Advertisement

كشف الأسرار شرح أصول البزدوي 004


(بَابُ الْقِيَاسِ) (وَالِاسْتِحْسَانِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِيَاسِ فَمَا ضَعُفَ أَثَرُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ الِاسْتِحْسَانِ]
(بَابُ بَيَانِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ) :
الِاسْتِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحُسْنِ، وَهُوَ عَدُّ الشَّيْءِ وَاعْتِقَادُهُ حَسَنًا تَقُولُ اسْتَحْسَنْت كَذَا أَيْ اعْتَقَدْته حَسَنًا، وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا سَنُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعَيْنِ) وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ الْأَثَرِ، وَالْأَثَرُ قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا وَغَيْرَ قَوِيٍّ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ بِاعْتِبَارِ ضَعْفِ الْأَثَرِ، وَقُوَّتِهِ. وَهَذِهِ تَقْسِيمُ الْقِيَاسِ الَّذِي قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ مَعْنَوِيٌّ وَتَقْسِيمُ هَذَا الِاسْتِحْسَانِ الْمُعَارِضِ لَا تَقْسِيمُ نَفْسِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِمَا فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْخَالِيَ عَنْ مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ.
وَكَذَا الِاسْتِحْسَانُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ خَارِجٌ عَنْهُ أَيْضًا فَكَانَ مَعْنَاهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمَا ضَعُفَ أَثَرُهُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى قُوَّةِ أَثَرِ مُقَابِلِهِ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ أَيْ ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَعُفَ بِمُقَابَلَةِ الْآخَرِ فَسَدَ.
وَالْمُرَادُ فِي الضَّعْفِ وَالْفَسَادِ هَاهُنَا وَاحِدٌ. وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَأَثَرُهُ أَيْ انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنًى خَفِيٌّ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ فِي التَّحْقِيقِ فَانْدَفَعَ بِهِ فَسَادُ ظَاهِرِهِ وَصَارَ رَاجِحًا عَلَى مُقَابِلِهِ، وَنَوْعَا الِاسْتِحْسَانِ عَلَى عَكْسِ نَوْعَيْ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرَ.
فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ اسْتِحْسَانًا لِخَفَاءِ أَثَرِهِ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ قِيَاسًا لِظُهُورِ أَثَرِهِ فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ لَا الظَّاهِرُ قُلْنَا ظُهُورُ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خَفَاءِ فَسَادِهِ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ كَمَا فِي سَائِرِ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ فِي مَسْأَلَةِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَخْفَى، وَأَقْوَى مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِمَا إلَّا أَنَّهُ انْضَمَّ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ مَعْنًى أَدَقُّ مِنْ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَقَوِيَ بِهِ
(4/2)

وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ وَأَثَرُهُ وَأَحَدُ نَوْعَيْ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ وَخَفِيَ فَسَادُهُ، وَإِنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لَكِنَّهُ يُسَمَّى بِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَجْهُ الْقِيَاسِ وَضَعُفَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَفَسَدَ. فَبِالنَّظَرِ إلَى وَجْهَيْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَوَّلًا كَانَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَخْفَى، وَأَقْوَى مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ فَصَحَّ تَسْمِيَتُهُ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي سَائِرِ صُوَرِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْخَفِيِّ اللَّاحِقِ بِالْقِيَاسِ ثَانِيًا كَانَ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَقْوَى فَتَرَجَّحَ وَجْهُ الْقِيَاسِ وَضَعُفَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَهَذَا مَعْنًى دَقِيقٌ يَنْدَفِعُ بِهِ سُؤَالَاتُ الْخُصُومِ فَافْهَمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْقَادِحِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ طَعَنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي تَرْكِهِمْ الْقِيَاسَ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ: حُجَجُ الشَّرْعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ قِسْمٌ خَامِسٌ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرْعِ سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَلْ هُوَ قَوْلٌ بِالتَّشَهِّي فَكَانَ تَرْكُ الْقِيَاسِ بِهِ تَرْكًا لِلْحُجَّةِ لِاتِّبَاعِ هِيَ أَوْ شَهْوَةِ نَفْسٍ فَكَانَ بَاطِلًا ثُمَّ قَالَ إنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي تَرَكُوهُ بِالِاسْتِحْسَانِ إنْ كَانَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً فَالْحُجَّةُ الشَّرْعِيَّةُ حَقٌّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْبَاطِلُ وَاجِبُ التَّرْكِ، وَمِمَّا لَا يُشْتَغَلُ بِذِكْرِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ ذَكَرُوا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّا نَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ وَنَتْرُكُ الِاسْتِحْسَانَ بِهِ فَكَيْفَ يُجَوِّزُونَ الْأَخْذَ بِالْبَاطِلِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَذَكَرَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْوَرَعِ، وَكَثْرَةِ التَّحَيُّزِ وَالْعَدَاوَةِ.
وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ بَالَغَ فِي إنْكَارِ الِاسْتِحْسَانِ، وَقَالَ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَكُلُّ ذَلِكَ طَعْنٌ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَقَدْحٌ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ عَلَى الْمُرَادِ فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجَلُّ قَدْرًا، وَأَشَدُّ وَرَعًا مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي الدِّينِ بِالتَّشَهِّي أَوْ عَمِلَ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ مِنْ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ شَرْعًا فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَقَدَ الْبَابَ لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَالْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ دَفْعًا لِهَذَا الطَّعْنِ فَقَالَ: بَعْدَمَا قَسَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى نَوْعَيْنِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ وَاخْتَلَفَ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ قِيَاسٍ إلَى قِيَاسٍ أَقْوَى مِنْهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ، وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانُ الثَّابِتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الْقِيَاسِ مِثْلُ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ مَا سَنَذْكُرُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ عَمَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ أَنْ يَعْدِلَ الْإِنْسَانُ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمِثْلِ مَا حَكَمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا إلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنْ الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنْ الْعُمُومِ إلَى التَّخْصِيصِ وَعَنْ الْمَنْسُوخِ إلَى النَّاسِخِ اسْتِحْسَانًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَلْزَمُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَرَكْت الِاسْتِحْسَانَ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ، قَالَ تَرَكْت الْقِيَاسَ الْأَقْوَى أَوْ الدَّلِيلَ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَتْرُوكَ سُمِّيَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ اتَّصَلَ بِالْقِيَاسِ مَعْنًى آخَرُ صَارَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فَلِذَلِكَ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَأَخَذَ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ، وَإِنَّمَا سَمِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ فَيَكُونُ الْآخِذُ بِهِ مُسْتَحْسِنًا، وَلَمَّا صَارَ اسْمًا لِهَذَا النَّوْعِ
(4/3)

إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ كَمَا جَازَ الْعَمَلُ بِالطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ أَوْلَى مِنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْقِيَاسِ، وَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا أَيْضًا بَقِيَ الِاسْمُ، وَإِنْ صَارَ مَرْجُوحًا فَإِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرَكْت الِاسْتِحْسَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ عِلَّةً سِوَى عِلَّةِ الْأَصْلِ أَوْ مَعْنًى آخَرَ يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَأَنَّ الْأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي مَا أَخَذْت بِهِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ إذَا كَانَ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ اسْتِحْسَانًا تَسْمِيَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ اسْتِحْسَانًا تَسْمِيَةً لَا مَعْنًى، وَالِاسْتِحْسَانُ مَعْنًى هُوَ الْقِيَاسُ.
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاسْتِحْسَانَ بِالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ مُسْتَحْسَنٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ الِاسْتِحْسَانَ بِالرَّأْيِ فَإِنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِالتَّشَهِّي عَلَى زَعْمٍ فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى دَفْعِ طَعْنِهِمْ بِقَوْلِهِ إنَّمَا الِاسْتِحْسَانُ أَيْ الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي وَقَعَ التَّنَازُعُ فِيهِ عِنْدَنَا أَيْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ لَا أَنْ يَكُونَ قِسْمًا آخَرَ اخْتَرَعُوهُ بِالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَعَارَضَا فِي حَادِثَةٍ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ لِيُعْمَلَ بِهِ إذَا أَمْكَنَ لَكِنَّهُ سُمِّيَ بِهِ أَيْ لَكِنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ سُمِّيَ بِالِاسْتِحْسَانِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ لِتَرَجُّحِهِ عَلَى الْآخَرِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَمَّوْهُ اسْتِحْسَانًا لِلتَّمَيُّزِ بَيْنَ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ الَّذِي تَذْهَبُ إلَيْهِ الْأَوْهَامُ، وَبَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ لَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الطُّرُقِ لِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ فَإِنَّ أَهْلَ النَّحْوِ يَقُولُونَ هَذَا نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَهَذَا نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَهَذَا نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي النَّاصِبَةِ، وَأَهْلُ الْعَرُوضِ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ الْبَحْرِ الطَّوِيلِ، وَهَذَا مِنْ الْبَحْرِ الْمُتَقَارِبِ، وَهَذَا مِنْ الْبَحْرِ الْمَدِيدِ فَكَذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا اسْتَعْمَلُوا عِبَارَةَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَخَصَّصُوا أَحَدَهُمَا بِالِاسْتِحْسَانِ لِكَوْنِ الْعَمَلِ بِهِ مُسْتَحْسَنًا، وَلِكَوْنِهِ مَائِلًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ فَسَمَّوْهُ بِهَذَا الِاسْمِ لِوُجُودِ مَعْنَى الِاسْمِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَعْهُودَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ عَادَةً.
فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ دَفْعُ الطَّعْنِ، وَإِبَانَةُ الْمُرَادِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لَا تَعْرِيفُ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَقْسَامِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هَاهُنَا أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ تَقْسِيمُ وُجُوهِ الْعِلَلِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا بَيَانُ جَمِيعِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ. قَوْلُهُ: (إنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ) ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوهِمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ الَّذِي عَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ جَائِزٌ لَكِنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ أَوْلَى، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالطَّرْدِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَثَرُ أَيْ الْعَمَلُ بِالْمُؤَثِّرِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالطَّرْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا ظَنَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ أَوْلَى مَعَ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِحْسَانِ وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالطَّرْدِ مَعَ الْمُؤَثِّرِ، وَقَالَ الْعَمَلُ بِالْمُؤَثِّرِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالطَّرْدِ جَائِزًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدِي فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ، وَالْمَتْرُوكُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَرُبَّمَا قِيلَ إلَّا أَنِّي أَسْتَقْبِحُ ذَلِكَ، وَمَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ الدَّلِيلِ شَرْعًا فَاسْتِقْبَاحُهُ يَكُونُ كُفْرًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ فِي مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ أَصْلًا، وَأَنَّ الْأَضْعَفَ يَسْقُطُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَقْوَى. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ مَا يُوَافِقُ هَذَا حَيْثُ قَالَ فَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ بِمُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِعَدَمِهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَقَالَ فَصَارَ هَذَا بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ
(4/4)

وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ مِثْلُ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَهَكَذَا حُكْمُ الطَّرْدِ مَعَ الْأَثَرِ فَإِنَّ الطَّرْدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالْأَثَرَ حُجَّةٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ حُجَّةٌ بَلْ الْعَمَلُ بِالْأَثَرِ وَاجِبٌ، وَالطَّرْدُ بِمُقَابَلَتِهِ سَاقِطٌ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُعَارَضَةٍ فَإِنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا رُجْحَانٌ عَلَى الْآخَرِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَسَقَطَ الْآخَرُ أَصْلًا فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ بِهِ أَنَّهُ هُوَ الْوَجْهُ الْمَأْخُوذُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ إنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ عِنْدَ سَلَامَتِهِ عَنْ مُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّرْدِ مَعَ الْأَثَرِ يَعْنِي إذَا لَمْ يُعَارِضْ الطَّرْدَ أَثَرٌ جَازَ الْعَمَلُ بِهِ إذَا كَانَ مُلَائِمًا، وَإِذَا ظَهَرَ الْأَثَرُ فَالْمَعْمُولُ هُوَ الْأَثَرُ وَالطَّرْدُ سَاقِطٌ، وَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ

[أَقْسَامُ الِاسْتِحْسَانِ]
قَوْلُهُ: (وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ) يَعْنِي لَيْسَ الِاسْتِحْسَانُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَوْعَيْهِ بَلْ لَهُ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِثْلُ الِاسْتِحْسَانِ الثَّابِتِ بِالْأَثَرِ وَالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّ غَرَضَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ لَمَّا كَانَ تَقْسِيمَ أَنْوَاعِ الْعِلَلِ إذْ نَحْنُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْعِلَّةِ قَسَّمْنَا الِاسْتِحْسَانَ الَّذِي هُوَ قِيَاسٌ خَفِيٌّ فَانْقَسَمَ عَلَى نَوْعَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا، وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ الضَّمِيرُ إمَّا أَنْ يَعُودَ إلَى الِاسْتِحْسَانِ أَوْ إلَى أَقْسَامٍ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مُشْتَبِهٌ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ هُوَ، وَمِنْهُ فِيمَا بَعْدُ لَكَانَ أَوْضَحَ مِثْلُ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي.
فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْعَقْدِ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً عِنْدَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ الْمُوجِبِ لِلتَّرَخُّصِ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» الْحَدِيثَ، وَأَقَمْنَا الذِّمَّةَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَقَامَ مِلْكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جَوَازِ السَّلَمِ.
وَكَذَا الْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّفَقَةُ مَعْدُومٌ فِي الْحَالِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْعَقْدِ مُضَافًا إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ لَا تَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» فَالْأَمْرُ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَكَذَا الْأَكْلُ نَاسِيًا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَبْقَى مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِيهِ كَالطَّهَارَةِ مَعَ الْحَدَثِ وَالِاعْتِكَافِ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَّا أَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِالْأَثَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَتِمَّ عَلَى صَوْمِك فَإِنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ قَالَ لَوْلَا قَوْلُ النَّاسِ لَقُلْت يَقْتَضِي يَعْنِي بِهِ رِوَايَةَ الْأَثَرِ. وَمِنْهُ أَيْ وَمِنْ الِاسْتِحْسَانِ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ مِثْلُ الِاسْتِصْنَاعِ يَعْنِي فِيمَا فِيهِ لِلنَّاسِ تَعَامُلٌ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ إنْسَانًا لِيُخَرِّزَ لَهُ خُفًّا مَثَلًا بِكَذَا وَيُبَيِّنَ صِفَتَهُ وَمِقْدَارَهُ، وَلَا يَذْكُرُ لَهُ أَجَلًا وَيُسَلِّمُ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ لَا يُسَلِّمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ لِلْحَالِ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَعْدُومٌ وَصْفًا فِي الذِّمَّةِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ إلَّا بَعْدَ تَعَيُّنِهِ حَقِيقَةً أَيْ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ فَأَمَّا مَعَ الْعَدَمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عَقْدٌ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَهُ بِالْإِجْمَاعِ الثَّابِتِ بِتَعَامُلِ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ لِأَنَّ بِالْإِجْمَاعِ يَتَعَيَّنُ جِهَةُ الْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ كَمَا يَتَعَيَّنُ بِالنَّصِّ فَيَكُونُ وَاجِبَ التَّرْكِ، وَقَصَرُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا فِيهِ تَعَامُلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِجْمَاعُ وَقَعَ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قُلْنَا: قَدْ صَارَ النَّصُّ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ مَخْصُوصًا
(4/5)

وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الِاسْتِصْنَاعُ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي، وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هُنَا تَقْسِيمُ وُجُوهِ الْعِلَلِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ وَلَمَّا صَارَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا سَمَّيْنَا الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهَا قِيَاسًا وَسَمَّيْنَا الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهَا اسْتِحْسَانًا أَيْ قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الْأَثَرِ دُونَ الظُّهُورِ وَالْجَلَاءِ أَلَا يُرَى أَنَّ الدُّنْيَا ظَاهِرَةٌ وَالْعُقْبَى بَاطِنَةٌ وَقَدْ تَرَجَّحَ الْبَاطِنُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ، وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْخُلُودُ وَالصَّفْوَةُ وَتَأَخُّرُ الظَّاهِرِ لِضَعْفِ أَثَرِهِ، وَكَالنَّفْسِ مَعَ الْقَلْبِ وَالصَّبْرِ مَعَ الْعَقْلِ فَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ بِمُعَارَضَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِعَدَمِهِ فِي التَّقْدِيرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ سُؤْرُ مَا هُوَ سَبُعٌ مُطْلَقٌ فَكَانَ كَسُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَهَذَا مَعْنًى ظَاهِرُ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ الْأَكْلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الْقِيَاسُ النَّافِي لِلْجَوَازِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ. وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي. فَإِنَّ الْقِيَاسَ نَافٍ طَهَارَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ تَنَجُّسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْحَوْضِ أَوْ الْبِئْرِ لِيَتَطَهَّرَ.
وَكَذَا الْمَاءُ الدَّاخِلُ فِي الْحَوْضِ أَوْ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ الْبِئْرِ تَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ وَالدَّلْوُ تَتَنَجَّسُ أَيْضًا بِمُلَاقَاةِ الْمَاءِ فَلَا تَزَالُ تَعُودُ، وَهِيَ نَجِسَةٌ. وَكَذَا الْإِنَاءُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَسْفَلِهِ ثَقْبٌ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْهُ إذَا أُجْرِيَ مِنْ أَعْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ يَجْتَمِعُ فِي أَسْفَلِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْقِيَاسِ لِلضَّرُورَةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى ذَلِكَ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَلِلضَّرُورَةِ أَثَرٌ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ.
ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ تَرْجِيحِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْقِيَاسِ فَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا خِلَافًا لِأَهْلِ الطَّرْدِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ. سَمَّيْنَا الَّذِي أَيْ الشَّيْءَ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهَا قِيَاسًا. وَسَمَّيْنَا الشَّيْءَ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهَا اسْتِحْسَانًا ذَكَرَ الِاسْمَ الْمَوْصُولَ بِتَأْوِيلِ الشَّيْءِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ الْعِلَّةِ. وَلَوْ قَالَ سَمَّيْنَا الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ أَوْ سَمَّيْنَا الَّتِي ضَعُفَ أَثَرُهَا لَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا وَعَلَى الْعَكْسِ، وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ. وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا. وَقَدْ يُرَجَّحُ الْبَاطِنُ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ حَتَّى وَجَبَ الِاشْتِغَالُ لِطَلَبِهِ. وَتَأَخَّرَ الظَّاهِرُ لِضَعْفِ أَثَرِهِ، وَهُوَ الْغَنَاءُ حَتَّى وَجَبَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ لَاخْتَارَ الْعَاقِلُ الْخَزَفَ الْبَاقِيَ عَلَى الذَّهَبِ الْفَانِي كَيْفَ، وَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ. وَكَالنَّفْسِ مَعَ الْقَلْبِ فَإِنَّ الْقَلْبَ تَرَجَّحَ عَلَى النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ ظَاهِرَةً وَالْقَلْبُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّ أَثَرَ عَمَلِ الْقَلْبِ أَقْوَى مِنْ عَمَلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَالْبَصَرِ مَعَ الْعَقْلِ فَإِنَّ الْعَقْلَ رَاجِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنًا لِقُوَّةِ أَثَرِ إدْرَاكِهِ وَضَعْفِ أَثَرِ إدْرَاكِ الْبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ تَقَدُّمِ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَوِيَ أَثَرُهُ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِثَالُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيَاسِ وَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ. أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ مُعْتَبَرٌ بِاللَّحْمِ، وَلَحْمُ هَذِهِ الطُّيُورِ حَرَامٌ كَلَحْمِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَكَانَ سُؤْرُهَا نَجِسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ كَذَا. اعْلَمْ أَنَّ مَشَايِخَنَا عَلَّلُوا فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ بِأَنَّ لُعَابَهَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ، وَلَحْمَهَا نَجِسٌ فَيَكُونُ السُّؤْرُ نَجِسًا أَيْضًا. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّحْمَ إنْ كَانَ نَجِسًا لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ الْحُرْمَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ السَّبُعِ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوِرِ، وَكَانَتْ عَيْنُهُ طَاهِرَةً كَالْجِلْدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَجَّسَ السُّؤْرُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الْمُجَاوِرَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ السُّؤْرِ كَمَا فِي سُؤْرِ الشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ فَسَلَكَ الشَّيْخُ طَرِيقَةً يَنْدَفِعُ عَنْهُ هَذَا السُّؤَالُ.
فَقَالَ السَّبُعُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لِدَلِيلِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إذْ لَوْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَمَا حَرُمَ بِالْخِنْزِيرِ وَسَائِرِ الْأَنْجَاسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] وَهَذَا
(4/6)

وَقَدْ ثَبَتَ نَجَاسَتُهُ ضَرُورَةَ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ فَأَثْبَتْنَا حُكْمًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ الْمُجَاوِرَةُ فَيَثْبُتُ صِفَةُ النَّجَاسَةِ فِي رُطُوبَتِهِ وَلُعَابِهِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ يَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْعَظْمُ طَاهِرٌ بِذَاتِهِ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ النَّجِسِ أَلَا يُرَى أَنَّ عَظْمَ الْمَيِّتِ طَاهِرٌ فَعَظْمُ الْحَيِّ أَوْلَى فَصَارَ هَذَا بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ لَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّبُعُ طَاهِرًا كَالشَّاةِ وَالْآدَمِيِّ. وَقَدْ ثَبَتَ نَجَاسَتُهُ أَيْ نَجَاسَةُ السَّبُعِ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ لَحْمِهِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ إمَّا أَنْ تَثْبُتَ لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ إذْ الْأَكْلُ أُبِيحَ لِلْغِذَاءِ فَيَصِيرُ بِدُونِهِ عَبَثًا. أَوْ لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ. أَوْ لِلِاحْتِرَامِ كَالْآدَمِيِّ أَوْ لِلنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ كُلَّ نَجِسٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمُجَاوِرٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالطَّعَامِ النَّجِسِ، وَلَا احْتِرَامَ لِلسِّبَاعِ، وَهِيَ صَالِحَةٌ لِلْغِذَاءِ، وَلَمْ تَسْتَخْبِثْهَا الطِّبَاعُ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَأْكُولَةً قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَثَبَتَ أَنَّ حُرْمَتَهَا لِلنَّجَاسَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِفَسَادِ طَبْعٍ فَإِنَّهَا حَيَوَانَاتٌ نَاهِبَةٌ وَيَتَعَدَّى إلَى الْآكِلِينَ فَحَرَّمَهَا الشَّرْعُ صِيَانَةً عَنْ ذَلِكَ. قُلْنَا هَذِهِ مَصْلَحَةٌ وَحِكْمَةٌ مَطْلُوبَةٌ فِي الْعَاقِبَةِ، وَالْمَصَالِحُ وَالْحِكَمُ أَدِلَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الْأَسْبَابِ، وَلَا تَكُونُ عِلَّةً بِأَنْفُسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَالُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسُ قَوْلٌ بِغَالِبِ الرَّأْيِ فَتَثْبُتُ النَّجَاسَةُ لِتَكُونَ الْحُرْمَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ دُونَ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ السَّبَبِ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ بِنَجَاسَةٍ لِيَكُونَ آكَدَ فِي إيجَابِ التَّجَنُّبِ كَمَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عُقُولَنَا بِطَبْعِهَا فَحُرِّمَتْ بِنَجَاسَةٍ، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ. وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِ السَّبُعِ لِنَجَاسَتِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ السَّبُعُ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ.
فَأَثْبَتْنَا يَعْنِي لِلسَّبُعِ حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ أَيْ بَيْنَ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ الْمُجَاوِرَةُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ طَاهِرٌ كَالْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالشَّعْرِ، وَمَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ نَجِسٌ كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ فَأَشْبَهَ دُهْنًا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ النَّجِسِ وَالِاسْتِصْبَاحُ بِهِ عِنْدَنَا، وَيَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِهِ لِنَجَاسَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَطْهُرَ لَحْمُهُ بِالذَّكَاةِ كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَقَدْ نَصَّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ كَالْجِلْدِ.
قُلْنَا: مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَقُولُ اللَّحْمُ طَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ نَجِسٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي مِثْلِهِ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ وَنُقِلَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ إذَا صَلَّى، وَمَعَهُ لَحْمُ سَبُعٍ مَذْبُوحٍ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ لَا يُجَوِّزُ صَلَاتَهُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَفْسَدَهُ، وَهَكَذَا عَنْ النَّاطِفِيِّ كَذَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ أَيْضًا.
وَلَمَّا ثَبَتَتْ صِفَةُ النَّجَاسَةِ فِي لَحْمِهِ ثَبَتَتْ فِي رُطُوبَتِهِ وَلُعَابِهِ؛ لِأَنَّ رُطُوبَتَهُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ لَحْمِهِ الَّذِي هُوَ نَجِسٌ لَا مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهُ يَشْرَبُ بِلِسَانِهِ الَّذِي هُوَ رَطْبٌ مِنْ لُعَابِهِ فَيَتَنَجَّسُ سُؤْرُهُ ضَرُورَةً بِمُخَالَطَةِ لُعَابِهِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ تَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْمِنْقَارُ طَاهِرٌ بِذَاتِهِ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ النَّجِسِ خِلْقَةً؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ جَافٌّ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ فَلَا يُجَاوِرُ الْمَاءَ بِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ فَيَبْقَى طَاهِرًا. إلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا صِفَةَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَرَزُ بِهَا عَنْ الْمَيْتَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَكَانَتْ كَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ إنَّ مَا يَقَعُ عَلَى الْجِيَفِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مِنْقَارَهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا تُدَلِّكُ مِنْقَارَهَا بِالْأَرْضِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ شَيْءٌ صَلْبٌ فَيَزُولُ مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ
(4/7)

وَأَمَّا الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَأَثَرُهُ فَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ ظَهَرَ أَثَرُهُ وَاسْتَتَرَ فَسَادُهُ فَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ مِثَالُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَرْكَعُ بِهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعُ خِلَافُهُ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ فَهَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ. فَأَمَّا وَجْهُ الْقِيَاسِ فَمَجَازٌ مَحْضٌ لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى بِأَثَرِهِ الْبَاطِنِ، وَالِاسْتِحْسَانُ مَتْرُوكٌ لِفَسَادِهِ الْبَاطِنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَطْهُرُ؛ وَلِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى مِنْقَارِهِ فَيَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بِالْعَادَةِ دُونَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ. ثُمَّ تَأَيَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْهِرَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْبَلْوَى يَتَحَقَّقُ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُضُ مِنْ الْهَوَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصًا فِي الصَّحَارِي بِخِلَافِ سِبَاعِ الْوَحْشِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا بِالضَّرُورَةِ أَيْضًا، وَإِثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهَا لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فَلِوُجُودِ أَصْلِ الضَّرُورَةِ انْتَفَتْ النَّجَاسَةُ وَلِكَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ بَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ.
طَعَنَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ أَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَيْسَ قَوْلًا بِالتَّشَهِّي، وَلَكِنَّهُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ ثَابِتًا فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ، وَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ ثُمَّ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا سَنَذْكُرُ. فَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ فَصَارَ هَذَا أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِصِفَةِ الْكَرَاهَةِ بَاطِنًا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَسَقَطَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ لَا أَنْ يَنْعَدِمَ حُكْمُهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ قَوْلٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ بِمَا ذَكَرْنَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْوَحْشِ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ فِي الْآلَةِ الَّتِي تَشْرَبُ بِهَا، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ فَانْعَدَمَ الْحُكْمُ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي شَيْءٍ وَعَلَى اعْتِبَارِ الصُّورَةِ يَتَرَاءَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَتَبَيَّنُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ انْعِدَامُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وُجُوبُ التَّحَرُّزِ عَنْ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، وَقَدْ صَارَ هَذَا مَعْلُومًا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فِي الْهِرَّةِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْعَدِمُ بَعْضُ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ كَانَ انْعِدَامُ الْحُكْمِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ) أَيْ الْقِيَاسُ الَّذِي ظَهَرَ فَسَادُهُ، وَهَذَا بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ وَيَتَضَمَّنُ بَيَانَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا. مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ الْقِيَاسِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُمْ يَعْنِي عُلَمَاءَنَا قَالُوا فِيمَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ إنَّهُ يَرْكَعُ بِهَا قِيَاسًا. ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاتِهِ، وَهِيَ فِي آخِرِ السُّورَةِ إلَّا آيَاتٍ بَقِينَ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْضُهُمْ قَالُوا مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ سَجَدَ لَهَا سَجْدَةً عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ رُكُوعًا عَلَى حِدَةٍ غَيْرَ أَنَّ الرُّكُوعَ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ يَنْوِي الرُّكُوعَ لِلتِّلَاوَةِ، وَالسَّجْدَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ السَّجْدَةُ وَالرُّكُوعُ إنْ كَانَ يُخَالِفُ السَّجْدَةَ صُورَةً يُوَافِقُهَا مَعْنًى فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوَافِقُهَا مَعْنًى يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخَالِفُهَا صُورَةً يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاجِبَةُ الْأَصْلِيَّةُ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ رَكَعَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ رُكُوعَ الصَّلَاةِ مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. قُلْت: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ فِي وَسَطِ السُّورَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثُمَّ يَقُومَ فَيَقْرَأَ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِنْ رَكَعَ فِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ عَنْ السَّجْدَةِ نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا
(4/8)

وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّجُودَ لَمْ يَجِبْ عِنْدَ التِّلَاوَةِ قُرْبَةً مَقْصُودَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مُجَرَّدُ مَا يَصْلُحُ تَوَاضُعًا عِنْدَ هَذِهِ التِّلَاوَةِ وَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ بِعَمَلِ هَذَا الْعَمَلِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَبِخِلَافِ سُجُودِ الصَّلَاةِ فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ أَحَقَّ مِنْ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ مَعَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهِ بِفَوَاتِ مَحَلِّ الْأَدَاءِ وَبِصَيْرُورَتِهَا دَيْنًا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لَا يَجِبُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ كَالطَّهَارَةِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِحَالٍ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْبِيَّةِ فَلَا يَتَأَدَّى بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ بِالسَّجْدَةِ بِعَيْنِهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُجْزِيهِ إلَّا السَّجْدَةُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ مُرَادُهُ إذَا تَلَاهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَرَكَعَ فِي الْقِيَاسِ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ يَتَقَارَبَانِ فَيَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا يَنُوبُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الرُّكُوعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَمَّا هُوَ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ وَضْعِ السَّجْدَةِ فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ رَدَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَاخْتَارَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ. ثُمَّ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى بَيَانِ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى بَيَانِ قُوَّةِ أَثَرِ الْقِيَاسِ وَضَعْفِ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ ثَانِيًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ.
فَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ يَتَشَابَهَانِ فِي مَعْنَى الْخُضُوعِ وَلِهَذَا أَطْلَقَ اسْمَ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] أَيْ سَاجِدًا؛ لِأَنَّ الْخُرُورَ هُوَ السُّقُوطُ، وَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي السُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ، وَيُقَالُ رَكَعَتْ النَّخْلَةُ وَسَجَدَتْ إذَا طَأْطَأَتْ رَأْسَهَا، وَلَمَّا ثَبَتَ التَّشَابُهُ بَيْنَهُمَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ كَمَا يَسْقُطُ بِالسُّجُودِ. أَوْ يُقَالُ لَمَّا ثَبَتَ التَّشَابُهُ يَنُوبُ الرُّكُوعُ عَنْ السُّجُودِ كَمَا تَنُوبُ الْقِيمَةُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فَهَذَا قِيَاسٌ ظَاهِرٌ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ بَلْ هُوَ اعْتِبَارٌ لِأَحَدِ الْفِعْلَيْنِ بِالْآخَرِ بِظَاهِرِ الشَّبَهِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ بِهِ أَيْ بِالرُّكُوعِ فِي مَقَامِ السُّجُودِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] ، وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا تَمَسُّكٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: 24] يَقْتَضِي وُجُوبَ الرُّكُوعِ عَقِيبَ التِّلَاوَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ. قَوْلُهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ بِقَوْلِهِ: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ} [النجم: 62] {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] وَالرُّكُوعُ خِلَافُ السُّجُودِ أَيْ غَيْرُهُ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّكُوعَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنُوبُ عَنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَلَا السُّجُودُ عَنْ الرُّكُوعِ فَلَأَنْ لَا يَنُوبَ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ بَيْنَ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبُ التَّحْرِيمَةِ أَظْهَرُ مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلِهَذَا لَوْ تَلَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَرَكَعَ لَهَا لَمْ يَجُزْ عَنْ السَّجْدَةِ فَفِي الصَّلَاةِ أَوْلَى إنْ أَقَامَ رُكُوعَ الصَّلَاةِ مَقَامَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ مُسْتَحَقٌّ بِجِهَةٍ أُخْرَى. فَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرُّكُوعَ خِلَافُ السُّجُودِ حَقِيقَةً إلَى آخِرِهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يَتَأَدَّى بِإِتْيَانِ مَا يُخَالِفُهُ فَفَسَدَ بِهِ وَجْهُ الْقِيَاسِ، وَصَارَ مَرْجُوحًا؛ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَمَّا وَجْهُ الْقِيَاسِ فَمَجَازٌ مَحْضٌ أَيْ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوعِ السُّجُودُ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ فَإِثْبَاتُ التَّشَابُهِ وَالْقُرْبِ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الدَّلِيلِ، وَبِنَاءُ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِالْمَجَازِ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا سَمَّيْنَا الثَّانِيَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَأَخْفَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ كَمَا تَرَى. فَهَذَا بَيَانُ ظُهُورِ أَثَرِ الِاسْتِحْسَانِ وَظُهُورِ فَسَادِ الْقِيَاسِ بِمُقَابَلَتِهِ. لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِأَثَرِهِ الْبَاطِنِ أَيْ بِسَبَبِ قُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ.
وَالِاسْتِحْسَانُ مَتْرُوكُ الْعَمَلِ
(4/9)

وَهَذَا قِسْمٌ عَزَّ وُجُودُهُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَالْأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ، وَبَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَنَّ هَذَا يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُولَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِفَسَادِهِ الْبَاطِنِ أَيْ الْخَفِيِّ. بَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ الْأَثَرِ الْبَاطِنِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ السُّجُودَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَمْ يَجِبْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً أَيْ لَمْ يَجِبْ قُرْبَةً لِعَيْنِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِبْدَادِ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ كَمَا لَا يَلْتَزِمُ الطَّهَارَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مُجَرَّدُ مَا يَصْلُحُ تَوَاضُعًا لِتَحْصُلَ بِهِ مُخَالَفَةُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ السُّجُودِ اسْتِكْبَارًا إذْ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُقَرَّبِينَ الَّذِينَ تَبَادَرُوا إلَى السُّجُودِ تَقَرُّبًا وَافْتِخَارًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَفِي النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ - وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ} [الرعد: 18 - 15] {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 49] إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السُّجُودِ التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ.
وَكَذَا عَدَمُ اقْتِرَانِهِ بِالرُّكُوعِ كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، وَشَرْعِيَّةُ التَّدَاخُلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206] وَبِالْإِجْمَاعِ وَلِهَذَا شَرَطَ فِيهِ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ. وَالرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ يَعْمَلُ هَذَا الْعَمَلَ أَيْ يَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ لِحُصُولِ مَعْنَى التَّوَاضُعِ وَالْعِبَادَةِ فِيهِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ السُّجُودِ بِهِ كَمَا سَقَطَتْ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ وَقَعَتْ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ، وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ يَسْقُطُ بِالسَّعْيِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. وَتَأَيَّدَ مَا ذَكَرْنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ إذَا تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ رَكَعَ. بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بِخِلَافِ سُجُودِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الرُّكُوعِ مَقَامَهُ، وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَكِّنْ جَبْهَتَك مِنْ الْأَرْضِ.» «وَأُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ فَلَا تَتَأَدَّى بِغَيْرِهِ.
فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالرُّكُوعِ. مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ مَعَ إمْكَانِهِ بِالْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَاعْتِبَارِ نَفْسِ الشَّبَهِ أَحَقَّ مِنْ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ لِلِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ مَعَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَقْصُودِ مُسَاوِيًا لِلْمَقْصُودِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ، وَهُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ قِسْمٌ عَزَّ وُجُودُهُ. وَسَمِعْت مِنْ شَيْخِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا فِي سِتِّ مَسَائِلَ أَوْ سَبْعٍ.
مِنْهَا مَا إذَا ادَّعَى الرَّهْنَ الْوَاحِدَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ رَهَنْتنِي بِأَلْفٍ، وَقَبَضْته وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فِي الِاسْتِحْسَانِ يَقْتَضِي بِأَنَّهُ مَرْهُونٌ عِنْدَهُمَا وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا ارْتَهَنَا مَعًا لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ كَمَا فِي الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى، وَكَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ، وَفِي الْقِيَاسِ تَبْطُلُ الْبَيِّنَتَانِ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِالْكُلِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلِاسْتِحَالَةِ تَعَذُّرِ الْقَضَاءِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الشُّيُوعِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الرَّهْنِ فَتَعَيَّنَ التَّهَاتُرُ.
وَأَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ لِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى حِدَةٍ وَيُثْبِتُ بِبَيِّنَتِهِ حَبْسًا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مِثْلِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَبِهَذَا الْقَضَاءِ يَثْبُتُ عَقْدٌ وَاحِدٌ وَحَبْسٌ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى شَطْرِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْحُجَّةِ. بِخِلَافِ الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَإِنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ وَاحِدٌ فَيُمْكِنُ
(4/10)

أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُثَمَّنِ لَا يُوجِبُ يَمِينَ الْبَائِعِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بِمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي ثَمَنًا، وَهَذَا حُكْمٌ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إثْبَاتُ مُوجِبِ الْعَقْدِ بِهِ مُتَّحِدًا فِي الْمَحَلِّ وَبِخِلَافِ دَعْوَى الشِّرَاءِ فَإِنَّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ كَأَنَّهُمَا اشْتَرَيَا مَعًا إذْ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لَهُمَا كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ رَبِّ السَّلَمِ فِي دِرْعَانِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْقِيَاسِ يَتَخَالَفَانِ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ فَالِاخْتِلَافُ فِي دِرْعَانِهِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا فِي أَصْلِهِ بَلْ فِي صِفَتِهِ مِنْ حَيْثُ الطُّولُ وَالسَّعَةُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّخَالُفَ كَالِاخْتِلَافِ فِي دِرْعَانِهِ الثَّوْبَ الْمَبِيعَ بِعَيْنِهِ.
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ السَّلَمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّخَالُفَ، ثُمَّ أَثَرُ الْقِيَاسِ مُسْتَتِرٌ، وَلَكِنَّهُ قَوِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّ عَقْدَ السَّلَمِ إنَّمَا يُعْقَدُ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ لَا بِالْإِشَارَةِ إلَى الْمُعَيَّنِ، وَكَانَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ خَمْسٌ فِي سَبْعٍ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ أَرْبَعٌ فِي سِتٍّ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا فِي أَصْلِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّخَالُفَ فَلِذَلِكَ أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ.
وَمِنْهَا مَا إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي رَكْعَةٍ فَسَجَدَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى فَفِي الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ سَجْدَةٌ أُخْرَى فِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ. وَمِنْهَا أَنَّ الرَّهْنَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ رَهْنٌ بِالْمُتْعَةِ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَرَحَ حُرًّا خَطَأً فَخُيِّرَ مَوْلَاهُ بَعْدَ الْبُرْءِ فَاخْتَارَ الْفِدَاءَ ثُمَّ انْتَقَضَتْ الْجِرَاحَةُ وَصَارَتْ نَفْسًا يُخَيَّرُ ثَانِيَةً فِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُخَيَّرُ وَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ. وَمِنْهَا غَاصِبُ الْعَقَارِ فِي الِاسْتِحْسَانِ ضَامِنٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِضَامِنٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ إلَى الْقِيَاسِ لِقُوَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَبَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْأَثَرِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الضَّرُورَةِ فَقَالَ الْمُسْتَحْسَنُ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ التَّعْدِيَةُ، وَهَذَا الْقِسْمُ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِاسْمِ الِاسْتِحْسَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا فَيَكُونُ حُكْمُهُ التَّعْدِيَةَ بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُولَةٍ بَلْ هِيَ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مِثَالًا لِمَا ذَكَرَ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُثَمَّنِ يَعْنِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي. لَا يُوجِبُ يَمِينَ الْبَائِعِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ مُدَّعِيًا عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا فِي الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا الْبَائِعُ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ فَكَانَ الْقِيَاسُ نَظَرًا إلَى سَائِرِ الْخُصُومَاتِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَاقِي. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الثَّمَنُ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي وُجُوبَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ إحْضَارِ أَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بِمَا يُقِرُّ بِهِ ثَمَنًا وَالْبَيْعُ كَمَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْمِلْكِ عَلَى الْبَائِعِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَيْهِ عِنْدَ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِ.
وَهَذَا حُكْمُ أَيْ وُجُوبُ التَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ حُكْمٌ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ وَارِثِيهِمَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ
(4/11)

وَإِلَى الْإِجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَمْ يَجِبْ يَمِينُ الْبَائِعِ إلَّا بِالْأَثَرِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْدِيَتُهُ إلَى الْوَارِثِ، وَإِلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى أَصْحَابِنَا بَعْضُ النَّاسِ اسْتِحْسَانَهُمْ لِجَهْلِهِمْ بِالْمُرَادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ فَوَارِثُ الْبَائِعِ يُطَالِبُ وَارِثَ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَوَارِثُ الْمُشْتَرِي يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَيُمْكِنُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ التَّحَالُفِ إلَيْهِمَا، وَإِلَى الْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ الْقَصَّارُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْقَصَّارُ فِي الْعَمَلِ يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ مَشْرُوعٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْفَسْخِ لِيَعُودَ إلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ قَبْلَ إقَامَةِ الْعَمَلِ كَالْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا، وَمُنْكِرًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فَيَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ يَجِبُ التَّحَالُفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْتَمِلُ لِلْفَسْخِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَّارَةِ وَيَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّسْلِيمَ، وَالتَّسْلِيمُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا، وَمُنْكِرًا فَيَجْرِي فِيهِ التَّحَالُفُ أَيْضًا.
وَمِثْلُ مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتَا بَدَلًا بِأَنْ قَبِلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجْرِي التَّحَالُفُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ الْوَاجِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهَا الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ مِثْلَ الْعَيْنِ فِي إمْكَانِ فَسْخِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ أَيْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَجِبْ أَيْ لَمْ يَجِبْ بِهِ يَمِينُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَى الْبَائِعِ شَيْئًا إذْ الْمَبِيعُ مُسَلَّمٌ إلَيْهِ فَكَانَ ثُبُوتُ التَّحَالُفِ بِالْأَثَرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْوَارِثِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ وَارِثُ الْبَائِعِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ. أَوْ وَارِثُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ الْبَائِعِ.
أَوْ اخْتَلَفَ الْوَارِثَانِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالسِّلْعَةُ مَقْبُوضَةٌ قَائِمَةٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا كَانَ مِنْ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَارِثِهِ، وَلَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا، وَلَا إلَى مَا بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ سَوَاءٌ أَخَلَفَتْ بَدَلًا أَوْ لَمْ تَخْلُفْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ مُسْتَحْسَنٌ بِالْأَثَرِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ فِي الْوَارِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ حَالَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِدُخُولٍ تَحْتَ إطْلَاقِ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» قُلْنَا: النَّصُّ الْمُقَيَّدُ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ قِيَامِ السِّلْعَةِ. وَكَذَا الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّرَادِّ إنْ كَانَ رَدُّ الْمَأْخُوذِ حِسًّا وَحَقِيقَةً فَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ رَدَّ الْعَقْدِ فَالْفَسْخُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِذَا فَاتَ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ فَقَدْ فَاتَ مَحَلُّ الْفَسْخِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْمَحَلِّ بِإِقَامَةِ الْقِيمَةِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ قَبْلَ الْفَسْخِ عَلَى أَحَدٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْرِي التَّحَالُفُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ الْآخَرُ إذْ الْبَيْعُ بِأَلْفٍ غَيْرُ الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ شَاهِدَيْ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَا تُقْبَلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(4/12)

وَإِذَا صَحَّ الْمُرَادُ عَلَى مَا قُلْنَا بَطَلَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي الْعِبَارَةِ وَثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا الْحُجَّةَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَسْتَحِبُّ كَذَا، وَمَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ وَالِاسْتِحْسَانُ أَفْصَحُهُمَا، وَأَقْوَاهُمَا وَالِاسْتِحْسَانُ بِالْأَثَرِ لَيْسَ مِنْ بَابِ خُصُوصِ الْعِلَلِ أَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَجَبَ قَبُولُ بَيِّنَتِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا يُنْكِرُهُ صَاحِبُهُ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَحَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَحَالَ هَلَاكِهَا فَيَثْبُتُ التَّحَالُفُ فِي الْجَمِيعِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا آخَرَ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِأَلْفَيْنِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ بِأَلْفٍ قَدْ يَصِيرُ بِأَلْفَيْنِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَالْبَيْعَ بِأَلْفَيْنِ يَصِيرُ بِأَلْفٍ عِنْدَ حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَارِيَةً حَلَّ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا، وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَقْدِ لَمَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَالْآخَرُ الْهِبَةَ.
وَاخْتِلَافُ الشَّاهِدَيْنِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِاخْتِلَافِ الْعَقْدِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُكَذِّبُ أَحَدَهُمَا، وَقَبُولُ بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الِانْفِرَادِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً لَا مَعْنًى وَذَلِكَ كَانَ لِقَبُولِ بَيِّنَتِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَجَّهُ بِهِ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ تُقْبَلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا صَحَّ الْمُرَادُ) أَيْ ثَبَتَ وَظَهَرَ عَلَى مَا قُلْنَا إنَّهُ اسْمٌ لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَوْ اسْمٌ لِلدَّلِيلِ الْأَقْوَى فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّةِ الْعَمَلِ بِهِ بَطَلَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي الْعِبَارَةِ. وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ الطَّاعِنِينَ نَحْنُ لَا نُنَازِعُكُمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُمْ، وَلَكِنْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ بِتَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ كُلَّ الشَّرْعِ اسْتِحْسَانٌ كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ. فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ نِزَاعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
عَلَى أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ وَضَعُوا هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ الْحُسْنِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ الْخُصُومَ وَضَعُوا لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ اسْمًا كَقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَقِيَاسِ الشَّبَهِ وَنَحْوِهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى. وَوُجُودُ مَعْنَى الِاسْمِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعُوهُ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فَإِنَّ الْعَرَبَ سَمَّتْ الزُّجَاجَ قَارُورَةً لِقَرَارِ الْمَائِعِ فِيهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَوَانِي، وَكَيْفَ يَصِحُّ الطَّعْنُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ كَثِيرًا فِي الْمَسَائِلِ. وَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظَ الِاسْتِحْسَانِ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْضِعٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُتْعَةِ أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَقَالَ فِي بَابِ الشَّفِيعِ أَسْتَحْسِنُ أَنْ تَثْبُتَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ أَسْتَحْسِنُ تَرْكَ شَيْءٍ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ.
وَذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي التَّهْذِيبِ وَوَضْعُ الْمُصْحَفِ فِي حِجْرِ الْحَالِفِ عِنْدَ التَّحْلِيفِ اسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ تَغْلِيظًا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَسْتَحِبُّ كَذَا، وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ بَلْ الِاسْتِحْسَانُ أَفْصَحُهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِكَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55] {فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17] {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَقْوَاهُمَا يَعْنِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ إذْ الْمُرَادُ بَيَانُ حُسْنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّلِيلُ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَضْعِهِ إذْ الِاسْتِحْسَانُ وُجْدَانُ الشَّيْءِ وَعَدُّهُ حَسَنًا فَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَيَدُلُّ بِوَضْعِهِ عَلَى مَيَلَانِ الطَّبْعِ إلَى الشَّيْءِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ
(4/13)

عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا فِي بَيَانِ حُكْمِ الْعِلَّةِ إنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْفَرْعِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ قَطْعًا وَتُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ

(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ) وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ الطَّبْعَ قَدْ يَمِيلُ إلَى مَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَقَامِ الذَّمِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} [إبراهيم: 3] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} [النحل: 107] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَفْصَحُ، وَأَقْوَى مِنْ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ يَعْنِي فِي بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ التَّلْفِيقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ: وَقَوْلُنَا كَذَا رَاجِعٌ إلَى فَصْلٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ أَيْ أَحْكَامِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. لَا يَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ. وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِالْقِيَاسِ كَذَا.

[بَابُ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْكَلَامُ فِي شَرْطِهِ وَحُكْمِهِ]
[شَرْطُ الِاجْتِهَادِ]
(بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ) .
إنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ لَا مَحَالَةَ إذْ احْتِمَالُ الْخَطَأِ قَائِمٌ فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَمَنَازِلُهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ أَيْ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوْ مُعَاتَبٌ مُخَطَّأٌ. قَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي هـ) أَيْ فِي الِاجْتِهَادِ فِي شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ نَفْسَ الِاجْتِهَادِ لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي تَحْقِيقِ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَمَشَقَّةٌ فَيُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الرَّحَى، وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ أَوْ نَوَاةٍ لَكِنْ صَارَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مَخْصُوصًا بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَالِاجْتِهَادُ التَّامُّ أَنْ يَبْذُلَ الْوُسْعَ فِي الطَّلَبِ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ شَوَاهِدِهَا الدَّالَّةِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا، وَقِيلَ هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَاحْتَرَزَ بِالْفَقِيهِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ اسْتِفْرَاغَ النَّحْوِيِّ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي لَا فِقْهَ لَهُ لِتَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى اجْتِهَادًا. وَبِقَوْلِهِ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ كَطَلَبِهِ النَّصَّ فِي حَادِثَةٍ وَظَفَرِهِ بِهِ. وَبِقَوْلِهِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَنْ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ وَالْعُرْفِيِّ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ فَالْمُجْتَهِدُ مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَا قَاطِعَ فِيهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ الظَّنَّ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْقَاطِعِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ، وَمَسَائِلُ الْكَلَامِ وَوُجُوبُ أَرْكَانِ الشَّرْعِ، وَمَا اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ جَلِيَّاتِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً لَكِنَّ فِيهَا دَلَائِلَ قَطْعِيَّةً.
ثُمَّ قِيلَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَنَدْبٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي حَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِيمَا نَزَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي حَالَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا إذَا نَزَلَتْ حَادِثَةٌ بِأَحَدٍ فَاسْتَفْتَى أَحَدَ الْعُلَمَاءِ كَانَ الْجَوَابُ فَرْضًا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَأَخَصُّهُمْ بِفَرْضِهِ مَنْ خُصَّ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَادِثَةِ فَإِنْ أَجَابَ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ ظُهُورِ الْجَوَابِ وَالصَّوَابِ لَهُمْ أَثِمُوا، وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ الْتِبَاسِهِ عَلَيْهِمْ عُذِرَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الطَّلَبُ، وَكَانَ فَرْضُ الْجَوَابِ بَاقِيًا عِنْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ
(4/14)

أَمَّا شَرْطُهُ فَأَنْ يَحْوِيَ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِهِ الَّتِي قُلْنَا وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطُرُقِهَا، وَمُتُونِهَا وَوُجُوهِ مَعَانِيهَا، وَأَنْ يَعْرِفَ وُجُوهَ الْقِيَاسِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُنَا هَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَاضِيَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ فِي النُّطْقِ فَيَكُونُ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ سَقَطَ الْفَرْضُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَالَتَيْنِ أَيْضًا أَحَدَيْهِمَا أَنْ يَجْتَهِدَ الْعَالِمُ قَبْلَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ لِيَسْبِقَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ سَائِلٌ قَبْلَ نُزُولِهَا بِهِ فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْحَالَتَيْنِ نَدْبًا كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ الِاجْتِهَادِ فَأَنْ يَحْوِيَ أَيْ يَجْمَعَ الْمُجْتَهِدُ عِلْمَ الْكِتَابِ بِمَعَانِيهِ أَيْ مَعَ مَعَانِيهِ أَوْ مُلْتَبِسًا بِمَعَانِيهِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَوُجُوهَهُ أَيْ أَقْسَامَهُ الَّتِي قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ حِفْظَ نَظْمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ مِنْ النَّاظِرِ فِيهِ. وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الطَّلَبِ وَالنَّظَرِ فِيهِ كَمَا فِي السُّنَنِ. وَقِيلَ يَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ مَا اخْتَصَّ بِالْأَحْكَامِ دُونَ مَا سِوَاهُ. وَعِلْمَ السُّنَّةِ بِطَرِيقِهَا أَيْ مُلْتَبِسَةً لِطُرُقِهَا مِنْ التَّوَاتُرِ وَالشُّهْرَةِ وَالْآحَادِ. وَمُتُونَهَا يَعْنِي يَعْرِفُ نَفْسَ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِلَفْظِ الرَّسُولِ أَوْ نُقِلَتْ بِالْمَعْنَى. وَوُجُوهَ مَعَانِيهَا أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا مِثْلُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَسَائِرِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ: مَعْرِفَةَ طُرُقِهَا مِنْ تَوَاتُرٍ وَآحَادٍ لِيَكُونَ الْمُتَوَاتِرَاتُ مَعْلُومَةً وَالْآحَادُ مَظْنُونَةً. وَمَعْرِفَةَ صِحَّةِ طُرُقِ الْآحَادِ وَرُوَاتِهَا لِيَعْمَلَ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا وَيَعْدِلَ عَمَّا لَا يَصِحُّ. وَمَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِيَعْلَمَ مَا يُوجِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَعْرِفَةَ مَعَانِي مَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ عَنْهُ وَحِفْظُ أَلْفَاظِ مَا وُجِدَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ. وَتَرْجِيحُ مَا تَعَارَضَ مِنْ الْأَخْبَارِ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِمَدَارِكِ الشَّارِعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِثْمَارِ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَنِبًا عَنْ الْمَعَاصِي الْقَادِحَةِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ فَمَنْ لَيْسَ عَدْلًا لَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطَ قَبُولِ الْفَتْوَى لَا شَرْطَ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ. ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَتْوَى بِأَنْ يَعْرِفَ الْمَدَارِكَ الْمُثْمِرَةَ لِلْأَحْكَامِ، وَأَنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِثْمَارِ. وَالْمَدَارِكُ الْمُثْمِرَةُ أَرْبَعَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ، وَطَرِيقُ الِاسْتِثْمَارِ تَتِمُّ بِأَرْبَعَةِ عُلُومٍ اثْنَانِ مُقَدَّمَانِ وَاثْنَانِ مُتَمِّمَانِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ فَلْنُفَصِّلْهَا وَلْنُنَبِّهْ فِيهَا عَلَى دَقَائِقَ أَهْمَلَهَا الْأُصُولِيُّونَ.
أَمَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْأَصْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلْنُحَقِّقْ عَنْهُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْكِتَابِ بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْهُ وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ. الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوَاقِعِهَا حَتَّى يَطْلُبَ الْآيَةَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى أُلُوفٍ فَهِيَ مَحْصُورَةٌ، وَفِيهَا التَّحْقِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالْمَوَاعِظِ، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِهَا.
وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلٌ مُصَحَّحٌ بِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ كَالْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ وَالْجَامِعِ لِمُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَيَكْفِيهِ أَنْ يَعْرِفَ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ فَيُرَاجِعُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الْفَتْوَى، وَإِنْ كَانَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَيَّزَ عِنْدَهُ مَوَاقِعُ الْإِجْمَاعِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ
(4/15)

وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْإِصَابَةُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ حَتَّى قُلْنَا إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كَمَا تَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ النُّصُوصِ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِهَا وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يُفْتِي فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَتْوَاهُ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ أَمَّا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ مَذْهَبَ أَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مُتَوَلِّدَةٌ فِي الْعَصْرِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهَا خَوْضٌ فَهَذِهِ الْقَدْرُ فِيهِ كِفَايَةٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَنَعْنِي بِهِ مُسْتَنَدَ النَّصِّ وَالْمُسْتَنَدَ الْأَصْلِيَّ لِلْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْجَرْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَعَلَى نَفْيِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا فِي صُوَرٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُسْتَثْنَيَات مَحْصُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُغَيَّرُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّصِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذِهِ هِيَ الْمَدَارِكُ الْأَرْبَعَةُ.
وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُقَدَّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ نُصُبِ الْأَدِلَّةِ وَشُرُوطِهَا الَّتِي بِهَا تَصِيرُ الْبَرَاهِينُ وَالْأَدِلَّةُ مُنْتِجَةً، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ تَعُمُّ الْمَدَارِكَ الْأَرْبَعَةَ.
وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَيَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَعْنِي بِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ خِطَابَ الْعَرَبِ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَى حَدٍّ يُمَيِّزُ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَمُجْمَلِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَمَجَازِهِ وَفَحْوَاهُ، وَمَنْظُومِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ بَلْ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَوَاقِعِ الْخِطَابِ وَدَرْكِ دَقَائِقِ الْمَقَاصِدِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْعِلْمَانِ الْمُتَمِّمَانِ فَأَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ عَلَى حِفْظِهِ بَلْ كُلُّ وَاقِعَةٍ يُفْتِي فِيهَا بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ أَوْ الْآيَةَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَنْسُوخِ، وَهَذَا يَعُمُّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِالسُّنَّةِ مَعْرِفَةُ الرُّوَاةِ وَتَمْيِيزُ الصَّحِيحِ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُولِ مِنْ الْمَرْدُودِ. وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُفْتِي بِهِ مِمَّا قَبِلَتْهُ الْأُمَّةُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى النَّظَرِ فِي إسْنَادِهِ فَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ رُوَاتَهُ وَعَدَالَتَهُمْ. وَالْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا الِاكْتِفَاءَ بِتَعْدِيلِ أَئِمَّةِ الدِّينِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْخَلَفُ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ارْتَضَى الْأَئِمَّةُ رِوَايَتَهَا كَانَ حَسَنًا، وَقَصَّرَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُفْتِي فَهَذِهِ هِيَ الْعُلُومُ الثَّمَانِيَةُ يُسْتَفَادُ بِهَا مَنَاصِبُ الِاجْتِهَادِ.
وَمُعْظَمُ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ فُنُونٍ: عِلْمُ الْحَدِيثِ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ، وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ فَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا إنْسَانًا جَازِمًا بِاعْتِقَادِ الْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا لَأَمْكَنَهُ الِاسْتِدْلَال بِالدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ عَنْ حَدِّ التَّقْلِيدِ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ تَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إلَّا وَقَدْ قَرَعَ سَمْعَهُ أَدِلَّةُ خَلْقِ الْعَالَمِ، وَأَوْصَافِ الصَّانِعِ جَلَّ جَلَالُهُ وَبَعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذَلِكَ مُحَصِّلٌ لِلْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ مُجَاوِزٌ لِصَاحِبِهِ حَدَّ التَّقْلِيدِ.
وَأَمَّا تَفَارِيعُ الْفِقْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِلِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ التَّفَارِيعَ وَلَّدَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا فِي مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، وَتَقَدُّمُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهَا شَرْطٌ. نَعَمْ
(4/16)

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ فَعِنْدَنَا الْحَقُّ وَاحِدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إنَّمَا يَحْصُلُ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا بِمُمَارَسَتِهَا فَهِيَ طَرِيقُ تَحْصِيلِ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْآنَ سُلُوكُ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا. وَاعْلَمْ أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْعُلُومِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَنْصِبًا لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفُوزَ الْعَالِمُ بِمَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ. فَمَنْ عَرَفَ طَرَفَ النَّظَرِ فِي الْقِيَاسِ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيَاسِيَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَمَنْ نَظَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ عَارِفًا بِأُصُولِ الْفَرَائِضِ وَمَعَانِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَصَّلَ الْأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَابِ الرِّبَا وَالْبُيُوعِ فَلَا اسْتِمْدَادَ لِنَظَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهَا، وَلَا تَعَلُّقَ لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِهَا فَمِنْ أَيْنَ تَضُرُّ الْغَفْلَةُ عَنْهَا وَالْقُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِجَوَابٍ فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَتْ الصَّحَابَةُ وَعَامَّةُ الْمُجْتَهِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْمَسَائِلِ. فَإِذَنْ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي فَيُفْتِي فِيمَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي وَيُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَدْرِي وَبَيْنَ مَا لَا يَدْرِي فَيَتَوَقَّفُ فِيمَا لَا يَدْرِي وَيُفْتِي فِيمَا يَدْرِي. هَذَا كُلُّهُ مِنْ كَلَامِهِ.

