقد ولم يثبت له مسقط ولا لبعضه، وهو مقتضى قول (4) أبي الخطاب وصاحب "المحرر" (5).
والثاني: يجب نصف المهر فقط؛ لأن النصف الآخر لا يستقر إلا بالدخول، ولم يتحقق، والأصل عدمه، وهو قول القاضي، وقال صاحب "المغني": إن أنكر الزوج الدخول؛ فالقول قوله في تنصف (6) المهر،
__________
(1) في (ج): "وكذلك".
(2) في المطبوع: "الجرح".
(3) في المطبوع و (ب) و (ج): "أو".
(4) في المطبوع: "كلام".
(5) انظر: "المحرر" (2/ 35) لأبي الخطاب رحمه اللَّه.
(6) في المطبوع: "نصف".
(3/159)

وإلا؛ فالقول قولها في وجوده كله (1).
- (ومنها): إذا رمى صيدًا فجرحه، ثم غاب عنه ووجده ميتًا ولا أثر به غير سهمه، أو جرحه جرحًا موحيًّا، ثم سقط في ماء ونحوه؛ فهل يباح؟
على روايتين، لأن الأصل عدم مشاركة سبب آخر في قتله، والأصل تحريم الحيوان حتى يتيقن سبب إباحته، لكن [الأصل الأول يعتضد] (2) بأن الظاهر موته بهذا السبب دون غيره.
- (ومنها): إذا جاء بعض العسكر بمشرك، فادعى المشرك أن المسلم أمنه وأنكر؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول المسلم في إنكار الأمان؛ لأن الأصل عدم الأمان.
والثانية: القول قول المشرك؛ لأن الأصل في الدماء الحظر إلا بيقين الإباحة، وقد وقع الشك هنا فيها.
وفيه رواية ثالثة: إن القول قول من يدل الحال على صدقه منهما، ترجيحًا لأحد الأصلين بالظاهر الموافق له.
[وقريب] (3) من هذه المسألة: إذا دخل حربي دار الإسلام، وادعى أن بعض المسلمين عقد له أمانًا؛ فهل (4) يقبل قوله؟
__________
(1) انظر: "المغني" (7/ 179، 187/ 5591).
(2) في المطبوع: "الأصل الأول معتضد"، وفي (ج): "الأصل يعتضد" بسقوط "الأول".
(3) في (ج): "ويقرب".
(4) في (أ): "هل".
(3/160)

على وجهين ذكرهما صاحب "المغني" (1)، ونص أحمد: إنه إذا ادعى أنه جاءَ (2) مستأمنًا، فإن كان معه سلاح؛ لم يقبل منه، وإلا؛ قبل، فيخرج [ها] (3) هنا مثله.
* * *
__________
(1) في "المغني" (9/ 281/ 7685): "أحدهما: يقبل تغليبًا لحقن دمه؛ كما يقبل من الرسول والتاجر.
والثاني: لا يقبل؛ لأن إقامة البينة عليه ممكنة، فإن قال مسلم: أنا أمنته؛ قُبِل قولُه؛ لأنه يملك أن يؤمنه، فقُبِل قوله فيه".
(2) في (ج): "أحمد على أنه إذا جاء".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/161)

(القاعدة التاسعة والخمسون بعد المئة)
إذا تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا؛ كالشهادة والرواية والإخبار؛ فهو مقدم على الأصل بغير خلاف، وإن لم يكن كدلك، بل كان مستنده العرف أو العادة (1) الغالبة أو القرائن أو غلبة الظن ونحو ذلك؛ فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى [هذا] (2) الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة خلاف (3).
__________
(1) في (ب): "والعادة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) معنى (الأصل): القاعدة المستمرَّة، وهو المعنى المستصحب.
ومعنى (الظاهر): ما يكثر حدوثه ووقوعه أو يترجح ولم يكن أصلًا، ويضاف إلى ذلك معنى (النادر)، وهو ما قلَّ حدوثُه، وخالف الأصل.
فالقاعدة تفيد أحكام تعارض (الأصل) و (الظاهر) في أفعال العباد؛ فهل يقدّم الأصل ويعمل به ويهمل الغالب، أو العكس؟
تختلف الأنظار باختلاف المسائل، لأنه يجب النظر في الترجيح، فما رجح دليلُه عمل به. من "موسوعة القواعد الفقهية" (1/ 277).
وانظر عن هذه القاعدة وتطبيقاتها:
عند المالكية في: "قواعد المقَّري" (الفاعدة الثامنة والثلاثون)، و"إيضاح المسالك" للونشريسي (القاعدة السادس عشرة والثامنة بعد المئة)، و"الفروق" للقرافي (4 =
(3/162)

فهذه أربعة أقسام:
القسم الأول: ما ترك فيه العمل (1) بالأصل للحجة الشرعية، وهي قول من يجب العمل بقوله، وله صور كثيرة جدًّا:
- (منها): شهادة عدلين بشغل ذمة المدعى عليه.
- (ومنها): شهادة عدلين ببراءة ذمة من علم اشتغال ذمته بدين ونحوه.
- (ومنها): إخبار الثقة العدل بأن (2) كلبًا ولغ في هذا الإناء.
- (ومنها): إخباره بدخول وقت الصلاة.
- (ومنها): شهادة الواحد العدل برؤية هلال رمضان؛ فإنه مقبول على ظاهر المذهب.
وفيه رواية أخرى: [إنه] (3) لا بد من شهادة عدلين كسائر الشهود.
__________
= / 104).
وعند الشافعية في: "المنثور" (1/ 311) للزركشي، و"الأشباه والنظائر" (64، 51) للسيوطي و (1/ 14) لابن السبكي.
وعند الحنفية في: "المبسوط" (11/ 24، 46، 16/ 16، 53)، و"شرح السير الكبير" (1/ 321)، كلاهما للسرخسي، و"أصول الكرخي" (110 - مع "تأسيس النظر")، و"الأشباه والنظائر" (257) لابن نجيم.
وانظر أيضًا: "موسوعة القواعد الفقهية" (2/ 103)، و"المدخل الفقهي" (رقم 575 - 576)، و"الوجيز" (ص 108).
(1) في المطبوع: "العمل فيه" بتقديم وتأخير.
(2) في (ج): "أنّ".
(3) ما بين المعقوفتين من (ب) فقط.
(3/163)

وفرق أبو بكر بين أن يراه في المصر، فلا يقبل، وبين أن يراه [خارجًا من] (1) المصر [ثم يقدم إلى] (2) المصر، فيقبل خبره.
- (ومنها): إخبار الثقة بطلوع الفجر في رمضان؛ فإنه يحرم الطعام والشراب والجماع.
- (ومنها): إخباره بغروب الشمس في رمضان؛ فإنه يبيح الفطر، صرح به الأصحاب، ولم يجعلوه كالشهادة على هلال شوال، والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: إن وقت الفطر ملازم لوقت صلاة المغرب، فإذا ثبت دخول وقت الصلاة بإخبار الثقة؛ ثبت دخول وقت الإفطار تبعًا له، وقد يثبت (3) تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، بخلاف الشهادة بهلال شوال.
والثاني: إن إخبار الثقة هنا تقارنه أمارات (4) تشهد بصدقه؛ لأن وقت الغروب متميز (5) بنفسه وعليه أمارات تورث غلبة الظن، فإذا انضم إليها إخبار الثقة؛ قوي الظن وربما أفاد العلم، بخلاف هلال الفطر؛ فإنه لا أمارة عليه.
وفي "صحيح ابن حبان" من حديث سهل بن سعد؛ قال: كان النبي
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "خارج".
(2) بدل ما بين المعقوفتين من المطبوع: "فيقدم".
(3) في (ب): "ثبت".
(4) في المطبوع: "أن أخبار الثقة هنا يقارنه أمارات"، وفي (ب): "أن أخبار الثقة تقارنه أمارة"، وسقطت كلمة "هنا" من (أ) و (ب).
(5) في المطبوع: "يتميز".
(3/164)

-صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كان صائمًا؛ أمر رجلًا فأوْفَى على شيء، فإذا قال: قد غابت الشمس؛ أفطر (1). وصح عن ابن عباس [رضي اللَّه عنه] (2): أنه كان يضع طعامه عند الفطر [في رمضان] (3) ويبعث مرتقبًا يرقب الشمس، فإذا قال:
__________
(1) أخرجه ابن خزيمة في "الصحيح" (3/ رقم 2061)، وعنه ابن حبان في "الصحيح" (8/ رقم 3510)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 434)؛ عن محمد بن أبي صفوان الثقفي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تزال أمتي على سنّتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم". قال: "وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا كان. . ." (وذكره).
قال ابن خزيمة عقبة: "هكذا حدثنا به ابن أبي صفوان، وأهاب أن يكون الكلام الأخير -أي: الذي أورده المصنف- عن غير سهل بن سعد لعله من كلام الثوري أو من قول أبي حازم، فأدرج في الحديث".
وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السِّياقة، إنما خرجا بهذا الإسناد للثوري: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
قلت: وهذا اللفظ أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 1098)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (4/ 127) -، والترمذي في "جامعه" (رقم 699)، وأحمد في "المسند" (5/ 331، 334، 336)، وابن أبي شيبة (3/ 13)، وعبد الرزاق (رقم 7592)، كلاهما في "المصنف"، والدارمي في "السنن" (2/ 7)، والفريابي في "الصيام" (رقم 38، 39، 40، 41)، وعبد بن حميد في "المنتخب" (رقم 457)، والشافعي في "السنن المأثورة" (ص 323)، وابن خزيمة في "الصحيح" (2059)، والطبراني في "الكبير" (6/ رقم 5962)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 136)، والخطيب في "الفصل للوصل" (ق 112/ ب - 113/ ب)، وأثبت أن بعضهم أدرج في آخره: "ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق".
(2) ما بين المعقوفتين من (ب) ففط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/165)

قد وجبت؛ قال: كلوا (1).
- (ومن ذلك): قبول قول الأمناء ونحوهم ممن يقبل قوله في تلف ما اؤتمن عليه (2) من مال أو غيره.
- (ومنه أيضًا): قبول قول (3) المعتدة في انقضاء عدتها بالإقراء ولو في شهر في أحد الوجهين، والمنصوص أنه لا يقبل إلا بالبينة في الشهر، وفرق صاحب "الترغيب" بين من لها عادة منتظمة؛ فلا يقبل مخالفتها إلا ببينة، بخلاف من لا عادة لها، وفي "الفنون" لابن عقيل: لا يقبل مع فساد النساء إلا ببينة تشهد أن هذه عادتها أو أنها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرر ثلاثًا.
القسم الثاني: ما عمل [فيه] (4) بالأصل ولم يلتفت إلى القرائن الظاهرة ونحوها، وله صور كثيرة:
- (منها): إذا ادعت الزوجة بعد طول مقامها مع الزوج أنه لم يوصلها (5) النفقة الواجبة ولا الكسوة؛ فقال الأصحاب: القول قولها مع
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (4/ رقم 7597)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 12)، والفريابي في "الصيام" (رقم 53، 54)؛ بألفاظ، المذكور عند المصنف لفظ الفريابي في الموطن الثاني، وسنده صحيح.
(2) في المطبوع: "مال أو ثمن عليه من مال أو"، وفي (ج): "ما أيتمن عليه من مال و".
(3) في المطبوع: "قوله".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "لم نوصلها".
(3/166)

يمينها، لأن الأصل معها مع أن العادة تبعد ذلك جدًّا، واختار الشيخ تقي الدين الرجوع إلى العادة [هنا] (1).
وخرجه وجهًا من المسائل المختلف فيها (2) كما سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى؛ قال: وإذا وجد معها نظير الصداق أو الكسوة، ولم يعلم لها سبب تملك (3) ذلك به من غير الزوج؛ فينبغي أن يخرج على وجهين، كما إذا أصدقها تعليم سورة، ثم وجدت متعلمة لها بعد مدة، وقالت: لم يعلمني الزوج، وادعى هو أنه علمها؛ فإن في المسألة وجهين (4).
- (ومنها): إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء أو ثوب أو أرض أو بدن، وشك في زوالها، فإنه يبني على الأصل إلى أن يتيقين زواله، ولا يكتفي في ذلك بغلبة ظن (5) ولا غيره، وكذلك لو تيقن حدثًا أو نجاسة وغلب على ظنه زوالهما (6)؛ فإنه يبني على الأصل، وكذلك في النكاح والطلاق وغيرهما.
- (ومنها): إذا شك في طلوع الفجر في رمضان؛ فإنه (7) يباح له
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (34/ 83، 87)، و"تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية" (2/ 861 - 863) للدكتور أحمد موافي.
(3) في المطبوع: "يملك".
(4) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 285).
(5) في المطبوع: "الظن".
(6) في المطبوع: "زوالها".
(7) في المطبوع: "فابه".
(3/167)

الأكل حتى يستيقن (1) طلوعه، نص عليه أحمد، ولا عبرة في ذلك بغلبة [الظن] (2) بالقرائن ونحوها ما لم يكن مستندًا إلى إخبار ثقة بالطلوع (3).
- (ومنها): إذا زنى من له زوجة وولد، فأنكر أن يكون وطئ زوجته؛ قال أصحابنا: لا يرجم؛ لأن الأصل عدم الوطء، ولحوق النسب يثبت بمجرد الإمكان ووجود الفراش (4).
القسم الثالث: ما عمل فيه بالظاهر ولم يلتفت إلى الأصل، وله صور:
- (منها): إذا شك بعد الفراغ من الصلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها؛ فإنه لا يلتفت إلى الشك، وإن كان الأصل عدم الإِتيان به وعدم براءة الذمة؛ لكن الظاهر من أفعال المكلفين للعبادات أن تقع على وجه الكمال؛ فرجح (5) هذا الظاهر على الأصل، ولا فرق في ذلك بين الوضوء وغيره على المنصوص عن أحمد، وفي الوضوء وجه: إن الشك في ترك بعضه بعد الفراغ كالشك في ذلك قبل الفراغ؛ لأن حكمه باقٍ بعد الفراغ منه، بخلاف الصلاة وغيرها.
- (ومنها): لو صلى ثم رأى عليه نجاسة، وشك: هل لحقته [قبل] (6) الصلاة أو بعدها، وأمكن الأمران؛ فالصلاة صحيحة، وإن كان
__________
(1) في المطبوع: "يتيقن".
(2) في (ج): "ظن ولا".
(3) انظر في المسألة: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (2/ 601).
(4) في المطبوع: "القرائن".
(5) في المطبوع و (ج): "فيرجح".
(6) في (ج): "في".
(3/168)

الأصل عدم انعقاد الصلاة وبقاؤها في الذمة حتى يتيقن صحتها، لكن حكم بالصحة؛ لأن الظاهر صحة أعمال المكلف (1) وجريانها على الكمال، وعضد ذلك أن الأصل عدم مقارنة الصلاة للنجاسة؛ فترجع (2) المسألة حينئذ إلى تعارض أصلين، رجح أحدهما بظاهر يعضده (3).
- (ومنها): إذا اختلف المتبايعان (4) بعد العقد في بعض شرائط صحة العقد؛ كما إذا ادعى البائع أنه كان صبيًّا أو غير مأذون له أو غير ذلك وأنكر المشتري؛ فالقول قول المشتري على المذهب، ونص عليه أحمد في صورة دعوى الصغر (5) في "رواية ابن منصور" (6)؛ لأن الظاهر وقوع العقد (7) على وجه الصحة دون الفساد؛ وإن كان الأصل عدم البلوغ والإذن (8).
__________
(1) في (ج): "المكلفين".
(2) في المطبوع: "وترجع".
(3) كذا في (أ)، وفي سائر النسخ: "عضده".
(4) في المطبوع: "الجنسان".
(5) في المطبوع و (ج): "الصغير".
(6) في "مسائل ابن منصور" (368 - 369/ 261): "قلت: قال الثوري: رجل باع بيعًا، فقال: لقد بعتك وأنا صغير. فقال المبتاع: بعتني وأنت بالغ، ولم تك بينة؟ قال: البيع صحيح حتى يأتي المدعي بفساده. قال أحمد: إذا أقر أني بعتك وأنا صغير؛ فقد أقر بالبيع؛ فهو جائز عليه. قال إسحاق: كما قال".
وانظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (29/ 132).
(7) في المطبوع و (أ): "العقود".
(8) أضاف ناسخ (ج) هنا في الهامش: "من المكلف".
(3/169)

وذكر الأصحاب وجهًا آخر في دعوى الصغر (1): إنه يقبل؛ لأنه لم يثبت تكليفه، والأصل عدمه، بخلاف دعوى عدم الإذن من المكلف (2)؛ فإن المكلف لا يتعاطى في الظاهر إلا الصحيح.
قال (3) الشيخ تقي الدين: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات إذا اختلفا؛ هل وقعت بعد البلوغ أو قبله؛ لأن الأصل في العقود الصحة، فإما (4) أن يقال: [إن] (5) هذا عام، وإما أن يفرق بين أن يتيقن أنه وقت التصرف كان مشكوكًا فيه غير محكوم ببلوغه، أو لا يتيقن؛ فإنا (6) مع تيقن الشك قد تيقنا صدور التصرف ممن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها؛ فقد شككنا في شرط الصحة، وذلك مانع من الصحة، وأما في الحالة الأخرى؛ فإنه يجوز صدوره في حال الأهلية وحال عدمها، والظاهر صدوره وقت الأهلية، والأصل عدمه قبل وقتها؛ فالأهلية هنا متيقن وجودها، ثم ذكر أن من لم يقر بالبلوغ حتى تعلق به حق مثل (7) إسلامه بإسلام أبيه، أو ثبوت الذمة له تبعًا لأبيه أو بعد تصرف الولي له، أو تزويج ولي أبعد منه لموليته؛ فهل يقبل منه دعوى البلوغ حينئذ، أم لا لثبوت هذه الأحكام المتعلقة به في الظاهر قبل دعواه؟
__________
(1) في المطبوع و (ج): "الصغير".
(2) في المطبوع: "مكلف".
(3) في (ب): "وقال".
(4) في (ب): "وأما".
(5) ما بين المعقوفتين من (أ) فقط.
(6) في المطبوع و (ج): "فأما".
(7) في المطبوع كرر "مثل" مرتين.
(3/170)

وأشار إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا ارتجع الرجعية زوجها، فقالت: قد انقدت عدتي (1)، وشبهها (2) أيضًا بما ادعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهرًا؛ كاللقيط الكافر (3) بعد البلوغ؛ فإنه لا يسمع (4) منه على الصحيح، وكذا لو تصرف المحكوم بحريته ظاهرًا [كاللقيط] (5)، ثم ادعى الرق؛ ففي [قبول قوله] (6) خلاف معروف.
- (ومنها): إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة؛ فإنه تصح صلاته، ولا يشترط أن يتيقن دخوله في ظاهر المذهب.
وحكى [عن] (5) ابن حامد أنه (7) يعتبر التيقن.
- (ومنها): الفطر في الصيام يجوز بغلبة ظن غروب الشمس في ظاهر المذهب، ومن الأصحاب من قال: لا يجوز الفطر إلا مع تيقن الغروب، وبه جزم صاحب "التلخيص"، والأول أصح؛ لأن الوقت عليه أمارات يعرف (8) بها؛ فاكتفي فيه (9) بالظن الغالب، بخلاف ما لا أمارة عليه
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (7/ 29، 14)، و"تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية" (2/ 944).
(2) في المطبوع و (ب) و (ج): "وشبهه".
(3) في المطبوع: "المقر".
(4) في المطبوع: "لا نسمع".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "قبوله".
(7) في المطبوع: "أن".
(8) في المطبوع: "تعرف".
(9) في المطبوع: "فيها".
(3/171)

من إتمام الصلاة والطهارة والحدث ونحوها.
وأيضًا؛ فالصلاة والطهارة ونحوهما كل منهما عبادة فعلية مطلوبة الوجود، فإذا شك في فعل شيء منها؛ فالأصل عدمه؛ فلا يخرج من عهدته إلا بيقين، والصوم عبادة [هي ترك] (1) وكف عن محظورات خاصة، فمتى لم يتيقن وقوع محظوراتها في وقتها؛ لم يحكم ببطلانها، وإنما منع من الخروج منها بمجرد الشك المساوي؛ لأن الأصل بقاء الصوم، ولم يترجح ظن يعارضه، فإذا ترجح الظن؛ عمل به ولم يحكم ببطلانه بوقوع محظوراته حينئذ، لا سيما وفعل محظوراته مع ترجح (2) ظن انقضائه مطلوب شرعًا على الأظهر، ولهذا جاز الأكل أو استحب مع [ظن] (3) طلوع الفجر حتى يتحقق (4) طلوعه كما سبق، والفرق بينه وبين وقت الصلاة من وجهين:
أحدهما: إن الصلاة يجوز فعلها مع غلبة ظن دخول وقتها ولا يجب، وكذلك الصيام يجوز الإمساك بنية الصوم مع غلبة ظن طلوع الفجر، ولا يجب فيهما (5) سواء.
والثاني: أن الصلاة عبادة فعلية لا تستغرق مجموع وقتها، بل تفعل في جزء منه، فإذا فعلت في زمن يغلب على الظن أنه من وقتها؛ كفى،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "ترجيح".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في المطبوع و (ج): "يتيقن".
(5) في المطبوع: "فهما".
(3/172)

والصوم عبادة تستغرق زمنها، وهي من باب الكف والترك (1) لا من باب الإعمال؛ فيكفي اشتراط الكف عن محظوراتها في زمانها المحقق دون المشكوك فيه، ولا يبطل بفعل شيء من محظوراتها في زمن لا يتحقق أنه وقت للصيام (2)؛ إلا أن يكون الأصل بقاء وقت الصيام ولم يغلب على الظن خروجه؛ فلا يباح حينئذ الأقدام على الافطار، ولا تبرأ الذمة (3) بمجرد ذلك، وهذا كما قلنا فيمن صلى ثم رأى عليه نجاسة: يمكن أنها لحقته بعد الصلاة سواء.
- (ومنها): إن المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها، وإن لم تكن لها عادة؛ فإلى تمييزها، وإن لم يكن لها عادة و [لا] (4) تمييز؛ رجعت إلى غالب عادات النساء، وهي ست أو سبع على الصحيح؛ لأن الظاهر مساواتها لهن؛ وإن كان الأصل عدم فراغ حيضها حينئذ (5).
- (ومنها): امرأة المفقود تتزوج بعد انتظار أربع سنين (6)، ويقسم
__________
(1) في المطبوع: "الكف والترك"، وفي (ج): "الترك والكف".
(2) في المطبوع: "الصيام".
(3) في المطبوع: "الزمه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) انظر: "القواعد النورانيّة الفقهية" (ص 16) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه، و"الخلافيات" (3/ مسألة 48) للبيهقي. وقد بسطت هناك عليها الكلام.
(6) قال ابن رجب رحمه اللَّه في "كتاب القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الباب" (ص 33 - 37 - تحقيق عبد اللَّه الطريقي) في مسألة تزويج امرأة المفقود: "وفيها قولان مشهوران: =
(3/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أحدهما: إنها تتربص أربع سنين؛ أكثر مدة الحمل، ثم تعد للوفاة، ثم تتزوج، وهذا مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسب، وعطاء، والحسن، وقتادة، والزبير، والأوزاعي، ومالك، وابن الماجشون، وأهل المدينة، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، والشافعي في القديم، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي، وعلي بن المديني، وفقهاء الحديث.
والقول الثاني: تنتظر أبدًا حتى يتبين خبره، وروي عن علي -رضي اللَّه عنه-، وأنكر الإمام أحمد صحته عنه، وهو قول الكوفيين؛ كالنخعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وإليه ذكره الشافعي في الجديد، وروي عن أبي قلابة، وحكي رواية عن أحمد، ومن أصحابه من لم يثبتها عنه، فإن المشهور عنه القول الأول، وقد أنكر قول من حكى عنه خلافه، قال الأثرم؛ قلت لأبي عبد اللَّه: إن إنسانًا قال: إن أبا عبد اللَّه ترك قوله في المفقود، فضحك وقال: من ترك هذا القول؛ فبأي شيء يقول؟! قال: وقال في أبو عبد اللَّه: ما أعجب من لا يفتي بهذا! يذهون بأقوال الناس، ويحبون المرأة المسكينة أبدًا لا تتزوج! قيل: يقولون: يطمع. قال: من يطمع بعد هذا الأجل؟ قال: قال خمسة من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يفتون يقولون: تزوج امرأة المفقود. قال: وهو مروي عن عمر -رضي اللَّه عنه- من ثمانبة أوجه. قيل له: مروي عن عمر خلاف هذا؟ قال: لا، إلا أن يكون إنسان يكذب".
ثم نقل رحمه اللَّه عن أبي داود في "مسائله" (ص 177) قوله: "سمعت أحمد قيل له: في نفسك من المفقود شيء؛ فإن فلانًا وفلانة لا يفتيان به؟ فقال ما في نفسي منه شيء؛ هذا خمسة من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمروها بالتربص، قال أحمد: هذا من ضيق العلم.
قال أبو داود: يعني ضيق علم الرجل أن لا يتكلم في المفقود".
قلت: وانظر في المسألة: "تكملة المجموع" (16/ 459 - فما بعدها)، و"روضة الطالبين" (8/ 400)؛ كلاهما للنووي، و"المغني" (9/ 132 - "الشرح الكبير")، و"الإنصاف" (7/ 336 و 9/ 288). =
(3/174)

ماله حينئذ؛ لأن الظاهر موته؛ وإن كان الأصل بقاؤه (1)، لكن هل يثبت له أحكام المعدوم من حين فقده، أو لا يثبت إلا من حين إباحة أزواجه وقسمة (2) ماله؟
على وجهين ينبني (3) عليهما: لو مات له في مدة انتظاره من يرثه؛ فهل يحكم بتوريثه منه أم لا؟
ونص أحمد على أنه يزكى ماله بعد مدة انتظاره، معللًا بأنه مات وعليه زكاة، وهذا (4) يدل على أنه لا يحكم له بأحكام الموتى إلا بعد المدة، وهو الأظهر (5).
__________
= وانظر هذه الأثار عند البيهقي في: "السنن الكبرى" (7/ 445)، و"مصنف عبد الرزاق" (7/ 90 - 91)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 237 - 238).
(1) قال ابن رجب في "كتاب القول الصواب" (ص 55): "وكذلك نص أحمد على أن مال المفقود بعد مضي المدة المعتبرة لانتظاره يزكى لما مضى من السنين؛ معللًا بأن. صاحبه مات وعليه زكاته، والزكاة تخرج من رأس المال، وهذا يدل على أنه يحكم بوفاته ظاهرًا بعد هذه المدة، وعلى هذا؛ فتخرج الزكاة من أصل مال المفقود، فإن كان عليه دين؛ تحاصا على المنصوص عليه في اجتماع الزكاة والدين على الميت، وهذا نص منه بإخراج جميع الواجبات عن الميت من ماله بعد مدة انتظاره، سواء كانت لآدمى أو للَّه، وعتق أم ولد المفقود من قبيل إخراج الزكاة من ماله، لأنه حق واجب للَّه تعالى وإن كان مستحقه آدميًا معينًا؛ بخلاف الزكاة، فإن مستحقها آدمي غير معين، وطرد هذا أن تنفذ منه وصاياه ويعتق المدبرون" اه.
(2) في (ب): "وقسم".
(3) في (ب): "ومبنى".
(4) في (أ): "فهذا".
(5) حكى ابنُ رجب قولين في "كتاب القول الصواب" (ص 39) في قسمة مال =
(3/175)

ويلتحق بهذا أن امرأة المفقود بعد مدة انتظاره تعتد للوفاة، ثم تباح للأزواج؛ فهل (1) تجب لها النفقة من ماله في مدة العدة كما في مدة الانتظار أم لا؟
على وجهين:
أحدهما: لا تجب (2)، وهو الذي ذكره ابن الزاغوني في "الإِقناع"، وقال أبو البركات في "الشرح": هو قياس المذهب عندي؛ لأنه حكم بوفاته بعد مدة الانتظار؛ فصارت معتدة للوفاة (3).
والثاني: يجب لها النفقة، قاله القاضي، [وهو نص أحمد] (4)؛ لأن
__________
= المفقود إذا حكم بجواز تزوج زوجته أو لا، فقال: "فيه قولان:
أحدهما: إنه يقسم بين مستحقيه من الورثة وغيرهم، وهو قول الحسن وقتادة والزهري وأحمد وإسحاق؛ لحكمهم بموته ظاهرًا.
والثاني: لا يقسم ماله، بل يوقف، وهو قول من يقف الزوجة؛ كما سبق، وقول من يبيح المزوجة النكاح لتضررها بانتظار زوجها أبدًا، كمالك والشافعي في القديم، والأول المأثور عن الصحابة رضي اللَّه عنهم أيضًا" اه.
قلت: ثم نقل من "مسائل صالح" (3/ 120/ 1472) عن أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق! قال: أخبرني ابن جريج؛ قال: أخبرني عطاء الخراساني عن الزهري أن عمر وعثمان قالا: امرأة المفقود تتربص أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ويقسم ميراثه".
(1) في (ب): "وهل".
(2) في المطبوع: "لا يجب".
(3) حكاه عنه ابن رجب في كتابه "القول الصواب" (ص 54)؛ فانظره إن شئت.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب).
(3/176)

النفقة لا تسقط إلا بتيقن (1) الموت، ولم يوجد (2) ها هنا، وكذا ذكر صاحب "المغني"، وزاد: إن نفقتها لا تسقط بعد العدة أيضًا؛ لأنها باقية على نكاحه ما لم تتزوج أو يفرق الحاكم بينهما (3).
- (ومنها): أن النوم المستثقل (4) ينقض الوضوء؛ لأنه مظنة خروج الحدث؛ وإن كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطهارة.
وحكى ابن أبي موسى في "شرح الخرقي" وجهًا آخر: إن النوم نفسه حدث، لكن يعفى عن يسيره؛ كالدم ونحوه.
- (ومنها): إذا زنا من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، وادعى الجهل بتحريم الزنا؛ لم يقبل قوله لأن الظاهر يكذبه؛ وإن كان الأصل عدم علمه بذلك، (ومثله): إذا ادعت المعتقة تحت عبد الجهل بالعتق أو بثبوت الخيار، ومثلها لا يجهل ذلك؛ فإنه لا يقبل قولها.
- (ومنها): إذا زوج الولي (5) امرأة يعتبر إذنها لصحة العقد، ثم أنكرت الإِذن؛ فإن كان بعد الدخول؛ لم يقبل قولها لأن تمكينها يكذبها، وإن كان قبله، فإن كان إذنها السكوت، [أو أقرت بأنها سكتت، ولكن] (6) ادعت أن سكوتها كان حياءً لا رضًا؛ لم يقبل قولها، نص عليه أحمد في
__________
(1) في المطبوع و (ب) و (ج): "بيقين".
(2) في المطبوع: "ولم توجد".
(3) انظر: "المغني" (8/ 105 - 106/ 6350).
(4) في المطبوع: "المنثقل".
(5) في المطبوع: "المولى".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج)، وبدله في المطبوع "و".
(3/177)

"رواية الأثرم"؛ لأن السكوت في حكم الشارع إقرار به ورضا؛ فلا يسمع (1) دعوى خلافه، وإن ادعت أنها ردت أو كان إذنها النطق فأنكرته؛ فقال القاضي: القول قولها؛ لأن الأصل معها، ولم يوجد ظاهر يخالفه.
- (ومنها): لو ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها في يوم معين بمهر مسمى وشهد به شاهدان، ثم ادعت عليه أنه تزوجها في يوم آخر معين بمهر مسمى وشهد به شاهدان، ثم اختلفا؛ فقالت المرأة: هما نكاحان؛ فلي المهران (2)، وقال الزوج: بل نكاح واحد تكرر عقده، فالقول قول الزوجة لأن الظاهر معها، وكذا لو شهدت بينة (3) أنه باعه هذا الثوب في يوم كذا بثمن، وشهدت بينة (3) أخرى أنه باعه منه في يوم آخر بثمن، فقال المشتري: هو عقد واحد كررناه، وقال البائع: بل هو عقدان؛ فالقول قول البائع؛ لأن الظاهر معه، ذكره أبو بكر والقاضي والأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يكون القول [قول الزوج] (4)؛ لأن الأصل عدم الفرقة بينهما، والأصل براءته من المهر الثاني (5).
القسم الرابع: ما خرج فيه خلاف في ترجيح الظاهر على الأصل
__________
(1) في (ج): "فلا تسمع".
(2) في (أ): "على المهرين"، وفي المطبوع: "ولي المهر".
(3) في (ج): "ببينة".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "قوله".
(5) نص كلامه رحمه اللَّه: "وينبغي أن يكون القول قوله؛ لأن الأصل عدم الفرقة بينهما، والأصل براءة ذمته مما زاد على المهر الثاني، ولا تستحق إلا نصفه؛ لأن الأصل عدم الدخول، ولم يثبت بينة ولا إقرار".
انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 231).
(3/178)

وبالعكس، ويكون ذلك غالبًا (1) عند تقاوم الظاهر والأصل وتساويهما (2)، وله صور كثيرة:
- (منها): إذا سخن الماء بنجاسة، وغلب على الظن وصول الدخان إليه؛ ففي كراهته وجهان، أشهرهما أنه يكره.
- (ومنها): لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء، وشك؛ هل ولغ فيه أم لا، وكان فيه رطبًا؛ فهل يحكم بنجاسة الماء لأن الظاهر ولوغه، أم بطهارتها لأنها الأصل؟
على وجهين ذكرهما الأزجي.
- (ومنها): إذا وقع في ماء يسير ما لا نفس له سائلة، وشك هل هو متولد من النجاسات (3) أم لا، وكان هناك بئر وحش، فإن كان إلى البئر أقرب أو هو بينهما بالسوية؛ فهو طاهر، وإن كان إلى الحش أقرب؛ فوجهان:
أحدهما: إنه نجس.
والآخر: إنه طاهر ما لم يعاين خروجه من الحش، نقل ذلك صاحب "المهم" (4) عن شيخه ابن تميم.
__________
(1) في (ج): "ظاهرًا".
(2) في المطبوع: "تساويهما".
(3) في المطبوع: "النجاسة".
(4) في (أ) و (ب) والمطبوع: "المبهم". وكذا وقع في موطنين في "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 234، 204)!! ولكنه سماه "المهم" في ترجمة مؤلفه، وهو عبد اللَّه بن أبي بكر الحربي، يعرف ب "كتيلة"، المتوفى سنة إحدى وثمانين وست مئة؛ فقال: "وشرح كتاب "الخرقي" وسماه المهم"، وسمي ب "المهم" في "المنهج الأحمد" (1/ 396)، =
(3/179)

- (ومنها): طين الشوارع، وفيه روايتان:
إحداهما: إنه طاهر، ونص [عليه أحمد] (1) في مواضع، وجعله أبو البركات في "شرحه" المذهب ترجيحًا للأصل، وهو الطهارة في الأعيان كلها.
والثانية: إنه نجس ترجيحًا للظاهر، وجعله صاحب "التلخيص" المذهب؛ حتى حكى عن ظاهر كلام الأصحاب: إنه لا يعفى عن يسيره. وأبدى احتمالًا بالعفو [عنه] (2) لمشقة الاحتراز، وحكى [عن] (3) ابن عقيل العفو عن يسيره، إلا [ما تحقق] (4) نجاسته من الأرض؛ فلا يعفى عنه.
وذكر صاحب "المهم" (5) عن ابن تميم أنه قال: إذا كان الشتاء، ولم يتعين (6) موضع النجاسة؛ ففي نجاسة الأرض روايتان، فإذا جاء الصيف؛ حكم بطهارتها رواية واحدة.
وللمسألة أصول تنبني عليها:
__________
= و"المقصد الأرشد" (2/ 26)، و"العبر" (5/ 335)، و"مرآة الزمان" (4/ 197)، و"الوافي بالوفيات" (17/ 78)، و"النذرات" (5/ 373)، و"الدر المنضّد" (ص 38 / رقم 102)، و"المدخل المفصل" (2/ 698، 983).
(1) في المطبوع: "أحمد عليه" بتقديم وتأخير.
(2) في (ج): "منه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج).
(4) في (ج): "مع تحقيق".
(5) في (أ) و (ب) والمطبوع: "صاحب المبهم"، وانظر ما قدمناه قريبًا.
(6) في (ج): "ولم يتيقن".
(3/180)

أحدها: ما ذكرنا من تعارض الأصل والظاهر.
والثاني: طهارة الأرض وغسالتها بماء المطر وغيره إذا لم يبق للنجاسة أثر، سواء كانت النجاسة التي على الأرض أثرًا أو عينًا على الصحيح من المذهب.
والثالث: طهارة النجاسة (1) بالاستحالة، وفي المذهب [فيه] (2) خلاف ينبني (3) عليه طهارة الطين إذا بقيت فيه عين النجاسة ثم استهلكت فيه حتى ذهب أثرها.
والرابع (4): طهارة الأرض بالجفاف والشمس والربح، وقد توقف فيه أحمد، وذهب كثير من الأصحاب إلى عدم طهارتها بذلك، وخالفهم صاحب "المحرر" في "شرح الهداية"، وينبني (5) على ذلك طهارة الأرض مع مشاهدة النجاسات (6) [فيها] (7)؛ وإن لم يصبها الماء، واللَّه أعلم.
- (ومنها): المقبرة المشكوك في نبشها إذا تقادم عهدها؛ هل يحكم بنجاستها لأن الظاهر نبشها، أو بطهارتها لأن الأصل عدمه؟
__________
(1) في (أ) و (ب): "والثاني: طهارة النجاسة"، وفي المطبوع: "والثاني" فقط، وسقط قوله: "طهارة النجاسة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (أ) والمطبوع: "يبنى".
(4) في (أ) و (ب) والمطبوع: "والثالث".
(5) في المطبوع: "ويبنى".
(6) في (ب): "النجاسة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/181)

على وجهين.
- (ومنها): ثياب الكفار وأوانيهم، وفيها روايات (1) عن أحمد:
أحدها (2): الإباحة ترجيحًا للأصل، وهو الطهارة.
والثانية: الكراهة (3) لخشية إصابة النجاسة لها؛ إذ هو الظاهر.
والثالثة: إن قوي الظاهر جدًّا؛ لم يجز استعمالها بدون غسل، وبتفرع على هذه الرواية روايتان:
إحداهما: إنه يمنع من استعمال ما ولى عوراتهم من الثياب قبل غسله دون ما علا منها.
والثانية: يمنع من استعمال الأواني والثياب مطلقًا ممن يحكم بأن ذبيحته ميتة؛ كالمشركين والمجوس دون غيرهم، وقال الخرقي في "شرحه" وابن أبي موسى: لا يجوز استعمال قدور النصارى؛ لاستحلالهم الخنزير. وزاد الخرقي: ولا أواني طبيخهم (4) دون أوعية الماء ونحوها مما يبعد إصابته للنجاسة (5). وزاد ابن أبي موسى: المنع من استعمال ثياب من لا تحل ذبيحته؛ كالمجوس مطلقًا، وما سفل من ثياب أهل الكتاب ولصق بأبدانهم حتى تغسل.
__________
(1) في المطبوع: "وفيها ثلاث روايات".
(2) في المطبوع: "إحداها".
(3) في المطبوع: "الكراهية".
(4) في (ب): "طبخهم".
(5) في المطبوع: "بالنجاسة".
(3/182)

- (ومنها): ثياب الصبيان ومن لا يتحرز من النجاسة، وفيه ثلاثة أوجه: الكراهة، وعدمها، والمنع حتى تغسل، وهو اختيار ابن أبي موسى.
- (ومنها): إذا شك المصلي في عدد الركعات، وفيه ثلاث روايات عن أحمد [رحمه اللَّه ورضي عنه] (1):
أحدها (2): إنه يبني على الأقل، وهو المتيقن؛ لأن الأصل عدم الزيادة المشكوك فيها.
والثانية: يبني (3) على غالب ظنه؛ للحديث الوارد في ذلك (4).
والثالثة: إن قوي الظن بإقرار غيره له عليه؛ بنى على غالب ظنه، وهو الإمام إذا أقره المامومون، وإن كان منفردًا؛ بنى على اليقين، وهي المشهورة في المذهب، فأما إن سبح [به] (5) اثنان من المأمومين؛ فإنه
__________
(1) ما بين المعقوفتين تفرد بها المطبوع.
(2) في المطبوع: "إحداها".
(3) في (ج): "ينبني".
(4) يشير المصنف إلى ما أخرجه الجاري في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان، رقم 6671)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 572)، وغيرهما؛ عن ابن مسعود رفعه: "إنّه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ؛ فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته؛ فليتحرَّ الصواب؛ فليُتمَّ عليه، ثم ليسجد سجدتين".
قال ابن حبان في "صحيحه" (6/ 387 - 388) عقبه: ". . . لأن التحري هو أن يشُك المرءُ في صلاته؛ فلا يدري ما صلى، فإذا كان كذلك عليه أن يتحرَّى الصواب، وليبن على الأغلب عنده، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام".
(5) في المطبوع: "له".
(3/183)

يرجع إليهما ما لم يتيقن صواب نفسه على الروايات كلها، وقال ابن عقيل: إنما يرجع إليهما إذا قلنا: يبني على غالب ظنه؛ لأن تنبيههما إنما يفيد غلبة الظن.
والأول أصح؛ لأن الرجوع إلى قولهما رجوع إلى بينة شرعية؛ فيترك الأصل لأجلها، كسائر البينات الشرعية، بخلاف غلبة الظن المجردة، وإذا (1) جوزنا [له] (2) العمل بالظن الغالب؛ فإنه يجوز له [تركه و] (3) العمل باليقين، صرح به القاضي في كتاب "أحكام القرآن" وغيره، ولو شهد اثنان من المأمومين على الإِمام أنه أحدث في الصلاة (4)، وأنكر هو وبقية المأمومين؛ أعادوا الصلاة كلهم، نص عليه في "رواية مُهَنَّأ"، واحتج بحديث (5) ذي اليدين (6) [وغيره] (7).
__________
(1) في المطبوع: "إذا" من غير واو.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "ترك".
(4) في المطبوع: "صلاته".
(5) في المطبوع: "بخبر".
(6) وهو حديث مشهور أخرجه البخاري في "صحيحه" (كتاب الأذان، باب هل يأخذ الإمام إذا شك يقول الناس، رقم 714، 715، وكتاب السهو، باب من لم يشهد في سجدتي السهو، رقم 1227، 1228، وكتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، رقم 7250)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 573)؛ عن أبي هريرة.
وقد تكلم عليه -رواية ودراية- الحافظ العلائي في كتابٍ مفرد مطبوع بتحقيقين، اسمه "نظم الفرائد".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب) و (ج).
(3/184)

- (ومنها): إذا شك في عدد الطواف، وفيه روايتان:
إحداهما: يرجع إلى الأصل، وهو المتيقن.
والثانية (1): يرجع إلى غالب ظنه؛ كالصلاة.
فإن أخبره اثنان [بما طاف] (2)؛ فهل يرجع إلى قولهما؟
على وجهين، والمنصوص أنه يرجع إليهما، وكذا الوجهان لو أخبر المصلي من ليس معه في الصلاة، هل يرجع إليهما أم لا؟
وفي "المغني": يرجع الطائف إلى خبر الثقة الواحد العدل؛ لأنه خبر ديني؛ فلا يشرط [فيه التعدد] (3)، وإنما اشترطنا العدد في الصلاة؛ لخبر ذي اليدين، فبقي ما عداها على الأصل (4).
- (ومنها): لو وجد في دار الإِسلام ميت مجهول الدين، فإن لم
__________
(1) في المطبوع: "والثاني".
(2) في (ج): "بمطاف".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "العدد".
(4) قال ابن قدامة في "المغني" (3/ 187/ 2463، 3/ 392 - مع "الشرح الكبير"): "إن شك في عدد الطواف؛ بني على اليقين. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، ولأنها عبادة؛ فمتى شك فيها وهو فيها بنى على اليقين؛ كالصلاة، وإن أخبره ثقة عن عدد طوافه؛ رجع إليه إذا كان عدلًا، وإن شك في ذلك بعد فراغه من الطواف؛ لم يلتفت إليه؛ كما لو شك في عدد الركعات بعد فراغ الصلاة".
قلت: انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 52). وانظر: "المجموع" (8/ 22/ ط المكتبة السلفية).
(3/185)

يكن عليه علامة [إسلام ولا كُفْر] (1)، أو تعارض فيه علامتا (2) الإسلام والكفر؛ صُلِّي عليه، نص عليه (3)، فإن كان عليه [علامة] (4) الكفر خاصة؛ فمن الأصحاب من قال: يصلى عليه، والمنصوص عن أحمد أنه [يدفن من غير صلاة] (5)، وهذا يرجع إلى تعارض الأصل والظاهر؛ إذ الأصل في [أهل دار] (6) الإسلام الإسلام، والظاهر في هذا الكفر، ولو كان الميت في دار الكفر، فإن كان عليه علامات الإسلام؛ صُلِّي عليه، وإلا؛ فلا، نص عليه (7) في "رواية علي بن سعيد"، وهذا ترجيح للظاهر على الأصل ها هنا؛ كما رجحه في الصورة الأولى، ولم يرجح الأصحاب هنا الأصل كما رجحوه ثَمَّ؛ لأن هذا الأصل قد عارضه أصل آخر، وهو أن الأصل في كل مولود أنه يولد على الفطرة.
- (ومنها): إذا اختلف الزوجان في [قدر] (8) المهر ولا بينة؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول الزوج؛ لأنه منكر وغارم، والأصل براءة ذمته
__________
(1) في المطبوع: "الإسلام ولا الكفر".
(2) في المطبوع و (ب) و (ج): "علامة".
(3) في (ج): "نص عليه أحمد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "لا يصلى عليه، ويدفن".
(6) سقطت كلمة "أهل" من المطبوع، وفي (ج): "دار أهل".
(7) في المطبوع: "نص عليه أحمد".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/186)

من القدر الزائد على ما يقر (1) به.
والثانية: القول قول [مدعي] (2) مهر المثل؛ لأن الظاهر معه.
- (ومنها): إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، وقال الزوج: أسلمنا معًا؛ فنحن على نكاحنا، وقالت الزوجة: بل على التعاقب؛ فلا نكاح؛ فوجهان:
أحدهما: القول قول الزوج؛ لأن الأصل معه.
والثاني: القول قول الزوجة، لأن الظاهر معها؛ إذ [وقوع إسلامها معًا] (3) في آن واحد نادر، والظاهر خلافه.
- (ومنها): إذا خلا بامرأته وصدقته أنه لم يطأها، وقلنا: لا يتقرر بذلك المهر على رواية سبقت، وكان [له منها] (4) ولد؛ فهل يتقرر المهر بذلك لأن الغالب أن الولد إنما ينعقد عن الاصابة، أو لا لأن الأصل عدم إصابتها ويحتمل أنه سبق الماء إلى فرجها فانعقد الولد (5)؟
على وجهين ذكرهما القاضي في "المجرد"، وفيه نظر؛ فإن سبق الماء إلى الفرج إنما يكون بعد ما تقرر المهر من وطء دون الفرج كما سبق تقريح، والأظهر في تعليل عدم تقرر (6) المهر أن يقال: الولد يثبت نسبه
__________
(1) في المطبوع و (ب): "ما يقرر به".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "من يدعي".
(3) في المطبوع: "وقوع الإسلام معًا"، وفي (ج): "وقوعهما" فقط.
(4) في (ب): "لها منه".
(5) في المطبوع: "فانعقد به الولد".
(6) في (ج): "تقرير".
(3/187)

بمجرد الإمكان، بخلاف استقرار المهر.
- (ومنها): لو زوج رجل وليته، ثم ظهرت معيبة، فادعى (1) الولي أنه لم يعلم عيبها؛ ففيه وجهان:
أحدهما: القول [قوله مع يمينه] (2)؛ لأن الأصل معه؛ إلا أن يكون العيب جنونًا، ويكون الولي ذا اطلاع عليها؛ فلا يقبل قوله، وهو اختيار صاحب "المغني" (3).
والثاني: إن كان الولي قريبًا؛ كالأب والجد والابن؛ لم يقبل قوله مطلقًا لأن الظاهر يكذبه، وإن كان بعيدًا؛ قبل [قوله] (4) مع يمينه، وهو قول القاضي، ووافقه ابن عقيل؛ إلا أنه فصل بين عيوب الفرج وغيرها؛ فسوى بين الأولياء كلهم في عيوب الفرج، بخلاف غيرها.
- (ومنها): إذا اختلط مال حرام بحلال، وكان الحرام أغلب؛ فهل يجوز التناول منه أم لا؟
على وجهين؛ لأن الأصل في الأعيان الإباحة، والغالب ها هنا الحرام، قال أحمد في "رواية حرب": إذا كان أكثر ماله النهب أو الربا ونحو ذلك؛ فكأنه ينبغي له أن يتنزه عنه؛ إلا أن يكون شيئًا يسيرًا أو شيئًا لا يعرف، وقريب من هذا إذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس وكان الطاهر أكثر؛
__________
(1) في المطبوع: "وادَّعى".
(2) بدل ما ين المعقوفنبن في المطبوع: "قول الولي مع بينته".
(3) انظر: "المغني" (7/ 144/ 5510).
(4) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(3/188)

فإن في جواز التحري روايتين، وظاهر (1) كلام أحمد في "رواية المروذي" جوازه، واختاره أبو بكر وابن (2) شاقلا (3) وأبو علي النجاد، وصححه ابن عقيل، لكن هنا اعتضد أصل الطهارة بأن (4) الظاهر إصابة الطاهر؛ لكثرته.
- (ومنها): إذا قذف مجهول النسب، وادعى رقه، وأنكر المقذوف؛ فهل يحد؟
على روايتين؛ لأن الأصل عدم لزوم الحد، والأغلب على الناس الحرية، أو يقال: الأصل فيهم الحرية؛ فيكون إذًا (5) من باب تعارض الأصلين.
- (ومنها): إذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، ولم يقصد بالثانية تأكيدًا ولا إيقاعًا، بل أطلق النية؛ فقال الأصحاب: تطلق اثنتين؛ لأنه موضوع (6) للإيقاع؛ كاللفظ الأول، ولهذا يقال: إذا دار الأمر بين التأسيس والتأكيد؛ فالتأسيس أولى، وهذا يرجع إلى الحمل على الظاهر، مع [أن الأصل] (7) بقاء الزوجية وعدم وقوع الثانية والثالثة إذا كرره (8) ثلاثًا؛ فيتوجه أن يخرج رواية أخرى بوقوع واحدة مع الإطلاق لأنه
__________
(1) في (ب): "فظاهر".
(2) في (ب): "أبو بكر بن".
(3) في المطبوع: "ابن شافلا"!
(4) في المطبوع: "فإن".
(5) في المطبوع: "ذا".
(6) في (ج): "موضع".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) في المطبوع: "كرر"، وفي (ج): "قرره".
(3/189)

المتقين.
ويشهد [له] (1) ما نقله صالح عن أبيه: أنه قال: إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، وقد دخل بها؛ فهو على ما أراد إن كان أراد إفهامها؛ فهو الذي أراد، وإن أراد غير ذلك؛ فهو على ما أراد (2)؛ فلم يوقع الثانية بدون النية.
وقد حكى أبو بكر عبد العزيز فيما إذا قال: أنت طالق، بل أنت طالق، وأطلق النية: إنه لا يلزمه أكثر من واحدة، فإن نوى بالثانية طلقة أخرى؛ فهل تلزمه (3) أم لا؟
على قولين؛ لأنه إعادة اللفظ الأول بعينه؛ فلا يحتمل التكرار، كذلك حكاه القاضي عنه في "كتاب الروايتين" (4)، ويلزم من ذلك إنه إذا قال: أنت طالق، وكرره وأطلق النية: أنه لا يلزمه أكثر من واحدة.
وها هنا مسألة حسنة، نص عليها أحمد في "رواية ابن منصور": إذا (5) قال لامرأته: أنت طالق، بل أنت طالق؛ قال: هي تطليقتان (6)، هذا كلام
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) نص كلام الإمام أحمد رحمه اللَّه في "مسائل صالح" (1/ 441/ 436) فيمن قال لامرأته: أنت طالق -ثلاث مرات-: ". . . وإن كانت مدخولًا بها، فأراد أن يفهمها ويعلمها، ويريد بذلك الأولى واحدة؛ فأرجو أن تكون واحدة، وإلا، فثلاث".
وانظر المسألة في: "مسائل عبد اللَّه" أيضًا (360/ 1324).
(3) في المطبوع: "يلزمه".
(4) انظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (2/ 163 - 164/ 99).
(5) في المطبوع: "فيما إذا".
(6) في (ب): "تطلقتان"!
(3/190)

مستقيم، وإن قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق؛ هي واحدة، والفرق بينهما أن (بل) من حروف العطف إذا كان بعدها مفرد، وهي هنا كذلك؛ لأن اسم الفاعل من المفردات، وإن كان متحملًا (1) لضمير بدليل أنه يعرب والجمل لا تعرب، ولأنه لا يقع صلة، ولو كان جملة؛ لوقع صلة، وحينئذ؛ فيكون ما بعده معطوفًا على ما قبله، وقد أوقع قبله واحدة ثم عطف عليها أخرى؛ فتقع اثنتنان؛ كما لو أتى بواو العطف.
وهذا معنى قول أحمد: "هذا كلام مستقيم"، يعني أنه نسق [معطوف بعضه] (2) على بعض؛ كسائر المعطوفات (3) بالواو وثم ونحوهما، وأما قول النحويين: إن ما قبله يصير مسكوتًا عنه غير مثبت ولا منفي؛ فهذا (4) فيما يقبل النفي بعد إثباته، والطلاق ليس كذلك؛ فتعين إثبات الأول وعطف الثانية عليه، وأما إذا قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق؛ فقد صرح بنفي الأول، ثم أثبته بعد نفيه؛ فيكون المثبت هو المنفي بعينه، وهو الطلقة الأولى؛ فلا يقع به طلقة ثانية، وهو قريب من معنى الاستدراك، كأنه نسي أن الطلاق الموقع لا ينفي؛ فاستدرك وأثبته لئلا يتوهم السامع أن الطلاق قد ارتفع بنفيه؛ فهذا إعادة الأول (5) لا استئناف طلاق.
__________
(1) في (ج): "محتملًا".
(2) في (ج): "معطوف بعظه"، وفي (ب): "معطوفة بعضه"، وفي المطبوع: "بعضه" فقط.
(3) في المطبوع: "المعطوف".
(4) في (ب): "وهذا".
(5) في المطبوع و (ج): "للأول".
(3/191)

- (ومنها): إذا قال: الطلاق يلزمني، أو أنت الطلاق؛ فهل يلزمه واحدة أو الثلاث؟
على روايتين؛ لأن الألف واللام قد يراد بها العهد؛ أي: الطلاق المعهود المسنون، وهو الواحدة، ويراد بها مطلق الجنس، ويراد بها استغراق الجنس، لكنها في الاستغراق والعموم أظهر، والمتيقن من ذلك الواحدة، والأصل بقاء النكاح.
وعلى رواية وقوع الثلاث، فلو نوى به ما دونها؛ فهل يقع به ما نواه خاصة، أو يقع به الثلاث ويكون ذلك صريحًا في الثلاث؟
فيه طريقان للأصحاب، ولو قال: الطلاق يلزمني، وله أكثر من زوجة؛ فإن كان هناك نية أو سبب يقتغي التعميم أو التخصيص؛ عمل به، ومع فقد النية والسبب خرجها بعض الأصحاب على الروايتين في وقوع الثلاث بذلك على الزوجة الواحدة؛ لأن الاستغراق في الطلاق يكون تارة في نفسه وتارة في محله، وقد فرق بعضهم بينهما بأن عموم المصدر لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته؛ لأنه يدل على أفراده بذاته عقلًا ولفظًا، وإنما يدل على مفعولاته بواسطة؛ فلفظ الأكل والشرب مثلًا يعم الأنواع منه، والأعداد أبلغ من عمومه المأكول والمشروب إذا كان عامًّا؛ فلا يلزم من عمومه لأفراده [وأنواعه عمومه لمفعولاته] (1)، ذكر ذلك كله الشيخ تقي الدين [رحمه اللَّه] (2) بمعناه (3).
__________
(1) في المطبوع: "عموم أنواع مفعولاته"، في (ج): "وأنواعه عموم لمفعولاته".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 258).
(3/192)

وفي موضع آخر قوى (1) وقوع الطلاق بجميع الزوجات دون وقوع الثلاث بالزوجة الواحدة، وفرق بأن وقوع الثلاث بالواحدة محرم، بخلاف وقوع الطلاق بالزوجات المتعددات (2)، وقد يقال: إن [قوله] (3): الطلاق يلزمه؛ وإن كان صيغة عموم؛ لكن إذا لم ينو عمومه (4)؛ كان مخصصًا بالشرع عند من يرى تحريم (5) جمع الثلاث، وهو ظاهر المذهب؛ فتكون المسألة حينئذ من صور التخصيص بالشرع، وقد ذكرنا نظائرها في قاعدة سبقت.
- (ومنها): إذا قال: زوجتي طالق، أو عبدي حر، وله زوجات (6) وعبيد؛ فالمنصوص أنه يقع الطلاق والعتاق (7) بالجميع؛ إلا أن ينوي عددًا معينًا لأن اسم الجنس المضاف للعموم؛ فهو كالجمع المعروف.
وذكر (8) صاحب "المغني" احتمالًا ورجحه: إنه لا يقع الطلاق والعتاق مع إطلاق النية إلا بواحد؛ لأن اللفظ صالح للواحد والجمع (9)؛ فحمله على الواحد أولى لأنه المتيقن، ولو كان الجمع أظهر فيه ترجيحًا
__________
(1) في (أ): "يؤدي".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 259).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في (أ): "عموم".
(5) في المطبوع و (ب) و (ج): "يحرم"، وفي (ج): "يحرم جميع".
(6) في المطبوع: "زوجتان".
(7) في المطبوع: "والعتق".
(8) في المطبوع: "ذكر".
(9) في المطبوع: "والجميع".
(3/193)

للأصل على الظاهر (1).
- (ومنها): إذا قال: له عندي درهم ودرهم ودرهم؛ فهل يلزمه درهمان أو ثلاثة؟
على وجهين ذكرهما أبو بكر في "الشافي"، ونزلهما صاحب "التلخيص" على تعارض الأصل والظاهر؛ فإن الظاهر عطف الثالث على الثاني، ويحتمل إرإدة التكرار به لأنه بلفظه؛ فيحمل عليه عند الإطلاق لأنه اليقين، [قال] (2): ولو قال: أردت بالثالث تكرار الثاني؛ قبل على الوجهين لاحتماله، وذكر صاحب "المغني" في الطلاق احتمالًا: إنه لا يقبل إرادة التكرار والتأكيد مع حرف العطف، لمخالفته للظاهر (3)؛ لأن ظاهر العطف يقتضي المغايرة (4).
* * *
__________
(1) انظر: "المغني" (7/ 382/ 6042).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع و (ج): "لمخالفة الظاهر".
(4) انظر: "المغني" (7/ 369/ 6010).
(3/194)

(القاعدة الستون بعد المئة)
تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداءً لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق (1)، ويستعمل أيضًا في تمييز المستحق المعين في نفس الأمر عند اشتباهه والعجز عن (2) الاطلاع عليه، وسواء في ذلك الأموال والأبضاع (3) في ظاهر المذهب.
__________
(1) قال ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 352 - ط العسكري): "إن الحقوق إذا تساوت على وجهٍ لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة، صح استعمالها فيها"، ثم ذكر في (ص 372) خلافًا: هل "القرعة كاشفة أو منشئة؟ "، وضابط ما تدخله القرعة -على حد قول القرافي في "الفروق" (4/ 114) -: "التساوي مع قبول الرضى بالنفل، وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة".
وانظر: "المنثور" (3/ 620) للزركشي، و"المبسوط" (17/ 41)، و"موسوعة القواعد الفقهية" (1/ 386).
(2) في المطبوع: "على".
(3) والقاعدة عند الفقهاء: (الأصل تحريم الأبضاع)، وهي مستثناة من قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة).
انظر عنها: "المنثور" (1/ 77) للزركشي، و"الموافقات" (1/ 400 - بتحقيقي)، و"الأشباه والنظائر" (ص 60) للسيوطي، و (ص 67) لابن نجم، و"موسوعة القواعد الفقهية" (2/ 117).
(3/195)

وفي الأبضاع قول آخر: إنه لا تؤثر القرعة في حل المعين منها في الباطن، ولا تستعمل (1) في الحاق النسب عند الاشتباه على ظاهر المذهب، ويستعمل في حقوق الاختصاص والولايات ونحوها، ولا تستعمل في تعيين الواجب المبهم من العبادات ونحوها ابتداءً، وفي الكفارة (2) وجه ضعيف: إن القرعة تميز اليمين المنسية.
ونحن نذكر ها هنا مسائل القرعة المذكورة في المذهب من أول الفقه إلى آخره بحسب الإمكان، واللَّه الموفق:
- (منها): إذا اجتمع محدثان حدثًا أكبر أو أصغر، وعندهما ما يكفي أحدهما، ولا اختصاص لأحدهما به؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يقترعان عليه؛ لاستوائهما في الحاجة إليه.
والثاني: يقسم بينهما.
ولو كان أحدهما جنبًا والآخر محدثًا حدثًا أصغير، وكان الماء يكفي كل واحد منهما (3) ويفضل عنه فضلة لا يكفي الآخر؛ ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: المحدث أولى؛ لأن فضلته يمكن الجنب استعمالها، بخلاف فضلة الجنب؛ فإنها (4) لا ترفع حدث المحدث ولا شيئًا منه.
والثاني: الجنب أولى؛ لغلظ حدثه.
__________
(1) في المطبوع: "ولا يستعمل".
(2) في (ج): "الكفارات".
(3) أي: بمفرده.
(4) في المطبوع: "فإنما".
(3/196)

والثالث: هما سواء؛ فيقرع بينهما (1)، أو يعطيه باذل الماء لمن شاء منهما، قال صاحب "التلخيص": هذه المسألة صورها جماعة من أصحابنا في ماء مباح أو مملوك أراد مالكه بذله لأحدهم، وفيه نظر؛ فإن المباح قبل وضع الأيدي عليه لا ملك فيه، وبعد وضع الأيدي للجميع والمالك له ولاية صرفه إلى من شاء؛ قال: ويتصور ذلك عندي في الوصية بالماء لأولاهم به. انتهى.
ويتصور أيضًا في النذر لأولاهم (2) والوقف عليه، وفيما إذا طلب المالك معرفة أولاهم ليؤثره [به] (3)، وفيهما إذا وردوا (4) على مباح وازدحموا وتشاحوا في التناول أو لا.
- (ومنها): إذا تشاحوا في الأذان مع تساويهم [في الصفات] (5) المرجح بها فيه؛ فإنه يقرع بينهم، نص عليه أحمد في "رواية أبي داود" (6)
__________
(1) انظر: "الكافي" (1/ 71 - 72)، و"المغني" (1/ 278)؛ وهذا مذهب الشافعية، كما في "المجموع" (2/ 276)، و"نهاية المحتاج" (1/ 2560)، و"أسنى المطالب" (1/ 79).
(2) في المطبوع: "لأولاهم به".
(3) ما بين المعقوفتين ليس في (ج).
(4) في المطبوع: "إذا ما وردوا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في "مسائل أبي داود" (ص 28): "قال أبو داود: رأيت رجلين تشاحا في الأذان عند أحمد؛ فقالا: نجمع أهل المجد، فننظر من يختارون؟ قال أحمد: لا، ولكن اقترعا، فمن أصابته القرعة؛ أذن، كذلك فعل [سعد] بن أبي وقاص".
وانظر في المسألة: "المغني" (1/ 442 - 443)، و"الكافي" (1/ 103)، =
(3/197)

وأبي طالب ومحمد بن موسى، واحتج بأن سعدًا أقرع بينهم في الأذان يوم القادسية (1)، ونص في "رواية أبي داود" على تقديم القرعة على اختبار الجيران (2)، وفي "رواية محمد بن موسى" (3) على أن المتعاهد للمسجد بالعمارة أحق.
- (ومنها): إذا اجتمع عراة ومع واحد [منهم] (4) ثوب قد صلى فيه؛ استحب له إعارته لرفقائه، فإن ضاق الوقت وفيهم من يصلح للإمامة؛ استحب [له] (4) إعارته، فيصلي فيه إماما والعراة خلفه، فإن استووا، أو لم (5)
__________
= و"المبدع" (1/ 315)، وهذا مذهب المالكية، كما في "مواهب الجليل" (1/ 453)، و"حاشية العدوي على الخرشي" (1/ 235)، والشافعية؛ كما في "المجموع" (3/ 80)، و"روضة الطالبين" (1/ 206)، و"أسنى المطالب" (1/ 132)، وهو الراجح.
(1) ذكر ذلك البخاري في "صحيحه" (كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان، 2/ 96 - مع "الفتح") تعليقًا.
قلت: وصله البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 428) -ومن طريقه ابن حجر في "تغليق التعليق" (2/ 265 - 266)، وأبو عبيد -كما في "الفتح" (2/ 96) -، وأبو حفص العكبري -كما في "الأحكام السلطانية" (ص 25) لأبي يعلى- بإسناد منقطع.
وقد وصله الطبري في "تاريخه" (3/ 566) من طريق سيف بن عمر في "الفتوح"، وهو متكلم فيه.
(2) وفي "الإنصاف" (1/ 411): "وقال في "المنور" و"المنتخب": ويقدم. . . ثم يرتضي الجيران، ثم القارع"، وكذا في "الفائق" و"تذكرة ابن عبدوس"، قال المرداوي: "وهو المذهب".
(3) في المطبوع: "ابن أبي موسى".
(4) في المطبوع: "ميتين"!
(5) في (ج) والمطبوع: "ولم".
(3/198)

يكن الثوب لواحد منهم؛ أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة؛ فهو أحق به، ذكره في "المغني" (1).
- (ومنها): إذا استوى اثنان في الصفات المرجح بها في الإمامة من [كل] (2) وجه وتشاحا؛ أقرع بينهما؛ كما في الأذان (3).
- (وكذلك): إذا اجتمع اثنان من أولياء الميت واستويا وتشاحا في الصلاة عليه؛ أقرع بينهما، ولو ولي إمامة المسجد رجلان؛ صح، وكانا في الإمامة سواء، وأيهما سبق إليها؛ كان أحق بها، فإن حضرا معًا؛ احتمل أن يقرع بينهما فيقدم من قرع منهما، واحتمل أن يرجع إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما، ذكر ذلك القاضي في "الأحكام السلطانية" (4).
__________
(1) انظر: "المغني" (1/ 348/ 830).
وهو مذهب الشافعية، انظر: "المجموع" (3/ 187).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) انظر: "الكافي" (1/ 188)، و"المغني" (2/ 20)، و"المبدع" (2/ 62).
وهذا اختيار شح الإسلام ابن تيمية؛ كما في "مجموع الفتاوى" (28/ 264)، وهو مذهب المالكية؛ كما في "حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 457)، والشافعية؛ كما في "أسنى المطالب" (1/ 220)، و"مغنى المحتاج" (1/ 243)، والحنفية؛ كما في "عمدة القارئ" (5/ 24)، و"الفتاوى الهندية" (1/ 83)، وأكثر الحنفية يقدّمون أحسنهم وجهًا، واعتمدوا علي أدلة ضعيفة.
انظر: "فيض القدير" (1/ 540 - 541) للمناوي.
(4) انظر منه: (ص 25). وانظر أيضًا: "المغني" (2/ 368 - 369)، و"الإنصاف" (2/ 476)، و"الكافي" (1/ 260).
والقرعة في هذه المسألة مذهب المالكية، انظر: "شرح الخرشي" (2/ 143)، و"التاج والإكليل" (2/ 251 - بهامش "مواهب الجليل"). ومذهب الشافعية أيضًا، انظر: =
(3/199)

