Advertisement

كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 001



الكتاب: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي
المؤلف: عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي (المتوفى: 730هـ)
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«أصول البزدوي» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - شرحه «كشف الأسرار» لعلاء الدين البخاري
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُصَوِّرِ النَّسَمِ فِي شَبَكَاتِ الْأَرْحَامِ بِلَا مُظَاهَرَةٍ وَمَعُونَةٍ، وَمُقَدِّرِ الْقَسَمِ لِطَبَقَاتِ الْأَنَامِ بِلَا كُلْفَةٍ وَمَئُونَةٍ، شَارِعِ مَشَارِعِ الْأَحْكَامِ بِلُطْفِهِ وَأَفْضَالِهِ، نَاهِجِ مَنَاهِجِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِكَرَمِهِ وَنَوَالِهِ، مُبْدِعِ فَرَائِدِ الدُّرَرِ مِنْ خَطَرَاتِ الْفِكْرِ بِسَحَائِبِ فَضْلِهِ وَإِكْرَامِهِ، مُنْشِئِ لَطَائِفِ الْعِبَرِ مِنْ شَوَاهِدِ النَّظَرِ بِرَوَاتِبِ طُولِهِ وَإِنْعَامِهِ، الَّذِي أَكْمَلَ بِعِنَايَتِهِ رَوْنَقَ الدِّينِ وَأُبَّهَةَ الْإِسْلَامِ، وَصَيَّرَ بِرِعَايَتِهِ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ مُرْتَفِعَةَ الْأَعْلَامِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا تَاهَ فِي وَصْفِهِ أَفْهَامُ الْعُقَلَاءِ، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا حَارَ فِي قَدْرِهِ أَوْهَامُ الْأَلِبَّاءِ، عَلَى مَا أَوْضَحَ مَنَاهِجَ الشَّرْعِ وَرَفَعَ مَعَالِمَهُ، وَأَحْكَمَ قَوَاعِدَ الدِّينِ وَأَثْبَتَ دَعَائِمَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً رَسَخَتْ عُرُوقُهَا فِي صَمِيمِ الْجَنَانِ، وَدَعَتْ صَاحِبَهَا إلَى نَعِيمِ الْجِنَانِ.
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي جَبَلَهُ اللَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ، وَبَعَثَهُ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ، فَأَبَانَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَثَارَهُ، وَأَضَاءَ سُبُلَ الْيَقِينِ وَمَنَارَهُ، حَتَّى سَطَعَ نُورُ الشَّرْعِ عَنْ ظَلَامِ الْجَفَاءِ بِحُسْنِ عِنَايَتِهِ، وَظَهَرَ نُورُ الدِّينِ عَنْ أَكْمَامِ الْخَفَاءِ بِيُمْنِ كِفَايَتِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - الَّذِينَ لَمْ تُسْتَرْ أَقْمَارُ دِينِهِمْ بِغَمَامِ الشَّكِّ وَالْبَدَاءِ، وَلَمْ تَحْتَجِبْ أَنْوَارُ يَقِينِهِمْ بِأَكْمَامِ الْأَهْوَاءِ، صَلَاةً تَتَجَدَّدُ عَلَى تَعَاقُبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَتَتَزَايَدُ عَلَى انْتِقَاصِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(وَبَعْدُ) فَإِنَّ عُلُومَ الدِّينِ أَحَقُّ الْمَفَاخِرِ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّبْجِيلِ، وَأَوْلَى الْفَضَائِلِ بِالتَّفْضِيلِ وَالتَّحْصِيلِ، إذْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ لِنَيْلِ السَّعَادَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمِرْقَاةُ الْمَنْصُوبَةُ إلَى الْفَوْزِ بِالْكَرَامَاتِ فِي الْعُقْبَى، بِنُورِهَا يُهْتَدَى مِنْ ظُلُمَاتِ الْغَوَايَةِ
(1/2)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَبِيُمْنِهَا يُرْتَقَى مِنْ حَضِيضِ الْجَهَالَةِ إلَى ذُرْوَةِ الِاجْتِهَادِ، لَا سِيَّمَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ أَصْعَبُهَا مَدَارِكَ، وَأَدَقُّهَا مَسَالِكَ، وَأَعَمُّهَا عَوَائِدَ، وَأَتَمُّهَا فَوَائِدَ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَتْ لَطَائِفُ عُلُومِ الدِّينِ كَامِنَةَ الْآثَارِ، وَنُجُومُ سَمَاءِ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ مَطْمُوسَةَ الْأَنْوَارِ، لَا تَدْخُلُ مَيَامِنُهُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ، وَلَا تُدْرَكُ مَحَاسِنُهُ بِالِاسْتِقْصَاءِ.
ثُمَّ إنَّ كِتَابَ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمَنْسُوبَ إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُعَظَّمِ، وَالْحَبْرِ الْهُمَامِ الْمُكَرَّمِ، الْعَالِمِ الْعَامِلِ الرَّبَّانِيِّ، مُؤَيِّدِ الْمَذْهَبِ النُّعْمَانِيِّ، قُدْوَةِ الْمُحَقِّقِينَ أُسْوَةِ الْمُدَقِّقِينَ صَاحِبِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْكَرَامَاتِ السَّنِيَّةِ مَفْخَرِ الْأَنَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَزْدَوِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجِنَانِ، امْتَازَ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ شَرَفًا وَسُمُوًّا، وَحَلَّ مَحَلَّهُ مَقَامَ الثُّرَيَّا مَجْدًا وَعُلُوًّا، ضَمَّنَ فِيهِ أُصُولَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ، وَأَدْرَجَ فِيهِ مَا بِهِ نِظَامُ الْفِقْهِ وَقِوَامُهُ، وَهُوَ كِتَابٌ عَجِيبُ الصَّنْعَةِ رَائِعُ التَّرْتِيبِ، صَحِيحُ الْأُسْلُوبِ مَلِيحُ التَّرْكِيبِ، لَيْسَ فِي جَوْدَةِ تَرْكِيبِهِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِهِ مِرْيَةٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ عَبَّادَانَ قَرْيَةٌ، لَكِنَّهُ صَعْبُ الْمَرَامِ، أَبِي الزِّمَامِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ لُطْفِهِ وَغَرَائِبِهِ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْإِحَاطَةِ بِطُرَفِهِ وَعَجَائِبِهِ، إلَّا لِمَنْ أَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَحْصِيلِهِ، وَشَدَّ حَيَازِيمَهُ لِلْإِحَاطَةِ لِجُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ، بَعْدَ أَنْ رُزِقَ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ ذِهْنًا جَلِيًّا، وَذَرْعًا مَنْ هُوَ أَجَسُّ أَضَالِيلِ الْمُنَى خَلِيًّا، وَقَدْ تَبَحَّرَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفُرُوعِ، وَأَحَاطَ بِمَا جَاءَ فِيهَا مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ.
وَقَدْ سَأَلَنِي إخْوَانِي فِي الدِّينِ، وَأَعْوَانِي عَلَى طَلَبِ الْيَقِينِ، أَنْ أَكْتُبَ لَهُمْ شَرْحًا يَكْشِفُ عَنْ أَوْجُهِ غَوَامِضِ مَعَانِيهِ نِقَابَهَا، وَيَرْفَعُ عَنْ اللَّطَائِفِ الْمُسْتَتِرَةِ فِي مَبَانِيهِ حِجَابَهَا، وَيُوَضِّحُ مَا أُبْهِمَ مِنْ رُمُوزِهِ وَإِشَارَاتِهِ الْمُعْضِلَةِ، وَيُبَيِّنُ مَا أُجْمِلَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَعِبَارَاتِهِ الْمُشْكِلَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي لَمَّا اسْتَسْعَدْت بِخِدْمَةِ شَيْخِي، وَسَيِّدِي وَسَنَدِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الرَّبَّانِيُّ، وَالْقَرْمُ الْمُدَقِّقُ الصَّمَدَانِيُّ، نَاصِبُ رَايَاتِ الشَّرِيعَةِ، كَاشِفُ آيَاتِ الْحَقِيقَةِ، فَتَّاحُ أَقْفَالِ الْمُشْكِلَاتِ، كَشَّافُ غَوَامِضِ الْمُعْضِلَاتِ، فَخْرُ الْحَقِّ وَالدِّينِ، مَلَاذُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَالَمِينَ، قُطْبُ الْمُتَهَجِّدِينَ، خَتْمُ الْمُجْتَهِدِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسِ الْمَايَمُرْغِيُّ أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ سِجَالَ إنْعَامِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهِ شَآبِيبَ إكْرَامِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَنَشَأْت فِي حِجْرِهِ بِرَوَاتِبِ بِرِّهِ وَأَفْضَالِهِ، وَرُبِّيتُ فِي بَيْتِهِ بِصَنَائِعِ جُودِهِ وَنَوَالِهِ، لَعَلِّي فُزْت بِدُرَرٍ مَنْ غُرَرِ فَرَائِدِهِ.
وَأَخَذْتُ حَظًّا وَافِرًا مِنْ مَوَائِدِ فَوَائِدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُخْتَصًّا مِنْ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ بِاتِّفَاقِ الْأَنَامِ بِتَحْقِيقِ دَقَائِقِ مُصَنَّفَاتِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَاسْتَعْفَيْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ وَتَشَبَّثْتُ بِأَهْدَابِ الْمَعَاذِيرِ، عِلْمًا مِنِّي بِأَنِّي لَسْت مِنْ فُرْسَانِ هَذَا الْمَيْدَانِ، وَلَا لِي بِالْإِبْلَاءِ فِي مَوَاقِفِهِ يَدَانِ، وَأَيْنَ أَنَا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَحَيَّرَتْ الْفُحُولُ فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، بَعْدَ تَهَالُكِهِمْ فِي بَحْثِهِ وَتَنْقِيرِهِ، وَعَجَزَتْ التَّحَارِيرُ عَنْ دَرْكِ مُعْضِلَاتِهِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَفْكِيرِهِ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِلْحَاحِ عَلَيَّ، وَالْإِقَامَةَ فِي مَوَاقِفِ الِاقْتِرَاحِ لَدَيَّ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إنْجَاحِ مَسْئُولِهِمْ، وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْ تَحْقِيقِ مَأْمُولِهِمْ، فَأَجَبْتهمْ إلَى مُلْتَمَسِهِمْ تَفَادِيًا مِنْ عُقُوقِهِمْ، وَسَعْيًا
(1/3)

[مُقَدِّمَة الْكتاب]
أُصُولُ بَزْدَوِيٍّ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى أَدَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَشَرَعْت فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْمُهِمِّ، وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ الْمُدْلَهِمِّ، مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ الْكَرِيمِ الْجَلِيلِ، رَاجِيًا مِنْهُ أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، مُتَوَكِّلًا عَلَى كَرَمِهِ الشَّامِلِ فِي طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِإِتْمَامِهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى إنْعَامِهِ الْعَامِّ فِي سُؤَالِ التَّيْسِيرِ لِابْتِدَائِهِ وَاخْتِتَامِهِ.
رَاغِبًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ مَا أُقَاسِيهِ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، مُتَعَوِّذًا بِهِ مِنْ أَنْ يَتَلَقَّانِي بِسَخَطِهِ وَعِقَابِهِ الْأَلِيمِ، مُبْتَهِلًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَحْفَظَنِي عَنْ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ، وَيُلْهِمَنِي طَرِيقَ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَأَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ بِبَرَكَاتِ جَمْعِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ كَاشِفًا عَنْ غَوَامِضَ مُحْتَجِبَةٍ عَنْ الْأَبْصَارِ نَاسَبَ أَنْ سَمَّيْتُهُ كَشْفَ الْأَسْرَارِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كِتَابًا سَبَقَ عَامَّةَ الشُّرُوحِ تَرْتِيبًا وَجَمَالًا، وَفَاقَ نَظَائِرَهُ تَحْقِيقًا وَكَمَالًا، وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ، عَرَفَ دَعْوَى الصِّدْقِ مِنْ الْخِلَافِ، ثُمَّ إنِّي، وَإِنْ لَمْ آلُ جُهْدًا فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَتَرْتِيبِهِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ جِدًّا فِي تَسْدِيدِهِ وَتَهْذِيبِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ عَثْرَةٌ وَزَلَلٌ، وَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ خَطَأٌ وَخَطَلٌ، فَلَا يَتَعَجَّبُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْتَنْكِفُهُ بَشَرٌ وَقَدْ رَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ لَهُ إنِّي صَنَّفْت هَذِهِ الْكُتُبَ فَلَمْ آلُ فِيهَا الصَّوَابَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَنْهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ قَرَأْت كِتَابَ الرِّسَالَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ثَمَانِينَ مَرَّةً فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكُنَّا نَقِفُ عَلَى خَطَإٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيهِ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابٌ صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ فَالْمَأْمُولُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ جَانَبَ التَّعَصُّبَ وَالتَّعَسُّفَ وَنَبَذَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ التَّكَلُّفَ وَالتَّصَلُّفَ، أَنْ يَسْعَى فِي إصْلَاحِهِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، أَدَاءً لِحَقِّ الْأُخُوَّةِ فِي الْإِيمَانِ، وَإِحْرَازًا لِحُسْنِ الْأُحْدُوثَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَإِدْخَارًا لِجَزِيلِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُثِيبُ عَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ سَتَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَغَفَرَ ذُنُوبَهُ.
حَدَّثَنِي بِهَذَا الْكِتَابِ شَيْخِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِسَرَخْسَ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَلَكِيَّةِ الْعَبَّاسِيَّةِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسْتَاذُ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا مُظْهِرُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّتَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَرْدَرِيُّ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى بَابِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ وَمِنْهُ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْقَرْمُ الْهُمَامُ بَدْرُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْكَرْدَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ رَاوِيًا عَنْ حَالِهِ هَذَا قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخُ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْجَلِيلِ الرِّشْدَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَمُقْتَدَى الْأُمَّةِ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ النَّسَفِيُّ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ قَدَّسَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ) جَرَتْ سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِذِكْرِ الْحَمْدِ فِي أَوَائِلِ تَصَانِيفِهِمْ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّهُ مُعَنْوَنٌ بِهِ وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَالْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا يُقَالُ حَمِدْته عَلَى إنْعَامِهِ وَحَمِدْته عَلَى شَجَاعَتِهِ وَاللَّامُ فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ
(1/4)

مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا وَنُورًا مُضِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْجِنْسِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ أَيْ الْحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ اسْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ يَجْرِي فِي وَصْفِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لَا شَرِكَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أَيْ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ غَيْرَهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ الْخَلِيلِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ الْحَمْدُ بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَالْعَلَمِ لِلذَّاتِ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ فَكَانَ إضَافَةُ الْحَمْدِ إلَيْهِ إضَافَةً لَهُ إلَى جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ اخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِلصِّفَاتِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّةِ التَّأْلِيفِ أَنْ يُوَافِقَ التَّحْمِيدُ مَضْمُونَهُ.
وَغَرَضُ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ بَيَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا قَالَ " خَالِقِ النَّسَمِ " إذْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النَّفْسِ لِتَعْرِفَ مَا شُرِعَ لَهَا مِثْلُ الْعُقُودِ وَمَا شُرِعَ عَلَيْهَا مِثْلُ الْوَاجِبَاتِ وَالْخَالِقُ هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَالنَّسَمَةُ الْإِنْسَانُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالنَّسَمُ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَفِي الْمُغْرِبِ النَّسَمَةُ النَّفْسُ مِنْ نَسَمَ الرِّيحُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا النَّفْسُ وَمِنْهَا أَعْتَقَ النَّسَمَةَ وَاَللَّهُ بَارِئُ النَّسَمِ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مُحْتَاجًا إلَى الْعَطَاءِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ رَازِقِ الْقَسَمِ أَيْ مُعْطِي الْعَطَايَا، وَالرِّزْقُ الْعَطَاءُ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَوْلِك رَزَقَهُ اللَّهُ وَالْقَسَمُ جَمْعُ قِسْمَةٍ بِمَعْنَى الْقَسْمِ، وَهُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ مِنْ الْخَيْرِ وَفِي ذِكْرِ الرِّزْقِ دُونَ الْإِعْطَاءِ لُطْفٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّزْقَ مَا يُفْرَضُ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُفْرَضُ لِلْعُمَّالِ مِثْلُ الْمُقَاتِلَةِ وَالْإِنْسَانُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى كَسْبٍ وَعَمَلٍ فَكَانَ ذِكْرُ الرِّزْقِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً مِنْ ذِكْرِ الْعَطَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ صَنْعَةِ التَّرْصِيعِ.

قَوْلُهُ (مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ) الْإِبْدَاعُ الِاخْتِرَاعُ لَا عَلَى مِثَالٍ وَالْبَدَائِعُ جَمْعُ بَدِيعٍ بِمَعْنَى مُبْتَدِعٍ أَيْ مُخْتَرِعِ الْمَوْجُودَاتِ بِلَا مَادَّةٍ وَمِثَالٍ بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ وَحِكْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَفِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدُونِ الْوَاوِ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ خَالِقِ النَّسَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَلْقَ مِثْلِ هَذَا الْمَوْجُودِ الَّذِي فِيهِ أُنْمُوذَجٌ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ حَتَّى قِيلَ هُوَ الْعَالَمُ الْأَصْغَرُ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَغَرَائِبِ حِكْمَتِهِ ثُمَّ هَذَا الْجِنْسُ لَمَّا خُلِقُوا عَلَى هِمَمٍ شَتَّى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَهْوَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ لَا يَكَادُونَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى شَيْءٍ وَيَبْعَثُ لِكُلِّ وَاحِدٍ هِمَّتَهُ إلَى مَا يَسْتَلِذُّ طَبْعُهُ وَفِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي فِي الْعَاجِلِ إلَى التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي وَفِي الْآجِلِ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، شَرَعَ الشَّرَائِعَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَامِعًا لَهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ مُسْتَقِيمٍ فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَالشَّرْعُ الْإِظْهَارُ وَشَرَعَ لَهُمْ كَذَا أَيْ بَيَّنَ وَالشَّرَائِعُ جَمْعُ شَرِيعَةٍ، وَهِيَ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّينِ ثُمَّ ضَمَّنَ الشَّارِعُ مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّصْيِيرِ فَانْتَصَبَ دِينًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ جَاعِلُ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا أَوْ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الشَّرَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِوُجُودِ مَعْنَى الصِّفَةِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ كَمَا انْتَصَبَ قُرْآنًا عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [فصلت: 3] مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ أَيْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صَالِحًا وَالدِّينُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ وَالرِّضَى الْمَرْضِيُّ وَوَصَفَهُ بِهِ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] أَيْ اخْتَرْته لَكُمْ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ
(1/5)

وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ وَنَيْلِ أَسْبَابِ الْغُفْرَانِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الشَّرَائِعِ مَشْرُوعَاتُ هَذِهِ الْمِلَّةِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ دِينًا عَلَى صِيغَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - لَقِيلَ أَدْيَانًا رَضِيَّةً وَأَنْوَارًا مُضِيئَةً وَالنُّورُ لُغَةً اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْجِدَارِ وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ أَنْ تَصِيرَ الْمَرْئِيَّاتُ بِسَبَبِهِ مُتَجَلِّيَةً مُنْكَشِفَةً وَلِذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ تَسْمِيَةُ الدِّينِ نُورًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِلْبَصِيرَةِ كَمَا أَنَّ النُّورَ الْجُسْمَانِيَّ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْأَشْيَاءِ لِلْبَصَرِ وَالْإِضَاءَةُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٍ قَالَ النَّابِعَةَ الْجَعْدِيِّ:
أَضَاءَتْ لَنَا النَّارُ وَجْهًا أَغَرَّ ... مُلْتَبِسًا بِالْفُؤَادِ الْتِبَاسَا
يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ... لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا
، فَاسْتَعْمَلَهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَاللُّزُومُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنْ النُّورِ وَأَتَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى الشَّمْسِ وَالنُّورُ إلَى الْقَمَرِ فِي قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] ثُمَّ الشَّيْخُ وَصَفَ الدِّينَ بِالنُّورِ أَوَّلًا كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا} [الشورى: 52] أَيْ جَعَلْنَا الْإِيمَانَ نُورًا وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8] أَيْ دِينِهِ ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْإِضَاءَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي حَقِّ الْمُتَمَسِّكِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ نُورِ الْقَمَرِ ثُمَّ يَتَزَايَدُ بِالتَّأَمُّلِ وَالِاسْتِدْلَالِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ضَوْءَ الشَّمْسِ.
وَلِأَنَّ الْخَلْقَ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ ظَلْمَاءَ قَبْلَ الْبَعْثِ فَكَانَ ظُهُورُ الدِّينِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ نُورِ الْقَمَرِ فِي الظُّلْمَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ثُمَّ ازْدَادَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ بِمَنْزِلَةِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ؛ فَلِهَذَا وَصَفَهُ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّ اسْتِنَارَةَ الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ بِهَذَيْنِ الْكَوْكَبَيْنِ فَوَصَفَهُ بِالنُّورِ وَالْإِضَاءَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ) الذِّكْرُ هَهُنَا الشَّرَفُ قَالَ تَعَالَى {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10] أَيْ شَرَفُكُمْ {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] قِيلَ ذِي الشَّرَفِ وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَالْمَطِيَّةُ الْمَرْكَبُ وَالْمِطَاءُ الظَّهْرُ، وَهَذَا الْكَلَامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمَطِيَّةَ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ فَكَذَلِكَ الدِّينُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ دَارُ السَّلَامِ وَسُمِّيَتْ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ لِسَلَامَةِ أَهْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النِّعَمِ عَنْ الْآفَاتِ وَالْفِنَاءِ أَوْ لِكَثْرَةِ السَّلَامِ فِيهَا قَالَ تَعَالَى {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} [إبراهيم: 23] {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} [الزمر: 73] {سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] وَالسَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأُضِيفَتْ الدَّارُ إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهَا.
قَوْلُهُ (أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ) وَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي جَلَائِلِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَعَرَفَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَفِي بِالْقِيَامِ بِمُوَاجَبِ حَمْدِهِ كَمَا هُوَ يَسْتَحِقُّهُ، وَإِنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ النَّجَاةِ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِإِعَانَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ قَالَ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ يَعْنِي أَحْمَدُهُ عَلَى حَسَبِ وُسْعِي وَطَاقَتِي وَبِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْمِيدِ لَا عَلَى حَسَبِ النِّعَمِ إذَا لَيْسَ ذَلِكَ وُسْعَ أَحَدٍ قَالَ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] ثُمَّ الْإِمْكَانُ أَعَمُّ مِنْ الْوُسْعِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ قَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَغَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ نَسْفَ الْجِبَالِ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَالْوُسْعُ رَاجِعٌ إلَى الْفَاعِلِ وَالْإِمْكَانُ إلَى الْمَحَلِّ وَخَصَّ طَلَبَ الرِّضْوَانِ أَيْ الرِّضَا بِالِاسْتِعَانَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا قَالَ تَعَالَى {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] ثُمَّ ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ»
(1/6)

وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَصْحَابِهِمْ أَجْمَعِينَ

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْعِلْمُ نَوْعَانِ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَضَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُنَا أَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَعَامَّةَ أَصْحَابِهِمْ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ) أَيْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ أَيْ مُتَابِعِيهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْآلِ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «آلِي كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ» وَتَخْصِيصُ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ لِزِيَادَةِ التَّعْظِيمِ وَتَقْدِيمِ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَامَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ لَا لِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَا فَضْلَ لِوَلِيٍّ عَلَى نَبِيٍّ قَطُّ.

[الْعِلْم نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ]
قَوْلُهُ (الْعِلْمُ نَوْعَانِ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ إذْ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ كَانَ دَوْرًا وَقِيلَ إنَّهُ صِفَةٌ تُوجِبُ فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ وَقَوْلُهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّنِّ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ يَنْتَفِي بِهَا عَنْ الْحَيِّ الْجَهْلُ وَالشَّكُّ وَالظَّنُّ وَالسَّهْوُ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهَا الْمَذْكُورُ لِمَنْ قَامَتْ هِيَ بِهِ ثُمَّ أَنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ عِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَسَائِرِ عُلُومِ الْفَلْسَفَةِ كَمَا يَتَنَاوَلُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُهُ بِالنَّوْعَيْنِ وَاكْتِفَاؤُهُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُ الْحَيَوَانِ بِأَنَّهُ نَوْعَانِ: إنْسَانٌ وَفَرَسٌ مُنْحَصِرًا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَقْيِيدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْعِلْمُ الْمُنْجِي أَوْ الْعِلْمُ الَّذِي اُبْتُلِينَا بِهِ نَوْعَانِ، وَكَانَ الشَّيْخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ الْعِلْمُ نَوْعَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا لِعَدَمِ ظُهُورِ فَائِدَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَانْحِصَارِ الْفَائِدَةِ فِيهَا عَلَى النَّوْعَيْنِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّك لَا تَعُدُّهُمْ عُلَمَاءَ فِي مُقَابَلَتِهِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعِلْمُ الصِّفَاتِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ قَدِيمَةً غَيْرَ مُحْدَثَةٍ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لَا كَمَا زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَلَا كَمَا زَعَمَتْ الْكَرَّامِيَّةُ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوعَاتِ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَالْأَحْكَامِ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْمَشْرُوعَاتِ لَكِنَّهَا لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ بِمُحْكَمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَهَذَا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ النَّفْسِ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِحَقِّيَّةِ الْقُرْآنِ وَانْتَحَلُوا نِحْلَةَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُمْ بِسَبَبِ أَهْوَائِهِمْ خَرَجُوا عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ وَنَبَذُوا التَّوْحِيدَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَأَنْكَرُوا الصِّفَاتِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ زَاعِمِينَ أَنَّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَمَحْضُ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ مَنْ أَنْكَرَ الرِّسَالَةَ وَالْقُرْآنَ مِثْلُ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ فَلَا يَنْفَعُ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِإِنْكَارِ الْخَصْمِ حَقِيَتَهُمَا فَيُتَمَسَّكُ إذَنْ بِالْمَعْقُولِ الصِّرْفِ. وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ الْهَوَى مَيَلَانُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَالْبِدْعَةُ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ فِي الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَعْنِي يَتَمَسَّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُجَانِبًا لِهَوَى نَفْسِهِ وَمُجَانِبًا لِمَا أَحْدَثَهُ غَيْرُهُ فِي الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَلَا يُحْمَلُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ وَلَا عَلَى مَا يُوَافِقُ مَا أَبْدَعَهُ غَيْرُهُ مِثْلُ مَا قَالَتْ الرَّافِضَةُ الْمُرَادُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمِنْ الظُّلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان: 27] أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ قَوْلِهِ {لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا} [الفرقان: 28] عُمَرَ وَمِثْلُ
(1/7)

وَإِثْبَاتَ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا كُلَّهَا وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ وَصَنَّفَ كِتَابَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَكِتَابَ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِثْلُ حَمْلِهِمْ الْمَشِيئَةَ فِي قَوْله تَعَالَى {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 27] وَنَظَائِرُهُ عَلَى مَشِيئَةِ الْقَسْرِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِعَدَمِ دُخُولِ الشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ أَيْ عَقِيدَةِ الرَّسُولِ وَالْجَمَاعَةِ أَيْ عَقِيدَةِ الصَّحَابَةِ، أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا أَيْ أُسْتَاذِيّنَا وَالسَّلَفُ جَمْعُ سَالِفٍ مِنْ سَلَفَ يَسْلُفُ سَلَفًا إذَا مَضَى وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِمْ أَيْ أَكْثَرُهُمْ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْبِدْعَةِ مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ إبْطَالُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ اسْتِدْلَالًا بِمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَدَفْعُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الرَّأْيَ عَلَى السُّنَّةِ فَبَدَأَ أَوَّلًا بِإِبْطَالِ دَعْوَى الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ سَمَّاهُ أَكْبَرَ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ وَعَظَمَتَهُ بِحَسَبِ شَرَفِ الْمَعْلُومِ وَلَا مَعْلُومَ أَكْبَرُ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ أَكْبَرَ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ فَقَالَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ صِفَةٌ وَلَا اسْمٌ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِعِلْمِهِ وَالْعِلْمُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَقَادِرًا بِقُدْرَتِهِ وَالْقُدْرَةُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَخَالِقًا بِتَخْلِيقِهِ وَالتَّخْلِيقُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَفَاعِلًا بِفِعْلِهِ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ فَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَلَا مُحْدَثَةٍ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ أَوْ مُحْدَثَةٌ أَوْ وَقَفَ فِيهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتُ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا فَقَالَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ آمَنْت بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ كَسْبُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا.
وَهِيَ كُلُّهَا بِمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَائِهِ وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَأَمَّا مَسْأَلَتَا الِاسْتِطَاعَةِ وَالْأَصْلَحِ فَمَا وَجَدْتُهُمَا فِي النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدِي مِنْ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَيْضًا مَا يُوجِبُ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُمَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَإِثْبَاتُ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَيْضًا وَأَثْبَتَ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ فِيهِ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ بَلْ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ وَقَالَ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّهُ أَثْبَتَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ فِي مَبَاحِثِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ) أَيْ قَالَ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَدُوًّا، وَإِنْ رَكِبَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بَعْدَ أَنْ لَا يَدَعَ التَّوْحِيدَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ يَرْتَكِبُ الْعَظِيمَ مِنْ الذَّنْبِ فَاَللَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَلْبِهِ لَكَانَ الِاحْتِرَاقُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَمَا قَوْلُك فِي أُنَاسِ رَوَوْا أَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا زَنَى يُخْلَعُ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يُخْلَعُ عَنْهُ الْقَمِيصُ ثُمَّ إذَا تَابَ أُعِيدَ إلَيْهِ إيمَانُهُ أَتُكَذِّبُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ أَوْ تُصَدِّقُهُمْ
(1/8)

وَيَتَرَحَّمُ لَهُ وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ نَاظَرْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَاتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ وَصَحَّ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنْ صَدَّقْت قَوْلَهُمْ فَقَدْ دَخَلْت فِي قَوْلِ الْخَوَارِجِ، وَإِنْ كَذَّبْت قَوْلَهُمْ قَالُوا أَنْتِ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِنَّهُمْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رِجَالٍ شَتَّى حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ الْعَالِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُكَذِّبُ هَؤُلَاءِ وَلَا يَكُونُ تَكْذِيبِي لَهُمْ تَكْذِيبًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ عَمَّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْجَوْرِ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقُرْآنَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَصْدِيقًا بِالنَّبِيِّ وَبِالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهًا لَهُ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: 16] فَقَوْلُهُ مِنْكُمْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا وَلَا نُكَفِّرُ مُسْلِمًا بِذَنْبٍ مِنْ الذُّنُوبِ.
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا وَلَا نُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ وَنُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا حَقِيقَةً، وَيُتَرَحَّمُ لَهُ أَيْ يُدْعَى لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَيُقَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَوْ كَانَ أَبُوك إسْلَامِيًّا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ» أَيْ لَقُلْنَا لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ أَخْبِرْنِي عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ أَهُوَ أَفْضَلُ أَمْ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاللَّعْنَةِ قَالَ الْعَالِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الذَّنْبُ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ غَيْرِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ فَأَيُّ الذَّنْبَيْنِ رَكِبَ هَذَا الْعَبْدُ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ لَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَالدُّعَاءُ لِأَهْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالْمَغْفِرَةِ أَفْضَلُ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إذَا لَيْسَ شَيْءٌ يُطَاعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَجَمِيعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَرَائِضِهِ فِي جَنْبِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَصْغَرُ مِنْ بَيْضَةٍ فِي جَنْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُنَّ فَكَمَا أَنَّ ذَنْبَ الْإِشْرَاكِ أَعْظَمُ كَذَلِكَ أَجْرُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَعْظَمُ، وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا أَيْ إمَامًا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالشَّيْءُ إذَا بُولِغَ فِي وَصْفِهِ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلِلْفَرَسِ الْجَوَادِ إنَّهُ لَذُو صِدْقٍ أَيْ صَادِقِ الْحَمْلَةِ وَصَادِقِ الْجَرْيِ كَأَنَّهُ ذُو صِدْقٍ فِيمَا يَعُدُّك مِنْ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فِي قَوْله تَعَالَى {قَدَمَ صِدْقٍ} [يونس: 2] ، وَفِي إضَافَتِهِ إلَى صِدْقٍ دَلَالَةٌ عَلَى زِيَادَةِ فَضْلٍ، وَإِنَّهُ مِنْ السَّوَابِقِ الْعَظِيمَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ فِيهِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ كُنْت رَجُلًا أُعْطِيت جَدَلًا فِي الْكَلَامِ فَمَضَى دَهْرٌ فِيهِ أَتَرَدَّدُ وَبِهِ أُخَاصِمُ وَعَنْهُ أُنَاضِلُ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْخُصُومَاتِ بِالْبَصْرَةِ فَدَخَلْتهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أُقِيمُ سَنَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَكُنْت قَدْ نَازَعْت طَبَقَاتِ الْخَوَارِجِ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَطَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَكُنْت بِحَمْدِ اللَّهِ أَغْلِبُهُمْ وَأَقْهَرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَحَدَّ جَدَلًا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مُمَوَّهٌ يَقْبَلُهُ الْقُلُوبُ وَكُنْت أُزِيلُ تَمْوِيهَهُمْ بِمَبْدَأِ الْكَلَامِ وَأَمَّا الرَّوَافِضُ وَأَهْلُ الْإِرْجَاءِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ فَكَانُوا بِالْكُوفَةِ أَكْثَرَ وَكُنْت قَهَرْتهمْ بِحَمْدِ اللَّهِ أَيْضًا وَكُنْت أَعُدُّ الْكَلَامَ أَفْضَلَ الْعُلُومِ وَأَرْفَعَهَا فَرَاجَعْت نَفْسِي بَعْدَمَا مَضَى لِي فِيهِ عُمْرٌ وَتَدَبَّرْت فَقُلْت إنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِّي اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ لَمْ يَكُنْ يَفُوتُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وَكَانُوا عَلَيْهِ أَقْدَرَ وَبِهِ أَعْرَفَ وَأَعْلَمَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ ثُمَّ لَمْ يَتَهَايَئُوا فِيهِ مُتَنَازِعِينَ وَلَا مُجَادِلِينَ وَلَمْ يَخُوضُوا فِيهِ بَلْ أَمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ وَنُهُوا أَشَدَّ النَّهْيِ وَرَأَيْت خَوْضَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ وَكَلَامَهُمْ فِيهِ، عَلَيْهِ تَجَالَسُوا وَإِلَيْهِ دَعَوْا وَكَانُوا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ وَالْمُنَازَعَةَ فِيهِ
(1/9)

وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِ الْمَبْسُوطِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ الِاعْتِزَالِ وَإِلَى سَائِرِ الْأَهْوَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَيَتَنَاظَرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ السَّابِقِينَ وَتَبِعَهُمْ التَّابِعُونَ فَلَمَّا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أُمُورِهِمْ ذَلِكَ تَرَكْنَا الْمُنَازَعَةَ وَالْخَوْضَ فِي الْكَلَامِ وَرَجَعْنَا إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَشَرَعْنَا فِيمَا شَرَعُوا وَجَالَسْنَا أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ مَعَ أَنِّي رَأَيْت مَنْ يَنْتَحِلُ الْكَلَامَ وَيُجَادِلُ فِيهِ قَوْمًا لَيْسَ سِيمَاهُمْ سِيمَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْهَاجُهُمْ مِنْهَاجَ الصَّالِحِينَ رَأَيْتهمْ قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً أَفْئِدَتُهُمْ لَا يُبَالُونَ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ فَهَجَرْتهمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ

قَوْلَهُ (وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ تَفَرَّقُوا أَوَّلًا عَلَى سِتِّ فِرَقٍ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْخَارِجِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُرْجِئَةِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً فَصَارَ الْكُلُّ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً عَلَى مَا عُرِفَ فَفِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَقَالُوا فِي قَوْمٍ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِالتَّحَرِّي فَوَقَعَ تَحَرِّي كُلِّ أَحَدٍ إلَى جِهَةٍ إنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إمَامِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ فِي زَعْمِهِ مُخْطِئٌ فَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ لَمَا صَحَّ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ صَلَّوْا كَذَلِكَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا حَكَمُوا بِفَسَادِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَقِّيَّةَ كُلِّ جِهَةٍ مُخْتَصَّةٌ بِمُتَحَرِّيهَا إذْ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ كُلَّ جِهَةٍ فِيهَا حَقٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ قُلْنَا إذَا كَانَ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ الْغَيْرُ الْحَقِّيَّةَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ غَيْرُ الْمُضْطَرِّ الْحِلَّ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ وَهَهُنَا اعْتَقَدَهُ مُخْطِئًا مُطْلَقًا فَأَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا لَمَا أَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ كَالْمُتَوَضِّئِ إذَا اقْتَدَى بِالْمُتَيَمِّمِ صَحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَإِنْ كَانَ جَوَازُ الْأَدَاءِ بِالتَّيَمُّمِ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَإِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مِيرَاثٍ قُسِّمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْوَرَثَةِ لَا آخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَارِثِ هُوَ شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ جَوْرٌ سَمَّى اجْتِهَادَ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَوْرًا وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُ لَمَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالْجَوْرِ وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ إنْ لَمْ آتِك غَدًا إنْ اسْتَطَعْت فَكَذَا إنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لِلْعُرْفِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ صُدِّقَ دِيَانَةً حَتَّى لَا يَحْنَث وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا بِجَوَازِ إمَامَةِ الْفَاسِقِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِكُفْرِ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَإِمَامَةُ الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ وَلِمَذْهَبِ الرَّافِضَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لِصِحَّةِ الْإِمَامَةِ الْإِمَامَ الْمَعْصُومَ وَقَالُوا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ وَقَالُوا بِفَرْضِيَّةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الرَّوَافِضِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك
(1/10)

وَأَنَّهُمْ قَالُوا بِحَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِبْصَارِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ وَحَقِّيَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ وَحَقِّيَّةِ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْيَوْمَ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهَذَا فَصْلٌ يَطُولُ تَعْدَادُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك مِنْ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى التَّمَكُّنِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ بِقَوْلِهِ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ الْعَقْدِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْعِزِّ بِالْعَرْشِ وَيُوهِمُ حُدُوثَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَالْحَدِيثُ شَاذٌّ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْحَلِفِ بِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الذَّاتِ قَالَ تَعَالَى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَأَنَّهُ مِنْ إيمَانِ السَّفَلَةِ أَيْ الْجَهَلَةِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ بِمَعْنَى الْعُضْوِ الْجَارِحَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ أَيْضًا.
وَقَالُوا إذَا ارْتَكَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّطْهِيرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَنَدَمٍ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي سَرِقَةِ الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَضُرُّ ذَنْبٌ مَعَ الْإِيمَانِ كَمَا لَا يَنْفَعُ طَاعَةٌ مَعَ الْكُفْرِ وَبَنَوْا مَسَائِلَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَفِيهَا رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُجْبِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَخَصَّ نَفْيَ الِاعْتِزَالِ عَنْهُمْ بِالذِّكْرِ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَّمَ نَفْيَ جَمِيعِ الْأَهْوَاءِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ هُمْ الْمُدَّعُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّهُمْ قَالُوا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَسَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى حَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّيَّةِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُءُوسِهِمْ بِلَا شَبِيهٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ، وَحَقِّيَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَإِعَادَةُ الرُّوحِ إلَى الْعَبْدِ فِي قَبْرِهِ حَقٌّ وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ حَقٌّ كَائِنٌ وَعَذَابُهُ حَقٌّ كَائِنٌ لِلْكُفَّارِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ وَلِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت أَبِي عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَقُّ هُوَ فَقَالَ هُوَ حَقٌّ أَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَحَقِّيَّةُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَعْنِي أَقَرُّوا بِخَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِأَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ كَذَا ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَمُوتُ الْحُورُ أَبَدًا وَلَا يَفْنَى عَذَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا ثَوَابُهُ سَرْمَدًا، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ بَعْدَمَا طَالَ مُنَاظَرَتُهُمَا وَظَهَرَ مُكَابَرَتُهُ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ، وَهُوَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ رَئِيسُ الْجَبْرِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِمَوْجُودَتَيْنِ الْيَوْمَ.
وَإِنَّمَا تُخْلَقَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَذَا سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا أَنَّهُمَا مَعَ أَهَالِيِهِمَا تَفْنَيَانِ، وَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ دُونَ الْإِقْرَارِ وَأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ الْعِبَادَ فِيمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالشَّجَرَةِ تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ وَالْإِنْسَانُ مُجْبَرٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ وَلَا اخْتِيَارَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْكِفَايَةِ وَتَسْمِيَتُهُ إيَّاهُ كَافِرًا إمَّا بِاعْتِبَارِ غُلُوِّهِ فِي هَوَاهُ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الشَّتْمِ، وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ وَالصِّرَاطِ وَالشَّفَاعَةِ كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7]
(1/11)

وَالنَّوْعُ الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ وَهُوَ الْفِقْهُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: عِلْمُ الْمَشْرُوعِ بِنَفْسِهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي إتْقَانُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا وَضَبْطُ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى لَا يَصِيرَ نَفْسُ الْعِلْمِ مَقْصُودًا فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْأَوْجَهُ كَانَ فَقِيهًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71] {فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} [الإسراء: 71] {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: 8] {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ الصِّرَاطَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى وَجْهِ جَهَنَّمَ أَوْ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ، وَهَذَا أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ الِاعْتِقَادُ بِهِ

[النَّوْع الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ وَهُوَ الْفِقْهُ]
قَوْلُهُ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي عِلْمُ الْفُرُوعِ) ، وَهُوَ الْفِقْهُ سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ فَرْعًا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْأَدِلَّةِ الْكُلِّيَّةِ فِيهِ مِثْلُ كَوْنِ الْكِتَابِ حُجَّةً مَثَلًا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَعَلَى صِدْقِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَكَانَ هَذَا النَّوْعُ فَرْعًا لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إذْ الْفَرْعُ عَلَى مَا قِيلَ هُوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، أَيْ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ كَانَ فِقْهًا، عِلْمُ الْمَشْرُوعِ بِنَفْسِهِ، أَيْ عِلْمُ الْأَحْكَامِ مِثْلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْهِيِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، إتْقَانُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، أَيْ أَحْكَامُ الْعِرْفَانِ بِذَلِكَ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ أَيْ ذَلِكَ الْإِتْقَانُ هُوَ، مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا، أَيْ مَعَ مَعَانِيهَا كَقَوْلِك دَخَلْت عَلَيْهِ بِثِيَابِ السَّفَرِ أَيْ مَعَهَا وَاشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِلِجَامِهِ وَسَرْجِهِ أَيْ مَعَهُمَا أَوْ مَعْنَاهُ مُلْتَبِسَةٌ بِمَعَانِيهَا وَكَانَتْ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةً مَوْقِعَ الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] أَيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالدُّهْنِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَعَانِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ وَالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تُسَمَّى عِلَلًا، وَكَانَ السَّلَفُ لَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْمَعْنَى أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ» أَيْ عِلَلٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إحْدَى بِلَفْظَةِ التَّأْنِيثِ وَثَلَاثٍ بِدُونِ الْهَاءِ، وَضَبْطُ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا أَيْ الْأُصُولِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذَا النَّوْعِ مَعَ فُرُوعِهَا مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] كِنَايَةٌ عَنْ الْحَدَثِ، فَهَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَيَعْرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عَنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ فَإِذَا أَتْقَنَ الْمَعْرِفَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَرَفَ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَمِثَالُ ضَبْطِ الْأَصْلِ بِفَرْعِهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الشَّكَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ فَإِذَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ وَقَدْ تَيَقَّنَ بِالْحَدَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَبِالْعَكْسِ لَا يَجِبُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ لَا نَفْسُهُ إذْ الِابْتِلَاءُ يَحْصُلُ بِهِ لَا بِالْعِلْمِ نَفْسِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الشَّيْخَ قَسَّمَ نَفْسَ الْعِلْمِ أَوَّلًا ثُمَّ أَدْخَلَ الْعَمَلَ فِي قِسْمَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِّ الْعِلْمِ وَحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أَدْخَلَ الْعَمَلَ فِي التَّقْسِيمِ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْعِلْمُ الْمُنْجِي وَالنَّجَاةُ لَيْسَتْ إلَّا فِي انْضِمَامِ الْعَمَلِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْعَمَلَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ وَفِي هَذَا النَّوْعِ بِالْجَوَارِحِ مَعَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دُخُولَ الْعَمَلِ فِي التَّقْسِيمِ يَضُرُّ بِهِ لِأَنَّك إذَا فَسَّرْت الْحَيَوَانَ مَثَلًا بِأَنَّهُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ وَقَسَّمْته بِأَنَّهُ أَنْوَاعُ إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَكَذَا وَكَذَا ثُمَّ فَسَّرْت الْإِنْسَانَ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَدُخُولُ النُّطْقِ فِي التَّقْسِيمِ لَا يَضُرُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُغَايِرًا لِلْحَيَوَانِيَّةِ حَقِيقَةً لِوُجُودِ الْحَيَوَانِيَّةِ بِكَمَالِهَا مَعَ زِيَادَةِ قَيْدٍ فَكَذَا الشَّيْخُ قَسَّمَ الْعِلْمَ بِالنَّوْعَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَهُوَ الْفِقْهُ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ الْمُنْضَمُّ إلَيْهِ الْعَمَلُ فَكَانَ صَحِيحًا
(1/12)

وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى عِلْمَ الشَّرِيعَةِ حِكْمَةً فَقَالَ: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْحِكْمَةَ فِي الْقُرْآنِ بِعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَالَ {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] أَيْ بِالْفِقْهِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةُ: فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ فَكَذَلِكَ مَوْضِعُ اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْفِقْهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِصِفَةِ الْإِتْقَانِ مَعَ اتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرْسَلْت فِيهَا قَرْمًا ذَا إقْحَامِ ... طِبًّا فَقِيهًا بِذَوَاتِ الْإِبْلَامِ
سَمَّاهُ فَقِيهًا لِعِلْمِهِ بِمَا يَصْلُحُ وَبِمَا لَا يَصْلُحُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَمَنْ حَوَى هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَانَ فَقِيهًا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهُوَ فَقِيهٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُسْتَقِيمًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ادَّعَى فَقَالَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ حِكْمَةً وَالْحِكْمَةُ لُغَةً اسْمٌ لِلْعِلْمِ الْمُتْقَنِ وَالْعَمَلِ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ ضِدَّهُ السَّفَهُ، وَهُوَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ مُوجِبِ الْعَقْلِ وَضِدُّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا وَعَنْ الْقَبَائِحِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَكَمَةِ الْفَرَسِ، وَهِيَ الَّتِي تَمْنَعُهُ عَنْ الْحِدَّةِ وَالْجَمُوحَةِ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ وَالْحَكِيمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي كُنْهُهَا مَا يَرُدُّ الْعَقْلَ مِنْ الْخَوْضِ فِي مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَبَانِي الْعُبُودِيَّةِ فَلَأَنْ يَعُودَ الْعَقْلُ مُعْتَرِفًا بِقُصُورِهِ أَحْمَدُ لَهُ مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِإِرْبِهِ فِي أُمُورِهِ وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ كَأَنَّهُ قَالَ فَقَدْ أُوتِيَ أَيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ وَالْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ تَعِظُهُ أَنَّك تُنَاصِحُهُ بِهَا وَتَقْصِدُ نَفْعَهُ فِيهَا وَوَصَفَ الْمَوْعِظَةَ بِالْحُسْنِ دُونَ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْعِظَةَ رُبَّمَا آلَتْ إلَى الْقُبْحِ بِأَنْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَوَقْتِهَا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ» فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَحَسَنَةٌ أَيْنَمَا وُجِدَتْ إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَوْلِ الصَّوَابِ وَالْفِعْلِ الصَّوَابِ.
قَوْلُهُ (قَالَ الشَّاعِرُ) ، وَهُوَ رُؤْبَةُ أَرْسَلْت فِيهَا أَيْ فِي النُّوقِ وَكَلِمَةُ فِي لِبَيَانِ مَوْضِعِ الْإِرْسَالِ وَمَحَلُّهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ} [الصافات: 72] لَا لِتَعْدِيَةِ الْإِرْسَالِ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ تَعَدَّى إلَيْهِ بِإِلَى، وَالْقَرْمُ الْبَعِيرُ الْمُكَرَّمُ الَّذِي لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يُذَلَّلُ وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْفَحْلَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّيِّدِ قَرْمٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِهِ، وَالْإِقْحَامُ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الشِّدَّةِ وَفِي تَاجِ الْمَصَادِرِ الْإِقْحَام در آوردن جيزي در جيزي بِعُنْفٍ وَالطِّبُّ هُوَ الْمَاهِرُ بِالضِّرَابِ وَالْأَبْلَامِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ بَلَمَةٍ يُقَالُ نَاقَةٌ بِهَا بَلَمَةٌ شَدِيدَةٌ إذَا اشْتَدَّتْ ضَبْعَتُهَا أَيْ رَغْبَتُهَا إلَى الْفَحْلِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ أَبْلَمَتْ النَّاقَةُ إذَا وَرِمَ حَيَاؤُهَا مِنْ شِدَّةِ الضَّبَعَةِ وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْبَيْتِ هُوَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ فِيهِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْفَقِيهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْفِقْهَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، فَمَنْ حَوَى أَيْ جَمَعَ.
هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ، كَانَ فَقِيهًا مُطْلَقًا أَيْ كَامِلًا تَامًّا، وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ يَجْمَعُهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى وَجْهٍ أَوْ وَجْهَيْنِ، فَهُوَ فَقِيهٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِوُجُودِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْحَقِيقَةِ دُونَ الْبَعْضِ وَيُسَمِّي الشَّيْخُ هَذَا النَّوْعَ حَقِيقَةً قَاصِرَةً قَوْلُهُ (وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ) أَيْ دَعَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ الْفِقْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِفَضَائِلِ الْفِقْهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ آيَةٍ وَحَدِيثٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْفَضَائِلَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَلِلْعَالِمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ شِرَارِ الْخَلْقِ فَقَالَ اللَّهُمَّ غُفْرًا حَتَّى كُرِّرَ عَلَيْهِ فَقَالَ هُمْ الْعُلَمَاءُ السُّوءُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَثَبَتَ أَنَّ مُطْلَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا تَوْضِيحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» وَرَدَ فِيمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ
(1/13)

وَصَفَهُمْ بِالْإِنْذَارِ وَهُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» وَقَالَ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَأَمَّا مَنْ أَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ وَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فَهُوَ سُخْرَةُ الشَّيْطَانِ وَضَحِكَتُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَيَانِ تَبْدِيلِ أَسَامِي الْعُلُومِ أَنَّ النَّاسَ تَصَرَّفُوا فِي اسْمِ الْفِقْهِ فَخَصُّوهُ بِعِلْمِ الْفَتَاوَى وَالْوُقُوفِ عَلَى دَقَائِقِهَا وَعِلَلِهَا وَاسْمُ الْفِقْهِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَانَ مُنْطَلِقًا عَلَى عِلْمِ الْآخِرَةِ وَمَعْرِفَةِ دَقَائِقِ آفَاتِ النُّفُوسِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْآخِرَةِ وَحَقَارَةِ الدُّنْيَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] وَالْإِنْذَارُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعِلْمِ دُونَ تَفَارِيعِ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَفْقَهُ الْعَبْدُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي ذَاتِ اللَّهِ» وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا وَسَأَلَ فَرْقَدُ السِّنْجِيُّ الْحَسَنَ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَهُ فَقَالَ إنَّ الْفُقَهَاءَ يُخَالِفُونَك فَقَالَ الْحَسَنُ ثَكِلَتْك أُمُّك فُرَيْقِدُ وَهَلْ رَأَيْت فَقِيهًا بِعَيْنِك إنَّمَا الْفَقِيهُ هُوَ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ الْبَصِيرُ بِذَنْبِهِ الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ الْوَرِعُ الْكَافُّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ اسْمُ الْفِقْهِ مُتَنَاوِلًا لِهَذِهِ الْعُلُومِ وَلِلْفَتَاوَى أَيْضًا فَخُصَّ بِالْفَتَاوَى لَا غَيْرُ فَتَجَرَّدَ النَّاسُ بِهِ لِأَغْرَاضِ الْجَاهِ وَالِاسْتِتْبَاعِ اسْتِرْوَاحًا بِمَا جَاءَ فِي فَضِيلَةِ الْفِقْهِ قَوْله تَعَالَى.
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] اللَّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ نَفِيرَ الْكَافَّةِ عَنْ أَوْطَانِهِمْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُمْكِنٌ وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ وَأَمْكَنَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَى مَفْسَدَةٍ لَوَجَبَ لِوُجُوبِ التَّفَقُّهِ عَلَى الْكَافَّةِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ فَلَوْلَا نَفَرَ أَيْ فَحِينَ لَمْ يُمْكِنْ نَفِيرُ الْكَافَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فَهَلَّا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ طَائِفَةٌ أَيْ مِنْ كُلِّ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ جَمَاعَةٌ قَلِيلَةٌ يَكْفُونَهُمْ النَّفِيرَ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ لِيَتَكَلَّفُوا الْفَقَاهَةَ فِيهِ وَيَتَجَشَّمُوا الْمَشَاقَّ فِي أَخْذِهَا وَتَحْصِيلِهَا وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ وَلِيَجْعَلُوا غَرَضَهُمْ وَمَرْمَى هِمَّتِهِمْ فِي التَّفَقُّهِ إنْذَارَ قَوْمِهِمْ وَإِرْشَادَهُمْ وَالنَّصِيحَةَ لَهُمْ لَا مَا يَنْتَحِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ وَتَؤُمُّونَهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ الرَّكِيكَةِ مِنْ التَّصَدُّرِ وَالتَّرَؤُّسِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الْبِلَادِ وَالتَّشَبُّهِ بِالظَّلَمَةِ فِي مَلَابِسِهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَمُنَافِسَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَفُشُوِّ دَاءِ الضَّرَائِرِ بَيْنَهُمْ وَانْقِلَابِ حَمَالِقَ أَحَدِهِمْ إذَا لَمَحَ بِبَصَرِهِ مَدْرَسَةً لِآخَرَ أَوْ شِرْذِمَةً جَثَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَهَالُكَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَوْطِئَ الْعَقِبِ دُونَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَمَا أَبْعَدَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83] لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إرَادَةَ أَنْ يَحْذَرُوا اللَّهَ فَيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَعْدَمَا أُنْزِلَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ الْآيَاتِ الشِّدَادِ اسْتَبَقَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ آخِرِهِمْ إلَى النَّفِيرِ وَانْقَطَعُوا جَمِيعًا عَنْ اسْتِمَاعِ الْوَحْيِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْفِرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إلَى الْجِهَادِ وَيَبْقَى أَعْقَابُهُمْ يَتَفَقَّهُونَ حَتَّى لَا يَنْقَطِعُوا عَنْ التَّفَقُّهِ الَّذِي هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ لِأَنَّ الْجِدَالَ بِالْحُجَّةِ أَعْظَمُ أَثَرًا مِنْ الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ وَقَوْلُهُ لِيَتَفَقَّهُوا الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْفِرَقِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ الطَّوَائِفِ النَّافِرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ وَلِيُنْذِرَ الْفِرَقُ الْبَاقِيَةُ قَوْمَهُمْ النَّافِرِينَ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِمَا حَصَّلُوا فِي أَيَّامِ غَيْبَتِهِمْ مِنْ الْعُلُومِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ لِلطَّائِفَةِ النَّافِرَةِ
(1/14)

وَأَصْحَابُنَا هُمْ السَّابِقُونَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا وَالدَّرَجَةُ الْقُصْوَى فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُلَازَمَةِ الْقُدْوَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْمَدِينَةِ لِلتَّفَقُّهِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: 41] لِأَنَّا نَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْآيَاتِ الَّتِي تُوجِبُ نَفَرَ الْكُلِّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَوْ هِيَ نَازِلَةٌ حَالَ كَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَتِلْكَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ أَوْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ هُجُومِ الْعَدُوِّ وَتِلْكَ عَلَى حَالَةِ الْهُجُومِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَالْإِنْذَارُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يُنْذَرُ بِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا كَمَنْ أَشَارَ إلَى طَعَامٍ لَذِيذٍ وَقَالَ لَا تَأْكُلُوهُ، فَإِنَّهُ مَسْمُومٌ ثُمَّ أَخَذَ فِي أَكْلِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِنْذَارِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْفُقَهَاءَ بِالْإِنْذَارِ بِقَوْلِهِ {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أُنْذِرُوا بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ وَالْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ أَقْوَامًا عَلَى الْإِنْذَارِ بِدُونِ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] وَبِقَوْلِهِ {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] وَقَدْ حَرَّضَهُمْ هَهُنَا عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ أَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فِقْهًا فَهِمَ وَفَقِهَ فَقَاهَةً إذَا صَارَ فَقِيهًا

قَوْلُهُ (وَأَصْحَابُنَا) أَيْ أَصْحَابُ مَذْهَبِنَا وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْحَابُهُ، هُمْ السَّابِقُونَ أَيْ الْمُتَقَدِّمُونَ، فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ الْفِقْهِ ذَكَرَ ضَمِيرَ الْفَصْلِ لِيَدُلَّ عَلَى نَوْعِ تَخْصِيصٍ وَحَصْرٍ أَيْ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالسَّبْقِ فِيهِ لَا غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُمْ أَحَدٌ فِي تَخْرِيجِ الْمَسَائِلِ وَتَصْحِيحِ الْأَجْوِبَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ غَايَتَهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي تِلْكَ، وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا أَيْ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي لَا مَنْزِلَةَ فَوْقَهَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْوَى تَأْنِيثُ الْأَعْلَى وَالْأَقْصَى، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُقْلَبَ وَاوُ الْقُصْوَى يَاءً كَوَاوِ الْعُلْيَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَوَاوُ فُعْلَى تُقْلَبُ يَاءً فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَاوِ أَيْضًا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ عَلَى سَبِيلِ الشُّذُوذِ كَمَا جَاءَتْ بِالْيَاءِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ، وَإِذَا كَانَتْ اللَّامُ وَاوًا فِي فُعْلَى، فَإِنَّهَا تُقْلَبُ فِي الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ إلَى الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مِثْلُ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْيَا وَقَدْ قَالُوا الْقُصْوَى فَجَاءَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا جَاءَ قَوِدَ وَاسْتَحْوَذَ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ الْقُصْوَى كَالْقَوْدَى فِي مَجِيئِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ جَاءَ الْقُصْيَا إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُصْوَى أَكْثَرُ كَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ اسْتَصْوَبَ مَعَ مَجِيءِ اسْتَصَابَ وَأَغْلَيْت مَعَ غَالَتْ، الرَّبَّانِيُّ فِي الْمُتَأَلِّهِ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْكَشَّافِ الرَّبَّانِيُّ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ كَاللِّحْيَانِيِّ وَالنُّورَانِيِّ وَقَدْ جَاءَ رَبَّى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَالْقِيَاسُ هُوَ الْفَتْحُ وَالْبَاقِي مِنْ تَغَيُّرَاتِ النَّسَبِ، وَالْقُدْوَةُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ
(1/15)

وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي أَمَّا الْمَعَانِي فَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ حَتَّى سَمَّوْهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ اسْمٌ لِلْفِقْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَهُمْ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ أَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَالْأُسْوَةِ مِنْ الْايتِسَاءِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَيُقَالُ فُلَانٌ قُدْوَةٌ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَازِمُونَ طَرِيقَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي أَخْذِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ ثُمَّ مِنْ السُّنَّةِ ثُمَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْقِيَاسِ وَيَسْلُكُونَ نَهْجَهُمْ وَلَا يَخْتَرِعُونَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مَا يُخَالِفُ طَرِيقَتَهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِنْبَاطِهَا.
قَوْلُهُ (وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي) وَلَمَّا طَعَنَ الْخُصُومُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ الرَّأْيِ دُونَ الْحَدِيثِ يَعْنُونَ بِهِ أَنَّهُمْ وَضَعُوا الْأَحْكَامَ بِاقْتِضَاءِ آرَائِهِمْ فَإِنْ وَافَقَ الْحَدِيثُ رَأْيَهُمْ قَبِلُوهُ وَإِلَّا قَدَّمُوا رَأْيَهُمْ عَلَى الْحَدِيثِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَعْنَهُمْ بِقَوْلِهِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَاظَرَ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي أَلْوَانِ تَحْصِيلِهِ بِبُخَارَى بِإِشَارَةِ أَخِيهِ شَيْخِ الْأَنَامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَأَفْحَمَهُ فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ الْمَعَانِيَ قَدْ تَيَسَّرَتْ لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَكِنْ لَا مُمَارَسَةَ لَهُمْ بِالْحَدِيثِ فَبَلَغَ الشَّيْخَ فَرَدَّهُ فِي هَذَا التَّصْنِيفِ وَقَالَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْمَعَانِي أَمَّا الْمَعَانِي فَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ أَيْ سَلَّمُوهَا لَهُمْ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا أَمَّا إجْمَالًا؛ فَلِأَنَّهُمْ سَمَّوْهُمْ أَصْحَابَ الرَّأْيِ تَعْبِيرًا لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَمَّوْهُمْ بِذَلِكَ لِإِتْقَانِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْمَعَانِي مِنْ النُّصُوصِ لِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ وَدِقَّةِ نَظَرِهِمْ فِيهَا وَكَثْرَةِ تَفْرِيعِهِمْ عَلَيْهَا وَقَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فَنَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إلَى الْحَدِيثِ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ إلَى الرَّأْيِ وَالرَّأْيُ هُوَ نَظَرٌ الْقَلْبِ يُقَالُ رَأَى رَأْيًا بَدَلُ ديد وَرَأَى رُؤْيَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ بخواب ديد وَرَأَى رُؤْيَةً بجشم ديد وَفِي الْمُغْرِبِ الرَّأْيُ مَا ارْتَأْهُ الْإِنْسَانُ وَاعْتَقَدَهُ وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اجْتَمَعْت مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَلَسْنَا أَوْقَاتًا وَكَلَّمْته فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَفْقَهَ مِنْهُ وَلَا أَغْوَصَ مِنْهُ فِي مَعْنَى وَحُجَّةٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَتَفَقَّهَ بِهَا وَعَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَلْزَمْ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاَللَّهِ مَا صِرْت فَقِيهًا إلَّا بِاطِّلَاعِي فِي كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ لَحِقْته قَدْ لَازَمْت مَجْلِسَهُ وَبَلَغَ ابْنَ سُرَيْجٍ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُ وَقَالَ يَا هَذَا أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ سَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ.
وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمْ الرُّبْعَ قَالَ كَيْفَ ذَاكَ فَقَالَ الْعِلْمُ قِسْمَانِ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ وَأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسَائِلَ فَسُلِّمَ لَهُ النِّصْفُ ثُمَّ أَجَابَ فِيهَا وَوَافَقُوهُ فِي النِّصْفِ أَوْ أَكْثَرَ فَسُلِّمَ لَهُ الرُّبْعُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا خَالَفُوهُ فِي الْبَاقِي، وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمْ ذَلِكَ فَبَقِيَ الرُّبْعُ مُتَنَازَعًا فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَهُمْ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا أَمَّا تَفْصِيلًا فَلِمَا رُوِيَ عَنْ حَيِّ بْنِ آدَمَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ فِي الْحَدِيثِ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا كَمَا فِي الْقُرْآنِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ جَمَعَ حَدِيثَ أَهْلِ بَلَدِهِ كُلِّهِ فَنَظَرَ إلَى آخِرِ مَا قُبِضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِهِ فَكَانَ فَقِيهًا وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: عَجَبًا لِلنَّاسِ يَقُولُونَ إنِّي أَقُولُ بِالرَّأْيِ وَمَا أُفْتِي إلَّا بِالْأَثَرِ وَعَنْ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْآثَارِ
(1/16)

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَوَّزُوا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ لِقُوَّةِ مَنْزِلَةِ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ وَعَمِلُوا بِالْمَرَاسِيلِ تَمَسُّكًا بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَرَأَوْا الْعَمَلَ بِهِ مَعَ الْإِرْسَالِ أَوْلَى مِنْ الرَّأْيِ، وَمَنْ رَدَّ الْمَرَاسِيلَ فَقَدْ رَدَّ كَثِيرًا مِنْ السُّنَّةِ وَعَمِلَ بِالْفَرْعِ بِتَعْطِيلِ الْأَصْلِ وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ عَلَى الْقِيَاسِ وَقَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ نَصْرٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ عِنْدِي صَنَادِيقُ مِنْ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجْت مِنْهَا إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ لِلْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَعَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقِيهًا مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ وَاسِعَ الْمَالِ صَبُورًا عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَثِيرَ الصَّمْتِ هَارِبًا مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ، وَكَانَ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اتَّبَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَوْلٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَخَذَ بِهِ وَإِلَّا قَاسَ فَأَحْسَنَ الْقِيَاسَ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ (أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ) أَبُو حَنِيفَةَ وَأَمْثَالُهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْهِدُ جَهْدَهُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ عَلَى السُّنَّةِ فَلَا يُفَارِقُهَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَعَادِي السُّنَّةِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْخُصُومَاتِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ.
وَأَمَّا إجْمَالًا فَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَالْمُرْسَلُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ مَا يَرْوِيهِ التَّابِعِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ، وَالْمَرَاسِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ كَالْمَنَاكِيرِ لِلْمُنْكَرِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، تَمَسُّكًا بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، السُّنَّةُ أَعَمُّ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ وَالْقَوْلَ وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِالْقَوْلِ.
وَقِيلَ إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَامَّ قَدْ خُصَّ مِنْهُ فَأَكَّدَهُ بِذِكْرِ الْحَدِيثِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا، وَرَأَوْا أَيْ اعْتَقَدُوا الْعَمَلَ بِهِ أَيْ بِالْمُرْسَلِ مَعَ صِفَةِ الْإِرْسَالِ، أَوْلَى مِنْ الرَّأْيِ، أَيْ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، كَثِيرًا مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَرَاسِيلَ فَبَلَغَ دَفْتَرًا قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَعُمِلَ بِالْفَرْعِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، بِتَعْطِيلِ الْأَصْلِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِهِ يَعْنِي عَمِلَ بِالْقِيَاسِ مُعَطِّلًا لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مُقَرِّرًا لِلْأَصْلِ لَا مُعَطِّلًا لَهُ، وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِرِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، عَلَى الْقِيَاسِ، حَتَّى قَدَّمُوا رِوَايَةَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوَّضَةِ وَقَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لِاحْتِمَالِ السَّمَاعِ مِنْ الرَّسُولِ عَلَى مَا يُعْرَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ وَأَبْوَابِ النَّسْخِ، وَإِذَا أَثْبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ الْمَتْنِ وَمَعَ ذَلِكَ قَدَّمُوا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَرِوَايَةَ الْمَجْهُولِ عَلَى الْقِيَاسِ فَلَوْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْحَدِيثَ فِي صُورَةِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثٍ آخَرَ ثَابِتٍ عِنْدَهُمْ يُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ أَوْ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي الْكُتُبِ الطِّوَالِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّأْيُ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى السُّنَّةِ كَمَا ظَنَّهُ الطَّاعِنُ فَكَلَّا قَوْلُهُ (لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ) أَيْ بِاسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِيهِ بِأَنْ يُدْرِكَ مَعَانِيَهُ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْأَحْكَامِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ وَالْأَخْذِ بِهِ إلَّا بِانْضِمَامِ الْحَدِيثِ إلَيْهِ، مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سُئِلَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ صَبِيَّيْنِ ارْتَضَعَا لَبَنَ شَاةٍ هَلْ ثَبَتَتْ بَيْنَهُمَا حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا ثَبَتَتْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كُلُّ صَبِيَّيْنِ اجْتَمَعَا عَلَى ثَدْيٍ وَاحِدٍ حَرُمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَأَخْطَأَ لِفَوَاتِ الرَّأْيِ.
وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيَّيْنِ لَا بَيْنَ الشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ، وَسَمِعْت
(1/17)

وَلَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْحَدِيثَ أَوْ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَلَا يُحْسِنُ الرَّأْيَ فَلَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى وَقَدْ مَلَأَ كُتُبَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَمَنْ اسْتَرَاحَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَنْ بَحْثِ الْمَعَانِي وَنَكَلَ عَنْ تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ انْتَسَبَ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْكِتَابُ لِبَيَانِ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا وَتَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَنْ شَيْخِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يُوتِرُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ اسْتَنْجَى فَلْيُوتِرْ، وَنَظِيرُ الثَّانِي أَنَّ الرَّأْيَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ نَجِسَةٍ كَمَا هِيَ لَيْسَتْ بِحَدَثٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَكِنْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهَا حَدَثٌ فَوَجَبَ تَرْكُهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِسْقَاءُ فِي الصَّوْمِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لَهُ بِمُقْتَضَى الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ وَالصَّوْمُ إنَّمَا يَفْسُدُ مِمَّا يَدْخُلُ لَكِنْ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ فَيُتْرَكُ الرَّأْيُ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ الْآخَرِ، وَلَا يَتَخَالَجَنَّ فِي وَهْمِك مَا وَقَعَ فِي وَهْمِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَسْتَقِيم الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ وَلَا الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ مُقْتَضٍ لِلدَّوْرِ فَيَكُونُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الدَّوْرِ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرًا إلَى الْآخَرِ كَمَا إذَا قِيلَ لَا يُوجَدُ الْخَمْرُ إلَّا بِالْعِنَبِ وَلَا الْعِنَبُ إلَّا بِالْخَمْرِ فَيَبْطُلُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إلَى الْحَدِيثِ وَلَا الْحَدِيثُ إلَى الرَّأْيِ وَلَكِنَّ افْتِقَارَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى الْآخَرِ فِي أَمْرٍ آخَرَ هُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْحَادِثَةِ كَعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يَفْتَقِرُ كُلُّ وَصْفٍ إلَى الْآخَرِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الدَّوْرِ فِي شَيْءٍ.
وَهُوَ كَمَا يُقَالُ لَا يَصِيرُ السُّكْرُ سَكَنْجَبِينًا إلَّا بِالْخَلِّ وَلَا يَصِيرُ الْخَلُّ كَذَلِكَ إلَّا بِالسُّكَّرِ فَكَانَ تَوَقُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي صَيْرُورَتِهِ سَكَنْجَبِينًا لَا فِي وُجُودِهِ فَكَذَا هَهُنَا فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَدِيثُ إلَّا بِالرَّأْيِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَا الرَّأْيُ إلَّا بِالْحَدِيثِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَيْضًا وَلَيْسَ فِيهَا دَوْرٌ كَمَا تَرَى، يُقَالُ اسْتَرَاحَ فُلَانٌ بِزَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو أَيْ طَلَبَ رَاحَةَ نَفْسِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِزَيْدٍ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ عَمْرٍو وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» ، فَمَنْ اسْتَرَاحَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، أَيْ اكْتَفَى بِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ بَحْثِ الْمَعَانِي، وَنَكَلَ عَنْ تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ، أَيْ أَعْرَضَ مِنْ نَكَلَ عَنْ الْعَدُوِّ وَعَنْ الْيَمِينِ إذَا جَبُنَ، لِبَيَانِ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا، أَيْ مَعَ مَعَانِيهَا الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِثْلُ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَى تَمَامِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَتَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِفُرُوعِهَا، يَعْنِي بَيَّنَ فِيهِ الْأُصُولَ ثُمَّ بَنَى عَلَى كُلِّ أَصْلٍ فُرُوعَهُ مِمَّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِيهِ، عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ، قَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ كِتَابًا أَطْوَلَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَبَسَطَ فِيهِ الْكَلَامَ بَسْطًا، وَكَانَ فِي مُطَالَعَةِ شَيْخِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَوَعَدَ أَنَّ هَذَا التَّصْنِيفَ أَوْجَزَ مِنْهُ، وَمَا تَوْفِيقِي، مِنْ بَابِ إضَافَةِ الصَّدْرِ إلَى الْمَفْعُولِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ، فَإِنَّ التَّوْفِيقَ هَهُنَا مَصْدَرُ وُفِّقَ الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ لَا مَصْدَرُ وَفَّقَ أَيْ وَمَا كَوْنِي مُوَفَّقًا لِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِيمَا قَصَدْت مِنْ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَوُقُوعِهِ مُوَافِقًا لِرِضَاءِ اللَّهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَوْفَقَ رَبَّهُ فِي إمْضَاءِ الْأَمْرِ عَلَى سُنَنِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْيِيدَ فِي ذَلِكَ، وَالتَّوْفِيقُ جَعْلٌ الشَّيْءِ مُوَافِقًا لِلشَّيْءِ وَتَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ أَفْعَالَهُ الظَّاهِرَةَ مُوَافِقَةً لِأَوَامِرِهِ مَعَ بَقَاءِ اخْتِيَارِهِ فِيهَا وَأَنَّ نِيَّاتِ قَلْبِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا يُحِبُّهُ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي حِصَصِ الْأَتْقِيَاءِ، وَالتَّوَكُّلُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ مَعَ رِعَايَةِ الْأَسْبَابِ، وَالْإِنَابَةُ الْإِقْبَالُ إلَيْهِ. وَقِيلَ التَّوْبَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إلَى اللَّهِ وَالْأَوْبَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الطَّاعَةِ إلَيْهِ بِأَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَى طَاعَتِهِ بَلْ عَلَى فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَالْإِنَابَةُ
(1/18)

اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكَانَتْ أَعَمَّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، وَفِي تَقْدِيمِ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ عَلَى الْفِعْلِ أَشَارَ إلَى التَّخْصِيصِ كَمَا فِي إيَّاكَ نَعْبُدُ أَيْ أَخُصُّهُ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَأَخُصُّهُ بِالْإِقْبَالِ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَالْأَحْوَالِ

[أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ]
قَوْلُهُ (اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ إلَى قَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ) اعْلَمْ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ تَنْبِيهًا لِلسَّامِعِ عَلَى أَنَّ مَا يُلْقَى إلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ كَلَامٌ يَلْزَمُ حِفْظُهُ وَيَجِبُ ضَبْطُهُ فَيَتَنَبَّهُ السَّامِعُ لَهُ وَيُصْغِي إلَيْهِ وَيُحْضِرُ قَلْبَهُ وَفَهْمَهُ وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وَلَا يُضَيِّعُ الْكَلَامَ فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا حَسُنَ مَوْقِعُ وَاسْتَمِعْ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} [ق: 41] ، وَهُوَ كَمَا يُرْوَى عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ لِمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَك ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ» ، وَالْأُصُولُ هَهُنَا الْأَدِلَّةُ إذْ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِ وَمَرْجِعُ الْأَحْكَامِ إلَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَالشَّرْعُ الْإِظْهَارُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ إمَّا بِمَعْنَى الشَّارِعِ كَالْعَدْلِ وَالزَّوْرِ بِمَعْنَى الْعَادِلِ وَالزَّائِرِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَدِلَّةُ الشَّارِعِ أَيْ الْأَدِلَّةُ الَّتِي نَصَبَهَا الشَّارِعُ عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةٌ وَيَكُونُ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِضَافَةِ تَعْظِيمُ الْمُضَافِ كَقَوْلِك بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَالضَّرْبِ بِمَعْنَى الْمَضْرُوبِ وَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِ أَيْ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تُثْبِتُ الْمَشْرُوعَاتِ أَرْبَعَةٌ وَيَكُونُ اللَّامُ لِلْجِنْسِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِضَافَةِ تَعْظِيمُ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِك أُسْتَاذِي فُلَانٌ وَكَقَوْلِنَا اللَّهُ إلَهُنَا وَمُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا أَيْ الْمَشْرُوعَاتُ الَّتِي تَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مُعَظَّمَةٌ يَلْزَمُ رِعَايَتُهَا وَيَجِبُ تَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ.
ثُمَّ الْمَشْرُوعُ يَتَنَاوَلُ الْعِلَلَ وَالْأَسْبَابَ وَالشُّرُوطَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْجَمِيعَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إثْبَاتِ مَا سِوَى الْأَحْكَامِ فَالْمَعْنَى مَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْمَشْرُوعَاتُ أَرْبَعَةٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُثْبِتُ الْجَمِيعَ أَوْ الْبَعْضَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامَ لَا غَيْرَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالْمَعْنَى الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْأَحْكَامُ أَرْبَعَةٌ، أَوْ هُوَ اسْمٌ لِهَذَا الدِّينِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا كَالشَّرِيعَةِ يُقَالُ شَرْعُ مُحَمَّدٍ كَمَا يُقَالُ شَرِيعَتُهُ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْفِقْهِ إلَى لَفْظِ الشَّرْعِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ سِوَى الْقِيَاسِ لَا تَخْتَصُّ بِالْفِقْهِ بَلْ هِيَ حُجَّةٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَفْظَةُ الشَّرْعِ أَعَمُّ وَيُطْلَقُ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ كَإِطْلَاقِهِ عَلَى فُرُوعِهِ قَالَ تَعَالَى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] الْآيَةَ فَيَكُونُ إضَافَةُ الْأُصُولِ إلَى الشَّرْعِ أَعَمَّ فَائِدَةً وَأَكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلْأُصُولِ، ثُمَّ قَدَّمَ الْكِتَابَ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ مُطْلَقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَأَعْقَبَهُ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا حُجَّةً ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ كَمَا سَتَعْرِفُ، وَأَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْهُمَا لِتَوَقُّفِ مُوجِبِيَّتِهِ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ الثَّلَاثَةَ مَعَ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهَا حُجَجٌ مُوجِبَةٌ لِلْأَحْكَامِ قَطْعًا وَلَا تَتَوَقَّفُ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ عَلَى شَيْءٍ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِ وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ ابْتِدَاءً كَانَ فَرْعًا لَهُ.
وَإِلَى هَذِهِ الْفَرْعِيَّةِ أَشَارَ
(1/19)

وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِقَوْلِهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ أَيْضًا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي مَحَلِّ الْقِيَاسِ بِدُونِهِ كَانَ أَصْلًا لِلْحُكْمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ فَلَمَّا كَانَ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ فِي الْأَصْلِ وَقَطْعِيَّتُهُ بِعَارِضٍ وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْأُصُولِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَبَعْدَ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا أَثَرُهُ فِي تَغْيِيرِ وَصْفِ الْحُكْمِ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ لَا فِي إثْبَاتِ أَصْلِهِ وَأَثَرُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأُصُولِ فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ؛ فَلِهَذَا وَجَبَ تَمْيِيزُهُ عَنْهَا، وَالِاسْتِنْبَاطُ اسْتِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ يُقَالُ نَبَطَ الْمَاءُ مِنْ الْعَيْنِ إذَا خَرَجَ وَالنَّبَطُ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ أَوَّلَ مَا تُحْفَرُ وَسُمِّيَ النَّبَطُ بِهَذَا الِاسْمِ لِاسْتِخْرَاجِهِمْ مِيَاهَ الْقِنَى فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَسْتَخْرِجُهُ الرَّجُلُ بِفَرْطِ ذِهْنِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالتَّدَابِيرِ فِيمَا يَعْضُلُ وَيُهِمُّ فَكَانَ فِي الْعُدُولِ عَنْ لَفْظِ الِاسْتِخْرَاجِ إلَى لَفْظِ الِاسْتِنْبَاطِ إشَارَةً إلَى الْكُلْفَةِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعْنَى مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي بِهَا عَظُمَتْ أَقْدَارُ الْعُلَمَاءِ وَارْتَفَعَتْ دَرَجَاتُهُمْ، فَإِنَّهُ،
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ
، وَإِلَى أَنَّ حَيَاةَ الرُّوحِ وَالدِّينِ بِالْعِلْمِ وَالْغَوْصِ فِي بِحَارِهِ كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْجَسَدِ وَالْأَرْضِ بِالْمَاءِ قَالَ تَعَالَى {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [فاطر: 9] {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9] ، {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [ق: 11] .
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إلَّا الْعَالِمُونَ» الْحَدِيثَ، ثُمَّ مِثَالُ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْكِتَابِ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا قِيَاسًا عَلَى الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ الثَّابِتِ حُكْمُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] ، وَمِنْ السُّنَّةِ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ قِيَاسًا عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» الْحَدِيثَ، وَمِنْ الْإِجْمَاعِ سُقُوطُ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّزَةٍ قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْبَدَلِ فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَوْجَبُوا قِيمَةَ الْوَلَدِ وَسَكَتُوا عَنْ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ الْبَدَنِ صَارَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى سُقُوطِ تَقَوُّمِهَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، قَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ انْحِصَارِ الْأُصُولِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الْحُكْمَ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْوَحْيِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَتْلُوًّا، وَهُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِنَظْمِهِ الْإِعْجَازُ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْكِتَابُ وَالثَّانِي هُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالرَّأْيِ الصَّحِيحِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ رَأْيَ الْجَمِيعِ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقِيَاسُ وَالثَّانِي الِاسْتِدْلَالَاتُ الْفَاسِدَةُ.
وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَصَرَهَا بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَتْلُوًّا فَهُوَ الْكِتَابُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ السُّنَّةُ وَيَدْخُلُ فِيهَا أَقْوَالُ النَّبِيِّ وَأَفْعَالُهُ، وَالثَّانِي إنْ شُرِطَ فِيهِ عِصْمَةُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِقْرَاءِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمُوجِبَةَ لِلْأَصَالَةِ لَمْ تَقُمْ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ حَصْرَهَا عَلَى الْأَرْبَعَةِ
(1/20)

أَمَّا الْكِتَابُ فَالْقُرْآنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ.
(أَمَّا الْكِتَابُ فَالْقُرْآنُ) اعْلَمْ أَنَّ الْحَدَّ وَنَعْنِي بِهِ الْمُعَرِّفَ لِلشَّيْءِ لَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَحَقِيقِيٌّ، فَاللَّفْظِيُّ هُوَ مَا أَنْبَأَ عَنْ الشَّيْءِ بِلَفْظٍ أَظْهَرَ عِنْدَ السَّائِلِ مِنْ اللَّفْظِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ مُرَادِفٍ لَهُ كَقَوْلِنَا الْعُقَارُ الْخَمْرُ وَالْغَضَنْفَرُ الْأَسَدُ لِمَنْ يَكُونُ الْخَمْرُ وَالْأَسَدُ أَظْهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْعُقَارِ وَالْغَضَنْفَرِ، وَالرَّسْمِيُّ هُوَ مَا أَنْبَأَ عَنْ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ لَهُ مُخْتَصٍّ بِهِ كَقَوْلِك الْإِنْسَانُ ضَاحِكٌ مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ عَرِيضُ الْأَظْفَارِ بَادِي الْبَشَرَةِ، وَالْحَقِيقِيُّ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَاهِيَّةِ تَمَامِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ كَقَوْلِك فِي جَسَدِ الْإِنْسَانِ هُوَ جِسْمٌ نَامٍ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ، فَالْأَوَّلَانِ مُؤْنَتُهَا خَفِيفَةٌ إذْ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمَا تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَوْ ذِكْرُ وَصْفٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْدُودُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْحَقِيقِيُّ فَمِنْ شَرَائِطِهِ أَنْ يُذْكَرَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْحَدِّ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفُصُولِ وَأَنْ يُذْكَرَ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ وَاحِدٌ وَأَنْ يُقَدَّمَ الْأَعَمُّ عَلَى الْأَخَصِّ وَأَنْ لَا يُذْكَرَ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ مَعَ وُجُودِ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَأَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْوَحْشِيَّةِ الْغَرِيبَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ الْبَعِيدَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْإِيجَازِ فَإِنْ أَتَى بِلَفْظٍ مُسْتَعَارٍ أَوْ مُشْتَرَكٍ وَعَرَفَ مُرَادَهُ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ فَلَا يَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ كَشَفَ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِذِكْرِ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ وَغَيْرُهُ تَزْيِينَاتٌ وَتَحْسِينَاتٌ فَلَا يُبَالِي بِتَرْكِهَا لَكِنْ مِنْ شَرْطِ الْجَمِيعِ الِاطِّرَادُ.
وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَالِانْعِكَاسُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا عُدِمَ الْحَدُّ عُدِمَ الْمَحْدُودُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا لَمَا كَانَ مَانِعًا لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ الْمَحْدُودِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَكِسًا لَمَا كَانَ جَامِعًا لِكَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ الْمَحْدُودِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِحَدٍّ حَقِيقِيٍّ سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ تَعْرِيفَ مَجْمُوعِ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ أَوْ تَعْرِيفُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْكِتَابِ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا حَتَّى دَخَلَ فِيهِ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ فِيهِ لِلْكِتَابَةِ فِي الْمُصْحَفِ وَالنَّقْلِ وَهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قُرْآنًا بِدُونِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِعْجَازِ وَهُوَ مَعْنًى ذَاتِيٌّ لِهَذَا الْكِتَابِ الْمَحْدُودِ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ حَدٌّ رَسْمِيٌّ وَأَحْسَنُ الْحُدُودِ الرَّسْمِيَّةِ مَا وُضِعَ فِيهِ الْجِنْسُ الْأَقْرَبُ وَأُتِمَّ بِاللَّوَازِمِ الْمَشْهُورَةِ فَلَا جَرَمَ قَالَ فَالْقُرْآنُ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْقِرَاءَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] ، أَيْ قِرَاءَتَهُ وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ هَهُنَا فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُقْرَأُ مِنْ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ الْمُنَزَّلِ عَنْ غَيْرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَعَنْ الْوَحْيِ الَّذِي لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُنَزَّلِ مَا أُنْزِلَ نَظْمُهُ وَمَعْنَاهُ وَالْوَحْيُ الَّذِي لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ لَمْ يُنَزَّلْ إلَّا مَعْنَاهُ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَمَّا أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ أَوْ نَحْوِهَا.
وَبِقَوْلِهِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ عَمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَبَقِيَتْ أَحْكَامُهُ مِثْلُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، وَبِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا عَمَّا اخْتَصَّ بِمِثْلِ مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّا نُقِلَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ نَحْوُ قَوْلِهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ، وَبِقَوْلِهِ بِلَا شُبْهَةٍ عَمَّا اخْتَصَّ بِمِثْلِ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّا نُقِلَ بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْجَصَّاصِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَشْهُورَ أَحَدَ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا احْتِرَازًا عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ بِلَا شُبْهَةٍ تَأْكِيدًا، وَهَذَا
(1/21)

الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِلَا شُبْهَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَوْضِعُ صَالِحٌ لِلتَّأْكِيدِ لِقُوَّةِ شَبَهِ الْمَشْهُورِ بِالْمُتَوَاتِرِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ هَذَا تَعْرِيفَ الْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَيَدْخُلُ فِيهِ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِعْجَازِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لَا عَلَى كَوْنِهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يُتَصَوَّرُ الْإِعْجَازُ بِمَا لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّقْوِيم؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ الْآيَةِ لَيْسَ بِمُعْجِزٍ، وَهُوَ مِنْ الْكِتَابِ كَذَا قِيلَ؛ وَلِأَنَّ أَصَالَتَهُ لِلْأَحْكَامِ وَكَوْنُهُ حُجَّةً فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ الْإِعْجَازِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَقِيلَ هُوَ حَدٌّ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ عَلَمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ كَالتَّوْرَاةِ اسْمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلِ اسْمٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَمَّا الْكِتَابُ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقُرْآنِ وَأَنَّهُ.
وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَكِنَّهُ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَوْضَحُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ الْكِتَابِ؛ فَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِهِ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَبِالْمَكْتُوبِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ لَا عَنْ الْوَحْيِ الْغَيْرِ الْمَتْلُوِّ كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ بِدَاخِلٍ لِيَجِبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَالْبَاقِي عَلَى مَا فَسَّرْنَا فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ قَيْدٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ هَذَا تَعْرِيفًا لِلْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقُرْآنُ حَقِيقَةً وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ اسْمَ الْقُرْآنِ حَقِيقَةً لِلْبَعْضِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ لِلْكُلِّ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَعْرِيفًا لَفْظِيًّا لِلْكِتَابِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرَكِ عُمُومٌ عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هَذَا تَحْدِيدٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لِلْمُصْحَفِ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ دَوْرٌ أَوْ هُوَ بَاطِلٌ، قُلْت لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَافَ لُغَةً جَمْعُ الصَّحَائِفِ فِي شَيْءٍ لَا جَمْعَ صَحَائِفِ الْقُرْآنِ لَا غَيْرَ يُقَالُ أَصْحَفَ أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ الصُّحُفُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُصْحَفُ حَقِيقَتُهُ مَجْمَعُ الصُّحُفِ وَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً لَهُمْ قَبْلَ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ بَلْ قَبْلَ إنْزَالِ الْقُرْآنِ؛ وَلِكَوْنِ مَعْنَاهُ مَعْلُومًا سَمَّوْهُ مُصْحَفًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي صَحَائِفَ أَوَّلًا فَجَمَعُوهُ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَسَمَّوْهُ بِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُهُ بِهَذَا الِاسْمِ إذَا وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنِّي قَدْ رَأَيْت دَفَاتِرَ مِنْ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ الْأَوَّلُ الْمُصْحَفُ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ احْتِرَازًا عَمَّا لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْقُرْآنِ أَصْلًا إنْ جَازَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِثْلُ مَا ارْتَفَعَ بِالنِّسْيَانِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْمُصْحَفُ عَلَى الْمَعْهُودِ وَأَنْ يُمْنَعَ لُزُومُ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا الْحَدِّ، فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلْكِتَابِ وَتَوَقُّفُ وُجُودِ الْمُصْحَفِ فِي الذِّهْنِ عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْلُومٌ عِنْدَ السَّامِعِ مُتَصَوَّرٌ فِي ذِهْنِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكِتَابُ مَعْلُومًا لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقُرْآنُ مَعْلُومًا لَهُ لَمَا صَحَّ جَعْلُ الْقُرْآنِ مَطْلَعَ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ الْمَذْكُورُ عَلَى تَعْرِيفِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ الْقُرْآنُ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّاتِ الْمَصَاحِفِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَصَاحِفِ مَا جَمَعَتْهُ الصَّحَابَةُ مِنْ الْوَحْيِ الْمَتْلُوِّ فِي الْمُصْحَفِ فَيَنْدَفِعُ
(1/22)

، وَهُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الدَّوْرُ.
فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى اطِّرَادِ هَذَا الْحَدِّ التَّسْمِيَةُ سِوَى الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الْحَدِّ وَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا جَوَازُ الصَّلَاةِ وَلَا حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَمَنْ أَنْكَرَهَا لَا يَكْفُرُ وَانْتِفَاءُ اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، قُلْنَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ عِنْدَنَا بَلْ هِيَ آيَةٌ مُنَزَّلَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي الْمُصَلِّي يَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ وَيُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَفَصَلُوهَا عَنْ الثَّنَاءِ وَوَصَلُوهَا بِالْقِرَاءَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَمْرُ بِالْإِخْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَإِنَّهَا تُقْرَأُ تَبَرُّكًا كَالْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهَا كُتِبَتْ مَعَ الْقُرْآنِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ وَابْتِدَاءَ أُخْرَى حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ» وَكَذَا انْتَقَلَتْ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّاتِ الْمَصَاحِفِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ حَتَّى كَانُوا يُمْنَعُونَ مِنْ كِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ مَعَ الْقُرْآنِ وَمِنْ التَّعْشِيرِ وَالنَّقْطِ كَيْ لَا يَخْتَلِطَ بِالْقُرْآنِ غَيْرُهُ فَلَوْ أَبْدَعَ لَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ سُكُوتُ أَهْلِ الدِّينِ عَنْهُ مَعَ تَصَلُّبِهِمْ فِي الدِّينِ لَا سِيَّمَا وَرَأْسُ السُّوَرِ يُكْتَبُ بِخَطٍّ يَتَمَيَّزُ عَنْ الْقُرْآنِ بِالْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ عَادَةً وَالتَّسْمِيَةُ تُكْتَبُ بِخَطِّ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ فَيُحِيلُ الْعَادَةُ السُّكُوتَ عَلَى مَنْ يُبْدِعُهَا لَوْلَا أَنَّهُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ لَمَّا لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهَا مِنْ السُّورَةِ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَأَئِمَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي كَوْنِهَا مِنْ السُّورَةِ وَأَدْنَى أَحْوَالِ الِاخْتِلَافِ الْمُعْتَبَرِ إيرَاثُ الشَّبَهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ كَوْنُهَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَحَدِيثُ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرْ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ وَكُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ بِهَا كَمَا تُكْتَبُ عَلَى صُدُورِ الْكُتُبِ وَتُذْكَرُ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ ذِي خَطَرٍ لَا لِكَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِهِ يَمْنَعُ الْإِكْفَارَ.
وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَقَدْ ذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِهَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً شُبْهَةٌ إذْ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا إلَى رَأْسِ الْآيَةِ آيَةٌ تَامَّةٌ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي كَوْنِهَا آيَةً فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
وَأَمَّا جَوَازُ قِرَاءَتِهَا لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فَذَلِكَ عِنْدَ قَصْدِ التَّيَمُّنِ كَمَا جَازَ لَهُمَا قِرَاءَةُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] عَلَى قَصْدِ الشُّكْرِ فَأَمَّا عِنْدَ قَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَلَا؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ حُرْمَةَ قِرَاءَتِهَا عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ (وَهُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا) إلَى قَوْلِهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْ الْمَبْسُوطِ، أَرَادَ بِالنَّظْمِ الْعِبَارَاتِ وَبِالْمَعْنَى مَدْلُولَاتِهَا، ثُمَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ الَّذِي مَعْنَاهُ الرَّمْيُ يُقَالُ لَفَظَ النَّوَى أَيْ رَمَاهُ وَلَفَظَتْ الرَّحَى بِالدَّقِيقِ أَيْ رَمَتْ بِهِ إلَى ذِكْرِ النَّظْمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَتَعْظِيمٍ لِعِبَارَاتِ الْقُرْآنِ، وَفِي تَعْرِيفِ الْخَاصِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرَ اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْرِيفٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ لَا مِنْ حَيْثُ، إنَّهُ خَاصُّ الْقُرْآنِ
(1/23)

فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يَجِبُ فِيهِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ، وَالْمُرَادُ مِنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ جُمْهُورُهُمْ وَمُعْظَمُهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِدَلِيلِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدَهُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَعَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا فَرْضٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَرَدَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى فَسَادِهِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَنَا أَيْ الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ مَذْهَبَهُ مِثْلُ مَذْهَبِ الْعَامَّةِ فِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلنَّظْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا.
وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّاعِمُ بِقَوْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَبْنَى النَّظْمِ عَلَى التَّوْسِعَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ خُصُوصًا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ إذْ هِيَ حَالَةُ الْمُنَاجَاةِ، وَكَذَا مَبْنَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى التَّيْسِيرِ قَالَ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُقْتَدِي بِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ عِنْدَنَا وَبِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ مُخَالِفِنَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالرُّكْنِ الْأَصْلِيّ وَهُوَ الْمَعْنَى، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ نَزَلَ أَوَّلًا بِلُغَةِ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهَا أَفْصَحُ اللُّغَاتِ فَلَمَّا تَعَسَّرَ تِلَاوَتُهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ نَزَلَ التَّخْفِيفُ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَذِنَ فِي تِلَاوَتِهِ بِسَائِرِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَسَقَطَ وُجُوبُ رِعَايَةِ تِلْكَ اللُّغَةِ أَصْلًا وَاتَّسَعَ الْأَمْرُ حَتَّى جَازَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا بِلُغَتِهِمْ وَلُغَةِ غَيْرِهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا كَافٍ شَافٍ» فَلَمَّا جَازَ لِلْعَرَبِيِّ تَرْكُ لُغَتِهِ إلَى لُغَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ حَتَّى جَازَ لِلْقُرَشِيِّ أَنْ يَقْرَأَ بِلُغَةِ تَيْمٍ مَثَلًا مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى لُغَةِ نَفْسِهِ جَازَ لِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا تَرْكُ لُغَةِ الْعَرَبِ مَعَ قُصُورِ قُدْرَتِهِ عَنْهَا وَالِاكْتِفَاءُ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ سُقُوطَ لُزُومِ النَّظْم عِنْدِهِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالسَّلَمِ وَسُقُوطِ شَطْرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ اللُّزُومُ أَصْلًا فَاسْتَوَى فِيهِ حَالُ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ خَاصَّةً تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ حَتَّى يَكْفُرَ كَوْنُ مَنْ أَنْكَرَ النَّظْمَ مُنَزَّلًا
1 -
وَحُرْمَةَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَحُرْمَةَ الْمُدَاوَمَةِ وَالِاعْتِيَادِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ النَّظْمُ لَازِمٌ كَالْمَعْنَى، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَحُرْمَةُ مَسِّ مُصْحَفٍ كُتِبَ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ عَلَى اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيهَا رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ وَمَا ذَكَرْنَا جَوَابُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَنَى عَلَى أَصْلِهِمْ لَا عَلَى مُخْتَارِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ النَّظْمَ إنْ فَاتَ فَالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ قَائِمٌ فَيَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ احْتِيَاطًا لَا عَلَى أَنَّ النَّظْمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلْقُرْآنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا اخْتِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَسْتَقِمْ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّظْمَ عِنْدَهُمَا كَالْمَعْنَى، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: جَوَازُ الصَّلَاةِ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمُنَزَّلِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَاسًا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي حَقِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَعْنِي حُرْمَةَ التِّلَاوَةِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّظْمِ وَالْمَعْنَى حَتَّى لَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ بِالْفَارِسِيَّةِ جَازَ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ مِنْ أَرْكَانِ
(1/24)

وَجَعْلُ الْمَعْنَى رُكْنًا لَازِمًا وَالنَّظْمِ رُكْنًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ رُخْصَةٌ بِمَنْزِلَةِ التَّصْدِيقِ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ وَالْإِقْرَارُ رُكْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الصَّلَاةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مُشَارَكَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ مُطْلَقُ السُّجُودِ فَيَجُوزُ أَنْ تُلْحَقَ بِالصَّلَاةِ بِوَاسِطَتِهَا وَرُكْنِيَّةُ النَّظْمِ قَدْ سَقَطَتْ فِي الصَّلَاةِ فَتَسْقُطُ فِيمَا أُلْحِقَ بِهَا، وَعَنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ الْمَكْتُوبَ أَوْ الْمَقْرُوءَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا فَيَحْرُمُ مَسُّهُ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ وَقِرَاءَتُهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَشْمَلُ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ وَقَدْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ بِكَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ غَيْرُ مُؤَوَّلَةٍ وَلَا مُحْتَمَلَةٍ لِلْمَعَانِي وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَخْتَلَّ نَظْمُ الْقُرْآنِ زِيَادَةَ اخْتِلَالٍ بِأَنْ قَرَأَ مَكَانَ قَوْله تَعَالَى {مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] مَعِيشَةً تَنْكًا أَوْ مَكَانَ {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] سَزَاءً أَمَّا لَوْ قَرَأَ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجْنُونًا أَوْ زِنْدِيقًا وَالْمَجْنُونُ يُدَاوَى وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ.
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَرُبَتْ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْفَصَاحَةِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَرَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَعَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى

قَوْلُهُ (وَجَعَلَ الْمَعْنَى رُكْنًا لَازِمًا) إلَى قَوْلِهِ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَعْنَى لَازِمًا فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ لَا فِي حَالَةِ الْعَجْزِ وَالنَّظْمِ رُكْنًا قَابِلًا لِلسُّقُوطِ رُخْصَةً فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَمَا جَعَلَ التَّصْدِيقَ فِي الْإِيمَانِ لَازِمًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْإِقْرَارَ رُكْنًا زَائِدًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عِنْدَ الْعُذْرِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى فِيهِمَا؛ لِأَنَّ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى لَا يَفْتَرِقَانِ فِي السُّقُوطِ حَالَةَ الْعَجْزِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يَفْتَرِقُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ فِي اللُّزُومِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ؛ فَلِهَذَا وَجَبَ إظْهَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى حَالَةَ الْقُدْرَةِ كَمَا وَجَبَ فِي الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ، ثُمَّ الْغَرَضُ مِنْ إعَادَةِ قَوْلِهِ وَالنَّظْمِ رُكْنًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ رُكْنًا لَازِمًا تَحْقِيقُ كَوْنِهِ زَائِدًا بِإِتْمَامِ تَشْبِيهِ الرُّكْنَيْنِ بِالرُّكْنَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَسْمِيَةُ الْإِقْرَارِ رُكْنًا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ فَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَهُوَ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ تَسْمِيَةُ النَّظْمِ رُكْنًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ حَالَةَ الْقُدْرَةِ كَمَا لَا يُسْتَبْعَدُ تَسْمِيَةُ مَا هُوَ زَائِدٌ عَلَى أَصِلْ الْفَرْضِ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ رُكْنًا بَعْدَمَا صَارَ مَوْجُودًا مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ فِي الِابْتِدَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ لَمَّا جَازَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَعْنَى عِنْدَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قُرْآنًا إذْ لَا جَوَازَ لِلصَّلَاةِ بِدُونِ الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ مُتَنَاوِلًا لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ كِتَابَةِ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ فِي الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ بِالتَّوَاتُرِ وَمَا تَعَلَّقَ الْمَعْنَى بِهِ مِنْ الْعِبَارَةِ الْفَارِسِيَّةِ مَثَلًا لَيْسَ بِمَكْتُوبٍ فِي الْمُصْحَفِ وَلَا مَنْقُولٍ بِالتَّوَاتُرِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا أَوْ لَا يَكُونُ الْمَعْنَى بِدُونِ النَّظْمِ قُرْآنًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الصَّلَاةُ، قُلْنَا إنَّمَا جَازَ الِاكْتِفَاءُ عِنْدَهُ بِالْمَعْنَى إمَّا لِقِيَامِ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ قِيَامَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى أَوْ لِقِيَامِ الْعِبَارَةِ الْفَارِسِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْقُرْآنِ مَقَامَ النَّظْمِ الْمَنْقُولِ كَمَا
(1/25)

وَإِنَّمَا يُعْرَفُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ بِمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً وَالثَّانِي فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ وَالثَّالِثُ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ فَيَكُونُ النَّظْمُ الْمَكْتُوبُ الْمَنْقُولُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا وَحُكْمًا فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ وَيَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا وَيُفَسَّرُ قَوْلُهُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِالْكِتَابَةِ وَالنَّقْلِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا أَوْ نَقُولُ هُوَ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْنَى بِدُونِ النَّظْمِ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْمَحْدُودِ بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَاهُ وَيُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وُجُوبُ رِعَايَةِ الْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ لِدَلِيلٍ لَاحَ لَهُ فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ.

[مَا يَعْرِف بِهِ أَحْكَامُ الشَّرْعِ أَرْبَعَة أَقْسَام]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً]
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ) أَيْ لَا يُعْرَفُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ أَوْ أَحْكَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى فَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْأَقْسَامِ لِتَحْصُلَ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ، أَيْ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَقْسَامُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ احْتِرَازًا عَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ وَالْحِكَمِ وَغَيْرِهَا إذْ هُوَ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ، وَلَا يُقَالُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ وُجُوبَ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ وَجَوَازَ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ عِبَارَاتِ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاحْتِرَازُ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْجَمِيعِ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَعْرِفَتُهَا بِالْجَمِيعِ بَلْ تَثْبُتُ بِبَعْضِ النُّصُوصِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَيَصِحُّ هَذَا الِاحْتِرَازُ قَوْلُهُ (الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ) وَجْهُ الشَّيْءِ طَرِيقُهُ يُقَالُ مَا وَجْهُ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ مَا طَرِيقُهُ.
وَقَدَّمَ النَّظْمَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْمَعْنَى مُقَدَّمٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْنَى طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا وَكَذَا قُدِّمَ الْمُفْرَدُ عَلَى الْمُرَكَّبِ لِهَذَا، صِيغَةً وَلُغَةً، قِيلَ لِكُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَادَّةِ تَرْكِيبِهِ وَمَعْنًى صِيَغِيٌّ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ هَيْئَتِهِ أَيْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَتَرْتِيبِ حُرُوفِهِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ اسْمٌ مِنْ الصَّوْغِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْهَيْئَةِ لَا فِي الْمَادَّةِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ حُرُوفِ ضَرَبَ اسْتِعْمَالُ آلَةِ التَّأْدِيبِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لَهُ وَمِنْ هَيْئَتِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَتَوَحُّدُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَتَذْكِيرُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ كُلُّ مَعْنًى بِاخْتِلَافِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَفَتَحَ وَيَضْرِبُ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ يَخْتَصُّ الْهَيْئَةُ بِمَادَّةٍ فَلَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَادَّةِ كَمَا فِي رَجُلٍ مَثَلًا، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ حُرُوفِهِ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ جَاوَزَ حَدَّ الْبُلُوغِ وَمِنْ هَيْئَتِهِ كَوْنُهُ مُكَبَّرًا غَيْرَ مُصَغَّرٍ وَوَاحِدٌ غَيْرُ جَمْعٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الْهَيْئَةُ فِي أَسَدٍ وَنِمْرٍ عَلَى شَيْءٍ وَفِي بَعْضِهَا كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ الْحُرُوفُ ثُمَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ دَلَالَةُ اللُّغَةِ وَالصِّيغَةِ فِي الْخَاصِّ دَلَالَةُ حُرُوفِ أَسَدٍ مَثَلًا عَلَى الْهَيْكَلِ الْمَعْرُوفِ وَدَلَالَةُ هَيْئَتِهِ عَلَى تَوَحُّدِهِ وَكَوْنِهِ مُكَبَّرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ الْخَاصُّ عَنْ الْخُصُوصِ بِالتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَافْهَمْ، وَفِي الْعَامِّ دَلَالَةُ حُرُوفِ أَسَدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَدَلَالَةُ هَيْئَتِهِ عَلَى تَكَثُّرِهِ وَعُمُومِهِ، وَفِي الْمُشْتَرَكِ دَلَالَةُ حُرُوفِ الْقُرْءِ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ الطُّهْرِ، وَدَلَالَةُ الْهَيْئَةِ عَلَى التَّوَحُّدِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا تَرَادُفٌ وَالْمَقْصُودُ تَقْسِيمُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ فَالشَّيْخُ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى مِثْلِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهَذَا الْفَنِّ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ النَّظْمِ نَفْسِهِ بِحَسَبِ تَوَحُّدِ مَعْنَاهُ وَتَعَدُّدِهِ،
وَالثَّانِي فِي تَقْسِيمِهِ
(1/26)

وَالرَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ وَالْمَعَانِي عَلَى حَسَبِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَإِصَابَةِ التَّوْفِيقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْمَعْنَى لِلسَّامِعِ وَخَفَائِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْبَيَانِ هَهُنَا إظْهَارُ الْمَعْنَى أَوْ ظُهُورُهُ لِلسَّامِعِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْبَيَانُ بِذَلِكَ النَّظْمِ،
وَالثَّالِثُ فِي تَقْسِيمِ النَّظْمِ بِحَسَبِ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا لَا بِالْوَضْعِ وَأَشَارَ إلَى جَانِبِ الْمُتَكَلِّمِ بِقَوْلِهِ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَإِلَى جَانِبِ اللَّفْظِ وَاتِّصَافِهِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِقَوْلِهِ: وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ،
وَالرَّابِعُ فِي وُجُوهِ الْوُقُوفِ أَيْ وُقُوفِ السَّامِعِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ، وَقِيلَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ أَقْسَامُ النَّظْمِ، وَهَذَا قِسْمُ الْمَعْنَى بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ النَّظْمَ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: فِي وُجُوهِ النَّظْمِ فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَذَكَرَ الْمَعَانِي فِي هَذَا الْقِسْمِ وَكَوْنُ الدَّلَالَةِ وَالِاقْتِضَاءِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ، وَكَذَا كَوْنُ الْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ، وَإِنْ كَانَتْ نَظْمًا إلَّا أَنَّ نَظَرَ الْمُسْتَدِلِّ إلَى الْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ إذْ الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْمَعْنَى دُونَ النَّظْمِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ إبَاحَةَ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ مَثَلًا ثَبَتَ بِالْمَعْنَى الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] لَا بِعَيْنِ النَّظْمِ إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ النَّظْمِ وَالْعِبَارَةِ سُمِّيَ الِاسْتِدْلَال بِهِ اسْتِدْلَالًا بِالْعِبَارَةِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْنَى الثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ فَصَلَحَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْنَى بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَقْسَامِ لِلنَّظْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَقْسَامِ لِلنَّظْمِ وَبَعْضُهَا لِلْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيَّنَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ لَهُ فَيَكُونُ الدَّلَالَةُ وَالِاقْتِضَاءُ رَاجِعَيْنِ إلَى الْمَعْنَى وَالْبَاقِي أَقْسَامُ النَّظْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّظْمُ، وَالْمَعْنَى دَاخِلَيْنِ فِي كُلِّ قِسْمٍ إذْ هُوَ فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا فَكَانَ الْخَاصُّ اسْمًا لِلنَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، وَكَذَا الْعَامُّ وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الدَّلَالَةَ وَالِاقْتِضَاءَ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا لَا يُفْهَمُ بِدُونِ اللَّفْظِ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ جَعَلَ مَعْرِفَةَ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَعَانِي مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْكِتَابِ وَفِيهِ تَسَاهُلٌ وَتَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ هِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي أَقْسَامِ الْكِتَابِ دُونَ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تُعَدَّ الْمَعَانِي بِدُونِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا جَعَلَ مَعْرِفَةَ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا مِنْ أَقْسَامِ الْكِتَابِ تَسَامُحًا، ثُمَّ ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ لِلْكَلَامِ مَعْنًى بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَمَعْنًى بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ وَتَقَرُّرًا عَلَى الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ أَوْ تَجَاوُزًا عَنْهُ بِحَسَبِ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَاسْتِعْمَالِهِ فَإِذَا قُلْت زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ مَثَلًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَلَهُمَا جَمِيعًا مَعْنًى بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ إسْنَادُ الِانْطِلَاقِ إلَى زَيْدٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ بِحَسَبِ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَقْرِيرُهُ إيَّاهُمَا فِي مَوْضُوعِهِمَا فَبِقَوْلِهِ الْمُرَادُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْقِسْمِ وَبِقَوْلِهِ وَالْمَعَانِي إلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ.
مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا أَيْ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الْعَبْدِ، وَإِصَابَةِ التَّوْفِيقِ، مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] ، قِيلَ الْمَاءُ الْقُرْآنُ، نَزَلَ لِحَيَاةِ الْجَنَانِ، كَالْمَاءِ لِلْأَبْدَانِ، وَالْأَوْدِيَةُ الْقُلُوبُ يَخْتَلِفُ فِي ضِيقِهَا وَسِعَتِهَا وَأَصْلِهَا وَصِفَتِهَا، فَيُقَرُّ فِيهَا بِقَدَرِ إقْرَارِهَا وَالْيَقِينِ، وَتَوْفِيقِ رَبِّهَا وَالتَّلْقِينِ، مَا هُوَ أَصْفَى مِنْ الْمَاءِ الْمُعَيَّنِ، وَمِنْهُ قِيلَ:
جَمِيعُ الْعِلْمِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ
(1/27)

أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُؤَوَّلُ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَرْبَعَةٍ أُخْرَى فِي مُقَابَلَتِهَا وَهِيَ الْخَفِيُّ وَالْمُشْكَلُ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا الِاسْتِدْلَال بِعِبَارَتِهِ وَبِإِشَارَتِهِ وَبِدَلَالَتِهِ وَبِاقْتِضَائِهِ وَبَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قِسْمٌ خَامِسٌ، وَهُوَ وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَعْرِفَةُ مَوَاضِعِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَقَاصَرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الرِّجَالِ
وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ قَدْ تَتَأَكَّدُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ وَتَسْتَفِيدُ بِهِ زِيَادَةَ وُضُوحٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا؛ وَلِهَذَا قِيلَ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَمَّا لَمْ يُخَالِفْ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ ظُهُورٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذْ الْخَاصُّ يُخَالِفُ الْعَامَّ وَالْحَقِيقَةُ تُخَالِفُ الْمَجَازَ اخْتَصَّهُ بِذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ فِي قِسْمٍ آخَرَ عَلَى حِدَةٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ فِي انْحِصَارِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وُجُوهٌ وَأَحْسَنُهَا مَا أَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ النَّظْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى نَفْسِ النَّظْمِ فَقَطْ أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ،
وَالثَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى تَصَرُّفِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ بَيَانٍ أَيْ إلْقَاءُ مَعْنًى إلَى السَّامِعِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَالثَّانِي هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ ثُمَّ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَفْسُ النَّظْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْخَاصُّ أَوْ أَكْثَرَ بِطَرِيقِ الشُّمُولِ وَهُوَ الْعَامُّ، أَوْ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرَجُّحِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَاقِي وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ، أَوْ مَعَ تَرَجُّحِهِ وَهُوَ الْمُؤَوَّلُ.
وَلَا يُفِيدُ التَّرَجُّحَ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ احْتِرَازًا عَنْ الْمُفَسَّرِ كَمَا قَيَّدَهُ الْبَعْضُ فَقَالَ مِنْ غَيْرِ تَرَجُّحِ الْبَعْضِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ أَوْ مَعَ تَرَجُّحِهِ بِهِ، وَهُوَ الْمُؤَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى حِينَئِذٍ دَاخِلًا فِي قِسْمِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ الْأَوْلَى تَرْكُ التَّقْيِيدِ وَمَنْعُ التَّرَجُّحِ فِي الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالُ غَيْرِهِ وَفِي الْمُفَسَّرِ بَطَلَ جَانِبُ الْمَرْجُوحِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى صَارَ كَالْخَاصِّ بَلْ أَقْوَى فَلَا يَدْخُلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِهِ فَإِنْ احْتَمَلَ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيلَ فَهُوَ النَّصُّ وَإِلَّا، فَإِنَّ قَبِلَ النَّسْخَ فَهُوَ الْمُفَسَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْمُحْكَمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ الْمُرَادِ فَإِمَّا إنْ كَانَ عَدَمُ ظُهُورِهِ لِغَيْرِ الصِّيغَةِ أَوْ لِنَفْسِهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْخَفِيُّ وَالثَّانِي فَإِنْ أَمْكَنَ دَرْكُهُ بِالتَّأَمُّلِ فَهُوَ الْمُشْكِلُ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ مَرْجُوًّا فِيهِ فَهُوَ الْمُجْمَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْجُوًّا فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ،
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الِاسْتِعْمَالِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَجَازُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمُرَادِ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ الصَّرِيحُ وَإِلَّا فَهُوَ الْكِنَايَةُ،
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَهُوَ قِسْمُ الِاسْتِثْمَارِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالنَّظْمِ أَوْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ فَهُوَ الْعِبَارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْإِشَارَةُ وَالثَّانِي إنْ كَانَ مَفْهُومًا لُغَةً فَهُوَ الدَّلَالَةُ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا شَرْعًا فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا لُغَةً وَلَا شَرْعًا فَهِيَ التَّمَسُّكَاتُ الْفَاسِدَةُ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نَضْرِبَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ صَفْحًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الِانْحِصَارَاتِ غَيْرُ تَامٍّ يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ بَلْ يُتَمَسَّكُ فِيهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فِي حَقِّ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ وَالِاسْتِقْرَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ قَوْلُهُ (مَعْرِفَةُ مَوَاضِعِهَا) أَيْ مَآخِذُ اشْتِقَاقِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ أَسْمَاءٌ لِأَقْسَامِ الْكِتَابِ، فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَسْمَاءٍ لِلْأَقْسَامِ وَقَوْلُهُ صِيغَةً وَلُغَةً إلَى نَفْسِ ذَلِكَ الْقِسْمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ الْمُؤْمِنُونَ
(1/28)

وَمَعَانِيهَا وَتَرْتِيبِهَا وَأَحْكَامِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِالْإِيمَانِ صِيغَةً وَلُغَةً ثُمَّ سُمِّيَ هَذَا اللَّفْظُ بِالْعَامِّ فَمَأْخَذُ اشْتِقَاقِ هَذَا الْقِسْمِ الْعُمُومُ وَقِسْ عَلَيْهِ، وَتَرْتِيبِهَا.
أَيْ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَمَا فِي النَّصِّ مَعَ الظَّاهِرِ أَوْ فِي الْوُجُودِ كَمَا فِي الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ، وَمَعَانِيهَا، أَيْ حَقَائِقِهَا وَحُدُودِهَا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَحْكَامِهَا، أَيْ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ بِهَا مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا قَطْعًا أَوْ ظَنًّا وَوُجُوبِ التَّوَقُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ عَامَّةُ الشَّارِحِينَ: لَمَّا انْقَسَمَ مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مِنْ الْكِتَابِ عِشْرِينَ قِسْمًا ثُمَّ انْقَسَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ صَارَ أَقْسَامُ الْكِتَابِ ثَمَانِينَ قِسْمًا، وَلَكِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ عَلَى أَنْوَاعٍ، تَقْسِيمُ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ قَيْدٌ، وَهُوَ التَّقْسِيمُ الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَقْسَامٍ، فَإِنَّك إذَا قَسَّمْت الْجِسْمَ إلَى جَمَادٍ وَحَيَوَانٍ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِسْمًا، وَإِذَا قَسَّمْت الْحَيَوَانَ إلَى إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَطَيْرٍ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِسْمًا وَحَيَوَانًا، وَتَقْسِيمُ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ.
وَلَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ اسْمَ الْإِنْسَانِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ بَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَتَقْسِيمُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى عَالِمٍ وَكَاتِبٍ وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ أَيْضًا، وَمِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي الْجَمِيعِ مَنْ يُوصَفُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الْعِلْمِ وَبِالْبَيَاضِ دُونَ السَّوَادِ وَبِالْعَكْسِ لِيَتَمَيَّزَ كُلُّ قِسْمٍ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْخَارِجِ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ فِيهِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مَأْخَذِ الْعَامِّ مَثَلًا بِأَنَّهُ عَامٌّ وَلَا عَلَى مَأْخَذِ الْمَجَازِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَأَصْلُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ الْكِتَابُ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاصِّ وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَقْسَامِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ؛ وَلِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَأْخَذِ اشْتِقَاقِ لَفْظِ الْخَاصِّ لَيْسَ وَصْفًا لِحَقِيقَةِ الْخَاصِّ، وَهُوَ لَفْظُ الطَّوَافِ أَوْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَثَلًا كَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ مَأْخَذِ اشْتِقَاقِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ وَصْفًا لِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ لَيْسَتْ مِنْ أَوْصَافِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ الْإِنْسَانُ أَقْسَامٌ قِسْمٌ مِنْهُ أَنَّ مَأْخَذَ اسْمِهِ الْإِنْسُ وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَقِسْمٌ مِنْهُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرَسِ فِي الشَّرَفِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ أَوْصَافِ كُلِّ فَرْدٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِهِ إذْ صَحَّ أَنْ يُقَالَ الْخَاصُّ الَّذِي مَأْخَذُ اشْتِقَاقِ اسْمِهِ كَذَا أَوْ مَعْنَاهُ كَذَا أَوْ حُكْمُهُ كَذَا لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلُّ قِسْمٍ عَنْ غَيْرِهِ بِمَا يَخُصُّهُ لِيَظْهَرَ فَائِدَةُ التَّقْسِيمِ وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَاصَّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَالْعَامَّ كَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْأَقْسَامِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ لَازِمَةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ كُلِّ قِسْمٍ إذْ مَا مِنْ خَاصٍّ إلَّا وَلِاسْمِهِ مَأْخَذٌ وَلَهُ مَعْنًى وَحُكْمٌ وَتَرْتِيبٌ فَكَيْفَ يَتَمَيَّزُ خَاصٌّ عَنْ خَاصٍّ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ الْإِنْسَانُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مِنْهُ عَرِيضُ الْأَظْفَارِ وَقِسْمٌ مِنْهُ مُسْتَوِي الْقَامَةِ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ لَوَازِمِ كُلِّ فَرْدٍ فِيمَ
(1/29)

وَأَصْلُ الشَّرْعِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَصِّرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ بَلْ يَلْزَمُهُ مُحَافَظَةُ النَّظْمِ وَمَعْرِفَةُ أَقْسَامِهِ وَمَعَانِيهِ مُفْتَقِرًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَعِينًا بِهِ رَاجِيًا أَنْ يُوَفِّقَهُ بِفَضْلِهِ.

أَمَّا الْخَاصُّ فَكُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَتَمَيَّزُ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَلَا يُقَالُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ فَيَكْفِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ التَّقْسِيمِ، لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي التَّقْسِيمِ إذْ التَّكَلُّفُ إلَى هَذَا الْحَدِّ فِي التَّقْسِيمِ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّك لَا تَجِدُ تَقْسِيمًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْعُلُومِ خُصُوصًا فِي الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَثَبَتَ أَنَّ تَقْسِيمَ الْكِتَابِ عَلَى ثَمَانِينَ قِسْمًا غَيْرُ مُتَّضِحٍ بَلْ الْأَقْسَامُ عِشْرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَلَكِنْ لِكُلِّ قِسْمٍ مَعْنًى وَحُكْمٌ وَتَرْتِيبٌ وَلِاسْمِهِ مَأْخَذٌ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ قِسْمًا كَلَامًا أَيْضًا.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ قِسْمٌ خَامِسٌ أَنَّهُ قَسِيمُ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِمَا ذَكَرْنَا بَلْ أَرَادَ أَنَّ مَعْرِفَةَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ فَكَأَنَّهُ قِسْمٌ خَامِسٌ لَهَا، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ الْمُفَصَّلُ هُوَ السُّبْعُ الثَّامِنُ مِنْ الْكَشَّافِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْكَشَّافِ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ مِنْهُ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ (وَأَصْلُ الشَّرْعِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ) خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ تُوجَدُ فِيهِمَا دُونَ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ تَثْبُتُ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ لِلْبَاقِي عَلَى مَا قِيلَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَقَوْلُ الرَّسُولِ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَالْكِتَابُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ هُوَ أَصْلَ الْكُلِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّا لَا نَعْرِفُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِقَوْلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّا لَا نَسْمَعُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ جَبْرَائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَكُونُ مَعْرِفَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ فَيَكُونُ هُوَ الْأَصْلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَفَرْعٌ لَهُمَا ثُبُوتًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ أَصْلًا مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَصِّرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، أَيْ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ فِي بَيَانِ الْكِتَابِ دُونَ السُّنَّةِ؛ فَلِهَذَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، وَمُحَافَظَةُ النَّظْمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْحِفْظِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النِّسْيَانِ أَيْ يَحْفَظُهُ وَيَضْبِطُ أَقْسَامَهُ وَمَعَانِيَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْمُحَافَظَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ التَّرْكِ وَالتَّضْيِيعِ أَيْ بِجَعْلِهِ نُصْبَ عَيْنِهِ وَأَمَامَ نَفْسِهِ جَاهِدًا فِي مَعْرِفَةِ أَقْسَامِهِ وَمَعَانِيهِ غَيْرِ مُجَاوِزٍ عَنْ حُدُودِهِ، وَقَوْلُهُ مُفْتَقِرًا مُسْتَعِينًا رَاجِيًا أَحْوَالٌ عَنْ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يَلْزَمُهُ.

[تَعْرِيف الْخَاصُّ]
قَوْلُهُ (أَمَّا الْخَاصُّ إلَى آخِرِهِ) فَقَوْلُهُ كُلُّ لَفْظٍ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَالْمُهْمَلَاتِ وَمَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ بِالطَّبْعِ كَأَخِ عَلَى الْوَجَعِ وَأَحْ عَلَى السُّعَالِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْجِنْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ذَكَرْنَا، فَبِقَوْلِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى، خَرَجَ غَيْرُ الْمُسْتَعْمَلَاتِ عَنْ الْحَدِّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى أَوْ تَعْيِينُ اللَّفْظَةِ بِإِزَاءِ مَعْنًى بِنَفْسِهَا لَازَمَتْهُ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى النَّاشِئَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، وَبِقَوْلِهِ وَاحِدٍ خَرَجَ، الْمُشْتَرَكُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَخَرَجَ الْمُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمُطْلَقَ خَاصًّا وَلَا عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ لِلْوَحْدَةِ وَلَا لِلْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ، خَرَجَ الْعَامُّ، فَإِنَّهُ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ شَامِلٍ لِلْأَفْرَادِ إذْ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاحِدٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ
(1/30)

وَانْقِطَاعِ الْمُشَارَكَةِ وَكُلُّ اسْمٍ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ اخْتَصَّ فُلَانٌ بِكَذَا أَيْ انْفَرَدَ بِهِ وَفُلَانٌ خَاصُّ فُلَانٍ أَيْ مُنْفَرِدٌ بِهِ وَالْخَاصَّةُ اسْمٌ لِلْحَاجَةِ الْمُوجِبَةِ لِلِانْفِرَادِ عَنْ الْمَالِ وَعَنْ أَسْبَابِ نَيْلِ الْمَالِ فَصَارَ الْخُصُوصُ عِبَارَةً عَمَّا يُوجِبُ الِانْفِرَادَ وَيَقْطَعُ الشَّرِكَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الْخَارِجِ أَفْرَادٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَقَوْلُهُ وَانْقِطَاعِ الْمُشَارَكَةِ، تَأْكِيدٌ لِلِانْفِرَادِ وَبَيَانٌ لِلَازِمِهِ وَبَيْنَهُمَا نَوْعُ تَغَايُرٍ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَانْقِطَاعُ الْمُشَارَكَةِ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ حَقِيقَتُهُ، وَهُوَ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْ الْمَجَازَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِرَادَةِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ إنَّمَا يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصِلْ الْوَضْعِ فَلَا يَكُونُ الْحَقِيقَةُ أَوْ الْمَجَازُ دَاخِلًا فِيهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَلْ إنَّمَا يَصِيرُ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ إرَادَةُ مَوْضُوعِهِ أَوْ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ إنَّمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا إذَا اُعْتُبِرَ مُجَرَّدًا عَنْ الْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ إرَادَةٌ لَمْ يَبْقَ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْجَمِيعِ لَا يَصِحُّ وَبِإِرَادَةِ الْبَعْضِ لَمْ يَبْقَ الِاشْتِرَاكُ وَلَكِنَّ الِاشْتِرَاكَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعِ وَصَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُؤَوَّلُ، فَإِنَّهُ مَعَ انْضِمَامِ الْإِرَادَةِ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَمْ يَثْبُتْ يَقِينًا فَلَمْ تُخْرِجْهُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْمُفَسَّرِ، فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَضْعِ الْأَوَّلَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ الْوَضْعِ فَقَدْ حَصَلَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لِمَعْنًى؛ لِأَنَّهُ صِيغَةُ فَرْدٍ كَرَجُلٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا لَا يَدُلُّ رَجُلٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مُسَمًّى وَاحِدٍ، قُلْنَا الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ عَنَى يَعْنِي عِنَايَةً وَمَعْنًى وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ هَهُنَا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ جِهَتَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ جِنْسٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان: 14] وَزَوَالُ مَعْنَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِإِرَادَةِ الْمَفْعُولِ لَا يَمْنَعُ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ رَتْقًا فِي قَوْله تَعَالَى {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] لَمْ يُثَنِّ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى مَرْتُوقَتَيْنِ لِبَقَاءِ صِيغَةِ الْمَصْدَرِ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَأْكِيدُهُ بِالْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ (وَكُلُّ اسْمٍ) إنَّمَا ذَكَرَ الِاسْم هَهُنَا دُونَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَخَّصِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسَمَّى الْمَعْلُومِ لَا يَكُونُ إلَّا اسْمًا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَى تَحْصُلُ بِالْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ هُنَا احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُشَخَّصَاتِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ اسْمٌ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَا عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى إنْ كَانَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُشَخَّصَاتُ وَغَيْرُهَا فَيَكُونُ الْحَدُّ تَامًّا مُتَنَاوِلًا خُصُوصَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْعَيْنِ وَيَكُونُ إفْرَادُ خُصُوصِ الْعَيْنِ بِالذِّكْرِ لِقُوَّةِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إذْ لَا شَرِكَةَ فِي مَفْهُومِهِ أَصْلًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخُصُوصِ، وَهَذَا كَتَخْصِيصِ أُولِي الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا لِقُوَّةِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّرَجَةِ وَالشَّرَفِ وَكَتَخْصِيصِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ لِقُوَّةِ مَنْزِلَتِهِمَا وَشَرَفِهِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا هُوَ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ يَكُونُ هَذَا تَعْرِيفًا لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ الِاعْتِبَارِيِّ وَالْحَقِيقِيِّ لَا تَعْرِيفَ
(1/31)

فَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْجِنْسِ قِيلَ إنْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ النَّوْعِ قِيلَ رَجُلٌ، وَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْعَيْنِ قِيلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَهَذَا بَيَانُ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْخَاصِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ، وَقِيلَ تَعْرِيفُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ فَصَارَ الْخُصُوصُ عِبَارَةً عَمَّا يُوجِبُ الِانْفِرَادَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ الْخَاصُّ اسْمٌ لِفَرْدٍ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ تَحْدِيدِ كُلِّ قِسْمٍ بِحَدٍّ عَلَى حِدَةٍ بَيَانُ أَنَّ الْخُصُوصَ يَجْرِي فِي الْمَعَانِي وَالْمُسَمَّيَاتِ جَمِيعًا بِخِلَافِ الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْمُسَمَّيَاتِ فَيَكُونُ فِي هَذَا تَحْقِيقٌ لِنَفْيِ الْعُمُومِ عَنْ الْمَعَانِي؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي حَدِّ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ مَعَانٍ أَوْ أَسَامٍ لِيَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَجْرِي فِي الْقِسْمَيْنِ كَالْخُصُوصِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَعْنًى مَعْلُومٍ مَكَانَ وَاحِدٍ فَعَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا يَكُونُ الْمُجْمَلُ دَاخِلًا فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ خَاصٌّ سَوَاءٌ كَانَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ خُصُوصِيَّةَ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاقِعِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِلِ وَالسَّامِعِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَعَلَى مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَدْخُلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ اتَّفَقَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْخَاصِّ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ وَالْمُجْمَلُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْبَيَانِ فَيَكُونُ خِلَافَ الْخَاصِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُجْمَلُ لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَرَّضَ لِلْوَحْدَةِ بِقَوْلِهِ وَاحِدٍ وَالْمُجْمَلُ لَا يُعْرَفُ وَحْدَةُ مَفْهُومِهِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْوَحْدَةِ كَمَا لَا يُمْكِنُ بِالْكَثْرَةِ فَلَا يَدْخُلُ وَبَعْدَ لُحُوقِ الْبَيَانِ بِهِ وَمَعْرِفَةِ وَحْدَةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَبْقَ مُجْمَلًا فَيَدْخُلُ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا أُرِيدَ خُصُوصُ الْجِنْسِ قِيلَ إنْسَانٌ) الْجِنْسُ أَعْلَى مِنْ النَّوْعِ اصْطِلَاحًا، وَتَسْمِيَةُ الْإِنْسَانِ جِنْسًا وَالرَّجُلِ نَوْعًا عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ وَاصْطِلَاحِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى اصْطِلَاحَاتِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا حُدُودَهُمْ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ تَعْرِيفَاتٍ تُوقَفُ بِهَا عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ وَيَحْصُلُ بِهَا التَّمْيِيزُ تَرْكًا مِنْهُمْ لِلتَّكَلُّفِ وَاحْتِرَازًا عَمَّا لَا يَعْنِيهِمْ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ دُونَهَا، قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ نَاصِرُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا كِتَابٌ فِقْهِيٌّ لَا نَشْتَغِلُ فِيهِ بِصَنْعَةِ التَّحْدِيدِ فِي كُلِّ لَفْظٍ بَلْ نَذْكُرُ مَا يُعَرِّفُ مَعَانِيَهَا وَيَدُلُّ عَلَى حَقَائِقِهَا وَأَسْرَارِهَا بِالْكُشُوفِ وَالرُّسُومِ.
وَقَالَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَنَحْنُ لَا نَذْكُرُ الْحُدُودَ الْمَنْطِقِيَّةَ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُ رُسُومًا شَرْعِيَّةً يُوقَفُ بِهَا عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ كَمَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْفِقْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى اسْتِبْعَادِهِمْ ذَكَرَ كَلِمَةَ كُلَّ فِي الْحُدُودِ بِأَنَّهَا لِإِحَاطَةِ الْأَفْرَادِ وَالتَّعْرِيفِ لِلْحَقِيقَةِ لَا لِلْأَفْرَادِ وَلَا إلَى اسْتِنْكَارِهِمْ كَوْنُ الرَّجُلِ نَوْعًا لِلْإِنْسَانِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ نَوْعُ الْأَنْوَاعِ إذْ لَيْسَ بَعْدَهُ نَوْعٌ عِنْدَهُمْ فَحَكَمُوا تَارَةً عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ نَظَرًا إلَى فُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ فَقَالُوا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَظَهَرَ أَنَّهُ أَمَةٌ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ مَعَ أَنَّ اخْتِلَافَ النَّوْعِ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَحَكَمُوا تَارَةً بِكَوْنِهِمَا نَوْعَيْ الْإِنْسَانِ نَظَرًا إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، فَهَذَا بَيَانُ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى أَيْ مَا ذَكَرْنَا بَيَانُ مَعْنَى الْخَاصِّ لُغَةً وَبَيَانُ مَعْنَاهُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَأَمَّا بَيَانُ تَرْتِيبِهِ وَحُكْمِهِ فَسَيَأْتِي.
(1/32)

ثُمَّ الْعَامُّ بَعْدَهُ وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَمَعْنَى قَوْلِنَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ هُنَا وَمَعْنَى قَوْلِنَا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى هُوَ تَفْسِيرٌ لِلِانْتِظَامِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ إنَّمَا يَنْتَظِمُ الْأَسْمَاءَ مَرَّةً لَفْظًا مِثْلُ قَوْلِنَا زَيْدُونَ وَنَحْوُهُ أَوْ مَعْنًى مِثْلُ قَوْلِنَا مِنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا وَالْعُمُومُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الشُّمُولُ يُقَالُ مَطَرٌ عَامٌّ أَيْ شَمِلَ الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا وَخِصْبٌ عَامٌّ أَيْ عَمَّ الْأَعْيَانَ وَوَسِعَ الْبِلَادَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[تَعْرِيف الْعَامُّ]
قَوْلُهُ (ثُمَّ الْعَامُّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْخَاصِّ فِي الْوُجُودِ لَا عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ وُجُودًا فِي الذِّهْنِ، كُلُّ لَفْظٍ فَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِالذِّكْرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، وَالْمُرَادُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِقَرِينَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ بِالطَّبْعِ، وَقَوْلُهُ يَنْتَظِمُ، أَيْ يَشْمَلُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَعْنَيَيْنِ بَلْ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى السَّوَاءِ، وَقَوْلُهُ جَمْعًا، احْتِرَازٌ عَنْ التَّثْنِيَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ بَلْ هِيَ مِثْلُ سَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ فِي الْخُصُوصِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ حَدُّ الْعَامِّ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الشَّيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فَقَدْ اُحْتُرِزَ عَنْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ فَصَاعِدًا، وَعَنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ دِيَارِنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ شَرْطٌ وَحَدُّ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ عَنْ النَّكِرَاتِ فِي الْإِثْبَاتِ وُحْدَانًا وَتَثْنِيَةً وَجَمْعًا؛ لِأَنَّ رَجُلًا يَصْلُحُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ وَقِسْ عَلَيْهِ رَجُلَيْنِ وَرِجَالًا، وَبِقَوْلِهِمْ بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الَّذِي لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ إذَا عَمَّ كَالْعُيُونِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَفْهُومَيْهِ مَعًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ وَالِاجْتِمَاعُ عِنْدَنَا وَيَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ فَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَامًّا وَعِنْدَنَا يَجُوزُ لِبَقَاءِ الْعُمُومِ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ.
وَلِهَذَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ لِقَوْلِهِ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَيَتَنَاوَلُ جَمْعًا مِنْ الْجُمُوعِ لَا الْكُلَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّيْخَ قَدْ نَصَّ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْ لِحَقِيقَةِ الْعُمُومِ تَنَاوُلَ الْكُلِّ قَالَ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ.
قَوْلُهُ (وَمَعْنَى قَوْلِنَا مِنْ الْأَسْمَاءِ) يَعْنِي مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، فَقَوْلُهُ يَعْنِي لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلُ بِمَعْنَى أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَحَلِّ التَّفْسِيرِ كَكَلِمَةٍ أَيْ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ وَنَعْنِي بِالْأَسْمَاءِ هَهُنَا الْمُسَمَّيَاتِ، ثُمَّ قِيلَ تَفْسِيرُ الْأَسْمَاءِ بِالْمُسَمَّيَاتِ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ عِنْدَنَا احْتِرَازٌ عَنْ التَّسْمِيَاتِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ التَّسْمِيَةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] أَيْ التَّسْمِيَاتُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» وَيُقَالُ مَا اسْمُك أَيْ مَا تَسْمِيَتُك فَإِذَا احْتَمَلَ الِاسْمُ التَّسْمِيَةَ اُحْتُرِزَ عَنْهَا وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَعَانِي، فَإِنَّ الِاسْمَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُشَخَّصِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى وَقَدْ اخْتَارَ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مَعَ الْمَعَانِي كَمَا سَيَأْتِي؛ فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالْمُسَمَّيَاتِ.
قَوْلُهُ (لَفْظًا) أَيْ صِيغَتُهُ تَدُلُّ عَلَى الشُّمُولِ كَصِيَغِ الْجُمُوعِ مِثْلُ زَيْدُونَ وَرِجَالٌ، أَوْ مَعْنًى أَيْ عُمُومُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصِّيغَةِ كَمِنْ وَمَا وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى حَيْثُ تَنَاوَلَتْ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِاسْمِ جَمْعٍ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلَا يُقَالُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِجَامِعٍ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ وَنَحْوَهَا عَامَّةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا
(1/33)

وَنَخْلَةٌ عَمِيمَةٌ أَيْ طَوِيلَةٌ وَالْقَرَابَةُ إذَا تَوَسَّعَتْ انْتَهَتْ إلَى صِفَةِ الْعُمُومَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْكِتَابِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا هَذَا الْحَدُّ إذْ هِيَ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ بَلْ عُمُومُهَا ضَرُورِيٌّ كَمَا عُرِفَ، لِأَنَّا نَقُولُ الْحُدُودُ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ وَعُمُومُهَا مَجَازِيٌّ لِصِدْقِ حَدِّ الْمَجَازِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ رَجُلًا فِي قَوْلِهِ مَا رَأَيْت رَجُلًا لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ إذْ الرَّجُلُ وُضِعَ لِلْفَرْدِ وَأُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ الْعُمُومُ هَهُنَا بِقَرِينَةِ النَّفْيِ كَمَا أُرِيدَ بِالْأَسَدِ الشُّجَاعُ فِي قَوْلِهِ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي بِقَرِينَةِ الرَّمْيِ لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى مَجَازِيَّتِهِ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ عَدَمُ دُخُولِهَا فِي الْحَدِّ صِحَّتَهُ، عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عُمُومَهَا حَقِيقِيٌّ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْحَدِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِبَيَانِ الْعَامِّ صِيغَةً وَلُغَةً بِدَلَالَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ لَا لِمُطْلَقِ الْعَامِّ، وَعُمُومُ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالصِّيغَةِ بَلْ بِالضَّرُورَةِ وَالْحَدُّ الْمَذْكُورُ جَامِعٌ مَانِعٌ لِلْعَامِّ الصِّيغِيِّ فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْوَضْعُ فِي اللَّفْظِ بِأَنْ أُجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ لَكَانَ الْحَدُّ مَتْنًا لَا لَهَا إذْ هِيَ لَفْظٌ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ مَعْنًى فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَدَّ جَامِعٌ كَمَا أَنَّهُ مَانِعٌ قَوْلُهُ (وَنَخْلَةٌ عَمِيمَةٌ أَيْ طَوِيلَةٌ) قِيلَ لَمَّا كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا كَثِيرَةً شَمِلَتْ الْهَوَاءَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ إذَا طَالَتْ تَشَعَّبَتْ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا لَمْ تَطُلْ، وَالْقَرَابَةُ إذَا تَوَسَّعَتْ انْتَهَتْ إلَى صِفَةِ الْعُمُومِيَّةِ، فَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الْقَرَابَةِ الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الْأُبُوَّةُ ثُمَّ الْأُخُوَّةُ ثُمَّ الْعُمُومَةُ فَبِهَا تَنْتَهِي وَتَتَوَسَّعُ وَلَيْسَ بَعْدَهَا قَرَابَةٌ أُخْرَى إذْ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَرْعٌ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَلِهَذَا انْتَهَتْ الْمَحْرَمِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْقَرَابَةِ إلَى الْعُمُومَةِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إلَى فُرُوعِهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ لِلْخُؤُولَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ قَرَابَةُ الْأَبِ إذْ النَّسَبُ إلَى الْأَبَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَرَّفَ الْعَامَّ كَمَا عَرَّفَهُ الشَّيْخُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالتَّسْمِيَاتِ.
كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَالِانْتِظَامَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: وَأَمَّا الْعَامُّ فَمَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى كَقَوْلِك الشَّيْءُ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَلِكُلِّ مَوْجُودٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْإِنْسَانُ اسْمٌ عَامٌّ فِي جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَفْرَادٍ وَلِكُلِّ فَرْدٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَنَقُولُ مَطَرٌ عَامٌّ إذَا عَمَّ الْأَمْكِنَةَ فَيَكُونُ عَامًّا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْحُلُولُ بِالْأَمْكِنَةِ لَا بِأَسْمَاءٍ يَجْمَعُهَا الْمَطَرُ، فَسِيَاقُ كَلَامِهِ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ التَّسْمِيَاتُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلِكُلِّ مَوْجُودٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَلِكُلِّ فَرْدٍ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيُشِيرُ أَيْضًا إلَى أَنَّ الِانْتِظَامَ لَفْظًا أَنْ يَشْمَلَ اللَّفْظُ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً كَالشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَغَيْرَهَا وَالِانْتِظَامُ مَعْنًى أَنْ يَحِلَّ الْمَعْنَى مَحَالَّ كَثِيرَةً فَدَخَلَ الْمَحَالُّ الْمُخْتَلِفَةُ تَحْتَ الْعُمُومِ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى كَمَعْنَى الْمَطَرِ لَمَّا حَلَّ مَحَالَّ كَثِيرَةً دَخَلَتْ الْمَحَالُّ تَحْتَ لَفْظِ الْمَطَرِ دُخُولَ الْمَوْجُودَاتِ تَحْتَ لَفْظِ الشَّيْءِ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ حُلُولُهُ بِهَا لَا بِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْمَحَالِّ بِخِلَافِ الشَّيْءِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا انْتَظَمَهُ.
فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا رَأَى أَنَّ انْتِظَامَ اللَّفْظِ لِمَدْلُولَاتِ الْأَسْمَاءِ لَا لِلْأَسْمَاءِ وَأَنَّ دُخُولَ الْمَحَالِّ تَحْتَ لَفْظِ الْمَطَرِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّعْرِيفَاتِ فَسَّرَ الْأَسْمَاءَ بِالْمُسَمَّيَاتِ وَالِانْتِظَامَ اللَّفْظِيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ احْتِرَازًا عَمَّا اخْتَارَهُ
(1/34)

وَهُوَ كَالشَّيْءِ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ عِنْدَنَا وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْقَاضِي الْإِمَامُ وَاخْتِيَارًا لِلْأَصْوَبِ وَوَافَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ وَغَيْرُهُمَا، فَالشَّيْءُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَنَحْوُهَا عَامٌّ لَفْظِيٌّ فِي اخْتِيَارِ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَعَامٌّ مَعْنَوِيٌّ فِي اخْتِيَارِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ كَالشَّيْءِ) هَذَا مِنْ نَظَائِرِ الْعَامِّ الْمَعْنَوِيِّ وَالْغَرَضُ مِنْ إيرَادِهِ بَعْدَمَا أَوْرَدَ نَظِيرَ الْمَعْنَوِيِّ مَرَّةً أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ عَامٌّ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ كَمَا ظَنَّهُ الْقَاضِي وَأَنَّهُ عَامٌّ لَا مُشْتَرَكٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا تَمَسَّكُوا فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وَقَالُوا الشَّيْءُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْيَانُ وَالْأَعْرَاضُ اعْتَرَضَ الْخُصُومُ وَقَالُوا قَدْ خُصَّ مِنْهُ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بَعْدَ الْخُصُوصِ لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ ظَنِّيًّا، فَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَامٌّ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُخْتَلِفَةَ الْحَقَائِقِ وَلَئِنْ اُعْتُبِرَ مَعْنَى الْوُجُودِ؛ فَلِذَلِكَ أَيْضًا مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْوُجُودَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالْبَاصِرَةِ لِجَوَازِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي وَاسْتِحَالَتِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُحْدَثُ يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْقَدِيمِ تَحْتَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَالْعَامَّةُ سَلَّمُوا عُمُومَهُ وَقَالُوا: إنَّهُ عَامٌّ بِاعْتِبَارِ مُطْلَقِ الْوُجُودِ، فَإِنَّهُ مُتَّحِدٌ وَاخْتِلَافُ الْحَقَائِقِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ تَحْتَ أَمْرٍ عَامٍّ، فَإِنَّ لَفْظَ الْعَرَضِ يَتَنَاوَلُ الْأَضْدَادَ وَكَذَا لَفْظُ اللَّوْنِ يَتَنَاوَلُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ بِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهُمَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَتَعَرَّفُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ مَنَعُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ، وَقَالُوا التَّخْصِيصُ إنَّمَا يَجْرِي فِيمَا يُوجِبُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ دُخُولَ الْمَخْصُوصِ فِيهِ لَوْلَا الْمُخَصِّصُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُوجِبُ دُخُولَ الْمُخَاطَبِ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ دَخَلْت الدَّارَ وَضَرَبْت جَمِيعَ مَنْ فِيهَا وَأَخْرَجْتهمْ مِنْهَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ دُخُولَهُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ لِيَصِيرَ ضَارِبًا نَفْسَهُ وَمُخْرِجًا لَهَا فَلَا يُعَدُّ هَذَا تَخْصِيصًا، وَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي مِنْ نِسَائِي مَنْ شِئْت وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لَا يَدْخُلُ الْمُخَاطَبَةُ فِي هَذَا الْخِطَابِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَا يَقَعُ فَكَذَا هَذَا، وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لِإِخْرَاجِ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ.
وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، وَهَذَا سَابِقٌ، وَأَكْثَرُهُمْ سَلَّمُوا كَوْنَهُ مَخْصُوصًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا صَيْرُورَتَهُ ظَنِّيًّا بِمِثْلِ هَذَا التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي تَخْصِيصٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ أَوْ التَّفْسِيرَ كَمَا سَتَعْرِفُ، فَأَمَّا فِيمَا لَا يَقْبَلُهُ فَلَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ مِنْ دَلَائِلِ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُمْ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ، فَكَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ
(1/35)

وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْعَامَّ مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَسْمَاءِ أَوْ الْمَعَانِي وَقَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي سَهْوٌ مِنْهُ أَوْ مُؤَوَّلٌ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَتَعَدَّدُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهَا وَتَغَايُرِهَا وَعِنْدَ اخْتِلَافِهَا وَتَغَايُرِهَا لَا يَنْتَظِمُهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ بَلْ يَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَهَذَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَمَّا تَعَدَّدَ مَحَلُّهُ يُسَمَّى مَعَانِيَ مَجَازًا لِاجْتِمَاعِ مَحَالِّهِ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَالْمَعَانِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ عِنْدَنَا، وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِهِمْ، وَقَوْلُهُ عِنْدَنَا احْتِرَازٌ عَنْ الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ لَا عَنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا سَهْوٌ مِنْهُ) أَيْ قَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي سَهْوٌ مِنْهُ، وَفِي ذِكْرِ السَّهْوِ دُونَ الْخَطَإِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ إذْ لَا عَيْبَ فِي السَّهْوِ لِلْإِنْسَانِ وَالسَّهْوُ مَا يَنْتَبِهُ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ وَالْخَطَأُ مَا لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ أَوْ يَنْتَبِهْ بَعْدَ إتْعَابٍ كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ: ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ أَرَادَ مِنْ قَوْلِهِ جَمْعًا مِنْ الْمَعَانِي تَعَدُّدَهَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعَانِي حَقِيقَةً لَا يَكُونُ بِتَعَدُّدِ أَفْرَادِهَا فِي الْخَارِجِ بَلْ بِتَعَدُّدِهَا فِي الذِّهْنِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، فَإِنَّك إذَا رَأَيْت إنْسَانًا وَثَبَتَ فِي ذِهْنِك مَعْنَاهُ ثُمَّ رَأَيْت آخَرَ وَآخَرَ لَا يَثْبُتُ مَعْنًى آخَرُ فِي ذِهْنِك.
وَإِنْ كَانَ إنْسَانِيَّةُ زَيْدٍ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ إنْسَانِيَّةِ عَمْرٍو وَخَالِدٍ وَلَكِنْ إذَا رَأَيْت أَسَدًا أَوْ ذِئْبًا أَوْ فَرَسًا أَوْ غَيْرَهَا يَثْبُتُ مَعْنًى آخَرُ فِي ذِهْنِك غَيْرَ الْأَوَّلِ فَثَبَتَ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعَانِي إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَنَاوَلُهَا لَفْظٌ وَاحِدٌ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ؛ لِأَنَّ أَفْرَادَ الْعَامِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَّفِقَةً، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْمَعَانِي اخْتَلَفَتْ أَفْرَادُ الْعَامِّ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظٍ وَاحِدٍ إلَّا بِطَرِيقِ الْبَدَلِ وَذَلِكَ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا وَلَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا لَفْظُ الْعَرَضِ أَوْ الْأَعْرَاضِ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً فِي ذَوَاتِهَا بَلْ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَرْضًا، وَهَذَا مَعْنًى وَاحِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْبَيَاضَ أَوْ السَّوَادَ أَوْ الْحَرَكَةَ أَوْ السُّكُونَ؛ لِأَنَّهُ سَوَادٌ أَوْ بَيَاضٌ أَوْ حَرَكَةٌ أَوْ سُكُونٌ بَلْ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُسْتَحِيلَ الْبَقَاءِ فَيَكُونُ كَالشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ لَا غَيْرُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ بِإِزَاءِ السَّوَادِ أَوْ الْبَيَاضِ، فَإِنَّهُ لَوْ فُسِّرَ مَعْنَاهُ بِأَنَّهُ السَّوَادُ أَوْ الْبَيَاضُ أَوْ نَحْوُهُ يُخْطِئُ لُغَةً، وَقَوْلُهُ اخْتِلَافُهَا وَتَغَايُرُهَا تَرَادُفٌ هَهُنَا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَخَصَّ مِنْ التَّغَايُرِ لِاسْتِلْزَامِهِ التَّغَايُرَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَعَانِيَ مَجَازًا لِتَعَدُّدِهِ فِي الْخَارِجِ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَحَالِّ الْمُتَعَدِّدَةِ كَالْخِصْبِ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ مَجَازًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا بُدَّ لِلْعَامِّ مِنْ مَعْنًى مُتَّحِدٍ يَشْتَرِك فِيهِ أَفْرَادُ الْعَامِّ لِيَصِحَّ شُمُولُهُ إيَّاهَا بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا أَفْرَادُ الْعَامِّ مُتَّفِقَةُ الْحُدُودِ وَذَلِكَ كَلَفْظَةِ مُسْلِمُونَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَشْخَاصَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَهَا إلَّا بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ مُتَعَدِّدًا فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّ إسْلَامَ زَيْدٍ غَيْرُ إسْلَامِ عَمْرٍو.
وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا حَقِيقَةً سَمَّاهُ مَعَانِيَ مَجَازًا فَيَصِيرُ مَا ذُكِرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي التَّحْقِيقِ، وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: وَالْمَعَانِي بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لِيَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ الْعَامِّ مَا يَتَنَاوَلُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ مَعَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَتْ مُتَّفِقَةً، وَلَكِنَّهُ سَمَّاهُ مَعَانِيَ مَجَازًا، وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعَامِّ عِنْدَنَا أَيْضًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَكَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كِتَابِهِ أَيْ بِالْوَاوِ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ يَأْبَى هَذَا
(1/36)

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ.

وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْعَامُّ يَشْمَلُ كِلَيْهِمَا فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَفِيهِ بُعْدٌ؛ فَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَهْوٌ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يَشْمَلَ اللَّفْظُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي وَجَعْلِ الْمَعَانِيَ مَجَازًا عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَكِنَّ أَخَاهُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا الْيُسْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْجَصَّاصَ بِقَوْلِهِ أَوْ الْمَعَانِي لَمْ يُرِدْ عُمُومَ الْمَعَانِي وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ عَمَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَ.
وَإِذَا قَالَ الْحَرَكَاتُ عَمَّ الْحَرَكَاتِ كُلَّهَا، وَهِيَ الْمَعَانِي فَيَجْعَلُ أَبُو الْيُسْرِ الْمَعَانِيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى أَعَمَّ مِنْهَا كَمَا فِي قَوْلِنَا الْمَعَانِي وَالْعُلُومُ وَالْأَعْرَاضُ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا عَامٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِجَمْعٍ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ وَلَكِنْ بِمَعْنًى مُتَّحِدٍ يَشْمَلُ الْكُلَّ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَعْنَى وَالْعِلْمِ وَالْعَرَضِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ بِمَعْنَى الْمَوْجُودِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ لَفْظٌ آخَرُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَامُّ قِسْمَيْنِ: مَا يَتَنَاوَلُ الْأَعْيَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَمَا يَتَنَاوَلُ الْمَعَانِيَ بِمَعْنًى يَعُمُّهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ أَوْ الْمَعَانِي وَيَكُونُ حَدُّهُ مُتَعَرِّضًا لِلْقِسْمَيْنِ فَيَكُونُ جَامِعًا وَلَا يَتَعَرَّضُ حَدُّ الْمُصَنِّفُ إلَّا لِقِسْمٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسَمَّى مَفْهُومُ اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُهَا، وَعَنْ هَذَا قِيلَ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ هُوَ لَفْظٌ يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمَفْهُومَاتِ بِالْوَضْعِ، وَلَكِنَّ طَعْنَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ فَافْهَمْ.
وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا الْقَوْلُ بِعُمُومِ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ وَصْفٌ لِلْمُشْتَمِلِ لَا لِلْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ إذْ الْعَامُّ نَعْتٌ فَاعِلٌ كَمَا فِي قَوْلِنَا الرِّجَالُ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْعُمُومِ لَا الْأَفْرَادُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَهُ وَهَهُنَا الشَّامِلُ هُوَ اللَّفْظُ سَوَاءٌ اشْتَمَلَ عَلَى أَعْيَانٍ أَوْ عَلَى مَعَانٍ فَيَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعُمُومِ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَمَّا الْمَعْنَى إذَا شَمِلَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ لَفْظُهُ عَلَى الشُّمُولِ كَمَعْنَى الْمَطَرِ أَوْ الْخِصْبِ إذَا شَمِلَ الْأَمْكِنَةَ وَالْبِلَادَ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ إلَّا مَجَازًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُوصَفُ بِهِ حَقِيقَةً، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ حَدُّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يَنْتَظِمُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً؛ وَلِهَذَا تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِلَّفْظِ فَقَالَ كُلُّ لَفْظٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ عِنْدَهُ وَصْفُ الْمَعْنَى بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِهِ بِالْعُمُومِ حَقِيقَةً فِي الْمَعَانِي كَمَا هُوَ فِي الْأَلْفَاظِ يُقَالُ عَمَّهُمْ الْخِصْبُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَامًّا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. - رَحِمَهُ اللَّهُ -

[تَعْرِيف الْمُشْتَرَكُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَاتِ مُشْتَرَكَةٌ وَالصِّيغَةُ مُشْتَرَكٌ فِيهَا، وَقَوْلُهُ احْتَمَلَ كَذَا أَيْ بِالْوَضْعِ عُرِفَ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَقْسِيمُ نَفْسِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَالْمَجَازُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِرَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ
(1/37)

أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ مُرَادًا بِهِ مِثْلُ الْعَيْنِ اسْمٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ وَعَيْنِ الرُّكْبَةِ وَعَيْنِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِثْلُ الْمَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ يُوهِمُ أَنَّ عَدَدَ الثَّلَاثِ شَرْطٌ فِي الِاشْتِرَاكِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْعُمُومِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الِاسْمَيْنِ أَيْضًا كَالْقُرْءِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي حَدِّهِ هُوَ اللَّفْظَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَضْعًا أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ، فَاحْتُرِزَ بِالْمَوْضُوعَةِ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَضْعًا أَوَّلًا عَنْ الْمَنْقُولِ، وَبِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا مُخْتَلِفَتَانِ عَنْ مِثْلِ الشَّيْءِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةَ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي مَعْنَاهُ أَوْ مُسَمًّى مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِهِمَا لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى يَشْمَلُهَا بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ الْمَعَانِي لَكِنْ لَا لِاخْتِلَافِهَا فِي ذَوَاتِهَا بَلْ بِمَعْنًى يَشْمَلُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ أَوْ فِي التَّحْدِيدِ إنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ فَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ، فَهُوَ جَائِزٌ لِعَدَمِ الِاخْتِلَالِ فِي التَّعْرِيفِ، ثُمَّ إنْ تَنَاوَلَ الْقِسْمَيْنِ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَهُوَ تَقْسِيمُ الْمَحْدُودِ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْسِيمُ الْحَدِّ كَمَا لَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْمَحْدُودِ لِتَنَاوُلِ التَّرْكِيبِ إيَّاهُمَا وَلَوْ قِيلَ الْجِسْمُ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ مَا لَهُ أَبْعَادٌ ثَلَاثَةٌ يَكُونُ تَقْسِيمًا لِلْحَدِّ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا تَحْتَ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِّ فَيَفْسُدُ فَقَوْلُهُ أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ لَا مِنْ تَقْسِيمِ الْحَدِّ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ كُلُّ لَفْظٍ اُحْتُمِلَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُشْتَرَكُ مَا احْتَمَلَ وَاحِدًا مِنْ مَفْهُومَاتِ اللَّفْظِ كَمَا إنَّ قَوْلَهُ فِي تَحْدِيدِ الْعَامِّ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى تَقْسِيمٌ لِلْمَحْدُودِ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِ يَنْتَظِمُ، وَقَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْلِك تَبَحَّرَ فُلَانٌ فِي الْعُلُومِ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ أَيْ مَعَ.
وَالْعَامِلُ فِيهِ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ فِي الظَّرْفِ، وَمَحَلُّ الظَّرْفِ النَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ لِ " اسْمًا "، وَاللَّامُ فِي الْمَعَانِي بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ احْتَمَلَ اسْمًا اسْتَقَرَّ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مُخْتَلِفَةً مَعَانِيهَا، وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ حَالٌ مِنْ الْمَعَانِي وَمِنْ الْأَسْمَاءِ جَمِيعًا بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ احْتَمَلَ، وَاللَّامُ فِي الْجُمْلَةِ بَدَلٌ مِنْ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ احْتَمَلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي أَوْ اسْمًا مِنْ الْأَسْمَاءِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ الْأَسْمَاءِ أَيْ وَاحِدٌ مِنْ مَفْهُومَاتِهِ، " وَمُرَادًا " تَمْيِيزٌ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْمَعَانِي إنْ كَانَ مَفْهُومَاتُ الْأَلْفَاظِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ لَفْظِ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالذَّهَبِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ نَظِيرُ اشْتِرَاكِ الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هَهُنَا الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةُ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتُ أَيْ الْأَعْيَانُ فَالْعَيْنُ عَلَى هَذَا نَظِيرُ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَا الْمَوْلَى وَالْقُرْءُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَنَظِيرُ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعَانِي الْإِخْفَاءُ لِلْإِظْهَارِ وَالسِّرِّ وَالنَّهَلُ لِلرَّيِّ وَالْعَطَشِ وَلَفْظُ بَانَ بِمَعْنَى انْفَصَلَ وَظَهَرَ وَبَعُدَ.
وَقَوْلُهُ
(1/38)

وَالْقُرْءُ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْأَسْمَاءِ قِيلَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْءِ أَيْ مِثْلُ الْقُرْءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ دُونَ الْقُرْءِ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَالِانْتِقَالِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمُوعِ أَيْ هَذِهِ النَّظَائِرُ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا مِنْ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ اسْمٌ أَيْضًا لِلدِّينَارِ وَالْمَالِ النَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَالدَّيْدَبَانِ وَالْمَطَرِ الَّذِي لَا يَقْلَعُ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسُ الشَّيْءِ يُقَالُ هُوَ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَالنَّاسُ الْقَلِيلُ يُقَالُ بَلَدٌ قَلِيلُ الْعَيْنِ أَيْ قَلِيلُ النَّاسِ وَمَاءٌ عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ يُقَالُ نَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَيْنِ وَحَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَعَيْبٌ فِي الْجِلْدِ يُقَالُ فِي الْجِلْدِ عَيْنٌ، وَأَعَادَ لَفْظَةَ مِثْلَ فِي الْمَوْلَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى إذًا؛ وَلِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ كَالضِّدَّيْنِ وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ الْوَهْمُ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ضِدِّهِ لِغَايَةِ الْبُعْدِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ بِالِاتِّفَاقِ فَالشَّيْخُ أَزَالَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِإِيرَادِ هَذَيْنِ النَّظِيرَيْنِ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَثْبُتُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ أَوْرَدَ نَظِيرًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَهُوَ الصَّرِيمُ تَوْضِيحًا لِمَا ادَّعَاهُ إذْ هُوَ أَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِالْعُمُومِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُشْتَرَكِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمَهُ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالْفَهْمِ فِي حَقِّ السَّامِعِ لِتَرَدُّدِ الذِّهْنِ بَيْنَ مَفْهُومَاتِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِكْشَافُ إمَّا لِهَيْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِلِاسْتِنْكَافِ مِنْ السُّؤَالِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ فَيَقَعُ فِي الْجَهْلِ وَرُبَّمَا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَهْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي وُقُوعِ الْأَغْلَاطِ حُصُولُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى أَنْ يَذْكُرَهُ بِاسْمٍ خَاصٍّ فَيَقَعُ تَلَفُّظُهُ بِالْمُشْتَرَكِ عَبَثًا؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّ السَّامِعَ تَنَبَّهَ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ مَعَ أَنَّ السَّامِعَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا فَيَتَضَرَّرُ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْطِ فُلَانًا عَيْنًا، وَأَرَادَ بِهِ خُبْزًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ مِنْ الْأَعْيَانِ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا فَيَتَضَرَّرُ السَّيِّدُ، فَهَذَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْوَضْعِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَهُ لَمَّا أَبَى ذَلِكَ بَقِيَ اقْتِضَاءُ الْمَرْجُوحِيَّةِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ أَصْلٍ، يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُشْتَرَكِ اسْمًا خَاصًّا آخَرَ بِهِ يَصِيرُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مُرَادِفًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ إمَّا لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنْ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ، وَقَدْ اشْتَهَرَ فِي قَوْمٍ فَوَضَعَهُ ثَانِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَاشْتُهِرَ فِي آخَرِينَ ثُمَّ تَرَاضَى الْكُلُّ عَلَى الْوَضْعَيْنِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الْوَاضِعِينَ بِأَنَّ مَا وَضَعَهُ وَاضِعٌ لِمَعْنًى وَضَعَهُ آخَرُ لِآخَرَ ثُمَّ اشْتَهَرَ كَلَامُهُمَا بَيْنَ الْأَقْوَامِ أَوْ لِلْقَصْدِ إلَى تَعْرِيفِ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ إذْ هُوَ مَقْصُودٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالتَّفْصِيلِ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَيْفَ أَجْمَلَ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ ذَهَابِهِمَا
(1/39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْغَارِ وَقَالَ مَنْ هُوَ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ يَهْدِينِي السَّبِيلَ.
وَإِنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ فُورَكٍ فَلِلِابْتِلَاءِ كَمَا فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ فَيَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ بِالْوَضْعِ خِلَافًا لِقَوْمٍ لِمَا سَنَذْكُرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ لَا الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ إذْ مِنْ شَرْطِ الْإِرَادَةِ الْخُطُورُ بِالْبَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِهَذَا وَلِذَاكَ وَيَكُونُ غَافِلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لِغَفْلَتِهِ عَنْ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَجْزَاءِ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءَ الْمَعْنَى وَبِدُونِ هَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت كُلُّ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ يَسْتَحِقُّ كُلُّ دَاخِلٍ دِرْهَمًا وَلَوْ قُلْت جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَيَسْتَحِقُّ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ إذَا صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ فِي الْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ لَا كَاسْتِعْمَالِ الْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مَعًا أَوْ اسْتِعْمَالِ أَفْعَلَ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مَتَى تَجَرَّدَ الْمُشْتَرَكُ عَنْ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ لَا يَجِبُ فَصَارَ الْعَامُّ عِنْدَهُمَا قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُهَا.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ حَقِيقَةً تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] فَقِيلَ أُرِيدَ بِالسُّجُودِ، وَهُوَ لَفْظٌ وَاحِدٌ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ سُجُودَ النَّاسِ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ غَيْرُ سُجُودِ الدَّوَابِّ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ سُجُودِ النَّاسِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ لَا الْخُشُوعُ تَخْصِيصُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِالسُّجُودِ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي السُّجُودِ بِمَعْنَى الْخُشُوعِ، وَبِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] أُرِيدَ بِهِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً قَالَ لَا يَسْبِقُ الْمَجْمُوعُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ يَسْبِقُ أَحَدُ مَفْهُومَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ فَلَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا كَانَ مَجَازًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ وَفِيهِ تَقْلِيلُ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا لَوْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا مَعًا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ لِكَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ مُرِيدًا لِأَحَدِ مَفْهُومَيْهِ خَاصَّةً ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُمَا غَيْرَ مُرِيدٍ إيَّاهُ أَيْضًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَفْهُومِ
(1/40)

وَلَا عُمُومَ لِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّرِيمِ اسْمٌ لِلَّيْلِ وَالصُّبْحِ جَمِيعًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْآخَرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ إرَادَةِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ مُرَادًا وَغَيْرَ مُرَادٍ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّفْظَ بِمَنْزِلَةِ الْكِسْوَةِ لِلْمَعَانِي وَالْكِسْوَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَسِبَهَا شَخْصَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ تَمَامَ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ الْآخَرِ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ نَعَمْ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ جُزْءًا لِمَعْنًى فَيَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الْوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ مَا وَضَعَهُ إلَّا لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَفْهُومَاتِهِ فَقَطْ وَلَا يَحْصُلُ الِابْتِلَاءُ وَلَا التَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا حِينَئِذٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الْأُولَى فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّجُودِ هُوَ الْخُشُوعُ وَالِانْقِيَادُ عَلَى مَا قِيلَ، وَهُوَ يَعُمُّ الْجَمِيعَ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَكَثِيرٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ أَيْ وَيَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ سُجُودَ طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ فَيَكُونُ يَسْجُدُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ.
وَكَذَا تَمَسُّكُهُمْ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ هُوَ الْعِنَايَةُ بِأَمْرِ الرَّسُولِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ فَيَعُمُّ الرَّحْمَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، أَوْ تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَعَكْسُهُ إنَّمَا يَجُوزُ لِمُلَازَمَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ الْجُزْءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُلِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ وَالْكُلُّ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجُزْءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْوَجْهَ مُسْتَلْزِمٌ لِلذَّاتِ وَالذَّاتُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ أَيْضًا فَيَجُوزُ ذِكْرُ الْوَجْهِ وَإِرَادَةُ لَازِمِهِ وَعَكْسُهُ فَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْيَنْبُوعَ الَّذِي هُوَ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشَّمْسَ وَلَا الْبَاصِرَةَ وَلَا الذَّهَبَ بِوَجْهٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَكَيْفَ يَسْتَلْزِمُهَا وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِهَا بِوَجْهٍ لَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ وَلَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَفْهُومَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْعَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْبَاقِي مَفْهُومًا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ بِوَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا لَا يَجُوزُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَعُمُّ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ كَالنَّكِرَةِ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرَ عَيْنٍ، وَقِيلَ لَا يَعُمُّ فِيهِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْجَوَابُ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِالنَّكِرَةِ أَنَّ عُمُومَهَا فِي النَّفْيِ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً صِدْقُ خَبَرِهِ لَا بِمُوجِبِ اللَّفْظِ وَمِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّك لَوْ قُلْت مَا رَأَيْت عَيْنًا وَأَرَدْت بِهِ الْيَنْبُوعَ دُونَ سَائِرِ مَفْهُومَاتِهِ لَكُنْت صَادِقًا وَإِنْ تَعَمَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَفْهُومِ، بِخِلَافِ قَوْلِك مَا رَأَيْت رَجُلًا كَذَا فِي الْمِيزَانِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَهُ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ يَمِينَهُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ وَفِيهِ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ، وَهُوَ بُغْضُهُ إيَّاهُمْ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ بَلْ اللَّفْظُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ، فَإِنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ صِفَةُ الْوُجُودِ، فَكَانَ مُنْتَظِمًا لِلْكُلِّ كَذَا هَذَا هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمَالَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْمَبْسُوطِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ قَوْلُهُ (وَهَذَا يُفَارِقُ الْمُجْمَلَ) إنَّمَا
(1/41)

لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَحْتَمِلُ الْإِدْرَاكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ لُغَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
ذُكِرَ هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْفَنِّ جَعَلَ الْكِتَابَ قِسْمَيْنِ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَجَعَلَ كُلَّ كَلَامٍ فِيهِ ظُهُورٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحْكَمِ وَجَعَلَ كُلَّ كَلَامٍ فِيهِ خَفَاءٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمُتَشَابِهِ وَجَعَلَ الْمُشْتَرَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُجْمَلِ وَجَعَلَ الْمُجْمَلَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ فِي الْقَرَائِنِ إذْ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مَعَ جَمِيعِ أَقْسَامِهِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَفَى ذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ كَذَا سَمِعْت مِنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
فَإِنْ قُلْت هَذَا تَقْسِيمٌ مَعْقُولٌ سَهْلُ الْمَأْخَذِ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ هَذِهِ التَّقَاسِيمُ الْمُعْضِلَةُ الْمُخَالِفَةُ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، قُلْت كَمْ مِنْ شَيْءٍ يَتَرَاءَى أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِذَا كُشِفَ عَنْهُ الْغِطَاءُ بِالتَّأَمُّلِ ظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ فَأَنْعِمْ النَّظَرَ إنَّ الْأَقْسَامَ الْمَذْكُورَةَ هَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا وَجَدْتهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ إذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ ثُمَّ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك النَّصُّ فَتَأَمَّلْ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقْتَضٍ لِقَصْرِ الْكِتَابِ عَلَى الْقِسْمَيْنِ أَوْ لَا وَلَعَمْرِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] مَعْنَاهُ بَعْضُهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ.
وَقَوْلُهُ وَأُخَرُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَهُوَ آيَاتٌ وَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُمَا كَيْفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ طُرُقِ الْقَصْرِ، وَهِيَ الْعَطْفُ كَقَوْلِك زَيْدٌ شَاعِرٌ لَا مُنَجِّمٌ أَوْ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِك مَا زَيْدٌ إلَّا شَاعِرٌ أَوْ إنَّمَا كَقَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ ذَاهِبٌ أَوْ التَّقْدِيمِ كَقَوْلِك تَمِيمِيٌّ أَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ شَيْءٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ وَآيَاتٌ أُخَرُ مُفَسَّرَاتٌ وَآيَاتُ أُخَرُ مُجْمَلَاتٌ لَاسْتَقَامَ وَلَوْ اقْتَضَى الْكَلَامُ الْأَوَّلُ الْقَصْرَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ الْعَطْفُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قِيلَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَالْبَاقِي مُتَشَابِهَاتٌ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، وَالْمُحْكَمُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُرْجَى بَيَانُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قِسْمٌ آخَرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِيَصِحَّ إسْنَادُ الْبَيَانِ، إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلَى الْقِسْمَيْنِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ مَا زَعَمْت بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّبْلِيغُ إذْ هُوَ بَيَانٌ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُمِرَ بِبَيَانِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِ وَالْبَيَانُ الَّذِي أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ مَا نُزِّلَ لَيْسَ إلَّا التَّبْلِيغُ فَأَمَّا بَيَانُ الْمُجْمَلِ فَهُوَ بَيَانٌ لِبَعْضِ مَا نُزِّلَ لَا لِكُلِّهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ فِي الْكِتَابِ قِسْمًا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى بَيَانِ الرَّسُولِ كَالصَّلَاةِ وَالرِّبَا وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُرْجَى بَيَانُهُ وَالْمُحْكَمُ لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ عَلَى الْبَيَانِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْقِسْمَيْنِ وَحَاصِلُهُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْته أَوَّلًا، وَبَيَانُ الْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِ وُجُوهِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ آخَرَ وَقِسْمٌ لَا يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيَانِ، فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُجْمَلِ دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا زَعَمَ الْمُخَالِفُ،
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُشْتَرَكَ هُوَ مَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِالتَّأَمُّلِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا بَلْ هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُجْمَلِ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُسَمَّى الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مُشْتَرَكًا مَعَ كَوْنِهِ مُجْمَلًا وَعَلَى
(1/42)

بِرُجْحَانِ بَعْضِ الْوُجُوهِ عَلَى الْبَعْضِ فَقَبْلَ ظُهُورِ الرُّجْحَانِ سُمِّيَ مُشْتَرَكًا.

فَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَمَا لَا يُدْرَكُ لُغَةً لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَمَا تَرَجَّحَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي لَا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا أَصْلًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لِدُخُولِ هَذَا الْقِسْمِ فِي حَدِّ الْمُشْتَرَكِ وَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ مَانِعًا.
وَالْبَاءُ فِي " بِالتَّأَمُّلِ " لِلِاسْتِعَانَةِ وَفِي " بِرُجْحَانِ " لِلسَّبَبِيَّةِ وَكِلَاهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِدْرَاكِ، وَلُغَةً تَمْيِيزٌ لِلْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ بَابِ مَلَأَ الْإِنَاءَ عَسَلًا.
وَقَوْلُهُ لُغَةً بَعْدَهُ تَمْيِيزٌ عَنْ النِّسْبَةِ، وَنَظِيرُ مَا يَحْتَمِلُ الْإِدْرَاكَ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً قَوْله تَعَالَى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا تَأَمَّلُوا فِي مَعْنَى الْقُرْءِ فَوَجَدُوهُ دَالًّا عَلَى الْجَمْعِ وَالِانْتِقَالِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَذَلِكَ فِي الْحَيْضِ دُونَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ هُوَ الدَّمُ وَالِانْتِقَالُ يَحْصُلُ بِالْحَيْضِ إذْ الطُّهْرُ هُوَ الْأَصْلُ، وَتَأَمَّلُوا فِي لَفْظِ الثَّلَاثَةِ فَوَجَدُوهُ دَالًّا عَلَى الْأَفْرَادِ الْكَامِلَةِ وَذَلِكَ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَيْضِ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَعْنَى الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى الطُّهْرِ لَا عَلَى الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الْجَامِعُ وَالدَّمُ لَيْسَ بِجَامِعٍ بَلْ هُوَ مُجْتَمِعٌ.

قَوْلُهُ (لِمَعْنًى زَائِدٍ) ثَبَتَ شَرْعًا كَالرِّبَا، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلزِّيَادَةِ وَهِيَ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِلِاسْتِرْبَاحِ وَكَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ أَوْ تَحْرِيكُ الصَّلَوَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ بِنَفْسِهِ أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً كَالنَّاهِلِ لِلْعَطْشَانِ وَالرَّيَّانِ وَالصَّرِيمِ لِلصُّبْحِ وَاللَّيْلِ وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُشْتَرَكٌ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ حَقِيقَةً وَاسْتِعْمَالًا وَلَا يُمْكِنُ إدْخَالُهُمَا جَمِيعًا فِي الْإِيجَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى مُنْعِمٌ وَالْأَسْفَلُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّعْيِينُ؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ الْأَعْلَى بِالْوَصِيَّةِ مُجَازَاةً وَشُكْرًا لِإِنْعَامِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ الْأَسْفَلَ إتْمَامًا لِلْإِنْعَامِ فَلَا يُوقَفُ عَلَى مُرَادِ الْمُوصِي وَرُبَّمَا يُؤَدِّي التَّعْيِينُ إلَى إبْطَالِ مُرَادِهِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَقَالَ زُفَرُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْفَرِيقَيْنِ وَجَعَلَهُ قِيَاسَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَهُ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ يَمِينَهُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْإِيصَاءِ مُخْتَلِفٌ فَأَمَّا الْمَقْصُودُ فِي الْيَمِينِ فَلَا يَخْتَلِفُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُهُ مَجَازًا عَنْ أَحَدِهِمَا بِالنَّظَرِ إلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَيَتَعَمَّمُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ وَصَرَفَهَا إلَى الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْإِنْعَامِ وَاجِبٌ وَإِتْمَامُهُ مَنْدُوبٌ فَصَارَ صَرْفُهَا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَوْلَى، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ إذَا اصْطَلَحُوا عَلَى حَدِّهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَزُولُ بِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ كَذَا فِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْمَلَ قِسْمَانِ مَا لَيْسَ لَهُ ظُهُورٌ أَصْلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالرِّبَا وَمَا لَهُ ظُهُورٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمُشْتَرَكِ الَّذِي انْسَدَّ فِيهِ بَابُ التَّرْجِيحِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ هَذَا أَوْ ذَاكَ وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا آخَرَ وَلَكِنَّهُ مُجْمَلٌ فِي تَعْيِينِ مَا أَرَادَهُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَوْلُهُ لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا إشَارَةٌ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ أَوْ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ لُغَةً إشَارَةٌ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي.

[تَعْرِيف الْمُؤَوَّلُ]
[الفرق بَيْن التَّفْسِير وَالتَّأْوِيل]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَكَذَا) قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَبِغَالِبِ الرَّأْيِ وَهُمَا لَيْسَا
(1/43)

وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ آلَ يَئُولُ إذَا رَجَعَ وَأَوَّلْتُهُ إذَا رَجَعْتَهُ وَصَرَفْتَهُ؛ لِأَنَّك لَمَّا تَأَمَّلْت فِي مَوْضِعِ اللَّفْظِ فَصَرَفْت اللَّفْظَ إلَى بَعْضِ الْمَعَانِي خَاصَّةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْخَفِيَّ وَالْمُشْكِلَ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُجْمَلَ إذَا لَحِقَهَا الْبَيَانُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى مُفَسَّرًا، وَإِذَا زَالَ الْإِشْكَالُ أَيْ الْخَفَاءُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا، وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُؤَوَّلِ وَتَفْسِيرُهُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ هُنَا وَكَذَا الْمُرَادُ مِنْ الْكَلَامِ مَتَى خَفِيَ لِدِقَّتِهِ فَأَوْضَحَ بِالرَّأْيِ كَانَ مُؤَوَّلًا، وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْمُؤَوَّلُ اسْمٌ لِمُشْتَرَكٍ تَنَاوَلَ بَعْضَ مَا دَخَلَ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَيْدَيْنِ لَيْسَا بِلَازِمَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ مَا فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَمِنْ غَالِبِ الرَّأْيِ مَا يُوجِبُ الظَّنَّ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ الْمُؤَوَّلِ مَا تَرَجَّحَ مِمَّا فِيهِ خَفَاءُ بَعْضِ وُجُوهِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَقَوْلُهُ مَا تَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ فَدَخَلَ فِيهِ الْمُفَسَّرُ بِقَوْلِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ اُحْتُرِزَ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ مِمَّا فِيهِ خَفَاءٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالنَّصَّ يَقْبَلَانِ التَّأْوِيلَ أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْمُفَسَّرُ فَوْقَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ قَائِمٌ فِيهِمَا فِي الْمُفَسَّرِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ زَائِدًا لَا عِبَارَةً عَمَّا فِيهِ خَفَاءٌ أَوْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْمُحْتَمَلِ أَيْ الْمُؤَوَّلِ مَا تَرَجَّحَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ بَعْضُ مُحْتَمَلَاتِهِ لِيَتَنَاوَلَ الْجَمِيعَ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى، وَقِيلَ فِي حَدِّ التَّأْوِيلِ هُوَ اعْتِبَارُ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا دَخَلَ الْمُؤَوَّلُ فِي أَقْسَامِ النَّظْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ التَّأْوِيلِ يُضَافُ إلَى الصِّيغَةِ وَاللُّغَةِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الدَّلِيلِ الْأَقْوَى أَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَا إلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مُضَافًا إلَى الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ اللَّاحِقَ بِهِ مِثْلُهُ فِي الْقُوَّةِ فَيَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْمُفَسَّرِ، وَهَذَا كَالْمُجْمَلِ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَكُونُ ذَلِكَ ثَابِتًا قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْبَيَانِ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْمُفَسَّرِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى لَا إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك لِمَا اُلْتُحِقَ بَيَانًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى، {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] ، ثَبَتَتْ فَرْضِيَّةُ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَصْلَحَ اللَّهُ شَأْنَهُ أَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُؤَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرُوا فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا تَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْ الْخَفِيِّ أَوْ الْمُشْكِلِ بِالرَّأْيِ وَلَا فِيمَا إذَا حُمِلَ الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ عَلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَقْسَامِ الصِّيغَةِ وَاللُّغَةِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ قَيْدًا لَازِمًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُجْمَلُ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَكُونُ الثَّابِتُ بِهِ قَطْعِيًّا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْبَيَانِ لَا يُوجِبُ الْكَشْفَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا مِثْلُ الْقِيَاسِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَا هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ
(1/44)

فَقَدْ أَوَّلْته إلَيْهِ وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةُ الِاحْتِمَالِ بِوَاسِطَةِ الرَّأْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53] أَيْ عَاقِبَتَهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ إذَا عَرَفْت بَعْضَ وُجُوهِهِ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مُفَسَّرًا لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَسُمِّيَ مُفَسَّرًا أَيْ مَكْشُوفًا كَشْفًا بِلَا شُبْهَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ إضَاءَةً لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَسَفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْ النِّقَابَ فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَقْلُوبًا مِنْ التَّفْسِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالثُّبُوتِ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُثْبِتُ الْفَرْضِيَّةَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقَعْدَةِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ: وَاجِبٌ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَتَّى مُنِعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ، وَوَاجِبٌ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ فَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى وَجَبَ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا وَلَكِنْ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ فَالْقَعْدَةُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْنَاهَا فَرْضًا فَأَمَّا أَنْ يَجِبَ اعْتِقَادُ فَرْضِيَّتِهَا بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ يُضَلَّلُ فَلَا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَمَالِكًا لَمْ يَكْفُرَا بِإِنْكَارِهِمَا فَرْضِيَّتَهَا وَلَمْ يَكْفُرْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِإِنْكَارِهِ رِبَا النَّقْدِ مَعَ لُحُوقِ الْبَيَانِ بِآيَةِ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ أَنْكَرَ تَقْدِيرَ فَرْضِ الْمَسْحِ بِالرُّبْعِ مَعَ لُحُوقِ خَبَرِ الْمُغِيرَةِ بَيَانًا بِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالتَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَالشَّافِعِيُّ بِالْقَطْرِ وَمَالِكٌ بِالِاسْتِيعَابِ وَكَيْفَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ قَطْعًا بِمِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ وَفِي ثُبُوتِهِ بَيَانًا شُبْهَةٌ، أَوَّلْتُهُ بِضَمِّ التَّاءِ إذَا رَجَعْتَهُ وَصَرَفْته بِفَتْحِ التَّاءَيْنِ، وَصَارَ ذَلِكَ عَاقِبَةَ الِاحْتِمَالِ أَيْ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53] ، أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْكِتَابِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ تَبَيُّنِ صِدْقِهِ وَظُهُورِ صِحَّةِ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُجْمَلِ) أَيْ لَيْسَ الْمُؤَوَّلُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا كَالْمُجْمَلِ الَّذِي عُرِفَ مَعْنَاهُ بِبَيَانِ الْمُجْمَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُفَسَّرٌ وَلَيْسَ بِمُؤَوَّلٍ وَكَذَا الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ أَوْ الْمُشْكِلُ أَوْ غَيْرُهَا إذَا الْتَحَقَ بِهِ بَيَانٌ قَاطِعٌ فَهُوَ مُفَسَّرٌ لَا مُؤَوَّلٌ فَلَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ مُخْتَصًّا بِالْمُجْمَلِ لَكِنَّ غَرَضَهُ إثْبَاتُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ بِآكَدِ الْوُجُوهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَقَالُوا النَّهْيُ وَارِدٌ عَنْ التَّفْسِيرِ دُونَ التَّأْوِيلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ فَقِيلَ التَّفْسِيرُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَأْنِ مَنْ نُزِّلَ فِيهِ وَعَنْ سَبَبِ نُزُولِهِ وَذَلِكَ عِلْمُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا ذَلِكَ فَهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرُهُمْ بِالرَّأْيِ وَالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ تَبْيِينُ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْمَعَانِي وَلِهَذَا قِيلَ التَّفْسِيرُ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّأْوِيلُ لِلْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ التَّفْسِيرُ بَيَانُ لَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالتَّأْوِيلُ تَوْجِيهُ لَفْظٍ يَتَوَجَّهُ إلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ هَذَا فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْمُرَادِ يَكُونُ تَفْسِيرًا صَحِيحًا مُسْتَحْسَنًا، وَإِنْ قَطَعَ عَلَى الْمُرَادِ لَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا، فَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ بَيَانُ عَاقِبَةِ الِاحْتِمَالِ بِالرَّأْيِ دُونَ الْقَطْعِ فَيُقَالُ يَتَوَجَّهُ اللَّفْظُ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْجَهُ لِشَهَادَةِ الْأُصُولِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَوْلُهُ (مَأْخُوذٌ مِنْ كَذَا) مَدَارُ تَرْكِيبِ السَّفَرِ يَدُلُّ عَلَى الْكَشْفِ لِمَا ذُكِرَ، وَمِنْهُ يُقَالُ سَفَرْت الْبَيْتَ أَيْ كَنَسْته،
(1/45)

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَيْ قَضَى بِتَأْوِيلِهِ وَاجْتِهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ صَاحِبَ وَحْيٍ وَفِي هَذَا إبْطَالُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ تَفْسِيرًا وَقَطْعًا عَلَى حَقِّيَّتِهِ مُرَادًا، وَهَذَا بَاطِلٌ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَإِنَّ الظَّاهِرَ اسْمٌ لِكُلِّ كَلَامٍ ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ لِلسَّامِعِ بِصِيغَتِهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِحْلَالِ وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا ازْدَادَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَمِنْهُ السَّفِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ مُرَادَ اثْنَيْنِ وَسَافَرَ الرَّجُلُ انْكَشَفَ عَنْ الْبُنْيَانِ وَمِنْهُ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَخْلَاقِ الْمَرْءِ وَأَحْوَالِهِ، فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ أَيْ التَّفْسِيرُ مَقْلُوبًا مِنْ التَّسْفِيرِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ عَلَى وَجْهٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ كَجَبَذَ وَجَذَبَ وَطَسَمَ وَطَمَسَ إلَّا أَنَّهُ قِيلَ السَّفَرُ كَشْفُ الظَّاهِرِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْفَسْرُ كَشْفُ الْبَاطِنِ وَمِنْهُ التَّفْسِرَةُ لِلْقَارُورَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا عِنْدَ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّهَا يَكْشِفُ عَنْ بَاطِنِ الْعَلِيلِ فَسُمِّيَ كَشْفُ الْمَعَانِي تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّهُ كَشْفُ بَاطِنِ الْأَلْفَاظِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْسِيرَ هُوَ الْكَشْفُ بِلَا شُبْهَةٍ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَلْيَتَبَوَّأْ» أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْ فَقَدْ تَبَوَّأَ أَيْ اتَّخَذَ النَّارَ مَنْزِلًا، قُضِيَ بِتَأْوِيلِهِ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْحَاصِلِ بِالتَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ أَيْ حُكِمَ بِأَنْ مَا صَرَفْت اللَّفْظَ إلَيْهِ وَاجْتَهَدْت فِي اسْتِخْرَاجِهِ، وَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي هَذَا أَيْ الْحَدِيثِ إبْطَالُ قَوْلِهِمْ لِمَا ذُكِرَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ أَيْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ فِي الْخَطَإِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَصَابَ الْحَقَّ غَيْرُهُ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي وُجُوهِ بَيَانِ النَّظْم]
[تَعْرِيف الظَّاهِرَ وَالنَّصّ]
قَوْلُهُ (الظَّاهِرُ اسْمٌ لِكُلِّ) الْمُرَادُ مِنْ الظَّاهِرِ هُوَ الْمُصْطَلَحُ أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي يُسَمَّى ظَاهِرًا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْ قَوْلِهِ مَا ظَهَرَ الظُّهُورَ اللُّغَوِيَّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ إذْ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْعُرْفِيِّ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، وَقِيلَ هُوَ مَا لَا يَفْتَقِرُ فِي إفَادَتِهِ لِمَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّصُّ فَكَذَا) اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَصَدَّى لِشَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْمُخْتَصَرِ ذَكَرُوا أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ إذَا اقْتَرَنَ بِالظَّاهِرِ صَارَ نَصًّا وَشَرْطٌ فِي الظَّاهِرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْنَاهُ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ أَصْلًا فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّصِّ، قَالُوا لَوْ قِيلَ رَأَيْت فُلَانًا حِينَ جَاءَنِي الْقَوْمُ ظَاهِرًا فِي مَجِيءِ الْقَوْمِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالسَّوْقِ وَلَوْ قِيلَ ابْتِدَاءً جَاءَنِي الْقَوْمُ كَانَ نَصًّا فِي مَجِيءِ الْقَوْمِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا سِيقَ لِمَقْصُودٍ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ ظُهُورٍ وَجَلَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْمَسُوقِ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ عِبَارَةُ النَّصِّ رَاجِحَةً عَلَى إشَارَتِهِ، قَالُوا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ وَبِقَوْلِهِ فَازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ وَسِيقَ لَهُ.
قُلْت هَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الظَّاهِرُ مَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] .
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] ، وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ، {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ ظَاهِرٌ يُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِسَمَاعِ الصِّيغَةِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ تَصَانِيفِ أَصْحَابِنَا
(1/46)