[حُكْمُ الِاجْتِهَاد]
قَوْلُهُ: (فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَاحِدٌ) أَرَادَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ الْمَسَائِلَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَكَلَّمُوا بِالِاجْتِهَادِ يَعْنِي مَحَلَّ النِّزَاعِ الْحَوَادِثُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُجْتَهَدُ فِيهَا لَا الْمَسَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ إنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس. وَمُضَلَّلٌ مُبْتَدِعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ كَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ مِنْهَا كُفْرٌ كَمَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْإِرَادَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ مُصِيبٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ مَا اعْتَقَدَهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُطَابِقٌ لِلْحَقِّ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا وَغَيْرَ مَخْلُوقٍ وَالْمَعَاصِي دَاخِلَةٌ تَحْتَ إرَادَةِ اللَّهِ وَخَارِجَةٌ عَنْ إرَادَتِهِ، وَالرُّؤْيَةُ مُمْكِنَةٌ وَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ، وَفَسَادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفْيَ الْإِثْمِ وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ. وَزَادَ الْجَاحِظُ أَنَّ مُخَالِفَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس إنْ نَظَرَ فَعَجَزَ عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ آثِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوبَ النَّظَرِ فَهُوَ مَعْذُورٌ أَيْضًا، وَإِنْ عَانَدَ عَلَى خِلَافِ اعْتِقَادِهِ فَهُوَ آثِمٌ مُعَذَّبٌ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ، وَلَازَمُوا عَقَائِدَهُمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إذَا انْسَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الْمَعْرِفَةِ فَلَا يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُهُمْ عَلَى مَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ الْإِثْمُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَ الْعَنْبَرِيُّ الْآيَاتُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مُتَشَابِهَةٌ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ وَكُلُّ فَرِيقٍ ذَهَبَ إلَى أَنَّ آرَاءَهُ أَوْفَقُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ، وَأَلْيَقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، وَإِثْبَاتِ دِينِهِ فَكَانُوا مَعْذُورِينَ. وَكَانَ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نُفَاةِ الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ. وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ فَإِنَّا كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ أَمَرَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَذَمَّهُمْ
(4/17)

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْحُقُوقُ مُتَعَدِّدَةٌ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْحُقُوقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِوَائِهَا فِي الْمَنْزِلَةِ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ: بَلْ وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الصَّحِيحَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي ابْتِدَاءِ اجْتِهَادِهِ لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ انْتِهَاءً فِيمَا طَلَبَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَا قُلْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى إصْرَارِهِمْ عَلَى عَقَائِدِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَاتَلَ جَمِيعَهُمْ، وَكَانَ يَكْشِفُ عَنْ عَوْرَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ لِيَقْتُلَهُ وَيُعَذِّبَهُ وَنَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الْمُعَانِدَ الْعَارِفَ مِمَّا يَقِلُّ، وَإِنَّمَا الْأَكْثَرُ مُقَلِّدُهُ اعْتَقَدُوا دِينَ آبَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مُعْجِزَةَ الرَّسُولِ وَصِدْقَهُ. وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا مِمَّا لَا يُحْصَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص: 27] {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [ص: 27] {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23] {إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المجادلة: 18] {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10] وَعَلَى الْجُمْلَةِ ذَمُّ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُهُمْ عَلَى إصَابَةِ الْحَقِّ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ الْعَقْلِ وَنَصَبَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبَعَثَ مِنْ الرُّسُلِ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّذِينَ نَبَّهُوا الْغُفُولَ وَحَرَّكُوا دَوَاعِيَ النَّظَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.، وَمَا قَالَهُ الْعَنْبَرِيُّ يَبْطُلُ بِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِينَ عَلَى ذَمِّ الْمُبْتَدِعَةِ، وَمُهَاجَرَتِهِمْ، وَقَطْعِ الصُّحْبَةِ مَعَهُمْ وَتَشْدِيدِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَرْكِ التَّشْدِيدِ عَلَى الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ. وَرَفْعِ الْإِثْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الْفِقْهِيَّةِ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ مِنْهَا هُوَ الظَّنُّ بِهَا، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْعِلْمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَكُلَّ مَا كَانَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ظَاهِرَةٌ مُتَوَافِرَةٌ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِيهَا بِالْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ.
1 -
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) إلَى آخِرِهِ. اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ كُلُّ مَنْ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ مِثْلُ عَامَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَبَعْضِ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هُذَيْلٍ وَالْجُبَّائِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ إلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بَلْ الْحُكْمُ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى كَانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ الْمُصَوِّبَةَ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مُتَعَيَّنٌ فِي الْحَادِثَةِ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا مَا لَوْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا بِحُكْمٍ لَمَّا حَكَمَ إلَّا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ. وَفَسَّرَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْحَادِثَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا عِنْدَهُمْ إلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الطَّلَبُ إذْ لَا بُدَّ لِلطَّلَبِ مِنْ مَطْلُوبٍ لَكِنْ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُجْتَهِدُ إصَابَتَهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ أَخْطَأَ ذَلِكَ الْحُكْمَ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِإِصَابَتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَتَى مَا كُلِّفَ بِهِ فَأَصَابَ مَا عَلَيْهِ. وَذَهَبَ كُلُّ مَنْ قَالَ الْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ أَوْ يُصِيبُ مِثْلُ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَعَبْدِ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِمْ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الصَّحِيحَةِ إلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا مُعَيَّنًا فِي الْحَادِثَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ دَفِينٍ يَعْثِرُ الطَّالِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ فَلِمَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ أَجْرَانِ وَلِمَنْ اجْتَهَدَ، وَلَمْ يَعْثِرْ أَجْرٌ وَاحِدٌ لِأَجْلِ سَعْيِهِ وَطَلَبِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ بِإِصَابَتِهِ لِخَفَائِهِ وَغُمُوضِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ مَعْذُورًا وَمَأْجُورًا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا ظَنِّيًّا أُمِرَ الْمُجْتَهِدُ بِطَلَبِهِ فَإِذَا أَخْطَأَ لَمْ يَكُنْ مَأْجُورًا لَكِنْ حُطَّ عَنْهُ الْإِثْمُ تَخْفِيفًا
(4/18)

احْتَجَّ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعًا لَمَّا كُلِّفُوا إصَابَةَ الْحَقِّ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي وُسْعِهِمْ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ تَحْقِيقًا لِشَرْطِ التَّكْلِيفِ كَمَا قِيلَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ إنَّهُمْ جُعِلُوا مُصِيبِينَ حَتَّى تَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ جَمِيعًا وَلَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ إلَّا بِإِصَابَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ إحَاطَةِ الْعِلْمِ بِخَطَأِ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرُّسُلِ وَعَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَنْ قَالَ بِاسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ قَالَ: لِأَنَّ دَلِيلَ التَّعَدُّدِ لَمْ يُوجِبْ التَّفَاوُتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَطْعِيًّا أُمِرَ الْمُجْتَهِدُ بِطَلَبِهِ فَإِذَا أَخْطَأَ لَا يَصِحُّ عَمَلُهُ وَيَنْقُضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ، وَلَكِنْ يَحُطُّ عَنْهُ الْإِثْمَ لِغُمُوضِ الدَّلِيلِ وَخَفَائِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ غَيْرُ مَعْذُورٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْقَطْعِيَّاتِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ إذَا أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً يَعْنِي كَانَ مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ، وَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الرَّابِعِ. وَبِقَوْلِهِ هُوَ مُصِيبٌ فِي ابْتِدَاءِ اجْتِهَادِهِ يَعْنِي فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنَّهُ مُخْطِئٌ فِيمَا طَلَبَهُ، وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْحَادِثَةِ أَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَاخْتَارَهُ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ قَوْمٌ إذَا لَمْ يُصِبْ الْمُجْتَهِدُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً حَتَّى أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا كَانَ مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُصِيبًا فِي حَقِّ عَمَلِهِ حَتَّى أَنَّ عَمَلَهُ بِهِ يَقَعُ صَحِيحًا شَرْعًا كَأَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ لِيُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مُصِيبٌ فِي حَقِّ عَمَلِهِ. ثُمَّ قَالَ فَصَارَ قَوْلُنَا هَذَا الْقَوْلُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ.
قَوْلُهُ: (احْتَجَّ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ) وَهُمْ الْمُصَوِّبَةُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ كُلِّفُوا إصَابَةَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كُلِّفُوا الْفَتْوَى بِغَالِبِ الرَّأْيِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بِإِصَابَةِ الْحَقِّ إذْ لَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ، وَالشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُكَلِّفَ بِالضَّلَالِ وَالْخَطَأِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْفَتْوَى بِغَالِبِ الرَّأْيِ مُكَلَّفُونَ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ أَيْ التَّكْلِيفُ بِالْإِصَابَةِ بِالنَّظَرِ إلَى وُسْعِهِمْ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا، وَكَانَ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ كُلِّ وَاحِدٍ إصَابَتُهُ لِغُمُوضِ طَرِيقِهِ وَخَفَاءِ دَلِيلِهِ فَكَانَ التَّكْلِيفُ بِالْإِصَابَةِ حِينَئِذٍ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْحَقِّ. تَحْقِيقًا بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا تَثْبُتُ بِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّكْلِيفُ بِدُونِهِ. كَمَا قِيلَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ إنَّهُمْ جُعِلُوا مُصِيبِينَ لِلْقِبْلَةِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ وَجُعِلَتْ الْجِهَاتُ كُلُّهَا قِبْلَةً فِي حَقِّهِمْ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] حَتَّى لَوْ صَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ إلَى جِهَةٍ تَأَدَّى عَنْهُمْ الْفَرْضُ جَمِيعًا. وَلَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عَنْهُمْ أَيْ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِصَابَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ فَلَوْ لَمْ يَصِرْ كُلُّ الْجِهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ فِي حَقِّهِمْ لَمَا تَأَدَّى فَرْضُ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ مِنْهُمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ هَذَا الْوَجْهَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ بِوَجْهٍ فَكَانَ خَطَؤُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا مَنْ وَقَعَ يَمِينُهُ أَوْ يَسَارُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي تَحَرِّيهِ فَلَيْسَ بِمُخْطِئٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِوُجُودِ تَوَجُّهِ الْكَعْبَةِ مِنْهُ بِجُزْءٍ مِنْ وَجْهِهِ، وَهُوَ الْعِذَارُ وَلِهَذَا أَمَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِإِعَادَةِ صَلَاةِ مَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ فِي تَحَرِّيهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ صَلَاةِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَهُمَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا حَلَالًا وَحَرَامًا، وَقَلِيلُ النَّبِيذِ حَلَالًا وَحَرَامًا، وَالنِّكَاحُ الْأَوْلَى صَحِيحًا
(4/19)

وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ اسْتِوَاءَهَا يَقْطَعُ التَّكْلِيفَ؛ لِأَنَّهَا إذَا اسْتَوَتْ أُصِيبَتْ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ وَسَقَطَتْ دَرَجَةُ الْعُلَمَاءِ وَبَطَلَتْ الدَّعْوَةُ وَسَقَطَتْ وُجُوهُ النَّظَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اخْتِيَارِ وُجُوهِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ اخْتِيَارَهُ بِمُجَرَّدِ الْعَزِيمَةِ صَحِيحٌ بِلَا تَأَمُّلٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهَا أَحَقُّ وَوَجْهُ قَوْلِنَا: إنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ مَرَّةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَفَاسِدًا وَذَلِكَ مُحَالٌ.
فَقَالَ وَجَائِزٌ تَعَدُّدُ الْحُقُوقِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِأَنْ كَانَ الْحَظْرُ حَقًّا وَالْإِبَاحَةُ حَقًّا أَيْضًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّعَدُّدِ. كَمَا صَحَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعَدُّدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرُّسُلِ بِأَنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَيْنِ فِي قَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى اقْتِصَارِ رِسَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَوْمِهِ. وَعَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ كَمَا إذَا نُسِخَ الْحَظْرُ بِالْإِبَاحَةِ بِالْحَظْرِ فِي شَرِيعَةِ رَسُولٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانَيْنِ. فَكَذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ أَيْ فَكَمَا جَازَ التَّعَدُّدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ جَازَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَثْبُتُ الْحَظْرُ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَالْإِبَاحَةُ فِي حَقِّ آخَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيْتَةَ أُبِيحَتْ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ وَحَرُمَتْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَالْمَنْكُوحَةَ أُحِلَّتْ لِلزَّوْجِ وَحَرُمَتْ عَلَى غَيْرِهِ. وَالْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَى الزَّوْجِ وَأُحِلَّتْ لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ إبَاحَةُ النَّبِيذِ فِي حَقِّ مُجْتَهِدٍ وَحُرْمَتُهُ فِي حَقِّ آخَرَ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًّا وَيَلْزَمُ قَوْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّبَاعُ إمَامِهِ كَمَا فِي الرَّسُولَيْنِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لِيَمْتَازَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الِابْتِلَاءُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الطَّبَقَاتِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّعَدُّدِ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ لِلْكُلِّ لَمْ يُوجِبْ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْحُقُوقِ بَلْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا فِي حَقِّهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْبَعْضِ بِلَا مُرَجِّحٍ.
قَوْلُهُ: (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ) وَهُوَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ أَحَقُّ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ أَنَّ اسْتِوَاءَ الْحُقُوقِ يَقْطَعُ التَّكْلِيفَ أَيْ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ لَمَّا كَانَ حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي إتْعَابِ النَّفْسِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي الطَّلَبِ فَائِدَةٌ بَلْ يَخْتَارُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ كَالْمُصَلِّي فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَخْتَارُ أَيَّ جِهَةٍ شَاءَ مِنْ غَيْرِ بَذْلِ مَجْهُودٍ، وَإِجَالَةِ تَفَكُّرٍ لَكِنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا لَوْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ حَقًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحُكْمُ بِحَقِّيَّةِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ تَابِعٌ لِاجْتِهَادِهِ فَقَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَا يُمْكِنُ إصَابَةُ الْحَقِّ بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الِاخْتِيَارِ وَبَعْدَمَا اجْتَهَدَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاخْتِيَارُ أَيْضًا لَازِمًا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ هُوَ الْحَقُّ فِي حَقِّهِ دُونَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَعِبَارَتُهُ فِيهِ وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْوَاحِدَ حَقٌّ ذَهَبُوا إلَى أَنَّا لَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَبَطَلَتْ مَرَاتِبُ الْفُقَهَاءِ وَسَاوَى الْبَاذِلُ كُلَّ جُهْدِهِ فِي الطَّلَبِ الْمُبْلِي عُذْرَهُ بِأَدْنَى طَلَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَبَطَلَتْ الدَّعْوَةُ وَسَقَطَتْ وُجُوهُ النَّظَرِ) يَعْنِي لَوْ ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهَا فِي الْحَقِّيَّةِ بَطَلَتْ دَعْوَةُ الْمُجْتَهِدِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى مَذْهَبِهِ وَسَقَطَتْ الْمُنَاظَرَةُ وَطُوِيَ بِسَاطُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إظْهَارُ الصَّوَابِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَدَعْوَةِ الْمُخَالِفِ إلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِالدَّلِيلِ فَإِذَا كَانَ الْكُلُّ عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ دَعْوَةُ الْغَيْرِ إلَى مَذْهَبِهِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُنَاظَرَةِ فَائِدَةٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ إنَّ مَا اعْتَقَدْته حَقٌّ فَلَازِمْهُ إذْ لَا فَضْلَ لِمَذْهَبِي عَلَى مَذْهَبِك. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا مُنَاظَرَةَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ صَلَاتَيْهِمَا لَمَّا ثَبَتَ الْحَقِّيَّةُ عَلَى السَّوَاءِ. وَلَكِنْ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِوَاءِ يَقُولُ لَيْسَتْ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ مُنْحَصِرَةً فِيمَا ذَكَرْتُمْ بَلْ لَهَا فَوَائِدُ أُخَرُ كَتَبَيُّنِ التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى يَجْزِمَ بِالنَّفْيِ أَوْ بِالْإِثْبَاتِ. أَوْ تَبَيُّنِ التَّسَاوِي حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الْوَقْفُ
(4/20)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] ، وَإِذَا اخْتَصَّ سُلَيْمَانَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِالْفَهْمِ، وَهُوَ إصَابَةُ الْحَقِّ بِالنَّظَرِ فِيهِ كَانَ الْآخَرُ خَطَأً «، وَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اُحْكُمْ عَلَى أَنَّك إنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنْ أَصَبْتُ فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا حَاصَرْتُمْ حِصْنًا فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلُوهُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ» ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى احْتِمَالِ الْخَطَأِ وَلِأَنَّ تَعَدُّدَ الْحُقُوقِ مُمْتَنِعٌ اسْتِدْلَالًا بِنَفْسِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ أَمَّا السَّبَبُ فَلِأَنَّا قُلْنَا إنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةُ وَضْعٍ لِدَرْكِ الْحُكْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَوْ التَّخْيِيرُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَكَالتَّمْرِينِ فِي الِاجْتِهَادِ وَاكْتِسَابِ الْمَلَكَةِ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَتَشْحِيذِ الْخَاطِرِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِينَ عَلَى مَدَارِك الْأَحْكَامِ لِتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِمْ إلَى طَلَبِ مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ وَنَيْلِ الثَّوَابِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ فَائِدَةِ الدَّعْوَةِ سُقُوطُ الْمُنَاظَرَةِ لِبَقَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ مِنْ سُقُوطِ فَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ أَيْ الْمُنَاظَرَةَ. فِي اخْتِيَارِ وُجُوهِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَيْ اخْتِيَارِ أَحَدِ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَقٌّ، وَلَيْسَ أَحَدُهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَاقِي فَلَمْ يَكُنْ لِلِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ فَائِدَةٌ. وَإِنْ اخْتَارَهُ أَيْ اخْتِيَارُ أَحَدِ الْوُجُوهِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ الَّذِي انْضَمَّ إلَيْهِ الْفِعْلُ صَحِيحٌ بِلَا تَأَمُّلٍ أَيْ بِلَا اجْتِهَادٍ فِيهِ.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي الْإِمَامُ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مَا اجْتَهَدُوا إلَّا لِإِصَابَةِ مَا يَشْهَدُ النُّصُوصَ بِالْحَقِّيَّةِ خَلَفًا عَنْ شَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا النَّاسَ كُلَّهُمْ إلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ مَا تَرَى بَيْنَ أَعْدَادِهِمْ اخْتِلَافًا إلَّا بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ كَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَالْغَنَاءِ وَالْفَقْرِ وَنَحْوِهَا، فَالِاجْتِهَادُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَاحِدًا فِي حَقِّ الْكُلِّ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِهِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا يَصِيرُوا مُكَلَّفِينَ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِإِثْبَاتِ نَفْسِ الْحَقِّيَّةِ لِفَتْوَاهُمْ فَيَبْقَى الْوَاحِدُ أَحَقَّ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الشَّرِيعَةِ الثَّابِتَةِ بِالْوَحْيِ قَوْله تَعَالَى {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى دَاوُد وَعِنْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - أَحَدُهُمَا صَاحِبُ حَرْثٍ، وَقِيلَ كَانَ كَرْمًا قَدْ تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُهُ وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ إنَّ هَذَا انْفَلَتَتْ غَنَمُهُ فَوَقَعَتْ فِي حَرْثِي فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ لَك رِقَابُ الْغَنَمِ، وَقَدْ كَانَتْ قِيمَتَاهُمَا مُسْتَوِيَتَيْنِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَيْرُ هَذَا أَوْفَقُ لِلْفَرِيقَيْنِ يَنْطَلِقُ أَهْلُ الْحَرْثِ بِالْغَنَمِ فَيُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَمَنَافِعِهَا وَيَقُومُ أَصْحَابُ الْغَنَمِ عَلَى الْكَرْمِ حَتَّى إذَا كَانَتْ كَلَيْلَةِ نَفَشَتْ فِيهِ دَفَعَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ غَنَمَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ كَرْمَهُمْ فَقَالَ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت فَأَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 78] أَيْ وَاذْكُرْهُمَا إذْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُمَا {يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: 78] النَّفَشُ أَنْ يَنْتَشِرَ الْغَنَمُ بِاللَّيْلِ تَرْعَى بِلَا رَاعٍ مِنْ حَدٍّ دَخَلَ وَضَرَبَ جَمِيعًا {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] لَمْ يَفُتْ عَنَّا مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ وَجَمَعَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَهُمَا وَالْمُتَحَاكِمِينَ إلَيْهِمَا أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّثْنِيَةُ. فَفَهَّمْنَاهَا الْهَاءُ ضَمِيرُ الْحُكُومَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] وَكُلًّا أَيْ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آتَيْنَا حُكْمًا فَصْلًا بَيْنَ الْخُصُومِ، وَعِلْمًا بِأُمُورِ الدِّينِ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ إذْ لَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ لَمَا جَازَ لِسُلَيْمَانَ خِلَافُهُ، وَلَمَا جَازَ لِدَاوُدَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى خَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فِي الْقَضِيَّةِ، وَمَنَّ عَلَيْهِ، وَكَمَالُ الْمِنَّةِ فِي إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً فَلَوْ كَانَا مُصِيبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ دَاوُد قَدْ فَهِمَ مِنْ الْحُكْمِ الصَّوَابَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَا فَهِمَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -. وَلَا يُقَالُ كَانَ مَا قَضَى بِهِ دَاوُد جَائِزًا، وَمَا قَضَى بِهِ سُلَيْمَانُ أَفْضَلَ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّهُ بِالْفَهْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ دَاوُد تَرْكَ الْأَفْضَلِ لَمَا وَسِعَ سُلَيْمَانَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِافْتِيَاتَ عَلَى رَأْيِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ
(4/21)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إذَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ خُصُوصًا عَلَى الْأَبِ النَّبِيِّ كَذَا قِيلَ.
وَاعْتَرَضَ الْغَزَالِيُّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ كَيْفَ يَصِحُّ أَنَّهُمَا حَكَمَا بِالِاجْتِهَادِ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَمْنَعُ اجْتِهَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَقْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ سَمْعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازُوا حَالَ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُنْسَبُ الْخَطَأُ إلَى دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ عَنْ اجْتِهَادٍ. وَالْآيَةُ عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِكُمْ أَدَلُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] وَالْخَطَأُ يَكُونُ ظُلْمًا وَجَهْلًا لَا حُكْمًا وَعِلْمًا، وَمَنْ قَضَى بِخِلَافِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْحُكْمَ وَالْعِلْمَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا سِيَّمَا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْخَطَأَ عَلَيْهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ جَائِزَانِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَقْرِيرُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] أَنَّهُ آتَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا وَعِلْمًا فِيمَا حَكَمَا بِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ إيتَاءَ الْعِلْمِ بِوُجُوهِ الِاجْتِهَادِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْخَطَأُ فِي مَسْأَلَةٍ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا فَلَا نُبْقِي لِلْخَصْمِ حُجَّةً. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اقْضِ بَيْنَ هَذَيْنِ قَالَ أَقْضِي، وَأَنْتَ حَاضِرٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلَى مَاذَا أَقْضِي قَالَ عَلَى أَنَّك إنْ اجْتَهَدْت فَأَصَبْت فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» فَفِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي الِاجْتِهَادِ خَطَأً وَصَوَابًا حَيْثُ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْخَطَأِ وَبِتَفَاوُتِ الْأَجْرِ، وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ؟ . وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَكَانَ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ بِالِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ «، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْتُمْ» ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ مُصِيبًا لِلْحَقِّ لَمَا أَمَرَ بِإِنْزَالِهِمْ عَلَى حُكْمِنَا فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الْخَطَأِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الصَّوَابِ.
قُلْنَا: نَحْنُ لَا نَقُولُ الْمُجْتَهِدُ يَكُونُ مُخْطِئًا لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهُ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ الْإِصَابَةِ، وَهُوَ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ فَلِهَذَا أُمِرْنَا بِالْإِنْزَالِ عَلَى ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُصِيبًا بِالِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْخِلَافِ إذَا أُنْزِلُوا عَلَى حُكْمِنَا وَحَكَمْنَا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْنَا وَيَتَمَكَّنُ إذَا أُنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ. وَالدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثُرَ أَوْ شَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّخْطِئَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ لَيْسَ إلَّا وَاحِدٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي تَرْكِ الْقَوْلِ بِالْعَوْلِ وَخَطَّأَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْقَوْلِ بِهِ، وَقَالَ مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْته إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ، وَفِي رِوَايَةٍ إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ وَاحِدٍ نِصْفَيْنِ وَثَلَاثًا. وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ أَقُولُ فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ وَعَنْ عُمَرَ
(4/22)

فَمَا لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ لَا يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَغْيِيرًا حِينَئِذٍ فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ أَلَا تَرَى لَوْ تَوَهَّمْنَا غَيْرَ مَعْلُومٍ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ مُتَعَدِّدًا وَذَلِكَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ صِيغَتُهُ بِيَقِينٍ فَلَا يَتَعَدَّدُ بِالتَّعْلِيلِ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ وَيَصِيرُ الْفَرْعُ بِهِ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَهُوَ أَنَّ الْفِطْرَ وَالصَّوْمَ، وَفَسَادَ الصَّلَاةِ وَصِحَّتَهَا، وَفَسَادَ النِّكَاحِ وَصِحَّتَهُ وَوُجُودَ الشَّيْءِ وَعَدَمَهُ، وَقِيَامَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ تَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ، وَلَا يَصْلُحُ الْمُسْتَحِيلُ حُكْمًا شَرْعِيًّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا وَاَللَّهِ الْحَقُّ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّ عُمَرَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْلُ جَهْدًا. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِكَاتِبِهِ اُكْتُبْ هَذَا مَا رَأَى عُمَرُ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنْهُ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَحْضَرَهَا عُمَرُ فَأُجْهِضَتْ، وَقَدْ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدَّبٌ لَا نَرَى عَلَيْك شَيْئًا فَقَالَ عَلِيٌّ إنْ كَانَا قَدْ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدَا فَقَدْ غَشَّاكِ أَرَى عَلَيْك الدِّيَةَ يَعْنِي الْغُرَّةَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُفَوَّضَةِ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِعِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ التَّخْطِئَةُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ التَّقْصِيرُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ أَوْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا وَحِينَئِذٍ لَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْطِئَةَ، وَقَعَتْ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ فِيهَا، وَلَا تَقْصِيرَ فِي مُجْتَهِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّأْثِيمُ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
1 -
ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْحُقُوقِ بِنَفْسِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ. أَمَّا السَّبَبُ فَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ تَعْدِيَةٌ، وُضِعَ لِدَرْكِ الْحُكْمِ فَقَوْلُهُ وُضِعَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَيْ الْقِيَاسُ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّهُ وُضِعَ مُدْرِكًا لِحُكْمِ النَّصِّ لَا مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَلِهَذَا حُدَّ بِأَنَّهُ إبَانَةُ مِثْلِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْفَرْعِ. فَمَا لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ لَا يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا يَعْنِي حُكْمَ النَّصِّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا فِي نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَعَدَّى مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّعْدِيَةَ بِصِفَةِ التَّعَدُّدِ يَصِيرُ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ النَّصِّ إذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ مُتَعَدِّدًا.
فَيُوجِبُ ذَلِكَ أَيْ تَعَدُّدُ الْحَقِّ فِي الْفَرْعِ أَوْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مُتَعَدِّدًا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ لِيَثْبُتَ تَعَدُّدُهُ فِي الْفَرْعِ بِالتَّعْدِيَةِ. وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْحَقِّ مُتَعَدِّدًا فِي النَّصِّ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عِنْدَ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَوْ النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَجِبُ بِهِمَا جَمِيعًا بَلْ يَجِبُ الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الرُّجْحَانُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ يُعْرَفُ التَّارِيخُ فَيَكُونُ الْآخَرُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ تَعَدُّدُ الْحَقِّ فِي الْأُصُولِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا. ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَغْيِيرٌ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ تَوَهَّمْنَاهُ أَيْ النَّصَّ. غَيْرُ مَعْلُولٍ أَيْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، وَذَلِكَ أَيْ التَّعَدُّدُ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ مُتَّحِدًا غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ، وَلَكِنَّ التَّعَدُّدَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَصْلِ فَإِنَّ أَصْلَ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفَرْعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ غَيْرُ أَصْلِ خَصْمِهِ فَإِنَّ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ الْجِصِّ مُتَفَاضِلًا اعْتَبَرَهُ بِالْمَذْرُوعِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ اعْتَبَرَ بِالْحِنْطَةِ وَالْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْأَصْلَيْنِ ثَابِتَانِ بِلَا خِلَافٍ وَتَعَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ إلَى الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِيرٍ وَتَعَدُّدٍ فِيهِ، وَلَكِنَّ التَّعَدُّدَ حَصَلَ بِتَعَدُّدِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ أَنْ لَوْ اعْتَبَرَ الْفَرْعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ بِأَنْ اعْتَبَرَهُ الْمُجَوَّزَ بِالْحِنْطَةِ كَمَا اعْتَبَرَ غَيْرَ الْمُجَوَّزِ بِهَا أَوْ اعْتَبَرَهُ غَيْرَ الْمُجَوَّزِ بِالْمَذْرُوعِ كَمَا اعْتَبَرَهُ الْمُجَوَّزَ بِهِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا
(4/23)

وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ يَحْصُلُ بِمَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِصَابَتِهِ ابْتِدَاءً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُدَّعِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يُشْهِدْ شُهُودَهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ؛ لِأَنِّي لَا أَكْفُلُ الْمُدَّعِيَ، وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ الْقُضَاةُ، وَهُوَ جَوْرٌ سَمَّاهُ جَوْرًا، وَهُوَ اجْتِهَادٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ مَائِلٌ عَنْ الْحَقِّ، وَهُوَ مَعْنَى الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا نَفَذَ الْحُكْمُ، وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ اشْتِبَاهًا.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَظَاهِرٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ أَيْ اجْتِمَاعُ الْمَذْكُورِ يَعْنِي فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ كَالنَّصِّ؛ لِأَنَّهُ خَلَفُ النَّصِّ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ لَا يَخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَكَذَا الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ حُكْمُهُ شَامِلًا لِلْجَمِيعِ كَحُكْمِ النَّصِّ فَيَجْتَمِعُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَوْ اسْتَفْتَى أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَأَفْتَاهُ بِالْحَظْرِ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَلَوْ اسْتَفْتَى الْآخَرَ لَأَفْتَاهُ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا فَكَانَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ مُجْتَمِعَيْنِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ. بِخِلَافِ اجْتِمَاعِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُضْطَرِّ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْحُرْمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَكُونُ اجْتِمَاعًا فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا لَجَازَ لِلَّذِي يَعْمَلُ بِاتِّبَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَثْبَتَ الْكَفَّارَةَ فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنْوَاعًا كَانَ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يَهْوَاهُ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَنْ أَبَاحَ هَذَا فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُدُودَ وَشَرَعَ طَرِيقَ الْإِبَاحَةِ وَبَنَى الدِّينَ عَلَى الْهَوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى مَا نَهَجَ الدِّينَ إلَّا عَلَى دَلِيلٍ غَيْرِ الْهَوَى مِنْ نَصٍّ ثَابِتٍ بِوَحْيٍ أَوْ قِيَاسٍ شَرْعِيٍّ فَمَنْ جَعَلَ الْحَقَّ حُقُوقًا أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْعَامِّيِّ بِهَوَاهُ، وَمَنْ قَالَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ أَلْزَمَ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَّبِعَ إمَامًا وَاحِدًا، وَقَعَ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ النَّظَرِ أَنَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ بِهَوَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْقِيَاسَانِ إذَا تَعَارَضَا ثَابِتٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْخِيَارُ يَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قُلْنَا نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا بِهَوَى نَفْسِهِ بَلْ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهِمَا وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَبْقَ قِبَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ سِوَى شَهَادَةِ قَلْبِهِ فَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِذَا عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَوَجَبَ اتِّبَاعُ الْخَطَأِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاسْتِحَالَةِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ.
قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَأِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إصَابَةِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ اجْتَهَدَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي الطَّلَبِ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ ظَنِّهِ مَعَ أَنَّهُ خَطَأٌ حَقِيقَةً لِوُجُودِ نَصٍّ عَلَى خِلَافِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَطَأَ جَائِزُ الِاتِّبَاعِ فِي الْفُرُوعِ عِنْدَ ظَنِّ الْإِصَابَةِ وَتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَقِّ.

قَوْلُهُ: (وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ تَحْصِيلٌ بِمَا قُلْنَا) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ تَعَدُّدِ الْحَقِّ إذْ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. فَقَالَ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ يَحْصُلُ بِمَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِصَابَتِهِ ابْتِدَاءً يَعْنِي إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ إذَا كُلِّفُوا بِإِصَابَةِ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْحَقِّ، وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِهَا إمَّا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَوْ لِخَفَائِهِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ كُلِّفُوا الِاجْتِهَادَ لِلْإِصَابَةِ فَإِنْ أَصَابُوا أُجِرُوا، وَإِنْ أَخْطَئُوا عُذِرُوا وَأُجِرُوا عَلَى الطَّلَبِ فَكَانُوا مُصِيبِينَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ الْحَقَّ فَلَمْ يَلْزَمْ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. وَهَذَا كَمَنْ أَمَرَ خُدَّامَهُ بِطَلَبِ فَرَسٍ ضَلَّ عَنْهُ فَخَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى جَانِبٍ فِي طَلَبِهِ صَحَّ هَذَا الْأَمْرُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا فِي الطَّلَبِ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلَكِنْ مَنْ وَجَدَ الْفَرَسَ مُصِيبٌ ابْتِدَاءً لِصِحَّةِ طَلَبِهِ وَانْتِهَاءً لِظَفَرِهِ بِالْفَرَسِ وَالْبَاقُونَ مُصِيبُونَ ابْتِدَاءً لِبَذْلِ
(4/24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
جُهْدِهِمْ فِي الطَّلَبِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ لَا انْتِهَاءً لِحِرْمَانِهِمْ عَنْ إصَابَةِ الْفَرَسِ فَكَذَا هَاهُنَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ اسْتِدْلَالًا بِمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَنْكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ، وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
فَقَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُدَّعِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ شُهُودُهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ يَعْنِي شَهِدُوا أَنَّ الْمُدَّعِيَ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ. إنِّي لَا أُكَفِّلُ الْمُدَّعِيَ يَعْنِي لَا أُكَلِّفُهُ بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ إذَا سَلَّمْت الْمَالَ إلَيْهِ، وَهَذَا أَيْ أَخْذُ الْكَفِيلِ شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ الْقُضَاةُ، وَهُوَ جَوْرٌ، سَمَّاهُ أَيْ أَخَذَ الْكَفِيلُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ جَوْرًا، وَهُوَ اجْتِهَادٌ. الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ مَعَ أَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ وَرُبَّمَا يَظْهَرُ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ آخَرُ فَيَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْحَاضِرِ نَظَرًا لِلْغَائِبِ كَالْمُلْتَقِطِ إذَا رَدَّ اللُّقَطَةَ عَلَى صَاحِبِهَا يَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْهُ احْتِيَاطًا فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَدِّدًا عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ جَوْرًا مَعْنًى فَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَاحِدٌ.
وَلَمَّا كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْحَقُّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي الْمُجْتَهَدَاتِ لَكِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ جَوْرًا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى الْجَوَابِ فِي الدَّلِيلِ فَقَالَ إنَّمَا سَمَّاهُ جَوْرًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْقَاضِيَ الَّذِي أَمَرَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ احْتِيَاطًا فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ أَخْذُ الْكَفِيلِ مَائِلٌ عَنْ الْحَقِّ، وَهُوَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْمُدَّعِي بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ مَعْلُومٌ قَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ وَحَقَّ الْآخَرِ مَوْهُومٌ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّ الْحَاضِرِ لِآخَرَ مَوْهُومٍ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ.
وَمَسْأَلَةُ اللُّقَطَةِ فِيمَا إذَا دَفَعَهَا بِالْعَلَامَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَأَمَّا إذَا دَفَعَهَا بِالْبَيِّنَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهُوَ مَعْنَى الْجَوْرِ يُقَالُ جَارَ عَنْ الطَّرِيقِ إذَا مَالَ عَنْ قَصْدِهِ. وَالظُّلْمُ يَعْنِي إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوْرِ الظُّلْمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ عَنْ الْمُدَّعِي ظَالِمٌ فِي حَقِّهِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَيْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَإِذَا كَلَّفَهُ الْقَاضِي بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ جَبْرًا، وَالْحَقُّ عَلَى خِلَافِهِ كَانَ ذَلِكَ وَضْعًا لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَكَانَ مَيْلًا عَنْ الْحَقِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ إذَا الْتَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ عِنْدَنَا، وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ أَيْ الطَّرِيقَةَ الْمَسْلُوكَةَ فِي الشَّرْعِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَدْ حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِصِحَّةِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ نَفَّذُوا قَضَاءَ الْقَاضِي ثُمَّ أَطْلَقُوا اسْمَ الْخَطَأِ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يَقَعُ خَطَأً عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ جَائِزَ الْعَمَلِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ حُكْمُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ اللِّعَانَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْحُكْمَ بِخِلَافِ النَّصِّ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فِي حَدِّ الزِّنَا.
قُلْنَا هَذَا حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَيَنْفُذُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ اللِّعَانِ لِلتَّغْلِيظِ، وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ يَحْصُلُ بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَدْنَى الْجَمْعِ كَأَعْلَاهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَإِذَا اجْتَهَدَ الْقَاضِي، وَأَدَّى
(4/25)

وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ أَيْضًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي قَوْمٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَتَحَرُّوا الْقِبْلَةَ وَاخْتَلِفُوا فَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ حَالَ إمَامِهِ، وَهُوَ مُخَالِفُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ لِلْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ صَوَابًا وَالْجِهَاتُ قِبْلَةً لَمَا فَسَدَتْ وَلَمَا كُلِّفُوا التَّحَرِّيَ وَالطَّلَبَ كَالْجَمَاعَةِ إذَا صَلَّوْا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْمُخْطِئَ لِلْقِبْلَةِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ فَلِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ يَقِينًا بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ لَكِنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ابْتِلَاءٌ فَإِذَا حَصَلَ الِابْتِلَاءُ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ رَجَاءِ الْإِصَابَةِ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ طَلَبُ وَجْهِ اللَّهِ سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَفَسَادَهَا مِنْ صِفَاتِ الْعَمَلِ، وَالْمُخْطِئُ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ مُصِيبٌ فَثَبَتَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْقِبْلَةِ، وَمَسْأَلَتَنَا سَوَاءٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اجْتِهَادُهُ إلَى هَذَا الطَّرِيقِ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَضَاءَهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفُرْقَةِ، وَمَحَلَّهَا غَيْرُ مَذْكُورَيْنِ فِي النَّصِّ، وَهَذَا الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلِّ الْفُرْقَةِ فَإِنَّ مَنْ أَبْطَلَ هَذَا الْقَضَاءَ يَقُولُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ أَتَمَّتْ الْمَرْأَةُ اللِّعَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَإِنْ تَمَّ الزَّوْجُ اللِّعَانَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ: (وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَذْهَبِ) يَعْنِي الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَثِيرٌ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي، وَمِثْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِرَأْيِ نَفْسِهِ فِي حَادِثَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ نَفَذَ عَلَى الْكُلِّ وَثَبَتَ صِحَّتُهُ فِي حَقِّ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ هَذَا الْقَاضِي مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إنَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَثِيرٌ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى الدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. فَقَالَ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْقِبْلَةِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْقِبْلَةِ مُصِيبٌ لَا مَحَالَةَ بَلْ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتِدْلَالًا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ مُصِيبًا لَا مَحَالَةَ لَوَجَبَ عَلَى الْمُخْطِئِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ. فَتَعَرَّضَ لِلْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْحُقُوقَ إنَّ الْمُخْطِئَ لِلْقِبْلَةِ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَجَوَابُ أَمَّا مَحْذُوفٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْمُخْطِئَ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُجْتَهِدَ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ الْمَأْمُورَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي وُسْعِهِ لِانْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ. بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ أَيْ طَلَبَ الْكَعْبَةِ بِتَأْوِيلِ الْبَيْتِ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ.، وَلَكِنْ الْكَعْبَةُ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ كُلِّفَ طَلَبَهُ يَعْنِي التَّكْلِيفَ بِطَلَبِ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ لَكِنَّ الْكَعْبَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِعَيْنِهَا فِي هَذَا التَّكْلِيفِ وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ بِالتَّوَجُّهِ التَّعْظِيمَ لِلْكَعْبَةِ وَالْعِبَادَةَ لَهَا يُكَفَّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَيْنَهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَهُ.
وَقَدْ يَنْتَقِلُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ مِنْ عَيْنِهَا إلَى جِهَتِهَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ، وَمِنْ جِهَتِهَا إلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ الدَّابَّةُ أَوْ السَّفِينَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ فَثَبَتَ أَنَّ عَيْنَهَا لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ رِضَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] وَاسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ ابْتِدَاءٌ كَمَا كَانَ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ابْتِدَاءً. فَإِذَا حَصَلَ الِابْتِدَاءُ فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى مَا شَهِدَ قَلْبُهُ أَنَّهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ طَلَبُ وَجْهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ. سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ أَيْ حَقِيقَةُ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يُبَالِي بِفَوَاتِ الْوَسِيلَةِ وَصَارَ التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي عِنْدَ الِاضْطِرَارِ كَالتَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ بِاعْتِبَارِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الْإِعَادَةُ. ثُمَّ اسْتَوْضَحَ فَسَادَ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ جَوَازَ الْعِبَادَةِ، وَفَسَادَهَا مِنْ صِفَاتِ الْعَمَلِ يُقَالُ عَمَلٌ جَائِزٌ وَعَمَلٌ فَاسِدٌ لَا مِنْ صِفَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً، وَنَحْنُ نُسَاعِدُكُمْ
(4/26)

وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلِّفَ الْمُتَحَرِّي إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى إذَا أَخْطَأَ أَعَادَ صَلَاتَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي حَقِّ نَفْسِ الْعَمَلِ مُصِيبٌ فَكَانَ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ وَالِاجْتِهَادُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ سَوَاءً فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا عِنْدَنَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ طَلَبَهُ عَلَى رَجَاءِ الْإِصَابَةِ مَذْهَبُنَا. فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَالْمُتَحَرِّي كُلِّفَ إصَابَةَ حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى إذَا أَخْطَأَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا عَلِمَ بِهِ فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا. احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي حَقِّ الْغَائِبِينَ عَنْهَا، وَانْقِطَاعُ دَلِيلِ الْعِيَانِ ثَابِتٌ عَلَى تَحْقِيقِ الْإِصَابَةِ يَقِينًا بِأَنَّ طَرِيقَ الْإِصَابَةِ مِمَّا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ لَوْ تَكَلَّفَ الْعَبْدُ لِمَعْرِفَةِ تَرْكِيبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكَيْفِيَّةِ جِهَاتِ الْأَقَالِيمِ إلَّا أَنَّهُ عُذِرَ دُونَهُ بِسَبَبِ الْحَرَجِ فَكَانَ مُبِيحًا لَا مُسْقِطًا أَصْلًا فَبَقِيَ أَصْلُ الْأَمْرِ مُتَعَلِّقًا بِالْإِصَابَةِ حَقِيقَةً فَمَتَى ظَهَرَ الْخَطَأُ يَقِينًا لَزِمَتْ الْإِعَادَةُ كَالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ أُبِيحَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَ النَّصَّ وَعُذِرَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُ النَّصِّ، وَلَمْ يَتَكَلَّفْ كُلَّ التَّكْلِيفِ فِي طَلَبِ النَّصِّ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ أَصْلُ الْخِطَابِ فَأُبِيحَ لَهُ الْعَمَلُ بِشَرْطِ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَسَدَ عَمَلُهُ.
وَأَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بَنَوْا وُجُوبَ طَلَبِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَنْهَا عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ حَرَجٍ لَا عَلَى مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ بِالشَّرْعِ مِنْ عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالدَّلَائِلِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ لَا تُوَصِّلُنَا إلَى حَقِيقَةِ الْكَعْبَةِ بَلْ هِيَ مُطْمِعَةٌ فَسَقَطَ الْخِطَابُ بِإِصَابَةِ الْحَقِيقَةِ لِقُصُورِ الْحُجَّةِ، وَلَزِمَهُ الْعَمَلُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى جِهَةٍ فِيهَا رَجَاءُ إصَابَةِ الْكَعْبَةِ فَإِذَا فُقِدَتْ النُّجُومُ وَالْمَحَارِيبُ الْمَنْصُوبَةُ، وَأَخْبَارُ النَّاسِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِرَأْيِ الْقَلْبِ، وَهَذَا الرَّأْيُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَى الْجِهَةِ الظَّاهِرَةِ حَالَ ظُهُورِ الشَّمْسِ وَالْمَحَارِيبِ سَقَطَ إصَابَةُ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةٍ فِيهَا رَجَاءُ إصَابَةِ الْمِحْرَابِ الظَّاهِرِ فَإِذَا عَمِلَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ صَارَ مُؤْتَمِرًا بِالْأَمْرِ فَلَا يَقَعُ عَمَلُهُ فَاسِدًا بِتَرْكِ مَا تَرَكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ بِخِلَافِ حَادِثَةٍ فِيهَا نَصٌّ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَعَمِلَ بِالرَّأْيِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلِّفَ الْعَمَلَ بِالرَّأْيِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ نَصٌّ، وَالنَّصُّ الَّذِي يُخَالِفُهُ مِمَّا يَنَالُهُ حَالَةَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِهِ لَوْلَا تَقْصِيرٌ مِنْهُ فِي الطَّلَبِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَبَهُ مِنْ قَبْلُ أَمْكَنَهُ الْعَمَلُ بِهِ حَالَ حَاجَتِهِ هَذِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ زَوَالَ هَذَا الْجَهْلِ مَقْرُونٌ بِمَعْنًى يُوجَدُ مِنْهُ لَا يَتَبَدَّلُ حَالَ الدَّلِيلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْخَطَأُ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ فَيَتَبَدَّلُ بِهِ حَالَ الدَّلِيلِ بِزَوَالِ الْغَيْمِ وَظُهُورِ النَّجْمِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ تَبَدَّلَ بِهِ حَالُ الدَّلِيلِ فَكَانَ وَرَاءَهُ نُزُولُ نَصٍّ بَعْدَمَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَقُولُ فِيمَنْ اجْتَهَدَ وَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ النَّجَاسَةِ الْخَبَرُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِقُصُورٍ مِنْهُ فِي طَلَبِهِ وَقَعَ الْجَهْلُ، وَالْخَبَرُ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ بَلَغَهُ فِي مَوْضِعِهِ لَا يَنْفَعُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَبْقَى إلَّا النَّجْمُ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الدَّلِيلِ مُعَارَضٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الِاقْتِدَاءَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ هُدًى بِقَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَحْكَامٍ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِالْكُلِّ هُدًى. وَبِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ قَوْلًا وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
(4/27)

فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ «وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُسَارَى بَدْرٍ حِينَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ} [الأنفال: 68] الْآيَةَ لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَقِيَ بَيْنَهُمْ تَعْظِيمُ بَعْضِهِمْ لِلْبَعْضِ وَتَرْكُ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَ الْبَعْضِ، وَلَوْ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ صَاحِبَهُ مُخْطِئٌ لَأَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ. وَبِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِإِزَاحَةِ الْإِشْكَالِ، وَلَوَجَبَ نَقْضُ كُلِّ حُكْمٍ خَالَفَهُ كَمَا قَالَهُ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقَّ لَوْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِالْكُلِّ هُدًى بَلْ هُوَ هُدًى؛ لِأَنَّهُ كَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي اتِّبَاعِ ظَنِّهِ مُهْتَدٍ صَحَّ لِلْعَامِّيِّ إذَا قَلَّدَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا مُقَلِّدًا كَانَ أَوْ مُجْتَهِدًا إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاهْتِدَاءِ هُوَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِآحَادِهِمْ إذَا كَانَ اهْتِدَاءً كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِجَمِيعِهِمْ أَوْلَى بِالِاهْتِدَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْطِئَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَقَّ وَاحِدًا فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي هَذَا اهْتِدَاءً. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ صَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنَّمَا بَقِيَ التَّعْظِيمُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ ظَنَّهُ وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ حَتَّى لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا يَجِبُ الْإِنْكَارُ حِينَئِذٍ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَاسِدٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَصْلَحَةُ طَلَبَ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ لِنَيْلِ ثَوَابِ الِاجْتِهَادِ لَا طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ مَعَ إمْكَانِ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نَقْضُ مَا خَالَفَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْخَطَأِ مِنْ الصَّوَابِ.
1 -
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدَ إذَا أَخْطَأَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً أَيْ مُخْطِئًا مِنْ الْأَصْلِ فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَفِيمَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ إطْلَاقِ الْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» ذَكَرَ الْخَطَأَ مُطْلَقًا وَالْخَطَأُ الْمُطْلَقُ مَا هُوَ الْخَطَأُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. قَالُوا وَالِاجْتِهَادُ الْمُؤَدِّي إلَى الْخَطَأِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ كَالرَّجُلِ الْمَأْمُورِ بِدُخُولِ بَلَدٍ إذَا سَلَكَ طَرِيقًا لَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ مُصِيبٌ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَهَا، وَلَا إنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِقَطْعِهَا. قَالُوا: وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَا الْمُجْتَهِدَ الْعَمَلَ بِقِيَاسِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ صَوَابٌ كَمَا يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِالنَّصِّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَمَتَى ظَهَرَ انْتِسَاخُهُ بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ فَكَذَلِكَ مَتَى عَمِلَ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ رُوِيَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يَقِينًا بَطَلَ مَا أَمْضَى بِقِيَاسِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ، وَمَعَهُ ثَوْبٌ أَوْ مَاءٌ شَكَّ فِي طَهَارَتِهِمَا فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ الطَّهَارَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ فَإِذَا تَبَيَّنَ نَجَاسَتُهُمَا فَسَدَ عَمَلُهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ إطْلَاقِ الْإِصَابَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ جَمِيعًا فَعَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ وَجْهُ الْخَطَأِ وَاشْتَبَهَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ الْعَمَلُ بِأَيِّ قِيَاسٍ كَانَ فَيَكُونُ الْعَمَلُ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِقِيَاسِهِ صَوَابًا ظَاهِرًا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ. قَالُوا: وَهَكَذَا تَقُولُ فِي قَوْمٍ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ وَصَلَّوْا إنَّ صَلَاةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَائِزٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ خَطَؤُهُ فَحِينَئِذٍ نَأْمُرُهُ بِالْإِعَادَةِ.
قَوْلُهُ: «وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أُسَارَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمُك، وَأَهْلُك اسْتَانَّ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَذَّبُوك، وَأَخْرَجُوك قَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَاك عَنْ الْفِدَاءِ فَمَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَأْيِ
(4/28)

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] وَالْحُكْمُ وَالْعِلْمُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْعَمَلُ فَأَمَّا إصَابَةُ الْمَطْلُوبِ فَمِنْ أَحَدِهِمَا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدُ كِلَاكُمَا أَصَابَ وَصَنِيعُ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إِلَيَّ فِيمَا سُبِقَا مِنْ رَكْعَتَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَبِي بَكْرٍ فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] إلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ نَزَلَ بِنَا عَذَابٌ مَا نَجَا إلَّا عُمَرَ» . فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ صَوَابًا، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْآخَرَ كَانَ خَطَأً مِنْ الْأَصْلِ لِاسْتِيجَابِهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَهُوَ الْكِتَابُ السَّابِقُ، وَلَوْ كَانَ صَوَابًا فِي حَقِّ الْعَمَلِ لَمَا اسْتَوْجَبَ بِهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ لِوُجُودِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْكِتَابِ السَّابِقِ مَا كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ بَدْرٍ.
وَقِيلَ أَنْ يُحِلَّ لَهُمْ الْغَنَائِمَ وَالْفِدَاءَ، وَقِيلَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ قَوْمًا إلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ وَتَقْدِيمِ النَّهْيِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ تَمَسَّكَ الْمَرِيسِيِّ، وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَالَ الْمُجْتَهِدُ يَأْثَمُ بِالْخَطَأِ وَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ دَلِيلُ الْإِثْمِ؛ وَلِأَنَّ الْخَطَأَ إنَّمَا يَقَعُ لِتَقْصِيرٍ فِي الطَّلَبِ، وَالتَّقْصِيرُ فِي طَلَبِ الْوَاجِبِ دَلِيلُ الْإِثْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَطَأَ فِي أُصُولِ الدِّينِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ لِقُصُورٍ فِي الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْمُجْتَهِدِينَ عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ تَشْنِيعُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.، وَقَوْلِهِ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ.، وَقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَبْلِغْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حَجَّهُ وَجِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَتُبْ. وَقَوْلِ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ جَوْرٌ، وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخَطَأَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعِتَابِ وَالْإِثْمِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّشْنِيعِ وَجْهٌ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا قَالَ لَهُ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ، وَقَالَ فِي آخَرَ «، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» وَالْخَطَأُ الْمُطْلَقُ لَا يَكُونُ حَسَنَةً، وَلَا سَبَبًا لِلْأَجْرِ بِوَجْهٍ عَرَفْنَا أَنَّهُ مُصِيبٌ فِي نَفْسِ الِاجْتِهَادِ، وَمُسْتَحِقٌّ لِلْأَجْرِ بِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ الْحَقِيقِيَّ. وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] أَخْبَرَ أَنَّهُمَا جَمِيعًا أُوتِيَا مِنْ اللَّهِ عِلْمًا وَحُكْمًا بَعْدَمَا بَيَّنَ أَنَّ سُلَيْمَانَ اخْتَصَّ بِفَهْمِ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَطَأَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَثْبُتُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوَابٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ.
وَهَذَا التَّمَسُّكُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا سَلَّمَ الْخَصْمُ أَنَّ الْمُرَادَ إتْيَانُ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ بَلْ يَقُولُ الْمُرَادُ إتْيَانُ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَذَا رُوِيَ أَنَّ مَسْرُوقًا وَعَلْقَمَةَ أَوْ الْأَسْوَدَ سُبِقَا بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَمَّا قَامَا إلَى الْقَضَاءِ صَلَّى مَسْرُوقٌ رَكْعَةً وَجَلَسَ ثُمَّ رَكْعَةً وَجَلَسَ وَسَلَّمَ وَصَلَّى الْآخَرُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ كِلَاكُمَا أَصَابَ، وَلَكِنَّ صَنِيعَ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إلَيَّ فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إلَى الْفَائِتِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَعْدَةٌ وَالْآخَرُ إلَى الْبَاقِي فَقَوْلُهُ كِلَاكُمَا أَصَابَ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ، وَقَوْلُهُ صَنِيعُ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إلَيَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقُلْنَا أَرَادَ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ فِيمَا عَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ أَنَّ الْحَقَّ الْحَقِيقِيَّ مَعَ مَسْرُوقٍ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِلَا الِاجْتِهَادَيْنِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَسْرُوقٌ أَفْضَلُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَائِلِينَ بِالْأَشْبَهِ.
قُلْنَا: هَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ
(4/29)


وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُكَلَّفُ بِمَا فِي وُسْعِهِ فَاسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ وَحَرُمَ الصَّوَابُ وَالثَّوَابُ فِي آخِرِهِ إمَّا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ أَوْ حِرْمَانًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً.
وَأَمَّا قِصَّةُ بَدْرٍ فَقَدْ عَمِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِشَارَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَيْفَ يَكُونُ خَطَأً إلَّا أَنَّ هَذَا كَانَ رُخْصَةً.
وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى حُكْمِ الْعَزِيمَةِ لَوْلَا الرُّخْصَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصِيبٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ مَذْهَبَ عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَصَابَ الْحَقَّ حَقِيقَةً، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا أَحَقُّ بَلْ أَرَادَ مَا ذَكَرْنَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مُخْطِئٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً سَاعَدَنَا فِي أَنَّهُ مُخْطِئٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ قَوْلِهِ كِلَاكُمَا قَدْ أَصَابَ عَلَى أَنَّهُمَا أَصَابَا الْحُكْمَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا أَصَابَا فِي الِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُكَلَّفٌ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَفِي وُسْعِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ طَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْحَقِّ دُونَ إصَابَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أُمِرَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا بِلَا خِلَافٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْعَمَلِ بِهِ عَلَى شَرْطِ إصَابَةِ الْحَقِّ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَى تَحَرِّي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مُطْمِعٌ فِي الْإِصَابَةِ فَاسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ وَحُرِمَ الصَّوَابَ، وَالثَّوَابُ فِي آخِرِهِ أَيْ ثَوَابُ إصَابَةِ الْحَقِّ إمَّا بِسَبَبِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ أَوْ بِابْتِدَاءِ حِرْمَانٍ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا كَمَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ عَلَى تَحَرِّي النُّصْرَةِ كَانَ مُصِيبًا فِي قِتَالِهِ مُمْتَثِلًا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إعْلَاءِ كَلِمَتِهِ قَتَلَ أَمْ قُتِلَ مُسْتَحِقًّا لِلْأَجْرِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُصِيبٌ لَمَّا قَاتَلَ عَلَى تَحَرِّي إصَابَةِ النُّصْرَةِ أَصَابَ أَوْ لَمْ يُصِبْ، وَكَالرُّمَاةِ إذَا نَصَبُوا غَرَضًا فَرَمَوْا عَلَى تَحَرِّي الْإِصَابَةِ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي تَحَرِّيهِمْ الْإِصَابَةَ، وَإِذَا أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ الْغَرَضَ، وَأَصَابَ الْبَعْضُ لَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مُخْطِئًا فِي تَحَرِّيهِ الْإِصَابَةَ بِطَرِيقِهِ (فَإِنْ قِيلَ) خَطَؤُهُ فِي تَقْصِيرِهِ فِي طَلَبِ طَرِيقِ الْإِصَابَةِ لَا فِي قَصْدِ الْإِصَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ مِنْ الرَّأْيِ مَا لَوْ بَذَلَ مَجْهُودَهُ كُلَّ الْبَذْلِ لَأَصَابَ الْحَقَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
(قُلْنَا) إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا لَمْ يُكَلِّفْ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لَمْ يُكَلِّفْ بِمَا فِيهِ الْحَرَجُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وَفِي بِنَاءِ الْخِطَابِ عَلَى هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَيَصِيرُ عَفْوًا وَيَجِبُ بِنَاءُ الْخِطَابِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَذَلِكَ لَا يُوَصِّلُنَا إلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فِي أُصُولِ الدِّينِ فَإِنَّ الْمُخْطِئَ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مُخْطِئٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَلَائِلَ عَلَيْهَا يُوجِبُ الْعِلْمُ يَقِينًا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَمْ يَجِبْ الْخَطَأُ إلَّا بِقِلَّةِ التَّأَمُّلِ.
فَأَمَّا قِصَّةُ بَدْرٍ فَقَدْ عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِشَارَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْ بِاجْتِهَادِهِ وَرَأْيِهِ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ اجْتِهَادُهُ عَلَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمِلَ بِرَأْيِهِ، وَأُقِرَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] ، وَلَمَّا أُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَمِلْ الْخَطَأَ بِوَجْهٍ. إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ أَخْذَ الْفِدَاءِ كَانَ رُخْصَةً.
وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ عَلَى حُكْمِ الْعَزِيمَةِ لَوْلَا الرُّخْصَةُ أَيْ الْعِتَابُ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ بَقَاءِ الْعَزِيمَةِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَتَأْوِيلُ الْعِتَابِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] وَكَانَ ذَلِكَ كَرَامَةً خُصِّصَتْ بِهَا رُخْصَةُ {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ بِحُكْمِ الْعَزِيمَةِ عَلَى مَا قَالَهُ عُمَرُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] قَبْلَ الْإِثْخَانِ، وَقَدْ أَثْخَنْت يَوْمَ بَدْرٍ فَكَانَ لَك الْأَسْرَى كَمَا كَانَ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَلَكِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَسْرَى الْمَنَّ أَوْ الْقَتْلَ دُونَ الْمُفَادَاةِ فَلَوْلَا الْكِتَابُ السَّابِقُ فِي إبَاحَةِ الْفِدَاءِ لَك لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ
(4/30)

فَالْمُخْطِئُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يُضَلَّلُ وَلَا يُعَاتَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ الصَّوَابِ بَيِّنًا فَيُعَاتَبُ، وَإِنَّمَا نَسَبْنَا الْقَوْلَ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ وَبِأَنْ يَلْحَقَ الْوَلِيُّ بِالنَّبِيِّ، وَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِهِمْ وَالْمُخْتَارُ مِنْ الْعِبَارَاتِ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ عَلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ الِاعْتِزَالِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا وَعَلَيْهِ مَضَى أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَسَقَطَتْ الْمِحْنَةُ وَبَطَلَ الِاجْتِهَادُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ: (فَالْمُخْطِئُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا لَا يُضَلَّلُ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمُخْطِئِ فِي الْأُصُولِ فَإِنَّهُ مُضَلَّلٌ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخْطِئِ فِي الْفُرُوعِ فَقِيلَ هُوَ مَأْجُورٌ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ. وَقِيلَ هُوَ مَعْذُورٌ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْحَظْرِ يَزُولُ بِعُذْرِ الْخَطَأِ فَأَمَّا أَنْ يَنَالَ أَجْرَ الصَّوَابِ، وَلَا صَوَابَ فَلَا كَالنَّائِمِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ لَا يَنَالُ ثَوَابَ الْمُصَلِّي. وَقِيلَ هُوَ مُعَاقَبٌ مُخَطَّأٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقُلْنَا إذَا كَانَ طَرِيقُ الْإِصَابَةِ بَيِّنًا فَهُوَ مُعَاتَبٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ مَا أَخْطَأَ إلَّا بِتَقْصِيرِ مَنْ قَبْلَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَفِيًّا فَلَيْسَ بِمُعَاتَبٍ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ إنَّمَا وَقَعَ لِخَفَاءِ دَلِيلِ الْإِصَابَةِ وَذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْخَفِيُّ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ فَهْمٍ وَكُلُّ قَلْبٍ فَإِنَّ إدْرَاكَ الْبَصَائِرِ عَلَى التَّفَاوُتِ كَإِدْرَاكِ الْأَبْصَارِ بِحُكْمِ الْخِلْقَةِ فَلَا يَجُوزُ الْعِتَابُ عَلَى فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ مَعْذُورًا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْ مُصِيبًا فِيمَا اسْتَعْمَلَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مَأْجُورًا.
وَمَا رُوِيَ مِنْ التَّخْطِئَةِ وَالتَّشْنِيعِ فَعَلَى النَّوْعِ الَّذِي طَرِيقُهُ عِنْدَ الَّذِي خَطَّأَ وَشَنَّعَ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَحَ لِلْعَبْدِ إصَابَةُ الْحَقِّ وَاسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ فَإِذَا حُرِمَ مِنْ الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَصْلَحَ لَهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ عِنْدَهُمْ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِإِصَابَةِ الْكُلِّ. وَبِأَنْ يَلْحَقَ الْوَلِيُّ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ نَبِيٍّ مِنْ الْإِكْرَامِ وَالْإِفْضَالِ مَا لَا يَفْعَلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ يُبْطِلُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَاجْتِسَارِهِ فَالْوَلِيُّ مُلْحَقٌ بِالنَّبِيِّ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ الْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَفِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلْحَاقُ الْوَلِيِّ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُصِيبًا لِلْحَقِّ فِي اجْتِهَادِهِ لَا مَحَالَةَ كَانَ قَوْلُهُ فِي الْحَقِّيَّةِ مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّصْوِيبِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّصْوِيبِ لَا يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَهَبُوا إلَيْهِ مَعَ إنْكَارِهِمْ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ، وَلَكِنَّ مَبْنَى التَّصْوِيبِ عَلَى أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْأَصْلَحِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَالثَّانِي امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ بِالتَّصْوِيبِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ. قَوْلُهُ: (عَلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنْ يُرَادَ إصَابَةُ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ، وَإِخْطَاءِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ لِيَحْصُلَ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْأَحَقِّ مِنْهُمْ قَدْ يَقُولُونَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ إصَابَةَ الْأَحَقِّ وَإِخْطَاءَهُ، وَلَكِنَّ الْمُخْطِئَ لِلْأَحَقِّ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ فَإِذَا لَمْ نُرِدْ بِقَوْلِنَا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ حَقِيقَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَا يَكُونُ هَذَا احْتِرَازًا عَنْ الِاعْتِزَالِ ظَاهِرًا حَيْثُ حَصَلَ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِاسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ لَا بَاطِنًا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْأَحَقِّ فَأَمَّا إذَا أَرَدْنَا بِهِمَا إصَابَةَ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ، وَإِخْطَاءَهُ فَقَدْ حَصَلَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ مَذْهَبِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ: وَلَقَدْ تَدَبَّرْتُ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّصْوِيبِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرُ حَظٍّ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى شَرَفِ هَذَا الْعِلْمِ، وَمَنْصِبِهِ فِي الدِّينِ، وَمَرْتَبَتِهِ فِي مَسَالِكِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا نِهَايَةُ رَأْسِ مَالِهِمْ الْمُجَادَلَاتُ الْمُوحِشَةُ، وَإِلْزَامُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي مَنْصُوبَاتٍ، وَمَوْضُوعَاتٍ اتَّفَقُوا
(4/31)

وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ وَهَذَا.

(بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ كَانَتْ عِلَّتِي تُوجِبُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ تُوجِبْ لِمَانِعٍ فَصَارَ مَخْصُوصًا مِنْ الْعِلَّةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَنَظَرُوا إلَى الْفِقْهِ، وَمَعَانِيهِ بِأَفْهَامٍ كَلِيلَةٍ وَعُقُولٍ حَسِيرَةٍ فَعَدُّوا ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْ الْأَمْرِ، وَلَمْ يُعْتَقَدْ لَهَا كَثِيرُ مَعَانٍ يَلْزَمُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا، وَقَالُوا لَمْ يُكَلَّفْ الْمُجْتَهِدُ إلَّا فِي مَحْضِ ظَنٍّ يَعْثِرُ عَلَيْهِ بِنَوْعِ أَمَارَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ تَكْلِيفُهُ سِوَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ حَقٌّ وَاحِدٌ مَطْلُوبٌ بَلْ مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِ هُوَ الظَّنُّ لِيَعْمَلَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِ مُجَرَّدَ ظَنٍّ، وَالظَّنُّ قَدْ يَسْتَوِي فِيهِ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ، وَقَدْ يَكُونُ بِدَلِيلٍ.
وَقَدْ يَكُونُ بِلَا دَلِيلٍ بَلْ الْمَطْلُوبُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَادِثَةِ بِالْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا إلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَعَانِيَ الشَّرْعِ وَطَلَبُوهَا بِالْجَهْدِ الشَّدِيدِ وَالْكَدِّ الْعَظِيمِ حَتَّى أَصَابُوهَا فَأَمَّا مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ وَيَظُنُّهُ سَهْلًا مِنْ الْأَمْرِ، وَلَا يَعْرِفُ إلَّا مُجَرَّدَ ظَنٍّ يَظُنُّهُ الْإِنْسَانُ فَيَعْثِرُ هَذِهِ الْعَثْرَةَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي لَا انْتِعَاشَ عَنْهَا وَيَعْتَقِدُ تَصْوِيبَ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ ظُنُونِهِمْ فَيُؤَدِّي قَوْلُهُ إلَى اعْتِقَادِ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَإِلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَّةِ وَحَمْلِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ الْمُبَالَاةِ فِيمَا نَصَبُوا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَأَسْهَرُوا لَيَالِيَهُمْ، وَأَتْعَبُوا فِكْرَهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، وَإِظْهَارِ تَأْثِيرَاتِ مَا ادَّعَوْهَا مِنْ الْعِلَلِ ثُمَّ نِهَايَةُ أَمْرِهِمْ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ وَصَلُوا إلَى مِثْلِ مَا وَصَلَ مُخَالِفُوهُمْ، وَأَنَّ مَا وَصَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَضِدُّهُ حَقٌّ، وَقَوْلُهُمْ وَقَوْلُ مُخَالِفِيهِمْ سَوَاءٌ فَيَكُونُ سَعْيُهُمْ شِبْهَ ضَائِعٍ وَثَمَرَتُهُ كَلَا ثَمَرَةٍ، وَبُطْلَانُ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ حِكَايَتَهُ تُغْنِي كَثِيرًا مِنْ الْعُقَلَاءِ عَنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ أَيْ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. أَوْ يَتَّصِلُ بِمَسْأَلَةِ تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ كَمَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ، وَهَذَا أَيْ مَا نَشْرَعُ فِيهِ.

[بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ]
(بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلَّةً لِمَانِعٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْنًى، وَلَا عُمُومَ لِلْمَعْنَى حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُ بِاعْتِبَارِ حُلُولِهِ فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ يُوصَفُ بِالْعُمُومِ فَإِخْرَاجُ بَعْضِ الْمَحَالِّ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا الْعِلَّةُ عَنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ، وَقَصْرُ عَمَلِ الْعِلَّةِ عَلَى الْبَاقِي يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّخْصِيصِ كَمَا أَنَّ إخْرَاجَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ عَنْ تَنَاوُلِ لَفْظِ الْعَامِّ إيَّاهُ، وَقَصْرِهِ عَلَى الْبَاقِي تَخْصِيصٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَتَى وَرَدَ عَلَيْهَا نَقْضٌ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَقِضَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً شَرْعِيَّةً. وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ إنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ جَائِزٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَذَهَبَ مَشَايِخُ دِيَارِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ فَأَمَّا فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ فَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ عَلَى الْجَوَازِ فِيهَا. وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ التَّخْصِيصَ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ فَأَكْثَرُهُمْ جَوَّزَهُ فِي الْمَنْصُوصَةِ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ فِي الْمَنْصُوصَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مُخْتَارُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي، وَقِيلَ إنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ
(4/32)

وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ لُغَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لَا نَقْضٌ وَلَا إبْطَالٌ، وَقَدْ صَحَّ الْخُصُوصُ عَلَى: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ الْمُنَاقَضَةِ قَالَ وَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقِيَاسِ بِسُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةٍ أَوْ اسْتِحْسَانٍ مَخْصُوصٍ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ الْخَصْمَ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ فَإِذَا وُجِدَ وَلَا حُكْمَ لَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ فَيَتَنَاقَضُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِمَانِعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ بَيَانُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا صَارَتْ أَمَارَةً بِجَعْلِ جَاعِلٍ فَجَازَ أَنْ تُجْعَلَ أَمَارَةً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ، وَلَمْ تُجْعَلْ أَمَارَةً فِي مَحَلٍّ كَمَا جَازَ أَنْ تُجْعَلَ أَمَارَةً فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَبِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْحُكْمِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهَا غَلَبَةُ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَهَا كَالْغَيْمِ الرَّطْبِ فِي الشِّتَاءِ أَمَارَةٌ لِلْمَطَرِ قَدْ يَتَخَلَّفُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ. وَبِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ جَائِزٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السَّرِقَةَ وَالزِّنَا عِلَّتَيْنِ لِلْقَطْعِ وَالْحَدِّ، وَقَدْ يُوجَدُ سَارِقٌ لَا يُقْطَعُ وَزَانٍ لَا يُحَدُّ وَجَعَلَ الْمُشَاقَّةَ عِلَّةً لِقَتْلِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 13] بَعْدَ قَوْلِهِ {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} [الأنفال: 12] ، وَقَدْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْقَتْلِ وَجَعَلَ وُقُوعَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ عِلَّةً لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91] وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا، وَلَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْمَنْصُوصَةِ جَازَ تَخْصِيصُ الْمُسْتَنْبَطَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَجُوزُ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ مَا يَسْتَحِيلُ جَوَازُهُ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ طُرُقِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْعِلَّتَيْنِ اخْتِلَافُ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ فِي أَحَدَيْهِمَا النَّصُّ، وَفِي الْأُخْرَى الِاسْتِنْبَاطُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ دَلَالَةَ الْعِلَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَالِّهَا كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ فَلَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ. وَبِأَنَّ خُصُوصَ الْعِلَّةِ لَيْسَ إلَّا امْتِنَاعَ ثُبُوتِ مُوجِبِ الدَّلِيلِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ، وَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْفَسَادِ كَمَا فِي الْعِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ فَإِنَّ النَّارَ عِلَّةٌ لِلْإِحْرَاقِ ثُمَّ إنَّهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَا فِي الطَّلْقِ لِمَانِعٍ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّارَ لَيْسَتْ بِمُحْرِقَةٍ. وَبِمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ التَّخْصِيصَ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْمُنَاقَضَةِ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ حَقِّيَّةَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ فَقَالَ التَّخْصِيصُ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ. وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ غَيْرُ الْمُنَاقَضَةِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَإِجْمَاعًا، وَفِقْهًا. أَمَّا اللُّغَةُ فَلِأَنَّ النَّقْضَ اسْمٌ لِفِعْلٍ يَرِدُ فِعْلًا سَبَقَ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ كَنَقْضِ الْبُنْيَانِ وَنَقْضِ كُلِّ مُؤَلَّفٍ وَالْخُصُوصُ بَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ رَفَعَ الثُّبُوتَ أَلَا تَرَى أَنَّ ضِدَّ الْخُصُوصِ الْعُمُومُ، وَضِدَّ النَّقْضِ الْبِنَاءُ وَالتَّأْلِيفُ.
وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ جَائِزٌ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَصْلًا فَيَتَغَايَرَانِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ لِقَوْلِهِ، وَقَدْ صَحَّ الْخُصُوصُ إلَى آخِرِهِ.
، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْقَائِسِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةٍ وَذَلِكَ يَكُونُ تَخْصِيصًا لَا مُنَاقَضَةً وَلِهَذَا سَمَّاهَا الشَّافِعِيُّ مَخْصُوصَةً عَنْ الْقِيَاسِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا مَعْدُولًا بِهَا عَنْ الْقِيَاسِ أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ الْقِيَاسَ بَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَالْقِيَاسُ الْمُنْتَقَضُ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ
(4/33)

إنْ أَبْرَزَ مَانِعًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ بِدَلِيلِ الِاحْتِمَالِ الْفَسَادَ بِخِلَافِ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَحْتَمِلُ فَسَادًا وَبُنِيَ عَلَى هَذَا تَقْسِيمُ الْمَوَانِعِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ حِسًّا وَحُكْمًا مَانِعٌ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ حُكْمَ الْعِلَّةِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ فِي الرَّامِي إذَا انْقَطَعَ وَتَرَاهُ أَوْ انْكَسَرَ فَوْقَ سَهْمِهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ عِلَّةً، وَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ حَائِطٌ مَنَعَ تَمَامَ الْعِلَّةِ حَتَّى لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَحَلِّ، وَمَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَأَمَّا الْفِقْهُ فَلِأَنَّ الْخَصْمَ أَيْ الْمُعَلِّلَ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ فَلَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِدُونِ ذَلِكَ الْحُكْمِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِفَسَادٍ فِي أَصْلِ عِلَّتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَنَاقُضًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بِلَا شُبْهَةٍ ثُمَّ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ بِهِ فِي صُورَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْخِيَارُ الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ فَإِذَا ادَّعَى الْمُعَلِّلُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ صَارَ مَخْصُوصًا مِنْ عِلَّتَيْنِ لِمَانِعٍ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مُحْتَمَلًا فَيَكُونُ مُطَالَبًا بِالْحُجَّةِ. فَإِنْ أَبْرَزَ مَانِعًا صَالِحًا يُقْبَلُ بَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ الْمُعَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ.
وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ أَيْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي جَعْلِ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهُ عِلَّةً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. أَوْ ظَهَرَ أَنَّ وَصْفَهُ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِامْتِنَاعِ الْحُكْمِ عَنْهُ مَانِعٌ كَانَ مُوجِبًا وَغَيْرَ مُوجِبٍ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
، وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ وَلِلْمَانِعِ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُعَلِّلِ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ بِدَلِيلٍ لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ أَيْ لِاحْتِمَالِ تَعَيُّنِ جِهَةِ فَسَادِ الْعِلَّةِ بِأَنْ يَعْجِزَ عَنْ إبْرَازِ الْمَانِعِ أَصْلًا وَيُبَيِّنَ مَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا إذْ لَا بُدَّ لِلْمَانِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ بِخِلَافِ النُّصُوصِ يَعْنِي إذَا تَمَسَّكَ فِي حَادِثَةٍ بِعُمُومِ نَصٍّ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْعَامِّ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْمُولٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خُصَّ مِنْ هَذَا الْعَامِّ بِدَلِيلٍ يُقْبَلُ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ الْفَسَادِ وَالْغَلَطِ بِوَجْهٍ فَلَا يَبْقَى لِعَدَمِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَجْهٌ إلَّا الْخُصُوصَ الَّذِي يَلِيقُ بِكَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إثْبَاتِهِ بِدَلِيلٍ. فَأَمَّا احْتِمَالُ الْفَسَادِ فِي الْعِلَّةِ فَقَائِمٌ فَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ عِلَّتِهِ لَا يَنْتَفِي جِهَةُ الْفَسَادِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ. وَلَا يُقَالُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَانِعٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ إبْرَازُهُ فَلَا يَثْبُتُ فَسَادُ الْوَصْفِ بِالِاحْتِمَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي التَّخَلُّفِ هُوَ التَّنَاقُضُ. قَوْلُهُ: (وَبَنَى) أَيْ مَنْ أَجَازَ التَّخْصِيصَ عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ تَقْسِيمَ الْمَوَانِعِ أَيْ مَوَانِعِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ. وَهِيَ خَمْسَةٌ حِسًّا وَحُكْمًا أَيْ فِي الْحِسِّيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
وَذَلِكَ أَيْ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَوَانِعِ حِسًّا يَتَبَيَّنُ فِي الرَّمْيِ فَإِنَّهُ قَتَلَ أَوْ أَصَابَ وَيَلْزَمُ الرَّامِيَ أَحْكَامُ الْقَتْلِ وَالرَّمْيُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ إغْرَاقُ الْقَوْسِ بِالسَّهْمِ، وَإِرْسَالُهُ. فَالرَّامِي إذَا انْقَطَعَ وَتَرُهُ أَيْ وَتَرُ قَوْسِهِ أَوْ انْكَسَرَ فَوْقَ سَهْمِهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنْ السَّهْمِ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ انْعِقَادِ الرَّمْيِ عِلَّةً بَعْدَ تَمَامِ قَصْدِ الرَّامِي إلَى مُبَاشَرَةٍ حَتَّى أَنَّ شَيْئًا مِنْ حُكْمِ الرَّمْي لَا يَظْهَرُ مَعَ هَذَا الْمَانِعِ مِنْ مُضِيِّ السَّهْمِ أَوْ إصَابَتِهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: وَإِذَا حَالَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ حَائِطٌ فِي مَسَافَةِ مُرُورِ السَّهْمِ يُعَارِضُ السَّهْمَ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْمُرُورِ وَيَرُدُّهُ عَنْ سُنَنِهِ فَهُوَ مَانِعٌ يَمْنَعُ تَمَامَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ انْعَقَدَ رَمْيًا لَكِنَّ الرَّمْيَ إنَّمَا يَصِيرُ قَتْلًا إذَا أَصَابَ الْمُرْمَى بِامْتِدَادِ السَّهْمِ إلَى الْمُرْمَى بِقُوَّتِهِ، وَهَذَا الْمَانِعُ مَنَعَ تَمَامَ الِامْتِدَادِ إلَيْهِ فَمَنَعَ تَمَامَ الْعِلَّةِ.
وَهَذَانِ لَيْسَا مِنْ أَقْسَامِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ عُدِمَتْ الْعِلَّةُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَصْلًا فَيَكُونُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهِمَا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ مَنَعَ وُجُودَ الْعِلَّةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ بِنَاؤُهُمَا عَلَيْهِ وَجَعْلُهُمَا مِنْ أَقْسَامِهِ إلَّا أَنَّ
(4/34)

فَيَدْفَعُهُ بِتُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاَلَّذِي يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ أَنْ يَجْرَحَهُ ثُمَّ يُدَاوِيَهُ فَيَنْدَمِلَ، وَاَلَّذِي يَمْنَعُ لُزُومَهُ أَنْ يُصِيبَهُ فَيَمْرَضَ بِهِ وَيَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ ثُمَّ يَصِيرَ لَهُ كَطَبْعٍ خَامِسٍ فَيَأْمَنُ مِنْهُ غَالِبًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ ضَرَبَهُ الْفَالِجُ فَيَصِيرُ مَفْلُوجًا كَانَ مَرِيضًا فَإِنْ امْتَدَّ فَصَارَ طَبْعًا صَارَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ.
وَمِثَالُهُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْبَيْعُ إذَا أُضِيفَ إلَى حُرٍّ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى مَالٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ مَنَعَ تَمَامَ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
هَذَا الْقَائِلَ لَمَّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَوَانِعِ ذَكَرَهُمَا تَتْمِيمًا لِلتَّقْسِيمِ لَا أَنَّهُ بَنَاهُمَا عَلَى التَّخْصِيصِ.
وَمَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ هُوَ أَنْ يُصِيبَهُ أَيْ يُصِيبَ السَّهْمُ الْمُرْمَى. فَيَدْفَعُهُ أَيْ الْمُرْمَى السَّهْمَ بِتُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ دِرْعٍ أَوْ جَوْشَنٍ أَوْ قَبَاءٍ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ لَمَّا امْتَدَّ إلَيْهِ وَاتَّصَلَ بِهِ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ الْجَرْحُ الَّذِي هُوَ قَتْلٌ، وَهَذَا الْمَانِعُ أَعْنِي التُّرْسَ وَنَحْوَهُ مِنْهُ أَصْلُ الْحُكْمِ. وَلَا يُقَالُ التُّرْسُ مَانِعٌ مِنْ الِاتِّصَالِ كَالْحَائِطِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا مِنْ قَبِيلِ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التُّرْسُ أَوْ الدِّرْعُ مُتَّصِلٌ بِالْمُرْمَى فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ بَدَنِهِ فَكَانَ اتِّصَالُ السَّهْمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِهِ بِبَدَنِهِ بِخِلَافِ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ فَلَا يَكُونُ اتِّصَالُ السَّهْمِ بِالْحَائِطِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِ السَّهْمِ بِالْمُرْمَى فَكَانَ قِسْمًا آخَرَ. وَاَلَّذِي يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ أَنْ يَجْرَحَهُ أَيْ السَّهْمُ الْمُرْمَى ثُمَّ يُدَاوِيهِ أَيْ الْمُرْمَى الْجُرْحَ فَيَنْدَمِلُ فَالْمُدَاوَاةُ مَعَ الِانْدِمَالِ أَوْ الِانْدِمَالُ بِنَفْسِهِ مَانِعٌ مِنْ تَمَامِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ إنَّمَا يُتِمُّ قَتْلًا إذَا سَرَى أَلَمُهُ إلَى الْمَوْتِ فَمَا يَقْطَعُ السِّرَايَةَ يَكُونُ مَانِعًا تَمَامَ حُكْمِ الْعِلَّةِ.
وَاَلَّذِي يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ أَنْ يُصِيبَ السَّهْمُ الْمُرْمَى فَيَمْرَضُ بِهِ وَيَصِيرُ صَاحِبَ فِرَاشٍ ثُمَّ يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَرَضُ وَالْجُرْحُ لَهُ كَطَبْعٍ خَامِسٍ أَيْ زَائِدٍ عَلَى الطِّبَاعِ الْأَرْبَعَةِ فَيَأْمَنُ أَيْ الْمُرْمَى الْمُصَابُ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فِي الْغَالِبِ أَيْ يَأْمَنُ الْمُصَابُ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الْجُرْحُ إلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ.
فَصَيْرُورَتُهُ طَبْعًا خَامِسًا مَنَعَ لُزُومَ الْحُكْمِ أَيْ مَنَعَ الْجُرْحَ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا إذْ مَعْنَى لُزُومِهِ صَيْرُورَتُهُ قَتْلًا، وَهُوَ كَالِانْدِمَالِ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ زُهُوقِ الرُّوحِ كَالِانْدِمَالِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَذَا الْقِسْمَ فِي أَقْسَامِ الْمَوَانِعِ. إلَّا أَنَّ الْجُرْحَ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الرَّمْيِ لَمَّا بَقِيَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ طَبْعًا فَلَمْ يَنْدَمِلْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَانِعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا فِي الْعَاقِبَةِ، وَلَكِنَّ الدَّفْعَ بِصَيْرُورَتِهِ طَبْعًا إفْضَاؤُهُ إلَى الْقَتْلِ فِي الْحَالِ فَكَانَ مَانِعًا لُزُومَ الْحُكْمِ، وَفِي أَصْلِهِ لِبَقَائِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَبِالِانْدِمَالِ قَدْ انْدَفَعَ الْجُرْحُ الْحَاصِلُ بِالرَّمْيِ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ الِانْدِمَالُ أَقْوَى مَنْعًا لِلْحُكْمِ مِنْ صَيْرُورَةِ الْجُرْحِ طَبْعًا، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُمَا الشَّيْخُ قِسْمَيْنِ. وَفِي الْجُمْلَةِ جَعْلُ صَيْرُورَتِهِ طَبْعًا مَانِعَةً مِنْ لُزُومِ الْحُكْمِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْحُكْمِ ثَابِتًا، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمَانِعِ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْحُكْمِ إنْ كَانَ هُوَ الْقَتْلَ فَنَفْسُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا فِي الِانْدِمَالِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ ثَابِتًا غَيْرَ لَازِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْجُرْحَ فَهُوَ لَازِمٌ بَعْدَمَا صَارَ طَبْعًا فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ كَوْنُهُ طَبْعًا مَانِعًا مِنْ اللُّزُومِ أَيْضًا وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ حُكْمَ الرَّمْيِ الْجُرْحُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَاوِمُهُ الْمُرْمَى فَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ فَإِذَا انْدَمَلَ لَمْ يَتِمَّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْمُرْمَى يَصْلُحُ مُقَاوِمًا لَهُ فَيَكُونُ الِانْدِمَالُ مَانِعًا تَمَامَ الْحُكْمِ، وَإِذَا لَمْ يَنْدَمِلْ وَصَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ إلَّا أَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ عَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ بِالِانْدِمَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ لَازِمًا بِإِفْضَائِهِ إلَى الْقَتْلِ فَإِذَا صَارَ طَبْعًا فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ إفْضَاءَهُ إلَى الْقَتْلِ فَكَانَ صَيْرُورَتُهُ طَبْعًا مَانِعَةً لُزُومَ الْحُكْمِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ كَمَا تَرَى.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ مَا تَحَقَّقَ مِنْهُ الْمَوَانِعُ الْخَمْسَةُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جَمِيعًا ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى حُرٍّ أَوْ مَيِّتَةٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ الِانْعِقَادِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ. وَإِذَا أُضِيفَ إلَى مَالٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ مَنَعَ يَعْنِي كَوْنَهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْبَائِعِ تَمَامَ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَصْلِ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ لِلْمَالِكِ فِيهِ.
وَالدَّلِيلُ
(4/35)

وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ خُصُوصِ الْعِلَلِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الِانْعِقَادِ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِإِجَازَتِهِ وَغَيْرُ الْمُنْعَقِدِ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، وَمُنْعَقِدًا بِالْإِجَازَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ تَامٌّ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ بَائِعَ مَالِ الْغَيْرِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ أَصْلًا، وَلَمَّا كَانَ رُكْنُ الْبَيْعِ صَادِرًا مِنْ الْأَهْلِ فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ لِلتَّصَرُّفِ وَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ تَامًّا مُعْلِنًا أَنَّهُ انْعَقَدَ غَيْرَ تَامٍّ فِي حَقِّ الْمَالِكِ حَمْلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّ إضَافَةَ الْبَيْعِ إلَى مَالِ الْغَيْرِ تَمْنَعُ التَّامَّ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْعَاقِدِ عَلَيْهِ. وَخِيَارُ الشَّرْطِ أَيْ الْخِيَارُ الثَّابِتُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حَتَّى لَا يَخْرُجَ الْبَدَلُ الَّذِي فِي جَانِبِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّمَامِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِالْخِيَارِ لِتَعَلُّقِ الثُّبُوتِ بِسُقُوطِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْحُكْمِ دُونَ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ الصِّفَةُ بِالْقَبْضِ مَعَهُ وَيَتَمَكَّنُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ قَضَاءٍ، وَلَا رِضَاءٍ لِعَدَمِ التَّمَامِ.
وَصَارَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ لُزُومَ الْحُكْمِ يَعْنِي ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَهُ تَامًّا حَتَّى كَانَ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِ رِضَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ حَيْثُ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ اللُّزُومِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ مَرَاتِبُ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَصَارَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ فَعَدِمَ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى فَوَاتِ تَمَامِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الرِّضَاءَ يَحْصُلُ بِالْعِلْمِ وَأَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ وَالْإِشَارَةِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ فَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لِوُجُودِ أَصْلِ الرِّضَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ مَا لَمْ يَتِمَّ الرِّضَاءُ بِالرُّؤْيَةِ. وَخِيَارُ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ لَا عَلَى فَوَاتِ الرِّضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَوْصَافِ قَبْلَ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ الْعَيْبِ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ لَكِنْ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ مَا فَاتَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ بَعْضِ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ وَالْفَسْخِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ) أَرَادَ بِهِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بَابُ فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَهُ صَرِيحًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَانِعِينَ مِنْ التَّخْصِيصِ تَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِهَا مُنَاقَضَةٌ وَالْمُنَاقَضَةُ مِنْ آكَدِ مَا تَفْسُدُ بِهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعَبَثِ وَالسَّفَهِ وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً إذَا وُجِدَ مُتَعَرِّيًا عَنْ الْحُكْمِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُولَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَوَّلًا لِمَانِعٍ، وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْمَانِعِ دَلِيلُ الْفَسَادِ وَالْمُنَاقَضَةِ.
وَكَذَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ، وَأَدِلَّةٌ عَلَى أَحْكَامِ الشَّارِعِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ أَيْنَمَا وُجِدَ فَإِذَا خَلَا الدَّلِيلُ عَنْ الْمَدْلُولِ كَانَ مُنَاقَضَةً. وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَدُلُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا يَجُوزُ
(4/36)

وَيُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَعَ التَّعَرُّضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَلَكِنَّ النَّصَّ الْعَامَّ لَحِقَهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِأَنْ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُ مَعَ بَقَائِهِ حُجَّةً عَلَى مَا مَرَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ عَزْلُ الدَّلِيلِ عَنْ دَلَالَتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنْ دَلَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ دَلِيلٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. فَنَقُولُ لَهُ لِأَيِّ مَعْنًى صَارَ عِلَّةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنْ قَالَ بِالْأَثَرِ أَوْ بِالْإِحَالَةِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا فَنَقُولُ ذَلِكَ الْمَعْنَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ دَلِيلًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ عِلَّةً. فَإِنْ قَالَ هَذَا الْوَصْفُ عِلَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مَانِعٌ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ، وَأَضْمَرْنَاهُ كَمَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ وَتَعْنُونَ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْمَنْعِ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ. فَنَقُولُ إنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مَقْرُونًا بِالْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِيفَاءً لِإِجْرَائِهَا فَزَالَتْ الْمُنَازَعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرُونًا بِهَا كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا، وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ أَقْوَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ هُوَ أَنَّ تَخْصِيصَهَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً وَطَرِيقًا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفُرُوعِ، وَإِذَا مَنَعَ تَخْصِيصُهَا مِنْ كَوْنِهَا طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ فَقَدْ تَمَّ مَا أَرَدْنَاهُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا هِيَ كَوْنُهُ مَوْزُونًا ثُمَّ عَلِمْنَا مَثَلًا إبَاحَةَ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ مُتَفَاضِلًا مَعَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي إبَاحَتَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ عِلَّةِ تَحْرِيمِ الذَّهَبِ أَوْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ. فَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ عِلَّةٌ يُقَاسُ بِهَا الرَّصَاصُ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّ حُرْمَةَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا بِالْوَزْنِ وَبِعَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ فَيَتَبَيَّنُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تَكُنْ كَوْنَهُ مَوْزُونًا فَقَطْ وَأَنْتَ جَعَلْت الْوَزْنَ هُوَ الْعِلَّةُ.
وَإِنْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ الرَّصَاصِ بِالرَّصَاصِ نَصَّ، وَقَدْ عَلِمْنَا عِلَّةَ إبَاحَتِهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَّةَ إبَاحَتِهِ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَقْصُورَةً عَلَى الرَّصَاصِ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَدَّتْ لَوَجَبَ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ يُثْبِتَ الشَّارِعُ عِلْمًا عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ثُبُوتَ حُكْمِهَا فِيمَا عَدَا الرَّصَاصَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ بِالْوَزْنِ فَقَطْ بَلْ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِرَصَاصٍ فَيَبْطُلُ بِهَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْوَزْنَ فَقَطْ فَثَبَتَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُخْرِجُ الْعِلَّةَ مِنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً.
قَالَ وَاَلَّذِي تَبَيَّنَ مَا قُلْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ نَفْيِ الْمُخَصِّصِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ اسْتَدَلَّ عَلَى طَرِيقِهِ فِي بَرِّيَّةٍ بِأَمْيَالٍ مَنْصُوبَةٍ ثُمَّ رَأَى مِيلًا لَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَدُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدِلُّ فِيمَا بَعْدُ عَلَى طَرِيقِهِ بِوُجُودِ مِيلٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ أَسْوَدَ فَقَدْ صَحَّ مَا أَرَدْنَاهُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ.
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكِتَابِ: أَنَّ تَفْسِيرَ الْخُصُوصِ أَيْ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي أَبْوَابِ الْعَامِّ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ شَبَّهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَيُشَبِّهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الْخُصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَلِهَذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِيُمْكِنَ أَنْ يُجْعَلَ الْعَامُّ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَمْرَيْنِ، وَمَعَ التَّعَارُضِ ظَاهِرًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَهُمَا صِيغَةُ الْعَامِّ وَدَلِيلُ الْخُصُوصِ. فَلَمْ يَفْسُدْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَيْ لَمْ يَبْطُلْ النَّصُّ الْعَامُّ بِلُحُوقِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ
(4/37)

وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَيُوجِبُ عِصْمَةَ الِاجْتِهَادِ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِالْأَصْلَحِ لَكِنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ الَّذِي تُسَمِّيهِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهِ يَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ الْعَدَمُ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْبَعْضُ، وَلَمْ يَبْطُلْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا بِالْعَامِّ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ بَلْ صَارَ النَّصُّ الْعَامُّ مُسْتَعَارًا لِمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَقَعَ حُجَّةً فِيهِ.
وَهَذَا أَيْ التَّخْصِيصُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ أَنْ يُبْقِيَ الْعِلَّةَ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ فِيهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّخْصِيصَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ تَأْثِيرِهِ بِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ وَيَظْهَرُ فَسَادُهُ وَخَطَؤُهُ بِانْتِقَاضِهِ فَإِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ أَمْكَنَ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ فِي عِلَّتِهِ أَنْ يَقُولَ خَصَّصْت عِلَّتِي بِدَلِيلٍ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ فَسَلِمَ اجْتِهَادُهُ عَنْ الْخَطَأِ وَالْمُنَاقَضَةِ فَيَكُونُ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدُّنْيَا مُنَاقِضٌ. وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَعِصْمَةِ الِاجْتِهَادِ قَوْلٌ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ. لَكِنَّ الْمُجَوَّزِينَ يَقُولُونَ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّخْصِيصِ تَصْوِيبُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا قُبِلَ مِنْهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ خُصَّ لِمَانِعٍ أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ بَيَانَ مَانِعٍ صَالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ لَا يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يُبَيِّنَ عِلَّةً مُؤَثِّرَةً فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ثُمَّ يُبَيِّنَ عِنْدَ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهَا مَانِعًا صَالِحًا. وَلَئِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِهَذَا الشَّرْطِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ لَكَانَ مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ مُؤَدِّيًا إلَى التَّصْوِيبِ أَيْضًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ ثَبَتَ تَخْصِيصُهَا عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ فَهِيَ عِنْدَكُمْ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مُنْتَقَضَةٍ أَيْضًا لَكِنَّكُمْ تَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْم إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ وَصْفٍ وَنَحْنُ نَنْسُبُ إلَى الْمَانِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُمْكِنُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْضٌ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَدِمْت عِلَّتِي فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ وَيَتَخَلَّصُ عَنْ النَّقْضِ بِذَلِكَ كَمَا يَتَخَلَّصُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَبْقَى عِلَّتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَيَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْقَوْلِ بِالْأَصْلَحِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَّجِرِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ذَهَبُوا إلَى التَّصْوِيبِ مَعَ إنْكَارِهِمْ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي فَوَائِدِهِ وَالْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ قَالَ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ يَحْتَاجُ إلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا وُجِدَتْ، وَلَا حُكْمَ تَكُونُ مَنْقُوضَةً فَيَكُونُ الْمُعَلِّلُ مُخْطِئًا ضَرُورَةً، وَهُوَ خِلَافُ مَا اعْتَقَدُوا فَدَعَاهُمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمُجْتَهِدِ مَنْقُوضَةً ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلَحُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ الْخَطَأُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ جَازَ انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُؤَدِّي إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فَعِنْدَهُمْ كَمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعِلَلِ أَيْضًا فَصَارَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ نَظِيرَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعِنْدَنَا لَمَّا جَازَ فَسَادُ الْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ لُزُومِ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ فِي أَصْلَيْنِ وَاقْتَضَتْ التَّحْلِيلَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَصِلْ مَنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْلِيلَ فِي الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ مِمَّنْ عَلَّقَ عَلَيْهَا التَّحْرِيمَ
(4/38)

وَفَرْقٌ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ عَدَمَ الْحُكْمِ إلَى مَانِعٍ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ فَصَارَ كَدَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْعُمُومِ وَنَحْنُ نَنْسُبُ الْعَدَمَ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ يَنْعَدِمُ وَصْفُ الْعِلَّةِ أَوْ زِيَادَتُهَا، وَالْعَدَمُ بِالْعَدَمِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ الْآخَرِ فَيَتَكَافَأُ الدَّلِيلَانِ وَيَسْتَوِي الْقَوْلَانِ. مِثَالُهُ مِنْ عَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ السَّبُعِ بِأَنَّهُ سَبُعٌ فَلَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ فَإِذَا نُقِضَتْ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ بِالضَّبُعِ أَجَابَ بِأَنَّهُ خَصَّهَا فَيَصِيرُ هَذِهِ الْوَصْفُ، وَهُوَ السَّبُعِيَّةُ عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّفِقٌ عَلَى كَلِمَةٍ. وَلَيْسَ لِمَنْ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ هَذَا بِدَعْوَاهُ التَّرْجِيحَ فِي أَحَدِ وَجْهِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَرْجِيحُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَخْصِيصِهِ بِأَحَدِ حُكْمَيْهِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ يَجُرُّ إلَى مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَشِيئَةً، وَهِيَ عِلَّةُ حُدُوثِ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ الْمَشِيئَةُ تُوجَدُ، وَلَا حَادِثَ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَاءَ مِنْ الْكُفَّارِ الْإِيمَانَ، وَلَمْ يَحْدُثْ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فَكَانَتْ عِلَّةُ الْحُدُوثِ مَوْجُودَةً، وَلَكِنْ امْتَنَعَ حُكْمُهَا لِمَانِعٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ كَمَا أَنَّ الْقَائِلَ بِتَخْصِيصِ الْكِتَابِ لَا يَكُونُ قَائِلًا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ بِذَاتِهَا فَلَأَنْ لَا يَقُولُوا بِتَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِلَّةُ كُلِّ حَادِثٍ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَهُمْ. وَلَئِنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ دُونَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ. فَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ تَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَذْهَبِهِمْ فِي الِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْفِعْلِ عِلَّةُ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُمْ الْقُوَّةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ مَنَعَ الْمُسْتَطِيعَ مِنْ الْفِعْلِ حَتَّى إنَّ عِنْدَهُمْ لِلْمُقَيَّدِ قُوَّةَ الْفِرَارِ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ لِمَانِعِ الْقَيْدِ فَإِذَا جَازَ وُجُودُ عِلَّةِ الْفِعْلِ، وَلَا فِعْلَ لِمَانِعٍ جَازَ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَلَا حُكْمَ لَهَا كَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَاتِ لِمَانِعٍ. وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَجْوِيزَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ مَدْلُولَاتُهَا عَنْهَا فَأَمَّا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ فَمُوجِبَةٌ بِذَوَاتِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ مَعْلُولَاتِهَا عَنْهَا كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ، وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَنَا لَا أَنْسُبُ مَنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إلَى الِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَتَّصِلُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا صَارَ الْقَوْلُ بِهِ فِي دِيَارِنَا مِنْ شِعَارِ الْمُعْتَزِلَةِ وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الرَّوَافِضِ، وَكَمَا وَجَبَ التَّحَرُّزُ عَنْ التَّزَيِّي بِزِيِّ الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِهِمْ.
1 -
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْحُكْمَ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْعِلَلِ أَبَدًا يَعْنِي لَا يَقَعُ التَّخْصِيصُ فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِوَجْهٍ لَكِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَمْتَنِعُ بَعْدَ وُجُودِ رُكْنِ الْعِلَّةِ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ التَّخْصِيصِ مَانِعًا مُخَصِّصًا وَبِزِيَادَةِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ أَوْ نُقْصَانِهِ مِنْهَا تَتَبَدَّلُ الْعِلَّةُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ بِالزِّيَادَةِ يَصِيرُ مَا هُوَ كُلُّ الْعِلَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ بَعْضَ
(4/39)

وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنْ تُرِكَ بِالنَّصِّ قَدْ عُدِمَ حُكْمُ الْعِلَّةِ لِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَبَطَلَ حُكْمُهَا لِعَدَمِهَا لَا مَعَ قِيَامِهَا بِدَلِيلِ الْخُصُوصِ بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ صَاحِبَهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَارَضَهُ إجْمَاعٌ أَوْ ضَرُورَةٌ لَمْ يَبْقَ الْوَصْفُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ فِي الضَّرُورَةِ إجْمَاعًا أَيْضًا وَالْإِجْمَاعُ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا إذَا عَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ أَوْجَبَ عَدَمَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَصَارَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ يَفْسُدُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رُكْنُهُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ ثَمَّةَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةِ بَعْدَهَا وَبِالنُّقْصَانِ يَفُوتُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهِ فَيَحْصُلُ التَّغَيُّرُ ضَرُورَةً، وَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعِلَّةُ صَارَتْ مَعْدُومَةً حُكْمًا فَيُنْسَبُ عَدَمُ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا إلَى مَانِعٍ أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ مَعَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ إذَا تَرَكَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ فِيمَا أَعْلَمُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ مَعْنًى. وَنَظِيرُ زِيَادَةِ الْوَصْفِ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ شَرْعًا، وَمَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَبْقَى مُطْلَقًا بَلْ يَصِيرُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَيَكُونُ مَا هُوَ الْعِلَّةُ مَعْدُومًا كَذَا قِيلَ. وَنَظِيرُ النُّقْصَانِ الزِّنَا حَالَةَ الْإِحْصَانِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلرَّجْمِ فَإِذَا فَاتَ الْإِحْصَانُ لَمْ يَبْقَ الزِّنَا بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً لِلرَّجْمِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ) ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ جَائِزٌ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالِاسْتِحْسَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ الْعِلَّةِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ وَالِاسْتِحْسَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ قَدْ امْتَنَعَ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ.
فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذَا أَيْ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ إضَافَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ هُوَ طَرِيقُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا طَرِيقُ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ إذَا عَارَضَ الْقِيَاسَ لَمْ يَبْقَ الْقِيَاسُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاسْتِحْسَانِ سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ ضَرُورَةً أَوْ قِيَاسًا أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَدَمَ الْقِيَاسِ الْمُعَارِضِ لَهُ فِي نَفْسِهِ إذًا مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ لِمَا مَرَّ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْمَانِعِ أَوْجَبَ الْخُصُوصَ. بِخِلَافِ النَّصَّيْنِ أَيْ النَّصِّ الْعَامِّ وَالنَّصِّ الْخَاصِّ إذَا تَعَارَضَا حَيْثُ يَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُفْسِدُ الْآخَرَ لِمَا بَيَّنَّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ ضَرُورَةً.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْفَرْقِ: إنَّ النَّصَّيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا فَالْعَامُّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْخَاصِّ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ تَوَهُّمُ الْفَسَادِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخَاصَّ كَانَ مُخَصِّصًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْ حُكْمِ الْعَامِّ مَعَ بَقَاءِ الْعَامِّ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَكَّنَ فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ كَالْمُسْتَعَارِ فِيمَا هُوَ حَقِيقَةُ حُكْمِ الْعَامِّ فَأَمَّا الْعِلَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَفِيهَا احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْفَسَادِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْإِعْدَامَ حُكْمًا فَإِذَا جَاءَ مَا يُغَيِّرُهَا جَعَلْنَاهَا مَعْدُومَةً حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ انْعِدَامُ الْحُكْمِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ أَيْ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ نَقُولُ فِي سَائِرِ الْعِلَلِ إذَا تَخَلَّفَ أَحْكَامُهَا عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَعْنِي الْعَدَمَ مُضَافٌ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لَا إلَى الْمَانِعِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ قَوْلُنَا فِي الصَّائِمِ إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ بِطَرِيقِ الْإِكْرَاهِ إنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ قَدْ فَاتَ لِوُصُولِ الْمُغَذِّي إلَى جَوْفِهِ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُؤَثِّرٍ. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ النَّاسِي فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَفْسُدُ مَعَ فَوَاتِ الرُّكْنِ حَقِيقَةً. فَمَنْ أَجَازَ الْخُصُوصَ أَيْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ قَالَ امْتَنَعَ حُكْمُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْأَثَرُ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ. وَنَحْنُ نَقُولُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي النَّاسِي لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ
(4/40)

وَقُلْنَا نَحْنُ: الْعَدَمُ لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسِي مَنْسُوبٌ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَسَقَطَ عَنْهُ مَعْنَى الْجِنَايَةِ، وَصَارَ الْفِعْلُ عَفْوًا فَفِي الصَّوْمِ لِبَقَاءِ رُكْنِهِ لَا لِمَانِعٍ مَعَ فَوَاتِ رُكْنِهِ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ لَمَّا صَارَ سَبَبَ مِلْكٍ بَدَلَ الْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ مِلْكِ الْمُبْدَلِ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّمَا امْتَنَعَ حُكْمُ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِيهِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ فَكَانَ هَذَا تَخْصِيصًا، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ عَدَمٌ لِعَدَمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْغَصْبِ سَبَبًا لِمِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ لَكِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّقْلِ فَاَلَّذِي جُعِلَ عِنْدَهُمْ دَلِيلَ الْخُصُوصِ جَعَلْنَاهُ دَلِيلَ الْعَدَمِ، وَهَذَا أَصْلُ هَذَا الْفَصْلِ احْفَظْهُ، وَأَحْكِمْهُ فَفِيهِ فِقْهٌ كَثِيرٌ، وَمُخَلِّصٌ كَبِيرٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُصُوصُ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَشْفُ قَائِمَةٍ بِصِيغَتِهَا، وَالْخُصُوصُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَاتِ دُونَ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّهَا عُدِمَتْ بِسَبَبِ زِيَادَةٍ الْتَحَقَتْ بِهَا، وَهِيَ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي نُسِبَ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: «إنَّمَا أَطْعَمَك اللَّهُ وَسَقَاك» فَصَارَ فِعْلُهُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ سَاقِطَ الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِعْلُهُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا كَانَ رُكْنُ الصَّوْمِ بَاقِيًا فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْفِطْرُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْفِطْرِ لَا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ الْفِطْرِ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ.
قَالُوا فِيهِ إنْكَارُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَانْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ. أَمَّا الْحِسُّ فَلِأَنَّ الْأَكْلَ قَدْ وُجِدَ حِسًّا وَالْفِعْلُ الْحِسِّيُّ لَا يَقْبَلُ الِارْتِفَاعَ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْمُطَابَقَةُ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالْكَفِّ مُتَحَقِّقَةٌ عَقْلًا، وَقَدْ حَكَمَ صَرِيحُ الْعَقْلِ بِوُقُوعِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِلَا رَيْبٍ فَانْتَفَى الْآخَرُ ضَرُورَةً. وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُفْطِرُ فَأَكَلَ نَاسِيًا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. وَأَمَّا انْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ فَلِوُجُودِ الْأَكْلِ حَقِيقَةً فَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِهِ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَجْعَلُ الْأَكْلَ غَيْرَ أَكْلٍ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلْفِطْرِ بِنِسْبَتِهِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ التَّسْبِيبُ، وَمَسْأَلَةُ الْفِطْرِ مَمْنُوعَةٌ. وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ لَمَّا صَارَ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، وَهُوَ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ مِلْكِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ تَحْقِيقًا لِلتَّسَاوِي وَاحْتِرَازًا عَنْ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ يَعْنِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُدَبَّرُ فَإِنَّ غَصْبَهُ يُوجِبُ تَقَرُّرَ الْمِلْكِ فِي قِيمَتِهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِدُونِ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْغَاصِبِ فِيهِ فَلَوْ قِيلَ إنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْمُدَبَّرِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ عَدَمٌ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لِانْتِقَاصِ وَصْفٍ مِنْهَا، وَهُوَ كَوْنُ الْغَصْبِ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْيَدِ لَا سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَقَرُّرُ الْمِلْكِ فِي ضَمَانٍ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ وَضَمَانُ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ كَوْنِ الضَّمَانِ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَيْنُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّمْلِيكِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ بَلْ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ لِلْمَالِكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَعَ جَرَيَانِ الْعِتْقِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ مَمْلُوكٌ لِلْمَالِكِ، وَمَالِيَّتُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ، وَلَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ كَمَا فِي الْقِنِّ وَالْغَاصِبِ قَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ فَكَانَ الضَّمَانُ بِمُقَابَلَتِهَا لِتَعَذُّرِ إيجَابِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ عُدِمَتْ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا الْغَصْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ وَالْغَصْبُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ سَبَبَ مِلْكِ بَدَلِ الْعَيْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِلْمَانِعِ. فَاَلَّذِي جَعَلَ عِنْدَهُمْ دَلِيلَ الْخُصُوصِ أَيْ جُعِلَ مَانِعًا لِلْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ. جَعَلْنَاهُ أَيْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ دَلِيلَ عَدَمِ الْعِلَّةِ، وَهَذَا أَيْ جَعْلُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ دَلِيلَ الْعَدَمِ. أَصْلُ هَذَا الْفَصْلِ، وَهُوَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ فَاحْفَظْ هَذَا الْأَصْلَ، وَأَحْكِمْهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فِقْهًا كَثِيرًا، وَمُخَلِّصًا كَبِيرًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُعَلِّلَ يَحْتَاجُ فِي رِعَايَةِ هَذَا الْأَصْلِ إلَى ضَبْطِ جَمِيعِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ فِي كُلِّ صُورَةٍ لِيُمْكِنَهُ رَدُّ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ التَّخْصِيصِ يَبْطُلُ بِهَذَا الْأَصْلِ فَكَانَتْ رِعَايَتُهُ وَاجِبَةً. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْخُصُوصُ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ) أَيْ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ فِي الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِصِيَغِهَا أَيْ بِصُوَرِهَا لَا بِمَعَانِيهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطَّرْدِ جَعَلُوا نَفْسَ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَأْثِيرٍ فَكَانَ مُوجِبًا بِصِيغَتِهِ كَالنَّصِّ فَإِذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ يَلْزَمُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى
(4/41)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الزِّنَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ إنَّهُ حَرْثٌ لِلْوَلَدِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَلَمَّا خُلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَائِهِمَا أَوْ اجْتَمَعَا عَلَى الْوَطْءِ جَاءَتْ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ صَارَتْ بَنَاتُهَا وَأُمَّهَاتُهَا كَبَنَاتِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَآبَاؤُهُ كَآبَائِهَا، وَأَبْنَائِهَا فَلَزِمَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ الْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ فَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ، وَقُلْنَا نَحْنُ بَلْ الْعِلَلُ صَارَتْ عِلَلًا شَرْعًا لَا بِذَوَاتِهَا، وَهِيَ لَمْ تُجْعَلْ عِلَّةً عِنْدَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ، وَفِي هَذَا مُعَارَضَةٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّصِّ يَزْدَادُ بِامْتِدَادِ الْحُرْمَةِ إلَى الْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ فَلَا يَبْقَى عِلَّةٌ عِنْدَ مُعَارَضَةِ النَّصِّ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَمَنْ أَحْكَمَ الْمَعْرِفَةَ، وَأَحْسَنَ الطَّوِيَّةَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَخْرِيجُ الْجُمَلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّخْصِيصِ كَمَا فِي النَّصِّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ بِخِلَافِ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَظَائِفِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى فَيُحْمَلُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا يَكُونُ تَنَاقُصًا.، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَعَانِي الْخَالِصَةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَجْرِي فِي الْمَعَانِي تَبَعًا لِلْأَلْفَاظِ إذْ الْمَعَانِي لَازِمَةٌ لِلْأَلْفَاظِ فَإِذَا خُصِّصَتْ الْأَلْفَاظُ فَقَدْ خُصِّصَتْ مَعَانِيهَا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ قَصْدًا فَلِهَذَا قَالَ دُونَ الْمَعَانِي الْخَالِصَةِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَ أَهْلِ الطَّرْدِ جَائِزٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّ أَهْلَ الطَّرْدِ زَعَمُوا أَنَّ الْعِلَلَ قِيَاسِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ الْخُصُوصَ وَسَمَّوْا الْخُصُوصَ نَقْضًا لِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْوَصْفِ فَلَمْ يَجُزْ وُجُودُهُ بِلَا مَانِعٍ، وَلَا حُكْمٍ لَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَشَدُّ إنْكَارًا لِلتَّخْصِيصِ مِنْ أَهْلِ التَّأْثِيرِ ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت فِيمَا ذَكَرَ الْفَرِيقَانِ عَرَفْت أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إلَى الْعِبَارَةِ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَفِي مَوْضِعِ التَّخَلُّفِ الْحُكْمُ مَعْدُومٌ بِلَا شُبْهَةٍ إلَّا أَنَّ الْعَدَمَ مُضَافٌ إلَى مَانِعٍ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ، وَمِمَّا يُضَافُ فِيهِ عَدَمُ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ قَوْلُنَا فِي الزِّنَا كَذَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ فَأُقِيمَ أَيْ الزِّنَا مَقَامَ الْوَلَدِ. فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَيْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ عَدَمُ تَحْرِيمِ أَخَوَاتِ الْمُزَنِيَّةِ بِهَا وَعَمَّاتِهَا وَخَالَاتِهَا حَيْثُ لَمْ يَصِرْنَ كَأَخَوَاتِهِ وَعَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ حَتَّى حَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ. أَنَّهُ أَيْ عَدَمَ تَحْرِيمِهِنَّ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ، وَهِيَ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ لِمَانِعٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فَإِنَّهُ يُوجِبُ إبَاحَةَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ. أَوْ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» الْحَدِيثَ فَإِنَّهُمَا يُوجِبَانِ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ نِكَاحًا أَوْ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا حُرْمَةَ الذَّوَاتِ فَخُصَّتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ.
، وَقُلْنَا فِي هَذَا أَيْ فِي تَحْرِيمِهِنَّ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ مُعَارَضَةُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء: 23] {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] تُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْآبَاءِ وَالْبَنِينَ خَاصَّةً فَلَوْ أَثْبَتْنَا حُرْمَةَ الْأَخَوَاتِ وَغَيْرِهِنَّ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الزِّنَا لَازْدَادَ حُكْمُ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ النِّكَاحُ فَيَكُونُ هَذَا تَغْيِيرًا لِلنَّصِّ، وَإِثْبَاتًا لِحُرْمَةٍ أُخْرَى بِالْعِلَّةِ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ إذْ الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ الْمُمْتَدَّةُ إلَى الْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ غَيْرُ الْحُرْمَةِ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى الْبَنَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصْلُحُ مُعَارِضَةً لِلنَّصِّ بِوَجْهٍ بَلْ تَعْدَمُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ.
وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ عَدَمِ الْعِلَّةِ لِفَوَاتِ وَصْفٍ مِنْهَا، وَهُوَ عَدَمُ تَحَقُّقِ شَرْطِهَا إذْ مِنْ شَرْطِهَا عَدَمُ النَّصِّ عَلَى مَا مَرَّ. وَمَنْ أَحْكَمَ الْمَعْرِفَةَ، وَأَحْسَنَ الطَّوِيَّةَ أَيْ الْعَقِيدَةَ يَعْنِي تَرَكَ التَّعَنُّتَ وَتَأَمَّلَ عَنْ إنْصَافٍ سَهُلَ عَلَيْهِ تَخْرِيجُ الْجُمَلِ الَّتِي لَمْ نَذْكُرْهَا وَيَتَرَاءَى أَنَّهَا تَخْصِيصٌ. عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ إضَافَةُ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا أَنَّ عِلَلَ
(4/42)

(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعِلَلُ قِسْمَانِ طَرْدِيَّةٌ، وَمُؤَثِّرَةٌ وَعَلَى كُلِّ قِسْمٍ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّفْعِ أَمَّا الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فَإِنَّ دَفْعَهَا بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ وَبِطَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْمُنَاقَضَةُ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ الْعِلَّةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ أَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَلِمَا قُلْنَا: إنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْعِلَلِ مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ الثَّابِتُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُنَاقَضَةَ لَكِنَّهُ إذَا تَصَوَّرَ مُنَاقَضَةً وَجَبَ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ يُوجِبُ الْخُصُوصَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إلَى آخِرِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَارَةَ الْمُعْتَبَرَةَ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا الْأَمَارَةُ الْمُقَوِّيَةُ لِلظَّنِّ وَبِالنَّقْضِ يَزُولُ قُوَّةُ الظَّنِّ. أَوْ نَقُولُ هِيَ أَمَارَاتٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَنْتَقِضَ كَمَا أَنَّهَا أَمَارَاتٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعَارِضَهَا نَصٌّ. وَبِهِ خَرَّجَ الْجَوَابَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ بِالْغَيْمِ الرَّطْبِ فِي الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ أَمَارَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ الْمَطَرُ عَنْهُ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ قُوَّةِ الظَّنِّ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ نِهَايَةَ الْقُوَّةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا مُطَّرِدًا وَبِالتَّخَلُّفِ يَزُولُ ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي الْغَيْمِ الرَّطْبِ.
وَكَذَا اعْتِبَارُهُمْ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ بِالْمَنْصُوصَةِ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ تَخْصِيصُ الْمَنْصُوصَةِ أَيْضًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ تَنَاقَضَ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَاقُضُ عَلَى الْمُسْتَنْبَطَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُتَخَلِّفًا عَنْهَا حُكْمُهَا عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْضَ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ تَخْصِيصِهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَلِيلَ صِحَّةِ الْمَنْصُوصَةِ هُوَ النَّصُّ فَحَسْبُ، وَقَدْ وُجِدَ فَصَحَّتْ وَحُمِلَ تَخَلُّفُ حُكْمِهَا عَنْهَا عَلَى التَّخْصِيصِ كَمَا فِي الْعَامِّ فَأَمَّا دَلِيلُ صِحَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ فَالتَّأْثِيرُ بِشَرْطِ الِاطِّرَادِ وَيَبْطُلُ ذَلِكَ بِالتَّخْصِيصِ لِفُتُورِ قُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ. وَقَوْلُهُمْ امْتِنَاعُ مُوجِبِ الدَّلِيلِ لِمَانِعٍ مِمَّا لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا قَدْ أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى فَسَادِهِ. وَاعْتِبَارُهُمْ بِالْعِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَحَلِّهَا وَالطَّلْقُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْإِحْرَاقِ كَالْمَاءِ فَامْتِنَاعُ الْحُكْمِ فِيهِ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ. وَكَذَا النَّارُ لَمْ تَبْقَ عِلَّةً فِي حَقِّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُعْجِزَةً لَهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] ، وَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِمَانِعٍ أَوْجَبَ تَخْصِيصَهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُقْنِعٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ]
[أَقْسَام الْعِلَل]
[الْعِلَل الْمُؤْثَرَة وَطُرُق دُفَعهَا]
[دَفْعِ الْعِلَل الْمُؤْثَرَة بِطَرِيقِ فاسد وَطَرِيق صَحِيح]
(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ) :
وَلَمَّا بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - شُرُوطَ الْقِيَاسِ وَرُكْنَهُ وَحُكْمَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الدَّفْعُ. فَقَالَ الْعِلَلُ قِسْمَانِ طَرْدِيَّةٌ، وَمُؤَثِّرَةٌ. وَالِاحْتِجَاجُ بِالطَّرْدِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَمَّ بَيْنَ الْجَدَلِيِّينَ، وَمَالَ إلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ النَّظَرِ ذَكَرَ الْعِلَلَ الطَّرْدِيَّةَ فِي التَّقْسِيمِ لِيُبَيِّنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَيْهَا. وَعَلَى كُلِّ قِسْمٍ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّفْعِ أَيْ أَنْوَاعٌ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا فَاسِدٌ كَمَا ذَكَرَ. الْمُنَاقَضَةُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ لِغَيْرِ مَانِعٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ إذْ التَّخْصِيصُ مُنَاقَضَةٌ عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَ مَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ هِيَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَمَّا ادَّعَاهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لَا لِمَانِعٍ. وَفَسَادُ الْوَضْعِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْجَامِعِ فِي الْقِيَاسِ بِحَيْثُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ فَسَادُ الْوَضْعِ أَنْ لَا يَكُونَ الْقِيَاسُ عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ كَتَلَقِّي التَّضْيِيقِ مِنْ التَّوَسُّعِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ التَّغْلِيظِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ النَّفْيِ وَبِالْعَكْسِ. وَصُورَةُ الْفَرْقِ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ كَذَا، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُنَاقَضَةُ) أَيْ الْفَسَادُ الدَّفْعُ
(4/43)

مِثْلُ قَوْلِنَا مَسْحٌ فِي وُضُوءٍ فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ لَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ بَلْ إزَالَةٌ لِلنَّجَاسَةِ أَلَا تَرَى الْحَدَثَ إذَا لَمْ يُعْقِبْ أَثَرًا لَمْ يُسَنَّ مَسْحُهُ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِالْمُنَاقَضَةِ فَلِأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ إذْ التَّأْثِيرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّنَاقُضَ فَكَذَا التَّأْثِيرُ الثَّابِتُ بِهَا؛ لِأَنَّ فِي مُنَاقَضَتِهِ مُنَاقَضَةَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ هَذِهِ شَهَادَةٌ تَمَكَّنَتْ فِيهَا تُهْمَةٌ فَلَا تُقْبَلُ كَشَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ شَهَادَةَ صَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَدْيُونِهِ أَوْ شَهَادَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مَعَ وُجُودِ التُّهْمَةِ فِي الْفَرْعِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ التُّهْمَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الْقَبُولِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِنَقِيضِهِ سَفَهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْمُجِيبِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِيمَا ذَكَرَ السَّائِلُ، وَيَجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأَنَّ التُّهْمَةَ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي شَهَادَةَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ لَا بِالنَّقْضِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ. فَإِنْ قِيلَ الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ تَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ تَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ التَّعَارُضِ كَمَا لَا تَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ التَّنَاقُضِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا بِالْمُنَاقَضَةِ كَمَا يَصِحُّ بِالْمُعَارَضَةِ (قُلْنَا) النُّصُوصُ قَدْ تَحْتَمِلُ لُزُومَ التَّعَارُضِ صُورَةً بِحَيْثُ يَجِبُ التَّهَاتُرُ وَيَرْجِعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ لِجَهْلِنَا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَكَذَا الْعِلَلُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْهَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَارَضَ لِجَهْلِنَا بِمَا هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ حَقِيقَةً فَأَمَّا النُّصُوصُ فَلَا تَحْتَمِلُ التَّنَاقُضَ فَكَذَا الْعِلَلُ الثَّابِتَةُ بِهَا.
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى مِنْهُ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُبْطِلُ نَفْسَ الدَّلِيلِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَةُ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُمَا فَأَمَّا التَّعَارُضُ فَلَا يُبْطِلُ الدَّلِيلَ بَلْ يُقَرِّرُهُ وَيُؤَدِّي إلَى نِسْبَةِ الْجَهْلِ إلَيْنَا لَا إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَذَا قِيلَ. لَكِنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ إذَا تَصَوَّرَ مُنَاقَضَتَهُ أَيْ مُنَاقَضَةَ الصَّحِيحِ مِنْ الْعِلَلِ أَيْ إذَا وَقَعَ صُورَةُ نَقْضٍ فِي الْعِلَّةِ الصَّحِيحَةِ وَجَبَ تَخْرِيجُهُ أَيْ تَخْرِيجُ النَّقْضِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ وَصْفٍ أَوْ زِيَادَتِهِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْأَلَةِ تَكْرَارِ الْمَسْحِ إنَّهُ مَسْحٌ مَشْرُوعٌ فِي الطَّهَارَةِ فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ نَقْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ بَلْ الْمَشْرُوعُ فِيهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَقِّبْ أَثَرًا بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَا يُسَنُّ مَسْحُهُ بَلْ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ بِدْعَةٌ عَلَى مَا قِيلَ. وَبِدَلِيلِ أَنَّ غَسْلَ الْمَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ الْمَشْرُوعُ مَسْحًا لَكَانَ الْغَسْلُ بِدْعَةً كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ فَسَادِ دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْمُنَاقَضَةِ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالشَّيْخَيْنِ، وَمُتَابِعِيهِمْ. وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ النَّقْضَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يَبْطُلُ بِهِ الْعِلَّةُ خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ إذَا لَمْ يَجُزْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ مَتَى نَصَبَ عِلَّةً قَدْ الْتَزَمَ طَرْدَهَا، وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَتَى وُجِدَتْ فَالْحُكْمُ يَتْبَعُهَا فَإِذَا لَمْ يَفِ بِقَوْلِهِ وَوُجِدَ عَلَيْهِ مُنَاقَضَةٌ بَطَلَتْ عِلَّتُهُ لِعَدَمِ وَفَائِهِ لِدَعْوَاهُ وَتَصْحِيحِهِ مَا يَدَّعِيهِ ثُمَّ عَلَى الْمُعَلِّلِ الدَّفْعُ بِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلَهُ عِلَّةً فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَزِمَ النَّقْضُ وَبَطَلَتْ الْعِلَّةُ وَظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُؤَثِّرَةً. قُلْت فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ مَا ذَكَرَ أَنَّ سُؤَالَ الْمُنَاقَضَةِ فَاسِدٌ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَسَادَهُ بَعْدَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمِثَالِ فَأَمَّا قَبْلَ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ ظُهُورَ التَّأْثِيرِ فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مُمَانِعَةٌ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ فِي التَّحْقِيقِ. وَنُقِلَ عَنْ
(4/44)

وَكَذَلِكَ فَسَادُ الْوَضْعِ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَثَرِ إذْ لَا يُوصَفُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ بِالْفَسَادِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلَّةِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِاحْتِمَالِ عِلَّةٍ أُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَكْسَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ لَكِنَّهُ دَلِيلٌ مُرَجِّحٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ أَلْزَمَ عَلَيْهِ نَقْضٌ فَعَلَيْهِ تَعْلِيلُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نُقِضَتْ بِهَا.
وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَدَّعِي اطِّرَادَ الْعِلَّةِ فِيهَا. وَلَكِنَّ الْحَقَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْحُكْمِ لَا يَجُوزُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا إلَّا لِمَانِعٍ أَوْ لِزَوَالِ قَيْدٍ، وَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قَدْ تَخَلَّفَ حُكْمُهَا بِدُونِ الْمَانِعِ أَوْ بِدُونِ زَوَالِ وَصْفٍ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ فَسَادُ الْوَضْعِ) أَيْ، وَكَمَا لَا يُتَصَوَّرُ الْمُنَاقَضَةُ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَثَرِ وَظُهُورِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَسَادُ الْوَضْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَبَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّ الْوَصْفَ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ فِي وَضْعِهِ فَاسِدٌ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ لَا يَضَعُ الْفَاسِدَ، وَهُوَ مِثْلُ النَّقْضِ بَلْ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِلَّةِ، وَقِيَامُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مُوجِبَةٌ لِهَذَا الْحُكْمِ فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُهَا فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَجَبَ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِهَا. فَأَمَّا ثُبُوتُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لَمْ يَقَعْ لِإِبْطَالِ عِلَّةٍ أُخْرَى بَلْ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ بِهَا، وَمَعَ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِهَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِعِلَّةٍ لَا يُنَافِي الثُّبُوتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ حَتَّى إذَا رَجَعَ اثْنَانِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَبْقَى الْقَضَاءُ وَاجِبًا بِشَهَادَةِ الْبَاقِينَ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الْعِلَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ ثَابِتًا بِعِلَّةٍ أُخْرَى دَلِيلَ فَسَادِ الْعِلَّةِ.
وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى اشْتِرَاطُ الْعَكْسِ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ فَمَنْ مَنَعَ مِنْ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِانْحِصَارِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِي وَاحِدَةٍ، وَلَزِمَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ الِانْعِكَاسِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ فَإِذَا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ انْتَفَى الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهَا إذْ لَوْ بَقِيَ لَكَانَ ثَابِتًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَمَنْ جَوَّزَ تَعْلِيلَهُ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ دَلِيلٍ آخَرَ.
احْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي التَّعْلِيلِ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ بِهِ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُسْتَقِلَّةً بِالتَّعْلِيلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا وَحْدَهَا دُونَ غَيْرِهَا فَإِذَا تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ يَلْزَمُ مِنْ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَدَمُ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لِاسْتِلْزَامِ عِلِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَدَمَ عِلِّيَّةِ الْغَيْرِ فَضْلًا عَنْ اسْتِقْلَالِهَا. يُبَيِّنُهُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ تَعَلَّقُوا بِالتَّرْجِيحِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْكَيْلَ وَبَعْضُهُمْ الطُّعْمَ وَبَعْضُهُمْ الْقُوتَ تَفَادِيًا عَنْ لُزُومِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَلَوْلَا امْتِنَاعُهُ لَمْ يُرَجِّحُوا الْبَعْضَ بَلْ جَوَّزُوا كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ عِلَّةً مِنْ صِحَّةِ اسْتِقْلَالِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِالْعِلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْلَالَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّرْجِيحِ بَعْدَ التَّعَارُضِ، وَلَا تَعَارُضَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي قُوَّةِ صَاحِبِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَعَلَى هَذَا لَوْلَا صِحَّةُ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ بِالْعِلِّيَّةِ لَمَا رَجَّحُوا. وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ نَصْبُ عَلَامَتَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. وَدَلِيلُ جَوَازِهِ وُقُوعُهُ فَإِنَّ الْحَدَثَ يَقَعُ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَخُرُوجِ الدَّمِ
(4/45)

وَأَمَّا الْفَرْقُ فَإِنَّمَا فَسَدَ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ. أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ مُنْكِرٌ فَسَبِيلُهُ الدَّفْعُ دُونَ الدَّعْوَى فَإِذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى آخَرَ انْتَصَبَ مُدَّعِيًا؛ وَلِأَنَّ دَعْوَاهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْجِرَاحَةِ مَعًا مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهَا فِي إيجَابِ الْحَدَثِ. وَكَذَا الْقَتْلُ حُكْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ حَيَاةِ الْوَاحِدِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِالْقِصَاصِ وَالرِّدَّةِ مَعًا كَمَنْ قَتَلَ وَارْتَدَّ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي إيجَابِ الْقَتْلِ.
وَكَذَا لَوْ جَمَعْتَ لَبَنَ زَوْجَةِ أَخِيكَ، وَلَبَنَ أُخْتِكَ، وَأَوْجَرْتَ مُرْتَضِعَةً دَفْعَةً مِنْهَا تَحْرُمُ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّكَ عَمُّهَا وَخَالُهَا مَعَ أَنَّ الْحُرْمَةَ حُكْمٌ وَاحِدٌ مُعَلَّلٌ بِالْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحَالَ إلَى أَحَدَيْهِمَا دُونَ الْأُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: الْعِلَلُ إذَا كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً كَانَتْ الْأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةً تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْقِصَاصِ مَثَلًا مُغَايِرٌ لِقَتْلِ الرِّدَّةِ، وَلِذَلِكَ يَنْتَفِي قَتْلُ الْقِصَاصِ بِالْعَفْوِ وَيَبْقَى الْآخَرُ، وَهُوَ قَتْلُ الرِّدَّةِ لِعَدَمِ عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَبِالْعَكْسِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ يَنْتَفِي قَتْلُ الرِّدَّةِ وَيَبْقَى قَتْلُ الْقِصَاصِ، وَلَوْلَا تَغَايُرُ الْقَتْلَيْنِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
قُلْنَا: إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى أَحَدِ دَلِيلَيْهِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدًا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِلَّا لَزِمَ مُغَايَرَةُ حَدَثِ الْبَوْلِ حَدَثَ الْغَائِطِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا تَعَدُّدَ فِيهِ بَلْ فِي اسْتِنَادِهِ وَلِهَذَا كَانَ الزَّائِلُ بِالْعَفْوِ هُوَ اسْتِنَادُهُ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَالزَّائِلُ بِالْإِسْلَامِ هُوَ اسْتِنَادُهُ إلَى الرِّدَّةِ لَا نَفْسُ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ، وَلَمْ يَزُلْ عَمَّا عَلَيْهِ. وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ لُزُومَ التَّنَاقُضِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ مَا ذَكَرُوا، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتَقَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ بِهَا لَا غَيْرُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَنَاقُضَ فِي التَّعَدُّدِ إذْ قَدْ يَجْتَمِعُ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ عِلَلٌ لَوْ انْفَرَدَتْ اسْتَقَلَّتْ بِإِثْبَاتِهِ كَمَا اجْتَمَعَ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ حُكْمٌ وَاحِدٌ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَا تَعَلُّقُهُمْ تَرْجِيحَ الْأَئِمَّةِ عِلَّةَ الرِّبَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ بَلْ إنَّمَا تَعَرَّضُوا لِإِبْطَالِ كَوْنِ الْغَيْرِ عِلَّةً، وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلتَّرْجِيحِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لَهُ لِامْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ بَلْ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِي الرِّبَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ هَاهُنَا بِكَوْنِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ جَعْلُ عِلَلِ الرِّبَا الْمُخْتَلَفِ فِيهَا آخِرَ الْعِلَّةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَإِذَا حَقَّقْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْ عَدَمِ فَسَادِ الْعِلَّةِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أُولَئِكَ الْبَعْضِ وُجُودَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْعِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا فَيَصِحُّ الدَّفْعُ بِهَذَا الْوَجْهِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْفَرْقُ فَإِنَّمَا فَسَدَ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى مِنْهُ كَذَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَرْعِ وَلِهَذَا فَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ بَيَانُ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّعْلِيلِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْفَرْعِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْقَ اعْتِرَاضٌ صَحِيحٌ وَسَمَّوْهُ فِقْهًا.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ، وَفُقَهَاءِ غَزْنَةَ مُسْتَدِلِّينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَإِذَا عُورِضَتْ امْتَنَعَتْ صِحَّتُهَا. قَالُوا وَحَقِيقَتُهُ رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَا يَسْتَقِرُّ كَلَامُهُ مَا لَمْ يُبْطِلْ بِمَسْلَكِ السِّيَرِ كُلَّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِهِ فَإِذَا عَلَّلَ، وَلَمْ يُسَيِّرْ فَعُورِضَ مَعْنَى الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ طُولِبَ بِالْوَفَاءِ بِالسِّيَرِ وَتَتَبُّعِ كُلِّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ بِالنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِنَاءُ السَّلَفِ بِالْفِرَقِ وَنُقِلَ ذَلِكَ فِي وَقَائِعَ جَرَتْ فِي مَجَامِعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ - مِنْهَا قِصَّةُ إجْهَاضِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(4/46)

لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْدِيَةِ إلَى هَذَا الْفَرْعِ لَا يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ فَلَمْ يَبْقَ لِدَعْوَاهُ اتِّصَالٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَلِأَنَّ الْخِلَافَ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ وَلَمْ يَصْنَعْ بِمَا قَالَ فِي الْفَرْعِ إلَّا إنْ أَرَانَا عَدَمَ الْعِلَّةِ، وَعَدَمُ الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْعَدَمِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فَلَأَنْ لَا يَصْلُحَ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْحُجَّةِ أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمَّا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، وَلَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ أَرَى أَنَّ عَلَيْك الْغُرَّةَ.
فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَبَّهَ فِعْلَهُ بِالْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا تُوجِبُ ضَمَانًا وَجَعَلَ الْجَامِعَ أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَتَشَبَّثَ بِالْفَرْقِ، وَأَبَانَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ الْمَضْبُوطَةَ النِّهَايَاتِ لَيْسَتْ كَالتَّعْزِيرَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْوُقُوفُ فِيهَا دُونَ مَا يُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ، وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مُعْظَمَ مَا خَاضَ فِيهِ الصَّحَابَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُفَرِّقُونَ وَيَجْمَعُونَ. ثُمَّ الْغَرَضُ مِنْ الْفَرْقِ لَيْسَ مُقَابَلَةَ عِلَّةِ الْأَصْلِ بِعِلَّةِ الْفَرْعِ بَلْ الْغَرَضُ بَيَانُ مُنَاقَضَةِ الْجَمْعِ، وَإِبْطَالُ فِقْهِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِالطَّرْدِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَنْتَظِمُ بِفَرْعٍ، وَأَصْلٍ، وَمَعْنًى رَابِطٍ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرَائِطَ مَعْلُومَةٍ وَالْفَرْقُ مَعْنًى يَشْمَلُ ذِكْرَ أَصْلٍ، وَفَرْعٍ، وَهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْمَعْنَى فَكَانَ وُقُوعُهُ عَلَى نَقِيضِ غَرَضِ الْجَمْعِ وَيَظْهَرُ لَهُ فِقْهٌ يُشْعِرُ بِمُفَارَقَةِ الْفَرْعِ الْأَصْلَ عَلَى مُنَاقَضَةِ الْجَمْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا اعْتِرَاضًا صَحِيحًا.
وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَى أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ فَاسِدٌ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْعِلَّةُ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةُ لَا فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَى فَإِذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى آخَرَ انْتَصَبَ مُدَّعِيًا، وَلَمْ يَبْقَ سَائِلًا فَيَكُونُ تَجَاوُزًا عَنْ حَدِّهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. بِخِلَافِ مَا إذَا عَارَضَهُ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَائِلًا بَعْدُ حَيْثُ تَمَّ دَلِيلُ الْمُعَلِّلِ بَلْ يَكُونُ مُدَّعِيًا ابْتِدَاءً فَأَمَّا مَا دَامَ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ فَلَمْ يَسَعْ لَهُ الدَّعْوَى.
وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا بِعِلَّتَيْنِ ثُمَّ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى بَعْضِ الْفُرُوعِ بِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَبِأَنْ عَدِمَ فِي الْفَرْعِ الْوَصْفَ الَّذِي يَدُومُ بِهِ السَّائِلُ الْفَرْقَ إنْ سَلِمَ لَهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُعَدِّيَ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدَّعِيهِ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فَلَمْ يَبْقَ لِدَعْوَى السَّائِلِ اتِّصَالٌ بِالْمَسْأَلَةِ إذْ كُلُّ سُؤَالٍ يُمْكِنُ لِلْمُعَلِّلِ الِاعْتِرَافُ بِهِ مَعَ الِاسْتِقْرَارِ عَلَى مُدَّعَاهُ كَانَ فَاسِدًا، وَلَا يَكُونُ قَدْحًا فِي كَلَامِ الْمُعَلِّلِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَبَثًا. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ وَقَعَ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ لَا فِي حُكْمِ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَصْنَعْ السَّائِلُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْفَرْقِ فِي الْفَرْعِ إلَّا أَنْ أَرَانَا عَدَمَ الْعِلَّةِ فِيهِ.
وَعَدَمُ الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْعَدَمِ يَعْنِي إذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ آخَرُ يُوجِبُ وُجُودَ الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ عَلَّلَ، وَقَالَ الْحُكْمُ مَعْدُومٌ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ مَعْدُومَةٌ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي بَيَانِ فَسَادِ التَّعْلِيلِ بِالنَّفْيِ. فَلَأَنْ لَا يَصْلُحَ عَدَمُ الْعِلَّةِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ كَانَ أَوْلَى.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: الْمُفَارَقَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مِنْ أَفْسَدِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَّا أَنْ يُذْكَرَ مَعْنًى فِي الْفَرْعِ يُفِيدُ خِلَافَ الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَأَسْنَدَهُ إلَى أَصْلٍ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُعَارَضَةً، وَلَمْ يَبْقَ فَرْقًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوَّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْمُعَارَضَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي حُكْمَيْنِ عَلَى التَّضَادِّ فَأَمَّا إذَا ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعَارَضَةٍ. وَقَوْلُهُمْ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ مَا لَمْ يُبْطِلْ كُلَّ مَا عَدَا عِلَّتَهُ بَاطِلٌ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُعَلِّلُ سِوَى تَصْحِيحِ عِلَّتِهِ بِبَيَانِ
(4/47)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الصَّحِيحُ فَوَجْهَانِ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَارَضَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّأْثِيرِ فَأَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْفِقْهِ.
وَكَذَا مَا ذَكَرُوا مِنْ اعْتِنَاءِ السَّلَفِ بِالْفَرْقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ الْمُفَارَقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَخُوضُ فِيهِ عَنْهُمْ أَصْلًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْمَعَانِيَ الْمُؤَثِّرَةَ، وَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي قِصَّةِ الْإِجْهَاضِ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعْنًى أَلْطَفُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ جَائِزَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَالتَّرْكِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى حَدٍّ مَضْبُوطٍ فِي الشَّرْعِ، وَمِثْلُهُ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بِوَجْهٍ. وَمَا ذَكَرُوا مِنْ ظُهُورِ فِقْهٍ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُفَاقَهَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُمَانَعَةِ دُونَ الْمُفَارَقَةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ مُفَاقَهَةٌ، وَلَعَمْرِي الْمُفَارَقَةُ مُفَاقَهَةٌ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ مُجَادَلَةٌ لَا فَائِدَةَ فِيهَا فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُفَاقَهَةُ فِي الْمُمَانَعَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُجِيبُ تَأْثِيرَ عِلَّتِهِ فَالْفِقْهُ حِكْمَةٌ بَاطِنَةٌ، وَمَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ شَرْعًا فَهُوَ الْحِكْمَةُ الْبَاطِنَةُ فَالْمُطَالَبَةُ بِهِ تَكُونُ مُفَاقَهَةً فَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ عَنْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِالْفَرْقِ فَيَكُونُ قَبُولًا لِمَا فِيهِ احْتِمَالُ أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَاشْتِغَالًا لَا بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِلَّةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُفَاقَهَةِ فِي شَيْءٍ.
(4/48)

(بَابُ الْمُمَانَعَةِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ، وَهِيَ أَسَاسُ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ مُنْكِرٌ فَسَبِيلُهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الْمَنْعِ وَالْإِنْكَارِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ، وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً أَمَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ أَمْ لَا، وَالْمُمَانَعَةُ فِي شَرْطِ الْعِلَّةِ، وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَ دَلِيلًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النِّكَاحِ إنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنَّفْيِ وَالتَّعْلِيلِ بِهِ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالطَّرْدِ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ إنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَإِنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَسْخٌ عِنْدَ الْخَصْمِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّرْعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ عِنْدَهُ.
وَمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْغَمُوسِ إنَّهَا مَعْقُودَةٌ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرْنَا شُرُوطَ التَّعْلِيلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ الْمُمَانَعَةِ]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقِسْمُ الصَّحِيحُ) أَيْ دَفْعُ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ فَوَجْهَانِ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَارَضَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْبَابِ جَعَلَ الدَّفْعَ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ فَاسِدًا أَوْ الدَّفْعَ بِالْمُمَانَعَةِ صَحِيحًا. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِفَسَادِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَسَادَهُ قَبْلَ ظُهُورِ أَثَرِ الْوَصْفِ وَصِحَّتِهِ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالْمُمَانَعَةِ لَمَّا صَحَّ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ صَحِيحًا أَوْ لَا يَكُونَ مُؤَثِّرًا صَحَّ الِاعْتِرَاضُ بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ أَيْضًا كَمَا فِي الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ فَاسِدٌ بَعْدَ ظُهُورِ صِحَّةِ الْوَصْفِ وَتَأْثِيرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ التَّقْوِيمِ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ دَعْوَى فَسَادِ الْوَضْعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مُؤَثِّرًا لَا يُتَصَوَّرُ.
وَكَذَا دَعْوَى الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّأْثِيرِ بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْمُمَانَعَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَثَرِ فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ لَمَّا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ مَحَلُّ الْمُمَانَعَةِ، وَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ إلَّا الْمُعَارَضَةُ فَثَبَتَ أَنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ فَسَادَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ لَكِنَّهُ تَبَيَّنَ بِالتَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ بِخِلَافِ الْمُمَانَعَةِ فَإِنَّهَا طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْوَصْفِ وَتَأْثِيرِهِ وَبَعْدَ ظُهُورِهِ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ كَانَ بَاطِلًا.
وَلَا يَخْلُو هَذَا الْجَوَابُ عَنْ وَهَاءٍ وَتَمَحُّلٍ كَمَا تَرَى. وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةَ عَلَى الْعِلَلِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا الْمُمَانَعَةُ، وَبَعْدَهَا بَيَانُ فَسَادِ الْوَضْعِ، وَبَعْدَهُ الْمُنَاقَضَةُ، وَبَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْقَلْبُ وَالْعَكْسُ، وَالْخَامِسُ وَهُوَ الْأَخِيرُ الْمُعَارَضَةُ، وَبَيَّنَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِرَاضَاتُ الْفَاسِدَةُ فَلَا نِهَايَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ فَاسِدُ الْخَاطِرِ يَعْتَرِضُ بِمَا بَدَا لَهُ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى حَصْرِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (بَابُ الْمُمَانَعَةِ) .
الْمُمَانَعَةُ أَوْقَعُ سُؤَالٍ عَلَى الْعِلَلِ، وَهِيَ أَسَاسُ النَّظَرِ أَيْ أَصْلُ الْمُنَاظَرَةِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى مِثَالِ الْخُصُومَاتِ فِي الدَّعَاوَى الْوَاقِعَةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادَةِ فَالْمُعَلِّلُ يَدَّعِي لُزُومَ الْحُكْمِ الَّذِي رَامَ إثْبَاتَهُ عَلَى السَّائِلِ، وَالسَّائِلُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَكَانَ سَبِيلُهُ الْإِنْكَارَ كَمَا أَنَّ سَبِيلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْحُقُوقِ الْإِنْكَارُ وَدَفْعُ الدَّعَاوَى عَنْ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِنْكَارِ الْمُمَانَعَةُ فَكَانَتْ الْمُمَانَعَةُ أَسَاسَ الْمُنَاظَرَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى غَيْرِهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ الْمُجِيبُ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهَا إلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَشْتَغِلُ بِالْقَلْبِ ثُمَّ الْعَكْسِ ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ فَإِذَا آلَ الْكَلَامُ إلَى الْمُعَارَضَةِ سَهُلَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُجِيبِ فَثَبَتَ أَنَّ الْأَسَاسَ هُوَ الْمُمَانَعَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ وُجُوهِهَا كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ أَيْ بِمَنْعِ كَوْنِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجِيبُ عِلَّةً بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ يَعْنِي بَعْدَمَا ثَبَتَ صَلَاحِيَةُ الْوَصْفِ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ لِيُثْبِتَهُ الْمُجِيبُ بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فِي بَابِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي صَارَ الْوَصْفُ بِهِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ الْأَثَرُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ صِحَّةُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ فَلِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا وَيَعْتَقِدُهُ حُجَّةً. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَذَا فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا يَعْنِي فِي بَابِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنَّفْيِ وَالتَّعْلِيلَ بِهِ بَاطِلٌ. وَكَذَا مَنْ تَمَسَّكَ بِالطَّرْدِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَتَعَارُضِ الْحَالِ وَتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ مُحْتَجٌّ بِلَا دَلِيلٍ فَلَوْ تُرِكَتْ الْمُمَانَعَةُ يَكُونُ قَبُولًا مِنْ الْخَصْمِ مَا لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَهْلِ فَكَانَتْ الْمُمَانَعَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَلِيلَ الْفَقَاهَةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْوَصْفِ أَيْ صِحَّةُ الْمُمَانَعَةِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ بَعْدَمَا سَلَّمَ أَنَّهُ صَالِحٌ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَيْ مُخْتَلِفٍ فِي وُجُودِهِ لَا فِي كَوْنِهِ عِلَّةً. مِثْلُ قَوْلِنَا يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ أَيْ فِيمَا إذَا أَوْدَعَ مِنْ الصَّبِيِّ شَيْئًا أَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ لِمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَهَذَا الْوَصْفُ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ لَيْسَ بِتَسْلِيطٍ عِنْدَهُ إذْ لَوْ كَانَ تَسْلِيطًا عِنْدَهُ لَمَا بَقِيَ النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ. وَمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْغَمُوسِ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ، هَذَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ عِنْدَهُ الْقَصْدُ وَعِنْدَنَا ارْتِبَاطُ اللَّفْظَيْنِ لِإِيجَابِ حُكْمِ الْبِرِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّهَا مَعْقُودَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ عِنْدِي كَذَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَذَلِكَ أَيْ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْمَذْهَبُ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ أُسْلِمُ فِي مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ فَيُقَالُ لَهُ لِمَ قُلْت إنَّهُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ بَلْ الْقُدْرَةُ مَعْدُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِالْأَجَلِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ هَذَا شِرَاءُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ فَلَا يَجُوزُ فَيُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عِنْدَنَا وَاقِعٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ فَلَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ الَّذِي ادَّعَاهُ عِلَّةً مَوْجُودًا. وَمِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ مَعَ غَيْرِهِ إنَّ الْأَجْنَبِيَّ رَضِيَ بِاَلَّذِي وَقَعَ الْعِتْقُ بِهِ بِعَيْنِهِ
(4/49)

وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ شَرْطًا مِنْهَا هُوَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عُدِمَ فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي السَّلَمِ الْحَالِّ إنَّهُ أَحَدُ عِوَضَيْ الْبَيْعِ فَثَبَتَ حَالًّا، وَمُؤَجَّلًا كَثَمَنِ الْبَيْعِ فَيُقَالُ لَهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ شَرْطِ التَّعْلِيلَ أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمًا، وَالنَّصُّ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ بِحُكْمِهِ، وَأَنَّا لَا نُسَلِّمُ هَذَا الشَّرْطَ هَهُنَا وَالْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَ دَلِيلًا فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ مَجْرَى الْوَصْفِ بِلَا أَثَرٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ الْخَصْمِ عَلَى مَنْ لَا يَرَاهُ دَلِيلًا حَتَّى يُبَيِّنَ أَثَرَهُ وَسَبِيلَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ الْإِنْكَارُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِنْكَارُ مَعْنًى لَا صُورَةً مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْمُودَعِ يَدَّعِي الرَّدَّ، إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَهُوَ مُدَّعٍ صُورَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَيَقُولُ الْخَصْمُ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الرِّضَاءَ كَانَ مَوْجُودًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَ السَّائِلُ شَرْطًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ شُرُوطِ الْقِيَاسِ مَا هُوَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ لِيُفِيدَ مَنْعُهُ بُطْلَانَ التَّعْلِيلِ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَأَمَّا إذَا مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَقُولُ الْمُعَلِّلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدِي وَحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ مَا مَنَعَهُ السَّائِلُ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ أَمْ لَا وَذَلِكَ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ دُونَ إثْبَاتِ شَرْطِ الْقِيَاسِ. وَمَعَ هَذَا لَوْ مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ إلْزَامِ الْمُعَلِّلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ انْتِقَالُ الْكَلَامِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ. وَلَفْظُ مَا فِي قَوْلِهِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ " شَرْطًا " لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ. مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَيْ الشَّافِعِيِّ الْمَذْهَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَيُقَالُ لَهُ: وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ هَذَا الشَّرْطَ أَيْ وُجُودَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّصْبِ يَتَغَيَّرُ بِهَذَا التَّعْلِيلِ فَيَصِيرُ مَا هُوَ رُخْصَةٌ نَقْلَ رُخْصَةِ إسْقَاطٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَكَذَا جَوَازُ السَّلَمِ ثَبَتَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ أَيْضًا لِكَوْنِ الْمَبِيعِ مَعْدُومًا حَقِيقَةً فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْمَعْنَى يَعْنِي إذَا ثَبَتَ صَلَاحُ الْوَصْفِ وَوُجُودُهُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَتَحَقُّقُ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ كَانَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَاجِبٌ بَلْ الْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ وَجَبَ كَالنَّوَافِلِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَكَالْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورِ الْحَالِ فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَنَّهُ وَاجِبُ الْعَمَلِ لِيَتِمَّ الْإِلْزَامُ عَلَى السَّائِلِ وَذَلِكَ بِبَيَانِ الْأَثَرِ كَالْكَافِرِ يُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ مُسْلِمًا يَكُونُ شَهَادَتُهُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُرِيدُ الْإِيجَابَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَذَا هَاهُنَا. وَسَبِيلُهُ أَيْ سَبِيلُ السَّائِلِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِ الْمُمَانَعَةِ الْإِنْكَارُ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلدَّعْوَى، وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ هُوَ فِي صُورَةِ الدَّعْوَى. فَإِذَا تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ فِي صُورَةِ الدَّعْوَى لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ إنْكَارًا بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُودِعُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُودَعِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً.
وَكَذَا الْبِكْرُ إذَا قَالَتْ بَلَغَنِي خَبَرُ النِّكَاحِ فَرَدَدْت، وَقَالَ الزَّوْجُ مَا رَدَّتْ بَلْ سَكَتَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ ثُبُوتَ مِلْكِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَلُزُومَ الْعَقْدِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَتْ تَدَّعِي الرَّدَّ صُورَةً فَالْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْمُمَانَعَةِ إنْكَارٌ صُورَةً، وَمَعْنًى فَكَانَتْ صَحِيحَةً. وَلَوْ قَالَ السَّائِلُ إنَّ الْحُكْمَ مَا تَعَلَّقَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَقَطْ بَلْ بِهِ وَبِقَرِينَةٍ أُخْرَى يَكُونُ إنْكَارًا مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ دَعْوَى صُورَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِوُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةً صَحِيحَةً. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ عَلَّلَ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ مَقْصُودَةٌ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِهَذَا الْوَصْفِ إلَى الْغَمُوسِ فَيَقُولُ: الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِهَذَا الْوَصْفِ مَعَ قَرِينَةٍ، وَهِيَ تَوَهُّمُ الْبِرِّ فِيهَا فَيَكُونُ هَذَا مَنْعًا لِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ وَيَحْتَاجُ الْخَصْمُ إلَى إثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ فَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ كَذَا فَإِنْكَارٌ صُورَةً، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى دَعْوَى فَلَا يَكُونُ مُمَانَعَةً بَلْ هُوَ دَعْوَى فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ كَمَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(4/50)

بَابُ الْمُعَارَضَةِ) .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ بَعْدَ الْمُمَانَعَةِ إلَّا الْمُعَارَضَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَالْقَلْبُ وَهُوَ نَوْعَانِ وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ وَهُوَ نَوْعَانِ لَكِنْ الْعَكْسُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ الْمُعَارَضَةِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلِ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ]
قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الْمُعَارَضَةِ فِيمَا سَبَقَ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ هُنَا تَسْلِيمُ الْمُعْتَرِضِ دَلَالَةَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الْوَصْفِ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَإِنْشَاءُ دَلِيلٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَطْلُوبِهِ وَقِيلَ هِيَ مُمَانَعَةٌ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إذْ السَّائِلُ يَقُولُ لِلْمُجِيبِ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ لَكِنْ عِنْدِي مِنْ الدَّلِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِدَلِيلِهِ بِالْإِبْطَالِ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ مِنْ السَّائِلِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِضُ حِينَئِذٍ مُسْتَدِلًّا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ لَهُ الِاعْتِرَاضُ الْمَحْضُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا فَإِذَا انْتَصَبَ السَّائِلُ لِذَلِكَ كَانَ بَانِيًا مُسْتَدِلًّا لَا هَادِمًا مُعْتَرِضًا. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْعِلَّةِ فَتَكُونُ مَقْبُولَةً كَالْمُمَانَعَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُجِيبُ لَا تَتِمُّ حُجَّةً مَا لَمْ تَسْلَمْ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّ الْمُعَارَضَةَ تُوجِبُ وُقُوفَ الْحُجَّةِ بِدَلِيلِ الْبَيِّنَاتِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْقَوْلَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً عِنْدَ السَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَكَانَتْ الْمُعَارَضَةُ اعْتِرَاضًا عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَتَكُونُ مَقْبُولَةً.
وَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْقِيَاسِ قُوَّةُ الظَّنِّ، وَإِذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ يَفُوتُ بِهِ قُوَّةُ الظَّنِّ وَيَخْرُجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فَكَانَتْ الْمُعَارَضَةُ بَيَانَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فَتَكُونُ اعْتِرَاضًا صَحِيحًا. فَإِنْ قِيلَ إنَّ السَّائِلَ، وَإِنْ قَصَدَ الِاعْتِرَاضَ وَلَكِنَّهُ أَتَى بِدَلِيلٍ مُبْتَدَأٍ صُورَةً فَيَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قُلْنَا صُورَةُ الْأَدِلَّةِ مَا امْتَنَعَتْ عَنْ السَّائِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَدِلَّةٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ إذَا كَانَ السَّائِلُ مُعْرِضًا عَنْ الِاعْتِرَاضِ آتِيًا بِكَلَامٍ مُبْتَدَأٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُعْتَرِضٌ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَتُسْمَعُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسْمَعُ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إفَادَةً فَلَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ اعْتِرَاضٌ يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ وَبِقَدَحٍ فِي كَلَامِ الْخَصْمِ كَانَ أَوْلَى. ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّائِلِ بَعْدَ الْمُمَانَعَةِ إلَّا الْمُعَارَضَةُ.
وَذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بَعْدَ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمُمَانَعَةِ أَنَّ التَّأْثِيرَ إذَا ثَبَتَ لِلْوَصْفِ تَجَاوَزَ السَّائِلُ عَنْ الْمُمَانَعَةِ إلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَ ثُمَّ إلَى الْقَلْبِ ثُمَّ إلَى الْعَكْسِ الْكَاسِرِ ثُمَّ إلَى الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَا أَمْكَنَ بِتَسْلِيمِ مَا عَلَّلَهُ الْخَصْمُ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَانَعَةِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْمُعَارَضَةِ الَّتِي هِيَ أَسْوَأُ أَحْوَالِ السَّائِلِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ مُعَارَضَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِإِبْطَالِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَيْ مَحْضَةٌ لَا تَتَضَمَّنُ إبْطَالًا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ إذْ الْمُعَارَضَةُ تَسْتَلْزِمُ تَسْلِيمَ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَصِحَّةَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمُنَاقَضَةُ تَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ دَلِيلِهِ، وَفَسَادَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَقَدْ اخْتَارَ الشَّيْخُ أَيْضًا أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ.
قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ مُمَانَعَةٌ فِي الْحُكْمِ صُورَةً، وَمُمَانَعَةٌ لِلدَّلِيلِ مَعْنًى بِدَعْوَى عَدَمِ سَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَنَافٍ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(4/51)

أَمَّا الْقَلْبُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ فِي اللُّغَةِ يَقُومُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ مَنْكُوسًا أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْإِبْطَالُ ثُمَّ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةُ تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْمُعَارَضَةِ فَلَا تَمْنَعُ الْقَبُولَ إذْ الِاعْتِبَارُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُتَضَمِّنِ دُونَ الْمُتَضَمَّنِ؛ وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ بَعْدَ بَيَانِ التَّأْثِيرِ لِمَا قَبْلَ الْإِبْطَالِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا، وَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ مُشَبَّهٌ بِالْأَثَرِ، وَلَيْسَ بِأَثَرٍ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمُنَاقَضَةُ إنَّمَا تَمْتَنِعُ عَلَى مَا هُوَ مُؤَثِّرٌ حَقِيقَةً كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حُمَيْدٍ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ أَيْ يُقَابِلُ الْقَلْبَ الْعَكْسُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يُذْكَرُ لِإِبْطَالِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَالْعَكْسُ يُذْكَرُ لِتَصْحِيحِهِ وَلِهَذَا يَذْكُرُهُ الْمُعَلِّلُ دُونَ السَّائِلِ فَكَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ نَوْعَيْهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ مُرَجِّحَاتِ الْعِلَّةِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي التَّحْقِيقِ لَكِنْ الْقَلْبُ لَمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ ذُكِرَ الْعَكْسُ بِمُقَابَلَتِهِ أَيْضًا لَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ.
قَوْلُهُ (أَمَّا الْقَلْبُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ فِي اللُّغَةِ) مَعْنَى الْقَلْبِ فِي اللُّغَةِ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَالْمَعْنَيَانِ الْمَذْكُورَانِ يَرْجِعَانِ إلَيْهِ وَبِالْمَعْنَيَيْنِ اُسْتُعْمِلَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، وَيَرْجِعُ الْمَعْنَيَانِ فِيهِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أَيْضًا، وَهُوَ تَغْيِيرُ التَّعْلِيلِ إلَى هَيْئَةٍ تُخَالِفُ الْهَيْئَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لُغَةً فَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ مَنْكُوسًا أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ بِنَصْبِ اللَّامِ، وَأَسْفَلُهُ بِرَفْعِهَا أَعْلَاهُ كَقَلْبِ الْإِنَاءِ وَمِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى التَّعْلِيلِ جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ يَعْنِي فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ حَيْثُ يَفْتَقِرُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَلَا يَفْتَقِرُ وُجُودُهَا إلَى الْحُكْمِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهِ ذِهْنًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ وَزَمَانًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ.
وَالْحُكْمُ تَابِعٌ يَعْنِي فِي الْوُجُودِ حَيْثُ يَفْتَقِرُ وُجُودُهُ إلَيْهَا فَإِذَا قَلَبْته يَعْنِي التَّعْلِيلَ فَقَدْ جَعَلْته مَنْكُوسًا بِجَعْلِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنْ الْفَرْعِ تَابِعًا لَهُ وَجَعْلِ الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْأَصْلِ أَعْلَى مِنْهُ فَكَانَ هَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ مُعَارَضَةً أَيْ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ إبْطَالٌ لِتَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُعَارَضَةِ، وَهِيَ ذِكْرُ دَلِيلٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُوجَدْ إذْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِتَعْلِيلِ الْقَالِبَ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِتَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ بِنَفْيٍ، وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ تَعْلِيلُهُ عَلَى فَسَادِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ فَكَانَ هَذَا إبْطَالًا لَا مُعَارِضَةً لَكِنْ الشَّيْخُ اعْتَبَرَ صُورَةَ الْمُعَارَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَالَبَ عَارَضَ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِتَعْلِيلٍ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ حُكْمِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ فَقَالَ مَا جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لِمَا صَارَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِ الْقَالَبِ وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْ احْتَمَلَ مَا جَعَلَهُ عِلَّةً صَيْرُورَتَهُ حُكْمًا فَسَدَ الْأَصْلُ أَيْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقِيسًا عَلَيْهِ لِلْمُسْتَدِلِّ فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ فَبَقِيَ قِيَاسُهُ بِلَا مَقِيسٍ عَلَيْهِ فَبَطَلَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ فِيمَا إذَا عَلَّلَ الْمُسْتَدِلُّ بِالْحُكْمِ بِأَنْ جَعَلَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ فِيهِ ثُمَّ عَدَّاهُ إلَى الْفَرْعِ.
فَأَمَّا إذَا عُلِّلَ بِالْوَصْفِ الْمَحْضِ أَيْ بِالْمَعْنَى فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَصِيرُ حُكْمًا بِوَجْهٍ، وَلَا يَصِيرُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عِلَّةً لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْحُكْمِ فَإِذَا
(4/52)

وَمِثَالُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَنْ يُجْعَلَ الْمَعْلُولُ عِلَّةً وَالْعِلَّةُ مَعْلُولًا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ وَالْحُكْمُ تَابِعٌ فَإِذَا قَلَبْته فَقَدْ جَعَلْته مَنْكُوسًا، وَكَانَ هَذَا مُعَارَضَةً فِيهَا مُنَاقَضَةٌ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً لِمَا صَارَ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ فَسَادَ الْأَصْلِ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِيمَا يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِالْحُكْمِ فَأَمَّا بِالْوَصْفِ الْمَحْضِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ، وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَكَانَتْ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقُلْنَا الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا جُلِدَ بِكْرُهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّ ثَيِّبَهُمْ يُرْجَمُ، وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَّلْنَا فِي الْجِصِّ مَثَلًا بِأَنَّهُ مَكِيلٌ جِنْسٌ فَيَجْرِي فِيهِ الرِّبَا كَالْحِنْطَةِ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ مَكِيلَ جِنْسٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَكِيلَ جِنْسٍ سَابِقٌ عَلَيْهِ مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ قَوْلُهُمْ أَيْ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ الْحُرُّ الثَّيِّبُ يُرْجَمُ عِنْدَهُمْ، الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مِنْهُمْ وَبِقَوْلِهِ مِائَةً أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْبِكْرَ مِنْ الْعَبِيدِ لَمَّا لَمْ يُجْلَدْ مِائَةً لَمْ يُرْجَمْ الثَّيِّبُ مِنْهُمْ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ الْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ إلَى آخِرِهِ، وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ فَرْضًا عَنْ السُّورَةِ فَإِنَّهَا تَكَرَّرَتْ، وَلَكِنْ غَيْرَ فَرْضٍ فَجَعَلُوا جَلْدَ الْمِائَةِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وَالتَّكَرُّرُ فِي الْأُولَيَيْنِ عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ فِي الْبَاقِي فَقُلْنَا الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ لِأَنَّ ثَيِّبَهُمْ يُرْجَمُ لَا أَنَّهُ يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ فَجَعَلْنَا مَا نَصَبَهُ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ جَلْدُ الْمِائَةِ حُكْمًا، وَمَا جَعَلَهُ حُكْمًا فِيهِ، وَهُوَ رَجْمُ الثَّيِّبِ عِلَّةً فَانْتُقِضَ تَعْلِيلُهُمْ بِهَذَا الْقَلْبِ وَبَطَلَ لِبَقَائِهِ بِلَا أَصْلٍ إذْ لَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُهُمْ: الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ أَصْلًا.
وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَكَانَ هَذَا مُعَارَضَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِهِ فَإِنَّ الْقَالِبَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الرَّجْمُ لَمْ يَبْقَ الْجَلْدُ عِلَّةً لِلرَّجْمِ فَعَدِمَ فِي حَقِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ الْكَافِرُ الذِّمِّيُّ عِلَّةُ الرَّجْمِ فَيَكُونُ الرَّجْمُ مُنْتَفِيًا لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ فَيَكُونُ مُعَارَضَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَعَمْرِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَانَعَةِ مِنْهُ إلَى الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْعُ نَفْسِ الدَّلِيلِ وَصَلَاحِيَتُهُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالْعَدَمِ، وَهُوَ فَاسِدٌ فَكَيْفَ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلتَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ تَجْوِيزَ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَنْعِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهَا بِالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ، مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ بَعْدَمَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهَا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ الْقَلْبَ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُنَاقَضَةَ، وَفَسَادَ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّأْثِيرُ لِوُجُوبِ الْجَلْدِ فِي إيجَابِ الرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِجَعْلِ الرَّجْمِ عِلَّةً لِلْجَلْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي قَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ لَمَّا ظَهَرَ التَّأْثِيرُ لِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْبَيْعِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يُمْكِنُ قَلْبُهُ بِأَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَا لَا يُمْكِنُ لِلْقَالِبِ بَيَانُ التَّأْثِيرِ لِتَعْلِيلِهِ بَعْدَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَبِدُونِ بَيَانِ التَّأْثِيرِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَلْبُهُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمُؤَثِّرِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرِدَ الْقَلْبُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ كَفَسَادِ الْوَضْعِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الطَّرْدِيَّةِ.
يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ بَعْدَ بَيَانِ نَوْعَيْ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ الْأَوَّلُ إنَّمَا يَجِيءُ فِي كُلِّ طَرْدٍ جَعَلَ الْحُكْمَ عِلَّةً، وَالْقَلْبُ الثَّانِي يَجِيءُ عَلَى كُلِّ طَرْدٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ التَّأْثِيرُ، وَمَا ذُكِرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمُخَلِّصُ مِنْ الْقَلْبِ بِذَكَرِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عُلِّلَ دُونَ الْحُكْمِ الَّذِي قَالَهُ خَصْمُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالْقَلْبِ بَعْدَ التَّأْثِيرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَنَّهُ كَالْمُنَاقَضَةِ، وَفَسَادِ الْوَضْعِ
(4/53)

وَالْمُخَلِّصُ عَنْ هَذَا أَنْ يُخَرَّجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمُخَلِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا نَظِيرَانِ مِثْلُ التَّوْأَمِ وَذَلِكَ قَوْلُنَا مَا يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ كَالْحَجِّ فَقَالُوا الْحَجُّ إنَّمَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فَقَالُوا إنَّمَا يُوَلَّى عَلَى الْبِكْرِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا فَقُلْنَا: النَّذْرُ لَمَّا وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَسْبِيبًا لَزِمَتْهُ مُرَاعَاتُهُ بِابْتِدَاءِ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ النَّذْرِ وَبِالشُّرُوعِ حَصَلَ فِعْلُ الْقُرْبَةِ فَلَأَنْ يَجِبَ مُرَاعَاتُهُ بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ أَوْلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
قَوْلُهُ: (الْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ يَدْفَعُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ بَعْدَ وُرُودِهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ لَا يَرِدَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُخْرِجَ الْكَلَامَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ وَذَلِكَ الشَّيْءُ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَوْجُودٌ فَيَجُوزُ رُؤْيَتُهُ، وَأَنْ يُقَالَ يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ فَيَكُونُ مَوْجُودًا، وَكَذَا يَكُونُ الدُّخَانُ دَلِيلًا عَلَى النَّارِ وَالنَّارُ دَلِيلًا عَلَى الدُّخَانِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِحُكْمٍ عَلَى حُكْمٍ طَرِيقُ السَّلَفِ فِي الْحَوَادِثِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْمُخَلِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ نَظِيرَانِ أَيْ مِثْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فَيَدُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّوْأَمَيْنِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِأَحَدِهِمَا بِثُبُوتِهَا فِي الْآخَرِ وَيَثْبُتُ الرِّقُّ فِي أَيِّهِمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ فِي الْآخَرِ، وَكَذَا النَّسَبُ يَثْبُتُ فِيهِمَا بِثُبُوتِهِ لِأَحَدِهِمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُثْبَتٍ بَلْ هُوَ مُظْهِرٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلًا عَلَى الْآخَرِ فِي عَيْنِ مَا كَانَ هُوَ مَدْلُولُهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي التَّوْأَمَيْنِ فَأَمَّا الْعِلَّةُ فَمُثْبِتَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا بِشَيْءٍ، وَمُثْبِتًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً عَلَى الْحُكْمِ رُتْبَةً، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْبِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالتَّوْأَمُ اسْمٌ لِلْوَلَدِ إذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ يُقَالُ هُمَا تَوْأَمَانِ، وَقَوْلُهُمْ هُمَا تَوْأَمٌ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَذَلِكَ أَيْ الْمَخْلَصُ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ مَخْرَجَ الِاسْتِدْلَالِ يَتَحَقَّقُ فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحُكْمَيْنِ لَا فِيمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا اسْتَدَلُّوا فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّافِلَةِ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ فَقَالُوا مَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ الشُّرُوعُ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَمَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَقَالُوا فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ لِلْوَلِيِّ إنَّهُ - الضَّمِيرُ لِلشَّانِّ - يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فَقَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى بَيَانِ الْمُخَلِّصِ بِقَوْلِهِ فَقُلْنَا النَّذْرُ لَمَّا وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَسَبُّبًا يَعْنِي النَّذْرَ سَبَبُ قُرْبَةٍ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ ثُمَّ لَزِمَتْهُ مُرَاعَاةُ النَّذْرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقُرْبَةِ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِابْتِدَاءِ مُبَاشَرَةِ فِعْلِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْقُرْبَةِ صِيَانَةً لِلسَّبَبِ عَنْ الْبُطْلَانِ مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُبَاشَرَةِ مُنْفَصِلٌ عَنْ النَّذْرِ وَبِالشُّرُوعِ حَصَلَ فِعْلُ الْقُرْبَةِ حَقِيقَةً فَلَأَنْ يَجِبَ مُرَاعَاةُ هَذَا الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ قُرْبَةً بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ أَيْ بِإِلْزَامِ الْإِتْمَامِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْبُطْلَانِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَحَقِيقَةُ الْقُرْبَةِ أَوْلَى بِالصِّيَانَةِ مِنْ سَبَبِهَا، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُمْ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّا نَسْتَدِلُّ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْصِيلُ عِبَادَةٍ زَائِدَةٍ هِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الْمُضِيُّ فِيهَا لَازِمًا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَدَاءِ حَرَامٌ، وَإِبْطَالُهَا بَعْدَ الصِّحَّةِ جِنَايَةٌ فَبَعْدَ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا يُجْعَلُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ تَارَةً وَذَلِكَ عَلَى هَذَا تَارَةً قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ الشُّرُوعُ مَعَ النَّذْرِ فِي الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ تَوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا
(4/54)

وَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ شُرِعَتْ لِلْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ عَلَى مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِيهِ سَوَاءٌ فَأَمَّا الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَلَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِي شُرُوطِهِمَا أَيْضًا حَتَّى افْتَرَقَا فِي شَرْطِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَيْسَا بِسَوَاءٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ تَسْقُطُ بِالِاقْتِدَاءِ عِنْدَنَا وَتَسْقُطُ لِخَوْفِ فَوْتِ الرَّكْعَةِ عِنْدَهُ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْأَفْعَالِ لَمْ يَصْلُحْ الذِّكْرُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ، وَكَذَلِكَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ شَطْرَيْ الْقِرَاءَةِ سَقَطَ عَنْهُ، وَهُوَ السُّورَةُ وَيَسْقُطُ أَحَدُ وَصْفَيْهِ، وَهُوَ الْجَهْرُ فَلَمْ يَجْهَرْ بِحَالٍ فَفَسَدَ الِاسْتِدْلَال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا صَارَ سَبَبًا؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ عَهِدَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِقَوْلِهِ: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] فَكَذَا الشَّارِعُ فِي عِبَادَةٍ عَازِمٌ عَلَى إبْقَائِهِ فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِإِبْقَاءِ مَا أَدَّى بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَلَا يُتَصَوَّرُ إبْقَاءُ مَا أَدَّى إلَّا بِانْضِمَامِ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ إلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمُّ صِيَانَةً لِمَا أَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ ثُمَّ إبْطَالُ مَا أَدَّى فَوْقَ تَرْكِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ تَحْقِيقًا لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَلَأَنْ يَلْزَمَ إتْمَامُ مَا أَدَّى وَإِبْقَاؤُهُ عِبَادَةً بَعْدَ الْأَدَاءِ تَحْقِيقًا لِلْوَفَاءِ كَانَ أَحْرَى وَأَوْلَى.
وَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ أَيْ، وَكَمَا أَنَّ النَّذْرَ وَالشُّرُوعَ مُتَسَاوِيَانِ فِي مَعْنَى الْإِيجَابِ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ وَالْوِلَايَةُ عَلَى النَّفْسِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الثُّبُوتِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ شُرِعَتْ أَيْ ثَبَتَتْ وَوَجَبَتْ لِلْعَجْزِ أَيْ لِعَجْزِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ عَلَى مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوِلَايَةِ لِحُرٍّ عَلَى حُرٍّ مِثْلِهِ وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لِلشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْأَصْلُ رَأْيُهُ لَكِنْ إذَا عُدِمَ رَأْيُهُ بِالصِّغَرِ أَوْ الْجُنُونِ أُقِيمَ رَأْيُ الْغَيْرِ مَقَامَ رَأْيِهِ وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْغَيْرِ نَظَرًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ النَّظَرِ فَالْوِلَايَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْوَلِيِّ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَاهِرًا، وَلَكِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْوَلِيِّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَعْنًى نَظَرًا لَهُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ لِنَفْسِهِ وَالْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ رَدِّهَا، وَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ يَأْثَمُ.
وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الْوِلَايَةُ، وَهُوَ الْعَجْزُ وَالْحَاجَةُ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوِلَايَتَيْنِ حَالَ وُجُودِ الرَّأْيِ عَلَى السَّوَاءِ فَكَذَا تَسْتَوِيَانِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَلَا يُقَالُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْمَالِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مُبْتَذَلٌ وَالْمَالُ مُبْتَذَلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لِصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بَلْ الْمَشْرُوطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ وَالْمَالَ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّصَرُّفِ النَّافِعِ الَّتِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا سَوَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْحَاجَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْحَالِ لِلتَّثْمِيرِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ لَكِنْ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ النَّفْسِ مُتَأَخِّرَةٌ إلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ الْوِلَايَةُ عَلَى النَّفْسِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. قُلْنَا: الْحَاجَةُ فِي النَّفْسِ قَدْ تَتَحَقَّقُ فِي الْحَالِ عَلَى تَقْدِيرِ فَوَاتِ الْكُفُؤِ، وَفِي الْمَالِ قَدْ لَا يَقَعُ الْحَاجَةُ بِأَنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَانَا سَوَاءً لِاجْتِمَاعِ جِهَةِ الْحَاجَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنْ لَا مُخَلِّصَ لِلْخَصْمِ عَنْ الْقَلْبِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَقَالَ فَأَمَّا الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَلَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ وَالْآخَرُ تَأْدِيبٌ مَحَلُّهُ ظَاهِرُ الْبَدَنِ. وَفِي شُرُوطِهَا فَإِنَّ الثِّيَابَةَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَهِيَ الثِّيَابَةُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الرَّجْمِ دُونَ وُجُوبِ الْجَلْدِ، وَإِذَا انْتَفَى التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُودِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَغْلَظِ وَبِالِابْتِدَاءِ عَلَى النِّهَايَةِ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَيْسُوا بِسَوَاءٍ، وَلَوْ قِيلَ لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ، أَوْ لَيْسَ بِسَوَاءٍ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْأَفْعَالِ لَمْ يَصْلُحْ الذِّكْرُ أَصْلًا يَعْنِي لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَذْكَارِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ
(4/55)

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْهُ فَهُوَ قَلْبُ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ شَاهِدًا عَلَيْك فَقَلَبْته فَجَعَلْته شَاهِدًا لَك، وَكَانَ ظَهْرُهُ إلَيْك فَصَارَ وَجْهُهُ إلَيْك فَنَقَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَصَارَتْ مُعَارَضَةً فِيهَا مُنَاقَضَةٌ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ بِقِيَاسٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ إلَّا بِتَرْجِيحٍ وَلَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِوَصْفٍ زَائِدٍ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَفْسِيرُهُ فَكَانَ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعَيُّنِ النِّيَّةِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ فَقُلْنَا لَمَّا كَانَ صَوْمًا فَرْضًا اسْتَغْنَى عَنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ بَعْدَ تَعَيُّنِهِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ، وَهَذَا تَعَيَّنَ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ بِثَلَاثَةٍ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمَّا كَانَ رُكْنًا فِي الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ لَا يُسَنَّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يَتَأَدَّى بِالْقَلِيلِ فَيَكُونُ اسْتِيعَابُهُ تَكْمِيلًا لِلْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ فِي الْوَجْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْإِيمَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا دُونَ الْأَذْكَارِ كَالْأَخْرَسِ وَالْأُمِّيِّ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، يَسْقُطُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّفْعِ الثَّانِي أَوْ مِنْ الْمُصَلِّي فِي الشَّفْعِ الثَّانِي أَحَدُ وَصْفَيْهِ أَيْ أَحَدُ وَصْفَيْ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ فَلَمْ يَجْهَرْ بِحَالٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا فَفَسَدَ الِاسْتِدْلَال أَيْ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَمِيعِ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.

[النَّوْعُ الثَّانِي الْمُعَارَضَة الْخَالِصَة]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا) (النَّوْعُ الثَّانِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَلْبِ فَهُوَ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ أَيْ جَعْلُ ظَهْرِهِ بَطْنًا وَبَطْنِهِ ظَهْرًا مِثْلُ قَلْبِ الْجِرَابِ، وَذَلِكَ أَيْ الْقَلْبُ الْمَأْخُوذُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ شَاهِدًا أَيْ حُجَّةً عَلَيْك فَقَلَبْته فَجَعَلْته شَاهِدًا لَك فَنَقَضَ أَيْ أَبْطَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ صَاحِبَهُ لِمَا نُبَيِّنُ فَصَارَتْ أَيْ صَارَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ، وَالتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ مُعَارَضَةً؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ وَمَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ حَدِّ الْمُعَارَضَةِ فِيهِ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ أَيْ إبْطَالٌ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ الَّذِي يَشْهَدُ بِثُبُوتِهِ مِنْ وَجْهٍ وَبِانْتِفَائِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَكُونُ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الَّذِي يَشْهَدُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ بِقِيَاسٍ آخَرَ حَيْثُ لَا تَكُونُ مُنَاقَضَةً؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّعَارُضَ يُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ فَيَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ لِلِاشْتِبَاهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ رُجْحَانٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا أَيْ إبْطَالًا لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْقَلْبِ لَا يَكُونُ أَيْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ.
فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ الزَّائِدِ تَقْرِيرٌ لِلْوَصْفِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْقَلْبُ يَكُونُ بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ وَصْفٌ آخَرُ لَمْ يَبْقَ بِعَيْنِهِ عِلَّةً فَيَكُونُ هَذَا تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ مُعَارَضَةً مَحْضَةً غَيْرَ مُتَضَمَّنَةٍ لِمَعْنَى الْإِبْطَالِ فَقَالَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفْسِيرٌ لِلْوَصْفِ الْأَوَّلِ، وَتَقْرِيرٌ لَهُ لَا تَغْيِيرٌ فَلَا تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ قَالَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ هَذَا صَوْمُ فَرْضٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِعَدَمِ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامَاتِ مَشْرُوعًا مَعَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَلْبِيسًا عَلَيْنَا فَنَحْنُ فَسَّرْنَا الصَّوْمَ الْمَذْكُورَ تَفْسِيرًا تَرَكَهُ الْخَصْمُ وَبَيَّنَّا مَحَلَّ النِّزَاعِ فَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الصَّوْمِ مِنْ الْقَضَاءِ مَا بَعْدَ الشُّرُوعِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ، وَلَمْ يُفَسِّرْ أَنَّهُ إكْمَالٌ بِأَمْثَالِ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَنَحْنُ بَيَّنَّا ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ تَغْيِيرًا بَلْ كَانَ قَلْبًا لِذَلِكَ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ فَبَطَلَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا تَعَارَضَا سَقَطَ كَلَامُ الْمُجِيبِ لَكِنَّهُ أَيْ الْقَضَاءَ تَعَيَّنَ بِالشُّرُوعِ وَهَذَا أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ تَعَيَّنَ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَبِهَذَا الْقَدْرِ لَا تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ فِي كُتُبِهِمْ، وَفَسَّرُوا الْقَلْبَ بِأَنَّهُ تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِيَاسٍ بِالرَّدِّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ، وَأَرَادُوا بِالنَّقِيضِ مَا يُنَافِي الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ وَلَا يُجْمَعُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا
(4/56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
اشْتَرَطَ الرَّدَّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ فَحُكْمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ إنْ وُجِدَ فِي هَذَا الْأَصْلِ كَانَ الرَّدُّ إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ وُجُودِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِيهِ وَيُمْكِنُهُ مَنْعُ وُجُودِهَا فِي أَصْلٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ نَقْضًا عَلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ.
ثُمَّ قَسَّمُوهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا لَهُ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِي غَيْرِ النُّصُوصِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَدَلَّ مَنْ وَرَّثَ الْخَالَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ الْجَرْعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ. وَالثَّانِي ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ الْقَالِبُ فِي الْقَلْبِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ، وَثَانِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ صَرِيحًا.
وَثَالِثُهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِبْطَالِهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ بِأَنْ يُرَتِّبَ عَلَى الدَّلِيلِ حُكْمًا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ: لُبْثٌ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ عِبَادَةٍ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: لُبْثٌ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ الصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ أَشَارَ بِعِلَّتِهِ إلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَالْمُعْتَرِضُ أَشَارَ إلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهِ صَرِيحًا.
وَقَدْ يَتَّفِقُ تَعَرُّضُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ اعْتِرَاضًا طَهَارَةٌ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَتَصِحُّ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ صَرِيحًا. وَمِثَالُ الثَّانِي مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبْعِ كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي دَلِيلِهِ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ صَرِيحًا وَلَيْسَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ مَذْهَبِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَصْحِيحُ الْآخَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَائِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَائِلَيْنِ، وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعًا عَلَى نَفْيِ قَوْلٍ ثَالِثٍ.
وَمِثَالُ الثَّالِثِ: مَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُعَوَّضِ كَالنِّكَاحِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ عَقْدُهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ فَالْمُعْتَرِضُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا بَلْ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ انْتِفَاءُ الصِّحَّةِ.
قُلْت هَذِهِ أَقْيِسَةٌ لَيْسَتْ بِمُنَاسِبَةٍ فَضْلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً بَلْ بَعْضُهَا طَرْدِيَّةٌ وَبَعْضُهَا شَبَهِيَّةٌ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الشَّارِطُونَ لِلتَّأْثِيرِ الْمُعْتَرِضُونَ مِنْ الطَّرْدِ وَالشَّبَهِ كَيْفَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ، وَكَيْفَ يُعَلِّلُونَ بِهَا، وَالِالْتِفَاتُ إلَى مِثْلِهَا لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِمْ وَهَجِيرِهِمْ لَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ وَضَعُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَنَسَبُوهَا إلَى أَصْحَابِنَا، وَأَوْرَدُوهَا
(4/57)

وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَكِنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ أُلْحِقَ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ وَأَصْلُهُ رَدُّ الشَّيْءِ عَلَى سَنَنِهِ الْأَوَّلِ مِثْلُ عَكْسِ الْمِرْآةِ إذَا رَدَّ نُورَ الْبَصَرِ بِنُورِهِ حَتَّى انْعَكَسَ فَأَبْصَرَ نَفْسَهُ كَأَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الْمِرْآةِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا مَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ، وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ، وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَمْثِلَةً فِي كُتُبِهِمْ لِيَتَّضِحَ فَهْمُ أَقْسَامِ الْقَلْبِ الَّتِي ذَكَرُوهَا ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ الْقَلْبَ عَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا نَوْعُ مُعَارَضَةٍ لَكِنَّهَا تُفَارِقُ مُطْلَقَ الْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهَا نَشَأَتْ مِنْ نَفْسِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَبِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِلَّةِ لِوُجُوبِ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فِيهَا، وَبِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ فِيهَا مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَالِبِ، وَفَرْعَهُ هُوَ أَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ.
وَفَرْعُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلِهَذَا كَانَ الْقَلْبُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ مُطْلَقِ الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ أَقْوَى فِي النَّاقِصَةِ مِمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لِلْمُسْتَدِلِّ مِنْ تَرْجِيحِ أَصْلِهِ وَجَامِعِهِ عَلَى أَصْلِ الْقَالِبِ وَجَامِعِهِ لِلِاتِّحَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْقَلْبَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْقَلْبِ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ وَلِلْأَصْلِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لِنَقِيضِهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِأَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ، وَلَا إثْبَاتُهُ بِعِلَّتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَاسْتِحَالَةِ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ لِتَعَذُّرِ مُنَاسَبَتِهَا إيَّاهُمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَقْضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قَادِحًا فِي الدَّلِيلِ إذَا كَانَ مَا تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ مِنْ لَوَازِمِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَمْثِلَةِ. وَعَنْ الثَّانِي إنَّ شَرْطَ الْقَلْبِ اشْتِمَالُ الْأَصْلِ عَلَى حُكْمَيْنِ غَيْرِهِ مُتَنَافِيَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا قَدْ امْتَنَعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي النَّوْعِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ وَنَقِيضِهِ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَصِحُّ حُصُولُهُمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا فِي ذَاتَيْهِمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةُ مُنَاسَبَةً لِحُكْمٍ فِي نَظَرِ الْمُسْتَدِلِّ وَلِنَقِيضِهِ فِي نَظَرِ السَّائِلِ، وَإِذَا انْدَفَعَتْ الِاسْتِحَالَةُ صَحَّ الْقَلْبُ. وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقَلْبَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُعَارَضَةٌ كَانَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَمْنَعَ حُكْمَ الْقَالِبِ فِي الْأَصْلِ، وَأَنْ يَقْدَحَ فِي تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ بِالنَّقْضِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَأَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِهِ إذَا أَمْكَنَهُ بَيَانُ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَلْبِ لَا يُنَافِي حُكْمَهُ وَأَنْ يَقْلِبَ قَلْبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَلْبُ الْقَلْبِ مُنَاقِضًا لِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْقَالِبِ إذَا أَفْسَدَ بِالْقَلْبِ الثَّانِيَ سَلِمَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مِنْ الْقَلْبِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْقَلْبُ وَالنَّقْضُ عَلَى الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْسَادِ لِكَلَامِ الْخَصْمِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ، وَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْقَلْبَ لَا يَخْرُجُ فِي دَلَالَةِ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ) أَيْ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ لِلدَّفْعِ وَالْعَكْسَ لِلتَّصْحِيحِ فَلَا يَكُونَ الْعَكْسُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُذْكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ. لَكِنَّهُ أَيْ الْعَكْسَ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْقَلْبَ لِلْإِبْطَالِ وَالْعَكْسَ لِلتَّصْحِيحِ أُلْحِقَ الْعَكْسُ بِالْقَلْبِ أَيْ بَيَانُ الْعَكْسِ بِبَيَانِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مُقَابِلِ الشَّيْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ لَا يُقَالُ لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَكْسِ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ نَفْيُهُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّ نَفْيَهُ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْفَسَادِ إذْ الْفَاسِدُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ فَسَادِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ
(4/58)

وَالنَّوْعُ الثَّانِي إنْ رُدَّ عَلَى خِلَافِ سَنَنِهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا يَمْضِي فِي فَسَادِهَا فَلَا تُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَيُقَالُ لَهُمْ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ لَا يَصِحُّ مِنْ السَّائِلِ إلَّا بِطَرِيقِ الِابْتِدَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْمُفَسَّرَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ، وَالِاسْتِوَاءُ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى سُقُوطٌ مِنْ وَجْهٍ وَثُبُوتٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى التَّضَادِّ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْعَكْسُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ قَلْبٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ لَمَّا تَشَابَهَ الْعَكْسُ مِنْ وَجْهٍ أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ.
وَأَصْلُهُ أَيْ أَصْلُ الْعَكْسِ لُغَةً رَدُّ الشَّيْءِ عَلَى سُنَنِهِ أَيْ رَجَعَهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى طَرِيقِهِ الْأَوَّلِ مِثْلُ عَكْسِ الْمِرْآةِ إذَا رَدَّتْ الْمِرْآةُ نُورَ بَصَرِ النَّاظِرِ بِنُورِهَا حَتَّى انْعَكَسَ نُورُ الْبَصَرِ فَأَبْصَرَ النَّاظِرُ بِانْعِكَاسِ نُورِ بَصَرِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْسَهُ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الْمِرْآةِ قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا قَوْلُ ثُمَامَةَ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ: إنَّ الِانْعِكَاسَ لَا يَسْتَقِيمُ بَلْ يَرَى مَا يَرَى بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يُحْدِثُ صُوَرَ الْأَشْيَاءِ فِيهَا عِنْدَ مُقَابَلَةٍ مَخْصُوصَةٍ إذَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا جِسْمٌ شَفَّافٌ كَمَا يُحْدِثُ الرُّوحَ فِي الْبَدَنِ عِنْدَ اسْتِعْدَادِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِلْقَبُولِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِانْعِكَاسِ إنَّ صُوَرَ الْأَشْيَاءِ تَحْدُثُ فِيهَا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَاظِرٌ وَنَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَعْمَى إذَا قَابَلَ الْمِرْآةَ بِوَجْهِهِ يُحْدِثُ صُورَتَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَصَرِهِ نُورٌ يَنْعَكِسُ.
وَكَذَا لَوْ نَظَرَ مَنْ انْطَبَعَ صُورَتُهُ فِي الْمِرْآةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ خَارِجَ الْمِرْآةِ لَا تَزُولُ صُورَتُهُ عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الِانْعِكَاسِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْقِيَ الصُّورَةَ فِيهَا بَعْدَمَا صَرَفَ طَرْفَهُ عَنْ الْمِرْآةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالِانْعِكَاسِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْهُ التَّمْثِيلُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ إبْصَارَ الصُّوَرِ فِي الْمِرْآةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَذَكَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ تَقْرِيبًا إلَى الْفَهْمِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ أَنَّ الْعَكْسَ فِي اللُّغَةِ هُوَ رَدُّ أَوَّلِ الشَّيْءِ إلَى آخِرِهِ وَآخِرِهِ إلَى أَوَّلِهِ، وَأَصْلُهُ شَدُّ رَأْسِ الْبَعِيرِ بِخِطَامِهِ إلَى ذِرَاعِهِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ هُوَ انْتِقَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَقِيلَ هُوَ تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِنَقِيضِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَرَدُّهُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ وَذَلِكَ أَيْ الْعَكْسُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ فَلَزِمَ مَا يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ وَيَلْتَزِمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ يَعْنِي عَكْسَهُ أَنَّ مَا لَا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ لَا يُلْتَزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَعَكَسْت الْحُكْمَ بِقَلْبِ الْوَصْفِ الَّذِي جَعَلْته عِلَّةً فِي الطَّرْدِ.
وَهَذَا أَيْ الْعَكْسُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ كَقَوْلِنَا فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، وَعَكْسُهُ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ فَإِنَّهُ لَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا مِمَّا لَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ يَعْنِي هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَكْسِ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْعِلَلِ أَصْلًا بَلْ هُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ عَلَى الَّتِي تَطَّرِدُ، وَلَا تَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ الِانْعِكَاسَ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ تَعَلُّقٍ لِلْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وَيُوجِبُ زِيَادَةَ قُوَّةٍ فِي ظَنِّ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً.
وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ عَلَى خِلَافِ سُنَنِهِ أَيْ يَرِدُ الْحُكْمُ إلَى خِلَافِهِ لَا عَلَى سُنَنِهِ بَلْ سُنَنٍ غَيْرِ سُنَنِهِ كَذَا لَفْظُ التَّقْوِيمِ وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بِعَكْسٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي تَعْرِيفِ الْعَكْسِ بَلْ هُوَ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الْعَكْسِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُشْبِهُ الْعَكْسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَدٌّ لِلْحُكْمِ الَّذِي اطَّرَدَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ سُنَنِهِ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ هَذَا أَيْ الصَّوْمُ النَّفَلُ عِبَادَةٌ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا يَعْنِي إذَا فَسَدَتْ لَا يَجِبُ، وَلَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا وَالْمُضِيُّ فِيهَا، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ وَجَبَ بِالشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُضِيَّ يَجِبُ فِيهِ بَعْدَ الْفَسَادِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ بِالشُّرُوعِ
(4/59)

وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الْخَالِصَةُ فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْفَرْعِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ لَمَّا كَانَ الشَّأْنُ كَمَا قُلْنَا إنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهَا أَوْ لَمَّا كَانَ صَوْمُ النَّفْلِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ أَيْ فِي الصَّوْمِ النَّفَلُ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ كَمَا اسْتَوَى عَمَلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ يَعْنِي اسْتَوَى عَمَلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي التَّنَازُعِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ أَيْضًا فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَهَذَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ ضَعِيفٌ أَيْ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهِ الْقَلْبِ، وَيُسَمَّى هَذَا قَلْبَ التَّسْوِيَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ صَحَّحَ الْقَلْبَ إلَى قَبُولِ هَذَا النَّوْعِ لِوُجُودِ حَدِّ الْقَلْبِ فِيهِ إذْ السَّائِلُ قَدْ جَعَلَ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ بَعْدَمَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمُخَالَفَةِ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ لَوْ ثَبَتَ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الشُّرُوعِ مُلْزِمًا كَالنَّذْرِ، وَهُوَ خِلَافُ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ذُكِرَتْ فِي الْكِتَابِ أَحَدُهَا أَنَّ السَّائِلَ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ لِيَكُونَ إثْبَاتُهَا مُنَاقِضًا لِمُدَّعَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ صِحَّةِ الْقَلْبِ فَلَمْ يَكُنْ دَفْعًا لِدَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ يَقُولُونَ لَيْسَ تَنَاقُضُ الْحُكْمَيْنِ ذَاتًا شَرْطًا لِصِحَّةِ الْقَلْبِ بَلْ انْتِفَاءُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ كَافٍ لِصِحَّتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِوَاءِ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفَاءِ مُدَّعَى الْمُسْتَدِلِّ، وَفِي بَيَانِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ دُفِعَ هَذَا السُّؤَالُ، وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِانْتِفَاءِ الْمُنَاقَضَةِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ مُعَارَضَةً صُورَةً، وَإِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَلِهَذَا كَانَ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً.
وَالثَّانِي أَنَّ السَّائِلَ جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ إذْ الِاسْتِوَاءُ يَحْتَمِلُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْإِلْزَامِ الْمُسَاوَاةَ فِي السُّقُوطِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْبَيَانُ إلَّا بِكَلَامٍ مُبْتَدَأٍ بِأَنْ يُثْبِتَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ فِي الْإِلْزَامِ وَلَيْسَ إلَى السَّائِلِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ مُجْمَلٌ لِمَا قُلْنَا وَالْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُفَسِّرٌ وَالْمُجْمَلُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمُفَسَّرِ لِثُبُوتِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمُجْمَلِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ الْمُفَسَّرِ. وَالرَّابِعُ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ فَإِنَّ مَا لَا مَعْنَى لَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَالسَّائِلُ، وَإِنْ عَلَّقَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ حُكْمَ الِاسْتِوَاءِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ شَيْءٌ آخَرُ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فَإِنَّ اسْتِوَاءَ النَّذْرِ وَالشُّرُوعَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْإِلْزَامِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلنَّذْرِ، وَلَا لِلشُّرُوعِ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْإِجْمَاعِ وَاسْتِوَاؤُهَا فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الصَّوْمُ النَّفَلُ بِاعْتِبَارِ الْإِلْزَامِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُبُوتٌ مِنْ وَجْهٍ سُقُوطٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ عَلَى وَجْهِ التَّضَادِّ أَيْ التَّنَافِي وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إبَانَةٌ مِثْلُ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَدَّى مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ حُكْمٌ لَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحِلِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّعْلِيلُ إذَا كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ الْخَافِضَةُ) أَيْ الْمُعَارَضَةُ الَّتِي خَلَصَتْ عَنْ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَالْإِبْطَالِ فَثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ، خَمْسَةٌ مِنْهَا تَتَحَقَّقُ فِي الْفَرْعِ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ اثْنَانِ مِنْ الْخَمْسَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْفَرْعِ
(4/60)

أَمَّا الَّتِي فِي الْفَرْعِ فَأَصَحُّ وُجُوهِهَا الْمُعَارَضَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَقَعُ بِذَلِكَ مَحْضُ الْمُقَابَلَةِ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ وَيَنْسَدُّ الطَّرِيقُ إلَّا بِتَرْجِيحٍ مِثَالُهُ قَوْلُهُمْ إنَّ الْمَسْحَ رُكْنٌ فِي وُضُوءٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغَسْلِ فَيُقَالُ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ.

وَالثَّانِي مُعَارَضَةٌ بِزِيَادَةٍ هِيَ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ فَمِثْلُ قَوْلِنَا إنَّ الْمَسْحَ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ كَالْغَسْلِ، وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ عَلَى مَا قُلْنَا.

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَا فِيهِ نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ أَوْ إثْبَاتٌ لِمَا نَفَاهُ لَكِنْ بِضَرْبِ تَغْيِيرٍ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الثَّيِّبِ الْيَتِيمَةِ إنَّهَا صَغِيرَةٌ فَتُنْكَحُ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ أَيْ فَقَالُوا هِيَ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةٍ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ لَا لِتَعْيِينِ الْوَلِيِّ إلَّا أَنَّ تَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نَفْيًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأُخُوَّةِ إذَا بَطَلَتْ بَطَلَ سَائِرُهَا بِنَاءً عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ.

وَأَمَّا الرَّابِعُ فَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الْعَكْسِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
صَحِيحَانِ بِلَا شُبْهَةٍ وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِيهَا شُبْهَةُ الصِّحَّةِ، وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْأَصْلِ فَاسِدَةٌ كُلُّهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْفَاسِدَةَ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ لِبَيَانِ جَمِيعِ أَقْسَامِهَا، وَإِحَاطَةِ سَائِرِ أَنْوَاعِهَا أَمَّا الَّتِي فِي الْفَرْعِ أَيْ الْمُعَارَضَاتُ الَّتِي فِي الْفَرْعِ فَأَصَحُّ وُجُوهِهَا. الْمُعَارَضَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْ بِمَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْمُسْتَدِلِّ بِأَنْ يَذْكُرَ عِلَّةً أُخْرَى تُوجِبُ خِلَافَ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَتَغْيِيرٍ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِعَيْنِهِ فَيَقَعُ بِذَلِكَ أَيْ بِإِيرَادِ الضِّدِّ مَحْضُ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإِبْطَالِ عِلَّةِ الْخَصْمِ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِمَا بِمُدَافَعَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا يُقَابِلُهَا وَيَفْسُدُ طَرِيقُ الْعَمَلِ إلَّا بِتَرَجُّحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَإِذَا تَرَجَّحَتْ إحْدَاهُمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحَةِ حِينَئِذٍ.
قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ الْمُعَارِضَةُ تَجِيءُ عَلَى كُلِّ عِلَّةٍ يَذْكُرُهَا الْمُعَلِّلُ. مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ يَتَحَقَّقُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغَسْلِ فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ صَحِيحَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَتَغْيِيرٍ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ كَالْغَسْلِ مُعَارَضَةٌ بِتَغْيِيرٍ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا حَتَّى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ فِيهَا كَمَا فِي الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى وَلَكِنَّهَا دُونَ الْأُولَى فَإِنَّ الْأُولَى تَصِحُّ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَهَذِهِ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا كَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَصْحَابِنَا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ أَقْوَى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الدَّفْعِ، وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ لِتَضَمُّنِهِ إبْطَالَ عِلَّةِ الْخَصْمِ ثُمَّ إيرَادُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا النَّوْعَ هَاهُنَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ الْخَالِصَةِ عَنْ تَضَمُّنِ مَعْنَى الْإِبْطَالِ، وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ خَالِصَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ إيرَادُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُعَارَضَةٌ ذَاتًا، وَمُنَاقَضَةٌ ضِمْنًا فَيَصِحُّ إيرَادُهُ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ، وَيَصِحُّ إيرَادُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْقَلْبِ فَالسَّائِلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ يَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِنْ شَاءَ يَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَلْبِ لَا يَدْفَعَانِ هَذَا الْإِشْكَالَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ قَيَّدَ الْمُعَارَضَةَ بِالْخَالِصَةِ وَبِإِيرَادِ هَذَا النَّوْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَحْدُثُ الْخُلُوصُ فِيهِ.
وَكَذَا بِإِيرَادِ السَّائِلِ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَصِيرُ مُعَارِضَةً خَالِصَةً فَلَا يَسْتَقِيمُ إيرَادُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ بِوَجْهٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَقْسَامَ الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ عَلَى وَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُمَا ذَكَرَا الْقَلْبَ وَالْعَكْسَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، وَذَكَرَا أَقْسَامَ الْمُعَارَضَةِ فِي فَصْلٍ آخَرَ، وَلَمْ يُقَيِّدَا الْمُعَارَضَةَ بِالْخُلُوصِ فَاسْتَقَامَ إيرَادُ هَذَا الْقِسْمِ مِنْهُمَا فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ كَمَا اسْتَقَامَ إيرَادُهُ فِي أَقْسَامِ الْقَلْبِ وَلَكِنَّ الشَّيْخُ لَمَّا تَصَرَّفَ وَجَعَلَ الْكُلَّ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ قَسَّمَ الْمُعَارَضَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ خَالِصَةٍ وَغَيْرِهَا اشْتَبَهَ إيرَادُهُ فِي الْقِسْمَيْنِ لِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَ هَذَا النَّوْعِ مُعَارَضَةً خَالِصَةً وَغَيْرَ خَالِصَةٍ، وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَ التَّقَصِّي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّالِثُ) أَيْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ فِي الْفَرْعِ فَمَا فِيهِ
(4/61)

فَفِيهِ صِحَّةٌ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا الْكَافِرُ يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فَيَمْلِكُ شِرَاءَهُ كَالْمُسْلِمِ فَقَالُوا بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ ابْتِدَاؤُهُ وَقَرَارُهُ كَالْمُسْلِمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَيْ فَالْمُعَارَضَةُ الَّتِي فِيهَا نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ أَوْ إثْبَاتٌ لِمَا نَفَاهُ، وَلَكِنْ بِضَرْبِ تَغَيُّرٍ فِيهِ إخْلَالٌ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنَّ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا أَيْ الْيَتِيمَةَ صَغِيرَةٌ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ فَقَالُوا أَيْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا تَغْيِيرُ الْأَوَّلِ أَيْ تَعْيِينُ الْأَخِ زِيَادَةٌ تُوجِبُ تَغْيِيرًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ وَقَعَ لِإِثْبَاتِ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ عَلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا لِتَعْيِينِ الْوَلِيِّ الزَّوْجِ لَهَا وَالْخَصْمُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ عَلَّلَ لِنَفْيِ الْوِلَايَةِ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ الْأَخُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُكْمُ عَيْنَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ دَفْعًا إلَّا أَنَّ أَيْ لَكِنْ تَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ التَّعْلِيلُ لِنَفْيِ وِلَايَةِ الْأَخِ فِي التَّزْوِيجِ نَفْيُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ إثْبَاتُ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ أَقْرَبُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ، وَالْأَخُ هُوَ الْأَصْلُ بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِسَائِرِ الْأَقَارِبِ تَثْبُتُ بَعْدَ وِلَايَةِ الْأَخِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْأَخِ بَعْدَ وِلَايَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَلَمَّا انْتَفَى بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وِلَايَةُ الْأَخِ الَّذِي هُوَ الْأَقْرَبُ وَالْأَصْلُ؛ فَلَأَنْ تَنْتَفِيَ وِلَايَةُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ الَّتِي هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْأَخِ كَانَ الْأَخُ أَوْلَى، أَوْ يُقَالُ وِلَايَةُ الْأَخِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهَا بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَوِلَايَةُ مَنْ سِوَى الْأَخِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهَا بِالْأَخِ فَيَكُونُ كُلُّ الْوِلَايَاتِ مُنْتَفِيَةٌ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَظْهَرُ مَعْنَى الصِّحَّةِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا.

قَوْلُهُ: (فَفِيهِ صِحَّةٌ مِنْ وَجْهٍ) يَعْنِي إيرَادَهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بَعْدَمَا بَيَّنَّا فِيهِ مَا يُوجِبُ فَسَادَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ صِحَّةً مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ السَّائِلُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ خِلَافُ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا وَقَصْدًا لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِيهِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ مَا ادَّعَاهُ السَّائِلُ مِنْ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ يَظْهَرُ فِيهَا جِهَةُ الصِّحَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ جِهَةُ الصِّحَّةِ قُلْنَا كَذَا فَقَالُوا كَذَا.
الْكَافِرُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ فَعَلَّلَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مَالٌ يَمْلِكُ الْكَافِرُ بَيْعَهُ فَيَمْلِكُ شِرَاءَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ فَعَارَضُوهُ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا مَلَكَ بَيْعَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ ابْتِدَاؤُهُ أَيْ ابْتِدَاءُ الْمِلْكِ.
وَقَوْلُهُ كَالْمُسْلِمِ وَفِي التَّقْوِيمِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الشِّرَاءِ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ ثُمَّ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِقَرَارِ مِلْكِ الْكَافِرِ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحَلًّا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِ ابْتِدَاءً فَفِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ إثْبَاتُ مَا لَمْ يَنْفِهِ الْمُسْتَدِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْقَرَارِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً إلَّا أَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ اسْتِوَاءُ الْبَقَاءِ وَالِابْتِدَاءِ ظَهَرَتْ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً فَيَتَّصِلُ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ الِاتِّصَالُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِإِثْبَاتِ
(4/62)

وَأَمَّا الْخَامِسُ فَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ لَكِنْ فِيهِ نَفْيٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الَّتِي نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا فَنَكَحَتْ وَوَلَدَتْ ثُمَّ جَاءَ الْأَوَّلُ حَيًّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَإِنْ عَارَضَهُ الْخَصْمُ بِأَنَّ الثَّانِيَ صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ فَيُسْتَوْجَبُ بِهِ نَسَبُ الْوَلَدِ كَرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ فَوَلَدَتْ فَهَذِهِ الْمُعَارَضَةُ فِي الظَّاهِرِ فَاسِدَةٌ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّ النَّسَبَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ إثْبَاتُهُ مِنْ زَيْدٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مِنْ عَمْرٍو صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ بِمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ فَاحْتَاجَ الْخَصْمُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَنَّ فِرَاشَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ ثُمَّ عَارَضَهُ الْخَصْمُ بِأَنَّ الثَّانِيَ شَاهِدٌ وَالْمَاءُ مَاؤُهُ فَتَبَيَّنَ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْمِلْكَ أَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْحَضْرَةِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ شُبْهَةٌ فَلَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ فَيَفْسُدُ التَّرْجِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ، وَلَيْسَ إلَى السَّائِلِ الْبِنَاءُ تَرَجَّحَتْ جِهَةُ الْفَسَادِ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَلَا تَصْلُحُ لِدَفْعِ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّقْوِيمِ وَفِي إيرَادِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ مِنْ السُّؤَالِ مَا فِي إيرَادِ النَّوْعِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ جِهَةَ صِحَّةِ الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ أَيْضًا فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً لَا يَكُونُ خَالِصَةً.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْخَامِسُ فَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي يَأْتِي السَّائِلُ بِحُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمًا آخَرَ، وَإِلَّا يُخَالِفُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ صُورَةً لَكِنْ فِيهِ أَيْ فِيمَا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ الْحُكْمِ نَفْيٌ مِنْ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَمَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ بِلَفْظِهِ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إنَّ الثَّانِيَ يَسْتَوْجِبُ نَسَبَ الْوَلَدِ يُعَارِضُ عَدَمَ ثُبُوتِ النَّسَبِ لِلثَّانِي، وَلَا يُعَارِضُ ثُبُوتَ النَّسَبِ لِلْأَوَّلِ صُورَةً إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ إنَّ مَحَلَّ حُكْمَيْ الْمُسْتَدِلِّ وَالسَّائِلِ مُخْتَلِفٌ فِي هَذَا النَّوْعِ.
وَفِيمَا تَقَدَّمَ كَانَ الْمَحَلُّ وَاحِدًا مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ مِثْلَ مُعَارَضَةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا أَيْ أُخْبِرَتْ بِمَوْتِهِ مِنْ نَعَى النَّاعِي الْمَيِّتَ نَعْيًا إذَا أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ، وَهُوَ مَنْعِيٌّ فَاعْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ثُمَّ حَضَرَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ لِقِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بِصِفَةِ الصِّحَّةِ فَكَانَ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ كَمَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَجَاءَتْ بِالْأَوْلَادِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ بِأَنَّ الثَّانِيَ صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ إلَى آخِرِهِ فَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ فِي الظَّاهِرِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ يَعْنِي مِنْ شَرْطِ الْمُعَارَضَةِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي يَتَوَارَدُ عَلَيْهِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُجَّةً لِلْمُدَافَعَةِ وَالْمُدَافَعَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِيمَا قُلْنَا، وَهَاهُنَا الْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَّلَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالسَّائِلُ عَلَّلَ لِإِثْبَاتِهِ مِنْ الثَّانِي، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّلَ لِنَفْيِهِ عَنْ الْأَوَّلِ لِيَتَوَارَدَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فَفَسَدَتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ فَقِيلَ هُوَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَالسَّائِلُ أَثْبَتَ النَّسَبَ لِلثَّانِي فَكَانَ مَحَلُّ الْحُكْمِ مُخْتَلِفًا فَفَسَدَتْ الْمُعَارَضَةُ لِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ إذْ مِنْ شَرْطِهَا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنَّ فِيهَا صِحَّةً مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّسَبَ مَتَى ثَبَتَ مِنْ عَمْرٍو مَثَلًا وَهُوَ الثَّانِي لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ زَيْدٍ، وَهُوَ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ثُبُوتِهِ مِنْ شَخْصَيْنِ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ نَفْيَ النَّسَبِ عَنْ الْأَوَّلِ، وَقَدْ وُجِدَ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ فِي حَقِّ الثَّانِي، وَهُوَ الْفِرَاشُ الْفَاسِدُ فَصَحَّتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ: إنَّ فِيهَا شُبْهَةَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَوْ ثَبَتَ مِنْ الْحَاضِرِ انْتَفَى مِنْ الْغَائِبِ لَكِنْ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُجِيبُ لَا يَنْتَفِي إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ السَّائِلِ الْحُكْمَ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَلَيْسَ إلَيْهِ إثْبَاتُهُ، وَإِنَّمَا إلَيْهِ الْإِبْطَالُ بِالْمُدَافَعَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَتَكُونُ مُعَارَضَةً فَاسِدَةً فَاحْتَاجَ الْخَصْمُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَلَمَّا صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ احْتَاجَ الْخَصْمُ، وَهُوَ الْمُجِيبُ إلَى تَرْجِيحِ مَا ادَّعَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِأَنْ يَقُولَ فِرَاشُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَالْمِلْكُ قَائِمٌ حَقِيقَةً، وَفِرَاشُ الزَّوْجِ الثَّانِي فَاسِدٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَحَقَّ بِالِاعْتِبَارِ.
كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ، وَاحِدُ الْفِرَاشَيْنِ صَحِيحٌ وَالْآخَرُ فَاسِدٌ، ثُمَّ عَارَضَهُ الْخَصْمُ، وَهُوَ السَّائِلُ بِأَنَّ الثَّانِيَ شَاهِدٌ أَيْ حَاضِرٌ
(4/63)

وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ فَثَلَاثَةٌ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَدَّى إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي الْعِلَّةَ الْأُولَى، وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى مَعْنًى مُخْتَلَفٍ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْمَاءُ مَاؤُهُ، وَقَدْ وُجِدَ مَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، وَهُوَ الْفِرَاشُ الْفَاسِدُ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَيْ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ فِرَاشِ الْأَوَّلِ، وَقِيَامَ مِلْكِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ أَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ حَضْرَةِ الثَّانِي، وَكَوْنُهُ صَاحِبُ الْمَاءِ مَعَ فَسَادِ فِرَاشِهِ وَانْتِفَاءِ مِلْكِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ يُوجِبُ الشُّبْهَةَ، وَالصَّحِيحُ يُوجِبُ الْحَقِيقَةَ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الشُّبْهَةِ كَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ الَّذِي لِلْغَائِبِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ النَّسَبِ لِلْأَوَّلِ، وَالْفِرَاشُ الْفَاسِدُ مَعَ قَرَائِنِهِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ مَثَلًا لِلصَّحِيحِ فَلَا يُنْسَخُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ وَبَعْدَمَا صَارَ النَّسَبُ مُسْتَحَقًّا لِزَيْدٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ لِعَمْرٍو بِوَجْهٍ مَا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ) أَيْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَذْكُرَ السَّائِلُ عِلَّةً أُخْرَى فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ تُفْقَدُ هِيَ فِي الْفَرْعِ، وَيُسْنَدُ الْحُكْمُ إلَيْهَا مُعَارِضًا لِلْمُجِيبِ فِي عِلَّتِهِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يَدَّعِيهِ السَّائِلُ مُتَعَدِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ لَا يُنَافِي الْوَصْفَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُجِيبُ إذْ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ.
كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي دَنٍّ قَطْرَةُ بَوْلٍ وَدَمٍ وَخَمْرٍ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ حَتَّى لَوْ تَوَهَّمْنَا زَوَالَ الْبَعْضِ يَبْقَى الْبَاقِي مُنَجَّسًا ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى بَيَانِ فَسَادِ أَنْوَاعِهَا مُفَصَّلَةً فَقَالَ: وَأَمَّا الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ فَثَلَاثَةٌ أَيْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى أَيْ بِذِكْرِ السَّائِلِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ لَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ كَمَا إذَا عَلَّلَ الْمُجِيبُ فِي بَيْعِ الْحَدِيدِ بِالْحَدِيدِ بِأَنَّهُ مَوْزُونٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُعَارِضُهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الثَّمِينَةُ دُونَ الْوَزْنِ، وَأَنَّهَا عُدِمَتْ فِي الْفَرْعِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْحُرْمَةُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بَاطِلٌ إذْ التَّعْلِيلُ بِمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى بَاطِلٌ؛ لِعَدَمِ حُكْمِهِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ التَّعْلِيلِ لَيْسَ إلَّا التَّعْدِيَةَ فَإِذَا خَلَا تَعْلِيلٌ عَنْ التَّعْدِيَةِ بَطَلَ الْخَلْوَةُ عَنْ الْفَائِدَةِ إذْ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ دُونَ الْعِلَّةِ وَلَا فَرْعَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْعِلَّةِ، وَإِذَا بَطَلَ التَّعْلِيلُ بَطَلَتْ الْمُعَارَضَةُ بِهِ.
وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً يَعْنِي لَوْ عَارَضَ السَّائِلُ بِمَعْنًى يُفِيدُ تَعْدِيَةً كَانَتْ الْمُعَارَضَةُ فَاسِدَةً أَيْضًا سَوَاءٌ تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَنْعَدِمُ تِلْكَ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ، وَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ حُجَّةٍ أُخْرَى فَكَيْفَ يَصْلُحُ دَلِيلًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ حُجَّةٍ.
مِثَالُ التَّعْدِيَةِ إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَا إذَا عَلَّلَ الْمُجِيبُ فِي حُرْمَةِ بَيْعِ الْجِصِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا بِأَنَّهُ مَكِيلٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَيُعَارِضُهُ السَّائِلُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّهُ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، وَقَدْ فُقِدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَنَحْوُهُمَا إذْ لَا يُنَاقِشُ الْمُجِيبُ السَّائِلَ فِيهَا لَكِنْ الْمُعَارَضَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا تُفِيدُ لِلسَّائِلِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْجِصِّ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ عَدَمَ
(4/64)

وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ حَسَنَةً لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُهُمَا فَصَارَتَا مُتَدَافِعَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ الْأُخْرَى إبْطَالًا مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعِلَّةِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا.
وَمِثَالُ مَا إذَا تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَا إذَا عَارَضَ السَّائِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّهُ الطَّعْمُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ فَهَذَا الْمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ الْفَوَاكِهُ، وَمَا دُونَ الْكَيْلِ وَأَقْوَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فَسَادُ مَا سِوَاهُ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ ثُمَّ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِفَسَادِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَاللَّامِ الْأُولَى وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَعْنَى فَصَارَ التَّقْدِيرُ الْمُعَارَضَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَعَدَّى بَاطِلَةً لِكَذَا وَلِفَسَادِ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَعَدَّى لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَدَّى لَا يُفِيدُ تَعْدِيَةً بِوَجْهٍ إذْ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً لَمْ يَبْقَ غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِهَذَا التَّرْتِيبِ الْمُعَارَضَاتُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى، وَمُعَارَضَةٌ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مَجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمُعَارَضَةٌ بِمَعْنَى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ لِعَدَمِ حُكْمِ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ إنْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي عَارَضَ بِهِ السَّائِلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وَلِفَسَادِهِ لَوْ أَفَادَ تَعْدِيَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَوَاضِعِ النِّزَاعِ إلَّا أَنَّ نَظَرَ الْمَشَايِخِ لَمَّا كَانَ إلَى تَصْحِيحِ الْمَعْنَى لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى رِعَايَةِ اللَّفْظِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ لَفْظَ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَلَفْظَ الْفَسَادِ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَدَمُ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ وَعَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِمَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ) أَيْ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ حَسَنَةً كَذَا فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ فَيَكُونُ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى فَاسِدَةً بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ ثُمَّ سِيَاقُ كَلَامِ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا إفْسَادَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَقَامَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ ثُمَّ قَالَا وَكَذَلِكَ مَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ فَقَالَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ حَسَنَةٌ وَكَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ لَا كِلَاهُمَا بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَتَا مُتَدَافِعَتَيْنِ أَيْ مُتَنَافِيَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَصِيرُ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى مِنْ السَّائِلِ إبْطَالًا لِعِلَّةِ الْمُجِيبِ مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ وَالْمُدَافَعَةِ فَتَصِحُّ فَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْهُمْ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ إذْ لَا يُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا لِإِنْكَارِهِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلسَّائِلِ أَيْضًا فَيَثْبُتُ التَّدَافُعُ بِالِاتِّفَاقِ فَيَبْطُلُ الْمَعْنَيَانِ بِالتَّعَارُضِ وَيَبْقَى الْأَصْلُ بِلَا مَعْنَى فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَيُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ وَيَقُولُ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ عَلَى أَنَّ الْعَلَّةَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ التَّدَافُعُ فَتَكُونُ الْمُعَارَضَةُ فَاسِدَةً بِالِاتِّفَاقِ لِفَوَاتِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ أَصْلًا.
وَبَيَانُ
(4/65)

وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى فَسَادِ أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى فِيهِ لَا لِصِحَّةِ الْآخَرِ كَالْكَيْلِ وَالطَّعْمِ وَالصَّحِيحُ أَحَدُهُمَا لَا غَيْرُ لَكِنْ الْفَسَادُ لَيْسَ لِصِحَّةِ الْآخَرِ لَكِنْ لِمَعْنًى فِيهِ يُفْسِدُهُ فَإِثْبَاتُ الْفَسَادِ لِصِحَّةِ الْآخَرِ بَاطِلٌ فَبَطَلَتْ الْمُعَارَضَةُ، وَكُلُّ كَلَامٍ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ فِي تَعْلِيلِ الْحِنْطَةِ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لِلتَّعْدِيدِ إلَى الْجِصِّ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ الطَّعْمُ دُونَ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لَا يُمْكِنُ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْعِلَّتَيْنِ لِإِنْكَارِهِ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ فِي التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ وَالْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ عِلَّةِ السَّائِلِ فَيَثْبُتُ التَّدَافُعُ فَأَمَّا إذَا عَارَضَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالِاقْتِيَاتِ وَالْإِدْخَارِ أَوْ عَارَضَ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَدِيدِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَنِيَّةُ دُونَ الْوَزْنِيَّةِ فَيُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مَعْنَى الْمُمَانَعَةِ فَتَكُونُ فَاسِدَةً بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ قَصْدًا بَلْ الِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ذَاتًا لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى ذَلِكَ جَازَ وَحِينَئِذٍ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا إلَى فُرُوعٍ وَبِالْآخَرِ إلَى فُرُوعٍ أُخَرَ.
وَإِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لِمَعْنًى فِيهَا لَا لِصِحَّةِ الْأُخْرَى أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا، وَأَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحِنْطَةِ الْكَيْلُ أَوْ الطَّعْمُ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَقُولُوا بِفَسَادِ أَحَدِهِمَا لِصِحَّةِ الْآخَرِ، وَلَا بِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا لِفَسَادِ الْآخَرِ بَلْ قَالَ كُلُّ فَرِيقٍ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ عِلَّةً لِمَعْنًى فِيهِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ وَبِفَسَادِ عِلَّةِ صَاحِبِهِ لِمَعْنًى فِيهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ إثْبَاتُ الْفَسَادِ لِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِثُبُوتِ صِحَّةِ الْأُخْرَى بَاطِلًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَعْنًى مُفْسِدٍ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ لِثُبُوتِ الْفَسَادِ فِيهِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَعْنًى مُصَحِّحٍ لِثُبُوتِ الصِّحَّةِ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ لِظُهُورِ فَسَادِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لَا يَثْبُتُ التَّأْثِيرُ فِي الْأُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ كَذَلِكَ عَكْسُهُ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ فَسَادُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ عِنْدَ ثُبُوتِ صِحَّةِ الْأُخْرَى لَزِمَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ أَحَدَيْهِمَا دُونَ صِحَّتِهِمَا. قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ ثَبَتَ صِحَّتُهَا قَطْعًا وَلَكِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بَلْ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْفَاسِدَةُ هِيَ الَّتِي بَيَّنَ صِحَّتَهَا وَالْأُخْرَى هِيَ الصَّحِيحَةُ أَوْ يَقُولُ الْإِجْمَاعُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِدُونِ بَيَانِ الْمُفْسِدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْمُفَارَقَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ الْفَرْعِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنْ صَرَّحَ السَّائِلُ فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِالْفَرْقِ بِأَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْت ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ كَذَا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَرْعِ فَهِيَ مُتَفَارِقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْفَرْقِ بَلْ قَصَدَ بِالْمُعَارَضَةِ بَيَانَ عَدَمِ انْتِهَاضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَالَ دَلِيلُك إنَّمَا كَانَ يَنْتَهِضُ عَلَيَّ لَوْ كَانَ مَا ذَكَرْته مُسْتَقِلًّا بِالْعَلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاجِ الْوَصْفِ الَّذِي أَقُولُهُ فِي التَّعْلِيلِ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُفَارَقَةٍ وَلِهَذَا قَبِلُوا هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ رَاجِعٌ إلَى الْمُمَانَعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُفَارَقَةُ هِيَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ فَرْقًا وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ مُفَارَقَةً، وَهِيَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُقْبَلُ مِنْ السَّائِلِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ الْفَرْقُ بِمَعْنًى فِقْهِيٍّ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ بَيَّنَ الشَّيْخُ وَجْهَ إيرَادِهِ عَلَى طَرِيقٍ يُقْبَلُ مِنْهُ
(4/66)

يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْمُفَارَقَةِ فَاذْكُرْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ كَقَوْلِهِمْ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الرَّاهِنِ يُلَاقِي حَقَّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِبْطَالِ، وَكَانَ مَرْدُودًا كَالْبَيْعِ فَقَالُوا لَيْسَ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ نَقُولَ إنَّ الْقِيَاسَ لِتَعَدِّيَةِ حُكْمِ النَّصِّ دُونَ تَغْيِيرِهِ، وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ هُنَا، وَبَيَانُهُ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَقْفُ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ وَأَنْتَ فِي الْفَرْعِ تُبْطِلُ أَصْلًا مَا لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخُ كَذَلِكَ إنْ اعْتَبَرَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ ثَمَّةَ تَوَقُّفُ الْعِتْقِ وَلُزُومُ الْإِعْتَاقِ وَأَنْتَ قَدْ عَدَّيْت الْبُطْلَانَ أَصْلًا فَإِنْ ادَّعَى فِي الْأَصْلِ حُكْمًا غَيْرَ مَا قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَقَالَ: وَكُلُّ كَلَامٍ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي نَفْسِهِ يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْمُفَارَقَةِ أَيْ يَذْكُرُهُ أَهْلُ الطَّرْدِ عَلَى وَجْهِ الْفَرْقِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ فَاذْكُرْهُ أَنْتَ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُفَاقَهَةً صَحِيحَةً عَلَى حَدِّ الْإِنْكَارِ فَيُقْبَلُ مِنْك لَا مَحَالَةَ كَقَوْلِهِمْ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ.
إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا يُؤْمَرُ الْعَبْدُ بِالسِّعَايَةِ فِي أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى عِنْدَ الْيَسَارِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَهُ قَوْلَانِ فِي الْمُوسِرِ فَعَلَّلَ أَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ مِنْ الرَّاهِنِ إلَّا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِبْطَالِ أَيْ يَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الرَّهْنِ بِدُونِ رِضَاءٍ بِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ عِنْدَهُ، فَكَانَ مَرْدُودًا كَالْبَيْعِ أَيْ كَمَا إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَقَالُوا أَيْ فَرَّقَ أَهْلُ الطَّرْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْبَيْعِ هُوَ الْأَصْلُ وَبَيْنَ الْإِعْتَاقِ الَّذِي هُوَ الْفَرْعُ فَقَالُوا لَيْسَ الْإِعْتَاقُ مِثْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيَظْهَرُ أَثَرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفَاذِ فَيَنْعَقِدُ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ فَسْخِهِ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفَاذِ فَيَنْعَقِدُ لَازِمًا، وَهَذَا فَرْقٌ فِقْهِيٌّ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ فَسَدَ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْفَرْقِ وَهُوَ السَّائِلُ فَلَمْ يُقْبَلْ.
وَالْوَجْهُ فِي إيرَادِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُمَانَعَةِ لِيَقْبَلَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ إنَّ الْقِيَاسَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ أَيْ الْأَصْلِ دُونَ تَغْيِيرِهِ، وَأَنَا لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ التَّعْدِيَةُ بِدُونِ التَّغْيِيرِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ فَوَاتِ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَقَفَ أَيْ تَوَقَّفَ مَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ فِي ابْتِدَائِهِ وَالْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ عَلَيْهِ مِنْ الرَّاهِنِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ تَرَبَّصَ إلَى أَنْ يَذْهَبَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ تَمَّ الْبَيْعُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَأَنْتَ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ تُبْطِلُ أَصْلًا مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالرَّدَّ أَيْ تُلْغِي مِنْ الْأَصْلِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالرَّدَّ فِي ابْتِدَائِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ رَدَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَرْتَدُّ، وَلَوْ أَرَادَ هُوَ وَالْمَوْلَى أَنْ يَفْسَخَاهُ لَا يَنْفَسِخُ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ مِنْ الْأَصْلِ غَيْرُ الِانْعِقَادِ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ وَأَصْلًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَمَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ وَمَا مَفْعُولٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اعْتَبَرَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ أَيْ، وَمِثْلُ اعْتِبَارِ الْخَصْمِ الْإِعْتَاقَ بِالْبَيْعِ اعْتِبَارُهُ إيَّاهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ فِي لُزُومِ تَغْيِيرِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَسَادِ فِي اعْتِبَارِهِ الْإِعْتَاقَ بِالْبَيْعِ أَلْحَقَهُ بِإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ وَالْفَسْخَ.
وَقَالَ: إنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ الْمُتَعَلِّقَ بِالْعَبْدِ فَلَا يَصِحُّ كَإِعْتَاقِ الْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ عَبْدَهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي عَبْدِ الْمَرِيضِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَرِيضِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَيَمْتَنِعُ عَلَى الرَّاهِنِ ثُمَّ إنَّ حَقَّهُمْ يَمْنَعُ نُفُوذَ إعْتَاقِ الْمَرِيضِ إذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ فَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَوْلَى فَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ ثَمَّةَ فِي إعْتَاقِ الْمَرِيضِ تَوَقَّفَ الْعِتْقُ إلَى أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكَاتَبِ مَا دَامَ يَسْعَى فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ وَلُزُومُ
(4/67)

وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٌ فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمِثْلُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَسَبِيلُهُ مَا قُلْنَا أَنْ لَا نُسَلِّمَ قِيَامَ شَرْطِ الْقِيَاسِ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ شَرَعَ الْمَالَ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ وَأَنْتَ جَعَلْته مُزَاحِمًا لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بَعْدَ صِحَّةِ أَثَرِهَا، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ، وَهَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْإِعْتَاقِ بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ وَرَدِّ الْعَبْدِ إلَى الرِّقِّ أَصْلًا وَأَنْتَ عَدَّيْت الْإِبْطَالَ أَصْلًا أَيْ أَبْطَلْت الْإِعْتَاقَ فِي الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ بِحَيْثُ لَوْ أَجَازَهُ الْمُرْتَهِنُ بَعْدُ لَا يَنْفُذُ فَكَانَ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمَبْسُوطِ وَعِتْقُ الْمَرِيضِ عِنْدَنَا لَا يَلْغُوا قِيَامَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ لَا مَحَالَةَ فَهَاهُنَا أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْغُوَ إلَّا أَنْ هُنَاكَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ مَا دَامَ يَسْعَى، وَهَاهُنَا يَكُونُ حُرًّا، وَإِنْ لَزِمَتْهُ السِّعَايَةُ عِنْدَ اعْتِبَارِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّيْنِ إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي قِيمَتِهِ لِرَدِّ الْوَصِيَّةِ قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هُنَاكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَدَلُ رَقَبَتِهِ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمُبْدَلُ مَا لَمْ يَرُدَّ الْبَدَلَ، وَهَاهُنَا السِّعَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَتْ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ذَلِكَ فَوُجُوبُ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَانِعًا نُفُوذَ عِتْقِهِ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ أَيْسَرَ الرَّاهِنُ هَذَا رَجَعَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ السِّعَايَةِ، وَهُنَاكَ لَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى أَحَدٍ بِمَا سَعَى فِيهِ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنْ ادَّعَى أَيْ الْمُعَلَّلَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَيْعُ أَوْ إعْتَاقُ الْمَرِيضِ حُكْمًا غَيْرَ مَا قُلْنَا بِأَنْ يَقُولَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْبُطْلَانُ لَا التَّوَقُّفُ، وَكَذَا حُكْمُ إعْتَاقِ الْمَرِيضِ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرُ حُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ نُسَلِّمْ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا حُكْمُهُمَا مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ وَافَقَنَا فِيهِ يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ ضَرُورَةً، وَإِنْ خَالَفَنَا فِيهِ بِأَنْ قَالَ عِنْدِي حُكْمُهُمَا الْبُطْلَانُ يَكُونُ هَذَا رَدَّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْخَصْمِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ) أَيْ مِثْلُ تَعْلِيلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ بِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٍ فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْقَتْلِ الْخَطَأِ فَإِنْ فَرَّقَ السَّائِلُ بِأَنَّ الْعَمْدَ لَيْسَ كَالْخَطَأِ فِي لُزُومِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ فِي الْخَطَأِ بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْمِثْلِ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ لِعَدَمِ الْقَصْدِ فَيَصِيرُ إلَى إيجَابِ الْمَالِ خَلَفًا عَنْهُ صَوْنًا لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ، وَقَدْ عُدِمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمْدُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، فَهَذَا فَرْقٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْ السَّائِلِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ قِيَامَ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ تَغْيِيرِ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَتَفْسِيرُهُ أَيْ بَيَانِ عَدَمِ قِيَامِ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْقَتْلُ خَطَأً شُرِعَ الْمَالُ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِيفَائِهِ، وَأَنْتَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ جَعَلْت الْمَالَ مُزَاحِمًا لِلْقَوَدِ حَيْثُ أَثْبَتَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ كَالْقَوَدِ، وَالْخَلَفُ قَطُّ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ فَكَانَ هَذَا تَقْلِيلًا يُوجِبُ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْأَصْلِ فَكَانَ بَاطِلًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَذْهَبِهِ فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْحَائِضِ مَعَ الصَّوْمِ إذَا أَخَّرْت الْقَضَاءَ إلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْفِدْيَةَ الَّتِي هِيَ خَلَفٌ عَنْ الصَّوْمِ مُزَاحِمًا لَهُ فِي الْوُجُوبِ حَيْثُ أَوْجَبَهُمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ دَفْعِ الْعِلَلِ أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَرِدُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بَعْدَ صِحَّةِ أَثَرِهَا؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ الْمُنَاقَضَةَ عَلَى الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ صِحَّتِهَا الِاطِّرَادُ وَبِالْمُنَاقَضَةِ لَمْ يَبْقَ الْإِطْرَادُ، وَلَكِنْ قَدْ يَرِدُ النَّقْضُ صُورَةً عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْضٍ، وَإِنَّمَا نُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْ عَدَمَ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ حَقِيقَةً، وَإِنْ يَتَرَاءَى نَقْضًا صُورَةً بِطُرُقٍ أَرْبَعَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(4/68)

بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ) :
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُجِيبَ مَتَى أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ادَّعَاهُ عِلَّةً وَبَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ مُنَاقَضَةً بِتَوْفِيقٍ بَيِّنٍ بَطَلَتْ الْمُنَاقَضَةُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمُنَاقَضَاتِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَبَيْنَ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ مَتَى احْتَمَلَ التَّوْفِيقَ وَظَهَرَ ذَلِكَ بَطَلَ التَّنَاقُضُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِالْوَصْفِ الَّذِي جَعَلَهُ عِلَّةً وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ صَارَ الْوَصْفُ عِلَّةً، وَهُوَ دَلَالَةُ أَثَرِهِ، وَالثَّالِثُ بِالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَالرَّابِعُ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْحُكْمُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَكِنَّهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ فَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ بَدَنُهُ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةً، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْإِنْسَانِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ جَلْدَةٍ رُطُوبَةً وَفِي كُلِّ عِرْقٍ دَمًا فَإِذَا زَايَلَهُ الْجِلْدُ كَانَ ظَاهِرًا لَا خَارِجًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ بِالْإِجْمَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ]
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَيْ حَاصِلُ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْخُرُوجِ عَنْهَا أَنَّ الْمُجِيبَ مَتَى أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ عِلَّةً وَبَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ مُنَاقَضَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَمْعُ لَزِمَهُ النَّقْضُ ثُمَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْ الْأَوَّلِ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْفِقْهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ؛ لِأَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْوُقُوفُ عَلَى الْمَعْنَى الْخَفِيِّ فَالدَّفْعُ عَلَى طَرِيقِ الْفِقْهِ إنَّمَا يَكُونُ بِوُجُوهٍ لَا تُنَالُ إلَّا بِضَرْبِ تَأَمُّلٍ أَمَّا الدَّفْعُ بِأَلْفَاظٍ ظَاهِرَةٍ فَلَا يَكُونُ فِقْهًا بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ إلَّا أَنْ يُوَفِّقَ فَيَقُولَ كَانَ الْوَاجِبُ خَمْسَمِائَةٍ إلَّا إنِّي قَبَضْت خَمْسَمِائَةٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ هَذَا الْعَيْنَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا قَالَ: وَهَبَنِي فَجَحَدَ فَاشْتَرَيْته مِنْهُ وَبَيَّنَ الشَّهَادَاتِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَكْثَرَ يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْأَلْفِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْأَلْفِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةٍ بَقَرٍ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا لَوْنُهُ أَحْمَرُ، وَقَالَ الْآخَرُ لَوْنُهُ أَسْوَدُ تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ بِأَنْ شَهِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ لَوْنِ الْبَقَرِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ وُجُوهِ الدَّفْعِ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرْته عِلَّةً لَيْسَ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ. وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَهُوَ دَلَالَةُ أَثَرِهِ أَيْ أَثَرِ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلَ الْوَصْفَ بِهِ عِلَّةً، وَهُوَ التَّأْثِيرُ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ بِدُونِهِ عِلَّةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يَكُنْ نَقْضًا.
وَالثَّالِثُ بِالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِالْوَصْفِ مُتَخَلِّفًا عَنْ الْوَصْفِ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا إذْ النَّقْضُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ الْوَصْفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الدَّفْعِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَأْبَاهُ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الدَّفْعُ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَالرَّابِعُ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَفِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِالتَّعْلِيلِ، وَهُوَ أَوْضَحُ، وَلَفْظُ التَّقْوِيمِ ثُمَّ بِالْغَرَضِ الَّذِي قَصَدَ الْمُعَلِّلُ التَّعْلِيلَ لِأَجْلِهِ، وَأَثْبَتَ الْحُكْمَ بِقَدْرِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ أَيْ الدَّفْعُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ رُكْنُ الْعِلَّةِ فَعَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّتِهِ فَيَصِحُّ الدَّفْعُ بِهِ. مِثْلُ قَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَيُورِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ نَقْضًا فَإِنَّهُ مَسْحٌ، وَيُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ فَإِنَّ الْعَدَدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْنُونًا عِنْدَنَا لَكِنْ إذَا اُحْتِيجَ إلَى التَّثْلِيثِ فَإِنَّهُ يَقَعُ سُنَّةً بِالْإِجْمَاعِ.
وَكَذَا الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ سُنَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَدَدُ مَسْنُونًا عِنْدَنَا كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَنَدْفَعُهُ بِالْوَصْفِ بِأَنْ نَقُولَ إنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ بِمَسْحٍ أَيْ لَا اعْتِبَارَ لِلْمَسْحِ فِيهِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَ بِشَيْءٍ لَهُ أَثَرٌ فِي الْإِزَالَةِ كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْمَاءِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ، وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ بَدَنُهُ بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَمْ يَكُنْ الْمَسْحُ سُنَّةً، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ مَسْحًا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى تَلَطُّخِ الْبَدَنِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ.
وَبِدَلِيلِ
(4/69)

وَأَمَّا الدَّفْعُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ فَإِنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَمْ يَصِرْ حُجَّةً بِصِيغَتِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ ظَاهِرٌ أَوْ الثَّانِي بِمَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ دَلَالَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ فَكَانَ ثَابِتًا بِهِ لُغَةً فَصَحَّ الدَّفْعُ بِهِ كَمَا صَحَّ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَكَانَ دَفْعًا بِنَفْسِ الْوَصْفِ، وَهَذَا أَحَقُّ وَجْهَيْ الدَّفْعِ لَكِنْ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَنَبْدَأُ بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَمْ يَكُنْ التَّكْرَارُ فِيهِ مَسْنُونًا كَمَسْحِ الْخُفِّ وَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالتَّكْرَارُ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا بَطَلَ التَّكْرَارُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَفِي التَّكْرَارِ تَوْكِيدُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِهِ فَصَارَ ذَلِكَ نَظِيرَ الْغُسْلِ، وَهَذَا مَعْنًى ثَابِتٌ بِاسْمِ الْمَسْحِ لُغَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّ غَسْلَهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ، وَلَوْ كَانَ مَسْحًا لَكُرِهَ تَبْدِيلُهُ بِالْغَسْلِ إذْ الْغَسْلُ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ وَكَذَلِكَ أَيْ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ قَيْدَ الْحَيَاةِ فَقَالُوا مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ احْتِرَازًا عَنْ النَّجَسِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِهِ ثَانِيًا، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ إنْسَانًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ مُطْلَقِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقْضًا فَإِنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ، وَلَيْسَ بِحَدَثٍ، وَمِثْلُهُ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَبِهَذَا زَادَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْكَثِيرِ فَقَالُوا الْخَارِجُ الْكَثِيرُ النَّجَسُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ احْتِرَازًا عَنْهُ.
فَوَجَبَ دَفْعُ هَذَا النَّقْضِ بِمَنْعِ الْوَصْفِ بِأَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان بَاطِنٍ إلَى مَكَان ظَاهِرٍ كَالرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بَعْدُ فِي مَحَلِّهَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ جَلْدَةٍ رُطُوبَةٌ فِي كُلِّ عِرْقٍ دَمًا وَالْجِلْدَةُ سَاتِرَةٌ لَهَا فَإِذَا زَالَتْ الْجَلْدَةُ صَارَ مَا تَحْتَهَا ظَاهِرًا لَا خَارِجًا لِعَدَمِ الِانْتِقَالِ كَمَنْ كَانَ فِي بَيْتٍ أَوْ خَيْمَةٍ مُتَسَتِّرًا بِهِ إذَا رُفِعَ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَسَتِّرًا بِهِ يَكُونُ ظَاهِرًا لَا خَارِجًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى خَارِجًا إذَا فَارَقَ الْبَيْتَ أَوْ الْخَيْمَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَلَوْ ثَبَتَ وَصْفُ الْخُرُوجِ لَوَجَبَ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَهُ قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا، وَلَوَجَبَ عِنْدَنَا إذَا جَاوَزَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَيُسَنُّ إذَا كَانَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَحَيْثُ لَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يُسَنَّ بِالْإِجْمَاعِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِي مَحَلِّهَا، وَكَذَا لَوْ أُزِيلَتْ عَنْ ذَلِكَ الْمَحِلِّ بِقُطْنَةٍ أَوْ بِالْمَسْحِ عَلَى جِدَارٍ لَا يُنْتَقَضُ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ حَصَلَ الِانْفِصَالُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَعَ الْبُزَاقِ دَمٌ وَالْبُزَاقُ غَالِبٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ بَلْ بِقُوَّةِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْبُزَاقُ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَجَسٌ أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الدَّفْعُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ) ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ فَإِنَّمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَمْ يَصِرْ حُجَّةً بِصِيغَتِهِ أَيْ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ اللَّفْظِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُلَائِمَتُهُ، وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَدَالَتُهُ، وَإِنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ أَيْ يُعْلَمُ وَيُفْهَمُ مِنْ الْوَصْفِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ ظَاهِرًا يَعْنِي ظَاهِرَ لَفْظِهِ لُغَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْخُرُوجِ لُغَةً عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَدَلَالَةُ لَفْظِ الْمَسْحِ لُغَةً عَلَى الْإِصَابَةِ.
وَالثَّانِي بِمَعْنَاهُ الثَّابِتِ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ دَلَالَةً، وَهُوَ التَّأْثِيرُ فَإِنَّ الْوَصْفَ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْرَارِ وَوَصْفُ الْخُرُوجِ فِي مَسْأَلَةِ السَّبِيلَيْنِ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ بِمَحَلِّ الطَّهَارَةِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ التَّطْهِيرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ يَعْنِي فِي بَابِ تَفْسِيرِ الْقِيَاسِ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الرِّبَا، وَفِي بَابِ رُكْنِ الْقِيَاسِ فِي قَوْلِهِ الْأَثَرُ مَعْقُولٌ مِنْ كُلِّ مَحْسُوسٍ لُغَةً وَعِيَانًا وَمِنْ كُلِّ مَشْرُوعٍ مَعْقُولٍ دَلَالَةً فَكَانَ أَيْ الْمَعْنَى
(4/70)

وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ مَا سَالَ مِنْهُ نَجَسٌ أَوْجَبَ تَطْهِيرًا حَتَّى وَجَبَ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَصَارَ بِمَعْنَى الْبَوْلِ، وَهَذَا غَيْرُ خَارِجٍ إذَا لَمْ يَسِلْ حَتَّى لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي، وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرُ ثَابِتًا أَيْ بِالْوَصْفِ لُغَةً كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهَذَا كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ يَصِيرُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْعِتْقِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمِلْكُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمِلْكُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ صَارَ الْعِتْقُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ أَيْضًا حَتَّى صَارَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا فَكَذَا التَّأْثِيرُ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ صَارَ مُضَافًا إلَى الْوَصْفِ بِهِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَصَحَّ الدَّفْعُ بِهِ أَيْ بِالْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا صَحَّ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَإِنَّ الدَّفْعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الدَّفْعُ بِنَفْسِ الْوَصْفِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَكَانَ أَيْ الدَّفْعُ بِالْأَثَرِ دَفْعًا بِنَفْسِ الْوَصْفِ أَيْ بِمَنْعِ نَفْسِ الْوَصْفِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا أَيْ الدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ أَحَقُّ وَجْهَيْ الدَّفْعِ بِالِاعْتِبَارِ وَهُمَا الدَّفْعُ بِنَفْسِ الْوَصْفِ وَالدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَصْفِ شَرْعًا دُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْهُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الدَّفْعُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ مَفْهُومُ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَبَدَأْنَا بِهِ وَذَلِكَ أَيْ الدَّفْعُ بِالتَّأْثِيرِ يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَجْمُوعِ يَعْنِي إنَّمَا لَا يَكُونُ التَّكْرَارُ فِيهِ مَسْنُونًا، وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ أَيْ تَأْثِيرُهُ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حُصُولُ التَّطْهِيرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْمَسْحِ بَلْ يَزْدَادُ بِهِ النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي الْمَحَلِّ، وَكَذَا الْغَسْلُ فِي مَوْضِعِ الْمَسْحِ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ التَّطْهِيرُ مَقْصُودًا لَكَانَ الْغُسْلُ أَفْضَلَ بَلْ هُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ كَالتَّيَمُّمِ وَالتَّكْرَارِ فِيمَا شُرِعَ، وَهُوَ الْغَسْلُ إنَّمَا شُرِعَ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّظْهِيرُ هَاهُنَا مُرَادًا بَطَلَ التَّكْرَارُ الَّذِي شُرِعَ لِتَوْكِيدِهِ، وَكَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرِّبٌ إلَى الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ الْغُسْلُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْحَ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ مَحَلِّهِ تَوْضِيحٌ لِكَوْنِ التَّطْهِيرِ غَيْرَهُ مَقْصُودٌ فِيهِ يَعْنِي الْغَرَضَ يَتَأَدَّى بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الرُّبْعُ أَوْ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ مِقْدَارُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَلَوْ كَانَ التَّطْهِيرُ مَقْصُودًا لَمَا تَأَدَّى بِبَعْضِ الْمَحَلِّ كَالْغَسْلِ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ فِيهِ مَقْصُودٌ إذْ هُوَ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْغَسْلُ فِيهِ أَفْضَلَ وَكَانَ هُوَ الْأَصْلَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ تَخْفِيفًا وَفِي التَّكْرَارِ تَوْكِيدُهُ أَيْ تَوْكِيدُ الْإِزَالَةِ الْمَقْصُودَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِكَوْنِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ تَطْهِيرٌ فِيهِ مَقْصُودًا يَعْنِي لَوْ اسْتَعْمَلَ الْحَجَرَ فِي بَعْضِ الْمَحَلِّ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِنْجَاءُ، وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْمَسْحِ فِيهِ مَقْصُودًا لَتَأَدَّى بِبَعْضِهِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ فَصَارَ ذَلِكَ أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِيعَابِ وَالْقَصْدِ إلَى تَطْهِيرِ الْمَحَلِّ نَظِيرَ الْغُسْلِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ سُنَّةً كَالْمَضْمَضَةِ أَوْ فَرْضًا كَغَسْلِ الْوَجْهِ لَا نَظِيرَ الْمَسْحِ فَلِذَلِكَ شُرِعَ التَّكْرَارُ فِيهِ، وَهَذَا مَعْنًى ثَابِتٌ أَيْ كَوْنُهُ تَطْهِيرًا حُكْمِيًّا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى مُؤَثِّرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّكْرَارِ ثَابِتٌ بِاسْمِ الْمَسْحِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَهِيَ لَا تُنْبِئُ عَنْ التَّطْهِيرِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَكَانَ الدَّفْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَالدَّفْعِ بِنَفْسِ الْوَصْفِ وَعِبَارَةُ التَّقْوِيمِ إنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ إنَّمَا صَارَ عِلَّةً لِمَنْعِ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ التَّخْفِيفُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَسْلِ فِعْلًا يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الْأَصَابِعِ، وَذَاتًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَصَابَهُ، وَكَذَلِكَ قَدْرًا مِنْ حَيْثُ التَّأَدِّي بِبَعْضِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
(قَوْلُهُ:) وَكَذَلِكَ أَيْ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا
(4/71)

وَأَمَّا الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ فَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْغَصْبِ إنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ فَكَانَ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ سَبَبًا فِيهِ أَيْضًا لَكِنَّهُ امْتَنَعَ حُكْمُهُ لِمَانِعٍ كَالْبَيْعِ يُضَافُ إلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا كَالْبَوْلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّ مَا سَالَ مِنْهُ نَجَسٌ أَوْجَبَ تَطْهِيرًا يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجَسَ إنَّمَا صَارَ حَدَثًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي تَنْجِيسِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِيجَابِ تَطْهِيرِهِ حَتَّى وَجَبَ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلتَّطْهِيرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا يَجِبُ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ فَلَمَّا سَاوَى الْبَوْلَ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقَةِ سَاوَاهُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِيَّةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا دُونَ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَأَخَفُّ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا طَهَارَةٌ.
وَهَذَا أَيْ الَّذِي ظَهَرَ، وَلَمْ يَسِلْ لَمْ يُوجِبْ تَنْجِيسَ الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إيجَابِ التَّطْهِيرِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَكُنْ كَالْبَوْلِ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ فِي مَحَلِّهَا فَكَذَا فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا فَتَبَيَّنَ بِدَلَالَةِ التَّأْثِيرِ أَنَّ غَيْرَ السَّائِلِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ التَّعْلِيلِ، وَإِنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ هُنَاكَ لِعَدَمِ الْوَصْفِ مَعْنًى، وَإِنْ وُجِدَ صُورَةً وَمِثْلُهُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِلْعِلَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ نَقْضًا.
وَقَوْلُهُ غَيْرُ خَارِجٍ إذَا لَمْ يَسِلْ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الدَّفْعِ بِالتَّأْثِيرِ لَا فِي بَيَانِ الدَّفْعِ بِنَفْسِ الْوَصْفِ بَلْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ، وَهَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِيَضُمَّ الدَّفْعَ بِالْوَصْفِ إلَى الدَّفْعِ بِالتَّأْثِيرِ تَوْكِيدًا فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي إيجَابِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِكُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ النَّجِسَ إذَا تَجَاوَزَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ عِنْدَكُمْ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ خُرُوجُ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِيَّةِ قُلْنَا: غَرَضُنَا مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ إلْحَاقُهُ بِالْبَوْلِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الشَّرْعَ عَفَا عَنْ الْقَلِيلِ فِي السَّبِيلَيْنِ حَيْثُ اكْتَفَى بِالْأَحْجَارِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْغَسْلَ فَأَلْحَقْنَا غَيْرَ السَّبِيلَيْنِ بِهِمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي إيجَابِ الْغَسْلِ بَلْ الْقَلِيلُ مُؤَثِّرٌ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْحُكْمِيَّةِ جَمِيعًا كَالْكَثِيرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَعْنِي فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ عَفَا فِي الْقَلِيلِ عَنْ إيجَابِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ فَبَقِيَتْ الْأُخْرَى وَاجِبَةً بِهِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ الْخَصْمِ الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ حَتَّى وَجَبَ غَسْلُ الْقَلِيلِ كَغَسْلِ الْكَثِيرِ.
وَعِنْدَ مَشَايِخِنَا يَجِبُ غَسْلُ الْقَلِيلِ أَيْضًا حَتَّى قَالُوا لَوْ رَأَى الْمُصَلِّي فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً دُونَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ ثُمَّ يُصَلِّي وَقَالُوا أَيْضًا لَوْ اشْتَغَلَ بِغَسْلِ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَكِنْ لَا تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِغَسْلِهَا وَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ كَالْكَثِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ) فَكَذَا دَفْعُ الْمُنَاقَضَةِ بِالْحُكْمِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُعَلِّلُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْضِ بِمَنْعِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْوَصْفَ إنْ وُجِدَ لَمْ يُوجَدْ حُكْمُهُ بَلْ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ فِيهَا أَيْضًا تَقْدِيرًا كَمَا إذَا قَالَ الْمُجِيبُ إنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْبَدَلِ، وَهُوَ الضَّمَانُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْمُدَبَّرُ نَقْضًا حَيْثُ كَانَ غَصْبُهُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ، وَلَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُبْدَلِ يَدْفَعُهُ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْهُ بَلْ الْغَصْبُ فِيهِ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مُدَبَّرٍ وَقِنٍّ فِي الْبَيْعِ دَخَلَ الْمُدَبَّرُ فِي الْبَيْعِ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَبْقَى الْعَقْدُ فِي الْقَنِّ بِحِصَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مُنْعَقِدًا فِي حَقِّ الْمُدَبَّرِ لَمَّا انْعَقَدَ الْعَقْدُ فِي الْقَنِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا إيَّاهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ، وَقِنٍّ وَبَاعَهُمَا. لَكِنَّهُ أَيْ
(4/72)

وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ أَتْلَفَهُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَالِاسْتِحْلَالُ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمُتْلَفِ كَمَا إذَا أَتْلَفَهُ دَفْعًا لِلْمَخْمَصَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مَالُ الْبَاغِي، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ لَمْ تَبْطُلْ بِهَذَا الْمَعْنَى فَكَانَ طَرْدًا لَا نَقْضًا، وَكَذَلِكَ مَتَى قُلْنَا فِي الدَّمِ إنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ فَكَانَ حَدَثًا لَمْ يَلْزَمْ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَيْضًا لَكِنْ عَمَلُهُ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
السَّبَبَ، وَهُوَ الْغَصْبُ امْتَنَعَ حُكْمُهُ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِمَانِعٍ وَهُوَ حَقُّ الْمُدَبَّرِ نَظَرًا لِلْمُدَبَّرِ لَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يُوجَدْ كَالْبَيْعِ يُضَافُ إلَى الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ سَبَبًا فِي حَقِّهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ امْتَنَعَ حُكْمُهُ لِلْمَانِعِ، وَإِذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ كَانَ الْحُكْمُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا نَظَرًا إلَى اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ إيَّاهُ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا بَلْ يَكُونُ طَرْدًا وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ أَنْكَرَهُ فَالْغَصْبُ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْعَيْنِ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمٍ لَا لِمَانِعٍ مَعَ وُجُودِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّخْصِيصِ.
وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْقِسْمَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ إنْكَارِهِ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ اتِّبَاعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ بَعْدَ بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الدَّفْعَ بِهَذَا الْوَجْهِ لَا يَسْلَمُ عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِهَذَا الْوَجْهِ مِنْ الدَّفْعِ مِثْلُ إنْكَارِهِ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ. وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى أَظُنُّهَا مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ فِي بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبٌ لِأَمَارَةِ مِلْكِ الْمُبْدَلِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّ فِي فَصْلِ الْمُدَبَّرِ إنَّمَا لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا؛ لِأَنَّ فِي الْمَحَلِّ مَانِعًا كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمُدَبَّرِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِمَانِعٍ فِي الْمَحَلِّ فَكَذَا هَاهُنَا فَجُعِلَ السَّبَبُ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ لِلْمَانِعِ فَكَانَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لَا لِوُجُودِهَا مَعَ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ) الْجَمَلُ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْحُرِّ الصَّائِلِ وَالْعَبْدِ الصَّائِلِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مَعْصُومًا حَقًّا لِلْمَالِكِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ الصِّيَالِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا تُنَافِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْهَلَاكِ يَحْصُلُ مَعَ بَقَاءِ عِصْمَةِ الْمَحَلِّ بِإِبَاحَةِ الْإِتْلَافِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْإِتْلَافِ لِدَفْعِ الْمَخْمَصَةِ، وَكَمَا فِي مُبَاشَرَةِ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ الْعُذْرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ.
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إذَا أَتْلَفَ الْعَادِلُ مَالَ الْبَاغِي حَالَ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِثْلُ إتْلَافِ نَفْسِ الْبَاغِي، وَإِتْلَافِ عَبْدِ الْغَيْرِ إذَا صَالَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إتْلَافٌ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ ثُمَّ عِصْمَةُ الْمَحَلِّ قَدْ سَقَطَتْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ إحْيَاءً لِنَفْسِهِ، فَيُدْفَعُ هَذَا النَّقْضُ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ سَقَطَتْ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ إحْيَاءُ الْمُهْجَةِ لَكِنَّهَا سَقَطَتْ بِالْبَغْيِ فِي حَقِّ الْبَاغِي وَبِالصِّيَالِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ، وَأَنَّهُ فِي حَقِّ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فَبَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ كَمَا تَبْطُلُ حُرْمَةُ الْحُرِّ بِصِيَالِهِ، وَبُطْلَانُ حَقِّ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا فِي إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَكَانَ أَيْ إتْلَافُ مَالِ الْبَاغِي، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ طَرْدًا أَيْ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى لَا نَقْضًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا أَنْ لَوْ وُجِدَ الْإِتْلَافُ مُنَافِيًا لِلْعِصْمَةِ مُوجِبًا سُقُوطَهَا فِي صُوَرِ النَّقْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ بَلْ السُّقُوطُ وُجِدَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لَا بِالْإِتْلَافِ فَكَانَ حُكْمُ الْإِتْلَافِ، وَهُوَ عَدَمُ مُنَافَاتِهِ لِلْعِصْمَةِ مَوْجُودًا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كَمَا فِي إتْلَافِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَعْنًى آخَرَ مُسْقِطٍ لِلْعِصْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعِصْمَةِ لَا يَمْنَعُ حُدُوثَ مَعْنًى آخَرَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْعِصْمَةِ فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
(4/73)

وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمِثْلُ قَوْلِنَا نَجَسٌ خَارِجٌ وَلَا يَلْزَمُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَدَمُ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ الدَّائِمِ؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَذَلِكَ حَدَثٌ فَإِذَا لَزِمَ صَارَ عَفْوًا لِقِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي التَّأْمِينِ إنَّهُ ذِكْرٌ فَكَانَ سَبِيلُهُ الْإِخْفَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ وَتَكْبِيرَاتُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا أَنَّ أَصْلَ الذِّكْرِ الْإِخْفَاءُ، وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرَاتِ إلَّا أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَذْكَارِ مَعْنًى زَائِدًا، وَهُوَ أَنَّهَا أَعْلَامٌ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ فِيهَا حُكْمًا عَارِضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ وَالْمُقْتَدِيَ لَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
بِمُوجِبٍ لِلْعِصْمَةِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْقَطٍ لَهَا فَهَذَا مَعْنَى الدَّفْعِ بِالْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالصُّولُ وَالصِّيَالُ الْوَثْبُ وَالْمُهْجَةُ الدَّمُ وَيُقَالُ الْمُهْجَةُ دَمُ الْقَلْبِ خَاصَّةً وَالْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا الرُّوحُ يُقَالُ خَرَجَتْ مُهْجَتُهُ إذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ وَكَذَلِكَ أَيْ، وَكَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُدَبَّرَ، وَمَالُ الْبَاغِي عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ لِوُجُودِ حُكْمِ الْعِلَّةِ فِي صُوَرِ النَّقْضِ لَا يَلْزَمُ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي لَوْ قِيلَ إنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ نَجَسٌ، وَلَيْسَ يَحْدُثُ حَيْثُ لَمْ يُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا أَوْ مَا دَامَتْ تُصَلِّي الْفَرْضَ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ النَّوَافِلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ نَقُولُ إنَّهُ حَدَثٌ، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ حُكْمُهُ إلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِلْعُذْرِ وَلِهَذَا تَلْزَمُهَا الطَّهَارَةُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الْحَدَثِ فَإِنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِالْإِجْمَاعِ وَالْحُكْمُ تَارَةً يَتَّصِلُ بِالسَّبَبِ وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَانِعٍ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ امْتَنَعَ عَمَلُهُ لِمَانِعٍ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ أَيْضًا.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الرَّابِعُ، وَهُوَ الدَّفْعُ) فَالْغَرَضُ بِأَنْ يَقُولَ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وَقَدْ حَصَلَ فَمَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ الَّذِي لِلْخَصْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ هُوَ الْجَوَابُ لَنَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَذَلِكَ مِثْلُ تَعْلِيلِنَا فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ فَيَكُونُ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمَ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ إذْ هُوَ خَارِجٌ نَجَسٌ عَنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَلَيْسَ بِحَدَثٍ.
وَالثَّانِي يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْفَرْعِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ نَجَسٌ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَلَيْسَ بِحَدَثٍ فَيُدْفَعُ بِالْغَرَضِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَ فَإِنَّ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ فَإِذَا لَزِمَ أَيْ دَامَ صَارَ عَفْوًا لِقِيَامِ، وَقْتِ الصَّلَاةِ أَيْ بِسَبَبِ قِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالْأَدَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً، وَلَا قُدْرَةَ إلَّا بِسُقُوطِ حُكْمِ الْحَدَثِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَمِثْلُ الْأَصْلِ الْفَرْعُ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فِي أَنَّهُ إذَا صَارَ لَازِمًا يَصِيرُ عَفْوًا لِقِيَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا فِي الْفَرْعِ عِنْدَ اللُّزُومِ لَكَانَ الْفَرْعُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي جَعْلِهِ عَفْوًا كَالْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ، وَكَمَا يُدْفَعُ بِالْغَرَضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُدْفَعُ بِالْغَرَضِ فِي مَسْأَلَةِ التَّأْمِينِ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا السُّنَّةُ فِي التَّأْمِينِ الْإِخْفَاءُ دُونَ الْجَهْرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ أَيْ دُعَاءٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى، وَهَارُونَ {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو، وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - كَانَ يُؤَمِّنُ فَكَانَ سُنَّتُهُ الْإِخْفَاءَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ إذَا الْأَصْلُ فِيهَا الْإِخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي» أَوْ هُوَ ذِكْرٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ آمِينَ بِالْمَدِّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَكَانَتْ سُنَّتُهُ الْإِخْفَاءَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205] الْآيَةَ.
«وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ إنَّك لَنْ تَدْعُوَا أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ
(4/74)

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا فِي الدَّفْعِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ لَكِنْ مَا قُلْنَاهُ أَبْيَنُ فِي وُجُوهِ الدَّفْعِ وَإِذَا قَامَتْ الْمُعَارَضَةُ كَانَ السَّبِيلُ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَهَذَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَتَكْبِيرَاتُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا أَذْكَارٌ شُرِعَتْ بِالْجَهْرِ فَيُدْفَعُ بِالْغَرَضِ بِأَنْ يُقَالَ غَرَضُنَا مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يُجْعَلَ الذَّكَرُ سَبَبًا لِشَرْعِ الْمُخَافَتَةِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَذْكَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي صُوَرِ النَّقْضِ الْأَصْلُ هُوَ الْإِخْفَاءُ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَذْكَارِ مَعْنًى زَائِدًا يُوجِبُ الْجَهْرَ بِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهَا أَعْلَامٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ دَلَالَاتٌ عَلَى انْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ وَعَلَى دُخُولِ، وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ أَنَّهَا إعْلَامٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ هِيَ إخْبَارٌ وَتَنْبِيهٌ لِمَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ بِانْتِقَالِهِ إلَى رُكْنٍ آخَرَ وَلِلنَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ أَذَانًا فَذَلِكَ الْمَعْنَى الزَّائِدِ أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ حُكْمًا عَارِضًا عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْجَهْرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إعْلَامًا إلَّا بِصِفَةِ الْجَهْرِ.
فَبِبَيَانِ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِالتَّعْلِيلِ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا الذِّكْرِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ انْدَفَعَ النَّقْضُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الدَّفْعِ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يُقَالَ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ كَوْنُهُ ذِكْرًا يُوجِبُ الْإِخْفَاءَ فِي صُوَرِ النَّقْضِ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ أَقْوَى وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ عِلَّةٍ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ عِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، وَكَانَ الْإِخْفَاءُ فِيهَا ثَابِتًا تَقْدِيرًا وَلِهَذَا لَوْ جَهَرَ الْمُقْتَدِي أَوْ الْمُنْفَرِدُ فَقَدْ أَسَاءَ، وَكَذَا لَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْعِلْمِ فَقَدْ أَسَاءَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْجَهْرِ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الْإِعْلَامِ فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ذِكْرٍ هُوَ الْإِخْفَاءُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي التَّأْمِينِ مَعْنًى آخَرُ يُوجِبُ الْجَهْرَ، وَهُوَ إعْلَامُ الْقَوْمِ أَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ تَأْمِينَ الْقَوْمِ بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» أَوْ لَمْ يَكُنْ تَأْمِينُ الْإِمَامِ مَسْمُوعًا لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ تَأْمِينِ الْقَوْمِ بِهِ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانُوا إذَا أَمَّنُوا سُمِعَ لِتَأْمِينِهِمْ ضَجَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ قُلْنَا قَدْ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِبَيَانِ الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، «وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ، وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْجَهْرِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِخْفَاءُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا، وَلَوْ كَانَ تَأْمِينُهُ مَسْمُوعًا لَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَخْبَارٌ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيُحْمَلُ الْجَهْرُ عَلَى التَّعْلِيمِ أَوْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ رَدَّ حَدِيثَ أَبِي وَائِلٍ فَقَالَ أَشَهِدَ أَبُو وَائِلٍ وَغَابَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو وَائِلٍ مِنْ الْأَعْرَابِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِخِلَافِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي التَّأْمِينِ الْإِخْفَاءُ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ فَيَدُلُّ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ بِمَا ذَكَرْنَا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ مَعْنَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا يَعْنِي أَهْلَ النَّظَرِ مِنْهُمْ فِي بَابِ الدَّفْعِ أَنَّهُ أَيْ الْفَرْعَ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ يَعْنِي أَنَّهُمْ إذَا دَفَعُوا النَّقْضَ بِأَنْ قَالُوا إنَّ الْفَرْعَ مَعَ وُرُودِ هَذَا النَّقْضِ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ فَهُوَ الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُمْ لَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ حُكْمَ أَصْلِهِ وَنَحْنُ لَقَّبْنَاهُ بِالْغَرَضِ؛ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي وَجْهٍ مِمَّا قَالُوا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ عَدَمَ مُفَارَقَتِهِمَا فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ التَّعْلِيلِ أَوْ فِي وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهِمَا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ وَفِيمَا قُلْنَا بَيَانُ تَسْوِيَتِهِمَا فِي الْغَرَضِ، وَهُوَ
(4/75)

بَابُ التَّرْجِيحِ) :
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ مِنْ التَّعْلِيلِ مَعَ وُرُودِ النَّقْضِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَسَّرِ فَلِهَذَا اخْتَرْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الدَّفْعِ تَبَيَّنَ الْفِقْهُ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِضَرْبِ مَعْنًى يُنَالُ بِالتَّأَمُّلِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَالدَّفْعُ عَلَى طُرُقِ الْفِقْهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ بِوُجُوهٍ لَا يُنَالُ إلَّا بِضَرْبِ تَأَمُّلٍ فَأَمَّا الدَّفْعُ بِأَلْفَاظٍ ظَاهِرَةٍ فَمِمَّا يَقَعُ بِهَا الِاحْتِرَازُ عَنْ النُّقُوضِ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا يَكُونُ فِقْهًا.
قَالَ: وَقَدْ زَادَ مَشَايِخُنَا مِنْ أَصْحَابِ الطَّرْدِ فِي هَذِهِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَعَلَّلُوا لِمَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَسْحٌ بِالْمَاءِ فَأَشْبَهَ مَسْحَ الْخُفِّ احْتِرَازًا عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِلَفْظٍ ظَاهِرٍ وَعَلَّلُوا لِلدَّمِ السَّائِلِ بِأَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فِي نَفْسِهِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِ السَّائِلِ بِلَفْظٍ ظَاهِرٍ وَعَلَّلُوا لِإِيجَابِ الْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْغَصْبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْبَدَلِ فَيُوجِبُ مِلْكَ الْمُبْدَلِ الْقَابِلِ لِلْمِلْكِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُدَبَّرِ، وَأَنَّهُ سَمِجٌ سَمَاعًا، وَلَغْوٌ ذِكْرًا لِوُقُوعِ الْغُنْيَةِ عَنْهُ بِمَا دُونَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 -
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَامَتْ الْمُعَارَضَةُ) وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الْمُمَانَعَةِ وَالْمُعَارَضَةِ بِذَلِكَ فِي بَيَانِ دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِهَا فَقَالَ: وَإِذَا قَامَتْ الْمُعَارَضَةُ أَيْ تَحَقَّقَتْ بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ مِنْ الْمُمَانَعَةِ وَالْقَلْبِ وَنَحْوِهِمَا كَانَ السَّبِيلُ فِيهِ أَيْ فِي دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ التَّرْجِيحَ فَإِنَّ أَسْوَأَ أَحْوَالِ الْمُجِيبِ أَنْ يُسَاوِيَهُ السَّائِلُ فِي الدَّرَجَةِ بِإِقَامَةِ دَلِيلٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ دَلِيلُ الْمُجِيبِ فَوَجَبَ دَفْعُهُ بِبَيَانِ التَّرْجِيحِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِلْمُجِيبِ التَّرْجِيحُ صَارَ مُنْقَطِعًا وَإِنْ رَجَّحَ الْمُجِيبُ عِلَّتَهُ فَلِلسَّائِلِ أَنْ يُعَارِضَ تَرْجِيحَهُ بِتَرَجُّحِ عِلَّتِهِ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَارِضَ عِلَّتَهُ بِعِلَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَرْجِيحُ عِلَّتِهِ لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ الْمُجِيبُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ، وَإِهْمَالُ الْمَرْجُوحِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ التَّرْجِيحِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّل تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ وَمَعْنَاهُ]
(بَابُ التَّرْجِيحِ) :
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّعَارُضِ التَّوَقُّفُ أَوْ التَّخْيِيرُ دُونَ التَّرْجِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] فَقَدْ أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ، وَالْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ اعْتِبَارٌ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَنَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَالْحُكْمُ بِالْمَرْجُوحِ حُكْمٌ بِالظَّاهِرِ؛ وَلِأَنَّ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةَ لَا تَزِيدُ عَلَى الْبَيِّنَاتِ، وَالتَّرْجِيحُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَيِّنَاتِ حَتَّى لَمْ تُرَجَّحْ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ فَكَذَا فِي الْأَمَارَاتِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى صِحَّةِ التَّرْجِيحِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ عَلَى تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ عَلَى الْبَعْضِ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارَضَةٍ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا خَبَرَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ عَلَى خَبَرِ مَنْ رَوَى أَنْ «لَا مَاءَ إلَّا مِنْ الْمَاءِ» ، وَقَدَّمُوا أَيْضًا مَنْ رَوَتْ مِنْ أَزْوَاجِهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا، وَهُوَ صَائِمٌ» عَلَى مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ - «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صِيَامَ لَهُ» .
وَقَوَّى عَلِيٌّ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَلَمْ يُحَلِّفْهُ وَحَلَّفَ غَيْرَهُ وَقَوَّى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ لَمَّا رَوَى مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ؛ وَلِأَنَّ الْعُقَلَاءَ يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ بِعُقُولِهِمْ فِي الْحَوَادِثِ، وَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى
(4/76)

فِي تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً وَشَرِيعَةً وَالثَّانِي فِي الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَعُ بِهَا بِتَرْجِيحٍ.
وَالثَّالِثُ بَيَانُ الْمُخَلِّصِ فِي تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وَالرَّابِعُ فِي الْفَاسِدِ مِنْ وَجْهِ التَّرْجِيحِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ عِبَارَةٌ عَنْ فَضْلِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَصْفًا فَصَارَ التَّرْجِيحُ بِنَاءً عَلَى الْمُمَاثَلَةِ وَقِيَامُ التَّعَارُضِ بَيْنَ مِثْلَيْنِ يَقُومُ بِهِمَا التَّعَارُضُ قَائِمًا بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ لَا يَقُومُ بِهِ التَّعَارُضُ بَلْ يَنْعَدِمُ فِي مُقَابَلَةِ أَحَدِ رُكْنَيْ التَّعَارُضِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ رُجْحَانُ الْمِيزَانِ وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَوِيَ الْكِفَّتَانِ بِمَا يَقُومُ بِهِ التَّعَارُضُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ يَنْضَمُّ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْءٌ لَا يَقُومُ بِهِ التَّعَارُضُ وَلَا يَقُومُ بِهِ الْوَزْنُ لَوْلَا الْأَصْلُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ رُجْحَانًا كَالدَّانَقِ وَنَحْوِهِ فِي الْعَشَرَةِ فَأَمَّا السِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ إذَا ضُمَّ إلَى إحْدَى الْعَشَرَتَيْنِ فَلَا.
أَلَا يُرَى أَنَّ ضِدَّ التَّرْجِيحِ التَّطْفِيفُ وَذَلِكَ يَنْقُصَانِ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ بِوَصْفٍ لَا يَقُومُ بِهِ التَّعَارُضُ وَلَا يَنْفِي أَصْلَ التَّعَارُضِ، وَذَلِكَ مَعْنَى التَّرْجِيحِ شَرْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وِزَانِ الْأُمُورِ الْعُرْفِيَّةِ لِكَوْنِهِ أَسْرَعَ إلَى الِانْقِيَادِ وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَالْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْآيَةِ أَنَّ مُقْتَضَاهَا وُجُوبُ النَّظَرِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وَعَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالسُّنَّةِ مَنْعُ كَوْنِ الْمَرْجُوحِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مَا تَرَجَّحَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَالْمَرْجُوحُ مَعَ الرَّاجِحِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَعَنْ تَعَلُّقِهِمْ بِمَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ مَا سَيَأْتِي.
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمَظْنُونَيْنِ؛ لِأَنَّ الظُّنُونَ تَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي مَعْلُومَيْنِ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْعُلُومِ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَجْلَى وَأَقْرَبُ حُصُولًا، وَأَشَدُّ اسْتِغْنَاءً عَنْ التَّأَمُّلِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ قَاطِعَانِ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّرْجِيحِ بَلْ الْمُتَأَخِّرُ هُوَ النَّاسِخُ إنْ عُرِفَ التَّارِيخُ، وَإِلَّا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَوْ التَّوَقُّفُ وَلَا فِي مَعْلُومٍ، وَمَظْنُونٍ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الظَّنِّ فِي مُقَابَلَةِ الْعِلْمِ فَثَبَتَ أَنَّ مَحَلَّ التَّرْجِيحِ الدَّلَائِلُ الظَّنِّيَّةُ فَبَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَامُ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ عَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً وَشَرِيعَةً) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُسْتَقِيمِ أَيْ فِي تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ لُغَةً، وَمَعْنَاهُ شَرِيعَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ أَيْ فِي تَفْسِيرِ التَّرْجِيحِ شَرِيعَةً، وَمَعْنَاهُ لُغَةً.
أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ التَّرْجِيحِ لُغَةً وَشَرِيعَةً وَالثَّانِي فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّرْجِيحُ أَيْ الْوُجُوهُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّرْجِيحُ فِي الْأَقْيِسَةِ فَأَمَّا وُجُوهُ التَّرْجِيحِ فِي الْأَخْبَارِ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهَا فَإِنَّ التَّرْجِيحَ عِبَارَةٌ عَنْ كَذَا فِيهِ تَوَسُّعٌ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مَعْنَى الرُّجْحَانِ لَا مَعْنَى التَّرْجِيحِ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إثْبَاتُ رُجْحَانٍ.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: التَّرْجِيحُ لُغَةً إظْهَارُ الزِّيَادَةِ لِأَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَصْفًا لَا أَصْلًا مِنْ قَوْلِك أَرْجَحْت الْوَزْنَ إذَا زِدْت جَانِبَ الْمَوْزُونِ حَتَّى مَالَتْ كِفَّتُهُ وَطَفَتْ كِفَّةُ السَّنَجَاتِ مَيْلًا لَا يُبْطِلُ مَعْنَى الْوَزْنِ فَصَارَ التَّرْجِيحُ بِنَاءً عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فَقَوْلُهُ بِنَاءً خَبَرُ صَارَ، وَقَائِمًا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَوْ بِنَاءً مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَقَعَ مَوْقِعَ الْحَالِ، وَقَائِمًا خَبَرُ صَارَ أَيْ صَارَ التَّرْجِيحُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَا مَبْنِيًّا عَلَى الْمُمَاثَلَةِ قَائِمًا بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ فَضْلِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَقِيَامِ التَّعَارُضِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَيْ ثَابِتًا بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ إذْ الْأَوْصَافُ أَتْبَاعٌ لِلذَّوَاتِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَصَارَ التَّرْجِيحُ إلَى آخِرِهِ بَيَانَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْأَوَّلُ بَيَانُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَحْقِيقَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ مَعْنَى التَّرْجِيحِ شَرْعًا إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ التَّرْجِيحِ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ رُجْحَانُ الْمِيزَانِ أَيْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُعَادَلَةِ بَيْنَ كِفَّتَيْ الْمِيزَانِ وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقُومُ بِهَا الْمُمَاثَلَةُ ابْتِدَاءً، وَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَزْنِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ قَصْدًا فِي الْعَادَةِ كَالدَّانَقِ وَنَحْوِهِ مِثْلُ الْحَبَّةِ وَالشَّعِيرَةِ فَإِنَّ الدَّانَقَ فِي مُقَابِلَةِ الْعَشَرَةِ لَا يُعْتَبَرُ وَزْنُهُ عَادَةً، وَلَا يُفْرَدُ لَهُ الْوَزْنُ فِي مُقَابَلَتِهَا بَلْ يُهْدَرُ وَيُجْعَلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ أَمَّا السِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ إذَا ضُمَّتْ إلَى إحْدَى الْعَشْرَتَيْنِ يَعْنِي إذَا قُوبِلَتْ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ وَضُمَّتْ إلَى إحْدَاهُمَا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا لَا يُسَمَّى ذَلِكَ تَرْجِيحًا؛ لِأَنَّ السِّتَّةَ وَنَحْوَهَا يُعْتَبَرُ وَزْنُهَا فِي مُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ، وَلَا يُهْدَرُ
(4/77)

أَلَا يُرَى أَنَّا جَوَّزْنَا فَضْلًا فِي الْوَزْنِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْوَازِنِ «زِنْ وَأَرْجِحْ» وَلَمْ يَجْعَلْهُ هِبَةً فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَكَانَ مِنْ قِبَلِ مَا يَقَعُ التَّعَارُضُ بِصِفَةِ التَّطْفِيفِ صَارَ هِبَةً، وَكَانَ بَاطِلًا وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِوَصْفٍ لَا يَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِانْفِرَادِهِ كَرَجُلٍ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى عَيْنٍ، وَأَقَامَ آخَرُ أَرْبَعَةً لَمْ يَتَرَجَّحْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ انْضَمَّ إلَى مِثْلِهَا فَلَمْ يَصْلُحْ وَصْفًا، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِوَصْفٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنَى الرُّكْنِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ التَّرْجِيحُ بِشَاهِدٍ ثَالِثٍ عَلَى الشَّاهِدِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْحُجَّةَ قُوَّةً، وَلَا الصِّدْقَ تَوْكِيدًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ تُسَمَّى زِيَادَةُ دِرْهَمٍ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ رُجْحَانًا؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَقُومُ بِهِ أَصْلًا وَتُسَمَّى زِيَادَةُ الْحَبَّةِ وَنَحْوِهَا رُجْحَانًا؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَا تَقُومُ بِهَا عَادَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ مِنْ إحْدَى الْعَشْرَتَيْنِ حَقِيقَةَ الْعَشَرَةِ، وَمِنْ الْآخَرِ السَّنْجَةَ الَّتِي فِي مُقَابَلَتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ مَعْنَى التَّرْجِيحِ شَرْعًا) أَيْ، وَكَمَا بَيَّنَّا مَعْنَى التَّرْجِيحِ لُغَةً فَهُوَ فِي الشَّرْعِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا إذْ هُوَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ قُوَّةٍ لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ لَوْ انْفَرَدَتْ عَنْهُ لَا تَكُونُ حُجَّةً مُعَارِضَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْمِيزَانِ التَّرْجِيحُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ زِيَادَةُ قُوَّةٍ مَعَ قِيَامِ التَّعَارُضِ ظَاهِرًا.
وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِيُعْلَمَ الْأَقْوَى فَيُعْمَلَ بِهِ وَيُطْرَحَ الْآخَرُ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اقْتِرَانِ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ تَعَارُضِهِمَا بِمَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةٍ فَقَوْلُهُ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا صَالِحَيْ الدَّلَالَةِ وَقَوْلُهُ مَعَ تَعَارُضِهِمَا احْتِرَازٌ عَنْ الصَّالِحَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا إذْ التَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ التَّعَارُضِ لَا مَعَ عَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (أَلَا تَرَى أَنَّا جَوَّزْنَا) التَّوْضِيحَ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي الشَّرْعِ كَالتَّرْجِيحِ فِي اللُّغَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ يَكُونُ وَصْفًا لَا أَصْلًا فَإِنَّا قَدْ جَوَّزْنَا فَضْلًا فِي الْوَزْنِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْوَزَّانِ حِينَ اشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِدِرْهَمَيْنِ «زِنْ وَأَرْجِحْ فَإِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ هَكَذَا نَزِنُ» وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَيْ ذَلِكَ الْفَضْلَ هِبَةً حَتَّى مَنَعَ مِنْ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرُّجْحَانُ زِيَادَةُ تَقْوِيَةٍ وَصْفًا بِالْمَوْزُونِ لَا مَقْصُودًا بِسَبَبِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقَعُ التَّرْجِيحُ كَالدِّرْهَمِ عَلَى الْعَشَرَةِ وَكَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّعَارُضُ بِصِفَةِ التَّطْفِيفِ يَعْنِي بِوَزْنٍ قُصِدَ فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ صِفَةُ التَّطْفِيفِ.
صَارَ ذَلِكَ الْفَضْلُ هِبَةً حَتَّى كَانَ بَاطِلًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا كَهِبَةِ الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقُومُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُودًا بِالْوَزْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ مَقْصُودًا فِي التَّمْلِيكِ بِسَبَبِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْهِبَةَ فَإِنَّ قَضَاءَ الْعَشَرَةِ يَكُونُ بِمِثْلِهَا عَشَرَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّ بِالرُّجْحَانِ لَا يَفُوتُ أَصْلُ الْمُمَاثَلَةِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ وَصْفٍ بِمَنْزِلَةِ زِيَادَةِ وَصْفِ الْجُودَةِ، وَمَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالْوَزْنِ يَفُوتُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الرُّجْحَانِ فِي شَيْءٍ.
1 -
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ، وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ لُغَةً وَشَرِيعَةً إنَّمَا يَقَعُ بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ لَا بِمَا هُوَ أَصْلٌ قُلْنَا فِي تَرْجِيحِ الْعِلَلِ: إنَّهُ لَا يَقَعُ بِمَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ تَبَعًا، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِوَصْفٍ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ، وَهُوَ قُوَّةُ الْأَثَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَوْ قِيَاسٌ وَاحِدٌ، وَفِي الْآخَرِ حَدِيثَانِ أَوْ قِيَاسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِي إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ التَّرْجِيحُ بِهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْوَاحِدَ لَا يُقَاوِمُ إلَّا دَلِيلًا وَاحِدًا مِنْ جِنْسِهِ فَيَتَسَاقَطَانِ بِالتَّعَارُضِ فَيَبْقَى الدَّلِيلُ الْآخَرُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَيَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّرْجِيحِ قُوَّةُ الظَّنِّ الصَّادِرِ عَنْ إحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَتْ قُوَّةُ الظَّنِّ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ مِثْلُهُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُنْتَزَعَةَ مِنْ أُصُولٍ تَتَرَجَّحُ عَلَى الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ لِتَقَوِّيهَا بِكَثْرَةِ أُصُولِهَا بِالْعِلَلِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أُصُولٍ، وَكُلُّهَا يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ تَكُونُ
(4/78)

لِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْقِيَاسَ لَا يَتَرَجَّحُ بِقِيَاسٍ آخَرَ وَلَا الْحَدِيثُ بِحَدِيثٍ آخَرَ لَا الْقِيَاسُ بِالنَّصِّ وَلَا نَصُّ الْكِتَابِ بِنَصٍّ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ النَّصُّ بِقُوَّةٍ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ حَتَّى صَارَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ أَوْلَى مِنْ الْغَرِيبِ؛ لِأَنَّ الشُّهْرَةَ تُوجِبُ قُوَّةً فِي اتِّصَالِهِ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَوْلَى بِالتَّرَجُّحِ مِنْ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ لِتَقَوِّيهَا بِكَثْرَتِهَا فِي أَنْفُسِهَا، وَكَثْرَةِ أُصُولِهَا أَيْضًا.
وَذَهَبَ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَتَقَوَّى بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي ذَاتِهِ لَا بِانْضِمَامِ مِثْلِهِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يُوجَدُ إلَّا تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَيَتَقَوَّى بِهِ الْمَوْصُوفُ فَأَمَّا الدَّلِيلُ الْمُسْتَبِدُّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُعَارِضًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِهِ فَيَتَسَاقَطُ الْكُلُّ بِالتَّعَارُضِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أُصُولٍ؛ لِأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ بِصِحَّتِهَا تَقَوَّتْ فِي نَفْسِهَا فَتَتَرَجَّحُ عَلَى الْأُخْرَى بِتَقَوِّيهَا فَأَمَّا الْعِلَلُ فَلَا تَتَقَوَّى بِكَثْرَتِهَا، وَلَا بِكَثْرَةِ أُصُولِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ عِلَّتِهِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْهُ لَا بِصِحَّةِ عِلَّةِ أَصْلِ آخَرَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قُوَّةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ أَلْفُ قِيَاسٍ وَعَارَضَ تِلْكَ الْأَقْيِسَةَ خَبَرٌ وَاحِدٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ رَاجِحًا كَمَا لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ وَاحِدًا.
وَلَوْ كَانَ لِلْكَثْرَةِ أَثَرٌ فِي قُوَّةِ الظَّنِّ لَتَرَجَّحَتْ الْأَقْيِسَةُ الْمُتَكَثِّرَةُ بِتَعَاضُدِهَا عَلَى الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى عَدَمِ تَرْجِيحِ الشَّهَادَةِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فَإِنَّ أَحَدَ الْمُدَّعِيَيْنِ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً لَا يَتَرَجَّحُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الِاثْنَيْنِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِلْحُكْمِ فَلَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً لِلْحُجَّةِ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ شَاهِدِ وَاحِد مِنْ جِنْسِ مَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ كَاَلَّذِي يَشْهَدُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ، وَفِي السَّمَاءِ غَيْمٌ فَإِنَّ تِلْكَ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ وَالْآخَرُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَتَرَجَّحُ شَهَادَةُ الْعَدْلَيْنِ لِظُهُورِ مَا يُؤَكِّدُ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي شَهَادَتِهِمَا فَثَبَتَ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا يَزِيدُ قُوَّةً لِمَا جُعِلَ حُجَّةً وَيَصِيرُ وَصْفًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ؛ وَلِأَنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بِمَا يَصْلُحُ دَلِيلًا بِانْفِرَادِهِ قَالُوا إنَّ الْقِيَاسَ لَا يَتَرَجَّحُ بِقِيَاسٍ آخَرَ لِمَا قُلْنَا بَلْ يَتَرَجَّحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ فِيهِ يَتَأَكَّدُ مَا هُوَ الرُّكْنُ فِي الْقِيَاسِ وَلَا الْقِيَاسُ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ مَتَى شَهِدَ لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ صَارَتْ الْعِبْرَةُ لِلنَّصِّ وَسَقَطَ الْقِيَاسُ فِي أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فِي الْمَنْصُوصِ نَفْسِهِ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ تَعْلِيلَ النَّصِّ بِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى سَاقِطٌ؛ وَلِأَنَّ النَّصَّ فَوْقَ الْقِيَاسِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَتَرَجَّحُ بِقِيَاسٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ تَبَعًا لَهُ فَبِالنَّصِّ أَوْلَى وَلَا نَصُّ الْكِتَابِ بِنَصٍّ آخَرَ يَعْنِي إذَا وَقَعَتْ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدَهُمَا بِآيَةٍ أُخْرَى بَلْ تَتَرَجَّحُ بِقُوَّةٍ فِي النَّصِّ بِأَنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا أَوْ مُحْكَمًا وَاَلَّذِي يُعَارِضُهُ دُونَهُ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا أَوْ مُؤَوَّلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
حَتَّى صَارَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ أَوْلَى مِنْ الْغَرِيبِ أَيْ مِنْ الْخَبَرِ الَّذِي دُونَهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْخَبَرُ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالِاشْتِهَارُ يُوجِبُ قُوَّةَ ثُبُوتٍ فِي النَّقْلِ الَّذِي بِهِ يُثْبِتُ الْخَبَرَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَصِيرُ حُجَّةً وَيَصِيرُ وَصْفًا لِلْخَبَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ خَبَرٌ مَشْهُورٌ وَمُتَوَاتِرٌ وَشَاذٌّ وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ حَتَّى لَوْ كَانَ لِخَبَرٍ رَاوٍ وَاحِدٍ وَلِمُعَارِضِهِ رَاوِيَانِ أَوْ رُوَاةٌ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ لَيْسَ فِي الِاشْتِهَارِ إلَّا كَثْرَةُ الرُّوَاةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ إذَا لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ أَوْ الشُّهْرَةِ لَا يَحْدُثُ وَصْفٌ فِي الْخَبَرِ يَتَقَوَّى بِهِ بَلْ هُوَ فِي خَبَرِ الْآحَادِ كَمَا كَانَ فَأَمَّا إذَا بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ أَوْ الشُّهْرَةِ فَقَدْ
(4/79)

وَكَذَلِكَ إذَا جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جِرَاحَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَاتٍ فَمَاتَ مِنْهَا وَذَلِكَ خَطَأٌ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ نِصْفَيْنِ وَلَا بِتَرْجِيحِ صَاحِبِ الْجِرَاحَاتِ حَتَّى يُجْعَلَ وَحْدَهُ قَاتِلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ تَصْلُحُ عِلَّةً مُعَارِضَةً فَلَمْ تَصْلُحْ وَصْفًا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَدَثَ فِيهِ وَصْفٌ تَقَوَّى بِهِ حَيْثُ يُقَالُ خَبَرٌ مَشْهُورٌ، وَمُتَوَاتِرٌ فَيُعْتَبَرُ هَذِهِ الْكَثْرَةُ فِي التَّرْجِيحِ دُونَ الْأُولَى.
وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّ أَحَدَ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَرَجَّحُ بِنَصٍّ آخَرَ، وَلَكِنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ لِلنَّصِّ الَّذِي يُوَافِقُهُ وَتَابِعًا لَهُ فَيَصْلُحُ مُرَجِّحًا.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ لَا يَتَرَجَّحُ بِالْقِيَاسِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصَحَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَصْلُحُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ حُجَّةً مَعَ النَّصِّ كَالشَّاهِدِ الثَّالِثِ لَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَصْلُحُ حُجَّةً بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ أَيْ، وَكَمَا لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْثِلَةِ لَا يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ الْجِرَاحَاتِ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا إذَا جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جِرَاحَةً يَعْنِي جِرَاحَةً يَقْصِدُ بِهَا الْقَتْلَ وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَاتٍ كَذَلِكَ أَيْضًا حَتَّى لَوْ خَدَشَ أَحَدُهُمَا وَجَرَحَ الْآخَرُ فَالضَّمَانُ إنْ كَانَ خَطَأً وَالْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا عَلَى الْجَارِحِ دُونَ الْخَادِشِ.
فَمَاتَ مِنْهَا أَيْ مِنْ جَمِيعِ الْجِرَاحَاتِ بِأَنْ مَاتَ، وَلَمْ تَنْدَمِلْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا حَتَّى لَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا وَانْدَمَلَ ثُمَّ جَرَحَهُ الْآخَرُ أَوْ انْدَمَلَ جُرْحُ أَحَدِهِمَا بَعْدَمَا جَرَحَاهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ انْدِمَالِ جُرْحِ الْآخَرِ كَانَ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ لَمْ يَنْدَمِلْ جُرْحُهُ دُونَ الْآخَرِ وَذَلِكَ خَطَأٌ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَمْدًا لَا يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ الْجِرَاحَاتِ عَلَى الْآخَرِ بَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا لِيُبَيِّنَ أَنَّ صَاحِبَ الْجِرَاحَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ يُسَاوِي صَاحِبَ الْجِرَاحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْجِرَاحَاتِ مَعَ إمْكَانِ اعْتِبَارِهِ بِقِسْمَةِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جِرَاحَةً وَاحِدَةً وَالْآخَرُ تِسْعَ جِرَاحَاتٍ فَلَوْ قِيلَ بِالتَّرْجِيحِ لَكَانَ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ عَلَى صَاحِبِ التِّسْعِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَمَّا سَقَطَ التَّرْجِيحُ كَانَ اعْتِبَارُ عَدَدِ الْجِرَاحَاتِ مُمْكِنًا فِي الْخَطَأِ بِقِسْمَةِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ، وَإِيجَابِ عُشْرِهَا عَلَى صَاحِبِ الْجِرَاحَةِ الْوَاحِدَةِ وَتِسْعَةُ أَعْشَارِهَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ بَلْ اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْجَانِي لَا عَدَدُ الْجِنَايَاتِ وَفِي الْعَمْدِ بَعْدَ سُقُوطِ التَّرْجِيحِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ عَدَدِ الْجِنَايَاتِ بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الْقِصَاصِ فَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْخَطَأِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ بَعْدَ سُقُوطِ التَّرْجِيحِ الْمَصِيرُ إلَى عَدَدِ الْجَانِي لَا إلَى عَدَدِ الْجِنَايَاتِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى عَدَدِ الْجَانِي دُونَ عَدَدِ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمُوتُ مِنْ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ لَا يَمُوتُ مِنْ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَيُعْتَبَرُ الْجِرَاحَاتُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْوَاحِدِ بِمَنْزِلَةِ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ صَاحِبُ الْجِرَاحَاتِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ انْفَرَدَ صَاحِبُ الْجِرَاحَةِ الْوَاحِدَةِ كَانَ عَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَدُ الْجَانِي لَا عَدَدُ الْجِنَايَاتِ حَتَّى يُجْعَلَ وَحْدَهُ قَاتَلَا إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي جَعْلِهِ قَاتِلًا وَحْدَهُ، وَإِهْدَارِ جِنَايَةِ الْآخَرِ لَا فِي اعْتِبَارِ عَدَدِ جِنَايَاتِهِ مَعَ اعْتِبَارِ جِنَايَةِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ يَعْنِي مِنْ جِرَاحَاتِ صَاحِبِ الْجِنَايَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ يَصْلُحُ مُعَارَضَةً لِجِرَاحَةِ صَاحِبِ الْوَاحِدَةِ فَلَمْ تَصْلُحْ وَصْفًا لِجِنَايَةٍ أُخْرَى فَلَا يَقَعُ بِهَا التَّرْجِيحُ، وَلَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ ثُمَّ جَزَّ الْآخَرُ رَقَبَتَهُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي جَزَّ رَقَبَتَهُ دُونَ الْآخَرِ صَاحَبَ بِزِيَادَةِ قُوَّةٍ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ النَّقْلِ مِنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ
(4/80)

وَكَذَلِكَ قُلْنَا نَحْنُ فِي الشَّفِيعَيْنِ فِي الشِّقْصِ الشَّائِعِ الْمَبِيعِ بِسَهْمَيْنِ مُتَفَاوِتَيْنِ إنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ السَّهْمِ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْجُمْلَةِ فَقَامَتْ الْمُعَارَضَةُ بِكُلِّ جُزْءٍ، وَإِنْ قَلَّ فَلَمْ يَصْلُحْ شَيْءٌ مِنْهُ وَصْفًا لِغَيْرِهِ فَقَدْ وَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَجِّحْ صَاحِبَ الْكَثِيرِ أَيْضًا لَكِنَّهُ جَعَلَ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ كَالثَّمَرِ وَالْوَلَدِ فَجَعَلَهُ مُنْقَسِمًا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُ غَلَطًا بِأَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْعِلَّةِ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْعِلَّةِ، وَمُنْقَسِمًا عَلَى أَجْزَائِهَا، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَنَّ التَّعْصِيبَ لَا يَتَرَجَّحُ بِالزَّوْجِيَّةِ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَيًّا بَعْدَ فِعْلِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ قُلْنَا) أَيْ، وَكَمَا قُلْنَا بِمُسَاوَاةِ صَاحِبِ الْجِرَاحَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ صَاحِبَ الْجِرَاحَةِ الْوَاحِدَةِ قُلْنَا بِمُسَاوَاةِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ صَاحِبَ الْكَثِيرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشِّقْصِ الشَّائِعِ الْمَبِيعِ فِي الشُّفْعَةِ، وَالشِّقْصُ الْجُزْءُ مِنْ الشَّيْءِ وَالنَّصِيبُ، وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الشِّقْصِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْجَوَازِ عِنْدَنَا كَذَلِكَ حَتَّى مَنْ كَانَ جَوَازُهُ مِنْ جَانِبَيْنِ لَا يَتَرَجَّحُ عَلَى مَنْ كَانَ جَوَازُهُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لِيُمْكِنَهُ بَيَانُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ، وَقَدْ وَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا. وَصُورَتُهُ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخِرِ ثُلُثُهَا وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهَا فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ الْآخَرَانِ الشُّفْعَةَ لَمْ يَتَرَجَّحْ صَاحِبُ الثُّلُثِ عَلَى الْآخَرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُقْضَى بِالشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَاحِبَ الثُّلُثِ قَضَى بِهِ بَيْنَ الْبَاقِيَيْنِ أَرْبَاعًا، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ السُّدُسِ قَضَى بِهِ بَيْنَ الْآخَرِينَ أَخْمَاسًا، وَعِنْدَنَا يَقْضِي بِالْمَبِيعِ بَيْنَ الْبَاقِينَ أَنْصَافًا بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ إلَى آخِرِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ لَا عَلَى الْمَلْفُوظِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ يَعْنِي قُلْنَا إنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الشِّقْصِ، وَلَا رُجْحَانَ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ عَلَى صَاحِبِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ السَّهْمِ يَعْنِي السَّهْمَ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِاسْتِحْقَاقِ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ بِالشُّفْعَةِ فَقَامَتْ الْمُعَارَضَةُ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ مَعَ صَاحِبِ الْقَلِيلِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِمَّا فِي يَدِهِ، وَإِنْ قَلَّ، فَلَمْ يَصْلُحْ شَيْءٌ مِنْ السَّهْمِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَصْفًا لِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ بَاقِي السَّهْمِ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي جَانِبِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ إلَّا كَثْرَةُ الْعِلَّةِ، وَهِيَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلتَّرْجِيحِ.
وَقَوْلُهُ: قَدْ وَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْمَفْهُومِ أَيْضًا أَيْ وَافَقَنَا عَلَى عَدَمِ التَّرْجِيحِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِاسْتِحْقَاقِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ كُلَّ الْمَبِيعِ أَيْضًا، وَلَوْ رَجَّحَ صَاحِبَ الْكَثِيرِ لَحَكَمَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْجَمِيعَ وَبِحِرْمَانِ صَاحِبِهِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّ الشُّفْعَةِ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ أَيْ مِنْ مَنَافِعِهِ وَثَمَرَاتِهِ كَالثَّمَرِ وَالْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدَيْنِ مِنْ الْأَشْجَارِ وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ فَجَعَلَهُ أَيْ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُنْقَسِمًا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَكَانَ هَذَا أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ غَلَطًا بِأَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْعِلَّةِ، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْعِلَّةِ، وَهِيَ مِلْكُ الشَّفِيعِ مَا يَشْفَعُ بِهِ، وَمُنْقَسِمًا عَلَى أَجْزَائِهَا وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْعِلَّةِ لَا بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ بَلْ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ مُقَارِنًا لِلْعِلَّةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ لِاسْتِلْزَامِهِ صَيْرُورَةَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعِلَّةِ عِلَّةً لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْحُكْمِ وَالشَّرْعُ جَعَلَ جَمِيعَهَا عِلَّةً لِجَمِيعِ الْحُكْمِ لَا غَيْرُ فَالْقَوْلُ بِالِانْقِسَامِ كَانَ نَصَبًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ بَلْ الشَّفِيعُ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مِلْكَهُ الْقَدِيمَ جَعَلَهُ أَحَقَّ مِنْ الدَّخِيلِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ حَقًّا لِمِلْكِهِ شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يَصِرْ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَرَافِقِ مِلْكِهِ لَمْ يَتَوَزَّعْ عَلَيْهِ وَلَئِنْ كَانَ مُرْفَقًا فَهُوَ مُرْفَقٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ عِلَّةٌ وَثُبُوتُ حَقِّ التَّمَلُّكِ لِلْمَبِيعِ حُكْمٌ لَهُ ثُمَّ الْمِلْكُ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يُعْطِيهِ فَكَانَ مُرْفَقًا مِنْ حُكْمِ الْعِلَّةِ لَا مِنْ الْعِلَّةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ زِيَادَةُ الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الشَّجَرِ فَثُلُثُ الشَّجَرِ لَا يُولَدُ إلَّا ثُلُثُ الثَّمَرَةِ، وَالْغَلَّةُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَثُلُثُ الْمَنْفَعَةِ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْبَدَلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُ الْمَرْأَةِ)
(4/81)

وَقَالَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ إنَّ السُّدُسَ لَهُ بِالْأُخُوَّةِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالتَّعْصِيبِ خِلَافًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَجْعَلُوا الْأُخُوَّةَ مُرَجِّحَةً لَمَّا كَانَتْ عِلَّةً بِانْفِرَادِهَا لَا يَصْلُحُ وَصْفًا؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مِنْ الْعُمُومَةِ بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ لِأُمٍّ فَإِنَّهَا جُعِلَتْ وَصْفًا لِلْأُخُوَّةِ لِأَبٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ تَابِعَةٌ، وَالْمَنْزِلُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ طَلَبُ الرُّجْحَانِ مِنْ قِبَلِ الْأَوْصَافِ مِثْلُ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
يَعْنِي مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَتَرَكَتْ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُهَا وَصُورَتُهُ ظَاهِرَةٌ أَنَّ التَّعْصِيبَ الَّذِي فِي الزَّوْجِ لَا يَتَرَجَّحُ بِالزَّوْجِيَّةِ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْصِيبِ وَالزَّوْجِيَّةِ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ بِانْفِرَادِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا فِي شَخْصَيْنِ فَيَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالتَّعْصِيبِ وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ ثَلَاثَةٌ لِلزَّوْجِ وَسَهْمٌ لِلْآخَرِ وَقَالَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَخَوَانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ فَمَاتَ زَيْدٌ وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ الَّتِي هِيَ أُمُّ ابْنِهِ عَمْرٍو فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا فَهَذَا الِابْنُ الَّذِي كَانَ لِعَمْرٍو مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ابْنَا عَمٍّ لِابْنِ زَيْدٍ أَحَدُهُمَا أَخُوهُ لِأُمٍّ، وَمَاتَ هَذَا الِابْنُ وَتَرَكَ ابْنَيْ عَمِّهِ هَذَيْنِ لَا غَيْرَ كَانَ لِلَّذِي هُوَ أَخُوهُ لِأُمٍّ السُّدُسُ بِالْفَرْضِيَّةِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ وَيَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ لِلْأَخِ وَخَمْسَةٌ لِلْآخَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَالُ كُلُّهُ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ لِلْمَيِّتِ عَصَبَتَانِ اسْتَوَيَا فِي قَرَابَةِ الْأَبِ وَتَفَرَّدَتْ إحْدَاهُمَا بِقَرَابَةِ الْأُمِّ فَتَتَرَجَّحُ عَلَى الْأُخْرَى كَأَخَوَيْنِ لِأَبٍ أَحَدُهُمَا لِأُمٍّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتَرَجَّحُ بِزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِهَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَصْلُحُ عِلَّةً بِنَفْسِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ كَمَا بَيَّنَّا وَالزِّيَادَةُ هَاهُنَا، وَهِيَ الْأُخُوَّةُ لِأُمٍّ مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ؛ لِأَنَّهَا قَرَابَةٌ كَالْعُمُومَةِ، وَلَوْ انْفَرَدَتْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً لِلتَّعْصِيبِ فَتَصْلُحُ مُرَجِّحَةً لِقَرَابَةِ الْعُصُوبَةِ كَمَا فِي الْأَخَوَيْنِ لِأَبٍ أَحَدُهُمَا لِأُمٍّ. بِخِلَافِ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ حَيْثُ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْقَرَابَةِ، وَالْعِلَّةُ إنَّمَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا لَا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهَا. وَجْهُ قَوْلِ الْعَامَّةِ إنَّهُ اجْتَمَعَ فِي ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ سَبَبَانِ لِلْمِيرَاثِ الْأُخُوَّةُ وَالْعُمُومَةُ فَيَسْتَحِقُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَصِيرُ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ كَمَا لَوْ وُجِدَا فِي شَخْصَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَقَعُ بِمَا لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ فَأَمَّا مَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِانْفِرَادِهِ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْجِرَاحَاتِ وَالشَّهَادَاتِ.
وَهَاهُنَا الْأُخُوَّةُ بِانْفِرَادِهَا عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا تَصْلُحُ وَصْفًا لِلْعُمُومَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ مِنْ الْعُمُومَةِ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْأَخِ فَلَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً لِلْعُمُومَةِ بَلْ تُعْتَبَرُ عِلَّةً بِانْفِرَادِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِخِلَافِ الْأَخَوَيْنِ لِأَبٍ أَحَدُهُمَا لِأُمٍّ حَيْثُ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُخُوَّةُ وَالْأُخُوَّةُ لِأُمٍّ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ وَصْفٍ فِي الْأُخُوَّةِ لِأَبٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ لِأَبٍ وَأُمٍّ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ قَرَابَةُ الْأُمِّ فِيهِ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقٍ حَتَّى لَمْ يَسْتَحِقَّ بِالْفَرْضِيَّةِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعُصُوبَةِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً وَالْمَنْزِلُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُخُوَّةُ صَلَحَتْ مُرَجِّحَةً، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَخَوَانِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ حَيْثُ لَا يَتَرَجَّحُ الْأَخُ الَّذِي لِأَبٍ وَأُمٍّ عَلَى الْأَخِ الَّذِي لِأُمٍّ بَلْ يَرِثُ الَّذِي لِأُمٍّ مَا يُفْرَضُ وَالْآخَرُ بِالْعُصُوبَةِ مَعَ أَنَّ الْمَنْزِلَ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَرَابَةُ الْأُخُوَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ امْتَنَعَ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَرَابَةَ الْأَبِ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الْأُمِّ فَلَا تَصْلُحُ تَبَعًا لِقَرَابَةِ الْأُمِّ بِوَجْهٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَخِ بِالْفَرْضِ وَاسْتِحْقَاقَ الْآخَرِ بِالْعُصُوبَةِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُزَاحَمَةٌ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّرْجِيحِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ أَيْ مَجْرَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ
(4/82)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ، وَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ ثَبَاتِهِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَالتَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ أُصُولِهِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْأَثَرَ مَعْنَى حُجَّةٍ فَمَهْمَا قَوِيَ كَانَ أَوْلَى لِفَضْلِ وَصْفٍ فِي الْحُجَّةِ عَلَى مِثَالِ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ هُوَ كَالْخَبَرِ لَمَّا صَارَ حُجَّةً بِالِاتِّصَالِ ازْدَادَ قُوَّةً بِمَا يَزِيدُهُ قُوَّةً فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِضَبْطِ الرَّاوِي، وَإِتْقَانِهِ وَسَلَامَتِهِ عَنْ الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَضْلُ عَدَالَةِ بَعْضِ الشُّهُودِ عَلَى عَدَالَةِ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي حَدٍّ وَلَا مُتَنَوِّعٍ بَلْ هُوَ التَّقْوَى وَلَا وُقُوفَ عَلَى حُدُودِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْعَدَالَةِ مِثْلُ فِقْهِ الرَّاوِي وَحُسْنِ ضَبْطِهِ، وَإِتْقَانِهِ وَمِثْلُ التَّأْثِيرِ فِي الْقِيَاسِ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي) ، وَهُوَ الْوُجُوهُ الَّتِي بِهَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَأَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْقِيَاسَيْنِ الْمُؤَثِّرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ الْآخَرِ كَانَ رَاجِحًا عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُؤَثِّرًا فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فَلَا يَتَأَتَّى التَّرْجِيحُ.
وَالثَّانِي بِقُوَّةِ ثَبَاتِهِ أَيْ ثَبَاتِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَلْزَمَ لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ مِنْ وَصْفِ الْقِيَاسِ الْآخَرِ لِحُكْمِهِ وَالثَّالِثُ بِكَثْرَةِ أُصُولِهِ أَيْ أُصُولِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَوْ أُصُولِ الْوَصْفِ وَالرَّابِعُ التَّرْجِيحُ بِالْعَدَمِ أَيْ عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ أَيْ عَدَمِ الْوَصْفِ، وَهُوَ الْعَكْسُ الَّذِي مَرَّ بَيَانُهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ أَيْ صِحَّةُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ الْأَثَرَ مَعْنَى الْحُجَّةِ يَعْنِي الْمَعْنَى الَّذِي صَارَ الْوَصْفُ بِهِ حُجَّةً هُوَ الْأَثَرُ فَمَهْمَا قَوِيَ أَيْ كَانَ أَقْوَى كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَوْلَى لِفَضْلِ وَصْفٍ فِي الْحُجَّةِ أَيْ لِزِيَادَةِ أَثَرٍ، وَكَانَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ عَلَى مِثَالِ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا تَرَجَّحَ عَلَيْهِ الِاسْتِحْسَانُ لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ فِيهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَهُوَ أَيْ الْقِيَاسُ فِي تَرَجُّحِهِ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ مِثْلُ الْخَبَرِ فِي تَرَجُّحِهِ بِقُوَّةِ الِاتِّصَالِ، أَوْ تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ مِثْلُ تَرْجِيحِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ حُجَّةً بِالِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ازْدَادَ الْخَبَرُ قُوَّةً بِمَا يَزِيدُ قُوَّةً فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاتِّصَالُ بِضَبْطِ الرَّاوِي الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَزِيدَ، وَسَلَامَتُهُ أَيْ سَلَامَةُ الْخَبَرِ عَنْ الِانْقِطَاعِ بِاتِّصَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي بَيَانِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَضْلُ عَدَالَةِ بَعْضِ الشُّهُودِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الشَّهَادَةَ صَارَتْ حُجَّةً بِالْعَدَالَةِ كَمَا صَارَ الْوَصْفُ حُجَّةً بِالْأَثَرِ وَالْخَبَرِ بِالِاتِّصَالِ ثُمَّ الشَّهَادَةُ لَا تَتَرَجَّحُ بِقُوَّةِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَقْوَى مِنْهَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فَكَذَا الْقِيَاسَانِ بَعْدَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُمَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِقُوَّةِ الْأَثَرِ فَقَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قُوَّةِ الْأَثَرِ الِاتِّصَالُ فَضْلُ عَدَالَةِ بَعْضِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْفَضْلَ أَوْ الْعَدَالَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِذِي حَدٍّ لِيُمْكِنَ مَعْرِفَةُ تَرَجُّحِ الْبَعْضِ بِزِيَادَةِ قُوَّةٍ فِيهِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَى حَدِّهِ، وَلَا مُتَنَوِّعٍ أَيْ لَيْسَ بِذِي أَنْوَاعٍ مُتَفَاوِتَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِيَظْهَرَ لِبَعْضِهَا قُوَّةٌ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْبَعْضِ بَلْ هُوَ أَيْ الْعَدَالَةُ هِيَ التَّقْوَى وَالِانْزِجَارُ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يَعْقِدُ الْحُرْمَةَ فِيهِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَذَا الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَرُبَّمَا كَانَ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ أَعْدَلُ أَدْنَى دَرَجَةً فِي التَّقْوَى مِنْ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ دُونَهُ فِيهَا بِخِلَافِ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ قُوَّةَ الْأَثَرِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْعِلَّةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ مَعْلُومَةٍ مُتَفَاوِتَةِ الْأَثَرِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ صَارَتْ حُجَّةً بِالْعَدَالَةِ بَلْ بِالْوِلَايَةِ الثَّابِتَةِ بِالْحُرِّيَّةِ.
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي أَصْلِ الْوِلَايَةِ الثَّابِتَةِ بِأَصْلِ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ لِظُهُورِ جَانِبِ الصِّدْقِ فَإِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ بِأَصْلِ الْعَدَالَةِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى زِيَادَةِ قُوَّةٍ فِي الْعَدَالَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا صَارَ حُجَّةً
(4/83)

مِثَالُهُ مَا قُلْنَا فِي طَوْلِ الْحُرَّةِ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحُرَّ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَرِقُّ مَاءَهُ عَلَى غُنْيَةً وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ كَاَلَّذِي تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَهَذَا وَصْفٌ بَيِّنُ الْأَثَرِ. وَقُلْت: إنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَهْرًا يَصْلُحُ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا، وَقَالَ تَزَوَّجْ مَنْ شِئْت فَيَمْلِكُهُ الْحُرُّ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَّا بِالتَّأْثِيرِ، وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ ثَابِتٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ التَّرْجِيحِ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ مَا قُلْنَا فِي طَوْلِ الْحُرَّةِ أَيْ الْغَنَاءِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَزَوُّجِ الْحُرَّةِ وَفِي الْمُغْرِبِ الطَّوْلُ الْفَضْلُ يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ طَوْلٌ أَيْ زِيَادَةٌ، وَفَضْلٌ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ إذَا وُجِدَ الطَّوْلُ إلَى الْحُرَّةِ بَطَلَ نِكَاحُ الْأَمَةِ فَعَدَّاهُ بِإِلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ طَوْلُ الْحُرَّةِ فَمُتَّسِعٌ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْحُرُّ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَالِكًا لِمَهْرِ الْحُرَّةِ فَتَزَوَّجَ أَمَةً جَازَ عِنْدَنَا، وَقُيِّدَ بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْعَبْدُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُمْنَعُ يَعْنِي لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ أَوْ الْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَرِقُّ مَاءَهُ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ إذْ الْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ عَلَى غُنْيَةً أَيْ حَالِ كَوْنِهِ مُسْتَغْنِيًا عَنْ إرْقَاقِ جُزْئِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ، وَذَلِكَ أَيْ اسْتِرْقَاقُ الْجُزْءِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ؛ لِأَنَّهُ كَالْإِهْلَاكِ حُكْمًا إذْ الرِّقُّ فِي الْأَصْلِ عُقُوبَةُ الْكُفْرِ الَّذِي مُوجِبُهُ الْقَتْلُ وَلِهَذَا كَانَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي الْكَافِرِ الْمَغْنُومِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِرْقَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِدْلَالُ الْجُزْءِ، وَكَانَ حَرَامًا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَهِيَ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] .
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي الْأَصْلِ النِّكَاحُ لَا غَيْرُ وَهَذِهِ الشَّهْوَةُ مُرَكَّبَةٌ فِي الطِّبَاعِ فَمَتَى اشْتَهَى، وَهُوَ عَاجِزٌ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا فَأُبِيحَ لَهُ حَالَ الْعَدَمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِإِصَابَةِ الطَّوْلِ فَيَرْتَفِعُ الْإِبَاحَةُ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ وَفِي قَوْلِهِ عَلَى حُرٍّ احْتِرَازٌ عَنْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إرْقَاقُ جُزْئِهِ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ فِي نِكَاحِهِ لِلْأَمَةِ إرْقَاقَ جُزْئِهِ الْحُرِّ بَلْ كَانَ امْتِنَاعًا مِنْ تَحْصِيلِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ لِلْجُزْءِ وَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا وَصْفٌ بَيِّنُ الْأَثَرِ، وَهُوَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِرْقَاقَ كَالْإِهْلَاكِ إلَى آخِرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَمَةٍ حَيْثُ يَبْقَى نِكَاحُ الْأَمَةِ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ الْوَلَدِ أَيْضًا مَعَ الْغُنْيَةِ؛ لِأَنَّا أَقَمْنَا السَّبَبَ، وَهُوَ الْعَقْدُ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْإِرْقَاقِ فِي الْحُرْمَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَيَكُونُ إذًا لِلْبَقَاءِ عَلَى السَّبَبِ حُكْمُ الْبَقَاءِ عَلَى رِقٍّ ثَبَتَ وَالْإِرْقَاقُ ابْتِدَاءً حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةُ الْكُفْرِ لَا الْبَقَاءِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ، وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا إبَاحَةُ الْعَزْلِ مَعَ أَنَّ فِيهِ إعْدَامَ الْوَلَدِ أَصْلًا لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ تَضْيِيعَ الْمَاءِ وَالِامْتِنَاعَ مِنْ تَحْصِيلِ الْوَلَدِ وَكَانَ دُونَ التَّسَبُّبِ لِإِهْلَاكِ الْوَلَدِ الْمَوْجُودِ.
وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ عَجُوزًا أَوْ عَقِيمًا أَوْ صَغِيرَةً حَيْثُ لَا يُبَاحُ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إرْقَاقُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْإِرْقَاقَ أَمْرٌ يَحْصُلُ بِالْعُلُوقِ مِنْ مَائِهِ وَذَلِكَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَأُقِيمَ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَقَامَ الْإِرْقَاقِ كَمَا أُقِيمَ النِّكَاحُ مَقَامَ الْوَطْءِ وَالْعُلُوقِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ.
وَقُلْنَا: إنَّهُ أَيْ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَيَمْلِكُهُ الْحُرُّ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ، وَهَذَا قَوِيُّ الْأَثَرِ أَيْ هَذَا الْقِيَاسُ أَقْوَى أَثَرًا مِنْ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَإِنَّ الْآدَمِيَّ يَصِيرُ بِهَا أَهْلًا لِلْوِلَايَاتِ وَتَمَلُّكِ الْأَشْيَاءِ وَاسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْبَشَرِ فَكَانَ تَأْثِيرُهَا فِي الْإِطْلَاقِ، وَفَتْحِ بَابِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مِنْ النِّعَمِ لَا فِي الْمَنْعِ وَالْحَجْرِ، وَالرِّقُّ مِنْ أَسْبَابِ تَنْصِيفِ الْحِلِّ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِكَاحَ امْرَأَتَيْنِ لِنُقْصَانِ حَالِهِ بِالرِّقِّ وَالْحُرُّ يَمْلِكُ نِكَاحَ أَرْبَعٍ بِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ فِي النِّصْفِ مِثْلَ الْحُرِّ فِي الْكُلِّ فِي اعْتِبَارِ الشُّرُوطِ
(4/84)

وَهَذَا قَوِيُّ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَسْبَابِ الْكَرَامَةِ، وَالرِّقُّ مِنْ أَسْبَابِ تَنْصِيفِ الْحِلِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ فِي النِّصْفِ مِثْلَ الْحُرِّ فِي الْكُلِّ فَإِمَّا أَنْ يَزْدَادَ أَثَرُ الرِّقِّ وَيَتَّسِعَ حِلُّهُ فَلَا، وَهَذَا أَثَرٌ ظَهَرَتْ قُوَّتُهُ وَيَزْدَادُ وُضُوحًا بِالتَّأَمُّلِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ حَلَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التِّسْعُ أَوْ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى لِفَضْلِهِ وَشَرَفِهِ فَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَثَرِ فَضَعِيفٌ بِحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِرْقَاقَ دُونَ التَّضْيِيعِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْعَزْلِ بِإِذْنِ الْحُرَّةِ فَالْإِرْقَاقُ أَوْلَى.
وَضَعِيفٌ بِأَحْوَالِهِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ جَائِزٌ لِمَنْ يَمْلِكُ سُرِّيَّةً يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي أَصْلِ الْحِلِّ لَا فِي الشُّرُوطِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ فِي الثِّنْتَيْنِ مِثْلُ الْحُرِّ فِي الْأَرْبَعِ فِي اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْخُلُوِّ عَنْ عِدَّةِ الْغَيْرِ وَالْمَوْلَى عَلَى أَصْلِ الْخَصْمِ فَلَوْ كَانَ عَدَمُ الطَّوْلِ شَرْطًا لِجَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي حَقِّ الْحُرِّ لَكَانَ شَرْطًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلرِّقِّ فِي إسْقَاطِ الشُّرُوطِ وَتَنْصِيفِهَا وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّسِعَ الْحِلُّ الَّذِي يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِالرِّقِّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْصَافِ النُّقْصَانِ وَيَتَضَيَّقُ بِالْحُرِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَأَسْبَابِ الْكَرَامَاتِ فَيَحِلُّ لِلْعَبْدِ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَتَزَوُّجُ الْأَمَةِ عَلَى أَمَةٍ وَعَلَى حُرَّةٍ، وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا لِلْحُرِّ، وَهَذَا عَكْسُ الْمَعْقُولِ وَنَقْضُ الْأُصُولِ.
وَهَذَا أَيْ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ إلَى آخِرِهِ أَثَرٌ ظَهَرَتْ قُوَّتُهُ فِي نَفْسِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ، وَازْدَادَ قُوَّةً وَوُضُوحًا بِالتَّأَمُّلِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ فَإِنَّ مَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فِي حَقِّ الْبَشَرِ ازْدَادَ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ حَتَّى إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ أَشْرَفَ النَّاسِ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ تِسْعِ نِسْوَةٍ أَوْ مَا لَا يَتَنَاهَى عَلَى مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أُبِيحَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ» فَثَبَتَ أَنَّ زِيَادَةَ الْكَرَامَةِ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْحِلِّ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِزِيَادَةِ حِلِّ الْعَبْدِ مَعَ نُقْصَانِ حَالِهِ عَلَى الْحُرِّ فَإِنْ قِيلَ نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَأْثِيرَ الرِّقِّ فِي الْمَنْعِ وَتَأْثِيرَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْإِطْلَاقِ، وَلَكِنْ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِرْقَاقِ فَإِذَا أَدَّى حَرُمَ كَرَامَةً لَهُ لَا بِحِسَابِهِ كَمَا حَرُمَتْ الْمَجُوسِيَّةُ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ قُلْنَا نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إرْقَاقٌ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ إرْقَاقٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِرْقَاقَ بِهَذَا الطَّرِيقِ حَرَامٌ لِمَا سَنُبَيِّنُ فَأَمَّا مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْأَثَرِ وَهُوَ أَنَّ الْإِرْقَاقَ إهْلَاكٌ حُكْمًا فَضَعِيفٌ بِحَقِيقَتِهِ أَيْ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ الْحُرِّ دُونَ التَّضْيِيعِ؛ لِأَنَّ بِالْإِرْقَاقِ يَفُوتُ صِفَةُ الْحُرِّيَّةِ لَا أَصْلُ الْوَلَدِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْعِتْقِ وَبِالتَّضْيِيعِ يَفُوتُ أَصْلُ الْوَلَدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرْجَى وُجُودُهُ ثُمَّ التَّضْيِيعُ بِالْعَزْلِ بِإِذْنِ الْحُرَّةِ وَبِنِكَاحِ الصَّبِيَّةِ وَالْعَجُوزِ وَالْعَقِيمِ مَعَ أَنَّهُ إتْلَافٌ حَقِيقَةً جَائِزٌ فَالْإِرْقَاقُ الَّذِي هُوَ إهْلَاكٌ حُكْمًا كَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ فَإِنْ قِيلَ فِي الْعَزْلِ امْتِنَاعٌ مِنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الْوُجُودِ لَكِنْ إذَا أَرَادَ مُبَاشَرَةَ سَبَبِ الْوُجُودِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاشِرَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْإِهْلَاكِ لَا يُوصَفُ بِالرِّقِّ، وَلَا بِالْحُرِّيَّةِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ لِلْأَصْلِ فَإِذَا انْفَصَلَ لَمْ يُقْبَلْ صِفَةَ الرِّقِّ، وَلَا صِفَةَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ وَلَدًا بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ بِمَائِهَا فَقَبْلَهُ لَهُ حُكْمُ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ شَطْرَيْ الْعِلَّةِ، وَلَا حُكْمَ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ قَبْلَ وُجُودِ الْبَاقِي، وَإِذَا اخْتَلَطَ تَرَجَّحَ مَاؤُهَا عَلَى مَائِهِ بِحُكْمِ الْحَضَانَةِ فَيَتَخَلَّقُ الْوَلَدُ مِنْ الْمَاءَيْنِ رَقِيقًا ابْتِدَاءً فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ صِفَةُ الْحُرِّيَّةِ أَصْلًا فَلَمْ يَكُنْ هَذَا إرْقَاقَ الْحُرِّ، وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالْإِهْلَاكِ فِي إرْقَاقِ الْحُرِّ.
وَضَعِيفٌ بِأَحْوَالِهِ أَيْ بِأَحْوَالِ الْأَثَرِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ جَائِزٌ لِمَنْ مَلَكَ سُرِّيَّةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَإِرْقَاقِ الْجُزْءِ فَإِنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَإِنَّ نِكَاحَهَا لَا يَبْطُلُ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْ إرْقَاقِ الْوَلَدِ فَإِنَّ الرِّقَّ صِفَةُ الْوَلَدِ فَلَا يَحْدُثُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ بِالْوَطْءِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ، وَإِذَا حَرُمَ الْوَطْءُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَبْطُلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَصْفُ الْإِرْقَاقِ مُطَّرِدًا فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَتَفْسُدُ الْعِلَّةُ بِفَوَاتِ الْإِطْرَادِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّتِهَا
(4/85)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ الْمَوَانِعِ، وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا أَلْحَقَ بِالْكُفْرِ الْغَلِيظَةَ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ انْقَضَتْ بِإِحْلَالِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَقُلْنَا نَحْنُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَصِحُّ مَعَهُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ فَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْأَمَةِ كَدِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ نِكَاحٌ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، وَهَذَا أَثَرٌ ظَهَرَتْ قُوَّتُهُ لِمَا قُلْنَا إنَّ أَثَرَ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ فِيمَا يَقْبَلُهُ كَمَا قِيلَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْقَسْمِ وَالْحُدُودِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَا يَقْبَلُ الْعَدَدَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَنِكَاحُ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ مُقَابَلًا بِالرِّجَالِ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ إرْقَاقِ الْجُزْءِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ بَلْ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ حَالِهَا بِالرِّقِّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ لِمَنْ مَلَكَ سُرِّيَّةً مَذْهَبُنَا فَأَمَّا عِنْدَ الْخَصْمِ فَلَا يَجُوزُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ، وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَمَةٌ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ أَمَةً لَا يَحِلُّ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ بِمَا مَعَهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ بِالْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالسُّرِّيَّةُ الْأَمَةُ الَّتِي اتَّخَذَهَا مَوْلَاهَا لِلْفِرَاشِ وَحَصَّنَهَا وَطَلَبَ وَلَدَهَا فُعْلِيَّةٌ مِنْ السِّرِّ أَيْ الْجِمَاعِ أَوْ فَعُولَةٌ مِنْ السَّرْوِ السِّيَادَةُ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ، وَمِنْ التَّرْجِيحِ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا؛ لِأَنَّ مَا بَيَّنَّا هُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ دُونَ قَوْلِهِمْ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ تَسَامَحَ فِي الْعِبَارَةِ فَإِنَّ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ يُفْهَمُ أَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ مِثَالٍ آخَرَ تَرَجَّحَ فِيهِ قَوْلُنَا بِقُوَّةِ الْأَثَرِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ، وَمِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تُرَجِّحُ قَوْلَنَا بِقُوَّةِ الْأَثَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ يَعْنِي إذَا فَاتَ طَوْلُ الْحُرَّةِ حَتَّى حَلَّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إنَّمَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ الْمَوَانِعِ يَعْنِي لَهُ تَأْثِيرٌ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ، وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ أَصْلًا، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ تَزَوُّجُ كُلِّ كَافِرَةٍ فَإِذَا اجْتَمَعَا تَأَيَّدَا أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ وَأُلْحِقَ الْمَجْمُوعُ بِالْكُفْرِ الْغَلِيظِ، وَهُوَ كُفْرُ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالِارْتِدَادِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النِّكَاحِ؛ وَلِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ ضَرُورِيٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ إرْقَاقِ الْجُزْءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالضَّرُورَةُ انْقَضَتْ بِإِحْلَالِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ مِنْ الْكَافِرَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إحْلَالِ الْكَافِرَةِ كَالْمُضْطَرِّ إلَى الطَّعَامِ إذَا وَجَدَ الْمَيْتَةَ وَذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمَيْتَةُ؛ لِأَنَّ الذَّبِيحَةَ أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْغُنْيَةُ بِالْأَظْهَرِ لَمْ تَحِلَّ الْأُخْرَى.
وَقُلْنَا نَحْنُ: لَا بَأْسَ بِهِ أَيْ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ وَوُجُودِهِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى عِنْدَ وُجُودِ الطَّوْلِ؛ لِأَنَّهُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ أَيْ؛ لِأَنَّ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ دِينٌ يَصِحُّ مَعَهُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ فَيَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ كَدِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ نِكَاحٌ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ فَيَمْلِكُهُ الْحُرُّ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النُّكْتَتَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ إحْدَى نُكْتَتَيْ الْخَصْمِ وَقَوْلُهُ، وَهَذَا أَثَرٌ ظَهَرَتْ قُوَّتُهُ بِبَيَانِ تَأْثِيرِ النُّكْتَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ تَأْثِيرَ النُّكْتَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الرِّقَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ أَصْلِ النِّكَاحِ بَلْ أَثَرُهُ فِي التَّنْصِيفِ فِيمَا يَقْبَلُهُ حَتَّى كَانَ طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَيْنِ، وَقَسْمُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ قَسْمِ الْحُرَّةِ وَحَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ. وَقَوْلُهُ: فِيمَا يَقْبَلُهُ احْتِرَازٌ عَنْ نَحْوِ حَدِّ السُّرِّيَّةِ وَالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الرِّقُّ فِيهَا، وَذَلِكَ أَيْ التَّنْصِيفُ يَخْتَصُّ بِمَا يَقْبَلُ الْعَدَدَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالتَّجْزِئَةَ؛ لِأَنَّ تَنْصِيفَ الشَّيْءِ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ ذَا عَدَدٍ وَذَا أَجْزَاءٍ لَا يُتَصَوَّرُ وَالنِّكَاحُ الَّذِي يَبْتَنِي عَلَى الْحِلِّ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ مُتَعَدِّدٌ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُ أَرْبَعٍ مِنْ النِّسْوَةِ فَيَظْهَرُ التَّنْصِيفُ فِيهِ بِالرِّقِّ فَيَحِلُّ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ امْرَأَتَيْنِ فَأَمَّا نِكَاحُ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ مُقَابَلًا بِالرِّجَالِ فَلَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ إذْ لَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ بِحَالٍ لِيَتَنَصَّفَ بِالرِّقِّ
(4/86)

لَكِنَّهُ ذُو أَحْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَالْمُقَارَنَةُ فَصَحَّ مُتَقَدِّمًا، وَلَمْ يَصِحَّ مُتَأَخِّرًا قَوْلًا بِالتَّنْصِيفِ، وَبَطَلَ مُقَارِنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ فَغُلِّبَ التَّحْرِيمُ كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالْأَقْرَاءِ أَنَّهَا صَارَتْ ثِنْتَيْنِ بِالرِّقِّ لِمَا قُلْنَا فَهَذَا وَصْفٌ قَوِيَ أَثَرُهُ.
وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الْحُرِّ إذَا نَكَحَ أَمَةً عَلَى أَمَةٍ إنَّهُ صَحِيحٌ كَالْعَبْدِ إذَا فَعَلَهُ وَضَعُفَ أَثَرُ وَصْفِهِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ لَكِنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّنْصِيفِ كَرِقِّ الرِّجَالِ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى الرَّجُلِ شَيْئًا حَلَّ لِلْحُرِّ لَكِنَّهُ أَثَرٌ فِي التَّنْصِيفِ، وَقَدْ جَعَلْت الرِّقَّ مِنْ أَسْبَابِ فَضْلِ الْحِلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
إلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَعَذَّرَ التَّنْصِيفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّهُ أَيْ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ ذُو أَحْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ حَالَ اجْتِمَاعِهَا مَعَ الضَّرَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى نِكَاحِ الضَّرَّةِ، وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَمُقَارِنًا إيَّاهُ فَيَقْبَلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فَيَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ مُتَقَدِّمًا عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ، وَلَمْ يَصِحَّ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ قَوْلًا بِالتَّنْصِيفِ فَبَقِيَ حَالَةُ الْمُقَارَنَةِ، وَهِيَ لَا تُقْبَلُ التَّنْصِيفَ وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا مَعْنَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَهَا بِحَالَةِ التَّقَدُّمِ اقْتَضَى الْحِلَّ، وَإِلْحَاقُهَا بِحَالَةِ التَّأْخِيرِ اقْتَضَى الْحُرْمَةَ فَيَغْلِبُ مَعْنَى الْحُرْمَةُ احْتِيَاطًا كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالْأَقْرَاءِ لَمَّا أَوْجَبَ الرِّقُّ تَنَصُّفَهَا، وَالطَّلْقَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ، وَالْقُرْءُ الْمُتَوَسِّطُ لَمْ يَقْبَلَا التَّنْصِيفَ.
وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهِمَا جِهَتَا الثُّبُوتِ وَالسُّقُوطِ بِالنَّظَرِ إلَى طَرَفَيْهِمَا رَجَّحْنَا جَانِبَ الثُّبُوتِ احْتِيَاطًا.
أَوْ يُقَالُ لِنِكَاحِ الْأَمَةِ حَالَتَانِ حَالَةُ الِانْفِرَادِ عَنْ الْحُرَّةِ بِالسَّبْقِ وَحَالَةُ الِانْضِمَامِ إلَى الْحُرَّةِ بِالْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّأَخُّرِ فَتَكُونُ مُحَلَّةً فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ رِقَّ الرَّجُلِ يُؤَثِّرُ فِي تَنْقِيصِ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يُؤَثِّرُ فِي تَنْقِيضِ مَالِكِيَّتِهِ الَّتِي عَلَيْهَا يَبْتَنِي الْحِلُّ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رِقَّ الْمَرْأَةِ فِي تَنْقِيصِ حِلِّهَا؛ لِأَنَّ حِلَّهَا بِنَاءً عَلَى الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالرِّقُّ يَزِيدُ فِي مَمْلُوكِيَّتِهَا فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِي تَنْقِيصِ الْحِلِّ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الرِّقَّ يَفْتَحُ عَلَيْهَا بَابًا مِنْ الْحِلِّ كَانَ مَسْدُودًا قَبْلَهُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالنِّكَاحِ جَمِيعًا، وَقَبْلَ الِاسْتِرَاقِ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ إلَّا بِمِلْكِ النِّكَاحِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَسُدَّ عَلَيْهَا بَابًا كَانَ مَفْتُوحًا قَبْلَهُ، وَإِذَا كَانَ يَثْبُتُ حِلٌّ جَدِيدٌ فِيهَا بِالرِّقِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَقَصَ الْحِلُّ الثَّابِتُ فِيهَا بِالرِّقِّ قُلْنَا كَمَا أَنَّ الْحِلَّ فِي الرَّجُلِ كَرَامَةٌ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَرَامَةٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ نِعْمَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فَلَمَّا كَانَ حِلُّ الرَّجُلِ يَتَنَصَّفُ بِرِقِّهِ فَكَذَلِكَ حِلُّ الْأَمَةِ وَقَوْلُهُ انْفَتَحَ بِسَبَبِ رَقِّهَا بَابٌ مِنْ الْحِلِّ قُلْنَا حِلُّ مِلْكِ الْيَمِينِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْوَطْءِ وَلَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالِاسْتِمْتَاعِ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَثَرُ الرِّقِّ فِي فَتْحِهِ فَأَمَّا مِلْكُ النِّكَاحِ وَحِلُّهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ كَرَامَةً فَأَثَرُ الرِّقِّ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا وَلِهَذَا يُنْتَقَصُ قَسْمُ الْأَمَةِ وَعِدَّتُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَطَلَاقُهَا عِنْدَنَا.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَثَرَ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ لَا فِي تَغْيِيرِ أَصْلِ النِّكَاحِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ النِّصْفِ الْبَاقِي وَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ فَيَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ مُتَقَدِّمًا عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ لَا مُتَأَخِّرًا أَوْ مُقَارِنًا عَمَلًا بِالتَّنْصِيفِ كَمَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ مُطْلَقًا فَهَذَا وَصْفٌ أَيْ الْوَصْفُ الَّذِي اعْتَمَدْنَا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ دِينَ الْكِتَابِيَّةِ دِينٌ يَصِحُّ مَعَهُ نِكَاحٌ فَيَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ. وَصْفٌ قَوِيَ أَثَرُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحِلَّ الَّذِي بِهِ تَصِيرُ الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ وَلَا يَخْتَلِفُ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا فِي الْحُرَّةِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحِلِّ لَا يَتَغَيَّرُ بِالرِّقِّ فَبَقِيَتْ كَالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَكَالْحُرَّةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَلِذَلِكَ أَيْ؛ وَلِأَنَّ أَثَرَ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ لَا غَيْرُ أَوْ؛ لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ يَمْلِكُهُ الْحُرُّ قُلْنَا فِي الْحُرِّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَمَةٍ إنَّهُ صَحِيحٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَالْعَبْدِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ لَا فِي إزَالَةِ الْحِلِّ وَإِثْبَاتِهِ، وَقَدْ كَانَتْ الْإِمَاءُ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ فَبَقِينَ عَلَى مَا كُنَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الرِّقِّ وَضَعُفَ أَثَرُ وَصْفِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ جَعَلَ الرِّقَّ أَيْ رِقَّ الْمَرْأَةِ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّنْصِيفِ كَرِقِّ الرَّجُلِ، وَقَدْ جَعَلَ أَيْ الشَّافِعِيُّ الرِّقَّ مِنْ أَسْبَابِ فَضْلِ الْحِلِّ حَيْثُ أَبَاحَ لِلْعَبْدِ مَعَ نُقْصَانِ
(4/87)

وَهَذَا عَكْسُ الْمَعْقُولِ وَنَقْضُ الْأُصُولِ، وَدِينُ الْكِتَابِيِّ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ أَيْضًا، وَأَثَرُهُمَا مُخْتَلِفٌ أَيْضًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَا عِلَّةً وَاحِدَةً وَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ ضَرُورِيًّا لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ مِثْلُ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ لِمَا قُلْنَا مِنْ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْإِرْقَاقِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَالِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ مَا لَمْ يُبِحْ لِلْحُرِّ مَعَ شَرَفِهِ، وَفَضْلِهِ عَلَى الْعَبْدِ.
وَهَذَا أَيْ جَعْلُ الرِّقِّ مِنْ أَسْبَابِ فَضْلِ الْحِلِّ عَكْسُ الْمَعْقُولِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ نِعْمَةٌ تُسْتَحَقُّ بِالشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَالْعَقْلُ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ الْحُرُّ الشَّرِيفُ أَنْقَصَ نِعْمَةً مِنْ الْعَبْدِ الْخَسِيسِ وَنَقْضُ الْأُصُولِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ أَثَرُ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ لَا غَيْرُ وَأَنْ يَكُونَ الْحُرُّ أَوْسَعَ حِلًّا مِنْ الْعَبْدِ، وَأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ الْحُرِّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ، وَفِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ نَقْضُ هَذِهِ الْأُصُولِ.
وَقَوْلُهُ وَدِينُ الْكِتَابِيِّ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الرِّقَّ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ دِينُ الْكِتَابِيِّ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَهُ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً حَتَّى جَازَ لِلْمُسْلِمِ تَزَوُّجُ الْكِتَابِيَّةِ وَبَقِيَ النِّكَاحُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ حَتَّى لَوْ أَبَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُوجِبُ انْضِمَامُ الرِّقِّ الْبَيْعَ تَغَلُّظًا فِيهِ وَتَحْرِيمًا لِلنِّكَاحِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ وَلَوْ كَانَ كُفْرُ الْكِتَابِيَّةِ يَتَغَلَّظُ بِالرِّقِّ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ لَكَانَ كَذَلِكَ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ أَيْضًا كَالْمَجُوسِيَّةِ وَأَثَرُهُمَا مُخْتَلِفٌ يَعْنِي إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ مِنْ الْمَوَانِعِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا لِيَصِيرَا بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الرِّقِّ النِّكَاحَ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْحَالِ، وَمَنْعُ الْكُفْرِ إيَّاهُ بِاعْتِبَارِ خُبْثِ الِاعْتِقَادِ فَكَانَ مَنْعُ الْكُفْرِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ طَرِيقَةِ مَنْعِ الرِّقِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْكُلُّ عِلَّةً وَاحِدَةً وَبِدُونِ الِاتِّحَادِ لَا يَثْبُتُ مَعْنَى التَّغَلُّظِ فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا بِمَنْزِلَةِ اجْتِمَاعِ عِلَّتَيْنِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَقْوَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ أَوْ أَخٌ لِأُمٍّ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ: أَمَّا اعْتِبَارُ الْخُبْثِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ بِالْكُفْرِ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَبِالرِّقِّ لَا يَزْدَادُ خُبْثُ الْكُفْرِ فَالرَّقِيقُ رُبَّمَا يَكُونُ أَنْقَى، وَأَتْقَى مِنْ الْحُرِّ فَيَكُونُ أَطْهَرَ شَرْعًا إنَّمَا سُقُوطُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَمَا لَهُ أَثَرٌ فِي تَحْرِيمِ الْحِلِّ.
وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُ مُسْلِمٍ جَوَابٌ عَنْ النُّكْتَةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرَّقِيقَ فِي النِّصْفِ مِثْلُ الْحُرِّ، وَكَمَا أَنَّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي لَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَلَوْ كَانَ جَوَازُ نِكَاحِ الْأَمَةِ ضَرُورِيًّا لَمَا بَقِيَ بَعْدَمَا زَالَتْ الضَّرُورَةُ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ كَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُتَيَمِّمُ عَلَى الْمَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَوْ قَدَرَ الْمُضْطَرُّ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ فِي خِلَالِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَلَا يُقَالُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْبَدَلِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهَاهُنَا لَمَّا جَازَ الْعَقْدُ وَتَمَّ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: نَحْنُ لَا نُسَلِّمُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ فَإِنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ عُمُرٍ، وَحُصُولُ الْمَقْصُودِ عَنْهُ بِانْقِضَاءِ الْعُمُرِ فَقَبْلَ الِانْقِضَاءِ لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ يَعْنِي أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ ضَرُورِيٌّ مِثْلُ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمُؤْمِنَةِ لِمَا قُلْنَا مِنْ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْإِرْقَاقِ هَذَا تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْإِرْقَاقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُرْمَةَ الْإِرْقَاقِ سَاقِطَةٌ فَانْتَفَى كَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمِثَالُهُ أَيْضًا) أَيْ مِثَالٌ آخَرُ لِلتَّرْجِيحِ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ تَرْجِيحُ دَلِيلِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا إنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَبَقِيَ الزَّوْجُ كَافِرًا أَوْ أَسْلَمَ
(4/88)

وَمِثَالُهُ أَيْضًا مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَهَذَا وَصْفٌ ضَعِيفُ الْأَثَرِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْعِصْمَةِ وَبَقَاءِ الْآخَرِ عَلَى مَا كَانَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِهِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ فَوَاتُ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ مُضَافًا إلَى امْتِنَاعِ الْآخَرِ عَنْ أَدَاءِ الْإِسْلَامِ حَقًّا لِلَّذِي أَسْلَمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْمَرْأَةُ وَثَنِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ لَا يَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَنَا بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَجِبُ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ أَسْلَمَ بَقِيَ النِّكَاحُ، وَإِنْ أَبَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ قَبْلَهُ. وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ لِلْحَالِ فِي الْفَصْلَيْنِ أَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْفَصْلَيْنِ أَيْضًا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ إلَى آخِرِهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ بِأَنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ وَحُصُولِ الِاخْتِلَافِ وَالْمُرَادُ بِالْعِدَّةِ انْقِضَاءُ ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِ.
وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ وَجَبَتْ بِسَبَبٍ طَارِئٍ غَيْرِ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ بِحُكْمِهِ مُوجِبٌ حُرْمَةَ الِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَتَأَجَّلَ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الْفُرْقَةِ بِطَلَاقٍ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا طَارِئٍ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، وَأَنَّهُ طَارِئٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ حُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ إلَى الْعَرْضِ وَالْإِبَاءِ عِنْدَكُمْ، وَإِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ عِنْدِي، وَكَذَلِكَ مَعَ رِدَّتِهَا جَمِيعًا أَصْلُكُمْ، وَمَا يُنَافِي حُكْمًا لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْبَقَاءُ كَمِلْكِ الْيَمِينِ وَحُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَهَذَا مَعْنًى مُؤَثِّرٌ؛ لِأَنَّ لِمِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَثَرًا فِي إيجَابِ الْفُرْقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَصَحَّتْ إضَافَةُ الْفُرْقَةِ إلَيْهِ، وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْعِصْمَةِ أَيْ عِصْمَةِ الْحُقُوقِ وَتَأْكِيدِ الْإِمْلَاكِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ زَوَالُ الْمِلْكِ بِحَالٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَرَارَ النِّكَاحِ تَوَقَّفَ عَلَى الْإِسْلَامِ الْآخَرِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ بَقِيَا عَلَيْهِ، وَمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ قَرَارُ النِّكَاحِ عَلَى وُجُودِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْإِسْلَامِ فِي إيجَابِ الْفُرْقَةِ وَبَقَاءُ الْآخَرِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ التَّفْرِيقِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ كُفْرَ مَا كَانَ مَوْجُودًا وَصَحَّ مَعَهُ النِّكَاحُ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لَا يُوجِبُ قَطْعًا ضَرُورَةً فَإِنْ قِيلَ إنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ كُفْرَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا مَعَ كُفْرِ الْآخَرِ لِبَقَاءِ الِاتِّفَاقِ فَأَمَّا مَعَ إسْلَامِهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ مُؤَثِّرٌ.
وَهُوَ اخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُفْرَهُ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ وَمُحَرِّمًا لِلْوَطْءِ مَعَ كُفْرِ الْآخَرِ، وَالْآنَ هُوَ مَانِعٌ وَمُحَرِّمٌ قُلْنَا صَيْرُورَتُهُ مَانِعًا، وَمُحَرِّمًا بِتَبَدُّلِ الْحَالِ لَا تَدُلُّ عَلَى صَيْرُورَتِهِ قَاطِعًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَمْنَعُ، وَلَا يَقْطَعُ، وَالنِّزَاعُ وَقَعَ فِي الْقَطْعِ فَصَارَ فِي حَقِّ الْقَطْعِ كَأَنَّ الْحَالَةَ لَمْ تَتَبَدَّلْ أَلَا تَرَى أَنَّ قِيَامَ الْعِدَّةِ وَعَدَمَ الشُّهُودِ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعَانِ الْبَقَاءَ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ يَمْنَعُ نِكَاحَهَا ابْتِدَاءً، وَلَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ بَعْدَ الْأَمَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَصْلُحْ الْإِسْلَامُ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ، وَلَا كُفْرَ الْبَاقِي لَمْ يَصْلُحْ اخْتِلَافُ الدِّينِ النَّاشِئُ مِنْهُمَا سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ فِي الْفُرْقَةِ فَإِذَا اجْتَمَعَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَلَوْ جُعِلَ الِاخْتِلَافُ سَبَبًا وَجَبَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ الْأَخِيرُ
(4/89)

وَهُوَ سَبَبٌ ظَاهِرُ الْأَثَرِ كَمَا فِي اللِّعَانِ وَالْإِيلَاءِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَمُنَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِ الْعِصْمَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ سَابِقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ وُجِدَ بِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا.
وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْفُرْقَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ الِاسْتِمْتَاعُ فَاتَ شَرْعًا وَجَبَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ جَدِيدٍ وَهُوَ فَوَاتُ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ وَالْمَسِّ وَالتَّقْبِيلِ مُضَافًا إلَى امْتِنَاعِ الْآخَرِ عَنْ أَدَاءِ الْإِسْلَامِ يَعْنِي فَوَاتَ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ بِتَحْقِيقٍ بِامْتِنَاعِ الْآخَرِ عَنْ أَدَاءِ الْإِسْلَامِ لَا بِإِسْلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الثَّانِي بَقِيَ النِّكَاحُ بِأَغْرَاضِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ إصَابَةُ اسْتِحْقَاقِ الْغُرْبَةِ إلَى الِامْتِنَاعِ الْحَادِثِ لَا إلَى الْإِسْلَامِ الْعَاصِمِ وَكُفْرُ الْبَاقِي حَقًّا لِلَّذِي أَسْلَمَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَوَجَبَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ أَيْ وَجَبَ إثْبَاتُ اسْتِحْقَاقِ الْفُرْقَةِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ وَجَبَ عَلَيْهِ إدْرَارُ النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةُ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةَ صَارَتْ كَالْمُعَلَّقَةِ بِفَوَاتِ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ مَعَ بَقَائِهِ وَالتَّعْلِيقُ ظُلْمٌ وَتَفْوِيتٌ لِلْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ مُفَوَّضًا إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِإِزَالَةِ الظُّلْمِ وَالْقَاضِي قَدْ وُلِّيَ لِإِزَالَةِ الظُّلْمِ عَنْ النَّاسِ، وَهُوَ أَيْ فَوَاتُ الْأَغْرَاضِ سَبَبٌ لِلْفُرْقَةِ ظَاهِرُ الْأَثَرِ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تُرَاعَى لِأَحْكَامِهَا فَإِذَا خَلَتْ عَنْهَا وَجَبَ الْقَوْلُ بِإِلْغَائِهَا كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ فِيهَا بِنَاءً عَلَى فَوَاتِ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ مُحَالًا بِهِ عَلَى مَنْ كَانَ فَوَاتُ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ جِهَتِهِ أَمَّا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي اللِّعَانِ فَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ لَمَّا حَرُمَ بِالتَّلَاعُنِ، وَفَاتَ غَرَضُ النِّكَاحِ بِسَبَبِ فِعْلِ الزَّوْجِ وَهُوَ الرَّمْيُ بَقِيَتْ الْمَرْأَةُ مُعَلَّقَةً مَظْلُومَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا حَقُّهَا فَوَجَبَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا بِالتَّفْرِيقِ.
وَكَذَا فِي الْإِيلَاءِ فَإِنَّ الزَّوْجَ ظَلَمَهَا بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْمُدَّةِ فَجُوزِيَ بِزَوَالِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَعَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ صَارَ الزَّوْجُ ظَالِمًا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فَوَجَبَ التَّفْرِيقُ إذَا أَصَرَّ عَلَى الظُّلْمِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَالْعِدَّةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُرُمَاتٌ لَا تَدُومُ بَلْ هِيَ بِعَرْضِ الزَّوَالِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ أَغْرَاضِ النِّكَاحِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الرِّدَّةُ فَمُنَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِ الْعِصْمَةِ) يَعْنِي هِيَ مُوجِبَةٌ لِلْفُرْقَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَافَاةِ لَا لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفُرْقَةِ فَثَبَتَ بِالْحُرْمَةِ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةٍ وَلَا قَضَاءِ قَاضٍ كَمَا فِي طُرُوءِ الرَّضَاعِ وَحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّا وَجَدْنَا الرِّدَّةَ قَدْ أَبْطَلَتْ النِّكَاحَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُبْطِلَةً وَضْعًا أَوْ بِطَرِيقِ الْمُنَافَاةِ.
وَلَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِشَيْءٍ وَضْعًا لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ غَيْرَ مُبْطِلٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِبْطَالِهِ فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا كَالْعِتْقِ لَمَّا وُضِعَ لِإِبْطَالِ الْمِلْكِ وَإِزَالَةِ الرِّقِّ لَمْ يَكُنْ عِتْقًا عِنْدَ عَدَمِ الْإِبْطَالِ وَالْإِزَالَةِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الرِّدَّةَ مُتَحَقِّقَةً غَيْرَ مُبْطِلَةٍ لِلنِّكَاحِ فِيمَا إذَا ارْتَدَّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَعَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِإِبْطَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ لِإِبْطَالِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ يَكُونُ مَشْرُوعًا لِإِبْطَالِهِ لَا مَحَالَةَ، وَالرِّدَّةُ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ بِوَجْهٍ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِإِبْطَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَقَدْ أَبْطَلَتْ النِّكَاحَ عَلِمْنَا أَنَّهَا إنَّمَا تُبْطِلُهُ بِطَرِيقِ الْمُنَافَاةِ كَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَوْضُوعَيْنِ لِإِبْطَالِ النِّكَاحِ لِتَحَقُّقِهِمَا فِي غَيْرِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَلَكِنَّهُمَا مُنَافِيَانِ لِلنِّكَاحِ عَلَى مَعْنَى
(4/90)

وَذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا ارْتَدَّا مَعًا؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا حُكْمَهُ بِنَصٍّ آخَرَ، وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْقِيَاسُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ حَالَ الِاتِّفَاقِ دُونَ حَالِ الِاخْتِلَافِ فَلَنْ يَصِحَّ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ فِي تَضَادِّ حُكْمَيْنِ وَضَعُفَ أَثَرُ قَوْلِهِ إنَّ الرِّدَّةَ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ بِدَلَالَةِ ارْتِدَادِهِمَا؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا اخْتِلَافَ الدِّينِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَمْنَعُ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُمَا سَبَبَا الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ، وَالْحُرْمَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ مُنَافِيَةٌ لِلنِّكَاحِ فَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ تَبْدِيلُ الدِّينِ، وَذَلِكَ تُوجِبُ إبْطَالَ عِصْمَةِ الشَّخْصِ وَعِصْمَةَ أَمْلَاكِهِ فَتُوجِبُ بُطْلَانَ عِصْمَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ دُونَ نَفْسِهِ، وَكَذَا الشَّخْصُ بِبُطْلَانِ الْعِصْمَةِ يَلْتَحِقُ بِالْمَوْتَى وَالْجَمَادَاتِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ بِوَجْهٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَعَجَّلَ الْفُرْقَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَبْقَى مَعَ مَا يُنَافِيهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ أَيْ كَوْنُ الرِّدَّةِ مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِ الْعِصْمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَبْنَى النِّكَاحِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ إذْ الرِّدَّةُ تُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ عِصْمَةِ النَّفْسِ وَالْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَا يَلْزَمُ إذَا ارْتَدَّا مَعًا يَعْنِي لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ بُطْلَانُ النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ لِلْمُنَافَاةِ لَزِمَ أَنْ تَبْطُلَ بِارْتِدَادِهِمَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِازْدِيَادِ الْمُنَافِي كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ الرِّضَاءُ وَالنَّسَبُ أَوْ الْمُصَاهَرَةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ ارْتِدَادُهُمَا مُبْطِلًا أَيْضًا لِلْمُنَافَاةِ كَمَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ الْعَرَبَ ارْتَدُّوا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمَّا أَسْلَمُوا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَجْدِيدِ الْأَنْكِحَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ شَيْئَيْنِ ظَهَرَا، وَلَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُجْعَلَا كَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا كَمَا فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى، وَقَدْ تَحَقَّقَ ارْتِدَادُ الْعَرَبِ وَلَمْ يَعْرِفُ التَّارِيخُ أَنَّ الْمَرْأَةَ ارْتَدَّتْ أَوَّلًا أَمْ الرَّجُلُ فَجُعِلَ كَالْوَاقِعِ مَعًا فَصَارَ إجْمَاعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّ حَالَ الِاتِّفَاقِ دُونَ حَالِ الِاخْتِلَافِ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا لَا يَدُلُّ مُنَافَاةُ ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا لِلنِّكَاحِ عَلَى مُنَافَاةِ ارْتِدَادِهِمَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّ حَالَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الِارْتِدَادِ فِي اقْتِضَاءِ الْحُرْمَةِ دُونَ حَالِ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ لَيْسَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا بِمَعْصُومٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَلِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا بَطَلَ النِّكَاحُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي حَالِ الِاتِّفَاقِ مَعْدُومٌ فَلَمْ يَصْلُحْ التَّعْدِيَةُ أَيْ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الِاخْتِلَافِ إلَيْهِ أَيْ إلَى الِاتِّفَاقِ فِي تَضَادِّ حُكْمَيْنِ أَيْ مَعَ تَضَادِّ حُكْمَيْ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ يَقْتَضِي الْحِلَّ وَبَقَاءَ النِّكَاحِ، وَالِاخْتِلَافُ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَالْفُرْقَةَ.
وَضَعُفَ أَثَرُ قَوْلِهِ يَعْنِي ضَعُفَ أَثَرُ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ وَاعْتِبَارُهُ ارْتِدَادَ أَحَدِهِمَا بِارْتِدَادِهِمَا جَمِيعًا فِي عَدَمِ مُنَافَاتِهِ النِّكَاحَ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّا وَجَدْنَا دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْدِيَةُ، وَقَوْلُهُ وَضَعُفَ أَثَرُ قَوْلِهِ إنَّ الرِّدَّةَ كَذَا يَعْنِي لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ارْتِدَادِهِمَا بِارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا فِي إثْبَاتِ الْمُنَافَاةِ فِيهِ، وَلَا ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا بِارْتِدَادِهِمَا فِي نَفْيِ الْمُنَافَاةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا لِاخْتِلَافِ الدِّينِ تَأْثِيرًا فِي الْحُرْمَةِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ بِلَا خِلَافٍ وَيَقْطَعُهُ أَيْضًا عِنْدَهُ كَمَا بَيَّنَّا وَلِاتِّفَاقِ الدِّينِ تَأْثِيرٌ فِي الْحَالِ حَتَّى جَازَ نِكَاحُ مَجُوسِيَّيْنِ، وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ فَثَبَتَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ لَيْسَ مِثْلَ الِاخْتِلَافِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُنَافَاةِ أَحَدِهِمَا مُنَافَاةُ الْآخَرِ، وَلَا مِنْ عَدَمِ مُنَافَاةِ أَحَدِهِمَا عَدَمُ مُنَافَاةِ الْآخَرِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ امْتِنَاعُ صِحَّةِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً بَعْدَ الرِّدَّةِ عِلَّةً لِلْمَنْعِ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ لَا بِابْتِنَاءِ فَسَادِ اعْتِبَارِ حَالَةِ الْبَقَاءِ بِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلًا مُبْقِيًا، وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْفَائِدَةَ فِي الْإِبْقَاءِ وَبَعْدَ رِدَّتِهِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ إلَى الْإِسْلَامِ وَبِهِ يَظْهَرُ فَائِدَةُ الْبَقَاءِ فَأَمَّا الثُّبُوتُ ابْتِدَاءً فَيَسْتَدْعِي الْحِلَّ فِي الْمَحِلِّ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَعِنْدَ رِدَّةِ أَحَدِهِمَا لَا يَظْهَرُ فِي الْإِبْقَاءِ فَائِدَةٌ مَعَ مَا هُمَا عَلَيْهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.
وَمِثَالُهُ
(4/91)

وَهَذَا ضَعِيفُ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّكْرَارِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ فَقَدْ سُنَّ تَكْرَارُ الْمَضْمَضَةِ، وَأَثَرُ الْمَسْحِ فِي التَّخْفِيفِ بَيِّنٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَوِيٌّ لَا ضَعْفَ فِيهِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.

وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ قُوَّةُ ثَبَاتِهِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ فَلِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا صَارَ أَثَرًا لِرُجُوعِهِ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِذَا ازْدَادَ ثَبَاتًا ازْدَادَ قُوَّةً بِفَضْلِ مَعْنَاهُ وَذَلِكَ فِي قَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ فَهَذَا أَثْبَتُ فِي دَلَالَةِ التَّخْفِيفِ مِنْ قَوْلِهِمْ رُكْنٌ فِي دَلَالَةِ التَّكْرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّكْنَ وَصْفٌ عَامٌّ فِي الْوُضُوءِ وَفِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهِيَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَكَانَ مِنْ قَضِيَّةِ الرُّكْنِ إكْمَالُهُ بِالْإِطَالَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا تَكْرَارُهُ وَوَجَدْنَاهُ فِي الْبَابِ مَا لَيْسَ رُكْنًا وَيَتَكَرَّرُ، وَهُوَ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ.
وَأَمَّا أَثَرُ الْمَسْحِ فِي التَّخْفِيفِ فَثَابِتٌ لَازِمٌ لَا مَحَالَةَ فِي كُلِّ مَا لَا يُعْقَلُ تَطْهِيرًا كَالتَّيَمُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ، وَمَسْحِ الْجَبَائِرِ، وَمَسْحِ الْجَوَارِبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
أَيْ مِثَالُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الرِّدَّةَ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ فِي النِّصْفِ قَوْلُهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ كَالْغَسْلِ. هَذَا أَيْ وَصْفُ الرُّكْنِ ضَعِيفُ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي التَّكْرَارِ بِدَلِيلِ عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ تَأْثِيرُهَا فِي الْوُجُودِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَخْتَصُّ فِيهِ أَيْ لَا يَخْتَصُّ التَّكْرَارُ بِالرُّكْنِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا فَإِنَّ التَّكْرَارَ مَسْنُونٌ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ يَعْنِي أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَلَازِمَيْنِ فَإِنَّ الرُّكْنَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ التَّكْرَارِ كَمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا وَالتَّكْرَارُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الرُّكْنِيَّةِ كَمَا فِي الْمَضْمَضَةِ، وَتَعْلِيلُنَا بِأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ قَوِيَ أَثَرُهُ فَإِنَّ أَثَرَ الْمَسْحِ فِي التَّخْفِيفِ بَيِّنٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ إذْ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَسْحِ مَعَ إمْكَانِ الْغَسْلِ مَا كَانَ إلَّا لِلتَّخْفِيفِ، وَتَأَدِّي الْفَرْضِ بِبَعْضِ الْمَحَلِّ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِيعَابِ لِلتَّخْفِيفِ أَيْضًا. وَكَذَا سُقُوطُ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ وَالتَّيَمُّمِ لِلتَّخْفِيفِ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي التَّخْفِيفِ قَوِيٌّ لَا ضَعْفَ فِيهِ، وَهَذَا أَيْ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ فِي مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ صِحَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ قُوَّةُ ثَبَاتِهِ أَيْ ثَبَاتِ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي شَهِدَ الْوَصْفُ بِثُبُوتِهِ؛ فَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِأَثَرِهِ، وَمَرْجِعُ أَثَرِهِ الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ أَوْ الْإِجْمَاعُ يَعْنِي يُعْتَبَرُ أَثَرُهُ لِثُبُوتِهِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ فَإِذَا ازْدَادَ الْوَصْفُ ثَبَاتًا عَلَى الْحُكْمِ ازْدَادَ قُوَّةً بِفَضْلِ مَعْنَاهُ الَّذِي صَارَ بِهِ حُجَّةً، وَهُوَ رُجُوعُ أَثَرِهِ إلَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ لَمَّا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّخْفِيفِ كَانَ زِيَادَةُ ثَبَاتِهِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ ثَابِتَةً بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا كَثُبُوتِ أَصْلِ الْأَثَرِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْقُوَّةُ، وَذَلِكَ أَيْ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الثَّبَاتِ.
أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِعَدَمِ ثَبَاتِ وَصْفِ الرُّكْنِيَّةِ عَلَى التَّكْرَارِ، لَازِمٌ تَفْسِيرٌ لِثَابِتٍ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الْحُكْمِ لُزُومُهُ لَهُ فِي كُلِّ مَا لَا يُعْقَلُ تَطْهِيرًا أَيْ فِي كُلِّ مَسْحٍ شُرِعَ لِلتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ مَعْنَى التَّطْهِيرِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مَسْحٌ وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّهُ عُقِلَ فِيهِ مَعْنَى التَّطْهِيرِ إذَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْقِيَةُ، وَالتَّكْرَارُ يُؤَثِّرُ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَمَسْحُ الْجَوَارِبِ، يَعْنِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا أَيْ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْمَسْحِ قَوْلُنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ كَصَوْمِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ صَوْمُ فَرْضٍ فَيُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ أَثْبَتَ عَلَى حُكْمِهِ مِمَّا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْفَرْضِيَّةِ لَا يُوجِبُ إلَّا الِامْتِثَالَ بِهِ أَيْ لَا يَقْتَضِي إلَّا الْإِتْيَانَ بِالْمَفْرُوضِ لَا التَّعْيِينَ لَا مَحَالَةَ أَيْ لَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّ الْحَجَّ يَجُوزُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَصْفٌ خَاصٌّ فِي الْبَابِ أَيْ فِي بَابِ الصَّوْمِ.
يَعْنِي التَّعْلِيلَ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ لِإِيجَابِ التَّعْيِينِ لَوْ صَحَّ إنَّمَا يَصِحُّ فِي بَابِ الصَّوْمِ دُونَ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ التَّعْيِينُ فِي غَيْرِهَا إنَّمَا يَجِبُ بِمَعَانٍ أُخَرَ لَا بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَأَمَّا التَّعْيِينُ أَيْ سُقُوطُ التَّعْيِينِ فَلَازِمٌ لِوَصْفِ التَّعْيِينِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ التَّعْيِينِ التَّعْيِينُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ، وَإِرَادَةِ الْمُسَبَّبِ يَعْنِي التَّعْلِيلَ بِوَصْفِ الْعَيْنِيَّةِ فِي سُقُوطِ اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لَازِمٌ أَيْ ثَابِتٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ حَتَّى تَعَدَّى أَيْ ثَبَتَ فِي رَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَرَدِّ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَتَّى
(4/92)

وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ: إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ صَوْمُ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضِيَّةَ لَا تُوجِبُ إلَّا الِامْتِثَالَ بِهِ وَالتَّعْيِينَ لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ وَصْفٌ خَاصٌّ فِي الْبَابِ.
وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَلَازِمٌ حَتَّى تَعَدَّى إلَى الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَرَدِّ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَعَقْدِ الْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا فَكَانَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْمَنَافِعِ إنَّهَا لَا تُضْمَنُ مُرَاعَاةً لِشَرْطِ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَضْلِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ تَحَقَّقَتْ لِلْجَبْرِ، وَإِثْبَاتِ الْمِثْلِ تَقْرِيبًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّهُ فَضْلٌ عَلَى الْمُتَعَدِّي أَوْ إهْدَارٌ عَلَى الْمَظْلُومِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
لَوْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ أَوْ الْمَغْصُوبَ إلَى الْمَالِكِ أَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ إلَى الْبَائِعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ لِأَجْلِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْغَصْبِ أَوْ لِرَدِّ الْبَيْعِ بَلْ بِأَيِّ طَرِيقٍ وُجِدَ يَقَعُ فِي الْجِهَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِتَعَيُّنِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ أَدَّى الدَّيْنَ يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ.
وَعَقْدُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يُعَيِّنَ أَنَّهُ يُؤَدِّي الْفَرْضَ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى الْفُرُوضِ بَلْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَأْتِي بِهِ يَقَعُ عَلَى الْفَرْضِ لِكَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا غَيْرَ مُتَنَوِّعٍ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَعَقْدُ الْأَيْمَانِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَعْنِي إذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ عَيْنٍ أَوْ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ فِعْلٍ بِأَنْ حَلَفَ لِيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا الْيَوْمَ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ لَا عَلَى قَصْدِ الْبِرِّ يَقَعُ عَنْ الْبِرِّ لِلتَّعَيُّنِ أَوْ مَعْنَاهُ إذَا وُجِدَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْحِنْثِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وُجِدَ نِسْيَانًا أَوْ كَرْهًا أَوْ خَطَأً لِتَعَيُّنِهِ وَنَحْوِهَا كَتَصْدِيقِ النِّصَابِ عَلَى الْفَقِيرِ بِدُونِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ مُسْقِطٌ لِلزَّكَاةِ لِتَعَيُّنِ الْمَحَلِّ، وَكَإِطْلَاقِ النِّيَّةِ فِي الْحَجِّ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ لِتَعَيُّنِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَكَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ إذَا بِيعَ بِجِنْسِ الْحِلْيَةِ، وَقَدْ أَدَّى بَعْضَ ثَمَنِ السَّيْفِ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ افْتَرَقَا يَتَعَيَّنُ الْمُؤَدَّى لِلْحِلْيَةِ سَوَاءٌ أُطْلِقَ أَوْ عُيِّنَ أَوْ قِيلَ مِنْ ثَمَنِهِمَا لِتَعَيُّنِ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ لِلْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا) يَعْنِي، وَكَمَا كَانَ قَوْلُنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى وَأَرْجَحَ لِقُوَّةِ ثَبَاتِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ كَانَ قَوْلُنَا فِي الْمَنَافِعِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ لِأَجْلِ مُرَاعَاةِ شَرْطِ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ صُورَةً، وَمَعْنًى بِلَا صُورَةٍ،، وَإِيجَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَعْيَانُ لَيْسَتْ بِمُمَاثِلَةٍ لِلْمَنَافِعِ فِي الْمَالِيَّةِ لِلتَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَعْيَانَ تَبْقَى وَتَدُومُ، وَلَا بَقَاءَ لِلْمَنَافِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ مَا هُوَ فَوْقَ الْمُتْلَفِ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْمُتَعَدِّي كَمَا لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْجَيِّدِ مَكَانَ الرَّدِيءِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَصْلِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ تَحْقِيقًا لِلْجَبْرِ كَالْأَعْيَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ كَالْعَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْهَا، وَالنَّاسُ يَتَمَوَّلُونَهَا وَالتَّفَاوُتُ الثَّابِتُ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِيَّةِ وَالْعَرْضِيَّةِ مَجْبُورٌ بِكَثِيرَةِ الْأَجْزَاءِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ شَهْرٍ وَاحِدٍ أَكْثَرُ أَجْزَاءً عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ فَيُجْبَرُ النُّقْصَانُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فَاسْتَوَيَا قِيمَةً فَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ فِيمَا وَرَاءَ الْقِيمَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَالتَّفَاوُتِ فِي الْحِنْطَةِ مِنْ حَيْثُ الْحَبَّاتُ وَاللَّوْنُ وَنَحْوُهَا فِيمَا إذَا أَتْلَفَ حِنْطَةً، وَأَتَى بِمِثْلِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَإِثْبَاتُ الْمِثْلِ تَقْرِيبًا يَعْنِي إيجَابَ الْمِثْلِ ثَابِتٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِأَدْنَى تَفَاوُتٍ يُتَحَمَّلُ كَمَا فِي إيجَابِ الْقِيمَةِ عَنْ الْعَيْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْمِثْلِ صُورَةً مَعَ أَنَّهَا تُسْتَدْرَكُ بِالظَّنِّ وَالْحَزْرِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَيْ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ إيجَابُ فَضْلٍ؛ لِأَنَّهُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ أَيْ الْوَاجِبُ فِي الْمَسْأَلَةِ إمَّا إيجَابُ فَضْلٍ عَلَى الْمُتَعَدِّي أَوْ إهْدَارٌ عَلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُ الْمِثْلِ بِدُونِ الْفَضْلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْتِزَامِ أَحَدِ مَحْذُورَيْنِ إمَّا إيجَابُ الْفَضْلِ عَلَى الْمُتَعَدِّي رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَظْلُومِ بِجَبْرِ حَقِّهِ أَوْ إهْدَارُ حَقِّ الْمَظْلُومِ بِعَدَمِ إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَعَدِّي احْتِرَازًا عَنْ إيجَابِ الْفَضْلِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ الْخُسْرَانِ بِالظَّالِمِ أَحَقُّ، وَفِيهِ دَفْعُ الظُّلْمِ وَسَدُّ بَابِ الْعُدْوَانِ أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْفَضْلِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفَضْلَ إنْ اُعْتُبِرَ فَهُوَ فَضْلٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَعَدِّي ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ
(4/93)

وَلِأَنَّهُ إهْدَارُ وَصْفٍ أَوْ إهْدَارُ أَصْلٍ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِثْلِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ بَابٍ كَمَا فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَوَضْعُ الضَّمَانِ فِي الْمَعْصُومِ أَمْرٌ جَائِزٌ مِثْلُ الْعَادِلِ يُتْلِفُ مَالَ الْبَاعِي، وَالْحَرْبِيُّ يُتْلِفُ مَالَ الْمُسْلِمِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الْمُتَعَدِّي غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَنِسْبَةُ الْجَوْرِ إلَيْهِ بِدُونِ وَاسِطَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ بَاطِلٌ، وَأَنْ لَا يَضْمَنَ مُضَافٌ إلَى عَجْزِنَا عَنْ الدَّرْكِ، وَذَلِكَ سَائِغٌ حَسَنٌ؛ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ، وَإِنْ قَلَّ فَائِتٌ أَصْلًا بِلَا بَدَلٍ، وَالْأَصْلُ، وَإِنْ عَظُمَ فَائِتٌ إلَى ضَمَانٍ فِي دَارِ الْجَزَاءِ فَكَانَ تَأَخُّرًا وَالْأَوَّلُ إبْطَالًا وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي حَقِّهِ لِتَعَدِّيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَهُوَ إهْدَارٌ لِجِهَةِ الْفَضِيلَةِ عَلَى الْمَظْلُومِ تَحْقِيقًا لِإِيجَابِ الْمِثْلِ جَبْرًا لِحَقِّهِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا كَإِهْدَارِ الْمَوَدَّةِ فِي بَابِ الرِّبَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ أَيْضًا أَيْ؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إمَّا إهْدَارُ وَصْفٍ عَمَّا وَجَبَ عَلَى الظَّالِمِ، وَهُوَ الْعَيْنِيَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْبَقَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ إيجَابِ الضَّمَانِ أَوْ إهْدَارُ أَصْلٍ أَيْ إسْقَاطُ أَصْلِ حَقِّ الْمَظْلُومِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إيجَابِ الضَّمَانِ فَكَانَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ إهْدَارُ الْوَصْفِ أَوْلَى تَحَمُّلًا لِأَدْنَى الضَّرَرَيْنِ لِدَفْعِ أَعْلَاهُمَا وَلَوْ صَرَفْت الضَّمِيرَ فِي؛ لِأَنَّهُ إلَى شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ إيجَابِ الضَّمَانِ وَنَحْوِهِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَا حَكَمْت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إهْدَارُ وَصْفٍ غَيْرُ مَا حَكَمْت عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إهْدَارُ أَصْلٍ، وَلَا بُدَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّقْيِيدَ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ يَعْنِي قَوْلَنَا كَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ كَذَا؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِثْلِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ بَابٍ أَيْ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الضَّمَانَاتِ مَالِيًّا كَانَ أَوْ بَدَنِيًّا فَإِنَّ ضَمَانَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَكَانَ هَذَا الْوَصْفُ أَثْبَتَ مِمَّا ذَكَرُوا فَكَانَ أَرْجَحَ.
وَوَضْعُ الضَّمَانِ فِي الْمَعْصُومِ أَيْ إسْقَاطُ الضَّمَانِ عَمَّنْ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا أَمْرٌ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ مِثْلُ الْعَادِلِ يُتْلِفُ مَالَ الْبَاغِي فَإِنَّ مَالَهُ مَعَ بَغْيِهِ مَعْصُومٌ لَا يُبَاحُ لِغَيْرِ الْعَادِلِ إتْلَافُهُ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِغْنَاؤُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِأَحَدٍ، وَفِي التَّقْوِيمِ كَإِتْلَافِ الْبَاغِي أَمْوَالَنَا وَنُفُوسَنَا فِي حَالِ الْمَنَعَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَالْفَضْلُ عَلَى الْمُتَعَدِّي أَيْ إيجَابُ الْفَضْلِ عَلَى الْمُتَعَدِّي غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ تَعَدِّيًا أَوْجَبَ زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا فِي نَفْيِ الزِّيَادَةِ عَنْ الْمُتَعَدِّي أَثْبَتُ مِمَّا ذَكَرُوا، وَهَذَا أَيْ عَدَمُ إيجَابِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ، وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ أَيْ إيجَابُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ ثَابِتُ الشَّرْعِ فَيَكُونُ هَذَا إضَافَةَ الظُّلْمِ إلَى الشَّرْعِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ يَعْنِي بِدُونِ جِنَايَةٍ مِنْ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ التَّعَدِّي فِي مُقَابَلَةِ الْفَضْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ تَعَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكُونُ جَوْرًا، وَنِسْبَةُ الْجَوْرِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ بَاطِلَةٌ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ قَوْلَهُ بِدُونِ وَاسِطَةٍ فِعْلُ الْعَبْدِ هَاهُنَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ نِسْبَةَ الْجَوْرِ إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نِسْبَةُ الْجَوْرِ إلَيْهِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَا يُضَافُ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ مِنْ إيجَابِ الْجَزَاءِ بِوَاسِطَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِجَوْرٍ.
وَعِبَارَةُ التَّقْوِيمِ تُؤَيِّدُهُ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ رَاجِعَةٌ إلَى مَا يَتَبَيَّنُ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ بِفَتْوَانَا وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى مَصُونٌ عَنْ الْجَوْرِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَظُنُّهَا لِلشَّيْخِ أَنَّ إضَافَةَ الظُّلْمِ إلَى الشَّرْعِ بِوَاسِطَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ الْإِرَادَةُ وَالتَّقْدِيرُ وَالْمَشِيئَةُ دُونَ الرِّضَاءِ وَالْأَمْرُ بِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُهُ مُفِيدًا، وَمُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَأَنْ لَا يَضْمَنَ أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَسُقُوطُهُ مُضَافٌ إلَى عَجْزِنَا عَنْ الدَّرْكِ أَيْ دَرْكِ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَى ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مُقَدَّرًا بِالْمِثْلِ فَإِنَّ إيجَابَ الْمِثْلِ مِنْ الْعَدْلِ، وَلَكِنَّا عَجَزْنَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ فَسَقَطَ ذَلِكَ لِلْعَجْزِ، وَذَلِكَ أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَسُقُوطُهُ لِلْعَجْزِ سَائِغٌ حَسَنٌ كَسُقُوطِ وُجُوبِ الْمِثْلِ صُورَةً عِنْدَ الْعَجْزِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ وَسُقُوطِ فَضْلِ الْوَقْتِ فِي ضَمَانِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ، وَهُوَ الْفَضْلُ عَلَى تَقْدِيرِ إيجَابِ الضَّمَانِ فَائِتٌ أَصْلًا بِلَا بَدَلٍ إذْ لَا يَبْقَى لِلْمُتْلِفِ
(4/94)

وَهَذَا كَذَلِكَ فِي عَامَّةِ الْأَحْكَامِ فَأَمَّا ضَمَانُ الْعَقْدِ فَبَابٌ خَاصٌّ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى.

وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْأُصُولِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِشْهَارِ فِي السُّنَنِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي هَذَا الْبَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
حَقٌّ فِيهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِوُجُوبِهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَكَانَ إيجَابُهُ إبْطَالًا لَهُ أَصْلًا وَالْأَصْلُ، وَهُوَ حَقُّ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ عَظُمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَصْفِ فَائِتٌ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إيجَابِ الضَّمَانِ إلَى الضَّمَانِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ فَكَانَ عَدَمُ إيجَابِهِ تَأْخِيرًا لَا إبْطَالًا، وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ فِي الضَّرَرِ فَكَانَ أَوْلَى مَعَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْحَقِّ بِالْعُذْرِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] ، وَتَأْخِيرُ الْحُقُوقِ إلَى دَارِ الْآخِرَةِ أَصْلٌ فَإِنَّهَا دَارُ الْجَزَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَهَذَا أَيْ اشْتِرَاطُ الْمُمَاثَلَةِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ اشْتِرَاطِهَا هَاهُنَا أَوْ اشْتِرَاطُهَا هَاهُنَا مِثْلُ اشْتِرَاطِهَا فِي عَامَّةِ الْأَحْكَامِ يَعْنِي مَا اعْتَبَرْنَاهُ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ لَيْسَ بِوَصْفٍ خَاصٍّ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي عَامَّةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ فَأَمَّا ضَمَانُ الْعَقْدِ فَبَابٌ خَاصٌّ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ مُخْتَصًّا بِالْعَقْدِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَلَا يَكُونُ ثَبَاتُهُ عَلَى الْحُكْمِ مِثْلَ ثَبَاتِ الْأَوَّلِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَرْجَحَ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ عَنْ الْعَيْنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْقِيمَةِ إيجَابُ زِيَادَةٍ بِالْفَتْوَى وَنِسْبَةُ جَوْرٍ إلَى الشَّرْعِ بَلْ الْوَاجِبُ قِيمَةُ عَدْلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ لِكُلِّ عَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ قِيمَةَ مِثْلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبَّمَا يُوصَلُ إلَيْهَا بِاتِّفَاقِ الْحَالِ، وَهِيَ الْوَاجِبَةُ بِالْفَتْوَى إلَّا أَنَّهُ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الِاسْتِيفَاءِ وَذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى الْوُسْعِ قُلْنَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ أَدْنَى تَفَاوُتٍ فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَأَمَّا هَاهُنَا فَالتَّفَاوُتُ فِي أَصْلِ الْوَاجِبِ لَا فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ عَلَى إبْرَاءِ الدَّيْنِ إذَا رَجَعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْدَ، وَلَهُ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دَيْنًا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ فَيَضْمَنُ دِينًا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ فَلَيْسَ فِيهِ إيجَابُ فَضْلٍ.
وَأَمَّا مَا اُعْتُبِرَ مِنْ تَرْجِيحِ جَانِبِ الْمَظْلُومِ فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الظَّالِمَ لَا يُظْلَمُ، وَلَكِنْ يُنْتَصَفُ مِنْهُ مَعَ قِيَامِ حَقِّهِ فِي مِلْكِهِ فَلَوْ لَمْ يُوجَبْ الضَّمَانُ سَقَطَ حَقُّ الْمَظْلُومِ لَا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَيْنَا وَعِنْدَ إيجَابِ الضَّمَانِ سَقَطَ حَقُّ الظَّالِمِ فِي الْوَصْفِ بِمَعْنًى مُضَافٍ إلَيْنَا، وَهُوَ أَنَّا نُلْزِمُهُ إذًا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَيْهِ، وَمُرَاعَاةُ الْوَصْفِ فِي الْوُجُوبِ كَمُرَاعَاةِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْقِصَاصِ الَّذِي يَبْتَنِي عَلَى الْمُسَاوَاةِ التَّفَاوُتَ فِي الْوَصْفِ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الْقِصَاصِ كَالصَّحِيحَةِ مَعَ الشَّلَّاءِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْمَظْلُومِ، وَإِلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْأَصْلِ عَلَى الْوَصْفِ فَعَرَفْنَا أَنَّ قُوَّةَ الثَّبَاتِ فِيمَا قُلْنَا، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْأُصُولِ) مَعْنَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ أَنْ يَشْهَدَ لِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ أَصْلَانِ أَوْ أُصُولٌ فَيُرَجَّحُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ لَهُ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ مِثْلُ وَصْفِ الْمَسْحِ فِي مَسْأَلَةِ التَّثْلِيثِ فَإِنَّهُ لَمَّا شَهِدَ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ، وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَشْهَدْ لِصِحَّةِ وَصْفِ الْخَصْمِ، وَهُوَ الرُّكْنِيَّةُ إلَّا الْغَسْلُ تَرَجَّحَ عَلَيْهِ ثُمَّ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأُصُولِ فِي الْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ فِي الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ لَا يَتَرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
فَكَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ أَصْلٍ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ هِيَ الْوَصْفُ الْمُؤْثِرُ، الْأَصْلَ الْمُسْتَنْبَطَ مِنْهُ لَكِنْ كَثْرَةُ الْأُصُولِ يُوجِبُ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ وَلُزُومٍ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شِدَّةِ التَّأْثِيرِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحُكْمِ فَيَحْدُثُ بِهَا قُوَّةٌ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ
(4/95)

وَأَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ الْعَكْسُ الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ أَضْعَفُ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ لَكِنْ الْحُكْمُ إذَا تَعَلَّقَ بِوَصْفٍ ثُمَّ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ كَانَ ذَلِكَ أَوْضَحَ لِصِحَّتِهِ فَصَلُحَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَقْسَامِ التَّرْجِيحِ وَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ، وَهُوَ يَنْعَكِسُ بِمَا لَا لَيْسَ بِمَسْحٍ وَقَوْلُهُمْ رُكْنٌ لَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ تَتَكَرَّرُ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْأُخُوَّةِ: إنَّهَا قَرَابَةٌ مُحَرِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ أَحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمْ يَجُوزُ وَضْعُ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَا قُلْنَا يَنْعَكِسُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ، وَقَوْلُهُمْ لَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الزَّكَاةِ فِي الْكَافِرِ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجِبُ بِهِ عِتْقٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي بَيْعِ الطَّعَامِ إنَّهُ مَبِيعُ عَيْنٍ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ مَالَانِ لَوْ قُوبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ حَرُمَ رِبَا الْفَضْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ لِلتَّرْجِيحِ فَهُوَ أَيْ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ التَّرْجِيحِ مِنْ جِنْسِ الِاشْتِهَارِ فِي السِّنِّ فَإِنَّ كَثْرَةَ الرُّوَاةِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ بَلْ الْخَبَرُ هُوَ الْحُجَّةُ، وَلَكِنْ يَحْدُثُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ قُوَّةٌ وَزِيَادَةُ اتِّصَالٍ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ فَيَصِيرُ مَشْهُورًا أَوْ مُتَوَاتِرًا فَيَتَرَجَّحُ عَلَى مَا لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَرْجِيحُ الْوَصْفِ الْقَوِيِّ عَلَى مَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لَا تَرْجِيحُ الْأُصُولِ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَيْ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ قَرِيبٌ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ إثْبَاتٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ التَّرْجِيحِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا مِنْ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ إذَا قُرِّرَ بِهِ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا وَيَتَبَيَّنُ بِهِ إمْكَانُ تَقْدِيرِ النَّوْعَيْنِ لِلْآخَرِ فِيهِ أَيْضًا، وَهَكَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ إلَّا أَنَّ الْجِهَاتِ مُخْتَلِفَةٌ فَتَعَدُّدُهَا بِاعْتِبَارِ الْجِهَاتِ فَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ التَّأْثِيرِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْوَصْفِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالثَّبَاتِ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ، وَالتَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَالْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أُخِذَ التَّرْجِيحُ مِنْ قُوَّةِ هَذَا الْوَصْفِ، وَفِي هَذَا أُخِذَ مِنْ نَظَائِرِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا لَا يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْقِيَاسُ وَاحِدٌ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ أُصُولَهُ كَثِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ الْعَكْسُ) اُخْتُلِفَ فِي التَّرْجِيحِ بِالْعَكْسِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ أَيْ لَا يُوجِبُ عَدَمُ الْعِلَّةِ عَدَمَ الْحُكْمِ وَلَا وُجُودَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا؛ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ.
وَمُخْتَارُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ صَالِحٌ لِلتَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ حُجَّةً دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ وَوَكَادَةِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فَصَلُحَ مُرَجِّحًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنَّهُ تَرْجِيحٌ ضَعِيفٌ لِاسْتِلْزَامِهِ إضَافَةَ الرُّجْحَانِ إلَى الْعَدَمِ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ، وَيَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهُ إذَا عَارَضَ هَذَا النَّوْعَ تَرْجِيحٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ كَالتَّرْجِيحِ فِي الذَّاتِ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ يَنْعَكِسُ بِمَا لَيْسَ بِمَسْحٍ أَيْ يَنْعَدِمُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَسْحِ، وَهُوَ سُقُوطُ التَّكْرَارِ بِعَدَمِ وَصْفِ الْمَسْحِ كَمَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ، وَكَذَا فِي كُلِّ مَا يُعْقَلُ تَطْهِيرًا يُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ أَيْ، وَمِثْلُ قَوْلِنَا فِي الْمَسْحِ قَوْلُنَا فِيمَا إذَا مَلَكَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَوْ أُخْتَهُ إنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ مُحَرِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ الَّذِي هُوَ اسْتِدْلَالٌ فَيُوجِبُ الْعِتْقَ كَقَرَابَةِ الْوِلَادَةِ.
أَحَقُّ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ قَرَابَةٌ يَجُوزُ وَضْعُ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ فَلَا تُوجِبُ الْعِتْقَ كَقَرَابَةِ بَنِي الْأَعْمَامِ؛ لِأَنَّ مَا قُلْنَا يَنْعَكِسُ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ فَإِنَّ قَرَابَتَهُمْ لَمَّا لَمْ تُوجِبْ حُرْمَةَ النِّكَاحِ لَمْ تُوجِبْ الْعِتْقَ. وَقَوْلُهُمْ لَا يَنْعَكِسُ فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَهُوَ جَوَازُ وَضْعِ الزَّكَاةِ قَدْ انْعَدَمَ فِي الْكَافِرِ، وَلَمْ يَنْعَدِمْ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُعْتَقُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا مَلَكَهُ. وَكَذَلِكَ أَيْ، وَكَقَوْلِنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَوْلُنَا فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَى آخِرِهِ.
إذَا بَاعَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ بِطَعَامٍ بِعَيْنِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَدَلَيْنِ مَبِيعُ عَيْنٍ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا إذَا بَاعَ ثَوْبًا بِثَوْبٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَيْنِ مَالَانِ لَوْ قُوبِلَ
(4/96)

لِأَنَّهُ يَنْعَكِسُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَلَا يَنْعَكِسُ تَعْلِيلُهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ السَّلَمِ لَمْ يَشْمَلْ أَمْوَالَ الرِّبَا، وَمَعَ ذَلِكَ وَجَبَ فِيهِ الْقَبْضُ احْتِرَازًا عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْحُدُوثَ مَوْجُودٌ بِصُورَتِهِ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ وُجُودِهِ، وَيُقَوَّمُ بِهِ أَحْوَالُهُ الْحَادِثَةُ عَلَى وُجُودِهِ فَإِذَا تَعَارَضَ ضَرْبَانِ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فِي الذَّاتِ وَالثَّانِي فِي الْحَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَنْعَكِسُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ يَعْنِي قَدْ عُدِمَتْ الْعَيْنِيَّةُ فِي هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ فَعُدِمَ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّرْفِ النُّقُودُ، وَهِيَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ فَكَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ.
وَكَذَا الْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنٌ وَرَأْسُ الْمَالِ فِي الْغَالِبِ مِنْ النُّقُودِ أَيْضًا فَكَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ فَشُرِطَ فِيهِمَا الْقَبْضُ فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مُنْعَكِسٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ تَعْلِيلُهُ أَيْ تَعْلِيلُ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ السَّلَمِ لَمْ يَشْمَلْ أَمْوَالَ الرِّبَا أَيْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهَا إنْ جَازَ حَمْلُ الشُّمُولِ عَلَى الِاقْتِصَارِ يَعْنِي كَمَا يَكُونُ السَّلَمُ فِي مَالِ الرِّبَا بِأَنْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ فِي حِنْطَةٍ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ بَيْعَ السَّلَمِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى أَمْوَالِ الرِّبَا بِأَنْ أَسْلَمَ ثَوْبًا فِي عَدَدٍ مُتَقَارِبٍ. وَعِبَارَةُ التَّقْوِيمِ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، وَهِيَ وَعِلَّتُهُمْ لَا تُوجِبُ الْعَدَمَ لِعَدَمِهَا فَإِنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى أَمْوَالِ الرِّبَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى أَمْوَالِ الرِّبَا وَجَبَ فِيهِ الْقَبْضُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرُوا غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِبَقَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَكِسًا فَهُوَ مُطَّرِدٌ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فَإِنَّ بَيْعَ إنَاءٌ مِنْ فِضَّةٍ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ يُوجِبُ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَا عَيْنَيْنِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ ثَوْبًا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى قُلْنَا الْأَصْلُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وُرُودُهُمَا عَلَى الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَرُبَّمَا يَقَعُ عَلَى عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَيَتَعَذَّرُ عَلَى عَامَّةِ التُّجَّارِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَيَّنُ وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فَأُقِيمَ اسْمُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ مَقَامَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَعُلِّقَ وُجُوبُ الْقَبْضِ بِهِمَا تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ وَوَجَبَ الْقَبْضُ بِهِمَا سَوَاءٌ وَرَدَا عَلَى دَيْنٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ بِعَيْنٍ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ تَقْدِيرًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُقِيمَ مَقَامَ شَيْءٍ فَالْمَنْظُورُ نَفْسُهُ لَا الشَّيْءُ الَّذِي هُوَ أُقِيمَ هُوَ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ لَمَّا أُقِيمَ مَقَامَ الْحَدَثِ عِنْدَ الِاسْتِرْخَاءِ، وَالسَّفَرُ لَمَّا أُقِيمَ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ لَمْ يُتَلَفَّتْ بَعْدُ إلَى حَقِيقَةِ الْحَدَثِ وَالْمَشَقَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَكِسًا مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ» أَيْ قَبْضٌ بِقَبْضٍ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَبْضٌ بِقَبْضٍ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» وَمَا ذَكَرْتُمْ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَكَانَ مَرْدُودًا. قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يَدٌ بِيَدٍ عَيْنٌ بِعَيْنٍ نَقْدٌ بِنَقْدٍ يُقَالُ لِمَا لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ بَيْعُ يَدٍ بِيَدٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّعْيِينِ كَالْإِشَارَةِ وَالْإِحْضَارِ كَمَا هِيَ آلَةُ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ الْقَبْضُ بِالْيَدِ لِلتَّعْيِينِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْيَدِ وَالْقَبْضِ عَنْهُ فَيَحْمِلُهُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَزِيدَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: 29] شَرْطًا لَيْسَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
وَلَا يُقَالُ قَدْ زِدْتُمْ اشْتِرَاطَ الْعَيْنِيَّةِ عَلَى الْكِتَابِ بِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ فَزِيدُوا الْقَبْضَ بِهَذَا النَّصِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ انْضَمَّ الْإِجْمَاعُ، وَقَبُولُ الْأُمَّةِ إلَى هَذَا الْخَبَرِ فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي خَبَرِ الْقَبْضِ فَافْتَرَقَا.

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ بَيَانُ الْمُخَلِّصِ فِي تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ أَوَّلِ الْبَابِ، وَهُوَ بَيَانُ الْمُخَلِّصِ فِي تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ فَإِنَّ التَّرْجِيحَيْنِ إذَا تَعَارَضَا يُحْتَاجُ إلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ، أَحَدُهُمَا فِي الذَّاتِ أَيْ بِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الذَّاتِ
(4/97)

عَلَى مُضَادَّةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَانَ الرُّجْحَانُ فِي الذَّاتِ أَحَقَّ مِنْهُ فِي الْحَالِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الذَّاتَ أَسْبَقُ مِنْ الْحَالِ فَيَصِيرُ كَاجْتِهَادٍ أُمْضِيَ حُكْمُهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْحَالَ قَائِمَةٌ فَلَوْ اعْتَبَرْنَا عَلَى مُضَادَّةِ الْأَوَّلِ كَانَ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ مُبْطِلًا لَهُ، وَالتَّبَعُ لَا يَصْلُحُ مُبْطِلًا لِلْأَصْلِ نَاسِخًا لَهُ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي مَزَلِّ الْقَدَمِ، وَالْمُصِيبُ فِي مَرَاكِزِ الزَّلَلِ مَأْجُورٌ.
وَبَيَانُهُ فِيمَا هُوَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ قَوْلُنَا فِي ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ مِنْ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ هَذَا رَاجِحٌ فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ، وَالْعَمُّ رَاجِحٌ بِخَالَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَمَّةُ لِأُمٍّ مَعَ الْخَالِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَحَقُّ بِالثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثُ لِلْخَالِ؛ لِأَنَّهَا رَاجِحَةٌ فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ، وَالْخَالُ رَاجِحٌ بِخَالَةٍ وَابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَحَقُّ مِنْ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الذَّاتِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْخَالِ وَابْنُ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ لِلرُّجْحَانِ فِي الذَّاتِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالثَّانِي فِي الْحَالِ أَيْ بِوَصْفٍ فِي الذَّاتِ عَلَى مُضَادَّةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إذْ لَوْ كَانَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ ثَانِيًا: أَحَدُهُمَا أَنَّ الذَّاتَ أَسْبَقُ وُجُودًا مِنْ الْحَالِ زَمَانًا أَوْ رُتْبَةً فَبَعْدَمَا وَقَعَ التَّرْجِيحُ لِمَعْنًى فِي الذَّاتِ لَا يَتَغَيَّرُ لِمَا حَدَثَ مِنْ مَعْنًى فِي حَالِ الْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ كَاجْتِهَادٍ أَمْضَى حُكْمَهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ اجْتِهَادٍ آخَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا اتَّصَلَ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ بِالنَّسَبِ أَوْ النِّكَاحِ لِرَجُلٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ لِآخَرَ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ.
وَلَا يُقَالُ الذَّاتُ أَسْبَقُ عَلَى حَالِ نَفْسِهَا لَا عَلَى حَالِ ذَاتٍ أُخْرَى وَتَرْجِيحُ الْخَصْمِ يَقَعُ بِحَالِ ذَاتٍ أُخْرَى فَيَتَسَاوَيَانِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَنْظُورُ كَوْنُ الذَّاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْحَالِ عَلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْحَالِ وَبِالذَّاتِ قَدْ يَقَعَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّبْيِيضِ رَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى ذَاتِ الصَّوْمِ، وَرَجَّحَ الْخَصْمُ بِالْفَسَادِ احْتِيَاطًا وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الصَّوْمِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ الْحَالَ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ.
بَيَانُ الْوَجْهِ الثَّانِي أَيْ الْحَالُ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا، وَمَا هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ لَهُ حُكْمُ الْعَدَمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِعَدَمِ قِيَامِهِ وَبَقَائِهِ بِنَفْسِهِ فَكَانَتْ الْحَالُ مَوْجُودَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ تَابِعَةً لِغَيْرِهَا وَالذَّاتُ مَوْجُودَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَكَانَ التَّرْجِيحُ بِهَا أَوْلَى وَبَعْدَمَا صَارَ الدَّلِيلُ رَاجِحًا بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ لَا يُجْعَلُ الْآخَرُ رَاجِحًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا، وَإِبْطَالًا لِمَا هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ بِمَا هُوَ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ، وَالتَّبَعُ لِغَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ مُبْطِلًا لِمَا هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَنَاسِخًا لَهُ وَقَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ تَبَعَ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ مُبْطِلًا لِذَاتِ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ مُبْطِلًا لِشَيْءٍ آخَرَ.
وَالْجَوَابُ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا عِنْدَنَا أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّرْجِيحِ مَذْهَبُنَا، وَالشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ لَا يُخَالِفُنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَلَكِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْأَصْلُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي مَزَلِّ الْقَدَمِ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا أَخْطَأَ فِي مَوْضِعِ الْخَفَاءِ كَانَ مَعْذُورًا، وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي مَوْضِعِ الظُّهُورِ، وَالْمُصِيبُ فِي مَرَاكِزِ الزَّلَلِ مَأْجُورٌ يَعْنِي، وَمَنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِي مَوَاضِعَ تَزِلُّ فِيهَا أَقْدَامُ الْخَوَاطِرِ فَهُوَ مَأْجُورٌ أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُمْ أَمْعَنُوا فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَأَصَابُوا حَقِيقَةَ الْمَعْنَى فَلَمْ تَزِلَّ أَقْدَامُهُمْ عَنْ الصَّوَابِ.
وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ رُجْحَانِ التَّرْجِيحِ بِالذَّاتِ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالْحَالِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا قَوْلُنَا فِي ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ مِنْ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَيْ ابْنَ ابْنِ الْأَخِ رَاجِحٌ فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ فَإِنَّ قَرَابَتَهُ قَرَابَةُ أُخُوَّةٍ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُمُومَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مُجَاوِرُهُ فِي الصُّلْبِ وَالْعَمُّ مُجَاوِرُ أَبِيهِ، وَالْعَمُّ رَاجِحٌ بِحَالَةٍ، وَهِيَ زِيَادَةُ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَّصِلُ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْأَبُ وَابْنُ ابْنِ الْأَخِ بِوَاسِطَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْعَمَّةُ لِأُمٍّ مَعَ الْخَالِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَحَقُّ بِالثُّلُثَيْنِ مِنْ الْخَالِ، وَالثُّلُثُ لِلْخَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ رَاجِحَةٌ فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ لِإِدْلَائِهَا إلَى الْمَيِّتِ بِالْأَبِ وَالْخَالُ رَاجِحٌ بِحَالَةٍ، وَهِيَ الذُّكُورَةُ، وَقُوَّةُ الْقَرَابَةِ فَإِنَّهُ يَتَّصِلُ بِأُمِّ الْمَيِّتِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْعَمَّةُ مُتَّصِلَةٌ بِأَبِيهِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الذَّاتِ أَيْ ذَاتِ الْقَرَابَةِ فَإِنَّ الْكُلَّ قَرَابَةُ أُخُوَّةٍ فَيَتَرَجَّحُ أَيْ الْأَوَّلُ بِالْحَالِ، وَهِيَ زِيَادَةُ الِاتِّصَالِ لِأَحَدِهِمَا.
وَابْنُ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِ الْأَخِ لِأَبٍ لِلرُّجْحَانِ فِي الذَّاتِ يَعْنِي أَنَّهُمَا، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأُخُوَّةُ لَكِنْ لِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ مَعْنًى مُرَجِّحٌ فِي ذَاتِهِ، وَهُوَ الْقُرْبُ فَإِنَّ نَفْسَهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ بِوَاسِطَةٍ وَلِلْآخَرِ
(4/98)

وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي مَسَائِلِ صَنْعَةِ الْغَاصِبِ فِي الْخِيَاطَةِ وَالصِّيَاغَةِ وَالطَّبْخِ وَالشَّيِّ وَنَحْوِهَا إنَّهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يُضَافُ حُدُوثُهَا إلَى صَاحِبِ الْعَيْنِ وَأَمَّا الْعَيْنُ فَهَالِكَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهِيَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ مُضَافٌ إلَى صَنْعَةِ الْغَاصِبِ فَصَارَتْ الصَّنْعَةُ رَاجِحَةً فِي الْوُجُودِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَاحِبُ الْأَصْلِ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ بَاقِيَةٌ بِالْمَصْنُوعِ تَابِعَةٌ لَهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْبَقَاءَ حَالٌّ بَعْدَ الْوُجُودِ فَإِذَا تَعَارَضَا كَانَ الْوُجُودُ أَحَقَّ مِنْ الْبَقَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَعْنًى مُرَجِّحٌ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ زِيَادَةُ الِاتِّصَالِ لِجَدِّهِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَحَقَّ بِالْعُصُوبَةِ.
وَمِثْلُهُ أَيْ، وَمِثْلُ التَّرْجِيحِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرَائِضِ كَثِيرٌ فَإِنَّ ابْنَ الْعَمِّ لِأَبٍ أَوْلَى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِمَا قُلْنَا وَالْجَدُّ، وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ وَبِنْتُ الْعَمَّةِ، وَإِنْ سَلَفَتْ أَوْلَى بِالثُّلُثَيْنِ مِنْ الْخَالِ وَالْخَالَةِ لِلرُّجْحَانِ فِي ذَاتِ الْقَرَابَةِ، وَالْعَمَّةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّةِ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الذَّاتِ لِلرُّجْحَانِ فِي الْحَالِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالذَّاتِ أَقْوَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْحَالِ عِنْدَ تَعَارُضِ التَّرْجِيحَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي مَسَائِلِ صَنْعَةِ الْغَاصِبِ بِأَنْ أَحْدَثَ فِي الْمَغْصُوبِ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً، وَهِيَ مَا تَزْدَادُ قِيمَةُ الْعَيْنِ بِهِ فِي الْخِيَاطَةِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَسَائِلِ صَنْعَةِ الْغَاصِبِ مَعَ تَكْرِيرِ الْعَامِلِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ أَيْ بِأَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا وَخَاطَهُ وَالصِّيَاغَةِ بِأَنْ غَصَبَ نُقْرَةً فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ وَالطَّبْخِ، وَالشَّيِّ بِأَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَطَبَخَهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا وَنَحْوِهَا بِأَنْ غَصَبَ سَاجَةً أَوْ أَجُرَّةً فَأَدْخَلَهَا فِي بِنَائِهِ أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سَيْفًا أَوْ صُفْرًا فَضَرَبَهُ آنِيَةً أَنَّهُ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ يَعْنِي مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْقِيمَةِ لَا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ أَصْلًا، وَهَذَا الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الصِّيَاغَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَلَا يَنْقَطِعُ بِالصِّيَاغَةِ حَقُّ الْمَالِكِ مِنْ الْعَيْنِ لِمَا سَنُبَيِّنُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْحَادِثَ فِي الْمَغْصُوبِ بِصَنْعَةِ الْغَاصِبِ مُتَقَوِّمٌ، وَهُوَ حَقُّ الْغَاصِبِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَا يَأْخُذُ الْعَيْنَ إلَّا وَيُعْطِيهِ مَا زَادَتْ الصَّنْعَةُ فِيهَا مِنْ الْخِيَاطَةِ وَالشَّيِّ، وَالْأَصْلُ مُتَقَوِّمٌ حَقًّا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّيِّ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا أَصْلًا، وَفِي الْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا إلَّا بِنَقْضِهَا، وَالنَّقْضُ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْغَاصِبِ وَحَقُّهُ مُحْتَرَمٌ لَا يَجُوزُ الْإِبْطَالُ عَلَيْهِ كَحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ لِاخْتِلَافِ الْمِلْكَيْنِ جِنْسًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَلُّكِ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ بِالْقِيمَةِ.
فَقُلْنَا: حَقُّ الْغَاصِبِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِبَقَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حَدَثَتْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا لَا الْقِيَامُ بِالذَّاتِ الَّذِي يَكُونُ لِلْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّنْعَةِ أَثَرُهَا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِمَحَلٍّ، وَلَا يُضَافُ حُدُوثُهَا إلَى صَاحِبِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي الثَّوْبِ شَيْئًا، وَالثَّوْبُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ أَيْضًا لِصَيْرُورَتِهِ مَخِيطًا فَثَبَتَ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَى فِعْلِ الْغَاصِبِ لَا غَيْرُ، وَكَأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الزَّوَائِدِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا حَقُّ الْمَالِكِ لِتَوَلُّدِهَا مِنْ مِلْكِهِ، وَعَمَّا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ بِحِنْطَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَأَلْقَتْهَا فِي طَاحُونَةٍ فَطَحَنَتْهَا أَوْ أَلْقَتْهَا فِي أَرْضِ الْغَاصِبِ فَنَبَتَتْ حَيْثُ لَمْ يُقْطَعْ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهَا دَقِيقًا وَزَرْعًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلٍ أَحَدٍ، وَفِعْلُ الطَّاحُونَةِ وَالرِّيحِ لَا يَصْلُحُ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهِ بَقِيَتْ مُضَافَةً إلَى الْحِنْطَةِ فَيَصِيرُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْحِنْطَةِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ.
وَحَقُّ الْمَالِكِ فِي الْمَغْصُوبِ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ هَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الثَّوْبِ، وَلَمْ يَبْقَ صُورَةً، وَمَعْنًى مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَوْبًا بِالتَّرْكِيبِ، وَقَدْ زَالَ بِالْقَطْعِ مِنْ وَجْهٍ، وَبَعْضُ الْمَنَافِعِ الْقَائِمَةِ بِهِ زَالَتْ بِالْقَطْعِ وَحَدَثَ بِالْخِيَاطَةِ مَا لَمْ يَكُنْ، وَكَذَا حَدَثَ بِفِعْلِ الشَّيِّ صِفَةُ النُّضْجِ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي قِيمَةِ اللَّحْمِ وَاللَّحْمُ يَصِيرُ بِهَا مُسْتَهْلَكًا صُورَةً، وَمَعْنًى مِنْ وَجْهٍ.
أَمَّا الصُّورَةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهُ كَانَ صَالِحًا لِوُجُودِهِ مِنْ الْأَغْذِيَةِ وَالْآنَ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا لِمَا آلَ إلَيْهِ
(4/99)

وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا قُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَكُلِّ صَوْمِ عَيْنٍ إنَّهُ يَجُوزُ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ تَعَلَّقَ جَوَازُهُ بِالْعَزِيمَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ الْعَزِيمَةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ تَعَارَضَا فَرَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ تَرَجَّحَ الْفَسَادُ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الذَّاتِ بِالْحَالِ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَجُلٍ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ مَضَى مِنْ حَوْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ مَلَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَمَّ حَوْلُ الْإِبِلِ فَزَكَّاهَا ثُمَّ بَاعَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَنَّهُ لَا يَضُمَّهَا إلَى الْأَلْفِ الَّتِي عِنْدَهُ لَكِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ فَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ أَلْفٌ أُخْرَى ضَمَّهَا إلَى الْأَلْفِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ثَمَنِ الْإِبِلِ فَرَبِحَ أَلْفًا ضَمَّ الرِّبْحَ إلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعُدَ عَنْ الْحَوْلِ وَلَا يُعْتَبَرُ الرُّجْحَانُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الزَّكَاةِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْأَلْفَ الرِّبْحَ مُتَّصِلٌ بِأَصْلِهِ ذَاتًا مُتَّصِلٌ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى حَالًا، وَهِيَ الْقُرْبُ إلَى مُضِيِّ الْحَوْلِ، وَالذَّاتُ أَحَقُّ مِنْ الْحَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَمْثِلَةً مَعْدُودَةً لِتَكُونَ أَصْلًا لِغَيْرِهَا مِنْ الْفَرْعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَكَذَا الطَّبْخُ بِالْمَاءِ فَثَبَتَ أَنَّ الْعَيْنَ هَالِكَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا كَانَ لِلْمَالِكِ حَقُّ التَّرْكِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَتَضْمِينُ كُلِّ الْقِيمَةِ، وَهِيَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ هَالِكَةً تُضَافُ إلَى صَنْعَةِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ مَتَى أَوْجَبَتْ تَبْدِيلَ الْمَحَلِّ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ يَصِيرُ وُجُودُهُ مُضَافًا إلَى الْفِعْلِ كَمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا فَنَبَتَتْ أَوْ طَحَنَهَا أَوْ بَيْضًا فَحَضَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ حَتَّى أَفْرَخَتْ أَوْ تَالَّةً فَأَنْبَتَهَا حَتَّى غُرِسَتْ فَإِذَا تَغَيَّرَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ يَصِيرُ الْوُجُودُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ مُضَافًا إلَى الْفِعْلِ مِنْ وَجْهٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الثَّوْبَ تَبَدَّلَ مِنْ وَجْهٍ صُورَةً وَمَعْنًى، فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ يَصِيرُ مُضَافًا إلَى فِعْلِ الْغَاصِبِ وُجُودًا، وَالصَّنْعَةُ وُجِدَتْ بِفِعْلِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْوُجُودِ بِالثَّوْبِ، وَالْوُجُودُ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ فَرَجَّحْنَا الصَّنْعَةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا فِي الْوُجُودِ رَاجِحَةٌ لِكَوْنِهَا مَوْجُودَةً مِنْ وَجْهٍ، وَأَنَّ وُجُودَ الثَّوْبِ مِنْ وَجْهٍ مُضَافٌ إلَيْهَا، وَهِيَ غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَيْهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ قَطَعَهُ قَبَاءً وَلَمْ يُخْطِهِ أَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ وَسَلَخَهَا، وَأَرَّبَهَا، وَلَمْ يَشْوِهَا حَيْثُ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَقُّ الْمَالِكِ مَعَ وُجُودِ صَنْعَةِ الْغَاصِبِ وَتَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ بِهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنْ كَانَ حَقُّ الْغَاصِبِ فِي صُورَةِ الصُّنْعِ قَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَحَقُّ الْمَالِكِ فِي الثَّوْبِ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الِاسْمُ وَالْهَيْئَةُ، وَلَا الْمَعَانِي فَإِنَّ الثَّوْبَ الْأَحْمَرَ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَبْيَضُ إلَّا أَنَّ النَّاسَ مَا اعْتَادُوا الِانْتِفَاعَ بِهِ إلَّا بِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَأَمَّا صَلَاحِيَّتُهُ لِجَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ فَعَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تَرَجَّحَ الْأَصْلُ عَلَى الْوَصْفِ، وَفِي قَطْعِ الثَّوْبِ وَذَبْحِ الشَّاةِ بِدُونِ الْخِيَاطَةِ وَالشَّيِّ وُجِدَ الِاسْتِهْلَاكُ مِنْ وَجْهٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْهُ فِعْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ لَكِنَّهُ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ مَالَ إلَى جِهَةِ الْهَلَاكِ فَيُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ مَالَ إلَى جِهَةِ الْقِيَامِ فَيَأْخُذَ الثَّوْبَ وَيُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الصِّيَاغَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهَا حَقُّ مَالِكٍ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ هُنَاكَ قَائِمَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ إذْ هِيَ قَائِمَةٌ صُورَةً لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ بِانْفِرَادِهَا لَا قِيمَةَ لَهَا فِي أَمْوَالِ الرِّبَا فَصَارَتْ الصَّنْعَةُ وَالْأَصْلُ سَوَاءٌ فَتَرَجَّحَ الْأَصْلُ عَلَى الْوَصْفِ بِخِلَافِ الصَّفْرَاءِ أَوْ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِالصَّنْعَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالَ الرِّبَا فَإِنَّهُ يُبَاعُ بَعْدَ الصَّنْعَةِ عَدَدًا لَا وَزْنًا فَكَانَتْ الْجَوْدَةُ فِيهِ مُتَقَوِّمَةً فَافْتَرَقَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَاحِبُ الْأَصْلِ رَاجِحٌ عَلَى صَاحِبِ الصَّنْعَةِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ بَاقِيَةٌ بِالْمَصْنُوعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا لِكَوْنِهَا عَرْضًا تَابِعَةً لَهَا؛ لِأَنَّهَا وَصْفٌ وَالْأَوْصَافُ أَتْبَاعٌ لِمَوْصُوفَاتِهَا.
وَالْجَوَابُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْبَقَاءَ حَالٌ بَعْدَ الْوُجُودِ فَإِذَا تَعَارَضَا أَيْ التَّرْجِيحُ بِالْوُجُودِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْحَالِ كَانَ الْوُجُودُ أَحَقَّ مِنْ الْبَقَاءِ ثُمَّ كَوْنُ الشَّيْءِ تَابِعًا وَوَصْفًا لِغَيْرِهِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ فَإِنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ فِي التَّبَعِ مُحْتَرَمٌ كَمَا أَنَّ حَقَّهُ فِي الْأَصْلِ مُحْتَرَمٌ فَأَمَّا هَلَاكُ الشَّيْءِ فَمُبْطِلٌ لِلْحَقِّ فَمَتَى كَانَ الشَّيْءُ هَالِكًا مِنْ وَجْهٍ فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَلَا يُعَارِضُ حَقًّا مُسْتَحَقًّا قَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ تَابِعًا أَوْ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فَلِهَذَا رَجَّحْنَا حَقَّ الْغَاصِبِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ، وَكَمَا قُلْنَا فِي صَنْعَةِ الْغَاصِبِ قُلْنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي كَذَا فَإِذَا وُجِدَتْ الْعَزِيمَةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ تَعَارَضَا أَيْ الْبَعْضُ الَّذِي وُجِدَتْ الْعَزِيمَةُ فِيهِ وَالْبَعْضُ الَّذِي لَمْ تُوجَدْ فِيهِ أَوْ تَعَارَضَ وُجُودُ الْعَزِيمَةِ فِي الْبَعْضِ وَعَدَمُهَا فِي الْبَعْضِ
(4/100)

وَأَمَّا الرَّابِعُ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ عَلَى مَا قُلْنَا، وَالثَّانِي التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْأَخَ يُشْبِهُ الْوَلَدَ بِوَجْهٍ، وَهُوَ الْمَحْرَمِيَّةُ وَيُشْبِهُ ابْنَ الْعَمِّ بِسَائِرِ الْوُجُوهِ مِثْلُ وَضْعِ الزَّكَاةِ وَحِلِّ الْحَلِيلَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَبَهٍ يَصْلُحُ قِيَاسًا فَيَصِيرُ كَتَرْجِيحِ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ وُجُودَهَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَعَدَمُهَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فَرَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ أَيْ رَجَّحْنَا الْبَعْضَ الَّذِي وُجِدَتْ الْعَزِيمَةُ فِيهِ أَوْ وُجُودُ الْعَزِيمَةِ بِالْكَثْرَةِ الَّتِي هِيَ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ وَحَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْبَعْضَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْعَزِيمَةُ فَحَكَمَ بِالْفَسَادِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِيهَا جِهَةُ الصِّحَّةِ وَجِهَةُ الْفَسَادِ تَرَجَّحَ جَانِبُ الْفَسَادِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا اعْتَبَرَهُ مَعْنًى فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْفَسَادِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الذَّاتِ بِالْحَالِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْكَثْرَةِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَبِتَرْجِيحِ الْفَسَادِ يَبْطُلُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَيَكُونُ فِيهِ نَسْخُ الذَّاتِ بِالْحَالِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا مَرَّ.
وَلَا يُقَالُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ نَسْخُ الْحَالِ بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ مِنْ الْأَوْصَافِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِانْضِمَامِ الْأَجْزَاءِ وَهُوَ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ وَالْفَسَادُ حَالٌ طَارِئٌ عَلَى الذَّاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ أَلْفٌ ضَمَّهَا إلَى الْأَلْفِ أَوْلَى، وَهِيَ الْأَلْفُ الْمَمْلُوكَةُ دُونَ ثَمَنِ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَلْفَيْنِ إلَى الْحَوْلِ يَعْنِي قَدْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الضَّمُّ بِمَعْنَى الْمُجَانَسَةِ، وَقَدْ تَعَارَضَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَلْفَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْقُرْبِ إلَى الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ يُقَوَّمُ بِمَا هُوَ الْأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ احْتِيَاطًا فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ثَمَنِ الْإِبِلِ فَرَبِحَ أَلْفًا ضَمَّ الرِّبْحَ إلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ بَعُدَ أَصْلُهُ عَنْ الْحَوْلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الرُّجْحَانُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الزَّكَاةِ بِأَنْ يُضَمَّ إلَى الْأَلْفِ الْأُخْرَى بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ إلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْمُسْتَفَادِ فَإِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُتَفَرِّعًا مِنْ الشَّيْءِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَاتَه جُزْءٌ مِنْهُ وَالْقُرْبُ إلَى الْحَوْلِ حَالٌ زَائِدَةٌ فِيهِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ بِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الذَّاتِ أَحَقَّ مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْحَالِ، وَهَذَا كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ إذَا كَانَتْ مُشْتَرَاةً بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ يُقَوَّمُ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّقْوِيمُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ أَنْفَعَ لِحُصُولِ ذَاتِهَا بِهِ.
ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَامِعِ هَذَا الْكَلَامَ فَقَالَ لَوْ كَانَ بَاعَ الْغَنَمَ بِجَارِيَةٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَزَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَلَوْ قُلْنَا بِضَمِّ الزِّيَادَةِ إلَى الْمَالِ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَوْلِ لَأَدَّى إلَى أَمْرٍ قَبِيحٍ، وَهُوَ أَنْ يُزَكَّى أَصْلُ الْجَارِيَةِ بِاعْتِبَارِ حَوْلٍ وَصِفَتِهَا بِاعْتِبَارِ حَوْلٍ آخَرَ فَلِهَذَا يَضُمُّ الْمُتَوَلِّدَ إلَى مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِيَكُونَ أَصْلًا لِغَيْرِهَا مِنْ الْفُرُوعِ كَمَا إذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ لِعُمْرَةٍ وَطَافَ لَهَا شَوْطًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يُرْفَضُ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَيْسَرُ قَضَاءً، وَأَقَلُّ أَعْمَالًا وَيُرْفَضُ إحْرَامُ الْحَجِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ رَاجِحَةٌ فِي ذَاتِهَا لِوُجُودِ جُزْءٍ مِنْ أَرْكَانِهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَمَا قَالَاهُ تَرْجِيحٌ بِالْحَالِ.

[الْقِسْمُ الرَّابِعِ بَيَانُ الْفَاسِدِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرَّابِعُ يَعْنِي) مِنْ أَقْسَامِ أَوَّلِ الْبَابِ، وَهُوَ بَيَانُ الْفَاسِدِ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ وَتَرْجِيحُ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ آخَرَ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِثْلُ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ بِالْخَبَرِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مُقَابَلَتِهِ وَالْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ بَعْدَ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بِاعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ، وَمِثْلُ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِنَصِّ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ عَلَى مَا قُلْنَا يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ إنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ مِمَّا يَصْلُحُ عِلَّةً بِانْفِرَادِ.
وَالثَّانِي مِنْ التَّرْجِيحَاتِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْفَرْعِ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ شَبَهٌ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَبِالْأَصْلِ الْآخَرِ الَّذِي يُخَالِفُ أَصْلَ الْأَوَّلِ شَبَهٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَوْ مِنْ وُجُوهٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ
(4/101)

وَالثَّالِثُ التَّرْجِيحُ بِالْعُمُومِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ إنَّ الطَّعْمَ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثْرَةَ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ فَرْعُ النَّصِّ وَالنَّصُّ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ سَوَاءٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ فَكَيْفَ صَارَ الْعَامُّ أَحَقَّ مِنْ الَّذِي هُوَ فَرْعُهُ وَلِأَنَّ التَّعَدِّيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ عِنْدَكُمْ فَبَطَلَ التَّرْجِيحُ، وَعِنْدَنَا صَارَ عِلَّةً بِمَعْنَاهُ لَا بِصُورَتِهِ، وَالْعُمُومُ صُورَةٌ.
وَالرَّابِعُ التَّرْجِيحُ بِقِلَّةِ الْأَوْصَافِ فَيُقَالُ ذَاتُ وَصْفٍ أَحَقُّ مِنْ ذَاتِ وَصْفَيْنِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فَرْعُ النَّصِّ، وَالنَّصُّ الَّذِي خُصَّ نَظْمُهُ بِضَرْبٍ مِنْ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ وَالنَّصُّ الَّذِي أُشْبِعَ بَيَانُهُ سَوَاءٌ إنَّمَا التَّرْجِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْمَعَانِي الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا فَأَمَّا بِالصُّوَرِ فَلَا، وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ صُورَةٌ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الَّذِي جُعِلَ نَظْمُهُ حُجَّةً فَفِي هَذَا أَوْلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْقَوَاطِعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: الشَّيْءُ إذَا أَشْبَهَ أَصْلَيْنِ يُنْظَرُ إنْ أَشْبَهَ أَحَدَهُمَا فِي خَصْلَتَيْنِ وَالْآخَرَ فِي خَصْلَةٍ أَلْحَقْته بِاَلَّذِي أَشْبَهَهُ فِي خَصْلَتَيْنِ وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى تَرْجِيحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِكَثْرَةِ الشَّبَهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَمْ يُجْعَلْ حُجَّةً إلَّا لِإِفَادَتِهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ يَزْدَادُ قُوَّةً عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ كَمَا يَزْدَادُ عِنْدَ كَثْرَةِ الْأُصُولِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْأَشْبَاهَ أَوْصَافٌ وَأَحْكَامٌ تُجْعَلُ عِلَلًا، وَكَثْرَةُ الْعِلَلِ لَا تُوجِبُ تَرْجِيحًا كَكَثْرَةِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْصَافٍ تُسْتَنْبَطُ مِنْ أَصْلٍ أَوْ أُصُولٍ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أُصُولٍ شَتَّى تُوجِبُ تَرْجِيحًا فَكَذَا هَذَا وَهَذَا بِخِلَافِ كَثْرَةِ الْأُصُولِ فَإِنَّ هُنَاكَ الْوَصْفَ وَاحِدٌ، وَكُلُّ أَصْلٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ فَيُوجِبُ قُوَّتَهُ وَثَبَاتَهُ عَلَى الْحُكْمِ فَأَمَّا هَاهُنَا فَأَصْلٌ وَاحِدٌ، وَالْأَوْصَافُ مُتَعَدِّدَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شُبْهَةٍ وَصْفٌ عَلَى حِدَةٍ يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرْجِيحُ الْعِلَّةِ بِكَثْرَتِهَا شَبَهًا بِأَصْلِهَا عَلَى الَّتِي هِيَ أَقَلُّ شَبَهًا بِأَصْلِهَا ضَعِيفٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى مُجَرَّدَ الشَّبَهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ، وَمَنْ رَأَى ذَلِكَ مُوجِبًا فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَعِلَّةٍ أُخْرَى، وَلَا تَجِبُ تَرْجِيحُ عِلَّتَيْنِ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَتَرَجَّحُ بِقُوَّتِهِ لَا بِانْضِمَامِ مِثْلِهِ إلَيْهِ كَمَا لَا يُرَجِّحُ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْإِجْمَاعُ عَلَى الثَّابِتِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأُصُولِ.
وَالثَّالِثُ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِالْعُمُومِ مِثْلُ تَرْجِيحِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ التَّعْلِيلَ بِوَصْفِ الطَّعْمِ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الطَّعْمِ يَعُمُّ الْقَلِيلَ، وَهُوَ الْحَفْنَةُ مَثَلًا وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ الْمَكِيلُ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ لَا يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ فَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّعْلِيلِ تَعْمِيمُ حُكْمِ النَّصِّ فَكَوْنُهُ أَعَمَّ كَانَ أَوْفَقَ لِمَقْصُودِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ فَرْعُ النَّصِّ لِكَوْنِهِ مُسْتَنْبَطًا مِنْهُ وَثَابِتًا بِهِ، وَالنَّصُّ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ سَوَاءٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْخَصْمِ الْخَاصُّ يَقْضِي أَيْ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْعَامِّ فَكَيْفَ صَارَ الْعَامُّ أَحَقَّ مِنْ الَّذِي هُوَ فَرْعُهُ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْعَامِّ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي يَعْنِي كَيْفَ صَارَ الْعَامُّ فِي الْفَرْعِ أَحَقَّ مِنْ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ أَيْ الْعَامُّ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَيُؤَيِّدُهُ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَعِنْدَهُ الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ كَيْفَ يَقُولُ فِي الْعِلَلِ أَنَّ مَا يَكُونُ أَعَمَّ فَهُوَ مُرَجَّحٌ عَلَى مَا يَكُونُ أَخَصَّ. أَوْ يُقَالُ مَعْنَاهُ كَيْفَ صَارَ الْعَامُّ مِنْ الْوَصْفِ أَحَقَّ أَيْ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ الَّذِي هُوَ فَرْعُهُ حَيْثُ لَمْ يَتَرَجَّحْ الْعَامُّ مِنْ النَّصِّ عَلَى الْخَاصِّ مِنْهُ وَتَرَجَّحَ الْعَامُّ مِنْ الْوَصْفِ عَلَى الْخَاصِّ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ التَّعَدِّيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْ التَّعْلِيلِ عِنْدَ الْخَصْمِ حَيْثُ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ فَكَانَ وُجُودُ التَّعَدِّي وَعَدَمُهُ فِي التَّعْلِيلِ بِمَنْزِلَةٍ لِصِحَّتِهِ بِدُونِهِ قَبْلَ التَّرْجِيحِ بِالْعُمُومِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةِ التَّعَدِّي.
أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُرَجِّحُوا الْمُتَعَدِّيَةَ عَلَى الْقَاصِرَةِ، وَقَالُوا هُمَا سَوَاءٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَالْغَزَالِيُّ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْقَاصِرَةَ عَلَى الْمُتَعَدِّيَةِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي، وَلَوْ كَانَ الْعُمُومُ مَقْصُودًا لَتَرَجَّحَتْ الْمُتَعَدِّيَةُ بِعُمُومِهَا عَلَى الْقَاصِرَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرْجِيحُ الْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْقَاصِرَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَ مَنْ لَا يُفْسِدُ الْقَاصِرَةَ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْفُرُوعِ بَلْ وُجُودُ أَصْلِ الْفُرُوعِ لَا تُبَيِّنُ قُوَّةً فِي ذَاتِ الْعِلَّةِ بَلْ يَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ الْقَاصِرَةُ أَوْفَقُ لِلنَّصِّ وَآمَنُ
(4/102)

(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)
وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ الْخِلَافِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ، ثُمَّ الْمُمَانَعَةُ، ثُمَّ بَيَانُ فَسَادِ الْوَضْعِ، ثُمَّ الْمُنَاقَضَةُ أَمَّا الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ فَالْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ وَأَنَّهُ يُلْجِئُ أَصْحَابَ الطَّرْدِ إلَى الْقَوْلِ بِالْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ رُكْنٌ فِي وُضُوءٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَيُقَالُ لَهُمْ عِنْدَنَا: يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ يَتَأَدَّى بِقَدْرِ الرُّبْعِ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَمَا يُجَاوِزُهُ إلَى اسْتِيعَابِهِ فَتَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ إذْ لَيْسَ مُقْتَضَى التَّثْلِيثِ اتِّحَادَ الْمَحَلِّ لَا مَحَالَةَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ ثَلَاثَةَ دُورٍ كَانَ ثَلَاثُ دَخَلَاتٍ بِمَنْزِلِهَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الزَّلَلِ فَكَانَتْ أَوْلَى.
وَعِنْدَنَا صَارَ الْوَصْفُ عِلَّةً بِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّأْثِيرُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْعُمُومِ فِي ذَلِكَ بَلْ الْعُمُومُ صُورَةٌ وَلَا اعْتِبَارَ لَهَا فِي الْعِلَلِ. وَالرَّابِعُ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِقِلَّةِ الْأَوْصَافِ مِثْلُ تَرْجِيحِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَصْفَ الطَّعْمِ فِي بَابِ الرِّبَا عَلَى الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ بِوَحْدَةِ الْوَصْفِ إذْ الْجِنْسُ شَرْطٌ عِنْدَهُمْ قَالُوا عِلَّةٌ هِيَ ذَاتُ وَصْفٍ وَاحِدٍ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ، وَأَبْعَدُ عَنْ الْخِلَافِ، وَأَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنْ ذَاتِ وَصْفَيْنِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهَا فِي إثَارَةِ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فَكَانَتْ أَوْلَى وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ وَصْفًا أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ شَبَهًا بِالْأَصْلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ فَرْعٌ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ وَالنَّصُّ الْمُوجَزُ لَا يَتَرَجَّحُ عَلَى الْمُطَوَّلِ فِي الْبَيَانِ فَكَذَا الْعِلَّةُ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ أَيْ الرُّجْحَانُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي النَّصِّ الَّذِي جُعِلَ نَظْمُهُ حُجَّةً مَعَ تَحَقُّقِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِشْبَاعِ فِيهِ، وَمَعَ كَوْنِهِ أَصْلًا.
فَفِي هَذَا أَيْ فِي التَّعْلِيلِ الَّذِي هُوَ فَرْعُ النَّصِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاخْتِصَارُ وَالْإِشْبَاعُ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْتَبِرَ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ إذْ الِاعْتِبَارُ فِيهِ لِلتَّأْثِيرِ لَا لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا صَارَ صَوْمًا بِاعْتِبَارِ صُورَتِهِ، وَمَعْنَاهُ فَكَانَ اعْتِبَارُ الْكَثْرَةِ فِيهِ اعْتِبَارًا لِلذَّاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْحَالِ فَأَمَّا هَاهُنَا فَلَا اعْتِبَارَ لِلصُّورَةِ إذْ الْعِلَّةُ صَارَتْ عِلَّةً بِمَعْنَاهَا لَا بِصُورَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا اعْتِبَارُ الْكَثْرَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ ذَكَرُوا وُجُوهًا كَثِيرَةً فِي التَّرْجِيحِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ بِحَيْثُ لَا تَكَادُ تُضْبَطُ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقْتَصَرَ فِي بَيَانِ الْوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةِ وَالْمُتَدَاوِلَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْفِقْهِ؛ وَلِأَنَّ مَا سِوَاهَا مِنْ الْوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ قَدْ انْدَرَجَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَبْوَابِ وَاقْتَصَرَ فِي بَيَانِ الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُتَدَاوَلَةُ بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْوُقُوفُ بِبَيَانِ فَسَادِهَا عَلَى فَسَادِ مَا سِوَاهَا مِنْ الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ، فَنَقْلُ الْفَائِدَةِ فِي الِاشْتِغَالِ بِتَفَاصِيلِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ]
[الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ]
(بَابُ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)
الْأَوْصَافُ الطَّرْدِيَّةُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ مِنْهَا أَوْصَافٌ فَاسِدَةٌ فِي ذَوَاتِهَا لِخُلُوِّهَا عَنْ التَّأْثِيرِ وَالْمُلَاءَمَةِ وَنَوْعٌ مِنْهَا أَوْصَافٌ صَحِيحَةٌ فِي أَنْفُسِهَا لِكَوْنِهَا مُلَائِمَةً وَمُؤَثِّرَةً إلَّا أَنَّ أَهْلَ الطَّرْدِ تَمَسَّكُوا بِاطِّرَادِهَا لَا بِتَأْثِيرِهَا وَمُنَاسَبَتِهَا إذْ الْمَنْظُورُ عِنْدَهُمْ نَفْسُ الِاطِّرَادِ لَا غَيْرُ فَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ وُجُوهِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ هَذَا الْبَابُ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ بَابِ دَفْعِ الْعِلَلِ فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّ الْعِلَلَ نَوْعَانِ: مُؤَثِّرَةٌ وَطَرْدِيَّةٌ وَعَلَى كُلِّ قِسْمٍ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّفْعِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وُجُوهِ دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَشَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ أَيْ عَمَّا أَوْجَبَهُ عِلَّةُ الْمُسْتَدِلِّ لَا عَنْ الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ رَافِعًا لِلْخِلَافِ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى النِّزَاعِ مَعَ إمْكَانِ الْوِفَاقِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ وَنَوْعٌ مِنْ السَّفَهِ، ثُمَّ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَكُونُ مُنَاقِضًا لِدَعْوَاهُ فَإِذَا وَافَقَهُ الْخَصْمُ فِيمَا قَالَ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا لِدَعْوَاهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ فَالْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ) أَيْ أَنَّهُ قَبُولُ السَّائِلِ مَا يُوجِبُ الْمُعَلِّلُ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِهِ يَعْنِي مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ فِي الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ عَامَّةِ.
(4/103)

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ضَمَّ إلَى الْفَرْضِ أَمْثَالُهُ فَكَانَ تَثْلِيثًا وَزِيَادَةً فَإِنْ غَيَّرَ الْعِبَارَةَ فَقَالَ وَجَبَ أَنْ يُسَنَّ تَكْرَارُهُ لَمْ يُسَلَّمْ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مَسْنُونٍ وَلَكِنَّ الْمَسْنُونَ تَكْمِيلُهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَرْكَانِ وَتَكْمِيلُهُ بِإِطَالَتِهِ فِي مَحَلِّهِ إنْ أَمْكَنَ بِمَنْزِلَةِ إطَالَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَكِنَّ الْفَرْضَ لَمَّا اسْتَغْرَقَ مَحَلَّهُ اُضْطُرِرْنَا إلَى التَّكْرَارِ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ هَا هُنَا مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ لِاتِّسَاعِ مَحَلِّهِ فَبَطَلَ الْخُلْفُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْأُصُولِيِّينَ هُوَ تَسْلِيمُ مَا اتَّخَذَهُ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمًا لِدَلِيلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَسْلِيمُ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْمُعَلِّلُ بِعِلَّتِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَيُمْكِنُ لِلسَّائِلِ دَفْعُهُ بِالْتِزَامِ مُوجِبِهِ مَعَ بَقَاءِ مَقْصُودِهِ فِي الْحُكْمِ.
أَوْ أَثْبَتَ الْمُعَلِّلُ بِدَلِيلِهِ إبْطَالَ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ فَبِالْتِزَامِ السَّائِلِ مُوجِبَ دَلِيلِهِ مَعَ بَقَاءِ نِزَاعِهِ فِي الْحُكْمِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَأْخَذَهُ فَمَسْأَلَةُ التَّثْلِيثِ وَمَسْأَلَةُ التَّعْيِينِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْمَسَائِلُ الْبَاقِيَةُ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لِخَفَاءِ مَأْخَذِ الْأَحْكَامِ لِكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا وَعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَمَدُ الْخَصْمِ مِنْ جُمْلَتِهَا بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ الْأَحْكَامُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَتَّفِقُ الذُّهُولُ عَنْهَا وَلِهَذَا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ دُونَ مَعْرِفَةِ الْمُدَارِكِ وَأَنَّهُ أَيْ الْقَوْلَ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ يُلْجِئُ أَيْ يَضْطَرُّ أَصْحَابَ الطَّرْدِ إلَى الْقَوْلِ بِالْمَعَانِي الْفِقْهِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ يَعْنِي لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالطَّرْدِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا أَعْرَضُوا عَنْهُ وَذَكَرُوا بَعْدُ فِي الْمُنَاظَرَةِ أَوْصَافًا مُؤَثِّرَةً وَمَعَانِيَ فِقْهِيَّةً لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَمَّا تَمَسَّكُوا بِاطِّرَادِ وَصْفٍ وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ اُضْطُرُّوا إلَى بَيَانِ التَّأْثِيرِ لِذَلِكَ الْوَصْفِ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ لَمَّا تَوَجَّهَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ صَارَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ لِتَبَيُّنِ أَنَّ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ بَيَانُ التَّأْثِيرِ لِلْوَصْفِ بَعْدَمَا صَارَ مُنْقَطِعًا فَكَانَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى وَذَلِكَ أَيْ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَمَا تَجَاوَزَهُ أَيْ تَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ الْمَفْرُوضَ إلَى اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ تَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ وَلَكِنْ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي أَدَّى فِيهِ الْفَرْضُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ عَنْ التَّثْلِيثِ إذْ لَيْسَ مُقْتَضَى التَّثْلِيثِ اتِّحَادَ الْمَحَلِّ لِمَا ذُكِرَ وَإِذَا كَانَ أَيْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اتِّحَادَ الْمَحَلِّ لَيْسَ مُقْتَضَى التَّثْلِيثِ فَقَدْ ضَمَّ الْمَاسِحُ إلَى الْفَرْضِ أَمْثَالَهُ فَكَانَ هَذَا الضَّمُّ تَثْلِيثًا وَزِيَادَةً إذْ التَّثْلِيثُ ضَمُّ الْمِثْلَيْنِ إلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا ضَمُّ ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ غَيَّرَ أَيْ الْمُسْتَدِلُّ الْعِبَارَةَ بِطَرِيقِ الْعِنَايَةِ فَقَالَ: وَجَبَ أَنْ يُسَنَّ تَكْرَارُهُ أَيْ أَرَدْت بِالتَّثْلِيثِ التَّكْرَارَ الَّذِي هُوَ مُقْتَضًى لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ لَا مَحَالَةَ أَوْ بِطَرِيقِ الِانْتِقَالِ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ يَعْنِي هَذَا الْوَصْفُ كَمَا اقْتَضَى التَّثْلِيثَ اقْتَضَى التَّكْرَارَ أَيْضًا فَيَثْبُتُ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ لَمْ نُسَلِّمْ ذَلِكَ أَيْ سُنِّيَّةَ التَّكْرَارِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْغُسْلُ فَيَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْأَصْلِ مَسْنُونٌ قَصْدًا بَلْ الْمَسْنُونُ تَكْمِيلُهُ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَرْكَانِ وَتَكْمِيلُهُ أَيْ تَكْمِيلُ الْأَصْلِ أَوْ تَكْمِيلُ الرُّكْنِ أَوْ الْفَرْضِ بِإِطَالَتِهِ فِي مَحَلِّهِ بِمَنْزِلَةِ إطَالَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا بِتَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الَّذِي يُوجِبُهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَلَكِنَّهُ يَقْتَضِي الْكَمَالَ فَيَكُونُ فِي الْإِطَالَةِ امْتِثَالٌ بِهِ، لَكِنَّ الْفَرْضَ لَمَّا اسْتَغْرَقَ فِي الْغُسْلِ مَحَلَّهُ لَمْ يُمْكِنْ التَّكْمِيلُ بِالْإِطَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ إكْمَالًا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ اُضْطُرِرْنَا إلَى الْمَصِيرِ إلَى التَّكْرَارِ لِيَحْصُلَ التَّكْمِيلُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهِ فِي مَحَلِّهِ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّكْمِيلُ بِالْإِطَالَةِ.
وَالْأَصْلُ هَاهُنَا مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ لِاتِّسَاعِ مَحَلِّهِ فَبَطَلَ الْخَلَفُ وَهُوَ التَّكْمِيلُ بِالتَّكْرَارِ وَقَوْلُهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بَدَلٌ مِنْ هَاهُنَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّكْمِيلُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَا يَكُونُ إكْمَالًا وَهَاهُنَا التَّكْمِيلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ.
(4/104)

وَظَهَرَ بِهَا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنْ لَا أَثَرَ لِلرُّكْنِيَّةِ فِي التَّكْرَارِ أَصْلًا كَمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّكْمِيلِ لَا مَحَالَةَ أَلَا يُرَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يُشَارِكُهُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي الِاسْتِيعَابِ سُنَّةً وَهُوَ رُخْصَةٌ وَكَذَلِكَ الْمَضْمَضَةُ فَأَمَّا الْمَسْحُ فَلَهُ أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى طُهْرٍ مَعْقُولٍ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِطَالَةُ فِيهِ سُنَّةً لَا التَّكْمِيلُ بِالتَّكْرَارِ أَلَا يُرَى أَنَّ التَّكْمِيلَ بِالتَّكْرَارِ رُبَّمَا يُلْحِقُهُ بِالْمَحْظُورِ وَهُوَ الْغُسْلُ فَكَيْفَ يَصْلُحُ تَكْمِيلًا وَأَمَّا الْغُسْلُ فَقَدْ شُرِعَ لِطُهْرٍ مَعْقُولٍ فَكَانَ التَّكْرَارُ تَكْمِيلًا وَلَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا فَقَدْ أَدَّى الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إلَى الْمُمَانَعَةِ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْمَسْحِ يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الرَّأْسِ لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بَلْ الْفَرْضُ يَتَأَدَّى بِكُلِّهِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ فِي الْحَطِّ إلَى أَدْنَى الْمَقَادِيرِ وَذَلِكَ كَالْقِرَاءَةِ عِنْدَكُمْ وَإِنْ طَالَتْ كَانَتْ فَرْضًا وَقَدْ تَتَأَدَّى بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] وَقَدْ يَتَنَافَى أَبْوَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي أَنَّ الِاسْتِيعَابَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالنَّصِّ فَصَارَ الْبَعْضُ هُوَ الْمُرَادَ ابْتِدَاءً بِالنَّصِّ فَصَارَ أَصْلًا لَا رُخْصَةً فَصَارَ اسْتِيعَابُهُ تَكْمِيلًا لِلْفَرْضِ وَالْفَضْلُ عَلَى نِصَابِ التَّكْمِيلِ بِدْعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ فَقُلْنَا نَحْنُ بِمُوجِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُوجِبُ التَّعْيِينَ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَا يُعَيِّنُهُ فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ تَعْيِينًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا إلَّا بِتَعَيُّنِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نُجَوِّزُهُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعْيِينٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
مَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيعَابِ تَكْمِيلُ الطَّهَارَةِ الْمَطْلُوبَةِ بِالْمَسْحِ فَرْضًا بِمَاءٍ طَهُورٍ يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ كُلَّهُ مَحَلُّ الْمَسْحِ وَالْبَلَلُ طَهُورٌ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْعُضْوَ كَالْمَاءِ فِي الْغُسْلِ يَبْقَى طَهُورًا فِي آخِرِ الْعُضْوِ عَلَى حُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَيَزْدَادُ بِالْأَمْدَادِ طَهَارَةً قَدْرَ الْفَرْضِ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ بِطَهَارَةٍ مِثْلِهَا بِمَاءٍ مِثْلِ مَاءِ الْأَصْلِ فِي مَحَلٍّ مِثْلِ مَحَلِّ الْأَصْلِ فَيُلْحَقُ بِالْغُسْلِ إذَا ثُلِّثَ فَيُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمَاءٍ طَهُورٍ كَمَا كُرِهَ فِي الْغُسْلِ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَيَظْهَرُ بِهَذَا أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ وَالْمُمَانَعَةِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ الْمُعَلِّلَ يُضْطَرُّ إلَى الرُّجُوعِ إلَى طَلَبِ التَّأْثِيرِ لِوَصْفِ الرُّكْنِيَّةِ فِي التَّكْرَارِ وَإِلَى التَّأَمُّلِ فِي وَصْفِ الْمَسْحِ الَّذِي هُوَ مُعْتَمَدُ خَصْمِهِ فَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنْ لَا أَثَرَ لِلرُّكْنِيَّةِ فِي التَّكْرَارِ أَصْلًا فَإِنَّ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَمْ يُشْرَعْ التَّكْرَارُ فَرْضًا وَلَا سُنَّةً مَعَ قِيَامِ وَصْفِ الرُّكْنِيَّةِ وَلَا أَثَرَ لَهَا أَيْ لِلرُّكْنِيَّةِ فِي التَّكْمِيلِ لَا مَحَالَةَ يَعْنِي لَيْسَ التَّكْمِيلُ مُخْتَصًّا بِالرُّكْنِيَّةِ مَعَ كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً فِيهِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِيمَا هُوَ رُخْصَةٌ وَفِيمَا هُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ مُنْعَكِسًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ شَارَكَهُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي الِاسْتِيعَابِ سُنَّةً يَعْنِي يُسَنُّ الِاسْتِيعَابُ فِي مَسْحِ الْخَلْفِ بِالْمُدِّ إلَيَّ السَّاقِ الَّتِي هِيَ مُنْتَهًى بِهَا مَحَلُّ الْغُسْلِ كَمَا يُسَنُّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
وَهُوَ أَيْ مَسْحُ الْخُفِّ رُخْصَةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ جَازَ وَكَانَ أَفْضَلَ وَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَا يَتَأَدَّى الْوُضُوءُ بِدُونِهِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَسْحِ الْخُفِّ الْمَضْمَضَةُ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَقَدْ شُرِعَ التَّكْمِيلُ فِيهَا أَيْضًا بِالتَّكْرَارِ كَغُسْلِ الْوَجْهِ فَثَبَتَ أَنَّ وَظَائِفَ الْوُضُوءِ أَرْكَانُهَا وَرُخَصُهَا وَسُنَنُهَا سَوَاءٌ فِي مَعْنَى التَّكْمِيلِ لَا اخْتِصَاصَ لِلرُّكْنِيَّةِ بِهِ فَأَمَّا الْمَسْحُ فَقَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي التَّخْفِيفِ وَثَبَتَ اخْتِصَاصُ التَّخْفِيفِ بِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ مُنْعَكِسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي لِطُهْرٍ مَعْقُولٍ يَعْنِي إنَّمَا كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُعْقَلُ فِيهِ مَعْنَى التَّطْهِيرِ بِدَلِيلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَحْصُلُ بِالْمَسْحِ أَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْمَحَلِّ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْمَسْحُ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يُؤَدِّي لِطُهْرٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً لَا حَقِيقِيَّةً كَانَتْ الْإِطَالَةُ فِيهِ سُنَّةً لِيَزْدَادَ بِهَا طُهْرٌ حُكْمِيٌّ مِثْلُ الْأَوَّلِ مَعَ رِعَايَةِ صِفَةِ التَّخْفِيفِ.
لَا التَّكْمِيلِ بِالتَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ التَّكْمِيلَ بِهِ شُرِعَ فِيمَا عُقِلَ مَعْنَى التَّطْهِيرِ فِيهِ وَهُوَ التَّطْهِيرُ بِتَسْيِيلِ الْمَاءِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ كَمَا فِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَهَذَا كُلُّهُ أَيْ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِيعَابَ تَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ وَأَنَّ إكْمَالَ الْمَسْحِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِالْإِطَالَةِ دُونَ التَّكْرَارِ بِنَاءً عَلَى كَذَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الرَّأْسِ لَا مَحَالَةَ أَيْ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ اسْتَوْعَبَ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ.
وَذَلِكَ أَيْ التَّأَدِّي بِالْبَعْضِ بِكُلِّ حَالٍ وَذَلِكَ أَيْ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِالْكُلِّ وَالْحَطُّ إلَى الْأَدْنَى بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ مِثْلُ الْقُرَاةِ عِنْدَكُمْ فَإِنَّهَا وَإِنْ طَالَتْ كَانَتْ فَرْضًا مَعَ أَنَّ فَرْضَهَا يَتَأَدَّى بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَيْ عَمَّا ذَكَرُوا أَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِالْكُلِّ وَالْحَطُّ إلَى الْأَدْنَى رُخْصَةٌ فَصَارَ الْبَعْضُ هُوَ الْمُرَادُ ابْتَدَأَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ النَّصِّ الْمُوجِبِ لِلْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَبْعِيضًا بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ مُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ فَيَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِمُطْلَقِ مَا يُسَمَّى قِرَاءَةً وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْمُطْلَقِ فَلِذَلِكَ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِالْكَثِيرِ كَمَا يَتَأَدَّى بِالْقَلِيلِ.
(4/105)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدٍ فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ كَمَا قِيلَ فِي الْوُضُوءِ فَقُلْنَا لَهُمْ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا بِالْإِفْسَادِ حَتَّى أَنَّهُ يَجِبُ إذَا فَسَدَ لَا بِاخْتِيَارِهِ بِأَنْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ فِي النَّفْلِ مَاءً لَكِنَّهُ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَفَوَاتُ الْمَضْمُونِ فِي ضَمَانِهِ يُوجِبُ الْمِثْلَ فَإِنْ قِيلَ وَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ بِالشُّرُوعِ وَلَا بِالْإِفْسَادِ قُلْنَا: عِنْدَنَا الْقُرْبَةُ بِهَذَا الْوَصْفِ لَا تُضْمَنُ وَإِنَّمَا تُضْمَنُ بِوَصْفٍ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ الْعَبْدُ مَالٌ فَلَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِالْقَتْلِ كَالدَّابَّةِ عِنْدَنَا لَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ بَلْ بِوَصْفِ الْآدَمِيَّةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَوْجُودَ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ حَسَنًا وَبِبَعْضِ صِفَاتِهِ رَدِيًّا فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقُرْبَةُ مَضْمُونَةً بِوَصْفٍ خَاصٍّ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ بِسَائِرِ الْأَوْصَافِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
وَالْفَضْلُ عَلَى نِصَابِ التَّكْمِيلِ بِدْعَةٌ كَالْفَضْلِ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الْغُسْلِ وَالْفَضْلُ عَلَى الِاسْتِيعَابِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ يُوجِبُ التَّعْيِينَ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْوَصْفِ وَاجِبٌ كَتَحْصِيلِ الْأَصْلِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ لِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِالتَّعْيِينِ.
، لَكِنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَا يُعَيِّنُهُ وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَيِّنُ وَهُوَ انْفِرَادُهُ بِالشَّرْعِيَّةِ وَعَدَمُ الْمُزَاحِمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْرَعْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ صَوْمًا سِوَى صَوْمِ الْفَرْضِ فَيَكُونُ مُتَعَيِّنًا بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَإِذَا أَطْلَقَ صَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الصَّوْمَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ وَثَمَّةَ يَجُوزُ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَكَذَا هَاهُنَا يَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الِاسْمِ إلَيْهِ فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ تَعْيِينًا أَيْ إصَابَةً لِلْمَشْرُوعِ الْمُعَيَّنِ وَلِأَنَّهُ أَيْ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ مِنْ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً كَمَا قُلْتُمْ، وَلَكِنَّ التَّعْيِينَ قَدْ وُجِدَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ مِنْهُ تَعْيِينٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا أَنَّ التَّعْيِينَ سَاقِطٌ عَنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ أَنَّ النُّكْتَةَ الْأُولَى تُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْيِينَ سَاقِطٌ عَنْ الْعَبْدِ لِحُصُولِ التَّعْيِينِ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ وَالنُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ مِنْهُ تَعْيِينٌ فَكَانَ التَّعْيِينُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ فَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إنَّمَا أَمْكَنَ لِلسَّائِلِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِمَا وَهُوَ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَالتَّعْيِينُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ الِاسْتِيعَابَ تَثْلِيثٌ وَأَنَّ الْإِطْلَاقَ تَعْيِينٌ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ صَوْمِ النَّفْلِ غَيْرُ مُلْزِمٍ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ إلَى آخِرِهِ.
حَتَّى إنَّهُ أَيْ الْقَضَاءَ يَجِبُ إذَا فَسَدَ لَا بِاخْتِيَارِهِ بِأَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بِالتَّيَمُّمِ نَاسِيًا الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ أَيْ تَذَكَّرَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ النَّفْلِ فَصَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ فِي النَّوْمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِفْسَادُ وَلَمَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْفَسَادِ كَمَا وَجَبَ بِالْإِفْسَادِ عُلِمَ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَى مَعْنًى آخَرَ شَامِلٍ لَهُمَا وَهُوَ الشُّرُوعُ الَّذِي يَصِيرُ الْأَدَاءُ بِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَفَوَاتُ الْمَضْمُونِ مُوجِبٌ لِلْمِثْلِ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ غَيْرُ الْمُعَلَّلِ الْعِبَارَةُ فَقَالَ: بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ بِالشُّرُوعِ وَلَا بِالْإِفْسَادِ كَالْوُضُوءِ.
قُلْنَا كَذَا يَعْنِي نَلْتَزِمُ هَذَا الْمُوجِبَ أَيْضًا وَنَقُولُ لَا تُضْمَنُ الْقُرْبَةُ بِالشُّرُوعِ الْمُضَافِ إلَى عِبَادَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا وَإِنَّمَا تُضْمَنُ بِالشُّرُوعِ فِي عِبَادَةٍ تُلْتَزَمُ بِالنُّذُورِ وَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى هَذَا الْوَصْفِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يُذْكَرُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ وَمَا ذُكِرَ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ فَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى وَصْفٍ يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ وَهُوَ أَنَّهُ مِمَّا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ وَعَدَمُ اللُّزُومِ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَمْتَنِعُ اللُّزُومُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَإِذَا آلَ الْكَلَامُ إلَى مَا قُلْنَا يُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ النَّذْرِ فِي كَوْنِهِ مُلْزِمًا فَيَظْهَرُ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ أَيْ قَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْعَبْدِ إلَى آخِرِهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ خَطَأً يَجِب عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَتُهُ وَلَا تُزَادُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ وَتُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَعِنْدَهُمْ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ قَالُوا: الْعَبْدُ مَالٌ فَلَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِالْقَتْلِ كَالدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقُلْنَا: لَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ وَصْفٍ آخَرَ يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهِ وَهُوَ وَصْفُ الْآدَمِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِهَذَا الْوَصْفِ لَيْسَ بِمَالٍ بَلْ هُوَ مَبْقِيّ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ كَدِيَةِ الْحُرِّ لَا بِوَصْفِ الْمَالِيَّةِ وَأَمَّا
(4/106)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي مَذْرُوعٍ فَجَازَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا الْوَصْفِ لَا يَفْسُدُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ الْفَسَادِ بِدَلِيلِهِ كَمَا إذَا قُرِنَ بِهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمُخْتَلِعَةِ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةُ النِّكَاحِ فَلَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ كَمُنْقَضِيَةِ الْعِدَّةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْحَقُهَا بِهَذَا الْوَصْفِ بَلْ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّكْفِيرُ إلَّا بِإِيمَانِ الْمُحَرَّرِ وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا الْوَصْفُ يُوجِبُ الْإِيمَانَ عِنْدَنَا لَكِنَّ قِيَامَ الْمُوجِبِ لَا يَمْنَعُ مُعَارَضَةَ مَا يُسْقِطُهُ وَهُوَ إطْلَاقُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ كَالدَّيْنِ يَسْقُطُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ إنَّهَا أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا تَدَيُّنٍ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ قُلْنَا: نَحْنُ نَقُولُ بِهِ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ مَا يُسْقِطُهُ كَالْإِبْرَاءِ فَكَذَلِكَ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
تَنْقِيصُ دِيَتِهِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِعَشْرَةٍ فَسَيَأْتِيك بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْعَوَارِضِ.
وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ أَيْ الْتِزَامُ السَّائِلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ مِنْ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِثْبَاتُ مَقْصُودِهِ بِوَصْفٍ آخَرَ طَرِيقٌ حَسَنٌ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ حَسَنًا وَبِبَعْضِ صِفَاتِهِ رَدِيًّا أَيْ قَبِيحًا مَعَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مُتَضَادَّانِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَشْرُوعَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ حُسْنِ وَجْهِهِ وَبِالْقُبْحِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِ قَامَتِهِ وَقَتْلُ الْجَانِي حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ قَبِيحٌ بِاعْتِبَارِ تَخْرِيبِ بُنْيَانِ الرَّبِّ وَكَذَا الصَّوْمُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَكَذَا الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِفِعْلٍ وَنَهَاهُ الْآخَرُ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَانَ إقْدَامُهُ عَلَيْهِ وَانْتِهَاؤُهُ عَنْهُ حَسَنًا مِنْ وَجْهٍ قَبِيحًا مِنْ وَجْهٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْبَةُ مَضْمُونَةً بِوَصْفٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَنَّهُ تُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِسَائِرِ الْأَوْصَافِ وَهِيَ كَوْنُهَا قُرْبَةً وَكَوْنُهَا مِمَّا لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا وَكَوْنُهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ بِالْأَمْرِ وَنَحْوُهَا قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي جِنْسِهِ بِأَنْ أَسْلَمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي مَذْرُوعٍ فَيَجُوزُ كَمَا إذَا أَسْلَمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا إسْلَامُ مَذْرُوعٍ فِي مَذْرُوعٍ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ عِنْدَنَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ الْفَسَادِ بِمَعْنًى آخَرَ مُوجِبٍ لِلْفَسَادِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبِضْ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ قُرِنَ بِهَذَا الْعَقْدِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بِأَنْ أَسْلَمَ بِذِرَاعِ رَجُلٍ عَيْنَهُ كَانَ فَاسِدًا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْوَصْفِ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْسُدَ بِمَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا فَتَصْلُحُ مُحَرِّمَةً لِلنَّسِيئَةِ كَالْوَصْفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْكَيْلُ فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ لَا يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا مِنْ وُجُودِ أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا كَذَا هَاهُنَا فَحِينَئِذٍ يُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ إلَى بَيَانِ أَنَّ الْجِنْسِيَّةَ لَا تَصْلُحُ عِلَّةً لِفَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ بِهَا إنْ أَمْكَنَهُ.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُمْ فِي الْمُخْتَلِعَةِ إلَى آخِرِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ أَيْ بِمُوجِبِ هَذَا التَّعْلِيلِ فَإِنَّ عِنْدَنَا لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةُ النِّكَاحِ وَلَكِنْ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْعِدَّةَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَبِبَقَائِهَا يَبْقَى مِلْكٌ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَتَّى كَانَ لَهُ وِلَايَةُ مَنْعِهَا عَنْ الْخُرُوجِ فَتَكُونُ الْمَرْأَةُ بِهَذَا الْوَصْفِ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ نِكَاحٌ صَحِيحٌ عَنْ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْمُتَارَكَةِ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ فَفِي حَالِ الْمُتَارَكَةِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٌ.
وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ كَوْنُهُ تَحْرِيرًا فِي تَكْفِيرٍ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إيمَانِ الْمُحَرَّرِ كَمَا قُلْتُمْ، لَكِنَّ قِيَامَ الْمُوجِبِ لِاشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مُعَارَضَةَ مَا يُسْقِطُ اشْتِرَاطَهُ وَهُوَ إطْلَاقُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] كَالدَّيْنِ يُسْقِطُ يَعْنِي قِيَامُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ يُوجِبُ الْأَدَاءَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَا يُسْقِطُهُ كَمَا إذَا أَبْرَأَ صَاحِبُ الْحَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَنْ حَقِّهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الِامْتِثَالُ بِالْأَمْرِ بِإِعْتَاقِ الْكَافِرَةِ كَمَا حَصَلَ بِإِعْتَاقِ الْمُؤْمِنَةِ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الِامْتِثَالَ لَا يَحْصُلُ بِتَحْرِيرِ الْكَافِرَةِ كَمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ
(4/107)

(الْفَصْلُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ مُمَانَعَةٌ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ وَالثَّانِي فِي نَفْسِ الْحُكْمِ وَالثَّالِثُ فِي صَلَاحِهِ لِلْحُكْمِ وَالرَّابِعُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا يَجِبُ بِالْأَكْلِ كَحَدِّ الزِّنَا وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِطْرِ دُونَ الْجِمَاعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَكَذَلِكَ وَكَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ يُغْنِي فِي أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ عَنْ السَّارِقِ أَنَّهُمَا أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ بِلَا تَدَيُّنٍ أَيْ بِلَا اعْتِقَادِ إبَاحَةٍ وَتَأْوِيلٍ فِي الْأَخْذِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ كَالْغَصْبِ بِخِلَافِ أَخْذِ الْحَرْبِيِّ مَالَ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ الْبَاغِي مَالَ الْعَادِلِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِطَرِيقِ التَّدَيُّنِ إذْ الْحَرْبِيُّ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَالْبَاغِي يَأْخُذُ بِتَأْوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُتْعَةِ وَإِنَّا نَقُولُ بِهِ أَيْ نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّهُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ مَا يُسْقِطُهُ.
كَالْإِبْرَاءِ أَيْ كَإِبْرَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ السَّارِقُ عَنْ الضَّمَانِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَالْإِبْرَاءِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ عِنْدَنَا فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ فَيَئُولُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ هَلْ يُوجِبُ الضَّمَانَ أَمْ لَا فَيَظْهَرُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَصَدَ الْمُعَلِّلُ بِالتَّعْلِيلِ إبْطَالَ مَذْهَبِ خَصْمِهِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ فَالسَّائِلُ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ بَيْنَ أَنَّ مَا ذَكَرْت لَيْسَ بِمَأْخَذِ الْحُكْمِ عِنْدِي وَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَهَبْت إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ بَعْدَمَا رَدَّ الْمَأْخَذَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ بَيَانَ مَأْخَذِهِ فَقِيلَ: يَجِبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَأْخَذَ عِنْدَهُ وَلِعِلْمِهِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ يَقُولُ بِهِ عِنَادًا قَصْدًا لِاتِّفَاقِ كَلَامِ خَصْمِهِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَكَأَنَّ الْوُجُوبَ أَفْضَى إلَى صِيَانَةِ الْكَلَامِ عَنْ الْخَبْطِ وَالْعِنَادِ فَكَانَ أَوْلَى.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ إذْ لَا وَجْهَ لِتَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاءِ بِشَرْطِ الْمُوجِبِ وَهُوَ اسْتِبْقَاءُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُتَدَيِّنٌ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ نَفْسِهِ أَوْ بِمَأْخَذِ إمَامِهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقَ فِيمَا ادَّعَاهُ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يُصَدَّقْ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ بَيَانَ الْمَأْخَذِ فَإِنْ أَمْكَنَ لِلْمُسْتَدِلِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ انْقَلَبَ الْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَبْطِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إبْدَاءِ الْمَأْخَذِ لِإِمْكَانِ ادِّعَائِهِ مَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ تَرْوِيجًا لِكَلَامِهِ ثِقَةً مِنْهُ بِامْتِنَاعِ وُرُودِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيلُ لِإِبْطَالِ مَأْخَذِ الْخَصْمِ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا سَلَّمَ أَنَّ عِلَّةَ الْمُعَلِّلِ تُوجِبُ مَا رَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحُكْمِ كَانَ يَخْلُفُ الْحُكْمُ عَنْهَا لِمَانِعٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا فَيَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ مِمَّنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ تَصْحِيحُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فِي هَذَا الْقِسْمِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ يَتَرَاءَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّخْصِيصِ دَفْعُ النَّقْضِ عَنْ الْعِلَّةِ الَّتِي رَامَ الْمُعَلِّلُ تَصْحِيحَهَا بِبَيَانِ مَانِعِ الْمُخَصِّصِ وَلَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَقْصُودُ السَّائِلِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ تَصْحِيحُ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إفْحَامُهُ وَإِيقَافُ كَلَامِهِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا بَلْ كَانَ إبْطَالًا لِكَلَامِهِ مَعْنًى فَلِذَلِكَ صَحَّ مِنْ الْكُلِّ.

[الْمُمَانَعَةُ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ قَوْلُهُ (وَالرَّابِعُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ) ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الطَّرْدِ يَشْتَرِطُونَ صَلَاحَ الْوَصْفِ وَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِذَا انْقَطَعَتْ نِسْبَةُ الْحُكْمِ عَنْهُ كَانَ فَاسِدًا وَقِيلَ.
(4/108)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مُجَازَفَةً فَيَبْطُلُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مُجَازَفَةُ ذَاتٍ أَوْ وَصْفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالذَّاتِ، ثُمَّ نَقُولُ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ بِصُورَتِهِ أَوْ بِمِعْيَارِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمِعْيَارِ؛ لِأَنَّ الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ كَيْلًا بِكَيْلٍ جَائِزٌ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الذَّاتِ فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا لَمْ نُسَلِّمْ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً فَيُضْطَرُّ إلَى إثْبَاتِ أَنَّ الطُّعْمَ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْجِنْسِ مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الْجَوَازُ لَا يَعْدَمُ إلَّا الْفَضْلَ عَلَى الْمِعْيَارِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْمُمَانَعَةَ فِي الْوَصْفِ هِيَ عَدَمُ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْمُمَانَعَةُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ هِيَ عَدَمُ تَسْلِيمِ كَوْنِ الْحُكْمِ مَنْسُوبًا إلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَعَ تَسْلِيمِ وُجُودِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَقِيلَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ هِيَ مَنْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ مَعَ تَسْلِيمِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِي الْأَصْلِ وَالْمُمَانَعَةُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ هِيَ مَنْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ فَمِثْلُ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ إنَّهَا عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا تَجِبُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَحَدِّ الزِّنَا وَهَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْجِمَاعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَنَا بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِفْطَارِ إذَا كَمَّلَ جِنَايَةً لَا بِالْجِمَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَوْ جَامَعَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ يَفْسُدُ لِوُجُودِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا فِي نَفْسِهِ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ آلَةُ الْفِطْرِ وَالْحُكْمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآلَةِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَاصِلِ بِالْآلَةِ كَمَا فِي الْجُرْحِ فَإِنَّ مَنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ بِهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِالْآلَةِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُرْحِ الْحَاصِلِ بِالْآلَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِفْطَارِ عَلَى وَجْهِ الْجِنَايَةِ وَهَذَا الْوَصْفُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْجِمَاعَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ عَلَى السَّوَاءِ فَيَثْبُت الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَعِنْدَ إلْحَاقِ هَذَا الْمَنْعِ يُضْطَرُّ إلَى بَيَانِ حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْفِطْرَ بِالْجِمَاعِ فَوْقَ الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِهِ قِيَاسًا وَلَا دَلَالَةَ، ثُمَّ قِيلَ: إيرَادُ هَذَا الْمِثَالِ هَاهُنَا غَيْرُ مُلَائِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَإِنَّ السَّائِلَ مَنَعَ فِيهِ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إلَى الْجِمَاعِ وَأَضَافَهُ إلَى وَصْفٍ آخَرَ وَهُوَ الْفِطْرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُمَانَعَةٌ فِي الْوَصْفِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُعَلِّلَ جَعَلَ كَوْنَ الْكَفَّارَةِ مُتَعَلِّقَةً بِالْجِمَاعِ عِلَّةً لِلْمَنْعِ مِنْ الْوُجُوبِ فِي الْأَكْلِ وَالسَّائِلُ مَنَعَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِالْجِمَاعِ فَيَكُونُ مَانِعًا لِنَفْسِ الْوَصْفِ عَنْ كَوْنِهِ عِلَّةً فَيَصِحُّ إيرَادُهُ هَاهُنَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مُمَانَعَةً نَفْسَ الْوَصْفِ قَوْلُهُمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مِنْ جِنْسِهِ مُجَازَفَةً فَيَبْطُلُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ تُرِيدُونَ بِالْمُجَازَفَةِ مُجَازَفَةَ ذَاتٍ أَوْ وَصْفٍ أَيْ تُرِيدُونَ مُجَازَفَةً تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ إلَى وَصْفِهِمَا مِنْ الرَّدَاءَةِ وَالْجَوْدَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ وَالتَّسَاوِيَ فِي الْوَصْفِ سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ فِي الْأَحْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ نَقُولُ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ أَيْ تُرِيدُونَ مُجَازَفَةً فِي الذَّاتِ أَوْ تَقُولُونَ: هِيَ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا الَّتِي بِهَا عُرِفَتْ تُفَّاحَةٌ أَمْ هِيَ مُجَازَفَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمِعْيَارِ الَّذِي وُضِعَ لِمَعْرِفَةِ الْقَدْرِ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَالضَّمِيرُ فِي صُورَتِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَبِيعِ أَوْ إلَى الذَّاتِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ.
فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمِعْيَارِ أَيْ بِالْمُجَازَفَةِ مِنْ حَيْثُ الْمِعْيَارُ؛ لِأَنَّ الْمُجَازَفَةَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ بَيْعَ قَفِيزٍ مِنْ حِنْطَةٍ بِقَفِيزٍ مِنْهَا جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ الْمُجَازَفَةِ فِي الذَّاتِ صُورَةً فَرُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْآخَرِ فِي عَدَدِ الْحَبَّاتِ وَالْأَجْزَاءِ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ إنْ ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَلْ أُرِيدُ بِهَا مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ لَمْ نُسَلِّمْ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً أَيْ لَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مِنْ الْمُجَازَفَةِ مَا لَا يَمْنَعُ بَيْعَ.
(4/109)

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ أَنَّهَا ثَيِّبٌ تُرْجَى مَشُورَتُهَا فَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِرَأْيٍ حَاضِرٍ أَمْ بِرَأْيٍ مُسْتَحْدَثٍ فَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ وَأَمَّا الْمُسْتَحْدَثُ فَلَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا قُلْنَا لَهُ: عِنْدَنَا لَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ رَأْيُهَا فَإِنْ قَالَ: بِأَيِّهِمَا كَانَ انْتَقَضَ بِالْمَجْنُونَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا رَأْيًا مُسْتَحْدَثًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ لَا مَحَالَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[كشف الأسرار]
الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذًا لَا يَجِدُ الْمُعَلِّلُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُفَسِّرَ الْمُجَازَفَةَ بِالْمُجَازَفَةِ فِي الْمِعْيَارِ وَهُوَ الْكَيْلُ وَإِذَا فَسَّرَهَا بِهَا لَمْ نُسَلِّمْ فِي وُجُودِهَا بَيْعَ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ؛ لِأَنَّ التُّفَّاحَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ كَيْلِ الْمِعْيَارِ وَالْمُجَازَفَةُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ لَا تُتَصَوَّرُ فَقَدْ أَدَّى الِاسْتِفْسَارُ إلَى الْمُمَانَعَةِ فِي الْوَصْفِ فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ بَعْدَ الِاسْتِفْسَارِ وَالْمُمَانَعَةِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُرْمَةُ فِي بَيْعِ الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ؛ لِأَنَّ الطُّعْمَ عِنْدَهُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ وَالْمُسَاوَاةُ كَيْلًا مُخَلِّصٌ عَنْ الْحُرْمَةِ فَفِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ قَدْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وَالشَّرْطُ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُخَلِّصُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِمَا كَيْلًا فَثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ كَمَا لَوْ فَاتَتْ الْمُسَاوَاةُ بِالْفَصْلِ عَلَى أَحَدِ الْكَيْلَيْنِ وَعِنْدَنَا الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ جَوَازُ الْعَقْدِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْفَسَادُ بِاعْتِبَارِ فَضْلٍ هُوَ حَرَامٌ وَهُوَ الْفَضْلُ عَلَى الْمِعْيَارِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمِعْيَارِ إذْ الْفَضْلُ يَكُونُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُسَاوَاةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِعْيَارِ أَصْلًا فَيَجُوزُ بَيْعُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا نُسَلِّمُ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا بِالْإِجْمَاعِ وَبِهَا يَقَعُ الْمُخَلِّصُ عَنْ فَضْلٍ هُوَ رِبًا وَلَا يَزُولُ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا إلَّا فَضْلٌ عَلَى الْكَيْلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحُرْمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُجَازَفَةِ كَيْلًا لَا بِمُطْلَقِ الْمُجَازَفَةِ.
أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ الطَّعْمُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجْعَلُ الطَّعْمَ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْبَيْعِ فِي الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ فَوَاتِ التَّسَاوِي كَيْلًا مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ أَيْ التَّسَاوِيَ فِي الْكَيْلِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الْجَوَازُ لَا يُعْدَمُ إلَّا الْفَضْلَ عَلَى الْمِعْيَارِ أَيْ لَا يَقْتَضِي إلَّا الِاحْتِرَازَ عَنْ الْفَضْلِ عَلَى الْمِعْيَارِ فَكَانَ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ مُطْلَقَةً فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّصِّ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ مُمَانَعَةُ الْوَصْفِ قَوْلُهُمْ كَذَا الْوَلِيُّ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ عِنْدَنَا كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ تَزْوِيجَهَا أَصْلًا حَتَّى تَبْلُغَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهَا زَالَتْ بِالثِّيَابَةِ فَإِذَا بَلَغَتْ فَحِينَئِذٍ يُزَوِّجُهَا بِمَشُورَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ الثَّيِّبُ مَجْنُونَةً يَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً.
فَإِنْ بَلَغَتْ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي تَزْوِيجِهَا كَذَا فِي التَّهْذِيبِ قَالُوا هَذِهِ ثَيِّبٌ يُرْجَى مَشُورَتُهَا وَاحْتَرَزُوا بِهِ عَنْ الْمَجْنُونَةِ فَإِنَّ مَشُورَتَهَا لَا تُرْجَى فِي الْغَالِبِ فَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ النَّائِمَةِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهَا وَالْغَائِبَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ بِرَأْيٍ حَاضِرٍ أَمْ بِرَأْيٍ مُسْتَحْدَثٍ أَيْ تُرِيدُونَ بِقَوْلِكُمْ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا رَأَيَا قَائِمًا فِي الْحَالِ أَوْ رَأْيًا سَيَحْدُثُ فَإِنْ أَرَدْتُمْ الْأَوَّلَ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّغِيرَةُ إذْ لَيْسَ لَهَا رَأْيٌ قَائِمٌ فِي الْحِلِّ لَا فِي الْمَنْعِ وَلَا فِي الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَزْوِيجَهَا لَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بِرَأْيِهَا وَبِدُونِ رَأْيِهَا وَمَنْ جَوَّزَ الْعَقْدَ فَكَذَلِكَ لَمْ يَفْصِلْ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا رَأْيٌ قَائِمٌ.
وَإِنْ عَنَيْتُمْ الثَّانِيَ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ؛ لِأَنَّ لَهَا رَأْيًا قَائِمًا لَا مُسْتَحْدَثًا وَلِهَذَا كَانَ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا بِمَشُورَتِهَا فِي الْحَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَكَانَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهَا أَيْضًا عِنْدَنَا فَكَانَ هَذَا مُمَانَعَةً لِنَفْسِ.
(4/110)

فَيَظْهَرُ بِهِ فَقْدُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ فَلَا يَمْنَعُهَا إلَّا الرَّأْيُ الْقَائِمُ فَأَمَّا الْمَعْدُومُ قَبْلَ الْوُجُودِ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مَانِ