Advertisement

كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 003


(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)
وَهُوَ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَالْمُرْسَلُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ وَالثَّانِي مَا أَرْسَلَهُ الْقَرْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا أَرْسَلَهُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَالرَّابِعُ مَا أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ مِنْ الْفِتْيَانِ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ فَكَانَ يَرْوِي عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِنْ احْتَمَلَ الْإِرْسَالَ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ لَمْ يُحْمَلْ حَدِيثُهُ إلَّا عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ.

، وَأَمَّا إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ نَوْعَانِ] [الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ]
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ) الْإِرْسَالُ خِلَافُ التَّقْيِيدِ لُغَةً، وَكَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ سُمِّيَ مُرْسَلًا لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِذِكْرِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَتْرُكَ التَّابِعِيُّ الْوَاسِطَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ تَرَكَ الرَّاوِي وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهَذَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا عِنْدَهُمْ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاسِطَةً وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُعْضَلِ عِنْدَهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ الْمُعْضَلُ لَقَبٌ لِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ إسْنَادِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ أَعْضَلَهُ فَهُوَ مُعْضَلٌ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ مُشْكِلُ الْمَأْخَذِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَبَحَثْت فَوَجَدْت لَهُ قَوْلَهُمْ أَمْرٌ عَضِيلٌ أَيْ مُسْتَغْلِقٌ شَدِيدٌ وَلَا الْتِفَاتَ فِي ذَلِكَ إلَى مُعْضِلِ بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ عَضِيلٍ فِي الْمَعْنَى، وَالْكُلُّ يُسَمَّى إرْسَالًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَتَقْسِيمُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ خَصَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَا وَكَذَا قُبِلَتْ إلَّا إنْ أَعْلَمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ.

[إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ]
وَأَمَّا إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ أَصْلًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَأَيَّدَ بِآيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ أَوْ مُوَافِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَمَّنْ فِيهِ عِلَّةٌ مِنْ جَهَالَةٍ
(3/2)

وَلِهَذَا قَبِلْتُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي وَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ الْمَرَاسِيلَ وَيَعْمَلُ بِهَا مِثْلَ قَوْلِنَا احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ الْجَهْلَ بِالرَّاوِي جَهْلٌ بِصِفَاتِهِ الَّتِي بِهَا يَصِحُّ رِوَايَتُهُ لَكِنَّا نَقُولُ لَا بَأْسَ بِالْإِرْسَالِ اسْتِدْلَالًا بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ أَمَّا عَمَلُ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» فَرَدَّتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَ سَمِعْته مِنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ وَلَمَّا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فَعُورِضَ فِي ذَلِكَ بِرِبَا النَّقْدِ قَالَ سَمِعْته مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنَّمَا حُدِّثْنَا عَنْهُ لَكِنَّا لَا نَكْذِبُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ كَلَامَنَا فِي إرْسَالِ مَنْ لَوْ أَسْنَدَ عَنْ غَيْرِهِ قُبِلَ إسْنَادُهُ وَلَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَيْهِ فَلَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَوْ غَيْرِهَا أَوْ اشْتَرَكَ فِي إرْسَالِهِ عَدْلَانِ ثِقَتَانِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ شُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةً أَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مُرْسِلِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ مُرْسِلُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَ: وَلِهَذَا أَيْ وَلِثُبُوتِ الِاتِّصَالِ بِوَجْهٍ آخَرَ قُبِلَتْ مَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اتَّبَعْتهَا فَوَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَأَكْثَرُ مَا رَوَاهُ مُرْسَلًا إنَّمَا سَمِعَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِهِمْ قَالَ: وَأَقْبَلُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اعْتَبَرْتهَا فَوَجَدْتهَا بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ قَالَ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ أُحِبُّ قَبُولَ مَرَاسِيلِهِ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: إنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ بِهِ كَثُبُوتِهَا بِالْمُتَّصِلِ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَرَاسِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْمُرْسَلِ كَالْمَنَاكِيرِ لِلْمُنْكَرِ، وَفِي غَيْرِهِ الْمَرَاسِيلُ جَمْعُ الْمُرْسَلِ وَالْيَاءُ فِيهَا لِلْإِشْبَاعِ كَمَا فِي الدَّرَاهِيمِ وَالصَّيَارِيفِ تَمَسَّكَ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ بِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ أَوْصَافٍ فِي الرَّاوِي وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ فِي الرَّاوِي إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَالْعِلْمُ بِهِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ حَضْرَتِهِ وَبِذِكْرِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا بِأَوْصَافِهِ فَتَحَقَّقَ انْقِطَاعُ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فَالْجَهْلُ أَتَمُّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْجُرْحِ وَالْعَدَالَةِ الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ عَدْلًا عِنْدَ إنْسَانٍ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ بِأَنْ يَقِفَ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَ الْآخَرُ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ فَلَوْ قَبِلْنَا الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ لَكُنَّا قَبِلْنَاهَا تَقْلِيدًا لَا عِلْمًا. وَكَيْفَ يَجْعَلُ رِوَايَةَ الْعَدْلِ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَقَدْ رَوَوْا حَدِيثًا وَقَدِيمًا عَمَّنْ لَمْ يَحْمَدُوا فِي الرِّوَايَةِ أَمْرَهُ؟ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ وَكَانَ وَاَللَّهِ كَذَّابًا، وَرَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمْرِهِ فِي الْكَذِبِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ وَكَانَ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا وَرَضِيَ بِالْكَذِبِ أَيْضًا وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَجْرُوحِينَ وَأَرْسَلَ الزُّهْرِيُّ فَقِيلَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَك؟ فَقَالَ: رَجُلٌ عَلَى بَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ إرْسَالَهُ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ، وَهُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْمَرْوِيِّ لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِيهِ فَإِنْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَى قَوْلِهِ قَبِلَهُ، وَإِلَّا يَتَفَحَّصْ عَنْهُ وَبِأَنَّ النَّاسَ تَكَلَّفُوا لِحِفْظِ أَسَانِيدَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ فَلَوْ كَانَتْ الْحُجَّةُ تَقُومُ بِالْمُرْسَلِ لَكَانَ تَكَلُّفُهُمْ اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا لَا يُفِيدُ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ؛ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِصِغَرِ سِنِّهِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ»
(3/3)

وَالْمُعْتَادُ مِنْ الْأَمْرِ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا وَضَحَ لَهُ الطَّرِيقُ وَاسْتَبَانَ لَهُ الْإِسْنَادُ طَوَى الْأَمْرَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْأَمْرُ نَسَبَهُ إلَى مَنْ سَمِعَهُ لِتَحَمُّلِهِ مَا تَحَمَّلَ عَنْهُ فَعَمَدَ أَصْحَابُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَرَدُّوا أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ وَفِيهِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلَمَّا رُوجِعَ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ» الْحَدِيثُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَسْنَدَهُ إلَى الْفَضْلِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ مَذْكُورٌ فِيهِ أَيْضًا وَنُعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، ثُمَّ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرْسَلًا وَلَمَّا أَرْسَلَ هَؤُلَاءِ وَقَبِلَ الصَّحَابَةُ مَرَاسِيلَهُمْ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ وَتَفَحَّصَ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ صَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ قَبُولِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ) نَحْنُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَنَقْبَلُ مَرَاسِيلَهُمْ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ (قُلْنَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ صَحَابِيٍّ يُرْسِلُ وَتَابِعِيٍّ يُرْسِلُ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُمْ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ أَيْضًا خُصُوصًا إذَا كَانَ الْإِرْسَالُ مِنْ وُجُوهِ التَّابِعِينَ مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمِثْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَكْحُولٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُرْسِلُونَ وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ إلَّا الصِّدْقُ، وَقَالَ الْحَسَنُ كُنْت إذَا اجْتَمَعَ لِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى حَدِيثٍ أَرْسَلْته إرْسَالًا وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَتَى قُلْت لَكُمْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ فَهُوَ حَدِيثُهُ لَا غَيْرُ وَمَتَى قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْته مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ مَا كُنَّا نُسْنِدُ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ إذَا رَوَيْت لِي حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْنِدْهُ لِي فَقَالَ: إذَا قُلْت لَك حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي رَوَى لِي ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْت لَك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَدْ رَوَاهُ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ ثُمَّ تَقُولُ: إرْسَالُ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ، إمَّا أَنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُمْ أَوْ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِنْ عَدْلٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ مَنْ يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ غَيْرُ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسَلًا وَلَا مُسْنَدًا وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ هَذَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ كَتَمُوا مَوْضِعَ الْحُجَّةِ بِتَرْكِ الْإِسْنَادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُمْ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَمَا قِيلَ إنَّهُمْ أَرْسَلُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسَانِيدِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إسْنَادُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَذْكُرُوا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ تَقَوَّلُوا مَا لَمْ يَسْمَعُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسْمُوعَاتِ وَلَا يُظَنُّ هَذَا بِمَنْ دُونَهُمْ فَكَيْفَ بِهِمْ وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ الْإِسْنَادُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ إلَّا الْقَصْدُ إلَى إتْعَابِ النَّفْسِ بِالطَّلَبِ وَلَوْ قَالَ مَنْ لَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّهُمْ إنَّمَا رَوَوْا ذَلِكَ لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمُتَوَاتِرِ لَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ مَقْبُولًا مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ إنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ إنَّمَا قُبِلَتْ لِكَوْنِهِمْ عُدُولًا لَا لِكَوْنِهِمْ صَحَابَةً كَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَصَارَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِذَلِكَ ثُمَّ شَهَادَةُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ مَقْبُولَةٌ وَإِجْمَاعُ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ لِوُجُودِ الْعَدَالَةِ فَوَجَبَ قَبُولُ إرْسَالِهِمْ أَيْضًا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّ مِنْ زَمَانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُرْسِلُونَ مِنْ غَيْرِ تَحَاشٍ وَامْتِنَاعٍ وَمَلَؤُا الْكُتُبَ
(3/4)

إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ مَعَ هَذَا عَنْ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَرْبُ مَزِيَّةٍ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْجَهَالَةَ تُنَافِي شُرُوطَ الْحُجَّةِ فَغَلَطٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَ إذَا كَانَ ثِقَةً تُقْبَلُ إسْنَادُهُ لَمْ يُتَّهَمْ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ لَا مَعْرِفَةَ مَا أَبْهَمَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَرَاسِيلِ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ مِنْ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَلَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَرْدُودًا لَامْتَنَعُوا مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُقِرُّوا عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْإِسْنَادُ فِي قَوْلِهِ لَوْ أُسْنِدَ عَنْ غَيْرِهِ ضَمِنَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ فَعَدَّى بِكَلِمَةِ عَنْ عَزَمَ عَلَيْهِ أَيْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَمَدَ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَصَدَ يُقَالُ عَمَدْت لِلشَّيْءِ أَعْمِدُ عَمْدًا إذَا قَصَدَ لَهُ أَيْ تَعَمَّدْت، وَهُوَ نَقِيضُ الْخَطَاءِ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ وَالْأَمْرَانِ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ وَفِيهِ أَيْ فِي رَدِّ الْمُرْسَلِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ؛ فَإِنَّ الْمَرَاسِيلَ جُمِعَتْ فَبَلَغَتْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا وَهَذَا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ وَانْتَصَبُوا لِحِيَازَةِ الْأَحَادِيثِ وَالْعَمَلِ بِهَا، ثُمَّ رَدُّوا مِنْهَا مَا هُوَ أَقْوَى أَقْسَامِهَا مَعَ كَثْرَتِهِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا تَعْطِيلًا لِلسُّنَنِ وَتَضْيِيعًا لَهَا لَا حِفْظًا لَهَا وَإِحَاطَةً بِهَا، ثُمَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْمُسْنَدِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ أَيْضًا فَقَالَ الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا مِثْلُ الْمُسْنَدِ الْمَشْهُورِ وَفَوْقَ الْمُسْنَدِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا الْمَرَاسِيلَ حُجَّةً اخْتَلَفُوا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ وَذَهَبَ عَبْدُ الْجَبَّارِ إلَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ لِتَحَقُّقِ الْمَعْرِفَةِ بِرُوَاةِ الْمُسْنَدِ وَعَدَالَتِهِمْ دُونَ رُوَاةِ الْمُرْسَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ أَوْلَى مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا نَفْسُهُ وَتَمَسَّكَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِصِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِثْلَ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْنَادِ هَذَا أَيْضًا.
فَإِنْ قَالَ الرَّاوِي إذَا أَرْسَلْت الْحَدِيثَ فَقَدْ حَدَّثْته عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الثِّقَاتِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُرْسَلُهُ أَقْوَى مِنْ حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ إلَى وَاحِدٍ لِأَجْلِ الْكَثْرَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ الْمُرْسَلَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ) اسْتِثْنَاءٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ وَجَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمُرْسَلُ عِنْدَكُمْ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَانَ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمَشْهُورِ، فَقَالَ هَذِهِ مَزِيَّةٌ ثَبَتَتْ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ فَيَكُونُ مِثْلَ قُوَّةٍ ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ وَقُوَّةُ الْمَشْهُورِ ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ وَمَا ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ فَوْقَ مَا ثَبَتَتْ بِالرَّأْيِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَكْفِي لِلتَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ سَاكِتٌ عَنْ الْجُرْحِ وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَكَانَ السُّكُوتُ عَنْ التَّعْدِيلِ جُرْحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَالَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ، وَهُوَ الْمُرْسِلُ لَا اتِّبَاعُ مَنْ أَبْهَمَهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَالْمُرْسِلُ عَدْلٌ فَلَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ، وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْعُدُولَ قَدْ نَقَلُوا عَنْ الْمَجْرُوحِينَ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ نَبَّهُوا عَلَى جُرْحِهِمْ وَأَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِمْ، فَأَمَّا إنْ سَكَتُوا بَعْدَ الرِّوَايَةِ عَنْ حَالِهِمْ فَلَا وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ وَفِيهِ تَلْبِيسُ الْأَمْرِ عَلَى الْمَرْوِيِّ لَهُ وَتَحْمِيلٌ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
(3/5)

أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِمَا يَقَعُ لَنَا الْعِلْمُ بِهِ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا بَيَّنَّا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُخَرِ لَيْسَ بِمَانِعٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَنْعَنَةَ كَافِيَةٌ فِي الرِّوَايَةِ وَتِلْكَ الِاحْتِمَالَاتُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ: رَوَى فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بَلْ بَلَغَهُ بِوَاسِطَةٍ هِيَ مَجْهُولَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ لَا يَكُونُ عَدْلًا أَوْ يَكُونُ عَدْلًا عِنْدَ الرَّاوِي غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ اشْتِرَاطِ انْضِمَامِ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا إلَى الْمُرْسَلِ لِقَبُولِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُنْضَمَّ إلَيْهِ إنْ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُرْسَلِ تَأْثِيرٌ فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَاقْتِرَانُهُ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا يُفِيدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْضَمَّ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَيَصِيرُ حُجَّةً كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَتَقَوَّى بِانْضِمَامِ مَا لَا يُفِيدُ الظَّنَّ إلَى مِثْلِهِ كَانْضِمَامِ شَاهِدٍ إلَى شَاهِدٍ وَكَانْضِمَامِ أَخْبَارِ آحَادٍ إلَى أَمْثَالِهَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدِي أَوْ عَدْلٌ لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْقَوَاطِعِ وَلَا يَلْزَمُ التَّفَحُّصُ عَنْ حَالِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ تَفَحَّصَ عَنْهَا يَقِفُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ الْجُرْحِ أَوْ يَقِفُ عَلَى مَا لَمْ يَعُدَّهُ الرَّاوِي جُرْحًا، وَهُوَ جُرْحٌ عِنْدَهُ، فَكَذَا هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي لَمْ يَعْرِفْهُ رَاجِعًا إلَى الْخَيْرِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا أَبْهَمَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ قَالَ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَوْ سَمِعْته عَنْ عَدْلٍ أَوْ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَقْبُولًا، فَكَذَا إذَا أَرْسَلَ يَكُونُ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الطَّعْنِ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلْزَامًا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّاوِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ بِاسْمِهِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِيَثْبُتَ الِاتِّصَالُ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ رَدًّا لِلْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، أَوْ يَكُونُ إلْزَامًا عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مَنْ عَنَاهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْكَلَامِ فَأَرَادَ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَبِمَنْ لَا يَتَّهِمُهُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ فَصَارَتْ الْكِنَايَةُ كَالتَّسْمِيَةِ وَقِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْهُ احْتِجَاجًا عَلَى خَصْمِهِ وَلَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَثِقُ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى مَنْ.
وَقَوْلُهُمْ إذَا سَمَّى الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ قُلْنَا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: يُقْبَلُ خَبَرُهُ إذَا كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا وَيَكُونُ رِوَايَتُهُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ صَرِيحًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْسِلَ قَدْ حَكَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَالْعَدْلُ الْمُتَدَيِّنُ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْ سَمِعَهُ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَهُ فَيَكُونُ هَذَا تَعْدِيلًا عَنْهُ تَقْدِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّاهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ بَلْ يَنْسُبُ ذَلِكَ إلَى الْمُخْبِرِ الَّذِي سَمَّاهُ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَدْلٌ عِنْدَهُ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَسْتُورًا عِنْدَهُ يَرْوِي عَنْهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَفَوَّضَ تَعَرُّفَ حَالِهِ إلَى السَّامِعِ حَقِيقَةً حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ
(3/6)

وَأَمَّا إرْسَالُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُقْبَلُ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقْبَلُ أَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ فِسْقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ مِثْلَ إرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَمْثَالِهِ.

وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ فَقَدْ رَدَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ يُجْعَلُ عَفْوًا بِالِاتِّصَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

، وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ فَنَوْعَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَقَوْلُهُمْ لَوْ جَازَ الْعَمَلُ بِالْمَرَاسِيلِ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِيثَاقِ وَالتَّفَحُّصِ عَنْ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ فَائِدَةٌ: قُلْنَا: فَائِدَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَسْنَدَ أَمْكَنَ لِلسَّامِعِ الْفَحْصُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ فَيَكُونُ ظَنُّهُ بِعَدَالَتِهِمْ آكَدَ مِنْ ظَنِّهِ بِهَا عِنْدَ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِنْسَانِ إلَى فَحْصِهِ وَخِبْرَتِهِ أَقْوَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهِ إلَى خِبْرَةِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ حَالُ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى جُرْحِهِ وَتَزْكِيَتِهِ فَيَذْكُرُهُ لِيَتَفَحَّصَ عَنْهُ غَيْرُهُ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اشْتِغَالُ النَّاسِ بِالْإِسْنَادِ كَاشْتِغَالِهِمْ بِالتَّكَلُّفِ لِسَمَاعِ الْخَبَرِ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَكَذَلِكَ اشْتِغَالُهُمْ بِالْإِسْنَادِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ لَا يَكُونُ حُجَّةً.

[إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إرْسَالُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ) أَيْ دُونِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: يُقْبَلُ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تُوجِبُ قَبُولَ مَرَاسِيلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ تَشْمَلُ سَائِرَ الْقُرُونِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ لَا يُقْبَلُ إلَّا مَرَاسِيلُ مَنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مَشْهُورًا بِأَخْذِ النَّاسِ الْعِلْمَ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ عَدْلًا لَا يُقْبَلُ مُسْنَدُهُ وَيُوقَفُ مُرْسَلُهُ إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: لَا يُقْبَلُ إرْسَالُ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ إلَّا إذَا اُشْتُهِرَ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَمَّنْ هُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِالْكَذِبِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ فَلَا يَثْبُتُ عَدَالَةُ مَنْ كَانَ فِي زَمَنٍ شَهِدَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَهْلِهِ بِالْكَذِبِ إلَّا بِرِوَايَةِ مَنْ كَانَ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ بِعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ إذَا قَالَ الْإِنْسَانُ فِي عَصْرِنَا: قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مَعْرُوفًا فِي جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَا يُقْبَلُ لَا لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ بَلْ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ وَجُمِعَتْ فَمَا لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنْهَا فِي وَقْتِنَا هَذَا فَهُوَ كَذِبٌ وَإِنْ كَانَ الْعَصْرُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ الْمُرْسَلُ عَصْرًا لَمْ يُضْبَطْ فِيهِ السُّنَنُ قُبِلَ مُرْسَلُهُ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ) بِالْإِضَافَةِ وَالْهَاءُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُقْبَلُ وَمَعْنَاهُ لَا يُقْبَلُ مُرْسَلٌ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ إلَّا إذَا رَوَى الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ عَنْهُ وَقَبِلُوهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَاتِ عَنْهُ وَقَبُولَهُمْ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ تَعْدِيلٌ لَهُ وَشَهَادَةٌ عَلَى اتِّصَالِ الْمُرْسَلِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُقْبَلُ كَإِرْسَالِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ يُوقَفُ إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.

[الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ) وَهُوَ مَا أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَسْنَدَهُ هَذَا الْمُرْسِلُ أَوْ غَيْرُهُ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَرَاسِيلَ لَا يَقْبَلُ هَذَا الْخَبَرَ وَإِنْ أَسْنَدَهُ هَذَا الرَّاوِي؛ لِأَنَّ إرْسَالَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الرَّاوِيَ لِضَعْفٍ فِيهِ فَسَتَرَهُ لَهُ وَالْحَالُ هَذِهِ خِيَانَةٌ مِنْهُ فَلَمْ يُقْبَلْ وَهَذَا لَمْ يَقْبَلْ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ سَائِرَ مَسَانِيدِ هَذَا الْمُرْسَلِ وَجَعَلُوهُ بِالْإِرْسَالِ سَاقِطَ الْحَدِيثِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْمُسْنَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَسَانِيدِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مُسْنَدًا وَنَسِيَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ
(3/7)

انْقِطَاعٌ بِالْمُعَارَضَةِ وَانْقِطَاعٌ لِنُقْصَانٍ وَقُصُورٍ فِي النَّاقِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِالْعَرْضِ عَلَى الْأُصُولِ فَإِذَا خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَرْدُودًا مُنْقَطِعًا وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَالثَّانِي مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَالثَّالِثُ مَا شَذَّ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْحَوَادِثِ وَعَمَّ بِهِ الْبَلْوَى فَوَرَدَ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَعْرِضَ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْكِتَابَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يُتْرَكُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ، حَتَّى إنَّ الْعَامَّ مِنْ الْكِتَابِ لَا يُخَصُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا وَلَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ مِنْ الْكِتَابِ وَلَا يُنْسَخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ أَصْلٌ وَالْمَعْنَى فَرْعٌ لَهُ وَالْمَتْنُ مِنْ الْكِتَابِ فَوْقَ الْمَتْنِ مِنْ السُّنَّةِ لِثُبُوتِهِ ثُبُوتًا بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِهِ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى الْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُ سَمِعَهُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا فَأَرْسَلَهُ اعْتِمَادًا عَلَيْهِ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فَأَسْنَدَهُ ثَانِيًا أَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِلْإِسْنَادِ فَأَسْنَدَهُ ثُمَّ نَسِيَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ ثَانِيًا فَلَا يَقْدَحُ إرْسَالُهُ فِي إسْنَادِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا يُقْبَلُ إسْنَادُهُ عِنْدَهُمْ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَوْ سَمِعْت فُلَانًا وَلَا يُقْبَلُ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُوهِمٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَنْ فُلَانٍ وَنَحْوِهِ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمُعْتَمَدِ.
، وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا مِثْلُ حَدِيثِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ فِي أُخْرَى عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْنَدًا هَكَذَا مُتَّصِلًا، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَحَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ فِي هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِلْمُرْسَلِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ فَإِذَا كَانَ مَنْ أَرْسَلَهُ أَحْفَظَ مِمَّنْ وَصَلَهُ فَالْحُكْمُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ وَأَهْلِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْ أَسْنَدَ حَدِيثًا قَدْ أَرْسَلَهُ الْحَافِظُ فَإِرْسَالُهُمْ لَهُ يَقْدَحُ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي عَدَالَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ مَنْ أَسْنَدَهُ إذَا كَانَ ضَابِطًا عَدْلًا فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إذَا كَانَ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، وَهَكَذَا إذَا رَفَعَ بَعْضُهُمْ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ رَفَعَهُ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَوَقَفَهُ هُوَ أَيْضًا فِي وَقْتٍ آخَرَ فَالْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا زَادَهُ الثِّقَةُ مِنْ الْوَصْلِ وَالرَّفْعِ.
فَوَجْهُ عَدَمِ الْقَبُولِ أَنَّ الرَّاوِيَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ فِيهِ وَإِسْنَادُ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْدِيلِ، وَإِذَا اسْتَوَى الْجُرْحُ وَالتَّعْدِيلُ يَغْلِبُ الْجُرْحُ لِمَا عُرِفَ. وَوَجْهُ الْقَبُولِ أَنَّ عَدَالَةَ الْمُسْنِدِ يَقْتَضِي قَبُولَ الْخَبَرِ وَلَيْسَ فِي إرْسَالِ مَنْ أَرْسَلَهُ مَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ إسْنَادُ مَنْ يُسْنِدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَرْسَلَهُ سَمِعَهُ مُرْسَلًا أَوْ نَسِيَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَمَنْ أَسْنَدَهُ سَمِعَهُ مُسْنَدًا فَلَا يَقْدَحُ إرْسَالُهُ فِي إسْنَادِ الْآخَرِ وَلِأَنَّ الْمُسْنَدَ مُثْبِتٌ وَالْمُرْسَلَ سَاكِتٌ وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا خَفَى عَلَيْهِ.

[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]
قَوْلُهُ (انْقِطَاعٌ بِالْمُعَارَضَةِ) ، وَهُوَ أَنْ تُعَارِضَ الْخَبَرَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَارَضَهُ مَا هُوَ فَوْقَهُ سَقَطَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ سَاقِطٌ فَيَنْقَطِعُ مَعْنًى ضَرُورَةً لِنُقْصَانٍ وَقُصُورٍ فِي النَّاقِلِ بِفَوَاتِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالضَّبْطِ وَالْعَقْلِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِمَّا يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأُصُولُ، وَذَلِكَ أَيْ الِانْقِطَاعُ الْمَعْنَوِيُّ الْحَاصِلُ بِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا كَالِانْقِطَاعِ الظَّاهِرِ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ أَيْ الْمَشْهُورَةُ أَوْ الْمُتَوَاتِرَةُ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ أَيْ لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِمْ لَصَارَ مِثْلَ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَوْلَهُ (وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ) اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْلِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ يُقْبَلُ
(3/8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ إلَّا بِتَعَسُّفٍ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْوِيلُ مَعَ التَّعَسُّفِ لَبَطَلَ التَّنَاقُضُ مِنْ الْكَلَامِ كُلِّهِ وَيَجِبُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقُلْهُ إلَّا حِكَايَةً عَنْ الْغَيْرِ أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِنَصِّ الْكِتَابِ أَوْ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ لِلْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ قَطْعِيَّةٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ بِوَجْهٍ بَلْ الظَّنِّيُّ يَسْقُطُ بِمُقَابَلَةِ الْقَطْعِيِّ فَإِنْ خَالَفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ عُمُومَ الْكِتَابِ أَوْ ظَاهِرَهُ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ وَتَرْكُ الظَّاهِرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْخَاصِّ وَالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ حَتَّى إنَّ الْعَامَّ مِنْ الْكِتَابِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] لَا يُخَصُّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ» وَلَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وَشَرْطُهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ» وَلَا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةُ بِحَدِيثِ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ وَيَثْبُتُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَعُمُومَاتُهُ لَا تُوجِبُ الْيَقِينَ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَمُعَارَضَتُهَا بِهِ عِنْدَهُمْ.
وَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا أَفَادَتْ عُمُومَاتُ الْكِتَابِ وَظَوَاهِرُ الْيَقِينِ كَالنُّصُوصِ وَالْخُصُوصَاتُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَمُعَارَضَتُهَا بِهِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً مِنْ مَشَايِخِنَا مِثْلَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ تَخْصِيصُهَا بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فَوْقَ الِاحْتِمَالِ فِي الْعَامِّ وَالظَّاهِرِ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهُوَ احْتِمَالُ إرَادَةِ الْبَعْضِ مِنْ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْمَجَازِ مِنْ الظَّاهِرِ وَلَكِنْ لَا شُبْهَةَ فِي ثُبُوتِ مَتْنِهِمَا أَيْ نَظْمِهِمَا وَعِبَارَتِهِمَا وَالشُّبْهَةُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ مَتْنِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الظَّوَاهِرِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي مَعْنَاهُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُودَعٌ فِي اللَّفْظِ وَتَابِعٌ لَهُ فِي الثُّبُوتِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمَتْنُ أَصْلٌ وَالْمَعْنَى فَرْعٌ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ الشُّبْهَةُ الْمُتَمَكِّنَةُ فِي اللَّفْظِ فِي ثُبُوتِ مَعْنَاهُ ضَرُورَةً، وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ لَفْظِهِ وَلَا مُنْكِرُ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ مُنْكِرِ الظَّاهِرِ وَالْعَامِّ مِنْ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَلَا تَخْصِيصُ عُمُومِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ الْأَقْوَى بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الصَّحَابَةَ خَصُّوا قَوْله تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» وقَوْله تَعَالَى {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وقَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ.
قُلْنَا: هَذِهِ أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهَا عَلَى
(3/9)

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَاقْبَلُوهُ وَمَا خَالَفَهُ فَرَدُّوهُ» فَلِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ وَيُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْسَخُهُ وَمَنْ رَدَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُجَّةَ فَوَقَعَ فِي الْعَمَلِ بِالشُّبْهَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَوْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ الَّذِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا وَمَنْ عَمِلَ بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَنَسْخِهِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْيَقِينَ وَالْأَوَّلُ فَتْحُ بَابِ الْجَهْلِ وَالْإِلْحَادِ. وَالثَّانِي فَتْحُ بَابِ الْبِدْعَةِ وَإِنَّمَا سَوَاءُ السَّبِيلِ فِيمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي تَنْزِيلِ كُلٍّ مَنْزِلَتَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْكِتَابِ وَلَا كَلَامَ فِيهَا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي خَبَرٍ شَاذٍّ خَالَفَ عُمُومَ الْكِتَابِ هَلْ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - رَوَوْا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ قَوْله تَعَالَى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] حَتَّى قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ) الْحَدِيثُ أَهْلُ الْحَدِيثِ طَعَنُوا فِيهِ وَقَالُوا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ ثَوْبَانَ وَيَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ مَجْهُولٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ فَكَانَ مُنْقَطِعًا أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ، وَهُوَ عِلْمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَتَزْكِيَةُ الرُّوَاةِ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] فَيَكُونُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ سَاقِطًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ الطَّوْدُ الْمُتَّبَعُ فِي هَذَا الْفَنِّ وَإِمَامُ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ فَكَفَى بِإِيرَادِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى طَعْنِ غَيْرِهِ بَعْدُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَبُولِ بِالْكِتَابِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالسَّمَاعِ مِنْهُ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ وَوُجُوبِ الْعَرْضِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا تَرَدَّدَ ثُبُوتُهُ مِنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذْ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْكِتَابِ بِوَجْهٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَعْطَاكُمْ الرَّسُولُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَاقْبَلُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ أَيْ عَنْ أَخْذِهِ فَانْتَهُوا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ هُوَ الْغُلُولُ، وَقَدْ تَأَيَّدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «مَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي مِمَّا تَعْرِفُونَ فَصَدِّقُوا بِهِ وَمَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي مِمَّا تُنْكِرُونَ فَلَا تُصَدِّقُوا فَإِنِّي لَا أَقُولُ الْمُنْكَرَ» وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَرْضِ عَلَى الْكِتَابِ.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَقُولُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ فِي النَّسْخِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لِاشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي النَّسْخِ، وَأَمَّا النَّسْخُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ يَجُوزُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لَا عَلَى أَنَّهُ نَسْخٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَيُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْسَخُهُ أَيْ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ يُتْرَكُ مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا يَقْتَضِي نَسْخَ ظَاهِرِ الْكِتَابِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ أَصْلًا. وَمِثَالُ الثَّانِي خَبَرُ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا لَا يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ فَيُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ وَالتَّعْدِيلُ وَالطَّهَارَةُ عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ النُّقْصَانُ بِفَوَاتِهَا فِي الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَفُتْ أَصْلُ الْجَوَازِ إذْ لَوْ فَاتَ لَأَدَّى إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ وَمَنْ أَرَادَ أَخْبَارَ الْآحَادِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُجَّةَ لِمَا مَرَّ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مِنْ حِجَجِ الشَّرْعِ فَوَقَعَ فِي الْعَمَلِ بِالشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ فِي أَصْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهَا وَفِي الْخَبَرِ عَارِضٌ أَوْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ الَّذِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا ثُمَّ بَعْضُ مَنْ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ
(3/10)

وَمِثَالُ هَذَا مَسُّ الذَّكَرِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] وَالْمُسْتَنْجِي يَمَسُّ ذَكَرَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ حَدَثًا وَمِثْلُ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي النَّفَقَةِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] الْآيَةُ. وَمَعْنَاهُ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْكِتَابِ أَحَقُّ مِنْ نَصِّ الْآحَادِ وَكَذَلِكَ مِمَّا خَالَفَ الْكِتَابَ مِنْ السُّنَنِ أَيْضًا حَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِنَوْعَيْنِ بِرَجُلَيْنِ بِقَوْلِهِ {مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] وَبِقَوْلِهِ {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] وَمِثْلُ هَذَا إنَّمَا يُذْكَرُ لِقَصْرِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَمِلَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَادِثَةِ وَبَعْضُهُمْ رَدَّ الْقِيَاسَ أَصْلًا وَعَمِلَ بِالِاسْتِصْحَابِ فِي الْحَوَادِثِ فَالشَّيْخُ أَشَارَ إلَى فَسَادِ الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعًا، فَقَدْ أَبْطَلَ الْيَقِينَ يَعْنِي بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْأَوَّلُ فَتْحُ بَابِ الْجَهْلِ وَالْإِلْحَادِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحُجَّةِ وَالْأَخْذَ بِالشُّبْهَةِ أَوْ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عُدُولٌ عَنْ الصَّوَابِ وَمَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَنَسْخِهِ فَتْحُ بَابِ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَعْمَلُوا بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا حَكَيْنَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا بِكَذَا.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ هَذَا) أَيْ مِثَالُ الِانْقِطَاعِ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ الْآيَةُ مَشَى إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَإِذَا الْأَنْصَارُ جُلُوسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَا الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْغَائِطِ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ نُتْبِعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ فَتَلَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] » وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَسِّ الْفَرْجَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ مِنْ التَّطَهُّرِ فَلَوْ جُعِلَ الْمَسُّ حَدَثًا لَا يُتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنْجَاءُ تَطَهُّرًا؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ فَلَا يَحْصُلُ مَعَ إثْبَاتِ حَدَثٍ آخَرَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ وَالْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَجْعَلُهُ تَطَهُّرًا عَنْ الْحَدَثِ لِيَكُونَ الْمَسُّ مُنَافِيًا لَهُ بَلْ هُوَ تَطَهُّرٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ اسْتَحَقُّوا الْمَدْحَ لَا بِاعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ إذْ الْكُلُّ كَانُوا فِيهَا سَوَاءً وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ لَا تَزُولُ بِالْمَسِّ كَمَا لَوْ فَسَا أَوْ رَعَفَ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الِاسْتِنْجَاءَ تَطَهُّرًا مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَطَهُّرًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَوْ جَعَلَ الْمَسَّ حَدَثًا لَا يَكُونُ تَطَهُّرًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَخْلُو هَذَا الْجَوَابُ عَنْ ضَعْفٍ.
1 -
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَحَدِيثِ الْمَسِّ وَحَدِيثِ فَاطِمَةَ حَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِشَاهِدٍ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وَعُلَمَاؤُنَا لَمْ يَعْمَلُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَاسْتَشْهِدُوا} [البقرة: 282] أَمَرَ بِالِاسْتِشْهَادِ لِإِحْيَاءِ الْحَقِّ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مَا هُوَ شَهَادَةٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ كُلٌّ يَكُونُ مُجْمَلًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَوْعَيْنِ بِرَجُلَيْنِ وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الْمُسَاوَاةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ اقْتِصَارُ الِاسْتِشْهَادِ الْمَطْلُوبِ بِالْأَمْرِ عَلَى النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ إذَا فُسِّرَ كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: كُلْ طَعَامَ كَذَا أَوْ طَعَامَ كَذَا، كَانَ التَّفْسِيرُ اللَّاحِقُ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا أُرِيدَ مِنْ الْمَأْكُولِ بِقَوْلِهِ كُلْ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ تَفَقَّهْ مِنْ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ كَانَ التَّفْسِيرُ الْمُلْحَقُ بِهِ قَصْرَ الْأَمْرِ بِالتَّفَقُّهِ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَا يَكُونَ التَّفَقُّهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اسْتَشْهِدْ زَيْدًا عَلَى صَفْقَتِك أَوْ خَالِدًا. لَمْ يَكُنْ اسْتِشْهَادُ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَأْمُورِ اسْتِشْهَادًا لِحُكْمِ الْأَمْرِ لَا مَحَالَةَ بَلْ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا
(3/11)

وَلِأَنَّهُ قَالَ {وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] وَلَا مَزِيدَ عَلَى الْأَدْنَى وَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ حُجَّةً لَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ وَصَارَ ذَلِكَ بَيَانًا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] فَنَقَلَ إلَى شَهَادَةِ الْكَافِرِ حِينَ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي مَوْتِ الْمُسْلِمِينَ وَوَصَايَاهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَعْهُودَ وَيَأْمُرَ بِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ يَمِينَ الشَّاهِدِ بِقَوْلِهِ {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: 106] وَيَمِينُ الْخَصْمِ فِي الْجُمْلَةِ مَشْرُوعٌ فَأَمَّا يَمِينُ الشَّاهِدِ فَلَا فَصَارَ النَّقْلُ إلَى يَمِينِ الشَّاهِدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ وَمِثْلُهُ خَبَرُ الْمُصَرَّاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَصِيرُ الْمَذْكُورُ بَيَانًا لِلْكُلِّ فَمَنْ جَعَلَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ حُجَّةً فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى النَّسْخِ فَلَا يَجُوزُ بِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] نَصَّ عَلَى أَدْنَى مَا يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْأَدْنَى شَيْءٌ يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا مَزِيدَ عَلَى الْأَدْنَى يَعْنِي فِي جَانِبِ الْقِلَّةِ وَالتَّسَفُّلِ فَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ حُجَّةً لَزِمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَدْنَى فِي انْتِفَاءِ الرِّيبَةُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَكَانَ فِي جَعْلِهِ حُجَّةً إبْطَالُ مُوجِبِ الْكِتَابِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ مِنْ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ الرِّجَالِ إلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ النِّسَاءِ مُبَالَغَةً فِي الْبَيَانِ مَعَ أَنَّ حُضُورَهُنَّ مَجَالِسَ الْحُكَّامِ وَمَحَافِلَ الرَّجُلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ بَلْ هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] فَلَوْ كَانَ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ حُجَّةً وَأَمْكَنَ لِلْمُدَّعِي الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ بِهَا لَمَا اسْتَقَامَ السُّكُوتُ عَنْهَا فِي الْحِكْمَةِ وَالِانْتِقَالِ إلَى ذِكْرِ مَنْ لَا يُسْتَشْهَدُ عَادَةً مَعَ كُلِّ هَذَا الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَيَانِ بَلْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَأَيْسَرُ وُجُودًا مِنْ الشَّهِيدَيْنِ أَوْ كَانَ ذِكْرُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا وَبِانْضِمَامِ عَيْنِ الْمُدَّعِي إلَيْهِ يَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ الْمُبِيحَةُ لِحُضُورِ النِّسَاءِ مَحْفِلَ الرِّجَالِ كَمَا لَوْ وُجِدَ الرَّجُلَانِ فَكَانَ النَّصُّ دَلِيلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَيْ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ الرِّجَالِ إلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ النِّسَاءِ بَيَانًا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ شَيْءٌ آخَرُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي وَإِنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَهَذَا تَقْرِيرُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا أُسَلِّمُ الْقَصْرَ؛ لِأَنَّ لَهُ طُرُقًا أَرْبَعَةً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُ دَعْوَى الْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا الْقَصْرَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ فَهُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَكُمْ وَعِنْدِي وَإِنْ كَانَ حُجَّةً وَلَكِنْ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ فَإِذَا عَارَضَهُ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِي الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَأَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَا دَلَالَةَ لِهَذَا النَّصِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّ نَظْمَ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ بَلْ نَظْمُهُ {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى أَنْ تَكْتُبُوهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] وَالْأَدْنَى بِمَعْنَى الْأَقْرَبِ لَا بِمَعْنَى الْأَقَلِّ أَيْ ذَلِكُمْ الْكَتْبُ أَقْسَطُ أَيْ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ أَيْ أَعْدَلُ عَلَى أَدَائِهَا وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا أَيْ أَقْرَبُ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّيْبِ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ الْإِشَارَةَ إلَى قَوْلِهِ {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] وَأَنْ يَجْعَلَ الْأَدْنَى بِمَعْنَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} [البقرة: 282] لَا يَنْقَادُ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا ثُمَّ أَكَّدَ الشَّيْخُ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ بَيَانَ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ عَنْ اسْتِشْهَادِ
(3/12)

وَكَذَلِكَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ فَوْقَهُ فَلَا يُنْسَخُ بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ قَوْلُهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُسْلِمَيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ إلَى اسْتِشْهَادِ كَافِرَيْنِ حِينَ كَانَتْ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] أَيْ عَدَدُ الشُّهُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ إنْ لَمْ يَجِدُوا مُسْلِمِينَ وَأَوْ لِلتَّرْتِيبِ، كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ حُجَّةً لَنُقِلَ الْحُكْمُ إلَيْهِ لَا إلَى شَهَادَةِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ تَجْوِيزَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ دَفْعُهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِنْ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ وَأَيْسَرُ وُجُودًا مِنْهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ عِنْدَ وُقُوعِ الِارْتِيَابِ وَالشَّكِّ فِي صِدْقِ الشَّاهِدِ إلَى تَحْلِيفِ الشَّاهِدِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} [المائدة: 106] الْآيَةُ وَتَحْلِيفُ الشَّاهِدِ حِينَئِذٍ كَانَ مَشْرُوعًا ثُمَّ نُسِخَ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ حُجَّةً لَكَانَ النَّقْلُ إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ إذْ الْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ وَالْمُدَّعِي يُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَصْمٌ وَتَحْلِيفُهُ فِي الْجُمْلَةِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا كَمَا فِي التَّحَالُفِ وَكَمَا فِي الْقَسَامَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَعْضِ، فَأَمَّا يَمِينُ الشَّاهِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْأَمِينِ فِي مَوْضِعٍ فَكَانَ النَّقْلُ إلَى يَمِينِ الشَّاهِدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ.
وَأَمْثَالُ هَذَا أَيْ نَظَائِرُ مَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ مِنْ السُّنَنِ الْغَرِيبَةِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ خَبَرِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَخَبَرِ وُجُوبِ الْمُلْتَجِئِي إلَى الْحَرَمِ وَخَبَرِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ وَسَائِرِ مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَيْضًا) أَيْ وَمِثْلُ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِلسُّنَّةِ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مَرْدُودًا أَيْضًا وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ أَيْ الْخَبَرَ الْمَشْهُورَ فَوْقَ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِالْمَشْهُورِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ الْمَشْهُورُ الَّذِي هُوَ أَقْوَى بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ وَذَلِكَ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْأَصْلِ حَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَبَيَانُ الْمُخَالَفَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ اللَّامَ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ فَمَنْ جَعَلَ يَمِينَ الْمُدَّعِي حُجَّةً فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْخُصُومَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا مُدَّعِيًا وَقِسْمًا مُنْكِرًا، وَالْحُجَّةُ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا بَيِّنَةً وَقِسْمًا يَمِينًا، وَحَصَرَ جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَجِنْسَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَهَذَا يَقْتَضِي قَطْعَ الشَّرِكَةِ وَعَدَمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ فِي جَانِبٍ وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ تُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ هَذَا الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا.
كَيْفَ وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ حَتَّى قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ أَوَّلُ مَنْ أَفْرَدَ الْإِقَامَةَ مُعَاوِيَةُ وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مُعَاوِيَةُ
(3/13)

وَمِثْلُ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْخَضْرَمِيِّ حِينَ امْتَنَعَ عَنْ اسْتِحْلَافِ الْكِنْدِيِّ فِي دَعْوَى أَرْضٍ لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ» فَهَذَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَشْرُوعَةً لَكَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ غَيْرَ الِاسْتِحْلَافِ.
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ سَعْدٍ) إلَى آخِرِهِ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَتَنْقُصُ إذَا جَفَّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا إذًا» ، فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَفْسَدَ الْبَيْعَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَتَنْقُصُ إذَا جَفَّ إلَى وُجُوبِ بِنَاءِ مَعْرِفَةِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ يَصِيرُ أَجْزَاءُ الرُّطَبِ أَقَلَّ فَلَا يَجُوزُ لِتَفَاوُتٍ قَائِمٍ لِلْحَالِ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ بِأَجْزَاءِ التُّمُورَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَقْلِيُّ بِغَيْرِ الْمَقْلِيِّ لِتَفَاوُتٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ بِأَجْزَاءِ غَيْرِ الْمَقْلِيِّ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي الْجَوَازَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لِلتَّمْرَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يُدْرَكَ وَبِمَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ لَا يَخْتَلِفُ اسْمُ الذَّاتِ كَاسْمِ الْآدَمِيِّ لَا يَتَبَدَّلُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يُزْهَى فَقِيلَ: وَمَا يُزْهَى فَقَالَ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ» فَسَمَّاهُ تَمْرًا وَهُوَ بُسْرٌ، وَقَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَمَا الْعَيْشُ إلَّا نَوْمَةٌ وَتَشَرُّقٌ ... وَتَمْرٌ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ وَمَاءُ
وَالْمُرَادُ الرُّطَبُ.
وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِرُطَبٍ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ فَيَبِسَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي لَا يُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ وَلَوْ تَبَدَّلَ الْجِنْسُ بِالْيُبْسِ لَبَطَلَتْ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعِنَبٍ فَصَارَ زَبِيبًا قَبْلَ الْمَوْتِ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي تَمْرٍ فَاقْتَضَى رُطَبًا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ صَحَّ وَلَوْ اخْتَلَفَا لَكَانَ هَذَا اسْتِبْدَالًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَمْرٌ، وَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ حَالَةَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ وَلَا يُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْبَدَلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ عَلَيْهِمَا الْعَقْدُ وَهُمَا الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ فَأَمَّا اعْتِبَارُ حَالَةٍ مَفْقُودَةٍ يَتَوَقَّعُ حُدُوثُهَا فِي بَابَيْ الْحَالِ فَلَا فَكَانَ اعْتِبَارُ الْأَعْدَلِ كَاعْتِبَارِ الْأَجْوَدِ وَأَنَّهُ سَاقِطٌ بِالنَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ التَّفَاوُتِ فِي الْجَوْدَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» وَاعْتُبِرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ حَيْثُ شَرَطَ الْيَدَ بِالْيَدِ وَصِفَةُ الْجُودَةِ لَا تَكُونُ حَادِثَةً بِصُنْعِ الْعِبَادِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةُ حَادِثٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا إنَّ كُلَّ تَفَاوُتٍ يُبْتَنَى عَلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَفِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالْحِنْطَةُ بِالدَّقِيقِ التَّفَاوُتُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكُلُّ تَفَاوُتٍ يُبْتَنَى عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْعِبَادِ فَهُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْكَيْلِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي حَالِ يُبُوسَةِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا أَوْ فِي حَالِ يُبُوسَةِ
(3/14)

بِزِيَادَةِ مُمَاثَلَةٍ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْمَشْهُورِ، بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمِقْدَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَحَدِهِمَا وَرُطُوبَةِ الْآخَرِ جَازَ الْعَقْدُ فَالتَّقْيِيدُ بِاشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدِلْ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ حَالُ يُبُوسَتِهِمَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ سَعْدٍ مُتَضَمِّنٌ لِنَسْخِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِزِيَادَةِ مُمَاثَلَةٍ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ الْمُخَالَفَةُ بِسَبَبِ اقْتِضَائِهِ زِيَادَةَ مُمَاثَلَةٍ لَا يَقْتَضِيهَا الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي حَالَةِ الْجَفَافِ، وَالْبَاءُ فِي بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالزِّيَادَةِ أَيْ اشْتِرَاطُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ وُجِدَتْ فِي أَحَدِهِمَا وَفُقِدَتْ فِي الْآخَرِ لَا بِاعْتِبَارِ زِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلتَّمْرِ فَضْلَ جَوْدَةٍ عَلَى الرُّطَبِ مِنْ حَيْثُ الِادِّخَارُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصٍ وَلَكِنْ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ لِلتَّمْرِ إنْ كَانَ فَضْلُ اكْتِنَازٍ فَفِي الرُّطَبِ فَضْلُ رُطُوبَةٍ هِيَ مَقْصُودَةٌ شَاغِلَةٌ لِلْكَيْلِ لَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إلَّا بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالْجَفَافِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْفَضْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْجَوْدَةِ سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ شَرْعًا إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ وَالْفَضْلُ قَدْرًا فَكَيْفَ يَصْلُحُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْجَوْدَةِ نَاسِخًا لِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.
وَقَوْلُهُ لَيْسَتْ مِنْ الْمِقْدَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ بِاعْتِبَارِ الْقَلْيِ؛ فَإِنَّ بِالْقَلْيِ يَنْتَفِخُ الْحَبَّاتُ إذَا كَانَتْ رَطْبَةً وَتَضْمُرُ إذَا قُلِيَتْ يَابِسَةً فَلَا تُسَاوِي الْمَقْلِيَّةُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ غَيْرَ الْمَقْلِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاخِ وَالضُّمُورِ وَهَذَا التَّفَاوُتُ رَجَعَ إلَى الْقَدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي مَنْعِ الْجَوَازِ وَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ يُوجِبُ أَحْكَامًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا: وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ شَرْطًا لِلْجَوَازِ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ حَالَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ بِهَذَا النَّصِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ فَضْلٍ قَائِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْفَضْلُ عَلَى الذَّاتِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَضْلُ الَّذِي يَنْعَدِمُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْبَيْعِ حَالَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِعْيَارِ وَأَوْجَبَ حُرْمَةَ فَضْلٍ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ لِلْجَوَازِ حَالَةَ الْعَقْدِ وَالْفَضْلُ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ الْجَفَافِ لَا يُعْدِمُ الْمُمَاثَلَةَ الْمَوْجُودَةَ حَالَ الْعَقْدِ وَهَذَا الْفَضْلُ مَوْهُومٌ غَيْرُ قَائِمٍ حَالَ الْعَقْدِ فَإِذَا خَالَفَ الْمَشْهُورَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَمْ يُقْبَلْ. وَالثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ سَأَلُوهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَقَالَ: الرُّطَبُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا جَازَ أَيْضًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ حَدِيثَ سَعْدٍ فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ دَارَ عَلَى زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَيْفَ يُقَالُ: أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَقُولُ زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ؟ ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحِنْطَةَ الْمَقْلِيَّةَ إنْ كَانَتْ حِنْطَةً يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ كَيْلًا بِكَيْلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِنْطَةً يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا اخْتَلَفَا النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ مَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَاتِ لِدَفْعِ الْخَصْمِ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ بِهِ لِجَوَازِ قِسْمٍ ثَالِثٍ كَمَا فِي الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ مَعْنَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرُّطَبُ قِسْمًا ثَالِثًا لَا يَكُونُ تَمْرًا مُطْلَقًا لِفَوَاتِ وَصْفِ الْيُبُوسَةِ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ مُطْلَقًا لِبَقَاءِ أَجْزَائِهِ
(3/15)

إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَمِلَا بِهِ عَلَى أَنَّ اسْمَ التَّمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الرُّطَبَ فِي الْعَادَةِ كَمَا فِي الْيَمِينِ.

، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ اسْتَحَالَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَيْفَ اشْتَهَرَ فِي الْحَلِفِ فَإِذَا شَذَّ الْحَدِيثُ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً وَانْقِطَاعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ تَمْرًا كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ عَيْنَ الْحِنْطَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْإِثْبَاتِ عَنْهَا بِالْمَقْلِيِّ وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا أَيْضًا لِوُجُودِ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ فِيهَا، وَكَذَا الْحِنْطَةُ مَعَ الدَّقِيقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ) أَيْ لَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا عَمِلَا بِهِ أَيْ بِحَدِيثِ سَعْدٍ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّهُمَا وَافَقَا أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْهُورَ ثُمَّ إنَّهُمَا عَمِلَا بِحَدِيثِ سَعْدٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ الْمَشْهُورَ فَقَالَ: إنَّهُمَا إنَّمَا عَمِلَا بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُسَلِّمَا مُخَالَفَتَهُ لِلْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ تَنَاوَلَ التَّمْرَ وَالرُّطَبُ لَيْسَ بِتَمْرٍ عَادَةً أَيْ عُرْفًا بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمَشْهُورُ مُتَنَاوِلًا لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ سَعْدٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرُّطَبَ مِنْ جِنْسِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّ الْيَمِينَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّاعِي مَعَ قِيَامِ الْجِنْسِيَّةِ وَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ وَصْفٌ دَاعٍ إلَى الْمَنْعِ مَرَّةً وَإِلَى الْإِقْدَامِ أُخْرَى فَيَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِالْوَصْفِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ يَتَقَيَّدُ بِحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُوهُ إلَى الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْخُرُوجُ فِي الْأَحْوَالِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَكِنْ لَمَّا اخْتَلَفَ الدَّاعِي اخْتَلَفَتْ الْيَمِينُ كَذَا هَاهُنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ وَهُوَ تَمْرٌ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَمَا انْعَقَدَتْ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عِنَبٌ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ بَيَانِ الْقِسْمَيْنِ فَفِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْ الِانْتِقَادِ لِلْحَدِيثِ عِلْمٌ كَثِيرٌ وَصِيَانَةٌ لِلدِّينِ بَلِيغَةٌ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ إنَّمَا ظَهَرَ مِنْ قِبَلِ تَرْكِ عَرْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ قَوْمًا جَعَلُوهَا أَصْلًا مَعَ الشُّبْهَةِ فِي اتِّصَالِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ ثُمَّ تَأَوَّلُوا عَلَيْهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ فَجَعَلُوا التَّبَعَ مَتْبُوعًا وَجَعَلُوا الْأَسَاسَ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ فَوَقَعُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا لَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ الْعَمَلَ بِهِ احْتَاجَ إلَى الْقِيَاسِ لِيَعْمَلَ بِهِ وَفِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الشُّبْهَةِ أَوْ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحُجَّةِ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَكُونُ فَتْحًا لِبَاب الْإِلْحَادِ وَجَعْلُ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ أَصْلًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مَا فِيهِ التَّيَقُّنُ عَلَيْهِ يَكُونُ فَتْحًا لِبَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْدُودٌ وَإِنَّمَا سَوَاءُ السَّبِيلِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِنْ إنْزَالِ كُلِّ حُجَّةٍ مَنْزِلَتَهَا؛ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَصْلًا ثُمَّ خَرَّجُوا عَلَيْهَا مَا فِيهِ بَعْضُ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ أَوْ الْمَشْهُورِ قَبِلُوهُ وَأَوْجَبُوا الْعَمَلَ بِهِ وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لَهُمَا رَدُّوهُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْجَبُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْغَرِيبِ بِخِلَافِهِ وَمَا لَمْ يَجِدُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ صَارُوا حِينَئِذٍ إلَى الْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

[الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) فَكَذَا خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فِيمَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَيْ فِيمَا يَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ يُقْبَلُ إذَا صَحَّ سَنَدُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ مَنْ قَبِلَهُ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
(3/16)

وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ فِيمَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا» وَمِثْلُ رُجُوعِهِمْ إلَى خَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَبِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ فِي هَذَا الْبَابِ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَيَجِبُ قَبُولُهُ كَمَا إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُقْبَلُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ يُقْبَلَ فِيهِ الْخَبَرُ كَانَ أَوْلَى، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي اسْتِفَاضَةَ نَقْلِ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَسِّ الذَّكَرِ لَوْ كَانَ مِمَّا يُنْتَقَضُ بِهِ الطَّهَارَةُ لَأَشَاعَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْآحَادِ بَلْ يُلْقِيهِ إلَى عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّوَاتُرُ أَوْ الشُّهْرَةُ مُبَالَغَةً فِي إشَاعَتِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ، وَلِهَذَا تَوَاتَرَ نَقْلُ الْقُرْآنِ وَاشْتَهَرَ أَخْبَارُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا وَلَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ عَلِمْنَا أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمَّا قَبِلُوهُ اشْتَهَرَ فِيهِمْ فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ لَاشْتَهَرَ أَيْضًا وَلَمَا تَفَرَّدَ الْوَاحِدُ بِنَقْلِهِ مَعَ حَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ إنْفَاقِ مَالٍ عَظِيمٍ عَلَى الْيَتِيمِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ قَتْلِ مَلِكٍ فِي السُّوقِ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ مِثْلُهُ، فَكَذَا هَذَا يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهُمْ النَّصَّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْإِمَامَةِ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِحَاجَةِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ النَّصُّ ثَابِتًا لَنُقِلَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا وَحِينَ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
وَلَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ يَقُولُونَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهَا؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتَرْكِهَا وَالْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِخْفَائِهَا وَعَامَّةِ تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْتَهِرْ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عَامَّةٌ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِشَاعَةِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ كَلَّفَهُ بِإِشَاعَةِ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا مَعَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاطِ عَنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرِدُوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَلَكِنَّهُ قَدْ لَا يَشْتَهِرُ أَيْضًا إمَّا لِتَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقَلَةِ الرِّوَايَةَ اعْتِمَادًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ مِنْ مَوْتِ عَامَّتِهِمْ فِي حَرْبٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا جَمَعَ الصَّحِيحَ سَمِعَهُ مِنْهُ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَلَمْ يَثِقْ عِنْدَ الرِّوَايَةِ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ لَكِنَّ الْعَوَارِضَ لَا تُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَقَوْلُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ الِاشْتِهَارَ عِنْدَ عُمُومِ الْبَلْوَى قَطْعًا بَلْ ادَّعَيْنَاهُ ظَاهِرًا، وَكَذَا الصَّحَابَةُ إنَّمَا عَمِلُوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ
(3/17)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فَإِعْرَاضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ وَانْتِسَاخِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ النَّصِّ غَيْرُ سَائِغٍ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ مَشْهُورًا عِنْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ شُهْرَتِهِ يُعَارِضُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ مَعَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَذَلِكَ أَيْ شُذُوذُ الْحَدِيثِ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَلَمَّا شَذَّ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ وَمَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ دَالَّةٍ عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ؛ فَإِنَّهُ شَاذٌّ لِانْفِرَادِهَا بِرِوَايَتِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى زِيَافَتِهِ إذْ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَلَا يُقَالُ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ شَاذًّا مَعَ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ؟ ، لِأَنَّا نَقُولُ: تِلْكَ الرِّوَايَاتُ مُضْطَرِبَةُ الْأَسَانِيدِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِضَعْفِ رِجَالِهَا وَلِمُعَارَضَتِهَا أَيْضًا بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُهَا عَلَى مَا بَيَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْآثَارِ فَلَا يَنْتَفِي الشُّذُوذُ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ خَبَرِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَخَبَرِ الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ وَخَبَرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهَا.

[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ) أَيْ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الرَّدِّ لِلْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ قَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ إذَا ثَبَتَ وَصَحَّ سَنَدُهُ فَخِلَافُ الصَّحَابِيِّ إيَّاهُ وَتَرْكُهُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاجَّةُ بِهِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابِيُّ مَحْجُوجٌ بِهِ كَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وَرَدَا عَامَّيْنِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ دُونَ الْبَعْضِ وَمَنْ رَدَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الدِّينِ لَمْ يُتَّهَمُوا بِتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ أَنَّ عِنَايَتَهُمْ بِالْحُجَجِ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ عِنَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهَا فَتَرْكُ الْمُحَاجَاةِ وَالْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِمَّنْ رَوَاهُ بَعْدَهُمْ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إذَا بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ ثُمَّ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَجُوزُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْخَبَرَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُ اخْتِلَافُهُمْ لِيَرْوِيَ لَهُمْ الْخَبَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ بِمِثْلِهِ لِحَدِيثٍ إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الطَّلَاقِ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ
(3/18)


كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» فَهَذَا انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الرَّجُلِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِمَنْ رُقَّ مِنْهُمَا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ، ثُمَّ إنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّأْيِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَنْسُوخٍ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ أَيْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَعُدُّ السِّنِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْبِرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ شَاءَ أَدَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّ وَلَمْ تَجُزْ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَجَرَتْ الْمُحَاجَاةُ بِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ كَمَا تَجْرِي الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَعَ بِالنَّصِّ مِنَّا وَلَوْ احْتَجُّوا بِهِ لَاشْتُهِرَ أَكْثَرَ مِنْ شُهْرَةِ الْفَتْوَى وَلَرَجَعَ الْمَحْجُوجُ عَلَيْهِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ انْقِيَادًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مُزَيَّفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا يَرُدُّ الْحَدِيثَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زُيِّفَتْ بِهِمَا بِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَلَامُ زَيْدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَى الرِّجَالِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو مَحْمُولٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِمُعَارَضَةِ دَلَائِلَ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ قَدْ تُسَمَّى صَدَقَةً قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» وَفَسَّرَ الْإِنْفَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] بِالتَّصَدُّقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَضَافَ الْأَكْلَ إلَى جَمِيعِ الْمَالِ وَالزَّكَاةُ لَا يَأْكُلُ مَا دُونَ النِّصَابِ وَالنَّفَقَةُ تَأْتِي عَلَى الْكُلِّ وَلَفْظُ الزَّكَاةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ الْخَبَرَ يَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ فَوْقَهُ كَنَقْدِ بَلَدٍ رَايِجٍ يَصِيرُ زَيْفًا فِي مُقَابَلَةِ نَقْدٍ فَوْقَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ وَيَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ
(3/19)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ فَأَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ وَخَبَرُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمُسَاهِلِ وَخَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى أَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ هُوَ مِثْلُ الْعَدْلِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَالصَّحِيحُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَسْتُورَ كَالْفَاسِقِ لَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ.

وَأَمَّا خَبَرُ الْفَاسِقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ إمَّا قَصْدًا أَوْ غَفْلَةً كَالزَّيْفِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ لِزِيَادَةِ غِشٍّ وَقَعَ فِيهِ فَهَذَا أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُنْقَسِمِ عَلَى الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ لِاتِّصَالِ الْخَبَرِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُورَةً بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ وَانْقِطَاعُهُ عَنْهُ مَعْنًى لِمَا ذَكَرْنَا أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ أَيْ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِانْقِطَاعِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ أَيْ اعْتَبَرَ الِانْقِطَاعَ الظَّاهِرَ حَتَّى رَدَّ الْمَرَاسِيلَ لِانْقِطَاعِهَا صُورَةً وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مَعْنًى كَمَا هُوَ دَأْبُهُ أَيْ عَادَتُهُ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّوَاهِرِ.

[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]
[خَبَرُ الْمَسْتُورِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ يَعْنِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ لِقُصُورٍ وَنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ فَأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: خَبَرُ الْمَسْتُورِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ.
وَثَانِيهَا: خَبَرُ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ كَبِيرَةٌ أَوْ وَاظَبَ عَلَى صَغِيرَةٍ عَلَى مَا قِيلَ.
وَثَالِثُهَا: خَبَرُ الْمَعْتُوهِ، وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ عَلَى مَا يُعْرَفُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمُغَفَّلُ عَلَى لَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ التَّغْفِيلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا فِطْنَةَ لَهُ وَقِيلَ الْغَفْلَةُ لِلْعَقْلِ كَالنَّوْمِ لِلْعَيْنِ وَالْمُسَاهِلُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْخُذُ فِي الْأُمُورِ بِالْحَزْمِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْجَمِيعُ قِسْمًا لِاسْتِوَاءِ أَحْكَامِهِ.
وَالرَّابِعُ: خَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى، وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ الْمُعَانِدُ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْحَقِّ لِدُعَاءِ هَوَاهُ إلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَأَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَقَالَ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا لَحِقَ الْمَسْتُورُ بِالْفَاسِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمَسْتُورُ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَالْعَدْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» .
وَكَذَا نَقَلَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهَذَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَعْدِيلٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَتَعْدِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْلَى مِنْ تَعْدِيلِ الْمُزَكِّي وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَمَا كَانَ شَرْطًا لَا يَكْتَفِي بِوُجُودِهِ ظَاهِرًا كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ مَضَى الْيَوْمُ فَقَالَ الْعَبْدُ: لَمْ أَدْخُلْ، وَقَالَ الْمَوْلَى: دَخَلْت؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ شَرْطٌ فَلَا يَكْفِي ثُبُوتُهُ ظَاهِرًا لِيَزُولَ الْعِتْقُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْمَسْتُورِ كَالْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ أَهَمُّ فَلَا يَكُونُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا غَيْرُ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِيهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَسْتُورَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِثُبُوتِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي أَهْلِ الزَّمَانِ غَالِبٌ فَلَا يَعْتَمِدُ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَالَتُهُ
(3/20)

فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفَاسِقِ إذَا أَخْبَرَ بِحِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ أَنَّ السَّامِعَ يُحَكِّمُ رَأْيَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ خَاصٌّ لَا يَسْتَقِيمُ طَلَبُهُ وَتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ فَوَجَبَ التَّحَرِّي فِي خَبَرِهِ فَأَمَّا هُنَا فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى رِوَايَتِهِ وَفِي الْعُدُولِ كَثْرَةٌ وَبِهِمْ غُنْيَةً إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَجْهٌ وَالْوَكَالَاتُ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّةَ لَازِمَةٌ وَفِيهِ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَحَلِّ الْخَبَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا لَا يُعْتَمَدُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا لِحَدِيثِ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُحَدِّثُوا عَمَّنْ لَا تَعْمَلُونَ بِشَهَادَتِهِ» وَلِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ دَلِيلٌ مُلْزِمٌ، وَهُوَ الْعَدَالَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِ الرَّاوِي وَلَا اعْتِبَارَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَإِنْ بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ» الِاكْتِفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَفْشُو الْكَذِبُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا رِوَايَةُ الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ كَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ لَا شَهَادَةَ لَهُ أَصْلًا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ.

[خَبَرُ الْفَاسِقِ]
قَوْلُهُ (فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا) زَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْفَاسِقِ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ اسْتِدْلَالًا بِمَا إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ أَيْ نَقْلُهُ لِلْحَدِيثِ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَصْلًا سَوَاءٌ وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً بِتَرَجُّحِ الصِّدْقِ فِيهِ وَبِالْفِسْقِ يَزُولُ تَرَجُّحُهُ بَلْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ الدِّينِ لَا يَمْنَعَانِهِ عَنْ الْكَذِبِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً بِخِلَافِ أَخْبَارِهِ عَنْ حُرْمَةِ طَعَامٍ أَوْ حِلِّهِ أَوْ نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَهَارَتِهِ حَيْثُ يُقْبَلُ إذَا تَأَيَّدَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْحُرْمَةُ وَالْحِلُّ وَالنَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ أَمْرٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ فَتُقْبَلُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَيْ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ لِلضَّرُورَةِ.
فَأَمَّا هَاهُنَا أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى قَبُولِ رِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ الَّذِينَ تَلْقَوْا نَقْلَ الْأَخْبَارِ كَثْرَةَ تَمَكُّنِ الْوُقُوفِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ بَيَانِ مَسْأَلَةِ إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ ثُمَّ بَيَّنَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ أَنَّهُ يُحَكَّمُ رَأْيُهُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْيَقِينِ، وَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ.
(فَإِنْ قِيلَ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ احْتِيَاطًا لِمَعْنَى التَّعَارُضِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّوَضُّؤِ وَالتَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ قُلْنَا حُكْمُ التَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّيَمُّمِ هَاهُنَا عَمَلٌ بِخَبَرِهِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ بِخِلَافِ النَّصِّ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ بَقِيَ أَصْلُ الطَّهَارَةِ لِلْمَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ وَرَدَ مَاءَ حِيَاضٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ عَمْرٌو لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَخْبِرْنَا عَنْ السِّبَاعِ أَتَرِدُ مَاءَكُمْ هَذَا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تُخْبِرْنَا عَنْ شَيْءٍ فَلَوْلَا أَنَّ خَبَرَهُ عُدَّ خَيْرًا مَا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالسُّؤَالِ قَصَدَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَدْ كَرِهَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِوُجُودِ دَلِيلِ الطَّهَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا بَقِيَ هَذَا الدَّلِيلُ لَا حَاجَةَ إلَى احْتِيَاطٍ آخَرَ، ثُمَّ فَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ قَبُولِ خَبَرِهِ فِي حُرْمَةِ الطَّعَامِ وَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَبَيْنَ
(3/21)

فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمَا مِثْلُ الْعَدْلِ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مِثْلُ الْكَافِرِ لَا يَقُومُ حُجَّةٌ بِخَبَرِهِمَا وَلَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الدِّينِ إلَيْهِمَا لِمَا قُلْنَا: إنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَلَيْسَ لَهُمَا وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً وَإِنَّمَا.
قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ مُلْزِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يُخْبِرُ عَنْهُ الصَّبِيُّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَيَصِيرُ غَيْرُهُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا وَالْمَعْتُوهُ مِثْلُ الصَّبِيِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَبْسُوطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَبُولِهِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ حَيْثُ يَجِبُ التَّحَرِّي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فَقَالَ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ أَيْ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ إلَى آخِرِهِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَلَالٌ فِي الْأَصْلِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ دُونَ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لَكِنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمَّا اتَّفَقَتَا فِي الْحُكْمِ قَالَ الْمَاءُ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْحِلُّ أَيْضًا فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا أَيْ بَاطِلًا سَاقِطًا بَلْ وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَيْهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ بِأَنْ قَالَ إنَّ فُلَانًا أَهْدَى إلَيْك هَذَا الشَّيْءَ أَوْ قَالَ إنَّ فُلَانًا وَكَّلَك بِبَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ وَكَّلَنِي بِهِ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ ضَمِّ التَّحَرِّي إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّهْ بِسُكُونِ الْهَاءِ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَبْعَثُ هَدِيَّةً لَا يَجِدُ عَدْلًا يَبْعَثُهَا عَلَى يَدَيْهِ وَكَذَا فِي الْوَكَالَةِ وَلَيْسَ فِيهَا أَصْلٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ فَجُعِلَ الْفِسْقُ هَدَرًا وَجَوَّزَ قَبُولَ قَوْلِهِ مُطْلَقًا كَخَبَرِ الْعَدْلِ.
وَفِيهِ أَيْ فِي الْفَرْقِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُجْعَلْ خَبَرُ الْفَاسِقِ فِيهِمَا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ يَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَجَازَ الِاعْتِمَادُ فِيهَا عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا.

[خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ]
قَوْلُهُ (قَالَ بَعْضُهُمْ) كَذَا إنَّمَا نَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُرَادُهُ بِهَذَا الْعَطْفِ أَنَّ الصَّبِيَّ كَالْبَالِغِ إذَا كَانَ مَرَضِيًّا فَجَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى الْعَدْلِ لَا عَلَى الْكَافِرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ وَلَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْكَافِرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْقِلَا مَا يَقُولَانِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُمَا أَيْضًا، وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ لَمَّا سَقَطَ فِي هَذَا الْبَابِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبُلُوغِ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ قَبِلُوا خَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا؛ فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّهُ لِصِغَرِهِ وَتَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُ الْعَطْفُ عَلَى الْفَاسِقِ حَتَّى وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَى خَبَرِهِ كَمَا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَطْفُ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ فَلَا يُجْعَلُ عَطْفًا عَلَى الْأَبْعَدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ أَنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ يَعْنِي سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَوْلَمَ يَنْضَمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ أَيْ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَرْعٌ لِثُبُوتِهَا عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْوِلَايَاتِ وِلَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ قُدْرَةٌ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ فِي نَفْسِهِ
(3/22)

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكَافِرِ يُخْبِرُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ: إنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِهِ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَأَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي الْفَاسِقِ جُعِلَ الِاحْتِيَاطُ أَصْلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهَا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَيْ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ يَعْنِي تَصَرُّفَهُمَا جَائِزُ الثُّبُوتِ حَتَّى لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ رَأْيُ الْوَلِيِّ يَصِيرُ مُلْزِمًا وَلَوْ كَانَ مُلْزِمًا ابْتِدَاءً لَمْ يَحْتَجْ إلَى انْضِمَامِ رَأْيِهِ إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ يَعْنِي لَوْ قَبِلْنَا خَبَرَهُمَا صَارَتْ وِلَايَتُهُمَا مُتَعَدِّيَةً إلَى الْغَيْرِ مُلْزِمَةً عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ مُوجَبُ مَا أَخْبَرَ بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالشَّرَائِعِ كَانَ خَبَرُهُ مُلْزِمًا عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْزَامِ، فَكَذَا الصَّبِيُّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا أَيْ فِي آخِرِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ إلَى آخِرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ بَالِغٌ مُخَاطَبٌ مُسَاوٍ لِلْحُرِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يَكُونُ الْغَيْرُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَبِالرِّقِّ إنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الِالْتِزَامِ وَمَا فِيهِ الْتِزَامٌ يُسَاوِي الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَقَوْلُهُ، أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَقُومُ الْحُجَّةُ بِخَبَرِهِمَا أَوَبِقَوْلِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَيْ بَعْضَهُمْ تَحَمَّلُوا الْأَخْبَارَ عَنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ دُونَ صِغَرِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ الصِّغَارِ حُجَّةً لَنَقَلُوهَا فِي صِغَرِهِمْ كَمَا نَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَهْلِ قُبَاءَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا جَاءَا جَمِيعًا وَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا عَلَى رِوَايَةِ الْبَالِغِ، وَهُوَ أَنَسٌ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ بَالِغًا يَوْمَئِذٍ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّهُ فِي الْقِتَالِ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ يَوْمَئِذٍ لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) إلَى آخِرِهِ فَرَّقَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فَأَوْجَبَ الِاحْتِيَاطَ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ فَقَالَ فِي الْكَافِرِ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا يَعْمَلُ الْمَخْبَرُ عَنْهُ بِخَبَرِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ بَلْ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَكِنْ إنْ أَرَاقَ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ بَعْدُ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَصَلَّى لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَالْفَاسِقُ إذْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَلَمْ يُرِقْ الْمَاءَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ فَأَوْجَبَ الِاحْتِرَازَ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ حَيْثُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَلَمْ يُجَوِّزْ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَصْلًا أَيْ بَنَى الْحُكْمَ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَلَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ بِدُونِ الْإِرَاقَةِ وَجَوَّزَ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّ التَّحَرِّيَ هُوَ الِاحْتِيَاطُ حَيْثُ قَالَ يُحَكِّمُ السَّامِعُ رَأْيَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ خَبَرَهُ حُجَّةً وَلَا هَدَرًا بَلْ جَعَلَ التَّحَرِّيَ فِيهِ أَصْلًا وَلَمْ يَجْعَلْ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ أَصْلًا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذِهِ التَّقَاسِيمِ مَسَائِلُ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلَا يَجِبُ الْإِرَاقَةُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَاجِبٌ وَفِي خَبَرِ الْفَاسِقِ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنَّ الْإِرَاقَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بَعْدَ التَّثَبُّتِ لَكِنْ مَعَ شُبْهَةٍ فَلِقِيَامِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْ وُجُوبِ الْعَمَلِ أَمَرْنَاهُ بِالْإِرَاقَةِ وَلِوُجُودِ أَصْلِ الْوُجُوبِ أَوْجَبْنَا التَّيَمُّمَ، وَفِي خَبَرِ الْكَافِرِ لَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنْ أَحَبُّ إلَيَّ
(3/23)

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْكَافِرِ دُونَ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ شَاهِدٌ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرُ غَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى الْمُسْلِمِ أَصْلًا فَصَارَ الصَّبِيُّ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ الْبَالِغُ فِي أُمُورِ الدِّينِ سَوَاءً وَالْفَاسِقُ فَوْقَهُمَا حَتَّى أَنَّا نَقُولُ فِي خَبَرِهِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةِ الْمَاءِ فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَمْ يَتَيَمَّمْ فَإِنْ أَرَاقَ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلِي هَذَا الْعَطْفَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ الْكَافِرُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فَأَمَّا تُهْمَةُ الْغَفْلَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَخْلُو عَامَّةُ الْبَشَرِ عَنْ ضَرْبِ غَفْلَةٍ إذَا كَانَ عَامَّةُ حَالِهِ التَّيَقُّظَ، وَأَمَّا الْمُسَاهِلُ؛ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْمُجَازِفَ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَهَذَا مِثْلُ الْمُغَفَّلِ إذَا اعْتَادَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْعَادَةُ لَلَزِمَ مِنْ الْخِلْقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا عَدَالَةَ لَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ ثَابِتَةٌ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو وِلَايَةٍ عَلَى جِنْسِهِ وَفِي خَبَرِ الصَّبِيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ بِخَبَرِهِ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْكَافِرِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَشَأْنِهِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْ مِنْ الْأَخْذِ بِهِ يَعْنِي لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا لَمْ يُقْبَلْ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَوْ كَانَ فِي الْعَمَلِ بِهِ يُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ كَمَا اسْتَحَبَّ الْإِرَاقَةَ ثُمَّ التَّيَمُّمَ هُنَاكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ ثَابِتًا بَيْنَ خَبَرِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ خَبَرِهِمَا حُجَّةً كَثُبُوتِهِ فِي إخْبَارِهِمَا عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَإِذَا رَوَى الْكَافِرُ حَدِيثًا لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْأَخْذِ بِهِ يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي الْعَمَلِ بِهِ فَوْقَ الِاسْتِحْبَابِ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْكَافِرِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَحْوَطُ مِنْ التَّيَمُّمِ بِلَا إرَاقَةٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَاءِ طَاهِرًا وَكَوْنِ الْمُخْبِرِ كَاذِبًا فَيَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِرَاقَةِ لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، فَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا إذْ الْكُفْرُ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ فَلَا يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ الْأَعْضَاءُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي إرَاقَتِهِ ثُمَّ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ الطَّهَارَةُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِيَقِينٍ.
وَقَوْلُهُ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِلتَّوَضُّؤِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الْكَافِرِ فِي إخْبَارِهِ يَتَوَضَّأُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَلَكِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهِ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ خَبَرِهِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقَعْ الصِّدْقُ فِي قَلْبِ السَّامِعِ فَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ) أَيْ وَكَالْكَافِرِ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لِمَا ذُكِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْ يَكُونُ الصَّبِيُّ أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالْكَافِرِ أَيْضًا حَتَّى لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ لِمَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ كَمَا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الْكَافِرِ لِتَحَقُّقِ التُّهْمَةِ فِي خَبَرِ هَؤُلَاءِ فَسَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْقَوْلِ بِهِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِيهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ كَالْكَافِرِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ مَعَ كُفْرِهِ وَاتِّهَامُهُ بِعَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَتَدَيُّنِهِ بِحُرْمَةِ الْكَذِبِ فَكَانَ الِاسْتِحْبَابُ وَانْتِفَاءُ الْوُجُوبِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ أَوْلَى لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَعَدَمِ احْتِرَازِهِ عَنْ الْكَذِبِ لَا مِنْهُ مِنْ الْعِقَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَا هَاهُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ عَنْ السَّلَفِ فِي نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْحَدِيثَ
(3/24)

وَأَمَّا صَاحِبُ الْهَوَى؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَمِلُوا بِشَهَادَتِهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ أَيْ قَوِيُّهَا وَذَلِكَ بِأَنْ غَلَبَ طَبْعَهُ الْغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ فَمِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فِي أَنَّ خَبَرَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا كَخَبَرِهِمَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ يَتَرَجَّحُ فِي الرِّوَايَةِ بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ الْغَفْلَةِ كَمَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ الْفِسْقِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ خَبَرُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُرْوَى إلَّا عَنْ تَيَقُّظٍ وَضَبْطٍ وَلَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْ غَفْلَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَنَّ مَنْ لَا يَضْبِطُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ ضَبَطَ وَمَنْ سَهَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَا سَهَا فَيَرْوِي عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ يُسَاوِي ذِكْرُهُ وَغَفْلَتُهُ إلَّا عِنْدَ قَاضِي الْقُضَاةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ الصِّحَّةُ وَكَوْنُهُ حُجَّةً إلَّا بِعَارِضٍ فَإِذَا لَمْ يَتَرَجَّحْ غَفْلَةُ الرَّاوِي عَلَى تَيَقُّظِهِ وَذِكْرِهِ بَقِيَ حُجَّةً كَمَا كَانَ وَلَمْ يُتْرَكْ بِالِاحْتِمَالِ كَمَا إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ الْخَبَرُ لَا يَصِيرُ حُجَّةً إلَّا إذَا تَكَامَلَتْ شَرَائِطُهُ وَذَلِكَ عِنْدَ تَرَجُّحِ ذِكْرِ الرَّاوِي عَلَى غَفْلَتِهِ فَقَبْلَ تَرَجُّحِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ؛ فَإِنَّ سَبْقَ الطَّهَارَةِ يُرَجِّحُهَا حَتَّى لَوْ انْفَرَدَ الشَّكُّ عَنْ سَبْقِ الطَّهَارَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا فَأَمَّا تُهْمَةُ الْغَفْلَةِ أَيْ وَهْمُهَا بِأَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى عَنْ غَفْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْفُلُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فَيُرَدُّ خَبَرُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ التَّيَقُّظُ وَجَوْدَةُ الضَّبْطِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا غَفْلَةَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَهَا فِيهِ وَالْمُسَاهِلُ الْمُجَازِفُ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَلَا يَشْتَغِلُ فِيهِ بِالتَّدَارُكِ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ، وَقِيلَ الْمُسَاهِلُ هُوَ الَّذِي لَا يَصْرِفُ اهْتِمَامَهُ إلَى أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ، وَالتَّزْوِيرُ تَزْيِينُ الْكَذِبِ وَزَوَّرْت الشَّيْءَ حَسَّنْته وَقَوَّمْته كَذَا فِي الصِّحَاحِ.

[خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى]
قَوْلُهُ (فَأَمَّا صَاحِبُ الْهَوَى) الْهَوَى مَيَلَانُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّ بِهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا أُبِيحَ فِي الشَّرْعِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَوَى مِمَّا يُذَمُّ عَلَيْهِ الشَّخْصُ وَيُهَانُ بِهِ وَنَفْسُ الِالْتِذَاذِ بِالشَّهَوَاتِ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - مَعَ بَرَاءَتِهِمْ عَنْ الْهَوَى وَعِصْمَتِهِمْ عَنْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مِمَّنْ اتَّبَعَ الْهَوَى مَنْ يَجِبُ إكْفَارُهُ كَغُلَاةِ الْمُجَسِّمَةِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمْ وَيُسَمَّى الْكَافِرُ الْمُتَأَوِّلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجِبُ إكْفَارُهُ وَيُسَمَّى الْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ شَهَادَةَ مَنْ كَفَرَ فِي هَوَاهُ مَقْبُولَةٌ وَكَذَا رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ مُتَحَرِّجًا مُعَظِّمًا لِلدِّينِ غَيْرَ عَالِمٍ بِكُفْرِهِ يَحْصُلُ ظَنُّ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ فَيُقْبَلُ كَخَبَرِ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى رَدِّهِمَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ وَلَا لِلرِّوَايَةِ لِمَا بَيَّنَّا وَكَوْنُهُ مُتَأَوِّلًا مُمْتَنِعًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِكُفْرِهِ لَا نَجْعَلُهُ أَهْلًا لَهُمَا؛ فَإِنَّ كُلَّ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٌ إذْ الْيَهُودُ لَا يَعْلَمُونَ بِكُفْرِهِمْ وَتَوَرُّعُهُ عَنْ الْكَذِبِ كَتَوَرُّعِ النَّصْرَانِيِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَلْ هَذَا الْمَنْصِبُ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى رَدِّ شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي الْعَمَلِ مَانِعٌ مِنْ الْقَبُولِ فَالْفِسْقُ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى.
أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ جَاهِلٌ بِفِسْقِهِ لَكِنْ جَهْلُهُ بِفِسْقِهِ فِسْقٌ آخَرُ انْضَمَّ إلَى فِسْقٍ فَكَانَ أَوْلَى
(3/25)

إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهَوَى وَقَعَ فِيهِ لِتَعَمُّقِهِ وَذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنْ الْكَذِبِ فَلَمْ يَصْلُحْ شُبْهَةً وَتُهْمَةً إلَّا مَنْ يَتَدَيَّنُ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ يَنْتَحِلُ بِنِحْلَتِهِ فَيُتَّهَمُ بِالْبَاطِلِ وَالزُّورِ مِثْلُ الْخَطَّابِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِالْإِلْهَامِ: إنَّهُ حُجَّةٌ يَجِبُ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَأَمَّا فِي بَابِ السُّنَنِ؛ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا أَنْ لَا يَقْبَلَ رِوَايَةَ مَنْ انْتَحَلَ الْهَوَى وَالْبِدْعَةَ وَدَعَا النَّاسَ إلَيْهِ عَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ إلَى الْهَوَى سَبَبٌ دَاعٍ إلَى التَّقَوُّلِ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُو إلَى التَّزْوِيرِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ فَإِذَا صَحَّ هَذَا كَانَ صَاحِبُ الْهَوَى بِمَنْزِلَةِ الْفَاسِقِ فِي بَابِ السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْمَنْعِ وَلَمْ يَكُنْ عُذْرًا كَجَهْلِهِ بِكُفْرِهِ وَبِرِقِّهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ إنَّمَا لَا يُقْبَلُ لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَاطَى مَحْظُورَ دِينِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جُرْأَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ فَيُقْدَحُ فِي الظَّنِّ بِصِدْقِهِ فَأَمَّا الْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ لِغُلُوِّهِ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَحْظُورِ حَيْثُ قَالَ بِكُفْرِ مَنْ ارْتَكَبَ الذَّنْبَ أَوْ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ فَهَذَا الِاعْتِقَادُ يَحْمِلُ عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الْكَذِبِ أَشَدَّ الِاحْتِرَازِ لَا عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ فَكَانَ هَذَا الْفِسْقُ نَظِيرَ تَنَاوُلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ شُرْبِ الْمُثَلَّثِ عَلَى اعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ نُسِبُوا إلَى أَبِي الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْأَجْدَعِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَيَقُولُونَ: الْمُسْلِمُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا فَاعْتِقَادُهُ هَذَا تَمَكَّنَ تُهْمَةَ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ لِمُحْيِي السُّنَّةِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْكَذِبَ كُفْرًا فَرُبَّمَا يَسْمَعُ مِمَّنْ يُوَافِقُهُ فِي الِاعْتِقَادِ أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَيَشْهَدُ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ لِمَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْبِرُ الْكَذِبَ إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَقَرَّ فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ رَأَيْت فُلَانًا أَقْرَضَ فُلَانًا أَوْ قَتَلَ فُلَانًا فَيُقْبَلُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا مَنْ تَدَيَّنَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي أَيْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَنْتَحِلُ بِنَحْلَتِهِ أَوْ يَنْتَسِبُ إلَى مِلَّتِهِ يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ كَذَا أَيْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ وَالنَّحْلَةُ الْمِلَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَعْنِي فَلَمْ يَصْلُحْ تَعَمُّقُهُ شُبْهَةً وَتُهْمَةً فَيَكُونُ صَاحِبُ الْهَوَى مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ إلَّا الَّذِي تَدَيَّنَ بِكَذَا، وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَنْ تَدَيَّنَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي مَنْ قَالَ بِالْإِلْهَامِ أَيْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِلْهَامَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ لَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ ذَلِكَ تَمَكَّنَ تُهْمَةَ الْكَذِبِ فَرُبَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالْإِلْهَامُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوكَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا فِي بَابِ السُّنَنِ) إلَى آخِرِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ فَأَمَّا رِوَايَةُ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ فَمَقْبُولَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّ مَنْ احْتَرَزَ عَنْ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ كَانَ أَشَدَّ تَحَرُّزًا مِنْ الْكَذِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ جِنَايَةً فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا لِلنَّاسِ إلَى هَوَاهُ وَلَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ حَيْثُ يُقْبَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ الْحَافِظَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيَّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ الْإِكْلِيلِ أَنَّ رِوَايَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إذَا كَانُوا فِيهَا صَادِقِينَ فَقَدْ حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الصِّدْقُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ بِمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ وَجَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ الرَّحَبِيِّ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُمَا النَّصْبُ وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِأَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى
(3/26)

وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ) وَهُوَ الَّذِي جُعِلَ الْخَبَرُ فِيهِ حُجَّةً وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مَا يَخْلُصُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرَائِعِهِ مِمَّا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَالثَّانِي مَا هُوَ عُقُوبَةٌ مِنْ حُقُوقِهِ وَالثَّالِثُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ، وَالرَّابِعُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ، وَالْخَامِسُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ عَامَّةِ شَرَائِعِ الْعِبَادَاتِ وَمَا شَاكَلَهَا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ شَرَائِطِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُمَا الْغُلُوُّ فَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُوجَدُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إلَى هَوَاهُ، وَلَا مِنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَيْضًا فِي الْمُعْتَمَدِ: الْفِسْقُ فِي الِاعْتِقَادِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ مُتَحَرِّجًا فِي أَفْعَالِهِ عِنْدَ جُلِّ الْفُقَهَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْحَدِيثِ لَا مَنْ تَقَدَّمَ قَبِلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ بَعْضٍ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَقَبِلَ التَّابِعُونَ رِوَايَةَ الْفَرِيقَيْنِ، قَالَ.
وَكَذَا الْكُفْرُ بِتَأْوِيلٍ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ مُتَحَرِّجًا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ بِصِدْقِهِ غَيْرُ زَائِلٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قَبِلُوا رِوَايَةَ سَلَفِنَا كَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَذْهَبِهِمْ وَإِكْفَارِهِمْ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَقَدْ نَصَبُوا عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ يَظْهَرُ عَنْهُ الْعِنَادُ فِي مَذْهَبِهِ مَعَ ظُهُورِهِ عِنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ كَمَا لَا يُقْبَلُ حَدِيثُ الْفَاسِقِ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَيْضًا الْمُبْتَدِعَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفُرُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَكْفُرُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَيْضًا لِتَوَهُّمِ الْكَذِبِ كَالْكَرَامِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ وَضْعِ الْحَدِيثِ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ الْوَضْعَ وَكَانَ عَدْلًا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ هُوَ التَّفْصِيلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) أَيْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ (بَابُ مَحَلِّ الْخَبَرِ)
أَيْ الْمَحَلُّ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فَبَابٌ بِالْفَاءِ لِلُزُومِهَا فِي جَوَابِ أَمَّا لَكِنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ تَرَكُوهَا كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ نَظَرًا مِنْهُمْ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى ثُمَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَمَّا لَمْ يُفِدْ الْيَقِينَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْيَقِينِ وَإِنَّمَا كَانَ حُجَّةً فِيمَا قُصِدَ فِيهِ الْعَمَلُ فَقَسَّمَ الشَّيْخُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (فَمِثْلُ عَامَّةِ شَرَائِعِ الْعِبَادَاتِ) أَيْ مِثْلُ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ لَا مِنْ أُصُولِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عِبَادَةٍ أَوْ بِنَاءً عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيهَا حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا هُوَ ابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَيُقْبَلُ فِيمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَثَلًا فِي ابْتِدَاءِ نِصَابِ الْفِصْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَيُقْبَلُ فِي النِّصَابِ الزَّائِدِ عَلَى خَمْسِ أَوَاقٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ وَبِنَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِهِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَأَمَّا مَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِبَادَةِ الْمُبْتَدَأَةِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْعَمَلُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ كَمَا يَثْبُتُ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا بِهِ إذْ الدَّلَائِلُ الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ مَا هُوَ ابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَبَيْنَ مَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَتَقَبَّلُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ فِي الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَمَا شَاكَلَهَا أَيْ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ كَالْوُضُوءِ أَوْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا تَابِعٌ كَالْعُشْرِ أَوْ لَيْسَ بِخَالِصٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ
(3/27)

وَأَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ بِالْآحَادِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجَصَّاصِ وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصْلُحُ الْعَمَلُ بِهِ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ كَمَا فِي الْبَيِّنَاتِ فِي مَجَالِسِ الْحُكْمِ وَكَمَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ إثْبَاتَ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ لَا تَجُوزُ فَإِذَا تَمَكَّنَ فِي الدَّلِيلِ شُبْهَةٌ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَمْ يَجُزْ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ؛ فَإِنَّمَا صَارَتْ حُجَّةً بِالنَّصِّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي اللِّوَاطَةِ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِالْخَبَرِ الْغَرِيبِ مِنْ الْآحَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ يَجِبُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا قُلْنَا أَيْ بِشَرْطِ رِعَايَةِ مَا قُلْنَا مِنْ شَرَائِطِهِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ آخَرَ.
وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ الْعَدَدَ أَيْضًا فَقَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهَا إلَّا رِوَايَةُ الْعَدْلَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى شَهِدَ لَهُ غَيْرُهُ» وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ حَتَّى شَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَلَمْ يَعْمَلْ عُمَرُ بِخَبَرِ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ عَلَى صَاحِبِهِ ثَلَاثَةً فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ فَلْيَنْصَرِفْ» حَتَّى رَوَى مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاعْتِبَارٌ بِالشَّهَادَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقْتَضِي شَرْعًا عَامًّا وَالشَّهَادَةُ شَرْعًا خَاصًّا فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ فِي حَقِّ كُلِّ الْأُمَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُمْ قَدْ عَمِلُوا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ عَمِلَ بِخَبَرٍ رَوَاهُ بِلَالٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَمِلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِخَبَرٍ رَوَاهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ وَبِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَجُوسِ وَعَمِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِخَبَرِ الْمِقْدَادِ فِي الْمَذْيِ وَعَمِلُوا جَمِيعًا بِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ لَا انْتِفَاءُ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ عِنْدَ انْعِدَامِ الْعَدَدِ وَوُجُودِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ تَأْثِيرٌ فِي انْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَاشْتِرَاطُهُ فِي الشَّهَادَةِ بِالنَّصِّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الرِّوَايَةِ سَائِرُ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَالْبَصَرِ وَعَدَمِ الْقَرَابَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ أَيْضًا.
وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ فَلِقِيَامِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ كَانَتْ فِي مَحْفِلٍ عَظِيمٍ وَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِهَا الِاشْتِهَارُ.
وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلِقِيَامِ تُهْمَةٍ فِيهَا أَيْضًا مُخْتَصَّةٍ بِهَا فَطَلَبُوا الْعَدَدَ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِلِاشْتِرَاطِ كَمَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُحَلِّفُ الرَّاوِيَ لِلتُّهْمَةِ ثُمَّ عَمِلَ بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدُونِ التَّحْلِيفِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَلَوْ كَانَ شَرْطٌ لَرُوعِيَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ كَمَا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) إلَى آخِرِهِ، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ إثْبَاتَ الْحُدُودِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ جَائِزٌ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَمَالِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْحُدُودَ شَرْعٌ عَمَلِيٌّ مِنْ الشَّرَائِعِ فَجَازَ إثْبَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَتَحَقُّقُ الشُّبْهَةِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ قَبُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ كَتَحَقُّقِ الشُّبْهَةِ فِي الْبَيِّنَاتِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ فَإِنَّ الرَّجْمَ فِي حَقِّ غَيْرِ مَاعِزٍ ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ دُونَ الصَّرِيحِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ بِالنَّظْمِ وَلِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ فِيهَا حَتَّى تَرَجَّحَ الصَّرِيحُ عَلَيْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى الْإِسْقَاطِ بِالشُّبُهَاتِ بِالنَّصِّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ
(3/28)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الْأَخْبَارِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ وَتَوْكِيدًا لَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
شُبْهَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا إثْبَاتُهَا بِالْبَيِّنَاتِ فَجُوِّزَ بِالنَّصِّ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَكَانَ ثُبُوتُهَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ وَمَنْ رَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ خَبَرُ الْوَاحِدِ صَارَ حُجَّةً بِدَلَائِلَ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ أَيْضًا مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَسَائِرِ الدَّلَائِلِ الَّتِي مَرَّ تَقْرِيرُهَا فَكَانَ مِثْلُ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحُدُودُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا تَمَسَّكُوا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِخَبَرٍ مُرْسَلٍ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَقَادَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِمَنْ وَفَّى ذِمَّتَهُ» .
وَثَبَتَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ بِأَثَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَمَّا ثَبَتَ الْقِصَاصُ بِهِ يَثْبُتُ الْحُدُودُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ ثَابِتٌ بِدَلَائِلَ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ أَيْضًا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهَا لَا يَثْبُتُ بِهِ قُلْنَا: عَدَمُ الثُّبُوتِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ إنَّمَا تَجِبُ مُقَدَّرَةً مُكَيَّفَةً بِحَسَبِ كُلِّ جِنَايَةٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَامْتَنَعَ إثْبَاتُهَا بِهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّهُ كَلَامُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُ كُلِّ حُكْمٍ فَيَجِبُ قَبُولُهُ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي اللِّوَاطَةِ بِالْقِيَاسِ يَعْنِي عَلَى الزِّنَا بِجَامِعِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ بِسَفْحِ الْمَاءِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى مُحَرَّمٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا بِالْخَبَرِ الْغَرِيبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اُرْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ» وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُعْمَلْ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - تَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حُكْمِ اللِّوَاطَةِ فَدَلَّ عَلَى زِيَافَتِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَالْعَدَدُ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِثْلُ الْبَكَارَةِ وَالْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ الَّتِي بِالنِّسَاءِ فِي مَوَاضِعَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ؛ فَإِنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيهَا مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ وَإِنْ اُشْتُرِطَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ يَعْنِي يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ لِيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الْأَخْبَارِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، لِمَا فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ وَتَوْكِيدًا لَهَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ وَلِتَوْكِيدِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْزَامَاتِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الْمُثْبِتُ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ مُلْزِمًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِلْزَامَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ إذْ الْوِلَايَةُ تَنْفُذُ الْقَوْلَ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى وَالْإِلْزَامُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ لِيَصْلُحَ خَبَرُهُ لِلْإِلْزَامِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْأَهْلِيَّةَ بِالْوِلَايَةِ وَلَمَّا حَصَلَ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِي الْخَبَرِ بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ إنَّمَا شُرِعَ اللَّفْظُ وَالْعَدَدُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ
(3/29)

لِمَا يَخَافُ فِيهَا مِنْ وُجُوهِ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَيَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِشَرْطِ التَّمْيِيزِ دُونَ الْعَدَالَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالرِّسَالَاتِ فِي الْهَدَايَا وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقُبِلَ فِيهَا خَبَرُ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْفَاسِقِ إذَا أَخْبَرَ رَجُلًا أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَك بِكَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى التَّزْوِيرِ وَالِاشْتِغَالَ بِالْحِيَلِ مِنْ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ ظَاهِرٌ فَشَرَطَ الشَّرْعُ الْعَدَدَ وَلَفْظَ الشَّهَادَةِ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ وَتَقْلِيلًا لِلْحِيَلِ وَهُمَا قَدْ يَصْلُحَانِ لِلتَّوْكِيدِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ. وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فِي إفَادَةِ الْعِلْمِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّاهِدَةِ الَّتِي هِيَ الْمُعَايَنَةُ وَهِيَ أَبْلَغُ أَسْبَابِ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ هَذَا الْخَبَرُ بِهِ تَوْكِيدًا، وَكَذَا فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ أَيْضًا مَعْنَى التَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِ الْمُثَنَّى أَظْهَرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتِفْ احْتِمَالُ الْكَذِبِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَمِيلُ إلَى الْوَاحِدِ عَادَةً وَقَلَّمَا يَتَّفِقُ الِاثْنَانِ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْوَاحِدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ وَاللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِعَتْ حُجَّةً لِفَصْلِ مُنَازَعَةٍ ثَابِتَةٍ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِخَبَرَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ فَلَمْ يَقَعْ الْفَصْلُ لِجِنْسِهِ خَبَرًا بَلْ بِنَوْعِ خَبَرٍ ظَهَرَتْ مَزِيَّتُهُ فِي التَّوْكِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شَهَادَةٍ ثُمَّ ضَرْبُ احْتِيَاطٍ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فِي زِيَادَةِ الصِّدْقِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ وَإِبْطَالِ الْآخَرِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ تَأْكِيدٍ فِيهِ فَشَرَطَ الشَّرْعُ الْعَدَدَ تَأْكِيدًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، أَوْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ فَإِذَا أَتَى الْمُدَّعِي بِشَاهِدٍ فَقَدْ تَقَوَّى صِدْقُهُ وَلَكِنَّ صِدْقَ الْمُنْكِرِ قَدْ تَقَوَّى أَيْضًا بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لَهُ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَاسْتَوَيَا فِي الصِّدْقِ فَاحْتِيجَ إلَى التَّرْجِيحِ بِشَاهِدٍ آخَرَ، بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا ظُهُورُ الصِّدْقِ فَإِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ السَّامِعَ الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ يَصِيرُ مُوجِبًا لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إيجَابٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَوَى قَوْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» لَيْسَ فِي صِيغَةِ لَفْظِ الرَّاوِي إيجَابٌ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُهُ لَزِمَ كُلَّ سَامِعِ مُوجَبُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخَبَرَ يَلْزَمُ كُلَّ سَامِعٍ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَالْحُقُوقُ لَا تَلْزَمُ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ لِمَا يَخَافُ مُتَعَلِّقٌ بِتَوْكِيدًا لَهَا، وَقَوْلُهُ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَوْكِيدًا لَهَا لِمَا يَخَافُ فِيهَا مِنْ كَذَا يَعْنِي الْمُجَوِّزَ لِلتَّأْكِيدِ احْتِمَالُ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ وَالْمَعْنَى الْمُوجِبُ لَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ التَّوْكِيدِ فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لَهُ احْتِمَالُ مَجِيءِ خَبَرِهِ أَوْ كِتَابِهِ وَالْمَعْنَى الْحَامِلُ عَلَيْهِ رَفْعُ الِالْتِبَاسِ عَنْ السَّامِعِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرٌ وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِالْفِطْرِ فَكَانَ الْفِطْرُ مِنْ حُقُوقِهِمْ.
وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَلَا لَا تَصُومُوا الْحَدِيثُ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَسَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا قَبِلَ الْإِمَامُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ
(3/30)

فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ حَلَّ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى مَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهَذَا فِطْرٌ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْفِطْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ بِشَهَادَةٍ وَإِنْ كَانَتْ تُفْضِي إلَيْهِ بَلْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِانْسِلَاخِ رَمَضَانَ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَكَانَ نَظِيرَ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى النَّسَبِ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ وَإِنْ أَفَضْت إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ قَدْ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ وَإِنْ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ بِدُونِ التَّيَقُّنِ بِانْسِلَاخِ رَمَضَانَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْجَانِبَيْنِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ) أَيْ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ حَلَّ لِلسَّامِعِ الْعَمَلُ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّصَرُّفِ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الطَّعَامِ مِنْ الْبَرِّ التَّقِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَانَ يَشْتَرِي مِنْ الْكَافِرِ» وَالْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا ظَاهِرَةٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ الْعَدَالَةَ فِيمَنْ يُعَامِلُونَهُ وَأَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ خَبَرَ كُلِّ مُمَيِّزٍ يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ لِمَا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ هَذَا الْقَيْدُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ لَازِمٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ عَلِمَ بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَرَأَى آخَرَ يَبِيعُهَا مُدَّعِيًا لِلْوَكَالَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إنْ كَانَ عَدْلًا لَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ إنْ كَانَ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَكَذَا الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ يُمْتَنَعُ عَنْهُ وَإِنْ اسْتَوَى الْوَجْهَانِ يُمْتَنَعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ مَا يَقُولُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا فَقِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ سَأَلَ ذَا الْيَدِ فَقَالَ إنِّي قَدْ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا لِي أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ أَوْ وَكَّلَنِي بِبَيْعِهَا فَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ وَيَطَأَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ إلَّا أَنَّ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ إذَا انْضَمَّ إلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ يَتَأَيَّدُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا تَوَقُّفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَالْيَقِينِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ تَحْكِيمَ الرَّأْيِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ وَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَهَذَا يَتَرَاءَى لِي تَنَاقُصًا فَمَا وَجْهُ التَّقَصِّي عَنْهُ.
قُلْنَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَرَاهِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الرَّجُلِ رَأَى جَارِيَةَ الْغَيْرِ فِي يَدِ آخَرَ يَبِيعُهَا وَأَخْبَرَهَا الْبَائِعُ أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِبَيْعِهَا وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا وَيَطَأَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْكِيمَ الرَّأْيِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِهَذَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَسَعُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا وَيَطَأَهَا فَيُحْمَلُ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ فَنُخَرِّجُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ظَاهِرٌ فَكَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَصْلُ الْجَوَابِ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا احْتِيَاطًا وَاسْتِحْبَابًا أَوْ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَمَّا تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا
(3/31)

وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ مُلْزِمٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ شَرْطُ الْإِلْزَامِ بِخِلَافِ أُمُورِ الدِّينِ مِثْلُ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَسْلِيمِ الْحَمْلِ وَإِجْرَائِهِ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْمَذْكُورُ ثَانِيًا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَعْنِي لَوْ أَجْرَى لَفْظَ الْجَامِعِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّحْكِيمَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَإِخْبَارِهِ بِالْوَكَالَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَلَكِنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا خَبَرَ الْفَاسِقِ حُجَّةً فِي هَذَا الْبَابِ لَكِنَّهُ يُحَكِّمُ رَأْيَهُ فِي الْفَاسِقِ بِخِلَافِ الْعَدْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ) أَيْ ثُبُوتُ هَذَا الْقِسْمِ بِخَبَرِ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَسُقُوطُ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا فِيهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عُمُومُ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِطِ سِوَى التَّمْيِيزِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَجِدُ الْعَدْلَ الْحُرَّ الْبَالِغَ الْمُسْلِمَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ لِيَبْعَثَهُ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ غُلَامِهِ فَلَوْ شُرِطَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَا شُرِطَ فِي الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَتَعَطَّلَتْ الْمَصَالِحُ وَفِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَسَقَطَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَثَرًا فِي التَّخْفِيفِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ شَرْطَ الْعَدَالَةِ فِيهِ لَمْ يَسْقُطْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فِيهِ إذْ فِي الْعُدُولِ الَّذِينَ تَلْقَوْا نَقْلَ الْأَخْبَارِ كَثْرَةٌ، وَقَدْ يَتَمَكَّنُ السَّامِعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ يَعْمَلُ بِهِ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْخَبَرُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَبِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ؛ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ لِعَدَمِ تَرَجُّحِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَ دِينِهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ فَاعْتِبَارُ تَعَاطِيهِ وَارْتِكَابِهِ مَا يَعْتَقِدُ الْحُرْمَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ فِي خَبَرِهِ فَيَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا وَجَبَ التَّثَبُّتُ فِي خَبَرِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْمَاءِ هُوَ الطَّهَارَةُ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ وَيَتَوَضَّأُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْأَخْذُ فِيهَا بِخَبَرِ الْفَاسِقِ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِ دَلِيلٍ يَتَمَسَّكُ بِهِ سِوَى الْخَبَرِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَوْعُودُ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّ الْخَبَرَ هَاهُنَا أَيْ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ مُلْزِمٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْوَكِيلَ يُبَاحُ لَهُمَا الْإِقْسَامُ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُمَا ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا شُرِطَ لِلْإِلْزَامِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا إذْ الْعَدَالَةُ شُرِطَتْ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُلْزِمًا.
وَكَذَا الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ شَرْطًا لِتَأْكِيدِ الْإِلْزَامِ فِيمَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ مُنَازَعَةٌ وَخُصُومَةٌ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهِمَا عِنْدَ الْمُسَالَمَةِ وَانْقِطَاعِ الْإِلْزَامِ ثُمَّ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ رَسُولًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ فُضُولِيًّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ اشْتِرَاطِهَا فِي حَقِّ الْفُضُولِيِّ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي حَقِّهِ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُلْزِمًا وَهَذَا الْقِسْمُ خَلَا عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَهَذِهِ فَائِدَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ أُمُورِ الدِّينِ مِثْلَ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ) فَإِنَّ شَرْطَ الْعَدَالَةِ فِيهَا لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّامِعَ يَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ إذَا أَخْبَرَ بِطَهَارَتِهِ وَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بَلْ يُفَوَّضُ إلَى اخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَكَذَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ مُلْزِمًا مِنْ وَجْهٍ، وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ قُلْت وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ
(3/32)

وَلِهَذَا الْأَصْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ وَفِي الْمِلْكِ بِالْيَمِينِ وَبِالْحُرِّيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ حَقِّ الْعِبَادِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ لِحَاجَتِنَا إلَى الْإِلْزَامِ وَقَبِلْنَا فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إذَا لَمْ يُجْعَلْ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ شَرْطًا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَذَا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَحُمِلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَأَمَّا إذَا جُعِلَ شَرْطًا فِيهِ وَحُمِلَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا لِاسْتِوَاءِ الْمَوْضِعَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ التَّحْكِيمِ وَتَوَقُّفِ الْقَبُولِ فِيهِمَا عَلَيْهِ فَلَا يَتَأَتَّى الْفَرْقُ.
1 -
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ بِأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ بِأَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَبِالْحُرِّيَّةِ أَيْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ بِأَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهَا حُرُّ الْأَبَوَيْنِ بَلْ يُشْتَرَطُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ ثِقَةً.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ تَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ثَالِثًا فَقَالَ فَارِقْهَا إذًا فَقَالَ إنَّهَا سَوْدَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَفِي بَعْضِ الرَّوِيَّاتِ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيْنَهُمَا وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ تَقُومُ لِإِبْطَالِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَقْبَلُ الْفَضْلَ عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي بَابِ النِّكَاحِ فَلَا يَتِمُّ الْحُجَّةُ فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِمَا فِيهِ أَيْ فِي ثُبُوتِ الرَّضَاعِ وَالْحُرِّيَّةِ أَوْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ مِنْ إلْزَامِ حَقِّ الْعِبَادِ أَيْ إلْزَامِ إبْطَالِ حَقِّ الْعِبَادِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ دَلِيلُنَا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا رَأَى مِنْهُ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِهَا حَيْثُ كَرَّرَ السُّؤَالَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا احْتِيَاطًا عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ وَإِلَى التَّنَزُّهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَالزِّيَادَةُ الْمَرْوِيَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَنَا.
وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَيْثُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ هُنَاكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَلَمْ تَثْبُتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ أَوْ الْحُرْمَةَ فِيمَا سِوَى الْبُضْعِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ لِمَا كَانَ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِدُونِ مِلْكِ الْمَحَلِّ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ طَعَامِي هَذَا أَوْ تَوَضَّأْ بِمَائِي هَذَا أَوْ اشْرَبْهُ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَكَمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ وَلَا يَسْقُطُ مِلْكُهُ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ إخْبَارًا بِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ مُلْزِمٌ فَأَمَّا فِي الْوَطْءِ فَالْحِلُّ أَوْ الْحُرْمَةُ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلْمِلْكِ وَزَوَالُهُ لَا مَقْصُودًا حَتَّى لَوْ قَالَ لِآخَرَ طَأْ جَارِيَتِي هَذِهِ قَدْ أَذِنْت لَك فِيهِ أَوْ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ حُرَّةٌ فِي نَفْسِهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي الْوَطْءِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ يَلْزَمُهَا الِانْقِيَادُ لِلزَّوْجِ فِي الِاسْتِفْرَاشِ وَالْمَمْلُوكَةُ يَلْزَمُهَا الِانْقِيَادُ لِمَوْلَاهَا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لِشَخْصٍ عَلَى شَخْصٍ فَأَمَّا حِلُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ حَقٍّ عَلَى أَحَدٍ يَبْطُلُ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ حُجَّةٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ مَا فِيهِ الْإِلْزَامُ الْمَحْضُ
(3/33)

وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مُحَمَّدٌ مَسَائِلَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِثْلَ خَبَرِ الرَّجُلِ أَنَّ فُلَانًا كَانَ غَصَبَ مِنِّي هَذَا الْعَبْدَ فَأَخَذْته مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ تَابَ فَرَدَّهُ عَلَيَّ قُبِلَ خَبَرُهُ، وَلِهَذَا قَبِلْنَا خَبَرَ الْفَاسِقِ فِي إثْبَاتِ الْإِذْنِ لِلْعَبْدِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا أَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ مُجَوِّزٌ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَأَمْثِلَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِلْزَامِ يُقْبَلُ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِلْزَامِ وَيُقْبَلُ فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ مِثْلُ الْوَكَالَاتِ وَنَحْوِهَا لِخُلُوِّهِ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُسَالَمَةِ بَنَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسَائِلَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَلِمَ أَنَّ جَارِيَةً لِرَجُلٍ يَدَّعِيهَا ثُمَّ رَآهَا فِي آخَرَ يَبِيعُهَا وَيَزْعُمُ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ وَأَنَّهُ كَانَ يَدَّعِيهَا غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ لِي وَإِنَّمَا أَمَرْته بِذَلِكَ لِأَمْرٍ خِفْته وَصَدَّقَتْهُ الْجَارِيَةُ بِذَلِكَ، وَالرَّجُلُ الْبَائِعُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَذَا وَلَكِنَّهُ قَالَ ظَلَمَنِي وَغَصَبَنِي فَأَخَذْتهَا مِنْهُ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِشِرَاءٍ وَلَا قَبُولٍ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُسَالَمَةٍ وَمُوَاضَعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا فَيُعْتَمَدُ خَبَرُهُ إذَا كَانَ ثِقَةً وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا فِي غَصْبِ الْأَوَّلِ مِنْهُ وَاسْتِرْدَادِ هَذَا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً فَإِنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ ظَلَمَنِي وَغَصَبَنِي ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ظُلْمِهِ فَأَقَرَّ لِي بِهَا وَدَفَعَهَا إلَيَّ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا مِنْهُ وَقَبُولِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُسَالَمَةٍ وَهِيَ إقْرَارُهُ لَهُ بِهَا وَدَفْعُهَا إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: خَاصَمْته إلَى الْقَاضِي فَقَضَى لِي بِالْبَيِّنَةِ وَبِالنُّكُولِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ فَدَفَعَهَا إلَيَّ أَوْ قَالَ قَضَى لِي بِهَا فَأَخَذْتهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَخْذَهُ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَالِ مُسَالَمَةٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِي دِينٍ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنْ قَالَ قَضَى لِي بِهَا فَجَحَدَنِي قَضَاءَهُ فَأَخَذْتهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ الْقَضَاءَ جَاءَتْ الْمُنَازَعَةُ؛ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالْأَخْذِ فِي حَالِ الْمُنَازَعَةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهَا لَا يَكُونُ حُجَّةً لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِلْزَامِ.
وَنَظِيرُ تَغَيُّرِ الْحُكْمِ بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَةِ مَا إذَا قَدِمَ رَجُلٌ لِيُقْتَلَ بِالْخَشَبِ فَقَالَ اُقْتُلُونِي بِالسَّيْفِ يَأْثَمُ وَلَوْ قَالَ لَا تَقْتُلُونِي بِالْخَشَبِ لَا يَأْثَمُ وَلَوْ قَدِمَ الْأَبُ وَالِابْنُ لِلْقَتْلِ فَقَالَ الْأَبُ: قَدِّمُوا ابْنِي لِأَحْتَسِبَ بِالصَّبْرِ عَلَى قَتْلِهِ يَأْثَمُ وَلَوْ قَالَ لَا تُقَدِّمُونِي عَلَى ابْنِي لَا يَأْثَمُ فَعَرَفْنَا أَنْ بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَةِ قَدْ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ، وَلِهَذَا قَبِلْنَا أَيْ وَلِأَنَّ فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ قَبِلْنَا خَبَرَ الْمُخْبِرِ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَى النِّكَاحِ بِأَنْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَأَخْبَرَ ثِقَةٌ أَنَّهَا قَدْ ارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ بِأَنْ غَابَ رَجُلٌ عَنْ امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ أَوْ أَخْبَرَهَا مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ وَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ التَّزَوُّجُ بِأَرْبَعٍ سِوَاهَا أَوْ بِأُخْتِهَا وَلِلْمَرْأَةِ التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحُرْمَةِ الطَّارِئَةِ بِالرَّضَاعِ أَوْ الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ مَعْنَى الْمُنَازَعَةِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا بِسَبَبِ رَضَاعٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ رِدَّةٍ قَائِمَةٍ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْحُرْمَةِ الْمُقَارِنَةِ مَعْنَى الْمُنَازَعَةِ إذْ إقْدَامُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ تَصْرِيحٌ بِثُبُوتِ الْحِلِّ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ (وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ) الرَّابِعِ لَا خِلَافَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ
(3/34)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ فَمِثْلُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ لِلْبِكْرِ الْبَالِغَةِ بِإِنْكَاحِ وَلِيِّهَا إذَا سَكَتَتْ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَوُجُوبِ الشَّرَائِعِ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ فَفِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا مِمَّنْ إلَيْهِ الْإِبْلَاغُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَخْبَرَهُ فُضُولِيٌّ بِنَفْسِهِ مُبْتَدِيًا؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَفِي الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمُثَنَّى وَلَفْظُ الْكِتَابِ فِي الِاثْنَيْنِ مُحْتَمَلٌ قَالَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ أَوْ رَجُلَانِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ فِيهِمَا نَصًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اللَّهُ أَكْبَرُ يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا بِشَهَادَتِهِ» وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هِيَ شَرْطٌ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ مَقْبُولَةٌ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ مِنْ خَبَرِهِ هَذَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّوْمِ مَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَلِهَذَا يُكْتَفَى فِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ فِي بَابِ الدِّينِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَكَأَنَّ الشَّيْخَ بِقَوْلِهِ " مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ " اخْتَارَ مَذْهَبَ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ لِلصَّوْمِ بَلْ الْمُوجِبُ هُوَ النَّصُّ وَجَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَشْتَرِطَ فِيهِ الْعَدَالَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِيَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ دِينِيٌّ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَالشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ الْأَضْحَى كَالشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النَّوَادِرِ لِتَعَلُّقِ أَمْرٍ دِينِيٍّ بِهِ، وَهُوَ ظُهُورُ وَقْتِ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَهِلَالِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلنَّاسِ بِالتَّوَسُّعِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَمِثْلُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَسَائِرِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا وَالْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَكِنَّهُ أُلْحِقَ بِهَا لِمَا سَنَذْكُرُهُ فَفِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا مِمَّنْ إلَيْهِ الْإِبْلَاغُ بِأَنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْمَوْلَى أَوْ الشَّرِيكُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ أَوْ الْإِمَامُ أَوْ الْأَبُ وَكَّلْتُك بِأَنْ تُخْبِرَ فُلَانًا بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ وَنَحْوِهِمَا وَأَرْسَلْتُك إلَى فُلَانٍ لِتُبَلِّغَ عَنِّي إلَيْهِ هَذَا الْخَبَرَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ بِالِاتِّفَاقِ؛ فَإِنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسَلِ وَكَذَا عِبَارَةُ الْوَكِيلِ فِي هَذَا كَعِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ إذْ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَالرَّسُولِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي غَيْرِهَا ثُمَّ فِي الْمُوَكِّلِ وَالْمُرْسِلِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ، فَكَذَا فِيمَنْ قَامَ مَقَامَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فُضُولِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ مَشَايِخِنَا.
فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَهُ فُضُولِيَّانِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمَثْنَى وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ لِاشْتِبَاهِ لَفْظِ الْكِتَابِ أَيْ الْمَبْسُوطِ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ، فَالْفَرِيقُ الْأَوَّلُ قَالُوا مَعْنَاهُ رَجُلَانِ عَدْلٌ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَدْلٌ يَصْلُحُ نَعْتًا لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى
(3/35)

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِطَ سَائِرَ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ إلَّا الْعَدَدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْ الْعَدَدُ مَعَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ غَيْرُ الْعَدَالَةِ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَإِنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: إنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمًا بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ فَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْعُهْدَةُ مِنْ لُزُومِ عَقْدٍ أَوْ فَسَادِ عَمَلٍ وَمِنْ وَجْهٍ يُشْبِهُ سَائِرَ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَفْسَخُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ بِالْإِطْلَاقِ فَشَرَطْنَا فِيهِ الْعَدَدَ أَوْ الْعَدَالَةَ لِكَوْنِهَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ بِخِلَافِ الْمُخْبِرِ إذَا كَانَ رَسُولًا لِمَا قُلْنَا وَفِي شَرْطِ الْمُثَنَّى مِنْ غَيْرِ عَدَالَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الْحُجَّةِ وَالْعَدَدِ أَثَرٌ فِي التَّوْكِيدِ بِلَا إشْكَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا.
قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلَمْ يَقُلْ عَدْلَيْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقَيْنِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ الْوَاحِدِ فِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا وَإِنَّ التَّوَقُّفَ يَجِبُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فَائِدَةٌ وَالْفَرِيقُ الثَّانِي قَالُوا: الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ يَخْتَصُّ بِالْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي سُكُونِ الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ لِلْعَدَالَةِ تَأْثِيرًا فِيهِ بَلْ تَأْثِيرُ الْعَدَدِ أَقْوَى؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَنْفُذُ وَلَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ ثُمَّ إذَا وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ بِدُونِ الْعَدَدِ يُثْبِتُ الْمُخْبِرُ بِهِ فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الْعَدَدُ دُونَ الْعَدَالَةِ، ثُمَّ لَا بُدَّ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخْبِرِ لَهُ وَلَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْمُخْبِرِ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ صِدْقًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِالْعَزْلِ مَثَلًا رَجُلٌ عَدْلٌ أَوْ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ يَثْبُتُ الْعَزْلُ بِالْإِجْمَاعِ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْمُخْبِرِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا غَيْرَ عَدْلٍ وَكَذَّبَهُ الْوَكِيلُ لَا يَنْعَزِلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ وَعِنْدَهُمَا يَنْعَزِلُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا فِي الْوَكَالَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْفَرِدَ الْمُوَكِّلُ بِعَزْلِهِ أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ كَالْوَكَالَةِ الثَّابِتَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلَا يَنْعَزِلُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ.
قَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ) كَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَدَدَ أَوْ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ مِنْ الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ شَرْطًا مَعَ أَحَدِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا عَدْلًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا.
وَكَذَا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ أَصْلًا وَإِنْ وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ أَوْ الْعَدَدُ لِعَدَمِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ وَإِنَّمَا قَالَ يُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمَبْسُوطِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَإِنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ أَيْ الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَالرَّابِعُ سَوَاءٌ فَيَثْبُتُ الْعَزْلُ وَالْحَجْرُ بِقَوْلِ كُلِّ مُمَيَّزٍ كَالتَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ يَعْنِي مَا خَلَا الْإِخْبَارَ بِالشَّرَائِعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ كَالْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَهَذَا لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ ضَرُورَةً تَوْكِيلًا وَعَزْلًا عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُمْ الْحَاجَاتُ فَلَوْ شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْخَبَرِ عَنْهَا لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
فَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَقَدْ أُلْحِقَ بِهَا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ فِي حَقِّهِ إذْ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْعَدَالَةِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَتَفْوِيتِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الْعُدُولِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَلَّمَا يَكُونُ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ أُلْحِقَ بِالْمُعَامَلَاتِ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ إنَّهُ أَيْ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ جِنْسِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ دُونَ الْجَائِزَةِ وَالْحُقُوقُ اللَّازِمَةُ هِيَ الَّتِي تَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا يَنْفَرِدُ بِإِبْطَالِهَا وَالْجَائِزَةُ عَلَى خِلَافِهَا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْمَوْلَى يُلْزِمُهُ أَيْ الْوَكِيلُ أَوْ الْعَبْدُ حُكْمًا بِالْعَزْلِ أَوْ الْحَجْرِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْعُهْدَةُ مِنْ لُزُومِ عَقْدٍ يَعْنِي فِي الْوَكِيلِ؛ فَإِنَّهُ إذَا انْعَزَلَ يَقْتَصِرُ الشِّرَاءُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عُهْدَتُهُ أَوْ فَسَادُ عَمَلٍ يَعْنِي فِي الْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ نَافِذَ التَّصَرُّفِ وَبِالْحَجْرِ يَخْرُجُ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْزَامَاتِ
(3/36)

وَالتَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا عُرِفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَمِنْ وَجْهٍ يُشْبِهُ سَائِرَ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَوْ الْمَوْلَى أَوْ مَنْ بِمَعْنَاهُمَا مُتَصَرِّفٌ فِي حَقِّهِ بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ وَالْفَسْخِ كَمَا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي حَقِّهِ بِالتَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ وَالْإِجَارَةِ إذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِطْلَاقِ وَكَذَا الْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرَائِعَ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ حَتَّى لَمْ يَلْحَقْهُ ضَمَانٌ وَلَا إثْمٌ بِتَرْكِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ كَانَ مَلْزُومًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُوبَهَا مُضَافٌ إلَى الشَّرْعِ وَالْتِزَامُهُ أَوْ أَمْرُهُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ ثُمَّ شَبَهُ الْإِلْزَامِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ وَالْعَدَدِ وَشَبَهُ الْمُعَامَلَاتِ يُوجِبُ سُقُوطَهُمَا فَشَرَطْنَا أَحَدَهُمَا وَأَسْقَطْنَا الْآخَرَ تَوْفِيرًا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظُّهُمَا.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خَبَرُ الْفَاسِقِ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا أَنْشَأَ الْخَبَرَ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى اللُّزُومِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنْ التَّصَرُّفِ إذَا أَخْبَرَهُ بِالْحَجْرِ وَالْعَزْلِ وَيَلْزَمُهَا النِّكَاحُ إذَا سَكَتَتْ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْكَفِّ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ إذَا سَكَتَ بَعْدَ الْعِلْمِ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُلْزِمًا بِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ ثُمَّ بِالْمُرْسَلِ حَاجَةٌ إلَى تَبْلِيغِ ذَلِكَ وَقَلَّمَا يَجِدُ عَدْلًا يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْإِرْسَالِ إلَى عَبْدِهِ وَوَكِيلِهِ فَأَمَّا الْفُضُولِيُّ فَمُتَكَلِّفٌ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا التَّبْلِيغِ وَالسَّامِعُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعَهُ دَلِيلًا يُعْتَمَدُ لِلتَّصَرُّفِ إلَى أَنْ يُبَلِّغَهُ مَا يَرْفَعُهُ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْعَدَالَةَ فِي الْخَبَرِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمَا لِأَجْلِ مُنَازَعَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ وَالْعَدَالَةُ فِيهَا شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ كَالْحَجْرِ وَالْعَزْلِ، قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ يُخْبِرُهُ فَهُوَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالتَّبْلِيغِ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» وَخَبَرُ الرَّسُولِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْمُرْسِلِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، فَكَذَا هَذَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ الْفَاسِقِ الْأَخْبَارَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ كَوْنُ الْمَخْبَرِ بِهِ حَقًّا وَهَاهُنَا نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ حَقٌّ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ أَخْبَرَهُ الْفَاسِقُ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ فِيمَا يَتْرُكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَالتَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) يَعْنِي فِي حَقِّ سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَدِ لَا فِي حَقِّ سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُزَكِّيَ الْوَاحِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا أَمْضَى شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ بِقَوْلِ هَذَا الْوَاحِدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَرْجِمُ عَدْلًا مُسْلِمًا بِلَا خِلَافٍ وَحُكْمُ الْمُتَرْجِمِ وَالْمُزَكِّي وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا عَدَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّزْكِيَةَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ لَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ أَيْ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ التَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا سَائِرُ شَرَائِطِ
(3/37)

(بَابُ بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ) وَهُوَ الْخَبَرُ
هَذَا الْبَابُ قِسْمَانِ قِسْمٌ رَجَعَ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ وَقِسْمٌ رَجَعَ إلَى مَعْنَاهُ فَأَمَّا نَفْسُ الْخَبَرِ فَلَهُ طَرَفَانِ طَرَفُ السَّامِعِ وَطَرَفُ الْمُبَلِّغِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمَيْنِ عَزِيمَةٍ وَرُخْصَةٍ، أَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ طَرَفُ السَّامِعِ؛ فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ فِي ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَالرُّخْصَةُ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْمَاعٌ أَمَّا الْأَسْمَاعُ الَّذِي هُوَ عَزِيمَةٌ فَأَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قِسْمَانِ فِي نِهَايَةِ الْعَزِيمَةِ وَأَحَدُهُمَا أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِهِ وَقِسْمَانِ آخَرَانِ يَخْلُفَانِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُمَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ أَيْضًا لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ فَصَارَ لَهُمَا شَبَهٌ بِالرُّخْصَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشَّهَادَةِ سِوَى لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُذَكِّيَ بِمَعْنَى الشَّاهِدِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَى الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ وَهَذَا آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِلْزَامِ فَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ، فَكَذَا الْعَدَدُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا لَيْسَ لِمَعْنَى الْإِلْزَامِ بَلْ يَثْبُتُ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ أَوْ لِمَعْنَى الزَّجْرِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ اشْهَدْ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ احْلِفْ وَالْمُدَّعِي يَأْتِي بِالشُّهُودِ فَلِاحْتِمَالِ الْمُوَاضَعَةِ وَالتَّلْبِيسِ بَيْنَهُمْ شَرَطْنَا لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْمُذَكِّي فَيَخْتَارُهُ الْقَاضِي فَيَنْعَدِمُ فِي حَقِّهِ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُمَا قَالَا: الْمُذَكِّي مُخْبِرٌ بِخَبَرٍ دِينِيٍّ فَلَا يَكُونُ الْعَدَدُ فِيهِ شَرْطًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَلَا مَجْلِسُ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ لَشَرَطَ فِيهِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِيهِ فَفِي الْعَدَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ سَوَاءٌ وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَاشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَيْرُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَزِمَ شَيْئًا فَكَانَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالرِّقُّ يَنْفِي الْوِلَايَةَ عَلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ؛ فَإِنَّهُ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَشْتَرِطُ الْحُرِّيَّةَ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تَكْفِي لِذَلِكَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَلَكِنْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْثَقُ؛ لِأَنَّهُ إلَى الِاحْتِيَاطِ أَقْرَبُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَذَكَرَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ أَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ عِنْدَ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَجْلِسِ الْقَاضِي فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ لِتَزْكِيَةِ السِّرِّ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ إذَا عَدَّلَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ الْمَرْأَةُ عَدَّلَتْ زَوْجَهَا أَوْ الْعَبْدُ عَدَّلَ مَوْلَاهُ صَحَّ وَتُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّعْدِيلِ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُجِيزَ فِي التَّزْكِيَةِ سِرًّا تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْأَعْمَى إذَا كَانُوا عُدُولًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ وَخَبَرُ هَؤُلَاءِ مَقْبُولٌ فِي بَابِ الدِّينِ.
وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ عَلَانِيَةً فَلَا تُقْبَلُ إلَّا مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ أَمَّا فِي تَزْكِيَةِ الرَّاوِي فَلَا شَكَّ أَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ آكَدُ فِي الرِّوَايَةِ فَلَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ فِي تَزْكِيَةِ الشَّهَادَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ الرِّوَايَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ إنَّمَا شُرِطَ فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ اسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعِي الْقَضَاءَ عَلَى الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي تَزْكِيَةِ الرَّاوِي بَلْ هِيَ أَخْبَارٌ فَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي قَبُولِهِ كَنَصِّ الرِّوَايَةِ، وَمِنْ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ شَرَطَ الْعَدَدَ فِي تَعْدِيلِ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ جَمِيعًا اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ فِي تَعْدِيلِ الشَّاهِدِ دُونَ الرَّاوِي إلْحَاقًا لِلتَّعْدِيلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ بِمَشْرُوطِهِ فِي كُلِّ بَابٍ وَالْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ، فَكَذَا بِالْمُلْحَقِ بِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ]
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الْخَبَرُ)
قَوْلُهُ (أَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ طَرَفُ السَّامِعِ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّبْلِيغُ مَكَانَ السَّامِعِ وَقِيلَ هَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ الْإِسْمَاعُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ جِهَةِ الْمُبَلِّغِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُ، وَهُوَ يَسْمَعُ.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَإِذَا صَحَّ
(3/38)

أَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَمَا يَقْرَؤُهُ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُ وَمَا تَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ، وَهُوَ يَسْمَعُ فَتَقُولُ لَهُ أَهُوَ كَمَا قَرَأْت عَلَيْك فَيَقُولُ: نَعَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
السَّمَاعُ وَجَبَ الْحِفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ تَقْسِيمُ جَانِبِ السَّمَاعِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ يَلِيهِ، وَأَمَّا طَرَفُ التَّبْلِيغِ، فَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذْ لَا يَسْتَقِيمُ إقَامَةُ لَفْظِ السَّامِعِ مَقَامَ التَّبْلِيغِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مِنْ قِبَلِ التَّبْلِيغِ لَا مِنْ قِبَلِ السَّمَاعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا لَفْظُ السَّامِعِ دُونَ التَّبْلِيغِ وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْعَزِيمَةُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي السَّمَاعِ مَا يَكُونُ أَيْ يَحْصُلُ أَوْ يَحْدُثُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ حَقِيقَةً، يُوَضِّحُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلِهَذَا النَّوْعِ أَطْرَافٌ ثَلَاثَةٌ طَرَفُ السَّمَاعِ وَطَرَفُ الْحِفْظِ وَطَرَفُ الْأَدَاءِ فَطَرَفُ السَّمَاعِ نَوْعَانِ عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ فَالْعَزِيمَةُ مَا يَكُونُ بِحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ إلَى آخِرِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ (أَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ) إلَى آخِرِهِ إذَا قَالَ الشَّيْخُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ سَمِعْت فُلَانًا يَقُولُ كَذَا يَلْزَمُ السَّامِعَ الْعَمَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ وَيَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي مُطْلَقًا أَوْ بِقَوْلِهِ قَالَ فُلَانٌ أَوْ سَمِعْته يَقُولُ وَقِيلَ: إنَّ الشَّيْخَ إنْ قَصَدَ إسْمَاعَهُ خَاصَّةً ذَلِكَ الْكَلَامَ أَوْ كَانَ هُوَ فِي جَمْعٍ قَصَدَ الشَّيْخُ إسْمَاعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ هَاهُنَا حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَسَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ فُلَانٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ إسْمَاعَهُ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ وَلَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ سَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ فُلَانٍ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: هَلْ سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فُلَانٍ فَيَقُولُ نَعَمْ أَوْ يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأَمْرُ كَمَا قُرِئَ عَلَيَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَهُوَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَجَوَازِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إقْرَارٌ وَلَا نَكِيرٌ فَهُوَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ السَّامِعِ أَنَّهُ مَا سَكَتَ إلَّا لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُرِئَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ ظَنٌّ أَنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ.
وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَأَبُو نَصْرٍ الصَّبَّاغُ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فِيهِ حِكَايَةُ إقْرَارِهِ بِدَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ، فَكَذَا هَذَا.
، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْعُرْفَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ وَإِقْرَارٌ بِصِحَّةِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِمَا جَازَ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهَا وَلَكَانَ سُكُوتُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِسْقًا لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ الصِّحَّةِ فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ عُرِفَ أَنَّ السُّكُوتَ فِيهِ تَصْدِيقٌ ثُمَّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ يَجُوزُ لِلسَّامِعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَقُولَ قَرَأْت عَلَى فُلَانٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، فَأَمَّا إذَا قَالَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي مُطْلَقًا أَوْ سَمِعْت فُلَانًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالنُّطْقِ إذْ الْخَبَرُ وَالْحَدِيثُ وَالْمَسْمُوعُ نُطْقٌ كُلُّهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نُطْقٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت كَذِبًا إلَّا إذَا عَلِمَ تَصْرِيحَ قَوْلِ السَّامِعِ أَوْ بِقَرِينَةٍ خَالِيَةٍ أَنَّهُ يُرِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ دُونَ سَمَاعِ حَدِيثِهِ وَلَا يُقَالُ إمْسَاكُهُ عَنْ النَّكِيرِ جَارٍ مَجْرَى إبَاحَتِهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْهُ
(3/39)

قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا طَرِيقَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ الْمُطْلَقُ، مِنْ الْحَدِيثِ الْمُشَافَهَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ وَمَا كَانَ يَكْتُبُ وَكَلَامُنَا فِيمَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ السَّهْوُ وَيَقْرَأُ مِنْ الْمَكْتُوبِ دُونَ الْمَحْفُوظِ وَهُمَا فِي الْمُشَافَهَةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ فَيَسْتَفْهِمُ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ نَعَمْ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلْإِعَادَةِ اخْتِصَارًا عَلَى مَا مَرَّ وَالْمُخْتَصَرُ لُغَةً مِثْلُ الْمُشْبَعِ سَوَاءٌ وَمَا قُلْنَاهُ أَحْوَطُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِإِبَاحَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ التَّحَدُّثُ عَنْهُ إذَا لَمْ يُحَدِّثْهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَصِيرُ مُبَاحًا بِإِبَاحَتِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِإِفَادَةِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ وَهَذَا السُّكُوتُ قَدْ أَفَادَ الْعِلْمَ بِأَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ كَلَامُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ اصْطِلَاحَاتٍ مَخْصُوصَةً يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَعَانِي مَخْصُوصَةٍ أَمَّا؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوهَا بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ إلَى تِلْكَ الْمَعَانِي أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ ثُمَّ صَارَ الْمَجَازُ شَائِعًا وَالْحَقِيقَةُ مَغْلُوبَةٌ وَلَفْظُ أَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي هَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا السُّكُوتَ يُشَابِهُ الْإِخْبَارَ فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَالْمُشَابَهَةُ إحْدَى أَسْبَابِ الْمَجَازِ.
وَإِذَا جَازَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَجَازًا ثُمَّ اسْتَقَرَّ عُرْفُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَيْهِ صَارَ ذَلِكَ كَالِاسْمِ الْمَنْقُولِ بِعُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كَالْمَجَازِ الْغَالِبِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الِاصْطِلَاحَاتِ فَمَا يَقْرَؤُهُ عَلَيْك أَيْ الْمُحَدِّثُ أَوْ الْمُبَلِّغُ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] أَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ أَيْ أَرْفَعُ وَأَحْوَطُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا أَيْ الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى طَرِيقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ بِنَفْسِهِ وَيَقْرَأُ عَلَى الصَّحَابَةِ لَا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَهَكَذَا الْأَمْرُ فَيَقُولُ نَعَمْ وَلَمَّا كَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ تُشْبِهُ فِعْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ كَانَ ذَلِكَ أَحْوَطَ وَأَوْلَى، وَهُوَ الْمُطْلَقُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمُشَافَهَةِ أَيْ مُطْلَقُ قَوْلِك حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ شَافَهَنِي بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكَلُّمَ صَدَرَ عَنْهُ وَأَنْتَ تَسْمَعُ لَا عَلَى الْعَكْسِ وَدَلَالَةُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْكَامِلِ عَلَى مَا عُرِفَ فَدَلَّ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ السَّامِعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَقُولُ حَدَّثَنِي وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ (كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ) أَيْ عَنْ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْلَى فَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَجَازَ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ فَكَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ وَقِرَاءَةُ غَيْرِهِ سَوَاءً.
وَمَا كَانَ يَكْتُبُ دَلِيلٌ آخَرُ أَيْ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ كَاتِبًا وَلَا قَارِئًا مِنْ الْمَكْتُوبِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَقْرَأُ مَا يَقْرَأُ عَنْ حِفْظٍ فَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ أَوْلَى فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ كِتَابٍ وَالسَّمَاعُ فِي كِتَابٍ فَهُمَا سَوَاءٌ أَيْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ وَالْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ فِي مَعْنَى التَّحَدُّثِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشَافَهَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ حِفْظٍ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ عِنَايَةً فِي الضَّبْطِ وَلِأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا يَفْصِلُ أَيْ لَا فَصْلَ فِي اللُّغَةِ بَيْنَ كَذَا.
وَكَذَا؛ فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَوْ قَرَأَ ذُكِرَ إقْرَارُهُ عَلَيْك أَوْ تَقْرَأُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَسْتَفْهِمُهُ هَلْ تُقِرُّ لِجَمِيعِ مَا قَرَأْته عَلَيْك فَيَقُولُ: نَعَمْ كَأَنَّا سَوَاءٌ.
، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا أَيْ الْوَجْهَيْنِ سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْقَاضِي لِلشَّاهِدِ أَتَشْهَدُ بِكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ كَانَ مِثْلَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ بِكَذَا فِي إثْبَاتِ الْحَقِّ وَإِيجَابِ حُكْمٍ عَلَى الْقَاضِي مَعَ أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ لِاخْتِصَاصِهَا بِشَرَائِطَ لَمْ تُوجَدْ فِي الرِّوَايَةِ.
وَقَوْلُهُ وَمَا قُلْنَاهُ أَحْوَطُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَحْوَطُ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إلَّا ذِكْرُ الْمَعْنَيَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بَلْ الْغَرَضُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَحْوَطُ مِنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ هَذَا
(3/40)

لِأَنَّ رِعَايَةَ الطَّالِبِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً فَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الَّذِي يَقْرَأُ الْغَلَطَ وَيُؤْمَنُ الطَّالِبُ فِي مِثْلِهِ فَأَنْتَ عَلَى قِرَاءَتِك أَشَدُّ اعْتِمَادًا مِنْك عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْغَفْلَةِ مِنْهُ عَنْ مَا قَرَأْته عَلَيْهِ وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ حَتَّى إنَّ الرِّوَايَةَ إذَا كَانَتْ عَنْ حِفْظٍ كَانَ ذَلِكَ الْوَجْهُ أَحَقَّ كَمَا قُلْتُمْ.

وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ فَأَحَدُهُمَا الْكِتَابُ وَالثَّانِي الرِّسَالَةُ أَمَّا الْكِتَابُ فَعَلَى رَسْمِ الْكُتُبِ وَيَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ إلَى أَنْ يَذْكُرَ مَتْنَ الْحَدِيثِ ثُمَّ يَقُولُ فَإِذَا بَلَغَك كِتَابِي هَذَا وَفَهِمْته فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي لِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا مِنْ الْغَائِبِ مِثْلُ الْخِطَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرَى الْكِتَابَ تَبْلِيغًا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلُ الدِّينِ وَكَذَلِكَ الرِّسَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَبْلِيغَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ الْإِرْسَالَ أَيْضًا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَنَا بِالْحُجَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اللَّفْظُ لَا يَنْقَادُ لَهُ بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَظُنُّهُ تَصْنِيفَهُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَجْهَانِ سَوَاءٌ بَلْ الثَّانِي أَحْوَطُ وَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّامِعَ إذَا قَرَأَهُ بِنَفْسِهِ كَانَ هُوَ أَشَدَّ عِنَايَةً فِي ضَبْطِ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ مِنْ الْمُبَلِّغِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ هَذَا الْجَانِبُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ أَحْوَطُ مِنْهُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ ثُمَّ الطَّالِبُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَالْمُحَدِّثُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْهُوَ عَنْ الْبَعْضِ وَيَشِذَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مَا يَشِذُّ مِنْ الطَّالِبِ فَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الَّذِي يَقْرَأُ.
وَهُوَ الْمُحَدِّثُ الْغَلَطُ فِي بَعْضِ مَا يَقْرَأُهُ لِقِلَّةِ رِعَايَتِهِ إذْ هُوَ لَا يَحْتَاطُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ كَمَا يَحْتَاطُ الْغَيْرُ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا بَقِيَ احْتِمَالُ الْغَفْلَةِ إلَى آخِرِهِ إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ قَدْ يُتَوَهَّمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الطَّالِبِ أَنْ يَسْهُوَ الْمُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِي هَذَا التَّوَهُّمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْمُحَدِّثِ لِشِدَّةِ رِعَايَةِ الطَّالِبِ فِي ضَبْطِ مَا يَسْمَعُ مِنْهُ فَأَجَابَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَوْهُومٌ إلَّا أَنَّ سَهْوَ الْمُحَدِّثِ عَنْ سَمَاعِ الْبَعْضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ عَادَةً أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ فِي الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَمُّلِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَيْسَرُهُمَا، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَيُسَمَّى عَرْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَأُهُ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي الْمَرْتَبَةِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا تَرْجِيحُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْكِتَابُ فَعَلَى رَسْمِ الْكُتُبِ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا بِخَتْمٍ مَعْرُوفٍ مُعَنْوَنًا، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالتَّسْمِيَةِ ثُمَّ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ بِالْمَقْصُودِ قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ عَلَى جِهَةِ الْكُتُبِ مَرْسُومًا بِرَسْمِ الْكُتُبِ مُصَدَّرًا تَصْدِيرَ الْكُتُبِ وَثَبَتَ الْكِتَابُ لِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ وَكَانَ فِيهِ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ حَتَّى اتَّصَلَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِذَا جَاءَك هَذَا الْحَدِيثُ فَحَدِّثْهُ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَلَّتْ لَهُ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْإِجَازَةُ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مِثْلُ السَّمَاعِ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي: مَا يَتَجَرَّدُ عَنْ الْإِجَازَةِ وَأَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَنْصُورٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيِّينَ وَأَتَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ مِنْهُ شَيْئًا لَا بِالسَّمَاعِ وَلَا بِالْإِجَازَةِ فَكَيْفَ يُسْنِدُ إلَيْهِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ إشْعَارًا بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا فَقَدْ تَضَمَّنَتْ الْإِجَازَةَ مَعْنًى كَذَا ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالْكِتَابِ الرِّسَالَةُ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ لِلرَّسُولِ بَلِّغْ عَنِّي فُلَانًا أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي
(3/41)

وَالْمُخْتَارُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُشَافَهَةِ قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ فِيمَنْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا أَوْ حَدَّثْت بِهِ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُكَالَمَةِ مُشَافَهَةً وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمُخْتَارُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالرِّسَالَةَ لَيْسَا بِمُشَافَهَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ وَأَنْبَأَنَا نَبَّأَنَا بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ وَلَا تَقُولُ: حَدَّثَنَا وَلَا كَلَّمَنَا إنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُحَدِّثُ بِكَذَا وَلَا يُكَلِّمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ بِخِلَافِ مَا حَلَفَ لَا يُخْبِرُ بِكَذَا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَمَا لَا أَسْمَاعَ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِهَذَا الْحَدِيثِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَيَذْكُرُ إسْنَادَهُ فَإِذَا بَلَّغَك رِسَالَتِي هَذِهِ فَارْوِهِ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالرِّسَالَةَ إلَى الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ لِلْحَاضِرِ شَرْعًا وَعُرْفًا أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَدْ بَلَّغَ الْغُيَّبَ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ كَمَا بَلَّغَ الْحُضُورَ بِالْخِطَابِ وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَلَامِ يَثْبُتُ بِهِمَا كَمَا يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ، وَأَمَّا عُرْفًا فَلِأَنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُمَا مِثْلَ الْخِطَابِ حَتَّى قَلَّدَ الْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ وَالْإِيَالَةَ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ كَمَا قَلَّدُوهَا بِالْمُشَافَهَةِ وَعَدُّوا مُخَالِفَهُمَا مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا مِثْلُ الْخِطَابِ فَكَانَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ بِخِلَافِ الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّهِ الْخِطَابُ، وَلِهَذَا لَمْ يُوجَدْ التَّبْلِيغُ مِنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الْحُضُورِ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَكُونَا مِثْلَ الْخِطَابِ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُمَا ضَرُورَةً فَكَانَا مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ لَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ.
وَذَلِكَ أَيْ حِلُّ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَا بِالْحُجَّةِ أَيْ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِمِثْلِهَا الْكُتُبُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَطُّ الْكَاتِبِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ (وَالْمُخْتَارُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ حَدَّثَنَا) ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ وَشَافَهَهُ بِالْإِسْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ هَذَا مُعْظَمُ مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي آخَرِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَقُولُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي حَدَّثَنَا بَلْ يَقُولُ أَخْبَرَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَإِنَّمَا يَقُولُ قَرَأْت عَلَيْهِ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ وَقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ لَمْ يُحَدِّثْهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ إلَّا بِقَوْلِهِ نَعَمْ وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ وَالْمُطَوَّلَ مِنْ الْكَلَامِ سَوَاءٌ وَكَلِمَةُ نَعَمْ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ لُغَةً فَكَانَ هَذَا تَحْدِيثًا وَإِخْبَارًا، وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْمُخْتَارُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَخْبَرَنَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ وَالتَّحْدِيثَ وَاحِدٌ بَلْ يَقُولُ كَتَبَ إلَيَّ فُلَانٌ أَوْ أَرْسَلَ إلَيَّ بِكَذَا وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَيْضًا أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ الْإِنْسَانِ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ فَيَجْعَلُونَ الْأَوَّلَ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ شَافَهَهُ بِالْحَدِيثِ وَيَجْعَلُونَ الثَّانِيَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُشَافَهَةِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَخْبَرَنِي تُفِيدُ أَنَّهُ تَوَلَّى إخْبَارَهُ بِالْحَدِيثِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ فَاخْتَارَ أَنَّ الْإِخْبَارَ وَالتَّحْدِيثَ وَاحِدٌ فَفَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَلْخِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي تَنْوِيعِ السَّمَاعِ وَتَجْنِيسِ الْإِجَازَةِ الْمُوَاضَعَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَقُولَ
(3/42)

وَهُوَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ لَهُ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ قَدْ نَظَرَ فِيهِ وَفَهِمَ مَا فِيهِ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيزُ إنَّ فُلَانًا قَدْ حَدَّثَنَا بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فَهِمْته بِأَسَانِيدِهِ هَذِهِ فَأَنَا أُحَدِّثُك مِنْهُ وَأَجَزْت لَك الْحَدِيثَ بِهِ فَيَصِحُّ الْإِجَازَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا كَانَ الْمُسْتَجِيزُ مَأْمُونًا بِالضَّبْطِ وَالْفَهْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُسْتَفِيدُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِمَّا ذُكِرَ مَا هُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ حَدَّثَنَا حَدَّثَنِي أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنِي مَنُوطًا بِبَيَانِ صِفَةِ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ أَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي إذَا كَانَ الضَّبْطُ وَالْإِتْقَانُ وَالِاحْتِيَاطُ عَلَى وَجْهِهِ سَوَاءٌ قَرَأَ الْمُحَدِّثُ بِلَفْظِهِ أَوْ قَرَأْت عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ كُلُّهُ سَمَاعٌ جَيِّدٌ أَوْ قَرَارٌ مِنْهُ بِالْمَسْمُوعِ كَالصَّكِّ وَالْإِشْهَادِ قَالَ: وَجَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ أَنْبَأَنَا وَأَنْبَأَنِي وَخَبَّرَنَا وَخَبَّرَنِي وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا أَرْتَضِيهِ إلَّا أَنِّي أَحْسِبُ أَنَّ خَبَّرَنَا وَخَبَّرَنِي لِلْكَثْرَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِخْبَارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي الْوَحْدَةِ خَبَّرَنِي وَفِي الْجَمْعِ خَبَّرَنَا.
قَوْلُهُ (وَهُوَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مَا وَالْإِجَازَةُ أَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ فُلَانٌ وَيُبَيِّنُ إسْنَادَهُ أَوْ يَقُولَ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ مَسْمُوعَاتِي وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَسْمُوعِ مِنْ غَيْرِهِ وَسَيَأْتِيك بَيَانُ أَنْوَاعِهَا وَالْمُنَاوَلَةُ أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْخُ كِتَابَ سَمَاعِهِ بِيَدِهِ إلَى الْمُسْتَجِيزِ وَيَقُولَ هَذَا كِتَابِي وَسَمَاعِي عَنْ شَيْخِي فُلَانٍ فَقَدْ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا كَمَا يُوجِبُهُ الِاحْتِيَاطُ وَالْمُنَاوَلَةُ لِتَأْكِيدِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ الْإِجَازَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالْإِجَازَةُ بِدُونِ الْمُنَاوَلَةِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِلْإِجَازَةِ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ غَيْرَ أَنَّهَا زِيَادَةُ تَكَلُّفٍ أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ تَأْكِيدًا لِلْإِجَازَةِ فَكَانَتْ الْمُنَاوَلَةُ قِسْمًا مِنْ الْإِجَازَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِجَازَةِ فَأَبْطَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْوَايِلِيُّ السِّجْزِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا إبَاحَةُ التَّحَدُّثِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَدِّثَهُ أَوْ يُخْبِرَهُ وَهَذَا إبَاحَةُ الْكَذِبِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْكَذِبَ إذَا أُبِيحَ، وَجَوَّزَهَا الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَى تَجْوِيزِهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُبَلِّغُ إلَيْهِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ وَلَا يَرْغَبُ كُلُّ طَالِبٍ إلَى سَمَاعِ جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ فَلَوْ لَمْ يُجَوِّزْ الْإِجَازَةَ لَأَدَّى إلَى تَعْطِيلِ السُّنَنِ وَانْدِرَاسِهَا وَانْقِطَاعِ أَسَانِيدِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْإِجَازَةُ مِنْ قَبِيلِ الرُّخْصَةِ لَا مِنْ الْعَزِيمَةِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا صَحَّ مِنْ مَسْمُوعَاتِي فِي الْعُرْفِ جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ أَحَادِيثِي قَدْ سَمِعْته فَارْوِهِ عَنِّي فَلَا يَكُونُ كَذِبًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَحْصُولِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالْإِجَازَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ جَوَازِ الْمَاءِ الَّذِي يَسْقَاهُ الْمَالُ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ يُقَالُ: اسْتَجَزْتُ فُلَانًا فَأَجَازَنِي، إذَا أَسْقَاك مَاءً لِأَرْضِك أَوْ مَاشِيَتِك كَذَلِكَ طَالِبُ الْعِلْمِ يَسْأَلُ الْعَالِمَ أَنْ يُجِيزَهُ عِلْمَهُ فَيُجِيزَهُ إيَّاهُ فَعَلَى هَذَا لِلْمُجِيزِ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت فُلَانًا مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَرْوِيَّاتِي فَيُعَدَّ بِهِ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ مَنْ يَجْعَلُ الْإِجَازَةَ بِمَعْنَى التَّسْوِيغِ وَالْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فَتَقُولُ أَجَزْت لِفُلَانٍ رِوَايَةَ مَسْمُوعَاتِي مَثَلًا وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ أَجَزْت لَهُ مَسْمُوعَاتِي فَعَلَى سَبِيلِ الْحَذْفِ الَّذِي لَا يَخْفَى نَظِيرُهُ.
ثُمَّ الْإِجَازَةُ إنْ كَانَتْ لِمَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ الْمُجَازُ لَهُ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَجَازَهُ بِرِوَايَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا وَحَلَّتْ لَهُ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَصِحُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ إذَا وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الصَّكِّ وَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَقَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَشْهَدَ عَلَيَّ بِجَمِيعِ
(3/43)

ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي فُلَانٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي وَالْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي وَيَجُوزُ أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دُونَ الْمُشَافَهَةِ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِيهِ بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَصَحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالرَّسَائِلِ أَنَّ عِلْمَ مَا فِيهِمَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ كَانَ صَحِيحًا، فَكَذَا رِوَايَةُ الْخَبَرِ ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْإِجَازَةُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ أَجَازَ لِي، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ فِي الْبَابِ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ لِوُجُودِ الْخِطَابِ وَالْمُشَافَهَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُهُ أَجَزْت لَك بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ إذْ الْخِطَابُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا أَصْلًا إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرْنَا دُونَ حَقِيقَةِ الْقِرَاءَةِ فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ فِيهِ مَا قُلْنَا هَذَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي فُلَانٌ وَإِنْ قَالَ: أَخْبَرَنِي فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْإِسْمَاعِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَوْلُهُمْ قَدْ وُجِدَ الْخِطَابُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قُلْنَا إنَّمَا وُجِدَ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ أَجَزْت لَك لَا بِالْحَدِيثِ وَالْكِتَابِ الَّذِي يَرْوِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حَدَّثَنِي بِالْكِتَابِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا بِالْإِجَازَةِ، وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي مُطْلَقًا لِإِشْعَارِهِمَا بِصَرِيحِ نُطْقِ الشَّيْخِ وَهُمَا مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ مِنْهُ كَذِبٌ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ نَحْوَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي إجَازَةٌ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَالتَّحْدِيثِ عِنْدَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى امْتِنَاعِ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا احْتِيَاطًا، وَنُقِلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ خَصَّصَ الْإِجَازَةَ بِقَوْلِهِ خَبَّرَنَا بِالتَّشْدِيدِ وَالْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا وَذَكَرَ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَفْظًا مَعَ غَيْرِهِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفِيمَا قَرَأَهُ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَفِيمَا عُرِضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتَهُ شِفَاهًا أَنْبَأَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا كَتَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ كَتَبَ إلَى فُلَانٍ وَلَا يَجُوزُ فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا؛ لِأَنَّهُ إضَافَةُ فِعْلِ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ إلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَقُولُ أَجَازَ لِي فُلَانٌ أَوْ أَنْبَأَنِي إجَازَةً وَالْأَوْلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ وَمُجَانَبَةُ الْكَذِبِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَذَكَرَ فِي رِسَالَةِ أَبِي الْوَفَاءِ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ تَقُولُ أَجَازَ لِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ أَوْ يَقُولُ أَخْبَرَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إجَازَةً أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ وَلَا يَتَلَفَّظُ لِشَيْخِهِ بِقَالَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَذِبًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَلَفَّظْ لَهُ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحَدُّثِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِيهِ) أَيْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُجَازُ لَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مُحْتَمِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَنْ التَّغْيِيرِ لَا يَحِلُّ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ التَّغْيِيرِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ الرِّوَايَةُ وَلَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيَحِلُّ وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَكِتَابِ الرِّسَالَةِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبْلُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا يُعْجِبُهُمَا أَنْ يَقِفَ عَلَيْهَا غَيْرُهُمَا، وَلِهَذَا يَخْتِمُ الْكِتَابَ وَمَعْنَى الِاحْتِيَاطِ قَدْ يَحْصُلُ إذَا شَهِدَا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَتَمُهُ فَلَمْ يَشْتَرِطْ عِلْمَهُمَا بِمَا فِيهِ وَهُمَا يَقُولَانِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ وَالْمَقْصُودُ مَا فِي الْكِتَابِ لَا عَيْنُ
(3/44)

وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْإِسْرَارِ فِي الْعَادَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِي الصُّكُوكِ.

وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الْإِجَازَةِ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ سَوَاءٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ بِالضَّرُورَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ وَكُتُبُ الْخُصُومَاتِ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ سِوَى الْخُصُومَةِ فَلِلسِّرِّ كِتَابٌ آخَرُ عَلَى حِدَةٍ فَأَمَّا مَا يُبْعَثُ عَلَى يَدِ الْخَصْمِ فَلَا يَشْتَمِلُ إلَّا عَلَى ذِكْرِ الْخُصُومَةِ وَلَفْظَ الشَّهَادَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَكِتَابُ الرِّسَالَةِ أَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً وَيَبْعَثَ إلَى مَنْ يُرِيدُهُ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ هَذِهِ رِسَالَتِي إلَى فُلَانٍ فَيُشْتَرَطُ عِلْمُ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَ هُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِشْهَادَ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْأَسْرَارِ مِثْلُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَلَوْ شَرَطَ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِيهِ رُبَّمَا أَفْشَى الشُّهُودُ بِسِرِّهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ حَتَّى لَمْ يُجَوَّزْ أَيْ الْإِشْهَادُ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الصُّكُوكِ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى الشُّهْرَةِ وَلَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى سِرٍّ يُكْتَمْ مِنْ الشُّهُودِ فَشُرِطَ عِلْمُ مَا فِيهَا لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ، وَفِي نِكَاحِ مُخْتَلَفَاتِ الْقَاضِي الْغَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجْمَعُوا فِي الصَّكِّ أَنَّ الْإِشْهَادَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِي الْكِتَابِ فَاحْفَظْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَعْمَلُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى مَا فِي الصَّكِّ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْحُدُودِ، وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ وَالْغُنْيَةِ الِاخْتِلَافَ فِي الصَّكِّ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ كَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَمْ يُجَوِّزْ فِي الصُّكُوكِ وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ إلَى آخِرِهِ مُعْتَرَضٌ أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِجَازَةُ بِغَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي الصُّكُوكِ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ اشْتِمَالُ الْكِتَابِ عَلَى الْأَسْرَارِ إذْ كُتُبُ الْأَخْبَارِ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى سِرٍّ يَخْفَى مِنْ أَحَدٍ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ.
وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ بِالضَّرُورَةِ أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ الْإِجَازَةُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ كَمَا جَازَ الْإِشْهَادُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ يَحْتَاجُ إلَى تَبْلِيغِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ إلَى الْغَيْرِ لِيَتَّصِلَ الْإِسْنَادُ وَيَبْقَى الدِّينُ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَدْ ظَهَرَ التَّكَاسُلُ وَالْتَوَانِي فِي النَّاسِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَرُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ لِلطَّالِبِ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَفِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِمَا فِي الْكِتَابِ نَوْعُ تَنْفِيرٍ فَجُوِّزَتْ الْإِجَازَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لِلضَّرُورَةِ كَمَا جُوِّزَتْ مَعَ الْعِلْمِ لِلضَّرُورَةِ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْإِجَازَةَ يُسْتَحْسَنُ إذَا كَانَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ وَالْمُجَازُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا تَوَسُّعٌ وَتَرْخِيصٌ يَتَأَهَّلُ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهُ شَرْطًا، وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ وَفِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكِلُ إسْنَادُهُ.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الْإِجَازَةِ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ) أَيْ الْمُنَاوَلَةُ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْإِجَازَةُ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا اعْتِبَارَ لَهَا بِدُونِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لِتَأْكِيدِ الْإِجَازَةِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْمُؤَكَّدِ بِدُونِ الْمُؤَكِّدِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْمُنَاوَلَةَ أَنْ يُشِيرَ الْإِنْسَانُ إلَى كِتَابٍ يَعْرِفُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَيَقُولُ لِغَيْرِهِ قَدْ سَمِعْت مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُحَدِّثًا بِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَيَجُوزُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ فَيَقُولُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَسَوَاءٌ قَالَ ارْوِهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ حَدِّثْ عَنِّي بِمَا فِي هَذَا الْجُزْءِ وَلَمْ يَقُلْ قَدْ سَمِعْته؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحَدِّثًا لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أَجَازَ لَهُ التَّحَدُّثُ بِهِ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالتَّحَدُّثِ كَاذِبًا وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مُبَاحًا بِإِبَاحَتِهِ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ عَلَى
(3/45)

وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إذَا أَمِنَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمُنَاوَلَةُ الْمَقْرُونَةُ لِإِجَازَةٍ وَهِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَهَا صُوَرٌ مِنْهَا أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إلَى الطَّالِبِ أَصْلَ سَمَاعِهِ أَوْ فَرْعًا مُقَابِلًا بِهِ وَيَقُولُ هَذَا سَمَاعِي أَوْ رِوَايَتِي عَنْ فُلَانٍ فَارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي ثُمَّ تَمَلَّكَهُ إيَّاهُ أَوْ يَقُولُ خُذْهُ وَانْسَخْهُ وَقَابِلْ بِهِ ثُمَّ رُدَّهُ إلَيَّ أَوْ نَحْوُ هَذَا. وَمِنْهَا أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ إلَى الشَّيْخِ بِكِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ فَيَتَأَمَّلُهُ الشَّيْخُ، وَهُوَ عَارِفٌ مُتَيَقِّظٌ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ وَقَفْت عَلَى مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثِي عَنْ فُلَانٍ أَوْ رِوَايَتِي عَنْ شُيُوخِي فِيهِ فَارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي، وَقَدْ سَمَّى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَرْضًا، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ تُسَمَّى عَرْضًا أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يُسَمَّى عَرْضُ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا عَرْضُ الْمُنَاوَلَةِ، وَهَذِهِ الْمُنَاوَلَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِجَازَةِ حَالَّةٌ مَحَلَّ السَّمَاعِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ جَمَّةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ مِثْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَالٍّ مَحَلَّ السَّمَاعِ وَأَنَّهُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ التَّحْدِيثِ لَفْظًا وَالْإِخْبَارِ قِرَاءَةً.
قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَفْتَوْا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلَمْ يَرُدَّهُ سَمَاعًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: وَعَلَيْهِ عَهِدْنَا أَئِمَّتَنَا وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ وَمِنْهَا أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ كِتَابَهُ وَيُجِيزَ لَهُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ ثُمَّ تَمَسَّكَهُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْهُ فَهَذَا يَتَقَاعَدُ عَمَّا سَبَقَ لِعَدَمِ احْتِوَاءِ الطَّالِبِ عَلَى مَا تَحَمَّلَهُ وَغَيْبَتِهِ عَنْهُ وَجَازَ لَهُ رِوَايَةً ذَلِكَ عَنْهُ إذَا ظَفِرَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِمَا هُوَ مُقَابِلٌ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَثِقُ مَعَهُ بِمُوَافَقَتِهِ لِمَا تَنَاوَلَتْهُ الْإِجَازَةُ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِجَازَاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةِ لَا يَكَادُ يَظْهَرُ لَهَا حُصُولُ مَزِيَّةٍ عَلَى الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ مُنَاوَلَةٍ، وَقَدْ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا وَلَا فَائِدَةَ غَيْرَ أَنَّ شُيُوخَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يَرَوْنَ لِذَلِكَ مَزِيَّةً مُعْتَبَرَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الطَّالِبُ الشَّيْخَ بِكِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ فَيَقُولَ هَذَا رِوَايَتُك فَنَاوِلْنِيهِ وَأَجِزْ لِي رِوَايَتَهُ فَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَيَتَحَقَّقَ رِوَايَتَهُ لِجَمِيعِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الطَّالِبُ مَوْثُوقًا بِخَبَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَحِينَئِذٍ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ إجَازَةً جَائِزَةً؛ فَإِنَّ الْخَطِيبَ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ قَالَ حَدِّثْ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنِّي إنْ كَانَ مِنْ حَدِيثِي مَعَ بَرَاءَتِي مِنْ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا حَسَنًا وَالثَّانِي الْمُنَاوَلَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْإِجَازَةِ بِأَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا مِنْ حَدِيثِي أَوْ مِنْ سَمَاعَاتِي وَلَا يَقُولُ ارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ مُنَاوَلَةٌ مُخْتَلَّةٌ لَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ أَجَازُوهَا وَسَوَّغُوا الرِّوَايَةَ بِهَا، وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا مِثْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ وَغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ) أَيْ إنَّمَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْكِتَابُ مَأْمُونًا عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ فَإِنَّ
(3/46)

وَالْأَحْوَطُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ وَأَمْرُهَا عَظِيمٌ وَخَطْبُهَا جَسِيمٌ وَفِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ رَفْعُ الِابْتِلَاءِ وَحَسْمٌ لِبَابِ الْمُجَاهَدَةِ وَفَتْحٌ لِبَاب التَّقْصِيرِ وَالْبِدْعَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ وَجَمِيعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَالُوا: إنَّ الرَّجُلَ إذَا سَمِعَ عَلَى شَيْخٍ نُسْخَتَهُ فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مِثْلَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشِيرَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ النُّسْخَةِ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَيَقُولُ: قَدْ سَمِعْته؛ لِأَنَّ النُّسَخَ مِنْ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ قَدْ تَخْتَلِفُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النُّسْخَتَيْنِ تَتَّفِقَانِ، فَكَذَا هُنَا وَالْأَحْوَطُ كَذَا أَيْ الْأَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَصْلُ الدِّينِ لِبِنَاءِ أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهَا وَخَطْبُهَا جَسِيمٌ فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةٍ تُحْتَمَلُ الْإِمَامَةُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً مَعْلُومَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُ فَلَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَفْهَمْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ فَفِي الْإِجَازَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ، وَفِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ رَفْعٌ لِلِابْتِلَاءِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُبْتَلَوْنَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي ذَلِكَ مِنْ هَجْرِ الْإِخْوَانِ وَالْخِلَافِ وَقَطْعِ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَكَارِهِ الْغُرْبَةِ كَمَا وَقَعَتْ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ» فَلَوْ جُوِّزَتْ الْإِجَازَةُ بِدُونِ عِلْمٍ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ التَّعْلِيمِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِدُونِهِ.
وَحَسْمٌ لِبَابِ الْمُجَاهَدَةِ أَيْ قَطْعٌ لِلْجِهَادِ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ جِهَادٌ فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِدُونِ الْعِلْمِ تَكَاسَلَ فِي طَلَبِهِ وَانْقَطَعَ عَنْهُ وَفَتْحٌ لَبَابِ التَّقْصِيرِ وَالْبِدْعَةِ إذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ فَتَكُونُ بِدْعَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ عِلْمٍ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ بِأَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ فِي الْحَالِ وَالرِّوَايَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: قَدْ أَقْدَمَ الْمَشَايِخُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالرِّوَايَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ فَقَالَ ذَلِكَ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّحَمُّلِ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَحْضَرُوا الصِّبْيَانَ مَجَالِسَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ؛ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ لَا عَلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَنُبَيِّنُ الْآنَ أَنْوَاعَ الْإِجَازَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ الْإِجَازَةُ أَنْوَاعٌ: أَوَّلُهَا: أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي مُعَيَّنٍ مِثْلَ أَنْ أَجَزْت لَك الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي هَذِهِ فَهِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ، حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ هَذَا النَّوْعِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيِّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ جَمِيعُ مَرْوِيَّاتِي وَالْخِلَافُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِهَا أَيْضًا وَإِيجَابُ الْعَمَلِ بِمَا رُوِيَ بِهَا.
وَالثَّالِثُ أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ أَوْ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي وَمَا أَشْبَهَهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِمَّنْ جَوَّزَ أَصْلَ الْإِجَازَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ حَاضِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَلَمْ نَرَ وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْإِجَازَةَ
(3/47)

وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ وَذَلِكَ أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ لَا طَرِيقٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَأَمَّا مَنْ جَلَسَ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، وَهُوَ يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِنَظَرٍ فِي كِتَابٍ غَيْرِ الَّذِي يَقْرَأُ أَوْ يَخُطُّ بِقَلَمٍ أَوْ يَعْرِضُ عَنْهُ بِلَهْوٍ وَلَعِبٍ أَوْ يَغْفُلُ عَنْهُ بِنَوْمٍ وَكَسَلٍ فَلَا ضَبْطَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ وَتُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ خَطُّهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَا يَقُومُ الْحُجَّةُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَتَّصِلُ الْإِسْنَادُ بِخَبَرِهِ إلَّا مَا يَقَعُ مِنْ ضَرُورَةٍ؛ فَإِنَّهُ عَفْوٌ وَصَاحِبُهُ مَعْذُورٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَرُوِيَ بِهَا وَلَا عَنْ الشِّرْزِمَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّذِينَ سَوَّغُوهَا وَالْإِجَازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ وَتَزْدَادُ بِهَذَا التَّوَسُّعِ وَالِاسْتِرْسَالِ ضَعْفًا كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي احْتِمَالُهُ.
وَالرَّابِعُ الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ أَوْ بِالْمَجْهُولِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْت لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الدِّمَشْقِيِّ، وَقَدْ اشْتَرَكَتْ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ أَوْ يَقُولُ أَجَزْت لِفُلَانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ، وَهُوَ يَرْوِي جَمَاعَةٌ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ الْمُعَرَّفَةِ بِذَلِكَ ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ فَهَذِهِ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ لَا فَائِدَةَ لَهَا.
وَالْخَامِسُ الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي جَوَازِهِ؛ فَإِنَّ عَطْفَ الْمَعْدُومِ عَلَى الْمَوْجُودِ بِأَنْ قَالَ أَجَزْت لِفُلَانٍ وَلِمَنْ يُولَدُ لَهُ أَوْ أَجَزْت لَك وَلِوَلَدِك وَلِعَقِبِك مَا تَنَاسَلُوا كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ أُجِيزَ لِلْمَعْدُومِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى الْمَوْجُودِ فَقَدْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ فِي الرِّوَايَةِ لَا مُحَادَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ حَمَلَهُ بِالْمَجَازِ فَكَمَا لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ لِلْمَعْدُومِ لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ لَهُ وَلَوْ قَدَّرْنَا أَيْضًا أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِلْمَعْدُومِ أَيْضًا كَمَا لَا يَصِحُّ الْإِذْنُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لِلْمَعْدُومِ لِوُقُوعِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ قَالَ الْخَطِيبُ سَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ عَنْ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ فَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قَالَ فَقُلْت لَهُ إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ فَقَالَ قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا إنَّ الْإِجَازَةَ إبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ وَالْإِبَاحَةُ يَصِحُّ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ قَالَ وَعَلَى هَذَا رَأَيْنَا شُيُوخَنَا كَافَّةً يُجِيزُونَ لِلْأَطْفَالِ الْغُيَّبِ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أَسْنَائِهِمْ وَحَالِ تَمَيُّزِهِمْ وَلَمْ نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا الطِّفْلَ أَهْلًا لِتَحَمُّلِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ لِيُؤَدِّيَ بِهِ بَعْدَ حُصُولِ أَهْلِيَّتِهِ حِرْصًا عَلَى تَوْسِيعِ السَّبِيلِ إلَى بَقَاءِ الْإِسْنَادِ.
وَالسَّادِسُ: إجَازَةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ إذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إخْبَارٌ وَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْوِيَ بِالْإِجَازَةِ عَنْ شَيْخٍ إجَازَةٌ لَهُ جَمِيعُ مَسْمُوعَاتِهِ مَثَلًا أَنْ يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ شَيْخُهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَا بَعْدَهَا.
وَالسَّابِعُ: إجَازَةُ الْمُجَازِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك مُجَازَاتِي وَأَجَزْت لَك رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لِي رِوَايَتُهُ وَمَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارٌ بِامْتِنَاعِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ لِمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْمُجَازِ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالسَّمَاعِ لِمَنْ جَلَسَ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، وَهُوَ يَشْغَلُ أَيْ يَغْفُلُ عَنْهُ بِسَبَبِ نَظَرٍ فِي كِتَابٍ غَيْرَ الَّذِي يَقْرَأُ كَمَا حَكَى شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ سَيْفَ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْبَاخَرْزِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَقْرَأُ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَحْبُوبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نُسْخَةٌ عَتِيقَةٌ يَنْظُرُ فِيهِ فَاشْتَبَهَ لَفْظٌ يَوْمًا فَقِيلَ اُنْظُرُوا فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ الْعَتِيقَةِ فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ يَسْتَمِعُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ فَلَا ضَبْطَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ إلَى آخِرِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَفَاءِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيٍّ
(3/48)

قِفْ.

وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ وَجَبَ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي رِسَالَتِهِ إنَّ سَمَاعَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ وَلِمُبَاشَرَتِهِ وَاقْتِبَاسِهِ حُرْمَةٌ قَوِيَّةٌ فَلَا يُبَاشِرُ إلَّا بِالتَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَلَا يُقَدَّمُ إلَّا عَلَيْهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ وَلَقِيت مِنْ مَشَايِخِي مَنْ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ كُتُبِهِ وَالْمَوَاضِعَ الْمَعْهُودَةَ لِكُتُبِ الْحَدِيثِ إلَّا بِالطَّهَارَةِ وَلَا يَبِيتُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأَيْت مِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ الضَّحِكُ وَالْمِزَاجُ وَالِانْبِسَاطُ وَالْكَلَامُ مَثَلًا بِحَضْرَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ فَهَذَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمُرْضِيَةُ فَأَمَّا مَنْ يُجَازِفُ وَيَسْتَخِفُّ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَتَهَاوَنُ بِهِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ فَلَا كَرَامَةَ لَهُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ حَدِيثُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِمَّنْ يَكُونُ مِكْثَارًا مِهْذَارًا صَاحِبَ هَذَيَانٍ وَوُقُوعٍ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَغِيبَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا مِمَّنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حِفْظِ لِسَانِهِ مِنْ الْفُحْشِ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الْحَدِيثَ وَالْأَثَرَ مِنْ شَيْخٍ صَالِحٍ عَفِيفٍ وَقُورٍ سَكُوتٍ إلَّا عَمَّا يَعْنِيهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ مُرَاعٍ لِلْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ كَافٍّ لِلِّسَانِ عَمَّا ذَكَرْت وَيَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ مِنْ حَدِيثِهِ وَكُتُبِهِ إلَى النَّاسِ وَيَعْرِفُ صَوَابَهُ مِنْ خَطَئِهِ وَيَغْلِبُ صَوَابُهُ عَلَى خَطَئِهِ وَيُحْسِنُ مُرَاعَاةَ عَيْنِ سَمَاعِهِ وَالْمُقَابَلَةَ، وَإِذَا خَطَأَ وَنُبِّهَ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى الصَّوَابِ، وَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ مِنْ عِنْدِهِ لَا يُلِحُّ وَلَا يَدَّعِي أَنَّهُ كَذَا سَمِعَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ وَهَذَا أَمْرٌ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَمَنْ كَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْقَنُ وَأَعْرَفُ فَهُوَ أَجْبَنُ وَأَخْوَفُ وَمَنْ كَانَ فِيهِ أَجْهَلُ وَأَغْمَرُ فَهُوَ فِيهِ أَغْفَلُ وَأَجْسَرُ.
وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ اعْتِبَارَ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ الشُّرُوطِ فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمَشَايِخِهِ قَدْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلْيُعْتَبَرْ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى خِصِّيصَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَسَانِيدِ وَالْمُجَاوَزَةِ مِنْ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِهَا وَلِيَكْتَفِ فِي أَهْلِيَّةِ الشَّيْخِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِالْفِسْقِ وَالسُّخْفِ وَفِي ضَبْطِهِ بِوُجُودِ سَمَاعِهِ مُثْبَتًا بِخَطٍّ غَيْرَ مُتَّهَمٍ وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلٍ مُوَافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ وَذُكِرَ عَنْ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ أَوْ وَقَعَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ قَدْ دُوِّنَتْ وَكُتِبَتْ فِي الْجَوَامِعِ الَّتِي جَمَعَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ لِضَمَانِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ حِفْظَهَا فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَاَلَّذِي يَرْوِيهِ لَا يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِحَدِيثِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَوْلُهُ إلَّا مَا يَقَعُ عَنْ ضَرُورَةِ اسْتِثْنَاءٍ عَنْ قَوْلِهِ يَشْتَغِلُ وَيَعْرِضُ وَيَغْفُلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ الِاشْتِغَالُ بِالنَّظَرِ وَالْإِعْرَاضُ وَالْغَفْلَةُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الضَّبْطِ وَالسَّمَاعِ إلَّا مِقْدَارُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهُوَ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ جُعِلَ عَفْوًا؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ) ذَكَرَ فِي طَرَفِ السَّمَاعِ قِسْمًا آخَرَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِسْمٌ آخَرُ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُ مِنْ تَوَابِعِ السَّمَاعِ فَقَالَ: وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ أَيْ حَصَلَ إمَّا بِقِرَاءَةِ الْمُحَدِّثِ أَوْ بِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْكِتَابِ إلَيْهِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالْإِجَازَةِ أَوْ بِالْمُنَاوَلَةِ وَجَبَ حِفْظُ الْمَسْمُوعِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ السَّمَاعِ الْعَمَلُ وَالتَّبْلِيغُ وَلَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ الْحِفْظِ " وَذَلِكَ أَيْ الْحِفْظُ نَوْعَانِ أَيْضًا
(3/49)

تَامٌّ وَمَا دُونَهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ فَالْأَوَّلُ عَزِيمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَالثَّانِي رُخْصَةٌ انْقَلَبَتْ عَزِيمَةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحِفْظُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْخَطِّ وَهَذَا فَضْلٌ خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقُوَّةِ نُورِ الْقَلْبِ اسْتَغْنَى عَنْ الْخَطِّ، وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً فِي الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ لِفَقْدِ الْعِصْمَةِ مِنْ النِّسْيَانِ.

(وَهَذَا بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ) وَهَذَا يَتَّصِلُ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ بَابِ الضَّبْطِ.
وَهُوَ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ مُذَكَّرًا، وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً وَمَا يَكُونُ إمَامًا لَا يُفِيدُ تَذَكُّرُهُ، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ مُذَكَّرًا فَهُوَ حُجَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ أَوْ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النِّسْيَانِ غَيْرُ مُمْكِنٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَالسَّمَاعِ وَالتَّبْلِيغِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قِسْمَانِ تَامٌّ أَيْ كَامِلٌ وَمَا دُونَ التَّامِّ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِهِ يَعْنِي قُصُورَهُ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا قُوبِلَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً أَقْوَى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْكِتَابِ أَقْوَى مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الْحِفْظِ لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِيهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ الْمُطْلَقَةُ فَالْحِفْظُ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْخَطِّ أَيْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى كِتَابَةِ الْمَسْمُوعِ خَوْفًا مِنْ النِّسْيَانِ وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى الرُّجُوعِ إلَى كِتَابٍ لِلتَّذَكُّرِ بَلْ الْحِفْظُ مُسْتَدَامٌ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْحِفْظِ بِالْقَلْبِ غَايَةَ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحِفْظِ وَمَعْدِنُهُ، وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ أَيْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يَكْتُبُونَ الْأَخْبَارَ بَلْ يَحْفَظُونَهَا وَيَرْوُونَهَا عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا دَنَا انْقِرَاضُ عَصْرِهِمْ وَبَعُدَ زَمَانُ النُّبُوَّةِ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً أَيْ طَرِيقَةً مُرْضِيَةً فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَدِيثِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعِلْمَ حِفْظًا ثُمَّ أُبِيحَ لَهُمْ الْكِتَابُ أَيْ الْكِتَابَةُ لِمَا حَدَثَ بِهِمْ مِنْ الْكَسَلِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» أَيْ بِالْكِتَابَةِ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي جَوَازِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ فَكَرِهَهَا عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَبَاحَهَا عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْحَسَنُ وَأَنَسٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَالْحُجَّةُ لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إلَّا الْقُرْآنَ وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلِيَمْحُهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَالْحُجَّةُ لِلْفَرِيقِ الثَّانِي حَدِيثُ «أَبِي شَاهٍ الْيَمَنِيِّ فِي الْتِمَاسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ خُطْبَتِهِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ» .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ عَنْهُ لِمَنْ خَشَى عَلَيْهِ النِّسْيَانُ وَنَهَى عَنْ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مَنْ وَثِقَ بِحِفْظِهِ مُحَافَظَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْكِتَابِ أَوْ نَهَى عَنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمْ اخْتِلَاطُ ذَلِكَ بِصُحُفِ الْقُرْآنِ وَأَذِنَ فِي كِتَابَتِهِ حِينَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ لِدَرَسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ عَنْ الِانْدِرَاسِ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً.
وَقَوْلُهُ لِفَقْدِ الْعِصْمَةِ عَنْ النِّسْيَانِ تَعْلِيلٌ لِلْمَجْمُوعِ أَيْ صَيْرُورَةَ الْكِتَابَةِ سُنَّةً لِأَجْلِ الصِّيَانَةِ بِاعْتِبَارِ فَقْدِ الْعِصْمَةِ عَنْ النِّسْيَانِ بِفَوَاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَارَتْ الْكِتَابَةُ بَيَانَ الْقِسْمِ الثَّانِي.

[بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ]
وَهَذَا أَيْ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ (بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ) :
وَهُمَا وَاحِدٌ وَهَذَا أَيْ هَذَا الْقِسْمُ أَوْ هَذَا الْبَابُ يَتَّصِلُ بِبَابِ الضَّبْطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْحِفْظِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْكِتَابَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَيْ الْحَاصِلُ بِالْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ، وَهُوَ الْكِتَابُ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ مُذَكَّرًا، وَهُوَ مَا يُتَذَكَّرُ بِالنَّظَرِ فِيهِ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ فَلَا يُبَالِي بَعْدَ حُصُولِهِ بِأَنْ حَصَلَ بِالتَّفَكُّرِ أَوْ بِالنَّظَرِ فِي الْكِتَابِ وَالنِّسْيَانُ الْوَاقِعُ قَبْلَ التَّذَكُّرِ مَعْفُوٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ عَدَمِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْأَخْبَارِ وَالْأَحَادِيثِ كَيْفَ وَالنِّسْيَانُ مُرَكَّبٌ فِي الْإِنْسَانِ وَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ بَيِّنٍ وَذَلِكَ مَدْفُوعٌ وَبَعْدَ النِّسْيَانِ النَّظَرُ فِي الْكِتَابِ طَرِيقٌ لِلتَّذَكُّرِ وَعَوْدٌ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ، وَإِذَا عَادَ كَمَا كَانَ فَالرِّوَايَةُ تَكُونُ عَنْ حِفْظٍ تَامٍّ
(3/50)

وَإِنَّمَا كَانَ دَوَامُ الْحِفْظِ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ قَوْله تَعَالَى {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 7] ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ أَمَامًا لَا يَذْكُرُهُ شَيْئًا؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِمِثْلِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ لِلْعَيْنِ وَالْمِرْآةُ إذَا لَمْ تُفِدْ لِلْعَيْنِ دَرْكًا كَانَ عَدَمًا فَالْخَطُّ إذَا لَمْ يُفِدْ لِلْقَلْبِ ذِكْرًا كَانَ هَدَرًا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخَطُّ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ فِيمَا يَجِدُ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مِمَّا لَا يَذْكُرُهُ وَمَا يَكُونُ فِي السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ وَمَا يَكُونُ فِي الصُّكُوكِ وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالْخَطِّ فِي الْكُلِّ وَالْعَزِيمَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَإِنَّمَا كَانَ دَوَامُ الْحِفْظِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِالْحِفْظِ الدَّائِمِ لِقُوَّةِ نُورِ قَلْبِهِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ النِّسْيَانُ مُتَصَوَّرًا فِي حَقِّهِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 7] ، وَقَدْ «وَقَعَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَدُّدٌ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى قَالَ لِأُبَيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَلَّا ذَكَّرْتنِي» ، وَإِذَا تُصُوِّرَ فِي حَقِّهِ فَكَيْفَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَوْله تَعَالَى {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} [الأعلى: 6] أَيْ نُعَلِّمُك الْقُرْآنَ وَنَجْعَلُك قَارِئًا لَهُ فَلَا تَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَيُزِيلَ حِفْظَهُ عَنْ الْقُلُوبِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَا تَنْسَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إنْسَاءَك؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا شَاءَ ثُمَّ هُوَ لَا يُنْسِيك وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] ، وَهُوَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك لَأُعْطِيَنَّكَ كُلَّ مَا سَأَلْت إلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنْ أَمْنَعَك وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَمْنَعَهُ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إمَامًا لَا يَذْكُرُهُ شَيْئًا) بِأَنْ وَجَدَ سَمَاعًا مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ السَّمَاعَ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُجَوِّزُ الرِّوَايَةَ بِمِثْلِهِ بِحَالٍ أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْخَطِّ الَّذِي لَا يَذْكُرُ شَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابِ أَنْ يَتَذَكَّرَ إذَا نَظَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لِلْقَلْبِ كَالْمِرْآةِ لِلْعَيْنِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمِرْآةُ لِيَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ بِالْعَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَكَذَا الْخَطُّ لِلتَّذَكُّرِ بِالْقَلْبِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْخَطِّ إمَامًا أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا لَمْ يَسْتَفِدْ التَّذَكُّرَ بِهِ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْخَطِّ لَا غَيْرُ كَاعْتِمَادِ الْمُقْتَدِي عَلَى الْإِمَامِ فَكَانَ الْخَطُّ إمَامَهُ دُونَ الْحِفْظِ وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ إذَا رَوَى الرَّاوِي الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى نَهْجِهِ أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ وَتَذَكَّرَ أَلْفَاظَ قِرَاءَتِهِ وَوَقْتَهَا أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ جَازَتْ الرِّوَايَةُ وَالْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ فِي الْحَالِ بِأَنَّهُ قَرَأَ جَمِيعَ مَا فِي الْكِتَابِ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ الْكِتَابَ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ أَوْ يُجَوِّزْ الْأَمْرَيْنِ تَجْوِيزًا عَلَى السَّوِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ أَوْ ظَانٌّ أَوْ شَاكٌّ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ لِمَا فِي الْكِتَابِ وَلَا قِرَاءَتَهُ وَلَكِنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ لِمَا يَرَى مِنْ خَطِّهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَعْمَلُونَ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَحْوَ كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِنْ غَيْرِ أَنَّ رَاوِيًا رَوَى ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُمْ بَلْ عَمِلُوا لِأَجْلِ الْخَطِّ وَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَازَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخَطُّ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ) أَيْ يَتَحَقَّقُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ وَعَدَمِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِيمَا يَجِدُ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مِنْ صَحِيفَةٍ فِيهَا شَهَادَةُ شُهُودٍ لَا يَتَذَكَّرُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِذَلِكَ أَوْ سُجِّلَ بِخَطِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْحَادِثَةَ وَمَا يَكُونُ فِي الْأَحَادِيثِ كَمَا بَيَّنَّا وَمَا يَكُونُ فِي الصُّكُوكِ بِأَنْ يَرَى الشَّاهِدُ خَطَّهُ فِي صَكٍّ وَلَا يَتَذَكَّرُ الْحَادِثَةَ.
وَالْعَزِيمَةُ أَيْ الْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ وَتَنْفِيذَ الْقَضَاءِ لَا يَكُونُ
(3/51)

وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَاتُهُ وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ عَزِيمَةً وَبِلَا حِفْظٍ رُخْصَةً وَالْعَزِيمَةُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَالرُّخْصَةُ أَنْوَاعٌ مَا يَكُونُ بِخَطٍّ مُوَثَّقًا بِيَدِهِ لَا يَحْتَمِلُ تَبْدِيلًا وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ لِرَجُلٍ ثِقَةٍ مُوَثَّقٍ بِيَدِهِ وَمَا يَكُونُ بِخَطِّ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْحَدِيثِ وَالصُّكُوكِ وَدِيوَانِ الْقَاضِي، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ التَّزْوِيرِ وَعَمِلَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ إنْ كَانَ لِهَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَمْ يَحِلَّ الْعَمَلُ بِهِ فِي الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ بِالْمَظَالِمِ وَحُقُوقِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ جَائِزٌ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلَ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ وَيُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَالْمَحْفُوظُ بِيَدِ الْأَمِينِ مِثْلُ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ، وَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ اسْتِحْسَانًا تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ إذَا أَحَاطَ عِلْمًا بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يَلْحَقْهُ شَكٌّ وَشُبْهَةٌ وَالْغَلَطُ فِي الْخَطِّ نَادِرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَّا بِعِلْمٍ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ شَبَهًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا فَبِصُورَةِ الْخَطِّ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ بَلْ يَقَعُ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِالْجَدِّ فِي الْحِفْظِ فَلَا يَلْغُو اعْتِبَارُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِنِسْيَانٍ يَكُونُ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ، وَمَا فَسَدَ دِينٌ مِنْ الْأَدْيَانِ إلَّا بِالْبِنَاءِ عَلَى الصُّوَرِ دُونَ الْمَعَانِي، أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نَقْبَلُ رِوَايَةَ الْأَخْرَسِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْقُولَةٌ لِضَرْبِ شُبْهَةٍ فِيهَا يَقَعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا فَاعْتَبَرْنَاهَا وَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِهَا النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فِي حَقِّهِ.
وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَاهُ يَعْنِي مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَزِيمَةَ إلَّا أَنَّ مَا قَالَاهُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ أَيْضًا بَلْ هُوَ رُخْصَةٌ وَلِلرُّخْصَةِ مَجَالٌ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ دَوَامِ الْحِفْظِ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ التَّبْلِيغِ قَدْ سَقَطَ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ.
وَكَذَا الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ، وَالْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ فَلَمَّا كَانَ لِلرُّخْصَةِ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ أَيْ مَعَ الْحِفْظِ أَوْ لِأَجْلِ الْحِفْظِ عَزِيمَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ أَيْ صَارَتْ الْكِتَابَةُ الَّتِي عَاقِبَتُهَا الْحِفْظُ وَالتَّذَكُّرُ عَزِيمَةً الضَّمِيرُ فِي بِيَدِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ رَاجِعٌ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي بِخَطِّهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ يُوجَدُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ الَّذِي لَا يُفِيدُ تَذَكُّرًا فِي دِيوَانِ الْقَاضِي الدِّيوَانُ الْجَرِيدَةُ، مِنْ دَوَّنَ الْكُتُبَ إذَا جَمَعَهَا؛ لِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ الْقَرَاطِيسِ مَجْمُوعَةٌ وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ أَيْ رَتَّبَ الْجَرَائِدَ لِلْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَيْ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ حَادِثَةٍ، وَلِهَذَا يَكْتُبُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّسْيَانِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّحَرُّزُ عَنْ النِّسْيَانِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْكِتَابِ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ فِي قَمْطَرَةٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ أَوْ بِيَدٍ أَمِينَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ يَدٌ مُغَيِّرَةٌ وَلَا زَائِدَةٌ فِيهِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ فَجَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّذَكُّرُ وَعَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ فِي الْأَحَادِيثِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْخَطُّ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّذَكُّرِ وَالْحِفْظِ فَلَوْ شَرَطْنَا التَّذَكُّرَ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ لَا مَحَالَةَ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ أَيْ دِيوَانِ الْقَاضِي غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ أَيْ لِاتِّصَالِهِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ يَعْنِي دِيوَانَ الْقَاضِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَظَالِمِ وَهِيَ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ عِنْدَ الظَّالِمِ.
وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا مَأْمُونًا عَنْ التَّبْدِيلِ وَالْغَلَطِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَعُودُ بِتَغْيِيرِهِ نَفْعٌ إلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ فَكَانَ الْمَحْفُوظُ مِنْهُ بِيَدِ أَمِينٍ مِثْلَ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ فَيَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ؛ لِأَنَّ الصَّكَّ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ فَلَا يَحْصُلُ الشَّهَادَةُ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ الْحَادِثَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ لِوُقُوعِ
(3/52)

بَقِيَ فَصْلٌ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْخَطُّ الْمَجْهُولُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَمْنِ حِينَئِذٍ عَنْ التَّبْدِيلِ كَالسِّجِلِّ الَّذِي فِي يَدِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ فِيهَا بِالْخَطِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ يَثْبُتُ بِالْخَطِّ وَالْخَطُّ قَلَّمَا يُشْبِهُ الْخَطَّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا خَلَقَ الْأَجْسَامَ مُتَفَاوِتَةً إظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ خَلَقَ الْأَفْعَالَ كَذَلِكَ فَالْخَطُّ لَا يُشْبِهُ الْخَطَّ إلَّا نَادِرًا وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ؛ فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (بَقِيَ فَصْلٌ) يَعْنِي بَقِيَ فَصْلٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ كِتَابًا بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ إلَى آخِرِهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ وَنَوْعٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْوِجَادَةُ وَتِلْكَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا فَإِذَا احْتَاجَ إلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ سَمَاعٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ أَوْ سَمَاعِ شَيْخٍ ثِقَةٍ مَعْرُوفٍ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ سَمَاعُهُ الثَّابِتُ وَيَجِبُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ أَوْ يُورِدَهُ فِي كِتَابِهِ وَرِوَايَتِهِ يَقُولُ وَجَدْت فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ وَسَمَاعِهِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ أَوْ وَجَدْت فِي سَمَاعِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ نَفْسِهِ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَهَذَا فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ الْغَيْرِ وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا كَانَ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْكِتَابِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ كِتَابًا حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَيَقُولَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَهُنَا كَذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ أَوْ فِي كِتَابِ فُلَانٍ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ التُّهْمَةِ هَكَذَا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ الَّتِي هِيَ مَشْهُورَةٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ لَا بَأْسَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَفَهِمَ شَيْئًا مِنْهَا وَكَانَ مُتْقِنًا فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ قَالَ فُلَانٌ كَذَا أَوْ مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّهَا مُسْتَفِيضَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُوقَفُ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا مُعْتَمَدًا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّصْحِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُسْتَصْفَى إذَا رَأَى مَكْتُوبًا بِخَطِّ ثِقَةٍ أَنِّي سَمِعْت عَنْ فُلَانٍ كَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ هَذَا نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ؛ فَإِنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ، أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا خَطِّي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ كَالْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا إذَا قَالَ عَدْلٌ هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ نُسَخِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا فَرَأَى فِيهِ حَدِيثًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ وَلَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُجْتَهِدَ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ إذَا عَلِمَ صِحَّةَ النُّسْخَةِ بِقَوْلِ عَدْلٍ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ صُحُفَ الصَّدَقَاتِ إلَى الْبِلَادِ وَكَانَ الْخَلْقُ يَعْتَمِدُونَ تِلْكَ الصُّحُفَ بِشَهَادَةِ حَامِلِي الصُّحُفِ بِصِحَّتِهَا دُونَ أَنْ يَسْمَعَهَا
(3/53)

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ التَّزْوِيرُ فِي مِثْلِهِ وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ يَقَعُ بِهَا التَّعْرِيفُ فَيَكُونُ كَالْمَعْرُوفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا طَرَفُ التَّبْلِيغِ فَقِسْمَانِ أَيْضًا عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَالنَّقْلُ إلَى اللَّفْظِ يَخْتَارُهُ النَّاقِلُ.

بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا رُخْصَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَظُنُّهُ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ سُكُونَ النَّفْسِ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْوِيَ إلَّا مَا يَعْلَمُ سَمَاعَهُ أَوَّلًا وَحِفْظَهُ وَضَبْطَهُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ حَرْفٌ فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ فَلْيَتْرُكْ الرِّوَايَةَ فَإِذَا كَانَ فِي مَسْمُوعَاتِهِ مِنْ الزُّهْرِيِّ مَثَلًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَمْ لَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَلَا أَنْ يَقُولَ قَالَ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا عَنْ عِلْمٍ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ إقْرَارًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بَلْ يَقُولُ إنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ وَفِيهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ عَيْنُهُ فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ إذْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ.
وَلَوْ غَلَبَ ظَنُّهُ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ تَجُزْ الرِّوَايَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ يَجُوزُ وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُشَاهَدَةُ مُمْكِنٌ وَتَكْلِيفُ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالصِّدْقِ مُحَالٌ فَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّيْخِ وَلَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ بِالسَّمَاعِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْوَى.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ فِي طَبَقَةِ سَمَاعٍ؛ فَإِنَّ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ فِي آخِرِ مَا سَمِعُوهُ مِنْ كِتَابٍ عَلَى شَيْخٍ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ الشَّيْخِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى الشَّيْخِ فُلَانٍ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا عَلَى أَسْمَاءِ السَّامِعِينَ أَجْمَعَ فَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ مَجْهُولٍ مَضْمُومًا إلَى سَمَاعِ جَمَاعَةٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ التَّزْوِيرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ يَخَافُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَلَظَهَرَ كَذِبُهُ إذْ النِّسْيَانُ وَعَدَمُ التَّذَكُّرِ عَلَى الْجَمَاعَةِ نَادِرٌ فَيُحْتَرَزُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ مُفْرَدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةٍ مَجْهُولَةٍ بِأَنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ، وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ خُطُوطٌ أُخَرُ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْخَطُّ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِيمَا أَظُنُّ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا مَجْهُولًا مُفْرَدًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ إلَّا إذَا كَانَ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ كَثِيرَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْخُطُوطُ مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ هَاهُنَا عَلَى الزُّورِ وَالْكَذِبِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَقَدْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلَا يَحِلُّ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا فِي الْأَخْبَارِ خَاصَّةً فَأَمَّا فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ أَيْ كَتْبُ اسْمِهِ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ]
الْمُتُونُ جَمْعُ مَتْنٍ وَهُوَ مَا دُونَ الرِّيشِ مِنْ السَّهْمِ إلَى وَسَطِهِ وَاسْتُعِيرَ هَاهُنَا لِنَفْسِ الْحَدِيثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا سَمِعَ مِنْ أَحَدٍ شِعْرًا مَثَلًا ثُمَّ أَنْشَدَهُ كَمَا سَمِعَهُ يُقَالُ هَذَا شِعْرُ فُلَانٍ وَإِنْ كَانَ
(3/54)

قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ سَابِقٌ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا يَقْرَؤُهُ لَفْظُهُ حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مُحَاكِيًا وَمُطَابِقًا لِلَّفْظِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ إذَا كَانَ لَفْظُ الرَّاوِي مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُقَالُ هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَنَقَلَهُ بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَفْظُ الرَّاوِي حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَعْنَاهُ يُقَالُ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى وَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كُلِّ كَلَامٍ.
ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ أَوْلَى فَأَمَّا نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا مَعَ شَرَائِطَ أُخَرَ سَنُبَيِّنُهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِحَالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» حَثَّ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا سَمِعَ وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» حَسَّنَ وَجْهَهُ مِنْ حَدٍّ دَخَلَ وَزَادَ فِي جَاهِهِ وَقَدَّرَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَيُرْوَى نَضَّرَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ نَعَّمَهُ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي إدْرَاكِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وَلِهَذَا يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ صَادَفْنَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَتَنَبَّهُ فِي آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ لِفَوَائِدَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا أَهْلُ الْأَعْصَارِ السَّالِفَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ السَّامِعُ عَلَى جَمِيعِ فَوَائِدِ اللَّفْظِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا ذَكِيًّا مَعَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَكَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ لِسَانًا وَأَحْسَنَهَا بَيَانًا فَلَوْ جَوَّزْنَا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا حَصَلَ التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلَفْظٍ آخَرَ لَجَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِ الرَّاوِي أَيْضًا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ فِي لَفْظِ غَيْرِ الشَّارِعِ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ وَلَجَازَ ذَلِكَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ اجْتَهَدَ فِي تَطْبِيقِ التَّرْجَمَةِ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ تَفَاوُتٍ وَإِنْ قَلَّ، فَإِذَا تَوَالَتْ هَذِهِ التَّفَاوُتَاتُ كَانَ التَّفَاوُتُ الْآخِرُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الْآخِرِ مُنَاسَبَةٌ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ إنَّ عَامَّةَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَهَا نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ إذَا تَحَقَّقْتَهَا وَجَدْت كُلَّ لَفْظَةٍ مِنْهَا مُخْتَصَّةً بِشَيْءٍ لَا يُشَارِكُهَا صَاحِبَتُهَا فِيهِ فَمَنْ جَوَّزَ الْعِبَارَةَ بِبَعْضِهَا عَنْ الْبَعْضِ لَمْ يَسْلَمْ عَنْ الزَّيْغِ عَنْ الْمُرَادِ وَالذَّهَابِ عَنْهُ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِ الشَّيْخِ إيَّاهُ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ وَأَظُنُّهُ أَيْ أَظُنُّ هَذَا الْقَوْلَ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِاسْتِخْرَاجِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَالتَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ فِي قَوْلِهِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ التَّغْيِيرُ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ فِي تَجْوِيزِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي تَجْوِيزِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى الْخُصُوصِ لَا فِي تَجْوِيزِهِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ اللَّيْثِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا لَهُ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْك
(3/55)

وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ رُخْصَةً لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَذَا وَنَهَانَا عَنْ كَذَا، وَمَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَا أَوْ نَحْوًا مِنْهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ وَإِنَّمَا النَّظْمُ لِمَعْنَاهُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا وَلَا تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي الرَّشِيدِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَوْرَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ عِلْمِ الرِّوَايَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى رِوَايَتِهِمْ بَعْضَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِأَلْفَاظِهِمْ مِثْلِ مَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ أَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» الْحَدِيثَ.
وَمَا رَوَى «أَبُو مَحْذُورَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» وَمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» وَمَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» وَمَا رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ» وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً» وَمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى فَحَكَوْا مَعَانِيَ خِطَابِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى لَفْظِهِ إذْ لَمْ يَقُولُوا قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - افْعَلُوا كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلُوا كَذَا، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ أَيْضًا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ الَّذِي جَرَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَدَعَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ بَعْدَنَا أَحَدًا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُ لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا» وَرُوِيَ لَقَدْ ضَيَّقْت وَاسِعًا لَقَدْ مَنَعْتَ وَاسِعًا وَمِثْلَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً، مَكَانَ نَضَّرَ اللَّهُ وَرُوِيَ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ مَكَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ نَحْوًا مِنْهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ وَلَا دَفَعَهُمْ دَافِعٌ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا، وَبِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَخْبَارَ مَا كَانُوا يَكْتُبُونَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَمَا كَانُوا يُكَرِّرُونَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَلْ كَمَا سَمِعُوهَا تَرَكُوهَا وَمَا ذَكَرُوهَا إلَّا بَعْدَ الْأَعْصَارِ وَالسِّنِينَ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِتَعَدُّدِ رِوَايَتِهَا عَلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الشَّرْعِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ، وَإِذَا جَازَ إبْدَالُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْدَالُهَا بِعَرَبِيَّةٍ أُخْرَى أَوْلَى إذْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَتِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَمِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَفْسِيرِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْقَلْ بِلَفْظِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَوْ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِلَفْظٍ آخَرَ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ يَبْقَى حُجَّةً قُلْنَا لِأَنَّ سُفَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُبَلِّغُونَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ إلَى الْبِلَادِ بِلُغَتِهِمْ وَيُعَلِّمُونَهُمْ الشَّرْعَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ جَوَازُ التَّفْسِيرِ بِلُغَةٍ أُخْرَى لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي التَّفْسِيرِ ضَرُورَةً إذْ الْعَجَمِيُّ لَا يَفْهَمُ اللَّفْظَ الْعَرَبِيَّ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَلَا تَرَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ جَائِزٌ وَلَمْ يَجُزْ
(3/56)

وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْوَاعٌ: مَا يَكُونُ مُحْكَمًا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ، وَظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَوْ حَقِيقَةً يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، وَمُشْكِلٌ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَمُجْمَلٌ أَوْ مُتَشَابِهٌ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَا يَحْكِي مِنْ اخْتِصَاصِهِ «وَأُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ» فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ لَهُ بَصَرٌ بِوُجُوهِ اللُّغَةِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْكَمًا مُفَسَّرًا أُمِنَ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُوهِ اللُّغَةِ فَثَبَتَ النَّقْلُ رُخْصَةً وَتَيْسِيرًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ضَرْبٌ مِنْ الرُّخْصَةِ مَعَ أَنَّ النَّظْمَ مُعْجِزٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَهَذِهِ رُخْصَةُ تَخْفِيفٍ وَتَيْسِيرٍ مَعَ قِيَامِ الْأَصْلِ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ تَقْسِيمُهُ فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ إلَّا لِمَنْ حَوَى إلَى عِلْمِ اللُّغَةِ فِقْهَ الشَّرِيعَةِ (كَشْفٌ) وَالْعِلْمَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ (ثَالِثٌ) كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ مَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ الْمَنْقُولُ مِنْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ وَلَعَلَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ الْمُرَادُ وَلَعَلَّهُ يَزِيدُهُ عُمُومًا فَيُخِلُّ بِمَعَانِيهِ فِقْهًا وَشَرِيعَةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ اعْتِبَارَ النَّقْلِ بِالتَّفْسِيرِ لَا يَصِحُّ، وَبِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ كَالشَّهَادَةِ.
وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَذْكُرُ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْمَعْنَى وَهُوَ حَاصِلٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَالشَّهَادَةِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِيهَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ صَحَّ أَدَاؤُهَا بِالْمَعْنَى وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشُّهُودِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهَا مَقْصُودٌ كَالْمَعْنَى حَتَّى تَعَلَّقَ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بِالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ إلَى آخِرِهِ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا.
قَوْلُهُ (وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى. مَا يَكُونُ مُحْكَمًا لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وَضَعَ لَهُ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْكَمَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فِي ذَاتِهِ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُحْكَمَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا جَازَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا مُفَسَّرًا بِأَنْ قَالَ قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ مَكَانَ مَا رُوِيَ عَنْهُ جَلَسَ، أَوْ أَقَامَ لَفْظَ الْعِلْمِ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ الِاسْتِطَاعَةَ مَكَانَ الْقُدْرَةِ أَوْ الْحَظْرَ مَقَامَ التَّحْرِيمِ وَنَحْوِهَا. جَوَامِعُ الْكَلِمِ هِيَ الْأَلْفَاظُ الْيَسِيرَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ وَالْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ وَاخْتَصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «فُضِّلْت بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ. وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصُ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْ دُعَائِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِأُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَا أُبَيَّ أُرْسِلَ إلَيَّ أَنْ اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْت أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّرَخُّصَ الَّذِي ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رُخْصَةُ إسْقَاطٍ أَيْ رُخْصَةٌ لَازِمَةٌ وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ مِثْلُ رُخْصَةِ الْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ وَرُخْصَةِ الْمَسْحِ لِلَابِسِ الْخُفِّ فَلَمْ يَبْقَ لُزُومُ رِعَايَةِ النَّظْمِ الْمُنَزَّلِ أَوَّلًا مَشْرُوعًا وَلَمْ تَبْقَ لَهُ أَوْلَوِيَّةٌ بَلْ سَاوَى الْأَحْرُفَ الْبَاقِيَةَ فِي الْقُرْآنِيَّةِ وَإِحْرَازِ الثَّوَابِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ لَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَحْرُفِ أَصْلًا وَالْبَاقِي رُخْصَةً.
وَهَذِهِ أَيْ الرُّخْصَةُ الثَّابِتَةُ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ رُخْصَةُ تَيْسِيرٍ وَتَخْفِيفٍ حَتَّى كَانَ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ وَهُوَ النَّقْلُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ كَأَوْلَوِيَّةِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ الْإِفْطَارِ وَأَوْلَوِيَّةِ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَاهُ فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ أَيْ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (مِنْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ) بَيَانٌ لِمَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ إلَى عِبَارَةٍ لَا تَكُونُ فِي احْتِمَالِ الْخُصُوصِ وَالْمَجَازِ مِثْلِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا مِنْ الْمُؤَكِّدَاتِ مَا يَقْطَعُ احْتِمَالَ
(3/57)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَا يُخِلُّ فِيهِ النَّقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ النَّقْلُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَا يُفْهَمُ مُرَادُهُ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ وَالْمُتَشَابِهَ مَا انْسَدَّ عَلَيْنَا بَابُ دَرْكِهِ وَابْتُلِينَا بِالْكَفِّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْخَامِسُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِمَعَانٍ قَدْ يَقْصُرُ عَنْهَا عُقُولُ ذَوِي الْأَلْبَابِ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَيُعَدَّ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ هَذَا أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْخُصُوصِ إنْ كَانَتْ عَامَّةً وَالْمَجَازِ إنْ كَانَتْ حَقِيقَةً وَلَعَلَّ الْمُحْتَمَلَ هُوَ الْمُرَادُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَمُوجِبُهُ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ لَكِنْ الْمُرَادُ مِنْهُ مُحْتَمَلُهُ وَهُوَ الْخُصُوصُ إذْ الْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ لَيْسَا بِمُرَادَيْنِ مِنْهُ لِمَا عُرِفَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاقِلِ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا كُلُّ مَنْ ارْتَدَّ فَاقْتُلُوهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» فَإِنَّ مُوجِبَهُ وَحَقِيقَتَهُ نَفْيُ الْجَوَازِ وَمُحْتَمَلُهُ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ وَالْمُحْتَمَلُ هُوَ الْمُرَادُ لِدَلَائِلَ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النَّاقِلُ بِالْمَعْنَى فَقِيهًا رُبَّمَا يَنْقُلُهُ بِلَفْظٍ لَا يَبْقَى فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا لَا يَجُوزُ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُ أَيْ النَّاقِلُ يُرِيدُهُ عُمُومًا بِأَنْ يَذْكُرَ جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَقَامَ جَمْعِ الْقِلَّةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ الطَّائِفَةِ أَوْ يَذْكُرَ لَفْظَ الْجِنْسِ مَقَامَ الْعَامِّ صِفَةً وَمَعْنًى.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُشْكِلُ وَالْمُشْتَرَكُ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ إيجَادُ الطَّلَاقِ أَوْ إظْهَارُ الطَّلَاقِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَمِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» فَإِنَّ التَّفَرُّقَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ فِي الْقَوْلِ وَالْبَدَنِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ) وَهُوَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ أَيْ فِي نَقْلِهِ بِالْمَعْنَى الْغَلَطُ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِهِ فَلَا يُخِلُّ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى وَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا وَسِعَهُ كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّنَّةِ لِأَلْفَاظِهَا وَلَا يُمْكِنُ دَرْكُ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَرْكِ الْمَعَانِي فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِ اللَّفْظِ فَكُلِّفَ بِمَا كَانَ فِي وُسْعِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» أَيْ غَلَّةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى الْحَاصِلَةُ قَبْلَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ طَيِّبَةٌ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الرَّدِّ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ كَذَا فِي لَبَاتَ الْغَرْبِيِّينَ.
وَفِي الْفَائِقِ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خَرَاجُهُ فَخَرَاجُ الشَّجَرِ ثَمَرُهُ، وَخَرَاجُ الْحَيَوَانِ دَرُّهُ وَنَسْلُهُ.
قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْغُرْمُ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ» «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ ظَاهِرَةَ الْمَعْنَى يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ كَمَا يَجُوزُ نَقْلُ سَائِرِ الظَّوَاهِرِ وَلَكِنْ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِعِلْمِ اللُّغَةِ وَفِقْهِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِي نَقْلِهِ عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ يُخِلُّ بِمَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّ هَذَا أَيْ عَدَمَ الْجَوَازِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْكَلَامِ أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا النَّظْمِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» أَيْ خُصِّصْت بِهَا فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ بَعْدَهُ عَلَى مَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ وَلَكِنْ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ وَفِي وُسْعِهِ نَقْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا إلَى غَيْرِهِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ بِيَقِينٍ، وَإِذَا نَقَلَهُ إلَى عِبَارَتِهِ لَمْ نَأْمَنْ الْقُصُورَ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ بِهِ وَنَتَيَقَّنُ بِالْقُصُورِ فِي النَّظْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ هُوَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا
(3/58)

(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى)
وَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: مَا هُوَ صِدْقٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَهُوَ خَبَرُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَوَاتِرُ مِنْهُ، وَقِسْمٌ فِيهِ شُبْهَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ تَرْجِيحُ جَانِبِ صِدْقِهِ وَهُوَ مَا مَرَّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ عَارَضَ دَلِيلَ رُجْحَانِ الصِّدْقِ مِنْهُ مَا أَوْجَبَ وَقْفَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَسْقُطُ بِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ الْخَبَرُ الْمَطْعُونُ الَّذِي رَدَّهُ السَّلَفُ وَأَنْكَرُوهُ وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَحِقَهُ الطَّعْنُ وَالنَّكِيرُ مِنْ رَاوِي الْحَدِيثِ وَنَوْعٌ آخَرُ مَا لَحِقَهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الرَّاوِي.

