Advertisement

مختصر التحرير شرح الكوكب المنير 002


المجلد الثاني
تنبيه: الأدلة
...
تَنْبِيهٌ: الأَدِلَّةُ
أَيْ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا عَلَى1 مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ خِلافٍ ضَعِيفٍ جِدًّا أَرْبَعَةٌ:
الأَوَّلُ2: "الْكِتَابُ" وَهُوَ الْقُرْآنُ "وَهُوَ الأَصْلُ".
"وَ" الثَّانِي: السُّنَّةُ وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهَا فِي بَابِهَا "وَهِيَ مُخْبِرَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" سُبْحَانَهُ3.
"وَ" الثَّالِثُ: "الإِجْمَاعُ" وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ فِي بَابِهِ "وَهُوَ" أَيْ الإِجْمَاعُ "مُسْتَنِدٌ إلَيْهِمَا" أَيْ إلَى4 الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
"و" الرَّابِعُ: "الْقِيَاسُ" عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَجَمْعٌ: لَيْسَ الْقِيَاسُ مِنْ الأُصُولِ. وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّهُ لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِير"ِ: وَ5الْحَقُّ هُوَ الأَوَّلُ. وَالثَّانِي ضَعِيفٌ جِدًّا.
__________
1 في د ض: أي على.
2 ساقطة من ز.
3 في ع: سبحانه وتعالى.
4 ساقطة من ض.
5 ساقطة من ض.
(2/5)

فَإِنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يُفِيدُ الْقَطْعَ كَمَا سَيَأْتِي. وَإِنْ قُلْنَا: لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَنَحْوُهُ لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ. اهـ.
"وَهُوَ" أَيْ الْقِيَاسُ "مُسْتَنْبَطٌ مِنْ الثَّلاثَةِ" الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.
وَأَمَّا الأَدِلَّةُ الَّتِي اُشْتُهِرَ الْخِلافُ فِيهَا فَخَمْسَةٌ1: الاسْتِصْحَابُ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا. وَالاسْتِقْرَاءُ، وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ، وَالاسْتِحْسَانُ،.وَقَدْ آنَ الْكَلامُ عَلَى هَذِهِ الأَدِلَّةِ. وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ هُوَ الأَصْلُ لِجَمِيعِهَا بَدَأْت بِهِ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقُلْت:
__________
1 في ز: خمسة.
(2/6)

"بَابٌ"
"الْكِتَابُ: الْقُرْآنُ" عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الأَعْيَانِ. بِدَلِيلِ قَوْلِ مَنْ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ {وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} - إلَى قَوْلِهِ - {إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} 1 وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ، وَبِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: {إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ} 2 وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظَيْنِ3.
وَالْكِتَابُ فِي الأَصْلِ جِنْسٌ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ. "وَهُوَ" أَيْ الْقُرْآنُ.
"كَلامٌ مُنَزَّلٌ" أَيْ نَزَّلَهُ السَّيِّدُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ "عَلَى" قَلْبِ سَيِّدِنَا "مُحَمَّدٍ" رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك بِإِذْنِ اللَّهِ} 4.
"مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ" أَيْ مَقْصُودٌ بِهِ الإِعْجَازُ5، كَمَا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ بَيَانُ الأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِظِ، وَقَصُّ أَخْبَارٍ مَنْ قُصَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ6 الأُمَمِ،
__________
1 الآيتان 29-30 من الأحقاف.
2 الآيتان 1-2 من سورة الجن.
3 انظر: مختصر الطوفي ص 45، جمع الجوامع 1/ 223، مناهج العقول 1/ 201، فتاوى ابن تيمية 12/ 7، الروضة ص 33.
4 الآية 97 من البقرة.
5 انظر رأي الغزالي والبزدوي في عدم تقييد التعريف بالإعجاز في "المستصفى 1/ 101، وكشف الأسرار 1/ 22".
6 ساقطة من د.
(2/7)

دَلِيلُ1 التَّحَدِّي2 بِهِ، لِقَوْلِهِ3 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} 4 5أَيْ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ17، إنِ ادَّعَيْتُمْ الْقُدْرَةَ فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ 6 فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} 7 فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} 8 أَيْ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، أَوْ مِنْ مِثْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ} 9. 10أَيْ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ22.
"مُتَعَبَّدٌ بِتِلاوَتِهِ" لِتَخْرُجَ الآيَاتُ الْمَنْسُوخَةُ اللَّفْظِ سَوَاءٌ بَقِيَ حُكْمُهَا أَمْ لا. لأَنَّهَا11 صَارَتْ بَعْدَ النَّسْخِ غَيْرَ قُرْآنٍ لِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِتِلاوَتِهَا. وَلِذَلِكَ لا تُعْطَى حُكْمَ الْقُرْآنِ12.
__________
1 ساقطة من ش.
2 ساقطة من ز. وفي ش: المتحدي في.
3 في ز ع: قوله. وفي ب: في قوله.
4 الآية 88 من الإسراء.
5 ساقطة من ز. وفي ش: دليل. وفي ع سقطت لفظة أي.
6 ساقطة من ش ز.
7 الآية 13 من هود.
8 الآية 38 من يونس. وفي ز ب ع ض: من مثله. وقال تعالى في سورة البقرة 23: {وَإِنْ كُُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} .
9 الآيتان 33-34 من الطور.
10 ساقطة من ب ع ض.
11 في ز إنها.
12 انظر في تعريف القرآن الكريم "التعريفات للجرجاني ص 152. الإحكام للآمدي 1/ 159، أصول السرخسي 1/ 279، نهاية السول 1/ 204، كشف الأسرار 1/ 21، مناهل العرفان 1/ 9، المستصفى 1/ 101، فواتح الرحموت 2/ 7، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 18، تيسير التحرير 3/ 3، جمع الجوامع 1/ 223، التلويح على التوضيح 1/ 154، المدخل إلى مذهب أحمد ص87، مختصر الطوفي ص 45، أصول الفقه الإسلامي ص 96 وما بعدها.
(2/8)

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامٌ مُنَزَّلٌ احْتَاجَ1 إلَى تَبْيِينِ مَوْضُوعِ2 لَفْظِ الْكَلامِ وَمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْكَلامِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا3.
وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الْكَلامِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُسَمَّ عِلْمُ الْكَلامِ إلاَّ لأَجْلِهَا وَ4لِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهَا أَئِمَّةُ الإِسْلامِ الْمُعْتَبَرِينَ، الْمُقْتَدَى5 بِهِمْ اخْتِلافًا كَثِيرًا مُتَبَايِنًا6.
فَالْقَوْلُ الأَوَّلُ: هُوَ قَوْلُ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلاَّبٍ وَأَتْبَاعِهِ مِنْهُمْ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: أَنَّ الْكَلامَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ، وَبَيْنَ الْكَلامِ النَّفْسِيِّ. وَذَلِكَ:
__________
1 في ش ز ض: احتيج.
2 ساقطة من ض.
3 ذكر العلامة البناني المراد من هذا التعريف عند علماء الأصول، وبين اختلافه عن المراد به في أصول الدين فقال: "إن القرآن عند الأصوليين أحد الأدلة الخمسة. أي أحد الأمور المحتج بها. والاحتجاج إنما هو بأبعاض اللفظ المذكور لا بمدلوله، فيكون القرآن هو اللفظ المذكور لا مدلوله، خلاف المعنى بالقرآن في أصول الدين. أي فيطلق على كل من المعنيين بالاشتراك، كما يطلق على كل منهما. حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 224".
4 ساقطة من ش.
5 في ع ض: والمقتدى.
6 انظر كشف الأسرار 1/ 22، مناهل العرفان 1/ 9، كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 22، 5/ 1272، كشف الظنون 2/ 1503، إتمام الدراية لقراء النقاية للسيوطي ص 3 على هامش مفتاح العلوم، التعريفات للجرجاني ص 162، فتح الباري 13/ 273.
(2/9)

لأَنَّهُ1 قَدْ اُسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا. وَالأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا2. أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَارَةِ فَكَثِيرٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 3 {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} 4 وَيُقَالُ: سَمِعْت كَلامَ فُلانٍ وَفَصَاحَتَهُ، يَعْنِي أَلْفَاظَهُ الْفَصِيحَةَ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ وَهُوَ مَدْلُولُ الْعِبَارَةِ. فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} 5 {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ} 6 وَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلامًا7 وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلاً8
__________
1 في ع: أنه.
2 انظر: التمهيد للإسنوي ص 30، المستصفى 1/ 100، حاشية البناني 1/ 224، فتاوى ابن تيمية 7/ 170، 12/ 67، القواعد والفوائد الأصولية ص 154، مختصر الطوفي ص 45، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه 2/ 104، المحصول للرازي 1/ 235.
3 الآية 6 من التوبة.
4 الآية 75 من البقرة. وفي ش ز ض ع ب: "وهم يسمعون"، وهو خطأ. وتمام الآية: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} .
5 الآية 8 من المجادلة.
6 الآية 13 من الملك.
7 أي هيأت وأصلحت من التزوير، وهو إصلاح الشيء وتحسينه. وقد جاء في رواية أخرى عن عمر: ما زورت كلاماً لأقوله إلا سبقني به أبو بكر. "انظر لسان العرب 4/ 336 وما بعدها ووجه الدلالة في قول عمر أنه سمى ما في النفس كلاماً قبل التكلم به. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص 110".
8 البيت للأخطل. وقال جماعة: إنه لغيره؛ لأن هذا البيت لا يوجد في ديوان الأخطل. وقد أضيف إلى ديوانه في قسم الزيادات عند طباعة شعر الأخطل في بيروت "ص......=
(2/10)

وَالأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ: الْحَقِيقَةُ. قَالَ الأَشْعَرِيُّ: لَمَّا كَانَ يَسْمَعُهُ بِلا انْخِرَاقٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: "أَنَّ قَوْمًا جَعَلُوا الْكَلامَ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى مَجَازًا فِي الْعِبَارَةِ. وَقَوْمًا عَكَسُوا، وَقَوْمًا قَالُوا: بِالاشْتِرَاكِ. فَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ وَنُقِلَتْ عَنْ الأَشْعَرِيِّ1".
وَالْمَعْنَى النَّفْسِيُّ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَنَعْنِي بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ: أَيْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ، تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ، وَإِضَافَتَهُ إلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الإِسْنَادِ الإِفَادِيِّ، بِحَيْثُ2 إذَا عُبِّرَ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا: كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إسْنَادًا إفَادِيًّا3. وَمَعْنَى قِيَامِ النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ: مَا قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ4، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي مَاءً فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ قَامَ بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا. فَهَذَا هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ. وَالْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَصِيغَةُ5 قَوْلِهِ: "اسْقِنِي مَاءً"، عِبَارَةٌ عَنْهُ 6وَدَلِيلٌ عَنْهُ6.
__________
= 508. وقد نسبه إلى الأخطل ابن هشام في شذور الذهب ص 28، وابن يعيش الحلبي في "شرح المفصل للزمخشري 1/ 21"، "والجاحظ في البيان والتبيين 1/ 218" والقرافي في شرح تنقيح الفصول ص 126 وغيرهم. انظر: معجم شواهد العربية 1/ 271.
1 المستصفى 1/ 100. وانظر: فواتح الرحموت 2/ 6، فتاوى ابن تيمية 12/ 67، القواعد والفوائد الأصولية ص 154، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 104.
2 في ز ض ع ب: أي بحيث.
3 انظر: فواتح الرحموت 2/ 3، مختصر ابن الحاجب 2/ 18، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه 2/ 103.
4 انظر الأربعين في أصول الدين للرازي ص 174، غاية المرام ص 97.
5 في د: وهو صيغة.
6 ساقطة من ش.
(2/11)

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: كُلُّ عَاقِلٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ عَنْ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ، وَعَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالْمُخْتَلِفُ هُوَ الْكَلامُ اللِّسَانِيُّ، وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُسَمَّى1 ذَلِكَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ: سَمْعًا؛ لأَنَّ إدْرَاكَ الْحَوَاسِّ إنَّمَا هِيَ عُلُومٌ خَاصَّةٌ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ فَكُلُّ إحْسَاسٍ عِلْمٌ وَلَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ إحْسَاسًا2. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعِلْمُ الْخَاصُّ فِي نَفْسِ مُوسَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْكَلامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى3 بِاسْمِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ السَّمَاعُ. اهـ.
هَذَا حَقِيقَةُ مَذْهَبِهِمْ. لَكِنَّ الأَشْعَرِيَّ وَأَتْبَاعَهُ قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ عِنْدَنَا حِكَايَةُ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَابْنُ كُلاَّبٍ وَأَتْبَاعُهُ. قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى لا عَيْنِهِ4.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَ5رَأَيْت الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ عَكَسَ عَنْهُمَا. فَجَعَلَ الْعِبَارَةَ عَنْ الأَشْعَرِيِّ، وَالْحِكَايَةَ عَنْ ابْنِ كُلاَّبٍ6.
وَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ يُسْمَعُ عِنْدَ تِلاوَةِ كُلِّ تَالٍ وَقِرَاءَةِ كُلِّ قَارِئٍ.
__________
1 في ب: وسمي.
2 في ش: احساس.
3 في ب: سمي.
4 قال الآمدي: "الكتاب هو الكلام المعبر عن الكلام النفساني". "الإحكام له 1/ 159". وانظر: الفصل في الملل والنحل 3/ 6.
5 ساقطة من ع.
6 هذا ما نقله المصنف عن الشيخ تقي الدين في فتوى الأزهرية فيما بعد ص 34.
(2/12)

وَقَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ: إنَّمَا نَسْمَعُ1 التِّلاوَةَ دُونَ الْمَتْلُوِّ، وَالْقِرَاءَةَ دُونَ الْمَقْرُوءِ2.
وَذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ إمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ مُدَافَعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ، وَإِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلا شَكٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ فِي الأَمْرِ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ - إلَى أَنَّ الْكَلامَ لَيْسَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْعِبَارَةِ وَمَدْلُولِهَا، بَلْ الْكَلامُ حَقِيقَةً: هُوَ الْحُرُوفُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الصَّوْتِ3، وَإِلَى ذَلِكَ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ.
"وَالْكَلامُ حَقِيقَةً" أَيْ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلاقِهِ أَنَّهُ4 "الأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَعْرُوفُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ فِرَقِ الأُمَّةِ. فَإِنَّ جَمَاهِيرَ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ5 بِصَوْتٍ، مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي أَنَّ كَلامَهُ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ، أَوْ مَا زَالَ يَتَكَلَّمُ6.
__________
1 في ع ض: تسمع.
2 الإنصاف للباقلاني ص 80. والمتلو هو اللفظ. والمكتوب هو أشكال الحروف. والمسموع هو الصوت. وأما التلاوة والكتابة والسماع بالمعاني المصدرية فإنما هي نسب بين التالي والمتلو، والكاتب والمكتوب، والسامع والمسموع. فطرفا كل من هذه النسب مخلوقان. وإنما القديم هو ما قام به سبحانه. وإطلاق المتلو والمحفوظ والمكتوب والمسموع على ما قام به سبحانه من قبيل وصف المدلول بصفة الدال. "انظر تعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري على الإنصاف ص 80". ويقول الباقلاني أيضاً: "التلاوة غير المتلو، كما أن العبادة غير المعبود، والذكر غير المذكور، والدعاء غير المدعو. الإنصاف ص 82".
3 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 154.
4 ساقطة من ز.
5 في ش ز: تكلم.
6 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 243، غاية المرام ص 88، الإنصاف للباقلاني ص 110.
(2/13)

"وَإِنْ1 سُمِّيَ بِهِ" أَيْ يُسَمَّى بِالْكَلامِ "الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ وَهُوَ" أَيْ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ "نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ" أَيْ2 تِلْكَ النِّسْبَةُ "بِالْمُتَكَلِّمِ" وَتَقَدَّمَ3 الْكَلامُ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ الْكَلامُ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ "فَ" إطْلاقُهُ عَلَيْهِ "مَجَازٌ" وَهَذَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ4.
قَالَ الطُّوفِيُّ: إنَّمَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْعِبَارَةِ، مَجَازًا5 فِي مَدْلُولِهَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى فَهْمِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ إطْلاقِ الْكَلامِ: إنَّمَا هُوَ6 الْعِبَارَاتُ، وَالْمُبَادَرَةُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلامَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَلْمِ، لِتَأْثِيرِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ إنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ، لا الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةُ بِالْفِعْلِ، نَعَمْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِلْفَائِدَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالْعِبَارَةُ مُؤَثِّرَةٌ بِالْفِعْلِ. فَكَانَتْ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَمَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا بِالْقُوَّةِ مَجَازٌ.
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: اُسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا.
قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ بِالاشْتِرَاكِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِالْمَجَازِ7 فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ وَالأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
__________
1 في ز ب ش: وإنما.
2 ساقطة من ب ع ض.
3 في ش: ويقدم.
4 انظر القواعد والفوائد الأصولية ص 154، فواتح الرحموت: 2/ 6.
5 في ش ز: مجاز. وهو خطأ.
6 ساقطة من ض.
7 في ش ز: والمجاز.
(2/14)

قَالُوا: الأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: وَالأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ، ثُمَّ إذَا1 تَعَارَضَ2 الْمَجَازُ وَ3الاشْتِرَاكُ الْمُجَرَّدُ، فَالْمَجَازُ4 أَوْلَى، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الْكَلامِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَارَاتِ، وَكَثْرَةُ مَوَارِدِ الاسْتِعْمَالِ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} 5 فَمَجَازٌ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِالْقَرِينَةِ. وَهِيَ قَوْلُهُ: "فِي أَنْفُسِهِمْ"، وَلَوْ أُطْلِقَ لَمَا فُهِمَ إلاَّ الْعِبَارَةُ. وَكَذَلِكَ6 كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا يُفِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلامًا" إنَّمَا أَفَادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي نَفْسِي
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} 7 فَلا حُجَّةَ فِيهِ، لأَنَّ الإِسْرَارَ نَقِيضُ الْجَهْرِ. وَكِلاهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ إحْدَاهُمَا أَرْفَعُ صَوْتًا مِنْ الأُخْرَى8.
وَأَمَّا الشِّعْرُ: فَهُوَ لِلأَخْطَلِ9. وَيُقَالُ: إنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ: "إنَّ الْبَيَانَ لَفِي
__________
1 في ز: قد.
2 في ر: يعارض.
3 ساقطة من ز.
4 في ز: والمجاز.
5 الآية 8 من المجادلة. وفي ش ز ب ع: يقولون....
6 في ز: ولذلك.
7 الآية 13 من الملك.
8 انظر مناقشة هذه الأدلة بإسهاب في كتاب الإيمان "لابن تيمية ص 113 وما بعدها".
9 هو غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك، من بني تغلب، الشاعر المشهور في العصر الأموي، كان يُشَبّه من شعراء الجاهلية بالنابغة الذبياني. وكان يمدح بني أمية، مدح....=
(2/15)

الْفُؤَادِ"، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ مَادَّةِ الْكَلامِ، وَهُوَ التَّصَوُّرَاتُ الْمُصَحِّحَةُ لَهُ؛ إذْ مَنْ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ1 مَعْنَى2 مَا يَقُولُ لا يُوجَدُ مِنْهُ3 كَلامٌ، ثُمَّ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ فِي تَرْجِيحِ الْفُؤَادِ عَلَى اللِّسَانِ. اهـ كَلامُ الطُّوفِيِّ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "النُّونِيَّةِ": أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ: رَدَّ كَلامَ النَّفْسِ مِنْ تِسْعِينَ وَجْهًا4.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: "مَنْ أَحَالَ سَمَاعَ مُوسَى كَلامًا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ فَلْيُحْلِلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ ذَاتٍ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلا عَرَضٍ5". اهـ.
قَالَ الطُّوفِيُّ: كُلُّ هَذَا تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ، بَلْ عَنْ الْقَاطِعِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلاَّ خَيَالاتٌ لاغِيَةٌ. وَأَوْهَامٌ مُتَلاشِيَةٌ. وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْمَعَانِيَ لا تَقُومُ شَاهِدًا إلاَّ بِالأَجْسَامِ. فَإِنْ أَجَازُوا مَعْنًى قَامَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا، فَلْيُجِيزُوا خُرُوجَ صَوْتٍ مِنْ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا،
__________
=معاوية ومن بعدهما حتى هلك. وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم، وهم: جرير والفرزدق والأخطل. وكان حسن الديباجة، في شعره إبداع، وكان كثير العناية بشعره ينظم القصيدة، ويسقط ثلثيها، ثم يظهر مختارها. له ديوان شعر مطبوع. وقد خطله كعب بن جُعيل، وقال له: "إنك لأخطل يا غلام"، والخطل السفه وفحش القول، وكان الأخطل هجّاءً بذيئاً، مات سنة 90هـ.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء ص 455، الأغاني 8/ 280، طبقات فحول الشعراء للجمحي 1/ 298، شرح شواهد المغني للسيوطي 1/ 123، الأعلام للزركلي 5/ 318".
1 ساقطة من ع ض.
2 ساقطة من ض.
3 في ش ز ض: فيه.
4 انظر الكافية بشرح النونية 1/ 206، 224، 264، الإيمان لابن تيمية ص 110.
5 الأربعين في أصول الدين للغزالي ص 20.
(2/16)

إذْ كِلاََ1 الأَمْرَيْنِ خِلافُ الشَّاهِدِ، وَمَنْ أَحَالَ كَلامًا لَفْظِيًّا مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ فَلْيُحْلِلْ ذَاتًا مَرْئِيَّةً مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ، وَلا فَرْقَ.
ثُمَّ قَالَ الطُّوفِيُّ: وَالْعَجَبُ2 مِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ - مَعَ أَنَّهُمْ عُقَلاءُ فُضَلاءُ - يُجِيزُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَسَمْعًا لِكَلامِهِ النَّفْسِيِّ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ 3حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ5. وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ، إذْ حَقِيقَةُ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ إيصَالُ4 الأَصْوَاتِ بِحَاسَّةٍ5، ثُمَّ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ 6بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ8 قَدِيمَيْنِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ، لِكَوْنِ7 ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلشَّاهِدِ8 فَإِنْ جَازَ قَلْبُ حَقِيقَةِ السَّمْعِ شَاهِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلامِهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ910مُخَالَفَتُهُ لِلشَّاهِدِ12 بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِوَائِهِ وَكَلامِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؟
فَإِنْ قَالُوا: لأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ حَرْفٍ وَصَوْتٍ إلاَّ11 مِنْ جَسَدٍ وَوُجُودٌ فِي جِهَةٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
__________
1 ساقطة من ض.
2 في ش: والعجيب.
3 في ب ع ض: صوت ولا حرف.
4 في ش ز ب: أيضاً سماع. وفي ض: أيضاً.
5 في ش: بحاسته. وفي ب ع ض: بحاسيته.
6 في ب ع ض: بصوت وحرف.
7 في ش ز: لكونه.
8 في ز: لشاهد.
9 في ع ض: يجيزوا.
10 في ش ز ع ض: مخالفة الشاهد.
11 في ع ض: لا.
(2/17)

قُلْنَا: إنْ عَنَيْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ بِالإِضَافَةِ إلَى الشَّاهِدِ. فَسَمَاعُ كَلامٍ1 بِدُونِ تَوَسُّطِ صَوْتٍ وَحَرْفٍ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ عَنَيْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ مُطْلَقًا فَلا نُسَلِّمُ، إذْ الْبَارِي جَلَّ جَلالُهُ عَلَى خِلافِ الْمُشَاهَدِ2 وَالْمَعْقُولِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَتْ النُّصُوصُ بِمَا قُلْنَاهُ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. اهـ.
وَ3قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ4 عَنْ قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ: "لَمَّا كَانَ سَمْعُهُ بِلا انْخِرَاقٍ. وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ" هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَلا يَقْتَضِي مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ سَمْعَهُ لَمَّا كَانَ بِلا انْخِرَاقٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا لِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ وَحَنَكٍ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْكَلامُ مِنْ5 غَيْرِ حَرْفٍ، وَكَانَتْ الْحُرُوفُ عِبَارَةً عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ لِتِلْكَ الْعِبَارَةِ بِحُكْمٍ، إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحْدَثَهَا فِي صَدْرٍ أَوْ لَوْحٍ، أَوْ أَنْطَقَ بِهَا بَعْضَ عَبِيدِهِ فَتَكُونَ مَنْسُوبَةً إلَيْهِ. فَيَلْزَمَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ: أَنْ يُفْصِحَ بِمَا عِنْدَهُ فِي6 السُّوَرِ وَالآيِ وَالْحُرُوفِ: أَهِيَ7 عِبَارَةُ جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؟
__________
1 في ش: كلامه.
2 في ز ع ب ض: المشاهدة.
3 ساقطة من ب.
4 هو عبيد الله بن سعيد بن حاتم، أبو نصر السجستاني أو السجزي، نسبة إلى سجستان، الإمام الحافظ، كان متقناً بصيراً بالحديث والسنة، واسع الرواية، نزيل الحرم ومصر، وله كتاب "الإبانة الكبرى" في القرآن. وهو كتاب طويل يدل على إمامته وبصره بالرجال والطرق، مات بمكة سنة 444هـ.
انظر ترجمته في "العقد الثمين 5/ 307، تذكرة الحفاظ 3/ 1118، حسن المحاضرة 1/ 353، شذرات الذهب 3/ 271، طبقات الحفاظ ص 429".
5 ساقطة من ز ع ب ض.
6 في ع: من.
7 في ش: هي.
(2/18)

وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 1 "وَكُنْ" حَرْفَانِ، وَلا يَخْلُو الأَمْرُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {كُنْ} التَّكْوِينَ كَالْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ2 ظَاهِرَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ إيجَادَ3 شَيْءٍ قَالَ لَهُ: {كُنْ} عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ4. وَقَدْ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: إنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لا بِمَعْنَى التَّكْوِينِ. فَيَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ حَرْفَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ بِحَرْفٍ صَارَ بِمَعْنَى التَّكْوِينِ كَالْمُعْتَزِلَةِ. اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ، فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ" 5فِي بَابِ كَلامِ قَوْلِهِ: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} 4 وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم6، وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ7 صلى الله عليه وسلم إلَى أُمَّتِهِ8، اهـ.
__________
1 الآية 40 من النحل. وفي ش: الآية 83 من يس، وهو خطأ.
2 ساقطة من ض.
3 في ب ع ض: انجاز.
4 انظر: الإنصاف للباقلاني ص 71.
5 في ش ز ب ض: في باب كلام الرب مع جبريل. وهذا النص غير موجود في هذا الباب "فتح الباري 13/ 357". وفي ع: في باب كلام الرب مع جبريل. في باب قوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} .
6 فتح الباري 13/ 357.
7 اللفظة غير موجودة في ز ع ب ض، ولا في فتح الباري 13/ 357.
8 فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/ 357. وروى البخاري أن الزهري قال: "من الله الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم". "فتح الباري 13/ 387". وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 23.
(2/19)

وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ الْقُرْآنِ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ1.
"وَالْكِتَابَةُ كَلامٌ حَقِيقَةً2" لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ3".
وَاخْتَلَفَ كَلامُ4 الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا فِي تَسْمِيَةِ الْكِتَابَةِ كَلامًا حَقِيقَةً.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ" عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَنَا كَلامٌ حَقِيقَةً، أَظُنُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلاقِ بِالْكِتَابَةِ5". اهـ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت قَدْ ذَكَرَ الأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ صَرِيحَ الطَّلاقِ، وَنَوَى بِهِ الطَّلاقَ: يَقَعُ6 الطَّلاقُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ7، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا بَلْ كَتَبَ صَرِيحَ الطَّلاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلاقِ بِهِ8، فَلِلأَصْحَابِ فِي وُقُوعِ الطَّلاقِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ:
__________
1 قال الإمام أحمد بن حنبل في قول السلف: "منه بدأ"أي هو المتكلم به. فإن الذين قالوا: إنه مخلوق، قالوا: خلقه في غيره، فبدأ من ذلك المخلوق، فقال السلف: منه بدأ: أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره.
"انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 17، 35، 37، شرح الكافية 1/ 29، 205، فيض القدير 5/ 416".
2 قال الباقلاني: ويجب أن يُعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة. "الإنصاف ص 93".
3 انظر فتاوى ابن تيمية 12/ 240-242.
4 ساقطة من ض.
5 المسودة ص 14. وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 162.
6 في ز: وقع.
7 انظر: المغني 7/ 486، المحرر في الفقه 2/ 54.
8 ساقطة من ش.
(2/20)

أَحَدُهُمَا: هُوَ أَيْضًا صَرِيحٌ فَيَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَهَذَا هُوَ1 الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ2.
قَالَ نَاظِمُ "الْمُفْرَدَاتِ3": 4أَدْخَلَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي الصَّرِيحِ10، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ. وَذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ الأَصْحَابِ5. اهـ.
وَقَالَ فِي "الإِنْصَافِ": وَفِي "تَعْلِيقِ الْقَاضِي" مَا يَقُولُونَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُدُودِ وَالشَّهَادَاتِ هَلْ تَثْبُتُ بِالْكِتَابَةِ؟
قِيلَ: الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ تَثْبُتُ، وَهِيَ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَثْبُتَ جَمِيعُهَا؛ لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لا تَثْبُتَ6، لأَنَّهُ لا كِنَايَةَ لَهَا فَقَوِيَتْ، وَلِلطَّلاقِ وَالْعِتْقِ كِنَايَةٌ فَضَعُفَا.
__________
1 ساقطة من ب ض.
2 في ش ز: الأصحاب في الصريح. وانظر: المغني 7/ 486، المحرر في الفقه 2/ 54.
3 هو محمد بن عبد القوي بن بدران، شمس الدين، أبو عبد الله، المرداوي، المقدسي، الحنبلي، الفقيه المحدث النحوي، سمع الحديث، وتعلم الفقه، وبرع في العربية واللغة، ودرس وأفتى وصنف. قال الذهبي: "كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، مطرحاً للتكلف". وله تصانيف، منها: "قصيدة في الفقه"، و"منظومة الآداب" و"نظم المفردات" وكتاب "النعمة"، و"مجمع" البحرين، و"الفروق"، وعمل طبقات للحنابلة. توفي سنة 699هـ بدمشق.
انظر ترجمته في "شذرات الذهب 5/ 425، ذيل طبقات الحنابلة 2/ 342، بغية الوعاة 1/ 167، المدخل إلى مذهب أحمد ص 210".
4 في ش: أكثر الأصحاب في الصحيح أدخله. وفي ب د ع: أدخله الأصحاب في الصريح.
5 في ش: أصحابه.
6 في ش ز ع: يثبت.
(2/21)

قَالَ الْمَجْدُ: لا أَدْرِي أَرَادَ صِحَّتَهَا بِالْكِتَابَةِ. أَوْ بِنِيَّتِهَا1 بِالظَّاهِرِ2.
قَالَ فِي "الْفُرُوعِ": وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا،. اهـ.
وَقَالَ فِي "التَّحْرِيرِ3" - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَةَ، كَلامٌ حَقِيقَةً - وَقِيلَ: لا كَالإِشَارَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَصَحُّ. اهـ. "وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ4 تَعَالَى مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَإِذَا شَاءَ بِلا كَيْفٍ، يَأْمُرُ بِمَا شَاءَ5 وَيَحْكُمُ6".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى هَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَمْ7 لا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَابْنُ كُلاَّبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ قَالُوا: لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، بَلْ كَلامُهُ لازِمٌ لِذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ8، ثُمَّ مِنْ هَؤُلاءِ مَنْ عَرَفَ أَنَّ الْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ لا تَكُونُ إلاَّ مُتَعَاقِبَةً، وَالصَّوْتُ لا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا. فَقَالَ: الْقَدِيمُ مَعْنًى وَاحِدٌ، لامْتِنَاعِ مَعَانٍ لا نِهَايَةَ لَهَا9، وَامْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ. فَقَالُوا: هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ
__________
1 في ز: نيتها.
2 في ش ع ض: بالإيجاب.
3 في هامش ع: شرح التحرير.
4 لفظة الجلالة غير موجودة في ب.
5 في ب ع ض: يشاء.
6 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 126.
7 في ض: أو.
8 انظر مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 27.
9 نقل السبكي عن ابن كلاب والقلانسي أن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والنهي في الأزل، لحدوث هذه الأمور، وقدم الكلام النفسي. وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى 2/ 300. وانظر فتاوى ابن تيمية 12/ 49، 51، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 148، الإنصاف للباقلاني ص 99".
(2/22)

تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ بِالْكَلامِ الْعَرَبِيِّ وَالْعِبْرِيِّ، وَقَالُوا: إنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَسَائِرِ1كُتُبِ اللَّهِ1 تَعَالَى مَعْنًى وَاحِدٌ، وَقَالُوا2: مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدِّينِ مَعْنًى وَاحِدٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِيْ3 يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلاءِ إنَّهَا مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ4.
وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، وَالتَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ، وَأَنَّهُ نَادَى مُوسَى بِصَوْتٍ5، وَيُنَادِي6 عِبَادَهُ بِصَوْتٍ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حُرُوفَهُ وَمَعَانِيهِ، لَكِنْ اعْتَقَدُوا - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ قَدِيمُ الْعَيْنِ7. وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَالْتَزَمُوا أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةُ الأَعْيَانِ لَمْ تَزَلْ وَلا تَزَالُ8، وَقَالُوا: إنَّ الْبَاءَ لَمْ تَسْبِقْ السِّينَ، وَأَنَّ السِّينَ لَمْ تَسْبِقْ الْمِيمَ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْحُرُوفِ مُقْتَرِنَةٌ بِبَعْضِهَا اقْتِرَانًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ9، وَقَالُوا: هِيَ مُتَرَتِّبَةٌ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَاهِيَّتِهَا، غَيْرُ مُتَرَتِّبَةٍ فِي وُجُودِهَا10.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إنَّهَا مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلاءِ: إنَّهَا مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ.
__________
1 في ب ع: كتب كلام الله. وفي ش ز: كلامه.
2 في ش ز ع ب: و. وفي ض: وقالوا: إن.
3 في ز: الذي.
4 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 20، 148. فتاوى ابن تيمية 12/ 49.
5 في ز: بصوته.
6 في ش ز: ونادى.
7 قال الرازي: "صفة الكلام قديمة". "الأربعين في أصول الدين ص 179".
8 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 21، 44، 156، فتاوى ابن تيمية 12/ 150، 158، تفسير القرطبي 1/ 55، الإنصاف للباقلاني ص 111 وما بعدها.
9 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 156.
10 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 151، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 28.
(2/23)

وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قَدِيمٌ، وَلا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقَدِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَكَلَّمُ 1بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ1، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّظَرِ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ2، لَكِنْ مِنْ هَؤُلاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الأَزَلِ بِمَشِيئَتِهِ3. كَمَا4 لَمْ يَكُنْ5 يُمْكِنُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَفْعَلَ فِي الأَزَلِ شَيْئًا، فَالْتَزَمُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، كَمَا أَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ وَالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ6.
وَأَمَّا السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَدِيمَ النَّوْعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَإِنَّ الْكَلامَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لا7 يَتَكَلَّمُ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلامُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا مِنْهُ، أَوْ قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ لامْتِنَاعِ أَنْ يَصِيرَ الرَّبُّ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنْ يَكُونَ التَّكَلُّمُ وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ؟ 8 اهـ.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي "أُصُولِهِ" فِي الأَمْرِ: الأَمْرُ9 قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ
__________
1 في ب ع ض: بمشيئته وقدرته.
2 انظر: الجواب الصحيح 2/ 143، السنة ص 15، فتاوى ابن تيمية 12/ 149.
3 في ع: بمشيئة.
4 في ب: وكما.
5 ساقطة من ز ع ب ض.
6 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 29-30، 68، توضيح المقاصد 1/ 262.
7 في ع: لم.
8 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 44، 137، توضيح المقاصد 1/ 262.
9 ساقطة من ش.
(2/24)

الْكَلامِ، وَالْكَلامُ الأَلْفَاظُ الْمُتَضَمِّنَةُ1 لِمَعَانِيهَا. وَالإِنْسَانُ قَبْلَ تَلَفُّظِهِ يَقُومُ بِقَلْبِهِ طَلَبٌ فَيَفْزَعُ إلَى اللَّفْظِ، كَمَا إذَا قَالَ: "اسْقِنِي مَاءً"، كَأَنَّهُ يَجِدُ طَلَبًا قَائِمًا بِقَلْبِهِ. فَيَقْصِدُ اللَّفْظَ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ. وَقَالَتْ أُخْرَى2: إرَادَةُ الْفِعْلِ3. وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: هُوَ كَلامُ النَّفْسِ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ4. وَأَنْكَرَتْ5 الْجَمَاهِيرُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قِيَامَ مَعْنًى بِالنَّفْسِ غَيْرَ الْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ2. وَقَالُوا: الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ هُوَ صُورَةُ مَا تُرِيدُ النُّطْقَ بِهِ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ6: الَّذِي يَجِدُهُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: هُوَ اسْتِحْضَارُ صُوَرِ الْكَلامِ وَالْعِلْمُ بِمَا7 يَقُولُهُ8 شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْعَزْمُ عَلَى إيرَادِهِ
__________
1 في ز ش ب ع: المنتظمة.
2 في ض: الأخرى.
3 انظر رد الإمام فخر الدين الرازي على كون الطلب هو الإرادة، وأنه يرى أن الطلب مغاير للإرادة، ولا يجوز أن يكون عبارة عن الإرادة. "الأربعين في أصول الدين ص 174".
4 ساقطة من ض.
5 في ش: وأنكر.
6 هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين البصري المعتزلي، أحد أئمة المعتزلة. كان مشهوراً في علمي الأصول والكلام، وكان قوي الحجة والمعارضة في المجادلة والدفاع عن آراء المعتزلة. قال ابن خلكان: "كان جيد الكلام، مليح العبارة، غزير المادة، إمام وقته". وله تصانيف، منها: "المعتمد" في أصول الفقه، و "تصفح الأدلة"، و"غرر الأدلة"، و"شرح الأصول الخمسة"، و"نقض الشافي" في الإمامة، و"نقض المقنع". توفي سنة 436هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/ 401، شذرات الذهب 3/ 259، الفتح المبين / 237، فرق وطبقات المعتزلة ص 125".
7 في ز ش: بها.
8 في ض: يقوم له.
(2/25)

بِاللِّسَانِ، كَمَا يَسْتَحْضِرُ صُورَةَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ، وَلا مُقْتَضَى لإِثْبَاتِ أَمْرٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ كَلامًا فِي اللُّغَةِ، وَلا يُسَمَّى الإِنْسَانُ لأَجْلِهِ مُتَكَلِّمًا وَلِذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ لِلسَّاكِتِ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، وَإِنْ جَازَ أَنْ1 يَقُومَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. لا يَقُولُونَ لِلسَّاكِتِ: إنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ، وَلا عَالِمٍ.
قَالَ: وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ: فِي "نَفْسِي كَلامٌ مَجَازٌ". وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عَزْمٌ عَلَى الْكَلامِ، كَقَوْلِهِمْ: فِي نَفْسِي السَّفَرُ. قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ فِي النَّفْسِ مَعْنًى هُوَ الْكَلامُ عَنْ الاعْتِقَادَاتِ وَالْعَزْمِ، لَكَانَ مُحْدَثًا؛ لأَنَّ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ مُرَتَّبٌ يَتَجَدَّدُ فِي النَّفْسِ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، وَمُرَتَّبٌ حَسَبَ تَرْتِيبِ2 الْكَلامِ الْمَسْمُوعِ. فَإِنْ كَانَ3 كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَى مَا4 فِي النَّفْسِ مِنْ الْكَلامِ فِي الشَّاهِدِ: اسْتَحَالَ قِدَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ، بَطَلَ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَا أَثْبَتْنَاهُ مَعْقُولٌ فِي الشَّاهِدِ.
وَقَالَتْ الأَشَاعِرَةُ: ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ هُوَ الْكَلامُ. وَالْحُرُوفُ وَالأَصْوَاتُ دَلالاتٌ5 عَلَيْهِ وَمُعَرِّفَاتٌ، وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ. هِيَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالاسْتِخْبَارُ6، وَأَنَّهَا صِفَاتٌ لَهُ7، لا أَنْوَاعٌ. فَإِنْ8 عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ
__________
1 في ش ز ب: أنه.
2 ساقطة من ش. وفي د ض: ترتب.
3 ساقطة من ض.
4 ساقطة من ع.
5 في ش: دلات.
6 يقول الباقلاني: ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس، لكن جعل عليه أمارات تدل عليه. "الإنصاف ص 106، 109".
7 ساقطة من ض.
8 في ز ع ب ض: إن.
(2/26)

كَانَ عَرَبِيًّا، أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ كَانَ سُرْيَانِيًّا. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ، وَأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ وَلا يَتَجَزَّأُ1. ثُمَّ اخْتَلَفُوا.
فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: الْكَلامُ الْمُطْلَقُ حَقِيقَةً: هُوَ مَا فِي النَّفْسِ، شَاهِدًا أَوْ غَائِبًا، وَإِطْلاقُ الْكَلامِ عَلَى الْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ مَجَازٌ.
وَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي اللِّسَانِ مَجَازٌ فِي النَّفْسِيِّ.
وَلَيْسَ الْخِلافُ جَارِيًا فِي نَفْسِ الْكَلامِ، بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِ الْكَلامِ.
قَالَ الرَّازِيّ فِي "الأَرْبَعِينَ": "مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الطَّلَبِ مُغَايِرَةٌ لِذَلِكَ اللَّفْظِ2، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ مَاهِيَّةَ هَذَا الْمَعْنَى لا تَتَبَدَّلُ بِاخْتِلافِ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ، وَالأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ3 الأَزْمِنَةِ وَالأَمْكِنَةِ4".
__________
1 يقول الآمدي: "إن الكلام قضية واحدة، ومعلوم واحد، قائم بالنفس، وإن اختلاف العبارات والتعبيرات عنه إنما بسبب اختلاف المتعلقات والنسب والإضافات مما يقع به التضاد أو الاختلاف أو التعدد". "غاية المرام ص 115". وانظر: نفس المرجع ص 113، 115 وما بعدها، الإنصاف للباقلاني ص 106.
2 قال الرازي تحت عنوان في حقيقة الكلام: "اعلم أن الإنسان إذا أراد أن يقول: اسقني الماء، فإنه قبل أن يتلفظ بهذا اللفظ يجد في نفسه طلباً واقتضاءً لذلك الفعل، وماهية ذلك الطلب.... "الأربعين في أصول الدين ص 174".
3 في ش: باخلاف.
4 كتاب الأربعين ص 174.
(2/27)

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنْ أَرَدْت اخْتِلافَ أَجْنَاسِهَا، فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَلا يَنْفَعُك1، وَإِنْ أَرَدْت اخْتِلافَ قَدْرِهَا وَصِفَتِهَا فَمَمْنُوعٌ، لأَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَبَ الْحَاصِلَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ مَعَ الصَّوْتِ الْجَهْوَرِيِّ مُمَاثِلٌ لِلطَّلَبِ بِاللَّفْظِ الأَعْجَمِيِّ2 مَعَ الصَّوْتِ الضَّعِيفِ. وَهَذَا لأَنَّ الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ قَدْ يَتَفَاوَتُ، فَيَكُونُ طَلَبٌ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ وَأَكْمَلُ.
الثَّانِي 3: هَبْ أَنَّ الْمَدْلُولَ مُتَّحِدٌ وَالدَّالَّ مُخْتَلِفٌ. لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ الْمَدْلُولِ مَشْرُوطًا بِالدَّلِيلِ؟ فَهُوَ وَإِنْ غَايَرَهُ لَكِنْ لا يُوجَدُ إلاَّ بِوُجُودِهِ. أَلا تَرَى أَنَّ كَوْنَ الإِنْسَانِ مُخْبِرًا لِغَيْرِهِ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ مِنْ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ الأَمْرُ الظَّاهِرُ وَإِنْ اخْتَلَفَ، لَكِنْ لا يَكُونُ مُخْبَرًا إلاَّ بِهِ. وَإِذَا لاحَ لَك ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَوْنِ الْمَعْنَى مُغَايِرًا كَافِيًا 4فِي مَطْلُوبِهِ6.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَعْنَى قَائِمٌ بِالرُّوحِ، وَاللَّفْظُ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الرُّوحِ فِي هَذَا الْعَالَمِ لا يُمْكِنُ إلاَّ مَعَ الْبَدَنِ. وَأَيْضًا فَكَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُتَلازِمَيْنِ دَلِيلاً عَلَى الآخَرِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَدْلُولِ بِدُونِ الدَّلِيلِ، كَالأُمُورِ الْمُتَضَايِفَةِ، كَالأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ. قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الثَّانِي": أَنَّ جَمِيعَ الْعُقَلاءِ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ:
__________
1 في هامش ز: ينفك.
2 في ع ض: العجمي.
3 في ع: والثاني.
4 في ع: لمطلوبه.
(2/28)

"افْعَلْ"، دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ 1الطَّلَبِ بِالْقَلْبِ. وَالدَّلِيلُ7 مُغَايِرٌ لِلْمَدْلُولِ2.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَبْ أَنَّ الأَمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ الْمَدْلُولُ بِدُونِ3 دَلِيلِهِ.
قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ جَمِيعَ الْعُقَلاءِ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: "افْعَلْ"، لا يَكُونُ طَلَبًا وَأَمْرًا إلاَّ عِنْدَ اصْطِلاحِ النَّاسِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ4. فَأَمَّا5 كَوْنُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ طَلَبًا فَإِنَّهُ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ حَقِيقِيٌّ، لا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْوَضْعِ وَالاصْطِلاحِ6".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ: مَا ذَكَرْت مَمْنُوعٌ. فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَجْعَلُونَ اللُّغَاتِ اصْطِلاحِيَّةً، بَلْ إمَّا تَوْقِيفِيَّةٌ بِإِلْهَامٍ أَوْ بِغَيْرِ7 إلْهَامٍ. وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وَلَوْ سُلِّمَ، فَلِمَ قُلْت بِإِمْكَانِ وُجُودِهِ بِدُونِ اللَّفْظِ؟
قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الرَّابِعُ": هُوَ8 أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ قَوْلَنَا: "ضَرَبَ، وَيَضْرِبُ9".
__________
1 في الأربعين ص 174: الطلب القائم بالقلب، ولا شك أن الدليل.
2 كتاب الأربعين في أصول الدين ص 174.
3 في ب ض: دون.
4 في "الأربعين": الموضوع.
5 في "الأربعين": وأما.
6 كتاب الأربعين ص 174.
7 في ش ز: غير.
8 في "الأربعين": وهو.
9 في ش: ويضرب.
(2/29)

إخْبَارٌ، وَقَوْلَنَا: "اضْرِبْ وَلا تَضْرِبْ"، أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَلَوْ أَنَّ الْوَاضِعِينَ قَلَبُوا الأَمْرَ وَقَالُوا بِالْعَكْسِ لَكَانَ جَائِزًا1. أَمَّا لَوْ قَالُوا: إنَّ2 حَقِيقَةَ الطَّلَبِ يُمْكِنُ أَنْ تُقْلَبَ3 خَبَرًا أَوْ حَقِيقَةَ الْخَبَرِ يُمْكِنُ أَنْ تُقْلَبَ4 طَلَبًا، لَكَانَ ذَلِكَ مُحَالاً5".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ: لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لا يَكُونَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَشْرُوطًا بِالآخَرِ. وَأَيْضًا أَنْتُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّلَبِ وَحَقِيقَةَ الْخَبَرِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، بَلْ ادَّعَى الرَّازِيّ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّلَبِ دَاخِلَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ. فَقَالَ فِي كَوْنِ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدًا6، أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْكَلامُ كُلُّهُ خَبَرٌ؛ 7لأَنَّ الأَمْرَ13 عِبَارَةٌ عَنْ تَعْرِيفِ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي النَّهْيِ وَإِذَا كَانَ مَرْجِعُ الْكُلِّ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ - وَهُوَ الْخَبَرُ - صَحَّ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ وَاحِدٌ8.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} 9 فَلَمْ
__________
1 في "الأربعين": ذلك جائزاً ممكناً. وفي ض: جائز.
2 ساقطة من كتاب "الأربعين".
3 في "الأربعين": تنقلب.
4 في الأربعين: تنقلب.
5 كتاب الأربعين ص 174.
6 في ض: واحد.
7 في ش: لا الأمر. وفي ز: لا للأمر.
8 كتاب الأربعين ص 180.
9 الآيتان 10-11 من مريم.
(2/30)

يُسَمِّ الإِشَارَةَ كَلامًا، وَقَالَ لِمَرْيَمَ: {فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا} 1.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ" 2.
وَقَسَّمَ أَهْلُ اللِّسَانِ الْكَلامَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً عَلَى أَنَّهُ3 مَنْ حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ لَمْ4 يَحْنَثْ بِدُونِ النُّطْقِ، وَإِنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الأَيْمَانُ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ.
قِيلَ: الأَصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ. وَأَهْلُ الْعُرْفِ يُسَمُّونَ النَّاطِقَ مُتَكَلِّمًا وَمَنْ عَدَاهُ سَاكِتًا أَوْ5 أَخْرَسَ.
__________
1 الآية 26 من مريم.
2 جمع المصنف رحمه الله بين حديثين؛ الأول: رواه ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وفي زوائد ابن ماجه: إسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي في سنده. وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم. ولابن عدي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً: الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه"، وضعفه. وسبق تخريجه في المجلد الأول ص 436 هـ، 512. والثاني: رواه البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". وهذا لفظ مسلم. ولعل سبب الخلط بين الحديثين هو الحديث الثالث الذي رواه ابن ماجه: " إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تتكلم به، وما استكرهوا عليه".
انظر: سنن ابن ماجه 1/ 659، تخريج أحاديث البزدوي ص 89، صحيح البخاري 4/ 153، صحيح مسلم 1/ 116.
3 في ع ض: أن.
4 في ز ع ض: لا.
5 في ز: و.
(2/31)

فَإِنْ1 قَالُوا: قَوْله تَعَالَى: {إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 2 أَكْذَبَهُمُ3 اللَّهُ تَعَالَى فِي شَهَادَتِهِمْ. وَمَعْلُومٌ صِدْقُهُمْ فِي النُّطْقِ اللِّسَانِيِّ. فَلا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ كَلامٍ فِي النَّفْسِ لِيَكُونَ الْكَلامُ عَائِدًا إلَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} 4 وقَوْله تَعَالَى: {اسْتَكْبَرُوا فِيْ أَنْفُسِهِمْ} 5 وقَوْله تَعَالَى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ} 6 وقَوْله تَعَالَى: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} 7.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ8 الإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ مَعَ اعْتِقَادِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ أَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ الثَّانِي وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ قَوْلُهُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ خَفِيَّةٍ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلٌ مُفِيدٌ، فَهُوَ مَجَازٌ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ.
__________
1 ساقطة من ز.
2 الآية الأولى من المنافقون.
3 في ض: كذبهم.
4 الآية 8 من المجادلة.
5 الآية 21 من الفرقان.
6 الآية 13 من الملك.
7 الآية 16 من ق.
8 ساقطة من ز ع ب ض.
(2/32)

وَعَنْ الثَّالِثِ: أَنَّ1 الاسْتِكْبَارَ رُؤْيَةُ النَّفْسِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالُوا: قَوْلُ عُمَرَ: "زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلامًا".
قُلْنَا: "زَوَّرَ" صَوَّرَ مَا يُرِيدُ النُّطْقَ2 بِهِ، أَوْ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي بِنَاءً أَوْ سَفَرًا3.
قَالُوا: قَوْلُ الأَخْطَلِ:
إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ4 وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلاً12
قُلْنَا: الْبَيْتُ مَوْضُوعٌ عَلَى الأَخْطَلِ. فَلَيْسَ هُوَ فِي نُسَخِ دِيوَانِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لابْنِ ضَمْضَمٍ5. وَلَفْظُهُ: إنَّ الْبَيَانَ6. وَسَيَأْتِي:
وَقَالَ الآمِدِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا جَعَلْتُمْ الْحَقَائِقَ - الَّتِي هِيَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالاسْتِخْبَارُ - شَيْئًا وَاحِدًا، لَزِمَكُمْ أَنْ تَرُدُّوا الصِّفَاتِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
__________
1 ساقطة من ز ش.
2 في ز: والنطق.
3 قال ابن تيمية: "وقول عمر": "زوّرت في نفسي مقالة أردت أن أقولها"، حجة عليهم. قال أبو عبيد: التزوير إصلاح الكلام وتهيئته. قال: وقال أبو زيد: المزوَّرُ من الكلام والمزوق واحد، وهو المصلح الحسن. وقال غيره: زورت في نفسي مقالة، أي: هيأتها لأقولها. فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله، ولم يقله. "الإيمان ص 113".
4 في ز ع ب ض: إلخ.
5 هو سعيد بن ضمضم الكلابي، أبو عثمان، وفد على الحسن بن سهل وزير الخليفة المأمون. وله فيه أشعار جياد، وكان فصيحاً، وأخذ الناس عنه اللغة.
"انظر: إنباه الرواة 4/ 187، الفهرست لابن النديم ص 69". وفي ش ز ع ب ض: ضمضام.
6 انظر: الإيمان لابن تيمية ص 116.
(2/33)

قُلْنَا: هُوَ سُؤَالٌ وَارِدٌ. وَلَعَلَّ عِنْدَ غَيْرِنَا حَلَّهُ1.
وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ: قَوْلُهُمْ: لا تَتَبَعَّضُ2 يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى صلى الله عليه وسلم سَمِعَ بَعْضَ كَلامَ اللَّهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: سَمِعَ الْكُلَّ. وَقَالَ ابْنُ دِرْبَاسٍ الشَّافِعِيُّ3: وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} 4 مَعَ التَّصْرِيحِ بِاخْتِصَاصِ مُوسَى بِالْكَلامِ. اهـ كَلامُ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي فُتْيَا لَهُ تُسَمَّى "بِالأَزْهَرِيَّةِ". وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَعَ فِي مَحْذُورَاتٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُمْ: "إنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ5 كَلامُ اللَّهِ" فَإِنَّ نَفْيَ هَذَا الإِطْلاقِ6 خِلافُ مَا عُلِمَ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَخِلافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ.
__________
1 انظر: غاية المرام ص 118.
2 في ز: لا تبعيض. وفي ب ع ض: لا يتبعض.
3 هو عثمان بن عيسى بن درباس، ضياء الدين، أبو عمرو القاضي، الكردي، كان من أعلم الشافعية في زمانه في الفقه والأصول. وناب في الحكم عن أخيه قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بالديار المصرية، له مصنفات كثيرة، منها: "الاستقصاء لمذاهب الفقهاء في شرح "المهذب"، وهو شرح وافٍ لم يسبق إلى مثله في عشرين مجلداً، ولم يكمله. وله "شرح اللمع" للشيرازي في أصول الفقه في مجلدين. مات بمصر سنة 602هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 338، وفيات الأعيان 2/ 406، شذرات الذهب 5/ 7، حسن المحاضرة 1/ 408".
4 الآية 79 من الأنبياء.
5 ساقطة من ب ع. وفي ز: هو ليس.
6 في ض: اطلاق.
(2/34)

وَالثَّانِي: قَوْلُهُمْ: "عِبَارَةٌ" إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، لَزِمَ 1أَنْ يَكُونَ1 كُلُّ تَالٍ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي نَفْسِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُعَبِّرُ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ الْمُنْشِئُ لِلْعِبَارَةِ فَيَكُونُ كُلُّ قَارِئٍ هُوَ الْمُنْشِئُ لِعِبَارَةِ الْقُرْآنِ وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ مَعَانِيهِ، فَهَذَا حَقٌّ؛ إذْ كُلُّ كَلامٍ فَلَفْظُهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَاهُ، لَكِنَّ هَذَا لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مُتَنَاوِلاً لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْكَلامَ قَدْ قِيلَ "إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِ مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى. وَقِيلَ: "حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى مَجَازٌ فِي اللَّفْظِ"، وَقِيلَ: "بَلْ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا". وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي مَجْمُوعِهِمَا2، كَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ قِيلَ: "هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَدَنِ فَقَطْ". وَقِيلَ: "بَلْ فِي الرُّوحِ فَقَطْ". وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَجْمُوعِ3. فَالنِّزَاعُ فِي النَّاطِقِ كَالنِّزَاعِ فِي مَنْطِقِهِ4. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ. فَالْمُتَكَلِّمُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ لَهُ لَفْظٌ وَمَعْنًى، وَبُلِّغَ عَنْهُ بِلَفْظِهِ وَ5مَعْنَاهُ. فَإِذَا قِيلَ: "مَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُ مِنْ اللَّفْظِ": إنَّ6 هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْآنِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي لِلْمُبَلَّغِ عَنْهُ نَفَى عَنْهُ اللَّفْظَ الَّذِي لِلْمُبَلَّغِ عَنْهُ. وَالْمَعْنَى الَّذِي قَامَ بِالْمُبَلِّغِ. فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ إلاَّ الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ، الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى
__________
1 ساقطة من ز.
2 انظر: كشف الأسرار 1/ 24.
3 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية 3/ 55.
4 يوضح ذلك ابن تيمية فيقول: فتنازعهم في مسمى النطق كتنازعهم في مسمى الناطق، فمن سمى شخصاً محمداً وإبراهيم، وقال: جاء محمد، وجاء إبراهيم، لم يكن هذا محمداً وإبراهيم المذكورين في القرآن. "مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 56".
5 في ع: أو.
6 ساقطة من ش.
(2/35)

الْقَائِمِ بِالذَّاتِ. قِيلَ لَهُ: فَهَذَا الْكَلامُ الْمَنْظُومُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ هُوَ1 مَوْجُودٌ قَطْعًا وَثَابِتٌ، فَهَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ غَيْرُهُ2 أَوْ غَيْرُهُمَا؟
فَإِنْ جَعَلْته غَيْرَهُمَا: بَطَلَ اقْتِصَارُك عَلَى3 الْعِبَارَةِ وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ، وَإِنْ جَعَلْته أَحَدَهُمَا: لَزِمَك إنْ لَمْ تُثْبِتْ إلاَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ أَنْ تَجْعَلَهُ نَفْسَ مَا سُمِعَ4 مِنْ الْقُرَّاءِ، فَتَجْعَلَ5 عَيْنَ مَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُونَ هُوَ عَيْنُ مَا سَمِعُوهُ. وَهَذَا الَّذِي فَرَرْتَ6 مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُ: الْقَارِئُ الْمُبَلِّغُ إذَا قَرَأَ، فَلا بُدَّ لَهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ لَفْظٍ وَمَعْنًى، وَإِلاَّ كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي قَامَ بِهِ عِبَارَةً عَنْ الْقُرْآنِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي قَامَ بِهِ، لا عَنْ مَعْنًى قَامَ بِغَيْرِهِ.
فَقَوْلُهُمْ: "هَذَا هُوَ الْعِبَارَةُ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ" أَخْطَئُوا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَخْطَئُوا فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِمْ. فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّفْظَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِئِ حِكَايَةُ اللَّفْظِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، وَلَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ: حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. ثُمَّ إذَا عُرِفَ مَذْهَبُهُمْ بَقِيَ خَطَؤُهُمْ فِي أُصُولٍ:
__________
1 في ع: هل. وفي ض: هل هو.
2 ساقطة من ب.
3 في ع: عن.
4 في ب ع ض: يسمع.
5 في ش ب ع ض: فيجعل.
6 في ش: فرت.
(2/36)

مِنْهَا: زَعْمُهُمْ أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ1 الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ، وَأَنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ. وَفَسَادُ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ2.
وَمِنْهَا: زَعْمُهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ 3اللَّهُ بِهِ3.
وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِمَا يَطُولُ هُنَا ذِكْرُهُ.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الإِسْلامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلاَّبٍ وَجَعَلَ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ حِكَايَةً عَنْ ذَلِكَ" الْمَعْنَى4. فَلَمَّا جَاءَ الأَشْعَرِيُّ وَاتَّبَعَ ابْنَ كُلاَّب فِي أَكْثَرِ مَقَالَتِهِ نَاقَشَهُ عَلَى قَوْلِهِ: "إنَّ هَذَا حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: الْحِكَايَةُ تُمَاثِلُ الْمَحْكِيَّ. فَهَذَا اللَّفْظُ5 يَصِحُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لأَنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ عِنْدَهُمْ. وَحِكَايَةُ مِثْلِهِ.
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ ابْنِ كُلاَّب فَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى.
فَأَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْعِبَارَةِ الأَشْعَرِيُّ.
وَكَانَ الْبَاقِلاَّنِيُّ6 - فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ- إذَا دَرَسَ مَسْأَلَةَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: هَذَا
__________
1 في ع: وهو.
2 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 20.
3 في ب: به الله تعالى.
4 انظر: الإيمان لابن تيمية ص 112.
5 في ب: إلا للفظ.
6 في ب ع ض: ابن الباقلاني.
(2/37)

قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ. وَلَمْ يُبَيِّنْ1 صِحَّتَهُ - أَوْ كَلامًا هَذَا مَعْنَاهُ2.
وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسْفَرايِينِيّ3 يَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الأَئِمَّةِ فِي الْقُرْآنِ خِلافُ قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ. وَقَوْلُهُمْ: هُوَ قَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ4. وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ5، ذَكَرَ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلامِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ6 وَأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ.
__________
1 في ب: يتبين. وفي ش ض: تتبين.
2 يقول الباقلاني: "اعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ... ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق". "الإنصاف ص 71، 106، 110".
3 هو أحمد بن محمد بن أحمد، الشيخ أبو حامد الإسفراييني، الفقيه الشافعي، انتهت إليه رياسة الدين والدنيا ببغداد، وكان كثير التلاميذ والأصحاب، قوي الحجة والبرهان والمناظرة، وكان زعيم طريقة العراق في الفقه الشافعي في القرن الرابع الهجري. وكان له مكانة رفيعة. شرح مختصر المزني في "تعليقته" في نحو خمسين مجلداً، وذكر فيها خلاف العلماء وأقوالهم، ومآخذهم ومناظراتهم. وله كتاب في "أصول الفقه". توفي سنة 406هـ ببغداد.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" الكبرى للسبكي 4/ 61، وفيات الأعيان 1/ 55، طبقات الفقهاء ص 123، شذرات الذهب 3/ 178، الفتح المبين 1/ 224، البداية والنهاية 12/ 2، تهذيب الأسماء 2/ 208، تاريخ بغداد 4/ 368".
4 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 160-161، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 23.
5 هو عبد الله بن يوسف بن عبد الله، أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، يلقب بركن الدين. قال ابن العماد: "كان إماماً في التفسير وفي الفقه والأدب، مجتهداً في العبارة، ورعاً مهيباً، صاحب جد ووقار". وكان زاهداً متقشفاً عابداً، عالماً بالفقه، والأصول، والنحو، والتفسير، والأدب، درس وأفتى بنيسابور. ومن تصانيفه: "الفروق"، و"السلسلة"، و"التبصرة"، و"التذكرة"، "ومختصر المختصر"، و"شرح الرسالة"، و"التفسير"، و"المحيط". توفي بنيسابور سنة 438.
انظر في ترجمته: "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5/ 73، وفيات الأعيان 2/ 250، شذرات الذهب 3/ 261، طبقات المفسرين 1/ 253، البداية والنهاية 12/ 55، تبيين كذب المفتري ص 257".
6 ساقطة من ض.
(2/38)

وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا يَذْكُرُونَ قَوْلَهُمْ فِي حَدِّ الْكَلامِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَجْعَلُونَ الْخِلافَ فِي ذَلِكَ مَعَ الأَشْعَرِيِّ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكُلاَّبِيَّةِ: إنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ حِكَايَةُ ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّ الْمُبَلِّغَ حَاكٍ لِذَلِكَ الْكَلامِ. وَلَفْظُ الْحِكَايَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُحَاكَاةُ النَّاسِ فِيمَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ اقْتِدَاءً بِهِمْ وَمُوَافَقَةً لَهُمْ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ1 الْقُرْآنَ حِكَايَةُ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَدْ غَلِطَ وَضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا. فَإِنَّ الْقُرْآنَ لا يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى2 أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَحْكِيهِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ الْحِكَايَةِ النَّقْلُ وَالتَّبْلِيغُ. كَمَا يُقَالُ: فُلانٌ حَكَى عَنْ فُلانٍ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، كَمَا يُقَالُ عَنْهُ نَقَلَ عَنْهُ فَهُنَا بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ لِلْمَعْنَى. وَقَدْ يُقَالُ: حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، لِمَا قَالَهُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَالْحِكَايَةُ3 هُنَا بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَكَيْت كَلامَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُمَاثَلَةِ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَكَيْت عَنْهُ كَلامَهُ، وَبَلَّغْت عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْلِيغٍ عَنْهُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ بَلَّغَ عَنْهُ مَا قَالَهُ. فَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الأَوَّلُ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: هَذَا حِكَايَةُ كَلامِ فُلانٍ، وَ4هَذَا مِثْلُ كَلامِ فُلانٍ، وَلَيْسَ
__________
1 ساقطة من ش.
2 ساقطة من ب.
3 في ب: من الحكاية.
4 ساقطة من ز.
(2/39)

هُوَ مُبَلِّغًا عَنْهُ كَلامَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ1 الْمَعْنَى الثَّانِي - وَهُوَ مَا إذَا حَكَى الإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ مَا يَقُولُهُ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ - فَهُنَا يُقَالُ: هَذَا كَلامُ فُلانٍ، وَلا يُقَالُ: هَذَا حِكَايَةُ كَلامِ فُلانٍ، كَمَا لا يُقَالُ هَذَا مِثْلُ كَلامِ فُلانٍ. بَلْ قَدْ يُقَالُ: هَذَا كَلامُ فُلانٍ بِعَيْنِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ وَلَمْ يُحَرِّفْ وَلَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ. اهـ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقُرْآنُ كَيْفَ تَصَرَّفَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلا نَرَى الْقَوْلَ بِالْحِكَايَةِ وَالْعِبَارَةِ. وَغَلَّطَ مَنْ قَالَ بِهِمَا وَجَهَّلَهُ. فَقَالَ: مَنْ قَالَ إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ فَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ. وَقَالَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، دُونَ2 الْعِبَارَةِ وَالْحِكَايَةِ. وَقَالَ: هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ. وقَوْله تَعَالَى: {تَكْلِيمًا} 3 يُبْطِلُ الْحِكَايَةَ. مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ4. نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ5".
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي مُصَنَّفٍ لَهُ6: وَاعْتَرَضَ7 الْقَائِلُ 8بِالْكَلامِ النَّفْسِيِّ7 بِوُجُوهٍ:
__________
1 ساقطة من ض.
2 في ض: أنه دون.
3 قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوْسَى تَكْلِيْماً} . الآية 164 من النساء.
4 انظر فتاوى ابن تيمية 12/ 517، السنة للإمام أحمد ص 15، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 128، الكافية 1/ 205.
5 انظر صيد الخاطر ص 102، 103، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 21، مسائل الإمام أحمد ص 265 وما بعدها، الكافية بشرح القصيدة النونية 1/ 29.
6 ألف الشيخ ابن قدامة عدة كتب في العقيدة، منها: "الاعتقاد"، و"مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام"، و"مسألة العلو"، و"كتاب القدر"، و"البرهان في مسألة القرآن".
"انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 133، فوات الوفيات 1/ 203، شذرات الذهب 5/ 88، المدخل إلى مذهب أحمد ص 207".
7 في ز ع ب ض: واعتراض.
8 في ز ض: بكلام النفس.
(2/40)

أَحَدُهَا: قَوْلُ الأَخْطَلِ: إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ.
الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ كَلامَ الآدَمِيِّ حَرْفٌ وَصَوْتٌ، وَلَكِنَّ1 كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى يُخَالِفُهُ؛ لأَنَّهُ صِفَتُهُ، فَلا تُشْبِهُ صِفَتُهُ صِفَاتِ الآدَمِيِّينَ2، وَلا كَلامُهُ كَلامَهُمْ3.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَكُمْ فِي الصِّفَاتِ أَنْ لا تُفَسَّرَ4. فَكَيْفَ فَسَّرْتُمْ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ذَكَرْتُمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُرُوفَ لا تَخْرُجُ إلاَّ مِنْ مَخَارِجَ وَأَدَوَاتٍ وَالصَّوْتُ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ جِسْمٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى5 عَنْ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْحُرُوفَ يَدْخُلُهَا التَّعَاقُبُ، فَالْبَاءُ6 تَسْبِقُ السِّينَ، وَالسِّينُ تَسْبِقُ الْمِيمَ وَكُلُّ مَسْبُوقٍ مَخْلُوقٌ.
السَّادِسُ: أَنَّ هَذَا يَدْخُلُهُ التَّجَزِّي وَالتَّعْدَادُ، وَالْقَدِيمُ لا يَتَجَزَّأُ وَلا يَتَعَدَّدُ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ الْمُوَفَّقُ: الْجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ مِنْ وُجُوهٍ.
الأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا كَلامُ شَاعِرٍ نَصْرَانِيٍّ عَدُوِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدَيْنِهِ. 7فَهَلْ يَجِبُ7 إطْرَاحُ كَلامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ تَصْحِيحًا لِكَلامِهِ، وَحَمْلُ كَلامِهِمْ عَلَى الْمَجَازِ صِيَانَةً لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ عَنْ الْمَجَازِ؟
__________
1 ساقطة من ش.
2 ساقطة من ز ع ض.
3 في ع: ككلامهم.
4 في ش: نفس.
5 في ع: متعال.
6 في ز: والباء.
7 في ز: فيجب. وفي ع ض: أفيجب.
(2/41)

وَأَيْضًا: فَتَحْتَاجُونَ إلَى إثْبَاتِ هَذَا الشِّعْرِ بِبَيَانِ إسْنَادِهِ وَنَقْلِ الثِّقَاتِ لَهُ، وَلا نَقْنَعُ12بِدَعْوَى شُهْرَتِهِ4، وَقَدْ يَشْتَهِرُ الْفَاسِدُ. وَقَدْ سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ الْخَشَّابِ3 إمَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي زَمَانِهِ يَقُولُ: قَدْ فَتَّشْتُ4 دَوَاوِينَ5 الأَخْطَلِ الْعَتِيقَةَ فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْبَيْتَ فِيهَا6.
الثَّانِي: لا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَهُ هَكَذَا، وَ7إِنَّمَا قَالَ: "إنَّ الْبَيَانَ لَفِيْ8 الْفُؤَادِ" فَحَرَّفُوهُ وَقَالُوا: الْكَلامَ9.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مَجَازٌ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكَلامَ مِنْ10 عُقَلاءِ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّرَوِّي فِيهِ، وَاسْتِحْضَارِ مَعَانِيهِ فِي الْقَلْبِ11، كَمَا قِيلَ: "لِسَانُ
__________
1 في ع: نقتنع.
2 في ز ع ض: بشهرته.
3 هو عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، المعروف بابن الخشاب، البغدادي الحنبلي، العالم المشهور في الأدب، والنحو، والتفسير، والحديث، والنسب، والفرائض، والحساب. وله معرفة بالمنطق، والفلسفة، والهندسة. وكان يحفظ القرآن على القراءات الكثيرة، وكان متضلعاً في العلوم والخط الحسن. له مصنفات كثيرة، منها: "المرتجل في شرح الجمل" لعبد القاهر الجرجاني، و"شرح اللمع" لابن جني، وله "الرد على التبريزي في تهذيب الإصلاح"، و"شرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، والرد على الحريري في "مقاماته". توفي سنة 567هـ ببغداد.
"انظر ترجمته في: وفيات الأعيان 2/ 288، شذرات الذهب 4/ 220، بغية الوعاة 2/ 29، إنباه الرواة 2/ 99، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 316".
4 في ض: فتشنا.
5 في ش ب: ديوان.
6 انظر: الإيمان لابن تيمية ص 116.
7 ساقطة من ز ع ض.
8 في ز: من. وفي ع: عن.
9 انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص 116.
10 في ش: عن.
11 انظر: الإيمان لابن تيمية ص 116.
(2/42)

الْحَكِيمِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ. [فَإِذَا أَرَادَ الْكَلامَ رَجَعَ إلَى قَلْبِهِ] 1 فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَكَتَ، وَكَلامُ الْجَاهِلِ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا2، وَمَا تَرَكْنَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلامَ هُوَ النُّطْقُ، وَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَحَمْلُ3 كَلامِ4 الأَخْطَلِ عَلَى مَجَازِهَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحَقِيقَةَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِسَبْقِهَا إلَى الذِّهْنِ وَتَبَادُرِ الأَفْهَامِ إلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلاقِ الْكَلامِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الثَّالِثُ: تَرْتِيبُ الأَحْكَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ5 دُونَ مَا ذَكَرُوهُ.
الرَّابِعُ: قَوْلُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِهَذَا الشَّأْنِ.
الْخَامِسُ: مِنْ الاشْتِقَاقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
السَّادِسُ: لا تَصِحُّ إضَافَةُ مَا ذَكَرُوهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهُ جَعَلَ الْكَلامَ فِي الْفُؤَادِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يُوصَفُ بِذَلِكَ. وَجَعَلَ اللِّسَانَ دَلِيلاً عَلَيْهِ، وَلأَنَّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الأَخْطَلُ بِالْكَلامِ هُوَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرُ، وَاسْتِحْضَارُ الْمَعَانِي، وَحَدِيثُ النَّفْسِ وَوَسْوَسَتُهَا. وَلا يَجُوزُ إضَافَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
__________
1 ما بين القوسين زيادة لتمام الكلام. "انظر: أدب الدين والدنيا ص 249".
2 في ض: ذكرناه.
3 في ز ع ض: بحمل.
4 في ع ض: كلمة.
5 في ع ض: ذكرنا.
(2/43)