- (ومنها): إذا قدم بميتين (1) إلى مكان من مقبرة مسبلة (2) في آن واحد، ولم يكن لأحدهما هناك مزية من أهل مدفونين عنده أو نحو ذلك؛ فإنه يقرع بينهما، صرح به الأصحاب، وكذلك إذا دفن اثنان في قبر واحد واستويا في الصفات؛ فإنه يقدم أحدهما إلى القبلة بالقرعة؛ كما فعل معاذ ابن جبل بامرأتيه (3).
- (ومنها): إذا اجتمع ميتان، فبذل لهما كفنان، وكان أحد الكفنين أجود من الآخر، ولم يعين الباذل مالكل واحد منهما؛ فإنه يقرع بينهما [كما وردت] (4) السنة بذلك؛ فروى الإِمام أحمد في "المسند" من حديث الزبير أنه [قال] (5). لما كان يوم أحد؛ أقبلت صفية (يعني: أمه)، فأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة؛ فكفنوه فيهما، قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار
__________
= "روضة الطالبين" (2/ 122)، و"مغني المحتاج" (1/ 347)، و"أسنى المطالب" (1/ 316 - 317).
بينما ذهب الحنفية إلى أنه يقدم أكبرهم سنًّا، انظر: "بدائع الصنائع" (2/ 791)، و"البناية" (2/ 982)، ومذهب الجمهور أرجح، واللَّه أعلم.
(1) في المطبوع: "ميتين".
(2) في (أ): "فسأله".
(3) أخرجه ابن أبي الدنيا في "العيال" (رقم 514) بسندٍ منقطع، وأفاد المرداوي في "الإنصاف" (2/ 552) أن هذا الصحجح من المذهب، وقال: "وقال المجد -وتبعه في "مجمع البحرين" وصاحب "القواعد الفقهية". . . " (وذكره).
والقرعة في هذه المسألة مذهب المالكية؛ كما في "شرح الخرشي" (2/ 134).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لما ورد في".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/200)

قتيل قد فعل به [كما] (1) فعل بحمزة؛ قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن يكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له؛ فقلنا (2): لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما؛ فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما؛ فكفنا كل واحد [منهما] (3) في الذي طار له (4).
وقد ذكره الأثرم للإمام أحمد لما عدد أحاديث القرعة؛ فعرفه أحمد وعده معها، وهذا يشعر بأنه يأخذ به (5).
__________
(1) في المطبوع و (ب): "ما".
(2) في المطبوع: "فقال".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) أخرجه أحمد (1/ 165)، والبزار (رقم 980)، وأبو يعلى (2/ رقم 686)، والشاشي (رقم 44) في "مسانيدهم"، والدينوري في "المجالسة" (رقم 2796)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (4/ 388 - ط دار الفكر): بسندٍ في ضعف؛ فيه ابن أبي الزناد، تغير حفظه، لكن تابع يحيى بن زكربا بن أبي زائدة؛ قال: أنبأنا هشام بن عروة، عن عروة، عن الزبير، به، عند البيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 401). وسنده صحيح، قاله شيخا الألباني في "الإرواء" (3/ رقم 711). قلت؛ وتابعه أيضًا يونس؛ كما عند البيهقي في "الدلائل" (3/ 289 - 290). قال الهيثمي في "المجمع" (6/ 118): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف وقد وثق". قلت: تابعه اثنان كما تقدم؛ فصحّ الأثر، وللَّه الحمد. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (3/ رقم 1418).
(5) انظر: "المبدع" (6/ 320 - 321).
والقرعة مذهب الشافعية أيضًا، انظر: "المجموع" (5/ 190)، و"نهاية المحتاج" (2/ 454)، و"حاشية الرملي على أسنى المطالب" (1/ 308).
ومما فات المصنف ذكره في (الجنائز):
* حضرت جنائز؛ فللإمام أن يصلي على كل واحدة على انفراد، وجائز أن يصلي على الجميع، لكن إذا تساويا؛ فمن يقدّم؟ =
(3/201)

- (ومنها): لو (1) اشتبه عبده بعبد غيره؛ فهل يصح بيع عبده المشتبه من [مالك] (2) الآخر قبل تمييزه أم [لا] (3)؟
قال القاضي في "خلافه" (4): يحتمل (5) أن لا يصح العقد حتى يقع التمييز وبماذا يقرع، يحتمل أن يقرع بينهما؛ فيعين بالقرعة، ثم يبيعه؛ لأنه قد اختلط المستحق بغيره، ويحتمل أن يقف على المراضاة، ولو سلمناه؛
__________
= يقرع ببنهما، كما في "الإنصاف" (2/ 517)، وهو مذهب المالكية؛ كما في "شرح الخرشي" (2/ 134)، و"مواهب الجليل" (1/ 236)، والشافعية؛ كما في "روضة الطالبين" (2/ 122)، و"أسنى المطالب" (1/ 317).
* اتفق الفقهاء على أن أولياء الميت هم الأحق بغسله، لكن إذا ناوى الأولياء في الدرجة، وتشاحوا في غسله، ذكره الحنابلة إلى أنه يقرع بينهم.
انظر: "المبدع" (2/ 222)، وهذا مذهب المالكية؛ كما في "شرح الخرشي" (2/ 116)، والشافعية؛ كما في "نهاية المحتاج" (2/ 442).
* مات له قريبان أو زوجتان متساويان في الفضيلة في وقت واحد بهدمٍ أو غرق، وأراد غسل إحداهما؛ بمن يبدأ؟.
في المذهب: قدم أسنهم، وإن اسنووا؛ بالقرعة؛ كما في "الإنصاف" (2/ 468)، وهو مذكره الشافعية. انظر: "المجموع" (5/ 130 - 131)، وفي المطبوع: "أخذ به".
(1) في المطبوع: "ولو".
(2) في المطبوع: "مال".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) نقله عنه المرداوي في "الإنصاف" (4/ 321).
(5) الاحتمال في معنى الوجه؛ إلا أن الوجه مجزوم الفتيا به، كذا في "الإنصاف" (1/ 6).
(3/202)

فلأن الجهالة هنا بغير فعله؛ فعفي (1) عنها؛ قال: وأجود ما يقال فيه (2): إنهما يبيعان العبدين ويقتسمان الثمن على قيمة العبدين، كما قلنا [فيما] (3) إذا اختلط [زيت أحدهما] (4) بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر: إنهما يبيعان الزيت ويقتسمان الثمن على القيمة (5). انتهى.
- (ومنها): إذا ادعى الوديعة اثنان، فقال المودع: لا أعلم لمن هي منكما؛ فإنه يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه؛ حلف وأخذها، نص عليه أحمد، وهي من فروع مسألة تداعي عين بيد ثالث يعترف (6) بأنها لأحدهما، وسنذكرها إن شاء اللَّه [تعالى] (7).
- (ومنها): إذا [استبق اثنان] (8) إلى الجلوس بالأماكن المباحة؛ كالطرق الواسعة ورحاب المساجد (9) ونحوها لمعاش أو غيره؛ فالمذهب أنه
__________
(1) في (ب): "يعفى".
(2) في المطبوع: "فيها".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "زيته".
(5) في المطبوع: "على قدر القيمة".
وانظر في المسألة: "الإنصاف" (4/ 350 - 351).
وعند الشافعية وجهان، أصحهما أن البيع باطل، والآخر أنه كبيع الغائب، وفيه خلاف. وانظر: "المجموع" (9/ 287).
(6) في (ج): "معترف".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (أ).
(8) في المطبوع: "سبق اثنان"، وسقطت كلمة "اثنان" من (ب).
(9) في (ب): "المسجد".
(3/203)

يقدم أحدهما بالقرعة، وفيه وجه بتقديم السلطان لمن يرى منهما بنوع من الترجيح، وكذلك لو استبقا إلى موضع في رباط مسبل أو خان أو استبق فقيهان إلى مدرسة أو صوفيان إلى خانكاه، [ذكره الحارثي] (1)، [وهذا يتوجه] (2) على أحد الاحتمالين اللذين (3) ذكرهما في المدارس والخوانق. المختصة بوصف معين: أنه لا يتوقف الاستحقاق فيها على تنزيل ناظر، فأما (4) على الوجه [الآخر] (2)، وهو توقف الاستحقاق على تنزيله؛ فليس إلا ترجيحه بنوع (5) من الترجيحات، وقد يقال: إنه يرجح (6) بالقرعة مع التساوي.
- (ومنها): إذا استبق (7) اثنان إلى معدن مباح أو غيره من المباحات، وضاق المكان إلا عن أحدهما؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يقترعان عليه، اختاره صاحب "المغني" (8).
والثاني: قاله القاضي، وإن كان أحدهما للتجارة؛ هايأ (9) الإمام
__________
(1) في المطبوع: "ذكره الحارث"، وفي (ج): "ذكرهما الحارثي".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "الذي"، وفي (ج): "الذين".
(4) في (ج): "وأما".
(5) في المطبوع: "ترجيحه له بنوع".
(6) في المطبوع: "يرجع".
(7) في المطبوع: "سبق".
(8) انظر: "المغني" (5/ 335/ 4345).
(9) المهيأة: قسمة المنافع، وهي نوعان: زمانية؛ فيكون لهذا يوم ولهذا يوم، كما =
(3/204)

بينهما باليوم أو الساعة بحسب ما يرى؛ لأنه يطول، وإن كان للحاجة؛ [فاحتمالات:
أحدها] (1): يقرع بينهما.
والثاني: ينصب من يأخذ لهما ثم يقسم.
والثالث: يقدم من يراه أحوج وأولى.
وأما إن وقعت أيديهما على المباح؛ فهو بينهما بغير خلاف، وإن كان في كلام بعض الأصحاب ما يوهم خلاف ذلك؛ فليس بشيء (2).
- (ومنها): إذا اجتمع اثنان بين نهر مباح لكل منهما أرض يحتاج إلى السقي منه، وكانا متقابلين، ولم يمكن قسمة الماء بينهما؛ أقرع بينهما، فقدم من له القرعة، فإن كان لا يفصّل عن أحدهما؛ سقى من له القرعة بقدر حقه من الماء، ثم تركه للآخر؛ لأنه (3) يساويه في استحقاق الماء، وإنما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق، بخلاف الأعلى مع الأسفل؛ فإنه ليس للأسفل حق إلا فيما فضل عن الأعلى، وهنا
__________
= في مسألتنا، ومكانية: كدار بين اثنين، يسكن أحدهما في طرفها، والآخر في الطرف الآخر. انظر: "القاموس الفقهي" (ص 369).
(1) في (ج): "فاحتمالان: أحدهما"!
(2) انظر في المسألة: "الإنصاف" (6/ 379 - 381)، و"الكافي" (2/ 442)، و"المغني" (6/ 163)، و"المبدع" (5/ 260)، و"الفروع" (4/ 561 - 562).
والقرعة مذهب الشافعية في قول، وفي قول آخر لهما يقدم الإمام من يرى منهما.
انظر: "تكملة المجموع" (15/ 223، 225)، و"مغني المحتاج" (2/ 370).
(3) في المطبوع: "فإنه".
(3/205)

الماء بينهما يستحق كل منهما أن يأخذ بقدر نسبة [أرضه] (1)، ذكره في "المغني" (2).
- (ومنها): إذا وصف اللقطة نفسان؛ فيل يقسم بينهما، أو يقرع فمن خرجت له القرعة فهي له؟
على وجهين.
- (ومنها): إذا التقط اثنان طفلًا وتساويا في الصفات؛ أقرع بينهما، ولم يقر [في أيديهما] (3) جميعًا كما في الحضانة، وإن ادعى نفسان التقاط طفل، فإن كان في أيديهما؛ أقرع بينهما؛ فأقر بيد من خرجت له القرعة، وإن (4) استويا في عدم اليد ولم يصفه أحدهما؛ فقال القاضي والأكثرون: لا حق لأحدهما فيه، ويعطيه الحاكم لمن شاء منهما أو من غيرهما؛ لأنه لم يثبت لهما سبب الاستحقاق، وقال صاحب "المغني": الأولى أن يقرع بينهما؛ لأنهما تنازعا شيئًا يزيد غيرهما، فأشبه ما لو تنازعا وديعة (5).
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "حقه منه".
(2) انظر: "المغني" (6/ 170 - مع "الشرح الكبير")، ونحوه في "المبدع" (5/ 263)، والمذكور مذكره المالكية، كما في "شرح الخرشي" (7/ 77)، و"التاج والإكليل" (6/ 17 - مع "مواهب الجليل")، ومذهب الشافعية؛ كما في "مغني المحتاج" (2/ 374).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "بأيديهما".
(4) في المطبوع: "فإن".
(5) قال في "المغني" (6/ 43/ 4571): "والأولى أن يقرع بيهما، كما لو كان في أيديهما؛ لأنهما تنازعا حقًّا يزيد غيرهما، فأشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما". =
(3/206)

وفيه نظر؛ فإن الوديعة لمعين ولا مدعي لها (1) سواهما، بخلاف اللقيط؛ فإن الحق لمن سبق إليه، ولم يثبت السبق لواحد منهما؛ فصارا كغيرهما، ولو ادعى اثنان (2) لقطة بين أيديهما كل منهما يقول: أنا سبقت إليها؛ أقرع بينهما، ذكره القاضي في "خلافه".
وهذا في الظاهر يخالف (3) قوله في دعوى التقاط الطفل؛ إلا أن يفرق بينهما بأن اللقطة تؤول إلى الملك؛ فهي كتداعي اثنين ملكية عين بين أيديهما لا يد عليها لأحد؛ كما سيأتي إن شاء اللَّه [تعالى] (4).
- (ومنها): إذا وصى (5) لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم؛ فهل تبطل الوصية، أو تصح ويميز أحدهما بالقرعة؟
فيه خلاف سبق ذكره (6) مبسوطًا، وكذلك (7) سبق ذكر من وهب أحد أولاده وتعذر الوقوف على عينه، أو وقف عليه واشتبه فيهم.
- (ومنها): إذا أوصى لزيد بعبد من عبيده، قال الخرقي: يعطي
__________
= وانظر: "الإنصاف" (6/ 347 - 348)، وهذه من انفرادات الحنابلة، ومذهبهم هو الراجح؛ لتأييد الدليل له. وانظر: "نيل الأوطار" (8/ 312).
(1) في (أ): "ولا مدعى لهما".
(2) في المطبوع: "إتيان".
(3) في (أ): "بخلاف".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (أ).
وانظر في المسألة: "الإنصاف" (6/ 442 - 444)، و"الكافي" (2/ 354).
(5) في (ج): "أوصى".
(6) في القاعدة (الخامسة بعد المئة، ص 2/ 425، 427).
(7) في المطبوع: "وكذا".
(3/207)

واحدًا منهم بالقرعة؛ كما لو أعتق واحدًا مبهمًا (1)، والمنصوص عن أحمد في "رواية ابن منصور" أن له أخسهم (يعني: أدنى ما يقع عليه الاسم [منهم]) (2)؛ لأنه المتيقن، وإنما أقرعنا في العتق؛ لأن العتق حق للعبد (3)، وقد تساووا في استحقاقه؛ فيميز بالقرعة، وهنا الحق للموصى له، وإنما يستحق ما يصدق عليه الاسم.
- (ومنها): إذا مات المتوارثان، وعلم أسبقهما موتًا ثم نسي؛ فقال القاضي: لا يمتنع أن نقول هنا بالقرعة! لتعيين السابق، والمذهب أن حكم ذلك حكم ما لو جهلوا الحال [أولًا] (4)؛ لأنه يورث كل واحد منهما من الآخر من تلاد ماله دون ما ورثه منه، ولو ادعى ورثة كل واحد منهما سبق (5) الآخر ولا بينة لهما، أو تعارضت البينتان؛ ففيه أوجه:
أحدها: يعين السابق بالقرعة، اختاره ابن أبي موسى، وضعفه أبو بكر في كتاب "الخلاف".
والثاني: يتوارثان؛ كما لو جهل الورثة الحال، وهو قول أبي الخطاب، وقال القاضي في "المجرد" وابن عقيل: هو قياس المذهب.
__________
(1) قال الخرقي في "مختصره" (6/ 150/ 4790 - مع "المغني"): "وإذا أوصى بعبد من عبيده لرجل ولم يُسمِّ العبد؛ كان له أحدهم بالقرعة، إذا كان يخرج من الثلث، وإلا؛ ملك منه بقدر الثلث".
وانظر: "الكافي" (2/ 505)، و"الإنصاف" (7/ 256).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "للعبيد".
(4) في المطبوع: "أو"، وفي (ج): "أولًا و".
(5) في المطبوع: "بسبق".
(3/208)

والثالث: يحلف ورثة كل واحد لإسقاط دعوى الآخر ولا يتوارثان، نص عليه أحمد، واختاره الخرقي، لأن ورثة كل واحد قد علم استحقاقهم (1) لإرثه، وغيرهم يدعي عليهم استحقاق مشاركتهم (2) وهم ينكرون ذلك؛ فيكون القول قولهم مع أيمانهم، بخلاف مسائل الغرقى؛ فإن الورثة متفقون فيها على عدم العلم بالسابق، وليس فيهم مدع لاستحقاق انفراده بمال ميته (3).
والوجه الرابع -وهو اختيار أبي بكر في "الخلاف" (4) -: إنه يقسم القدر المتنازع فيه من الميراث بين مدعيه نصفين، وعليهما اليمين في ذلك؛ كما لو تنازعا دابة في أيديهما.
- (ومنها): إذا مات عن زوجات وقد طلق إحداهن طلاقًا يقطع الإرث، أو كان نكاح بعضهن فاسدًا لا توارث فيه، وجهل عين المطلقة وذات النكاح الفاسد؛ فإنها تعين بالقرعة، والميراث للبواقي، نص عليه أحمد (5).
__________
(1) في المطبوع: "استحقاقه".
(2) في المطبوع: "مشاركة".
(3) قال الخرقي في "مختصره" (6/ 255/ 4962 - مع "المغني"): "وإذا غرق المتوارثان؛ أو ماتا تحت هدمٍ، فجهل أولهما موتًا؛ ورث بحضهم من بعض".
(4) في المطبوع: "في كتاب الخلاف".
(5) في "مسائل صالح"، وفي "رواية مهنا"؛ كما في "الطرق الحكمية" (ص 364).
وانظر: "الهداية" (2/ 39)، و"شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (5/ 437)، و"المغني" (8/ 436)، و"الإنصاف" (9/ 142)، و"الكافي" (2/ 845). =
(3/209)

- (ومنها): الأولياء المستوون في النكاح إذا تشاحوا أقرع بينهم، فإن سبق من أخطأته القرعة، فزوج؛ فهل يصح أم لا؟
على وجهين (1).
- (ومنها): لو زوج وليان من اثنين، وجهل أسبق العقدين؛ ففيه روايتان:
إحداهما: [يميز الأسبق] (2) بالقرعة، فمن خرجت له القرعة؛ فهي زوجته، ولا يحتاج إلى تجديد عقد، ولا يحتاج الآخر إلى طلاق، هذا ظاهر كلام أحمد في "رواية حنبل" و"ابن منصور" (3).
وقد ذكر هذه الرواية على (4) هذا [الوجه] (5) القاضي في "المجرد"
__________
= وما ذهب إليه أحمد هو الراجح، بخلاف ما ذهب إليه الشافعية من أن الميراث يوقف، وبخلاف ما ذهب إليه الحنفية من أن الميراث يقسم بينهن، لأن القول بالوقف في إضرار وحرمان لمن يستحق يقينًا، والقول بالقسمة فيه توريث لمن لا يستحق يقينًا، وفي القرعة السلامة من المحذورين، ولأنها حينئذ سبيل إلى التعيين في أمرٍ مشكل.
وانظر في المسألة: "تكملة المجموع" (17/ 225)، و"بدائع الصنائع" (4/ 2077 - 2078)، و"الطرق الحكمية" (ص 360 وما بعد - ط العسكري).
(1) انظر: "المغني" (7/ 405 - مع "الشرح الكبير"، و"الإنصاف" (8/ 78).
(2) في المطبوع: "يمين بالقرعة"، وسقطت كلمة "الأسبق" من (ب).
(3) نقله عنهما ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 350)، وقال: "الصحيح من الروايتين دخول القرعة في الزواج"، وذكر هذا المثل.
وانظر: "الإنصاف" (8/ 89)، و"المغني" (7/ 406).
(4) في المطبوع: "في".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/210)

وابن عقيل وغيرهما، وذكر القاضي في "الجامع" و"الخلاف" و"الروايتين" (1) وأبو الخطاب وغيرهما: أن الآخر يؤمر بالطلاق كما يطلق في النكاح الفاسد، وفيه ضعف؛ فإن هذا لم يتحقق له نكاح منعقد، بخلاف الناكح نكاحًا فاسدًا.
وأيضًا؛ فمجرد طلاقه بتقدير أن يكون نكاحه هو السابق لا يفيد حل المرأة للآخر، فلهذا قال طائفة من الأصحاب: يجدد الذي خرجت عليه القرعة النكاح؛ لتحل له بيقين، وقد حكى ذلك القاضي في "كتاب الروايتين" عن أبي بكر أحمد بن سلمان النجاد (2)، ثم رده بأنه لا يبقى حينئذ معنى للقرعة؛ فإنه إذا أمر أحدهما بالطلاق وأمر القارع بتجديد النكاح، فقد حلت (3) المرأة من زوجيتهما جميعًا (4)، فلها أن تتزوج [حينئذ] (5) من شاءت منهما ومن غيرهما، ولا فائدة حينئذ للقرعة (6)، وهذا بعينه قول من يقول بفسخ نكاحهما؛ كما سيأتي.
__________
(1) انظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (2/ 95 - 96).
(2) في المطبوع و (ج): "أحمد بن سيمان النجاد"! والتصويب عن (أ) و (ب) و"المقصد الأرشد" (1/ 110 - 111).
وانظر ترجمته مفصلة فيه، وفي "تاريخ بغداد" (4/ 189 - 192)، و"سير أعلام النبلاء" (15/ 502 - 505).
(3) في (أ) والمطبوع: "فقد خلت".
(4) في المطبوع: "معًا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) انظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (2/ 95 - 96).
(3/211)

وقال الشيخ تقي الدين (1): لو كان الأمر كما ذكروه! لم [يبق بين] (2) الروايين فرق، ولا للقرعة فائدة، وإنما يجب على رواية القرعة أن يقال: هي زوجة القارع، بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها (3)، ولو مات ورثته، لكن لا يطأها حتى يجدد العقد؛ فيكون تجديد العقد يحل الوطء فقط، هذا (4) قياس المذهب، أو يقال (5): إنه لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد، ويكون التجديد واجبًا عليه وعليها كما كان الطلاق واجبًا على الآخر، قال: وليس في كلام أحمد تعرض لطلاق ولا لتجديد الآخر النكاح، فإن القرعة جعلها الشارع (6) حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا؛ كالشهادة والنكول ونحوهما مما لا يوقف معه على حقيقة الأمر في الباطن والمجهول غير مكلف به العباد، بل هو في نظر الشرع كالمعدوم ما دام مجهولًا.
ونظير هذه الرواية في القرعة: إن المشهور من المذهب أن من طلق واحدة من زوجاته (7) ثم أنسيها؛ فإنها تعين بالقرعة، ويحل له وطء البواقي؛ فكذلك ها هنا يميز النكاح الصحيح من الباطل بالقرعة، ويفيد حل الوطء، ولا يقال: هناك الأصل فيمن لم يخرج عليها القرعة بقاء النكاح، ولم يتيقن
__________
(1) في "الاختيارات الفقهية" (ص 306 - 307) كلامه بطوله.
(2) في (ب): "تبق بين"، وفي المطبوع: "يبق من".
(3) قال المرداوي في "الإنصاف" (8/ 90): "اختاره الشيخ تقي الدين رحمه اللَّه، ومال إليه في "القواعد الفقهية"، ونقل جل ما عند المصنف في هذه المسألة.
(4) في المطبوع: "ولعل هذا".
(5) في (ب): "ويقال".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(7) في (ج): "نسائه".
(3/212)

وقوع الطلاق عليها، وهنا (1) الأصل عدم انعقاد النكاح في كل واحد منهما؛ فلا يباح الوطء بدون تيقن العقد الصحيح؛ لأنا نقول: الاستصحاب بطل بيقين وقوع الطلاق المحرم، ولهذا أبطل أصحابنا الاستصحاب في مسألة اشتباه الماء الطاهر بالنجس، ومنعوا استعمال أحدهما بالتحري؛ لأن الاستصحاب زال حكمه بيقين التنجس، وحينئذ تتفق الصورتان؛ لأن في إحديهما (2) اشتبهت الزوجة بالمطلقة ثلاثًا، وفي الأخرى اشتبه الزوج بغيره، وكون أحدهما له أصل في الحل دون الآخر لا أثر له عندنا، ولهذا يسوى بين اشتباه البول بالماء الطاهر واشتباه الماء النجس بالطاهر، ونحن نقول على أحد الوجهين: لو أقر بأن ولد إحدى إمائه ابنه، ثم مات ولم بعينه؛ عُيِّن (3) بالقرعة؛ وإن كان [المشتبه] (4) حر الأصل.
واعلم أن القاضي حكى عن أبي بكر بن سلمان (5) النجاد أنه يقرع بين الزوجين، فمن قرع؛ أمر صاحبه بالطلاق، ثم جدد الآخر نكاحه.
وقرأت بخط القاضي في "بعض مجاميعه"؛ قال: حكى أبو الحسن الجزري؛ قال: سئل أبو علي النجاد عن رجل زوج ابنته على صداق ألف درهم، ثم مات الأب قبل دخول الزوج بها، فحضر ثلاثة رجال كل واحد مهم يقول: زوجني أبوك منك على صداق ألف درهم قبضها مني، وعدم
__________
(1) في (ج): "وهناك".
(2) في (ب) و (ج): "إحداهما".
(3) في المطبوع: "بين".
(4) ما بين المعقوفتين أُثبت في هامش (أ).
(5) في المطبوع: "سليمان"! والصواب ما أثبتناه؛ كما بيناه قريبًا، وللَّه الحمد.
(3/213)

كل واحد منهم في الحال البينة (1)، وقالت البنت: أعلم أن واحدًا من هؤلاء الثلاثة زوجي (2) يقينًا، ولكن لا أعرفه عينًا؛ فقال أبو علي النجاد: ترفع أمرها إلى الحكم، فيجبر الثلاثة على أن يطلقها كل واحد منهم طلقة واحدة، ثم يقترع الثلاثة (3) على الألف؛ فأيهم كانت له القرعة أخذ الألف، ثم يقال للمرأة: تزوجي أيهم شئت إن أحببت، فإن كانت هذه الحكاية مستند القاضي في الحكاية عن النجاد؛ فقد وهم في تسميته؛ فإن الحكاية عن أبي علي، ونسبها هو إلى أبي بكر بن سلمان (4)، وليست المسألة في نكاحين مشتبهين، بل في دعوى، والقرعة (5) فيها إنما هي للمال لا لحل (6) البضع؛ فلا يصح ما حكاه القاضي عن أبي بكر النجاد بالكلية؛ فليحقق ذلك.
والرواية الثانية: يفسخ النكاحان جميعًا، ثم تتزوج من شاءت منهما أو من غيرهما إذا شاءت، نقلها أبو الحارث ومهنأ، وهي اختيار أبي بكر في "خلافه" والخرقي (7)، وحكى ابن أبي موسى في (8) المسألة روايتين:
إحداهما: يبطل النكاحان.
__________
(1) في المطبوع: "البينة في الحال" بتقديم وتأخير.
(2) في المطبوع: "تزوجني".
(3) في المطبوع: "يقترع بين الثلاثة".
(4) في المطبوع: "سليمان"، والصواب ما أثبتناه؛ كما بيناه قريبًا، وللَّه الحمد.
(5) في المطبوع: "القرعة" من غير واو.
(6) في المطبوع: "لمحل".
(7) انظره: "مختصره" (7/ 46/ 5243 - مع "المغني").
(8) في المطبوع: "في موسى المسألة".
(3/214)

والثانية: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فهي له.
قال: والأول أظهر وأصح، وظاهره أن النكاحين يبطلان من غير فسخ، ويشهد له ما نقله ابن منصور عن أحمد في وليين زوجا امرأة لا تدري أيهما زوج قبل؛ قال: ما أرى لواحد ها هنا (1) نكاحًا، ومن الأصحاب من حكى ذلك وجهًا، وقيده بما إذا أمكن وقوعهما معًا، وقد جعل القاضي في "خلافه" المذهب كذلك، و [أما] (2) إن علم وقوعهما معًا؛ فهما جميعًا باطلان غير منعقدين.
وذكر القاضي في "خلافه" وفي "كتاب الروايتين" (3) أن حكمه حكم ما لو وقعا (4) مترتبين، وجهل أسبقهما، وفيه (5) الروايتان، قال أبو البركات: [وهذا لا وجه] (6) له، ولعله خرق الإِجماع، فأما حكم المهر في هذين النكاحين المشتبهين؛ فقد سبق ذكره، وإن في وجوب نصف المهر على من تخرج عليه القرعة (7) منهما وجهين، فإن ماتت المرأة قبل الفسخ؛ ففي "المغني" احتمالان:
أحدهما: يوقف نصف ميراثها أو ربعه حتى يصطلحا (8) عليه.
__________
(1) في المطبوع: "لواحد منهما ها هنا".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) انظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (ص 96).
(4) في (أ): "وقوعًا".
(5) في المطبوع. "فيه" من غير واو.
(6) في (ب): "وهذه الأوجه".
(7) في المطبوع: "القرعة عليه" بتقديم وتأخير.
(8) في المطبوع: "حتى يصطلحان"!
(3/215)

والثاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ حلف أنه المستحق وورث (1).
قال الشيخ تقي الدين: وكذا الوجهين لا يخرج على المذهب، أما الأول؛ فلأنا لا نقف الخصومات قط، وأما الثاني؛ فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال، وإنما المذهب على رواية القرعة: [أيهما قرع] (2)؛ فله الميراث بلا يمين، وأما على قولنا: لا يقرع، فإذا قلنا: إنها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة؛ فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة بطريق الأولى، وإن (3) قلنا: لا مهر؛ فهنا قد يقال بالقرعة أيضًا. انتهى (4).
وإن مات الزوجان جميعًا؛ فلها ربع ميراث أحدِهما. فإن اتفقت [هي] (5) مع أحد الزوجين قبل موته أو مع ورثته: أنه هو السابق؛ فالميراث لها منه بغير إشكال، وإن (6) ادعت [أن] (7) أحدهما هو السابق وأنكر هو أو ورثته؛ فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن نكلوا؛ قضي عليهم، وإن لم تقر المرأة بسبق أحدهما؛ ففي "المغني" احتمالان:
أحدهما: أن يحلف ورثة كل منهما ويبرأ.
__________
(1) انظر: "المغني" (7/ 47/ 5245).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، وفي المطبوع: "أيهما قرع".
(3) في المطبوع: "وأما أن".
(4) بنصه من "الاختيارات الفقهية" (ص 207).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في (ب): "فإن".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/216)

والثاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فلها ربع ميراثه (1).
وهذا الوجه الثاني يتعين فيما إذا أنكر الورثة العلم بالحال، ويشهد له نص أحمد في "رواية حنبل" وغيره فيمن زوج إحدى بناته من رجل ثم مات الأب، ثم مات الزوج ولم يعلم عين الزوجة: إنه يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة؛ فهي التي ترثه، وقد ذكر ذلك صاحب "المغني" أيضًا فيما إذا ادعى كل [واحد] (2) منهما أنه السابق بالعقد ولم [تقر الزوجة لواحد] (3) منهما بذلك، ثم ماتا: إنه يقرع بينهما، ويكون لها ميراث من تقع القرعة عليه، ولم يذكر فيه خلافًا (4).
- (ومنها): إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ثم طلق الجميع ثلاثًا؛ فالمشهور عند الأصحاب أنه يخرج منهن أربع بالقرعة، فيكن المختارات، وله نكاح البواقي بعد عدة الأربع بناءً على أن الطلاق اختيار، والقرعة لها مدخل في تعيين المطلقات المبهمات، فيميزن بالقرعة، ويحكم باختيارهن، وينفسخ (5) نكاح البواقي بغير طلاق؛ فيباح له نكاحهن (6) بدون زوج وإصابة بعد إنقضاء عدة [الأربع] (7).
__________
(1) انظر: "المغني" (7/ 47/ 5245).
(2) ما بين المعقوفتين تفرد بها المطبوع.
(3) في المطبوع: "يقر الواحد"، وسقطت كلمة "الزوجة" من (ج) و (ب).
(4) "انظر: "المغني" (7/ 47/ 5245).
(5) في (ج): "ويفسخ".
(6) في (أ): "نكاحين".
(7) في المطبوع: "الواقي".
(3/217)

وقال القاضي في "خلافه" في كتاب البيع: يطلق الجميع ثلاثًا؛ لأن نكاحهن ثابت لم يحكم بفساده؛ فيلحقهن الطلاق الثلاث؛ فلا ينكح شيئًا منهن إلا بعد زوج وإصابة. وهذا يرجع إلى أن الطلاق فسخ وليس باختيار، ولكن يلزم منه أن يكون للرجل في الإسلام أكثر من أربع زوجات يتصرف فيهن بخصائص ملك النكاح من الطلاق وغيره، وهو بعيد، واختيار الشيخ تقي الدين: إن الطلاق ها هنا فسخ لا (1) يحسب من الطلاق الثلاث، وليس باختيار، وإن مات قبل أن يختار منهن أربعًا؛ فإنه يقرع بينهن؛ فيورث أربع منهن بالقرعة (2).
وأما العدة؛ ففيها وجهان:
أحدهما: على الجميع عدة الوفاة، قاله القاضي في "الجامع"؛ لأنه مات والكل محبوسات على نكاحه؛ فكان عليهن عدة الوفاة، وإسلامه لم يوجب البينونة في الزائد على الأربع، بل البيونة تقف على اختياره، فإذا اختار في حياته أربعًا؛ فعدة البواقي من حين الاختيار على المشهور لا من حين الإسلام.
والثاني -وهو قول القاضي في "المجرد" وابن عقيل وصاحب "المغني"-: إن عليهن أطول الأمرين من عدة الوفاة وعدم الوطء، وعللوه بأن أربعًا منهن زوجات والبواقي موطوآت بشبهة؛ فيجب على الجميع أطول العدتين؛ لتبرأ الذمة من العدة الواجبة بيقين (3).
__________
(1) في المطبوع: "ولا".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 214).
(3) انظر: "المغني" (7/ 121 - 122/ 5444).
(3/218)

وهذا لا يتخرج إلا على القول بأن البينونة ثبتت بالإسلام وتتبين بالاختيار، فإذا اختار أربعًا؛ فعدة البواقي من حين إسلامه، أما إذا قلنا: عدتهن من حين اختياره؛ فهن زوجات له حتى يختار؛ فلا يتوجه أن يجب عليهن سوى عدة الوفاة؛ إلا أن يقال: نكاحهن (1) في حكم الفاسد؛ لأنه لا يجوز استدامته بحال؛ فلا يجوز أن يثبت له خصائص النكاح الصحيح، ويجاب عنه: بأن النكاح الفاسد إذا اتصل به الموت؛ أوجب عدة الوفاة على المنصوص، فهذا أولى.
ويلتحق بهذه المسألة: ما إذا طلق واحدة مبهمة أو معينة، ثم أنسيها، ثم مات قبل القرعة؛ فإنا نقرع بينهن، وتخرج المطلقة بالقرعة، ويورث البواقي، كما نص عليه أحمد.
وأما العدة؛ فذكر القاضي في "خلافه" أنه يجب على كل واحدة منهن عدة الوفاة إن لم يكن دخل بهن، ليسقط (2) الفرض بيقين، وإن دخل بهن؛ لزمهن أطول الأمرين من عدة الطلاق من حينه وعدة الوفاة من حينها؛ لأن كل واحدة مهن يحتمل أن تكون مطلقة وأن تكون زوجة؛ فلا تبرأ الذمة بدون ذلك.
وهذا يخالف المنصوص عن أحمد؛ فإنه نص في "رواية أبي طالب" أنه يقرع بينهن، فأيتهن (3) أصابتها القرعة؛ لم تورث ولم تعتد، ومراده أنها لا تعتد عدة الوفاة، وهذا يدل على أن العدة تابعة للميراث، وهو ظاهر كلام
__________
(1) في المطبوع: "إن نكاحهن".
(2) في المطبوع: "يسقط".
(3) في (أ): "فأيهن".
(3/219)

القاضي في "المجرد"، فمن خرجت لها قرعة الطلاق؛ فليس عليها سوى عدة الطلاق من حينها، وعلى البواقي عدة الوفاة من حينها؛ لأن القرعة بينة شرعية (1)، وقد حكمنا بحل البضع بها كما سبق؛ فجاز أن ينبني (2) عليها حكم العدة؛ لأنها من توابع الطلاق ولوازمه.
[فعلى هذا] (3) المنصوص يتخرج في مسألة من أسلم على أكثر من أربع ثم مات قبل أن يختار منهن: أن يقرع بين أربع منهن؛ فيكن المختارات، وتلزمهن عدة الوفاة من حينها، ويلزم البواقي عدة الوطء من حين الإسلام إذا قلنا: إن عدتهن من حين الإسلام، وعلى قول القاضي: على الجميع [الاعتداد ب] (4) أطول الأجلين.
- (ومنها): إذا أصدق الزوجة عبدًا من عبيده؛ فحكى طائفة من الأصحاب في المسألة روايتين:
احداهما: إنه يتعين بالقرعة.
والثانية: لها الوسط منهم.
وخرج ابن عقيل فيها وجهين آخرين:
أحدهما: إنه يعطيها ما يختاره هو.
__________
(1) انظر في المسألة: "المحرر" (2/ 60)، و"الكافي" (2/ 844)، و"الهداية" (2/ 39).
(2) في المطبوع: "يبتني".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "فهذا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/220)

والثاني: تعطى (1) ما تختاره هي.
واختار أنهم إن تساوو؛ فلها واحد بالقرعة، وإلا؛ فلها الوسط.
والمنصوص عن أحمد في ذلك ما نقله [عنه] (2) مُهنَّأ في رجل تزوج امرأة على عبد من عبيده، فقال: أعطيها من أحسنهم؟ قال: ليس له ذاك (3)، ولكن يعطيها من أوسطهم. فقلت له: ترى أن يقرع بينهم؟ قال: نعم. فقلت: تستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، يقرع بين العبيد.
وتأول أبو بكر هذا على أنه تزوجها على عبد معين واشتبه.
قال القاضي: ولا يصح هذا التأويل. [قال] (4): لأنه قال: [تعطى وسطهم] (5)، ولو كان معينًا؛ لم يعتبر الوسط (6).
ونقل عنه جعفر بن محمد: يقوم الخادم وسطًا على قدر ما يخدم مثلها.
- (ومنها): إذا دعاه اثنان إلى وليمة عرس واستويا في الصفات المرجحة؛ أقرع بينهما (7).
__________
(1) في المطبوع: "يعطى".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع و (ج): "ذلك".
(4) ما بين المعقوفتين من (ب) فقط.
(5) في المطبوع: "يعطى وسطهم"، وفي (ج): "تعطى أوسطهم".
(6) في المطبوع و (ج): "الأوسط".
(7) ذهب الحنابلة والشافعية إلى إجابة السابق، فإذا جاءا معًا؛ أجاب أقربهما رحمًا، ثم أقربهما دارًا، فإذا استويا؛ أقرع يهما. =
(3/221)

- (ومنها): إذا زفت إليه امرأتان معًا؛ فإنه يقدم إحداهما بالقرعة.
- (ومنها): إذا أراد السفر بإحدى زوجاته أو البداءة بها؛ لم يجز بدون قرعة؛ إلا أن يرضى البواقي بذلك (1).
- (ومنها): لو (2) طلق امرأة من نسائه مبهمة بأن قال لامرأتيه: إحداكما طالق، ولم ينو معينًا؛ فإنه يعين المطلقة بالقرعة (3) في ظاهر المذهب، ونص عليه أحمد في رواية جماعة (4).
وفيه رواية ثانية: إن له تعيينها باختياره، وتوقف أحمد مرة [فيها] (5) في "رواية أبي الحارث".
- (ومنها): إذا طلق واحدة معينة من نسائه، ثم أنسيها أو جهلها ابتداء، كمن قال: إن كان هذا الطائر غرابًا؛ ففلانة طالق، وإن لم يكن غرابًا؛ ففلانة طالق، فطار ولم يعرف ما كان؛ فالمشهور أيضًا أنها تعين بالقرعة، ويحل له البواقي (6)، كما أنه لو أعتق أمة من إمائه وأنسيها؛ عينها
__________
= انظر: "الإنصاف" (8/ 334)، و"أسنى المطالب" (3/ 226).
وانظر مذهب المالكية في: "مواهب الجليل" (4/ 3).
(1) انظر: "الإنصاف" (8/ 365، 375)، و"المبدع" (7/ 208 - 209، 212).
(2) في (ج): "إذا طلق".
(3) في (ج): "بقرعة".
(4) منهم أبو الحارث والميموني ومُهَنَّأ، نقله ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 345).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(6) وعندهم قول آخر، وهو: إنه يعتزلهما حتى يتبين المطلقة؛ لأن المحللة قد =
(3/222)

بالقرعة، وحل له البواقي؛ لأن القرعة قامت مقام الشاهد والمخبر للضرورة، والشارع لم يكلف العباد بما [في] (1) نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا، وإن كان مخالفًا لما في نفس الأمر، والمجهول كالمعدوم ما دام مجهولًا، فإذا علم؛ ظهر حكمه؛ كالاجتهاد مع النص والتيمم [مع الماء] (2)، وقد نص أحمد صريحًا على هذا في رواية جماعة، وعن أحمد: [إنه] (1) لا يقرع، بل يوقف [الأمر] (1) حتى يتبين.
قال الشالنجي: سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق؟ قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة. قلت: أرأيت إن مات هذا؟ قال: أقول بالقرعة؛ أي: لأجل الميراث بعد الموت. وهذا اختيار صاحب "المغني" (3)، والمذهب الأول.
[عليه] (4)، فلو ذكر أن المطلقة غير من أصابتها القرعة، وأنه يذَكَّر (5) ذلك؛ لزمه الطلاق فيها، وهل ترجع [إليه] (1) التي وقعت عليها القرعة؟
توقف [فيه] (6) أحمد مرة، وقال في "رواية الميموني": إن كانت
__________
= اشتبهت بالمحرمة، فيمتنع عن الاثنتين، وهذا مذهب الشافعية.
وانظر: "الإنصاف" (9/ 144)، و"المغني" (8/ 427)، و"المحرر" (2/ 60)، و"الهداية" (2/ 39)، و"الكافي" (8442)، و"أسنى المطالب" (3/ 297).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (أ): "بالماء".
(3) انظر المسألة في: "المغني" (7/ 383 - 384/ 6045).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في المطبوع: "بذكر".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3/223)

تزوجت، لم ترجع إليه لأن حق الزوج الثاني تعلق بها؛ فلا يقبل قوله في إبطال (1) حقه وفسخ نكاحه، وإن لم تتزوج، فإن كانت القرعة بفعل الحاكم؛ لم ترجع إليه أيضًا، نص عليه في "رواية الميموني" (2) أيضًا.
قال ابن أبي موسى: [و] (3) هو يرجع إلى أن حكم الحاكم له تأثير في التحريم. وقيما قاله نظر، بل الظاهر أنه يرجع إلى أن فعل الحاكم حكم؛ فلا يقبل قول الزوج فيما يرفع فعل الحاكم؛ لأن تعليق حكم الحاكم كتعلق حق (4) الزوج وأولى، وإن لم تكن القرعة من الحاكم؛ رجعت إليه، نص عليه أيضًا؛ لأن إخباره بذلك مقبول قبل القرعة؛ فكذلك بعدها، إلا أن يتضمن إبطال حق لغيره، ولم يوجد ذلك هنا (5).
وعن أبي بكر وابن حامد: لا يرجع إليه؛ لأنه متهم في نفي الطلاق عنها؛ فلا يقبل قوله فيه (6).
- (ومنها): لو رأى رجلان طائرًا، فقال أحدهما: إن كان غرابًا؛ فامرأتي طالق ثلاثًا، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا؛ فامرأتي طالق ثلاثًا؛ ففيه وجهان:
__________
(1) في المطبوع: "إسقاط".
(2) نقله الخلال عن الميموني، كما في "الطرق الحكمية" (ص 363)، وأسهب في نصرته.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "حكم".
(5) وبدليل لو أنه عيّنها لما وقع إلا عليها.
(6) انظر: "الإنصاف" (9/ 141)، و"الطرق الحكمية" (ص 345 - 346)، و"المبدع" (7/ 382).
(3/224)

أحدهما: ينبني (1) كل واحد منهما على يقين نكاحه، ولا يحكم عليه بالطلاق؛ لأنه (2) متيقن لحل زوجته، شاك في تحريمها، بخلاف ما إذا كانت الزوجتان لرجل واحد؛ فإنه تيقن (3) زوال النكاح في إحدى زوجتيه؛ فلذلك عينت بالقرعة، وهذا اختيار القاضي وأبي الخطاب وكثير من المتأخرين (4).
والثاني: إنه يقرع بينهما؛ فمن وقعت عليه القرعة؛ طلقت زوجته، كما لو كانا لرجل واحد، وهو اختيار الشيرازي في "الإيضاح" وابن عقيل والحلواني، وفي "الجامع" للقاضي: إنه قياس المذهب.
وعلى الأول، فمن اعتقد خطأ الآخر دونه؛ حل له الوطء، وإن شك وتردد؛ كف عنه وجوبًا عند القاضي وورعًا عند ابن عقيل.
والمنصوص عن أحمد في هذه المسألة: ما رواه [عنه] (5) ابنه عبد اللَّه: أنه قال: يعتزلان نساءهما حتى يتيقن (6)؛ فيحتمل أن يكون حكم بوقوع (7) الطلاق على أحدهما ولكن لم يخرجه (8) بالقرعة كما رواه
__________
(1) في المطبوع: "يبني".
(2) في المطبوع: "ولأنه".
(3) في (ج): "يتيقن".
(4) منهم ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 351).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "لوقوع".
(7) في "مسائل عبد اللَّه" (373/ 1363): "قال أحمد: يعتزلان نساءهن حتى يتبين".
(8) في المطبوع: "تخرجه"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(3/225)

الشالنجي عنه، ويحتمل -وهو الأظهر- أنه منع من الوطء خاصة كما قاله القاضي.
قال الشيخ تقي الدين (1): تأملت نصوص أحمد؛ فوجدته يأمر باعتزال الرجل امرأته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري؛ أهو بارٌّ فيها أم لا؛ حتى يستيقن أنه بار، [فإن لم يعلم أنه بار؛ اعتزلها أبدًا] (2)، وإن علم أنه بار في وقت؛ اعتزلها وقت الشك، وحاصله أنه متى علق الطلاق بشرط وأمكن وجوده؛ فإنه يعتزل امرأته حتى يعلم انتفاؤه. نص على فروع هذا الأصل في مواضع:
- (منها): إذا قال: إن كنت حاملًا؛ فأنت طالق؛ يعتزلها حتى يتبين (3) الحمل.
- (ومنها): إذا وكل وكيلًا في طلاق امرأته؛ يعتزلها حتى يدري ما يفعل.
- (ومنها): إذا قال: أنت طالق ليلة القدر؛ يعتزلها إذا دخل العشر الأواخر؛ لإمكان أن تكون (4) أول ليلة.
- (ومنها): إذا قال: أنت طالق قبل موتي بشهر؛ فإنه يعتزلها مطلقًا، نقله عنه مُهنَّأ.
__________
(1) في "الاختيارات الفقهية" (ص 259).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من" الاختيارات العلمية".
(3) في (ج): "يتيقن".
(4) في المطبوع: "يكون".
(3/226)

- (ومنها): مسألة إن كان الطائر غرابًا، وهي هذه المسألة.
- (ومن مسائل القرعة): إذا قال لامرأته: إن ولدت ذكرًا؛ فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى؛ فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكرًا وأنثى متعاقبين، وأشكل السابق منهما؛ ففيه وجهان (1):
أحدهما: إنه يقع بها واحدة؛ لأنه اليقين (2) والزائد عليه مشكوك فيه؛ فيلغى، كما لو طلق وشك: هل طلق واحدة أو اثنتين؟ وهذا قول أبي الخطاب، ورجحه صاحب "المغني" (3).
والثاني: يعين الواقع منهما بالقرعة، قاله القاضي وابن عقيل (4)؛ لأنه تحقق (5) وقوع أحد المعلقين (6)، وشك في [عينه] (7)؛ فميز بالقرعة، كما لو تيقن وقوع طلاق إحدى الزوجتين وشك في عينها.
ومأخذ الخلاف أن القرعة لا مدخل لها في إلحاق الطلاق [المشكوك فيه، ولها مدخل في تعيين المحل المشتبه عند لحوق الطلاق] (7) لأحد
__________
(1) في المطبوع: "فوجهان".
(2) في المطبوع: "المتيقن".
(3) انظر: "المغني" (7/ 351 - 352/ 5966)، والمذكور هو المشهور من المذهب، انظر: "الإنصاف" (9/ 81)، و"المبدع" (7/ 342 - 343).
(4) نقله عنهما المرداوي في "الإنصاف" (9/ 81)، وابن مفلح في "المبدع" (7/ 343 - 342).
(5) في المطبوع: "تيقن".
(6) في المطبوع: "المتعلقين".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/227)

الأعيان المشتبهة، فمن قال بالقرعة هنا؛ جعلها لتعيين إحدى الصفتين، وجعل وقوع الطلاق لازمًا لذلك، ومن منعها؛ نظر إلى [أن] (1) القصد بها هنا هو اللازم، وهو الوقوع، ولا مدخل للقرعة فيه، [وهذا أظهر] (2).
- (ومن غرائب مسائل القرعة في الطلاق): إذا قال لزوجاته الأربع: أيتكن لم أطأها الليلة؛ فصواحباتها طوالق، ولم يطأ تلك الليلة واحدة منهن؛ فالمشهور عند الأصحاب أنهن يطلقن ثلاثًا ثلاثًا؛ لأن شرط الطلاق -وهو خلو الوطء [في الليلة- قد تحقق] (3) في آخر جزء منها، فإذا بقي جزء منها لا يتسع للإيلاج (4)؛ تحقق شرط طلاق الجميع دفعة واحدة، فيطلق الجميع ثلاثًا ثلاثًا؛ لأن لكل واحدة ثلاث صواحبات لم يطأهن، فاجتمعت شروط وقوع الثلاث عليها (5).
و [قد] (6) حكى أبو بكر (7) في "التنبيه": في المسألة وجهين عن الأصحاب:
أحدهما: هذا.
والآخر -وهو الذي ذكره أولًا وجزم به-: إن إحداهن تطلق ثلاثًا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ج): "وهذا هو الأظهر".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في (ب): "الإيلاج".
(5) في المطبوع: "عليبا".
(6) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(7) وحكاه عنه المرداوي في "الإنصاف" (9/ 50).
(3/228)

والبواقي يطلقن اثنتين اثنتين.
وعلله بأنه لما امتنع عن الأولى؛ طلقت الثلاث واحدة واحدة، فلما امتنع عن الثانية؛ طلقت الأولى واحدة والثالثة والرابعة ثنتين (1)، فلما امتنع عن الثالثة؛ طلقت الأولى اثنتين والثانية اثنتين والثالثة كذلك وبانت الرابعة، فلما امتنع عن الرابعة؛ امتنع عنها وهي غير زوجة؛ فلم يقع بالامتناع منها (2) طلاق.
فعلى هذا الوجه ينبغي أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها قرعة الثلاث؛ حرمت بدون زوج وإصابة (3)، وملك رجعة البواقي.
وشرح كلامه: إنه (4) يقدر الامتناع من وطئهن مرتبًا؛ لأنه لا يمكن إلا كذلك، فإذا بقي من الليلة زمن لا يتسع للإيلاج في أربع؛ فقد تعذر وطء الأولى حينئذ؛ فتطلق الثلاثة (5) البواقي طلقة طلقة، فإذا بقي زمن لا يتسع للإيلاج في الثلاث؛ فقد تعذر وطء [الثانية؛ فطلقت] (6) الأولى والثالثة (7) والرابعة [طلقة طلقة، فيجتمع على الأولى والثانية طلقة، وعلى الثالثة (8)
__________
(1) كلمة "ثنتين" مكررة في المطبوع مرتين.
(2) في المطبوع: "فيها".
(3) نقل المرداوي في "الإنصاف" (9/ 50) كلام المصنف هذا، وهو قوي، وهو أرحم بالزوج والزوجات، واللَّه أعلم.
(4) في المطبوع: "أن".
(5) في (ج): "الثلاث".
(6) في المطبوع: "الثالثة فتطلق به"، وفي (ج): "الثالثة فتطلق".
(7) في المطبوع: "والثانية".
(8) في (ج): "الثانية".
(3/229)

والرابعة] (1) طلقتان، فإذا بقي زمن لا يتسع للإِيلاج في اثنتين؛ فقد تعذر وطء الثالثة، فتطلق به الأولى والثانية والرابعة؛ فيجتمع على الأولى والثانية طلقتان، وعلى الرابعة ثلاث طلقات؛ فتحرم حينئذ، وتخرج [عن الزوجية] (2)؛ فلا يبقى الامتناع من وطئها شرطًا لطلاق صواحباتها؛ لأن تقدير كلامه (3): أيتكن لم أطأها الليلة وهي زوجتي، وقد تعذر ذلك في هذه الرابعة، وهذا يرجع (4) إلى أنه متى حلف بالطلاق على فعل شيء في وقت متسع، فتعذر فعله في آخر أجزاء ذلك الوقت؛ أنه لا يحنث؛ لأن حنثه إنما هو بترك ذلك في آخر الوقت؛ فيستدعي وجود المحلوف عليه حينئذ، والمعروف من المذهب أنه يحنث في حال التعذر؛ كما لو حلف ليشربن ماء هذا الكوز اليوم، فتلف قبل مضي اليوم؛ فإنه يحنث في الحال، وعلى ما ذكره أبو بكر لا يحنث، وقال صاحب "المستوعب": ويمكن أن يقال: الأولة (5) منهن من كان وقت اليمين حظها من القسم، والثانية التي تليها (6).
- (ومنها): إذا ادعى الزوج الرجعة والزوجة انقضاء العدة في آن واحد؛ ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول المرأة؛ لأن الزوج [مدعي، وهي تنكر] (7).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "الزوجة".
(3) في المطبوع: "الكلام".
(4) في (ج): "وهذا قد يرجع".
(5) في المطبوع: "الأولى".
(6) انظر: "المبدع" (7/ 339).
(7) في المطبوع: "مدع وهي منكرة".
(3/230)

والثاني: يقرع بينهما، فمن قرع؛ فالقول قوله.
- (ومنها): إذا آلى من واحدة معينة واشتبهت عليه؛ فإنها تميز بالقرعة، ذكره أبو بكر، وإن آلى من واحدة مبهمة (1)؛ ففي "المحرر" (2) وجهان:
أحدهما: تعين (3) بالقرعة.
والثاني: بتعيينه.
وهما مخرجان من الروايتين في مسألة الطلاق.
وفي "المغني": له وطء الجميع سوى واحدة منهن، فإذا لم يبق سوى واحدة؛ تعين الايلاء فيها لأنه لا يمكن وطؤها (4) بدون الحنث في هذه الحال، بخلاف ما قبلها؛ فلا يصير موليًا بدون ذلك (5).
- (ومنها): إذا تعذر إثبات النسب بالقافة؛ إما لعدمها، أو لعدم إلحاقها النسب (6)؛ لإشكاله عليها، أو لاختلافها (7) فيه ونحو ذلك؛ فالمشهور أنه لا يلحق بالقرعة.
__________
(1) في المطبوع: "غير معينة".
(2) انظر: "المحرر" (2/ 86).
(3) في المطبوع: "يعين"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(4) في المطبوع: "وطؤها".
(5) انظر: "المغني" (7/ 422/ 6116).
(6) في المطبوع: "إلحاقها بالنسب".
(7) في المطبوع: "ولاختلافها".
(3/231)

وقد قال أحمد في "رواية على ابن سعيد" (1) في حديث علي في ثلاثة وقعوا على امرأة فأقرع بينهم (2)؛ قال: لا أعرفه صحيحًا. وأوهنه،
__________
(1) تصحفت في المطبوع إلى "سعد"!!
(2) أخرجه النسائي في "المجتبى" (كتاب الطلاق، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه، 6/ 182 - 183)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، رقم 2/ 248)، والطيالسي في "المسند" (رقم 187)، والقطيعي في "زياداته على فضائل الصحابة" (رقم 1095)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (1/ 45)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 135 - 136)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 267)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (1/ 134)؛ عن الأجلح بن عبد اللَّه، عن الشعبي، عن عبد اللَّه بن الخليل، عن زيد بن أرقم؛ قال: "أتى علي باليمن. . . " (وذكره)، وفي آخره: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أجد فيها إلا ما قال علي".
وتابع الأجلح: محمد بن سالم -وهو متروك، قاله البيهقي في "الكبرى" (10/ 267) -، وأبو حاتم الرازي؛ كما في "العلل" لابنه (2/ رقم 2317).
وتابعهما: جابر الجعفي، أفاده الدارقطني في "العلل" (3/ 313)، وقال أبو حاتم: "وخالفهما -أي: الأجلح ومحمد بن سالم- جابر الجعفي فيما روى عنه ورقاء؛ فقال: عن الشعبي، عن علي بن زربي، عن زيد بن أرقم، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-".
قلت: ظفرتُ به عن قيس عن جابر مثل رواية الأجلح؛ فالظاهر أن خلافًا وقع فيه على جابر! والخلاف في هذا الحديث على ضروبٍ وألوانٍ شديدة، ولذا قال أبو حاتم في "العلل" (1/ رقم 1204): "اختلفوا في هذا الحديث واضطربوا"، وقال: "والصحيح حديث سلمة بن كهيل"، وقال في موطن آخر (2/ رقم 2317): "وأتقنهم سلمة بن كهيل".
قلت: أخرجه أبو داود في "السنن" (رقم 2/ 249)، والنسائي في "المجتبى" (6/ 184)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 267)؛ عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن أبي الخليل، عن علي موقوفًا.
وانظر سائر الطرق في: "علل الدارقطني"، و"علل ابن أبي حاتم" =
(3/232)

وقال [في رواية ابن منصور: و] (1) حديث عمر في القافة (2) أعجب إلي (يعني: من هذا الحديث).
__________
= ونقل المصنف هنا عن أحمد في رواية علي بن سعيد قوله عن هذا الحديث: "لا أعرف صحيحًا"، وأوهنه"، بينما قال في رواية صالح (2/ 105 - 106/ 662): "مختلف فيه" وكذا سينقله المصنف عنه قريبًا.
وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 430 - ط العسكري)، و"المحلى" (10/ 150).
(1) في المطبوع: "في رواية؛ يعني: ابن منصور في".
(2) أخرج مالك في "الموطأ" (461 - رواية يحيى، ورقم 2889 - رواية أبي مصعب) -وعنه: الشافعي في "المسند" (330)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 263) - عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام. قال سليمان: فأتى رجلان، كلاهما يدعي ولد امراة، فدعا عمر قائفًا، فنظر إلهما، فقال القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، قال: ما يدريك؟! ثم دعا المرأة؛ فقال: أخبريني خبرك. فقالت: كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في الإبل لأهلها؛ فلا يفارقها حتى يظن وتظن أن قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها، فهرقت الدماء، ثم خلف هذا (تعني: الآخر)، ولا أدري من أيهما هو؟ قال: فكبر القائف؛ فقال عمر للغلام: والِ أيهما شئت".
وأخرح ابن أبي شيبة في "المصنف"، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 263)؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قضى في رجلين ادَّعيا رجلًا لا يدري أيهما أبوه؛ فقال عمر رضي اللَّه عنه للرجل: "اتبع أيهما شئت".
قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح موصول"، وقال (10/ 264): "ورواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر رضي اللَّه عنه موصولة، ورواية سليمان بن يسار لها شاهدة، وكلاهما يثبت قول عمر رضي اللَّه عنه: "والِ أيَّهما شئتَ".
وللأثر طرق أخرى عند البيهقي وغيره.
(3/233)

وعلى هذا؛ فهل يضيع نسبه، أو يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه من المدعين له فيلحق به؟
على وجهين، والأول قول أبي بكر، والثاني قول ابن حامد.
واختار صاحب "المحرر" أنه يلحق بالمدعيين معًا؛ كالمدعيين لعين ليست في يد أحدهما إذا استويا في البينة أو عدمها؛ فإن العين تقسم بينهما، كذلك (1) ها هنا يلحق النسب بهما؛ إذ لا يمكن إلحاقه بالقرعة (2).
وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد اللَّه عن حديث عمر: إن رجلين اختصما إليه [أنهما وقعا] (3) على امرأة في طهرها؛ أيش تقول فيه؟ قال أحمد: إن ولدت؛ [خيرت الابن] (4) أيهما شاء اختار، ويرثهما جميعًا، ويخير في حياتهما أيهما شاء من الأبوين اختار (5). قال القاضي: هذا موافق لقول ابن حامد: إنه ينسب (5) إلى من اختار (6) منهما. وقال الحارثي: إنما دل على أنه ينسب إليهما. كما أختاره صاحب "المحرر" (7)؛ لأنه ورثه منهما، ولم يوقفه إلى بلوغه وتخييره (8)، إنما هو للحضانة.
__________
(1) في المطبوع: "وكذا"، وفي (ج): "وكذلك".
(2) انظر: "المحرر" (2/ 102).
(3) في المطبوع: "أيهما وقع"!
(4) في (ب): "خيرت الاثنين"، وفي (ج): "خير الابن".
(5) في (ج): "ينتسب".
(6) في المطبوع: "شاء".
(7) انظر: "المحرر" (2/ 102).
(8) في (ج): "وتخيير"!!
(3/234)

والأظهر عندي أن مراد أحمد أنه إذا ألحقته (1) القافة بالأبوين معًا؛ ورثهما، وخير في المقام عند من يختار منهما (2)؛ فإنه سئل عن حديث عمر (3)، وحديث عمر فيه هذان الحكمان.
وعن أحمد: إنه يقرع بينهما؛ فيلحق نسبه بالقرعة، ذكرهما في "المغني" (4) في كتاب الفرائض، وهي مأخوذة واللَّه أعلم مما روى صالح عن أبيه أنه قال: القرعة أراها (5)، قد أقرع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في خمسة (6) مواضع. فذكر منها وأقرع في الولد، حديث (7) الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم (8)، وهو مختلف فيه، وأذهب إلى القرعة؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرع (9). قلت: إن بعض الناس لا يجيزون القرعة إلا في الأموال. قال: أليس قد أقرع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين نسائه (10)، والقرعة في القرآن
__________
(1) في (ج): "إذا لحقته".
(2) في المطبوع: "يختار منهما".
(3) مضى تخريجه قريبًا (ص 358).
(4) انظر: "المغني" (6/ 276/ باب الاشتراك في الطهر).
(5) في (ج): "أرها".
(6) في النسخ الثلاث: "خمس"! ولعل الصواب ما أثبتناه.
(7) في المطبوع: "الولد من حديث"! والصواب حذف "من"؛ كما في "مسائل صالح" وغيرها.
(8) مضى تخريجه قريبًا من هذا الطريق.
(9) وردت المسألة في "مسائل صالح" (2/ 103 - 105/ 661)، لكن بدون قوله: "وأذهب إلى القرعة؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقرع"؛ فإنه قد ورد أيضًا في "مسائله" (3/ 192/ 1630)، وأشار إلى هذه الرواية الإمام ابن قيم الجوزية في "الطرق الحكمية" (422).
(10) أخرج البخاري في "صحيحه" (كتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها، رقم =
(3/235)

في موضعين (1).
وظاهر هذا أنه أخذ بالقرعة في النسب، وقد ذكرنا طرق حديث زيد ابن أرقم والاختلاف فيه وكلام الحفاظ عليه وتوجيه ما تضمنه من توزيع الغرم (2) في جزء مفرد.
وقد قال أبو بكر عبد العزيز: لو صح؛ لقلنا به، وأما حكم تحريم
__________
= 2593، وكتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، رقم 2661، وباب القرعة في المشكلات، رقم 2688، وكتاب المغازي، باب حديث الإفك، رقم 4141، وكتاب التفسير، باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ. . .}، رقم 4750، وكتاب الجهاد، باب حمل الرجل أمرأته في الغزو دون بعض نسائه، رقم 2879، وكتاب النكاح، باب القرعة بين النساء، رقم 5211)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أم المؤمنين عائشة، رقم 2445، وكتاب التوبة، باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم 2770)؛ عن عائشة رضي اللَّه عنها؛ قالت: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خرج؛ أقرع بين نسائه؛ فطارت القرعة على عائشة وحفصة".
(1) الأول منهما: قوله تعالى في سورة آل عمران [الآية: 44]: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}.
والثاني: قوله تعالى في سورة الصافات [الآية: 141]: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}.
وانظر وجه الاستدلال بهاتين الآيتين على مشروعية القرعة في: "تفسير ابن جرير" (3/ 183)، و"أحكام القرآن" (1/ 273) لابن العربي، و"تفسير القرطبي" (4/ 86، 15/ 125 - 126)، و"أحكام القرآن" (2/ 358) لإلكيا الهراسي، و"الإكليل" (69)، و"فتح القدير" (1/ 338)، و"التسهيل لعلوم التنزيل" (1/ 190)، و"الطرق الحكمية" (335 - 336).
(2) في المطبوع: "العزم"!
(3/236)

النكاح؛ فإن ألحقت القافة الولد بأحد الواطئين، وكان بنتًا؛ حلت لأولاد الآخر، ولم تحل لأحد من الواطئين لكونها ربيبة له، وإن لم توجد قافة، فإن قلنا: يضيع النسب؛ حرمت على الواطئين وأولادهما (1)؛ كما إذا اشتبهت ذات محرم بأجنبية (2)، وإن قلنا: [تترك حتى تبلغ، فتنتسب] (3) إلى أحدهما بميل الطبع؛ ففي حلها لولد (4) الآخر احتمالان ذكرهما صاحب "الترغيب" في الرضاع [بلبن هذه المرأة] (5).
(وأما حكم العدة)؛ فقال أكثر الأصحاب: إن ألحقت القافة الولد بأحدهما؛ انقضت به عدتها [منه] (6)، [ثم اعتدت للآخر، وإن ألحقته بهما؛ انقضت به عدتها منهما.
وفي "الانتصار" لأبي الخطاب: لا يمتنع على أصلنا أن نقول: تنقضي به عدة أحدهما لا بعينه، وتعتد للآخر فيما إذا ألحقته القافة بهما؛ كما لو وطئها رجلان بشبهة وجهل السابق] (7).
وأما إن ضاع نسبه بأن (8) لم توجد قافة، أو أشكل (9) عليهم؛ ففي
__________
(1) في المطبوع: "وأولادهم"!
(2) في المطبوع: "بأجنبي"
(3) في المطبوع: "يترك حتى يبلغ فينسب".
(4) في (ج): "لوطء".
(5) ما بين المعقوفتين مذكور آنفًا في المطبوع بعد قوله: "لولد الآخر".
(6) في (ج): "منها"!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(8) في المطبوع و (ب): "فإن".
(9) في المطبوع: "وأشكل".
(3/237)

"الإِقناع" لابن الزاغوني: يضاف إلى أحدهما بالقرعة، وتنقضي به عدتها منه. قال: ويحتمل أن تستأنف العدة لهما؛ لأنه لا يعلم به البراءة من ماء أحدهما؛ حيث (1) لم ينسب إلى واحد منهما.
وفي "المجرد" و"الفصول" و"المغني" (2): يلزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء؛ لأنه إن كان من الأول؛ فقد أتت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثاني؛ فعليها أن تكمل عدة الأول ليسقط الفرض بيقين.
وأما حكم الميراث إذا تعذر إلحاق النسب بواحد منهما، ومات الولد؛ ففي "المجرد" في [كتاب] (3) العدد قياس المذهب: إنه يقرع بينهما، فمن تقع (4) عليه القرعة؛ حكم له بالميراث؛ كما قلنا: إذا طلق إحدى نسائه ومات (5)، ثم قال: فإن (6) كان للطفل أم ولأحد المداعيين فيه [ولدان] (7)، أو كان لها ولد ولأحدهما ولد؛ فيجوز أن يكون للميت أخوان، ويجوز أن لا يكون؛ فيحكم لها (8) بالثلث، ولا تحجب بالشك.
__________
(1) في (ب): "بحيث".
(2) انظر: "المغني" (7/ 402 - 403/ 6082).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ب): "وقع".
(5) فالمذهب في هذه الصورة -إذا طلق إحدى زوجاته ولم يعين- يقرع بينهن، وتقدمت المسألة.
(6) في (أ): "إن".
(7) في المطبوع: "ولد".
(8) في المطبوع: "له".
(3/238)

قال الشيخ مجد الدين: وفي هذا عندي نظر من وجهين:
أحدهما: إن القرعة إنما تشرع عندنا إذا امتنع الجمع من الأمرين، وهنا يمكن أن يكون منهما (1) عندنا.
والثاني: إن القاضي ذكر في "المجرد" في كتاب الفرائض أنه يوقف المشكوك فيه حتى يصطلح عليه، ثم العجب أنه جعل للأم هنا الثلث؛ حيث يشك؛ هل لها الثلث أو السدس؟ وكان ينبغي أن تعطى بمقتضى القرعة؟! انتهى.
وأقول: القرعة هنا أرجح من الإيقاف؛ لأن فيها فصلًا للأحكام، وأما احتمال كونه منهما؛ فهو بعيد جدًّا؛ فلا تعويل (2) عليه، وإنما التعويل على العادة الغالبة، وأنه ابن لواحد منهما.
نعم، لو عولنا على هذا الاحتمال؛ لقسمنا إرثه بينهما بالسوية، وهو متوجه أيضًا، وأما دخول القرعة فيما تستحقه الأم من الثلث [أو السدس] (3)؛ فغير ممكن، كما لا تدخل القرعة فيما يستحقه (4) الخنثى من ميراث ذكر أو أنثى، [ولا] (5) فيما يستحقه من له حاجب مفقود، ونحو ذلك.
__________
(1) في (ب): "مبهمًا".
(2) في (ب): "فلا يعول".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "تستحقه"، وفي (أ) و (ب): بدون تنقيط الأول.
(5) في المطبوع: "ولأنه".
(3/239)

تنبيه:
هذا الكلام في إلحاق النسب ابتداءً بالقرعة، فأما إذا أقر بولد مبهم من أمة له، ثم مات ولم يبين (1)، وتعذرت القافة؛ أقرعنا لأجل الحرية، فمن خرجت عليه القرعة؛ فهو حر، وهل يثبت نسبه بذلك؟
فيه خلاف سبق ذكره؛ لأن الحرية هنا مستندة إلى الإِقرار والقرعة مرجحة (2).
- (ومنها): [إن الغلام] (3) إذا بلغ سبع سنين؛ فإنه يخير بين أبيه وأمه في الحضانة على ظاهر المذهب، فإن لم يختر واحد منهما، أو اختارهما جميعًا؛ أقرع بينهما على المشهور، وفيه وجه: يعطى لأمه، وأما قبل السبع؛ فإذا استوى في استحقاق حضانته رجلان؛ كأخوين، أو امرأتان (4)؛ كأختين؛ فإنه يعين أحدهما بالقرعة أيضًا (5).
- (ومنها): إذا استحق القود جماعة، وتشاحوا في مباشرة الاستيفاء؛ ففيه وجهان:
__________
(1) في المطبوع و (أ): "ولم يتبين".
(2) في المطبوع: "فيرجحه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع و (ج): "امرأتين".
(5) انظر: "المبدع" (8/ 238)، و"المغني" (11/ 525 - مع "الشرح الكبير")، وهذا مذهب الشافعية؛ كما في "مغني المحتاج" (3/ 454)، و"أسنى المطالب" (3/ 453)، وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يقدم الأقوم، فإن تساووا؛ فالأسن.
انظر: "بدائع الصنائع" (5/ 2259)، و"تبيين الحقائق" (3/ 47)، و"الشرح الصغير" (2/ 758) للدردير، و"التاج والإكليل" (4/ 216).
(3/240)

أشهرهما: إنه يقدم أحدهم (1) بالقرعة.
[والثاني] (2): بتعيين الإمام. قاله ابن أبي موسى.
هذا إذا كان المقتول واحدًا، فإن كانوا جماعة، وطلب ولي كل واحد منهم أن يقتص على الكمال؛ ففيه وجهان أيضًا:
أحدهما: إنه يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته؛ أقيد به، ويجب للباقين الدية.
والثاني: يبدأ بالسابق في القتل؛ فيقاد به وتتعين الدية للباقين، فإن قتلهم دفعة واحدة؛ قدم من تخرج له القرعة.
ولم يذكر صاحب "المغني" سوى هذا الوجه (3)، وقال أبو الخطاب في "الانتصار": يقتل للجميع، ويؤخذ من ماله بقية ديات الجميع تقسم بينهم، وحكى أن المنصوص عن أحمد: إنهم إذا طلبوا القتل؛ فليس لهم غيره، ويكونون قد أخذوا (4) بعض حقوقهم وسقط (5) بعضها، وبعده (6) بأن القصاص لا يتبعض (7) في الاستيفاء والإسقاط (8).
__________
(1) في المطبوع: "أحدهما".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) انظر: "المغني" (8/ 244 - 245/ 6659).
(4) في (ج): "أخذ".
(5) في (ج): "وأخذوا".
(6) في المطبوع: "ويعد".
(7) في (أ): "لا ينتقض".
(8) انظر: "المبدع" (8/ 290)، وهذا مذهب الشافعية، سواء كان المقتول واحدًا =
(3/241)

- (ومنها): إذا أعطينا الأمان لمشرك في حصن ليفتحه لنا ففعل، ثم أشتبه علينا، وادعى كل منهم أنه المستأمن؛ ففيه وجهان:
أحدهما -وهو المنصوص في "رواية ابن هانئ"-: إنه يحرم قتلهم واسترقاقهم جميعًا (1).
والثاني: يخرج أحدهم بالقرعة؛ فيكون حرًّا، ويرق الباقون.
وحكى [ذلك] (2) عن أبي بكر والخرقي (3)؛ لأن القرعة يتميز الحر من العبد عند الاشتباه؛ ولو كان حر الأصل، كما لو أقر أن أحد هذين الولدين من هذه الأمة ولده، ثم مات ولم يوجد قافة؛ فإنا نقرع بينهما للحرية؛ وإن كان حر الأصل.
ومن نصر الأول؛ قال: إرقاق الباقين هنا يؤدي إلى ابتداء الإرقاق مع الشك في إباحته، بخلاف من أعتق أحد عبيده واشتبه عليه؛ فإنه ليس فيه سوى استدامة الإرقاق مع الشك في زواله؛ فالاستدامه تبقيه على الأصل الذي لم يتحقق زواله، والابتداء نقل عن الأصل المتحقق مع الشك في إباحته.
__________
= أو جماعة. انظر: "مغني المحتاج" (4/ 22، 40)، و"أسنى المطالب" (4/ 35).
وانظر: مذهب الحنفية في: "البدائع" (10/ 4629)، و"تبيين الحقائق" (6/ 115)، ومذهب المالكية في "الكافي" (2/ 1099) لابن عبد البر.
(1) انظر: "مسائل ابن هانئ" (2/ 121/ 1701).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) قال الخرقي في "مختصره" (9/ 199/ 7489 - مع "المغني"): "ومن طلب الأمان ليفتح الحصن، فقبل؛ فقال كل واحد منهم: أنا المعطى؛ لم يقتل واحد منهم".
(3/242)

نعم، لو كان المعطي للأمان امرأة، واشتبهت (1) علينا؛ لتوجه جواز إرقاق النساء سوى واحدة بالقرعة؛ لأن النساء يصرن أرقاء بنفس السبي؛ فقد اشتبه ها هنا الرقيق بحر الأصل؛ [فهي] (2) كمسألة الإِقرار المشار إليها.
وكذلك لو أسلم واحد من حصن قبل فتحه، ثم فتحناه، وادعى كلهم أنه المسلم؛ فإنه يخرج بالقرعة واحد؛ فلا يسترق، ويسترق الباقون لأنهم إنما أسلموا بعد القهر، وذلك يوجب استرقاقهم على المنصوص؛ فقد اشتبه ها هنا الحر بمن يثبت استرقاقه؛ فيميز بالقرعة، وجعل أصحابنا حكم هذه المسألة حكم مسألة دعوى الأمان في جريان الخلاف فيها.
- (ومنها): إذا [ضمنا ما] (3) لًا لمن يفتح الحصن، فادعى اثنان كل منهما أنه الذي فتحه دون الآخر؛ فقال أبو بكر في "التنبيه": فيه قولان:
أحدهما: إن المال بينهما جميعًا؛ لأنهما فيه سواء بدعواهما له.
والآخر: يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة؛ كان المال له.
-[(ومنها): إذا قسم خمس الغنيمة؛ فإنه يجزأ خمسة أقسام بالسّوية؛ سهم للَّه وللرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، ثم تقرع بينهما برقاع يكتب فيها أسهام كل سهم من هذه السهام، فمن خرج له سهم؛ فهو له من غير تخير (4)،
__________
(1) في (ج): "واشتبه"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "جعلنا ما"، وفي (ب): "ضمنا لما".
(4) في (ج): "تمييز".
(3/243)

وكذلك الفيء إذا قلنا: إنه يخمس. ذكره أبو حفص العكبري، حكاه عنه الآمدي، وذكر في ذلك آثارًا عن عثمان (1) وعلي (2) وغيرهما من الصحابة رضي اللَّه عنهم [أجمعين] (3)] (4).
- (ومنها): لو حلف بيمين ولم يدر أي الأيمان هي؛ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يلزمه شيء، قال في "رواية ابن منصور" في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي: طلاق أو غيره؛ قال: لا يجب عليه الطلاق حتى
__________
(1) يشير المصنف إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (7/ 351): حدثنا عيسى بن يونس، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الوليد بن همام، عن مالك بن عبد اللَّه الخثعمي؛ قال: "كنا جلوسًا عند عثمان رضي اللَّه عنه؛ فقال: من ها هنا من أهل الشام؟ فقمتُ، فقال: أبلغ معاوية إذا غنم غنيمةً: أن يأخذ خمسة أسهم؛ فليكتب على كل سهم منها (للَّه)، ثم ليقرع، فحيث ما خرج منها؛ فليأخذه".
وإسناده لين.
صالح ضعيف يعتبر به، وسائر رجاله ثقات.
(2) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد فضائل الصحابة" (رقم 913) حدثني نصر بن علي الجهضمي، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 348 - 349) عن عبد الحميد بن صبيح، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (12/ ق 371) عن علي بن حرب؛ ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًّا قسّم ما في بيت المال على سبعة أسباع، ثم وجد رغيفًا، فكسره سبع كسر، ثم دعا أُمراء الأجناد، فأقرع بينهم". لفظ عبد اللَّه.
ولفظ البيهقي: "أتاه مال من أصبهان، فقسّمه".
ولفظ ابن عساكر: "قدم على علي مال من أصبهان".
وإسناده صحيح، وهو عند ابن عبد البر في "الاستيعاب" (3/ 49).
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من (ج).
(4) ما بين المعقوفتين (أي: كل هذه المسألة) سقط من المطبوع و (ب).
(3/244)

يعلم أو يستيقن. وظاهره أنه لا يلزمه شيء من موجبات الأيمان كلها؛ لأن الأصل براءة الذمة من موجب كل يمين بانفرادها.
وتوقف أحمد في رواية أخرى، قال صالح: سألت أبي عن رجل حلف على يمين لا يدري [بما] (1) حلف؛ باللَّه أو (2) بالطلاق أو بالمشي؟ قال: لو عرف اجترأت أن أجيب فيها؛ فكيف إذا لم يدر (3)؟!
وفي المسألة قولان آخران:
أحدهما: إنه يقرع بين الأيمان كلها؛ من الطلاق والعتاق والظهار واليمين باللَّه؛ فما خرج بالقرعة؛ لزمه مقتضاه، وهو بعيد؛ لما يتضمنه من إيقاع الطلاق والعتاق بالشك، ولكنه احتمال ذكره ابن عقيل [في "فنونه"] (4). وذكر القاضي في بعض تعاليقه أنه استفتي في هذه المسألة، فتوقف فيها، ثم نظر؛ فإذا قياس المذهب أنه يقرع بين الأيمان (5) كلها؛ الطلاق والعتاق والظهار واليمين باللَّه [تعالى] (6)، فأي يمين وقعت عليها القرعة؛ فهي المحلوف عليها. قال: ثم وجدت عن أحمد ما يقتضي أنه لا يلزمه حكم هذه اليمين. وذكر "رواية ابن منصور" [المتقدمة] (7).
__________
(1) في المطبوع و (ب): "ما"، وفي (ج): "أ"، وفي "مسائل صالح": "بماذا".
(2) في المطبوع: "أم".
(3) ذكر هذه المسألة صالح في "مسائله" (1/ 300/ 248).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في (ج): "يقرع للأيمان".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب).
(3/245)

[وحكاه في موضع آخر منها عن القاضي: إنه كان يجيب بذلك قبل وقوفه على "رواية ابن منصور" المذكورة] (1).
والثاني: إنه يلزمه كفارة كل يمين؛ لأنه يتيقن وجوب أحدهما وشك في عينه، ذكره (2) ابن عقيل في "فنونه" أيضًا، وهو متجه فيما إذا علم أنها إحدى الأيمان المكفرة، وأما إن شك هل هي مما يدخله التكفير أو لا؛ فلا يزول شكه بالتكفير المذكور.
وفي "مسائل إبراهيم الحربي" (3): سمعت رجلًا يسأل (4) أحمد بن حنبل عن يمين حلفها، فقال له أحمد: كيف حلفت؟ فقال [له الرجل] (5): [لا] (6) أدري كيف حلفت؟ فقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم؛ قال: قال
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب) و (ج).
(2) في المطبوع: "وذكره".
(3) هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهم بن بشر الحربي، مصنف "غريب الحديث" (مطبوع)، و"دلائل النبوة"، و"سجود القرآن"، كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وكان يعظمه، ويقول عنه: "تعجز النساء أن يلدن مثله"، مات سنة خمس وثمانين ومئتين؛ رحمه اللَّه تعالى.
ترجمته في: "طبقات الحنابلة" (1/ 86)، و"المنهج الأحمد" (1/ 383)، و"المقصد الأرشد" (1/ 211)، و"تاريخ بغداد" (6/ 28)، و"السير" (13/ 356). وترجمه ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (2/ 256) وعدّه شافعيًا.
(4) في المطبوع: "سأل".
(5) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوع و (ب) و (ج).
(6) في المطبوع و (ب) و (ج): "ليس".
(3/246)

رجل لشريك: حلفت ولست (1) أدري كيف حلفت؟ فقال له شريك: ليتني إذا دريتَ أنت كيف حلفتَ دريتُ أنا كيف أُفتيتك! انتهى (2).
وهذه الرواية يحتمل أن يكون المراد أنه لم يدر بماذا حلف؛ فيكون (3) كرواية صالح السابقة، [ويحتمل أنه لم يدر ما] (4) حلف عليه؛ مثل أن يعلم أنه حلف بالطلاق مثلًا [أنه يفعل] (5) شيئًا، [ثم] (6) نسي ما حلف عليه؛ فهنا (7) قد شك في شرط الطلاق، وهو عدمي؛ فلا يلزمه الطلاق (8) على المذهب عند صاحب "المحرر" (9).
وفيه وجه: يحنث في آخر أوقات الإمكان؛ لأن الأصل وجود ما علق عليه، وهو العدم، وإن حلف بالطلاق لا يفعل كذا، فهنا شرط الطلاق وجودي، وهو الفعل؛ فلا يقع الطلاق بالشك في وجوده.
__________
(1) في المطبوع و (ج): "وليس".
(2) في "مسائل صالح" (1/ 300/ 248): "سألته عن رجل حلف على يمين، لا يدري بماذا حلف، باللَّه، أو بالطلاق، أو بالمشي؟ فقال: لو أنه إذا عرف؛ اجتريت أن أجيب فيها؛ فكيف إذا لم يدْر؟! ".
(3) في المطبوع: "فيكون"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الثاني.
(4) في (ج): "يحتمل أنه لم يدر ماذا".
(5) في المطبوع و (ب) و (ج): "ليفعلن".
(6) في المطبوع و (ب) و (ج): "و".
(7) في المطبوع: "وهنا".
(8) في المطبوع: "طلاق".
(9) انظر: "المحرر" (2/ 81).
(3/247)

وأفتى الشيخ تقي الدين فيمن حلف ليفعلن (1) شيئًا ثم نسيه أنه لا يحنث؛ لأنه عاجز عن البر (2)، وهو يرجع إلى الوجه المذكور في الصورة الأولى.
- (ومنها): إذا تناضل حزبان واقتسموا الرجال بالاختيار، واختلفوا في البادي بالاختيار من كل حزب؛ أقرع بينهم لذلك، وكذلك إذا اختلف (3) الرماة في المبتدئ بالرمي (4) وتشاحوا؛ أقرع بينهم في قياس المذهب، قاله (5) الآمدي، واختار القاضي أنه يقدم من أخرج السبق، فإن لم يكن أقرع بينهم، واختار صاحب "الترغيب" أنه لا يصح عقد المناضلة حتى يعين فيه المبتدئ (6) بالرمي (7).
- (ومنها): إذا استوى اثنان من أهل الفيء في درجة (8)؛ ففي "المجرد": يُقدَّمُ أسنُّهما (9)، ثم أقدمهما هجرة، وفي "الأحكام السلطانية": يقدم بالسابقة (10) في الإسلام، ثم بالدين، ثم بالسن، ثم
__________
(1) في المطبوع: "لا يفعلن".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 272).
(3) في المطبوع: "اختلفت".
(4) في المطبوع و (أ): "بالرامي".
(5) في المطبوع: "قال".
(6) في المطبوع: "المبتدئ فيه" بتقديم وتأخير.
(7) انظر في المسألة: "المبدع" (5/ 134 - 135)، و"الإنصاف" (6/ 99)، و "الفروسية" لابن القيم (ص 394 - بتحقيقي).
(8) في (أ): "زوجة".
(9) في (ج): "أسنهما"، وكتب في الهامش تصحيحًا لها: "أسبقهما".
(10) في (ب): "بالمسابقة".
(3/248)

بالشجاعة، ثم ولي الأمير مخير: إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء رتبهما على رأيه (1) واجتهاده (2).
- (ومنها): إذا تنازع الإمامة العظمى اثنان وتكافئا في صفات الترجيح؛ قدم أحدهما (3) بالقرعة، قال القاضي (4): هذا قياس المذهب؛ كالأذان.
- (ومنها): لو عقدت الإمامة لاثنين في عقدين مترتبين، وجهل السابق منهما؛ فقال القاضي (5): يخرج على روايتين:
إحداهما (6): بطلان العقد فيهما.
والثانية: استعمال القرعة بناءً على ما إذا زوج الوليان وجهل السابق منهما؛ فإنه على روايتين، كذلك هنا. انتهى.
ولكن المشهور في حكاية الرواية الأولى في كتب (7) القاضي وأصحابه: إنه يفسخ النكاحان، وقياس (8) هذا أن (9) يفسخ العقدان لا أنهما
__________
(1) في (ب): "على رواية"!
(2) انظر: "الأحكام السلطانية" (ص 24 - 25).
(3) في المطبوع: "أحدمها"!
(4) في "الأحكام السلطانية" (ص 24 - 25).
(5) في "الأحكام السلطانية" (ص 25).
(6) في (ج): "يتخرج على روايتين: إحداهما"، وفي (ب): "يخرج على الروايتين: أحدهما".
(7) في المطبوع: "كتاب".
(8) في (ج): "فقياس".
(9) في المطبوع: "أنه".
(3/249)

يبطلان من غير فسخ.
- (ومنها): إذا ولى الإمام قاضيين في بلد عملًا واحدًا، وقلنا بصحة ذلك، فاختلف الخصمان فيمن يحتكمان إليه؛ فالقول قول المدعي، فإن تساويا في الدعوى؛ اعتبر أقرب الحاكمين إليهما، فإن استويا؛ أقرع بينهما، وقيل: يمنعان من التخاصم حتى يتفقا (1) على أحدهما، قال القاضي (2): والأول أشبه بقولنا.
- (ومنها): إذا هجم الخصوم على (3) القاضي دفعة واحدة، وتشاحوا في المتقدم، وليس فيهم مسافر؛ فإنه يقدم أحدهما بالقرعة، [وكذلك (4) إذا ادعى الخصمان عنده معًا؛ فإنه يقدم أحدهما بالقرعة] (5).
- (ومنها): القرعة في القسمة، إذا عدل القاسم السهام بالأجزاء إن تساوت وبالقيمة إن اختلفت وبالرد فيما يقتضي الرد؛ فإنه يقرع بين الشركاء، وهو مخير: إن شاء كتب اسم كل [واحد] (6) منهم في رقعة، ثم
__________
(1) في المطبوع و (أ) و (ب): "يتفقان"!
(2) في "الأحكام السلطانية" (ص 69).
(3) في (ج): "إلى".
(4) في المطبوع: "وكذا".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
وانظر في المسألة: "الإنصاف" (11/ 204)، و"المبدع" (10/ 34)، والقرعة مذهب المالكية؛ كما في "الشرح الكبير" (4/ 143)، و"الشرح الصغير" (4/ 204) للدردير، ومذهب الشافعية، انظر: "مغني المحتاج" (4/ 401 - 402).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/250)

تخلط الرقاع ويخرج على [كل] (1) سهم (2) رقعة منها، وإن شاء كتب اسم كل سهم في رقعة، ثم خلطها وأخرج واحدة واحدة [منها] (3) على اسم واحد [واحد] (4) من الشركاء، فإذا تمت القرعة؛ لزمت القسمة للشركاء.
وفيه وجه: لا يلزم (5) فيما فيه رد حتى يتراضيا به بعد القسمة؛ لأنها بيع، إذا دخلها الرد؛ فيشترط لها التراضي (6).
- (ومنها): إذا تداعى اثنان عينًا بيد ثالث، فأقر بها لأحدهما مبهمًا وقال: لا أعلم عينه؛ فإنه يقرع بينهما، فمن قرع؛ فهي له، وهل يحلف؟
على وجهين ذكرهما أبو بكر، والمنصوص عن أحمد أن عليه اليمين، وعليه حمل حديث أبي هريرة: "إذا أحب الرجلان اليمين أو كرهاها؛ فليستهما عليها" (7)، لكنه قال: إذا كرها اليمين وخرجت القرعة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في المطبوع و (أ): "اسم".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "كل منهما".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(5) في المطبوع: "لا يلزمه"، وفي (ج): "لا تلزم".
(6) تدخل القرعة في قسمة الإجبار -وهي ما أمكن التعديل فيها من غير رد- لا قسمة التراخي، وتكون في الأراضي الواسعة، والبساتين، والدور الكبار، والدكاكين الواسعة، والمكيلات، والموزونات من جنس واحد، سواء كانت مما تمسه النار؛ كالدبس وخل التمر، أو لم تمسه النار؛ كخل العنب والألبان.
وانظر: "المقنع" (3/ 646 - مع حاشيته)، و"المغني" (11/ 505 - مع "الشرح الكبير").
(7) في المطبوع: "فليستهما عليه"! =
(3/251)

لأحدهما؛ فهي له بغير يمين، ولا فرق بين أن يكون (1) وديعة أو عارية أو رهنًا أو بيعًا مردودًا بعيب أو خيار أو غيرهما، نص عليه في المردود في "رواية ابن منصور" (2).
وإن قال من هي في يده: ليست لي، ولا أعلم لمن هي؛ ففيها ثلاثة أوجه:
__________
= وأخرج البخاري في "الصحيح" (كتاب الشهادات، باب إذا تسارع قوم في اليمين، رقم 2674) عن عبد الرزاق -وهو في "مصنفه" (8/ رقم 15212) - عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عرض على قوم اليمين، فسارعوا إليه، فأمر أن يُسْهم بينهم في اليمين؛ أيُّهم يحلف".
وأخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب الأقضية، باب الرجلين يدّعيان شيئًا وليس لهما بيّنة، رقم 3617)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 255) و"معرفة السنن والآثار" (7/ رقم 5990)، والبغوي في "شرح السنة" (10/ رقم 2505)؛ عن عبد الرزاق به، ولفظه: "إذا أُكره اثنان على اليمين، أو استحبَّاها؛ فلْيتهما عليها".
وفي رواية لأحمد في "المسند" (2/ 317): "إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها".
وأخرج النسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (10/ 389)، وأبو داود في "السنن" (رقم 3616، 3618)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الأحكام، باب القضاء بالقرعة، رقم 2346)، وأحمد في "المسند" (2/ 489/ 524)، وأبو يعلى في "المسند" (11/ رقم 6438)؛ من طرقٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "إن رجلين اختصما في متاع إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس لواحدٍ منهما بيّنة، فقال: استهما على اليمين، أحبّا ذلك، أو كرها".
وإسناده صحيح.
(1) في (ج): "تكون".
(2) انظر: "مسائل ابن منصور" (ص 465/ م 422).
(3/252)

أحدها: يقترعان عليها، كما لو أقر بها لأحدهما مبهمًا.
والثاني: تجعل (1) عند أمين الحاكم.
والثالث: تقر في يد من هي في يده.
والأول ظاهر كلام [الإمام] (2) أحمد في "رواية صالح" (3) وأبي طالب وأبي النضر (4) وغيرهم، والوجهان الآخران مخرجان من مسألة من في (5) يده شيء معترف (6) بأنه ليس له، [ولا يعرف مالكه] (7)، فادعاه معين؛ فهل يدفع إليه أم لا؟ وهل يقر (8) بيد من هو في يده، أم ينزعه (9) الحاكم؟
فيه خلاف [معروف] (10).
- (ومنها): إذا تداعا اثنان عينًا ليست في يد أحد [هما] (11)؛ ففيها
__________
(1) في المطبوع: "يجعل"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوع فقط.
(3) انظر: "مسائل صالح" (2/ 275 - 276/ 882).
(4) في المطبوع: "أبي النصر"، وفي (ج): "ابن منصور"!
(5) في المطبوع: "من هي في".
(6) في (ج): "يعترف".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(8) في المطبوع و (ج): "تقر".
(9) في المطبوع: "يننزعه".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
انظر في المسألة: "الكافي" (4/ 490 - 491)، و"المغني" (12/ 183 - 184 - مع "الشرح الكبير")، و"الهداية" (2/ 139).
(11) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(3/253)

وجهان:
أحدهما: تقسم (1) بينهما؛ كالتي بأيديهما.
والثاني: يقرع بينهما؛ فتعطى (2) لمن قرع؛ كما لو كانت بيد ثالث، وهو ظاهر كلام أحمد في "رواية صالح" في اثنين تداعيا كيسًا ليست أيديهما عليه: إنهما يستهمان عليه، فمن خرج سهمه؛ فهو له مع يمينه (3)، ولم يفرق بين أن يكون في يد غيرهما، أو لا يكون في يد [أحد] (4).
- (ومنها): إذا تعارضت البينتان؛ ففي المسألة ثلاث روايات:
إحداهن: يسقطان بالتعارض، ويصيران كمن لا بينة لهما.
والثانية: تستعملان (5) بقسمة العين بينهما بغير يمين.
والثالثة: ترجح (6) إحداهما بالقرعة، فمن قرع؛ حلف وأخذ العين.
هكذا حكى القاضي في "بعض كتبه" هذه الرواية، وتبعه عليها كثير من الأصحاب، وأنكرها في [كتاب] (7) "المجرد" و"الخلاف"، وقال: إنما
__________
(1) في المطبوع و (أ): "يقسم"، وفي (ب) بدون تنقيط الأول.
(2) في المطبوع: "فيعطى"، وفي (أ) بدون تنقيط الثاني.
(3) انظر: "مسائل صالح" (1/ 218 - 220/ 161)، و"الإنصاف" (11/ 397).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "واحد منهما".
(5) في المطبوع: "يستعملان"، وفي (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(6) في المطبوع: "يرجح"، وفي (أ) بدون تنقيط الحرف الأول.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/254)

معناها أن البينتين يسقطان بالتعارض، وتصير العين في يد غير (1) المتداعيين؛ فيقرع بينهما على ما تقدم.
وصرح أحمد بهذا المعنى في "رواية حنبل"؛ فقال: لو أقاما البينة جميعًا؛ أسقطت البينتين جميعًا؛ لأن كل واحدة منهما قد أكذبت صاحبتها، ويستهمان على اليمين.
وحكى ابن شهاب في "عيون المسائل" (2) رواية أخرى: إنه يوقف [الأمر] (3) حتى يتبين أو يصطلحا عليه، ولو كانت العين المتنازع (4) فيها بيد أحدهما؛ فلا تعارض، بل تقدم بينة الخارج في أشهر الروايتين، وفي الأخرى بينة الداخل؛ إلا أن يكون التنازع في سبب اليد بأن يدعي كل منهما أنه اشتراها من زيد أو إتهبها منه، ويقيم (5) بذلك بينة؛ ففيه روايتان:
إحداهما (6): إنه كبينة الداخل والخارج على ما سبق، وهي المذهب عند القاضي.
__________
(1) في المطبوع: "غيرهما"!
(2) مؤلفه أبو علي بن شهاب العُكْبري، قال المصنف في "ذيل طبقات الحنابلة" (1/ 172): "صاحب كتاب "عيون المسائل"، متأخر، ونقل من كلام القاضي وأبي الخطاب، كأنه من ولد ابن شهاب المتقدّم، ما وقعت له على ترجمة، ومن الناس من يظنه الحسن بن شهاب الكاتب الفقيه صاحب ابن بطة، وهو خطأ عظيم".
وانظر: "المنهج الأحمد" (2/ 271)، و"المدخل المفصَّل" (2/ 903، 972).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "المنازع".
(5) في المطبوع: "ويقم".
(6) في (أ): "أحدهما"!
(3/255)

والثانية: يتعارضان؛ لأن سبب اليد هو نفس المتنازع فيه؛ فلا تبقى مؤثرة لأنهما اتفقا على أن ملك هذه الدار لزيد، وعنه هو متلقى؛ [فلذلك لم] (1) يبق لليد تأثير لأنه قد علم مستندها، وهو الشراء الذي عورض بمثله، وهذه الرواية اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وصاحب "المحرر" (2).
واختار أبو بكر وابن أبي موسى ها هنا (3): إنه يرجح بالقرعة، ونص عليه أحمد في "رواية ابن منصور" في رجل باع ثوبًا، فجاء رجل، فأقام البينة أنه اشتراه بمئة، وأقام الآخر البينة أنه اشتراه بمئتين، والبائع يقول: بعته بمئتين، والثوب في يد البائع بعد، قال: ليس قول البائع بشيء، يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة، فهو له بالذي ادعى أنه اشتراه به. قلت: فإن كان الثوب في يد أحدهما، ولا يدرى أيهما [اشتراه أول] (4)؟ قال: لا ينفعه ما في يديه (5)، إذا (6) كان مقرًّا أنه اشتراه من فلان (7)؛ فلا ينفعه ما في يديه (8).
__________
(1) في (ج): "فكذلك ولم"، وكتب في هامشها: "لعله: فلذلك لم".
(2) انظر: "المحرر" (2/ 232).
(3) في المطبوع: "واختار أبو بكر ها هنا وابن أبي موسى".
(4) في المطبوع: "يده".
(5) في "مسائل ابن منصور": "اشترى أولًا".
(6) في (ج): "إن".
(7) هنا في "مسائل ابن منصور" بعد قوله: "من فلان": "يقرع بينهما، قلت: إذا أقاما جميعا البينة أنه أوّل؟ قال: يقرع بينهما إذا كان مقرًّا أنه اشتراه من فلان"، وبدل قوله: "فلا ينفعه" الآتي: "ولا ينفعه".
(8) في المطبوع: "يده". وانظر: "مسائل ابن منصور" (439/ 376).
(3/256)

والعجب أن القاضي في "المجرد" حكى هذا النص عن أحمد، وذكر أنه أجاب بقسمة الثوب بينهما نصفين، ثم تأوله على أنه كان في أيديهما، وإنما أجاب أحمد فيه بالقرعة كما ذكرناه، وإنما المجيب بالقسمة سفيان الثوري؛ فإن إسحاق ابن منصور يذكر لأحمد أولًا المسألة وجواب سفيان فيها، فيجيبه أحمد عنها بعد ذلك بالموافقة أو بالمخالفة؛ فربما يشتبه جواب أحمد بجواب سفيان، وقد وقع ذلك للقاضي كثيرًا؛ فلينبه لذلك، وليراجع كلام أحمد من أصل "مسائل ابن منصور".
ووقع في "الإِرشاد" (1) لابن أبي موسى في هذه المسألة كما وقع للقاضي؛ فإنه نقل عن أحمد: إنه إذا كان الثوب في يد البائع، فهو بينهما نصفين، وإن كان في يد أحدهما؛ أقرع بينهما، وهو وهم أيضًا.
[وذكر الشيخ تقي الدين [رحمه اللَّه] (2) أن مقتضى المذهب أنه إذا شهدت البينتان [بالعقدين أو الإقرارين أو الحكمين؛ أن يصدق البينتان] (3)، ثم (4) إن علم السابق، وإلا؛ كان بمنزلة أن تشهد بينة واحدة
__________
(1) هو للشريف محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي القاضي، عم أبي جعفر صاحب "رؤوس المسائل"، وهر من أصحاب القاضي أبي يعلى، توفي سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، ذكر له "الإرشاد" كلُّ من ترجم له.
وانظر: "طبقات الحنابلة" (2/ 182 - 386)، و"المقصد الأرشد" (2/ 342)، و"المنهج الأحمد" (2/ 114)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" (209)، و"مناقب الإمام أحمد" (226)، و"الشذرات" (3/ 238).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، وفي (ج): "تصدق البينتان".
(4) في المطبوع: "به".
(3/257)

بالعقدين ولا يعلم السابق منهما (1)؛ فهنا إما أن يقرع، أو يبطل العقدان؛ فلا يبقى هنا عقد صحيح يحكم به؛ فيقر في يد ذي اليد، وتكون الدعوى حينئذ لمن انتقل عنه على صاحب اليد. قال: وقياس المذهب فيما إذا اشتبه أسبق عقدي البيع: أن يفسخهما؛ إلا أن يتعذر (2) موجب الفسخ من رد الثمن ونحوه؛ فإنا (3) [نقرع (4) لأن من أصلنا أنه إذا اشتبه المالك بغير المالك أو الملك بغير [الملك] (5)؛ فإنا] (6) نقرع، فإذا أمكن فسخ العقد ورد كل مال إلى صاحبه؛ فهو خير من حظر القرعة] (7).
- (ومنها): الإقراع في العتق، وهو أشهر ما وردت [فيه] (6) السُّنة بالإقراع فيه (8)، ويندرج تحته صور كثيرة:
__________
(1) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 368 - 370).
(2) في المطبوع و (ج): "إذا تعذر".
(3) في المطبوع: "فإنه".
(4) في المطبوع: "يقرع".
(5) ما بين المعقوفتين مكرر مرتين في المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) ما بين المعقوفتين من قوله: "وذكر الشيخ تقي الدين" إلى هنا سقط من (ب).
(8) أخرج مسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب من أعتق شركًا له في عبد، رقم 1668) عن عمران بن حصين: "إن رجلًا أعتق سنة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم؛ فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا".
وتكلمتُ على طرقه وألفاظه في تعليقي على "الطرق الحكمية" تبعًا للإمام ابن قيم رحمه اللَّه؛ فانظره غير مأمور.
(3/258)

- (فمنها) (1): إذا أعتق في مرضه عبيده أو دبرهم، ولم يخرجوا من ثلثه؛ فإنه يقرع بينهم، فيعتق منهم بقدر الثلث، نص عليه أحمد في رواية جماعة (2)، قال القاضي: ويكون العتق مراعًا، فإن مات ولم يجز الورثة؛ تبينا أن الحر منهم اثنان مثلًا، وأن العتق كان واقعًا عليهما دون غيرهما، ولكنهما كانا غير معينين، وإنما تميزا وتعينا (3) بالقرعة؛ كما تتميز وتتعين (4) الحقوق المشتركة في العقار وغيره بالإقراع في القسمة وغيرها.
ويستثنى من هذا صور لا إقراع فيها ذكرها الأصحاب:
- (أحدها): إذا كان عتق أحد العبدين مرتبًا على الآخر، بأن قال: إن أعتقت سالمًا؛ فغانم حر؛ فإَه يعتق سالم وحده إذا أعتقه (5)، ولا يقرع؛ لأن القرعة قد تفضي إلى عتق غانم وحده؛ فيلزم (6) منه ثبوت المشروط بدون شرطه.
(والثانية): إذا قال في مرضه: أعتقوا سالمًا إن خرج من الثلث،
__________
(1) في (ب): "منها".
(2) منهم: المروذي وحنبل والميموني وإسحاق وأبو الحارث ومهنأ، نقلها ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 339، 341، 342، 343، 344)، ثم وجدته يقول (ص 367) في هذه المسألة: "قلت: قد نص -أي: أحمد- في رواية الجماعة على أنه يخرج بالقرعة، نص على ذلك في رواية الميموني وبكر بن محمد عن أبيه وحنبل والمروذي وأبي طالب وإسحاق بن إبراهيم ومهنأ".
(3) في (ج) "يميزا أو يعينا".
(4) في المطبوع: "يتميز ويتعين".
(5) في المطبوع: "عتقه".
(6) في المطبوع: "فيلزمه".
(3/259)

وإلا؛ فاعتقوا منه ما عتق، وقال أيضًا: أعتقوا غانمًا إن خرج من الثلث، وإلا؛ فاعتقوا منه ما عتق. قال الأصحاب: يعتق من كل واحد نصفه مع تساوي قيمتهما؛ لأنه لم يقصد بالوصية تكميل الحرية في كل واحد؛ فلم يقرع؛ كما لو قال: أعتقوا نصف سالم، وإلا؛ فنصف غانم.
(والثالثة): لو (1) أعتق أمة حاملًا في مرض موته، ولم يتسع الثلث لها ولحملها؛ قالوا: لا يجوز الإقراع؛ لأن الحمل تبع لأمه وجزء منها؛ فلا يجوز إفراده بالعتق دونها، والقرعة قد تفضي إلى ذلك [ولا] (2) أن تعتق هي دون حملها إذا استوعبت قيمتها الثلث؛ لأن الولد تبع لها، وعتقه ملازم لعتقها؛ فلا يمكن أن يعتق منها شيء ولا يعتق منه مثله؛ فيتعين أن يعتق منها ومن حملها بالحصة.
وذهب [أبو] (3) علي بن أبي موسى إلى أن الإقراع إنما يدخل حيث كان العتق لمبهم (4) غير معين وتشاح العبيد فيه، فأما إن كان لمعين؛ فلا إقراع، وكذا إن لم يتشاح فيه العبيد، وحكي عن أبي بكر في "خلافه" ما يوافق ذلك؛ فعلى هذا إذا وصى بعتق عبيده ولم يجز الورثة؛ أعتقوا منهم بمقدار الثلث، فإن تشاح العبيد في العتق؛ أقرع بينهم؛ فعتق من وقع عليه سهم الحرية منهم، وكذلك لو دبرهم، ذكره ابن أبي موسى، وذكر هو وأبو
__________
(1) في المطبوع و (ج): "إذا".
(2) في (ج): "وإلا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ج): "المبهم".
وانظر في المسألة: "الإنصاف" (7/ 427)، و"المبدع" (6/ 316).
(3/260)

بكر فيما إذا شهدت بينة على مريض أنه أعتق عبده هذا، وشهدت أخرى أنه أعتق عبده هذا: إنه يجب العتق لهما، ويتحاص (1) فيه العبدان. قال أبو بكر: لأن القرعة إنما تجب إذا كان أحدهما حرًّا والآخر عبدًا. يعني: إذا كان العتق لواحد لا للجميع.
وهذا مناقض لما ذكره ابن أبي موسى في تدبيرهم كلهم؛ إلا أن نقول (2): تدبيرهم يقع موقوفًا مراعًا؛ كعتقهم المنجز في مرضه، فيعتق منهم من عدم الإجازة قدر الثلث، وهو مبهم؛ فيميز بالقرعة، بخلاف ما إذا أعتق عبدين معينين وهو ضعيف؛ فإنه لا فرق بين أن يكون العبيد (3) جميع ماله أو نصفه مثلًا؛ إذ لا بد من الرد إلى الثلث.
وقد نقل ابن منصور عن أحمد فيمن قال في مرضه: أعتقوا عني أحد عبدي هذين: إنه يعتق أحدهما، فإن تشاحا في العتق؛ يقرع بينهما، وإنما قال: يعتق أحدهما ابتداءً؛ لأنها (4) وصية؛ فالواجب فيها ما يصدق عليه الاسم؛ كما لو وصى بأحدهما لزيد.
- (ومنها): لو أعتق أحد عبديه (5)؛ فإنه يعين بالقرعة.
ويتخرج وجه آخر: إنه يعينه (6) بتعيينه من الرواية السابقة في الطلاق،
__________
(1) في (أ): "ويتحاصان".
(2) في (ج): "يقول"، وفي (أ) بدون تنقيط الحرف الأول.
(3) في (ج): "العبدين".
(4) في المطبوع: "لأنه".
(5) في المطبوع: "عبيده".
(6) في المطبوع و (ب): "يعتقه".
(3/261)

ولو أعتق عبدًا من عبيده، ثم أنسيه أو جهله ابتداءً؛ كمسألة الطائر (1) المشهورة؛ فإنه يخرج بالقرعة أيضًا (2).
ويتخرج وجه آخر: إنه لا يقرع ها هنا من الطلاق، وأشار إليه بعض الأصحاب، لكن قياس الرواية المذكورة في الطلاق أنه يقرع، فمن خرجت له القرعة؛ عتق، ويستدام الملك في غيره؛ إلا أنه لا يستباح وطئ شيء منهن إذا كن إماء، ولو قال رجل: إن كان هذا الطائر غرابًا؛ فعبدي حر، وقال آخر: إن لم يكن غرابًا؛ فعبدي حر، وجهل (3) أمره؛ فالمشهور أنه لا يعتق واحد من العبدين، فإن اشترى أحد المالكين عبد الآخر؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يعتق ما اشتراه؛ لأن استدامته لاسترقاق عبده إقرارًا منه بأن عبد صاحبه هو الذي عتق، فإذا اشتراه؛ نفذ إقراره على نفسه، فعتق عليه.
والثاني: إنه يعتق أحدهما غير معين، ثم يميز بالقرعة، وهو أصح؛ لأن تمسكه بعبده [إنما كان] (4) استصحابًا للأصل لا غير.
وأما الولاء؛ فعلى الوجه الأول: هو موقوف حتى يتصادقا على أمر يتفقان عليه، وعلى الثاني: إن وقعت الحرية على المشتري؛ فكذلك، وإن وقعت على عبده؛ فولاؤه له، ويتوجه أن يقال: يقرع بينهما، فمن
__________
(1) في المطبوع: "الظائر".
(2) انظر: "الإنصاف" (7/ 428)، و"المغني" (12/ 283 - مع "الشرح الكبير").
(3) في (أ): "فجهل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/262)

قرع؛ فالولاء له كما تقدم مثل ذلك في الولد الذي يدعيه أبوان، وأولى؛ لأنه (1) ها هنا إنما عتق على واحد غير معين، وهناك يمكن أن يكون الولد لهما، وكذلك يقال: لو كان عبد بين شريكين موسرين، فقال أحدهما: إن كان الطائر غرابًا؛ فنصيبي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا؛ فنصيبي حر؛ فإن العبد عتق (2) على أحدهما، وهو غير معلوم؛ فيميز بالقرعة، ويكون له الولاء.
- (ومنها): لو قال لأمته: أول ما تلدينه حر، فولدت ولدين، واشتبه أولهما خروجًا؛ فإنه يميز بالقرعة، نص عليه (3)؛ لأن العتق وقع على معين وجهل ابتداءً (4)، ولو قال: أول غلام لي بطلع؛ فهو حر، فطلع عبيده كلهم، أو قال لزوجاته: أيتكن طلع، أولًا؛ فهي طالق. فطلعن كلهن؛ فنص أحمد على أنه يميز واحد من العبيد وامرأة من الزوجات بالقرعة في "رواية مُهَنَّأ" (5).
واختلف الأصحاب في هذا النص؛ فمنهم من حمله على أن
__________
(1) في المطبوع: "لأن".
(2) في المطبوع: "يعتق".
(3) في "رواية ابن منصور"؛ كما في "الطرق الحكمية" (ص 369).
(4) قلت: ولأن النية تخصص العام، وتقيد المطلق، وهؤلاء جماعة اشتركوا في الشرط، وخصص بنيته واحدًا؛ فالذي يستحق العتق منهم واحد، وهو غير معين هنا؛ فيخرج بالقرعة.
وانظر: "الطرق الحكمية" (ص 368 - 370) للإمام ابن القيم رحمه اللَّه، و"الإنصاف" (7/ 420).
(5) نقل ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 367) رواية مهنأ هذه.
(3/263)

اطلاعهم كان مرتبًا [وأشكل السابق منهم؛ فيميز بالقرعة] (1)؛ كمسألة الولادة، ومنهم من أقر النص على ظاهره، وأنهم طلعوا دفعة واحدة، وقال: صفة الأولية شاملة لكل واحد منهم بانفراده، والمعتق إنما أراد عتق واحد منهم؛ فميز بالقرعة، وهي طريقة القاضي في "خلافه" (2)، ومن الأصحاب من قال: يعتق ويطلق الجميع؛ لأن الأولية صفة لكل واحد منهم، ولفظه صالح للعموم؛ لأنه مفرد [مضاف]، أو يقال: الأولية صفة للمجموع لا للأفراد، وهو الذي ذكره صاحب "المغني" في الطلاق (3)، ومنهم من قال: لا تطلق، ولا يعتق شيء منهم؛ لأن الأول لا يكون إلا فردًا لا تعدد فيه، والفردية منتفية (4) هنا، وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل في الطلاق والسامري وصاحب "الكافي" (5).
ويتخرج وجه آخر، [وهو] (6) أنه إن طلع بعدهم [غيرهم] (7) من عبيده
__________
(1) في المطبوع: "وأشكل السابق؛ فميز بالقرعة"، وفي (ج): "وأشكل السابق منهم؛ فيميز واحد منهم بالقرعة".
(2) وابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 367 - 368).
(3) قال في "المغني" (7/ 361/ 5988): "فصل: وإن قال: أول من تقوم منكن؛ فهى طالق، أو قال لعبيده: أول من قام منكم؛ فهو حر، فقام الكل دفعة واحدة؛ لم يقع طلاق ولا عتق لأنه لا أول فيهم".
قلت: وهذا يخالف ما نقله المصنف عنه؛ فتأمل!
(4) في المطبوع: "مشتبهة"!
(5) قال في "الكافي": "وكذلك لو قال لأمته: أول ولد تلدينه؛ فهو حر، فولدت ابنين؛ أقرع بينهما إذا أشكل أولهما خروجًا" اه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/264)

وزوجاته؛ طلقن وعتقن (1)، وإلا؛ فلا بناءً على أن الأول هو السابق لغيره؛ فلا يكون أولًا حتى يأتي بعده غيره؛ فيتحقق [بذلك له] (2) صفة (3) الأولية، وهو وجه لنا ذكره ابن عقيل وغيره.
وقريب من هذه المسألة ما ذكره ابن أبي موسى في كتاب العتق؛ فقال: واختلف قوله في الرجل يقول لعبيده: أيكم جاءني بخبر كذا؛ فهو حر، فأتى بذلك الخبر اثنان معًا أو أكثر؛ على روايتين، قال في إحداهما: قد عتق واحد منهم؛ فيقرع بينهم، فمن قرع صاحبه؛ فقد عتق، وقال في الأخرى: فقد عتقا جميعًا. انتهى.
فأما وجه عتقهما جميعًا؛ فظاهر؛ لأن أَيًّا من صيغ العموم، وأما وجه عتق أحدهما بالقرعة؛ فهو أن المتبادر إلى الأفهام من هذا التعليق الخصوص، و [أنه] (4) إنما أريد به عتق واحد يجيء بالخبر؛ فيصير عموم هذا اللفظ عموم بدلية (5) لا عموم شمول؛ فلا يعتق [به] (4) أكثر من واحد (6)، فإذا اجتمع اثنان على الإتيان بالخبر؛ أعتق أحدهما بالقرعة، وليس هذا كما لو قال لزوجاته: أيتكن خرجت؛ فهي طالق، فإذا خرجن جميعًا طلقن؛ لأن الخروج بالنسبة إلى الجميع سواء.
__________
(1) في (ج): "وعتقوا".
(2) في المطبوع و (ج): "له بذلك" بتقديم وتأخير.
(3) في المطبوع: "صيغة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في المطبوع: "بدليله"!
(6) في المطبوع: "واحدة".
(3/265)

وأما الإخبار؛ فالمقصود منه يحصل من أحد المخبرين؛ فلا حاجة إلى الآخر، ولهذا قلنا على أحد الوجوه -وهو قول القاضي-: إنه لو قال لزوجاته: من أخبرني منكن بكذا؛ فهي طالق، فأخبرنه متفرقات؛ أنه لا يطلق منهن إلا الأولى؛ لأن مقصوده من الأخبار -وهو الإعلام- حاصل بها، ولهذا لو قال: من دخل داري؛ فله درهم، فدخل جماعة؛ فلكل واحد منهم درهم، ولو قال: من جاءني؛ فله درهم، فجاءه جماعة؛ فلهم درهم واحد بينهم، ذكره القاضي في كتاب "أحكام القرآن"؛ قال: لأن الشرط وجد من الجماعة وجودًا واحدًا، بخلاف دخول الدار؛ فإن كل واحد [منهم] (1) وجد منه دخول كامل، ولو قال رجل: من سبق؛ فله كذا، فسبق اثنان معًا؛ ففيه وجهان:
أحدهما: السبق المذكور بينهما؛ كما لو قال: من رد ضالتي؛ فله كذا، فردها جماعة.
والثاني: لكل منهم سبق كامل؛ لأنه سابق بانفراده.
وحاصل الأمر في هذا الباب أن المعلق عليه تارة يكون شيئًا واحدًا لا تعدد فيه؛ كرد الآبق ونحوه؛ فلا يتعدد المشروط بتعدد (2) المحصلين له؛ لأنهم اشتركوا في تحصيل شيء واحد، فاشتركوا في استحقاق المرتب عليه، وتارة يكون قابلًا للتعدد (3)، وهو نوعان:
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(2) في المطبوع: "بعدد".
(3) في المطبوع: "للعدد".
(3/266)

أحدهما: ما يكون التعدد فيه مقصودًا؛ كدخول (1) الدار ونحوه؛ فيتعدد الاستحقاق على الصحيح؛ كما إذا قال: من دخل داري؛ فهو حر، أو فله درهم، أو فهي طالق، وكذلك تجيء على هذا إذا قال: من جاءني؛ فله درهم؛ لأن تعدد الآتين (2) مطلوب، بخلاف ما ذكره القاضي.
ومسألة السبق قد يقال: هي من هذا النوع، وقد يقال: السبق إنما حصل من المجموع لا من كل فرد منهم؛ إذ (3) كل فرد منهم ليس [ب] (4) سابق للباقين، بل هو سابق لمن تأخر عنه ومساوٍ (5) لمن جاء معه؛ فالمتصف بالسبق هو المجموع، لا كل فرد منهم؛ فلذلك استحقوا جعلًا واحدًا، وهذا أظهر.
والنوع الثاني: ما لا يكون التعدد فيه مقصودًا؛ كالإتيان بالخبر؛ فهل يشترك الآتون به في الاستحقاق، أم يختص به واحد منهم ويميز بالقرعة؟
فيه الخلاف الذي ذكره ابن أبي موسى، والذي نقله صالح عن أحمد أنه يعتق الجميع (6)، ونقل حنبل أنه يعتق واحد منهم بالقرعة، وحمل أبو بكر "رواية صالح" على أنه أراد العموم، و"رواية حنبل" على أنه أراد واحدًا غير معين، وما ذكرنا [هُ] (7) أشبه.
__________
(1) في المطبوع: "لدخول".
(2) في المطبوع: "الاثنين"، وفي (ج): "الإتيان".
(3) في المطبوع: "أو".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في (أ) و (ب): "ومساوق".
(6) لم أظفر به في "مسائله" المطبوعة.
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/267)

وعلى هذا يتخرج مسألة: أو لكن يطلع علي؛ إذا قيل: إن الأولية صفة لكل واحد من المجتمعين؛ لأن هذا التعليق لم يقصد به إلا [واحدًا] (1) غير معين، لم يرد به الجميع، وأما إن قبل: الأولية صفة للمجموع؛ توجه (2) وقوع العتق والطلاق [على الكل] (3).
- (ومنها): لو اشتبه عبده بعبيد غيره؛ قال القاضي: قياس المذهب أنه يعتق عبده الذي يملكه [عن واجب وغيره] (4)، ثم يقرع بينهم؛ فيخرج عبده بالقرعة، ولو اشتبهت زوجته بأجانب، فطلقها؛ فله إخراجها بالقرعة، ونكاح البواقي على قياس ما ذكره الأصحاب فيمن أسلم على أكثر من أربع، فطلق الجميع ثلاثًا: إنه يخرج أربعًا بالقرعة، ثم ينكح البواقي، ولو اشتبهت أخته بأجنبيات؛ فقال القاضي في "خلافه": لا يمتنع التمييز (5) بالقرعة؛ [كما لو زوج إحدى بناته برجل واشتبهت فيهن؛ فإنها تميز بالقرعة] (6) على المنصوص (7).
__________
(1) في (ج): "واحد".
(2) في المطبوع: "يوجه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع و (أ): "التميز".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) نقله ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص 355 - 356) عن القاضي، وتعقبه بقوله: "قلت: هذا وهم من القاضي؛ فإنّ أحمد لم يقرع للحياة، وإنما أقرع للميراث والعدّة، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها"، وأسهب من النقل عن "الجامع" للخلال ما يؤكد ذلك، ثم رجع فاحتمل ما قاله القاضي، واللَّه الموفق.
(3/268)

[وفي "عمد الأدلة" لابن عقيل: لو اختلط عبده بأحرار؛ لم يقرع، ولو اختلط من أعتقه وله عتقه ومن لا يملك عتقه إلا بإجازة؛ جاز أن يقرع بينهما لأن القرعة لا تعمل في آكد التحريمين، وتعمل في أيسرهما] (1)، [واللَّه أعلم] (2).
[كملت القواعد] (3).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب) و (ج).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
ومن المسائل التي فاتت المصنف في أحكام العتق:
* الشك في الكتابة:
كاتب رجل عبدين، واستوفى من أحدهما ولم يدرِ من أيّهما استوفى، أو إذا مات ولم يعرف أحدهما؛ ففي الفرع الأول قياس المذهب أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ عتق ورق الآخر، وفي الفرع الثاني: يقرع بينهما أيضًا.
انظر: "المغني" (12/ 466 - مع "الشرح الكبير").
والقرعة مذهب للشافعية في قول، انظر: "المجموع" (17/ 37)، وهو الراجح؛ لأن بها يقع حسم النزاع، واللَّه أعلم.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وبدله في (ب): "تمت القواعد بحمد اللَّه وعونه، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ووافق الفراغ من تعليقها على يد أفقر عبيد اللَّه وأحوجهم إلى رحمته أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم الفتوحي الحنبلي، عامله اللَّه تعالى بلطفه وغفر له وللمسلمين في ثالث رمضان المعظم سنة. . . "، وبدله في (ج): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
(3/269)

(فصل)

وهذه فوائد تلتحق (1) بالقواعد، وهي فوائد مسائل مشتهرة فيها اختلاف في المذهب، ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة:
[1 - (الأولى)] (2): فمن ذلك ما يدركه المسبوق في الصلاة؛ هل هو آخر صلاته أو أولها؟
وفي هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد:
[إحداهما: إن] (3) ما يدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها، وهي (4) فتلغى هذه الفائدة.
والثانية: عكسها.
ولهذا الاختلاف فوائد:
(إحداها): محل الاستفتاح؛ فعلى الأولى يستفتح في أول ركعة يقضيها؛ إذ هي أول صلاته، نقلها حرب، وفي "شرح المذهب" للقاضي: لا يشرع الاستفتاح فيها؛ لفوات محله، وعلى الثانية يستفتح في أول ركعة
__________
(1) في المطبوع: "تلحق".
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أحدهما".
(4) في المطبوع: "وهو".
(3/270)

أدركها (1)؛ لأنها أولته، نقلها ابن أصرم (2).
- (الفائدة الثانية): التعوذ؛ فعلى الأولى يتعوذ إذا قام للقضاء خاصة، وعلى الثانية يتعوذ في أول ركعة يدركها، وهذا بناءً على قولنا: إن التعوذ يختص بأول ركعة، فأما (3) على قولنا: هو مشروع في كل ركعة؛ فتلغى هذه الفائدة.
- ([و] (4) الفائدة الثالثة): هيئة القراءة في الجهر والإِخفات، فإذا فاته (5) الركعتان الأولتان من المغرب أو العشاء؛ جهر في قضائهما من غير كراهة، نص عليه في "رواية الأثرم"، وإن أم فيهما وقلنا بجوازه؛ سن له الجهر، وهذا على الرواية الأولى، وعلى الثانية لا جهر ها هنا.
- (الفائدة الرابعة): مقدار القراءة، وللأصحاب في ذلك طريقان:
أحدهما: [إنه] (6) إذا أدرك ركعتين (7) من الرباعية؛ فإنه يقرأ في المقضيتين بالحمد [للَّه] (8) وسورة معها على كلا الروايتين، قال ابن أبي موسى: لا يختلف قوله في ذلك، وذكر الخلال أن قوله استقر على ذلك،
__________
(1) في المطبوع: "يدركها".
(2) في المطبوع: "ابن حزم".
(3) في (ج): "وأما".
(4) ما بين المعقوفتين من (ب).
(5) في المطبوع: "فاتته".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) في (ج): "الركعتين".
(8) ما بين المعقوفتين من (ب) فقط.
(3/271)

وفي "المغني": هو قول الأئمة الأربعة لا نعلم عنهم فيه خلافًا (1).
والطريق الثاني: بناؤه على الروايتين، فإن قلنا: ما يقضيه أول صلاته؛ فكذلك، وإلا؛ اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجًا.
وقد نص عليه أحمد في "رواية الأثرم"، وأومأ إليه في "رواية حرب" وغيره، وأنكر صاحب "المحرر" الطريقة الأولى، وقال: لا يتوجه إلا على رأي من يرى (2) قراءة السورة [في كل ركعة أو على رأي من يرى (2) قراءة السورة (3)] (4) في الآخرتين إذا نسيهما في الأولتين (5).
قلت: وقد أشار أحمد إلى مأخذ ثالث، وهو الاحتياط؛ للتردد فيهما، وقراءة السورة سنة مؤكدة؛ فيختلط [لها] (6) أكثر من الاستفتاح والاستعاذة، ولو أدرك من الرباعية ركعة واحدة، فإن قلنا: ما يقضيه أولى صلاته؛ قرأ في [الأولتين من الثلاثة] (7) بالحمد وسورة، وفي الثالثة بالحمد وحدها. ونقل عنه الميموني: يحتاط، ويقرأ في الثلاث بالحمد وسورة. قال الخلال: رجع عنها أحمد.
__________
(1) انظر: "المغني" (2/ 216 - 217/ 171 - ط هجر).
(2) في المطبوع: "رأى".
(3) في المطبوع: "السورتين".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) قال في "المحرر" (1/ 96 - 97): "وما يدركه المسبوق آخر صلاته، وما يقضيه أولها، يستفتح فيه، ويتعوذ، ويقرأ السورة" اه.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) في (ج): "الأولين من الثلاث".
(3/272)

- (الفائدة الخامسة): قنوت الوتر إذا أدركه المسبوق مع من يصلي الوتر بسلام واحد؛ فإنه يقع في محله ولا يعيده إن قلنا: ما يدركه آخر صلاته، وإن قلنا: أولها؛ أعاده في آخر ركعة يقضيها.
- (الفائدة السادسة): تكبيرات العيد الزوائد، إذا أدرك المسبوق الركعة الثانية من العيد، فإن قلنا: هي أول صلاته؛ كبر خمسًا في المقضية، وإلا؛ كبر سبعًا.
- (الفائدة السابعة): إذا سبق ببعض تكبيرات [صلاة] (1) الجنازة، فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته؛ تابع (2) الإمام في الذكر الذي هو فيه، ثم قرأ في أول تكبيرة يقضيها، وإن قلنا: ما يدركه أول صلاته، قرأ فيها بالفاتحة (3).
- (الفائدة الثامنة): محل التشهد الأول في حق من أدرك من المغرب أو الرباعية ركعة، وفي المسألة روايتان:
إحداهما: يتشهد عقيب قضاء ركعة.
والثانية: عقيب ركعتين، نقلها حرب.
والأولى اختيار أبي بكر والقاضي، وذكر الخلال أن الروايات (4) استقرت عليها.
__________
(1) ما من المعقوفتين ليس في (ب) ولا (ج).
(2) في (أ): "تابع".
(3) انظر في هذا: "الاستذكار" (8/ 253 - 254) لابن عبد البر، و"المغني" (2/ 494)، و"كشاف القناع" (2/ 139).
(4) في المطبوع: "الرويات".
(3/273)

واختلف في بناء الروايتين؛ فقيل على الروايتين في أصل المسألة: إن قلنا: ما يقضيه أول صلاته؛ لم يجلس إلا عقيب ركعتين، وإن قلنا: هو آخرها؛ تشهد عقيب ركعة لأنها ثانيته، وهذه طريقة ابن عقيل في [موضع من] (1) "فصوله"، وأومأ إليها أحمد في "رواية حرب"، وقيل: [بل الروايتان] (2) على قولنا: ما يدركه آخر صلاته، وهي طريقة صاحب "المحرر" (3) وغيره، ونص أحمد على ذلك صريحًا في "رواية عبد اللَّه" (4) [والبُراثي، مفرقًا بين القراءة والتشهد، وعلل في "رواية عبد اللَّه"] (5) بأنه احتياط (6) بالجمع من مذهب ابن مسعود في الجلوس عقيب ركعة (7)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "إن الروايتين".
(3) في "المحرر" (1/ 97).
(4) في "مسائل عبد اللَّه" (107 - 108/ 384): "قال: سألت أبي عن رجل أدرك مع الإمام ركعة من الظهر، فقام يقضي، قلت: أيش يقرأ؟ قال: في الركعتين الأوليين ما يقضي الحمد وسورة، ويجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته، فيقعد في الركعة التي يقضي من أولها، ثم يقوم، ويقعد في آخر صلاته، ويقرأ في آخر ركعة بفاتحة الكتاب وحدها، وإن أدرك ركعتين من الظهر، فقام؛ فقرأ فيما يقضي الحمد للَّه وسورة. قال أبي: يروى عن ابن عمر وابن مسعود؛ قالا: يقرأ فيما يقضي. ويروى عن علي: ما أدرك مع الإمام؛ فهو أول صلاته. وقال ابن مسعود: ما أدرك مع الإمام؛ فهو آخر صلاته" اه.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) في المطبوع: "احتاط".
(7) قال عبد اللَّه في "مسائل أحمد" (رقم 385): "قرأتُ على أبي: ثنا محمد بن جعفر، نا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي: أن مسروقًا وجُندُبًا أدركا مع الإمام ركعةً من المغرب، فلما قاما يقضيان؛ قعد مسروق في كلتي الركعتين، وقعد جُندُب في آخر صلاته، =
(3/274)

ومذهب (1) ابن عمر في القراءة في الركعتين (2).
وقد صح عن ابن مسعود: إنه يجلس عقيب ركعة مع قوله: إن "ما أدركه مع الإِمام آخر صلاته" (3) نقله عنه أحمد، وزعم صاحب "المغني"
__________
= فذكر ذلك لابن مسعود، فقال: أصاب مسروق، ولم يأل جندب".
قال أحمد عقبه: "فعل مسروق أحبُّ إليَّ، ويقرأ فيما يقضي".
وقال ابن القاسم في "المدونة" (1/ 187): "قال وكيع: عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود؛ قال: اجعل آخرها أولها".
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (2/ رقم 3165، 3166)؛ من طريقين آخرين نحوه.
وصح هذا عن جمعٍ من التابعين؛ كما تراه في "الاستذكار" (4/ 43)، و"التمهيد" (20/ 235).
(1) في المطبوع: "وهو مذهب".
(2) أخرجه عبد اللَّه في "مسائل أحمد" (رقم 386): حدثني أبي، حدثنا يحيي بن سعيد، عن عبيد اللَّه، أخبرني نافع: "أن ابن عمر كان إذا سُبق بالأوليين؛ قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة، ثم يجلس".
وفي "المدونة الكبرى" (1/ 187): "قال مالك: عن نافع: إن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة التي مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة، فإذا سلم الإمام؛ قام ابن عمر فقرأ، يجهر لنفسه فيما يقضي جهرًا".
وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" (2/ رقم 3156، 3157، 3169، 3170)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 206، 443)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 296)؛ عن ابن عمر نحوه.
(3) نقله عبد اللَّه في "مسائله" (ص 108) عن أبيه.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/ 443) عن النخعي وابن سيرين، عن عبد اللَّه بن مسعود؛ قال: "ما أدركت مع الإمام؛ فهو آخر صلاتك". =
(3/275)

أن الكل جائز (1)، ويرده ما نقله مُهَنَّأ عن أحمد: إنه إذا جلس عقيب [ركعتين؛ يسجد] (2) للسهو؛ فجعله (3) كتارك التشهد الأول.
ومما يحسن تخريجه على هذا الخلاف ولم نجده منقولًا: تطويل (4) الركعة الأولى على الثانية، وترتيب السورتين في الركعتين، فأما رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول، إذا قلنا باستحبابه (5)؛ فيحتمل أن يرفع إذا قام إلى الركعة المحكوم بأنها ثالثة (6)، سواء قام عن تشهد أو غيره، ويحتمل أن يرفع إذا قام من تشهده الأول المعتد به، سواء كان عقيب الثانية (7) أو لم يكن؛ لأن (8) محل هذا الرفع هو القيام من هذا التشهد؛ فيتبعه حيث كان، وهذا أظهر واللَّه أعلم.

[2 - (الثانية)] (9): الزكاة، هل تجب في عين النصاب أو ذمة مالكه؟
__________
= وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" (2/ رقم 3164)، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 299)، عن معمر، عن قتادة: إن ابن مسعود قال: "اقرأ فيما فاتك".
(1) انظر: "المغني" (1/ 313/ 742).
(2) في المطبوع: "ركعتين سجد"، وفي (ج): "ركعة سجد".
(3) في (ب): "وجعله".
(4) وانظر شيئًا زائدًا نقله ابن عبد البر في: "التمهيد" (20/ 236)، و"الاستذكار" (4/ 44)، ونازع فيه وخطأه.
(5) في (ب): "باستباحته".
(6) في المطبوع: "ثالثته".
(7) في (ج): "ثانية" بدل "ال".
(8) في المطبوع: "لأنه".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "ومنها"، وفي (ج): "فائدة".
(3/276)

اختلف العلماء في ذلك على طرق:
(إحداها): إن الزكاة تجب في العين رواية واحدة، وهي طريقة ابن أبي موسى والقاضي في "المجرد".
(والثانية): إن الزكاة تجب في الذمة رواية واحدة، وهي طريقة أبي الخطاب في "الانتصار" (1) وصاحب "التلخيص" متابعة للخرقي.
(والثالثة): إنها تجب في الذمة، وتتعلق بالنصاب، وقع ذلك في كلام القاضي وأبي الخطاب وغيرهما، وهي طريقة الشيخ تقي الدين (2).
(والرابعة): إن في المسألة روايتين:
إحداهما: تجب في العين.
والثانية: في الذمة، وهي طريقة كثير من الأصحاب المتأخرين.
وفي كلام أبي بكر في "الشافي" ما يدل على هذه الطريقة، ولكن آخر كلامه يشعر بتنزيل القولين على اختلاف حالين، وهما يسار المالك وإعساره، فإن كان موسرًا؛ وجبت الزكاة في ذمته، وإن كان معسرًا، وجبت في عين ماله، وهو غريب، وللاختلاف في محل التعلق؛ هل هو العين أو الذمة؛ فوائد كثيرة:
(الأولى): إذا ملك نصابًا واحدًا ولم يؤد زكاته أحوالًا، فإن قلنا: الزكاة في العين؛ وجبت زكاة الحول الأول دون ما بعده، ونص عليه أحمد، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأن قدر الزكاة زال الملك فيه على قول،
__________
(1) (3/ 131).
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 98).
(3/277)

وعلي آخر ضعف الملك فيه؛ لاستحقاق تملكه، والمستحق في حكم المؤدي؛ فصار كالمنذور سواء، فإن المنذور يجوز عندنا إبداله بمثله، [وهذا] (1) كذلك، وإن قلنا: الزكاة في الذمة؛ وجبت لكل حول؛ إلا إذا قلنا: إن دين اللَّه عز وجل يمنع الزكاة، وقال السامري: تتكرر (2) زكاته لكل حول على القولين، وتأول [كلام أحمد] (3) بتأويل فاسد، وهذا فيما كانت زكاته من جنسه، فأما إن كانت من غير جنسه؛ كالإِبل المزكاة بالغنم؛ تكررت [زكاته] (4) لكل حول على كلا القولين، نص عليه معللًا بأنه لم يستحق إخراج جزء منه؛ فيبقى الملك فيه تامًا.
[هكذا] (5) ذكر الخلال وابن أبي موسى والقاضي والأكثرون، وذكر الشيرازي (6) في "المبهج" أنه كالأول، لا يجب [فيه] (4) سوى زكاة واحدة، ومتى استأصلت الزكاة المال؛ سقطت بعد ذلك، صرح به في "التلخيص"، ونص أحمد في "رواية مُهَنَّأ" على وجوبها في الدين بعد استغراقه بالزكاة؛ فإما أن يحمل ذلك على القول بالوجوب في الذمة، وإما أن يفرق بين الدين والعين بأن (7) الدين وصف حكمي لا وجود له في
__________
(1) في (ج): "وهنا".
(2) في المطبوع: "يتكرر"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "كلامه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وهذا ما".
(6) في (ج): "وذكر الشيخ الشيرازي".
(7) في (ب): "فإن".
(3/278)

الخارج؛ فتتعلق زكاته بالذمة (1) رواية واحدة، ولكن نص أحمد في رواية غير واحد على التسوية بين الدين والعين في امتناع الزكاة فيما بعد الحول الأول، وصرح بذلك أبو بكر وغيره.

(تنبيه):
تعلق الزكاة بالعين مانع من وجوب الزكاة في الحول الثاني وما بعده، وهل هو مانع من انعقاد الحول الثاني ابتداءً؟
فيه وجهان:
أحدهما: إنه مانع منه؛ لقصور الملك؛ فهو كدين الآدمي وأولى لتعلقه بالعين، وهو قول القاضي في شرح المذهب وصاحب "المغني" (2).
والثاني: إنه غير مانع من الانعقاد، وهو قول القاضي في "المجرد" وابن عقيل، ونقل صاحب "المحرر" الاتفاق عليه (3)، وهو ظاهر ما ذكره الخلال في "الجامع"، وأورد عن أحمد من "رواية حنبل" ما يشهد له، فلو أخرج الزكاة الأولى من غير النصاب في أثناء الحول الثاني؛ بنى الحول الثاني على الأول من غير فصل بينهما على هذا، وعلي الأول يستأنفه من حين الإخراج.
وينبني على هذين الوجهين مسألة معروفة في باب الخلطة، واللَّه أعلم.
__________
(1) في (ج): "في الذمة".
(2) في "المغني" (2/ 258 - 259/ 1744).
(3) انظر: "المحرر" (1/ 219 - 220).
(3/279)

- (الفائدة الثانية): إذا تلف النصاب أو بعضه قبل التمكن من أداء الزكاة وبعد تمام الحول؛ فالمذهب المشهور أن الزكاة لا تسقط بذلك، إلا زكاة الزروع (1) والثمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع؛ فتسقط (2) زكاتها اتفاقًا لانتفاء التمكن من الانتفاع بها، وخرج ابن عقيل وجهًا بوجوب زكاتها أيضًا، [وهو ضعيف] (3) مخالف للإجماع.
وعن أحمد رواية ثانية (4) بالسقوط؛ فمنهم من قال: هي عامة في جميع الأموال، ومنهم من خصها بالمال الباطن دون الظاهر، ومنهم من عكس ذلك، ومنهم من خصها بالمواشي، واختلفوا في مأخذ الخلاف على طريقين:
أحدهما: إنه البناء على الخلاف (5) في محل الزكاة، فإن قيل: هو الذمة؛ لم يسقط، وإلا؛ سقطت، وهو طريق الحلواني في التبصرة والسامري، وقيل: إنه ظاهر كلام الخرقي، وفي كلام أحمد إيماء إليه أيضًا.
والطريق الثاني: عدم البناء على ذلك، وهو طريق القاضي والأكثرين.
__________
(1) في (ب): "الزرع".
(2) في المطبوع: "فيسقط".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في (ب): "ثالثة".
(5) في (ج): "على محل الخلاف".
(3/280)

فوجه استقرار الوجوب مطلقًا [أنا] (1) إن قلنا: التعلق بالذمة؛ فظاهر، وإن قلنا: بالعين؛ فلأن وجوبها كان شكرًا لنعمه ثم سببها -وهو [ملك] (2) النصاب النامي (3) - وشرطها -وهو الحول-؛ فاستقر وجولها بتمام الانتفاع بهذا المال حولًا؛ كالأجرة المعينة المستقرة بانقضاء مدة الإجارة، وأيضًا؛ فمنهم من قال: [تعلقها بالعين لا ينفي تعلقها] (4) بالذمة؛ فهي كدين الرهن، ووجه (5) السقوط مطلقًا أنا إن قلنا: تعلقها بالعين؛ فواضح؛ كالأمانات والعبد الجياني، وإن قلنا: بالذمة؛ فالوجوب إنَّما يستقر فيها بالتمكن من الفعل؛ كالصلاة على رواية، يوضحه أن الزكاة وجبت مواساةً (6) للفقراء من المال؛ فتسقط (7) بتلفه وفقر (8) صاحبه، واختار السقوط (9) مطلقًا صاحب "المغني" (10).
- (الفائدة الثالثة): إذا مات من عليه زكاة ودين، وضاقت التركة
__________
(1) في المطبوع: "إنما".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "النصاب الباقي النامي".
(4) في المطبوع: "تعلقها بالعين ولا يبقى تعلقها"، وفى (أ): "تعليقها بالعين لا ينفي تعليقها".
(5) في (ج): "ووجد"!
(6) في المطبوع و (ج): "مساواة"!
(7) في المطبوع: "فيسقط".
(8) في (ج): "وافتقار".
(9) في المطبوع: "سالقوط"!
(10) في "المغني" (2/ 301/ 1844).
(3/281)

عنهما؛ فالمنصوص عن أحمد أنهما يتحاصان، نقله عنه أحمد بن القاسم وحرب ويعقوب بن بختان، واختلف الأصحاب في ذلك؛ فمنهم من أقر النص على ظاهره وأجرى المحاصة (1) على كلا القولين في محل الزكاة؛ لأنا إن قلنا: هو الذمة؛ فقد تساويا في محل التعلق، وفي أن [في كل] (2) منهما حقًّا لآدمي، وتمتاز الزكاة [بما فيها] (3) من حق اللَّه عز وجل، وإن قلنا: العين؛ فدين الآدمي يتعلق بعد موته بالتركة أيضًا؛ فيتساويان، وهذه طريقة أبي الخطاب (4) وصاحب "المحرر"، ومنهم من حمل النص بالمحاصة على القول بتعلق الزكاة بالذمة؛ لاستوائهما (5) في محل التعلق، فأما على القول بتعلقها بالنصاب؛ فتقدم الزكاة لتعلقها بالعين؛ كدين الرهن، وهذه طريقة القاضي في "المجرد" والسامري، وفي كلام أحمد إيماء إليها، ومن الأصحاب من وافق على هذا البناء، لكن بشرط (6) أن يكون النصاب موجودًا؛ إذ لا تعلق بالعين إلا مع وجوده، فأما مع تلفه؛ فالزكاة في الذمة؛ فتساوي (7) دين الآدمي، وهذا تخريج في "المحرر"، مع أن صاحبه ذكر في "شرح الهداية" أن النصاب متى كان موجودًا؛ قدمت
__________
(1) في (ج): "المحاصاة".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "كلا".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "بأنها".
(4) انظر: "الانتصار" (3/ 267 - 270).
(5) في المطبوع: "لاستوائها".
(6) في (ج): "لكن شرط".
(7) في المطبوع: "فيساوي".
(3/282)

الزكاة، سواء قلنا: يتعلق بالعين أو بالذمة؛ [لأنه] (1) تعلق بسبب المال، يزداد بزيادته وينقص بنقصه ويختلف باختلاف صفاته، والزكاة من [قبيل مؤن] (2) المال وحقوقه ونوائبه؛ [فيقدم لذلك] (3) على سائر الديون.
وحمل نص أحمد بالمحاصة على حالة عدم النصاب، فأما إن كان المالك حيًّا وأفلس؛ فظاهر كلام أحمد في "رواية القاسم" أنه يقدم الدين على الزكاة؛ لأن تأخير (4) إخراج الزكاة سائغ للعذر (5)، وهو محتاج ها هنا إلى إسقاط مطالبة الآدمي له وملازمته وحبسه؛ فيكون عذرًا له في التأخير (6)، بخلاف ما بعد الموت؛ فإنه لو قدم دين الآدمي؛ لفاتت الزكاة بالكلية، وظاهر كلام القاضي والأكثرين أنه تقدم الزكاة حتى في حالة الحجر، وهذا قد يتنزل على القول بالوجوب في العين؛ إلا أن صاحب "شرح الهداية" صرح بتقديمها على كلا القولين، مع بقاء النصاب؛ كقوله فيما بعد الموت على ما سبق.
- (الفائدة الرابعة): إذا كان النصاب مرهونًا ووجبت فيه الزكاة؛ فهل تؤدي زكاته منه (7) ها هنا حالتان:
__________
(1) في المطبوع: "لا".
(2) في المطبوع: "قبل مون".
(3) في المطبوع: "فيقدم كذلك"، وفي (ج): "فتقدم لذلك".
(4) في المطبوع: "تأخر".
(5) في (أ): "للقدر".
(6) في المطبوع: "التأخر".
(7) في المطبوع: "منها".
(3/283)

إحداهما (1): أن لا يكون له مال غيره يؤدي منه الزكاة؛ فيؤدي (2) الزكاة من عينه، صرح به الخرقي (3) والأصحاب، وله مأخذان:
أحدهما: إن الزكاة ينحصر تعلقها بالعين ودين الرهن يتعلق بالذمة والعين؛ فيقدم (4)، عند التزاحم ما اختص تعلقه بالعين، كما يقدم حق الجاني على المرتهن إذا لحق المنحصر في العين يفوت بفواتها، بخلاف المتعلق بالذمة مع العين؛ فإنه يستوفي من الذمة عند فوات العين، وهذا مأخذ القاضي، وفيه ضعف، فإن الزكاة عندنا لا تسقط بتلف النصاب مطلقًا، بل تتعلق بالذمة حينئذ؛ فهي إذًا كدين الرهن، وأظهر من (5) هذا أن يقال: تعلق الزكاة قهري وتعلق الرهن اختياري، والقهري أقوى؛ كالجناية، أو يقال: هو تعلق بسبب المال وتعلق الرهن بسبب خارجي، والتعلق بسبب المال يقدم؛ كجناية العبد المرهون.
[و] (6) على هذا المأخذ متى قيل بتعلق (7) [الزكاة] (8) بالذمة خاصة؛ لم تقدم (9) على حق المرتهن لتعلقه بالعين، وصرح به بعض المتأخرين.
__________
(1) في (ب): "أحدهما".
(2) في المطبوع و (ج): "فتؤدي".
(3) انظر: "المغني" (2/ 291/ 1820).
(4) في (ب): "فيتقدم".
(5) في المطبوع: "الأظهر في".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في المطبوع: "يتعلق"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(9) في المطبوع: "يقدم"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3/284)

والمأخذ الثاني: إن النصاب سبب دين الزكاة؛ [ف] (1) يقدم دينها عند مزاحمة غيره بين الديون في النصاب؛ كما يقدم بين وجد [عين] (2) ماله عند رجل أفلس، وهذا مأخذ صاحب "التلخيص"، وعلي هذا؛ فلا يفترق (3) الحال بين قولنا بتعلق (4) الزكاة بالذمة أو بالعين.
الحالة الثانية: أن يكون للمالك مال يؤدي منه الزكاة غير الرهن؛ فليس له أداء الزكاة منه بدون إذن المرتهن على المذهب، وذكره الخرقي أيضًا (5)؛ لأن تعلق حق المرتهن مانع بين تصرف الراهن في الرهن بدون إذن، والزكاة لا يتعين إخراجها منه، وذكر السامري أنه متى قلنا: الزكاة تتعلق بالعين؛ فله إخراجها منه أيضًا لأنه تعلق قهري، وينحصر (6) في العين؛ فهو كحق الجناية.
- (الفائدة الخامسة): التصرف في النصاب أو بعضه بعد الحول ببيع أو غيره، والمذهب صحته، ونص عليه أحمد، قال الأصحاب، وسواء قلنا: الزكاة في العين أو [في] (7) الذمة، وذكر أبو بكر في "الشافي" أنا إن قلنا: الزكاة في الذمة؛ صح التصرف مطلقًا، وإن قلنا: في العين؛ لم يصح التصرف في مقدار الزكاة، وهذا متوجه على قولنا: إن تعلق الزكاة
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط بين المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "فلا يفرق".
(4) في المطبوع و (ج): "تتعلق".
(5) انظر: "المغني" (2/ 291/ 1820).
(6) في (ج): "ومنحصر".
(7) ما بين المعقوفتين ليس في (أ) ولا في (ب).
(3/285)

تعلق شركة أو رهن، صرح به بعض المتأخرين، ونزَّل (1) أبو بكر على هذا الاختلاف الروايتين المنصوصتين عن أحمد في المرأة إذا وهبت زوجها مهرها الذي لها في ذمته؛ فهل تجب زكاته عليه أو عليها؟
قال: فإن صححنا هبة المهر جميعه؛ فعلى المرأة إخراج زكاته بين مالها، وإن صححنا الهبة فيما عدا مقدار الزكاة؛ كان قدر الزكاة حقًّا للمساكين في ذمة الزوج؛ فيلزمه أداؤه إليهم، ويسقط عنه بالهبة ما عداه، وهذا بناء غريب جدًّا.
وعلي المذهب، فلو باع النصاب كله؛ تعلقت الزكاة بذمته حينئذ، بغير خلاف، كما لو تلف، فإن عجز عن أدائها، فطريقان:
أحدهما: ما قاله صاحب "شرح الهداية" إن قلنا: الزكاة في الذمة ابتداءً؛ لم يفسخ البيع، كما لو وجب عليه دين لآدمي وهو موسر، فباع متاعه ثم أعسر، وإن قلنا: في العين؛ فسخ البيع (2) في قدرها تقديمًا لحق المساكين لسبقه.
والثاني: ما قاله (3) صاحب "المغني": إنها تتعين في ذمته كسائر الديون بكل حال، ثم ذكر احتمالا بالفسخ في مقدار الزكاة من غير بناء على محل التعلق (4).
__________
(1) في المطبوع: "وترك".
(2) في المطبوع: "العقد".
(3) في (أ) و (ب): "ما قال".
(4) انظر: "المغني" (2/ 349 - 350/ 1950).
(3/286)

- (الفائدة السادسة): لو كان النصاب غائبًا عن مالكه (1) لا يقدر على [الإخراج] (2) منه؛ لم يلزمه إخراج زكاته حتى يتمكن من الأداء منه (3)، نص عليه أحمد في "رواية مُهَنَّأ"، وصرح به الشيخ مجد الدين في موضع بين "شرح الهداية"؛ لأن الزكاة مواساة؛ فلا يلزم أداؤها قبل التمكن من الانتفاع بالمال المواسى منه.
ونص أحمد في رواية ابن ثواب فيمن وجب عليه زكاة مال فأقرضه: إنه لا يلزمه أداء زكاته حتى يقبضه؛ لأن عوده مرجو، بخلاف التالف بعد الحول، [وهذا لعله يرجع إلى أن أداء الزكاة لا يجب على الفور] (4)، وقال
__________
(1) في (ج): "ملكه".
(2) في (ج): "إخراج الزكاة".
(3) في (ب): "عنه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
وللحافظ ابن رجب رحمه اللَّه رسالة مفردة بعنوان "قاعدة في إخراج الزكاة على الفور"، ولعله كتبها بعد كتاب "القواعد"، وهذا نصها:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّر يا كريم
الحمدُ للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليمًا، وبعد:
فهذا فصل في وجوب إخراج الزكاة على الفور، قد صرَّح بذلك أصحابُنا في كتبهم، وكلامُ الإمام أحمد يدلُّ عليه، قال في "رواية جعفر بن محمد": إذا وجبت الزكاة لا يخرجها إلا جملة، لا يُفرِّط. وقال في "رواية ابن هانئ" (رقم 574) و"صالح" (رقم 9): وسُئل: أتؤخر الزكاة؟ قال: لا. قال في "رواية أبي داود": لا يؤخرها عن محلها.
وقال بكرُ بن محمد: سُئل أبو عبد اللَّه عن رجل يكون وقت زكاته، فيُخرج، فيُعطي =
(3/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قليلًا قليلًا: فكأنه كره إذا حلَّت عليه إلَّا أن يُقدمها. قال: ما يأمن الحِدْثان قال: ولكن يخرج قليلًا قليلًا قبل أنْ تحل، فإذا حلَّت؛ تعيَّن تخريجُها.
وقال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن رجل يحول الحول على ماله، فيؤخر عن وقت الزكاة؟ قال: ولم يؤخر؟ يخرجها إذا حال الحول. وشدد في ذلك. قيل له: فإن حال الحول فابتدأ في إخراجها. فجعل يخرج أولًا فاولًا؟ قال: لا يحل، يخرجها كلها إذا حال عليه الحول. وشدد في ذلك.
وقال في "رواية ابن منصور" و"صالح" (برقم 1680): وسئل عن قول سفيان الثوري: إذا وجبت عليه الزكاة فجعلها في كيس، فجعل يعطي قليلًا قليلًا يرعى الموضع. قال: لا بأس إذا كان لا يجد، فإذا وجد؛ لأن يفرغ منه أحب إلي. قال أحمد: جيد. وهذه الرواية قد تُشعر بعدم التحريم.
وقال في "رواية العباس بن محمد الخلال" في الرجل يؤخر الزكاةَ حتي تأتي عليها سنين، ثم يزكي: نخاف عليه الإثم في تأخيره. وقال في "رواية يعقوب بن بختان" في رجل عليه زكاة عام لم يعطه، وأعطى زكاة عام قابل؛ قال: جائز، ولكن يعطي الماضي، وهذا يشعر بعدم التحريم أيضًا.
ونقل عنه يعقوب بن بختان أيضًا في رجل تجب عليه الزكاة وله قرابة وقوم قد كان عودهم فيعطيهم وهم عنه غيب يدفعها إليهم؛ قال: ما أحب أن يؤخرها إلا أن لا يجد مثلهم في الحاجة.
فهذا نصٌّ على جواز التأخير لمن لا يجد مثلهم في الحاجة.
وقد نص في مواضع أخر على أنه لا يؤخرها بعد الحول ليجريها على أقاربه، منهم: محمد بن يحيي الكحال، والحسن بن محمد، والفضل بن زياد.
ونقل عنه إسحاق بن هانئ (رقم 556) وعبد اللَّه (رقم 700) وأبو مسعود الأصبهاني وأبو طالب وسندي وغيرهم: الجواز.
وفي "رواية عبد اللَّه" (رقم 700): أنَّه يجوز ذلك؛ تعجيلًا للزكاة.
فحمل أبو بكر عبد العزيز المنع والجواز على اختلاف حالين لا على اختلاف قولين: =
(3/288)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= المنعُ على تأخيرها ليجريها عليهم بعد الحول، والجواز على إجرائها عليهم قبل الحول.
وهذا التفصيل قد نقله الحسن بن محمد عن أحمد، وخالف صاحب "المحرر" (1/ 244) أبا بكر في ذلك، وقال: ظاهره الجواز مطلقًا. وأخذ منه جواز تأخير الزكاة للقرابة.
ولكن لأحمد نصوص أخر تدل على كراهة إجرائها عليهم شيئًا فشيئًا قبل الحول، معللًا بأنه يخص بزكاته قرابته دون غيرهم ممن هو أحوج منهم، وقال: لا يعجبني، فإن كانوا مع غيرهم سواء في الحاحة؛ فلا بأس. نقله عنه جعفر بن محمد.
وكذا نقل عنه أبو داود (برقم 82): إذا كان غيرهم أحوج وإنما يريد أن يغنيهم ويدع غيرهم؛ فلا، فإن استووا في الحاجة؛ فهم أولى.
ونقل عنه أيضًا (برقم 83): إذا كان له قرابة بجري عليهم؛ أيعطيهم من الزكاة؟ قال: إن كان عدها بين عياله؛ فلا. قيل: إنما يجري عليها شيئًا معلومًا كل شهر. قال: إذًا كفاها ذلك. قيل: لا يكفيها. فلم يرخص له أن يعطيها بين الزكاة، ثم قال: لا يوقى بالزكاة مال. ومعى هذا أنه كان عوَّدها الإجراء عليها من غير الزكاة. قال: لا توقى بالزكاة. فقد وقى به ماله.
ولم يذكر الخلال ولا أبو بكر آخر الرواية: فأشكل فقهُها بين كلامهما.
ومما يتفرع على جواز تأخير أداء الزكاة: أنه يجوز أن بتحرى بها شيء معين تضاعف فيه الصدقة.
فمن قال: إنه يجوز تأخيرها لمن لا يجد مثلهم في الحاجة؛ لم يبعد على قوله: أن يجوز تأخيرها لشهر يفضل فيه الصدقة أيضًا، وقد يتخرج على ذلك أنه يجوز نقل الزكاة إلى بلد بعيد لقرابة فقراء حاجتهم شديدة.
وقد توقف أحمد في هذه الصورة في "رواية الأثرم"، وقال: لا أدري.
ومسائل التوقف تُخرَّج على وجهين غالبًا.
وأجازه النخعي لذي القرابة خاصة، وأجازه مالك في النقل إلى المدينة خاصة [كما في "المدونة" (1/ 246)] والنقلُ فيه تأخير الإخراج، فكما يؤخر الأداء إلى الوصول إلى مكان فاضل تفضل فيه أبواب النفقة؛ فكذلك تؤخر إلى زمان فاضل تفضل فيه الصدقة. =
(3/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بل إن التأخير إلى الزمان أولى؛ لأنه ليس فيه عدول عن فقراء بلد الصدقة، ولا نقل غيرهم.
وقد استشكل أحمد قول عثمان: هذا شهر زكاتكم.
قال إبراهم بن الحارث: سئل أحمد عن قول عثمان: هذا شهر زكاتكم. قال: ما فسر أي وجه هو. قيل: فليس يعرف وجهه؟ قال: لا.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: حديث عثمان: هذا شهر زكاتكم؛ ما وجهه؟ قال: لا أدري.
وأما حديث عثمان؛ فحدثنا به من قال: حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد؛ قال: سمعت عثمان يقول: هذا شهر زكاتكم (يعني: رمضان).
قال القاضي أبو يعلى: قد نُقل عن السائب بن يزيد أنه قال ذلك في شهر رمضان. ونقل عنه أنه قال ذلك في المحرَّم.
قلت: قوله: "يعني رمضان" ليس هو من قول السائب، بل من قول من بعده من الرواة.
وحمل القاضي هذا الحديث على أن الإمام يبعث سعاته في أول السنة، وهو أول المحرم، فمن كان حال حوله أخذ منه زكاته، ومن تبرع بأداء زكاة لم تجب عليه؛ قبل منه، ومن قال: لم يحل حولي؛ أخره.
وقد نص أحمد وغيره على أن من خشي أن يرجع عليه الساعي بالزكاة: أنه عذر له في تأخير إخراجها. ["الفروع" (2/ 542)، و"الإنصاف" (3/ 187)].
وقال مالك وغيره من العلماء: لا تجب الزكاة في الأموال الظاهرة إلا يوم مجيء السُّعاة. نقله عنه أبو عبيد [في "الأموال" (340)].
وقالت طائفة: معنى قول عثمان: هذا شهر زكاتكم. يستحب فيه تعجيل زكاتكم. نقل ذلك القاضي في "خلافه" ورده على قائله.
وروى أبو عبيد في "كتاب الأموال" (برقم 395): حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن =
(3/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= شهاب، عن السائب بن يزيد؛ قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين؛ فليؤدِّه حتى تخرجوا زكاة أموالكم، ومن لم يكن عنده؛ لم يطلب منه حتى يأتي بها تطوعًا، ومن أُخذ منه؛ لم تؤخذ منه حتى يأتي هذا الشهر من قابل.
قال إبراهيم: أراه يعني شهر رمضان. قال أبو عبيد: وقد جاءنا في بعض الأثر ولا أدري عمن هو: أن هذا الشهر الذي أراد عثمان المحرم.
وقد قال بعض السلف: ذلك الشهر الذي كان يخرج في الزكاة نسي، وأن ذلك من المصائب على هذه الأمة؛ فروى أبو زرعة في "تأريخه"؛ قال: سألت أبا مسهر عن عبد العزيز بن الحصين: هل يؤخذ عنه؟ فقال: أما أهل الحزم؛ فلا يفعلون. قال: فسمعت أبا مسهر يحتج بما أنكره على عبد العزيز بن الحصين: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري؛ فقال: كان من البلاء على هذه الأمة أن نسوا ذلك الشهر (يعني: شهر الزكاة). قال أبو مسهر: قال عبد العزيز: سماه لنا الزهري.
وقد روي أن الصحابة كانوا يخرجون زكاتهم في شهر شعبان؛ إعانةً على الاستعداد لرمضان، لكن من وجه لا يصح.
وروى يحيى بن سعيد العطار الحمصي: حدثنا سيف بن محمد، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك؛ قال: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا استهل شهر شعبان أكبّوا على المصاحف فقرؤوها، وأخذوا في زكاة أموالهم، فقوّوا بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا المسلمون مملوكيهم؛ فحطوا عنهم ضرائب شهر رمضان، ودعت الولاة أهل السجون؛ فمن كان عليه حد أقاموه عليه، وإلا؛ خلوا سبيله. ويحيى ومن فوقه إلى يزيد كلهم ضعفاء.
وأما مذاهب العلماء في هذه المسألة: قال ميمون بن مهران: إذا حال الحول أخرج زكاته، وله أن يشتغل بتفرقتها شهرًا لا يزيد عليه.
قال أبو عبيد [في "الأموال" (رقم 508)]: حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران؛ قال: اجعلها صررًا، ثم ضعها فيمن تعرف، ولا يأتي عليك الشهر حتى تفرِّقها. =
(3/291)

القاضي وابن عقيل: يلزمه أداء زكاته قبل قبضه؛ لأنه في يده حكمًا، ولهذا يتلف من ضمانه، بخلاف الدين الذي في ذمة غريمه، وكذلك ذكر صاحب "شرح الهداية" في موضع آخر، وأشار في موضع إلى بناء ذلك على (1) محل الزكاة، فإن قلنا: الذمة؛ لزمه الإخراج عنه من غيره لأن زكاته لا تسقط بتلفه، بخلاف الدين، وإن قلنا: العين؛ لم يلزمه الإخراج حتى يتمكن من قبضه، والصحيح الأول، ووجوب الزكاة عن الغائب إذا تلف قبل قبضه مخالف لكلام أحمد.
- (الفائدة السابعة): إذا أخرج رب المال زكاة حقه من مال المضاربة منه؛ فهل يحسب ما أخرجه من رأس المال ونصيبه من الربح، أم من نصيبه من الربح خاصة؟
على وجهين معروفين، بناهما بعض الأصحاب على الخلاف في محل التعلق، فإن قلنا: الذمة؛ فهي محسوبة من الأصل والربح؛ كقضاء الديون، وإن قلنا: العين؛ حسبت من الربح؛ كالمؤونة؛ لأن الزكاة إنما
__________
= وصرح أصحابنا بجواز تأخير إخراجها يسيرًا من غير تقدير؛ [كما في "الفروع" (2/ 542)، و"الإنصاف" (3/ 187].
وحكوا عن مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: إنه يجب إخراجها على الفور، وعن أبي يوسف: لا يجب ما لم يطالبه الإمام.
وحكوا في كتب الخلاف -منهم القاضي وابن عقيل- عن الحنفية: إنهم قالوا: تسقط الزكاة بتلف المال قبل إمكانه وبعده، على أنه لا يجب إخراجها على الفور، وأنه لا يجب بدون مطالبة الساعي، وهذا يُشبه المحكي عن أبي يوسف؛ كما تقدم" انتهى.
(1) في (ب): "إلى".
(3/292)

تجب في المال النامي، فيحسب (1) من نمائه.
ويمكن أن ينبني على هذا الأصل أيضًا الوجهان في جواز إخراج المضارب زكاة حصته من مال المضاربة، فإن (2) قلنا: الزكاة تتعلق بالعين؛ فله الإخراج منه، وإلا؛ فلا، وفي كلام بعضهم إيماء إلى ذلك، وأما حق رب المال؛ فليس للمضارب تزكيته بدون إذنه، نص عليه في رواية "المروذي"، اللهم إلا أن يصير المضارب شريكًا؛ فيكون حكمه حكم سائر الخلطاء، واللَّه أعلم.

3 - [الثالثة]: المستفاد بعد النصاب في أثناء الحول؛ هل يضم إلى النصاب، أو يفرد عنه؟
إذا استفاد مالًا زكويًّا من جنس النصاب في أثناء حوله؛ فإنه يفرد بحول عندنا، ولكن هل يضمُّه (3) إلى النصاب في العدد، أو يخلطه (4) به ويزكيه زكاة خلطة، أو يفرده بالزكاة كما أفرده بالحول؟
فيه ثلاثة أوجه:
(أحدها): إنه يفرده بالزكاة؛ كما يفرده بالحول، وهذا الوجه مختص بما إذا كان المستفاد (5) نصابًا أو دون نصاب، ولا يغير (6) فرض النصاب،
__________
(1) في المطبوع: "فيحتسب"، وفي (ج): "فتحسب".
(2) في (ب): "وإن".
(3) في المطبوع: "نضمه".
(4) في المطبوع: "نخلطه".
(5) في المطبوع: "المستفا" بسقوط (د).
(6) في المطبوع: "ولا يعتبر".
(3/293)

أما إن كان دون نصاب وتغير فرض النصاب؛ لم يتأت فيه هذا الوجه، صرح به صاحب "شرح الهداية"؛ لأنه مضموم إلى النصاب في العدد؛ فيلزم (1) حينئذ جعل ما ليس بوقص في المال وقصًا، وهو ممتنع، ويختص هذا الوجه أيضًا بالحول الأول دون ما بعده؛ لأن [ما بعد الحول الأول يجتمع فيه مع] (2) النصاب في الحول كله، بخلاف الحول الأول، صرح بذلك غير واحد، وكلام بعضهم مشعر (3) باطراده في كل الأحوال، [وصرح القاضي أبو يعلى] (4) الصغير بحكاية ذلك وجهًا.
والوجه الثاني: إنه يزكي زكاة خلطة، وصححه صاحب "شرح الهداية"؛ كما لو اختلط نفسان في أثناء حول وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد فيه دون صاحبه، وزعم أن صاحب "المغني" [ضعفه (5)، وإنما] (6) ضعف الأول (7).
والوجه الثالث: إنه يضم إلى النصاب؛ فيزكى زكاة ضم، وعلى هذا؛ فهل الزيادة كنصاب منفرد، أم الكل نصاب واحد؟
على وجهين:
__________
(1) في المطبوع: "فيلزمه".
(2) في المطبوع: "ما بعد الحول الأول تجتمع مع"، وفي (أ): "ما بعده الحول الأول ممتنع فيه مع"، وفي (ب): "ما بعد الحول الأول تجتمع فيه مع".
(3) في المطبوع و (ج): "يشعر".
(4) في (ج): "وكلام القاضي أبي يعلى".
(5) في المطبوع: " ضعفه فيه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(7) انظر: "المغني" (2/ 258 - 259/ 1744).
(3/294)

أحدهما: إنها كنصاب منفرد، ولولا ذلك؛ لزكى النصاب عقيب (1) تمام حوله بحصته من فرض المجموع؛ [كما في سائر الأحوال] (2)، ولم يزك زكاة انفراد، وهذا قول أبي الخطاب في "انتصاره" (3) وصاحب "المحرر" (4).
والثاني: [أن الجميع] (5) نصاب واحد، وهو ظاهر كلام القاضي وابن عقيل وصاحب "المغني" (6)، وهو الأظهر، وإنما [زكى] (7) النصاب زكاة انفراد؛ لانفراده في أول حوله الأول، بخلاف الحول الثاني وما بعده؛ فعلى هذا إذا تم حول المستفاد؛ وجب إخراج بقية [فرض] (8) المجموع بكل حال لأنه بكمال حوله يتم حول الجميع؛ فيجب تتمة زكاته، ولا يكون ذلك عن المستفاد بخصوصه.
وعلي الأول إذا تم حول المستفاد؛ وجب فيه ما بقي من فرض الجميع بعد إسقاط ما أخرج عن الأول منه؛ إلا أن يزيد بقية الفرض على فرض المستفاد بانفراده، أو [ي] (8) نقص عنه، أو يكون من غير جنس فرض الأول؛ فإنه يتعذر ها هنا وجه الضم، ويتعين وجه الخلطة [أو الانفراد؛ إلا
__________
(1) في (ج): "عقب".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) (3/ 214 - 215/ م 7)
(4) انظر: "المحرر" (1/ 218 - 219).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أنه".
(6) انظر: "المغني" (2/ 258/ 1744).
(7) في المطبوع: "زكاة"، وفي (أ): "زكى ب".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/295)

أن يكون المستفاد دون نصاب مغيرًا للفرض؛ فيتعين وجه الخلطة] (1)، ويلغو وجه الانفراد أيضًا على ما سبق، وبهذا كله صرح صاحب "شرح الهداية"، وبناه على أن المخرج عن المستفاد بخصوصيته.
ويظهر (2) فائدة اختلاف هذين الوجهين في أنواع ثلاثة:
(النوع الأول): أن يكون تتمة فرض زكاة الجميع أكثر من فرض المستفاد بخصوصه (3)، مثل أن يملك خمسين من البقر ثم ثلاثين بعدها، فإذا تم حول الأولى؛ فعليه مسنة، فإذا تم حول الثانية؛ فعليه مسنة أخرى على الوجه الثاني، وهو الأظهر، وعلي الأول يمتنع الضم هنا؛ لئلا يؤدي (4) إلى إيجاب مسنة عن ثلاثين، ويجب إما تبيع على وجه الانفراد، أو ثلاثة أرباع مسنة على وجه الخلطة.
(النوع الثاني): أن تكون تتمة الواجب دون فرض المستفاد بانفراده، مثل أن يملك ستًّا وسبعين من الإبل ثم ستًّا وأربعين بعدها، فإذا تم حول الأولى؛ فعليه ابنتا لبون، فإذا تم حول الثانية؛ فعلى الوجه الثاني يلزمه (5) تمام فرض المجموع، وهو بنت لبون، وعلي الأول يمتنع (6) ذلك؛ لأن فرضه على الانفراد حقة؛ فيزكى [إ] (1) ما على الخلطة أو الانفراد،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ج): "وتظهر".
(3) في المطبوع: "لخصوصية".
(4) في المطبوع: "يؤول".
(5) في المطبوع: "يلزم".
(6) في المطبوع: "يمنع".
(3/296)

وهذا بعيد؛ فإن وجه الضم إذا اعتبر مع كون المستفاد يصير وقصًا محضًا يضمنه إلى النصاب، [و] (1) إن كان فيه زكاة بانفراده (2)؛ فكيف لا يعتبر إذا كان فرضه دون فرضه بانفراده؟!
(النوع الثالث): أن يكون فرض النصاب الأول المخرج عند تمام حوله من غير جنس فرض المجموع أو نوعه، مثل أن يملك عشرين من الإبل ثم خمسًا بعد [ها] (3)؛ فعلى الوجه الأول يمتنع الضم ها هنا؛ لتعذر طرح المخرج عن الأول من واجب الكل، وعلي الثاني -وهو الأظهر- يجب إخراج تتمة الزكاة؛ وإن كان من غير الجنس؛ لضرورة اختلاف الحولين، لا سيما ونحن على أحد الوجهين [نجبر تشقيص] (4) الفرض لغير ضرورة؛ كإخراج نصفي شاة عن أربعين أو حقتين وبنتي لبون، ونصف (5) عن مئتين من الإبل؛ فها هنا أولى.
وعلي هذا؛ فقد يتفق وجه الخلطة ووجه الضم على هذا التقدير؛ حيث لم تكن زكاة الخلطة مفضية إلى زيادة الفرض أو نقصه، وقد يختلفان؛ حيث أدى الاتفاق إلى أحد الأمرين، وسبب ذلك أن هذا النوع على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون في واحد منهما (أعني: النصاب
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (ج): "بالانفراد".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في المطبوع: "نجبر بتشقيص"، وفي (أ): "نحتير تشقيص".
(5) في المطبوع و (أ) و (ب): "ونصفا".
(3/297)

والمستفاد) (1) وقص، ولا حدث من اجتماعهما وقص؛ فيزكى كما تقدم، وهو [أنا نأخذ فرض] (2) الجميع؛ فيخرج عند تمام حول المستفاد حصته منه، ويتفق [هنا] (3) وجه الضم والخلطة؛ فيوجب (4) على الوجهين فيما إذا كان المستفاد خمسًا من الإِبل بعد عشرين خمس بنت مخاض، وهو مقارب لشاة؛ فإن الشارع أوجب أربع شياه في عشرين وبنت مخاض في خمس وعشرين (5)؛ فتكون مقدرة بخمس (6) شياه، وكذا (7) لو استفاد عشرة من البقر بعد ثلاثين؛ فإنه يجب للزيادة ربع مسنة؛ لأن التبيع مقابل لثلاثة أرباع [المسنة] (8)، والمسنة تعدل تبيعًا وثلثًا أبدًا.
(الضرب الثاني): أن يكون في المال وقص؛ إما حالة اجتماعه أو
__________
(1) في (ج): "الاستفادة".
(2) في المطبوع: "أن يأخذ فرض".
(3) في المطبوع: "منها"، وفي (ب): "ها هنا".
(4) في (ج): "فتوجب"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الثاني.
(5) جاء في كتاب عمرو بن حزم: "وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين؛ ففيها ابنة مخاض".
وقد خرجته بإسهاب في تحقيقي ل "الخلافيات" (1/ 502 - 508).
وأخرج البخاري في "صحيحه" (رقم 1454) وغيره عن أنس: أن أبا بكر رضي اللَّه عنه كتب له هذا الكتاب لما وجَّهه إلى البحرين، وفيه: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين؛ ففيها بنت مخاض أنثي".
(6) في المطبوع: "في خمس".
(7) في (ج): "وكذلك".
(8) في المطبوع: "مسنة" بدل "ال".
(3/298)

حالة انفراده فقط؛ فيختلف ها هنا وجه الضم والخلطة، فإنا على وجه الضم نجمع من النصاب الأول ما تعلق به الفرض منه، ويضم إليه تتمة نصاب المجموع من الباقي، ثم يأخذ من فرض المجموع حصة هذه التتمة، وهي بقية ما يتعلق به الفرض من مجموع المال، ويجعل الباقي من المال إن بقي منه شيء كالمعدوم؛ فمثال ذلك والوقص موجود حالة الاجتماع: لو ملك عشرين من الإبل ثم تسعًا منها، فإذا تم حول الثانية؛ ضممت (1) إلى العشرين الأول (2) خمسًا تكن خمسة وعشرين فرضها بنت مخاض، وقد أخرجنا عن العشرين أربع شياه؛ فيخرج عن الباقي خمس بنت مخاض، [وعلى وجه الخلطة يخرج عنها تسعة أجزاء من أصل تسعة وعشرين جزءً من بنت مخاض] (3) و [مثاله. و] (4) الوقص موجود حالة الانفراد فقط: لو ملك أربعة عشر من الإبل ثم أحد عشر بعدها، فإذا تم حول الأولى؛ فعليه شاتان، فإذا تم حول الثانية؛ ضممنا (5) إلي عشرة من الأولى (6) تتمة النصاب، وهي [خمسة] (7) عشر؛ فأوجبنا فيها ثلاثة أخماس بنت مخاض؛ لأن فيهما جميعًا وقصًا لم يؤد عنه، والمال عند الاجتماع لا وقص فيه؛ فيجب تأدية زكاته كله، فإذا كان قد أخرج عن بعضًا وجب
__________
(1) في (ج): "ضمت".
(2) في المطبوع و (ج): "الأولي".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "مثال".
(5) في المطبوع: "ضمها".
(6) في المطبوع: "الإبل"!
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/299)

الإخراج عن جميع ما لم يخرج عنه [منه] (1)، وعلي وجه الخلطة يجب في الزيادة وحدها [خمسان (2) بين بنت مخاض وخمس خمس] (3) بنت مخاض، فإذا تقرر (4) هذا؛ فالمستفاد لا يخلو بين أربعة أقسام:
([القسم] (5) الأول): أن يكون نصابًا مغيرًا (6) للفرض، مثل أن يملك أربعين شاة ثم إحدى وثمانين بعدها؛ ففي الأربعين شاة عند حولها، فإذا تم حول الثانية؛ فوجهان:
أحدهما: فيها شاة أيضًا، وهو متخرج على وجهي الضم والانفراد.
والثاني: فيها شاة [واحدةٌ وأربعون] (7) جزءً بين أصل مئة وأحد وعشرين جزءً بين شاة، وهو وجه الخلطة؛ [لأن ذلك حصة المستفاد بين الشاتين الواجبتين في الجميع.
وذكر القاضي وابن عقيل وجماعة أن وجه الخلطة] (8) هنا كوجه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في (ب): "خمسا".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في أصل (أ): "أحد عشر جزءً من خمسة وعشرين جزءً من"، وما أثبتناه هنا أثبته مصححها في الهامش.
(4) في المطبوع: "تعذر".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "معتبرًا".
(7) كذا في نسخة (أ)، وفي (ب): "واحدًا وأربعون"، وفي (ج): "وإحدى وأربعين"، وفي المطبوع "واحد وأربعون".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/300)

الانفراد، يجب به (1) شاة أيضًا؛ لئلا يفضي إلى [إيجاب] (2) زيادة على فرض الجميع، وهو مردود بأنهم أوجبوا بالخلطة زيادة على فرض الجميع في غير هذا الموضع.
(القسم الثاني): أن تكون الزيادة نصابًا لا يغير الفرض؛ كمن ملك أربعين شاة ثم أربعين بعدها؛ ففي الأولى (3) إذا تم حولها شاة، فإذا تم حول الثانية؛ فثلاثة أوجه:
أحدها: لا شيء فيها، وهو وجه الضم؛ لأن الزيادة بالضم تصير وقصًا.
والثاني: فيها شاة، وهو وجه الانفراد.
والثالث: فيها نصف شاة، وهو وجه الخلطة.
(القسم الثالث): أن تكون الزيادة لا تبلغ نصابًا (4) ولا تغير الفرض؛ كمن ملك أربعين من الغنم ثم ملك بعدها عشرين؛ ففي الأولى (3) إذا تم حولها شاة، فإذا تم حول الثانية؛ فوجهان:
أحدهما: لا شيء فيها (5)، وهو متوجه على وجهي الضم والانفراد.
والثاني: فيها ثلث شاة، وهو وجه الخلطة.
__________
(1) في المطبوع: "فيه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "الأول".
(4) في (أ): "نصابها".
(5) في (ب): "فيهما".
(3/301)

(القسم الرابع): أن لا تبلغ الزيادة نصابًا وتغير الفرض؛ كمن ملك ثلاثين من البقر ثم عشرًا بعدها، فإذا تم حول الأولى؛ ففيها تبيع، فإذا تم حول الزيادة؛ فقال الأصحاب: يجب فيها ربع مسنة، ولم يذكروا فيها خلافًا، ومنهم بين صرح بنفي الخلاف؛ كصاحب "المحرر" (1)، وعلل بأن وجه الانفراد متعذر؛ لما سبق، وكذا وجه الضم؛ لأنه يفضي على أصله إلى استثناء شيء وطرحه من غير جنسه، وهو طرح التبيع من المسنة، وهو متعذر؛ فتعين وجه الخلطة، وأما صاحب "الكافي"؛ فظاهر كلامه أن هذا متمش على وجه الضم أيضًا بناءً على أصله الذي تقدم من أن الكل نصاب واحد وفرضه مسنة، وقد أخرج تبيعًا، وهو يعدل ثلاثة أرباع مسنة؛ فيجب إخراج بقية فرض المال، وهو هنا ربع مسنة؛ لأن التبيع يعدل ثلاثة أرباع المسنة كما سبق تقريره؛ فتبيع وربع مسنة يعدل مسنة كاملة (2)؛ [فاحتفظ بهذه الفائدة الجليلة؛ فإنك لا تظفر بها في غير هذا الموضع، واللَّه أعلم] (3).

4 - [الرابعة] (4): الملك في مدة الخيار؛ هل ينتقل إلى المشتري أم لا؟
في هذه المسألة (5) روايتان عن الإِمام أحمد:
__________
(1) في "المحرر" (1/ 217).
(2) في المطبوع: "يعدل المسنة كاملة". وانظر: "الكافي" (1/ 299 - 300).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(4) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(5) في المطبوع: "مسألة" بدون "ال".
(3/302)

أشهرهما: انتقال الملك إلى المشتري بمجرد العقد، وهي المذهب الذي عليه الأصحاب.
والثانية: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، فعلى هذه يكون الملك للبائع، ومن الأصحاب من حكى (1) أن الملك يخرج عن البائع ولا يدخل إلى المشتري، وهو ضعيف.
وللروايتين فوائد عديدة:
- (منها): وجوب الزكاة؛ فإذا باع نصابًا بين الماشية بشرط الخيار حولًا؛ فزكاته على المشتري على المذهب، سواء فسخ العقد أو أمضى، [و] (2) على الرواية الثانية: الزكاة على البائع إذا قيل: الملك باق له.
- (ومنها): لو باعه عبدًا بشرط الخيار وأهل هلال الفطر وهو في مدة الخيار؛ فالفطرة على المشتري على المذهب، وعلي البائع على الثانية.
- (ومنها): لو كسب المبيع في مدة الخيار كسبًا، أو نما نماءً منفصلًا؛ فهو للمشتري؛ فَسخَ العقد أو أمضى، وعلي الثانية: هو للبائع.
- (ومنها): مؤنة (3) الحيوان والعبد المشتري بشرط الخيار يجب على المشتري على المذهب، [وعلى البائع على الثانية] (4).
- (ومنها): إذا تلف المبيع في مدة الخيار؛ فإن كان بعد القبض،
__________
(1) في (ب): "حكم"، وفي (ج): "يحكي".
(2) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(3) في المطبوع: "مؤونة".
(4) في (ب): "وعلي الثانية على البائع".
(3/303)

أو لم يكن مبهمًا (1)؛ فهو من مال المشتري على المذهب، وعلي الثانية من مال البائع.
- (ومنها): لو تعيب المبيع في مدة الخيار؛ فعلى المذهب: لا يرد بذلك إلا أن يكون غير مضمون على المشتري؛ لانتفاء القبض، وعلى الثانية: له الرد بكل حال.
- (ومنها): تصرف المشتري في مدة الخيار؛ فلا يجوز إلا بما يحصل به تجربته إلا أن يكون الخيار له وحده، كذا ذكر الأصحاب، والمنصوص عن أحمد (2) في "رواية أبي طالب" أن له التصرف فيه بالاستقلال، وفرق بينه وبين وطء الأمة المشتراة بشرط من وجهين:
أحدهما: إن ذاك (3) فرج؛ فيحتاط له.
والثاني: إن ذاك (3) شرط وهذا خيار، وهذا يدل على جواز تصرفه بما لا يمنع البائع من الرجوع؛ كالاستخدام والإجارة، وإنما يمنع من إخراجه من ملكه أو تعريضه (4) للخروج بالرهن والتدبير والكتابة ونحوها، هذا كله على المذهب.
وعلي [الرواية] (5) الثانية: يجوز التصرف للبائع وحده؛ لأنه مالك
__________
(1) في المطبوع: "منهما"، وفي (أ) بدون نقط.
(2) في المطبوع: "أحد".
(3) في المطبوع: "ذلك".
(4) في المطبوع: "تعريضه"!
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/304)

ويملك الفسخ، فإن الخيار وضع (1) لغرض الفسخ دون الإمضاء، فأما حكم نفوذ التصرف وعدمه؛ فالمشهور في المذهب أنه لا ينفذ بحال إلا بالعتق، ونقل مهنأ وغيره عن أحمد أنه موقوف على انقضاء مدة الخيار، هذا (2) إذا كان الخيار لهما، فإن كان للبائع وحده؛ فكذلك في تصرف المشتري الروايتان (3).
وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى: إنه إن أجازه البائع؛ صح، والثمن له، وإن رده؛ بطل البيع، وعلي المشتري استرداده، فإن تعذر؛ فعليه قيمته، وإن سرق أو هلك؛ فهو من ضمان المشتري؛ فحمل السامري هذه الرواية على أن الملك لم ينتقل إلى البائع (4)، وآخر [ها] (5) يبطل ذلك، والصحيح أنها رواية بطلان التصرف من أصله (6)، لكنها مفرعة [على] (7) أن الفسخ بالخيار رفع للعقد من أصله؛ فيتبين به أن الملك كان للبائع، وعلي أن تصرف الفضولي موقوف على إجازة المالك، وإن كان الخيار للمشتري وحده؛ صح تصرفه، ذكره أبو بكر والقاضي وغيرهما؛ لانقطاع حق البائع ها هنا، وظاهر كلام أحمد في "رواية حرب" أنه لا ينفذ حتى يتقدمه إمضاء العقد، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى أيضًا؛ لقصور
__________
(1) في المطبوع: "وقع".
(2) في (أ): "وهذا".
(3) في المطبوع: "الروايتين"!
(4) في المطبوع و (ج): "المشتري".
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(6) في المطبوع و (ج): "أصلها".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/305)

الملك، فلو تصرف المشتري مع البائع والخيار لهما؛ صح، ذكره صاحبا (1) "المغني" (2) و"المحرر" (3)، وفي "المجرد" للقاضي احتمالان.
هذا كله تفريع على المذهب، وهو انتقال الملك إلى المشتري، فأما على الرواية الأخرى، فإن كان الخيار لهما [أ] (4) وللبائع وحده؛ صح [تصرف البائع] (5) مطلقًا؛ لأن الملك له، وهو بتصرفه مختار للفسخ، بخلاف تصرف المشتري؛ فإنه يختار به الإمضاء وحق الفسخ مقدم (6) عليه.
- (ومنها): الوطء في مدة الخيار، فإن وطئ المشتري؛ فلا شيء عليه لأن الملك له وإن وطئ البائع، فإن كان جاهلًا بالتحريم؛ فلا حد عليه، وإن كان عالمًا [به] (4)؛ فالمنصوص عن أحمد في "رواية مُهَنَّأ" أنه يجب عليه الحد، وهو اختيار أبي بكر وابن حامد والقاضي والأكثرين؛ لأنه وطء لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، وهو محرم بالإِجماع؛ فوجب به الحد؛ كوطء المرتهن، ومن الأصحاب من قيد ذلك بأن يعلم أن الملك لا ينفسخ بوطئه، أما إن اعتقد أنه ينفسخ بوطئه؛ فلا حد؛ لأن تمام الوطء وقع في ملك؛ فتمكنت الشبهة فيه.
__________
(1) في المطبوع و (ج): "صاحب".
(2) في "المغني" (4/ 11 - 12/ 2763).
(3) في أصل (ج): "المجرد"، وكتب في هامشها: "لعله "المحرر".
قلت: وانظر: "المحرر" (1/ 265، 267).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (أ) و (ب): "تصرفه".
(6) في المطبوع: "يقدم".
(3/306)

ومن الأصحاب من حكى رواية ثانية بعدم الحد مطلقًا، ومال إلى ذلك ابن عقيل وصاحبا "المغني" (1) و"المحرر" (2)؛ لوقوع الاختلاف في حصول الملك له [و] (3) في انفساخ العقد بوطئه بل وبمقدمات وطئه؛ فيكون الوطء حينئذ في ملك تام، وأما على الرواية الثانية؛ فلا حد [على البائع] (4)، وفي (5) المشتري الخلاف.
- (ومنها): ترتب موجبات الملك من الانعتاق بالرحم أو بالتعليق (6) وانفساخ النكاح ونحوها؛ فيثبت (7) في البيع بشرط الخيار عقيب العقد على المذهب، وعلي الثانية لا يثبت إلا بعد انقضائه، ولو حلف لا يبيع، فباع بشرط الخيار؛ خرج على الخلاف أيضًا، ذكره القاضي، وأنكر الشيخ مجد الدين ذلك، وقال: يحنث (8) على الروايتين.
فأما الأخذ بالشفعة؛ فلا يثبت في مدة الخيار على الروايتين عند أكثر الأصحاب، ونص عليه أحمد في رواية حنبل؛ فمن الأصحاب من علل بأن الملك لم يستقر بعد، ومنهم من علل بأن الأخذ بالشفعة يسقط حق البائع
__________
(1) في (ج): "وصاحب "المغني" و"المحرر"".
وانظر: "المغني" (4/ 13/ 2767).
(2) انظر: "المحرر" (2/ 153 - 154).
(3) ما بين المعقوفتين ليس في (ج).
(4) في (ج): "للبائع".
(5) في المطبوع: "وعلى".
(6) في المطبوع: "بالتعلق".
(7) في المطبوع: "فتثبت"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(8) في المطبوع: "بحنثه".
(3/307)

من (1) الخيار؛ فلذلك لم تجز المطالبة بها في [مدته] (2)، وهو تعليل القاضي في خلافه؛ فعلى هذا لو كان الخيار للمشتري وحده؛ لثبتت الشفعة، وذكر أبو الخطاب احتمالًا بثبوت الشفعة مطلقًا إذا قلنا بانتقال الملك [إلى المشتري] (3).
- (ومنها): إذا باع أحد الشريكين شقصًا بشرط الخيار، فباع الشفيع حصته في مدة الخيار؛ فعلى المذهب: يستحق المشتري الأول انتزاع شقص الشفيع من يد مشتريه؛ لأنه [هو] (4) شريك الشفيع حالة بيعه، وعلي الثانية: يستحقه (5) البائع الأول؛ لأن الملك باقٍ له.
- (ومنها): لو (6) باع الملتقط اللقطة بعد الحول بشرط الخيار، ثم جاء ربها في مدة الخيار، فإن قلنا: لم ينتقل [الملك] (7)، فالرد واجب، وإن قلنا بانتقاله؛ فوجهان، [و] (4) المجزوم به في "الكافي" الوجوب (8).
- (ومنها): لو باع محل صيدًا بشرط الخيار، ثم أحرم في مدته، فإن قلنا: انتقل الملك عنه؛ فليس له الفسخ لأنه ابتداء ملك على الصيد، وهو
__________
(1) في (أ): "في".
(2) في (ج): "في مدة الخيار".
(3) في (ب): "للمشتري".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "يستحق".
(6) في (أ): "إذا".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(8) قال في "الكافي" (2/ 356): "فإن جاء صاحبها في مدة الخيار؛ وجب فسخ البيع، وردها إليه؛ لأنه يستحق العين، وقد أمكن ردها إليه".
(3/308)

ممنوع [منه] (1)، وإن قلنا: لم ينتقل الملك عنه؛ فله ذلك، ثم إن كان في يده (2) المشاهدة؛ أرسله، وإلا؛ فلا.
- (ومنها): لو باعت الزوجة قبل الدخول الصداق بشرط الخيار، ثم طلقها الزوج [في المدة] (3)، فإن قلنا: الملك انتقل عنها؛ ففي لزوم استردادها وجهان، وإن قلنا: لم يزل؛ [لزمها استرداده] (4) وجهًا واحدًا.
- (ومنها): لو باع أمة بشرط الخيار ثم فسخ البيع؛ وجب على البائع الاستبراء على المذهب، وعلي الثانية: لا يلزمه؛ لبقاء الملك.
- (ومنها): لو اشترى أمة بشرط الخيار واستبرأها في مدته، فإن قلنا: الملك لم ينتقل إليه؛ لم يكفه ذلك الاستبراء، وإن قلنا بانتقاله؛ ففي "الهداية" و"المغني": يكفي (5)، وفي "الترغيب" و"المحرر" وجهان؛ لعدم استقرار الملك (6).