وَهَذَا (بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي)
وَهَذَا النَّوْعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا أَنْكَرَهُ صَرِيحًا، وَالثَّانِي أَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ أَوْ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُ تَارِيخَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا سَمِعَهَا.
وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا إنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ؛ لِأَنَّا لَمْ نُجَوِّزْ النَّقْلَ فِي الْجَوَامِعِ وَلَا فِيمَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ إنَّمَا جَوَّزْنَاهُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَالِمًا بِأَوْضَاعِ الْكَلَامِ أَوْ فِيمَا لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ جَامِعًا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُؤْمَنُ فِيهِ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ عَادَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا تَمَسُّك لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَمَا سَمِعَ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلَى نَقْلِ الْمَعْنَى أَيْضًا فَإِنَّ الشَّاهِدَ أَوْ الْمُتَرْجِمَ إذَا أَدَّى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ يُقَالُ إنَّهُ أَدَّى كَمَا سَمِعَ وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّأْدِيَةَ حَسَبَ مَا سَمِعَ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِرُجُوعِ الضَّمَائِرِ إلَى الْمُقَابَلَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْمَنْعِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِمَنْ حَفِظَ اللَّفْظَ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَرْغُوبٌ فِيهِ لَا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى]
(بَابُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى) قُسِّمَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ بَابِ بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَاهُ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَشَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّقْسِيمُ رَاجِعًا إلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهَا فِي الْقُوَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى إذْ الْمُتَوَاتِرُ وَالْمَشْهُورُ وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى سَوَاءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُوَّةَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَا صُورِيٌّ.
قَوْلُهُ (وَقِسْمٌ مُحْتَمَلٌ عَارَضَ دَلِيلَ رُجْحَانِ الصِّدْقِ مِنْهُ مَا أَوْجَبَ وَقْفَهُ) أَيْ عَارَضَ كَوْنَهُ حُجَّةً مُوجِبَةً لِلْعَمَلِ مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ حُجَّةٍ وَيَمْنَعُهُ عَنْ إيجَابِ الْعَمَلِ وَيَجِبُ فِيهِ التَّوَقُّفُ مِثْلُ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَنَحْوِهِ

[بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي]
(بَابُ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ قِبَلِ رَاوِيهِ)
النَّكِيرُ اسْمٌ لِلْإِنْكَارِ أَيْ يَلْحَقُهُ إنْكَارٌ مِنْ قِبَلِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَيُسَمَّى رَاوِيًا بِاعْتِبَارِ نَقْلِهِ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ عَنْ غَيْرِهِ وَمِنْ قِبَلِ عَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ نَقْلِ السَّامِعِ عَنْهُ، وَفِي الصِّحَاحِ النَّكِيرُ وَالْإِنْكَارُ تَغَيُّرُ الْمُنْكَرِ فَكَأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ بِالطَّعْنِ وَالتَّكْذِيبِ يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الرَّاوِي عَلَى زَعْمِهِ قَوْلُهُ (أَمَّا إذَا أَنْكَرَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ الرِّوَايَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ) ذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَمَّا إنْ أَنْكَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ إنْكَارَ جَاحِدٍ مُكَذِّبٍ بِأَنْ قَالَ مَا رَوَيْتُ لَك هَذَا الْحَدِيثَ قَطُّ أَوْ كَذَبْت عَلَيَّ أَوْ أَنْكَرَهُ إنْكَارَ مُتَوَقِّفٍ بِأَنْ قَالَ لَا أَذْكُرُ أَنِّي رَوَيْت لَك هَذَا الْحَدِيثَ أَوْ لَا أَعْرِفُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَذِبِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْقَدْحِ فِي الْحَدِيثِ وَلَكِنْ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِمَا لِلتَّيَقُّنِ بِعَدَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ وَوُقُوعِ الشَّكِّ فِي زَوَالِهَا فَلَا يُتْرَكُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ كَبَيِّنَتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلَا وَلَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُمَا وَفَائِدَتُهُ
(3/59)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْضَ مَا احْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ مِنْ تَأْوِيلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ. أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ الرِّوَايَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَسْقُطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَسْقُطُ وَهُوَ فَرْعُ اخْتِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تُقْبَلُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُقْبَلُ.
أَمَّا مَنْ قَبِلَهُ فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ حَيْثُ قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَا نَعَمْ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَذْكُرْ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِتَحْمِيلِ الْأُصُولِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ بِإِنْكَارِهِمْ، وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ» فَلَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ مَعَ عَدَالَتِهِ وَفَضْلِهِ وَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ فَتَكْذِيبُ الرَّاوِي - وَعَلَيْهِ مَدَارُهُ - أَوْلَى، وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَكَرَهُ فَعَمِلَ بِذِكْرِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ فَمَا كَانَ يُقِرُّ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَظْهَرُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْخَبَرِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ، وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ إذَا جَحَدَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَكَذَّبَ بِالْحَدِيثِ سَقَطَ الْحَدِيثُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَأَقُولُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَسْقُطَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ.
وَإِنْ قَالَ مَا رَوَيْتُهُ أَصْلًا فَيُعَارِضُهُ قَوْلُ الرَّاوِي إنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثِقَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ رَوَاهُ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَا يَسْقُطُ رِوَايَةُ الرَّاوِي بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَسْقُطُ بِهِ كَمَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُنْكِرْ، وَمَا قِيلَ إنَّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ عُلَمَائِنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْخَبَرُ بِإِنْكَارِ رَاوِي الْأَصْلِ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زَوْجَ الْمُعْتَدَّةِ لَوْ قَالَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الْإِخْبَارَ فَعِنْدَنَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَ إنْكَارِهَا حَتَّى يَحِلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ إلَّا فِي حَقِّهَا حَتَّى حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ لَهُ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا فِي الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَا لِاتِّصَالِ الْخَبَرِ بِهَا وَإِسْنَادِهِ إلَيْهَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يُضِفْ الْخَبَرَ إلَيْهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَبْلَهُ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَا نَعَمْ فَقَامَ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ حَدِيثَهُ حَتَّى عَمِلَ بِقَوْلِ النَّاسِ أَوْ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ بَعْدَ الرَّدِّ لَمَا عَمِلَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَكَذَا ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَظُنُّهَا لِلشَّيْخِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ اسْمُ ذِي الْيَدَيْنِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ نَضْلَةَ وَقِيلَ اسْمُهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ ذُو الشِّمَالَيْنِ الَّذِي اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ وَاسْمُ ذُو الْيَدَيْنِ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، وَقَالَ الْقُتَبِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَقِيلَ لَقَبُهُ الْخِرْبَاقُ، وَبِأَنَّ حَالَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمَلَةٌ فَإِنَّ حَالَ الْمُدَّعِي يَحْتَمِلُ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ وَحَالَ الْمُنْكِرِ يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ وَالْغَفْلَةَ إذْ النِّسْيَانُ قَدْ يَرْوِي شَيْئًا لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَنْسَى بَعْدَ مُدَّةٍ فَلَا يَتَذَكَّرُهُ أَصْلًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ ثِقَةٌ فَكَانَ مُصَدَّقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَبْطُلُ مَا تَرَجَّحَ مِنْ جِهَةِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِ الرَّاوِي بِعَدَالَتِهِ بِنِسْيَانِ الْآخَرِ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ فَحَلَّ لِلرَّاوِي الرِّوَايَةُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ إذَا أَنْكَرَ لَا يَحِلُّ لِلْفَرْعِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّحْمِيلِ فَإِذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّحْمِيلُ وَبَقِيَ الْعِلْمُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ فَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمَاعِ دُونَ التَّحْمِيلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْحَدِيثَ
(3/60)

الْخَطَأِ، وَالْحَاكِي يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ بِأَنْ سَمِعَ غَيْرَهُ فَنَسِيَهُ وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَلَمْ يَحْمِلْهُ الْمُحَدِّثُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِسَمَاعِهِ حَلَّ لِلسَّامِعِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَالْمُدَّعِي مُصَدَّقٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بَقِيَ السَّمَاعُ فَحَلَّ لَهُ الرِّوَايَةُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ - أَمَا تَذْكُرُ إذْ كُنَّا فِي إبِلٍ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ أَيْ تَمَرَّغْت فَصَلَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «إنَّمَا يَكْفِيَك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَك وَذِرَاعَيْك» فَلَمْ يَرْفَعْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأْسَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ رِوَايَتَهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ شُهُودٌ الْحَادِثَةَ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ هُوَ مَا رَوَاهُ وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِأَنَّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ يُرَدُّ الْحَدِيثُ بِأَنْ كَانَ الْخَبَرُ غَرِيبًا فِي حَادِثَةٍ مَشْهُورَةٍ فَبِتَكْذِيبِ الرَّاوِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُ أَدَلُّ عَلَى الْوَهْنِ مِنْ تَكْذِيبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَكْذِيبٌ صَرِيحًا وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ رَاجِحٌ عَلَى الدَّلَالَةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً وَمَعْمُولًا بِهِ بِالِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِإِنْكَارِ الرَّاوِي يَنْقَطِعُ الِاتِّصَالُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ أَوْ يَصِيرُ هُوَ مُنَاقِضًا بِإِنْكَارِهِ وَمَعَ التَّنَاقُضِ لَا تَثْبُتُ الرِّوَايَةُ وَبِدُونِ الرِّوَايَةِ لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَبِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ مُغَفَّلًا وَرِوَايَةُ الْمُغَفَّلِ لَا تُقْبَلُ، وَبِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَحِلُّ لِلرَّاوِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ لِتَحَقُّقِ الِانْقِطَاعِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِتَكْذِيبِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ الشَّفْعَ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عَنْ التَّقْرِيرِ عَلَى الْخَطَأِ يُعْمَلُ بِعِلْمِهِ لَا بِإِخْبَارِ أَحَدٍ.
أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِمَا لَكَانَ هَذَا تَقْلِيدًا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَذَكَّرْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ تَقْلِيدًا وَتَقْلِيدُهُ لِلْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ تَذَكَّرَ غَفْلَتَهُ عَنْ حَالِهِ لِشَغْلِ.
قَلْبٍ اعْتَرَضَ فَيُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْخَبَرِ إنَّ رَاوِيَ الْأَصْلِ يَنْظُرُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى غَلَبَةِ نِسْيَانٍ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فِي مَحْفُوظَاتِهِ قَبْلَ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رَدَّهُ وَقَلَّمَا يَنْسَى الْإِنْسَانُ شَيْئًا ضَبَطَهُ نِسْيَانًا لَا يَتَذَكَّرُ بِالتَّذْكِيرِ وَالْأُمُورُ تُبْنَى عَلَى الظَّوَاهِرِ لَا عَلَى النَّوَادِرِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ قَوْلُهُ (وَالْحَاكِي يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ النِّسْيَانُ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ يَعْنِي كَمَا يُتَوَهَّمُ نِسْيَانُ الْأَصْلِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ يُتَوَهَّمُ نِسْيَانُ الْفَرْعِ وَغَلَطُهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَعُ حَدِيثًا فَيَحْفَظُهُ وَلَا يَحْفَظُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ فُلَانٍ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَثْبُتُ الْمُعَارَضَةُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الِاحْتِمَالِ فَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا يَعْلَمُ بِسَمَاعِهِ عَنْ أَمْرِ يَقِينٍ يَعْلَمُ بِتَرْكِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ سَبَبِ يَقِينٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ أَيْضًا، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَ إنْكَارُ الْأَصْلِ إنْكَارَ جُحُودٍ وَالْخُصُومُ قَدْ سَلَّمُوا فِيهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ إنْكَارُهُ إنْكَارَ مُتَوَقِّفٍ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ عَدْلٌ جَازِمٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَدْرِي فَلَا يَكُونُ الِاحْتِمَالُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُ الِاحْتِمَالِ
(3/61)

السَّوَاءِ وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ أَنَّ سُهَيْلًا سُئِلَ عَنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَكَانَ يَقُولُ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي وَمِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا نِكَاحُهَا بَاطِلٌ» رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَلَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَنْكَرَ مَسَائِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ حَكَاهَا عَنْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَذْكُرْ وَصَحَّحَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الْأَصْلِ بَلْ الِاحْتِمَالُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ فَوَجَبَ قَبُولُ رِوَايَةِ الْفَرْعِ حِينَئِذٍ لِحُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ وَسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَاوِيَ الْفَرْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا بِالرِّوَايَةِ أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ جَازِمًا فَالْأَصْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا بِالْإِنْكَارِ أَوْ لَا يَكُونَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَعَارَضَا فَلَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ أَنِّي رَوَيْتُهُ أَوْ الْأَغْلَبُ أَنِّي مَا رَوَيْته أَوْ الْأَمْرَانِ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ لَا يَقُولَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَقْبُولًا فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لِكَوْنِ الْفَرْعِ جَازِمًا، وَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ غَيْرَ جَازِمٍ بَلْ يَقُولُ أَظُنُّ أَنِّي سَمِعْته مِنْكَ فَإِنْ جَزَمَ الْأَصْلُ أَبَى مَا رَوَيْته لَك تَعَيَّنَ الرَّدُّ، وَإِنْ قَالَ أَظُنُّ أَنِّي مَا رَوَيْته لَك تَعَارَضَا وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَى سَائِرِ الْأَقْسَامِ فَالْأَشْبَهُ قَبُولُهُ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَوْلُ الْأَصْلِ مُعَادِلًا لِقَوْلِ الْفَرْعِ تَعَارَضَا، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الرَّاجِحُ قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ حَدِيثُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» فَإِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ قَالَ لَقِيت سُهَيْلًا فَسَأَلْته عَنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي، فَأَصْحَابُنَا لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ لِانْقِطَاعِهِ بِإِنْكَارِ سُهَيْلٍ وَتَمَسَّك بِهِ بَعْضُ مَنْ قَبِلَ هَذَا النَّوْعَ فَقَالَ لَمَّا قَالَ سُهَيْلٌ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي وَشَاعَ وَذَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ بَعْدَ النِّسْيَانِ حَدَّثَنِي الْفَرْعُ عَنِّي وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا جَوَازَهُ.
1 -
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ) رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِنَذْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» الْحَدِيثَ. فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ ابْنَ شِهَابٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ كَذَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَلَمَّا رَدَّهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى الْقَاضِي يَقْضِيه وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفَاقِ قَوْلِهِمَا إلَى أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ لِأَحَادِيثَ أُخَرَ وَرَدَ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا» .
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعٌ فَهُوَ سِفَاحٌ خَاطِبٌ وَوَلِيٌّ وَشَاهِدَا عَدْلٍ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَنَحْوُهَا إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ عِنْدَهُمَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا لِمُعَارَضَتِهَا بِأَحَادِيثَ أُخَرَ مِثْلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا بِرِضَاهَا فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهُمَا فَخَاصَمُوهَا إلَى عَلِيٍّ فَأَجَازَ النِّكَاحَ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ
(3/62)

وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ رِوَايَتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ لَمْ يَكُنْ جَرْحًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالْحَدِيثِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِ، وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ مِمَّا هُوَ خِلَافٌ بِيَقِينٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَرْحٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا فَقَدْ سَقَطَ بِهِ رِوَايَتُهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْأَسْرَارِ وَشَرْحِ الْآثَارِ وَالْمَبْسُوطِ، وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ نَقْلًا عَنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ سَيْفِ الْحَقِّ وَالدِّينِ الْبَاخَرْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَدَارَ حَدِيثِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الدِّمَشْقِيِّ صَاحِبِ الْمَنَاكِيرِ ضَعَّفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، ثُمَّ السُّؤَالُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الِالْتِمَاسِ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْهِ بِنَفْسِهِ يُقَالُ سَأَلْتُهُ الرَّغِيفَ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْسَارِ يَتَعَدَّى إلَى الْأَوَّلِ بِنَفْسِهِ وَإِلَى الثَّانِي بِعَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} [طه: 105] ، {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} [الأعراف: 163] فَعَرَفْت بِهَذَا أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ فِي قَوْلِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهَا وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَسَأَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا وَجْهَ لَهُ بَلْ الصَّوَابُ وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ إنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْأَحَادِيثِ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ يَتَوَقَّعُ مِنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ كِتَابًا فَصَنَّفَ مُحَمَّدٌ كِتَابَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَسْنَدَهُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِوَاسِطَةِ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَلَمَّا عُرِضَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ اسْتَحْسَنَهُ.
وَقَالَ حَفِظَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَّا مَسَائِلَ خَطَّأَهُ فِي رِوَايَتِهَا عَنْهُ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُحَمَّدًا قَالَ بَلْ حَفِظْتُهَا وَنَسِيَ هُوَ فَلَمْ يَقْبَلْ أَبُو يُوسُفَ شَهَادَةَ مُحَمَّدٍ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى إخْبَارِهِ عَنْهُ، وَصَحَّحَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ أَيْ أَصَرَّ عَلَى مَا رُوِيَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ بِإِنْكَارِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَسْقُطُ الْخَبَرُ بِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فَقِيلَ هِيَ ثَلَاثٌ وَقِيلَ هِيَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ سِتٌّ وَالِاخْتِلَافُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْعَرَضِ وَجَمِيعُهَا مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ) عَمَلُ الرَّاوِي بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَوْ فَتْوَاهُ بِخِلَافِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ، أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ الرِّوَايَةِ، أَوْ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا بِيَقِينٍ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ الْخَبَرِ بِوَجْهٍ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ جَرْحًا فِي الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَذْهَبُهُ وَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ الْخِلَافَ بِالْحَدِيثِ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ مُعْتَقِدِينَ إبَاحَتَهَا فَلَمَّا بَلَغَهُمْ انْتَهَوْا عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} [المائدة: 93] الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ أَوْ الْفَتْوَى مِنْهُ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَذَلِكَ خِلَافُ يَقِينٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْ الْخِلَافَ جَرْحٌ فِيهِ أَيْ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ خِلَافَهُ إنْ كَانَ حَقًّا بِأَنْ خَالَفَ لِلْوُقُوفِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ، فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ أَوْ مَا هُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ سَاقِطُ الْعَمَلِ وَالِاعْتِبَارِ.
وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا بِأَنْ خَالَفَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَالتَّهَاوُنِ بِالْحَدِيثِ أَوْ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَقَدْ سَقَطَتْ بِهِ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَكَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُغَفَّلًا وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الرِّوَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا صَارَ فَاسِقًا بِالْخِلَافِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي قَبُولِ مَا رُوِيَ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ الرِّوَايَةِ، قُلْنَا قَدْ بَلَغَ الْحَدِيثُ إلَيْنَا
(3/63)

- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَهُوَ بَاطِلٌ» ثُمَّ إنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَائِبٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ سَقَطَ بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَمَا ثَبَتَ فِسْقُهُ وَلَا بُدَّ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا رَوَاهُ فِي الْحِلِّ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ فَإِذَا لَمْ يُحْتَرَزْ ظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إسْقَاطُ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَوْتِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ كَانَا ثَابِتَيْنِ قَطْعًا فَلَا يُظْهِرُ الْمَوْتُ وَالْجُنُونُ عَدَمَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ أَيْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَيْهِ وَالرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِلَافُ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ إلَيْهِ كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ قَوْلُهُ.
(وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُنْذِرَ بْنَ زُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ كَانَ غَائِبًا بِالشَّامِ فَلَمَّا قَدِمَ غَضِبَ، وَقَالَ أَمِثْلِي يُصْنَعُ بِهِ هَذَا وَيُفْتَاتُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَوَتَرْغَبُ عَنْ الْمُنْذِرِ ثُمَّ قَالَتْ لِلْمُنْذِرِ لَتُمَلِّكَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهَا فَقَالَ الْمُنْذِرُ إنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا كُنْت أَرُدُّ أَمْرًا قَضَيْتِيهِ فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَهُ فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ تَزْوِيجَهَا بِنْتَ أَخِيهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَائِزٌ وَرَأَتْ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُسْتَقِيمًا حَتَّى أَجَازَتْ فِيهِ التَّمْلِيكَ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ تَرَى ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ مَا رَوَتْ فَثَبَتَ فَسَادُ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ الْآثَارِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ فَلَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ جَوَّزَتْ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا انْعَقَدَ بِعِبَارَةِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنْ النِّسَاءِ فَلَأَنْ يَنْعَقِدَ بِعِبَارَتِهَا أَوْلَى فَيَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ بِخِلَافِ مَا رَوَتْ، أَوْ يُقَالُ لَمَّا أَنْكَحَتْ فَقَدْ اعْتَقَدَتْ جَوَازَ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ النِّكَاحَ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ مَلَكَ النِّكَاحَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ) رَوَى جَابِرٌ عَنْ «سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَحِينَ رَكَعَ وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَأَلَهُ جَابِرٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَقَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ» ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ مُجَاهِدٌ صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَعَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ نَسْخِهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرَ مُجَاهِدٌ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرَ طَاوُسٌ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُ مَا يُوَافِقُ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قُلْنَا يَجُوزُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ طَاوُسٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنَسْخِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدَمَا عَلِمَ بِهِ وَفَعَلَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ وَيُنْفَى عَنْهُمْ الْوَهْمُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ أَكْبَرُ
(3/64)

وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ فَرُدَّ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْجَرْحُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَلَامِ لُغَةً لَا يَبْطُلُ بِتَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَحَمْلُهُ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ افْتِرَاقَ الْأَقْوَالِ وَهُوَ مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالِاشْتِرَاكُ لُغَةً لَا يَسْقُطُ بِتَأْوِيلِهِ وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُتْرَكُ عُمُومُ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ وَتَخْصِيصِهِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ حَرَامٌ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الرِّوَايَاتِ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ) أَيْ مُحْتَمَلَاتِ الْحَدِيثِ بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فَعَمِلَ بِخُصُوصِهِ دُونَ عُمُومِهِ أَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ بِمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ فَعَمِلَ بِأَحَدِ وُجُوهِهِ فَذَلِكَ رَدٌّ مِنْهُ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا أَيْ بِعَمَلِ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَتَعْيِينِهِ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْحَدِيثُ وَبِتَأْوِيلِهِ لَا يَتَغَيَّرُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَاحْتِمَالُهُ لِلْمَعَانِي لُغَةً وَتَأْوِيلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَكُونُ اجْتِهَادُهُ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّأَمُّلُ وَالنَّظَرُ فِيهِ فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ وَجْهٌ وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ، وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي عَمِلَ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا وَقَعَ التَّفَرُّقُ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا قَالَ بِعْتُ وَالْمُشْتَرِي إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ فَقَدْ تَفَرَّقَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَانْقَطَعَ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِيَارِ إبْطَالِ كَلَامِهِ بِالرُّجُوعِ وَإِبْطَالِ كَلَامِ صَاحِبِهِ بِالرَّدِّ وَعَدَمِ الْقَبُولِ.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَيَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ بِعْتُ عَبْدِي بِكَذَا فَلِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَقْبَلَ مَا لَمْ يُفَارِقْ صَاحِبَهُ فَإِذَا افْتَرَقَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالثَّانِي ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا بَدَنًا فَإِذَا تَفَرَّقَا سَقَطَ الْخِيَارُ وَيُسَمَّى ذَلِكَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ رَاوِيهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، وَلِهَذَا كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا وَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ قَامَ يَمْشِي ثُمَّ يَرْجِعُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي احْتِمَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا لَفْظًا فَلَا يَبْطُلُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِتَأْوِيلِهِ وَكَانَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ بِمَا اتَّضَحَ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» أَيْ دِينَ الْحَقِّ فَكَلِمَةُ مَنْ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَقَدْ خَصَّهُ الرَّاوِي بِالرِّجَالِ عَلَى مَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، فَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُوَافِقُنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَنَا فِي حَدِيثِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَأَثْبَتَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ لَا لِتَأْوِيلِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا خَصَصْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِالرِّجَالِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُرْتَدَّةِ وَغَيْرِهَا لَا لِتَخْصِيصِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هَذَا الْحَدِيثَ بِالرِّجَالِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ مِثْلُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَرَامٌ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخِلَافِهِ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ هُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِالْعَمَلِ بِمَا يُوجِبُهُ الْحَدِيثُ وَلَا بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ كَانَ هَذَا امْتِنَاعًا عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ كَانَ هَذَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ إلَّا أَنَّ كِلَيْهِمَا فِي التَّحْقِيقِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ
(3/65)

(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ) وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الطَّعْنِ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَقِسْمٌ مِنْهُ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَمَا يَلْحَقُهُ مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَقَعَ الطَّعْنُ مُبْهَمًا بِلَا تَفْسِيرٍ أَوْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِسَبَبِ الْجَرْحِ فَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِمَّا يَصْلُحُ الْجَرْحُ بِهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ فَإِنْ صَلَحَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُجْتَهَدًا فِي كَوْنِهِ جَرْحًا أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّاعِنُ مَوْصُوفًا بِالْإِتْقَانِ وَالنَّصِيحَةِ أَوْ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْعَدَاوَةِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فَقَدْ حَلَفَ عُمَرُ أَنْ لَا يَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ مِنْ خَطِّ الْأَئِمَّةِ وَمَبْنَاهُ عَلَى الشُّهْرَةِ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَلَوْ صَحَّ لَمَا خَفِيَ وَهَذَا لِأَنَّا تَلَقَّيْنَا الدِّينَ مِنْهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِسَاخِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّرْكَ فِعْلٌ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِفِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْخِلَافِ أَيْضًا، وَلِهَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرْكَ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْعَمَلَ بِحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقَبِيلَيْنِ.
وَرَأَيْت فِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ إذَا خَصَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ لِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْمَصِيرُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ التَّمَسُّكَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الرَّاوِي إذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْ الظَّاهِرِ حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِنْ حَدِيثِ الِافْتِرَاقِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ عَلِمَ قَصْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ضَرُورَةً وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّاوِي وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ جَلِيٍّ لَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ وَتَأْوِيلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلٍ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ مُجْمَلًا وَبَيَّنَهُ الرَّاوِي فَإِنَّ بَيَانَهُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ الْحَدِيثَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ]
(بَابُ الطَّعْنِ يَلْحَقُ لِلْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ غَيْرِ رَاوِيهِ)
قَوْلُهُ (إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ يَكُونُ الْحَدِيثُ الَّذِي طَعَنَ فِيهِ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَنْ الطَّاعِنِ أَمْ لَا، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَلْحَقُهُ النَّكِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا لَحِقَهُ طَعْنٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَمِثْلُ مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» أَيْ حَدُّ زِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَجَعَلَ النَّفْيَ إلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الزَّانِي مُدَّةُ السَّفَرِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَلَمْ يَعْمَلْ عُلَمَاؤُنَا بِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ مُرْتَدًّا فَحَلَفَ، وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَحَدًا أَبَدًا فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا حَلَفَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُتْرَكُ بِالِارْتِدَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ السِّيَاسَةِ
وَالْمَصْلَحَةِ
كَمَا «نَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبِيتَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الْمَدِينَةِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّخَنُّثَ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ حَدًّا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَمَا نَفَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ مِنْهَا حِينَ سَمِعَ قَائِلَةً تَقُولُ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبُهَا ... أَوْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
، وَالْجَمَالُ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ وَلَكِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
فَإِنْ قَالَ مَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَا ذَنْبَ لَك إنَّمَا الذَّنْبُ لِي حَيْثُ لَمْ أُطَهِّرْ دَارَ الْهِجْرَةِ عَنْك، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا لَمَا سَمَّاهُ فِتْنَةً، وَهَذَا أَيْ خُرُوجُ الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ حُجَّةً بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ
(3/66)

وَكَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ الْقِسْمَةِ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ عُلِمَ أَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ تَكُنْ حَتْمًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ هُمْ شَهِدُوا بِهَا وَهُمْ نُهُوا عَنْهَا وَمَا عَنْ رَأْيِهِمْ رَغْبَةٌ وَلَا فِي نُصْحِهِمْ تُهْمَةٌ، فَإِنْ قِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَعْمَلْ بِأَخْذِ الرَّكْبِ بَلْ عَمِلَ بِالتَّطْبِيقِ وَلَمْ يُوجِبْ جَرْحًا قُلْنَا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْوَضْعَ لَكِنَّهُ رَأَى رُخْصَةً وَرَأَى التَّطْبِيقَ عَزِيمَةً وَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى إلَّا أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ عِنْدَنَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الصَّحَابَةِ بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ؛ لِأَنَّا تَلَقَّيْنَا الدِّينَ مِنْهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ مُخَالَفَةُ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالٍ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِيهِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ عَلِمَ انْتِسَاخَهُ أَوْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَمْ يَجِبْ حَتْمًا.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَمَّا امْتَنَعَ عُمَرُ) إذَا فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً عَنْوَةً وَقَهْرًا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَرِقَّاءَ وَيُقَسِّمَهُمْ وَأَرَاضِيِهِمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَهُ أَنْ يَدَعَهُمْ أَحْرَارًا يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَيَتْرُكَ الْأَرَاضِي عَلَيْهِمْ بِالْخَرَاجِ وَلَا يَقْسِمَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ ذَلِكَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ خَيْبَرَ حِينَ فَتَحَهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ» وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فَتَحَهَا، وَلِعُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا فَتَحَ السَّوَادَ قَهْرًا وَعَنْوَةً مَنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ فِي رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ فِي أَرَاضِيِهِمْ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ قِسْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ وَغَيْرَهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ حِينَ افْتَتَحَهَا عَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا حَتْمًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا فِي الْغَنَائِمِ إذْ لَوْ كَانَ حَتْمًا لَمَا امْتَنَعَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ مِرَارًا ثُمَّ جَمَعَهُمْ فَقَالَ أَمَّا إنِّي لَوْ تَلَوْت مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتَغْنَيْت بِهَا عَنْكُمْ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [الحشر: 7] إلَى قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] ثُمَّ قَالَ أَرَى لِمَنْ بَعْدَكُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ نَصِيبًا وَلَوْ قَسَمْتهَا بَيْنَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِمَا بَعْدَكُمْ نَصِيبٌ فَمَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ وَجَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ لِقِلَّةِ بَصَرِهِمْ بِفِقْهِ الْآيَةِ فَقَدْ كَانُوا أَصْحَابَ الظَّوَاهِرِ دُونَ الْمَعْنَى فَلَمْ يُعْتَبَرْ خِلَافُهُمْ مَعَ إجْمَاعِ أَهْلِ الْفِقْهِ مِنْهُمْ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ أَيْ مَاتُوا جَمِيعًا، التَّطْبِيقُ أَنْ يَضُمَّ الْمُصَلِّي إحْدَى الْكَفَّيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي السُّؤَالِ لَمْ يُعْمَلْ بِأَخْذِ الرُّكَبَ أَيْ بِحَدِيثِ أَخْذِ الرُّكَبِ وَذَكَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْوَضْعَ وَلَمْ يَقُلْ لَمْ يُنْكِرْ الْأَخْذَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأَخْذُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «سَنَنْتُ لَكُمْ الرُّكَبُ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ» .
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «يَا مَعْشَرَ النَّاسِ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْوَضْعُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ» .
وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا كَمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا» لَكِنَّهُ رَآهُ أَيْ رَأَى الْوَضْعَ أَوْ الْأَخْذَ رُخْصَةً أَيْ رُخْصَةَ تَرْفِيهٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْحَقُهُمْ الْمَشَقَّةُ فِي التَّطْبِيقِ مَعَ طُولِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ السُّقُوطَ عَلَى الْأَرْضِ فَأُمِرُوا بِالْأَخْذِ بِالرُّكَبِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ كَرُخْصَةِ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ لَا تَعْيِينًا عَلَيْهِمْ بِالْأَخْذِ بِالرُّكَبِ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْوَضْعَ أَوْ الْأَخْذَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ عِنْدَنَا كَرُخْصَةِ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَلَمْ تَبْقَ الْعَزِيمَةُ وَهُوَ
(3/67)

وَمِثَالُ الْقِسْمِ الْآخَرِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ تَكُنْ جَرْحًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَاحْتَمَلَ الْخَفَاءَ، وَأَمَّا الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَلَا يُقْبَلُ مُجْمَلًا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَةٌ خُصُوصًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى فَلَوْ وَجَبَ الرَّدُّ بِمُطْلَقِ الطَّعْنِ لَبَطَلَتْ السُّنَنُ أَلَا يُرَى أَنَّ شَهَادَةَ الْحُكْمِ أَضْيَقُ مِنْ هَذَا وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مِنْ الْمُزَكِّي الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ فَهَذَا أَوْلَى، وَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا لَمْ يُقْبَلْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّطْبِيقُ مَشْرُوعًا أَصْلًا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ «سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى ابْنًا لَهُ يُطَبِّقُ فَنَهَاهُ فَقَالَ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ يَفْعَلُهُ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كُنَّا أُمِرْنَا بِهَذَا ثُمَّ نُهِينَا عَنْهُ» وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ إذَا كَانَ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ وَفِي الرُّخْصَةِ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُفِيدُ التَّخْيِيرَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ وَفِي الرُّخْصَةِ تَخْفِيفٌ انْقَلَبَتْ تِلْكَ الرُّخْصَةُ عَزِيمَةً وَهَاهُنَا لَيْسَ فِي الْعَزِيمَةِ تَخْفِيفٌ وَفِي الرُّخْصَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ فَانْقَلَبَتْ عَزِيمَةً.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْقِسْمِ الْآخَرِ) أَيْ نَظِيرُ الْقِسْمِ الْآخِرِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَى الرَّاوِي مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ زُبْيَةٍ فَضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَمَّا فَرَغَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» ثُمَّ لَمْ يُوجِبْ مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى إنْ ثَبَتَ جَرْحًا فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ زَيْدٌ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَاحْتَمَلَ الْخَفَاءَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ اشْتَهَرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا عَنْ أَبِي مُوسَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَمْ يَخْرُجْ الْحَدِيثُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَاجِبٌ الْعَمَلُ بِهِ فَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهِ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إذَا أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى وَجْهٍ حَسَنٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا عَمِلَ أَوْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَلَوْ بَلَغَهُ لَرَجَعَ إلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى مِنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الطَّعْنُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَلَا يُقْبَلُ مُجْمَلًا) أَيْ مُبْهَمًا بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مُنْكَرٌ أَوْ فُلَانٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ أَوْ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ أَوْ مَجْرُوحٌ أَوْ لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ سَبَبَ الطَّعْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّزْكِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا بِهَا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ بَيَانِ السَّبَبِ إذْ الْغَالِبُ مَعَ عَدَالَتِهِ وَبَصِيرَتِهِ أَنَّهُ مَا أَخْبَرَ إلَّا وَهُوَ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ الْبَصِيرِ بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُطْلَقُ الْجَرْحُ إلَّا فِي صُورَةٍ عُلِمَ الْوِفَاقُ عَلَيْهَا وَإِلَّا كَانَ مُدَلِّسًا مُلْبِسًا بِمَا يُوهِمُ الْجَرْحَ عَلَى مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَدَالَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْدِيلَ الْمُطْلَقَ مَقْبُولٌ بِأَنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ هُوَ عَدْلٌ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ مَقْبُولُ الْحَدِيثِ أَوْ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فَكَذَا الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ، وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْعَدَالَةَ ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ خُصُوصًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى وَهِيَ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي شَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَدَالَتِهَا فَلَا يُتْرَكُ هَذَا الظَّاهِرُ بِالْجَرْحِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ رُبَّمَا اعْتَقَدَ مَا لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا بِأَنْ ارْتَكَبَ الرَّاوِي صَغِيرَةً مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ أَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ أَوْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ كَذَلِكَ فَجَرَّحَهُ بِنَاءً عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْعَادَةُ الظَّاهِرَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا لَحِقَهُ مِنْ غَيْرِهِ
(3/68)

وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ دَسَّ ابْنَهُ لِيَأْخُذَ كُتُبَ أُسْتَاذِهِ حَمَّادٍ وَهَذَا دَلَالَةُ إتْقَانِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ إلَّا عَنْ حِفْظٍ وَإِتْقَانٍ وَلَا يَأْمَنُ الْحَافِظُ الزَّلَلَ وَإِنْ جَدَّ حِفْظُهُ وَحَسُنَ ضَبْطُهُ فَالرُّجُوعُ إلَى كُتُبِ الْأُسْتَاذِ آيَةُ إتْقَانِهِ لَا جَرْحَ فِيهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا يَسُوءُهُ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ إمْسَاكِ لِسَانِهِ عَنْهُ فَيَطْعَنُ فِيهِ طَعْنًا مُبْهَمًا إلَّا إنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ إذَا اُسْتُفْسِرَ لَا يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فَثَبَتَ أَنْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ، بِخِلَافِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهُ لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تَنْحَصِرُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْلِيفِ بِذِكْرِهَا، وَقَوْلُهُمْ الْغَالِبُ أَنَّهُ مَا أَخْبَرَ إلَّا وَهُوَ صَادِقٌ فِي مَقَالِهِ غَيْرَ مُسَلِّمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إخْبَارُهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ عَارِفًا بِمَوَاقِعِ الْخِلَافِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَعْرِفَ ذَلِكَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُعَدِّلِ فَمَنْ حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِبَصِيرَتِهِ وَضَبْطِهِ يُكْتَفَى بِإِطْلَاقِهِ وَمَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ بَصِيرَتُهُ بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ اسْتَخْبَرْنَاهُ عَنْ السَّبَبِ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ احْتَجَّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ اُشْتُهِرَ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَهَكَذَا فَعَلَ أَبُو دَاوُد السِّخْتِيَانِيُّ وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ اعْتَمَدَ النَّاسُ فِي جَرْحِ الرُّوَاةِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ ضَعِيفٌ وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَاشْتِرَاطُ بَيَانِ السَّبَبِ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ فِي إثْبَاتِ الْجَرْحِ وَالْحُكْمِ بِهِ فَقَدْ اعْتَمَدْنَاهُ فِي أَنْ يُوقِفَنَا عَنْ قَبُولِ حَدِيثِ مَنْ قَالُوا فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْقَعَ عِنْدَنَا فِيهِمْ رِيبَةً قَوِيَّةً يُوجِبُ مِثْلُهَا التَّوَقُّفَ ثُمَّ مَنْ انْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ مِنْهُمْ نَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ وَلَمْ نَتَوَقَّفْ كَاَلَّذِينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبَا الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ مِنْهُمْ مِثْلُ هَذَا الْجَرْحِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ طَعَنَ) أَيْ الطَّعْنَ الْمُفَسَّرَ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا مِثْلُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْحُسَّادِ الْمُتَعَنِّتِينَ أَنَّهُ دَسَّ ابْنَهُ أَيْ أَخْفَاهُ لِيَأْخُذَ كُتُبَ أُسْتَاذِهِ حَمَّادٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَكَانَ يَرْوِي مِنْهَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ أَعْلَى حَالًا وَأَجَلَّ مَنْصِبًا مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَيَأْبَى كُلَّ الْإِبَاءِ دِقَّةُ نَظَرِهِ فِي دَقَائِقِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى، وَعُلُوُّ دَرَجَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى، وَقَدْ طَعَنَ الْحُسَّادُ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الْجِنْسِ كَثِيرًا حَتَّى صَنَّفُوا فِي طَعْنِهِ كُتُبًا وَرَسَائِلَ وَلَكِنْ لَمْ يَزِدْهُ طَعْنُهُمْ إلَّا شَرَفًا وَعُلُوًّا، وَرِفْعَةً بَيْنَ الْأَنَامِ وَسُمُوًّا، فَشَاعَ مَذْهَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَاشْتَهَرَ، وَبَلَغَ أَقْطَارَ الْأَرْضِ نُورُ عِلْمِهِ وَاشْتَهَرَ، وَقَدْ عَرَفَ مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ وَإِنْصَافٍ، وَجَانَبَ التَّعَصُّبَ وَالِاعْتِسَافَ أَنَّ كُلَّ مَا قَالُوهُ افْتِرَاءٌ، وَمِثْلُهُ عَنْهُ بَرَاءٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ طَعْنًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ أَخَذَهَا تَمَلُّكًا وَغَصْبًا بِغَيْرِ رِضَاءِ مَالِكِهَا أَوْ أَخَذَهَا بِرِضَاهُ، فَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى بَلْ بِحَالِ أَكْثَرِ الْعَوَامّ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِإِذْنِ الْمَالِكِ تَمَلُّكًا أَوْ عَارِيَّةً، فَإِمَّا أَنَّهُ رَوَى مِنْهَا شَيْئًا أَوْ لَمْ يَرْوِ فَإِنْ لَمْ يَرْوِ فَلَيْسَ لِلطَّعْنِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَإِنْ رَوَى فَإِمَّا إنْ رَوَى مِنْهَا مَا سَمِعَهُ مِنْ أُسْتَاذِهِ أَوْ مَا أَجَازَ لَهُ بِرِوَايَتِهِ أَوْ رَوَى مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ
(3/69)

وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَسَمَّوْهُ عَنْعَنَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يُوهِمُ شُبْهَةَ الْإِرْسَالِ وَحَقِيقَتُهُ لَيْسَ بِجَرْحٍ عَلَى مَا مَرَّ فَشُبْهَتُهُ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِرِوَايَتِهِ.
فَالْأَوَّلُ دَلَالَةُ الْإِتْقَانِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَرْحِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةٌ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ وَهُوَ طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. الْإِتْقَانُ الْإِحْكَامُ.، وَإِنْ جَدَّ حِفْظُهُ أَيْ عَظُمَ، أَوْ مَعْنَاهُ جَدَّ فِي حِفْظِهِ أَيْ اجْتَهَدَ فَحَذَفَ حَرْفَ فِي وَأَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الْحِفْظِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ الْمُفَسِّرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ جَرْحًا طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ، التَّدْلِيسُ كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ كِتْمَانُ انْقِطَاعٍ أَوْ خَلَلٍ فِي إسْنَادِ الْحَدِيثِ بِإِيرَادِ لَفْظٍ يُوهِمُ الِاتِّصَالَ وَالصِّحَّةَ، وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ اسْمِ مَنْ يُرْوَى عَنْهُ وَذِكْرُ اسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ شَيْخُهُ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ التَّدْلِيسَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أَنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَقُولَ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَإِنَّمَا يَقُولُ قَالَ فُلَانٌ أَوْ عَنْ فُلَانٍ، وَالثَّانِي تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ شَيْخٍ حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنْهُ فَيُسَمِّيَهُ أَوْ يَكْتُبَهُ أَوْ يَنْسُبَهُ أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَعْرِفُ بِهِ كَيْ لَا يُعْرَفَ، ثُمَّ قَالَ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَعَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ وَهَذَا مِنْ شُعْبَةَ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَمْرُهُ أَخَفُّ وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَتَوْعِيرٌ لِطَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَنْ يَطْلُبُ الْوُقُوفَ عَلَى حَالِهِ وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ فَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ شَيْخِهِ الَّذِي غَيَّرَ سَمْتَهُ غَيْرَ ثِقَةٍ أَوْ كَوْنُهُ مُتَأَخِّرَ الْوَفَاةِ قَدْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ مِنْهُ جَمَاعَةٌ دُونَهُ أَوْ كَوْنُهُ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ أَوْ كَوْنُ الرَّاوِي كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ عُرِفَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّدْلِيسِ فَجَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ مَجْرُوحًا بِذَلِكَ وَقَالُوا لَا يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ بَيَّنَ السَّمَاعَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ وَأَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُدَلِّسُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ وَالِاتِّصَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ وَأَنْوَاعِهِ وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُبَيِّنٍ لِلِاتِّصَالِ نَحْوُ سَمِعْتُ وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَشْبَاهِهَا فَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرٌ جِدًّا كَقَتَادَةَ وَالْأَعْمَشِ وَسُفْيَانَ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْإِبْهَامِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ فَلَا يُنْسَبُ الْفِسْقُ بِهِ فَيُقْبَلُ مَا بَيَّنَ فِيهِ الِاتِّصَالَ وَرَفَعَ عَنْهُ الْإِبْهَامَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ إذَا اُسْتُكْشِفَ يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْلِيسَ مِنْهُ تَزْوِيرٌ وَإِيهَامٌ لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ وَإِنْ أَخْبَرَ بِاسْمِهِ إذَا اُسْتُكْشِفَ وَأَضَافَ الْحَدِيثَ إلَى نَاقِلِهِ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ وَلَا يُوجِبُ قَدْحًا فِيهِ، وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُدَلِّسُ فَإِذَا سُئِلَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ بِالْخَبَرِ نَصَّ عَلَى اسْمِهِ وَلَمْ يَكْتُمْهُ وَهَذَا شَيْءٌ مَشْهُورٌ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمَ كُنَّا فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقِيلَ لَهُ حَدَّثَكُمْ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ لَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ
(3/70)

وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالتَّلْبِيسِ عَلَى مَنْ كَنَّى عَنْ الرَّاوِي وَلَوْ يُسَمِّهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ مِثْلُ قَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الثِّقَةَ وَغَيْرَ الثِّقَةِ وَمِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الزُّهْرِيُّ وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، هَذَا بَيَانُ التَّدْلِيسِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّدْلِيسَ بِتَرْكِ اسْمِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَا يَصْلُحُ لِلْجَرْحِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ ذِكْرَهُ إلَّا لِأَنَّهُ عَدْلٌ ثِقَةٌ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرْسَلِ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى تَعْدِيلِهِ صَرِيحًا وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَرْوُونَ أَحَادِيثَ وَيَتْرُكُونَ أَسَامِي رُوَاتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرْسَلِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْخَبَرِ لَمَا اسْتَجَازُوا ذَلِكَ.
وَكَذَا التَّدْلِيسُ بِالْكِنَايَةِ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ الَّذِي سَمَّاهُ الشَّيْخُ تَلْبِيسًا؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ التَّرْكِ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الْحَدِيثِ فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ وَغِشٌّ فَيُقْدَحُ فِي الظَّنِّ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا جَرْحًا إذَا اُسْتُفْسِرَ فَلَمْ يُفَسِّرْ، فَأَمَّا الْعَنْعَنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ مِنْ التَّدْلِيسِ فَهِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَلَكِنْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ هِيَ لَيْسَتْ بِتَدْلِيسٍ فَإِنَّ أَبَا عَمْرٍو قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عُدَّ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ. قَالَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ وَأَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِيهَا وَقَبِلُوهُ وَادَّعَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي الْمُقْرِئُ الْحَافِظُ إجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُضِيفَتْ الْعَنْعَنَةُ إلَيْهِمْ قَدْ ثَبَتَتْ مُلَاقَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَعَ بَرَاءَتِهِمْ عَنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ الِاتِّصَالِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُعَنْعَنَةَ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَدْلِيسٌ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا لَا يَصْلُحُ جَرْحًا طَعْنُهُمْ بِالتَّدْلِيسِ عَلَى مَنْ كَنَّى عَنْ الرَّاوِي أَيْ أَبْهَمَ رَاوِيَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ أَيْ إلَى أَبِيهِ وَقَبِيلَتِهِ فَلَمْ يَقُلْ أَخْبَرَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ أَبُو سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ الثِّقَةَ وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الزَّاهِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَغَيْرَ الثِّقَةِ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ فِيمَا أَظُنُّهُ وَمِثْلَ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ يَرْوِي التَّفْسِيرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْكَلْبِيُّ يُدَلِّسُ بِهِ مُوهِمًا أَنَّهُ سَعِيدٌ الْخُدْرِيِّ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ رَجُلَانِ بَصْرِيَّانِ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَحَدُهُمَا يُكَنَّى أَبَا رَبِيعَةَ وَكَانَ مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ يَرْوِي عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ وَالْآخَرُ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ كَانَ ثِقَةً يَرْوِي عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الرِّوَايَةِ بِالْكُنْيَةِ، وَرَجُلَانِ بِالْكُوفَةِ اسْمُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ أَحَدُهُمَا غَنَوِيٌّ وَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ وَالْآخَرُ ثِقَةٌ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ.
1 -
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا) أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا وَأَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنَّمَا أَبْهَمَ لِخُشُونَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ التَّعْدِيلَ عَلَى الْإِبْهَامِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُعَدَّلِ بِأَنْ قَالَ الرَّاوِي حَدَّثَنَا الثِّقَةُ أَوْ مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ أَوْ مَنْ لَا أَثِقُ بِهِ هَلْ يُكْتَفَى بِهِ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يُكْتَفَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثِقَةً عِنْدَهُ، وَقَدْ اطَّلَعَ
(3/71)