قَالَ: وَمِنْ أَعْجَبِ الأُمُورِ أَنَّ خُصُومَنَا رَدُّوا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَخَالَفُوا جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فِرَارًا مِنْ التَّشْبِيهِ عَلَى زَعْمِهِمْ، ثُمَّ صَارُوا إلَى تَشْبِيهٍ أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ مِنْ كُلِّ تَشْبِيهٍ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ التَّغْفِيلِ.
وَمِنْ أَدَلِّ الأَشْيَاءِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: تَرْكُهُمْ1 قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا لا يُحْصَى مِنْ الأَدِلَّةِ، وَتَمَسَّكُوا2 بِكَلِمَةٍ قَالَهَا هَذَا الشَّاعِرُ النَّصْرَانِيُّ جَعَلُوهَا أَسَاسَ مَذْهَبِهِمْ وَقَاعِدَةَ عَقْدِهِمْ3، وَلَوْ أَنَّهَا انْفَرَدَتْ عَنْ مُبْطِلٍ وَخَلَتْ عَنْ مُعَارِضٍ لَمَا جَازَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا هَذَا الأَصْلُ الْعَظِيمُ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهَا مَا لا يُمْكِنُ رَدُّهُ؟ فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ بَنَى قَصْرًا مِنْ4 أَعْوَادِ الْكِبْرِيتِ فِي مَجْرَى السَّيْلِ5.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: "إنَّ كَلامَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ لا يَكُونَ حُرُوفًا يُشْبِهُ كَلامَ الآدَمِيِّينَ".
قُلْنَا: جَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الاتِّفَاقَ فِي أَصْلِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَمَا أَنَّ اتِّفَاقَ الْبَصَرِ فِي أَنَّهُ إدْرَاكُ6 الْمُبْصَرَاتِ، وَالسَّمْعِ فِي أَنَّهُ إدْرَاكُ7 الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْعِلْمِ فِيْ8 أَنَّهُ إدْرَاكُ9 الْمَعْلُومَاتِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ش: وتمسكهم.
3 في ض: عندهم.
4 في ز ع ض: على.
5 في ز ع ض: النيل.
6 في ز ض: أدرك.
7 في ز ض: أدرك.
8 في ض: ب.
9 في ز ض: أدرك.
(2/44)

الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَكَانَ1 تَشْبِيهُهُمْ أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ نَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ لِكَوْنِ هَذَا تَشْبِيهًا، يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُوا سَائِرَ الصِّفَاتِ، مِنْ الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهَا.
2 الرَّابِعُ: أَنَّنَا3 نَحْنُ لَمْ نُفَسِّرْ هَذَا؛ إنَّمَا فَسَّرَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ3.
وَ4أَمَّا قَوْلُهُمْ: "أَنْتُمْ فَسَّرْتُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ"؟
فَنَقُولُ 5: إنَّمَا لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي سَكَتَ السَّلَفُ عَنْ تَفْسِيرِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَلامُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بَيْنَ الْخَلْقِ أَنْ6 لا تَشْبِيهَ فِيهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
الثَّانِي: أَنَّنَا نَحْنُ فَسَّرْنَاهُ بِحَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ تَفْسِيرًا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُمْ فَسَّرُوهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ وَلا سُنَّةٌ وَلا يُوَافِقُ الْحَقِيقَةَ، وَلا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَ7أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحُرُوفَ تَحْتَاجُ إلَى مَخَارِجَ وَأَدَوَاتٍ؟
فَنَقُولُ8: احْتِيَاجُهَا إلَى ذَلِكَ فِي حَقِّنَا لا يُوجِبُ ذَلِكَ فِي كَلامِ اللَّهِ
__________
1 في ز ض: كان.
2 ساقطة من ض.
3 في ز ع: أنا.
4 ساقطة من ع ض.
5 في ز ع: قلنا.
6 ساقطة من ز ع ض.
7 ساقطة من ز.
8 في ز ع ض: قلنا.
(2/45)

تَعَالَى1، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ2.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ يَحْتَاجُ اللَّهُ تَعَالَى كَحَاجَتِنَا، قِيَاسًا لَهُ عَلَيْنَا أَخْطَؤوا مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الَّتِي سَلَّمُوهَا كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ. فَإِنَّهَا3 لا تَكُونُ4 فِي حَقِّنَا إلاَّ فِي جِسْمٍ، وَ5لا يَكُونُ الْبَصَرُ إلاَّ فِي حَدَقَةٍ، وَلا السَّمْعُ إلاَّ مِنْ انْخِرَاقٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ6.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِنَا وَقِيَاسٌ لَهُ عَلَيْنَا وَهَذَا كُفْرٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى مَخَارِجَ فِي كَلامِهَا. كَالأَيْدِي وَالأَرْجُلِ، وَالْجُلُودِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ7، وَالْحَجَرِ الَّذِي سَلَّمَ عَلَى
__________
1 ساقطة من ض.
2 يقول الآمدي: إذ الحروف والأصوات إنما تتصور بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات، وذلك في حق الباري محال. "غاية المرام ص 111". ثم يقول: نعم، لو قيل: "إن كلامه بحروف وأصوات لا كحروفنا وأصواتنا، كما أن ذاته وصفاته ليست كذاتنا وصفاتنا، كما قال بعض السلف، فالحق أن ذلك غير مستبعد عقلاً، لكنه مما لم يدل الدليل القاطع على إثباته من جهة المعقول، أو من جهة المنقول. فالقول به تحكم غير مقبول. "غاية المرام ص 112". وانظر: الإنصاف للباقلاني ص 103.
3 ساقطة من ز ع ب ض.
4 في ض: يكون ذلك.
5 ساقطة من ع.
6 قال شيخ الإسلام ابن حجر: "فصفاته صفة من صفات ذاته، لا تشبه صفة غيره؛ إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين. هكذا قرره المصنف "البخاري" في كتاب "خلق أفعال العباد". "فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/ 353".
7 إن كلام الأيدي والأرجل والجلود ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيْهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَكْسِبُوْنَ} [الآية 65] من يس. وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآؤُوْهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُوْدُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَفْعَلُوْنَ وَقَالُوْا لِجُلُوْدِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوْا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِيْ أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} . [الآيتان 20-21 من فصلت] . وقال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ} . [الآية 24 من النور] .
(2/46)

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم1، وَالْحَصَا الَّذِي سَبَّحَ فِي كَفَّيْهِ2، وَالذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي كَلَّمَتْهُ3.
__________
1 روى مسلم والترمذي وأحمد والدارمي عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن".
"انظر: صحيح مسلم 4/ 1783، تحفة الأحوذي 10/ 98، مسند أحمد 5/ 89، سنن الدارمي 1/ 12".
وروى البزار عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما أوحي إلي جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله". وروى الترمذي والدارمي والطبراني في الأوسط عن علي قال: "خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يمر على حجر ولا شجر إلا سلم عليه".
"انظر: تحفة الأحوذي 10/ 100، سنن الدارمي 1/ 12، مجمع الزوائد 8/ 259".
2 أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم والبيهقي عن أبي ذر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ... وبين يدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات، فأخذهن فوضعن في كفه، فسبحن حتى سمعت لهن حنيناً كحنين النحل". وأخرجه ابن عساكر عن أنس. وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس قال: لما قدم ملوك حضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم الأشعث بن قيس ... فقالوا: "كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفًّا من حصا، فقال: "هذا يشهد أني رسول الله"، فسبّح الحصى في يده".
"انظر: الخصائص الكبرى 2/ 304، مجمع الزوائد 8/ 298".
وفي ض: كفه.
3 روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس: "أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله ليسلطك على ذلك، قال عليَّ".
"انظر: صحيح البخاري 3/ 56، 4/ 22، صحيح مسلم 4/ 1721".
وزاد أنس فيما رواه البزار والطبراني: "فلما مدّ يده إليها ليأكل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عضواً من أعضائها يخبرني أنها مسمومة، فامتنع".
"انظر مجمع الزوائد 8/ 295".
وفي رواية أبي داود: أخبرتني هذه في يدي –للذراع. وفي رواية الدارمي: قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة.
"انظر: سنن أبي داود 2/ 483، سنن الدارمي 1/ 32".
(2/47)

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ1". وَلا خِلافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِ الْحَجَرِ الأَصَمِّ بِلا أَدَوَاتٍ. قُلْت أَنَا2: الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَاجُ كَحَاجَتِنَا قِيَاسًا لَهُ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ عَيْنُ التَّشْبِيهِ، وَهُمْ لا يَقُولُونَ ذَلِكَ 3بَلْ يَفِرُّونَ3 مِنْهُ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِهِمْ لَهُ4. ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُمْ: "إنَّ التَّعَاقُبَ يَدْخُلُ فِي الْحُرُوفِ"؟.
قُلْنَا: إنَّمَا كَانَ5 ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَنْطِقُ بِالْمَخَارِجِ وَالأَدَوَاتِ، وَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ: إنَّمَا يَتَعَيَّنُ التَّعَاقُبُ فِيمَنْ يَتَكَلَّمُ بِأَدَاةٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ شَيْءٍ إلاَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُ بِلا جَارِحَةٍ فَلا يَتَعَيَّنُ فِي كَلامِهِ التَّعَاقُبُ، وَقَدْ اتَّفَقَ6 الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ7 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَوَلَّى الْحِسَابَ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ فِي الْحَالِ هُوَ وَحْدَهُ. وَهَذَا خِلافُ التَّعَاقُبِ. اهـ كَلامُ أَبِي نَصْرٍ.
__________
1 رواه البخاري والترمذي والدارمي عن عبد الله بن مسعود. وأوله في البخاري: "كنا نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً...."
"انظر: فتح الباري 6/ 383، تحفة الأحوذي 10/ 110، سنن الدارمي 1/ 14".
2 في ش: أخبرنا.
3 في ز ع ب ض: ويفرون.
4 ساقطة من ض.
5 ساقطة من ض.
6 في ع ض: اتفقت.
7 في ع ض: أن الله.
(2/48)

ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ: وَقَوْلُهُمْ: "إنَّ الْقَدِيمَ لا يَتَجَزَّأُ وَلا يَتَعَدَّدُ" غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَعَدِّدَةٌ1. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 2 وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" 3 وَهِيَ قَدِيمَةٌ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ4 عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ: إنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ فَقَدْ كَفَرَ.
وَكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ مُتَعَدِّدَةٌ. وَهِيَ 5كَلامُ اللَّهِ5 تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ6، وَإِنَّمَا هَذَا أَخَذُوهُ مِنْ عِلْمِ الْكَلامِ7، وَهُوَ مُطْرَحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الأَئِمَّةِ.
__________
1 في ش ز ع ب: معدودة. وهو خطأ. ولذلك جاء في حاشية ش: "لا تدل الآية ولا الحديث على الانحصار في عدد".
2 الآية 180 من الأعراف.
3 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي 4/ 276، صحيح مسلم 4/ 2063، تحفة الأحوذي 9/ 480، سنن ابن ماجه 2/ 1269، مسند أحمد 2/ 258.
ورواه ابن عساكر عن عمر. انظر: فيض القدير 2/ 478".
4 ساقطة من ز ع ب ض.
5 في ب ع ض: كلامه.
6 في ض: مخلوق. وانظر في أسماء الله تعالى وكتبه "الإيمان لابن تيمية ص 154".
7 انظر رأي العلماء في علم الكلام في "فتح الباري 13/ 273، التعريفات للجرجاني ص 162، تبيين كذب المفتري 336 وما بعدها، آداب الشافعي ومناقبه ص 182، والمراجع المشار إليها في الهامش، استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن الأشعري، صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي".
(2/49)

قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلامِ تَزَنْدَقَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا ارْتَدَى بِالْكَلامِ أَحَدٌ فَأَفْلَحَ1.
وَقَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا أَحَبَّ الْكَلامَ أَحَدٌ فَكَانَ عَاقِبَتُهُ إلَى خَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيُّ2: الْبِدَعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ هِيَ كُتُبُ الْكَلامِ وَالتَّنْجِيمِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. لا تَصِحُّ إجَارَتُهَا، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِهَا3.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ، فَإِنْ قِيلَ: "الصَّوْتُ وَالْحَرْفُ إذَا ثَبَتَا فِي الْكَلامِ اقْتَضَيَا عَدَدًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ".
قِيلَ لَهُمْ: قَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ اعْتِمَادَ أَهْلِ4 الْحَقِّ فِي هَذِهِ الأَبْوَابِ عَلَى السَّمْعِ. وَقَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ ذُو عَدَدٍ. وَأَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِأَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً لا مَجَازًا5، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ6، وَقَدْ عَدَّ الأَشْعَرِيُّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى
__________
1 انظر: تبيين كذب المفتري ص 336، آداب الشافعي ومناقبه ص 182، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص 60.
2 هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق بن خويز منداد، أبو عبد الله البصري المالكي، كان يجانب علم الكلام، وينافرُ أهلَه، ويحكم على الكل أنهم من أهل الأهواء، تفقه على الأبهري، له كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن. وله اختيارات شواذّ، وتكلم فيه أبو الوليد الباجي. توفي سنة 390هـ تقريباً، وكان إماماً عالماً متكلماً فقيهاًَ أصولياً.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 2/ 229، طبقات المفسرين 2/ 68، الوافي بالوفيات 2/ 52، لسان الميزان 5/ 291، شجرة النور ص 103".
3 في ز ب ض: أهله.
4 في ز ع ب ض: أولي.
5 في ض: مجاز.
6 قال الباقلاني: بل كلامه قديم، صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته، ونحو ذلك من صفات الذات. "الإنصاف له ص 71".
(2/50)

سَبْعَ عَشْرَة صِفَةً، وَبَيَّنَ أَنَّ مِنْهَا مَا لا يُعْلَمُ إلاَّ بِالسَّمْعِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتٍ مَعْدُودَةٍ لَمْ يَلْزَمْنَا بِدُخُولِ الْعَدَدِ فِي الْحُرُوفِ شَيْءٌ. اهـ كَلامُ أَبِي نَصْرٍ.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ:
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى صلى الله عليه وسلم1، وَيُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ2، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} 3 وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} 4 وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} 5 وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ} 6 وَقَالَ تَعَالَى: {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} 7 وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ اللَّهِ، لا مِنْ شَجَرٍ وَلا مِنْ حَجَرٍ وَلا مِنْ غَيْرِهِ8؛ لأَنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَفْضَلَ مِنْهُ9 فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ أَفْضَلَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مُوسَى، لِكَوْنِهِمْ
__________
1 انظر في صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوْسَى تَكْلِيْماً} . "فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 367".
2 انظر في صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. "فتح الباري 13/ 364".
3 الآية 164 من النساء.
4 الآية 143 من الأعراف.
5 الآية 144 من الأعراف.
6 الآية 52 من مريم.
7 الآية 16 من النازعات.
8 ساقطة من ز.
9 ساقطة من ز ب ع ض. وفي شرح الكافية: أفضل في ذلك منه.
(2/51)

سَمِعُوا مِنْ مُوسَى1. فَلِمَ سُمِّيَ إذَنْ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ2؟
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى إلاَّ صَوْتًا وَحَرْفًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ وَفِكْرَةً وَرَوِيَّةً: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لِمُوسَى، وَلا هُوَ بِشَيْءٍ3 يُسْمَعُ، وَلا يَتَعَدَّى الْفِكْرَ وَالْمَرْئِيَّ، وَلا يُسَمَّى مُنَادَاةً4.
فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لا نُسَمِّيهِ صَوْتًا مَعَ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مُخَالَفَةٌ فِي اللَّفْظِ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّنَا لا نَعْنِي بِالصَّوْتِ إلاَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا.
الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الصَّوْتِ قَدْ جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ وَالآثَارُ5، وَسَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ: النِّزَاعُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمْ لا؟ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: اتِّبَاعُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اهـ كَلامُ الشَّيْخِ 6مُوَفَّقِ الدِّينِ7.
وَقَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ7": "قَالَ
__________
1 انظر: فتح الباري 3/ 350.
2 انظر: توضيح المقاصد بشرح الكافية النونية 1/ 225.
3 في ز ش: بنبي. وفي ب وشرح الكافية: شيء.
4 انظر: فتح الباري 13/ 367، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 36، 131 وما بعدها، 146، توضيح المقاصد بشرح الكافية 1/ 226.
5 انظر: توضيح المقاصد بشرح النونية 1/ 226.
6 في ب ع ض: الموفق.
7 فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 353-354.
(2/52)

الْبَيْهَقِيُّ: الْكَلامُ مَا يَنْطِقُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي نَفْسِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - يَعْنِيْ فِي قِصَّةِ السَّقِيفَةِ1 - وَفِيهِ "وَكُنْت زَوَّرْت فِي نَفْسِي مَقَالَةً" وَفِي رِوَايَةٍ "كَلامًا" قَالَ: فَسَمَّاهُ كَلامًا قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِهِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ ذَا مَخَارِجَ سُمِعَ كَلامُهُ ذَا حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذِي مَخَارِجَ، فَهُوَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وَالْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِذِي مَخَارِجَ، فَلا يَكُونُ كَلامُهُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ2.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ3 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ4. وَقَالَ: اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي5
__________
1 ق ابن حجر: وقد تقدم سياقه في كتاب الحدود "فتح الباري 13/ 353".
2 يقول الآمدي: "ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني، إحدى صفات الذات، ليس بحروف ولا أصوات. "غاية المرام ص 88".
3 هو الصحابي ابن الصحابي جابر بن عبد الله بن عمرو، أبو عبد الله، الأنصاري السَّلَمي المدني، أحد المكثرين من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله وكلمه. وغزا جابر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، ولم يشهد بدراً ولا أحداً، منعه أبوه. وكان لجابر حلقة علم في المسجد النبوي، وكان آخر الصحابة موتاً بالمدينة سنة 78هـ. وإذا أطلق جابر في كتب الحديث والفقه فهو المقصود.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 213، الاستيعاب 1/ 221، تهذيب الأسماء 1/ 142، 286، شذرات الذهب 1/ 84، الخلاصة ص 59".
4 هو الصحابي عبد الله بن أنيس بن حرام الجهني الأنصاري، القضاعي السلمي، أبو يحيى، شهد العقبة في السبعين من الأنصار، وكسر أصنام بني سلمة مع معاذ بن جبل، وشهد بدراًَ واحداً والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وحده. وهو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، وهو الذي سافر إليه جابر شهراًَ فأدركه في الشام، فسمع منه حديثاً في المظالم والقصاص بين أهل الجنة والنار قبل دخولهما، توفي سنة 74هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/ 278، الاستيعاب 2/ 258، تهذيب الأسماء 1/ 260، شذرات الذهب 1/ 60، مشاهير علماء الأنصار ص 56، حلية الأولياء 2/ 5".
5 في ض: بـ.
(2/53)

الاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِهِ1، وَلَمْ يَثْبُتْ لَفْظُ2 الصَّوْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ حَدِيثِهِ. فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - يَعْنِي الَّذِي يَلِيهِ3 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي الَّذِي بَعْدَهُ – "أَنَّ الْمَلائِكَةَ يَسْمَعُونَ عِنْدَ حُصُولِ4 الْوَحْيِ5 صَوْتًا" 6 فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ لِلسَّمَاءِ، أَوْ لِلْمَلَكِ الآتِي بِالْوَحْيِ، أَوْ لأَجْنِحَةِ الْمَلائِكَةِ. وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ7".
"وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى أَنَّ الرَّاوِيَ أَرَادَ: فَيُنَادِي نِدَاءً، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالصَّوْتِ8".
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "وَهَذَا حَاصِلُ كَلامِ مَنْ نَفَى9 الصَّوْتَ مِنْ الأَئِمَّةِ10، وَيَلْزَمُ مِنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُسْمِعْ أَحَدًا مِنْ مَلائِكَتِهِ وَلا رُسُلِهِ كَلامَهُ11، بَلْ أَلْهَمَهُمْ إيَّاهُ".
"وَحَاصِلُ الاحْتِجَاجِ لِلنَّفْيِ: الرُّجُوعُ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى أَصْوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لأَنَّهَا الَّتِي عُهِدَ أَنَّهَا ذَاتُ مَخَارِجَ، وَلا يَخْفَى مَا فِيهِ، إذْ الصَّوْتُ قَدْ يَكُونُ مِنْ
__________
1 في ع: بروايات ابن عقيل لسوء حفظه.
2 في ش ز: بلفظ. والأعلى موافق لما في فتح الباري.
3 سيأتي الحديث الأول ص 62، وسيأتي الحديث الذي يليه ص 66-67.
4 في ش ز ع ب ض: حضور، والأعلى من فتح الباري 13/ 354.
5 في ش: الرحمن.
6 سيأتي صفحة 65.
7 فتح الباري 13/ 354.
8 فتح الباري 13/ 354.
9 في فتح الباري: ينفي.
10 انظر: الإنصاف للباقلاني ص 99.
11 في فتح الباري: ورسله.
(2/54)

غَيْرِ مَخَارِجَ. كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالِ الأَشِعَّةِ1، كَمَا سَبَقَ".
"سَلَّمْنَا، لَكِنْ نَمْنَعُ2 الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ. وَصِفَةُ الْخَالِقِ لا تُقَاسُ عَلَى صِفَةِ الْمَخْلُوقِ3، وَإِذَا ثَبَتَ ذِكْرُ الصَّوْتِ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَجَبَ الإِيمَانُ بِهِ4".
ثُمَّ قَالَ5: "إمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ6". اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ7" قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "ثُم َّ8 يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ" 9 حَمَلَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى مَجَازِ الْحَذْفِ، أَيْ يَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي10. وَاسْتَبْعَدَهُ11 بَعْضُ مَنْ أَثْبَتَ الصَّوْتَ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: "يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ" إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُ هَذَا فِيهِمْ، وَبِأَنَّ الْمَلائِكَةَ إذَا سَمِعُوهُ صُعِقُوا، وَإِذَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَمْ يُصْعَقُوا".
__________
1 في ب ع ض: أشعة.
2 في ع: يمنع.
3 في ض: المخلوقين.
4 فتح الباري 13/ 354.
5 ساقطة من ز ض ب ع.
6 فتح الباري 13/ 354.
7 العبارة توهم أن قول ابن حجر في حديث آخر، مع أنه في نفس الحديث الذي تكلم عنه ابن حجر، ونقله عنه المصنف. وقد ذكر ابن حجر هذه العبارة في أول شرح الحديث.
"انظر: فتح الباري 13/ 353".
8 ساقطة من ش.
9 رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص 13، 59، وسيأتي أيضاً صفحة 110.
10 هذا المجاز من نسبة الفعل إلى الآمر به. "انظر: الإشارة إلى الإيجاز ص 63".
11 في ش ز ع ب ض: فاستبعده، والأعلى من فتح الباري 13/ 353.
(2/55)

قَالَ: "فَعَلَى هَذَا فَصَوْتُهُ1 صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لا يُشْبِهُ2 صَوْتَ غَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ3".
قَالَ: "وَهَكَذَا4 قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ - يَعْنِي بِهِ الْبُخَارِيَّ - فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ"5. اهـ.
وَحَدُّ الصَّوْتِ: مَا يَتَحَقَّقُ سَمَاعُهُ. فَكُلُّ مُتَحَقِّقٍ سَمَاعُهُ صَوْتٌ، وَكُلُّ مَا لا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ أَلْبَتَّةَ لَيْسَ بِصَوْتٍ6. وَصِحَّةُ الْحَدِّ كَوْنُهُ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا7.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: "إنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْخَارِجُ8 مِنْ هَوَاءٍ بَيْنَ جِرْمَيْنِ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنَّهُ يُوجَدُ سَمَاعُ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَتَسْلِيمِ الأَحْجَارِ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ وَالْجِبَالِ9، وَشَهَادَةِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ وَحَنِيْنِ الْجِذْعِ10. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ
__________
1 في ش ز ب: صوته.
2 في ع: تشبه.
3 فتح الباري 13/ 353.
4 في ع: هذا.
5 خلق أفعال العباد ص 59. وانظر: فتح الباري 13/ 353.
6 انظر: الرد على الجهمية والمعتزلة، للإمام أحمد ص 236 من مجلة أضواء الشريعة العدد الثامن.
7 انظر في تعريف الصوت "مختصر الطوفي ص 41، التعريفات للجرجاني ص 118، شرح الكوكب المنير 1/ 103، 104".
8 في ض: خارج.
9 إن تسبيح الجبال ثابت في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} . الأنبياء/ 79. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاًَ يَا جِبَالُ أَوِّبِيْ مَعَهُ وَالطَّيْر} . سبأ/ 10. وقوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} . الآية 18 من سورة ص.
10 وهو صوت الجذع الذي كان يخطب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتخذوا له منبراً فخطب عليه، فحنّ الجذع كحنين الناقة. وفي البخاري عن جابر: "فصاحت النخلة صياح.............=
(2/56)

تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} 1. وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} 2 وَمَا لِشَيْءٍ3 مِنْ ذَلِكَ مُنْخَرَقٌ بَيْنَ جِرْمَيْنِ4.
وَقَدْ أَقَرَّ الأَشْعَرِيُّ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَالَتَا "أَتَيْنَا طَائِعِينَ"5، حَقِيقَةً لا مَجَازًا.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ6، مِنَّا: لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ*عَلَى
__________
= الصبي". والحديث رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن عدد من الصحابة.
"انظر: فتح الباري 6/ 392، تحفة الأحوذي 3/ 22، 10/ 100، سنن النسائي 3/ 83، سنن ابن ماجه 1/ 454، مسند أحمد 1/ 249، 267، سنن الدارمي 1/ 15". وقد مرت الآيات الدالة على شهادة الأيدي والأرجل "صفحة 46". ومرت الأحاديث في تسليم الأحجار "صفحة 47".
1 الآية 44 من الإسراء.
2 الآية 30 من سورة ق.
3 في ع: شيءٌ.
4 انظر رأي الآمدي في الصوت، فإنه يقول: "إذ الصوت لا يكون إلا عن اصطكاكات أجرام، والحروف عبارة عن تقطع الأصوات". "غاية المرام ص 92".
5 قال الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيْنَ} . الآية 11 من فصلت.
6 هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، الكاتب النحوي اللغوي، صاحب التصانيف الحسان المفيدة. قال ابن خلكان: "كان فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدّث بها". ومن تصانيفه: "المعارف"، و"أدب الكاتب"، و"الشعر والشعراء"، و"غريب القرآن"، و"مشكل القرآن"، و"غريب الحديث"، و"مشكل الحديث"، و"طبقات الشعراء"، و"الأشربة" وغيرها. ولي قضاء الدينور، وتكلم به بعض العلماء، ورد الذهبي ذلك، توفي فجأة سنة 276هـ.
انظر ترجمته الوافية في "وفيات الأعيان 2/ 246، شذرات الذهب 2/ 169، إنباه الرواة 2/ 143، تهذيب الأسماء 2/ 281، طبقات المفسرين 1/ 245، بغية الوعاة 2/ 63، طبقات النحويين واللغويين ص 183، ميزان الاعتدال 2/ 503".
(2/57)

الْحَقِيقَةِ لاَ عَلَى الْمَجَازِ لاَ1 كَمَا يَقُولُهُ2 بَعْضُ أَصْحَابِ الْكَلامِ: "إنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ3 دَلِيلٌ عَلَى4 الْقُرْآنِ". اهـ.
وَقَالَ الشِّهَابُ السُّهْرَوَرْدِيُّ5: أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ: الاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ وَالْقَدَمُ وَالرِّجْلُ وَالْوَجْهُ، فَلا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلا تَعْطِيلٍ؛ إذْ لَوْلا إخْبَارُ اللَّهِ وَ6رَسُولِهِ لَمَا7 تَمَالأَ8 عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ9 حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى، وَلَوْلا أَنَّ10 الصَّادِقَ11 الْمَعْصُومَ قَالَ ذَلِكَ لَمَا قُلْنَا، وَلا حُمْنَا حَوْلَهُ. فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لا تُعْرَفُ إلاَّ بِالدَّلِيلِ الْمَحْضِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
__________
1 ساقطة من ز ع ب ض.
2 في د: يقول.
3-* ساقطة من ش، وموجودة في ز. وجاء بعدها نصف صفحة مكتوبة خطأ ومكررة عن إعجاز القرآن.
4 في ض: على أنه.
5 هو عمر بن محمد بن عبد الله، شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي. قال الداودي: كان فقيهاً شافعياً، شيخاً ورعاً، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة. وكان له مجلس وعظٍ، وكان صوفيًّا. له مصنفات كثيرة، منها: "عوارف المعارف"، و"بغية البيان في تفسير القرآن"، و"المناسك"، و"رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية". عمي في آخر عمره وأقعد، توفي سنة 632هـ.
انظر ترجمته في "طبقات المفسرين 2/ 10، وفيات الأعيان 1/ 119، شذرات الذهب 5/ 153، طبقات الشافعية الكبرى 8/ 338، معجم المؤلفين 7/ 313".
وفي ش ز ع ب ض: الشهرزوري، وهو تصحيف.
6 ساقطة من ض.
7 في ع ض: ما.
8 في ض: تحاك.
9 في ع: يحول.
10 ساقطة من ش.
11 في ب ض: الصادق المصدَّق.
(2/58)

قَالَ الْمُؤَلَّفُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 1 {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ} 2 وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي" 3 وَقَالَ الصِّدِّيقُ: مَا هَذَا كَلامِي، وَلا كَلامُ صَاحِبِي، وَلَكِنَّهُ كَلامُ اللَّهِ4.
وَالْكَلامُ الْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ، وَالْكَلِمَاتُ الْمَفْهُومَةُ، وَالأَصْوَاتُ الْمَلْهُومَةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا} 5، {فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا} {فَأَشَارَتْ إلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ 6 مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا 3} 7 {لا
__________
1 الآية 6 من التوبة.
2 الآية 75 من البقرة.
3 سيأتي النص كاملاً مع تخريجه ص 73.
4 أخرج البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" "ص 13" عن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما نزلت: {ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ} الروم/ 1-2] ، خرج يصيح ويقول: كلام ربي، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها إذا سمعت القرآن قالت: كلام ربي، كلام ربي. ونقل ابن حجر عن البيهقي أنه ساق حديث نيار بن مُكْرِم أن أبا بكر قرأ عليهم سورة الروم، فقالوا: هذا كلامُك أو كلام صاحبك؟ قال: ليس كلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله". وأصل هذا الحديث أخرجه الترمذي مصحِّحاً. وأخرجه أحمد في كتاب "السنة". وأخرج أحمد في كتاب "السنة" أيضاً، والحاكم، وابن المبارك في "الجهاد" عن عكرمة بن أبي جهل أنه كان يأخذ المصحف فيضعه على وجههه ويقول: كلام ربي، كلام ربي.
"انظر: فتح الباري 13/ 350، تحفة الأحوذي 9/ 53، السنة ص 20، 21، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 6، الإبانة للأشعري ص 30، المستدرك 3/ 243، الجهاد لابن المبارك ص 57".
5 الآيتان 10-11 من مريم. وأول الآية الثانية: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ... } .
6 في ز ع ض: الآية. وفي ب: {نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ} ... الآية.
7 الآيتان 26، 29 من مريم.
(2/59)

يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} 1 {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} 2، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وقَوْله تَعَالَى: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} 3 يَعْنِي بِهِ النُّطْقَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} 4، {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} 5 أَيْ: يَنْطِقُ. وَحَدِيثِ "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي" 6 وَحَدِيثُ "إنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ" 7 وَحَدِيثِ "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إلاَّ
__________
1 الآية 38 من النبأ. وفي ش ز ض: ولا يتكلمون. وهو خطأ.
2 الآية 35 من المرسلات.
3 الآية 65 من يس.
4 الآية 21 من فصلت. وفي ز ب ض: فقالوا. وهو خطأ.
5 الآية 46 من آل عمران.
6 تتمة الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". رواه البيهقي عن ابن عمر. ورواه الطبراني عن ثوبان، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم. ورواه ابن عدي عن أبي بكرة وضعفه، ورواه الحاكم وصححه.
"انظر: سنن ابن ماجه 1/ 659، فيض القدير 4/ 34، 362، كشف الخفاء 1/ 433، تخريج أحاديث البزدوي ص 89، المستدرك 2/ 198، موارد الظمآن ص 360، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص 294".
وقد مرت الإشارة إلى هذا الحديث صفحة 31، كما مرت الإشارة إليه في المجلد الأول صفحة 436هـ، 512.
ولعل المؤلف يريد الإشارة إلى حديث: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". وقد مر صفحة 31.
7 هذا طرف من حديث طويل رواه معاوية بن الحكم السُّلَمي. وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". انظر: مسند أحمد 5/ 447، صحيح مسلم 1/ 382، سنن أبي داود 1/ 213، سنن النسائي 3/ 14، خلق أفعال العباد ص 27، نيل الأوطار 2/ 357".
(2/60)

ثَلاثَةٌ" 1 وَحَدِيثِ "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ" 2 وَحَدِيثِ "مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقْطُهُ" 3 وَإِجْمَاعِ النَّاسِ فِي الشِّعْرِ وَالنَّظْمِ فِي كَلامِهِمْ وَعُرْفِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ أَنَّ الْكَلامَ يَكُونُ4 حَقِيقَةً. وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ لا يَحْنَثُ إلاَّ بِالنُّطْقِ5. اهـ.
وَقَدْ بَيَّنَّا بِالأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي عِنْدَنَا هُوَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهُ مَسْمُوعٌ مَقْرُوءٌ مَتْلُوٌّ مَحْفُوظٌ6. وَكَيْفَمَا قُرِئَ وَتُلِيَ وَسُمِعَ وَحُفِظَ وَكُتِبَ فَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ7. اهـ.
وَثَبَتَ عَنْ الْغَيْرِ: ذِكْرُ الصَّوْتِ8 الْمُضَافِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الْحُفَّاظِ
__________
1 هذا طرف من حديث طويل رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ... والثلاثة هم: عيسى، وصاحب جريج، وصبي يرضع.
"انظر: صحيح البخاري 2/ 254، صحيح مسلم 4/ 1976، مسند أحمد 2/ 307".
2 لم أجد هذا الحديث فيما اطلعت عليه من كتب الحديث، ولا في الفهارس والمفاتيح المساعدة لذلك، ولا يظهر فيه دلالة على موضوع البحث..
3 هذا طرف من حديث شريف، وتمامه: "ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به".
رواه الطبراني وأبو نعيم والعسكري وغيرهم عن ابن عمر مرفوعاً. قال العسكري: أحسبه وهماً. والصواب أنه من قول عمر رضي الله عنه، وأن الأحنف قال: قال لي عمرُ: يا أحنف، من كثر ضحكه ... ومن كثر كلامه.... وسنده ضعيف، كما قاله الزين العراقي.
"انظر كشف الخفا 2/ 274".
4 في ع ز: يكن. وهو خطأ.
5 في ض: بنطق.
6 في ع: محفوظ مكتوب.
7 في ش ز ع ب: القديم. وانظر: فواتح الرحموت 2/ 6، فتاوى ابن تيمية 12/ 164، 210، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 124.
8 في ب ز ض: المصنف.
(2/61)

وَالْمُحَدِّثِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، وَصَحَّحُوهُ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، بَلْ أَكْثَرَ. فَلا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ، وَلا تَعْطِيلٍ1.
وَقَدْ خَرَّجَ الْفَاضِلُ النَّاقِدُ أَبُو بَكْرٍ الْمِصْرِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مِنْهَا. وَذَكَرَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. نَقَلَهُ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ".
وَكَذَلِكَ جَمَعَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ2. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" وَ3فِي "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ". وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ فِي "جُزْءٍ مُفْرَدٍ" لَهُ أَيْضًا4.
الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "خَرَجْت إلَى الشَّامِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "5 يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ10::
__________
1 قارن ما جاء في الإنصاف للباقلاني ص 129 وما بعدها.
2 هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي، تقي الدين، أبو محمد، المقدسي الصالحي الحنبلي، الإمام الحافظ المحدث. قال السيوطي: "كان غزير الحفظ والإتقان، وقيِّماً يجمع فنون الحديث، كثير العبادة، ورعاً، ماشياً على قانون السلف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، له تصانيف كثيرة، منها: "المصباح"، و"نهاية المراد" و"الكمال" و"العمدة" و"تحفة الطالبين" و"الروضة" و"الذكر"، و"محنة الإمام أحمد" وغيرها. حدث في دمشق، ثم خرج إلى مصر، ومات فيها سنة 600هـ.
"انظر: طبقات الحفاظ ص 485، ذيل طبقات الحنابلة 2/ 5، شذرات الذهب 4/ 345، حسن المحاضرة 1/ 354، تذكرة الحفاظ 4/ 1372، البداية والنهاية 13/ 38".
3 ساقطة في ب ز ض.
4 قال في "شرح الكافية": "جمعها ضياء الدين المقدسي، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي، الإمام العالم الحافظ الحجة، محدث الشام، شيخ السنة، المتوفى سنة 643هـ. "شرح الكافية 1/ 226". وسوف يشير إلى ذلك المصنف صفحة 64
5 ساقطة من ب.
(2/62)

يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ" - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى الشَّامِ- "حُفَاةً 1 عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا". قَالَ: قُلْت: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ 2، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ 3، لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. وَلا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلِمَةٍ". قَالُوا: كَيْفَ؟ وَإِنَّا نَأْتِي اللَّهَ غُرْلاً4 بُهْمًا؟ قَالَ: "بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ 5".
أَخْرَجَ6 الْبُخَارِيُّ أَصْلَهُ فِي "صَحِيحِه"ِ تَعْلِيقًا مُسْتَشْهِدًا بِهِ إلَى قَوْلِهِ: "الدَّيَّانُ" 7 وَأَخْرَجَهُ شِهَابُ الدِّينِ فِي "الأَدَبِ الْمُفْرَدِ8"، وَأَخْرَجَهُ
__________
1 ساقطة من ز ع ب ض.
2 البُهْمُ في اللغة جمع بَهْمَة، وهي صغار الغنم. ومعناه هنا: أنه أمر لا قيمة له، فكأنه لا شيء معه. والغُرْلُ جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يختن، على وزن أحمر.
"انظر: المصباح المنير 1/ 103، 2/ 684، فتح الباري 13/ 353".
3 قال الحليمي: هو مأخوذ من قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ} . وهو المحاسب والمجازي، لا يضيع عمل عامل. وقال الكرماني: "المعنى لا ملك إلا أنا"، ولا مجازي إلا أنا. "فتح الباري 13/ 354".
4 ساقطة من ض.
5 قال ابن حجر: "يعني أن القصاص بين المتظالمين إنما يقع بالحسنات والسيئات". "فتح الباري 13/ 354" ولذلك سمي هذا الحديث حديث القصاص والمظالم بين أهل الجنة وأهل النار.
6 في ع: وأخرج.
7 صحيح البخاري 4/ 294. وانظر: فتح الباري 13/ 353، الأدب المفرد ص 337.
8 أي أخرج هذا الحديث شهاب الدين ابن حجر في "فتح الباري" عن "الأدب المفرد". قال ابن حجر عند الكلام عن سند الحديث وطرقه: "وساق هنا "أي البخاري" من الحديث بعضه. وأخرجه بتمامه في "الأدب المفرد". "فتح الباري 13/ 353". وانظر: الأدب المفرد ص337 باب المعانقة.
(2/63)

أَحْمَدُ1 وَأَبُو يَعْلَى2 وَالطَّبَرَانِيُّ3.
وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الضِّيَاءُ4 بِسَنَدِهِ إلَى جَابِرٍ. قَالَ
__________
1 رواه الإمام أحمد عن جابر، عن عبد الله بن أنيس. وأخرج النسائي بعضَه عن ابن عباس.
"انظر: مسند أحمد 3/ 495، سنن النسائي 4/ 92، فتح الباري 13/ 353".
2 هو أحمد بن علي بن المثنى، التميمي الموصلي، أبو يعلى، الحافظ، صاحب المسند الكبير. قال ابن العماد: "وصنف التصانيف، وكان ثقة صالحاً متقناً". وكان من أهل الصدق والأمانة والدين. وثقه ابن حبان، ووصفه بالإتقان والدين. وكان مسنده كالبحر مع غيره، ورحل إليه الناس، توفي سنة 307هـ.
انظر ترجمته في "شذرات الذهب 2/ 250، تذكرة الحفاظ 2/ 707، مرآة الجنان 2/ 249، طبقات الحفاظ ص 306".
3 هو سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، نسبة إلى طبرية، الإمام العلامة الحجة. ولد بعكا، وسمع بالشام، والحجاز، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة. وحدث عن ألف شيخ. وقد رحل في طلب الحديث، وكان بصيراً بالعلل، والرجال والأبواب. صنف تصانيف كثيرة، منها: "المعتجم الكبير"، وهو المسند، و"المعجم الأوسط" عن شيوخه، و"المعجم الصغير"، و"دلائل النبوة"، و"الأوائل"، و"التفسير" وغيرها من المصنفات المفيدة. قال الذهبي: "ومع سعة روايته لم ينفرد بحديث"، توفي سنة 360هـ.
انظر ترجمته في تذكرة "الحفاظ 3/ 912، طبقات الحنابلة 2/ 49، وفيات الأعيان 2/ 141، طبقات المفسرين 1/ 198، ميزان الاعتدال 2/ 195، شذرات الذهب 3/ 30، طبقات الحفاظ ص 372، البداية والنهاية 11/ 270".
4 هو محمد بن عبد الواحد بن أحمد، السعدي الحنبلي، ضياء الدين، المقدسي، أبو عبد الله، الإمام الحافظ الحجة، محدث الشام، وشيخ السنة. قال ابن العماد: "وهو حافظ متقن ثبت ثقة، نبيل الحجة، عالم بالحديث وأحوال الرجال، وهو ورع تقي زاهد عابد محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله". له تصانيف كثيرة مشهورة، منها: "الأحاديث المختارة"، وو"فضائل الأعمال"، و"صفة الجنة"، و"صفة النار"، و"أفراد الحديث"، و"الرواة عن البخاري"، و"دلائل النبوة" وغيرها. توفي بدمشق سنة 643هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 4/ 1405، طبقات الحفاظ ص 494، ذيل طبقات الحنابلة 2/ 236، شذرات الذهب 5/ 224".
وفي ب ع: أيضاً.
(2/64)

جَابِرٌ: "بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ. وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ1، فَاشْتَرَيْت بَعِيرًا فَشَدَدْت عَلَيْهِ رَحْلاً، وَسِرْت حَتَّى وَرَدْت مِصْرَ، فَمَضَيْتُ2 إلَى بَابِ الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ الْحَدِيثُ. فَقَرَعْت بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيَّ مَمْلُوكُهُ. فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَلَمْ يُكَلِّمْنِي، فَدَخَلَ إلَى سَيِّدِهِ. فَقَالَ: أَعْرَابِيٌّ 3عَلَى الْبَابِ3، فَقَالَ: سَلْهُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ. فَخَرَجَ إلَيَّ مَوْلاهُ. فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا اعْتَنَقَ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ. فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا جِئْت تَعْرِفُ؟ قَالَ4: فَقُلْت: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِصَاصِ، وَلا أَظُنُّ أَنَّ5 أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى أَوْ مِمَّنْ بَقِيَ أَحْفَظُ لَهُ مِنْك. قَالَ: نَعَمْ يَا جَابِرُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا، ثُمَّ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، غَيْرِ فَظِيعٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَنْ قَرُبَ: أَنَا الدَّيَّانُ، لا تَظَالُمَ الْيَوْمَ. أَمَا وَعِزَّتِي لا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَلَوْ لَطْمَةً بِكَفٍّ، أَوْ يَدٍ عَلَى يَدٍ. أَلا وَإِنَّ أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي: عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ. فَلْتَرْتَقِبْ أُمَّتِي الْعَذَابَ إذَا تَكَافَأَ النِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَالرِّجَالُ بِالرِّجَالِ".
الْحَدِيثُ الثَّانِي: مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلائِكَةُ
__________
1 جاء في رواية الضياء أن عبد الله بن أنيس كان بمصر، بينما صرحت أكثر كتب التراجم والحديث أنه كان بالشام.
2 في ز: فنصبت.
3 ساقطة من ب ض.
4 ساقطة من ب ع ض.
5 ساقطة من ب ع ز.
(2/65)

بِأَجْنِحَتِهَا 1خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ6. كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ. فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ - إلَى آخِرِهِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد2 وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ3.
الثَّالِثُ: مَا رَوَى ابْنُ4 مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ5 صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ، فَلا يَزَالُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّك؟ قَالَ: يَقُولُ: الْحَقَّ. قَالَ: فَيُنَادُونَ الْحَقَّ الْحَقَّ".
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ6.
__________
1 في ش ز ع ب: تصديقاً له، وفي البخاري: خضعاناً، وفي ض والترمذي وابن ماجه: خضعاناً لقوله.
2 هو سليمان بن الأشعث بن شداد، أبو داود السجستاني، ويقال له: السِّجْزيّ. قال النووي: "واتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإتقان والورع، والدين، والفهم الثاقب في الحديث وغيره، وفي أعلى درجات النسك والعفاف والورع". وعده الشيرازي وابن أبي يعلى من أصحاب أحمد. وذكره العبادي والسبكي في طبقات الشافعية، وهو صاحب كتاب "السنن". توفي بالبصرة سنة 275هـ.
انظر في ترجمته "تهذيب الأسماء 2/ 224، شذرات الذهب 2/ 167، وفيات الأعيان 2/ 138، طبقات المفسرين 1/ 201، المنهج الأحمد 1/ 175، طبقات الحنابلة 1/ 159، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 293، طبقات الشافعية للعبادي ص 60، تذكرة الحفاظ 2/ 591، طبقات الحفاظ ص 261، الخلاصة ص 150".
3 انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي 3/ 146، 179، 4/ 294، سنن أبي داود 2/ 358، تحفة الأحوذي 9/ 90، سنن ابن ماجه 1/ 70، خلق أفعال العباد ص 13، 60، فتح الباري 13/ 354، الأسماء والصفات للبيهقي 1/ 200.
4 في ع: عن ابن.
5 ساقطة من ض.
6 سنن أبي داود 2/ 537. وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" بعد الحديث: وقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة. "مختصر سنن أبي داود 7/ 127". ولعل المنذري يشير إلى حديث أبي هريرة" السابق.
(2/66)

الرَّابِعُ: مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السَّلِسَةِ 1 عَلَى الصَّفَا. قَالَ: فَيُفَزَّعُونَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ. فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّك؟ قَالَ فَيَقُولُ: الْحَقَّ. قَالُوا: الْحَقَّ الْحَقَّ " 2.
رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ3 الصَّبَّاحِ بْنِ أَبِي سُرَيْجٍ4 عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ5
__________
1 في ش: السلسة.
2 رواه البخاري معلقاً، ووصله البيهقي في "الأسماء والصفات". ورواه أحمد عن أبي معاوية. وقد توسع ابن حجر في ذكر طرقه وأسانيده، ورجح صحته. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد".
"انظر: فتح الباري 13/ 352، الأسماء والصفات 1/ 201، خلق أفعال العباد ص 60، تفسير الطبري 22/ 90".
3 في ش: عن. وفي ض: بن أبي.
4 هو أحمد بن أبي سريج الصباح، وقيل: أحمد بن عمر الصباح، النهشلي الرازي، أبو جعفر المقرئ. قرأ على الكسائي. وروى عن شعيب بن حرب وأبي معاوية الضرير وجماعة. وحدث عنه البخاري وأبو داود والنسائي في كتبهم، وأبو بكر بن أبي داود وأبو حاتم، وقال: صدوق. مات بعد سنة 240هـ، وقال ابن الجوزي: مات سنة 230هـ.
انظر في ترجمته "معرفة القراء الكبار للذهبي 1/ 178، تهذيب التهذيب 1/ 44، الخلاصة ص 6، 7، طبقات القراء 1/ 63، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 25".
وفي ش ض: شريح.
5 هو محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، التيمي، الكوفي، الحافظ. قال ابن حبان: "كان حافظاً، ولكن كان مرجئاً خبيثاً". وقال الذهبي: "أحد الأئمة الأعلام الثقات، لم يتعرض له أحد، احتج به الشيخان، وقد اشتهر عنه غلو التشيع". توفي سنة 195هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال 4/ 575، طبقات الحفاظ ص 122، تذكرة الحفاظ 1/ 294، شذرات الذهب 1/ 343، الخلاصة ص 334، نكت الهميان ص 247".
(2/67)

الْخَامِسُ: بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي تَصْنِيفِهِ: رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. قَالَ: سَأَلْت أَبِي، فَقُلْت: يَا أَبَتِ1، الْجَهْمِيَّةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ. فَقَالَ: كَذَبُوا، إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ2، ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ3 بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ4. قَالَ: حَدَّثَنِيْ الأَعْمَشُ5 عَنْ أَبِي
__________
1 في ض: يا أبي.
2 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 23.
3 في ش ز ع ب: عبد الله. وهو خطأ. ولم أجد في جميع كتب التراجم التي رجعت إليها اسم "عبد الله المحاربي". وإنما هو عبد الرحمن. وقد جاء في "الخلاصة" أن عبد الرحمن روى عن الأعمش، وأن أحمد روى عنه، كما أكّد الذهبي ذلك في "ميزان الاعتدال" كما سيأتي في ترجمته. وفي مسند الإمام أحمد: "حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش". وقال ابن حجر: "فقد وافقه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش، أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" له عن أبيه عن المحاربي".
"انظر: مسند أحمد 1/ 448، فتح الباري 13/ 356، ميزان الاعتدال 2/ 585، الخلاصة ص 234".
4 هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي. روى عن الأعمش، وروى عنه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل, وثقه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيفسد حديثه بذلك. وقال الذهبي: حدث عنه أحمد وهناد، مات بالكوفة سنة 195هـ.
انظر ترجمته في "الخلاصة ص 234، ميزان الاعتدال 2/ 585، شذرات الذهب 1/ 343، تذكرة الحفاظ 1/ 312، طبقات الحفاظ ص 129".
5 هو سليمان بن مهران، أبو محمد، مولى بني كاهل، المعروف بالأعمش. كان محدث الكوفة وعالمها، وكان أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بالفرائض وأحفظهم للحديث. قال ابن خلكان: "كان ثقة عالماً فاضلاً، رأى أنس بن مالك وكلمه، ولم يرزق السماع عليه، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثاً واحداً ... وكان لطيف الخلق مزاحاً". توفي سنة 148هـ. انظر في ترجمته "وفيات الأعيان 2/ 136، طبقات القراء 1/ 315، تذكرة الحفاظ 1/ 154، الخلاصة ص 155، شذرات الذهب 1/ 220، تاريخ بغداد 9/ 3، طبقات الحفاظ ص 67، مشاهير علماء الأمصار ص 111".
(2/68)

الضُّحَى1 عَنْ مَسْرُوقٍ2 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ.
قَالَ السِّجْزِيُّ: "وَمَا فِي رُوَاةِ هَذَا الْخَبَرِ إلاَّ إمَامٌ مَقْبُولٌ". اهـ.
وَتَتِمَّةُ الْحَدِيثِ "فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - قَالَ: سَكَنَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - نَادَى أَهْلُ السَّمَاءِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ. قَالَ: كَذَا وَكَذَا".
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ3 وَغَيْرُهُ: وَمِثْلُ هَذَا لا يَقُولُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ إلاَّ تَوْقِيفًا؛ لأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةٍ لِلذَّاتِ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
__________
1 هو مسلم بن صبيح الهمداني مولاهم، أبو الضحى، العطار لكوفي التابعي. روى عن علي مرسلاً، وعن ابن عباس وجماعة. وروى عنه الأعمش وغيره. وثقه ابن معين وأبو زرعة، وكان ثقة كثير الحديث، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة 100هـ.
انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب 1/ 132، الخلاصة ص 375، طبقات ابن سعد 6/ 288، الجرح والتعديل للرازي 10/ 186".
2 هو مسروق بن الأجدع بن مالك، من هَمْدان، ويكنى أبا عائشة، الإمام الكوفي، القدوة الفقيه العابد، صاحب ابن مسعود، وروى عن أبي بكر وعمر ومعاذ وعلي. وروى له أصحاب الكتب الستة. كان يصلي حتى تورمت قدماه، قال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه. توفي سنة 63هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص79، طبقات القراء 2/ 294، تذكرة الحفاظ 1/ 49، شذرات الذهب 1/ 71، الخلاصة ص 374، طبقات الحفاظ ص 14، المعارف ص 432".
3 هو محمد بن محمد بن الحسين، القاضي الشهيد، أبو الحسين، ابن شيخ المذهب القاضي أبي يعلى الفراء. كان عارفاً بالمذهب، متشدداً في السنة، كثير الحط على الأشاعرة، وكان مفتياً مناظراً، له تصانيف كثيرة في الأصول والفروع، منها: "المجموع" في الفروع، و"المفردات في الفقه"، و"المفردات في أصول الفقه"، و"إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة"، و"طبقات الحنابلة" وغيرها. دخل عليه خدمه، وهو نائم في بيته، فأخذوا ماله وقتلوه سنة 526هـ.
انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة 1/ 176، شذرات الذهب 4/ 79، المدخل إلى مذهب أحمد ص 210.
(2/69)

السَّادِسُ: مَا رَوَى بَهْزُ1بْنُ حَكِيمِ2 بْنِ مُعَاوِيَةَ2 عَنْ أَبِيهِ3 عَنْ جَدِّهِ4: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فُزِّعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ لانْحِطَاطِهِ، وَسَمِعُوا صَوْتَ الْوَحْيِ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ صَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا. فَكُلَّمَا مَرَّ بِأَهْلِ سَمَاءٍ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، بِمَ أُمِرْت؟ فَيَقُولُ: نُورُ الْعِزَّةِ الْعَظِيمُ. كَلامُ اللَّهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ" 5.
السَّابِعُ: مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ
__________
1 ساقطة من ز ع ب ض.
2 هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، أبو عبد الملك، القشيري البصري. روى عن أبيه وزرارة بن أوفى. وروى عنه الزهري وابن عون وسليمان التيمي والثوري والحمادان وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة يحتج به. وقال يحيى: إسناده عن أبيه عن جده صحيح. ذكره البغوي في الصحابة، ولم يوافقه ابن حجر وابن عبد البر. توفي سنة 140هـ.
انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء 1/ 138، الإصابة 1/ 166، الاستيعاب 1/ 180، ميزان الاعتدال 1/ 353، الخلاصة ص 53".
3 هو حكيم بن معاوية بن حَيْدة، والد بهز بن حكيم، وهو أبو بهز القشيري البصري التابعي، ثقة معروف، روى عنه ابنه بهز والحريري، وثقه ابن حبان.
"انظر: تهذيب الأسماء 1/ 167، الخلاصة ص 91".
4 هو معاوية بن حَيْدة بن معاوية القشيري، نزل البصرة، ومات بخراسان، له وفادة وصحبة. وأخرج له أصحاب السنن، وعلق له البخاري.
"انظر: الإصابة 3/ 432، الاستيعاب 3/ 404، الخلاصة ص 381".
5 رواه ابن مردويه. "انظر: فتح الباري 13/ 355".
(2/70)

قُلُوبِهِمْ} - الآيَةَ1. قَالَ: لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ إلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم دَعَا الرَّسُولَ مِنْ الْمَلائِكَةِ لِيَبْعَثَهُ بِالْوَحْيِ. فَسَمِعَتْ الْمَلائِكَةُ صَوْتَ الْجَبَّارِ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ. فَلَمَّا2 كُشِفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ سَأَلُوهُ عَمَّا قَالَ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ إلاَّ حَقًّا، وَأَنَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَصَوْتُ الرَّحْمَنِ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا - كُلَّمَا سَمِعُوهُ خَرُّوا سُجَّدًا، فَلَمَّا رَفَعُوا رُؤُوْسَهُمْ قَالُوا: مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ3: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ4.
الثَّامِنُ: مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ5 قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَم. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِك بَعْثًا إلَى النَّارِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ6.
التَّاسِعُ: مَا رَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ7. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
__________
1 الآية 23 من سبأ. وتتمة الآية: {قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}
2 في ع ب ز ض: ولما.
3 في ش ز ع ب: قالوا.
4 رواه الطبري في تفسيره. وروى البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إذا قضى الله -جل ذكره- أمراً تكلم، رجفت الأرض والسماء والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً".
"انظر: تفسير الطبري 22/ 91، خلق أفعال العباد ص 60".
5 هو الصحابي أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك. ومرت ترجمته في المجلد الأول.
6 هذا طرف من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/ 233، 4/ صحيح مسلم 2/ 201، مسند أحمد 3/ 32، فتح الباري 13/ 355، خلق أفعال العباد ص60".
ورواه الترمذي عن عمران بن حصين. "انظر: تحفة الأحوذي 9/ 10".
7 هو الصحابي النوَّاسُ بن سَمْعان بن خالد العامري الكلابي. وله ولأبيه صحبة. له سبعة عشر حديثاً، انفرد له مسلم بثلاثة. روى عنه جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني.
"انظر: الإصابة 3/ 579، الاستيعاب 3/ 569، الخلاصة ص 406".
(2/71)

"إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِأَمْرٍ أَخَذَتْ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صُعِقُوا وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِي 1 بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَى 2 الْمَلائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِهِ فِي 3 سَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: {الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} 4. فَيَقُولُونَ 5 كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ فَيَنْتَهِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ 6 حَيْثُ أُمِرَ مِنْ السَّمَاءِ 7 وَالأَرْضِ".
رَوَاهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ بِسَنَدِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ8 مُتَّصِلاً إلَى النَّوَّاسِ9 بْنِ سَمْعَانَ10.
__________
1 في رواية: فيمضي "فتح الباري 13/ 355".
2 في ز ع ب: على.
3 ساقطة من ز. وفي ب ع: بـ.
4 الآية 23 من سبأ.
5 في ب: فيقول.
6 ساقطة من ش.
7 في ز: بالسماء. وفي ش ب ع ض: السماء.
8 هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، أبو محمد الأصبهاني، الحافظ، الملقب بأبي الشيخ، العابد القانت، صاحب التصانيف السائرة، كان حافظاً ثبتاً ثقة مأموناً متقناً. ومن مصنفاته: "الأحكام"، و"التفسير". توفي سنة 369 هـ وله 95 سنة.
"انظر: طبقات المفسرين 1/ 240، طبقات القراء 1/ 447، شذرات الذهب 3/ 69، تذكرة الحفاظ 3/ 945".
9 في ض: نواس.
10 روى حديث النواس ابن جرير الطبري وابن خزيمة وابن أبي حاتم والبيهقي.
"انظر: تفسير ابن كثير 5/ 551، تفسير الطبري 22/ 91، الأسماء والصفات 1/ 203".
(2/72)

الْعَاشِرُ: مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ. وَيَقُولُ: "أَلا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ1 وَابْنُ مَاجَهْ2.
الْحَادِيَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ جَابِرٌ. قَالَ: "لَمَّا قُتِلَ أَبِيْ3 يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا جَابِرُ، أَلا أُخْبِرُك بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لأَبِيك"؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: "وَمَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا إلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، إلاَّ أَبَاك. فَكَلَّمَ اللَّهُ أَبَاك
__________
1 هو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخراساني النسائي، أبو عبد الرحمن. وهو القاضي الإمام الحافظ، أحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين. قال الحاكم: "كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال". له مصنفات، منها: "السنن الكبرى"، و"السنن الصغرى"، و"خصائص علي"، و"مسند علي"، و"مسند مالك" وغيرها. مات شهيداً بفلسطين سنة 303هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 14، طبقات القراء 1/ 349، العقد الثمين 3/ 45، وفيات الأعيان 1/ 59، تذكرة الحفاظ 2/ 698، شذرات الذهب 2/ 239، طبقات الحفاظ ص 303، الخلاصة ص 7، حسن المحاضرة 1/ 349".
2 رواه أصحاب السنن وأحمد. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. ويظهر أن النسائي رواه في السنن الكبرى، لأنني لم أجده في السنن الصغرى المطبوعة، ولم يشر عبد الغني المقدسي إلى رواية النسائي له. ورواه البخاري في خلق أفعال العباد.
"انظر: سنن أبي داود 2/ 536، تحفة الأحوذي 8/ 242، سنن ابن ماجه 1/ 73، ومسند أحمد 3/ 390، المستدرك 2/ 612، خلق أفعال العباد ص 13، 28، ذخائر المواريث 1/ 128".
3 هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد يوم أحد. وهو أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهزيمة، وجدع أنفه، وقطعت أذناه، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، وأن الله تعالى كلمه كفاحاً".
"انظر: الإصابة 2/ 350، الاستيعاب 2/ 339، حلية الأولياء 2/ 4".
(2/73)

كِفَاحًا. فَقَالَ: يَا 1 عَبْدَ اللَّهِ تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِك 2. قَالَ: يَا رَبِّ تَرُدُّنِي فَأُقْتَلُ فِيك ثَانِيَةً2. فَقَالَ: سَبَقَ مِنِّي الْقَوْلُ 3: "أَنَّهُمْ إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ 4 ". فَقَالَ: يَا رَبِّ أَخْبِرْ مَنْ وَرَائِي". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ 5 عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} 6.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ7.
الثَّانِيَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَأَ طَهَ وَيس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ الْمَلائِكَةُ 8، قَالَتْ: طُوبَى لأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهِمْ، وَطُوبَى لأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لأَلْسُنٍ تَتَكَلَّمُ بِه ِ9 ".
رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ10.
__________
1 في الإصابة: يا عبدي سلني أعطك. رواه الترمذي. "انظر: الإصابة 2/ 350".
2 في ع: ثانيا.
3 في ض: القول مني.
4 قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} . يس/ 31.
5 في ز: أحياء – الآية. وفي ب ع: أمواتا –الآية. وفي ض: في سبيل الله- الآية.
6 الآية 169 من آل عمران.
7 قال الترمذي: حديث حسن غريب. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". ورواه الإمام أحمد مختصراً.
"انظر: تحفة الأحوذي 8/ 360، سنن ابن ماجه 1/ 68، 2/ 936، خلق أفعال العباد ص 14، مسند أحمد 3/ 361".
8 في مجمع الزوائد: الملائكة القران.
9 في مجمع الزوائد: بهذا.
10 هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، أبو بكر، المحدث الحافظ الكبير، الثبت، إمام الأئمة حفظاً وفقهاً وزهداً، شيخ الإسلام، تفقه على المزني وغيره، وصنف......=
(2/74)

الثَّالِثَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ1، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ 2 عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ".
قَالَ أَبُو نَضْرٍ3: يَعْنِي الْقُرْآنَ.
__________
=وجود واشتهر، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، مصنفاته تزيده عن مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل، توفي سنة 311هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 109، تذكرة الحفاظ 2/ 720، البداية والنهاية 11/ 149، طبقات القراء 2/ 97، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 105، شذرات الذهب 2/ 262، طبقات الحفاظ ص 310".
والحديث رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، ضعفه البخاري بهذا الحديث، ووثقه ابن معين". "مجمع الزوائد 7/ 56". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. وقال ابن عدي: لم أجد لإبراهيم حديثاً أنكر من هذا، لأنه لا يرويه غيره. الموضوعات لابن الجوزي 1/ 110".
1 هو الصحابي صدي بن عجلان بن الحارث، أبو أمامة الباهلي، مشهور بكنيته، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة. أخرج الطبراني أنه شهد أحداً، لكن سنده ضعيف، وهو ممن بايع تحت الشجرة. وقال ابن حبان: كان مع علي بصفين، سكن مصر ثم انتقل إلى حمص، فسكنها ومات فيها، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، توفي سنة 86هـ، وله 106 سنوات.
"انظر: الإصابة 2/ 182، الاستيعاب 4/ 4، تهذيب الأسماء 2/ 176، شذرات الذهب 1/ 96، الخلاصة ص 464".
ولفظة الباهلي ساقطة من ز ع ض.
2 في ز ع ض ب: ليدور.
3 في ش ز ع ب ض: أبو نصر، وهو تصحيف. وقد نص الترمذي عليه، فروى الحديث عن أبي النضر عن بكر بن خنيس. "انظر: تحفة الأحوذي 8/ 229".
وأبو النضر هو سعيد بن أبي عَرُوبة مهران العدوي مولاهم، البصري، الحافظ العالم، شيخ البصرة في زمانه. روى عنه الأعمش وشعبة والثوري وابن المبارك. ولم يكن له كتاب، إنما كان يحفظ ذلك. وقال أبو حاتم: قبل أن يختلط ثقة. وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وكان يقول بالقدر سراً. توفي سنة 156هـ.
"انظر: ميزان الاعتدال 2/ 151، المعارف ص 508، شذرات الذهب 1/ 239، الخلاصة ص 141، طبقات الحفاظ ص 78، تذكرة الحفاظ 1/ 177".
(2/75)

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا بِلَفْظِ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ ... " وَسَاقَهُ أَيْضًا1 مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ2.
الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ عُثْمَانُ3 عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: "فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ، كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ".
__________
1 ساقطة من ش.
2 رواه أحمد والترمذي. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" موقوفاً على خباب بن الأرت، ثم قال: "مع أن هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وقال المباركفوري: وفي سنده بكر بن خنيس وهو متكلم فيه".
وقوله: "بأفضل مما خرج منه"، يعني بأفضل من القرآن، وخرج منه، أي ظهر لنا كظهور الشيء من الشيء. وقيل: الضمير في "منه" عائد إلى العبد. وخروجه منه وجوده على لسانه محفوظاً في صدره، مكتوباً بيده، والمقصود أنه لا يوجد شيء من العبادات يتقرب العبد به إلى الله ويجعله وسيلة له أفضل من القرآن.
"انظر: تحفة الأحوذي 8/ 229، 230، مسند أحمد 5/ 268، فيض القدير 5/ 416، خلق أفعال العباد ص 13، 65".
3 هو عثمان بن عفان بن أبي العاص، القريشي الأموي، أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين، أبو عبد الله، ذو النورين، أسلم قديماً عندما دعاه أبو بكر إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة بزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد وفاته رقية تزوج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى له 146 حديثاً. بويع بالخلافة سنة 24 هـ. وفتح في عهده شمال أفريقيا وفارس. وهو أحد المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان جواداً في سبيل الله، قتل شهيداً سنة 35هـ، ومناقبه كثيرة.
"انظر: الإصابة 2/ 462، الاستيعاب 3/ 69، تهذيب الأسماء 1/ 321، شذرات الذهب 1/ 40، الخلاصة ص 261، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ص 142، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 147".
(2/76)

رَوَاهُ الْحَافِظُ أَيْضًا بِسَنَدِهِ1.
وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ 2عَلَى جِنَازَةٍ2 فَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ اغْفِرْ لَهُ3. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "اُسْكُتْ. فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ بِمَرْبُوبٍ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ4".
الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو5 شُرَيْحٍ6. قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا، أَلَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي
__________
1 لعله الحافظ ضياء الدين المقدسي الذي مرت ترجمته صفحة 64، أو الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وهو المراد إذا أطلق الحافظ عند علماء الحديث. ورواه أبو يعلى في "معجمه" والبيهقي عن أبي هريرة. ورواه الترمذي في آخر حديث: "من شغله القرآن عن ذكري". ورواه البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي موقوفاً عليه في كتابه "خلق أفعال العباد". وأشار إلى تضعيفه فقال: "لو صح هذا الخبر لم يكن فيه...." وقال ابن حجر: "وخرجه ابن عدي بسند ضعيف". ورواه الدارمي عن شهر بن حوشب. ورواه أحمد في كتاب "السنة" عن الحسن، وعن أبي هريرة.
"انظر: تحفة الأحوذي 8/ 244، فيض القدير 4/ 434، الفتح الكبير 2/ 268، خلق أفعال العباد ص 13، 65، السنة ص 22، سنن الدارمي 2/ 441، فتح الباري 13/ 352".
2 ساقطة من ز ش ب د ض.
3 في ش: لي.
4 وهو ما رواه الإمام أحمد عن وكيع "السنة ص 25"، ومرت الإشارة إليه صفحة 20. ومعنى "منه خرج أو بدأ" أن الله تعالى أمر به ونهى. "وإليه يعود" أي هو الذي يسأل العبد عما أمره وعما نهاه. وقال الطيبي: معنى قوله: "منه بدأ" أنه أنزله على الخلق ليكون حجة لهم وعليهم. ومعنى قوله: "إليه يعود" أن مآل أمر وعاقبته من حقيقته في ظهور صدق ما نطق به من الوعد والوعيد إليه تعالى.
"انظر فيض القدير 5/ 416، شرح الكافية 1/ 29، 205".
5 ساقطة من ز.
6 هو الصحابي خويلد بن عمرو، أبو شريح الخزاعي ثم الكعبي، أسلم قبل الفتح، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح. قال الواقدي: كان أبو شريح الخزاعي من عقلاء المدينة. وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة. وعندما جهز عمرو بن سعيد أمير المدينة البعث إلى مهاجمة مكة في عهد يزيد بن معاوية، جاءه أبو شريح وحذره من ذلك. رُوِيَ له عشرون حديثاً. ومات بالمدينة سنة 68هـ.
"انظر: الإصابة 4/ 101، الاستيعاب 4/ 101، تهذيب الأسماء 2/ 242، الخلاصة ص 452، شذرات الذهب 1/ 76".
(2/77)

رَسُولُ اللَّهِ؟ ", فَقَالُوا1: بَلَى. فَقَالَ2: "فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ، طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ. فَتَمَسَّكُوا بِهِ. فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا" 3.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ4.
وَرَوَى مَعْنَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ5 فِي "الصَّحِيحِ" "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ
__________
1 في ز ع ب ض: قالوا.
2 في ع ض: قال.
3 رواه الطبراني عن جبير. "انظر: الفتح الكبير 1/ 17".
4 هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم، أبو بكر، الحافظ، الحجة، الثبت، النحرير، العبسي مولاهم، الكوفي. قال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة؛ فأبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه. وقد صنف ابن أبي شيبة تصانيف كثيرة، منها: "المسند"، و"المصنف"، و"الأحكام"، و"التفسير"، و"السنن"، و"التاريخ"، و"الفتوح". مات سنة 235هـ.
انظر ترجمته في "طبقات المفسرين 1/ 246، طبقات الحفاظ ص 189، ميزان الاعتدال 2/ 490، تذكرة الحفاظ 2/ 432، تاريخ بغداد 10/ 66، البداية والنهاية 10/ 315، شذرات الذهب 2/ 85، الخلاصة ص 212، الفهرست ص 320".
5 هو سليمان بن داود بن الجارود البصري، أبو داود الطيالسي الحافظ، أحد الأعلام. قال الخطيب: "كان حافظاً مكثراً ثقة ثبتاً". وقال ابن المديني: "ما رأيت أحداً أحفظ من أبي داود". وقال أبو حاتم: "أبو داود محدث صدوق كثير الخطأ"، وهو صاحب "المسند". ماب بالبصرة سنة 203هـ، وقيل سنة 204هـ.
انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال 2/ 203، تذكرة الحفاظ 1/ 351، تاريخ بغداد 9/ 24، الخلاصة ص 151، طبقات الحفاظ ص 149، شذرات الذهب 2/ 12".
وفي ض: والطيالسي.
(2/78)

سَيُكَلِّمُهُ 1 رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" 2.
وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ تَبْلُغُ3 نَحْوَ الثَّلاثِينَ وَارِدَةٌ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ4، بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا حِسَانٌ، وَيُحْتَجُّ بِهَا أَخْرَجَهَا الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ غَالِبَهَا، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَخْرَجَ غَالِبَهَا أَيْضًا ابْنُ حَجَرٍ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ5". وَاحْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. وَقَدْ صَحَّحُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَاعْتَقَدُوهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا، مُنَزِّهِينَ اللَّهَ6 عَمَّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْحُدُوثِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالُوا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ7.
فَإِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ مَا يُقَدَّرُ 8عُشْرَ مِعْشَارِ هَؤُلاءِ5 يَقُولُ9: لَمْ يَصِحَّ
__________
1 في ز ش: سيكلم.
2 هذا طرف من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد عن عدي بن حاتم.
"انظر: صحيح البخاري 2/ 54، 4/ 287، صحيح مسلم 2/ 702، تحفة الأحوذي 7/ 98، سنن ابن ماجه 1/ 66، مسند أحمد 4/ 256، السنة للإمام أحمد ص 43، الفتح الكبير 3/ 124، منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود 2/ 232.
3 في ز ع ب: تبلغ هذه.
4 جاء في "شرح الكافية": "وقد رُوي في إثبات الحرف والصوت أحاديث تزيد عن أربعين حديثاً، بعضها صحاح، وبعضها حسان، ويحتج بها، أخرجها الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي وغيره. وأخرج أحمد غالبها...." ونقل ما ذكره المصنف أعلاه. "شرح الكافية 1/ 229".
5 فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 352.
6 في ز ع ب: لله.
7 انظر: فتح الباري 13/ 356، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 74، وقارن ما جاء في "فواتح الرحموت 2/ 7".
8 في ض: قدر معشارهم.
9 في ز: يقوله.
(2/79)

عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ وَاحِدٌ1 أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ. وَرَأَيْنَا2 هَؤُلاءِ الأَئِمَّةَ أَئِمَّةَ الإِسْلامِ الَّذِينَ اعْتَمَدَ أَهْلُ الإِسْلامِ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَعَمِلُوا بِهَا وَدَوَّنُوهَا وَدَانُوا3 اللَّهَ بِهَا صَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لا يُشْبِهَانِ صَوْتَ مَخْلُوقٍ وَلا حَرْفَهُ بِوَجْهٍ أَلْبَتَّةَ. مُعْتَمَدِينَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْصُومِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى4، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ الْجَازِمِينَ بِهِ، الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ وَلا وَهْمٌ وَلا خَيَالٌ: نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ وَالتَّكْيِيفِ5، وَأَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي صِفَةِ الْكَلامِ كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ6 تَعَالَى، مِنْ النُّزُولِ وَالاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَغَيْرِهَا7، كَمَا قَالَهُ سَلَفُ الأُمَّةِ، مَعَ إثْبَاتِهِمْ لَهَا. {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ} 8، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 9.
وَذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ السِّجِسْتَانِيُّ - رَادًّا عَلَى مُنْكِرِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ - عَنْ
__________
1 في ب ز ش: والحق.
2 في ض: ورأيت.
3 في ع: لله.
4 هذا اقتباس من قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى} . النجم/ 3-4.
5 انظر: فتح الباري 13/ 356، مجموعة الرسائل والمسائل 2/ 153.
6 في ع: التي لله.
7 انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص 420، 465. التعرف لمذهب أهل التصوف ص 14 وما بعدها.
8 الآية 32 من يونس.
9 الآية 40 من النور.
(2/80)


الزُّهْرِيِّ1 عَنْ أَبِي بَكْرِ "بْنِ" 2 عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ3 عَنْ جَرِيرٍ4 عَنْ كَعْبٍ5 أَنَّهُ قَالَ: "لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِالأَلْسِنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ،
__________
1 هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، الزهري، أبو بكر المدني التابعي، أحد الأعلام، نزل الشام. روى عن الصحابة والتابعين. رأى عشرة من الصحابة، وكان من أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقاً لمتون الأخبار، فقيهاً فاضلاً، ينسب إلى جد جده "شهاب". وكان يأتي دور الأنصار فلا يبقي فيها شابًّا إلا سأله، ولا كهلاً، ولا أنثى ولا عجوزاً إلا سأله. قال الشيرازي: "كان أعلمهم بالحلال والحرام". توفي سنة 124هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص 42، تذكرة الحفاظ 1/ 108، طبقات الفقهاء ص 63، حلية الألياء 3/ 360، طبقات القراء 2/ 262، وفيات الأعيان 3/ 317، شذرات الذهب 1/ 162، الخلاصة ص 359، تهذيب الأسماء 1/ 90".
2 ساقطة من جميع النسخ، ولا بد من إضافتها.
3 هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث القرشي المخزومي، المدني التابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، واسمه كنيته في الصحيح. قال النووي: "وكان ثقة عالماً عاقلاً سخياً كثير الحديث". وكان يقال له راهب قريش، لفضله وكثرة صلاته. واستصغر يوم الجمل، فردَّ هو وعروة بن الزبير، وذهب بصره بعد، وكان هو وإخوته ثقات جلة، يضرب بهم المثل. دخل مغتسله فمات فجأة فيه سنة 94هـ بالمدينة.
انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء 2/ 194، وفيات الأعيان 1/ 253، مشاهير علماء الأمصار ص 65، تذكرة الحفاظ 1/ 63، طبقات الحفاظ ص 24، طبقات الفقهاء 47، 59، 61، المعارف ص 282، نكت الهميان ص 131، الخلاصة ص 444".
4 في ش ز: بن. وهو خطأ.
5 هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً، وأسلم في خلافة أبي بكر أو عمر. وقيل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. والراجح أن إسلامه كان في خلافة عمر. وكان مسكنه في اليمن، ثم قدم المدينة، ثم أتى الشام فمات بحمص سنة 32هـ، وقيل غير ذلك. وكان على دين اليهود، وكان عنده علم كثير، وكان يقص على الناس ثم أمسك حتى أمره معاوية بذلك. وذكره معاوية فقال: "إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين عند أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب". أخرجه البخاري. وأوّله بعضهم بأن مراده بالكذب عدم وقوع ما يخبر به أنه سيقع، لا أنه يكذب. توفي سنة 32هـ بحمص، وقيل سنة 35هـ.
انظر ترجمته في "الإصابة 3/ 315، الخلاصة ص 321، تهذيب الأسماء 2/ 68، مشاهير علماء الأمصار ص 118، شذرات الذهب 1/ 40".
(2/81)

فَطَفِقَ مُوسَى يَقُولُ: وَاَللَّهِ يَا رَبِّ مَا أَفْقَهُ هَذَا، حَتَّى كَلَّمَهُ بِلِسَانِهِ آخِرَ الأَلْسِنَةِ1 بِمِثْلِ صَوْتِهِ.
قَالَ: وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ2. رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ3 وَالزُّبَيْدِيُّ4 وَمَعْمَرٌ5 وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ6.
__________
1 في ع: الألسنة كلها.
2 روى هذا الحديث الطبريُّ بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: أخبرني جزْءُ بن جابر الخثعمي، قال: سمعت كعباً يقول...." "تفسير الطبري 6/ 29". وهذا السند يتفق مع ما أثبتناه أعلاه، مع استبدال جَزْء بن جابر بجرير.
3 هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، واسم جده محمد، روى عنه أبو داود وابن ماجه، وذكره ابن حبان في الثقات.
"انظر: الخلاصة ص 345، 477، ميزان الاعتدال 3/ 595، لسان الميزان 5/ 218، التاريخ الكبير 1/ 126".
4 هو محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْديّ، أبو الهذيل الحمصي القاضي. روى عن الزهري ونافع وخلق. قال الأوزاعي: "لم يكن من أصحاب الزهري أثبت من الزبيدي". وقال ابن سعد: "كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث". وهو من أتباع التابعين, والحفاظ المتقنين، والفقهاء في الدين. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. توفي سنة 148، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص 77، مشاهير علماء الأمصار ص 182، الخلاصة ص363، تذكرة الحفاظ 1/ 162، طبقات الحفاظ ص 71، شذرات الذهب 1/ 224".
5 هو مَعْمَر بن راشد الأزدي الحراني البصري، أبو عروة، نزيل اليمن. روى عن الأعمش ومحمد بن المنكدر وقتادة والزهري وخلق. قال ابن حبان: "كان فقيهاً متقناً، حافظاً ورعاً". وهو أول من ارتحل إلى اليمن في طلب الحديث، فلقي بها همام بن منبه، وله "الجامع" المشهور في السير. وهو أقدم من "الموطأ". له أوهام احتملت له في سعة ما أتقن. توفي سنة 152هـ.
انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال 4/ 154، مشاهير علماء الأمصار ص 192، شذرات الذهب 1/ 235، تذكرة الحفاظ 1/ 190, الخلاصة ص 384، طبقات الحفاظ ص 82".
6 هو يونس بن يزيد الأيلي، الأموي مولاهم، أبو يزيد الرقاشي. روى عن.......=
(2/82)

وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ1، وَهُمْ أَئِمَّةٌ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ2.
وَقَوْلُهُ "بِمِثْلِ صَوْتِهِ" مَعْنَاهُ: أَنَّ مُوسَى حَسِبَهُ مِثْلَ صَوْتِهِ فِي تَمَكُّنِهِ مِنْ سَمَاعِهِ وَبَيَانِهِ عِنْدَهُ، وَيُوَضِّحُهُ قَوْله تَعَالَى: "لَوْ كَلَّمْتُك بِكَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا وَلَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ3".
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: أَنَّ أَبَاهُ أَبَا يَعْلَى: ذَكَرَ فِي "الْمُرْتَضَى مِنْ
__________
= الزهري ونافع وجماعة. وروى عنه ابن وهب والأوزاعي والليث. قال ابن العماد: "صاحب الزهري، وأوثق أصحابه، وهو حجة ثقة". وقال ابن مهدي: "كتابه صحيح". لكن الإمام أحمد استنكر له أحاديث، مات بالصعيد بمصر سنة 159هـ.
انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال 4/ 484، تذكرة الحفاظ 1/ 162، طبقات الحفاظ ص 71، الخلاصة ص 441، شذرات الذهب 1/ 233، حسن المحاضرة 1/ 345".
1 هو شعيب بن أبي حمزة دينار، الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي. روى عن الزهري ونافع وابن المنكدر. أحد الأثبات المشاهير. قال يحيى بن معين: "هو أثبت الناس في الزهري". روى عن الزهري 1600 حديث. قال أحمد بن حنبل: "رأيت كتبه وقد ضبطها وقيّدها". وهو ممن صنف في العبادة. وذكر ابن سعد والسيوطي أن اسم أبي دينار حمزة. وقال الذهبي وابن العماد: "إن أبا حمزة هو ابن دينار". مات شعيب سنة 163هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص 94، تذكرة الحفاظ 1/ 221، الخلاصة ص 166، العبر 1/ 242، شذرات الذهب 1/ 257، طبقات ابن سعد 7/ 468 ط صادر".
وفي ش ض: ابن أبي ضمرة. وهو تصحيف.
2 انظر تفسير الطبري 6/ 29، الأسماء والصفات 1/ 189 وما بعدها.
3 يظهر أن هذا الخبر من الإسرائيليات، وأن قوله تعالى: "لو كلمتك بكلامي ... " من التوراة. وليس من القرآن الكريم يقيناًَ. وقد روى البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ... } ... الآية". رواه أبو داود في سننه.
"انظر: صحيح البخاري 4/ 307، تفسير الطبري 6/ 29، سنن أبي داود 2/ 286".
(2/83)

الدَّلائِلِ": أَنَّ الْقَادِرَ بِاَللَّهِ1 جَمَعَ الْعُلَمَاءَ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ. وَكَتَبَ رِسَالَةً فِي الاعْتِقَادِ، وَقُرِئَتْ عَلَى الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ وَأَقَرُّوا بِهَا. وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ عَلَيْهَا. وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ2 اعْتِقَادٌ إلاَّ هَذَا، وَقُرِئَتْ مِرَارًا فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ، وَفِيهَا:
"أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ تَكَلَّمَ بِهِ تَكَلُّمًا، وَأَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ. فَتَلاهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَلاهُ مُحَمَّدٌ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَتَلاهُ أَصْحَابُهُ عَلَى الأُمَّةِ، وَلَمْ يَصِرْ بِتِلاوَةِ الْمَخْلُوقِينَ لَهُ مَخْلُوقًا؛ لأَنَّ ذَلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ3"، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ4.
وَحَكَى ابْنُ حَجَرٍ الإِجْمَاعَ مِنْ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ5 مَخْلُوقٍ، تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ، وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إلَى أُمَّتِهِ6.
__________
1 هو أحمد بن إسحاق بن جعفر، أبو العباس الخليفة العباسي، القادر بالله. بويع له بالخلافة سنة 381هـ، وكان غائباً. قال الخطيب: "كان له من الشعر والديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل والصدقات، مع حسن المذهب وحسن الاعتقاد، تفقه على المذهب الشافعي". وصنف كتاباً في "الأصول" ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب أهل الحديث، وأورد فيه فضائل عمر بن عبد العزيز، وكان الكتاب يقرأ كل جمعة، وفيه تكفير المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وهو أطول الخلفاء العباسيين مدة في الخلافة، إذ استمر فيها 41 سنة. توفي سنة 422هـ.
"انظر: تاريخ الخلفاء ص 411، شذرات الذهب 3/ 221، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 5، تاريخ بغداد 4/ 37".
2 ساقطة من د ب.
3 وجاء في تتمة الكلام أيضاً: "فهو غير مخلوق في كل حال، متلوًّا ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً. "انظر مقالات الإسلاميين، المقدمة 1/ 27، التعرف لمذهب أهل التصوف ص 18".
4 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 61، 123، مقالات الإسلاميين 1/ 26، التعرف ص 18 وما بعدها.
5 في ض: وغير.
6 فتح الباري 13/ 357، وانظر مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 23.
(2/84)

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "صَيْدِ الْخَاطِرِ": "نَهَى الشَّرْعُ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا يُثِيرُ غُبَارَ شُبْهَةٍ، وَلا يَقْوَى عَلَى قَطْعِ طَرِيقِهِ إقْدَامُ الْفَهْمِ. وَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ1 الْخَوْضِ فِي الْقَدَرِ. فَكَيْفَ يُجِيزُ الْخَوْضَ فِي صِفَاتِ الْمُقَدِّرِ؟ وَمَا ذَاكَ2 إلاَّ لأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا لِخَوْفِ إثَارَةِ شُبْهَةٍ تُزَلْزِلُ الْعَقَائِدَ، أَوْ لأَنَّ قُوَى الْبَشَرِ تَعْجِزُ عَنْ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ3".
وَاسْتُدِلَّ لأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَبْدِ اللَّهِ4 وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ5 وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْحَدِيثِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآثَارِ وَالْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ.
__________
1 في ب ز ض: أهل.
2 في ش ز: ذلك. والأعلى من ب ع ض، ومن صيد الخاطر.
3 صيد الخاطر ص 184. وانظر: نفس المرجع ص 181.
4 هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام. قال ابن العماد: "الإمام العالم الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب ... ذو التصانيف النافعة، والرحلة الواسعة، جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر وفصاحة العرب، مع قيام الليل والعبادة". وكان رحمه الله يحج عاماً ويغزو عاماً. وكانت له تجارة واسعة ينفق معظمها على الفقراء. قال ابن مهدي: "الأئمة أربعة: سفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك". له مصنفات كثيرة، منها: "السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، و"الزهد"، و"الجهاد". مات عند منصرفه من الغزو سنة 181هـ بهيت بالعراق.
انظر ترجمته في "تاريخ بغداد 10/ 152، تذكرة الحفاظ 1/ 274، حلية الأولياء 8/ 162، الديباج المذهب 1/ 407، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 134، طبقات الحفاظ ص 117، طبقات القراء 1/ 446، طبقات المفسرين 1/ 243، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 94، المعارف ص 511، مشاهير علماء الأمصار ص 194، الخلاصة ص 211، وفيات الأعيان 2/ 236، الفهرست ص 319، تهذيب الأسماء 1/ 285".
5 هو عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد الدارمي السجستاني، الإمام الحافظ الحجة، محدث هراة، جمع بين الحديث والفقه، وكان ثقة حجة ثبتاً، وله تصانيف كثيرة. قال أبو زرعة: "رُزِق حسن التصنيف". ومن مصنفاته: "سؤالات في الرجال"، و"المسند" الكبير، و"الرد على الجهمية". وقال أبو الفضل الجارودي: "كان إماماً يقتدى به في حياته وبعد مماته". مات سنة 280هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 2/ 621، البداية والنهاية 11/ 69، طبقات الحفاظ ص 274، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 302، طبقات الحنابلة 1/ 221".
(2/85)

وَتَوَلُّدُهُ تَنَوُّعُهُ إلَى مَاضٍ وَأَمْرٍ وَمُضَارِعٍ وَمُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ، وَمَصْدَرٍ وَقَوْلٍ 1وَأَدَاةِ تَأْكِيدٍ6 وَغَيْرِ ذَلِكَ عَنْ "تَكْلِيمًا".
وَالْمُنَادَاةُ وَالْمُنَاجَاةُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ لا تُرْجُمَانَ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ الْبَشَرِ حَقِيقَةً لا يَقَعُ إلاَّ لِلأَصْوَاتِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ غَيْرَ الصَّوْتِ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَسْمَعَهُ مَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الْبُنْيَةِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} 2 وَالنِّدَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ، لا يَكُونُ إلاَّ بِصَوْتٍ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ اللَّهِ وَلا رُسُلِهِ3، وَلا عَنْ4 غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ غَيْرُ صَوْتٍ. وَكَلَّمَ مُوسَى بِلا وَاسِطَةٍ إجْمَاعًا.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِ طَهَ:، "قَالَ وَهْبٌ5: وَ6نُودِيَ مِنْ الشَّجَرَةِ فَقِيلَ:
__________
1 في ب: وإرادة وتأكيد.
2 الآية 11 من طه. وفي ز ع ب ض: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ} [الآية] .
3 في ض: رسوله.
4 ساقطة من ب ع ض.
5 هو وهب بن مُنَبِّه، أبو عبد الله الصنعاني اليماني، التابعي، صاحب الأخبار والقصص. كانت له معرفة بأخبار الأوائل وأحوال الأنبياء، وسير الملوك. وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين، وتاريخ الأمم، وصنف كتاباً في ذكر ملوك حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم. وهو من أبناء الفرس الذين قدموا إلى اليمن. وله إخوة منهم: همام بن منبه، وهو أكبر من وهب. ولي وهب القضاء لعمر بن عبد العزيز. وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. توفي بصنعاء سنة 110هـ، وقيل سنة 114، 116.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 5/ 88، طبقات الحفاظ ص 41، تذكرة الحفاظ 1/ 100، تهذيب الأسماء 2/ 149، حلية الأولياء 4/ 23، المعارف ص 459، الخلاصة ص 419، شذرات الذهب 1/ 150، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 74".
6 ساقطة من ع ض.
(2/86)

يَا مُوسَى. فَأَجَابَ سَرِيعًا -لاَ1 يَدْرِي مَنْ دَعَاهُ-. فَقَالَ: إنِّي أَسْمَعُ صَوْتَك وَلا أَرَى مَكَانَك. فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فَوْقَك وَمَعَك وَأَمَامَك وَخَلْفَك، وَأَقْرَبُ إلَيْك مِنْ نَفْسِك. فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي إلاَّ لِلَّهِ. فَأَيْقَنَ بِهِ2.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي قِصَّةِ مُوسَى: إنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّارَ هَالَتْهُ وَفَزِعَ مِنْهَا. فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا مُوسَى. فَأَجَابَ سَرِيعًا اسْتِئْنَاسًا بِالصَّوْتِ. فَقَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، أَسْمَعُ صَوْتَك وَلا أَرَى مَكَانَك. فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: فَوْقَك وَأَمَامَك وَوَرَاءَك، وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك. فَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِلَّهِ. قَالَ: فَكَذَلِكَ أَنْتَ يَا إلَهِي، كَلامَك أَسْمَعُ أَمْ كَلامَ رَسُولِك؟ قَالَ: بَلْ كَلامِي يَا مُوسَى. وَقَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: بِمَ شَبَّهْتَ صَوْتَ3 رَبِّك؟ قَالَ: إنَّهُ لا شَبَهَ لَهُ.
وَرُوِيَ: أَنَّ مُوسَى لَمَّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهُمْ، لِمَا وَقَرَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلأَنَّ حَقِيقَةَ التَّكَلُّمِ وَالْمُنَادَاةِ4 وَالْمُنَاجَاةِ شَيْءٌ تَوَارَدَتْ الأَخْبَارُ5 وَالآثَارُ بِهِ. فَمَا إنْكَارُهُ إلاَّ عِنَادٌ وَاتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَصُدُوفٌ عَنْ الْحَقِّ، وَتَرْكٌ لِلصِّرَاطِ6 الْمُسْتَقِيمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى لا يُفَارِقُ ذَاتَ اللَّهِ، وَلا يُبَايِنُهُ كَلامُهُ، وَلا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ، بَلْ لَيْسَ صِفَةُ شَيْءٍ مِنْ
__________
1 في ز ش ب ع ض: ما. وما أثبتناه في الأعلى من تفسير البغوي.
2 تفسير البغوي 4/ 265. وانظر: تفسير الخازن 4/ 265.
3 في ض: كلام.
4 ساقطة من ض.
5ساقطة من ض.
6 في ب ز ع ض: الصراط.
(2/87)

مَوْصُوفٍ تُبَايِنُ مَوْصُوفَهَا وَتَنْتَقِلُ عَنْهُ1 إلَى غَيْرِهِ. فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبَايِنُهُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ؟
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: كَلامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ "أَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ، وَمِنْهُ خَرَجَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ" نَصًّا مِنْهُ، وَمِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، أَوْ2 الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُبَايِنُهُ3 وَانْتَقَلَ عَنْهُ4.
وَقَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلامَ الْمَخْلُوقِ لا يُبَايِنُ مَحَلَّهُ5.
قَالَ أَحْمَدُ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ6.
وَقَالَ: مِنْهُ بَدَأَ عِلْمُهُ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ حُكْمُهُ.
وَقَالَ تَارَةً: مِنْهُ خَرَجَ، وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ7.
وَقَالَ تَارَةً: الْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ جَلَبَةَ8، مِنَّا. يَعْنِي: عَلَى حَدِّ حَقِيقَةِ الْعُلُومِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى
__________
1 ساقطة من ب ز ع ض.
2 في ض: و.
3 في ش: باينه.
4 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 52، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 35.
5 انظر: مسائل الإمام أحمد ص 266.
6 انظر فتاوى ابن تيمية 2/ 517.
7 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 40، 235، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 37.
8 هو عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة البغدادي، ثم الحراني، أبو الفتح، قاضي حران. تفقه في بغداد على القاضي أبي يعلى، ثم ولاه القضاء بحران. قال العليمي: "وكان فقيهاً واعظاً فصيحاً، كتب الكثير من مصنفات القاضي، وكان ناشراً للمذهب، داعياً إليه، وكان مفتي حران وواعظها وخطيبها ومدرسها". له مصنفات كثيرة، منها: "مختصر المجرد"، و"رؤوس المسائل"، و"أصول الفقه"، و"أصول الدين"، و"كتاب النظام بخصال الأقسام". قتل مع ولديه وجماعة، وصلبوا على يد ابن قريش العقيلي الرافضي لما أظهر سب السلف، فأنكروا عليه ذلك سنة 476هـ. وسماه ابن العماد: "عبد الله بن أحمد".
انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة 2/ 245، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 42، المنهج الأحمد 2/ 146، شذرات الذهب 3/ 352".
وفي ش: ابن جلية. وفي الهامش: كذا في الأصل. وفي ض: ابن جلية.
(2/88)

اللَّهِ، وَارْتِفَاعُ الْقُرْآنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً عَنْ النَّاسِ، وَتَرْتَفِعُ تِلاوَتُهُ وَأَحْكَامُهُ. فَيَعُودُ إلَى اللَّهِ حَقِيقَةً بِهِمَا1.
وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: "الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ".
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ2: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ3 يَقُولُ: أَدْرَكْت
__________
1 انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 44.
2 هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، الكوفي، ثم المكي، الهلالي مولاهم، أبو محمد. وهو من تابعي التابعين. قال النووي: "روى عنه خلائق لا يحصون من الأئمة، واتفقوا على إمامته وجلالته وعظم مرتبته، ولم يكن له كتب، وحجّ سبعين حجة، ومناقبه كثيرة مشهورة". وكان إماماً مجتهداً حافظاً وشيخ الحجاز، وكان ورعاًَ زاهداً واسع العلم، كبير القدر، توفي بمكة سنة 198هـ، ودفن بالحجون.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 1/ 262، تاريخ بغداد 9/ 174، حلية الأولياء 7/ 270، طبقات القراء 1/ 308، طبقات المفسرين 1/ 190، طبقات الحفاظ ص 113، وفيات الأعيان 2/ 129، الخلاصة ص 145، تهذيب الأسماء 1/ 224، شذرات الذهب 1/ 354، ميزان الاعتدال 2/ 170، الفهرست ص 316".
3 هو عمرو بن دينار، أبو محمد الجُمَحي مولاهم، المكي التابعي. قال النووي: "وأجمعوا على جلالته وإمامته وتوثيقه، وهو أحد أئمة التابعين وأحد المجتهدين أصحاب المذاهب". روى عن جابر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم. وروى عنه شعبة والحمادان والسفيانان وقتادة وغيرهم. وكان عالم مكة، وكان مولى، ولكن شرفه بالعلم. وقال عنه سفيان ين عيينة: هو ثقة ثقة ثقة ثقة أربع مرات. وقال: وحديث أسمعه من عمرو أحبّ إليّ من عشرين من غيره. توفي سنة 126هـ.
انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/ 113، طبقات الفقهاء ص 70، طبقات الحفاظ ص 43، تهذيب الأسماء 2/ 27، طبقات القراء 1/ 600، الخلاصة ص 288، المعارف ص 468، شذرات الذهب 1/ 171.
(2/89)

مَشَايِخَنَا وَالنَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ 1".
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ2 أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّكُمْ لَنْ تَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ - يَعْنِي الْقُرْآنَ" 3.
__________
1 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 505، السنة ص 25، شرح الكافية 1/ 205.
2 هو الصحابي خباب بن الأرت بن جندلة التميمي، ويقال الخزاعي، أبو عبد الله. سبي في الجاهلية، فبيع في مكة، وحالف بني زهرة، وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ويألفه رسول الله، وكان من السابقين الأولين، أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه مع أبي بكر وعمار، وكان من المستضعفين، وعذب عذاباً شديداً لأجل ذلك، ثم شهد المشاهد كلها. روى الطبراني قال: "لما رجع علي من صفين مر بقبر خباب فقال: رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره". وكان يعمل السيوف. مات سنة 37 هـ. وهو أول من دفن بظهر الكوفة.
"انظر: الإصابة 1/ 416، الاستيعاب 1/ 423، تهذيب الأسماء 1/ 174، شذرات الذهب 1/ 47، الخلاصة ص 104".
3 رواه الترمذي عن جبير بن نفير أيضاً بلفظ: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه...." ورواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي في "المسند". ورواه عن جبير في "الزهد"، وفي سنده بكر بن خنيس، وهو متكلم فيه. ورواه أحمد في "السنة". ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" عن خباب بن الأرت موقوفاً عليه، ثم قال: هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وقد مر صفحة 75.
"انظر: تحفة الأحوذي 8/ 230، مسند أحمد 5/ 268، السنة ص 17، 20، فيض القدير 2/ 552، خلق أفعال العباد ص 13، 65".
(2/90)

وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمَقْرُوءُ، وَالتِّلاوَةَ هُوَ الْمَتْلُوُّ1.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا. فَإِنَّمَا أَرَادَ حَسْمَ الْمَادَّةِ، لِئَلاَّ يَتَدَرَّجَ أَحَدٌ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. كَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. حَسْمًا لِلْمَادَّةِ2. اهـ. وَإِلاَّ فَلا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ ظَاهِرٌ3.
وَقَالَ مَالِكٌ الصَّغِيرُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ4: "إنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ. وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِذَاتِهِ، وَأَسْمَعَهُ كَلامَهُ، لا كَلامًا قَامَ فِي غَيْرِهِ" اهـ.
__________
1 انظر: فواتح الرحموت 2/ 6، الإنصاف للباقلاني ص 112، فتاوى ابن تيمية 12/ 75، 211، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 23، فتح الباري 13/ 391، 397.
2 قال البخاري: "من نقل عني أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: إن أفعال العباد مخلوقة". "انظر: فتح الباري 13/ 387" وانظر: صيد الخاطر لابن الجوزي ص 102، السنة ص 29، فتاوى ابن تيمية 12/ 242.
3 بين الحافظ ابن حجر الفرق بين هذه الأمور فقال: "إن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ، بخلاف المقروء، فإنه كلام الله القديم، كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله، والمذكور هو الله سبحانه وتعالى قديم". "فتح الباري 13/ 385". ثم نقل كلام البخاري في "خلق أفعال العباد" أنه قال: "القرآن مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على الألسنة، فالقراءة والحفظ والكتابة مخلوقة، والدليل عليه أنك تكتب "الله" وتحفظه وتدعوه، فدعاؤك وحفظك وكتابتك وفعلك مخلوق، والله هو الخالق. "فتح الباري 13/ 387-388".
وانظر: فتح الباري 13/ 391، 397، فواتح الرحموت 2/ 6، فتاوى ابن تيمية 12/ 74، 170، 424 وما بعدها، مجموعة الرسائل والمسائل 23/ 24.
4 هو أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن، وكنية عبد الرحمن أبو زيد، نفري النسب، سكن القيروان، وكان إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله، وكان واسع العلم، كثير الحفظ والرواية، يقول الشاعر ويجيده مع الصلاح والورع، وهو الذي لخص المذهب ونشره، فكان يعرف: بمالك الصغير. وكان سريع الانقياد للحق والرجوع إليه. ومن مصنفاته: "مختصر المدونة"، و"النوادر الزيادات على المدونة"، و"الاقتداء بأهل المدينة"، و"الرسالة"، و"التنبيه"، و"المناسك"، و"الذب عن مذهب مالك". توفي سنة 386 هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 1/ 127، شجرة النور الزكية ص 96، الفهرست ص 283، شذرات الذهب 3/ 131".
(2/91)

وَ1قَالَ الطَّحَاوِيُّ2: "إنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ بِلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلاً. وَأَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَحْيًا وَصَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ3"، وَهُوَ صَرِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ 4بْنُ خُزَيْمَةَ5 - مِنَّا - لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا، وَلا مِثْلَ لِكَلامِهِ، وَاسْتَصْوَبَاهُ. وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلامُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُلُّهُ مَجَازٌ لا حَقِيقَةَ فِيهِ، وَلَوْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ، وَبِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ
__________
1 ساقطة من ع.
2 هو أحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر الطحاوي الأزدي المصري، الإمام العلامة الحافظ، الفقيه الحنفي، ابن أخت المزني، وهن صاحب التصانيف البديعة، وكان ثقة ثبتاً، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة. ومصنفاته كثيرة، منها: "أحكام القرآن"، و"معاني الآثار"، و"بيان مشكل الآثار":، و"المختصر في الفقه"، و"اختلاف الفقهاء"، و"العقيدة"، وحكم أراضي مكة". توفي بمصر سنة 321هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 116، تذكرة الحفاظ 3/ 808، طبقات المفسرين 1/ 73، طبقات الفقهاء ص 142، الفوائد البهية ص 31، وفيات الأعيان 1/ 53، طبقات الحفاظ ص 337، تاج التراجم ص 8، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 162، حسن المحاضرة 1/ 350، الفهرست ص 292".
3 شرح العقيدة الطحاوية ص 117.
4 في ز ع: وابن.
5 الغالب أنه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المحدث الشافعي، لكن ابن أبي يعلى ذكر محمد بن إسحاق في تراجم الحنابلة. وقال عنه: من جملة من نقل عن إمامنا.
انظر: "طبقات الحنابلة 1/ 270".
(2/92)

مِنْهُ1 يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ.
قَالَ الطُّوفِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ، وَلَكِنْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالاشْتِرَاكِ، كَمَا قُلْتُمْ: إنَّ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الشَّرْعِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقِيقَةٌ، لَكِنْ مُخَالِفَةٌ لِلصِّفَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، وَهِيَ مَقُولَةٌ بِالاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: نَحْنُ اُضْطُرِرْنَا إلَى الْقَوْلِ بِالاشْتِرَاكِ، فِي الصِّفَاتِ2 لِوُرُودِ نُصُوصِ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِهَا. فَأَنْتُمْ مَا الَّذِي اضْطَرَّكُمْ إلَى إثْبَاتِ الْكَلامِ النَّفْسِيِّ؟
فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ3 الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ لا صَوْتَ وَلا حَرْفَ إلاَّ مِنْ جِسْمٍ، قُلْنَا: فَمَا أَفَادَكُمْ إثْبَاتُهُ شَيْئًا؛ لأَنَّ الْكَلامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لا يَخْرُجُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا أَوْ تَصَوُّرًا، عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ عَنْ أَئِمَّتِكُمْ. فَإِنْ كَانَ عِلْمًا فَقَدْ رَجَعْتُمْ مُعْتَزِلَةً، وَنَفَيْتُمْ الْكَلامَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَوَّهْتُمْ عَلَى النَّاسِ بِتَسْمِيَتِكُمْ الْعِلْمَ كَلامًا. وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرًا، فَالتَّصَوُّرُ فِي الشَّاهِدِ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ. وَإِنَّمَا يُعْقَلُ فِي الأَجْسَامِ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ تَصَوُّرًا مُخَالِفًا لِلتَّصَوُّرِ فِي الشَّاهِدِ، لائِقًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَثْبِتُوا كَلامًا عِبَارَةً عَنْ خِلافِ الشَّاهِدِ4، لائِقَةً5 بِجَلالِهِ تَعَالَى.
وَهَذَا كَلامٌ مَتِينٌ لا مَحِيدَ لِلْمُنْصِفِ عَنْهُ.
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 في ز ع: ورود. وفي ب ض: وورود.
3 في ز ع ض: العقلي.
4 قال الآمدي: "الكلام في الشاهد، أعني كلام اللسان والنطق اللساني". "غاية المرام ص 117".
5 في ب: لائق.
(2/93)

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ1: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ2 عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى، وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَالصُّحُفِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا. فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ صِفَةُ فِعْلٍ مَخْلُوقٍ3، وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلامٍ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَتْبَاعُهُ4: كَلامُ اللَّهِ هُوَ عِلْمُهُ لَمْ يَزَلْ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
5وَقَالَتِ الأَشَاعِرَةُ6: كَلامُ اللَّهِ صِفَةُ ذَاتٍ لَمْ تَزَلْ7، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ7، وَهُوَ غَيْرُ8 عِلْمِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى إلاَّ كَلامٌ وَاحِدٌ9. وَاحْتُجَّ لأَحْمَدَ: بِأَنَّ الدَّلائِلَ الْقَاطِعَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُشْبِهُهُ
__________
1 هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد الأموي الظاهري. قال ابن خلكان: "كان حافظاً عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب، وكان متفنناً في علوم جمة، عاملاً بعلمه، زاهداً في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه، متواضعاً". له مصنفات كثيرة، منها: "الإيصال في فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام"، و"المحلى"، و"الإحكام لأصول الأحكام"، و"الفصل في الملل والنحل"، و"الإجماع"، و"طوق الحمامة" وغيرها. توفي سنة 456هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 3/ 1146، وفيات الأعيان 3/ 13، الفتح المبين 1/ 243، الصلة 2/ 415، بغية الملتمس ص 403، شذرات الذهب 3/ 299، طبقات الحفاظ ص 436".
2 في "الفصل في الملل": أهل الإسلام.
3 في ش ز ع ب ض: مخلوقة. وما أثبتناه في الأعلى من "الفصل في الملل".
4 في "الفصل": وقال أهل السنة ... وهو قول أحمد.
5 ساقطة من ش ز.
6 في "الفصل": الأشعرية.
7 في ش ز ع ب ض: يزل.
8 في ش ز ع ب ض: عين. وما أثبتناه في الأعلى من "الفصل في الملل".
9 الفصل في الملل 3/ 5. وانظر: فتح الباري 13/ 350-351، الإبانة للأشعري ص 19، الإنصاف للباقلاني ص 110 وما بعدها.
(2/94)

شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَلَمَّا كَانَ كَلامُنَا غَيْرَنَا وَكَانَ مَخْلُوقًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ مَخْلُوقًا1. وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ2.
وَقَالَ أَيْضًا: اخْتَلَفُوا. فَقَالَتِ3 الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، وَالإِمَامِيَّةِ، وَبَعْضُ الْخَوَارِجِ: كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي بَعْضِ الأَجْسَامِ، كَالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى4.
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ، وَإِنْ نُسِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً، لَكِنْ يَخْلُقُ ذَلِكَ الْكَلامَ فِي غَيْرِهِ5.
وَقَالَتْ الْكَرَّامِيَّةُ: الْكَلامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ، لازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ. كَالْحَيَاةِ، وَأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْلِيمُهُ مَنْ كَلَّمَهُ: إنَّمَا هُوَ خَلْقُ إدْرَاكٍ لَهُ يَسْمَعُ بِهِ الْكَلامَ، وَنِدَاؤُهُ لِمُوسَى لَمْ يَزَلْ، لَكِنَّهُ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ حِينَ نَادَاهُ6.
__________
1 الفصل في الملل والنحل 3/ 5، وانظر: فتح الباري 13/ 351.
2 المراجع السابقة.
3 في ع: قال.
4 في ض: كلَّمه.
5 يقول ابن تيمية عن المعتزلة: "لكن معنى كونه سبحانه متكلماً عندهم أنه خلق الكلام في غيره. فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء، لكن هؤلاء يقولون: هو متكلم حقيقة، وأولئك ينفون أن يكون متكلماً حقيقة، وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلّم، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام". "مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 27".
6 انظر: فتح الباري 13/ 351، منهاج السنة 1/ 38، فتاوى ابن تيمية 12/ 149.
(2/95)

وَيُحْكَى عَنْ الْمَاتُرِيدِيِّ الْحَنَفِيِّ أَبِي مَنْصُورٍ1 نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ: خَلَقَ صَوْتًا حِينَ نَادَاهُ فَأَسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا مُرَادُ السَّلَفِ الْقَائِلِينَ: إنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ2.
[وَقَالُوا إذَا كَانَ الْكَلامُ قَدِيمًا لِعَيْنِهِ، لازِمًا لِذَاتِ الرَّبِّ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ] 3 فَالْحُرُوفُ لَيْسَتْ قَدِيمَةً؛ لأَنَّهَا مُتَعَاقِبَةٌ، وَمَا كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ وَمَفْقُودًا حِينَ التَّلَفُّظِ بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا4، وَالْكَلامُ الْقَدِيمُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ لا يَتَعَدَّدُ وَلا يَتَجَزَّأُ، بَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ:
__________
1 هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، من كبار العلماء، وكان إمام المتكلمين، وعرف بإمام الهدى، وكان قوي الحجة، مفحماً في الخصومة. دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين، له كتاب "التوحيد"، و"المقالات"، و"رد أوائل الأدلة"، للكعبي، و"بيان وهم المعتزلة"، و"تأويلات القرآن"، و"مأخذ الشرائع في الفقه"، و"الجدل" في أصول الفقه. ورأيه وسط بين المعتزلة والأشاعرة. مات بسمرقند سنة 333هـ.
انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة 2/ 130، الفوائد البهية ص 195، تاج التراجم ص 59، الفتح المبين 1/ 182، الفكر السامي 3/ 93".
2 انظر: فتح الباري 13/ 351.
3 ما بين القوسين إضافة من فتح الباري 13/ 351. وهي إضافة ضرورية لصحة السياق والمعنى، ولأن المصنف نقل هذه الفقرات بأكملها من فتح الباري وحكى هذا النص الأخير عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري.
4 قال السبكي: "ثم زاد ابن كلاب وأبو العباس القلانسي على سائر أهل السنة، فذهبا إلى أن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والخبر في الأزل، لحدوث هذه الأمور، وقد الكلام النفسي، وإنما يتصف فيما لا يزال، فألزمهما أئمتنا أن يكون القدر المشترك موجوداً". "طبقات الشافعية الكبرى 2/ 300".
والقلانسي هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد، إمام أهل السنة في القرن الثالث، وصنف في الكلام مائة وخمسين مصنفاً.
"انظر: طبقات الشافعية الكبرى 2/ 300، فتاوى ابن تيمية 12/ 165، الإنصاف للباقلاني ص 99".
(2/96)

فَقُرْآنٌ، أَوْ1 بِالْعِبْرَانِيَّةِ: فَتَوْرَاةٌ مَثَلاً2.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلامُ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، وَأَسْمَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ صَوْتَهُ.
وَقَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ، لازِمَةٌ لِلذَّاتِ3، لَيْسَتْ مُتَعَاقِبَةً، بَلْ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِذَاتٍ مُقْتَرِنَةٍ لا تُسْبَقُ، وَالتَّعَاقُبُ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، بِخِلافِ الْخَالِقِ4.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ هَؤُلاءِ إلَى أَنَّ الأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقَارِئِينَ، وَأَبَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: لَيْسَتْ هِيَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقَارِئِينَ5.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ6 بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ7، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَكِنَّهُ فِي الأَزَلِ لَمْ يَتَكَلَّمْ، لامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحَادِثَاتِ8 فِي الأَزَلِ، فَكَلامُهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ، لا مُحْدَثٌ9.
__________
1 في ض: و.
2 انظر: فتح الباري 13/ 351، فتاوى ابن تيمية 12/ 44، 52.
3 في ع ب ض: الذات.
4 انظر: فتح الباري 13/ 351، فتاوى ابن تيمية 12/ 49، تفسير القرطبي 1/ 55.
5 انظر: فتح الباري 13/ 351، فتاوى ابن تيمية 12/ 138.
6 في ع: يتكلم.
7 في ب ع ض: بذاته. وهو متفق مع "فتح الباري".
8 في "فتح الباري": الحادث.
9 انظر: فتح الباري 13/ 351، فتاوى ابن تيمية 12/ 49.
(2/97)

وَذَهَبَ الْكَرَّامِيَّةُ: إلَى أَنَّهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَمُحْدَثٌ1.
وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ2: أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: "إنَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ3 بِكَلامٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ4 وَاخْتِيَارِهِ": هُوَ أَصَحُّ الأَقْوَالِ نَقْلاً وَعَقْلاً، وَأَطَالَ5. وَالْمَحْفُوظُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ تَرْكُ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ وَالتَّعَمُّقِ6 فِيهِ، وَالاقْتِصَارُ7 عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ السُّكُوتُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ8.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا9: "اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلامِ فِي أَنَّ كَلامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمْ لا؟
فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا يَكُونُ الْكَلامُ إلاَّ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. وَالْكَلامُ الْمَنْسُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَائِمٌ بِالشَّجَرَةِ.
وَقَالَتْ الأَشَاعِرَةُ: كَلامُهُ10 لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ، وَأَثْبَتَتْ الْكَلامَ
__________
1 انظر: فتح الباري 13/ 351.
2 قال ابن حجر: وذكر الفخر الرازي في "المطالب العالية". "فتح الباري 13/ 351".
3 في فتح الباري: متكلم.
4 في ش ب ض: بمشيئته.
5 انظر فتح الباري 13/ 351.
6 في ب ع ض: التعميق.
7 في ش ض: والاختصار.
8 فتح الباري 13/ 351. وانظر: الإيمان لابن تيمية ص 344، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 17، 23، الإبانة للأشعري ص 33، الإنصاف للباقلاني ص 71.
9 فتح الباري 13/ 356 في آخر باب: قول الله: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} من كتاب التوحيد.
10 في فتح الباري: كلام الله.
(2/98)

النَّفْسِيَّ، وَحَقِيقَتُهُ: مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الْعِبَارَةُ، كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ، وَاخْتِلافُهَا لا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلافِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ، وَالْكَلامُ النَّفْسِيُّ هُوَ ذَلِكَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ.
وَأَثْبَتَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ1 بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. أَمَّا الْحُرُوفُ2: 3فَلِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي ظَاهِرِ4 الْقُرْآنِ3، وَأَمَّا الصَّوْتُ: فَمَنْ مَنَعَ مِنْهُ5 قَالَ: إنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْهَوَاءُ الْمُتَقَطِّعُ6 الْمَسْمُوعُ مِنْ الْحَنْجَرَةِ.
وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ الآدَمِيِّينَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَصِفَاتُ الرَّبِّ بِخِلافِ ذَلِكَ. فَلا يَلْزَمُ7 الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ وَعَدَمِ التَّشْبِيهِ8. وَيَجُوزُ9 أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنْجَرَةِ، فَلا يَلْزَمُ التَّشْبِيهُ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ 10بْنُ أَحْمَدَ10: سَأَلْت أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ: لَمَّا كَلَّمَ
__________
1 في "فتح الباري": متكلم.
2 في ش: الحرف. والأعلى من "فتح الباري" ومن ع ب ز ض.
3 في ع: فالتصريح بها في ظاهر القرآن. والأعلى من "فتح الباري". وفي ش ب ز ض: فلا تصريح به في ظاهر القرآن.
4 ساقطة من ش ع ز. والأعلى من ب و"فتح الباري".
5 ساقطة من ب ع ض.
6 في ز ع ب ض: المنقطع. وكذا في "فتح الباري".
7 في ز ع ب ض: يلزمه.
8 في ز: الشبيه.
9 في في ب ع ض: وأنه يجوز. وكذا في "فتح الباري".
10 ساقطة من ز ع ب ض. وفي "فتح الباري": ابن أحمد بن حنبل في كتاب "السنة".
(2/99)

اللَّهُ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ"؟ فَقَالَ لِي أَبِي: بَلْ يَتَكَلَّمُ1 بِصَوْتٍ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُرْوَى كَمَا جَاءَتْ. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ2".
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ 3ابْنُ تَيْمِيَّةَ13 فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ4: اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلامِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَكْثَرُهُمْ قَوْلَ السَّلَفِ فِيهَا، بَلْ يَذْكُرُونَ قَوْلَيْنِ وَثَلاثَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، مَعَ أَنَّهَا بَلَغَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهَا إلَى تِسْعَةٍ5.
أَحَدُهَا: أَنَّ كَلامَ اللَّهِ هُوَ مَا6 يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الْمَعَانِي، إمَّا مِنْ
__________
1 في "فتح الباري": تكلم.
2 انتهى كلام ابن حجر في "فتح الباري 13/ 356". وانظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 243 وما بعدها.
3 ساقطة من ب ع ض.
4 هو ابن المطهّر، جمال الدين أبو منصور، الحسن و"قيل الحسين" بن يوسف بن على بن المطهر الحلي، المشهور عند الشيعة بالعلامة. وهو الذي ألف كتاباً باسم "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتاب عظيم "منهاج السنة النبوية" في أربع مجلدات. ولابن المطهر مصنفات كثيرة، منها: "منتهى المطلب في تحقيق المذهب"، و"تلخيص المرام في معرفة الأحكام"، و"تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية"، و"شرح مختصر ابن الحاجب" في أصول الفقه. توفي سنة 726هـ".
"انظر: الأعلام للزركلي 2/ 244، مرآة الجنان 4/ 276، الدرر الكامنة 2/ 71، روضات الجنات ص 172، لسان الميزان 2/ 317، مقدمة منهاج السنة النبوية 1/ 2، 5، 16 مطبعة المدني".
وفي ش: الرافضة.
5 انظر هذه الأقوال باختصار في "فتاوى ابن تيمية 12/ 42، 162 وما بعدها، منهاج السنة 1/ 221، شرح العقيدة الطحاوية ص 117 وما بعدها، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 113، التعرف ص 18 وما بعدها". وانظر منهاج السنة 2/ 278 تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطبعة المدني، فإن المحقق استكمل النقص الموجود في الطبعة الأولى.
6 ساقطة من ز ع ب ض. وفي ش: أن. والأعلى من د و"شرح العقيدة الطحاوية" و"منهاج السنة".
(2/100)

الْعَقْلِ الْفَاعِلِ1 عِنْدَ بَعْضِهِمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّابِئَةِ2 وَالْمُتَفَلْسِفَة، كَابْنِ سِينَا3 وَأَمْثَالِهِ4.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُ5 مَخْلُوقٌ6 خَلَقَهُ اللَّهُ مُنْفَصِلاً عَنْهُ7.
الثَّالِثُ: لِلْكُلاَّبِيَّةِ8 وَالأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا: أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ، لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ9، وَالْكَلامُ الَّذِي بَيْنَ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَهُوَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ10 وَالاسْتِخْبَارُ، فَإِنْ11 عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: كَانَ قُرْآنًا.
__________
1 في فتاوى ابن تيمية، ومنهاج السنة، ومجموعة الرسائل والمسائل: الفعال.
2 ساقطة من ز ع ب ش ض. وأثبتنا من د ومنهاج السنة وفتاوى ابن تيمية.
3 هو الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي الرئيس الحكيم المشهور، صاحب التصانيف الكثيرة في الفلسفة والطب، أبوه من بلْخ، ثم انتقل إلى بخارى. وانتقل ابن سينا في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، وأتقن علم القرآن والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين والحساب والجبر. ثم نظر في علوم المنطق واليونان، ثم رغب في علم الطب، فمارسه ودرسه حتى فاق فيه غيره. ومن مصنفاته: "الشفا" في الحكمة والفلسفة، و"النجاة"، و"الإشارة"، و"القانون"، و"الأوسط الجرجاني"، وله شعر. توفي بهمذان سنة 428هـ. وقد طعن به الكثير كاليافعي وابن الصلاح، وكفره الغزالي، وأثنى عليه ابن خلكان.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 1/ 419، شذرات الذهب 3/ 234، مرآة الجنان 3/ 47".
4 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 117، منهاج السنة 1/ 221.
5 في ع: هو أنه.
6 في ز: غير مخلوق. وهو خطأ.
7 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، فتاوى ابن تيمية 12/ 163، منهاج السنة 2/ 280 مطبعة المدني، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 42.
8 في ز ع ب ض: الكلابية.
9 في ع: بصوت.
10 ساقطة من ز ع ب ض: وما أثبتناه من د ومنهاج السنة الطبعة الجديدة فقط.
11 في ز ع ب: وإن.
(2/101)

وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ: كَانَ تَوْرَاةً1.
الرَّابِعُ: لِلسَّالِمِيَّةِ2 وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ:3أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُجْتَمِعَةٌ فِي الأَزَلِ8، وَذَكَرَهُ الأَشْعَرِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ نَحْوِ4 السَّالِمِيَّةِ5، فَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ عِنْدَهُمْ6. الْخَامِسُ: لِلْكَرَّامِيَّةِ7 وَنَحْوِهِمْ: أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ؛ لَكِنْ تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا8 بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا9.
السَّادِسُ: لِلرَّازِيِّ فِي10 "إشْكَالِهِ"11 مَثَلاً، وَصَاحِبِ "الْمُعْتَبَرِ"12: أَنَّ
__________
1 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، فتاوى ابن تيمية 12/ 165، منهاج السنة 1/ 221، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 113.
2 في ض: السالمية.
3 ساقطة من ز ع ب ض. وفي منهاج السنة 1/ 221: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل.
4 في ب ز ض: ونحو.
5 في ب ز: السلامة. وانظر: مقالات الإسلاميين 2/ 234.
6 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، منهاج السنة 1/ 221، مجموعة الرسائل والمسائل 2/ 39.
7 في ز ع ب ض: الكرامية.
8 ساقطة من ش ز ع ب ض.
9 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، فتاوى ابن تيمية 12/ 172، منهاج السنة 1/ 221.
10 في ع: و.
11 في شرح "العقيدة الطحاوية ص 118": في المطالب العالية.
12 هو هبة الله بن علي بن ملْكا، أبو البركات البغدادي، الفيلسوف والطبيب. كان يهوديًّا ثم أسلم، وحسن إسلامه، وخدم الملوك والخلفاء بصناعته، وخدم العامة بحسن تدبيره. قال عنه ابن تيمية: أقرب الفلاسفة إلى السنة والحديث. وقال: وكان ابن سينا نشأ في بين المتكلمين والنفاة للصفات، وابن رشد نشأ بين الكلابية، وأبو البركات نشأ ببغداد بين............=
(2/102)

كَلامَهُ يَرْجِعُ إلَى مَا يُحْدِثُهُ1 مِنْ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ2.
السَّابِعُ: لأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ: أَنَّ كَلامَهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى قَائِمًا بِذَاتِهِ هُوَ3 مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ4.
الثَّامِنُ: لأَبِي الْمَعَالِي وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، وَبَيْنَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَصْوَاتِ5.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يُقَالُ6: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ، وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلامِ قَدِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا. وَهَذَا الْقَوْلُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ7. وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَائِلِينَ8 بِهِ: إمَامُنَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ وَنَحْوُهُمْ.
__________
=المسلمين. "منهاج السنة 1/ 98". ونقل عنه ابن تيمية كثيراً وناقشه. وصنف أبو البركات عدة كتب أهمها "المعتبر" في الحكمة. وهو من أجل كتبه وأشهرها، و"النفس" وغير ذلك. عمي في آخر عمره. توفي سنة 547هـ. "انظر: مقالة السيد سليمان الندوي في آخر كتاب المعتبر المطبوع في الهند 1357هـ، الرد على المنطقيين ص 125، منهاج السنة 2/ 281 مط المدني، نكت الهميان ص 304".
1 في جميع النسخ: يحدث. والذي أثبتناه في الأعلى من "شرح العقيدة الطحاوية ص 118".
2 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، منهاج السنة 2/ 281 مطبعة المدني.
3 في "منهاج السنة 2/ 282 مطبعة المدني": وهو.
4 انظر: منهاج السنة 2/ 282 مطبعة المدني، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 39.
5 انظر: منهاج السنة 2/ 282 مطبعة المدني.
6 في "فتاوى ابن تيمية 12/ 173": أن الله تعالى. وفي "شرح العقيدة الطحاوية ص 118": أنه تعالى.
7 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص 118، فتاوى ابن تيمية 12/ 173، منهاج السنة 1/ 221.
8 في ب ع ض: القائل.
(2/103)

وَ1قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ": "أَنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَ2مَتَى شَاءَ بِلا كَيْفٍ"3.
قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: "إذَا شَاءَ"، أَيْ أَنْ يُسْمِعَنَا. قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ يَأْمُرُ بِمَا شَاءَ4 وَيْحُكُمْ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَافْتَرَقَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ فِرْقَتَيْنِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَلامُهُ لازِمٌ لِذَاتِهِ. وَالْحُرُوفُ وَالأَصْوَاتُ مُقْتَرِنَةٌ لا مُتَعَاقِبَةٌ. وَيُسْمِعُ كَلامَهُ مَنْ شَاءَ، وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ إذَا شَاءَ. وَأَنَّهُ نَادَى مُوسَى حِينَ كَلَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ نَادَاهُ مِنْ قَبْلُ5.
وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الأَشْعَرِيَّةِ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، مَقْرُوءٌ بِالأَلْسِنَةِ. قَالَ تَعَالَى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 6 {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 7 وَفِي الْحَدِيثِ "لا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ
__________
1 ساقطة من ب ع ض.
2 ساقطة من ب ز ع ض.
3 انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص 232، 248 من العدد الثامن من مجلة أضواء الشريعة بالرياض.
4 في ب: يشاء.
5 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 73.
6 الآية 6 من التوبة.
7 الآية 49 من العنكبوت.
(2/104)

كَرَاهَةَ 1 أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ" 2 وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا فِي الصُّدُورِ، بَلْ مَا فِي الْمُصْحَفِ3. وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى4.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْقُرْآنُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَقْرُوءُ، وَهُوَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْقِرَاءَةُ. وَهِيَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَ الاخْتِلافُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عَنْ الْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ: فَمُرَادُهُمْ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ الْقَدِيمَةِ5. وَأَمَّا الْحُرُوفُ: فَإِنْ كَانَتْ بِحَرَكَاتٍ6 أَوْ7 أَدَوَاتٍ، كَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، فَهِيَ أَعْرَاضٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَةً فَهِيَ أَجْسَامٌ، وَقِيَامُ الأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ بِذَاتِ اللَّهِ مُحَالٌ8، وَيَلْزَمُ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَفِرُّ مِنْهُ. فَأَلْجَأَ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ
__________
1 في ش ب ش ب ز ع: كراهية.
2 رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ: "لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو". وفي رواية: "أنه كان ينهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. وفي رواية: "فإني أخاف". ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد", عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو". رواه أحمد.
"انظر: صحيح مسلم 3/ 1491، خلق أفعال العباد ص 48، مسند أحمد 2/ 6، الفتح الكبير 3/ 323".
3 في ض: المصاحف.
4 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 241، الإبانة للأشعري ص 34، الأربعين في أصول الدين للغزالي ص 20.
5 ساقطة من ش ب ز ض.
6 في ع ب ز ض: حركات.
7 في ش: و.
8 انظر بحث الجسم ومعناه ونفيه عن الله تعالى في "مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 30 وما بعدها".
(2/105)

إلَى أَنْ ادَّعَى قِدَمَ الْحُرُوفِ، كَمَا الْتَزَمَتْهُ1 السَّالِمِيَّةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ الْتَزَمَ قِيَامَ ذَلِكَ بِذَاتِهِ2. وَمِنْ شِدَّةِ اللَّبْسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثُرَ نَهْيُ السَّلَفِ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا3. وَاكْتَفَوْا بِاعْتِقَادِ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَهُوَ أَسْلَمُ الأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَيْضًا: لَمْ يَكُنْ فِي كَلامِ الإِمَامِ4 أَحْمَدَ وَلا الأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَدِيمٌ، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَ5كَيْفَ شَاءَ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ6.
وَقَالَ: رَادًّا عَلَى الرَّافِضِي7: مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ. كَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ8.
وَقَالَ: قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مَعْنَى كَوْنِ الْقُرْآنِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ. هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ نَفْسَ الْكَلامِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ كَالْعِلْمِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ
__________
1 في ز: التزمه.
2 انظر: مجموعة الرسائل المسائل 3/ 33.
3 ساقطة من ز ع ب ض.
4 ساقطة من ب ع ض.
5 ساقطة من ز ع ب.
6 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 22، 46.
7 هو ابن المطهر الرافضي أحد شيوخ الشيعة الرافضة في عصر ابن تيمية. ألف كتابه "منهاج الاستقامة في معرفة الإمامة" فردّ عليه ابن تيمية في كتابه القيم الكبير "منهاج السنة النبوية"، وسبق بيان ذلك صفحة 100.
8 في ز ع ب ض: السنة.
(2/106)

يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. ذَكَرَهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ الشَّافِي1 عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ. وَذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي "أُصُولِهِ" اهـ2.
وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ3 فِي "الْمَنَاقِبِ": وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَنْكَرَهَا أَحْمَدُ فِي الْقُرْآنِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ صَوْتٍ. فَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ وَبَدَّعَ قَائِلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ إنَّمَا هَجَرَهُ أَحْمَدُ لأَجْلِ ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا سَبَبُ تَحْذِيرِ أَحْمَدَ مِنْ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْكِلابِيَّةِ. كَمَا أَمَرَ بِهَجْرِ الْقَائِلِ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْحُرُوفَ انْتَصَبَتْ الأَلِفُ وَسَجَدَتِ الْبَاءُ، وَشَدَّدَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ4. وَلَمَّا أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَمَرَ
__________
1 في ش: الشافعي.
2 ساقطة من ش ز.
3 هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، زين الدين، أبو الفرج الحنبلي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحافظ الإمام المحدث الفقيه الواعظ. قال ابن العماد: "واشتغل بسماع الحديث، وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة، وللناس عامة مباركة نافعة. وله مصنفات مفيدة، ومؤلفات عديدة. منها: "الذيل على طبقات الحنابلة"، و"القواعد الفقهية"، و"شرح جامع الترمذي"، و"شرح علل الترمذي"، و"شرح الأربعين النووية"، و"شرح البخاري إلى الجنائز"، و"اللطائف في الوعظ وأهوال القيامة". وكان زاهداً في الدنيا، راغباً عن أصحاب الولايات. توفي بدمشق سنة 795هـ.
انظر ترجمته في "الدرر الكامنة 2/ 428، البدر الطالع 1/ 328، ذيل تذكرة الحفاظ ص 367، طبقات الحفاظ ص 536، شذرات الذهب 6/ 339".
4 انظر: الإنصاف للباقلاني ص 102، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 185، 186.
(2/107)

بِهَجْرِهِمْ كَمَا أَمَرَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ1 الْجُنَيْدَ2 أَنْ يَتَّقِيَ بَعْضَ كَلامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ3. فَذَكَرُوا أَنَّ الْحَارِثَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَاشْتَهَرَ عِلْمًا وَفَضْلاً وَحَقَائِقَ4 وَزُهْدًا5.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْكَلابَاذِيُّ6. "وَقَالَتْ7 طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ: كَلامُ
__________
1 هو السَّريُّ بن المُغَلِّس السَّقَطيّ، أبو الحسن البغدادي، أحد الأولياء الكبار، وله أحوال وكرامات، وهو خال الجنيد وأستاذه، لزم بيته، وانقطع عن الناس. قال ابن خلكان: "كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد". توفي ببغداد سنة 251هـ، وقيل 256هـ، وقيل 257هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 2/ 101، حلية الأولياء 10/ 116، مرآة الجنان 2/ 158، شذرات الذهب 2/ 127، تاريخ بغداد 9/ 187، صفة الصفوة 2/ 371، طبقات الصوفية ص 48".
2 هو الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم الخزاز، أصله من نهاوند، لكنه ولد ونشأ ببغداد وتفقه على أبي ثور، وسمع الحديث، ولقي العلماء، وصحب جماعة من الصالحين، واشتغل بالعبادة، وكان يقول: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. قال ابن خلكان: "وكلامه مدون مشهور". توفي سنة 297هـ.
انظر ترجمته في "حلية الأولياء 10/ 255، وفيات الأعيان 1/ 323، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 260، طبقات الحنابلة 1/ 129، صفة الصفوة 2/ 416، المنهج الأحمد 1/ 219، شذرات الذهب 2/ 229، تاريخ بغداد 7/ 241، طبقات الصوفية ص 155".
وفي ز ع ب ض: للجنيد.
3 ساقطة من ش ع ز.
4 في ب ز ض: وحقائقاً، وهو خطأ.
5 انظر: فتاوى ابن تيمية 12/ 95، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 74.
6 هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم، البخاري الكلاباذي، أبو بكر، كان إماماً أصوليًّا. وله كتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف" جمع فيه باختصار أقوال التصوف، وآراء الحنفية في التوحيد. توفي سنة 380هـ.
انظر ترجمته في "الفوائد البهية ص 161، كشف الظنون 1/ 419".
وفي ز ش ب ع ض: الكلابذاني. وهو تصحيف، ومصححة على هامش ض.
7 في جميع النسخ: قال. وما أثبتناه في الأعلى من كتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف".
(2/108)

اللَّهِ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ1، وَأَنَّهُ لا يُعْرَفُ كَلامٌ2 إلاَّ كَذَلِكَ، مَعَ إقْرَارِهِمْ أَنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ3 تَعَالَى فِي ذَاتِهِ، 4وَأَنَّهُ غَيْرُ مُحْدَثٍ10. قَالَ5: وَهُوَ6 الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ سَالِمٍ7.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْت أَبِي عَنْ إنْكَارِ الْجَهْمِيَّةِ كَلامَ اللَّهِ لِمُوسَى، وَعَنْ قَوْمٍ8 أَنْكَرُوا صَوْتَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ لِي: بَلْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِصَوْتٍ. هَذِهِ الأَحَادِيثُ يَمُرُّونَهَا كَمَا جَاءَتْ. وَقَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا9 ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَمَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ10.
__________
1 في "التعرف": وصوت.
2 في "التعرف": كلامه.
3 في ع ض: لله.
4 في "التعرف": غير مخلوق.
5 في ب ز ع ض: وقال.
6 في "التعرف": وهذا قول حارث.
7 التعرف لمذهب أهل التصوف ص 19.
وابن سالم هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن سالم، أبو الحسن، البصري، تلميذ سهل بن عبد الله التستري، وكان لأبي الحسن بن سالم أحوال ومجاهدات، وهو أستاذ مكي بن أبي طالب الذي عُرف في كتابه "قوت القلوب". كما كان أبو الحسن صديقاً لأبي مجاهد المفسر، وتنتسب فرقة السالمية إلى أبي الحسن بن سالم وإلى أبيه أبي عبد الله "المتوفى سنة 293هـ". صاحب سهل. وقد أسس الفرقة سهل المتوفى سنة 283هـ فخلفه من بعده أبو عبد الله وابنه أبو الحسن. وعمر أبو الحسن كثيراً، وكان آخر أصحاب التستري وفاة، وهي فرقة من المتكلمين من أهل السنة ذوي النزعة الصوفية. قال ابن العماد عنهم: "وقد خالفوا أصول السنة في مواضع، وبالغوا في الإثبات في مواضع، وعمر أبو الحسن دهراً وبقي إلى سنة بضع وخمسين". وتوفي سنة 360هـ.
"انظر: شذرات الذهب 3/ 36، مرآة الجنان 2/ 372، حلية الأولياء 10/ 378، طبقات الصوفية ص 414، دائرة المعارف الإسلامية في مصطلح السالمية".
8 في ع: عموم. وهو تصحيف.
9 في ع ض: حديث.
10 مر هذا الحديث مع تخريجه صفحة 67.
(2/109)

وَرَوَى الْخَلاَّلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ1 عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ2 قَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ؟ فَقَالَ: بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ3. هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ صَحَّتَا4 عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِلا شَكٍّ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ "خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَاد"ِ: وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ: "كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ خَفِيضَ الصَّوْتِ"5 وَ "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، *فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى 6".
__________
1 هو محمد بن علي بن عبد الله بن مهران، أبو جعفر الوراق، الجرجاني الأصل، البغدادي المنشأ، يعرف بحمدان. حدث عنه أبو بكر الخلال وابن سريج وعبد الله البغوي وغيرهم. قال الخلال عنه: "رفيع القدر، كان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان". وهو مشهود له بالصلاح والفضل، توفي سنة 272هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة 1/ 308، المنهج الأحمد 1/ 164".
2 هو يعقوب بن إسحاق بن بختان، أبو يوسف. سمع من مسلم بن إبراهيم والإمام أحمد، وكان أحد الصالحين الثقات، وجان جار الإمام أحمد وصديقه، وروى عنه مسائل صالحة كثيرة في الورع لم يروها غيره، ومسائل في السلطان. ذكره العليمي في أصحاب أحمد فيمن لم تؤرخ وفاته.
انظر: المنهج الأحمد 1/ 340، "طبقات الحنابلة 1/ 415، تاريخ بغداد 14/ 280".
3 انظر: طبقات الحنابلة 1/ 415، وقارن ذلك بما جاء في الإنصاف للباقلاني ص 129 وما بعدها.
4 في ب: صحيحتان.
5 خلق أفعال العباد ص 59.
6 خلق أفعال العباد ص 59. ورواه البخاري في "صحيحه" عن جابر عن عبد الله بن أنيس. "انظر: صحيح البخاري 4/ 294".
(2/110)

وَفِيْ1 هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَوْتَ اللَّهِ تَعَالَى لا يُشْبِهُ صَوْتَ الْمَخْلُوقِينَ2؛ لأَنَّ [صَوْتَ] 3 اللَّهِ تَعَالَى يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ4"، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُصْعَقُونَ مِنْ صَوْتِهِ. فَإِذَا نَادَى الْمَلائِكَةَ لَمْ يُصْعَقُوا وَقَالَ تَعَالَى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} 5 فَلَيْسَ لِصِفَةِ اللَّهِ نِدٌّ وَلا مِثْلٌ، وَلا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ بِالْمَخْلُوقِينَ".
هَذَا لَفْظُهُ بِعَيْنِهِ6. وَذَكَرَ حَدِيثَيْ7 ابْنِ أُنَيْسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ8، وَتَقَدَّمَا9. قَالَ الْعَلاَّمَةُ الْمِرْدَاوِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ الْمَذَاهِبِ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ وَالتَّحْقِيقِ مِنْ الأَقْوَالِ التِّسْعَةِ؟ قُلْت: إنْ صَحَّتِ الأَحَادِيثُ بِذِكْرِ الصَّوْتِ فَلا كَلامَ "10فِيْ أَنَّهُ10" أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ، مَعَ الاعْتِقَادِ فِيهِ بِمَا يَلِيقُ11 بِجَلالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ بِوَجْهٍ مَا أَلْبَتَّةَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ صَحَّتْ الأَحَادِيثُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَحَّحَهَا الأَئِمَّةُ الْكِبَارُ
__________
1 في ش ز: و.
2 في ب ع ض: الخلق.
3 ساقطة من جميع النسخ. وهي إضافة ضرورية من البخاري.
*-4 ساقطة من ش ز.
5 الآية 22 من البقرة.
6 خلق أفعال العباد ص 59.
7 في ش: حديث.
8 خلق أفعال العباد ص 59-60.
9 صفحة 62-66 من هذا الكتاب.
10 في ش ب ز ض: لأنه.
11 في ز: لا يليق.
(2/111)

الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالرَّازِيِّ1 وَغَيْرِهِمْ2، حَتَّى الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي زَمَنِنَا. قَالَ: وَ3قَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ4. وَكَذَلِكَ5 صَحَّحَهَا غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ6. وَفِيهِ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ7، وَلَوْلا أَنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ الْمَعْصُومَ قَالَ ذَلِكَ، لَمَا قُلْنَاهُ وَلا حُمْنَا حَوْلَهُ. كَمَا قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ8 ذَلِكَ فِي "عَقِيدَتِهِ9":. فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا تُعْرَفُ إلاَّ بِالنَّقْلِ الْمَحْضِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، أَوْ مِنْ10 صَاحِبِ
__________
1 إذا أطلق الرازي في الحديث فالمراد أبو حاتم أو أبو زرعة الرازي. وستأتي الترجمة لكل منهما فيما بعد. والمقصود هنا ابن أبي حاتم صاحب كتاب "الرد على الجهمية" الذي ذكر هذه الأحاديث وصححها، كما ذكره ابن حجر أكثر من مرة في "فتح الباري 13/ 352"، وابن تيمية في "منهاج السنة 2/ 283 مطبعة المدني".
وابن أبي حاتم هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي، أبو محمد الرازي، الإمام الحافظ الناقد. أخذ علم أبيه وأبي زرعة الرازي. وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، وكان ثقة زاهداً ثبتاً، له مؤلفات كثيرة نافعة، منها: "الجرح والتعديل"، و"التفسير"، و"الرد على الجهمية"، و"العلل، و"المسند"، و"الفوائد الكبرى". توفي سنة 327هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 3/ 324، ميزان الاعتدال 2/ 587، فوات الوفيات 1/ 542، طبقات المفسرين 1/ 279، تذكرة الحفاظ 3/ 839، طبقات الشافعية الكبرى للعبادي ص 43، المنهج الأحمد 2/ 17، طبقات الحنابلة 2/ 55، شذرات الذهب 3/ 324، طبقات الحفاظ ص 345، البداية والنهاية 11/ 191".
2 في ش ز: فتحرهم. وفي ب ع: فتخيرهم.
3 ساقطة من ب ع.
4 فتح الباري 12/ 352، 354.
5 في ع: وكذا.
6 في ش ز ب: فتحرهم. وساقطة من ع.
7 في ع: وهداية فتحرهم.
8 في ش ز ع ب ض: الشهرزوري.
9 سبق نص السهروردي صفحة 58 من هذا المجلد.
10 ساقطة من ش.
(2/112)

الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ. فَتَصْحِيحُ هَؤُلاءِ وَإِثْبَاتُهُمْ لِلأَحَادِيثِ بِذِكْرِ الصَّوْتِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ مَنْ نَفَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ1 ذِكْرُ2 الصَّوْتِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا3: أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
وَمِنْهَا: عِظَمُ الْمُصَحِّحِ وَجَلالَةُ قَدْرِهِ وَكَثْرَةُ اطِّلاعِهِ، لا سِيَّمَا فِي إثْبَاتِ صِفَةِ4 اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الزُّهْدِ الْعَظِيمِ وَالْقِدَمِ الْمَتِينِ. أَفَيَلِيقُ بِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ إثْبَاتُ صِفَةٍ لِلَّهِ5 مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَيَدِينُونَ اللَّهَ بِهَا. وَيَعْتَقِدُونَهَا وَيَهْجُرُونَ مَنْ يُخَالِفُهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ صَحَّ عِنْدَهُمْ؟ فَمَا الْحَامِلُ لَنَا أَوْ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَعْتَقِدُ هَذَا مُسْلِمٌ فِي مُسْلِمٍ فَضْلاً عَنْ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ.
ثُمَّ الأَسْلَمُ - بَعْدَ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الْمَذَاهِبِ التِّسْعَةِ - مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: "الاكْتِفَاءُ بِاعْتِقَادِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَالَ: وَهَذَا أَسْلَمُ الأَقْوَالِ، لِشِدَّةِ اللَّبْسِ وَنَهْيِ السَّلَفِ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا6". اهـ.
وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - 7أَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا اكْتَفَى8 بِذَلِكَ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْكَلامِ فِيهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ النَّاسِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الشُّبَهِ الْمُوجِبَةِ
__________
1 ساقطة من ض.
2 في ض: وذكر.
3 في ش ز: أحدها.
4 في ع: صفات.
5 في ز ع ب ض: الله.
6 انظر: مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 123، 124.
7 في ز ع ب ض: إنما اكتفى السلف.
(2/113)