5 - [الخامسة] (7): الإقالة، هل هي فسخ أو بيع؟
في [هذه] (1) المسألة روايتان منصوصتان، [واختيار] (8) الخرقي
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "مدة".
(3) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فيها استرده" وفي (ب): "لزم استرداده".
(5) انظر: "المغني" (4/ 9/ 2759).
(6) انظر: "المحرر" (2/ 110).
(7) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(8) في المطبوع: "واختار".
(3/309)

والقاضي والأكثرين (1) أنها فسخ، وحكاه القاضي عن أبي بكر، وفي "التنبيه" لأبي بكر التصريح باختيار (2) أنها بيع، ولهذا الخلاف فوائد عديدة (3):
- (الأولى): إذا تقايلا قبل القبض فيما لا يجوز بيعه قبل قبضه؛ فيجوز على قولنا: هي فسخ، ولا يجوز على الثانية إلا على رواية حكاها القاضي في "المجرد" في الإجارات: إنه يصح بيعه من بائعه خاصة قبل القبض.
- (الفائدة الثانية): هل يجوز في المكيل والموزون بغير كيل ووزن؟
إن قلنا: هي فسخ؛ جازت كذلك، وإن قلنا (4): هي بيع؛ فلا، هذه طريقة أبي بكر في "التنبيه" والقاضي والأكثرين، وحكي عن أبي بكر أنه (5) لا بد فيها من كيل ثانٍ على الروايتين، كما أن الفسخ في النكاح يقوم مقام الطلاق في إيجاب العدة.
- (الفائدة الثالثة): إذا تقايلا بزيادة على الثمن أو نقصٍ منه أو بغير جنس الثمن، فإن قلنا: هي فسخ؛ لم يصح (6) لأن الفسخ رفع للعقد؛
__________
(1) في المطبوع: "والأكثرون".
(2) في المطبوع: "باختياره".
(3) في (ب): "عدة".
(4) في (أ): "قيل".
(5) في (ج): "أنها".
(6) في (ج): "لم تصح".
(3/310)

[فيترادان] (1) العوضين على وجههما؛ كالرد بالعيب وغيره، وإن قلنا: هي بيع (2)؛ فوجهان حكاهما أبو الخطاب ومن بعده:
أحدهما: يصح (3)، وقاله القاضي في "كتاب الروايتين" (4) كسائر البيوع.
والثاني: لا يصح، وهو المذهب عند القاضي في "خلافه".
وصححه السامري، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه ورجوع كل واحد إلى ماله؛ فلم يجز بأكثر من الثمن، وإن كانت بيعًا كبيع (5) التولية، وهذا ظاهر ما نقله ابن منصور عن أحمد في رجل اشترى سلعة، فندم، فقال: أقلني ولك كذا، وكذا قال أحمد: أكره أن [يكون] (6) ترجع إليه سلعته ومعها فضل؛ إلا أن يكون [قد تغيرت] (7) السوق، أو [ت] (8) تاركا البيع، فباعه بيعًا مستأنفًا؛ فلا بأس به. ولكن إن جاء إلى نفس البيع، فقال: أقلني فيها ولك كذا وكذا؛ فهذا مكروه؛ فقد كره الإقالة في البيع الأول بزيادة بكل حال، [ولم يجوز] (9) الزيادة؛ إلا إذا أقر البيع (10)
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "فتبين إذًا أن"، وفي (ب): "فيترادا".
(2) في (ج): "فسخ".
(3) في (ج): "تصح".
(4) (1/ 362 - 363/ 56)
(5) في المطبوع: "فبيع".
(6) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "تسعرت"، وفي (ب) و (ج): "تغيرت".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9) في (أ): "ولا تجوز".
(10) في المطبوع: "البائع".
(3/311)

بحاله وتبايعاه بيعًا مستأنفًا، [وفيه أنه] (1) إذا تغيرت (2) السوق؛ جازت الإقالة بنقص في مقابلة نقص السعر، وكذا لو تغيرت صفة السلعة، وأولى، ونص في "رواية أحمد بن القاسم" و"سندي" و"حنبل" على الكراهة بكل حال؛ نقدًا كان البيع أو نسيئة بعد نقد الثمن أو قبله، معللًا [بشبهة بمسائل] (3) العينة؛ لأنه (4) ترجع [السلعة] (5) إلى صاحبها، ويبقى له على المشتري فضل دراهم (6)، ولكن محذور الربا هنا بعيد جدًّا؛ لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقدًا خمسة مثلًا، لا سيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب [فيه] (7).
ونقل عنه ما يدل على جوازه؛ قال في "رواية الأثرم": وسأله عن بيع العربون؛ فذكر له حديث عمر (8)، فقيل له: تذهب إليه. قال: أي شيء أقول وهذا عن عمر؟! ثم قال: أليس [كان] (9) ابن سيرين لا يرى بأسًا أن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "تسعرت".
(3) في المطبوع: "كشبهة مسائل".
(4) في (ج): "لأنها".
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(6) في المطبوع: "درهم".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) يشير إلى شراء نافع بن عبد الحارث لعمر من صفوان بن أميه دارًا للسجن بالعربون؛ كما في "السنن الكبرى" (6/ 34) للبيهقي، و"المحلى" لابن حزم (8/ 171، 373).
(9) ما بين المعقوفتين ليس في (ج).
(3/312)

يرد السلعة إلى صاحبها إلا إذا كرهها ومعها شيء (1)؟! ثم قال: هذا مثله. فقد جعل بيع العربون من جنس الإقالة بربح، وهو يرى جواز بيع العربون، وهذا الخلاف هنا شبيه بالخلاف في جواز الخلع بزيادة على المهر، فأما البيع المبتدأ؛ فيجوز بأكثر من ثمنه؛ كما نقله عنه ابن منصور، وكذلك نقل (2) عنه حرب فيمن باع ثوبًا بعشرين وقبضها ثم احتاج إليه فاشتراه باثنين وعشرين نقدًا؛ قال: لا بأس به، ولا يجوز نسيئة، ولم ير بأسًا أن يشتربه بمثل الثمن نقدًا ونسيئة.
ونقل عنه أبو داود فيمن باع ثوبًا بنقد ثم احتاج إليه يشتريه بنسيئة؛ قال: إذا لم يرد بذلك الحيلة كأنه لم ير به بأسًا (3)، وصرح أبو الخطاب وطائفة من الأصحاب بأن كل بيع وإن كان بنقد (4) لا يجوز لبائعه شراؤه بدون ثمنه قبل نقد الثمن، ويجوز بعده، وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد أنه بعد القبض يبيعه كيف شاء (5).
__________
(1) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (8/ رقم 14254، 14255، 14259، 14279، 14303).
(2) في المطبوع: "نقله".
(3) انظر: "مسائل أبي داود" (ص 192).
(4) في المطبوع: "ينفذ".
(5) في "مسائل ابن منصور" (331/ 205): "قلت: إذا بعت ثوبًا، فحلَّ الأجل، فوجدته بعينة؛ فقال: اشتره مني؟ قال أحمد: لا بأس أن يشتريه بأكثر، ولا يشتريه بأقل إذا لم يكن قبض الثمن، وإذا كان قبض الثمن، فليشتريه كيف شاء" اه.
قلت: انظر أيضًا: (221 - 222/ 59) منها.
(3/313)

- (الفائدة الرابعة): تصح (1) الإقالة بلفظ الإِقالة والمصالحة إن قلنا: هي (2) فسخ، ذكره القاضي وابن عقيل، وإن قلنا: هي بيع؛ لم ينعقد (3) بذلك، صرح به القاضي في "خلافه"؛ قال: [و] (4) ما يصلح للحل لا يصلح للعقد، [وما يصلح للعقد لايصلح للحل] (5)؛ فلا ينعقد البيع بلفظ الإقالة، ولا الإِقالة بلفظ البيع.
[و] (6) ظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
- ([الفائدة (7) الخامسة): إذا قلنا: هي فسخ؛ لم يشترط لها شروط البيع من معرفة المقال فيه، والقدرة على تسليمه تمييزه (8) عن غيره، ويشترط ذلك على القول بأنها بيع، ذكره صاحب "المغني" في "التفليس" (9)، فلو (10) تقايلا العبد (11) وهو غائب بعد مضي مدة [لأن] (12) يتغير
__________
(1) في (أ): "يصح".
(2) في (أ): "هو".
(3) في (ج): "لم تنعقد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(6) في (أ): "فظاهر".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(8) في (ب): "وتميزه".
(9) انظر: "المغني" (4/ 95 - 96/ 2966).
(10) في المطبوع و (ب): "ولو".
(11) في (أ): "العقد".
(12) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج)، وفي (أ): "لا".
(3/314)

في مثلها أو بعد إباقه [أ] (1) واشتباهه بغيره؛ [صح] (2) على الأول دون الثاني، ولو تقايلا مع غيبة أحدهما بأن [طلبت منه] (3) الإِقالة، فدخل الدار وقال على الفور: أقلتك، فإن [قلنا (4): هي فسخ؛ صح، وإن قلنا: هي بيع؛ لم يصح، ذكره القاضي وأبو الخطاب في تعليقهما؛ لأن البيع يشترط له حضور المتعاقدين في المجلس.
ونقل أبو طالب عن أحمد صحة قبول الزوج للنكاح بعد المجلس، واختلف الأصحاب في تأويلها، وفي كلام القاضي أيضًا ما يقتضي أن الإقالة لا تصح في غيبة الآخر على الروايتين؛ لأنها في حكم العقود لتوقفها على رضى المتبايعين، بخلاف الرد بالعيب والفسخ للخيار (5)، وهل تصح (6) مع تلف السلعة (7)؟
على طريقين:
أحدهما: لا يصح على الروايتين، وهي طريقة القاضي في موضع من"خلافه" [وصاحب "المغني" (8).
والثاني: إن قلنا: هي فسخ؛ صحت، وإلا؛ لم تصح]، قال
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (أ).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "طلب منه"، وفي (ج): "طلب".
(4) من هنا إلى منتصف "الفائدة السابعة عشرة" سقط من (أ).
(5) في المطبوع: "بالخيار".
(6) في المطبوع: "يصح".
(7) في المطبوع: "السلع".
(8) انظر: "المغني" (4/ 96/ 2967).
(3/315)

القاضي في موضع من "خلافه "] (1): هو قياس المذهب، وفي "التلخيص" وجهان؛ قال (2): أصلهما الروايتان (3) إذا تلف المبيع في مدة الخيار.
- ([الفائدة] (4) السادسة): هل تصح الإقالة بعد النداء للجمعة؟
إن قلنا: هي بيع؛ لم تصح، وإلا؛ صحت، ذكره القاضي وابن عقيل.
- ([الفائدة] (4) السابعة): [إذا نما] (5) المبيع نماءً منفصلًا ثم تقايلا، فإن قلنا: الإِقالة بيع؛ لم يتبع النماء بغير خلاف، وإن قلنا: فسخ؛ فقال القاضي: النماء للمشتري، وينبغي تخريجه على وجهين (6)؛ كالرد بالعيب والرجوع للمفلس.
- ([الفائدة] (4) الثامنة): باعه نخلًا حائلًا ثم تقايلا وقد أطلع، فإن قلنا: المقايلة (7) بيع؛ فالثمرة إن كانت مؤبرة؛ فهي للمشتري الأول، وإن لم تكن مؤبرة؛ فهي للبائع الأول، وإن قلنا: هي فسخ؛ تبعت الأصل بكل حال، سواء كانت مؤبرة أو لا؛ لأنه نماء متصل (8)، ذكره في "المغني" (9)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين مكرر مرتين في المطبوع.
(2) في المطبوع: "فان".
(3) في (ج): "الروايتين".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع: "نمى"، وفي (ب): "نما" فقط.
(6) في المطبوع: "على الوجهين".
(7) في (ج): "الإقالة".
(8) في المطبوع: "منفصل".
(9) انظر: "المغني" (4/ 273 - 274/ 3427).
(3/316)

وقد سبقت المسألة في قاعدة النماء.
- ([الفائدة] (1) التاسعة): هل يثبت فيها خيار المجلس؟
إن قلنا: هي فسخ؛ لم يثبت الخيار، وإن قلنا: هي بيع؛ ففي "التلخيص": يثبت الخيار كسائر البيوع (2)، ويحتمل عندي أن لا يثبت أيضًا؛ لأن الخيار وضع للنظر في الحظ و [المقيل قد دخل] (3) على أنه لا حظ له، وإنما هو متبرع، والمستقبل لم يطلب الإقالة بعد لزوم العقد إلا بعد [تروٍّ و] (4) نظر، وعلم بأن الحظ له في ذلك، وندم على العقد (5) الأول؛ فلا يحتاج بعد ذلك إلى مهلة لإعادة النظر، واللَّه أعلم.
- ([الفائدة] (1) العاشرة): هل ترد (6) بالعيب؟
إن قلنا: هي بيع؛ ردت به، وإن قلنا: هي فسخ؛ فيحتمل أن [لا ترد] (7) به؛ لأن الأصحاب قالوا: الفسخ لا يفسخ، ويحتمل أن يرد به، كما جوزوا فسخ الإقالة والرد بالعيب [لأخذ الشفيع] (8)، وأفتى الشيخ تقي الدين بفسخ الخلع بالعيب في عوضه، وبفوات صفة (9) فيه، وبإفلاس
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(2) في المطبوع: "العقود".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "المقيد وعلي".
(4) في (ج): "تردد".
(5) في المطبوع: "على أن العقد".
(6) في المطبوع: "يرد".
(7) في المطبوع: "لا يرد".
(8) في المطبوع: "لأحد الشفيعين".
(9) في المطبوع: "لفوات حقه".
(3/317)

الزوجة [به] (1).
- ([الفائدة] (2) الحادية عشر) (3): الإقالة في المسلم فيه قبل قبضه، وفيها طريقان:
أحدهما: [بناؤها] (4) على الخلاف، فإن قلنا: هي فسخ؛ جازت، وإن قلنا: بيع؛ لم تجز (5)، وهي طريقة القاضي وابن عقيل في روايتيهما وصاحب "الروضة" وابن الزاغوني.
والثانية: جواز الإقالة فيه على الروايتين، وهي طريقة الأكثرين، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
- ([الفائدة] (6) الثانية عشر) (7): باعه جزءً مشاعًا من أرضه ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة فسخ؛ لم يستحق المشتري ولا من حدث له شركة في الأرض قبل المقايلة شيئًا من الشقص بالشفعة، وإن قلنا: هي بيع؛ ثبتت لهم الشفعة، وكذلك لو باع أحد الشريكين حصته، ثم عفى الآخر عن شفعته، ثم تقايلا، وأراد العافي أن يعود إلى الطلب، فإن قلنا: الإقالة فسخ؛ لم يكن له ذلك، وإلا؛ فله الشفعة.
__________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
وانظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 252 - 253).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) في (ب) و (ج): "الحادية عشر".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "لم يجز".
(6) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(7) في كل الأعداد المركبة في (ج): "عشر".
(3/318)

- ([الفائدة] (1) الثالثة عشر): اشترى شقصًا مشفوعًا ثم تقايلاه قبل الطلب، فإن قلنا: هي بيع؛ لم تسقط (2)؛ كما لو باعه لغير بائعه، وإن قلنا: فسخ؛ فقيل: لا تسقط أيضًا، وهو قول القاضي وأصحابه؛ لأن الشفعة استحقت بنفس البيع؛ فلا تسقط بعده، وقيل: تسقط (2)، وهو المنصوص عن أحمد في "رواية محمد بن الحكم"، وهو ظاهر كلام أبي حفص [العكبري] (3) والقاضي في "خلافه".
- ([الفائدة] (3) الرابعة عشر): هل يملك المضارب أو الشريك الإقالة فيما اشتراه؟
من الأصحاب من قال: إن قلنا: الإقالة بيع؛ ملكه، وإلا، فلا لأن الفسخ ليس من التجارة المأذون فيها، وهي طريقة ابن عقيل في موضع من "فصوله"، والأكثرون على أنه (4) يملكها على القولين مع الصحة، كما يملك الفسخ بالخيار.
- (و [الفائدة] (5) الخامسة عشر): هل يملك المفلس بعد الحجر المقايلة لظهور المصلحة؟
إن قلنا: هي بيع؛ لم يملكه، وإن قلنا: فسخ؛ فالأظهر أنه يملكه؛ كما يملك الفسخ بخيار [قائم] (3) أو عيب، ولا يتقيد بالأحظ على الأصح؛
__________
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(2) في المطبوع: "يسقط".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع: "أن".
(5) ما بين المعقوفتين إضافة منِّي.
(3/319)

لأن ذلك ليس بتصرف مستأنف، بل من تمام العقد الأول ولواحقه.
- ([الفائدة] (1) السادسة عشر): لو وهب الوالد لابنه شيئًا، فباعه ثم رجع إليه بإقالة، فإن قلنا: هي بيع، امتنع رجوع الأب فيه، وإن قلنا: هي فسخ؛ فوجهان، وكذلك حكم المفلس إذا باع السلعة ثم عادت إليه بإقالة ووجدها بائعها عنده.
- ([الفائدة] (1) السابعة عشر): باع أمة، ثم أقال فيها قبل القبض؛ فهل يلزمه استبراءها (2)؟
فيه طريقان:
أحدهما: قاله أبو بكر وابن أبي موسى: إن قلنا: الإِقالة بيع؛ وجب الاستبراء، وإن قلنا: فسخ؛ لم يجب.
والثاني: [إن] (3) في المسألة روايتين مطلقًا من غير بناء [على] (4) هذا] (5) الأصل، ثم قيل: إنه مبني على انتقال الضمان عن البائع وعدمه، وإليه أشار ابن عقيل، وقيل: بل يرجع إلى أن تجدد الملك مع تحقق البراءة من الحمل؛ هل يوجب الاستبراء؟ وهذا أظهر.
- ([الفائدة] (1) الثامنة عشر): لو حلف لا يبيع أو ليبيعن، أو علق
__________
(1) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(2) في المطبوع: "استبراؤه".
(3) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(4) في المطبوع: "كل".
(5) من منتصف "الفائدة الخامسة" إلي هنا سقط من (أ).
(3/320)

على البيع طلاقًا أو عتقًا، ثم أقال فإن قلنا: هي بيع؛ ترتبت عليها أحكامه من البر والحنث، وإلا؛ فلا، وقد يقال: الأيمان تنبني (1) على العرف، وليس في العرف أن الإِقالة بيع.
- ([الفائدة] (2) التاسعة عشر): تقايلا في بيع فاسد، ثم حكم الحاكم بصحة العقد ونفوذه؛ فهل يؤثر حكمه؟
إن قلنا: هي بيع؛ فحكمه بصحة العقد الأول صحيح لأن العقد باقٍ، وقد تأكد بترتب (3) عقد آخر عليه، وإن قلنا: هي فسخ؛ لم ينفذ لأن العقد ارتفع بالإقالة؛ فصار كأنه لم يوجد، ويحتمل أن ينفذ وتلغى الإقالة؛ لأنها تصرف في بيع فاسد قبل الحكم بصحته؛ فلم ينفذ ولم يؤثر فيه [شيئًا] (4)، هذا ظاهر ما ذكره ابن عقيل في "عمد الأدلة".
- ([الفائدة] (5) العشرودن): لو باع ذمي [ذميًّا] (6) [آخر] (7) خمرًا، وقبضت دون ثمنها، ثم أسلم البائع وقلنا: يجب له الثمن، فقال المشتري فيها، فإن قلنا: الإقالة بيع؛ لم يصح (8) لأن شراء المسلم الخمر (9) لا
__________
(1) في المطبوع: "تبني".
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(3) في المطبوع و (ج): "ترتب".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج).
(8) في المطبوع: "لم تصح".
(9) في المطبوع و (ب) و (ج): "للخمر".
(3/321)

يصح، وإن قلنا: [هي] (1) فسخ؛ احتمل أن يصح، فيرتفع بها العقد ولا يدخل في ملك المسلم؛ فهي في معنى إسقاط الثمن عن المشتري، واحتمل أن لا يصح؛ لأنه استرداد لملك الخمر؛ كما [قال أصحابنا] (2) في المحرم: إنه لا يسترد الصيد بخيار ولا غيره، فإن رد عليه بذلك؛ صح الرد ولم يدخل في ملكه، فيلزمه إرساله. وفي "التلخيص": لو رد العبد المسلم على بايعه الكافر بعيب؛ صح ودخل في ملكه لأنه قهري؛ كالإرث؛ فيمكن أن يقال في رد الصيد على المحرم بعيب ورد الخمر على المسلم بالعيب كذلك إذا قلنا: يملكان بالقهر.
-[([الفائدة] (3) الحادية والعشرون): الإقالة؛ هل تصح بعد موت المتعاقدين؟
ذكر القاضي في موضع من "خلافه" أن خيار الإقالة يبطل بالموت، ولا يصح بعده، وقال في موضع آخر: إن قلنا: هي بيع؛ صحت من الورثة، وإن قلنا: فسح؛ فوجهان.

6 - [السادسة] (3)] (4): النقود؛ هل تتعين بالتعيين في العقد أم لا؟
في المسألة روايتان عن أحمد، أشهرهما أنها تتعين بالتعيين في عقود المعاوضات، حتى إن القاضي في "تعليقه" أنكر ثبوت الخلاف في ذلك في المذهب، والأكثرون أثبتوه.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في (ب): "قال الأصحاب"، وفي (ج): "قاله الأصحاب".
(3) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3/322)

ولهذا الخلاف فوائد كثيرة:
- (منها): إنه يحكم بملكها للمشتري بمجرد التعيين؛ فيملك التصرف فيها، وإذا (1) تلفت [تلفت] (2) من ضمانه على المذهب، وعلى الرواية الأخرى: لا يملكها بدون القبض؛ فهي قبله ملك البائع، وتتلف من ضمانه.
- (ومنها): لو بان الثمن مستحقًّا؛ فعلى المذهب الصحيح يبطل العقد؛ لأنه وقع على ملك الغير؛ فهو كما لو اشترى سلعة فبانت مستحقة، وعلى الثانية: لا يبطل (3)، وله البدل.
وها هنا مسألة مشكلة (4) على قاعدة (5) المذهب، وهي إذا غصب نقودًا فاتجر (6) فيها وربح؛ فإن نصوص أحمد متفقة على أن الربح للمالك؛ فمن الأصحاب من بناه على القول بوقف تصرف الغاصب على الإجازة؛ كابن عقيل وصاحب "المغني" (7)، ومنهم من بناه على أن تصرفات الغاصب صحيحة بدون إجازة؛ [لأن مدته تطول] (8)، فيشق استدراكها (9)،
__________
(1) في المطبوع و (ج): "وإن".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "لا تبطل".
(4) في المطبوع: "مشملة".
(5) في المطبوع و (أ): "قواعد".
(6) في المطبوع و (أ): "واتجر".
(7) في "المغني" (5/ 159 - 160/ 3977).
(8) في المطبوع: "استدراكهما".
(9) في المطبوع: "لأنه مدة تطول"، وفي (ب) و (ج): "لأنه تطول مدته".
(3/323)

وفي القضاء ببطلانها ضرر عليه، وعلى المالك بتفويته الربح، وهي طريقة صاحب "التلخيص"، والصحة عنده مختصة بالتصرف الكثير.
وأشار إليه صاحب "المغني" [أيضًا] (1)، وأن ما لم (2) يدركه المالك ولم يقدر على استرجاعه يصح التصرف فيه بدون إجازة (3) لهذا المعنى، ومن الأصحاب من نزله على أن الغاصب اشترى في ذمته ثم نقد الثمن، وهي طريقة القاضي في بعض كتبه وابن عقيل في موضع آخر، ويشهد لهذا أن المروذي نقل عن أحمد التفرقة بين الشراء بعين الغصب والشراء في الذمة؛ فتنزل نصوصه المطلقة على هذا المقيد، وإنما كان الربح للمالك مع أن الشراء [للمالك] (4)، وقع للغاصب؛ لأنه نتيجة (5) ملك المغصوب منه وفائدته؛ فهو كالمتولد من عينه، ويحتمل أن يخرج ذلك على رواية عدم تعيين النقود بالتعيين في العقد؛ فيبقى كالشراء في الذمة سواء.
- (ومنها): إذا بان النقد [المعين] (6) معيبًا؛ فله حالتان:
إحداهما: أن يكون عيبه (7) من غير جنسه؛ فيبطل العقد من أصله،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
وانظر: "المغني" الموضع السابق.
(2) في (ج): "وإنما لم".
(3) في المطبوع: "بدون إنكاره".
(4) ما بين المعقوفتين من (أ) فقط.
(5) في (ب): "بنتيجة".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(7) في (أ): "عينه"!
(3/324)

نص عليه وذكره [الخرقي و] (1) الأصحاب، وعللوه بأنه زال عنه اسم الدينار والدرهم بذلك؛ فلم يصح العقد عليه، كما لو عقد على شاة فبانت حمارًا، وأومأ إليه أحمد في "رواية الميموني"؛ فقال: إن كان ذهبًا؛ [حمل عليه مسن و] (2) دخل [فيه شيء من الفضة أو] (3) النحاس، أو خالطه غيره؛ فقد زال عنه اسم الذهب لما دخل فيه، وهذا متوجه إذا كان كله أو غالبه كذلك، [و] (4) أما إن كان [فيه] (5) يسير من غير جنسه؛ فلا يزول (6) عنه الاسم بالكلية؛ فلا ينبغي بطلان العقد ها هنا بالكلية، وهذا ظاهر كلام أبي محمد التميمي في "خصاله" (7)، ويحتمل أن يبطل العقد ها هنا لمعنى آخر، وهو أن البائع لا يمكن إجباره على قبول هذا، وإنما باع بدينار كامل،
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "حمل عليه شيء"، وفي (ج): "حك عليه مسن".
(3) ما بين المعقوفتين في المطبوع، ولكن بدون كلمة "شيء"، وفي (ب) و (ج) بعطف النحاس على الفضة بحرف العطف "و".
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (ب) ولا (ج).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(6) في المطبوع: "فلا يزال".
(7) اسمه: "الخصال والأقسام" على ما ذكر المصنف في ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة" (1/ 79)، وهو رزق اللَّه بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد التّيمي، محدث فقيه، واعظ، شيخ أهل العراق في زمانه، توفي سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة.
ترجمته في: "طبقات الحنابلة" (2/ 250)، و"المنهج الأحمد" (2/ 195)، و"المقصد الأرشد" (1/ 393)، و"السير" (18/ 609)، و"غاية النهاية" (1/ 284)، و"شذرات الذهب" (3/ 384).
(3/325)

والمشتري لا يجبر على دفع بقية الدينار؛ لأنه إنما اشترى بهذا الدينار المتعين؛ فبطل العقد، ويحتمل أن يصح البيع [بما في] (1) الدينار من الذهب بقسطه من المبيع ويبطل في الباقي، وللمشتري الخيار لتبعض المبيع عليه.
وأصل هذين الاحتمالين: الروايتان فيما إذا باعه أرضًا معينة على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة، ويحتمل أن يصح البيع كله بدينار، ويلزم المشتري تتمة (2) الدينار من غيره ذهبًا؛ لأن العقد وقع على دينار كامل، فإذا بان دونه؛ وجب إتمامه جمعًا بين مقصدي (3) التعيين والتسمية، وأصل هذا الوجه ما نص عليه أحمد في "رواية ابن منصور" فيمن اشترى سمنًا في ظرف، فوجد فيه ربا: إن كان سمانًا عنده سمن أعطاه بوزنه سمنًا، وإن لم يكن عنده سمن؛ أعطاه بقدر الرُّب (4) من الثمن (5)، وإنما فرق بين السمان
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "في باقي".
(2) في المطبوع: "بثمن"، وفي (ب): "قيمة".
(3) في المطبوع: "المقصدين".
(4) في "المصباح" (ص 254): "الرُّبُّ، بالضم: دُبْسُ الرُّطَب إذا طُبخ"، وفي "المعجم الوسيط" (1/ 321): "الرب: عصارة التمر المطبوخة، وما يُطبخُ من التمر والعنب، ورب السمن والزيت: تَفِلُهُ الأسود، جمع ربوب ورباب. قلت: وفائدته أن يوضع في أوعية السمن التي تصنع من الأدَمِ كي تصطبغ جدرانها الداخلية به؛ فيحفظ السمن، ويسد مسد الجلد، فإذا كثر؛ يتساقط بعضه عند تفريغ السمن وعصر الأوعية؛ فيصير مذاقه حلوًا دسمًا" اه. من حاشية "مسائل ابن منصور".
(5) في "مسائل ابن منصور" (443 - 444/ 385): "قلت: قال شريح في رجل باع سمنًا؛ فوجد فيه ربا؛ قال: له بكيل الرُّب سمنًا. قال سفيان: المشتري بالخيار؛ إن شاء أخذ، وإن شاء ردَّ، ولا يُكَلَّفُ البائعُ أن يجيء بالسمن؛ كيف يبيع ما ليس عنده؟! قال =
(3/326)

وغيره؛ لأن السمان شأنه بيع السمن؛ فكأنه باعه بمقدار الظرف سمنًا، وأما غيره؛ فإنما باعه هذا الظرف المعين، والنقود من جنس الأول لا الثاني.
(الحالة الثانية): أن يكون عيبها (1) من جنسها ولم ينقص وزنها؛ كالسواد في الفضة؛ فالبائع بالخيار بين الإمساك والفسخ، وليس له البدل لتعيين النقد في العقد، ومتى (2) أمسك؛ فله الأرش إلا في صرفها بجنسها (3)، صرح به الحلواني [وابنه] (4) وصاحب "المحرر" (5)، وفي بعض نسخ الخرقي ما يقتضيه، وظاهر كلام أبي الخطاب خلافه؛ فهذا كله تفريع على رواية تعيين النقود، فأما على الأخرى؛ فلا يبطل العقد بحال إلا أن يتفرقا والعيب من غير الجنس؛ لفوات قبض المعقود عليه في المجلس، ولا فسخ بذلك، وإنما يثبت به البدل دون الأرش؛ لأن الواجب في الذمة دون المعين.
- (ومنها): إذا باعه (6) سلعة بنقد معين؛ فعلى المشهور: لا يجبر
__________
= أحمد: إن كان سمانًا عنده سمن كثير؛ أعطاه بقدر الرُّب سمنًا، وإن لم يكن عنده سمن؛ رجع عليه بقدر الرُّب من السمن، قال إسحاق: كما قال؛ لأنه بنى على قول شريح" اه.
(1) في (أ): "عينها"!
(2) في المطبوع: "ومن"!
(3) في المطبوع: "بحبسها"! وفي (ب): "من جنسها".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) قال في "المحرر" (1/ 321): "والدراهم والدنانير تتعين إذا عينت بالعقد، فإن بانت غصبًا أو بها عيب من غير جنسها؛ بطل العقد، وإن كان من جنسها؛ فله الرد دون البدل، فإن أمسك؛ فله الأرش؛ إلا في صرفها بجنسها".
(6) في (ج): "إذا باع".
(3/327)

واحد منهما على [البداءة] (1) بالتسليم، بل ينصب عدل يقبض منهما، ثم يقبضهما (2) لتعلق حق كل منهما (3) بعين معينة؛ فهما سواء، وعلى الرواية الأخرى: هو كما لو باعه بنقد في الذمة؛ فيجبر البائع أولًا على التسليم لتعلق حق المشتري بالعين دونه، ونص عليه أحمد في "رواية ابن منصور" (4)، وتأوله القاضي على أن البيع وقع على ثمن في الذمة.
- (ومنها): لو باعه (5) سلعة بنقد معين [وقبضه البائع من المشتري] (6)، ثم أتاه به، فقال: هذا الثمن، وقد خرج معيبًا، وأنكر (7) المشتري؛ [ف] (8) فيه [طريقان:
إحداهما] (9): إن قلنا: النقود تتعين بالتعيين؛ فالقول قول المشتري؛ لأنه يدعي (10) عليه أستحقاق الرد، والأصل عدمه، وإن قلنا: لا تتعين (11)، فوجهان:
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(2) في المطبوع: "يقضهما".
(3) في المطبوع: "حق كل واحد منهما".
(4) انظرها: (ص 364/ رقم 255).
(5) في (ب) و (ج): "لو باع".
(6) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(7) في (ج): "فأنكر".
(8) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ج).
(9) في المطبوع و (أ): "ثلاث طرق: أحدها".
(10) في (ج): "تدعى".
(11) في المطبوع و (أ): "لا يتعين".
(3/328)

أحدهما: القول قول المشتري أيضًا؛ لأنه أقبض في الظاهر ما عليه.
والثاني: قول القابض؛ لأن الثمن في ذمته والأصل اشتغالها به؛ إلا أن يثبت براءتها منه، وهذه طريقة السامري في "المستوعب".
والطريقة الثانية: إن قلنا: النقود لا تتعين؛ فالقول قول البائع وجهًا واحدًا؛ لأنه قد ثبت اشتغال ذمة المشتري بالثمن، ولم يثبت براءتها منه، وإن قلنا: تتعين؛ فوجهان مخرجان (1) من الروايتين فيما إذا ادعى كل من المتبايعين أن العيب حدث عنده في السلعة:
أحدهما: القول قول [البائع (2)؛ لأنه يدعي سلامة العقد والأصل عدمه، ويدعي عليه ثبوت الفسخ والأصل عدمه.
والثاني: قول] (3) القابض؛ لأنه منكر التسليم [المستحق] (4)، والأصل معه (5)، وهذه طريقة القاضي في بعض تعاليقه، وجزم صاحبا (6) "المغني" و"المحرر" بأن القول قول البائع إذا أنكر أن يكون المردود بالعيب هو المبيع (7)، ولم يحكيا خلافًا ولا فصلًا بين أن يكون المبيع (8) في
__________
(1) في (ب): "يخرجان".
(2) في (ب): "الدافع".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وفي (أ): "المستحق معه".
(5) في المطبوع: "عدمه"!
(6) في المطبوع و (ج): "صاحب".
(7) انظر: "المغني" (4/ 121/ 3028). وانظر: "المحرر" (1/ 327).
(8) في (أ): "البيع".
(3/329)

الذمة أو معينًا نظرًا إلى أنه يدعي عليه استحقاق الرد، والأصل عدمه.
وذكر الأصحاب مثل ذلك في مسائل الصرف (1)، وفرق السامري في "فروقه" (2) بين أن يكون المردود بعيب وقع عليه [العقد] (3) معينًا؛ فيكون القول قول البائع، وبين أن يكون في الذمة؛ فيكون القول قول المشتري؛ لما تقدم؛ [فكذلك حكم الثمن] (4)، وهذا فيما إذا أنكر المدعى عليه العيب أن ماله كان معيبًا، أما إن اعترف بالعيب بعد (5) فسخ صاحبه وأنكر (6) أن يكون هو هذا (7) المعين؛ فالقول قول من هو في يده، صرح به في التفليس من (8) "المغني" (9)، معللًا بأنه ينكر (10) استحقاق ما ادعاه (11) عليه الآخر، والأصل معه، ويشهد له أن المبيع في مدة الخيار إذا رده المشتري بالخيار فأنكر البائع أن يكون هو المبيع؛ فالقول قول المشتري، حكاه ابن المنذر عن أحمد لاتفاقهما على استحقاق الفسخ بالخيار،
__________
(1) في (ب): "التصرف".
(2) (1/ 293 - ترتيبه "إيضاح الدلائل").
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) ما بين المعقوفتين من (ب).
(5) في المطبوع: "فقد".
(6) في (ج): "وإن أنكر".
(7) في المطبوع: "هذا هو" بتقديم وتأخير.
(8) في المطبوع: "في".
(9) انظر: "المغني" (4/ 275/ 3429).
(10) في المطبوع و (أ): "قبل"، وفي (ج): "منكر".
(11) في المطبوع و (أ): "ما ادعى".
(3/330)

وبذلك وجهه صاحب "المغني" (1)، وقد ينبني [ذلك على] (2) أن المبيع بعد الفسخ بعيب [ونحوه] (3) [هل هو] (4) أمانة في يد المشتري أو مضمون عليه؟
وفيه خلاف سبق ذكره؛ فإن الأمانات القول قول من هي في يده مع الاختلاف في عينها، وقد نص عليه (5) أحمد في الرهن، وكذلك (6) نص في اختلاف المتبايعين في عين المبيع المعين قبل قبضه أن القول قول البائع، [وقد] (7) يكون مأخذه أنه أمانة عنده، ومن الأصحاب من علل بأن الأصل براءة ذمة البائع مما يدعى عليه؛ فهو كما [لو] (8) أقر بعين لرجل، ثم أحضرها، فأنكر المقر له أن تكون هي المقر (9) بها؛ فإن القول قول المقر مع يمينه.
- (ومنها): لو كان عبد بين شريكين، قيمة نصيب كل منهما عشرة دنانير، فقال رجل يملك عشرة دنانير لا يملك غيرها لأحدهما: أعتق نصيبك عني على هذه الدنانير العشرة، ففعل؛ عتق نصيب المسؤول عن
__________
(1) في "المغني" (4/ 122/ 3031).
(2) في المطبوع و (أ): "على ذلك"، وفي (ج): "على" فقط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(5) في (ب): "عليها".
(6) في المطبوع: "ولذلك".
(7) في (ج): "وهو".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9) في (ب): "المقرة".
(3/331)

السائل، وهل يسري عليه إلى حصة الآخر أم لا؟
إن قلنا: إن النقود تتعين بالتعيين؛ لم يسر لأن المسؤول ملكها عليه بالعقد، فلم يبق في ملك السائل شيء؛ فصار معسرًا، وإن قلنا: لا يتعين؛ سرى إلى حصة الشريك؛ كما لو اشترى ذلك النصيب بثمن في الذمة لأنه مالك لقيمة حصة الآخر، [وذكره السامري في "فروقه"] (1)، ويفيد هذا أن الدين المستغرق لا يمنع السراية.

7 - [السابعة] (2): العبد؛ هل يملك بالتمليك أم لا؟
في المسألة روايتان عن أحمد:
أشهرهما عند الأصحاب: إنه لا يملك، وهو اختيار الخرقي (3) وأبي بكر والقاضي والأكثرين.
والثانية: يملك، اختارها ابن شاقلا، وصححها ابن عقيل وصاحب "المغني" (4).
ولهذا الخلاف فوائد كثيرة [جدًّا] (5):
- (فمنها): لو ملك السيد عبده مالًا زكويًّا، فإن قلنا: لا يملكه؛ فزكاته على السيد [لأنه ملكه، وإن قلنا: يملكه؛ فلا زكاة على السيد] (5)
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وذكره السامري".
(2) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(3) انظره في: "المغني" (4/ 125/ 3037).
(4) انظر: "المغني" (4/ 126/ 3040).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3/332)

لانتفاء ملكه [له] (1)، ولا على العبد؛ لأن ملكه مزلزل، ولهذا لم يلزمه فيه نفقة الأقارب، ولا يعتق عليه رحمه بالشراء، هذا ما قال أكثر الأصحاب، منهم أبو بكر والقاضي، وهو ظاهر كلام الخرقي، وفي كلام أحمد إيماء إليه.
وحكى بعض الأصحاب رواية بوجوب زكاته على العبد على القول بأنه ملكه، ومنهم من اشترط مع ذلك إذن السيد؛ لقول أحمد: يزكيه (2) بإذن سيده، وإنما مراده أن المال للسيد وزكاته عليه، والعبد كالوكيل [والمودع] (3)؛ فلا يزكى بدون إذنه.
وعن ابن حامد أنه ذكر احتمالًا بوجوب زكاته على السيد على كلا القولين؛ لأنه إما ملك له أو في حكم ملكه لتمكنه من التصرف فيه؛ كسائر أمواله.
- (ومنها): إذا ملكه سيده (4) عبدًا وأهلَّ عليه هلال الفطر، فإن قلنا: لا يملكه؛ ففطرته على السيد، وإن قلنا: يملكه؛ فوجهان:
أحدهما: لا فطرة له على أحد، قاله القاضي وابن عقيل اعتبارًا بزكاة المال؛ كما سبق.
والثاني: فطرته على السيد، صححه صاحب "المغني" (5)؛ لأن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في المطبوع: "فيزكيه"، وفي (أ) و (ب): "تزكيه".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في المطبوع: "السيد".
(5) في "المغني" (2/ 361/ 1973)، وقال: "وهذا ظاهر كلام الخرقي، وقول أبي الزناد ومالك والشافعي وأصحاب الرأي".
(3/333)

نفقته على السيد؛ [ف] (1) كذلك فطرته.
- (ومنها): تكفيره بالمال في الحج والأيمان والظهار ونحوها، وفيه للأصحاب طرق:
أحدها: البناء على ملكه وعدمه، فإن قلنا: يملك (2)؛ فله التكفير بالمال في الجملة، وإلا؛ فلا، وهذه طريقة القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل وأكثر المتأخرين؛ لأن التكفير بالمال يستدعي ملك المال، فإذا كان هذا غير قابل للملك بالكلية؛ ففرضه الصيام خاصة، وعلى القول بالملك؛ فإنه يكفر بالإِطعام، وهل يكفر بالعتق (3)؟ على روايتين؛ لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإِرث، وليس العبد من أهلها، وهل يلزمه التكفير بالمال، أم (4) يجوز له مع إجزاء (5) الصيام المتوجه؟
[إنه] (6) إن كان في ملكه مال، فأذن له السيد بالتكفير منه؛ لزمه ذلك، وإن لم يكن في ملكه، بل أراد السيد أن يملكه ليكفر؛ لم يلزمه؛ كالحر المعسر إذا بذل له مال.
وعلى هذا يتنزل ما ذكره صاحب "المغني" (7) من لزوم التكفير بالمال
__________
(1) في المطبوع: "و".
(2) في (ج): "يملكه".
(3) في المطبوع: "بالتعق"!
(4) في المطبوع و (أ): "أو".
(5) في (ب): "اجر"!
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في "المغني" (8/ 31 - 32/ 6221).
(3/334)

في الحج ونفي اللزوم في الظهار.
(الطريقة الثانية): إن في تكفيره بالمال بإذن السيد روايتين مطلقتين، سواء قلنا: يملك أولا يملك، حكاها القاضي في "المجرد" عن شيخه ابن حامد وغيره من الأصحاب، وهي طريقة أبي بكر؛ فوجه عدم تكفيره بالمال مع القول بالملك أن ملكه (1) ضعيف لا يحتمل المواساة، ولذلك (2) لم يجب فيه الزكاة ولا نفقة الأقارب؛ فكذلك الكفارات.
ولوجه (3) تكفيره بالمال مع القول بانتفاء ملكه مأخذان:
أحدهما: إن تكفيره بالمال إنما هو تبرع له من السيد وإباحة له أن يكفر من ماله، والتكفير عن الغير لا يشترط دخوله في ملك المكفر عنه، كما نقول (4) في رواية [في] (5) كفارة المجامع في رمضان إذا عجز عنها، وقلنا: [لا يسقط، فكفر] (6) غيره عنه بإذنه (7)؛ جاز أن يدفعها إليه، وكذلك في سائر الكفارات على (8) إحدى الروايتين، ولو كانت قد دخلت في ملكه؛ لم يجز أن يأخذها هو؛ لأنه لا يكون حينئذ إخراجًا للكفارة.
__________
(1) في المطبوع: "يملكه".
(2) في المطبوع: "ولهذا".
(3) في المطبوع: "والوجه".
(4) في المطبوع: "يقول"، وفي (أ) و (ب) بدون نقط.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) في المطبوع: "لا يسقط تكفير"، وفي (ج): "لا تسقط؛ فكفر".
(7) في المطبوع: "عنه إلا بإذنه".
(8) في (ج): "في".
(3/335)

(والمأخذ الثاني): إن العبد [ي] (1) ثبت له ملك قاصر بحسب حاجته إليه، وإن لم يثبت له الملك المطلق التام؛ فيجوز أن يثبت له في المال المكفر به ملك يبيح (2) له التكفير بالمال دون بيعه وهبته؛ كما أثبتنا له في الأمة ملكًا قاصرًا [يبيح] (3) التسري بها دون بيعها وهبتها على ما سنذكره، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين.
ووجه (4) التفريق بين العتق والإِطعام: إن التكفير بالعتق محتاج إلى ملك، بخلاف الإِطعام، ذكره (5) ابن أبي موسى، ولهذا لو أمر من عليه الكفارة رجلًا أن يطعم عنه، ففعل؛ أجزأته، ولو أمر أن يعتق عنه؛ ففي إجزائه [عنه] (6) روايتان، ولو تبرع الوارث بالإِطعام الواجب عن موروثه؛ صح، ولو تبرع عنه بالعتق؛ لم يصح، ولو أعتق الأجنبي عن [كفارة الميت] (7)؛ لم يصح، ولو أطعم عنه؛ فوجهان.
الطريقة الثالثة): إنه لا يجزئه (8) التكفير بغير الصيام بحال على كلا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "ينتج"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في المطبوع: "أبيح له".
(4) في (أ): "ووجهه".
(5) في (أ): "وذكره".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "الموروث"، وفي (ب): "كفارة عن الميت"، وفي (ج): "كفارات الميت".
(8) في المطبوع و (أ): "لا يجزئ".
(3/336)

الروايتين (1)، وهي ظاهر كلام أبي الخطاب في كتاب الظهار وصاحب "التلخيص" وغيرهما؛ لأن العبد وإن قلنا: [إنه] (2) يملك؛ فإن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة كما سبق؛ فلا يكون مخاطبًا بالتكفير بالمال بالكلية؛ فلا يكون فرضه غير الصيام بالأصالة، بخلاف الحر العاجز؛ فإنه قابل للتملك (3)، ومن ها هنا -واللَّه أعلم- قال الخرقي [في] (4) العبد إذا حنث ثم عتق: إنه لا يجزئه التكفير بغير الصوم، بخلاف الحر المعسر إذا حنث ثم أيسر، وقال أيضًا في العبد إذا فاته الحج: إنه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يومًا، وقال في الحر المعسر: إنه يصوم في الإِحصار صيام المتمتع (5)، والفرق بينهما أن العبد ليس من أهل الملك القابل لتعلق الواجبات به؛ [فيتعلق به] (6) وجوب الصيام بالأصالة، وفدية الفوات والإِحصار لم يرد فيها نص بغير الهدي؛ فأوجبنا على العبد صيامًا يقوم مقام الهدي، [ويتعدل بقيمة] (7) الشاة، كما وجب في جزاء الصيد؛ لأن هذا صيام واجب بالأصالة، ليس بدلًا عن الهدي، وهو [معدل بالهدي] (8)
__________
(1) في المطبوع و (أ): "الطريقين".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (أ).
(3) في (ب): "للتمليك".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع و (أ): "التمتع".
وانظر: "المغني" (10/ 17/ 8054).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(7) في المطبوع: "ويعدل قيمة"، وفي (ج): "وينعدل بقيمة".
(8) في المطبوع: "يعدل الهدي"، وفي (أ): "يعدل بالهدي".
(3/337)

[وشبيه به] (1)؛ فيكون فرض العبد بالأصالة بخلاف [الحر] (1) المعسر، فإن الواجب في ذمته بالأصالة هو الهدي، فإذا عجز عنه؛ انتقل إلى البدل الذي شرع للهدي، وهو صيام المتعة.
- (ومنها): إذا باع عبدًا وله مال، وفيه للأصحاب طرق:
(إحداها) (2): البناء على [ملك العبد] (3) وعدمه، فإن قلنا: يملك؛ لم يشترط (4) معرفة المال ولا سائر شرائط البيع فيه لأنه غير داخل في العقد، وإنما اشترط [تبقيته] (5) على ملك العبد ليكون عبدًا ذا مال، وذلك صفة في العبد لا يفرد (6) بالمعاوضة، وهو كبيع المكاتب الذي له مال، وإن قلنا: لا يملك؛ اشترط لماله (7) معرفته، وأن يبيعه (8) بغير جنس المال أو بجنسه، بشرط أن يكون الثمن أكثر على رواية، ويشترط التقابض؛ لأن المال (9) حينئذ داخل في عقد البيع، وهذه طريقة القاضي في "المجرد" وابن عقيل وأبي الخطاب في "انتصاره" وغيرهم.
__________
(1) بين المعقوفتين سقط من (أ).
(2) في (أ). "أحدها".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "المالك".
(4) في (ج): "لم تشترط".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "لا تفرد"، وفي (ج): "ولا يفرد".
(7) في المطبوع: "لمالكه".
(8) في المطبوع: "ببعه".
(9) في (ج): "الملك".
(3/338)

(والطريقة الثانية): اعتبار قصد المال و (1) عدمه لا غير، فإن كان المال مقصودًا للمشتري؛ اشترط علمه وسائر شروط البيع، وإن كان غير مقصود، بل قصد المشتري تركه للعبد لينتفع به وحده؛ لم يشترط ذلك لأنه تابع غير مقصود، وهذه الطريقة هي المنصوصة عن أحمد، و [اختيار] (2) أكثر أصحابه؛ كالخرقي (3) وأبي بكر والقاضي في "خلافه"، وكلامه ظاهر في الصحة، وإن قلنا: إن العبد لا يملك، وترجع المسألة على هذه الطريقة إلى بيع ربوي بغير جنسه، ومعه من جنسه ما هو غير مقصود، وقد استوفينا الكلام عليها في القواعد، ورجح صاحب "المغني" هذه الطريقة (3).
(والطريقة الثالثة): الجمع بين الطريقتين، وهي طريقة القاضي في "الجامع الكبير" وصاحب "المحرر" (4)، ومضمونها أنا إن قلنا: العبد يملك؛ لم يشترط لماله شروط البيع بحال، وإن قلنا: لا يملك؛ فإن كان المال مقصودًا للمشتري؛ اشترط [له] (5) شرائط البيع، وإن كان غير مقصود [له] (6)؛ لم يشترط [له] (7) ذلك.
- (ومنها): إذا أذن المسلم لعبده الذمي أن يشتري له بماله عبدًا
__________
(1) في المطبوع: "أو".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) انظره في: "المغني" (4/ 125/ 3037).
(4) انظر: "المحرر" (1/ 348).
(5) في (أ): "فيه".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ب) و (ج).
(3/339)

مسلمًا، فاشتراه، فإن قلنا: يملك؛ لم يصح شراؤه له، وإن قلنا: لا يملك؛ صح وكان ملكًا (1) للسيد، قال الشيخ مجد الدين: هذا قياس المذهب عندي.
قلت: ويتخرج (2) فيه وجه آخر: لايصح على القولين بناءً على أحد الوجهين: إنه لا يصح شراء الذمي لمسلم بالوكالة، ولو كان بالعكس [بأن يأذن] (3) الكافر لعبده المسلم الذي يثبت ملكه عليه أن يشتري بماله رقيقًا مسلمًا، فإن قلنا: يملك؛ صح وكان العبد له، [وإن قلنا: لا يملك] (4)؛ لم يصح.
- (ومنها): تسري العبد، وفيه طريقان:
أحدهما: بناؤه على الخلاف في ملكه، فإن قلنا: يملك؛ جاز تسريه، وإلا؛ فلا لأن الوطء بغير نكاح ولا ملك (5) يمين محرم بنص الكتاب (6) والسنة (7)، وهي طريقة القاضي والأصحاب بعده.
__________
(1) في المطبوع و (أ): "مملوكًا".
(2) في (ج): "ويتوجه".
(3) في (ب): "فإن أذن"، وفي (ج): "بأن أذن".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "وإلا".
(5) في (ب): "ولا بملك".
(6) قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5 - 7].
(7) الأدلة من السنة على تحريم الزنا كثيرة، انظر بعضًا منها في: "الكبائر" (الكبيرة الثانية عشرة، ص 57 - 60/ بتحقيقي).
(3/340)

والثانية: يجوز تسرية على كلا الروايتين، وهي طريقة الخرقي (1) وأبي بكر وابن أبي موسى، ورجحها صاحب "المغني" (2).
وهي أصح؛ فإن نصوص أحمد لا تختلف في إباحة التسري له؛ فتارة علل بأنه يملك، وتارة اعترف بأنه خلاف القياس وأنه [جاز] (3) لإِجماع الصحابة عليه، وهذا يقتضي أنه أجاز له التسري، وإن قيل: إنه لا يملك اتباعًا للصحابة في ذلك، ووجهه أن العبد، وإنْ قيل: إنه لا يملك؛ فلا بد من أن يثبت له ملك ما يحتاج إلى الانتفاع به، ولذلك يملك عقد النكاح، وهو ملك لمنفعة البضع؛ فكذلك يملك التسري ويثبت له هذا الملك الخاص لحاجته إليه، ولا يجوز تسريه بدون إذن، نص عليه في رواية جماعة؛ كنكاحه، ولأنه لا يملك التصرف في ماله بما يتلف ماليته، [ويضرُّ به] (4)؛ لتعلق حق السيد به، والتسري فيه إضرار (5) بالجارية، وتنقيص لماليتها بالوطء والحمل، وربما أدى إلى تلفها.
ونقل عنه أبو طالب وإبراهيم بن هانئ: يتسرى العبد في ماله، كان ابن عمر يتسرى عبيده في ماله؛ فلا يعيب عليهم (6). قال القاضي فيما علقه
__________
(1) انظرها في: "المغني" (7/ 65/ 5308).
(2) في "المغني" (7/ 65 - 66/ 5308)، وعزاها إلى ابن عمر وابن عباس، وقال: "ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفًا" اه.
(3) في (ب): "جائز".
(4) في (أ): "وتصرفه".
(5) في المطبوع: "فيه في إضرار".
(6) في "مسائل ابن هانئ": " (1064) -سألت أبا عبد اللَّه: أيتسرى العبد في ماله؟ قال: نعم، هو ماله ما لم يأخذه سيده منه"، وفيه (1065) - سمعت أبا عبد اللَّه، وسئل =
(3/341)

على حواشي "الجامع" للخلال: ظاهر هذا أنه يجوز تسريه من غير إذن؛ لأنه (1) مالك له. انتهى.
ويمكن أن يحمل [نصه باشتراط الإِذن] (2) على التسري من مال سيده إذا كان مأذونًا له, ونصه [بعدم اشتراطه على] (3) تسريه في مال نفسه الذي يملكه، وقد أومأ إلى هذا في رواية جماعة، وهو الأظهر.
ونقل [الأثرم عنه] (4) في الرجل يهب لعبده جارية: لا يطأها، [و] (5) لكنه يتسرى في ماله إذا أذن له سيده. وفسر ماله بمال العبد [الذي في يديه] (6)، وهذا [نص باعتبار] (7) الإِذن في التسري من مال نفسه، وتفريقه بين ذلك وبين الأمة التي يملكها السيد فيه إشكال، ولعله منع الوطء بدون إذن السيد؛ فيكون ذلك منه اشتراطًا لإِذن السيد بكل حال.
__________
= عن العبد؛ هل له أن يتسرى؟ قال: إذا أذن له مولاه؟ فنعم، وإذا لم يأذن له؛ فلا" اه.
وأثر ابن عمر أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (رقم 2088 - ط الأعظمي)، وعبد الرزاق في "المصنف" (7/ رقم 12836)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 152)، وإسناده صحيح.
(1) في المطبوع: "إذن له لأنه".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "نص اشتراطه".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "يقدم على اشتراط".
(4) في (ب) و (ج): "عنه الأثرم".
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(6) ما بين المعقوفتين ليس في (أ)، وفي (ج): "الذي في يده".
(7) في المطبوع: "في اعتبار".
(3/342)

واعلم أن الإِمام أحمد [رحمه اللَّه تعالى] (1) متردد في تسري العبد بأمة سيده ونكاحه؛ هل هما جنس واحد أم لا؟ فقال في "رواية حنبل": لا يبيع أمته المزوجة بعبده (2) حتى يطلقها العبد. فجعله تمليكًا لازمًا، ونقل عنه الأكثرون جوازه، واختلف عنه في بيع سرية عبده؛ فنقل عنه الميموني الجواز، ونقل عنه جعفر بن محمد المنع، معللًا بأن التسري بمنزلة الكاح، يريد أنه لازم لا يجوز [له] (1) الرجوع فيه، وكذا نقل عنه ابن ماهان (3) [وغيره] (4).
واختلف عنه في جواز تسري العبد بأكثر من أمتين؛ فنقل عنه الميموني الجواز، وأبو الحارث المنع؛ كالنكاح، ولم يختلف عنه في أن [عتق] (5) العبد وسريته يوجب تحريمها (6) عليه؛ لزوال ملكه عنها، ونقله عن ابن عمر (7)، واختلف عنه في عتق العبد وزوجته؛ هل ينفسخ به
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ج) فقط.
(2) في المطبوع: "بعيده"!
(3) في المطبوع: "ابن هانئ"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "تحريمهما".
(7) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (7/ رقم 12845) عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يرى به -أي: بالتَّسرِّي- بأسًا، وأنه أعتق غلامًا له سُرّيتان، اعتقهما جميعًا، وقال: لا تقربهما إلا بنكاح".
وعبيد اللَّه توبع, قال عبد الرزاق عقبه: "وأخبرناه ابن جريج عن نافع"؛ فصحَّ الأثر، وللَّه الحمد.
(3/343)

النكاح؟
على روايتين بناءً على تغليب جهة التمليك فيه أو جهة النكاح.
وقد استشكل أكثر هذه النصوص القاضي، وربما أولها ونزلها على ما ذكر [هُ] (1) الشيخ تقي الدين (2)، وهذه المسائل المذكورة منصوصة عن السلف حكمًا وتعليلًا كما ذكرنا، وكذلك قال الشيخ مجد الدين: ظاهر كلام أحمد إباحة التسري للعبد، وإن قلنا: لا يملك؛ فيكون نكاحًا عنده. وحمل قول أبي بكر على مثل ذلك، وعلى هذا؛ فهل يشترط [له] (3) الإِشهاد؟ [و] (4) كلام أحمد يقتضي استحبابه لا غير، وفي ثبوت المهر به خلاف معروف.
- (ومنها): لو باع السيد عبد [هُ] (5) نفسه بمال في يده؛ فهل يعتق أم لا؟
المنصوص عن أحمد أنه يعتق بذلك، وذكره الخرقي مع قوله: إن العجد لا يملك، ونزله القاضي على القول بالملك؛ فيكون دخول السيد مع عبده في بيعه نفسه بماله إقرارًا له على ملكه؛ فيصح بيعه ويعتق، وإن قلنا: لا يملك؛ لم يصح بيعه؛ [فلا يعتق] (5)، ويحتمل أن يقال: بيعه نفسه هنا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وبدله في (أ) و (ب): "نا".
(2) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 223).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "لنكاحه".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، وفي (ج) بدلها: "ظاهر".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/344)

كناية عن عتقه؛ فيعتق به بكل حال، ولهذا قال الأصحاب: إن (1) بيع السيد عبده [نفسه] (2) بمال تعليق لعتقه على التزامه (3)؛ فيعتق على ملك السيد؛ فيكون ها هنا تعليقًا على [إيفاء] (4) هذا المال؛ [ف] (5) يعتق به، أما إن دفع العبد مالًا إلى رجل ليشتريه به من سيده، ففعل وأعتقه المشتري؛ فهل يصح العقد ويعتق؟
إن اشتراه الرجل في الذمة ثم نقد المال؛ صح وعتق، وإن اشتراه بعين (6) المال؛ انبنى على الروايتين في تعيين النقود بالتعيين على ما سبق، والمنصوص عن أحمد في "رواية عبد اللَّه" (7) و"أبي الحارث" و"أبي داود" (8) البطلان، معللًا بما ذكرنا، وذكره الخرقي (9).
والفرق بين هذه والتي قبلها: إن السيد لم يعلم ها هنا أنها ماله؛ فلا يكون إقرارًا لها على ملك العبد، ونص في "رواية مُهَنَّأ" و"حنبل" على أنه يعتق ويغرم (10) المشتري الثمن، وهذا قد يتنزل (11) على القول بأن النقود لا
__________
(1) في (أ): "بأن".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في (ج): "إلزامه".
(4) في (ب) و (ج): "إيتاء".
(5) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ج).
(6) في المطبوع: "بغير".
(7) (398/ 1435).
(8) (ص 208).
(9) انظر: "المغني" (10/ 314/ 8650).
(10) في (ج): "ويلزم".
(11) في (ج): "تتنزل".
(3/345)

تتعين، وقد يتنزل مع القول بالتعيين على أنه عقد فاسد مختلف فيه؛ فينفذ فيه العتق؛ كما ينفذ (1) الطلاق في النكاح المختلف فيه، وهو أحد الوجهين للأصحاب [في العتق] (2).
وكذلك نقل مهنأ عنه في عبد دفع إلى رجل ألف درهم من مال رجل آخر، فاشتراه بها من سيده وأعتقه: إنه يرجع صاحب المال بماله، فإن استهلك؛ كان دينًا على العبد، ويعتق العبد.
وحمل القاضي في موضع من "المجرد" وتبعه ابنُ عقيل [المسألةَ] (3) على أن العبد وكَّل الرجلَ في شراء نفسه [من سيده] (4)؛ فيكون المشتري وكيلًا للعبد، ويكون وكالة صحيحة، قال الشيخ مجد الدين: فعلى هذا يكون قد عتق في الباطن في الحال، ويلزم المشتري الثمن (5)، ويرجع به على العبد. وقال أيضًا في موضع آخر: هذا فيه إشكال؛ لأن العبد عندنا لا يصح أن يشتري من سيده شيئًا بنفسه؛ فكيف يصح توكيله فيه؟! ولهذا قال أحمد: لا رِبَا بين العبد وسيده. قال: ويحتمل أن يصح ذلك بناءً على أن العبد يملك ويلتزم (6) عليه جريان الربا بينهما. قال: ويحتمل أن تكون
__________
(1) في (أ): "نفذ".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ب)، وفي (أ): "وهو أحد الوجهين في العتق للأصحاب".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب)، وفي المطبوع: "وتبعه ابن عقيل في المسألة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(5) في (أ): "المثمن".
(6) في (ج): "ويلزم".
(3/346)

هذه المسألة غلطًا في كتابيهما (يعني: القاضي وابن عقيل)، وأن الصواب في ذلك أن يقال: إذا وكل رجل العبد في شراء نفسه من سيده.
- (ومنها): إذا [أ] (1) عتق السيد عبده وله مال؛ فهل يستقر ملكه للعبد، أم يكون للسيد؟
على روايتين؛ فمنهم من باهما على القول (2) بالملك وعدمه، فإن قلنا: يملكه؛ استقر [ملكه] (3) عليه [بالعتق] (4)، وإلا؛ فلا، وهي طريقة أبي بكر والقاضي في "خلافه" وصاحب "المحرر"، ومنهم من جعل الروايتين على القول بالملك.
- (ومنها): لو اشترى [العبد] (5) زوجته الأمة بماله، فإن قلنا: يملك؛ انفسخ نكاحه، وإن قلنا: لا يملك؛ لم ينفسخ.
- (ومنها): لو ملكه سيده أمة، فاستولدها، فإن قلنا: لا يملك؛ فالولد ملك للسيد (6)، وإن قلنا: يملك؛ فالولد مملوك للعبد، لكنه لا يعتق عليه حتى يعتق، فإذا عتق ولم ينزعه [سيده] (1) منه قبل عتقه؛ عتق عليه لتمام ملكه حينئذ، ذكره القاضي في "المجرد".
- (ومنها): هل ينفذ تصرف السيد في مال العبد دون استرجاعه؟
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في (أ) و (ج): "على أن القول".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في (ب): "المكاتب".
(6) في المطبوع: "السيد".
(3/347)

إن قلنا: العبد لا يملك؛ صح بغير إشكال، وإن قلنا: يملك؛ فظاهر كلام أحمد أنه ينفذ عتق السيد لرقيق (1) عبده، قال القاضي في "الجامع الكبير": فيحتمل أن يكون رجع فيه قبل عتقه. قال: وإن حمل على ظاهره؛ فلأن عتقه يضمن الرجوع في التمليك.
- (ومنها): الوقف على العبد؛ فنص أحمد على أنه لا يصح؛ فقيل: إن ذلك يتفرع على القول بأنه لا يملك، فأما إن قيل: إنه يملك؛ صح الوقف عليه؛ كالمكاتب في أظهر الوجهين، والأكثرون على أنه لا يصح الوقف عليه على الروايتين؛ لضعف ملكه.
- (ومنها): وصية السيد لعبده بشيء من ماله، فإن كان بجزء مشاع [منه] (2)؛ صح، وعتق من العبد بنسبة ذلك الجزء؛ لدخوله في عموم المال وكمل عتقه من بقية الوصية، نص عليه؛ فقيل: لأن الوصية إنما صحت لعتقه؛ فتقديم العتق أهم وأنفع له، وقيل: بل الجزء الشائع الموصى به غير متعين؛ فعين (3) في العبد تصحيحًا للوصية مهما أمكن، ويحتمل أن يقال: ملك بالوصية جزءً مشاعًا من نفسه؛ فعتق عليه وملك به بقية الوصية، فصار موسرًا (4)؛ فسرى العتق إلى الباقي مضمونًا بالسراية من بقية الوصية؛ إذ لا مال له سواها، كمن ملك بعض ذي رحم محرم منه بفعله، وأولى.
__________
(1) في (ب): "كرقيق".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3) في المطبوع: "فتعين".
(4) في المطبوع: "معسرًا"!
(3/348)

وهذا المأخذ منقول عن ابن سيرين [صريحًا] (1)، وهو حسن، وفي كلام أبي الحسن التميمي ما يشعر به أيضًا.
[وخرَّج (2) بعضهم أنه يعتق منه بنسبة الوصية من المال؛ فيسري العتق إلى جميعه إذا احتمله الثلث بناءً على القول بالسراية بالوصية بعد الموت، ويكمل له بقية الوصية من المال إن حمل (3) الثلث ذلك] (4)، وإن كانت الوصية بجزء معين أو مقدر؛ ففي صحة الوصية روايتان، أشهرهما عدم الصحة؛ فمن الأصحاب من بناهما على أن العبد هل يملك أم لا، وأشار إلى ذلك أحمد في "رواية صالح"، وهذه طريقة ابن أبي موسى والشيرازي وابن عقيل وغيرهم، ومنهم من حمل الصحة على أن الوصية بقدر (5) المعين أو المقدر من التركة لا بعينه؛ فيعود إلى الجزء المشاع، وهو بعيد جدًّا.
- (ومنها): لو غزا العبد على فرس ملكه إياها سيده، فإن قلنا: يملكها؛ لم يسهم لها لأن الفرس تبع لمالكها، فإذا كان مالكها من أهل الرضخ؛ فكذلك فرسه، وإن قلنا: لا يملكها؛ أسهم لها لأنها لسيده، كذا قال الأصحاب، والمنصوص عن أحمد في "رواية ابن الحكم" أنه يسهم لفرس العبد، وتوقف مرة أخرى وقال: لا يسهم لها [بحال] (6)، ونقل عنه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "وصرح".
(3) في المطبوع: "احتمل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(5) في المطبوع: "كقدر"، وفي (ج): "بالقدر".
(6) في المطبوع: "متحدًا"، وفي (أ): "تحقرًا"، وفي (ب): "بهذه".
(3/349)

أبو طالب [أنه] (1) إذا غزا العبد مع سيده [ومعه فرسان ومع سيده فرسان] (2) [يسهم لفرسي] (3) السيد ولا يسهم لفرسي العبد؛ لأن الكل للسيد، ولا يسهم لأكثر من فرسين.

(تنبيه):
الخلاف في ملك العبد بالتمليك؛ هل هو مختص بتمليك سيده أم لا؟
قال (4) صاحب "التلخيص": هو مختص به؛ فلا يملك من غير جهته، وكلام الأكثرين يدل على خلافه، ويتفرع على ذلك مسائل:
- (منها): ملكه اللقطة (5) بعد الحول؛ قال طائفة من الأصحاب: ينبني على روايتي (6) الملك وعدمه؛ جعلًا لتمليك الشارع كتمليك السيد، وظاهر كلام ابن أبي موسى أنه يملك اللقطة، وإن لم يملك بتمليك سيده؛ لأنه تمليك شرعي [يثبت قهرًا، فيثبت] (7) له حكمًا، وفارق الميراث؛ لأن العبد ليس من أهله لانقطاع تصرفه (8)، وهنا هو من أهل الحاجة إلى المال،
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ب) فقط.
(2) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "ومعه ومع سيده فرسان"، وفي (ج) سقط قوله: "ومع سيده فرسان".
(3) في (ج): "فيسهم لفرس".
(4) في (أ): "وقال".
(5) في (ب) و (ج): "للقطة".
(6) في (أ): "روايتين".
(7) في (ب): "ثبت قهرًا فثبت".
(8) في (ب). "نصرته"، وفي (ج): "مضرته".
(3/350)

وعند صاحب "التلخيص": لا يملكها بغير خلاف، وكذلك في "الهداية" و"المغني": إنها ملك لسيده (1).
- (ومنها): حيازته للمباحات (2)؛ من احتطاب أو احتشاش أو اصطياد أو معدن أو غير ذلك؛ فمن الأصحاب من قال: هو ملك لسيده دونه رواية واحدة؛ كالقاضي وابن عقيل؛ لأن جوارح العبد (3) ومنافعه ملك لسيده (4)؛ فهي كيد نفسه؛ فالحاصل في يد عبده كالحاصل في يده حكمًا.
نعم، لو أذن السيد له في ذلك؛ فهو كتمليكه إياه، ذكره القاضي وغيره، وخرج طائفة المسألة على الخلاف في ملك العبد وعدمه منهم الشيخ مجد الدين، وقاسه على اللقطة، وهو ظاهر كلام ابن عقيل في موضع آخر.
- (ومنها): إذا وُصي للعبد أو وُهبَ له وقبله بإذن سيده أو بدونه إذا أجزنا له ذلك على المنصوص؛ فالمال للسيد، نص عليه في "رواية حنبل"، وذكره القاضي وغيره، وبناه ابن عقيل وغيره على الخلاف في ملك العبد.
__________
(1) قال في "المغني" (6/ 26/ 4538): "فإذا وجد العبد لقطة؛ فله أخذها بغير إذن سيده، ويصح التقاطه، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي. . . فإذا تمَّ حولُ التعريف؛ ملكلها سيده؛ لأن الالتقاط كسب العبد، وكسبه لسيده".
(2) في المطبوع: "المباحات".
(3) في (أ): "جوارح الصيد"!
(4) في (أ): "للسيد".
(3/351)

- (ومنها): لو خالع العبد زوجته بعوض؛ فهو للسيد، ذكره الخرقي (1)، وظاهر كلام ابن عقيل بناؤه على الخلاف في ملك العبد، ويعضده أن العبد هنا يملك البضع؛ فملك عوضه بالخلع لأن من ملك شيئًا ملك عوضه، فأما مهر الأمة، فهو للسيد [بغير خلاف] (2)؛ لأنه عوض عن ملك السيد، وهو منفعة البضع؛ فيكون تملكًا (3) له؛ كأجرة العبد له، بخلاف ما تقدم؛ فإنه ليس عوضًا عن ملكه.

8 - [الثامنة] (4) المضارب؛ هل يملك الربح بالظهور أم لا؟
ذكر (5) أبو الخطاب أنه يملك بالظهور رواية واحدة، وقال الأكثرون: في المسألة روايتان:
(إحداهما): يملكة بالظهور، وهي المذهب المشهور.
والرواية الثانية: لا يملكه (6) بدون القسمة، ونصرها (7) القاضي في "خلافه" في المضاربة، ويستقر الملك فيها بالمقاسمة عند القاضي وأصحابه ولا يستقر بدونها، ومن الأصحاب من قال: يستقر بالمحاسبة التامة؛ كابن أبي موسى وغيره، وبذلك جزم أبو بكر عبد العزيز، وهو المنصوص صريحًا عن أحمد.
__________
(1) انظره في: "المغني" (7/ 269/ 5804).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ب) و (ج): "ملكًا".
(4) ما بين المعقوفتين من المطبوع فقط.
(5) في (أ): "وذكر".
(6) في المطبوع و (أ): "لا يملك".
(7) في (ج): "ونقلها".
(3/352)

ولهذا الاختلاف فوائد:
- ([ف] (1) منها): انعقاد الحول على حصة المضارب من الربح قبل القسمة، فإن قيل: لا يملك بدونها؛ فلا انعقاد قبلها، وإن قيل: يملك بمجرد (2) الظهور؛ فهل ينعقد الحول عليها قبل استقرار الملك فيها، أم لا ينعقد بدون الاستقرار؟
فيه (3) للأصحاب طرق:
(إحداها) (4): لا ينعقد الحول عليها [قبل] (5) الاستقرار بحال من غير خلاف، وهي طريقة القاضي في "المجرد" و"الخلاف" ومن اتبعه، وكذلك طريقة أبي بكر وابن أبي موسى؛ إلا أن القاضي عنده الاستقرار بالقسمة، وعندهما بالمحاسبة التامة؛ فينعقد الحول عندهما، وهو المنصوص عن أحمد [رحمه اللَّه] (6) في "رواية صالح" و"ابن منصور" و"حنبل".
(والطريقة الثانية): إن قلنا: يملكه بالظهور؛ انعقد [عليه الحول] (7) من حينه، وإلا؛ فلا، وهي طريقة القاضي في (8) موضع من "الجامع
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ج).
(2) في (أ): "لمجرد".
(3) في المطبوع: "ففيه".
(4) في المطبوع و (أ): "أحدها".
(5) في المطبوع: "بدون".
(6) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(7) في المطبوع و (ج): "الحول عليه".
(8) في المطبوع: "من".
(3/353)

الصغير" وأبي الخطاب.
(والطريقة الثالثة): إن قلنا: لا يثبت الملك قبل الاستقرار؛ لم ينعقد الحول، وإن قلنا: يثبت بدونه؛ فهل ينعقد قبله؟
على وجهين، وهي طريقة ابن عقيل وصاحبي (1) "المغني" (2) و"المحرر"، [و] (3) لكنهما رجحا عدم الانعقاد، وابن عقيل صحح الانعقاد في باب المضاربة، وأما رب المال؛ فعليه زكاة رأس ماله مع حصته من الربح، وينعقد الحول عليها بالظهور، وأما بقية الربح؛ فلا يلزمه زكاته، سواء قلنا: يملكه العامل بالظهور أو لا في ظاهر كلام أحمد، وهو قول القاضي والأكثرين؛ لأنه إن سلم؛ فهو للعامل، وإن تلف؛ [فات] (4) عليهما، وحكى أبو الخطاب [عن القاضي] (5) أنه يلزمه زكاته إذا قلنا: لا يملكه العامل بدون القسمة، وهو ظاهر كلام القاضي في "خلافه" في مسألة المزارعة، وهو ضعيف.
- (ومنها): لو اشترى العامل بعد ظهور الربح من يعتق عليه بالملك؛ ففيه طريقان:
(أحدهما): البناء على الملك بالظهور وعدمه، فإن قلنا: يملك به؛
__________
(1) في (ب): "وصاحبا"، وفي (ج): "وصاحب".
(2) انظر: "المغني" (2/ 340 - 341/ 1929).
(3) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(4) في المطبوع: "تلف".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/354)

عتق عليه، وإلا؛ فلا، كذلك (1) [قال] (2) القاضي في "خلافه" وابنه أبو الحسين وأبو الفتح الحلواني.
(والطريق الثاني): إن قلنا: لا يملك بالظهور؛ لم يعتق، وإن قلنا: يملك به؛ فوجهان، كذا قال جماعة منهم صاحب "التلخيص":
أحدهما: يعتق عليه [للملك] (3)، وهو قول القاضي وأبي الخطاب، وأومأ إليه أحمد في "رواية ابن منصور".
والثاني: لا يعتق؛ لعدم استقرار الملك، وهو قول أبي بكر في "التنبيه"؛ فإن الملك فيه غير تام، ولهذا لا يجزئ في حول الزكاة كما سبق، والعتق يستدعي ملكًا بدليل أن المكاتب لا يعتق عليه ذو رحمه بملكه.
والأول أصح؛ فإن العتق يسري إلى ملك الأجنبي المحض، ولا يمنعه الدين، بخلاف الزكاة، والمكاتب ليس من أهل التبرع، ولهذا لو باشر العتق بقوله (4)؛ لم ينفذ؛ فكذا (5) بالملك، وأولى، وعلى هذا، إذا اشترى رحمه بعد ظهور الربح؛ عتق عليه منه بقدر حصته، ثم إن كان موسرًا سرى عليه؛ لأن العتق بالشراء، وهو من فعله باختياره، ولو اشترى قبل ظهور الربح ثم ظهر الربح بارتفاع الأسواق، وقلنا: يملك به؛ عتق
__________
(1) في (أ) و (ب): "فلا كذلك كذلك".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع: "بنفسه".
(5) في (ب): "فكذلك".
(3/355)

عليه نصيبه ولم يسر؛ إذ لا اختيار له في ارتفاع الأسواق، ذكره (1) في "التلخيص".
- (ومنها): لو وطئ العامل أمة من مال المضاربة بعد ظهور الربح، فإن قلنا: يملكه بالظهور؛ فالولد حر، وعليه قيمة الأمة، وتصير أم ولد له، وإن لم يكن ظهر ربح؛ لم يثبت شيء من ذلك.
ونص [على ذلك] (2) أحمد في "رواية ابن منصور"، وهل عليه [الحد إذا] (3) لم يكن ظهر ربح؟
على وجهين:
أحدهما: لا حد عليه، ويعزر، ونص عليه فى "رواية ابن منصور"، واختاره صاحب "المغني" (4)؛ لأن الربح ينبني (5) على التقويم، وهو أمر اجتهادي لا يقطع به.
والثاني: عليه الحد، قاله القاضي؛ لانتفاء الملك وشبهته.
- (ومنها): لو اشترى العامل لنفسه من مال المضاربة، فإن لم يظهر ربح؛ صح، نص عليه؛ لأنه ملك لغيره، وكذلك إن ظهر ربح وقلنا: لا يملكه بالظهور، وإن قلنا: يملكه (6)؛ فهو كشراء أحد الشريكين من مال
__________
(1) في المطبوع و (ج): "وذكره".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، وبدله في المطبوع و (ج): "عليه".
(3) في المطبوع: "الحدان"، وفي (ب): "الحد إن".
(4) انظر: "المغني" (5/ 28/ 3670).
(5) في المطبوع و (ج): "مبني".
(6) في المطبوع و (ج): "يملكه به".
(3/356)

الشركة، والمذهب أنه يبطل في قدر حقه لأنه ملكه؛ فلا يصح شراؤه له، وفي الباقي روايتا (1) تفريق الصفقة، وخرج أبو الخطاب رواية بصحته في الكل من الرواية التي يخير فيها لرب المال أن يشتري من مال المضاربة لنفسه؛ لأن علاقة حق المضارب به صيرته كالمنفرد عن ملكه؛ فكذا المضارب مع رب المال، وأولى.
- (ومنها): لو اشترى العامل شقصًا للمضاربة وله فيه شركة؛ فهل له الأخذ بالشفعة؟
فيه طريقان:
إحداهما (2): ما قال أبو الخطاب ومن تابعه: فيه وجهان:
أحدهما: لا يملك الأخذ، واختاره في "رؤوس المسائل"؛ لأنه متصرف (3) لرب المال، فامتنع أخذه كما يمتنع (4) شراء الوصي والوكيل مما (5) يتوليان بيعه.
والثاني: له الأخذ (6)، وخرجه من وجوب الزكاة عليه في حصته؛ فإنه يصير حينئذ شريكًا يتصرف لنفسه ولشريكه (6)، ومع تصرفه لنفسه تزول
__________
(1) في المطبوع و (ج): "روايتان".
(2) في المطبوع و (ج): "أحداهما".
(3) في المطبوع و (ج): "يتصرف".
(4) في المطبوع: "يمنع".
(5) في المطبوع و (أ) و (ب): "فيما".
(6) في المطبوع: "وشريكه".
(3/357)

التهمة، ولأنه يأخذ بمثل (1) الثمن المأخوذ به؛ فلا تهمة، بخلاف شراء الوصي والوكيل، وعلى هذا؛ فالمسألة مقيدة بحالة ظهور الربح ولا بد.
(والطريقة الثانية): ما قال صاحب "المغني" (2): إن لم يكن في المال ربح أو كان، وقلنا: لا يملكه بالظهور؛ فله الأخذ لأن الملك لغيره؛ فله (3) الأخذ منه، وإن كان فيه ربح، وقلنا: يملك (4) بالظهور؛ ففيه الوجهان بناءً على شراء العامل من مال المضاربة بعد ملكه من الربح على ما سبق.
- (ومنها): لو أسقط العامل حقه من الربح بعد ظهوره، فإن قلنا: يملكه بالظهور؛ لم يسقط، وإن قلنا: [لا] (5) يملكه بدون القسمة، فوجهان، وقد سبقت في القواعد.
- (ومنها): لو قارض المريض، وسمى (6) للعامل فوق تسمية المثل؛ [ف] (7) قال القاضي والأصحاب: يجوز، ولا يحسب (8) من الثلث؛ لأن ذلك لا يؤخذ من ماله، وإنما يستحقه بعمله من الربح الحادث؛
__________
(1) في المطبوع: "مثل".
(2) انظر: "المغني" (5/ 197 - 198/ 4046).
(3) في المطبوع و (ج): "فكذا".
(4) في المطبوع: "يملكه".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) في (ب): "ويسمى".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) في المطبوع: "ولا يحسب".
(3/358)

[ف] (1) يحدث على ملك العامل دون المالك، وهذا إنما يتوجه على القول بأنه يملكه بالظهور، [ف] (2) إن قلنا: لا يملكه بدون القسمة؛ احتمل أن يحتسب (3) من الثلث؛ لأنه خارج حينئذ من ملكه، واحتمل أن لا يحتسب (4) منه، وهو ظاهر كلامهم؛ لأن المال الحاصل لم يفوت عليهم منه شيئًا، وإنما زادهم فيه ربحًا.

9 - [التاسعة] (5): الموقوف عليه؛ هل يملك رقبة الوقف أم لا؟
في المسألة روايتان معروفتان:
أشهرهما: إنه ملك للموقوف عليه.
والثانية: لا؛ فعلى هذه هل هر ملك للواقف أو للَّه تعالى؟
فيه خلاف أيضًا، ويتنزل على هذا الاختلاف مسائل [كثيرة] (6):
- (منها): زكاة الوقف، إذا كان ماشية موقوفة على معين؛ فهل يجب [عليه] (6) زكاتها؟
[فيه طريقتان:
إحداهما] (7): بناؤه على هذا الخلاف، فإن قلنا: هو ملك للموقوف
__________
(1 و 2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "و".
(3) في المطبوع و (أ) و (ج): "يحسب".
(4) فى المطبوع و (ج): "أن لا يحسب".
(5) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في المطبوع: "فيه طريقان: أحدهما"، وفي (ب): "فيها طريقان: إحداهما"، وفي (ج): "في طريقان: إحداهما".
(3/359)

عليه؛ فعليه زكاتها، وإن قلنا: [هو] (1) ملك للَّه [تعالى] (2)؛ فلا زكاة، وهذه طريقة "المحرر" (3)، وهو ظاهر كلام أحمد في "رواية مهنأ" و"علي بن سعيد"، وعلى هذا؛ فإن قلنا: [ملكه للواقف] (4)؛ فعليه زكاته، ونص أحمد على أن من وقف على أقاربه؛ فإن الزكاة عليه، بخلاف من وقف على المساكين.
والطريقة الثانية: لا زكاة فيه على الروايتين، قاله القاضي وابن عقيل؛ لقصور الملك فيه، (فأما) الشجر الموقوف؛ فتجب الزكاة في ثمره على الموقوف عليه وجهًا واحدًا؛ لأن ثمره ملك للموقوف عليه، وقال الشيرازي: لا زكاة فيه [أيضًا] (5)، ونقله غيره رواية.
- (ومنها): لو جنى (6) الوقف؛ فأرش جنايته على الموقوف عليه إذا قيل: إنه مالكه؛ لأنه امتنع من تسليمه؛ فيلزمه فداؤه، وإن قيل: هو ملك للَّه [تعالى] (2)؛ فالأرش من كسب العبد، وقيل: بل من بيت المال.
وفيه وجه: لا يلزم الموقوف عليه الأرش على القولين؛ لأن امتناعه من التسليم بغير اختياره؛ إذ لا قدرة له عليه على التسليم بحال.
- (ومنها): إذا كان الوقف أمة؛ فولاية تزويجها (7) للموقوف عليه إن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين انفرد به (ج) وحده.
(3) (1/ 370).
(4) في المطبوع: "يملكه الواقف".
(5) في المطبوع: "مطلقًا".
(6) في المطبوع: "لو جنا"!
(7) في المطبوع: "تزوجها".
(3/360)

قيل: إنه يملكها، وإن قيل: هي ملك للَّه [تعالى] (1)؛ فالولاية (2) للحاكم، فيزوجها (3) بإذن الموقوف عليه، وإن قيل: هل ملك الواقف؛ فهو [الولي] (4).
- (ومنها): نظر الواقف (5) إذا لم يشرط له ناظر؛ فعلى القول بملك الموقوف عليه له النظر فيه، وعلى القول [بأن ملكه] (6) للَّه [تعالى] (1) نظره للحاكم، وظاهر كلام أحمد أن نظره للحاكم، وهو قول ابن أبي موسى، قال الحارثي: وعندي أن هذا لا يختص (7) بالقول بانتفاء ملك الموقوف عليه، بل ينظر فيه الحاكم، وإن قلنا: ملكه للموقوف عليه لعلاقة حق من يأتي بعد [ه] (8).
- (ومنها): هل يستحق (9) الشفعة بشركة (10) الوقف؟
فيه طريقان:
أحدهما: البناء على أنه هل يملكه الموقوف عليه، فإن قيل:
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به (ج) وحده.
(2) في (ج): "نظره".
(3) في المطبوع: "يزوجها".
(4) في المطبوع: "أولى".
(5) في (ب): "ناظر الوقف".
(6) في المطبوع و (ج): "بأنه ملك".
(7) في المطبوع: "هذا القول لا يختص".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(9) في (ج): "تستحق".
(10) في المطبوع: "وبشركة".
(3/361)

يملكه؛ استحق به الشفعة، وإلا؛ فلا.
(والثاني): الوجهان بناءً على قولنا: يملكه، وهذا ما قال صاحب "المحرر"؛ لأن الملك قاصر.
وهذا كله متفرع على المذهب في جواز قسمة الوقف من الطلق (1)، أما على الوجه الآخر بمنع القسمة؛ فلا شفعة؛ إذ لا شفعة في ظاهر المذهب إلا فيما يقبل القسمة من العقار، وكذلك بنى صاحب "التلخيص" الوجهين [هنا] (2) على الخلاف في قبول القسمة.
- (ومنها): لو زرع الغاصب في أرض الوقف؛ فهل للموقوف عليه تملكه بالنفقة؟
إن قيل: هو المالك؛ فله ذلك، وإلا؛ فهو كالمستأجر ومالك المنفعة؛ ففيه تردد سبق ذكره في "القواعد".
- (ومنها): نفقة الوقف وهي في غلته ما لم يشرط من غيرها، فإن لم يكن له غلة؛ فوجهان:
أحدهما: نفقته على الموقوف عليه.
والثاني: [من] (3) بيت المال.
فقيل: هما مبنيان على انتقال الملك [إليه] (4) وعدمه، وقد يقال
__________
(1) في المطبوع: "المعلق".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "هي في".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/362)

بالوجوب عليه، وإن كان الملك لغيره كما نقول بوجوبها على الموصى له بالمنفعة على وجه.
- (ومنها): لو فضل بعض ولده على بعض في الوقف؛ فالمنصوص الجواز، بخلاف الهبة، فقيل: هو بناء على أن الملك لا ينتقل إلى الموقوف عليه، فإن قلنا بانتقاله؛ لم يجز؛ كالهبة، وهو قول أبي الخطاب وغيره، وقيل: بل يجوز على القولين؛ لأنه لم يخصه بالملك، بل جعله ملكًا لجهة متصلة على وجه القربة، وجعل الولد بعض تلك الجهة، وشبيه بهذا وقف المريض على وارثه؛ هل يقف على الإِجازة كهبته (1)، أم ينفذ (2) من الثلث لأنه ليس تخصيصًا للوارث بل [تمليك] (3) لجهة متصلة والوارث (4) بعض أفرادها؟
وفيه روايتان.
- (ومنها): الوقف على نفسه، وفي صحته روايتان، وبناهما أبو الخطاب على هذا الأصل، فإن قلنا: الوقف ملك للموقوف عليه؛ لم يصح وقفه على نفسه لأنه لا يصح أن يزيل الإِنسان ملك نفسه إلى نفسه، وإن قلنا: للَّه تعالى؛ صح.
- (ومنها): الوقف المنقطع؛ هل يعود إلى ورثة الموقوف عليه أو إلى ورثة الواقف؟
__________
(1) في المطبوع: "كهبة".
(2) في (أ): "أم لا ينفذ".
(3) في المطبوع: "تملك".
(4) في المطبوع: "فالوارث".
(3/363)

فيه روايتان، والمنصوص عن أحمد في "رواية حرب" وغيره أنه يعود إلى ورثة الموقوف عليه، وظاهر كلامه أنه يعود إليهم إرثًا لا وقفًا، وبه جزم الخلال في "الجامع" وابن أبي موسى، وهذا متنزل (1) على القول بأنه ملك للموقوف عليه؛ كما صرح به أبو الخطاب وغيره، ويشهد له أن أحمد في "رواية حنبل" شبه الوقف [المنقطع] (2) بالعمري والرقبي، وجعلها (3) لورثة الموقوف عليه، [كما ترجع العمري والرقبي إلى ورثة المعطى، وجعل الخلال حكم الوقف المنقطع والعمري (4) واحدًا، وأنكر الشيخ مجد الدين هذا البناء، وادعى أنه إنما يرجع وقفًا على الورثة؛ فلا يستلزم (5) ملك الموقوف عليه] (6)، وهذا مخالف لنص أحمد لمن تأمله.
نعم، فرق أحمد في "رواية أبي طالب" بين الوقف المنقطع [وبين] (7) العمري: بأن العمري ملك للمعمر، والوقف ليس يملك به شيئًا، إنما هو لمن أوقفه، يضعه حيث شاء؛ مثل السكنى؛ فهذه الرواية تدل على أن [الموقوف عليه] (8) لا يملك سوى [المنفعة] (9)، وأن الرقبة ملك للواقف.
__________
(1) في المطبوع و (ج): "منزل".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ج): "وجعله".
(4) في المطبوع: "والرقبي".
(5) في المطبوع: "يلزم".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(8) في المطبوع: "الموقف عليه", وفي (ج): "الموقوف" بسقوط "عليه".
(9) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "منفعة الرقبة".
(3/364)

- (ومنها): لو وطئ الموقوف عليه الأمة الموقوفة، فأولدها؛ فلا حد لأنها إما ملك له أو له فيها شبهة ملك، وهل تصير أم ولد له؟
إن قلنا: هي ملك له؛ صارت مستولدة له؛ فتعتق [بموته، وتؤخذ (1) قيمتها من تركته؛ فيشتري (2) بها رقبة مكانها تكون وقفًا] (3)، وإن قلنا: لا يملكها؛ لم تصر مستولدة له، وهي وقف بحالها.
- (ومنها): تزوج (4) الموقوف عليه الأمة الموقوفة، فإن قيل: هي ملك له؛ لم يصح، وإلا؛ صح، ذكره صاحب "التلخيص" وغيره، وفيه نظر؛ فإنه يملك منفعة البضع على كلا القولين، ولهذا يكون المهر له.

10 - [العاشرة] (5) إجازة الورثة؛ هل هي تنفيذ للوصية، أو ابتداء عطية (6)؟
في المسألة روايتان معروفتان، أشهرهما أنها تنفيذ، وهذا الخلاف قيل: إنه مبني على أن الوصية بالزائد على الثلث؛ هل هو باطل أو موقوف على الإِجازة؟ وقيل: بل هذا الخلاف مبني على القول بالوقف، أما على البطلان؛ فلا وجه للتنفيذ، وهو أشبه، [وقرر] (7) الشيخ تقي الدين أن
__________
(1) في المطبوع: "ويؤخذ"، وفي (أ) بدون تنقيط حرف المضارعة.
(2) في المطبوع: "يشتري" بدون "ف".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) في المطبوع: "لو تزوج".
(5) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(6) هنا في (أ) فراغ يسع كلمتين.
(7) في المطبوع: "قرر" بسقوط "و"، وفي (ب): "وقول".
(3/365)

الوارث إذا أسقط (1) حقه قبل القسمة؛ فإنه يسقط، وطرد هذا في الأعيان المشاعة؛ كالغانم إذا أسقط (1) حقه من الغنيمة، والموقوف عليه إذا أسقط حقه من الوقف، والمضارب إذا أسقط حقه من الربح، وأحد الزوجين إذا عفى عن حقه من المهر إذا كان عينًا، وألحق المشاع بالدين (2) في جواز إسقاطه قبل القسمة.
ولهذا الخلاف فوائد كثيرة (3):
- (منها): إنه لا يشترط لها شروط الهبة من الإِيجاب والقبول والقبض؛ فيصح (4) بقوله: أجزت وأنفذت ونحو ذلك، وإن لم يقبل الموصى له في المجلس، وإن قلنا: هي هبة؛ افتقرت إلى إيجاب وقبول، ذكره ابن عقيل وغيره، وكلام القاضي يقتضي أن في صحتها بلفظ الإِجازة إذا قلنا: هي هبة؛ وجهين، قال الشيخ مجد الدين: والصحة ظاهر المذهب، وهل يعتبر (5) أن يكون المجاز معلومًا للمجيز؟
ففي "الخلاف" للقاضي و"المحرر": هو مبني على هذا الخلاف (6)، وصرح بعد ذلك صاحب "المحرر" بأنه لو أجاز قدرًا منسوبًا
__________
(1) في المطبوع: "استثنى".
(2) في المطبوع و (ب): "بالديون".
(3) في المطبوع: "عديدة".
(4) في (ج): "فتصح".
(5) في المطبوع: "نعتبر"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط.
(6) انظر: "المحرر" (1/ 384).
(3/366)

من المال، ثم قال: ظننت المال قليلًا: [أنه] (1) يقبل قوله (2)، ولا تنافي بينهما؛ لوجهين:
(أحدهما): إن صحة [إجازة] (3) المجهول لا تنافي (4) ثبوت الرجوع [فيه] (5) إذا تبين فيه ضرر على المجيز؛ لم يعلمه استدراكًا لظلامته؛ كما تقول فيمن أسقط شفعته لمعنى (6)، ثم بان بخلافه؛ فإن له العود إليها؛ فكذلك [ها] (7) هنا إذا أجاز الجزء الموصي به يظنه (8) قليلًا؛ فبان كثيرًا؛ فله الرجوع بما زاد على ما في ظنه.
والثاني: إنه إذا اعتقد أن النصف الموصى به مثلًا مئة وخمسون درهمًا، فبان ألفًا؛ فهو إنما أجاز خمسين (9) درهمًا؛ لم (10) يجز أكثر منها؛ فلا تنفذ إجازته في غيرها، وهذا بخلاف ما إذا أجاز النصف كائنًا ما كان؛ فإنه يصح ويكون إسقاطًا لحقه من [ال] (11) مجهول، فينفذ؛ كالإِبراء،
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لم".
(2) انظر: "المحرر" (1/ 384).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(4) في المطبوع: "لا ينافي"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في (ب): "لغنى".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(8) في (ب): "لظنه".
(9) في المطبوع: "أجاز مئة وخمسين".
(10) في المطبوع: "ولم".
(11) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(3/367)

وطريقة صاحب "المغني" أن الإِجازة لا تصح (1) بالمجهول، ولكن؛ هل يصدق في دعوى الجهالة؟
على وجهين، ومن الأصحاب من قال: إن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ صحت بالمجهول ولا رجوع، وإن قلنا: هبة؛ فوجهان:
- (ومنها) (2): لو وقف على وارثه فأجازه، فإن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ صح الوقف ولزم، وإن قلنا: هبة؛ فهو كوقف الإِنسان على نفسه (3).
- (ومنها): إذا كان المجاز عتقًا، فإن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ فالولاء (4) للموصى يختص (5) به عصبته، وإن قلنا: عطية؛ فالولاء لمن أجاز (6)، وإن كان أنثى.
- (ومنها): لو كان المجيز أبًا للمجاز له؛ كمن وصى (7) لولد ولده، [فأجازه والده] (8)؛ فليس للمجيز الرجوع فيه إن قلنا: هو تنفيذ، وإن قلنا: عطية؛ فله ذلك لأنه قد وهب ولده (9) مالًا.
__________
(1) انظر: "المغني" (6/ 86/ 4652).
(2) في المطبوع زيادة "لو وقف على وارثه فأجازه، فإن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ صحت بالمجهول ولا رجوع، وإن قلنا: هبة؛ فوجهان: (ومنها) " اه.
(3) في هامش (ب) زيادة، وهي: "وفي صحة وقف الإِنسان على نفسه روايتان".
(4) في المطبوع و (ج): "فالولاية".
(5) في المطبوع: "تختص"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط.
(6) في (ج): "أجازه".
(7) في المطبوع: "أوصى".
(8) في المطبوع و (أ): "فأجازه ولده"، وفي (ب): "فأجاز والده".
(9) في المطبوع: "لولده".
(3/368)

- (ومنها): لو حلف لا يهب، فأجاز، فإن قلنا: هي عطية؛ حنث، وإلا؛ فلا.
- (ومنها): لو قبل الوصية المفتقرة إلى الإِجازة قبل الإِجازة، ثم أجيزت، فإن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ فالملك ثابت له من حين قبوله أولًا، وإن قلنا: عطية؛ لم يثبت الملك إلا بعد الإِجازة، ذكره القاضي في "خلافه".
- (ومنها): إن ما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز؛ هل يزاحم بالزائد ما لم يجاوزه؟
وهو مبني على هذا الاختلاف، ذكره صاحب "المحرر"، وأشكل توجيهه على الأصحاب، وهو واضح؛ فإنه إذا كانت معنا وصيتان، إحداهما مجاوزة للثلث والأخرى لا تجاوزه؛ كنصف وثلث، وأجاز الورثة الوصية المجاوزة للثلث خاصة، فإن قلنا: الإِجازة تنفيذ؛ زاحم (1) صاحب النصف صاحب الثلث بنصف كامل؛ فيقسم الثلث بينهما على خمسة لصاحب النصف ثلاثة أخماسه والآخر خمساه، ثم يكمل (2) لصاحب النصف نصفه بالإِجازة؛ وإن قلنا: الإِجازة عطية؛ [فإنما يزاحمه] (3) بثلث خاصة (4)؛ إذ الزيادة عليه عطية محضة من الورثة لم تتلق من الميت؛ فلا يزاحم بها الوصايا؛ فيقسم (5) الثلث بينهما نصفين (6)، ثم يكمل لصاحب
__________
(1) في المطبوع: "يزاحم".
(2) في المطبوع و (ج): "تكمل"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في المطبوع: "فإنما يزاحم"، وفي (ج): "فإنه يزاحمه".
(4) في المطبوع: "خاص".
(5) في المطبوع: "فينقسم".
(6) في المطبوع: "على نصفين"! =
(3/369)

النصف ثلث (1) بالإِجازة، وهذا مبني على [أن] (2) القول بأن الإِجازة عطية
__________
= وفي هامش (ب) كتب بعد قوله "نصفين": "لأن الوصية بما زاد على الثلث باطلة؛ كما بيَّن المصنف في آخر هذا الكلام على هذه المسألة أن الخلاف فيها في كون الإِجازة تنفيدًا أو ابتداء عطية مفرع على القول بإبطال الوصية بالزائد على الثلث وصحتها، فإن قلنا: الوصية بالزائد على الثلث أوصى الورثة؛ فالإِجازة تنفيذ للوصية، وإن قلنا ببطلان الوصية بالزائد على الثلث وإجازهُ الورثة فهي ابتداء عطية؛ فيكون الموصي كأنه أوصى ثلث لإِنسان وبثلث لآخر؛ فيقسم الثلث بيهما نصفين؛ كما لو أوصى لكل منهما بالثلث ابتداءً؛ فَقِسْمَةُ الثلثِ بينهما على هذا صحيحة، وليس كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية نصره اللَّه: إنها ليست صحيحة، بل تجب قسمة الثلث أخماسًا سواء قلنا الإِجازة تنفيذ أو ابتداء عطية، وأن دعوى المصنف لوضوح ما قاله صاحب "المحرر" ليس صوابًا، وما قاله المصنف من تفريع الخلاف على القول بإبطال الوصية بالزائد وصحتها, صرح به صاحب "الفروع"، وصحح به قاضي القضاة ناصر الدين الكناني عبارة "المحرر"؛ فاتضح بذلك عبارته؛ وإن كان ظاهرها مشكلًا، واللَّه أعلم" اه.
قال أبو عبيدة: وفي "البلغة" (ق 140/ أ) لمحمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد ابن تيمية تفريع حسن على هذا الأصل، فقال:
"إجازة الورثة تنفيذ ما زاد على الثُّلث في الوصيَّة للأجنبيّ، وأصل الوصية للوارث في المشهور من الروايتين، والأخرى أنها ابتداء عطيّةٍ بناءً على كونها باطلة، فتنتقر إلى إيجاب الوارث، وقبول الموصى له، والقبض فيما يشترط قبضه، ولو كان الموصى به عِتْقًا؛ فالولاء للموروث، ولو كان امرأةً على الأوَّل، وعلى الثاني يكون للوارث، وليس للوارث الرجوع فيها قبل القبض على الأول، وعلى الثاني له الرجوع، ولو أوصى لبنت عمِّه وأبوها يرثُهُ بزيادةٍ على الثلث، فأجاز، فلا رجوع، وعلى الثاني؛ يرجع".
(1) في المطبوع: "ثلثه"، وفي هامش (ب) كتب: "أي: تضاف إلى السدس الذي حصل له من قسمة الثلث بينة وبين الموصى له بالثلث؛ فيكمل له النصف الذي أوصى له" اه.
(2) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(3/370)

أو تنفيذ مفرع (1) على القول بإبطال الوصية بالزائد على الثلث وصحتها؛ كما سبق.
- (ومنها): لو أجاز المريض في مرض موته وصية موروثه، فإن قلنا: إجازته عطية؛ فهي معتبرة من ثلثه، وإن قلنا: تنفيذ؛ فطريقان:
أحدهما: القطع بأنها من الثلث أيضًا، كذا قال القاضي في "خلافه" وصاحب "المحرر"، وشبهه بالصحيح إذا حابا في بيع له فيه خيار ثم مرض في مدة الخيار؛ فإنه يصير (2) محاباته من الثلث لأنه تمكن من استيراد ماله إليه، فلم يفعل، فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه في المرض، ونظيره لو وهب [الأب] (3) لولده شيئًا ثم مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
والطريق الثاني: إن المسألة على وجهين، وهي طريقة أبي الخطاب في "انتصاره"، وهما منزلان (4) على أصل الخلاف في حكم الإِجازة، وقد يتنزلان على أن الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به، أم [تمنع الوصية الانتقال] (5)؟
وفيه وجهان، فإن قلنا: ينتقل إليهم؛ فالإِجازة من الثلث لأنه إخراج مال مملوك، وإلا؛ فهي من رأس ماله لأنه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه، وإنما تعلق به حق ملكه، بخلاف محاباة الصحيح إذا
__________
(1) في المطبوع: "فيفرع".
(2) في المطبوع و (ج): "تصير"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في (ج): "متنزلان".
(5) في المطبوع: "يمنع الوصة للانتقال".
(3/371)

مرض، فإن المال كان على ملكه، وهو قادر على استرجاعه.
- (ومنها): إجازة المفلس، وفي "المغني" هي نافذة (1)، وهو منزل على القول بالتنفيذ، ولا يَبْعُد على [قول] (2) القاضي في التي قبلها أن لا ينفذ، وقاله صاحب "المغني" في السفيه (3)، معللًا بأنه ليس من أهل التبرع (4).

11 - [الحادية عشرة] (5): الموصى له، هل يملك الوصية من حين الموت، [أو] (6) من حين قبوله لها؟
في المسألة وجهان معروفان، وعلى القول بأنه إنما يملكها من حين قبوله، فهل هي قبله على ملك الميت أو على ملك الورثة؟
على وجهين أيضًا، وأكثر الأصحاب على القول بأنه ملك للموصى
__________
(1) قال في "المغني" (4/ 283/ 3446): "ما فعله المفلس قبل حجر الحاكم عليه من بيع أو هبة أو إقرار أو قضاء بعض الغرماء أو غير ذلك؛ فهو جائز نافذ، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم أحدًا خالفهم، ولأنه رشيد غير محجور عليه، فنفذ تصرفه كغيره، ولأن سبب المنع الحجر؛ فلا يتقدم سببه، ولأنه من أهل التصرف ولم يحجر عليه؛ فأشبه المليء، وإن أكرى جملًا بعينه أو دارًا، لم تنفسخ إجارته بالفلس، وكان المكتري أحق به حتى تنقضي مدته" اه.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) تصحف في المطبوع إلى: "الشفعة"!
(4) انظر: "المغني" (4/ 305/ 3486).
(5) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(6) في المطبوع: "أم".
(3/372)

له، وهو قول أبي بكر والخرقي (1) ومنصوص أحمد، بل نص أحمد في مواضع (2) على أنه لا يعتبر له القبول؛ فيملكه قهرًا؛ كالميراث، وهو وجه للأصحاب حكاه غير واحد.
ولهذا الاختلاف فوائد عديدة:
- (فمنها): حكم نمائه بين الموت والقبول، فإن قلنا: هو على ملك الموصى له؛ فهو له لا يحتسب عليه من الثلث، وإن قلنا: هو على ملك [الميت] (3)؛ فتتوفر به التركة، فيزداد به الثلث، وإن قلنا: على (4) ملك الورثة؛ فنماؤه لهم خاصة، وذكر القاضي في "خلافه" أن ملك الموصى [له] (5) لا يتقدم القبول، وأن النماء قبله للورثة مع أن العين باقية على حكم ملك الميت؛ فلا يتوفر [به] (6) الثلث لأنه لم يكن ملكًا له حين الوفاة، وذكر أيضًا: إذا قلنا: إنه مراعى، وإنا نتبين (7) بقبول الموصى له ملكه له من حين الموت؛ فإن النماء يكون للموصي له معتبرًا من الثلث، فإن خرج من الثلث مع الأصل؛ فهما له، وإلا، كان له بقدر الثلث من الأصل، فإن فضل شيء
__________
(1) قال الخرقي: "وإن ردّ الموصي له الوصية بعد موت الموصي؛ بطلت الوصية، فإن مات قبل أن يقبل أو يرد؛ قام وارثه في ذلك مقامه إذا كان موته بعد موت الموصي".
انظر: "المغني" (6/ 68 - 69/ 4618، 4621).
(2) في (أ): "في موضع".
(3) في المطبوع: "الموصي".
(4) في المطبوع: "وإن قلنا: هو على".
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (أ) ولا (ب).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في المطبوع: "نبين".
(3/373)

من الثلث؛ كان له من النماء.
- (ومنها): لو نقص الموصى به في [سعر] أو صفة؛ ففي "المحرر" (1): إن قلنا: يملكه بالموت؛ اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدنى صفاته من يوم الموت إلى القبول؛ لأن الزيادة حصلت في ملكه؛ فلا يحتسب (2) عليه، والنقص لم يدخل في ضمانه، بل هو من ضمان التركة، ولهذا لو تلفت العين أو بعضها؛ لبطلت الوصية في التالف، وأما نقص الأسعار؛ فلا يضمن (3) عندنا، وإن قلنا: يملكه من حين القبول؛ اعتبرت قيمته يوم القبول سعرًا وصفة؛ لأنه لم يملكه قبل ذلك، والمنصوص عن أحمد في "رواية ابن منصور" وذكره (4) الخرقي: إنه يعتبر (5) قيمته يوم الوصية، ولم يحك صاحب "المغني" فيه خلافًا (6)؛ فظاهره أنه يعتبر بيوم الموت على الوجوه كلها؛ لأن حقه تعلق بالموصى [به تعلقًا] (7) قطع تصرف الورثة فيه؛ فيكون ضمانه عليه كالعبد الجاني إذا أخر المجني عليه استيفاء حقه منه حتى تلف أو نقص.
- (ومنها): لو كان الموصى به أمة، فوطئها الموصى له قبل القبول
__________
(1) (1/ 384).
(2) في المطبوع: "فلا يحسب".
(3) في المطبوع: "فلا تضمن".
(4) في المطبوع: "وذكر".
(5) في (ج): "تعتبر".
(6) انظر: "المغني" (6/ 155/ 4801).
(7) في المطبوع: "له تعليقًا".
(3/374)

وبعد الموت، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أم ولده، وإلا! فلا، ولو وطئها الوارث، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أم ولده، ويلزمه قيمتها للموصى له، كان قلنا: لا يملكها؛ لم تكن أم ولد له.
- (ومنها): لو وصى بأمة لزوجها، فلم يعلم حتى أولدها أولادًا ثم قبل الوصية، فإن [قيل: يملكها] (1) بالموت؛ فولده حر، والأمة أم ولده، ويبطل نكاحه بالموت، وإن قيل (2): لا يملكها إلا بعد القبول؛ فنكاحه باقٍ قبل القبول، وولده رقيق للوارث.
- (ومنها): لو وصى لرجل بأبيه (3)، فمات الموصى له قبل القبول، وقلنا: يقوم وارثه مقامه فيه، فقبل ابنه؛ صح وعتق، وهل يرث من ابنه (4) الميت أم لا؟
إن قلنا: يملكه بالموت؛ فقد عتق به؛ فيكون حرًّا عند موت ابنه (4)، فيرث منه، وإن قلنا: إنما يملكه بعد القبول؛ فهو عند موت ابنه (4) رقيق؛ فلا يرث؛ ولو كانت الوصية بمال في هذه الصورة، فإن قلنا: يثبت الملك بالموت؛ فهو ملك للميت، فتُوفَّى (5) منه ديونه ووصاياه، وعلى الوجه الآخر هو ملك للوارث الذي قبل، ذكره في "المحرر" (6).
__________
(1) في المطبوع: "قيل يملكا"، وفي (ج): "قلنا يملكها".
(2) في (ب): "قلنا".
(3) في المطبوع: "بابنه"!
(4) في المطبوع: "أبيه"!
(5) في المطبوع: "فيوفي".
(6) انظر: "المحرر" (1/ 385).
(3/375)

ويتخرج وجه (1) آخر: إنه يكون [ملكًا] (2) للموصى له على الوجهين؛ لأن التمليك حصل له؛ فكيف [يصح الملك] (3) ابتداءً لغيره؟! ولهذا نقول على إحدى الروايتين: إن المكاتب إذا مات وخلف وفاءً: أنه يؤدى منه (4) بقية مال الكتابة، ويتبين بذلك موته حرًّا مع أن الحرية لا تثبت للمكاتب إلا بعد الأداء.
- (ومنها): لو وصي لرجل بأرض، فبنى الوارث (5) فيها وغرس قبل القبول ثم قبل؛ ففي "الإِرشاد": إن كان الوارث عالمًا بالوصية! قلع [بناؤه و] (6) غرسه مجانًا، وإن كان جاهلًا؛ فعلى وجهين، وهو متوجه على القول بالملك بالموت، أما إن قيل: هي قبل (7) القبول على ملك الوارث؛ فهو كبناء مشتري (8) الشقص المشفوع وغرسه؛ فيكون محترمًا يتملك بقيمته.
- (ومنها): لو بيع شقص في شركة الورثة والموصى له قبل قبوله، فإن قلنا: الملك له [من حين] (9) الموت؛ فهو شريك للورثة في الشفعة، وإلا؛ فلا حق له فيها.
__________
(1) في المطبوع: "ويتخرج فيه وجه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "حصل".
(4) في المطبوع: "من".
(5) في المطبوع: "لوارث" بسقوط الألف.
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "بناءه"، وسقطت الواو.
(7) في المطبوع: "هي قبول قبل".
(8) في المطبوع: "المثشري".
(9) سقطت كلمة "من" من (ب)، وسقطت كلمة "حين" من (أ).
(3/376)

- (ومنها): جريانه من حين الموت في حول الزكاة، فإن قلنا: [ملكه للموصى] (1) له؛ جرى في حوله، وإن قلنا: للورثة؛ فهل يجري في حولهم حتى لو تأخر القبول سنة كانت زكاته عليهم، أم لا لضعف ملكهم فيه وتزلزله وتعلق حق الموصى له به فهو كمال المكاتب؟
فيه تردد.

12 - [الثانية عشرة] (2): الدين؛ هل يمنع انتقال التركة إلى الورثة أم لا؟
في المسألة روايتان:
أشهرهما: الانتقال، وهو اختيار أبي بكر والقاضي وأصحابه، قال ابن عقيل: هي المذهب، وقد نص أحمد أن المفلس إذا مات؛ سقط حق البائع من عين ماله لأن الملك (3) انتقل إلى ورثته.
والرواية الثانية: لا ينتقل، نقلها ابن منصور في رجل مات وترك دارًا وعليه دين، فجاء الغرماء يبتغون المال، وقال أحد بنيه: أنا أعطي ربع الدين ودعوا في ربع الدار؛ قال أحمد: هذه الدار (4) للغرماء، لا يرثونها (يعني: الأولاد)، ولا فرق بين [ديون الآدميين وديون اللَّه عز وجل] (5)، ولا
__________
(1) في المطبوع: "يملكه الموصى".
(2) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(3) في المطبوع: "المال".
(4) في (ج): "هذه الرواية".
(5) فى المطبوع: "ديون اللَّه تعالى وديون الآدميين".
(3/377)

بين الديون الثابتة في الحياة والمتجددة بعد الموت [بسبب منه] (1) يقتضي الضمان؛ كحفر بئر ونحوه، صرح به القاضي، وهل يعتبر كون الدين محيطًا بالتركة أم لا؟
ظاهر كلام طائفة اعتباره؛ حيث فرضوا المسألة في الدين المستغرق، وكلام أبي الخطاب في "انتصاره" كالصريح [فيه] (2)، ومنهم من صرح بالمنع من الانتقال كان لم يكن مستغرقًا، ذكره في مسائل الشفعة، وعلى القول بالانتقال؛ [فيتعلق حق الغرماء بها] (3) جميعًا؛ وإن لم يستغرقها الدين، صرح به صاحب "الترغيب"، وهل تعلق حقهم بها تعلق رهن أو جناية؟
فيه خلاف يتحرر بتحرير مسائل:
- (إحداها): هل يتعلق جميع الدين بالتركة وبكل جزء من أجزائها، [أم] (4) يتقسط؟
صرح القاضي في "خلافه" بالأول إن كان الوارث واحدا، وإن كان متعددا؛ انقسم على قدر حقوقهم، وتعلق بحصة كل وارث منهم قسطها من الدين وبكل جزء منها؛ كالعبد المشترك إذا رهنه الشريكان بدين عليهما.
- (والثانية): هل يمنع هذا التعلق من نفوذ التصرف؟
__________
(1) في المطبوع: "لسبب منه"، وفي (أ): "بسب فيه".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "في قيمته".
(3) في (ج): "فيعلق الغرماء به".
(4) فى المطبوع: "أو".
(3/378)

وسنذكره [إن شاء اللَّه تعالى] (1).
- (والثالثة): هل يتعلق الدين بعين [التركة] (2) مع الذمة؟
فيه للأصحاب ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى ذمم الورثة، قاله القاضي وأبو الخطاب في "خلافهما" (3) وابن عقيل، ومنهم من قيده بالمؤجل (4)، ومنهم من خصه بالقول بانتقال التركة إليهم.
والثاني: هو باقٍ في ذمة الميت، ذكره [القاضي أيضًا] (5) والآمدي وابن عقيل في "فنونه" وصاحب "المغني" (6)، وهو ظاهر كلام الأصحاب في ضمان دين الميت.
والثالث: يتعلق بأعيان التركة فقط، قاله ابن أبي موسى، ورد بلزوم براءة ذمة الميت منها (7) بالتلف، وإذا عرف هذا؛ فلهذا الاختلاف فوائد:
- (منها): نفوذ تصرف الورثة فيها ببغ أو غيره من العقود، فإن قلنا بعدم الانتقال إليهم؛ فلا (8) إشكال في عدم النفوذ، وإن قلنا بالانتقال؛
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به (ج).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) المطبوع و (ج): "خلافيهما".
(4) في (أ) و (ج): "بالرجل".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) انظر: "المغني" (5/ 121 - 122/ 3897).
(7) في المطبوع: "فيها".
(8) المطبوع: "ولا".
(3/379)

فوجهان:
أحدهما: لا ينفذ، قاله القاضي في "المجرد" وابن عقيل في باب الشركة من كتابيهما، وحمل القاضي في غير "المجرد" رواية ابن منصور على هذا.
والثاني: ينفذ، قاله القاضي وابن عقيل أيضًا في [باب] (1) الرهن والقسمة، وجعلاه المذهب، وإنما يجوز لهم التصرف بشرط الضمان، قاله القاضي؛ قال: ومتى خلى الورثة بين التركة والغرماء (2)؛ سقطت مطالبتهم بالديون، ونصب الحاكم من يوفيهم منها، ولم يملكها الغرماء بذلك، وهذا يدل على أنهم إذا تصرفوا فيها طولبوا بالديون كلها (3)؛ كما نقول في سيد الجاني إذا فداه: إنه يفديه بارش الجناية بالغًا ما بلغ على رواية، وكلام أحمد في رواية البرزاطي ها هنا يدل عليه، وسنذكره، وفي "الكافي" (4):
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "بين التركة وبين الغرماء".
(3) في المطبوع: "طولبوا بايون كلها"! وفي هامش (ب) زيادة، وهي: "في دلالة كلام القاضي على هذا نظر، إنما يدل على أن الورثة يضمنون ما نفرقوا فيه، وكيف يضمنون ما زاد على ذلك، مع أنه لم يصدر منهم عدوان ولا تعد بقصي ضمانهم للزائد؟! وكذلك في رواية البرزاطي؛ فإنه ليس فيها أن الورثة تصرفوا في التركة، وإنما هي دالة على عدم انتقال التركة إلى الورثة، وأن حق الغرماء متعلق بعين التركة، وأين هذا من صحة نفوذ تصرف الورثة في التركة بباءً على أنها انتقلت إليهم؟! والمذهب أن السيد يفدي الجاني بأقل الأمرين، وكذلك الورثة إذا تصرفوا في التركة، ويؤيد هذا ما نقله عن "الكافي"، ونقلهم تعلق الدين بالتركة كتعلق أرش الجناية" اه.
(4) (2/ 232).
(3/380)

إنما يضمنون أقل الأمرين من قيمة التركة أو الدين.
وعلى الأول ينفذ العتق خاصة؛ كعتق الراهن، ذكره أبو الخطاب في "انتصاره"، وحكى القاضي في "المجرد" في باب العتق في نفوذ العتق مع عدم العلم بالدين وجهين، وأنه لا ينفذ مع العلم، وجعل صاحب "الكافي" مأخذهما أن حقوق الغرماء المتعلقة (1) بالتركة؛ هل يملك الورثة إسقاطها بالتزامهم الأداء من عندهم أم لا؟
ورواية ابن منصور السابقة تدل على أنهم لا يملكون ذلك، وفي "النظريات" لابن عقيل: إن عتق الورثة إنما ينفذ مع يسارهم دون إعسارهم اعتبارًا بعتق موروثهم في مرضه؛ لأن موروثهم كان ملكه ثابتًا فيها بغير خلف، ولم (2) ينفذ عتقه مع الإعسار، فلأن لا ينفذ عتقهم مع إعسارهم، والاختلاف في ملكهم أولى، وهل يصح رهن التركة عند الغرماء؟
قال القاضي في "المجرد": لا يصح، وعلل بأنها كالمرهونة عندهم بحقهم، والمرهون لا يصح رهنه، ويأن التركة ملك للورثة (3)؛ فلا يصح رهن ملك الغير بغير إذنه؛ فعلى التعليل الأول لا يصح رهن الورثة لها من الغرماء؛ وإن قلنا (4): هي ملكهم، وعلى الثاني (5) ينبغي أن يصح رهن
__________
(1) هنا في هامش (ب) عبارة غير واضحة، ولعلها: "مع أنه قال في "الكافي": لم يحك غيره صح" اه.
(2) في المطبوع: "ولا".
(3) في (ب): "الورثة".
(4) في المطبوع: "قيل".
(5) في (ج): "وعلى الثانية".
(3/381)

الوصي (1) لها إذا قلنا: ليست ملكًا للورثة.
- (ومنها): نماء التركة، فإن قلنا: لا [ينتقل] (2) إلى الورثة؛ تعلق حق الغرماء بالنماء؛ كالأصل، وإن قلنا: ينتقل (2) إليهم؛ فهل يتعلق حق الغرماء بالنماء؟
على وجهين، وقد سبق بسط هذه المسألة في قاعدة النماء.
- (ومنها): لو مات رجل عليه دين وله مال زكوي؛ فهل يبتدئ الوارث (3) حول زكاته من حين موت موروثه أم لا؟
إن قلنا: لا تنتقل التركة إليه مع الدين؛ فلا إشكال في [أنه لا يجري في] (4) حوله حتى ينتقل إليه، وإن قلنا: ينتقل؛ انبنى على أن الدين هل هو مضمون في ذمة الوارث، أو هو في ذمة الميت خاصة؟
فإن قلنا: الدين في ذمة الوارث وكان مما يمنع الزكاة؛ انبنى على أن الدين المانع هل يمنع انعقاد الحول من ابتدائه، أو يمنع الوجوب في انتهائه خاصة؟
فيه روايتان محكيتان في "شرح الهداية"، والمذهب أنه يمنع الانعقاد، فيمتنع انعقاد الحول على مقدار الدين من المال، وإن قلنا: إنما يمنع وجوب الزكاة في آخر الحول؛ منع الوجوب ها هنا آخر الحول في قدره
__________
(1) في المطبوع: "الموصى".
(2) في (ج): "تنتقل".
(3) في المطبوع: "الورثة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/382)

أيضًا، وإن قلنا: ليس في ذمة الوارث شيء؛ فظاهر كلام أصحابنا أن تعلق الدين [بالمال] (1) مانع [أيضًا] (2)، وسنذكره.
- (ومنها): لو كان له شجر، وعليه دين فمات؛ فها هنا صورتان:
إحداهما: أن يموت قبل أن [يثمر، ثم أثمر] (3) قبل الوفاء؛ فينبني على أن الدين هل يتعلق بالنماء أم لا؟
فإن قلنا: يتعلق به؛ خرج على الخلاف في منع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة، كان قلنا: لا يتعلق به؛ فالزكاة (4) على الوارث، وهذا كله بناءً على القول بانتقال الملك إليه، أما إن قلنا: لا ينتقل؛ فلا زكاة عليه [فيه] (5) إلا أن ينفك التعلق قبل بدو صلاحه.
الصورة الثانية: أن يموت بعد ما أثمرت، فيتعلق الدين بالثمرة، [ثم] (6) إن كان موته بعد وقت الوجوب؛ فقد وجبت عليه الزكاة؛ إلا أن نقول: إن الدين يمنع الزكاة في المال الظاهر؛ وإن كان قبل وقت الوجوب، فإن قلنا: تنتقل التركة إلى الورثة مع الدين؛ فالحكم كذلك لأنه مال لهم تعلق به [دين] (7)، ولا سيما إن قلنا: إنه في ذممهم (8)، وإن قلنا: لا تنتقل
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج)
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ج): "تثمر ثم أثمرت"، وفي المطبوع: "يثمر ثم أثمرت".
(4) في (ب): "كالزكاة".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(7) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(8) في المطبوع: "في ذمتهم".
(3/383)

التركة إليهم؛ فلا زكاة عليهم.
وهذه المسألة تدل على أن النماء المنفصل (1) يتعلق به حق الغرماء بغير خلاف.
- (ومنها): لو مات وله عبيد وعليه دين، وأهل هلال الفطر، فإن قلنا: لا ينتقل الملك؛ فلا فطرة لهم على أحد، وإن قلنا: ينتقل؛ ففطرتهم على الورثة.
- (ومنها): لو كانت التركة حيوانًا، فإن قلنا بالانتقال إلى الورثة؛ فالنفقة عليهم، وإلا؛ فمن التركة، وكذلك (2) مؤنة المال كأجرة المخزن ونحوه.
- (ومنها): لو مات المدين وله شقص، فباع شريكه نصيبه قبل الوفاء؛ فهل للورثة الأخذ بالشفعة؟
إن قلنا بالانتقال إليهم؛ فلهم ذلك، وإلا؛ فلا، ولو كان الوارث شريك الموروث وبيع نصيب الموروث في دينه، فإن قلنا بالانتقال؛ فلا شفعة للوارث لأن البيع وقع في ملكه؛ فلا يملك استرجاعه، وإن قيل بعدمه (3)؛ فله الشفعة لأن المبيع لم يكن في ملكه بل في شركته.
- (ومنها): لو وطئ الوارث الجارية الموروثة والدين مستغرق (4)،
__________
(1) في (أ): "المتصل".
(2) في المطبوع: "التركة، كمؤنثه، وكذلك".
(3) في المطبوع: "بعده".
(4) في المطبوع و (ج): "يستغرق".
(3/384)

فأولدها، فإن قلنا: هي ملكه؛ فلا حد، ويلزمه قيمتها يوفي منها الدين؛ كما لو وطئ الراهن، وإن قلنا: ليست ملكله؛ فلا حد أيضًا لشبهة الملك، فإنه يملكها بالفكاك؛ فهي كالرهن، وعليه قيمتها ومهرها يوفي [بها] (1) الدين، ذكره أبو الخطاب في "انتصاره"؛ ففائدة الخلاف حينئذ وجوب المهر.
- (ومنها): لو تزوج الابن أمة أبيه، ثم قال لها: إن مات أبي؛ فأنت طالق، وقال أبى: إن مت؛ فأنت حرة، ثم مات وعليه دين مستغرق؛ لم تعتق لاستغراق الدين للتركة (2)؛ فلا ثلث للميت لينفذ منه العتق، وهل يقع الطلاق؟
قال القاضي في "المجرد": نعم، وعلل بأنه لم يملكها؛ فهي باقية على نكاحه، وقال ابن عقيل: لا تطلق؛ لأن التركة تنتقل إلى الورثة؛ فيسبق الفسخ الطلاق؛ فالوجهان مبنبان على الانتقال وعدمه، وكذلك لو لم يدبرها الأب سواء.
وفي المذهب وجه آخر بالوقوع، وإن قيل بالانتقال حتى ولو لم يكن دين؛ بنى على [سبق زمن] (3) الطلاق للفسخ، وقد ذكرناه في القواعد.
- (ومنها): لو أقر لشخص، فقال: له في ميراثي (4) ألف؛ فالمشهور أنه متناقض في إقراره، وفي "التلخيص": يحتمل أن يلزمه؛ إذ المشهور
__________
(1) في (ج): "به".
(2) في (ب): "التركة".
(3) في المطبوع: "ما سبق من".
(4) في المطبوع: "في ميراثه".
(3/385)

عندنا أن الدين لا يمنع الميراث؛ فهو كما لو قال: له في هذه التركة ألف؛ فإنه إقرار صحيح، وعلى هذا، فإذا قلنا: يمنع الدين الميراث؛ كان تناقضًا (1) بغير خلاف.
- (ومنها): لو مات وترك ابنين وألف درهم، وعليه ألف درهم دين، ثم مات أحد الابنين وترك ابنًا، ثم أبرأ الغريم الورثة؛ فذكر القاضي أنه يستحق ابن الابن نصف التركة بميراثه عن أبيه، وذكره في موضع إجماعًا، وعلله في موضع بأن التركة تنتقل مع الدين؛ فانتقل ميراث الابن إلى ابنه (2)، وهذا يفهم منه أنه على القول بمنع الانتقال يختص به ولد الصلب؛ لأنه هو الباقي من الورثة، وابن الابن ليس بوارث معه، والتركة لم تنتقل إلى أبيه، وإنما انتقلت بعد موته، ويشهد لهذا ما ذكره صاحب "المحرر" (3) في الوصية إذا مات الموصى له وقبل وارثه؛ فإنه يملكه هو دون موروثه على قولنا بملك الوصية من حين القبول.
- (ومنها): رجوع بائع المفلس في عين ماله بعد موت المفلس يحتمل (4) بناؤه على هذا الخلاف، فإن قلنا: ينتقل (5) إلى الورثة؛ امتنع رجوعه، وبه علل الإمام أحمد، وإن قلنا: [لا ينتقل؛ رجع] (6) به، لا سيما
__________
(1) في المطبوع: "مناقضًا".
(2) في المطبوع: "أبيه"!
(3) في "المحرر" (1/ 384).
(4) في المطبوع: "ويحتمل".
(5) في (ج): "تنتقل".
(6) في المطبوع: "يرجع".
(3/386)

والحق هنا متعلق في الحياة تعلقًا متأكدًا (1).
ومن العجب أن عن أحمد رواية بسقوط حق المرتهن من الرهن بموته؛ فيكون أسوة الغرماء كغريم المفلس، حكاها القاضي وابن عقيل، وهذا عكس ما نحن فيه.
- (ومنها): ما نقل البرزاطي عن أحمد أنه سئل عن رجل مات وخلف ألف درهم، وعليه للغرماء [ألفا] (2) درهم، وليس له وارث غير ابنه، فقال ابنه لغرمائه: اتركوا هذه (3) الألف في يدي، وأخروني في حقوقكم ثلاث سنين حتى أوفيكم جميع حقوقكم؛ قال: إذا كانوا [قد] (4) استحقوا قبض هذه الألف وإنما يؤخرونه (5) ليوفيهم لأجل [تركها] (6) في يديه؛ فهذا لا خير له فيه إلا أن يقبضوا الألف منه ويؤخرونه في الباقي ما شاؤوا. قال بعض شيوخنا: تخرج فذه الرواية على القول بأن التركة لا تنتقل. قال: وإن قلنا: تنتقل إليهم؛ جاز ذلك، وهو أقيس بالمذهب، وتوجيه ما قال: إن حق الغرماء في عين التركة دون ذمة الورثة، فإذا أسقطوا حقهم من التعلق (7) بشرط أن يوفيهم الورثة بقية حقوقهم؛ فهو إسقاط بعوض غير لازم للوارث، فإن قيل بانتقال التركة إلى الوارث؛ فقد أذن له في الانتفاع بماله
__________
(1) في (ب): "متكادًا"!
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أكثر من ألف"، وفي (ج): "ألف".
(3) في المطبوع: "هذا".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في (ج): "يؤخرونهم".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أن يتركها".
(7) علق عليها في هامش (ب) قائلًا: "يعني: بعين التركة".
(3/387)

بعوض يلتزمه (1) له في ذمته، كان قيل بعدم الانتقال؛ فهو شبيه بتمليكه ألفًا بألفين إلى أجل، وإن لم يكن تمليكًا [من الغريم لما يملكه، لكنه لما أسقط حقه ملكه الوارث حينئذ فصار تمليكًا] (2)، مع أن قول أحمد "لا خير فيه" ليس تصريحًا بالتحريم، فيحتمل (3) الكراهة، [و] (2) قوله: "ويؤخرونه في الباقي ما شاؤوا" يدل على أن الورثة إذا تصرفوا في التركة؛ صاروا ضامنين جميع الدين في ذممهم (4)؛ فيطالبون به، ومتى كان الدين في ذمم الورثة؛ قوي الجواز لأن انتقاله إلى ذممهم فرع انتقال التركة إليهم؛ فيبقى كالمفلس إذا طلب من غرمائه الإِمهال وإسقاط حقوقهم من أعيان ماله ليوفيهم إياها كاملة إلى أجل (5).
__________
(1) في المطبوع و (ج): "يلزمه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ب): "فتحتمل".
(4) في المطبوع: "ذمتهم".
(5) علق هنا في هامش (ب) قائلًا: "في دلالة قول الإمام: "ويؤخرونه في الباقي ما شاؤوا يدل على أن الورثة يصيرون ضامنين جميعَ الدَّين في ذممهم" نظر، لأنه ليس في النص ما يقتضي أن الورثة تصرفوا في التركة، بل قوله في النص: "إلا أن يقبضوا الألف" (يعني: الغرماء)، صريح في [. . .] الوارث لم يصرف في التركة، [مع] أن قول الإمام: "إذا كانوا قد استحقوا تجض هذه الألف"؛ يعني: الغرماء، يقتضي عدم انتقال التركة إلى الورثة؛ وأن حق الغرماء متعلق بمين التركة وصحة تصرف الورثة في التركة، إنما هو فرع انتقال التركة إلى الورثة؛ فأين هذا من ذاك؟! ثم إن قياس الوارث على المفلس في لزوم توفية جميع الدين إذا طلب [الإمام] قياس مع وجود الفارق؛ لأن المفلس قد ترتب في ذمته الدين ووجد، بخلاف [الوارث]؛ فإن ذمته بريئة من وطلبه الإمام على أن يوفي جميع الدين التزام بما لا يلزمه" اه. وما بين المعقوفات غير واضح في التصوير.
(3/388)

- (ومنها): ولاية المطالبة بالتركة إذا كانت دينًا ونحوه؛ [هل هو] (1) للورثة خاصة أم للغرماء والورثة؟
قال أحمد في "رواية [عبد] (2) اللَّه" في رجل مات وخلف وديعة عند رجل ولم يوص إليه بشيء، وخلف عليه ديناة يجوز لهذا المودع أن يدفع إلى ولد الميت؛ فقال: إن كان أصحاب الدين [جميعا] (3) يعلمون أنه مودع، ويخاف تبعتهم (4) أن يرجعوا عليه؛ [فيحلفوه جميع] (5) أصحاب الدين والورثة يسلم (6) إليهم [جميعًا] (7)، ونقل صالح نحو.
وهذا يدل على أن للغرماء ولاية المطالبة والرجوع على المودع إذا سلم الوديعة إلى الورثة، وحمله القاضي على الاحتياط؛ قال: لأن التركة ملك للورثة، ولهم الوفاء من غيرها؛ فظاهر (8) كلامه [أنا] (9) إن قلنا: التركة ملك لهم؛ فلهم ولاية الطلب والقبض، وإن قلنا: ليست ملكًا لهم؛ فليس له (10) الاستقلال بذلك، وقال الشيخ مجد الدين: عندي أن نص أحمد على
__________
(1) في المطبوع: "هل" فقط، وفي (ج): "فهل هو".
(2) في المطبوع: "عد"؛ بسقوط الباء.
(3) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(4) في (ب): "ويخاف منهم".
(5) في المطبوع: "ليخلفوا جميع"، وفي (ج): "ليحلفوه جمع".
(6) في (ب): "فسلم".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع، وقريب منها في "مسائل عبد اللَّه" (ص 312 - 313)
(8) في المطبوع: "وظاهر".
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(10) في المطبوع و (ج): "لهم".
(3/389)

ظاهره، لأن الورثة والغرماء تتعلق حقوقهم بالتركة؛ كالرهن والجاني؛ فلا يجوز الدفع إلى بعضهم. قال: وإنما المشكل أن مفهوم كلامه جواز الدفع إلى الورثة بمفردهم، ولعله أراد إذا وثق بتوفيتهم الدين (1). (انتهى).
ولا ريب أن حقوق الورثة تتعلق بها أيضًا، وإن قلنا: لا تنتقل (2) إليهم وهم قائمون مقام الوصي [عند عدمه في إيفاء] (3) الديون وغيرها عند طائفة من الأصحاب؛ فالمتوجه هو الدفع إلى الورثة والغرماء [جميعًا، ولا يملك] (4) الدفع إلى الغرماء بانفرادهم بكل حال.
وقد نص أحمد في "رواية مهنأ" فيمن عنده وديعة وصى بها ربها لرجل ثم مات [أن] (5) المودع لا يدفعها إلى الموصى له، فإن فعل؛ ضمن، ولكن يجمع الورثة [و] (6) الموصى له، فإن أجازوا، وإلا، دفعه (7) إليهم جميعًا، ولعل هذا فيما إذا لم يثبت الوصية في الظاهر، وإنما المودع يدعي ذلك، أو أنها لا تخرج من الثلث، وكذلك قال: فإن (8) أجازوا (يعني (9): الورثة)، وإلا، فالعين الموصى بها إذا خرجت من الثلث لا حق
__________
(1) في المطبوع: "الدين".
(2) في المطبوع: "لا ينتقل"، وفي (أ) و (ب) بدون تنقيط الحرف الأول.
(3) في المطبوع: "عند عدمه أيضًا في إيفائه".
(4) في المطبوع: "جميعهم ولا يملكون".
(5) ما بين المعقوفيتن ليس في (ج).
(6) ما بين المعقوفيتن ليس في (أ).
(7) في المطبوع: "وإلا؛ دفع".
(8) في المطبوع: "إن" بسقوط الفاء.
(9) تصحفت في المطبوع إلى "لغير".
(3/390)

فيها للورثة، ولا تنتقل إليهم بكل حال على الصحيح، وفي "المحرر": إن من عليه دين موصى (1) به لمعين؛ فهو مخير: إن شاء دفعه إلى الموصي، وإن شاء [دفعه] (2) إلى الموصى له؛ بخلاف الوصية المطلقة؛ فإنه لا يبرأ بدون الدفع إلى الوارث والوصي جميعًا (3)؛ لأنها كالدين.
وقد نص أحمد أيضًا في رواية أبي طالب فيمن عليه دين لميت وعلى الميت دين؛ فقضاه (4) به عنه أنه يجوز في الباطن دون الظاهر، ووجهه القاضي بأن الورثة لا حق لهم في ذلك المال الذي في مقابلة الدين؛ فلا يكون متصرفًا في حقوقهم، وهذا متوجه على القول بأن التركة لا تنتقل إليهم مع الدين؛ فلا يكون القضاء من أموالهم، ويرجع ذلك إلى أن كل مال مستحق يجوز دفعه إلى مستحقه مع وجود من له ولاية القبض، وقد سبق ذكره في القواعد.