تَفْسِيرٍ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي لَا بَأْسَ بِهِ صِيَانَةً عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ وَصِيَانَةً لِلطَّاعِنِ وَاخْتِصَارًا وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ مِنْ وَجْهٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ كُلُّ حَدِيثِهِ وَمِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَعَ جَلَالِ قَدْرِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَتَسْمِيَتِهِ ثِقَةً شَهَادَةً بِعَدَالَتِهِ فَأَنَّى يَصِيرُ جَرْحًا، وَوَجْهُ الْكِنَايَةِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُطْعَنُ فِيهِ بِبَاطِلٍ فَيَحِقُّ صِيَانَتُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
غَيْرُهُ عَلَى جَرْحِهِ بِمَا هُوَ جَارِحٌ عِنْدَهُ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُسَمِّيَهُ حَتَّى يُعْرَفَ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ عَالِمًا أَجْزَأَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُوَافِقُهُ فِي مَذْهَبِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ لَا يَكْفِي، وَعِنْدَنَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ بِكَوْنِهِ ثِقَةً إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَالَتِهِ وَالتَّفَحُّصِ عَنْ أَسْبَابِهَا فَيُقْبَلُ هَذَا مِنْهُ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ.
وَقَالَ هُوَ ثِقَةٌ أَوْ عَدْلٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ سَبَبٍ؛ (لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي) يَعْنِي طَعْنَهُمْ بِكَذَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَرْحِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الرَّاوِي أَيْ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ كَمَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِكَوْنِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مُتَّهَمًا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِأَجْلِ صِيَانَتِهِ عَنْ الطَّعْنِ الْبَاطِلِ فِيهِ وَلِأَجْلِ صِيَانَةِ الطَّاعِنِ وَهُوَ السَّامِعُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْغِيبَةِ وَالْمَذَمَّةِ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْكِنَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَذْمُومَةً لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَهِيَ لِلْمَعْنَى الثَّانِي أَمْرٌ لَا بَأْسَ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَنَّى لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مُتَّهَمًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اُتُّهِمَ مِنْ وَجْهٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ كُلُّ حَدِيثِهِ أَيْ لَيْسَ كُلُّ اتِّهَامٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ رِوَايَةِ الرَّاوِي إذْ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلطَّعْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَا يُوجِبُ عُمُومَ الطَّعْنِ وَمَا لَا يُوجِبُهُ، فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّ مَنْ ارْتَكَبَ وَاحِدًا مِنْهَا وَجَبَ رَدُّ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعَاهُ عَنْ ارْتِكَابِهِ لَا يَمْنَعَاهُ عَنْ الْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا، وَالثَّانِي مِثْلُ اخْتِلَاطِ الْعَقْلِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ رَدَّ مَا رَوَاهُ فِي حَالَةِ الِاخْتِلَاطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَلَا تُوجِبُ رَدَّ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ السَّهْوُ وَالْغَفْلَةُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَنَظِيرُهُ الشَّاهِدُ يُرَدُّ جَمِيعُ شَهَادَاتِهِ بِالْفِسْقِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ وَلَا تُرَدُّ بِتُهْمَةِ الْأُبُوَّةِ إلَّا مَا اخْتَصَّ بِهَا وَهُوَ مَا شَهِدَ بِهِ لِابْنِهِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ فِي غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي كِتَابَتِهِ لِأَجْلِ الِاتِّهَامِ رَدُّ مَا رَوَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلطَّعْنِ غَيْرَ شَامِلٍ لِلْجَمِيعِ مِثْلُ الْكَلْبِيِّ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَيُقَالُ لَهُ أَبُو النَّضْرِ أَيْضًا طَعَنُوا فِيهِ بِأَنَّهُ يَرْوِي تَفْسِيرَ كُلِّ آيَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسَمَّى زَوَائِدَ الْكَلْبِيِّ، وَبِأَنَّهُ رَوَى حَدِيثًا عَنْ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ يَرْوِيه فَقَالَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَلَمَّا جُرِّحَ قِيلَ لَهُ هَلْ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ الْحَسَنِ فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي رَوَيْت عَنْ الْحَسَنِ غَيْظًا لَهُ، وَذَكَرَ فِي الْأَنْسَابِ أَنَّ الثَّوْرِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيَانِ عَنْهُ وَيَقُولَانِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَتَّى لَا يُعْرَفَ، قَالَ وَكَانَ الْكَلْبِيُّ سَبَئِيًّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ عَلِيًّا لَمْ يَمُتْ وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الدُّنْيَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ فَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَإِذَا رَأَوْا سَحَابَةً قَالُوا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا وَالرَّعْدُ صَوْتُهُ وَالْبَرْقُ صَوْتُهُ حَتَّى تَبَرَّأَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ:
وَمِنْ قَوْمٍ إذَا ذَكَرُوا عَلِيًّا ... يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ عَلَى السَّحَابِ
، مَاتَ الْكَلْبِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَمْثَالُهُ مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَغَيْرِهِمْ اخْتَلَطَتْ عُقُولُهُمْ فَلَمْ يُقْبَلْ رِوَايَاتُهُمْ الَّتِي بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَقُبِلَتْ الرِّوَايَاتُ الَّتِي قَبْلَهُ فَإِنْ قِيلَ مَا نُقِلَ عَنْ الْكَلْبِيِّ يُوجِبُ الطَّعْنَ عَامًّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ رِوَايَاتُهُ جَمِيعًا قُلْنَا إنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا اُتُّهِمَ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ
(3/72)

وَقَدْ يَرْوِي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ أَوْ قَرِينِهِ أَوْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ طَالَ سَنَدُهُ فَيُكَنِّي عَنْهُ صِيَانَةً عَنْ الطَّعْنِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا جَرْحًا إذَا اُسْتُفْسِرَ فَلَمْ يُفَسِّرْ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُعَدُّ ذَنْبًا فِي الشَّرِيعَةِ مِثْلُ مَا طَعَنَ الْجَاهِلُ فِي مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ أَحَادِيثَ سَمِعَهَا فَأَبَى فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقَالَ لَا تُعْجِبُنِي أَخْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْفُقَهَاءِ تُخَالِفُ أَخْلَاقَ الزُّهَّادِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ عُزْلَةٍ وَأُولَئِكَ أَهْلُ قُدْوَةٍ، وَقَدْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْعُزْلَةِ وَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ مَرَّةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ شُبْهَةً فِي الثُّبُوتِ وَبِالشُّبْهَةِ تُرَدُّ الْحُجَّةُ وَيَنْتَفِي تَرْجِيحُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ.
أَوْ مَعْنَاهُ لَيْسَ كُلُّ مِنْ اُتُّهِمَ بِوَجْهٍ سَاقِطَ الْحَدِيثِ مِثْلَ الْكَلْبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ طُعِنَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ وَلَكِنَّ عُلُوَّ دَرَجَتِهِمْ فِي الدِّينِ وَتَقَدُّمَ رُتْبَتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ مَنَعَ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ الطَّعْنِ فِي حَقِّهِمْ وَمِنْ رَدِّ حَدِيثِهِمْ بِهِ إذْ لَوْ رُدَّ حَدِيثُ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ بِطَعْنِ كُلِّ وَاحِدٍ انْقَطَعَ طَرِيقُ الرِّوَايَةِ وَانْدَرَسَتْ الْأَخْبَارُ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - مَنْ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مِثْلِ هَذَا الطَّعْنِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَهُوَ قَصْدُ الصِّيَانَةِ كَمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ يَرْوِي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ) كَرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مَالِكٍ، أَوْ قَرِينِهِ أَيْ مِثْلِهِ يُقَالُ قَرَنَهُ فِي السِّنِّ وَقَرِينُهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرِوَايَةِ عُمَرَ عَنْهُ وَيُسَمَّى هَذَا مُدَبَّجًا، وَالثَّانِي أَنْ يَرْوِيَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَا يَرْوِيَ الْآخَرُ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ مِسْعَرٍ وَهُمَا قَرِينَانِ.
أَوْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْ تَلَامِذَتِهِ كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحَافِظِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصُّورِيِّ وَكَرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْإِسْنَادِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ سُنَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا وَالنُّزُولُ فِيهِ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْإِسْنَادِ يُبْعِدُ الْإِسْنَادَ مِنْ الْخَلَلِ إذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الْخَلَلُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَفِي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ وَفِي كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةُ جِهَاتِهِ لَكِنَّ النَّقْلَ بِالطَّرِيقَيْنِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا وُجِدْت الشَّرَائِطُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فَالشَّيْخُ نَظَرَ إلَى الصِّحَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِحُصُولِ غَرَضِهِ بِهَا وَهُوَ دَفْعُ الطَّعْنِ، فَقَالَ وَذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلَاءِ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ أَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنْ طَالَ سَنَدُ الْحَدِيثِ بِهَا لِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّوَايَةِ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْكِنَايَةُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ الطَّعْنِ الْبَاطِلِ بِأَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ نَازِلٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ هَذَا أَيْ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْكِنَايَةُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ جَرْحًا فِي الرَّاوِي إذَا اُسْتُفْسِرَ الرَّاوِي عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَلَمْ يُفَسِّرْ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ بِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الطَّعْنُ بِمَا لَا يُعَدُّ ذَنْبًا عَلَى الشَّرِيعَةِ وَلَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الْمُرُوءَةِ. (لِأَنَّهُ) : أَيْ مُحَمَّدًا. (فَقِيلَ لَهُ) : أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ. (فِيهِ) : أَيْ فِي إبَائِهِ عَنْ الِاسْتِمَاعِ يَعْنِي قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُجِيبُهُ إلَى اسْتِمَاعِ الْأَحَادِيثِ. (لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْفُقَهَاءِ تُخَالِفُ أَخْلَاقَ الزُّهَّادِ) وَاعْتُبِرَ هَذَا بِمُوسَى وَالْعَبْدِ الصَّالِحِ فَإِنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُدْوَةِ لَمْ يَسْتَطِعْ صَبْرًا عَلَى مَا رَأَى مِنْ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَإِقَامَةِ الْجِدَارِ حَتَّى أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَاعَدَ لَهُ الصَّبْرَ، وَقَدْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْعُزْلَةِ حَتَّى اُسْتُحِبَّ لِلْمُفْتِي الْأَخْذُ بِالرُّخَصِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعَوَامّ مِثْلُ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْحَمَّامِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ الطَّاهِرَةِ ظَاهِرًا بِدُونِ الْمُصَلَّى وَعَدَمِ الِاحْتِرَازِ عَلَى طِينِ الشَّوَارِعِ فِي مَوْضِعٍ حَكَمُوا بِطَهَارَتِهِ فِيهَا وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْعُزْلَةِ بَلْ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْعَمَلِ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى بِهِمْ.
(وَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ مَرَّةً) أَيْ يَحْسُنُ فِي مَنْزِلَةِ الْعُزْلَةِ
(3/73)

وَقَدْ قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لَا يَزَالُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَحْمِي اللَّهُ بِهِ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ وَمَنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ طَعَنَ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ كَالسِّبَاقِ بِالْخَيْلِ وَالْأَقْدَامِ وَمِثْلُ طَعْنِ بَعْضِهِمْ بِالْمِزَاحِ وَهُوَ أَمْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَا بَاطِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا يَسْتَفِزُّهُ الْخِفَّةُ فَيَتَخَبَّطُ وَلَا يُبَالِي، وَمِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالصِّغَرِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةُ عِنْدَ الرِّوَايَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِصِغَرِهِ لَمْ تَسْقُطْ وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ وَهَذَا أَثْبَتُ مَتْنًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مِثْلُ مَا يُحْكَى عَنْ مَشَايِخِ الْعُزْلَةِ مِنْ أُمُورٍ ظَاهِرُهَا مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ وَأَعْذَارٍ ظَهَرَ لَهُمْ، مِثْلُ مَا حُكِيَ عَنْ الْمَنْصُورِ الْحَلَّاجِ مِنْ قَوْلِهِ أَنَا الْحَقُّ وَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ سِوَى اللَّهِ وَقَوْلِهِ سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي وَمَا حُكِيَ عَنْ الشِّبْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ وَإِلْقَائِهِ فِي الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ فِيهِ) كَذَا دَلِيلُ عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الطَّعْنِ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ الطَّعْنِ بِمَا لَيْسَ بِذَنْبٍ الطَّعْنُ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ وَهُوَ حَثُّهَا عَلَى الْعَدْوِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قَالَ رَأَيْته يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الرَّكْضَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ إذْ هُوَ مِنْ جِنْسِ السِّبَاقِ بِالْخَيْلِ الَّذِي هُوَ مَنْدُوبٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا قَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فَأَنَّى يُجْعَلُ ذَلِكَ طَعْنًا، وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالصِّغَرِ، شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْبُلُوغَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا سَمَاعَ الصَّبِيّ أَصْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ الْحَدُّ فِي السَّمَاعِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَقْدَحُ الصِّغَرُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ فِي الرِّوَايَةِ إذَا ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قَبْلُ، وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ بِصِغَرِ رِوَايَةٍ عِنْدَ التَّحَمُّلِ مِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَقَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعَادِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ فَإِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَهَذَا الطَّعْنُ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْكِبْرِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَذَ بِحَدِيثِ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَحَلَهُ أَبُوهُ غُلَامًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعُ سِنِينَ فَعَرَفْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ طَعْنًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالصَّحِيحُ فِي نِسْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ دُونَ الْعَدَوِيِّ فَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْغَسَّانِيَّ قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي نِسْبَتِهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ تَصْحِيفٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ الْعُذْرَةُ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ مِنْ الدَّمِ وَبِهَا سُمِّيَتْ الْقَبِيلَةُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ الْعُذْرِيُّ وَمَنْ رَوَى الْعَدَوِيَّ فَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ عَدِيُّ بْنُ صَغِيرٍ الْعَبْدِيُّ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ أَيْ وَلِأَنَّ الصِّغَرَ لَا يَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ قَدَّمْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ ثَعْلَبَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الْحَدِيثَيْنِ اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ صِغَرِهِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ السَّنَدِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَكُنَّا نَقُولُ كَذَا إنْ لَمْ يُضَفْ إلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ.
وَإِنْ
(3/74)

وَقَدْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَرِفْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِصِحَّةِ الْإِتْقَانِ وَهَذَا مِثْلُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمْ يَحْتَرِفْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ إذَا صَحَّ الْإِتْقَانُ سَقَطَتْ الْعَادَةُ، وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَمْ يَكُنْ اعْتَادَ الرِّوَايَةَ، وَقَدْ يَقَعُ الطَّعْنُ بِسَبَبٍ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ مِثْلُ الطَّعْنِ بِالْإِرْسَالِ وَمِثْلُ الطَّعْنِ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْ فُرُوعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَلَا يُقْبَلُ، فَإِنْ وَقَعَ الطَّعْنُ مُفَسَّرًا بِمَا هُوَ فِسْقٌ وَجَرْحٌ لَكِنَّ الطَّاعِنَ مُتَّهَمٌ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْعَدَاوَةِ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُ طَعْنِ الْمُلْحِدِينَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِثْلُ طَعْنِ مَنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا وُجُوهُ الطَّعْنِ عَلَى الصِّحَّةِ فَكَثِيرَةٌ قَدْ تَبْلُغُ ثَلَاثِينَ فَصَاعِدًا أَوْ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا الْكِتَابُ لَا يَسَعُهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَضَافَهُ إلَى زَمَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ أَثْبَتُ مَتْنًا أَيْ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى وَأَبْعَدُ مِنْ الِاحْتِمَالِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مَعَ الْقِصَّةِ فَقَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ» الْحَدِيثَ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْإِتْقَانِ وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَمْرِ مِمَّنْ هُوَ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ وَهُوَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا حِكَايَةُ فِعْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَخْرُجُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا بَيَانُ أَنَّ أَدَاءَ كُلِّ الصَّاعِ كَانَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدَاءً بِصِفَةٍ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَأَدَاءُ الْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَيْ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعِ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الطَّعْنِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ الطَّعْنُ بِعَدَمِ احْتِرَافِ الرِّوَايَةِ وَاعْتِيَادِهَا مِثْلُ طَعْنِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَقْسِيمِهِ الْأَخْبَارَ بِالْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَالْمُسْتَنْكَرِ فِي التَّقْوِيمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِصَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا فَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْخَوْضَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيُحِيلَهُ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنَّ مَنْ خَاضَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ افْتُضِحَ عِنْدَ أَهْلِهِ.
وَهَذَا طَعْنٌ بَاطِلٌ أَعْنِي بِعَدَمِ الِاعْتِيَادِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْإِتْقَانِ لَا لِلِاحْتِرَافِ وَرُبَّمَا يَكُونُ إتْقَانُ مَنْ لَمْ يَحْتَرِفْ الرِّوَايَةَ أَكْثَرَ مِنْ إتْقَانِ مَنْ اعْتَادَهَا، وَأَمَّا طَعْنُهُمْ عَلَى الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَمْرٌ كُلِّيٌّ وَبَيَانُ اصْطِلَاحٍ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ أَفْرَادِ الْأَحَادِيثِ وَأَسَانِيدِهَا وَصِحَّتِهَا وَسَقَمِهَا وَإِلَى مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ بَلْ يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْمُخْلِصِينَ فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ وَمَهَارَتِهِ فِي كُلِّ فَنٍّ بَلْ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّعَصُّبُ وَالْحَسَدُ وَإِلَّا كَيْفَ لَمْ يَطْعَنُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ الَّذِينَ لَا مُمَارَسَةَ لَهُمْ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ ذَكَرُوا فِي كُتُبِهِمْ مَبَاحِثَ تَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إذَا صَحَّ الْإِتْقَانُ سَقَطَتْ الْعَادَةُ أَيْ إذَا تَحَقَّقَ الْإِتْقَانُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا بَعْدُ، قَوْلُهُ (وَقَدْ يَقَعُ الطَّعْنُ بِسَبَبٍ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ مِثْلُ الطَّعْنِ بِالِاسْتِكْثَارِ) مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي حَقِّ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ إمَامًا حَافِظًا مُتْقِنًا إلَّا أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ خَلَلٌ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ وَضَبْطِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الِاجْتِهَادِ وَقُوَّةِ الذِّهْن فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُسْنِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طَعْنًا؟ وَجَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالطَّعْنِ بِعَدَمِ الِاحْتِرَافِ وَالطَّعْنِ بِالْإِرْسَالِ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ تَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَاتَّقَانِ الرَّاوِي فِي السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ أَيْ بَعْضَ مَا يَصِحُّ بِهِ الْجَرْحُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَبْوَابِ مِثْلِ ارْتِكَابِ بَعْضِ الْكَبَائِرِ
(3/75)

وَمَنْ طَلَبَهَا فِي مَظَانِّهَا وَقَفَ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْحِجَجُ الَّتِي ذَكَرْنَا وُجُوهَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَتَعَارَضُ فِي أَنْفُسِهَا وَضْعًا وَلَا تَتَنَاقَضُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ الْفُجَّرِ الْحُدَّثِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ مِنْ الْمَنْسُوخِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

وَهَذَا (بَابُ الْمُعَارَضَةِ)
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّعَارُضَ لَيْسَ بِأَصْلٍ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ طَلَبُ مَا يَدْفَعُ التَّعَارُضَ، وَإِذَا جَاءَ الْعَجْزُ وَجَبَ إثْبَاتُ حُكْمِ التَّعَارُضِ وَهَذَا الْفَصْلُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ التَّعَارُضِ لُغَةً وَشَرْطِهِ وَرُكْنِهِ وَحُكْمِهِ شَرِيعَةً أَمَّا مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ لُغَةً فَالْمُمَانَعَةُ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ يُقَالُ عَرَضَ إِلَيَّ بِكَذَا أَيْ اسْتَقْبَلَنِي بِصَدٍّ وَمَنْعٍ سُمِّيَتْ الْمَوَانِعُ عَوَارِضُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ الْغَرِيبِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ وَعَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُ وَنَحْوِهَا.
وَمَنْ طَلَبَهَا أَيْ وُجُوهَ الطَّعْنِ عَلَى الصِّحَّةِ فِي مَظَانِّهَا أَيْ مَوَاضِعِهَا وَهِيَ كُتُبُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَمَظِنَّةُ الشَّيْءِ مَوْضِعُهُ وَمَأْلَفُهُ الَّذِي يُظَنُّ كَوْنُهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ (لَا تَتَعَارَضُ فِي أَنْفُسِهَا وَضْعًا وَلَا تَتَنَاقَضُ) فَالتَّنَاقُضُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وُجُودُ الدَّلِيلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ لَا لِمَانِعٍ، وَعِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ هُوَ وُجُودُ الدَّلِيلِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ بِلَا مَانِعٍ، وَالتَّعَارُضُ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ فَالتَّنَاقُضُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّلِيلِ وَالتَّعَارُضُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الدَّلِيلُ، هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النُّصُوصِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ فَإِنَّ تَخَلُّفَ الْمَدْلُولِ عَنْ الدَّلِيلِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَانِعٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَانِعُ مُعَارِضًا لِلدَّلِيلِ فِيمَا تَخَلَّفَ عَنْهُ.
وَكَذَا إذَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ يَكُونُ الْحُكْمُ مُتَخَلِّفًا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ لَا مَحَالَةَ فَيَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْمُتَرَادِفَيْنِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِي الْكَلَامِ فِي عَامَّةِ الِاصْطِلَاحَاتِ هُوَ اخْتِلَافُ كَلَامَيْنِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صِدْقًا وَالْآخَرُ كَذِبًا وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّعَارُضِ فَيَكُونُ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعَارُضَ وَالتَّنَاقُضَ مِنْ عَلَامَاتِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَامَ حُجَّةً مُتَنَاقِضَةً عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ حُجَّةٍ غَيْرِ مُتَنَاقِضَةٍ وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ حُكْمًا بِدَلِيلٍ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ يُوجِبُ خِلَافَهُ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ إقَامَةِ دَلِيلٍ سَالِمٍ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْحُجَجِ وَالتَّنَاقُضُ أَيْ التَّنَاقُضُ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ التَّعَارُضُ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا فَيَكُونَ مَنْسُوخًا بِالْمُتَأَخِّرِ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَكَّنَ التَّعَارُضُ فِي الْحُكْمِ حَقِيقَةً.
فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَيْ التَّعَارُضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ بَيَانِ شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا: أَيْ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ.

[بَابُ الْمُعَارَضَةِ]
[بَاب الْمُعَارَضَة]
أَيْ بَابُ بَيَانِهَا قَوْلُهُ (وَهَذَا الْفَصْلُ) أَيْ فَصْلُ بَيَانِ الْمُعَارَضَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فِي الْأَصْلِ أَيْ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ كَتَقْسِيمِ الْحَيَوَانِ إلَى إنْسَانٍ وَفَرَسٍ وَحِمَارٍ وَغَيْرِهَا لِيُشْتَرَطَ فِيهِ اشْتِرَاطُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَتَقْسِيمِ الْإِنْسَانِ إلَى حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ فَإِنَّ مَوْرِدَ التَّقْسِيمِ بَيَانُ الْمُعَارَضَةِ، وَالْبَيَانُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِبَيَانِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ بَيَانُ كُلِّ قِسْمٍ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْبَيَانِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ اشْتِرَاطُ مَوْرِدِ التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ (وَرُكْنُ الْمُعَارَضَةِ كَذَا) رُكْنُ الشَّيْءِ مَا لَا وُجُودَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إلَّا بِهِ وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْمَاهِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْقِيَامُ رُكْنُ الصَّلَاةِ وَيُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِهَا كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ
(3/76)

وَرُكْنُ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا فِي حُكْمَيْنِ كَتَضَادَّيْنِ فَرُكْنُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَقُومُ بِهِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ فَاتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ مَعَ تَضَادِّ الْحُكْمِ مِثْلُ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّضَادَّ لَا يَقَعُ فِي مَحَلَّيْنِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا، مِثْلُ النِّكَاحِ يُوجِبُ الْحِلَّ فِي مَحَلٍّ وَالْحُرْمَةَ فِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ مِثْلُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ بَعْدَ حِلِّهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا فُسِّرَ الرُّكْنُ بِهِ هُوَ تَفْسِيرُ نَفْسِ التَّعَارُضِ أَيْضًا كَذَا قِيلَ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِتَسَاوِي الْحُجَّتَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقَابُلُ وَالتَّدَافُعُ إذْ لَا مُقَابَلَةَ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ بَلْ يَتَرَجَّحُ الْقَوِيُّ فَالْمَشْهُورُ لَا يُقَابِلُ الْمُتَوَاتِرَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ، وَقَيَّدَ بِتَضَادِّ الْحُكْمَيْنِ أَيْ بِمُخَالَفَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ يَتَأَيَّدُ كُلُّ دَلِيلٍ بِالْآخَرِ وَلَا يَقَعُ التَّعَارُضُ، وَذَلِكَ أَيْ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُضَادَّةَ وَالتَّنَافِيَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا تَتَحَقَّقُ فِي مَحَلَّيْنِ وَكَاجْتِمَاعِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَنْكُوحَةِ وَأُمِّهَا مِنْ أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ وَهُوَ النِّكَاحُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ اثْنَيْنِ، وَلَا فِي وَقْتَيْنِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَيَنْدَرِجُ فِيمَا ذُكِرَ اتِّحَادُ الْحَالِ أَيْضًا فَإِنَّ اخْتِلَافَهَا مِنْ قَبِيلِ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ أَوْ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ، وَاتِّحَادُ النِّسْبَةِ شَرْطٌ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصَيْنِ كَاجْتِمَاعِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَنْكُوحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ وَكَاجْتِمَاعِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمِنْ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبًا عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلْآخَرِ إذَا عُرِفَ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا فَيَجْرِي التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالسُّنَّتَيْنِ وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَارِيخٍ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقِيَاسَيْنِ وَلَا بَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِهِ فَالرِّوَايَةُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَكَمَا أَنَّ الرَّأْيَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَكَذَا مِنْ اثْنَيْنِ.
وَقَدْ سَمَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّعَارُضَ الَّذِي بَيَّنَّا تَنَاقُضًا فَقَالَ إذَا اخْتَلَفَ الْكَلَامَانِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ سُمِّيَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَيَعْنِي بِهِ أَنْ يَكْذِبَ أَحَدُهُمَا إذَا صَدَقَ الْآخَرُ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا التَّنَاقُضُ إلَّا بِوَحْدَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ الْحَمَلُ يُذْبَحُ وَيُشْوَى لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُك الْحَمَلُ لَا يُذْبَحُ وَلَا يُشْوَى إذَا أَرَدْت بِهِ بُرْجَ الْحَمَلِ، وَبِوَحْدَةِ الْمَحْكُومِ فَإِنَّك إذَا قُلْت الْمُكْرَهُ مُخْتَارٌ أَيْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُك الْمُكْرَهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مَا خُلِّيَ وَرَأْيَهُ وَشَهْوَتَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيمَا ذَكَرْنَا مَا ذَكَرُوا مِنْ اشْتِرَاطِ وَحْدَةِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْإِضَافَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَالشَّرْطِ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت زَيْدٌ جَالِسٌ أَيْ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ زَيْدٌ لَيْسَ بِجَالِسٍ أَيْ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان آخَرَ كَانَ الْمَحْكُومُ فِي الْأَوَّلِ غَيْرَهُ فِي الثَّانِي.
وَكَذَا إذَا قُلْتَ زَيْدٌ أَبٌ أَيْ لِعُمَرَ زَيْدٌ لَيْسَ بِأَبٍ أَيْ لِخَالِدٍ إذْ الْمَحْكُومُ فِي الْأَوَّلِ أُبُوَّةُ عَمْرٍو وَفِي الثَّانِي أُبُوَّةُ خَالِدٍ، أَوْ قُلْت الْخَمْرُ فِي الدَّنِّ مُسْكِرٌ أَيْ بِالْقُوَّةِ الْخَمْرُ فِي الدَّنِّ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ أَيْ بِالْفِعْلِ إذْ الْمَحْكُومُ فِيهِمَا أَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَلَوْ قُلْت الزِّنْجِيُّ أَسْوَدُ أَيْ جِلْدُهُ الزِّنْجِيُّ لَيْسَ بِأَسْوَدَ أَيْ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ وَفِي الثَّانِي كُلَّهَا فَيَتَغَايَرَانِ.
وَكَذَا إذَا قُلْتَ الْجِسْمُ مُفَرِّقٌ لِلْبَصَرِ أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، الْجِسْمُ لَيْسَ بِمُفَرِّقٍ لِلْبَصَرِ أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَسْوَدَ فَإِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ الْجِسْمُ الْمَوْصُوفُ بِالْبَيَاضِ وَفِي الثَّانِي الْجِسْمُ الْمَوْصُوفُ بِالسَّوَادِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَبِالْجُمْلَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُغَايِرَ أَحَدُ الْكَلَامَيْنِ لِلْآخَرِ فِي شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ إلَّا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ
(3/77)

وَحُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ وَبَيْنَ سُنَّتَيْنِ نَوْعَانِ: الْمَصِيرُ إلَى الْقِيَاسِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالنَّاسِخِ يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِمَا وَعِنْدَ الْعَجْزِ يَجِبُ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي وُقُوعِ الْمُعَارَضَةِ الْجَهْلُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَانَ بَيْنَ آيَتَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَنْفِي أَحَدُهُمَا مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ بِعَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ

[حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ آيَتَيْنِ]
قَوْله (وَحُكْمُ الْمُعَارَضَةِ) كَذَا إذَا تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَالسَّبِيلُ فِيهِ الرُّجُوعُ إلَى طَلَبِ التَّارِيخِ فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ سَقَطَ حُكْمُ الدَّلِيلَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَبِأَحَدِهِمَا عَيْنًا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْآخَرِ وَالتَّرْجِيحُ لَا يُمْكِنُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَمَلِ أَيْضًا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَهُمَا فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَإِذَا تَسَاقَطَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُمْكِنُ بِهِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ الْتَحَقَتْ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ النَّصَّانِ بِتَسَاقُطِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ دَلِيلٍ آخَرَ يُتَعَرَّفُ بِهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ إنْ وُجِدَتْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ أَمْكَنَ أَوْ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ إنْ لَمْ تُوجَدْ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَ السُّنَّةِ مِمَّا يُمْكِنُ بِهِ إثْبَاتُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسُ، ثُمَّ عِنْدَ مَنْ أَوْجَدَ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ مُطْلَقًا فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَفِيمَا لَا يُدْرَكُ بِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِهِمْ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَإِلَى الْقِيَاسِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ هُوَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ آيَتَيْنِ فَالْمَيْلُ إلَى السُّنَّةِ وَاجِبٌ وَإِنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ فَالْمَيْلُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَإِنْ وَقَعَ بَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَالْمَيْلُ إلَى الْقِيَاسِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَبَيْنَ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَعِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْ الْقِيَاسِ وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمَّا كَانَ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قِيَاسٍ آخَرَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعَارُضِ قِيَاسَيْنِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا بِشَرْطِ التَّحَرِّي.
ثُمَّ مُخْتَارُ الشَّيْخِ إنْ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ أَيْ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ وَبَيْنَ السُّنَّتَيْنِ نَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ لَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا عَلَى التَّسَاوِي، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّانِي يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ مُتَعَلِّقًا بِمَا تَقَدَّمَ لَا بِقَوْلِهِ إلَى الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَيْ الْكِتَابُ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّنَّةِ فَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ يُصَارُ إلَى السُّنَّةِ وَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْحُجَجِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَإِنَّمَا قَالَ وَبَيْنَ سُنَّتَيْنِ نَوْعَانِ وَإِنْ كَانَ يُصَارُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَيْهِمَا مِنْ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ شُبْهَةُ السَّمَاعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ (وَعِنْدَ الْعَجْزِ) يَعْنِي عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَصِيرِ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ دَلِيلٌ آخَرُ يُعْمَلُ بِهِ، أَوْ يُوجَدُ التَّعَارُضُ فِي الْجَمِيعِ يَجِبُ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ أَيْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّصَّيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْمُعَارَضَةِ نَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَ الْمُتَعَارِضَيْنِ مِنْ الدَّلِيلِ إنْ أَمْكَنَ وَتَقْرِيرُ الْأُصُولِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ ثُمَّ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ آيَتَيْنِ فَالْمَصِيرُ
(3/78)

أَوْ قِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةٍ أَوْ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ أَوْ سُنَّةٍ وَآيَةٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَائِغٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِمَّا بَيْنَ قِيَاسَيْنِ أَوْ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ فَحَلَّ مَحَلَّ الْقِيَاسِ أَيْضًا، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَعَارَضَا لَمْ يَسْقُطَا بِالتَّعَارُضِ لِيَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْحَالِ بَلْ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ النَّصَّيْنِ كَانَ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْجَهْلُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ فَنَوْعَانِ الْمَصِيرُ إلَى الْقِيَاسِ وَإِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ جَعَلْتَ الْمَصِيرَ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ نَوْعًا وَاحِدًا وَتَقْرِيرَ الْأُصُولِ عِنْدَ الْعَجْزِ نَوْعًا آخَرَ فَلَهُ وَجْهٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فِي هَذَا الْكَلَامِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي سِرُّهُ.
ثُمَّ الْمَصِيرُ إلَى السُّنَّةِ فِي تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ وَالْمَصِيرُ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ فِي تَعَارُضِ السُّنَّتَيْنِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا كَانَ التَّسَاوِي ثَابِتًا فِي عَدَدِ الْحُجَجِ بِأَنْ كَانَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَمِنْ جَانِبٍ دَلِيلَانِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ يَسْقُطُ بِالتَّعَارُضِ وَالدَّلِيلُ الْآخَرُ الَّذِي سَلِمَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ يُتَمَسَّكُ بِهِ وَلَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا عِبْرَةَ لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَقِلَّتِهِ فِي التَّعَارُضِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قِيلَ نَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَالْمَصِيرِ إلَى السُّنَّةِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] فَإِنَّ الْأَوَّلَ بِعُمُومِهِ يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمُقْتَدِي لِوُرُودِهِ فِي الصَّلَاةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَبِدَلَالَةِ السِّيَاقِ، وَالسِّيَاقُ الثَّانِي يَنْفِي وُجُوبَهَا عَنْهُ إذْ الْإِنْصَاتُ لَا يُمْكِنُ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فَيَتَعَارَضَانِ فَيُصَارُ إلَى الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» وَلَا يُعَارِضُهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ قَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَنَظِيرُ التَّعَارُضِ بَيْنَ السُّنَّتَيْنِ وَالْمَصِيرِ إلَى الْقِيَاسِ مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ كَمَا تُصَلُّونَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ» وَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» فَإِنَّهُمَا لَمَّا تَعَارَضَا صِرْنَا إلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ (أَوْ قِرَاءَتَيْنِ) مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يَطْهُرْنَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِلْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ وَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لِنُزُولِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ وَهُوَ زَمَانٌ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ نُزُولَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ الْإِذْنُ بِالْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا نَزَلَتْ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى بِزَمَانٍ طَوِيلٍ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ نَاسِخَةً لِحُكْمِ الْأُولَى فِيمَا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إلَّا أَنَّا لَمَّا لَمْ نَعْرِفْ الْأُولَى مِنْ الثَّانِيَةِ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ) ؛ (لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا) أَيْ لَا يُصْلَحُ نَاسِخًا لِشَيْءٍ أَصْلًا أَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ النَّسْخَ لِبَيَانِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ حُسْنِ الْمَشْرُوعِ، وَلِهَذَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ حُسْنِ الْمَشْرُوعِ وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النَّصِّ أَيْضًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَيْ بَيَانُ عَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ كَذَا يَعْنِي. الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَسْقُطَانِ بِهِ بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا لِشَرْطِ التَّحَرِّي
(3/79)

وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَاحِدٌ يُصِيبُهُ الْمُجْتَهِدُ مَرَّةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْجُورًا عَلَى عَمَلِهِ وَجَبَ التَّخْيِيرُ لِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِاخْتِصَاصِ الْقَلْبِ بِنُورِ الْفِرَاسَةِ.
وَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَجَهْلٌ مَحْضٌ بِلَا شُبْهَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إذَا احْتَاجَ إلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْعَمَلِ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، وَلِهَذَا صَارَ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْلَانِ وَأَقْوَالٌ وَأَمَّا الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ رُوِيَتَا عَنْ أَصْحَابِنَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّمَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِحْدَاهُمَا صَحِيحَةٌ وَالْأُخْرَى فَاسِدَةٌ وَلَكِنْ لَمْ تُعْرَفْ الْأَخِيرَةُ مِنْهُمَا كَالْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِوَايَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ قَالَهُمَا فِي زَمَانَيْنِ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ مِنْ اللَّاحِقِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ، فَصَارَ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعَارُضَ يَجْرِي بَيْنَ النَّصَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ فِيهِمَا وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ بَلْ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ فَأَقَامَ الشَّيْخُ دَلِيلًا عَلَى الْحَاصِلِ فَقَالَ لِأَنَّ تَعَارُضَ النَّصَّيْنِ كَذَا.
وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ النَّصَّيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ إلَّا وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَنْسُوخٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنَّا جَهِلْنَاهُ وَالْجَهْلُ لَا يَصِيرُ عَمَلًا شَرْعِيًّا وَالِاخْتِيَارُ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ وَأَمَّا الْقِيَاسَانِ فَيَتَعَارَضَانِ عَلَى طَرِيقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ حُجَّةً يُعْمَلُ بِهِ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَخْطَأَهُ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةً لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُ الْعَمَلِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ كَمَا فِي أَجْنَاسِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّكْفِيرُ. قُلْنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهِ لَكِنْ كِلَاهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ إصَابَةِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ نُورٌ يُدْرِكُ بِهِ مَا هُوَ بَاطِنٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» وَإِصَابَةُ الْحَقِّ غَيْبٌ فَتَصْلُحُ شَهَادَةُ الْقَلْبِ حُجَّةً فِي ذَلِكَ فَيَعْمَلُ بِمَا شَهِدَ بِهِ قَلْبُهُ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الْإِصَابَةِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا حُجَّتَانِ فِي الْعَمَلِ بِهِمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ صَارَا مُتَعَارِضَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ وَالْآخَرَ صَوَابٌ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا الصَّوَابُ كَمَا فِي النَّصَّيْنِ فَمِنْ وَجْهٍ يَسْقُطُ وَمِنْ وَجْهٍ لَا يَسْقُطُ فَقُلْنَا يَحْكُمُ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَيَعْمَلُ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. (لِأَنَّ ذَلِكَ) : أَيْ الْقِيَاسَ. (وَضْعُ الشَّرْعِ) : أَيْ دَلِيلٌ وَضَعَهُ الشَّرْعُ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ وَإِنْ وَقَعَ خَطَأً فَإِنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ الْقِيَاسَ بِطَرِيقِهِ وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْمَنْصُوصِ وَيُبَيِّنَ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ وَيُحَافَظَ شَرَائِطَهُ فَيَكُونَ كُلُّ قِيَاسٍ صَحِيحًا بِوَضْعِ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ التَّعَارُضُ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ أَيْ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً وَوُقُوعِ الْعِلْمِ فَلَا أَيْ لَمْ يَضَعْهُ الشَّرْعُ طَرِيقًا إلَيْهِ فَيَكُونُ سَبَبَ التَّعَارُضِ الْجَهْلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. إلَّا أَنَّهُ: أَيْ لَكِنَّ الْقَايِسَ لَمَّا كَانَ مَأْجُورًا عَلَى عَمَلِهِ أَيْ اجْتِهَادِهِ أَخْطَأَ الْحَقَّ أَوْ أَصَابَ وَجَبَ التَّخْيِيرُ أَيْ الْحُكْمُ بِالتَّخْيِيرِ لِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ: أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ طَلَبًا لِلْحَقِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ
(3/80)

وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِلَا دَلِيلٍ هُوَ الْحَالُ، وَتَعَارُضُ الْحُجَّتَيْنِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءَانِ فِي أَحَدِهِمَا مَاءٌ نَجِسٌ وَفِي الْآخَرِ طَاهِرٌ وَهُوَ لَا يَدْرِي عَمِلَ بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ فَلَمْ يَقَعْ بِالضَّرُورَةِ فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ لَا ثَوْبَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عَمِلَ بِالتَّحَرِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْقِيَاسَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَذَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمَذْكُورَ وَهُوَ شَهَادَةُ الْقَلْبِ دَلِيلٌ لِطَلَبِ الْحَقِّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ انْقِطَاعُ الْأَدِلَّةِ كَمَا فِي اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْفِرَاسَةُ نَظَرُ الْقَلْبِ بِنُورٍ يَقَعُ فِيهِ.
وَفِي الصِّحَاحِ الْفِرَاسَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ قَوْلِك تَفَرَّسْت فِيهِ خَيْرًا أَيْ أَبْصَرْت وَفَهِمْت وَهُوَ يَتَفَرَّسُ أَيْ يَتَثَبَّتُ وَيَنْظُرُ وَتَقُولُ مِنْهُ رَجُلٌ فَارِسُ النَّظَرِ وَأَنَا أَفَرَسُ مِنْهُ أَيْ أَعْلَمُ وَأَبْصَرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ» .
وَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ: أَيْ التَّعَارُضُ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَجَهْلٌ مَحْضٌ: أَيْ بِنَاءً عَلَى جَهْلٍ مَحْضٍ بِالنَّاسِخِ. بِلَا شُبْهَةٍ: أَيْ بِلَا شُبْهَةِ حَقِّيَّةَ فِي كِلَيْهِمَا فِي حَقِّ الْعَمَلِ بَلْ الْحَقُّ لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِتَحَقُّقِ التَّعَارُضِ فِي الْقِيَاسَيْنِ فَلَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ تَرْتِيبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّسَاقُطُ وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَضْطَرُّ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْوَاقِعَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ وَحُجَّةٌ يَقِينًا فَكَانَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ الْحُجَّةُ حَقِيقَةً أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ فَحَلَّ لَهُ الْعَمَلُ بِالْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا فِي تَعَارُضِ الْحُجَّتَيْنِ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ فَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَمَلِ بِمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا وَهُوَ الْمَنْسُوخُ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّسَاقُطِ وَعَدَمِ التَّخْيِيرِ فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَعَدَمِ التَّسَاقُطِ وَثُبُوتِ التَّخْيِيرِ بِشَرْطِ التَّحَرِّي فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ مَسْأَلَتَا الْإِنَاءَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءَانِ مِنْ الْمَاءِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ وَلَيْسَ لَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ سِوَاهُمَا وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجَسِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّيَمُّمَ أَوْ التُّرَابَ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ هَاهُنَا بِالتَّعَارُضِ فَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَى اسْتِعْمَالِ التَّحَرِّي لِلْوُضُوءِ لَمَّا أَمْكَنَهُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْبَدَلِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّوَضُّؤُ بِأَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي وَبِدُونِهِ فَهَذَا نَظِيرُ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ، وَنَظِيرُ تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ مَسْأَلَةُ الثَّوْبَيْنِ وَهِيَ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ وَلَا يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجِسِ وَلَيْسَ لَهُ ثَوْبٌ آخَرُ طَاهِرٌ وَلَا مَاءٌ يَغْسِلُهُمَا بِهِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يَقَعُ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ لِلسَّتْرِ بُدٌّ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ فَجَازَ لَهُ التَّحَرِّي لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ حَتَّى أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ لَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ لِلشُّرْبِ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ الْعَطَشِ وَعَدَمِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا خَلَفَ لَهُ فِي حَقِّ الشُّرْبِ فَكَانَ مُضْطَرًّا فِي إقَامَةِ الشُّرْبِ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي لِلشُّرْبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَازَ لَهُ شُرْبُ الْمَاءِ النَّجِسِ حَقِيقَةً عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَالتَّحَرِّي الَّذِي فِيهِ إصَابَةُ الطَّاهِرِ مَأْمُولٌ فِيهِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ لَوْ كَانَا نَجِسَيْنِ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِمَا وَلَوْ فَعَلَ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْخَلَفِ وَهُوَ التُّرَابُ وَفِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبَيْنِ لَوْ كَانَ كِلَاهُمَا نَجِسَيْنِ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فِي أَحَدِهِمَا وَيُجْزِيه وَذَلِكَ لِأَنَّ لَيْسَ لِلسَّتْرِ أَوْ لِلثَّوْبِ خَلَفٌ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي الَّذِي فِيهِ
(3/81)

لِضَرُورَةِ الْوُقُوعِ فِي الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ وَهُوَ الْحَالُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إصَابَةُ الطَّاهِرِ مَأْمُولٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ لِضَرُورَةٍ فِي الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِالتَّحَرِّي الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ جَائِزٌ الْعَمَلُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَاحْتَاجَ إلَى الْعَمَلِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالِاتِّفَاقِ لِوُجُودِ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا إذَا وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعُهُ طَاهِرٌ لَا غَيْرُ لِوُجُودِ الثَّوْبِ الطَّاهِرِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَالْعُدُولُ عَنْ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ إلَى مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ فَاسِدٌ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّحَرِّي وَوُجُوبِ التَّيَمُّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ مَذْهَبُنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَتَحَرَّى وَيَتَوَضَّأُ بِمَا يَقَعُ تَحَرِّيه عَلَيْهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ إنَّمَا جُعِلَ طَهُورًا فِي حَالَةِ الْعَجْزِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ قَطْعًا وَلَمْ يُوجَدْ الْعَجْزُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُصُولِ إلَى الطَّاهِرِ قَائِمٌ وَهُوَ التَّحَرِّي فَقِيَامُ الدَّلِيلِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ وَلِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى بِتَوَضُّؤٍ بِالْمَاءِ الَّذِي تَحَرَّاهُ كَانَتْ صَلَاةً بِطَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ وَجْهٍ وَمَتَى صَلَّى بِتَيَمُّمٍ كَانَتْ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلَى أَصْلِهِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَإِنَّا نَقُولُ إنَّ التَّحَرِّيَ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ التَّحْصِيلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ التَّحْصِيلُ بِالْخَلَفِ فَلَا يَكُونُ التَّحَرِّي مُعْتَبَرًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ جُعِلَ خَلَفًا حَالَةَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْعَجْزَ عَنْهُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْمَالُ إلَّا بِالتَّحَرِّي وَشَرْعُ الْخَلَفِ يَمْنَعُ عَنْهُ وَلِأَنَّ حِلَّ الصَّلَاةِ بِتَيَمُّمٍ عُلِّقَ بِعَدَمِ ظُهُورٍ مُطْلَقٍ لَا بِعَدَمِ ظُهُورٍ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَصَارَ الْفَرْضُ أَنَّ الْخَصْمَ جَعْلُ الشَّرْعِ التَّحَرِّيَ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْخَلَفِيَّةِ لِلتُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا يَثْبُتُ مَعَ التَّحَرِّي وَقُلْنَا التَّحَرِّي لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُوَصِّلٍ إلَيْهِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ حُجَّةً لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ ضَرُورَةِ فَقْدِ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ فَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ خَلَفٌ مَشْرُوعٌ يَمْنَعُ ظُهُورَ حُجِّيَّةِ التَّحَرِّي فَيَثْبُتُ الْعَجْزُ فَإِذًا لَا يُمْكِنُهُ اعْتِبَارُ التَّحَرِّي حُجَّةً إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْخَلَفِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ أَقْوَى مِنْ التَّحَرِّي كَذَا فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ لِأَبِي الْفَضْلِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجِسِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُ الْأَوَانِي الثَّلَاثَةِ نَجِسًا وَاثْنَانِ طَاهِرَانِ يَجِبُ التَّحَرِّي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْغَالِبِ وَبِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ وَإِصَابَتُهُ بِتَحَرِّيهِ مَأْمُولَةٌ، ثُمَّ فِيمَا إذَا كَانَا سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجِسِ حَتَّى لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُرِيقَ الْكُلَّ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِيَكُونَ تَيَمُّمُهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُرِقْ أَجْزَأَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَدِمَ آلَةَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَخْلِطُ الْمَائِينَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ بِالْإِرَاقَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَنْفَعَةُ الْمَاءِ وَبِالْخَلْطِ لَا يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يَسْقِيه دَوَابَّهُ وَيَشْرَبُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ كَانَ يَقُولُ يَتَوَضَّأُ بِالْإِنَاءَيْنِ جَمِيعًا احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَحُكْمُ نَجَاسَةِ الْأَعْضَاءِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَدَثِ فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَةِ أَغْلَظِ الْحَدَثِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَقَاسَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ يُؤْمَرُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ مَعَ التَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَوَضِّئًا بِمَا يَتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ وَمُنَجِّسًا أَعْضَاءَهُ أَيْضًا خُصُوصًا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَسْحِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ لَا يَطْهُرُ
(3/82)

وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَا دَلِيلَ مَعَهُ أَصْلًا عَمِلَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ مُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الصَّوَابَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَمْ يَسْقُطْ الِابْتِلَاءُ بَلْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ.

، وَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ يُوجِبُ نَقْضَ الْأَوَّلِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمٍ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ التَّحَرِّي بِالْيَقِينِ فِي الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ حَادِثٌ لَيْسَ بِمُنَاقِضٍ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ نَزَلَ بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ أَوْ إجْمَاعٍ انْعَقَدَ بَعْدَ إمْضَاءِ حُكْمِ الِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ فَنَوْعَانِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِهِ يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ حَتَّى انْتَقَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ وَانْتَقَلَ مِنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَى جِهَتِهَا فَصَلُحَ التَّحَرِّي دَلِيلًا عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْمَسْحِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِهِ بِخِلَافِ سُؤْرِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُنَجِّسٍ، وَلِهَذَا لَوْ غُمِسَ الثَّوْبُ فِيهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ فَيَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ) عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الثَّوْبَيْنِ أَيْ وَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبَيْنِ يَعْمَلُ بِالتَّحَرِّي عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ بِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ يَعْمَلُ بِهِ أَيْضًا وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيْ جِهَةٍ شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ، لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ إنَّ الصَّوَابَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ صَوَابًا فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهِ فَكَذَا الصَّوَابُ فِي جِهَاتِ الْكَعْبَةِ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ جِهَةٍ صَوَابًا فِي انْتِقَالِ الْحُكْمِ إلَيْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، أَوْ لِمَا قُلْنَا فِي مَوْضِعِهِ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ إنَّ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ مِنْ الظَّنَّيْنِ أَوْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَيْسَتْ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الِابْتِلَاءُ بِإِيجَابِ التَّحَرِّي لِمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسَيْنِ حَتَّى لَوْ تَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ صَارَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ صَلَاتِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ لَا يُجْزِيه صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ التَّحَرِّي لِمَقْصُودٍ، وَقَدْ تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ فَسَقَطَتْ فَرْضِيَّتُهُ عَنْهُ

قَوْلُهُ (وَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ وَعَمِلَ بِأَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ أَيْ نَقْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ بَاطِلًا، حَتَّى لَمْ يَجُزْ نَقْضُ حُكْمٍ أُمْضِي أَيْ أُتِمَّ بِالِاجْتِهَادِ بِمِثْلِهِ أَيْ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الْقِيَاسَ الْأَوَّلَ تَرَجَّحَ بِالْعَمَلِ بِهِ أَيْ يُقَوَّى بِاتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ وَتَرَجَّحَتْ جِهَةُ الصَّوَابِ فِيهِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعَمَلِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً وَصَوَابًا ظَاهِرًا وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَرَجُّحُ جَانِبِ الْخَطَأِ فِي الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْأَقْوَى بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ لَمْ يُنْقَضْ التَّحَرِّي بِالْيَقِينِ فِي الْقِبْلَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّك قَدْ قُلْت إنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِمِثْلِهِ وَلَكِنَّهُ يُنْقَضُ بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ لَمْ يُنْقَضْ مَا أَدَّى بِالتَّحَرِّي بِدَلِيلٍ فَوْقَهُ بِأَنْ تَيَقَّنَ بِأَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا لِلْقِبْلَةِ فِي تَحَرِّيهِ، كَمَا يُنْقَضُ حُكْمٌ أُمْضِيَ بِالِاجْتِهَادِ إذَا ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْيَقِينَ حَادِثٌ لَيْسَ بِمُنَاقِضٍ يَعْنِي هَذَا الْيَقِينُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الِاجْتِهَادِ حَقِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ لِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مَا مَضَى بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَزَلَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَدَى عَنْ أُسَارَى بَدْرٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ نَزَلَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مَا مَضَى لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ يُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْبُطْلَانِ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الِاجْتِهَادِ وَكَانَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَهُوَ الطَّلَبُ قَائِمًا إلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ
(3/83)

وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ فِي الْمَشْرُوعَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ وَالتَّعَاقُبِ.
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ فَرَجُلٌ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى تَحَرِّي طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ آخَرَ عَلَى تَحَرِّي أَنَّ هَذَا طَاهِرٌ وَأَنَّ الْأَوَّلَ نَجِسٌ لَمْ يَجُزْ مَا صَلَّى فِي الثَّانِي إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ الْأَوَّلَ أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْأَوَّلِ وَنَجَاسَةِ الثَّانِي وَهَذَا وَصْفٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ فَبَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الطَّلَبِ فَيَنْقَضِي لِفَوَاتِ شَرْطِ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ عَدَمُ النَّصِّ، هَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ فِيمَا مَضَى فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ الْآخَرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَطْلُوبَ بِالِاجْتِهَادِ إنْ احْتَمَلَ الِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ أَوْ الِانْتِسَاخَ وَالتَّعَاقُبَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الْآخَرِ إذَا تَبَدَّلَ رَأْيُهُ إلَيْهِ.
وَإِلَّا فَلَا أَيْ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الِانْتِقَالَ وَالتَّعَاقُبَ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ أَدَّى إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ قِيَاسٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَعَمِلَ وَجَعَلَ التَّحَرِّيَ حُجَّةً لَهُ ضَرُورَةً صَارَ الَّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ التَّحَرِّي، وَالْآخَرُ خَطَأً، فَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ صَارَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّعَاقُبَ وَالِانْتِقَالَ لَزِمَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ وَالتَّعَاقُبَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالتَّعَدُّدِ، وَقَدْ اُبْتُلِينَا بِالْقِيَاسِ فِي الْحَوَادِثِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ الْآخَرُ فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ) أَيْ كَمَا يُعْمَلُ بِتَبْدِيلِ التَّحَرِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ يُعْمَلُ بِتَبْدِيلِ الرَّأْيِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا إذَا اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الرَّأْيِ يُشْبِهُ النَّسْخَ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَظْهَرُ بِهِ بُطْلَانُ الْمَاضِي كَمَا فِي النَّسْخِ الْحَقِيقِيِّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ فَإِنْ لَحِقَ بِهِ حُكْمٌ فَلَا يُعْمَلُ بِتَبَدُّلِ الرَّأْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا كَمَا لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْمَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الَّذِي نَفَذَ فِي مَحَلٍّ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ الْقَابِلَةِ لِلِانْتِقَالِ. بَيَانُهُ إذَا أَدَّى اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إلَى الْخُلْعِ الْفَسْخِ مَثَلًا فَنَكَحَ امْرَأَةً خَالَعَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَزِمَهُ تَسْرِيحُهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ إمْسَاكُهَا عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ الْحَادِثِ وَلَكِنْ لَا يُحَرِّمُ الْوَطَآتِ السَّابِقَةِ.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ خَالَعَ الزَّوْجُ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُنْقَضْ الِاجْتِهَادُ السَّابِقُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ لَوْ نُقِضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا، وَلَتَسَلْسَلَ وَاضْطَرَبَتْ الْأَحْكَامُ وَلَمْ يُوثَقْ بِهَا كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ فَرَجُلٌ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى تَحَرِّي طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً أَيْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى ثَوْبٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ طَاهِرٌ أَوْ تَقْدِيرًا أَيْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ بِالتَّحَرِّي وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَجِسٌ لَكِنْ الشَّرْعُ لَمَّا حَكَمَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ ثَبَتَ طَهَارَتُهُ تَقْدِيرًا، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكَّ وَقَعَ فِي الثَّوْبَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا نَجِسٌ وَالْآخَرُ طَاهِرٌ كُلُّهُ حَقِيقَةً أَوْ الْآخَرُ رُبْعُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ طَاهِرٌ فَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا ثُمَّ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا لَمْ يَجُزْ مَا صَلَّى فِي الثَّانِي مَا لَمْ يَثْبُتْ طَهَارَتُهُ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ لِأَنَّا لَمَّا حَكَمْنَا بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الثَّانِي، وَهَذَا وَصْفٌ أَيْ تَنَجُّسُ الثَّوْبِ وَصْفٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى يَثْبُتْ فِي مَحَلٍّ لَا يُتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى مَكَان آخَرَ وَلَا يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحَوُّلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَرِدُ بِتَغَيُّرِ الْحَقَائِقِ فَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّحَرِّي ثَانِيًا كَانَ تَحْوِيلًا، فَبَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِهَذَا التَّحَرِّي الثَّانِي
(3/84)

وَمِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ سُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ لَمَّا تَعَارَضَتْ وَلَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ فَقِيلَ إنَّ الْمَاءَ عُرِفَ طَاهِرًا فَلَا يَصِيرُ نَجِسًا بِالتَّعَارُضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ أَمْرِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْحُكْمِ بِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَةَ هِيَ الْكَعْبَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ جَازَتْ صَلَاتُهُ فَكَانَ تَحَرِّيه إلَى جِهَةٍ أُخْرَى مُصَادِفًا مَحَلَّهُ وَهَاهُنَا مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ الْأَوْلَى الْحُكْمُ بِأَنَّ الطَّاهِرَ ذَلِكَ الثَّوْبُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ فِيهِ النَّجَاسَةَ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، بَيَّنَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ تَجُوزُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَمَعَ الْعِلْمِ وَهُوَ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ لَا تَجُوزُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ فَمِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ الْأُولَى تَعْيِينُ صِفَةِ الطَّهَارَةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَالنَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَالْأَخْذُ بِالدَّلِيلِ الْحُكْمِيِّ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةً حَتَّى صَلَّى وَهُوَ سَاهٍ فِي أَحَدِهِمَا الظُّهْرَ وَفِي الْآخَرِ الْعَصْرَ وَفِي الْأَوَّلِ الْمَغْرِبَ وَفِي الْآخَرِ الْعِشَاءَ ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخَرُ فَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ جَائِزَةٌ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَتْ صَلَاتُهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ الثَّوْبِ وَبِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الْآخَرِ فَكُلُّ صَلَاةٍ أَدَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَمَا أَدَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ وَجَبَتْ إعَادَتُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ لِمَكَانِ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ صَلَّى الْمَغْرِبَ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ إعَادَةَ الْعَصْرِ وَالتَّرْتِيبُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ يَسْقُطُ.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي) وَهُوَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ عِنْدَ الْعَجْزِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ إذْ هُوَ رَابِعُ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ سُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ فَإِنَّ الدَّلَائِلَ لَمَّا تَعَارَضَتْ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ وَلَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ بَقِيَ مُشْتَبَهًا فَوَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
ثُمَّ قِيلَ فِي بَيَانِ التَّعَارُضِ إنَّ الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فِي إبَاحَةِ لَحْمِ الْحِمَارِ وَحُرْمَتِهِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» وَرَوَى غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» فَأَوْجَبَ ذَلِكَ اشْتِبَاهًا فِي لَحْمِهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِبَاهُ فِي سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُهُ مِنْهُ وَكَذَا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَكْرَهُ التَّوَضُّؤَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَيَقُولُ إنَّهُ رِجْسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ إنَّ الْحِمَارَ يَعْتَلِفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا أَيْ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً إذْ الْقِيَاسُ لِتَعَدِّيهِ الْحُكْمَ لَا لِلْإِثْبَاتِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ نَصْبَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَكَوْنِ الْوِتْرِ رَكْعَةً بِالْقِيَاسِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَفِي الْأَسْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ وَأَمَّا سُؤْرُ الْحِمَارِ فَهُوَ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ لَحْمِهِ وَلَحْمُهُ مُشْكِلٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَاتٍّ، وَكَذَلِكَ السُّؤْرُ عِنْدَنَا لَا يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ بِوَجْهٍ، إلَّا أَنَّ تَحَقُّقَ الِاشْتِبَاهِ وَالْإِشْكَالُ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا
(3/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْآخَرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ رُجْحَانُ الْخَبَرِ الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ هَاهُنَا حَتَّى حَكَمَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِحُرْمَةِ لَحْمِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَعْدَ هَذَا بِوَرَقَةٍ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا حَكَمُوا بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الضَّبُعِ مَعَ تَعَارُضِ أَخْبَارِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي لَحْمِهَا بِاعْتِبَارِ تَرْجِيحِ الْحُرْمَةِ، كَيْفَ وَالدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحِلِّ وَهُوَ حَدِيثُ غَالِبٍ مُؤَوَّلٌ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهُ «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْلِ الثَّمَنِ عَلَى مَا عُرِفَ، أَوْ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهُ قَدْ «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ وَإِنَّ سَمِينَ مَالِنَا فِي الْحَمِيرِ فَقَالَ كُلُوا مِنْ سَمِينِ مَالِكُمْ» ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّعَارُضِ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَكَذَلِكَ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ لِنَصْبِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَيْرُ فَرْعٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ يُلْحَقُ بِهِ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ فَلَا وَهَاهُنَا أَمْكَنَ إلْحَاقُ سُؤْرِ الْحِمَارِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ فِي النَّجَاسَةِ بِعِلَّةِ حُرْمَةِ الْأَكْلِ أَوْ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَأَنَّى يَكُونُ هَذَا نَصْبُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ سُؤْرَ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ أُلْحِقَ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَسُؤْرَ السِّبَاعِ أُلْحِقَ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ فِي النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَصْبُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً فَكَذَا هَذَا، فَالْأَحْسَنُ فِي بَيَانِ التَّعَارُضِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَإِنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ قَالَ نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ وَرَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» فَإِنَّهَا رِجْسٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ.
وَقَدْ تَعَارَضَتْ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَصْلُحْ الْقِيَاسُ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ إنْ اُعْتُبِرَ بِالْعَرَقِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا إذْ الْعَرَقُ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَجِسًا إذْ اللَّبَنُ نَجِسٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّعَارُضُ فِي الدَّلَائِلِ وَتَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الْعَمَلِ بِهَا بَقِيَ الِاشْتِبَاهُ وَصَارَ الْحُكْمُ مُشْكِلًا فَوَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَهُوَ إثْبَاتُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ مَا كَانَ طَاهِرًا وَلَا يَطْهُرُ بِهِ مَا كَانَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْ النَّجَاسَةَ عُرِفَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لَحْمَهُ حَرَامٌ بِلَا إشْكَالٍ وَحُرْمَةُ لَحْمِهِ تَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ أَوْجَبَتْ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْحِمَارَ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ وَيَشْرَبُ مِنْ الْأَوَانِي كَالْهِرَّةِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ دُونَهَا فِي الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَضَايِقَ الَّتِي تَدْخُلُهَا الْهِرَّةُ فَلَوْ انْتَفَتْ الضَّرُورَةُ أَصْلًا لَكَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ كَسُؤْرِ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ طَوْفَ الْكَلْبِ حَوْلَ الْأَبْوَابِ لَا فِي دَاخِلِ الدَّارِ وَالْبُيُوتِ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا كَسُؤْرِ الْهِرَّةِ فَلَمَّا اسْتَوَى الْوَجْهَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ تَسَاقَطَا وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا كَانَ ثَابِتًا وَالثَّابِتُ قَبْلَ التَّعَارُضِ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي جَانِبِ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةُ فِي جَانِبِ اللُّعَابِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَبَقِيَ مُشْكِلًا فَلَا يَطْهُرُ مَا كَانَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ مَا كَانَ طَاهِرًا.
بِخِلَافِ الْمَاءِ إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِنَجَاسَتِهِ
(3/86)

فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَآخَرُ بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُنَاكَ بَعْدَ سُقُوطِ الْخَبَرَيْنِ بِالتَّعَارُضِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَبَقِيَ الْمَاءُ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ وَهَاهُنَا الْأَصْلُ بَعْدَ التَّسَاقُطِ شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةِ فِي اللُّعَابِ فَبَقِيَ مُشْكِلًا، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ، وَقَدْ عُرِفَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَطَهُورًا بِيَقِينٍ لَزِمَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ وَلَا يَزُولُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالشَّكِّ، قُلْنَا مِنْ ضَرُورَةِ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ زَوَالُ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لَزَالَ الْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ بِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِلطَّهُورِيَّةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا إزَالَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَلَوْ قُلْنَا بِزَوَالِهِمَا بِهِ لَا يَكُونُ هَذَا تَقْرِيرًا لِلْأُصُولِ بَلْ يَكُونُ عَمَلًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ وَإِهْدَارًا لِلْآخَرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِزَوَالِ الطَّهُورِيَّةِ، وَأَعْنِي بِهِ وُقُوعَ الشَّكِّ وَالِاشْتِبَاهَ فِيهَا إلَّا أَنَّهَا زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قِيلَ هَلَّا سَقَطَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ لَا غَيْرُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ الَّتِي مَرَّ تَقْرِيرُهَا قُلْنَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُطَهِّرِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَاءُ كَانَ مُطَهِّرًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ هَذَا الْوَصْفِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُ بِالشَّكِّ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ احْتِيَاطًا، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ فَأَحَدُهُمَا نَجِسٌ بِيَقِينٍ كَمَا أَنَّ الْآخَرَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّصَّيْنِ كَمَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْمُطَهِّرِ، وَقَدْ عَجَزَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْعِلْمِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ مِنْهُمَا وَلَمْ يَعْجِزْ عَنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجِسِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُهُمَا وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ.
وَلَا يُقَالُ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اسْتِعْمَالُهُ أَيْضًا احْتِرَازًا عَنْ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ احْتِرَازٌ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرَّأْسِ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ بِهِ، وَقَوْلُهُ (فَقُلْنَا إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَاءَ عُرِفَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ هَذَا الْوَصْفُ بِالشَّكِّ فَكَانَ السُّؤْرُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْ كَوْنُهُ طَاهِرًا مَنْصُوصٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنْ أَصَابَ لُعَابُ دَابَّةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا أَوْ عَرَقُهَا ثَوْبًا فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لُعَابُ الْحِمَارِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَصَلَّى فِيهِ أَجْزَتْهُ وَإِنْ فَحُشَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلَاثُ مِيَاهٍ لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ اللُّعَابَ إنْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا أَوْ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا كَسُؤْرِ الْكَلْبِ فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِمَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا لَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ وَالْعُضْوُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَقِيقَةً.
وَكَأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ أَرَادَ أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرَابِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَهَارَتِهِ شَكٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ عَرَقُهُ) أَيْ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ عَرَقُهُ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا أَوْ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ
(3/87)

وَلَبَنُ الْأَتَانِ وَلَمْ يَزُلْ الْحَدَثُ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوَجَبَ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ فِي الْمَفْقُودِ، وَمِثَالُ مَا قُلْنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا أَيْضًا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فِي مَحَلٍّ مِنْهُمْ يُوجِبُ الِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلًّا يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ فَصَلُحَ الْمِلْكُ فِيهِ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا طَلَّقَ عَيْنًا ثُمَّ نَسِيَ لَمْ يَجُزْ الْخِيَارُ بِالْجَهْلِ.

وَإِذَا عَرَفْت رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ وَشَرْطَهَا وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: مِنْ قِبَلِ الْحُجَّةِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ، وَمِنْ قِبَلِ الْحَالِ، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ صَرِيحًا، وَمِنْ قِبَلِ الزَّمَانِ دَلَالَةً.
أَمَّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِ الْحُجَّةِ فَأَنْ لَا يَعْتَدِلَ الدَّلِيلَانِ فَلَا يَقُومُ الْمُعَارَضَةُ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ رُكْنَهَا اعْتِدَالُ الدَّلِيلَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ» فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْرَقَ الْحِمَارُ وَلِأَنَّ مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي عَرَقِهِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرْكَبُهُ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي لُعَابِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَعَرَقِهِمَا إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: فِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالدِّرْهَمِ وَفِي رِوَايَةٍ قَدَّرَهُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَمَالِي وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ نَجِسٌ إلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يَفْسُدُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَوْلُهُ (وَلَبَنُ الْأَتَانِ) أَيْ هُوَ طَاهِرٌ كَسُؤْرِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ لَبَنَ الْأَتَانِ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ نَجِسٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ، وَعَنْ عَيْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ فَسُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا.
ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِطَهَارَتِهِ وَلَا بِنَجَاسَتِهِ وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُنْكِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ أَنَّهُ شُرِعَ مُشْكِلًا حَقِيقَةً بَلْ سُمِّيَ مُشْكِلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِ ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ. لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْجَهْلَ: أَيْ لَا أَنْ يَعْنِيَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ حُكْمَهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الِاسْتِعْمَالِ وَانْتِفَاءُ النَّجَاسَةِ وَضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى) أَيْ وَمِثْلُ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ مِنْ تَقْرِيرِ الْأُصُولِ وَالْعَمَلِ بِالِاحْتِيَاطِ عِنْدَ وُقُوعِ الْإِشْكَالِ الْجَوَابُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَيْضًا وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَعْنِي الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا أُشْكِلَ حَالُهُ بِتَعَارُضِ الْجِهَتَيْنِ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي مَوْضِعِهِ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَبِمَنْزِلَةِ الْإِنَاثِ فِي الْبَعْضِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ فِي كُلِّ حُكْمٍ فَيُقَالُ أَكْبَرُ النَّصِيبَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ أَعْنِي نَصِيبَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَيَتَأَخَّرُ عَنْ الرِّجَالِ وَيَتَقَدَّمُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا وَلَا يَخْتِنْهُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ لِاشْتِبَاهِ حَالِهِ بَلْ تُشْتَرَى أَمَةٌ تَخْتِنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى، وَالْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَمَا فِي حُبْلَى وَالْبُشْرَى وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَةُ وَيُؤَنَّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَيْهِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَظَرُوا إلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّأْنِيثِ فِي ذَاتِهِ فَلَمْ يُلْحِقُوا عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فِي وَصْفِهِ وَضَمِيرِهِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورَةِ.
وَقَدْ يُوصَفُ الرَّجُلُ بِهِ أَيْضًا فَيُقَالُ رَجُلٌ خُنْثَى وَرِجَالٌ خَنَاثَى وَخِنَاثٌ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُك مَا الْخِنَاثُ بَنُو قُشَيْرٍ ... بِنِسْوَانٍ يَلِدْنَ وَلَا رِجَالِ
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ) أَيْ جَوَابُ عُلَمَائِنَا فِي الْمَفْقُودِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ وَجَبَ تَقْرِيرُ الْأُصُولِ فَجُعِلَ حَيًّا فِي مَالِهِ حَتَّى لَا يُورَثَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَمَيِّتًا فِي مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يَرِثَ
(3/88)

وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهِمَا إذَا اخْتَلَفَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ سَقَطَ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَمُوسُ، وَقَالَ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمُثْبِتَةَ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ وَالْمُؤَاخَذَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ فَصَحَّ الْجَمْعُ وَبَطَلَ التَّدَافُعُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ وَمِثَالُهُ كَثِيرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ أَيْضًا، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ مَا قُلْنَا) مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ مِنْ النُّصُوصِ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا مِنْ الْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَيْكُمَا طَالِقٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ أَحَدَيْكُمَا حُرَّةٌ وَمَا إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ عُيِّنَ ثُمَّ نَسِيَهُ بِأَنْ قَالَ لِإِحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِإِحْدَى أَمَتَيْهِ أَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ نَسِيَ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُعْتَقَةَ فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ كَمَا فِي الْقِيَاسَيْنِ، وَقَدْ كَانَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ مَمْلُوكًا لَهُ شَرْعًا كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ فَبِمُبَاشَرَةِ الْإِيقَاعِ أَسْقَطَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ وَلَمْ يُسْقِطْ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي التَّعْيِينِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ وَرَاءَ الْإِبْهَامِ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ أَيْ الْإِيجَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِ وَهُوَ تَعْيِينُ الْمَحَلِّ.
أَوْ مَعْنَاهُ بَعْدَمَا أَوْقَعَ أَصْلَ الطَّلَاقِ مُبْهَمًا بَقِيَ مَحَلٌّ يَحْتَمِلُ التَّصَرُّفَ وَهُوَ ذَاتُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْمَحَلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَتَبْقَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِتَصَرُّفِهِ، فَصَلُحَ الْمِلْكُ أَيْ بَقَاءُ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ دَلِيلًا لِوِلَايَةِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ كَالْقِيَاسَيْنِ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ ثَبَتَ فِيهِمَا التَّخْيِيرُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ قَدْ نَزَلَ فِي أَحَدَيْهِمَا وَخَرَجَ الْمَحَلُّ عَنْ مِلْكِهِ وَالتَّعَارُضُ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ لِجَهْلِهِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي عَيَّنَهُ عِنْدَ الْإِيقَاعِ وَجَهْلُهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لَهُ شَرْعًا، وَلَوْ جُعِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صَرْفِ الْحُرْمَةِ عَنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا كَمَا فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ لَمَّا ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى الْجَهْلِ بِالنَّاسِخِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ صَرْفُ الْحَقِيقَةِ عَنْ حُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ

[كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ]
قَوْلُهُ (وَإِذَا عَرَفْتَ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ) يَعْنِي لَمَّا عَلِمْت أَنَّ رُكْنَ الْمُعَارَضَةِ تَقَابُلُ الْحُجَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّ شَرْطَهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ وَالْوَقْتِ كَمَا بَيَّنَّا، وَجَبَ أَنْ تَبْنِيَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا عَرَفْت كَيْفِيَّةَ الْمَخْلَصِ عَنْ التَّعَارُضِ عَلَى سَبِيلِ الْعَدَمِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ يَعْدَمُهُ مِنْ الْأَصْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ ثَابِتَةٌ لِعَدَمِ رُكْنِهَا وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُجَّتَيْنِ أَوْ عَدَمِ شَرْطِهَا وَهُوَ عَدَمُ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَوْ الْوَقْتِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَّا فَمَا ذُكِرَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَارَضَةِ هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهَا وَتَسْلِيمِهَا وَهَذَا هُوَ الْمَخْلَصُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ مِثْلُ الْمُحْكَمِ يُعَارِضُهُ الْمُجْمَلُ أَوْ الْمُتَشَابِهُ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] مُحْكَمٌ فِي نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] لِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ لِانْتِفَاءِ رُكْنِ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْحُجَّتَيْنِ، وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ فِي حِلِّ الْبَيْعِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] لَا يَكُونُ لِخَصْمِهِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَلَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَمِثْلُ الْكِتَابِ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَمِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» لَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُجَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحُكْمُ) فَكَذَا إنَّمَا يُطْلَبُ الْمَخْلَصُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يُثْبِتُهُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَيْنَ
(3/89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا يَنْفِيهِ الْآخَرُ بِالتَّحْقِيقِ التَّدَافُعِ وَالتَّمَانُعِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَنْفِيَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ لَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي كُلِّ يَمِينٍ مَكْسُوبَةٍ بِالْقَلْبِ أَيْ مَقْصُودَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ فَيَتَحَقَّقُ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ، وَقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ مَعْقُودَةٌ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ، وَلَغْوٌ لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْمَعْقُودَةِ وَنَفْيِهَا عَنْ اللَّغْوِ، وَالْغَمُوسُ لَيْسَتْ بِمَعْقُودَةٍ فَكَانَتْ لَغْوًا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ إذْ اللَّغْوُ اسْمٌ لِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَيْسَتْ فِي الْغَمُوسِ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَنَّهَا ثُلُثٌ خَلَتْ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ أَوْ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فِي الْغَمُوسِ أَصْلًا فَكَانَتْ لَغْوًا أَيْ كَلَامًا لَا عِبْرَةَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِحُكْمِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ فَكَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْغَمُوسُ دَاخِلٌ فِي هَذَا اللَّغْوِ أَيْ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَائِدَةِ.
وَلَمْ يَقُلْ دَاخِلَةً لِتَأْوِيلِ الْغَمُوسِ بِالْحَلِفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فِي حَقِّ الْغَمُوسِ إذْ الْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهَا عَنْهَا، فَيَتَخَلَّصُ عَنْهُ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُؤَاخَذَةُ الْمُثْبَتَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، مُطْلَقَةٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا الْمُؤَاخَذَةُ الْكَامِلَةُ فَإِنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِلْجَزَاءِ وَلِلْمُؤَاخَذَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فَأَمَّا الدُّنْيَا فَدَارُ ابْتِلَاءٍ يُؤَاخِذُ الْمُطِيعَ فِيهَا بِمِحْنَةٍ تَطْهِيرًا وَيُنْعِمُ عَلَى الْعَاصِي اسْتِدْرَاجًا وَالْمُؤَاخَذَاتُ الْمُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِأَسْبَابٍ لَنَا فِيهَا ضَرْبُ ضَرَرٍ لِتَكُونَ زَوَاجِرَ عَنْهَا كُلِّهَا لِصَلَاحِنَا فَلَا تَتَمَحَّضُ مُؤَاخَذَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَتَمَحَّضُ فِي الْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمَنْفِيَّةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] مُقَيَّدَةٌ بِدَارِ الِابْتِلَاءِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهَا نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَحَدُ النَّصَّيْنِ غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي يَنْفِيه الْآخَرُ فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَطَلَ التَّدَافُعُ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَفَى التَّعَارُضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَحَمَلَ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِالْكَفَّارَةِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَحَمَلَ الْعَقْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ لَا الْعَقْدُ الَّذِي ضِدُّهُ الْحَلُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْدِ الْقَلْبِ وَعَزْمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى رَبْطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ يُقَالُ عَقَدْتُ عَلَى كَذَا أَيْ عَزَمْت وَاعْتَقَدْتُ كَذَا أَيْ قَصَدْت وَمِنْهُ الْعَقِيدَةُ لِلْعَزِيمَةِ قَالَ الشَّاعِرُ:
عَقَدْت عَلَى قَلْبِي بِأَنْ نَكْتُمَ الْهَوَى ... فَصَاحَ وَنَادَى إنَّنِي غَيْرُ فَاعِلٍ
وقَوْله تَعَالَى {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] مُفَسَّرٌ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْقَصْدَ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمِلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ فَيَكُونُ الْغَمُوسُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ دَاخِلَةٌ فِي الْعَقْدِ لَا فِي اللَّغْوِ
(3/90)

وَأَمَّا الْحَالُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ الْكَفَّارَةَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ حِنْثٍ فَقَالَ {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] ، وَقَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَنِثْتُمْ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِنَفْسِ الْيَمِينِ إلَّا فِي الْغَمُوسِ، فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمَعْقُودَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا بَطَلَ التَّدَافُعُ وَالتَّعَارُضُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ أَيْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ الْمُقَيَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ فَائِدَةِ النَّصِّ فَإِنَّا مَتَى حَمَلْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ تَكْرَارًا وَحَمْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِفَادَةِ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ رَبْطُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْحَبْلِ بِالْآخَرِ وَالْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ يُسَمَّى عَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِبَاطِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ أَوْ ارْتِبَاطِ الْكَلَامِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ لَا تَرْتَبِطُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا إلَّا أَنَّهَا سَبَبُ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَجَازًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِالتَّشْدِيدِ لَا يُحْتَمَلُ عَقْدُ الْقَلْبِ أَصْلًا فَكَانَ حَمْلُ الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَقِيقَةِ، وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَصْدِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ اللَّغْوِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَأَثْبَتَهَا فِي الْغَمُوسِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِالْإِثْمِ وَنَفَاهَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى عَنْ اللَّغْوِ وَأَثْبَتَهَا فِي الْمَعْقُودَةِ وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْمَعْقُودَةِ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي الْغَمُوسِ بِالْإِثْمِ وَفِي اللَّغْوِ لَا مُؤَاخَذَةَ أَصْلًا فَلَزِمَ تَسْلِيمُ الْبَيَانِ وَالْعَمَلُ بِكُلِّ نَصٍّ عَلَى حِدَةٍ دُونَ صَرْفِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَتَقْيِيدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ وَلَا فِي الْعُقْدَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ وَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَثْبَتَ التَّعَارُضَ بِأَنْ جَعَلَهَا دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ لِيُمْكِنَهُ إيرَادُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ سَقَطَ التَّعَارُضُ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ وَلَمَّا كَانَتْ الْغَمُوسُ دَاخِلَةً فِي اللَّغْوِ كَانَ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ ثَابِتًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إلَى آخِرِهِ
1 -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَالُ) أَيْ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْتَضِي أَنْ يَحِلَّ الْقُرْبَانُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ سَوَاءٌ انْقَطَعَ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ يُقَالُ طَهُرَتْ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضِهَا وَالْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ الْقُرْبَانُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ سَوَاءٌ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ الِاغْتِسَالُ.
وَالْقَوْلُ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ وَبَيْنَ امْتِدَادِ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَبَيْنَ اقْتِصَارِهِ دُونَهَا تَنَافٍ فَيَقَعُ التَّعَارُضُ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ أَيْ بِأَنْ تُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى حَالٍ فَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ
(3/91)

وَمَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ وَبِالتَّشْدِيدِ قُرِئَ، وَمَعْنَاهُ الِاغْتِسَالُ وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَضَادَّانِ ظَاهِرًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَدَّ إلَى الِاغْتِسَالِ مَعَ امْتِدَادِهِ إلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ الشَّيْءِ إلَى غَايَةٍ وَاقْتِصَارَهُ دُونَهَا مَعًا ضِدَّانِ لَكِنَّ التَّعَارُضَ يَرْتَفِعُ بِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ الِانْقِطَاعُ عَلَى الْعِشْرَةِ فَهُوَ الِانْقِطَاعُ التَّامُّ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ التَّرَاخِي إلَى الِاغْتِسَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ بُطْلَانِ التَّقْدِيرِ وَيُحْمَلُ الِاغْتِسَالُ عَلَى مَا دُونَ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ وَالتَّنَاهِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الِاغْتِسَالِ فَيَنْعَدِمُ بِهِ التَّعَارُضُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ انْقِطَاعٌ بِيَقِينٍ وَحُرْمَةُ الْقُرْبَانِ تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ لِمَعْنَى الْأَذَى بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فَبَعْدَ الِانْقِطَاعِ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ لَا يَجُوزُ تَرَاخِي الْحُرْمَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَعْلِ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيْضِ حَيْضًا وَهُوَ تَنَاقُضٌ وَإِبْطَالٌ لِلتَّقْدِيرِ الْوَارِدِ فِي الْحَيْضِ، أَوْ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ وَهُوَ الْقُرْبَانُ بِدُونِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْأَذَى وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ، وَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا دُونَ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَثْبُتُ الِانْقِطَاعُ بِيَقِينٍ لِتَوَهُّمِ أَنْ يُعَاوِدَهَا الدَّمُ وَيَكُونَ ذَلِكَ حَيْضًا فَإِنَّ الدَّمَ يَنْقَطِعُ مَرَّةً وَيَدِرُّ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَكِّدٍ لِجَانِبِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَقَدْ أَقَامَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الِاغْتِسَالَ مَقَامَ الِانْقِطَاعِ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ ذَكَرَ أَنَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَالَيْنِ انْقَطَعَ التَّعَارُضُ، فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فِي الْقِرَاءَةِ يَأْبَى هَذَا التَّوْفِيقَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمْتُمْ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَإِذَا طَهُرْنَ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ أَيْ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِانْقِطَاعِ حَيْضِهِنَّ وَحَتَّى يَتَطَهَّرْنَ بِالِاغْتِسَالِ، قُلْنَا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ تَأْخِيرَ حَقِّ الزَّوْجِ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الِانْقِطَاعِ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى تَطْهُرْنَ فِي قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ فَإِنَّ تَفَعَّلَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صُنْعٍ كَتَبَيَّنَ بِمَعْنَى بَانَ أَيْ ظَهَرَ وَكَمَا يُقَالُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ: عَزَّ وَجَلَّ تَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ وَلَا يُرَادُ بِهِ صِفَةٌ تَكُونُ بِإِحْدَاثِ الْفِعْلِ، إلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ مَعْنَاهُ تَوَضَّأْنَ أَيْ صِرْنَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ كَذَا فِي عَيْنِ الْمَعَانِي يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ التَّطَهُّرُ حَقِيقَةٌ فِي الِاغْتِسَالِ وَحَمْلُهُ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ إنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ إثْبَاتُ الْعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ أُرِيدَا مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
وَلَا يُقَالُ مَعْنَى التَّطَهُّرِ الِاغْتِسَالُ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ لَا غَيْرُ عِنْدَ مَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ جَمِيعُ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ حَقٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَمَنْ اخْتَارَ التَّشْدِيدَ فَالتَّخْفِيفُ عِنْدَهُ حَقٌّ وَمَنْ اخْتَارَ التَّخْفِيفَ فَالتَّشْدِيدُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ، قُلْنَا لَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الِانْقِطَاعِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّخْفِيفِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى غَيْرُهُ وَإِرَادَةُ الِاغْتِسَالِ فِي حَالِ اخْتِيَارِ التَّشْدِيدِ وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْحَالَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ إذْ لَا يُقْرَأُ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْحَالِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} [الروم: 3] فَإِنَّ الْغَلَبَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اللَّازِمِ عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ عَلَى الْمَجْهُولِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ صَارُوا مَغْلُوبِينَ سَيَغْلِبُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَبِمَعْنَى الْمُتَعَدِّي عَلَى قِرَاءَةِ غُلِبَتْ
(3/92)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ مُتَعَارِضَانِ ظَاهِرًا فَإِذَا حَمَلْنَا النَّصْبَ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَالْخَفْضَ عَلَى حَالِ الِاسْتِتَارِ بِالْخُفَّيْنِ لَمْ يَثْبُتْ التَّعَارُضُ فَصَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ.
وَأَمَّا صَرِيحُ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَبِأَنْ يُعْرَفَ التَّارِيخُ فَيَسْقُطَ التَّعَارُضُ وَيَكُونَ آخِرُهُمَا نَاسِخًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْمَعْرُوفِ أَيْ غُلِبُوا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانُوا غَالِبِينَ عَلَى خَصْمِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَكِنَّهُ جَازَ إرَادَتُهُمَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ كَذَلِكَ هُنَا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا يَمْتَدَّ حَيْضُهُنَّ إلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَقَلِّ بَلْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ هُنَّ نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ» ثُمَّ وَصَفَ نُقْصَانَ دِينِهِنَّ بِأَنْ تَتَحَيَّضَ إحْدَاهُنَّ فِي الشَّهْرِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَصَفَهُنَّ جُمْلَةً بِنُقْصَانِ الدِّينِ ثُمَّ فَسَّرَ النُّقْصَانَ فِي جُمْلَتِهِنَّ بِمَا ذَكَرَ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ فِي جُمْلَتَيْنِ وَالْخِطَابُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِهِنَّ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهُنَّ دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِهِ نَقُولُ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا أَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا بِالتَّخْفِيفِ فَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالِاغْتِسَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الطُّهْرِ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا فَلِذَلِكَ قُرِئَ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ فَإِذًا تَطَهَّرْنَ دُونَ طَهُرْنَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ بِالِاغْتِسَالِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى) أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَعَارِضَتَانِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَيَنْدَفِعُ ذَلِكَ التَّعَارُضُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ فَكَذَا الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِخَفْضِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا مُتَعَارِضَتَانِ إذْ الْخَفْضُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ مَسْحِ الرِّجْلِ لَا غَيْرُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الرَّوَافِضِ وَالنَّصْبُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوَجْهِ فَيُوجِبُ وُجُوبَ الْغَسْلِ وَعَدَمَ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَارَضَانِ ظَاهِرًا فَيُتَخَلَّصُ عَنْهُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (وَصَحَّ ذَلِكَ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَسْتَقِيمُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلِ عَلَى قِرَاءَةِ الْخَفْضِ لَا عَلَى الْخُفِّ إذْ لَمْ يَقُلْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ، فَقَالَ قَدْ صَحَّ ذَلِكَ أَيْ حَمْلُ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ عَلَى الْمَسْحِ بِالْخُفِّ وَإِنْ أُضِيفَ الْمَسْحُ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَمَّا أُقِيمَ مُقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا صَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْحِ الْقَدَمِ فَصَارَ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةُ الْخُفِّ مِنْهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَ مَسْحُهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْقَدَمِ أَيْ الْجِلْدُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ كَانَ الْمَسْحُ مُصَادِفًا بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَقْدِيرًا كَمَا أَنَّ الْغَسْلَ يُصَادِفُ بَشَرَةَ الْقَدَمِ تَحْقِيقًا فَيَصِحُّ إضَافَةُ الْمَسْحِ إلَى الرِّجْلِ، وَفِي ذِكْرِ الرِّجْلِ دُونَ الْخُفِّ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمَسْحَ لَوْ أُضِيفَ إلَى الْخُفِّ بِأَنْ قِيلَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَخِفَافِكُمْ لَأَوْهَمَ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلْبُوسٍ فَفِي إضَافَتِهِ إلَى الرِّجْلِ وَإِرَادَةِ الْخُفِّ إزَالَةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ، وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا شَرْعِيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ بِالْكِتَابِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ فَالْمَسْحُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْكِتَابِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا بِهِ لَكَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ كَالْغَسْلِ.
وَمَا قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ نُسِخَتْ الْغَايَةُ بِالسُّنَّةِ وَبَقِيَ أَصْلُ الْمَسْحِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالنَّقْلِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ مُغَيًّا ثُمَّ نُسِخَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا قُلْت بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ أَوْ قَالَ مِثْلُ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا
(3/93)

وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَقَالَ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ إنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الصُّغْرَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَرَادَ بِهِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] الْآيَةَ وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَثْبُتُ دَلَالَةً فَمِثْلُ النَّصَّيْنِ تَعَارَضَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الْحَاظِرَ يُجْعَلُ آخِرًا نَاسِخًا دَلَالَةً؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَاظِرُ أَوَّلًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ ثُمَّ كَانَ الْمُبِيحُ نَاسِخًا فَتَكَرَّرَ النَّسْخُ، وَإِذَا تَقَدَّمَ الْمُبِيحُ ثُمَّ الْحَاظِرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْكِتَابِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ.
ثُمَّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقِرَاءَةُ بِالْخَفْضِ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلْغَسْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلُ فِي حَقِّ الرِّجْلِ لِلْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَك طَبْخَهُ ... . قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
وَلِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْسَاسُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ وَالْمُتَوَضِّئُ لَا يَقْنَعُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَمْسَحَهَا فِي الْغَسْلِ وَيُقَالُ تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ أَيْ تَوَضَّأْت، وَقَالَ تَعَالَى {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 33] أَيْ غَسَلَ أَعْنَاقَهَا وَأَرْجُلَهَا غَسْلًا خَفِيفًا فِي قَوْلٍ إزَالَةً لِلْغُبَارِ عَنْهَا لِكَرَامَتِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَسْحِ قَدْ أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ {وَامْسَحُوا} [المائدة: 6] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا أُرِيدَ الْغَسْلُ بِالْمَسْحِ الْمُقَدَّرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] إذْ التَّقْدِيرُ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَامْسَحُوا بِأَرْجُلِكُمْ دُونَ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي عَطْفِ الْمَغْسُولِ عَلَى الْمَمْسُوحِ؟ قُلْنَا هِيَ التَّحْذِيرُ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَعُطِفَ عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ وَلَكِنْ لِيُنَبِّهَ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْكَشَّافِ قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ أَيْ بِأَطْوَلِ الْعِدَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوجِبُ عِدَّةً عَلَى وَجْهٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ فَإِذَا عُرِفَ تَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ، وَقَدْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] عِنْدَهُ حَتَّى دَعَا إلَى الْمُبَاهَلَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُبَاهَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبُهْلَةِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَهِيَ اللَّعْنَةُ وَيُرْوَى لَاعَنْته. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا بُهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ فَجَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التَّأَخُّرَ دَلِيلَ النَّسْخِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ النَّصَّيْنِ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي ثَبَتَ دَلَالَةً) إلَى آخِرِهِ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَأَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُمَا يُطْرَحَانِ وَيَرْجِعُ الْمُجْتَهِدُ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ كَالْوَلِيَّيْنِ عَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُوَلِّيَةِ وَلَا يُعْلَمُ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُمَا يَبْطُلَانِ وَكَالْغَرْقَى بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَعْضِ، وَفِي الْقَوَاطِعِ لِأَبِي مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيِّ إذَا اقْتَضَى أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ الْحَظْرَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وَصَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْحَاظِرَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَعِنْدَنَا يُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَلَا يَرِيبُهُ جَوَازُ تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ كَوْنِهِ حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَرِيبُهُ جَوَازُ فِعْلِهِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَلِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ أَوْ أَعْتَقَ إحْدَى إمَائِهِ وَنَسِيَهَا
(3/94)

وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَلَسْنَا نَقُولُ لِهَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا هَذَا بِنَاءٌ عَلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ قَبْلَ شَرِيعَتِنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ جَمِيعِهِنَّ بِالِاتِّفَاقِ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِ الْمُحَرِّمِ نَاسِخًا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا وُجِدَا فِي زَمَانَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لَكَانَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَنِسْبَةُ التَّنَاقُضِ إلَى الشَّارِعِ مُحَالٌ ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَاظِرُ مُتَقَدِّمًا يَتَكَرَّرُ النَّسْخُ وَلَوْ كَانَ الْمُبِيحُ مُتَقَدِّمًا لَا يَتَكَرَّرُ فَكَانَ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ النَّسْخُ مَرَّةً أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالتَّكْرَارِ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاظِرَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا نَاسِخٌ لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ الْعَارِضَةِ وَالْمُبِيحُ مُحْتَمِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ كَانَ مُقَرِّرًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا نَاسِخًا لَهَا فَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ نَاسِخٌ بِيَقِينٍ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُحْتَمَلِ قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ جَعْلُ الْحَاظِرِ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ. بِنَاءً عَلَى كَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهَا وَحَظْرِهَا أَنَّهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَمْ عَلَى الْحَظْرِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا خُصُوصًا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِيهَا حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا شَاءَ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْإِكْرَاهِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ تَهَدَّدَ بِقَتْلٍ حَتَّى يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ آثِمًا؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يُحَرَّمَا إلَّا بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا فَجَعَلَ الْإِبَاحَةَ أَصْلًا وَالْحُرْمَةَ بِعَارِضِ النَّهْيِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ إنَّهُمَا عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ لَا يُبَاحُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ التَّنَفُّسِ وَالِانْتِقَالِ عَنْ مَكَان إلَى مَكَان.
وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ لَا تُوصَفُ بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ وَلَا يَتَنَاوَلَ شَيْئًا فَإِنْ تَنَاوَلَ شَيْئًا لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْحَظْرِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَتَفْسِيرُ الْوَقْفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِفِعْلِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنَّ الْعَقْلَ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا الْقِسْمِ يَعْنِي فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْبَقَاءِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ جَوَادٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْغَنِيُّ الْجَوَادُ لَا يَمْنَعُ مَالَهُ عَنْ عِبَادِهِ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ بِاعْتِبَارِ غِنَاهُ وُجُودِهِ وَالْحُرْمَةُ لِعَوَارِضَ وَلَمْ يَثْبُتْ فَيَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِبَاحَةِ الْمَالِكِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ بَقِيَتْ عَلَى الْحَظْرِ لِقِيَامِ سَبَبِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْغَيْرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ الْحُرْمَةَ أَوْ الْإِبَاحَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَقَبْلَ وُرُودِهِ لَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ.
ثُمَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ فِي أَصْلِ وَضْعِهَا مُبَاحَةً مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ بِحَظْرٍ وَتَحْرِيمٍ ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وَأَوْحَى إلَيْهِمْ بِحَظْرِ بَعْضِهَا وَإِبْقَاءِ بَعْضِهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ
(3/95)

وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ خُلِقَ الْخَلَائِقُ وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِشَيْءٍ مُدَّةً ثُمَّ بُعِثَ فِيهِمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالتَّكْلِيفِ فَكُلِّفُوا بِتَحْرِيمِ الْبَعْضِ وَإِبْقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ النَّاسُ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى أَيْ مُهْمَلًا فِي زَمَانٍ فَإِنَّ أَوَّلَ الْبَشَرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ كَانَ صَاحِبَ شَرْعٍ قَدْ أَتَى بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَخْلُ قَرْنٌ بَعْدَهُ عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وَإِنْ فَتَرَ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِ النَّظَرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] أَيْ وَمَا مِنْ أُمَّةٍ فِيمَا مَضَى إلَّا جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَذَّرَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخُ بِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بِكَوْنِهَا أَصْلًا فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالْحُرْمَةَ قَدْ ثَبَتَتَا فِي الْأَشْيَاءِ بِالشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَبَقِيَتَا إلَى زَمَانِ الْفَتْرَةِ ثُمَّ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ ظَاهِرَةً فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَثْبُتَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ فِي شَرِيعَتِنَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا لَا أَنَّهَا أَصْلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ بَيَانُ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ الْحَظْرِ أَوْ التَّوَقُّفِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلَائِقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَبَعْدَمَا وُجِدُوا لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلُّ الْخِلَافِ إلَّا زَمَانَ الْفَتْرَةِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَنْ بَلَغَ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ السَّمْعِ أَوْ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَهَذَا أَيْ الْوَقْفُ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَضِرَارٍ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَانُ الْعُقَلَاءِ عَنْ شَرِيعَةٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا لَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ تَارَةً وَيُبَاحَ أُخْرَى فَقَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ الشَّرْعُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ وَلَا بِالْإِبَاحَةِ وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَيْضًا لَا يُوصَفُ بِالْحِلِّ وَلَا بِالْحُرْمَةِ كَفِعْلِ مَنْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَالْأَمْوَالُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِالْإِجْمَاعِ مَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَهُمْ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَحْصِيلِهَا إلَّا بِالْعِصْمَةِ عَنْ الْإِتْلَافِ وَالْعِصْمَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَحْرِيمِ إتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَالْأَطْرَافِ جَمِيعًا، قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ تَرْجِيحُ الْمُحَرَّمِ وَجَعْلُهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَرَّمَ الضَّبَّ وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ أُهْدِي لَهَا ضَبٌّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِهِ فَكَرِهَهُ فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْعِمَهُ إيَّاهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ» فَدَلَّ أَنَّهُ كَرِهَهُ لِحُرْمَتِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَرَاهِيَةُ الْأَكْلِ لِلْحُرْمَةِ لَأَمَرَهَا بِالتَّصَدُّقِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي شَاةِ الْأَنْصَارِيِّ بِقَوْلِهِ أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ أَنَّهُ.
قَالَ «نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ وَطَبَخْنَا مِنْهَا وَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي بِهَا إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَا هَذَا، فَقُلْنَا ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَاكْفِنُوهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهُ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(3/96)

وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَنَّا نَجْعَلُ الْحَاظِرَ نَاسِخًا.

وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَتَعَارَضَانِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ رُوِيَ أَنْ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ وَهَذَا مُثْبِتٌ، وَرُوِيَ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَهَذَا مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَعَامِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْآكِلِينَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَيَضْحَكُ» فَنَحْنُ رَجَّحْنَا الْمُحَرَّمَ عَلَى الْمُبِيحِ وَحَمَلْنَا دَلِيلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ السُّؤْرِ فَعَلِمْنَا بِالْمُحَرِّمِ وَجَعَلْنَاهُ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَكَذَلِكَ الضَّبُعُ أَيْ وَكَالضَّبِّ أَوْ الْحِمَارِ، الضَّبُعُ فِي أَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ فِيهِ تَعَارَضَا، فَالْمُبِيحُ حَدِيثُ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَيُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ نَعَمْ» وَالْمُحَرِّمُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَحَدِيثُ جَابِرٍ إنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ مِثْلُ الثَّعْلَبِ وَالْقُنْفُذِ وَالسُّلَحْفَاةِ

[تعارض الْجُرْح وَالتَّعْدِيل]
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا) إلَى آخِرِهِ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَالنَّافِي هُوَ الَّذِي يَنْفِي الْعَارِضَ وَيُبْقِي الْأَمْرَ الْأَوَّلَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.
فَإِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ وَالْآخَرُ نَافٍ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالنَّافِي اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُثْبِتِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ النَّافِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا يُقَدَّمُ قَوْلُ الْجَارِحِ عَلَى قَوْلِ الْمُعَدِّلِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةٍ وَالْمُعَدِّلُ يُخْبِرُ مُعْتَمَدًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الْمُثْبِتُ، وَلِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ وَالنَّافِيَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ؛ لِأَنَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِ الرَّاوِي فِي الْمُثْبِتِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّافِي فَيَتَعَارَضَانِ وَيَطْلُبُ التَّرْجِيحُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عَمَلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَمِلُوا بِالْمُثْبِتِ وَفِي بَعْضِهَا عَمِلُوا بِالنَّافِي.
وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا مَسْأَلَةُ خِيَارِ الْعَتَاقَةِ وَهِيَ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ يَثْبُتُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ حَصَلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ أَيْسَرَتْ وَالزَّوْجُ مُوسِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفُوٍ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْمِلْكَ يَزْدَادُ عَلَيْهَا بِالْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الطَّلَاقِ فَلَهَا أَنْ تَدْفَعَ الزِّيَادَةَ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمَا خَيَّرَهَا وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ
(3/97)

وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِالنَّافِي أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُثْبِتِ وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا عَمِلُوا فِيهِ بِالْمُثْبِتِ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَخْبَرَ رَجُلٌ بِحُرْمَتِهِ وَالْآخَرُ بِحِلِّهِ أَوْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَاسْتَوَى الْمُخْبِرُ أَنَّ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّ الطَّهَارَةَ أَوْلَى وَلَمْ يَعْمَلُوا بِالْمُثْبِتِ وَقَالُوا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا تَعَارَضَا إنَّ الْجَرْحَ أَوْلَى وَهُوَ الْمُثْبِتُ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ عَمَلُهُمْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَصْلٍ جَامِعٍ وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ إنَّ النَّفْيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ كَانَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا حِينَ عَتَقَتْ فَالنَّصُّ الْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْعِتْقِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فَأَصْحَابُنَا أَخَذُوا بِالْمُثْبِتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ بِدَوَاعِيهِ وَالْعَقْدُ دَاعٍ إلَيْهِ وَضْعًا وَشَرْعًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ فَتَعَدَّتْ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ كَمَا فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَكَمَا فِي شِرَاءِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ.
وَعِنْدَنَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاعْتِبَارِ الِارْتِفَاقِ إمَّا كَامِلًا كَالْوَطْءِ أَوْ قَاصِرًا كَالْمَسِّ وَالْقُبْلَةِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَحْرُمُ كَشِرَاءِ الْجَارِيَةِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفٍ» أَيْ خَارِجٌ عَنْ الْإِحْرَامِ فَالْأَوَّلُ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَالثَّانِي مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى الْإِحْرَامِ وَعُلَمَاؤُنَا أَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي، وَسَرِفٌ بِوَزْنِ كَتِفٍ جَبَلٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي الصِّحَاحِ وَسَرِفٌ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَعَنْ الْمُسْتَغْفِرِيِّ سَرِفٌ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ مِنْ مَكَّةَ بِهَا قَبْرُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَّ عَنْهَا وَكَانَتْ مَاتَتْ بِمَكَّةَ فَحَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى سَرِفٍ، وَيَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ بِتَقْدِيرِ التَّأْنِيثِ وَصَرْفُهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ عُلَمَاءَنَا إنَّمَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عَارِضٌ وَالْحِلُّ أَصْلٌ فَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَمَلًا بِالْمُثْبِتِ لَا بِالنَّافِي فَقَالَ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِلِّ الْأَصْلِيِّ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْحِلِّ الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَكَانَ الْحِلُّ عَارِضًا وَالْإِحْرَامُ أَصْلًا،.
وَالْمُرَادُ مِنْ اتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقُ عَامَّتِهَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ، وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَهِيَ مَا إذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا تَقَعُ.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَاجَرَتْ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَزَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ كَافِرٌ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ عَارِضٍ فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْمُثْبِتِ دُونَ النَّافِي، وَالرَّابِعَةُ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْمُخْبِرُ بِالطَّهَارَةِ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ وَالْمُخْبِرُ بِالنَّجَاسَةِ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ عَنْ أَمْرٍ عَارِضٍ وَأَخَذُوا فِيهَا بِالنَّافِي دُونَ الْمُثْبِتِ، وَالْخَامِسَةُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِأَنْ أَخْبَرَ مُزَكٍّ أَنَّهُ عَدْلٌ وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّهُ مَجْرُوحٌ يُرَجَّحُ خَبَرُ الْجَارِحِ وَهُوَ مُثْبِتٌ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا عَلَى خَبَرِ الْمُعَدِّلِ وَهُوَ نَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إذْ الْعَدَالَةُ هِيَ الْأَصْلُ فَهَذَا بَيَانُ اخْتِلَافِ عَمَلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْأَصْلُ الْجَامِعُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِمَّا يُعْرَفُ
(3/98)

وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي رَجُلٍ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ مِنْهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ إنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا نَدْرِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَمْ لَا لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَيْضًا.
وَإِنْ قَالَ الشَّاهِدَانِ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَوَقَعَتْ الْحُرْمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَدْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَحْضِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَفْيُ طَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا يُسْمَعُ عِيَانًا فَيُحِيطُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَزِدْ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُسْمَعُ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ لَكِنَّهُ دَنْدَنَةٌ، وَإِذَا وَضَحَ طَرِيقُ الْعِلْمِ وَظَهَرَ صَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ.
وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ التَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ عَلَى مَا يُخْرِجُ عَدَالَتَهُ وَقَلَّ مَا يُوقَفُ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ عَلَى أَمْرٍ فَوْقَهُ فِي التَّزْكِيَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِدَلِيلِهِ أَيْ يَكُونُ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ كَالْإِثْبَاتِ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ أَيْ لَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ بَلْ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ أَوْ يَشْتَبِهُ حَالُهُ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ النَّفْيُ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلْقَاضِي إنِّي سَمِعْت زَوْجِي يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ وَصَلْتُ بِكَلَامِي شَيْئًا آخَرَ فَقُلْت النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ قُلْت الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى فَلَمْ تَسْمَعْ الْمَرْأَةُ بَعْضَ كَلَامِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ كَذَبَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ فَإِنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ فَيَكُونُ مُنْكِرًا لِمَا تَدَّعِيهِ مِنْ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ إنِّي سَمِعْته يَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا أَرَدْت بِذَلِكَ حِكَايَةً عَمَّنْ يَقُولُ هَذَا حَيْثُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِحُكْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ مَا فِي الضَّمِيرِ دُونَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَالشَّيْءُ لَا يَنْسَخُهُ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْمَرْأَةِ أَنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ كَذَا وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ لَمْ نَسْمَعْ وَبَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ قُلْتُ: قَالَتْ النَّصَارَى كَذَا؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنْ يُقَالَ قَالَ فُلَانٌ قَوْلًا وَلَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ.
وَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ أَثْبَتُوا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ يَكُونُ مَسْمُوعًا لِمَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ يَكُونُ دَنْدَنَةً لَا كَلَامًا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهَا إنَّمَا قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ بِمَا سَبَقَ مِمَّا هُوَ إثْبَاتٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَخُو الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فِيهِ إثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمُوجَبِ كَلَامِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ الشُّهُودُ لَا نَدْرِي قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ قَوْلِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ مَا أَثْبَتُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ وَكَمَا لَمْ تَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَاضِي لَمْ يَسْمَعْ أَيْضًا.
1 -
وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ: أَيْ وَمِثْلُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ ادِّعَاءِ الزَّوْجِ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ أَوْ فِي الْخُلْعِ بِأَنْ قَالَ قَدْ قُلْتُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ خَالَعْتُكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الِاسْتِثْنَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنَّ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ بِأَنْ قَالُوا قَدْ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالُوا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. الدَّنْدَنَةُ أَنْ تَسْمَعَ مِنْ الرَّجُلِ نَغْمَةً وَلَا تَفْهَمَ مَا يَقُولُ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَا لَا طَرِيقَ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ) أَيْ فِيهِ خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا عَنْ دَلِيلٍ
(3/99)

وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ فَصَارَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ أَمْرًا تَشْتَبِهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ الْمُخْبِرُ بِدَلِيلٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ ظَاهِرُ الْحَالِ وَجَبَ السُّؤَالُ وَالتَّأَمُّلُ فِي الْمُخْبِرِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَنَى عَلَى الْحَالِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ السَّامِعُ، وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ دَلِيلِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ كَانَ مِثْلَ الْمُثْبِتِ فِي التَّعَارُضِ فَحَدِيثُ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الِاحْتِرَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْمُحْرِمِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَوَقَعَتْ الْمُعَارَضَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فِي الرُّوَاةِ دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ رِوَايَةَ مَنْ اخْتَصَّ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ أَوْلَى وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُعْدَ لَهُ فِي الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مُوجِبٍ بَلْ عَنْ اسْتِصْحَابِ حَالٍ وَخَبَرُ الْمُخْبِرِ صَادِرٌ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّامِعَ وَالْمُخْبِرَ فِي هَذَا النَّوْعِ سَوَاءٌ فَإِنَّ السَّامِعَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ كَالْمُخْبِرِ بِالنَّفْيِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ السَّامِعِ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْمُثْبِتِ الدَّاعِي إلَى التَّزْكِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، هُوَ إنْ لَمْ يَقِفْ الْمُزَكَّى مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّاهِدِ عَلَى مَا تُجْرَحُ عَدَالَتُهُ فَكَانَ مَآلُ تَزْكِيَتِهِ الْجَهْلُ بِسَبَبِ الْجَرْحِ إذْ لَا طَرِيقَ لِلْمُزَكِّي إلَى الْوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِ الشَّاهِدِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى يَكُونَ إخْبَارُهُ بِعَدَالَتِهِ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِهَا، وَالْجَرْحُ يَعْتَمِدُ الْحَقِيقَةَ أَيْ الْجَارِحُ يُخْبِرُ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَهُوَ الْمُعَايَنَةُ فَصَارَ أَوْلَى وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقَلَّمَا تُوقَفُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدَمِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ أَيْ لَا تُوقَفُ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْجِيحِ الْجَرْحِ عَلَى التَّزْكِيَةِ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ فَصَّلُوا وَقَالُوا الْجَارِحُ إمَّا أَنْ يُعَيِّنَ السَّبَبَ أَوْ لَا فَإِنْ عَيَّنَ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ الْمُعَدِّلُ أَمْ لَا فَإِنْ نَفَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ أَمْ لَا، فَإِنْ عَيَّنَ السَّبَبَ وَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ قَدْ قَتَلَ فُلَانًا الْمُسْلِمَ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي وَقْتِ كَذَا وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ قَدْ رَأَيْتُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَقُولَ الْجَارِحُ رَأَيْتُهُ شَرِبَ الْخَمْرَ طَوْعًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقُولَ الْمُعَدِّلُ كُنْت مُصَاحِبًا لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُشْرِبْهَا أَصْلًا فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِبَعْضِ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّهُ اطِّلَاعٌ عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ وَمَا نَفَاهَا يَقِينًا فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُنَا هَكَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ نَفْيٌ عَنْ دَلِيلٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَ الْإِثْبَاتَ وَهُوَ الْجَرْحُ، قَوْلُهُ (دُونَ مَا يَسْقُطُ بِهِ التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ) وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا نَفْيًا وَالْآخَرُ إثْبَاتًا يَعْنِي لَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ وَالْآخَرُ إثْبَاتٌ وَالنَّفْيُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا يُعَارِضُ لِلْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفْيَ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَصَارَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ. وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ أَيْ الرُّجُوعُ إلَى أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ أَيْ يُجْعَلَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِفَقَاهَتِهِ وَضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّ قُوَّةَ الضَّبْطِ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ وَإِتْقَانِهِ أَنَّهُ فَسَّرَ الْقِصَّةَ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ يَعْنِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَرَامٌ. وَكَانَ زَوَّجَهُ أَيَّاهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ فَقَالُوا قَدْ انْقَضَى أَجَلُك فَاخْرُجْ عَنَّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ قَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلَفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفٍ فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ هُنَالِكَ» هَكَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ وَشَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ قَدْ ضَعَّفَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَيْثُ قَالَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَا يَدْرِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبِهِ أَتَجْعَلُهُ
(3/100)

وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ فَصَارَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ لِمَنْ اسْتَقْصَى الْمَعْرِفَةَ فِي الْعِلْمِ بِهِ مِثْلُ النَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ وَاللَّحْمُ وَالشَّرَابُ، وَلَمَّا اسْتَوَيَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً فَيَصْلُحُ مُرَجِّحًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الزُّهْرِيُّ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَاَلَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَهْلُ عِلْمٍ وَثَبْتٍ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ وَفُقَهَاءُ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَاَلَّذِينَ نَقَلُوا عَنْهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِرِوَايَاتِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهَا مَنْ لَا يَطْعَنُ أَحَدٌ فِيهِ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِمْ فَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى مِمَّا رَوَى مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِمْ فِي الضَّبْطِ وَالثَّبْتِ وَالْفِقْهِ وَالْأَمَانَةِ،
وَمَا قَالُوا أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ رَسُولًا بَيْنَهُمَا فَكَانَ هُوَ أَعْرَفَ بِالْبَيَانِ وَهُوَ يَرْوِي أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ قُلْنَا الرَّسُولُ قَدْ يَغِيبُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا وَالْعَبَّاسُ وَلِيٌّ مِنْ جَانِبِهَا فَكَانَ ابْنُهُ أَعْرَفَ بِحَالِ أَبِيهِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ بَلَغَهَا بَعْدَ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يُنْكِحُهَا.
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ وَزَيْنَبَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ) أَيْ خَبَرُ النَّافِي فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَيَّرَهَا وَزَوْجُهَا عَبْدٌ «وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّ زَيْنَبَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ» بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ أَيْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ لَا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا بَنَى خَبَرَهُ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ الْعُبُودِيَّةَ ثَابِتَةً فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لِلْحُرِّيَّةِ، وَمَنْ رَوَى الرَّدَّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَنَى خَبَرَهُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ أَيْضًا وَهُوَ مُشَاهَدَةُ النِّكَاحِ الْجَدِيدِ وَأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا قَائِمًا فِيمَا مَضَى وَشَاهَدَ رَدَّهَا فَرَوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِثْبَاتُ أَوْلَى لِابْتِنَائِهِ عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الرَّدِّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِحُرْمَةِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ مَنْكُوحَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا غَيْرَهُ.
ثُمَّ إنَّهُمْ قَالُوا خَبَرُ الْعُبُودِيَّةِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ كَانَتْ خَالَةُ عُرْوَةَ وَعَمَّةُ قَاسِمٍ فَكَانَ سَمَاعُهُمَا مُشَافَهَةً وَرَاوِي خَبَرِ الْحُرِّيَّةِ لِلْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَمَاعُهُ عَنْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَكَانَتْ الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى لِزِيَادَةِ تَيَقُّنٍ فِي الْمَسْمُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الْحِجَابِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ التَّيَقُّنَ فِيمَا قُلْنَا أَكْثَرُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الدَّلِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَا عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَأَنَّهُ كَانَ حُرًّا جَعَلْنَاهُ حُرًّا فِي حَالٍ وَعَبْدًا فِي حَالٍ وَالْحُرِّيَّةُ تَكُونُ بَعْدَ الرِّقِّ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ فَجَعَلْنَا الرِّقَّ سَابِقًا وَالْحُرِّيَّةَ لَاحِقَةً جَمْعًا بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ لَوْ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَمْ تَنْفِ ثُبُوتَ التَّخْيِيرِ إذَا كَانَ زَوْجُ الْمُعْتَقَةِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ: إنِّي خَيَّرْتهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي التَّخْيِيرَ أَيْضًا عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ الْخِيَارِ عِنْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَاءِ أَيْ النَّفْيِ فِي مَسْأَلَةِ
(3/101)

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَسَائِلِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إنَّ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ فِي الصِّدْقِ إلَّا أَنَّ هَذَا خِلَافُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ وَادٍ جَارٍ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ وَلَمْ يَغِبْ ذَلِكَ الْإِنَاءُ عَنْهُ كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِطَهَارَتِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ كَالْمُخْبِرِ بِنَجَاسَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ بِفَضْلِ عَدَدٍ فِي الرُّوَاةِ) وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الْآخَرِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى صِحَّةِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقُوَّةٍ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ نَوْعُ قُوَّةٍ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ أَقْوَى فِي الظَّنِّ وَأَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَأَقْرَبُ إلَى إفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يُفِيدُ ظَنًّا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظُّنُونَ الْمُجْتَمِعَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَانَتْ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى الْقَطْعِ، وَلِهَذَا رَجَّحَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلَ الِاثْنَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاثْنَانِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الِاثْنَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ يُرَجَّحُ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَثْنَى حُجَّةً لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ إلَيْهِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ اشْتَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْمَثْنَى دُونَ الْوَاحِدِ، وَلَنَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَخَبَرَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُوجِبُ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لِاسْتِوَاءِ الِاثْنَيْنِ وَمَا فَوْقَهُمَا فِي إيقَاعِ الْعِلْمِ وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ حُجَّةً وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ هُنَاكَ يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ وَحَقِيقَةٍ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ وَقَوْلُ الِاثْنَيْنِ حُجَّةٌ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْجَبَ.
أَمَّا هَاهُنَا فَالْخَبَرُ لَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ فَكَانَ خَبَرًا مَحْضًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِيهِ سَوَاءٌ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ هَاهُنَا يُخْبِرُ عَنْ مُعَايَنَةٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الرُّوَاةِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّرْجِيحِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً فَقَدْ ذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فَكُلُّ مَا اتَّفَقَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلٍ أَخَذْتُ بِذَلِكَ وَتَرَكْتُ مَا انْفَرَدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ وَهَذَا تَرْجِيحٌ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ صَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَبَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَا فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا تَكُونُ دَلِيلَ قُوَّةِ الْحُجَّةِ قَالَ تَعَالَى، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .
وَقَالَ {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ} [الكهف: 22] {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] ثُمَّ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يُرَجِّحُوا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي بَابِ الْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَالْقَوْلُ بِهِ يَكُونُ قَوْلًا بِخِلَافِ إجْمَاعِهِمْ أَرَأَيْتَ لَوْ وَصَلَ إلَى السَّامِعِ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ
(3/102)

وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي بَابِ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ فَأَمَّا فِي الْعَدَدِ فَإِنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الرَّجُلَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ بِطُرُقٍ أَكَانَ يُرَجَّحُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ بِطَرِيقٍ إذَا كَانَ رَاوِي الْأَصْلِ وَاحِدًا فَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ لَا يَتَرَجَّحُ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي رُوَاتُهُ أَقَلُّ مُتَأَخِّرًا فَيَكُونُ نَاسِخًا لِذَلِكَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَرْفَعُ الرُّوَاةُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِبَارِهِمْ الْخَبَرَ بِالشَّهَادَةِ فِي خَبَرِ الِاثْنَيْنِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ رَاجِحٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ وَكَمَا لَا يَصِحُّ مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السَّلَفِ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِالشَّهَادَةِ أَيْضًا فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ ثَابِتٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ حَتَّى كَانَتْ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ وَشَهَادَةُ الْحُرَّيْنِ رَاجِحَةً عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَجِبْ التَّرْجِيحُ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ حَتَّى كَانَ خَبَرُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ خَبَرِ الرَّجُلِ وَخَبَرُ الْعَبْدِ مِثْلَ خَبَرِ الْحُرِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْأَخْبَارِ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يُؤْخَذُ حُكْمُ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعَارُضَ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ تَقَعُ بَيْنَ خَبَرِ الْمَرْأَةِ وَخَبَرِ الرَّجُلِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَخَبَرِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْمُثَنَّى وَخَبَرِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَاتِ حَتَّى يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ مَا لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَهُوَ الزِّنَا.
وَكَذَلِكَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرُ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ بَيْنَ شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَمْوَالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِنْ حَادِثَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ (وَلَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ هَذَا إلَّا فِي الْأَفْرَادِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ لَا يَجِبُ فِي الْأَفْرَادِ حَتَّى لَا يَتَرَجَّحَ خَبَرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى خَبَرِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَخَبَرُ حُرٍّ عَلَى خَبَرِ عَبْدٍ لَكِنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ عَدَمَ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ بَلْ يَقُولُونَ خَبَرُ الْحُرَّيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَخَبَرُ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْمَرْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ دُونَ خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَيَتَرَجَّحُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَانَ خَبَرُ الْحُرِّ كَخَبَرِ الْعَبْدِ وَخَبَرُ الرَّجُلِ كَخَبَرِ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَعْنِي إذَا أَخْبَرَهُ عَبْدٌ ثِقَةٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَحُرٌّ ثِقَةٌ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ وَيَعْمَلُ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بِخَبَرِ حُرٍّ وَاحِدٍ وَمِنْ حَيْثُ الدِّينُ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ سَوَاءٌ فَلِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ يَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَمْلُوكَانِ ثِقَتَانِ وَبِالْأَمْرِ الْآخَرِ حُرَّانِ ثِقَتَانِ أَخَذَ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَتِمُّ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ فِي الْحُكْمِ وَلَا تَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَمْلُوكَيْنِ فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحُرَّيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا ثَبَتَ تَرْجِيحُ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ يَثْبُتُ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ لَا يَتِمُّ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِمْ بِمَا ذُكِرَ فَأَبْطَلَ عَلَيْهِمْ كَلَامَهُمْ لِيَتِمَّ الْإِلْزَامُ، فَقَالَ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَرْجِيحِ خَبَرِ الْحُرَّيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ فَإِنَّ الْمُنَاظَرَاتِ جَرَتْ مِنْ وَقْتِ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اشْتِغَالُهُمْ بِالتَّرْجِيحِ بِالذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْأَفْرَادِ وَالْعَدَدِ وَلَا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ عَدَدِ الرُّوَاةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَاشْتَغَلُوا بِهِ كَمَا اشْتَغَلُوا بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَبِزِيَادَةِ
(3/103)

وَهَذِهِ الْحُجَجُ بِجُمْلَتِهَا تَحْتَمِلُ الْبَيَانَ فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهَا هَذَا.

(بَابُ الْبَيَانِ)
الْبَيَانُ فِي كَلَامِ الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الظُّهُورِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 4] وَ {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138] وَقَالَ {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الْإِظْهَارُ وَالْفَصْلُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا مُجَاوِزًا وَغَيْرَ مُجَاوِزٍ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَنَا الْإِظْهَارُ دُونَ الظُّهُورِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الثِّقَةِ، فَأَمَّا تَرْجِيحُ خَبَرِ الْمُثَنَّى عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَخَبَرِ الْحُرَّيْنِ عَلَى خَبَرِ الْعَبْدَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ فَلِظُهُورِ التَّرْجِيحِ فِي الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَخَبَرُ الْمَثْنَى فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِمَا سَوَاءٌ كَذَا أَجَابَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْحُجَجُ بِجُمْلَتِهَا) أَيْ الْحُجَجُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مِنْ الْكِتَابِ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَغَيْرِهِمَا سِوَى الْمُحْكَمِ مِنْهَا، وَالسُّنَّةِ بِجُمْلَةِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ وَالْآحَادِ تَحْتَمِلُ الْبَيَانَ أَيْ تَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَهَا بَيَانٌ إمَّا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ أَوْ التَّفْسِيرِ أَوْ التَّغْيِيرِ فَوَجَبَ إلْحَاقُ بَابِ الْبَيَانِ بِذِكْرِ هَذِهِ الْحُجَجِ رِعَايَةً لِلْمُنَاسَبَةِ، وَهَذَا الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ.

[بَابُ الْبَيَانِ]
(بَابُ الْبَيَانِ) الْبَيَانُ لُغَةً الْإِظْهَارُ وَالتَّوْضِيحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 4] أَيْ الْكَلَامَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ مَا فِي قَلْبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ وَمُنْفَصِلٌ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
قَالَ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّيْسِيرِ وَيَدْخُلُ فِي الْبَيَانِ الْكِتَابَةُ وَالْإِشَارَةُ وَمَا يَقَعُ بِهِ الدَّلَالَةُ وَهُوَ امْتِنَانٌ مِنْهُ عَلَى الْعِبَادِ بِتَعْلِيمِ اللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَوُجُوهِ الْكَلَامِ الْمُتَفَرِّقَةِ. هَذَا بَيَانٌ أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ سُنَّتِي فِي الْمَاضِينَ إيضَاحٌ لِسُوءِ عَاقِبَةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيبِ أَوْ الْقُرْآنُ فَصَّلَ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] أَيْ إذَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْك بِأَمْرِنَا فَاتَّبِعْ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَقْرُوءًا عَلَيْك فَاقْرَأْهُ حِينَئِذٍ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] أَيْ إظْهَارَ مَعَانِيهِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ وَقِيلَ إذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ قِرَاءَتَهُ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا إظْهَارَهُ عَلَى لِسَانِك بِالْوَحْيِ حَتَّى تَقْرَأَهُ.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَاتِ الْإِظْهَارُ وَالْفَصْلُ فَإِنَّ الْمُظْهِرَ لِلشَّيْءِ وَالْمُبَيَّنَ لَهُ فَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذَا أَيْ لَفْظُ الْبَيَانِ مُجَاوِزًا وَغَيْرَ مُجَاوِزٍ أَيْ مُتَعَدِّيًا كَمَا بَيَّنَّا وَغَيْرَ مُتَعَدٍّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَكَمَا أَنَّ الْبَيَانَ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ فَهُوَ مَصْدَرُ الْمُنْشَعِبَةِ أَيْضًا كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ فَالْبَيَانُ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ لَازِمٌ وَاَلَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الْمُنْشَعِبَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ قَدْ بُيِّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ أَيْ بَانَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الظُّهُورِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِهِ أَيْ بِالْبَيَانِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ تَقْسِيمِ الْبَيَانِ أَوْ فِي هَذَا النَّوْعِ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْإِظْهَارُ دُونَ الظُّهُورِ، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَعْنَاهُ ظُهُورُ الْمُرَادِ لِلْمُخَاطَبِ وَالْعِلْمُ بِالْأَمْرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ عِنْدَ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ لِلظُّهُورِ يُقَالُ بَانَ هَذَا الْمَعْنَى لِي بَيَانًا أَيْ ظَهَرَ وَاتَّضَحَ وَبَانَ الْهِلَالُ أَيْ ظَهَرَ وَانْكَشَفَ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ بَيَّنَ فُلَانٌ كَذَا بَيَانًا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ أَظْهَرَ إظْهَارًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَكٌّ، وَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ ذُو بَيَانٍ يُرَادُ مِنْهُ الْإِظْهَارُ وَكَذَا فِي التَّنْزِيلِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَرَدَ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِظْهَارِ أَيْضًا.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْبَيَانُ الْفَصَاحَةُ وَاللَّسَنُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَعْلُهُ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ أَوْلَى. وَمَنْ جَعَلَهُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ دُونَ الْإِظْهَارِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ
(3/104)

وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» أَيْ الْإِظْهَارِ. .

وَالْبَيَانُ عَلَى أَوْجُهٍ: بَيَانُ تَقْرِيرٍ وَبَيَانُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانُ تَغْيِيرٍ وَبَيَانُ تَبْدِيلٍ وَبَيَانُ ضَرُورَةٍ فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
أَمَّا بَيَانُ التَّقْرِيرِ فَتَفْسِيرُهُ أَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ أَوْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ إذَا لَحِقَ بِهِ مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَمَّلُ فِي النُّصُوصِ، وَلَا يَجِبُ الْإِيمَانُ عَلَى مَنْ لَا يَتَأَمَّلُ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ لِلْمُكَلَّفِ بِمَا أُرِيدَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ فَاسِدٌ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورًا بِالْبَيَانِ لِلنَّاسِ» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ بَيَّنَ لِلْكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِبَيَانِهِ فَأَقَرَّ وَمَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ الْعِلْمُ فَأَصَرَّ، وَلَوْ كَانَ الْبَيَانُ عِبَارَةً عَنْ الْعِلْمِ الْوَاقِعِ لِلْمُبَيَّنِ لَهُ لَمَا كَانَ هُوَ مُتَمِّمًا لِلْبَيَانِ فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ. قَوْلُهُ (- عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ) عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَتَعَجَّبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنْ الشَّعْرِ لَحِكْمَةً» قِيلَ مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ بِالسِّحْرِ أَنَّ بِالسِّحْرِ يُسْتَمَالُ الْقُلُوبُ فَكَذَا بِالْبَيَانِ الْفَصِيحِ يُسْتَمَالُ الْقُلُوبُ وَكَمَا أَنَّ فِي السِّحْرِ إرَاءَةُ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ فِي لِبَاسِ الْحَقِّ فَكَذَا فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانُ إرَاءَةُ الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ بِمَتِينٍ فِي لِبَاسِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَتِينٌ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ السِّحْرُ فِي زَعْمِهِمْ هُوَ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ يَتَعَجَّبُ النَّاسُ عَنْهُ وَيَعْجِزُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ مَنْ أَتَى بِهِ فِي أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ وَالْآلَاتِ، وَالْبَيَانُ الْفَصِيحُ قَدْ يَبْلُغُ فِي الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ غَايَةً يَتَعَجَّبُ النَّاسُ عَنْهُ وَيَعْجِزُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ تَسَاوِي الْكُلِّ فِي أَسْبَابِ التَّكَلُّمِ وَآلَاتِ النُّطْقِ فَيُسَمَّى سِحْرًا.
، ثُمَّ قِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ذَمُّ التَّصَنُّعِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّكْلِيفِ لِتَحْسِينِهِ لِيَرُوقَ قَوْلُهُ وَيَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَهُمْ فَإِنَّ أَصْلَ السِّحْرِ فِي كَلَامِهِمْ الصَّرْفُ وَسُمِّيَ السِّحْرُ سِحْرًا لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ فَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِبَيَانِهِ يَصْرِفُ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إلَى قَبُولِ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنَّ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَكْتَسِبُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ الْإِثْمِ مَا يَكْتَسِبُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَدْحُ الْبَيَانِ وَالْحَثُّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقَرِينَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» عَلَى طَرِيقِ الْمَدْحِ فَكَذَا الْقَرِينُ الْآخَرُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْبَيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ بَيَّنَ يُقَالُ بَيَّنَ تَبْيِينًا وَبَيَانًا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ فَهُنَا أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ إعْلَامٌ أَيْ تَبْيِينٌ وَدَلِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ وَعِلْمٌ يَحْصُلُ مِنْ الدَّلِيلِ وَالْبَيَانُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى الْإِعْلَامِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْمُبَيِّنِ كَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالَ هُوَ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ الْإِشْكَالِ إلَى التَّجَلِّي.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ إجْمَالٍ إشْكَالُ بَيَانٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي التَّعْرِيفِ وَكَذَا بَيَانُ التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ أَيْضًا، وَبِأَنَّ لَفْظَ الْبَيَانِ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ وَمِنْ حَقِّ التَّعْرِيفِ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ مِمَّا عُرِّفَ بِهِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالدَّلِيلِ أَيْ يَجْعَلُهُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ كَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قَالَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي تَبَيَّنَ بِهِ الْمَعْلُومُ فَكَانَ الْبَيَانُ وَالتَّبَيُّنُ عِنْدَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى إطْلَاقِهِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ كَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ قَالَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي تَتَبَيَّنُ بِهِ
(3/105)

كَانَ بَيَانَ تَقْرِيرٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ كَانَ عَامًّا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَقَرَّرَهُ بِذِكْرِ الْكُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأَحْكَامُ قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ دَلِيلًا لِغَيْرِهِ وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ يَصِحُّ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يُقَالَ تَمَّ بَيَانُهُ وَهَذَا بَيَانٌ حَسَنٌ إشَارَةً إلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَطْلُوبِ لِلسَّامِعِ وَلَا إخْرَاجُ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْإِشْكَالِ إلَى التَّجَلِّي وَيُقَالُ بَيَّنَهُ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَعَلَى هَذَا بَيَانُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِالْكَلَامِ وَالْفِعْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالرَّمْزِ إذًا لِكُلٍّ دَلِيلٌ وَمُبَيِّنٌ وَلَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّلَالَةِ بِالْقَوْلِ فَيُقَالُ لَهُ بَيَانٌ حَسَنٌ أَيْ كَلَامٌ رَشِيقٌ حَسَنُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ.
قَالَ وَكُلُّ مُفِيدٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَفِعْلِهِ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ حَيْثُ يَكُونُ دَلِيلًا وَتَنْبِيهًا لِفَحْوَى الْكَلَامِ كُلُّ ذَلِكَ بَيَانٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ دَلِيلٌ وَبَيَانٌ.
وَذَكَرَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِيضَاحُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْمَقْصُودِ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْقُرْآنُ بَيَانًا؛ لِأَنَّهُ إيضَاحٌ وَكَشْفٌ عَنْ الْمَقْصُودِ وَمِنْهُ بَيَانُ الْمُجْمَلِ، وَأَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَضْلِ بَيَانِ التَّعْبِيرِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فِي حَدِّهِ فَقَالَ حَدُّ الْبَيَانِ غَيْرُ حَدِّ النَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ إظْهَارُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ وُجُودِهِ ابْتِدَاءً وَالنَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ الثُّبُوتِ فَلَمْ يَكُنْ بَيَانًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَابَ فَهَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْبَيَانِ فَعَلَيْك بِاعْتِبَارِ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ

[أَوْجُه الْبَيَانُ]
[بَيَانُ التَّقْرِير]
قَوْلُهُ (بَيَانُ تَقْرِيرٍ) إضَافَةُ الْبَيَانِ إلَى التَّقْرِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْجِنْسِ إلَى نَوْعِهِ كَعِلْمِ الطِّبِّ أَيْ بَيَانٌ هُوَ تَقْرِيرٌ وَكَذَا الْبَاقِي.
، وَإِضَافَتُهُ إلَى الضَّرُورَةِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ أَيْ بَيَانٌ يَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ، فَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَقْسِيمِ الْبَيَانِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَسَامِي الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ التَّعْلِيقَ وَالِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ، وَالنَّسْخَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ وَالْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ تَبْدِيلٍ مُتَابِعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمْ يَجْعَلْ النَّسْخَ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ فَقَالَ حَدُّ النَّسْخِ غَيْرُ حَدِّ الْبَيَانِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّسْخَ وَإِنْ كَانَ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ كَالْقَتْلِ لِانْتِهَاءِ الْأَجَلِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَقَطْعُ الْحَيَاةِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ حَتَّى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ، وَالْبَيَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النَّسْخُ مِنْ أَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ كَذَا قِيلَ، وَقَوْلُهُ كُلُّ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ أَوْ عَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 28 - 75] فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَالْخُصُوصَ. " كَانَ بَيَانَ تَقْرِيرٍ " أَيْ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِمَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ قَاطِعًا لِاحْتِمَالِ غَيْرِهِ.
وَذَلِكَ أَيْ بَيَانُ التَّقْرِيرِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] وَهُوَ نَظِيرُ الْعَامِّ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ
(3/106)

وَمِثْلُهُ {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدٍ أَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ الْعِتْقَ عَنْ الرِّقِّ وَالْمِلْكِ. وَهَذَا الْبَيَانُ يَصِحُّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا لَا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ مُقَرَّرٌ.

وَأَمَّا بَيَانُ التَّفْسِيرِ فَبَيَانُ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] وَنَحْوُ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَلْحَقُهُ الْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ إذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ الطَّلَاقَ صَحَّ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ بَيَانَهُ بَيَانُ تَفْسِيرٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ اسْمَ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمَلَائِكَةُ كَانَ عَامًّا أَيْ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَعْضَهُمْ فَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ قَرَّرَ مَعْنَى الْعُمُومِ فِيهِ حَتَّى صَارَ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ. وَمِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي كَوْنِهِ بَيَانَ تَقْرِيرٍ قَوْله تَعَالَى {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وَهُوَ نَظِيرُ الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فَإِنَّ الطَّائِرَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ حَقِيقَتِهِ يُقَالُ لِلْبَرِيدِ طَائِرٌ لِإِسْرَاعِهِ فِي مَشْيِهِ وَيُقَالُ أَيْضًا فُلَانٌ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ فَكَانَ قَوْلُهُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ تَقْرِيرًا لِمُوجَبِ الْحَقِيقَةِ وَقَطْعًا لِاحْتِمَالِ الْمَجَازِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ مَعْنَى زِيَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْأَرْضِ وَ {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] زِيَادَةُ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ قَطُّ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا مِنْ طَائِرٍ قَطُّ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَحْفُوظَةٌ أَحْوَالُهَا غَيْرُ مُهْمَلٍ أَمْرُهَا وَالْغَرَضُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وَلُطْفِ عِلْمِهِ وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ وَتَدْبِيرِهِ تِلْكَ الْخَلَائِقَ الْمُتَفَاوِتَةَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَكَاثِرَةَ الْأَصْنَافِ وَهُوَ حَافِظٌ لِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مُهَيْمِنٌ عَلَى أَحْوَالِهَا لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ وَأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ لَيْسُوا مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَذَلِكَ أَيْ نَظِيرُ الْبَيَانِ الْمُقَرَّرِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُولَ عَنَيْتُ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ أَيْ رَفْعَ قَيْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ رَفْعُ الْقَيْدِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِالنِّكَاحِ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فَصَارَ الطَّلَاقُ لِرَفْعِ النِّكَاحِ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَعُرْفِيَّةً وَاحْتَمَلَ رَفْعَ كُلِّ قَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ وَلِهَذَا لَوْ نَوَى صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ فَبِقَوْلِهِ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ النِّكَاحِ قَرَّرَ مُقْتَضَى الْكَلَامِ وَقَطَعَ احْتِمَالَ الْمَجَازِ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ مُوجِبُهُ الْعِتْقُ عَنْ الرِّقِّ فِي الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ التَّخْلِيَةَ عَنْ الْقَيْدِ الْحِسِّيِّ وَالْحَبْسِ وَالْعَمَلِ.
وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخُلُوصِ يُقَالُ رَجُلٌ حُرٌّ أَيْ خَالِصٌ عَنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَمِنْهُ طِينٌ حُرٌّ أَيْ خَالِصٌ لَا رَمْلَ فِيهِ وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْكَرِيمِ يُقَالُ رَجُلٌ حُرٌّ أَيْ كَرِيمٌ وَالْحُرَّةُ الْكَرِيمَةُ وَنَاقَةٌ حُرَّةٌ أَيْ كَرِيمَةٌ وَسَحَابَةٌ حُرَّةٌ أَيْ كَثِيرَةُ الْمَطَرِ فَبِقَوْلِهِ عَنَيْت بِهِ الْعِتْقَ عَنْ الرِّقِّ قَرَّرَ مُوجَبَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَطَعَ احْتِمَالَ غَيْرِهَا

[بَيَانُ التَّفْسِيرِ]
. قَوْلُهُ (وَأَمَّا بَيَانُ التَّفْسِيرِ) بَيَانُ التَّفْسِيرِ هُوَ بَيَانُ مَا فِيهِ خَفَاءٌ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُجْمَلِ وَنَحْوِهِمَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ إذْ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا يُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ لِلْعَمَلِ بِهِ بِالْبَيَانِ. وقَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مِقْدَارِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَطْعُ وَفِي حَقِّ الْمُجْمَلِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ الْإِبْطِ أَوْ مِنْ الْمِرْفَقِ أَوْ مِنْ الزَّنْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِثْلُ آيَةِ الرِّبَا، ثُمَّ لَحِقَهُ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيَانُ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَّنَ الصَّلَاةَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالزَّكَاةَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَاتُوا رُبُعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» وَبِالْكِتَابِ أَمَرَ بِكِتَابَتِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالنِّصَابَ فِي السَّرِقَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَوْ لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» .
وَمَحَلُّ الْقَطْعِ «بِقَطْعِهِ يَدَ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانُ مِنْ الزَّنْدِ» وَالرِّبَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ أَيْ مِثَالُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٍ أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْكِنَايَاتِ، ثُمَّ قَالَ عَنَيْت بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانَ تَفْسِيرٍ
(3/107)

وَيَصِحُّ هَذَا مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا هَذَا مَذْهَبٌ وَاضِحٌ لِأَصْحَابِنَا حَتَّى جَعَلُوا الْبَيَانَ فِي الْكِنَايَاتِ كُلِّهَا مَقْبُولًا وَإِنْ فُصِلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَهَذَا لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ صَحِيحٌ لِعَقْدِ الْقَلْبِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ عَلَى انْتِظَارِ الْبَيَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْتِلَاءَ الْقَلْبِ بِالْمُتَشَابِهِ لِلْعَزْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ صَحِيحٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ الْبَيَانِ فَهَذَا أَوْلَى وَإِذَا صَحَّ الِابْتِلَاءُ حَسُنَ الْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ أَوْ الْحُرْمَةَ مُشْتَرَكَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعَانِي فَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهَذَا الْكَلَامِ الطَّلَاقَ فَقَدْ رَفَعَ الْإِبْهَامَ فَكَانَ بَيَانَ تَفْسِيرٍ، ثُمَّ بَعْدَ التَّفْسِيرِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِأَصْلِ الْكَلَامِ فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ وَالْحُرْمَةُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ كَانَ مُشْكِلًا لِدُخُولِ الْأَلِفِ الْمُقَرِّ بِهِ فِي إشْكَالِهِ فَإِذَا قَالَ عَنَيْتُ بِهِ نَقْدَ كَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ وَصَارَ هَذَا الْكَلَامُ تَفْسِيرًا لَهُ.
قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ هَذَا) أَيْ بَيَانُ التَّفْسِيرِ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانُ التَّفْسِيرِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ إلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ فَجَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَمُتَابَعِيهِمْ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ ذَكَرَ السَّمْعَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ذَهَبُوا إلَيْهِ فَكَانَ الشَّيْخُ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ بِقَوْلِهِ هَذَا مَذْهَبٌ وَاضِحٌ لِأَصْحَابِنَا أَيْ صِحَّةُ بَيَانِ مَا فِيهِ خَفَاءٌ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا مَذْهَبٌ ظَاهِرٌ لِأَصْحَابِنَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُجْمَلٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ الطَّائِفَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا إنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَى جَوَازَ تَأْخِيرِهِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخِطَابِ هُوَ إيجَابُ الْعَمَلِ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ وَالْفَهْمُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيَانِ فَلَوْ جُوِّزَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ أَدَّى إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَلَا يُقَالُ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ مَقْصُودٌ فَالْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ مَقْصُودَانِ أَيْضًا وَالْإِجْمَالُ وَالِاشْتِرَاكُ لَا يَمْنَعَانِ مِنْ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْعَمَلُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ وَالِاعْتِقَادُ تَابِعٌ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَجُوزُ.
وَبِأَنَّهُ لَوْ حَسُنَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ لَحَسُنَ خِطَابُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَرَفْنَا أَنَّهُ يَقْبُحُ هَاهُنَا أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ السَّامِعَ لَا يَعْرِفُ مُرَادَ الْمُخَاطِبِ، وَلَا يُقَالُ إنَّمَا لَمْ يَحْسُنْ مُخَاطَبَةُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ بِهَذَا الْخِطَابِ شَيْئًا، فَأَمَّا فِي الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ فَقَدْ يَفْهَمُ السَّامِعُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ إيجَابَ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَوْ نَهْيَهُ عَنْ شَيْءٍ وَفِي الْخِطَابِ بِالْمُشْتَرَكِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا الْمُعْتَبَرُ فِي حُسْنِ الْخِطَابِ إنْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِكُلِّ الْمُرَادِ فَلَا تُفِيدُ هَذَا الْفَرْقَ وَإِنْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِبَعْضِ الْمُرَادِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ خِطَابُ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ إذَا عَرَفَ حِكْمَةَ الزِّنْجِيِّ الْمُخَاطِبِ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِخِطَابِهِ لَهُ شَيْئًا مَا، إمَّا الْأَمْرَ أَوْ النَّهْيَ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى فَسَادِهِ وَقُبْحِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَرْقَ بَاطِلٌ وَهَذَا بِخِلَافِ بَيَانِ النَّسْخِ حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَا يَحِلُّ بِالْمَعْرِفَةِ بِصِفَةِ الْعِبَادَةِ فِي الْحَالِ فَأَمْكَنَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ فَمُخِلٌّ بِمَعْرِفَةِ صِفَةِ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَدَاؤُهَا فِي الْحَالِ وَتَمَسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تَأْخِيرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] وَعَدَهُ الْبَيَانَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ وَهِيَ لِلتَّرَاخِي بِإِجْمَاعِ أَهْلِ
(3/108)

وَاخْتَلَفُوا فِي خُصُوصِ الْعُمُومِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَقَعُ الْخُصُوصُ مُتَرَاخِيًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ مُتَّصِلًا وَمُتَرَاخِيًا، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ أَوْصَى بِهَذَا الْخَاتَمِ لِفُلَانٍ وَبِفَصِّهِ لِفُلَانٍ غَيْرِهِ مَوْصُولًا إنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ خُصُوصًا لِلْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْفَصُّ لِلثَّانِي وَإِذَا فَصَلَ لَمْ يَكُنْ خُصُوصًا بَلْ صَارَ مُعَارِضًا فَيَكُونُ الْفَصُّ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا فَرْعٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعُمُومَ عِنْدَنَا مِثْلُ الْخُصُوصِ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ قَطْعًا وَلَوْ اُحْتُمِلَ الْخُصُوصُ مُتَرَاخِيًا لَمَا أَوْجَبَ الْحُكْمُ قَطْعًا مِثْلَ الْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ وَعِنْدَهُ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا يُوجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْحُكْمَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْخُصُوصِ الَّذِي مَرَّ وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ فِي حُكْمِ الْبَيَانِ بَلْ مَا كَانَ بَيَانًا مَحْضًا صَحَّ الْقَوْلُ فِيهِ بِالتَّرَاخِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اللُّغَةِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ وُرُودِهِ.
، فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ إظْهَارَهُ بِالتَّنْزِيلِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ بَيَانَهُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَإِنَّ فِيهِ الْمُحْكَمَ وَالْمُفَسَّرَ وَالنَّصَّ فَيَكُونُ الْبَيَانُ الْمُضَافُ إلَى جَمِيعِهِ إظْهَارُهُ بِالتَّنْزِيلِ قُلْنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِاتِّبَاعِ قُرْآنَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِهِ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى فَإِذَا قَرَأْنَاهُ هُوَ الْإِنْزَالُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَيَانِ الْإِنْزَالَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ سَابِقًا عَلَى نَفْسِهِ وَبِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الِابْتِلَاءَ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيمَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَالِ مَعَ انْتِظَارِ الْبَيَانِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالِابْتِلَاءُ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فِيهِ أَهَمُّ مِنْ الِابْتِلَاءِ بِالْعَمَلِ بِهِ فَكَانَ حَسَنًا صَحِيحًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْتِلَاءَ بِالتَّشَابُهِ الَّذِي آيَسَنَا عَنْ بَيَانِهِ صَحَّ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ فَالِابْتِلَاءُ بِالْمُجْمَلِ الَّذِي يُنْتَظَرُ بَيَانُهُ كَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ كَمَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ لَيْسَ بِثَابِتٍ بَلْ هُوَ مُتَأَخِّرٌ إلَى الْبَيَانِ، وَلَيْسَ هُوَ كَخِطَابِ الْعَرَبِيِّ بِالزِّنْجِيَّةِ أَيْضًا لَا يُفِيدُ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ خَبَرٌ فَأَمَّا الْعَرَبِيُّ الْمُخَاطَبُ بِالْمُجْمَلِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يُفِيدُهُ الْخِطَابُ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ خَبَرٌ وَيَعْرِفُ مَجْمُوعَ مَا وُضِعَ لَهُ اسْمُ الْمُشْتَرَكِ وَأَنَّهُ أُرِيدَ وَاحِدٌ مِنْ مَفْهُومَاتِهِ فَيَفْتَرِقَانِ.
، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّعْرِيفِ يَصْلُحُ مَقْصُودًا فِي كَلَامِ النَّاسِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ لِي إلَيْك حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ وَلَا يَكُونُ غَرَضُهُ فِي الْحَالِ إلَّا إعْلَامَ هَذَا الْقَدْرِ وَلِهَذَا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ أَفْهَامٌ مُبْهَمَةٌ كَمَا وُضِعَتْ أَلْفَاظٌ لَمَعَانٍ مُعَيَّنَةٍ، وَأَيْضًا قَدْ يَحْسُنُ مِنْ الْمَلِكِ أَنْ يَقُولَ لِبَعْضِ عُمَّالِهِ قَدْ وَلَّيْتُكَ مَوْضِعَ كَذَا فَاخْرُجْ إلَيْهِ وَإِمَّا أَكْتُبُ إلَيْك تَذْكِرَةً بِتَفْصِيلِ مَا تَعْمَلُهُ وَيَحْسُنُ مِنْ الْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِغُلَامِهِ أَنَا آمُرُك أَنْ تَخْرُجَ إلَى السُّوقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَبْتَاعَ مَا أُبَيِّنُهُ لَك غَدَاةَ الْجُمُعَةِ وَيَكُونُ الْقَصْدُ بِذَلِكَ إلَى التَّأَهُّبِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ فِي الشَّرْعِ إطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي الْحَالِ لِيُفِيدَ وُجُوبَ اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ وَصَيْرُورَةَ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُطِيعًا بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَيَانِ وَعَاصِيًا بِالْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ.

[تَخْصِيصِ الْعَامِّ]
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ) لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مُتَرَاخٍ فَأَمَّا الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِدَلِيلٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ مُتَرَاخِيًا كَمَا يَجُوزُ مُتَّصِلًا.
وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالْقَوَاطِعِ وَغَيْرِهَا الْخِلَافَ فِي كُلِّ ظَاهِرٍ اُسْتُعْمِلَ فِي خِلَافِهِ كَالْمُطْلَقِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُقَيَّدُ وَالنَّكِرَةِ إذَا أُرِيدَ بِهَا الْمُعَيَّنُ.
وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مُتَرَاخِيًا لَا يَكُونُ بَيَانًا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ بَعْضُهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ بَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَصِيرُ بِهِ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ ظَنِّيًّا بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ أَفْرَادٍ أُخَرَ عَنْهُ بِالتَّعْلِيلِ وَدَلِيلُ النَّسْخِ
(3/109)

لِأَنَّ الْبَيَانَ الْمَحْضَ مِنْ شَرْطِهِ مَحَلٌّ مَوْصُوفٌ بِالْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ وَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ مَعَ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ فَيَحْسُنُ الْقَوْلُ بِتَرَاخِي الْبَيَانِ لِيَكُونَ الِابْتِلَاءُ بِالْعَقْدِ مَرَّةً بِالْفِعْلِ مَعَ ذَلِكَ أُخْرَى وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَا لَيْسَ بِبَيَانٍ خَالِصٍ مَحْضٍ لَكِنَّهُ تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ وَيَحْتَمِلُ الْقَوْلَ بِالتَّرَاخِي بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ أَنَّ خُصُوصَ دَلِيلِ الْعُمُومِ بَيَانٌ أَوْ تَغْيِيرٌ، فَعِنْدَنَا هُوَ تَغْيِيرٌ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الِاحْتِمَالِ فَيُفِيدُ بِالْوَصْلِ مِثْلَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِتَغْيِيرٍ لِمَا قُلْنَا بَلْ هُوَ تَقْرِيرٌ فَصَحَّ مَوْصُولًا وَمَفْصُولًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الْإِيجَابِ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ فِي هَذَا الْبَابِ بِنُصُوصٍ احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ تَأْوِيلِهَا مِنْهَا أَنَّ بَيَانَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ فَلَا يَتَطَرَّقُ بِهِ احْتِمَالٌ إلَى الْبَاقِي، وَهَذَا أَيْ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَلَوْ احْتَمَلَ الْخُصُوصَ أَيْ احْتَمَلَ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ التَّخْصِيصَ مُتَرَاخِيًا لَمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ قَطْعًا لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ كَوْنِ الْبَعْضِ مُرَادًا مِنْهُ دُونَ الْكُلِّ وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِتَنَاوُلِهِ لِلْكُلِّ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ كَالْعَامِّ الَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَاقِي قَطْعًا لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الْبَاقِيَةِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَهُمَا سَوَاءٌ أَيْ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْهُ الْخُصُوصُ وَاَلَّذِي لَحِقَهُ الْخُصُوصُ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْبَيَانَ الْمَحْضَ) كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْإِشْكَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمَعْرِيَّةَ عَنْ الْأُمُورِ ابْتِدَاءُ بَيَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا إشْكَالٌ فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَيَانِ الْمَحْضِ وَهُوَ الْبَيَانُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي هُوَ بَيَانٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَحَلِّ مَوْصُوفًا بِالْإِجْمَالِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَلَا بُدَّ لِحَقِيقَةِ الْإِظْهَارِ مِنْ سَبْقِ خَفَاءٍ لِاسْتِحَالَةِ إظْهَارِ الظَّاهِرِ.
وَالنُّصُوصُ الْمَعْرِيَّةُ عَنْ الْأُمُورِ ابْتِدَاءً إنَّمَا سُمِّيَتْ بَيَانًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ كَانَتْ مَجْهُولَةً قَبْلَ وُرُودِ النُّصُوصِ فَكَانَ مَعْنَى الْإِجْمَالِ مَوْجُودًا فِيهَا وَزِيَادَةٌ إذْ مَعْنَى الْإِجْمَالِ وَالْإِشْكَالِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْجَهْلُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَانُ الْمُجْمَلِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ الْبَيَانِ الْمُلْتَحَقِ بِهِ تَفْسِيرًا وَإِعْلَامًا لِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ فَيَكُونُ بَيَانًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَكُونُ مُعَارِضًا فَيَصِحُّ مَفْصُولًا وَمَوْصُولًا فَأَمَّا دَلِيلُ الْخُصُوصِ فَلَيْسَ بِبَيَانٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ بَيَانٌ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ الصِّيغَةِ لِلْخُصُوصِ وَهُوَ ابْتِدَاءُ دَلِيلٍ مُعَارِضٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْعَامِّ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِنَفْسِهِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ وَيَكُونُ مُعَارِضًا نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ مَفْصُولًا.
وَمَا لَيْسَ بِبَيَانٍ خَالِصٍ بَلْ هُوَ بَيَانٌ مِنْ وَجْهٍ لَكِنَّهُ تَغْيِيرٌ أَوْ تَبْدِيلٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانَ التَّغْيِيرِ وَالتَّعْلِيقَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُمَا نَوْعَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ وَجَعَلَ النَّسْخَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ كَمَا بَيَّنَّا لَكِنَّهُ أَرَادَ بِالتَّبْدِيلِ هَاهُنَا أَحَدَ نَوْعَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ مُوَافِقًا لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا النَّسْخَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مُتَرَاخِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ هَاهُنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّبْدِيلِ بَعْدَمَا تَغَيَّرَ عَنْ أَصْلِهِ يَنْقَلِبُ تَصَرُّفًا آخَرَ وَفِي التَّغْيِيرِ لَا يَنْقَلِبُ كَذَلِكَ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ الْكَلَامُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي لَا غَيْرُ وَفِي التَّعْلِيقِ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ عَنْ كَوْنِهِ إيجَابًا وَيَنْقَلِبُ تَصَرُّفَ يَمِينٍ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ بَلْ هُوَ تَقْدِيرٌ وَمَعْنَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْبَاقِي كَمَا كَانَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ مُقَرِّرًا لِمَا كَانَ مُوجِبًا فِي الْأَصْلِ لَا مُغَيِّرًا إذْ لَوْ كَانَ مُغَيِّرًا لَمْ يَبْقَ مُوجِبًا كَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ حَتَّى أُوجِبَ الْحُكْمُ فِي الْأَفْرَادِ الْبَاقِيَةِ بِعُمُومِهِ فَيَكُونُ مُقَرِّرًا وَلَوْ كَانَ مُغَيِّرًا لَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لَا مُغَيِّرًا فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِنَاءٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مُوجَبِ الْعَامِّ وَالْحُجَّةُ بِطَرِيقِ
(3/110)

هَذَا عِنْدَنَا يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ وَزِيَادَةً عَلَى النَّصِّ فَكَانَ نَسْخًا فَصَحَّ مُتَرَاخِيًا لِمَا نُبَيِّنُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الِابْتِدَاءِ لِمَنْ أَبَى جَوَازَ تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ أَنَّ الْعُمُومَ خِطَابٌ لَنَا فِي الْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمُخَاطِبُ بِهِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقْصِدَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ أَوْ لَا يَقْصِدَ ذَلِكَ وَالثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ انْتَقَضَ كَوْنُهُ مُخَاطِبًا إذْ الْمَعْقُولُ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ مُخَاطِبٌ لَنَا أَنَّهُ قَدْ وَجَّهَ الْخِطَابَ نَحْوَنَا وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ إفْهَامَنَا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِفْهَامَ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ خِطَابًا لَنَا فِي الْحَالِ لَكَانَ إغْرَاءً بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ قَصَدَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ فَيَكُونُ قَدْ قَصَدَ أَنْ نَجْهَلَ؛ لِأَنَّ مَنْ خَاطَبَ قَوْمًا بِلُغَتِهِمْ فَقَدْ أَغْرَاهُمْ بِأَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ عَنَى بِهِ مَا عَنَوْا بِهِ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ عَبَثًا إذْ الْفَائِدَةُ فِي الْخِطَابِ لَيْسَتْ إلَّا إفْهَامَ الْمُخَاطَبِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ.
، وَإِذَا أَرَادَ إفْهَامَنَا فِي الْحَالِ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ مُرَادَهُ ظَاهِرُهُ أَوْ غَيْرُ ظَاهِرِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَظَاهِرُهُ لِلْعُمُومِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ عِنْدَهُ فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا اعْتِقَادَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ نَفْهَمَ غَيْرَ ظَاهِرِهِ وَهُوَ لَمْ يَنْصِبْ دَلِيلًا عَلَى تَخْصِيصِهِ فَقَدْ أَرَادَ مِنَّا مَا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِ فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِنَا وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِذًا لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ التَّخْصِيصَ مُتَّصِلًا بِالْعُمُومِ أَوْ يُشْعِرَنَا بِالْخُصُوصِ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ الْخَارِجَ عَنْ الْعُمُومِ لِئَلَّا يَكُونَ إغْرَاءً بِاعْتِقَادِ غَيْرِ الْحَقِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَأْخ