Advertisement

كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 002


بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ)
أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ أَمَّا الْعَامُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ صِيغَةُ كُلِّ جَمْعٍ مِثْلُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ] [أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ] [الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ
قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْعَامَّ مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَلَمَّا كَانَ الِانْتِظَامُ بِطَرِيقَيْنِ كَانَتْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعُمُومِ قِسْمَيْنِ ضَرُورَةً قِسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ وَقِسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ بَلْ يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ فَصَاعِدًا وَلَهُ صِيغَةُ تَثْنِيَةٍ وَفَرْدٍ مِنْ لَفْظِهِ كَرِجَالٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ كَنِسَاءٍ، وَلِهَذَا جَمَعَهُمَا الشَّيْخُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ. ثُمَّ الْجَمْعُ عَلَى قِسْمَيْنِ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الثَّلَاثَةِ وَأَمْثِلَتُهُ أَفْعَالٌ وَأَفْعُلٌ وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ كَأَثْوَابٍ وَأَفْلُسٍ وَأَجْرِبَةٍ وَغِلْمَةٍ وَقِيلَ جَمْعُ السَّلَامَةِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ وَالْأَلِفِ وَالتَّاءِ لِلتَّقْلِيلِ أَيْضًا. وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ مَبْنِيٌّ لِلتَّكْثِيرِ. وَجَمْعُ كَثْرَةٍ وَهُوَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْجُمُوعِ. ثُمَّ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ إذَا كَانَ مُنَكَّرًا لَيْسَ بِعَامٍّ لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ إذَا كَانَ مُنَكَّرًا فَكَأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ فَهُوَ صِيغَةُ كُلِّ جَمْعٍ رَدَّ قَوْلَ الْعَامَّةِ وَاخْتَارَ أَنَّ الْكُلَّ عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ الْقِلَّةِ يَكُونُ الْعُمُومُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا إلَى الْعَشَرَةِ وَفِي غَيْرِهِ يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى أَنْ يَشْمَلَ الْكُلَّ إذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِغْرَاقُ عَلَى مَا عُرِفَ.
قَوْلُهُ (مِثْلُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) اللَّامُ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ لِتَحْسِينِ الْكَلَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْجُمُوعُ الْمُنَكَّرَةُ إلَّا الْمُعَرَّفَةُ بِاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ فَإِنَّ
(2/2)

أَمَّا صِيغَتُهُ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَكَذَلِكَ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَأَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَرِيحًا فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي الْأَنْفَالِ وَفِي غَيْرِهَا فَصَارَ هَذَا الِاسْمُ عَامًّا مُتَنَاوِلًا جَمِيعَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ فَصَارَ أَوْلَى، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي رَجُلٍ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَهُوَ كَذَا وَإِنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا وَالْكَلِمَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ قِسْمٍ يَتَنَاوَلُهُ وَقَدْ يَصِيرُ هَذَا النَّوْعُ مَجَازًا عَنْ الْجِنْسِ إذَا دَخَلَهُ لَامُ الْمَعْرِفَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْكَلَامَ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَلِهَذَا ذَكَرْت هَذِهِ النَّظَائِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَالْمِيزَانِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِأَبِي الْيُسْرِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ فَقُبِلَ كَقَوْلِنَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَمُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ.
قَوْلُهُ (أَمَّا صِيغَتُهُ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ) أَيْ صِيغَةُ هَذَا الْعَامِّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَمَا وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَعْنِي أَلْفَاظَ الْجُمُوعِ إلَّا لِأَعْدَادٍ مُجْتَمِعَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ رَجُلٌ وَلِلِاثْنَيْنِ رَجُلَانِ وَلِلثَّلَاثَةِ وَالْأَلْفِ رِجَالٌ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَعْدَادٍ مُجْتَمَعَةٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ عَامٌّ بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ شَامِلٌ) أَيْ الْعَامُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِلَّا فَيَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَيْهِ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكٌّ وَاحْتِمَالٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عَامٌّ عِنْدَنَا أَيْ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَعِنْدَ وُجُودِهِ مَحْمُولٍ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَعِنْدَ بَعْضِ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ فِي الْعُمُومِ لَيْسَ بِعَامٍّ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ رِجَالًا فِي الْمَجْمُوعِ كَرَجُلٍ فِي الْوُحْدَانِ فَكَمَا أَنَّ رَجُلًا حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ فَرْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ كَذَلِكَ رِجَالٌ حَقِيقَةٌ لِكُلِّ جَمْعٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَعْتُهُ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَمْعِيَّةِ. وَلَنَا أَنَّ إطْلَاقَهُ يَصِحُّ عَلَى الْكُلِّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَعَلَى مَا دُونَهُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَالْحَمْلُ وَعَلَى مَا دُونَهُ إدْخَالٌ لَهُ فِي حَيِّزِ الْإِجْمَالِ إذْ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِلتَّيَقُّنِ أَوْ عَلَى الْكُلِّ وَالْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلشُّمُولِ وَالْعُمُومِ فَيَكُونُ حَمْلُهَا عَلَى الْكُلِّ أَقْرَبَ إلَى تَحْقِيقِ الْعُمُومِ وَأَعَمَّ فَائِدَةً فَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْكُلِّ قُلْنَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَكَذَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا. وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ لِمَا قُلْنَا وَقَعَ مُكَرَّرًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا تَعْلِيلٌ لِهَذَا الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَثِيرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اهْتِمَامَهُمْ كَانَ فِي تَصْحِيحِ الْمَقَاصِدِ وَهِيَ الْمَعَانِي فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَمَّقُوا فِي الْأَلْفَاظِ.
قَوْلُهُ (وَالْكَلِمَةُ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ صِيغَةُ الْجَمْعِ. عَامَّةٌ أَيْ شَامِلَةٌ لِكُلِّ قِسْمٍ مَنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ الَّذِي يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إيَّاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِيُشِيرَ بِهِ إلَى أَنَّهُ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَالثَّلَاثَةَ يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِخِلَافِ اسْمِ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ فَرْدٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَدْنَى وَالْأَعْلَى تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا دُونَ مَا بَيْنَهُمَا وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَفِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ نِسَاءً فَتَزَوَّجَ ثِنْتَيْنِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَلَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُتَيَقَّنٌ فَيَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَيْهِ وَلَوْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ يَتَنَاوَلُ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَ إلَّا
(2/3)

لِأَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ وَلَا عَهْدَ فِي أَقْسَامِ الْجُمُوعِ فَجُعِلَ لِلْجِنْسِ لِيَسْتَقِيمَ تَعْرِيفُهُ وَفِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ فَكَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالْوَصْفَيْنِ وَلَوْ عَمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَطَلَ حُكْمُ اللَّامِ أَصْلًا فَصَارَ الْجِنْسُ أَوْلَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُ النِّسَاءُ أَوْ أَشْتَرَيْتُ الْعَبِيدَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْجِنْسِ فَسَقَطَتْ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ وَاسْمُ الْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ عَلَى أَنَّهُ كُلُّ الْجِنْسِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا غَيْرُهُ لَكَانَ كُلًّا فَإِنَّ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه كَانَ كُلَّ الْجِنْسِ لِلرِّجَالِ وَحَوَّاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَحْدَهَا كَانَتْ كُلَّ الْجِنْسِ لِلنِّسَاءِ فَلَا يُسْقِطُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالْمُزَاحَمَةِ فَصَارَ الْوَاحِدُ لِلْجِنْسِ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ لِلْجَمْعِ فَكَمَا كَانَ اسْمُ الْجَمْعِ وَاقِعًا عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا كَانَ اسْمُ الْجِنْسِ وَاقِعًا عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا وَكَانَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ عَلَى احْتِمَالِ الْكُلِّ.

وَأَمَّا الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ فَأَنْوَاعٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ مُطْلَقَهُ كَانَ يَنْصَرِفُ إلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ فَإِذَا نَوَى الْأَكْثَرَ فَقَدْ نَوَى مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ) أَيْ لَامَ التَّعْرِيفِ لِلْمَعْهُودِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ رَأَيْت رَجُلًا ثُمَّ كَلَّمْت الرَّجُلَ أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ. وَلَا عَهْدَ أَيْ لَا مَعْهُودَ فِي أَقْسَامِ الْجُمُوعِ لِيُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْهُودًا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ يُصْرَفُ إلَيْهِ كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ إنَّك تُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَ هَذِهِ النِّسْوَةَ الْأَرْبَعَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ يَنْصَرِفُ كَلَامُهُ إلَيْهِنَّ خَاصَّةً كَذَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ.
فَجَعَلَ أَيْ هَذَا الِاسْمَ لِلْجِنْسِ لِيُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ إذْ الْجِنْسُ مَعْهُودٌ فِي الذِّهْنِ. وَفِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْ فِي جَعْلِهِ الْجِنْسَ رِعَايَةَ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ إمَّا فِي الْخَارِجِ أَوْ فِي الْوَهْمِ إذَا هُوَ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ وَالْكُلِّيُّ مَا لَا يَمْنَعُ مَفْهُومُهُ عَنْ الشَّرِكَةِ وَلِذَلِكَ جَعَلُوا الشَّمْسَ جِنْسًا وَالْقَمَرَ كَذَلِكَ وَجَمَعُوهُمَا عَلَى شُمُوسٍ وَأَقْمَارٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي جَعْلِهِ جِنْسًا عَمَلٌ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَهُمَا الْجَمْعِيَّةُ وَالتَّعْرِيفُ. وَلَوْ حُمِلَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَةٍ بَعْدَ دُخُولِ اللَّامِ فِيهِ. لَبَطَلَ حُكْمُ اللَّامِ وَهُوَ التَّعْرِيفُ أَصْلًا أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا ذُكِرَ.
فَصَارَ الْجِنْسُ أَيْ حَمْلُهُ عَلَى الْجِنْسِ وَجَعْلُهُ مَجَازًا فِيهِ أَوْلَى مِنْ إبْقَائِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. إنَّ ذَلِكَ أَيْ قَوْلَهُ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا حَتَّى إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَاحِدًا أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَاحِدَةً حَنِثَ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْحِنْثُ عَلَى شِرَاءِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْعَبِيدِ أَوْ تَزَوُّجِ ثَلَاثٍ مِنْ النِّسَاءِ كَمَا تَوَقَّفَ فِيمَا إذَا كَانَ مُنَكَّرًا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَصَاعِدًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَلْفٍ أَيْضًا كَمَا يَحْنَثُ فِي الْمُنَكَّرِ بِشِرَاءِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعَشَرَةٍ وَأَلْفٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ إذَا نَوَى شِرَاءَ عَبْدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعْمَلُ نِيَّتُهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهَا نِيَّةُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ كَمَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (وَاسْمُ الْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْجِنْسِ وَكَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا بِالْعَبْدِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِجِنْسَيْنِ تَامَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ التَّامَّ كُلُّ نِسَاءِ الْعَالَمِ وَكُلُّ عَبِيدٍ الدُّنْيَا. فَأَجَابَ وَقَالَ الْوَاحِدُ يَصْلُحُ جِنْسًا كَامِلًا كَالْكُلِّ؛ لِأَنَّ أَفْرَادَ الْجِنْسِ لَوْ عُدِمَتْ وَلَمْ تَبْقَ إلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَةُ كَانَتْ كُلًّا وَكَانَ الِاسْمُ لَهَا حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ جِنْسًا كَامِلًا وَآدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ جِنْسًا كَامِلًا وَكَانَ اسْمُ الْإِنْسِ لَهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا لَمْ يَبْقَ الْكَمَالُ بِانْضِمَامِ أَمْثَالِهَا إلَيْهَا لَا لِنُقْصَانٍ فِي نَفْسِهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْبَعْضَ مِنْ الْجِنْسِ صَالِحٌ فِي ذَاتِهِ لِهَذَا الِاسْمِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا صَارَ بَعْضًا بِمُزَاحَمَةِ أَمْثَالِهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَاوَى الْبَعْضُ الْكُلَّ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الِاسْمِ فَيَتَأَدَّى بِهِ حُكْمُ الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُرَجِّحُ حَقِيقَةَ الْكُلِّ عَلَى الْأَدْنَى كَذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ.
قَوْلُهُ (فَصَارَ الْوَاحِدُ لِلْجِنْسِ مِثْلَ الثَّلَاثَةِ لِلْجَمْعِ) لِمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْكُلِّ وَعِنْدَ عَدَمِ التَّعَذُّرِ يَقَعُ عَلَى الْكُلِّ فَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ فَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْعَمَلُ بِالْكُلِّ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ اسْمُ فَرْدٍ وَالْوَاحِدَ فَرْدٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْكُلُّ فَرْدٌ حُكْمًا فَكَانَ الْأَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَاسْمُ الْجَمْعِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَالْكُلُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَكْمَلُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ أَوْلَى وَقَدْ بَيَّنَّا لَامَ التَّعْرِيفِ فِي بَابِ مُوجِبِ
(2/4)

مِنْهَا مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ مِثْلُ الرَّهْطِ وَالْقَوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِثْلُ الطَّائِفَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَصِيغَتُهُ رَهْطٌ وَقَوْمٌ مِثْلُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَمَعْنَاهُمَا الْجَمْعُ وَلَمَّا كَانَ فَرْدًا بِصِيغَتِهِ جَمْعًا بِمَعْنَاهُ كَانَ اسْمًا لِلثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا إلَّا الطَّائِفَةُ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلْوَاحِدِ فَصَاعِدًا كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ صَارَ جِنْسًا بِعَلَامَةِ الْجَمَاعَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ كَلِمَةُ مَنْ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَالْعُمُومَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَمْرِ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[أَنْوَاع الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ]
[مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ]
قَوْلُهُ مَا هُوَ فَرْدٌ وُضِعَ لِلْجَمْعِ أَيْ لَفْظُهُ فَرْدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ فَيُقَالُ رَهْطٌ وَرَهْطَانِ وَأَرْهُطٌ وَأَرْهَاطٌ وَقَوْمٌ وَقَوْمَانِ وَأَقْوَامٌ وَلَكِنَّهُ وُضِعَ لِلْجَمْعِ مِثْلُ الْأَوَّلِ. وَالرَّهْطُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ. وَالْقَوْمُ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الرِّجَالِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمْ الْقُوَّامُ عَلَى النِّسَاءِ قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَا أَدْرِي وَلَسْت أَخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ جَمْعٌ قَائِمٌ كَصَائِمٍ وَصُوَّمٍ وَزَائِرٍ وَزُوَّرٍ. أَوْ هُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ كَذَا فِي الْمَطْلَعِ وَغَيْرِهِ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَبِالنَّظَرِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ وَجَمْعُهُ عَلَى أَقْوَامٍ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَجَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَهُوَ الرَّهْطُ وَبَيْنَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَهُوَ الْقَوْمُ كَمَا جَمَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (مِثْلُ الطَّائِفَةِ وَالْجَمَاعَةِ) إنَّمَا أَوْرَدَهُمَا بَعْدَ مَا ذَكَرَ نَظَائِرَ هَذَا الْقِسْمِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُمَا عَامَّانِ صِيغَةً وَمَعْنًى إذْ التَّاءُ عَلَامَةُ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ فِي مُسْلِمُونَ فَبَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَا مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثَنَّى وَيُجْمَعُ يُقَالُ طَائِفَةٌ وَطَائِفَتَانِ وَطَوَائِفُ وَجَمَاعَةٌ وَجَمَاعَتَانِ وَجَمَاعَاتٌ. كَانَ اسْمًا لِلثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا مِثْلُ الْعَامِّ صِيغَةً وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ (إلَّا الطَّائِفَةَ) اتَّفَقُوا أَنَّ الطَّائِفَةَ هِيَ النَّفَرُ الْيَسِيرُ. ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ هِيَ اسْمٌ لِلْعَشَرَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لِثَلَاثَةٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ لِلِاثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ هِيَ اسْمٌ لِلْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لِبَعْضِ الشَّيْءِ يُقَالُ طَائِفَةٌ مِنْ اللَّيْلِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمَالِ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَأَقَلُّ الْأَبْعَاضِ فِي الْأَنَاسِيِّ وَاحِدٌ. وَلِأَنَّهَا نَعْتٌ مِنْ طَافَ يَطُوفُ وَأَقَلُّ مَنْ يَطُوفُ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ لِلْجِنْسِ بِعَلَامَةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ التَّاءُ فَإِنَّهَا عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الِاسْمِ لِلتَّأْنِيثِ أَوْ لِشَبَهِ التَّأْنِيثِ، وَالْمُرَادُ بِشَبَهِ التَّأْنِيثِ أَنْ يَكُونَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ تَدْخُلْ التَّاءُ فِي الطَّائِفَةِ لِلتَّأْنِيثِ بِلَا شُبْهَةٍ فَيَكُونُ دَاخِلَةً لِشَبَهِ التَّأْنِيثِ وَهُوَ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ إذْ الْجَمْعُ فَرْعٌ عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا دَخَلَتْ فِي نَحْوِ عُصْبَةٍ وَزُمْرَةٍ وَإِذَا صَارَتْ جِنْسًا بِعَلَامَةِ الْجَمَاعَةِ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْجِنْسِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ؛ لَامُ التَّعْرِيفِ فَيَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ فَصَاعِدًا. أَوْ يُقَالُ وَلَمَّا كَانَتْ نَعْتَ فَرْدٍ فِي أَصْلِهَا وَانْضَمَّتْ إلَيْهَا عَلَامَةُ الْجَمَاعَةِ يُرَاعَى فِيهَا الْمَعْنَيَانِ كَمَا يُرَاعَى فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْفَرْدِيَّةِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ الطَّائِفَةَ الْفِرْقَةَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلْقَةً وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ كَأَنَّهَا الْجَمَاعَةُ الْحَافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا أَرْبَعَةً إلَى أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَفِي الصِّحَاحِ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ قِطْعَةٌ مِنْهُ وقَوْله تَعَالَى. {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَهُ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْعَامِّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ كَلِمَةُ مَنْ. وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولِي الْعُقُولِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ حَتَّى لَوْ قَالَ وَمَنْ دَخَلَ مِنْ مَمَالِيكِي الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ يَتَنَاوَلُ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ.
وَلَفْظُهَا مُذَكَّرٌ مُوَحَّدٌ وَيُحْمَلُ عَلَى اللَّفْظِ كَثِيرًا وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى أَيْضًا وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَالْخَبَرِ. وَتَعُمُّ فِي الْأَوَّلَيْنِ لَا مَحَالَةَ تَقُولُ فِي الِاسْتِفْهَامِ مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ فِي
(2/5)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} [يونس: 43] وَأَصْلُهَا الْعُمُومُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» وَقَالَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ فَشَاءُوا جَمِيعًا عَتَقُوا فَأَمَّا إذَا قَالَ مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَأَعْتِقُهُ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُعْتِقَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ عَامَّةٌ وَكَلِمَةُ مِنْ لِتَمْيِيزِ عَبِيدِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتِقُهُمْ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَةِ الْعُمُومِ وَالتَّبْعِيضِ فَصَارَ الْأَمْرُ مُتَنَاوِلًا بَعْضًا عَامًّا وَإِذَا قَصَّرَ عَنْ الْكُلِّ بِوَاحِدٍ كَانَ عَمَلًا بِهِمَا وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّبْعِيضِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَمَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَقَالَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ وَخَالِدٌ وَيَعُدُّ مَنْ فِيهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ وَيَقُولُ فِي الشَّرْطِ مَنْ زَارَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَكُلُّ مَنْ زَارَهُ اسْتَحَقَّ الْعَطَاءَ. وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ فَقَدْ تَكُونُ عَامَّةً وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82] وَتَقُولُ زَارَنِي مَنْ اشْتَقْت إلَيْهِ وَزُرْت مَنْ أَكْرَمَنِي وَتُرِيدُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ أَيْ فِي الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَبَعْضُ مَحَالِّ الْخَبَرِ. وَالْخُصُوصُ أَيْ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِ الْخَبَرِ لَكِنَّهَا فِي الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ تَعُمُّ عُمُومَ الِانْفِرَادِ وَفِي الْخَبَرِ تَعُمُّ عُمُومَ الِاشْتِمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ مَنْ زَارَنِي فَأُعْطِهِ دِرْهَمًا يَسْتَحِقُّ كُلُّ مَنْ زَارَهُ الْعَطِيَّةَ وَلَوْ قَالَ أُعْطِ مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ الْكُلُّ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا يَتَعَمَّمُ عُمُومُ الِانْفِرَادِ فِي الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْطِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ لَوْ قَالَ إنْ فَعَلَ فُلَانٌ فَلَهُ كَذَا وَإِنْ فَعَلَ فُلَانٌ فَلَهُ كَذَا حَتَّى أَحْصَوْا الْكُلَّ لَطَالَ الْكَلَامُ وَلَوَقَعُوا فِي الْحَرَجِ وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ فَأُقِيمَ كَلِمَةُ مَنْ مُقَامَ ذَلِكَ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِانْفِرَادِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِفْهَامِ إذَا قِيلَ أَزَيْدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عُمَرُ وَأَمْ مُحَمَّدٌ أَمْ أَحْمَدُ يَطُولُ الْأَمْرُ فَأُقِيمَ كَلِمَةُ مَنْ مُقَامَ ذَلِكَ فَتَعُمُّ عُمُومَ الِانْفِرَادِ.
قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] نَظِيرُ الْعُمُومِ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} [يونس: 43] . نَظِيرُ الْخُصُوصِ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَصْلُحُ نَظِيرًا لِلْخُصُوصِ لِإِفْرَادِ صِلَتِهِ وَهِيَ يَنْظُرُ إلَّا أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا الْمُرَادُ مِنْهُ الْعُمُومُ أَيْضًا كَمَا فِي الْأَوَّلِ لَكِنْ أَفْرَدَ صِلَتَهُ فِي الثَّانِي وَجَمَعَ فِي الْأَوَّلِ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] . وَقَالُوا مَعْنَاهُمَا وَمِنْهُمْ نَاسٌ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ وَعَلِمْت الشَّرَائِعَ وَلَكِنْ لَا يَعُونَ وَلَا يَقْبَلُونَ وَمِنْهُمْ نَاسٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَيُعَايِنُونَ أَدِلَّةَ الصِّدْقِ وَأَعْلَامَ النُّبُوَّةِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ قَوْلَهُ. (وَأَصْلُهَا الْعُمُومُ) أَيْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُمُومِ أَكْثَرَ مِمَّا تُسْتَعْمَلُ فِي الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا الْأَصْلِيَّ الْعُمُومُ.
قَوْلُهُ (مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي) إذَا قَالَ مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَأَعْتِقْهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُمْ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَتَقُوا إلَّا الْآخِرَ وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ جُمْلَةً عَتَقُوا إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى الْمَوْلَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُمْ جَمِيعًا. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ عَامَّةٌ لِلَّذِي يَعْقِلُ وَحَرْفُ مِنْ كَمَا يَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 4] ، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون: 91] .
وَيَكُونُ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ أَيْ لِلْبَيَانِ يُقَالُ سَيْفٌ مِنْ حَدِيدٍ وَخَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَقَالَ تَعَالَى. {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] . وَهَهُنَا الْمُرَادُ بِحَرْفِ مِنْ تَمْيِيزُ عَبِيدِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ مَنْ شِئْت وَلَمْ يَقُلْ مِنْ عَبِيدِي كَانَ كَلَامًا مُخْتَلًّا فَقَالَ مِنْ عَبِيدِي لِيُمَيِّزَ مَمَالِيكَهُ عَنْ مَمَالِيكِ غَيْرِهِ فِي إيجَابِ الْعِتْقِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ جَمِيعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَصَارَ كَمَا إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ كَانَ الْخُلْعُ وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَعْمَلْ مِنْ فِي التَّبْعِيضِ لِمَا عَلِمْت فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَشِيئَةُ مُضَافَةً إلَى خَاصٍّ، وَالْمُرَادُ التَّعْمِيمُ قَالَ تَعَالَى. {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] . {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] . وَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ وَالرَّجُلُ تَقُولُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي
(2/6)

يَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ إلَّا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَسَقَطَ بِهَا الْخُصُوصُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا شِئْت. كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت وَيُوجِبُ إبَاحَةَ الْكُلِّ فَهَذَا كَذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَةِ الْعُمُومِ وَالتَّبْعِيضِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِمَا إذْ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا أَمْكَنَ لَكِنَّ الْعُمُومَ هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الْعَمَلُ بِالتَّبْعِيضِ وَذَلِكَ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ الْكُلِّ وَاحِدٌ لِيَصِيرَ عَامًّا بِتَنَاوُلِهِ الْأَكْثَرَ وَيَثْبُتُ الْعَمَلُ بِالتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ التِّسْعَةَ مِنْ الْعَشَرَةِ بَعْضُهَا وَقَدْ أُدْخِلَتْ كَلِمَةُ التَّبْعِيضِ فِي الْعَبِيدِ دُونَ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَعْمَلَ فِي التَّبْعِيضِ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ.
فَصَارَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّبْعِيضِ. وَإِنَّمَا حُمِلَتْ عَلَى التَّمْيِيزِ وَالْبَيَانِ فِي قَوْلِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَكَّدَ الْعُمُومَ بِإِضَافَةِ الْمَشِيئَةِ إلَى عَامٍّ صَارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ التَّبْعِيضَ فَحُمِلَتْ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهَهُنَا أُضِيفَتْ إلَى خَاصٍّ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْعُمُومِ فَلَا يُتْرَكُ التَّبْعِيضُ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى. {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] . قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْعُمُومِ وَهُوَ أَنَّ الرِّجْسَ وَاجِبُ الِاجْتِنَابِ عَقْلًا فَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى التَّبْعِيضِ. وَقَدْ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى. {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] . وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ. {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب: 51] . دَلِيلُ الْعُمُومِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} [النور: 62] . وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ. {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} [الأحزاب: 51] . وَكَذَلِكَ تَرْكُ التَّبْعِيضِ فِي قَوْلِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مَا شِئْت وَكُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَادَ بِطَعَامِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يُظَنَّ بِهِ أَنْ يَضِنَّ بِاللُّقْمَةِ أَوْ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَتَاقُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ بِبَعْضِهِ وَيَضِنُّ بِبَعْضِهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْأَمْرَيْنِ كَذَا فِي جَامِعَيْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ (يَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ) أَيْ كَلِمَةُ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ أَيْضًا لِدُخُولِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ فِي الْعَبِيدِ كَمَا فِي الْمُتَنَازِعِ إلَّا أَنَّ الْبَعْضَ الدَّاخِلَ تَحْتَ الشَّرْطِ نَكِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا دَخَلَتْ تَحْتَ الشَّرْطِ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ؛ لِأَنَّ فِي الصِّلَةِ مَعْنَى الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْمَوْصُولِ فِي حُكْمِ اسْمٍ مَوْصُوفٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» . الشَّخْصُ الدَّاخِلُ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ آمِنٌ فَتَعُمُّ ضَرُورَةَ عُمُومِ الصِّفَةِ. وَسَقَطَ بِهَا أَيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الصِّفَةِ الْخُصُوصُ أَيْ التَّبْعِيضُ فَأَمَّا الْبَعْضُ فِي الْمُتَنَازِعِ فَلَمْ يُوصَفْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ إذْ الْمَشِيئَةُ فِيهِ أُسْنِدَتْ إلَى الْمُخَاطَبِ فَيَبْقَى مَعْنَى الْخُصُوصِ مُعْتَبَرًا فِيهِ مَعَ صِفَةِ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ بَعْضًا عَامًّا. وَنَظِيرُهُ لَوْ قِيلَ مَنْ سَرَقَ مِنْ النَّاسِ فَأَقْطَعُهُ يُفْهِمُ وُجُوبَ الْقَطْعِ لِلسُّرَّاقِ كُلِّهِمْ وَلَوْ قِيلَ اقْطَعْ مِنْ السُّرَّاقِ مَنْ شِئْت لَمْ يُوجِبْ اللَّفْظُ اسْتِيعَابَ الْجَمِيعِ بِالْقَطْعِ. وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَفْعُولِيَّةَ صِفَةٌ كَالْفَاعِلِيَّةِ، وَلِهَذَا يُوصَفُ بِهَا فَيُقَالُ عَمْرٌو مَضْرُوبٌ كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ ضَارِبٌ وَشَيْءٌ مَعْلُومٌ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ عَالِمٌ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ صَارَتْ مَوْصُوفَةً بِالْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ بِالْمَشِيئِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْأُولَى صَارَتْ مَوْصُوفَةً بِالْفَاعِلِيَّةِ فَلِتَتَعَمَّمَ بِعُمُومِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَيْضًا.
لِأَنَّا نَقُولُ حَقِيقَةُ الصِّفَةِ مَعْنًى يَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي تُسَمِّيهِ وَصْفًا إنَّمَا تَقُومُ بِالْفَاعِلِ إلَّا بِالْمَفْعُولِ إذْ الضَّرْبُ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ وَالْعِلْمُ قَائِمٌ بِالْعَالِمِ لَا بِالْمَضْرُوبِ وَالْمَعْلُومِ وَإِنَّمَا لِلْمَفْعُولِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ التَّأَثُّرِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي الْعُمُومِ. قَالَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ فِي جَوَابِ هَذَا
(2/7)


وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ مُبْهَمَةً فِي ذَوَاتِ مَنْ يَعْقِلُ مِثَالُهُ مَا قَالَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا فَدَخَلَ وَاحِدٌ فَلَهُ النَّفَلُ وَإِنْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا فَصَاعِدًا بَطَلَ النَّفَلُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِلْفَرْدِ السَّابِقِ فَلَمَّا قَرَنَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ فَتَعَيَّنَ بِهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ وَسَقَطَ الْعُمُومُ فَلَمْ يَجِبْ النَّفَلُ إلَّا لِوَاحِدٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَمْ يُوجَدْ.

وَقِسْمٌ آخَرُ وَهِيَ كَلِمَةُ كُلٍّ وَهِيَ لِلْإِحَاطَةِ عَلَى سَبِيلِ الْأَفْرَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] وَمَعْنَى الْأَفْرَادِ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ مُسَمًّى مُنْفَرِدًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا مَعْنًى ثَبَتَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لُغَةً فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ كَأَنَّهَا صِلَةٌ حَتَّى لَمْ تُسْتَعْمَلْ مُفْرَدَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
السُّؤَالِ أَنَّ الْوَصْفَ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمَذْكُورِ وَمَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ لَيْسَتْ بِمَذْكُورٍ وَلَوْ صَارَ مَذْكُورًا إنَّمَا يَصِيرُ مَذْكُورًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْمِيمُ. عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وُصِفَتْ بِالْمَفْعُولِيَّةِ بَلْ الْمَوْصُوفُ بِهَا الْعِتْقُ فِي قَوْلِهِ عِتْقَهُ فَلَا يَرِدُ هَذَا السُّؤَالُ.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ) لَمَّا بَيَّنَ عُمُومَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ احْتِمَالِ خُصُوصِهَا فَقَالَ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَيْ كَلِمَةُ مَنْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ مُبْهَمَةً فِي ذَوَاتِ مَنْ يَعْقِلُ فَيَقَعُ لِإِبْهَامِهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْجَمْعِ كَمَا أَنَّ النَّكِرَةَ تَصْلُحُ لِإِبْهَامِهَا أَنْ تَقَعَ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ. مَعْنَى الْإِبْهَامِ فِيهَا أَنَّهَا تُذْكَرُ مَرَّةً لِلْعُمُومِ وَأُخْرَى لِلْخُصُوصِ وَلَيْسَتْ لِلْعُمُومِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَلَا لِلْخُصُوصِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَصَارَتْ مُبْهَمَةً كَذَا ذَكَرَ فِي الشُّرُوحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. بَلْ مَعْنَى الْإِبْهَامِ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ وَشَيْءٍ لَا عَلَى مُعَيَّنٍ وَأَنَّهَا لَا تُفْهَمُ بِذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا تُفْهَمُ بِصِلَاتِهَا الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا فَيَصِيرُ مَعَ صِلَتِهَا كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَهِيَ وُضِعَتْ لِذَوَاتِ مَنْ يَعْقِلُ لَا غَيْرُ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ حَتَّى لَوْ قِيلَ مَنْ فِي الدَّارِ فَجَوَابُهُ زَيْدٌ أَبُو بَكْرٍ أَوْ خَالِدٌ وَلَوْ قِيلَ فَرَسٌ أَوْ شَاةٌ كَانَ مُخْطِئًا فِي الْجَوَابِ. مِثَالُهُ احْتِمَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْخُصُوصَ. الْأَوَّلُ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَكَلِمَةُ مَنْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ كَمَا بَيَّنَّا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا الْعُمُومَ فَلَمَّا جَمَعَهَا فِي كَلَامِهِ حُمِلَ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الصَّرِيحِ فَسَقَطَ الْعُمُومُ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ إلَّا وَاحِدٌ دَخَلَ سَابِقًا عَلَى الْجَمَاعَةِ فَإِذَا دَخَلَهُ اثْنَانِ سَقَطَ النَّفَلُ لِفَوَاتِ الْوَحْدَةِ وَكَذَا إذَا دَخَلَ بَعْدَهُ وَاحِدٌ لِفَوَاتِ السَّبَقِ.

[كَلِمَةُ كُلٍّ]
قَوْلُهُ (وَقِسْمٌ آخَرُ) أَيْ مِنْ أَقْسَامِ الْعَامِّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ كَلِمَةُ كُلٍّ. وَكَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْإِكْلِيلِ الَّذِي هُوَ مُحِيطٌ بِجَوَانِب الرَّأْسِ فَلِذَلِكَ يُوجِبُ الْإِحَاطَةَ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَإِذَا قَالَ لِرَجُلَيْنِ لَكُمَا عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَلْفُ لَهُمَا وَلَوْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ. وَهِيَ مِنْ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ الْإِضَافَةِ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ إلَّا عَلَى الْأَسْمَاءِ إذْ الْإِضَافَةُ مَنْ خَصَائِصِ الِاسْمِ فَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ تُوجِبُ إحَاطَةَ الْأَجْزَاءِ وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ تُوجِبُ إحَاطَةَ الْإِفْرَادِ فَيَصِحُّ قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ التُّفَّاحِ حَامِضٌ أَيْ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ كَذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ كُلُّ تُفَّاحٍ حَامِضٌ لِحَلَاوَةِ بَعْضٍ مِنْهُ.
وَإِذَا ضُمِّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ يُؤْتَى بِفِعْلٍ بَعْدَ الِاسْمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ كُلُّ صِفَةٍ لَهُ لِيَصْلُحَ لِلشَّرْطِيَّةِ إذْ الِاسْمُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلشَّرْطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَرَدِّدًا وَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَسْمَاءِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا مَعْنًى) أَيْ الْإِحَاطَةُ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ مَعْنًى ثَبَتَ بِكَلِمَةِ كُلٍّ فِيمَا أُضِيفَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ إلَيْهِ. يَعْنِي أَثَرَ عُمُومِهِ يَظْهَرُ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ فَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ يُوجِبُ الْعُمُومَ فِيهَا بِإِحَاطَةِ أَجْزَائِهَا لَا فِي غَيْرِهَا وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ تُوجِبُ الْعُمُومَ فِيهَا بِإِحَاطَةِ إفْرَادِهَا لَا فِي غَيْرِهَا فَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ يَثْبُتُ الْعُمُومُ فِي الْعَبِيدِ دُونَ الْإِمَاءِ وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْطِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ دِرْهَمًا يُوجِبُ الْعُمُومَ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وَكَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ يُوجِبُ الْعُمُومَ فِي الْمَرْأَةِ لَا فِي التَّزَوُّجِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مَرَّتَيْنِ لَا تَطْلُقُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
(2/8)

وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْضًا وَهِيَ مِثْلُ كَلِمَةِ وَمَنْ إلَّا أَنَّهَا عِنْدَ الْعُمُومِ تُخَالِفُهَا فِي إيجَابِ الْأَفْرَادِ فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّكِرَةِ أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ كُلُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَلَا تَصْحَبُ الْأَفْعَالَ إلَّا بِصِلَةٍ فَإِذَا وُصِلَتْ أَوْجَبَتْ عُمُومَ الْأَفْعَالِ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُلَّمَا {نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] .
وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا وَبَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ كَلِمَةِ كُلِّ وَمَنْ فِيمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا فَدَخَلَ جَمَاعَةٌ بَطَلَ النَّفَلُ وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ إلَّا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَ عَشَرَةٌ مَعًا وَجَبَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ النَّفَلَ كَامِلًا عَلَى حِيَالِهِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ يُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الْأَفْرَادِ فَاعْتُبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِيَالِهِ وَهُوَ أَوَّلٌ فِي حَقِّ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْ النَّاسِ وَفِي كَلِمَةِ مَنْ وَجَبَ اعْتِبَارُ جَمَاعَتِهِمْ وَذَلِكَ يُنَافِي الْأَوَّلِيَّةَ وَلَوْ دَخَلَ الْعَشَرَةُ فُرَادَى فِي مَسْأَلَةٍ كُلٍّ كَانَ النَّفَلُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهِيَ تَحْتَمِلُ (كَشْفَ) الْخُصُوصِ فَسَقَطَ عَنْهَا الْإِحَاطَةُ وَصَارَتْ (ثَانِي) لِلْخُصُوصِ.

وَقِسْمٌ آخَرُ كَلِمَةُ الْجَمِيعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
ثُمَّ ثَبَتَ الْعُمُومُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْعُمُومِ فِي ذَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِك رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَقَوْمٌ وَرَهْطٌ كَانَ مُشَابِهًا لِلْحَرْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ دَلَّ عَلَى مَعْنَى فِي غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْفَكَّ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَنْ الْإِضَافَةِ كَمَا أَنَّ الْحَرْفَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ يَصْحَبُهُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنَّهَا صِلَةٌ أَيْ حَرْفٌ حَيْثُ لَمْ تُسْتَعْمَلْ مُفْرَدَةً أَيْ بِدُونِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْ بَدَلٌ فَلَا يُقَالُ كُلٌّ جَاءُوا وَإِنَّمَا يُقَالُ كُلُّ الْقَوْمِ جَاءُوا أَوْ كُلٌّ جَاءُوا.
قَوْلُهُ (وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ) مِثْلُ كَلِمَةِ مَنْ حَتَّى لَوْ قِيلَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْوَلَاءِ كَانَ النَّفَلُ لِلْأَوَّلِ لَا لِغَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَلَا تَصْحَبُ الْأَفْعَالَ أَيْ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا بِصِلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةُ الْإِضَافَةِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَسْمَاءِ فَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْأَفْعَالِ. فَإِذَا وُصِلَتْ أَيْ دَخَلَتْهَا الصِّلَةُ وَهِيَ كَلِمَةُ مَا. أَوْجَبَتْ عُمُومَ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ عُمُومَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ. وَكَلِمَةُ مَا هَذِهِ لِلْجَزَاءِ ضُمَّتْ إلَى كُلٍّ فَصَارَتْ أَدَاةً لِتَكْرَارِ الْفِعْلِ وَنُصِبَ كُلٌّ عَلَى الظَّرْفِ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْجَوَابُ كَذَا فِي عَيْنِ الْمَعَانِي وَغَيْرِهِ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ حُرُوفِ الْمَعَانِي أَنَّ مَا مَعَ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ كُلٍّ وَكُلُّ مُضَافٍ إلَى ذَلِكَ الِاسْمِ فِي التَّقْدِيرِ فَإِذَا قُلْت كُلَّمَا تَأْتِنِي أُكْرِمُك مَعْنَاهُ كُلُّ إتْيَانٍ يَحْصُلُ مِنْك لِي أُكْرِمُك وَالْمَصْدَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِعِ يُرَادُ بِهِ وَقْتُ وُقُوعِ الْفِعْلِ تَقُولُ أَقُومُ هَهُنَا مَا دَامَ زَيْدٌ جَالِسًا أَيْ دَوَامُ زَيْدٍ جَالِسًا وَتُرِيدُ بِالدَّوَامِ وَقْتَ الدَّوَامِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلَّمَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ مَعْنَاهُ وَقْتَ تَدْخُلِينَ فِيهَا فَكُلُّ مُضَافٍ إلَى وَقْتِ الدُّخُولِ وَالْوَقْتُ ظَرْفٌ فَكَانَ كُلُّ ظَرْفًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَبَدًا وَالْعَامِلُ فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْجَزَاءُ وَهُوَ أُكْرِمُك فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ مِثْلُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فِي الْمِثَالِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ (وقَوْله تَعَالَى {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] قَالَ الْعَلَّامَةُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ مَوْلَانَا حَافِظُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ بُحْبُوحَةَ جِنَانِهِ، التَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ الصِّفَةِ كَمَا يُقَالُ بَدَّلْت الْقَمِيصَ قَبَاءً وَقَالَ تَعَالَى. {تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} [إبراهيم: 48] . أَيْ تُسَوَّى غِيطَانُهَا بِآكَامِهَا فَلَا يَلْزَمُ تَعْذِيبُ غَيْرِ الْمُجْرِمِ وَالنَّضِيجُ إذَا أُعِيدَ نِيًّا لَا يَكُونُ غَيْرَهُ فَكَانَتْ الْغَيْرِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ رَاجِعَةً إلَى الصِّفَةِ لَا إلَى الذَّاتِ. وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا أَيْ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تُوجِبُ الْعُمُومَ فِي النَّكِرَاتِ وَكُلَّمَا تُوجِبُهُ فِي الْأَفْعَالِ بُنِيَتْ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فَإِذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَهِيَ تَعُمُّ الْأَعْيَانَ دُونَ الْأَفْعَالِ فَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مَرَّتَيْنِ لَا يَحْنَثُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَكَذَا فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مَرَّتَيْنِ يَحْنَثُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ وَكُلَّمَا اشْتَرَيْت عَبْدًا فَعَلَيَّ كَذَا فَاشْتَرِي عَبْدًا وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ يَحْنَثُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ. وَفِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثْرَةٌ.
قَوْلُهُ (وَبَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ الْفَرْقِ إلَى آخِرِهِ) ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسٌ فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَعِنْدَ ذِكْرِهِ يُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ كَأَنَّ اللَّفْظَ تَنَاوَلَهُ خَاصَّةً وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. وَلَوْ دَخَلُوا
(2/9)

وَهِيَ عَامَّةٌ مِثْلُ كُلٍّ إلَّا أَنَّهَا تُوجِبُ الِاجْتِمَاعَ دُونَ الِانْفِرَادِ فَصَارَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى مُخَالِفَةً لِلْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ صَارَتْ مُؤَكِّدَةً لِكَلِمَةِ كُلٍّ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُمْ نَفْلًا وَاحِدًا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالشِّرْكَةِ وَيَصِيرُ النَّفَلُ وَاجِبًا لِأَوَّلِ جَمَاعَةٍ يَدْخُلُ فَإِنْ دَخَلُوا فُرَادَى كَانَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَعَارَ بِمَعْنَى الْكُلِّ.

وَقِسْمٌ آخَرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُتَوَاتِرَيْنِ كَانَ لِلْأَوَّلِ النَّفَلُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ كُلَّ الدَّاخِلِ أَوَّلًا هُوَ فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ لَيْسَ بِأَوَّلٍ حِينَ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِالدُّخُولِ وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْبِقْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَهُ بِالدُّخُولِ وَعَلَى اعْتِبَارِ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مُوجِبُ كَلِمَةِ كُلٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوَّلَ دَاخِلٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تُوجِبُ عُمُومَ الْجِنْسِ وَلَا تُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْ الدَّاخِلِينَ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَعَلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُمُومِ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلُ فَأَمَّا كَلِمَةُ كُلٍّ فَتُوجِبُ تَنَاوُلَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ كَلِمَةُ كُلٍّ قَدْ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا وَلَكِنْ لَوْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لَمْ تَبْقَ لَهَا فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهَا زِيَادَةُ فَائِدَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مَا قُلْنَا وَهُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ فِي كُلِّ دَاخِلٍ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ.
وَالْحِيَالُ الْحِذَاءُ يُقَالُ قَعَدَ حِيَالَهُ وَبِحِيَالِهِ أَيْ بِإِزَائِهِ وَأَصْلُهُ الْوَاوُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَبَ لِكُلِّ رَجُلٍ النَّفَلُ كَامِلًا عَلَى حِيَالِهِ وَجَبَ النَّفَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُقَابَلَتِهِ وَقَوْلُهُ فَاعْتُبِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى حِيَالِهِ أَيْ بِانْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَعَدَ بِإِزَاءِ آخَرَ مُتَفَرِّدٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ تَابِعٍ لَهُ فَاسْتُعِيرَ لِلِانْفِرَادِ.

[كَلِمَةُ الْجَمِيعِ]
قَوْلُهُ (وَهِيَ عَامَّةٌ مِثْلُ) كَلِمَةِ كُلٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ كَهِيَ إلَّا أَنَّهَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ وَتِلْكَ تُوجِبُهَا عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ. فَصَارَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ مُخَالِفَةً لِلْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَعْنِي كَلِمَةَ مَنْ وَكَلِمَةَ كُلٍّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ كَمَا بَيَّنَّا وَكَلِمَةُ مَنْ تُوجِبُ الِاجْتِمَاعَ وَالْعُمُومَ وَلَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ قَصْدًا وَكَلِمَةُ الْجَمِيعِ تُخَالِفُهُمَا؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ قَصْدًا. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلْإِحَاطَةِ مِثْلُ كَلِمَةِ كُلٍّ صَارَتْ مُؤَكِّدَةً لِكَلِمَةِ كُلٍّ فَيُقَالُ جَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ أَنَّهَا تُوجِبُ الِاجْتِمَاعَ مَا إذَا قَالَ الْإِمَامُ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسٌ فَدَخَلَهُ عَشَرَةٌ مَعًا فَالنَّفَلُ الْوَاحِدُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَ بِكَلِمَةِ مَنْ هَهُنَا يَدُلُّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ دُونَ الْإِفْرَادِ فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِهِ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي أَنَّهُمْ أَوَّلُ فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ وَكَلِمَةُ كُلٍّ تَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ فَيُجْعَلُ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ خَاصَّةً كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَعَارَ بِمَعْنَى الْكُلِّ) مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْإِحَاطَةَ وَالْعُمُومَ فَيُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ كَالْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ لِلتَّشْجِيعِ وَإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَلَمَّا اسْتَحَقَّهُ الْجَمَاعَةُ بِالدُّخُولِ أَوَّلًا فَالْوَاحِدُ الدَّاخِلُ أَوَّلًا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجُرْأَةَ وَالْجَلَادَةَ فِيهِ أَقْوَى. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَسْتُ أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا لَكِنْ إنْ دَخَلْت ثَانِيًا فَلَكَ كَذَا فَدَخَلَ أَوَّلًا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ صَنَعَ مَا طَلَبَ الْإِمَامُ مِنْهُ زِيَادَةً فِي إظْهَارِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَادَةِ فَإِنَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادَهُ أَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ ثَانِيًا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ التَّحْرِيضُ عَلَى إظْهَارِ الْجِدِّ فِي الْقِتَالِ وَقَدْ أَتَى بِهِ عَلَى أَقْوَى الْوُجُوهِ فَكَذَلِكَ
(2/10)

كَلِمَةُ مَا وَهِيَ عَامَّةٌ فِي ذَوَاتِ مَا لَا يَعْقِلُ وَصِفَاتُ مَنْ يَعْقِلُ تَقُولُ مَا فِي الدَّارِ جَوَابُهُ شَاةٌ أَوْ فَرَسٌ وَتَقُولُ مَا زَيْدٌ وَجَوَابُهُ عَاقِلٌ أَوْ عَالِمٌ وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِكِ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا فِي الْبَطْنِ غُلَامًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [البقرة: 284] .

وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الَّذِي فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
هَهُنَا (فَإِنْ قِيلَ) فَهَلَّا جَعَلْت كَلِمَةَ مَنْ بِمَعْنَى كَلِمَةِ كُلٍّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ فِيمَا إذَا دَخَلَهُ جَمَاعَةٌ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفْلٌ كَمَا فِي كَلِمَةِ كُلٍّ.
أَوْ بِمَعْنَى كَلِمَةِ الْجَمِيعِ فَيَكُونُ لِلْكُلِّ نَفْلٌ وَاحِدٌ كَمَا فِي كَلِمَةِ الْجَمِيعِ (قُلْنَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ وَلَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ قَصْدًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْعُمُومُ فِيهَا ضَرُورَةَ إبْهَامِهَا كَعُمُومِ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ اشْتِرَاكٌ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الْمَوْضُوعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحَاطَةُ بِصِفَةِ الِانْفِرَادِ وَالْإِحَاطَةُ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ (فَإِنْ قِيلَ) فِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذْ لَوْ دَخَلَ فِيهِ جَمْعٌ اسْتَحَقُّوا نَفْلًا وَاحِدًا عَمَلًا بِحَقِيقَتِهِ وَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا عَمَلًا بِمَجَازِهِ (قُلْنَا) لَيْسَ الْمُرَادُ كِلَيْهِمَا بَلْ الْمُرَادُ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَهُوَ الدُّخُولُ أَوَّلًا لَا يُوجَدُ إلَّا فِي وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَإِنْ وُجِدَ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ يُعْمَلُ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْ وُجِدَ فِي وَاحِدٍ يُعْمَلُ بِمَجَازِهِ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إنْ لَوْ تَصَوَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا بِأَنْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ أَوَّلًا وَاسْتَحَقُّوا النَّفَلَ وَدَخَلَ وَاحِدٌ أَوَّلًا أَيْضًا وَاسْتَحَقَّ النَّفَلَ وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا كَذَا قِيلَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَدَمُ جَوَازِ الْجَمْعِ بِالنَّظَرِ إلَى الْإِرَادَةِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى الْوُقُوعِ وَفِي الْإِرَادَةِ الْجَمْعُ مُتَصَوَّرٌ بَلْ مُتَحَقِّقٌ فَلَا يَجُوزُ فَإِنَّ كَلِمَةَ مَنْ يَتَنَاوَلُ كَلِمَةً مَا عَامَّةً وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي ذَوَاتِ مَا لَا يَعْقِلُ وَفِي صِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ فَإِذَا قِيلَ مَا فِي الدَّارِ يَسْتَقِيمُ فِي الْجَوَابِ فَرَسٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ ثَوْبٌ وَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْجَوَابِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ.

[كَلِمَةُ مَا]
وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُقَلَاءِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَلِمَةِ مَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَعْنَى مَنْ يَصْلُحُ لِمَا يَعْقِلُ وَلِمَا لَا يَعْقِلُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَا لَا يَعْقِلُ كَاخْتِصَاصِ مَنْ بِمَنْ يَعْقِلُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِيهِ أَنَّ مَا لِلسُّؤَالِ عَنْ الْجِنْسِ تَقُولُ مَا عِنْدَك بِمَعْنَى أَيُّ أَجْنَاسِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَك وَجَوَابُهُ إنْسَانٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ كِتَابٌ أَوْ طَعَامٌ. أَوْ عَنْ الْوَصْفِ تَقُولُ مَا زَيْدٌ وَمَا عَمْرٌو وَجَوَابُهُ الْكَرِيمُ أَوْ الْفَاضِلُ.
قَالَ وَلِكَوْنِ مَا لِلسُّؤَالِ عَنْ الْجِنْسِ وَلِلسُّؤَالِ عَنْ الْوَصْفِ وَقَعَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَبَيْنَ مُوسَى مَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا كَانَ جَاهِلًا بِاَللَّهِ مُعْتَقِدًا أَنْ لَا مَوْجُودَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ سِوَى الْأَجْسَامِ اعْتِقَادُ كُلِّ جَاهِلٍ لَا نَظِيرَ لَهُ ثُمَّ سَمِعَ مُوسَى قَالَ {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] سَأَلَ بِمَا عَنْ الْجِنْسِ سُؤَالَ مِثْلِهِ فَقَالَ {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] كَأَنَّهُ قَالَ أَيُّ أَجْنَاسِ الْأَجْسَامِ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَالِمًا بِاَللَّهِ أَجَابَ عَنْ الْوَصْفِ تَنْبِيهًا عَلَى النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ الْمُمْتَازَةِ عَنْ حَقَائِقِ الْمُمْكِنَاتِ فَلَمَّا لَمْ يَتَطَابَقْ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ الْجَاهِلِ عَجِبَ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ جَمَاعَةِ الْجَهَلَةِ فَقَالَ لَهُمْ {أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25] ثُمَّ اسْتَهْزَأَ بِمُوسَى وَجُنْدِهِ فَقَالَ {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] وَحِينَ لَمْ يَرَهُمْ مُوسَى يَفْطِنُونَ لِمَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ فِي الْكَرَّتَيْنِ مِنْ فَسَادِ مَسْأَلَتِهِمْ الْحَمْقَاءِ وَاسْتِمَاعِ جَوَابِهِ الْحَكِيمِ عَلَيْهِمْ غَلَّظَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] .

[كَلِمَةُ الَّذِي]
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الَّذِي) أَيْ وَمِثْلُ كَلِمَةِ مَا كَلِمَةُ الَّذِي فِي الْعُمُومِ. فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ وَمَا وَنَظِيرُهَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةُ الَّذِي فَإِنَّهَا مُبْهَمَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا يَعْقِلُ وَفِيمَا لَا يَعْقِلُ وَفِيهَا مَعْنَى
(2/11)

وَهَذِهِ فِي احْتِمَالِ الْخُصُوصِ مِثْلُ مَنْ كَلِمَةٌ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ الثَّلَاثِ مَا شِئْت أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاحِدَةً أَوْ اثْنَيْنِ لِمَا قُلْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ كَلِمَةُ مَا بِمَعْنَى مَنْ وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ مَوْضُوعَةٌ غَيْرُ مَعْلُولَةٍ.

وَقِسْمٌ آخَرُ النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُهُ مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي كَلِمَةِ كُلٍّ وَدَلَائِلُ عُمُومِهَا ضُرُوبٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ وَفِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ دَلِيلُ الْعُمُومِ وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ لَا لِمَعْنًى فِي صِيغَةِ الِاسْمِ وَذَلِكَ أَنَّك إذَا قُلْت مَا جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَدْ نَفَيْت مَجِيءَ رَجُلٍ وَاحِدٍ نَكِرَةٍ وَمِنْ ضَرُورَةِ نَفْيِهِ نَفْيُ الْجُمْلَةِ لِيَصِحَّ عَدَمُهُ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ مَجِيءَ غَيْرِهِ ضَرُورَةً فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعُمُومِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الْكَلِمَتَيْنِ حَتَّى إذَا قَالَ إنْ كَانَ الَّذِي فِي بَطْنِك غُلَامًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا وَكَذَا حُكْمُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ بِمَعْنَى الَّذِي حَتَّى لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ الضَّارِبُ مِنْكُمْ زَيْدًا حُرٌّ أَوْ قَالَ لِنِسْوَتِهِ الضَّارِبَةُ مِنْكُنَّ زَيْدًا طَالِقٌ فَاَلَّذِي ضَرَبَ مِنْهُمْ يَعْتِقُ وَكَذَا الَّتِي ضَرَبَتْ تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي وَاَلَّتِي مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ وَحُرُوفِ الْمَعَانِي.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ) أَيْ كَلِمَةُ مَا فِي احْتِمَالِ الْخُصُوصِ مِثْلُ كَلِمَةِ مَنْ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ مُبْهَمَةً كَهِيَ فَلِإِبْهَامِهَا تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ. وَعَلَى هَذَا أَيْ وَعَلَى احْتِمَالِ الْخُصُوصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى احْتِمَالِ الْعُمُومِ عِنْدَهُمَا تَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ.
فَعَلَى قَوْلِهِمَا تَجْرِي هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَى عُمُومِهَا وَتُجْعَلُ كَلِمَةُ مَنْ لِتَمْيِيزِ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ الْأَعْدَادِ أَيْ أَوْقِعِي مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مَا شِئْت لَا مِنْ الْأَعْدَادِ الَّتِي فَوْقَهُ وَيَصِحُّ هَذَا التَّمْيِيزُ وَإِنْ كَانَ مَا فَوْقَهُ مِنْ الْأَعْدَادِ فِي الطَّلَاقِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ فَلَا تَعْتَمِدُ عَلَى وُجُودِهِ شَرْعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ يَقَعُ وَاحِدَةً وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ كَذَا هُنَا. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْعَلُ حَرْفُ مَنْ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أُعْتِقُ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْت وَكَلِمَةُ مَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَقَدْ عَارَضَهَا حَرْفُ التَّبْعِيضِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ وَهُوَ التَّبْعِيضُ ثُمَّ يُعْمَلُ بِالْعُمُومِ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِيَحْصُلَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلِمَتَيْنِ كَمَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ كَلِمَةُ مَا بِمَعْنَى مَنْ) يَعْنِي مَا بَيَّنَّا مِنْ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ فَأَمَّا كَلِمَةُ مَا فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى كَلِمَةِ مَنْ مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ سُبْحَانَ مَا سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَسُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا. وقَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] . أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا فِي قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ. وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أُوثِرَتْ كَلِمَةُ مَا عَلَى مَنْ لِإِرَادَةِ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَالْقَادِرُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَنَاهَا. وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ كَلِمَةُ مَنْ بِمَعْنَى مَا أَيْضًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45] .
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ. {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} [النحل: 17] . إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ خَصَّ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ كَلِمَةِ مَا وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ أَكْثَرُ. وَقَدْ قِيلَ اُخْتِيرَ لَفْظُ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ. {خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} [النور: 45] . دَخَلَ فِيهِ الْعُقَلَاءُ وَغَيْرُهُمْ فَحَسُنَ تَغْلِيبُ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَكَذَا الْخَلْقُ فِعْلُ مَنْ يَعْقِلُ فَنَاسَبَ كَلِمَةَ مَنْ أَوْ مَعْنَاهُ وَمَنْ يَخْلُقُ لَيْسَ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ. أَوْ الْكَلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِ الْكُفَّارِ فَلِذَلِكَ قِيلَ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ دُونَ مَا.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ مَوْضُوعَةٌ غَيْرُ مَعْلُولَةٍ) الْعَامُّ مَعْنًى لَا صِيغَةً قِسْمَانِ قِسْمٌ ثَبَتَ عُمُومُهُ بِالْوَضْعِ وَقِسْمٌ ثَبَتَ عُمُومُهُ بِعَارِضٍ يَلْحَقُ بِهِ فَقَوْلُهُ وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ مَوْضُوعَةٌ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ كَقَوْمٍ وَرَهْطٍ وَمَنْ وَمَا وَكُلٍّ وَجَمِيعٍ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.

[الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً]
[النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي فَقَالَ وَقِسْمٌ آخَرُ أَيْ مِنْ الْعَامِّ مَعْنًى لَا صِيغَةً النَّكِرَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا دَلِيلُ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ كَمَا قُلْنَا فِي كَلِمَةِ كُلٍّ فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّكِرَةِ أَوْجَبَتْ عُمُومَهَا وَإِنْ كَانَتْ النَّكِرَةُ فِي ذَاتِهَا خَاصَّةً إذْ هِيَ اسْمٌ وُضِعَ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ عُمُومِهَا عِنْدَ اتِّصَالِ دَلِيلِ الْعُمُومِ بِهَا أَنَّهَا فِي النَّفْيِ تَعُمُّ سَوَاءٌ دَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى نَفْسِهَا كَقَوْلِك
(2/12)

وَضَرْبٌ آخَرُ إذَا دَخَلَ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ أَوْ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَيْهَا كَقَوْلِك مَا رَأَيْت رَجُلًا وَفِي الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْعُمُومُ فِيهَا ضَرُورَةً وَاقْتِضَاءً لَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ إذْ هِيَ لَا يَتَنَاوَلُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إلَّا وَاحِدًا. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى رُؤْيَةَ رَجُلٍ مُنَكَّرٍ فَقَدْ نَفَى رُؤْيَةَ جَمِيعِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى رُؤْيَةَ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ إذْ لَوْ كَانَ رَأَى رَجُلًا وَاحِدًا لَا يَنْتَفِي رُؤْيَةُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَضْرِبْ الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ عُدَّ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَجْمَعَ بِضَرْبِ وَاحِدٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ مَا أَكَلْت الْيَوْمَ شَيْئًا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ بَلْ أَكَلْت شَيْئًا وَلَوْ لَمْ يُفِدْ الْأَوَّلُ الْعُمُومَ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّكْذِيبَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الْجُزْئِيَّ لَا يُنَاقِضُ السَّلْبَ الْجُزْئِيَّ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا قَالَتْ {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91] رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام: 91] .
وَلَمْ يُفِدْ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ الْعُمُومَ لَمَّا كَانَ هَذَا رَدًّا لَهُ. وَلِأَنَّ النُّصُوصَ وَالْإِجْمَاعَ تَدُلُّ عَلَى كَلِمَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةِ تَوْحِيدٍ وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ نَفْيُ النَّكِرَةِ مُوجِبًا لِلْعُمُومِ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ يَصِحُّ الْإِضْرَابُ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَا رَأَيْت رَجُلًا بَلْ رَأَيْت رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالًا كَذَا نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُوجِبًا لِلْعُمُومِ لَمَا صَحَّ كَمَا لَوْ قِيلَ مَا رَأَيْت رَجُلًا بَلْ رَأَيْت رِجَالًا (قُلْنَا) نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ بِقَرِينَةِ الْإِضْرَابِ يُفْهِمُ الْمُرَادُ نَفْيَ صِفَةِ الْوَحْدَةِ لَا نَفْيَ نَفْسِ الْحَقِيقَةِ كَمَا لَوْ قَالَ مَا رَأَيْت رَجُلًا كُوفِيًّا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَةِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْمَوْصُوفَةِ لَا مُطْلَقِ الْحَقِيقَةِ كَذَا هَذَا. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّكِرَةَ تَعُمُّ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ كَمَا تَعُمُّ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ يُقَالُ مَنْ يَأْتِنِي بِمَالٍ أُجَازِهِ لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِمَالٍ دُونَ مَالٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا عَمَّتْ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمُعَيَّنٍ فِي قَوْلِك رَأَيْت رَجُلًا وَالنَّفْيُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَقِيضُ الْإِثْبَاتِ فَإِذَا انْضَمَّ النَّفْيُ إلَى التَّنْكِيرِ اقْتَضَى اجْتِمَاعُهُمَا الْعُمُومَ فَكَذَا الشَّرْطُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بَلْ مُقْتَضَاهُ الْعُمُومُ فَالنَّكِرَةُ الْوَاقِعَةُ فِي مَوْضِعِهِ تَعُمُّ أَيْضًا وَلَمَّا كَانَتْ الْمَعْرِفَةُ خِلَافَ النَّكِرَةِ كَانَ الْفَرْقُ فِي عُمُومِهَا لِلْأَجْزَاءِ وَعَدَمُهُ فِي حَالَتَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّكِرَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ فَاشْتَرَاهُ إلَّا جُزْءًا مِنْهُ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْتَرِيَن هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ فَاشْتَرَاهُ إلَّا جُزْءًا مِنْهُ يَحْنَثُ.
ثُمَّ قِيلَ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّمَا تَخُصُّ إذَا كَانَتْ اسْمًا غَيْرَ مَصْدَرٍ فَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرًا فَهِيَ تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ. {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان: 14] . وَصَفَ الثُّبُورَ بِالْكَثْرَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا وَنَوَى الثَّلَاثَ يَصِحُّ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُنَكَّرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ فِي الْإِثْبَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ رَأَيْت رَجُلًا كَثِيرًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ.

[لَامُ التَّعْرِيفِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنَى الْعَهْدِ]
قَوْلُهُ (وَضَرْبٌ آخَرُ) أَيْ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ لَامُ التَّعْرِيفِ. اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الْجِنْسِ إذَا دَخَلَتْهُ لَامُ التَّعْرِيفِ لَا لِلْعَهْدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُرَادٌ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بَلْ هُوَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَسَوِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ اللَّامُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفَرْدِ أَوْ الْجَمْعِ يَصِيرُ لِلْجِنْسِ إلَّا أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْأَدْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْضًا
(2/13)

وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1] {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] أَيْ هَذَا الْجِنْسُ وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَكِنْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَاحِدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا قَالُوا هَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ بِحَقِيقَةِ الْأَدْنَى كَمَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَكُلُّ فَرْدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كُلًّا كَمَا بَيَّنَّا فَلَمَّا سَاوَى الْبَعْضُ الْكُلَّ فِي الدُّخُولِ تَرَجَّحَ الْبَعْضُ بِالتَّيَقُّنِ وَانْصَرَفَ مُطْلَقُ اللَّفْظِ إلَيْهِ وَاحْتَمَلَ الْكُلَّ بِدَلِيلِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ تَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا تَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِالنِّيَّةِ. قَالُوا وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إذْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ الطَّلَاق تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَقَدْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِدُونِ النِّيَّةِ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّ مُوجِبَهُ تَنَاوَلَ الْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْأَعْلَى. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ الْعُمُومُ وَالِاسْتِغْرَاقُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إجْرَاءِ قَوْله تَعَالَى. {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] . وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] . عَلَى الْعُمُومِ وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِغْرَاقِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَكَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ بِاللَّامِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالًا شَائِعًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ.
وَكَذَا أُرِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى. {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] . {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} [النحل: 8] . {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] . {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1] {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] . كُلُّ الْجِنْسِ لَا فَرْدٌ مَخْصُوصٌ. وَنَصَّ الزَّجَّاجُ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي قَوْله تَعَالَى. {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] . بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ النَّاسُ. وَكَذَا يُقَالُ الْفَرَسُ أَعْدَى مِنْ الْحِمَارِ وَالْأَسَدُ أَقْوَى مِنْ الذِّئْبِ وَيُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ إلَّا الْفَرْدَ. وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ التَّجْنِيسِ وَبَعْضَهُمْ سَمَّاهَا لَامَ الِاسْتِغْرَاقِ حَتَّى قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ إنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى. {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] . لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَقَالُوا مَعْنَاهُ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَلَا يَنْصَرِفُ الْأَعْلَى إلَّا بِدَلِيلٍ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ. وَلِأَنَّ هَذِهِ اللَّامَ لِلتَّعْرِيفِ لُغَةً وَالتَّعْرِيفُ يُحَصِّلُ تَمْيِيزَ الْمُسَمَّى عَنْ أَغْيَارِهِ وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ الشَّخْصِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْخَاصِ الْمُشَارِكَةِ لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ النَّوْعِ وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا التَّعْرِيفُ إلَّا بَعْدَ سَبْقِ عَهْدٍ بِهَذَا الشَّخْصِ ذِكْرًا أَوْ مُشَاهَدَةً.
وَتَارَةً يَكُونُ تَمْيِيزَ النَّوْعِ عَنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ الْمُسَاوِيَةِ لَهُ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْجِنْسِ كَمَا يُقَالُ مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ غَيْرُ مَخُوفٍ فَهَذَا الْأَسَدُ مَخُوفًا فَإِنَّ اسْمَ الْأَسَدِ وَاقِعٌ عَلَى كَمَالِ نَوْعِهِ لَا عَلَى شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِهِ لِانْعِدَامِ سَبْقِ الْعَهْدِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَبْلَغُ مِنْ التَّعْرِيفِ لِلشَّخْصِ لِبَقَاءِ الِاشْتِرَاكِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي تَعْرِيفِ الشَّخْصِ وَانْقِطَاعِ ذَلِكَ فِي النَّوْعِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالِاسْمِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ. وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ بِأَجْمَعِهِمْ أَوْ الْمُبْرِزُونَ مِنْهُمْ إنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ الْمُمْكِنِ صَرْفُهُ إلَى الْجِنْسِ وَالْمَعْهُودِ إلَى الْجِنْسِ أَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ السَّرَّاجِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَامَةً لِمَا كَمُلَ تَعْرِيفُهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ عَلَامَةً لِمَا ضَعُفَ فِي بَابِهِ وَوَهِيَ فِي نَفْسِهِ. نُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ صَرْفُ اللَّامِ إلَى الْجِنْسِ لِيَحْصُلَ التَّعْرِيفُ وَلَنْ يَحْصُلَ التَّعْرِيفُ إلَّا بِالِاسْتِغْرَاقِ وَجَبَ الصَّرْفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَتَعَرَّفُ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ جَاءَنِي حَصَلَ الْعِلْمُ لِلسَّامِعِ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا ذَكَرًا جَاوَزَ حَدَّ الصِّغَرِ وَكَذَا إذَا قِيلَ جَاءَنِي
(2/14)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
رِجَالٌ عُرِفَ جِنْسُهُمْ وَنَوْعُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَجِيءِ وَبَقِيَتْ الذَّوَاتُ مَجْهُولَةً فَإِذَا دَخَلَتْ فِيهِ اللَّامُ لَا يَحْصُلُ تَعْرِيفُ الذَّاتِ إلَّا وَأَنْ يُصْرَفَ إلَى كُلِّ الْجِنْسِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ مُرَادٌ بِهَذَا اللَّفْظِ فَأَمَّا مَتَى صُرِفَ إلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ فَلَمْ تَصِرْ الذَّوَاتُ مَعْلُومَةً وَمَا وَرَاءَهَا مَعْلُومٌ بِدُونِ اللَّامِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إلْغَاءً لِفَائِدَةِ اللَّامِ وَصَارَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَذَلِكَ إبْطَالُ وَضْعِ اللُّغَةِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَهْدَ إذَا انْعَدَمَ لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْجَمِيعِ لِيَحْصُلَ التَّعْرِيفُ. وَقَوْلُهُمْ الْوَاحِدُ كُلُّ الْجِنْسِ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يُزَاحِمُهُ فَعِنْدَ وُجُودِهِ هُوَ الْبَعْضُ حَقِيقَةً فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ كُلًّا لِلْجِنْسِ الَّذِي هُوَ بَعْضٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضًا جَازَ أَنْ يَكُونَ كُلًّا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ فَنَقُولُ إنَّمَا عَدَلْنَا عَنْ الْكُلِّ بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ إنْسَانًا إنَّمَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ عَمَّا يَدْعُوهُ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَيُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَتَزَوَّجَ نِسَاءَ الْعَالَمِ وَشِرَاءُ عَبِيدِ الدُّنْيَا وَشُرْبُ مِيَاهِهَا جَمِيعًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْبَعْضَ هُوَ الْمُرَادُ فَصَرْفَنَا الْيَمِينَ إلَى الْوَاحِدِ لِلتَّيَقُّنِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَشْرَبُ قَطْرَةً مِنْ الْمَاءِ وَلَا أَتَزَوَّجُ وَاحِدَةً مِنْ النِّسَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْت بَنِي آدَمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَكَلَّمَ رَجُلًا وَاحِدًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ أَنَّمَا يَقَعُ عَلَى هَذَا ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَلِّمَ بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَإِنَّمَا يَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَنْ كَلَّمَ مِنْهُمْ فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْحَمْلِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إيقَاعَ جَمِيعِ جِنْسِ الطَّلَاقِ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَلَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُ جَمِيعِ هَذَا الْجِنْسِ فَصَارَ قَائِلًا أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضًا مِنْ الطَّلَاقِ أَيْ بَعْضًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْفِعْلِ الْمُمْتَازِ عَنْ الْأَفْعَالِ الْأُخَرِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْوَاحِدُ مُتَيَقَّنٌ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْمُعِينِ وَالْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الِاسْمُ الدَّاخِلُ عَلَيْهِ اللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَصَحَّ نَعْتُهُ بِاسْمِ الْجَمْعِ فَيُقَالُ جَاءَنِي الرَّجُلُ الطِّوَالُ كَمَا يُقَالُ جَاءَنِي الرِّجَالُ الطِّوَالُ (قُلْنَا) يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَهْلَكَ النَّاسُ الدِّينَارَ الصُّفْرَ وَالدِّرْهَمَ الْبِيضَ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ إلَّا أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُنْعَتَ بِاللَّفْظِ الْفَرْدِ مُرَاعَاةً لِلصُّورَةِ وَمُحَافَظَةً عَلَى التَّشَاكُلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ إنْ كَانَ عَامًّا عِنْدَ الشَّيْخِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَتْنًا وَلَا لِلْكُلِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُحْتَمِلًا لِمَا دُونَهُ إلَى الْأَدْنَى كَمَا هُوَ مُوجِبُ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَإِنَّهَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَيَحْمِلُ عَلَى الْأَدْنَى التَّعَذُّرُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ عَدُّ لَامِ التَّعْرِيفِ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَلَكِنْ مُوجِبُ الْعَامِّ عِنْدَهُ تَنَاوُلُهُ لِلْأَدْنَى عَلَى احْتِمَالِ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ الْعَامِّ عِنْدَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَدَلَالَةُ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ أَيْضًا لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنَّ الْعَامَّ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْعُمُومِ وَالْجِنْسُ يَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى لِوُجُودِ حَقِيقَةِ مَعْنَى الْجِنْسِ فِيهِ مَعَ رِعَايَةِ الْفَرْدِيَّةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا كَمَا قَرَعَ سَمْعَك غَيْرَ مَرَّةٍ. وَفِي الْجُمْلَةِ
(2/15)

وَمِثَالُهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْهُودًا قَالَ اللَّهُ {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} [المزمل: 15] {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16] أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَمِثَالُهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدًا بِصِلَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ كَذَلِكَ أَنَّ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَكِرَةً كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ فَيَصِيرُ دَلَالَةً عَلَى مَعْنَى الْعَهْدِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لِدَلَالَةِ الْعَادَةِ عَلَى مَعْنَى الْعَهْدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَتَّضِحْ لِي حَقِيقَةُ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا غَرْوَ إذْ هُوَ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ. مُتَغَلْغِلًا فِي مَضَايِقِ مَسَالِكِ التَّدْقِيقِ. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى مَقْصُودِهِ وَمَرَامِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ نُكَتِهِ وَأَسْرَارِ كَلَامِهِ. فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (قَوْلُ عُلَمَائِنَا) أَيْ مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ تَصِيرُ لِلْجِنْسِ بِدُخُولِ اللَّامِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ وَقَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهُ أَنَّهَا تَطْلُقُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ كَمَا تَرَى. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عُلَمَائِنَا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَطْلُقُ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي قخوله الْمَرْأَةُ لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَهْدِ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى وَهِيَ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ هِيَ مَجْهُولَةٌ مُنَكَّرَةٌ إذْ اللَّامُ لَيْسَتْ لِتَعْرِيفِهَا وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى مَجْهُولَةٍ إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَتَعَيَّنُ وَيَتَعَرَّفُ بِالْوَصْفِ وَقَدْ وَصَفَ بِالتَّزَوُّجِ فَيَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَكَانَ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعَيُّنُ الَّذِي لَا بُدَّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لِتَوَقُّفِ صَيْرُورَتِهَا مَعْلُومَةً عَلَيْهِ وَهُوَ يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى التَّزَوُّجِ وَهُوَ وَصْفٌ عَامٌّ فَيَتَعَمَّمُ الْحُكْمُ بِهِ وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا حَيْثُ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِأَبْلَغِ جِهَاتِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ تَعْرِيفٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ بَلْ يَكُونُ مُجَرَّدُ وَصْفٍ فَبَقِيَ إيقَاعُهَا لِلْحَالِ فَبَطَلَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ الْعَبْدُ الَّذِي أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ يَعْتِقُ وَلَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَعْتِقُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَطْلُقُ وَلَا تَطْلُقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ طَالِقٌ طَلُقَتْ لِلْحَالِ دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ بِدُخُولِ اللَّامِ تَصِيرُ لِلْجِنْسِ. وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ. إذَا أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ كَذَلِكَ أَيْ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ الصَّكِّ بِأَنْ أَدَارَ صَكًّا عَلَى الشُّهُودِ وَأَقَرَّ بِمَا فِيهِ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَلْفُ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ نَكِرَةً أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ بِأَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُطْلَقًا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ وَالْمَجْلِسُ وَاحِدٌ كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ مُخْتَلِفًا فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ حَتَّى يَلْزَمَهُ أَلْفَانِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ فِي تَكْرَارِ الْإِقْرَارِ لِتَأْكِيدِ الْحَقِّ بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُودِ فَيَكُونُ الثَّانِي تَكْرَارًا لِلْأَوَّلِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ بِالشَّكِّ وَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ ثَانِيًا بِأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ وَاحِدًا ثُمَّ بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ آخَرَ وَكَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَكْرَارٌ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٌ مَرَّتَيْنِ وَالنَّكِرَةُ إذَا كُرِّرَتْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَتَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ صَكًّا عَلَى حِدَةٍ وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ صَكٍّ شَاهِدَيْنِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَشْهَدَ عَلَى كُلِّ إقْرَارٍ شَاهِدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ مُسْتَحْكَمًا فَفَائِدَةُ إعَادَتِهِ اسْتِحْكَامُ الْمَالِ بِإِتْمَامِ الْحُجَّةِ. وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِعَادَةِ إسْقَاطُ مُؤْنَةِ الْإِثْبَاتِ
(2/16)

وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنَ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ أُعِيدَ مَعْرِفَةً وَالْيُسْرُ أُعِيدَ نَكِرَةً إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي مَعَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى ذَلِكَ الْأَلْفَ فَإِعَادَتُهُ تَحْصُلُ مُعَرَّفًا. وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ الصَّكَّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ هُنَاكَ صَارَ مُعَرَّفًا بِالْمَالِ الثَّابِتِ فِي الصَّكِّ وَالْمُنَكَّرِ أَوْ الْمُعَرَّفِ إذَا أُعِيدَ مُعَرَّفًا كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِقْرَارَانِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ مَالَانِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرٌ فِي جَمْعِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَجَعْلِهَا فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ فَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الثَّانِي مُعَرَّفًا مِنْ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَقَارِيرَ بِالزِّنَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جُعِلَ فِي حُكْمِ إقْرَارٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ فِي مَجْلِسٍ وَأَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بِأَلْفَيْنِ وَأَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ أَوْ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ بِأَلْفٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَلْزَمُهُ الْمَالَانِ وَعِنْدَهُمَا يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَالَيْنِ فَقَطْ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) أَنَّ الْمُنَكَّرَ إذَا كُرِّرَ مُنَكَّرًا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ.
هُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى. {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ خَرَجَ إلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْعُسْرُ فِي جُحْرٍ لَطَلَبَهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ فَكَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْيُسْرَ أُعِيدَ مُنَكَّرًا فَكَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً أَوْ نَكِرَةً أَوْ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُسْتَغْرِقَةٌ لِلْجِنْسِ وَالنَّكِرَةَ مُتَنَاوِلَةٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْكُلِّ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا كَانَ أَوْ مُؤَخَّرًا وَالنَّكِرَةُ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُتَنَاوِلَةٌ لِلْبَعْضِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَوْ انْصَرَفَتْ إلَى الْأُولَى لَتَعَيَّنَتْ ضَرْبَ تَعَيُّنٍ بِأَنْ لَا يُشَارِكَهَا غَيْرُهَا فِيهِ فَلَا يَبْقَى نَكِرَةً وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ الْعُسْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُ الشَّاعِرِ:
صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهَلٍ وَقُلْنَا الْقَوْمُ أَخَوَانِ ... عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْنَ يَوْمًا كَاَلَّذِي كَانُوا
وَمِثَالُ الثَّالِثِ قَوْله تَعَالَى {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} [المزمل: 15] {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16] . وَمِثَالُ الرُّجُوعِ الْيُسْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ كُلَّ جُزْءٍ إلَى تَطْلِيقَةٍ نَكِرَةٍ فَكَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا يَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً فَكَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةِ وَسُدُسَ تِلْكَ التَّطْلِيقَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ جَاءَنِي الْيَوْمَ نِسَاءٌ حِسَانٌ أَوْ رَأَيْت الْيَوْمَ نِسَاءً حِسَانًا أَوْ عَبِيدًا حِسَانًا ثُمَّ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً فَكَذَا أَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَكَذَا فَتَزَوَّجَ ثُلُثًا مِنْ غَيْرِهِنَّ أَوْ اشْتَرَى ثُلُثَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ يَحْنَثُ. وَلَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت النِّسَاءَ أَوْ اشْتَرَيْت
(2/17)

وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدَنَا بَلْ هَذَا تَكْرِيرٌ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى - ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34 - 35]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعَبِيدَ فَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ أَوْ اشْتَرَطَ غَيْرَهُمْ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ تَحْقِيقِ حُرُوفِ الْمَعَانِي ثُمَّ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] إنَّمَا أُدْخِلَتْ الْفَاءُ فِي الْأَوَّلِ جَوَابًا لِتَعْيِيرِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ بِالْفَقْرِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُومِنِينَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ.
قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأُولَى عِدَةً بِأَنَّ الْعُسْرَ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مَرْدُودٌ بِيُسْرٍ لَا مَحَالَةَ وَالثَّانِيَةُ عِدَةٌ بِأَنَّ الْعُسْرَ مَتْبُوعٌ بِيُسْرٍ فَهُمَا يُسْرَانِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنَافِ وَإِنَّمَا كَانَ الْعُسْرُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْعُسْرُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَهُوَ هُوَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ زَيْدٍ فِي قَوْلِك إنَّ مَعَ زَيْدٍ مَالًا إنَّ مَعَ زَيْدٍ مَالًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَعْلَمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ فَهُوَ هُوَ أَيْضًا وَإِمَّا الْيُسْرُ فَمُنَكَّرٌ مُتَنَاوِلٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُكَرَّرٍ فَقَدْ تَنَاوَلَ بَعْضًا غَيْرَ الْبَعْضِ الْأَوَّلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْيُسْرَيْنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنْ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا تَيَسَّرَ لَهُمْ فِي أَيَّامِ الْخُلَفَاءِ. وَأَنْ يُرَادَ يُسْرُ الدُّنْيَا وَيُسْرُ الْآخِرَةِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي " يُسْرًا " لِلتَّفْخِيمِ كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وَأَيُّ يُسْرٍ. وَعَنْ الْعُتْبِيِّ أَوْ الْقُتَبِيِّ قَالَ كُنْت يَوْمًا مَغْمُومًا بِالْبَادِيَةِ فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِي قَوْلُ مَنْ قَالَ:
أَرَى الْمَوْتَ لِمَنْ أَصْبَحَ مَغْمُومًا لَهُ رُوحٌ
فَسَمِعْت بِاللَّيْلِ هَاتِفًا مِنْ السَّمَاءِ يَقُولُ:
أَلَا يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ الَّذِي الْهَمُّ بِهِ بَرَّحْ ... وَقَدْ أَنْشَدْت بَيْتًا لَمْ تَزَلْ فِي فِكْرِهِ تَسْبَحْ
إذَا اشْتَدَّتْ بِك الْعُسْرَى فَفَكِّرْ فِي أَلَمْ نَشْرَحْ ... فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ إذَا فُكِّرْتَهَا فَافْرَحْ
قَالَ فَحَفِظْت الْأَبْيَاتَ وَفَرَّجَ اللَّهُ غَمِّي
وَقَالَ آخَرُ:
تَوَقَّعْ إذَا مَا عَرَتْكَ الْهُمُومُ ... سُرُورًا يُشَرِّدُهَا عَنْكَ قَسْرَا
تَرَى اللَّهَ يُخْلِفُ مِيعَادَهُ ... وَقَدْ قَالَ إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا
قَوْلُهُ (وَفِيهِ نَظَرٌ) ذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ عَيْنَ الْأُولَى وَالنَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى نَظَرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَنْعَكِسُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] . الْكِتَابُ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ وَإِنْ ذُكِرَا مُعَرَّفَيْنِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ. {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] . الضَّعْفُ الثَّانِي عَيْنُ الْأَوَّلِ وَإِنْ ذُكِرَا مُنَكَّرَيْنِ وَكَذَا الْقُوَّةُ الثَّانِيَةُ عَيْنُ الْأُولَى وَإِنْ ذُكِرَتَا مُنَكَّرَتَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ كَذَا ذُكِرَ فِي التَّيْسِيرِ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ يَعْنِي وَثَبَتَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ وَيَكُونُ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ " ح " مَذْكُورَةً عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَنَّهَا مَذْكُورَةٌ عَلَى وَجْهِ التَّكْرِيرِ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى لِتَقْرِيرِ مَعْنَاهَا فِي النُّفُوسِ وَيُمْكِنُهَا فِي الْقُلُوبِ كَمَا كَرَّرَ قَوْله تَعَالَى. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] . {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى - ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34 - 35] .
وَكَمَا يُكَرَّرُ الْمُفْرَدُ فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ زَيْدٌ وَعَلِيٌّ هَذَا التَّقْدِيرُ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى النَّظَرِ. ثُمَّ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ قَدْ يُتْرَكُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ التَّعَذُّرُ هَهُنَا فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ لَمَّا وُصِفَ بِقَوْلِهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ الْكِتَابَ الثَّانِي بَيَانًا. لِمَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ قُوَّةِ الشَّبَابِ قُوَّةٌ أُخْرَى
(2/18)

وَإِذَا تَعَذَّرَ مَعْنَى الْعَهْدِ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ لِيَكُونَ تَعْرِيفًا لَهُ مِثْلُ قَوْلِك فُلَانٌ يُحِبُّ الدِّينَارَ أَيْ هَذَا الْجِنْسَ إذْ لَيْسَ فِيهِ عَيْنٌ مَعْهُودَةٌ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ.

وَضَرْبٌ آخَرُ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا وَلَا أَتَزَوَّجُ امْرَأَةً إلَّا امْرَأَةً كُوفِيَّةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا يُمْكِنُ صَرْفُ الْقُوَّةِ الثَّانِيَةِ إلَى غَيْرِ الْأُولَى فَتَرْكُ هَذَا الْأَصْلِ لِلتَّعَذُّرِ. فَأَمَّا الضَّعْفُ الثَّانِي فَهُوَ غَيْرُ الْأَوَّلِ لِإِمْكَانِ صَرْفِ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا الضَّعْفُ الْأَوَّلُ النُّطْفَةُ وَالضَّعْفُ الثَّانِي ضَعْفُ الطُّفُولَةِ وَمَعْنَاهُ خَلَقَكُمْ مِنْ مَاءٍ ذِي ضَعْفٍ وَعَنَى بِضَعْفِهِ قِلَّتَهُ أَوْ حَقَارَتَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20] . ثُمَّ جَعَلَ وَمِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ أَيْ ضَعْفِ الطُّفُولَةِ قُوَّةً أَيْ قُوَّةَ الشَّبَابِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِهِ قُوَّةَ الشَّبَابِ ضَعْفًا وَشَيْبَةً أَيْ عِنْدَ الْكِبَرِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا تَعَذَّرَ) مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ كَلَامٍ يَعْنِي لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ وَإِذَا تَعَذَّرَ مَعْنَى الْعَهْدِ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ مَجَازًا وَفِي الْجِنْسِ مَعْنَى الْعُمُومِ عَلَى مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ اللَّامُ فِيهِ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ إذْ لَيْسَ يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى مَعْهُودِ فَيَثْبُتُ فِيهِ مَعْنَى الْعُمُومِ حَتَّى إذَا نَوَى الثَّلَاثَ يَقَعُ وَلَكِنَّهُ بِدُونِ النِّيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى الْجِنْسِ وَهِيَ الْمُتَيَقَّنُ بِهَا.

[النَّكِرَةِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا وَصْفٌ عَامٌّ]
قَوْلُهُ وَضَرْبٌ آخَرُ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ وَصْفٌ عَامٌّ. وَالْمُرَادُ بِعُمُومَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ نَوْعِ الْمَوْصُوفِ وَلَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ كَقَوْلِهِ رَجُلٌ كُوفِيٌّ يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ كُلُّ رِجَالِ الْكُوفَةِ فَإِذَا وُصِفَتْ النَّكِرَةُ بِمِثْلِ هَذَا الْوَصْفِ تَتَعَمَّمُ ضَرُورَةَ عُمُومِ الْوَصْفِ وَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا خَاصَّةً كَمَا تَتَعَمَّمُ بِوُقُوعِهَا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَبِكَلِمَةِ كُلٍّ. فَإِذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا رَجُلًا أَوْ لَا أَتَزَوَّجُ أَحَدًا إلَّا امْرَأَةً كَانَ الْمُسْتَثْنَى رَجُلًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً حَتَّى لَوْ كَلَّمَ رَجُلَيْنِ أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ. وَلَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا أَوْ رَجُلًا كُوفِيًّا كَانَ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَ كُلَّ عَالِمٍ أَوْ كُلَّ كُوفِيٍّ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فِي الْإِثْبَاتِ لِعُمُومِ الْوَصْفِ وَالنَّكِرَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَصِيرَ عَامَّةً بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهَا كَمَا بَيَّنَّا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّمَ بِاتِّصَافِهَا بِالْوَصْفِ الْعَامِّ إذْ الْوَصْفُ الْمَوْصُوفُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى. {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] .
حَيْثُ صَارَ كُلُّ دَمٍ مَسْفُوحٍ مُسْتَثْنًى وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً الِاسْتِثْنَاءُ بِاسْمِ الشَّخْصِ فَيَتَنَاوَلُ شَخْصًا وَاحِدًا وَإِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً فَالِاسْتِثْنَاءُ بِصِفَةِ النَّوْعِ فَتَخُصُّ ذَلِكَ النَّوْعَ لِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَثْنًى كَذَا فِي جَامِعِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ جَمِيعًا فَإِنَّ قَوْلَك رَأَيْت رَجُلًا عَالِمًا أَخَصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِك رَأَيْت رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُ شَائِعٌ فِي كُلِّ الْجِنْسِ يَصْلُحُ لِتَنَاوُلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ إفْرَادِهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَقَوْلُك رَأَيْت رَجُلًا عَالِمًا شَائِعٌ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ وَهُمْ الْعَالِمُونَ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا فِي كُلِّهِ. وَكَذَا قَوْلُك مَا رَأَيْت رَجُلًا عَمَّ النَّفْيُ جَمِيعَ الْجِنْسِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَقَوْلُك مَا رَأَيْت رَجُلًا عَامًّا عَمَّ النَّفْيُ بَعْضَ الْجِنْسِ وَهُمْ الْعَالِمُونَ لَا كُلُّهُ حَتَّى لَوْ رَأَى رَجُلًا غَيْرَ عَالِمٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِأُكَلِّمَنَّ الْيَوْمَ رَجُلًا عَالِمًا أَوْ رَجُلًا كُوفِيًّا أَوْ قَالَ لَأَتَزَوَّجَنَّ امْرَأَةً كُوفِيَّةً يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ بِكَلَامِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَبِتَزَوُّجِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لَا غَيْرُ وَكُلَّمَا ازْدَادَ وَصْفٌ فِي الْكَلَامِ ازْدَادَ تَخْصِيصٌ هَذَا هُوَ مُوجِبُ اللُّغَةِ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ.
وَقَدْ كُنْت فِي مَجْلِسِ شَيْخِنَا
(2/19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعَلَّامَةِ وَأُسْتَاذِ الْأَئِمَّةِ مَوْلَانَا حَافِظِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّاتِهِ وَكَانَ الْمَجْلِسُ غَاصًّا بِالْعُلَمَاءِ النَّحَارِيرِ وَالْفُضَلَاءِ الْحُذَّاقِ الْمُهْرَةِ إذْ جَرَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْكِبَارِ تَعْمِيمُ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ مُخْتَصٌّ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ وَبِكَلِمَةٍ أَيْ دُونَ مَا عَدَاهُمَا وَتَمَسَّكَ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَالنَّظَائِرِ فَلَمْ يُقَابِلْ بِرَدِّ مَسْمُوعٍ وَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ جَوَابًا شَافِيًا وَرَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى حَاشِيَةِ تَقْوِيمِ مَقْرُوءٍ عَلَى شَيْخِنَا هَذَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ فَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ وَفِي مَوْضِعِ التَّحْرِيضِ يَتَعَمَّمُ فَأَمَّا فِي مَوْضِعِ الْجَزَاءِ وَالْخَبَرِ فَلَا يَتَعَمَّمُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] . وَكَقَوْلِك جَاءَنِي رَجُلٌ عَالِمٌ.
ثُمَّ النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ أَنَّمَا يَتَعَمَّمُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ إثْبَاتٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ دَاخِلَةً فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ أَخْرَجَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ تَقْدِيرًا وَالِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ بِنَفْسِهِ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ وَهُوَ مَوْضِعُ نَفْيٍ فَيَتَعَمَّمُ مَا دَخَلَ مِنْ النَّكِرَاتِ تَحْتَهُ ضَرُورَةَ وُقُوعِهَا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا كُوفِيًّا وَلَا رَجُلًا بَصْرِيًّا وَلَا مَكِّيًّا وَلَا مَدَنِيًّا حَتَّى عَدَّ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ ثُمَّ قَالَ إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا فَلَمَّا كَانَ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ رَجُلٌ كُوفِيٌّ عَامًّا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً وَاقِعَةً فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ بَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا دَخَلَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ أَيْضًا فَيَتَعَمَّمُ. وَهَذَا مُؤَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ قَالَهُ مَرَّتَيْنِ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَاحِدَةً وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَيْهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ وَكَانَ الْخِيَارُ إلَى الزَّوْجِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْوَاحِدَةِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقَةً فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوَاحِدَةِ وَعِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْوَاحِدَةِ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى إحْدَيْهِمَا غَيْرُ عَيْنٍ فَكَذَلِكَ هَذَا إلَّا أَنَّ الْوَاحِدَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الشَّرْطِ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ لَا أَحْلِفُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا وَإِنْ حَلَفْت بِذَلِكَ فَكَذَا وَالنَّكِرَةُ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ وَالْكِنَايَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ فَهِيَ لَا تَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهَا وَلَا تُفِيدُ إذَا انْقَطَعَتْ عَنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُهَا مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ لِتَصِيرَ مُفِيدَةً وَلَمَّا عَمَّ الْمُكَنَّى بِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُ الْكِنَايَةِ مِنْ الْمُكَنَّى لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا صَارَتْ الْكِنَايَةُ عَامَّةً أَيْضًا فَلَمَّا كَرَّرَ فَقَدْ صَارَ حَالِفًا بِطَلَاقِهِمَا فَحَنِثَ فِي الْأُولَى وَمِنْ حُكْمِ الْيَمِينِ الْأُولَى طَلَاقُ كُلِّ امْرَأَةٍ صَارَتْ مَحْلُوفًا بِطَلَاقِهَا وَقَدْ صَارَتَا كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ طَلَقَتَا بِخِلَافِ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ فَوَاحِدَةٌ مِنْكُمَا طَالِقٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَزَاءِ مَوْضِعُ إثْبَاتٍ فَتُخَصُّ فَصَارَ حَالِفًا بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَا غَيْرُ فَلَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةٌ غَيْرُ عَيْنٍ. يُوَضِّحُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعَمْرَةُ تَطْلُقُ عَمْرَةُ ثَلَاثًا وَلَوْ قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعَمْرَةُ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ مَفْهُومُ الْمَعْنَى مُسْتَنِدٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعَرُّفِ حُكْمِهِ مِمَّا سَبَقَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَعَمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُهُ مِمَّا سَبَقَ وَأَمَّا عُمُومُ كَلِمَةِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ فَسَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ
(2/20)

وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُكُمَا فِيهِ إنَّ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذَا كُلِّهِ يَكُونُ عَامًّا لِعُمُومِ وَصْفِهِ وَالنَّكِرَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ.

وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَلِمَةُ أَيُّ وَهِيَ نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا جُزْءٌ مِمَّا تُضَافُ إلَيْهِ عَلَى هَذَا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: 38] وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونَنِي وَيُقَالُ أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُسَلَّمٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الْبَعْضِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي.
قَوْلُهُ (وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا) إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُكُمَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِهَذَا الْكَلَامِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ يَوْمَ الِاسْتِثْنَاءِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَأَوْجَبَ الْعُمُومَ فَيُمْكِنُهُ أَبَدًا أَنْ يَقْرَبَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِي فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَعُدِمَتْ عَلَامَةُ الْإِيلَاءِ فَإِنْ قَرَبَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ حَنِثَ. فَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا لَمْ يَصِرْ مُولِيًا لِجَوَازِ أَنْ يَقْرَبَهُمَا جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَإِذَا قَرِبَهُمَا فِي يَوْمٍ صَارَ مُولِيًا مِنْهُمَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِذَهَابِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَوْمٌ وَاحِدٌ.

[كَلِمَةُ أَيُّ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ) أَيْ مِنْ الْقِسْمِ الْآخَرِ وَهُوَ النَّكِرَةُ الَّتِي عَمَّتْ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ كَلِمَةُ أَيٍّ. أَوْ مِنْ جِنْسِ النَّكِرَةِ الَّتِي تَعُمُّ بِدَلِيلِ الْعُمُومِ كَلِمَةُ أَيٍّ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ هَذَا إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ وَقِسْمٌ آخَرُ النَّكِرَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَيًّا مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهُ بَعْضًا مِنْ الْكُلِّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلِذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا أَبَدًا وَأَنْ لَا يَجُوزَ إضَافَتُهُ إلَى الْوَاحِدِ الْمُعَرَّفِ فَلَا يُقَالُ أَيُّ الرِّجَالِ إلَّا إذَا كَانَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ أَيُّ التَّمْرِ أَكَلْت أَفْضَلُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى الْوَاحِدِ الْمُنَكَّرِ عَلَى تَأْوِيلِ الْجَمْعِ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَك أَيُّ رَجُلٍ مَعْنَاهُ أَيُّ الرَّجُلِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّأْوِيلُ لَمْ يَجُزْ إضَافَةُ أَيٍّ إلَيْهِ أَيْضًا كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمُفَضَّلِ الْمُصَنَّفَةِ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَيُّ اسْمٌ مُعْرَبٌ يُسْتَفْهَمُ بِهِ وَيُجَازَى فِيمَنْ يَعْقِلُ وَفِيمَنْ لَا يَعْقِلُ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ لِلْإِضَافَةِ. وَإِذَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْكُلِّ كَانَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ إذَا قِيلَ أَيُّ الرِّجَالِ عِنْدَك وَأَيُّ رَجُلٍ عِنْدَك لَمْ يَسْتَقِمْ الْجَوَابُ إلَّا بِذِكْرِ وَاحِدٍ بِأَنْ يَقُولَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلْخُصُوصِ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ سُلَيْمَانَ. {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: 38] . فَإِنَّ الْمُرَادَ الْفَرْدُ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ يَأْتِينِي وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونَنِي وَكَذَا يُقَالُ أَيُّ الرِّجَالِ أَتَاك بِصِيغَةِ الْفَرْدِ وَلَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا. وَهَذَا إذَا كَانَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَيُّ مَعْرِفَةٍ فَإِنْ أُضِيفَ إلَى نَكِرَةٍ فَالْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ وَالْجَزَاءُ عَلَى وَفْقِ الْمُضَافِ إلَيْهِ تَقُلْ أَيُّ رَجُلٍ قَامَ وَأَيُّ رَجُلَيْنِ قَامَا وَأَيُّ رِجَالٍ قَامُوا وَتَقُولُ أَيُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ وَأَيُّ عَبْدَيْنِ مِنْ عَبِيدِي دَخَلَا الدَّارَ فَهُمَا حُرَّانِ وَأَيُّ عَبِيدٍ مِنْ عَبِيدِي دَخَلُوا الدَّارَ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يَجُوزُ أَيٌّ مِنْ عَبْدَيْنِ مِنْ عَبِيدِي وَأَيُّ عَبِيدٍ مِنْ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيٍّ وُضِعَتْ لِلِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا كَانَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ مَعْرِفَةً كَانَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَتَعَدَّى عَنْ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ، وَالْمَانِعُ مِنْ انْصِرَافِهِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَقَرَّ بِكَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَعْلُومًا لَهُ فَيَنْصَرِفُ الِاسْتِفْهَامُ إلَى الْمُضَافِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ أَيْ وَدَلَالَتُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْهَا فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَى ضَمِيرِهِ عَلَى صِيغَةِ الْفَرْدِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي مُنِعَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُفْرَدِ فِي الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِفْهَامُ إذَا كَانَ هُنَاكَ جُمْلَةٌ لَهَا وَاحِدٌ وَهِيَ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ.
وَإِذَا كَانَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَيُّ نَكِرَةً فَالِاسْتِفْهَامُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ هَهُنَا مِنْ الِانْصِرَافِ إلَى الْكُلِّ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ جَوَابَ الِاسْتِفْهَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَيًّا هَهُنَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ صِفَةً لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ الِاسْتِفْهَامُ إلَى كُلِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً فَإِنَّ أَيًّا لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ ضَرُورَةً
(2/21)

وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ وَلَمْ يَقُلْ ضَرَبُوك فَثَبَتَ أَنَّهَا كَلِمَةُ فَرْدٍ لَكِنَّهَا مَتَى وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ عَمَّتْ بِعُمُومِهَا كَسَائِرِ النَّكِرَاتِ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ وَإِذَا قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَقَدْ وَصَفَهَا بِالضَّرْبِ وَصَارَتْ عَامَّةً وَإِذَا قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَقَدْ انْقَطَعَ الْوَصْفُ عَنْهَا فَلَمْ يَعْتِقْ إلَّا وَاحِدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إنَّ أَيًّا نَكِرَةٌ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ الْفِعْلُ مُوَافِقًا لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فَلِهَذَا يُقَالُ أَيُّ رَجُلٍ قَامَ وَأَيُّ رَجُلَيْنِ قَامَا وَأَيُّ رِجَالٍ قَامُوا. وَمَا ذَكَرْنَا هُوَ الَّذِي جَوَّزَ إضَافَتَهُ إلَى النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ كَمَا يَكُونُ غَيْرَ مُفْرَدٍ يَكُونُ أَيْضًا مُفْرَدًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّخْمِيرِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ كَلِمَةُ أَيٍّ إنْ بَقِيَتْ نَكِرَةً بَعْدَ الْإِضَافَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ هَذَا التَّقْرِيرُ كَانَ قَوْلُ الشَّيْخِ هِيَ نَكِرَةٌ مُجْرًى عَلَى إطْلَاقِهِ وَحَقِيقَتَهُ وَإِنْ صَارَتْ مُعَرَّفَةً بِالْإِضَافَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ النَّحْوِ وَكَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الصِّحَاحِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ مُبْتَدَأً وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، كَانَ قَوْلُهُ وَهِيَ نَكِرَةٌ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ تَعَرَّفَتْ صُورَةً بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِيهَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِتَنَاوُلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ عَلَى الْبَدَلِ، وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِفْهَامُ بِهَا بَعْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ فَكَانَتْ نَكِرَةً مَعْنًى. يُوَضِّحُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَأَمَّا كَلِمَةُ أَيٍّ فَبِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا تَصْحَبُ النَّكِرَةَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى لِاسْتِحْضَارِهَا تَقُولُ أَيُّ رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا وَأَيُّ دَارٍ تُرِيدُهَا وَالنَّكِرَةُ مَعْنًى قَوْله تَعَالَى. {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: 38] .
وَهِيَ نَكِرَةٌ مَعْنًى يَعْنِي أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَكَذَا قَوْلُهُ يُرَادُ بِهَا جَزْءُ مَا تُضَافُ إلَيْهِ مُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ إنْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً فَأَمَّا الْمُضَافُ إلَيْهِ إذَا كَانَ نَكِرَةً فَلَا بُدَّ لَهُ مَنْ تَأْوِيلٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا " ح " كُلُّ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ الْكُلِّ لَا عَنْ الْجُزْءِ. وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ إذَا كَانَ نَكِرَةً لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ جُمْلَةٍ فَكَانَ أَيْ مَعَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِي قَوْلِهِ أَيُّ رِجَالٍ قَامُوا قَدَّرَ فِي نَفْسِهِ أَعْدَادًا مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ رِجَالٍ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَعْدَادِ مَوْصُوفٌ بِالْقِيَامِ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّقْدِيرُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِفْهَامُ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ أَيُّ رَجُلٍ مِنْ الرِّجَالِ قَامُوا فَصَارَ فِي التَّحْقِيقِ مُضَافًا إلَى الرِّجَالِ بِوَاسِطَةِ رِجَالٍ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ جَمْعٌ لَا فَرْدٌ.
قَوْلُهُ (أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك) إلَى آخِرِهِ. كَلِمَةُ أَيٍّ إذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَعَقَّبَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ فِعْلٌ كَمَا فِي كُلٍّ؛ لِأَنَّهَا لِلُزُومِ إضَافَتِهَا لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى الِاسْمِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ شَرْطًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَلِيَهُ فِعْلٌ يَكُونُ هُوَ شَرْطًا فِي الْحَقِيقَةِ ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُسْنَدًا إلَى خَاصٍّ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا لِأَيٍّ عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ مُسْنَدًا إلَى ضَمِيرٍ رَاجِعٍ إلَى أَيٍّ حَتَّى صَلَحَ وَصْفًا لَهُ يَعُمُّ بِعُمُومِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَفِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ الْفِعْلُ مُسْنَدٌ إلَى الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إلَى أَيٍّ فَيَصِيرُ وَصْفًا لَهُ فَيَعُمُّ بِعُمُومِهِ كَمَا يَعُمُّ فِي قَوْلِهِ إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا وَقَوْلُهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي فَإِنْ ضَرَبُوهُ جَمِيعًا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَتَقُوا. وَإِذَا قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَقَدْ أَسْنَدَ الضَّرْبَ إلَى خَاصٍّ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِأَيٍّ فَبَقِيَ عَلَى الْخُصُوصِ كَمَا كَانَ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ تَعْمِيمَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ عَتَقَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ وَإِنْ ضَرَبَهُمْ جُمْلَةً عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَالْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى لَا إلَى الضَّارِبِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ التَّعْيِينُ إلَيْهِ. وَلَا يُقَالُ قَدْ صَارَ أَيُّ مَوْصُوفًا بالمضروبية؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيَصِيرُ عَامًّا بِهَذَا الْوَصْفِ كَمَا عَمَّ الْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا فِيهِ وَإِنْ كَانَ
(2/22)

وَعَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَيُّكُمْ حَمَلَ هَذِهِ الْخَشَبَةَ فَهُوَ حُرٌّ وَهِيَ لَا يَحْمِلُهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوا عَتَقُوا وَإِنْ كَانَ يَحْمِلُهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوا كُلُّهُمْ فُرَادَى عَتَقُوا وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَعْتِقُوا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِيمَا يَخِفُّ حَمْلُهُ انْفِرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْعَادَةِ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَفْعُولًا فِيهِ بِعُمُومِ وَصْفِهِ وَهُوَ الْقُرْبَانُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْقُرْبَانُ وَصْفٌ مُتَّصِلٌ بِالْيَوْمِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْدَثَ يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ عَامًّا بِهِ فَأَمَّا الضَّرْبُ فَقَدْ اتَّصَلَ بِالضَّارِبِ وَقَامَ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَالُهُ بِالْمَضْرُوبِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقُومَ بِشَخْصَيْنِ وَالْمُتَّصِلُ بِالْمَضْرُوبِ أَثَرُ الضَّرْبِ لَا الضَّرْبُ فَلِهَذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ. وَلِأَنَّ الْمَفْعُولِيَّةَ فَضْلَةٌ فِي الْكَلَامِ يَثْبُتُ ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْفِعْلِ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا بِخِلَافِ الْيَوْمِ الْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُكُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَكَرِهِ وَجَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ قَصْدًا وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْدَثَ مَعَ الزَّمَانِ مُتَلَازِمَانِ كَذَا فِي فَوَائِدِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مَوْلَانَا حَمِيدِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَعَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ تَعُمُّ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْخُصُوصِ. أَوْ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ أَيٍّ تَعُمُّ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِفَرْدٍ يُثْبِتُ مَسَائِلَ أَصْحَابِنَا. فَإِذَا قَالَ أَيُّ نَسَائِي كَلَّمْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَكَلَّمَهُنَّ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ أَيُّ نِسَائِي كَلَّمَتْك فَهِيَ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْهُ جَمِيعًا طَلُقْنَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا. وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ أَيَّ عَبِيدِي شِئْت فَأَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا لَا يَعْتِقُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَالْأَمْرُ فِي بَيَانِهِ إلَى الْمَوْلَى وَلَوْ قَالَ أَيُّكُمْ شَاءَ الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ فَشَاءُوا جَمِيعًا عَتَقُوا. وَكَذَا قَوْلُهُ أَيُّ نِسَائِي شِئْت طَلَاقَهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَأَيُّ نِسَائِي شَاءَتْ طَلَاقَهَا عَلَى هَذَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ كَمَا قَالُوا بِعُمُومِ أَيٍّ فِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك قَالُوا أَيْضًا بِعُمُومٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. إذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ أَيُّكُمْ حَمَلَ هَذِهِ الْخَشَبَةَ فَهُوَ حُرٌّ فَإِنْ حَمَلَهَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ عَتَقُوا جَمِيعًا بِكُلِّ حَالٍ. فَإِنْ حَمَلُوهَا جُمْلَةً فَإِنْ كَانَ يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ لَمْ يَعْتِقُوا وَإِنْ كَانَ لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ عَتَقُوا وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الْخَشَبَةُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهَا الِاثْنَانِ فَصَاعِدًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كَلِمَةَ أَيٍّ نَكِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى جُزْءٍ مِمَّا تُضَافُ إلَيْهِ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهُوَ الْحَمْلُ فَتَعُمُّ إلَّا أَنَّ الْعُمُومَ هَهُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الِاشْتِرَاكُ وَالِانْفِرَادُ فَيَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ.
فَإِنْ كَانَتْ الْخَشَبَةُ يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومَ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ جَلَادَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِحَمْلِ كُلِّ وَاحِدٍ لَا بِحَمْلِ الْجَمِيعِ جُمْلَةً. وَإِنْ كَانَ لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ كَانَ الْغَرَضُ صَيْرُورَةَ الْخَشَبَةِ مَحْمُولَةً إلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُهُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْحَمْلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَانَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَمْلِ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ فَيَتَعَلَّقُ الْعِتْقُ بِمُطْلَقِ الْحَمْلِ. ثُمَّ الْكَلَامُ الْعَامُّ إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْأَدْنَى أَوْ الْكُلَّ فَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا، فَإِذَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهَا وَاحِدٌ وَجَبَ التَّجَاوُزُ عَنْ الْوَاحِدِ فَإِذَا تَجَاوَزْنَا لَمْ يَجُزْ التَّعْلِيقُ بِشَيْءٍ دُونَ الْكُلِّ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إذَا حَمَلُوهَا جُمْلَةً عَتَقُوا وَإِنْ كَانَ يُطِيقُ حَمْلَهَا اثْنَانِ. .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ اطِّرَادَ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ قَالَ لَيْسَ عُمُومُ أَيٍّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ فِي قَوْله تَعَالَى. {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] . وُصِفَتْ بِوَصْفٍ عَامٍّ وَلَمْ تَعُمَّ. وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ سُودٌ وَبِيضٌ فَقَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ يَتَنَاوَلُهُمْ جَمِيعًا وَلَوْ قَالَ أَيُّ عَبْدٍ أَسْوَدُ مِنْ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ يَتَنَاوَلُ السُّودَ مِنْهُمْ دُونَ الْبِيضِ. وَلَوْ قَالَ أَيُّ عَبْدٍ أَسْوَدَ طَوِيلٍ ضَرَبَك يَتَنَاوَلُ الطِّوَالَ مِنْ السُّودِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك
(2/23)

فَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ فَإِنَّهَا تَخُصُّ عِنْدَنَا وَلَا تَعُمُّ إلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هِيَ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا حَتَّى قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] أَنَّهَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ وَالْبَيْضَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَالْكَافِرَةَ وَالْمُؤْمِنَةَ وَالصَّحِيحَةَ وَالزَّمِنَةَ وَقَدْ خَصَّ مِنْهَا الزَّمِنَةَ بِالْإِجْمَاعِ فَصَحَّ تَخْصِيصُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ بِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قُلْنَا نَحْنُ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ فَيَتَنَاوَلُ وَاحِدًا عَلَى احْتِمَالِ وَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ فَصَارَ نَسْخًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَشَتَمَك لَمْ يَعْتِقْ إلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ مُسْتَفْهِمًا أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك لَا يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الصِّفَةِ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا عَمَّ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّعْمِيمِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لِإِبْهَامِهَا تَحْتَاجُ إلَى صِلَةٍ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ صَارَ الْفِعْلُ الَّذِي جُعِلَ صِلَةً لَهَا هُوَ الشَّرْطُ حَقِيقَةً فَيَعُمُّ هَذَا الْفِعْلُ لِصَيْرُورَتِهِ شَرْطًا وَلَمَّا عَمَّ هَذَا الْفِعْلُ وَهُوَ مُسْنَدٌ إلَى مُبْهَمٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ عَمَّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ ضَرُورَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ الصِّلَةُ مُسْنَدَةً إلَى غَيْرِهِ قَائِمًا بِهِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ عُمُومَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَصَارَ حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ النَّكِرَةَ تَعُمُّ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ وَفِيمَا إذَا وَقَعَ الْوَصْفُ الْعَامُّ شَرْطًا وَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَعُمُّ النَّكِرَةَ بِالْوَصْفِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ وَالنَّظَائِرِ لَكِنْ فِي عَامَّةِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ ذَكَرَ هَذَا الْأَصْلُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ مُخَالَفَةِ الْعَامَّةِ.

[النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ فِي مَوْضِعِ إثْبَاتٍ]
قَوْلُهُ (فَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ) لَمَّا فَرَغْت مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ عَامٌّ بِنَفْسِهِ وَمَا هُوَ عَامٌّ بِغَيْرِهِ وَهُوَ النَّكِرَةُ الَّتِي لَحِقَهَا بَعْضُ دَلَائِلِ الْعُمُومِ شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَقَالَ. فَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمُفْرَدُ أَيْ الْمُفْرَدَةُ صِيغَةً وَمَعْنًى فَيَكُونُ احْتِرَازًا عَنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَقَوْمٍ وَرَهْطٍ مُنَكَّرَاتٍ. أَوْ الْمُطْلَقَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ فَإِنَّهَا تَخُصُّ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ وَلَا تَعُمُّ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِلْجَانِبَيْنِ تَأْكِيدًا؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ. إلَّا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ. نَفَى الْعُمُومَ عَنْهَا وَأَثْبَتَ الْإِطْلَاقَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ أَنَّ الْمُطْلَقَ دَلَالَتُهُ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتِه مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدٍ زَائِدٍ وَالْعَامُّ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِلْكَثْرَةِ الْغَيْرِ الْمُتَعَيِّنَةِ كَالنَّاسِ فَالنَّكِرَةُ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ دُونَ التَّكَثُّرِ. وَبَعْضُهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ فَقَالُوا الْمَاهِيَّةُ فِي ذَاتِهَا لَا وَاحِدَةً وَلَا لَا وَاحِدَةً وَلَا كَثِيرَةً وَلَا لَا كَثِيرَةً فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَيْدٍ مَا هُوَ الْمُطْلَقُ. وَمَعَ التَّعَرُّضِ لِكَثْرَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ أَلْفَاظُ الْأَعْدَادِ. وَلِكَثْرَةٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنَةٍ هُوَ الْعَامُّ وَلِوَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ الْمَعْرِفَةُ وَلِوَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ النَّكِرَةُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ إذْ تَمْثِيلُ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُطْلَقَ بِالنَّكِرَةِ فِي كُتُبِهِمْ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الْفَرْقِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هِيَ أَيْ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تُوجِبُ الْعُمُومَ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ إذَا كَانَ خَبَرًا لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَقَوْلِك جَاءَنِي رَجُلٌ وَإِذَا كَانَ امْرَأً فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ أَعْتِقْ رَقَبَةً.
وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَعُمُّ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ رَجُلٌ يَتَنَاوَلُ كُلَّ رَجُلٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ يَعُمُّ مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحِيَةُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَمَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} [النحل: 40] الْآيَةَ فَإِنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ شَامِلَةٌ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ مُحِيطَةٌ بِهَا كُلِّهَا وَبِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِإِعْتَاقِ أَيُّهَا كَانَ وَلَوْلَا أَنَّهَا لِلْعُمُومِ
(2/24)

وَقَدْ جَعَلَ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ جَزَاءَ الْأَمْرِ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لَهُ فَيَتَكَرَّرُ مُطْلَقًا بِتَكَرُّرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْمَحْصُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حَتَّى خُصَّتْ الْعَمْيَاءُ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ مِنْ الْجُمْلَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَالتَّخْصِيصُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الْعَامِّ وَأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا بِأَنْ يَقُولَ أَعْتِقْ رَقَبَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرَةً أَوْ مَعِيبَةً وَيَقُولُ أَعْطِ هَذَا الدِّرْهَمَ فَقِيرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَالِاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ وَلَوْلَا أَنَّهُ عَامٌّ لَمْ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكَافِرَةِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إذْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ بِالِاتِّفَاقِ وَقُلْنَا نَحْنُ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ أَيْ الرَّقَبَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي النَّصِّ مُطْلَقَةٌ أَوْ النَّكِرَةُ الْمُفْرَدَةُ عَنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ مُطْلَقَةٌ لَا عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهَا فُرَادَى مَوْضُوعَةٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجُمْلَةِ صِيغَةً وَمَعْنًى أَمَّا صِيغَةً فَلِأَنَّهَا تُثَنَّى وَتُجْمَعُ.
وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى فَرْدٍ لَا عَلَى جَمْعٍ فَيُقَالُ رَقَبَةٌ مِنْ رِقَابٍ وَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدٍ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} [المزمل: 15] ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْوَاحِدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا إعْتَاقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ عَامًّا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَالْأَمْرِ إلَّا بِإِعْتَاقِ ثَلَاثِ رِقَابٍ فَصَاعِدًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى لُغَةً وَلَوْ كَانَ إطْلَاقُ اسْمِ النَّكِرَةِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى فَإِنَّ الْعَامَّ إذَا أُعِيدَ بِصِيغَتِهِ فَالثَّانِي لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا تَنَاوَلَهُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْجِنْسِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا اسْمٌ لِفَرْدٍ تَتَنَاوَلُ وَاحِدًا وَلَكِنْ عَلَى احْتِمَالِ وَصْفٍ دُونَ وَصْفٍ إذْ الْمُطْلَقُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلصِّفَاتِ أَصْلًا يَعْنِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مُؤْمِنًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ سِنْدِيًّا أَوْ هِنْدِيًّا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا وَبِمِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ انْتِظَامِ جَمْعٍ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَلَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ مُطْلَقَةً لَا عَامَّةً وَالْمُطْلَقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْعَامِّ.
وَقَوْلُهُ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ تَنْبِيهٌ لِلْخَصْمِ عَلَى الْغَلَطِ وَمُزَلِّ الْقَدَمِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عِنْدَ عُدُولِهِ عَنْ الْعُمُومِ إلَى الْإِطْلَاقِ وَتَمَسُّكِهِ بِهِ يَعْنِي مَا ذَكَرْت مِنْ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فِي النَّكِرَةِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَكِنَّهَا تَحْتَمِلُ التَّقْيِيدَ فَإِنْ تَمَسَّكْت بِإِطْلَاقِهَا وَقُلْت لَمَّا كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلتَّقْيِيدِ فَتَقَيُّدُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَذَلِكَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مَانِعٌ عَنْ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَافِرَةً فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يَجُوزُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ نَسْخًا وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ فَلَا يَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَقَدْ جَعَلَ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُتَقَيِّدًا بِوَصْفٍ عَلَى مَا مَرَّ وَقَدْ تَكَرَّرَ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الْحِنْثِ وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهِمَا فَعَرَفْنَا أَنَّ لَفْظَ رَقَبَةٍ عَامٌّ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ إيجَابُ التَّحْرِيمِ ثَانِيًا فَقَالَ: قَدْ جُعِلَ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ جَزَاءً لِأَمْرٍ أَيْ لِشَأْنٍ وَهُوَ الْحِنْثُ وَالظِّهَارُ وَنَحْوُهُمَا بِدَلِيلِ دُخُولِ حَرْفِ الْفَاءِ فِيهِ فَصَارَ ذَلِكَ الْأَمْرُ سَبَبًا لِوُجُوبِ التَّحْرِيرِ فَيُكَرَّرُ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ مُطْلَقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي صَارَ سَبَبًا لَهُ كَتَكَرُّرِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ وَلَيْسَ تَكَرُّرِ الْحُكْمِ
(2/25)

فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الثَّلَاثَةِ وَالطَّائِفَةُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الْوَاحِدِ بِخِلَافِ الرَّهْطِ وَالْقَوْمِ وَصَارَ مُقَيَّدًا بِالْمِلْكِ لِاقْتِضَاءِ التَّحْرِيرِ وَالْمِلْكَ لَا عَلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ وَلَمْ يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَةَ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ اسْمٌ لِلْبِنْيَةِ مُطْلَقًا فَوَقَعَتْ عَلَى الْكَامِلِ مِنْهُ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مُطْلَقٌ فَلِمَنْ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ التَّحْرِيرُ الْمُطْلَقُ لَا يَخْلُصُ فِيمَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَدْخُلْ الزَّمِنُ.

فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ (وَصَارَ) أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الرَّقَبَةُ مُقَيَّدًا بِالْمِلْكِ جَوَابُ سُؤَالٍ آخَرَ وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ إنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ عِنْدَكُمْ وَقَدْ قُيِّدَتْ الرَّقَبَةَ بِالْمِلْكِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُهُ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مَمْلُوكَةٍ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ النَّسْخُ فَنُقَيِّدُهَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَقَالَ اشْتِرَاطُ الْمِلْكَ فِي الرَّقَبَةِ ثَبَتَ لِضَرُورَةِ التَّحْرِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَاقْتِضَائِهِ فَإِنَّ التَّحْرِيرَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَمَا ثَبَتَ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِعَيْنِ النَّصِّ وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ قَدْ خَصَّ غَيْرَ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ هَذَا النَّصِّ كَمَا خُصَّتْ الزَّمِنَةُ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ كَمَا لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الزَّمِنَةِ وَالتَّخْصِيصُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فَقَالَ اشْتِرَاطُ الْمِلْكِ ثَبَتَ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْمِلْكِ كَمَا لَا يَتَأَدَّى الصَّلَاةُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
«لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» لَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ.
قَوْلُهُ (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمِنَةَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ خُصَّتْ الزَّمِنَةُ بِالْإِجْمَاعِ فَتَخُصُّ الْكَافِرَةَ أَيْضًا فَقَالَ التَّخْصِيصُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَنَاوَلَ اللَّفْظُ إيَّاهُ ظَاهِرًا لَوْلَا الْمُخَصِّصُ وَهَذَا النَّصُّ لَا يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَةَ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ جَوَازِ إعْتَاقِهَا مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بَلْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَقَبَةٍ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ اسْمٌ لِلْبَيِّنَةِ مُطْلَقًا وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْكَمَالَ وَالزَّمِنَةُ قَائِمَةٌ مَنْ وَجْهٍ مُسْتَهْلَكَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تَكُونُ قَائِمَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ التَّحْرِيرُ الْمُطْلَقُ أَيْ الْكَامِلُ لَا يَخْلُصُ أَيْ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ الزَّمِنَ، وَلِهَذَا شَرَطَ كَمَالَ الرِّقِّ حَتَّى لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ إعْتَاقٌ كَامِلٌ ابْتِدَاءً وَإِعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ تَعْجِيلٌ لِمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمَا مُؤَجَّلًا فَلَا يَكُونُ إعْتَاقًا مُبْتَدَأً مُطْلَقًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ ثَبَتَ فِي قَوْلِهِ لِشَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لَا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ نُفُوذِ قُدْرَتِهِ فِي بَعَضِهَا فَقَدْ دَلَّ بِالْمَعْنَى عَلَى نُفُوذِ قُدْرَتِهِ فِي سَائِرِهَا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْعُمُومِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ أَنَّ عِنْوَانَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْ الْجُمْلَةِ يَكُونُ فِي الصَّلَاحِيَةِ بَدَلًا عَنْ صَاحِبِهِ وَالدَّاخِلُ تَحْتَ اللَّفْظِ وَاحِدٌ مِنْهَا فَهُوَ مَذْهَبُنَا وَأَنَّ عُنْوَانَهُ أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَالشُّمُولِ فَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الصِّيغَةَ وُضِعَتْ لِفَرْدٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْعَدَدَ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إنْ صَحَّ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْحَقِيقِيِّ مَنْ أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْكَلَامِ مُتَنَاوِلًا لِلْمُسْتَثْنَى وَغَيْرِهِ حَقِيقَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْوَاحِدَ فَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَكِنْ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ يَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأَحْوَالِ أَيْ أَعْتِقْ رَقَبَةً وَاحِدَةً عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ إلَّا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ وَحِينَئِذٍ نُثْبِتُ الْأَحْوَالَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِضَرُورَةِ صِحَّتِهِ فَأَمَّا إذَا عُدِمَ الِاسْتِثْنَاءُ بِلَا ضَرُورَةٍ فِي إثْبَاتِهَا مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ

قَوْلُهُ (وَصَارَ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْخُصُوصُ) أَيْ التَّخْصِيصُ نَوْعَيْنِ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ كَمَا وَقَعَ
(2/26)

نَوْعَانِ الْوَاحِدُ فِيمَا هُوَ فَرْدٌ بِصِيغَتِهِ أَوْ مُلْحَقٌ بِالْفَرْدِ وَأَمَّا الْفَرْدُ فَمِثْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إنَّ الْخُصُوصَ يَصِحُّ إلَى أَنْ يُبْقِيَ الْوَاحِدَ وَأَمَّا الْفَرْدُ بِمَعْنَاهُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَلَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُصُوصُ حَتَّى يَبْقَى الْوَاحِدُ وَأَمَّا مَا كَانَ جَمْعًا صِيغَةً وَمَعْنًى مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا أَوْ إنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً أَوْ إنْ اشْتَرَيْت ثِيَابًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَهُنَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا بَيَانُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ جَوَازُ التَّخْصِيصِ وَالثَّانِيَةُ بَيَانُ أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ.
أَمَّا الْأُولَى فَنَقُولُ قَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إلَيْهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى التَّخْصِيصِ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْوَاحِدِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى الثَّلَاثَةِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَجُوزُ إلَى مَا دُونَهَا إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَأَجَازَ فِي لَفْظَةِ مَنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمَعْرِفَةَ إلَى الْوَاحِدِ وَلَمْ يُجِزْ فِي الْمَجْمُوعِ الْمَعْرَفَةَ إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ إلَّا فِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ صِيغَةً وَمَعْنًى كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَوْ مَعْنًى بِلَا صِيغَةٍ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِيهِمَا إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَوْ امْتَنَعَ إلَى الْوَاحِدِ لَامْتَنَعَ التَّخْصِيصُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ لَكَانَ لِصَيْرُورَتِهِ مَجَازًا إذْ لَا مَانِعَ غَيْرَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّخْصِيصِ وَمَا ذَكَرُوا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعُمُومِ وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ عِنْدَهُمْ فَالتَّخْصِيصُ يَجْعَلُهُ مَجَازًا فِيمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ أَقْسَامِ الْمَجَازِ وَتَعَلَّقَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْجَمْعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا بُيِّنَ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى مَا دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ دَالًّا عَلَى الْجَمْعِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النَّسْخِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ لَا يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَاعْتَمَدَ مَنْ فَصَّلَ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إلَى الْوَاحِدِ فِي لَفْظَةِ مَنْ لَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَإِنَّهَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ فِي قَوْلِك مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْته فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِيهَا وَأَمْثَالُهَا إلَى الْوَاحِدِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي الْآحَادِ إخْرَاجٌ لَهَا عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا فَلَا يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يُسَمَّى عَامًّا مَخْصُوصًا وَإِذَا خُصِّصَ إلَى اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ.
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّخْصِيصِ لَا يُخْرِجُ الْعَامَّ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِبَقَاءِ مَعْنَى الْجَمْعِ فِيهِ بَعْدُ، بَلْ هُوَ تَبْيِينُ أَنَّ اللَّفْظَ مَصْرُوفٌ إلَى بَعْضِ وُجُوهِ الْحَقِيقَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ جَازَ لِبَقَاءِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ عَلَى أَفْرَادٍ مُجْتَمِعَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ كَانَتْ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَإِذَا آلَ أَمْرُ التَّخْصِيصِ إلَى إخْرَاجِ الْكَلَامِ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ إلَّا مُتَرَاخِيًا بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّخْصِيصُ يَجُوزُ مُتَّصِلًا وَمُتَرَاخِيًا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا مُتَّصِلًا عِنْدَنَا وَإِذَا كَانَ نَسْخًا لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ كَمَا لَا يَجُوزُ إلَى مَا دُونَ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا بِخِلَافِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ حَيْثُ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْعُمُومُ فِيهِ ضِمْنِيٌّ فَبِالتَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَكَذَا الْجُمُوعُ الْمُعَرَّفَةُ صَارَتْ فِي حُكْمِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا إلَى الْوَاحِدِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَصَارَ مَا يَنْتَهِي) يَعْنِي لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ عَلَى قِسْمَيْنِ بَعْضُهَا يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا إلَّا عَلَى مَا دُونَهَا بِطَرِيقِ
(2/27)

وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ نَصُّ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ اثْنَانِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَلِأَنَّ اسْمَ الْأُخُوَّةِ يَنْطَلِقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَصَارَ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْخُصُوصَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْحَقِيقَةِ وَبَعْضُهَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا صَارَ غَايَةُ التَّخْصِيصِ نَوْعَيْنِ ضَرُورَةُ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ عَبِيدًا وَأَمْثَالُهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إلَى الثَّلَاثَةِ وَطَرِيقُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ بِمُرَادٍ وَأَنَّ مَا دُونَ الْكُلِّ إلَى الثَّلَاثَةِ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِ عَلَى الْبَعْضِ لِاسْتِحَالَةِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَتَعَيَّنَتْ الثَّلَاثَةُ مُرَادًا لِلتَّيَقُّنِ بِهَا فَكَانَ هَذَا الدَّلِيلُ مُخَصِّصًا لِمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ) وَلَمَّا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةً عَلَى الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَعْرِفَةُ أَقَلِّ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّخْصِيصِ إلَى مَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَفِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ وَهَذَا أَيْ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إلَى الثَّلَاثَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرِ مِنْ قَوْلِهِ عَبِيدًا وَنِسَاءً وَثِيَابًا وَأَمْثَالَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ اللُّغَةِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ نِفْطَوَيْهِ مِنْ النَّحْوِيِّينَ ثُمَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ صِيَغِ الْجُمُوعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَجَازًا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ عَنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ إلَى اثْنَيْنِ وَعَدَمِهِ وَفِيمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ يَقَعُ عَلَى الْأَقَلِّ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالِاثْنَانِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ صِيَغَ الْجُمُوعِ حَقِيقَةٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَاسْتِعْمَالُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ وَالْحُكْمِ أَمَّا السَّمْعُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 78] إلَى قَوْلِهِ {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] أُرِيدَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ دَاوُد وَسُلَيْمَانُ وقَوْله تَعَالَى {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} [ص: 22] فَاسْتَعْمَلَ فِي الِاثْنَيْنِ ضَمِيرَ الْجَمْعِ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، وَالْمُرَادُ قَلْبَاكُمَا وَقَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] وَالْمُرَادُ مُوسَى وَهَارُونُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ إخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] وَالْمُرَادُ يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ.
وَقَوْلُهُ {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْأَخَوَانِ يَحْجُبَانِهَا إلَى السُّدُسِ كَالثَّلَاثَةِ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ وَلَوْ نُقِلَ هَذَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْرَابِ لَكَانَ حُجَّةً فَمِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْلَى وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمَاعَةِ حَقِيقَةً فِيمَا فِيهِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الثَّلَاثَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اسْمُ الْجَمْعِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الثَّلَاثَةِ أَكْثَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ جَمْعٌ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ فِيمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ أَكْثَرَ وَنَظِيرُهُ الْجِسْمُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ اجْتِمَاعِ أَجْزَاءٍ وَتَرَكُّبِهَا كَانَ أَقَلُّ الْجِسْمِ جَوْهَرَيْنِ لِوُجُودِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَالتَّرَكُّبِ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ الِاجْتِمَاعُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ أَكْثَرُ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ فَإِنَّهُمْ يُسْتَعْلَمُونَ صِيغَةَ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَاسْتِعْمَالِهِمْ إيَّاهَا فِي الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ يَقُولَانِ نَحْنُ فَعَلْنَا كَذَا وَنَحْنُ نَفْعَلُ كَذَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ أَنَّ لِلْمُثَنَّى حُكْمَ
(2/28)

وَفِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا يُصْرَفُ الْجَمْعُ إلَى الْمُثَنَّى وَيُسْتَعْمَلُ الْمُثَنَّى اسْتِعْمَالَ الْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ نَحْنُ فَعَلْنَا فِي الِاثْنَيْنِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ إذَا كَانَ خَلْفَهُ اثْنَانِ وَفِي الْمُثَنَّى اجْتِمَاعٌ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» وَلَنَا أَيْضًا دَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ الْإِجْمَاعِ وَدَلِيلٌ مِنْ قِبَلِ الْمَعْقُولِ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ آحَادٌ وَمُثَنَّى وَجَمْعٌ وَعَلَى ذَلِكَ بُنِيَتْ أَحْكَامُ اللُّغَةِ فَلِلْمُثَنَّى صِيغَةٌ خَاصَّةٌ لَا يَخْتَلِفُ وَلِلْوُحْدَانِ بِنْيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ أَيْضًا يَخْتَلِفُ أَبْنِيَتُهُ وَلَيْسَ لِلْمُثَنَّى إلَّا مِثَالٌ وَاحِدٌ وَلَهُ عَلَامَاتٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَاحِدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ قِسْمٌ مُنْفَرِدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْجَمَاعَةِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا حَتَّى كَانَ لِلِاثْنَتَيْنِ مِنْ الْمِيرَاثِ مَا لِلثَّلَاثِ فَصَاعِدًا وَلَوْ أَوْصَى لِأَقْرِبَاءِ فُلَانٍ يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى فَصَاعِدًا وَكَذَا الْإِمَامُ يَتَقَدَّمُ عَلَى اثْنَيْنِ كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى مُلْحَقٌ بِالثَّلَاثَةِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ.
وَمَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ مَجَازًا قَالَ لَوْ صَحَّ إطْلَاقُ اسْمِ الرِّجَالِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ لَصَحَّ نَعْتُ أَحَدِهِمَا بِمَا نُعِتَ بِهِ الْآخَرُ فَيُقَالُ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَاقِلُونَ وَرِجَالٌ عَاقِلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَبِمَا سَنَذْكُرُهُ
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَيُسْتَعْمَلُ الْمُثَنَّى اسْتِعْمَالَ الْجَمْعِ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ مَقْلُوبِ الْكَلَامِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ أَيْ يُسْتَعْمَلُ الْجَمْعُ اسْتِعْمَالَ الْمُثَنَّى أَيْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ التَّثْنِيَةَ أَوْ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ يَسْتَعْمِلُ الِاثْنَانِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْجَمْعُ فَيَقُولَانِ نَحْنُ فَعَلْنَا كَمَا يَقُولُهُ الْجَمْعُ أَوْ مَعْنَاهُ يُسْتَعْمَلُ التَّثْنِيَةُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمْعِ فَيُقَالُ نَحْنُ فَعَلْنَا فِي اثْنَيْنِ كَمَا يُقَالُ كَذَلِكَ فِي الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ (وَفِي الْمَوَارِيثِ) أَيْ حَجْبًا وَاسْتِحْقَاقًا بِصَرْفِ الْجَمْعِ إلَى الْمُثَنَّى، إمَّا حَجْبًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِمَّا اسْتِحْقَاقًا فَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] صُرِفَ لَفْظُ النِّسَاءِ إلَى اثْنَتَيْنِ مَعَ تَأَكُّدِهِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ.
قَوْلُهُ (- عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ فَصَلَ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَأَلْحَقَهَا بِالْوَاحِدِ دُونَ الْجَمْعِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَيْسَتْ بِجَمْعٍ حَقِيقَةً وَلَا يُقَالُ الِاتِّحَادُ فِي الْحُكْمِ لَا يُوجِبُ الِاتِّحَادَ فِي الْحَقِيقَةِ حَتَّى كَانَ الْمُثَنَّى غَيْرَ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَإِنْ اتَّحَدَا حُكْمًا فَكَذَا التَّفْرِقَةُ فِي الْحُكْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاقِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا ثَبَتَ فِيهِ الِافْتِرَاقُ لَا مَحَالَةَ وَهُنَا ثَبَتَ الِافْتِرَاقُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرَّكْبِ الْجَمَاعَةُ لُغَةً فَثَبَتَتْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى ضَرُورَةً فَصَارَ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ الْوَاحِدُ لَيْسَ بِرَكْبٍ وَالِاثْنَانِ لَيْسَتَا بِرَكْبٍ أَيْ بِجَمْعٍ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ أَيْ جَمْعٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ بُنِيَتْ أَحْكَامُ اللُّغَةِ اسْمًا وَصِفَةً وَمُظْهَرًا وَمُضْمَرًا فَقَالُوا رَجُلٌ رَجُلَانِ رِجَالٌ وَقَالُوا عَالِمٌ عَالِمَانِ عُلَمَاءُ.
وَقَالُوا هُوَ فَعَلَ كَذَا هُمَا فَعَلَا كَذَا هُمْ فَعَلُوا كَذَا وَلَمَّا قَسَّمُوهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَسَمَّوْا كُلَّ قِسْمٍ بِاسْمٍ عَلَى حِدَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَغَايُرِهَا؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى تَبَدُّلِ الْمُسَمَّى عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَضَعُوا لِمَا وَرَاءَ الثَّلَاثَةِ اسْمًا عَلَى حِدَةٍ كَانَ الْكُلُّ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى السَّوَاءِ.
قَوْلُهُ (وَلَهُ عَلَامَاتٌ عَلَى الْخُصُوصِ) مِثْلُ الْأَلِفِ وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ وَالْيَاءِ السَّاكِنَةِ الْمَفْتُوحِ مَا قَبْلَهَا وَالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ فِي حَالَتَيْ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ لِلْوَاحِدِ أَبْنِيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْجَمْعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّثْنِيَةِ إنَّمَا لَهَا عَلَامَةٌ مَخْصُوصَةٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى غَيْرُ الْجَمَاعَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ أَنَّهُ لَا يُنْعَتُ بِالِاثْنَيْنِ وَيُنْعَتُ بِالثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ رَأَيْت رِجَالًا ثَلَاثَةً وَلَا يُقَالُ رِجَالًا اثْنَيْنِ وَيُقَالُ أَيْضًا جَمَاعَةُ رِجَالٍ وَلَا يُقَالُ جَمَاعَةُ رَجُلَيْنِ فَإِذَا كَانَ لَا يُنْعَتُ بِالِاثْنَيْنِ بِحَالٍ عَرَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا بِحَالٍ وَكَذَا لَا يُضَافُ الْعَدَدُ إلَى التَّثْنِيَةِ فَلَا يُقَالُ اثْنَا رَجُلَيْنِ وَيُضَافُ إلَى الْجَمْعِ فَيُقَالُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَأَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ لَجَازَتْ إضَافَةُ الْعَدَدِ إلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا جَازَتْ إلَى الْجَمْعِ كَذَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ حُرُوفِ الْمَعَانِي
(2/29)

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ الْوَاحِدَ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْوَاحِدُ تَعَارَضَ الْفَرْدَانِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاتِّحَادُ وَلَا الْجَمْعُ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَإِنَّمَا يُعَارِضُ كُلَّ فَرْدٍ اثْنَانِ فَسَقَطَ مَعْنَى الِاتِّحَادِ أَصْلًا وَقَدْ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ فِي الشَّرْعِ حَدًّا فِي إيلَاءِ الْأَعْذَارِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا أَوْ عَلَى سُنَّةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ فِي الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمُثَنَّى كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي الْمَوَارِيثِ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فَصَاعِدًا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ صِيغَةِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ دُونَ الِاثْنَيْنِ وَالسَّبَقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الْجَمْعِ عَنْ الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا فَيُقَالُ مَا فِي الدَّارِ رِجَالٌ بَلْ رَجُلَانِ وَمَا رَأَيْتُ جَمْعًا بَلْ رَأَيْت اثْنَيْنِ وَلَا يُقَالُ مَا فِي الدَّارِ رِجَالٌ بَلْ ثَلَاثَةٌ وَصِحَّةُ النَّفْيِ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْإِمَامُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّقَدُّمُ مِنْ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَرْكِ التَّقَدُّمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَأَنَّهُ قِسْمٌ مُنْفَرِدٌ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَإِنَّ الْوَاحِدَ إذَا أُضِيفَ) أَيْ ضُمَّ إلَيْهِ الْوَاحِدُ تَعَارَضَ الْفَرْدَانِ أَيْ امْتَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَيْرُورَتِهِ تَبَعًا لِلْآخَرِ فَلَمْ يَثْبُتْ الِاتِّحَادُ لِوُجُودِ الِانْضِمَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْجَمْعُ أَيْضًا لِبَقَاءِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ مَنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اسْتِتْبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَإِنَّمَا يُعَارِضُ أَيْ يُقَابِلُ كُلَّ فَرْدٍ اثْنَانِ فَيَسْتَتْبِعَانِهِ وَيَصِيرُ الْكُلُّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعْنَى الِاتِّحَادِ بِوَجْهٍ وَكَمَلَ مَعْنَى الْجَمْعِ فَتُطْلَقُ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الْجَمْعِ كَمَا فِي الثَّلَاثَةِ فَيَصِحُّ إطْلَاقُ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الصِّيغَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ لَيْسَ لِنَفْسِ الِاجْتِمَاعِ بَلْ لِاجْتِمَاعٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ فِيهِ مَعْنَى تَعَارُضِ الْأَفْرَادِ عَلَى التَّسَاوِي وَذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ دُونَ الِاثْنَيْنِ وَاللُّغَةُ عَلَى مَا وَرَدَ لَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَهُوَ ضَمُّ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَكِّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ (فِي إبْلَاءِ الْأَعْذَارِ) أَيْ إظْهَارِهَا كَإِمْهَالِ الْقَاضِي لِلْخَصْمِ لِدَفْعِ الْحُجَّةِ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَذَا إمْهَالُ الْمُرْتَدِّ لِلتَّأَمُّلِ وَكَمُدَّةِ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَمُدَّةِ أَقَلِّ الْحَيْضِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَمُدَّةِ التَّحْجِيرِ مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَكَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ صَاحِبِهِ وَقِصَّةِ صَالِحٍ وَلَوْ كَانَ الِاثْنَانِ جَمْعًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّجَاوُزِ عَنْهُ مَعْنًى بِدُونِ دَلِيلٍ يُخَصِّصُ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ أَقَلِّ الْجَمْعِ يُسَاوِي بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ كَلِمَاتِ الْخُصُوصِ فَقَالَ فَأَمَّا الْحَدِيثُ يَعْنِي قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَارِيثِ يَعْنِي لِلِاثْنَيْنِ حُكْمُ الْجَمْعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ حَتَّى كَانَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ كَالثَّلَاثِ أَوْ عَلَى سُنَّةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ يَعْنِي يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يُقِيمُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَبِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ بَلْ يُقِيمُ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَوَاحِدًا عَنْ يَسَارِهِ وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ فِي إحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَانْعِقَادِهَا إذْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبْعُوثٌ لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ لَا لِبَيَانِ اللُّغَاتِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ.
وَفِي الْمَوَارِيثِ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِمَ اخْتَصَّ الْمَوَارِيثَ مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ بِأَنْ يَكُونَ لِلِاثْنَيْنِ فِيهَا حُكْمُ الْجَمْعِ فَقَالَ إنَّمَا ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ فِيهَا بِكَذَا أَوْ هُوَ جَوَابٌ عَنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ صُرِفَتْ إلَى الْمُثَنَّى فِي الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا
(2/30)

وَالْحَجْبُ يَبْتَنِي عَلَى الْإِرْثِ أَيْضًا وَالْوَصِيَّةُ تَبْتَنِي عَلَيْهِ أَيْضًا وَالثَّانِي قُلْنَا أَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ نَهَى الْوَاحِدَ عَنْ الْمُسَافَرَةِ وَأَطْلَقَ الْجَمَاعَةَ عَلَى مَا رَوَيْنَا فَإِذَا ظَهَرَ قُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْحَجْبِ فَقَالَ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَوَارِيثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] أَيْ إنْ كَانَتْ الْأُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ اثْنَتَيْنِ فَأَثْبَتَ لِلْأُخْتَيْنِ ثُلُثَيْ الْمَالِ تَصْرِيحُ هَذَا النَّصِّ وَقَدْ ثَبَتَ بَدَلًا لَهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] أَنْ لَيْسَ لِمَا فَوْقَ الْأُخْتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ فِي الْأَخَوَاتِ وَلَمَّا كَانَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ مَعَ أَنَّ قَرَابَتَهُمَا مُتَوَسِّطَةٌ إذْ هِيَ قُرْبَةُ مُجَاوَرَةٍ فَلَأَنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ مَعَ أَنَّ قَرَابَتَهُمَا قَرِيبَةٌ إذْ هِيَ قَرَابَةُ حُرُوبَةٍ كَانَ أَوْلَى فَثَبَتَ أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ حُكْمَ الثَّلَاثِ بِهَذَا النَّصِّ أَيْضًا وَلَيْسَ فِي الْمَوَارِيثِ صُورَةٌ أُخْرَى أَلْحَقَ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِالْجَمْعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ سِوَى الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ فَكَانَ هَذَا النَّصُّ مُوجِبًا لِإِلْحَاقِ الِاثْنَتَيْنِ بِالثَّلَاثِ فَلِهَذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ هَذَا النَّصُّ هُوَ الْمُوجِبُ لِاسْتِحْقَاقِ الِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ لَا النَّصُّ الْوَارِدُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّزَاعَ لَمْ يَقَعْ فِيمَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الْجَمْعِ بَلْ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ (وَالْحَجْبُ يُبْتَنَى عَلَى الْإِرْثِ أَيْضًا) يَعْنِي لَمَّا كَانَ لِلْمُثَنَّى حُكْمُ الْجَمْعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ أَيْضًا فِي الْحَجْبِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرْثِ فَإِنَّ الْحَاجِبَ يَكُونُ وَارِثًا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ حَتَّى لَا يُحْجَبَ الْمَحْرُومُ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَجْبَ لَا يَتَحَقَّقُ حِينَ لَا إرْثَ فَكَانَ الْحَجْبُ مَبْنِيًّا عَلَى الْإِرْثِ فَيَثْبُتُ لِلِاثْنَيْنِ فِيهِ حُكْمُ الْجَمْعِ أَيْضًا فَأَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ الْحَجْبُ بِالْأَخَوَيْنِ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ لَا بِالنَّصِّ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حِينَ رَدَّ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْأَخَوَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ فِي لِسَانِ قَوْمِك قَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ فِيمَا رَأَوْا وَفِي رِوَايَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ فَلَوْلَا أَنَّ مُقْتَضَى اللِّسَانِ أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ حَقِيقَةً لَمَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عُثْمَانَ وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَلَمَا عَدَلَ إلَى التَّأْوِيلِ فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَعَدَلَ إلَى التَّأْوِيلِ وَقَدْ كَانَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إخْوَةً حَقِيقَةً وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ الْحَجْبُ بِالِاثْنَيْنِ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَجْبَ يَثْبُت بِالْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُفْرَدَاتِ بِحَالٍ.
قَوْلُهُ (وَالثَّانِي) أَيْ التَّأْوِيلُ الثَّانِي لِذَلِكَ الْخَبَرِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إبَاحَةِ السَّفَرِ لِلِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ كَانَ مَنْهِيًّا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا لِلْجَمَاعَةِ عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» إذْ فِيهِ نَهْيٌ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ عَنْ اخْتِيَارِ حَالَةٍ تَسْتَحِقُّ اسْمَ الشَّيْطَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْكُفَّارِ فَإِذَا كَانُوا جَمَاعَةً سَلَّمُوا غَالِبًا لِقُوَّتِهِمْ فَإِذَا ظَهَرَ قُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ يَعْنِي فِي جَوَازِ السَّفَرِ وَفِي لَفْظِ الشَّيْخِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّهُ قَالَ وَالثَّانِي وَلَوْ قَالَ وَالثَّالِثُ مَكَانَ قَوْلِهِ وَالثَّانِي لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ أَوَّلًا بِتَأْوِيلَيْنِ وَهَذَا ثَالِثُهُمَا إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ بَنَى الْكَلَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَالثَّانِي وَقَوْلُهُ قُلْنَا وَقَعَ زَائِدًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِهِ وَقَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ إضْمَارٍ أَيْضًا وَمَعْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَسْخِ
(2/31)

وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهَا تَكْمُلُ بِالْإِمَامِ حَتَّى شَرَطْنَا فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةً سِوَى الْإِمَامِ وَأَمَّا قَوْلُهُ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَلِأَنَّ عَامَّةَ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ زَوْجٌ فَالْحَقُّ الْفَرْدُ بِالزَّوْجِ لِعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ كَأَنَّهُ زَوْجٌ وَقَدْ جَاءَ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ نَحْنُ فِعْلُنَا لَا يَصْلُحُ إلَّا مِنْ وَاحِدٍ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ كَأَنَّهُ تَابِعٌ فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُفْرِدَ الصِّيغَةَ فَاخْتِيرَ لَهُمَا الْجَمْعُ مَجَازًا كَمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ فَعَلْنَا كَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا ثَبَتَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ حُرْمَةُ السَّفَرِ لِلِاثْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلَامُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالثَّانِي إلَى آخِرِهِ مَذْكُورًا فِي النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَالَ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ مَحْسُوبٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ أَدَاءِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ سِوَى الْجُمُعَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِمَامُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ اثْنَانِ كَمُلَتْ الْجَمَاعَةُ فَيَثْبُتُ حُكْمًا وَهُوَ تَقَدُّمُ الْإِمَامِ وَاصْطِفَافُ مَنْ خَلْفَهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ شَرْطُ أَدَائِهَا كَالْجَمَاعَةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ فَلِهَذَا يُشْتَرَطُ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ.
1 -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَإِنَّمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْجَمْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ قُلُوبٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ قَلْبَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا فِي الْإِنْسَانِ زَوْجٌ فَأُلْحِقَ مَا كَانَ فَرْدًا مِنْهُ لِعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ بِالزَّوْجِ كَمَا أُلْحِقَ الزَّوْجُ بِالْفَرْدِ فِي قَوْلِهِمْ مَشَى بِرِجْلِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ وَأَبْصَرَ بِعَيْنِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَطَعَ لِسَانَ إنْسَانٍ أَوْ فَرْجَهُ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الدِّيَةِ لِشَرَفِهِ وَعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَيْنِ فَصَارَ كُلُّ قَلْبٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى قَلْبَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ وَاحِدًا فَلِهَذَا جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ فَيُقَالُ لِلْمُنَافِقِ ذُو قَلْبَيْنِ وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَمِيلُ إلَّا إلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَهُ قَلْبٌ وَاحِدٌ وَلَمَّا خَالَفَتْ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ أَمْرَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَأْنِ مَارِيَةَ وَقَعَ فِي قَلْبِهِمَا دَوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَفْكَارٌ مُتَبَايِنَةٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مَنْ الْقُلُوبِ هِيَ الدَّوَاعِي وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يُوصَفُ بِالصَّفْوِ إنَّمَا يُوصَفُ الْمَيْلُ بِهِ كَذَا فِي الْمَحْصُولِ وَقَدْ جَاءَ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ ذَلِكَ أَيْ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى التَّثْنِيَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ
وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ وَقُلُوبُكُمَا عَلَى الْجَمْعِ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى اثْنَيْنِ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْغَالِبُ فِي اللُّغَةِ فِيمَا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَرْدًا غَيْرَ مُثَنًّى.
وَفِيهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ الْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّهُ وَجْهٌ تَرَكَّبَيْنَ قَدْ غَضِبَا ... مُسْتَهْدَفٌ لِطِعَانِ غَيْرِ تَرْتِيبٍ
وَقَالَ آخَرُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ
ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُمْ نَحْنُ فَعَلْنَا لَا يَصِحُّ إلَّا مَنْ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ) يَعْنِي لَا يَصِحُّ التَّكَلُّمُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَا يُمْكِنُ صُدُورُهَا مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ الْخِطَابِ فَإِنَّ بِالْكَلَامِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطَبَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ تَبَعًا لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الصِّيغَةِ فَلَمْ يُفْرِدْ لَهُمَا صِيغَةً لِئَلَّا يَكُونَ التَّبَعُ مُزَاحِمًا لِلْأَصْلِ فَاخْتِيرَ لَهُمَا صِيغَةُ الْجَمْعِ مَجَازًا وَلِأَنَّهُمْ وَضَعُوا هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الْمُمَيِّزَةَ لِدَفْعِ الِاشْتِبَاهِ عَنْ السَّامِعِ وَذَلِكَ فِي الْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ لَا فِي الْحِكَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ وَذَلِكَ الْغَيْرُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ فِعْلُنَا مُشَاهَدٌ لِلسَّامِعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ التَّمَيُّزِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ فِيهَا عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُشَاهَدَةِ بِخِلَافِ الْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ.
وَذَكَرَ فِي شَرْحِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي لَفْظِ (ج م ع) أَعْنِي الْجَمْعَ لُغَةً وَهُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ
(2/32)

وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَحُكْمُهُ الْوَقْفُ بِشَرْطِ التَّأَمُّلِ لِيَتَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا الْمُؤَوَّلُ فَحُكْمُهُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى احْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَلَا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ الْمُتَكَلِّمُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا، نَحْوُ نَحْنُ فَعَلْنَا لِاتِّفَاقِ اللِّسَانِ عَلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِتَعْبِيرِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا وَلَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَإِنَّ مَا يَتَعَدَّدُ مِنْ شَخْصَيْنِ فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ فِي اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَيْهِمَا أَوْ إلَى ضَمِيرِهِمَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ حِذَارًا مِنْ اسْتِنْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَحْوِ رِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ وَضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ مَسْبُوقِيَّتُهَا بِصِيَغِ التَّثْنِيَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قُلُوبُكُمَا فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ مَسْبُوقِيَّتَهُ بِهَا إذْ لَا يُقَالُ قَلْبَاكُمَا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الِاثْنَيْنِ بِالصُّوَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَقَدْ حَادَ مَسْلَكَهُ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بِعِلَلٍ مَخْصُوصَةٍ وَلِكُلٍّ بَابٌ وَقِيَاسٌ وَاللُّغَةُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] فَنَقُولُ قَدْ قِيلَ الْمُرَادُ الْحَاكِمَانِ وَهُمَا دَاوُد وَسُلَيْمَانُ وَالْمُتَحَاكِمَانِ إذْ الْمَصْدَرُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْمَفْعُولِ وَإِذَا اُعْتُبِرَ الْجَمِيعُ كَانُوا أَرْبَعَةً وَقِيلَ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُمْ وَكَانُوا جَمَاعَةً وَعَنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْخَصْمَ الَّذِي أُسْنِدَ الْفِعْلُ إلَى ضَمِيرِهِ اسْمٌ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالضَّيْفِ يُقَالُ هَذَا خَصْمِي وَهَؤُلَاءِ خَصْمِي كَمَا يُقَالُ هَذَا ضَيْفِي وَهَؤُلَاءِ ضَيْفِي وَقَدْ كَانَ الْمُتَخَاصِمُونَ جَمَاعَةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ خَصْمَانِ فَرِيقَانِ خَصْمَانِ أَوْ فِينَا خَصْمَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ " إنَّ هَذَا أَخِي " يَأْبَى مَا ذَكَرْت فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الْبَعْضِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَالتَّحَاكُمُ كَانَ بَيْنَ مَلِيكَيْنِ لَكِنْ صَحِبَهُمَا آخَرُونَ فِي صُورَةِ الْخَصْمِ فَسُمُّوا بِهِ وَعَنْ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] إنَّ الْمُرَادَ مُوسَى وَهَارُونُ وَفِرْعَوْنُ وَعَنْ قَوْله تَعَالَى {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] أَنَّ الْمُرَادَ يُوسُفُ وبنيامين وَالْأَخُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَالَ {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} [يوسف: 80] عَلَى أَنَّا لَا نُنْكِرُ إطْلَاقَ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازًا فَتُحْمَلُ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ عَلَى الْمَجَازِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ مِنْ كَلَامِ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ فَهُوَ أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ صُورَةَ اللَّفْظِ حَتَّى لَمْ يَنْعَتُوا الْمُثَنَّى بِالْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَاهُ وَلَا الْجَمْعَ بِالْمُثَنَّى مُحَافَظَةً عَلَى التَّشَاكُلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ مَعَ كَوْنِهِمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضُهُمْ النَّعْتَ مَعَ الِاخْتِلَافِ مَجَازًا.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَحُكْمُهُ الْوَقْفُ) أَيْ وَقْفُ النَّفْسِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ حَقٌّ أَوْ الْمُرَادَ مِنْ الْوَقْفِ التَّوَقُّفُ أَيْ حُكْمُهُ التَّوَقُّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ سِوَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَقٌّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ هُوَ شَرِيكِي فِي هَذَا الْمَالِ كَانَ إقْرَارًا لَهُ بِالنِّصْفِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنْ لَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِهِ أَحَدُ مَفْهُومَاتِهِ عَيْنًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ غَيْرَ عَيْنٍ عِنْدَ السَّامِعِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمُرَادُ لَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ لِاسْتِحَالَةِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ وَلَكِنْ لَا يَقْعُدُ عَنْ الطَّلَبِ كَمَا لَا يَقْعُدُ فِي الْمُتَشَابِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأَمُّلُ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ الْمُرَادِ وَتَرَجُّحَ الْبَعْضِ فِيهِ مُحْتَمَلٌ فَيَجِبُ طَلَبُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِشَرْطِ التَّأَمُّلِ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ الْبَيَانُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الطَّلَبَ وَلَهُ طَرِيقَانِ التَّأَمُّلُ فِي الصِّيغَةِ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ
(2/33)

(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ)
(الْقِسْمِ الَّذِي يَلِيهِ) وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ وَحُكْمُ الظَّاهِرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِاَلَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ النَّصِّ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا وَضَحَ وَاسْتَبَانَ بِهِ عَلَى احْتِمَالِ تَأْوِيلٍ هُوَ فِي حَيِّزِ الْمَجَازِ وَحُكْمُ الْمُفَسَّرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ عَلَى احْتِمَالِ النَّسْخِ وَحُكْمُ الْمُحْكَمِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفَاوُتِ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْقَابِ لُغَةً وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَفَاوُتُ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ التَّعَارُضِ لِيَصِيرَ الْأَدْنَى مَتْرُوكًا بِالْأَعْلَى وَهَذَا يَكْثُرُ أَمْثِلَتُهُ فِي تَعَارُضِ السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُرَادُ أَوْ طَلَبُ دَلِيلٍ آخَرَ يُعْرَفُ بِهِ الْمُرَادُ؛ لِأَنَّ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ يَزُولُ مَعْنَى الِاحْتِمَالِ عَلَى التَّسَاوِي فَيَجِبُ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِيَزُولَ الْخَفَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ]
(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْقِسْمِ الَّذِي يَلِيهِ) .
قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الظَّاهِرِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِاَلَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الظَّنِّ فَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَمُتَابِعِيهِ حُكْمُهُ الْتِزَامُ مُوجِبِهِ قَطْعًا عَامًّا كَانَ أَوْ خَاصًّا وَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ وَعَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ حُكْمُهُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا وَوُجُوبُ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ حَقٌّ وَكَذَا حُكْمُ النَّصِّ وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ عَلَى احْتِمَالِ تَأْوِيلٍ هُوَ فِي حَيِّزٍ الْمَجَازِ مُتَّصِلٌ بِالْقِسْمَيْنِ أَيْ يُجْعَلُ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ الظَّاهِرُ أَوْ النَّصُّ مَجَازًا فَإِنَّك إذَا أَوَّلْت قَوْلَهُ جَاءَنِي زَيْدٌ مَثَلًا بَانَ الْمُرَادُ خَبَرُهُ أَوْ كِتَابُهُ صَارَ مَجَازًا بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّك إذَا أَوَّلْته وَصَرَفْته إلَى بَعْضِ مَعَانِيهِ كَانَ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفَاوُتِ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْقَابِ لُغَةً) يَعْنِي إنَّمَا سُمِّيَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِاسْمٍ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ فَسُمِّيَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ الْقِسْمُ الثَّانِي نَصًّا لِازْدِيَادِ وُضُوحِهِ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَكَذَا الْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ لِيَصِيرَ الْأَدْنَى مَتْرُوكًا بِالْأَعْلَى اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ أَيْ فَائِدَةُ التَّفَاوُتِ وَعَاقِبَتُهُ تَرْكُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى وَتَرَجَّحَ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ وَهَذَا أَيْ صَيْرُورَةُ الْأَدْنَى مَتْرُوكًا بِالْأَعْلَى السُّنَنُ وَالْأَحَادِيثُ مُتَرَادِفَانِ هَهُنَا وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ أَعَمَّ مِنْ الْحَدِيثِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ نَظَائِرِ التَّعَارُضِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ نَظَائِرِهِ تَعَارُضُ الظَّاهِرِ وَالْمُحْكَمُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} [الأحزاب: 53] وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُحْكَمٌ فِي حُرْمَةِ نِكَاحِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ لِلتَّأْبِيدِ، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ فِي إبَاحَةِ جَمِيعِ النِّسَاءِ فَيَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيُرَجَّحُ الْمُحْكَمُ عَلَى الظَّاهِرِ وَمِنْهَا تَعَارُضُهُمَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» كَذَا فِي النَّافِعِ «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِك» فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُحْكَمٌ فِي التَّحْرِيمِ وَالثَّانِي ظَاهِرٌ فِي التَّحْلِيلِ فَيُرَجَّحُ الْمُحْكَمُ أَيْضًا وَقِيلَ نَظِيرُ تَعَارُضِ الْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ قَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وقَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُفَسَّرٌ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعُدُولِ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْقَبُولِ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ وَالثَّانِي مُحْكَمٌ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ الْتَحَقَ بِهِ وَالْأَوَّلُ بِعُمُومِهِ يُوجِبُ قَبُولَ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ وَالثَّانِي يُوجِبُ رَدَّهُ فَيُرَجَّحُ عَلَى الْمُفَسَّرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَ الْأَوَّلِ مُفَسَّرًا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا سِوَى مَدْلُولِهِ إلَّا النَّسْخَ وقَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ} [الطلاق: 2] يَحْتَمِلُ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ وَيَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ الْأَعْمَى وَالْعَبْدَ وَلَيْسَ بِمُرَادَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يُسَمَّى مُفَسَّرًا مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ.
وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْإِشْهَادِ وَالْقَبُولِ فَإِنَّ
(2/34)

وَمِثَالُهُ مِنْ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا بَابٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي الْجَامِعِ مَعَ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْآخَرُ الْحَقُّ الْيَقِينُ الصِّدْقُ وَكَانَ كُلُّ ذَلِكَ تَصْدِيقًا وَلَوْ قَالَ الْبِرُّ الصَّلَاحُ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحَقِّ أَوْ الْبِرِّ وَالْيَقِينِ أَوْ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ حُمِلَ الْبِرُّ عَلَى الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالْيَقِينِ فَجُعِلَ تَصْدِيقًا وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِّ أَوْ الْيَقِينِ أَوْ الصِّدْقِ وَالصَّلَاحِ جُعِلَ رَدًّا وَلَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الصِّدْقَ وَالْحَقَّ وَالْيَقِينَ مِنْ أَوْصَافِ الْخَبَرِ وَهِيَ نُصُوصٌ ظَاهِرَةٌ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْوُجُودِ لِلْمَخْبَرِ عَنْهُ فَيَكُونُ جَوَابًا عَلَى التَّصْدِيقِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ مَجَازًا أَيْ الصِّدْقَ أَوْلَى بِك مِمَّا تَقُولُ وَأَمَّا الْبِرُّ فَاسْمٌ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْجَوَابِ فَصَارَ بِمَعْنَى الْمُجْمَلِ فَلَمْ يَصْلُحْ جَوَابًا بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَارَنَهُ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَفْظٌ لَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِحَالٍ وَهُوَ مُحْكَمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ نَصٌّ وَجَبَ حَمْلُ النَّصِّ الَّذِي هُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ فَلَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا وَصَارَ مُبْتَدَأً فَتَرَجَّحَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ عِنْدَ التَّعَارُضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إشْهَادَ الْعُمْيَانِ وَالْمَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ فِي النِّكَاحِ صَحِيحٌ حَتَّى انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْمِثَالِ لَيْسَ مِنْ اللَّوَازِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَتَمَهَّدُ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لَا بِالْمِثَالِ وَإِنَّمَا إيرَادُ الْمِثَالِ لِلتَّوْضِيحِ وَالتَّقْرِيبِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا ثُمَّ إيرَادُ الْمِثَالِ بَعْدُ إنْ شَاءَ لِلْإِيضَاحِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ فَإِذَا تَمَهَّدَ الْأَصْلُ فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الْمِثَالِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ تَرْكِ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى مِنْ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا بَابٌ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي إقْرَارِ الْجَامِعِ وَأَصْلُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا صَلَحَ تَصْدِيقًا لِكَلَامِ الْمُدَّعِي وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا يُجْعَلُ تَصْدِيقًا وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ رَدًّا وَلَا يَصْلُحُ تَصْدِيقًا يُجْعَلُ رَدًّا وَإِنْ احْتَمَلَهُمَا يُعْتَبَرُ الْغَالِبُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ خَمْسَةٌ الْحَقُّ الْيَقِينُ الصِّدْقُ الْبِرُّ الصَّلَاحُ فَالثَّلَاثَةُ الْأُولَى تَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ ظَاهِرًا يُقَالُ خَبَرٌ حَقٌّ خَبَرٌ يَقِينٌ خَبَرٌ صِدْقٌ فَأَمَّا الْبِرُّ فَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِقَرِينَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرِ صِدْقٍ صَدَقْت وَبَرَرْت كَمَا تَقُولُ لِمَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرِ كَذِبٍ كَذَبْت وَفَجَرْت وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِحَالٍ لَا يُقَالُ خَبَرُ صَلَاحٍ وَلَا صَدَقْت وَصَلَحْت فَإِذَا قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْآخَرُ الْحَقُّ أَوْ الْيَقِينُ أَوْ الصِّدْقُ كَانَ تَصْدِيقًا وَإِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَحَلِّ الْجَوَابِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَيُجْعَلُ مَحْمُولًا عَلَى الْجَوَابِ بِظَاهِرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِطَابِ يَصِيرُ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ الْحَقُّ مَا قُلْت الصِّدْقُ مَا قُلْت الْيَقِينُ مَا قُلْت وَبَيَانُ أَنَّهُ صَالِحٌ لِلْجَوَابِ أَنَّ الدَّعْوَى خَبَرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَبَرَ يُوصَفُ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ وَبِضِدِّهَا هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ أَيْ الصِّدْقَ أَوْلَى بِك أَوْ عَلَيْك بِالصِّدْقِ أَوْ الْحَقُّ وَالْيَقِينُ أَوْلَى بِالِاشْتِغَالِ مِنْ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَبْ أَوْ ذُكِرَ مَرْفُوعًا أَمَّا إذَا نُصِبَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَلْزَمَ الْحَقَّ أَوْ الصِّدْقَ فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِالصِّدْقِ وَنَهْيًا لَهُ عَنْ الْكَذِبِ.
وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَوْ قَالَ بِالنَّصْبِ يَكُونُ تَصْدِيقًا أَيْضًا وَمَعْنَاهُ أَنَّك ادَّعَيْت الْحَقَّ أَوْ قُلْت وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ هُوَ الْعُرْفُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ إنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ الْبِرُّ أَوْ الصَّلَاحُ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189] فَفِي مَحَلِّ الْجَوَابِ هَذَا اللَّفْظُ فِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّ صَلَاحِيَتَهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَاحْتِمَالُ الْجَوَابِ وَغَيْرِهِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ وَبِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا وَالْجَوَابُ لَا يَتِمُّ بِكَلَامٍ مُجْمَلٍ وَأَمَّا الصَّلَاحُ فَلَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ بِوَجْهٍ فَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ الْبِرَّ وَالصَّلَاحَ أَوْلَى بِك أَوْ الْزَمْ الصَّلَاحَ وَاتْرُكْ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ وَلَوْ ضَمَّ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْبِرِّ فَقَالَ الصِّدْقُ الْبِرُّ أَوْ الْحَقُّ الْبِرُّ أَوْ الْيَقِينُ الْبِرُّ أَوْ قَدَّمَ الْبِرَّ فَقَالَ الْبِرُّ الصِّدْقُ أَوْ الْبِرُّ الْحَقُّ أَوْ الْبِرُّ الْيَقِينُ كَانَ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ لَمَّا صَارَ مُجْمَلًا صَارَ مَا ضُمَّ إلَيْهِ بَيَانًا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِرَّ مَقْرُونًا بِالصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ يُقَالُ صَدَقْت وَبَرَرْت فَإِنْ ضُمَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ
(2/35)

وَمِثَالُهُ أَيْضًا قَوْلُنَا فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى شَهْرٍ أَنَّهُ مُتْعَةٌ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ نَصٌّ لِمَا وُضِعَ لَهُ فَكَانَ مُحْتَمِلًا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُتْعَةُ مَجَازًا فَأَمَّا قَوْلُهُ إلَى شَهْرٍ فَحُكْمٌ فِي الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُ النِّكَاحَ مَجَازًا فَحُمِلَ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْحُكْمِ.

وَضِدُّ الظَّاهِرِ الْخَفِيُّ وَحُكْمُهُ النَّظَرُ فِيهِ لِيُعْلِمَ اخْتِفَاءَهُ لِمَزِيَّةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَيَظْهَرُ الْمُرَادُ وَمِثَالُهُ أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ النَّبَّاشِ وَالطِّرَارِ وَقَدْ اخْتَصَّا بِاسْمٍ خَفِيَ بِهِ الْمُرَادُ وَطَرِيقُ النَّظَرِ فِيهِ أَنَّ النَّبَّاشَ اخْتَصَّ بِهِ لِقُصُورٍ فِي فِعْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَرِقَةٌ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْمُسَارَقَةِ عَنْ عَيْنِ الْحَافِظِ الَّذِي قَصَدَ حِفْظَهُ لَكِنَّهُ انْقَطَعَ حِفْظُهُ بِعَارِضٍ وَالنَّبَّاشُ هُوَ الْآخِذُ الَّذِي يُعَارِضُ عَيْنَ مَنْ لَعَلَّهُ يَهْجُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ لِذَلِكَ غَيْرُ حَافِظٍ وَلَا قَاصِدٍ وَهَذَا مِنْ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ مِنْ الْمَتْبُوعِ وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَى خَطَرِ الْمَأْخُوذِ وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ النَّبَّاشِ فِي غَايِهِ الْقُصُورِ وَالْهَوَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى الصَّلَاحِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ صِفَةً لِلْخَبَرِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّصْدِيقِ أَصْلًا لَا يُقَالُ صَدَقْت وَصَلَحْت بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهِ مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ مِنْ نَصٍّ أَوْ ظَاهِرٍ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ فَلَا يَكُونُ تَصْدِيقًا بَلْ يَكُونُ رَدًّا لِكَلَامِهِ بِابْتِدَاءِ أَمْرٍ لَهُ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالصَّلَاحِ وَتَرْكِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ أَيْضًا) أَيْ نَظِيرُ تَرْجِيحِ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى وَتَرْكُ الْأَدْنَى بِهِ أَيْضًا قَوْلُ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى شَهْرٍ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك شَهْرًا أَوْ إلَى شَهْرٍ فَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك أَنَّهُ مُتْعَةٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ، وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الْخَمْرِ وَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَالطَّلَاقِ إلَى شَهْرٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ صَحَّ النِّكَاحُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ فَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا شَهْرًا وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْته وَلَوْ أَدْرَكْته مَيِّتًا لَرَجَمْت عَلَى قَبْرِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ إلَى شَهْرٍ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ الْمِلْكِ بِالْمُدَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَنَافِعِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمُدَّةِ وَعَقْدُ الْمُتْعَةِ حِينَ كَانَ مَشْرُوعًا كَانَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ مُوقَنًا كَالْإِجَارَةِ فَلَمَّا قَالَ إلَى شَهْرٍ وَهَذَا لَا يَلِيقُ إلَّا فِي عَقْدِ الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ مِلْكُ النِّكَاحِ عَلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ الْيَوْمَ وَلَفْظُ التَّزَوُّجِ وَالنِّكَاحِ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِمِلْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا صَارَ الْمُحْتَمَلُ مِنْ صَدْرِ كَلَامِهِ مَحْمُولًا عَلَى الْمُحْكَمِ مِنْ سِيَاقِهِ. وَهَذَا كَالْمُضَارِّ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلّه لِلْعَامِلِ كِنَايَةً عَلَى الْإِقْرَاضِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ كِنَايَةً عَنْ الْإِبْضَاعِ وَإِذَا تَعَيَّنَ كِنَايَةً عَنْ الْمُتْعَةِ فَسَدَ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِهَذَا الْعَقْدِ لَا لِشَرْطٍ فَاسِدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ فَاشْتِرَاطُ الْقَاطِعِ بَعْدَ شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا عَقَدَا الْعَقْدَ مُؤَبَّدًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الشَّرْطُ هُنَاكَ لَا يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَهُنَا لَوْ صَحَّ التَّوْقِيتُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إنْ ذَكَرَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يُعْلِمُ أَنَّهُمَا لَا يَعِيشَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَأْكِيدَ مَعْنَى التَّأْبِيدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ بِعَقْدٍ لِلْعُمْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَا مُدَّةً قَدْ يَعِيشَانِ أَكْثَرَ مِنْهَا وَعِنْدَنَا الْكُلُّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ فَالتَّوْقِيتُ يُبْطِلُهُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ لِمَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ إثْبَاتُ مِلْكِ الْبُضْعِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُتْعَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمِلْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا وَالِازْدِوَاجِ مَعَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فَحُكْمٌ فِي الْمُتْعَةِ أَيْ فِي إفَادَةِ مَعْنَى الْمُتْعَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ النِّكَاحُ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ إلَى شَهْرٍ.

قَوْلُهُ (مِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ الْخَفِيِّ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إيجَابِ الْقَطْعِ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِاسْمٍ آخَرَ سِوَى السَّرِقَةِ خَفِيَ فِي حَقِّ مَنْ اخْتَصَّ بِاسْمٍ آخَرَ كَالطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ فَإِنَّهُ قَدْ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ أَنَّ اخْتِصَاصَهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ لِنُقْصَانٍ فِي مَعْنَى السَّرِقَةِ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّبَّاشِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُقْطَعُ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ
(2/36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَقَعُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إنَّمَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ الْكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي بَيْتٍ مُحَرَّزٍ أَوْ فِي مَقْبَرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعُمْرَانِ وَلَا يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَرِّيَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي مَفَازَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ سَوَاءٌ نَبَشَ الْكَفَنَ أَوْ سَرَقَ مَالًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ لِأَنَّ بِوَضْعِ الْقَبْرِ فِيهِ اخْتَلَّ صِفَةُ الْحِرْزِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي الدُّخُولِ فِيهِ لِزِيَارَةِ الْقَبْرِ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْكَمَالِ فِي شَرَائِطِ الْقَطْعِ مُعْتَبَرَةٌ ثُمَّ مِنْ أَوَجَبَ الْقَطْعِ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] وَالْآيَةَ وَقَالَ النَّبَّاشُ سَارِقٌ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ اسْمٌ لِمَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَاخْتِصَاصُهُ بِاسْمٍ آخَرَ لَا يَمْنَعُ دُخُولَهُ تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَوْعٍ مِنْ السَّرِقَةِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ اسْمِ الْجِنْسِ كَاخْتِصَاصِ مَنْ يُقْطَعُ عَنْ الْيَقْظَانِ بِاسْمِ الطَّرَّارِ وَكَاخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّ بِاسْمِ الْإِنْسَانِ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ اسْمِ الْحَيَوَانِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَطَعَ نَبَّاشًا» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي النَّبَّاشِ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا كَامِلًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ فَيُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ لِبَاسَ الْحَيِّ وَكَمَا لَوْ سَرَقَ الشَّاةَ مِنْ الْحَظِيرَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفَنَ مَالٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِيَّةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِأَنْ أُلْبِسَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ صَالِحٌ لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ وَالْقَبْرُ حِرْزٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّزُ بِأَحْصَنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالنَّاسُ تَعَارَفُوا إحْرَازَ الْأَكْفَانِ بِالْقُبُورِ فَكَانَ حِرْزًا مُتَعَيِّنًا لَهُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ النَّاسِ كَالْحَظِيرِ لِلْغَنَمِ وَالصُّنْدُوقِ لِلدَّرَاهِمِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ شَيْئًا آخَرَ وُضِعَ مَعَهُ أَوْ كَفَنَ الْمَيِّتِ زِيَادَةً عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ فَسَرَقَ الزَّائِدَ حَيْثُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمَالٍ آخَرَ غَيْرَ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَا اعْتَادُوا حِفْظَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ بِالْقُبُورِ كَحَظِيرَةِ الْغَنَمِ حِرْزٌ لِلْغَنَمِ وَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ لِلثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَكَذَا الزَّائِدُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُون بِمَنْزِلَةِ مَالٍ آخَرَ مَوْضُوعٌ فِي الْقَبْرِ وَأَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ لَوْ كَفَّنَا الصَّبِيَّ أَوْ عَبْدَ الصَّبِيِّ مَنْ مَالِ الصَّبِيِّ بِالْعَدَدِ الْمَسْنُونِ لَا يُعَدُّ تَضْيِيعًا وَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْرَازٌ مِنْهُمَا لِمَالِهِ وَلَوْ كَفَّنَاهُ زِيَادَةً عَلَى الْعَدَدِ الْمَسْنُونِ يَضْمَنَانِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ نَاقِصٌ فِي كَوْنِهِ سَرِقَةً وَالْمِلْكُ نَاقِصٌ وَالْمَالِيَّةُ نَاقِصَةٌ وَالْحِرْزُ نَاقِصٌ أَوْ مَعْدُومٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ لِمَا عُرِفَ أَنَّ شَرْطَ السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مَالًا مَمْلُوكًا مُحْرَزًا وَأَنَّ الْكَمَالَ فِيهَا شَرْطٌ كَيْ لَا تَبْقَى شُبْهَةُ الْعَدَمِ فَمَجْمُوعُهَا أَوْلَى.
أَمَّا بَيَانُ قُصُورِ الْفِعْلِ وَنُقْصَانِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَأَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبَّاشَ لَيْسَ بِسَارِقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ اسْمٌ لِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْمُسَارَقَةِ أَيْ الْإِخْفَاءِ عَنْ عَيْنِ الْحَافِظِ الَّذِي قَصَدَ حِفْظَهُ لَكِنَّهُ انْقَطَعَ حِفْظُهُ بِاعْتِرَاضِ نَوْمٍ أَوْ غَيْبَةٍ بِحَيْثُ يَخَافُ هُجُومَهُ
(2/37)

وَالتَّعَدِّيَةُ بِمِثْلِهِ فِي الْحُدُودِ خَاصَّةً بَاطِلٌ وَأَمَّا الطِّرَارُ فَقَدْ اخْتَصَّ بِهِ لِفَضْلٍ فِي جِنَايَتِهِ وَحِذْقٍ فِي فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرَّ اسْمٌ لِقَطْعِ الشَّيْءِ عَنْ الْيَقْظَانِ بِضَرْبِ فَتْرَةٍ وَغَفْلَةٍ يَعْتَرِيهِ وَهَذِهِ الْمُسَارَقَةُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ وَتَعَدِّيَةُ الْحُدُودِ فِي مِثْلِهِ فِي نِهَايَةِ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَحْكَامِ سَائِرِ الْأَقْسَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهِ وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ لِاسْتِمَاعِ كَلَامِ الْغَيْرِ حَالَ غَفْلَتِهِ وَيُقَالُ فُلَانٌ يُسَارِقُ النَّظَرَ إلَيْهِ إذَا اغْتَنَمَ غَفْلَتَهُ وَاحْتَالَ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ وَالنَّبَّاشُ يُسَارِقُ عَيْنَ مَنْ عَسَى يَهْجُمُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِحَافِظٍ لِلْكَفَنِ وَلَا قَاصِدٍ إلَى حِفْظِهِ مِنْ الْمَارَّةِ لِئَلَّا يَطَّلِعُوا عَلَى جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْتَكَبُ مُنْكَرًا كَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ يَخْتَفِي مِنْ النَّاسِ كَيْ لَا يَعْثُرُوا عَلَى قُبْحِ فِعْلِهِ وَالسَّرِقَةُ أَخْذٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَارَقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ مَا أُحْرِزَ عَنْ الْأَيْدِي لَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ فَاحِشَةٍ تَرِدُ شَرْعًا فَكَانَ النَّبَّاشُ سَارِقًا صُورَةً لَا مَعْنًى فَالْمَيِّتُ إنْسَانٌ صُورَةً لَا مَعْنًى، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ فَيُقَالُ نَبَشَ وَمَا سَرَقَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ مِنْ الْمَتْبُوعِ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ أَقْوَى فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ السَّارِقِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَهُوَ السَّرِقَةُ تَدُلُّ عَلَى خَطَرٍ لِمَأْخُوذٍ أَيْ عَلَى أَنَّهُ ذُو قَدْرٍ وَمَنْزِلَةٍ فَإِنَّ السَّرِقَةَ قِطْعَةٌ مِنْ الْحَرِيرِ «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِبَعْضِ نِسَائِهِ أُرِيت صُورَتَك فِي سَرِقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ» أَيْ فِي قِطْعَةٍ مِنْ حَرِيرٍ جَيِّدَةٍ بَيْضَاءَ.
كَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِيهِ لِيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ تَافِهًا حَقِيرًا وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ النَّبَّاشِ وَهُوَ النَّبْشُ فِي غَايَةِ الْقُصُورِ وَالْهَوَانِ؛ لِأَنَّ نَبْشَ التُّرَابِ وَأَخْذَ الْكَفَنِ مِنْ الْأَمْوَاتِ مِنْ أَرْذَلِ الْأَفْعَالِ وَأَرْدَأِ الْخِصَالِ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ وَالطَّبْعِ السَّلِيمِ وَالتَّعْدِيَةُ بِمِثْلِهِ أَيْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فِي الْفَرْعِ دُونَهُ فِي الْأَصْلِ بَاطِلًا لَا سِيَّمَا فِي الْحُدُودِ فَإِنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَيْفَ يُحْتَالُ فِي إثْبَاتِهَا بِمَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اخْتِصَاصَ النَّبَّاشِ بِهَذَا الِاسْمِ لِنُقْصَانٍ فِي فِعْلِهِ وَهُوَ أَنَّ بِخِلَافِ الطَّرَّارِ فَإِنَّ اخْتِصَاصَهُ بِاسْمٍ آخَرَ غَيْرِ السَّارِقِ لِفَضْلٍ فِي جِنَايَتِهِ وَحَذَاقَةٍ فِي فِعْلِهِ أَيْ مَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُسَارِقُ الْأَعْيُنَ الَّتِي تَرَصَّدَتْ لِلْحِفْظِ مَعَ الِانْتِبَاهِ وَالْحُضُورِ فَكَانَ فَوْقَ مُسَارَقَةِ الْأَعْيُنِ حَالَ نَوْمِ الْمَالِكِ وَغَيْبَتِهِ فَكَانَ أَتَمَّ سَرِقَةً وَأَكْمَلَ حِيلَةً فَيَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ مُرَادًا بِالْآيَةِ تَعَارُضٌ وَهُوَ زِيَادَةُ حِيلَةٍ مِنْ قِبَلِ الطَّرَّارِ لَا لِمَعْنًى فِي الْكَلَامِ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَقَوْلُهُ (وَتَعْدِيَةُ الْحُدُودِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فِي الْفَرْعِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ نَوْعُ تَسَامُحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَالتَّعْدِيَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنَّهُ سَمَّاهَا تَعْدِيَةً لِشَبَهِ دَلَالَةِ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَإِخْرَاجًا لِلْكَلَامِ عَلَى مُقَابَلَةِ كَلَامِ الْخَصْمِ.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نُقْصَانِ الْمِلْكِ فَهُوَ أَنَّ الْكَفَنَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَمَلَّكَ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمَشْغُولَ بِالدَّيْنِ لَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ فَالْكَفَنُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ وَلَا لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُنَافِي الْمِلْكِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَأَدْنَى دَرَجَاتِهَا الْحَيَاةُ وَقَدْ زَالَتْ وَأَمَّا نُقْصَانُ الْمَالِيَّةِ فَلِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ التَّمَوُّلِ وَالِادِّخَارِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَفُوتُ فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ مَعَ الْمَيِّتِ يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ لِلْبِلَى، وَلِهَذَا يُوضَعُ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْبِلَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ اغْسِلُوا ثَوْبَيْ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْلِ وَالصَّدِيدِ وَالْحَيُّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ فَكَانَتْ مَالِيَّةُ الْكَفَنِ وَقَدْ سُلِّمَ لِلتَّلَفِ دُونَ مَالِيَّةِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَأَمَّا النُّقْصَانُ فِي الْحِرْزِ فَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُوا إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْقَبْرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْمَيِّتِ
(2/38)

(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ) (وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ)
قَالَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا أَوْ عَامًّا وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ وَالسَّمَاعُ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْقَبْرُ لَيْسَ بِحِرْزٍ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ ثَوْبٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ فَسُرِقَ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَمَا كَانَ حِرْزًا لِشَيْءٍ كَانَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ لَا يَخْتَلِفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَحَظِيرَةِ الْغَنَمِ وَلَا يَصِيرُ حِرْزًا بِالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ لَا يُحَرِّزُ نَفْسَهُ فَكَيْفَ يُحَرِّزُ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا يُحْفَرُ الْقَبْرُ حِرْزًا لِلْمَيِّتِ عَنْ السِّبَاعِ وَإِخْفَاءً لَهُ عَنْ الْأَعْيُنِ لَا إحْرَازًا لِلْكَفَنِ وَلَا يُقَالُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إحْرَازًا كَانَ التَّكْفِينُ تَضْيِيعًا وَلِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى حَاجَةِ الْمَيِّتِ وَصَرْفُ الشَّيْءِ إلَى الْحَاجَةِ لَا يَكُونُ تَضْيِيعًا وَلَا إحْرَازًا كَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَإِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ (فَإِنْ قِيلَ) يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ حِرْزًا عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَصِيرُ حِرْزًا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كَالْحِيطَانِ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ بِدُونِ الْبَابِ وَكَذَا الْبَابُ بِدُونِهَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَصِيرُ حِرْزًا.
(قُلْنَا) نَعَمْ إذَا حَدَثَ بِالِاجْتِمَاعِ مَعْنًى يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْحِيطَانِ مَعَ الْبَابِ يَصْلُحُ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ لِصَيْرُورَتِهَا بَيْتًا صَالِحًا لِلْحِفْظِ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ هَهُنَا فَلَا يَصِيرُ هَذَا الْمَكَانُ مَوْضِعًا لِحِفْظِ الثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْفَظُ فِيهِ مَا سِوَى الْكَفَنِ مِنْ الثِّيَابِ وَلَوْ صَارَ حِرْزًا لِلْكَفَنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لَصَارَ حِرْزًا لِجِنْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَطَعَ نَبَّاشًا» فَمُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «لَا قَطْعَ فِي الْمُخْتَفِي» وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَذَا فَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَفِي الصِّحَاحِ اخْتَفَيْت الشَّيْءَ أَسْتَخْرَجْته وَالْمُخْتَفِي وَالنَّبَّاشُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ الْأَكْفَانَ فَيُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسِيَّةِ وَكَذَا حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَطَعَ أَيْدِي نِسْوَةٍ أَظْهَرْنَ الشَّمَاتَةَ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَرَبْنَ الدُّفُوفَ وَكَانَ ذَلِكَ سِيَاسَةً لَا حَدًّا وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ لَا يُوجِبُ التَّعْمِيمَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ نَبَّاشًا أُخِذَ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَاوَرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ]
[تعارض الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز]
(بَابُ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُودُ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] .
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ خَاصٌّ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَامٌّ فِي الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ وَحُكْمُ الْمَجَازِ وُجُودُ مَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْ ثُبُوتُ مَا اُسْتُعِيرَ اللَّفْظُ لَهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُتْبِعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» وَفِيهِ خِلَافُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَسَنُبَيِّنُهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ التَّوْقِيفُ أَيْ التَّنْصِيصُ مِنْ الْوَاضِعِ وَالسَّمَاعُ مِنْ السَّامِعِ يَعْنِي لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ وَاضِعِ اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ حُجَجًا إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ
(2/39)

وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَهُمَا سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مَجَازٌ عَمَّا يَحْوِيهِ وَلَا عُمُومَ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالنَّقْلِ عَنْهُ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ التَّأَمُّلُ فِي مَوَاضِعِ الْحَقَائِقِ لِيَمْتَازَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ الْمَشْهُورُ مِنْ غَيْرِ امْتِيَازِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَصِحُّ بِكُلِّ وَصْفٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ طَرِيقِهِ الَّذِي سَلَكَهُ أَهْلُ اللِّسَانِ فِي اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ رِعَايَةُ الِاتِّصَالِ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِوَجْهٍ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ التَّعَارُضِ يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ جِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ وَجِهَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلٌ وَالْمَجَازَ عَارِضٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا تَعَارَضَ كَلَامٌ هُوَ حَقِيقَةٌ وَكَلَامٌ آخَرُ هُوَ مَجَازٌ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ وَرَاجِحَةً عَلَيْهِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ لِعَدَمِ افْتِقَارِهَا إلَى الْقَرِينَةِ الْمُخِلَّةِ بِالتَّفَاهُمِ لِخَفَائِهَا وَعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا صَرِيحًا فَكَانَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى لِتَأَيُّدِهِ بِمَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعِ الْكَلَامِ وَلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْعُمُومُ وَالْأَحْكَامُ مَا لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَنْزِلَتِهَا إلَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ لِحَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى مَجَازِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ وَالثَّانِي طَارِئٌ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِهِ.
قَوْلُهُ (فَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِهِ وَأَبَى أَنْ يُعَارِضَهُ) إلَى آخِرِهِ بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مُسَاوِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسَاوٍ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ فَيَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَارَضَهُ فِي الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ وَبِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَةٍ وَبِتُفَّاحَتَيْنِ وَبِإِشَارَتِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الطُّعْمِ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى تَرَتَّبَ عَلَى اسْمٍ مُشْتَقٍّ كَانَ مَأْخَذُهُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] عَلَى مَا عُرِفَ وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّعْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ فَكَانَ الطُّعْمُ هُوَ الْعِلَّةُ.
وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِلَّةً وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ إلَّا أَحَدَ أَوْصَافِ النَّصِّ لَمْ يَبْقَ الْكَيْلُ عِلَّةً ضَرُورَةً فَلَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْغَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُرْمَةِ وَهِيَ الطُّعْمُ وَحَدِيثُ الصَّاعِ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ» وَفِي بَعْضِ الرَّاوِيَاتِ الرَّمَاءُ يَعْنِي الرِّبَا إذْ الرَّمَاءُ الزِّيَادَةُ وَالرِّبَا وَأُرْمَى الشَّيْءَ إرْمَاءً أَيْ زَادَ وَأَرْمَى فُلَانٌ أَيْ أَرْبَى يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ وَعُمُومِهِ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ مُحَلًّى فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فَاسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَا يُحِلُّهُ مِنْ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ مُتَفَاضِلًا وَبِإِشَارَتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ هَذَا لِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الصَّاعِ مَا يُكَالُ بِهِ صَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَلَا مَا يُكَالُ بِصَاعٍ بِمَا يُكَالُ بِصَاعَيْنِ أَوْ وَلَا مَكِيلٍ بِمَكِيلَيْنِ فَيَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ حَفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ وَتُفَّاحَةٍ بِتُفَّاحَتَيْنِ لِعَدَمِ مَعْنَى الْكَيْلِ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهَذَا هُوَ
(2/40)

فَإِذَا ثَبَتَ الْمَطْعُومُ بِهِ مُرَادًا سَقَطَ غَيْرُهُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلُ الْكَلَامِ وَالْمَجَازَ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ تَوْسِعَةً وَلَا عُمُومَ لِمَا ثَبَتَ ضَرُورَةَ تَكَلُّمِ الْبَشَرِ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بَلْ لِدَلَالَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا اسْمٌ خَاصٌّ فَإِذَا زِدْت عَلَيْهِ لَامَ الْعَرِيفِ مِنْ غَيْرِ مَعْهُودٍ ذَكَرْته انْصَرَفَ إلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ فَصَارَ عَامًّا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ إلَّا أَنَّ الْخَصْمَ قَالَ هَذَا النَّصُّ مَجَازٌ عِبَارَةً عَمَّا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أَيْ صَلَاةٍ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْحَقَائِقِ وَقَدْ أُرِيدَ الْمَطْعُومُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا الْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعِ بِالْمَطْعُومِ الْمُقَدَّرِ بِالصَّاعَيْنِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَبْقَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ مَا وَرَاءَ الْمَطْعُومِ مُتَفَاضِلًا وَلَا عَلَى كَوْنِ الْمَكِيلِ عِلَّةً وَصَارَ مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ وَشُبْهَةُ الْخَصْمِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ دَلَالَاتٍ عَلَى الْمَعَانِي لِلْإِفَادَةِ.
وَلِهَذَا لَا يُعَارِضُ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَصِيرَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرَكِ فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْفَهْمِ إلَّا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ فِي الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ الرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا بُنِيَتْ ضَرُورَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ يَرْتَفِعُ بِدُونِ إثْبَاتِ حُكْمِ الْعُمُومِ لِلْمَجَازِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَكَانَ الْمَجَازُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ هُنَاكَ وَصْفُ الْعُمُومِ عِنْدَكُمْ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْتَفِعُ بِدُونِهِ فَكَذَا هُنَا عِنْدِي وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَجَازُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ فَكَانَ مِثْلَ صَاحِبِهِ فِي احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَفِي قَوْلِهِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ بَلْ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْكَلَامِ حَتَّى كَادَ الْمَجَازُ يَغْلِبُ الْحَقِيقَةَ فَكَيْفَ يُسَمَّى هَذَا ضَرُورِيًّا.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ عُمُومَ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً) إذًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ حَقِيقَةً إلَّا وَأَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ بَلْ لِدَلِيلٍ زَائِدٍ لِيُحَقَّقَ بِهِ مِثْلُ الْوَاوِ وَالنُّونِ أَوْ الْأَلِفِ وَالتَّاءِ فِي قَوْلِهِ مُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ أَوْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيمَا لَا مَعْهُودَ فِيهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ فِي الْمَجَازِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لَهُ كَمَا فِي الْحَقِيقَةِ (فَإِنْ قِيلَ) سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَلِلدَّلِيلِ الَّذِي التَّحَقُّقُ بِهِ فَيَثْبُتُ الْعُمُومُ بِالْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُوجَدْ بِالْمَجْمُوعِ فِي الْمَجَازِ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ.
(قُلْنَا) لَا بُدَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ نَوْعُ تَأْثِيرٍ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِيَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا وَقَدْ وَجَدْنَا التَّأْثِيرَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِلدَّلِيلِ اللَّاحِقِ لَا لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِمَا بَلْ يَجِبُ إضَافَتُهُ إلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا الْوَاوَ وَالنُّونَ وَلَامَ التَّعْرِيفِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ، وَسَائِرُ دَلَائِلِ الْعُمُومِ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ دَلَالَةً مُطَّرِدَةً وَلَمْ نَجِدْ الْحَقِيقَةَ كَذَلِكَ إذْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَضَارِبٍ وَرَجُلٍ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِوَجْهٍ فَعَرَفْنَا أَنْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَأَضَفْنَا ثُبُوتَ الْعُمُومِ إلَى الدَّلِيلِ الْمُؤَثِّرِ إلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إنَّمَا اطَّرَدَ دَلَالَةُ الْوَاوِ وَالنُّونِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ صِيغَةٍ تَلْحَقُ بِهَا فَتَدُلُّ حَقِيقَةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَعَ الدَّلِيلِ اللَّاحِقِ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَقَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ دَلِيلِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظَائِرِ فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ بِهَا وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَصْفَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَاءِ كَوْنِ
(2/41)

فَالصَّاعُ نَكِرَةٌ زِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعْهُودٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ فَانْصَرَفَ إلَى جِنْسِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ عَيْنُهُ لَصَارَ عَامًّا فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ مَجَازًا كَانَ كَذَلِكَ لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَمَلَهُ فِي مَوْضِعِهِ كَالثَّوْبِ يَلْبَسُهُ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ أَثَرُهُ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مِثْلَ عَمَلِهِ إذَا لَبِسَ بِحَقِّ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ لُزُومًا وَبَقَاءً.

وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ لَا ضَرُورِيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْحَقِيقَةِ مُؤَثِّرًا فِي الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ (وَالصَّاعُ نَكِرَةٌ) أَيْ لَفْظُ الصَّاعِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ عَلَيْهِ كَانَ نَكِرَةً يَعْنِي لَوْ تَصَوَّرْنَاهُ بِدُونِ اللَّامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ نَكِرَةً فَزِيدَ عَلَيْهَا لَامُ التَّعْرِيفِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَعْهُودٌ فَانْصَرَفَ إلَى الْجِنْسِ فَأَوْجَبَ التَّعْمِيمَ وَفِي ضَمِّ قَوْلِهِ وَيُجَاوِرُهُ إلَى مَا يُحِلُّهُ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لِلْمَجَازِ أَيْ جَوَازِ إرَادَةِ مَا يُحِلُّهُ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ لِشَأْنٍ أَيْ أَنَّ الشَّأْنَ اسْتِعَارَةُ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي صَارَ عَامًّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ الصَّاعُ مَثَلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِيَعْمَلَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ وَهُوَ مَا يُحِلُّهُ وَيُجَاوِرُهُ عَمَلُهُ أَيْ كَعَمَلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ وَلَمَّا كَانَ عَمَلُهُ فِي مَحَلِّهِ إثْبَاتُ الْعُمُومِ كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ أَيْضًا لِوُجُودِ دَلَالَتِهِ وَهِيَ لَامُ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُمَا يَتَفَاوَتَانِ) جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَلَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي اللُّزُومِ وَالْبَقَاءِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ لَازِمَةٌ بَاقِيَةٌ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا وَالْمَجَازُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَاقٍ حَتَّى صَحَّ نَفْيُهُ كَالثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ لَا يُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا وَيُسْتَرَدُّ إذَا كَانَ عَارِيَّةً، وَلِهَذَا تَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهَا أَلْزَمُ وَأَدْوَمُ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ فَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ بِمَنْزِلَةِ الْمَلْبُوسِ يَتَرَجَّحُ جِهَةُ الْمِلْكِ لِلَّابِسِ فِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْعَارِيَّةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا التَّرَجُّحُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَجَازِ ضَرُورِيًّا كَتَرْجِيحِ الْمُحْكَمِ عَلَى الظَّاهِرِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا وَعَلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ (وَالْمَجَازُ طَرِيقٌ مُطْلَقٌ) أَيْ طَرِيقٌ جَازَ سُلُوكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّا نَجِدُ الْفَصِيحَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْقَادِرَ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ بِالْحَقِيقَةِ يَعْدِلُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْمَجَازِ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ وَقَدْ ظَهَرَ اسْتِحْسَانُ النَّاسِ لِلْمَجَازَاتِ فَوْقَ مَا ظَهَرَ مِنْ اسْتِحْسَانِهِمْ لِلْحَقَائِقِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَاسِدٌ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى رُتَبِ الْفَصَاحَةِ وَأَرْفَعِ دَرَجِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَجَازُ مَوْجُودٌ فِيهِ عُدَّ مِنْ غَرِيبِ بَدَائِعِهِ وَعَجِيبِ بَلَاغَتِهِ قَوْله تَعَالَى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلذُّلِّ جَنَاحٌ وَقَوْلُهُ {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] أَيْ أَظْهِرْهُ غَايَةَ الْإِظْهَارِ فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالصَّدْعِ أَبْلَغَ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِصَدْعِ الزُّجَاجِ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود: 44] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [آل عمران: 15] وَالْجَرْيُ لِلْمَاءِ لَا لِلْأَنْهَارِ وَقَوْلُهُ عَلَتْ كَلِمَتُهُ {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلِيٌّ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَا يُقَالُ الْمُقْتَضَى ضَرُورِيٌّ عِنْدَكُمْ حَتَّى أَنْكَرْتُمْ جَوَازَ عُمُومِهِ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ فَلْيَكُنْ الْمَجَازُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الضَّرُورَةُ فِي الْمُقْتَضَى رَاجِعَةٌ إلَى الْكَلَامِ وَالسَّامِعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً تَصْحِيحُ الْكَلَامِ شَرْعًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِخْلَالِ بِفَهْمِ السَّامِعِ، وَالضَّرُورَةُ فِي الْمَجَازِ لَوْ ثَبَتَتْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ.
وَلِهَذَا ذُكِرَ الْمَجَازُ فِي أَقْسَامِ اسْتِعْمَالِ النَّظْمِ الَّذِي هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُقْتَضَى فِي أَقْسَامِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي هُوَ حَظُّ السَّامِعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضَى
(2/42)

حَتَّى كَثُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَا عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِالْمُقْتَضَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ الْعَوَارِضُ الْأَلْفَاظُ عَلَى مَا مَرَّ وَالْمَجَازُ مَلْفُوظٌ فَإِذَا وُجِدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ فِيهِ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ فَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَغَيْرُ مَلْفُوظٍ لَا تَحْقِيقًا وَلَا تَقْدِيرًا بَلْ هُوَ ثَابِتٌ شَرْعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْعُمُومُ بِخِلَافِ الْمَحْذُوفِ فَإِنَّهُ مَلْفُوظٌ تَقْدِيرًا فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ الْمُقْتَضَى إذَا كَانَ ثَابِتًا لُغَةً يُوجِبُ الْعُمُومَ فَأَمَّا إذَا كَانَ ثَابِتًا شَرْعًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ صُيِّرَ إلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَاتِّبَاعُهُمَا مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ نَافِيهِ وَإِذَا كَانَ صِدْقًا كَانَ إثْبَاتُهُ كَذِبًا ضَرُورَةً وَإِذَا كَانَ كَذِبًا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ لِغَيْرِ مَا وُضِعَتْ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْحَاجَةِ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ لَوْ كَانَ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ لَصَحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا لِصُدُورِ التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا وَجْهَ إلَى إنْكَارِهِ وَنَظَائِرُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَقَوْلُهُمْ الْمَجَازُ كَذِبٌ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى وَهْمٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ لِلْحَقِيقَةِ كَقَوْلِنَا هُوَ أَسَدٌ بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ لِتَنَاقُضِهِمَا ح.
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ بِالْمَجَازِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ بِأَسَدٍ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ أَسَدٌ بِالْمَجَازِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ النَّفْيِ كَذِبُ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِهِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَذَكَرَ شُبْهَتَهُمْ ثُمَّ افْتِرَاقَ هَؤُلَاءِ فِي كَلِمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ طَرِيقُهَا الْمَجَازُ فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَهُمَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَقَوَّلَ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَقَوْلُهُ {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِ الْأَرْضِ لِأَنْبِيَائِهِ وَعَلَى خَلْقِ الْإِرَادَةِ فِي الْجِدَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْمَجَازَاتِ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْهُ وَقَالَ لَعَلَّهَا مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي غُيِّرَ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامِيَّةُ مِنْ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ غَيَّرَتْ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَزَادَتْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَنَقَضَتْ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ إمَامَةِ عَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ وَزَعْمِهِمْ أَيْضًا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ مَجَازَاتٍ فَهُوَ مَنْ زِيَادَاتِ الْمُبَدِّلِينَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ مَجَازٌ لَكَانَ كَذِبًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] كَذِبًا؛ لِأَنَّ إنَّا وَنَحْنُ لِلْجَمَاعَةِ دُونَ الْوَاحِدِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ.
وَإِنْ قَالُوا صَحَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ فَهُوَ الْمَجَازُ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ مُنْكِرَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ كَمَا قَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ أَوْ يَقُولَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُمْ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] مَجَازًا وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] مَجَازًا وَأَمَّا الرَّافِضَةُ الْمُدَّعِيَةُ أَنَّ الْمَجَازَاتِ كُلَّهَا مِمَّا غَيَّرَتْهَا الصَّحَابَةُ فَلَا كَلَامَ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ
(2/43)

وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ وَإِذَا اُسْتُعِيرَ لِغَيْرِهِ احْتَمَلَ السُّقُوطَ يُقَالُ لِلْوَالِدِ أَبٌ وَلَا يُنْفَى عَنْهُ بِحَالٍ وَيُقَالُ لِلْجَدِّ أَبٌ مَجَازًا وَيَصِحُّ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَضْعٌ وَهَذَا مُسْتَعَارٌ فَكَانَا كَالْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْجُورًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلَالَةَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ فَانْتَقَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ وَقَدْ كَانَ جَرَحَ وَلَا يُطْلَقُ وَقَدْ كَانَ حَلَفَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ الدَّقِيقِ لَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ عَيْنِهِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا.

وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَفِي تِيهٍ إلَى أَنْ يَظْهَرَ إمَامُهُمْ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ وَمَنْ لَا يَثِقُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَا يُنَاظَرُ فِي صِفَاتِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ

قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ أَيْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى مَوْضُوعِهِ أَبَدًا وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ بِحَالٍ فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَ مُسَمَّاهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا إذَا كَانَ مَهْجُورًا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى بِحَالٍ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَهْجُورًا أَيْ تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ وَإِرَادَتَهُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ " فح " بِجَوَازِ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ لَفْظُهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْهِجْرَانُ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالتَّعَذُّرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَجَازُ وَيَصِيرُ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مَجْهُورًا دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ نَازِلًا مَنْزِلَتَهُ فَيَصِيرُ الْمُسَمَّى الْمَهْجُورُ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِلدُّخُولِ تَحْتَ اللَّفْظِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ وُجُوبَ الِامْتِنَاعِ عَنْ السُّكْنَى مِنْ زَمَانِ الْحَلِفِ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " لَا يَسْكُنُ " نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ السُّكْنَى فِي الْعُمُرِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَإِنْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِوُجُودِ حَقِيقَةِ السُّكْنَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْيَمِينِ وَإِنْ قَلَّ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ بِهِ وَهُوَ اسْتِغْرَاقُ الْعَدَمِ جَمِيعَ الْعُمُرِ كَمَا لَوْ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ السُّكْنَى صَارَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ بِدَلَالَةِ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ السُّكْنَى إذْ الْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ لَا لِلْحِنْثِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ وَمُحَافَظَةُ الْبِرِّ إلَّا بِإِخْرَاجِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْيَمِينِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا زَمَانَ الِانْتِقَالِ.
قَوْلُهُ (وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ فُلَانًا وَقَدْ كَانَ جَرَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ بَعْدَ يَمِينِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ وُجِدَ الِانْزِهَاقُ الَّذِي بِهِ وَيَصِيرُ الْجُرْحُ السَّابِقُ قَتْلًا بَعْدَ الْيَمِينِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ النَّفْسِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ مِنْ الْقَتْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ هَذَا الْمَوْتُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مَقْصُودِهِ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ لِكَوْنِهِ مَهْجُورًا وَقِسْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَأْكُولٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ كَأَكْلِ الْخُبْزِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الدَّقِيقِ مَهْجُورٌ عَادَةً فَصَارَ ذَلِكَ دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ يَتَأَتَّى أَكْلُ عَيْنِهِ وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَكْلِ يَحْصُلُ بِأَكْلِ عَيْنِهِ وَقَدْ تُقْلَى فَيُؤْكَلُ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ حَقِيقَةُ لَفْظِهِ مُتَعَارَفًا أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ (قُلْنَا) يَحْنَثُ بِهِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ نَوَى أَكْلَ الدَّقِيقِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ عَنَى أَكْلَ الدَّقِيقِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِيمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ حَتَّى يَحْنَثَ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ وَلَا يَصْدُقُ فِي صَرْفِ الْيَمِينِ عَنْ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الشَّجَرِ فَأَكَلَ مِنْ عَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ يَعْنِي فِي شَجَرٍ لَا يُؤْكَلُ عَيْنُهُ عَادَةً؛ لِأَنَّ أَكْلَ عَيْنِ الشَّجَرِ لَمَّا كَانَ
(2/44)

اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَهْجُورًا لِلتَّعَذُّرِ انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَكْلُ ثَمَرِهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَرٌ وَثَمَنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ

قَوْلُهُ (اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِهِمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ) اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْحَقِيقِيِّ وَمَدْلُولِهِ الْمَجَازِيِّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى امْتِنَاعِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى جَوَازِهِ مُسْتَرْوِحِينَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ مُرِيدَةً بِالْعِبَارَةِ الْوَاحِدَةِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا يَجِدُهَا مُرِيدَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ جَمِيعًا وَنَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِنَا قَطْعًا فَمَنْ ادَّعَى اسْتِحَالَتَهُ فَقَدْ جَحَدَ الضَّرُورَةَ وَعَانَدَ الْمَعْقُولَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا قَدْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَا تَنْكِحْ مَا نَكَحَ أَبُوك أَوْ قَالَ تَوَضَّأَ مِنْ لَمْسِ الْمَرْأَةِ إرَادَةَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَإِرَادَةَ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْوَطْءِ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ تَنْكِحُ مَا نَكَحَ أَبُوك وَطْئًا وَلَا عَقْدًا وَتَوَضَّأَ مِنْ اللَّمْسِ مُسَاوٍ وَطْئًا صَحَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] عَلَى الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ وَقَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ. {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] . عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ. وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ النَّصِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسُّ بِالْيَدِ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْوَطْءِ وَإِذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ صَحَّتْ إرَادَةُ الْجَمِيعِ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِهِ.
قَالُوا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدُّعَاءُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْخَبَرُ عَنْ حَالِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ لَهُ الْوَيْلُ فَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْوَيْلِ وَخَبَرٌ عَنْ ثُبُوتِ الْوَيْلِ لَهُ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. قَالُوا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ كَمَا إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّهْدِيدُ أَوْ أُرِيدَ بِالْمُشْرِكِينَ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ وَاجِبًا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ يُضَادُّ كَوْنَهُ نَدْبًا أَوْ مُبَاحًا لَا نَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَيَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا إرَادَةُ الْكُلِّ يُضَادُّ إرَادَةَ الْبَعْضِ فَأَمَّا إرَادَةُ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ فَلَا يُضَادُّ إرَادَةَ وُجُوبِ الطُّهْرِ مِنْ الْجِمَاعِ فَلَا يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا. وَلِمَنْ ذَهَبَ إلَى امْتِنَاعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ إرَادَتِهِمَا يُؤَدِّي إلَى الْمُحَالِ فَيَكُونُ فَاسِدًا. وَبَيَانُ الِاسْتِحَالَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ وَالْمَجَازُ مَا يَكُونُ مُتَجَاوِزًا عَنْ مَوْضُوعِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِهِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِهِ وَمُتَجَاوِزًا عَنْهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يُحِلُّ مَكَانَيْنِ.
وَثَانِيهَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِمَا يَكُونُ الْمُسْتَعْمِلُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ أَوَّلًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ أَيْضًا لِلْعُدُولِ بِهَا عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهَا مُرَادًا أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَالِاسْتِحَالَةُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى. وَثَالِثُهَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَلِمَةِ فِيمَا هِيَ مَجَازٌ فِيهِ يُوجِبُ إضْمَارَ كَافِ التَّشْبِيهِ لِمَا عُرِفَ وَاسْتِعْمَالُهَا فِيمَا هِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِهِ تَنَافٍ. وَرَابِعُهَا أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُعْقَلُ مِنْ
(2/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْخِطَابِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ، وَالْحَقِيقَةُ تُفْهَمُ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَتَقْيِيدٍ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ الْوَاحِدُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَكِنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ اعْتَرَضُوا عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ فَقَالُوا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَقِرَّةٌ فِي مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً وَالْمَجَازُ مُتَجَاوِزٌ عَنْ مَوْضِعِهِ كَذَلِكَ بَلْ اللَّفْظُ صَوْتٌ وَحَرْفٌ يَتَلَاشَى كَمَا وُجِدَ فَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّجَاوُزِ وَلَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَيْ تَلَفَّظَ بِهِ وَأُرِيدَ بِهِ مَوْضُوعُهُ وَغَيْرُ مَوْضُوعِهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَا وُضِعَتْ الْكَلِمَةُ لَهُ أَوْ لَا بَلْ اللَّازِمُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَهُوَ الْمَجْمُوعُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إرَادَتِهِمَا مَعًا أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ مُرَادًا. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت الْأَسْوَدَ وَأَرَادَ بِهِ أَسَدًا وَرِجَالًا شُجْعَانًا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُضْمِرَ كَافَ التَّشْبِيهِ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَلْزَمُنَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ إذَا عَرِيَ عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ثُمَّ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ بِهِمَا جَمِيعًا وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَهَاءٌ وَفِي الْجَوَابِ عَنْهَا كَلَامٌ طَوِيلٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَيَيْنِ تَجُوزُ عَقْلًا وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ لُغَةً؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا قَوْلَهُمْ حِمَارٌ لِلْبَهِيمَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَحْدَهَا وَتَجَوَّزُوا بِهِ فِي الْبَلِيدِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيهِمَا مَعًا أَصْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْبَهِيمَةُ وَالْبَلِيدُ جَمِيعًا وَإِذَا قَالَ رَأَيْت حِمَارَيْنِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ بَهِيمَتَيْنِ وَبَلِيدَيْنِ بِوَجْهٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا خَارِجًا عَنْ لُغَتِهِمْ فَلَا تَجُوزُ (فَإِنْ قِيلَ) صِحَّةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَفْهُومَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمْ إذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَأَمَّا إذَا جَوَّزْنَاهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَا يُعَدُّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى طَرِيقَةٍ مَنْقُولَةٍ عَنْهُمْ وَهُوَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ (قُلْنَا) نَعَمْ وَلَكِنْ إذَا صَحَّ بِنَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ الَّذِي يَجُوزُ إطْلَاقُ اسْمِ جُزْئِهِ عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لَهُ لِيُثْبِتَ كُلِّيَّتَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ جُزْئِهِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْوَجْهِ أَوْ الرَّقَبَةِ عَلَى الذَّاتِ فَإِنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ اسْمِ الذَّاتِ أَوْ الْإِنْسَانِ أَوْ الْبَدَنِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ وَهُوَ الْوَجْهُ أَوْ الرَّقَبَةُ عَلَيْهِ وَأَنْتَ لَا تَجِدُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ وَالْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ بِالْوَضْعِ لِيُثْبِتَ الْكُلِّيَّةَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَسَدِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَلَا جُزْئِيَّةَ وَلَا كُلِّيَّةَ.
وَلَا يُقَالُ الْكُلِّيَّةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ لَا يَعْدُو عَنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَكَانَا كُلًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ اسْتِعْمَالَاتِهِمْ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ وَصْفِ الْبَخَرِ وَالْحُمَّى فِي الْأَسَدِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمَجَازِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَلِمَاتِهِمْ. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيمَا حَكَوْهُ
(2/46)

لِمَا قُلْنَا أَحَدُهُمَا مَوْضُوعٌ وَالْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً مَعًا، وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَلِمَوَالِيهِ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ أَنَّ الثُّلُثَ لِلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ وَلَيْسَ لِمَوَالِي مُعْتِقِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مُعْتِقِيهِ مَوَالِيه حَقِيقَةً بِأَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَنْ سِيبَوَيْهِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِمَا مَعًا بَلْ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَبَرُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَقَوْلُهُ اسْتِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا أَيْ اجْتِمَاعِ مَفْهُومَيْهِمَا. مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مُرَادَيْنِ احْتِرَازٌ عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ الظَّاهِرِيُّ كَمَا إذَا اسْتَأْمَنَ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالْمَوَالِي. أَوْ احْتِرَازًا عَنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُمَا. لِمَا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَفْهُومَيْنِ مَوْضُوعٌ أَيْ مَوْضُوعٌ لَهُ. وَالْآخَرُ أَيْ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ لَهُ.
فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَأَدِّيهِ إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. أَوْ يُقَالُ لَمَّا قُلْنَا إنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ مَوْضُوعٌ. وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ أَيْ مِمَّا وُضِعَ لَهُ؛ فَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ لَبِسَهُ أَيْ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِهِ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً فِي حَقِّهِ أَيْضًا. يَعْنِي الْأَلْفَاظَ لِلْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ الْكُسْوَةِ لِلْأَشْخَاصِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْكُسْوَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ صِفَةُ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ. وَلَا يُقَالُ إنْ أَرَدْتُمْ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ الْمُسْتَعَارَ فِي حَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعِيرِ مَمْلُوكٌ وَمُسْتَعَارٌ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْمِلْكُ وَالْعَرِيَّةُ فِيهِ وَلَكِنْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ لَا يُطَابِقُهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ. لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ هُوَ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ لَا غَيْرُ يَعْنِي كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ شَخْصٍ أَوْ بِنِسْبَةِ شَخْصَيْنِ فَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا مُسْتَحِيلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِنِسْبَةِ مَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بِنِسْبَةِ مَعْنَيَيْنِ.
وَكَانَ الْأَحْسَنُ فِي التَّشْبِيهِ أَنْ يُقَالَ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ لَابِسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَبِسَهُ بِكَمَالِهِ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ. إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الِاسْتِحَالَةِ وَبَيَّنَ اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْنِ لِتَعَرُّفِ الِاسْتِحَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَى وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَلِيَكُونَ إشَارَةً إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى قَالُوا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] . مَعَ أَنَّ اسْمَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ لِلْجَدَّةِ وَبِنْتِ الْوَلَدِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا عَيْنَ مَذْهَبِ الْخُصُومِ. وَأَمَّا حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهَا فَثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِعَيْنِ النَّصِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَّ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ وَالْبِنْتُ الْفَرْعُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُصُولُكُمْ وَفُرُوعُكُمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَمِيعُ. أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَهِيَ أَنَّ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ لَمَّا حُرِّمَتَا مَعَ بُعْدِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ قَرَابَةُ الْمُجَاوَرَةِ فَالْجَدَّاتُ
(2/47)

وَصَارَ ذَلِكَ كَأَوْلَادِهِ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ فَأَمَّا مَوَالِي الْمَوَالِي فَمَوَالِيه مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمْ مَالِكِيَّةَ الْإِعْتَاقِ فَصَارَ ذَلِكَ مُسَبِّبًا لِإِعْتَاقِهِمْ فَنُسِبُوا إلَيْهِ بِحُكْمِ السَّبَبِيَّةِ مَجَازًا وَالْحَقِيقَةُ ثَابِتَةٌ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمَجَازُ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْأَعْلَيْنَ وَالْأَسْفَلِينَ حَتَّى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَوَالِي وَلِلْمُوصِي مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ بَاطِلَةٌ وَهَذِهِ مَعَانٍ يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا مُتَفَاوِتَةٌ أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْبَنَاتُ لَأَنْ يَحْرُمْنَ مِنْ قُرْبِ قَرَابَتِهِنَّ وَهِيَ قَرَابَةُ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَلَا يُقَالُ الثَّوْبُ الْمَرْهُونُ إذَا اسْتَعَارَهُ الرَّاهِنُ وَلَبِسَهُ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
لِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهِ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ بَلْ بِأَصْلِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ لَهُ إذْ هُوَ الْمُطْلَقُ لِلِانْتِفَاعِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالْإِعَارَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ. وَإِطْلَاقُ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُهَا حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ تُصُوِّرَ بِصُورَةِ الْإِعَارَةِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إعَارَةً.
قَوْلُهُ (فَصَارَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. كَوِلَادِهِمْ لِإِحْيَائِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ صَارَ سَبَبًا لِحَيَاتِهِمْ كَالْأَبِ صَارَ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] . أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ وَقَالَ {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] . وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ لِحَيَاتِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَمْعِهِ وَنُطِقْهُ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ صَارَ فِي حُكْمِ عَدِيمِ الْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فَالْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ يَصِيرُ مُسَبِّبًا لِحَيَاتِهِ بِإِزَالَةِ مَا هُوَ أَثَرُ الْمَوْتِ فَكَانَ إعْتَاقُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْيَاءِ كَالْوِلَادَةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَمُعْتَقُ الْمُعْتِقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْوَالِدِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَوْلَى عَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَعَلَى الثَّانِي مَجَازًا كَمَا فِي الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ فَلَا يَدْخُلُ الثَّانِي تَحْتَ الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ) بِقَوْلِهِ مِلْكًا وَعَارِيَّةً وَتَوْضِيحٌ لِمَا ذَكَرَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إرَادَةِ مَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ فَقَالَ الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِثْلُ الْمَوَالِي لَا يَعُمُّ الْمُعْتَقِينَ وَالْمُعْتِقِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَيُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ النِّصْفُ لِلْمُعْتَقِينَ وَالنِّصْفُ لِلْمُعْتِقِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ تُرَجِّحُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الْعَكْسِ. وَهَذِهِ مَعَانٍ أَيْ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ. يَحْتَمِلُهَا الِاسْمُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِالْوَضْعِ. إلَّا أَنَّهَا أَيْ لَكِنَّهَا لَمَّا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْعُمُومُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِّ تَسَاوِي الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أَيْ مَفْهُومَاهُمَا. وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الشُّجَاعَ مُخَالِفُ الْأَسَدِ.
وَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُتَفَاوِتَةٌ لِلِاحْتِيَاجِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَى الْقَرِينَةِ دُونَ الْآخَرِ. أَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَمِعَا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَانِعِ الْمَوْجُودِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ وَزِيَادَةٌ وَهِيَ عَدَمُ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ. .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُخْتَلَفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ غَيْرَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ بِالْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتَدَلَّ بِجَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَوَازِ التَّعْمِيمِ هَهُنَا وَقَالَ التَّعْمِيمُ هَهُنَا أَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقٍ بَيْنَ مَحَلَّيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَمَّا جَازَ تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ بِدُونِ عَلَاقَةٍ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ التَّعْمِيمُ هُنَا مَعَ وُجُودِ التَّعَلُّقِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ لَكِنْ لَمَّا تَمَهَّدَ وَتَقَرَّرَ عِنْدَ
(2/48)

وَلِهَذَا قُلْنَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أُرِيدَتْ بِذَلِكَ النَّصِّ فَبَطَلَ الْمَجَازُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] أَنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْوَطْءُ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ فَبَطَلَ الْحَقِيقَةُ، وَلِهَذَا قِيلَ فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ لِأَبْنَائِهِ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنُو بَنِينَ جَمِيعًا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَبْنَائِهِ دُونَ بَنِي بَنِيهِ لِمَا قُلْنَا. .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشَّيْخِ انْتِفَاءُ جَوَازِ التَّعْمِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ بِدَلَائِلَ قَوِيَّةٍ ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ لَمْ يُبَالِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ هَكَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَفْهُومَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَكَثِيرِهِ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» .
وَقَالَ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ يُسَمَّى خَمْرًا بِاعْتِبَارِ مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ هَذَا النَّصِّ كَالْخَمْرِ. فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ حَقِيقَةٌ وَلِسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمُخَامَرَةِ وَقَدْ يَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِهَذَا النَّصِّ فَيَخْرُجُ الْمَجَازُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا. وَلَا يُقَالُ قَدْ أَلْحَقَ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ بِالْخَمْرِ عِنْدَ حُصُولِ السُّكْرِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا الْقَلِيلُ أَيْضًا. لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْكَثِيرِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . لَا بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِلِامْتِنَاعِ الْمَذْكُورِ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى. {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] . إنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ غَيْرُ مُرَادٍ حَتَّى لَا يَكُونَ مَسُّ الْمَرْأَةِ حَدَثًا خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَحْمِلُ آيَةَ اللَّمْسِ عَلَى الْمَسِّ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا كَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَهَكَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ وَهُوَ الْوَطْءُ أُرِيدَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ بِهَذَا النَّصِّ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا هَهُنَا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً.
وَلِهَذَا مَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْوَطْءِ جَوَّزَهُ لَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ قُرِئَتْ الْآيَةُ بِقِرَاءَتَيْنِ لَامَسْتُمْ وَلَمَسْتُمْ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَاللَّمْسِ فَيُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْوَطْءِ وَالْأُخْرَى عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ كَمَا حَمَلْتُمْ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى. {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] . بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَقَوْلُهُ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ عَلَى الْحَالَيْنِ (قُلْنَا) لَا نِزَاعَ فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَمْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْخُصُومِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا ذَكَرْتُمْ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» . وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَسُّ بِالْيَدِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَبَعْضُهُمْ الْمُرَادُ هُوَ الْجِمَاعُ وَجَوَّزُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَلَمْ يَجْعَلُوا الْمَسَّ حَدَثًا فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَكَوْنِ الْمَسِّ حَدَثًا أَيْضًا عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ فَيَكُونُ مَرْدُودًا كَذَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ قُلْنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ. ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانٍ وَلِفُلَانٍ ذَلِكَ أَوْلَادٌ فَالثُّلُثُ لِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا إذَا اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ انْفَرَدَ الْإِنَاثُ فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَصِيَّةُ لِبَنِيهِ لِصُلْبِهِ
(2/49)

فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا وَفِيمَنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنَّهُ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَتَقَ عَبْدُهُ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ قَالَ فِي حَرْبِيٍّ اسْتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَبْنَائِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنُونَ وَبَنُو الْبَنِينَ وَفِيمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ جَمِيعًا قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
دُونَ بَنِي ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لِأَوْلَادِ الصُّلْبِ حَقِيقَةٌ وَلِبَنِي الِابْنِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ وَالْمَجَازُ لَا يُزَاحِمُ الْحَقِيقَةَ. وَفِي قَوْلِهِمَا الْكُلُّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْمَجَازِ يَتَنَاوَلُهُمْ فَيُطْلَقُ الْبَنِينَ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْفُرَاتِ. وَلَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُهُ لِصُلْبِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِي حَالَتَيْ الِاخْتِلَاطِ وَالِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ لِلْجِنْسِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ دُونَ أَوْلَادِ ابْنِهِ. ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّانِيَةِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا يُشِيرُ لَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ حَيْثُ قَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ أَوْ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ. وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْوِفَاقِ فَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ لَفْظَ بَنِي فُلَانٍ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالًا شَائِعًا فَأَمَّا لَفْظُ الْوَلَدِ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي أَوْلَادِ الْبَنِينَ اسْتِعْمَالَ الْأَوَّلِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ دُونَ مَذْهَبِهِمَا.

قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَمْهِيدِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابُ عَنْهَا وَهِيَ عِدَّةُ مَسَائِلَ. إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ وَضْعِ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا حَنِثَ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ حَافِيًا حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرُهُ مَجَازٌ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا مَاشِيًا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ إذَا عَنَى بِهِ حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ لَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً. وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَقَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَنَهَارًا يَحْنَثُ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ لِلنَّهَارِ حَقِيقَةٌ وَلِلَيْلِ مَجَازٌ. فَإِنْ نَوَى بَيَاضَ النَّهَارِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مَتَى ذُكِرَ مَقْرُونًا بِمَا لَا يَمْتَدُّ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْوَقْتِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَانَ لِبَيَاضِ النَّهَارِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي.
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ حَقِيقَةً وَبِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَصِيرُ الْحَقِيقَةُ كَالْمَجَازِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي كَذَا يَنْصَرِفُ إلَى الدُّخُولِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَيُصَدَّقُ إذَا نَوَى حَقِيقَةَ وَضْعِ الْقَدَمِ فِي الْقَضَاءِ، كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ السِّيَرِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ. وَالرَّابِعَةُ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَقَعُ عَلَى الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى فُلَانٍ بِالْمَلِكِ حَقِيقَةٌ وَبِغَيْرِهِ مَجَازٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي الْمِلْكِ فَيَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ لَا أَدْخُلُ مَسْكَنَ فُلَانٍ فَكَذَا الْجَوَابُ. وَإِنْ قَالَ بَيْتَ فُلَانٍ أَوْ دَارَ فُلَانٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ سُكْنَى فُلَانٍ حَقِيقَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَسْكَنِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُسْتَعَارِ بِخِلَافِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ.
قَوْلُهُ. (قِيلَ لَهُ وَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ) أَيْ عِبَارَةٌ عَنْهُ. ضَمَّنَ لَفْظَ الْمَجَازِ مَعْنَى الْعِبَارَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِصِلَةِ عَنْ أَوْ كَلِمَةِ عَنْ بِمَعْنَى فِي؛ لِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ تَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ يَعْنِي هُوَ مَجَازٌ
(2/50)

لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ.

وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ اسْمٌ لِلْوَقْتِ وَلِبَيَاضِ النَّهَارِ وَدَلَالَةُ تَعَيُّنِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِعْلًا يَمْتَدُّ كَانَ النَّهَارُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ مِعْيَارًا لَهُ وَإِذَا كَانَ لَا يَمْتَدُّ كَانَ الظَّرْفُ أَوْلَى وَهُوَ الْوَقْتُ ثُمَّ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ فَلِذَلِكَ دَخَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَيْلَةَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهَارَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلسَّوَادِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ مِثْلُ النَّهَارِ اسْمٌ لِلْبَيَاضِ الْخَالِصِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ الدُّخُولُ. لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ أَيْ الدُّخُولَ مُوجِبُ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ سَبَبُهُ فَاسْتُعِيرَ لِحُكْمِهِ.
وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ الدُّخُولِ لَا عَنْ مُجَرَّدِ وَضْعِ الْقَدَمِ فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِالرُّكُوبِ وَالتَّنَعُّلِ وَالْحَفَاءِ فَيَحْنَثُ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رَاكِبًا أَوْ حَافِيًا كَمَا فِي إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُطْلَقِ الرَّقَبَةِ لَا بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ كَافِرَةً أَوْ مُؤْمِنَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْ لَا يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَجَازًا عَنْ الدُّخُولِ لَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ (بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّرَادُفِ) وَإِنَّمَا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ ذَكَرَ لَفْظَةَ الْإِطْلَاقِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ الَّذِي هُوَ مَجَازُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ لَفْظَةَ الْعُمُومِ فَقَالَ يَحْنَثُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فَجَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا. وَالْمُطْلَقُ يُشَابِهُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ الشُّيُوعُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ عَامٌّ.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْيَوْمِ يُطْلَقُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اتِّفَاقًا وَعَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَيَصِيرُ مُشْتَرَكًا وَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَغْلَبِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْهَامِ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنْ خَلَا عَنْ قَرِينَةٍ فَالْحَقِيقَةُ مُتَعَيِّنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا فَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَهُوَ الْمَجَازُ مُتَعَيِّنٌ بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَالِ فِي الْكَلَامِ بِعَدَمِ إفْهَامِ الْمُرَادِ. ثُمَّ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ ظَرْفٌ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَيْهِ بِمَظْرُوفِهِ فَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ أَيْ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ بِزَمَانٍ يُقَالُ لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ يَوْمًا وَرَكِبْت هَذِهِ الدَّابَّةَ يَوْمًا وَسَاكَنْته فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ شَهْرًا يُحْمَلُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِقْدَارًا لَهُ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مَظْرُوفُهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَالْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِزَمَانٍ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ. ثُمَّ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ الْيَوْمُ ظَرْفٌ لِلتَّحْرِيرِ أَوْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ انْتَصَبَ بِهِ إذْ التَّقْدِيرُ حَرَّرْتُك أَوْ طَلَّقْتُك يَوْمَ كَذَا وَإِنَّهُمَا مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَيَحْنَثُ إذَا قَدِمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَفِي قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ التَّفْوِيضُ وَالتَّخْيِيرُ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيُحْمَلُ الْيَوْمُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ حَتَّى لَوْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا وَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ. .
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْيَوْمُ وَهُوَ الْقُدُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَثَلًا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْيَوْمِ إلَيْهِ لِتَعْرِيفِهِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَالْأَوْقَاتِ الْمَجْهُولَةِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَا لِلظَّرْفِيَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤَثِّرْ يَقْدَمُ فِي انْتِصَابِ يَوْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ إذْ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمُضَافِ بِحَالٍ بَلْ هُوَ مَنْصُوبٌ بِمَظْرُوفِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَقْدِيرَهُ حَرَّرْتُك فِي يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ أَوْ فَوَّضْت أَمْرَك إلَيْك فِي يَوْمِ قُدُومِهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ بِمَظْرُوفِهِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فِي تَرْجِيحِ
(2/51)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِمَا لَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ وَإِذَا قُرِنَ بِمَا يَكُونُ مُمْتَدًّا كَانَ بِمَعْنَى بَيَاضِ النَّهَارِ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ. وَذَكَرَ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ اخْتَارِي يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَوْ قَدِمَ بِالنَّهَارِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ فَذِكْرُ الْيَوْمَ فِيهِ لِلتَّوْقِيتِ فَيَتَنَاوَلُ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَذَكَرَ الْيَوْمَ فِيهِ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَقْتِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَةٍ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ أَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ اُعْتُبِرَ الطَّلَاقُ وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالْخِيَارُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّزَوُّجَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَحُمِلَ فِيهِ عَلَى الْوَقْتِ الْمَظْرُوفِ فَاعْتُبِرَ التَّزَوُّجُ الَّذِي هُوَ مُضَافٌ إلَيْهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ. وَكَذَا اعْتَبَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْمُضَافَ إلَيْهِ دُونَ الْمَظْرُوفِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي قَوْلِهِ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَلَمْ يَقُلْ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ وَهَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَكَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - اعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ دُونَ الْمَظْرُوفِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارَ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ إذَا أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَظْرُوفًا لِلْمُضَافِ وَيَكُونُ الْمُضَافُ ظَرْفًا لَهُ لَا مَحَالَةَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِمَّا ذَكَرْت وَفِيهِ مُوَافَقَةُ الْعَامَّةِ وَاحْتِرَازٌ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلَى الْخَطَأِ (قُلْنَا) بَعْدَ مَا ظَفِرَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى مُؤَكَّدَةً بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَالشَّوَاهِدِ يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّاجِذِ وَلَا يُصَارُ إلَى التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ ثُمَّ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَظْرُوفَ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمْتَدًّا كَقَوْلِك أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ. أَوْ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ إنْ اُعْتُبِرَ الْمَظْرُوفُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَظْرُوفُ مُمْتَدًّا وَالْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَدٍّ كَقَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ يَرْكَبُ فُلَانٌ أَوْ يُسَافِرُ فُلَانٌ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْمَظْرُوفِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَاعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ يَقْتَضِي حَمْلَ الْيَوْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ فَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْأَوْلَى إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ فِي الثَّانِيَةِ إنْ سَافَرَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَاعْتِبَارُ الْمُضَافِ إلَيْهِ يَقْتَضِي حَمْلُهُ فِي الْأُولَى عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَالثَّانِيَةِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ إنْ سَافَرَ أَوْ رَكِبَ لَيْلًا. فَبَعْضُ الْمَشَايِخِ تَسَامَحُوا فِي الْعِبَارَةِ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ وَاعْتَبَرُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى حُصُولِ
(2/52)

وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ نِسْبَةُ السُّكْنَى إلَيْهِ فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ نِسْبَةِ السُّكْنَى وَفِي نِسْبَةِ الْمِلْكِ نِسْبَةُ السُّكْنَى مَوْجُودَةٌ لَا مَحَالَةَ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْمَجَازِ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ فَفِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى أَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ فَبُنِيَ عَلَى الشُّبُهَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَقْصُودِ وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الْجَوَابِ وَبَعْضَهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَةَ التَّحْقِيقِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا فِيمَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَالْكُلُّ سَلَكُوا طَرِيقَ التَّحْقِيقِ وَاعْتَبَرُوا الْمَظْرُوفَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَصْلًا. فَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتَبَرَ الْكُلُّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ الَّذِي هُوَ مَظْرُوفٌ دُونَ الْقُدُومِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْمَبْسُوطِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِمَّا يَمْتَدُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ فِيهِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيُعْتَبَرُ الْمَظْرُوفُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُمْتَدٍّ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ مُمْتَدٌّ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَتَابَعَهُمْ فِيهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعَ أَنَّ دَلِيلَ عَدَمِ امْتِدَادِهِ غَيْرُ مُتَّضِحٍ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَيَنْدَرِجُ فِي الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي اعْتِبَارِ الْمُضَافِ إلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَظْرُوفِ أَيْضًا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفِيَّةَ الَّتِي لَزِمَتْ مِنْ الْإِضَافَةِ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ فِي الْكَلَامِ فَلِذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي اللَّفْظِ أَصْلًا وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ لَا تَكُونُ مُطَّرِدَةً فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فَأَمَّا الْمَظْرُوفِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي الْكَلَامِ فَهِيَ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي اللَّفْظِ وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ يَكُونُ مُطَّرِدَةً فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا إذْ تَرْكُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَاعْتِبَارُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ قَلْبُ الْمَعْقُولِ وَخِلَافُ الْأُصُولِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ جَامِعُ هَذِهِ الْمُتَفَرِّقَاتِ هَذَا مَا يُخَيَّلُ لِي مِنْ الْوَجْهِ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرَاءَى لِي أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَلَعَلَّ نَظَرَ غَيْرِي أَدَقُّ وَمَا قَالَهُ أَصْوَبُ وَأَحَقُّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا إضَافَةُ الدَّارِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْمَذْكُورِ أَوْ بِقَوْلِهِ دَارَ فُلَانٍ نِسْبَةُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُعَادَى وَلَا تُهْجَرُ لِذَاتِهَا عَادَةً وَإِنَّمَا تُهْجَرُ لِبُغْضِ صَاحِبِهَا فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةِ نِسْبَةَ السُّكْنَى لَا إضَافَةَ الْمِلْكِ. فَيُسْتَعَارُ الدَّارُ لِلسُّكْنَى أَيْ لِمَوْضِعِ السُّكْنَى وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا أَدْخُلُ مَوْضِعَ سُكْنَى فُلَانٍ أَوْ دَارًا مَسْكُونَةً لِفُلَانٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْمِلْكُ وَالْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ فَيَحْنَثُ فِي الدَّارِ الْمَمْلُوكَةِ بِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِالْمِلْكِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّاكِنُ فِيهَا غَيْرَ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَدَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ بِإِجَارَةِ أَوْ بِإِعَارَةٍ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ أَيْضًا. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ لِبَقَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ دَارَ فُلَانٍ عِبَارَةً عَمَّا يُضَافُ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الدَّارُ الْمُضَافَةُ إلَيْهِ بِالسُّكْنَى وَبِالْمِلْكِ جَمِيعًا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ فَقِيلَ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَنْوِهَا فَسَكَنَ دَارًا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ إلَى وَقْتِ السُّكْنَى حَنِثَ وَإِنْ سَكَنَ دَارًا لَهُ قَدْ بَاعَهَا بَعْدَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودَ السُّكْنَى فِي دَارٍ مُضَافَةٍ إلَى فُلَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السِّيَرِ) الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْكُفَّارُ أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَالْأَمَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْأَمَانُ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْأَبْنَاءِ مَجَازٌ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ
(2/53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَصِيَّةَ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا وَقُلْنَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَمَانِ حَقْنُ الدَّمِ أَيْ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ يُقَالُ حَقَنْت دَمَهُ أَيْ مَنَعْته أَنْ يُسْفَكَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مَحْقُونَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ» . وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَبَعْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَيَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَاسْمُ الْأَبْنَاءِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ الْفُرُوعَ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ يُقَالُ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو تَمِيمٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى. يَا بَنِي آدَمَ. إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْإِرَادَةِ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ صُورَةِ الِاسْمِ شُبْهَةً فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَافِيَةٌ لَحِقْنَ الدَّمِ كَمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إذَا دَعَا بِهَا الْكَافِرُ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ أَشَارَ أَنْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُ بِك فَظَنَّهُ الْكَافِرُ أَمَانًا لِصُورَةِ الْمُسَالَمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك فَأَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ لِمَا أَتَى بِهِ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهُ تَكَلَّمَ فَقَالَ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ حَيٍّ أَمْ مَيِّتٍ فَقَالَ عُمَرُ كَلَامَ حَيٍّ فَقَالَ كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ لَكِنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ فَإِذَا عَزَّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ فِيكُمْ لَمْ نُطْقِكُمْ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا اُقْتُلُوهُ فَقَالَ أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا ثُمَّ تَقْتُلُوهُ فَقَالَ مَتَى أَمَّنْتُك فَقَالَ قُلْت لِي تَكَلَّمْ كَلَامَ حَيٍّ وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُسْتَحَقُّ بِالصُّورَةِ وَالشُّبْهَةِ. وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْمُزَاحَمَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إدْخَالَ النَّقْصِ فِي نَصِيبِ الْأَبْنَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَلِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ: النَّافِلَةُ أَحَبُّ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الْوَلَدِ (فَإِنْ قِيلَ) فَهَلَّا اعْتَبَرْتُمْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَانِ لِلْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ فِي الِاسْتِيمَانِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْدَادُ أَوْ الْجَدَّاتُ بِحَالٍ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ صُورَةً (قُلْنَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا صَارَتْ مُرَادَةً فَاعْتِبَارُ الصُّورَةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا مَحَالَةَ وَبَنُو الْبَنِينَ يَلِيقُ صِفَةَ التَّبَعِيَّةِ بِحَالِهِمْ فَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلَا يَكُونُ اتِّبَاعًا لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَهُمْ الْأُصُولُ فَلِهَذَا تُرِكَ اعْتِبَارُ الصُّورَةِ هُنَاكَ فِي إثْبَاتِ الْأَمَان لَهُمْ كَذَا أَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَلَا يُقَالُ الْجَدُّ أَصْلُ الْأَبِ خِلْقَةً وَلَكِنْ تَبَعٌ لَهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْأَبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الِاسْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ عَنْ الْأَبِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الِابْنِ عَلَى ابْنِ الِابْنِ فَيَلِيقُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ لِلْجَدِّ وَانْتِقَالَ نَصِيبِ الْأَبِ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِلْأَبِ خِلْقَةً فَلَأَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَمَانُ الَّذِي يَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ وَلَا يَمْنَعُ عَنْهُ كَوْنُهُ أَصْلًا خِلْقَةً كَانَ أَوْلَى. لِأَنَّا نَقُولُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ
(2/54)

وَهَذَا الِاسْمُ بِظَاهِرِهِ يَتَنَاوَلُهُمْ لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ ظَاهِرُ الِاسْمِ شُبْهَةٌ.

فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الِاسْمِ بَعْدَ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مِنْهُ إثْبَاتٌ لَهُ بِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ فَيُعْمَلُ بِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مُعَارِضٌ كَمَا فِي جَانِبِ الْأَبْنَاءِ فَإِنَّ ابْنَ الِابْنِ تَبَعٌ لِلِابْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مُعَارِضٌ فَلَا كَمَا فِي جَانِبِ الْآبَاءِ فَإِنَّ جِهَةَ كَوْنِ الْجَدِّ تَبَعًا فِي الِاسْمِ إنْ كَانَتْ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ فَجِهَةُ كَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْفَةُ مَانِعَةٌ عَنْهُ فَيَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا بَابُ الْمِيرَاثِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْقُرْبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَبَ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ جَدِّهِ فَلَا جَرَمَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ الْأَبِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ أُصُولٌ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَأَنَّهُمْ مُخْتَصُّونَ بِاسْمٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِفُرُوعِهِمْ كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ الْعَمَّ مَعَ أَنَّهُ سُمِّيَ أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى.
{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] . وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَكَمَا يَتَنَاوَلُ الْخَالَةَ مَعَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ أُمًّا فِي قَوْله تَعَالَى. {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف: 100] . أَيْ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «الْخَالَةُ أُمٌّ» . حَتَّى لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْأَمَانِ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَتْبَاعِ وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرَ بِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ. وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ وَلَهُمْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ لَا يَدْخُلُونَ أَيْضًا بِخِلَافِ بَنِي الْأَبْنَاءِ فَإِنَّهُمْ تَفَرَّعُوا مِنْ الْأَبْنَاءِ فَكَانُوا تَبَعًا لَهُمْ وَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِاسْمِ الْبُنُوَّةِ وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ فَكَانَ الْأَمَانُ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ. وَهَذَا بَيَانُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي لِسَانِهِمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ وَهَكَذَا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَدِّ بَدْرُ بَدْرٍ كَمَا يُقَالُ لِابْنِ الِابْنِ بُسْرُ بُسْرٍ. هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ هَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ (فَإِنْ قِيلَ) إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ يَصِيرُ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ تَبَعًا فَلْيَثْبُتْ الْأَمَانُ هَهُنَا أَيْضًا لِشُبْهَةِ الِاسْمِ تَبَعًا وَفِيهِ حَقْنُ الدَّمِ. (قُلْنَا) لَوْ لَمْ يَحْكُمْ هُنَاكَ بِكِتَابَتِهِ تَبَعًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مَمْلُوكًا لِابْنِهِ وَهُوَ شَنِيعٌ جِدًّا أَوْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الِاسْتِخْلَاصِ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا هَهُنَا فَقَدْ أَمْكَنَهُ إحْرَازُ نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِالِاسْتِيمَانِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ارْتِكَابِ جَعْلِ الْمَتْبُوعِ تَبَعًا.
وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ شُعَبِ الْحُرِّ لِثُبُوتِ حُرِّيَّةِ الْيَدِ فِيهَا وَإِفْضَائِهَا إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ فَكَمَا تَثْبُتُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْحُرُّ فَكَذَلِكَ نُثْبِتُ لَهُ صِفَةَ الْكِتَابَةِ إذَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ الْمُكَاتَبُ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْجَدَّ ظَاهِرًا لِيَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ ابْتِدَاءً بِصُورَةِ هَذَا الِاسْمِ لَا أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ. وَالْكِتَابَةُ وَالْحُرِّيَّةُ يَثْبُتَانِ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِابْنِ بِأَمْرٍ حُكْمِيٍّ لَا بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا الِاسْمُ أَيْ اسْمُ الْأَبْنَاءِ يَتَنَاوَلُهُمْ يَعْنِي بَنِي الْأَبْنَاءِ. لَكِنْ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ التَّنَاوُلِ يَعْنِي امْتَنَعَ التَّنَاوُلُ لِتَقَدُّمِ الْحَقِيقَةِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ أُخَرُ تَرِدُ نَقْصًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا عَنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَوْنِهَا مُخْتَلِفَةً بَيْنَ أَصْحَابِنَا بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَاسْتَدَلُّوا بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا
(2/55)

وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إنْ كَرَعَ وَاغْتَرَفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَأَبَى الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَأَخُوهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ذَلِكَ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ إنَّهُمَا أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِمَا هَذَا. أَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَنَقُولُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْكُلَهَا حَبًّا كَمَا هِيَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى حَتَّى لَوْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الْعَيْنَ فَقَدْ نَوَى الْحَقِيقَةَ فَيَصِحُّ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَنَوَى أَكْلَ عَيْنِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مُنْصَرِفَةً إلَى الْخُبْزِ. وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِأَكْلِ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى قَوْلِهِ تَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِالْخُبْزِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ.
أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَيْمَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فَإِنَّهُ قَالَ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَصْنَعُ مِنْهَا وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ عَيْنَهَا لَا يَحْنَثُ. وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَحْنَثُ إنْ أَكَلَهَا خُبْزًا أَيْضًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَنَاوُلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا يُرَدُّ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْعَيْنِ حَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامُ وَأَكْلُ الْخُبْزِ مَجَازُهُ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَهَذَا الْوَجْهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّيْخِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَعَامَّةِ الْمَشَايِخِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْحِنْطَةِ لِلْعَيْنِ حَقِيقَةٌ وَلِلْخُبْزِ مَجَازٌ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَكْلَ الْعَيْنِ لَا يَحْنَثُ بِالْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ وَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى الْخُبْزِ لَا يَبْقَى الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً. وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مُؤَوَّلٌ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَضَمَهَا حَنِثَ أَيْ إذَا نَوَى الْعَيْنَ وَإِنْ أَكْلَ مِنْ خُبْزِهَا يَحْنَثُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ فَالْيَمِينُ يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَلِكَ بِأَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَيْهِ وَيَشْرَبَ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلَوْ نَوَى الِاغْتِرَافَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْمَجَازَ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخَانِ. وَعِنْدَهُمَا لَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ بِيَدِهِ أَوْ إنَاءٍ فَشَرِبَ يَحْنَثُ.
وَلَوْ شَرِبَ كَرْعًا قِيلَ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَقِيلَ يَحْنَثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَمَسْأَلَةُ النَّذْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ. إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ الْيَمِينُ. أَوْ نَوَى النَّذْرَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا يَكُونُ نَذْرًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَنَوَى أَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا يَكُونُ يَمِينًا بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَوَاهُمَا أَوْ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ النَّذْرُ كَانَ نَذْرًا فِي الْأَوَّلِ وَيَمِينًا فِي الثَّانِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا بِالْفَوَاتِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَعَ الْيَمِينِ مُخْتَلِفَانِ بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ الْوَفَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ وَالْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْكَفَّارَةُ وَمُوجِبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْقَضَاءُ وَاخْتِلَافُ أَحْكَامِهِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ ذَاتَيْهِمَا.
ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ لِلنَّذْرِ
(2/56)

قِيلَ لَهُ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ فِي الْعَادَةِ اسْمٌ لِمَا فِي بَاطِنِهَا وَمَنْ أَكَلَهَا أَوْ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَقَدْ أَكَلَ مَا فِيهَا وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازٌ لِلشُّرْبِ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُجَاوِرُ الْفُرَاتَ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ لَا تَنْقَطِعُ بِالْأَوَانِي لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَامِعِ فَصَارَ ذَلِكَ عَمَلًا بِعُمُومِهِ لَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَقِيقَةً لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ثُبُوتِهِ بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ كَمَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلِلْيَمِينِ مَجَازٌ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِهَا بِهِ عَلَى قَرِينَةٍ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالتَّوَقُّفُ عَلَى الْقَرِينَةِ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَجَازِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِمَا مَرَّ مِنْ الدَّلَائِلِ فَيَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَتَسْقُطُ الْحَقِيقَةُ بِتَعَيُّنِ الْمَجَازِ مُرَادًا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي. وَرَجَبٌ مُنْصَرِفٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعَلَمِيَّةُ وَفِي الْحَدِيثِ. «إنَّ رَجَبًا شَهْرٌ عَظِيمٌ» . إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُ هَهُنَا غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ هُوَ الرَّجَبُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ الْيَمِينَ لَا رَجَبٌ مِنْهُمْ فَكَانَ مَعْدُولًا عَنْ الرَّجَبِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُمِّ فَلَا يَنْصَرِفُ لِاجْتِمَاعِ الْعَدْلِ وَالْعَلَمِيَّةِ كَمَا فِي سَحَرَ إذَا أَرَدْت سَحَرَ يَوْمِك عَلَى مَا عُرِفَ.
قَوْلُهُ (أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَدْ عَمِلَا بِإِطْلَاقِ الْمَجَازِ وَعُمُومِهِ) إذَا كَانَ لِلَّفْظِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْعَمَلُ بِالْمَجَازِ أَوْلَى عِنْدَهُمَا وَسَتَعْرِفُ السِّرَّ فِيهِ. ثُمَّ لِلْمَجَازِ هَهُنَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ إذَا ذُكِرَتْ مَقْرُونَةً بِالْأَكْلِ يُرَادُ بِهَا فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ يُقَالُ أَكَلْنَا أَجْوَدَ حِنْطَةٍ فِي أَرْضِ كَذَا أَيْ أَجْوَدَ خُبْزٍ وَيُقَالُ فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ أَيْ خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَمُطْلَقُ الِاسْمِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُمْكِنٌ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا فِي وَضْعِ الْقَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا آكُلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُجْعَلَ أَكْلُ الْحِنْطَةِ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ يُقَالُ أَهْلُ بَلَدِ كَذَا يَأْكُلُونَ الْحِنْطَةَ وَيُرَادُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَجْزَاءِ أَيْ طَعَامُهُمْ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ لَا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّعِيرِ وَإِذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ أَكْلِ مَا فِيهَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعَيْنِ كَمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ وَضْعِ الْقَدَمِ. وَلَا يُقَالُ فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ أَنْ يَحْنَثَ بِأَكْلِ السَّوِيقِ عِنْدَهُمَا لِوُجُودِ أَكْلِ مَا فِي بَاطِنِهَا. لِأَنَّا نَقُولُ السَّوِيقُ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ جِنْسِ الدَّقِيقِ عِنْدَ هُمَا، وَلِهَذَا جَوَّزَا بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا فَلَا يَكُونُ مَا أَكَلَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحِنْطَةِ فَلَا يَحْنَثُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ.
قَوْلُهُ (وَالشُّرْبُ مِنْ الْفُرَاتِ) تَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَجَازِ هُنَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِجَعْلِ قَوْلِهِ مِنْ الْفُرَاتِ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْفُرَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُضْمِرَ فِيهِ مَاءَ الْفُرَاتِ. وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِصَوَابٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ آخَرَ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ صَارَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءِ الْفُرَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَا أَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ.
بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِشُرْبِ مَاءٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْفُرَاتِ مُجَاوِرٍ لَهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْوَادِي وَمِنْ الْفُرَاتِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا قُلْنَا وَالْأَخْذُ بِالْأَوَانِي لَا يَقْطَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ فَيَحْنَثُ بِالْكَرْعِ وَالِاغْتِرَافِ جَمِيعًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِهِ لَا أَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ مَاءَ الْفُرَاتِ يَصِحُّ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَاءِ. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَذْكُورٍ نَصًّا وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَذْكُورًا مُقْتَضَى الشُّرْبِ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ
(2/57)

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ وَيَمِينٌ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَصْلُحُ يَمِينًا بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ وَصَارَ ذَلِكَ كَشَرْيِ الْقَرِيبِ تَمَلُّكٌ بِصِيغَتِهِ وَتَحْرِيرٌ بِمُوجِبِهِ فَهَذِهِ مِثْلُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ كَمَا لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَلَيْسَ بِجَمْعٍ) يَعْنِي لَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ بِجَمْعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صِيغَتُهُ دَالَّةً عَلَى النَّذْرِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَتَكُونَ دَالَّةً عَلَى الْيَمِينِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ هُوَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ لَا غَيْرُ وَلَكِنَّهُ يَمِينٌ بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ أَيْ حُكْمِهِ وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ النَّذْرِ لُزُومُ الْمَنْذُورِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قَبْلَ النَّذْرِ مُبَاحَ التَّرْكِ لِيَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَا هُوَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا عُرِفَ فَإِذَا لَزِمَ الْمَنْذُورُ بِالنَّذْرِ صَارَ تَرْكُهُ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَرَامًا بِهِ وَصَارَ النَّذْرُ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ لُزُومُ الْمَنْذُورِ، وَتَحْرِيمُ الْمُبَاحِ يَمِينٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ مَارِيَةَ أَوْ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ التَّحْرِيمَ يَمِينًا وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ قَالَ. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] . إلَى أَنْ قَالَ. {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] . أَيْ شَرَعَ لَكُمْ تَحْلِيلَهَا بِالْكَفَّارَةِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتَقَ رَقَبَةً فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ» وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ فَكَانَ النَّذْرُ بِوَاسِطَةِ مُوجِبِهِ يَمِينًا لَا بِصِيغَتِهِ بَلْ هُوَ بِصِيغَتِهِ نَذْرٌ لَا غَيْرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ سُمِّيَ إعْتَاقًا فِي الشَّرْعِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ إزَالَتَهُ لَكِنَّهُ بِصِيغَتِهِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ يُوجِبُ الْعِتْقَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» . فَكَانَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ حُكْمِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَا بِصِيغَتِهِ. وَكَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ بَيْعٌ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فَكَذَا هَذَا. (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ النَّذْرُ يَمِينًا بِاعْتِبَارِ مُوجِبِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي ثُبُوتِهَا إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَمَرِضَ فِي الْغَدِ فَأَفْطَرَ أَوْ كَانَ الْحَالِفُ امْرَأَةً فَحَاضَتْ كَانَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (قُلْنَا) بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَرَجَتْ الْيَمِينُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِهَا فَصَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَا يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَذَا قِيلَ.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِمُوجِبِ النَّذْرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْمَنْذُورِ بِهِ ثَابِتٌ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ فَإِنَّ النَّصَّ جَعَلَهُ يَمِينًا عِنْدَ الْقَصْدِ وَلَمْ يُرِدْ الشَّرْعُ بِكَوْنِهِ يَمِينًا عِنْدَ عَدَمِ الْقَصْدِ وَثُبُوتِهِ ضَمًّا فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهِ يَمِينًا لِوُجُودِ شَرْطِهِ لَكِنْ بِمُوجِبِ النَّذْرِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كَلَامِهِ كَلِمَتَانِ. أَحَدُهُمَا يَمِينٌ وَهُوَ قَوْلُهُ لِلَّهِ فَإِنَّهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ بِاَللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ وَاللَّامَ يَتَعَاقَبَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ فِرْعَوْنَ {آمَنْتُمْ لَهُ} [الشعراء: 49] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ {آمَنْتُمْ بِهِ} [الأعراف: 123] . الْأُخْرَى نَذْرٌ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيَّ إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَلَبَ مَعْنَى النَّذْرِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ فَإِذَا نَوَاهُمَا فَقَدْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي كَلِمَتَيْنِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ إيجَابًا
(2/58)

وَطَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا صُورَةً أَوْ مَعْنًى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي نَفْسِهِ وَجَوَابُ الْقَسَمِ أَيْضًا إنْ جَازَ ذَلِكَ كَلَأُكْرِمَنَّكَ فِي قَوْلِك وَاَللَّهِ إنْ أَكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ إيجَابَ الصَّوْمِ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ كَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصْلُحَ جَوَابًا لِلْقَسَمِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ يَمِينٌ بِمُوجِبِهِ أَنَّ الصَّوْمَ قَبْلَ صُدُورِ هَذِهِ الصِّيغَةِ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ فَبِالنَّذْرِ يَصِيرُ وَاجِبًا وَبِالْيَمِينِ أَيْضًا يَصِيرُ وَاجِبًا فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ الْوُجُوبَ لِغَيْرِهِ كَمَا يَثْبُتُ لِعَيْنِهِ وَإِرَادَةُ الْيَمِينِ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ صِيغَةِ النَّذْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ يَكُونُ يَمِينًا فَعُلِمَ أَنَّ إرَادَةَ الْوُجُوبِ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ صَحِيحَةٌ فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ حَصَلَ هَهُنَا دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِعَيْنِهِ وَهُوَ الصِّيغَةُ وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِغَيْرِهِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِعَيْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ يَصِيرُ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ حَتَّى لَوْ فَاتَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فَكَذَا هَذَا. وَلَا يُقَالُ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ الْوُجُوبُ لَا الْإِيجَابُ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الْكِتَابِ إيجَابًا.؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا سَمَّاهُ إيجَابًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِيجَابِ مِنْ الشَّرْعِ فَيَثْبُتُ الْإِيجَابُ بِهِ اقْتِضَاءً فَسُمِّيَ الْوُجُوبُ إيجَابًا بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُوجِبِ الْمَعْنَى أَيْ هُوَ يَمِينٌ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِيجَابُ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ: فَإِذَا نَوَى الْيَمِينَ فَقَدْ نَوَى مَا هُوَ مَعْنَى النَّذْرِ.

[طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ]
قَوْلُهُ (وَطَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ) كَذَا اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ وَهِيَ أَنْ تَذْكُرَ أَحَدَ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ وَتُرِيدُ الطَّرَفَ الْآخَرَ مُدَّعِيًا دُخُولَ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ دَالًا عَلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِك لِلْمُشَبَّهِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ كَمَا تَقُولُ فِي الْحَمَّامِ أَسَدٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ الشُّجَاعَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأُسُودِ فَيَثْبُتُ لِلشُّجَاعِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ سَدِّ طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِأَفْرَادِهِ فِي الذِّكْرِ. وَإِنَّمَا سَمُّوا هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَجَازِ اسْتِعَارَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَتَى ادَّعَى فِي الْمُشَبَّهِ كَوْنَهُ دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهَا بَرَزَ فِيمَا صَادَفَ مِنْ جَانِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي مَعْرِضِ نَفْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ الدَّعْوَى بُرُوزَ الْمُسْتَعِيرِ مَعَ الثَّوْبِ الْمُسْتَعَارِ فِي مَعْرِضِ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا فَتَّشَ مَالِكٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالشُّجَاعُ حَالَ دَعْوَى كَوْنِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ حَقِيقَةِ الْأَسَدِ يَكْتَسِي اسْمَ الْأَسَدِ اكْتِسَاءَ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ إيَّاهُ نَظَرًا إلَى الدَّعْوَى. وَذَكَرَ فِي نِهَايَةِ الْإِيجَازِ أَنَّ الْمَجَازَ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الِاسْمِ عَنْ أَصْلِهِ إلَى غَيْرِهِ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَهُمَا عَلَى حَدِّ الْمُبَالَغَةِ وَلَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ لِلتَّشْبِيهِ. وَأَيْضًا لَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ مِنْ بَابِ الْبَدِيعِ وَكُلُّ اسْتِعَارَةٍ فَهِيَ مِنْ الْبَدِيعِ فَلَا يَكُونُ كُلُّ مَجَازٍ اسْتِعَارَةً. . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ مَا عِنْدَهُ فَإِذَا قُلْت رَأَيْت أَسَدًا فَقَدْ أَثْبَتَّ الْأَسَدِيَّةَ لِلرَّجُلِ فَقَدْ حَصَلَ لِلْمُسْتَعِيرِ مَا كَانَ حَاصِلًا لِلْمُعِيرِ فَظَهَرَ وُجُوبُ تَخْصِيصِ اسْمِ الِاسْتِعَارَةِ بِمَا كَانَ النَّقْلُ لِأَجْلِ التَّشْبِيهِ عَلَى حَدِّ الْمُبَالَغَةِ وَلَكِنَّهَا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الْمَجَازِ يَعْنِي الْمُرَادِفَ لَهُ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ إيَّاهُ أَنَّ اللَّفْظَ اُسْتُعِيرَ عَنْ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ
(2/59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا اسْتِعَارَةَ الثَّوْبِ. وَعَنْ هَذَا قِيلَ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِعَارَةِ مِنْ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَهُوَ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ مَثَلًا. وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ وَهُوَ الشُّجَاعُ. وَالْمُسْتَعِيرُ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ. وَالْمُسْتَعَارُ وَهُوَ اللَّفْظُ. وَالِاسْتِعَارَةُ وَهِيَ التَّلَفُّظُ. وَمَا تَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ وَهُوَ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ كَمَا لَا بُدَّ فِي اسْتِعَارَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَالِكُ. وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُرِيدُ لُبْسَ الثَّوْبِ. وَالْمُسْتَعِيرِ وَهُوَ الَّذِي يَلْتَمِسُ الثَّوْبَ. وَالْمُسْتَعَارِ وَهُوَ الثَّوْبُ. وَالِاسْتِعَارَةِ وَهِيَ الِالْتِمَاسُ. وَمَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ وَهُوَ الصَّدَاقَةُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ.
وَإِذَا عَرَفْت أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى اسْتِعْمَالٍ لِلَّفْظِ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ كَانَ وَلَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْمُسْتَعْمِلُ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ مِنْهُ ابْتِدَاءَ وَضْعٍ آخَرَ وَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا لَا مَجَازًا. فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ حَصَرُوهُ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ نَوْعًا. إطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . أَيْ صِلُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا رَأَتْ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يَتَّصِلُ بِالنَّدَاوَةِ اسْتَعَارَتْ عَنْهُ الْبَلَّ لِمَعْنَى الْوَصْلِ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
شَرِبْت الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ
سُمِّيَ الْخَمْرُ إثْمًا لِكَوْنِهَا مُسَبِّبًا لَهَا. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [البقرة: 19] . أَيْ أَنَامِلَهُمْ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . أَيْ ذَاتَه. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35] . سُمِّيَتْ الدَّلَالَةُ كَلَامًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ.
وَمِنْهُ قِيلَ كُلُّ صَامِتٍ نَاطِقٌ أَيْ أَثَرُ الْحُدُوثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى مُحْدِثِهِ فَكَأَنَّهُ يَنْطِقُ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَانَتْ بِإِظْهَارِ
أُرِيدَ بِشَدِّ الْمِئْزَرِ الِاعْتِزَالُ عَنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شَدَّ الْإِزَارِ مِنْ لَوَازِمِ الِاعْتِزَالِ. وَإِطْلَاقُ أَحَدُ الْمُتَشَابِهَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْإِنْسَانِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ لِتَشَابُهِهِمَا شَكْلًا وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ لِتَشَابُهِهِمَا فِي الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ لِلْأَسَدِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَيَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَمِيعًا وَلَيْتَنَا ... إذَا نَحْنُ مِتْنَا ضَمَّنَا كَفَنَانِ
وَيَا لَيْتَ كُلَّ اثْنَيْنِ بَيْنَهُمَا هَوًى ... مِنْ النَّاسِ قَبْلَ الْيَوْمِ يَلْتَقِيَانِ
أَوْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَعَكْسُهُ قَالَ شُرَيْحٌ أَصْبَحْت وَنِصْفُ الْخَلْقِ عَلَيَّ غَضْبَانُ يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ بَيْنَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٍ لَهُ لَا نِصْفَ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّسْوِيَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إذَا مِتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْت أَفْعَلُ
وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] . أَيْ رُفَقَاءَ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
{وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] لَمْ يُرِدْ الْكُلَّ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا قَبْلَهُ مُؤْمِنِينَ. وَحَذْفُ الْمُضَافِ سَوَاءٌ أُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] . أَوْ لَا كَقَوْلِ أَبِي دَاوُد:
أَكُلُّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً ... وَنَارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نَارًا
وَيُسَمَّى هَذَا مَجَازًا بِالنُّقْصَانِ. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعْ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
أَيْ أَنَا ابْنُ رَجُلٍ جَلَا أَيْ أُوضِحَ أَمْرُهُ.
(2/60)

لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْ الصُّوَرِ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنًى لَا ثَالِثَ لَهُمَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاتِّصَالُ بِوَجْهٍ ثَالِثٍ أَمَّا الْمَعْنَى فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ لِلْبَلِيدِ حِمَارٌ وَلِلشُّجَاعِ أَسَدٌ لِاتِّصَالٍ وَمُشَابَهَةٍ فِي الْمَعْنَى بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الصُّورَةُ فَمِثْلُ تَسْمِيَةِ الْمَطَرِ سَمَاءٌ قَالُوا مَازِلْنَا نَطَأُ السَّمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ أَيْ الْمَطَرَ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا صُورَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ عَالٍ عِنْدَ الْعَرَبِ سَمَاءٌ وَالْمَطَرُ مِنْ السَّحَابِ يَنْزِلُ وَهُوَ سَمَاءٌ عِنْدَهُمْ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يُسَمَّى الْحَدَثُ بِالْغَائِطِ لِمُجَاوِرَتِهِ صُورَةً فِي الْعَادَةِ وَقَالَ تَعَالَى {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] أَيْ عِنَبًا لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا ذَاتًا؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ مَرْكَبٌ بِثُفْلِهِ وَمَائِهِ وَقِشْرِهِ.

فَسَلَكْنَا فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَلِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ بِالِاتِّصَالِ فِي الصُّورَةِ وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ وَالتَّعْلِيلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ لَيْسَ بِصُورَةٍ تُحَسُّ فَصَارَ الِاتِّصَالُ فِي السَّبَبِ نَظِيرَ الصُّوَرِ فِيمَا نُحِسُّ وَالِاتِّصَالُ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شُرِعَ اتِّصَالٌ هُوَ نَظِيرُ الْقِسْمِ الْآخَرِ مِنْ الْمَحْسُوسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقُ الْمُجَاوِرَةِ كَتَسْمِيَتِهِمْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ بِالْغَائِطِ الَّذِي هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ. وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْخَمْرِ. وَتَسْمِيَتُهُ بِاسْمِ مَا كَانَ كَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الضَّرْبِ ضَارِبًا. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاك» أَيْ أَسْنَانَك. وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] . أَيْ فِي الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ نُزُولِ الرَّحْمَةِ.
وَإِطْلَاقُ اسْمِ آلَةِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء: 84] . أَيْ ذِكْرًا حَسَنًا، أَطْلَقَ اسْمَ اللِّسَانِ وَأَرَادَ بِهِ الذِّكْرَ إذْ اللِّسَانُ آلَتُهُ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى بَدَلِهِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ أَكَلَ الدَّمَ إذَا أَكَلَ الدِّيَةَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافًا
أَيْ ثَمَنَ إكَافٍ. وَإِطْلَاقُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ لِلْعُمُومِ قَالَ تَعَالَى. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14] . أَيْ كُلُّ نَفْسٍ. وَمِنْهُ دَعْ امْرَأً وَمَا اخْتَارَهُ أَيْ اُتْرُكْ كُلَّ امْرِئٍ وَاخْتِيَارِهِ. وَإِطْلَاقُ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَإِرَادَةُ وَاحِدٍ مُنَكَّرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58] . أَيْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا كَذَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] . فَإِنَّهَا مِنْ الْمُبْتَدِئِ سَيِّئَةٌ وَمِنْ اللَّهِ حَسَنَةٌ. وَمِنْهُ مَا يُقَالُ قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ يُرِيدُونَ بِهِ الدُّعَاءَ لَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ.
وَالْحَذْفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] . أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا. وَالزِّيَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . وَلَكِنَّ مَا حَصَرَهُ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَيْ الِاتِّصَالُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ بِطَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَضْبَطُ مِمَّا ذَكَرُوهُ إذْ لَا يَكَادُ يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك تَدَاخُلُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ.
قَوْلُهُ (كُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ الصُّوَرِ) أَيْ مِنْ الْمَحْسُوسَاتِ الَّتِي يَجْرِي فِي أَسْمَائِهَا الْمَجَازُ. وَلَفْظُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُصَوَّرٌ يَكُونُ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنًى مَا زِلْنَا نَطَأُ السَّمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ أَيْ كُنَّا فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ بِسَبَبِ الْمَطَرِ إلَى أَنْ وَصْلَنَا إلَيْكُمْ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
أَيْ إذَا نَزَلَ الْمَطَرُ بِأَرْضِ قَوْمٍ وَنَبَتَ الْكَلَأُ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْمُ كَارِهِينَ غِضَابًا وَلَمْ نَلْتَفِتْ إلَى غَضَبِهِمْ؛ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ صُورَةً؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك. وَمِنْهُ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ سَمَاءٌ وَقَالَ تَعَالَى. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15] وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ وَهُوَ سَمَاءٌ عِنْدَهُمْ فَكَانَ بَيْنَ الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ الَّذِي هُوَ السَّمَاءُ اتِّصَالٌ فَسُمِّيَ الْمَطَرُ بِاسْمِهِ وَهُوَ السَّمَاءُ.
سُمِّيَ بِهِ الْغَائِطُ أَيْ سُمِّيَ الْحَدَثُ بِاسْمِ الْمَكَانِ الْمُطَمْئِنِ وَهُوَ الْغَائِطُ. لِمُجَاوِرَتِهِ أَيْ لِمُجَاوِرَةِ الْحَدَثِ الْمَكَانَ الْمُطَمْئِنَ صُورَةً فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْمُطَمْئِنِ مِنْ الْأَرْضِ عَادَةً وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] . لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الْعَصِيرِ الَّذِي يَصِيرُ خَمْرًا وَبَيْنَ الْعِنَبِ.؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ مُرَكَّبٌ بِثُفْلِهِ هُوَ مَا سَفَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيُقَالُ تَرَكْت بَنِي فُلَانٍ مُثَافَلِينَ أَيْ يَأْكُلُونَ الثُّفْلَ يَعْنُونَ الْحَبَّ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ لَبَنٌ وَكَانَ طَعَامُهُمْ الْحَبَّ.

قَوْلُهُ (فَسَلَكْنَا فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَلِ) وَالْأَحْكَامِ أَيْضًا أَيْ فِي الْمَشْرُوعَاتِ جَمْعَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وَهُمَا الِاتِّصَالُ صُورَةً وَالِاتِّصَالُ مَعْنًى وَجَوَّزَنَا
(2/61)

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ الْقُرْبُ وَالِاتِّصَالُ وَذَلِكَ ثَابِتٌ بَيْنَ كُلِّ مَوْجُودَيْنِ مِنْ حَيْثُ وُجِدَا وَالْمَشْرُوعُ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ وَسَبَبِهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فَصَحَّتْ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِهِمَا الِاسْتِعَارَةَ فِيهَا فَالِاسْتِعَارَةُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ وَالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ بِالْمُجَاوِرَةِ الَّتِي بَيْنَهَا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَالِاتِّصَالُ الصُّورِيُّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ الِاتِّصَالُ فِي السَّبَبِ نَظِيرَ الصُّوَرِ فِيمَا يُحَسُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مَعْنًى إذْ مَعْنَى السَّبَبِ الْإِفْضَاءُ إلَى الشَّيْءِ وَمَعْنَى الْمُسَبَّبِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَكَذَا مَعْنَى الْعِلَّةِ الْإِيجَابُ وَالْإِثْبَاتُ وَمَعْنَى الْمَعْلُولِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى بِوَجْهٍ فَكَانَ هَذَا الِاتِّصَالُ مِنْ قَبِيلِ اتِّصَالِ الْمَطَرِ بِالسَّحَابِ.
وَالِاسْتِعَارَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ بِالْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتْ لَهُ نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ بِالِاتِّصَالِ الْمَعْنَوِيِّ. فَنَظِيرُ الْأُولَى اسْتِعَارَةُ الشِّرَاءِ لِلْمِلْكِ وَلَفْظُ الْعِتْقِ لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ لِلِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ كَمَا فِي الْمَطَرِ وَالسَّحَابِ لَا بِالْمَعْنَوِيِّ إذْ لَيْسَ بَيْنَ مَعْنَى الشِّرَاءِ وَمَعْنَى الْمِلْكِ مُنَاسَبَةٌ. وَكَذَا بَيْنَ مَعْنَى الْعِتْقِ وَمَعْنَى زَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَنَظِيرُ الثَّانِيَةِ اسْتِعَارَةُ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْحَوَالَةِ نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ نَقْلُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فَلِذَلِكَ اسْتَعَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظَ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَالَ فِي الْمُضَارِبِ وَرَبُّ الْمَالِ إذَا افْتَرَقَا وَلَيْسَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَبَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ دَيْنٌ لَا يُجْبَرُ الْمُضَارِبُ عَلَى نَقْلِ الدُّيُونِ وَيُقَالُ لَهُ أَحِلْ رَبَّ الْمَالِ عَلَيْهِمْ أَيْ وَكِّلْهُ بِقَبْضِ الدُّيُونِ. وَكَذَا الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ كَفَالَةٌ لِتَشَابُهِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَمِثْلُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] . أَيْ يُورِثُكُمْ.

[الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ قِبَلِ حُكْمِ الشَّرْعِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ]
قَوْلُهُ (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ) رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُجْزِئُ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إنْشَاءَاتٌ فِي الشَّرْعِ وَأَنَّهَا أَفْعَالُ جَارِحَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ اللِّسَانُ وَمَخَارِجُ الْحُرُوفِ بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ وَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا حَقِيقَةً وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا فِعْلًا آخَرَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ أَفْعَالُ هَذِهِ الْجَارِحَةِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الِاسْتِعَارَةُ وَالْمَجَازُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي مِنْ بَابِ الْأَخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنَحْوِهَا.
وَعِنْدَ الْعَامَّةِ يَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا وَضَعَتْ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ اسْتَعْمَلَتْ الْمَجَازَ فِي كَلَامِهِمْ وَعُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ طَرِيقَةً يَكُونُ إذْنًا مِنْهُمْ بِالِاسْتِعَارَةِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَصَاحِبِ الشَّرْعِ مَتَى وَضَعَ طَرِيقَ التَّعْلِيلِ كَانَ إذْنًا بِالْقِيَاسِ لِكُلِّ مَنْ فَهِمَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ.
وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا إنْشَاءُ أَفْعَالٍ وَالْمَجَازُ يَجْرِي فِي الْأَخْبَارِ قُلْنَا الْمَجَازُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَخْبَارِ بَلْ هُوَ جَارٍ فِي سَائِرِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَإِنْ جُعِلَتْ إنْشَاءَاتٍ شَرْعًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا وَالِاسْتِعَارَةُ جَائِزَةٌ فِي الْكَلَامِ إذَا وُجِدَ طَرِيقُهَا كَمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي فَإِذَا أَتَى بِكَلَامٍ هُوَ إنْشَاءٌ لِفِعْلٍ وَذَلِكَ الْكَلَامُ شَبِيهُ كَلَامٍ آخَرَ هُوَ إنْشَاءٌ لِفِعْلٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ. أَنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَيْ أَنَّ مَدْلُولَيْهِمَا مِنْ قَبْلِ حُكْمِ الشَّرْعِ. وَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ أَيْ طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى
(2/62)

وَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظٍ شُرِعَ سَبَبًا أَوْ عِلَّةً لَا يَثْبُتُ مِنْ حَيْثُ يُعْقَلُ إلَّا وَاللَّفْظُ دَالٌ عَلَيْهِ لُغَةً وَالْكَلَامُ فِيمَا يُعْقَلُ وَلَا اسْتِعَارَةَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ شَرْعًا وَلِذَلِكَ وُضِعَ لُغَةً فَكَذَلِكَ مَا شَاكَلَهُ.

وَهَذَا فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا لَا يُحْصَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِلَفْظِ التَّحْرِيرِ مَجَازًا وَالْعَتَاقُ يَقَعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ مَجَازًا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فَقَدْ انْعَقَدَ نِكَاحُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الْهِبَةِ. مَجَازًا مُسْتَعَارًا لَا أَنَّهُ انْعَقَدَ هِبَةً؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَالِ فِي غَيْرِ الْمَالِ لَا يُتَصَوَّرُ وَقَدْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ وُجُوبُ الْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَعَارًا وَلَا اخْتِصَاصَ لِلرِّسَالَةِ بِالِاسْتِعَارَةِ وُجُوهُ الْكَلَامِ بَلْ النَّاسُ فِي وُجُوهِ التَّكَلُّمِ سَوَاءٌ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا فَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَأْوِيلِ الْمَجَازِ. وَذَلِكَ ثَابِتٌ أَيْ الْقُرْبُ وَالِاتِّصَالُ يَثْبُتُ وَيَتَحَقَّقُ.
وَبَيْنَ كُلِّ مَوْجُودَيْنِ أَيْ بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ مِنْ حَيْثُ وُجِدَا فَإِنْ كَانَ وُجُودُهُمَا حِسًّا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا وَيُعْتَبَرُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ وَإِنْ كَانَ وُجُودُهُمَا شَرْعًا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْوُجُودِ. وَالْمَشْرُوعَاتُ تُوجَدُ شَرْعًا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِمَعْنَاهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْبَابِهَا نَحْوُ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُطْلَقًا وَحَاجِزًا وَلَهُ سَبَبُ تَعَلُّقٍ بِهِ وَهُوَ الشِّرَاءُ فَيَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ بَيْنَهَا مَعْنًى وَصُورَةً كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ. فَصَحَّتْ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الِاتِّصَالِ الِاسْتِعَارَةُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاتِّصَالَ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَشْرُوعِ جَمِيعًا صُورَةً وَمَعْنًى فَيَجُوزُ بِهِ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْكُلِّ لِمَا مَرَّ أَنَّ جَوَازَ الِاسْتِعَارَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ وَتَحَقُّقِهِ لَا عَلَى التَّوْقِيفِ.
وَالْمَشْرُوعُ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ وَبِسَبَبِهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ كَالنِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِكَلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهُ وَبِمَعْنَاهُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ الِانْضِمَامُ وَالِازْدِوَاجُ وَكَذَا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَجَمِيعُ الْمَشْرُوعَاتِ.

قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ مُتَعَلِّقًا بِلَفْظِ) بَيَانُهُ أَنَّ تَعَلُّقَ حُكْمِ الشَّرْعِ بِمَا جُعِلَ سَبَبًا لَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ. تَعَلُّقٌ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَنَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ وَقَدْ كَانَتْ اللُّغَةُ دَالَّةً عَلَيْهِ كَتَعَلُّقِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَتَعَلُّقِ الْحِلِّ بِالنِّكَاحِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يُنْكِرُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالْحِلِّ بِالنِّكَاحِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ.
وَتَعَلُّقٌ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بَلْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ كَتَعَلُّقِ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِهَذَا تَرَى أَهْلَ الْمِلَلِ يُنْكِرُونَهُ سِوَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِعَارَةُ إنَّمَا تَجْرِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا عُقِلَ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ وَتَعَلُّقٌ لَا فِيمَا لَا يُعْقَلُ فَكَانَتْ جَارِيَةً فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ اسْتِعَارَةً فِي اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بَلْ قَرَّرَهُ عَلَى مَا كَانَ فَيَصِحُّ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَكَمَا قَبْلَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ إيَّاهُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا تَأَمَّلَتْ فِي أَسْبَابِ الْمَشْرُوعَاتِ وَجَدْتَهَا عِلَّةً عَلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ اللُّغَةِ فِيمَا يَكُونُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَالْكَلَامِ فِيهِ وَلَا اسْتِعَارَةَ فِيمَا لَا يُعْقَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ لِإِيجَابِ الْمِلْكِ وَمَوْضُوعٌ لَهُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ مُتَعَلِّقًا حَالٌ عَنْ الْمَفْعُولِ مَعْنًى وَهُوَ الْحُكْمُ إذْ هُوَ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ. وَسَبَبًا مَفْعُولٌ ثَانٍ لِشُرِعَ. وَلَا يَثْبُتُ خَبَرُ إنَّ. وَمَا شَاكَلَهُ نَحْوُ الْهِبَةِ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لُغَةً وَالْإِجَارَةِ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لُغَةً وَكَذَا الْإِعَارَةُ وَالْوَكَالَةُ وَأَشْبَاهُهَا.

قَوْلُهُ (وَهَذَا) لَمَّا أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَا ذُكِرَ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَوْنِهِ مُتَّفِقًا بَيْنَ الْجُمْهُورِ فَقَالَ وَهَذَا أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا.
وَكَذَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجِيزُ اسْتِعَارَةَ لَفْظِ التَّحْرِيرِ لِلطَّلَاقِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَى الْعَكْسِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَكَذَا لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ (مَجَازًا مُسْتَعَارًا) تَرَادُفٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ وَإِنَّمَا أَكَّدَ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْخِلَافِ. لَا أَنَّهُ انْعَقَدَ هِبَةً نَفْيٌ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْزِلَةِ التَّسَرِّي فِي حَقِّ الْأَمَةِ حَتَّى يَصِحَّ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شَاهِدٍ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَفِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَأَنْ
(2/63)

غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَبَى أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ شُرِعَ لِأُمُورٍ لَا يُحْصَى مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلِهَذَا شُرِعَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ بَلْ فِيهِمَا إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا فَلَمْ يَصِحَّ الِانْتِقَالُ عَنْهُ لِقُصُورِ اللَّفْظِ عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْبَابِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ عَقْدٌ خَاصٌّ شُرِعَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ وَهَذَا كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ لَمْ يَقُمْ الْيَمِينُ مَقَامُهُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ احْلِفْ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ الِاسْتِعَارَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَزِيدَ عَلَى التِّسْعِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَسَمُ وَلَا يَنْحَصِرُ عَدَدُ الطَّلَاقِ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ لَا بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ فَقَالَ الشَّيْخُ نِكَاحُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلَفْظِ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ نِكَاحًا لَا هِبَةً؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ أَحْكَامُ الْهِبَةِ ثَابِتَةً مِنْ تَوَقُّفِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ وَحَقُّ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِمَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ قَبْلَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ وَلَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ الْهِبَةِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَقَدْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ وُجُوبُ الْقَسْمِ حَتَّى كَانَ يَقُولُ. «اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يُرِيدُ زِيَادَةَ مَحَبَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِبَعْضِ نِسَائِهِ. وَقَدْ قِيلَ كَانَتْ الْمَوْهُوبَاتُ أَرْبَعًا. مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. وَزَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أُمَّ الْمَسَاكِينِ الْأَنْصَارِيَّةَ. وَأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جَابِرٍ. وَخَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ كَذَا فِي الْكَشَّافِ.
وَكَذَا الطَّلَاقُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى طَلَّقَ حَفْصَةَ وَسَوْدَةَ ثُمَّ رَاجَعَهُمَا. وَكَذَا الْعِدَّةُ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي طَلَاقِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لِمُطَلَّقَتِهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْمَنْزِلِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا تُنَافِي التَّسَرِّيَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ انْعَقَدَ نِكَاحًا لَا هِبَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَصَحُّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. فَثَبَتَ أَنَّهُ أَيْ لَفْظَ الْهِبَةِ كَانَ مُسْتَعَارًا لِلنِّكَاحِ وَلَمَّا ثَبَتَ جَوَازُ الِاسْتِعَارَةِ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَبَتَتْ فِي حَقِّ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرِّسَالَةِ أَثَرٌ فِي مَعْنَى الْخُصُوصِ بِالِاسْتِعَارَةِ وَوُجُوهِ الْكَلَامِ فَإِنَّ مَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ هُوَ التَّخْفِيفُ وَالتَّوْسِعَةُ وَمَا كَانَ يَلْحَقُهُ حَرَجٌ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ النِّكَاحِ فَقَدْ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَفْصَحَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا فَصْلٌ لَا خِلَافَ فِيهِ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُوَافِقُنَا فِي جَوَازِ جَرَيَانِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ لِلنِّكَاحِ وَيَأْبَى أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِمَا نَذْكُرُ لَا أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تُجْرَى فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ. أَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُ النِّكَاحِ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ عِنْدَنَا وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ.
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْقَرْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ثَبَتَ نَصًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْحَجَّاجِيَّةِ.
وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ مِنْهَا النِّكَاحَ حَتَّى لَوْ طَلَبَ مِنْهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ فَقَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا كَذَا فِي الْمَطْلَعِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ.
وَكَانَ شَيْخِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ نَاقِلًا عَنْ بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا الْبِنْتِ لَوْ قَالَ وَهَبْتهَا مِنْك لِتَخْدُمَك فَقَالَ قَبِلْت لَا يَكُونُ نِكَاحًا فَلَمَّا احْتَمَلَتْ الْهِبَةُ الْخِدْمَةَ وَالنِّكَاحَ لَا يَتَعَيَّنُ النِّكَاحُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَا ظَفِرْت بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ عَرَبِيًّا كَانَ اللَّفْظُ أَوْ غَيْرَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي قَوْلٍ لَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَاقِدُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَوِّضُ إلَى مَنْ يُحْسِنُهَا. وَفِي قَوْلٍ إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَا يَنْعَقِدُ وَإِلَّا فَيَنْعَقِدُ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ
(2/64)

وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُفَاوَضَةِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَكُمْ كَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَقَاصِدَ جَمَّةٍ لَا تُحْصَى مِمَّا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ وَتَحْصِينِ الدِّينِ وَثُبُوتِ صِفَةِ الْإِحْصَانِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ تَبَعًا ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا بَعْدَ النِّكَاحِ لَا مَقْصُودًا فِي الْبَابِ فَشُرِعَ بِلَفْظٍ يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لُغَةً وَهُوَ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ فَإِنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الضَّمِّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ.
وَكَذَا لَفْظُ التَّزْوِيجِ يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ لُغَةً عَنْ الِازْدِوَاجِ وَالتَّلْفِيقِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا كَزَوْجَيْ الْخُفِّ وَمِصْرَاعَيْ الْبَابِ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّمْلِيكِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِمَا مِلْكُ الْعَيْنِ أَصْلًا وَالْهِبَةُ وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّمْلِيكِ لَا يُنْبِئُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ أَعْنِي عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَهُوَ النِّكَاحُ أَوْ التَّزْوِيجُ إلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِقُصُورِهَا عَنْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي إفَادَةِ الْمَقَاصِدِ الْمَطْلُوبَةِ بِالنِّكَاحِ كَمَا لَا يَصِحُّ الِانْتِقَالُ إلَى لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِحْلَالِ مَعَ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ أَقْرَبُ إلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَفْظُ الْإِحْلَالِ أَقْرَبُ إلَى مَعْنَى النِّكَاحِ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّكَاحِ إلَّا اسْتِحْلَالُ الْفَرْجِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الْإِجَارَةِ وَالْإِحْلَالِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ إلَى أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ كَانَ أَوْلَى. إلَّا أَنَّ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ قُصُورٍ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وَتَوْسِعَةً لِلُّغَاتِ فِي حَقِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَقْدٌ خَاصٌّ أَيْ مُخْتَصٌّ بِلَفْظٍ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ. شُرِعَ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَيْ بِلَفْظٍ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الْعَقْدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ النِّكَاحَ لَفْظٌ خَاصٌّ وَلَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ آخَرَ مُقَامَهُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ لَهَا لَفْظٌ خَاصٌّ وَلَهُ حُكْمٌ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي لَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ آخَرَ مُقَامَهُ وَهُوَ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ وَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهِ.
وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَمِينَ مَا وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ لِلدَّفْعِ وَالْإِثْبَاتُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الدَّفْعِ، وَالْبَيِّنَةُ وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ لَفْظٍ وَضْعِ لِلْإِثْبَاتِ بِوَاسِطَةٍ مُقَامَ لَفْظِ وُضِعَ لِلْإِثْبَاتِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهَكَذَا بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ تَثْبُتُ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ إقَامَتُهَا مُقَامَ مَا يُوجِبُ الْمَقَاصِدَ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ وَلَفْظُ الْيَمِينِ مُوجِبٌ لِغَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ إذْ هُوَ لَفْظٌ وُضِعَ لِلْإِثْبَاتِ وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ حَتَّى ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِ إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِذَاتِهِ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ. {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} [آل عمران: 18] .
وَالْيَمِينُ مُوجِبَةٌ لِغَيْرِهَا وَهُوَ صِيَانَةُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْهَتْكِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْيَمِينِ مُقَامَهُ لِقُصُورِ لَفْظِ الْيَمِينِ عَنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا لَا يَقُومُ قَوْلُهُ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ إنْشَاءٌ وَذَلِكَ إخْبَارٌ فَكَانَ قَاصِرًا عَنْ الْإِنْشَاءِ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَهُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُفَاوَضَةِ) أَيْ وَكَالشَّهَادَةِ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظَةِ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَكُمْ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْمُفَاوَضَةَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ أَصْلًا حَتَّى قَالَ إنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا عَقْدٌ فَاسِدٌ فَهُوَ
(2/65)

وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا رِوَايَةَ الْأَحَادِيثِ بِالْمَعَانِي وَالْجَوَابُ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِهِ تَبَعًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قَامَ هَذَا الِاتِّصَالُ مَقَامَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهَذَا الِاتِّصَالِ بَيْنَ السَّبْيَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُفَاوَضَةُ وَرُبَّمَا قَالَ إنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْقِمَارِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنْ الْكَرْخِيِّ يَعْنِي حُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ.؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ لَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُؤَدِّي مَعْنَى الشَّرِكَةِ. لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ أَيْ مَعْنَى عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ أَوْ مَعْنَى لَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اشْتِقَاقَ هَذَا اللَّفْظِ إمَّا مِنْ التَّفْوِيضِ سُمِّيَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضَ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ فِي جَمِيعِ مَالِ التِّجَارَةِ. أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ النَّاسُ فَوْضَى فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْ سَوَاءٌ لَا تَبَايُنَ بَيْنَهُمْ وَسُمِّيَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِكَةِ وَيَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ الْبَعْضِ لَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ اسْتِعَارَتُهَا لِلْمُفَاوَضَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظَةِ الْمُفَاوَضَةِ حَتَّى إذَا لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمُفَاوَضَةِ كَانَ عِنَانًا عَامًّا وَالْعِنَانُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُونُ عَامًّا قَالَ وَتَأْوِيلُ هَذَا إنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْمُفَاوَضَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا الرِّضَاءُ بِحُكْمِ الْمُفَاوَضَةِ قَبْلَ عِلْمِهِمَا بِهِ وَيُجْعَلُ تَصْرِيحُهَا بِالْمُفَاوَضَةِ قَائِمًا مُقَامَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَعَاقِدَانِ يَعْرِفَانِ أَحْكَامَ الْمُفَاوَضَةِ صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا إذَا ذَكَرَا مَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحَا بِلَفْظِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا) . أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا قَصُرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ عَنْ تَأْدِيَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ لَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ نَقْلَ الْأَحَادِيثِ بِالْمَعَانِي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَكَانَ مُخْتَصًّا بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَلَا يُؤَدِّي لَفْظٌ آخَرُ مَعْنَى لَفْظِهِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِقُصُورِهِ عَنْهُ.
وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ عِنْدَهُمْ فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاطِعِ ذَكَرَ فِيهِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كُلُّ مَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ فَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى لَا مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْهَا فَفِيهِ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِلَفْظِهِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» .
وَكَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قَالَ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْجَوَازُ بِكُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] . أَيْ أَحْلَلْنَا لَك مَنْ وَقَعَ لَهَا أَنْ تَهَبَ لَك نَفْسَهَا وَلَا تَطْلُبُ مَهْرًا مِنْ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ إنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ وَمَتَى جَازَ نِكَاحُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ قُدْوَةُ الْأُمَّةِ جَازَ لِلْأَمَةِ إلَّا حَيْثُ تَثْبُتُ الْخُصُوصِيَّةُ. وقَوْله تَعَالَى {خَالِصَةً} [الأحزاب: 50] . مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَوَعْدِ اللَّهِ وَكِتَابِ اللَّه أَيْ خَلَصَ لَك إحْلَالُ مَا أَحْلَلْنَا لَك خُلُوصًا.
وَالْفَاعِلُ وَالْفَاعِلَةُ فِي الْمَصْدَرِ غَيْرُ عَزِيزٍ كَالْخَارِجِ وَالْقَاعِدِ وَالْعَافِيَةِ وَالْكَاذِبَةِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. أَوْ هِيَ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَهَبْت أَيْ هِبَةً خَالِصَةً لَك بِغَيْرِ بَدَلٍ وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَخْصُوصًا بِذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَا تَخْلُصُ لَهُمْ بَلْ يَجِبُ الْبَدَلُ حُكْمًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا صَدْرُ الْآيَةِ وَسِيَاقُهَا فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ {أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} [الأحزاب: 50] وَفِي سِيَاقِهَا {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} [الأحزاب: 50] . فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخُلُوصَ لَهُ الْإِبَاحَةُ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَأَنْ لَا إبَاحَةَ لِغَيْرِهِ إلَّا بِفَرْضٍ وَمَهْرٍ. وَلِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لِإِبَانَةِ الشَّرَفِ وَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ بِاللَّفْظِ إذْ لَيْسَ فِي إطْلَاقِ الْعِبَارَةِ بِلَفْظٍ
(2/66)

وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ جُعِلَتْ فُرُوعًا وَثَمَرَاتٍ لِلنِّكَاحِ وَبُنِيَ النِّكَاحُ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْقُولٌ مَعْلُومٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَهْرَ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ لَهَا وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْت أَصْلًا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ لَمَا صَحَّ إيجَابُ الْعِوَضِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلِهَذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قُلْنَا لَمَّا شُرِعَ هَذَا الْحُكْمُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَلَا يَخْتَصَّانِ بِالْمِلْكِ وَضْعًا وَلُغَةً فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَهِيَ لِلتَّمْلِيكِ وَضْعًا أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
دُونَ لَفْظٍ
فَائِدَةٌ وَلَا عُسْرَ فِي الْعِبَارَةِ وَلَا حَرَجَ خُصُوصًا لِمَنْ كَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إنَّمَا الْفَائِدَةُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ. وَإِمَامُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ ابْنَتَهُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ فَأَجَازَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ.
وَلَمَّا ثَبَتَ الِانْعِقَادُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ثَبَتَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْإِيجَابِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ وَالنِّكَاحِ لَا يَكُون إلَّا بِعِوَضٍ فَكَانَ الْبَيْعُ أَقْرَبَ إلَى النِّكَاحِ مِنْ الْهِبَةِ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَاب بِقَوْلِهِ وَالْجَوَابُ أَيْ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ مُقَامَ لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِانْعِدَامِ الْمُجَوِّزِ هُوَ أَنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَسَائِرَ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ. وُضِعَ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ. وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ أَيْ مُوجِبٌ لَهُ إذَا كَانَ الْمَحِلُّ قَابِلًا لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِهِ تَبَعًا لَهُ فَكَانَ أَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ اسْتِعَارَةُ اللَّفْظِ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ سَبَبًا لَهُ كَمَا اسْتَعَارَتْ لَفْظَ السَّمَاءِ لِلْكَلَإِ فِي قَوْلِهِمْ:
إذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ
أَيْ الْكِلَأَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
؛ لِأَنَّ السَّمَاء سَبَبُ الْمَطَرِ وَالْمَطَرُ سَبَبُ الْكِلَأَ وَكَمَا اسْتَعَارُوا لَفْظَ الْمَسِيسِ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ سَبَبُ انْبِعَاثِ الشَّهْوَةِ وَذَلِكَ مُؤَدِّي إلَى الْجِمَاعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ الشَّأْنُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُودِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ بِوَاسِطَةِ الرَّقَبَةِ قَامَ هَذَا الِاتِّصَالُ مَقَامَ الِاتِّصَالِ الذَّاتِيِّ بَيْنَ الْمَحْسُوسِينَ. فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ لِهَذَا الِاتِّصَالِ أَيْ لِأَجْلِ هَذَا الِاتِّصَالِ الْمَوْجُودِ بَيْن السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ. الْمُرَادُ بِالسَّبْيَيْنِ أَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ وَأَلْفَاظُ النِّكَاحِ وَمِنْ الْحُكْمَيْنِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ فَالِاتِّصَالُ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ ثَابِتٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ أَحَدُهُمَا بِوَاسِطَةٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَكَذَا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَقَامَ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ يَعْنِي فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِأَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ لِهَذَا الْمَجَازِ وَهُوَ النِّكَاحُ لِنُبُوَّتِهِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ لِصَلَاحِيَةِ الْمَحَلِّ لِلْوَصْفِ بِالْحَقِيقَةِ (فَإِنْ قِيلَ) مِلْكُ الْمُتْعَةِ فِي النِّكَاحِ غَيْرُ مَا يَثْبُتُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ لِتَغَايُرِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَأَلْفَاظُ التَّمْلِيكِ لَا يُعْرَفُ سَبَبًا لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بَلْ عُرِفَ سَبَبًا لِلنَّوْعِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِهَا.
(قُلْنَا) مِلْكُ الْمُتْعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ وَالْوَطْءِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ لَكِنَّ تَغَايُرَ الْأَحْكَامِ لِتَغَايُرِهِمَا حَالًا لَا ذَاتًا فَإِنَّهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ يَثْبُتُ مَقْصُودًا بِهِ وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ يَثْبُتُ تَبَعًا لَهُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِتَغَايُرِ الْحَالَةِ مَعَ اتِّحَادِ الذَّاتِ كَالثَّمَرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالشَّجَرِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الشَّفِيعِ وَلَا يَتَعَلَّقُ إذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً فَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِتَغَايُرِ الْحَالِ دُونَ الذَّاتِ وَنَحْنُ إنَّمَا اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي الْمَحَلِّ فَيَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمَحَلُّ فَإِذَا جَعَلْنَا لَفْظَ الْهِبَةِ مَجَازًا أَثْبَتْنَا بِهِ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَصْدًا لَا تَبَعًا فَيَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ وَلَا يَثْبُتُ أَحْكَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ
قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ) أَيْ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ شُرِعَ لِأُمُورٍ لَا تُحْصَى مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا
(2/67)

وَإِنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَإِنْ لَمْ يُوضَعَا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ جُعِلَا عَلَمًا لِهَذَا الْحُكْمِ وَالْعَلَمُ يَعْمَلُ وَضْعًا لَا بِمَعْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمَعَانِي لِصِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى نَحْوِ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْقِيَاسِ فَلَمَّا ثَبَتَ الْمِلْكُ بِهِمَا وَضْعًا صَحَّتْ التَّعْدِيَةُ بِهِ إلَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ هُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ وَمَا وَرَاءَهُ مِنْ فُرُوعِ النِّكَاحِ وَثَمَرَاتِهِ لَا مِنْ الْأُمُورِ الْأَصْلِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا يَصْلُحُ وَضْعُ النِّكَاحِ لِأُمُورٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْصُلُ وَرُبَّمَا لَا تَحْصُلُ وَقَدْ تَحْصُلُ بَعْضُهَا دُونَ الْبَعْضِ فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مُبَيِّنًا لَهَا إذْ لَا بُدَّ لِلْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يَثْبُتَ عَقِيبَ عِلَّتِهِ لَا مَحَالَةَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ عَقِيبَ أَسْبَابِهَا فَيُجْعَلُ مُبَيِّنًا عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِهِ أَمْرٌ مَعْقُولٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ قَوَّامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ كَالْمَوْلَى عَلَى الْأَمَةِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْبَدَلَ وَهُوَ الْمَهْرُ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ لَهَا عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْمَصَالِحِ أَصْلًا فِي النِّكَاحِ لَمَا كَانَ إيجَابُ الْبَدَلِ عَلَى أَحَدِهِمَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَصَالِحِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَا هُوَ مَعْلُومٌ أَيْضًا بِلَا شُبْهَةٍ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ قَطْعًا فَكَانَ جَعْلُهُ أَصْلًا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الْمِلْكُ قُلْنَا إلَى آخِرِهِ وَالتَّقْرِيبُ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ وَضْعًا وَلُغَةً تَرَادُفٌ. أَوْ وَضْعًا أَيْ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَلُغَةً أَيْ فِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ) . جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِيهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنْبِئَانِ عَنْ إثْبَاتِ الْمِلْكِ بِوَجْهٍ لُغَةً. أَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. فَقَالَ إنَّمَا صَلُحَ الْإِيجَابُ أَيْ إثْبَاتُ هَذَا الْحُكْمِ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمَيْنِ لِهَذَا الْحُكْمِ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمِلْكِ بِهِمَا، وَالْعَلَمُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ بِعَيْنِهِ لَا بِمَعْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْمَ الْمَوْضُوعَ لِلشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يُعْقَلْ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ مَعْنَاهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْلَامَ تَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَعْنَاهَا فَإِنَّ الْقَصِيرَ يُسَمَّى طَوِيلًا وَالْأَسْوَدَ يُسَمَّى كَافُورًا وَيَدُلَّانِ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مَعْنَى الطُّولِ وَالْبَيَاضِ أَصْلًا كَمَا أَنَّ النُّصُوصَ يُوجِبُ الْأَحْكَامَ بِعَيْنِهَا سَوَاءٌ عُقِلَ مَعْنَاهَا أَوْ لَمْ يُعْقَلْ.
وَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى الْقِيَاسِ يُعْتَبَرُ الْمَعَانِي فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا اُحْتِيجَ إلَى الِاسْتِعَارَةِ تُعْتَبَرُ الْمَعَانِي لِيَصِحَّ اسْتِعَارَةُ هَذَا اللَّفْظِ لِمَعْنًى آخَرَ. فَلَمَّا ثَبَتَ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ فِي الْبَابِ. بِهِمَا أَيْ بِلَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وُضِعَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا دَلَالَةٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى الْمِلْكِ. صَحَّتْ التَّعْدِيَةُ بِهِ أَيْ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَكَانَتْ الْبَاءُ زَائِدَةً. أَوْ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ. بِهِ أَيْ بِكَوْنِ الْمِلْكِ ثَابِتًا بِهِمَا وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. إلَى مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا.
وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالْإِحْلَالِ وَأَخَوَاتِهَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ وَالْإِعَارَةَ لِتَمْلِيكِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ.
وَالْإِقْرَاضُ بِمَعْنَى الْإِعَارَةِ أَيْضًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ أَنَّ الْإِقْرَاضَ فِي مَحَلِّ الْمُتْعَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْآدَمِيُّ وَالِاسْتِقْرَاضُ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا لَفْظُ الْإِحْلَالِ فَلَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ أَصْلًا وَكَذَا الْإِبَاحَةُ وَالتَّمَتُّعُ فَإِنَّ مَنْ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ أَبَاحَهُ لَهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا يُتْلِفُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ فَكَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي النِّكَاحِ
(2/68)

فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا صَحَّتْ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلْبَيْعِ وَالْمُنَاسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ قَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا لَا مَحَالَةَ لَا يُنَاسِبُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ إلَّا وَذَلِكَ يُنَاسِبُهُ كَالْأَخَوَيْنِ قِيلَ لَهُ الِاتِّصَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّصَالُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ وَالثَّانِي اتِّصَالُ الْفَرْعِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ فَالْأَوَّلُ يُوجِبُ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهَا وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِلَّتِهِ فَاسْتَوَى الِاتِّصَالُ فَعُمِّمَتْ الِاسْتِعَارَةُ.

وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ النِّصْفَ الْبَاقِي لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْكُلُّ فِي مِلْكِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ.
وَكَذَا لَفْظُ الْوَصِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ أَصْلًا بَلْ مُوجِبُهُ الْخِلَافَةُ مُضَافَةٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ صَرَّحَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ مُضَافًا لَا يَصِحُّ أَيْضًا (فَإِنْ قِيلَ) الْهِبَةُ أَيْضًا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا الْقَبْضُ (قُلْنَا) الْهِبَةُ لَا تُوجِبُ إضَافَةَ الْمِلْكِ وَلَكِنْ لِضَعْفٍ فِي السَّبَبِ لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْعِوَضِ بِتَأَخُّرِ الْمِلْكِ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى بِالْقَبْضِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ الضَّعْفُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَجِبُ بِهِ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فَلِهَذَا كَانَ مُوجِبًا مِلْكَ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالنِّكَاحِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَتْ عَقِيبَ الْعَقْدِ تَقَرَّرَ الْبَدَلُ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ عَيْنٍ فَسَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّ تَرَاخِيَ الْمِلْكِ عَنْ الْهِبَةِ لَيْسَ مِنْ مُوجِبِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْقَبْضَ لَوْ سَبَقَ الْهِبَةَ مُلِّكَ بِنَفْسِهَا وَلَكِنْ نَفَيَا عَنْ الْمُتَبَرِّعِ عُهْدَةَ مَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ عِبَارَةً عَنْ نِكَاحٍ مُطْلَقٍ ثُمَّ النِّكَاحُ لَا يَقَعُ تَبَرُّعًا لِيَتَأَخَّرَ الْمِلْكُ نَفْيًا لِلْعُهْدَةِ عَنْهَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْلِكَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا صَحَّتْ) هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ لِهَذَا الِاتِّصَالِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمَيْنِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّتْ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلنِّكَاحِ لِلِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ يَلْزَمُ أَنْ تَصِحَّ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلْبَيْعِ وَالْهِبَةِ أَيْضًا لِقِيَامِ الِاتِّصَالِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَرَفَيْنِ لِيَقُومَ بِهِمَا وَلَا يَتَّصِلُ الشَّيْءُ بِغَيْرِهِ إلَّا وَأَنْ يَكُون ذَلِكَ الْغَيْرُ مُتَّصِلًا بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ كَالْأُخُوَّةِ لَمَّا افْتَقَرَتْ إلَى طَرَفَيْنِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ وَافَقْتُمُونَا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأُولَى. فَأَجَابَ وَقَالَ الِاتِّصَالُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى نَوْعَيْنِ كَامِلٌ وَنَاقِصٌ.
فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّصَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْتَقِرًا إلَى الْآخَرِ كَاتِّصَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِلَّتِهِ فَيَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا وَكَذَا الْعِلَّةُ تُشْرَعُ وَلَمْ تُقْصَدْ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْحُكْمِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَشْرُوعَةً فِي مَحَلٍّ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعِيَّةُ الْحُكْمِ فِيهِ، نَحْوُ بَيْعِ الْحُرِّ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ فَكَانَتْ مُفْتَقِرَةً إلَى الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ يُوجِبُ أَيْ يُجَوِّزُ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لِتَحَقُّقِ الِاتِّصَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِعَدَمِ اسْتِغْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ.

قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِعَارَةِ يَعُمُّ الْجَانِبَيْنِ قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إلَى آخِرِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا الْحَلِفُ عَلَى مِلْكِ عَبْدٍ مُنَكَّرٍ بِأَنْ قَالَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَتَقَ هَذَا النِّصْفُ فِي الْقِيَاسِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَعْتِقُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الشَّرْطَ مِلْكُ الْعَبْدِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ حَصَلَ فَيَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ كَمَا فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ وَكَمَا فِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مِلْكَ الْمُطْلَقِ يَقَعُ عَلَى كَمَالِهِ وَذَلِكَ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ فَاخْتَصَّ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ إنْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى اجْتِمَاعِ الْمِلْكِ وَهَذَا أَيْضًا اسْتِحْسَانٌ.
وَأَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ قَطُّ وَلَعَلَّهُ قَدْ مَلَكَهَا وَزِيَادَةً مُتَفَرِّقَةً
(2/69)

وَلَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا عَتَقَ النِّصْفُ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ وَفِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ يَسْتَوِيَانِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الْحُكْمِ وَالدِّيَانَةِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي الدِّيَانَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ لِسَبَبِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَاسْتَعَارَ السَّبَبَ لِحُكْمِهِ فِي الثَّانِي.