لِخَبْطِ1 الْعَقَائِدِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ: مَنْ قَالَ: "لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ" فَهُوَ جَهْمِيٌّ2. وَمَنْ قَالَ: "لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ": مُبْتَدِعٌ3.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا لأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ فِي زَمَنِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ قَدِيمَيْنِ غَيْرِ مُتَعَاقِبَيْنِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ إذَا شَاءَ وَكَيْفَ4 شَاءَ، كَمَا قُرِّرَ، يَكُونُ كَافِرًا. فَهَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ. وَقَدْ سَمَّوْا مُخَالِفَهُ مُبْتَدِعًا. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ5 وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ مِنْ6 زَمَنِهِ إلَى زَمَنِنَا، وَ7لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا8 قَالَ إمَامُهُمْ: وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ كَثِيرًا جِدًّا.
__________
1 في ش: لحبوط.
2 ساقطة من ز ع ض.
3 قال الباقلاني: "ولا يجوز أن يقول أحد: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، ولا أني أتكلم بكلام الله". "الإنصاف ص 71".وانظر: مسائل الإمام أحمد ص 262، 265، 266، فتاوى ابن تيمية 12/ 74، 167، 170، 209، مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 4، 24، 60.
4 في ع: بما.
5 هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة المخزومية، وأمها عاتكة بنت عامر، كنيتها بابنتها سلمة بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد. هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة الهجرتين، وخرج أبو سلمة إلى أحد، فأصيب عضده بسهم ثم برأ الجرح، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فعاد الجرح، ومات منه، فاعتدت أم سلمة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت من أجمل النساء. توفيت سنة 59هـ، ولها 84 سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة، ودفنت بالبقيع. قال ابن حجر وابن العماد: توفيت سنة 61هـ. ولها مناقب.
انظر ترجمتها في "الإصابة 4/ 458، الاستيعاب 4/ 454، تهذيب الأسماء 1/ 361، شذرات الذهب 1/ 69، الخلاصة ص 496".
6 في ض: في.
7 ساقطة من ب ع.
8 في ع: قالوا كما.
(2/114)

وَإِذَا1 نَظَرَ الْمُنْصِفُ فِي كَلامِ الْعُلَمَاءِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَاطَّلَعَ عَلَى مَا قَالُوهُ2 فِي3 هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَذَرَ الْقَائِلَ، وَأَحْجَمَ عَنِ4 الْمَقَالاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا فِي مُسْلِمٍ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ. وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ5 صَحَّتْ الأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. فَمَا بَقِيَ إلاَّ التَّسْلِيمُ أَوْ التَّأْوِيلُ6، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولَ: بِعَقْلِهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ مُشْكِلَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا الْمَحْذُورُ الْعَظِيمُ. فَيَتْبَعُ قَوْلَ هَذَا، أَوْ قَوْلَ مَنْ اتَّبَعَ الأَحَادِيثَ عَلَى حُكْمِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اللاَّئِقَةِ بِجَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ! بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ 7. فَمَنْ قَالَ8: "الْقُرْآنُ مَقْدُورٌ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَكِنْ مَنَعَ9 اللَّهُ قُدْرَتَهُمْ10" كَفَرَ، بَلْ هُوَ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ، وَالْعَجْزُ شَمِلَ الْخَلْقَ11.
__________
1 في ع: فإذا.
2 في ب ض: قالوا.
3 في ب: من.
4 ساقطة من ب ز.
5 ساقطة من ز.
6 فتح الباري 13/ 354.
7 انظر الفروع 1/ 418.
8 في ش ز: قائل.
9 في ض: يمنع.
10 هذا رأي النظام من المعتزلة، ويعني به أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب قلوبهم عنه. "انظر: الإتقان في علوم القرآن 1/ 118، بيان إعجاز القرآن للخطابي ص 22، البرهان في علوم القرآن 2/ 93".
11 انظر: الجواب الصحيح 4/ 75، البرهان في علوم القرآن 2/ 93.
(2/115)

قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: كَلامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَنَظْمِهِ. كَالْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ1.
وَخَالَفَ الْقَاضِي 2فِي الْمَعْنَى9. وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَحَدَّى بِمِثْلِهِ فِي اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ3.
قِيلَ لِلْقَاضِي: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الإِعْجَازَ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِيهِ أَيْضًا!؟
فَقَالَ: الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ الإِعْجَازَ نَظْمًا وَلَفْظًا لا مَعْنًى: أَشْيَاءُ.
مِنْهَا: أَنَّ الْمَعْنَى يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ4 قَوْله تَعَالَى: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} 5 وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّحَدِّيَ بِأَلْفَاظِهَا، وَلأَنَّهُ قَالَ: {مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} وَالْكَذِبُ لا يَكُونُ مِثْلَ الصِّدْقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ6: "مِثْلُهُ فِي اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ7". اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هَلْ يَسْقُطُ الإِعْجَازُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ. أَمْ هُوَ بَاقٍ؟ الأَظْهَرُ مِنْ جَوَابِ أَحْمَدَ: أَنَّ الإِعْجَازَ فِيهَا8 بَاقٍ، خِلافًا لِلأَشْعَرِيَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ9.
__________
1 وهو رأي الصاحبين من الحنفية، خلافاً للإمام أبي حنيفة الذي يرى الإعجاز في المعنى. "انظر: أصول السرخسي 1/ 281-282، البرهان في علوم القرآن 2/ 99، فواتح الرحموت 2/ 8، الفروع 1/ 418".
2 ساقطة من ش ب ز.
3 انظر: الفروع 1/ 418، الفصل في الملل والنحل 3/ 16.
4 ساقطة من ع.
5 الآية 13 من هود.
6 ساقطة من ض.
7 انظر: الفروع 1/ 418.
8 في ع: منهما.
9 انظر: الفروع 1/ 418. وعبارة "والله أعلم" ساقطة من ض.
(2/116)

"وَفِي بَعْضِ آيَة"ٍ مِنْ الْقُرْآنِ "إعْجَازٌ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ1 لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} 2.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا فِيهِ الإِعْجَازُ، وَإِلاَّ فَلا نَقُولُ3 فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ نَظَرَ} 4 وَنَحْوِهَا: إنَّ فِي بَعْضِهَا إعْجَازًا وَ5فِيهَا أَيْضًا. وَهُوَ وَاضِحٌ6. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ: لا إعْجَازَ فِي بَعْضِ آيَةٍ، بَلْ فِي آيَةٍ7.وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ عَلَى إطْلاقِهِ. فَإِنَّ8 بَعْضَ الآيَاتِ الطِّوَالِ فِيهَا إعْجَازٌ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي "الشَّامِلِ" وَغَيْرِهِ: إنَّمَا يَتَحَدَّى بِالآيَةِ إذَا كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا بِهِ التَّعْجِيزُ، لا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ نَظَرَ} 9 فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} 10 أَيْ مِثْلِهِ فِي الاشْتِمَالِ عَلَى مَا 11بِهِ يَقَعُ1 الإِعْجَازُ لا مُطْلَقًا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ، لَكِنْ مِنْهُ مَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا
__________
1 المرجع السابق.
2 الآية 34 من الطور.
3 في ش ز ض: يقول.
4 الآية 21 من المدثر.
5 في ض: أو.
6 انظر: الفصل في الملل والنحل 3/ 19.
7 انظر: أصول السرخسي 1/ 280. وعبارة "بل في آية" ساقطة من ض.
8 في ش ز ع ب: وقال.
9 الآية 21 من المدثر.
10 الآية 34 من الطور.
11 في ع: يقع به.
(2/117)

بِذَاتِهِ. وَمِنْهُ مَا إعْجَازُهُ مَعَ الانْضِمَامِ إلَيْهِ1. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} 2 أَنَّ الإِعْجَازَ يَحْصُلُ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ3.
"وَيَتَفَاضَلُ" الْقُرْآنُ، وَيَتَفَاضَلُ أَيْضًا "ثَوَابُهُ" لِظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ4 وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ5: إنَّهُ الْحَقُّ. وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ6.
__________
1 ساقطة من ب ع ض.
2 الآية 23 من البقرة. وفي ش ز: فليأتوا. وهو خطأ.
3 انظر: نهاية السول 1/ 204، الإتقان في علوم القرآن 2/ 123، البرهان في علوم القرآن 2/ 108.
4 هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه. قال ابن خلكان: "جمع بين الحديث والفقه والورع، وكان أحد أئمة الأعلام". وكان قوي الذاكرة، يحفظ سبعين ألف حديث، جالس الإمام أحمد وروى عنه. وناظر الإمام الشافعي، ثم صار من أتباعه، وجمع كتبه، وله مسند مشهور، ومصنفات كثيرة، منها: "المسند"، و"التفسير". توفي بنيسابور سنة 238هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 1/ 179، تذكرة الحفاظ 2/ 433، حلية الأولياء 9/ 234، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 83، طبقات الحنابلة 1/ 109، طبقات الحفاظ ص 188، المنهج الأحمد 1/ 108، الخلاصة ص 27، شذرات الذهب 2/ 179، الفهرست ص 321، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 94".
5 هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح –بفتح الفاء وسكون الراء- الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله القرطبي، الإمام العالم الجليل، الفقيه المفسر المحدث. وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء الزاهدين في الدنيا، المشتغلين بأمور الآخرة. قال الذهبي: "إمام متقن متبحر في العلم، له مصنفات مفيدة، تدل على إمامته وكثرة اطلاعه ووفور عقله". ومن مؤلفاته: "أحكام القرآن" في التفسير، أجاد في البيان واستنباط الأحكام وإثبات القراءات والناسخ والمنسوخ والإعراب، و"شرح أسماء الله الحسنى"، و"التذكار في أفضل الأذكار"، و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، و"التقصي" وغير ذلك. توفي سنة 671هـ.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 2/ 308، شجرة النور الزكية ص 197، شذرات الذهب 5/ 335، طبقات المفسرين 2/ 65".
6 تفسير القرطبي 1/ 110. وانظر: الإتقان 2/ 156، البرهان في علوم القرآن 1/ 438، الفروع 1/ 415، جواهر القرآن ص 38، 48.
(2/118)

قَالَ1 الْغَزَالِيُّ فِي "جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ": "لَعَلَّك أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْت إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، و2الْكَلامُ كَلامُ اللَّهِ3. فَكَيْفَ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟
فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إنْ كَانَ لا يُرْشِدُك إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَاتِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الإِخْلاصِ وَسُورَةِ3 تَبَّتْ. وَتَرْتَاعُ عَلَى4 اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُك الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالتَّقْلِيدِ. فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَقَالَ: "يس قَلْبُ الْقُرْآنِ" 5، و "فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ" 6، وَ "آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ" 7، " {وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} :
__________
1 في ع: وقال.
2 في جواهر القرآن: والكل قول الله تعالى.
3 في ع: وبين سورة.
4 في جواهر القرآن: من.
5 هذا الحديث رواه الترمذي والدارمي عن أنس، وأوله: "إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس ... الحديث".
وفسر الغزالي ذلك فقال: "إن ذلك لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعلت قلب القرآن لذلك". واستحسن ذلك فخر الدين الرازي.
"انظر: تحفة الأحوذي 8/ 197، سنن الدارمي 2/ 456، جواهر القرآن ص 48، البرهان في علوم القرآن 1/ 144".
6 وردت أحاديث كثيرة في فضل فاتحة الكتاب بألفاظ متعددة.
"انظر: فيض القدير 4/ 418 وما بعدها، زاد المسير 1/ 10، تفسير الطبري 1/ 47، تفسير القرطبي 1/ 108".
7 رواه الترمذي وعبد الرزاق في حديث طويل بلفظ: "وفيها آية هي سيدة آي القرآن؛ آية الكرسي". وقال الترمذي: حديث غريب، وفيه حكيم بن جبير، تكلم فيه شعبة وضعفه. "تحفة الأحوذي 8/ 181، وانظر: المصنف لعبد الرزاق 3/ 376". ورواه أبو داود بلفظ: "إنها أعظم آي القرآن". "سنن أبي داود 1/ 337". وانظر فضل آية الكرسي في "صحيح مسلم 1/ 556". وروى عبد الرزاق أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال: "أعظم آية في القرآن آية الكرسي". "المصنف 3/ 371". ورواه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "سيدة آي القرآن آية الكرسي". المستدرك 2/ 260".
(2/119)

تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" 1. وَالأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَتَخْصِيصِ2 بَعْضِ السُّوَرِ وَالآيَاتِ بِالْفَضْلِ، وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي تِلاوَتِهَا لا تُحْصَى3". اهـ.
وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: إلَى الْمَنْعِ. وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ: كَرِهَ أَنْ تُرَدَّدَ سُورَةٌ دُونَ أُخْرَى4.
قَالَ5 ابْنُ الْحَصَّارِ6: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ7 الاخْتِلافَ فِي ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِالتَّفْضِيلِ8.
__________
1 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والدارمي وعبد الرزاق.
"انظر: صحيح البخاري 3/ 230، صحيح مسلم 1/ 556، سنن أبي داود 1/ 337، تحفة الأحوذي 8/ 205، سنن النسائي 2/ 133، سنن ابن ماجه 2/ 1244، الموطأ 1/ 209، سنن الدارمي 2/ 460، المصنف 3/ 371، فتح الباري 13/ 277".
2 في "جواهر القرآن": بتخصيص.
3 جواهر القرآن ص 37-38، وانظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 156.
4 انظر: تفسير القرطبي 1/ 109، الإتقان في علوم القرآن 2/ 156، البرهان في علوم القرآن 1/ 438.
5 في ع: وقال.
6 هو علي بن محمد بن أحمد، أبو الحسن الخزرجي الإشبيلي، ثم الفاسي، يعرف بابن الحصّار، الفقيه العالم المحصل المتفنن المؤلف. أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأقرأ في أصول الفقه، وحجّ وجاور، وحدّث عنه المنذري، وصنف في أصول الفقه. وله كتاب "الناسخ والمنسوخ"، و"البيان في تنقيح البرهان"، وله "أرجوزة في أصول الدين" شرحها في أربعة أجزاء. توفي سنة 611هـ.
"انظر: شجرة النور الزكية ص 173".
7 في ب ع ض: يذكر. وهو تصحيف.
8 في ز: بالفضل. والكلام منقول حرفياً من السيوطي في "الإتقان 2/ 156". وانظر: تفسير القرطبي 1/ 110.
(2/120)

وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ: كَلامُ اللَّهِ فِي اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كَلامِهِ فِي غَيْرِهِ. فَـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1: أَفْضَلُ مِنْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} 2.
وَقَالَ فِي "الإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ": "اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْضِيلِ:.فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَضْلُ رَاجِعٌ إلَى عِظَمِ الأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْتِقَالاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا، وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا3 عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ.
وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ4 لِذَاتِ اللَّفْظِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} 5 وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ6 الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الإِخْلاصِ مِنْ الدَّلالاتِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ، لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلاً فِي {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} 7 وَمَا كَانَ مِثْلَهَا. فَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا8". اهـ.
"وَيَتَفَاوَتُ إعْجَازُهُ" قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: فِي بَعْضِهِ إعْجَازٌ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ.
__________
1 الآية الأولى من الإخلاص.
2 الآية الأولى من المسد.
3 ساقطة من ب.
4 ساقطة من ز.
5 الآية 163 من البقرة. وفي ب: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} . وفي ز ع ض: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} . - الآية.
6 في ش ب ز: آية.
7 الآية الأولى من المسد.
8 الإتقان في علوم القرآن 1/ 156-157. وانظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 438، 440، جواهر القرآن ص 38 وما بعدها، تفسير القرطبي 1/ 110.
(2/121)

قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت: وَهُوَ صَحِيحٌ1، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ2 عُلَمَاءِ الْبَلاغَةِ3."وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ4 وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ5 وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو6 عُبَيْدٍ وَدَاوُد7،
__________
1 في ع: الصحيح.
2 ساقطة من ع.
3 انظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 99.
4 هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار "قيل من أقيال اليمن" الشعبي، أبو عمرو. وهو من حمير، وهو تابعي كوفي. قال ابن خلكان: جليل القدر، وافر العلم، عالم الكوفة، وكان نحيفاً، وكان مزاحاً. له مناقب وشهرة، توفي بالكوفة فجأة سنة 103هـ، وقيل غير ذلك، وقد أدرك خمسمائة من الصحابة أو أكثر.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 2/ 227، تذكرة الحفاظ 1/ 79، تاريخ بغداد 12/ 229، حلية الأولياء 4/ 310، طبقات القراء 1/ 350، طبقات الحفاظ ص 32، طبقات الفقهاء ص 81، الخلاصة ص 184، المعارف ص 449، شذرات الذهب 1/ 126".
5 هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وعلمه، وهو أحد الأئمة المجتهدين، عين على قضاء الكوفة فامتنع واختفى. قال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، والفقهاء في الدين ممن لزم الحديث والفقه، وواظب على الورع والعبادة ... حتى صار عَلَماً يرجع إليه في الأمصار. مات بالبصرة سنة 161هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 2/ 127، طبقات المفسرين 1/ 186، طبقات الفقهاء ص 84، تاريخ بغداد 9/ 151، تذكرة الحفاظ 1/ 203، حلية الأولياء 6/ 356، مشاهير علماء الأمصار ص 169، التاج المكلل ص 50، صفة الصفوة 3/ 147، طبقات الحفاظ ص 88، الخلاصة ص 145، شذرات الذهب 1/ 250، الفهرست ص 85".
6 في ز ش ب ض: أبي.
7 هو داود بن علي بن خلف، أبو سليمان الأصبهاني البغدادي، إمام أهل الظاهر، وكان زاهداً متقللاً كثير الورع، وكان أكثر الناس تعصباً للإمام الشافعي. وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، ثم صار صاحب مذهب مستقل. وكان من عقلاء الناس. ويحضر مجلسَه العددُ الكثير. ومن مؤلفاته: "الكافي في مقال المطلبي"، "وإبطال القياس"، "وأعلام النبي و"المعرفة"، "والدعاء"، و"الطهارة"، "والحيض"، "والصلاة" وغيرها. توفي ببغداد سنة 270هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 2/ 284، ميزان الاعتدال 2/ 14، تاريخ بغداد 8/ 369، وفيات الأعيان 2/ 26، طبقات الحفاظ ص 253، طبقات المفسرين 1/ 166، شذرات الذهب 2/ 158، الفهرست ص 303، الفتح المبين 1/ 159، طبقات الفقهاء ص 92".
(2/122)

وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ1، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكْثَرِ2 الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ3 وَغَيْرِهِمْ4.
__________
1 هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله، أصله من حرستا بغوطة دمشق. ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث على الإمام مالك، ثم حضر مجلس أبي حنيفة سنين، وتفقه على أبي يوسف، والتقى مع الشافعي وناظره، ثم أثنى عليه الشافعي، وكان من أفصح الناس. دوّن فقه أبي حنيفة ونشره، ولاه الرشيد قضاء الرقة، ثم عزله عنها. وأهم كتبه: "الجامع الكبير"، "والجامع الصغير"، "والأصل"، "والسير الصغير"، "والسير الكبير"، "والزيادات"، "والآثار"، "والنوادر" وغيرها. توفي سنة 189هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص 135، الفوائد البهية ص 163، الجواهر المضيئة 2/ 42، تهذيب الأسماء 1/ 80، وفيات الأعيان 3/ 324، تاج التراجم ص 54، المعارف ص 500، التاج المكلل ص 105، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 120، شذرات الذهب 1/ 320، الفهرست ص 287".
2 ساقطة من ز ش. وموجودة في بقية النسخ، وهو الصحيح؛ لأن نصف القراء تركوا البسملة في القراءة، وهم: ابن عامر، ونافع، وحمزة، وأبو عمرو. "انظر فواتح الرحموت 2/ 14".
3 القراء السبعة هم: 1- نافع بن عبد الرحمن الليثي "ت 169هـ." 2- عبد الله بن كثير المكي "ت 126هـ." 3- زيان بن العلاء، أبو عمرو البصري "ت 154هـ". 4- عبد الله بن عامر الشامي اليحصبي قاضي دمشق "ت 118هـ". 5- عاصم بن أبي النجود الكوفي "ت 128هـ". 6- حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي "ت 156هـ". 7- علي بن حمزة الكسائي النحوي، أبو الحسن "ت 189هـ".
"انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 327".
وفي ض: من السبعة.
4 "انظر: صحيح ابن خزيمة 1/ 248، شرح النووي على مسلم 4/ 113، الإحكام للآمدي 1/ 163، أصول السرخسي 1/ 280، المجموع شرح المهذب 3/ 333، المستصفى 1/ 102، فواتح الرحموت 2/ 14، جمع الجوامع 1/ 227، زاد المسير 1/ 7، فتاوى ابن تيمية 13/ 399، أصول الفقه الإسلامي ص 106 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 7، كشف الأسرار 1/ 73، التلويح على التوضيح 1/ 159، إرشاد الفحول ص 31".
(2/123)

وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالأَوْزَاعِيُّ1 وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ2 وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ3. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ4، لَكِنْ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ": فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ نَظَرٌ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: تَكُونُ الْبَسْمَلَةُ كَالاسْتِعَاذَةِ. وَعَلَى الأَوَّلِ "لا" تَكُونُ "مِنْ الْفَاتِحَةِ" عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهَا مُعْظَمُ أَصْحَابِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، اخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ5 وَأَبُو
__________
1 هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد، أبو عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشام. قال ابن حبان: "أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً، وورعاً وحفظاً، وفضلاً وعبادة، وضبطاً مع زهادة". وكان إماماً في الحديث، وكان يسكن بيروت، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقال المغرب إلى مذهب مالك نحوَ مائتي سنة. وهو من تابعي التابعين، وكان بارعاً في الكتابة والترسل. توفي سنة 157 هـ ببيروت.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 1/ 178، وفيات الأعيان 2/ 310، طبقات الفقهاء ص 76، طبقات الحفاظ ص 79، مشاهير علماء الأمصار ص 180، تهذيب الأسماء 1/ 298، الخلاصة ص 232، شذرات الذهب 1/ 241".
2 في ب ع: والطبري. وهو خطأ.
3 وهو قول القاضي الباقلاني ومكي بن أبي طالب. وقد ذكر الإمام النووي أدلة هذا القول في "المجموع" وناقشها ورود عليها.
"انظر: تفسير الطبري 1/ 146 ط المعارف، الإحكام للآمدي 1/ 163، المجموع شرح المهذب 3/ 334، كشف الأسرار 1/ 23، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب 1/ 22، مختصر ابن الحاجب 1/ 19، جمع الجوامع 1/ 227".
4 انظر: زاد المسير 1/ 7.
5 هو عبيد الله بن محمد بن محمد، أبو عبد الله العُكبري المعروف بابن بطة، الفقيه الحنبلي، العالم الصالح. قال ابن العماد: "كان أحد المحدثين العلماء الزهاد". لازم بيته أربعين سنة، ولم يُرَ مفطراً إلا في يومي الفطر والأضحىوالتشريق، وكان مستجاب الدعوة، صنف كتاباً كبيراً في السنة سماه "السنن". وله مصنفات كثيرة، منها: "الإبانة في أصول الديانة" الصغرى والكبرى، "والمناسك"، "وذم البخل"، "وتحريم الخمر". توفي بعكبرا سنة 387هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة 2/ 144، المنهج الأحمد 2/ 69، شذرات الذهب 3/ 122".
(2/124)

حَفْصٍ1 الْعُكْبَرِيَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ2.
"وَلا تَكْفِيرَ بِاخْتِلافٍ فِيهَا" أَيْ وَلا يَكْفُرُ مَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ 3مِنْ الْقُرْآنِ5، وَلا يَكْفُرُ4 مَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ5 مِنْ الْفَاتِحَةِ6، وَلا مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ. وَلأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ الْقَطْعِيِّ، بَلْ مِنْ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ الأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا هَلْ هِيَ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، كَسَائِرِ الْقُرْآنِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ، لاخْتِلافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا7.
وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ8: "أَنَّهُ لا يُكَفَّرُ النَّافِي بِأَنَّهَا قُرْآنٌ إجْمَاعًا9".
__________
1 هو عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العُكبري، ويعرف بابن المسلم. له معرفة عالية بالمذهب الحنبلي، وله التصانيف السائرة، منها: "المقنع"، "وشرح الخرقي"، "والخلاف بين أحمد ومالك"، "والاختيارات في المسائل المشكلات". وصحب عدداً من فقهاء الحنابلة كأبي إسحاق بن شاقلا، ولازم ابن بطة. توفي سنة 387هـ.
انظر ترجمته في "المنهج الأحمد 2/ 73، طبقات الحنابلة 2/ 163".
2 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 4/ 111، المجموع شرح المهذب 3/ 333، 335، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 21، أصول الفقه الإسلامي ص 106، أصول السرخسي 1/ 280، التلويح على التوضيح 1/ 159.
3 في ب ع ض: بقران.
4 ساقطة من ب ع ض.
5 ساقطة من ز.
6 قال المجد ابن تيمية: "وليست من الفاتحة". "المحرر في الفقه 1/ 53". وانظر: الفروع 1/ 413.
7 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 163، كشف الأسرار 1/ 23، البرهان في علوم القرآن 2/ 125، المستصفى 1/ 103.
8 في ش: الثوري.
9 المجموع 3/ 333، وهذا ما نقله الآمدي والغزالي عن أبي بكر الباقلاني. "انظر: الإحكام 1/ 163، المستصفى 1/ 103، 104، مختصر ابن الحاجب 2/ 19".
(2/125)

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: "وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مَنَعَتْ مِنْ التَّكْفِيرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ1".
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَكِنْ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَثْبَتْنَاهَا قُرْآنًا قَطْعِيًّا. أَمَّا إذَا أَثْبَتْنَاهَا حُكْمِيًّا. فَلَيْسَ هُنَا مُقْتَضٍ لِلتَّكْفِيرِ، حَتَّى يُدْفَعَ بِالشُّبْهَةِ.
"وَهِيَ" أَيْ الْبَسْمَلَةُ "آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ". قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا مَنْصُوصُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ": وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ2 أَبِي حَنِيفَةَ3. "سِوَى بَرَاءَةَ" يَعْنِي إلاَّ "بَرَاءَةَ". فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِهَا إجْمَاعًا. إمَّا لِكَوْنِهَا أَمَانًا. وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، كَمَا قَالَ4 ابْنُ
__________
1 مختصر ابن الحاجب 2/ 19.
2 في ع: عن.
3 يتلخص هذا الموضوع في أن العلماء اتفقوا على أن البسملة بعض آية في "سورة النمل". واختلفوا في كونها آية في أوائل السور على ثلاثة أقوال: الأول: أن البسملة آية في أول كل سورة أو مع الآية الأولى من كل سورة إلا في "سورة التوبة". وهذا قول الشافعي. الثاني: أن البسملة ليست آية في أوائل السور مطلقاً، وهو قول المالكية والباقلاني من الشافعية. الثالث: أن البسملة آية من القرآن الكريم، وتتكرر في أوائل السور للفصل، وهو قول الحنابلة والحنفية. وقال الشوكاني: والحق أنها آية في كل سورة، وبيّن الأدلة.
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 14، تيسير التحرير 3/ 7، أصول السخسي 1/ 280، التلويح على التوضيح 1/ 159، كشف الأسرار 1/ 23، المستصفى 1/ 102، الإحكام للآمدي 1/ 163، حاشية البناني وتقريرات الشربيني 1/ 227، مختصر ابن الحاجب 1/ 19، الإتقان في علوم القرآن 1/ 78، المجموع شرح المهذب 3/ 333، إرشاد الفحول ص 31، مناهل العرفان 1/ 426".
4 في ض: قاله.
(2/126)

عَبَّاسٍ. وَقَدْ كَشَفَتْ أَسْرَارَ الْمُنَافِقِينَ. وَلِذَلِكَ تُسَمَّى "الْفَاضِحَةَ"، وَإِمَّا لأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالأَنْفَالِ سُورَةً وَاحِدَةً، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى أَقْوَالٍ1.
"وَ" الْبَسْمَلَةُ أَيْضًا "بَعْضُهَا" أَيْ بَعْضُ آيَةٍ "مِنْ" سُورَةِ "النَّمْلِ2" إجْمَاعًا. فَهِيَ قُرْآنٌ فِيهَا قَطْعًا3.
"وَ" الْقِرَاءاتُ "السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ4. نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ5 مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ "الْغَايَةِ". وَقَالَ: قَالَتْ: الْمُعْتَزِلَةُ6: آحَاداً7. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: "إنَّهَا آحَادٌ" كَالطُّوفِيِّ فِي "شَرْحِهِ8". قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ
__________
1 انظر هذه الأقوال وتعليلها في "البرهان في علوم القرآن 1/ 263، جمع الجوامع 1/ 228، تفسير القرطبي 8/ 61، تفسير الخازن 3/ 46، زاد المسير 3/ 389".
2 وهي قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ} . الآية 30 من النمل.
3 انظر: أًصول السرخسي 1/ 280، المستصفى 1/ 104، مختصر ابن الحاجب 1/ 19، جمع الجوامع 1/ 227، الفروع 1/ 413.
4 انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 87، مناهل العرفان 1/ 428، فواتح الرحموت 2/ 15، مختصر ابن الحاجب 2/ 21، المحلي على جمع الجوامع 1/ 228.
5 هو زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي، الفقيه المقرئ المحدث، من أئمة أصحاب الشافعي، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب، وأخذ علم الكلام عن الأشعري. قال الحاكم: "الفقيه المحدث، شيخ عصره بخراسان". توفي سنة 389هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 293، تهذيب الأسماء 1/ 192، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص 86، طبقات القراء 1/ 288، تبيين كذب المفتري ص 206، شذرات الذهب 3/ 131".
6 ساقطة من ش.
7 في ع آحاد.
8 انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 87. وقد ذكر الطوفي في "مختصره" أن: القراءات السبعة متواترة، خلافاً لقوم. ورد احتمال الآحاد. "انظر: مختصر الطوفي ص 46".
(2/127)

أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ لا إلَيْهِمْ - بِأَنَّ1 أَسَانِيدَ الأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ بِهَذِهِ الْقِرَاءاتِ السَّبْعِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءاتِ2. وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ، لَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ انْحِصَارَ الأَسَانِيدِ فِي طَائِفَةٍ لا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْقِرَاءاتِ عَنْ غَيْرِهِمْ. فَقَدْ كَانَ يَتَلَقَّى الْقِرَاءَةَ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ بِقِرَاءَةِ إمَامِهِمْ الَّذِي مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ: الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَنْ مِثْلِهِمْ. وَكَذَلِكَ دَائِمًا، فَالتَّوَاتُرُ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الأَئِمَّةَ الَّذِينَ قَصَدُوا ضَبْطَ الْحُرُوفِ وَحَفِظُوا شُيُوخَهُمْ فِيهَا جَاءَ السَّنَدُ مِنْ قِبَلِهِمْ. وَهَذَا كَالأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ هِيَ آحَادٌ، وَلَمْ تَزَلْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ مَنْقُولَةً عَمَّنْ يَحْصُلُ بِهِمْ التَّوَاتُرُ عَنْ مِثْلِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ3، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِذَلِكَ، وَلا يُغْتَرَّ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ أَسَانِيدَ الْقُرَّاءِ تَشْهَدُ بِأَنَّهَا آحَادٌ4.
وَإِذَا5 تَقَرَّرَ هَذَا، فَاسْتَثْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ مَا كَانَ مِنْ
__________
1 في ش: بأنها.
2 في ع: القراءة. وفي ش ب ز: القراء.
3 لا يخلو كتاب من كتب السنة النبوية من نقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم التي ودّع فيها الأمة، وبين لهم مناسكهم. وقد رواها البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
"انظر: صحيح البخاري 3/ 82، صحيح مسلم 2/ 886، سنن أبي داود 2/ 388، تحفة الأحوذي 3/ 545، سنن النسائي 5/ 204، سنن ابن ماجه 2/ 1022، مسند أحمد 3/ 305، سنن الدارمي 2/ 45".
4 انظر تفصيل هذا البحث مع بيان أسماء القراء ورواياتهم وطرقهم في "النشر في القراءات العشر 1/ 54، البرهان في علوم القرآن 1/ 319، إرشاد الفحول ص 30، البناني على جمع الجوامع 1/ 228، فواتح الرحموت 2/ 16".
5 في ب ع: إذا.
(2/128)

قُبَيْلِ صِفَةِ الأَدَاءِ، كَالْمَدِّ وَالإِمَالَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ1 وَنَحْوِهِ2.
وَمُرَادُهُ: مَقَادِيرُ الْمَدِّ وَكَيْفِيَّةُ الإِمَالَةِ لا أَصْلُ الْمَدِّ وَالإِمَالَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا3. فَالْمَقَادِيرُ، كَمَدِّ حَمْزَةَ4 وَوَرْشٍ5. فَإِنَّهُ قَدْرُ سِتِّ أَلِفَاتٍ. وَقِيلَ: خَمْسٌ. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ. وَرَجَّحُوهُ. وَمَدُّ عَاصِمٍ6: قَدْرُ ثَلاثِ أَلِفَاتٍ،
__________
1في ش ز: الهمز. وفي ع ض ب ومختصر ابن الحاجب: الهمزة.
2انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 21، البرهان في علوم القرآن 1/ 319، مناهل العرفان 1/ 430، النشر في القراءات العشر 1/ 395، فواتح الرحموت 2/ 15، جمع الجوامع 1/ 228، المدخل إلى مذهب أحمد ص 87.
3انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 319، فواتح الرحموت 2/ 15، البناني على جمع الجوامع 1/ 229.
4هو حمزة بن حبيب بن عمارة، أبو عمارة الكوفي، التيمي مولاهم، أحد القراء السبعة. ولد سنة 80هـ، وأدرك الصحابة بالسن، فيحتمل أن يكون رأى بعضهم. قال ابن الجزري: "وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم والأعمش، وكان إماماًَ حجة ثبتاً رضى قيماً بكتاب الله، بصيراً بالفرائض، عارفاً بالعربية، حافظاً للحديث، عابداً خاشعاًَ، زاهداً ورعاً، قانتاً لله عديم النظر". كان يتجر بالزيت. توفي بحلوان سنة 156هـ. ومن مصنفاته: "كتاب قراءة حمزة"، و"كتاب الفرائض".
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 261، مشاهير علماء الأمصار ص 168، مرآة الجنان 1/ 332، معرفة كبار القراء 1/ 93، الخلاصة ص 93، الفهرست ص 44، شذرات الذهب 1/ 240".
5هو عثمان بن سعيد بن عبد الله، أبو سعيد القرشي مولاهم، القبطي المصري، الملقب بورش، شيخ القراء المحققين، وإمام أهل الأداء المرتلين. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، ولقبه نافع بورش لبياضه، أو الورشان، وهو اسم طائر معروف، اشتغل بالقرآن والعربية، فمهر بهما. توفي سنة 197هـ بمصر.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 502، حسن المحاضرة 1/ 485، معرفة القراء الكبار 1/ 126، شذرات الذهب 1/ 349".
6 هو عاصم بن بَهْدَلة أبي النجود، أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي، شيخ القراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة، وجمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد. وكان أحسن الناس صوتاً بالقرآن. قال الإمام أحمد عنه: "رجل صالح خير ثقة، لكن قراءة أهل المدينة أحب، فإن لم فقراءة عاصم. ووثقه أبو زرعة وجماعة، وخرج له أصحاب الكتب الستة. توفي سنة 127هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 346، ميزان الاعتدال 2/ 358، معرفة القراء الكبار 1/ 73، الخلاصة ص 182، شذرات الذهب 1/ 175، الفهرست ص 43".
(2/129)

وَالْكِسَائِيِّ1: قَدْرُ أَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ وقالون2: قَدْرُ أَلِفَيْنِ، وَالسُّوسِيِّ3: قَدْرُ أَلِفٍ وَنِصْفٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ4.
وَكَذَلِكَ الإِمَالَةُ تَنْقَسِمُ إلَى: مَحْضَةٍ. وَهِيَ أَنْ يَنْحَنِيَ5 بِالأَلِفِ إلَى الْيَاءِ،
__________
1 هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن، المعروف بالكسائي، أحد القراء السبعة. قال ابن خلكان: "كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ولم يكن له في الشعر يد". وكان يؤدب الأمين بن الرشيد ويعلمه. استوطن بغداد، وله مصنفات، منها: "معاني القرآن"، و"مختصر في النحو"، و"القراءات"، و"مقطوع القرآن وموصوله"، و"النوادر". توفي بالري سنة 189هـ.
انظر ترجمته في "طبقات المفسرين 1/ 399، إنباه الرواة 2/ 256، طبقات القراء 1/ 535، طبقات النحويين ص 127، مرآة الجنان 1/ 421، معرفة القراء الكبار 1/ 100، وفيات الأعيان 2/ 457، المعارف ص 545، شذرات الذهب 1/ 321، الفهرست ص 44".
2 هو عيسى بن مينا بن وردان، الملقب بقالون، المدني، قارئ المدينة ونحويّها. ويقال: إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيراً، وهو الذي لقبه قالون، بمعنى جيد، لجودة قراءته باللغة الرومية. وكان أصم لا يسمع البوق، لكنه يسمع القرآن. قال ابن أبي حاتم: كان أصم يقري القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة، ويكتب حديثه بالجملة. توفي سنة 220هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 615، ميزان الاعتدال 3/ 327، معرفة القراء الكبار 1/ 128، شذرات الذهب 2/ 48".
3 هو صالح بن زياد بن عبد الله، أبو شعيب السوسي، مقرئ ضابط، محرر ثقة، وهو عالم أهل الرقة ومقرئهم. قال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة 261هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 332، الخلاصة ص 170، معرفة القراء الكبار 1/ 159، شذرات الذهب 2/ 143".
4 انظر: النشر في القراءات العشر 1/ 314، 320، وما بعدها، البرهان في علوم القرآن 1/ 319، مناهل العرفان 1/ 435.
5 في ع ض: ينحي، وكذا في البرهان في علوم القرآن 1/ 320.
(2/130)

وَبِالْفَتْحَةِ إلَى الْكَسْرَةِ، وَإِلَى بَيْنَ بَيْنَ. وَهِيَ كَذَلِكَ، 1إلاَّ أَنَّهَا5 تَكُونُ إلَى الأَلِفِ وَالْفَتْحَةِ أَقْرَبَ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ2.
أَمَّا أَصْلُ التَّخْفِيفِ3 فِي الْهَمْزَةِ4 وَالتَّشْدِيدِ فَمُتَوَاتِرٌ5، وَأَمَّا كَوْنُ أَنَّ مِنْ الْقُرَّاءِ مَنْ يُسَهِّلُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْدِلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً6. وَلِهَذَا كَرِهَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ طُولِ الْمَدِّ وَالْكَسْرِ وَالإِدْغَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ7؛ لأَنَّ الأُمَّةَ إذَا أَجْمَعَتْ8 عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يُكْرَهْ فِعْلُهُ. وَهَلْ يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَتَوَاتَرَتْ إلَيْنَا يَكْرَهُهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، وَهُوَ وَاضِحٌ. 9وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ وَجَمْعٍ3، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْكِسَائِيّ؛ لأَنَّهَا كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي الإِمَالَةِ وَالإِدْغَامِ10. كَمَا نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي "الْغَايَةِ".
__________
1 في ض: لأنها.
2 انظر: النشر في القراءات العشر 2/ 30 وما بعدها، البرهان في علوم القرآن 1/ 320، مناهل العرفان 1/ 436.
3 في ض: التحقيق.
4 في ش ز ع: الهمز.
5 في ض: فهو تواتر.
6 انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 320، مناهل العرفان 1/ 437.
7 قال ابن الجزري: وأما ما ذُكر عن عبد الله بن إدريس وأحمد بن حنبل من كراهة قراءة حمزة، فإن ذلك محمول على قراءة من سمعنا منه ناقلاً عن حمزة، وما آفة الأخبار إلا رواتها. "طبقات القراء 1/ 263".
وانظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 320، الفروع 1/ 422.
8 في ض: اجتمعت.
9 ساقطة من ش ز.
10 انظر: الفروع 1/ 422.
(2/131)

فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُتَوَاتِرًا لَمَا كَرِهَهُ1 أَحَدٌ مِنْ الأَئِمَّةِ. وَزَادَ أَبُوْ شَامَةَ2 الأَلْفَاظَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ أَيْ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ تَأْدِيَتِهَا. كَالْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ، يُبَالِغُ بَعْضُهُمْ فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَزِيدُ حَرْفًا، وَبَعْضُهُمْ لا يَرَى ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى التَّوَسُّطَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي اسْتِثْنَائِهِ مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الأَدَاءِ3.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ4: لا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنَ الْحَاجِبِ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ
__________
1 في ش: كرههه.
2 هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو شامة المقدسي، ثم الدمشقي، شهاب الدين، أبو القاسم، الإمام الحافظ المحدث العلامة المجتهد، الشافعي المقرئ، النحوي. برع في علم العربية والقراءات. درس الحديث، وأتقن الفقه، ودرس وأفتى، وكان متواضعاً، ولي مشيخة الإقراء، ومشيخة الحديث بدمشق. وله مصنفات كثيرة، منها: "شرح الشاطبية"، و"مختصر تاريخ دمشق"، و"شرح المفصل للزمخشري"، و"كتاب الروضتين"، و"البيهقي"، و"مقدمة في النحو" وغيرها. توفي سنة 665هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 365، طبقات المفسرين 1/ 263، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 165، طبقات الحفاظ ص 507، تذكرة الحفاظ 4/ 1460، البداية والنهاية 13/ 250, بغية الوعاة 2/ 77، شذرات الذهب 5/ 318، فوات الوفيات 1/ 527، معرفة القراء الكبار 2/ 537".
3 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 22.
4 هو محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، العمري الدمشقي، ثم الشيرازي، الشافعي، المقرئ، ويعرف بابن الجزري، الحافظ، شيخ القراء في زمانه. وصار قاضياً بشيراز، وفتح مدرسة القرآن بالشام وشيراز. حفظ القرآن، وصلى به، وجمع القراءات، وجلس للإقراء في المسجد الأموي، وولي مشيخة الإقراء الكبرى، له تصانيف كثيرة، منها: "النشر في القراءات العشر"، و"التقريب"، و"التمهيد في التجويد"، و"منجد المقرئين"، و"طبقات القراء". توفي سنة 833هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 2/ 247، الضوء اللامع 9/ 255، طبقات المفسرين 2/ 59، البدر الطالع 2/ 257، ذيل تذكرة الحفاظ ص 376، طبقات الحفاظ ص 543، شذرات الذهب 7/ 204".
وفي ز ش ب ض: ابن الجوزي. وهو تصحيف، لأن ابن الجوزي متقدم، وقد توفي سنة 597هـ، بينما وفاة ابن الحاجب سنة 646هـ، فكيف ينقل عنه؟!
(2/132)

إذَا ثَبَتَ تَوَاتُرُ اللَّفْظِ "1ثَبَتَ تَوَاتُرُ1" هَيْئَتِهِ؛ إذْ اللَّفْظُ لا يَقُومُ إلاَّ بِهِ، وَلا يَصِحُّ إلاَّ بِوُجُودِهِ2.
"وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ" 3بْنِ عَفَّانَ "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ4" الَّذِي كَتَبَهُ وَأَرْسَلَ 4مِنْهُ إلَى الآفَاقِ5 مَصَاحِفَ عَدِيدَةً "أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ5".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ: مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ6.
وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ أَبُو شَامَةَ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الإِمَامُ فِي الْقِرَاءاتِ فِي كِتَابِهِ "الْمُرْشِدِ": إنَّ الْقِرَاءاتِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ السَّبْعَةِ وَالْعَشَرَةِ7 وَغَيْرِهَا8 هِيَ
__________
1 في ش: ثبتت.
2 قال ابن الجزري في ترجمة ابن الحاجب –بعد أن ذكر فضله وعلمه ومصنفاته وأخلاقه-: قلت: إلا أنه أعضل فيما ذكره في مختصر الأصول حين تعرض للقراءات، وأتى بما لم يتقدم فيه غيره، كما أوضحت ذلك في كتابي المنجد وغير ذلك. "طبقات القراء 1/ 509".
3 ساقطة من ب ض. وفي ع: بن عفان.
4 في ب ز ض: إلى الآفاق منه. وفي ع: منه إلى الآفاق من.
5 وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن المصحف العثماني مشتمل على ما يحتمله رسمه من الأحرف السبعة. وذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصحف العثماني مشتمل على جميع الأحرف السبعة، ولكل فريق أدلته.
"انظر: النشر في القراءات العشر 1/ 31، تفسير الطبري 1/ 25، فتاوى ابن تيمية 13/ 395 وما بعدها، البرهان في علوم القرآن 1/ 213، مناهل العرفان 1/ 392، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1/ 87، 523".
6 انظر: فتاوى ابن تيمية 13/ 395، الفروع 1/ 423.
7 القراءات السبعة هي: قراءة أبي عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وابن عامر. والعشرة: هي قراءة السبعة مع قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبي محمد "205هـ"، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع "130هـ"، وخلف بن هشام "229هـ".
8 في ش ض: وغيرهما.
(2/133)

حَرْفٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" 1. اهـ.
"فَتَصِحُّ الصَّلاةُ" بِقِرَاءَةِ "مَا وَافَقَهُ وَصَحَّ" سَنَدُهُ "وَإِنْ لَمْ يَكُنْ" مَا قَرَأَ بِهِ الْمُصَلِّي "مِنْ" الْقِرَاآتِ "الْعَشَرَةِ" نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ2. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ": "وَتَصِحُّ بِمَا وَافَقَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ وِفَاقًا لِلأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ3".وَقَالَ 4ابْنُ الْجَزَرِيِّ6 فِي كِتَابِ "النَّشْرِ فِي الْقِرَاءاتِ الْعَشْرِ": كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتْ إحْدَى5 الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوْ احْتِمَالاً. وَوَافَقَتْ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ6 - وَصَحَّ سَنَدُهَا - فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ
__________
1 رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد. انظر: صحيح البخاري 3/ 227، صحيح مسلم 1/ 560، تحفة الأحوذي 8/ 264، مسند أحمد 5/ 385، تخريج أحاديث البزدوي ص 190.
قال ابن الجزري: وقد نص الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله على أن هذا الحديث تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. "النشر في القراءات العشر 1/ 21".
وانظر آراء العلماء في المقصود من الأحرف السبعة في "النشر في القراءات العشر 1/ 23، الرسالة للشافعي ص 273، إرشاد الفحول ص 31، البرهان في علوم القرآن 1/ 213، مناهل العرفان 1/ 148، تفسير الطبري 1/ 11 وما بعدها، الإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام ص 270، فتاوى ابن تيمية 13/ 290، تفسير القرطبي 1/ 41".
2 انظر وجوه الاختلاف في القراءات في كتاب "تأويل مشكل القرآن لابن تيمية ص 36، النشر في القراءات العشر 1/ 54، المحلي على جمع الجوامع 1/ 231".
3 الفروع 1/ 422.
4 ساقطة من ب ز ع ض.
5 في ش ع: أحد.
6 العبارة في كتاب النشر: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف ولو احتمالاً. النشر في القراءات العشر 1/ 9".
(2/134)

يُنْكِرَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَنْ الْعَشَرَةِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ1 مِنْ الأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ2. وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الأَرْكَانِ الثَّلاثَةِ: أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ3 كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. صَرَّحَ بِهِ الدَّانِيُّ4، وَمَكِّيٌّ5،
__________
1 العبارة في الأصل: "القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم. "النشر في القراءات العشر 1/ 9".
2 انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص 6.
3 ساقطة من ش.
4 هو عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، الأموي مولاهم، القرطبي، الإمام العلامة الحافظ، شيخ مشايخ المقرئين، رحل إلى المشرق، ثم رجع إلى قرطبة، وسمع الحديث، وبرَّز فيه، وفي أسماء رجاله، وفي القراءات علماً وعملاً، وفي الفقه والتفسير. وكان حسن الخط، جيد الضبط، من أهل الحفظ والذكاء، وكان ديناً فاضلاً ورعاً، مالكي المذهب. وله مصنفات كثيرة، منها: "جامع البيان" في القراءات السبع، و"التيسير" و"المقنع"، و"طبقات القراء"، و"التمهيد"، و"الفتن والملاحم". توفي بدانية سنة 444هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 503، طبقات الحفاظ ص 429، تذكرة الحفاظ 3/ 1120، طبقات المفسرين 1/ 373، الديباج المذهب 2/ 84، إنباه الرواة 2/ 341، معرفة القراء الكبار 1/ 325، شجرة النور الزكية ص 115، الصلة 2/ 385، شذرات الذهب 3/ 272".
5 هو مكي بن أبي طالب بن حَمُّوش، أبو محمد القيسي، ثم الأندلسي القرطبي. قال ابن الجزري: إمام علامة، محقق عارف، أستاذ القراء المجودين، قال صاحبه المقري: كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم والخلق، جيد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسناً مجوداً عالماً بمعاني القراءات. له مصنفات كثيرة، منها: "التبصرة في القراءات"، و"التفسير"، و"مشكل إعراب القرآن"، و"الرعاية" في التجويد، و"الموجز في القراءات". توفي سنة 437هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 2/ 309، طبقات المفسرين 2/ 331، 337، وفيان الأعيان 4/ 361، إنباه الرواة 3/ 313، الديباج المذهب 2/ 342، بغية الوعاة 2/ 298، شذرات الذهب 3/ 260، معرفة القراء الكبار 1/ 316".
(2/135)

وَالْمَهْدَوِيُّ1، وَأَبُو شَامَةَ. وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلافُهُ2. اهـ.
"وَ" مَا كَانَ مِمَّا وَرَدَ "غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ، وَهُوَ مَا خَالَفَهُ" أَيْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ "لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَلا تَصِحُّ" الصَّلاةُ "بِهِ" لأَنَّ الْقُرْآنَ لا يَكُونُ إلاَّ مُتَوَاتِرًا، وَهَذَا غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ. فَلا يَكُونُ قُرْآنًا فَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ3.
وَعَنْهُ تَصِحُّ. رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ4 عَنْ مَالِكٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَالشَّيْخُ
__________
1 هو أحمد بن عمار بن أبي العباس، الإمام أبو العباس المهدوي، نسبة إلى المهدية بالمغرب، أستاذ مشهور، وهو نحوي ولغوي مفسر، وكان مقدماً في القراءات والعربية. وألف كتباً كثيرة النفع، منها: "التفصيل" وهو كتاب كبير في التفسير، "والتحصيل" مختصر للأول. قال القفطي: "والكتابان مشهوران في الآفاق"، وله "تعليل القراءات السبع"، و"الهداية" في القراءات السبع. قال الذهبي: توفي بعد 430هـ. وقال السيوطي: مات في الأربعين وأربعمائة.
"انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 92، طبقات المفسرين 1/ 56، إنباه الرواة 1/ 91، بغية الوعاة 1/ 351، شجرة النور الزكية ص 108، معرفة القراء الكبار 1/ 320".
2 النشر في القراءات العشر 1/ 9.
3 وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية.
انظر: أصول السرخسي 1/ 279 وما بعدها، المستصفى 1/ 102، العضد على ابن الحاجب 2/ 19، جمع الجوامع 1/ 228، أصول مذهب أحمد ص 186، 191، الفروع 1/ 423، المجموع للنووي 3/ 392، فواتح الرحموت 1/ 9، البرهان في علوم القرآن 1/ 332، 467، فتاوى ابن تيمية 13/ 394".
4 هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، الفهري مولاهم، أبو محمد، أحد الأعلام، تفقه بمالك والليث. حدث عن السفيانين وابن جريج. قال ابن عدي: من جُلّة الناس وثقاتهم. وقال ابن يونس: جمع ابن وهب وبين الفقه والرواية والعبادة. وكان مالك يكتب إليه في المسائل ويقول: ابن وهب عالم، وابن القاسم فقيه. له مصنفات، منها: "أهوال القيامة"، "والموطأ الكبير والصغير"، وطلب للقضاء فتغيب. توفي سنة 197هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص 150، طبقات القراء 1/ 463، طبقات الحفاظ ص 126، تذكرة الحفاظ 1/ 304، الديباج المذهب 1/ 413، شجرة النور الزكية ص 58، مرآة الجنان 1/ 458، ميزان الاعتدال 2/ 522، وفيات الأعيان 2/ 240، الخلاصة ص 218، شذرات الذهب 1/ 347".
(2/136)

تَقِيُّ الدِّينِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لِصَلاةِ الصَّحَابَةِ بِهِ1 بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ2. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَصْحَابِ هَذِهِ الْقِرَاآتِ، كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ3، وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ4 وَالأَعْمَشِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَضْرَابِهِمْ. وَلَمْ
__________
1 ساقطة من ب ع ض.
2 قال ابن الجزري: "واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة فأجازها بعضُهم، لأن الصحابة التابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ثبتت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني". "النشر في القراءات العشر 1/ 14".
وانظر: الفروع 1/ 107، فتاوى ابن تيمية 13/ 394، 397، فواتح الرحموت 2/ 9، جمع الجوامع 1/ 228.
3 هو الحسن بن يسار، أبو سعيد البصري. كان من سادات التابعين وكبرائهم وكبرائهم وجمع من كل فن من علم وزهد، وورع وعبادة، وكان فصيحاً أريباً، وكان عالماً فقيهاً، ثقة مأموناً ناسكاً، رأساً في العلم والعمل، لقي عائشة وعلياً رضي الله عنهما، ولم يسمع منهما. وسمع ابن عمر وأنساً وسمرة وأبا بكرة وعدداً كبيراً من الصحابة، ومن كبار التابعين، وروى عنه خلائق من التابعين وغيرهم، مناقبه كثيرة. وحيث أطلق الحسن في كتب الفقه والحديث والرجال والورع فهو المقصود. مات سنة 110هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 1/ 71، حلية الأولياء 2/ 131، طبقات الحفاظ ص 28، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 87، طبقات القراء 1/ 235، طبقات المفسرين 1/ 147، ميزان الاعتدال 1/ 527، تهذيب الأسماء 1/ 161، وفيات الأعيان 1/ 354، مشاهير علماء الأمصار ص 88، المعارف ص 44، الخلاصة ص 77، شذرات الذهب 1/ 136".
4 هو طلحة بن مُصرف بن عمرو، أبو محمد الهَمْداني، الكوفي التابعي، الإمام، سمع أنساً وابن أبي أوفى. واتفقوا على جلالته وإمامته ووفور علمه بالقرآن وغيره، مع الورع، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم، وكانوا يسمونه سيد القراء. توفي سنة 112هـ.
انظر ترجمته في "طبقات القراء 1/ 343، تهذيب الأسماء 2/ 253، الخصلاصة ص 180، المعارف ص 529، صفة الصفوة 3/ 96، شذرات الذهب 1/ 145، الفهرست ص 107".
(2/137)

يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهَا لا تُجْزِئُ عَنْ1 رُكْنِ الْقِرَاءَةِ2.
"وَمَا صَحَّ مِنْهُ" أَيْ مِمَّا لَمْ يَتَوَاتَرْ "حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ3 فِي بَابِ الرَّضَاعِ، وَفِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ4.
__________
1 ساقطة من ض.
2 انظر: الفروع 1/ 424، فتاوى ابن تيمية 13/ 398.
3 هو يوسف بن يحيى، أبو يعقوب البويطي المصري الفقيه، أكبر أصحاب الشافعي المصريين، وخليفته في حلقته. وكان قوي الحجة من كتاب الله. روى له الترمذي. قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، أبو يعقوب لساني. له "المختصر" المشهور، وهو أقل الكتب خطأ، وله "كتاب الفرائض". وكانت الفتاوى ترد إليه من السلطان فمن دونه. وحمل إلى بغداد فامتنع من القول بخلق القرآن، فحبس حتى مات سنة 231هـ. وكان عابداً، دائم الذكر، كبير القدر مجتهداً.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2/ 162، طبقات الفقهاء ص 98، الخلاصة ص 440، تهذيب الأسماء 2/ 275، وفيات الأعيان 6/ 60، شذرات الذهب 2/ 71، الفهرست ص 298، حسن المحاضرة 1/ 306، تاريخ بغداد 14/ 299".
4 قال الأسنوي: "والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يحتج به، ونقله الآمدي عن الشافعي رضي الله عنه. وقال إمام الحرمين في "البرهان": إنه ظاهر مذهب الشافعي، لأن الراوي لم ينقلها خبراً، والقرآن ثبت بالتواتر، لا بالآحاد". "التمهيد ص 32". ثم قال: "وجزم النووي في "شرح مسلم" بما قاله الإمام ... ثم قال: وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي وخلاف قول جمهور أصحابه.... "التمهيد ص 33". وقال السبكي: وأما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح. "جمع الجوامع 1/ 231".
وانظر أقوال العلماء في حجية غير المتواتر وعدم حجيته في "نهاية السول 2/ 333، أصول السرخسي 1/ 281، الإحكام للآمدي 1/ 160، إرشاد الفحول ص 31، فواتح الرحموت 2/ 16، مختصر الطوفي ص 46، الروضة ص 34، القواعد والفوائد الأصولية ص 155، الإتقان في علوم القرآن 1/ 82، شرح النووي على صحيح مسلم 5/ 130، أصول مذهب أحمد ص 186".
(2/138)

وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يُمْنَى1 السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ2.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا نُقِلَ عَنْ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ3.
وَقَالُوا: لأَنَّهُ4 إمَّا قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ، وَكِلاهُمَا مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ5.
وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ "يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأٌ لِوُجُوبِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ عَلَى6 الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إلَى مَنْ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ الْعِلْمُ7 مَرْدُودٌ، إذْ نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ إلَى الرَّسُولِ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ لا يَلِيقُ بِهِ. فَالظَّاهِرُ صِدْقُ النِّسْبَةِ8، وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إنْ سُلِّمَ لا يَضُرُّ؛ إذْ الْمُضِرُّ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ قُرْآنًا لا خَبَرًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ9، وَهُوَ كَافٍ10. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ: الْخَصْمُ: لَمْ يُصَرَّحْ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، ثُمَّ لَوْ صُرِّحَ فَعَدَمُ
__________
1 في ع: يمين.
2 في ش: أيمانهما.
3 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 156، أصول مذهب أحمد ص 191.
4 في ض: إنه.
5 انظر: فواتح الرحموت 2/ 16، جمع الجوامع 1/ 232، مختصر الطوفي ص 46.
6 في ش ز: عن.
7 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 160، مختصر ابن الحاجب 2/21.
8 أي نسبة الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أنه سمعه تفسيراً، فظنّه قرآناً. "انظر: الروضة ص 34، فواتح الرحموت 2/ 17".
9 في ش ز: ذكرنا.
10 انظر: مختصر الطوفي ص 46، الروضة ص 34.
(2/139)

شَرْطِ الْقِرَاءَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ سَمَاعِهِ. فَيَقُولُ: هُوَ مَسْمُوعٌ مِنْ الشَّارِعِ. وَكُلُّ قَوْلِهِ1 حُجَّةٌ. وَهَذَا وَاضِحٌ. اهـ. وَعَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رِوَايَةٌ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ2. "وَتُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ" أَيْ قِرَاءَةُ مَا صَحَّ مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ3. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ" وَغَيْرُهُ4 نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى. وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} 5.
"وَمَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ" مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ "مُحْكَمٌ" مُفْعَلٌ6 مِنْ أَحْكَمْت الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إحْكَامًا. فَهُوَ مُحْكَمٌ إذَا أَتْقَنْته. فَكَانَ فِي غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنْ
__________
1 في ش ب ز: قول.
2 وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب، ونقله الآمدي عن الشافعي. وقال الجويني في البرهان: إنه ظاهر المذهب. "انظر: نهاية السول 2/ 333، الإحكام للآمدي 1/ 160، المستصفى 1/ 102، المحلي على جمع الجوامع 1/ 232، أصول مذهب أحمد ص 186".
3 لقد أفتى ابن الصلاح الشافعي بذلك وقال: يجب منع القارئ بالشواذ، وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه. وأفتى ابن الحاجب المالكي بذلك وقال: لا يجوز أن يُقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا في غيرها ... فإن كان جاهلاً بالتحريم عُرِّف به، وأمر بتركها، وإن كان عالماً أدب بشرطه، وإن أصرّ على ذلك أدب على إصراره، حبس إلى أن يرتدع عن ذلك. وأيد ذلك النووي فقال: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست متواترة، ونقل عن ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها.
"انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 332-333، 467، المجموع شرح المهذب 3/ 392، مختصر ابن الحاجب 2/ 21، المحلي على جمع الجوامع 1/ 231".
4 الفروع 1/ 422، 423، 424. وانظر: فتاوى ابن تيمية 13/ 397.
5 قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} . الآيات 1-3 من الليل. وانظر: فتاوى ابن تيمية 13/ 394.
6 ساقطة من ض.
(2/140)

الْحِكْمَةِ. وَمِنْهُ: بِنَاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ ثَابِتٌ يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ1. وَذَلِكَ كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ2؛ لأَنَّهُ مِنْ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ3.
"وَعَكْسُهُ" أَيْ عَكْسُ الْمُحْكَمِ "مُتَشَابِهٌ4" وَهُوَ مَا لَمْ يَتَّضِحْ مَعْنَاهُ.
إمَّا "لاشْتِرَاكٍ" كَالْعَيْنِ وَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُشْتَرَكَاتِ.
أَوْ "إجْمَالٍ" وَهُوَ إطْلاقُ اللَّفْظِ بِدُونِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ. كَالْمُتَوَاطِئِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 5 وَعَدَمُ تَقْدِيرِ الْحَقِّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 6.
أَوْ "ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى" أَيْ كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا. فَاشْتَبَهَ الْمُرَادُ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ. فَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: بِظَاهِرِهِ فَشَبَّهُوا وَجَسَّمُوا، وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ: فَحَرَّفُوا وَعَطَّلُوا. وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ: فَسَلَّمُوا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ7.
__________
1 انظر: المصباح المنير 1/ 226، القاموس المحيط 4/ 100.
2 في ض: والظاهر.
3 عرف الآمدي "المحكم" هو ما ظهر معناه، وانكشف كشفاً يزيل الإشكال، ويرفع الاحتمال. "الإحكام 1/ 165".
وانظر: المستصفى 1/ 106، مختصر ابن الحاجب 2/ 21، الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد ص 88، إرشاد الفحول ص 31، مناهل العرفان 2/ 168، الروضة ص 35، مختصر الطوفي ص 48، تفسير القاسمي 4/ 787.
4 في ب: المتشابه.
5 الآية 67 من البقرة.
6 الآية 141 من الأنعام.
7 انظر أقوال العلماء في الصفات في "الإتقان في علوم القرآن 2/ 6، البرهان في علوم القرآن 2/ 78، الإحكام للآمدي 1/ 165، الإحكام لابن حزم 1/ 489، المسودة ص 163، المستصفى 1/ 106، مختصر ابن الحاجب 2/ 21، المدخل إلى مذهب أحمد ص 88، الروضة ص 35، مختصر الطوفي ص 48، الشامل في أصول الدين ص 510، 609".
(2/141)

وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ بِهِ، إمَّا بِالظُّهُورِ، وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِعِلْمِهِ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالدَّابَّةِ، وَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ1 فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ2.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ إلاَّ وَجْهًا وَاحِدًا. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا3.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ بِخِلافِهِ، كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ4 وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِرَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ5.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إلاَّ بِرَدِّهِ إلَى غَيْرِهِ6.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ7. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لا يُدْرَى8 إلاَّ بِالتَّأْوِيلِ9.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لا تَتَكَرَّرُ10 أَلْفَاظُهُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُتَشَابِهُ11.
__________
1 في ش ز: المتقطعة.
2 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد 89، مناهل العرفان 2/ 168، الروضة 35.
3 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، إرشاد الفحول ص 32.
4 في ع: الصلاة.
5 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، المسودة ص 162.
6 وهو ظاهر كلام أحمد. "انظر: المسودة ص 161، الإتقان في علوم القرآن 2/ 2".
7 في ش: تنزيه.
8 كذا في جميع النسخ. ولعلها يدرك.
9 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، المسودة ص 162.
10 في ب ع: يتكرر.
11 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 2.
(2/142)

وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ الْفَرَائِضُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْقَصَصُ وَالأَمْثَالُ1.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ2 وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلا يُعْمَلُ بِهِ3.
"وَلَيْسَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ "مَا لا مَعْنَى لَهُ" فِي الصَّحِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلافٍ4.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي "شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّ خِلافَهُمْ فِيمَا 5لَهُ مَعْنًى3 وَلا نَفْهَمُهُ، أَمَّا مَا لا مَعْنَى لَهُ أَصْلاً فَمَنْعُهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ. اهـ.
__________
1 وقد استبعد الآمدي هذا القول. "انظر: الإحكام للآمدي 1/ 166، المسودة ص 162، الإتقان في علوم القرآن 2/ 2، إرشاد الفحول ص 32، الروضة ص 35".
2 هو قتادة بن دِعَامة بن قتادة، أبو الخطاب السَّدُوسي البصري، الأكمه، التابعي. أجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله. قال سعيد بن المسيب: "ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة". وقال أحمد: "كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئاً إلا حفظه". وكان عالماً بالتفسير واختلاف العلماء، وإماماً في النسب، ورأساً في العربية وأيام العرب. توفي بواسط في الطاعون سنة 117هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 1/ 122، تهذيب الأسماء 2/ 57، طبقات الفقهاء ص 89، طبقات المفسرين 2/ 43، طبقات الحفاظ ص 47، طبقات القراء 2/ 25، ميزان الاعتدال 3/ 385، وفيات الأعيان 3/ 248، نكت الهميان ص 230، الخلاصة ص 315، شذرات الذهب 1/ 153، حلية الأولياء 2/ 333".
3 وهناك تعريفات أخرى للمحكم والمتشابه، وقد ردّ الغزالي أكثرها.
"انظر: المستصفى 1/ 106، الإتقان في علوم القرآن 2/2، شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 217، البرهان في علوم القرآن 2/ 68، مناهل العرفان 1/ 167، 172، زاد المسير 1/ 350، الروضة ص 35، تفسير القاسمي 4/ 787".
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 167، فواتح الرحموت 2/ 17، المحلي على جمع الجوامع 1/ 232.
5 في ب: معنى له.
(2/143)

وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ1؛2لأَنَّهُ لا يُخَالِفُ فِيهِ3 إلاَّ جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ5 لأَنَّ مَا لا مَعْنَى لَهُ هَذَيَانٌ لا يَلِيقُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ عَاقِلٌ. فَكَيْفَ بِالْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟
لَكِنْ حُكِيَ4 عَنْ الْحَشْوِيَّةِ وُقُوعُهُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَفِي قَوْله تَعَالَى: {كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} 5 وقَوْله تَعَالَى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} 6 وقَوْله تَعَالَى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} 7 وقَوْله تَعَالَى: {لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} 8 وَنَحْوِهِ9.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ: إمَّا أَسْمَاءُ السُّوَرِ، أَوْ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَوْ سِرُّ10 اللَّهِ11 تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّفَاسِيرِ12، وَبِأَنَّ رُءُوسَ الشَّيَاطِينِ مَثَلٌ13 فِي الاسْتِقْبَاحِ،
__________
1 في ب ض: الظاهر.
2 ساقطة من ش.
3 في ز ع ب: في ذلك.
4 في ض: قد حكي.
5 الآية 65 من الصافات.
6 الآية 196 من البقرة.
7 الآية 13 من الحاقة.
8الآية 51 من النحل.
9 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 167، فواتح الرحموت 2/ 17، المحلي على جمع الجوامع 1/ 232.
10 في ش: سوى.
11 في ع: لله.
12 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 167، فواتح الرحموت 2/ 17، تفسير الطبري 1/ 86، تفسير القرطبي 1/ 154، زاد المسير 1/ 20، المحلي على جمع الجوامع 1/ 232.
13 في ض: مثل ما.
(2/144)

عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ضَرْبِ الأَمْثَالِ بِمَا1 يَتَخَيَّلُونَهُ2 قَبِيحًا.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَرُءُوسُ الشَّيَاطِينِ: اسْتَقَرَّ قُبْحُهَا فِي الأَنْفُسِ فَشُبِّهَ بِهَا. كَقَوْلِ امْرِئِ الْقِيسِ:
أَيَقْتُلُنِي3 وَالْمَشْرَفِيُّ4 مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
فَشَبَّهَهَا5 بِأَنْيَابِ الأَغْوَالِ لِقُبْحِهَا الْمُسْتَقِرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقِيقَةٌ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ6.
__________
1 في ش ب ز: مما.
2 في ض: يتخذونه.
3 في ع: أتقتلني.
4 المَشْرَفي: سيف منسوب إلى قرى الشام يقال لها المشارف. والمسنونة: هي السهام المحددة الأزجة الصافية. وقد شبهها بأنياب الأغوال تشنيعاً لها، ومبالغة في وصفها. والأغوال: الشياطين. وإنما خص الشياطين لما شاع من عظيم أمرهم وكثرة نكرهم. وثبت في النفوس من شناعة خلقهم. ولذلك قال الله عز وجل: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوْسُ الشَّيَاطِيْنِ} . الآية 65 من الصافات.
والبيت من الطويل، ذكره الجرجاني في "دلائل الإعجاز" ص 80، والعباسي في "معاهد التنصيص" 1/ 134. "انظر: معجم شواهد العربية 1/ 310، ديوان امرئ القيس ص 33".
5 في ض: فشبه.
6 هو محمد بن علي بن عمر، أبو عبد الله التميمي المازري، الفقيه المالكي، المحدث، يعرف بالإمام. وكان واسع الباع في العلم والاطلاع، مع حدة الذهن، حتى بلغ درجة الاجتهاد. وكان إمام المالكية في عصره، وكان أديباً حافظاً، طبيباً أصولياً، رياضيًّا متكلماً. وله مؤلفات مفيدة، منها: "المعلم بفوائد كتاب مسلم"، وهو شرح جيد لصحيح مسلم، أكمله القاضي عياض في "الإكمال"، وشرح البرهان لإمام الحرمين في أصول الفقه، وسماه "إيضاح المحصول في برهان الأصول"، "والتعليقة على المدونة"، "والكشف والإنباء على المترجم بالإحياء"، وهو رد على الغزالي، وله مؤلف في الطب، و"نظم الفرائد في علم العقائد"، و"شرح التلقين". توفي سنة 536هـ.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 2/ 250، شجرة النور الزكية ص 127، وفيات الأعيان 2/ 26، مرآة الجنان 3/ 267، شذرات الذهب 4/ 114، الفتح المبين 2/ 26".
(2/145)

وَقَوْلُهُ: {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فِيهِ شَيْئَانِ: الْجَمْعُ وَالتَّأْكِيدُ بِالْكَمَالِ. وَجَوَابُ الْجَمْعِ: رَفْعُ الْمَجَازِ الْمُتَوَهَّمِ فِي الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ؛ إذْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنًى "أَوْ" مَجَازًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولِيْ أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} 1، وَالتَّأْكِيدُ أَفَادَ عَدَمَ النَّقْصِ فِي الذَّاتِ، كَمَا2 قَالَ تَعَالَى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} 3، أَوْ عَدَمَ النَّقْصِ فِي الأَجْرِ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ النَّقْصِ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ.
وَوَصْفُ النَّفْخَةِ بِالْوَاحِدَةِ إبْعَادٌ لِلْمَجَازِ وَتَقْرِيرٌ لِوَحْدَتِهَا بِسَبَبِ الْمُفْرَدِ؛ لأَنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ بِالْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ: {إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} قَالَ صَاحِبُ "الْمَثَلِ السَّائِرِ4": التَّكْرِيرُ فِي الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. كَدَلالَتِهِ عَلَى الْجِنْسِ وَالْعَدَدِ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ "التَّكْرِيرِ مُشْكِلٌ؛ لأَنَّهُ يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ تَكْرِيرٌ مَحْضٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ5. وَلَيْسَ كَذَلِكَ6".
فَالْفَائِدَةُ إذًا فِي قَوْلِه: ِ {إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} و"َإِلَهٌ وَاحِدٌ": هِيَ أَنَّ الاسْمَ الْحَامِلَ لِمَعْنَى الإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَالْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ. فَإِذَا أُرِيدَتْ الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَانَ الَّذِي يُسَاقُ إلَيْهِ هُوَ الْعَدَدُ شُفِعَ بِمَا يُؤَكِّدُهُ. وَهَذَا دَقِيقُ الْمَسْلَكِ.
__________
1 الآية الأولى من فاطر.
2 ساقطة من ش.
3 الآية 233 من البقرة.
4 المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد، ابن الأثير الجزري، أبو الفتح، المتوفى سنة 637هـ، جمع فيه ما يتعلق بفن الكتابة. انظر: كشف الظنون 2/ 1586.
5 المثل السائر 3/ 25.
6 انظر بحث التكرار لبيان فائدة تكرير المعاني والألفاظ في كتاب "المثل السائر 3/ 3 وما بعدها. البرهان في علوم القرآن 3/ 11 وما بعدها".
(2/146)

وَأَلْحَقَ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ كَلامَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِكَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: لا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ وَلا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، خِلافًا لِلْحَشْوِيَّةِ. وَسُمُّوا حَشْوِيَّةً؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلْقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَمَامَهُ. فَلَمَّا أَنْكَرَ كَلامَهُمْ قَالَ: رُدُّوهُمْ إلَى حَشْوِ الْحَلْقَةِ، أَيْ جَانِبِهَا1.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: بِفَتْحِ الشِّينِ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالإِسْكَانِ. وَكَذَا قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: بِالسُّكُونِ. لأَنَّهُ إمَّا مِنْ الْحَشْوِ، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُودِ الْحَشْوِ الَّذِي لا مَعْنَى لَهُ فِي كَلامِ الْمَعْصُومِ، أَوْ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّجْسِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ2.
"وَ" لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا "لا" أَيْ شَيْءٌ "مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ" وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ وَأَتْبَاعِهِمْ3؛ لأَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى4 مَدْلُولِ اللُّغَةِ 5فِيمَا اقْتَضَاهُ5 نِظَامُ الْكَلامِ، وَلأَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ كَالْمُهْمَلِ "إلاَّ بِدَلِيلٍ" لِلاحْتِرَازِ مِنْ وُرُودِ الْعَامِّ وَتَأَخُّرِ الْمُخَصِّصِ لَهُ وَنَحْوِهِ. وَقَالَتْ الْمُرْجِئَةُ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَنَفَوْا ضَرَرَ الْعِصْيَانِ مَعَ مُجَامَعَةِ الإِيمَانِ. فَقَالُوا: لا تَضُرُّ6 مَعَ الإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، زَاعِمِينَ أَنَّ آيَاتِ الْوَعِيدِ لِتَخْوِيفِ الْفُسَّاقِ، وَلَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، بَلْ الْمُرَادُ بِهَا خِلافُ
__________
1 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/ 233.
2 انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع 1/ 233، فتاوى ابن تيمية 12/ 176.
3 انظر: جمع الجوامع 1/ 233.
4 في ض: بلا.
5 في ع: في مقتضاه.
6 في ب ع ض: يضرّ.
(2/147)

الظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الشَّرْعُ ذَلِكَ1. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} 2.
وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لِنُزُولِ الْعَذَابِ وَوُقُوعِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ بَاطِلٌ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ الْقِصَاصِ وَقَطْعِ يَدِ3 السَّارِقِ وَنَحْوِهَا4.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا فُهِمَ أَنَّهُ لِلتَّخْوِيفِ، لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْوِيفِ فَائِدَةٌ5. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مَحَلُّ الْخِلافِ فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ وَأَحَادِيثِهِ. لا فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي."وَفِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ "مَا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ6 إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى" عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ7. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ": لَيْسَ بِبِدْعٍ8 أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَتَشَابَهُ لِنُؤْمِنَ بِمُتَشَابِهِهِ وَنَقِفَ عِنْدَهُ. فَيَكُونَ التَّكْلِيفُ بِهِ هُوَ الإِيمَانُ بِهِ جُمْلَةً،
__________
1 انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه 1/ 233.
2 الآية 59 من الإسراء.
3 ساقطة من ز ع ب ض.
4 في ع ض: ونحوهما.
5 ساقطة من ز ع ض.
6 في ب ع ض: معناه.
7 وهو رأي كثير من المسلمين. "انظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 74، تفسير الطبري 1/ 33، فواتح الرحموت 2/ 17".
8 في ش ز: يندفع.
(2/148)

وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْ تَفْصِيلِهِ. كَمَا كَتَمَ الرُّوحَ وَالسَّاعَةَ وَالآجَالَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْغُيُوبِ، وَكَلَّفَنَا التَّصْدِيقَ بِهَا1 دُونَ أَنْ يُطْلِعَنَا عَلَى عِلْمِهِ2. اهـ.
وَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِ3 مَا لا يُطَاقُ4.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: حَكَى ابْنُ بُرْهَانٍ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى: هَلْ 5يَشْتَمِلُ عَلَى8 مَا لا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ؟ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْخِطَابِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ6 بِهِ تَكْلِيفٌ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَفْهُومِ الْمَعْنَى، وَمَا7 لا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ فَيَجُوزُ8. "وَيَمْتَنِعُ دَوَامُ إجْمَالِ مَا فِيهِ تَكْلِيفٌ".قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْقُشَيْرِيُّ: مَا فِيهِ تَكْلِيفٌ يَمْتَنِعُ دَوَامُ إجْمَالِهِ، وَإِلاَّ فَلا. وَاخْتَارَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَالْبِرْمَاوِيُّ9.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "ثُمَّ بَحْثُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي فَهْمَهُ إجْمَالاً
__________
1 في ش ع ب ض: به.
2 انظر: المسودة ص 175، الإشارة إلى الإيجاز ص 280، تفسير الخازن 1/ 321، تفسير البغوي 1/ 321.
3 في ع تكليفه.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 168، تفسير الطبري 1/ 33.
5 في ش: يشمل.
6 في ب ع ز: لا يتعلق.
7 في ب ع ز ض: أو.
8 انظر: المسودة ص 164.
9 انظر: جمع الجوامع وشرحه 1/ 234.
(2/149)

لا1 تَفْصِيلاً2.
وَعَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: لا، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ 3لا أَدْرِي2، كَقَوْلِ أَكْثَرِ4 الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَوْ تَأْوِيلُهُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ، مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: فِي "سَمِيعٌ بَصِيرٌ5" يُسْكَتُ6 عَمَّا بِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ، أَوْ تَأْوِيلُهُ بِإِدْرَاكِهِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ بِمَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا أَوْ تَشْبِيهًا فَزَيْغٌ.
وَقَوْلُهُ - يَعْنِي ابْنَ عَقِيلٍ - فِي7 قَوْله تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ} 8. أَيْ كُنْهَ ذَلِكَ.
"وَيُوقَفُ" فِي الأَصَحِّ الْمُخْتَارِ "عَلَى {إلاَّ اللَّهُ} 9لَفْظًا وَمَعْنًى8 لا" عَلَى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} 10.
__________
1 في ش: و. وعبارة "المسودة": يقتضي أنه يفهم على سبيل الجملة، لا على سبيل التفصيل.
2 المسودة ص 164: ويضيف المجد فيقول: "ووافقنا أبو الطيب الطبري، وحكاه عن أبي بكر الصيرفي، وكلهم تمسّك بالآية. وانظر: تفسير الطبري 1/ 7".
3 في ش: الإدراك.
4 في ب: بعض.
5 في ض: وبصير.
6 في ض: نسكت.
7 ساقطة من ب غ ض.
8 الآية 7 من آل عمران. وتتمة الآية: {هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ يَقُوْلُوْنَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ} .
9 ساقطة من ش ز ع.
10 انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 492، فواتح الرحموت 2/ 17، المحلي على جمع الجوامع 1/ 233، إرشاد الفحول ص 32، المدخل إلى مذهب أحمد ص 89، الروضة ص 36، مختصر الطوفي ص 48، تفسير القاسمي 4/ 795.
(2/150)

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالأَعْلامِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ1: هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ2، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ3 ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ4 وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ5. قَالَ الْبَغَوِيّ فِي "تَفْسِيرِهِ": "هُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ: أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ
__________
1 هو حَمَد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان الخطابي، البُسْتي، الحافظ الفقيه، الأديب المحدث، كان عالماً وزاهداً وورعاً، ويقوم بالتدريس والتأليف، أخذ الفقه عن القفال وابن أبي هريرة، وله شعر جيد، وهو من ذرية زيد بن الخطاب. له مصنفات كثيرة نافعة، منها: "معالم السنن"، و"غريب الحديث"، و"أعلام السنن" في شرح البخاري، و"الشجاج"، و"إصلاح غلط المحدثين"، و"الغنية عن الكلام وأهله"، و"العزلة" و"شرح الأسماء الحسنى". توفي سنة 388هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 282، طبقات الحفاظ ص 403، تذكرة الحفاظ 3/ 1081، وفيات الأعيان 1/ 453، بغية الوعاة 1/ 546، إنباه الرواة 1/ 125، البداية والنهاية 11/ 236، شذرات الذهب 3/ 127".
2 في ش: العلماء لفظاً ومعنى.
3 ساقطة من ض.
4 هو الصحابي أبي بن كعب بن قيس، أبو المنذر، وأبو الطفيل الأنصاري النجاري، سيد القراء. شهد العقبة الثانية وبدراً والمشاهد كلها. وقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه القرآن. وهو أول من كتب للنبي عليه الصلاة والسلام الوحي. وجمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أحد المفتين من الصحابة. ويرجع إليه عمر في النوازل والمعضلات. مات سنة 20هـ. وقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين.
"انظر: الإصابة 1/ 19، الاستيعاب 1/ 47، تهذيب الأسماء 1/ 108، طبقات القراء 1/ 31، مشاهير علماء الأمصار ص 12، الخلاصة ص 24، حلية الأولياء 1/ 250، معرفة القراء الكبار 1/ 32".ك
5 هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق. أسلمت صغيرة بعد 18 شخصاً، وتزوجها رسول الله قبل الهجرة، وبنى بها بعد الهجرة، وكناها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزبير، وهي من أكثر الصحابة رواية. ولها فضائل كثيرة، ومناقب معروفة.
قال عطاء: كانت عائشة من أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً. ماتت سنة 57هـ، ودفنت بالبقيع.
انظر ترجمتها في "الإصابة 4/ 359، الاستيعاب 4/ 356، تهذيب الأسماء 2/ 352، طبقات الفقهاء ص 47".
(2/151)

وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ1، وَرِوَايَةُ2 طَاوُسٍ3 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ. وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالأَخْفَشُ، وَقَالُوا: لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إلاَّ اللَّهُ4. وَخَالَفَ الآمِدِيُّ وَجَمْعٌ، مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَبُو الْبَقَاءِ فِي إعْرَابِهِ5. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ": "الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ6".
__________
1 هو عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، الحافظ، جمع بين العلم والسيادة والعبادة، كثير الحديث، وهو شقيق عبد الله بن الزبير، أمهما أسماء. قال ابن شهاب: "عروة بحر لا يُنزف". وكان كثير الصوم. توفي سنة 94هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص 23، طبقات الفقهاء ص 58، طبقات القراء 1/ 511، تذكرة الحفاظ 1/ 62، الخلاصة ص 265، مشاهير علماء الأمصار ص 64، شذرات الذهب 1/ 103".
2 في ش ز: ورواية عن. وما أثبتناه في الأعلى من: ب ع ض. وكذا في تفسير البغوي.
3 هو طاووس بن كيسان، أبو عبد الرحمن اليماني الحميري مولاهم، وهو من كبار التابعين والعلماء والفضلاء الصالحين. واتفقوا على جلالته وفضيلته، ووفور علمه وصلاحه وحفظه وتثبته. قال ابن الجوزي: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، لأنه كان طاووس القراء. قال ابن خلكان: "والمشهور أن اسمه طاووس". وله قصة رجولة وشهامة وجرأة مع الحكام. مرض بمنى ومات بمكة سنة 106هـ.
انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء 1/ 251، طبقات الحفاظ ص 34، طبقات الفقهاء ص 73، طبقات القراء 1/ 341، تذكرة الحفاظ 1/ 90، حلية الأولياء 4/ 3، وفيات الأعيان 2/ 194، مشاهير علماء الأمصار ص 122، المعارف ص 455، شذرات الذهب 1/ 133، الخلاصة ص 181".
4 تفسير البغوي 1/ 321، وانظر: تفسير الخازن 1/ 321، الإتقان في علوم القرآن 2/ 3، فواتح الرحموت 2/ 18، الروضة ص 36.
5 إملاء ما مَنَّ به الرحمن 1/ 124، وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 167، 168.
6 شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 218.
(2/152)

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ1. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ"، قَالَ الْمُؤَوِّلَةُ - وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ - الْوَقْفُ التَّامُّ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} 2.
وَقِيلَ: الْخِلافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، أَرَادَ بِهِ3 أَنَّهُ يَعْلَمُ ظَاهِرَهُ لا حَقِيقَتَهُ، وَمَنْ قَالَ: لا يَعْلَمُ: أَرَادَ بِهِ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى4.
وَالْحِكْمَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ: ابْتِلاءُ الْعُقَلاءِ5.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ6: الْوَقْفُ عَلَى {إلاَّ اللَّهُ}
__________
1 وهو قول مجاهد والضحاك وابن عباس في رواية، واختارها النووي. وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر. "انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 3، الدر المنثور 2/ 8، البرهان في علوم القرآن 2/ 72، المستصفى 1/ 106، مختصر ابن الحاجب 2/ 21".
2 الآية 3 من آل عمران.
3 ساقطة من ب.
4 وهو قول الراغب، فإنه بين أوجه المحكم والمتشابه، ثم قال: "وإن لكل واحد منهما وجهاً حسبما دلّ عليه التفصيل المتقدم" "المفردات في غريب القرآن ص 255". وانظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 5.
5 انظر: مناهل العرفان 2/ 178، الإتقان في علوم القرآن 2/ 4، 12، البرهان في علوم القرآن 2/ 75، فواتح الرحموت 2/ 19، الروضة ص 36.
6 هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، الخثعمي الأندلسي المالكي الضرير، أبو القاسم وأبو زيد، الحافظ العلامة، الأديب النحوي المفسر. قال السيوطي: "كان إماماً في لسان العرب، واسع المعرفة، غزير العلم، نحويًّا متقدماً، لغويًّا، عالماً بالتفسير وصناعة الحديث، عالماً بالرجال والأنساب، عارفاً بعلم الكلام وأصول الفقه، عارفاً بالتاريخ، ذكيًّا نبيهاً، عمي وله 17 سنة". وله مصنفات كثيرة، منها: "الروض الأنف" في السيرة، و"التعريف والإعلام في مبهمات القرآن"، "ونتائج الفكر"، "ومسألة رؤية الله في المنام". وله شعر كثير، وتصانيفه ممتعة مفيدة. توفي سنة 581هـ بمراكش.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 1/ 480، طبقات القراء 1/ 371، طبقات الحفاظ ص 478، طبقات المفسرين 1/ 266، تذكرة الحفاظ 4/ 1348، وفيات الأعيان 2/ 324، إنباه الرواة 2/ 162، نكت الهميان ص 187، بغية الوعاة 2/ 81، البداية والنهاية 12/ 319، شذرات الذهب 4/ 271، شجرة النور الزكية ص 156".
(2/153)

وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْعَطْفُ1 لِمُخَالَفَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِلْمِ الرَّاسِخِينَ؛ لأَنَّ عِلْمَهُمْ ضَرُورِيٌّ وَنَظَرِيٌّ، بِخِلافِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ مُطْلَقًا، فَلا يُجْزَمُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ. قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ2. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالأَوَّلِ بِسِيَاقِ الآيَةِ3 فِي ذَمِّ مُبْتَغِي التَّأْوِيلِ وقَوْله تَعَالَى: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} 4، وَلأَنَّ وَاوَ {وَالرَّاسِخُونَ} لِلابْتِدَاءِ، وَيَقُولُونَ خَبَرُهُ5؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً عَادَ ضَمِيرُ {يَقُولُونَ} إلَى
__________
1 في ب ع: الوقف. وهو تحريف.
2 هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر القفال الشاشي، الفقيه الشافعي، إمام عصره، كان فقيهاً محدثاً أصوليًّا لغويًّا شاعراً. قال ابن السبكي: "كان إماماً في التفسير، إماماً في الحديث، إماماً في الكلام، إماماً في الأصول، إماماً في الفروع، إماماً في الزهد والورع، إماماً في اللغة والشعر، ذاكراً للعلوم، محققاً لما يورده، حسن التصرف فيما عنده". وهو أول من صنف في الجدل الحسن من الفقهاء. له كتاب في "أصول الفقه"، وله "شرح الرسالة"، و"التفسير"، و"أدب القضاء"، و"دلائل النبوة"، و"محاسن الشريعة". وهو والد القاسم صاحب التقريب. توفي سنة 336 هـ، وقيل 365، 366هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 200، طبقات الفقهاء ص 112، وفيات الأعيان 3/ 338، تهذيب الأسماء 2/ 282، طبقات المفسرين 2/ 196، تبيين كذب المفتري ص 182، شذرات الذهب 3/ 51، الفتح المبين 1/ 201".
3 في ب ض: الأول. وهو تحريف.
4 الآية 7 من آل عمران.
5 انظر: البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 192، تفسير القاسمي 4/ 795.
(2/154)

الْمَجْمُوعِ1، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ، وَكَانَ مَوْضِعُ "يَقُولُونَ": نَصْبًا حَالاً، فَفِيهِ اخْتِصَاصُ الْمَعْطُوفِ بِالْحَالِ2.
3قَالُوا: خُصَّ ضَمِيرُ "يَقُولُونَ" بِالرَّاسِخِينَ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَالْمَعْطُوفُ قَدْ يَخْتَصُّ بِالْحَالِ6 مَعَ عَدَمِ اللَّبْسِ، نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ} 4 فِيهَا قَوْلانِ وقَوْله تَعَالَى: {َيَعْقُوبَ نَافِلَةً} 5 قِيلَ: حَالاً مِنْ يَعْقُوبَ؛ لأَنَّهَا الزِّيَادَةُ. وَقِيلَ: مِنْهُمَا؛ لأَنَّهَا6 الْعَطِيَّةُ. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ مَعًا، وَعَامِلُهُ مَعْنًى "وَهَبْنَا7".
وَلَنَا: أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَالأَشْهَرُ خِلافُهُ. وَلِهَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ تَأْوِيلُهُ إلاَّ عِنْدَ اللَّهِ" وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ: "وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ"، 8وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لأَنَّهُ9 كَانَ يَقْرَأُ: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ"، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ11". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلاسْتِئْنَافِ10؛ لأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ - وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهَا11 الْقِرَاءَةُ - فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا
__________
1 في ش: المجمل. وهو تصحيف.
2 ساقطة من ب ز.
3 ساقطة من ب ض.
4 الآية 9 من الحشر.
5 الآية 72 من الأنبياء. وتتمة الآية: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِيْنَ} .
6 في ش: وهي.
7 في ش: وهبا.
8 ساقطة من ض. وانظر: تفسير القاسمي 4/ 796.
9 في ب: أنه.
10 انظر: البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 192، تفسير القاسمي 4/ 796.
11 في ز: لها.
(2/155)

بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ1.
قَالَ الأُسْيُوطِيُّ2: قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الآيَةِ: "قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ3". قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: اللَّهُ هُوَ4 الْمُنْفَرِدُ.
قَالَ فِي "الرَّوْضَةِ"، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ بِمَا لا يَعْقِلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يُنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ مَا لا يَطَّلِعُ عَلَى تَأْوِيلِهِ؟
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ الإِيمَانَ بِمَا لا يَطَّلِعُونَ عَلَى تَأْوِيلِهِ، لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} 5. {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
__________
1 انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 3، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2/ 6، زاد المسير 1/ 354.
2 هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين السيوطي، المجتهد، الإمام الكبير، صاحب التصانيف، الشافعي. قال الشوكاني: "حفظ القرآن، وبرز في جميع الفنون، وفاق الأقران، وشتهر ذكره، وبعد صيته، وصنف التصانيف المفيدة ... ولم يسلم من حسد الأقران ... فطعن به السخاوي". وقال السيوطي عن نفسه: "رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع". وذكر العلماء أن مؤلفاته بلغت ستمائة مؤلف في العلوم السابقة. وذلك أنه ترك وظائفه من تدريس وإفتاء، واعتزل الناس، وانصرف للتأليف. ومن مصنفاته: "الدر المنثور" في التفسير، و"بغية الوعاة"، و"حسن المحاضرة، و"طبقات الحفاظ"، و"الإتقان في علوم القرآن"، و"المزهر" في اللغة، و"لباب النقول في أسباب النزول" وغيرها. توفي سنة 911هـ.
انظر ترجمته في "حسن المحاضرة 1/ 335، البدر الطالع 1/ 328، الضوء اللامع 4/ 65، درة الحجال 3/ 94، الكواكب السائرة 1/ 226، شذرات الذهب 8/ 51، الفتح المبين 3/ 65".
وفي ش: السيوطي
3 الروضة ص 36.
4 ساقطة من ش.
5 الآية 31 من محمد.
(2/156)

الرَّسُولَ} – الآيَةَ1. {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} 2. وَكَمَا اخْتَبَرَهُمْ3 بِالإِيمَانِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ4، مَعَ أَنَّهُ لا يُعْلَمُ مَعْنَاهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ5. "وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ" أَيْ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ "بِرَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ بِلا أَصْلٍ" لِلآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 6. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ} 7. فَأَضَافَ التَّبْيِينَ إلَيْهِ8. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ و َ9 بِمَا لا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ10.
وَعَنْ جُنْدُبٍ11 عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ".
__________
1 الآية 143 من البقرة. وفي ب ض: لنعلم- الآية.
2 الآية 60 من الإسراء.
3 في ش ز ض: أخبرهم.
4 في ب ض: المتقطعة.
5 الروضة ص 36. وانظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 75.
6 الآية 80 من البقرة.
7 الآية 44 من النحل. وأول الآية: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ... } .
8 انظر: المسودة ص 174، البرهان في علوم القرآن 2/ 161، تفسير الطبري 1/ 34، فتاوى ابن تيمية 13/ 28، أصول مذهب أحمد ص 184.
9 في ب ض: أو.
10 انظر: تحفة الأحوذي 8/ 277، فيض القدير 6/ 190، تخريج أحاديث البزدوي ص 8.
11 هو جندب بن عبد الله بن سفيان، أبو عبد الله البَجَلي، سكن الكوفة، ثم البصرة. قدمهما مع مصعب بن الزبير. وروى عنه أهل المصرين، كما روى عنه بعض أهل الشام. ويقال له: جندب الخير، وليست صحبته قديمة، وله ثلاثة وأربعون حديثاً. ومات بعد الستين من الهجرة.
"انظر: الإصابة 1/ 248، الاستيعاب 1/ 217، مشاهير علماء الأمصار ص 47، الخلاصة ص 64".
(2/157)

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ1.
"وَلا يَحْرُمُ" تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ "2بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ1" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ3.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الاحْتِجَاجُ فِي التَّفْسِيرِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ كَثِيرٌ. وَلأَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ. فَيَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى لُغَةِ الْعَرَبِ. وَعَنْهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو4 الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِقَلِيلٍ مِنْ اللُّغَةِ5.
"فَائِدَةٌ":
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَلاثُ كُتُبٍ لَيْسَ فِيهَا أُصُولٌ: الْمَغَازِي، وَالْمَلاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ. لَيْسَ غَالِبُهَا الصِّحَّةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ6.
__________
1 انظر: سنن أبي داود 2/ 287، تحفة الأحوذي 8/ 279، تخريج أحاديث البزدوي ص 8، الفتح الكبير 3/ 219، فيض القدير 6/ 190.
2 في ش: باللغة.
3 انظر: المسودة ص 175، البرهان في علوم القرآن 2/ 160، أصول مذهب أحمد ص 185.
4 ساقطة من ش.
5 المسودة ص 176، وانظر البرهان في علوم القرآن 2/ 160.
6 انظر: المسودة ص 175، البرهان في علوم القرآن 2/ 156.
(2/158)

"بَابٌ"
"السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا- إلَى آخِرِهِ1". وَتُسَمَّى2 بِهَا أَيْضًا: الْعَادَةُ وَالسِّيرَةُ. قَالَ فِي الْبَدْرِ3 الْمُنِيرِ: السُّنَّةُ السِّيرَةُ. حَمِيدَةً كَانَتْ أَوْ ذَمِيمَةً4. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: السُّنَّةُ السِّيرَةُ. وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ5. اهـ. .
"وَ" السُّنَّةُ شَرْعًا: وَ"6اصْطِلاحًا": أَيْ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ. تُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْقُرْآنَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ
__________
1 هذا الحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي جُحَيفة مرفوعاً. وتتمة الحديث: "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء".
"انظرصحيح مسلم 2/ 705، 4/ 2059، سنن النسائي 5/ 57، تحفة الأحوذي 7/ 438، مسند أحمد 4/ 362، 2/ 505، سنن الدارمي 1/ 130، سنن ابن: ماجه 1/ 74".
2 في ش ز: ويسمى.
3 كذا في جميع النسخ. والصواب: المصباح.
4 المصباح المنير 1/ 445.
5 القاموس المحيط 4/ 239.
6 ساقطة من ز ض ب ع.
(2/159)

أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ" 1.
وَتُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْفَرْضَ وَغَيْرَهُ مِنْ الأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ2. وَرُبَّمَا لا يُرَادُ بِهَا إلاَّ مَا يُقَابِلُ الْفَرْضَ. كَفُرُوضِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَسُنَنِهَا. فَإِنَّهُ لا يُقَابَلُ بِهَا الْحَرَامُ، وَلا الْمَكْرُوهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمُقَابَلَةُ لازِمَةً لِلإِطْلاقِ، لَكِنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ3. وَتُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ. فَيُقَالُ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَهْلُ الْبِدْعَةِ4. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ5: "اصْطِلاحًا" مِنْ السُّنَّةِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ. فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ6؛ لأَنَّهَا فِي اصْطِلاحِ عُلَمَاءِ الأُصُولِ.
"قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ الْوَحْيِ" أَيْ غَيْرُ الْقُرْآنِ "وَلَوْ" كَانَ أَمْرًا مِنْهُ "بِكِتَابَةٍ" كَأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْكِتَابَةِ يَوْمَ
__________
1 رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس وابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري مرفوعاً.
"انظر: صحيح مسلم 1/ 465، مسند أحمد 4/ 121، سنن أبي داود 1/ 137، تحفة الأحوذي 2/ 32، سنن النسائي 2/ 59، سنن ابن ماجه 1/ 313، فيض القدير 6/ 456".
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 169، نهاية السول 2/ 238.
3 انظر في إطلاقات السنة الحدود للباجي ص 56، الإحكام 1/ 169، أصول السرخسي 1/ 113، فواتح الرحموت 2/ 97، تيسير التحرير 3/ 20، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، التلويح على التوضيح 2/ 2 ط الميمنية، أصول مذهب أحمد ص 199.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 169، الموافقات 4/ 4، إرشاد الفحول ص 33.
5 في ش ز ض ب ع: بقولهم.
6 انظر تعريف السنة في العرف الشرعي العام في "إرشاد الفحول ص 33، المدخل إلى مذهب أحمد ص 89".
(2/160)

الْحُدَيْبِيَةِ1. وَقَوْلِهِ: "صلى الله عليه وسلم: "اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ" 2 يَعْنِي الْخُطْبَةَ الَّتِي خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم3، وَأَمْرِهِ بِالْكِتَابَةِ إلَى الْمُلُوكِ4 وَنَحْوِ ذَلِكَ5.
"وَفِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ وَإِنْ كَانَ فِعْلاً فَهُوَ عَمَلٌ بِجَارِحَةِ اللِّسَانِ. وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يُقَابِلُ الْفِعْلَ6 كَمَا هُنَا7، حَتَّى "وَلَوْ" كَانَ الْفِعْلُ
__________
1 الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد عن أنس مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/ 112، صحيح مسلم 3/ 1411، سنن أبي داود 2/ 78، مسند أحمد 1/ 86، 342، 4/ 87، 325، تخريج أحاديث البزدوي ص 225، زاد المعاد 2/ 306، السيرة النبوية لابن هشام 3/ 366.
2 هو الصحابي أبو شاه اليماني. يقال: إنه كلبي، ويقال: إنه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن كما قال السِّلَفي. وقد جاء ذكره في الصحيحين في حديث أبي هريرة في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال أبو شاه: اكتبها لي يا رسول الله، يعني الخطبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه"َ.
"انظر: الإصابة 4/ 100، الاستيعاب 4/ 106".
3 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/ 188، صحيح مسلم 2/ 988، مختصر صحيح مسلم 1/ 201، تحفة الأحوذي 7/ 429، سنن أبي داود 2/ 287، 481، سنن النسائي 4/ 38، سنن ابن ماجه 2/ 876، مسند أحمد 2/ 238".
4 روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل، كما كتب إلى كسرى والنجاشي والمقوقس والمنذر بن ساوى وملك عُمان وصاحب اليمامة وملك غسان وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام.
"انظر: صحيح البخاري 3/ 90، صحيح مسلم 3/ 1393، سنن أبي داود 2/ 628، تحفة الأحوذي 7/ 499، تخريج أحاديث البزدوي ص 183، خلق أفعال العباد ص 63، 64، زاد المعاد 3/ 126 وما بعدها".
5 انظر: إرشاد الفحول ص 42.
6 في ض: العقل.
7 في ض: ههنا.
(2/161)

"بِإِشَارَةٍ" عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ كَالأَمْرِ بِهِ1، كَمَا فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ2: لَمَّا تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ3 دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. فَخَرَجَ إلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ حُجْرَتَهُ فَنَادَى فَقَالَ4: "يَا كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَأَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ - أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قُمْ فَاقْضِهِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ5.
__________
1 انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 95، إرشاد الفحول ص 42.
2 هو الصحابي كعب بن مالك بن عمرو الأنصاري الخَزْرجي السَّلَمي، أبو عبد الله. شهد العقبة وأحداًَ وسائر المشاهد إلا بدراً وتبوك. وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك وتاب الله عليهم، وأنزل الله تعالى فيهم: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... } ، ومعه مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية. روى كعب ثمانين حديثاً، وجرح يوم أحد أحد عشر جرحاً، وهو أحد شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مطبوعاً على الشعر، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشعر فقال: "المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه". وقد عمي في آخر عمره، توفي بالمدينة سنة 53هـ، وقيل غير ذلك.
"انظر: الإصابة 3/ 302، الاستيعاب 3/ 286، تهذيب الأسماء 2/ 69، نكت الهميان ص 231، مسند أحمد 3/ 456، الخلاصة ص 321".
3 هو الصحابي عبد الله بن سلامة بن عمير الأسلمي، أبو محمد، أول مشاهده الحديبية ثم خيبر. وهو الذي تزوج امرأة على أربع أواق ذهباً، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو كنتم تنحتون من الجبال ما زدتم". وكان ممن بايع تحت الشجرة، وله روايات في غير الكتب الستة، توفي سنة 71هـ.
"انظر: الإصابة 2/ 321، 295، الاستيعاب 2/ 288، شذرات الذهب 1/ 77".
4 ساقطة من ش ز.
5 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن كعب بن مالك مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/ 114، صحيح مسلم 3/ 1192، سنن أبي داود 2/ 273، سنن النسائي 8/ 210، مسند أحمد 6/ 386، سنن ابن ماجه 2/ 811".
(2/162)

وَاسْمُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ سَلامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ1.
وَمِنْهُ إشَارَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّلاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ2. وَطَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "بِالْبَيْتِ" 3 عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى رُكْنٍ أَشَارَ إلَيْهِ4.
وَمِنْ الْفِعْلِ أَيْضًا: عَمَلُ الْقَلْبِ وَالتَّرْكُ. فَإِنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلاَّ بِفِعْلٍ5. فَإِذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يُنَحِّيَ مُخَاطَ أُسَامَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ
__________
1 هو أبو حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة الأسلمي. قال أحمد: اسمه عبد الله، وقيل عبيد، وقيل عبيدة، له صحبة، ويعد في أهل الحجاز. روى عنه ابناه عبد الرحمن وحدرد ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي. وأبو يحيى الأسلمي، ولم تؤرخ وفاته.
"انظر: الإصابة 4/ 42، الاستيعاب 4/ 40، تهذيب الأسماء 2/ 212، الخلاصة ص 447".
2 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد عن عائشة وأنس بروايات كثيرة مرفوعة.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 214، 125، 2/ 111، صحيح مسلم 1/ 312، 315 وما بعدها، سنن أبي داود 1/ 216، سنن النسائي 2/ 61، تخريج أحاديث البزدوي ص 245، مسند أحمد 5/ 332".
3 زيادة من البخاري. وساقطة من جميع النسخ.
4 رواه البخاري باللفظ السابق. ورواه الترمذي والنسائي وأحمد والدارمي قريبًا منه. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد بلفظ: يستلم الركن بمحجن عن ابن عباس مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 280، 283، صحيح مسلم 2/ 926، سنن أبي داود 1/ 434، تحفة الأحوذي 3/ 602، سنن النسائي 5/ 186، سنن ابن ماجه 2/ 982، مسند أحمد 1/ 214، 264، سنن الدارمي 2/ 43".
5 المجلد الأول ص 490.
(2/163)

اللَّهِ حَتَّى أَكُونَ1 أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ. قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ"
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ2.
وَحَدِيثِ أَنَسٍ3: "أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَهْطٍ - أَوْ4 أُنَاسٍ - مِنْ الْعَجَمِ. فَقِيلَ: إنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إلاَّ بِخَاتَمٍ. فَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ5.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ: "أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْهَى أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، أَوْ بِبَرَكَةَ، أَوْ أَفْلَحَ، أَوْ يَسَارٍ أَوْ6 نَافِعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ
__________
1 ساقطة من ز ض ب ع ومن الترمذي.
2 تحفة الأحوذي 10/ 323، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
3 هو الصحابي أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين من الرواية عنه. خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالمال والولد والجنة. وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم شهد الفتوح، وقطن البصرة، ومات بها. وهو آخر الصحابة موتاً بالبصرة. وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثماني غزوات، وبارك الله له في المال والولد والعمر. مات سنة 93هـ، وقيل غير ذلك.
"انظر: الإصابة 1/ 71، الاستيعاب 1/ 71، تهذيب الأسماء 1/ 127، الخلاصة ص 40، شذرات الذهب 1/ 100".
4 في ع: و.
5 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أنس بن مالك مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/ 36، شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 69، سنن أبي داود 2/ 405، سنن الترمذي 7/ 503، سنن النسائي 8/ 151، سنن البيهقي 10/ 128، صحيح مسلم 3/ 1657، الموطأ 2/ 936".
6 في ش ز: و. وهي رواية ثانية في الحديث.
(2/164)

عَنْهُ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ1.
وَإِذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَرَكَ كَذَا. كَانَ أَيْضًا مِنْ السُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ2. كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قُدِّمَ إلَيْهِ الضَّبُّ فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَتَرَكَ أَكْلَهُ: أَمْسَكَ3 الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَتَرَكُوهُ، حَتَّى بَيَّنَ4 لَهُمْ أَنَّهُ حَلالٌ، وَلَكِنَّهُ يَعَافُهُ5. وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ مُقَيَّدٌ بِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِأَنَّهُ تَرَكَ، أَوْ قِيَامِ الْقَرَائِنِ عِنْدَ الرَّاوِي الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ. وَالْمُرَادُ مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَفْعَالِهِ: مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الإِعْجَازِ.
__________
1 رواه مسلم عن جابر مرفوعاً. ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب وجابر. ورواه الترمذي بألفاظ أخرى.
"انظر: صحيح مسلم 3/ 1686، سنن أبي داود 2/ 586، تحفة الأحوذي 8/ 124".
2 انظر: إرشاد الفحول ص 42.
3 في ض: وأمسك.
4 في ش: سن. وفي ز: يبين. وفي ض: تبين.
5 روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه أخبره أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبًّا منبوذاً، فقدمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضبّ يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، فلم يَنْهَني. وهناك أحاديث أخرى بألفاظ كثيرة في ذلك.
"انظر: صحيح البخاري 3/ 293، 4/ 269، صحيح مسلم 3/ 1542 وما بعدها، سنن أبي داود 2/ 317، سنن الترمذي 5/ 492، سنن النسائي 7/ 174، سنن ابن ماجه 2/ 1080، مسند أحمد 4/ 88، نيل الأوطار 8/ 133".
(2/165)

"وَإِقْرَارُهُ" يَعْنِي أَنَّ السُّنَّةَ شَرْعًا وَ1اصْطِلاحًا: قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِعْلُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَى الشَّيْءِ 2يُقَالُ أَوْ7 يُفْعَلُ، فَإِذَا سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنْسَانًا يَقُولُ شَيْئًا، أَوْ رَآهُ يَفْعَلُ شَيْئًا. فَأَقَرَّهُ3 عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ قَطْعًا4. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ5 ذَلِكَ6. "وَزِيدَ الْهَمُّ" أَيْ وَزَادَ7 الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ: مَا هَمَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ؛ لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لا يَهُمُّ إلاَّ بِحَقٍّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ8. وَمِنْهُ: هَمُّهُ صلى الله عليه وسلم بِمُعَاقَبَةِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ9.
__________
1 ساقطة من ز ض ب ع.
2 ساقطة من د.
3 في ب ع: وأقره.
4 انظر في تعريف السنة المحلي على جمع الجوامع 2/ 94، مناهج العقول 2/ 236، نهاية السول 2/ 238، الإحكام للآمدي 1/ 169، فواتح الرحموت 2/ 97، تيسير التحرير 3/ 19، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، التلويح على التوضيح 2/ 2 ط الميمنية، التعريفات للجرجاني ص 128 ط لبنان، أصول السرخسي 1/ 113، غاية الوصول ص 91، إرشاد الفحول ص 33، المدخل إلى مذهب أحمد ص 89، مختصر الطوفي ص 49، أصول مذهب أحمد ص 200.
5 في ض ب ع: تفاصيل.
6 صفحة 194 من هذا المجلد عند بحث السكوت.
7 في ع: وزادت.
8 انظر: البناني على جمع الجوامع 2/ 94، إرشاد الفحول ص 41، أصول مذهب أحمد ص 201.
9 روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوها ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً، فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم جزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وفي رواية لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أناساً في بعض الصلوات، فقال: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها"، يعني صلاة العشاء.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 119، صحيح مسلم 1/ 451، سنن أبي داود 1/ 129، تحفة الأحوذي 1/ 631، سنن النسائي 2/ 83، سنن ابن ماجه 1/ 259، مسند أحمد 2/ 376، الترغيب والترهيب 1/ 153 وما بعدها".
(2/166)

"وَهِيَ" أَيْ وَ1أَقْسَامُ السُّنَّةِ كُلُّهَا "حُجَّةٌ" أَيْ تَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ2 "لِلْعِصْمَةِ" أَيْ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ الَّتِي هِيَ أَيْ الْعِصْمَةُ "سَلْبُ الْقُدْرَةِ" أَيْ سَلْبُ قُدْرَةِ الْمَعْصُومِ "عَلَى الْمَعْصِيَةِ" فَلا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَلَبَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهَا3. وَقِيلَ: إنَّ الْعِصْمَةَ4 صَرْفُ دَوَاعِي الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِمَا يُلْهِمُ اللَّهُ الْمَعْصُومَ مِنْ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ5.
وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ الْعِصْمَةَ تَهَيُّؤُ الْعَبْدِ لِلْمُوَافَقَةِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ طَاعَةٍ. فَإِذًا الْعِصْمَةُ تَوْفِيقٌ عَامٌّ6.
__________
1 ساقطة من ش.
2 انظر حجية السنة في "الرسالة للشافعي ص 73 وما بعدها، المستصفى 1/ 129، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، الإحكام لابن حزم 1/ 87، أصول السرخسي 2/ 90 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 22، إرشاد الفحول ص 33، مختصر الطوفي ص 49، الروضة ص 46، المدخل إلى مذهب أحمد ص 89، أصول مذهب أحمد ص 204".
3 بحث العصمة من بحوث علم الكلام أو العقيدة. وإنما يذكرها علماء الأصول في حجية السنة لتوقف الأدلة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب شهادة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
"انظر فواتح الرحموت 2/ 97، تيسير التحرير 3/ 20، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، إرشاد الفحول ص 34، المنخول ص 223".
4 في ض: المعصية. وهو تحريف.
5 انظر: فواتح الرحموت 2/ 97، تيسير التحرير 3/ 20.
6 انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 95، التعريفات ص 156، إرشاد الفحول ص 34.
(2/167)

وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْعِصْمَةُ خَلْقُ أَلْطَافٍ تُقَرِّبُ إلَى الطَّاعَةِ. وَلَمْ يَرُدُّوهَا إلَى الْقُدْرَةِ 1لأَنَّ الْقُدْرَةَ5 عِنْدَهُمْ عَلَى الشَّيْءِ صَالِحَةٌ لِضِدِّهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ: لا تُطْلَقُ الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ إلاَّ بِقَرِينَةِ إرَادَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ السَّلامَةُ مِنْ الشَّيْءِ. وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي "الرِّسَالَةِ" "وَأَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ" 2 وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ3.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ السَّلامَةَ أَعَمُّ مِنْ وُجُوبِ السَّلامَةِ. فَقَدْ تُوجَدُ السَّلامَةُ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ4 وَالْمَلَكِ اتِّفَاقًا لا وُجُوبًا. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ5 فِي كِتَابِهِ "الإِيضَاحُ فِي الْجَدَلِ": الْعِصْمَةُ حِفْظُ الْمَحَلِّ بِالتَّأْثِيمِ وَالتَّضْمِينِ.
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 الرسالة ص 102.
3 انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص 329، 334.
4 في ض ب: النبي صلى الله عليه وسلم.
5 هو يوسف بن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد التيمي البكري القرشي البغدادي، أبو محمد وأبو المحاسن ابن الجوزي، محيي الدين، العلامة الفاضل، الفقيه الأصولي، الواعظ الشهيد. كان كثير المحفوظ، قوي المشاركة في العلوم، وافر الحشمة. اشتغل بالفقه والخلاف والأصول، وبرع في ذلك، وكان أشهر فيها من والده. تولى الأعمال الجليلة، وأرسله الخليفة إلى ملوك الأطراف، وأنشأ مدرسة بدمشق، وهي المعروفة بالجوزية، ووقف عليها أوقافاً كثيرة، وكذلك فعل في بغداد، وله مصنفات كثيرة، منها: "معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز"، و"المذهب الأحمد في مذهب أحمد"، و"الإيضاح في الجدل". قتل صبراً بسيف الكفار التتار شهيداً مع أبنائه الثلاثة سنة 656هـ.
انظر ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة 2/ 258، طبقات المفسرين للداودي 2/ 380، شذرات الذهب 5/ 286، هدية العارفين 6/ 555".
(2/168)

"وَلا يَمْتَنِعُ1 عَقْلاً" أَيْ فِي تَصَوُّرِ الْعَقْلِ "مَعْصِيَةٌ" أَيْ صُدُورُ مَعْصِيَةٍ مِنْ النَّبِيِّينَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَامْتِنَاعُهَا عَقْلاً "قَبْلَ الْبَعْثَةِ" مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ. فَمَنْ أَثْبَتَهُ - كَالرَّوَافِضِ - مَنَعَهَا لِلتَّنْفِيرِ فَتُنَافِي2 الْحِكْمَةَ. وَقَالَتْهُ3 الْمُعْتَزِلَةُ: فِي الْكَبَائِرِ. وَمَنْ نَفَى التَّقْبِيحَ الْعَقْلِيَّ لَمْ يَمْنَعْهَا4.
"وَ" كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ فَهُوَ "مَعْصُومٌ بَعْدَهَا" أَيْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ "مِنْ تَعَمُّدِ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ" فِيهِ "مِنْ رِسَالَةٍ5 وَتَبْلِيغٍ" إجْمَاعًا. حَكَاهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ6.
فَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الأَحْكَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا؛ لأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهَا. فَلَوْ جَازَ كَذِبُهُمْ فِيهَا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ7 الْمُعْجِزَةِ8.
__________
1 في ض: تمتنع.
2 في ز: فتتنافى.
3 في ش ب ز: وقالت.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 169، 170، نهاية السول 2/ 239، فواتح الرحموت 2/ 97، 98، 100، تيسير التحرير 3/ 20، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، المنخول ص 223 وما بعدها، الشفاء 2/ 157، إرشاد الفحول ص 35، شرح الأصول الخمسة ص 375.
5 في ض ع: رسالته.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170، نهاية السول 2/ 239، فواتح الرحموت 2/ 98، تيسير التحرير 3/ 21، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، الشفاء 2/ 122، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 330، أصول الدين للبغدادي ص 168، الإرشاد للجويني ص 358.
7 في ع: دلالته.
8 انظر: الإحكام 1/ 170، تيسير التحرير 3/ 21، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 329، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، إرشاد الفحول ص 34، المنخول ص 223.
(2/169)

"وَلا يَقَعُ" مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ لا "غَلَطًا وَ" لا "سَهْوًا" عِنْدَ الأَكْثَرِ1.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "وَأَمَّا الْكَذِبُ غَلَطًا. فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي - يَعْنِي الْبَاقِلاَّنِيَّ - وَمَنَعَهُ الْبَاقُونَ، لِمَا مَرَّ مِنْ دَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ2".
وَ3قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": وَلِلْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ غَلَطًا وَنِسْيَانًا قَوْلانِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِيهَا؟ وَاخْتَلَفَ فِيهِ كَلامُ ابْنِ عَقِيلٍ اهـ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ دَلالَةَ الْمُعْجِزَةِ: هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ مُطْلَقًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، أَوْ مَا دَلَّتْ إلاَّ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهُمْ عَمْدًا4؟
وَتَأَوَّلَ مَنْ مَنَعَ الْوُقُوعَ الأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي سَهْوِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّشْرِيعَ5. كَمَا فِي حَدِيثِ "وَلَكِنْ أُنَسَّى" 6 بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170، نهاية السول 2/ 239، تيسير التحرير 3/ 21، المستصفى 2/ 214، الشفاء 2/ 130، المنخول ص 225، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، غاية الوصول ص 91، إرشاد الفحول ص 34.
2 شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 22، وانظر: حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، تيسير التحرير 3/ 21.
3 ساقطة من ض ب ع.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170، تيسير التحرير 3/ 21، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، الشفا 2/ 160، الإرشاد للجويني ص 356.
5 انظر أقوال العلماء في جواز السهو وعدمه من النبي صلى الله عليه وسلم والقصد منه أو تأوله في "نيل الأوطار 3/ 124-125، غاية الوصول ص 91، الشفاء 2/ 128، 158، المسودة ص 190".
6 رواه الإمام مالك بلفظ: "إني لأنسى أو أُنْسى لأَسُنَّ". قال الحافظ ابن حجر: "إن هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد".
"فتح الباري 3/ 65". وقال ابن عبد البر: "لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول". "انظر: الموطأ 1/ 100، نيل الأوطار 3/ 125".
(2/170)

وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ1 هَذَا بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لِتَصْرِيحِهِ صلى الله عليه وسلم بِالنِّسْيَانِ فِي قَوْلِهِ: "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي" 2. وَلأَنَّ الأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلاةَ. وَالْبَيَانُ كَافٍ بِالْقَوْلِ. فَلا ضَرُورَةَ إلَى الْفِعْلِ3. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ4 وَغَيْرُهُ الْخِلافَ فِي الأَفْعَالِ، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الأَقْوَالِ الْبَلاغِيَّةِ إجْمَاعًا5. وَمَعْنَاهُ لابْنِ عَقِيلٍ، فِي الإِرْشَادِ. فَإِنَّهُ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ لَمْ يُعْصَمُوا مِنْ الأَفْعَالِ فِي نَفْسِ الأَدَاءِ. فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ فِي
__________
1 في ز ض ب ع: يعبر في.
2 هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن مسعود مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 82، صحيح مسلم 1/ 400، سنن أبي داود 1/ 133، سنن النسائي 3/ 24، سنن ابن ماجه 1/ 380، 382، مسند أحمد 1/ 455، نيل الأوطار 3/ 133".
3 انظر: المسودة ص 190، إرشاد الفحول ص 35.
4 هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، أبو الفضل اليحصبي السبتي، القاضي، عالم المغرب، الحافظ. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء والفطنة والفهم. تفقه وصنف التصانيف التي سارت بها الركبان، وبعُد صيته، وكان إمام أهل الحديث في وقته، وأعلم الناس بعلوم الحديث والنحو والأصول واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. ولي قضاء سبتة ثم غرناطة. ومن مؤلفاته: "الشفاء"، "وطبقات المالكية"، "وشرح صحيح مسلم"، "والتاريخ"، و"المشارق"، و"الإعلام بحدود قواعد الإسلام", و"الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع". توفي سنة 544هـ بمراكش.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 2/ 46، طبقات المفسرين 2/ 18، إنباه الرواة 2/ 363، شجرة النور الزكية ص 140، تذكرة الحفاظ 4/ 1304، تهذيب الأسماء 2/ 43، وفيات الأعيان 3/ 152، طبقات الحفاظ ص 468، بغية الملتمس ص 425".
وفي ب: وعياض.
5 الشفاء للقاضي عياض 2/ 160. وانظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص 329، نهاية الإقدام ص 445، إرشاد الفحول ص 35، المسودة ص 190.
(2/171)

الأَقْوَالِ فِيمَا يُؤَدُّونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا فِيمَا شَرَعَهُ مِنْ الأَحْكَامِ عَمْدًا وَلا سَهْوًا وَلا نِسْيَانًا1.
وَمَنْ قَالَ بِالْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لا يُقَرُّ عَلَيْهِ إجْمَاعًا2. "وَ" أَمَّا "مَا لا يُخِلُّ" بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةُ "فَ" هُوَ مَعْصُومٌ فِيهِ "مِنْ" وُقُوعِ "كَبِيرَةٍ" إجْمَاعًا، وَلا عِبْرَةَ بِخِلافِ الْحَشْوِيَّةِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ3.
"وَ" كَذَا هُوَ مَعْصُومٌ مِنْ فِعْلِ "مَا يُوجِبُ خِسَّةً أَوْ إسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا 4".
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
قُلْت: بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ. اهـ.
__________
1 انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص 329، المستصفى 2/ 214.
2 انظر: المسودة ص 190، الفصل في الملل والنحل 3/ 3، التوضيح على التنقيح 2/ 14 طبع الميمنية، إرشاد الفحول ص 35.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170، نهاية السول 2/ 239، كشف الأسرار 3/ 199، فواتح الرحموت 2/ 98، المستصفى 2/ 213، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، تيسير التحرير 3/ 21، المنخول ص 223، إرشاد الفحول ص 33، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 330، أصول الدين للبغدادي ص 168.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170، نهاية السول 2/ 239، فواتح الرحموت 2/ 99، أصول السرخسي 2/ 86، تيسير التحرير 3/ 21، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، الشفاء 2/ 154، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 330، أصول الدين للبغدادي ص 168، الإرشاد للجويني ص 356، المستصفى 2/ 213، إرشاد الفحول ص 34، غاية الوصول ص 91.
(2/172)

1وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ سَهْوًا فَفِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ2. وَاخْتَلَفَ كَلامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَفِي وَجْهٍ سَهْوًا3" أَنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَهْوًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى3.
وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تُوجِبُ خِسَّةً وَلا إسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. فَفِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ4.
__________
1 ساقطة من ش ز. وفي ب زيادة من أصحابنا.
وابن أبي موسى هو محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أبي موسى الهاشمي، أبو علي الحنبلي البغدادي، صاحب التصانيف، انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان رئيساً رفيع القدر، بعيد الصيت، له المكانة العليا عند الخليفتين القادر بالله والقائم بأمر الله. صنف "الإرشاد"، و"شرح كتاب الخرقي". توفي سنة 428 هـ، وله ابن أخ أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أبي موسى، وكان علامة، وعند الإطلاق فالمراد الأول.
انظر ترجمته في "المدخل إلى مذهب أحمد ص 209، طبقات الحنابلة 2/ 182، المنهج الأحمد 2/ 126، شذرات الذهب 2/ 238".
2 وهو رأي الرازي وابن حزم والحنفية وأكثر العلماء.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 21، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 330، الإحكام للآمدي 1/ 171، فواتح الرحموت 2/ 99، المسودة ص 188، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، الفصل في الملل والنحل 4/ 2-3، أصول الدين للبغدادي ص 168، المستصفى 2/ 214، إرشاد الفحول ص 34".
3 في ب ع: وسهواًَ.
4 انظر: نهاية السول 2/ 239، كشف الأسرار 3/ 199، فواتح الرحموت 2/ 99، تيسير التحرير 3/ 21، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، المستصفى 2/ 213، الإرشاد للجويني ص 356، المسودة ص 188، إرشاد الفحول ص 34، المنخول ص 223.
(2/173)

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَمِنْ صَغِيرَةٍ مُطْلَقًا" عَدَمُ الْجَوَازِ1، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ: يَجُوزُ الْهَمُّ لا الْفِعْلُ.
وَمَنَعَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الذَّنْبِ2 مُطْلَقًا، كَبِيرًا أَوْ3 صَغِيرًا، عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، أَخَلَّ بِصِدْقِهِ أَوْ لا4، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْمَعَالِي فِي "الإِرْشَادِ5" وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَأَبِي بَكْرٍ "وَ" 6
__________
1 وهو قول الحنفية. قال ابن عبد الشكور: "وهو الحق، فإن صغيرتهم كبيرة".
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 99، كشف الأسرار 1/ 199، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، البناني على جمع الجوامع 2/ 95، الأربعين في أصول الدين للرازي ص 330، نهاية الإقدام ص 445، تيسير التحرير 3/ 21، إرشاد الفحول ص 34".
2 في ز: الكذب.
3 في ض ب: و.
4 انظر: نهاية السول 2/ 239، كشف الأسرار 1/ 199، 200، المحلي على جمع الجوامع 2/ 95، إرشاد الفحول ص 34.
5 يظهر أن رأي الإمام الجويني يخالف المنقول عنه هنا، لأنه قال في "الإرشاد ص 356": "وأما الذنوب المعدودة من الصغائر، على تفصيل سيأتي الشرح عليه، فلا تنفيها العقول، ولم يقم عندي دليل قاطع سمعي على نفيها، ولا على إثباتها ... قلنا: الأغلب على الظن عندنا جوازها، وقد شهدت أقاصيص الأنبياء في آي من كتاب الله تعالى على ذلك". وهذا يبين أن الإمام أبا المعالي الجويني يرى أن العقل لا ينفيها، وأن غلبة الظن في السمع بالجواز، والله أعلم.
"انظر: الإرشاد ص 356 وما بعدها".
6 الواو إضافة ضرورية، لأن أبا بكر بن مجاهد أحمد بن موسى بن العباس، المتوفى سنة 324هـ من القراء، ولأن المصنف نقل ذلك عن ابن حزم، وابن حزم يصرح بأن القول "لابن مجاهد شيخ ابن فُوْرك". وهو أبو عبد الله الطائي، المتكلم الأصولي، ولم يذكر في ترجمة أبي بكر بن مجاهد أقوال في الكلام والأصول. "انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 57، طبقات القراء 1/ 139، شذرات الذهب 2/ 302، معرفة القراء الكبار 1/ 216".
(2/174)

ابْنِ مُجَاهِدٍ1 وَابْنِ فُورَكٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ2 ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ3"، وَابْنِ حَزْمٍ4 وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي "الأَوْسَطِ". وَنَقَلَهُ فِي "الْوَجِيزِ" عَنْ اتِّفَاقِ الْمُحَقِّقِينَ. وَحَكَاهُ فِي "زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ" عَنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ5: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ
__________
1 هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي المالكي، أبو عبد الله. وهو بصري الأصل، وسكن بغداد ودرس فيها وأخذ عن القاضي التستري، وصحب أبا الحسن الأشعري. وكان فقيهاً حافظاً متكلماً أصوليًّا، زاهداً وورعاً. وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلاني علم الكلام والحديث. له مؤلفات في "الأصول" على مذهب مالك، "ورسالة" في العقائد، و"هداية المستبصر ومعونة المستنصر". توفي سنة 370 هـ. وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب 2/ 210، شجرة النور الزكية ص 92، تاريخ بغداد 1/ 343، تبيين كذب المفتري ص 177، الفتح المبين 1/ 213".
2 في ش: عن.
3 النقل عن ابن حزم غير دقيق، لأنه نقل قول ابن فورك بجواز الصغائر حالة العمد فقط، فقال: "لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلاً، وجوزوا الصغائر بالعمد، وهو قول ابن فُورَك الأشعري". ثم قال ابن حزم: "لا يجوز أن يقع من نبي أصلاً معصية بعمد لا صغيرة ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فُورَك". ثم قال ابن حزم: "وهذا القول الذي ندين الله تعالى به". "الفصل في الملل والنحل 4/ 2".
4 يرى ابن حزم رحمه الله أنه لا يجوز أن يقع من نبي أصلاً معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، ويقول: "إنه يقع من الأنبياء السَّهْو من غير قصد". "الفصل في الملل والنحل 4/ 2-3".
5 هو الحسين بن محمد بن أحمد المروذي، أبو علي الفقيه الشافعي، المعروف بالقاضي، كان إماماً كبيراً وصاحب وجه في مذهب الشافعي، وإذا أطلق القاضي في الفقه الشافعي فهو المقصود. صنف في الأصول والفروع والخلاف. ويقال له: حبر الأمة وحبر المذهب. له "التعليق الكبير". وهو كثير الفروع والفوائد. توفي سنة 462 هـ بمروروذ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 356، تهذيب الأسماء 1/ 164، وفيات الأعيان 1/ 400، شذرات الذهب 3/ 310، طبقات العبادي ص 112".
(2/175)

الشِّهْرِسْتَانِيّ1، وَابْنِ عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرِ2، وَشَيْخِ الإِسْلامِ الْبُلْقِينِيِّ3، وَالسُّبْكِيِّ وَوَلَدِهِ التَّاجِ4.
__________
1 هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني. كان إماماً مبرزاً فقيهاً متكلماً أصوليًّا، برع في الفقه، وتفرد في علم الكلام، وكان كثير المحفوظ، حسن المحاورة، يعظ الناس، شافعي المذهب. ومن مصنفاته: "نهاية الإقدام في علم الكلام"، والملل والنحل"، و"المناهج والبيان"، و"المضارعة"، و"تلخيص الأقسام لمذاهب الأعلام". توفي سنة 548هـ، وقيل 549هـ.
انظر في ترجمته "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 6/ 128، وفيات الأعيان 3/ 403، شذرات الذهب 4/ 149".
2 هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية، أبو محمد الغرناطي القاضي، الإمام الكبير. كان فقيهاً عالماً بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب. وكان غاية في الدهاء والذكاء وطلب العلم. ألف كتابه "الوجيز في التفسير"، وهو أصدق شاهد على إمامته في العربية وغيرها. وألف "البرنامج" الذي ضمنه مروياته وأسماء شيوخه. تولى القضاء وعدل فيه. توفي سنة 540هـ بمدينة لورقة.
انظر ترجمته في "طبقات المفسرين 1/ 260، الديباج المذهب 2/ 57، شجرة النور الزكية ص 129، بغية الملتمس ص 376، بغية الوعاة 2/ 73".
3 هو عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الكناني العسقلاني الشافعي، سراج الدين، الحافظ المحدث الفقيه الأصولي. كان أعجوبة زمانه حفظاً واستذكاراً، وفاق الأقران، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد. وقيل: إنه مجدد القرن التاسع، وانفرد برئاسة العلماء، ولقب بشيخ الإسلام. تولى الإفتاء والقضاء بدمشق. وله مؤلفات كثيرة، منها: "التدريب" في الفقه، وتصحيح المنهاج في الفقه ستة مجلدات، و"الملمات برد المهمات" في الفقه، و"محاسن الإصلاح" في الحديث، و"شرح البخاري"، و"شرح الترمذي"، ومنهج الأصلين في مسائل أصول الدين وأصول الفقه. توفي سنة 805 هـ بالقاهرة.
انظر ترجمته في "الضوء اللامع 6/ 85، طبقات المفسرين 2/ 3، طبقات الحفاظ ص 538، الفتح المبين 3/ 10، حسن المحاضرة 1/ 329، البدر الطالع 1/ 506، ذيل تذكرة الحفاظ 206، 369، شذرات الذهب 7/ 51".
4 انظر: جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 95، الملل والنحل للشهرستاني 1/ 134، الشفاء للقاضي عياض 2/ 160.
(2/176)

فَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ صلى الله عليه وسلم وَلِسَائِرِ1 الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَبِيرٍ أَوْ2 صَغِيرٍ. عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا فِي الأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا لأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَآثَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ عَلَى الإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَرِينَةٍ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، تَعَاضَدَتْ الأَخْبَارُ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ النَّقَائِصِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتُهُمْ عَلَى كَمَالِ أَوْصَافِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ عَقْلاً أَوْ شَرْعًا، عَلَى الْخِلافِ فِي ذَلِكَ، وَلا سِيَّمَا فِيمَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِيمَا يُنَافِي الْمُعْجِزَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً" 3، إنَّمَا هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ4 إلَى أَرْفَعَ مِنْهَا، لِتَزَايُدِ عُلُومِهِ وَاطِّلاعِهِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. فَهُوَ يَتُوبُ مِنْ الْمَنْزِلَةِ الأُولَى إلَى الأُخْرَى. وَالتَّوْبَةُ هُنَا ُغَوِيَّةٌ5. اهـ.
__________
1 في ض: وسائر.
2 في ز: و. وفي ض: صغير أو كبير.
3 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن أبي هريرة والأغر المزني وأنس. والمراد بالسبعين التكثير لا التحديد. وفي رواية: "مائة مرة". والقصد أن يكون دائم الحضور.
"انظر: صحيح البخاري 4/ 99، صحيح مسلم 4/ 2075، سنن أبي داود 1/ 348، تحفة الأحوذي 9/ 143، سنن ابن ماجه 2/ 1254، مسند أحمد 4/ 211، سنن الدارمي 2/ 302، فيض القدير 6/ 359".
4 في ع: حالته.
5 وهو رأي الشوكاني. انظر: "إرشاد الفحول ص 35".
(2/177)

فصل: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
...
فَصْلٌ: "مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ"
أَيْ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ "صلى الله عليه وسلم بِهِ1 فَـ" كَوْنُهُ 2مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم2 "وَاضِحٌ" لأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَصَائِصَ كَثِيرَةً أُفْرِدَتْ بِالتَّصَانِيفِ3.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خُصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِوَاجِبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ4.
"وَمَا كَانَ" مِنْ أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم "جِبِلِّيًّا. كَنَوْمٍ" وَاسْتِيقَاظٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَذَهَابٍ وَرُجُوعٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ. قَطَعَ بِهِ الأَكْثَرُ5، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلافًا6؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ7 بِهِ التَّشْرِيعُ. وَلَمْ نُتَعَبَّدْ بِهِ،
__________
1 ذكر الشوكاني أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى سبعة أقسام، ثم ذكر هذه الأقسام وبين حكم كل قسم. "انظر: إرشاد الفحول ص 35".
2 في ز: صلى الله عليه وسلم من خصائصه.
3 من هذه الكتب "الشمائل" للترمذي وغيره، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي، مطبوع في ثلاثة مجلدات، و"الشفا" للقاضي عياض، وشروح الشفا.
4 في ش: وكراهات. وفي ض: وإكرامات.
5 انظر: نهاية السول 2/ 240، الإحكام للآمدي 1/ 173، كشف الأسرار 3/ 200، فواتح الرحموت 2/ 180، تيسير التحرير 3/ 120، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، المحلي على جمع الجوامع 2/ 97، التلويح على التوضيح 2/ 14 طبع الميمنية، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 35، أصول السرخسي 2/ 86 وما بعدها.
6 نقل الشيخ زكريا الأنصاري خلافاً فيه، فقال: "وقيل يندب". "غاية الوصول ص 92 كما ذكر المؤلف في الصفة التالية "179" أن الباقلاني والغزالي نقلا قولاً بالندب، وأن أبا إسحاق الإسفراييني نقل قولاً بالامتناع.
7 في ض: تقصد.
(2/178)

وَلِذَلِكَ نُسِبَ إلَى الْجِبِلَّةِ1. وَهِيَ الْخِلْقَةِ، لَكِنْ لَوْ تَأَسَّى بِهِ مُتَأَسٍّ 2فَلا بَأْسَ9، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ3 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَإِنَّهُ كَانَ إذَا حَجَّ يَجُرُّ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ حَتَّى يُبْرِكَهَا4 حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ صلى الله عليه وسلم تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ5، وَإِنْ تَرَكَهُ لا رَغْبَةً عَنْهُ، وَلا اسْتِكْبَارًا فَلا بَأْسَ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالْغَزَالِيُّ قَوْلاً: أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّأَسِّي بِهِ6. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا وَعَزَاهُ لأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَالثَّانِي: لا يُتَّبَعُ فِيهِ أَصْلاً. فَتَصِيرُ الأَقْوَالُ ثَلاثَةً: مَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمُمْتَنِعٌ.
__________
1 في ز: الجبلية.
2 ساقطة من ش.
3 هو الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، القرشي العدوي المدني الزاهد، أبو عبد الرحمن. أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، ولم يشهد بدراً لصغره. وقيل شهد أحداً، وقيل لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد غزوة مؤتة واليرموك وفتح مصر وأفريقيا. وكان شديد الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الزهد. وهو أحد الستة المكثرين من الرواية. ومناقبه كثيرة. توفي بمكة سنة 73 هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/ 347، الاستيعاب 2/ 341، تهذيب الأسماء 1/ 278، حلية الأولياء 1/ 292، 2/ 7، طبقات الفقهاء ص 49، تذكرة الحفاظ 1/ 37، طبقات القراء 1/ 437، نكت الهميان ص 183، طبقات الحفاظ ص 9".
4 في ز ض ب: يركبها. وكذا في ع. لكنها صححت في الهامش.
5 انظر: الموطأ 1/ 333.
6 أيد هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: دلالة أفعاله العادية على الاستحباب أصلاً وصفة. "المسودة ص 191". وجزم الزركشي الشافعي أيضاً بالقول بالندب لاستحباب التأسي به. "انظر: البناني على جمع الجوامع 2/ 97، نهاية السول 2/ 240، الإحكام للآمدي 1/ 173، المنخول ص 226، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 35".
(2/179)

وَمَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِ صلى الله عليه وسلم يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أَوْ يَحْتَمِلُهُ كَجِلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ1" وَرُكُوبِهِ فِي الْحَجِّ2 وَدُخُولِهِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَخُرُوجِهِ مِنْ ثَنِيَّةِ كُدَي3، وَذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فِي الْعِيدِ4 وَنَحْوِهِ
__________
1 وهي الجلسة بين الخطبتين في صلاة الجمعة، لما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين، يقعد بينهما. وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 165، صحيح مسلم 2/ 589، سنن أبي داود 1/ 251، تحفة الأحوذي 3/ 24، سنن النسائي 3/ 90، سنن ابن ماجه 1/ 351، شرح السنة 4/ 246، سنن الدارمي 1/ 366".
2 روى مسلم في حديث جابر رضي الله عنه في حجة النبي صلى الله عليه وسلم: "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت ناقته على البيداء...." وقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج: "باب الركوب والارتداف في الحج. ورواه النسائي عن ابن عباس.
"انظر: صحيح مسلم 2/ 887، صحيح البخاري 1/ 268، سنن النسائي 5/ 136".
وقد سبق "ص 163" "أنه صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير، وكلما أتى الركن أشار إليه أو استلمه بمحجنه".
3 روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى". وروى البخاري قريباً منه.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 266، صحيح مسلم 2/ 918، سنن أبي داود 1/ 432، سنن النسائي 5/ 158، سنن ابن ماجه 2/ 981".
وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها".
"انظر: صحيح مسلم 2/ 918، سنن أبي داود 1/ 432، تحفة الأحوذي 3/ 589.
وروى مسلم وأبو داود عن عائشة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة. انظر صحيح مسلم 2/ 919، سنن أبي داود 1/ 432".
4 وهو الذهاب إلى العيد من طريق والرجوع منه في أخرى. قال الفقهاء: إنه مستحب، لما روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق". وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق آخر". ورواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أيضاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 175، سنن أبي داود 1/ 263، تحفة الأحوذي 3/ 95، سنن ابن ماجه 1/ 412، التمهيد للأسنوي ص 134".
(2/180)

"وَلُبْسِهِ" النَّعْلَ "السِّبْتِيَّ1" وَالْخَاتَمَ2 "فَمُبَاحٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ3.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ4 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ تَسَرَّى، وَاخْتَفَى ثَلاثَةَ أَيَّامٍ5، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَوْضِعٍ
__________
1 النعل السِّبْتيّة -بكسر السين- التي لا شعر عليها. "المصباح المنير 1/ 401".
وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه أخرج نعلين جَرْداوين "أي خَلقين لم يبق عليهما شعر"، وقال: إنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم. "صحيح البخاري 2/ 189".
وروى البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد ومالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعل التي ليس لها شعر، ويتوضأ فيها، فأحب أن ألبسها".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 43، سنن أبي داود 1/ 411، سنن النسائي 1/ 68، مسند أحمد 2/ 60، الموطأ 1/ 333".
2 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من فضة، وكتب عليه "محمد رسول الله"، وكان يلبسه. وسبق تخريج هذا الحديث كاملاً ص 164.
3 وهو ما رجحه الشوكاني، وقال: "وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين، فيكون مندوباً". وذكره الشيخ زكريا الأنصاري واقتصر عليه.
"انظر: إرشاد الفحول ص 35، غاية الوصول ص 92، التمهيد ص 134، المحلي على جمع الجوامع 2/ 97".
4 ساقطة من ش.
5 انظر: مناقب الإمام أحمد ص 177، 179.
(2/181)

آخَرَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّسَرِّي، وَاخْتِفَائِهِ فِي الْغَارِ ثَلاثًا1. وَقَالَ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ إلاَّ عَمِلْت بِهِ2، حَتَّى أُعْطِي الْحَجَّامَ دِينَارًا3.
وَوَرَدَ أَيْضًا4 عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ5 جَاءَ عَنْهُ6 أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: اسْقِنِي. فَشَرِبَ7 قَائِمًا. فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ قَائِمًا8.
__________
1 وذلك ثابت في حديث الهجرة الطويل الذي رواه البخاري وأحمد وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، وفيه قالت: "ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن".
"انظر: صحيح البخاري 2/ 333، مسند أحمد 2/ 198".
2 ساقطة من ض ب.
3 روى البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجرته". وفي رواية "وأعطاه صاعين" وفي رواية "صاعاً".
"انظر: صحيح البخاري 4/ 10، صحيح مسلم 3/ 1204، سنن أبي داود 2/ 239، سنن ابن ماجه 2/ 731، مسند أحمد 1/ 135، زاد المعاد 4/ 493 وما بعدها".
4 ساقطة من ض.
5 ساقطة من ش.
6 ساقطة من ض.
7 ساقطة من ز ض ب ع.
8 لما روى البخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنه، وما رواه البخاري وأبو داود وأحمد عن علي رضي الله عنه، وما رواه الترمذي وأحمد عن عمرو بن شعيب، وما رواه الدارمي عن ابن عمر وأم سليم رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب قائماً".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 283، 3/ 325، صحيح مسلم 3/ 1601، سنن أبي داود 2/ 302، تحفة الأحوذي 6/ 4، سنن النسائي 5/ 189، سنن ابن ماجه 2/ 1132، مسند أحمد 1/ 101، 134، 2/ 174، سنن الدارمي 2/ 120".
وروى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم كانوا يشربون قياماً. "انظر: الموطأ 2/ 925-926".
(2/182)

وَمَنْشَأُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. فَإِنَّ الأَصْلَ عَدَمُ التَّشْرِيعِ، وَالظَّاهِرُ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ1.
ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ رَجَّحَ فِعْلَ ذَلِكَ وَالاقْتِدَاءَ بِهِ وَالتَّأَسِّي قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْجِبِلِّيِّ، بَلْ مِنْ الشَّرْعِ الَّذِي يُتَأَسَّى2 بِهِ فِيهِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ: فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْجِبِلِّيِّ.
"وَبَيَانُهُ" أَيْ وَمَا بَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُكْمٍ "بِقَوْلٍ كَ" قَوْلِهِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي 3، أَوْ" بَيَّنَهُ بِ "فِعْلٍ عِنْدَ حَاجَةٍ" إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ "كَقَطْعِ" يَدِ السَّارِقِ4 "مِنْ كُوعٍ5 وَ" إدْخَالِ "غَسْلِ مِرْفَقٍ" وَكَعْبَيْنِ فِي وُضُوءٍ6.
__________
1 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 97، التمهيد ص 134، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 35، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 64.
2 في ش ز: نتأسى.
3 أخرجه البخاري في حديث طويل عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث. ورواه الإمام أحمد والدارمي.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 117، تخريج أحاديث البزدوي ص 19، مسند أحمد 5/ 53، سنن الدارمي 1/ 286".
4 في ب ز ع: لسارق. وفي ض: السارق.
5 أخرج الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق فقطع يده من مفصل الكوع. وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من المفصل. وقال المحلي: قال المصنف أي "السبكي": روي بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً من المفصل.
"انظر: سبل السلام 4/ 37-38، المحلي على جمع الججوامع 2/ 97".
6 أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه". ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس عن علي رضي الله عنهما.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 42، صحيح مسلم 1/ 204، سنن أبي داود 1/ 24، سنن النسائي 1/ 61، 68، تحفة الأحوذي 1/ 164، مسند أحمد 1/ 58، نيل الأوطار 1/ 165، 179 وما بعدها".
(2/183)

"فَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "وَاجِبٌ عَلَيْهِ" صلى الله عليه وسلم لِوُجُوبِ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ1.
"وَ" أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَلا جِبِلِّيًّا، وَلا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَلا بَيَانًا. فَقِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا عُلِمَ حُكْمُهُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ" أَيْ صِفَةَ حُكْمِهِ2 "مِنْ3 وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ". وَعِلْمُ صِفَةِ حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ:
"إمَّا بِنَصِّهِ" صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ عَلَيَّ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مُبَاحٌ4، أَوْ يَذْكُرُ خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ أَحَدِ هَذِهِ5 الأَحْكَامِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
"أَوْ تَسْوِيَتِهِ" صلى الله عليه وسلم الْفِعْلَ الَّذِي مَا عَلِمْنَا صِفَةَ حُكْمِهِ
__________
1 انظر: المستصفى 2/ 214، الرسالة للإمام الشافعي ص 29، المنخول ص 225، فواتح الرحموت 2/ 180، المحلي على جمع الجوامع 2/ 97، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، الإحكام لابن حزم 1/ 431، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 36.
2 في ض: حكم.
3 ساقطة من ض.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 173، نهاية السول 2/ 247، المسودة ص 190، المحلي على جمع الجوامع 2/ 98، غاية الوصول ص 92.
5 ساقطة من ض.
(2/184)