وُضُوحًا عَلَى الظَّاهِرِ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَصَّصْت الدَّابَّةَ إذَا اسْتَخْرَجْت بِتَكَلُّفِك مِنْهَا سَيْرًا فَوْقَ سَيْرِهَا الْمُعْتَادِ وَسُمِّيَ مَجْلِسُ الْعَرُوسِ مِنَصَّةً لِأَنَّهُ ازْدَادَ ظُهُورًا عَلَى سَائِرِ الْمَجَالِسِ بِفَضْلِ تَكْلِيفٍ اتَّصَلَ بِهِ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ نَصٌّ فِي بَيَانِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْكَلَامُ لِلْعَدَدِ وَقُصِدَ بِهِ فَازْدَادَ ظُهُورًا عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ وَسِيقَ لَهُ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لِلتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ نَصٌّ لِلْفَصْلِ مِنْ الْبَيْعِ وَالرِّبَا لِأَنَّهُ سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ فَازْدَادَ وُضُوحًا بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا بِمَعْنًى فِي صِيغَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الظَّاهِرُ اسْمٌ لِمَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ السَّمْعِ مِنْ غَيْرِ إطَالَةٍ فِكْرَةٍ وَلَا إجَالَةِ رُؤْيَةٍ نَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ قَوْله تَعَالَى، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] ، وقَوْله تَعَالَى، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ أَبُو الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الظَّاهِرُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا بَعِيدًا نَحْوُ الْأَمْرُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِيجَابُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّهْدِيدَ وَكَالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَدَمَ السَّوْقِ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ هُوَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَسُوقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ بَيْنَ مَا كَانَ مَسُوقًا وَغَيْرَ مَسُوقٍ وَأَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَذْكُرْ فِي تَحْدِيدِهِ لِلظَّاهِرِ هَذَا الشَّرْطَ، وَلَوْ كَانَ مَنْظُورًا إلَيْهِ لَمَا غَفَلَ عَنْهُ الْكُلُّ، لَيْسَ ازْدِيَادُ وُضُوحِ النَّصِّ عَلَى الظَّاهِرِ بِمُجَرَّدِ السَّوْقِ كَمَا ظَنُّوا إذْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى، {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] ، مَعَ كَوْنِهِ مَسُوقًا فِي إطْلَاقِ النِّكَاحِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَسُوقٍ فِيهِ فَرْقٌ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِأَحَدِهِمَا بِالسَّوْقِ قُوَّةٌ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الظُّهُورِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ بِالشُّهْرَةِ أَوْ التَّوَاتُرِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعَانِي، بَلْ ازْدِيَادُهُ بِأَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ مَعْنًى لَمْ يُفْهَمْ مِنْ الظَّاهِرِ بِقَرِينَةٍ نُطْقِيَّةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهِ سِبَاقًا أَوْ سِيَاقًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالسَّوْقِ كَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا لَمْ تُفْهَمْ مِنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ بَلْ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ.
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، عُرِفَ أَنَّ الْغَرَضَ إثْبَاتُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فَأَنَّى يَتَمَاثَلَانِ، وَلَمْ يُعْرَفْ هَذَا الْمَعْنَى بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ بِأَنْ قِيلَ ابْتِدَاءً {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَمَّا النَّصُّ فَمَا يَزْدَادُ بَيَانًا بِقَرِينَةٍ تَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ ظَاهِرًا بِدُونِ تِلْكَ الْقَرِينَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ النَّصُّ فَوْقَ الظَّاهِرِ فِي الْبَيَانِ لِدَلِيلٍ فِي عَيْنِ الْكَلَامِ، وَقَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ: النَّصُّ مَا فِيهِ زِيَادَةُ ظُهُورٍ سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَأُرِيدَ بِالْإِسْمَاعِ بِاقْتِرَانِ صِيغَةٍ أُخْرَى بِصِيغَةِ الظَّاهِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] ، نَصٌّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا حَيْثُ أُرِيدَ بِالْإِسْمَاعِ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ دَعْوَى الْمُمَاثَلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لَا فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ فَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ ازْدَادَ النَّصُّ وُضُوحًا عَلَى الظَّاهِرِ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ فِي الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعًا بَلْ يُفْهَمُ بِالْقَرِينَةِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِالْكَلَامِ أَنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ لِلْمُتَكَلِّمِ مِنْ السَّوْقِ كَمَا أَنَّ فَهْمَ التَّفْرِقَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً بَلْ بِالْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ التَّفْرِقَةُ وَلَوْ ازْدَادَ وُضُوحًا بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ بَصِيرٍ مُفَسَّرًا فَيَكُونُ هَذَا احْتِرَازًا عَنْ الْمُفَسَّرِ.
يُقَالُ الْمَاشِطَةُ تَنِضُّ الْعَرُوسَ فَتُقْعِدُهَا عَلَى الْمَنَصَّةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهِيَ كُرْسِيُّهَا لِتُرَى بَيْنَ النِّسَاءِ قَوْله تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] ، أَيْ مَا حَلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ كَاَللَّاتِي فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ،
(1/47)

وَحُكْمُ الْأَوَّلِ ثُبُوتُ مَا انْتَظَمَهُ يَقِينًا وَكَذَلِكَ الثَّانِي إلَّا أَنَّ هَذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى مِنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَقِيلَ مَا ذَهَابًا إلَى الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ مَا سُؤَالٌ عَنْ الصِّفَةِ كَمَا أَنَّ مَنْ سُؤَالٌ عَنْ الذَّاتِ؛ وَلِأَنَّ الْإِنَاثَ مِنْ الْعُقَلَاءِ يَجْرِينَ مَجْرَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المعارج: 30] ، مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، مَعْدُولَةٌ عَنْ أَعْدَادٍ مُكَرَّرَةٍ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ التَّصْرِيفَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْعَدْلَيْنِ عَدْلُهَا عَنْ صِيغَتِهَا وَعَدْلُهَا عَنْ تَكَرُّرِهَا، وَهِيَ نَكِرَاتٌ يُعَرَّفْنَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ تَقُولُ فُلَانٌ يَنْكِحُ الْمَثْنَى وَالثُّلَاثَ وَالرُّبَاعَ وَمَحَلُّهُنَّ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ مِمَّا طَابَ تَقْدِيرُهُ فَانْكِحُوا الطَّيِّبَاتِ لَكُمْ مَعْدُودَاتِ هَذَا الْعَدَدِ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَقِيلَ مَا طَابَ أَيْ مَا أَدْرَكَ مِنْ طَابَتْ الثَّمَرَةُ إذَا أَدْرَكَتْ وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الصَّغَائِرِ جَائِزٌ، ظَاهِرٌ فِي الْإِطْلَاقِ أَيْ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ مَا يَسْتَطِيبُهُ الْمَرْءُ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ، وَقِيلَ فِي اخْتِيَارِهِ لَفْظَ الْإِطْلَاقِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ وَكَوْنُهَا حُرَّةً يُنَافِي صَيْرُورَتَهَا مَمْلُوكَةً؛ وَلِأَنَّهَا مُكَرَّمَةٌ بِالتَّكْرِيمِ الْإِلَهِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] ، وَصَيْرُورَتُهَا مَوْطُوءَةً مَصَبَّةٌ لِلْمَاءِ الْمَهِينِ يُنَافِي التَّكْرِيمَ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فَفِي قَوْلِهِ الْإِطْلَاقُ إشَارَةٌ إلَى إزَالَةِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ، الضَّمِيرُ فِي لِأَنَّهُ لِلشَّأْنِ.
وَقُصِدَ بِهِ أَيْ قُصِدَ الْعَدَدُ بِالسَّوْقِ، فَازْدَادَ هَذَا الْكَلَامُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، {فَانْكِحُوا} [النساء: 3] إلَى قَوْلِهِ رُبَاعَ، وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَدَدٍ بِسَبَبِ أَنَّ قَصْدَ الْعَدَدِ بِالْكَلَامِ وَسِيقَ الْكَلَامُ لِلْعَدَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ثُبُوتُ مَا انْتَظَمَهُ يَقِينًا عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا وَكَذَا الثَّانِي، وَهُوَ النَّصُّ عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِ دِيَارِنَا مِنْهُمْ: الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُكْمُ الظَّاهِرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا وَوُجُوبُ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا حُكْمُ النَّصِّ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامَّ الْخَالِيَ مِنْ قَرِينَةِ الْخُصُوصِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ قَطْعًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِهِ لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا كُلُّ حَقِيقَةٍ مُحْتَمِلٌ لِلْمَجَازِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ كَذَا فِي الْمِيزَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ الِاحْتِمَالِ.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَعِنْدَنَا لَا عِبْرَةَ لِلِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ؛ لِأَنَّ النَّاشِئَ عَنْ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهِيَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ كَرُخَصِ الْمُسَافِرِ لَا تَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ وَالنَّسَبِ بِالْأَعْلَاقِ وَالتَّكْلِيفِ بِاعْتِدَالِ الْعَقْلِ لِكَوْنِهَا أُمُورًا بَاطِنَةً بَلْ بِالسَّفَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ وَالْفِرَاشِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْأَعْلَاقِ وَالِاحْتِلَامِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُسْتَصْفَى الظَّاهِرُ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَالنَّصُّ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ قَالَ النَّصُّ يُطْلَقُ فِي تَعْرِيفِ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ سَمَّى الظَّاهِرَ نَصًّا فَهُوَ
(1/48)

وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ أَوْ بِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا فَلَحِقَهُ بَيَانٌ قَاطِعٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُنْطَلِقٌ عَلَى اللُّغَةِ وَلَا مَانِعَ فِي الشَّرْعِ وَالنَّصُّ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظُّهُورِ تَقُولُ الْعَرَبُ نَصَّتْ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا إذَا رَفَعَتْ وَأَظْهَرَتْ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ حَدُّ الظَّاهِرِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ وَنَصٌّ.
الثَّانِي: وَهُوَ الْأَشْهَرُ هُوَ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا عَلَى قُرْبٍ وَلَا عَلَى بُعْدٍ كَالْخَمْسَةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا آخَرَ فَكُلُّ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ سُمِّيَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ نَصًّا فِي طَرَفَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ أَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْمُسَمَّى وَنَفْيِ مَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَعَلَى هَذَا حَدُّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ عَلَى الْقَطْعِ مَعْنًى فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَعْنَاهُ الْمَقْطُوعِ بِهِ نَصٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا وَظَاهِرًا وَمُجْمَلًا لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ لَا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ التَّعْبِيرُ: بِالنَّصِّ عَمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَقْبُولٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ أَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي لَا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَلَا يَخْرُجُ اللَّفْظُ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا فَكَانَ شَرْطُ النَّصِّ بِالْوَضْعِ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَبِالْوَضْعِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْمُعْتَضَدُ بِدَلِيلٍ وَلَا حَجْرَ فِي إطْلَاقِ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ الثَّانِي أَوْجَهُ وَأَشْهَرُ وَعَنْ الِاشْتِبَاهِ بِالظَّاهِرِ أَبْعَدُ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مُوجِبَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَشَايِخُنَا ظَنِّيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَارُوهُ فَقَطْعِيٌّ كَالْمُفَسَّرِ.
(وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ النَّصَّ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ، وَكَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَكِنْ، أَوْلَى مِنْهُ أَيْ مِنْ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمَّا كَانَ أَوْضَحَ بَيَانًا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الظَّاهِرِ عَلَى مَعْنًى يُوَافِقُ النَّصَّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ وَلِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَعْتَبِرْ الِاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ فَلَمَّا تَأَيَّدَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ بِمُعَارَضَةِ النَّصِّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
وَنَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ، مَعَ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ عَامٌّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَقْتَضِي بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ جَوَازَ نِكَاحِ مَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ وَالثَّانِي نَصٌّ يَقْتَضِي اقْتِصَارَ الْجَوَازِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَيَتَعَارَضَانِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِ فَيُرَجَّحُ النَّصُّ وَيُحْمَلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ لَا هَذِهِ لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَيَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ وَالثَّانِي نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ وُضُوحًا فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَا لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي بَعْضِ مَفْهُومَاتِهِ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَيَتَعَارَضَانِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَيُعْمَلُ بِالنَّصِّ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَوْ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.

[تَعْرِيف الْمُفَسَّرُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُفَسَّرُ فَمَا ازْدَادَ) أَيْ فَكَلَامٌ ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّأْوِيلِ مُنْقَطِعٌ فِيهِ بِخِلَافِ النَّصِّ، فَإِنَّ احْتِمَالَهُ قَائِمٌ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوُضُوحُ بِسَبَبِ مَعْنًى فِي النَّصِّ، بِأَنْ كَانَ أَيْ النَّصُّ مُجْمَلًا، وَهُوَ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ
(1/49)

فَانْسَدَّ بِهِ التَّأْوِيلُ أَوْ كَانَ عَامًّا فَلَحِقَهُ مَا انْسَدَّ بِهِ بَابُ التَّخْصِيصِ مَأْخُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ عَامٌّ مُحْتَمَلٌ لِلتَّخْصِيصِ فَانْسَدَّ بَابُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ الْكُلِّ وَذِكْرُ الْكُلِّ احْتَمَلَ تَأْوِيلَ التَّفَرُّقِ فَقَطَعَهُ بِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ فَصَارَ مُفَسَّرًا وَحُكْمُهُ الْإِيجَابُ قَطْعًا بِلَا احْتِمَالِ تَخْصِيصٍ وَلَا تَأْوِيلٍ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ اللَّفْظَ أَوْ الْكَلَامَ هَهُنَا.
وَقَوْلُهُ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ بِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ، فَلَحِقَهُ بَيَانٌ قَاطِعٌ احْتِرَازٌ عَمَّا لَيْسَ بِقَاطِعٍ ثُبُوتًا أَوْ دَلَالَةً حَتَّى لَا يَصِيرُ الْمُجْمَلُ مُفَسَّرًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَلَا بِبَيَانٍ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ بَلْ هُوَ بُعْدٌ فِي حَيِّزِ التَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الْإِجْمَالِ، وَلِهَذَا قَالَ فَانْسَدَّ بِهِ بَابُ التَّأْوِيلِ نَتِيجَةً لِقَوْلِهِ بَيَانٌ قَاطِعٌ أَيْ بَيَانٌ قَاطِعٌ لَا يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ التَّأْوِيلَ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّصُّ أَيْ اللَّفْظُ عَامًّا، وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يُعَادَ حَرْفُ الْجَرِّ وَيُقَالُ بِأَنْ كَانَ عَامًّا إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى ذَلِكَ نَظَرًا إلَى حُصُولِ فَهْمِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبَيَانَ كَمَا يَلْتَحِقُ بِالْكَلَامِ لِلتَّفْسِيرِ يَلْتَحِقُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ وَبَيَانُ التَّفْسِيرِ سَبَبُهُ مَعْنًى فِي نَفْسِ الْكَلَامِ وَهُوَ الْإِجْمَالُ أَمَّا بَيَانُ التَّقْرِيرِ فَسَبَبُهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَا مَعْنًى فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانٍ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَالْتِحَاقُ الْبَيَانِ بِهِ يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِمَعْنًى فِي النَّصِّ أَنَّ الْبَيَانَ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19] {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} [المعارج: 20] {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 21] ، فُسِّرَ الْهَلُوعُ الَّذِي كَانَ مُجْمَلًا بِبَيَانٍ مُتَّصِلٍ بِهِ.
سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى مَا الْهَلَعُ فَقَالَ قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أَبَيْنَ مِنْ تَفْسِيرِهِ وَهُوَ الَّذِي إذَا نَالَهُ شَرٌّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ، وَإِذَا نَالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ بِهِ وَمَنَعَهُ النَّاسَ وَكَمَا فِي النَّظِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِغَيْرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانُهُ مُتَّصِلًا بِهِ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِكَلَامٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُمَا بِأَقْوَالِ النَّبِيِّ وَأَفْعَالِهِ لَا بِبَيَانٍ مُتَّصِلٍ بِهِ فَالْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَعَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَالْهَلُوعُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (جَمْعٌ) أَيْ صِيغَةٌ، عَامٌّ أَيْ مَعْنًى، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ قَدْ يُسْلَبُ عَنْهَا مَعْنَى الْعُمُومِ بِدُخُولِ اللَّازِمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ} [آل عمران: 42] قِيلَ الْمُرَادُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَيَصْلُحُ هَذَا الْمِثَالُ نَظِيرًا لِلْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ظَاهِرٌ فِي سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ ازْدَادَ وُضُوحًا عَلَى الْأَوَّلِ فَصَارَ نَصًّا وَبِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ بِالْكُلِّيَّةِ فَصَارَ مُفَسَّرًا، وَهُوَ إخْبَارٌ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ فَيَكُونُ مُحْكَمًا، وَحُكْمُهُ الْإِيجَابُ قَطْعًا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ بِلَا احْتِمَالِ تَخْصِيصٍ وَلَا تَأْوِيلٍ) إشَارَةٌ إلَى رُجْحَانِهِ عَلَى النَّصِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَحُكْمُهُ اعْتِقَادًا مَا فِي النَّصِّ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ النَّصِّ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً شَهْرًا يَكُونُ ذَلِكَ مُتْعَةً لَا نِكَاحًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَزَوَّجْت نَصٌّ لِلنِّكَاحِ وَلَكِنَّ احْتِمَالَ الْمُتْعَةِ فِيهِ قَائِمٌ.
وَقَوْلُهُ شَهْرًا مُفَسَّرٌ فِي الْمُتْعَةِ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ النِّكَاحِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ بِحَالٍ فَإِذَا اجْتَمَعَا رَجَّحْنَا الْمُفَسَّرَ وَحَمَلْنَا النَّصَّ
(1/50)

فَإِذَا ازْدَادَ قُوَّةً وَأُحْكِمَ الْمُرَادُ بِهِ عَنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ سُمِّيَ مُحْكَمًا مِنْ أَحْكَامِ الْبِنَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75]

وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تُقَابِلُ هَذِهِ الْوُجُوهَ فَالْخَفِيُّ اسْمٌ لِكُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى ذَلِكَ الْمُفَسَّرِ فَكَانَ مُتْعَةً لَا نِكَاحًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ نَظِيرَ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَسُوقٌ فِي مَفْهُومِهِ فَكَانَ نَصًّا وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إذَا اللَّامُ يُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَكُونُ مُفَسَّرًا فَيُرَجَّحُ وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ هَذَا نَظِيرُ تَعَارُضِ الظَّاهِرِ مَعَ النَّصِّ أَوْ الْمُفَسَّرِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِازْدِيَادِ الْوُضُوحِ لَا لِلسَّوْقِ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْمُفَسَّرَ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا هَذَا الْمِثَالُ، فَإِنَّهُ مِنْ الْإِخْبَارَاتِ وَالْخَبَرُ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَنَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي حِينَئِذٍ إلَى الْكَذِبِ أَوْ الْغَلَطِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا اللَّفْظُ فَيَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ النَّسْخُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مُحْكَمًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَذَا النَّظْمِ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ نَسْخِ اللَّفْظِ وَكَذَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَإِنَّ إبْلِيسَ اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ} [الحجر: 30] لَكِنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا فَأَمَّا احْتِمَالُ النَّسْخِ فَبَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا مُتَرَاخِيًا

[تَعْرِيف المحكم]
فَإِذَا ازْدَادَ، أَيْ الْمُفَسَّرُ، قُوَّةً وَأُحْكِمَ الْمُرَادُ بِهِ، الْبَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَضُمِّنَ " أُحْكِمَ " مَعْنَى امْتَنَعَ أَوْ أُمِنَ أَيْ امْتَنَعَ الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِالْمُفَسَّرِ عَنْ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ وَهُمَا مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا، سُمِّيَ مُحْكَمًا فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ فِي إفَادَةِ مَعْنَاهُ وَكَوْنِهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ لِيُسَمَّى مُحْكَمًا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَهُ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ، وَقَالَ هُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِيلَ مَا فِي الْعَقْلِ بَيَانُهُ، وَقِيلَ هُوَ النَّاسِخُ وَقِيلَ هُوَ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُفْهَمُ مُرَادُهُ، وَقِيلَ هُوَ مَا ظَهَرَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَالْمُتَشَابِهُ عَلَى أَضْدَادِهَا، وَقِيلَ هُوَ مَا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، وَقِيلَ مَا فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ يُقَالُ بِنَاءٌ مُحْكَمٌ أَيْ مَأْمُونُ الِانْتِقَاضِ وَأَحْكَمْت الصَّنْعَةَ أَيْ أَمِنْت نَقْضَهَا وَتَبْدِيلَهَا، وَقِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْكَمْت فُلَانًا عَنْ كَذَا أَيْ مَنَعْته، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
وَمِنْهُ حَكَمَةُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْعِثَارِ وَالْفَسَادِ فَالْمُحْكَمُ مُمْتَنِعٌ مِنْ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ، وَمِنْ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ؛ وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَيْ الْأَصْلَ الَّذِي يَكُونُ الْمَرْجِعُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ لِلْوَلَدِ وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَرْجِعُونَ إلَيْهَا لِلْحَجِّ وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ وَالْمَرْجِعُ مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ التَّأْوِيلِ وَلَا احْتِمَالُ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ثُمَّ انْقِطَاعُ احْتِمَالِ النَّسْخِ قَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ بِأَنْ لَا يَحْتَمِلَ التَّبَدُّلَ عَقْلًا كَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَحُدُوثُ الْعَالَمِ، وَيُسَمَّى هَذَا مُحْكَمًا لِعَيْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسَمَّى هَذَا مُحْكَمًا لِغَيْرِهِ

[تَعْرِيف الخفي]
قَوْلُهُ (تُقَابِلُ هَذِهِ الْوُجُوهِ) إنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ الْمُقَابَلَةِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّضَادِّ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لِيُمْكِنَهُ بَيَانُ تَحْقِيقِ
(1/51)

مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ لَا يُنَالُ إلَّا بِالطَّلَبِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ اخْتَفَى فُلَانٌ أَيْ اسْتَتَرَ فِي مِصْرِهِ بِحِيلَةٍ عَارِضَةٍ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِالطَّلَبِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّبَّاشِ وَالطَّرَّارِ، وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ

ثُمَّ الْمُشْكِلُ، وَهُوَ الدَّاخِلُ فِي إشْكَالِهِ وَأَمْثَالُهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ أَيْ دَخَلَ فِي الْحَرَمِ وَأَشْتَى أَيْ دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ وَهَذَا فَوْقَ الْأَوَّلِ لَا يُنَالُ بِالطَّلَبِ بَلْ بِالتَّأَمُّلِ بَعْدَ الطَّلَبِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ إشْكَالِهِ، وَهَذَا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُقَابَلَةِ وَنِهَايَةُ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ مَا وَرَدَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ ضَعِيفٍ لَا يَقْبَلُهُ السَّائِلُ.
(قَوْلُهُ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ) قِيلَ مَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَخَفِيَ مُرَادُهُ أَيْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَا أَنَّ مَعْنَى السَّارِقِ لُغَةً، وَهُوَ آخِذُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ اشْتَبَهَ فِي حَقِّ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ، وَكَذَا حُكْمُهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَطْعِ خَفِيَ فِي حَقِّهِمَا.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُمَا يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْأَوَّلَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالتَّقْوِيمِ، بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ أَيْ خَفِيَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ لَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ خَفِيًّا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ ظَاهِرَةٌ فِي كُلِّ سَارِقٍ لَمْ يُعْرَفْ بِاسْمٍ آخَرَ وَلَكِنَّهَا خَفِيَّةٌ فِي الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ لِعَارِضِ اخْتِصَاصِهِمَا بِاسْمَيْنِ آخَرَيْنِ يُعْرَفَانِ بِهِمَا وَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعَانِي فَبَعُدَا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ عَنْ اسْمِ السَّرِقَةِ؛ فَلِهَذَا خَفِيَتْ الْآيَةُ فِي حَقِّهِمَا، (وَقَوْلُهُ لَا يُنَالُ إلَّا بِالطَّلَبِ) تَأْكِيدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْ الْخَفِيُّ مِثْلُ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِخَفِيَّيْنِ بَلْ آيَةُ السَّرِقَةِ خَفِيَّةٌ فِي حَقِّهِمَا وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى لَمْ يَلْتَفِتْ الشَّيْخُ إلَى جَانِبِ اللَّفْظِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ، وَذَلِكَ مِثْلُ آيَةِ السَّرِقَةِ فِي حَقِّ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ كَمَا ذَكَرَ هُوَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى الْعَارِضِ أَيْ الْعَارِضِ الَّذِي صَارَتْ الْآيَةُ خَفِيَّةً بِسَبَبِهِ مِثْلُ اسْمِ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ وَلَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِعَارِضٍ فِي الصِّيغَةِ مَكَانَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِعَارِضٍ غَيْرِ الصِّيغَةِ وَعَنَى بِهِ أَنَّ الْخَفَاءَ فِي الصِّيغَةِ، وَهُوَ السَّارِقُ مَثَلًا بِالْعَارِضِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا لَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ خَفِيًّا فَيَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الصِّيغَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظْمُ الْآيَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا فِي كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ صِيغَةُ الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ مَثَلًا وَلَا اخْتِلَافَ إذًا بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا وَلَكِنَّ الْوَجْهَ هُوَ الْأَوَّلُ

[تَعْرِيف الْمُشْكِلُ]
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْمُشْكِلُ) ، فِي ثُمَّ إشَارَةٌ إلَى تَبَاعُدِ رُتْبَةِ الْمُشْكِلِ فِي الْخَفَاءِ عَنْ الْخَفِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِ الْخَفَاءِ وَفَوْقَ الْمُشْكِلِ.
(وَقَوْلُهُ، وَهُوَ الدَّاخِلُ فِي إشْكَالِهِ) إشَارَةٌ إلَى مَأْخَذِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الْمُشْكِلُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَشْكَلَ عَلَى كَذَا أَيْ دَخَلَ فِي أَشْكَالِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُشْتَبَهُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِدُخُولِهِ فِي أَشْكَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ إلَّا بِدَلِيلٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْكَالِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَى السَّامِعِ طَرِيقَ الْوُصُولِ إلَى الْمَعَانِي لِدِقَّةِ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ لَا بِعَارِضٍ فَكَانَ خَفَاؤُهُ فَوْقَ الَّذِي كَانَ بِعَارِضٍ حَتَّى كَادَ الْمُشْكِلُ يُلْتَحَقُ بِالْمُجْمَلِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَهْتَدُونَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ (وَهَذَا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى) أَيْ الْإِشْكَالُ إنَّمَا يَقَعُ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى، قِيلَ نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى، {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ فِي حَقِّ الْفَمِ وَالْأَنْفِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَالْبَاطِنُ خَارِجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِلتَّعَذُّرِ فَبَقِيَ الظَّاهِرُ مُرَادًا وَلِلْفَمِ وَالْأَنْفِ شَبَهٌ بِالظَّاهِرِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَشَبَهٌ بِالْبَاطِنِ كَذَلِكَ عَلَى مَا عُرِفَ فَأُشْكِلَ
(1/52)

أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ بَدِيعَةٍ وَذَلِكَ يُسَمَّى غَرِيبًا مِثْلُ رَجُلٍ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ فَاخْتَلَطَ بِأَشْكَالِهِ مِنْ النَّاسِ فَصَارَ خَفِيًّا بِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الْأَوَّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَمْرُهُمَا بِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الشَّبَهَيْنِ فَبَعْدَ الطَّلَبِ أَلْحَقْنَاهُمَا بِالظَّاهِرِ احْتِيَاطًا ثُمَّ وَجَدْنَا دَاخِلَ الْعَيْنِ خَارِجًا مِنْ الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالظَّاهِرِ وَشَبَهًا بِالْبَاطِنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا حُكْمًا؛ فَلِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ دَخَلَ عَيْنَ الصَّائِمِ أَوْ اكْتَحَلَ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَلَوْ خَرَجَ دَمٌ مِنْ قُرْحَةٍ فِي عَيْنِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعَيْنِ لَا يَفْسُدُ وُضُوءُهُ وَأَنْ يُجَاوِزَ عَنْ الْقُرْحَةِ فَتَأَمَّلْنَا فِيهِ فَوَجَدْنَاهُ خَارِجًا لِلتَّعَذُّرِ كَالْبَاطِنِ؛ لِأَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْعَيْنِ سَبَبٌ لِلْعَمَى، وَلَيْسَ فِي إيصَالِهِ إلَى دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ حَرَجٌ فَبَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ الْوُجُوبِ هَذَا هُوَ مَعْنَى التَّأَمُّلِ بَعْدَ الطَّلَبِ، قُلْت هَذَا مَعْنًى فِقْهِيٌّ لَطِيفٌ إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا يَصْلُحُ نَظِيرًا لِلْمُشْكِلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْكِلَ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ اشْتِبَاهٌ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّطَهُّرِ لُغَةً وَشَرْعًا مَعْلُومٌ، وَلَكِنَّهُ اشْتَبَهَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ كَاشْتِبَاهِ لَفْظِ السَّارِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ فَكَانَ مِنْ نَظَائِرِ الْخَفِيِّ لَا مِنْ نَظَائِرِ الْمُشْكِلِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مِنْ نَظَائِرِهِ قَوْله تَعَالَى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] .
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُوجَدَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَيُؤَدِّي إلَى تَفْضِيلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ مَرَّةً فَكَانَ مُشْكِلًا فَبَعْدَ التَّأَمُّلِ عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ أَلْفُ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَا أَلْفُ شَهْرٍ عَلَى الْوَلَاءِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا مَحَالَةَ فَيُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَا قُلْت وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس كَانَ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ» فَفِيهِ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَيْضًا فَبَعْدَ التَّأَمُّلِ عُرِفَ أَنَّ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً بِدُونِهَا لَا مَعَهَا، وَمِنْ نَظَائِرِهِ قَوْله تَعَالَى، {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] ، اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ أَوْ بِمَعْنَى أَيْنَ فَعُرِفَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ وَبِدَلَالَةِ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ، وَهُوَ الْحَيْضُ فَفِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى.
وَأَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى، {قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان: 16] ، فَالْقَوَارِيرُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِضَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَكُونُ قَوَارِيرَ وَلَكِنْ لِلْفِضَّةِ صِفَةُ كَمَالٍ، وَهِيَ نَفَاسَةُ جَوْهَرِهِ وَبَيَاضُ لَوْنِهِ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تَصْفُو وَلَا تَشِفُّ وَلِلْقَارُورَةِ صِفَةُ كَمَالٍ أَيْضًا.
وَهِيَ الصَّفَاءُ وَالشَّفِيفُ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ، وَهِيَ خَسَاسَةُ الْجَوْهَرِ فَعُرِفَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ صِفَةُ كَمَالِهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَهِيَ مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا.
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ، {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر: 13] ، فَلِلصَّبِّ دَوَامٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ شِدَّةٌ وَلِلسَّوْطِ عَكْسُهُ فَاسْتُعِيرَ الصَّبُّ لِلدَّوَامِ وَالسَّوْطُ لِلشِّدَّةِ أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا شَدِيدًا دَائِمًا، وَقِيلَ ذَكَرَ الصَّبَّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مِنْ السَّمَاءِ أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَذَكَرَ السَّوْطَ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا أَحَلَّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ بِالْقِيَاسِ إلَى مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَالسَّوْطِ إذَا قِيسَ إلَى سَائِرِ
(1/53)

ثُمَّ الْمُجْمَلُ، وَهُوَ مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي وَاشْتَبَهَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهًا لَا يُدْرَكُ بِنَفْسِ الْعِبَارَةِ بَلْ بِالرُّجُوعِ إلَى الِاسْتِفْسَارِ

ثُمَّ الطَّلَبُ ثُمَّ التَّأَمُّلُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فَإِنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا يُعَذَّبُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] ، فَاللِّبَاسُ لَا يُذَاقُ وَلَكِنَّهُ يَشْمَلُ الظَّاهِرَ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ وَالْإِذَاقَةُ أَثَرُهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا شُمُولَ لَهَا فَاسْتُعِيرَتْ الْإِذَاقَةُ لِمَا يَصِلُ مِنْ أَثَرِ الضَّرَرِ إلَى الْبَاطِنِ وَاللِّبَاسُ بِالشُّمُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ فَأَذَاقَهُمْ مَا غَشِيَهُمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أَيْ أَثَرُهُمَا وَاصِلٌ إلَى بَوَاطِنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ شَامِلًا لَهُمْ، وَبَيَانُ النَّظَائِرِ الثَّلَاثَةِ مَنْقُولٌ مِنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي مَفْهُومَاتِ اللَّفْظِ جَمِيعًا فَيَضْبِطُهَا ثُمَّ يَتَأَمَّلَ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمُرَادِ مِنْهَا كَمَا إذَا نَظَرَ فِي كَلِمَةِ " أَنَّى " فَوَجَدَهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فَهَذَا هُوَ الطَّلَبُ ثُمَّ تَأَمَّلَ فِيهِمَا فَوَجَدَهَا بِمَعْنَى كَيْفَ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ دُونَ أَيْنَ فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ وَكَمَا إذَا نَظَرَ فِي قَوْله تَعَالَى، {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] ، فَوَجَدَهُ دَالًّا عَلَى مَفْهُومَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مُتَوَالِيَةٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ غَيْرِ مُتَوَالِيَةٍ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا ثُمَّ تَأَمَّلَ فِيهِمَا فَوَجَدَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي لِفَسَادٍ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَظَهَرَ الْمُرَادُ وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَاقِي

[تَعْرِيف الْمُجْمَلُ]
قَوْلُهُ (ثُمَّ الْمُجْمَلُ) أَيْ بَعْدَ الْمُشْكِلِ الْمُجْمَلُ وَمَعْنَاهُ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَدَأَ بِبَيَانِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْخَفَاءِ أَوَّلًا كَانَ كُلُّ مَا بَعْدَهُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ فِي الْخَفَاءِ، مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي أَيْ تَدَافَعَتْ يَعْنِي يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ سِوَاهُ لَا أَنَّهُ شَمَلَ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، وَقَوْلُهُ الْمَعَانِي، لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصَيْرُورَتِهِ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ قَدْ يَصِيرُ مُجْمَلًا إذَا انْسَدَّ فِيهِ بَابُ التَّرْجِيحِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَعْنَى هَهُنَا مَفْهُومُ اللَّفْظِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ ازْدِحَامِ الْمَعَانِي تَوَارُدُهَا عَلَى اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْبَاقِي كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ إلَّا أَنَّ التَّوَارُدَ هَهُنَا أَعَمُّ مِنْهُ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ فَقَطْ وَهَهُنَا بِاعْتِبَارِهِ وَبِاعْتِبَارِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ وَتَوَحُّشِهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِيهِ وَبِاعْتِبَارِ إبْهَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْكَلَامَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُجْمَلَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ نَوْعٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ لُغَةً كَالْهَلُوعِ قَبْلَ التَّفْسِيرِ وَنَوْعٌ مَعْنَاهُ مَفْهُومٌ لُغَةً وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ كَالرِّبَا وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَوْعٌ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ لُغَةً إلَّا أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَلَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُهُ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّرْجِيحِ فِيهِ كَمَا مَرَّ فَفِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ تَوَارُدُ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِاعْتِبَارِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ وَإِبْهَامِ التَّكَلُّمِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ مَا ازْدَحَمَتْ فِيهِ الْمَعَانِي زَائِدٌ فِي التَّحْدِيدِ إذْ يَكْفِيه أَنْ يَقُولَ هُوَ مَا اشْتَبَهَ الْمُرَادُ اشْتِبَاهًا لَا يُدْرَكُ إلَّا بِالِاسْتِفْسَارِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هُوَ لَفْظٌ لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ إلَّا بِالِاسْتِفْسَارِ الْمُجْمَلِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ احْتَمَلَ الْبَيَانَ.
وَقَالَ آخَرُ هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ بِبَيَانٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، قُلْت لَمَّا حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى لَا ضَيْرَ فِي تَرْكِ التَّكَلُّفِ وَبَيَانِ سَبَبِ الِاشْتِبَاهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانَ اللَّاحِقَ بِالْمُجْمَلِ قَدْ يَكُونُ بَيَانًا شَافِيًا، وَيَصِيرُ الْمُجْمَلُ بِهِ مُفَسَّرًا كَبَيَانِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ شَافٍ وَيَصِيرُ الْمُجْمَلُ بِهِ مُؤَوَّلًا كَبَيَانِ الرِّبَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَبْوَابَ الرِّبَا، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَيَانِ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ بِمِثْلِ هَذَا الْبَيَانِ
(1/54)

لَا يُدْرَكُ بِمَعَانِي اللُّغَةِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ كَرَجُلٍ اغْتَرَبَ عَنْ وَطَنِهِ بِوَجْهٍ انْقَطَعَ بِهِ أَثَرُهُ وَالْمُشْكِلُ يُقَابِلُ النَّصَّ وَالْمُجْمَلُ يُقَابِلُ الْمُفَسَّرَ، فَإِذَا صَارَ الْمُرَادُ مُشْتَبَهًا عَلَى وَجْهٍ لَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ حَتَّى سَقَطَ طَلَبُهُ وَوَجَبَ اعْتِقَادُ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ سُمِّيَ مُتَشَابِهًا بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ فَإِنَّ طَرِيقَ دَرْكِهِ مُتَوَهِّمٌ وَطَرِيقُ دَرْكِ الْمُشْكِلِ قَائِمٌ فَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَلَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ إلَّا التَّسْلِيمُ فَيَقْتَضِي اعْتِقَادَ الْحَقِّيَّةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] وَعِنْدَنَا أَنْ لَا حَظَّ لِلرَّاسِخَيْنِ فِي الْعِلْمِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ إلَّا التَّسْلِيمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَخْرُجُ عَنْ حَيِّزِ الْإِجْمَالِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّقْوِيمِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْبَيَانِ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ بِالْمُفَسَّرِ أَوْ الظَّاهِرِ عَلَى حَسَبِ اقْتِرَانِ الْبَيَانِ بِهِ، فَالشَّيْخُ لَمَّا أَرَادَ تَوْضِيحَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْكِلِ قَالَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِفْسَارِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُشْكِلِ، وَهُوَ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ.
وَلِهَذَا قَدَّمَ نَظِيرَ الْمُجْمَلِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهُوَ الرِّبَا عَلَى الْمُجْمَلِ الَّذِي لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَمْرٍ آخَرَ بَعْدَ الْبَيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَبَيَانُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُشْكِلًا بَعْدَ الْبَيَانِ أَنَّ الرِّبَا مَعَ إجْمَالِهِ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى بِاللَّامِ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَّنَ الْحُكْمَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ مِنْ غَيْرِ قَصْرٍ عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا وَرَاءَ السُّنَّةِ غَيْرَ مَعْلُومٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا فِيمَا سِوَاهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى مَا وَرَاءَهَا بِالتَّأَمُّلِ فِي هَذَا الْبَيَانِ نُسَمِّيه مُشْكِلًا فِيهِ لَا مُجْمَلًا، وَبَعْدَ الْإِدْرَاكِ بِالتَّأَمُّلِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ صَارَ مُؤَوَّلًا فِيهِ أَيْضًا فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الِاسْتِفْسَارِ فِي كُلِّ أَنْوَاعِهِ

[تَعْرِيف الْمُتَشَابِه]
ثُمَّ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ فِي الْبَعْضِ، قِيلَ مَعْنَى الطَّلَبِ طَلَبُ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ وَالتَّأَمُّلُ هُوَ التَّأَمُّلُ فِي صَلَاحِهِ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الطَّلَبُ وَالتَّأَمُّلُ فِي اللَّفْظِ لِإِزَالَةِ الْخَفَاءِ كَمَا فِي الْمُشْكِلِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ وَالتَّأَمُّلَ كَمَا ذَكَرُوا لَا يَخْتَصَّانِ بِالْمُجْمَلِ بَلْ يَكُونَانِ فِي الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ أَيْضًا قَوْلُهُ (لَا يُدْرَكُ بِمَعَانِي اللُّغَةِ بِحَالٍ) ، فَإِنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرِّبَا، وَكَذَا الدُّعَاءُ وَالنَّمَاءُ اللَّذَانِ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا لَفْظَا الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لَمْ يَبْقَيَا مُرَادَيْنِ بِيَقِينٍ وَنُقِلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إلَى مَعَانٍ أُخَرَ شَرْعِيَّةٍ أَمَّا مَعَ رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، أَوْ بِدُونِهَا فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ كَمَا فِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، انْقَطَعَ بِهِ أَيْ بِالِاغْتِرَابِ أَثَرُهُ، فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْسَارِ.
وَذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ وَأَنَّهُ عَلَى مِثَالِ رَجُلٍ غَابَ عَنْ بَلْدَتِهِ وَدَخَلَ بَلْدَةً أُخْرَى لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ بَلْ بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ لَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِ وَلَا لِلْمُزَكِّي أَنْ يُعَدِّلَهُ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى أَهْلِ بَلْدَتِهِ لِتُعْرَفَ حَالُهُ، فَإِنَّ طَرِيقَ دَرْكِهِ مُتَوَهِّمٌ أَيْ مَرْجُوٌّ مِنْ جِهَةِ الْمُجْمَلِ وَطَرِيقُ دَرْكِ الْمُشْكِلِ قَائِمٌ أَيْ ثَابِتٌ بِدُونِ بَيَانٍ يُلْتَحَقُ بِهِ بَلْ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَوَاضِعِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ (إلَّا التَّسْلِيمُ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ لَا طَرِيقَ، قَبْلَ الْإِصَابَةِ أَيْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ تَنْكَشِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي لَا طَرِيقَ لِدَرْكِهِ أَصْلًا قَوْلُهُ (وَعِنْدَنَا لَا حَظَّ لِلرَّاسِخِينَ إلَّا التَّسْلِيمُ) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ لَا حَظَّ أَيْ لَيْسَ لَهُ مُوجِبٌ سِوَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ وَالتَّسْلِيمِ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ، وَهَذَا بَيَانُ حُكْمِ الْمُتَشَابِهِ، وَأَنَّ الْوَقْفَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا حَظَّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعِنْدَنَا أَنْ لَا حَظَّ، وَهُوَ أَصَحُّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ هَلْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ فَذَهَبَ عَامَّةُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الْمُرَادِ عِنْدَهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَعِنْدَنَا، وَعَلَى هَذَا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَاجِبٌ
(1/55)

عَلَى اعْتِقَادِ حَقِّيَّةَ الْمُرَادِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] وَاجِبٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ فُهِمَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ فَيَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْعَطْفِ لَا لِلِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِ حَظٌّ فِي الْعِلْمِ بِالْمُتَشَابِهِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَى الْجُهَّالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ أَيْضًا، قَالُوا وَلَمْ يَزَلْ الْمُفَسِّرُونَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُفَسِّرُونَ وَيُؤَوِّلُونَ كُلَّ آيَةٍ وَلَمْ نَرَهُمْ وَقَفُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالُوا هَذَا مُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ بَلْ فَسَرُّوا الْكُلَّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَعْلَمُ كُلَّ الْقُرْآنِ إلَّا أَرْبَعَةً: الْغِسْلِينُ وَالْحَنَّانُ وَالرَّقِيمُ وَالْأَوَّاهُ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ وَأَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ الصَّحَابَةِ تَفْسِيرُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا لِيَنْتَفِعَ بِهِ عِبَادُهُ وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنًى أَرَادَهُ فَلَوْ كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ لَلَزِمَ لِلطَّاعِنِ فِيهِ مَقَالٌ وَلَزِمَ مِنْهُ الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَعْرِفْ الْمُتَشَابِهَ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْرِفَهُ مَعَ قَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ جَازَ أَنْ يَعْرِفَ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَّدَ أَوَّلًا بِالنَّفْيِ ثُمَّ خَصَّصَ اسْمَ اللَّهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِي عَلْمِهِ سِوَاهُ فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ كَمَا عَلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَوْلُهُ وَالرَّاسِخُونَ يَكُونُ ثَنَاءً مُبْتَدَأً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِهِ لَا عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ تَأْوِيلَهُ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ.
وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ مَنْ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ التَّأْوِيلِ كَمَا ذَمَّ عَلَى اتِّبَاعِهِ لَهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ بِأَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَمَدَحَ الرَّاسِخِينَ بِقَوْلِهِمْ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وَبِقَوْلِهِمْ {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] أَيْ لَا تَجْعَلْنَا كَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَاتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ مُؤَوِّلِينَ أَوْ غَيْرَ مُؤَوِّلِينَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ لَازِمٌ، وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» أَمْرٌ بِالْحَذَرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مُتَابِعٍ وَمُتَابِعٍ فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُفَسِّرْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا آيَاتٍ عَلَّمَهُنَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» فَمَنْ قَالَ أَنَا أُفَسِّرُ الْجَمِيعَ فَقَدْ تَكَلَّفَ فِيهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّفْهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ثُمَّ قِيلَ لَا اخْتِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُ ظَاهِرًا لَا حَقِيقَةً، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقِيلَ كُلُّ
(1/56)

وَأَهْلُ الْإِيمَانِ عَلَى طَبَقَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْإِمْعَانِ فِي السَّيْرِ لِكَوْنِهِ مُبْتَلًى بِضَرْبٍ مِنْ الْجَهْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْوَقْفِ لِكَوْنِهِ مُكَرَّمًا بِضَرْبٍ مِنْ الْعِلْمِ فَأَنْزَلَ الْمُتَشَابِهَ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُتَشَابِهٍ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى مُحْكَمٍ فَإِنَّ الرَّاسِخَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ، فَهَذَا مُتَشَابِهٌ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى قَوْله تَعَالَى {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} [طه: 52] ، الَّذِي هُوَ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ جَازَاهُمْ النِّسْيَانَ، وَهُوَ التَّرْكُ وَالْإِعْرَاضُ وَكُلُّ مُتَشَابِهٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى مُحْكَمٍ فَالرَّاسِخُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف: 187] ، ثُمَّ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ هُوَ الثَّابِتُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا يَتَهَيَّأُ اسْتِزْلَالُهُ وَتَشْكِيكُهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي حَقَّقَ الْعِلْمَ لِبَسْطِ الْفُرُوعِ بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى رَسَخَ فِي قَلْبِهِ. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي حَقَّقَ الْعِلْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْقَوْلِ بِالْعَمَلِ، وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «الرَّاسِخُ مِنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ وَصَدَقَ لِسَانُهُ وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ»

[بَيَان الْحِكْمَة فِي إنْزَال الْآيَات الْمُتَشَابِهَات]
قَوْلُهُ (وَأَهْلُ الْإِيمَانِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْخِطَابُ الْمُنَزَّلُ إمَّا لِلتَّعْرِيفِ أَوْ لِلتَّكْلِيفِ وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ لِيُمْكِنَهُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ يَحْصُلَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَإِذَا انْسَدَّ بَابُ الْعِلْمِ بِهِ أَصْلًا خَلَا عَنْ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ خَاطَبَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الطُّيُورِ فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ بِقَوْلِهِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ عَلَى طَبَقَتَيْنِ أَيْ مَنْزِلَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَنْ يُطَالَبُ أَيْ يُؤْمَرُ، بِالْإِمْعَانِ أَيْ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّيْرِ أَيْ فِي الطَّلَبِ مِنْ أَمْعَنَ الْفَرَسُ إذَا تَبَاعَدَ فِي عَدْوِهِ، لَكَوَّنَهُ مُبْتَلًى بِضَرْبٍ مِنْ الْجَهْلِ إنَّمَا قَالَ بِضَرْبٍ وَلَمْ يَقُلْ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا أَصْلًا فَأُنْزِلَ الْمُحْكَمُ وَالْمُفَسَّرُ وَنَحْوُهُمَا ابْتِلَاءً لِمِثْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَالَبُ بِالْوَقْفِ أَيْ بِالْوُقُوفِ عَنْ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى اللَّازِمِ؛ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا يُقَالُ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الْآيَةِ وَقْفٌ أَيْ وُقُوفٌ أَوْ مَعْنَاهُ وَقْفُ النَّفْسِ عَنْ الطَّلَبِ أَيْ حَبْسِهَا.
فَأُنْزِلَ الْمُتَشَابِهُ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ أَيْ فِي حَقِّهِ أَوْ تَتْمِيمًا لِلِابْتِلَاءِ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى فِي الِابْتِلَاءِ بِإِنْزَالِ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْكِلِ وَالْخَفِيِّ فَإِنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا جَلِيًّا بَطَلَ مَعْنَى الِامْتِحَانِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ بِالْجَهْدِ فِي الطَّلَبِ وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مُشْكِلًا خَفِيًّا لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ حَقِيقَةً فَجَعَلَ بَعْضَهَا جَلِيًّا ظَاهِرًا وَبَعْضَهَا خَفِيًّا لِيَتَوَسَّلَ بِالْجَلِيِّ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَفِيِّ بِالِاجْتِهَادِ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فَيَتَبَيَّنُ الْمُجِدُّ مِنْ الْمُقَصِّرِ وَالْمُجْتَهِدُ مِنْ الْمُفَرِّطِ فَيَكُونُ ثَوَابُهُمْ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ عَلَى قَدْرِ عُلُومِهِمْ فَيَظْهَرُ فَضِيلَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَوَتْ الْأَقْدَامُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الْخَاصُّ مِنْ الْعَامِّ وَلَذَهَبَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَفَاوَتُوا، فَإِذَا اسْتَوَوْا هَلَكُوا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَلَى عِبَادَهُ بِضُرُوبٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا عَلَى كُلِّ الْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَبَعْضُهَا مُتَفَرِّقٌ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِكُلِّ عُضْوٍ إقْدَامًا وَامْتِنَاعًا وَالْقَلْبُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ فَابْتَلَاهُ بِإِنْزَالِ الْخَفِيِّ وَالْمُشْكِلِ وَالْمُتَشَابِهِ لِيَتْعَبَ بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا سِوَى الْمُتَشَابِهِ فَيُخَرِّجَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الظَّاهِرِ الْجَلِيِّ وَيَمْتَنِعَ عَنْ التَّفَكُّرِ فِي الْمُتَشَابِهِ مُعْتَقِدًا حَقِّيَّتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِبَادَةً مِنْهُ كَعِبَادَاتِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِالْإِقْدَامِ وَالِامْتِنَاعِ، وَذَكَرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي الْحِكْمَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءُ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِ الْأَحْكَامِ ابْتِلَاءَ الْعَاقِلِ وَلَهُ مِنْ
(1/57)

وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَجْهَيْنِ بَلْوَى وَأَعَمُّهُمَا نَفْعًا وَجَدْوَى وَهَذَا يُقَابِلُ الْمُحْكَمَ وَمِثَالُهُ الْمُقَطَّعَاتُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَفَهُّمِ مَعَانِيهَا وَحُكْمِهَا مَفْزَعٌ إلَى الْعَقْلِ فَلَوْ لَمْ يُبْتَلَ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْخَلَائِقِ لَاسْتَمَرَّ الْعَالَمُ فِي أُبَّهَةِ الْعِلْمِ عَلَى الْمُرُودَةِ، وَمَا اسْتَأْنَسَ إلَى التَّذَلُّلِ لِعِزِّ الْعُبُودَةِ.
وَالْحَكِيمُ إذَا صَنَّفَ كِتَابًا رُبَّمَا أَجْمَلَ فِيهِ إجْمَالًا وَأَبْهَمَ فِيمَا أَفْهَمَ مِنْهُ إشْكَالًا لِيَكُونَ مَوْضِعَ جَثْوَةِ التِّلْمِيذِ لِأُسْتَاذِهِ انْقِيَادًا فَلَا يُحْرَمَ بِاسْتِغْنَائِهِ بِرَأْيِهِ هِدَايَةً مِنْهُ وَإِرْشَادًا فَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَوْضِعُ جَثْوَةِ الْعُقُولِ لِبَارِئِهَا اسْتِسْلَامًا وَاعْتِرَافًا بِقُصُورِهَا وَالْتِزَامًا.
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَجْهَيْنِ بَلْوَى) أَيْ الْوَقْفُ عَنْ الطَّلَبِ أَعْظَمُ ابْتِلَاءً مِنْ الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ جُبِلَ عَلَى صِفَةٍ يَتَأَمَّلُ فِي غَوَامِضِ الْأَشْيَاءِ لِيَقِفَ عَلَى حَقَائِقِهَا فَكَانَ مَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالتَّرْكِ فِي حَقِّ سَائِرِ الْجَوَارِحِ أَشَدُّ مِنْ الِابْتِلَاءِ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَائِلَةٌ إلَى الشَّهَوَاتِ فَكَانَ امْتِنَاعُهَا عَنْهَا أَشَقُّ عَلَيْهَا مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَمَلِ؛ وَلِهَذَا كَانَ ثَوَابُهُ أَجْزَلَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ، «لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِهِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ابْتِلَاءَ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» ، وَأَعَمُّهَا نَفْعًا أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْأَمْنِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الزَّيْغِ وَالزَّلَلِ بِسَبَبِ الِاتِّبَاعِ، وَجَدْوَى أَيْ فِي الْآخِرَةِ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَعْظَمَ ابْتِلَاءً كَانَ الصَّبْرُ فِيهِ أَشَدَّ فَيَكُونُ الثَّوَابُ فِيهِ أَكْثَرَ، وَبَلْوَى وَجَدْوَى كِلَاهُمَا بِلَا تَنْوِينٍ كَدَعْوَى ثُمَّ الْخَلَفُ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَسْلَمَ وَأَعَمَّ نَفْعًا عَدَلُوا عَنْهَا وَاشْتَغَلُوا بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ لِظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَانِ السَّلَفِ وَتَمَسُّكِهِمْ بِالْمُتَشَابِهَاتِ فِي إثْبَاتِ مَذَاهِبِهِمْ الْبَاطِلَةِ فَاضْطَرَّ الْخَلَفُ إلَى إلْزَامِهِمْ وَإِبْطَالِ دَلَائِلِهِمْ فَاحْتَاجُوا إلَى التَّأْوِيلِ.
وَلِهَذَا قِيلَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَطَرِيقَةُ الْخَلَفِ أَحْكَمُ قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ الْمُقَطَّعَاتُ) أَيْ مِثَالُ الْمُتَشَابِهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ أَيْ الْحُرُوفُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُقَطَّعَ فِي التَّكَلُّمِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَنْ الْبَاقِي بِأَنْ يُؤْتَى بِاسْمِ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى هَيْئَتِهِ كَقَوْلِهِ أَلِفْ لَامْ مِيمْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " أَلَمْ " فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِيُفِيدَ الْمَعْنَى وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ؛ وَإِنْ كَانَ اسْمًا حَقِيقَةً لَكِنَّهَا تُسَمَّى حُرُوفًا بِاعْتِبَارِ مَدْلُولَاتِهَا تَجَوُّزًا، ثُمَّ قِيلَ هِيَ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَمْ يُطْلِعْ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلَائِقَ إلَّا مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَلَا يُطْلَبُ لَهَا التَّأْوِيلُ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ أَلْسُنِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَفْهَمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَأَلْسُنِ الطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا لَا يُطْلِعُنَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَعْرِفُهُ الرَّسُولُ بِتَعْلِيمِ الْمَلَائِكَةِ إيَّاهُ، وَقِيلَ إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُتَشَابِهِ بَلْ هِيَ مِنْ جِنْسِ التَّكَلُّمِ بِالرَّمْزِ فَيُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ فَيُقْبَلُ كُلُّ تَأْوِيلٍ احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ لُغَةً وَلَا يَرُدُّهُ الشَّرْعُ وَلَا يُقْبَلُ تَأْوِيلَاتُ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا ظَاهِرُ اللُّغَةِ وَأَكْثَرُهَا مُخَالَفَةً لِلْعَقْلِ وَالْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكٌ لِلْقُرْآنِ لَا تَأْوِيلٌ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ تَأْوِيلُ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ هَذِهِ الْحُرُوفَ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ؛ وَإِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَاقِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَأْوِيلُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالِاسْتِوَاءِ بَلْ كَانُوا يَزْجُرُونَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حِينَ سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ
(1/58)

وَمِثَالُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَبْصَارِ حَقًّا فِي الْآخِرَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة: 22] {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَأَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْمُؤْمِنُ لِإِكْرَامِهِ بِذَلِكَ أَهْلٌ لَكِنَّ إثْبَاتَ الْجِهَةِ مُمْتَنِعٌ فَصَارَ بِوَصْفِهِ مُتَشَابِهًا فَوَجَبَ تَسْلِيمُ الْمُتَشَابِهِ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالشَّكُّ فِيهِ شِرْكٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلَ الْأَكْثَرِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
ثُمَّ قَالَ (وَمِثَالُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَلَمْ يَقُلْ، وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ، وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ فَرْقًا بَيْنَ مَا هُوَ مُخْتَلِفٌ فِي كَوْنِهِ مُتَشَابِهًا وَبَيْنَ مَا هُوَ مُتَشَابِهٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ فَرْقًا بَيْنَ مَا تَشَابَهَ لَفْظُهُ وَبَيْنَ مَا تَشَابَهَ مَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ إثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ أَيْ إثْبَاتُ كَيْفِيَّتِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ بِمُتَشَابِهَةٍ كَذَا قِيلَ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِثْبَاتِ إثْبَاتُهَا فِي الِاعْتِقَادِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحُدُوثِ بَلْ هِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ثَابِتَةٌ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِصِفَةِ الْكَمَالِ إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ جَوَازِ الرُّؤْيَةِ؛ فَإِنَّهَا الْوُجُودُ عِنْدَنَا عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ فِي الشَّاهِدِ عَدَمَ رُؤْيَةِ مَا عُرِفَ مَوْجُودًا أَمَارَةَ الْعَجْزِ وَالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَتَسَتَّرُ عَنْ النَّاسِ إنَّمَا يَتَسَتَّرُ لِعَيْبٍ بِهِ وَلِنُقْصَانٍ حَلَّ فِيهِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّاسِ فِي إيذَائِهِمْ إيَّاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ جَمِيلٍ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَقَوْلُهُ وَالْمُؤْمِنُ لِإِكْرَامِهِ بِذَلِكَ أَهْلٌ أَيْ الْمُؤْمِنُ أَهْلٌ لَأَنْ يُكْرَمَ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ؛ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْتَنِعُ لِعَدَمِ الْأَهْلِ.
وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنًا فَقَالَ الرُّؤْيَةُ مُمْكِنَةٌ عَقْلًا وَالْمُؤْمِنُ أَهْلٌ لَهَا كَمَا هُوَ أَهْلٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْكَرَامَاتِ الَّتِي لَمْ تَخْطِرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَقَدْ وَرَدَ بِهَا السَّمْعُ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى ذَاتَه وَلَكِنْ لَا يُرَى وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَرَى وَيُرَى فَقَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا لِنَفْسِهِ رَدٌّ لِقَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْإِلْزَامِ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَرَى ذَاتَه كَانَتْ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ مُمْكِنَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ يَرَى الْمَعْدُومَ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَعْدُومِ مُسْتَحِيلَةٌ وَلَمَّا كَانَتْ مُمْكِنَةً يَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِلَا كَيْفٍ وَجِهَةٍ كَمَا يَرَى هُوَ نَفْسَهُ بِلَا كَيْفٍ وَجِهَةٍ قَوْلُهُ (لَكِنَّ إثْبَاتَ الْجِهَةِ مُمْتَنِعٌ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرُّؤْيَةِ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْئِيُّ فِي جِهَةٍ مِنْ الرَّائِي وَأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لَهُ وَمُحَاذِيًا وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ مُقَدَّرَةٌ لَا فِي غَايَةِ الْقُرْبِ وَلَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَصَارَ إثْبَاتُ الرُّؤْيَةِ بِوَصْفِهِ أَيْ بِكَيْفِيَّتِهِ مُتَشَابِهًا أَيْ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَنُسَلِّمُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نَشْتَغِلُ بِالتَّأْوِيلِ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّأْوِيلَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ بَلْ هِيَ مِنْ الْأَوْصَافِ الِاتِّفَاقِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الشَّاهِدِ ذُو جِهَةٍ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ الْمُقَابَلَةُ فَيُرَى كَذَلِكَ فَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَنْ الْجِهَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمَسَافَةِ فَيُرَى كَمَا هُوَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَحَقُّقُ الشَّيْءِ بِالْبَصَرِ كَمَا هُوَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَانَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى إيَّانَا مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ وَلَا جِهَةٍ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ لِلرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّازِمَةِ الذَّاتِيَّةِ لَا يَتَبَدَّلُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ بَلْ هِيَ
(1/59)

وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْيَدِ وَالْوَجْهِ حَقٌّ عِنْدَنَا مَعْلُومٌ بِأَصْلِهِ مُتَشَابِهٌ بِوَصْفِهِ، وَلَنْ يَجُوزَ إبْطَالُ الْأَصْلِ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ الْوَصْفِ؛ وَإِنَّمَا ضَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُمْ رَدُّوا الْأُصُولَ لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْأَوْصَافِ الِاتِّفَاقِيَّةِ كَكَوْنِ الثَّانِي فِي الشَّاهِدِ مُحْدَثًا وَذَا صُورَةٍ وَدَمٍ وَلَحْمٍ مَعَ فَوَاتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي الْغَائِبِ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ اتِّفَاقِيَّةً فَعَلَى هَذَا لَمْ يَبْقَ التَّشَابُهُ فِي الْوَصْفِ أَيْضًا لِزَوَالِهِ بِالتَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ الْهَادِي.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَإِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ إثْبَاتُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ لِلَّهِ تَعَالَى حَقٌّ عِنْدَنَا فَبِقَوْلِهِ عِنْدَنَا احْتَرَزَ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْوَجْهِ الرِّضَاءُ أَوْ الذَّاتُ وَنَحْوُهُمَا وَمِنْ الْيَدِ الْقُدْرَةُ أَوْ النِّعْمَةُ وَنَحْوُهَا فَقَالَ الشَّيْخُ: بَلْ اللَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِصِفَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ مَعَ تَنْزِيهِهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْ الصُّورَةِ وَالْجَارِحَةِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا وَجْهَ لَهُ أَوْ لَا يَدَ يُعَدُّ نَاقِصًا، وَهُوَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَيُوصَفُ بِهِمَا أَيْضًا إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ الصُّورَةِ وَالْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلٌ، وَكَذَا إثْبَاتُ الْكَيْفِيَّةِ فَتَشَابَهَ وَصْفُهُ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ عَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِالتَّأْوِيلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي أَمْثَالِ مَا ذَكَرْنَا يَتْبَعُ اللَّفْظُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ الِاسْمُ وَلَا يُقَالُ: اللَّهُ تَعَالَى مُتَوَجِّهٌ إلَى فُلَانٍ بِنَظَرِ الرَّحْمَةِ أَوْ الْعِنَايَةِ وَلَا يُبَدَّلُ بِلَفْظٍ آخَرَ لَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا بِغَيْرِهَا فَلَا يُبَدَّلُ لَفْظُ الْعَيْنِ بِالْبَاصِرَةِ وَلَا لَفْظُ الْقَدَمِ بِالرِّجْلِ وَلَا يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَيْضًا " جثم خداي وروى خداي ودست خداي " وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَلَنْ يَجُوزَ إبْطَالُ الْأَصْلِ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِأَنَّ الْقَوْلَ الرُّؤْيَةُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ بَاطِلٌ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ الْوَصْفِ أَيْ الْكَيْفِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْمَتْبُوعِ بِالتَّبَعِ وَالْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَذَلِكَ كَمَنْ رَأَى شَخْصًا عَلَى شَطِّ نَهْرٍ عَظِيمٍ لَا يُتَصَوَّرُ الْعُبُورُ مِنْهُ بِدُونِ سَفِينَةٍ وَمَلَّاحٍ ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ الشَّخْصَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَاهِدَ سَفِينَةً وَمَلَّاحًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْكِرَ عُبُورَهُ مِنْ النَّهْرِ؛ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ كَيْفِيَّةَ الْعُبُورِ، فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ جَوَازُ الرُّؤْيَةِ وَصِفَةُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ إنْكَارُهَا بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ أَوْصَافِهَا وَالْجَهْلِ بِطَرِيقِ ثُبُوتِهَا، فَإِنَّهُمْ رَدُّوا الْأُصُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَدُّوا أَصْلَ الرُّؤْيَةِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ اللَّامُ فِي الصِّفَاتِ بَدَلُ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْ بِكَيْفِيَّاتِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَدُّوا الْأُصُولَ أَيْ الصِّفَاتِ جَمْعٌ بِأَنْ قَالُوا لَيْسَ لَهُ صِفَةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا لِجَهْلِهِمْ بِالصِّفَاتِ أَيْ بِكَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهَا بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّانِعَ الْقَدِيمَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالصِّفَاتُ لَوْ ثَبَتَتْ لَكَانَتْ غَيْرَ الذَّاتِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ هِيَ الذَّاتُ فَهِيَ غَيْرُ الذَّاتِ لَا مَحَالَةَ كَزَيْدٍ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمْرًا كَانَ غَيْرَ عَمْرٍ وَلَا مَحَالَةَ وَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَغَايِرَةِ فِي الْأَزَلِ مُنَافٍ لِلتَّوْحِيدِ وَمِنْ هَذَا سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا تَوْحِيدَهُمْ بِتَوْحِيدِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً أَيْ فِرْقَةً مُعَطِّلَةً أَيْ قَائِلَةً بِخُلُوِّ الذَّاتِ عَنْ الصِّفَاتِ، وَالتَّعْطِيلُ فِي الْأَصْلِ نَزْعُ الْحُلِيِّ مِنْ امْرَأَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ عُطِّلَتْ الْمَرْأَةُ عَطَلًا إذَا خَلَا جِيدُهَا مِنْ الْقَلَائِدِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْلِيَةِ عَنْ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الزِّينَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ حِلْيَتُهُ كَذَا أَيْ هَيْئَتُهُ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ؛ لِأَنَّ تَزَيُّنَهُ بِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْعُطْلَةِ أَيْ عَطَّلُوا
(1/60)

وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِكُلِّ لَفْظٍ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَقِّ الشَّيْءِ يَحِقُّ حَقًّا، فَهُوَ حَقٌّ وَحَاقٌّ وَحَقِيقٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
النُّصُوصَ وَتَرَكُوهَا بِلَا عَمَلٍ فَصَارُوا مُعَطِّلَةً لَهَا.

[الْقِسْمِ الثَّالِثِ وُجُوه اسْتِعْمَال النَّظْم]
[تَعْرِيف الْحَقِيقَةَ]
[أَقْسَام الْحَقِيقَة]
قَوْلُهُ (وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ التَّقْسِيمِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الرَّابِعِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِسْمِ الْمُقَابِلِ، الْحَقِيقَةُ كُلُّ لَفْظٍ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذِكْرَ كَلِمَةِ كُلِّ فِي التَّعْرِيفِ مُسْتَبْعَدٌ وَاعْتَذَرْنَا عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ كُلُّ لَفْظٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ لَا الْمَعَانِي، وَكَذَا الْمَجَازُ إذْ الْمُرَادُ مِنْ كَلِمَةِ مَا فِي تَعْرِيفِهِ اللَّفْظَ أَيْضًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ لُغَوِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ وَعُرْفِيَّةٌ وَالسَّبَبُ فِي انْقِسَامِهَا هَذَا هُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ وَضْعٍ وَالْوَضْعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاضِعٍ فَمَتَى تَعَيَّنَ نُسِبَتْ إلَيْهِ الْحَقِيقَةُ فَقِيلَ لُغَوِيَّةٌ إنْ كَانَ صَاحِبُ وَضْعِهَا وَاضِعَ اللُّغَةِ كَالْإِنْسَانِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَقِيلَ شَرْعِيَّةٌ إنْ كَانَ صَاحِبُ وَضْعِهَا الشَّارِعَ كَالصَّلَاةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَمَتَى لَمْ يَتَعَيَّنْ قِيلَ عُرْفِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفًا عَامًّا كَالدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ خَاصًّا كَمَا لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي تَخُصُّهُمْ كَالنَّقْضِ وَالْقَلْبِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ لِلْفُقَهَاءِ وَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ وَالْكَوْنُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ لِلنُّحَاةِ، وَلَا يُسْتَرَابُ فِي انْقِسَامِ الْمَجَازِ إلَى نَحْوِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي النَّاطِقِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَالصَّلَاةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الدُّعَاءِ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ؛ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً وَالدَّابَّةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي كُلِّ مَا يَدِبُّ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ؛ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْوَضْعِ، وَهُوَ تَعْيِينُ اللَّفْظَةِ بِإِزَاءِ مَعْنًى بِنَفْسِهَا فِي التَّعْرِيفَيْنِ مُطْلَقُ الْوَضْعِ فَيَدْخُلُ فِيهِمَا الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ وَلَا بُدَّ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ مِنْ قَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِعَلَاقَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا مَعْنًى أَوْ ذَاتًا وَإِلَّا يُنْتَقَضْ بِمَا إذَا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ السَّمَاءِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ؛ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بَلْ هُوَ وَضْعٌ جَدِيدٌ.
وَلَا يُقَالُ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ بِمَا ذُكِرَ مَعَ هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي شَرَطْت غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ التَّجَوُّزِ بِتَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي اللُّغَةِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَنْهُ إذْ لَيْسَ هُوَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَخُرُوجُ التَّجَوُّزِ بِزِيَادَةِ الْكَافِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، عَنْهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا وَغَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فِيهِ لِكَوْنِهِمَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتَا لَهُ وَالْحَقِيقَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ حَقِيقَةٌ لَا تَكُونُ مَجَازًا لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُطْلَقِ مُخَالِفَةٌ لِحَقِيقَةِ الْمُقَيَّدِ مِنْ حَيْثُ هُمَا كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ لَفْظُ الدَّابَّةِ حَقِيقَةً فِي مُطْلَقِ كُلِّ دَابَّةٍ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّابَّةِ الْمُقَيَّدَةِ عَلَى الْخُصُوصِ يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْكَافَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنًى كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً لَا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّهُمَا؛ وَإِنْ كَانَتَا حَقِيقَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَوَاضُعِ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فَلَا يَخْرُجَانِ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا مُجَازَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِمَا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتَا لَهُ أَوَّلًا فِي اللُّغَةِ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارٍ وَمَجَازًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَعْرِيفِهِمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا أُفِيدَ بِهَا مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ التَّخَاطُبُ بِهِ وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ.

[تَعْرِيف الْمَجَاز]
(وَالْمَجَازُ) مَا أُفِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا اُصْطُلِحَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي وَقَعَ
(1/61)

وَالْمَجَازُ اسْمٌ لِمَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ مُفْعَلٌ مِنْ جَازَ يَجُوزُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ مُتَعَدٍّ عَنْ أَصْلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّخَاطُبِ بِهَا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ وَالْعُرْفِيُّ أَيْضًا وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّعْرِيفُ يَقْتَضِي خُرُوجَ الِاسْتِعَارَةِ عَنْهُ، وَكَذَا التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ هَذَا أَسَدٌ قَدَّرْنَا صَيْرُورَتَهُ فِي نَفْسِهِ أَسَدًا لِبُلُوغِهِ فِي الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ خَاصَّةُ الْأَسَدِ إلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى ثُمَّ أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ اسْمَ الْأَسَدِ فَلَا يَكُونُ هَذَا اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَيُجَابُ عَنْهُ أَنَّ تَعْظِيمَهُ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ قُوَّةٍ لَهُ مِثْلَ قُوَّةِ الْأَسَدِ لَا يُوجِبُ تَحْقِيقَ ذَلِكَ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقَائِقِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْأَسَدِ فِيهِ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِيهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فِي الْوَضْعِ كَاسْتِعْمَالِ الْأَسَدِ فِي الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ فَلَفْظُ الْأَسَدِ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ وَلَا تَأْوِيلَ فِيهِ، قَالَ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذَا الْقَيْدَ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الِاسْتِعَارَةِ فَفِي الِاسْتِعَارَةِ تُعَدُّ الْكَلِمَةُ مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَلَا نُسَمِّيهَا حَقِيقَةً لِبِنَاءِ دَعْوَى الْمُسْتَعَارِ مَوْضُوعًا لِلْمُسْتَعَارِ لَهُ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ، قَالَ وَالْمَجَازُ هُوَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غَيْرِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ اسْتِعْمَالًا فِي الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِ حَقِيقَتِهَا مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ مَعْنَاهَا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، قَالَ وَقَوْلِي بِالتَّحْقِيقِ احْتِرَازٌ مِنْ خُرُوجِ الِاسْتِعَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ نَظَرًا إلَى دَعْوَى اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وَقَوْلِي مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ إلَى آخِرِهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْكِنَايَةِ فَإِنَّ الْكِنَايَةَ تُسْتَعْمَلُ وَتُرَادُ بِهَا الْمُكَنَّى فَتَقَعُ مُسْتَعْمَلَةً فِي غَيْرِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ مَعَ أَنَّا لَا نُسَمِّيهَا مَجَازًا لِعَرَائِهَا عَنْ هَذَا الْقَيْدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فَعِيلًا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ يَلْحَقُهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ لِقُرْبِ الْفَاعِلِ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي لُحُوقِ تَاءِ التَّأْنِيثِ بِهِ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى مَوْصُوفٍ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ مَرَرْت بِقَتِيلِ بَنِي فُلَانٍ وَقَتِيلَتِهِمْ رَفْعًا لِلِالْتِبَاسِ؛ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى مَوْصُوفٍ لَا يَلْحَقُهُ التَّاءُ تَقُولُ رَجُلٌ قَتِيلٌ وَامْرَأَةٌ جَرِيحٌ، ثُمَّ الْحَقِيقَةُ إمَّا فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ إذَا وَجَبَ وَثَبَتَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ حَقَّقْت الشَّيْءَ أُحِقُّهُ إذَا أَثْبَتُّهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهَا الثَّابِتَةُ أَوْ الْمُثَبَّتَةُ فِي مَوْضِعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ إذَا كَانَتْ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلِشَبَهِ التَّأْنِيثِ، وَهُوَ نَقْلُ اللَّفْظِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الصِّرْفَةِ كَالنَّطِيحَةِ وَالْأَكِيلَةِ إذَا كَانَتْ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ النَّقْلَ ثَانٍ كَمَا أَنَّ التَّأْنِيثَ ثَانٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ: هِيَ عِنْدِي لِلتَّأْنِيثِ فِي الْوَجْهَيْنِ بِتَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ التَّسْمِيَةَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ غُيِّرَ مُجْرَاةٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَالْمَجَازُ مَفْعَلُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الْعُبُورِ وَالتَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اسْتَعْمَلَتْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهَا فَقَدْ تَعَدَّتْ مَوْضِعَهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مُتَعَدٍّ مِنْ أَصْلِهِ أَيْ عَنْ مَوْضِعِهِ الْأَصْلِيِّ؛ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي مَعْنَاهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَفْعَلِ لِلْمَوْضِعِ أَوْ لِلْمَصْدَرِ حَقِيقَةً لَا لِلْفَاعِلِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنْتَقِلِ لَا يَكُونُ إلَّا مَجَازًا؛ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ مَعْنَى الْعُبُورِ وَالتَّعَدِّي إنَّمَا تَحْصُلُ فِي انْتِقَالِ الْجِسْمِ مِنْ حَيِّزٍ إلَى حَيِّزٍ فَأَمَّا فِي الْأَلْفَاظِ فَلَا فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
وَكَذَا لَفْظُ الْحَقِيقَةِ فِي مَفْهُومِهِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ حَقِيقَةٌ
(1/62)

وَلَا يَنَالُ الْحَقِيقَةَ إلَّا بِالسَّمَاعِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا وَالْمَجَازُ يُنَالُ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ لِيُعْتَبَرَ بِهِ وَيُحْتَذَى بِمِثَالِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عُرْفِيَّةٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقِّ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الثَّابِتِ ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَى الْعَقْدِ الْمُطَابِقِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْوُجُودِ مِنْ الْعَقْدِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْقَوْلِ الْمُطَابِقِ لِعَيْنِ هَذِهِ الْعِلَّةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إذْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ الْوَضْعِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مَجَازٌ وَاقِعٌ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَذَا قِيلَ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ لَفْظَةَ الْحَقِيقَةِ مُشْتَرَكَةٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا ذَاتُ الشَّيْءِ وَحْدَهُ وَلَكِنْ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْأَلْفَاظِ أُرِيدَ بِهَا مَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ فِي مَفْهُومِهِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِلثَّابِتَةِ لُغَةً وَاللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِهِ ثَابِتٌ فِيهِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ لَا بِالْمَجَازِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ اللَّفْظَ بَعْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بَعْدَ الْوَضْعِ أَمَّا فِي مَوْضُوعِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِلْعَلَاقَةِ كَمَا بَيَّنَّا وَانْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ فِي قَوْلِهِ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ قَوْلُهُ (وَلَا يَنَالُ الْحَقِيقَةَ إلَّا بِالسَّمَاعِ) أَيْ لَا يُوجَدُ وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَعْنَاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي مَوْضُوعِهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ لِغَيْرِ الْوَاضِعِ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ ذَاتِيَّةً إذْ لَوْ كَانَتْ ذَاتِيَّةً لَمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأُمَمِ وَلَاهْتَدَى كُلُّ إنْسَانٍ إلَى كُلِّ لُغَةٍ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْوَضْعِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ السَّمَاعِ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ فَلَا يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ فَرْدٍ إلَى السَّمَاعِ؛ وَإِنْ كَانَ يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَةِ طَرِيقِهِ إلَيْهِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ وَالسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَعَكْسُهُمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمَجَازُ يُنَالُ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْمَجَازِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ السَّمَاعَ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَجَازَ إطْلَاقُ النَّخْلَةِ عَلَى طَوِيلٍ غَيْرِ إنْسَانٍ كَمَنَارَةٍ مَثَلًا لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الَّتِي هِيَ كَافِيَةٌ فِي جَوَازِ الْإِطْلَاقِ عِنْدَكُمْ وَهِيَ الْمُشَابَهَةُ الصُّورِيَّةُ وَلَجَازَ إطْلَاقُ الشَّبَكَةِ عَلَى الصَّيْدِ وَإِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَعَكْسِهِمَا لِلْمُجَاوَرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الشَّيْءِ لِلْعَلَاقَةِ مِنْ غَيْرِ السَّمْعِ كَإِطْلَاقِ النَّخْلَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ مَثَلًا؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّهَا أُطْلِقَتْ عَلَى الْإِنْسَانِ لِلطُّولِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَنَارَةِ لَكَانَ هَذَا قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِلَّا كَانَ اخْتِرَاعًا مِنْ الْمُطْلِقِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَكَلَامُنَا فِيهَا، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّا نَجِدُ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ إذَا وَجَدُوا بَيْنَ مَحَلِّيِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الْعَلَاقَةَ الْمُعْتَبَرَةَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ؛ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُ تِلْكَ اللَّفْظَةِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ السَّمَاعُ شَرْطًا لَتَوَقَّفُوا فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى النَّقْلِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ.
وَبِأَنَّ الْكُلَّ اتَّفَقُوا عَلَى
(1/63)

وَمِثَالُ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ مِثَالُ الْقِيَاسِ مِنْ النَّصِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ مُفْتَقِرٌ إلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ وَمَا يَكُونُ نَقْلِيًّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهِ كَوْنُهُ مَنْقُولًا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا فِي جَمِيعِ الْمُسْتَعْمَلَاتِ فَإِنَّا إذَا رَأَيْنَاهُمْ اسْتَعْمَلُوا لَفْظًا بِإِزَاءِ مَعْنًى تَابَعْنَاهُمْ فِي إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْإِطْلَاقَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ وُجُودَ الْعَلَاقَةِ إنَّمَا يَكْفِي لِلْإِطْلَاقِ إذَا كَانَتْ الْعَلَاقَةُ مُعْتَبَرَةً وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَانِعٌ وَفِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْعَلَاقَةُ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الطُّولِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ إذْ هُوَ مَعْنًى عَامٌّ وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَى الْإِنْسَانِ لِمُجَرَّدِ الطُّولِ بَلْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَكَذَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ الشَّبَكَةِ وَالصَّيْدِ إذْ الصَّيْدُ قَدْ يَحْصُلُ بِدُونِ الشَّبَكَةِ وَالشَّبَكَةُ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهَا الصَّيْدُ وَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ الْمَانِعُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمُتَقَابِلَاتِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يُعْتَبَرُ الْمُجَاوَرَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ جَازَ لَكَانَ قِيَاسًا أَوْ اخْتِرَاعًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا لَكَانَ اخْتِرَاعًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنْ مَجَارِي كَلَامِهِمْ صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ اسْتَقْرَأْنَا كَلَامَهُمْ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ لِلْإِطْلَاقِ كَمَا فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ وَإِلَّا لَزِمَ مِمَّا ذَكَرْتُمْ كَوْنُ رَفْعِ الْفَاعِلِ فِيمَا لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قِيَاسًا أَوْ اخْتِرَاعًا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا) مِنْ إحْدَى الْعَلَامَاتِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهَا الْحَقِيقَةُ عَنْ الْمَجَازِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا يَنْفِي عَنْ مُسَمَّاهَا بِحَالٍ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ نَفْيُهُ عَنْ مَفْهُومِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْفِيَ لَفْظَ الْأَسَدِ عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ وَصَحَّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي وَقِيلَ التَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ لِاسْتِلْزَامِهِ الدَّوْرَ وَذَلِكَ لِتَوَقُّفِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً فَإِنَّ مَنْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ النَّفْيُ لَوْ عَلِمَ كَوْنَهُ مَجَازًا وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لَوْ عَلِمَ كَوْنَهُ حَقِيقَةً فَلَوْ تَوَقَّفَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى صِحَّةِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَلَوْ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ صِحَّةِ النَّفْيِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ وِجْدَانُهُ فِي مَجَارِي اسْتِعْمَالَاتِهِمْ وَعَدَمِ وِجْدَانِهِ فِيهَا لِيَنْدَفِعَ الدَّوْرُ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْوِجْدَانَ إنْ صَلُحَ عَلَامَةً لِلْمَجَازِ ح فَعَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَصْلُحُ عَلَامَةً لِلْحَقِيقَةِ إذْ عَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ امْتِنَاعُ النَّفْيِ فِي الْحَقِيقَةِ وَصِحَّتُهُ فِي الْمَجَازِ مِنْ الْخَوَاصِّ لَا مِنْ الْعَلَامَاتِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْعَلَامَاتِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا تَبَادَرَ مَدْلُولُهُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِلَا قَرِينَةٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَتَبَادَرْ إلَيْهِ إلَّا بِالْقَرِينَةِ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ إذَا أَرَادُوا إفْهَامَ الْمَعْنَى لِلْغَيْرِ اقْتَصَرُوا عَلَى عِبَارَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِذَا عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ أُخَرَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهَا بَلْ ذَكَرُوا مَعَهَا قَرِينَةً.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْمَجَازِ إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ النَّصَّ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ بِسُلُوكِ طَرِيقِهِ، وَهُوَ التَّأَمُّلُ فِي النَّصِّ وَاسْتِخْرَاجِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ يُعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْحَقِيقَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ فِي مَحَلٍّ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَكِنَّ الْمَجَازَ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ
(1/64)

وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَمَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا زَائِدًا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَصْرُ صَرْحًا لِارْتِفَاعِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَبْنِيَةِ وَالصَّرِيحُ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتِ طَالِقٌ

وَالْكِنَايَةُ خِلَافُ الصَّرِيحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي مَحَلٍّ بِالتَّأَمُّلِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَهُوَ التَّأَمُّلُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ اللَّازِمِ لَهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ اللَّفْظُ لَهُ فَيَصِحُّ هَذَا مِنْ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ كَمَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ وَفِي الْمَجَازِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ

[تَعْرِيف الصَّرِيحُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَمَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورًا بَيِّنًا) أَيْ انْكَشَفَ انْكِشَافًا تَامًّا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّاهِرِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِالْعُرْفِ وَنَحْوِهِمَا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا لَيْسَ إلَّا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّرِيحِ وَعَدَمِهِ فِي الْمُفَسَّرِ وَالنَّصِّ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرَكَ ذِكْرَهُ لِدَلَالَةِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ عَلَيْهِ إذْ هَذَا الْقِسْمُ فِي بَيَانِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا الْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ، وَقِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ انْكِشَافِ الْمَعْنَى قَدْ يَحْصُلُ بِالتَّنْصِيصِ وَالتَّفْسِيرِ كَمَا يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ يَدْخُلُ فِيهِ النَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ كَوْنُ الظُّهُورِ بَيِّنًا أَيْ تَامًّا وَلَيْسَ هُوَ فِي الظَّاهِرِ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ الظُّهُورِ وَلِهَذَا تُوصَفُ الْإِشَارَةُ بِالظُّهُورِ فَيُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ وَهَذِهِ غَامِضَةٌ وَلَا تُوصَفُ بِالصَّرَاحَةِ أَصْلًا لِعَدَمِ تَمَامِ الِانْكِشَافِ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّرِيحَ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ مُرَادُهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الصَّرِيحَ اسْمٌ لِكَلَامٍ مَكْشُوفِ الْمَعْنَى كَالنَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، قُلْت هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ إذْ لَا اسْتِبْعَادَ فِي تَسْمِيَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُفَسَّرِ صَرِيحًا وَقَدْ رَأَيْت فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ هَهُنَا يُوجِبُ اشْتِرَاطَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي النَّصِّ وَالْمُفَسَّرِ إذْ ظُهُورُهُمَا بِاللُّغَةِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا أَصَحُّ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَوَى فِي الصَّرِيحِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ جَمَعَ الشَّيْخُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ بَيْنَ مَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَبَيْنَ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فَقَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَكَحْت مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ بِعْت مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ (وَهَذَا اللَّفْظُ) أَيْ الصَّرِيحُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ لَمَّا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورًا بَيِّنًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُقَرَّرَةِ، وَهِيَ الَّتِي قُرِّرَتْ عَلَى مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ فِي الْعُرْفِ أَوْ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُغَيَّرَةِ، وَهِيَ الَّتِي غُيِّرَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهِيَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ صَرَّحَ يُصَرِّحُ صَرَاحَةً وَصُرُوحَةً إذْ خَلَصَ وَانْكَشَفَ، وَتَصْرِيحُ الْخَمْرِ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ الزَّبَدُ، وَصَرَّحَ فُلَانٌ بِمَا فِي نَفْسِهِ أَيْ أَظْهَرَهُ قَوْلُهُ (وَالصَّرِيحُ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) كَلِمَةُ مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّرِيحِ أَيْ الصَّرِيحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَالِصُهُ قِيلَ فِي الصِّحَاحِ وَكُلُّ خَالِصٍ صَرِيحٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْخَالِصِ أَيْ الَّذِي خَلَصَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الصَّرِيحُ وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ فَلَمَّا خَلَصَ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ مُحْتَمَلَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَسَّرِ سُمِّيَ صَرِيحًا.

[تَعْرِيف الْكِنَايَةُ]
قَوْلُهُ (وَهُوَ
(1/65)

وَهُوَ مَا اسْتَتَرَ، الْمُرَادُ بِهِ مِثْلُ هَاءِ الْغَائِبَةِ وَسَائِرُ أَلْفَاظِ الضَّمِيرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ خِلَافُ الصَّرِيحِ لَفْظُ " اسْتَتَرَ " الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ؛ وَإِنَّمَا فُسِّرَ خِلَافُ الصَّرِيحِ بِهِ لِأَنَّ خِلَافَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ نَقِيضَهُ وَقَدْ يَكُونُ ضِدَّهُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْخِلَافِ هَهُنَا نَقِيضُهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ، وَهُوَ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَكَذَا يَتَنَاوَلُ النَّصَّ وَالْمُفَسَّرَ وَالْخَفِيَّ وَالْمُشْكِلَ وَغَيْرَهَا إنْ قُدِّرَ قَيْدُ الِاسْتِعْمَالِ وَقِيلَ هُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ ظُهُورًا بَيِّنًا وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ضِدُّهُ فَهُوَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِتَارًا تَامًّا وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُجْمَلِ فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا وَلَا مَانِعًا فَالشَّيْخُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ خِلَافِ الصَّرِيحِ ضِدُّهُ، وَهُوَ الِاسْتِتَارُ لَا نَقِيضُهُ إذْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّعْرِيفِ بِهِ مِنْ نَقِيضِهِ، وَهُوَ عَدَمُ الظُّهُورِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ وُجُودِيًّا وَالثَّانِي عَدَمِيًّا وَبَيَّنَ أَيْضًا بِتَرْكِ قَوْلِهِ اسْتِتَارًا تَامًّا أَنَّ قَوْلَهُ ظُهُورًا بَيِّنًا فِي تَعْرِيفِ الصَّرِيحِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ إذْ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ تَقْدِيرِ قَيْدِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الصَّرِيحِ بِأَنْ يُقَالَ هُوَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَيْ يَحْصُلُ الِاسْتِتَارُ بِالِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ قَاصِدِينَ لِلِاسْتِتَارِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ عِنْدَهُمْ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ كَمَا أَنَّ الِانْكِشَافَ يَحْصُلُ فِي الصَّرِيحِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فِي اللُّغَةِ، وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الصَّرِيحِ لَا يُشْتَرَطُ هَهُنَا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَالْمُشْكِلُ وَأَمْثَالُهُمَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي الْإِمَامِ فَإِنَّهُ قَالَ كُلُّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا يُسَمَّى كِنَايَةً وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَجَازُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَارَفًا كِنَايَةً لِاحْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ اشْتِرَاكِ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِاشْتِرَاطِ هَذَا الْقَيْدِ، ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِكَلَامٍ لِإِفَادَةِ مَعْنًى فِي مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ مُطْلَقُ الِاسْتِعْمَالِ إذْ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ غَيْرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الصَّرِيحِ إذْ هُوَ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِالْكَثْرَةِ وَفِي الْحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْضُوعِ وَفِي الْمَجَازِ بِغَيْرِ الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ فِي الْكِنَايَةِ غَيْرُهُ فِي الصَّرِيحِ إذْ هُوَ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِقَصْدِ الِاسْتِتَارِ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أَيْ مَعْنًى جَامِعٍ لِيَسْتَقِيمَ التَّقْسِيمُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُطْلَقُ الِاسْتِعْمَالِ فَافْهَمْ وَقَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِي تَعْرِيفِ الْكِنَايَةِ هِيَ تَرْكُ التَّصْرِيحِ بِذَكَرِ الشَّيْءِ إلَى مَا يَلْزَمُهُ لِيَنْتَقِلَ مِنْ الْمَذْكُورِ إلَى الْمَتْرُوكِ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ لِيُنْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ مَلْزُومُهُ، وَهُوَ طُولُ الْقَامَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تُنَافِي إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ بِلَفْظِهَا فَلَا يَمْتَنِعُ فِي قَوْلِك فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ أَنْ تُرِيدَ طُولَ نِجَادِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ تَأْوِيلٍ مَعَ إرَادَةِ طُولِ قَامَتِهِ وَالْمَجَازُ يُنَافِي ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ فِي نَحْوِ قَوْلِك فِي الْحَمَّامِ أَسَدٌ أَنْ تُرِيدَ مَعْنَى الْأَسَدِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ مَبْنَى الْكِنَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ وَمَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَجَازِ مِنْ اتِّصَالٍ وَتَنَاسُبٍ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ وَفِي
(1/66)

أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ كَنَّيْت وَكَنَوْتُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَإِنِّي لَأَكْنُو عَنْ قَذُورٍ بِغَيْرِهَا ... وَأُعْرِبُ أَحْيَانًا بِهَا فَأُصَارِحُ
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ يَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي بَابِ بَيَانِ الْحُكْمِ.

وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الرَّابِعِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْكِنَايَةِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَكُنِّي عَنْ الْحَبَشِيِّ بِأَبِي الْبَيْضَاءِ وَعَنْ الضَّرِيرِ بِأَبِي الْعَيْنَاءِ وَلَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا بَلْ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ، مِثْلُ هَاءِ الْمُغَايَبَةِ وَسَائِرِ أَلْفَاظِ الضَّمِيرِ مِثْلُ أَنَا وَأَنْتَ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُمَيِّزْ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ إلَّا بِدَلَالَةٍ أُخْرَى لَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً وَلَمَّا احْتَمَلَتْ التَّمْيِيزَ بِدَلَالَةٍ اسْتَقَامَتْ كِنَايَةً عَنْ الصَّرِيحِ فَكَانَتْ أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ مِنْ الصَّرِيحِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْمُفَسَّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَةِ مِمَّا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِدَلَالَةٍ أُخْرَى وَالصَّرِيحُ اسْمٌ لِمَا فُهِمَ مَعْنَاهُ مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ زَادَ قَيْدَ الِاسْتِعْمَالِ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كِنَايَاتٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَكُونُ دَاخِلَةً فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ لِيَسْتَعْمِلَهَا الْمُتَكَلِّمُ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِاسْمِ زَيْدٍ مَثَلًا يَكُنِّي عَنْهُ بِهُوَ كَمَا يَكُنِّي عَنْهُ بِأَبِي فُلَانٍ لَا أَنَّهَا كِنَايَاتٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لَا تَكُونُ حَقِيقَةً قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كِنَايَاتٍ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ أَيْضًا فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي التَّعْرِيفِ قَوْلُهُ (أُخِذَتْ أَيْ الْكِنَايَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَنَّيْت وَكَنَوْتُ) وَقَعَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ وَالْفِعْلُ هُوَ الْأَصْلُ فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ فَالْمَصْدَرُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ لَامُ الْكَلِمَةِ يَاءً، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَهِيَ فِي الْكِنَايَةِ أَصْلِيَّةٌ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالسِّقَايَةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ وَاوًا وَهِيَ لُغَةٌ فِيهَا غَيْرُ مَشْهُورَةٍ؛ وَلِهَذَا اسْتَشْهَدَ لَهَا دُونَ الْيَاءِ فَهِيَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْوَاوِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا انْقَلَبَتْ الْوَاوُ عَنْهَا فِي جَبَيْت الْخَرَاجَ جِبَاوَةً وَالْأَصْلُ جِبَايَةً، وَالْكِنَايَةُ لُغَةً أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَتُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَهِيَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُقَرَّرَةِ، وَالْقَذُورُ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَجْتَنِبُ الْأَقْذَارَ وَالرِّيَبَ، وَأَعْرَبَ بِحُجَّتِهِ أَيْ أَفْصَحَ بِهَا مِنْ غَيْرِ تُقْيَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَالْمُصَارَحَةُ الْمُجَاهَرَةُ، يَعْنِي أَنِّي رُبَّمَا أَذْكُرُ غَيْرَهَا وَأُرِيدُهَا خَوْفًا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَإِخْفَاءً لِمَحَبَّتِي إيَّاهَا وَرُبَّمَا غَلَبَنِي سُكْرُ الْمَحَبَّةِ فَأُفْصِحُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تُقْيَةٍ مِنْ أَحَدٍ وَأَذْكُرُهَا صَرِيحًا، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ أَيْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ يَأْتِي تَفْسِيرُهَا أَيْ تَمَامُ تَفْسِيرِهَا

[الْقَسْم الرَّابِع وُجُوه وُقُوف السَّامِع عَلَى مُرَاد الْمُتَكَلِّم ومعانى الْكَلَام]
[الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (وَتَفْسِيرُ الْقِسْمِ الرَّابِعِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ التَّقْسِيمِ أَوْ الْخَامِسِ بِاعْتِبَارِ الْمُقَابِلِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ أَيْ بِعَيْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الثَّابِتُ بِعَيْنِ النَّصِّ مَا أَوْجَبَهُ نَفْسُ الْكَلَامِ وَسِيَاقُهُ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَيْضًا فَتَكُونُ هَذِهِ الْإِضَافَةُ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَمَا فِي قَوْلِك جَمِيعُ الْقَوْمِ وَكُلُّ الدَّرَاهِمِ وَنَفْسُ الشَّيْءِ، وَالِاسْتِدْلَالُ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا، وَالْعِبَارَةُ لُغَةً تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا يُقَالُ عَبَرْت الرُّؤْيَا أَعْبُرُهَا عِبَارَةً أَيْ فَسَّرْتهَا، وَكَذَا عَبَرْتهَا، وَعَبَرْت عَنْ فُلَانٍ إذَا تَكَلَّمْت عَنْهُ فَسُمِّيَتْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي عِبَارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا تُفَسِّرُ مَا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ مَسْتُورٌ كَمَا أَنَّ الْمُعَبِّرَ يُفَسِّرُ مَا هُوَ مَسْتُورٌ، وَهُوَ عَاقِبَةُ الرُّؤْيَا؛ وَلِأَنَّهَا تَكَلُّمٌ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ النَّصِّ عَلَى كُلِّ مَلْفُوظٍ مَفْهُومِ الْمَعْنَى مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ مُفَسَّرًا أَوْ نَصًّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا اعْتِبَارًا مِنْهُمْ لِلْغَالِبِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ مَا وَرَدَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ نُصُوصٌ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ النَّصِّ
(1/67)

هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ

وَالِاسْتِدْلَالُ بِإِشَارَتِهِ هُوَ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ لُغَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا سِيقَ لَهُ النَّصُّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَسَمَّيْنَاهُ إشَارَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي هَذَا الْفَصْلِ دُونَ مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ حَتَّى كَانَ التَّمَسُّكُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِظَاهِرٍ أَوْ مُفَسَّرٍ أَوْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ أَوْ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا اسْتِدْلَالًا بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا غَيْرُ، هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ الْمُرَادُ مِنْ الْعَمَلِ عَمَلُ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ لَا الْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ كَمَا إذَا قِيلَ الصَّلَاةُ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] ، وَالزِّنَا حَرَامٌ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ هُوَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالُ بِعِبَارَتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ النَّظْمِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، إحْدَاهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَعْنَى وَيَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ كَالْعَدَدِ فِي قَوْله تَعَالَى، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَى وَلَا يَكُونُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فِيهِ كَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالثَّالِثَة أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَى هُوَ مِنْ لَوَازِمِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَمَوْضُوعِهِ كَانْعِقَادِ بَيْعِ الْكَلْبِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «إنَّ مِنْ السُّحْتِ ثَمَنَ الْكَلْبِ» ، الْحَدِيثَ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَسُوقٌ لَيْسَ إلَّا وَالْقِسْمُ الْأَخِيرُ لَيْسَ بِمَسُوقٍ أَصْلًا وَالْمُتَوَسِّطُ مَسُوقٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَصَدَ إلَى التَّلَفُّظِ بِهِ لِإِفَادَةِ مَعْنَى غَيْرِ مَسُوقٍ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا سَاقَهُ لِإِتْمَامِ بَيَانِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ إذْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فِي السُّوقِ بِأَنْ انْفَرَدَ عَنْ الْقَرِينَةِ وَالْقِسْمُ الْأَخِيرُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ هَهُنَا مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ مَسُوقًا لِمَعْنًى أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَفْهُومِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَفِيمَا سَبَقَ فِي بَيَانِ النَّصِّ وَالظَّاهِرُ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ مَسُوقًا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَفْهُومِهِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا فَيَدْخُلُ الْقِسْمُ الْمُتَوَسِّطُ هَهُنَا فِي السَّوْقِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِذَا تَمَسَّكَ أَحَدٌ فِي إبَاحَةِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] ، أَوْ فِي إبَاحَةِ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] كَانَ اسْتِدْلَالًا بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا بِإِشَارَتِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِعَيْنِ النَّصِّ أَيْ بِعِبَارَتِهِ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ بِنَفْسِهِ وَسِيَاقُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فَعَيْنُ النَّصِّ يُوجِبُ إبَاحَةَ الْبَيْعِ وَحُرْمَةَ الرِّبَا وَالتَّفْرِقَةَ، فَسَوَّى بَيْنَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ، وَهُوَ الْفَرْقُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ حِلُّ الْبَيْعِ وَحُرْمَةُ الرِّبَا فَجَعَلَهُمَا ثَابِتَيْنِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ لَا بِإِشَارَتِهِ

[الِاسْتِدْلَال بِإِشَارَةِ اللَّفْظِ]
قَوْلُهُ (وَالِاسْتِدْلَالُ بِإِشَارَتِهِ) الْإِشَارَةُ الْإِيمَاءُ فَكَأَنَّ السَّامِعَ غَفَلَ عَنْ الْمَعْنَى الْمَضْمُونِ فِي النَّصِّ لِإِقْبَالِهِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ فَالنَّصُّ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ وَلَا سِيقَ لَهُ النَّصُّ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ اللَّفْظِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَكِنَّهُ وَلَهُ رَاجِعٌ إلَى مَا، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُسَقْ لَهُ الْكَلَامُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ غُمُوضٍ فَيَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ تَأَمُّلٍ وَلِهَذَا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِشَارَةُ مِنْ الْعِبَارَةِ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضُ مِنْ الصَّرِيحِ أَوْ الْمُشْكِلِ مِنْ الْوَاضِحِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْغُمُوضُ بِحَيْثُ يَزُولُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ يُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ فِكْرَةٍ يُقَالُ هَذِهِ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ.
(قَوْلُهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ
(1/68)

كَرَجُلٍ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ إلَى شَيْءٍ وَيُدْرِكُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهُ بِإِشَارَةِ لَحَظَاتِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] إنَّمَا سَبَقَ النَّصُّ لِاسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجَمَةِ لِمَا سَبَقَ وَاسْمُ الْفُقَرَاءِ إشَارَةٌ إلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بَلْ هُوَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ وَالْغَرَضُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ إشَارَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ فَسَمَّيْنَاهُ إشَارَةً بِالْفَاءِ.
وَقَوْلُهُ كَرَجُلٍ إلَى آخِرِهِ تَشْبِيهٌ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّظْمِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي ضِمْنِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِمَا أُدْرِكَ بِالْبَصَرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي ضِمْنِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى كَوْنِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِ الْبَلَاغَةِ كَمَا أَنَّ إدْرَاكَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّظَرِ مَعَ إدْرَاكِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ مِنْ كَمَالِ قُوَّةِ الْإِبْصَارِ، وَاللَّحْظُ النَّظَرُ بِمُؤَخِّرِ الْعَيْنِ وَيُدْرِكُ غَيْرَهُ بِإِشَارَةِ لَحَظَاتِهِ أَيْ بِلَحَظَاتِهِ وَكَأَنَّهَا تُشِيرُ النَّاظِرَ إلَى مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ لِيُدْرِكَهُ، الضَّمِيرُ فِي نَظِيرِهِ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ لُغَةً، عَلَى سَبِيلِ التَّرْجَمَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ التَّفْسِيرِ وَمِنْهُ التُّرْجُمَانُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ وَضَمِّهِمَا لِمَنْ يُفَسِّرُ كَلَامَ الْغَيْرِ، لِمَا سَبَقَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، {وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] ، لَا لِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ، {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الحشر: 7] ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ} [الحشر: 8] بَدَلٌ مِمَّا ذَكَرْنَا بِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ لَا مِنْ قَوْلِهِ {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الحشر: 7] وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَرَسُولُهُ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَقِيرِ كَيْفَ وَأَنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَ رَسُولَهُ عَنْ الْفُقَرَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الحشر: 8] ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكَشَّافِ.
وَقِيلَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا يُقَالُ هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ لِبَكْرٍ لِعَمْرٍو كَذَا فِي التَّيْسِير فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ تَرْجَمَةً لِمَا سَبَقَ بَلْ يَكُونُ بَيَانًا لِمَصْرِفٍ آخَرَ، وَعَلَى التَّفْسِيرَيْنِ السَّوْقُ لِبَيَانِ مَصَارِفِ الْخُمُسِ، وَاسْمُ الْفُقَرَاءِ أَيْ وَذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ دُونَ غَيْرِهِ إشَارَة إلَى أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ قَدْ زَالَتْ أَمْلَاكُهُمْ عَمَّا خَلَفُوا بِهَا بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِالْفَقْرِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَيَاسِيرَ بِمَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، {أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] ، وَالْفَقْرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِزَوَالِ الْمِلْكِ لَا يُبْعِدُ الْيَدَ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ضِدَّهُ الْغِنَى، وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ لَا قُرْبُ الْيَدِ مِنْ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ غَنِيٌّ حَقِيقَةً؛ وَإِنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ لِقِيَامِ الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَالْمُكَاتَبُ فَقِيرٌ حَقِيقَةً وَلَوْ أَصَابَ مَالًا عَظِيمًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ حَقِيقَةً؛ فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ اسْتِيلَاءَهُمْ بِشَرْطِ الْأَحْرَارِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَسَمَّاهُمْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَهَذِهِ مِنْ الْإِشَارَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَعْمَلْ بِهَا، وَقَالَ إنَّمَا سَمَّاهُمْ فُقَرَاءَ وَلَمْ يُسَمِّهِمْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ لَهُ مَالٌ فِي وَطَنِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ وَيَطْمَعُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ بِالْمَدِينَةِ بَلْ تَوَطَّنُوا بِهَا وَانْقَطَعَتْ أَطْمَاعُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُسَمَّوْا بِابْنِ السَّبِيلِ وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُحْتَاجِينَ حَقِيقَةً وَانْقَطَعَ عَنْهُمْ ثَمَرَاتُ أَمْوَالِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِمْ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُمْ فُقَرَاءَ تَجَوُّزًا كَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ أَصْلًا كَمَا صَحَّتْ تَسْمِيَةُ الْكَافِرِ أَصَمَّ وَأَعْمَى وَأَبْكَمَ وَعَدِيمَ الْعَقْلِ فِي قَوْله تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صَرْفِهِ إلَى الْمَجَازِ قَوْله تَعَالَى، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيُ السَّبِيلِ الْحِسِّيِّ بِالْإِجْمَاعِ فَيَرْجِعُ النَّفْيُ إلَى السَّبِيلِ الشَّرْعِيِّ وَالتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ الَّذِي هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ أَقْوَى جِهَاتُ السَّبِيلِ،
(1/69)

وَقَوْلُهُ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] سِيقَ لِإِثْبَاتِ النَّفَقَةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْآبَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ أَغَارَ عَلَى سَرْحٍ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ الْعَضْبَاءُ وَأَسَرَ امْرَأَةَ الرَّاعِي قَالَتْ الْمَرْأَةُ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ قَصَدْت الْفِرَارَ فَمَا وَضَعْت يَدِي عَلَى بَعِيرٍ إلَّا رَغَا حَتَّى وَضَعْت يَدِي عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ الْعَضْبَاءَ فَرَكَنَتْ إلَيَّ فَرَكِبْتهَا وَقُلْت إنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَهَا فَلَمَّا أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بِئْسَ مَا جَازَيْتِهَا لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ وَإِنَّهَا نَاقَةٌ مِنْ إبِلِي ارْجِعِي إلَى أَهْلِك عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَلَكِنَّا نَقُولُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ سَبِيلِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَنَا بِالِاسْتِيلَاءِ أَيْضًا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَمْوَالِ، أَوْ الْمُرَادُ نَفْيُ السَّبِيلِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 113] ، أَوْ نَفْيُ الْحُجَّةِ كَمَا قَالَ السُّدِّيَّ وَلَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَلَا تَنْزِلْ دَارَك يَعْنِي الدَّارَ الَّتِي وَرِثَهَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَقَدْ كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا عَقِيلٌ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» .
وَلَا يُقَالُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَرَّبَهَا وَلَمْ تَبْقَ صَالِحَةً لِلنُّزُولِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَلَا تَنْزِلْ دَارَك يَأْبَى ذَلِكَ، وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ عُيَيْنَةَ لَمْ يُحْرِزْهَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا وَلَا مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ؛ فَلِهَذَا اسْتَرَدَّهَا مِنْهَا وَجَعَلَ نَذْرَهَا فِيمَا لَا تَمْلِكُ فَلَمَّا لَمْ يَصْلُحْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَرَائِنِ صَارِفًا لِلَفْظِ الْفُقَرَاءِ إلَى الْمَجَازِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ قَدْ تَكُونُ مُوجِبَةً لِمُوجِبِهَا قَطْعًا مَثَلُ الْعِبَارَةِ مَثَلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى، {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] ، وَقَدْ لَا تُوجِبَ قَطْعًا وَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِرَاكِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُرَادًا بِالْكَلَامِ، فَأَمَّا كَوْنُهَا حُجَّةً فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ) إمَّا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَوْله تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ وَقَوْلُهُ سِيقَ لِكَذَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ وَسِيقَ خَبَرُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ الْمَحَلِّ وَأَشَارَ عُطِفَ عَلَى سِيقَ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِيهِمَا يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ، وَكَذَا الْبَارِزُ فِي بِقَوْلِهِ أَيْ سِيقَ هَذَا الْقَوْلُ لِكَذَا وَأَشَارَ هَذَا الْمَسُوقُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ إلَى كَذَا فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَسُوقَ قَائِلًا هَذَا الْكَلَامَ، أَوْ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي أَشَارَ وَالْبَارِزُ فِي بِقَوْلِهِ يَرْجِعَانِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سِيقَ مِنْ السَّائِقِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ جَازَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَيْ سِيقَ هَذَا الْقَوْلُ لِكَذَا وَأَشَارَ السَّائِقُ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] إلَى كَذَا، أَوْ الْبَاءُ فِي بِقَوْلِهِ زَائِدَةٌ وَأَشَارَ مُسْنَدٌ إلَى الْقَوْلِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ رَاجِعٌ إلَى اللَّهِ أَيْ سِيقَ قَوْلُ اللَّهِ، وَهُوَ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] إلَى آخِرِهِ لِكَذَا وَأَشَارَ قَوْلُهُ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] إلَى كَذَا وَفِي الْكُلِّ بُعْدٌ.
وَلَوْ قِيلَ أُشِيرَ لَكَانَ أَحْسَنَ. قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] أَيْ وَعَلَى الَّذِي وُلِدَ لَهُ، وَهُوَ الْأَبُ، وَلَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ نَحْوُ عَلَيْهِمْ فِي {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ، {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] أَيْ طَعَامُ الْوَالِدَاتِ وَلِبَاسُهُنَّ، {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] أَيْ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، أَوْ تَفْسِيرُهُ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ فِي الْآيَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَالِدَاتِ
(1/70)

وَإِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَقَوْلُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْمُطَلَّقَاتُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي ذِكْرِ الْمُطَلَّقَاتِ فَالْمُرَادُ إيجَابُ أَصْلِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى طَرِيقِ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إلَى مَا يُقِمْنَ بِهِ أَبْدَانَهُنَّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ بِالِاغْتِذَاءِ وَتَحْتَاجُ هِيَ إلَى التَّسَتُّرِ فَكَانَ هَذَا مِنْ الْحَوَائِجِ الضَّرُورِيَّةِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَنْكُوحَاتُ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ دُونَ الْأَجْرِ فَالْمُرَادُ إيجَابُ فَضْلِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ الَّذِي تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الرَّضَاعِ لَا أَصْلُ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِالنِّكَاحِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْكَلَامُ مَسُوقٌ لِبَيَانِ إيجَابِ أَصْلِ النَّفَقَةِ أَوْ فَضْلِهَا عَلَى الْأَبِ، وَفِي ذِكْرِ الْمَوْلُودِ لَهُ دُونَ ذِكْرِ الْوَالِدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْوَلَدَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِاخْتِصَاصِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ قُرَشِيًّا وَالْأُمُّ أَعْجَمِيَّةً يُعَدُّ الْوَلَدُ قُرَشِيًّا فِي بَابِ الْكَفْأَةِ وَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَفِي الْعَكْسِ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا قِيلَ:
وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلْأَنْسَابِ آبَاءُ
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى عِلَّةِ إيجَابِ هَذِهِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى الْآبَاءِ أَيْ الْوَالِدَاتِ لَمَّا وَلَدْنَ لَهُمْ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْزُقُوهُنَّ وَيَكْسُوهُنَّ إذَا أَرْضَعْنَ أَوْلَادَهُمْ كَالْأَظْآرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِ الْوَالِدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى، {وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} [لقمان: 33] ، الْآيَةَ.
قَوْلُهُ (وَإِلَى قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ، رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ إنَّ لِي مَالًا؛ وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ إلَى مَالِي قَالَ أَنْتَ وَمَالُك لِوَالِدِك، وَفِي رِوَايَةٍ لِوَالِدَيْك» كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ «شَكَا رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَبَاهُ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ فَدَعَا بِهِ، فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا وَأَنَا قَوِيٌّ، وَفَقِيرًا وَأَنَا غَنِيٌّ فَكُنْت لَا أَمْنَعُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِي وَالْيَوْمَ أَنَا ضَعِيفٌ. وَهُوَ قَوِيٌّ، وَأَنَا فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ وَيَبْخَلُ عَلَيَّ بِمَالِهِ فَبَكَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ يَسْمَعُ هَذَا إلَّا بَكَى ثُمَّ قَالَ لِلْوَلَدِ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك»
، وَذَكَرَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْبُخَارِيُّ فِي فَوَائِدِهِ «أَنَّ شَيْخًا أَتَى النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ إنَّ ابْنِي هَذَا لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ؛ وَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيَّ مِنْ مَالِهِ فَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ إنَّ هَذَا الشَّيْخَ قَدْ أَنْشَأَ فِي ابْنِهِ أَبْيَاتًا مَا قُرِعَ سَمْعٌ بِمِثْلِهَا فَاسْتَنْشَدَهَا فَأَنْشَدَهَا الشَّيْخُ وَقَالَ:
غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُك يَافِعًا ... تُعَلُّ بِمَا أَحْنِي عَلَيْك وَتَنْهَلُ
إذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْك بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ ... لِسُقْمِك إلَّا بَاكِيًا أَتَمَلْمَلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَك بِاَلَّذِي ... طُرِقْت بِهِ دُونِي وَعَيْنِي تَهْمُلُ
فَلَمَّا بَلَغْت السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي ... إلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيك أُؤَمِّلُ
جَعَلْت جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً ... كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَك إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْت كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ
تَرَاهُ مُعِدًّا لِلْخِلَافِ كَأَنَّهُ ... بِرَدٍّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُؤَكَّلُ
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ حَقُّ التَّمَلُّكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ؛ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لَهُ لَكِنَّهُ لَمَّا تَخَلَّفَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، ثَبَتَ بِهِ حَقُّ التَّمَلُّكِ لَهُ فِي مَالِهِ فَيَتَمَلَّكُهُ
(1/71)

{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] سِيقَ لِإِثْبَاتِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إذَا رُفِعَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الثَّابِتُ بِعَيْنِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عِنْدَ الْحَاجَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْ كَانَتْ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَبِعِوَضٍ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّ لَهُ تَأْوِيلًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ وَلَدِهِ كَمَا لَا يُعَاقَبُ بِإِتْلَافِ عَبْدِهِ وَقَدْ عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ فَالنَّصُّ الْمَذْكُورُ بِإِشَارَتِهِ أَيَّدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَآزَرَهُ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَدِيثِ الْكِتَابَ مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «وَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ» .
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» قَوْله تَعَالَى {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} [الأحقاف: 15] الْمُرَادُ بَيَانُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ لَا الْفِطَامِ وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْ الرَّضَاعِ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَلِيه الْفِصَالُ وَيُلَابِسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِي بِهِ وَالْغَرَضُ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الرَّضَاعِ التَّامِّ الْمُنْتَهِي بِالْفِصَالِ وَوَقْتِهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْحَمْلِ إنْ كَانَ هُوَ الْحَمْلُ بِالْأَيْدِي إذْ الطِّفْلُ يُحْمَلُ بِالْيَدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا فَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِلْحَمْلِ وَالْفِصَالِ جَمِيعًا وَلَا تَعَرُّضَ لِلْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ حِينَئِذٍ فِي الْآيَةِ، فَلَا يَكُونُ الْإِشَارَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَابِتَةً فِيهَا، وَيَكُونُ الْآيَةُ حُجَّةً لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْله تَعَالَى {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] ، {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] ، عَلَى بَيَانِ مُدَّةِ وُجُوبِ أَجْرِ الرَّضَاعِ عَلَى الْأَبِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَمْلُ فِي الْبَطْنِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَالْإِشَارَةُ ثَابِتَةٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِهَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَلْ يُتَمَسَّكُ لَهُ بِالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّبَنَ كَمَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ يُغَذِّيه بَعْدَهُمَا وَالْفِطَامُ لَا يَحْصُلُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ يُفْطَمُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى يَيْبَسَ اللَّبَنُ وَيَتَعَوَّدَ الصَّبِيُّ الطَّعَامَ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى حَوْلَيْنِ لِمُدَّةِ الْفِطَامِ، فَإِذَا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ قَدَّرْنَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا لِلِانْتِهَاءِ بِالِابْتِدَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ هَذَا النَّصُّ مَسُوقٌ لِبَيَانِ مِنَّةِ الْوَالِدَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي جَانِبِ الْأُمِّ بِقَوْلِهِ، {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] أَيْ ذَاتَ كُرْهٍ عَلَى الْحَالِ أَوْ حَمْلًا ذَا كُرْهٍ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ وَالْكُرْهُ الْمَشَقَّةُ.
ثُمَّ زَادَ فِي الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ، {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] ، أَيْ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ لَمْ تَكُنْ مُقْتَصِرَةً عَلَى زَمَانٍ قَلِيلٍ بَلْ هِيَ مَعَ مَشَقَّاتِ الرَّضَاعِ مُمْتَدَّةٌ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَهَمَّ بِرَجْمِهَا فَقَالَ عَلِيٌّ: أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَمَا إنَّهَا لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ لَخَصِمَتكُمْ أَيْ غَلَبَتْكُمْ فِي الْخُصُومَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] ، فَبَقِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِحَمْلِهَا فَأَخَذَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذِهِ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ وَقَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِدِقَّةِ فَهْمِهِ وَقَدْ اخْتَفَى هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الصَّحَابَةِ فَلَمَّا أَظْهَرَهُ قَبِلُوا مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ لَا بُدَّ فِي الْإِشَارَةِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْت بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ الضَّرُورَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَوْلُهُ ثَلَاثُونَ يَشْمَلُ أَفْرَادَهُ مُطَابَقَةً فَيَكُونُ السِّتَّةُ بَعْضَ مَدْلُولِهِ فَيَكُونُ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ بَيَانِ الضَّرُورَةِ وَالْإِشَارَةِ فَلْيَكُنْ بَيَانَ ضَرُورَةٍ أَيْضًا
(1/72)

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] هَذَا قَوْلٌ مَعْلُومٌ بِظَاهِرِهِ مَعْلُومٌ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْأَذَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
(فَإِنْ قِيلَ) الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِ بَيَانِ الْمِنَّةِ ذِكْرُ الْأَكْثَرِ الْمُعْتَادِ لَا ذِكْرُ الْأَقَلِّ النَّادِرِ كَمَا فِي جَانِبِ الْفِصَالِ (قُلْنَا) قَدْ قِيلَ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَلَتْهُ أُمُّهُ بِمَشَقَّةٍ ثُمَّ وَضَعَتْهُ عَلَى تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَضَعَتْهُ أُمُّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُدَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ ذِكْرُ مَا وَرَائِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْكَذِبِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَعِيشُ إذَا وُلِدَ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ مَشَقَّةُ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَوْجُودَةً لَا مَحَالَةَ فِي حَقِّ كُلِّ مُخَاطَبٍ فَيَكُونُ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُلْزِمًا لِلْمِنَّةِ لَا مَحَالَةَ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُنَاسَبَةِ بِخِلَافِ الْفِصَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِجَانِبِ الْقِلَّةِ فِيهِ بَلْ لَا تَيَقُّنَ فِي نَفْسِ الرَّضَاعِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ ارْتِضَاعٍ مِنْ الْأُمِّ فَلَا جَرَمَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ إذْ الرَّضَاعُ اخْتِيَارِيٌّ وَالشَّفَقَةُ حَامِلَةٌ عَلَى تَكْمِيلِ الْمُدَّةِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ قَدْ حَمَلَتْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا مَحَالَةَ إنْ لَمْ تَحْمِلْهُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَأَرْضَعَتْهُ سَنَتَيْنِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْسَانُ إلَيْهَا، دَلَالَةُ النَّصِّ هِيَ فَهْمُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَمَقْصُودِهِ، وَقِيلَ هِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَنْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَيُسَمِّيهَا عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ فَحْوَى الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ مَعْنَاهُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْأَسَاسِ عَرَفْت فِي فَحْوَى كَلَامِهِ أَيْ فِيمَا تَنَسَّمْت مِنْ مُرَادِهِ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِحَاءِ، وَهُوَ أَبْزَارُ الْقِدْرِ، وَيُسَمِّيهَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ مُوَافِقٌ لِمَدْلُولِهِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ

[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً) أَيْ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ لَا بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، وَلُغَةً تَمْيِيزٌ، لَا اجْتِهَادًا وَلَا اسْتِنْبَاطًا تَرَادُفٌ وَهَذَا نَفْيُ كَوْنِهِ قِيَاسًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ إذَا عُرِفَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ كَمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ وَالنَّهْرِ كَفُّ الْأَذَى عَنْ الْوَالِدَيْنِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِبَيَانِ احْتِرَامِهِمَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَكَمَا عُرِفَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَحْرِيمِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] ، تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهَا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْإِحْرَاقِ وَالْإِهْلَاكِ أَيْضًا وَلَوْلَا هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَمَا لَزِمَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ إذْ قَدْ يَقُولُ السُّلْطَانُ لِلْجَلَّادِ إذَا أَمَرَهُ بِقَتْلِ مَلِكٍ مُنَازِعٍ لَهُ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَلَكِنْ اُقْتُلْهُ لِكَوْنِ الْقَتْلِ أَشَدَّ فِي دَفْعِ مَحْذُورِ الْمُنَازَعَةِ مِنْ التَّأْفِيفِ وَيَقُولُ الرَّجُلُ وَاَللَّهِ مَا قُلْت لِفُلَانٍ أُفٌّ وَقَدْ ضَرَبَهُ، وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ وَقَدْ أَحْرَقَهُ فَلَا يَحْنَثُ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا قَطْعًا كَمَا فِي تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فَالدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةٌ؛ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ كَمَا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى وَلَا بُدَّ فِي مَعْرِفَتِهِ مِنْ نَوْعِ نَظَرٍ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الدَّلَالَةَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَقَالُوا لَمَّا تَوَقَّفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ وُجِدَ أَصْلٌ كَالتَّأْفِيفِ مَثَلًا وَفَرْعٌ كَالضَّرْبِ وَعِلَّةٌ جَامِعَةٌ مُؤَثِّرَةٌ كَدَفْعِ الْأَذَى يَكُونُ قِيَاسًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا سَمَّيْنَاهُ جَلِيًّا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا
(1/73)

وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً حَتَّى شَارَكَ فِيهِ غَيْرُ الْفُقَهَاءِ أَهْلَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ ثُمَّ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ مَعْنًى لَا عِبَارَةً لَمْ نُسَمِّهِ نَصًّا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ بِهِ لُغَةً لَا اسْتِنْبَاطًا يُسَمَّى دَلَالَةً وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْفَرْعِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذَا النَّوْعِ مَا تَخَيَّلُوهُ أَصْلًا جُزْءًا مِمَّا تَخَيَّلُوهُ فَرْعًا كَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا ذَرَّةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ إعْطَاءِ مَا فَوْقَ الذَّرَّةِ مَعَ أَنَّ الذَّرَّةَ الْمَنْصُوصَةَ دَاخِلَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مِنْ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ وَنُفَاتِهِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ لِفَهْمِ الْمَعْنَى مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الظَّنِّ قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً) أَيْ الْأَذَى يُفْهَمُ مِنْ التَّأْفِيفِ لُغَةً لَا رَأْيًا كَمَعْنَى الْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ يَعْنِي إذَا قِيلَ اضْرِبْ فُلَانًا أَوْ لَا تَضْرِبْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً أَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الْأَلَمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ مَنْعُهُ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَضَرَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبُهُ فَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبَرَّ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْأَذَى مِنْ التَّأْفِيفِ، ثُمَّ تَعَدَّى حُكْمُهُ أَيْ حُكْمُ التَّأْفِيفِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ إلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لِلتَّيَقُّنِ بِتَعَلُّقِ الْحُرْمَةِ بِهِ لَا بِالصُّورَةِ حَتَّى إنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَوْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ هَذَا فِي لُغَتِهِمْ إكْرَامٌ لَمْ يُثْبِتْ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّهِ، وَلَمَّا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ صَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنْ قِيلَ لَا تُؤْذِهِمَا فَثَبَتَ الْحُرْمَةُ عَامَّةً.
وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمَ التَّأْفِيفَ لِلْوَالِدَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنَاهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِجِهَةِ الْإِكْرَامِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ لَا لِلْمَعْنَى كَمَا فِي أَدَاءِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قِيمَتُهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَنْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ ظَنِّيًّا وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَعُرِفَ قَطْعًا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا غَيْرُ كَطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ لِمَا تَعَلَّقَتْ بِالطَّوْفِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» الْحَدِيثُ كَانَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ نَجِسًا مَعَ قِيَامِ النَّصِّ لِعَدَمِ الطَّوْفِ، وَحَاصِلٌ فَرْقِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَفْهُومَ بِالْقِيَاسِ نَظَرِيٌّ وَلِهَذَا شُرِطَ فِي الْقَائِسِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ أَوْ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّا نَجِدُ أَنْفُسَنَا سَاكِنَةً إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَلِهَذَا شَارَكَ أَهْلُ الرَّأْيِ غَيْرَهُمْ فِيهِ فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ. قَوْلُهُ (وَأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ دَلَالَةُ النَّصِّ يَثْبُتُ بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَا يَثْبُتُ بِالنُّصُوصِ حَتَّى الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قِيَاسًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَا يُثْبِتُ بِهِ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا فَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ.
وَسَمِعْت عَنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَهُوَ كَانَ أَعْلَى كَعْبًا مِنْ أَنْ يُجَازِفَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَيَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ قِيَاسًا وَيَبْعُدُ تَسْمِيَتُهُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فِكْرَةٍ وَاسْتِنْبَاطِ عِلَّةٍ، وَمَنْ سَمَّاهُ قِيَاسًا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَسَامِي فَمَنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ
(1/74)

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا بِشَرْطٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَصَارَ هَذَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى، وَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عِبَارَةً عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْإِلْحَاقِ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي عِبَارَةِ

[الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ إلَى آخِرِهِ) الِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ وَمِنْهُ اقْتَضَى الدَّيْنَ وَتَقَاضَاهُ أَيْ طَلَبَهُ، قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُقْتَضَى هُوَ مَا أُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَنَحْوَهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى النَّصِّ بِدُونِهَا فَاقْتَضَاهَا النَّصُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْغُو، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الْمَحْذُوفَ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا ثَبَتَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ لِتَصْحِيحِهِ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَتَى دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ شَيْءٍ فِي الْكَلَامِ لِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَنَحْوِهِ فَالْحَامِلُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الِاقْتِضَاءُ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَقِيلَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَرْعًا إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَطَلَبُهُ الزِّيَادَةَ هُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَمَا ثَبَتَ بِهِ هُوَ حُكْمُ الْمُقْتَضَى. وَمِثَالُهُ الْمَشْهُورُ قَوْلُك لِغَيْرِك اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَنَفْسُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضَى لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا وَطَلَبُهُ مَا يَصِحُّ بِهِ اقْتِضَاءٌ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ مُقْتَضًى وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حُكْمُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظَةِ الثَّابِتِ إنْ كَانَ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي لَمْ يَعْمَلْ وَالْبَارِزُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعَانِ إلَى النَّصِّ، وَيُقْرَأُ بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى الْإِضَافَةِ وَيَكُونُ التَّنْوِينُ فِي تَقَدُّمٍ عِوَضًا عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إلَى مَا أَيْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ كَمَا يَقْتَضِيه هَذَا الْمَقَامُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ، وَذَلِكَ وَهَذَا إشَارَتَانِ إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ زِنَةَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَوْزَانِ الْمَصَادِرِ فِي الْمُنْشَعِبَاتِ، وَاللَّامُ فِيهِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ " إشَارَةٌ " إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ أَوْ إلَى تَعْلِيلِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ.
وَهِيَ فِي فَصَارَ لِبَيَانِ كَوْنِهِ نَتِيجَةً لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ النَّصَّ أَيْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الشَّيْءُ بِالْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَ النَّصُّ إيَّاهُ فَتَكُونُ صِحَّةُ النَّصِّ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَيُقَدَّمُ لَا مَحَالَةَ وَلَمَّا اقْتَضَى النَّصُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِصِحَّتِهِ صَارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ اقْتِضَاءِ النَّصِّ إيَّاهُ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِهِ لِيَصِيرَ الْمَنْظُومُ مُفِيدًا أَوْ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ وَبِدُونِهِ لَا يُمْكِنُ إعْمَالُ الْمَنْظُومِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِطَلَبِ النَّصِّ لِنَفْسِهِ فَشَيْءٌ لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ بِدُونِ تَقَدُّمِهِ
(1/75)

وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ وَيَصْلُحُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] فَإِنَّ الْأَهْلَ غَيْرُ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْقَرْيَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى النَّصِّ فَإِنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ لِيَكُونَ مُتَنَاوَلُهُ صَحِيحًا فَصَارَ مُتَنَاوَلُ النَّصِّ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ» ، أَضَافَ الْإِعْتَاقَ إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِتْقَ فِي الْقَرِيبِ لَا الشِّرَاءُ وَلَوْلَا الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَى الشِّرَاءِ فَجَعَلَ هَذَا الشَّارِحُ اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى مَا فِي مُتَنَاوَلِهِ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ أَيْضًا؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الثَّابِتِ حُكْمُ الْمُقْتَضَى كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الثَّابِتِ الْحُكْمُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالِاقْتِضَاءُ بِمَعْنَى الْمُقْتَضَى وَيُقْرَأُ بِشَرْطٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ.
وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ وَهَذَا إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَعْلِيلِ التَّقَدُّمِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ فِي فَصَارَ لِلْإِشَارَةِ إلَى كَوْنِ إضَافَةِ الْحُكْمِ نَتِيجَةً لِلِاقْتِضَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ فِي إثْبَاتِهِ أَيْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مُتَنَاوَلِهِ وَلَمَّا كَانَ مُثْبِتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ صَارَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ أَيْضًا بِوَاسِطَتِهِ فَلَا يَكُونُ ثَابِتًا بِالرَّأْيِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَيْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْمُقْتَضِي أَوْ الْمُقْتَضَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى النَّصِّ اقْتَضَاهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَى فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى مَعَ حُكْمِهِ ثَابِتَيْنِ بِالنَّصِّ.
قَوْلُهُ (وَعَلَامَتُهُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعَ الْمُعْتَزِلَةِ جَعَلُوا مَا يُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَسَمَّوْا الْكُلَّ مُقْتَضًى؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَحْدِيدِهِ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ.
وَخَالَفَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ فِي ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا اسْمَ الْمُقْتَضَى عَلَى مَا أُضْمِرَ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ شَرْعًا فَقَطْ وَجَعَلُوا مَا وَرَاءَهُ قِسْمًا وَاحِدًا وَسَمَّوْهُ مَحْذُوفًا أَوْ مُضْمَرًا وَقَالُوا: بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى إلَّا أَبَا الْيُسْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْمَحْذُوفِ أَيْضًا؛ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِيك الْكَلَامُ فِيهِ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ،
(1/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَقَالَ وَعَلَامَتُهُ أَيْ عَلَامَةُ الْمُقْتَضَى أَنْ يَصِحَّ بِهِ أَيْ بِالْمُقْتَضَى الْمَذْكُورِ أَيْ يَصِيرَ مُفِيدًا لِمَعْنَاهُ، وَمُوجِبًا لِمَا تَنَاوَلَهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَنْ حَالِهِ وَإِعْرَابُهُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ كَذَا قِيلَ بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَيَصْلُحَ بِنَصْبِ الْحَاءِ أَيْ الْمَذْكُورُ لَمَّا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى أَيْ لَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ أَيْضًا، وَبِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْذُوفِ؛ لِأَنَّ بِالْمَحْذُوفِ؛ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَنْ حَالِهِ وَإِعْرَابُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَرُبَّمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَكِنَّهُ لَا يَبْقَى صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ لِتَغَيُّرِ مَعْنَاهُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَخْبَرَ الْمَوْلَى فَقَالَ طَلِّقْهَا لَا يُثْبِتُ الْإِجَازَةَ اقْتِضَاءً؛ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْمَذْكُورُ بِهِ وَلَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُهُ عَنْ حَالِهِ لَكِنَّهُ لَا يَبْقَى صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ حَالِ الْعَبْدِ، وَهُوَ تَمَرُّدُهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِهَذَا التَّزَوُّجِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَ الْمَوْلَى رَدُّ الْعَقْدِ وَالْمُتَارَكَةُ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى طَلَاقًا لَا إبْقَاءُ النِّكَاحِ وَأَنَّهُ فِي وِلَايَتِهِ فَيَصِحُّ الْأَمْرُ فَلَوْ ثَبَتَتْ الْإِجَازَةُ اقْتِضَاءً لَمْ يَبْقَ قَوْلُهُ طَلِّقْهَا صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ.
وَهُوَ إيجَابُ الْمُتَارَكَةِ بَلْ يَصِيرُ أَمْرًا لِلْعَبْدِ بِالطَّلَاقِ وَلَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْأَمْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَالَ: طَلِّقْهَا حَيْثُ يَثْبُتُ الْإِجَازَةُ اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْكَلَامُ صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَهَا فَيَمْلِكُ الْأَمْرَ بِهِ أَيْضًا؛ وَإِنْ قُرِئَ وَلَا يَصْلُحُ بِالرَّفْعِ وَيُجْعَلُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الْمُقْتَضَى مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِشَارُ الضَّمِيرِ فَمَعْنَاهُ وَيَصْلُحُ الْمُقْتَضَى لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُمْكِنَ إثْبَاتُهُ تَبَعًا لِلْمُقْتَضَى، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - الشَّيْءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذَا كَانَ تَابِعًا لِلْمُصَرِّحِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى يَصِيرَ تَابِعًا لِلْمُصَرِّحِ فِي الثُّبُوتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَابِعًا فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يَصِيرَ تَابِعًا لَهُ فِي الثُّبُوتِ أَوْ يَكُونَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لَهُ أَلْبَتَّةَ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَدُك طَالِقٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَقْتَضِي ذِكْرُ الْيَدِ ذِكْرَ النَّفْسِ؛ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ عَلَى الْيَدِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ أَصْلُ الْيَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ تَابِعَةً لَهَا فِي الذِّكْرِ وَالثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَصِيرَ الْأَصْلُ تَبَعًا وَالتَّبَعُ أَصْلًا، وَكَذَا حُكْمُ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَى الْيَدِ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي عُمُومِهِ، هَذَا لَفْظُهُ وَعَنْ هَذَا قُلْنَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ كَفِّرْ بِهَذَا الْعَبْدِ عَنْ يَمِينِك لَا يَثْبُتُ الْإِعْتَاقُ اقْتِضَاءً؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْإِعْتَاقِ أَصْلٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا تَثْبُتُ تَبَعًا.
وَكَذَلِكَ قُلْنَا إنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ إذْ لَوْ خُوطِبُوا بِهَا لَثَبَتَ الْإِيمَانُ مُقْتَضًى تَبَعًا لَهَا وَلَا يَصِحُّ إذْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَبَعٌ لِلْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي دَعْوَى الْجَامِعِ إذَا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّك أَخِي لِأَبِي وَأُمِّي؛ فَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا صَحَّتْ الدَّعْوَى، وَقُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ حَقٌّ يُبْتَنَى عَلَى الْبُنُوَّةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَذَلِكَ أَصْلٌ وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ مُقْتَضَى هَذَا فَبَقِيَ هَذَا حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فَلَمْ يُسْمَعْ؛ فَإِنْ ادَّعَى حَقًّا مَقْصُودًا صَارَتْ الْأُخُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ مُقْتَضَاهُ وَتَبَعًا لَهُ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ غَيْرَ مُقْتَضًى
(1/77)

مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْمُقْتَضِي إنَّمَا يَكُونُ لِصِحَّةِ الْمُقْتَضَى وَمِثَالُهُ الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيرِ لِلتَّكْفِيرِ مُقْتَضٍ لِلْمِلْكِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْبَيَانَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأُصُولِ لُغَةً وَتَفْسِيرُ مَعَانِيهَا وَبَيَانُ تَرْتِيبِهَا وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ الْمُقْتَضَى مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَهْلَ إذَا ثَبَتَ أَيْ صَرَّحَ بِهِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَيْ السُّؤَالُ الَّذِي نُسِبَ إلَى الْقَرْيَةِ وَتَعَلَّقَ بِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ رَاجِعٌ إلَى الْقَرْيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ الْمَسْئُولِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مِثْلِ هَذَا الضَّمِيرِ وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ أَنَّ التَّأْنِيثَ إنَّمَا يَجِبُ مُرَاعَاةَ حَقِّهِ إذَا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْمُذَكَّرِ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ عَلَى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ كَضَارِبٍ وَضَارِبَةٍ أَوْ بِصِيغَةٍ غَيْرِ صِيغَةِ التَّذْكِيرِ أَيْ يَكُونُ لَهُ مُذَكَّرٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ حَقِّ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ وَتَعَذُّرِ الْمُرَاعَاةِ كَمَا فِي لَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ مَثَلًا فَإِنَّ تَأْنِيثَهُمَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا عَلَى التَّذْكِيرِ إذْ لَيْسَ لَهُمَا مُذَكَّرٌ لَا بِنُقْصَانِ حَرْفِ التَّأْنِيثِ وَلَا بِصِيغَةٍ أُخْرَى اسْتَوَى فِيهِمَا التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ سَوَاءٌ وَصَفْت بِهِ نَحْوَ: اسْمٌ مَعْرِفَةٌ وَاسْمٌ نَكِرَةٌ أَوْ جَعَلْته خَبَرًا نَحْوَ: زَيْدٌ مَعْرِفَةٌ وَالرَّجُلُ مَعْرِفَةٌ بِخِلَافِ الْمُعَرَّفَةِ وَالْمُنَكَّرَةِ؛ لِأَنَّ تَأْنِيثَهُمَا مُرَتَّبٌ فَأَمْكَنَ الْمُرَاعَاةُ وَنَظِيرُهُمَا لَفْظُ اسْمٍ وَشَيْءٍ فَتَقُولُ هَذَا اسْمٌ وَهَذِهِ اسْمٌ، وَهَذَا شَيْءٌ وَهَذِهِ شَيْءٌ.
وَكَذَا الْفِعْلُ وَالْحَرْفُ تَقُولُ: ضَرَبْت: فِعْلٌ، وَضَرَبَ: فِعْلٌ وَرُبَّتْ: حَرْفٌ، وَمِنْ: حَرْفٌ، فَلَا تَقُولُ هَذَا اسْمٌ وَهَذِهِ سِمَةٌ وَهَذَا شَيْءٌ وَهَذِهِ شِيئَةٌ وَضَرَبَ: فِعْلٌ، وَضَرَبْت: فِعْلَةٌ وَمِنْ: حَرْفٌ، وَرُبَّتَ: حَرْفَةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ إذَا لَمْ يَكُونَا مُرَتَّبَيْنِ لَمْ يُرَاعَ حَقُّهُمَا كَذَا فِي الْمُحَصَّلِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ، وَلِهَذَا قَالَ جَارُ اللَّهِ فِي الْمُفَصَّلِ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِمْ رُبَّهُ رَجُلًا نَكِرَةٌ مُبْهَمٌ وَلَمْ يَقُلْ مُبْهَمَةٌ وَلَمَّا كَانَ تَأْنِيثُ الْقَرْيَةِ غَيْرَ مُرَتَّبٍ اسْتَوَى فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّك تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَثِيرًا قَوْلُهُ (مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ) جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ هُنَا وَسَمَّاهُ فِيمَا بَعْدُ مَحْذُوفًا، وَإِلَّا صَارَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ وَبَلْدَةٍ أَيْ وَرُبَّ بَلْدَةٍ وَقَوْلُهُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالْجَرِّ وَالْحَذْفُ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] ، أَيْ مِنْ قَوْمِهِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ بِالنَّصْبِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظِيرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ تَسْمِيَتُهُ بِالْمَحْذُوفِ أَوْلَى وَمَا ذَكَرَهُ هَهُنَا تَوَسُّعٌ، وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ الْمُقْتَضَى الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيرِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ فَحَرِّرُوا رَقَبَةً مُقْتَضٍ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيرَ الْحُرِّ لَا يُتَصَوَّرُ، وَكَذَا تَحْرِيرُ مِلْكِ الْغَيْرِ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ التَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ثُمَّ إذَا قَدَّرَ مَذْكُورًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مُوجِبُ الْكَلَامِ وَبَقِيَ صَالِحًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ، وَهُوَ التَّكْفِيرُ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالثَّابِتُ مُقْتَضًى نَحْوُ قَوْله تَعَالَى، {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُصَاحَبَةُ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ وَتَرْكِ الْقَتْلِ فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الْقَتْلِ وَوُجُوبُ الِاتِّفَاقِ مُقْتَضَاهُ سَابِقًا عَلَيْهِ.
هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ الْخَاصِّ كَذَا إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ، وَبَيَانُ تَرْتِيبِهَا أَيْ فِي الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ التَّرْتِيبُ فِي الْكُلِّ، وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ أَيْ مِنْ الْبَيَانِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ بَيَانَ مَعَانِيهَا لُغَةً فَصْلًا وَبَيَانَ مَعَانِيهَا شَرْعًا فَصْلًا وَبَيَانَ تَرْتِيبِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَصْلًا وَبَيَانَ الْأَحْكَامِ رَابِعَ الْفُصُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(1/78)

بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ:
اللَّفْظُ الْخَاصُّ يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ قَطْعًا وَيَقِينًا بِلَا شُبْهَةٍ لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ وَلَا يَخْلُو الْخَاصُّ عَنْ هَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّغَيُّرَ عَنْ أَصْلِ وَضْعِهِ لَكِنْ لَا يُحْتَمَلُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ لِكَوْنِهِ بَيِّنًا لِمَا وُضِعَ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ]
الْبَابُ: النَّوْعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ» ، أَيْ نَوْعًا مِنْهُ قَوْلُهُ (يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ) أَيْ مَدْلُولُهُ، قَطْعًا تَمْيِيزٌ أَيْ عَلَى وَجْهٍ انْقَطَعَ إرَادَةُ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَيَقِينًا أَيْ ثُبُوتًا فِي ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَالْيَقِينُ الْعِلْمُ وَزَوَالُ الشَّكِّ فَعِيلٌ مِنْ يَقِنَ الْأَمْرَ يَقَنًا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، بِلَا شُبْهَةٍ تَأْكِيدٌ آخَرُ بِبَيَانِ النَّتِيجَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ فِي ذَاتِهِ وَانْقَطَعَ عَنْهُ إرَادَةُ الْغَيْرِ لَا تَبْقَى فِيهِ شُبْهَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْغَرَضُ مِنْ التَّأْكِيدِ مَرَّتَيْنِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ لِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ وَلِهَذَا قَدَّمَ قَطْعًا عَلَى يَقِينًا؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكَلَامِ تَقْدِيمُ الْيَقِينِ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ لَمْ تَقَعْ فِي ثُبُوتِ مَوْضُوعِهِ بَلْ هِيَ وَقَعَتْ فِي قَطْعِ الِاحْتِمَالِ فَكَانَ هَذَا هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ؛ فَلِهَذَا قَدَّمَهُ، لِمَا أُرِيدَ بِهِ أَيْ لِأَجْلِ مَا أُرِيدَ بِالْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ لِلْبَيَانِ وَذَلِكَ كَلَفْظَةِ الثَّلَاثَةِ يَتَنَاوَلُ مَخْصُوصَهَا.
وَهُوَ الْأَفْرَادُ الْمَعْلُومَةُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَعَلُّقِ وُجُوبِ التَّرَبُّصِ بِهِ، يُوَضِّحُهُ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: حُكْمُ الْخَاصِّ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِلَا شُبْهَةٍ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ نَفْسَ الِاحْتِمَالِ قَادِحًا فِي الْيَقِينِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهُ كَذَلِكَ، فَهُوَ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ وَلَكِنْ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ، لَا يَخْلُو الْخَاصُّ عَنْ هَذَا أَيْ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَخْصُوصِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْخَاصِّ عَلَى الْمَخْصُوصِ بِاعْتِبَارِ أَصِلْ الْوَضْعِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْخُصُوصُ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ وَالْوَضْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ؛ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّغَيُّرَ أَيْ قَبْلَ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ مَجَازًا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ؛ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَثْبُتُ الْقَطْعُ مَعَ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا لَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْحَقِّ بِالْعَدَمِ فَلَا يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِهِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ دُخُولِ الْمُسَقَّفِ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ السُّقُوطِ ثَابِتٌ جَزْمًا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أُلْحِقَ بِالْعَدَمِ هَذَا هُوَ الْمَسْمُوعُ مِنْ الثِّقَاتِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ صِفَةُ اللَّفْظِ، وَهُوَ صَلَاحِيَّتُهُ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَإِرَادَةُ الْغَيْرِ هُوَ الْمُحْتَمَلُ فَقَوْلُنَا قَطْعًا رَاجِعٌ إلَى الْمُحْتَمَلِ لَا إلَى الِاحْتِمَالِ بَيَانُهُ أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ الْمَوْضُوعَ لِلْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ فِي قَوْلِك رَأَيْت أَسَدًا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ يُقْبَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الشُّجَاعُ مَجَازًا فَهَذَا هُوَ الِاحْتِمَالُ وَإِرَادَةُ الشُّجَاعِ هِيَ الْمُحْتَمَلُ، فَإِذَا قُلْنَا الْمُرَادُ مِنْهُ مَوْضُوعُهُ قَطْعًا فَالْمُرَادُ بِالْقَطْعِ قَطْعُ الْمُحْتَمَلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ وَلَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا لَا مَحَالَةَ لَا قَطْعَ الِاحْتِمَالِ إذْ صَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ بَاقِيَةٌ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ أَيْضًا يُسَمَّى مُحْكَمًا فَثَبَتَ أَنَّ الْقَطْعَ يَجْتَمِعُ مَعَ الِاحْتِمَالِ. قَوْلُهُ (لَكِنْ لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَاحْتَمَلَ التَّغَيُّرَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَانَ إمَّا إثْبَاتُ الظُّهُورِ، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ أَوْ إزَالَةُ الْخَفَاءِ، وَهِيَ لَازِمَتُهُ فَلَوْ احْتَمَلَ التَّصَرُّفَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ مَعَ كَوْنِهِ بَيِّنًا يَلْزَمُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ أَوْ نَفْيُ الْمَنْفِيِّ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ
(1/79)

مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَيْضُ لِأَنَّا إذَا حَمَلْنَا عَلَى الْأَطْهَارِ انْتَقَصَ الْعَدَدُ عَنْ الثَّلَاثَةِ فَصَارَتْ الْعِدَّةُ قُرْأَيْنِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ وَإِذَا حَمَلْنَا عَلَى الْحَيْضِ كَانَتْ ثَلَاثَةً كَامِلَةً وَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ خَاصٌّ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ كَالْفَرْدِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ هَذَا بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعَمَلَ يَجِبُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ قَوْله تَعَالَى، {وَالْمُطَلَّقَاتُ} [البقرة: 228] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ قُلْنَا نَحْنُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] ، خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ وَلْيَتَرَبَّصْ الْمُطَلَّقَاتُ الْمَدْخُولُ بِهِنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] أَيْ مُضِيَّ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِك الْمُحْتَكِرُ يَتَرَبَّصُ الْغَلَاءَ، أَوْ مُدَّةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقُرُوءِ الْحِيَضُ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمُرَادُ بِهَا الْأَطْهَارُ، وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ فَقُلْنَا لَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْأَطْهَارِ انْتَقَصَ الْعَدَدُ عَنْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ يُنْتَقَصُ ذَلِكَ الطُّهْرُ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ لَا مَحَالَةَ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الطُّهْرِ هُوَ الطُّهْرُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ دَمَيْ تَرْكٍ بِالِاتِّفَاقِ لَا مُسَمَّى الطُّهْرِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَقَلَّ وَلَمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنْ الْعِدَّةِ عِنْدَ مَنْ حَمَلَ الْقُرُوءَ عَلَى الْأَطْهَارِ فَيُصَيِّرُ الْعِدَّةَ قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ قُرْءٍ وَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ خَاصٌّ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَمْسَةِ الْأَرْبَعَةُ وَلَا السِّتَّةُ مَعَ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ وَبِالْعَكْسِ جَائِزٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ أَعْلَامٌ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ سِتَّةٌ ضِعْفُ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٌ نِصْفُ ثَمَانِيَةٍ مِنْ غَيْرِ انْصِرَافٍ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ وَالنَّقْلُ لَا يَجْرِي فِي الْإِعْلَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَمَلْنَا عَلَى الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ لَا تُحْتَسَبُ تِلْكَ الْحَيْضَةُ بِالِاتِّفَاقِ فَيُكَمِّلُ الْأَقْرَاءَ لَا مَحَالَةَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِهَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فَيَكُونُ الْحَمْلُ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْكِتَابَ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى، {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] ، حَيْثُ أُرِيدَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَهُوَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ اسْمٌ عَامٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ وَيُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ كَمَا أُرِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى، {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ} [آل عمران: 42] ، جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمِنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] قَلْبَاكُمَا فَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ فَأَعْلَامٌ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا جَازَ إذَا رَأَى رَجُلَيْنِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت رِجَالًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت ثَلَاثَةَ رِجَالٍ {فَإِنْ قِيلَ} فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحِيَضِ مُخَالَفَةٌ لِلنَّصِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ازْدِيَادُ الْحَيْضِ عَلَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ لَا يَحْتَسِبُ تِلْكَ الْحَيْضَةَ بِالْإِجْمَاعِ فَيَجِبُ التَّرَبُّصُ حِينَئِذٍ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَبَعْضِ الرَّابِعِ وَاسْمُ الثَّلَاثَةِ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْهَاءَ عَلَامَةُ التَّذْكِيرِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ يُقَالُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَثَلَاثُ نِسْوَةٍ وَالْحَيْضَةُ مُؤَنَّثَةٌ وَالطُّهْرُ مُذَكَّرٌ فَدَلَّتْ الْعَلَامَةُ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الْأَطْهَارُ {قُلْنَا} الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ الِازْدِيَادَ ثَبَتَ ضَرُورَةَ وُجُوبِ التَّكْمِيلِ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَطْهُرَ كَمَا لَوْ قَالَ حَيْضَةً وَقَدْ وَجَبَ تَكْمِيلُ الْأَوْلَى بِالرَّابِعَةِ فَوَجَبَ بِتَمَامِهَا ضَرُورَةً عَدَمُ
(1/80)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] وَالرُّكُوعُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الْمَيَلَانُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ بِمَا يَقْطَعُ اسْمَ الِاسْتِوَاءِ فَلَا يَكُونُ إلْحَاقُ التَّعْدِيلِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ حَتَّى تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ بَيَانًا صَحِيحًا لِأَنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا لِحُكْمِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ لِيَصِيرَ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ الْكِتَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّجَزُّؤِ وَالْعِدَّةُ قَدْ يَحْتَمِلُ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ احْتِرَازًا عَنْ النُّقْصَانِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ جُعِلَتْ قُرْأَيْنِ وَفِيهِ زِيَادَةُ نِصْفِ الْقُرْءِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحَيْضَةَ؛ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً فَالْقُرْءُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الثَّلَاثَةُ مُذَكَّرٌ وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي تَسْمِيَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاسْمِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ كَالْبُرِّ وَالْحِنْطَةِ وَالذَّهَبِ وَالْعَيْنِ فَلَمَّا أُضِيفَ إلَى الْمُذَكَّرِ رُوعِيَ عَلَامَةُ التَّذْكِيرِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الْحِيَضُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَقَوْلُهُ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَلَمْ يَقُلْ طُهْرَانِ وقَوْله تَعَالَى، {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: 4] ، الْآيَةَ فَأَقَامَ الْأَشْهُرَ مَقَامَ الْحِيَضِ دُونَ الْأَطْهَارِ وَأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصِيلَ فِي الْعِدَّةِ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ وَالْحَيْضُ هُوَ الَّذِي يُسْتَبْرَأُ بِهِ الْأَرْحَامُ دُونَ الطُّهْرِ وَلِذَلِكَ كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُقَالُ أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ كَذَا فِي الْكَشَّافِ.
قَوْلُهُ (وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الْمُثَنَّى) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ كَالْفَرْدِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ؛ وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْدَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْدَادِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجٍ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ يُقَالُ ثَلَاثَةٌ عَدَدٌ فَرْدٌ وَأَرْبَعَةٌ عَدَدٌ زَوْجٌ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْفَرْدُ الْعَدَدَ أَزَالَ الْإِبْهَامَ بِقَوْلِهِ وَالْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الْمُثَنَّى وَمَعْنَاهُ لَفْظُ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَدَدَ وَاسْمُ الْوَاحِدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى، فَكَانَ هَذَا أَيْ الْحَمْلُ عَلَى الْأَطْهَارِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ أَيْ بِمُوجِبِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي التَّكْمِيلَ وَالتَّنْقِيصُ ضِدُّهُ

قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ قَوْله تَعَالَى، وَارْكَعُوا، قِيلَ هُوَ أَمْرٌ لِلْيَهُودِ بِالرُّكُوعِ أَيْ أُقِيمُوا صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَاتَهُمْ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا رُكُوعَ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الصَّلَاةُ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالسُّجُودِ وَيَكُونُ أَمْرًا بِأَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْمُصَلِّينَ يَعْنِي فِي الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَصَلُّوهَا مَعَ الْمُصَلِّينَ لَا مُنْفَرِدِينَ كَذَا فِي الْكَشَّافِ فَعَلَى هَذَا فَرْضِيَّةُ الرُّكُوعِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ثَابِتَةٌ عَلَيْنَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ الرُّكُوعَ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةً لَنَا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْنَا أَوْجَبَ، وَإِيرَادُ قَوْله تَعَالَى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، لِإِثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ الرُّكُوعِ كَمَا أَوْرَدَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَحْسَنُ، وَقَوْلُهُ ارْكَعُوا خَاصٌّ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ الْمَيَلَانُ عَنْ الِاسْتِوَاءِ) يُقَالُ رَكَعَتْ النَّخْلَةُ إذَا مَالَتْ وَرَكَعَ الْبَعِيرُ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَرَكَعَ الشَّيْخُ إذَا انْحَنَى قَامَتُهُ مِنْ الْكِبَرِ، بِمَا يَقْطَعُ اسْمَ الِاسْتِوَاءِ حَتَّى لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الرُّكُوعِ لَمْ يُجْزِهِ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الِاسْتِوَاءِ.
وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ جَازَ، وَفِي الْمَبْسُوطِ قَدْرُ الرُّكْنِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْنَى الِانْحِطَاطِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى لَهُ فِي النَّاسِ رَاكِعًا، فَلَا يَكُونُ إلْحَاقُ التَّعْدِيلِ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِتْمَامُ الْقِيَامِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، بِهِ أَيْ بِالرُّكُوعِ أَوْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى، وَارْكَعُوا، بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ حَدِيثُ تَعْلِيمِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فَرْضًا كَالرُّكُوعِ، بَيَانًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْتِحَاقِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بَيَانًا بِالْكِتَابِ
(1/81)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَهَذَا فِعْلٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ الدَّوَرَانُ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَلَا يَكُونُ وَقَفَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ إلَّا بِهَا عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَلَا بَيَانًا بَلْ نَسْخًا مَحْضًا فَلَا يَصِحُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يُزَادُ عَلَيْهِ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ الْكِتَابِ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنْ يَكُونَ فِيمَا اُلْتُحِقَ بِهِ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ عُدِمَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ.
وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا الْكَلَامِ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ إلْحَاقَهُ بِالنَّصِّ عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ فَاسِدٌ فَلَا يُلْحَقُ لَكِنَّهُ أَيْ التَّعْدِيلَ يُلْحَقُ بِالنَّصِّ أَوْ بِالرُّكُوعِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى إبْطَالِ الْأَصْلِ، لِيَصِيرَ وَاجِبًا مُلْحَقًا بِالْفَرْضِ حَتَّى يَنْتَقِصَ الصَّلَاةَ بِدُونِهِ وَيَأْثَمَ هُوَ بِتَرْكِهِ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ الدَّلِيلِ، كَمَا هُوَ مَنْزِلَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْكِتَابِ لَا مُبْطِلًا لَهُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْله تَعَالَى، {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] ، أَيْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَافَ وَتَطَوَّفَ بِمَعْنًى، بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَيْ مِنْ الْجَبَابِرَةِ وَالْغَرَقِ؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ إلَى السَّمَاءِ وَقْتَ الطُّوفَانِ، أَوْ الْكَرِيمِ وَكَرْمُهُ وَشَرَفُهُ ظَاهِرٌ، أَوْ الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ.
وَهَذَا فِعْلٌ، أَيْ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ وَلْيَطَّوَّفُوا وَتَسْمِيَتُهُ فِعْلًا تَوَسُّعٌ إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ لَفْظُ الطَّوَافِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وُضِعَ لِكَذَا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الطَّوَافُ مَوْضُوعٌ لُغَةً لِمَعْنًى مَعْلُومٍ، فَلَا يَكُونُ وَقْفُهُ أَيْ الْحُكْمُ بِأَنَّ الطَّوَافَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الطَّهَارَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ عَنْ اشْتِرَاطِهَا، وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إجْمَالٌ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ إنَّمَا يُقَالُ إنَّهُ بَيَانٌ إذَا كَانَ النَّصُّ يَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ وَالْأَمْرُ بِالطَّوَافِ لَا يَحْتَمِلُ الطَّهَارَةَ، بَلْ كَانَ نَسْخًا مَحْضًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي جَوَازَ الطَّوَافِ مَعَ الْحَدَثِ وَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ يَنْفِيه فَيَكُونُ نَسْخًا مَحْضًا فَلَا يَصِحُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ مُحْدِثٌ وَلَا عُرْيَانُ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الطَّوَافُ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ فِيهِ الْكَلَامُ» ، لَكِنَّهُ أَيْ شَرْطَ الطَّهَارَةِ يُزَادُ عَلَى الطَّوَافِ وَاجِبًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِدَلِيلِ إيجَابِ الدَّمِ عِنْدَ تَرْكِهِ، وَكَانَ ابْنُ شُجَاعٍ يَقُولُ إنَّهُ سُنَّةٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ {؛ فَإِنْ قِيلَ} النَّصُّ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّوَافِ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ قُدِّرَ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ وَشُرِطَ فِيهِ الِابْتِدَاءُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْحَجَرِ، وَكَذَا يَلْزَمُ إعَادَةُ طَوَافِ الْجُنُبِ وَالْعُرْيَانِ وَالطَّوَافِ الْمَنْكُوسِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِمَعْنًى زَائِدٍ ثَبَتَ شَرْعًا عَلَيْهِ كَالرِّبَا فَيَجُوزُ أَنْ يُلْتَحَقَ خَبَرُ الطَّهَارَةِ بَيَانًا بِهِ {قُلْنَا} أَمَّا التَّقْدِيرُ بِسَبْعَةِ أَشْوَاطٍ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَكَانَ كَالْمَنْصُوصِ فِي الْقُرْآنِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ كَالْحُدُودِ إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَالُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِهِ لِلْإِكْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ فَيَثْبُتُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ.
وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ شَرْطَ الْإِتْمَامِ وَلَئِنْ كَانَ شَرْطَ الِاعْتِدَادِ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْوُجُودِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْعَدَمِ كَالنِّيَّةِ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ الْمُتَعَيِّنِ وَكَمَا أَنَّ الْمُعَظَّمَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ حَتَّى لَمْ يَفْسُدْ الْحَجُّ بَعْدَ عَرَفَةَ بِوَجْهٍ كَأَنَّهُ أُتِيَ بِالْكُلِّ.
وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ غَيْرِ الْحَجَرِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلَئِنْ
(1/82)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] فَإِنَّمَا الْوُضُوءُ غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَهُمَا لَفْظَانِ خَاصَّانِ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا لَهُ، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَبَطَلَ شَرْطُ الْوَلَاءِ وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّسْمِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الرُّقَيَّاتِ فَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَجْعَلُهُ عَلَامَةَ افْتِتَاحِ الطَّوَافِ فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ بِالثَّانِي ثُمَّ بِالثَّالِثِ فَنَادَاهُ قَدْ أَتَانِي بِالْحَجَرِ مَنْ أَغْنَانِي عَنْ حَجَرِك وَوَجَدَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الطَّوَافِ مِنْهُ فَمَا أَدَّاهُ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ بِهِ لَا يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَكِنْ لَا تَزُولُ الشُّبْهَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيْضًا، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْمُبَالَغَةِ وَابْتِدَاءِ الْفِعْلِ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ صَدَرَ بِصِيغَةِ التَّطَوُّفِ وَتَاءُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَمِنْ حَيْثُ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ فَالْتُحِقَ خَبَرُ الْعَدَدِ وَالِابْتِدَاءِ بَيَانًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِبَيَانِ إجْمَالِهِ فَأَمَّا خَبَرُ الطَّهَارَةِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَحْتَمِلُ الطَّهَارَةَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ زَائِدٌ فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَنَظِيرُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ مُجْمَلًا الْتَحَقَ فِعْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَانًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ إجْمَالَهُ دُونَ خَبَرِ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ.
وَأَمَّا وُجُوبُ إعَادَةِ طَوَافِ الْجُنُبِ وَالْعُرْيَانِ وَالطَّوَافِ الْمَنْكُوسِ فَلَيْسَ لِعَدَمِ الْجَوَازِ بَلْ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ الْفَاحِشِ فِيهِ كَوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ إذَا رَجَعَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ انْجِبَارِ نُقْصَانِ الصَّلَاةِ بِالسَّجْدَةِ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّمَا إشَارَةٌ إلَى تَعْلِيلِ كَوْنِ مَفْهُومِ الْآيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَهُمَا لَفْظَانِ خَاصَّانِ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَعْنًى كَمَا فِي قَوْلِ الْمُتَنَبِّي:
حَشَايَ عَلَى جَمْرٍ ذَكِيٍّ مِنْ الْهَوَى ... وَعَيْنَايَ فِي رَوْضٍ مِنْ الْحُسْنِ تَرْتَعُ
أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَالْمَعْنَى الْمَعْلُومُ الْإِسَالَةُ لِلْغُسْلِ وَالْإِصَابَةُ لِلْمَسْحِ، فَلَا يَكُونُ شَرْطَ النِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا فِي الْبَدَلِ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي الشُّرُوطِ، عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ، وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ، وَالْوَاوُ فِي " وَهُوَ " لِلْحَالِ، وَالنِّيَّةُ عِنْدَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ إزَالَةَ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضَ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ نَوَى غَيْرَ مُقَارِنٍ لِغَسْلِ الْوَجْهِ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ عِنْدَهُ، بَلْ إضْرَابٌ عَنْ مَفْهُومِ الْكَلَامِ.
عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَيْ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً عَلَى حَسَبِ اقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ لَا فَرْضًا كَمَا قَالَهُ الْخَصْمُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ أَنَّهُ خَاصٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ إذْ التَّيَمُّمُ الْقَصْدُ، وَبَطَلَ شَرْطُ الْوَلَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُتَابَعَ فِي الْأَفْعَالِ، وَلَا يُفَرَّقَ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ التَّتَابُعَ جَفَافُ الْعُضْوِ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَى الْمُوَالَاةِ قَالُوا فَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إنْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَاءِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْوُضُوءِ؛ وَإِنْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ وَجَفَّ أَعَادَ مَا جَفَّ وَجَعَلَهُ قِيَاسَ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ إذَا اشْتَغَلَ فِي خِلَالِهَا بِعَمَلٍ آخَرَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَهُوَ أَنْ يُرَاعِيَ النَّسَقَ
(1/83)

وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ فِي هَذَا الْأَصْلِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَطَّ مَنْزِلَةَ الْخَاصِّ مِنْ الْكِتَابِ عَنْ رُتْبَتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ رَفَعَ حُكْمَ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ شَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهَ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ذِرَاعَيْهِ» وَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، وَالتَّسْمِيَةُ.
وَهِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَمُخْتَارُ الْمَشَايِخِ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَ التَّسْمِيَةَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ بِالْكِتَابِ وَلَا بِبَيَانٍ لَهُ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِمُوجِبِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ {فَإِنْ قِيلَ} فَهَلَّا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَأَخَوَاتِهَا كَمَا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ التَّعْدِيلِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ (قُلْنَا) لِلْمَانِعِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ لُزُومُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّبَعَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ إذْ هُوَ شَرْطٌ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ لِعَيْنِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ كَمَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ إذْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ فَقُلْنَا بِالسُّنَّةِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا كَذَا قَالُوا وَشَبَّهُوا هَذَا بِأَنَّ غُلَامَ الْوَزِيرِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْوَنَ حَالًا مِنْ غُلَامِ الْأَمِيرِ لِكَوْنِ الْوَزِيرِ أَدْنَى رُتْبَةً مِنْ الْأَمِيرِ قُلْت وَالْأَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفَاوُتَ دَرَجَاتُ الدَّلَائِلِ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ: قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ، وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ فَبِالْأَوَّلِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَبِالثَّانِي وَالثَّالِثِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَبِالرَّابِعِ يَثْبُتُ السُّنَّةُ وَالِاسْتِحْبَابُ لِيَكُونَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ.
فَخَبَرُ التَّعْدِيلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِالْإِعَادَةِ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ كُلَّ مَرَّةٍ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ عَلَّمَهُ» وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضُ لِانْقِطَاعِ الِاحْتِمَالِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ أَخْشَى أَنْ لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ يَعْنِي إذَا تَرَكَهُ، وَكَذَا خَبَرُ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ مُحْدِثٌ» لِتَأَكُّدِهِ بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَةِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَمِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إمَّا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ أَوْ اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ فَيَكُونُ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا خَبَرُ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمِّ كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَهُ الْمَاءُ» فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ كَيْفَ وَاسْتِعْمَالُ مِثْلِهِ فِي نَفْيِ الْفَضِيلَةِ شَائِعٌ، وَكَذَا دَلِيلُ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ «فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ» ، وَخَبَرُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي وُضُوئِهِ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلٍ فِي كَفِّهِ» فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الدَّلَائِلُ ظَنِّيَّةَ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةُ يَثْبُتُ بِهَا السُّنَّةُ لَا الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ (وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الرُّتْبَةِ حَيْثُ أَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا أَثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَزِمَ حَطُّ دَرَجَةِ الْكِتَابِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْخَبَرِ أَوْ رَفْعُ دَرَجَةِ الْخَبَرِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْكِتَابِ كَمَنْ
(1/84)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: قَوْلُهُ حَتَّى تَنْكِحَ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ لِلْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ فَمَنْ جَعَلَهُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلَا بَيَانًا؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ بَلْ كَانَ إبْطَالًا، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ غَايَةً وَنِهَايَةً وَالْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْضِ لِمَا وُصِفَ بِهَا وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّهِ فَيَلْغُو قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
سَوَّى بَيْنَ شَرِيفٍ، وَمَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ فِي الْمَكَانِ يَلْزَمُ رَفْعُ دَرَجَةِ الْأَدْنَى إنْ أَجْلَسَهُ فِي مَكَانِ الشَّرِيفِ أَوْ حَطُّ دَرَجَةِ الشَّرِيفِ إنْ أَجْلَسَهُ فِي مَكَانِ الْأَدْنَى، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَابِتٌ عِلْمًا وَعَمَلًا وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ قَطْعِيٌّ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِفَرْضِيَّةِ الْوِتْرِ وَفَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ فَأَنَّى يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ وَجَوَابُهُ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ

قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا، اعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْمِ وَصُورَتُهَا مَشْهُورَةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَهْدِمُ حُكْمَ مَا مَضَى مِنْ الطَّلْقَاتِ وَاحِدًا كَانَ أَمْ ثَلَاثَةً وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وَمَبْنَى الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ أَيْ إصَابَتَهُ فِي الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ مُثْبِتٌ حِلًّا جَدِيدًا أَمْ هُوَ غَايَةٌ لِلْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِهَا فَقَطْ فَعِنْدَ الْأَوَّلِينَ هُوَ مُثْبِتٌ لِلْحِلِّ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ هُوَ غَايَةٌ، تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] أَيْ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: 230] أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّطْلِيقِ، {حَتَّى تَنْكِحَ} [البقرة: 230] أَيْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَيْ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا وَسَمَّاهُ زَوْجًا بِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ خَمْرًا وَكَلِمَةُ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَضْعًا وَلَا تَأْثِيرَ لِلْغَايَةِ فِي إثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا بَلْ هِيَ مَنْهِيَّةٌ فَقَطْ، فَإِذَا انْتَهَى الْمُغَيَّا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدُ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ كَمَا فِي الْأَيْمَانِ الْمُوَقَّتَةِ يَنْتَهِي الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ بِهَا بِالْغَايَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ وَكَمَا فِي الصَّوْمِ يَنْتَهِي حُرْمَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِاللَّيْلِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ إلَى قَضَاءِ الْجُمُعَةِ وَتَحْرِيمِ الِاصْطِيَادِ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَى انْتِهَاءِ الْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ الْمُوَقَّتِ التَّكْفِيرُ، فَكَذَا هَهُنَا بِإِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي يَنْتَهِي الْحُرْمَةُ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ خَالِيَةً عَنْ أَسْبَابِ الْحُرْمَةِ، وَلَا يُقَالُ قَدْ اضْمَحَلَّ الْحِلُّ الْأَوَّلُ بِضِدِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ حِلٌّ آخَرُ يَضْمَحِلُّ بِهِ الْحُرْمَةُ لِاسْتِحَالَةِ عَوْدِ الْحِلِّ الْأَوَّلِ، لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ لَا بِالزَّوْجِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ غَايَةٌ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ الَّذِي ظَهَرَ أَثَرُهُ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى سَبَبٍ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ أَصْلًا كَمَنْ آجَرَ دَارِهِ فَخَرَجَتْ الْمَنَافِعُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ انْتَهَتْ الْإِجَارَةُ صَارَتْ الْمَنَافِعُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْأَوَّلِ بِالتَّمْلِيكِ وَعَدَمِ ارْتِفَاعِ سَبَبِ الزَّوَالِ وَلَكِنْ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ مِلْكُ الدَّارِ لَا بِانْتِهَاءِ الْإِجَارَةِ، فَمَنْ جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ مُثْبِتًا حِلًّا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ بَلْ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَايَةً فَقَطْ، بَلْ كَانَ إبْطَالًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الثَّانِي غَايَةً وَكَوْنُهُ غَايَةً يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ قَبْلَ الثَّلَاثِ بِمَنْزِلَةٍ وَجَعْلُهُ مُثْبِتًا حِلًّا جَدِيدًا يَقْتَضِي
(1/85)

وَالْجَوَابُ أَنَّ النِّكَاحَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ، وَهُوَ أَصْلُهُ وَيُحْتَمَلُ الْعَقْدُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ هُنَا بِدَلَالَةِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا فِي فِعْلِ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ مِثْلُ الرَّجُلِ فَصَحَّتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا وَأَمَّا فِعْلُ الْوَطْءِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهَا مُبَاشَرَتُهُ أَبَدًا لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ نَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ ثُمَّ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَتَّهِمُهُ بِالْعُنَّةِ وَقَالَتْ مَا وَجَدْته إلَّا كَهُدْبَةِ ثَوْبِي هَذَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُرِيدِينَ أَنْ تَعُودِي إلَى رِفَاعَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِك»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
خِلَافَهُ فَيَكُونُ إبْطَالًا.
وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ غَايَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِبْرَةٌ قَبْلَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْضِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِتَوَقُّفِ صَيْرُورَتِهَا غَايَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ كُلِّهِ إذْ لَوْ انْفَصَلَ لَمْ يَبْقَ بَعْضًا حَقِيقَةً، فَتَلْغُوا بِالتَّاءِ أَيْ الْغَايَةُ قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمُغَيَّا كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فِي رَجَبٍ حَتَّى يَسْتَشِيرَ إيَّاهُ فَاسْتَشَارَهُ قَبْلَ دُخُولِ رَجَبٍ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْيَمِينِ حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ فِي رَجَبٍ قَبْلَ الِاسْتِشَارَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ أَوْجَبَتْ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ بَعْدَ دُخُولِ رَجَبٍ إلَى غَايَةِ الِاسْتِشَارَةِ فَالِاسْتِشَارَةُ وَعَدَمُهَا قَبْلَ دُخُولِ رَجَبٍ بِمَنْزِلَةٍ، وَلَا يُقَالُ النَّصُّ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ التَّزَوُّجِ غَايَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْإِصَابَةُ بَعْدَهُ شَرْطٌ لِلْحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَوْلُ سَعِيدٍ مَرْدُودٌ حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَا يَنْفُذُ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ زِيدَ عَلَى النَّصِّ الْإِصَابَةُ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ حَتَّى صَارَ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنَ الْحُرْمَةِ مُوَقَّتَةً وَكَوْنَ الزَّوْجِ الثَّانِي مَعَ الْإِصَابَةِ غَايَةً، فَكَأَنَّهُ قِيلَ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مُغَيَّاةٌ إلَى التَّزَوُّجِ وَالْإِصَابَةِ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، " فَمَنْ جَعْلَهُ " الضَّمِيرَ الْبَارِزَ رَاجِعٌ إلَى الزَّوْجِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَالتَّقْدِيرُ كَلِمَةُ حَتَّى وُضِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَهُوَ الْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ فَيَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي غَايَةَ فَمَنْ جَعَلَ الزَّوْجَ، وَلَكِنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى كَلِمَةِ حَتَّى وَالْمُرَادُ الزَّوْجُ أَوْ نِكَاحُهُ بِطَرِيقِ التَّوَسُّعِ؛ لِأَنَّ حَتَّى لَا يَكُونُ غَايَةً بَلْ الْغَايَةُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَتَّى، وَالتَّقْدِيرُ فَمَنْ جَعَلَهُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَا يَكُونُ عَمَلًا بَلْ يَكُونُ إبْطَالًا فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ مُحْدِثًا حِلًّا جَدِيدًا لَكِنَّهُ يَكُونُ غَايَةً وَنِهَايَةً.
وَالنِّهَايَةُ تَأْكِيدٌ لِلْغَايَةِ وَوَقَعَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ كَمَا مَرَّ مِثْلُهُ قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ إلَى آخِرِهِ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ لِلتَّحْلِيلِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ إلَّا أَنَّهُ أُسْنِدَ إلَى الْمَرْأَةِ هَهُنَا بِاعْتِبَارِ التَّمْكِينِ كَمَا أُسْنِدَ الزِّنَا الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ إلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ نَهَارُك صَائِمٌ وَلَيْلُك قَائِمٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ زَوْجًا يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا زَوْجَهَا فَصَارَ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَتَّى تُمَكِّنَ مِنْ وَطْئِهَا زَوْجًا فَكَانَ ذِكْرُ الزَّوْجِ اشْتِرَاطًا لِلْعَقْدِ وَذِكْرُ النِّكَاحِ اشْتِرَاطًا لِلْوَطْءِ، قَالُوا: وَفِيهِ تَقْلِيلُ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا فِي الْإِسْنَادِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النِّكَاحَ؛ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْوَطْءِ إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ هَهُنَا بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالنِّكَاحُ الْمُضَافُ إلَى الْمَرْأَةِ لَيْسَ إلَّا الْعَقْدَ يُقَالُ نَكَحَتْ أَيْ تَزَوَّجَتْ، وَهِيَ نَاكِحٌ فِي بَنِي فُلَانٍ أَيْ هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ مِنْهُمْ كَذَا فِي الصِّحَاحِ؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إرَادَةُ الْوَطْءِ مِنْهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْوَطْءِ إلَيْهَا أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي كَلَامِهِمْ إضَافَةُ
(1/86)

وَفِي ذِكْرِ الْعَوْدِ دُونَ الِانْتِهَاءِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْلِيلِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْوَطْءِ وَالنِّكَاحِ الَّذِي بِمَعْنَاهُ إلَى الْمَرْأَةِ وَلَوْ جَازَ أَنْ تُسَمَّى وَاطِئَةً بِالتَّمْكِينِ لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمَرْكُوبُ رَاكِبًا وَالْمَضْرُوبُ ضَارِبًا، وَهِيَ خِلَافُ اللُّغَةِ.
وَأَمَّا إضَافَةُ الزِّنَا إلَيْهَا، فَلَيْسَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلتَّمْكِينِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ الْحَرَامِ مِنْ الرَّجُلِ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ الزِّنَا عَنْهَا إذَا زَنَتْ كَمَا لَا يَصِحُّ نَفْيُ التَّمْكِينِ عَنْهَا، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النِّكَاحَ هَهُنَا بِمَعْنَى التَّمْكِينِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَطْءِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الزَّوْجِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَطْءُ مِنْ التَّمْكِينِ لَا مَحَالَةَ فَثَبَتَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ فِي هَذَا الطَّرِيقِ إعْمَالُ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ جَمِيعًا فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا قَالُوا؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْمَالُ أَحَدِهِمَا وَفِيهِ عَمَلٌ بِالْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا سُمِّيَ بِالنِّكَاحِ لِمَعْنَى الضَّمِّ وَفِي الْعَقْدِ ضَمُّ كَلَامٍ إلَى كَلَامٍ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا اخْتَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بَعْدَ كَوْنِهَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَتَّضِحُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَطْءُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ وَلَوْ ثَبَتَ الْوَطْءُ بِالْكِتَابِ كَمَا ذَكَرُوا لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَيَتَأَكَّدُ كَلَامُ الْخُصُومِ حِينَئِذٍ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَالْمَرْأَةُ هِيَ تَمِيمَةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقُرَظِيَّةُ، وَقِيلَ عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ النَّضِيرِيَّةُ، وَرِفَاعَةُ هُوَ ابْنُ وَهْبِ بْنِ عَتِيكٍ ابْنُ عَمِّهَا. وَقِيلَ ابْنُ سَمَوْأَلٍ،
وَالزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّايِ لَا غَيْرُ وَاتِّهَامُهَا لَهُ بِالْعُنَّةِ قَوْلُهَا مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا حَكَتْ امْرَأَةٌ عَنْ عِنِّينٍ فَقَالَتْ حَلَلْت مِنْهُ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَالْعُسَيْلَتَانِ كِنَايَتَانِ عَنْ الْعُضْوَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مَظِنَّتِي الِالْتِذَاذِ. وَصُغِّرَتْ بِالْهَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَسَلِ التَّأْنِيثُ؛ وَإِنْ كَانَ يُذَكَّرُ أَيْضًا، وَيُقَالُ إنَّمَا أَنَّثَ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعَسَلَةُ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ لِلْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ ذَهَبَةٌ، وَالتَّأْكِيدُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْجَانِبَيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي بَابِ التَّحْلِيلِ.
وَقَوْلُهُ تَذُوقِي وَيَذُوقَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الشِّبَعَ، وَهُوَ الْإِنْزَالُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَا التَّصْغِيرُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْقَلِيلَ كَافٍ وَرَاوِي الْحَدِيثِ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَكَذَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ قِصَّةِ رِفَاعَةَ، وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ أَنْ تَرْجِعِي مَقَامَ أَنْ تَعُودِي وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَتْ كَانَ غَشِيَنِي فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهَا كَذَبْت فِي قَوْلِك الْأَوَّلِ فَلَنْ أُصَدِّقَك فِي الْآخَرِ فَلَبِثَتْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثُمَّ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَتْ: أَرْجِعُ إلَى زَوْجِي الْأَوَّلِ فَإِنَّ زَوْجِي الْآخَرَ قَدْ مَسَّنِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ عَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَك مَا قَالَ فَلَا تَرْجِعِي إلَيْهِ فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ أَتَتْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ لَهَا لَئِنْ أَتَيْتنِي بَعْدَ مَرَّتِك هَذِهِ لَأَرْجُمَنَّكِ فَمَنَعَهَا» كَذَا فِي التَّيْسِيرِ

قَوْلُهُ (وَفِي ذِكْرِ الْعَوْدِ) إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ وَفِي ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ الْعَوْدَ وَتَرْكِهِ لَفْظَ الِانْتِهَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْكِتَابِ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَنْتَهِيَ حُرْمَتُك إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَوْقَ الْعُسَيْلَةِ تَحْلِيلٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَنِيَ عَدَمَ الْعَوْدِ إلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الذَّوْقُ يَثْبُتُ الْعَوْدُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ أَمْرٌ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ
(1/87)

لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَكُنْ قَبْلُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَقَدْ ثَبَتَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيُضَافُ إلَيْهِ بِخِلَافِ أَصْلِ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَسَبَبُهُ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ إلَّا أَنَّ حُكْمَهُ تَخَلَّفَ بِاعْتِرَاضِ الْحُرْمَةِ، فَإِذَا انْتَهَتْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ثَبَتَ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، فَأَمَّا الْعَوْدُ فَلَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَيَكُونُ حَادِثًا بِهِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الرَّدُّ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى كَانَ الْحِلُّ ثَابِتًا مُطْلَقًا، وَلَمْ يَبْقَ فَيَكُونُ فِعْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي مُثْبِتًا لِلْحِلِّ الَّذِي عُدِمَ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَفِي اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ لِلْعَوْدِ إشَارَةٌ إلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ.
قَوْلُهُ (لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَالْمُحَلِّلُ حَقِيقَةً مَنْ يُثْبِتُ الْحِلَّ كَالْمُحْرِمِ مَنْ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ وَالْمُبَيِّضُ مَنْ يُثْبِتُ الْبَيَاضَ فَيَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِعِبَارَةِ النَّصِّ كَذَا قِيلَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إشَارَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يُسَقْ لَهُ بَلْ لِإِثْبَاتِ اللَّعْنِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَالْأُولَى غَامِضَةٌ، وَإِلْحَاقُ اللَّعْنِ بِهِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلتَّحْلِيلِ بَلْ لِشَرْطٍ فَاسِدٍ أَلْحَقَهُ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ ذِكْرُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ إنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ أَوْ لِقَصْدِهِ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ إنْ لَمْ يَشْرِطْ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ وَالْبَقَاءِ، وَهُوَ إنَّمَا قَصَدَ غَيْرَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» .
وَأَمَّا إلْحَاقُ اللَّعْنِ بِالْمُحَلَّلِ لَهُ فَلِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ لِمِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ وَالْمُسَبِّبُ شَرِيكُ الْمُبَاشِرِ فِي الْإِثْمِ وَالثَّوَابِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ اللَّعْنِ إظْهَارُ خَسَاسَةِ الْمُحَلِّلِ بِمُبَاشَرَةِ مِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ بِمُبَاشَرَةِ مَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ مِنْ عَوْدِهَا إلَيْهِ بَعْدَ مُضَاجَعَةِ غَيْرِهِ إيَّاهَا وَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا لَا حَقِيقَةُ اللَّعْنِ إذْ هُوَ الْأَلْيَقُ بِكَلَامِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا بُعِثَ لَعَّانًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ» وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَيُقْطَعُ يَدُهُ» ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْآحَادِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَسْخُهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ أَثْبَتَ كَوْنَ الزَّوْجِ الثَّانِي غَايَةً وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَهُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ كَوْنِهِ غَايَةً أَيْضًا إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ غَايَةً وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَ الشَّيْءِ كَمَا يَكُونُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ بِثُبُوتِ ضِدِّهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] ، فَالِاغْتِسَالُ مُثْبِتٌ لِلطَّهَارَةِ وَمُنْهٍ لِلْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ لَمْ تَبْقَ الْجَنَابَةُ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور: 27] أَيْ تَسْتَأْذِنُوا وَالِاسْتِئْذَانُ مُنْهٍ لِحُرْمَةِ الدُّخُولِ بِإِثْبَاتِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَالْحَدِيثُ أَثْبَتَ كَوْنَهُ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَمَّا ثَبَتَ الْحِلُّ لِمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَزُلْ إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَالْحِلِّ الْأَوَّلِ (فَإِنْ قِيلَ) الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ رَافِعٌ لِلْحُرْمَةِ ضَرُورَةً وَالرَّافِعُ لِلشَّيْءِ لَا يَكُونُ غَايَةً لَهُ كَالطَّلَاقِ لِلنِّكَاحِ.
(قُلْنَا) مَا يَرْفَعُ الشَّيْءَ قَصْدًا فَهُوَ قَاطِعٌ لَهُ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَايَةِ كَالطَّلَاقِ، فَأَمَّا مَا يُثْبِتُ حُكْمًا آخَرَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِهِ انْتِفَاءَ الثَّابِتِ لِتَضَادٍّ بَيْنَهُمَا فَهُوَ غَايَةٌ لِمَا كَانَ ثَابِتًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَهِي بِضِدِّهِ كَاللَّيْلِ بِالنَّهَارِ وَعَكْسِهِ وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لِلْحِلِّ وَلَكِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّابِتِ مُحَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْكُوحَتَهُ
(1/88)

فَثَبَتَ الدُّخُولُ زِيَادَةً بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ بِمِثْلِهِ وَمَا ثَبَتَ الدُّخُولُ بِدَلِيلِهِ إلَّا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ وَثَبَتَ شَرْطُ الدُّخُولِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَنْ صِفَتُهُ التَّحْلِيلُ وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا الْوَصْفَ عَنْ دَلِيلِهِ عَمَلًا بِمَا هُوَ سَاكِتٌ، وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَعَنَى الدُّخُولَ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ جَمِيعًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] الْآيَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ فَلَا يَمْلِكُ إثْبَاتَهُ ثَانِيًا وَهَهُنَا الْحِلُّ ثَابِتٌ بِكَمَالِهِ غَيْرُ مُنْتَقِصٍ؛ لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالثَّلَاثِ فَقَبْلُهُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْحُكْمِ لَا تَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ وَالْعِلَّةِ، قُلْنَا السَّبَبُ إذَا وُجِدَ وَأَمْكَنَ إظْهَارُ فَائِدَتِهِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ، وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَفِي اعْتِبَارِهِ فَائِدَةٌ، وَهِيَ أَنْ لَا تَحْرُمَ عَلَيْهِ إلَّا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ مُسْتَقْبَلَاتٍ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ كَالْيَمِينِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَالظِّهَارُ بَعْدَ الظِّهَارِ مُنْعَقِدٌ؛ وَإِنْ تَمَّ الْمَنْعُ عَنْ الْفِعْلِ بِالْيَمِينِ الْأُولَى وَالْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي الِانْعِقَادِ فَائِدَةٌ وَهِيَ تَكَرُّرُ التَّكْفِيرِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى مَالَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ أَوْ ضَمَّ مَالِهِ إلَى مَالِ الْغَيْرِ فَاشْتَرَاهُمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ التَّصَرُّفِ أَوْ جَوَازَ الْعَقْدِ فِي مَالِ الْغَيْرِ (فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِنْ التَّطْلِيقَاتِ ثَلَاثًا بِهَذَا الْحَادِثِ وَوَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بِالْأَوَّلِ (قُلْنَا) إذَا وَجَبَ إثْبَاتُ الْحِلِّ بِهَذَا السَّبَبِ الثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ اقْتَضَى انْتِفَاءَ الْأَوَّلِ إذْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ فَيَنْتَفِي بِهِ اقْتِضَاءً كَمَا إذَا عَقَدَا الْبَيْعَ بِأَلْفٍ ثُمَّ جَدَّدَاهُ بِأَنْقَصَ أَوْ أَكْثَرَ يَصِحُّ الثَّانِي وَيَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ اقْتِضَاءً.
أَوْ يُقَالُ لَمَّا عَرَفَنَا الثَّلَاثَ مُحَرِّمًا لِلْمُحَلِّ بِالنَّصِّ حَكَمْنَا بِتَأْثِيرِهِ فِي الْحِلَّيْنِ فَيَرْفَعُهُمَا جَمِيعًا الْأَوَّلُ بِالطَّلْقَةِ أَوْ الطَّلْقَتَيْنِ لِتَمَامِ عِلَّةِ زَوَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِالْبَاقِي كَمَا قُلْنَا فِي تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ (فَثَبَتَ الدُّخُولُ زِيَادَةً) أَيْ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا، بِخَبَرٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ حَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ، يُحْتَمَلُ، الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ " زِيَادَةً "، وَهُوَ النَّصُّ، وَمَا ثَبَتَ أَيْ لَمْ يَثْبُتْ الدُّخُولُ، بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ إلَّا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ، وَثَبَتَ شَرْطُ الدُّخُولِ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ، بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ وَإِثْبَاتُهُ بِالْكِتَابِ تَخْرِيجُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمِنْ صِفَتِهِ أَيْ صِفَةِ الدُّخُولِ التَّحْلِيلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَثَبَتَ وَقَوْلُهُ وَمِنْ صِفَتِهِ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدُّخُولَ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ التَّحْلِيلِ، وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا الْوَصْفَ، وَهُوَ التَّحْلِيلُ، عَنْ دَلِيلِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ حَيْثُ قُلْتُمْ بِاشْتِرَاطِ الدُّخُولِ وَأَنْكَرْتُمْ صِفَةَ التَّحْلِيلِ، عَمَلًا أَيْ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ سَاكِتٌ، وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَكَانَ الطَّعْنُ عَائِدًا عَلَيْكُمْ، قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَتَى نَظَرْت إلَى السُّنَّةِ كَانَ الْأَمْرُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَتَى نَظَرْت إلَى مُوجِبِ نَصِّ الْآيَةِ أَشْكَلَ وَأَنَّهُ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ قَوْلًا بِظَاهِرِ كَلِمَةِ حَتَّى وَمَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا كِبَارُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَصْعُبُ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ قَوْله تَعَالَى، {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أَيْ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ وَالْإِرْسَالِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُرِدْ بِالْمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ وَلَكِنَّ التَّكْرِيرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] ، أَيْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَحَنَانَيْكَ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] ، تَخْيِيرٌ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُطَلِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكُوا النِّسَاءَ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِهِنَّ وَبَيْنَ أَنْ يُسَرِّحُوهُنَّ السَّرَاحَ الْجَمِيلَ الَّذِي عَلَّمَهُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ
(1/89)

فَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَأَعْقَبَهُمَا بِإِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْخُلْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] فَإِنَّمَا بَدَأَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ زَادَ فِعْلَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ وَتَحْتَ الْأَفْرَادِ تَخْصِيصُ الْمَرْأَةِ بِهِ وَتَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى مَا سَبَقَ فَإِثْبَاتُ فِعْلِ الْفَسْخِ مِنْ الزَّوْجِ بِطَرِيقِ الْخُلْعِ لَا يَكُونُ عَمَلًا بِهِ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُرَادُ بِالْمَرَّتَيْنِ حَقِيقَةً التَّثْنِيَةُ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى، {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] ، أَيْ رَجْعَةٌ بِرَغْبَةٍ لَا عَلَى قَصْدِ إضْرَارٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ بِأَنْ لَا يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَبِينَ بِالْعِدَّةِ أَوْ بِأَنْ لَا يُرَاجِعَهَا مُرَاجَعَةً يُرِيدُ بِهَا تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَضِرَارَهَا، وَقِيلَ بِأَنْ تُطَلِّقَهَا الثَّالِثَةَ فِي الطُّهْرِ الثَّالِثِ، وقَوْله تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 229] أَيْ عَلِمْتُمْ أَوْ ظَنَنْتُمْ، وَهُوَ خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ، أَنْ لَا يُقِيمَا أَيْ الزَّوْجَانِ حُدُودَ اللَّهِ أَيْ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ نُشُوزِهَا أَوْ نُشُوزِهِمَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَيْ لَا إثْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَهَا أَيْ لَا يَكُونُ دَفْعُهَا إسْرَافًا وَأَخْذُهُ ظُلْمًا.
هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ: هُوَ فَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي انْتِقَاصِ عَدَدِ الثَّلَاثِ بِهِ تَمَسَّك الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِخِيَارِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ عِنْدَكُمْ فَيَنْفَسِخُ بِالتَّرَاضِي، وَذَلِكَ بِالْخُلْعِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَمَسَّك فِي إثْبَاتِ كَوْنِهِ طَلَاقًا بِالنَّصِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً) يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] وَذَكَرَهُ مَرَّتَيْنِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَعْقَبَهُمَا الضَّمِيرَ الْبَارِزَ رَاجِعٌ إلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ لَا إلَى الْمَرَّتَيْنِ فَحَسْبُ أَيْ أَعْقَبَ الْمَرَّةَ بِإِثْبَاتِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ {وَبُعُولَتُهُنَّ} [البقرة: 228] وَالْمَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] لِيَعْلَمَ أَنَّ الرَّجْعَةَ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَتَيْنِ كَمَا هِيَ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الذِّكْرِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ الذِّكْرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا غَيْرُ إذْ السَّوْقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ قَوْله تَعَالَى، {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ لَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] ، إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى التَّمَسُّكِ بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ لَوْ قَالَ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] وَقَوْلُهُ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بَيَانُ وَجْهِ التَّمَسُّكِ أَيْضًا، وَالْغَرَضُ مِنْ ضَمِّ الْمَرَّةِ إلَى الْمَرَّتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ يَتِمُّ بِدُونِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ التَّثْنِيَةَ؛ وَإِنْ كَانَتْ مَقْصُودَةً كَمَا ذَكَرْنَا فَالتَّفْرِيقُ فِيهَا مَقْصُودٌ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحِلُّ إرْسَالُ التَّطْلِيقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ مَرَّتَانِ وَإِرْسَالُهُمَا جَمْعًا لَا يُسَمَّى مَرَّتَيْنِ كَمَنْ أَعْطَى فَقِيرًا دِرْهَمَيْنِ لَا يُقَالُ أَعْطَاهُ مَرَّتَيْنِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَرَّتَيْنِ أَيْ مَعَ الْأُولَى لَا بِدُونِهَا كَمَا يُقَالُ نَصَحْتُك مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ فَلَمْ تَسْمَعْ وَأَتَيْت بَابَك مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ فَمَا صَادَفْتُك وَيُرَادُ مَعَ الْأُولَى لَا أَنَّهُ نَصَحَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَتَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي وَأَعْقَبَهُمَا رَاجِعًا إلَى الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْمَرَّتَيْنِ فَحَسْبُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إثْبَاتُ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ لَا غَيْرُ، فَافْهَمْ. قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا بَدَأَ) بَيَانَ وَجْهِ التَّمَسُّكِ أَيْ بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِذِكْرِ فِعْلِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ثُمَّ زَادَ فِعْلَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ، وَبَحَثَ الْإِفْرَادَ أَيْ إفْرَادَ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ تَخْصِيصُهَا بِالِافْتِدَاءِ
(1/90)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ هَذَا {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: 230] وَالْفَاءُ حَرْفٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْوَصْلُ وَالتَّعْقِيبُ؛ وَإِنَّمَا وَصَلَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ بِالْمَالِ فَأَوْجَبَ صِحَّتَهُ بَعْدَ الْخُلْعِ فَمَنْ وَصَلَهُ بِالرَّجْعِيِّ وَأَبْطَلَ وُقُوعَهُ بَعْدَ الْخُلْعِ لَمْ يَكُنْ عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَيْ لَا يَكُونُ الِافْتِدَاءُ إلَّا مِنْ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُحْتَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اخْتَصَّتْ هِيَ بِهِ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ، وَفِيهِ أَيْ فِي الْإِفْرَادِ تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي سَبَقَ، وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا ثُمَّ خَصَّ جَانِبَهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَتَخَلَّصُ بِالِافْتِدَاءِ إلَّا بِفِعْلِ الزَّوْجِ كَانَ بَيَانًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ أَنَّ فِعْلَهُ هُوَ الَّذِي سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانِ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] ، فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الْخُلْعِ طَلَاقٌ، فَمَنْ جَعَلَ فِعْلَهُ فِي الْخُلْعِ فَسْخًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَمَلًا بِهَذَا الْخَاصِّ الْمَنْطُوقِ حُكْمًا، وَهُوَ الطَّلَاقُ بَلْ يَكُونُ رَفْعًا.
(فَإِنْ قِيلَ) ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الطَّلَاقَ لَا فِعْلَ الزَّوْجِ صَرِيحًا فَيَثْبُتُ بِالْبَيَانِ السُّكُوتِيِّ هَذَا الْقَدْرُ وَيَصِيرُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ؛ فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَلَا يُطَلِّقُهَا مَجَّانًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ لِتَحْصِيلِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الْآيَةُ بَيَانَ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ لَا بَيَانُ الْخُلْعِ وَكَلَامُنَا فِي الْخُلْعِ (قُلْنَا) بَلْ هِيَ بَيَانُ الْخُلْعِ بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي «جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَتْ تُبْغِضُ زَوْجَهَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وَكَانَ يُحِبُّهَا فَتَخَاصَمَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَبَتْ التَّفْرِيقَ فَقَالَ ثَابِتٌ قَدْ أَعْطَيْتهَا حَدِيقَةً فَلْتَرُدَّ عَلَيَّ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَأَزِيدُهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا بَلْ حَدِيقَتُهُ فَقَطْ ثُمَّ قَالَ يَا ثَابِتُ خُذْ مِنْهَا مَا أَعْطَيْتهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا فَفَعَلَ» فَكَانَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا صَارَتْ التَّطْلِيقَاتُ أَرْبَعًا فِي سِيَاقِ الْآيَةِ (قُلْنَا) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] بَيَانُ الشَّرْعِيَّةِ لَا بَيَانُ الْوُقُوعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ فِي مَوَاضِعَ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَعَدِّدًا بِتَعَدُّدِ الذِّكْرِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا كَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ بِهِ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ أَمَّا الْفَسْخُ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَفَسْخٌ قَبْلَ التَّمَامِ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِتْمَامِ، وَكَذَلِكَ فِي خِيَارِ الْعِتْقِ وَالْبُلُوغِ.
فَأَمَّا الْخُلْعُ فَإِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَالنِّكَاحِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَسْخًا فَيُجْعَلَ قَطْعًا لِلنِّكَاحِ فِي الْحَالِ فَيَكُونَ طَلَاقًا قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى) {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] الْآيَةُ الصَّرِيحُ يَلْحَقُ الْبَائِنَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْحَقُهُ؛ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ عَلَى مَالٍ إذْ لَا بَيْنُونَةَ فِيمَا سِوَاهُمَا عِنْدَهُ هَكَذَا سَمِعْت مِنْ الثِّقَاتِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ لَفْظُ التَّهْذِيبِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ بَاقِيَةٌ؛ وَإِنْ حُرِّمَ الْوَطْءُ أَمَّا الْمُخْتَلِعَةُ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ فَلَا يَلْحَقُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ بِالْخُلْعِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقَعُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ إلَّا فِي الْمُخْتَلِعَةِ وَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا أَصَحُّ، قَالَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَقَدْ زَالَ بِالْخُلْعِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَعْدَهُ كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ بِالْآيَةِ
(1/91)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ} [النساء: 24] فَإِنَّمَا أَحَلَّ الِابْتِغَاءَ بِالْمَالِ، وَالِابْتِغَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الطَّلَبُ وَالطَّلَبُ بِالْعَقْدِ يَقَعُ فَمَنْ جَوَّزَ تَرَاخِي الْبَدَلِ عَنْ الطَّلَبِ الصَّحِيحِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ فِعْلُ الْوَطْءِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إبْطَالًا فَبَطَلَ بِهِ مَذْهَبُ الْخَصْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَقَالَ: وَصَلَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ بِالْمَالِ، وَهُوَ الْخُلْعُ بِحَرْفِ الْفَاءِ، وَهُوَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ فَيَكُونُ هَذَا تَنْصِيصًا عَلَى صِحَّةِ إيقَاعِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الْخُلْعِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَصَارَ مَعْنَى الْآيَةِ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ، فَمَنْ وَصَلَهُ أَيْ الطَّلَاقَ أَوْ قَوْلُهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بِالرَّجْعِيِّ يَعْنِي بِأَوَّلِ الْآيَةِ لَا يَكُونُ وَصْلُهُ عَمَلًا بِالْفَاءِ وَلَا بَيَانًا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ: هَذِهِ الْآيَةُ رَجَعَتْ إلَى الْآيَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُهُ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أَيْ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةً أُخْرَى، وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ الْمَوْصُوفَ بِالتَّكْرَارِ فِي قَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وَاسْتَوْفَى نَصًّا بِهِ أَوْ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَوَصَلَاهُ بِالْآيَةِ الْأُولَى.
وَكَذَا فِي عَامَّةِ التَّفَاسِيرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ؛ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] إمَّا بَيَانُ مُبَاشَرَةِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَتْ شَرْعِيَّتُهَا ثَابِتَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] عَلَى مَا رَوَى أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ «- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ أَوْ بَيَانُ الشَّرْعِيَّةِ» كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَجِبُ وَصْلُهُ بِأَوَّلِ الْآيَةِ لَا بِالْخُلْعِ، فَلَا يَبْقَى التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَيْفَ وَالتَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي الْحُكْمِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ شَرْعِيَّةُ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ الْخُلْعِ عَمَلًا بِالْفَاءِ وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا الْخُلْعُ مُتَصَوِّرٌ وَمَشْرُوعٌ قَبْلَ الطَّلْقَتَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَ حَرْفِ الْفَاءِ سَاقِطٌ، وَأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ التَّرْتِيبُ وَالْوَصْلُ كَمَا هُوَ مُوجِبُ حَرْفِ الْفَاءِ لَصَارَ عَدَدُ الطَّلَاقِ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ مُرَتَّبَةً عَلَى الْخُلْعِ وَالْخُلْعَ مُرَتَّبًا عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ وَذَلِكَ خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ بَيَانَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ} [البقرة: 230] لَا فِي قَوْلِهِ {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وَأَنَّ قَوْلَهُ {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] يَنْصَرِفُ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ لَا أَنَّهُ بَيَانُ طَلْقَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ تَطْلِيقٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ فِي الطَّلَاقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى الِافْتِدَاءِ الثَّالِثَةَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ وَيَبْقَى النَّصُّ حُجَّةً مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِيَاقِ النَّظْمِ وَمُخَالَفَتِهِ لِأَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَسْتَقِيمُ هَهُنَا؛ لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَبْقَ حُجَّةً فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْخُلْعُ لَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ بِدَلِيلِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَإِذَا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَتَمَسَّكَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَبِالْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] أَيْ سِوَى هَؤُلَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ أَنْ تَبْتَغُوا مَفْعُولٌ لَهُ بِمَعْنَى بَيَّنَ لَكُمْ مَا يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُمُ إرَادَةَ أَنْ يَكُونَ ابْتِغَاؤُكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْ تَبْتَغُوا بَدَلًا مِمَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، وَالْأَمْوَالُ الْمُهُورُ، مُحْصِنِينَ فِي حَالِ كَوْنِكُمْ نَاكِحِينَ غَيْرَ زَانِينَ لِئَلَّا تُضَيِّعُوا أَمْوَالَكُمْ وَتُفْقِرُوا
(1/92)

فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} [الأحزاب: 50] وَالْفَرْضُ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَهْرَ مُقَدَّرًا شَرْعًا كَانَ مُبْطِلًا، وَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ فِي قَوْله تَعَالَى مَا فَرَضْنَا لَفْظٌ خَاصٌّ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنْفُسَكُمْ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ فَتَخْسَرُوا دُنْيَاكُمْ وَدِينَكُمْ، وَمَفْعُولُ أَنْ تَبْتَغُوا مُقَدَّرٌ، وَهُوَ النِّسَاءُ، فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ الِابْتِغَاءَ أَيْ الطَّلَبَ بِالْمَالِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ مُلْصَقًا بِالْمَالِ وَالطَّلَبُ بِالْعَقْدِ يَقَعُ لَا بِالْإِجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] ، فَيَجِبُ الْمَالُ عِنْدَ الْعَقْدِ إمَّا تَسْمِيَةً وَإِمَّا وُجُوبًا بِإِيجَابِ الشَّرْعِ.
وَقَوْلُهُ عَنْ الطَّلَبِ الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ يَتَرَاخَى إلَى الْوَطْءِ

قَوْلُهُ (فِي الْمُفَوِّضَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْوِيضَ هُوَ التَّزْوِيجُ بِلَا مَهْرٍ، وَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ فَالصَّحِيحُ هُوَ أَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ تَقُولَ زَوِّجْنِي وَلَا تَذْكُرُ الْمَهْرَ فَيُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَيَقُولُ زَوَّجْتُكهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ يَسْكُتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ أَوْ السَّيِّدُ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِلَا مَهْرٍ أَوْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِهِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِالْفَرْضِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ لَا مَهْرَ لَهَا، وَالْفَاسِدُ هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ الصَّغِيرَةَ أَوْ الْمَجْنُونَةَ مُفَوِّضَةً أَوْ الْأَبُ زَوَّجَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ دُونَ رِضَاهَا مُفَوِّضَةً فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ لِلْإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي التَّفْوِيضِ الصَّحِيحِ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا مُفَوِّضَةً بِكَسْرِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا فَوَّضَتْ أَيْ أَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ بِلَا مَهْرٍ وَمُفَوَّضَةً بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ وَلِيَّهَا فَوَّضَهَا أَيْ زَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ وَالْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ بِلَا مَهْرٍ لَا تُسَمَّى إلَّا مُفَوَّضَةً بِالْفَتْحِ فَهَذَا مَعْنَى فَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا.
فَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ بِالْكَسْرِ هِيَ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ وَبِالْفَتْحِ هِيَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِلَا مَهْرٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأُولَى فَاسِدٌ عِنْدَهُ لِعَدَمِ الْوَلِيِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ وَفِي نِكَاحِ الثَّانِيَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ، وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الصَّدْرِ الْحَجَّاجِ قُطْبِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمُفَوِّضَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِمَالٍ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِلَا مَالٍ بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مَوْقُوفٌ إلَى قِيَامِ الدَّلِيلِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِلَا عِوَضٍ، وَهُوَ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَالْمُطْلَقُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ.
قُلْت الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي الْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَهَهُنَا كَذَلِكَ فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْمَالِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ شُرِطَ فِيهِ الْإِشْهَادُ مَعَ أَنَّ إطْلَاقَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَكَذَا يُشْتَرَطُ الْمَالُ (قَوْله تَعَالَى {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 50] أَيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَجِبُ فَرْضُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَقِيلَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالْمَهْرُ، وَفِي التَّيْسِيرِ أَيْ مَا أَوْجَبْنَا مِنْ الْمُهُورِ فِي أُمَّتِك فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمِنْ الْعِوَضِ فِي إمَائِهِمْ وَأَحْلَلْنَا لَك الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ وَأَطْلَقْنَا لَك الِاصْطِفَاءَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا شِئْت، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي تَقْدِيرِ الْمَهْرِ فَقَالَ الْفَرْضُ
(1/93)

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْإِيجَابِ وَالتَّقْدِيرِ؛ وَإِنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ فَمَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَالتَّرْكِ فِي الْمَهْرِ وَالتَّقْدِيرِ فِيهِ كَانَ إبْطَالًا لِمُوجِبِ هَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَا عَمَلًا بِهِ وَلَا بَيَانًا لَهُ لِأَنَّهُ بَيِّنٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَفْظٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ فِي تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ مُجْمَلٌ فَالْتُحِقَ السُّنَّةُ بَيَانًا بِهِ، وَهِيَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ وَلَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ» فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ تَقْدِيرًا لَازِمًا فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُقَدَّرًا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ لَا عَامِلًا بِهِ، وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْفَرْضَ خَاصٌّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت بَلْ الْفَرْضُ الْجَزُّ فِي الشَّيْءِ وَمِنْهُ قِيلَ فَرْضُ الْقَوْسِ لِلْجَزِّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْوَتَرُ، وَالْمِفْرَضُ لِلْحَدِيدَةِ الَّتِي يُجَزُّ بِهَا، وَالْفَرِيضُ لِلسَّهْمِ الْمَفْرُوضِ الَّذِي فُرِضَ فَوْقَهُ وَفُرْضَةُ النَّهْرِ لِثُلْمَتِهِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَقَى، وَالْفَرْضُ الْإِيجَابُ أَيْضًا، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَالْفَرْضُ الْبَيَانُ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] أَيْ بَيَّنَّاهَا فِي قَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، أَيْ بَيَّنَ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ.
وَالْفَرْضُ التَّقْدِيرُ كَمَا ذَكَرْت فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا لَا خَاصًّا، أَوْ هُوَ خَاصٌّ فِي الْقَطْعِ حَقِيقَةٌ فِيهِ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ أَصْلُ الْفَرْضِ الْقَطْعُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْإِيجَابِ وَالتَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَكَذَا الْمُقَدَّرُ مَقْطُوعٌ عَنْ الْغَيْرِ فَكَانَ مَجَازًا فِيهِمَا ثُمَّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى الْإِيجَابِ هَهُنَا بِقَرِينَةِ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [الأحزاب: 50] أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيجَابِ يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ كَمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ مَا بِهِ قَوَامُهُنَّ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَاجِبٌ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ كَوُجُوبِهِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ لِلْأَزْوَاجِ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْإِيجَابِ هَهُنَا فَأَمَّا مَعْنَى التَّقْدِيرِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ عَلَى الْمَوَالِي لِلْإِمَاءِ شَيْءٌ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْإِيجَابَ هُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا كَلِمَةُ عَلَى، فَإِنَّهَا صِلَةُ الْإِيجَابِ لَا صِلَةُ التَّقْدِيرِ يُقَالُ فَرَضَ عَلَيْهِ أَيْ أَوْجَبَ وَلَا يُقَالُ فَرَضَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى قَدَّرَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْإِيجَابِ أَوْلَى لَا يَكُونُ تَرْكُ الْقَوْلِ بِالتَّقْدِيرِ فِي الْمَهْرِ إبْطَالًا. قَوْلُهُ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ فَرَضْنَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْإِيجَابِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَاتِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بِلَفْظِ الْفَرْضِ وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُهُورَ النِّسَاءِ مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهَا غَيْبٌ عَنَّا فَبِاصْطِلَاحِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مُقَدَّرٍ يَظْهَرُ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ الْمَعْلُومُ لَا أَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ مَا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ اُعْتُبِرَ هَذَا بِقِيَمِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ تَظْهَرُ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَنَظِيرُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَسْتُورٌ عَنَّا وَيَظْهَرُ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ وَلَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إثْبَاتُ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ، وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ قَبْلَ الْفِعْلِ لِيَتَحَقَّقَ الِامْتِثَالُ كَتَقْدِيرِ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْغَرَضَ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى الْخَمْسَةِ يَكُونُ ذَلِكَ إظْهَارًا لِلْمُقَدَّرِ أَيْضًا كَمَا لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى الْعِشْرِينَ.
وَاَلَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا بِمَا ذَكَرْتُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَلَمَّا جَازَتْ الزِّيَادَةُ جَازَ النُّقْصَانُ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ الْمَهْرُ مُقَدَّرًا؟ ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي تَمْنَعُ النُّقْصَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ كَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ
(1/94)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْقَطْعُ لَفْظٌ خَاصٌّ لِمَعْنًى مَخْصُوصٍ، فَأَنَّى يَكُونُ إبْطَالُ عِصْمَةِ الْمَالِ عَمَلًا بِهِ فَقَدْ وَقَعْتُمْ فِي الَّذِي أَبَيْتُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَلَا يُرَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِجَانِبِ الْقِلَّةِ بِالنَّفْيِ فَقَالَ لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ دُونَ الْكَثْرَةِ إذْ لَمْ يَقُلْ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهَا فَيَكُونُ الْتِزَامُ الْأَكْثَرِ امْتِثَالًا بِهَذَا التَّقْدِيرِ لَا مَحَالَةَ كَالْتِزَامِ الزِّيَادَةِ فِي الزَّكَاةِ بِخِلَافِ جَانِبِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلِامْتِثَالِ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْعَبْدِ امْتِثَالٌ بِهِ أَيْ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ، فَمَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَالتَّرْكِ فِي الْمَهْرِ أَيْ إثْبَاتَ الْمَهْرِ وَتَرْكَهُ كَمَا جَعَلَهُ مَالِكٌ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَا إنْ شَاءَ أَوْجَبَ الْمَهْرَ فِي الْعَقْدِ أَوْ سَكَتَ فَيَجِبُ الْمَهْرُ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ وَإِنْ شَاءَ نَفَاهُ فَيَصِحُّ نَفْيُهُ أَيْضًا وَيُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ كَنَفْيِ الثَّمَنِ عَنْ الْبَيْعِ يَصِحُّ وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَهْرِ كَمَا جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: إيجَابُ أَصْلِهِ بِالْعَقْدِ وَبَيَانُ مِقْدَارِهِ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الزَّوْجَيْنِ كَانَ إبْطَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى الِاخْتِيَارِ وَأَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى الْإِيجَابِ أَيْ مَنْ جَعَلَ إلَى الْعَبْدِ اخْتِيَارَ الْإِيجَابِ وَاخْتِيَارَ التَّقْدِيرِ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] الْآيَةَ، رَفَعَهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قِيلَ وَفِيمَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أَيْ حُكْمُهُمَا أَوْ الْخَبَرُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَدُخُولُ الْفَاءِ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، أَيْدِيَهُمَا، وَنَحْوُهُ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] اكْتَفَى بِتَثْنِيَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ تَثْنِيَةِ الْمُضَافِ، وَأُرِيدَ بِالْيَدَيْنِ الْيَمِينَانِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ عَبْدُ اللَّهِ وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ جَزَاءً وَنَكَالًا مَفْعُولٌ لَهُمَا كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ إنَّمَا جَمَعَ الْأَيْدِي؛ لِأَنَّ السَّارِقَ اسْمُ جِنْسٍ، وَكَذَا السَّارِقَةُ أُرِيدَ بِهِمَا الْجَمْعُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَيْدِي؛ لِأَنَّهَا أَفْرَادٌ مُضَافَةٌ إلَى الْجَمْعِ وَقَالَ أَيْدِيَهُمَا عَلَى التَّثْنِيَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَيْدِيهِمْ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ اعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَائِعٌ لُغَةً كَالْجَمْعِ بَيْنَ تَذْكِيرِ الْمَعْنَى وَتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَالصَّوَابُ أَيْمَانَهُمْ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَيْمَانَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَالْعُضْوُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ مِنْ اثْنَيْنِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ عِنْدَنَا حُكْمُ السَّرِقَةِ قَطْعٌ يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْ السَّارِقِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَسْرُوقُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ خَمْرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا اسْتَهْلَكَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ الْقَطْعُ لَا يَنْفِي ضَمَانَ الْعَيْنِ عَنْهُ بَلْ الْعَيْنُ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَطْعٌ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي السَّرِقَةِ الْكُبْرَى وَحَدِّ الزِّنَا قَالَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْقَطْعِ بِقَوْلِهِ {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَلَمْ يَنْفِ الضَّمَانَ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ الْإِبَانَةُ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الضَّمَانِ وَانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ أَصْلًا، وَلَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، اسْمًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَقْصُودًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شُرِعَ جَبْرًا لِلْمَحَلِّ وَالْآخَرُ شُرِعَ زَاجِرًا بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَمَحَلًّا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ أَحَدِهِمَا الْيَدُ وَمَحَلَّ الْآخَرِ الذِّمَّةُ، وَسَبَبًا؛ لِأَنَّ سَبَبَ أَحَدِهِمَا الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبَ الْآخَرِ الْجِنَايَةُ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ وَاسْتِحْقَاقًا، فَإِنَّ مُسْتَحِقَّ الْقَطْعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمُسْتَحِقُّ الْآخَرِ الْعَبْدُ وَإِذَا
(1/95)

وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِنَصٍّ مَقْرُونٍ بِهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ الْمُطْلَقَ اسْمٌ لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مُقَابَلَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ؛ وَإِنْ يَجِبْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَدُلَّ عَلَى خُلُوصِ الْجِنَايَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْجَزَاءِ وَاقِعَةٌ عَلَى حَقِّهِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحَوُّلُ الْعِصْمَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْمَشْرُوعِ لِمَا شُرِعَ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَزَى أَيْ قَضَى وَجَزَاءٌ بِالْهَمْزَةِ أَيْ كَفَى وَكَمَالُهُ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الْجِنَايَةِ وَلَا كَمَالَ مَعَ قِيَامِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا لِمَعْنًى يَكُونُ فِي غَيْرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اخْتَلَفَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا ثُبُوتَ الْآخَرِ وَلَا انْتِفَاءَهُ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَهُوَ الْعُمُومَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ، وَكَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَطْعَ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ وَإِبْطَالَ الْعِصْمَةِ لَا يَكُونُ هَذَا عَمَلًا بِهَذَا اللَّفْظِ الْخَاصِّ بَلْ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «لَا غُرْمَ عَلَى سَارِقٍ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ» ، وَقَدْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَيْ لَا يَكُونُ إبْطَالُ عِصْمَةِ الْمَالِ عَمَلًا بِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ إبْطَالُ الْعِصْمَةِ ثَبَتَ بِنَصٍّ يُشِيرُ إلَى إبْطَالِهَا، " مَقْرُونٍ " بِقَوْلِهِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ النَّصُّ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ كَقَوْلِك أَنْتَ حُرٌّ نَصٌّ فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ الشَّرْطُ تَغَيَّرَ مُوجِبُهُ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا غَيَّرْنَا هَذَا النَّصَّ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ سُقُوطَ عِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، بِدَلِيلٍ زَائِدٍ اُقْتُرِنَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَزَاءً، وَفِي قَوْلِهِ مَقْرُونٍ بِهِ إشَارَةٌ إلَى نَوْعٍ مِنْ التَّشْنِيعِ عَلَى الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْمُتَّصِلِ بِهَذَا الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى إشَارَتِهِ ثُمَّ طَعَنَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ فَيَكُونُ الطَّعْنُ عَائِدًا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَانُ إشَارَتِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ أُطْلِقَ هَهُنَا وَالْجَزَاءُ إذَا أُطْلِقَ فِي مَعْرِضِ الْعُقُوبَاتِ يُرَادُ بِهِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمُقَابَلَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمِثْلِ وَمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ يَتَقَيَّدُ بِهِ مَالًا كَانَ أَوْ عُقُوبَةً كَالْغَصْبِ وَالْقِصَاصِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْخُصُومَةَ بِدَعْوَى الْحَدِّ وَإِثْبَاتِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ إنَّمَا يَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةٍ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ؛ لِيَكُونَ الْجَزَاءُ وِفَاقًا وَذَلِكَ بِأَنْ يُثْبِتَ الْحُرْمَةَ لِمَعْنًى فِي ذَاتِهِ كَحُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَرَامًا لِغَيْرِهِ مُبَاحًا فِي ذَاتِهِ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لَا يُوجِبُ الْجَزَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ عَصِيرِ الْغَيْرِ وَالْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا الْمَالَ قَبْلَ السَّرِقَةِ مُحْتَرَمًا لِحَقِّ الْعَبْدِ عَلَى الْخُلُوصِ وَلَمْ يَسْتَبْقِ لِذَاتِهِ حَقًّا حَتَّى صَحَّ بَذْلُ الْعَبْدِ وَإِبَاحَتُهُ وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَهُ بِإِتْلَافٍ وَلَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى ضَمَانٌ ثُمَّ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ حَقًّا لِنَفْسِهِ خَالِصًا فَعَرَفْنَا ضَرُورَةَ أَنَّهُ اسْتَخْلَصَ الْحُرْمَةَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا اسْتَخْلَصَهَا لِذَاتِهِ وَهِيَ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْقَى لِلْعَبْدِ ضَرُورَةٌ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَصَارَ مُحْتَرَمًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَبْقَى حَقًّا لِلْعَبْدِ وَكَالْأَرْضِ تُتَّخَذُ مَسْجِدًا وَصَارَتْ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَبْقَى لِلْعَبْدِ وَكَمَا لَا يَبْقَى لِلْبَائِعِ إذَا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحْوِيلُ الْعِصْمَةِ إلَيْهِ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إبْطَالُ الْعِصْمَةِ إبْطَالُهَا عَلَى الْعَبْدِ بِنَقْلِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إبْطَالُهَا مُطْلَقًا (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُرْمَةَ وَاحِدَةٌ بَلْ الْمَالُ مُحْتَرَمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِوُجُودِ النَّهْيِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ وَمُحْتَرَمٌ أَيْضًا لِحَقِّ الْعَبْدِ
(1/96)

وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ الْعِصْمَةُ، وَهِيَ الْحِفْظُ وَلَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا كَانَ لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ وَشُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ عِنْدَكُمْ وَكَوُجُوبِ الدِّيَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ (قُلْنَا) بَلْ الْحُرْمَةُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ الْقَطْعَ يَجِبُ إلَّا بِمَالٍ مُحْتَرَمٍ حَقًّا لِلْعَبْدِ؛ وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَطْعَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِصِيَانَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَانْتَقَلَتْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَبْقَ مَعْنًى لِلْعَبْدِ يُضَافُ وُجُوبُ الضَّمَانِ إلَيْهِ بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ فِي الصَّيْدِ بَلْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّيْدِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ.
وَإِذَا لَمْ يَصِرْ حَقُّهُ مَقْضِيًّا بِهِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقُّهُ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ خَمْرِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ بِشُرْبِهَا لَمْ يَجِبْ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَوْ شَرِبَ خَمْرَ نَفْسِهِ يَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لِحَقِّهِ وَجَبَ جَبْرُ حَقِّهِ بِالضَّمَانِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ يَدُلُّ يَعْنِي لُغَةً، عَلَى كَمَالِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ الْقَطْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَثَلًا، لِمَا شُرِعَ لَهُ، وَهُوَ السَّرِقَةُ أَوْ الزَّجْرُ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ رَاجِعٌ إلَى الْمَشْرُوعِ وَالْبَارِزُ إلَى مَا، يَعْنِي تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ جَزَاءً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَامِلٌ وَتَامٌّ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جُزِيَ بِالْيَاءِ أَيْ قُضِيَ وَالْقَضَاءُ الْإِحْكَامُ وَالْإِتْمَامُ قَالَ:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُد أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ
أَيْ أَحْكَمَهُمَا وَأَتَمَّهُمَا كَذَا قِيلَ، فَعَلَى هَذَا أَصْلُهُ جَزَايٌ بِالْيَاءِ إلَّا أَنَّهَا قُلِبَتْ هَمْزَةً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الْأَلِفِ كَالْقَضَاءِ أَصْلُهُ قَضَايٌ، وَأَجْزَأَ بِالْهَمْزِ أَيْ كَفَى وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَكُونُ كَافِيًا إذَا كَانَ تَامًّا وَكَامِلًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْهَمْزَةُ أَصْلِيَّةً وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ جَزَى يَجْزِي يُقَالُ جِزْيَتُهُ بِمَا صَنَعَ جَزَاءً فَأَمَّا كَوْنُهُ مَهْمُوزًا فَمَا وَجَدْته فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الَّتِي عِنْدِي وَلَعَلَّ الشَّيْخَ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَلَّ لَفْظُ الْجَزَاءِ عَلَى الْكَمَالِ لُغَةً اسْتَدْعَى كَمَالَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ سَبَبِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَمَعَ بَقَاءِ الْعِصْمَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ.
وَهُوَ حَقُّ الْمَالِكِ فَيَبْقَى مُبَاحًا بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَذَلِكَ أَعْظَمُ شُبْهَةٍ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ فَلَا يَجِبُ مَعَهَا الْحَدُّ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْغَصْبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى اسْتِدْلَالٌ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَزَاءِ وَالثَّانِيَةَ اسْتِدْلَالٌ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَحَاصِلُهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِكَمَالِ الْجَزَاءِ عَلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَبْسُوطِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي لَفْظِ الْجَزَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْكَمَالِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ الْقَطْعُ جَمِيعَ مُوجِبِ الْفِعْلِ فَكَانَ نَسْخًا لِمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْطُلُ) جَوَابُ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: أَتِلْكَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ السَّرِقَةِ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ كَالْعِصْمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ النَّبَّاشُ عِنْدَكُمْ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةٍ فِي الْمِلْكِ ثُمَّ لَمْ يَقْتَضِ وُجُوبُ الْقَطْعِ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بَقِيَ لِلْعَبْدِ كَمَا كَانَ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِرْدَادِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَقْلَ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ وِلَايَةُ
(1/97)

فَأَمَّا تَعَيُّنُ الْمَالِكِ فَشَرْطٌ لِيَصِيرَ خَصْمُهُ مُتَعَيِّنًا لَا لِعَيْنِهِ حَتَّى إذَا وُجِدَ الْخَصْمُ بِلَا مِلْكٍ كَانَ كَافِيًا كَالْمُكَاتَبِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَلِذَلِكَ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِنَايَةَ تَقَعُ عَلَى الْمَالِ وَالْعِصْمَةُ صِفَةٌ لِلْمَالِ مِثْلُ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فَأَمَّا الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ كَيْفَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْجِنَايَةِ لِيَنْتَقِلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّضْمِينِ إنْ كَانَ هَالِكًا، فَأَجَابَ وَقَالَ: اشْتِرَاطُ الْمِلْكِ لَيْسَ بِعَيْنِهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ لِتَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَمْ يَجِبْ جَزَاءً عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَحَلِّ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا بَلْ بِكَوْنِهِ مَعْصُومًا مُتَقَوِّمًا إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْعَبْدِ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فَثَبَتَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِتَحْقِيقِ الْعِصْمَةِ لَا لِذَاتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِقَالِ الْعِصْمَةِ انْتِقَالُهُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ، وَهِيَ تَحَقُّقُ الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ قَدْ انْدَفَعَتْ بِهِ.
وَذَلِكَ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ بَقِيَ الْمِلْكُ لِصَاحِبِهَا؛ وَإِنْ انْتَقَلَتْ عِصْمَتُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَالشَّاةِ إذَا مَاتَتْ بَقِيَ مِلْكُ صَاحِبِهَا فِي الْجِلْدِ؛ وَإِنْ صَارَتْ مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ: (قَوْلُهُ فَأَمَّا تَعَيُّنُ الْمَالِكِ فَشَرْطٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ آخَرَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمِلْكُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْعِصْمَةُ فِي تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ، وَقَدْ انْتَقَلَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى صَارَ كَالْخَمْرِ عَلَى مَا قُلْتُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ دَعْوَى الْمَالِكِ وَيَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَسَائِرِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: تَعَيُّنُ الْمَالِكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِعَيْنِهِ أَيْضًا بَلْ لِيَظْهَرَ السَّبَبُ بِخُصُومَتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنَّ السَّرِقَةَ هِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْحَدِّ إلَّا بِذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ الْمُحْرَزُ، وَمَالُ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِخُصُومَةِ الْغَيْرِ وَإِثْبَاتِهِ فَكَانَتْ الدَّعْوَى شَرْطًا لِإِثْبَاتِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْخَصْمُ بِلَا مِلْكٍ كَانَ كَافِيًا عِنْدَنَا كَالْمُكَاتَبِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَالْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَوْدِعِ وَالْعَبْدِ الْمُسْتَغْرِقِ بِالدَّيْنِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَوَجْهٌ آخَرُ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ الْعِصْمَةُ وَلَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِ الْمَسْرُوقِ مَمْلُوكًا لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا لَا يُوصَفُ بِالْعِصْمَةِ بَلْ يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ فَلَوْ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ لَبَطَلَتْ الْعِصْمَةُ أَصْلًا وَفِي بُطْلَانِهَا بُطْلَانُ الْجِنَايَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ النَّقْلِ تَحْقِيقُهَا لَا إبْطَالُهَا فَامْتَنَعَ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْعِصْمَةِ.
وَقَوْلُهُ؛ وَلِذَلِكَ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ؛ فَلِكَوْنِ الْعِصْمَةِ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ دُونَ الْمِلْكِ انْتَقَلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ وَعَلَى التَّقْرِيرِ الثَّانِي فَلِعَدَمِ إمْكَانِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ تَحَوَّلَتْ الْعِصْمَةُ دُونَ الْمِلْكِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَوْفَقُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ إلَّا بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَقَدْ وُجِدَتْ الْعِصْمَةُ بِدُونِ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ إذَا سَرَقَ مَالَ الْوَقْفِ مِنْ الْمُتَوَلِّي يَجِبُ الْقَطْعُ وَلَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ الْوَقْفُ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (قُلْنَا) الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حُكْمًا؛ وَلِهَذَا يَرْجِعُ الثَّوَابُ إلَيْهِ وَالْغَلَّةُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ كَالْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ أَيْضًا تَبَعًا لِأَصْلِهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أُسْتَاذُ الْأَئِمَّةِ حَمِيدُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَوَائِدِهِ وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ؛ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ فِي جَوَابِ سَرِقَةِ مَالِ الْوَقْفِ وَسَرِقَةِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْقَطْعَ وَلَا مِلْكَ فِيهَا لِغَرِيمٍ وَلَا وَارِثٍ إنَّ الْمِلْكَ مَا شُرِطَ لِعَيْنِهِ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ لِمَكَانِ الْخُصُومَةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِظُهُورِ
(1/98)

وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَأَمَّا نَقْلُ الْعِصْمَةِ فَمَشْرُوعٌ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
السَّرِقَةِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَدَمَ الْمِلْكِ فَالْيَدُ ثَابِتَةٌ، وَهِيَ كَافِيَةٌ لِلْخُصُومَةِ، ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِصْمَةِ وَالْمِلْكِ فَقَالَ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ أَيْ النَّقْلُ إنَّمَا يُثْبِتُ ضَرُورَةً تَكَامُلَ الْجِنَايَةِ وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمَالِ فَيَنْتَقِلُ مَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِ، وَهُوَ الْعِصْمَةُ فَأَمَّا الْمِلْكُ فَصِفَةٌ لِلْمَالِكِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْجِنَايَةِ فَكَيْفَ يَنْتَقِلُ أَيْ لَا يَنْتَقِلُ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فَقَالَ الْجَزَاءُ: إنَّمَا يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ لَا عَلَى الْمَالِكِ وَالْمِلْكُ صِفَةُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْقَادِرِ لَا مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِ فَجَازَ أَنْ لَا يَسْقُطَ الْمِلْكُ فَأَمَّا الْعِصْمَةُ، وَهِيَ الِاحْتِرَامُ فَوَصْفُ الْمَحَلِّ وَهَذِهِ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَحَلِّ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ كَمَا فِي الْخَمْرِ (فَإِنْ قِيلَ) الْعِصْمَةُ صِفَةٌ لِلْعَاصِمِ لَا لِلْمَالِ كَالْمِلْكِ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ وَلِهَذَا يُقَالُ مَالٌ مَعْصُومٌ وَلَا يُقَالُ مَالٌ عَاصِمٌ كَمَا يُقَالُ مَالٌ مَمْلُوكٌ لَا مَالِكٌ، فَأَنَّى يَسْتَقِيمُ هَذَا الْفَرْقُ (قُلْنَا) تَقْرِيرُهُ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ كَشْفٍ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّي كَالضَّرْبِ مَثَلًا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ التَّأْثِيرِ وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ التَّأَثُّرِ؛ وَلِهَذَا يُوصَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيُقَالُ زَيْدٌ الضَّارِبُ وَعَمْرٌو الْمَضْرُوبُ، فَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْفَاعِلُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُؤَثِّرَ قَامَ بِهِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْمَفْعُولُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّأَثُّرَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ قَامَ بِهِ وَالْمَصْدَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لُغَةً مُنَاسِبٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ فَمَصْدَرُ الضَّارِبِ ضَرْبٌ بِمَعْنَى التَّأْثِيرِ، وَمَصْدَرُ الْمَضْرُوبِ ضَرْبٌ بِمَعْنَى التَّأَثُّرِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُهُ بِالْفَاعِلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ الْمَفْعُولِ كَمَا فِي قَوْلِك فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ أَيْ سَجِيَّتُهُ الْإِعْطَاءُ وَالْمَنْعُ وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُهُ بِالْمَفْعُولِ دُونَ الْفَاعِلِ كَمَا إذَا بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ.
ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْعِصْمَةِ التَّعَلُّقُ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمَالُ لَا بِالْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ هِيَ الْحِفْظُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ صَيْرُورَةُ الْمَالِ مَحْفُوظًا لَا اتِّصَافُ الْفَاعِلِ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمِلْكِ عَكْسُهُ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِالْفَاعِلِ وَاتِّصَافُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ الْمَفْعُولِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ اتِّصَافُ الْعَبْدِ بِالْمَالِكِيَّةِ لَا اتِّصَافُ الْمَالِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَ الشَّيْخُ الْعِصْمَةَ صِفَةَ الْمَالِ وَالْمِلْكَ صِفَةَ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ (وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ) يَعْنِي لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُتَصَوَّرَةَ الْوُقُوعِ عَلَى الْمِلْكِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِهِ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْهَدْ فِي الشَّرْعِ انْتِقَالَ مِلْكِ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ كَيْفَ وَأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الثَّابِتِ إذْ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِلْكُهُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا مَمْلُوكُ الْعَبْدِ لَا مَمْلُوكُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ الْعَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ، فَأَمَّا الْعِصْمَةُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْعَبْدِ فَقَدْ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ انْتِقَالُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا مَعْصُومٌ لِلْعَبْدِ لَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلِهَذَا قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْعِصْمَةِ دُونَ الْمِلْكِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ انْتِقَالَ الْعِصْمَةِ عِنْدَنَا إنَّمَا يَثْبُتُ حَالَ انْعِقَادِ السَّرِقَةِ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ لِمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى الْحِفْظِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا مَضْمُونًا بِالْعُقُوبَةِ الزَّاجِرَةِ وَلَكِنْ إنَّمَا يَتَقَرَّرُ هَذَا بِالِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى تَمَامُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ حُكْمُ الْأَخْذِ مُرَاعًى إنْ اسْتَوْفَى الْقَطْعَ تَبَيَّنَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَحَلِّ قَدْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ لِلْعَبْدِ؛ وَإِنْ
(1/99)

وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ (بَابُ الْأَمْرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ لِلْعَبْدِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ لَهُ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَسْئِلَةِ.
ثُمَّ هَذَا الِانْتِقَالُ ضَرُورِيٌّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لِتَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ لِلسَّارِقِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّ وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُ السَّارِقِ يَضْمَنُ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ السَّارِقُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَةِ فَيَظْهَرُ حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّ هَذَا الْفِعْلِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَظْهَرَ الِانْتِقَالُ فِي الضَّمَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْدَفَعَتْ بِإِثْبَاتِهِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْقَطْعِ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَدْ ظَهَرَ انْتِقَالُهَا وَإِبْطَالُهَا فِي حَقِّ أَحَدِ الضَّمَانَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّ الضَّمَانِ الْآخَرِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَكْرَارِ الضَّمَانِ بِإِزَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ لَا يَضْمَنُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ إتْمَامٌ لِلْمَقْصُودِ بِالسَّرِقَةِ فَيَظْهَرُ سُقُوطُ حَقِّ الْعَبْدِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لِلْمَقْصُودِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ آخَرُ ابْتِدَاءً كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ انْتَقَلَتْ الْعِصْمَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْخَمْرِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ كَمَا فِي سَرِقَةِ الْخَمْرِ (قُلْنَا) إنَّمَا لَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَعْصُومًا حَقًّا لِلْعَبْدِ قَبْلَ السَّرِقَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَالْخَمْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَأَمَّا الْمَالُ الْمَسْرُوقُ فَقَدْ كَانَ مَعْصُومًا قَبْلَ السَّرِقَةِ حَقًّا لِلْعَبْدِ مُفْتَقِرًا إلَى الصِّيَانَةِ فَوَجَبَ الْقَطْعُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ (فَإِنْ قِيلَ) الْقَطْعُ شُرِعَ لِصِيَانَةِ حَقِّ الْعَبْدِ وَفِي الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْعِصْمَةِ وَبُطْلَانِ الضَّمَانِ إبْطَالُ حَقِّهِ فَيَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِهِ.
(قُلْنَا) إنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِ صُورَةً فَفِيهِ تَكْمِيلُ مَعْنَى الْحِفْظِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ وَاحِدَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا كَانَ الْقَطْعُ أَنْفَعَ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ الْحِفْظِ حَالَةَ السَّرِقَةِ بِجَعْلِ الْمَحَلِّ مُحَرَّمَ التَّنَاوُلِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ تَنَاوُلُهُ مَضْمُونًا بِالْقَطْعِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْحِفْظِ، وَهَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ حِفْظِ مَالِهِ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ لَهُ كَمَا أَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ إيجَابِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ وَصِيَانَةَ النَّفْسِ فِيهِ أَتَمُّ وَلِهَذَا سُمِّيَ حَيَاةً، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الضَّمَانِ فِي الْحُكْمِ فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُفْتِي بِالضَّمَانِ فِيمَا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ قَدْ لَحِقَهُ النُّقْصَانُ وَالْخُسْرَانُ مِنْ جِهَتِهِ بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ وَلَكِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِالضَّمَانِ لَمَّا اُعْتُبِرَ الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي حَقِّ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ فَلَا يَقْضِي بِالضَّمَانِ وَلَكِنْ يُفْتِي بِرَفْعِ النُّقْصَانِ وَالْخُسْرَانِ الَّذِي أُلْحِقَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ: (وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ) أَيْ وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِي بَيَانِهِ وَهُوَ الْخَاصُّ

[بَابُ الْأَمْرِ]
[تَعْرِيف الْأَمْر]
(بَابُ الْأَمْرِ)
ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَوَّلِ الْبَابِ لَفْظَةَ ذَلِكَ، وَهُوَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْبَعِيدِ وَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ
(1/100)

فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ عِنْدَنَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ صِيغَةً لَازِمَةً وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَهُمْ مُوجِبَةٌ كَالْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَبَعْدَ ذِكْرِ الْأَصْلِ ذَكَرَ لَفْظَ هَذَا، وَهُوَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْقَرِيبِ، وَكَذَا ذَكَرَ قُبَيْلَ بَابِ النَّهْيِ، وَكَانَ عَكْسُهُ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ مِمَّا لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ فَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ذَلِكَ وَهَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ أَشْبَهَ الْمَحْسُوسَ الْغَائِبَ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ أَشْبَهَ الْمَحْسُوسَ الْحَاضِرَ فَصَحَّ فِيهِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَيْنِ وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبَلْدَةَ فَيَقُولُ السَّامِعُ سَمِعْت هَذَا أَوْ سَمِعْت ذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ دُخُولِ الْأَمِيرِ، وَهُوَ مَا لَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ، وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْكِتَابُ وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ اخْتَلَفَتْ فِي تَعْرِيفِ الْأَمْرِ الَّذِي بِمَعْنَى الْقَوْلِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ تَعْرِيفَهُ كَمَا ذَكَرَ تَعْرِيفَ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقِيلَ هُوَ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِإِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ الْمُتَوَقِّفِ مَعْرِفَتُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ لِاشْتِقَاقِهِمَا مِنْهُ، وَبِالطَّاعَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ مَعْرِفَتُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّاعِي إلَى تَحْصِيلِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْعُلُوِّ وَيَلْزَمُ عَلَى اطِّرَادِهِ وَاطِّرَادِ الْأَوَّلِ أَيْضًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَوْ صَدَرَتْ مِنْ الْأَعْلَى نَحْوَ الْأَدْنَى عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ وَالشَّفَاعَةِ لَا تُسَمَّى أَمْرًا، وَعَلَى انْعِكَاسِهِمَا أَنَّهَا لَوْ صَدَرَتْ مِنْ الْأَدْنَى نَحْوَ الْأَعْلَى بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ تُسَمَّى أَمْرًا؛ وَلِهَذَا يُنْسَبُ قَائِلُهَا إلَى الْحُمْقِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ وَاحْتَرَزَ بِلَفْظِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الِالْتِمَاسِ وَالدُّعَاءِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْأَمْرَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ فَأَرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ وَالصِّيغَةُ سُمِّيَتْ بِهِ مَجَازًا، وَبِقَوْلِهِ: فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ احْتَرَزَ عَنْ النَّهْيِ، وَبِقَوْلِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الِالْتِمَاسِ وَالدُّعَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ مَعْنًى قَائِمٌ فِي نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَلَامٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ عِبَارَةً عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُهُ الْفُقَهَاءُ؛ وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ قَوْلَهُ افْعَلْ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ لَا تَفْعَلْ حَقِيقَةً فِي النَّهْيِ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ الْمُرَادَ) الْفَاءُ فِي فَإِنَّ إشَارَةٌ إلَى تَعْلِيلِ كَوْنِ الْأَمْرِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَاصُّ، الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ أَيْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفِينَ لَا مُوجِبَ لَهُ إلَّا الْوُجُوبُ، يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ أَيْ لَازِمَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْمُرَادِ، فَإِنَّ اللَّازِمَ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا، وَقَدْ يَكُونُ عَامًا، وَالْمُرَادُ هُوَ الْخَاصُّ هُنَا لِمَا سَنُشِيرُ إلَيْهِ، ثُمَّ اللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَعْنَى وَلَا يَكُونُ الْمَعْنَى مُخْتَصًّا بِهِ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الْعَكْسِ كَبَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاخْتِصَاصُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَبَايِنَةِ فَالشَّيْخُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْجَانِبَيْنِ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ، وَالْغَرَضُ مِنْ تَعَرُّضِ جَانِبِ اللَّفْظِ وَهُوَ قَوْلُهُ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ هُوَ إثْبَاتُ كَوْنِهِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ
(1/101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِ الْمَعْنَى خُصُوصُ اللَّفْظِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِيَسْتَقِيمَ التَّعْلِيلُ، وَمِنْ التَّعَرُّضِ لِجَانِبِ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ يَخْتَصُّ هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدُ فِي خُصُوصِ الْمَعْنَى لَا فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُونَا فِي أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ خَاصَّةٌ فِي الْوُجُوبِ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ أَيْضًا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَدَّمَ ذِكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَا بَيَانُ كَوْنِهِ مِنْ الْخَاصِّ، وَهَذَا هُوَ الْغَرَضُ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ لَفْظَةِ الْمَخْصُوصَةِ إلَى لَفْظَةِ اللَّازِمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا فَكَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ الْخَاصِّ بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِ الْمَعْنَى بِالصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جَانِبِ اخْتِصَاصِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى.
وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَعَلَى هَذَا كَانَ ذِكْرُ اللَّازِمَةِ فِي قَوْلِهِ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ لَازِمَةٍ تَأْكِيدًا إذْ اللُّزُومُ يُسْتَفَادُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالصِّيغَةِ أَمَّا ذِكْرُهَا فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ صِيغَةٌ لَازِمَةٌ فَلَازِمٌ إذْ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّازِمَةَ هَهُنَا لَمْ يُفْهَمْ نَفْيُ اخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِالصِّيغَةِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَيَخْتَلُّ الْكَلَامُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْمٌ لِمَا هُوَ مُوجِبٌ وَأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالْأَمْرِ فَصَارَا مُتَلَازِمَيْنِ وَأَنَّ الصِّيغَةَ الْمَخْصُوصَةَ تُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً فَيَحْصُلُ بِهَا الْإِيجَابُ وَلَكِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْفِعْلَ هَلْ يُسَمَّى أَمْرًا حَقِيقَةً حَتَّى يَحْصُلَ بِهِ الْإِيجَابُ فَعِنْدَنَا لَا يُسَمَّى أَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْإِيجَابُ وَعِنْدَهُمْ يُسَمَّى أَمْرًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَيُفِيدُ الْإِيجَابَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَيْ حَاصِلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَهُمْ أَيْ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ النَّاسِ مُوجِبَةٌ كَالْأَمْرِ أَيْ كَالْأَمْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ صِيغَةُ افْعَلْ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا نُقِلَ إلَيْنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّتِي لَيْسَتْ بِسَهْوٍ مِثْلُ الزَّلَّاتِ وَلَا طَبْعٍ مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا هِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ مِثْلُ وُجُوبِ الضُّحَى وَالسِّوَاكِ وَالتَّهَجُّدِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَلَا بِبَيَانٍ لِمُجْمَلٍ مِثْلُ قَطْعِهِ يَدَ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وَتَيَمُّمِهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] هَلْ يَسَعُنَا أَنْ نَقُولَ فِيهِ أَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَذَا وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا فَعِنْدَ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَيَجِبُ عَلَيْنَا الِاتِّبَاعُ فِيهِ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَجِبُ الِاتِّبَاعُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ، فَيَجِبُ الِاتِّبَاعُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَجِبُ فِي الْأَقْسَامِ الْأُخَرِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَفْظُ الْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّيغَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْفِعْلِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْعَيْنِ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ كَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيجَابَ مَعَ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مُتَلَازِمَانِ يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ بِثُبُوتِ الْآخَرِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ انْحِصَارِ الْإِيجَابِ عَلَى الصِّيغَةِ انْتِفَاءُ الِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ
(1/102)

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أَيْ فِعْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ مُسْتَفَادًا بِالْفِعْلِ لَمَا سُمِّيَ بِهِ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَجَعَلُوا الْمُتَابَعَةَ لَازِمَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَمْرِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ ثُبُوتُ الِاشْتِرَاكِ؛ فَلِهَذَا يَتَعَرَّضُ فِي الدَّلَائِلِ تَارَةً لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ وَإِثْبَاتِهِ وَتَارَةً لِنَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ وَإِثْبَاتِهِ فَافْهَمْ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أَيْ فِعْلُهُ وَطَرِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالرُّشْدِ وَالْفِعْلُ إنَّمَا يُوصَفُ بِهِ لَا الْقَوْلُ، وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] أَيْ فِعْلُهُمْ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 152] أَيْ فِيمَا تُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ إخْبَارًا {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73] أَيْ صُنْعِهِ فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ وَجْهِ التَّمَسُّكِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ أَيْ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ الطَّلَبُ أَوْ الْإِيجَابُ مُسْتَفَادًا بِالْفِعْلِ أَيْ حَاصِلًا بِهِ وَمَفْهُومًا مِنْهُ لَمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ بِالْأَمْرِ أَيْ لَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إذْ ذَاكَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ مُسْتَفَادٌ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا صُورَةً بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ الطَّلَبُ وَمَعْنَى الْفِعْلِ تَحْقِيقُ الشَّيْءِ وَلَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ ثَبَتَ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ ثَبَتَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُوجِبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ الْإِطْلَاقِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا مُرَتَّبَةً وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ» فَجَعَلَ الْمُتَابَعَةَ لَازِمَةً فَثَبَتَ بِالتَّنْصِيصِ أَنَّ فِعْلَهُ مُوجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِذَاتِهِ كَمَا ثَبَتَ بِالتَّنْصِيصِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] إنَّ قَوْلَهُ مُوجِبٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَبِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجَمْعِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْعُودَ بِمَعْنَى الْخَشَبِ يُجْمَعُ عَلَى عِيدَانِ وَبِمَعْنَى اللَّهْوِ عَلَى أَعْوَادٍ وَقَدْ يُجْمَعُ الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ عَلَى أُمُورٍ وَبِمَعْنَى الْقَوْلِ عَلَى أَوَامِرَ فَيَكُونُ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَخْصُوصَ وَالْفِعْلَ مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ كَالشَّيْئِيَّةِ وَالشَّأْنِ فَيَجِبُ جَعْلُ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ فِي نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ لَمَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا إلَى الْفَهْمِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الْمُشْتَرَكِ لِلْمَعَانِي عَلَى السَّوَاءِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ، وَبِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَفِي نَفْيِ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ لَمَا فَهِمَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا عَيْنًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ مُسَمَّاهُ حِينَئِذٍ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ كَمَا لَا دَلَالَةَ لِلْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَهُوَ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ عَنْ الْأَمْرِ وَانْتِفَاءُ الْإِيجَابِ عَنْ الْفِعْلِ مِنْ لَوَازِمِهِ وَلَكِنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَرَّضَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ لِنَفْيِ الْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ الصِّيغَةِ عَلَى عَكْسِ مَا
(1/103)

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِأَنَّ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَلَا يَجُوزُ قُصُورُ الْعِبَارَاتِ عَنْ الْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي، وَقَدْ وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مِثْلَ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ وُضِعَتْ لَهَا فَالْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ فَهُوَ بِذَلِكَ الْأَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
ذَكَرُوا لِيُطَابِقَ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، فَقَالَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْعِبَارَاتِ إنَّمَا وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ كَلِمَةِ إنَّمَا حَصْرَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِبَارَاتِ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْقَادُ لَهُ اللَّفْظُ وَأَرَادَ بِالْمَعَانِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ يَعْنِي الْمَوْضُوعَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ إلْقَاءَهَا إلَى السَّامِعِ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهَا لَهُ هِيَ الْعِبَارَاتُ لَا غَيْرُ، وَلَا يَجُوزُ قُصُورُ الْعِبَارَاتِ عَنْ الْمَعَانِي أَيْ وَلَا يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يُوجَدَ مَعْنًى بِلَا لَفْظٍ فَيَحْتَاجُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَكَذَا فِي الْمُتَرَادِفَاتِ كَثْرَةٌ فَأَمَّا وُقُوعُ الْمُشْتَرَكِ فِي اللُّغَةِ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ قُصُورِ الْعِبَارَةِ أَلَا يَرَى أَنَّ لِكُلِّ مَعْنًى مِنْ الْمُشْتَرَكِ اسْمًا عَلَى حِدَةٍ إذَا ضُمَّ إلَى الْمُشْتَرَكِ صَارَا مُتَرَادِفَيْنِ.
وَكَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي إلَّا أَنَّ الْعِبَارَاتِ قَاصِرَةٌ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ حُرُوفٍ مُتَنَاهِيَاتٍ وَالْمَعَانِي غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْعِبَارَةِ دَالًّا عَلَيْهَا أَيْضًا ضَرُورَةً فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَجِدُ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ وَلَا نَجِدُ مَعْنًى لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي تَعَقَّلَهَا الذِّهْنُ وَاحْتِيجَ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لِاسْتِحَالَةِ تَعَقُّلِ الذِّهْنِ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَضْعَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ مَحْصُورٌ عَلَى الْعِبَارَاتِ، وَأَنَّهَا لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي لَا يَكُونُ لِلْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ وَلَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ الْحَصْرُ فِي الْعِبَارَاتِ وَقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَدْرَجَ دَلِيلًا آخَرَ لِلتَّوْضِيحِ فَقَالَ: وَقَدْ وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مِثْلَ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ وُضِعَتْ لَهَا مِثْلَ ضَرَبَ وَيَضْرِبُ وَسَيَضْرِبُ، قَالُوا وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ لِلْحَالِ وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ سَوْفَ أَوْ السِّينُ صَارَتْ لِلِاسْتِقْبَالِ وَقَدْ تَعْرِفُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هَهُنَا؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ الْمَعْنَى لَا فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ ضَرَبَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاضِي وَيَضْرِبُ بِالْحَالِ وَسَيَضْرِبُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مُخْتَصَّةً بِعِبَارَاتٍ أَنَّ مَعْنَى الْمَاضِي مُخْتَصٌّ بِالصِّيغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ.
وَكَذَا مَعْنَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ نَفْيًا لِلتَّرَادُفِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ الطَّلَبُ أَوْ الْإِيجَابُ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ إذْ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مَبْنِيَّانِ عَلَيْهِ وَثُبُوتُ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ بِهِ فَهُوَ بِالِاخْتِصَاصِ بِالصِّيغَةِ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالصِّيَغِ وَثَبَتَ بِالْفِعْلِ كَمَا يَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ لَزِمَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِالصِّيغَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالْفِعْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةُ إنَّمَا لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلْحَصْرِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَكُونُ الْكُلُّ دَلِيلًا وَاحِدًا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعِبَارَاتِ وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَالْعِبَارَةُ غَيْرُ قَاصِرَةٍ عَنْهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُهْمَلَاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلَاتِ فَيَكُونُ لِلْمَعْنَى الْمُثْبَتِ بِالْأَمْرِ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مَقْصُودٌ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ وَإِذَا كَانَ لَهُ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ
(1/104)

وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ كَانَ حَقِيقَةً فَتَكُونُ لَازِمَةً إلَّا بِدَلِيلٍ أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْحَقَائِقِ لَا تَسْقُطُ عَنْ مُسَمَّيَاتِهَا أَبَدًا أَوْ أَمَّا الْمَجَازُ فَيَصِحُّ نَفْيُهُ يُقَالُ لِلْأَبِ الْأَقْرَبُ أَبٌ لَا يَنْفِي عَنْهُ بِحَالٍ وَيُسَمَّى الْجَدُّ أَبًا وَيَصِحُّ نَفْيُهُ ثُمَّ هَهُنَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّ فُلَانًا لَمْ يَأْمُرْ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ مَعَ كَثْرَةِ أَفْعَالِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ لَمْ يَسْتَقِمْ نَفْيُهُ وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مَا لَكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ» «وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْمُوَافَقَةَ فِي وِصَالِ الصَّوْمِ فَقَالَ إنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَثَبَتَ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَازِمَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَانَ هُوَ مُخْتَصًّا بِهَا؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا كُلَّ مَقَاصِدِ الْفِعْلِ مُخْتَصَّةً بِالْعِبَارَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَمْرِ مُخْتَصًّا بِالْعِبَارَةِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَقَاصِدِ وَإِذَا صَارَ مُخْتَصًّا بِهَا لَا يَثْبُتُ بِالْفِعْلِ قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ كَانَ حَقِيقَةً) يَعْنِي وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِهَذَا الْمَعْنَى عِبَارَةً مَوْضُوعَةً فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهِيَ صِيغَةُ افْعَلْ مَثَلًا كَانَتْ حَقِيقَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا مَحَالَةَ فَتَكُونُ لَازِمَةً لَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ وَيَكُونُ عَائِدٌ إلَى أَصْلِ الْمَوْضُوعِ.
وَإِنَّمَا قَالَ لَازِمَةٌ دُونَ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْضُوعَ هُوَ الصِّيغَةُ الْمَخْصُوصَةُ فَأَنَّثَ عَلَى تَأْوِيلِ الصِّيغَةِ وَإِذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْمَوْضُوعِ لَازِمَةً لِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ بِدُونِهَا فَيُمْتَنَعُ ثُبُوتُهُ بِالْفِعْلِ ضَرُورَةً قَوْلُهُ (إلَّا بِدَلِيلٍ) أَيْ لُزُومُ الصِّيغَةِ الْمَخْصُوصَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ نَظَرًا إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَفَادُ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ كَمَا يُسْتَفَادُ بِهَا فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِيَ اللُّزُومُ وَيَثْبُتَ بِدُونِ الصِّيغَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، ثُمَّ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ عَنْ لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْإِيجَابِ عَنْ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ التَّوْضِيحِ فَقَالَ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ: الْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْوُجُودِ مِنْ الْغَيْرِ وَالْفِعْلُ تَحْقِيقُ الْوُجُودِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلُ طَلَبِ الْوُجُودِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِطَلَبِ الْوُجُودِ؛ وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْوُجُودِ أَصْلًا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُرْضِيًّا مَحْمُودًا عِنْدَهُ قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -) هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ السُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «خَلَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعْلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَخَلَعَ مَنْ خَلْفَهُ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ فَقَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِي أَحَدَيْهِمَا قَذَرًا فَخَلَعْتُهُمَا لِذَلِكَ فَلَا تَخْلَعُوا نِعَالَكُمْ» كَذَا فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَيْك فَقَالَ إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ.
وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَفِي إنْكَارِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ إذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا كَالْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى كَمَا لَوْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَامْتَثَلُوا بِهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فَكَيْفَ صَارَ اتِّبَاعُهُمْ لِلْبَعْضِ دَلِيلًا وَلَمْ يَصِرْ مُخَالَفَتُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَمَّا تَتَقَوَّى بِهِ الرُّوحُ مِنْ الْقُرْبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْأُنْسِ بِذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَذِكْرُك لِلْمُشْتَاقِ خَيْرُ شَرَابٍ ... وَكُلُّ شَرَابٍ دُونَهُ كَسَرَابِ
(1/105)