وَأَمَّا الِاتِّصَالُ الثَّانِي فَيَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي مِلْكِهِ يُعَدُّ صَادِقًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ كَمُطْلَقِ اسْمِ الدَّرَاهِمِ يَتَقَيَّدُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ فَهَهُنَا مُطْلَقُ الْمِلْكِ يَتَقَيَّدُ بِالِاجْتِمَاعِ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ أَيْضًا.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ إذَا أَرَادَ تَفْهِيمَ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَعَا بِحَمَّالٍ كَانَ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ فَيَقُولُ يَا فُلَانٌ هَلْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتهَا قَطُّ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى أَصْحَابِهِ كَمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مُتَفَرِّقًا وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا: الْمُجْتَمِعُ دُونَ الْمُتَفَرِّقِ.
وَالثَّانِي الْحَلِفُ عَلَى شِرَاءِ عَبْدٍ مُنَكَّرٍ بِأَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ عَتَقَ هَذَا النِّصْفُ بِخِلَافِ الْمِلْكِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمِلْكِ بِصِفَةِ الْعَبْدِيَّةِ بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَتَحَقَّقُ فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ فِي كَوْنِهِ مُشْتَرٍ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَمُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُشْتَرًى لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ بَيْعِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْكُلُّ فِي عَقْدِهِ فَوَجَبَ الْحِنْثُ. إلَّا أَنْ يَعْنِي أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا كَامِلًا فَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَخْصِيصَ الْعَامِّ.
وَالثَّالِثُ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ عَلَى مِلْكِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي فِي الْفَصْلَيْنِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ صِفَةٌ مَرْغُوبَةٌ فَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا صِفَةُ الْعُمْرَانِ وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يُسْتَخْبَرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ مَا مَلَكْت أَلْفَ دِرْهَمٍ مُرِيدًا بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ لَا بِصِفَةِ الِافْتِرَاقِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا يُسْتَخْبَرُ ذَلِكَ فِي الْمُعَيَّنِ لَا يَقُولُ مَا مَلَكْت هَذَا الْأَلْفَ إذَا مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ بِدُونِ الْإِشَارَةِ إلَى الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ الْغَنَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْغَنَاءُ إذَا كَانَ مَلَكَهُ مُتَفَرِّقًا وَفِي الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ مِلْكِهِ عَنْ الْمَحَلِّ وَقَدْ كَانَ مِلْكُهُ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ ثَابِتًا وَإِنْ كَانَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَذَا فِي جَامِعِ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَتَقَ النِّصْفُ فِي فَصْلِ الشِّرَاءِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ. فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ حِين اشْتَرَاهُ عَتَقَ إذَا كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَنُوبَ قَبْضُهُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَيَعْتِقُ لِوُجُودِ الشِّرَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَعْتِقُ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ ثُمَّ يَجِبُ السِّعَايَةُ فِي النِّصْفِ أَوْ الضَّمَانُ لِلِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ) . هَذَا هُوَ التَّقْرِيبُ يَعْنِي إنْ عَنَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ حَتَّى لَا يَشْتَرِطَ الِاجْتِمَاعَ فِيهِ فَيَعْتِقَ النِّصْفُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمِلْكُ. لِسَبَبِهِ أَيْ لِعِلَّتِهِ فَيَجُوزُ وَفِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ فَيُصَدِّقُهُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَالسَّبَبُ لَفْظٌ عَامٌّ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَعَلَى السَّبَبِ الْمُصْطَلَحِ يُقَالُ النِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْعِلَّةُ.
وَإِنْ نَوَى بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ حَتَّى يُشْتَرَطَ الِاجْتِمَاعُ فِيهِ فَلَا يَعْتِقُ النِّصْفُ الْبَاقِي يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ السَّبَبَ أَيْ الْعِلَّةَ لِحُكْمِهِ
(2/70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَجُوزُ وَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلتُّهْمَةِ لَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ. ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ إذَا اسْتَفْتَى يُجِيبُهُ الْمُفْتِي عَلَى وَفْقِ مَا نَوَى وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ كَلَامِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا نَوَى إذَا كَانَ فِيهِ تَخْفِيفٌ.
وَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَفْتَى رَجُلٌ عَنْ فَقِيهٍ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَضَيْته هَلْ بَرِئْت مِنْ دِينِهِ فَالْفَقِيهُ يُفْتِيه بِأَنَّك بَرِئْت مِنْهُ وَإِذَا سَمِعَ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْإِيفَاءِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ.

[يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ]
وَالثَّانِي وَهُوَ الِاتِّصَالُ النَّاقِصُ أَنْ يَكُونَ الِافْتِقَارُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ كَاتِّصَالِ الْفَرْعِ أَيْ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ.
لَفْظُ السَّبَبِ يُطْلَقُ عَلَى الْعِلَّةِ وَغَيْرِهَا يُقَالُ الْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالزِّنَا سَبَبُ الْحَدِّ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْضَاءِ فِي الْعِلَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا فَبِقَوْلِهِ مَحْضٌ احْتَرَزَ عَنْ الْعِلَّةِ إذْ السَّبَبُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمُسَبِّبِ بِذَاتِهِ بِحَالٍ، ثُمَّ مِنْ شَرْطِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَلَا الْعِلَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا انْتِفَاءُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ دُونَ عِلَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ زَوَالُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّظِيرِ أُضِيفَتْ إلَى السَّبَبِ وَهُوَ أَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُضَفْ الْحُكْمُ وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وُضِعَتْ لَهُ يَعْنِي الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْمَحْضِ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً مَوْضُوعَةً لِلْفَرْعِ لَا أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُتَخَلِّلَةُ مُضَافَةً إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ هَهُنَا.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاتِّصَالِ يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ دُونَ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَارُ لَهُ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَعَارِ مِنْهُ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ لَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيَصِحَّ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ وَالْمُسَبَّبُ مُفْتَقِرٌ إلَى السَّبَبِ افْتِقَارَ الْمَعْلُولِ إلَى الْعِلَّةِ لِقِيَامِهِ بِهِ فَيَصْلُحُ ذِكْرُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ تَقْدِيرًا وَهُوَ الْمُسَبَّبُ فَأَمَّا السَّبَبُ فَمُسْتَغْنٍ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْمُسَبَّبِ لِقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَحُصُولِ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي وُضِعَ لَهُ بِهِ وَثُبُوتُ الْمُسَبَّبِ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ فَإِنَّ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ جَائِزٌ لِحُصُولِ مُوجِبِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِلْكُ الْمُتْعَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصِيرُ السَّبَبُ مُتَّصِلًا بِالْمُسَبِّبِ وَلَازِمًا لَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِعَارَةُ إذْ هِيَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ. إلَّا إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبَّبِ لَهُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا. {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] . أَيْ عِنَبًا اُسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ لِاخْتِصَاصِ الْخَمْرِ بِالْعِنَبِ. وَكَقَوْلِهِمْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا أَيْ مَاءً سَمَّوْهُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ النَّبَاتُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ. وَكَقَوْلِ الرَّاجِزِ:
أَقْبَلَ فِي الْمُسْتَنِّ مِنْ رَبَابِهِ ... أَسْنِمَةُ الْآبَالِ فِي سَحَابِهِ
سُمِّيَ الْمَاءُ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ وَهُوَ أَسْنِمَةُ الْآبَالِ؛ لِأَنَّ الْأَسْنِمَةَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالنَّبَاتِ وَلَا يُوجَدُ النَّبَاتُ إلَّا بِالْمَاءِ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ صَارَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فَيَصِيرُ السَّبَبُ إذْ ذَاكَ مُتَعَلِّقًا بِالْمُسَبَّبِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسَبَّبَ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِهِ وَالْمُسَبَّبُ مَطْلُوبٌ صَارَ كَأَنَّ السَّبَبَ
(2/71)

وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْفَرْعِ لِافْتِقَارِهِ.

وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الْفَرْعُ لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ مَعْدُومٌ لِاسْتِغْنَائِهِ وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إذَا عُطِفَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْكَامِلَةِ تَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ لِصِحَّةِ آخِرِهِ وَافْتِقَارِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَامٌّ فِي نَفْسِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ تَصْلُحُ أَنْ تُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِإِزَالَةٍ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ تَبَعًا لَا قَصْدًا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَوْضُوعٌ لَهُ وَمُفْتَقِرٌ إلَيْهِ نَظَرًا إلَى الْغَرَضِ كَافْتِقَارِ الْعِلَّةِ إلَى الْمَعْلُولِ فَيَحْصُلُ الِاتِّصَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِالْعِنَبِ صَارَ الْعِنَبُ مُتَّصِلًا بِهَا وَمُفْتَقِرًا إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْخَمْرَ مَاءُ الْعِنَبِ وَلَا قِيَامَ لِلْعِنَبِ بِدُونِ مَائِهِ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ أَوْ ارْتِفَاعُ السَّنَامِ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِالْمَطَرِ صَارَ لِلْمَطَرِ تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ وَالْحِكْمَةُ فَيَجُوزُ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَأَمَّا ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَقَدْ حَصَلَ تَبَعًا وَاتِّفَاقًا فَكَانَ اتِّصَالُهُ بِالْأَصْلِ عَدَمًا فِي حَقِّ الْأَصْلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ (أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ) وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ.
قِيلَ قَوْلُهُ وَالسَّبَبُ لِلْحُكْمِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَفَائِدَتُهُ دَفْعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَصْلِ الْعِلَّةُ وَمِنْ الْفَرْعِ الْمَعْلُولُ. وَقِيلَ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَشْرُوعَاتِ وَالسَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ مُخْتَصَّانِ بِالْمَشْرُوعَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْحُكْمِ لِلسَّبَبِ كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ.

قَوْلُهُ (وَهَذَا كَالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ) . أَيْ الِاتِّصَالُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِثْلُ اتِّصَالِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ فِي قَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ مَثَلًا فَقَوْلُهُ زَيْنَبُ طَالِقٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِوُجُودِ طَرَفَيْهَا وَقَوْلُهُ وَعَمْرَةُ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَتْ لَا يُفِيدُ شَيْئًا لَكِنَّهَا بِوَاسِطَةِ وَاوِ الْعَطْفِ تَعَلَّقَتْ بِالْأُولَى فَتَوَقَّفَ حُكْمُ الْأُولَى لِيَصِحَّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْخَبَرِ وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ مُفِيدَةً مِثْلَ الْأُولَى فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ هَذَا التَّوَقُّفَ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ لِافْتِقَارِهَا إلَى الْخَبَرِ وَلَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى فِي حُكْمِ الْعَدَمِ لِكَمَالِهَا فِي نَفْسِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ وُقُوعُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.
وَعَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى لَمَّا لَمْ تَتَوَقَّفْ فِي نَفْسِهَا ثَبَتَ مُوجِبُهَا قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ فَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا.
وَنَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ إضَافَةُ الْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ لِيَصِحَّ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ وَعَدَمُ إضَافَتِهِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِافْتِقَارِ إلَيْهِ بِوُجُودِ النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
وَمِنْ الْفُرُوعِ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ الْمُتَنَفِّلِ بِمَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً مَضْمُونَةً مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْإِمَامِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُقْتَدِي لَكِنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بِعَارِضِ ظَنٍّ يَخُصُّهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَتَكُونُ صَلَاتُهُ هَذِهِ مَضْمُونَةً فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) . أَيْ عَلَى أَنَّ اسْتِعَارَةَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ جَائِزَةٌ قُلْنَا إنَّ أَلْفَاظَ الْعِتْقِ يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِلطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ وَقَعَ لِلطَّلَاقِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِهَذَا الْمَجَازِ بَلْ هُوَ مَحَلٌّ لِحَقِيقَةِ الْوَصْفِ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِيَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ بِخِلَافِ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ لِلنِّكَاحِ حَيْثُ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْحُرَّةِ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى النِّكَاحِ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ لِآخَرَ بِعْت ابْنَتِي مِنْك أَوْ وَهَبْتهَا لَك لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ حُكْمَهُمَا فَتَعَيَّنَتْ جِهَةُ
(2/72)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الطَّلَاقُ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعَانِي يَتَشَابَهَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ وَالْمُنَاسَبَةُ فِي الْمَعَانِي مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِعَارَةِ مِثْلُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْأَسْبَابِ وَقُلْنَا لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ لِمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ اتِّصَالَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ.

وَلَا تَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَعَانِي الْمُشَاكِلَةِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي بِهِ يَقُومُ الْمَوْجُودُ فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا وَهَذَا الطَّرِيقُ مِنْ الْخَصْمِ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي أَوْصَافِ النَّصِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِكُلِّ وَصْفٍ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ خَاصٍّ وَقُلْنَا نَحْنُ هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ فَكَذَلِكَ الِاسْتِعَارَةُ يَقَعُ بِمَعْنًى لَهُ أَثَرُ الِاخْتِصَاصِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشُّجَاعَ أَسَدًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ وَهُوَ الشُّجَاعَةُ فَأَمَّا بِكُلِّ وَصْفٍ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ (كَشْفَ) الِامْتِحَانِ وَيُصَيِّرُ (10) الْمَوْجُودَاتِ (ثَانِي) فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مُتَنَاسِبَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعَارَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ وَالْخِلَافُ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ وَنَوَى بِهِ الْحُرِّيَّةَ لَا يَعْتِقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ. قَالَ التَّشَابُهُ وَالتَّشَاكُلُ فِي الْمَعَانِي مِنْ طُرُقِ الِاسْتِعَارَةِ كَالشُّجَاعِ تَسَمَّى أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا وَقَدْ ثَبَتَتْ الْمُشَاكَلَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْمَعْنَى لُغَةً وَشَرْعًا. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ
الطَّلَاقَ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقْت الْبَعِيرَ أَيْ أَرْسَلْته وَخَلَّيْته وَكَذَا الْعَتَاقُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا فَإِنَّهُ يُقَالُ أَعْتَقْت الْعُصْفُورَ وَحَرَّرْته أَيْ أَرْسَلْته.
وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِبْطَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ نِصْفَهَا يَسْرِي إلَى الْكُلِّ وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ أَيْضًا إذَا كَانَ مُوسِرًا وَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِيجَابِ فِي الْمَجْهُولِ وَإِذَا ثَبَتَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا مَعْنًى جَازَ اسْتِعَارَةُ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ كَمَا جَازَ عَكْسُهُ. (وَقُلْنَا) لَا يَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ صِحَّتِهَا مُنْحَصِرٌ عَلَى الِاتِّصَالِ ذَاتًا أَوْ مَعْنًى كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَدْ عُدِمَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا ذَاتًا؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ وَانْقِطَاعُ مِلْكِ النِّكَاحِ قَطُّ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اتِّصَالَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ لَا يَصْلُحُ طَرِيقًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَقَدْ سَلَّمَ الْخَصْمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِعَارَةُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَكَذَا عَدَمُ الِاتِّصَالِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَامْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اسْقِنِي نَاوِيًا لِلْعِتْقِ.

[الِاسْتِعَارَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعَانِي]
قَوْلُهُ (مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا) أَيْ ذَكَرْنَاهُ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ. هِيَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْمَوْجُودُ أَيْ مِنْ قَبِيلِ الْمَعَانِي الْمُخْتَصَّةِ الَّتِي قِيَامُ الْمَوْجُودِ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ زَالَتْ عَنْهُ لَا يَبْقَى الْمَوْجُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُرِيدُ بِهِ الْمَعْنَى الدَّاخِلَ فِي الْمَاهِيَّةِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَعْنًى هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَمُلَازِمٌ لَهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ مِثْلُ الشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ لِلْحِمَارِ فَإِنَّ قِوَامَهُمَا بِهِمَا يَعْنِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُمَا بِدُونِهِمَا. فَأَمَّا بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا أَيْ فَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ مَعْنًى فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ بِكُلِّ مَعْنًى جَازَتْ اسْتِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلسَّمَاءِ وَالْجِدَارِ لِلْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْوُجُودِ وَالْحُدُوثِ وَلَا يَتَفَوَّهُ بِهِ عَاقِلٌ. وَلِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَإِنَّهُمْ اسْتَعَارُوا بِالْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ الْمَشْهُورِ وَامْتَنَعُوا عَنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْأَوْصَافِ الْعَامَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ بِكُلِّ مَعْنًى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَخَرَ وَالْحُمَّى مِنْ لَوَازِمِ الْأَسَدِ كَالشَّجَاعَةِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الْأَسَدُ لِلْأَبْخَرِ وَالْمَحْمُومِ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ أَيْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ مَشْهُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ نَظِيرُ طَرِيقِهِ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِ النَّصِّ حَيْثُ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُخَيِّلِ وَالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِ الْمُتَعَدِّي وَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ. هُوَ بَاطِلٌ أَيْ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ النَّاس مُبْتَلَوْنَ بِالِاعْتِبَارِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] . فَلَوْ جَازَ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَمْ يَبْقَ لِلِابْتِلَاءِ فَائِدَةٌ وَلَمْ يَبْقَ لِلْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ فَضْلٌ وَلَقَاسَ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ بِأَيِّ وَصْفٍ شَاءَ
(2/73)

وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحِلُّهُ وَهُوَ رَفْعُ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الرِّقِّ وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ قَيْدًا فَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا إطْلَاقَ الْقَيْدِ وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لُغَةً يُقَالُ عَتَقَ الطَّيْرُ إذَا قَوِيَ وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ.
وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَهَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ الرِّقُّ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ سَاقِطٌ فَصَحَّ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتًا وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِهَا بَعْدَ الْعَدَمِ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَبُطْلَانُهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ.
وَذَلِكَ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ أَيْ الِاسْتِعَارَةَ بِكُلِّ وَصْفٍ يُبْطِلُ الِامْتِحَانَ فَإِنَّ الْمَجَازَ طَرِيقٌ وُضِعَ يَزْدَادُ الْكَلَامُ بِهِ حُسْنًا وَطَرَاوَةً وَبَهْجَةً وَفَصَاحَةً وَيَتَمَيَّزُ الذَّكِيُّ مِنْ الْغَبِيِّ فِي إبْدَاعِ الِاسْتِعَارَاتِ وَالتَّعْرِيضَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ غَرَائِبِ التَّشْبِيهَاتِ فَلَوْ جَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِكُلِّ وَصْفٍ لَزَالَ حُسْنُ الْكَلَامِ وَذَهَبَتْ طَرَاوَتُهُ وَصَارَ الْمَجَازُ مِنْ عُيُوبِ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِهِ وَلَاسْتَوَى الْبَلِيغُ الْمَاهِرُ فِي فُنُونِ الْكَلَامِ الْعَالِمُ بِجِهَاتِ الْفَصَاحَةِ وَمَنْ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةً مِنْهَا وَغَفَلَ عَنْ لَطَائِفِهَا وَهُوَ خِلَافُ الْعَقْلِ وَالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الْمُشَاكَلَةُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الْمَشْهُورِ الَّذِي وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ رَفْعُ الْقَيْدِ لُغَةً وَشَرْعًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُهُ وَمَا احْتَمَلَهُ مَحَلُّهُ. أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّخْلِيَةُ وَالْإِرْسَالُ يُقَالُ أَطْلَقَ الْمُقَيَّدَ وَالْمَسْجُونَ إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ وَأَرْسَلَهُ وَأَطْلَقَ الْبَعِيرَ إذَا رَفَعَ عِقَالَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَمِنْهُ أَطْلَقْت الْأَسِيرَ إذَا حَلَلْت إسَارَهُ وَخَلَّيْت عَنْهُ وَالتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ وَالِانْحِلَالِ. أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُوجِبُ الرِّقَّ حَقِيقَةً وَلَا يَسْلُبُ الْمَالِكِيَّةَ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لَهَا بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا بَقِيَتْ أَهْلًا لِلشَّهَادَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا لَا لِلزَّوْجِ لَكِنَّهَا صَارَتْ مَحْبُوسَةً بِحَقِّ الزَّوْجِ مُقَيَّدَةً شَرْعًا حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لَهَا الْخُرُوجُ وَالْبُرُوزُ بِدُونِ إذْنِهِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا مِنْ أَحَدٍ فَالطَّلَاقُ يُزِيلُ الْحَبْسَ وَيَرْفَعُ الْقَيْدَ الَّذِي أَثْبَتَهُ النِّكَاحُ عَنْهَا فَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي احْتَمَلَهُ الْمَحَلُّ لَا غَيْرُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
قَالَ «النِّكَاحُ رِقٌّ» . مَحْمُولٌ عَلَى ضَرْبِ مِلْكٍ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا ذَكَرْنَا لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَأَمَّا الْإِعْتَاقُ فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّهُ يُقَالُ عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ حَتَّى طَارَ عَنْ وَكْرِهِ وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ لِكَوَاسِبِهَا مِثْلُ الصَّقْرِ وَالْبَازِي لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ وَغَلَبَةٍ فِيهَا وَهُوَ جَمْعُ عَتِيقٍ وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ وَقَوِيَتْ.
وَهَذَا شَائِعٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُنْتَشِرٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْتِ ثَابِتٌ عَلَى الْكَمَالِ، وَسُلْطَانُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْ تَسَلُّطُهَا سَاقِطٌ أَيْ مَعْدُومٌ حَتَّى الْتَحَقَ الْمَرْقُوقُ بِالْبَهَائِمِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَهَادَةٌ وَلَا وِلَايَةٌ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إحْيَاءً لَهُ وَإِثْبَاتًا لِلْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ وَلَيْسَ بَيْنَ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِيَعْمَلَ الْقُوَّةَ الثَّابِتَةَ عَمَلَهَا وَبَيْنَ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ بَعْدَمَا عُدِمَتْ مُشَابَهَةٌ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْحَيِّ مُشَابَهَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُ نُمْرُودَ اللَّعِينِ بِقَوْلِهِ {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] فِي مُحَاجَّتِهِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ جَعَلَ رَفْعَ الْقَيْدِ عَنْ الْمَحْبُوسِ مُعَارِضًا لِلْإِحْيَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَتْ الِاسْتِعَارَةُ لِانْسِدَادِ طَرِيقِهَا بِالْكُلِّيَّةِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ بِإِثْبَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ بَلْ هُوَ إزَالَةُ الْمَانِعِ كَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ خُلِقَ حُرًّا مَالِكًا فِي الْأَصْلِ وَحُلُولُ الرِّقِّ فِيهِ يَمْنَعُ الْقُوَّةَ كَالنِّكَاحِ فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إزَالَةَ الْمَانِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ وَالْإِثْبَاتَاتِ لَا تَعَلُّقٌ بِالشُّرُوطِ.
(قُلْنَا) بَلْ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ بِسَبَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ أَصْلًا
(2/74)

فَمَا هَذَا إلَّا كَمَنْ اسْتَعَارَ الْحِمَارَ لِلذَّكِيِّ وَالْأَسَدَ لِلْجَبَانِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ الْبَيْعُ لِلْإِجَارَةِ كَمَا لَا يُسْتَعَارُ الْإِجَارَةُ لِلْبَيْعِ وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ قِيلَ لَهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِهِ وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ تَقُولُ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا وَهَذَا جَائِزٌ فَأَمَّا إذَا قَالَ بِعْت مِنْك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا لَمْ يَجُزْ كَذَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ وَهَذَا لَيْسَ لِفَسَادِ الِاسْتِعَارَةِ لَكِنْ لِفَسَادٍ فِي الْمَحَلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَتَثْبُتُ بِالْعِتْقِ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا صَارَ مَنْسُوبًا إلَى الْعِتْقِ بِالْوَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ مَعْنًى.
وَقَوْلُهُ عِلَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَاتِ كَوْنُهُ آدَمِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ حُرًّا وَقَدْ زَالَتْ الْحُرِّيَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحُلُولِ الرِّقِّ فَبِالْإِعْتَاقِ تَثْبُتُ مَالِكِيَّةٌ أُخْرَى جَدِيدَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ إثْبَاتًا فَنَقُولُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِثْبَاتِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ بِالشَّرْطِ أَمَّا الْإِثْبَاتُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا (فَإِنْ قِيلَ) مَا ذَكَرْتُمْ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا فَإِنَّ عِنْدَهُمَا الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَحَرِّي الْإِعْتَاقِ وَإِذَا كَانَ الْإِعْتَاقُ إسْقَاطًا عِنْدَهُ كَانَ مُشَابِهًا لِلطَّلَاقِ مَعْنًى فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الطَّلَاقُ لَهُ.
(قُلْنَا) الْإِعْتَاقُ عِنْدَهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ الْمِلْكِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ جَمِيعًا أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِسْقَاطٌ مَحْضٌ فَلَا يَثْبُتُ التَّشَابُهُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِعَارَةُ قَوْلُهُ (فَمَا هَذَا إلَّا كَمَنْ اسْتَعَارَ الْحِمَارَ لِلذَّكِيِّ وَالْأَسَدَ لِلْجَبَانِ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحِمَارَ إنَّمَا يُسْتَعَارُ لِلْبَلِيدِ وَالْأَسَدَ لِلشُّجَاعِ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ فِي الْبَلَادَةِ وَالشَّجَاعَةِ فَاسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ لِلذَّكِيِّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَلِيدِ وَالْأَسَدِ لِلْجَبَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشُّجَاعِ تَكُونُ الِاسْتِعَارَةُ فِيمَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ أَصْلًا وَهُوَ قَلْبُ الْمَعْقُولِ وَخِلَافُ الْمَوْضُوعِ. الثَّانِي أَنَّ لِلْحِمَارِ نَوْعُ ذَكَاءٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَشَى فِي طَرِيقٍ أَوْ اعْتَلَفَ شَعِيرًا فِي مَكَان يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ وَالْمَوْضِعَ بَعْدَ مُدَّةٍ حَتَّى لَوْ ضَلَّ صَاحِبَهُ الطَّرِيقَ وَأَرْخَى حَبْلَهُ يُخْرِجُهُ إلَى الطَّرِيقِ وَلَوْ أَخْفَى شَيْئًا فِي الْمَفَازَةِ وَقَدْ عَلَفَ حِمَارَهُ شَعِيرًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ نَسِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَهْدِيه حِمَارُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا أَرْخَى رَسَنَهُ وَلِلْجَبَانِ نَوْعُ شَجَاعَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنْ الْقِتَالِ وَلَكِنَّهُ إذَا أَقْبَلَ عَلَى الْقِتَالِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ يُقَاتِلُ قِتَالًا شَدِيدًا لَا يُقَاتِلُ غَيْرُهُ مِثْلَهُ فَاسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ وَالْأَسَدِ لِلذَّكِيِّ وَالْجَبَانِ بِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْمُعْتَبَرَيْنِ فَاسِدَةٌ لِكَوْنِهِمَا غَيْرَ مَشْهُورَيْنِ فَكَذَا اسْتِعَارَةُ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَصْمُ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَشْهُورَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَسْرَارِ فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَسْأَلَةِ الْعَتَاقِ تَشَاكُلَ الْمَعَانِي بَيْنَ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَتَبَايُنُ الْمَعَانِي بَيْنَ أَلْفَاظِ التَّمْلِيكِ وَالتَّزْوِيجِ فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لِلْوَصْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالتَّمْلِيكُ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ كُلِّهِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِلَا حَظٍّ لِلْمَمْلُوكِ فِي الْمَالِكِيَّةِ بِوَجْهٍ وَإِنَّهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا اعْتَبَرَهُ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا الِاسْتِعَارَةَ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا سَبَبًا مَتَى كَانَ حُكْمُ النِّكَاحِ وُقُوعَ مِلْكٍ عَلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ فِعْلِ التَّمَتُّعِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ الْمَعَانِي وَهُوَ طَرِيقٌ كَتَشَاكُلِ الْمَعَانِي وَلَمْ نُجَوِّزْ فِي بَابِ الْعَتَاقِ لِانْعِدَامِ السَّبَبِيَّةِ وَافْتِرَاقِ الْمَعَانِي فَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَحَقُّ وَأَدَقُّ وَذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ اسْتِعَارَةَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ تَجُوزُ وَكَمَا أَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَهُوَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْت عَبْدِي شَهْرًا بِدِرْهَمٍ أَوْ بِعْتُك
(2/75)

لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُومٌ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ حَتَّى لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا الْإِجَارَةَ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ فِيمَا يُسْتَعَارُ لَهَا وَلَكِنَّ الْعَيْنَ أُقِيمَتْ مُقَامَهَا فِي حَقِّ الْإِضَافَةِ فِي الْأَصْلِ فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا وَصَارَ هَذَا كَالْبَيْعِ يُسْتَعَارُ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَهِيَ الْمُحَرَّمُ مِنْ النِّسَاءِ فَيَثْبُتُ أَنَّ فَسَادَهُ إضَافَةً إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ.

مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ بَيَانُهُ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذَا ابْنِي لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِمَا وُضِعَ لَهُ أَصْلًا فَصَارَ لَغْوًا لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَمِنْ شَرْطِ الْخَلَفِ أَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ لِلْأَصْلِ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَامْتَنَعَ وُجُودُهُ بِعَارِضٍ كَمَنْ حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ أَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ لِلْبِرِّ لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ فَانْعَقَدَتْ لِلْكَفَّارَةِ خَلَفًا عَنْهُ فَأَمَّا الْغَمُوسُ فَلَمْ يَنْعَقِدُ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَنْعَقِدُ لِخَلَفِهِ وَهَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْغَمُوسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (الِاسْتِعَارَةُ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
نَفْسِي مُرِيدًا لِلْإِجَارَةِ لَا يَصِحُّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَصْلُحَ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلنِّكَاحِ أَيْضًا فَمَنَعَ الشَّيْخُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا السَّائِلَ أَوَّلًا وَقَالَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِانْعِقَادِ بِهِ بَلْ الْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ. ثُمَّ سَلَّمَ جَوَابَ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ جَوَابُهُمْ مُطْلَقًا شَامِلًا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ فَقَالَ.
وَذَلِكَ أَيْ انْعِقَادُ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ إذَا قَالَ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا يَعْنِي إذَا أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ مَنَافِعِهِ وَبَيَّنَ الْمُدَّةَ وَالْعَمَلَ وَالْأُجْرَةَ فَإِنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنْهَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ كَمَا فِي صَرِيحِ الْإِجَارَةِ.
وَأَجَابَ عَنْ غَيْرِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ فَقَالَ لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا لِخَلَلٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَلَكِنْ لِمَعْنًى آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ الِانْعِقَادِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ أُضِيفَ الْبَيْعُ إلَى الْمَنْفَعَةِ أَوْ إلَى الْعَيْنِ فَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ قَالَ بِعْت مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مَنَافِعَ هَذَا الْعَبْدِ مِنْك بِعَشَرَةٍ شَهْرًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
وَلَوْ ادَّعَى شِقْصًا فِي دَارِ فِي يَدِ رَجُلٍ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى سُكْنَى بَيْتٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مَعْلُومٍ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ آجَرَهُ مِنْ الَّذِي صَالَحَهُ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ.
وَلَوْ بَاعَ هَذَا السُّكْنَى بَيْعًا مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ السُّكْنَى وَإِنْ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إجَارَةً وَلَكِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لِلْإِضَافَةِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي الْكِتَابِ لَا لِخَلَلٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ. وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّةَ أَوْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بِأَنْ قَالَ بِعْت عَبْدِي مِنْك بِعَشَرَةٍ فَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا لِإِضَافَتِهِ إلَى مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلْبَيْعِ وَإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ إمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ بَيَانُ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ ذَكَرَ الْمُدَّةَ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك عَبْدِي شَهْرًا بِعَشَرَةٍ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجَارَةً إذَا سَمَّى جِنْسَ الْعَمَلِ مَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك عَبْدِي شَهْرًا بِعَشَرَةٍ لِعَمَلِ كَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ الْإِجَارَةَ بَيْعًا فَعَلَى ذَلِكَ التَّعَارُفِ يَجُوزُ وَإِذَا جَازَ فِي تَعَارُفِ أَهْلِ اللِّسَانِ بِبَلَدٍ جَازَ فِي غَيْرِهِ إذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجَارَةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ. وَيَنْعَقِدُ بَيْعًا صَحِيحًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ بِصَرْفِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ إلَى تَأْجِيلِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُدَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ إنَّمَا يَكُونُ لِتَأْجِيلِ الثَّمَنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ بِعْتُك إلَى شَهْرٍ لَا لِتَوْقِيتِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ بَيْعٌ حَقِيقَةً وَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ عِنْدَ الْقَبْضِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ.
قَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْإِضَافَةِ) أَيْ لِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهِيَ الْمَنْفَعَةُ مَعْدُومَةٌ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ أَيْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ إيجَادُهَا أَوْ لَيْسَتْ هِيَ دَاخِلَةً فِيمَا هُوَ مَقْدُورُ الْبَشَرِ. حَتَّى لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا الْإِجَارَةَ بِأَنْ قَالَ آجَرْتُك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا أَيْ لِلْإِجَارَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ. فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْإِجَارَةِ.
فَكَذَلِكَ مَا يُسْتَعَارُ لَهَا أَيْ فَكَالْأَصْلِ الْمُسْتَعَارِ فِي احْتِيَاجِهِ إلَى الْمَحَلِّ فَيُقَامُ الْعَيْنُ فِيهِ مُقَامَ الْمَنْفَعَةِ لِيَصِحَّ
(2/76)

إنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي الْحُكْمِ بَلْ هُوَ فِي الْحُكْمِ أَصْلٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعَارَةُ كَمَا فِي الْحُرِّ.
وَصَارَ هَذَا أَيْ عَدَمُ الْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْمَحِلِّ نَظِيرَ الْبَيْعِ الْمُسْتَعَارِ لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَيْ فِي مَحَلِّ النِّكَاحِ وَهِيَ الْمَحْرَمُ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَحَلَّ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا لِمَا يُسْتَعَارُ لِلنِّكَاحِ أَيْضًا وَهُوَ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ الْمَنَافِعُ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ الْإِجَارَةِ إلَيْهَا لَمْ يَصْلُحْ لِإِضَافَةِ مَا يُسْتَعَارُ لِلْإِجَارَةِ أَيْضًا وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَقْوَى مِنْ الْمُسْتَعَارِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ لَا لِفَسَادِ الِاسْتِعَارَةِ.

[الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ لَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ]
قَوْلُهُ (الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ) إلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ الْمَجَازُ إلَى الْقَرِينَةِ وَالْحَقِيقَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا.
وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأَصْلِ كَالِابْنِ مَعَ الْأَبِ. وَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ كَمَا أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْخَلَفِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ لَا مِنْ أَوْصَافِ الْمَعَانِي، وَلِهَذَا قَالُوا الْحَقِيقَةُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ وَكَذَا وَالْمَجَازُ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي كَذَا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ بِأَنْ صَارَ التَّكَلُّمُ بِلَفْظِ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ التَّكَلُّمِ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْدَادِ لَا خَلَفًا عَنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ. أَوْ فِي الْحُكْمِ بِأَنْ تَعَذَّرَ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ بِعَارِضٍ فَصَيَّرَ إلَى الْمَجَازِ لِإِثْبَاتِ لَازِمِ الْحَقِيقَةِ خَلَفًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهَا احْتِرَازًا عَنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ وَقَالَا هُوَ خَلَفٌ عَنْهَا فِي الْحُكْمِ. وَيَتَّضِحُ لَك مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ لِلشُّجَاعِ هَذَا أَسَدٌ فَعِنْدَهُمَا هُوَ خَلَفٌ فِي إثْبَاتِ الشَّجَاعَةِ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ لِإِثْبَاتِ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ. وَمَا قَرَعَ سَمْعَك أَنَّ حُكْمَ الْمَجَازِ خَلَفٌ عَنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمَا فَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْخَلَفِيَّةَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِالِاتِّفَاقِ لَا بَيْنَ شَجَاعَةِ الشُّجَاعِ وَالْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّكَلُّمُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ لِلشُّجَاعِ خَلَفٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ لِلْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي ثُبُوتِ الْخَلَفِيَّةِ إلَى الْحُكْمِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ وَهُوَ الشَّجَاعَةُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ لَا خَلَفًا عَنْ شَيْءٍ كَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ.
وَقَوْلُهُ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ هَذَا ابْنِي فَعِنْدَهُمَا هُوَ خَلَفٌ فِي إثْبَاتِ الْعِتْقِ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي لِابْنِهِ الْحَقِيقِيِّ فِي إثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ وَالْعِتْقِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَفْسُ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ كَمَا يَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ وَالْعِتْقُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ. لَهُمَا أَمْ الْحُكْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ لَا نَفْسُ الْعِبَارَةِ فَاعْتِبَارُ الْخَلَفِيَّةِ وَالْأَصَالَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِمَا فِيمَا هُوَ وَسِيلَةٌ وَهِيَ الْعِبَارَةُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَجَعْلُ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ الَّذِي هُوَ اسْتِخْرَاجُ اللَّفْظِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجْرِيَانِ فِي الْمَعَانِي. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ نَقْلٌ وَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُوَ تَمَامُ مَاهِيَّةِ الْمُسْتَعَارِ عَنْهُ وَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ
(2/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
النَّقْلَ إلَى الْمُسْتَعَارِ لَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَيْنُهُ عَيْنَهُ.
وَكَذَا صِفَتُهُ لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ هِيَ الْقَائِمَةُ بِهِ فَكَيْفَ تَقْبَلُ النَّقْلَ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِقَالُ فِي اللَّفْظِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّجَاعَةَ الَّتِي فِي الْأَسَدِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْإِنْسَانِ بِاسْتِعَارَةِ لَفْظِ الْأَسَدِ لَهُ وَلَكِنَّ اللَّفْظَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ لَا غَيْرُ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ الَّذِي لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي فَعَلَى قَوْلِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ يَلْغُو هَذَا الْكَلَامُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ وَيَصِيرُ هَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته بِطَرِيقِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَصْلًا وَهُوَ الْبُنُوَّةُ فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَوْ قَالَ هَذَا أَخِي أَوْ قَالَ لِغُلَامٍ صَغِيرٍ لَهُ هَذَا جَدِّي أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذِهِ بِنْتِي أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَذَا غُلَامِي. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِي، وَابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ عِبَارَةً عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي مَخْرَجِهِ صَحِيحًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ بِهِ بِعَارِضٍ فَيَخْلُفُهُ الْمَجَازُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ لِإِيجَابِ حُكْمٍ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَجَازُ خَلَفًا عَنْهُ فَيَلْغُو كَمَا فِي النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي حَيْثُ يَعْتِقُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَخْرَجِهِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْبُنُوَّةُ لَوْلَا الْعَارِضُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا أَوْ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ لَكِنَّهُ لَمَّا اُشْتُهِرَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ لِوُجُودِ ظَاهِرِ الدَّلِيلِ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ مِنْهُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ فَيَصِحُّ أَنْ يَخْلُفَهُ الْمَجَازُ.
وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْحَلِفُ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْبُرْهَانُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ عَيْنٌ مَمْسُوسَةٌ فَيَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْخَلَفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَارِضِ وَهُوَ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ فَأَمَّا الْغَمُوسُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْبِرُّ فَلَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لِلْخَلَفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ الْغَمُوسِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ لَا يَعْتِقُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بَلْ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَمَا ذَكَرْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنْ مَائِهِ وَأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ فَيُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ نَفْسِهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ فَيَثْبُتُ أَحْكَامُهُ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَلِهَذَا صَارَتْ أُمُّ الْغُلَامِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِمَجْهُولِ النَّسَبِ وَثَبَتَتْ حَقِيقَةُ الْبُنُوَّةِ وَهَهُنَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِلِاسْتِحَالَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْهُ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَلَوْ اُعْتُبِرَ النَّسَبُ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ لَحَرُمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْمُقِرَّ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ لَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ وَكَلَامُهُ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ إزَالَةَ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَإِنَّمَا مُوجِبُهُ انْتِفَاءُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ حَقُّهَا لَا حَقُّهُ فَلَا يُصَدَّقُ
(2/78)

أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِبَارَةَ تَتَغَيَّرُ بِهِ دُونَ الْحُكْمِ فَكَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ فَتُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِيجَابِ بِصِيغَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي فَإِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْبُنُوَّةِ بُطْلَانَ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ابْنَهُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُصَدَّقُ.
وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ فَقَدْ أَمْكَنَ بِمَجَازِهِ فَيُعْمَلُ بِهِ كَمَا فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْمَجَازِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِمَنْ هُوَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي تَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ وَتَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ بِوَاسِطَةِ الْبُنُوَّةِ فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ سَبَبًا لِلْبُنُوَّةِ وَالْبُنُوَّةُ سَبَبًا لِلْحُرِّيَّةِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ وَاسْتِعَارَةُ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ طَرِيقٌ مَعْهُودٌ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ مَجَازًا لِمُسَبِّبِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَلَا يُقَالُ الْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْبُنُوَّةِ بَلْ هُوَ حُكْمُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا وَهُوَ الْمِلْكُ هَهُنَا دُونَ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ وَالْقَرَابَةُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْبُنُوَّةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْعِتْقِ فَلَا تَصِحُّ اسْتِعَارَتُهَا لَهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْمِلْكُ إذَا كَانَ ثَابِتًا وَلَا نَسَبٌ ثُمَّ ادَّعَاهُ كَانَ النَّسَبُ آخِرَهُمَا وُجُودًا فَتَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ بَيْنَ وَارِثَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا عَتَقَ وَيَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَلَا يَضْمَنُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَوْلَا أَنَّهُ صَارَ مُعْتَقًا بِهَذِهِ الدَّعْوَى لَمَا تَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانٌ يَخْتَلِفُ بِالْإِيسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي التَّمْلِيكِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَا بُدَّ لِلْخَلَفِ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَصْلِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَيُشْتَرَطُ صِحَّةُ التَّكَلُّمِ وَهِيَ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ صَالِحًا لِإِفَادَةِ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا مَوْضُوعًا لِلْإِيجَابِ أَيْ إثْبَاتِ مَعْنًى بِصِيغَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ فَيُعْمَلُ بِمَجَازِهِ.
وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالُوا مِنْ اشْتِرَاطِ احْتِمَالِ الْبُنُوَّةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَاطِبَةً اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِلشُّجَاعِ هَذَا أَسَدٌ اسْتِعَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّجَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْهَيْكَلَ الْمَعْلُومَ بِوَجْهٍ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ هَذَا أَسَدٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ مَعْنَى وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِإِثْبَاتِ لَازِمِهِ وَهُوَ الشَّجَاعَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الشُّجَاعِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْأَسَدِيَّةُ أَصْلًا فَكَذَا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الْبُنُوَّةِ فِي مَحَلٍّ وَهُوَ الِابْنُ الْحَقِيقِيُّ وَاسْتُعِيرَ لِإِثْبَاتِ لَازِمِهِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَيَصِحُّ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ أَيْضًا إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.

قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِبَارَةَ تَتَغَيَّرُ بِهِ دُونَ الْحُكْمِ) يَعْنِي أَنَّ التَّغَيُّرَ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْمَجَازِ لِلْعِبَارَةِ دُونَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِذَا نُقِلَ عَنْهُ وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَيَصِيرُ مَجَازًا فَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ وَالتَّغَيُّرَ كَمَا ذَكَرْنَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي الْحُكْمِ وَزَعَمَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَحَلَّ الْمَجَازِ لَهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ يَكُونُ حَقِيقَةً كَلَفْظِ الشُّجَاعِ فِي مَوْضُوعِهِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظٌ الْمَجَازِ وَهُوَ الْأَسَدُ تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ فَأَمَّا الْحُكْمُ وَهُوَ إثْبَاتُ
(2/79)

وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ صَارَ مُسْتَعَارًا لِحُكْمِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَقَالَا لَفْظُ الْهِبَةِ يَنْعَقِدُ لِحُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ فِي الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ بَيْعِ الْحُرَّةِ وَهِبَتِهَا مِثْلُ احْتِمَالِ مَسِّ السَّمَاءِ وَأَمَّا هَذَا فَمُسْتَحِيلٌ بِمَرَّةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى احْتِمَالِ الْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَإِيجَابُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بَاطِلٌ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ صَحِيحٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالْمَنْعِ فَصَحَّ فَكَذَلِكَ هَذَا لِمَا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ صَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهِ لِحُكْمِ حَقِيقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ عِتْقُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَجُعِلَ إقْرَارًا بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشُّجَاعَةِ لَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالشُّجَاعِ وَالْأَسَدِ وَعَنْ هَذَا تَوَهَّمُوا أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ هَذَا أَسَدٌ لِلشُّجَاعِ خَلَفٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا شُجَاعٌ وَأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي فِي مَسْأَلَتِنَا خَلَفٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَإِنَّ عِنْدَهُمَا ثُبُوتَ الشُّجَاعِ بِقَوْلِهِ هَذَا أَسَدٌ خَلَفٌ عَنْ ثُبُوتِ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ بِهِ وَثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْهُ خَلَفٌ عَنْ الْبُنُوَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يَكُونُ خَلَفًا إلَّا عَنْ حَقِيقَتِهِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى مَحَلِّ الْمَجَازِ فَأَمَّا عَنْ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ لِمَحَلِّ الْمَجَازِ فَلَا.
وَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَسَدِ خَلَفًا عَنْ الشُّجَاعِ وَلَفْظُ هَذَا ابْنِي خَلَفًا عَنْ هَذَا حُرٌّ كَمَا زَعَمُوا لَا يَتَأَتَّى الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَلْ هُوَ مُتَصَوَّرٌ كَمَا فِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ الْعِتْقُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا لِوُجُودِ شَرْطِ الْمَجَازِ وَهُوَ تَصَوُّرُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْأَمْرِ بِخِلَافِهِ وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الشُّجَاعُ خَلَفًا عَنْ الْهَيْكَلِ الْمَعْلُومِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ إذْ ذَاكَ تَكُونُ بَيْنَ الْمَعَانِي لَا بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْخَلَفِيَّةِ فِي الْحُكْمِ أَوْ فِي التَّكَلُّمِ مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ يَكُونُ " هَذَا أَسَدٌ " خَلَفًا عَنْ " هَذَا أَسَدٌ " وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَلَفُ مُغَايِرًا لِلْأَصْلِ إذْ الشَّيْءُ لَا يَكُونُ خَلَفًا عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ فِي الْمَحَلَّيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ آثَارَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ قَوْلَك هَذَا أَسَدٌ فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ هُوَ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ وَكَذَا قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي فِي مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ عَلَى الْبُنُوَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ فِي مَحَلِّ الْمَجَازِ فَصَحَّتْ الْخَلَفِيَّةُ.
قَوْلُهُ (وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَيِّنٌ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَخِي عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ صَارَ مُسْتَعَارًا لِحُكْمِهِ أَيْ لِلَازِمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ إذْ هِيَ لَازِمَةُ الْبُنُوَّةِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ (كَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ) يَعْنِي إذَا قَالَ وَهَبْت ابْنَتِي مِنْك أَوْ قَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ يَصِيرُ هَذَا اللَّفْظُ مُسْتَعَارًا لِلنِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ أَصْلًا فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَقَالَا لَفْظُ الْهِبَةِ كَذَا يَعْنِي أَنَّهُمَا لَا يُسَلِّمَانِ عَدَمَ انْعِقَادِهِ لِحُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَيَقُولَانِ إنَّ احْتِمَالَ بَيْعِ الْحُرَّةِ وَهِبَتِهَا ثَابِتٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَاحْتِمَالِ مَسِّ السَّمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَمَلُّكَ الْحُرِّ كَانَ مَشْرُوعًا فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى قَالَ بَنُوهُ {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 75] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِعَارِضٍ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ النَّسْخِ فَأَمَّا هَذَا أَيْ الْبُنُوَّةُ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَمُسْتَحِيلٌ بِمَرَّةٍ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ عَقْلًا وَشَرْعًا عَلَى إنَّا لَمْ نُثْبِتْ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنَّمَا نُثْبِتُهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ بِحَقِيقَتِهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْعَيْنِ، وَمِلْكُ النِّكَاحِ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ مِلْكِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَرْأَةِ تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لِلزَّوْجِ فِي حَقِّ الْوَطْءِ إلَّا أَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَمِلْكُ الْيَمِينِ ثَابِتٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ ذَلِكَ أَحَقَّ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ وَإِلَّا أَثْبَتْنَا مِلْكَ النِّكَاحِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ وَمِلْكُ النِّكَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ مِلْكِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَالْجَوَابُ أَنَّ بَعْدَمَا تَحَقَّقَتْ الِاسْتِحَالَةُ
(2/80)

فَعَتَقَ فِي الْقَضَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي شَرِيعَتِنَا لَا تَصَوُّرَ لِانْعِقَادِهِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا لَوْ ثَبَتَتْ عَقْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ لَمَّا انْتَسَخَ وَلَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلْحِلِّ أَصْلًا لَمْ يَصِرْ حَتَّى شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عِنْدَهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ فَهُنَا أَوْلَى لِارْتِفَاعِ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَلِفِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ مَسُّهُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا.
وَمَا قَالَا: الْهِبَةُ تَعْمَلُ بِحَقِيقَتِهَا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنْ مِلْكِ الطَّلَاقِ وَصِحَّةِ الْإِيلَاءِ وَعَدَمِ صِحَّةِ النَّقْلِ إلَى الْغَيْرِ وَسَائِرِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَتْ عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا لَمَلَكَ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ بِأَسْبَابِ الْمِلْكِ وَلَكَانَ الْعُقْرُ لَهُ فِيمَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَلَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَالْأَمَةِ فَثَبَتَ أَنَّهَا عَامِلَةٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنَّ تَصَوُّرَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْمَجَازِ وَلَمَّا رَجَعَ الشَّيْخُ إلَى كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَعَادَ ذِكْرَهُ فَقَالَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي مُجِيبًا لِكَلَامِهِمَا هَذَا تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ أَيْ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ فَكَانَ الْخَلَفِيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ فَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ لَمْ يَتَوَقَّفْ صِحَّتُهُ عَلَى تَصَوُّرِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ صَحَّ الْإِيجَابُ وَالِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةً نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى وَهُوَ اسْمُ كِتَابٍ لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ أَبِي الْفَضْلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إيجَابَ مَا وَرَاءِ الثَّلَاثِ وَاسْتِثْنَاءَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بَاطِلٌ إذْ لَا مُزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ فَكَانَ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَيَقَعَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ مِنْ حَيْثُ التَّكَلُّمُ وَالِاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي التَّكَلُّمِ بِالْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى صَحَّ الْإِيجَابُ وَالِاسْتِثْنَاءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ وَهِنْدُ أَوْ خَدِيجَةُ أَوْ قَالَ عَبْدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا وَيَزِيعًا وَفَرْقَدَ أَوْ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْعَبِيدِ غَيْرُهُمْ صَحَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحُكْمِ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَا هَذَا أَيْ الْمَجَازُ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفًا فِي التَّكَلُّمِ صَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ هَذَا ابْنِي أَوْ بِهَذَا الطَّرِيقِ لِحُكْمِ حَقِيقَتِهِ أَيْ لِلَازِمِ مَوْضُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ لِإِيجَابِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ أَيْ لِإِثْبَاتِ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَمِنْ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَيْ وَمِنْ لَوَازِمِ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَجَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ إقْرَارًا بِهِ أَيْ بِالْعِتْقِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ فَعَتَقَ الْعَبْدُ فِي الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ (فَعَتَقَ فِي الْقَضَاءِ) يَعْنِي لَمَّا صَارَ قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ لَا إنْشَاءً لِعِتْقٍ فِي الْحَالِ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ صَرِيحًا كَاذِبًا وَكَلَامُ الشَّيْخِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْإِقْرَارِ كَاذِبًا وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ بِمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَقَالَ.
فَإِنْ قِيلَ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِإِنْشَاءِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ لِلْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَقِيقَةِ إخْبَارُ الْإِنْشَاءِ وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ مَعْنَاهُ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَهَذَا إقْرَارٌ وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَبْطُلُ بِالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَحُكْمُ الْإِنْشَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا وَجْهَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ وَلَمْ يُوجَدْ إعْتَاقٌ مِنْ جِهَةِ
(2/81)

بِخِلَافِ النِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ لَا بِمَعْنَاهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِعَارَةُ لِتَصْحِيحِ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي نِدَاؤُهُ وَخَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّحْرِيرِ فَصَارَ عَيْنُهُ قَائِمًا مَقَامَ مَعْنَاهُ فَصَارَ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا بِكُلِّ حَالٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
السَّيِّدِ وَالْإِقْرَارُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ دَلِيلُ الْكَذِبِ يَبْطُلُ كَالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ فَإِذَا كَانَ كَذِبًا بِيَقِينٍ أَوْلَى أَنْ يُبْطِلَ قُلْنَا هَذَا مَجَازٌ لِلْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ حِينِ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ وَالْهَزْلِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ.
وَقَوْلُهُ إنَّهُ كَذِبٌ بِيَقِينٍ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ قُلْنَا الِاسْتِحَالَةُ فِي الْبُنُوَّةِ لَا فِي الْحُرِّيَّةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَلَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ مُحَالًا وَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِعْتَاقُ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِقْرَارُ قُلْنَا لَوْ صَرَّحَ بِهَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَبْدُهُ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ إنْ كَانَ صَادِقًا بِأَنْ سَبَقَ مِنْهُ إعْتَاقٌ يَعْتِقُ الْعَبْدُ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ إعْتَاقٌ لَا يَعْتِقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا هُنَا.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ النِّدَاءِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ يَا ابْنِي لَا يَعْتِقُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَلَى مَا ذَكَرْت يَلْزَمُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ يَا حُرُّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ فَقَالَ لَا يَلْزَمُ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ لَا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الِاسْمِ فِي الْمُنَادَى أَلَا تَرَى أَنَّك تُنَادِي رَجُلًا فَتَقُولُ يَا حَسَنُ وَيَكُونُ قَبِيحًا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لِتَحْقِيقِ الْمَعْنَى فِي الْمُنَادَى لَمْ نَشْتَغِلْ بِتَصْحِيحِهِ بِإِثْبَاتِ مُوجِبِهِ اللُّغَوِيِّ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ فَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ وُضِعَ لِتَحْقِيقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ إنْ أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا حُرُّ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ يَعْتِقُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ فَاسْتَوَى النِّدَاءُ وَالْخَبَرُ وَعَلَى مَا ذَكَرْت يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتِقَ فِي النِّدَاءِ فَقَالَ إنَّمَا اسْتَوَى النِّدَاءُ وَالْخَبَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّحْرِيرِ وَعَلَمٌ لِإِسْقَاطِ الرِّقِّ بِهِ فَكَأَنَّ عَيْنَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ مَعْنَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَبِّحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَبْدِي حُرٌّ يَعْتِقُ فَكَانَ الْمَعْنَى مَطْلُوبًا مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ فَلِهَذَا يَعْتِقُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ جُعِلَ اسْمُ عَبْدِهِ حُرٌّ أَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ ثُمَّ نَادَاهُ بِهِ فَقَالَ يَا حُرُّ لَمْ يَعْتِقْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ مَعْرُوفًا لَهُ يَعْتِقُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إيجَابَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنِي فَإِنَّهُ نِدَاءٌ بِوَصْفٍ لَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ فِيهِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ فَصَارَ الضَّابِطُ أَنَّ النِّدَاءَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِوَصْفِهِ الْقَائِمِ بِهِ إنْ كَانَ ثَابِتًا كَقَوْلِهِ يَا طَوِيلُ يَا أَسْوَدُ وَهُوَ طَوِيلٌ أَوْ أَسْوَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِهِ فَإِنْ كَانَ وَصْفًا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُنَادَى يَثْبُتُ اقْتِضَاءً كَقَوْلِهِ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ اسْتِحْضَارًا لِلْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ كَقَوْلِهِ يَا طَوِيلُ وَهُوَ قَصِيرٌ وَقَوْلِهِ يَا ابْنِي الْأَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ الْأَصْغَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ أَصْلًا فَلَمْ يَصِحَّ التَّكَلُّمُ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِجَعْلِهِ عِبَارَةً عَنْ لَازِمِ حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فَيَلْغُو ضَرُورَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا أَخِي فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ لِلْأُخُوَّةِ فِي مِلْكِهِ مُوجِبًا وَهُوَ الْعِتْقُ فَيُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
(2/82)

وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعَارَ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ وَالْمُشْتَرَكِ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِدُونِ الْبَيَانِ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي يَعْتِقُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ وَلِأَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاوِرَةٍ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ نَصًّا وَلَا تَثْبُتُ بِمَا ذُكِرَ أَيْضًا فَلَمْ يَصِرْ الْعِتْقُ بِدُونِ الْوَاسِطَةِ حُكْمَ نَصِّهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ كِنَايَةً عَنْهُ كَشِرَاءِ الْأَبِ لَا يَكُونُ إعْتَاقًا إلَّا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَمَتَى لَمْ يُوجِبْ الشِّرَاءُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ إعْتَاقًا.
وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا جَدِّي؛ لِأَنَّ الْجَدَّ إنَّمَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْأَبِ فَمَا لَمْ يُثْبِتْ الْوَاسِطَةَ نَصًّا أَوْ مُقْتَضَى ثُبُوتِ النَّسَبِ لَمْ يُوجِبْ عِتْقًا فِي مِلْكِهِ فَلَا يَصِيرُ حُكْمًا لَهُ فَلَا يَصِيرُ كِنَايَةً عَنْهُ فَأَمَّا الْوِلَادُ فَنَفْسُهُ عِلَّةُ الْعِتْقِ مَعَ الْمِلْكِ وَقَدْ نَطَقَ بِالْوِلَادِ وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ فَيَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ أَنْ لَا رِوَايَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا جَدِّي فَنَقُولُ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ هَذِهِ بِنْتِي فَلَا يُوجِبُ الْعِتْقَ وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ بِنْتِي حُكْمُهُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ بِجِهَةِ الْبِنْتِيَّةِ وَهَذَا الذَّاتُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِتِلْكَ الْحُرِّيَّةِ أَصْلًا فَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعِتْقِ إلَى الْحِمَارِ فَتَلْغُو.
وَلِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمُسَمَّى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِذَا هُوَ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِوُجُودِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ زُجَاجٌ لَا يَنْعَقِدُ لِعَدَمِ الْمُسَمَّى وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْعَبْدِ وَسُمِّيَ أُنْثَى فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ إيجَابًا وَلَا إقْرَارًا فِي الْمَعْدُومِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْبِنْتَ مَجَازًا لِلِابْنِ بِوَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا قَالَ فَقَأْت عَيْنَك وَعَيْنَاهُ صَحِيحَتَانِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ الْأَرْشِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْفُقَهَاء؛ لِأَنَّ الفقاء لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أَرْشًا فِي حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ ضَرْبٌ حَتَّى ذَهَبَ نُورَ الْعَيْنِ وَوَجَبَ الْأَرْشُ ثُمَّ بَرَأَتْ وَعَادَ نُورُهَا أَوْ كَانَ قَلَعَ سِنًّا فَيَثْبُتُ لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِيَ شَيْءٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ لَمْ يُوجِبْ أَرْشًا حَالَ عَدَمِ أَثَرِهَا فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ كِنَايَةً عَنْهُ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَدْفَعُ النُّقُوضَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ) أَيْ بَابِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ مِنْ حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مَتَى أَمْكَنَ سَقَطَ الْمَجَازُ يَعْنِي إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَاللَّفْظُ لِحَقِيقَتِهِ إلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا كَقَوْلِهِ رَأَيْت الْيَوْمَ حِمَارًا أَوْ اسْتَقْبَلَنِي أَسَدٌ فِي الطَّرِيقِ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَلِيدِ وَالشُّجَاعِ إلَّا بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَاللَّفْظُ لِلْبَهِيمَةِ وَالسَّبُعِ وَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا يَجِبُ الْوَقْفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا وَأَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَجَازُ كَمَا أَمْكَنَ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْآخَرِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْحَقِيقَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجَازَ الَّذِي قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعُرْفُ وَالِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَعُلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ حَقِيقَةً لَا يُؤَثِّرُ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى لِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَإِذَا حُمِلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْغَالِبِ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ
(2/83)

وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْأَقْرَاءِ أَنَّهَا الْحَيْضُ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ لِلْحَيْضِ حَقِيقَةٌ وَلِلطُّهْرِ مَجَازٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمْعِ وَهُوَ مَعْنَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لُغَةً وَذَلِكَ صِفَةُ الدَّمِ الْمُجْتَمِعِ فَأَمَّا الطُّهْرُ فَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ بِالْمُجَاوِرَةِ مَجَازًا وَلِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْءِ الِانْتِقَالُ يُقَالُ قَرَأَ النَّجْمُ إذَا انْتَقَلَ وَالِانْتِقَالُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ فَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَالَ التَّسَاوِي لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ إنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ لِلْمَعْنَى لِيَكْتَفِيَ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا سَمِعْتُمْ أَنِّي تَكَلَّمْت بِهَذَا اللَّفْظِ فَاعْلَمُوا أَنِّي عَنَيْت بِهِ هَذَا الْمَعْنَى فَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ وَجَبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُبَادَرَةَ الذِّهْنِ إلَى فَهْمِ الْحَقِيقَةِ أَقْوَى مِنْ مُبَادَرَتِهِ إلَى فَهْمِ الْمَجَازِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.
وَقَوْلُهُمْ هُمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِعْمَالِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا يُفْهَمُ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْضَمُّ إلَيْهِ فَأَنَّى يَتَسَاوَيَانِ وَإِذَا لَمْ يَتَسَاوَيَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ أَوْلَى بِاللَّفْظِ مِنْ الْمَعْنَى الْعَارِضِ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ نَظِيرُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُنَا فِي الْأَقْرَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي النَّصِّ إنَّهَا الْحَيْضُ لَا الْأَطْهَارُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الْأَقْرَاءِ دُونَ الْقُرُوءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقُرُوءِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ جَمْعُ الْقِلَّةِ.
قَوْلُهُ (؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ لِلْحَيْضَةِ حَقِيقَةٌ وَلِلطُّهْرِ مَجَازٌ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْقُرْءَ اُسْتُعْمِلَ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» يَعْنِي أَيَّامَ حَيْضِك وَقَالَ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» يَعْنِي الطُّهْرَ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَا رُبَّ مَوْلًى حَاسِدٍ مُبَاغَضٍ ... عَلَى ذِي ضِغْنٍ وَضَبٍّ فَارِضٍ
لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ
وَقَال َ الْأَعْشَى:
أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا غَرِيمَ غِرَائِكَا
مُورِثَةً مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
وَأَرَادَ بِهِ الطُّهْرَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الَّذِي يَضِيعُ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ الزَّوْجِ وَأَمَّا الْحَيْضُ فَضَائِعٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَلَكِنَّ الِاشْتِبَاهَ وَالْخِلَافَ فِي أَنَّ الِاسْتِعْمَالَيْنِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَبِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الِاسْتِعْمَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُطْلَقِ الِاسْتِعْمَالِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَجَازِ لَا يَكُونُ بِدُونِ قَرِينَةٍ فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي نَظَائِرِ الْمُشْتَرَكِ وَبِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيْضِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفِي الطُّهْرِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ هَهُنَا بِقَوْلِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَذَا يَعْنِي هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَقِيقَةً فِي الْحَيْضِ مَجَازًا فِي الطُّهْرِ وَإِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ عِنْدِي فَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَا لَا يُنَاقِضُ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
ثُمَّ ذَكَرَ لِلِاشْتِقَاقِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ يُقَالُ قَرَأْت الشَّيْءَ قُرْآنًا أَيْ جَمَعْته وَضَمَمْت بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَيُقَالُ مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًا قَطُّ وَمَا قَرَأَتْ جَنِينًا أَيْ لَمْ تَضُمَّ رَحِمَهَا عَلَى وَلَدٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا
وَحَقِيقَةُ الِاجْتِمَاعِ فِي الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِدَمٍ مُجْتَمِعٍ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ نَفْسَ الدَّمِ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى تَدُومَ فَأَمَّا الطُّهْرُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ مُجْتَمِعٍ وَلَكِنَّهُ حَالَ اجْتِمَاعِ دَمِ الْحَيْضِ فِي الرَّحِمِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي زَمَانِ الطُّهْرِ ثُمَّ يَدِرُّ فَكَانَ الِاسْمُ لِلدَّمِ الْمُجْتَمِعِ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً وَلِزَمَانِ اجْتِمَاعِ الدَّمِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوِرَةِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْقُرْءِ وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقُرْءَ
(2/84)

وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ لِمَا يَنْعَقِدُ حَقِيقَةٌ وَلِلْغُرْمِ مَجَازٌ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِلْجَمْعِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَطْءِ وَيُسَمَّى الْعَقْدُ بِهِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ حَتَّى يُسَمَّى الْوَطْءُ جِمَاعًا فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى وَأَمْثِلَةُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَالْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ زَمَانَ الطُّهْرِ هُوَ الْجَامِعُ لِلدَّمِ فَكَانَ الطُّهْرُ أَحَقَّ بِهَذَا الِاسْمِ وَكَانَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْحَيْضِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِلْمُجَاوَرَةِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلَى الِانْتِقَالِ أَيْضًا يُقَالُ قَرَأَ النَّجْمُ إذَا انْتَقَلَ وَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْتَقِلُ عَنْ الطُّهْرِ إلَى الْحَيْضِ وَعَنْ الْحَيْضِ إلَى الطُّهْرِ غَيْرَ أَنَّ الطُّهْرَ أَصْلٌ وَالْحَيْضَ عَارِضٌ فَحَقِيقَةُ الِانْتِقَالِ تَكُونُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ إذْ لَوْلَا الْحَيْضُ لَمَا وُجِدَ الِانْتِقَالُ فَيَكُونُ الِاسْمُ لِلْحَيْضِ حَقِيقَةً وَلِلطُّهْرِ مَجَازًا لِلْمُجَاوِرَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ مُجَاوِرٌ لِلْحَيْضِ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ أَنَّ الطُّهْرَ لَا يَأْخُذُ اسْمَ الْقُرْءِ إلَّا بِمُجَاوِرَةِ الدَّمِ فَإِنَّ كُلَّ طُهْرٍ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْءِ وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَالطُّهْرُ أَحَدُ اسْمِ الْقُرْءِ لِأَجَلِ الدَّمِ، وَالدَّمُ يَسْتَحِقُّهُ لِنَفْسِهِ فَكَانَ جَعْلُهُ اسْمًا لِلدَّمِ أَوْلَى.
قَالَ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ أَوَّلُ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ وَأَوَّلُ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْأَصْلِيَّ لَا يُسَمَّى قُرْءًا وَإِنَّمَا الْقُرْءُ هُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ الِانْتِقَالُ أَوَّلًا إلَى الْحَيْضِ ثُمَّ مِنْهُ إلَى الطُّهْرِ فَاسْتَحَقَّ الِاسْمَ قَبْلَ الطُّهْرِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْأَصَالَةِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ) إلَى آخِرِهِ لَا كَفَّارَةٌ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] وَالْغَمُوسُ مَعْقُودَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَهُوَ قَصْدُهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْعَزِيمَةُ عَقِيدَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ اللَّغْوُ مَا جَرَى عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعِنْدَنَا الْعَقْدُ هُوَ رَبْطُ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ لِإِيجَابِ حُكْمٍ، نَحْوُ رَبْطِ لَفْظِ الْيَمِينِ بِالْخَبَرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ لِإِيجَابِ الصِّدْقِ مِنْهُ وَتَحْقِيقِهِ وَرَبْطُ الْبَيْعِ بِالشِّرَاءِ لِإِيجَابِ الْمِلْكِ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ عَقْدُ الْحَبْلِ وَهُوَ شَدُّ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَضِدُّهُ الْحَلُّ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْأَلْفَاظِ الَّتِي عُقِدَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِإِيجَابِ حُكْمٍ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِهَذَا الرَّبْطِ وَهُوَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ فَصَارَ عَقْدُ اللَّفْظِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ بِدَرَجَةٍ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَحَقَّ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِمَا يَنْعَقِدُ حَقِيقَةً أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ) لَفْظُ النِّكَاحِ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْوَطْءِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ» وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا سَقَى اللَّهُ أَرْضًا صَوْبَ غَادِيَةٍ ... فَلَا سَقَى اللَّهُ أَرْضَ الْكُوفَةِ الْمَطَرَا
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمْ ... وَالنَّاكِحِينَ بِشَطْأَيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
يُحِبُّ الْمَدِيحَ أَبُو خَالِدٍ ... وَيَهْرُبُ مِنْ صِلَةِ الْمَادِحِ
كَبِكْرٍ تُحِبُّ لَذِيذَ النِّكَاحِ ... وَتَهْرُبُ مِنْ صَوْلَةِ النَّاكِحِ
وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] .
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكْثُرُوا» وَيُقَالُ كُنَّا فِي نِكَاحِ فُلَانٍ إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْوَطْءِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَعْنَوِيٌّ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ يُقَالُ انْكِحْ الصَّبْرَ أَيْ الْتَزِمْهُ وَضُمَّهُ إلَيْك وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَنْكَحْنَا الْفَرِيَّ فَسَنَرَى أَيْ جَمَعْنَا بَيْنَ الْعِيرِ وَالْحِمَارِ فَسَنَرَى مَا يَحْدُثُ كَذَا قِيلَ وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
أَنْكَحْت ضَمَّ صَفَاهَا حَفَّ يَعْمَلُهُ ... تَغَشْمَرَتْ بِي إلَيْك السَّهْلَ وَالْجَبَلَا
أَيْ أَلْزَمْت وَضَمَمْت وَمَعْنَى الضَّمِّ وَالْجَمْعِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَقِيقَةً فِي
(2/85)

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الدَّعْوَى فِي رَجُلٍ لَهُ أَمَةٌ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَالَ الْمَوْلَى أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْوَطْءِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الذَّاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ جِمَاعًا وَفِي الْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى ذَلِكَ الضَّمِّ، أَوْ لِأَنَّ فِيهِ ضَمًّا حُكْمِيًّا فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ حَمْلَ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] عَلَى الْوَطْءِ كَمَا حَمَلَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِيَثْبُتَ بِإِطْلَاقِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْعَقْدِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا كَذَا قِيلَ وَلَكِنَّ عَامَّةَ مَشَايِخِنَا وَجُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْعَقْدُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكَاحِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا فِي مَعْنَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَمِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ الْكِنَايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمُمَاسَّةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْقُرْبَانِ وَالتَّغَشِّي وَالْإِتْيَانِ.
وَقَوْلُهُ حَتَّى سُمِّيَ الْوَطْءُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْوَطْءِ (فَإِنْ قِيلَ) فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمِثَالَيْنِ اسْتِعَارَةُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ، وَقَدْ أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ (قُلْنَا) الْمُسَبَّبُ مَخْصُوصٌ بِالسَّبَبِ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ فَكَانَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهُ لِلسَّبَبِ كَاسْتِعَارَةِ اسْمِ الْمَعْلُولِ لِلْعِلَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ انْعِقَادُ اللَّفْظَيْنِ لَا يَصِيرُ عَقْدًا حَقِيقَةً إلَّا بِعَزِيمَةِ الْقَلْبِ وَقَصْدِهِ إذْ اللِّسَانُ مُعَبِّرٌ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ مَنْ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَكَذَا الْوَطْءُ الْمَقْصُودُ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيه الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ، وَوَطْءُ الْإِمَاءِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَهُوَ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ عَلَى مَا عُرِفَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَمَحُّلٍ وَتَكَلُّفٍ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يُزَاحِمُ الْحَقِيقَةَ وَلَا يُعَارِضُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى آخِرِهِ أَمَةٌ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ وَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ: أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ نَسَبَهُ مَجْهُولٍ، وَنَسَبُ الْمَجْهُولِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ مَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخَطَرِ الْبَيَانِ وَالنَّسَبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ.
وَتَعْتِقُ الْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهَا بِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ وَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ إذَا لَمْ تَعْمَلْ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ كَانَ إقْرَارًا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى أَصْلِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَحَدُهُمْ حُرٌّ فَيَعْتِقُ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ ثُلُثُهُ وَمِنْ الْأَوْسَطِ نِصْفُهُ وَالْأَصْغَرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا عَلَى حُكْمِ الْوِلَادِ يَلْغُو أَصْلًا وَمَتَى أَمْكَنَ مِنْ وَجْهٍ نَزَلَ الْعِتْقُ عَلَى حُكْمِ الْوِلَادِ كَأَنَّهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا فِي مَعْرُوفِ النَّسَبِ إذَا ادَّعَاهُ الْمَوْلَى أَنَّهُ ابْنُهُ يَعْتِقُ وَلَا يُقْضَى بِالنَّسَبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَ هَهُنَا مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يُقْضَى بِالنَّسَبِ لِلْجَهَالَةِ وَلَكِنَّ الْوِلَادَ مُمْكِنٌ عَلَى مَا ادَّعَى فَيَنْزِلُ الْعِتْقُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَإِذَا نَزَلَ عَلَى اعْتِبَارِهِ عَتَقَ مِنْ الْأَكْبَرِ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَنَاهُ عَتَقَ وَلَا يَعْتِقُ إنْ عَنَى الْآَخَرَيْنِ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأَوْسَطِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ إنْ عَنَاهُ وَكَذَا إنْ عَنَى الْأَكْبَرَ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ فَيَعْتِقُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى كَمَا تَعْتِقُ أُمُّهُ وَلَا تَعْتِقُ إنْ عَنَى الْأَصْغَرَ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ بِخِلَافِ أَحْوَالِ الْحِرْمَانِ فَلِهَذَا يَعْتِقُ نِصْفُهُ.
وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَهُوَ حُرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا أَنَّ
(2/86)

وَلَا يُعْتَبَرُ مَا يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ حَتَّى يَعْتِقَ الثَّالِثُ كُلُّهُ وَنِصْفُ الثَّانِي كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ إصَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ فِي مُقَابَلَةِ إصَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَأَمْثِلَةُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى.

وَإِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ أَمَّا الْمُتَعَذِّرُ فَمِثْلُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ الْكَرْمَةِ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَتَّخِذُ مِنْهُ مَجَازًا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ أَوْ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَائِمَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَقَعَ عَلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُتَعَذِّرَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْكَرْعِ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ لِمَا قُلْنَا وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَكَلَ عَيْنَ الدَّقِيقِ أَوْ تَكَلَّفَ فَكَرَعَ مِنْ الْبِئْرِ فَقِيلَ لَمَّا كَانَ مُتَعَذِّرًا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْأَحْوَالَ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْحُرِّيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ وَحُكْمُهَا مُخْتَلِفٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مَقْصُودًا بِالدَّعْوَةِ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ غَيْرَهُ كَانَتْ حُرِّيَّتُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأُمِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا أَوْ تَبَعًا مُنَافَاةٌ وَكَذَلِكَ بَيْنَ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَحُرِّيَّةِ الْعِتْقِ مُنَافَاةٌ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ جَمِيعًا فَلِهَذَا قَالَ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا يُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ) يَعْنِي الْأَوْسَطَ وَالْأَصْغَرَ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ لِأَنَّ إصَابَتَهُ أَيْ إصَابَةَ الْعِتْقِ إيَّاهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِوَاسِطَةٍ وَمُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا تَوَقُّفَ الْمَجَازِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَا يُصِيبُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إلَّا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ يَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ الْمَوْلَى فَيَكُونُ حُرًّا كُلُّهُ أَوْ لَا يَكُونُ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ فَلِهَذَا عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ.

[إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ]
قَوْلُهُ (مُتَعَذِّرَةٌ أَوْ مَهْجُورَةٌ) الْمُتَعَذِّرَةُ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ كَأَكْلِ النَّخْلَةِ، وَالْمَهْجُورَةُ مَا يَتَيَسَّرُ إلَيْهِ الْوُصُولُ وَلَكِنَّ النَّاسَ تَرَكُوهُ كَوَضْعِ الْقَدَمِ وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُتَعَذِّرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَإِنْ تَحَقَّقَ وَالْمَهْجُورُ قَدْ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ إذَا صَارَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ) إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَيَمِينُهُ تَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ كَالرِّيبَاسِ وَقَصَبِ السُّكْرِ الرَّطْبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلَى ثَمَرَتِهَا إنْ كَانَتْ لَهَا ثَمَرَةٌ كَالنَّخْلَةِ وَالْكَرْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَرَةٌ فَعَلَى ثَمَنِهَا كَالْخِلَافِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَأَمَّا إذَا نَوَى شَيْئًا فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى إنْ كَانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ) إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ وَهِيَ مَلِيءٍ فَيَمِينُهُ تَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا عَلَى الِاغْتِرَافِ وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ عَلَى الِاغْتِرَافِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَلِئَ فَيَمِينُهُ عَلَى الِاغْتِرَافِ لَا عَلَى الْكَرْعِ بِالِاتِّفَاقِ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ فَإِنْ تَكَلَّفَ فَكَرَعَ مِنْهَا قِيلَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا صَارَتْ مَوْجُودَةً لَمْ تَبْقَ مُتَعَذِّرَةً فَكَانَ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَلِأَنَّهَا إذَا صَارَتْ مَوْجُودَةً وَانْتَفَى التَّعَذُّرُ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ الْمَجَازِ هُوَ شُرْبُ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْبِئْرِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْفُرَاتِ عِنْدَهُمَا وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَمَّا صَارَ مُرَادًا لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْمَجَازِ وَهُوَ إرَادَةُ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْفُرَاتِ تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْكَرْعُ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ فَمَجَازُهَا وَهُوَ إرَادَةُ الِاغْتِرَافِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَقِيقَةَ فَلَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ.
وَإِنَّمَا جَعَلَ كَلَامَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفُرَاتِ عِبَارَةً عَنْ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَهِيَ الْكَرْعُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا كَالِاغْتِرَافِ فَجُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلْفُرَاتِ لِيَتَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ فَالْحَقِيقَةُ فِيهَا مُتَعَذِّرَةٌ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ الْعُرْفُ فِيهَا الِاغْتِرَافُ لَا غَيْرُ فَجُعِلَ كَلَامُهُ عِبَارَةً عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْكَرْعُ
(2/87)

فَلَا يَحْنَثُ وَقِيلَ بَلْ الْحَقِيقَةُ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ فَيَحْنَثُ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فُلَانَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ فَإِنْ زَنَى بِهَا لَمْ يَحْنَثْ فَأَسْقَطُوا حَقِيقَتَهُ وَأَمَّا الْمَهْجُورَةُ فَمِثْلُ مَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ وَالْمَجَازُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَهُوَ الدُّخُولُ فَحَنِثَ كَيْفَ دَخَلَ وَمِثَالُهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ صُرِفَ إلَى جَوَابِ الْخَصْمِ مَجَازًا فَيَتَنَاوَلُ الْإِنْكَارَ وَالْإِقْرَارَ بِإِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا مِثْلُ الْمَهْجُورِ عَادَةً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ هَذَا الصَّبِيُّ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِصِبَاهُ؛ لِأَنَّ هِجْرَانَ الصَّبِيِّ مَهْجُورٌ شَرْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ) إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَوْ لِمَنْكُوحَتِهِ إنْ نَكَحْتُك فَكَذَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْوَطْءِ لِمَا مَرَّ أَنَّ النِّكَاحَ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةٌ وَلِلْعَقْدِ مَجَازٌ فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ أَبَانَ الْمَنْكُوحَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا وَعَقْلًا فَإِنْ زَنَى بِهَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لِتَعَذُّرِهِ شَرْعًا فَكَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَهْجُورَ عَادَةً كَالْمَهْجُورِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ (التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ) إلَى آخِرِهِ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا فَأَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلَ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ الْمُنَازَعَةُ وَالْمُشَاجَرَةُ وَالْإِقْرَارُ مُسَالَمَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَكَانَ ضِدَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَالتَّوْكِيلُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّا تَرَكْنَا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَجَعَلْنَا كَلَامَهُ تَوْكِيلًا بِالْجَوَابِ مَجَازًا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ سَبَبُ الْجَوَابِ أَوْ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْهُ الْخُصُومَةُ بَعْضُ الْجَوَابِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْإِنْكَارُ وَالْإِقْرَارُ وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا يَصِحُّ شَرْعًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يُتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمُوَكِّلِ الْجَوَابُ لَا الْإِنْكَارُ فَإِنَّهُ إذَا عُرِفَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ شَرْعًا وَتَوْكِيلُهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَالدِّيَانَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ قَصْدِ ذَلِكَ فَكَانَ مَهْجُورًا شَرْعًا وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عَادَةً فَلِهَذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَجَازِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ بَيْعُهُ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً لِتَصْحِيحِ عَقْدِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا فَيَمْلِكُ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لَهُ وَالْمُوَكِّلُ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَا الْوَكِيلُ وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يُسَمَّى خُصُومَةً مَجَازًا إذَا حَصَلَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَتَّبَ عَلَى خُصُومَةِ الْآخَرِ إيَّاهُ يُسَمَّى بِاسْمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وَالْمُجَازَاةُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً وَلِأَنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مَجْلِسُ الْخُصُومَةِ فَمَا يَجْرِي فِيهِ يُسَمَّى خُصُومَةً مَجَازًا وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَإِلَى قَوْلِهِمَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ صُرِفَ إلَى جَوَابِ الْخَصْمِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْخَصْمِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ (لَمْ يَتَقَيَّدْ بِزَمَانِ صِبَاهُ) إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانِ صِبَاهُ حَتَّى لَوْ كَلَّمَهُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَحْنَثُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ مَتَى عُقِدَتْ عَلَى شَيْءٍ بِوَصْفٍ فَإِنْ صَلَحَ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ يَتَقَيَّدُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُنَكَّرًا أَوْ مُعَرَّفًا احْتِرَازٌ عَنْ الْإِلْغَاءِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ هَذَا الرُّطَبَ يَتَقَيَّدُ بِالْوَصْفِ حَتَّى لَوْ أَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ لَنْ يَضُرَّهُ أَكْلُ الرُّطَبِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ فَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُنَكَّرًا يَتَقَيَّدُ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ إذْ ذَاكَ يَصِيرُ مَقْصُودًا بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ تُرِك اعْتِبَارُهُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ ضَرُورَةً كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ جَمْلٍ فَأَكَلَ لَحْمَ كَبْشٍ
(2/88)

وَعَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ يَخْرُجُ قَوْلُهُمْ فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ - وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ -: هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يَعْتِقُ عَمَلًا بِحَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَالنَّسَبُ قَدْ يَثْبُتُ مِنْ زَيْدٍ وَيَشْتَهِرُ مِنْ عَمْرٍو فَيَكُونُ الْمُقِرُّ مُصَدَّقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الدَّعْوَى وَالْعَتَاقِ أَنَّ الْأُمَّ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالْإِشَارَةِ لَا يَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِالْوَصْفِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ كَبْشًا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لِلتَّقْيِيدِ أَوْ التَّعْرِيفِ وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّقْيِيدِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْحَمَلِ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ يَكُونُ أَشَدَّ امْتِنَاعًا مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْكَبْشِ وَلَا لِلتَّعْرِيفِ أَيْضًا لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِمُعَرِّفٍ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إذْ هِيَ فَوْقَ الْوَصْفِ فِي التَّعْرِيفِ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ الذَّاتِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا آكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا عَرَفْت هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ بِوَصْفِ الصِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْحَلِفِ بِتَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ الصِّبْيَانِ لِسَفَاهَتِهِمْ وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ وَسُوءِ آدَابِهِمْ كَوَصْفِ الرُّطُوبَةِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ صَبِيًّا إلَّا أَنَّ هِجْرَانَ الصَّبِيِّ بِتَرْكِ الْكَلَامِ مَعَهُ حَرَامٌ مَهْجُورٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِي تَرْكِ الْكَلَامِ تَرْكُ التَّرَحُّمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَهْجُورِ عَادَةً فَيَتْرُكُ الْحَقِيقَةَ وَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الذَّاتَ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْم الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ فَإِذَا كَلَّمَهُ بَعْدَ زَوَالِ الصِّفَةِ يَحْنَثُ لِبَقَاءِ الذَّاتِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ صَبِيًّا حَيْثُ يَتَقَيَّدُ بِالصِّبَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا مَهْجُورًا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْحَلِفِ لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُعَرِّفُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا فَيَجِبُ تَقْيِيدُ الْيَمِينِ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَمَنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ خَمْرًا أَوْ لَيَسْرِقَنَّ اللَّيْلَةَ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِصَيْرُورَةِ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ مَقْصُودَيْنِ بِالْيَمِينِ فَيَحْنَثُ إنْ لَمْ يَشْرَبْ أَوْ لَمْ يَسْرِقْ كَذَا هُنَا.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعْمَلَ فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لَا بِالْمَجَازِ يُخَرَّجُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ إثْبَاتَ الْعِتْقِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَا بِطَرِيقِ أَنَّ اللَّفْظَ صَارَ مَجَازًا لِلتَّحْرِيرِ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ مُمْكِنٌ فَإِنَّ النَّسَبَ قَدْ يَثْبُتُ مِنْ زَيْدٍ بِأَنْ كَانَ الْفِرَاشُ لَهُ فِي الْبَاطِنِ بِأَنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ حَقِيقَةً وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِثْبَاتُ لِعَارِضٍ وَيَشْتَهِرُ مِنْ عَمْرٍو لِوُجُودِ ظَاهِرِ الدَّلِيلِ فَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَكِنْ يُصَدَّقُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ مِنْهُ فَيَثْبُتُ أَحْكَامُ النَّسَبِ فِي حَقِّهِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجَارِيَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَوْ صَارَ مَجَازًا لَمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَلْ إنَّمَا يَعْتِقُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَالَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ الثُّلُثُ وَمِنْ الثَّانِي النِّصْفُ وَكُلُّ الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ الْعِتْقُ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَمَا عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا الثُّلُثُ كَمَا لَوْ أَنْشَأَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمْ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمَا كَانَ الْعِتْقُ مِنْهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ عُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ بِاحْتِمَالِ النَّسَبِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي صِحَّتِهِ لِيَسْتَقِيمَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ وَقِيمَتُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ سِتَّةَ أَسْهُمٍ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَأَقَلُّهُ سِتَّةٌ ثُمَّ يَجْمَعُ سِهَامَ الْعِتْقِ وَهِيَ سَهْمَانِ وَثَلَاثَةٌ وَسِتَّةٌ فَتَبْلُغُ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَقَدْ ضَاقَ ثُلُثُ الْمَالِ وَهُوَ سِتَّةٌ عَنْهُ فَيَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا فَيَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى
(2/89)

قَالَ فِي الْجَامِعِ فِي عَبْدٍ لَهُ ابْنٌ وَلِابْنِهِ ابْنَانِ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَ وَكُلُّهُمْ يَصْلُحُ ابْنًا لَهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ رُبُعُهُ وَمِنْ الثَّانِي ثُلُثُهُ وَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الْجَوَابُ لَوْ كَانَ لِابْنِ الْعَبْدِ ابْنٌ وَاحِدٌ وَكُلُّهُمْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الْأَوَّلِ ثُلُثُهُ وَمِنْ الثَّانِي نِصْفُهُ وَمِنْ الثَّالِثِ كُلُّهُ لِاحْتِمَالِ النَّسَبِ وَلَوْ كَانَ تَحْرِيرُ الْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي تِسْعَةٍ وَمِنْ الْأَوْسَطِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي ثَمَانِيَةٍ وَمِنْ الْأَصْغَرِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ لِيَسْتَقِيمَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ فِي الْجَامِعِ كَذَا) رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ وَلِعَبْدِهِ ابْنٌ وَلِلِابْنِ ابْنَانِ فِي بَطْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَقَالَ الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَإِنَّ مِنْ الْأَوَّلِ يَعْتِقُ مِنْهُ رُبُعُهُ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي وَمِنْ الثَّانِي ثُلُثُهُ وَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآَخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَوْ كَانَا مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ يَعْتِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخِرِ فِي النَّسَبِ أَمَّا النَّسَبُ فَلَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ فِي الْمَجْهُولِ لَبَقِيَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ وَتَعْلِيقُ النَّسَبِ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ كَانَ وَالتَّعْلِيقُ فِي أَمْرٍ مَعْدُومٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودُ أَمَّا الْعِتْقُ فَقَدْ قِيلَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُهُمَا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ كَلِمَةَ النَّسَبِ عِبَارَةً عَنْ التَّحْرِيرِ لَمَّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ النَّسَبِ فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ جِهَةُ النَّسَبِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدِ ثُلُثُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ جِهَةُ النَّسَبِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ جِهَةَ النَّسَبِ إذَا احْتَمَلَتْ الصِّحَّةَ لَمْ يُجْعَلْ لَغْوًا عِنْدَهُمْ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يَعْتِقُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِاحْتِمَالِ النَّسَبِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَلَيْسَ هَذَا كَمَسْأَلَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ لَهُمْ عَلَى احْتِمَالِ النَّسَبِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِيمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَأَمَّا الْعِتْقُ هَهُنَا فَلَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ حُرًّا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِجِهَةِ النَّسَبِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ ابْنَهُ لَكَانَ أَوْلَادُهُ حَفَدَةً لَهُ وَهُمْ فِي مِلْكِهِ فَيَعْتِقُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْجَمْعُ وَيُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إنَّ الْأَوَّلَ يَعْتِقُ فِي حَالٍ وَلَا يَعْتِقُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ فَيَعْتِقُ رُبُعُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْتِقُ فِي حَالَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ وَلَا يَعْتِقُ فِي حَالَيْنِ بِأَنْ يُرَادَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ أَوْ الْأَصْغَرُ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُ وَأَحَدُ الْآخَرِينَ حُرٌّ بِيَقِينٍ بِأَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَخُوهُ لَمْ يَعْتِقْ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَعْتِقُ فِي حَالٍ وَلَا يَعْتِقُ فِي حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهُ فَصَارَ لَهُمَا رَقَبَةٌ وَنِصْفٌ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ هُوَ الْحُرُّ كُلُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحُرُّ نِصْفُهُ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَمَا قُلْنَا إنَّ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ رِوَايَةُ الْجَامِعِ وَفِي الزِّيَادَاتِ اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ كَمَا اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْحِرْمَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَثْبُتُ أَصْلُهُ إلَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْقَهْرُ أَمَّا الْعِتْقُ فَلَهُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ وَالْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ فَإِذَا اعْتَبَرَ أَحْوَالَ مَا اتَّحَدَ سَبَبُهُ فَلَأَنْ يَعْتَبِرَ أَحْوَالَ مَا تَعَدَّدَ سَبَبُهُ أَوْلَى.
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ ازْدِحَامَ الْأَسْبَابِ فِي الْإِصَابَةِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُصِيبَ بِسَبَبٍ اسْتَحَالَ حُصُولُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَأَمَّا الْحِرْمَانُ فَيَقْبَلُ الِازْدِحَامَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا بِالشِّرَاءِ لَمْ يُصِبْهُ بِالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ وَمَنْ حُرِمَ شَيْئًا بِعَدَمِ الشِّرَاءِ فَقَدْ حُرِمَهُ سَائِرُ الْأَسْبَابِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَحْوَالِ الْحِرْمَانِ دُونَ الْإِصَابَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فِي صِحَّتِهِ احْتِرَازٌ
(2/90)

وَأَمَّا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فِلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَجِبُ أَنْ يَصِيرَ مُقِرًّا بِحَقِّ الْأُمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَحْرِيرٌ مُبْتَدَأٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً حَتَّى قُلْنَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي رَجُلَيْنِ وَرِثَا عَبْدًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنَهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مُضَافٌ إلَى خَبَرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ قَائِمٌ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جُعِلَ مَجَازًا عَنْ التَّحْرِيرِ وَحَقُّ الْأُمِّ لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ بِابْتِدَاءِ تَصَرُّفِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَشَرِ إثْبَاتُ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ قَوْلًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُكْمِ الْفِعْلِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِدُونِهِ.

وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِمَعْنَاهُ فَيَبْطُلُ إذَا اسْتَحَالَ حُكْمُهُ وَمَعْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ حَيْثُ عَتَقُوا مِنْ الثُّلُثِ بِحِسَابِ حَقِّهِمْ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ رَقَبَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبُعٌ وَأَدْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي رُبُعِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَحَقُّ الثَّانِي فِي ثُلُثِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ وَهِيَ تِسْعَةٌ فَصَارَتْ سِهَامُ الْوَصِيَّةِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَثُلُثُ الْمَالِ سِتَّةَ عَشَرَ فَقَدْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ سِهَامِ الْوَصَايَا فَنَجْعَلُ الثُّلُثَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالْمَالَ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ فَنَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرَّقَبَةِ مِنْ الثُّلُثِ لِيَظْهَرَ لَنَا مِقْدَارَ مَا يَعْتِقُ عَنْهَا وَمِقْدَارَ مَا يَسْعَى فِيهِ فَنَقُولُ إنَّ ثُلُثَ الْمَالِ رَقَبَةٌ وَثُلُثَ الرَّقَبَةِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَيْسَ لِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رُبُعٌ صَحِيحٌ فَنَضْرِبُهُ فِي أَرْبَعَةٍ فَيَصِيرُ مِائَةً وَالْمَالُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَالرَّقَبَةُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِائَةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ كَانَ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي ثُلُثِهِ فَضَرَبْنَاهَا فِي أَرْبَعَةٍ فَبَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ وَصَارَ حَقُّ الثَّانِي سِتَّةَ عَشَرَ وَصَارَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَذَلِكَ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ فِي الْبَاقِي فَحَصَلَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْمُصَنَّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ) يَعْنِي مَهْمَا أَمْكَنَ فِي الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ النَّسَبِ يُعْمَلُ بِهَا فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي وَيُجْعَلُ الْعِتْقُ ثَابِتًا بِالنَّسَبِ لَا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي الْحُرِّيَّةِ فَيَثْبُتُ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَمَا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُهُ مَجَازًا فِي الْحُرِّيَّةِ.
وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي الْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا فَيَحْصُلَ مُقِرًّا بِأَنَّ أُمَّ الْغُلَامِ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُمِّ حُكْمُ النَّسَبِ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ حُكْمُهُ فَكَمَا جُعِلَ قَوْلُهُ هَذَا ابْنِي مَجَازًا لِلْإِقْرَارِ بِحَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ يُجْعَلُ مَجَازًا لِلْإِقْرَارِ بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُمِّ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته، وَأُمُّهُ أُمَّ وَلَدِي وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيرٍ مُبْتَدَأٌ كَأَنَّهُ قَالَ هُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا هُوَ سَبَبٌ لِلْحُرِّيَّةِ فِي مِلْكِهِ فَيَصِيرُ بِهِ مُعْتَقًا ابْتِدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ رَجُلَانِ عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنَهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً لِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا وَرِثَا قَرِيبَ أَحَدِهِمَا لَا يَضْمَنُ وَارِثُ الْقَرِيبِ لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَصِيرُ أُمُّ الْغُلَامِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِتَحْرِيرِ الْغُلَامِ ابْتِدَاءُ تَأْثِيرٍ فِي إيجَابِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا فِي إنْشَاءِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ قَوْلًا بِأَنْ يَقُولَ جَعَلْتُك أُمَّ وَلَدٍ أَوْ أَنْشَأْت فِيك أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ حُكْمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِيلَادُ.
وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً يَعْنِي ثُبُوتَ النَّسَبِ مُضَافٌ إلَى خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ خَبَرِهِ فَيُقْصَرُ عَلَى وَقْتِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ فِي حَقِّ عِلْمِ السَّامِعِ قَائِمٌ أَيْ ثَابِتٌ بِخَبَرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مُضَافًا إلَى خَبَرِهِ جُعِلَ هَذَا الْخَبَرُ مَجَازًا عَنْ التَّحْرِيرِ أَيْ فِي التَّحْرِيرِ أَوْ عِبَارَةً عَنْهُ أَوْ كِنَايَةً عَنْهُ.
وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ إذَا أُكْرِهَ أَنْ يَقُولَ هَذَا ابْنِي لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَالْإِكْرَاهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ لَا صِحَّةَ التَّحْرِيرِ ابْتِدَاءً وَوُجُوبُ الضَّمَانِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّعْوَى بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ كَالْإِنْشَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته كَانَ ضَامِنًا لِشَرِيكِهِ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّ الضَّمَانَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْإِنْشَاءِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

[قَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُمْتَنِعًا]
قَوْلُهُ (وَقَدْ يَتَعَذَّرُ) أَيْ وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي بَعْضِ
(2/91)

وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ وَتُولَدُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَقَعُ بِهِ أَبَدًا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ وَفِي الْأَصْغَرِ سِنًّا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ نَسَبُهَا وَفِي حَقِّ الْمُقِرِّ مُعْتَذِرٌ أَيْضًا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِي الْفَصْلَيْنِ مُتَعَذِّرٌ لِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي أَبْلَيْنَاهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسَبُ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْمُقِرِّ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ وَالْقَاضِي كَذَّبَهُ هَهُنَا فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ رُجُوعِهِ بِخِلَافِ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ لَا يَصِحُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَلْفَاظِ فَيَلْغُو ضَرُورَةً وَذَلِكَ إذَا كَانَ إثْبَاتُ مُوجِبِ اللَّفْظِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ مُمْتَنِعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِإِفَادَةِ الْمَعْنَى فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ يُجْعَلُ مَجَازًا وَكِنَايَةً عَنْ حُكْمِهِ أَعْنِي لَازِمَ مَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ تَصْحِيحًا لَهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ ذَلِكَ أَيْضًا يَلْغُو ضَرُورَةً مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ، وَمِثْلُهَا لَا يَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ أَوْ تَصْلُحُ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ هَذِهِ بِنْتِي لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِهِ أَبَدًا يَعْنِي سَوَاءٌ أَصَرَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ غَلِطْت أَوْ أُوهِمْت إلَّا أَنَّهُ إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا؛ لَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ صَارَ ظَالِمًا يَمْنَعُ حَقَّهَا عَنْ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ وَطِئَهَا عِنْدَ الْإِصْرَارِ وَصَارَتْ هِيَ كَالْمُعَلَّقَةِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ فِي التَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الَّتِي لَا تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ وَقَالَ فِي الَّتِي تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ أَضْعَفُ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَالْوِلَادُ أَنْفَى لِهَذَا الْمِلْكِ مِنْهُ لِمِلْكِ الْيَمِينِ ثُمَّ مِلْكُ الْيَمِينِ يَنْتَفِي بِهَذِهِ اللَّفْظِ مِلْكُهُ فَهَذَا أَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْحُرْمَةُ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ فَيُؤْخَذُ بِمُوجِبِ قَوْلِهِ فِيمَا أَمْكَنَ وَلَنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ أَعْنِي فِي الَّتِي تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ وَاَلَّتِي لَا تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ مُتَعَذِّرٌ أَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إمَّا أَنْ جُعِلَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ بِأَنْ جُعِلَ النَّسَبُ ثَابِتًا مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَوْ جُعِلَتْ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لَا غَيْرُ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّحْرِيمِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَهُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ هَذَا ابْنِي لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْعِتْقِ لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ لِأَنَّ النَّسَبَ مُسْتَحَقٌّ مِنْ جَانِبِ مَنْ اُشْتُهِرَ نَسَبًا مِنْهُ فَلَا يُؤَثِّرُ إقْرَارُهُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ أَيْ لَوْ ثَبَتَ مُوجِبُهُ وَهُوَ الْبِنْتِيَّةُ كَانَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهِ مُنَافِيًا لِمِلْكِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ إلَى الْعَبْدِ إثْبَاتُ ذَلِكَ إنَّمَا إلَيْهِ إثْبَاتُ حُرْمَةٍ هِيَ مِنْ وَاجِبِ النِّكَاحِ دُونَ تَبْدِيلِ حَالِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ أَيْ التَّحْرِيمِ الْمُنَافِي لَا يَصْلُحُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ مَا يُنَافِيه فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ وِلَايَتِهِ بِثُبُوتِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَهُ.
وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ ثَبَتَ شَرْعًا كَرَامَةً لَهَا، وَلِهَذَا يَزْدَادُ بِحُرِّيَّتِهَا وَيَنْتَقِصُ بِرِقِّهَا فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْبِنْتِيَّةِ فِي حَقِّ الْحِلِّ إقْرَارًا عَلَيْهَا فَيَكُونُ بَاطِلًا.
وَكَذَا الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ كِنَايَةً عَنْ التَّحْرِيمِ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا لِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي أَبْلَيْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَيْ التَّحْرِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْبِنْتِيَّةِ مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ هَذَا الْكَلَامُ لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَهُ وَالتَّحْرِيمُ الَّذِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ الْقَاطِعُ لِلْحِلِّ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ هَذَا الْكَلَامِ وَلَوَازِمِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعَارَته لَهُ أَيْضًا فَلِذَلِكَ بَطَلَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْعِتْقِ) يَعْنِي بِخِلَافِ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَتِهِ فِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ مُمْكِنٌ عَلَى مَا مَرَّ وَكَذَا بِمَجَازِهِ فِيهِ وَفِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ بَعْدَ الثُّبُوتِ مُوجِبُهَا لِعِتْقٍ يَقْطَعُ الْمِلْكَ كَإِنْشَاءِ الْعِتْقِ، وَلِهَذَا تَأَدَّتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ لَا عِتْقٌ يُنَافِي الْمِلْكَ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى ابْنَهُ أَوْ بِنْتَه صَحَّ الشِّرَاءُ وَفِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ عِتْقٍ يَقْطَعُ الْمِلْكَ وَهُوَ
(2/92)

وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْمَجَازَ عِنْدَهُمَا خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْحُكْمِ لِلْمَجَازِ رُجْحَانٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا فَصَارَ مُشْتَمِلًا عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ فَصَارَ أَوْلَى وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَلَفٌ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَاعْتُبِرَ الرُّجْحَانُ فِي التَّكَلُّمِ دُونَ الْحُكْمِ فَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِثَالُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُوجِبُ الْبُنُوَّةِ فَيُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْهُ.
وَقَرَّرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا ذَكَرْنَاهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَإِنْ قِيلَ يَصِيرُ قَوْلُهُ هَذِهِ بِنْتِي كِنَايَةً عَنْ قَوْلِهِ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ قُلْنَا أَعَنْ حُرْمَةٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهَا بِمِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ حُرْمَةٍ لَا يَمْلِكُهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَنْ تَحْرِيمٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ إثْبَاتَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لِيَنْفُذَ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ تَحْرِيمًا غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا نَافِذٍ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِحُرْمَةٍ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ إنَّهَا بِنْتُ هَذَا الزَّوْجِ وَالتَّحْرِيمُ الْمَمْلُوكُ لِلزَّوْجِ بِحَقِّ الْمِلْكِ تَحْرِيمٌ بَعْدَ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ قَطْعِ الْمِلْكِ لَا مِنْ حَيْثُ إثْبَاتِ حُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ فَالْحُرُمَاتُ الْمُؤَبَّدَةُ عُلِّقَتْ بِأَسْبَابٍ حُكْمِيَّةٍ يَثْبُتُ قَبْلَ مِلْكِ الْمَالِكِ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلرَّجُلِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ وَاللَّفْظُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْفِرَاقَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَلَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ بِحَالٍ بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلنِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ لَا مِنْ حَيْثُ تُمْلَكُ فَإِنَّا لَوْ تَوَهَّمْنَاهُ صَادِقًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ مِنْ الْأَصْلِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ لَمْ يَصِحَّ كِنَايَةً عَنْهُ فَلَغَا صَرِيحُهُ وَكِفَايَتُهُ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ أَبْلَيْنَاهُ أَيْ بَيِّنَاهُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ يُقَالُ أَبْلَيْت فُلَانًا عُذْرًا إذَا بَيِّنَتُهُ لَهُ بَيَانًا وَحَقِيقَتُهُ جَعَلْته بَالِيًا بِعُذْرِي وَعَالِمًا بِكُنْهِهِ مِنْ بَلَاهُ إذَا أَخْبَرَهُ وَجَرَّبَهُ وَأَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ هَهُنَا مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَبْلَيْنَاكَ إيَّاهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَجْهُولَةِ النَّسَبِ أَيْضًا مَا عَرَفْته فِي مَعْرُوفَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ فَقِيلَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ هَذِهِ بِنْتِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ لَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ غَلِطْت أَوْ أَخْطَأْت حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَحْرُمْ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَدَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ فَقَالَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَجْهُولَةُ النَّسَبِ وَتَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ ثُمَّ قَالَ غَلِطْت لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ صَحِيحٌ قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ إيَّاهُ كَمَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْعُقُودِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِقْرَارِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالْقَبُولِ لِاحْتِمَالِ انْتِقَاضِهِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالرَّدِّ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِيهَا أَظْهَرُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسَبَ ثَابِتًا إلَى آخِرِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ يَعْنِي قَبْلَ تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَالْقَاضِي كَذَّبَهُ هَهُنَا أَيْ فِي مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ فَقَامَ تَكْذِيبُ الْقَاضِي إيَّاهُ مَقَامَ تَكْذِيبِهِ نَفْسِهِ وَأُوضِحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي عَتَاقِ الْمَبْسُوطِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا فِي حَقِّ النَّسَبِ وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ غَلِطْت لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا فِي النَّسَبِ شَرْعًا وَفِي الْعَتَاقِ لَوْ أَكْذَبَ الْمَوْلَى نَفْسَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَانَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا.

[الْكَلَامَ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْبَابِ) إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً وَالْمَجَازُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ وَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا أَوْ كَانَا فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى السَّوَاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُ هَذَا الْأَصْلِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كَانَ
(2/93)

يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى مَضْمُونِهَا عَلَى الْعُمُومِ مَجَازًا وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا الْعِبَرُ لِلْمَجَازِ وَهَذَا أَيْ هَذَا الِاخْتِلَافُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ فَعِنْدَ هُمَا لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ بِاعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْعِبَارَةِ كَانَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ رَاجِعٌ عَلَى حُكْمِ الْحَقِيقَةِ لِدُخُولِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ تَحْتَ عُمُومِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ بِهِ لَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي عِبَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ عِبَارَةً قَائِمَةً مَقَامَ عِبَارَةٍ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْمَجَازِ مَقْصُودًا لَا أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ عَلَى مَا عَرَفْته لَا يُثْبَتُ الْمُزَاحِمَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ عَامِلًا فِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى أَعْمَالِهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فِيمَا تَعَذَّرَ إعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ هَذَا بَيَانُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ الْمُتَعَارَفُ إذَا كَانَ عُمُومُهُ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ.
وَذُكِرَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرَجُّحِهِ بِكُلِّ حَالٍ فَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَجَازُ أَغْلَبَ اسْتِعْمَالًا فَعِنْدَهُمَا الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ بِمُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ سَاقِطٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ كَالْمَهْجُورَةِ وَعِنْدَ الْعِبْرَةِ لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ فَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ وَغَلَبَةُ الِاسْتِعْمَالِ لَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَكَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ الْمَهْجُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ هُنَاكَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْمَجَازِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ التَّعَارُفِ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الْمُرَادُ بِهِ التَّعَارُفُ بِالتَّعَامُلِ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ الْمُرَادُ التَّعَارُفُ بِالتَّفَاهُمِ وَقَالَ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَا قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا قَالَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ قَوْلَهُمَا بِدَلِيلِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ آدَمِيٍّ أَوْ خِنْزِيرٍ حَنِثَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّفَاهُمَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا وَلَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً.
قَوْلُهُ (يَقَعُ عَلَى عَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا مَأْكُولَةٌ عَادَةً فَإِنَّهَا تُقْلَى فَيُؤْكَلُ وَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْكِشْكُ وَالْهَرِيسَةُ وَقَدْ يُؤْكَلُ أَيْضًا نِيًّا حَبًّا فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً يَمْضُغُهَا كَمَا هِيَ لِيَخْتَبِرَ أَنَّهَا رَخْوَةٌ أَمْ عَلِكَةٌ وَلَمَّا كَانَتْ عَيْنُهَا مَأْكُولَةٌ يَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ.
وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ أَكْلِ الْحِنْطَةِ أَكْلَ مَا فِي بَطْنِهَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ يَقَعُ يَمِينُهُ عَلَى مَضْمُونِهَا أَيْ عَلَى الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْحِنْطَةُ لِلتَّعَارُفِ وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ الْمَجَازِ، وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْأَيْمَانِ الْأَصْلِ إلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُتْرَكُ بِالتَّعَارُفِ وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ التَّعَارُفُ فِي حِنْطَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَا فِي حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا أَلَا تَرَى إنَّك فِي قَوْلِك فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ لَا تُرِيدُ حِنْطَةً مُعَيَّنَةً وَلَا اسْتِغْرَاقَ جِنْسِ الْحِنْطَةِ وَاللَّامُ فِيهَا يُفِيدُ تَعْرِيفَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ التَّعَارُفُ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا يُتْرَكُ بِنِيَّةِ غَيْرِهَا أَوْ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَالَ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ كَمَا قَالَا إذَا عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى حِنْطَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا بِأَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً وَفِي التَّهْذِيبِ لِمُحْيِي السُّنَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الْحِنْطَةِ فَلَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثٌ أَحَدُهَا أَنْ يُشِيرَ إلَى حِنْطَةٍ فَيَقُولُ لَا آكُلُ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْحِنْطَةِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا سَوَاءٌ أَكَلَهَا كَذَلِكَ أَوْ طَحَنَهَا فَأَكَلَ الطَّحِينَ أَوْ خَبَزَهَا
(2/94)

يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى شُرْبِ مَاءٍ مُجَاوِرٍ لِلْفُرَاتِ وَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْأَوَانِي؛ لِأَنَّهَا دُونَ النَّهْرِ فِي الْإِمْسَاكِ.

(بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ)
وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ قَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ سِيَاقِ النَّظْمِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةٍ تَرْجِعُ إلَى الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةٍ فِي مَحَلِّ الْكَلَامِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ. ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا عِبَادَةٌ مَعْلُومَةٌ مَجَازًا لَمَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلذِّكْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَأَكَلَ الْخُبْزَ وَالثَّانِيَةَ أَنْ يَقُولَ لَا آكُلُ حِنْطَةً فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ سَوَاءٌ أَكَلَهَا نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا أَوْ مَبْلُولًا أَوْ مَقْلِيًّا وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْعَجِينِ وَالْخُبْزِ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ وَأَشَارَ إلَى صُبْرَةٍ فَأَكَلَ مِنْ دَقِيقِهَا أَوْ عَجِينِهَا أَوْ خُبْزِهَا لَا يَحْنَثُ لِتَبَدُّلِ الِاسْمِ.
وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الْإِشَارَةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْحَمَلَ فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ حَنِثَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ بِخِلَافِ الْحَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ حَيًّا فَكَانَ يَمِينُهُ عَلَى لَحْمِهِ وَالْحِنْطَةُ يُمْكِنُ أَكْلُهَا حَبًّا فَكَانَ يَمِينُهُ عَلَى حَبِّهَا.
قَوْلُهُ (يَقَعُ عَلَى الْكَرْعِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَادَةً وَشَرْعًا فَإِنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ وَإِلَّا كَرَعَنَا فِي الْوَادِي» وَذَلِكَ عَادَةُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى أَيْضًا وَإِذَا كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً كَانَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَيْهَا دُونَ الْمَجَازِ وَعِنْدَ هُمَا يَقَعُ عَلَى شُرْبِ مَاءٍ يُجَاوِرُ الْفُرَاتَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ بَنُو فُلَانٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْوَادِي أَوْ مِنْ الْفُرَاتِ وَيُرَادُ بِهِ مَاءٌ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ بِعُمُومِهِ وَالْأَخْذُ بِالْأَوَانِي لَا يَقْطَعُ هَذِهِ النِّسْبَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْأَنْهَارِ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ فَيَحْنَثُ بِالِاغْتِرَافِ وَالْكَرْعِ جَمِيعًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ فَإِنْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ الْفُرَاتِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِثْلُ الْفُرَاتِ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ فَيَقْطَعُ الْمُجَاوَرَةَ عَنْهُ فَخَرَجَ عَنْ عُمُومِ الْمَجَازِ وَالْكَرْعُ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِالْفَمِ مِنْ مَوْضِعِهِ يُقَالُ كَرَعَ الرَّجُلُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْإِنَاءِ إذَا مَدَّ عُنُقَهُ نَحْوَهُ لِيَشْرَبَهُ وَمِنْهُ كَرِهَ عِكْرِمَةُ الْكَرْعَ فِي النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ يُدْخِلُ فِيهِ أَكَارِعَهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الصِّحَاحِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ يَكْرَعُ كُرُوعًا إذَا تَنَاوَلَهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَبَ بِكَفَّيْهِ وَلَا بِإِنَاءٍ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى كَرِعَ بِالْكَسْرِ يَكْرَعُ كَرْعًا وَفِي الْأَسَاسِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ أَدْخَلَ فِيهِ أَكَارِعَهُ بِالْخَوْضِ فِيهِ لِيَشْرَبَ وَالْأَصْلُ فِي الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَشْرَبُ إلَّا بِإِدْخَالِ أَكَارِعِهَا فِيهِ. ثُمَّ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا شَرِبَ فِيهِ خَاضَ أَوْ لَمْ يَخُضْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ]
[دَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ]
{بَابُ جُمْلَةِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ}
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقَرَائِنِ الَّتِي يُصْرَفُ بِهَا الْكَلَامُ إلَى الْمَجَازِ فَقَالَ جُمْلَةُ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ يَعْنِي بِهِ الشَّرْعِيَّاتِ.
وَالِانْحِصَارُ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَوْلُهُ (بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ) . قِيلَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ شَرْعًا وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَيُسَمَّى إذْ ذَاكَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً. وَمِنْ الْعَادَةِ نَقْلُهُ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ عُرْفًا وَاسْتِفَاضَتُهُ فِيهِ كَوَضْعِ الْقَدَمِ فِي قَوْلِهِ لَا أَضَعُ قَدَمِي فِي دَارِ فُلَانٍ وَيُسَمَّى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِعْمَالُ رَاجِعًا إلَى الْقَوْلِ يَعْنِي إنَّهُمْ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالدَّابَّةِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا لَا تُسْتَعْمَلَانِ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ إلَّا فِي الْأَرْكَانِ الْمَعْهُودَةِ وَالْفَرَسِ. وَالْعَادَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْفِعْلِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ قَوْلُهُ (فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ) الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ لُغَةً قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِذَا كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلْيَدْعُ.
وَقَالَ الْأَعْشَى
(2/95)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وَكُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءٌ وَكَالْحَجِّ فَإِنَّهُ قَصْدٌ فِي اللُّغَةِ فَصَارَ اسْمًا لِعِبَادَةٍ مَعْلُومَةٍ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْعَزِيمَةِ وَالْقَصْدِ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ وَالزَّكَاةِ حَتَّى صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا دَلَالَةً عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَصِيرُ الْمَجَازُ بِاسْتِعْمَالِهِمْ كَالْحَقِيقَةِ وَمِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ حَجًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْت مُرْتَجِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي عَيْنًا ... فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
أَيْ دَعَوْتِ يُرِيدُ قَوْلَهَا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ، وَقَالَ أَيْضًا:
وَصَهْبَاءُ طَافَ يَهُودِيًّا ... وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمٌ
وَأَقْبَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
أَيْ اسْتَقْبَلَ بِالْخَمْرِ الرِّيحَ وَدَعَا، وَارْتَسَمَ مِنْ الرَّوْسَمِ وَهُوَ الْخَاتَمُ يَعْنِي خَتَمَهَا، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الْأَرْكَانِ الْمَعْلُومَةِ لِمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ قَالَ تَعَالَى {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] إمَّا مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي كُلِّ رُكْنٍ. أَوْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ أَقِمْهَا لَأَنْ أَذْكُرَك بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ كَمَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ الْعَبْدَ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ إيَّاهُ. أَوْ أَقِمْهَا لِأَنِّي ذَكَرْتهَا فِي كُلِّ كِتَابٍ وَلَمْ أُخْلِ مِنْهَا شَرِيعَةً وَإِيرَادُهُ هَهُنَا لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (وَكُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءٌ) فَإِنَّ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى يُقَالُ دَعَاهُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اشْتِغَالَ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ بِذِكْرِ مَوْلَاهُ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ وَثَنَائِهِ تَعَرُّضٌ مِنْهُ لِطَلَبِ حَاجَتِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ كُلُّ ذِكْرٍ دُعَاءً أَوْ الدُّعَاءُ ذِكْرُ الْمَدْعُوِّ لِطَلَبِ أَمْرٍ مِنْهُ.
وَقِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «أَفْضَلُ دُعَاءٍ أُعْطِيته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قَالَ مَا تُنْكِرُ مِنْ ذَا ثُمَّ حَدَّثَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَشَاغَلَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ اللَّهُ فَوْقَ رَغْبَةِ السَّائِلِينَ» . ثُمَّ قَالَ هَذَا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَقُولُ لِابْنِ جُدْعَانَ:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُك إنَّ شِيمَتَك الْحَيَاءُ
وَعِلْمُك بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ قَرْمُ ... لَك الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالسَّنَاءُ
إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
فَهَذَا مَخْلُوقٌ يَقُولُ فِي مَخْلُوقٍ فَمَا ظَنُّك بِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَذَا فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَكَالْحَجِّ فَإِنَّهُ قَصْدٌ فِي اللُّغَةِ) الْحَجُّ الْقَصْدُ وَمِنْهُ الْمَحَجَّةُ لِلطَّرِيقِ وَالْحُجَّةُ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ وَتُعْتَمَدُ أَوْ بِهَا يُقْصَدُ الْحَقُّ الْمَطْلُوبُ قَالَ الْمُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:
وَاشْهَدْ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
أَيْ يَقْصِدُونَهُ وَيَخْتَلِفُونَ إلَيْهِ. وَالسِّبُّ الْعِمَامَةُ وَالزِّبْرِقَانُ لَقَبُ حُصَيْنِ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَمَرُ ثُمَّ تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَصْدِ إلَى مَكَّةَ لِلنُّسُكِ الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ. الْعُمْرَةُ اسْمٌ مِنْ الِاعْتِمَارِ كَالْعِبْرَةِ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَأَصْلُهَا الزِّيَارَةُ يُقَالُ اعْتَمَرَ أَيْ زَارَ. وَفِي الْمُغْرِبِ أَصْلُهَا الْقَصْدُ إلَى مَكَان عَامِرٍ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْمَعْلُومَةِ وَهِيَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَالزَّكَاةُ هَذَا التَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ تَعَالَى {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] . قِيلَ وَتُطَهِّرُهُمْ وَيُقَالُ فُلَانٌ زَكَّى نَفْسَهُ أَيْ مَدَحَهَا وَطَهَّرَهَا عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَعَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ يَزْكُو زَكَاةً أَيْ نَمَا ثُمَّ سُمِّيَ بِهَا الْقَدْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِ إلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ سَبَبٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ فِيهِ وَلِطَهَارَةِ مُؤَدِّيهِ عَنْ الْآثَامِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ بِحَيْثُ صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً. حَتَّى صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ أَوْ يُزَكِّيَ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ إلَّا الْعِبَادَاتُ الْمَعْهُودَةُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُبَاشَرَةِ حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ. وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا أَيْ اسْتِعْمَالُ
(2/96)

أَوْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ أَنْ يَضْرِبَ بِثَوْبِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ إنَّ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا إنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ اسْتِحْسَانًا عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا وَيَسْقُطُ غَيْرُهُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَاسْتِفَاضَتُهُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِلْإِفْهَامِ وَالْمَطْلُوبُ بِهِ مَا يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَإِذَا تَعَارَفَ النَّاسُ اسْتِعْمَالَهُ لِشَيْءٍ عَيْنًا كَانَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْحَقِيقَةِ فِيهِ وَمَا سِوَاهُ لِعَدَمِ الْعُرْفِ كَالْمَجَازِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ إلَّا بِقَرِينَةٍ.
وَهَذَا كَاسْمِ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ نَقْدَ الْبَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِوُجُودِ الْعُرْفِ الظَّاهِرِ فِي التَّعَامُلِ بِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِتَرْكِ التَّعَامُلِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فَرْقٌ فِيمَا وُضِعَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ (أَوْ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ) إذَا قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لَزِمَهُ حِجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَالْخِيَارُ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْإِلْزَامَ بِالنَّذْرِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ كَالْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِاللَّفْظِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَلَفَّظَ بِهِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِالِاتِّفَاقِ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَانَ أَوْلَى وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الذَّهَابُ أَوْ السَّفَرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ. وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالْعُرْفِ الظَّاهِرِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْتِزَامَ النُّسُكِ وَتَعَارَفُوا ذَلِكَ وَاللَّفْظُ إذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا وَاشْتُهِرَ فِيهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِمَا صَارَ عِبَارَةً عَنْهُ وَالْعُرْفُ مُخْتَصٌّ بِلَفْظِ الْمَشْيِ الْمُضَافِ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى مَكَّةَ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى الْقِيَاسِ.
وَعِنْدَهُمَا الْمَشْيُ الْمُضَافُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَالْمُضَافِ إلَى الْكَعْبَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَضْرِبَ بِثَوْبِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي كَلَامِهِ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ أَوْلَى.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْإِهْدَاءُ بِهِ فَصَارَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَمَّا يُرَادُ بِهِ عُرْفًا فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُهْدِيَهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِهِ. كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَالْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِلتَّجَوُّزِ هُوَ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى حَطِيمِ الْكَعْبَةِ أَمَارَةُ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ السَّبَبِ وَإِرَادَةِ الْمُسَبَّبِ.
وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ مِثْلُ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ الْهَدْيَ يَجِبُ ذَبْحُ الْهَدْيِ بِالْحَرَمِ وَكَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي أَوْ أَذْبَحَ وَلَدِي أَوْ أُضَحِّيَ وَلَدِي يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا.
قَوْلُهُ (وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ) إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ النَّظَائِرِ الْأُولَى وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِهِ وَقَالُوا لِأَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ لَمْ تَكُنْ الْحَقِيقَةُ مَنْظُورًا إلَيْهَا أَصْلًا وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَعْضُ أَفْرَادِ الْحَقِيقَةِ مَقْصُودٌ وَلِهَذَا قَالَ هُوَ شَبِيهٌ بِالْمَجَازِ. يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ. إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَهُوَ عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ رَأْسَ الْجَرَادِ وَالْعُصْفُورِ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَهُ وَهُوَ رَأْسٌ حَقِيقَةً فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَقِيقَةَ وَجَبَ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَهُوَ أَنَّ الرَّأْسَ مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعُ مَشْوِيًّا.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ أَوَّلًا يَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِمَا رَأَى مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الرُّءُوسِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ تَرَكُوا هَذِهِ الْعَادَةَ فِي الْإِبِلِ فَرَجَعَ وَقَالَ يَحْنَثُ
(2/97)

إنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَيْضِ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجَةِ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا أَيْ شِوَاءً إنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً اسْتِحْسَانًا وَكُلُّ عَامٍّ سَقَطَ بَعْضُهُ كَانَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهَذَا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي رَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً ثُمَّ إنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ شَاهَدَا عَادَةَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي رُءُوسِ الْغَنَمِ فَقَالَا لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي رَأْسِ الْغَنَمِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ عُرْفٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُكْمٍ وَبُرْهَانٍ وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ قَوْلُهُ (إنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَيْضِ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجَةِ) هَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْبَيْضِ لِأَنَّ التَّعَارُفَ مُخْتَصٌّ بِهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَقَالَ يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ بَيْضَ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ خَاصَّةً لِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ عُرْفًا وَلَا يَتَنَاوَلُ بَيْضَ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ مِنْ الدَّجَاجَةِ وَالْإِوَزِّ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا بَيْضُ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ بَيْضَ الدُّودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْضِ وَيُؤْكَلُ عَادَةً وَهُوَ كُلُّ بَيْضٍ لَهُ قِشْرٌ كَبَيْضِ الدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهَا.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمَا سِوَاهُمَا كَبَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ وَالدَّجَاجُ مَعْرُوفٌ وَفَتْحُ الدَّالِ فِيهِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا الْوَاحِدَةُ دَجَاجَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّ الْهَاءَ دَخَلَتْهُ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِ مِثْلُ حَمَامَةٍ وَبَطَّةٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ قَوْلُهُ (وَلَا يَأْكُلُ طَبِيخًا) وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً مَا لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَحْنَثُ فِي اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَطْبُوخٌ وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ هَهُنَا يَفْحُشُ فَإِنَّ الْمُسَهِّلَ مِنْ الدَّوَاءِ مَطْبُوخٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ اللَّحْمُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْبَخُ فِي الْعَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَتُتَّخَذُ مِنْهُ الْمُبَاحَاتُ. قَالُوا وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ بِالْمَاءِ فَأَمَّا الْقَلِيَّةُ الْيَابِسَةُ فَلَا يُسَمَّى مَطْبُوخًا. فَإِنْ طَبَخَ بِالْمَاءِ إيَّاهَا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيخًا فِي الْعَادَةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ.
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشِّوَاءَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً أَيْضًا اسْتِحْسَانًا دُونَ الْبَيْضِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالسَّلْقِ وَالْجَزَرِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيُصْرَفُ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعُرْفُ قَوْلُهُ (وَكُلُّ عَامٍّ سَقَطَ بَعْضُهُ كَانَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ أَنْتَ فِي بَيَانِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَفِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمَسَائِلِ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ مَا بَقِيَ تَحْتَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ الْقَاصِرَةِ وَقَدْ اخْتَرْت فِي بَابِ مُوجَبِ الْأَمْرِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْقَاصِرَةَ لَا يُسَمَّى مَجَازًا فَأَنَّى يَسْتَقِيمُ إيرَادُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ الْعَامُّ إذَا سَقَطَ بَعْضُهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْكُلُّ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْبَعْضُ.
عَلَى مَا سَبَقَ أَيْ فِي بَابِ الْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَامًّا حَقِيقَةً وَنَحْنُ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَصَارَ ظَنِّيًّا فَتَحَقَّقَ بِهِ شَبَهُ الْمَجَازِ فَلِذَلِكَ نَاسَبَ إيرَادُهَا هَهُنَا قَوْلُهُ (وَهَذَا ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ) أَيْ تَخَصُّصُ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ ثَابِتٌ بِالْعُرْفِ الْعَادِي لَا بِالْعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِيِّ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّأْسِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي رَأْسِ الْغَنَمِ يُسْتَعْمَلُ فِي رَأْسِ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْأَكْلِ مُخْتَصَّةٌ بِرَأْسِ الْغَنَمِ. وَكَذَا إطْلَاقُ لَفْظِ الْبَيْضِ عَلَى بَيْضِ الْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ شَائِعٌ
(2/98)

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى السَّمَكِ وَهُوَ لَحْمٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ نَاقِصٌ لِأَنَّ اللَّحْمَ يَتَكَامَلُ بِالدَّمِ فَمَا لَا دَمَ لَهُ قَاصِرٌ مِنْ وَجْهٍ فَخَرَجَ عَنْ مُطْلَقِهِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ. لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا شَاعَ فِي بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ لَكِنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ فِي الْأَكْلِ اخْتَصَّتْ بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّبِيخِ وَالشِّوَاءِ فَتُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ الْعُمُومُ بِالْعَادَةِ. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيهِ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا بَيَّنَّا لَا بِالْعَادَةِ لِأَنَّ النَّاسَ كَمَا اعْتَادُوا فِعْلَ الصَّلَاةِ اعْتَادُوا الدُّعَاءَ أَيْضًا. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ لَيْسَ بِتَرَادُفٍ كَمَا زَعَمَ الْبَعْضُ وَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ.

[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ) تَرْكُ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِأَفْرَادٍ بِعُمُومِهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا فَيَتَخَصَّصُ بِالْبَعْضِ بِالنَّظَرِ إلَى مَأْخَذِ اشْتِقَاقِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِهِ لَحْمُ السَّمَكِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] . وَلَكِنَّهُ تَخَصَّصَ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ كَمَا تَخَصَّصَ مَا تَقَدَّمَ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّحْمَ اسْمٌ مَعْنَوِيٌّ وَأَصْلُ تَرْكِيبِهِ يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ يُقَالُ الْتَحَمَ الْقِتَالُ أَيْ اشْتَدَّ وَالْمَلْحَمَةُ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ ثُمَّ سُمِّيَ اللَّحْمُ بِهَذَا الِاسْمِ لِقُوَّةٍ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَخْلَاطِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ دَمٌ فَكَانَ فِي لَحْمِهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَانَ صَرْفُ مُطْلَقِ الِاسْمِ إلَى مَالَهُ قُوَّةٌ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى مَا فِيهِ قُصُورٌ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً كَاسْمِ الْوُجُودِ بِالْجَوْهَرِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَرَضِ وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةً لِقُصُورِ الْعَرَضِ فِي مَعْنَى الْوُجُودِ لِعَدَمِ ثَبَاتِهِ وَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى وُجُودِ الْجَوْهَرِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِلْقُصُورِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمَّا لَمْ تُذْكَرْ إلَّا بِقَرِينَةٍ لِقُصُورٍ فِيهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ قِيلَ) أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ لَحْمَ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ (قُلْنَا) قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِيهِ الْخِلَافَ. وَبَعْضُهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ الْآدَمِيِّ لِانْعِدَامِ الْعُرْفِ فِي أَكْلِهِمَا فَصَارَ كَالرَّأْسِ وَالْبَيْضِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذِكْرَ الْقَرِينَةِ هَهُنَا لَيْسَ لِقُصُورِ مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَكَذَا مَعْنَى الْغِذَاءِ الْمَطْلُوبِ مِنْ اللَّحْمِ يَتِمُّ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَرِينَةَ لِلتَّعْرِيفِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَالطَّيْرِ وَلِبَيَانِ الْحُرْمَةِ لَا لِقُصُورٍ فِي مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْحُرْمَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ إتْمَامِ شَرْطِ الْحِنْثِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ يَحْنَثُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمُكَاتَبُ) إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُونَ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعِتْقَ لِكُلِّ مَمْلُوكٍ يُضَافُ إلَيْهِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ لِي وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُكَاتَبِينَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رَقَبَةً لَا يَدًا بَلْ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ يَدًا حَتَّى كَانَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى اسْتِكْسَابَهُ وَلَا وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَكُونُ ثَابِتًا مُطْلَقًا. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَالْمُكَاتَبُ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلِلدَّلَالَةِ فِي لَفْظِهِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْمِلْكِ وَالْإِضَافَةُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] . لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمَرْقُوقَ وَالرِّقُّ لَا يَنْتَقِصُ بِالْكِتَابَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَلِأَنَّهَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَاشْتِرَاطَ الْمِلْكِ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ بِهِ التَّحْرِيرُ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمُكَاتَبِ
(2/99)

لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ لِمَا قُلْنَا فَصَارَ مَخْصُوصًا وَلِلْمَخْصُوصِ شِبَهٌ بِالْمَجَازِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ وَذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَقَالَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِاسْمَ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْفَاكِهَةُ اسْمٌ لِلتَّوَابِعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَفَكَّهَ مَأْخُوذٌ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31] أَيْ نَاعِمِينَ وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ وَهُوَ الْغِذَاءُ فَصَارَ تَابِعًا وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ قَدْ يَصْلُحَانِ لِلْغِذَاءِ وَقَدْ يَقَعُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَالرُّمَّانُ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْأَدْوِيَةِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا وَصْفٌ زَائِدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَيْثُ يَدْخُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا كَامِلٌ إذْ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُمَا يَدًا وَرَقَبَةً وَيَمْلِكُ اسْتِغْلَالَهُمَا واستكسابهما وَطْءَ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لَكِنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا نَاقِصٌ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِمَا الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمَبْتُوتَةَ الْمُعْتَدَّةَ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْقُصُورِ فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهٍ لِبَقَاءِ مِلْكِ الْيَدِ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ وَلَوْ طَلَّقَهَا صَحَّ الطَّلَاقُ أَيْضًا، دُونَ وَجْهٍ لِزَوَالِ أَصْلِ مِلْكِ النِّكَاحِ حَتَّى حَرُمَ الْوَطْءُ وَالدَّوَاعِي فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَفَائِدَةُ الْقَيْدَيْنِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً تَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ وَلَوْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ لَا تَدْخُلُ وَإِنْ نَوَى لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَصَارَ الْعَامُّ أَيْ قَوْلُهُ لَحْمًا الْوَاقِعُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَقَوْلُهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ. مَخْصُوصًا أَيْ مَخْصُوصًا مِنْهُ فَصَارَ شَبِيهًا بِالْمَجَازِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَنْعَكِسُ) أَيْ وَمِنْ التَّرْكِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ مَا هُوَ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا بِاعْتِبَارِ النُّقْصَانِ وَالْقُصُورِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَهَهُنَا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ لِأَنَّ أَصْلَ الِاشْتِقَاقِ يَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ وَالتَّبَعِيَّةِ. إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً وَلَا نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ نَوَاهَا عِنْدَ الْحَلِفِ يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي التُّحْفَةِ. قَالُوا إنَّ الْفَاكِهَةَ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَكَذَا الْفَاكِهَةُ مَا يُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ الضِّيفَانِ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ لَا لِشِبَعٍ وَالرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ مِنْ أَنْفَسِ ذَلِكَ كَالتِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ الْفَاكِهَةِ قَالَ تَعَالَى {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] . وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عبس: 27] {وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس: 28] {وَزَيْتُونًا وَنَخْلا} [عبس: 29] {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} [عبس: 30] {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] . فَتَارَةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَارَةً عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَيْهَا وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ بِلَفْظَيْنِ وَلِأَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31] .
أَيْ نَاعِمِينَ وَالتَّنَعُّمُ زَايِدٌ عَلَى مَا بِهِ الْقِوَامُ وَالْبَقَاءُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْقِوَامُ وَقَدْ يُجْتَزَأُ بِهِمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالرُّمَّانُ فِي مَعْنَى الدَّوَاءِ قَدْ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ أَيْضًا وَهُوَ قُوتٌ مِنْ جُمْلَةِ التَّوَابِلِ إذَا يَبِسَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. كَانَ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَصْفٌ زَايِدٌ وَهُوَ الْغِذَائِيَّةُ وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهَا فَلِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْفَاكِهَةِ كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ لَحْمَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِلنُّقْصَانِ. وَلَا يَلْزَمُ دُخُولُ الطَّرَّارِ تَحْتَ اسْمِ السَّارِقِ وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ وَصْفٌ زَائِدٌ وَهُوَ الْقَاطِعُ مِنْ الْيَقْظَانِ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِيهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ غَيْرِ مُنَاقَضَةٍ تَلْزَمُ فَإِنَّ مِلْكَ الزِّيَادَةِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعْنَى السَّرِقَةِ كَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَمِّلٌ لِمَعْنَى الْإِيذَاءِ فَأَمَّا الِاسْمُ هَهُنَا فَوَاقِعٌ عَلَى مَا هُوَ تَبَعٌ وَالزِّيَادَةُ هَهُنَا مُغَيِّرَةٌ لِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّبَعِيَّةُ إذْ الْأَصَالَةُ تُنَافِي التَّبَعِيَّةَ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَحْتَ مُطْلَقِ الِاسْمِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ كَمَالَ الْمَعْنَى فِيهِ أَيْ فِي التَّمْرِ إخْرَاجُهُ
(2/100)

وَالِاسْمُ نَاقِصٌ مُقَيَّدٌ فِي الْمَعْنَى فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْكَامِلَ وَكَذَلِكَ طَرِيقُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إدَامًا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَتْبَعُ الْخُبْزَ لِأَنَّ الْأُدْمَ اسْمٌ لِلتَّابِعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا هُوَ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَتَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ فَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] تُرِكَتْ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَالتَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] وَحُمِلَ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ مَجَازًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ أَنْ يَكُونَ فَاكِهَةً وَجَعْلُهُ غِذَاءً فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ لِأَنَّ الْمَطْعُومَاتِ بَعْضُهَا أُصُولٌ وَهِيَ الْأَغْذِيَةُ وَبَعْضُهَا فُرُوعٌ كَالْفَوَاكِهِ وَالتَّمْرُ وَالْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ الْتَحَقَتْ بِالْأَغْذِيَةِ لِزِيَادَةِ مَعَانٍ فِيهَا وَكَثْرَةِ رَغَائِبِ النَّاسِ إلَيْهَا لَا جَرَمَ خَرَجَتْ عَنْ مُطْلَقِ اسْمِ الْفُرُوعِ كَالْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ خَرَجُوا عَنْ اسْمِ الْأَقَارِبِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِي الطَّرَّارِ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ قَوْلُهُ (وَالِاسْمُ نَاقِصٌ) أَيْ اسْمُ الْفَاكِهَةِ دَالٌّ عَلَى مَا هُوَ نَاقِصٌ فِي نَفْسِهِ. مُقَيَّدٌ أَيْ بِكَوْنِهِ تَابِعًا فِي الْمَعْنَى أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى مَعْنَاهُ فِي أُصُولِ اللُّغَةِ.
وَذُكِرَ فِي التُّحْفَةِ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا هَذَا اخْتِلَافُ عُرِفَ وَزَمَانٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفْتَى عَلَى حَسَبِ عُرْفِ زَمَانِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعُدُّونَهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَتَغَيَّرَ الْعُرْفُ فِي زَمَانِهِمَا وَفِي عُرْفِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَسْأَلَةِ الْفَاكِهَةِ طَرِيقَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِدَامِ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ وَلَا يَأْكُلُ إدَامًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا يَصْطَبِغُ بِهِ مِثْلِ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ دُونَ الْجُبْنِ وَالْبَيْضِ وَاللَّحْمِ وَالسَّمَكِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الْإِدَامَ اسْمٌ لِمَا يُطَيِّبُ الْخُبْزَ وَيُصْلِحُهُ فَكَانَ اسْمًا لِمَا يَتْبَعُ الْخُبْزَ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ يُقَالُ أَدَم اللَّهُ بَيْنَكُمَا وَآدَمَ أَيْ أَصْلَحَ وَأَلَّفَ. وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» . يَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمَا الْمَحَبَّةُ وَالِاتِّفَاقُ وَكَمَالُ التَّبَعِيَّةِ وَالْمُوَافَقَةِ فِيمَا يَخْتَلِطُ بِالْخُبْزِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْحَمْلِ قَصْدًا وَلَا إلَى الْمَضْغِ وَالِابْتِلَاعِ كَذَلِكَ وَكَالْخَلِّ وَكَذَا كُلُّ مَا يَصْطَبِغُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَأَمْثَالُهَا فَتُحْمَلُ مَعَ الْخُبْزِ وَيَقَعُ عَلَيْهَا الْمَضْغُ وَالِابْتِلَاعُ قَصْدًا فَيَكُونُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَكَانَتْ قَاصِرَةً فِي مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِدَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَيْضًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِدَامَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُؤَادَمَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ فَمَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فَيَكُونُ إدَامًا وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. «سَيِّدُ إدَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ. وَأَخَذَ لُقْمَةً بِيَمِينِهِ وَتَمْرَةً بِشِمَالِهِ فَقَالَ. هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يُوَافِقُ الْخُبْزَ فِي الْغَالِبِ إدَامٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصْنَا مِنْهُ مَا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَحْدَهُ كَالْبِطِّيخِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّ الْإِدَامَ تَبَعٌ فَمَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا لَا يَكُونُ تَبَعًا فَأَمَّا الْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَاللَّحْمُ فَلَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا فَكَانَ إدَامًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هَهُنَا عِبَارَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ بِإِدَامٍ قَالَ الْإِدَامُ كُلُّ شَيْءٍ يَصْطَبِغُ بِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ فَعَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ لَوْ أَكَلَ الْإِدَامَ وَحْدَهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِائْتِدَامَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْخُبْزَ بِهِ وَعَلَى عِبَارَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَهُ وَحْدَهُ فَإِنَّ اسْمَ الْإِدَامِ يَلْزَمُهُ أَكَلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْخُبْزِ قَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَتَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الْإِدَامِ دُونَ الْفَاكِهَةِ وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى أَحَدَيْهِمَا شُيُوعُ إطْلَاقِ اسْمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا وَوُجُودُ مَعْنَى التَّنَعُّمِ فِيهَا وَعَدَمُ شُيُوعِ إطْلَاقِ اسْمِ الْإِدَامِ عَلَى الْبَيْضِ وَاللَّحْمِ وَالْجُبْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِدَامَ يُسَمَّى صِبْغًا لِأَنَّ الْخُبْزَ يُغْمَسُ فِيهِ وَيُلَوَّنُ بِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ يَكْمُلْ فِيهِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ.

[الثَّابِتُ بِسِيَاقِ النَّظْمِ]
قَوْلُهُ (تُرِكَتْ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ) أَيْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ
(2/101)

وَمِثَالُهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي الْحَرْبِيِّ اسْتَأْمَنَ مُسْلِمًا فَقَالَ لَهُ أَنْتَ آمِنٌ كَانَ أَمَانًا فَإِنْ قَالَ أَنْتَ آمِنٌ سَتَعْلَمُ مَا يَلْقَى لَمْ يَكُنْ أَمَانًا وَلَوْ قَالَ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا لَمْ يَكُنْ أَمَانًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ إنْ قَدَرْت أَوْ اصْنَعْ فِي مَالِي مَا شِئْت إنْ كُنْت رَجُلًا لَمْ يَكُنْ تَوْكِيلًا وَقَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الرَّجُلُ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَا أَبْعَدَك لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا وَصَارَ الْكَلَامُ لِلتَّوْبِيخِ بِدَلَالَةِ سِيَاقِ نَظْمِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] إنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ حُمِلَ عَلَى إمْكَانِ الْفِعْلِ وَإِقْدَارِهِ عَلَيْهِ مَجَازًا لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ فَكَانَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ اتِّصَالٌ وَمِثَالُهُ مَنْ دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِمَا فِي غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بِنَاءِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ امْرَأَةٌ قَامَتْ لِتَخْرُجَ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلْيُؤْمِنْ مَتْرُوكَةٌ هَهُنَا بِقَرِينَةِ فَمَنْ شَاءَ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ فَلْيَكْفُرْ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} [الكهف: 29] . أَيْ لِلَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ نَارًا وَكَذَا تُرِكَتْ حَقِيقَةُ التَّخْيِيرِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ رَفْعُ الْمَأْثَمِ وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ لَا تُنَاسِبُهُ. وَحُمِلَ أَيْ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ. فَلْيَكْفُرْ. عَلَى الْإِنْكَارِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِنْكَارُ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ. وَالتَّوْبِيخُ أَيْ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] .
مَجَازًا أَيْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِمُنَاسَبَةٍ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ هُوَ الطَّلَبُ، وَفَائِدَتُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعَةً إلَى الْآمِرِ كَقَوْلِك خِطْ لِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ احْمِلْ لِي هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ إلَى الْمَأْمُورِ كَقَوْلِك الْبَسْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ ثُمَّ الْأَمْرُ الَّذِي يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْمَأْمُورِ أَوْلَى بِالِامْتِثَالِ وَالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ فَمَتَى قَابَلَهُ الْمَأْمُورُ بِالرَّدِّ وَالْعِصْيَانِ فَذَلِكَ يُوهِمُ لِلْآمِرِ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّ وَعَصَى لِظَنِّهِ أَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَى الْآمِرِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ ضِدَّ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ وَيَأْمُرُهُ بِالِاسْتِدَامَةِ عَلَى الْعِصْيَانِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الرَّدِّ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا تَنْزِيهُ نَفْسِهِ عَنْ عَوْدِ عَائِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَيْهِ إذًا لَوْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَيْهِ لَمَا دَفَعَهَا بِطَلَبِ ضِدِّهَا لِأَنَّهُ خِلَافُ الطَّبْعِ وَالْعَقْلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ أَمْرَهُ أَبْغَضَهُ الْآمِرُ فَطَلَبَ مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ الْعُظْمَى لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ مَا يَسْتَجْلِبُ الْمَثُوبَةَ الْحُسْنَى فَصَارَ مَعْنَاهُ أَنِّي أَطْلُبُ مِنْك الْعِصْيَانَ لِتَسْتَحِقَّ بِهِ الْخُسْرَانَ وَلِهَذَا لَا يَرِدُ الْأَمْرُ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ إلَّا وَقَدْ سَبَقَهُ أَمْرٌ وَاجِبُ الِامْتِثَالِ بِهِ وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْمَأْمُورُ بِالْعِصْيَانِ فَهَذَا هُوَ الْمُجَوِّزُ لِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى نَزَلَ عَلَى أَسَالِيبِ اسْتِعْمَالَاتِ النَّاسِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الضِّدِّ وَإِرَادَةِ الْآخَرِ لِمُعَاقَبَةٍ بَيْنَهُمَا إذْ الْمُرَادُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ قَوْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] أَيْ اسْتَزِلَّ أَوْ حَرِّكْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ. إنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِطَلَبِ الْوُجُودِ مِنْ قِبَلِ الْمَأْمُورِ وَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ هَهُنَا لِأَنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ كَرِيمٌ حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِكَرْمِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ عَدُوِّهِ إبْلِيسَ أَنْ يَسْتَفِزَّ عِبَادَهُ، حُمِلَ عَلَى إمْكَانِ الْفِعْلِ أَيْ تَمْكِينِهِ مِنْهُ وَإِقْدَارِهِ أَيْ جَعْلِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ مَجَازًا بِطَرِيقِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُوجِبَ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْعَبْدِ مِنْ الْفِعْلِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ أَعْنِي قُدْرَةَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ لِأَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ غَيْرُ جَائِزٍ فَاسْتُعِيرَ الْأَمْرُ لِلْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ كَاسْتِعَارَةِ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ فَصَارَ الْمَعْنَى أَنِّي أَمْكَنْتُك وَأَقْدَرْتُك عَلَى تَهْيِيجِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى الشَّرِّ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ أَوْ لِلْإِيجَادِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَكَانَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ الْإِيجَابِ وَالْإِقْدَارِ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرْنَا يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ وَلَا إيجَابَ بِدُونِ الْقُدْرَةِ كَانَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْإِقْدَارِ اتِّصَالٌ لِكَوْنِ الْقُدْرَةِ مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهُ لِلْإِقْدَارِ قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ نَظِيرُ مَا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْفُرُوعِ قَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى جَوَابًا لِمَنْ دَعَاهُ إلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْكَلَامِ لِلْعُمُومِ لِدَلَالَتِهِ لُغَةً عَلَى مَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ وَاقِعٍ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ إذْ التَّقْدِيرُ لَا أَتَغَدَّى تَغَدِّيًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَحْنَثَ بِكُلِّ تَغَدٍّ يُوجَدُ بَعْدُ كَمَا لَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ تُرِكَتْ بِدَلَالَةِ حَالِ
(2/102)

عَلَى الْفَوْرِ لِمَا قُلْنَا وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ.

وَأَمَّا الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [غافر: 58] سَقَطَ عُمُومُهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ مَحَلَّ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ وُجُوهَ الِاسْتِوَاءِ قَائِمَةٌ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْكَلَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ لِكَلَامِ الدَّاعِي وَأَنَّهُ قَدْ دَعَاهُ إلَى تَغَدِّي الْفِدَاءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ فَيُقَيَّدُ بِهِ وَإِذَا تَقَيَّدَ كَلَامُ الدَّاعِي بِهِ يُقَيَّدُ الْجَوَابُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى الْفِدَاءَ الَّذِي دَعَوْتنِي إلَيْهِ وَقِسْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ الْخُرُوجِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ إنَّك تَغْتَسِلُ فِي هَذِهِ الدَّارِ اللَّيْلَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ إنْ اغْتَسَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ سَبَقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمْ يُسْبَقْ بِهِ وَكَانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَمِينُ مُؤَبَّدَةٌ كَقَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَمُؤَقَّتَةٌ كَقَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ الْيَوْمَ كَذَا فَأَخْرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا يَكُونُ مُؤَبَّدًا لَفْظًا وَمُوَقَّتًا مَعْنًى وَأَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِهِ حَيْثُ دُعِيَا إلَى نُصْرَةِ إنْسَانٍ فَحَلَفَا أَنْ لَا يَنْصُرَاهُ ثُمَّ نَصَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْنَثَا وَبِنَاءُ الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ لِمَا بَيَّنَّا فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ} [الإسراء: 64] إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ لِاسْتِحَالَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي الْتِمَاسٌ لَا أَمْرٌ لِمَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِالْتِمَاسَ ضَرُورَةً قَوْلُهُ (عَلَى الْفَوْرِ) أَيْ عَلَى الْحَالِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَارَتْ الْقِدْرُ إذَا غَلَتْ فَاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا رَيْثَ فِيهَا وَلَا لُبْثَ فَقِيلَ جَاءَ فُلَانٌ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ وَفِي الصِّحَاحِ ذَهَبْت فِي حَاجَةٍ ثُمَّ أَتَيْت فُلَانًا مِنْ فَوْرِي أَيْ قَبْلَ أَنْ أَسْكُنَ وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.

[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ]
قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [غافر: 58] حَقِيقَةٌ لِلْعُمُومِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ لُغَةً نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ إلَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِعُمُومِهَا مُتَعَذِّرٌ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ مِثْلُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالذُّكُورَةِ وَغَيْرِهَا فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ لِنُبُوَّةِ الْمَحَلِّ عَنْ قَبُولِ الْعُمُومِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحَوَى الْكَلَامِ وَهُوَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْبَصَرِ فِي هَذَا النَّظِيرِ وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي الْفَوْزِ فِي قَوْله تَعَالَى {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] وَذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ سُقُوطُ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا بَقِيَ كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتَهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ بَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ وَلَنَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمَّا لَمْ يَقْبَلْ الْعُمُومَ لِعَدَمِ صُدُورِهِ فِي مَحَلِّ الْعُمُومِ لَمْ يَنْعَقِدْ لِلْعُمُومِ أَصْلًا لِأَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ مَحَلِّهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ إنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ النَّصِّ وَعَلَى مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ مُرَادٌ بِخِلَافِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ انْعَقَدَ لِلْعُمُومِ ثُمَّ خُصَّ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِعَارِضٍ لَحِقَهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْمُعَارِضِ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْعُمُومِ.
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَهُ وَأَنَّ دِيَتَهُ لَا يَكُونُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَنَّ اسْتِيلَاءَ الْكَافِرِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ سَبَبَ الْمِلْكِ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20] وَالْقَوْلُ
(2/103)

وَهُوَ التَّغَايُرُ فِي الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ كَافُ التَّشْبِيهِ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ لِمَا قُلْنَا مِنْ قِيَامِ الْمُغَايَرَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إذَا قِيلَ زَيْدٌ مِثْلُك لَمْ يَثْبُتْ عُمُومُهُ إلَّا أَنْ يَقْبَلَ الْمَحَلُّ الْعُمُومَ مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا فَإِنَّ هَذَا عَامٌّ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُهُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَرُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ غَيْرَ الْخَطَأِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بَلْ هُوَ مُتَصَوَّرٌ فَسَقَطَ حَقِيقَتُهُ وَصَارَ ذِكْرُ الْخَطَأِ وَالْعَمَلِ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ وَمُوجَبِهِ وَمُوجَبُهُ نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا الثَّوَابُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْمَأْثَمُ فِي الْحُرُمَاتِ وَالثَّانِي الْحُكْمُ الْمَشْرُوعُ فِيهِ مِنْ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَعِنْدَنَا نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مُخْتَصٌّ بِالْفَوْزِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20] فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [غافر: 58] لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَقْتَصِرَ الْبَصِيرُ بِالْأَعْمَى وَيَسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْبَصَرِ فَكَذَا هَذَا قَوْلُهُ (وَهُوَ التَّغَايُرُ فِي الْبَصَرِ) الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَمَى الْقَلْبِ وَبَصَرُهُ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَضِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ فِي ذِهْنِ كُلِّ أَحَدٍ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى أَيْ الْمُشْرِكُ الَّذِي لَا يُبْصِرُ الرُّشْدَ وَالْبَصِيرُ أَيْ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُهُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ كَافُ التَّشْبِيهِ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ عِنْدَ نَبْوَةِ الْمَحَلِّ عَنْهُ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الْمُمَاثَلَةِ بِذِكْرِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ أَوْ بِلَفْظِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ عِنْدَ نَبْوَةِ الْمَحَلِّ أَيْضًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ مِثَالُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ فِيهِ بِالْعُمُومِ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ الْإِثْمُ فِي الْآخِرَةِ دُونَ حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْقَطْعُ وَإِلَّا إذَا قَبِلَ الْمَحَلُّ الْعُمُومَ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ حِينَئِذٍ لِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَحْتَمِلُهُ إذْ الْمُمَاثَلَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حِسًّا وَطَبْعًا وَكَذَا يَثْبُتُ حُكْمًا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّشْبِيهِ إثْبَاتُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ عَامًّا وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةٍ أَنَّا إنَّمَا عَمِلْنَا بِالْعُمُومِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ فِيهِ حَقْنَ الدَّمِ وَلَمْ نَعْمَلْ بِالْعُمُومِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْحَدِّ وَالْحَدُّ يُحْتَالُ لِدَرْئِهِ لَا لِإِثْبَاتِهِ قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ) أَيْ وَمِمَّا تُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ فِيهِ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ الْعَمَلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ نَظَرًا إلَى كَلِمَةِ الْحَصْرِ وَأَنْ لَا يُوجَدَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْإِكْرَاهُ أَصْلًا نَظَرًا إلَى اسْتِنَادِ الِارْتِفَاعِ إلَى مَا هُوَ مُحَلًّى بِاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلْجِنْسِ وَقَدْ نَرَى أَنَّ الْعَمَلَ يُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ وَكَذَا يُوجَدُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْإِكْرَاهُ فَعَرَفْنَا بِنَبْوَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ وَهُوَ الْعَمَلُ وَالْخَطَأُ وَاخْتَارَهُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ أَنَّهَا سَاقِطَةٌ وَلَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ وَأَنَّ الْعَمَلَ فِي حَدِيثِ النِّيَّةِ وَالْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَالْإِكْرَاهَ فِي حَدِيثِ الرَّفْعِ مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى مُوجَبِهِ أَوْ بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَاتِ وَرُفِعَ حُكْمُ الْخَطَأِ ثُمَّ مَا صَارَ هَذَا الْكَلَامُ عِبَارَةً عَنْهُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَهُ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَالْإِثْمُ فِي الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي فَإِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَهُوَ الْحُكْمُ الْمَشْرُوعُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِثْلُ الْجَوَازِ فِي الْأَعْمَالِ الْمَنْوِيَّةِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِسَاءَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ وَالْإِثْمَ فِي الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ
(2/104)

أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَالصِّحَّةَ يَتَعَلَّقُ بِرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَالثَّوَابُ أَوْ الْمَأْثَمُ يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى صَلَّى وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا لَمْ يَجُزْ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَاسْتَحَقَّ الثَّوَابَ لِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ وَإِذَا صَارَا مُخْتَلِفَيْنِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَيَصِيرُ مُؤَوَّلًا وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَأْثَمِ عَلَى هَذَا فَصَارَ هَذَا كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ وَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَبْتَنِي عَلَى الْعَزِيمَةِ وَالْقَصْدِ، وَالْفَسَادَ الَّذِي هُوَ حُكْمٌ يَبْتَنِي عَلَى الْأَدَاءِ بِالْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ فَلَا يَجُوزُ احْتِجَاجُ الْخَصْمِ بِهِ عَلَيْنَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ بِالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ حَتَّى يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْمَأْثَمُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَزْمِ وَالْإِثْمَ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ مَرْفُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ يُقِيمُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الْمُرَادُ حُكْمَ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِنْ أُمَّتِي فَائِدَةٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَمِ إذْ لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُمْ (قُلْنَا) ذَلِكَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْحِكْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ جَائِزَيْ الْمُؤَاخَذَةِ كَانَ مَعْنَى الدُّعَاءِ لَا تُجِرْ عَلَيْنَا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِيهِمَا إذْ الْمُؤَاخَذَةُ فِيمَا لَا تَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ فِيهِ جَوْرٌ.
وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ (صَارَ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُ الْعَمَلِ وَالْخَطَأِ وَأُخْتَيْهِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا أَيْ فِي مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ مَا هُوَ مُرَادٌ مِنْهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكٌ قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْمَأْثَمِ) أَيْ حُكْمٌ هُوَ مَأْثَمٌ عَلَى هَذَا يَعْنِي كَمَا أَنَّ الثَّوَابَ يَنْفَصِلُ عَنْ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَكَذَلِكَ الْإِثْمُ يَنْفَصِلُ عَنْ الْفَسَادِ كَمَنْ صَلَّى مُرَائِيًا مُرَاعِيًا لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ يَسْتَوْجِبُ الْإِثْمَ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ وَكَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا تَحَقَّقَ الْفَسَادُ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَفِيهِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ الَّذِي لَا يَجْرِي الْعُمُومُ فِيهِ هُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ قَصْدًا كَاسْمِ الْقُرْءِ وَالْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ دُونَ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنَّ الْعُمُومَ يَجْرِي فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً كَاسْمِ الْحَيَوَانِ يَتَنَاوَلُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِهِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ التَّحَرُّكُ بِالْإِرَادَةِ وَكَاسْمِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمُتَضَادَّاتِ بِمَعْنَى الْوُجُودِ وَكَاسْمِ اللَّوْنِ يَتَنَاوَلُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَغَيْرَهُمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى اللَّوْنِيَّةِ وَالْحُكْمُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ فَيَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ لَا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الْمُنْتَظِمَةِ تَحْتَهُ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ وَالْحَيَوَانِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوَابَ أَوْ الْمَأْثَمَ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ ثَوَابًا أَوْ إثْمًا بَلْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَثَرًا ثَابِتًا بِالْفِعْلِ كَالشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالنَّارَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُرَطِّبًا أَوْ مُحْرِقًا.
وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ لِلْيَنْبُوعِ وَالشَّمْسِ لَا مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ قَصْدًا لِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ كَالْعَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْيَنْبُوعَ وَالشَّمْسَ قَصْدًا فَكَانَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا تَحَكُّمٌ إذْ لَا نَقْلَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ
(2/105)

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلِ الْمَحَارِمِ وَالْخَمْرِ مَجَازٌ لِمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَيَصِيرُ وَصْفُ الْعَيْنِ بِهِ مَجَازًا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَجَعَلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ نَظَائِرِ الْمُقْتَضَى فَقَالَ فِي حَدِيثِ الرَّفْعِ عَيْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ عَيْنُهَا لَصَارَ كَذِبًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَاقْتَضَى ضَرُورَةَ زِيَادَةٍ وَهِيَ الْحُكْمُ لِيَصِيرَ مُفِيدًا وَصَارَ الْمَرْفُوعُ حُكْمَهَا وَثَبَتَ رَفْعُ الْحُكْمِ عَامًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى بَطَلَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ وَلَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ بِالْأَكْلِ مُخْطِئًا لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَهُ عُمُومٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَصِيرُ مُفِيدًا فَيَزُولُ الضَّرُورَةُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى حُكْمٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ النِّيَّةِ لَمَّا ثَبَتَ حُكْمُ الْآخِرَةِ مُرَادًا وَبِهِ يَصِيرُ الْكَلَامُ مُفِيدًا لَمْ يَتَعَدَّ إلَى مَا وَرَاءَهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمَّا خَالَفَهُ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمَحْذُوفِ وَفَرَّقَا بَيْنَ الْمَحْذُوفِ وَالْمُقْتَضَى وَجَوَّزَا عُمُومَ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى وَالْحَدِيثَانِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى عَلَى أَصْلِهِمَا اُضْطُرَّا إلَى تَخْرِيجِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى مَا اخْتَارَا مِنْ جَوَازِ عُمُومِ الْمَحْذُوفِ فَبَنَيَا انْتِفَاءَ الْعُمُومِ فِيهِمَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ دُونَ الِاقْتِضَاءِ وَفِيهِ مِنْ التَّمَحُّلِ مَا تَرَى.
وَقَدْ كُنْت فِيهِ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَرَاجَعْت الْفُحُولَ فَلَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِجَوَابٍ شَافٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ

قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ) اخْتَلَفُوا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} [المائدة: 1] .
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَذَهَبَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْفِعْلِ فَيُوصَفُ الْمَحَلُّ أَوَّلًا بِالْحُرْمَةِ ثُمَّ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عَامًّا وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ أَوْ تَحْلِيلُهُ لَا غَيْرُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ نَوَابِتِ الْقَدَرِيَّةِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي هَاشِمٍ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَتَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَنْعَامِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ. تَمَسَّكَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يُوصَفُ الْعَيْنُ وَالْفِعْلُ جَمِيعًا بِهِمَا مُتَعَذِّرٌ وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ أَوْرَدَ الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ لَا يَكُونَانِ وَصْفَيْنِ لِلْأَعْيَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقُدْرَةِ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْأَعْيَانُ لَيْسَتْ بِمَقْدُورَةٍ لَنَا فَلَا تَصْلُحُ مُتَعَلَّقَةً لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ لَنَا وَهِيَ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ فِعْلٍ يَكُونُ هُوَ مُتَعَلَّقَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ حَذَرًا مِنْ إهْمَالِ الْخِطَابِ وَلَا يُمْكِنُ إضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِمَا دُونَ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ ثُمَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُجْمَلًا وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُرْفَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فَإِنَّ مَنْ
(2/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اطَّلَعَ عَلَى أَعْرُفْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمَارَسَ أَلْفَاظَ الْعَرَبِ لَا يَتَبَادَرُ إلَى فَهْمِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ حَرَّمْت عَلَيْك الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَحَرَّمْت عَلَيْك النِّسَاءَ سِوَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّسَاءِ وَلَا يَتَخَالَجُهُ شَكٌّ فِي أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِتَحْرِيمٍ لِنَفْسِ الْعَيْنِ وَأَنَّهُ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ لِعَيْنِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا أَجْمَعَتْ قَبْلَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَتَحْلِيلِ أَكْلِ النَّعَمِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إجْمَاعًا لَا رَيْبَ فِيهِ وَيُكَفِّرُونَ الْمُتَأَوِّلَ لَهَا وَيَقُولُونَ إنَّمَا حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ لِتَأْوِيلِهِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ إلَّا بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْمُخَالِفُ فِي أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ ثَابِتٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ مُكَذِّبٌ الْأُمَّةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُخَالَفَةِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مَا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ خِلَافِهَا فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَمَنْ أَجَازَ أَحَدَهُمَا لَزِمَهُ تَجْوِيزُ الْآخَرِ قَالَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَبَطَلَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَجُزْ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مُتَعَلِّقًا بِالْأَعْيَانِ الَّتِي لَا يَصِحُّ كَوْنُهَا مِنْ أَفْعَالِنَا وَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهَا لِوُجُودِهَا تَعَيَّنَ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ رُجُوعُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إلَى تَصَرُّفِنَا فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِمَا مَعْنًى مَعَ صِحَّةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِبُطْلَانِ الْآخَرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ يَصِحُّ وَصْفُ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ حَقِيقَةً كَمَا يَصِحُّ وَصْفُ الْفِعْلِ بِهَا وَمَعْنَى اتِّصَافِهَا بِهَا خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ مَعْنَى وَصْفِ الْفِعْلِ بِالْحُرْمَةِ خُرُوجُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ لَا مَعْنَى لِلْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ قَالَ تَعَالَى {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] أَيْ مَنَعْنَا وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ.
{قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] أَيْ مَنَعَهُمْ شَرَابَ الْجَنَّةِ وَطَعَامَهَا وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ لِمَنْعِ النَّاسِ عَنْ الِاصْطِيَادِ فِيهِ وَغَيْرِهِ وَحَرِيمُ الْبِئْرِ لِمَنْعِ الْغَيْرِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي حَوَالَيْهَا فَيُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ مُنِعَ عَنْ اكْتِسَابِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مَمْنُوعًا وَالْفِعْلُ مَمْنُوعًا عَنْهُ وَتُوصَفُ الْعَيْنُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَيْنَ مُنِعَتْ عَنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفًا فِيهَا فَيَصِيرُ الْعَيْنُ مَمْنُوعَةً وَالْعَبْدُ مَمْنُوعًا عَنْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ وَصْفَ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ صَحِيحٌ وَأَنَّ الْمَنْعَ نَوْعَانِ مَنْعُ الرَّجُلِ عَنْ الشَّيْءِ كَقَوْلِك لِغُلَامِك لَا تَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ وَهُوَ مَوْضُوعٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَنْعُ الشَّيْءِ عَنْ الرَّجُلِ بِأَنْ رَفَعَ الْخُبْزَ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ أَكَلَ فَإِذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْفِعْلِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي وَنَظِيرُهُمَا الْحِفْظُ وَالْحِمَايَةُ فَإِنَّ الْحِمَايَةَ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا فِي الْحِمَى بِدَفْعِ الْأَغْيَارِ عَنْهُ وَيَكُونُ فِعْلُ الْحَامِي فِي الْقَاصِدِ لِذَلِكَ الْمَحْمِيّ لَا فِي عَيْنِهِ فَيَبْقَى الْمَحْمِيّ عَلَى أَصْلِ الصِّيَانَةِ. وَالْحِفْظُ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمَحْفُوظِ بِصُنْعٍ فِي الْمَحْفُوظِ لَا فِي دَفْعِ الْقَاصِدِ إلَّا أَنَّ انْدِفَاعَ الْقَاصِدِ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ الصِّيَانَةُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَا ذَهَبَ الْمُحَافِظُ وَالْمُحَامِي ... وَمَانِعُ ضَيْمِنَا يَوْمَ الْخِصَامِ
ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَ الْمَقْصُودُ حَاصِلًا فِي الْحَالَيْنِ وَهُوَ الصِّيَانَةُ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَكِنْ بِطَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّحْرِيمِ فِي غَايَةِ التَّوْكِيدِ لِانْتِفَاءِ الْفِعْلِ فِيهِ
(2/107)

كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ نَوْعَانِ تَحْرِيمٌ يُلَاقِي نَفْسَ الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِ الْمَحَلِّ قَابِلًا كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ الْمَحَلُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مَحَلِّهِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَيَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ فَيُنْسَبُ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يُجْعَلْ صَالِحًا لَهُ وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي جَانِبِ الْمَحَلِّ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِيَصِيرَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْقِسْمِ حُرُوفُ الْمَعَانِي فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْفُرُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)
وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْكُلِّيَّةِ وَانْقِطَاعِ تَصَوُّرِهِ أَصْلًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْرَبَهُ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا صَبَّهُ الْمَوْلَى بَعْدَ النَّهْيِ أَوْ شَرِبَهُ كَانَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ أَقْوَى لِانْقِطَاعِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْقِيقُ إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ وَاتِّصَافِهَا بِالْحُرْمَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ جَعْلُ ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ صِفَةَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ كَمَا زَعَمُوا خَطَأً فَاحِشًا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ حُرْمَةَ الْأَعْيَانِ احْتِرَازًا عَنْ مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ فِي نَفْيِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ إنَّ مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُمْ خَلْقُ الْأَعْيَانِ الْقَبِيحَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَالْجِعْلَانِ وَالْخَنَافِسِ وَالْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَنَحْوِهَا فَأَنْكَرُوا قُبْحَ الْأَعْيَانِ.
وَقَالُوا إنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحَةٍ وَأَنْكَرُوا الْمَحْسُوسَ وَالثَّابِتَ بِبِدَايَةِ الْعُقُولِ وَأَنْكَرُوا اتِّصَافَهَا بِالْحُرْمَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ اتِّصَافُهَا بِالْقُبْحِ فَإِنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْقُبْحِ وَعِنْدَنَا الْأَعْيَانُ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ كَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ وَنَوْعٌ مُتَوَسِّطٌ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَلَا يَمِيلُ إلَيْهِ فَيُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ (كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ) يَعْنِي إذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْعَيْنِ كَانَ حُرْمَةُ الْفِعْلِ آكَدَ وَأَلْزَمَ وَاللُّزُومُ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى جَعَلْنَا الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ لَازِمَةً لَا تُنْفَى وَالْمَجَازُ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَيُنْفَى فَمَا يُؤَكِّدُ اللُّزُومَ كَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا أَيْ لَا يَكُونُ مَجَازًا لَكِنْ يَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا فِي التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَى الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُودًا بِالتَّحْرِيمِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ مَقْصُودًا إذْ لَمْ يُذْكَرْ الْفِعْلُ صَرِيحًا أُقِيمَ الْعَيْنُ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا اتَّصَفَتْ بِالْحُرْمَةِ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ ضَرُورَةً كَمَا بَيَّنَّا أَوْ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ فِي الِاتِّصَافِ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَبْقَ مُتَصَوَّرًا شَرْعًا.
وَهَذَا أَيْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ بِإِخْرَاجِ الْمَحَلِّ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ تَابِعًا لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا أَقْوَى مِنْ نَفْيِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا قَرَّرَنَا (فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ) أَيْ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ مَجَازًا فِي الْعَيْنِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ مَشْرُوعًا لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ (فَغَلَطٌ فَاحِشٌ) لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَأَصْلٌ وَهُوَ الْعَيْنُ عَنْ الْأَصَالَةِ وَإِقَامَةَ مَا هُوَ تَبَعٌ وَهُوَ الْفِعْلُ مَقَامَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ جِهَتِهِ لِلْفِعْلِ فِي الْحِلِّ قَوْلُهُ (وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) شَطْرُ كُلِّ شَيْءٍ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعْضِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَاسْتِكْثَارًا لِلْقَلِيلِ كَمَا «قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَائِضِ تَقْعُدُ شَطْرَ عُمْرِهَا» أَيْ بَعْضَهُ وَمِثْلُهُ فِي التَّوَسُّعِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي]
[معانى الْوَاوُ]
(بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي)
هَذَا بَابٌ دَقِيقُ الْمَسْلَكِ لَطِيفُ الْمَأْخَذِ، كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، جَمُّ الْمَحَاسِنِ، جَمَعَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ النَّحْوِ، وَدَقَائِقِ الْفِقْهِ، وَاسْتَوْدَعَ فِيهِ غَرَائِبَ الْمَعَانِي، وَبَدَائِعَ الْمَبَانِي، فَاصْغِ لِمَا يُتْلَى عَلَيْك مِنْ بَيَانِ لَطَائِفِ حَقَائِقِهِ، وَاسْتَمِعْ لِمَا يُلْقَى إلَيْك مِنْ كَشْفِ غَوَامِضِ دَقَائِقِهِ.
(2/108)

حُرُوفُ الْعَطْفِ وَهِيَ أَكْثَرُهَا وُقُوعًا وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْوَاوَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ حَتَّى قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] فَفُهِمَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِتَوْفِيقِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ تَسْتَزِدْ بِهِ تَبَصُّرًا فِي دَرْكِ أَسْرَارِ مُسْتَوْدَعَاتِهِ، وَتَسْتَفِدْ بِهِ تَبَحُّرًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى عَجَائِبِ مُسْتَبْدَعَاتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْحُرُوفِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُوَصِّلُ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ وَعَلَى مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ بِأَنَّ الْحَرْفَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ حُرُوفَ التَّهَجِّي أَيْ التَّعَدُّدِ مِنْ هَجَى الْحُرُوفَ إذَا عَدَّدَهَا وَالثَّانِي حُرُوفَ الْمَعَانِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيصَالِهَا مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ أَوْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنًى فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْإِلْصَاقِ بِخِلَافِ الْبَاءِ فِي بَكْرٍ وَبِشْرٍ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى.
وَكَذَا الْهَمْزَةُ فِي أَزِيدُ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهَا فِي أَحْمَدَ وَكَذَا مِنْ فِي قَوْلِك أَخَذْت مِنْ زَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهِ فِي مِنْوَالٍ ثُمَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْحُرُوفِ هَهُنَا عَلَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَسْمَاءٌ مِثْلُ كُلٍّ وَمَتَى وَمِنْ وَإِذَا وَغَيْرِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهَا حُرُوفًا سُمِّيَ الْجَمْعُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْلُهُ (حُرُوفُ الْعَطْفِ) الْعَطْفُ فِي اللُّغَةِ الثَّنْيُ وَالرَّدُّ يُقَالُ عَطَفَ الْعُودَ إذَا ثَنَاهُ وَرَدَّهُ إلَى الْآخَرِ فَالْعَطْفُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَ الْمُفْرَدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيمَا حَكَمْت عَلَيْهِ أَوْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى فِي الْحُصُولِ.
وَفَائِدَتُهُ الِاخْتِصَارُ وَإِثْبَاتُ الْمُشَارَكَةِ وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ وَدَلَالَةُ الْوَاوِ عَلَى مُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ وَسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَاءَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ مَعَهُ وَثُمَّ يُوجِبُ التَّرَاخِيَ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحُرُوفِ زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ صَارَتْ كَالْمُرَكَّبَةِ مَعْنًى وَالْوَاوُ مُفْرَدٌ وَالْمُفْرَدُ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَطْفَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ مُتَمَخِّضَةٌ لِإِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ صَارَتْ أَصْلًا فِي الْعَطْفِ قَوْلُهُ (وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ) أَيْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا تَرْتِيبَ كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي أَنَّهَا تَدُلُّ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ عَلَى اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى كَوْنِهِمَا مَعًا بِالزَّمَانِ أَوْ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهِ، وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثُّبُوتِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَيْ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْفَتَى الشَّابُّ الْقَوِيُّ الْحَدَثُ وَاشْتِقَاقُ الْفَتْوَى مِنْهُ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ أَحْدَاثٍ حُكْمٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيَانِ مُشْكِلٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ.
وَفِي الْقَوَاطِعِ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَجُزْ وَضْؤُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ فَكَقَوْلِك زَيْدٌ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَأَمَّا فِي الْجُمْلَةِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) تَمَسَّكَ مُثْبِتُو التَّرْتِيبِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(2/109)

وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلٌ لِمَا قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَيُفْهَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَجِيءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي الْمَجِيءِ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ حَتَّى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ وَلَوْ احْتَمَلَ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ لَصَلَحَ لِلْجَزَاءِ كَالْفَاءِ وَقَدْ صَارَتْ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ فِي قَوْلِ النَّاسِ جَاءَنِي الزَّيْدُونَ وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَرَضِيَ عَنْهُمْ عِنْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ وَقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] قَالَ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ مِنْ وُجُوهِ أَحَدُهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِمَ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ حَتَّى قَالَ ابْدَءُوا بِكَذَا وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ أَعْلَمَ بِاللِّسَانِ وَأَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَصَّ عَلَى التَّرْتِيبِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِمْ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ فَيَثْبُتُ بِتَنْصِيصِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ لِسَانٍ وَلَا يُعَارَضُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِتَجْوِيزِهِمْ إيَّاهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ تَجَوُّزًا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ

قَوْلُهُ (وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ) وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِأَنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ بِلَا خِلَافٍ وَاسْتُفِيدَ هَذَا التَّقَدُّمُ مِنْ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا اُسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنْهَا وَمِمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا قَالَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اهْتَدَى وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ قُلْ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» وَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَهَذَا حُكْمٌ) ابْتِدَاءُ دَلِيلِ الْعَامَّةِ أَيْ مُوجَبُ الْوَاوِ حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَيْ تَتَبُّعِهِ مِنْ اسْتَقْرَيْت الْبِلَادَ إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي اسْتِعْمَالَاتِهِمْ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ أَوْ فِي التَّرْتِيبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ أَيْ فِي قَوَانِينِهِمْ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا كَلَامُهُمْ أَنَّهَا تُوجِبُ كَوْنَهَا لِلتَّرْتِيبِ أَمْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يُتَعَرَّفُ مِنْ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يُطْلَبَ فِيهِمَا وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوَارِدِ النُّصُوصِ وَقَوَانِينِ الشَّرْعِ الْمَوْضُوعَةِ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا وَكِلَاهُمَا أَيْ الِاسْتِقْرَاءُ وَالتَّأَمُّلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ أَيْ تَصَدٍّ لَهُ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ لَهَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَالتَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ جَاءَ مُقَارِنَيْنِ أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ بِصِفَةِ الْوَصْلِ أَوْ التَّرَاخِي كَانَ صَادِقًا فِي هَذَا الْإِخْبَارِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَنَقْلُ اللُّغَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا حُجَّةٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ مَعْنَى الْوَاوِ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ لِأَنَّهَا فِي الِاسْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِإِزَاءِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمَبْدُوءُ بِهِ فِي اللَّفْظِ سَابِقًا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ كَمَا إذَا قُلْت جَاءَنِي الزَّيْدَانِ إنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا بَلْ مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي وُجُودِ الْفِعْلِ فَقَطْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُتَعَقِّبٌ عَلَى مَا يُوجِبُهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْفَاءُ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِهَا وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ لِمَا ذُكِرَ فَلَوْ كَانَ مُوجَبُهَا التَّرْتِيبَ لَمَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ قَوْلُهُ (وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَظِيرُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ وُضِعَتْ لِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً لَا يُمْكِنُ جَمْعُهَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مَعَ كَمَالِ
(2/110)

وَقَالُوا لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ مَعْنَاهُ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ فِي الْوُجُودِ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَهَذَا لِبَيَانِ الْوَضْعِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَعْرِيفُ ذَوَاتِهِمْ فَلِذَلِكَ يُقَالُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةً فَيُمْكِنُ اخْتِصَارُهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ فَيُقَالُ زَيْدُونَ احْتِرَازًا عَنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرِيرِ الْمُسْتَكْرَهِينَ وَهَذَا الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ عَيْنُ تِلْكَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ قَوْلُهُ (وَقَالُوا) أَيْ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْبَ فِي قَوْلِك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ.
بِإِضْمَارِ أَنْ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ أَدْخَلُوا مَا بَعْدَ الْوَاوِ فِي إعْرَابِ مَا قَبْلَهَا لَاشْتَمَلَ النَّهْيُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إدْخَالُ تَشْرَبَ فِي إعْرَابِ تَأْكُلْ وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ أَنْ وَيُنَزَّلُ قَوْلُك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ مَنْزِلَةَ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ لِيَكُونَ تَشْرَبَ، مَعَ تَقْدِيرِ أَنْ مَصْدَرًا مَعْطُوفًا عَلَى مِثْلِهِ نَحْوُ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ فَحَصَلَ بِهَذَا الْإِضْمَارِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ لَهُ وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ فَنَصَبُوهُ صَارَ الْعُدُولُ بِهِ عَنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ نَصَبَهُ إذْ كَانَ سَبَبًا لِإِضْمَارِ أَنْ فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى كَانَ عَامِلُهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا قَوْلُهُ (وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ هَهُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَلَا يُرَادُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَكْلُ سَبَبًا لِلشُّرْبِ نَحْوُ أَنْ تَقُولَ إنْ أَكَلْت السَّمَكَ شَرِبْت اللَّبَنَ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَوْلِك لَا تَنْقَطِعْ عَنَّا فَنَجْفُوَك أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك انْقِطَاعٌ فَجَفَاءٌ مِنَّا وَكَقَوْلِك لَا تَدْنُ مِنْ الْأَسَدِ فَيَأْكُلَك أَيْ إنَّك إنْ دَنَوْت مِنْهُ أَكَلَك وَيَصِيرُ دُنُوُّك سَبَبًا لِأَكْلِهِ إيَّاكَ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] أَيْ لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَيَصِيرُ طُغْيَانُكُمْ سَبَبَ حُلُولِ آثَارِ الْغَضَبِ عَلَيْكُمْ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ وَجَبَ الثَّبَاتُ عَلَى الْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِأَنَّ الْوَاوَ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَالْفَاءَ تَدُلُّ أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَاءَ لَا تَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ الْوَاوِ كَمَا لَا تَصْلُحُ الْوَاوُ فِي مَوْضِعِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضِعَتْ لِمَعْنًى عَلَى حِدَةٍ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك نَهْيٌ عَنْ خُلُقٍ وَإِتْيَانٌ بِمِثْلِهِ أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَ هَذَيْنِ فَالنَّهْيُ عَنْ خُلُقٍ مُبَاحٌ لَهُ، إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِإِتْيَانِ مِثْلِهِ وَمَا حُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُهُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَيَقُولُ إنَّ سَمَاعِي كَذَلِكَ فَوَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ فِي تَقْدِيرِ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:
كَأَنَّ أَيْدِيهُنَّ بِالْقَاعِ الْفَرِقْ
أَوْ يَكُونُ عَلَى الِابْتِدَاءِ نَحْوُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ وَقَبْلَهُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إنْ وَعَظْت وَتُقْتَدَى ... بِالْأَمْرِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
وَمِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْعَامَّةُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] .
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 161] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ آمِرًا وَمَأْمُورًا وَزَمَانًا
(2/111)

وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى خَاصٍّ يَتَفَرَّدُ بِهِ فَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ أَوْ عُذْرٍ دَعَا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ التَّكْرَارُ وَقَدْ وَجَدْنَا حُرُوفَ الْعَطْفِ وَغَيْرَهَا مَوْضُوعَةً لِمَعَانٍ يَتَفَرَّدُ كُلُّ قِسْمٍ بِمَعْنَاهُ فَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَمَعَ لِلْقِرَانِ وَثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّرَاخِي فَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَكَرَّرَتْ الدَّلَالَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَصْلٍ لَكِنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي الْبَابِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مَعَ احْتِمَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي وَهَذَا كَمَا وُضِعَ لِكُلِّ جِنْسٍ اسْمٌ مُطْلَقٌ مِثْلُ الْإِنْسَانِ وَالتَّمْرِ ثُمَّ وُضِعَتْ لِأَنْوَاعِهَا أَسْمَاءٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَصَارَتْ الْوَاوُ فِيمَا قُلْنَا نَظِيرَ اسْمِ الرَّقَبَةِ فِي كَوْنِهِ مُطْلَقًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَنَاقَضَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقَدُّمِ الدُّخُولِ عَلَى الْقَوْلِ وَدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَى عَكْسِهِ وَكَلَامُهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَفَادَ التَّرْتِيبَ لَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ مُتَنَاقِضًا وَلَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ تَكْرَارًا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي خِلَافُ الْأَصْلِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي التَّرْتِيبِ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا حَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّرْتِيبُ كَقَوْلِهِمْ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَخَالِدٌ وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالِاخْتِصَامَ مِمَّا يَقْتَضِي فَاعِلَيْنِ فَلَوْ قُلْت فِي قَوْلِك اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو إنَّ زَيْدًا قَبْلَ عَمْرٍو فِي الرُّتْبَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَتَسْكُتَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ وَمُجْتَمِعًا مَعَهُ كَمَا أَنَّك إذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ اجْتِمَاعٌ مَعَ عَمْرٍو فِي الْمَجِيءِ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْوَاوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَيَسْكُتَ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بِالْفَاءِ وَثُمَّ لِأَنَّك لَوْ قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو أَوْ اشْتَرَكَ بَكْرٌ ثُمَّ خَالِدٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ فَعَمْرٌو فِي جَعْلِك الِاخْتِصَامَ وَالِاشْتِرَاكَ مِمَّا يُسْنَدُ إلَى فَاعِلٍ وَاحِدٍ حَتَّى كَأَنَّك قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَسَكَتّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ يُزِيلُ الِاجْتِمَاعَ.
قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ كَذَا) يَعْنِي الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى وَاحِدٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا لَفْظٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ وَالتَّرَادُفُ يُوجِبُ إخْلَاءَهُ عَنْ الْفَائِدَةِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ.
(لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً بِأَنْ وَضَعَ الْوَاضِعُ اللَّفْظَ أَوَّلًا بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ وَقَدْ نَسِيَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ مَعْنًى آخَرَ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ ثُمَّ اجْتَمَعُوا وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْكُلِّ (أَوْ عُذِرَ) أَيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ الِابْتِلَاءُ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةً لِيَتَبَيَّنَ دَرَجَةُ الْعَالِمِ الَّذِي يَسْتَخْرِجُ الْمُرَادَ مِنْ الْكَلَامِ بِقُوَّةِ قَرِيحَتِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ (لِتَكَرُّرِ الدَّلَالَةِ) أَيْ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يَتَكَرَّرُ بَلْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ (قُلْنَا) قَدْ وُضِعَتْ كَلِمَةُ بَعْدَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ فَيَلْزَمُ التَّكَرُّرُ لَا مَحَالَةَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ عِنْدَكُمْ فَإِنَّ الْوَلَاءَ فِي الْوُضُوءِ شَرْطٌ فِي الْجَدِيدِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَوْ كَانَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ لَمْ يُشْتَرَطْ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَخَلَا الْكَلَامُ عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ وَذَلِكَ إخْلَالٌ بِهِ وَلَا يَتَخَالَجَنَّ فِي وَهْمِك أَنَّهَا أَوْجَبَتْ التَّرْتِيبَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [يونس: 9] حَيْثُ رَتَّبَ الْعَمَلَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِدُونِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] لَا مِنْ الْوَاوِ لَكِنَّ الْوَاوَ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ لَيْسَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي بَابِ الْعَطْفِ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وُقُوعًا بِدَلَالَةِ الِاسْتِقْرَاءِ كَانَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهَا أَصْلًا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ أَقْسَامِهِ لِلْمُنَاسَبَةِ.
ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ أَيْ الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لَهَا نَظَرًا إلَى قِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاوِ كَالْفَاءِ وَثُمَّ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ تَقَيُّدِهِ بِصِفَةِ التَّرْتِيبِ وَصِفَةِ الْقِرَانِ وَصِفَةِ التَّرَاخِي اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ وَمُحَافَظَةً عَلَى قَوَانِينِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهُمْ
(2/11