"بِمَعْلُومِهَا" أَيْ بِفِعْلٍ مَعْلُومٍ صِفَةُ حُكْمِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا مِثْلُ كَذَا، أَوْ هَذَا مُسَاوٍ لِفِعْلِ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ1.
"أَوْ" تُعْلَمَ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ "بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ" صِفَةَ "أَحَدِهَا2" أَيْ أَحَدِ الأَحْكَامِ الثَّلاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ3.
فَمِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ: فِعْلُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لِلصَّلاةِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا لا يُطْلَبَانِ فِي صَلاةِ عِيدٍ وَلا كُسُوفٍ، وَلا اسْتِسْقَاءٍ. فَيَدُلاَّنِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ الَّتِي يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ4.وَمِنْهَا: قَطْعُ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْخِتَانُ5 فَإِنَّ الْجَرْحَ وَالإِبَانَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا، فَجَوَازُهُمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا6. وَمِنْ قَرَائِنِ الْوُجُوبِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ قَضَاءً لِمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ7.
__________
1 انظر: نهاية السول 2/ 247، المحلي على جمع الجوامع 2/ 98، غاية الوصول ص 92.
2 في ش ز: أحدهما.
3 انظر: نهاية السول 2/ 247، فواتح الرحموت 2/ 180، تيسير التحرير 3/ 120، المستصفى 2/ 214.
4 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 98، نهاية السول 2/ 247، غاية الوصول ص 92.
5 ساقطة من ش.
6 ذكر الأسنوي في ذلك قاعدة، فقال: ما كان من الأفعال ممنوعاً لم يكن واجباً، فإن فَعَلَهُ الرسول عليه الصلاة والسلام فإنا نستدل بفعله على وجوبه. "التمهيد ص 33". وورد مثله في "جمع الجوامع 2/ 98". وانظر: غاية الوصول ص 92، نهاية السول 2/ 248.
7 انظر: نهاية السول 2/ 248.
(2/185)

وَأَمَّا النَّدْبُ1: فَكَقَصْدِ الْقُرْبَةِ مُجَرَّدًا2 عَنْ دَلِيلِ وُجُوبٍ وَقَرِينَةٍ3.
وَأَمَّا الإِبَاحَةُ: فَكَالْفِعْلِ الَّذِي ظَهَرَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ4 لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْبَةُ5.
"أَوْ" تُعْلَمُ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ "بِوُقُوعِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ6" كَقَطْعِ يَدِ7 السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ8.
"أَوْ" تُعْلَمَ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ بِوُقُوعِهِ "امْتِثَالاً لِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ" مِنْ إيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ، فَيَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ تَابِعًا لأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ مِنْ ذَلِكَ9.
فَكُلُّ فِعْلٍ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَتْ صِفَةُ حُكْمِهِ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم "فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ10".
__________
1 أي وأما معرفة الندب.... "انظر: نهاية السول 2/ 248، المحلي على جمع الجوامع 2/ 98".
2 في ض: مجرد.
3 في ب: وقرينته.
4 في ز: إن.
5 انظر: نهاية السول 2/ 248.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 174، 186، شرح تنقيح الفصول ص 288، كشف الأسرار 3/ 200، فواتح الرحموت 2/ 180، المعتمد 1/ 377، المسودة ص 186، 191، الإحكام لابن حزم 1/ 422، 431، تيسير التحرير 3/ 121، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، 23، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 97، 98، غاية الوصول ص 92، اللمع ص 37، نهاية السول 2/ 247.
7 ساقطة من ز ض ب ع.
8 انظر: المستصفى 2/ 214، الإحكام للآمدي 1/ 173، غاية الوصول ص 92.
9 انظر: نهاية السول 2/ 247، والمراجع السابقة في هامش 6.
10 هذا جواب الشرط الوارد في قوله ص 184: "إن علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة"، وهذا رأي الجمهور.
وفي المسألة ثلاثة أقوال أخرى، ولكل قول دليله.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 174، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 22، 23، المحلي على جمع الجوامع 2/ 98، نهاية السول 2/ 240، أصول السرخسي 2/ 87، تيسير التحرير 3/ 121، المسودة ص 187، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 36".
(2/186)

لَكِنْ إنْ أَتَى بِالْفِعْلِ بَيَانًا لِنَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ، فَقَدْ أَتَى بِوَاجِبٍ مِنْ جِهَةِ التَّشْرِيعِ، أَيْ تَبْيِينُ الْحُكْمِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ جِهَتَانِ:
جِهَةُ وُجُوبٍ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّشْرِيعِ.
وَ1جِهَةُ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الأُمَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِهِ، وَلا بِجِبِلِّيٍّ2، وَلا مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَلا بِبَيَانٍ3: هُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِلاَّ أَيْ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَةُ حُكْمِ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ. فَهُوَ4 نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ تَقَرَّبَ بِهِ" أَيْ قَصَدَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْقُرْبَةَ "فَ" هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ5.
__________
1 في ع: أو.
2 في ب: جبلي.
3 في ع: بيان.
4 في ض: وهو.
5 قال بهذا الرأي المعتزلة وابن سريج وأبو سعيد الإصطخري وابن خيران وابن أبي هريرة من الشافعية، ومالك.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 288، الإحكام للآمدي 1/ 174، نهاية السول 2/ 241، كشف الأسرار 3/ 201، فواتح الرحموت 2/ 180، تيسير التحرير 3/ 122، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، الإحكام لابن حزم 1/ 422، اللمع ص 37، إرشاد الفحول ص 36، المسودة ص 187".
وفي ع: الشافعي والظاهرية.
(2/187)

وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.
قَالَ الْمَجْدُ: "نَقَلَهَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ1 وَالأَثْرَمُ وَجَمَاعَةٌ بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ2".
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ3.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِالْوَقْفِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِهِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالأَشْعَرِيَّةُ4. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
__________
1 هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، خدم الإمام أحمد وهو ابن سبع سنين، وكان ذا دين وورع، ونقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. توفي ببغداد سنة 275هـ.
انظر ترجمته في "المنهج الأحمد 1/ 174، طبقات الحنابلة 1/ 108".
2 المسودة ص 187.
3 هذا القول حكاه الجويني في البرهان عن الشافعي، فقال: "وفي كلام الشافعي ما يدل عليه". وقال الرازي في "المحصول": "إن هذا القول نسب إلى الشافعي". وذكر الزركشي في "البحر" أنه حكاه عن القفال وأبي حامد المروزي، واقتصر عليه الشيخ زكريا الأنصاري. وقال الآمدي: وهو "اختيار إمام الحرمين وابن الحاجب". وهو رأي الرازي وابن حزم وجماعة من الحنابلة.
"انظر: شرح تنقيح الفصور ص 288، الإحكام للآمدي 1/ 174، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23 وما بعدها، المسودة ص 187، 188، الإحكام لابن حزم 1/ 422، 429، تيسير التحرير 3/ 123، فواتح الرحموت 2/ 182، أصول السرخسي 2/ 87، نهاية السول 2/ 241، إرشاد الفحول ص 37، اللمع ص 37، غاية الوصول ص 92".
4 وحكى الرازي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب قولاً رابعاً أنه للإباحة حملاً على أقل الأحوال، وهو رأي الكرخي من الحنفية، واختاره السرخسي والجصاص. وقال ابن عبد الشكور: "وهو الصحيح عند أكثر الحنفية".
"انظر: أصول السرخسي 2/ 87، كشف الأسرار 3/ 201، 203، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/ 181، 183، تيسير التحرير 3/ 122، التوضيح على التنقيح 2/ 15 طبع الميمنية، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 25، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، الإحكام للآمدي 1/ 174، إرشاد الفحول ص 37".
(2/188)

وَحُكِيَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ1.
وَ 2 النَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِلاّ"َ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَرَّبْ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَةُ حُكْمِهِ "ف" هُوَ "مُبَاحٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ3.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "فِعْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُفِيدُ الإِبَاحَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ4" فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَاخْتَارَهُ5 جَمَاعَةٌ6.
وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ، وَ7اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ أَيْضًا8.
__________
1 قال الرازي: وهو قول الصيرفي وأكثر المعتزلة، وهو المختار، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحاب الشافعي، وأكثر المتكلمين ورجحه، وحكاه عن الدقاق، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، ونسبه ابن عبد الشكور للكرخي.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 174، نهاية السول 2/ 241، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، شرح تنقيح الفصول ص 288 وما بعدها، أصول السرخسي 2/ 87، فواتح الرحموت 2/ 181، 183، تيسير التحرير 3/ 123، كشف الأسرار 3/ 201، المسودة ص 188، الإحكام لابن حزم 1/ 423، اللمع ص 37، إرشاد الفحول ص 37- 38".
2 ساقطة من ع.
3 انظر: كشف الأسرار 3/ 201، تيسير التحرير 3/ 123، المعتمد 1/ 377، المسودة ص 187، 191، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، 25، جمع الجوامع 2/ 99، الإحكام للآمدي 1/ 174، نهاية السول 2/ 241، 243، شرح تنقيح الفصول ص 288، إرشاد الفحول ص 38، اللمع ص 37.
4 المسودة ص 187.
5 في ش ب ز: اختاره.
6 انظر: المسودة ص 189، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 25، المعتمد 1/ 377، نهاية السول 2/ 241، 244، الإحكام للآمدي 1/ 174، غاية الوصول ص 92.
7 ساقطة من ش ب ز.
8 وهناك قول رابع بالوقف. انظر هذه الأقوال مع بيان أصحابها وذكر أدلتها في: "المستصفى 2/ 214، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، الإحكام للآمدي 1/ 174، 178، نهاية السول 2/ 241، 244، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 24، 25، المعتمد 1/ 377، المسودة ص 189، 193، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 38".
(2/189)

وَاسْتُدِلَّ1 لِلْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ2 بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوهُ} 3 وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} 4. وَالْفِعْلُ أَمْرٌ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 5 وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 6 أَيْ تَأَسَّوْا بِهِ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} 7 وَمَحَبَّتُهُ وَاجِبَةٌ. فَيَجِبُ لازِمُهَا، وَهُوَ اتِّبَاعُهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} 8. فَلَوْلا الْوُجُوبُ لَمَا رَفَعَ تَزْوِيجُهُ الْحَرَجَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ9.
__________
1 في ب: واستدلوا.
2 انظر هذه الأدلة مع مناقشة المخالفين لها في "نهاية السول 2/ 244، البناني على جمع الجوامع 2/ 99، الرسالة ص 79 وما بعدها، المنخول ص 229، الإحكام للآمدي 1/ 175، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23 وما بعدها، الإحكام لابن حزم 1/ 423 وما بعدها، أصول السرخسي 1/ 88 وما بعدها، وتيسير التحرير 3/ 122، كشف الأسرار 3/ 202، فواتح الرحموت 2/ 180، 181 وما بعدها، المعتمد 1/ 378 وما بعدها، 381 وما بعدها، المسودة ص 187 وما بعدها، إرشاد الفحول ص 36".
3 الآية 158 من الأعراف. وفي ز ض ب ع: فاتبعوه. وأول الآية: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّيْ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيْعًا الَّذِيْ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... فَآمِنُوْا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِيْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَِّبعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ} . واستدل الآمدي بالآية 155 من الأنعام الموافقة لنسخة ز ض ب، وهي {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوْهُ وَاتَّقُوْا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ} .
4 الآية 63 من النور.
5 الآية 7 من الحشر. وفي ض: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ} .
6 الآية 21 من الأحزاب.
7 الآية 31 من آل عمران. وفي ض تتمة الآية { ... يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} .
8 الآية 37 من الأحزاب. وفي ض تتمة الآية { ... فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} .
9 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 186، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، كشف الأسرار 3/ 203.
(2/190)

وَلَمَّا خَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعْلَهُ فِي الصَّلاةِ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ1. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ2، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَرُوِيَ مُرْسَلاً3. وَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَلُّلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: تَمَسَّكُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ4، وَسَأَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَنْ الْغُسْلِ بِلا إنْزَالٍ. فَأَجَابَ بِفِعْلِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ5
__________
1 انظر: فواتح الرحموت 2/ 180 وما بعدها، كشف الأسرار 3/ 203، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، الإحكام للآمدي 1/ 176، المستصفى 219.
2 ساقطة من ض.
3 هذا طرف من حديث رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأحمد عن أبي سعيد مرفوعاً، وتكملته: "فلما انصرف قال لهم: "لم خلعتم"؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصلّ فيهما".
"انظر: سنن أبي داود 1/ 151، المستدرك 1/ 260، مسند أحمد 3/ 20، نيل الأوطار 2/ 135، تخريج أحاديث البزدوي ص 20".
4 رواه البخاري من حديث طويل جداً في كتاب الشروط، وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا ثم احلقوا"، قال الصحابي: مِسْوَر بن مخْرمة "راوي الحديث": فوالله، ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتجب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بَدَنَك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ... فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضاً غمًّا". "صحيح البخاري 2/ "122، وهذا هو محل الاستشهاد.
"وانظر: سنن أبي داود 2/ 78، نيل الأوطار 5/ 105، الإحكام لابن حزم 1/ 423".
5 روى مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها قالت: "إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل". "صحيح مسلم 1/ 272".
انظر: الموطأ 1/ 46، الإحكام للآمدي 1/ 177، نهاية السول 2/ 244، فواتح الرحموت 2/ 182، تيسير التحرير 3/ 125، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23.
(2/191)

وَلأَنَّ فِعْلَهُ كَقَوْلِهِ فِي بَيَانٍ مُجْمَلٍ وَتَخْصِيصٍ وَتَقْيِيدٍ، وَلأَنَّ فِي مُخَالَفَتِهِ تَنْفِيرًا وَتَرْكًا لِلْحَقِّ، لأَنَّ فِعْلَهُ حَقٌّ1.
"وَلَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" الْفِعْلَ "الْمَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ" لأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ التَّأَسِّي "بَلْ فِعْلُهُ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ2" قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ3.
وَمُرَادُهُمْ "حَيْثُ لا مُعَارِضَ لَه"ُ وَإِلاَّ فَقَدْ يَفْعَلُ غَالِبًا شَيْئًا، ثُمَّ يَفْعَلُ خِلافَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ4. وَهُوَ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، كَقَوْلِهِمْ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ الْجَنَابَةِ لِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ5 أَوْ مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ6، تَرَكَهُ لِبَيَانِ
__________
1 روى الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن الله بعث نبينا محمداً، ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا محمداً يفعل". "المستدرك 1/ 258".
وانظر مزيداً من الأدلة من جهة السنة في "الإحكام للآمدي 1/ 176 وما بعدها، كشف الأسرار 3/ 203".
2 كما أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفي الحرمة بالأولى، وهو ما صرح به ابن السبكي في "جمع الجوامع 2/ 96". وصرح المحلي بأن "خلاف الأولى مثل المكروه أو مندرج فيه". "المحلي على جمع الجوامع 2/ 97".
3 انظر: المسودة ص 189، شرح تنقيح الفصول ص 292، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 96، فواتح الرحموت 2/ 181، غاية الوصول ص 92.
4 انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 433، غاية الوصول ص 92.
5 روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب، وفي رواية عنها: "ربما اغتسل في أول الليل وربما اغتسل في آخره". رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي وأحمد. وروى أبو داود وابن ماجه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه".
"انظر: سنن أبي داود 1/ 50، 51، سنن ابن ماجه 1/ 192، 195، سنن النسائي 1/ 164، شرح السنة للبغوي 2/ 35، مسند أحمد 6/ 138".
6 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والبغوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغُسْل واحد" وفي رواية البخاري: "الساعة الواحدة من الليل والنهار".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 59، صحيح مسلم 1/ 249، سنن أبي داود 2/ 49، تحفة الأحوذي 1/ 431، سنن النسائي 1/ 172، سنن ابن ماجه 1/ 194، سنن الدارمي 1/ 192، شرح السنة للبغوي 2/ 35، فتح الباري 9/ 254".
(2/192)

الْجَوَازِ1، وَفَعَلَهُ غَالِبًا لِلْفَضِيلَةِ2.
"وَتَشْبِيكُهُ" بَيْنَ أَصَابِعِهِ "بَعْدَ سَهْوِهِ" فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ3 فِي الْمَسْجِدِ4 "لا يَنْفِيهَا" أَيْ لا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ "لأَنَّهُ نَادِرٌ5".
__________
1 قال البغوي: "فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أحياناً ليدل على الرخصة، وكان يتوضأ في أغلب أحواله ليدل على الفضيلة". "شرح السنة 2/ 36".
2 انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 433 وما بعدها.
3 هو الصحابي الخِرباق بن عمرو، من بني سليم. وقيل له ذو اليدين لأنه كان في يديه طول. وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين، وكان في يديه طول. وفي رواية أنه بسيط اليدين، وهو الذي قال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ حين سلّم في ركعتين، وقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زماناً، وروى عنه التابعون، وليس هو ذا الشمالين الذي قتل في بدر.
"انظر: الإصابة 1/ 489، الاستيعاب 1/ 491، تهذيب الأسماء 1/ 185، نيل الأوطار 3/ 122".
4 في حديث ذي اليدين حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: "لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع طرق الكلام عليه في مصنف مفرد الشيخ صلاح الدين العلائي". وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه والبيهقي والبزار والطبراني، وعن معاوية بن خديج عند أبي داود والنسائي.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 212، صحيح مسلم 1/ 403، سنن أبي داود 1/ 231، سنن النسائي 3/ 17، سنن ابن ماجه 1/ 283، نيل الأوطار 3/ 122، التلخيص الحبير 4/ 110 على هامش المجموع، مسند أحمد 4/ 77".
5 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 96.
(2/193)

وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ1، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّثْلِيثِ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ2.
"وَإِذَا سَكَتَ" النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "عَنْ إنْكَارِ" فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، فُعِلَ3 أَوْ قِيلَ "بِحَضْرَتِهِ أَوْ" فِي "زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ" وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "عَالِمًا بِهِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ" حَتَّى لِغَيْرِ الْفَاعِلِ أَوِ4 الْقَائِلِ فِي الأَصَحِّ5.
"وَإِنْ" كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَوْ الْقَوْلُ الْوَاقِعُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ قَدْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ فَ سُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إنْكَارِهِ "نَسْخٌ" لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ السَّابِقِ6، لِئَلاَّ يَكُونَ سُكُوتُهُ مُحَرَّمًا، وَلأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ
__________
1 روى الدارمي عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق". "سنن الدارمي 1/ 177". قال النووي عنه: بإسناد صحيح. "المجموع 1/ 360".
وروى ابن ماجه عن أبي بن كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". ثم توضأ مرتين مرتين وقال: "من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين". ثم توضأ ثلاثاً وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوئي خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم". "سنن ابن ماجه 1/ 145". ورواه البيهقي عن ابن عمر. "السنن الكبرى 1/ 80". قال النووي: إسنادهما ضعيف. "المجموع 1/ 430".
2 انظر: المجموع 1/ 435 بالمعنى.
3 ساقطة من ش.
4 في ض ب ع: و.
5 وهو قول الجويني. ونقله المازري عن الجمهور. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنه خاص بالفاعل أو القائل، ولا يعم غيره.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 290، الإحكام للآمدي 1/ 188، المحلي والبناني على جمع الجوامع 2/ 95-96، المنخول ص 229، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 25، الإحكام لابن حزم 1/ 436، فواتح الرحموت 2/ 183، تيسير التحرير 3/ 128، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 41، اللمع ص 38".
6 ساقطة من ض.
(2/194)

الْحَاجَةِ لإِيهَامِ الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ، وَلا سِيَّمَا إنْ اسْتَبْشَرَ بِهِ1. وَلِذَلِكَ احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالإِمَامُ2 الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقَافَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا "أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ3، رَأَى أَقْدَامَ4 زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ5 وَابْنِهِ أُسَامَةَ6،7وَهُمَا مُتَدَثِّرَانِ. فَقَالَ7: إنَّ هَذِهِ
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 188، المنخول ص 228، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 25، تيسير التحرير 3/ 128، فواتح الرحموت 2/ 183، إرشاد الفحول ص 41.
2 ساقطة من ش ز.
3 هو الصحابي مُجَزَّز، وقيل مُجَزِّز، لأنه كان يجز نواصي الأسارى من العرب، ابن الأعور بن جَعْدة الكناني المدلجي، ذكر فيمن فتح مصر. وشهد الفتوح بعد النبي صلى الله عليه وسلم. واعتبر قوله في حكم شرعي في إثبات النسب بالقافة، وحديثه في الصحيح مشهور.
انظر ترجمته في "الإصابة 3/ 365، الاستيعاب 3/ 530، تهذيب الأسماء 2/ 83".
4 ساقطة من ز ض ب ع.
5 هو الصحابي زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي نسباً، القرشي الهاشمي بالولاء، الحجازي، أبو أسامة، حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهر مواليه. وقع في السبي فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فأعتقه وتبنّاه حتى نزل تحريم التبني، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وهو من السابقين للإسلام، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر. وعينه الرسول صلى الله عليه وسلم أميراً على غزوة مؤتة فاستشهد سنة ثمان من الهجرة، وله مناقب كثيرة.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 564، الاستيعاب 1/ 544، تهذيب الأسماء 1/ 202، الخلاصة ص 127".
6 هو الصحابي أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو محمد. ويقال: أبو زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، أمه أم أيمن حاضنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أمّره الرسول صلى الله عليه وسلم على جيش عظيم، وكان عمره ثماني عشرة سنة أو عشرين. واعتزل الفتن بعد قتل عثمان، وسكن المزة بدمشق، ثم مكة، ثم المدينة، ومات بها في خلافة معاوية سنة 54هـ. روي عنه أحاديث كثيرة، وله مناقب عديدة.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 31، الاستيعاب 1/ 57، تهذيب الأسماء 1/ 113، الخلاصة ص 26".
7 ساقطة من ز. وفي ض ب ع: فقال.
(2/195)

الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ1.
وَقَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ2. وَلا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ وُجُوبَ إنْكَارِهِ الْمُنْكَرَ لا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ3.
"فَائِدَةٌ":
"التَّأَسِّي" بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِعْلُك" أَيْ أَنْ تَفْعَلَ "كَمَا فَعَلَ" لأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ4.
وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ: فَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَكَهُ، لأَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ5.
"وَ" أَمَّا التَّأَسِّي "فِي الْقَوْلِ فَـ" هُوَ "امْتِثَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ6"،
__________
1 هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي عن عائشة.
"انظر: صحيح البخاري 4/ 170، صحيح مسلم 2/ 1082، النووي على مسلم 10/ 40، سنن أبي داود 1/ 526، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي 6/ 327، سنن النسائي 6/ 151، سنن ابن ماجه 2/ 787، السنن الكبرى 10/ 262، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 112، سبل السلام 4/ 137، مسند أحمد 6/ 82، 226".
2 مختصر ابن الحاجب وحاشية التفتازاني عليه 2/ 25، وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 189.
3 وذلك لإخبار الله تعالى بعصمته في قوله تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} . المائدة/ 67. "وانظر: إرشاد الفحول ص 41، الإحكام للآمدي 1/ 189".
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 172، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، الإحكام لابن حزم 1/ 426، المعتمد 1/ 372، كشف الأسرار 3/ 202، تيسير التحرير 3/ 123، المصباح المنير 1/ 27.
5 انظر: المعتمد 1/ 372، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23.
6 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 290, الإحكام للآمدي 1/ 172، نهاية السول 2/ 245، المسودة ص 186، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 23، المعتمد 2/ 1004، 1/ 374.
(2/196)

"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْكُلِّ "ف" هُوَ "مُوَافَقَةٌ لا مُتَابَعَةٌ" لأَنَّ الْمُوَافَقَةَ الْمُشَارَكَةُ فِي الأَمْرِ1، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَجْلِهِ2.
فَالْمُوَافَقَةُ أَعَمُّ مِنْ التَّأَسِّي؛ لأَنَّ الْمُوَافَقَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَأَسٍّ3، ثُمَّ التَّأَسِّي وَالْوُجُوبُ بِالسَّمْعِ لا بِالْعَقْلِ. خِلافًا لِبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ4.
__________
1 انظر: المعتمد 2/ 374.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 172.
3 ذهب الرازي وغيره إلى أن التأسي والمتابعة معناهما واحد. "انظر: نهاية السول 2/ 245
4 انظر: المسودة ص 186، 189.
(2/197)

فصل: لا تعارض بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
...
فَصْلٌ: "لا تَعَارُضَ 1 بَيْنَ فِعْلَيْه"ِ
أَيْ: فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ تَمَاثَلا، كَمَا لَوْ فَعَلَ صَلاةً، ثُمَّ فَعَلَهَا مَرَّةً أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ2 "وَ" كَذَا "لَوْ اخْتَلَفَا" وَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا. كَفِعْلِ صَوْمٍ وَفِعْلِ صَلاةٍ "أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا، لَكِنْ لا يَتَنَاقَضُ حُكْمَاهُمَا" لإِمْكَانِ الْجَمْعِ. وَحَيْثُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ امْتَنَعَ التَّعَارُضُ3.
"وَكَذَا إنْ تَنَاقَضَ" الْحُكْمُ "كَصَوْمِ" رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي "وَقْتٍ" بِعَيْنِهِ "وَفِطْرٍ" هـ فِي "مِثْلِه"ِ فَإِنَّهُمَا لا يَتَعَارَضَانِ أَيْضًا، لإِمْكَانِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَفِي الْوَقْتِ الآخَرِ بِخِلافِهِ4.
"لَكِنْ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ" فِعْلِهِ5 "الأَوَّلِ لَهُ" أَيْ عَلَى وُجُوبِ
__________
1 قال الإسنوي: "التعارض بين الأمرين هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه". "نهاية السول 2/ 251".
وانظر: "البناني على جمع الجوامع 2/ 99، تيسير التحرير 3/ 136، المصباح المنير 2/ 516".
2 لأن الفعل لا عموم له فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة، ولا يدل على التكرار، وهو قول جمهور الأصوليين.
"انظر: نهاية السول 2/ 251، شرح تنقيح الفصول ص 294، المعتمد 1/ 388، إرشاد الفحول ص 38".
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 190، شرح تنقيح الفصول ص 294، نهاية السول 2/ 251، المعتمد 1/ 289، تيسير التحرير 3/ 147، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 26.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 190، المنخول ص 227.
5 في ض: فعل.
(2/198)

تَكَرُّرِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ "أَوْ" دَلَّ دَلِيلٌ "لأُمَّتِه"ِ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي1 مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ "فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ" أَيْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْفِطْرُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوْمِ، دَلَّ أَكْلُهُ2 عَلَى نَسْخِ دَلِيلِ تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ، لا نَسْخِ حُكْمِ الصَّوْمِ السَّابِقِ، لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ. وَرَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحَالٌ3 أَوْ "أَقَرَّ آكِلاً فِي مِثْلِهِ" أَيْ فِي4 مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ: "فَنَسْخٌ"، لِدَلِيلِ تَعْمِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الأُمَّةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ، أَوْ تَخْصِيصِهِ5.
وَقَدْ يُطْلَقُ النَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ عَلَى الْمَعْنَى، بِمَعْنَى زَوَالِ التَّعَبُّدِ مَجَازًا6.
وَقِيلَ فِي فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخْتَلِفَيْنِ: إنَّهُ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. فَالثَّانِي7 نَاسِخٌ، 8وَلا تَعَارُضَ9 وَإِلاَّ تَعَارَضَا، وَعُدِلَ إلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ9.
وَحَيْثُ انْتَهَى الْقَوْلُ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِعْلاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْنَشْرَعْ الآنَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي خِلافَ مَا يَقْتَضِيهِ الآخَرُ.
__________
1 ساقطة من ب.
2 في ع: كله.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 190، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 26.
4 ساقطة من ش ب ز ع.
5 يقول الآمدي: "فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك الدليل ... أو تخصيصه". الإحكام للآمدي 1/ 190. وانظر: التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 26، شرح تنقيح الفصول ص 294.
6 انظر: الإحكام للآمدي. المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق.
7 في ش: النافي. وفي ز: فالتالي.
8 ساقطة من ش ب ز ع.
9 وقيل يثبت التخيير. "انظر: إرشاد الفحول ص 38".
(2/199)

وَتَنْحَصِرُ مَسَائِلُ ذَلِكَ فِي اثْنَتَيْنِ1 وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً. وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ لا يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي، أَوْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَى الأَوَّلِ، وَهُوَ التَّكْرَارُ، دُونَ الثَّانِي وَهُوَ التَّأَسِّي، أَوْ يَدُلَّ عَلَى الثَّانِي وَحْدَهُ، وَهُوَ التَّأَسِّي دُونَ الأَوَّلِ، وَهُوَ التَّكْرَارُ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، كُلٌّ مِنْ الأَرْبَعَةِ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ اثْنَتَيْنِ2 وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً3؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، أَوْ خَاصًّا بِنَا، أَوْ عَامًّا لَهُ وَلَنَا.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ ذَلِكَ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْلِ، وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ، أَوْ مَجْهُولَ التَّارِيخِ. فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ حَصَلَتْ مِنْ ضَرْبِ ثَلاثَةٍ فِي ثَلاثَةٍ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْهَا لا يَخْلُو4 إمَّا أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّهِ، أَوْ فِي حَقِّنَا. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا مَضْرُوبَةٌ فِي الأَرْبَعَةِ الأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ. فَتَصِيرُ اثْنَتَيْنِ5 وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً تُؤْخَذُ مِنْ مَنْطُوقِ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ وَمَفْهُومِهِمَا6.
"وَحَيْثُ" عَلِمْتَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ "لا" تَعَارُضَ "فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ" فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَلا تَأَسٍّ بِه"ِ. وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الأَوَّلُ "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ" أَيْ "وَ"الْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَالُ أَيْضًا
__________
1 في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ.
2 في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ.
3 ساقطة من ض ب.
4 في ض: لا يكون.
5 في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، نهاية السول 2/ 249، شرح تنقيح الفصول ص 292 وما بعدها، جمع الجوامع 2/ 99، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 26، تيسير التحرير 3/ 148، المعتمد 1/ 389 وما بعدها، إرشاد الفحول ص 39.
(2/200)

أَنَّ الْقَوْلَ "تَأَخَّرَ" عَنْ الْفِعْلِ1.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: لا يَجُوزُ لِي مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ2.
وَوَجْهُ عَدَمِ التَّعَارُضِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ أُمَّتِهِ جَمِيعًا: كَوْنُ الْجَمْعِ3 مُمْكِنًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَلَمْ يَكُنْ رَافِعًا لِحُكْمٍ فِي الْمَاضِي وَلا فِي الْمُسْتَقْبَلِ4.
أَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ فِي حَقِّهِ: فَلأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْفِعْلُ أَيْضًا: لَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْقَوْلُ. فَلا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الآخَرِ.
وَأَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَظَاهِرٌ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَعَلُّقٌ بِالأُمَّةِ.
"لَكِنْ إنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ. كَمَا لَوْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَجِبُ عَلَيَّ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا5. وَتَلَبَّسَ6 بِضِدِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ "فَالْفِعْلُ" الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ "نَاسِخٌ" لِحُكْمِ قَوْلِهِ السَّابِقِ لِجَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ عَلَى الصَّحِيحِ7.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي المرجع السابق، نهاية السول 2/ 252، المعتمد 1/ 390، الإحكام لابن حزم 1/ 435، تيسير التحرير 3/ 148، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، نهاية السول 2/ 253، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، إرشاد الفحول ص 39.
3 في ض: الجميع.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، المعتمد 1/ 391.
5 في ش: الوقت.
6 في ز ض ب ع: ويتلبس.
7 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، نهاية السول 2/ 252، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المعتمد 1/ 390، شرح تنقيح الفصول ص 293، الإحكام لابن حزم 1/ 431 تيسير التحرير 3/ 148، إرشاد الفحول ص 39.
(2/201)

وَذَكَرَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ": أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لِلْقَوْلِ، إلاَّ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرَارِ1 مُقْتَضَى الْقَوْلِ. فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِتَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ2، وَلا ابْنُ مُفْلِحٍ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَتَابَعْتُهُمَا.
"وَإِنْ جُهِلَ" هَلْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ "وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ" دُونَ الْفِعْلِ؛ لأَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى دَلالَةً مِنْ الْفِعْلِ لِوَضْعِهِ لَهَا، وَلِعَدَمِ الاخْتِلافِ فِي كَوْنِهِ دَالاًّ، وَلِدَلالَتِهِ3 عَلَى الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ بِلا وَاسِطَةٍ، وَلأَنَّ الْقَوْلَ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَحْسُوسِ. فَيَكُونُ أَعَمَّ فَائِدَةً4
"وَلا" تَعَارُضَ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِه: حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلَى تَكْرَارِ5 وَتَأَسٍّ6 "إنْ اخْتَصَّ الْقَوْلُ بِنَا مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ، أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُ7،
__________
1 في ش ز: تكرر.
2 مختصر ابن الحاجب 2/ 26، وقال التفتازاني: "فالمصنف لم يتعرض له، لأنه يذكر في نظيره من القسم الرابع ما يعلم به حكمه". "حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27".
3 في ض: والدلالة.
4 انظر: نهاية السول 2/ 254، المعتمد 1/ 390، الإحكام لابن حزم 1/ 434، تيسير التحرير 3/ 148.
5 في ز ش: تكرر.
6 في ض ب ع: ولا تأس.
7 ساقطة من ب.
وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، نهاية السول 2/ 253، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، إرشاد الفحول ص 40.
(2/202)

"أَوْ عَمَّ" الْقَوْلُ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ وَلا بِنَا "وَ" الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ "تَقَدَّمَ الْفِعْلُ1".
أَمَّا كَوْنُهُ لا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلِعَدَمِ2 وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ3.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَلأَنَّ الْقَوْلَ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَ وُقُوعِ التَّأَسِّي بِهِ4، وَبَعْدَ وُقُوعِ التَّأَسِّي يَكُونُ نَاسِخًا لِلتَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ. قَالَهُ الأَصْفَهَانِيُّ.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِي حَقِّنَا إنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ" وَيَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا فِي حَقِّهِ لِلْقَوْلِ السَّابِقِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ5 "وَهُو"َ أَيْ وَ6حُكْمُ ذَلِكَ "ك" قَوْلٍ "خَاصٍّ بِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَامُّ" أَيْ الْعُمُومُ "ظَاهِرًا فِيهِ" أَيْ فِي الْقَوْلِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ يَتَنَاوَلُهُ7 الْقَوْلُ ظَاهِرًا "فَالْفِعْلُ" الْمُتَأَخِّرُ "تَخْصِيصٌ" لِعُمُومِ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ8. وَأَمَّا فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ9 مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَنَسْخٌ، وَإِلاَّ فَتَخْصِيصٌ10.
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 293، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، نهاية السول 2/ 252، الإحكام للآمدي 1/ 191، إرشاد الفحول ص 40.
2 في ب ز ض ع: لعدم.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 191، نهاية السول 2/ 252، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27.
6 ساقطة من ض.
7 في ش ب ز: يتناول.
8 انظر: التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المحلي على جمع الجوامع 2/ 101.
9 في ع: وجوب.
10 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 293، نهاية السول 2/ 252، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المحلي على جمع الجوامع 2/ 101، المعتمد 1/ 390، غاية الوصول ص 93.
(2/203)

"وَلا" تَعَارُضَ "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّنَا "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ "مَعَ دَلِيلٍ دَلَّ1 عَلَيْهِمَا" أَيْ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْفِعْلِ لَنَا2 "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ" أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ بِهِ. وَفِيهِ أَيْ وَفِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ أَوْ3 الْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ4.
"وَمَعَ جَهْلٍ" بِالتَّارِيخِ "يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ" وَقِيلَ بِالْفِعْلِ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ5.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَعَه"ُ أَيْ مَعَ الدَّلِيلِ "عَلَيْهِمَا" أَيْ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي وَالْقَوْلُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ مُخْتَصٌّ "بِنَا" تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوْ تَأَخَّرَ، لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ6.
__________
1 ساقطة من ز ض ع.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 192، نهاية السول 2/ 252، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المحلي على جمع الجوامع 2/ 100.
3 في ش: و.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 192، نهاية السول 2/ 252، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 40.
5 هذه الصورة مختصرة وفيها إبهام، وقد وضحها الآمدي فقال: "وأما إن جهل التاريخ فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة، لعدم تناول قوله لهم، وأما بالنسبة له فقد اختلف فيه ... ثم قال: والمختار إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة...." "الإحكام للآمدي 1/ 192". وقال الكمال بن الهمام: "وقيل: يُتَوقف، وهو المختار". "تيسير التحرير 3/ 148، 149". وكذلك قال التفتازاني: "وثالثها وهو المختار التوقف لاحتمال الأمرين، والمصير إلى أحدهما بلا دليل تحكم". "التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27". وهذا هو اختيار ابن السبكي والمحلي. "انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 100". وانظر: نهاية السول 2/ 254، المعتمد 1/ 390، الإحكام لابن حزم 1/ 435، غاية الوصول ص 92، إرشاد الفحول ص 40.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 100، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، غاية الوصول ص 93.
(2/204)

وَأَمَّا "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّ الأُمَّةِ ف "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ1 "وَمَعَ جَهْلٍ" بِالتَّارِيخِ "يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ2.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّنَا "مَعَ" دَلالَةِ "دَلِيلٍ عَلَى تَكَرُّرٍ" فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا" عَلَى "تَأَسٍّ" فِي حَقِّ الأُمَّةِ "إنْ اخْتَصَّ الْقَوْلُ بِهِ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَوْ عَمَ" هـ الْقَوْلُ وَعَمَّ الأُمَّةَ، لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ3.
"وَفِيهِ" أَيْ وَفِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا4.
"فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ5.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 193، نهاية السول 2/ 252، المحلي على جمع الجوامع 2/ 100، تيسير التحرير 3/ 148، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27.
2 ذكر التفتازاني رحمه الله أدلة القائلين بترجيح القول على الفعل، وأدلة المخالفين، ثم بين أدلة الترجيح للقول المختار بالعمل بالقول، ولم يذكر المؤلف الصورة الثالثة من هذا القسم، وهو "إن دل الدليل على التكرار والتأسي، وكان القول عاماً له ولنا، فالمتأخر من القول والفعل ناسخ للآخر في حقه وحقنا، فإن جهل التاريخ ففيه الأقوال الثلاثة، والمختار تقديم القول". "انظر التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28". وقال المحلي: "وإن جهل المتأخر فالأقوال أصحها في حقه الوقف، وفي حقنا تقدم القول". "المحلي على جمع الجوامع 2/ 101".
وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 193، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 27، المحلي على جمع الجوامع 2/ 100، تيسير التحرير 3/ 148، غاية الوصول ص 93، إرشاد الفحول ص 40.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 193، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28، إرشاد الفحول ص 40.
4 انظر: تيسير التحرير 3/ 149، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28، غاية الوصول ص 92.
5 قال التفتازاني: "وعند الجهل فالثلاثة، والمختار الوقف". وقال الشيخ زكريا الأنصاري: "فالوقف على الأصح، وقيل يرجح القول، وعزي للجمهور".
"انظر: التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28، غاية الوصول ص 92، الإحكام للآمدي 1/ 193، شرح تنقيح الفصول ص 293، المعتمد 1/ 390، تيسير التحرير 3/ 149".
(2/205)

"وَإِنْ" دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ التَّأَسِّي فِي حَقِّ الأُمَّةِ. وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ "اخْتَصَّ بِنَا فَلا" تَعَارُضَ "مُطْلَقًا" يَعْنِي لا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا فِي حَقِّنَا لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ1.
"وَلا" تَعَارُضَ "مَعَهُ" أَيْ مَعَ الدَّلِيلِ "عَلَى تَأَسٍّ" بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2 "فَقَطْ" أَيْ دُونَ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ" أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ "بِه"ِ أَيْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَتَأَخَّرَ" عَنْ الْفِعْلِ "مُطْلَقًا" يَعْنِي لا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا فِي حَقِّنَا3.
أَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ4 فِي حَقِّهِ: فَلِعَدَمِ وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ5 الأُمَّةِ: فَلِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ6.
"وَإِنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى التَّأَسِّي دُونَ التَّكْرَارِ "فَالْفِعْلُ" الْمُتَأَخِّرُ "نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ7.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 193، إرشاد الفحول ص 40.
2 ساقطة من ش.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، نهاية السول 2/ 252، تيسير التحرير 3/ 150، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28.
4 في ز ش: المعارض.
5 ساقطة من ض.
6 انظر: التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28.
7 مختصر ابن الحاجب 2/ 26.
وهو ما نص عليه الآمدي وذكره حرفيًّا. "انظر: الإحكام 1/ 194". وانظر: حاشية التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28، تيسير التحرير 3/ 150.
(2/206)

قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ.
"فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَقَدِّمُ مِنْ 1الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ7 "عُمِلَ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ2.
"وَإِنْ اخْتَصَّ" الْقَوْلُ "بِنَا" وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ3 عَلَى تَأَسٍّ دُونَ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَفِيهِ لا" تَعَارُضَ، تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوْ تَأَخَّرَ4.
"وَفِينَا" يَعْنِي وَفِي حَقِّنَا "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا5.
وَإِنْ عَمَّ الْقَوْلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالأُمَّةَ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى التَّأَسِّي دُونَ التَّكْرَارِ "فَإِنْ تَأَخَّرَ" الْقَوْلُ عَنْ الْفِعْلِ "فَفِيهِ" أَيْ فَفِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا" تَعَارُضَ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ6.
"وَفِينَا" أَيْ وَفِي حَقِّ الأُمَّةِ الْقَوْلُ "نَاسِخٌ لِلْفِعْلِ7".
__________
1 في ض: الفعل والقول.
2 قال التفتازاني: "فإن جهل فالمذاهب الثلاثة، والمختار الوقف، وفيه نظر". "التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28"، وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، نهاية السول 2/ 254، تيسير التحرير 3/ 150.
3 في ع: دالٌّ.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28.
5 لم يذكر المصنف حالة إن اختص القول بنا، وجهل التاريخ، فيعمل بالقول على المختار. انظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، ولعل المصنف اكتفى بالحالة السابقة "إن اختص القول به وجهل التاريخ". "وانظر: التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28، غاية الوصول ص 93، الإحكام للآمدي 1/ 194".
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28.
7 انظر: الإحكام للآمدي، المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق.
(2/207)

"وَإِنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ "فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ" لِتَأَخُّرِهِ1، إنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ لِلدَّلِيلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ.
وَإنْ كَانَ ذَلِكَ "بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ" بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ "لا" تَعَارُضَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ "إلاَّ أَنْ يَقْتَضِيَ الْقَوْلُ التَّكْرَارَ" فِي حَقِّهِ "فَالْفِعْلُ" إنْ تَأَخَّرَ "نَاسِخٌ لَهُ" أَيْ لِلْقَوْلِ.
وَهَذَا إنْ عُلِمَ 2أَنَّ الْفِعْلَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْقَوْلِ5 "فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ فِيهِنَّ" أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ3.
فَائِدَةٌ:
"فِعْلُ الصَّحَابِيِّ" وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ4 "مَذْهَبٌ لَهُ" أَيْ لِلصَّحَابِيِّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ5 الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ يَقْتَضِي6 الْوُجُوبَ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق.
2 في ز: القول متأخر عن الفعل.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 194، تيسير التحرير 3/ 151، التفتازاني على ابن الحاجب 2/ 28.
4 وذلك في فصل مستقل عن تعريف الصحابي وعدالة الصحابة ص 465.
5 في ض: والقول.
6 في ش: بمقتضى.
(2/208)

وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "الْجَامِعِ الْكَبِيرِ" فِي قَضَاءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لِلصَّلاةِ بِفِعْلِ عَمَّارٍ1 وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَوْ تُصُوِّرَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ عَلَى عَمَلٍ لا قَوْلَ مِنْهُمْ فِيهِ: كَانَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، خِلافًا لابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ2.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، حَتَّى أَحَالُوا الْخَطَأَ مِنْهُمْ فِيهِ إذْ3 لَمْ يَشْتَرِطُوا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ4، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
__________
1 هو الصحابي عمار بن ياسر بن عامر العنسي الشامي الدمشقي، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، كان من السابقين إلى الإسلام مع أمه وأبيه. أسلم مع صهيب في وقت واحد في دار الأرقم، وكان أول من أشهر إسلامه مع أبي بكر وبلال وخباب وصهيب رضي الله عنهم، وأمه سمية. وكان يعذب مع أمه وأبيه في الله على إسلامهم، ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة". هاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدراً وأحداً والخندق وجميع المشاهد، وروي له عن رسول الله اثنان وسبعون حديثاً، وهو أول من بنى مسجداً لله في الإسلام، بنى مسجد قباء، وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر، وقطعت أذنه، واستعمله عمر على الكوفة، وله مناقب كثيرة، قتل بصفين مع علي رضي الله عنه سنة 37هـ وهو ابن 93 سنة.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/ 512، الاستيعاب 2/ 476، تهذيب الأسماء 2/ 37، الخلاصة ص 279، حلية الأولياء 1/ 139".
2 وهذا الإجماع على فعل يدل على إباحته ... ويدل على جوازه لعصمتهم عن الباطل، وسيأتي الكلام على ذلك مفصلاً في الباب الآتي.
"انظر: شرح الورقات ص 173، 174، المسودة ص 334، أصول السرخسي 1/ 303، فواتح الرحموت 2/ 235".
3 في ز ض ع: إذا.
4 في ض: العصمة. وانظر: المسودة ص 334، فواتح الرحموت 2/ 235.
(2/209)

"بَابٌ"
"الإِجْمَاعُ لُغَةً: الْعَزْمُ وَالاتِّفَاقُ" قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} 1 أَيْ اعْزِمُوا، وَيَصِحُّ2 إِطْلاقُهُ عَلَى الْوَاحِدِ، يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلانٌ عَلَى كَذَا، أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ فَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي إِطْلاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ3.
وَأَجْمَعْتُ السيرَ والأمر، وأجمعت عَلَيْهِ، يتعدى بنفسه وبالحرف "عزمتُ عَلَيْهِ4"، وفي حديث: "من لم يُجْمعِ الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له" 5، أي من لم يعزم عَلَيْهِ فينويه6.
__________
1 الآية 71 من يونس.
2 في ع: فيصح.
3 انظر: المصباح المنير 1/ 171، القاموس المحيط 3/ 15، إرشاد الفحول ص 71.
4 زيادة من المصباح المنير 1/171.
5 هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن حفصة رضي الله عنها. قال ابن حجر: "سنده صحيح، لكن اختلف في رفعه ووقفه"، وصوب النسائي وقفه. وفي "العلل" للترمذي عن البخاري أن هذا خطأ، والصواب وقفه عن ابن عمر. ورواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة. ورواه ابن ماجه والدارمي بلفظ آخر، وله روايات أخرى أيضاً.
"انظر: مسند أحمد 6/ 287، سنن أبي داود 1/ 571، تحفة الأحوذي 3/ 423، سنن النسائي 4/ 166، سنن ابن ماجه 1/ 542، سنن الدارمي 2/ 7، سنن البيهقي 4/ 213، سنن الدارقطني 2/ 173، تخريج أحاديث البزدوي ص 118، التلخيص الحبير 6/ 304، فيض القدير 6/ 222".
6 في ض: وينويه. وانظر: المصباح المنير 1/ 171، القاموس المحيط 3/ 15.
(2/210)

"و" الإجماع "اصطلاحا" أي في اصطلاح علماء الشريعة "اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو" كان الأمر "فعلا" اتفاقا، كائنا "بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1".
والمراد باتفاقهم اتحاد اعتقادهم، واحترز بالاتفاق عن الاختلاف.
وبقيد "الاجتهاد" عن2 غير المجتهد، فلا يكون اتفاق غير المجتهد من أصولي وفروعي ونحوي، ولا من لم يَكْمُلْ فيه شروطُ الاجتهاد إجماعا، ولا تقدح3 مخالفته في انعقاد الإجماع.
وبقيد "الأمة" المنصرفِ إطلاق لفظها إلى أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن4 اتفاق مجتهدي بقية الأمم.
ودخل في قوله: "على أمر" جميع الأمور من الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية والاعتقادات والسكوت والتقرير وغير ذلك5.
وإنما أَبْرَزَ قولَه: "ولو فعلا" مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد6.
__________
1 هذا القيد لمنع انعقاد الإجماع في حياته صلى الله عليه وسلم، كما ذكره كثير من العلماء. انظر: شرح الورقات ص 165، 170.
2 ساقطة من ز ض ع.
3 في ش ز ب: يقدح.
4 ساقطة من ز ض ع.
5 انظر شرح التعريف ومحترزاته وما يدخل فيه وما يخرج منه في "جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 177، نهاية السول 2/ 336، 337، العضد على ابن الحاجب 2/ 29، شرح تنقيح الفصول ص 322، مناهج العقول 2/ 334، كشف الأسرار 3/ 227، الإحكام للآمدي 1/ 196، شرح الورقات ص 165، تيسير التحرير 3/ 224، غاية الوصول ص 107، إرشاد الفحول ص 71، أصول مذهب أحمد ص 310، المدخل إلى مذهب أحمد ص 128، الوسيط في أصول الفقه ص 44".
6 انظر: شرح الورقات ص 173.
(2/211)

وقد1 اختلف العلماء فيما إذا اتفق مجتهدو العصر على فعل فعلوه، أو فعله بعضهم، وسكت الباقون مع علمهم، هل يكون إجماعا أم لا؟
والأرجح: أنه ينعقد به الإجماع لعصمة الأمة، فيكون كالقول المجمع عَلَيْهِ، وكفعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اختاره2 أبو الخطاب من أصحابنا، وقطع به أبو إسحاق الشيرازي، واختاره الغزالي في "المنخول"3، وصرح به أبو الحسين البصري في "المعتمد" وتبعه في "المحصول"4.
قَالَ بعض أصحابنا: هو قولُ الجمهور، حتى أحالوا الخطأ منهم إذا5لم يُشْتَرطْ انْقِرَاضُ العصر6.
وقيل: لا ينعقد الإجماع بذلك7.
ويتفرع على المسألة: إذا فعلوا فعلا قُرْبة، ولكن لا يعلم هل فعلوه واجبا أو مستحبا؟ فمقتضى القياس أنه كفعل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنا أمرنا
__________
1 ساقطة من ض.
2 في ز: اختارها.
3 في ش: المحصول، وهو خطأ. وفي هامش ض: المنتحل. وانظر المنخول ص 318.
4 انظر: شرح الورقات ص 174، القواعد والفوائد الأصولية ص 295، المسودة ص334، التمهيد ص 136، أصول السرخسي 1/ 303، المعتمد 2/ 479، 532، فواتح الرحموت 2/ 234، إرشاد الفحول ص 84، المنخول ص 318، اللمع ص 49.
5 في ش ز: إذ.
6 انظر: المسودة ص 334، كشف الأسرار 3/ 228.
7 وهو قول فخر الدين الرازي، ونسبه الآمدي والغزالي والجويني والرازي للشافعي، وهو قول داود وابنه والمرتضى وابن الباقلاني.
"انظر: التمهيد ص 136، القواعد والفوائد الأصولية ص 295، المسودة ص 334، أصول السرخسي 1/ 303، كشف الأسرار 3/ 228، إرشاد الفحول ص 84".
(2/212)

باتباعهم، كما أمرنا باتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1.
وللعلماء في تعريف الإجماع حدودٌ غيرُ ذلك يطول الكلام بذكرها2.وأنكر النظَّامُ3 وبعضُ الرافضةِ ثبوت الإجماع، وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه، وحُمِل على الوَرَع، أو على غير عالم بالخلاف، أو على تعذُّر معرفةِ الكُلِّ4، أو على العامِّ النُّطْقي، أو على بعده، أو على5 غير الصحابة
__________
1 وفي قول أن إجماعهم يدل على إباحة الفعل. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص 322".
2 انظر في تعريف الإجماع الحدود للباجي ص 63-64، التعريفات للجرجاني ص 8، التمهيد ص 136، شرح الورقات ص 164، شرح تنقيح الفصول ص 322، تيسير التحرير 3/ 223، المعتمد 2/ 257، نهاية السول 2/ 336، كشف الأسرار 3/ 226، المستصفى 1/ 173، فواتح الرحموت 2/ 211، الإحكام للآمدي 1/ 195، جمع الجوامع 2/ 176، مختصر ابن الحاجب 2/ 29، شرح الورقات ص 164، مختصر الطوفي ص 128، اللمع ص 48، التمهيد ص 136، الروضة ص 67، غاية الوصول ص 107، إرشاد الفحول ص 71، المدخل إلى مذهب أحمد ص 128.
3 هو إبراهيم بن يسار بن هانئ، أبو إسحاق البصري، المعروف بالنظام، المعتزلي المشهور. كان أديباً متكلماً، وهو أستاذ الجاحظ، وتنسب إليه أقوال شاذة، ذكرها البغدادي، منها: منع إمكان وقوع الإجماع على أمر عادة، فضلاً عن حجيته، وهو رئيس فرقة من المعتزلة، وكان شديد الحفظ، فحفظ القرآن والتوراة والإنجيل وتفاسيرها والأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا. وطالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة. له مؤلفات كثيرة اشتهرت بين الناس بمصر والعراق والشام والبصرة، منها: كتاب "النكت" في عدم حجية الإجماع. توفي سنة 231هـ.
انظر ترجمته في "روضات الجنات 1/ 151، فرق وطبقات المعتزلة ص 59، تكملة الفهرست لابن النديم ص 2، الفتح المبين 1/ 141، تاريخ بغداد 6/ 97، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 264".
4 وذلك أن الإمام أحمد قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب".
"انظر: أصول مذهب أحمد ص 319، مناهج العقول 2/ 339، فواتح الرحموت 2/ 212، تيسير التحرير 3/ 227".
5 ساقطة من ض.
(2/213)

لحصرهم وانتشار غيرهم1.
"وهو" أي الإجماع "حجة قاطعة بالشرع" أي بدليل الشرع كونه حجةً قاطعةً2، وهذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين3.
وقال الآمدي والرازي: هو حجة ظنية لا قطعية4.
__________
1 انظر: المستصفى 1/ 189، الإحكام للآمدي 1/ 198، 200، 230، جمع الجوامع 2/ 178، المنخول ص 303، نهاية السول 2/ 338، مناهج العقول 2/ 335، كشف الأسرار 3/ 227، 240، 252، أصول السرخسي 1/ 295، 313، تيسير التحرير 3/ 225، 227، 240، فواتح الرحموت 2/ 211، 220، شرح تنقيح الفصول ص 322، مختصر ابن الحاجب 2/ 29، 34، الروضة ص 67، المسودة ص 315، 316، أصول مذهب أحمد ص 313، 319، فتاوى ابن تيمية 19/ 271، 20/ 10، 247، المدخل إلى مذهب أحمد ص 129، مختصر الطوفي ص 128، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 509، المعتمد 2/ 458، 478، 483، اللمع ص 48، إرشاد الفحول ص 72، 73، 81، 82.
2 قال ابن بدران: "ومعنى كونه قاطعاً أنه يقدم على باقي الأدلة، وليس القاطع هنا بمعنى الجازم الذي لا يحتمل النقيض ... وإلا لما اختلف في تكفير منكر حكمه". "المدخل إلى مذهب أحمد ص 130". لكن البزدوي قال: "حكمه في الأصل أن يثبت الحكم المراد به شرعياً على سبيل اليقين". "كشف الأسرار على أصول البزدوي 3/ 351"
وانظر: فواتح الرحموت 2/ 213، إرشاد الفحول ص 78.
3 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 30، جمع الجوامع 2/ 195، مناهج العقول 2/ 339، المستصفى 1/ 204، المنخول ص 303، نهاية السول 2/ 350، شرح الورقات ص 168، المسودة ص 315، فتاوى ابن تيمية 19/ 176، 202، 20/ 10، أصول السرخسي 1/ 295، 300، 318، فواتح الرحموت 2/ 213، تيسير التحرير 3/ 227، المعتمد 2/ 458، الإحكام لابن حزم 1/ 494، غاية الوصول ص 109، التمهيد ص 136، المدخل إلى مذهب أحمد ص 129، 133، اللمع ص 48، الروضة ص 67، أصول مذهب أحمد ص 318، إرشاد الفحول ص 78، الوسيط ص 92.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 200، كشف الأسرار 3/ 252، غاية الوصول ص 109، مختصر الطوفي ص 129، إرشاد الفحول ص 79.
(2/214)

وقيل: ظنية في السكوتي ونحوه، دون النطقي1.
واستدل للقول الأول2 بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 3 احتج4 بها الشافعي وغيره5، لأنه توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، وإنما يجوز لمفسدة متعلقة به، وليست من جهة المشاقة، وإلا كانت كافة، والسبيل الطريق، فلو خص بكفر أو غيره كان اللفظ مبهما، وهو خلاف الأصل، و "المؤمن" حقيقة في الحي المتصف بالإيمان، ثم عمومه إلى يوم القيامة يبطل المراد، وهو الحث على متابعة سبيلهم، والجاهل غير مراد، ثم المخصوص6 حجة، والسبيل عام، والتأويل بمتابعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بمتابعتهم في الإيمان أو الاجتهاد لا7 ضرورة إليه، فلا يقبل، وليس تبيين الهدى شرطا للوعيد بالاتباع، بل للمشاقة؛ لأن إطلاقها لمن عرف الهدى أولا، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة، فإن من تبين له صدقُ الرسول وتركه فقد شاقه، ولو جهلها8.
__________
1 وهناك أقوال أخرى. "انظر: كشف الأسرار 3/ 252، فواتح الرحموت 2/ 213، غاية الوصول ص 109، الروضة ص 78، إرشاد الفحول ص 79".
2 ساقطة من ض.
3 الآية 115 من النساء.
4 في ع: واحتج.
5 أحكام القرآن للشافعي 1/ 39.
6 في ش ز: الخصوص.
7 في ض: ولا.
8 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 324، المسودة ص 315، المعتمد 2/ 462، المستصفى 1/ 175، نهاية السول 2/ 343، الإحكام للآمدي 1/ 200، المحلي على جمع الجوامع 2/ 195 مناهج العقول 2/ 339، تيسير التحرير 3/ 229، أصول السرخسي 1/ 296، فواتح الرحموت 2/ 214، كشف الأسرار 3/ 253، مختصر ابن الحاجب 2/ 31، الإحكام لابن حزم 1/ 497، مختصر الطوفي ص 28، اللمع ص 48، إرشاد الفحول ص 74، غاية الوصول ص 108.
(2/215)

رُدَّ الأولُ بأن الإجماع إن احتاج إلى مُسْتَنَدٍ فقد يكون قياسًا، والثاني مُشْكِلٌ جِدًّا، قاله الآمدي1. واختار2 أبو الخطاب أن مرادَ الآية فيما لا نعلمُ أنه خطأٌ، وإن ظنناه رددناه إلى 3الله والرسول7.
وبقوله تعالى: {وَلا تَفَرَّقُوا} 4 وخلافُ الإجماع تفرقٌ، والنهي5 عن التفرق ليس في الاعتصام للتأكيدِ ومخالفةِ الظاهر، وتخصيصُه بها قبل الإجماع لا يمنعُ الاحتجاجَ به، ولا يختص الخطابُ بالموجودين زمنَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن التكليفَ لكل من وُجِدَ مكلَّفًا6، كما سَبَق7.
وبقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 8 فلو اجتمعوا على باطلٍ كانوا قد اجتمعوا على منكَرٍ لم يُنْهَوا عنه، ومعروف لم يُؤْمَرُوا به، وهو خلافُ ما وَصَفَهم اللهُ تعالى به9، ولأنه جعلهم أمةً وسَطا أي عُدُولا، ورضِي بشهادَتِهم مطلقًا10.
__________
1 الإحكام للآمدي 1/ 218.
2 في ض: واختاره.
3 في ض: الرسول. وفي ع: الله ورسوله
4 الآية 103 من آل عمران، وأول الآية: {وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعاً وَلاَ تَتَفَرَّقُوا} .
5 في ز: فالنهي.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 217، المستصفى 1/ 174، المعتمد 2/ 468.
7 في المجلد الأول، فصل التكليف ص 483.
8 الآية 110 من آل عمران.
9 انظر: كشف الأسرار 3/ 237، 255، أصول السرخسي 1/ 296، نهاية السول 2/ 349، الإحكام للآمدي 1/ 214، المستصفى 1/ 174، شرح تنقيح الفصول ص 324، مختصر الطوفي ص 128، إرشاد الفحول ص 77، المعتمد 2/ 461.
10 وذلك في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} البقرة: 143.
"وانظر: المستصفى 1/ 174، شرح تنقيح الفصول ص 324، نهاية السول 2/ 349، الإحكام للآمدي 1/ 211، مناهج العقول 2/ 347، كشف الأسرار 3/ 237، 256، فواتح الرحموت 2/ 216، أصول السرخسي 1/ 297، المعتمد 2/ 259".
(2/217)

وعلى ذلك اعتراضاتٌ وأجوبةٌ يطُولُ الكتابُ بذكرها1.
وعن أبي مالك الأشعري2 رضي الله عنه مرفوعا: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أَنْ لا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لا تَجْتَمِعُوا3 عَلَى ضَلالَةٍ". رواه أبو داود4.
وعن ابن عمر مرفوعا: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدا" رواه الترمذي5.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 200 وما بعدها، أصول السرخسي 1/ 296 وما بعدها، الروضة ص 67 وما بعدها، إرشاد الفحول ص 74 وما بعدها.
2 هو الصحابي الحارث بن الحارث، أبو مالك الأشعري الشامي، مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه. له حديث قدسي طويل تفرد بروايته أبو سلام الأسود، روى له الترمذي والنسائي وأبو داود.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 275، 4/ 171، الاستيعاب 4/ 175 وما بعدها، الخلاصة ص 67".
3 في ش ز: يجتمعوا. والأعلى من ب ض، ومن سنن أبي داود.
4 رواه أبو داود والدارمي. قال المناوي: "قال في المنار: هذا الحديث منقطع، وقال ابن حجر: في إسناده انقطاع، وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال. وقال في موضع آخر: سنده حسن، وله شاهد عند أحمد، رجاله ثقات، لكن فيه راوٍ لم يسمَّ".
"انظر: سنن أبي داود 2/ 414، مختصر سنن أبي داود 6/ 139، سنن الدارمي 1/ 29، فيض القدير 2/ 199 وما بعدها".
5 هذا طرف من حديث رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر. ورواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري. ورواه أحمد عن أبي بصرة الغفاري. قال المباركفوري عن حديث الترمذي: "والحديث قد استدل به على حجية الإجماع، وهو ضعيف، لكن له شواهد، قال الحافظ ابن.............=
(2/218)

وعن أنس مرفوعا: "لا تجتمع 1هذه الأمة 2 على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأعظم، الحقِّ وأهلِهِ" رواه ابن ماجه2 وابن أبي عاصم3.
وعن أبي ذر4 مرفوعا:
__________
=حجر في التلخيص: "قوله وأمته معصومة، لا تجتمع على ضلالة" هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال ... ".
"انظر: تحفة الأحوذي 6/ 386، سنن أبي داود 2/ 414، تخريج أحاديث البزدوي ص 245، المقاصد الحسنة ص 460، مسند أحمد 6/ 396، المستدرك 1/ 115".
وانظر رأي ابن حزم في هذا الحديث في "الإحكام 1/ 496". وانظر أيضاً: تخريج أحاديث المنهاج للعراقي ص 298، المنشور في العدد الثاني من مجلة البحث العلمي.
1 ساقطة من ز ض ب. ولفظ ابن ماجه: إن أمتي لا تجتمع. وفي ض: لا تجتمعوا. ولفظ الحاكم: لا يجمع الله هذه الأمة.
2 قال ابن قطلوبغا: "رواه ابن ماجه، وفيه ضعف، لكن له طريقان آخران أحدهما عند الحاكم والآخر عند ابن أبي عاصم، وفي كليهما ضعف. ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر، وأصله للترمذي". وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه": "في إسناده أبو خلف الأعمى، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر". وراه عبد بن حميد وأيو يعلى الموصلي.
"انظر: سنن ابن ماجه 2/ 1303، المستدرك 1/ 115، تخريج أحاديث البزدوي ص 243، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص 300".
3 هو أحمد بن عمرو النبيل، أبي عاصم الشيباني الزاهد، أبو بكر الحافظ الكبير، الإمام، قاضي أصبهان. قال السيوطي: "له الرحلة الواسعة، والتصانيف النافعة، ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج سنة 255هـ. فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث، وكان من حفاظ الحديث والفقه، ظاهري المذهب". وكان صالحاً ورعاً متعبداً، كبير القدر، صاحب مناقب، وصنف في الرد على داود الظاهري. توفي سنة 287هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 2/ 640، طبقات الحفاظ ص 280، شذرات الذهب 2/ 197".
4 هو الصحابي جُندب بن جُنادة بن سفيان، الغفاري الحجازي، أبو ذر. اختلف في اسمه. كان من السابقين إلى الإسلام، ورجع إلى قومه بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هاجر إلى المدينة................=
(2/219)

"عليكم بالجماعة، إنَّ الله تعالى لا 1 يجمع أمتي إلا على هدًى". رواه أحمد2.
وعن أبي ذر مرفوعًا3: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه". رواه أحمد وأبو داود4.
ولهما عن معاوية5 مرفوعاً:
__________
= وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، وكان زاهداً متقللاً من الدنيا، قوالاً بالحق، صادق اللهجة. قال ابن عمر: "والله، ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر". لم يشهد بدراً، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العمل، وله مناقب كثيرة، توفي بالربذة سنة 32هـ.
انظر ترجمته في "الإصابة 4/ 63، الاستيعاب 4/ 61، تهذيب الأسماء 2/ 229، الخلاصة ص 449، شذرات الذهب 1/ 39، حلية الأولياء 1/ 156، 352".
1 في ش ز: لم. وفي مسند أحمد: لن.
2 رواه أحمد والترمذي. وجاء معناه في أحاديث كثيرة ستمر في الصفحة التالية.
"انظر مسند أحمد 5/ 145، تحفة الأحوذي 6/ 384، 388".
3 ساقطة من ش ز.
4 رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي ذر مرفوعاً. ورواه مسلم عن ابن عباس مرفوعاً بألفاظ أخرى. ورواه النسائي عن عَرْفجة بألفاظ مختلفة.
"انظر: مسند أحمد 5/ 180، سنن أبي داود 2/ 542، المستدرك 1/ 117، صحيح مسلم 3/ 1478، سنن النسائي 7/ 84".
5 هو الصحابي معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أول خلفاء بني أمية، أبو عبد الرحمن، أسلم مع أبيه وأمه وأخيه يزيد في فتح مكة. وقال معاوية: إنه أسلم يوم الحديبية، وكتم إسلامه، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، وكان أحد الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استخلفه أبو بكر على الشام، وأقره عمر وعثمان على ذلك، ولم يبايع علياً، ثم حاربه، وتولى الخلافة بعد مقتل علي رضي الله عنه. وكان يوصف بالدهاء والحلم والوقار، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اجعله هادياً مهديًّا". توفي سنة 60هـ بدمشق.
"انظر ترجمته في الإصابة 3/ 433، الاستيعاب 3/ 395، تهذيب الأسماء 2/ 102، الخلاصة ص 381".
(2/220)

"ألا 1 إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعبن ـ 2يعني فرقة1 ـ ثنتان وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنة وهي الجماعة" 3.
وعن ابن عمر مرفوعا: "إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قَالَ أمةَ محمدٍ ـ على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" رواه الترمذي4.
وعن ثوبان5 مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" 6. وفي حديث
__________
1 ساقطة من ز ش ب ض.
2 في ش: فرقة، يعني. وفي ب ز ع: يعني ملة.
3 هذا جزء من حديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان والدارمي عن معاوية وأبي هريرة مرفوعاً، وأوله: "افترقت اليهود ... "، أو "إن أهل الكتاب".
"انظر: سنن أبي داود 2/ 503، مسند أحمد 4/ 102، المستدرك 1/ 16، 128، موارد الظمآن ص 454، سنن الدارمي 2/ 241".
4 انظر: تحفة الأحوذي 6/ 386. قال الترمذي: هذا حديث غريب. وانظر المستدرك 1/ 115. ومر في الصفحة السابقة طرفه.
5 هو ثوبان بن بُجْدُد، ويقال: ابن جُحْدُر، الهاشمي، من أهل السراة، موضع بين مكة واليمن، وقيل من حمير، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ولم يزل معه في الحضر والسفر. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وابتنى بها داراً، وتوفي بها سنة 45هـ، وقيل 54هـ. روى عنه الجماعة، وله 127 حديثاً.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 204، الاستيعاب 1/ 209، تهذيب الأسماء 1/ 140، الخلاصة ص 58، حلية الأولياء 1/ 180، 350".
6 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبان عن ثوبان وجابر بن سمرة وعقبة بن عامر ومعاوية وعمران بن حصين بألفاظ متقاربة.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 24، 2/ 286، 4/ 263، صحيح مسلم 3/ 1523 وما بعدها، سنن أبي داود 2/ 4، تحفة الأحوذي 6/ 433، 483، سنن ابن ماجه 1/ 4، مسند أحمد 4/ 93، المستدرك 4/ 449، موارد الظمآن ص 458، تخريج أحاديث البزدوي ص 247، الفتح الكبير 3/ 321".
(2/221)

جابر: "إلى يوم القيامة" 1، وفي حديث جابر2 بن سمرة3: "حتى تقوم الساعة" رواه مسلم4.
وعن ابن عمر مرفوعا: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم 5 الجماعة" رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد6 والترمذي وغيرهم7.
__________
1 انظر: صحيح مسلم 3/ 1524.
2 ساقطة من ب ض، ومكتوبة على هامش ع.
3 هو الصحابي جابر بن سمرة بن جنادة، أبو عبد الله، السوائي، هو وأبوه صحابيان، وهو صحابي مشهور. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وستة وأربعون حديثاً. نزل الكوفة، وابتنى بها داراً. وروى عنه جماعات من التابعين. قال جابر: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي صلاة. رواه مسلم. توفي سنة 66هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 212، الاستيعاب 1/ 224، تهذيب الأسماء 1/ 142، الخلاصة ص 59".
4 انظر: صحيح مسلم 3/ 1524، تخريج أحاديث البزدوي ص 35، 246.
5 في ب: فيلزم.
6 هو عبدُ بن حُميد بن نصر الكِسِّيّ، أبو محمد الحافظ. قيل اسمه: عبد الحميد. روى عنه مسلم والترمذي وخلق. صنف "المسند"، و"التفسير". وعلق له البخاري في دلائل النبوة في صحيحه فسماه عبد الحميد. وكان من الأئمة الثقات. توفي سنة 249هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 2/ 534، الخلاصة ص 248، طبقات الحفاظ ص 234، طبقات المفسرين 1/ 368، شذرات الذهب 1/ 120".
7 هذا الحديث رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي عن ابن عمر وأبي الدرداء وعمر مرفوعاً بألفاظ مختلفة.
"انظر: الرسالة للشافعي ص 474، تحفة الأحوذي 6/ 384، سنن النسائي 2/ 83، المستدرك 1/ 114، شرح السنة 3/ 347، تخريج أحاديث البزدوي ص 243".
وقد ورد الأمر في لزوم الجماعة في أحاديث كثيرة، منها ما رواه الحاكم والبزار وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "نضر الله امرأ سمع............=
(2/222)

وعن ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئًا فهو عند الله سيئٌ رواه أبو داود الطيالسي1.
قَالَ الآمدي وغيره: "السنةُ أقربُ الطرقِ إلى كون الإجماع حجة قاطعة2".
واستُدِلَّ أيضًا لكونه حجةً قاطعةً بأن3 العادةَ تُحِيل إجماعَ مجتهدي
__________
= مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يَغُلُّ عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم محيط من ورائهم". وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير مرفوعاً: "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب".
"انظر: المستدرك 1/ 77، 78، 113، 246، الرسالة للشافعي ص 473، 475، تحفة الأحوذي 6/ 383 وما بعدها، الترغيب والترهيب 1/ 54 الطبعة الثالثة، موارد الظمآن ص 47، سنن الدارمي 2/ 241، 324".
وقال الحاكم بعد حديث حذيفة مرفوعاً، وفيه: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قال: لم أجد للشيخين حديثاً يدل على أن الإجماع حجة غير هذا". "المستدرك 1/ 113".
1 الحديث رواه أحمد في كتاب السنة والبزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وأبو داود الطيالسي، والحاكم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وأوله: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً صلى الله عليه وسلم، فبعثه لرسالته ... الحديث.
"انظر: مسند أبي داود الطيالسي ص 33 ط الهند، تخريج أحاديث البزدوي ص 246، المقاصد الحسنة ص 367، كشف الخفا 2/ 188".
وفي ب: والطيالسي. وهو خطأ.
2 الإحكام للآمدي 1/ 219.
وذكر أكثر العلماء أن هذه الأحاديث وغيرها تفيد التواتر المعنوي في عصمة الأمة، وأن الأمة تلقت هذه الأحاديث بالقبول.
"انظر: كشف الأسرار 3/ 237، 258 وما بعدها، فواتح الرحموت 2/ 215، تيسير التحرير 3/ 228، أصول السرخسي 1/ 399، مختصر ابن الحاجب 2/ 32، مناهج العقول 2/ 349، الرسالة للشافعي ص 403، 475، الإحكام للآمدي 1/ 220، نهاية السول 2/ 350، المعتمد 2/ 471، إرشاد الفحول ص 78، المستصفى 1/ 175-176".
3 في ب ز ض ع: أن.
(2/223)

العصر على قطعٍْ بحكمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ اطِّلاعٍ عَلَى دليلٍ قاطعٍ في ذلك الحُكْمِ، فوجب 1في ذلك الحُكْمِ4 تقديرُ2 نصٍّ قاطعٍ فيه، ولأن الإجماعَ مقدَّمٌ على الدليل القاطع، فكان قاطعا، وإلا تعارض الإجماعان، لتقديم القاطع على غيره إجماعًا3.
"وَيَثْبُتُ" الإِجْمَاعُ. وَهُوَ كَوْنُ هَذَا الْحُكْمِ مَجْمَعًا عَلَيْهِ "بِخَبَرالْوَاحِدِ" لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ شَرْعِيَّةٌ طَرِيقُهَا طَرِيقُ بَقِيَّةِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الَّتِي يَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا الظَّنُّ4.
"وَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ" أَيْ فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ "وِفَاقُ الْعَامَّةِ" لِلْمُجْتَهِدِينَ،
__________
1 ساقطة من ع.
2 في ب ز ش: تقرير.
3 انظر مزيداً من الأدلة لحجية الإجماع في "كشف الأسرار 3/ 260 وما بعدها، أصول السرخسي 1/ 295، فواتح الرحموت 2/ 213، المعتمد 2/ 476 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/ 30، 32، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 196، المنخول ص 306، المستصفى 1/ 176، 179، الإحكام للآمدي 1/ 223، المسودة ص 316، الروضة ص 68".
4 قال الشوكاني: "وأما الآحاد فغير معمول به في نقل الإجماع". ثم بين بعد ذلك أنه قول الجمهور خلافاً لجماعة، منهم الرازي "إرشاد الفحول ص 73، 79، 89". وقال القرافي: "إنه حجة خلافاً لأكثر الناس". "شرح تنقيح الفصول ص 332". وقال ابن عبد الشكور: "الإجماع الآحادي يجب العمل به خلافاً للغزالي وبعض الحنفية". "فواتح الرحموت 2/ 242".
"انظر: جمع الجوامع 2/ 179، مناهج العقول 2/ 385، المستصفى 1/ 15، الإحكام للآمدي 1/ 281، المعتمد 2/ 531، 534 وما بعدها، نهاية السول 2/ 386، تيسير التحرير 3/ 261، كشف الأسرار 3/ 265، أصول السرخسي 1/ 302، الروضة ص 78، المسودة ص 344، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133، مختصر الطوفي ص 137، مختصر ابن الحاجب 2/ 44، غاية الوصول ص 109".
(2/224)

سَوَاءٌ كَانَتْ مَسَائِلُهُ مَشْهُورَةً أَوْ خَفِيَّةً1.
وَاعْتَبَرَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا2، وَقَوْمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ3.
"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِهِ وِفَاقُ "مَنْ عَرَفَ الْحَدِيثَ" مِنْ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ "أَوْ" عَرَفَ "اللُّغَةَ، أَوْ" عِلْمَ "الْكَلامِ وَنَحْوَهُ" كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالتَّصْرِيفِ "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "الْفِقْهَ" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ 4فِي أُصُولِهِ5 "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "أُصُولَهُ5" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ؛ لأَنَّ هَؤُلاءِ مِنْ جُمْلَةِ
__________
1 العوام هم من عدا العلماء، وعلل الإمام الرازي وغيره ذلك بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، فلا عبرة لقولهم، وهو قول الجمهور.
"انظر: جمع الجوامع 2/ 177، شرح الورقات ص 166، اللمع ص 51، نهاية السول 2/ 336، المنخول ص 310، 378، مناهج العقول 2/ 377، المستصفى 1/ 182، الإحكام للآمدي 1/ 226، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، شرح تنقيح الفصول ص 341، المسودة ص 331، الروضة ص 39، مختصر الطوفي ص 129، تيسير التحرير 3/ 223، فواتح الرحموت 2/ 217، كشف الأسرار 3/ 237، 239، غاية الوصول ص 107، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 87، الوسيط في أصول الفقه ص 52، أصول السرخسي 1/ 311".
2 حكى هذا القول ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين، واختاره الآمدي والغزالي، ونقله الجويني وابن الحاجب وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي بكر الباقلاني.
"انظر: المستصفى 1/ 181، 182، الإحكام للآمدي 1/ 226، جمع الجوامع 2/ 177، المعتمد 2/ 482، نهاية السول 2/ 378، كشف الأسرار 3/ 237، تيسير التحرير 3/ 224، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، غاية الوصول ص 107، شرح تنقيح الفصول ص 341، الروضة ص 69، المسودة ص 331، إرشاد الفحول ص 87".
3 ذكر ابن السبكي والمحلي أن الآمدي يقول بهذا القول، لأنه فصل بين المشهور وغيره، لكن الآمدي لم يذكر إلا قولين، واختار القول الثاني.
انظر أصحاب هذا القول وأدلتهم في "المستصفى 1/ 181، 182، شرح تنقيح الفصول ص 341، مناهج العقول 2/ 377، كشف الأسرار 3/ 239، جمع الجوامع 2/ 177، إرشاد الفحول ص 88، غاية الوصول ص 107، المعتمد 2/ 481، غاية الوصول ص 107، الإحكام للآمدي 1/ 226".
4 في ز: في أصول. وفي ش: الأصول.
5 في د: في أصوله.
(2/225)

الْمُقَلِّدِينَ، فَلا تُعْتَبَرُ مُخَالَفَتُهُمْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ1.
وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ وِفَاقِ كُلٍّ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الأَهْلِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْفِئَتَيْنِ لِتَلازُمِ الْعِلْمَيْنِ2.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ قَوْلُ الأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ دُونَ الْفُرُوعِيِّ فِي الأُصُولِ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الاجْتِهَادِ دُونَ عَكْسِهِ، اخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ الْحَقُّ3، وَقِيلَ عَكْسُهُ4. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا لا يُعْتَبَرُ أَيْضًا لانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِ الاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِهِ" لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَمَعْنَاهُ لابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ5.
__________
1 انظر بقية الآراء مع بيان أصحابها وأدلتها في "الإحكام للآمدي 1/ 288، المحلي على جمع الجوامع 2/ 177، المستصفى 1/ 182، 183، شرح الورقات ص 166، مناهج العقول 2/ 377، المنخول ص 311، شرح تنقيح الفصول ص 341، 342، فواتح الرحموت 2/ 217، تيسير التحرير 3/ 224، كشف الأسرار 3/ 240، أصول السرخسي 1/ 312، المسودة ص 331، غاية الوصول ص 107، اللمع ص 51، مختصر الطوفي ص 130، الروضة ص 69، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 88".
2 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 341، 342، نهاية السول 2/ 378، الإحكام للآمدي 1/ 228، مناهج العقول 2/ 377، الروضة ص 70.
3 وهو قول عبد الوهاب المالكي أيضاً، واختاره ابن السبكي والمحلي.
"انظر: المسودة ص 331، نهاية السول 2/ 378، المحلي على جمع الجوامع 2/ 177، غاية الوصول ص 107".
4 انظر: المستصفى 1/ 182، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، المنخول ص 311، شرح تنقيح الفصول ص 341، 342، نهاية السول 2/ 378، الإحكام للآمدي 1/ 228، مناهج العقول 2/ 377، كشف الأسرار 3/ 240، مختصر الطوفي ص 130.
5 انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 130.
(2/226)

قَالَ الْمَجْدُ: "مَنْ أَحْكَمَ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلاَّ خُصْلَةٌ أَوْ خُصْلَتَانِ، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِخِلافِهِ، خِلافًا لِلْبَاقِلاَّنِيِّ1".
"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "كَافِرٍ" مُطْلَقًا. أَمَّا الْكَافِرُ الأَصْلِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَبِلا خِلافٍ2.
وَأَمَّا الْمُكَفَّرُ بِارْتِكَابِ "بِدْعَةٍ" فَلا يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ "عِنْدَ مُكَفِّرِهِ" بِارْتِكَابِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا مَنْ لا يُكَفِّرُهُ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الْمَحْكُومِ بِفِسْقِهِمْ3.
قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لا يُعْتَبَرُ فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ4.
__________
1 المسودة ص 331.
2 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 33، المحلي على جمع الجوامع 2/ 177، شرح الورقات ص 167، الإحكام للآمدي 1/ 225، اللمع ص 51، شرح تنقيح الفصول ص 335، المعتمد 2/ 480، الروضة ص 70، فواتح الرحموت 2/ 217، مختصر الطوفي ص 130، غاية الوصول ص 107، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130.
3 وللعلماء أقوال وتفصيلات في ذلك. "انظر: الإحكام للآمدي 1/ 229، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، شرح تنقيح الفصول ص 335، الإحكام لابن حزم 1/ 580 وما بعدها، نهاية السول 2/ 387، المستصفى 1/ 183، شرح الورقات ص 168، كشف الأسرار 1/ 183، أصول السرخسي 1/ 311، تيسير التحرير 3/ 224، 239، المنخول ص 310، الروضة ص 70، اللمع ص 51، مختصر الطوفي ص 130، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 80".
4 قال الشوكاني –بعد عبارة الأستاذ أبي منصور-: "وهكذا رواه أشهب عن مالك. وراه العباس بن الوليد عن الأوزاعي. ورواه أبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، وحكاه أبو ثور عن أئمة الحديث". "إرشاد الفحول ص 80".
"وانظر: أصول السرخسي 1/ 311، تيسير التحرير 3/ 239، كشف الأسرار 3/ 238، جمع الجوامع 2/ 177".
(2/227)

"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "فَاسِقٍ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الاعْتِقَادِ أَوْ الأَفْعَالِ. فَالاعْتِقَادُ كَالرَّفْضِ وَالاعْتِزَالِ وَنَحْوِهِمَا. وَالأَفْعَالُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالأَكْثَرُ1.قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَنَا2.
قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: هُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ؛ لأَنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلا يُقَلَّدُ فِي فَتْوَى، كَالْكَافِرِ وَالصَّغِيرِ3.
وَقِيلَ: إنْ ذَكَرَ مُسْتَنَدًا صَالِحًا اُعْتُدَّ بِقَوْلِهِ وَإِلاَّ فَلا. فَإِذَا بَيَّنَ مَأْخَذَهُ وَكَانَ صَالِحًا لِلأَخْذِ بِهِ اعْتَبَرْنَاهُ4.
__________
1 وخالف في ذلك أبو الخطاب من الحنابلة، والجويني والشيرازي والإسفراييني والآمدي والغزالي من الشافعية، وقالوا باعتبار قول الفاسق في الإجماع. وقارن ما ذكره الدكتور عبد الله التركي، فإنه نسب إلى الجمهور عدم اشتراط العدالة في الإجماع.
"انظر: المستصفى 1/ 183، الإحكام للآمدي 1/ 229، المسودة ص 331، البناني على جمع الجوامع 2/ 177، المنخول ص 310، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، فواتح الرحموت 2/ 218، كشف الأسرار 3/ 237، تيسير التحرير 3/ 238، أصول السرخسي 1/ 311، 312، الإحكام لابن حزم 1/ 580، غاية الوصول ص 107، مختصر الطوفي ص 130، اللمع ص 50، الروضة ص 70، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، أصول مذهب أحمد ص 310".
2 انظر: تيسير التحرير 3/ 238، كشف الأسرار 3/ 237.
3 انظر: تيسير التحرير 3/ 238، مختصر ابن الحاجب 2/ 33.
4 وهو قول بعض الشافعية. وهناك قول رابع بأن قوله يعتبر في حق نفسه، لا في حق غيره، فإن خالف فلا يكون الإجماع حجة عليه.
"انظر: المسودة ص 331، المستصفى 1/ 183، مختصر ابن الحاجب 2/ 33، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 178، كشف الأسرار 3/ 238، تيسير التحرير 3/ 239، غاية الوصول ص 107".
(2/228)

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلا بَأْسَ بِهَذَا الْقَوْلِ1.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَاسِقِ بِلا تَأْوِيلٍ.
أَمَّا الْفَاسِقُ بِتَأْوِيلٍ فَمُعْتَبَرٌ2 فِي الإِجْمَاعِ كَالْعَدْلِ3. اهـ.
"وَلا يَنْعَقِدُ" الإِجْمَاعُ "مَعَ مُخَالَفَةِ" مُجْتَهِدٍ "وَاحِدٍ" يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ4، لأَنَّهُ5 لا يُسَمَّى إجْمَاعًا مَعَ الْمُخَالَفَةِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْهَضْ إلاَّ فِي كُلِّ الأُمَّةِ؛ لأَنَّ "الْمُؤْمِنَ" لَفْظٌ عَامٌّ، وَالأُمَّةُ مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ؛ وَلأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ إصَابَةَ الأَقَلِّ وَخَطَأَ الأَكْثَرِ، كَمَا كَشَفَ الْوَحْيُ عَنْ إصَابَةِ عُمَرَ فِي أَسْرَى بَدْرٍ6، وَكَمَا انْكَشَفَ الْحَالُ عَنْ
__________
1 انظر: تيسير التحرير 3/ 239.
2 في ش: فيعتبر.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 229.
4 وهو قول أكثر المالكية وأكثر الحنفية وأكثر الشافعية.
"انظر: كشف الأسرار 3/ 245، أصول السرخسي 1/ 316، تيسير التحرير 3/ 236، فواتح الرحموت 2/ 222، مختصر ابن الحاجب 2/ 34، شرح تنقيح الفصول ص 336، المستصفى 1/ 186، 202، الإحكام للآمدي 1/ 235، شرح الورقات ص 167، نهاية السول 2/ 378، جمع الجوامع 2/ 178، المنخول ص 312، مناهج العقول 2/ 377، المعتمد 2/ 486، 491، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 544، غاية الوصول ص 107، مختصر الطوفي ص 131، اللمع ص 50، الروضة ص 71، المسودة ص 329، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 88، الوسيط ص 71".
5 في ز ش: أنّه.
6 وذلك أن عمر رضي الله عنه رأى عدم أخذ الأسرى في بدر، وعدم أخذ الفدية منهم، وعدم إطلاق سراحهم، وأن رأيه فيهم القتل، وأيده على ذلك بعض الصحابة، بينما ذهب أبو بكر وأكثر الصحابة إلى قبول الفداء من الأسرى، ومال إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن الكريم مؤيداًَ رأي عمر ومن معه، ومعاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم في أخذه برأي الأكثرية في قبول الفداء، فقال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيْدُوْنَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيْدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيْمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ} . الأنفال/ 67- 68. وأخرج قصة أسرى بدر الإمام مسلم وأبو داود عن ابن عباس، والترمذي عن ابن مسعود، وأحمد عن أنس وابن مسعود، وأصحاب التفاسير وكتب السيرة.
"انظر: صحيح مسلم 3/ 1385، سنن أبي داود 2/ 56، تحفة الأحوذي 5/ 185، مسند أحمد 1/ 383، تفسير ابن كثير 3/ 345، تفسير القرطبي 10/ 42".
(2/229)

إصَابَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ الرِّدَّةِ1.
وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ حَتَّى مَعَ مُخَالَفَةِ اثْنَيْنِ. اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الْحَنَفِيُّ2 وَابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "الْمُقْنِعِ"، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ3. وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فِي "الْمُحِيطِ"4.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا فِي غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ. أَمَّا فِيهَا فَلا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ5.
__________
1 انظر المراجع السابقة في الصفحة السابقة في هامش 4.
2 في ض: والحنفي. وهو خطأ.
3 وهو رأي أبي الحسين الخياط. "انظر: المعتمد 2/ 486، نهاية السول 2/ 378، كشف الأسرار 3/ 245، الإحكام للآمدي 1/ 235".
4 قال ابن قدامة: "وقد أومأ إليه أحمد". "الروضة ص 71". وقال الطوفي: "وهو رواية عن أحمد". "مختصر الطوفي ص 131". وقد أيد هذا القول السرخسي وابن بدران.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 336، المسودة ص 329، أصول السرخسي 1/ 316، تيسير التحرير 3/ 236، 237، 238، كشف الأسرار 3/ 245، فواتح الرحموت 2/ 222، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 544 وما بعدها، نهاية السول 2/ 379، المعتمد 2/ 486، 491، مناهج العقول 2/ 378، المستصفى 1/ 186، الإحكام للآمدي 1/ 235، المنخول ص 311، جمع الجوامع 2/ 178، غاية الوصول ص 107، اللمع ص 50، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 89، الوسيط في أصول الفقه ص 72".
5 هذا التفصيل ذكره البزدوي في "أصوله" وذكر القرافي أن هذا قول ابن الأحشاد.
"انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي 3/ 245، شرح تنقيح الفصول ص 336، المسودة ص 330، جمع الجوامع 2/ 178".
(2/230)

وَقِيلَ: هُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ، لا إجْمَاعٌ. اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ1.
"وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ" أَيْ: عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ؛ لأَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ مُعْتَبَرٌ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ2.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَمَنْ اشْتَرَطَ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَبْلَ الاخْتِلافِ - وَهُوَ الأَصَحُّ، كَمَا يَأْتِي الْجَزْمُ بِذَلِكَ فِي الْمَتْنِ3 - قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ إنْ خَالَفَ. وَمَنْ قَالَ: لا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ قَالَ: الإِجْمَاعُ انْعَقَدَ، وَلا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَةِ مَنْ صَارَ مِنْ أَهْلِ الإِجْمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ4.
وَعَلَى اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ "وَلَوْ" كَانَ الَّذِي صَارَ أَهْلاً "تَابِعِيًّا مَعَ" إجْمَاعِ "الصَّحَابَةِ" قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ التَّابِعِيُّ أَهْلاً لِلاجْتِهَادِ، ثُمَّ صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ الْمُجْمِعِينَ وَخَالَفَهُمْ5؛ لأَنَّهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ
__________
1 اختار ابن بدران هذا الرأي، وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: مختصر ابن الحاجب 1/ 34، جمع الجوامع 2/ 178، شرح تنقيح الفصول ص 336، تيسير التحرير 3/ 237، نهاية السول 2/ 379، الإحكام للآمدي 1/ 235، مناهج العقول 2/ 377، المستصفى 1/ 186، فواتح الرحموت 2/ 222، كشف الأسرار 3/ 245، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، اللمع ص 50، إرشاد الفحول ص 89".
2 انظر: المسودة ص 320، 321، 322، فواتح الرحموت 2/ 221، شرح الورقات ص 173.
3 سيذكر المصنف أقوال العلماء في اشتراط انقراض العصر لصحة الإجماع صفحة 246.
4 انظر: المسودة ص 333.
5 أي ومن لم يشترط انقراض العصر، فلا يعتبر قول من صار مجتهداً بعد اتفاق المجتهدين، ولو كان تابعيًّا مع الصحابة.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 241، الإحكام للآمدي 1/ 240، 257، فواتح الرحموت 2/ 221، جمع الجوامع 2/ 179، مختصر الطوفي ص 132، مختصر ابن الحاجب 2/ 32، 35، إرشاد الفحول ص 81، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، المسودة ص 323".
(2/231)

مُخَالَفَةِ تَابِعِيٍّ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ، أَكْثَرُ1 الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ2. لأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ الأُمَّةِ. فَلا يَنْهَضُ الدَّلِيلُ بِدُونِهِ، وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغُوا اجْتِهَادَ التَّابِعِينَ وَفَتْوَاهُمْ مَعَهُمْ فِي الْوَقَائِعِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَانِهِمْ، فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ3 يُفْتِي فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهَا خَلْقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَشُرَيْحٌ بِالْكُوفَةِ وَفِيهَا45أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ5 عَلِيُّ6بْنُ أَبِي طَالِبٍ7 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ فِي خُصُومَةٍ عَرَضَتْ لَهُ عِنْدَهُ، عَلَى
__________
1 في ش: وأكثر.
2 انظر: المستصفى 1/ 185، الإحكام للآمدي 1/ 240، مختصر ابن الحاجب 2/ 35، شرح تنقيح الفصول ص 335, المسودة ص 321، 333، تيسير التحرير 3/ 241، المعتمد 2/ 491، نهاية السول 2/ 387، فواتح الرحموت 2/ 221، جمع الجوامع 2/ 179، مختصر الطوفي ص 132، اللمع ص 50، الروضة ص 70، إرشاد الفحول ص 81، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130.
وفي ض ع: والمالكية والشافعية.
3 هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، أبو محمد القرشي المدني، سيد التابعين، الإمام الجليل، فقيه الفقهاء. قال الإمام أحمد: "سيد التابعين سعيد بن المسيب".
وقال يحيى بن سعيد: "كان أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته". جمع الحديث والتفسير والفقه والورع والعبادة والزهد. توفي سنة 93هـ، وقيل 94هـ.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 1/ 54، طبقات الفقهاء ص 57، مشاهير علماء الأمصار ص 63، وفيات الأعيان 2/ 117، شذرات الذهب 1/ 102، الخلاصة ص 143، طبقات الحفاظ ص 17، حلية الأولياء 2/ 161".
4 في ب ض ع: وبها.
5 ساقطة من ش.
6 ساقطة من ع.
(2/232)

خِلافِ رَأْيِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ1، كَانُوا يُفْتُونَ بِآرَائِهِمْ زَمَنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرِ أَنَّهُمْ2 أَجْمَعُوا أَوْ لا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُمْ فِي الإِجْمَاعِ مَعَهُمْ لَسَأَلُوا قَبْلَ إقْدَامِهِمْ عَلَى الْفَتْوَى: هَلْ أَجْمَعُوا أَمْ لا؟ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا، فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ مَعَهُمْ مُطْلَقًا3.
وَسُئِلَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: "سَلُوا مَوْلانَا الْحَسَنَ. فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا، وَحَفِظَ وَنَسِينَا"4. فَقَدْ سَوَّغُوا اجْتِهَادَهُمْ، وَلَوْلا صِحَّتُهُ وَاعْتِبَارُهُ لَمَا سَوَّغُوهُ5، وَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُمْ فِي الاجْتِهَادِ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا يَجُوزُ مَعَ تَسْوِيغِ الاجْتِهَادِ تَرْكُ الاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِمْ وِفَاقًا. وَالأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ تَتَنَاوَلُهُمْ. وَاخْتِصَاصُ الصَّحَابَةِ بِالأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ6 لا يَمْنَعُ7 مِنْ الاعْتِدَادِ بِذَلِكَ.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ التَّابِعِينَ يَكُونُ إجْمَاعًا. وَاخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ8، فَيَكُونُ لَهُ اخْتِيَارَانِ9.
__________
1 في ض: وغيره.
2 في ش ز: منهم.
3 انظر: تيسير التحرير 3/ 241، فواتح الرحموت 2/ 222، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 35، نهاية السول 2/ 387، المستصفى 1/ 185، الإحكام للآمدي 1/ 240، الروضة ص 71.
4 انظر: الروضة ص 71، اللمع ص 50، مختصر الطوفي ص 132، إرشاد الفحول ص 81.
5 في ب ض ع: سوغوا.
6 في ش ز: الشرعية.
7 في ع: تمنع.
8 وهو كتاب "العدة". "انظر: المسودة ص 333".
9 وهو مرويّ عن إسماعيل بن علية، وعن نفاة القياس، وحكاه الباجي عن ابن خواز.....=
(2/233)

وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ. فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ. فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ. وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ. وَأَنْكَرَتْ1 عَائِشَةُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ2 لَمَّا خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا3. وَزَجَرَتْهُ بِقَوْلِهَا " أَرَاك كَالْفَرُّوجِ يَصِيحُ بَيْنَ الدِّيَكَةِ "4. وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا لَمَا أَنْكَرَتْهُ5.
__________
= منداد. واختاره ابن برهان في الوجيز، وحكاه الموفق عن القاضي الباقلاني وبعض الشافعية. وفي المسألة أقوال أخرى.
"انظر: المستصفى 1/ 185، الإحكام للآمدي 1/ 240، العضد على ابن الحاجب 2/ 35، نهاية السول 2/ 387، شرح تنقيح الفصول ص 335، المسودة ص 321، 333، تيسير التحرير 3/ 241، فواتح الرحموت 2/ 221 وما بعدها، المعتمد 2/ 491، الروضة ص 70، مختصر الطوفي ص 50، 132، إرشاد الفحول ص 81".
1 في ش: وأكرته.
2 هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، أحد الأعلام، ليس له اسم، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمع كنيته واحد. قال ابن سعد: "كان ثقة فقيهاً كثير الحديث". ونقل أبو عبد الله الحاكم أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل الأخبار، وكان كثيراً ما يخالف ابن عباس، فحرم بذلك علماً كثيراً. مات سنة 94هـ، وقيل 104هـ.
"انظر: طبقات الفقهاء ص 61، شذرات الذهب 1/ 105، تذكرة الحفاظ 1/ 63، طبقات الحفاظ ص 23، تهذيب التهذيب 12/ 115، الخلاصة ص 451".
3 في ع: عنها زوجها.
4 روى الإمام مالك أن السيدة عائشة قالت ذلك لأبي سلمة في الغسل من التقاء الختانين. قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ما يوجب الغُسْل؟ فقالت: هل تدري، ما مِثْلُك يا أبا سلمة؟ مثلُ الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. "الموطأ 1/ 46".
وذكر الإمام مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، بعد أن سمع قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم. "انظر: الموطأ 2/ 589".
5 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 241، مختصر ابن الحاجب 2/ 35، المستصفى 1/ 185، فواتح الرحموت 2/ 222، المعتمد 2/ 491، الروضة ص 71، مختصر الطوفي ص 132.
(2/234)

وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ كَوْنَهُمْ أَعْلَمُ لا يَنْفِي اعْتِبَارَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَكَوْنُهُمْ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ تَهَجُّمٌ مَمْنُوعٌ. وَالصُّحْبَةُ لا تُوجِبُ الاخْتِصَاصَ، وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ إمَّا لأَنَّهَا1 لَمْ تَرَهُ مُجْتَهِدًا، أَوْ لِتَرْكِهِ2 التَّأَدُّبَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَالَ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهَا "يَصِيحُ" يُشْعِرُ بِهِ3. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَوْنُهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ كَذَلِكَ لا إجْمَاعَ لِلتَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ4 بِقَوْلِهِ: "أَوْ تَابِعِهِ" أَيْ تَابِعَ التَّابِعِيَّ "مَعَ التَّابِعِينَ" لأَنَّهُ5 إذَا لَمْ6يَنْعَقِدْ إجْمَاعُ3 الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ، فَلأَنْ لا يَنْعَقِدَ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى7.
لَكِنْ "لا" يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً عِنْدَ انْعِقَادِهِ "مُوَافَقَتُهُ" عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إذَا صَارَ أَهْلاً قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ8.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "وَالضَّابِطُ أَنَّ اللاَّحِقَ إمَّا أَنْ يَتَأَهَّلَ قَبْلَ
__________
1 في ز ض ب ع: أنه.
2 في ض ع: لترك.
3 انظر: المستصفى 1/ 185، الإحكام للآمدي 1/ 242، شرح تنقيح الفصول ص 335، فواتح الرحموت 2/ 222، مختصر الطوفي ص 132، الروضة ص 71.
4 في ش: أشار.
5 في ض: مع أنه.
6 في ش ز: يعتمد اجماع. وفي د: ينعقد بإجماع.
7 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 300، المسودة ص 339، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130.
8 انظر: المسودة ص 320، 323، 333.
(2/235)

الانْقِرَاضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَى الأَوَّلِ: فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ أَوْ يَسْكُتَ. قُلْت: سِرُّ1 الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدْرِكَ لا يُعْتَبَرُ2 وِفَاقُهُ3، بَلْ يُعْتَبَرُ عَدَمُ خِلافِهِ إذَا قُلْنَا بِهِ4" اهـ.
"وَلَيْسَ إجْمَاعُ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ" حُجَّةً عِنْدَ الْمَجْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ5.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ6 الشِّيرَازِيُّ: "هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ7". وَصَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ8.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّهُ كَانَ حُجَّةً قَبْلَ النَّسْخِ9.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ سَنَدُهُمْ قَطْعِيًّا فَحُجَّةٌ، أَوْ ظَنِّيًّا فَالْوَقْفُ10.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ قَطَعَ أَهْلُ الإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِقَوْلِهِمْ: فَهُوَ
__________
1 في ش: من.
2 في ش ز: تعتبر.
3 في ش: وفاته.
4 المسودة ص 323، 320.
5 المسودة ص 321.
6 في ش ز: الحسن. وهو خطأ.
7 اللمع ص 50.
8 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 284، جمع الجوامع 2/ 184، شرح الورقات ص 168، شرح تنقيح الفصول ص 323، غاية الوصول ص 107.
9 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 323، المنخول ص 309، اللمع ص 50.
10 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 323.
(2/236)

حُجَّةٌ، لاسْتِنَادِهِ إلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ. وَإِلاَّ لَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا. وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ1.
"وَ" كَذَا "لا" يَكُونُ إجْمَاعُ "أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً" مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ، لا كُلُّهَا؛ لأَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ الْخَطَإِ إنَّمَا تُنْسَبُ2 لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَلا مَدْخَلَ لِلْمَكَانِ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا أَثَرَ لِفَضِيلَتِهِ فِي عِصْمَةِ3 أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ4. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ5، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقَوْلَ
__________
1 إن أبا المعالي صاحب هذا القول هو نفسه إمام الحرمين الجويني الذي ذكر المصنف لقبه قبل سطر واحد، وذكر رأيه في المسألة، والرأيان متفقان، مع الاختلاف في الألفاظ، وتكرار المعنى.
"انظر: شرح الورقات ص 168، شرح تنقيح الفصول ص 323، المسودة ص 320".
2 في ض: ينسب.
3 في ض: عصمته.
4 انظر: الرسالة للشافعي ص 534، كشف الأسرار 3/ 241، الإحكام للآمدي 1/ 243، شرح تنقيح الفصول ص 336، المسودة ص 331، أصول السرخسي 1/ 314، الإحكام لابن حزم 1/ 552 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 244، المعتمد 2/ 492، نهاية السول 2/ 354، مناهج العقول 2/ 351، المستصفى 1/ 187، المنخول ص 315، فتاوى ابن تيمية 20/ 494، أصول مذهب أحمد ص 349، 354، غاية الوصول ص 107، اللمع ص 50، الروضة ص 72، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، إرشاد الفحول ص 82، عمل أهل المدينة ص 88 وما بعدها.
5 انظر: كشف الأسرار 3/ 241، فواتح الرحموت 2/ 356، الإحكام للآمدي 1/ 249، المستصفى 1/ 187، المسودة ص 331، أصول السرخسي 1/ 314، المنخول ص 314، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 552، المعتمد 2/ 492، نهاية السول 2/ 353، مناهج العقول 2/ 351، مختصر ابن الحاجب 2/ 35، غاية الوصول ص 107، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، الروضة ص 72، إرشاد الفحول ص 82.
(2/237)

الْبَاطِلَ خَبَثٌ، وَالْخَبَثُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِ الصَّادِقِ1. وَإِذَا2 انْتَفَى الْبَاطِلُ بَقِيَ الْحَقُّ. فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِظَاهِرِهِ. وَكَذَلِكَ3 أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهِ4 عَنْ مَالِكٍ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ5. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ6.
__________
1 روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " ... ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث ... ". وروى مسلم ومالك عن جابر مرفوعاً: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها". وروى مسلم عن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها طَيْبةٌ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". وروى البخاري ومسلم ومالك وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ... وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 321، صحيح مسلم 2/ 1005 وما بعدها، مسند أحمد 2/ 439، الموطأ 2/ 886، المنتفى 7/ 189، 190".
وقد ورد في فضل المدينة أحاديث كثيرة في كتب الصحاح، لكن قال الإمام البيضاوي وابن الحاجب والمراغي وغيرهم الاستدلال بالأحاديث على حجية إجماع أهل المدينة ضعيف.
"انظر: أصول السرخسي 1/ 314، نهاية السول 2/ 354، مناهج العقول 2/ 351، كشف الأسرار 3/ 241، الإحكام للآمدي 1/ 243، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 36".
2 في ز ش: فإذا.
3 في زش: ولذلك.
4 ساقطة من ز ض ب ع.
5 وحمل الباجي والقرافي كلام الإمام مالك في حجية إجماع أهل المدينة على ما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة ... وفصل القاضي عبد الوهاب والقرطبي بين حالات وحالات، وأنكر بعض المالكية أن يكون ذلك مذهباً لمالك.
"انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 35، الإحكام للآمدي 1/ 243، المنخول ص 314، أصول مذهب أحمد ص 352، شرح تنقيح الفصول ص 334، المسودة ص 332، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 552 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 244، المعتمد 2/ 492، نهاية السول 2/ 354، فواتح الرحموت 2/ 234، اللمع ص 50، إرشاد الفحول ص 82".
6 انظر: المسودة ص 332.
(2/238)

"وَلا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ" وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ1 يَكُونُ إجْمَاعًا، وَلا حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ. وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ2 الأَئِمَّةِ3؛ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الأُمَّةِ الَّذِينَ جُعِلَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِمْ4.
وَعَنْ الإِمَامِ5 أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ قَوْلَهُمْ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ6. اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا7 مِنْ أَصْحَابِنَا.
__________
1 ساقطة من ض ع.
2 في ب: عن.
3 في ض: الأمة.
4 انظر: المستصفى 1/ 187، القواعد والفوائد الأصولية ص 294، المسودة ص 340، تيسير التحرير 3/ 242، نهاية السول 2/ 358، الإحكام للآمدي 1/ 249، مناهج العقول 2/ 356، مختصر ابن الحاجب 2/ 36، جمع الجوامع 2/ 179، أصول أحمد ص 337، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، مختصر الطوفي ص 50، الروضة ص 72، اللمع ص 50، إرشاد الفحول ص 83.
5 ساقطة من ض ع.
6 وعنه رواية ثالثة أنه حجة لا إجماع, وذكر بعض الحنابلة عن أحمد قولاً رابعاً أن قول أبي بكر وعمر إجماع، وهو ما رجحه ابن بدران.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 294، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، المسودة ص 340، الروضة ص 73، إرشاد الفحول ص 83، مختصر الطوفي ص 135، تيسير التحرير 3/ 243، نهاية السول 2/ 357، مناهج العقول 2/ 356، الإحكام للآمدي 1/ 249، مختصر ابن الحاجب 2/ 36، أصول مذهب أحمد ص 339، 341".
7 هو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الإمام، أبو علي، المقرئ المحدث الفقيه الواعظ، صاحب التصانيف في الفقه والفرائض وأصول الدين وفي علوم مختلفة، وكان أديباً، شديداً على أهل الأهواء، وكان عالماً بالعربية في الأدب والشعر والرسائل. له مصنفات كثيرة، منها: "شرح الخرقي"، و"الكامل" في الفقه، و"الكافي المحدد في شرح المجرد"، و"آداب العالم والمتعلم"، و"مناقب الإمام أحمد"، و"فضائل الشافعي"، و"شرح الإيضاح" في النحو الفارسي، و"مختصر غريب الحديث" لأبي عبيد. توفي سنة 471هـ.
انظر: ترجمته في "طبقات الحنابلة 2/ 243، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 32، طبقات القراء 1/ 206، بغية الوعاة 1/ 495، المنهج الأحمد 2/ 138، شذرات الذهب 3/ 338، المدخل إلى مذهب أحمد ص 206".
(2/239)

وَأَبُو خَازِمٍ1 - بِالْمُعْجَمَتَيْنِ - وَكَانَ قَاضِيًا حَنَفِيًّا. وَحَكَمَ بِذَلِكَ زَمَنَ الْمُعْتَضِدِ2 فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَرْحَامِ. فَأَنْفَذَ حُكْمَهُ. وَكَتَبَ بِهِ إلَى الآفَاقِ3. وَلَمْ يَعْتَبِرْ خِلافَ زَيْدٍ4 فِي ذَلِكَ.
__________
1 هو عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو خازم. أصله من البصرة، وتفقه عليه أبو جعفر الطحاوي، ولي قضاء الشام والكوفة والكرخ من بغداد، وكان جليل القدر. وله شعر جيد. وكان ورعاً عالماً بمذهب أبي حنيفة وبالفرائض والحساب والذرع والقسمة والجبر والمقابلة والوصايا والمناسخات. وكان من قضاة العدل. له مصنفات، منها: "المحاضر والسجلات"، و"أدب القاضي"، و"كتاب القاضي"، و"كتاب الفرائض". توفي سنة 292هـ. وأبو خازم بالخاء المعجمة، وقيل بالحاء المهملة.
انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة 1/ 296، الفوائد البهية ص 86، طبقات الفقهاء ص 141، شذرات الذهب 2/ 210، تاج التراجم ص 33، البداية والنهاية 11/ 99، الفهرست ص 292، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 159".
2 هو الخليفة العباسي أحمد بن طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أبو العباس، المعتضد بالله، كان ملكاً شجاعاً، مهيباً، وافر العقل، شديد الوطأة، وذا سياسة عظيمة، موصوفاً بالرجولة، لقي الحروب، وعرف فضله، وهابه الناس، وسكنت الفتنة في أيامه، ونشر العدل ورفع العلم، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملكَ بني العباس. توفي سنة 289هـ.
انظر ترجمته في "فوات الوفيات 1/ 83، شذرات الذهب 2/ 199، تاريخ الخلفاء ص 368".
3 قال السيوطي: "وفي سنة 283هـ كتب المعتضد بالله كتباً بتوريث ذوي الأرحام".
تاريخ الخلفاء ص 368.
"وانظر: المسودة ص 340، أصول السرخسي 1/ 317، فواتح الرحموت 2/ 231".
4 هو الصحابي زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد الأنصاري النجاري المدني الفرضي، كاتب الوحي والمصحف. أسلم قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، واستصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وشهد أحداً وقيل لا، وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الرسول يوم تبوك راية بني النجار. وقال: القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذاً للقرآن، كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب له المراسلات إلى الناس، ثم كتب لأبي بكر وعمر في خلافتهما، وهو أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف، وكان عمر وعثمان يستخلفانه إذا حجَّا، وكان أعلم الصحابة بالفرائض. توفي بالمدينة سنة 54هـ، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة جداً.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 561، الاستيعاب 1/ 551، تهذيب الأسماء 1/ 200، الخلاصة ص 127، تذكرة الحفاظ 1/ 30".
(2/240)

بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلَفَاءَ الأَرْبَعَةَ يُوَرِّثُونَهُمْ1.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ2 بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ3، وَغَيْرَهُمَا فِي غَيْرِ4 ذَلِكَ. وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ5.
"وَلا" قَوْلِ "أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ" أَهْلُ الْبَيْتِ "هُمْ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ6" بِنْتُ
__________
1 ومحل الاستشهاد أن الإمام أحمد البردعي أبا سعيد ردّ على أبي خازم بأن زيداً خالف فيه، وأن الحكم القضائي استند إلى قول أحد المجتهدين فلا ينقض، فأجاب أبو خازم: لا أعدّ زيداً خلافاً على الخلفاء الأربعة، فاعتبر اتفاقهم إجماعاً.
"انظر: المسودة ص 340، أصول السرخسي 1/ 317، تيسير التحرير 3/ 242، فواتح الرحموت 2/ 231، الإحكام للآمدي 1/ 249، مناهج العقول 2/ 356، نهاية السول 2/ 357، المستصفى 1/ 187، شرح تنقيح الفصول ص 335، القواعد والفوائد الأصولية ص 294، إرشاد الفحول ص 83، مختصر الطوفي ص 135".
2 ساقطة من ض.
3 ساقطة من ب ض ع.
4 ساقطة من ض ع.
5 انظر: المستصفى 1/ 186، العضد على ابن الحاجب 2/ 35، أصول السخسي 1/ 320، كشف الأسرار 3/ 246، 249، فواتح الرحموت 2/ 222، الروضة ص 72، أصول مذهب أحمد ص 342.
6 هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وهي أصغر بنات الرسول عليه الصلاة والسلام. تزوجها علي رضي الله عنه بعد موقعة أحد، وقيل غير ذلك. ولدت لعلي الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء من غزوة بدأ بالمسجد، فصلى فيه ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وإذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها. وهي سيدة نساء المؤمنين، ومناقبها كثيرة. توفيت سنة 11 هـ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
انظر ترجمتها في "الإصابة 4/ 377، الاستيعاب 4/ 373، تهذيب الأسماء 2/ 353، الخلاصة ص 494، حلية الأولياء 2/ 39".
(2/241)

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَنَجْلاهُمَا" هُمَا حَسَنٌ1 وَحُسَيْنٌ2 "رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ" لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} 3 أَدَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِسَاءَ. وَقَالَ: "هَؤُلاءِ أَهْلُ
__________
1 هو الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. وكان شبيهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، سَمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم وعقّ عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة، ولم يكن الحسن والحسين يسمى بهما في الجاهلية، وكان حليماً ورعاً كريماً. ولي الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية. وله مناقب كثيرة. توفي بالمدينة سنة 49هـ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 328، الاستيعاب 1/ 369، تهذيب الأسماء 1/ 158".
2 هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، حجَّ ماشياً 25 مرة، وكان فاضلاً، كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير كلها، مناقبه كثيرة. قتل رضي الله عنه يوم عائشة بكربلاء سنة 61هـ.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 331، الاستيعاب 1/ 378، تهذيب الأسماء 1/ 162، الخلاصة ص 83".
3 الآية 33 من الأحزاب. وقال جماهير المفسرين إن المراد من الآيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أولها وآخرها، وأول الآية 32: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ... } ، وأول الآية. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... } . وأول الآية 34: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلََى فِيْ بُيُوْتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ... } .
"انظر: تفسير ابن كثير 5/ 454، تفسير الطبري 22/ 6، تفسير الخازن 5/ 213، تفسير البغوي 5/ 213، تفسير القرطبي 14/ 182، تفسير القاسمي 13/ 4854".
وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 247.
(2/242)

بَيْتِي وَخَاصَّتِي. اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا" 1.
"بِإِجْمَاعٍ، وَلا حُجَّةَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ2 وَغَيْرِهِمْ، لِلأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ3.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي "الْمُعْتَمَدِ" وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالشِّيعَةُ: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْبَيْتِ إجْمَاعٌ4.
وَالْمُرَادُ بِالشِّيعَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى حُبِّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِ. وَقَدْ كَانَ فِي الأَصْلِ لَقَبًا لِلَّذِينَ أَلِفُوهُ فِي حَيَاتِهِ. كَسَلْمَانَ5، وَأَبِي ذَرٍّ،
__________
1 الحديث رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة. ورواه الإمام أحمد والحاكم وصححه وابن جرير الطبري عن أم سلمة. ورواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.
"انظر: تحفة الأحوذي 9/ 66، مسند أحمد 6/ 292، تفسير ابن كثير 5/ 454، تفسير الطبري 22/ 6، المستدرك 2/ 416، 3/ 146، صحيح مسلم 4/ 1883، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص 298".
2 ساقطة من ض.
3 انظر: نهاية السول 2/ 355، كشف الأسرار 3/ 241، مختصر ابن الحاجب 2/ 36، جمع الجوامع 2/ 179، شرح تنقيح الفصول ص 334، المسودة ص 329، 333، أصول السرخسي 1/ 315، مناهج العقول 2/ 352، تيسير التحرير 3/ 242، فواتح الرحموت 2/ 228، الإحكام للآمدي 1/ 245، مختصر الطوفي ص 136، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، إرشاد الفحول ص 83.
4 وهو قول الزيدية والإمامية.
"انظر: كشف الأسرار 3/ 241، فواتح الرحموت 2/ 228، تيسير التحرير 3/ 242، أصول السرخسي 1/ 314، شرح تنقيح الفصول ص 334، المسودة ص 333، نهاية السول 2/ 355، مناهج العقول 2/ 353، الإحكام للآمدي 1/ 245، مختصر ابن الحاجب 2/ 36، مختصر الطوفي ص 136، إرشاد الفحول ص 83، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132".
5 هو الصحابي سلمان الفارسي، أبو عبد الله، سلمان الخير، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، له قصة مشهورة في إسلامه. وأول مشاهده الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعدها. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء، وكان من فضلاء الصحابة وزهادهم وعلمائهم. وهو الذي أشار بحفر الخندق حين جاء الأحزاب. ثم سكن العراق روي له ستون حديثاً. توفي بالمدائن سنة 36هـ، وقيل غير ذلك. وقيل: إنه عاش 250 سنة فأكثر. له ثلاث بنات. وفي الحديث: "إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان".
انظر ترجمته في "الإصابة 2/ 62، الاستيعاب 2/ 56، تهذيب الأسماء 1/ 227، الخلاصة ص 147، حلية الأولياء 1/ 185، 368".
(2/243)

وَالْمِقْدَادِ1، وَعَمَّارٍ. وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ صَارَ لَقَبًا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَرَى تَفْضِيلَهُ عَلَى كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَيَرَى أُمُورًا أُخْرَى لا يَرْضَاهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلا أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً. وَهَؤُلاءِ هُمْ الْمُرَادُ بِإِطْلاقِ الأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ "الشِّيعَةُ2".
"وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ3" الْخُلَفَاءِ "الأَرْبَعَةِ مِنْ صُلْحٍ" كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ "وَ" مِنْ "خَرَاجٍ" كَعَقْدِ خَرَاجِ السَّوَادِ "وَ" مِنْ "جِزْيَةٍ" وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْضُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ4.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الأَصْحَابِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَ5يَجُوزُ ذَلِكَ6 إذَا رَأَى
__________
1 هو الصحابي المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، واشتهر بالمقداد بن الأسود، لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الأزهري، فتبناه فنسب إليه. ولقبه أبو الأسود، وقيل أبو عمرو أو أبو معبد، قديم الإسلام والصحبة، وهو ممن أظهر إسلامه بمكة مبكراً، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد. وكان الفارس الوحيد في بدر. روي له اثنان وأربعون حديثاً. وشهد فتح مصر. مناقبه كثيرة. توفي سنة 33هـ، ودفن بالمدينة.
انظر ترجمته في "الإصابة 3/ 453، الاستيعاب 3/ 472، تهذيب الأسماء 2/ 111، حلية الأولياء 1/ 172".
2 ساقطة من ب. وانظر: فواتح الرحموت 2/ 228 وما بعدها.
3 ساقطة من ب.
4 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 294، المسودة ص 341.
5 ساقطة من ع.
6 ساقطة من ز ش ب ع.
(2/244)

ذَلِكَ الإِمَامُ. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْيِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ؛ لأَنَّ الْمَصَالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمِنَةِ1.
قُلْتُ: وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ2. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
__________
1 انظر: المسودة ص 341.
2 قال البهوتي: "وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه". "الروض المربع 2/ 233".
(2/245)

باب: الإجماع
...
وما قِيلَ من أن الآيةَ ظاهرةٌ، ولا دليل على أن الظاهرَ حجةٌ إلا الإجماعُ، فيلزم الدورُ1 ـ ممنوعٌ؛ لجَوَازِ نصٍّ قاطعٍ على أنه حجة، أو استدلالٍ قطعي؛ لأن الظاهرَ مظنونٌ، وهو حجةٌ لئلا يلزم رفعُ النقيضين، أو اجتماعُهما، أو العملُ بالمرجوح، وهو خلافُ العقل.
وبقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2 والمشروطُ عدمٌ عندَ عدمِ شرْطِهِ، فاتفاقُهم كافٍ3.
واعترِضَ عدمُ الرَّد إلى الكتاب والسنة عند الإجماع: أنه إن بُنِي الإجماعُ على أحدهما فهو كاف، وإلا ففيه تجويزُ الإجماعِ بلا دليل4.
ثم لا نسلم عدمَ الشرط، فإن الكلام مفروض في نزاعِ مجتهدِينَ متأخِّرِينَ لإجماعٍ سابقٍ5.
__________
1 انظر أوجه الاعتراض على الاستدلال بهذه الآية بشكل مفصل وطويل مع مناقشتها في كتاب إرشاد الفحول ص 74-76 نقلاً عن المحصول للرازي، المعتمد 2/ 462 وما بعدها، نهاية السول 2/ 343 وما بعدها، مناهج العقول 2/ 339 وما بعدها، كشف الأسرار 3/ 253، المستصفى 1/ 175، فواتح الرحموت 2/ 214، الإحكام للآمدي 1/ 200، 211، مختصر ابن الحاجب 2/ 31، المنخول ص 305.
2 الآية 59 من النساء.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 218، المستصفى 1/ 174، المعتمد 2/ 470.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 218.
5 في ب ز ش ع: لا إجماع، وهو خطأ. والأعلى من نسخة ض، وهو الموافق لعبارة الآمدي في "الإحكام".
(2/206)

فصل: انقراض العصر
...
فَصْلٌ: "يُعْتَبَرُ" لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ "انْقِرَاضُ الْعَصْرِ،
وَهُوَ مَوْتُ مَنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ" مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ. وَنَقَلَهُ الأُسْتَاذُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ، وَابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ1، "فَيَسُوغُ لَهُمْ" أَيْ لِجَمِيعِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعَ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ "لِدَلِيلٍ" يَقْتَضِي الرُّجُوعَ "وَلَوْ عَقِبَهُ" أَيْ عَقِبَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ2 بِمَوْتِ مَنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ3 فَيَسُوغُ4 لَهُمْ وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الإِجْمَاعِ5.
__________
1 انظر: كشف الأسرار 3/ 243، المستصفى 1/ 192، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، المسودة ص 320، أصول السرخسي 1/ 315، الإحكام لابن حزم 1/ 507، تيسير التحرير 3/ 230، المعتمد 2/ 502، 538، نهاية السول 2/ 386، فواتح الرحموت 2/ 224، الإحكام للآمدي 1/ 256، مناهج العقول 2/ 384، جمع الجوامع 2/ 182، المنخول ص 317، شرح الورقات ص 171، مختصر الطوفي ص 133، الروضة ص 73، إرشاد الفحول ص 84، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130.
2 في ز ش: استقر.
3 في ش: المجتهدون الذين.
4 في ش: يسوغ.
5 انظر: أصول السرخسي 1/ 315، كشف الأسرار 3/ 243، 244، نهاية السول 2/ 386، الإحكام لابن حزم 1/ 507، المسودة ص 321، 323، شرح الورقات ص 171، 173، إرشاد الفحول ص 85، مختصر الطوفي ص 133، غاية الوصول ص 107.
(2/246)

وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا1.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِلإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ لِضَعْفِهِ دُونَ غَيْرِهِ. اخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنُقِلَ عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ. وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ2. وَجَعَلَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ مَحَلَّ الْخِلافِ فِي غَيْرِ السُّكُوتِيِّ3.
__________
1 قال ابن قدامة عن الإمام أحمد: "وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط ... وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب، فيمتنع رجوع أحدهم أو رجوعهم عنه". الروضة ص 73. وقال ابن بدران عن الإمام أحمد: "قلت: ومعتمد مذهبه عدم الاشتراط". المدخل إلى مذهب أحمد ص 131. وقد نسب صاحب "كشف الأسرار" هذا الاشتراط للإمام الشافعي، وليس لذلك أصل!!
"انظر: كشف الأسرار 3/ 243، المستصفى 1/ 192، الإحكام للآمدي 1/ 256، جمع الجوامع 2/ 181، المنخول ص 317، مناهج العقول 2/ 384، نهاية السول 2/ 386، تيسير التحرير 3/ 230، فواتح الرحموت 2/ 224، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، المعتمد 2/ 502، 538، الإحكام لابن حزم 1/ 513، المسودة ص 320، أصول السرخسي 1/ 308، 315، شرح الورقات ص 171، شرح تنقيح الفصول ص 330، مختصر الطوفي ص 133، إرشاد الفحول ص 84".
2 هو الحسن بن عبد الله، وقيل عبيد الله، أبو علي البَنْدَنيجي الفقيه الشافعي، القاضي، من أصحاب الشيخ أبي حامد. قال ابن السبكي: "كان فقيهاً عظيماً غواصاً على المشكلات، صالحاً ورعاً". وقال الشيخ أبو إسحاق: "كان حافظاً للمذهب". له كتاب "الذخيرة" في الفقه، و"تعليقة" مشهورة في الفقه سماها بـ"الجامع". مات سنة 425هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 4/ 305، طبقات الفقهاء ص 129، اللباب 1/ 180، تاريخ بغداد 7/ 343، طبقات الشافعية للعبادي ص 113، طبقات الشافعية الشافعية للإسنوي 1/ 193، طبقات الشافعية لابن هداية ص 332، تهذيب الأسماء 2/ 261".
3 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 332، التمهيد للإسنوي ص 137، المسودة ص 320، أصول السرخسي 1/ 308، تيسير التحرير 3/ 231، كشف الأسرار 3/ 243، فواتح الرحموت 2/ 224، 235، الإحكام للآمدي 1/ 256، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، جمع الجوامع 2/ 183، اللمع ص 49، نهاية السول 2/ 386، مختصر الطوفي ص 133، غاية الوصول ص 108، إرشاد الفحول ص 84.
(2/247)

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِلإِجْمَاعِ الْقِيَاسِيِّ دُونَ غَيْرِهِ1.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ إنْ بَقِيَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ. وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُكْتَرَثْ بِالْبَاقِي. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ جَمْعٌ وَبَقِيَ مِنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَرَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لَمْ يَنْعَقِدْ الإِجْمَاعُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُمْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَرَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ2 فِي الإِجْمَاعِ3.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ4 يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ 5فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دُونَ إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ6.
وَحَيْثُ لا يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ5، لا يُعْتَبَرُ تَمَادِي الزَّمَنِ مُطْلَقًا، بَلْ يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً بِمُجَرَّدِهِ، حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيَكُونُ خَارِقًا لِلإِجْمَاعِ7.
__________
1 وهو قول الجويني، كما نقله عنه ابن الحاجب وغيره. ولكن ابن السبكي قال: "وهو وهم، وأن الجويني لا يشترطه مطلقاً"، وهو ما أكده أيضاً ابن عبد الشكور.
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 224، جمع الجوامع 2/ 183، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، تيسير التحرير 3/ 230، كشف الأسرار 3/ 343، إرشاد الفحول ص 84".
2 في ض: يؤثروا.
3 انظر: تيسير التحرير 3/ 231، جمع الجوامع 2/ 183، غاية الوصول ص 108.
4 في ع: أن.
5 ساقطة من ض.
6 وهناك أقوال أخرى في اشتراط انقراض العصر وعدمه.
"انظر: المسودة ص 320، 321، نهاية السول 2/ 386، المنخول ص 317".
7 انظر: كشف الأسرار 3/ 244، تيسير التحرير 3/ 231، المستصفى 1/ 174، 192، شرح الورقات ص 171، المسودة ص 320، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 85.
(2/248)

وَلَوْ نَشَأَ مُخَالِفٌ1 لَمْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ، بَلْ يَكُونُ الإِجْمَاعُ حُجَّةً عَلَيْهِ2.
وَلَوْ ظَهَرَ لِجَمِيعِهِمْ مَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ فَرَجَعُوا كُلُّهُمْ حَرُمَ. وَكَانَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ3، حَتَّى لَوْ جَاءَ غَيْرُهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا. وَإِلاَّ لَتَصَادَمَ الإِجْمَاعَانِ4.
وَاسْتُدِلَّ لاعْتِبَارِ انْقِرَاضِ5 الْعَصْرِ: بِأَنَّ عَلِيًّا خَالَفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ. وَأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ، وَعُمَرُ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ. فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَوَّى. وَعُمَرُ فَضَّلَ6.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ بِأَنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ الإِجْمَاعِ. وَقَوْلُ عُبَيْدَةَ7
__________
1 في ب: مخالفاً. وهو خطأ.
2 انظر: المنخول ص 317، نهاية السول 2/ 386، الإحكام للآمدي 1/ 256، اللمع ص 49، والمراجع السابقة في الصفحة السابقة هامش 7.
3 انظر: شرح الورقات ص 171، مختصر الطوفي ص 133، اللمع ص 49، أصول السرخسي 1/ 315، المستصفى 1/ 174، 192، 209 وما بعدها.
4 سيذكر المصنف حكم تصادم الإجماعين بعد صفحات، ص 258.
5 في ب: الانقراض.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 258، كشف الأسرار 3/ 243، الروضة ص 73، المسودة ص 323-324، الإحكام لابن حزم 1/ 516، المعتمد 2/ 504، نهاية السول 2/ 386، مناهج العقول 2/ 384.
7 هو عبيدة "بفتح العين وكسر الباء" السلماني المرادي، أبو مسلم. وقيل: أبو عمرو، عَبيدة بن قيس بن عمرو المرادي الهَمْداني التابعي الكبير. أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وسمع عمر وعلياً وابن مسعود وابن الزبير، وهو مشهور بصحبة علي. نزل الكوفة، وورد المدينة، وحضر مع علي قتال الخوارج، وكان أحد أصحاب ابن مسعود في القراءة والفتوى. وكان شريح يستشيره إذا أشكل عليه أمرٌ، وهو أحد علماء الكوفة. توفي سنة 72هـ، وقيل غيره.
انظر ترجمته في "الإصابة 3/ 102، شذرات الذهب 1/ 78، الخلاصة ص 256، تهذيب الأسماء 1/ 317، تاريخ بغداد 11/ 117، تذكرة الحفاظ 1/ 50، طبقات القراء 1/ 498، طبقات الحفاظ ص 14".
(2/249)

لِعَلِيٍّ1: "رَأْيُك فِي الْجَمَاعَةِ" أَيْ زَمَنَ الاجْتِمَاعِ وَالأُلْفَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك 2 كَيْفَ وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ "بِعْنَاهُنَّ عَلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَشَطْرٍ مِنْ خِلافَةِ3 عُمَرَ" 4وَهُوَ قَوْلُ8 ابْنِ عَبَّاسٍ5.
وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ خَالَفَ السُّكُوتِيَّ، ثُمَّ هُوَ فِعْلٌ6.
وَعَنْ الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ خَالَفَ فِي زَمَانِهِ7.
وَاسْتُدِلَّ لَهُ أَيْضًا: بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ. فَسَاغَ الرُّجُوعُ8، وَإِلاَّ مَنَعَ الاجْتِهَادُ الاجْتِهَادَ9.
__________
1 ساقطة من ب ض ز ع.
2 رواه عبد الرزاق.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 231-232، المعتمد 2/ 504، نهاية السول 2/ 386، كشف الأسرار 3/ 244، المستصفى 1/ 195، فواتح الرحموت 2/ 226".
3 في ب ض ع: ولاية.
4 في د: وقواه.
5أي أنه لم يتم الإجماع في زمن عمر، لأن جابراً وغيره خالف في ذلك وقتئذ، ولكن عَبيدة أراد أن يكون علي مع عمر والأكثر.
"انظر: المعتمد 2/ 504، نهاية السول 2/ 370، 386، كشف الأسرار 3/ 244، 248، الإحكام لابن حزم 1/ 516 وما بعدها، مناج العقول 2/ 385، المستصفى 1/ 195، فواتح الرحموت 2/ 226، الإحكام للآمدي 1/ 259، مختصر الطوفي ص 133".
6 ذهب بعض العلماء إلى جواز مخالفة الإجماع السكوتي بمعارض صحيح، لا بمجرد التشهي.
"انظر: شرح الورقات ص 170، الإحكام للآمدي 1/ 260".
7 انظر: المعتمد 2/ 504، كشف الأسرار 3/ 244، الإحكام للآمدي 1/ 260.
8 في ب ض: رجوع.
9 انظر: المستصفى 1/ 193، 194، الإحكام للآمدي 1/ 258، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، فواتح الرحموت 2/ 225، تيسير التحرير 3/ 231، الروضة ص 73، مختصر الطوفي ص 133.
(2/250)

أُجِيبُ: لا يَجُوزُ؛ إذْ صَارَ الأَوَّلُ قَطْعِيًّا1.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الرُّجُوعِ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِتَقْدِيرِ الاطِّلاعِ عَلَيْهِ إذَا خَالَفَ إجْمَاعَهُمْ2.
أُجِيبَ لُزُومُ الإِلْغَاءِ مَمْنُوعٌ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، لأَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَصَمَهُمْ عَنْ الاتِّفَاقِ عَلَى خِلافِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالإِجْمَاعُ قَطْعِيٌّ، يُقَدَّمُ عَلَى الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ3.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: رُدَّ لأَنَّهُ بَعِيدٌ. وَقِيلَ: مُحَالٌ4 لِلْعِصْمَةِ، ثُمَّ يَلْزَمُ لَوْ انْقَرَضُوا فَلا أَثَرَ لَهُ، لأَنَّ الإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، وَلأَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ نَصٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِمِثْلِهِ، لا سِيَّمَا لِقِيَامِ الإِجْمَاعِ هُنَا5.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّ مَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطُ دَوَامِ الْحُكْمِ. فَكَذَا هُنَا6.
أُجِيبَ: لإِمْكَانِ7 نَسْخِهِ. فَيُرْفَعُ قَطْعِيٌّ بِمِثْلِهِ8.
وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الأَكْثَرِ - الَّذِي هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ9 انْقِرَاضِ الْعَصْرِ - بِأَدِلَّةِ
__________
1 انظر: المستصفى 1/192، 194، الإحكام للآمدي 1/ 260، فواتح الرحموت 2/ 226، تيسير التحرير 3/ 231، مختصر ابن الحاجب 2/ 38.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 259، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، تيسير التحرير 3/ 231.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 260، تيسير التحرير 3/ 231.
4 انظر: في ش: يحال.
5 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 260.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 259.
7 في ش: بامكان. والأعلى من ز ض ب. وهو الموافق لعبارة الآمدي
8 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 260، المسودة ص 322.
9 ساقطة من ض.
(2/251)

الإِجْمَاعِ. وَبِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ امْتَنَعَ الإِجْمَاعُ لِلتَّلاحُقِ1.
وَرُدَّ بِنُدْرَةِ إدْرَاكِهِ مُجْتَهِدًا.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُمْ حُجَّةً لَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِمْ كَالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2.
رُدَّ بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَبِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ وَحْيٌ فَلَمْ يُقَسْ بِغَيْرِهِ3.
وَقَوْلُهُمْ: عَنْ اجْتِهَادٍ "لا عَدَدَ تَوَاتُرٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ4 لا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ أَنْ يَبْلُغَ الْمُجْمِعُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. كَمَا لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. فِي5 الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ، وَقَدْ حَصَلَ6.
__________
1 في ش و: المتلاحق.
وانظر: كشف الأسرار 3/ 244، المستصفى 1/ 192، شرح تنقيح الفصول ص 330، المسودة ص 321، 322، تيسير التحرير 3/ 231، نهاية السول 2/ 386، مناهج العقول 2/ 385، فواتح الرحموت 2/ 225، الإحكام للآمدي 1/ 256، 258، مختصر ابن الحاجب 2/ 38، الروضة ص 73، شرح الورقات ص 171، مختصر الطوفي ص 133.
2 أي أن الاتفاق والإجماع هو الحجّة، فإذا مات بعض المجتهدين فلا تبطل الحجة بموتهم، بأن يجوز للباقين الرجوع عنه، لأن الحجة بالاتفاق والقول، وليس بالموت.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 256، المستصفى 1/ 192، والمراجع السابقة في هامش 1".
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 156.
4 ساقطة من ش ز.
5 في ش: و.
6 وفي قول، لا يحصل الإجماع إلا بعدد التواتر، وهو قول الباقلاني وإمام الحرمين واختاره ابن السبكي.
"انظر: المستصفى 1/ 188، شرح الورقات ص 167، شرح تنقيح الفصول ص 341، أصول السرخسي 1/ 312، تيسير التحرير 3/ 235، فواتح الرحموت 2/ 221، الإحكام للآمدي 1/ 250، جمع الجوامع 2/ 181، المنخول ص 313، غاية الوصول ص 107، المسودة ص 330، مختصر الطوفي ص 130، الروضة ص 69، المدخل إلى مذهب أحمد ص 130، إرشاد الفحول ص 89".
(2/252)

"فَلَوْ لَمْ يَكُنْ" فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ "إلاَّ" مُجْتَهِدٌ "وَاحِدٌ" وَلَمْ يَصِرْ مُخَالِفٌ أَهْلاً حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ "فَـ" قَوْلُهُ1 "إجْمَاعٌ" فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَصْحَابِنَا. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ. وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلأَكْثَرِينَ2.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ": لَوْ قَلَّ عَدَدُ الاجْتِهَادِ فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الْوَاحِدُ وَالاثْنَانِ لِفِتْنَةٍ3 أَوْ غَيْرِهَا اسْتَوْعَبَتْهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَلَّ الْقُرَّاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلاًّ بِالإِجْمَاعِ وَلَمْ يَنْخَرِمْ لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ، وَإِذَا4 كَانَ هَذَا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَصْلُحُ لإِثْبَاتِ أَصْلِ5 الإِجْمَاعِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. فَأَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ لِفَكِّ الإِجْمَاعِ وَاخْتِلالِهِ بِمُخَالَفَتِهِ6.
"وَقَوْلُ مُجْتَهِدٍ" وَاحِدٍ "فِي" مَسْأَلَةٍ "اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ" لِيُخْرِجَ مَا لا تَكْلِيفَ فِيهِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَثَلاً: عَمَّارٌ7 أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ8 "إنْ انْتَشَرَ"
__________
1 ساقطة من ض.
2 وخالف جماعة، فقال بعضهم: لا يكون الإجماع إلا من اثنين فصاعداً. واعتبر الجويني وغيره عدد التواتر كما سبق في هامش رقم 6 من الصفحة السابقة.
"انظر: المستصفى 1/ 188، الإحكام للآمدي 1/ 251، جمع الجوامع 2/ 181، شرح الورقات ص 167، شرح تنقيح الفصول ص 341 وما بعدها، نهاية السول 2/ 337، المنخول ص 313، مختصر ابن الحاجب 2/ 36، فواتح الرحموت 2/ 221، تيسير التحرير 3/ 224، 236، غاية الوصول ص 107، مختصر الطوفي ص 130، إرشاد الفحول ص 90".
3 في ض: لفتنته.
4 في ع: وإن.
5 في ش ز ض: أهل.
6 في ش: لمخالفته.
7 في ش: عبَّاد. وهو خطأ.
8 هو الصحابي حذيفة بن اليمان، أبو عبد الله، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأصله من اليمن، أسلم حذيفة وأبوه. وهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد أحداً...............=
(2/253)

قَوْلُهُ "وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُنْظَرُ1 فِيهَا" ذَلِكَ الْقَوْلُ "وَتَجَرَّدَ" قَوْلُهُ "عَنْ قَرِينَةِ رِضًى وَسُخْطٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ" وَكَانَ ذَلِكَ "قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ" لِيُخْرِجَ مَا اُحْتُمِلَ أَنَّهُ قَالَهُ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ "إجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ2 وَالْمَالِكِيَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ3 أَصْحَابِهِ4.
__________
= فقتل أبوه يومئذ، وشهد حذيفة الخندق وما بعدها. وأسلمت أمه، وهاجرت. وكان حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، يعلمهم وحده. وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وحده ليلة الأحزاب، وحضر حرب نهاوند، وحمل الراية بعد مقتل أمير الجيش النعمان بن مقرن. وفتح حذيفة الري وهَمَذان والدينور، وشهد فتح الجزيرة، وولاه عمر المدائن، فتوفي فيها سنة 36هـ. وكان كثير السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحاديث الفتنة والشر ليتجنبها. ومناقبه كثيرة رضي الله عنه.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/ 317، الاستيعاب 1/ 277، تهذيب الأسماء 1/ 154، الخلاصة ص 74، حلية الأولياء 1/ 270، 354".
1 في ش: لينظر.
2 نقل الكلام بن الهمام وابن عبد الشكور الحنفيان أن الإجماع السكوتي قطعي عند أكثر الحنفية. وقال عبد العزيز البخاري: "كان ذلك إجماعاً مقطوعاً به عند أكثر أصحابنا". "كشف الأسرار 2/ 228". واختار الآمدي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية، والكرخي من الحنفية أنه إجماع ظني.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 246، فواتح الرحموت 2/ 232، 234، الإحكام للآمدي 1/ 252، مختصر ابن الحاجب 2/ 37".
3 في ش: وأكثر و.
4 انظر: المستصفى 1/ 191، القواعد والفوائد الأصولية ص 294، شرح تنقيح الفصول ص 330، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 508، نهاية السول 2/ 375، المسودة ص 334، 335، أصول السرخسي 1/ 303، 308 وما بعدها، شرح الورقات ص 174 وما بعدها، اللمع ص 52، المتعمد 2/ 532، مناهج العقول 2/ 373، المحلي والبناني وتقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 188، الإحكام للآمدي 1/ 252، مختصر ابن الحاجب 2/ 37، تيسير التحرير 3/ 246، مختصر الطوفي ص 133، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، التمهيد للإسنوي ص 136، الروضة ص 76، غاية الوصول ص 108، إرشاد الفحول ص 84، الوسيط في أصول الفقه ص 107.
(2/254)

وَذَلِكَ: لأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُوَافَقَةُ لِبُعْدِ سُكُوتِهِمْ عَادَةً. وَلِذَلِكَ1 يَأْتِي فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ: "كَانُوا يَقُولُونَ أَوْ يَرَوْنَ" وَنَحْوُهُ2، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَسُكُوتُهُمْ يُشْعِرُ بِالْمُوَافَقَةِ، وَإِلاَّ لأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ سُكُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَلَى3 فِعْلِ أَحَدٍ بِلا دَاعٍ4؟.
وَفِي "شَرْحِ الْوَسِيطِ" لِلنَّوَوِيِّ: الصَّوَابُ مِنْ5 مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ6. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْفُنُونِ"، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا: لا يَكُونُ إجْمَاعًا7 وَلا حُجَّةً8، لاحْتِمَالِ تَوَقُّفِ السَّاكِتِ، أَوْ ذَهَابِهِ إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ.
__________
1 في ش: وكذلك.
2 سيأتي الكلام على هذه النقطة تفصيلاً في فصل مستند الصحابي في هذا المجلد.
3 في ز ش: هل.
4 انظر: كشف الأسرار 3/ 228، 230 وما بعدها، فواتح الرحموت 2/ 233، أصول السرخسي 1/ 305، تيسير التحرير 3/ 247، المعتمد 2/ 533 وما بعدها، نهاية السول 2/ 376، الإحكام للآمدي 1/ 252، المنخول ص 318، جمع الجوامع 2/ 188، مختصر ابن الحاجب 2/ 37، الإحكام لابن حزم 1/ 507، مناهج العقول 2/ 374، اللمع ص 49، إرشاد الفحول ص 84.
5 ساقطة من ض.
6 قال ابن السبكي: "والصحيح حجة ... وفي كونه إجماعاً تردد". "جمع الجوامع 2/ 189، 191".
وانظر: اللمع ص 49، غاية الوصول ص 108، فتاوى ابن تيمية 20/ 14.
7 في ب: إجماع.
8 وهو الأصح عند الرازي، وهناك قول ثالث أنه ليس بإجماع، ولكنه حجة، لأن الظاهر الموافقة. وهناك أقوال أخرى كثيرة.
"انظر: المستصفى 1/ 191، 192، المحلي على جمع الجوامع وتقريرات الشربيني عليه 2/ 187، 189، نهاية السول 2/ 375، مختصر ابن الحاجب 1/ 37، الإحكام للآمدي 1/ 252.....=
(2/255)

حَكَاهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمَنْخُولِ": نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ1.
وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ، أَوْ اجْتَهَدَ وَوَقَفَ2، أَوْ خَالَفَ وَكَتَمَ لِلتَّرَوِّي وَالنَّظَرِ، أَوْ3 لأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ وَقَّرَ الْقَائِلَ أَوْ هَابَهُ4.
وَرَدَّهُ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِأَنَّهُ خِلافُ الظَّاهِرِ، لا سِيَّمَا فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ مَعَ طُولِ بَقَائِهِمْ. وَاعْتِقَادُ الإِصَابَةِ لا يَمْنَعُ5 النَّظَرَ لِتَعَرُّفِ الْحَقِّ. كَالْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ6.
__________
= مناهج العقول 2/ 373، أصول السرخسي 1/ 303، تيسير التحرير 3/ 246، فواتح الرحموت 2/ 232، 233، كشف الأسرار 3/ 229، 230، شرح تنقيح الفصول ص 330، الإحكام لابن حزم 1/ 566، غاية الوصول ص 108، اللمع ص 49، 52، التمهيد ص 136، الروضة ص 76، المسودة ص 335، 336، مختصر الطوفي ص 134، المعتمد 2/ 533، إرشاد الفحول ص 84-85، الوسيط في أصول الفقه ص 107.
1 المنخول ص 318. وقال الغزالي في "المستصفى": "واختار أنه ليس بإجماع ولا حجة". "المستصفى 1/ 191". وانظر: نهاية السول 2/ 375.
2 في ض ع: ووافق. وكذا في ب. لكنها صححت على الهامش كالأعلى.
3 في ش: و.
4 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 330، المعتمد 2/ 534 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/ 37، أصول السرخسي 1/ 229، 303، المستصفى 1/ 192، الإحكام للآمدي 1/ 252، نهاية السول 2/ 376، مناهج العقول 2/ 373، المنخول ص 318-319، غاية الوصول ص 108، الروضة ص 77، مختصر الطوفي ص 134، إرشاد الفحول ص 84.
5 في ش: تمنع.
6 في ش: ز: حالهم.
وانظر: مناهج العقول 2/ 372، الإحكام 1/ 253، تيسير التحرير 3/ 247، المعتمد 2/ 533 وما بعدها، 539، أصول السرخسي 1/ 306 وما بعدها، فواتح الرحموت 2/ 233، مختصر ابن الحاجب 2/ 37، اللمع ص 49، الروضة ص 77، مختصر الطوفي ص 134.
(2/256)