وَلَا نُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِهِ فَسُمِّيَ بِهِ مَجَازًا أَوْ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا إلَى الْمُوَافَقَةِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي» فَدَلَّ أَنَّ الصِّيغَةَ لَازِمَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ

(بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (وَلَا نُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] فَقَالَ إنَّا لَا نُنْكِرُ تَسْمِيَةَ الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِالْأَمْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِالْأَمْرِ إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَفِي الْإِقْلِيدِ شَبَّهَ الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُو إلَى الْفِعْلِ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأَمْرِهِ بِهِ فَقَبِلَ لَهُ أَمْرُ تَسْمِيَةٍ لِلْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا قِيلَ شَأْنٌ.
وَهُوَ مَصْدَرُ شَأَنْت أَيْ قَصَدْت سُمِّيَ بِهِ الْمَشْئُونُ أَيْ الْمَطْلُوبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْقَوْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} [هود: 97] أَيْ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَالرُّشْدُ الصَّوَابُ وَقَدْ يُوصَفُ الْقَوْلُ بِهِ، وَفِي الْمَطْلَعِ {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} [هود: 97] هُوَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَاتِّخَاذِهِ إلَهًا {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أَيْ بِذِي رُشْدٍ بَلْ هُوَ غَيٌّ وَضَلَالٌ وَقِيلَ بِمُرْشِدٍ.
قَوْلُهُ (وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا إلَى الْمُوَافَقَةِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلُّوا أَيْ الْمُتَابَعَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ بِقَوْلِهِ صَلُّوا لَا بِالْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ صَلُّوا بَعْدَ قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] كَمَا لَا يَحْتَاجُ قَوْلُهُ افْعَلُوا كَذَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ يُوجِبُ الِامْتِثَالَ بِهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَابِهِ وَجَوَابِ أَمْثَالِهِ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» ، بَيَانٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ شَرْعَهُ وَشَرْعَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فَفَهِمُوا وُجُوبَ الِاتِّبَاعِ بِذَلِكَ لَا بِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْفِعْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُسَمَّى فَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ جَمْعُ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالصِّفَةِ لَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَالْأَعْوَادُ وَالْعِيدَانُ كِلَاهُمَا جَمْعُ عُودٍ مُطْلَقًا كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَأَمَّا الْأَوَامِرُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّهَا جَمْعُ آمِرَةٍ لَا جَمْعُ أَمْرٍ، وَهُوَ حَقٌّ؛ لِأَنَّ فَوَاعِلَ فِي الثُّلَاثِيِّ جَمْعُ فَاعِلٍ اسْمًا كَكَوَاهِلَ أَوْ فَاعِلَةٍ اسْمًا وَصِفَةً كَكَوَاثِبَ وَضَوَارِبَ فَأَمَّا فَعْلُ فَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى فَوَاعِلَ أَلْبَتَّةَ لَكِنَّهُ قِيلَ أَوَامِرُ جَمْعُ آمِرَةٍ مَجَازًا كَأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ جَعَلَتْ آمِرَةً وَجُمِعَتْ عَلَى أَوَامِرَ كَمَا جُمِعَ نَهْيٌ عَلَى نَوَاهِي بِهَذَا التَّأْوِيلِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ مَا لَهُ نَاهِيَةٌ أَيْ نَهْيٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ أَيْ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي أَمْرٍ عَامٍّ قَدْ يُوجَدُ بَيْنَ كُلِّ مُشْتَرَكَيْنِ وَكُلِّ مَجَازٍ وَحَقِيقَةٍ.
وَقَوْلُهُمْ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ قُلْنَا كُلُّ مَا هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ يَصِيرُ مُوَافِقًا لَهُ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَجَازِ هَهُنَا كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْخَاصِّ

[بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ]
أَيْ حُكْمُ الْأَمْرِ، الْبَابُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَيَانِ لُزُومِ الصِّيغَةِ لِلْمُرَادِ بِالْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِدُونِهَا وَبَيَانُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالصِّيغَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ ذَلِكَ الْمُرَادِ صَرِيحًا
(1/106)

وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لَا يَجِبُ بِهِ حُكْمٌ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَهَذَا الْبَابُ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ أَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ أَمْ وَاحِدٌ، مُتَعَيِّنٌ أَوْ مُبْهَمٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ) أَيْ لُزُومُهَا لِلْمَعْنَى وَاخْتِصَاصُهَا بِهِ ثَبَتَ خُصُوصُ الْمُرَادِ أَيْ انْفِرَادُ الْمَعْنَى وَتَعَيُّنُهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُتَعَيِّنًا مَعَ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَازِمَةٌ لَهُ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْإِجْمَالُ فِي الصِّيغَةِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ الْإِفْهَامُ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ وَالْإِجْمَالُ يُخِلَّانِ بِهِ إلَّا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْإِجْمَالَ وَقَعَا لِعَوَارِضَ قَدْ ذَكَرْنَا وَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ قِيلَ) إنَّهُ فِي بَيَانِ خُصُوصِ اللَّفْظِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: الْخَاصُّ لَفْظٌ وُضِعَ لِكَذَا وَمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَقْسَامِ خُصُوصِ الْمَعْنَى فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ اللَّفْظِيِّ (قُلْنَا) لَا يَتِمُّ خُصُوصُ اللَّفْظِ إلَّا بِبَيَانِ خُصُوصِ الْمَعْنَى أَعْنِي تَفَرُّدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَحْدِيدِ الْخَاصِّ لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِجَانِبِ خُصُوصِ الْمَعْنَى لِيَتِمَّ خُصُوصُ اللَّفْظِ؛ فَلِهَذَا جَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ لِوُجُوهٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهًا، لِلْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] وَلِلْإِرْشَادِ إلَى الْأَوْثَقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْشَادِ وَالنَّدْبِ أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْإِرْشَادَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَصْلَحَةِ الدُّنْيَا وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ، وَلِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] وَلِلْإِكْرَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] وَلِلِامْتِنَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأنعام: 142] وَلِلْإِهَانَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49]
وَلِلتَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} [الطور: 16] وَلِلتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} [مريم: 38] أَيْ مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ وَلِلتَّكْوِينِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] وَلِلِاحْتِقَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [يونس: 80] وَلِلْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82] وَلِلتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] وَ {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} [الإسراء: 64] وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ تَمَتَّعُوا} [إبراهيم: 30] ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلُوهُ قِسْمًا آخَرَ، وَلِلتَّعْجِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] وَلِلتَّسْخِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وَلِلتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
، وَلِلتَّأْدِيبِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِابْنِ عَبَّاسٍ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «كُلْ مِمَّا يَلِيك» ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إذْ الْأَدَبُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَلِلدُّعَاءِ كَقَوْلِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لَيْسَتْ حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّسْخِيرِ وَالتَّعْجِيزِ وَالتَّسْوِيَةِ مَثَلًا غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ بَلْ إنَّمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ، إنَّمَا الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّهْدِيدُ فَقَالَ بَعْضُ الْوَاقِفِيَّةِ الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الشِّيعَةِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ الشَّيْخُ حَيْثُ جَعَلَ التَّوْبِيخَ مِنْ مَوَاجِبِهِ.
وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقِيلَ
(1/107)

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْلِمَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلْإِيجَابِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] وَلِلنَّدْبِ مِثْلَ قَوْلِهِ {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] وَلِلْإِبَاحَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَلِلتَّقْرِيعِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} [الإسراء: 64] وَلِلتَّوْبِيخِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وَإِذَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الشَّامِلِ لِلثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ فِي التَّهْدِيدِ مَجَازًا.
وَقِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَفْظًا، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنًى بِأَنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً فِي مَعْنَى الطَّلَبِ الشَّامِلِ لَهُمَا، وَهُوَ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: فِي رِوَايَةٍ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْغَزَالِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ لَا يُدْرَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ فِي النَّدْبِ فَقَطْ أَوْ فِيهِمَا مَعًا بِالِاشْتِرَاكِ فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا بِدُونِ الْقَرِينَةِ إلَّا التَّوَقُّفُ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِازْدِحَامِ الْمَعَانِي فِيهِ وَحُكْمُ الْمُجْمَلِ التَّوَقُّفُ لَا أَنَّ التَّوَقُّفَ عِنْدَ الْبَعْضِ فِي نَفْسِ الْمُوجِبِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ فِي تَعْيِينِهِ، وَقَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: رَئِيسُهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنَّ حُكْمَهُ الْوُجُوبُ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ فِيهِ بِنَدْبٍ وَلَا إيجَابٍ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ بَلْ يَعْتَقِدُ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنْ يُؤْتَى بِالْفِعْلِ لَا مَحَالَةَ حَتَّى إنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابُ يَحْصُلُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ يَحْصُلُ الثَّوَابُ فَهَذَا بَيَانُ أَقْوَالِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَأَمَّا عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالُوا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي عَيْنًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ وَلَا إجْمَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْجُبَّائِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ مَجَازٌ فِيمَا سِوَاهُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) أَيْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ تَرْجِيحُ أَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَيَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجْمَالِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمَعَانِي عَلَى سَائِرِهَا لِاسْتِحَالَةِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَالتَّقْرِيعُ التَّعْجِيزُ وَالْإِفْحَامُ وَالتَّوْبِيخُ التَّهْدِيدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي التَّقْرِيعِ لَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِهَذَا يُلْحَقُ بِهِ افْعَلْ كَذَا إنْ اسْتَطَعْت كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258] وَالْمُرَادُ مِنْهُ النَّفْيُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالسُّورَةِ أَوْ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَمَقْدُورٍ أَصْلًا وَفِي التَّوْبِيخِ يَكُونُ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] فَإِنَّ الْمَأْمُورَ قَادِرٌ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعًا إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي التَّوْبِيخِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ بَلْ الْمُرَادُ النَّهْيُ مِنْهُ أَيْ لَا تَفْعَلْ هَذَا فَإِنَّك إنْ فَعَلْته سَتَلْحَقُ بِك عُقُوبَتُهُ وَلِهَذَا يَلْحَقُ بِهِ افْعَلْ فَإِنَّك تَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ،
ثُمَّ قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ} [الإسراء: 64] أَيْ اسْتَخِفَّ وَاسْتَزِلَّ وَهَيِّجْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ مِنْ قَبِيلِ التَّهْدِيدِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّقْرِيعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَالْمَطْلَعِ وَعَيْنِ الْمَعَانِي وَعَامَّةِ التَّفَاسِيرِ وَالتَّقْوِيمِ وَأُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ
(1/108)

وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي، فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرَادِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ إلَّا بِعَارِضٍ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَأُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ وَغَيْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّعِينَ قَادِرٌ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَالدُّعَاءِ إلَى الشَّرِّ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّقْرِيعِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ التَّقْرِيعِ هَهُنَا؛ وَإِنْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمَعَانِي الْأَصْلِيَّةِ لِيَثْبُتَ الِاشْتِرَاكُ عَلَى زَعْمِ الْخَصْمِ وَهَذَا مِنْ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ، وَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُتَمَسَّكُ لِلْبَاقِينَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا حَمْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّهْدِيدِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا بَيْنَ قَوْلِهِ افْعَلْ وَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت لَا تَفْعَلْ حَتَّى إذَا قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا وَقَدَّرْنَا هَذِهِ الصِّيغَةَ مَنْقُولَةً عَنْ غَائِبٍ لَا فِي فِعْلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ حَتَّى يَتَوَهَّمَ فِيهِ قَرِينَةً دَالَّةً بَلْ فِي الْفِعْلِ مُطْلَقًا سَبَقَ إلَى فَهْمِنَا اخْتِلَافُ مَعَانِي هَذِهِ الصِّيَغِ وَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا أَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ قَامَ زَيْدٌ وَيَقُومُ زَيْدٌ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْمَاضِي وَالثَّانِيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِالْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَبِالْعَكْسِ لِقَرَائِنَ تَدُلُّ، وَكَمَا مَيَّزُوا الْمَاضِيَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ مَيَّزُوا الْأَمْرَ عَنْ النَّهْيِ وَقَالُوا: الْأَمْرُ قَوْلُهُ افْعَلْ وَالنَّهْيُ لَا تَفْعَلْ؛ وَإِنَّهُمَا لَا يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ.
وَهَذَا أَمْرٌ نَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ اللُّغَاتِ فَعُلِمَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ افْعَلْ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَالتَّهْدِيدُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ خِلَافُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَبَحْتُ لَك إنْ شِئْت فَافْعَلْ؛ وَإِنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ يَرْفَعُ التَّرْجِيحَ فَبَقِيَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ قَالَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَوْ الطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ أَوْلَى دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، ثُمَّ الْوَاقِفِيَّةُ إنَّمَا قَالُوا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] بِقَرِينَةِ {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] وَبِمَا وَرَدَ مِنْ التَّهْدِيدَاتِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْمَرَضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الْآيَةُ وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَبِقَوْلِهِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَإِيجَابُ تَدَارُكِهِ عَلَى الْحَائِضِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْقَتْلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَرَدَتْ فِيهَا تَهْدِيدَاتٌ وَدَلَالَاتٌ تَوَارَدَتْ عَلَى طُولِ مُدَّةِ النُّبُوَّةِ لَا تُحْصَى.
قَوْلُهُ (وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ لِلْأَمْرِ مُوجِبًا مُتَعَيِّنًا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ صِيغَةُ الْأَمْرِ أَحَدُ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِي خُصُوصِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الدَّلِيلِ، وَكَمَا أَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تُقْصَرُ عَنْ الْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ كَافِيَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَعَانِي أَيْ كُلُّ عِبَارَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمَعْنًى فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَالْمُرَادُ بِالْمُرَادِ الْجِنْسُ.
وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ أَيْ فِي الْعِبَارَةِ إلَّا بِعَارِضٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْكَلَامِ إفْهَامَ الْمُرَادِ لِلسَّامِعِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ
(1/109)

لِمَعْنًى خَاصٍّ ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ سِوَى الْوَاقِفِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْأَمْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ حُكْمُهُ الْإِبَاحَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّدْبُ
وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: حُكْمُهُ الْوُجُوبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلَمْ يَكُنْ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِعَارِضٍ، وَهُوَ تَعَدُّدُ الْوَضْعِ مَعَ غَفْلَةِ الْوَاضِعِ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً، وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الْوَاضِعُ نَسِيَ وَضْعَهُ الْأَوَّلَ وَقَدْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَاضِعُ مُتَعَدِّدًا وَقَدْ غَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ وَضْعِ صَاحِبِهِ وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْأَقْوَامِ، أَوْ الِابْتِلَاءِ إنْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَاللَّامُ فِي الْمَعْنَى إشَارَةٌ إلَى اخْتِصَاصِ الصِّيغَةِ بِالْمَعْنَى، ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْخُصُوصِ، السَّائِرِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ يُقَالُ سَائِرُ النَّاسِ أَيْ جَمِيعُهُمْ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، أَوْ بِمَعْنَى الْبَاقِي كَمَا هُوَ أَصْلُهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَائِقِ أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ سَأَرَ إذَا بَقِيَ وَمِنْهُ السُّؤْرُ وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ الْخَاصَّةُ فَيَضَعُهُ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِمَعْنًى خَاصٍّ أَيْ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا عَنْ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ إلَّا بِعَارِضٍ كَجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ أَوْ بَاقِيهَا؛ فَإِنَّهَا لَمَعَانٍ خَاصَّةٍ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ وَالتَّغَيُّرُ فِيهَا إلَّا بِدَلِيلٍ مُغَيِّرٍ كَمَا قُلْنَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْخُصُوصُ فِي الْعَامِّ، فَيَكُونُ إضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَى الْخُصُوصِ إضَافَةَ السَّبَبِ إلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِك وَقْتَ الظُّهْرِ وَالتَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ بِضَرْبٍ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُغَيِّرِ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِمَعْنًى خَاصٍّ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَلَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ إلَّا بِعَارِضٍ مُغَيِّرٍ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِاشْتِرَاكِ الِاشْتِرَاكَ الْحَقِيقِيَّ الْمُصْطَلَحَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ الصُّورِيَّ الَّذِي يَحْدُثُ لِلْأَلْفَاظِ بِسَبَبِ الِاسْتِعَارَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الِاسْتِعْمَالِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ وَبَيْنَ الشُّجَاعِ وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَمْنَعُ خُصُوصَ اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ أَنَّهُ غُيِّرَ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَأُرِيدَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الْآخَرُ؛ وَلِهَذَا لَا يُخِلُّ هَذَا الِاشْتِرَاكُ بِالْفَهْمِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ قَرِينَةً لَازِمٌ لَهُ فَيَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْخُصُوصُ وَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الْخَالِي عَنْ الْقَرِينَةِ؛ وَلِهَذَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْتَ رَأَيْتُ أَسَدًا يُفْهَمُ مِنْهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ لَا غَيْرُ وَإِذَا قُلْتَ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ لَا غَيْرُ فَأَمَّا إذَا قُلْتَ رَأَيْت عَيْنًا فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ الْخُصُومُ لَمَّا اسْتَدَلُّوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ فِي الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ حَقِيقِيٌّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ دُونَ الِاشْتِرَاكِ أَجَابَ عَمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ فَقَالَ بَعْدَمَا ثَبَتَ خُصُوصُ الصِّيغَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قَدْ يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ الصُّورِيُّ أَيْ الْمَجَازُ بِالدَّلِيلِ الْمُغَيَّرِ، وَهُوَ الْقَرِينَةُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ تُصْرَفُ إلَى الْمَجَازِ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْضَمَّةِ إلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِالِاسْتِعْمَالِ الَّذِي تَمَسَّكْتُمْ بِهِ بَعْدَمَا ثَبَتَ الْخُصُوصُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ لَا الِاشْتِرَاكِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْخُصُوصِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى الْمَجَازِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا
(1/110)

أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْإِبَاحَةِ قَالُوا إنَّ مَا ثَبَتَ أَمْرًا كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالنَّدْبِ قَالُوا لَا بُدَّ مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الْوُجُودِ وَأَدْنَى ذَلِكَ مَعْنَى النَّدْبِ إلَّا أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ بِهِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِيهِ فَثَبَتَ أَعْلَاهُ عَلَى احْتِمَالِ الْأَدْنَى إذْ لَا قُصُورَ فِي الصِّيغَةِ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ وَالدَّلِيلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْإِبَاحَةِ) قَالُوا الْفَاءُ فِي جَوَابِ إمَّا لَازِمٌ لَكِنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ يَتْرُكُونَهَا كَثِيرًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُمْ كَانَ إلَى الْمَعْنَى لَا إلَى اللَّفْظِ كَذَا كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حَافِظُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ: قَالُوا: إنَّ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا أَيْ الَّذِي ثَبَتَ كَوْنُهُ أَمْرًا مِنْ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ، وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبِيخِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الصِّيغَةَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي لَيْسَتْ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِاتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِمُوجِبِهِ لَا مَحَالَةَ، فَيَثْبُتُ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى مَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ كَمَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي مَالِهِ يَثْبُتُ بِهِ الْحِفْظُ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ، وَفِي التَّقْوِيمِ قَالُوا: الْأَمْرُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِالِائْتِمَارِ فَدَلَّ ضَرُورَةً عَلَى انْفِتَاحِ طَرِيقِ الِائْتِمَارِ عَلَيْهِ وَأَدْنَاهُ الْإِبَاحَةُ.
وَأَمَّا النَّادِبُونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَانِبُ إيجَادِ الْفِعْلِ رَاجِحًا عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ وَلَيْسَ فِي الْإِبَاحَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا فِيهَا سَوَاءٌ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّرَجُّحِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ يَثْبُتُ أَدْنَاهُمَا لِلتَّيَقُّنِ بِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَبِ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ بَعْدُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّرْجِيحُ بِالنَّدْبِ لِاقْتِضَائِهِ كَوْنَ الْفِعْلِ أَحْسَنَ مِنْ التَّرْكِ وَتَعَلُّقُ الثَّوَابِ بِهِ، قَالَ الشَّيْخُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِالنَّدْبِ مَعَ دَلِيلِهِ فَاسِدٌ، خَصَّهُ بِالْحُكْمِ بِالْفَسَادِ دُونَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ النَّادِبِينَ قَدْ تَضَمَّنَ إفْسَادَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ كَانَ الْكَمَالُ أَصْلًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَكَمَالُهُ بِالْوُجُوبِ لَا بِالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ كَتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِهِ دَلَّ أَنَّ الْفِعْلَ مَطْلُوبُ الْأَمْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ بِهِ كَمَالُ الطَّلَبِ مِنْ جَانِبِهِ، وَكَذَا الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ الْفِعْلُ يَحْصُلُ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُورِ غَالِبًا فَأَمَّا النَّدْبُ فَفِيهِ نُقْصَانٌ فِي جَانِبِ الطَّلَبِ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، وَكَذَا لَا يُؤَدِّي إلَى وُجُودِ الْمَطْلُوبِ غَالِبًا، وَإِذَا كَانَ كَمَالُ الطَّلَبِ فِي الْوُجُوبِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ إذْ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ يَمْلِكُ الْإِلْزَامَ، وَكَانَ قَوْلُهُ لَا قُصُورَ فِي دَلَالَةِ الصِّيغَةِ احْتِرَازٌ عَنْ صِيغَةٍ اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] فَكَانَ قُصُورُ الصِّيغَةِ عِبَارَةً عَنْ عَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا، وَهُوَ الْإِيجَابُ.
وَقَوْلُهُ وَلَا فِي وِلَايَةِ الْمُتَكَلِّمِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِالْمُتَكَلِّمِ مَا يَمْنَعُ صَرْفَهَا إلَى الْإِيجَابِ مَعَ كَمَالِ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الْأَمْرُ لَفْظٌ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ خَاصًّا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ بِعَارِضٍ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُجُودِ فَكَانَ الْوُجُودُ بِوَاسِطَةِ الْوُجُوبِ مُضَافًا إلَى الْأَمْرِ السَّابِقِ فَمَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ جَعَلَ النُّقْصَانَ أَصْلًا وَالْكَمَالَ بِعَارِضٍ، وَهَذَا قَلْبُ الْقَضِيَّةِ، وَلَا حُجَّةَ لِلنَّادِبِينَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «، إذَا أَمَرْتُكُمْ
(1/111)

الْمَعْقُولُ أَمَّا الْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا» حَيْثُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى مَشِيئَتِنَا، وَهُوَ دَلِيلُ النَّدْبِيَّةِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى مَشِيئَتِنَا بَلْ رَدَّهُ إلَى اسْتِطَاعَتِنَا، فَإِنَّهُ قَالَ «مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلَمْ يَقُلْ فَافْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَلَيْسَ الرَّدُّ إلَى الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ خَوَاصِّ الْمَنْدُوبِ بَلْ كُلُّ وَاجِبٍ كَذَلِكَ، وَلَمَّا بَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَةِ الْخَصْمِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَمُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ صِحَّةُ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ: وَالْحُجَّةُ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَحْسَنُ لِمُطَابَقَتِهِ قَوْلَهُ ثُمَّ الْفُقَهَاءُ سِوَى الْوَاقِفِيَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ أَيْ دَلَالَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُهُ (قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ} [النحل: 40] الْآيَةُ قَوْلُنَا مُبْتَدَأٌ وَأَنْ نَقُولَ خَبَرُهُ وَكُنْ وَيَكُونُ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْحُدُوثِ وَالْوُجُودِ أَيْ إذَا أَرَدْنَا وُجُودَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلَّا أَنْ نَقُولَ لَهُ اُحْدُثْ فَهُوَ يَحْدُثُ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلَا تَوَقُّفٍ.
وَهَذَا مَثَلٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَأَنَّ وُجُودَهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ كَوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ أَمْرِ الْآمِرِ الْمُطَاعِ إذَا وَرَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ الْمُمْتَثِلِ وَلَا قَوْلَ ثَمَّةَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إيجَادَ كُلِّ مَقْدُورٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ السُّهُولَةِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْبَعْثُ الَّذِي هُوَ مِنْ شِقِّ الْمَقْدُورَاتِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَسُمِّيَ الْمَعْدُومُ شَيْئًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَرَوْنَ تَعَلُّقَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الْأَمْرِ بَلْ وُجُودُهَا مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وَإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ وَهُوَ صِفَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ وَهَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ حُصُولِ الْمَخْلُوقِ بِإِيجَادِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالشَّاهِدِ يَعْنِي لَوْ كَانَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ إيجَادُ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْعَدَمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي كَلَامِهِمْ مَا هُوَ أَوْجَزُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْوِينِ مِنْهَا فَيَكُونُ مَا أَرَادُوا وُجُودَهُ عَقِيبَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِلَا صُنْعٍ آخَرَ مِنْهُمْ أَلَيْسَ يَكُونُ الْإِيجَادُ عَلَيْهِمْ فِي غَايَةِ الْيُسْرِ فَتَكْوِينُ الْعَالَمِ وَأَمْثَالِهِ أَيْسَرُ عَلَى اللَّهِ بِكَثِيرٍ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وُجُودُ الْأَشْيَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِكَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ حَرْفٍ وَصَوْتٍ أَوْ كَانَ لِكَلَامِهِ وَقْتٌ أَوْ حَالٌ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِأَنَّ التَّكْوِينَ عَيْنُ الْمُكَوَّنِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْلِيقُ التَّكْوِينِ بِالتَّكْوِينِ فَعَلَّقُوهُ بِالْأَمْرِ، وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ التَّكْوِينُ صِفَةً ثَابِتَةً أَزَلِيَّةً أَمْكَنَ تَعْلِيقُ الْوُجُودِ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْلِيقِهِ بِالْأَمْرِ فَجَعَلْنَاهُ عِبَارَةً عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ.
1 -
وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِكَلِمَةِ كُنْ فَيَكُونُ بِهَذَا الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ خِطَابًا حَقِيقَةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ وَبِهِ يُوجَدُ أَوْ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ بَعْدَمَا وُجِدَ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فَكَيْفَ يُخَاطَبُ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ كُنْ، وَهُوَ كَائِنٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ أَنَّهُ إذَا شَاءَ كَوْنَهُ كَوَّنَهُ فَكَانَ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا اخْتَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كُنْ حَقِيقَةُ التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ
(1/112)

وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَالتَّكَلُّمِ بِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا مَجَازًا عَنْ الْإِيجَادِ بَلْ كَلَامًا بِحَقِيقَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ لَمَا اسْتَقَامَ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَشْعَرِيَّةُ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ فِي إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَظْهَرُ، وَعَنْ هَذَا اخْتَارَ لِلتَّمَسُّكِ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْآيِ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ؛ لِأَنَّهَا أَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ التَّكَلُّمِ إذْ الْقَوْلُ فِيهَا مُكَرَّرٌ مَذْكُورٌ فِي الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا أَيْ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَنَا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا نَفْسَهُ وَأَقَرَّ أَنَّهُ دُونَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ وَالظَّرْفَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ، أُرِيدَ بِهِ أَيْ بِالنَّصِّ، ذِكْرُ الْأَمْرِ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْأَمْرُ مَذْكُورٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ أَوْجَزُ الْكَلِمَاتِ لَا بِكَلِمَةٍ أَحْدَثَ وَتَكُونُ وَنَحْوُهُمَا.
، وَالتَّكَلُّمُ مَعْطُوفٌ عَلَى ذَكَرَ، وَالظَّرْفُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي بِهَا وَالتَّكَلُّمُ هُوَ الْعَامِلُ فِيهَا أَيْ أُرِيدَ بِالنَّصِّ التَّكَلُّمُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَقِيقَةً.
وَقَوْلُهُ لَا مَجَازًا وَبَلْ كَلَامًا عُطِفَ عَلَى الظَّرْفِ الْمَنْصُوبِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ قِيلَ لَا مَجَازٌ وَبَلْ كَلَامٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الظَّرْفِ الْمَرْفُوعِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ التَّكَلُّمِ أَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ أَمْ لَا لَا فِي وَصْفِ التَّكَلُّمِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ هُوَ مَوْجُودٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَمَجَازًا بِالنَّصْبِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الْوَصْفِ لَا فِي الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ نَفْيٌ لِقَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ تَعَالَى يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِخَلْقِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فِي ذَاتِهِ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَشْبِيهِ كَلَامِهِ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَشْبِيهِ ذَاتِهِ بِذَوَاتِهِمْ أَيْضًا إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ مَحَلَّ الْحَوَادِثِ كَذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَوْلُهُ وَلَا تَعْطِيلَ نَفْيٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ وَقَالُوا إنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ؛ وَإِنَّمَا صَارَ مُتَكَلِّمًا بِخَلْقِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فِي مَحَالِّهَا وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّعْطِيلِ وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ،
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَجْهِ التَّمَسُّكِ بِهَذَا النَّصِّ فَقَالَ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا مِنْ الْأَمْرِ مَقْرُونًا بِهِ لَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ أَيْ لِلْآمِرِ إذْ الْإِيجَادُ لَيْسَ إلَّا الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَتِيجَةٌ لِلْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِهِ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مُسْتَفَادًا بِالْأَمْرِ؛ لَكَانَ قَوْلُهُ كُنْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك سَقَيْته فَأَشْبَعْته وَأَطْعَمْته فَأَرْوَيْته.
، وَهَذَا لَا يَجُوزُ خُصُوصًا مِنْ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُسَفَّهُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ غَيْرُ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ بِخِطَابِ كُنْ لَا غَيْرُ كَمَا أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْإِيجَادِ لَا غَيْرُ وَمَذْهَبُ الشَّيْخِ أَنَّهُ بِالْخِطَابِ وَالْإِيجَادِ مَعًا فَكَانَ هَذَا مَذْهَبًا ثَالِثًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ أَجْرَى سُنَّتَهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ كَمَا أَنَّ إجْرَاءَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُوجَدَ وَلَدٌ بِلَا أَبٍ وَقَدْ أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ بِلَا أَبٍ كَمَا وُجِدَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ هُنَا أَجْرَى سُنَّتَهُ فِي الْإِيجَادِ بِعِبَارَةِ الْأَمْرِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُمْكِنَ ثُبُوتُ الْوُجُودِ بِدُونِ الْخِطَابِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَلِهَذَا صَرَفَ هَذَا
(1/113)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشَّارِحُ الضَّمِيرَ الْمُسْتَكِنَّ فِي اسْتَقَامَ إلَى الْآمِرِ لَا إلَى الْوُجُودِ وَجَعَلَ الْإِيجَادَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا عِبَارَةً عَنْ الْآمِرِ وَقَالَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْرُونًا بِالْآمِرِ لَمَا اسْتَقَامَ الْأَمْرُ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْآمِرِ أَثَرٌ فِي الْوُجُودِ كَمَا أَنَّ لِلْإِيجَادِ أَثَرًا فِيهِ لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُضَمَّ الْأَمْرُ إلَى الْإِيجَادِ فِي تَكَوُّنِ الْأَشْيَاءِ وَوُجُودِهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُضَمُّ وَيُقْرَنُ بِغَيْرِهِ لِتَحْقِيقِ مُوجِبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فَلَا يُضَمُّ، قَالَ؛ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا حَصَلَ الْوُجُودُ بِالْإِيجَادِ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الْأَمْرِ، قُلْنَا إظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ يَبْعَثُهُ وَلَكِنْ وَسَطُهُ نَفْخُ الصُّوَرِ لِإِظْهَارِ الْعَظَمَةِ.
، أَوْ يُقَالُ دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ بِالْإِيجَادِ وَوَرَدَتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّهُ بِهَذَا الْأَمْرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِمُوجِبِهِمَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِطَلَبِ الْفَائِدَةِ كَمَا أَنَّ فِي الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَجَبَ الْإِيمَانُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِالتَّأْوِيلِ، قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ إنْ كَانَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَا ذَكَرَ هَذَا الشَّارِحُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْوُجُودُ بِالْآمِرِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيجَادِ أَوْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ عَلَامَةٌ تَعْرِفُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ أَنَّ عِنْدَهُ يَحْدُثُ خَلْقٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَطْلَعِ وَعَيْنِ الْمَعَانِي؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْوُجُودِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى افْتِقَارِ صِفَةِ الْإِيجَادِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي إثْبَاتِ مُوجِبِهِ وَذَلِكَ دَلَالَةُ النُّقْصَانِ تَعَالَى صِفَاتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِرَادَةُ فَإِنَّ الْوُجُودَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِرَادَةِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِيجَادِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نُقْصَانُ صِفَةِ الْإِيجَادِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ أَسْبَابِهِ أَوْ شَرَائِطِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْوُجُودِ وَكَلَامُنَا فِيمَا هُوَ مُؤَثِّرٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الْإِيجَادِ أَوْ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْعِلَلِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لَا يُضَافُ إلَيْهَا بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً لِلْوُجُودِ وَثُبُوتُ مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِعِلَّتَيْنِ مُحَالٌ؛ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالْإِيجَادِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْخِطَابِ لَا يَكُونُ الْوُجُودُ قَرِينَةً لِلْأَمْرِ وَحُكْمًا لَهُ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الْوُجُودُ مُتَعَلِّقًا بِالْخِطَابِ لَا بِالْإِيجَادِ عِنْدَ الشَّيْخِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ لِيَصِحَّ تَمَسُّكُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
، يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَنَا لَا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ التَّكْوِينِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُحْدَثٍ وَلَا مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ أَجْمَعْ يُرِيدُ بِهِ مَا تَمَسَّكَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِي إثْبَاتِ أَزَلِيَّةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: إنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ بِخِطَابِ كُنْ فَلَوْ كَانَ هَذَا مَخْلُوقًا لَاحْتَاجَ إلَى خِطَابٍ آخَرَ، وَكَذَا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ أَيْضًا فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ فِيهَا كِنَايَةً عَنْ الْإِيجَادِ فَقَالَ كُنْ صِيغَةُ الْأَمْرِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَمْرِ الْإِيجَادُ كَنَّى بِالْأَمْرِ عَنْ الْإِيجَادِ وَالْكِنَايَةُ لَا يَصِحُّ إلَّا لِمُشَابَهَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ ثُمَّ
(1/114)

وَقَالَ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25] فَقَدْ نَسَبَ وَأَضَافَ الْقِيَامَ إلَى الْأَمْرِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَقِّيَّةَ الْوُجُودِ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْإِيجَابُ حَامِلٌ عَلَى الْوُجُودِ فَصَارَ الْوُجُودُ مُضَافًا إلَى الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الْوُجُوبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ لِلْوُجُودِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْوُجُوبِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَصْلَهُ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْإِيجَادِ اسْتِعَارَةُ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ (فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى مَا اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَمْرُ لِلْمَعْدُومِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْفَهْمُ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا بِمَأْمُورَيْنِ لِعَدَمِ الْفَهْمِ وَالْمَعْدُومُ سَوَاءٌ حَالًا مِنْهُمَا.
(قُلْنَا) هَذَا أَمْرُ تَكْوِينٍ لَا أَمْرُ تَكْلِيفٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِمْكَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْرَ التَّكْلِيفِ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ الْوُجُودُ وَالْفَهْمُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوَحِّدُ يَصِيرُ مَأْمُورًا وَمُكَلَّفًا بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ السَّابِقِ عَلَى زَمَانِ وُجُودِ هَذَا الشَّخْصِ؛ وَلِهَذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ بِأَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ وَإِنْ كُنَّا مَعْدُومِينَ حِينَئِذٍ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ مُعَانِدٌ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَمْرُ التَّكْوِينِ عَلَى تَقْدِيرِ مَا تُصَوِّرَ كَوْنُهُ فِي عِلْمِهِ إلَى هَذَا أُشِيرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي، وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْمَعْدُومِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ فَائِدَةٌ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ أَعْظَمُ الْفَوَائِدِ هَهُنَا، وَهُوَ الْوُجُودُ فَلِذَلِكَ صَحَّ، وَهَلْ يُسَمَّى الْأَمْرُ لِلْمَعْدُومِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَخِطَابًا الْحَقُّ أَنَّهُ يُسَمَّى أَمْرًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الطَّلَبُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَزَلِ وَلَا يُسَمَّى خِطَابًا عُرْفًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنَّا أَنْ نَقُولَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَذَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ خَاطَبَنَا بِكَذَا قَوْله تَعَالَى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْآيَةُ) أَيْ وَمِنْ آيَاتِهِ قِيَامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاسْتِمْسَاكُهُمَا بِغَيْرِ عَمْدٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْ تَدُومَا قَائِمَتَيْنِ أَيْ ثَابِتَتَيْنِ تَمَامًا لِمَنَافِع الْخَلْقِ، بِأَمْرِهِ بِأَنْ أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمَا كُونَا قَائِمَتَيْنِ، وَقِيلَ بِإِقَامَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَسِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ عِنْدَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا اخْتَارَ هَهُنَا فَالتَّمَسُّكُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، " وَمَقْصُودًا " حَالٌ عَنْ الْوُجُودِ وَالْعَامِلُ فِيهَا حَقِّيَّةَ إذْ هِيَ مَصْدَرٌ وَالتَّقْدِيرُ حَقُّ الْوُجُودِ مَقْصُودًا.
وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْإِيجَادِ فَهُوَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّهُ تَعَالَى كَنَّى بِالْأَمْرِ عَنْ إيجَادِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَا طَرِيقَ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْأَمْرُ إيجَابًا حَتَّى يُحْمَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْإِيجَادِ فَيَحْصُلُ الْوُجُودُ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ سَبَبًا لِلْوُجُودِ فَيَصِحُّ الْكِنَايَةُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ} [النور: 63] الْآيَةُ يُقَالُ خَالَفَنِي فُلَانٌ إلَى كَذَا إذَا قَصَدَهُ وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنْهُ وَخَالَفَنِي عَنْهُ إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَأَنْتَ قَاصِدُهُ، وَيَلْقَاك الرَّجُلُ صَادِرًا عَنْ الْمَاءِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ خَالَفَنِي إلَى الْمَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَارِدًا وَأَنَا ذَاهِبٌ عَنْهُ صَادِرًا، فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] يَعْنِي أَنْ أَسْبِقَكُمْ إلَى شَهَوَاتِكُمْ الَّتِي نَهَيْتُكُمْ عَنْهَا لِأَسْتَبِدَّ بِهَا دُونَكُمْ، وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أَيْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَمْرِهِ أَيْ يُعْرِضُونَ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُخَالِفُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَالَفٍ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِذِكْرِ الْمُخَالِفِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ ذِكْرُ الْمُخَالِفِ وَالْمُخَالِفِ عَنْهُ لَا غَيْرُ،
(1/115)

وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ طَلَبَ فِعْلِ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَطْلُبَهُ إلَّا بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَالدَّلِيلُ الْمَعْقُولُ أَنَّ تَصَارِيفَ الْأَفْعَالِ وُضِعَتْ لَمَعَانٍ عَلَى الْخُصُوصِ كَسَائِرِ الْعِبَارَاتِ فَصَارَ مَعْنَى الْمُضِيِّ لِلْمَاضِي حَقًّا لَازِمًا إلَّا بِدَلِيلٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالضَّمِيرُ فِي أَمْرِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِهِ {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] وَالدُّعَاءُ عَلَى طَرِيقِ الْعُلُوِّ مِمَّنْ هُوَ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ أَمْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوا أَمْرَهُ إيَّاكُمْ وَدُعَاءَهُ لَكُمْ إلَى شَيْءٍ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ إذْ كَانَ أَمْرُهُ فَرْضًا لَازِمًا قَالَ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63] مِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا وَيُصِيبُهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الْآخِرَةِ.
، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّهُ تَعَالَى أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُطْلَقًا وَمُخَالَفَةُ أَمْرِهِ هِيَ تَرْكُ مَا أَمَرَ بِهِ إذْ الْمُخَالَفَةُ ضِدُّ الْمُوَافَقَةِ وَمُوَافَقَتُهُ إتْيَانٌ بِمَا أَمَرَ بِهِ فَيَكُونُ مُخَالَفَتُهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ حَرَامًا مُطْلَقًا لَمَا أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِهِ وَإِذَا كَانَ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ، وَهِيَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مُطْلَقًا حَرَامًا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا ضَرُورَةً وَإِذَا كَانَ إتْيَانُ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَاجِبًا كَانَ الْإِتْيَانُ بِمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ، وَفِي التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ اعْتِرَاضَاتٌ مَعَ أَجْوِبَتِهَا صَفَحْنَا عَنْ ذِكْرِهَا احْتِرَازًا عَنْ الْإِطْنَابِ (قَوْلُهُ) ، وَكَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ أَيْ الْإِجْمَاعُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ هَهُنَا، وَهُوَ أَنَّ الْعُقَلَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ فِعْلًا مِنْ غَيْرِهِ لَا يَجِدُ لَفْظًا مَوْضُوعًا لِإِظْهَارِ مَقْصُودِهِ سِوَى صِيَغِ الْأَمْرِ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَمْرِ وُجُودُ الْفِعْلِ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ طَلَبُهُمْ الْفِعْلَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ وَالدَّلَالَةُ تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ إذَا لَمْ يُوجَدْ صَرِيحٌ يُخَالِفُهُ فَيَثْبُتُ بِهَا الْمُدَّعِي، وَنَظِيرُهُ إثْبَاتُ نَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُنْعَقِدَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّ لِسَانَهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الْإِنَاءِ فَلَمَّا تَنَجَّسْ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى.
، وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا لَفْظًا لِإِظْهَارِ هَذَا الْمَقْصُودِ سِوَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا أَوْ أَلْزَمْت أَوْ أَطْلُبُ مِنْك كَذَا وَأَمْثَالُهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ قَالَ أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ كَذَا أَوْ أَلْزَمْت كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ افْعَلُوا كَذَا فِي وُجُوبِ الْفِعْلِ بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّا نَقُولُ لَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرْت عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ صِيَغِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالطَّلَبِ لَا إنْشَاءٌ وَكَلَامُنَا فِيهِ؛ وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَلَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي الْإِنْشَاءِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِنْشَاءُ، وَيَصِيرُ كِنَايَةً عَنْ الْأَمْرِ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ بِهِ الْإِلْزَامُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَمَا عُرِفَ وَصَارَ مَعْنَاهُ أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا لِأَنِّي أَمَرْتُك بِهِ، كَسَائِرِ الْعِبَارَاتِ مِنْ الْأَسَامِي مِثْلُ رَجُلٍ وَفَرَسٍ وَحِمَارٍ وَالْحُرُوفُ مِثْلُ مِنْ وَعَنْ وَإِلَى وَعَلَى، إلَّا بِدَلِيلٍ كَلُحُوقِ حَرْفِ الشَّرْطِ بِهِ فِي قَوْلِك إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ وَكَعَدِمِ إمْكَانِ إجْرَائِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِثْلُ الْإِخْبَارِ عَنْ أُمُورِ الْقِيَامَةِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: 74] {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الزمر: 71] {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الزمر: 73] ، عَبَّرَ بِهَا عَنْ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِهِ وَكَوْنِهِ ثَابِتًا لَا مَحَالَةَ
(1/116)

وَكَذَلِكَ الْحَالُ وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ حَقًّا لَازِمًا بِهِ عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ لَازِمُهُ ائْتَمَرَ، وَلَا وُجُودَ الْمُتَعَدِّي إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لَازِمُهُ كَالْكَسْرِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالِانْكِسَارِ فَقَضِيَّةُ الْأَمْرِ لُغَةً أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا بِالِامْتِثَالِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ لَسَقَطَ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَأْمُورِ أَصْلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَأَنَّهُ تَحَقَّقَ وَمَضَى، وَكَذَلِكَ الْحَالُ أَيْ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْمُضِيِّ لِلْمَاضِي لَازِمٌ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْحَالِ لِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لَازِمٌ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ لِلِاسْتِقْبَالِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ الْحَالُ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحَاةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا سَيَمْلِكُهُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لِطَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بِهِ حَقًّا لَازِمًا بِالْأَمْرِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِيُفِيدَ الْأَمْرُ فَائِدَتَهُ.
، وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حَقًّا لَازِمًا، أَوْ هُوَ تَوْضِيحٌ لِمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ؛؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ هُوَ الْوُجُودُ إلَّا قَوْله تَعَالَى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ} [النور: 63] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ فَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إلَى آخِرِهِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الِائْتِمَارُ أَيْ الِامْتِثَالُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ اللُّغَوِيَّ فَالِائْتِمَارُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ يُقَالُ ايِتَمَرَ زَيْدٌ عُمْرًا وَاللَّازِمُ إنَّمَا سُمِّيَ لَازِمًا لِلُزُومِهِ عَلَى الْفَاعِلِ وَعَدَمِ تَعَدِّيهِ إلَى الْغَيْرِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يَنْتَفِي الْمَلْزُومُ بِانْتِفَائِهِ فالائتمار لَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِامْتِثَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَفَّارَةِ بِالْإِيمَانِ بِدُونِ الِائْتِمَارِ مِنْهُمْ وَلِهَذَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَمَرْته فَلَمْ يَأْتَمِرْ كَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَمَرْته فَائْتَمَرَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كَسَرْته فَلَمْ يَنْكَسِرْ (قُلْنَا) أَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الِائْتِمَارَ مُتَعَدٍّ فِي ذَاتِهِ وَلَكِنْ مَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ لَازِمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ لِلُزُومِهِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلَى الْمَفْعُولِ الْآخَرِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَيْ مُطَاوِعًا لِمَا هُوَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا يُقَالُ عَلَّمْته الْقُرْآنَ فَتَعَلَّمَهُ وَأَطْعَمْته الطَّعَامَ فَطَعِمَهُ وَكَسَوْته الثَّوْبَ فَاكْتَسَاهُ وَالْأَمْرُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ إلَى أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ وَإِلَى الْآخَرِ بِالْبَاءِ يُقَالُ أَمَرْت زَيْدًا بِكَذَا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الِائْتِمَارُ لَازِمًا لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الِائْتِمَارُ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِدُونِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَهُوَ أَنَّ الِائْتِمَارَ لَازِمُ الْأَمْرِ فِي الْأَصْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حُصُولُ الْفِعْلِ كَمَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْكَسْرِ حُصُولُ الِانْكِسَارِ وَلِهَذَا يُقَالُ أَمَرْته فَائْتَمَرَ كَمَا يُقَالُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ فَكَمَا لَا يَتَحَقَّقُ الْكَسْرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ بِدُونِ الِائْتِمَارِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ إلَّا أَنَّ الِائْتِمَارَ لَوْ جُعِلَ لَازِمَ الْأَمْرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ الِائْتِمَارُ بِنَفْسِ الْأَمْرِ لَسَقَطَ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَأْمُورِ أَصْلًا وَصَارَ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ وَفِيهِ نُزُوعٌ إلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ فَلِذَلِكَ نَقَلَ الشَّرْعُ حُكْمَ الْوُجُودِ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ عَنْهُ إلَى الْوُجُوبِ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى الْوُجُودِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ فَصَارَ الْوُجُوبُ لَازِمًا لِلْأَمْرِ بَعْدَمَا كَانَ الْوُجُودُ لَازِمًا لَهُ.
وَقَوْلُهُ حَقًّا أَيْ ثَابِتًا حَالٌ عَنْ الْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ بِالْأَمْرِ مُتَعَلِّقٌ بِحَقًّا قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى فَاجْتَمَعَ هَهُنَا مَا يُوجِبُ الْوُجُودَ عَقِيبَ الْأَمْرِ وَمَا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْأَمْرِ يُوجِبُ الْوُجُودَ عَقِيبَهُ وَاعْتِبَارُ كَوْنِ الْمَأْمُورِ مُخَاطَبًا
(1/117)

وَلِلْمَأْمُورِ عِنْدَنَا ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ؛ وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا فَنَقَلَ حُكْمَ الْوُجُودِ إلَى الْوُجُوبِ حَقًّا لَازِمًا بِالْأَمْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ تَوَقُّفَ الْوُجُودِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ صِيَانَةً وَاحْتِرَازًا عَنْ الْجَبْرِ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي النَّهْيِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُكَلَّفًا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ إلَى حِينِ إيجَادِهِ فَاعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ وَأَثْبَتْنَا بِالْأَمْرِ آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ خَلَفًا عَنْ الْوُجُودِ وَقُلْنَا بِتَرَاخِي حَقِيقَةِ الْوُجُودِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الِائْتِمَارُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مِنْ حُكْمِ الْكَسْرِ إلَّا أَنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلٍ مُخْتَارٍ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِعْلِ حَتَّى يَحْصُلَ الِائْتِمَارُ فَإِنَّ الِائْتِمَارَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا اخْتِيَارٍ فِي الِائْتِمَارِ يَحْصُلُ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالِانْكِسَارِ عَقِيبَ الْكَسْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمِ مُوسَى {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وَقَدْ حَصَلَ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ الِائْتِمَارِ عَقِيبَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] وَجَعَلَ الْقِيَامَ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِائْتِمَارَ مُوجِبُ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مُوجِبُ الْكَسْرِ قَوْلُهُ (وَلِلْمَأْمُورِ ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ الْمُطْلَقَ الْكَامِلَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ تَابِعٌ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي بَيَانِ الِاعْتِقَادِ بِالْفَارِسِيَّةِ آن مُخْتَارِي كه جُمْلَة مُخْتَارَانِ بِاخْتِيَارِ خَوْد جزان نكند كه أَوْ خواهد وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَسَعْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ كَانَ مُضْطَرًّا فِي ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْمَقْتَلِ فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي رَفْعِ الْأَقْدَامِ حَقِيقَةً، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَفْيُ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى نَفَتْ اخْتِيَارَ الْعَبْدِ أَصْلًا وَالْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ أَثْبَتُوهُ مُطْلَقًا حَتَّى كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عِنْدَهُمْ فَأَثْبَتَ الشَّيْخُ أَمْرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ كَمَا هُوَ دَأْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَرْكِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ مُضْطَرٌّ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ كَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ فِي كَوْنِهِ عَاقِلًا وَجَاهِلًا وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا نَفْيُهَا كَمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَلَا نَفْيُهَا، وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ وَإِلَى الْفَرَاغِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَةِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَقَالَ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي حُكْمِ النَّهْيِ لِوُجُودِ الدَّاعِي إلَيْهِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ التَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] وَالْكَرَاهَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَعَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالتَّنْزِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]
وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [طه: 131] وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَعْتَذِرُوا} [التوبة: 66] وَالْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101] وَالشَّفَقَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالضِّدَّيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا
قَوْلُهُ (يَبْطُلُ الْحَقَائِقُ كُلُّهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ كَلَامٍ إلَّا وَفِيهِ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ فَلَوْ أَوْجَبَ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفَ لَتَعَطَّلَتْ النُّصُوصُ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ
(1/118)

وَإِذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: وَالْجَصَّاصُ: بَلْ هُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحَقِيقَةِ لَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُقَالَ إنِّي غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالنَّفْلِ دَلَّ أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ جَازَ أَصْلَهُ وَتَعَدَّاهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ مِنْ الْوُجُوبِ بَعْضُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَاصِرٌ لَا مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَنْتَظِمُهُ وَهَذَا أَصَحُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُ مُحْكَمٌ) أَيْ نَحْنُ مَا أَنْكَرْنَا احْتِمَالَ صِيغَةِ الْأَمْرِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْوُجُوبِ حَيْثُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ مُحْكَمٌ وَلَكِنَّا أَنْكَرْنَا ثُبُوتَ الْمُحْتَمَلِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْخُصُوصِ

[الْأَمْر إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ وَالنَّدْبُ) إلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ، جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَبَيْنَ الْخِلَافِ فِيهِمَا عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلَّ فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ فَنَقُولُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فِي أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْ مَجَازًا فَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ وَالْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْأَمْرَ إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ، وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ بَعْضُ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَالنَّدْبُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ كَمَا لَوْ أُرِيدَ مِنْ الْعَامِ بَعْضُهُ يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ وَكَمَا لَوْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَعْمَى وَالْأَشَلِّ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلِ يَكُونُ حَقِيقَةً؛ وَإِنْ فَاتَ بَعْضُهُ، وَكَيْفَ لَا وَمِنْ شَرْطِ الْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مُغَايِرًا لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ إلَّا أَنَّهُ قَاصِرٌ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مَجَازًا؛ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْمَجَازِ انْتِفَاءُ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَمَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْحَقِيقَةِ لَا يَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمَجَازُ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ يَكُونُ مَجَازًا كَمَا لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي التَّهْدِيدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّدْبَ غَيْرُ الْإِيجَابِ أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيجَابِ اسْتِحْقَاقُ الْعُقُوبَةِ عَلَى التَّرْكِ وَمِنْ لَوَازِمِ النَّدْبِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى التَّرْكِ وَبِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ لَا يَنْتَفِي هَذِهِ الْغَيْرِيَّةُ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ مَا أُمِرْت بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَا بِصَوْمِ أَيَّامِ الْحَيْضِ يَصِحُّ وَلَا يَكْذِبُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَا أُمِرْت بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَا بِصِيَامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَكْذِبُ بَلْ يَكْفُرُ وَصِحَّةُ التَّكْذِيبِ وَالنَّفْيِ مِنْ خَوَاصِّ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَامِّ إذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِشُمُولِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ لَا لِاسْتِغْرَاقِهَا عِنْدَنَا وَالشُّمُولُ مَوْجُودٌ فِي الْبَعْضِ وَالْكُلِّ حَتَّى إنَّ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِ يَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ فِي الْبَعْضِ أَيْضًا.
، وَكَذَا لَفْظُ الْإِنْسَانِ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَبِالْعَمَى وَالشَّلَلِ لَا يُنْتَقَضُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ الْمَانِعِ مِنْ النَّقِيضِ وَالنَّدْبُ مُغَايِرٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَجَازِ انْتِفَاءُ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ الشَّرْطُ انْتِفَاءُ الْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا كَمَا يَحْصُلُ بِانْتِفَاءِ كُلِّهَا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ جِهَاتِ الْمَجَازِ وَلَوْ كَانَ الِانْتِفَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ شَرْطًا لَمَا صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ فَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِهِ أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ سِوَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ وَهَذَا
(1/119)

وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لَا مَحَلَّةٌ بَلْ هُوَ لِلْإِيجَابِ عِنْدَنَا إلَّا بِدَلِيلٍ اسْتِدْلَالًا بِأَصْلِهِ وَصِيغَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلٌ شَاذٌّ خَارِجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ فَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَيْسَ فِي الْإِبَاحَةِ طَلَبٌ بَلْ مَعْنَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنْ شَاءَ فَعَلَ؛ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا بَلْ كَانَ إرْشَادًا فَكَانَ مَجَازًا فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ فَإِنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ بِالْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ مَوْضُوعًا لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الشِّيعَةِ.
، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ بِأَنْ يُجْعَلَ مَوْضُوعًا لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَمَذْهَبُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ خَاصًّا فِي الْوُجُوبِ عَيْنًا فَلَا يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِهِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا حَقَّقْت مَا ذَكَرْنَا عَرَفْت أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا لَيْسَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ، وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ وَهَذَا أَصَحُّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْعَامَّةِ بَلْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ النَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ لَيْسَا بِمُغَايِرَيْنِ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْغِيَرَيْنِ مَوْجُودَانِ جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الصِّفَاتِ وَالْوُجُوبُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ فَلَمْ يَكُونَا مُغَايِرَيْنِ لِلْوُجُوبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَكَيْفَ يُسَمَّى مَجَازًا، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى النَّدْبِ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ وَمَعْنَى الْإِبَاحَةِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالْوُجُوبُ يُتَصَوَّرُ بِدُونِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بَلْ لَا يَثْبُتُ مَعَهُمَا كَمَا يُتَصَوَّرُ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ بِدُونِ الْوُجُوبِ فَكَانَ مُغَايِرًا لَهُمَا أَلْبَتَّةَ فَيَكُونُ مَجَازًا فِيهِمَا، وَقَوْلُهُ زَعَمَ مَعْنَاهُ قَالَ لَكِنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّ مَنْ قَالَ كَلَامًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كَاذِبًا فِيهِ قَالُوا زَعَمَ فُلَانٌ وَإِذَا كَانَ صَادِقًا عِنْدَهُمْ قَالُوا قَالَ فُلَانٌ وَمِنْهُ قِيلَ زَعَمَ كُنْيَةُ الْكَذِبِ، وَفِي التَّحْقِيقِ الزَّعْمُ ادِّعَاءُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَلَا عِلْمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «، بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا»

[الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ]
قَوْلُهُ (وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ) أَيْ بِالْأَمْرِ إذْ هُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ قَبْلَ الْحَظْرِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ مُوجِبَهُ التَّوَقُّفُ أَوْ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ الْحَظْرِ فَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْدَهُ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ قَبْلَ الْحَظْرِ فَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْوُجُوبُ بَعْدَ الْحَظْرِ أَيْضًا، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ قَبْلَ الْحَظْرِ الْوُجُوبُ وَبَعْدَهُ الْإِبَاحَةُ وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفِعْلَ إنْ كَانَ مُبَاحًا فِي أَصْلِهِ ثُمَّ وَرَدَ حَظْرٌ مُعَلَّقٌ بِغَايَةٍ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ فَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَ زَوَالِ مَا عَلَّقَ الْحَظْرَ بِهِ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ كَانَ حَلَالًا عَلَى
(1/120)

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] لَكِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] ارْتَدَّهَا لَا بِصِيغَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْإِطْلَاقِ ثُمَّ حَرُمَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَكَانَ قَوْله تَعَالَى {فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] إعْلَامًا بِأَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ قَدْ ارْتَفَعَ وَعَادَ الْأَمْرُ إلَى أَصْلِهِ؛ وَإِنْ كَانَ الْحَظْرُ وَارِدًا ابْتِدَاءً غَيْرَ مُعَلَّلٍ بِعِلَّةٍ عَارِضَةٍ وَلَا مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ وَلَا غَايَةٍ فَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بَعْدَهُ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
، وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْأَمْرُ إذَا وَرَدَ بَعْدَ حَظْرٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ أَفَادَ مَا يُفِيدُ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَظْرٌ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ يُفِيدُ بَعْدَ الْحَظْرِ الشَّرْعِيِّ الْإِبَاحَةَ وَهَذَا الْكَلَامُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْحَظْرِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ مِثْلُ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ وَالذَّبْحِ، احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْأَمْرِ لِلْإِبَاحَةِ فِي أَغْلِبْ الِاسْتِعْمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ أَلَا فَانْتَبِذُوا» وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ اُدْخُلْ الدَّارَ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ لَا تَدْخُلْ الدَّارَ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِبَاحَةُ دُونَ الْوُجُوبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ الْمُتَقَدِّمَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْحَظْرِ لَا الْإِيجَابُ كَمَا أَنَّ عَجْزَ الْمَأْمُورِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ ظُهُورُ عَجْزِهِ لَا وُجُودُ الْفِعْلِ فَصَارَ كَأَنَّ الْآمِرَ قَالَ قَدْ كُنْت مَنَعْتُك عَنْ كَذَا فَرَفَعْت ذَلِكَ الْمَنْعَ وَأَذِنْت لَك فِيهِ، وَاحْتَجَّ الْعَامَّةُ بِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِمٌ، وَهُوَ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ إذْ الْوُجُوبُ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْعَارِضُ الْمَوْجُودُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَنْعِ إلَى الْإِذْنِ جَازَ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى الْإِيجَابِ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا} [الأحزاب: 53] وَكَالْأَمْرِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بَعْدَ زَوَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَكَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ زَوَالِ السُّكْرِ، وَكَالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ فِي شَخْصٍ حَرَامِ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ بِارْتِكَابِ أَسْبَابٍ مُوجِبَةٍ لِلْقَتْلِ مِنْ الْحِرَابِ وَالرِّدَّةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَكَالْأَمْرِ بِالْحُدُودِ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ بَعْدَمَا كَانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا، وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي بَعْدَمَا قَالَ لَهُ لَا تَسْقِنِي فَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَظْرِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَظْرَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِصَرْفِ الصِّيغَةِ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِصَرْفِ النَّهْيِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّنْزِيهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَإِنَّمَا فُهِمَ الْإِبَاحَةُ فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ النَّظَائِرِ بِقَرَائِنَ غَيْرِ الْحَظْرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْحَظْرُ الْمُتَقَدِّمُ لَفُهِمَ مِنْهَا الْإِبَاحَةُ أَيْضًا، وَهِيَ أَنَّ الِاصْطِيَادَ وَأَخَوَاتِهَا شُرِعَتْ حَقًّا لِلْعَبْدِ، فَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَصَارَتْ حَقًّا عَلَيْهِ فَيَعُودُ الْأَمْرُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُحْمَلْ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَلَا الْأَمْرُ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ عَلَى الْإِيجَابِ؛ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَظْرٌ لِئَلَّا يَصِيرَ حَقًّا عَلَيْنَا بَعْدَمَا شُرِعَ حَقًّا لَنَا.
قَوْلُهُ (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ) إنَّمَا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْقَوْلُ بِالنَّدْبِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ؛ وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] إنَّهُ
(1/121)

ابْنُ سِيرِينَ نُسْخَةٌ وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُوجِبِ

(بَابُ مُوجِبِ الْأَمْرِ) :
فِي مَعْنَى الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: صِيغَةُ الْأَمْرِ تُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَلْ تَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا تُوجِبُهُ وَلَا تَحْتَمِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِوَصْفٍ وَقَالَ عَامَّةُ: مَشَايِخِنَا لَا تُوجِبُهُ وَلَا تَحْتَمِلُهُ بِكُلِّ حَالٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ جِنْسِهِ وَيَحْتَمِلُهُ كُلَّهُ بِدَلِيلِهِ مِثَالُ هَذَا الْأَصْلِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَمْرُ نَدْبٍ حَتَّى قِيلَ يُسْتَحَبُّ الْقُعُودُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لِنَدْبِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى ذَلِكَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إذَا انْصَرَفْت مِنْ الْجُمُعَةِ فَسَاوِمْ بِشَيْءٍ.؛ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِهِ،
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ لِي حَاجَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَقْضِيهَا بَعْدَ الِانْصِرَافِ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ كِتَابِ الْكَسْبِ أَنَّهُ أَمْرُ إيجَابٍ فَقَالَ أَصْلُ الْكَسْبِ