13 - [الثالثة عشرة] (5): التدبير؛ هل هو وصية أو عتق بصفة؟
في المسألة روايتان، [و] (6) ينبني عليهما فوائد كثيرة:
- (منها): لو قتل المدبر سيده؛ هل يعتق؟
__________
(1) في المطبوع و (أ): "يوصى".
(2) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(3) نص كلامه في "المحرر" (1/ 393): "ومن عليه لميت دين موصى به لمعين؛ فله دفعه إليه، وإن شاء إلى وصي الميت، ولو كان ثمَّ وصية غير معينة في دين؛ لم يبرأ بدفعه إلا إلى الوارث والوصي جميعًا" اه.
(4) في المطبوع: "فقضار"!
(5) ما بين المعقوفتين من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/391)

وفيه طريقتان:
إحداهما (1): بناؤه على الروايتين إن قلنا: هو عتق بصفة عتق، وإن قلنا: وصية؛ لم يعتق لأن المذهب أن الموصى له إذا قتل الموصي بعد الوصية لم [يستحق الوصية] (2)، وهي طريقة ابن عقيل وغيره.
والثانية: إنه لا يعتق على الروايتين، وهي طريقة القاضي؛ لأنه لم يعلقه على موته بقتله إياه.
- (ومنها): بيع المدبر وهبته، والمذهب الجواز؛ لأنه وصية أو تعليق بصفة، وكلاهما لا يمنع نقل الملك قبل الصفة.
وفيه رواية أخرى بالمنع بناءً على أنه عن بصفة؛ فيكون لازمًا؛ كالاستيلاد (3).
- (ومنها): اعتباره من الثلث على المذهب؛ لأنه وصية، ونقل حنبل أنه من رأس المال، وهو متخرج على أنه عتق لازم، كالاستيلاد (3).
- (ومنها): إبطال التدبير والرجوع عنه بالقول، وفي صحته روايتان بناهما الخرقي والأكثرون (4) على هذا الأصل (5)، فإن قلنا (6): هو وصية؛
__________
(1) في المطبوع: "طريقان: أحدهما"، وفي (ب): "طريقان: إحداهما".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ب): "يعتق"
(3) في المطبوع: "كالاستيلاء".
(4) في المطبوع: "والأصحاب".
(5) قال الخرقي في "المغني" (10/ 322/ 8666): "ولو دبَّره، ثم قال: قد رجعت في تدبيري أو قد أبطلته؛ لم يبطل لأنه علق العتق بصفة في أحدى الروايتين، والأخرى: يبطل التدبير".
(6) في المطبوع: "قيل".
(3/392)

جاز الرجوع عنه، وإن قلنا: عتق؛ فلا.
وللقاضي وأبي الخطاب في "تعليقهما" طريقة أخرى: إن الروايتين هنا على قولنا: إنه وصية؛ لأنها وصية تتنجز (1) بالموت من غير قبول، بخلاف بقية الوصايا، وهو منتقض بالوصية لجهات البر.
ولأبي الخطاب في "الهداية" طريقة ثالثة، وهي بناء هاتين الروايتين على جواز الرجوع بالبيع، أما إن قلنا: يمتنع (2) الرجوع بالفعل؛ فبالقول (3) أولى.
- (ومنها): لو باع المدبر ثم اشتراه؛ فهل يكون بيعه رجوعًا فلا يعود تدبيره، أو لا يكون رجوعًا فيعود؟
فيه روايتان أيضًا بناهما القاضي والأكثرون على هذا الأصل، فإن قلنا: التدبير وصية؛ بطلت بخروجه عن ملكه، ولم [تعد بعوده] (4)، وإن قلنا: هو تعليق (5) بصفة؛ عاد بعود الملك بناء على أصلنا في عود الصفة بعود الملك في العتق والطلاق، وطريقة الخرقي وطائفة من الأصحاب: إن التدبير يعود بعود الملك [ها] (6) هنا رواية واحدة (7)، بخلاف ما إذا أبطل
__________
(1) في المطبوع: "نتجت"، وفي (أ) بدون تنقيط، وفي (ب): "ينتجز".
(2) في (أ): "يمنع".
(3) في المطبوع: "فالقول".
(4) في المطبوع: "يبعد نفوذه"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(5) في (أ): "تعلق".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) قال الخرقي في "مختصره" (10/ 321/ 8665 - مع "المغني"): "فإن =
(3/393)

تدبيره بالقول، وهو يتنزل (1) على أحد أمرين: إما أن الوصية لا تبطل بزوال الملك مطلقًا بل تعود بعوده، وإما أن هذا حكم الوصية بالعتق خاصة.
- (ومنها): لو قال: عبدي فلان حر بعد موتي بسنة؛ فهل يصح ويعتق بعد موته بسنة، أم يبطل ذلك؟
على روايتين بناهما طائفة من الأصحاب على هذا الأصل، فإن قلنا: التدبير وصية؛ صح تقييدها بصفة أخرى توجد بعد الموت، وإن قلنا: عتق بصفة؛ لم يصح ذلك، وهؤلاء قالوا: لو صرح بالتعليق، فقال: إن دخلت الدار بعد موتي بسنة؛ فأنت حر؛ لم يعتق رواية واحدة، وهي طريقة ابن عقيل في "إشاراته"، والصحيح أن هذا الخلاف ليس مبنيًّا على هذا الأصل؛ فإن التدبير والتعليق بالصفة إنما بطل (2) بالموت مع الإطلاق؛ لأن مقتضى الإطلاق وجود الصفة في حياة السيد، فأما مع التقييد (3) بما بعد (4) الموت؛ [فيتقيد به، ثم (5)] من الأصحاب من يجعل (6) هذا العقد تدبيرًا، ومنهم من ينفي ذلك، ولهم في حكاية الخلاف فيه أربعة طرق قد ذكرناها
__________
= اشتراه [أي: عبده المدبر] بعد ذلك؛ رجع في التدبير"، قال ابن قدامة: "والصحيح ما قال الخرقي؛ لأن التدبير وجد فيه التعليق بصفة، فلا يزول حكم التعليق بوجود معنى الوصية يه، بل هو جامع للأمرين، وغير ممتنع وجود الحكم بسببين، فيثبت حكمها فيه" اه.
(1) في (ب): "متنزل".
(2) في المطبوع و (ج): "يبطل".
(3) في المطبوع: "التنفيذ"!
(4) في المطبوع: "بما يمنع بعد".
(5) في المطبوع: "فتنفيذ به و"!
(6) في المطبوع: "جعل".
(3/394)

في غير هذا الموضع.
- (ومنها): لو كاتب مدبرة؛ فهل يكون رجوعًا عن التدبير؟
إن قلنا: التدبير عتق بصفة؛ لم يكن رجوعًا، وإن قلنا: هو وصية؛ انبنى على أن كتابة الموصى به هل تكون رجوعًا؟
[و] (1) فيه وجهان، أشهرهما أنه رجوع، والمشهور في المذهب أن كتابة المدبر ليست رجوعًا عن تدبيره، ونقل ابن الحكم عن أحمد ما يدل على أنه رجوع.
- (ومنها): لو وصى بعبد (2) ثم دبره؛ ففيه وجهان:
أشهرهما: إنه رجوع عن الوصية.
والثاني: ليس برجوع.
فعلى هذا فائدة الوصية به أنه لو أبطل تدبيره بالقول؛ لاستحقه (3) الموصى له، ذكرهُ في "المغني" (4)، وقال الشيخ تقي الدين: ينبني على أن التدبير هل هو عتق بصفة أو وصية؟
فإن قلنا: هو عتق بصفة؛ قدم على [الوصية] (5)، وإن قلنا: هو وصية؛ فقد ازدحمت وصيتان في هذا العبد؛ فينبني على أن الوصايا
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "بعبده".
(3) في (أ): "لا يستحق"!
(4) (10/ 322/ 8666).
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "الموصى به".
(3/395)

المزدحمة إذا كان بعضها عتقًا؛ هل (1) يقدم أم (2) يتحاص العتق وغيره؟
على روايتين، فإن قلنا بالمحاصة؛ فهو (3) كما لو دبر نصفه ووصى بنصفه، ويصح ذلك على المنصوص. (انتهى).
وقد يقال: الموصى له إن قيل: لا يملك حتى يقبل؛ فقد سبق زمن العتق لزمن ملكه (4)؛ فينفذ، وإن قيل: [إنه] (5) يملك من حين الموت؛ فقد تقارن زمن ملكه [و] (5) زمن العتق؛ [فينبغي تقديم العتق] (6)، كما نص عليه أحمد في مسألة من عتق عبده ببيعه.
- (ومنها): الوصية بالمدبر، والمذهب أنها لا تصح، ذكره القاضي وأبو الخطاب في "خلافيهما" (7)؛ لأن التدبير الطارئ إذا أبطل الوصية على المشهور؛ فكيف يصح طريان (8) الوصية على التدبير ومزاحمتها له؟!
وبنى الشيخ هذه المسألة (9) أيضًا على الأصول السابقة.
- (ومنها): ولد المدبرة، والمشهور أنه يتبعها في التدبير كما ولدته
__________
(1) في (ج): "فهل".
(2) في المطبوع و (ب): "أو".
(3) في (ب): "فهما".
(4) في (ج): "الملك".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(7) في (أ) "خلافهما".
(8) في (ج): "طرآن".
(9) في المطبوع: "المسائل".
(3/396)

بعده، سواء كان موجودًا حال التعليق (1) أو العتق، أو حادثًا بينهما، وحكى القاضي في "كتاب الروايتين" في تبعية الولد روايتين، وبناهما على أن التدبير هل هو عتق لازم؛ كالاستيلاد، [أو وصية] (2)؟ ومن هنا قال أبو الخطاب في "انتصاره": تبعية الولد مبني (3) على لزوم التدبير.
وخرج أبو الخطاب [في "الهداية"] (4) وجهًا: إنه لا يتبعها الحادث بينهما، وإنما يتبعها إذا كان موجودًا معها في أحدهما من حكم ولد المعلق عتقها بصفة، بناءً على أن التدبير تعليق بصفة، وينبغي (5) على هذا أن يخرج طريقة أخرى: إنه لا يتبعها الولد الحادث بينهما بغير خلاف، وإن (6) كان موجودًا في أحد الحالين؛ فهل يتبعها؟
على وجهين بناءً على أن التدبير (7) وصية، وحكم ولد الموصى بها كذلك عند (8) الأصحاب.
- (ومنها): لو جحد السيد التدبير؛ فالمنصوص عن أحمد أنه ليس برجوع، وقال الأصحاب: إن قلنا: هو عتق بصفة؛ لم يكن رجوعًا، وإن
__________
(1) في (أ): "التعلق".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
وانظر: "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (3/ 118 - 119).
(3) في (ج): "تنبني".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "فينيغي".
(6) في المطبوع: "وإنما".
(7) في المطبوع: "المدبر".
(8) في المطبوع: "وعند".
(3/397)

قلنا: هو وصية؛ فوجهان بناءً على أن جحد الموصي الوصية؛ هل هو رجوع أم لا.

14 - [الرابعة عشرة] (1): نفقة الحامل؛ هل هي واجبة لها أو لحملها؟
في المسألة روايتان مشهورتان، أصحهما أنها للحمل، وهي اختيار الخرقي (2) وأبي بكر، وينبني عليهما فوائد:
- (منها): إذا كان أحد الزوجين رقيقًا، فإن قلنا: النفقة للزوجة؛ وجبت لها (3) على الزوج لأن نفقة زوجة العبد في كسبه أو تتعلق برقبته، حكاه ابن المنذر إجماعًا، وفي "الهداية": نفقة (4) زوجته على سيده، فتجب ها هنا على السيد، وإن قلنا: للحمل؛ لم تجب عليه لأنه إن كان هو الرقيق؛ فلا يجب عليه نفقة أقاربه، وإن كانت هي الرقيقة؛ فالولد مملوك لسيد الأمة؛ فنفقته على مالكه (5).
- (ومنها): إذا كان الزوج معسرًا، فإن قلنا: النفقة للزوجة (6)؛
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(2) انظر: "المغني" (8/ 185/ 6526).
(3) في (أ): "لهما"!
(4) في (أ): "نفقته".
(5) علق في هامش (ب) قائلًا: "إذا كان ابنه مفقودًا بالقرب أو معسرًا، فإن قلنا: النفقة للحمل؛ وجب على الجد النفقة؛ كما لو كان منفصلًا، ذكره القاضي في "تعليقه"، قال الشيخ أبو البركات: وهذا يدل على أنها تجب على من يلزمه نفقته منفصلًا".
(6) في (أ): "للمزوجة".
(3/398)

وجبت عليه، وإن قلنا: للحمل؛ لم تجب (1)؛ لأن نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزوجة.
- (ومنها): لو مات الزوج؛ فهل يلزم أقاربه النفقة؟
إن قلنا: هي للحمل؛ لزمت الورثة، وإن قلنا: هي للزوجة؛ لم يلزمهم (2) بحال.
- (ومنها): لو غاب الزوج؛ فهل تثبت النفقة في ذمته؟
فيه طريقان:
أحدهما: إن قلنا: هي للزوجة؛ ثبتت في ذمته ولم تسقط بمضي الزمان على المشهور من المذهب، وإن قلنا: هي للحمل؛ سقطت لأن نفقة الأقارب لا تثبت في الذمة.
والثاني: لا تسقط بمضي الزمان على الروايتين، وهي طريقة "المغني" (3)، وعلل بأنها مصروفة إلى الزوجة (4)، ويتعلق حقها بها؛ فهي كنفقتها، ويشهد له قول الأصحاب: لو لم ينفق عليها يظنها حائلًا، [فبانت حاملًا؛ لزمه] (5) نفقة الماضي.
__________
(1) في المطبوع: "لم تجب عليه".
(2) في (ج): "لم تلزمهم".
(3) (8/ 187/ 6529).
(4) في المطبوع: "الزوج".
(5) في المطبوع: "ثم تبين أنها حامل؛ لزم"، وفي (ب): "ثم بانت حاملًا؛ لزمه"، وفي (ج): "ثم بانت حاملًا؛ لزمته"، وما أثبتناه؛ فهو من خط الحافظ ابن رجب.
(3/399)

-[(ومنها): إذا اختلعت الحامل بنفقتها؛ فهل يصح جعل النفقة عوضًا للخلع؟
قال الشيرازي: إن قلنا: النفقة لها؛ صحَّ (1)، وإن قلنا: للحمل؛ لم يصح (2) لأنها لا (3) تملكها، وقال القاضي والأكثرون: يصح على الروايتين؛ لأنها مصروفة إليها، وهي المنتفعة بها] (4).
- (ومنها): لو نشزت الزوجة حاملًا، فإن قلنا: نفقة الحامل (5) لها؛ سقطت بالنشوز، وإن قلنا: للحمل؛ لم تسقط به.
- (ومنها): الحامل من وطء الشبهة أو نكاح فاسد؛ هل تجب نفقتها على الواطئ؟
إن قلنا: النفقة لها؛ لم تجب لأن النفقة لا تجب للموطوءة بشبهة ولا نكاح (6) فاسد؛ [لأنه لا يتمكن (7) من الاستمتاع بها] (8)؛ إلا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصينًا لمائه؛ فيلزمها (9) ذلك، [ذكره في
__________
(1) في المطبوع: "تصح".
(2) في المطبوع: "لم يصح".
(3) في المطبوع: "لم".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع: "الحمل".
(6) في المطبوع: "ولا في نكاح".
(7) في (ب): "لا يمكن".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(9) في (ج): "فيلزمه".
(3/400)

"المحرر"] (1)، وتجب لها النفقة حينئذ، ذكره الشيخ تقي الدين (2)، وإن قلنا: النفقة للحمل؛ وجبت لأن النسب لاحق بهذا الواطئ (3)، ونص أحمد في رواية ابن الحكم على وجوب النفقة لها، وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه وجوب النفقة لها مطلقًا من غير حمل؛ كما يجب لها المهر المسمى، ويتقرر بالخلوة على المنصوص؛ لأنها محبوسة عليه في العقد الفاسد، ولا تتزوج عندنا (4) بدون طلاقه (5)، وقاسه على العبد المقبوض بعقد فاسد، ولو ألزم حاكم بالنفقة في النكاح الفاسد المختلف فيه لاعتقاد صحته؛ فللزوج الرجوع بالنفقة عند من يرى فساده، ذكره القاضي في "المجرد"، وذكر صاحب "المغني" احتمالًا بعدم الرجوع لأنه نقض للحكم المختلف فيه، ولا يجوز ما لم يخالف كتابًا أو إجماعًا (6)، وذكر في "المغني" أيضًا أنه لو (7) أنفق في النكاح الفاسد من غير حاكم؛ لم يرجع لأنه إن علم فساده؛ كان متبرعًا، كان لم يعلم؛ [كان مفرطًا] (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
وانظر: "المحرر" (2/ 117).
(2) في "الاختيارات الفقهية" (ص 283).
(3) في (أ): "الوطئ".
(4) في (أ): "عندها".
(5) انظر: "مجموع الفتاوى" (34/ 73 و 74).
(6) انظر: "المغني" (8/ 187 - 188 - 6530).
(7) في (أ): "إذا".
(8) انظر: "المغني" (8/ 188/ 6531)، وفي المطبوع و (ب) و (ج): "فهو مفرط".
(3/401)

- (ومنها): لو كان الحمل موسرًا بأن يوصي له بشيء فيقبله الأب، فإن قلنا: النفقة له؛ سقطت نفقته عن أبيه، وإن قلنا: لأمه؛ لم تسقط، ذكره القاضي في "خلافه".
- (ومنها): لو دفع إليها النفقة، فتلفت بغير تفريط، فإن قلنا: النفقة لها؛ لم يلزم بدلها، وإن قلنا: للحمل؛ وجب إبدالها لأن ذلك حكم نفقة الأقارب.
- (ومنها): لو أعتق الحامل من ملك يمينه؛ فهل يلزمه (1) نفقتها؟
إن قلنا: النفقة لها؛ لم تجب إلا حيث تجب نفقة العتق (2)، وإن قلنا: النفقة للحمل؛ وجبت بكل حال.
- (ومنها): فطرة المطلقة الحامل، إن قلنا: النفقة لها؛ وجبت لها الفطرة، وإن قلنا: للحمل؛ ففطرة الحمل على أبيه غير واجبة على الصحيح.
- (ومنها): هل تجب السكنى للمطلقة الحامل؟
إن قلنا: النفقة لها، فلها السكنى أيضًا، وإن قلنا: للحمل؛ فلا سكنى لها، ذكره الحلواني في "التبصرة".
- (ومنها): نفقة المتوفى عنها إذا كانت حاملًا، وفي وجوبها روايتان بناهما ابن الزاغوني على هذا [الأصل] (3)؛ قال: فإن قلنا: النفقة للحمل؛
__________
(1) في (ج): "تلزمه".
(2) في (ج): "العتيق".
(3) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "إلا أنه".
(3/402)

وجبت من التركة، كما لو كان الأب حيًّا، وإن قلنا: للمرأة؛ لم تجب، وهذا لا يصح؛ لأن نفقة الأقارب لا تجب (1) بعد الموت، والأظهر أن الأمر بالعكس، وهو أنا إن قلنا: للحمل؛ لم يجب للمتوفى عنها لهذا المعنى، وإن قلنا: للمرأة؛ وجبت لأنها محبوسة على الميت لحقه، فتجب نفقتها من ماله (2)، وقد سبق ذكر ذلك في قاعدة الحمل: هل له حكم أم لا؟
- (ومنها): البائن في الحياة بفسخ أو طلاق إذا كانت حاملًا؛ فلها النفقة، وحكى الحلواني وابنه رواية: إنه لا نفقة لها؛ كالمتوفى عنها، وخصها ابنه بالمبتوتة بالثلاث، وبناها على أن النفقة للمرأة والمبتوتة لا تستحق نفقة، وإنما تستحق النفقة إذا قلنا: هي للحمل، وهذا متوجه في القياس؛ إلا أنه ضعيف مخالف للنص (3) والإجماع فيما أظن، ووجوب النفقة للمبتوتة العامل يرجح القول بأن النفقة للحمل (4).
__________
(1) في (ج): "لم تجب".
(2) قال ابن رجب في ترجمة ابن الزاغوني في "كتاب الذيل" (1/ 183): "وذكر [أي: ابن الزاغوني] فيه [أي: في "الإقناع"]،: "إن الحامل المتوفى عنها زوجها تجب لها النفقة والسكنى إن قد: إن النفقة للحمل؛ كما لو كان الأب حيًّا"، ثم تعقبه ابن رجب قائلًا: "ولم أعلم أحدًا من الأصحاب بنى رواية وجوب النفقة والسكنى لها على هذا الأصل، ولا جعلها من فوائد في أن النفقة: هل هي للحمل أو للحامل؟ فإن نفقة الأقارب تسقط بالموت؛ فكيف تجب نفقة الححل من التركة؟! " اه.
(3) وهو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. وانظر: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (6/ 24).
(4) في "كتاب الذيل" (1/ 183) حكى عن ابن الزاغرني أنه ذكر في كتابه "الإقناع": "إن البائن تجب لها الكنى والنفقة، وإن كانت حاملًا" اه.
قال المحقق في الحاشية: في المخطوطة التي بأيدينا: "حائلًا".
(3/403)

- (ومنها): لو تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت أمة، وهو ممن يباح له نكاح الإماء، ففسخ بعد الدخول وهي حامل منه؛ ففي كتاب النكاح من "المجرد": هو كالنكاح (1) الفاسد، إن قلنا: النفقة للحمل؛ وجبت على الزوج، وإن قلنا: للحامل؛ لم تجب عليه، وذكر في النفقات ما يدل على وجوبها [عليه] (2) على الروايتين، وهو الصحيح؛ لأن هذا نكاح صحيح؛ فيلزم فيه النفقة (3) وفي عدته.
- (ومنها): لو وطئت الرجعية بشبهة أو نكاح فاسد، ثم بان بها حمل يمكن أن يكون من الزوج [و] (4) الواطئ؛ فيلزمها أن تعتد بعد وضعه عدة الواطئ، فأما نفقتها في مدة العدة (5)، فإن قلنا: النفقة للحمل؛ فعليهما النفقة عليها حتى تضع لأن الحمل لأحدهما يقينًا ولا نعلم عينه، ولا ترجع المرأة على الزوج بشيء من الماضي، وإن قلنا: النفقة للحامل؛ فلا نفقة لها على واحد منهما مدة الحمل لأنه يحتمل أنه من الزوج؛ فيلزمه النفقة، ويحتمل أنه من الآخر؛ فلا نفقة لها (6)؛ فلا تجب بالشك، فإذا وضعته، فقد علمنا أن النفقة على أحدهما، وهو غير معين؛ فيلزمهما جميعًا النفقة حتى ينكشف الأب منهما، وترجع المرأة على الزوج بعد الوضع بنفقة أقصر المدتين من مدة الحمل، أو قدر ما بقي من العدة بعد الوطء الفاسد؛ لأنها
__________
(1) في المطبوع: "النكاح"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في المطبوع: "التفقه"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع: "في مدة هذه العدة".
(6) في المطبوع: "فلا نفقة لها عليه".
(3/404)

تعتد عنه بأحدهما قطعًا، ثم إذا زال الإشكال وألحقته القافة بأحدهما بعينه (1)؛ عمل بمقتضى ذلك، فإن كان معها وفق حقها من النفقة، وإلا؛ رجعت على الزوج بالفضل، ولو كان الطلاق بائنًا؛ فالحكم كما تقدم في جميع ما ذكرنا؛ إلا في مسألة واحدة، وهي أنه لا ترجع المرأة بعد الوضع بشيء على الزوج، سواء قلنا: النفقة للحمل أو للحامل؛ لأن النفقة لا تستحق مع البينونة إلا بالحمل، وهو غير متحقق هنا أنه منه، بخلاف الرجعية، ذكر ذلك [كله] (2) القاضي في "المجرد".
ولو قيل في صورة الرجعية: إذا قلنا: النفقة للحمل: إنها تجب على من خرجت عليه القرعة من الزوج والواطئ، وكذا بعد الوضع وقبل ثبوت نسبه من أحدهما؛ لتوجه (3) إلا أن يقال: يحتمل أن يكون منهما جميعًا؛ فتمتنع القرعة على أحدهما لذلك، ومتى ثبت نسبه (4) من أحدهما؛ فقال القاضي في موضع من "المجرد": يرجع عليه (5) الآخر بما أنفق؛ لأنه لم ينفق متبرعًا، وقيده في موضع آخر منه [بأن يشرط] (6) الرجوع وينفق بإذن الحاكم، فإن شرط الرجوع وأنفق [بغير إذن حاكم] (7)؛ فعلى روايتين؛
__________
(1) في المطبوع: "بعيثه".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3) في المطبوع: "ليوجبه"، وفي (ب) بدون تنقيط.
(4) في (أ): "نسبتها".
(5) في (ب): "يرجع على".
(6) في المطبوع: "بأنه يشترط"، وفي (ج): "بأن يشترط".
(7) في المطبوع: "من غير إذن حاكم"، وفي (ج): "بغير إذن الحاكم".
(3/405)

كقضاء الدين (1)، وقد ذكرنا ذلك مستوفًى في القواعد، والصحيح هنا الرجوع مطلقًا؛ لأنه واجب عليه في الظاهر.
وقد ذكر صاحب "المغني" (2) أن الملاعنة لو أنفقت على الولد ثم استلحقه الملاعن؛ رجعت عليه لأنها إنما أنففت لظنها أنه لا أب له، وأما إذا قلنا: النفقة للحامل؛ [فإنها لم تجب] (3) على واحد منهما؛ لأن الحامل لا نفقة لها على الواطئ بشبهة، أو [في] (4) نكاح فاسد؛ كما سبق، والزوج ليس بمتمكن من الاستمتاع بها في حال (5) الحمل؛ لأن الرجعية إذا حملت في عدتها (6) من شبهة انقطعت عدة الزوج في (7) مدة الحمل، وحرم على الزوج الاستمتاع بها، وهل له رجعتها في هذه المدة [لبقاء بقية] (8) عدته عليها؟
على وجهين، وجزم القاضي في "خلافه" بالمنع، ورجح صاحب "المغني" الجواز (9)، [و] (10) على الوجهين لا نفقة لها لتحريم الاستمتاع بها
__________
(1) في (ج): "الديون".
(2) في "المغني" (8/ 186/ 6527).
(3) في المطبوع: "فإنا لم نوجب لها النفقة"، وفي (ب): "فإنما لم تجب لها النفقة"، وفي (ج) "فإنما تجب لها النفقة".
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(5) في المطبوع: "حالة".
(6) في المطبوع: "عدة".
(7) في المطبوع: "من".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "لبقية".
(9) انظر: "المغني" (8/ 402/ 6082).
(10) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/406)

على الزوج، سواء كانت مكنت (1) من الوطء أو لا؛ فإنه لو غصبها غاصب؛ فلا نفقة لها.

15 - [الخامسة عشر] (2) القتل العمد؛ هل موجبه القود عينًا (3)، أو أحد أمرين؟
في المسألة روايتان، وقد سبق ذكرهما وفوائدهما في القواعد بما يغني [عن إعادتها هنا] (4).

16 - [السادسة عشر] (2): المرتد؛ هل يزول ملكه بالردة أم لا (5)؟
في المسألة روايتان:
إحداهما: لا يزول ملكه؛ بل هو باقٍ عليه؛ كالمستمر على عصمته.
والثانية: يزول (6)، وفي وقت زواله روايتان:
إحداهما: من حين موته مرتدًا.
__________
(1) في (ج): "أمكنت".
(2) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(3) في المطبوع: "عنها"!
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "عنه"، وفي (ب) و (ج): "عن إعادته هنا".
(5) انظر القاعدة وتطبيقاتها محمد المالكية في: "الكافي" (2/ 1089) لابن عبد البر، وعند الحنفية في "تأسيس النظر" (ص 30 و 48 - ط جديدة). وانظر: "موسوعة القواعد الفقهية" (2/ 155).
(6) في المطبوع: "تزول".
(3/407)

والثانية: من حين ردته، فإن أسلم؛ أعيد إليه ماله ملكًا جدبدًا، وهي اختيار أبي بكر وابن أبي موسى.
وفيه رواية ثالثة: أنا نتبين بموته مرتدًا زوال ملكه من حين الردة.
ولهذا الاختلاف فوائد كثيرة:
- (منها): لو ارتد في أثناء حول الزكاة، فإن قلنا: زال ملكه بالردة؛ انقطع الحول بغير تردد (1)، وإن قلنا: لا يزول؛ فالمشهور أن الزكاة لا تجب عليه، وإن عاد إلى الإسلام؛ فينقطع الحول أيضًا لأن الإِسلام من شرائط وجوب الزكاة؛ فيعتبر وجوده في جميع الحول.
وحكى ابن شاقلا رواية: إنه [تجب عليه الزكاة إذا عاد لما مضى] (2) من الأحوال، واختارها ابن عقيل، كان ارتد بعد الحول؛ لم تسقط عنه إلا إذا عاد إلى الإِسلام، وقلنا: إن المرتد لا يلزمه قضاء ما تركه قبل الردة من الواجبات، والصحيح من المذهب خلافه (3).
- (ومنها): لو ارتد المعسر، ثم أيسر في زمن الردة (4)، ثم عاد إلى الإِسلام وقد أعسر، فإن قلنا: إن ملكه يزول بالردة؛ لم يلزمه الحج باليسار السابق، وإن قلنا: لا يزول ملكه؛ فهل يلزمه الحج بذلك اليسار؟
__________
(1) ذكر الخلال في "جامعه" (2/ 515 - 516/ رقم 1929) عن إسحاق بن منصور: "أن أبا عبد اللَّه قال في المرتد: إن أسلم وقد حال على ذلك المال الحول، ولم يقتل؛ كان المال له، ولا يزكيه، يستأنف به الحول؛ لأنه كان ممنوعًا من ماله".
(2) في (ج): "تجب الزكاة إذا عاد إلى الإسلام لما مضى".
(3) انظر: "المغني" (2/ 643 - مع "الشرح الكير").
(4) في المطبوع: "زمن ارتداده".
(3/408)

ينبني على وجوب العبادات عليه في حال الردة وإلزامه قضاءها بعد عوده إلى الإسلام، والصحيح عدم الوجوب؛ فلا يكون بذلك مستطيعًا.
- (ومنها): حكم تصرفاته بالمعاوضات والتبرعات وغيرها، فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهي صحيحة نافذة، وإن قلنا: يزول بموته؛ أقر المال بيده في حياته، ونفذت معاوضاته (1)، ووقفت تبرعاته المنجزة والمعلقة بالموت، فإذا مات، ردت كلها، وإن لم تبلغ الثلث؛ لأن حكم الردة حكم المرض المخوف، وإنما لم تنفذ من ثلثه لأن ماله يصير فيئًا بموته مرتدًا، وإن قلنا: يزول ملكه في الحال؛ جعل، في بيت المال، ولم يصح تصرفه فيه بحال، لكن إن أسلم رد إليه ملكًا جديدًا، وإن قلنا: هو موقوف مراعى؛ حفظ الحاكم ماله ووقفت تصرفاته كلها، فإن أسلم؛ أمضيت، وإلا؛ تبينا فسادها.

(تنبيه):
إنما تبطل تصرفاته لنفسه في ماله، فلو تصرف لغيره بالوكالة (2)؛ صح، ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأن إبطال تصرفه (3) إنما هو لزوال ملكه، ولا أثر لذلك في تصرفه بالوكالة (2).
نعم، لو [كان قد] (4) وكل وكيلًا ثم ارتد، وقلنا: يزول ملكه؛ بطلت وكالته، ولو تصرف لنفسه بنكاح؛ لم يصح لأن الردة تمنع الإقرار على
__________
(1) في (ج): "معاوضته".
(2) في المطبوع: "بالوكلة"!
(3) في المطبوع: "تعرفانه"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3/409)

النكاح، وإن زوج موليته؛ لم يصح لزوال ولايته بالردة [على] (1) أمته الكافرة.
- (ومنها): لو باع شقصًا مشفوعًا في الردة، فإن حكمنا (2) بصحة بيعه؛ أخذ منه بالشفعة، وإلا؛ فلا، ولو بيع في زمن ردته شقص [في شركته] (3)، فإن قلنا: ملكه باقٍ؛ أخذ بالشفعة، وإلا؛ فلا.
- (ومنها): لو حاز مباحًا أو عمل عملًا بأجرة، فإن قلنا: ملكه باقٍ؛ ملك ذلك، وإن قلنا: زال ملكه؛ لم يملكه، فإن عاد إلى الإسلام بعد ذلك؛ فهل يعود ملكها إليه؟
فيه احتمالان مذكوران في "المغني" (4).
- (ومنها): الوصية له، وفي صحتها وجهان بناءً على زوال ملكه وبقائه، فإن قلنا: زال ملكه؛ لم تصح الوصية له، وإلا؛ صحت.
- (ومنها): ميراثه، فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال؛ فهو لورثته من المسلمين أو من [أهل] (5) دينه الذي اختاره على اختلاف الروايتين في ذلك، وإن قلنا: يزول ملكه من حين الردة أو بالموت؛ فماله فيء ليس لورثته منه شيء (6).
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "حتى عن".
(2) في المطبوع: "قلنا".
(3) في المطبوع: "فجعله في تركته".
(4) (6/ 251/ 4957).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) أسهب الخلال في "جامعه" (2/ 518 - 523/ رقم 1303 - 1326) في =
(3/410)

- (ومنها): نفقة من تلزمه نفقته، فإن قلنا: ملكه باقٍ ولو [في حياته] (1) أو مراعى؛ [أنفق عليهم من ماله مدة الردة] (2)، وإن قلنا: زال بالردة؛ فلا نفقة لهم منه في مدة الردة لأنه (3) لا يملكه.
- (ومنها): قضاء ديونه، وهو كالنفقة؛ فيقضي ديونه على الروايات كلها؛ إلا على رواية زوال ملكه من حين الردة؛ فلا تقض منه الديون المتجددة في الردة، وتقضى منه الديون الماضية؛ فإنه إنما يكون فيئًا ما فضل عن أداء ديونه ونفقات من يلزمه (4) نفقته؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها؛ فتؤخذ (5) من ماله ويصير الباقي فيئًا.
- (ومنها): لو دبر عبدًا، ثم ارتد السيد، ثم عاد إلى الإِسلام، فإن قلنا: لا يزول ملكه؛ فالتدبير بحاله، وإن قلنا: زال ملكه؛ انبنى على أن زوال الملك عن (6) المدبر؛ هل يبطل تدبيره أم لا، وجزم ابن أبي موسى
__________
= النقل الروايات عن أحمد في هذه المسألة، ونقل أبو داود في "مسائله" (ص 240) عن أحمد قوله: "كنت مرة أقول: "لا يرثه المسلمون"، ثم أجبن عنه"، وقال ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (2/ 463): "وأما المرتد؛ فالمعروف عن الصحابة مثل علي وابن مسعود: أن ماله لورثته من المسلمين، ولم يدخلوه في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يرث المسلم الكافر"، وهذا هو الصحيح".
(1) ما بين المعقوفتين ضرب عليها في (أ)؛ وكتب في الهامش: "مدة الردة في حياته".
(2) في (أ) و (ج): "مدة الردة أنفق عليهم من ماله" بتقديم وتأخير.
(3) في (ج): "فإنه".
(4) في (ج): "تلزمه".
(5) في المطبوع: "فيؤخذ"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(6) في (ج): "من".
(3/411)

ببطلان تدبيره.

17 - [السابعة عشرة] (1): الكفار؛ هل يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء أم لا؟
المذهب عند القاضي أنهم يملكونها من غير خلاف، والمذهب عند أبي الخطاب في "انتصاره" أنهم لا يملكونها (2)، وقد نقل أبو طالب عن أحمد ما يدل على ذلك، وحكى طائفة روايتين في المسألة، منهم ابن عقيل في "فنونه" و"مفرداته"، وصحح فيها عدم الملك، وذكر (3) الشيخ تقي الدين أن أحمد لم ينص على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، والصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه (4).
ولهذا الخلاف فوائد:
- (منها): إن من وجد من المسلمين عين ماله قبل القسمة؛ أخذه مجانًا بغير عوض، وإن وجده بعد القسمة؛ فالمنصوص عن أحمد أنه لا
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(2) ذكر ابن رجب في ترجمة أبي الخطاب في "كتاب الذيل" (1/ 120) عنه: أنه قال: "إن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وإنها ترد إلى من أخذت منه من المسلمين على كل حال؛ ولو قسمت في المغنم أو أسلم الكافر وهي في يده" اه.
قلت: وهذا الذي نصره ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (1/ 291) بقُوَّة؛ فراجعه.
(3) في المطبوع: "وقال".
(4) نص كلامه في "الاختيارات الفقهية" (ص 312).
(3/412)

يأخذه بغير عوض، وهل يسقط حقه منه بالكلية، أو يكون أحق به بالثمن؟
على روايتين، واختار أبو الخطاب أنه أحق به مجانًا بكل حال، وقد قال أحمد في "رواية أبي طالب": هذا هو القياس؛ لأن الملك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، ولكن عمر قال: لا حق له (1).
- (ومنها): إذا قلنا: يملكون أموال المسلمين، فغنمت منهم ولم يعلم أربابها من المسلمين؛ فإنه يجوز قسمتها والتصرف فيها، ومن قال: [لم] (2) يملكوها، فقياس قوله: إنه لا يجوز قسمتها ولا التصرف [فيها] (3)، بل توقف كاللقطة، ذكره صاحب "المغني" (4) وغيره، وأما ما عرف مالكه من المسلمين؛ فإنه لا تجوز قسمته (5)، بل يرد إليه على القولين، ونص عليه
__________
(1) في المطبوع: "لا حق له فيه"، ويشير المصنف إلى ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (5/ رقم 9359) عن محمد بن راشد، حدثنا مكحول، أن عمر بن الخطاب قال: "ما أصاب المشركون من مال المسلمن، ثم أصابه المسلمون بحد؛ فإنْ أصابه صاحبُه قبل أن تجري عليه سهامُ المسلمين؛ فهو أحقُّ به، وإنْ جرت عليه سهامُ المسلمين؛ فلا سبيل إليه إلا بالقيمة".
وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (9/ 112)، وابن حزم في "المحلى" (7/ 301)؛ عن قبيصة بن ذويب، عن عمر بنحوه، وقال: "هذا منقطع، قبيصة لم يدرك عمر".
ثم أخرجه من طرق عن عمر بنحوه، وحكم بانقطاعها.
(2) في المطبوع: "لا".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في "المغني" (9/ 220/ 7544).
(5) في المطبوع: "لا يجوز قسمته"، وفي (أ): "لا يجوز قسمه"، وفي (ب) بدون تنقيط الأول من "يجوز".
(3/413)

أحمد في رواية غير واحد، وقيد ذلك [في "رواية أبي داود" بما] (1) إذا كان مالكه بالقرب (2).
- (ومنها): إذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين؛ فهي لهم نص عليه أحمد، وقال في "رواية أبي طالب": ليس بين الناس اختلاف في ذلك، وهذا متنزل (3) على القول بالملك، فإن قيل: لا يملكونها؛ فهي لربها متى وجدها، وقاله أبو الخطاب في "انتصاره"، ونفى صاحب "المغني" الخلاف في المذهب [في المسألة] (4)، فكأنه ظن أن أبا الخطاب وافق عليها؛ فإنه لم يقف على "الانتصار"، ولعل مأخذه أن الشارع ملك الكافر بإسلامه ما في يده من أموال المسلمين بقوله من أسلم على شيء، فهو له؛ فهذا تمليك جديد يملكونها به لا بالاستيلاء الأول، واللَّه أعلم.
وقد قيل: إن هذا يرجع إلى [أن] (5) كل ما قبضه الكافر من الأموال وغيرها قبضًا فاسدًا يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من النفوس والأموال بالإجماع.
__________
(1) في المطبوع و (ب): "من رواية أبي داود فيما".
(2) انظر: "رواية أبي داود" (ص 243).
(3) في المطبوع: "يتنزل".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
وانظر: "المغني" (9/ 220/ 7545).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/414)

- (ومنها): لو كان لمسلم أمتان أختان، فأبقت إحداهما إلى دار الحرب، فاستولوا عليها؛ فله وطء الباقية عنده لأن ملكه زال عن أختها، وقياس قول أبي الخطاب لا يجوز حتى يحرم الآبقة بعتق [و] (1) نحوه؛ لأنه يمنع من وطء إحدى الأختين ابتداءً [قبل تحريم] (2) الأخرى.
- (ومنها): لو استولى العدو على مال مسلم ثم عاد [إليه] (3) بعد حول أو أحوال، فإن قلنا: ملكوه؛ فلا زكاة عليه لما مضى [من المدة] (4) بغير خلاف، وإن قلنا: لم يملكوه؛ فهل يلزمه زكاته لما مضى؟
على روايتين بناءً على زكاة المال المغصوب والضائع من ربه.
- (ومنها): لو أعتق المسلم عبده الذي استولى عليه الكفار، فإن قلنا: ملكوه؛ لم يعتق، وإلا؛ عتق.
- (ومنها): لو سبى الكفار أمة مزوجة بمسلم (5)، فإن قلنا: يملكونها؛ فالقياس أنه ينفسخ النكاح؛ لأنهم يملكون رقبتها ومنافعها، فيدخل فيه منفعة بضعها، فينفسخ نكاح زوجها كما ينفسخ نكاح الكافرة المسبية بسبينا (6) لها لهذا المعنى.
__________
(1) في المطبوع و (ب): "أو".
(2) في (أ): "حتى تحرم".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في (ج): "لمسلم".
(6) في المطبوع: "لسبينا".
(3/415)

ومن الأصحاب من علل انفساخ [نكاح] (1) الكافرة المسبية بالجهل ببقاء زوجها؛ فيكون كالمعدوم، وعلى هذا يمتنع انفساخ النكاح ها هنا، وأبو الخطاب منع من انفساخ النكاح بالسبي بكل حال، وهو قول شاذ يخالف (2) الكتاب والسنة.
والعين المؤجرة كالأمة المزوجة سواء، فأما الزوجة الحرة؛ فلا ينفسخ النكاح بسببها؛ لأنهم لا يملكون الحرة بالسبي؛ فلا يملكون بضعها.
وفي "مسائل ابن هانئ" عن أحمد: إذا سبيت المرأة ولها زوج ثم استنقذت؛ تعود إلى زوجها إن شاءت (3)، وهذا يدل على انفساخ النكاح بالسبي، ووجهه أن منافع الحر (4) في حكم الأموال، ولهذا تضمن بالغصب على رأي؛ فجاز أن تملك بالاستيلاء، بخلاف عينه (5)، لا سيما والاستيلاء سبب قوي يملك به ما لا يملك بالعقود الاختيارية، ولهذا يملكون به المصاحف والرقيق المسلمين (6) ويملكون به [أم] (7) الولد على رواية؛ فجاز أن يملكوا به منفعة بضع الحرة، ولا يلزم من ذلك إباحة وطئها لهم؛ لأن
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع و (ج): "مخالف".
(3) في "مسائل ابن هانئ" (2/ 124/ 1712): "سألت أبا عبد اللَّه عن امرأةٍ من أهل الشرك يهودية، سباها المشركون، فظهر المسلمون عليها، فاستنفذوها من أيديهم إلى من ترد؟ قال: ترن إلى ذمتها وإلى أهل دينها" اه.
(4) في المطبوع و (ج): "الحرة".
(5) في المطبوع: "غيره".
(6) في المطبوع: "المسلم".
(7) في المطبوع: "كأم".
(3/416)

تصرفهم في أموال المسلمين لا يباح لهم؛ وإن قيل: إنهم يملكونها، وعلى هذا، فلو سبوا حرًّا (1) مستأجرًا لمسلم! انفسخت الإجارة أيضًا.
وقد تأول الآمدي قول أحمد: "ترجع إليه إن شاءت" على أن المراد إن شاءت ترجع إليه في العدة من وطء (2) أهل الحرب، وإن شاءت اعتدت في موضع آخر؛ لأن العدة ليست بحق له، وإنما هي حق عليها [لزمها من] (3) غير جهته، ولا يخفى بعد هذا التأويل من كلام أحمد وأن كلامه لا يدل عليه بوجه.
- (ومنها): لو استولى الكفار على مدبر لمسلم ثم عاد إلى سيده؛ فهل يبطل تدبيره؟
إن قلنا: إنهم لم يملكوه؛ لم يبطل، وإن قلنا: ملكوه؛ انبنى على أن المدبر إذا زال الملك فيه؛ فهل يبطل التدبير أم لا؟
على روايتين (4)، وجزم ابن أبي موسى ببطلانه ها هنا، فأما المكاتب؛ فلا تبطل كتابته لأنه يجوز بيعه ويبقى على كتابته، وكذلك المرهون؛ لأن الملك ينتقل فيه بالإرث وغيره، والرهن باقٍ.
- (سؤال): عندكم الكافر لا يملك انتزاع ملك المسلم بالشفعة
__________
(1) في المطبوع: "أجيرًا".
(2) في المطبوع: "في العدة في من"!
(3) في المطبوع: "لزمها في"، وفي (ب): "لربها من".
(4) في هامش (ب) كتت: "الصحيح: عدم البطلان؛ لأنه إذا عاد إليه؛ عاد التدبير".
(3/417)

قهرًا مع أنها معاوضة (1)؛ فكيف يملك عليه قهرًا بغير عوض؟
- ([و] (2) الجواب عنه): إن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بمجرد الاستيلاء على المنصوص عن أحمد، بل بالحيازة إلى دارهم؛ فعلى هذا لا يثبت لهم تملك في دار الإسلام، وعلى الرواية الأخرى المخرجة أنهم يملكونها (3) بمجرد الاستيلاء؛ فالمستولى عليه إما أن يكون عقارًا؛ فلا يتصور استيلاؤهم (4) عليه الا بمصير الدار دار حرب؛ فلا ملك لهم في دار الإِسلام [أيضًا] (5)، وإما أن يكون منقولًا؛ فالمنقول يخالف حكمه حكم العقار لأن العقار يختص بدار الإسلام والكافر ملتجئ إليها [ومستذم] (6) ومتحقن (7) بها، وليس من أهلها بالأصالة؛ فهو كالمستأجر مع المالك (8)، ولهذا يمنع الكافر من إحياء موات (9) في دار الإسلام على قول،
__________
(1) في المطبوع: "معلومة".
قال ابن القيم في "أحكام أهل الذّمة" (1/ 291): "لم يثبت عن واحدٍ من السلف لهم -أي: للمشركين وأهل الكتاب- حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد، وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة. . . " وأسهب في نصرته والتدليل عليه.
(2) ما بين المعقوفتين من (ج).
(3) في المطبوع: "يملكون".
(4) في (أ): "استيلاءهم"!
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(7) في المطبوع و (ج): "ومتحصن".
(8) في المطبوع: "المالكين".
(9) في المطبوع: "الموات".
(3/418)

مع أنه زيادة عمارة، وليس الموات ملكًا (1) لمعين من المسلمين؛ فكيف يمكن من انتزاع ملك المسلم المعين؟!
وإذا كان المسلم يباح له (2) مزاحمة الكافر فيما ثبت له فيه حق رغبة وإبطال حقه منه بعد سبقه إليه بالخطبة على خطبته والسوم على سومه؛ كما نص عليه أحمد استدلالًا بالحديث؛ فكيف يمكن من نقص ملك المسلم وانتزاعه منه قهرًا بعد ثبوت الملك له؟! هذا باطل قطعًا، وهذا أحسن من الاستدلال بقوله: وإذا لقيتموهم في طريق؛ فاضطروهم (3) إلى أضيقه (4)،
__________
(1) في (ج): "ليس تمليكًا".
(2) في (ج): " يجوز له".
(3) في المطبوع: "فاضطرهم"!
(4) أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يردّ عليهم، 4/ رقم 2167)، والبخاري في "الأدب المفرد" (رقم 1103، 1111)، والترمذي في "الجامع" (أبواب السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب، 4/ رقم 1602) -وقال: "حديث حسن صحيح"-، وأبو داود في "السنن" (كتاب الأدب، باب في السلام على أهل الذمة، 4/ رقم 5205)، وأحمد في "المسند" (2/ 263، 266، 346، 444، 459، 525)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (337)، والخلال في "جامعه" (2/ رقم 1106 - أحكام أهل الملل والرّدّة)؛ عن أبي هريرة بألفاظ، المذكور أحدها.
ومعنى قوله: "فاضطروهم إلى أضيقه": "لا تنحُّوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا، وليس المعنى: إذا لقيتموهم في طريق واسع، فألجئوهم إلى حَرْفِهِ حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى منا لهم، وقد نّهينا عن أذاهم بغير سبب. قاله القرطبي في "المفهم" (5/ 490 - ط ابن كثير)، ونقله ابن حجر في "الفتح" (11/ 31).
(3/419)

مع أني لم أر أحدًا استدل به، وقد استدل أحمد بحديث الطريق (1) وبالأمر بإخراجهم من جزيرة العرب (2).

18 - [الثامنة عشرة] (3) الغنيمة؛ هل تملك بالاستيلاء المجرد، أم لا بد معه من نية التملك (4)؟
__________
(1) لعله يريد حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا اختلفتم في الطُّرُقِ؛ فدعوا سبعةَ أذرُع".
أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب المظالم، باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء، رقم 2473)، ومسلم في "الصحيح" (كتاب المساقاة، باب قدر الطريق إذا اختلفوا، رقم 1613)، وغيرهما.
(2) يشير المصف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب الجهاد والسير، 4/ رقم 1767)، والنسائي في "الكبرى" -كما في "التحفة" (8/ 16) -، والترمذي في "الجامع" (أبواب السير، باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، رقم 1606، 1607)، وأبو داود في "السنن" (كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب، رقم 3030)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم 9985)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (12/ 345)، وأحمد في "المسند" (1/ 29، 32 و 3/ 345) -ومن طريقه الخلال في "الجامع" (1/ رقم 138) -، والطحاوي في "المشكل" (4/ 12)، وأبو عبيد في "الأموال" (270، 271)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 274)، والبيهقي في "الكبرى" (9/ 207)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم 2756)؛ عن عمر: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارى من جزيرة العرب؛ حتى لا أدَعَ إلا مُلسمًا". لفظ مسلم.
وانظر: "مسند الفاروق" (2/ 487) لابن كثير.
وانظر في المسألة وأقوال العلماء فيها: "أحكام أهل الذّمة" (2/ 291 وما بعدها).
(3) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(4) في المطبوع: "التمليك".
(3/420)

المنصوص عن أحمد وعليه أكثر الأصحاب أنها تملك بمجرد الاستيلاء وإزالة أيدي الكفار عنها، وهل يشترط مع ذلك فعل الحيازة كالمباحات أم لا؟
[على وجهين، و] (1) قال القاضي في "خلافه": لا يملك بدون احتياز التملك (2)، وتردد في الملك قبل القسمة؛ هل هو باقٍ للكفار، أوأن ملكهم انقطع عنها؟
وينبني على هذا الاختلاف (3) فوائد عديدة:
- (منها): جريانه في حول الزكاة، فإن كانت الغنيمة أجناسًا؛ لم ينعقد عليها حول بدون القسمة وجهًا واحدًا؛ لأن حق الواحد منهم [لم] (4) يستقر في جنس معين، وإن كانت نجسًا واحدًا، فوجهان:
أحدهما: ينعقد الحول عليها (5) بالاستيلاء بناءً على حصول الملك به. قاله القاضي في "المجرد" وابن عقيل.
والثاني: لا ينعقد بدون القسمة، قاله القاضي في "خلافه"، وحكاه عن أبي بكر، وبناه على أن الملك لا يثبت فيها بدون اختيار التملك لفظا، وهذا بعيد؛ لأن أبا بكر يقول بنفوذ العتق قبل القسمة، ولأنه لو كان كذلك؛
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "الملك".
(3) في المطبوع: "الخلاف".
(4) في (ج): "لا".
(5) في (ج): "بدون".
(3/421)

لانعقد الحول عليها باحتياز التملك دون (1) القسمة؛ إذ القسمة [بمجردها لا تفيد] (2) الملك عند القاضي، وإنما مأخذ أبي بكر أن استحقاق الغانمين ليس على وجه الشركة المحضة، ولذلك لا يتعين حق [أحدهم في شيء منها] (3) بدون حصوله له بالقسمة؛ فلا ينعقد عليها الحول قبلها؛ كما لو كانت أصنافًا.
- (ومنها): لو أعتق أحد الغانمين رقيقًا من المغنم بعد ثبوت رقه، أو كان [فيهم] (4) من يعتق عليه بالملك؛ عتق إن كان بقدر حقه، وإن كان حقه دونه؛ فهو كمن أعتق شقصًا [من عبد] (5)، نص عليه [أحمد] (6) في "رواية المروذي" و"ابن الحكم"، واختاره أبو بكر والقاضي في "المجرد"، وقال في "الخلاف": لا يعتق حتى يسبق تملكه لفظًا، ووافقه أبو الخطاب في "انتصاره"، لكنه (7) أثبت الملك بمجرد قصد التملك، واختار صاحب "المحرر" المنصوص فيما إذا كانت الغنيمة جنسًا واحدًا (8)، وقول القاضي فيما إذا كانت أجناسًا كما سبق في الزكاة.
وفي "الإرشاد" لابن أبي موسى: إن أعتق جارية معينة قبل القسمة؛
__________
(1) في المطبوع: "عليهما".
(2) في المطبوع: "مجردها لا يفيد"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في المطبوع: "أحد منهم في شيء منهما".
(4) في (أ): "لهم".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(7) في المطبوع: "ولكنه".
(8) انظر: "المحرر" (2/ 178).
(3/422)

لم يعتق، فإن حصلت له بعد ذلك بالقسمة؛ عتقت. قال: وإن كان في السبي من يعتق عليه بالملك؛ عتق عليه إن كان بقدر حصته، وإلا؛ عتق منه بقدر حصته؛ فكأنه جعله عتقًا قهريًّا؛ كالإرث، وفرق بينه وبين العتق الاختياري.
- (ومنها): لو استولد أحد الغانمين جارية من السبي قبل القسمة؛ فالمنصوص أنها تصير أم ولد له، ويضمن لبقية الغانمين حقوقهم منها، وقال القاضي في "خلافه": لا تصير مستولدة [له] (1)، وإنما يتعين حقه فيها؛ لأن حملها بحر يمنع بيعها [وقسمتها] (2)، وفي تأخير قسمتها حتى تضع ضرر على أهل الغنيمة؛ فوجب تسليمها إليه من حقه، وهذا بعيد جدًّا.
ولأبي الخطاب في "انتصاره" طريقة أخرى: وهي أنه إنما نفذ استيلادها لشبهة الملك فيها؛ وإن لم ينفذ إعتاقها كما ينفذ استيلاد (3) [الأب في أمة ابنه] (4) دون اعتاقها، وهو أيضًا ظاهر ما ذكره صاحب "المحرر"، وحكى في "تعليقه على الهداية" احتمالًا آخر بالفرق بين أن تكون الغنيمة جنسًا واحدًا أو أجناسًا كما ذكره في العتق.
- (ومنها): لو أتلف أحد الغانمين (5) شيئًا من الغنيمة قبل القسمة،
__________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في (ب) ولا (ج).
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (أ): "استيلاء"، وفي (ج) من المطبوع.
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "الابن في أمة أبيه"!
(5) في (ج): "أحد من الغانمين".
(3/423)

فإن قلنا: الملك ثابت فيها؛ فعليه ضمان نصيب شركائه خاصة، ونص عليه أحمد في الاستيلاد، وإن قلنا: لم يثبت الملك فيها؛ فعليه ضمان جميعها.
- (ومنها): لو أسقط الغانم حقه قبل القسمة؛ ففيه طريقان:
أحدهما: إنه مبني على الخلاف، فإن قلنا: ملكوها (1)؛ لم يسقط الحق بذلك، وإلا؛ سقط، وهو ظاهر ما ذكره القاضي في "خلافه".
والثاني: يسقط على القولين؛ لضعف الملك وعدم استقراره، وهو [ما ذكر صاحبا "الترغيب" و"المحرر"] (2).
- (ومنها): لو مات أحدهم قبل القسمة والاحتياز (3)؛ فالمنصوص أن حقه ينتقل إلى ورثته، وظاهر كلام القاضي أنه وافق على ذلك، وجعل الموروث (4) هو الحق دون المال، وفي "الترغيب": إن قلنا: لا يملك بدون الاحتياز (3)، فمن مات قبله؛ فلا شيء له ولا يورث عنه؛ كحق الشفعة، ويحتمل أن يقال على هذا: يكتفي بالمطالبة في ميراث الحق؛ كالشفعة.
- (ومنها): لو شهد أحد الغانمين بشيء من المغنم قبل القسمة، فإن
__________
(1) في المطبوع: "يملكونها".
(2) في المطبوع: "ما ذكره صاحب "المحرر" و"الترغيب"، وفي (ج): "ما ذكره صاحب "الترغيب" و"المحرر"".
وانظر: "المحرر" (2/ 178).
(3) في (ب) و (ج): "الاختيار".
(4) في المطبوع: "المورث".
(3/424)

قلنا: قد ملكوا (1)؛ لم يقبل؛ كشهادة أحد الشريكين للآخر، وإن قلنا: لم يملكوا؛ قبلت، ذكره القاضي في "خلافه"، قال الشيخ تقي الدين: وفي قبولها نظر؛ وإن قلنا: لم يملكوا لأنها شهادة تجر نفعًا (2).
قلت: هذا ذكره القاضي في مسألة ما إذا وطئ أحد الغانمين جارية من المغنم، وذكر في مسألة السرقة من بيت المال والغنيمة أنه لا يقبل (3). شهادة أحد الغانمين بمال الغنيمة مطلقًا، وهو الأظهر، [واللَّه أعلم] (4).

19 - [التاسعة عشرة] (5) القسمة؛ هل هي إفراز أو بيع؟
المذهب أن [قسمة الاجبار -وهي ما لا يحصل فيه رد عوض من أحد الشريكين ولا ضرر عليه] (6) - إفراز لا بيع، وذهب ابن بطة إلى أنها كالبيع في أحكامه، [وحكى الآمديُّ روايتين] (7)، [فأما ما كان فيه رد عوض؛ فهي بيع، و] (8) قال الشيخ مجد الدين: الذي يتحرر عندي فيما فيه رد أنه بيع فيما يقابل الرد، وإفراز في الباقي؛ لأن أصحابنا قالوا في قسمة الطلق عن
__________
(1) في المطبوع: "ملكوه".
(2) وردت عدة أحاديث فيها عدم قبول شهادة مَنْ جَرّ إلى نفسه بشهادته نفعًا. سقتها وتخريجها في تعليقي على "الموافقات" (4/ 65 - 66) للشاطبي؛ فانظره غير مأمور.
(3) في (أ) بدون نقط، وفي (ب): "لا نقبل"، وفي (ج): "لا تقبل".
(4) ما بين المعقوفتين انفرد بها (أ).
(5) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(6) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "القسمة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، وفي (ب): "وحكى الآمديُّ روايتان".
(8) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ج).
(3/425)

الوقف: إذا كان فيها رد من جهة صاحب الوقف؛ جاز لأنه يشترى [به] (1) الطلق، وإن كان من (2) جهة صاحب الطلق؛ لم يجز.
ويتفرع على الاختلاف في كونها إفرازًا أو بيعًا فوائد كثيرة:
- (منها): لو كان بينهما ماشية مشتركة، [فقسماها] (3) في أثناء الحول، واستداما خلطة الأوصاف، فإن قلنا: القسمة إفراز؛ لم ينقطع الحول بغير خلاف، وإن قلنا: بيع؛ خرج على بيع الماشية بجنسها في أثناء الحول؛ هل يقطعه أم لا؟
- (ومنها): إذا تقاسما وصرحا بالتراضي واقتصرا على ذلك؛ فهل يصح؟
إن قلنا: هي إفراز؛ صحت، وإن قلنا: [هي] (4) بيع؛ فوجهان ذكرهما (5) صاحب "الترغيب"، وكان مأخذهما الخلاف في اشتراط الإيجاب والقبول، وظاهر كلامه أنس تصح بلفظ القسمة على الوجهين، ويتخرج أن لا تصح (6) من الرواية التي حكاها في "التلخيص" باشتراط لفظ البيع والشراء في البيع.
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في المطبوع: "في".
(3) في المطبوع: "فاقتسماها"، وفي (ج): "فقسما".
(4) ما بين المعقوفتين من (أ).
(5) في المطبوع: "حكاهما".
(6) في المطبوع: "لا يصح".
(3/426)

- (منها): لو تقاسموا ثمر النخل والعنب على الشجر، [أو] (1) الزرع المشتد (2) في سنبله خرصًا، أو الربويات على ما يختارون من كيل أو وزن، فإن قلنا: هي إفراز؛ جاز، ونص عليه أحمد في رواية الأثرم في جواز القسمة بالخرص، وإن قلنا: [هي] (3) بيع؛ لم يصح، وفي "الترغيب" إشارة إلى خلاف في الجواز مع القول بالإفراز (4)، وكذلك لو تقاسموا الثمر على الشجر قبل صلاحه بشرط التبقية؛ فيجوز على القول بالإفراز (4) دون البيع.
-[(ومنها): لو تقاسموا أموالًا ربويّة (5)؛ جاز أن يتفرقوا قبل القبض على القول بالإفراز (4)، ولم يجز على القول بالبيع] (6).
- (ومنها): لو كان بعض العقار وقفًا وبعضه طلقًا، وطلب أحدهما القسمة؛ جازت إن قلنا: هي إفراز (7)، وإن قلنا: بيع؛ لم يجز لأنه بيع للوقف، فأما إن كان الكل وقفًا؛ فهل تجوز (8) قسمته؟
فيه طريقان:
__________
(1) في (ب): "و".
(2) في المطبوع: "المشتمل"!
(3) ما بين المعقوفتين من (ج).
(4) في (أ): "بالإقرار"!
(5) في (ج): "أموال ربويات".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(7) في (أ): "إقرار"!
(8) في المطبوع و (ب): "يجوز".
(3/427)

أحدهما: إنه كإفراز الطلق من الوقف سواء، وهو المجزوم به في "المحرر" (1).
والثاني: إنه [لا تصح القسمة] (2) على الوجهين جميعًا على الأصح، وهي طريقة "الترغيب"، وعلى القول بالجواز؛ فهو مختص بما إذا كان [وقفًا] (3) على جهتين (4) لا على جهة واحدة، صرح به الأصحاب، نقله الشيخ تقي الدين (5).
- (منها) قسمة المرهون كله أو بعضه (6) مشاعًا، إن قلنا: هي إفراز (7)، صحت (8)، وإن قلنا: بيع؛ لم تصح (9)، ولو استضر (10) بها المرتهن بأن (11) رهنه أحد الشريكين حصته (12) من بيت (13) معين من دار، ثم اقتسما
__________
(1) انظر: "المحرر" (2/ 215).
(2) في المطبوع: "لا يصح قسمته"، وفي (أ) و (ب): "لا يصح القسمة".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) في (ج): "وجهة"!
(5) انظر: "الاختيارات الفقهية" (350 - 351).
(6) في المطبوع: "أو نصفه".
(7) في (أ): "إقرار".
(8) في المطبوع: "صحة".
(9) في (أ): "لم يصح".
(10) في المطبوع: "استقر".
(11) في المطبوع: "فإن".
(12) في (أ): "حصة".
(13) في المطبوع: "حق".
(3/428)

فحصل البيت في حصة شريكه؛ فظاهر كلام القاضي أنه لا يمنع منه على القول بالإفراز (1)، [و] (2) قال صاحب "المغني": يمنع منه (3).
- (ومنها): إذا اقتسما أرضًا، فبنى أحدهما في نصيبه وغرس، ثم استحقت الأرض، فقلع (4) غرسه وبناؤه، فإن قلنا: هي إفراز (5)؛ لم يرجع على شريكه، وإن قلنا: بيع؛ رجع عليه بقيمة النقص (6) إذا كان عالمًا بالحال دونه، ذكره في "المغني" (7)، وجزم القاضي بالرجوع عليه مع قوله: إن القسمة إفراز (5).
- (ومنها): ثبوت الخيار فيها، وفيه (8) طريقان:
أحدهما: ينبني على الخلاف، فإن (9) قلنا: إفراز (5)؛ لم يثبت فيها خيار، وإن قلنا: بيع؛ ثبت، وهو المذكور في "الفصول" و"التلخيص"، وفيه ما يوهم اختصاص الخلاف [بخيار] (10) المجلس، فأما (11) خيار
__________
(1) في (أ): "بالإقرار".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) انظر: "المغني" (4/ 261/ 3396).
(4) في المطبوع: "يقلع".
(5) في (أ): "إقرار".
(6) في المطبوع: "القبض".
(7) (10/ 151/ 8322).
(8) في (ج): "وفيها".
(9) في المطبوع و (ب): "وإن".
(10) في المطبوع: "في خيار".
(11) في (ب): "وأما".
(3/429)

الشرط (1)؛ فلا يثبت فيها على الوجهين.
والثاني: يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشرط على الوجهين [جميعًا] (2)، قاله القاضي في "خلافه" معللًا بأن ذلك جعل للارتياء [فيما] (3) فيه الحظ، وهذا المعنى موجود في القسمة.
قال (4) الشيخ تقي الدين: وهذا صريح في أن قسمة التراضي إفراز؛ لأن قسمة الإجبار لا معنى لثبوت الخيار فيها؛ إذ في كل لحظة يملك الإجبار؛ فلا ينفع (5) ثبوت الخيار في فسخها. وذكر أيضًا أنه حيث وجبت القسمة؛ فينبغي أن تكون لازمة؛ لأن أحدهما إذا (6) فسخها؛ كان للآخر مطالبته بإعادتها؛ فلا فائدة فيه، وقد يكون فيه ضرر على أحدهما؛ فإنه قد يتصرف (7) فيما حصل له ولغيره (8)، فإذا نقضت (9) القسمة؛ تضرر (10) بذلك ولم يحصل له الانتفاع، ولا سيما إن تكرر ذلك من شريكه [مضاررة] (11).
__________
(1) في المطبوع: "المجلس"!
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) في (ج): "بما".
(4) في المطبوع: "وقال".
(5) في المطبوع: "فلا يقع"، وفي (ب): "فلا يمنع".
(6) في المطبوع: "لو".
(7) في (ب): "يتصف".
(8) في (أ): "وبغيره".
(9) في المطبوع: "انقضت".
(10) في المطبوع: "تقرر"!
(11) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، وفي المطبوع و (ج): "مضارة".
(3/430)

قلت: ويشهد لهذا ما ذكره القاضي في "خلافه" في المعسر (1) بالنفقة إذا طلق الحاكم عليه رجعيًّا ثم ارتجع من غير يسار تجدد (2) له؛ أنه لا تصح (3) رجعته؛ لما فيه من اعادة الضرر الذي أزلناه بالطلاق، وقال ابن عقيل في "عمد الأدلة" وصاحب "المغني": له الرجعة، فإذا ارتجع؛ عادت المطالبة [له] (4)، فإن [أبي] (5)؛ طلق عليه حتى يستوفي الطلاق الثلاث (6)، وأخذه ابن عقيل من المولى (7) إذا طلق في أثناء المدة بعد طلب [الفيئة] (8) طلاقًا رجعيًّا، فإن له الرجعة (9)، ويطالب ب[الفيئة] (8) ثانيًا، والقاضي يفرق بينهما بأن رجعة المولي أقرب إلى حصول مقصود المرأة من الفيئة من حال العدة (10) الجارية إلى البينونة، بخلاف رجعة المعسر (11)،
__________
(1) في المطبوع: "المعنيين".
(2) في المطبوع: "تحدد"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(3) في المطبوع: "لا يصح".
(4) في (ب): "لها".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) قال في "المغني" (8/ 165/ 6476): "فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق، فطلق أقل من ثلاث، فله الرجعة عليها ما دامت في العدة، فإن راجعها وهو معسر، أو امتنع من الإنفاق عليها، ولم يمكن الأخذ من ماله؛ فطلبت المرأة الفسخ؛ فللحاكم الفسخ لأن المقتضي له باقٍ أشبه ما قبل الطلاق" اه.
(7) في المطبوع: "من المولى عليه".
(8) في (أ): "الغنيمة"، وفي (ب): "الفئة".
(9) في المطبوع: "رجعتها".
(10) في (ج): "حال العسرة".
(11) في (ج): "رجعة الموسر".
(3/431)

ولكن لا يتوجه على قول ابن عقيل التمكين من فسخ قسمة الإجبار هنا؛ لأن الضرر في الطلاق لا يتأبد لأنه محدود بثلاث مرات، بخلاف ضرر الفسخ هنا؛ فإنه لا نهاية له (1).
وذكر الشيخ تقي الدين أن المولي إذا طلق؛ لم يمكن (2) من الرجعة إلا بشرط أن يفيء (3)؛ لأن أصل الرجعة إنما أباحها اللَّه لمن أراد الإصلاح؛ فكيف بالمولي الذي يظهر (4) منه قصد الإضرار؟! فلا يمكن من الرجعة بدون شرط الفيئة؛ [لئلا يكون] (5) ارتجاعه زيادة في الإِضرار.
وذكر في "الكافي" في هذه المسألة أنهما إن اقتسما بأنفسهما؛ لم تلزم (6) القسمة إلا بتراضيهما وتفرقهما (7)؛ كالبيع، وإن قسم بينهما الحاكم أو قاسمه أو عدل (8) عالم نصباه (9) بينهما؛ لزمت قسمته بغير رضاهما؛ إلا
__________
(1) في المطبوع: "فإنه يكون لا نهاية له".
(2) في المطبوع: "لم يكن".
(3) قال شيخ الإسلام في "الاختيارات الفقهية" (ص 275 - 276): "وإذا لم يفيء وطلق بعد المدة أو طلق الحاكم عليه؛ لم يقع إلا طلقة رجعية، وهو الذي يدل عليه القرآن، ورواية عن أحمد، فإذا راجع؛ فعليه أن يطأ عقب هذه الرجعة إذا طلبت ذلك منه، ولا يمكَّن من الرجعة إلا بهذا الشرط، ولأن اللَّه إنما جعل الرجعة ان أرادا إصلاحًا بقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] ".
(4) في (ب): "ظهر".
(5) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "لأن"!
(6) في المطبوع: "لم يلزم".
(7) في (أ): "ومعرفتهما".
(8) في (ج): "أو رجل".
(9) في المطبوع: "نصفاه"!
(3/432)

أن يكون فيها رد؛ فوجهان نظرًا إلى أنها بيع، فيقف (1) على الرضا، وإلى أن [القاسم كالحاكم] (2)، وقرعته كحكمه (3).
- (ومنها): ثبوت الشفعة بها (4)، وفيه طريقان:
أحدهما: بناؤه على الخلاف، فإن قلنا: إفراز (5)؛ لم يثبت، [وإن قلنا: بيع] (6)؛ ثبت، وهو ما ذكره السامري في باب الربا.
والثاني: لا يوجب الشفعة على الوجهين، قاله القاضي وصاحب "المحرر"؛ لأنه لو ثبت لأحدهما على الآخر؛ لثبت للآخر عليه، فيتنافيان، ومنها قسمة المتشاركين في الهدي والأضاحي اللحم، فإن قلنا: إفراز؛ جازت، وإن قلنا: بيع؛ لم تجز (7)، وهذا ظاهر كلام الأصحاب.
- (ومنها): لو حلف لا يبيع، فقاسم، فإن قلنا: القسمة بيع؛ حنث، وإلا؛ فلا، ذكره الأصحاب، وقد يقال: الأيمان محمولة على العرف، [ولا] (8) نسمى القسمة بيعًا في العرف؛ فلا يحنث بها ولا بالحوالة ولا بالإقالة، وإن قبل (9): هي بيوع.
__________
(1) في (ج): "فتقف".
(2) في المطبوع: "المقاسم كالحاكم"، وفي (ب): "القاسم حاكم".
(3) انظر: "الكافي" (4/ 475).
(4) في المطبوع: "فيها".
(5) في (أ): "إقرار".
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "وإلا".
(7) في المطبوع: "لم يجز"، وفي (أ) بدون تنقيط.
(8) في (ج): "فلا".
(9) في (ج): "وإن قلنا".
(3/433)

- (ومنها): لو اقتسم الورثة التركة (1)، ثم ظهر على الميت دين أو وصية، فإن قلنا: هي إفراز (2)؛ فالقسمة باقية على الصحة (3)، وإن قلنا: بيع؛ فوجهان بناءً على الخلاف في بيع التركة المستغرقة بالدين، وقد سبق.
- (منها): لو ظهر في القسمة غبن فاحش، فإن قلنا: هي افراز (2)؛ لم يصح لتبين فساد الإفراز، وإن قلنا: بيع؛ صحت وثبت فيها خيار الغبن [في البيع] (4)، ذكره في "الترغيب" [والبلغة] (5).
- (ومنها): لو اقتسما دارًا نصفين [ثم] (4) ظهر بعضها مستحقًّا، فإن قلنا: القسمة افراز (6)؛ انتقضت القسمة لفساد الإفراز (7)، وإن قلنا: بيع؛ [لم تنتقض، ورجع] (8) على شريكه بقدر حقه في المستحق إذا (9) قلنا بذلك في تفريق الصفقة؛ كما لو اشترى دارًا فبان بعضها مستحقًّا، ذكره الآمدي، وفي "المحرر": إن [كان] (10) المستحق معينًا وهو في الحصتين؛
__________
(1) في المطبوع: "العقار".
(2) في (أ): "إقرار".
(3) في (ب): "الصحيح".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "وقيده بقسمة القراض".
(6) في المطبوع: "فراز"، وفي (أ): "إقرار"!
(7) في (أ): "الإقرار".
(8) في المطبوع: "لم ينتقض ويرجع"، وفي (ج): "لم تنتقض ويرجع".
(9) في المطبوع و (ج): "كما إذا".
(10) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/434)

فالقسمة بحالها (1)، ولم يحك خلافًا، وذكر صاحب "الكافي" احتمالًا بالبطلان (2) بناءً على عدم تفريق الصفقة إذا قلنا: هي بيع، وإن كان المستحق معينًا في إحدى الحصتين، أو شائعًا فيهما (3)، أو في إحديهما (4)؛ فثلاثة أوجه في "المحرر":
أحدها: (5) تبطل.
والثاني: لا تبطل.
والثالث: تبطل بالاشاعة في إحديهما خاصة (6)، وهو ظاهر كلام [صاحب "المغني"] (7).
والأول اختار القاضي وابن عقيل مع قولهما بتفريق الصفقة، [قال الشيخ مجد الدين: والوجهان الأولان فرع على قولنا بتفريق الصفقة في البيع] (8)، فأما إن قلنا: لا تتفرق (9) هناك، بطلت ها هنا وجهًا واحدًا،
__________
(1) ولفظ "المحرر" (2/ 218): "وإذا تقاسما، ثم استحق من الحصتين شيء معين؛ فالقسمة بحالها في الباقي".
(2) انظر: "الكافي" (3/ 476).
(3) في (ب): "فيها".
(4) في المطبوع: "أحدها"، وفي (ب) و (ج): "إحداهما".
(5) في (ب): "إحداها".
(6) في (ب): "في إحداهما خاصة".
وانظر: "المحرر" (2/ 218).
(7) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "القاضي".
وانظر: "المغني" (10/ 151/ 8322).
(8) في المطبوع: "المبيع".
(9) في المطبوع: "لا تفريق".
(3/435)

[وفي] (1) "البلغة": إذا ظهر بعض حصة أحدهما مستحقًّا؛ انتقضت القسمة، وإن [ظهر في حصتهما] (2) على استواء النسبة [وكان معينًا] (3): لم ينتقض [إذا عللنا فساد] (4) تفريق الصفقة بالجهالة، وإن عللناه باشتمالها على [ما لا] (5) يجوز؛ بطلت، وإن كان المستحق مشاعًا؛ انقضت القسمة في الجميع على أصح الوجهين.
- (ومنها): إذا مات رجل وزوجته حامل، وقلنا: لها السكنى، فأراد الورثة قسمة المسكن قبل انقضاء العدة من غير إضرار بها بأن يعلموا الحدود بخط أو نحوه [من غير] (6) نقص ولا بناء؛ ففي "المغني": يجوز ذلك (7)، ولم ينبه على الخلاف في القسمة، مع أنه قال: لا يصح بيع المسكن في هذه الحال؛ لجهالة مدة الحمل المستثناة فيه حكمًا، وهذا يدل على أن [مثل] (8) هذا يغتفر في القسمة على الوجهين، ويحتمل أن يقال متى قلنا: القسمة بيع، وإن بيع هذا المسكن [لا] (8) يصح؛ لم تصح القسمة.
__________
(1) في (ب): "أو في".
(2) في المطبوع: "ظهرت حصتها".
(3) في (أ): "فإن كان معينًا"، وفي (ج): "وكان معللًا".
(4) في المطبوع: "وإذا عللنا بفساد".
(5) في (أ): "ما" فقط.
(6) في المطبوع: "بغير".
(7) انظر: "المغني" (8/ 128/ 6394).
(8) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/436)

- (ومنها): قسمة الدين في ذمم الغرماء، فإن قلنا: [إن] (1) القسمة إفراز (2)؛ صحت، وإن قلنا: بيع؛ لم تصح.
وقد حكى الأصحاب في المسألة روايتين، وهذا البناء يتوجه (3) على طريقة من طرد الخلاف في قسمة التراضي؛ كالشيخ تقي الدين [رحمه اللَّه تعالى] (4) مع أنه يميل إلى دخول الإجبار في قسمة الديون (5) على الغرماء المتقاربين في الملاءة؛ لأن الذمم عندنا تتكافأ بدليل الإجبار على قبول الحوالة على المليء (6).
وخص القاضي وابن عقيل الروايتين بما إذا كان الدين في ذمتبن فصاعدًا، فإن كان في ذمة [واحدة] (7)؛ لم تصح قسمته رواية واحدة، وأنكر ذلك الشيخ مجد الدين، ويشهد لقوله أن القاضي في "خلافه" قال: إذا قبض أحد الشريكين من الدين بإذن شريكه؛ اختص بما قبضه، وفرق [في موضع آخر] (8) بين الدين الثابت بعقد؛ فيختص أحد الشريكين بما قبضه منه ولو بغير إذن [شريكه] (9)، وبين الثابت بإرث ونحوه؛ فلا يختص، وقد
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ج).
(2) في (أ): "إقرار"!
(3) في المطبوع: "متوجه".
(4) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ج)، وفي (ب): "رحمه اللَّه".
(5) في المطبوع: "الدين".
(6) انظر: "الاختيارات الفقهية" (ص 350).
(7) في المطبوع: "واحد"!
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(9) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3/437)

نص أحمد في "رواية ابن منصور" على الاشتراك في ثمن الطعام المشترك، ونص في روايته [أيضًا] (1) على جواز القسمة بالتراضي في الذمة الواحدة.
وسلك صاحب "المغني" (2) في توجيه الروايتين في المسألة طريقة ثانية، وهي أن قبض أحد الشريكين من الدين المشترك؛ هل هو قسمة للدين أو تعيين [لحقه] (3) بالأخذ؛ كالإبراء؟
فإن قلنا: هو قسمة؛ لم يجز لأحدهما الانفراد بالقبض، فإن أذن الشريك فيه؛ فوجهان:
أحدهما: يصح، وينفرد به القابض؛ لأن الحق لشريكه، وقد أسقطه.
والثاني: لا يصح، وهو قول أبي بكر؛ لأن حق الشريك في الذمة [لا في عين المال؛ فلا ينفع إذنه في قبض الأعيان، وفيه ضعف؛ فإن الأعيان هي متعلق حقه، وكذلك (4) يتعلق حقوق غرماء المفلس بماله، وإن قلنا: ليس القبض قسمة؛ جاز لأن حق الشريك في الذمة] (5)، [و] (6) لا ينتقل إلى العين إلا بقبض الغريم أو وكيله، فقبض الشريك [لنفسه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في "المغني" (5/ 48/ 3729).
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(4) في (ب): "ولذلك".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(3/438)

تعيين] (1) لحقه لا غير؛ فيختص به دون شريكه، سواء كان بإذن الشريك أو بدونه (2).
[و] كذلك حكى صاحب "المغني" هذه الرواية (3)، وذكر عن أحمد ما يدل عليها، وقد أنكرها أبو بكر عبد العزيز، ويتوجه عندي في توجيه الروايتين طريقة ثالثة، وهي أن أحد الشريكين إذا قبض من الدين [المشترك] (4)؛ فإنما قبض حقه المختص به، لكن ليس له القبض دون شريكه؛ لاشتراكهما في أصل الاستحقاق؛ كغرماء المفلس، فإذا قبض بدون إذن شريكه؛ فهل لشريكه مقاسمته [فيما قبضه] (5) أم لا؟
على الروايتين؛ فوجه المحاصة القياس على قبض بعض الشركاء من الأعيان المشتركة بدون قسمة؛ كالمواريث (6)، أو من الأعيان المتعلق بها حقوقهم؛ كمال المفلس، ووجه عدم المحاصة أن المقبوض من الدين كله حق القابض (7)، ولهذا لو [تلف في يده؛ لتلف كله] (8) من نصيه، ولم يضمن لشريكه شيئًا، بخلاف القبض من الأعيان؛ فعلى هذه الرواية لا
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "تعين".
(2) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(3) انظر: "المغني" (5/ 48/ 3729).
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(6) في (ج): "كالوارث".
(7) في المطبوع: "حق للقايض".
(8) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "أتلف في يده كان".
(3/439)

فرق [بين] (1) أن يقبض بإذن الشريك أو بدونه، وعلى الأولى إن قبض بإذنه؛ فهل له محاصته (2) فيه؟
على وجهين؛ لأن حقه في المحاصة إنما ثبت (3) بعد القبض؛ فهو كإسقاط الشفعة قبل البيع، [واللَّه أعلم] (4)، وقد يقال: التراضي بقبض كل واحد منهما بعض الدين قسمة له؛ لأن القسمة في الأعيان تقع بالمحاسبة (5) والأقوال في النصوص (6)، فكذا في الديون، وأما إن كان المشترك بعضه عينًا وبعضه دينًا؛ فأخذ بعض الشركاء العين وبعضهم الدين؛ فقد (7) نص أحمد على جوازه مع الكراهة، وحكاه عن ابن عباس (8)، وقال: لا يكون إلا في الميراث، وخرجه الشيخ مجد الدين على القول بجواز بيع الدين من غير الغريم؛ لأن هذه القسمة بيع بغير خلاف عنده، وعلى ما ذكره الشيخ تقي الدين قد يطرد فيها الخلاف (9)، واللَّه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(2) في المطبوع: "محاصة".
(3) في (ب) و (ج): "يثبت".
(4) ما بين المعقوفتين انفرد بها المطبوع.
(5) في المطبوع: "في المحاسبة".
(6) في المطبوع و (ج): "المنصوص".
(7) في المطبوع: "وقد".
(8) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (8/ رقم 14360، 14361، 14362، 14367)، و"السنن الكبرى" (6/ 28) للبيهقي، و"أحكام القرآن" (2/ 200 - ط دار إحياء التراث). وانظر: "كنز العمال" (4/ 201).
(9) انظر: "مجموع الفتاوى" (29/ 468 - 474)، و"تفسير آيات أشكلت" (2 =
(3/440)

أعلم.
- (ومنها): قبض أحد الشريكين نصيبه من المال المشترك المثلي مع غيبة الآخر [أو] (1) امتناعه من الإذن بدون إذن الحاكم، وفيه وجهان سبق ذكرهما في القواعد، والوجهان على قولنا: القسمة إفراز (2)، فإن قلنا: هي بيع؛ لم يجز وجهًا واحدًا، فأما (3) غير المثلي؛ فلا يقسم إلا مع الشريك أو من يقوم مقامه؛ كالوصي والولي والحاكم.
- (ومنها): لو اقتسما دارًا، فحصل الطريق في نصيب أحدهما ولم يكن للآخر منفذ بتطرق منه؛ فقال أبو الخطاب وصاحب "المغني" و "المحرر": تبطل القسمة (4).
وخرج صاحب "المغني" فيه وجهًا آخر: إنها تصح، ويشتركان في الطريق (5)؛ من نص أحمد على اشتراكهما في مسيل (6) الماء، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق في القواعد، ويتوجه أن يقال: إن قلنا: القسمة إفراز؛ بطلت، وإن قلنا: بيع؛ صحت ولزم الشريك تمكينه من الاستطراق، بناءً على قول الأصحاب: إذا باعه بيتا من وسط داره ولم يذكر طريقا؛ صح البيع
__________
= / 637)، كلاهما لابن تيمية، و"مسائل صالح" (2/ 196/ 761)، و"الإنصاف" (5/ 44)، وفي (ج): "الخلاف أيضًا".
(1) في المطبوع: "و".
(2) في (أ): "إقرار".
(3) في (أ): "وأما".
(4) انظر: "المغني" (10/ 152/ 8325)، و"المحرر" (2/ 218).
(5) في (ب): "التطرق".
(6) في (ب): "سيد".
(3/441)

واستتبع طريقه، ذكره (1) القاضي في "خلافه"، [و] (2) لو اشترط عليه الاستطراق في القسمة؛ صح، قال الشيخ مجد الدين: هذا قياس مذهبنا [في جواز بيع الممر] (3).
- (منها): لو حلف لا يأكل مما اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعامًا مشاعًا، وقلنا: يحنث بالأكل منه، فتقاسماه، ثم أكل الحالف من نصيب عمرو؛ فذكر الآمدي أنه لا يحنث لأن القسمة إفراز [حق] (4) لا بيع، وهذا يقتضي أنه يحنث إذا قلنا: هي بيع، وقال القاضي: قياس المذهب أنه يحنث مطلقًا لأن القسمة لا تخرجه عن أن يكون زيدًا اشتراه، ويحنث عند أصحابنا بأكل ما اشتراه زيد، ولو انتقل الملك عنه إلى غيره، وفي المعنى احتمال: لا يحنث [ها] (5) هنا، وعليه يتخرج أنه لا يحنث إذا (6) قلنا: القسمة بيع، [واللَّه أعلم] (7).
ونختم هذه الفوائد بذكر فائدتين، بل قاعدتين يكثر ذكرهما في مسائل الفقه، وتنتشر (8) فروعهما انتشارًا كثيرًا، ونذكر ضوابطهما
__________
(1) في المطبوع: "كما ذكره".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(4) ما بين المعقوفتين ليس في (أ).
(5) ما بين المعقوفتين من (أ).
(6) في (ج): "إن".
(7) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(8) في المطبوع: "وانتشر".
(3/442)

وأقسامهما (1):

20 - [العشرون] (2) الفائدة الأولى: التصرفات للغير بدون إذنه؛ هل تقف على إجازته أم لا؟
ويعبر عنها بتصرف الفضولي، وتحتها أقسام:
(القسم الأول): أن تدعو الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، ويتعذر استئذانه؛ اما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة انتظاره؛ فهذا التصرف مباح جائز موقوف على الإجازة، وهو في الأموال غير مختلف فيه في المذهب وغير محتاج إلى إذن حاكم على الصحيح، وفي الإبضاع مختلف فيه؛ غير أن الصحيح من المذهب جوازه أيضًا، وفي افتقاره إلى الحاكم خلاف، فأما الأموال؛ فكالتصدق (3) باللقطة التي لا تملك، وكالتصدق بالودائع والغصوب التي لا يُعرف (4) ربها أو انقطع خبره، وقد سبق في القواعد استقصاء [صور] (5) هذا النوع، ويكون ذلك موقوفًا، فإن أجازه المالك؛ وقع له أجره، وإلا، ضمنه المتصرف وكان أجره له، صرح [بذلك] (6) الصحابة رضي اللَّه عنهم.
وأما الإِبضاع؛ فتزويج امرأة المفقود إذا كانت غيبته ظاهرها الهلاك،
__________
(1) في المطبوع: "وأقسامهما"، وفي (أ): "وأقسامها".
(2) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(3) في المطبوع: "فكالتصرف"!
(4) في المطبوع: "لا تُعرف"!
(5) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6) في المطبوع: "به".
(3/443)

فإن امرأته تتربص أربع سنين، ثم تعتد وتباح للأزواج، وفي توقف ذلك على الحاكم روايتان، واختلف في مأخذهما؛ فقيل: لأن أمارات موته ظاهرة؛ فهو كالميت حكمًا، وقيل: بل لأن انتظاره يعظم به الضرر على زوجته؛ فيباح لها فسخ نكاحه؛ كما لو ضارها بالغيبة وامتنع من القدوم مع المراسلة.
وعلى هذين المأخذين ينبني [على] (1) أن الفرقة؛ هل تنفذ (2) ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط؟ وينبني الاختلاف (3) في طلاق الولي (4) لها، وله مأخذ ثالث -وهو الأظهر-، وهو أن الحاجة دعت هنا إلى التصرف في حقه من بضع الزوجة بالفسخ عليه؛ فيصح الفسخ [وتزوجها بغيره] (5) ابتداءً؛ للحاجة، فإن لم يظهر؛ فالأمر على ما هو عليه، وإن ظهر؛ [كان ذلك موقوفًا] (6) على إجازته، فإذا قدم؛ فإن شاء أمضاه وإن شاء رده.
[و] (7) القسم الثاني: أن لا تدعو الحاجة إلى هذا التصرف ابتداءً بل إلى صحته وتنفيذه بأن تطول مدة التصرف [وتكثر، ويتعذر] (8) استرداد أعيان
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به (أ).
(2) في المطبوع: "هل تبطل".
(3) في المطبوع: "وتبنى الاختلاف"، وفي (ج): "وينبني الخلاف".
(4) في المطبوع: "المولى".
(5) في المطبوع: "ويزوجها بغيره"، وفي (ج): "وتزوجها لغيره".
(6) في المطبوع: "فإن ذلك موقوف".
(7) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(8) في المطبوع: "وتكثر ويتعدد"، وفي (ب): "وتكثر وتتعذر"، وفي (ج): "ويكثر ويتعذر".
(3/444)

أمواله؛ فللأصحاب فيه طريقان:
أشهرهما: إنه على الخلاف الآتي ذكره.
والثاني: إنه [ينفذ ها هنا] (1) بدون إجازة؛ دفعًا لضرر المالك بتفويت الربح وضرر المشترين (2) بتحريم ما قبضوه بهذه العقود، وهذه طريقة صاحب "التلخيص" في باب المضاربة وصاحب "المغني" في موضع منه (3).
[و] (4) القسم الثالث: أن لا تدعو الحاجة إلى ذلك ابتداءً ولا دوامًا؛ فهذا القسم في بطلان التصرف [فيه] (5) من أصله ووقوفه على إجازة المالك وتنفيذه روايتان معروفتان، واعلم أن لتصرف الشخص في مال غيره حالتين (6):
(إحداهما): أن يتصرف فيه لمالكه؛ فهذا محل الخلاف الذي ذكرناه، وهو ثابت (7) في التصرف في ماله بالبيع والإجارة ونحوهما، وأما في النكاح؛ فللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: إجراؤه على الخلاف، وهو ما قال القاضي والأكثرون.
__________
(1) في المطبوع: "ينفذها هنا".
(2) في المطبوع: "وضرر المشتري".
(3) انظر: "المغني" (5/ 159/ 3976).
(4) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في (ب).
(6) في المطبوع: "حالتان"!
(7) في المطبوع: "نائب"!
(3/445)

والثاني: الجزم ببطلانه قولًا واحدًا، وهو طريق أبي بكر وابن أبي موسى.
ونص أحمد على التفريق بينهما في "رواية ابن القاسم"؛ فعلى هذا لو زوج المرأة أجنبي ثم أجازه (1) الولي؛ لم ينفذ بغير خلاف؛ كما لو زوجت المرأة نفسها.
نعم، لو زوج غير الأب من الأولياء الصغيرة بدون إذنها، أو زوج الولي الكبيرة بدون إذنها؛ فهل يبطل من أصله، أو يقف على إجازتها؟
على روايتين، ذكر ذلك ابن أبي موسى.
(الحالة الثانية): أن يتصرف [فيه] (2) لنفسه، وهو الغاصب، ومن يتملك مال غيره لنفسه، فيجيزه له المالك، فأما الغاصب؛ فذكر أبو الخطاب في جميع تصرفاته الحكمية روايتين، إحداهما: البطلان، والثانية: الصحة؛ قال: وسواء في ذلك العبادات؛ كالطهارة [والصلاة] (2) والزكاة والحج والعقود؛ كالبيع والإجارة والنكاح، و [تبعه] (2) على ذلك جماعة ممن بعده، ثم منهم من أطلق هذا الخلاف غير مقيد بالوقف على الإجازة، ومنهم من قيده بها؛ كالقاضي في "خلافه" وابن عقيل وصاحب "المغني" في موضع من كلامهما (3)، فإن أريد بالصحة من غير وقف على الإجازة
__________
(1) في المطبوع: "أجاز".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(3) انظر: "المغني" (5/ 159/ 3976).
(3/446)

وقوع التصرف عن (1) المالك وإفادة ذلك للملك (2) له؛ فهو الطريق الثانية (3) في القسم الثاني الذي سبق ذكره، وإن أريد الوقوع للغاصب من غير إجازة؛ ففاسد قطعًا [إلا] (4) في صورة شرائه في الذمة إذا فقد (5) المال من المغصوب، فإن الملك يثبت (6) له فيها، نص عليه في "رواية المروذي"، ولا ينافي ذلك قولنا: إن الربح للمالك؛ لأنه فائدة ماله وثمرته (7)؛ فيختص به؛ وإن كان أصل الملك لغيره، صرح به القاضي في "خلافه".
ومن فروع ذلك في العبادات المالية: لو أخرج الزكاة عن ماله من مال حرام؛ فالمشهور أنه يقع باطلا، وحكي [عن أحمد] (8) أنه إن أجازه المالك؛ أجزأته، وإلا؛ فلا (9).
__________
(1) في المطبوع: "من".
(2) في المطبوع: "للمالك"، وفي (ج): "للتمليك".
(3) في المطبوع و (ج): "الثاني".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) في المطبوع: "نفذ".
(6) في المطبوع: "ثبت".
(7) في المطبوع: "ويلزمه"!
(8) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "عنه".
(9) قال المصنف في "جامع العلوم والحكم" (ص 126 - 127، أو ص 267 - 269 - ط الرسالة) عند شرحه الحديث العاشر: "إن اللَّه طيب. . . " ما نصه:
"واعلم أنّ من العلماء من جمل تصرُّف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفًا على إجازه مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه؛ جاز، وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد: إن من أخرج زكاته من مالٍ مغصوب ثم أجاز له المالك؛ جاز وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرج ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزمًا ضمانه في ماله ثم =
(3/447)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أجازه المالك؛ جاز ونفذ عتقه، وهو خلاف نص أحمد، وحكي عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازها المالك؛ أجزأت عنه.
الوجه الثاني من تصرفات الغاضب في المال المنصوب: أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته؛ فهذا جائز عند أكثر العلماء؛ منهم مالك وأبو حنيفة واحمد وغيرهم، قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث؛ إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهل العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا يربان أن يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاجها، وجعلوه إذا جاء مخيرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب. انتهى.
وروي عن مالك بن دينار؛ قال: سألت عطاء بي أبي رباح عمن عنده مالٌ حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به، ولا أقول: إن ذلك يجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب الي من وزنه ذهبًا.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يرده إليهم، فإن لم يقدر عليهم؛ تصدق به كله، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن نكره معاملته لشبهة ماله؛ قال: يتصدق بالثمن، وخالفه ابن المبارك وقال: "يتصدق بالربح خاصة. وقال أحمد: يتصدق بالربح.
وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيع ممن تكره معاملته: أنه يتصدق منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي، وقد روي عن طائفةٍ من الصحابة نحو ذلك؛ منهم عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن يزيد الأنصاري.
والمشهور عن الشافعي رحمه اللَّه في الأموال الحرام أنها تُحفظ ولا يُتصدَّق بها حتى يظهر مستحقَّها.
وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه؛ أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا بتصدق به، وقال: لا يتقرَّب إلى اللَّه إلا بالطيب، والصحيح الصدقة به؛ لأن =
(3/448)

- (ومنها): لو تصدق الغاصب بالمال؛ فإنه لا تقع الصدقة له ولا يثاب عليه، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (1)، ولا يثاب المالك على ذلك أيضًا؛ لعدم تسببه (2) إليه، ذكره
__________
= إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدًا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقرُّبًا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا".
قلت: وانظر تفصيلًا حسنًا حول هذه المسألة في كتابي: "أحكام المال الحرام" يسير اللَّه إتمامه بخيرٍ وعافية.
(2) في المطبوع و (ج): "نسبته".
(1) أخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، 1/ رقم 224)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الطهارة، باب ما جاء لا تُقْبل صلاةٌ بغير طهور، 1/ رقم 1) -وقال: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن"-، وابن ماجة في "السنن" (كتاب الطهارة وسننها، باب لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، 1/ رقم 272)، وأحمد (2/ 20، 39، 51، 57، 73)، والطيالسي (رقم 1874)، وأبو يعلى (رقم 5614، 5616، 6515)، وأبو عوانة (1/ 234)، والحسن بن سفيان -كما في "الفتح" (3/ 278) - في "مسانيدهم"، وابن أبي شية في "المصنف" (1/ 4 - 5)، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم 54 - بتحقيقي)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص 129)، وابن خزيمة في "الصحيح" (رقم 8)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم 65)، وأبو أحمد الحاكم في "شعار أصحاب الحديث" (رقم 7)، والطحاوي في "المشكل" (4/ 286)، والبيهقي في "تاريخ جرجان" (296)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 108)، والبيهقي في "الكبرى" (1/ 42)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 176)؛ من طرق عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر، به.
وسماك كان يقبل التلقين؛ إلا أن شعبة رواه عنه أيضًا، وكان لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. =
(3/449)

ابن عقيل في "فنونه"، ونقل نحوه عن سعيد بن المسيب (1)، ومن الناس من قال: يثاب المالك عليه، ورجحه بعض شيوخنا؛ [لأن هذا البر] (2) تولد من مال اكتسبه؛ فيؤجر [عليه] (3) وإن لم يقصده؛ كما يؤجر على المصائب التي تولد له خيرًا، وعلى عمل ولده الصالح، وعلى ما ينتفع به الناس والدواب من زروعه (4) وثماره (5).
- (ومنها): لو غصب شاة، فذبحها لمتعته أو قرانه مثلًا؛ فإنه لا يجزئه، صرح به الأصحاب، ونص عليه أحمد في رواية "علي بن سعيد"؛ لأن أصل الذبح لم يقع قربة من الابتداء؛ فلا يتقلب (6) قربة بعده؛ كما لو ذبحها للحمها ثم نوى بها المتعة (7).
وحكى الأصحاب رواية بوقفه (8) على إجازة المالك (9)؛ كالزكاة،
__________
= وفي قول الترمذي: "إنه أصح شيء في الباب" نزاع؛ ففي الباب عن أبي هريرة عند البخاري في "الصحيح" (رقم 135، 6954) ومسلم في "الصحيح" (رقم 225) وغيرهما؛ وهو أصح من حديث ابن عمر؛ كما وضحتُه في تعليقي على "الطهور" (ص 146 - 147)؛ فانظره.
(1) وهذا وارد عن غيره كما تراه في "مدارج السالكين" (1/ 388 - ط الفقي).
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "هذا الذي".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) في المطبوع: "زرعه".
(5) انظر ما قدمناه عن المصنف في: "جامع العلوم والحكم".
(6) في (ج): "فلا يقع".
(7) في (أ): "المنفعة".
(8) في المطبوع: "موقوفة".
(9) نقله المصنف في "جامع العلوم والحكم" (ص 267 - ط مؤسسة الرسالة، =
(3/450)

ونص أحمد على الفرق بين أن يعلم أنها لغيره؛ فلا تجزئه، وبين أن يظنها لنفسه؛ فتجزئه في "رواية ابن القاسم" و"سندي" (1) وسوى كثير من الأصحاب بينهما (2) في حكاية الخلاف، ولا يصح.
- (ومنها): لو أنكح الأمة المغصوبة وفي وقفه على الإجازة الخلاف، وعلى طريقة أبي بكر وابن أبي موسى هو باطل قولًا واحدًا، ويبعد ها هنا القول بنفوذه مطلقًا بدون اجازة، بل هو باطل مخالف لنص السنة (3) ولنصوص أحمد المتكاثرة، وأما من [يتملك مال غيره لنفسه] (4) بعوض أو غيره؛ فيجيزه المالك؛ فهو شبيه بتصرف الفضولي المحض، فيخرج على الخلاف فيه.
ومن صور ذلك: ما إذا قال عبد: فلان حرٌّ في (5) مالي، فأجازه المالك؛ فالمنصوص عن أحمد أنه [لا] (6) ينفذ، وخرج ابن أبي موسى وجهًا بنفوذه بالإجازة، ويلزمه ضمانه.
(القسم الرابع): التصرف للغير في الذمة دون المال بغير ولاية عليه، فإن كان بعقد نكاح؛ ففيه الخلاف السابق، وإن كان ببيع ونحوه،
__________
= الحديث العاشر) عن الحنفية.
(1) مضى التعريف به (1/ 497).
(2) في (أ): "بينها".
(3) لعله يريد الأحاديث التي ورد فيها وجود الولي، وتقدم تخريج بعض منها. انظر: (1/ 342 ت).
(4) في (ج): "تملك مال نفسه لغيره".
(5) في (ج): "فلان حر من".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3/451)

مثل أن يشتري [له] (1) في ذمته؛ فطريقان:
أحدهما: إنه على (2) الخلاف أيضًا، قاله القاضي وابن عقيل في موضع وأبو الخطاب في "الانتصار".
والثاني: الجزم بالصحة ها هنا قولًا واحدًا، ثم إن أجازه (3) المشترى له ملكه، وإلا؛ لزم من اشتراه، وهو قول الخرقي (4) والأكثرين، وقال القاضي في موضع آخر وابن عقيل: يصح بغير خلاف، لكن؛ هل يلزم المشتري إبتداءً أو بعد رد المشتري له؟
على روايتين، واختلف الأصحاب؛ هل [يفترق] الحال [بين] (5) أن يسمى المشتري له في العقد أم لا؟
فمنهم من قال: لا فرق بينهما، منهم ابن عقيل وصاحب "المغني" (6)، ومنهم من قال: إن سماه في العقد؛ فهو كما لو اشترى له بعين ماله، ذكره القاضي وأبو الخطاب في "انتصاره" في غالب ظني؛ وابن المني، وهو (7) مفهوم كلام صاحب "المحرر".
(القسم الخامس): التصرف في مال الغير بإذنه على وجه تحصل فيه
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "غير".
(3) في (ج): "ثم أجاز".
(4) انظره في: "المغني" (5/ 74/ 3785).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(6) في "المغني" (5/ 77/ 3791).
(7) في المطبوع: "وابن المنى وكذا وهو".
(3/452)

مخالفة الإذن، وهو نوعان:
أحدهما: أن تحصل مخالفة الإذن على وجه يرضى به عادة بأن يكون التصرف الواقع أولى بالرضا به من المأذون فيه؛ فالصحيح أنه يصح اعتبارًا فيه بالإذن العرفي.
- (ومن صور ذلك): ما لو قال [له] (1): بعه [بمئة، فباعه بمئتين] (2)؛ فإنه يصح، وكذا (3) لو قال [له: اشتره] (4) لي بمئة، فاشتراه (5) له بثمانين.
- (ومنها): لو قال له: بعه بمئة [درهم] (6) نسيئة، فباعه بها (7) نقدًا؛ [فإنه يصح] (8).
- (ومنها): لو قال: بعه بمئة درهم، فباعه بمئة دينار؛ فإنه يصح على الصحيح، وفيه وجه: لا يصح؛ للمخالفة (9) في جنس النقد.
- (ومنها): لو قال: بع هذه الشاة بدينار، فباعها بدينار وثوب، أو
__________
(1) ما بين المعقوفتين ليس في المطبوع ولا (ب).
(2) في المطبوع: "بمئة فباعه بثمانين"، وفي (أ): "بمئة فباعه بمئتين"، وفي (ج): "بثمانين فباعه بمئة".
(3) في المطبوع: "وكذلك".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "اشتري"، وفي (ج): "له: اشتر".
(5) في المطبوع و (ج): "فاشترى".
(6) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ج).
(7) في المطبوع و (ج): "بمئة".
(8) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(9) في المطبوع و (ج): "لمخالفته".
(3/453)

ابتاع شاة وثوبًا بدينار؛ فإنه يصح، قال القاضي: هو المذهب، ثم ذكر احتمالًا أنه يبطل في الثوب بحصته من الشاة؛ لأنه من غير الجنس.
- (ومنها): لو أمره (1) أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى [شاتين بالدينار] (2) تساوي [إحداهما أو] (3) كل واحدة منهما دينارًا؛ فإنه يصح لذلك، فإن باع إحداهما بدون إذنه؛ ففيه طريقان:
أحدهما: إنه يخرج على تصرف الفضولي.
والثاني: [إنه صحيح] (3) وجهًا واحدًا، وهو المنصوص عن أحمد؛ لخبر عروة بن الجعد (4)، ولأن ما فوق الشاة المأمور بها لم يتعين؛
__________
(1) في المطبوع: "لو أمر".
(2) في المطبوع: "شاتين بالدينارين"، وفي (ب): "بالدينار شاتين".
(3) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(4) يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (كتاب المناقب، باب منه، 6/ رقم 3642)، وأبو داود في "السنن" (كتاب البيوع، باب في المضارب يخالف، 3/ رقم 3384)، وابن ماجة في "السنن" (كتاب الصدقات، باب الأمين يتجر فيه فيربح، 2/ رقم 2402)، وأحمد في "المسند" (4/ 375)، والشافعي في "المسند" (رقم 1333)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 112)، وابن حزم في "المحلى" (8/ 436، 437)، من طريق شبيب بن غَرْقَدَة، قال: "سمعتُ الحيَّ يتحدَّثون عن عروة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطاه دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينارٍ، فجاء بدينارٍ وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب؛ لربح فيه". لفظ البخاري، وقال عقبه: "قال سفيان: كان الحسن بن عُمارةً جاءنا بهذا الحديث عنه؛ قال: سمعه شبيب من عُروة، فأتيتُه، فقال شبيب: إني لم أسمَعْهُ من عروة؛ قال: سمعتُ الحيَّ يخبرونه عنه".
قال ابن حجر في "الفتح" (6/ 634): "توقَّف الشافعيّ فيه؛ فتارة قال: لا يصح؛ لأن هذا الحديث غير ثابت، وهذه رواية المزني عنه، وتارة قال: إنْ صحَّ الحديثُ قلتُ به، =
(3/454)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وهذه رواية البويطي، ثم قال: "وأما قول الخطابي والبيهقي وغيرهما: إنه غير متّصل؛ لأنّ الحيَّ لم يسمّ أحد منهم؛ فهو على طريقة بعض أهل الحديث، يسمون ما في إسناده مبهم مرسلًا أو منقطعًا، والتحقيق إذا وقع التصريح بالسماع أنه متصل في إسناده مبهم؛ إذ لا فرق فيما يتعلق بالاتصال والانقطاع بين رواية المجهول والمعروف؛ فالمبهم نظير المجهول في ذلك، ومع ذلك، فلا يقال في إسنادٍ صرح كل من فيه بالسماع من شيخه: إنه منقطع، وإنْ كانوا أو بعضهم غير معروف".
وقال معقبًا على مقولة البخاري: "سمعه شبيب من عروة؛ فأتيته": "وأراد البخاري بذلك بيان ضعف رواية الحسن بن عمارة، وأن شبيبًا لم يسمع الخبر من عروة، وإنما سمعه من الحي، ولم يسمعه من عروة؛ فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم، لكن وجد له متابع عند أحمد وأبى داود والترمذي وابن ماجة من طريق: سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد؛ قال: حدثني عروة البارقي. . . فذكر الحديث بمعناه.
وله شاهد من حديث حكيم بن حزام، وقد أخرجه ابن ماجة عن ابن بكر بن أبي شيبة، عن سفيان، عن شبيب، عن عروة، ولم يذكر بينهما أحدًا، ورواية علي بن عبد اللَّه -وهو ابن المديني، شيخ البخاري فيه- تدل على أنه وقعت في هذه الرواية تسوية، وقد وافق عليًّا على إدخاله الواسطة بين شبيب وعروة أحمد والحميدي في "مسنديهما"، وكذا مسدد عند أبي داود وابن أبي عمر والعباس بن الوليد عند الإسماعيلي، وهذا هو المعتمد.
وزعم ابن القطان [في كتابه "بيان الوهم والإيهام" (5/ 165 رقم 2400 - دار طيبة)] أن البخاري لم يرد بسياق هذا الحديث إلا حديث الخيل ولم يرد حديث الشاة، وبالغ في الرد على من زعم أن البخاري أخرج حديث الشاة محتجًّا به؛ لأنه ليس على شرطه؛ لإبهام الواسطة فيه بين شبيب وعروة، وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا وما يحطه عن شرطه؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ويضاف التي ذلك ورود الحديث من الطريق التي هي الشاهد لصحة الحديث، ولأن المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لعروة، فاستجيب له؛ حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه.
وأما مسألة بيع الفضولي؛ فلم يردها؛ إذ لو أرادها لأوردها في البيوع، كذا قرره =
(3/455)

فصار (1) موكولًا إلى نظره وما يراه.
(النوع الثاني): أن يقع التصرف مخالفًا للإذن على وجه لا يرتضي (2)
__________
= المنذري، وفي نظر؛ لأنه لم يطرد له في ذلك عمل؛ فقد يكون الحديث على شرطه ويعارضه عنده ما هو أولى بالعمل به من حديث آخر؛ فلا يخرج ذلك الحديث في بابه، ويخرجه في باب آخر أخفى لينبه بذلك على أنه صحيح؛ إلا أن ما دل ظاهره عليه غير معمول به عنده، واللَّه أعلم".
قلت: طريق سعيد بن زيد عن الزبير به -التي أشار إليها ابن حجر سابقًا- أخرجها الترمذي في "جامعه" (أبواب البيوع، باب 34، 3/ 559)، وأبو داود في "السنن" (رقم 3385)، وابن ماجة في "السنن" (رقم 2402)، وأحمد في "المسند" (4/ 376)، والدارقطني في "السنن" (3/ 10)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 112) بنحوه.
قال البيهقي: "سعيد بن زيد -وهو أخو حماد بن زيد- ليس بالقوي".
قلت: هو مختلف فيه، ولم ينفرد به، فقد تابعه هارون بن موسى الأعور المقرئ عند الترمذي في "جامعه" (3/ رقم 1258).
وإسناده صحيح.
رجاله رجال الشيخين؛ غير أبي لَبيد، وأسمه لِمَازة بن زيَّاد، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 5): "وقد قيل: إنه مجهول، لكن وثقه ابن سعد، وقال حرب: سمعتُ أحمد أثنى عليه، وقال المنذري والنووي: إسناده حسن صحيح؛ لمجيئه من وجهين".
وحديث حكيم بن حزام أخرجه أبو داود في "السنن" (رقم 3386)، والترمذي في "الجامع" (رقم 1257)، والدارقطني في "السنن" (3/ 10)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 112 - 113).
وفي إسناده انقطاع، أفاده الترمذي.
(1) في المطبوع: "لم يتعين أنه صحيح؛ فصار".
(2) في المطبوع: "لا يرضى".
(3/456)

به الآذن عادة؛ مثل مخالفة المضارب والوكيل في صفة (1) العقد دون أصله، كأن يبيع المضارب نسأً على قولنا بمنعه منه، أو يبيع [الوكيل] (2) بدون ثمن المثل، أو يشتري بأكثر منه، أو يبيع نسأً أو بغير نقد البلد، صرح القاضي في "المجرد" باستواء الجميع في الحكم؛ فللأصحاب ها هنا طرق:
أحدها: إنه يصح، ويكون المتصرف ضامنًا (3) للمالك، وهو اختيار القاضي في "خلافه" ومن اتبعه في المخالفة في [قدر] (4) الثمن؛ لأن التصرف هنا مستند أصله إلى إذن صحيح، وإنما وقعت المخالفة في بعض أوصافه؛ فيصح العقد بأصل الإِذن، ويضمن المخالف بمخالفته (5) في صفته، وعلى هذا؛ فلا فرق بين أن يبيع الوكيل بدون ثمن المثل أو يشتري بأكثر منه على المنصوص في "رواية ابن منصور" (6)، ومن الأصحاب من فرق بينهما، وأبطله في صورة الشراء؛ كصاحب "المغني" (7) والسامري، ولا فرق أيضًا بين أن يقدر له الثمن أو لا على أصح الطريقين، وصرح به
__________
(1) في المطبوع: "صفقة".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "ضناما"!
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ج).
(5) في المطبوع: "لمخالفته".
(6) في "مسائل ابن منصور" (433/ 370): "قلت: قال: اشتر لي سلعةً ولم يصف له، فإن اشترى بأقل أو بأكثر ضمن؟ قال أحمد: هذا لم يشتر له، أرأيت إن أراد هو روميًّا، فاشترى له حبشيًّا؟ لا؛ حتى يصفه له. قلت: إذا وصف له لم يضمن، إلا أن يشتري بأكثر؟ قال: يضمن إذا اشترى بأكثر. قال إسحاق: كما قال" اه.
(7) في "المغني" (5/ 78/ 3795).
(3/457)

القاضي وغيره، ونص أحمد على ذلك في "رواية الأثرم" و"أبي داود" (1) و"ابن منصور" (1).
والثاني: إنه يبطل العقد مع مخالفة (2) التسمية؛ لمخالفة صريح الأمر (3)، بخلاف ما إذا لم يسم (4)؛ فإنه إنما خالف دلالة العرف، وممن (5) قال ذلك القاضي في "المجرد" وابن عقيل في "فصوله"، وفرق القاضي في "خلافه" وكثير من الأصحاب بين البيع نسأ وبغير نقد البلد؛ [فأبطلوه] (6) فيهما، بخلاف نقص الثمن وزيادته، وفرقوا بأن المخالفة في النسأ وغير نقد البلد وقعت في جميع العقد وفي النقص والزيادة في بعضه، وفيه ضعف، [ولكن] (7) قد نص أحمد على التفريق بينهما في "رواية ابن منصور" (8).
(والطريقة الثانية): إن في الجميع روايتين:
إحداهما: الصحة والضمان.
والثانية: البطلان، وهي طريقة القاضي في "المجرد" وابن عقيل،
__________
(1) انظر: "مسائل أبي داود" (ص 199).
وانظر: "مسائل ابن منصور" (433/ 369).
(2) في المطبوع: "مخالفته".
(3) في المطبوع: "الإذن".
(4) في المطبوع: "لم يسمه".
(5) في المطبوع: "ومن".
(6) في (ج): "ما يطلق".
(7) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "لكن"، وفي المطبوع و (ب): "و".
(8) (437/ 374).
(3/458)

وصححا رواية البطلان، وتأولا رواية الضمان على بطلان العقد، وأن العين تعذر ردها؛ فيأخذ المالك الثمن، ويضمن المشتري ما نقص من قيمة السلعة من الثمن.
وهذا بعيد جدًّا، وهو مخالف لصريح كلام أحمد، وحاصل هذه الطريقة أن هذه المخالفة تجعله كتصرف الفضولي سواء، وظاهر كلام الخرقي الوقف (1) ها هنا على (2) الإجازة دون المخالفة [في أصل العقد] (3)، مثل أن يشتري بعين [ماله] (4) ما لم يأذن له في شرائه؛ فإنه صرح بالبطلان (5) ها هنا، وجعله كتصرف الفضولي المحض.
ونص أحمد في "رواية عبد اللَّه" و"صالح" فيمن أمر رجلًا [أن] (6) يشتري له شيئًا فخالفه، كان ضامنًا، فإن شاء الذي أعطاه؛ ضمنه وأخذ ما دفع (7) إليه، وإن شاء؛ أجاز البيع، فإن كان فيه ربح؛ فهو لصاحب المال (8)
__________
(1) في المطبوع: "في الوقف".
(2) في المطبوع: "عن"!
(3) في المطبوع و (ج): "لأصل العقد".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(5) في المطبوع و (ج): "في البطلان".
(6) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(7) في المطبوع "ما رفعه".
(8) انظر: الجزء الثاني من المسألة (1092)، والمسألتين (1093، 1094) في "مسائل عبد اللَّه".
وفي "مسائل صالح" (1/ 448/ 450)، وكذا "مسائل عبد اللَّه" (294/ 1095): "وسألته عن المضارب إذا خالف؟ قال: بمنزلة الوديعة، عليه الضمان، والربح لرب المال إذا خالف؛ إلا أن المضارب أعجب الي أن يعطي بقدر ما عمل" اه.
(3/459)

على حديث عروة البارقي (1)، وهذا نص للوقف (2) بالمخالفة؛ إلا أنه لم يقيده بالمخالفة في الصفة (3).
والطريقة الثالثة إن في البيع بدون ثمن المثل وغير (4) نقد البلد إذا لم يقدر له الثمن ولا عين النقد روايتين (5) البطلان؛ كتصرف الفضولي والصحة، ولا يضمن الوكيل شيئًا؛ لأن إطلاق العقد يقتضي البيع بأي ثمن كان وأي نقد كان بناءً على أن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرًا بشيء من جزئياتها، والبيع نسأ كالبيع بغير نقد البلد، وهذه الطريقة (6) سلكها القاضي في "المجرد" وابن عقيل أيضًا في موضع آخر، وهي بعيدة جدًّا، مخالفة لمنصوص (7) أحمد، وكذلك حكم المخالفة في المهر، فلو أذنت المرأة لوليها أن يزوجها بمهر سمته، فزوجها بدونه؛ فإنه يصح ويضمن الزيادة، نص عليه أحمد في "رواية ابن منصور".
وحكى الأصحاب رواية أخرى: إنه يسقط المسمى ويلزم الزوج مهر المثل، وكذا [لو لم يُسَمِّ] (8) المهر؛ فإن الإطلاق ينصرف إلى مهر المثل، ويستثنى من ذلك الأب خاصة؛ فإنه لا يلزم في عقده سوى المسمى؛ ولو
__________
(1) مضي لفظه وتخريجه قريبًا (ص 419، هامش 25).
(2) في (ب): "بالوقف".
(3) في المطبوع و (ج): "بالصفة".
(4) في (ج): "أو غيره".
(5) في المطبوع: "روايتان"!
(6) في المطبوع: "طريقة".
(7) في المطبوع: "لمخالفته لمنصوص"، وفي (ج): "مخالفة لنصوص".
(8) في المطبوع: "لو لم يسمي"؛ وفي (ج): "إن لم يسم".
(3/460)

لم تأذن فيه أو طلبت (1) تمام المهر، نص عليه في "رواية مهنأ".
وأما المخالفة في عوض الخلع إذا خالع وكيل الزوجة بأكثر من مهر المثل، أو وكيل الزوج بدونه؛ ففيه (2) ثلاثة أوجه:
- البطلان، وهو قول ابن حامد والقاضي.
- والصحة، وهو قول أبي بكر ومنصوص أحمد.
- والبطلان بمخالفة (3) وكيله والصحة بمخالفة وكليلها، وهو قول أبي الخطاب.
ومع الصحة يضمن الوكيل الزيادة والنقص، وهذا الخلاف من الأصحاب من (4) أطلقه مع تقدير المهر وتركه، ومنهم من خصه بما إذا وقع التقدير، فأما مع الاطلاق؛ فيصح الخلع وجهًا واحدًا.
وفيه وجهان آخران ذكرهما القاضي:
أحدهما: يبطل المسمى ويرجع إلى مهر المثل.
والثاني: يخير الزوج بين قبول العوض ناقصًا ولا شيء له غيره ويسقط حقه من الرجعة، وبين رده على المرأة ويثبت له الرجعة.
وفي مخالفة وكيل الزوجة وجه آخر: إنه يلزمها (5) أكثر الأمرين من
__________
(1) في (أ): "طلب".
(2) في المطبوع: "فيه"، وفي (ج): "وفيه".
(3) في المطبوع: "بمخالفته".
(4) في المطبوع: "من الأصحاب منهم من".
(5) في (ب): "يلزمه".
(3/461)

المسمى [و] (1) مهر المثل، ذكره ابن البنا.
(القسم السادس): التصرف للغير بمال المتصرف؛ مثل أن يشتري بعين ماله [لزيد سلعة] (2)؛ ففي "المجرد" (3) يقع باطلًا رواية واحدة، ومن الأصحاب من خرجه على الخلاف في تصرف الفضولي، وهو أصح؛ لأن العقد يقف على الإِجازة، وتعيين (4) الثمن من ماله [يكون إقراضًا] (5) للمشتري له أو هبة له؛ فهو كمن أوجب لغيره عقدًا (6) في ماله، فقبله الآخر بعد (7) المجلس، فقد (8) نص أحمد على صحة مثل ذلك في النكاح في "رواية أبي طالب"، والصحيح في توجيهها أنها من باب وقف العقود على الإجازة، وهو مأخذ ابن عقيل وغيره؛ فعلى هذا لا فرق في ذلك بين عقد وعقد؛ فكل (9) من أوجب عقد الغائب عن المجلس، فبلغه، فقبله، فقد أجازه وأمضاه، ويصح على هذه الرواية.
وحكى (10)، أبو بكر رواية أخرى: إنه لا يصح إلا في مجلس واحد،
__________
(1) في (ب): "أو".
(2) في المطبوع و (ج): "سلعة لزيد".
(3) في (ج): "ففي المحرر".
(4) في المطبوع: "ويعتبر"، وفي (أ): "ويعين" بدون تنقيط، وفي (ج): "ويتعين".
(5) في (ج): "ويكون إقراضًا"، وفي (ب): "يكون اقتراضًا".
(6) في المطبوع: "عقد"!
(7) في (ج): "يحيى".
(8) في المطبوع و (ج): "وقد".
(9) في (ج): "وكل".
(10) في المطبوع: و"يرى".
(3/462)

واختارها.

21 - [الحادية والعشرون] (1): (الفائدة الثانية): الصفقة الواحدة؛ هل تتفرق فيصح بعضها دون بعض أم لا، فإذا بطل بعضها بطل كلها؟
في المسألة روايتان، أشهرهما أنها تتفرق، [و] (2) للمسألة صور:
أحدها: أن (3) يجمع [العقد بين] (4) ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز بالكلية، إما مطلقًا أو في تلك الحال؛ فيبطل العقد فيما لا يجوز عليه العقد بانفراده، وهل يبطل في الباقي؟
على الروايتين، ولا فرق في ذلك بين عقود المعاوضات وغيرها؛ كالرهن والهبة والوقف، [ولا بين] (5) ما يبطل بجهالة عوضه؛ كالبيع (6)، وما لا يبطل؛ كالنكاح، فإن النكاح فيه روايتان منصوصتان عن أحمد؛ غير أن صاحب "المغني" اختار أن البيع إذا كان الثمن منقسمًا عليه بالقيم (7)؛ كعبدين أحدهما مغصوب: أنه لا يصح العقد فيهما؛ تعليلًا بجهالة العوض، بخلاف ما ينقسم (8) الثمن عليه بالإجراء؛ كقفيزين (9) من صبرة
__________
(1) ما بين المعقوفتين انفرد به المطبوع.
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).
(3) في المطبوع: "أنه".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "العقدين".
(5) في (ج): "ولا فرق بين".
(6) في المطبوع: "كالمبيع".
(7) في المطبوع: "بالقيمة".
(8) في المطبوع: "ما يقسم".
(9) في المطبوع و (ب): "كقفيز".
(3/463)

واحدة، وهذا مأخذ البطلان وراء تفريق الصفقة، كما قالوا فيما إذا باع معلومًا ومجهولًا: إنه لا يصح رواية واحدة؛ لجهالة الثمن؛ فهذا هو المانع هنا من تفريقها، وفي "التلخيص": إن للبطلان في الكل مأخذين:
أحدهما: كون الصفقة (1) لا تقبل التجزؤ والانقسام.
والثاني: جهالة العوض.
قال: فعلى الأول يطرد الخلاف في كل العقود، وعلى الثاني لا يطرد فيما لا عوض فيه أو لا يفسد بفساد عوضه؛ كالنكاح، قال: وعلى (2) الأول لو قال: [بعتك] (3) كل واحد بكذا؛ لم يصح، ويصح على الثاني. انتهى.
ثم إنه حكى في تعدد الصفقة تفصيل الثمن وجهين، وصحح تعددها (4)؛ فعلى هذا يصح في قوله: " [بعتك] (3) كل واحد بكذا" على المأخذين، ثم إنه اختار أن المتبايعين إن علما أن بعض الصفقة غير قابل للبيع؛ لم يصح رواية واحدة؛ لأنهما دخلا على جهالة الثمن، وإن جهلا ذلك؛ فهو محل الروايتين لأن للجهل بمثل ذلك تأثيرًا (5) في الصحة، كما [في شراء المعيب] (6) الذي يسقط (7) أرشه بعد العقد (8).
__________
(1) في المطبوع: "الصفة".
(2) في (ب): "ومحل".
(3) في المطبع: "يقبل".
(4) في المطبوع: "بعددها"، وفي (أ) بدون نقط.
(5) في المطبوع: "لأن الجهل بمثل ذلك تأثير"، وفي (ب): "فإن للجهل بمثل ذلك تأثيرًا".
(6) في المطبوع: "لو شرى المبيع"!
(7) في المطبوع: "الذي لا يسقط"!
(8) في المطبوع: "العتق".
(3/464)

[وهذا ضعيف؛ فإن البائع [قد يعلم] (1) بالعيب في العقد ولا يمنع الصحة، وكذا في بيع النجش وإخبار (2) البائع بزيادة الثمن عمدًا؛ فإن البيع يصح في ذلك كله ويسقط بعض الثمن] (3).
وها هنا طريقة ثانية لدفع جهالة الثمن: وهي تقسيطه على عدد المبيع لا على القيم، ذكره القاضي وابن عقيل وجهًا في باب الشركة والكتابة من "المجرد" و"الفصول" فيما إذا باع عبدين، أحدهما له والآخر لغيره: إذ الثمن يتقسط (4) عليهما نصفين، كما لو تزوج امرأتين في عقد، وهذا بعيد جدًّا، ولا أظنه يطرد إلا فيما إذا كانا جنسًا واحدًا.
وذكرا في كتابيهما طريقة ثالثة (5)، وهي أنه يمسك [ما] (6) يصح العقد عليه بكل الثمن، أو يرد (7)، وهذا في غاية الفساد؛ [فإنه لو ظهر منه عيب؛ لا يستحق الرجوع بأرشه من الثمن عندنا بتلف إذا بطل البيع] (8)، [اللهم إلا أن يخص هذا بمن كان عالمًا بالحال، وأن بعض المعقود عليه لا يصح العقد عليه؛ فيكون قد دخل على بذل الثمن في مقابلة ما [لا] (9)
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع "علم".
(2) في المطبوع: "واختار".
(3) ما بين المعقوفتين مضروب عليه في (أ).
(4) في (ب) و (ج): "يقسط".
(5) في (ج): "طريقة ثانية".
(6) في المطبوع: "و".
(7) في المطبوع: "أو يرده".
(8) ما بين المعقوفتين انفرد به (ج).
(9) ما بين المعقوفتين من (ب).
(3/465)

يصح عليه العقد خاصة؛ كما نقول (1) فيمن أوصى لحي وميت بعلم موته بشيء: إن الوصية كلها للحي] (2).
ولبعضهم طريقة أخرى في المسألة، وهي إن كان [ما] (3) لا يجوز عليه العقد غير قابل للمعاوضة بالكلية؛ كالطريق؛ بطل البيع لأنه غير قابل للتحول بالكلية، وقياسه الخمر، وإن كان قابلًا للصحة؛ ففيه الخلاف، ذكره الأزجي، ولا يثبت ذلك في المذهب.
وعلى القول بالتفريق؛ فللمشتري الخيار [إذا لم يكن عالمًا بتبعض] (4) الصفقة عليه، وله أيضًا الأرش إذا أمسك بالقسط فيما ينقص بالتفريق؛ كالعبد الواحد والثوب الوأحد، ذكره صاحب "المغني" في الضمان.
(الصورة الثانية): أن يكون التحريم [في] (5) بعض أفراد الصفقة ناشئًا من الجمع بينه وبين الآخر؛ فها هنا حالتان:
إحداهما: أن يمتاز بعض الأفراد بمزية؛ فهل يصح العقد [فيه] (6) بخصوصه، أم يبطل في الكل؟
__________
(1) في (ج): "كما يقول".
(2) ما بين المعقوفتين سقط من (أ).
(3) في المطبوع: "مما".
(4) بدل ما بين المعقوفتين في (أ): "لتبعض"، وفي المطبوع: "إذا لم يكن عالمًا بتبعيض".
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) ما بين المعقوفتين ليس في المطبوع.
(3/466)

فيه خلاف، والأظهر صحة ذي المزية.
- (فمن صور (1) ذلك): ما إذا [جمع في] (2) [عقد بين نكاح] (3) أم وبنت؛ فهل يبطل فيهما، أم (4) يصح في البنت لصحة ورود عقدها على عقد الأم من غير عكس؟
على وجهين.
- (منها): لو جمع حر واجد للطول أو غير خائف للعنت بين حرة وأمة في عقد؛ ففيه روايتان منصوصتان:
إحداهما: يبطل النكاحان معًا.
الثانية: يصح نكاح (5) الحرة وحدها، وهو (6) أصح، لأنها تمتاز بصحة ورود نكاحها على نكاح الأمة من غير عكس؛ فهي كالبنت مع الأم، وأولى؛ لجواز دوام نكاح الأمة معها على الصحيح أيضًا.
- (ومنها): أن يتزوج حر خائف للعنت غير واجد للطول حرة تعفه بانفرادها (7) وأمة في عقد واحد، وفيه وجهان:
أحدهما: يصح نكاح الحرة وحدها، وهو ظاهر كلام القاضي في
__________
(1) في المطبوع: "فمن أمثلة صور ذلك".
(2) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "اجتمع".
(3) في المطبوع و (ج): "عقد نكاح بين"، وفي (أ): "عقدين نكاح"!
(4) في المطبوع: "أو".
(5) في (ج): "يصح في نكاح".
(6) في المطبوع: "وهي".
(7) في المطبوع: "بأفرادها".
(3/467)

"المجرد"؛ لأن الحرة تمتاز على الأمة بصحة ورود نكاحها عليها؛ فاختصت بالصحة.
والثاني: يصح [فيهما] (1) معًا، قاله (2) القاضي وأبو الخطاب في "خلافيهما"؛ لأن له في هذه الحال قبول نكاح كل واحدة منهما على الانفراد؛ فيصح الجمع بينهما؛ كما لو [تزوج] (3) أمة ثم حرة.
والأول أصح؛ لأن قدرته على نكاح الحرة تمنعه (4) من نكاح الأمة؛ فمقارنة نكاح الحرة أولى بالمنع، أما إذا كان المتزوج عبدًا وقلنا بمنعه من نكاح الأمة على الحرة التي تعفه؛ ففيه وجهان:
أحدهما: إنه كالحر سواء، قاله القاضي في "الجامع" وصاحب "المحرر" (5).
والثاني: يصح جمعه بينهما في عقد بغير خلاف، و [هو ظاهر كلام أبي الخطاب] (6) وصاحب "المغني" (7)؛ لأن العبد لا تمنعه القدرة على نكاح الحرة من نكاح الأمة؛ [فلا تمنعه] (8) مقارنة نكاحهما (9)، وإنما
__________
(1) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع و (ج): "نكاحهما".
(2) في المطبوع: "قال".
(3) في المطبوع: "جمع بين".
(4) في (ب): "يمنعه".
(5) في "المحرر" (2/ 22).
(6) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع نقط فراغ.
(7) في "المغني" (7/ 106/ 5406).
(8) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع نقط فراغ.
(9) في (أ): "نكاحها"، وفي (ب) غير واضحة.
(3/468)

يمتنع (1) بسبق نكاح الحرة.
الحالة الثانية: إنه لا يمتاز بعضها عن بعض بمزية (2)؛ فالمشهور البطلان في الكل؛ إذ ليس بعضها أولى [من بعض بالصحة] (3)؛ مثل أن يتزوج أختين في عقد أو خمسًا في عقد؛ فالمذهب البطلان في الكل، [و] (4) نص عليه أحمد في "رواية صالح" (5) و"أبي الحارث"، ونقل عنه ابن منصور: إذا تزوج أختين في عقد يختار إحداهما، وتأوله القاضي على أنه يختارها بعقد (6) مستأنف، وهو بعيد.
وخرج القاضي فيما إذا زوج الوليان من رجلين [و] (4) وقعا معًا: إنه يقرع بينهما، فمن قرع (7)؛ فهي زوجته، ويخرج [ها] (4) هنا أمثلة.
__________
(1) في المطبوع: "يمنع".
(2) في المطبوع: "بموته".
(3) في المطبوع: "ببعض في الصحة"، وفي (ج): "من بعض على الصحة".
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(5) لم أجده نص على المسألة بعينها في "مسائل صالح"، وإنما نص على الأختين من الرضاعة؛ ففيها (2/ 84 - 85/ 634) فيمن تزوج صبية مرضعة، وعنده زوجة كبيرة، فأرضعت أمُّ هذه الكبيرة الصغيرة؛ حرمتا عليه جميعًا.
وكذا نص على عدم الجمع بين الأختين الأمتين، فسُئل عن رجل له أمة يطؤها، ولها أخت زوَّجها من رجل، فطلق الرجل هذه التي تزوج هذا أختها، فرجعت في ملكه؟ قال: ينبغي أن يخرج إحداهما من ملكه.
انظر: "مسائل صالح" (1/ 196 - 197/ 117 - 119).
(6) في (ج): "في عقد".
(7) في المطبوع: "أقرع".
(3/469)

الصورة الثالثة: أن [تجمع الصفقة] (1) شيئين يصح العقد فيهما، [ثم] (2) يبطل العقد في أحدهما قبل استقراره؛ فإنه يختص بالبطلان دون الآخر، قال القاضي وابن عقيل: رواية واحدة؛ لأن التفريق (3) وقع هنا دوامًا لا ابتداءً، [والدوام أسهل من الابتداء] (4)، ومع هذا؛ فقد حكوا (5) فيما إذا تفرق المتصارفان عن قبض بعض الصرف: إنه يبطل العقد فيما لم يقبض، وفي الباقي روايتا تفريق الصفقة (6)، وهذا تفريق في الدوام؛ إلا أن يقال: القبض في الصرف شرط لانعقاد العقد لا لدوامه، وأن العقد مراعى بوجوده [كما] (7) صرح به جماعة من الأصحاب؛ فيكون التفريق حينئذ في الابتداء؛ غير أن القاضي [في "خلافه"] (7) حكى الخلاف في تفريق الصفقة في السلم والصرف [مع] (7) تصريحه في المسألة بأن القبض شرط للدوام دون الانعقاد، وهذا يقتضي ولا بد تخريج الخلاف في تفريق الصفقة دوامًا قبل استقرار العقد، وذكر أبو بكر [في "الشافي"] (8) أن مال الزكاة إذا بيع ثم أعسر البائع بالزكاة؛ فللساعي الفسخ في قدرها، فإذا (9)
__________
(1) في المطبوع: "يجمعا في صفقة".
(2) في المطبوع: "أو".
(3) في (ج): "التعليق".
(4) في (ج): "والدائم أسهل من المبتدأ".
(5) في المطبوع: "حكموا".
(6) في المطبوع: "روايتان. تفريق الصفقة".
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "الشامي".
(9) في (ج): "وإذا".
(3/470)

فسخ في قدرها؛ فهل ينفسخ [في] (1) الباقي؟
يخرج على روايتي تفريق الصفقة، وهذا تصريح بإجراء الخلاف في التفريق في الدوام؛ فإن [الفسخ ها هنا] (2) بسبب سابق على العقد؛ فلا يستقر العقد معه؛ فهذا في البيع ونحوه، فأما في النكاح؛ فإن طرأ ما يقتضي تحريم إحدى المرأتين بعينها؛ كردة [أو] (3) رضاع؛ اختصت بانفساخ النكاح وحدها بغير خلاف، وإن طرأ ما يقتضي تحريم الجمع بينهما؛ فإن لم يكن لإحداهما (4) مزية [على الأخرى، بأن صارتا أختين بإرضاع امرأة واحدة لهما انفسخ نكاحهما، وإن كان لإحداهما مزية] (1) بأن صارتا أمًّا وبنتًا بالارتضاع؛ فروايتان، أصحهما: يختص الانفساخ (5) بالأم وحدها إذا لم يدخل بهما؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء؛ فهو كمن أسلم على أم وبنت لم يدخل بهما؛ فإنه يثبت نكاح البنت دون الأم، واللَّه [سبحانه وتعالى] (6) أعلم (7).
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(2) في المطبوع: "انفسخ هنا"، وفي (أ) و (ب): "الفسخ هنا".
(3) في المطبوع: "و".
(4) في المطبوع: "لأحديهما"، وفي (ج): "لأحدهما".
(5) في (ج): "الفسخ".
(6) ما بين المعقوفتين انفرد بها (ج).
(7) كتب هنا في هامش (أ): "آخر الكتاب".
وأثبت تحته في نسخة (أ) بخط مغاير:
"آخر كتاب "الطبقات" على مذهب امام الأئمة، ناصر السنة، الإمام الرباني، أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، رضي اللَّه عنه وأرضاه وجعل الجنّة مأواه".
(3/471)

[والحمد للَّه وحده، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
بلغ مقابلة لجميع الكتاب بأصلي الذي بخطي بحضوري، وذلك مجالس آخرها عاشر شوال سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة.
وكتبه مؤلفه عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي عفا اللَّه عنه، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم] (1).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين آخر ما وجدناه في النسخة (أ)
أما (ب)؛ ففيها: "والحمد للَّه وحده، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه، ووافق الفراغ من كتابته على يد أفقر عباد اللَّه وأحوجهم إلى رحمة ربه. . . أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم الفتوحي الحنبلي. . . ".
وأما (ج)؛ ففيها: وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين، تم الكتاب بعون الملك الوهاب ضحوة الاثنين، رابع عشر المحرم من شهور سنة 1334، بقلم أسير ذنوبه وخطاياه، الفقير إلى عفو مولاه، المعلق بكرم معبوده رجاءه عمر بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن محمد بن علي بن أحمد بن معيوف، اللهم اغفر لكاتبه ولوالديه ووالديهما وذريتهما وأحبائه فيك ولمن قال: آمين آمين آمين آمين" اه.
وفي آخر المطبوع قال: "وجد في آخر النسخة ما نصه: "الحمد للَّه كثيرًا بلا انتهاء، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلى [كذا في المطبوع، والصواب: إلا] باللَّه العلي العظيم، تمت القواعد بتجديد مالكها الفقير إلى اللَّه تعالى محمد بن أحمد بن سيف الحنبلي، غفر اللَّه له ولوالديه ومشايخه في الدين، آمين" اه.
(3/472)