وَ "لا" يَكُونُ "الأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ" إجْمَاعًا لِلْخِلافِ فِي الزَّائِدِ، خِلافًا لِمَنْ ظَنَّهُ إجْمَاعًا1، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ2؛ لأَنَّ قَوْلَهُ يَشْتَمِلُ3 عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ وَنَفْيِ الزَّائِدِ. وَالإِجْمَاعُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ، بَلْ عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ فَقَطْ وَهُوَ بَعْضُ الْمُدَّعَى. فَالثُّلُثُ4 وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنْ نَفْيُ الزِّيَادَةِ5 لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ. فَالْمَجْمُوعُ لا يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَالْقَائِلُ بِالثُّلُثِ مَطْلُوبُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ6: مِنَ7 الثُّلُثِ وَنَفْيِ الزِّيَادَةِ، فَلا يَكُونُ مَذْهَبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. فَالأَخْذُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِنْ الإِجْمَاعِ وَالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ. فَإِنَّ إيجَابَ الثُّلُثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مَدْفُوعٌ بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ8.
__________
1 قال الإمام الشافعي: إن دية الكتابي ثلث دية المسلم أخذاً بأقل ما قيل في ديته، فظن بعض العلماء أن الإمام الشافعي يعتبر ذلك إجماعاً، وأنه استند على الإجماع، وهو غير صحيح كما بينه علماء الشافعية في كتبهم الأصولية، حتى قال الغزالي رحمه الله: "وهو سوء ظن الشافعي رحمه الله". وأشار إلى ذلك أيضاً الكمال بن الهمام رحمه الله.
"انظر: المستصفى 1/ 216، غاية الوصول ص 108، الإحكام للآمدي 1/ 281، تيسير التحرير 3/ 258، الوجيز للغزالي 2/ 140، فواتح الرحموت 2/ 241، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 187، الوسيط في أصول الفقه ص 146".
2 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 43، مختصر الطوفي ص 137، المستصفى 1/ 216، الإحكام للآمدي 1/ 281، الروضة ص 79.
3 في ب: مشتمل.
4 في ع: والثلث.
5 في ض: الزائد.
6 في ش: أمور.
7 ساقطة من ض ع.
8 انظر: تيسير التحرير 3/ 258، الإحكام للآمدي 1/ 281، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، البناني على جمع الجوامع 2/ 187، المستصفى 1/ 216، الروضة ص 79، فواتح الرحموت 2/ 242، الوسيط في أصول الفقه ص 147.
(2/257)

"وَلا" إجْمَاعَ "يُضَادُّ" إجْمَاعًا "آخَرَ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ1؛ لأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الأَحْكَامِ لا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بَعْدَهُ إجْمَاعٌ يُضَادُّهُ، لاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ تَعَارُضَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ2.
وَجَوَّزَهُ3 أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ4.
__________
1 هذا الحكم إذا كان الإجماع الثاني من غير أهل الإجماع الأول. أما إذا كان الإجماع الثاني من أهل الإجماع الأول فالمسألة فيها اختلاف. وهذا الاختلاف متفرع عن اختلاف العلماء في جواز رجوع المجمعين أو بعضهم عن الإجماع أم لا، وجواز الرجوع وعدمه مبني أيضاً على اشتراط انقراض العصر في الإجماع أو عدم اشتراطه، وقد سبق بيان ذلك ص 246-252.
2 انظر: جمع الجوامع 2/ 200، المعتمد 2/ 497، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 85.
3 قال الرازي –عن جواز الإجماع بعد الإجماع: وهو الأولى. وقال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبد الله قوي. واختار هذا القول البزدوي وأكده، وأنه يجوز نسخ الإجماع بالإجماع.
"انظر: كشف الأسرار 3/ 262، المعتمد 2/ 497، غاية الوصول ص 110، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 200، إرشاد الفحول ص 85-86، الوسيط في أصول الفقه ص 138".
4 هو الحسين بن علي، أبو عبد الله البصري الحنفي. ويعرف بالجُعْل، شيخ المتكلمين، وأحد شيوخ المعتزلة، أخذ الاعتزال وعلم الكلام عن أبي علي بن خلاد، ثم أخذه عن أبي هاشم الجبائي، وبلغ بجده واجتهاده ما لم يبلغه غيره من أصحاب أبي هاشم، كما لازم مجلس أبي الحسن الكرخي زمناً طويلاً. وله تصانيف كثيرة في الاعتزال والفقه والكلام، وكان مقدماً في علمي الفقه والكلام، ويملي فيهما، ويدرسهما، وصبر على شدائد الدنيا دون أن يناله منها حظ، مع زهده فيها، وهو شيخ القاضي عبد الجبار الذي نقل عنه كثيراً في "شرح الأصول الخمسة". ومن كتبه: "شرح مختصر أبي الحسن الكرخي"، و"كتاب الأشربة"، و"تحليل نبيذ التمر"، و"كتاب تحريم المتعة"، و"جواز الصلاة بالفارسية". توفي سنة 369هـ. وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الفوائد البهية ص 67، الجواهر المضيئة 1/ 216، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 143، الفهرست ص 248، 294، شذرات الذهب 3/ 68، تاريخ بغداد 8/ 73، فرق وطبقات المعتزلة ص 111، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 325، طبقات المفسرين 1/ 155، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص 165".
(2/258)

"وَلا" إجْمَاعَ "عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْمُجْتَهِدُ لا يَقُولُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فَإِنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ. وَأَيْضًا فَكَانَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ شَرْعٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَلأَنَّهُ1 مُحَالٌ عَادَةً، فَكَالْوَاحِدِ مِنْ الأُمَّةِ2. وَالدَّلِيلُ: إمَّا الْكِتَابُ، كَإِجْمَاعِهِمْ3 عَلَى حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِمَّا السُّنَّةُ، كَإِجْمَاعِهِمْ4 عَلَى تَوْرِيثِ كُلٍّ مِنْ الْجَدَّاتِ5 السُّدُسَ وَنَحْوِهِ6. وَيَأْتِي الْقِيَاسُ7.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِالْبَحْثِ وَالْمُصَادَفَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الإِجْمَاعَ قَدْ يَكُونُ عَنْ تَوْفِيقٍ8 مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ.
__________
1 في ش ز: لأنه.
2 انظر: كشف الأسرار 3/ 263، الإحكام للآمدي 1/ 261، جمع الجوامع 2/ 195، شرح تنقيح الفصول ص 339، المسودة ص 330، أصول السرخسي 1/ 301، تيسير التحرير 3/ 254، فواتح الرحموت 2/ 238، مناهج العقول 2/ 279، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، المعتمد 2/ 520، نهاية السول 2/ 380، اللمع ص 48، مختصر الطوفي ص 136، غاية الوصول ص 108، إرشاد الفحول ص 79، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، الوسيط في أصول الفقه ص 114.
3 في ز ش: كاجتماعهم.
4 في ش ب ز: فكإجماعهم.
5 في ش: من الجدين. وهو خطأ.
6 انظر: المعتمد 2/ 522، شرح تنقيح الفصول ص 339-340، أصول السرخسي 1/ 301، كشف الأسرار 3/ 263، اللمع ص 48، مختصر الطوفي ص 136.
7 سيأتي في الصفحة بعد التالية.
8 في ش ز ب: توقيف. والأعلى من ض وهامش ب، وهو الموافق لما جاء في المعتمد ونهاية السول.
(2/259)

وَأَجَابُوا عَمَّا سَبَقَ بِأَنَّ الْخَطَأَ 1إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاحِدِ مِنْ الأُمَّةِ. أَمَّا فِي جَمِيعِ الأُمَّةِ فَلا2.
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَطَأَ9 إذَا اجْتَمَعَ لا يَنْقَلِبُ صَوَابًا؛ لأَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْلِ الْكُلِّ إنَّمَا هُوَ مُرَاعَاةُ عَدَمِ الْخَطَإِ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ3.
قَالَ4 الْمُخَالِفُ: لَوْ كَانَ الإِجْمَاعُ عَنْ دَلِيلٍ كَانَ الدَّلِيلُ هُوَ الْحُجَّةُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ5.
وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَنْ دَلِيلٍ هُوَ الْوَحْيُ، ثُمَّ فَائِدَتُهُ: سُقُوطُ الْبَحْثِ عَنَّا6 عَنْ دَلِيلِهِ. وَحُرْمَةُ الْخِلافِ7 الْجَائِزِ قَبْلَهُ. وَبِأَنَّهُ يُوجِبُ عَدَمَ انْعِقَادِهِ عَنْ دَلِيلٍ8.
__________
1 ساقطة من ض.
2 وهو قول القاضي عبد الجبار المعتزلي.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 261، المحلي على جمع الجوامع 2/ 195، نهاية السول 2/ 380، المعتمد 2/ 520، تيسير التحرير 3/ 255، المسودة ص 330، شرح تنقيح الفصول ص 339، فواتح الرحموت 2/ 238، كشف الأسرار 3/ 263، غاية الوصول ص 108، إرشاد الفحول ص 79".
3 انظر: المعتمد 2/ 520.
4 في ع: وقال.
5 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 263، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، الإحكام لابن حزم 1/ 505، نهاية السول 2/ 381، المعتمد 2/ 521، مناهج العقول 2/ 380، كشف الأسرار 3/ 263، فواتح الرحموت 2/ 239.
6 ساقطة من ش.
7 ساقطة من ض.
8 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 263، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، المعتمد 2/ 521، نهاية السول 2/ 381، مناهج العقول 2/ 380، كشف الأسرار 3/ 263، فواتح الرحموت 2/ 239.
(2/260)

"وَيَجُوزُ" كَوْنُ الإِجْمَاعِ "عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ، وَوَقَعَ" عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ "وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ" أَيْ مُخَالَفَةُ الإِجْمَاعِ الْوَاقِعِ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ قِيَاسٍ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ1.
وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ، وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالشِّيعَةُ فِي الْجَوَازِ2.
وَقَوْمٌ فِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ3، وَقَوْمٌ فِي الْوُقُوعِ4.
أَمَّا وُقُوعُ الإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي نَحْوِ الشَّيْرَجِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ
__________
1 انظر: المستصفى 1/ 196، الإحكام للآمدي 1/ 264، جمع الجوامع 2/ 184، مناهج العقول 2/ 382، المنخول ص 309، غاية الوصول ص 107، نهاية السول 2/ 383، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، شرح تنقيح الفصول ص 339، المسودة ص 328، 330، أصول السرخسي 1/ 301، تيسير التحرير 3/ 256، فواتح الرحموت 2/ 239، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، مختصر الطوفي ص 136، الروضة ص 77، إرشاد الفحول ص 79، اللمع ص 48، المعتمد 2/ 495، 524 وما بعدها، الوسيط في أصول الفقه ص 121.
2 وهو قول ابن جرير الطبري أيضاً والحاكم صاحب "المختصر" من الحنفية، والقاشاني من المعتزلة.
"انظر: المسودة ص 328، 330، جمع الجوامع 2/ 184، الإحكام لابن حزم 1/ 495، نهاية السول 2/ 383، كشف الأسرار 3/ 263 وما بعدها، المستصفى 1/ 196، فواتح الرحموت 2/ 239، الإحكام للآمدي 1/ 264، مختصر ابن الحاجب 3/ 39، مختصر الطوفي ص 136، اللمع ص 48، الروضة ص 77، إرشاد الفحول ص 79، غاية الوصول ص 107، المعتمد 2/ 495، 524".
3 وهو قول عند الشافعية حكاه ابن القطان في قياس الشبه، وحكاه ابن الصباغ عن بعض الشافعية في الأمارة الخفية.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 256، المعتمد 2/ 524، نهاية السول 2/ 383، الإحكام للآمدي 1/ 264، جمع الجوامع 2/ 184، غاية الوصول ص 107، إرشاد الفحول ص 79، 80".
4 انظر: المستصفى 1/ 196، الإحكام للآمدي 1/ 264، نهاية السول 2/ 383، جمع الجوامع 2/ 184، المنخول ص 308، فواتح الرحموت 2/ 239، المعتمد 2/ 524 وما بعدها، أصول السرخسي 1/ 302، تيسير التحرير 3/ 256، الروضة ص 78، غاية الوصول ص 107، مختصر ابن الحاجب 2/ 39.
(2/261)

فَتَمُوتُ: يُرَاقُ قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ1. وَقَالُوا: بِتَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ قِيَاسًا2 عَلَى لَحْمِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ3، وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ4. وَالأَصْلُ عَدَمُ النَّصِّ ثُمَّ لَوْ كَانَ نَصٌّ لَظَهَرَ وَاحْتُجَّ بِهِ5.
"وَفِي قَوْلِ" ابْنِ حَامِدٍ وَجَمْعٍ "يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ" إجْمَاعٍ "قَطْعِيٍّ6".
__________
1 روى أبو داود وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: "إن كان جامداً فألقوه وما حوله وكلوه، وإن كان مائعاً فلا تقربوه".
"انظر: سنن أبي داود 2/ 328 موارد الظمآن ص 331، تيسير التحرير 3/ 256، نهاية السول 2/ 383، الإحكام للآمدي 1/ 264".
2 في ش ز: يراق قياساً.
3 قياساً على إمامته بالصلاة كما في الصحيحين وغيرهما، وكذا قياس حد الشرب للخمر على حد القذف.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 256، نهاية السول 2/ 383، فواتح الرحموت 2/ 239 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 264، 265، مختصر ابن الحاجب 2/ 239".
4 قياساً على تاركي الصلاة، لأن الله تعالى جمع بينهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: "والله، ما فرقت بين ما جمع الله، قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} الآية 43 من البقرة، وفي آيات أخرى.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 264".
5 انظر أمثلة أخرى للإجماع المبني على الاجتهاد والقياس في أصول السرخسي 1/ 301، نهاية السول 2/ 383، مناهج العقول 2/ 382، كشف الأسرار 3/ 264، المستصفى 1/ 196، فواتح الرحموت 2/ 239، الإحكام للآمدي 1/ 264، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، المنخول ص 309، الروضة ص 78.
6 انظر: كشف الأسرار 3/ 261، فواتح الرحموت 2/ 243، تيسير التحرير 3/ 258، الإحكام للآمدي 1/ 282، نهاية السول 2/ 387، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 197، 201، شرح تنقيح الفصول ص 337، المسودة ص 344، مختصر الطوفي ص 137، غاية الوصول ص 110، إرشاد الفحول ص 78، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، أصول السرخسي 1/ 318، الوسيط في أصول الفقه ص 104.
(2/262)

وَفِي قَوْلِ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَجَمْعٍ: لا، وَيَفْسُقُ1.
وَالطُّوفِيُّ وَالآمِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا: يَكْفُرُ بِنَحْوِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ2.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، مَعَ أَنَّهُ حُكِيَ الأَوَّلُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلا أَظُنُّ أَحَدًا3 لا يُكَفِّرُ 4مَنْ جَحَدَ هَذَا5. اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ مُنْكِرَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الضَّرُورِيِّ وَالْمَشْهُورِ وَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَافِرٌ قَطْعًا. وَكَذَا الْمَشْهُورُ فَقَطْ لا الْخَفِيُّ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا5. وَمِثَالُ الْخَفِيِّ: إنْكَارُ اسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الابْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ، وَتَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَإِفْسَادُ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذَا لا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ لِعُذْرِ الْخَفَاءِ، خِلافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِ:
__________
1 انظر: المعتمد 2/ 524، نهاية السول 2/ 287، المنخول ص 309، الإحكام للآمدي 1/ 282، المسودة ص 344، تيسير التحرير 3/ 260، فواتح الرحموت 2/ 243، كشف الأسرار 3/ 261، مختصر الطوفي ص 137، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، غاية الوصول ص 110، الوسيط في أصول الفقه ص 105.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 282، مختصر الطوفي ص 137، نهاية السول 2/ 387، كشف الأسرار 3/ 262، تيسير التحرير 3/ 259، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
3 في ض: أحد.
4 في ش ز: جاحدها. وانظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 201.
5 في ش: فيها.
وهذا ما أكده القرافي وابن السكن أيضاً. وهناك أقوال أخرى تفصل بين حالات وحالات.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 337، جمع الجوامع 2/ 201، 202، كشف الأسرار 3/ 262، فواتح الرحموت 2/ 244، تيسير التحرير 3/ 259، 260، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، غاية الوصول ص 110".
(2/263)

إنَّهُ يَكْفُرُ، لِتَكْذِيبِهِ الأُمَّةَ1.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ صَرِيحًا إذَا فُرِضَ أَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ2.
"وَإِذَا" كَانَ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ "اخْتَلَفُوا" فِي مَسْأَلَةٍ "عَلَى قَوْلَيْنِ حَرُمَ إحْدَاثُ" قَوْلٍ "ثَالِثٍ" مُطْلَقًا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ3 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ4.
قَالَ5 ابْنُ مُفْلِحٍ: كَمَا لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَانٍ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي "الرِّسَالَةِ6".
__________
1 المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
2 المدخل إلى مذهب أحمد المرجع السابق.
3 ساقطة من ع.
4 وهو قول الجمهور. قال الكيا الهراسي: إنه الصحيح، وبه الفتوى. وجزم به القفال الشاشي، والقاضي أبو الطيب الطبري والروياني والصيرفي، ولم يحكيا خلافه إلا عن بعض المتكلمين.
"انظر: إرشاد الفحول ص 86، شرح تنقيح الفصول ص 326، 328، المسودة ص 326، أصول السرخسي 1/ 310، 319، الإحكام لابن حزم 1/ 507، تيسير التحرير 3/ 250، كشف الأسرار 3/ 234، فواتح الرحموت 2/ 235، المعتمد 2/ 505، 506، نهاية السول 2/ 361، المستصفى 1/ 198، الإحكام للآمدي 1/ 268، مناهج العقول 2/ 359، جمع الجوامع 2/ 197، المنخول ص 320، غاية الوصول ص 109، اللمع ص 52، مختصر الطوفي ص 134، الروضة ص 75، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، أصول مذهب أحمد ص 361، 363".
5 في ب ض: قاله.
6 يقول الشافعي رحمه الله: "فلم يكن لي عندي خلافهم، ولا الذهاب إلى القياس، والقياس مُخْرِجٌ من جميع أقاويلهم". الرسالة ص 596".
وانظر: الروضة ص 76، أصول السرخسي 1/ 310، تيسير التحرير 3/ 250، كشف الأسرار 3/ 235، المستصفى 1/ 199.
(2/264)

وَقَالَ الآمِدِيُّ وَالطُّوفِيُّ وَجَمْعٌ: إنْ رَفَعَ1 الْقَوْلُ الثَّالِثُ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ حَرُمَ إحْدَاثُهُ وَإِلاَّ فَلاَ2.
فَمِثَالُ مَا يَرْفَعُ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ: إذَا3 رَدَّ بِكْرًا بِعَيْبٍ بَعْدَ وَطْئِهَا مَجَّانًا. فَهَذَا الْقَوْلُ يَحْرُمُ إحْدَاثُهُ. فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قِيلَ: تُرَدُّ مَعَ الأَرْشِ. وَقِيلَ: لا تُرَدُّ بِوَجْهٍ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا تُرَدُّ مَجَّانًا رَافِعٌ لإِجْمَاعِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَنْعِ الرَّدِّ قَهْرًا مَجَّانًا4.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: "قَهْرًا" عَمَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ مَعَ الأَرْشِ، أَوْ عَلَى الإِمْسَاكِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ جَازَ، وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِمْسَاكِ وَأَخْذِ الأَرْشِ وَبَيْنَ الرَّدِّ وَإِعْطَاءِ الأَرْشِ إنْ لَمْ يَكُنْ 5الْبَائِعُ دَلَّسَ4. فَإِنْ دَلَّسَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي أَرْشٌ.
__________
1 في ش ز: وقع.
2 هذا التفصيل مروي عن الشافعي. واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين، منهم ابن الحاجب وابن بدران والطوفي والقرافي والرازي وابن السبكي.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 326، 328، نهاية السول 2/ 361، جمع الجوامع 2/ 197، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، كشف الأسرار 3/ 235، فواتح الرحموت 2/ 235، تيسير التحرير 3/ 250، مختصر الطوفي ص 135، غاية الوصول ص 109، مناهج العقول 2/ 359، الإحكام للآمدي 1/ 269، إرشاد الفحول ص 86، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، أصول مذهب أحمد ص 361، 365، الوسيط في أصول الفقه ص 47".
3 ساقطة من ض.
4 انظر أمثلة أخرى في "الإحكام للآمدي 1/ 269، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، شرح تنقيح الفصول ص 326، 328، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، غاية الوصول ص 109، تيسير التحرير 3/ 250 وما بعدها، نهاية السول 2/ 362، المستصفى 1/ 199، مناهج العقول 2/ 359، كشف الأسرار 3/ 235، فواتح الرحموت 2/ 235، أصول مذهب أحمد ص 361، المحلي وتقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 197، 198".
5 في ب ز ض ع: دلّس البائع.
(2/265)

وَمِثَالُ مَا لا يَرْفَعُ مُجْمَعًا: الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ: الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَنَحْوِهَا إنْ كَانَ فِي الزَّوْجِ، وَالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ وَنَحْوِهِمَا إنْ كَانَ فِي الزَّوْجَةِ. فَقِيلَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا 1أَنْ يَفْسَخَ5 بِهَا. وَقِيلَ: لا. كَمَا2 نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُفْسَخُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ3.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْسَخُ دُونَ الرَّجُلِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْخَلاصِ بِالطَّلاقِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ وَافَقَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلاً، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي أُخْرَى.
وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِكَوْنِ هَذَا التَّفْصِيلِ لا مَعْنَى لَهُ؛ إذْ لا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ يَكُونُ مَرْدُودًا، لَكِنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ: إنَّهُ4 مُسْتَلْزِمٌ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضٍ لا يَسْتَلْزِمُ فَالْكَلامُ فِي الْكُلِّ5.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَهُ6 فِي "التَّمْهِيدِ":
__________
1 في ز: الفسخ.
2 في ب ض ع: فما.
3 انظر أمثلة أخرى في "الإحكام للآمدي 1/ 269، 270، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، أصول السرخسي 1/ 319، تيسير التحرير 3/ 251، نهاية السول 2/ 361، مناهج العقول 2/ 359، كشف الأسرار 3/ 235، فواتح الرحموت 2/ 236، المحلي على جمع الجوامع 2/ 198، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131، غاية الوصول ص 102، أصول مذهب أحمد ص 361".
4في ش ز: لأنه.
5 وهذه الحالة يصبح حكمها كالمسألة الآتية في إحداث تفصيل بعد الاختلاف على قولين، وقد جعل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما مسألة إحداث القول الثالث ومسألة التفصيل مسألة واحدة، لكن الأسنوي والقرافي يريان أن هناك فرقاً بينهما.
"انظر: نهاية السول 2/ 365، البناني على جمع الجوامع 2/ 197، المراجع السابقة في هامش 3".
6 في ش ب ز ع: وذكر.
(2/266)

إنَّ ظَاهِرَ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ مُطْلَقًا1؛ لأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ: لا يَقْرَأُ الْجُنُبُ حَرْفًا2. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ. فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَقْرَأُ بَعْضَ آيَةٍ. وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي فِي قِرَاءَةِ الْجُنُبِ. قُلْنَا بِهَذَا مُوَافَقَةً لِكُلِّ قَوْلٍ. وَلَمْ نَخْرُجْ3 عَنْهُمْ. اهـ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَخْرِقْ إجْمَاعًا سَابِقًا. فَإِنَّهُ قَدْ لا يَرْفَعُ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ4.
"وَلا" يَحْرُمُ إحْدَاثُ "تَفْصِيلٍ" أَيْ قَوْلٍ مُفَصَّلٍ "إذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ" حَالَ كَوْنِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ "إثْبَاتًا" وَالآخَرِ "نَفْيًا" عِنْدَ الْقَاضِي. وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ5.
__________
1 وهو قول الظاهرية وبعض الحنفية، وهناك أقوال أخرى، كمنع الثالث بعد اختلاف الصحابة، دون غيرهم.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 328، المسودة ص 326، أصول السرخسي 1/ 310، 319، تيسير التحرير 3/ 251، فواتح الرحموت 2/ 235، كشف الأسرار 3/ 235 وما بعدها، الإحكام للآمدي 1/ 268، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، المنخول ص 320، مناهج العقول 2/ 359، المعتمد 2/ 505، 506، اللمع ص 52، الروضة ص 75، إرشاد الفحول ص 86".
2 ساقطة من ع.
3 في ش ز: يخرج.
4 وهو رأي ابن حزم أيضاً.
"انظر: المسودة ص 328، أصول السرخسي 1/ 310، الإحكام للآمدي 1/ 268، الروضة ص 75، مختصر الطوفي ص 134، الإحكام لابن حزم 1/ 515، 516، أصول مذهب أحمد ص 363".
5 انظر: نهاية السول 2/ 365، الإحكام للآمدي 1/ 268، مناهج العقول 2/ 363، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، تيسير التحرير 3/ 251، فواتح الرحموت 2/ 236، المسودة ص 327، غاية الوصول ص 109، المعتمد 2/ 508 وما بعدها، اللمع ص 52.
(2/267)

وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مُطْلَقًا. وَنَقَلَهُ الآمِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ1.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ" وَغَيْرِهِ: إنْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ لَمْ يَجُزْ لاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ ظَاهِرًا2.
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا. فَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُ3 الْحُكْمِ فِيهَا، كَالنِّيَّةِ4 فِي الْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ فِي الاعْتِكَافِ جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ5 مَنْ وَافَقَ إمَامًا فِي مَسْأَلَةٍ مُوَافَقَتُهُ فِي جَمِيعِ مَذْهَبِهِ، وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى6 خِلافِهِ7.
وَإِنْ اتَّفَقَ الطَّرِيقُ كَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَامْرَأَةٍ8 وَأَبَوَيْنِ9. وَكَإِيجَابِ نِيَّةٍ فِي وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ وَعَكْسِهِ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ10.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 268، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، جمع الجوامع 2/ 197، المسودة ص 327، المعتمد 2/ 508، 513، نهاية السول 2/ 365، مناهج العقول 2/ 363.
2 انظر: المسودة ص 327، 328، المعتمد 2/ 508، نهاية السول 2/ 365، مناهج العقول 2/ 364، المستصفى 1/ 200.
3 في ش ز: طريقا. والأعلى من د ب ع، وهو الموافق للمسودة.
4 في ش: كالتسمية. وهو خطأ.
5 في ش ز ع: للزم.
6 ساقطة من: ب ز ض ع.
7 انظر: المسودة ص 328، المعتمد 2/ 510.
8 في المسودة: وزوجة. وانظر: تيسير التحرير 3/ 237.
9 ساقطة من ش.
10 انظر شرح تنقيح الفصول ص 327، المسودة ص 327، 328، الإحكام للآمدي 1/ 269، 271، نهاية السول 2/ 365، مناهج العقول 2/ 360 وما بعدها، 364، أصول السرخسي 1/ 316، تيسير التحرير 3/ 253، 237، مختصر ابن الحاجب 2/ 39، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 197، فواتح الرحموت 2/ 236، كشف الأسرار 3/ 235، المعتمد 2/ 505، 506، 509 وما بعدها.
(2/268)

وَهَذَا التَّفْصِيلُ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ1.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ: إنْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلاَّ جَازَ لِمُوَافَقَتِهِ لِكُلِّ2 طَائِفَةٍ3.
قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَإِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ عُلِمَ4 اتِّحَادُ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ جَارٍ5 مَجْرَى النَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ؛ مَنْ6 وَرَّثَ إحْدَاهُمَا وَرَّثَ الأُخْرَى، وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَ؛ لأَنَّ الْمَأْخَذَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ الرَّحِمِيَّةُ7. اهـ.
"وَلا" يَحْرُمُ إحْدَاثُ "دَلِيلٍ" زَائِدٍ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ دَلِيلٍ سَابِقٍ لِلْحُكْمِ. زَادَ الْقَاضِي: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْصَدَ بَيَانُ الْحُكْمِ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ؛ لأَنَّهُ قَوْلٌ عَنْ اجْتِهَادٍ غَيْرُ مُخَالِفٍ إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى فَسَادِ غَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ، وَأَيْضًا وَقَعَ كَثِيرًا وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ8.
__________
1 وقاله الأسنوي أيضاً.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 328، المسودة ص 328، نهاية السول 2/ 365".
2 في ز ش ب ع: كل.
3 وهذا ما نقله القرافي عن الرازي.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 327، المسودة ص 327، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/ 197-198، اللمع ص 52".
4 في ش: على. وهو تصحيف.
5 في ب: جاري.
6 في ع: ومن.
7 انظر: غاية الوصول ص 109، نهاية السول 2/ 365.
8 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 273، نهاية السول 2/ 387، جمع الجوامع 2/ 198، مختصر ابن الحاجب 2/ 40، شرح تنقيح الفصول ص 333، المعتمد 2/ 514، المسودة ص 328، غاية الوصول ص 109، تيسير التحرير 3/ 253، فواتح الرحموت 2/ 237، 238، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
(2/269)

وَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ1.
رُدَّ، لا يَخْفَى فَسَادُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الأَدِلَّةِ أَحْكَامُهَا لا أَعْيَانُهَا. فَعَيْنُ الْحُكْمِ بَاقٍ. وَأَيْضًا: الْمُرَادُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ الْمَنْعُ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ2.
"أَوْ عِلَّةٍ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ عِلَّةٍ، كَمَا لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ دَلِيلٍ "آخَرَيْنِ" صِفَةٌ لِلدَّلِيلِ وَالْعِلَّةِ.
وَعَلَى جَوَازِ إحْدَاثِ الْعِلَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمْ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ3.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لأَنَّ عِلَّتَهُمْ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهَا، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ غَيْرِهَا4. "أَوْ تَأْوِيلٍ لا يُبْطِلُ الأَوَّلَ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ تَأْوِيلٍ ثَانٍ
__________
1 وهذا ما نقله ابن القطان عن بعض الشافعية، وهناك أقوال أخرى.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 273، شرح تنقيح الفصول ص 333، المسودة ص 329، نهاية السول 2/ 387، جمع الجوامع 2/ 199، مختصر ابن الحاجب 2/ 40، المعتمد 2/ 514، فواتح الرحموت 2/ 237، 238، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132".
2 انظر: فواتح الرحموت 2/ 238، العضد على ابن الحاجب 2/ 41، المحلي على جمع الجوامع 2/ 199، الإحكام للآمدي 1/ 274، مختصر ابن الحاجب 2/ 40، إرشاد الفحول ص 87.
3 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 333، المعتمد 2/ 514 وما بعدها، المسودة ص 329، جمع الجوامع 2/ 199، مختصر الطوفي ص 155، الروضة ص 76، غاية الوصول ص 109.
4 انظر: جمع الجوامع 2/ 199، شرح تنقيح الفصول ص 333، المسودة ص 329، غاية الوصول ص 109.
(2/270)

لا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الأَوَّلَ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ1.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ إحْدَاثُ تَأْوِيلٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: لأَنَّ الآيَةَ مَثَلاً إذَا احْتَمَلَتْ مَعَانِيَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَأْوِيلِهَا بِأَحَدِهَا صَارَ كَالإِفْتَاءِ فِي حَادِثَةٍ تَحْتَمِلُ أَحْكَامًا بِحُكْمٍ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِغَيْرِهِ. كَمَا لا يُفْتَى2 بِغَيْرِ مَا أَفْتَوْا بِهِ3.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "لا يَحْتَمِلُ مَذْهَبُنَا غَيْرَ هَذَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ4".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمُرَادُهُ دَفْعُ5 تَأْوِيلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ عِنْدَ السَّلَفِ. اهـ. وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ إحْدَاثُ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ إحْدَاثُ
__________
1 وهو اختيار أبي الحسين البصري المعتزلي.
"انظر: الإحكام للآمدي 1/ 273، 274، نهاية السول 2/ 387، جمع الجوامع 2/ 198، شرح تنقيح الفصول ص 333، تيسير التحرير 3/ 253، فواتح الرحموت 2/ 237، مختصر ابن الحاجب 2/ 40، المعتمد 2/ 517، المسودة ص 329، إرشاد الفحول ص 87، غاية الوصول ص 109، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132".
2 في ش: يخفى. وهو خطأ.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 273، نهاية السول 2/ 387، شرح تنقيح الفصول ص 333، تيسير التحرير 3/ 254، فواتح الرحموت 2/ 237، المسودة ص 329، المعتمد 2/ 517، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132، مختصر ابن الحاجب 2/ 40.
4 المسودة ص 329.
5 في ش ع: رفع. وهو تصحيف، وساقطة من ض.
(2/271)

تَأْوِيلٍ، وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا تَأْوِيلٌ آخَرَ لَتَكَلَّفُوا1 طَلَبَهُ كَالأَوَّلِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ وَتَعْلِيلِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَصْرِ أَحَدِهِمَا.
"وَاتِّفَاقُ" مُجْتَهِدِي "عَصْرٍ ثَانٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ" مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ "الأَوَّلِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ" فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ "لا يَرْفَعُهُ" أَيْ لا يَرْفَعُ الْخِلافَ، وَلا يَكُونُ اتِّفَاقُ2 الْعَصْرِ الثَّانِي إجْمَاعًا؛ لأَنَّ مَوْتَ3 الْمُخَالِفِ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ لا يَكُونُ مُسْقِطًا لِقَوْلِهِ فَيَبْقَى.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ وَأَكْثَرِ الأَشْعَرِيَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ: "الْمَذَاهِبُ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا4". وَنَقَلَهُ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ عَنْ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ5.
__________
1 في ع: لكلِّفوا.
2 ساقطة من ض.
3 في ش: توقف. وهو خطأ.
4 انظر: التمهيد ص 138، نهاية السول 2/ 371، كشف الأسرار 3/ 249.
5 ينتج عن هذا الرأي أحد شروط الاجتهاد عند الجمهور، وهو اشتراط عدم الاختلاف السابق لصحة الإجماع، وهو قول الإمام أحمد وأبي الحسن الأشعري وإمام الحرمين والغزالي والرازي. واختاره الآمدي وبيّن أدلته. وهو قول أبي بكر الصيرفي الشافعي والقاضي أبي يعلى.
"انظر: نهاية السول 2/ 370، 371، جمع الجوامع 2/ 186، المنخول ص 320، المستصفى 1/ 203، الإحكام للآمدي 1/ 275، مختصر ابن الحاجب 2/ 41، العضد على ابن الحاجب 2/ 42، التمهيد للأسنوي ص 138، شرح الورقات ص 165، مناهج العقول 2/ 367، غاية الوصول ص 108، اللمع ص 51، كشف الأسرار 3/ 247، فواتح الرحموت 2/ 226، أصول السرخسي 1/ 319، 320، تيسير التحرير 3/ 232، 234، المسودة ص 325، 341، المعتمد 2/ 498، 517، الروضة ص 74، 75، إرشاد الفحول ص 86، المدخل إلى مذهب أحمد ص 131".
(2/272)

وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا، وَيَرْفَعُ الْخِلافَ، قَالَهُ1 أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَغَيْرُهُمْ. مِنْهُمْ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَالإِصْطَخْرِيُّ2 وَابْنُ خَيْرَانَ3 وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ4.
__________
1 في ض: قال.
2 هو الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى، أبو عيسى الإصطخري، قاضي قُمْ، شيخ الشافعية بالعراق، وأحد أصحاب الوجوه في المذهب، ولي حسبة بغداد، وأفتى بقتل الصائبة. واستقضاه المقتدر بالله على سجستان، وله أخبار طريفة في الحسبة، وصنف كتباً حسنة. ومن مؤلفاته: "أدب القضاء"، و"كتاب الفرائض الكبير"، و"كتاب الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات"، ولم يكن في باب القضاء كتاب يقارعه. وله في الأصول آراء مشهورة. توفي سنة 328هـ ببغداد.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 230، وفيات الأعيان 1/ 357، البداية والنهاية 11/ 193، شذرات الذهب 2/ 312، طبقات الفقهاء ص 111، الفهرست ص 300، تاريخ بغداد 7/ 268، الفتح المبين 1/ 179".
3 هو الحسين بن صالح بن خيران، الشيخ أبو علي، الفقيه الشافعي، وأحد أركان المذهب، كان فقيهاً ورعاً فاضلاً متقشفاً تقياً زاهداً، من كبار الأئمة، عرض عليه القضاء فلم يقبله في زمن المقتدر بالله، وسُمِّر باب داره لذلك، وكان يعاتب ابن سريج على قبوله تولية القضاء. توفي سنة 320هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/ 271، وفيات الأعيان 1/ 400، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 110، البداية والنهاية 11/ 173، شذرات الذهب 2/ 387، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص 67، تهذيب الأسماء 2/ 261، تاريخ بغداد 8/ 53".
4 منهم الطوفي وابن الحاجب والرازي وابن حزم وأكثر الحنفية. وهو قول المالكية والشافعية.
"انظر: كشف الأسرار 3/ 247، 249، التمهيد للإسنوي ص 138، شرح تنقيح الفصول ص 328، المسودة ص 325، 343، أصول السرخسي 1/ 319، 320، الإحكام لابن حزم 1/ 507، 515، غاية الوصول ص 108، تيسير التحرير 3/ 232، 234، المعتمد 2/ 497، 499 وما بعدها، 517، نهاية السول 2/ 370، مناهج العقول 2/ 367، المنخول ص 321، المستصفى 1/ 203، فواتح الرحموت 2/ 226، الإحكام للآمدي 1/ 275 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/ 40، المحلي على جمع الجوامع 2/ 187، اللمع ص 51، مختصر الطوفي ص 135، الروضة ص 74، 75، إرشاد الفحول ص 86".
(2/273)

"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ "فَ" اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ الثَّانِي "إجْمَاعٌ" قَطْعًا. وَذَلِكَ كَخِلافِ الصَّحَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِجْمَاعِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَكَخِلافِهِمْ فِي دَفْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيِّ مَكَان، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى دَفْنِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ إذْ الْخِلافُ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ1.
"وَلَوْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَرْبَابُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَصِرْ قَوْلُ الْبَاقِي إجْمَاعًا" ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مَحَلَّ وِفَاقٍ، وَصَحَّحَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ"؛ لأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ فِي حُكْمِ الْبَاقِي الْمَوْجُودِ وَجَزَمَ بِهِ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ2، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ 3فِي "الْمُسْتَصْفَى"4: إنَّهُ الرَّاجِحُ4.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِير"ِ: وَ5هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِينَ6.
وَقِيلَ: يَصِيرُ إجْمَاعًا وَحُجَّةً؛ لأَنَّهُمْ صَارُوا 7كُلَّ الأُمَّةِ3، اخْتَارَهُ
__________
1 حكى الجويني والهندي أن الصيرفي خالف في ذلك، بينما قال الشيرازي: صارت المسألة إجماعية بلا خلاف.
"انظر: اللمع ص 51، شرح الورقات ص 165، إرشاد الفحول ص 86، شرح تنقيح الفصول ص 328، الروضة ص 73، غاية الوصول ص 107، مناهج العقول 2/ 371 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، جمع الجوامع 2/ 184".
2 وذلك في كتابه "الجدل". انظر: "إرشاد الفحول ص 86".
3 ساقطة من ش.
4 المستصفى 1/ 202.
5 ساقطة من ض.
6 انظر: مناهج العقول 2/ 372، الإحكام للآمدي 1/ 279، نهاية السول 2/ 375، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 41، المسودة ص 324، المعتمد 2/ 501، التمهيد ص 139، إرشاد الفحول ص 86.
7 في ض: كالأمة.
(2/274)

الرَّازِيّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا1.
وَبَنَى السُّهَيْلِيُّ الْخِلافَ عَلَى الْخِلافِ فِي إجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَ اخْتِلافِ الصَّحَابَةِ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ بِنَاءٌ ظَاهِرٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُ2 أَرْبَابِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَرَجَعَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إلَى قَوْلِ الآخَرِينَ. فَقَالَ ابْنُ كَجٍّ3: فِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إجْمَاعٌ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ الْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لأَنَّ الصِّدِّيقَ جَلَدَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ثَمَانِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَلَمْ4 يَجْعَلُوا الْمَسْأَلَةَ إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الْخِلافَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ. وَقَدْ5 مَاتَ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضٌ، وَرَجَعَ بَعْضٌ إلَى قَوْلِ عُمَرَ.
__________
1 انظر: مناهج العقول 2/ 372، الإحكام للآمدي 1/ 279، نهاية السول 2/ 375، التمهيد للإسنوي ص 139، إرشاد الفحول ص 86.
2 ساقطة من ز ش.
3 هو يوسف بن أحمد بن كجّ القاضي الإمام، أبو القاسم الدينوري، صاحب أبي الحسين بن القطان، أحد أركان المذهب الشافعي، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، ارتحل الناس إليه من الآفاق، وأطنبوا في وصفه، جمع بين رئاسة العلم والدنيا، وله وجه في المذهب، وله مسائل وفوائد وغرائب في القضاء والشهادات. تولى القضاء ببلده، وصنف كتباً كثيرة انتفع بها الفقهاء، منها: "المجرد"، وهو مطول. قتله العيارون بالدينور سنة 405 هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5/ 359، وفيات الأعيان 6/ 63، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 118، شذرات الذهب 3/ 177، البداية والنهاية 11/ 355".
4 في ش ب ز ع: فلم.
5 ساقطة من ض.
(2/275)

"وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ بَعْدَ اخْتِلافِهِمْ وَقَدْ اسْتَقَرَّ" اخْتِلافُهُمْ "إجْمَاعٌ" وَحُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. وَذَكَرَ1 الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ2.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ قَطْعِيًّا كَانَ إجْمَاعًا وَحُجَّةً، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ ظَنِّيًّا فَلا3.
وَخَالَفَ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالآمِدِيُّ وَجَمْعٌ، وَقَالُوا بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ لِتَنَاقُضِ الإِجْمَاعَيْنِ. وَهُمَا الاخْتِلافُ أَوَّلاً ثُمَّ الاتِّفَاقُ ثَانِيًا، كَمَا إذَا كَانُوا عَلَى قَوْلٍ فَرَجَعُوا عَنْهُ إلَى آخَرَ4.
وَنَقَلَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ فِي "الْوَجِيزِ" عَنْ الشَّافِعِيِّ5.
__________
1 في ض: وذكر.
2 وهو قول الشافعية والمالكية. وللحنفية قولان، وبه قال ابن الحاجب والرازي، وهذا يتفق مع القول باشتراط انقراض العصر. وأما إذا لم يستقر الخلاف بينهم فيكون اتفاقهم إجماعاً كما مر صفحة 274.
"انظر: الحدود للباجي ص 63، التمهيد ص 139، مختصر الطوفي ص 133، تخريج الفروع على الأصول ص 21، شرح تنقيح الفصول ص 328، المسودة ص 324، نهاية السول 2/ 369، مناهج العقول 2/ 366، جمع الجوامع 2/ 184، المستصفى 1/ 205، الإحكام للآمدي 1/ 278، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، المنخول ص 321".
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 278، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 185، المنخول ص 321.
4 وهو رأي الصيرفي وإمام الحرمين والآمدي.
انظر: الحدود للباجي ص 64، التمهيد للإسنوي ص 139، المعتمد 2/ 493، نهاية السول 2/ 369، 370، المستصفى 1/ 205، 205 وما بعدها، المسودة ص 324، مناهج العقول 2/ 366، الإحكام للآمدي 1/ 278، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، جمع الجوامع 2/ 185، المنخول ص 321.
5 وهناك أقوال أخرى.
"انظر: نهاية السول 2/ 371، المستصفى ص205، المسودة ص 324".
(2/276)

وَالْمَانِعُ لِذَلِكَ مَحْجُوجٌ بِالْوُقُوعِ. كَمَسْأَلَةِ الْخِلافَةِ لأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهَا1.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَلا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلافِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ فَأَمَّا إنْ شَرَطْنَاهُ2، فَإِنَّهُ3 يَجُوزُ قَطْعًا.
وَقَالَهُ غَيْرُهُ4. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكُلُّ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إجْمَاعٌ5.
"وَلا يَصِحُّ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ فِيمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ" أَيْ صِحَّةُ الإِجْمَاعِ "عَلَيْهِ كَوُجُودِهِ" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ" وَدَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ، لاسْتِلْزَامِهِ عَلَيْهِ لُزُومَ الدَّوْرِ6.
"وَيَصِحُّ" التَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ "فِي غَيْرِهِ" أَيْ غَيْرِ مَا تَتَوَقَّفُ7 صِحَّةُ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ:
مِنْ أَمْرٍ "دِينِيٍّ" كَالرُّؤْيَةِ وَ "كَنَفْيِ الشَّرِيكِ" وَوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ، لإِمْكَانِ تَأَخُّرِ مَعْرِفَتِهَا عَنْ
__________
1 انظر: التمهيد ص 139، شرح تنقيح الفصول ص 329، نهاية السول 2/ 370، مناهج العقول 2/ 366، الإحكام للآمدي 1/ 276، 278.
2 في ب: اشترطناه.
3 في ش: فلا.
4 وهو ما قاله الإسنوي. انظر: نهاية السول 2/ 369.
5 وهو ما قاله الآمدي أيضاً. "انظر: الإحكام للآمدي 1/ 278".
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 283، كشف الأسرار 3/ 251، شرح تنقيح الفصول ص 343، مختصر ابن الحاجب 2/ 44، تيسير التحرير 3/ 63، نهاية السول 2/ 358، مناهج العقول 2/ 357، فواتح الرحموت 2/ 246، غاية الوصول ص 108، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133.
7 في ب: يتوقف.
(2/277)

الإِجْمَاعِ بِخِلافِ الأَوَّلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدِّينِيُّ عَقْلِيًّا، كَرُؤْيَةِ الْبَارِي، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ، أَوْ شَرْعِيًّا كَوُجُوبِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا1.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: لا خِلافَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: صَحَّ اتِّفَاقًا، وَقَطَعَ بِهِ فِي "الْمُقْنِعِ" وَغَيْرِهِ.
"أَوْ" مِنْ أَمْرٍ "عَقْلِيٍّ، كَحُدُوثِ2 الْعَالَمِ" وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ3.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَأَمَّا حُدُوثُ الْعَالَمِ فَيُمْكِنُ إثْبَاتُهُ: لأَنَّهُ يُمْكِنُنَا إثْبَاتُ الصَّانِعِ بِحُدُوثِ الأَعْرَاضِ، ثُمَّ نَعْرِفُ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ نَعْرِفُ 4الإِجْمَاعَ بِهِ8؛ ثُمَّ نَعْرِفُ 5حُدُوثَ الأَجْسَامِ بِهِ9. اهـ.
وَخَالَفَ فِي هَذِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُطْلَقًا، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي6 كُلِّيَّاتُ أُصُولِ الدِّينِ، كَحُدُوثِ7 الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ، دُونَ جُزْئِيَّاتِهِ، كَجَوَازِ الرُّؤْيَةِ8. اهـ.
__________
1 انظر: كشف الأسرار 3/ 251، الإحكام للآمدي 1/ 283، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 44، "اللمع ص 49، شرح تنقيح الفصول ص 343، تيسير التحرير 3/ 262، المعتمد 2/ 494، جمع الجوامع 2/ 194، مناهج العقول 2/ 357، نهاية السول 2/ 337، 358، غاية الوصول ص 108، مختصر الطوفي ص 137، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133.
2 في ز: كحدث.
3 انظر: جمع الجوامع 2/ 194، شرح تنقيح الفصول ص 322، 344، تيسير التحرير 3/ 263، نهاية السول 2/ 337، 358، فواتح الرحموت 2/ 246، المعتمد 2/ 494، غاية الوصول ص 108، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133.
4 في ب ز ع: به الإجماع.
5 في ب ز ع: به حدوث الأجسام.
6 في ش: قال: و. وفي ز: و.
7 في ب ز ع: قال كحدث.
8 وخالف فيه أيضاً بعض الحنفية.
"انظر: اللمع ص 49، شرح تنقيح الفصول ص 323، نهاية السول 3/ 262، تيسير التحرير 3/ 262، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133".
(2/278)

قَالَ الْكُورَانِيُّ: لا مَعْنَى لِلإِجْمَاعِ فِيهِ؛ لأَنَّهُ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا بِالاسْتِدْلالِ، فَمَا فَائِدَةُ الإِجْمَاعِ فِيهِ إلاَّ تَعَاضُدُ الأَدِلَّةِ لا 1إثْبَاتُ4 الْحُكْمِ ابْتِدَاءً.
وَقَالَ الإِمَامُ فِي "الْبُرْهَانِ": أَيُّ فَائِدَةٍ فِي الإِجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، مَعَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهَا كَسَائِرِ الأَحْكَامِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ التَّقْلِيدُ فِيهَا وَعَدَمُ الْمُخَالَفَةِ2. أ"َو"ْ مِنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ. كَرَأْيٍ فِي حَرْبٍ" وَتَدْبِيرِ أَمْرِ الْجُيُوشِ وَأَمْرِ الرَّعِيَّةِ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: فِيهِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ، الْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا وُجُوبُ الْعَمَلِ فِيهِ بِالإِجْمَاعِ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلامِ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ فِي حَدِّ الإِجْمَاعِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَالآمِدِيُّ وَأَتْبَاعُهُ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَالٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ. فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ3.
__________
1 في ع: لإثبات.
2 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 322، نهاية السول 2/ 337، فواتح الرحموت 2/ 246.
3 انظر: كشف الأسرار 3/ 251، فواتح الرحموت 2/ 246، الإحكام للآمدي 1/ 283، شرح تنقيح الفصول ص 344، المسودة ص 317، تيسير التحرير 3/ 262، نهاية السول 2/ 337، 358، مختصر ابن الحاجب 2/ 44، جمع الجوامع 2/ 194، مختصر الطوفي ص 137، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133، غاية الوصول ص 108.
(2/279)

وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ فِيهِ قَوْلانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَوَجْهُهُ: اخْتِلافُ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ الأَحْوَالِ. فَلَوْ كَانَ حُجَّةً لَزِمَ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ وَإِثْبَاتُ الْمَفْسَدَةِ، وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَصَحَّحَهُ السَّمْعَانِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا1.
قَالَ الْكُورَانِيُّ: لا مَعْنَى لِلإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ. لأَنَّهُ لَيْسَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لَيْسَ دَلِيلاً لا يُخَالَفُ فِيهِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ التَّلْقِيحِ حَيْثُ قَالَ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ" 2. وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ خِلافُهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ3 مِنْ أَمْرِ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا إنْ أَثِمَ مُخَالِفُ ذَلِكَ فَلِكَوْنِهِ4 شَرْعِيًّا، وَإِلاَّ فَلا مَعْنَى لِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ5. اهـ.
وَقِيلَ: هُوَ حُجَّةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الرَّأْيِ لا قَبْلَهُ6، ذَكَرَهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 284، مختصر ابن الحاجب 2/ 44، المستصفى 1/ 173، المسودة ص 317، تيسير التحرير 3/ 262، المعتمد 2/ 494، نهاية السول 2/ 337، فواتح الرحموت 2/ 246، مختصر الطوفي ص 137، المدخل إلى مذهب أحمد ص 133.
2 قصة التلقيح هي أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم يلقحون النخل فقال صلى الله عليه وسلم: "لو لم تفعلوا لصلح"، فخرج شيصاً، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". أي أنتم أعلم مني بذلك، وأنا أعلم بأمر أخراكم منكم. والحديث رواه مسلم وابن ماجه عن أنس وعائشة مرفوعاً.
"انظر: صحيح مسلم 4/ 1836، سنن ابن ماجه 2/ 825، فيض القدير 3/ 50".
3 في ش: ذكره.
4 في ش: لكونه.
5 وهو ما أيده الشيرازي.
"انظر: اللمع ص 49، المعتمد 2/ 494، كشف الأسرار 2/ 252".
6 انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 133.
(2/280)

"أَوْ" مِنْ أَمْرٍ "لُغَوِيٍّ".
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لا خِلافَ فِي ذَلِكَ، كَكَوْنِ1 الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ، فَقُطِعَ بِهِ2.
وَقِيلَ: يُعْتَدُّ بِالإِجْمَاعِ فِيهِ إنْ تَعَلَّقَ بِالدِّينِ وَإِلاَّ فَلا. ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
__________
1 في ش: لكونه.
2 وهو رأي الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي، وأيده الإسنوي أيضاً.
"انظر: غاية الوصول ص 108، نهاية السول 2/ 337، 358".
(2/281)

فَصْلٌ: ارْتِدَادُ الأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلاً قَطْعًا.
لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ، وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ.
قَالَ الآمِدِيُّ: "لا خِلافَ فِي تَصَوُّرِ ارْتِدَادِ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي بَعْضِ الأَعْصَارِ عَقْلاً1".
وَ "لا" يَجُوزُ ذَلِكَ "سَمْعًا" فِي الأَصَحِّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَصْحَابِنَا2.
قَالَه3 ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَصَرَّحَ بِهِ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَصَحَّحَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَلِكَ لأَدِلَّةِ الإِجْمَاعِ. وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ" 4 وَانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ5.
وَخَالَفَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ؛ وَقَالُوا: الرِّدَّةُ تُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أُمَّتَهُ؛ لأَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُمُ الأَدِلَّةُ6.
__________
1 الإحكام للآمدي 1/ 280.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 280، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، تيسير التحرير 3/ 258، فواتح الرحموت 2/ 241، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه 2/ 199، نهاية السول 2/ 387، غاية الوصول ص 109، مختصر الطوفي ص 137.
3 في ش: قال.
4 مر هذا الحديث بلفظ: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة". ص 218، وبلفظ آخر: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" ص 220 مع تخريجهما.
5 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 280، مختصر الطوفي ص 137، جمع الجوامع 2/ 199، مختصر ابن الحاجب 2/ 43.
6 انظر: تيسير التحرير 3/ 258، نهاية السول 2/ 387، الإحكام للآمدي 1/ 280 فواتح الرحموت 2/ 241، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، المحلي على جمع الجوامع 2/ 199، غاية الوصول ص 109.
(2/282)

وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَصْدُقُ بَعْدَ ارْتِدَادِهِمْ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ارْتَدَّتْ. وَهُوَ أَعْظَمُ 1الْخَطَإِ فَتَمْتَنِعُ6 الأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ2.
"وَيَجُوزُ اتِّفَاقُهَا" أَيْ اتِّفَاقُ الأُمَّةِ "عَلَى جَهْلِ مَا3" أَيْ جَهْلِ شَيْءٍ "لَمْ نُكَلَّفْ بِهِ" فِي الأَصَحِّ لِعَدَمِ الْخَطَإِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ. كَتَفْضِيلِ عَمَّارٍ عَلَى حُذَيْفَةَ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِي أَصْلٍ مِنْ الأُصُولِ4.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ اتِّفَاقُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِلاَّ كَانَ5 الْجَهْلُ سَبِيلاً لَهَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ6.
وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ كَوْنِهِ سَبِيلاً لَهَا؛ لأَنَّ سَبِيلَ الشَّخْصِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ7.
__________
1 ساقطة من ب. وفي ع: الخطأ، متمنع.
2 انظر: تيسير التحرير 3/ 258، نهاية السول 2/ 387، فواتح الرحموت 2/ 241، الإحكام للآمدي 1/ 280، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، المحلي على جمع الجوامع 2/ 199.
3 ساقطة من ز.
4 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 199، شرح تنقيح الفصول ص 344، نهاية السول 2/ 388، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 87.
5 في ع: لكان.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 200، نهاية السول 2/ 388، الإحكام للآمدي 1/ 279، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 87.
7 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، المحلي على جمع الجوامع 2/ 200، نهاية السول 2/ 388، غاية الوصول ص 109.
(2/283)

وَ1أَمَّا مَا كُلِّفُوا بِهِ فَيَمْتَنِعُ جَهْلُ جَمِيعِهِمْ بِهِ، كَكَوْنِ الْوِتْرِ وَاجِبًا أَمْ لا وَنَحْوُهُ2.
وَ "لا" يَجُوزُ "انْقِسَامُهَا" أَيْ انْقِسَامُ الأُمَّةِ "فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْأُخْرَى" عِنْدَ الأَكْثَرِ3.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: "اخْتَلَفُوا هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَإٍ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَالْبَقِيَّةِ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَفِي الْفُرُوعِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَعْضُ - أَيْ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ - بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ. وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ. فَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْخَطَإِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لأَنَّ كُلَّ خَطَإٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَطَأَيْنِ لَمْ يُسَاعِدْ عَلَيْهِ الْفَرِيقُ الآخَرُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ إجْمَاعٌ4".
ثُمَّ قَالَ:
تَنْبِيهٌ:
الأَحْوَالُ ثَلاثَةٌ:
الأُولَى: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْخَطَإِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، المحلي على جمع الجوامع 2/ 200، غاية الوصول ص 109، إرشاد الفحول ص 87.
3 خلافاً لابن قدامة وزكريا الأنصاري والمحلي والآمدي وغيرهم.
"انظر: الروضة ص 76، غاية الوصول ص 109، تيسير التحرير 3/ 252، نهاية السول 2/ 387، حاشية البناني وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 200".
4 شرح تنقيح الفصول ص 344.
(2/284)

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُخْطِئَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الأُخْرَى. فَيَجُوزُ. فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ. وَمَا مِنْ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ إلاَّ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ مَا يُنْكَرُ1 وَإِنْ قَلَّ. فَهَذَا لا بُدَّ لِلْبَشَرِ مِنْهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُخْطِئُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ، مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْقَتْلَ كِلاهُمَا يَرْجِعُ إلَى فَرْعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَانِعُ الْمِيرَاثِ. فَوَقَعَ الْخَطَأُ فِيهِ كُلِّهِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى اتِّحَادِ الأَصْلِ مَنَعَ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْفَرْعِ أَجَازَ2. اهـ.
"وَلا" يَجُوزُ أَيْضًا عَلَى الأُمَّةِ "عَدَمُ عِلْمِهَا بِدَلِيلٍ اقْتَضَى حُكْمًا" فِي مَسْأَلَةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ "لا دَلِيلَ لَهُ" أَيْ لِذَلِكَ الْحُكْمِ "غَيْرُهُ" أَيْ غَيْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ لأَنَّهُ إنْ عُلِمَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ3 عَنْ تَشَهٍّ4، وَالْعَمَلُ بِالْحُكْمِ عَنْ التَّشَهِّي لا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ كَانَ تَرْكًا لِلْحُكْمِ الْمُتَوَجِّهِ5 عَلَى الْمُكَلَّفِ6.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ": أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ دَلِيلٌ أَوْ خَبَرٌ رَاجِحٌ، أَيْ7 بِلا مُعَارِضٍ، وَقَدْ عُمِلَ عَلَى8 وَفْقَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ بِدَلِيلٍ
__________
1 في شرح تنقيح الفصول: يتكرر. وهو تصحيف.
2 شرح تنقيح الفصول ص 344-345.
3 ساقطة من ب ع.
4 في ش: تشهي. وهو خطأ.
5 في ع: أي المتوجه.
6 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، شرح تنقيح الفصول ص 344، تيسير التحرير 3/ 257، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
7 ساقطة من ع.
8 ساقطة من ش ز.
(2/285)

آخَرَ. فَهَلْ يَجُوزُ عَدَمُ عِلْمِ الأُمَّةِ 1بِهِ أَمْ لا؟ 9
فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ. وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُ بِأَنَّ اشْتِرَاكَ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، أَوْ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، لَمْ يُوجِبْ مَحْذُورًا؛ إذْ لَيْسَ اشْتِرَاكُ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ إجْمَاعًا، حَتَّى تَجِبَ2 مُتَابَعَتُهُمْ فِيهِ، بَلْ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ كَعَدَمِ حُكْمِهِمْ فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَحْكُمُوا فِيهَا بِشَيْءٍ فَجَازَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ لِيَعْلَمَهُ3.
وَاحْتَجَّ النَّافِي4: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَدَمُ عِلْمِ5 جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ6 الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ 7لَحَرُمَ تَحْصِيلُ5 الْعِلْمِ بِهِ، وَالتَّالِي8 ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
بَيَانُ الْمُلازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ عِلْمِهِمْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِهِ لاتَّبَعُوا غَيْرَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ9.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ لا يَكُونُ سَبِيلاً لَهُمْ؛ لأَنَّ السَّبِيلَ: مَا اخْتَارَهُ الإِنْسَانُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ10.
__________
1 في ش ز: أولاً. وفي ب ع: أو لا.
2 ساقطة من ش.
3 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، مختصر ابن الحاجب 2/ 43، تيسير التحرير 3/ 257، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
4 في ش ز: الثاني. وهو تصحيف.
5 في ب ع: علمهم.
6 في ز ش ب: لذلك.
7 في ض: لحصل.
8 في ز ش ب ض ع. والثاني. وهو تصحيف.
9 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 43، إرشاد الفحول ص 87، المدخل إلى مذهب أحمد ص 132.
10 انظر: الإحكام للآمدي 1/ 279، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 43.
(2/286)

فصل: السند أو الإسناد
...
"فَصْلٌ": "يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي سَنَدٍ، وَيُسَمَّى إسْنَادً ا 1".
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الأَبْحَاثِ الْمُخْتَصَّةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ2 وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. شَرَعَ فِي الأَبْحَاثِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلامَ فِي الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ الأَلْفَاظِ. لأَنَّهُ بَعْدَ الصِّحَّةِ يَتَوَجَّهُ النَّظَرُ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّابِتُ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ وَبَقَاؤُهُ بِأَنَّهُ3 لَمْ يُنْسَخْ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ لأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الثَّلاثَةِ الأُوَلِ.
وَقَوْلُهُ "يَشْتَرِكُ كَذَا ... فِي سَنَدٍ" إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّةُ وُصُولِهَا إلَيْنَا لا ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلا كَوْنُهَا حَقًّا.
"وَهُوَ" أَيْ السَّنَدُ "إخْبَارٌ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ" قَوْلاً أَوْ فِعْلاً تَوَاتُرًا أَوْ
__________
1 يشترك الكتاب والسنة والإجماع في أمرين: الأول: النظر في السند، وهو ما بحثه المؤلف هنا حتى نهاية هذا المجلد. والثاني: النظر في المتن، ويشمل الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد ... إلخ، وهو موضوع المجلد الثالث بكامله.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 3، العضد على ابن الحاجب 2/ 45، تدريب الراوي 2/ 42".
2 في ض: الإجماع.
3 في ش ب ز ض: بأن.
(2/287)

آحَادًا1. وَلَوْ كَانَ الإِخْبَارُ بِوَاسِطَةٍ مُخْبِرٍ2 وَاحِدٍ3 فَأَكْثَرَ عَمَّنْ يُنْسَبُ الْمَتْنُ إلَيْهِ4.
"و"َ يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ أَيْضًا "فِي مَتْنٍ وَهُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ".
وَأَصْلُ السَّنَدِ فِي اللُّغَةِ: مَا يُسْتَنَدُ5 إلَيْهِ، أَوْ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الأَرْضِ6.
وَأَخْذُ الْمَعْنَى الاصْطِلاحِيِّ مِنْ الثَّانِي أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً. فَلِذَلِكَ يُقَالُ: أَسْنَدْت الْحَدِيثَ، أَيْ7 رَفَعْته إلَى الْمُحَدِّثِ8. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَسْنَدَ يُسْنِدُ، أُطْلِقَ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَا يُسْنَدُ إلَيْهِ9.
وَالْمُسْنِدُ - بِكَسْرِ النُّونِ - مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ إلاَّ مُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ10.
وَأَمَّا مَادَّةُ الْمَتْنِ: 11فَإِنَّهَا فِي11 الأَصْلِ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى الصَّلابَةِ. وَيُقَالُ
__________
1 في ض: إخباراً.
2 في ش ز: لخبر.
3 في ش ب ز ض: آخر.
4 انظر تعريف السند والإسناد في الورقات وشرحها ص 186، الإحكام للآمدي 2/ 3، شرح نخبة الفكر ص 19، تدريب الراوي 1/ 41، مختصر ابن الحاجب 2/ 45، التعريفات للجرجاني ص 23.
5 في ز ع: يسند.
6 انظر: المصباح المنير 1/ 444، القاموس المحيط 1/ 314.
7 ساقطة من ز ع ض.
8 في ش ب ز ع: محدث.
9 انظر: تدريب الراوي 1/ 41.
10 انظر: تدريب الراوي 2/ 43، أصول الحديث ص 448.
11 في ش: ففي.
(2/288)

لِمَا صَلُبَ مِنْ الأَرْضِ: مَتْنٌ، وَالْجَمْعُ مِتَانٌ. وَيُسَمَّى أَسْفَلُ الظَّهْرِ مِنْ الإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ مَتْنًا، وَالْجَمْعُ مُتُونٌ1. فَالْمَتْنُ هُنَا: مَا تَضَمَّنَهُ الثَّلاثَةُ، الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَمُجْمَلٍ وَمُبَيَّنٍ، وَمَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ وَنَحْوِهَا2.
"وَالْخَبَرُ" يُحَدُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ. وَلَهُمْ فِيهِ حُدُودٌ كَثِيرَةٌ3 قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ خَدْشٍ. وَأَسْلَمُهَا قَوْلُهُمْ "مَا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ" وَهُوَ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَابْنِ الْبَنَّا وَابْنِ عَقِيلٍ. وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ4.
وَنُقِضَ بِمِثْلِ مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ. وَبِقَوْلِ مَنْ يَكْذِبُ دَائِمًا: كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ5، فَخَبَرُهُ هَذَا لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ، وَإِلاَّ6 كُذِّبَتْ أَخْبَارُهُ وَهُوَ مِنْهَا. وَلا 7كَذِبٌ وَإِلاَّ6 كُذِّبَتْ أَخْبَارُهُ مَعَ هَذَا، وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ فَتَنَاقَضَ8.
__________
1 انظر: المصباح المنير 2/ 866، القاموس المحيط 4/ 271.
2 انظر: تدريب الراوي 1/ 42.
3 انظر: فواتح الرحموت 2/ 100، الإحكام للآمدي 2/ 4.
4 اختاره هذا التعريف الجبائي وابنه وأبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، واختاره إمام الحرمين الجويني، وذكره الآمدي وشرحه ثم ناقشه واعترض عليه.
والمراد من دخول الصدق والكذب أن الخبر يحتملهما عقلاًَ بالنظر إلى حقيقته النوعية، مع قطع النظر عن الطرفين والمخبر. "انظر: فواتح الرحموت 2/ 102".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 6، المعتمد 2/ 542، مختصر ابن الحاجب 2/ 45، البناني على جمع الجوامع 2/ 106، المحصول 1/ 318، شرح الورقات ص 176، إرشاد الفحول ص 42، فواتح الرحموت 2/ 102".
5 في ز: أخبار.
6 في ب ع: ولا كذب وإلا. وفي د: ولا كذب ولا.
7 ساقطة من ب.
8 في ع: فيتناقض، وفي ب: فيناقض.
وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 6، فواتح الرحموت 2/ 107، نهاية السول 1/ 245، المسودة ص 233، الفروق 1/ 58.
(2/289)

وَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ1.
"وَ"2لأَنَّ الصِّدْقَ: الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ، وَالْكَذِبَ: ضِدُّهُ. وَبَابَاهُمَا3 مُتَقَابِلانِ فَلا يَجْتَمِعَانِ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ. فَيَلْزَمُ امْتِنَاعُ الْخَبَرِ أَوْ وُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ صِدْقِ الْحَدِّ. وَبِخَبَرِ الْبَارِي4.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى خَبَرَيْنِ لإِفَادَتِهِ حُكْمًا لِشَخْصَيْنِ. وَلا يُوصَفَانِ بِهِمَا. بَلْ يُوصَفُ بِهِمَا الْخَبَرُ الْوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ5.
__________
1 أي لتوقف معرفة الصدق والكذب على معرفة الخبر، لأن الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو عليه، والكذب الخبر عن الشيء لا على ما هو عليه.
"انظر: مناهج العقول 1/ 243، نهاية السول 1/ 245، البناني على جمع الجوامع 2/ 106، الإحكام للآمدي 2/ 6، فواتح الرحموت 2/ 102، تيسير التحرير 3/ 24، المعتمد 2/ 543، الفروق 1/ 20، إرشاد الفحول ص 42".
2 الواو إضافة يقتضيها المعنى والسياق، وذلك أن الآمدي رحمه الله أورد على التعريف أربعة إشكالات مفصلة، اختصرها المصنف هنا، وهي: الأول: أنه نقض بقول القائل....، والثاني: أنه يفضي إلى الدور ... ، والثالث: أن الصدق والكذب متقابلان ... ، والرابع: أن الباري تعالى له خبر ولا يتصور دخول الكذب فيه.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 6".
3 في ش، ز ض: وبأنهما. وفي ب وأصل ع: وبابهما.
4 "انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7، فواتح الرحموت 2/ 102، كشف الأسرار 2/ 360، شرح الورقات ص 177، مختصر ابن الحاجب 2/ 45، العضد على ابن الحاجب 2/ 47، إرشاد الفحول ص 42".
5 هذا الجواب لأبي هاشم الجبائي، وقد أجاب والده أبو علي بجواب آخر أيضاً.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7، المعتمد 2/ 542، المسودة ص 233، الفروق 1/ 58".
(2/290)

وَرُدَّ: لا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ بِهِمَا بِدَلِيلِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ مَوْجُودٍ حَادِثٌ. وَإِنْ أَفَادَ حُكْمًا لأَشْخَاصٍ1.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ لأَنَّهُ أَضَافَ الْكَذِبَ إلَيْهِمَا مَعًا، وَهُوَ لأَحَدِهِمَا2. وَسَلَّمَهُ بَعْضُهُمْ. وَ3لَكِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ الصِّدْقُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِّ بِأَنَّ اللُّغَةَ لا تَمْنَعُ الْقَوْلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، صَدَقْتَ أَمْ كَذَبْتَ4.
وَرُدَّ بِرُجُوعِهِ إلَى التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ. وَهُوَ غَيْرُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ5.
وَقَوْلُهُ: "كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ". إنْ طَابَقَ فَصِدْقٌ، وَإِلاَّ فَكَذِبٌ. وَلا يَخْلُو عَنْهُمَا6.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَنَاوَلُ قَوْلُهُ مَا7 سِوَى هَذَا الْخَبَرِ؛ إذْ الْخَبَرُ لا يَكُونُ بَعْضَ الْمُخْبَرِ. قَالَ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي، المرجع السابق، المعتمد 2/ 542، مختصر ابن الحاجب 2/ 45.
2 هذا الجواب لأبي عبد الله البصري.
انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7.
3 ساقطة من ض.
4 هذا الجواب للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7، المعتمد 2/ 543، 544، العضد على ابن الحاجب 2/ 47".
5 انظر الفرق بين الصدق والكذب وبين التصديق والتكذيب في الفروق للقرافي 1/ 18، 21.
6 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7، شرح الورقات ص 177-178.
7 في ش: ما في.
(2/291)

وَلا جَوَابَ عَنْ الدَّوْرِ.
وَقَدْ قِيلَ: لا تَتَوَقَّفُ1 مَعْرِفَةُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ عَلَى الْخَبَرِ لِعِلْمِهِمَا ضَرُورَةً2.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَخِيرِ وَمَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ جِنْسُ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَابِلٌ لَهُمَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي جِنْسِ اللَّوْنِ3. وَرُدَّ، لا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْحَدِّ فِي كُلِّ خَبَرٍ وَإِلاَّ لَزِمَ وُجُودُ الْخَبَرِ دُونَ حَدِّهِ4 وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَجَوُّزًا5، لَكِنْ يُصَانُ الْحَدُّ عَنْ مِثْلِهِ6.
وَ7الْحَدُّ الثَّانِي لِلْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ" وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ8 كُلُّ مَا دَخَلَهُ الصِّدْقُ وَ9الْكَذِبُ10.
__________
1 في ب ع ض: يتوقف.
2 هذا جواب القاضي عبد الجبار على الإشكال الثاني وهو لزوم الدور، وقد شرحه البدخشي، فقال: "والجواب أن الخبر المعرف هو الكلام المخَبَّر به، والخبر المأخوذ في الصدق والكذب بمعنى الإخبار بدليل تعديته بعن". "مناهج العقول 1/ 243".
"انظر: البناني على جمع الجوامع 2/ 106، الفروق للقرافي 1/ 21، الإحكام للآمدي 2/ 8، فواتح الرحموت 2/ 102، تيسير التحرير 3/ 24".
3 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 8.
4 انظر المرجع السابق.
5 المرجع السابق.
6 في ش: مثاله.
7 ساقطة من ع.
8 في ش ز: أن.
9 في ب ض: أو.
10 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 8، كشف الأسرار 2/ 360، الكفاية ص 16.
(2/292)

وَالثَّالِثُ: لِلْمُوَفَّقِ فِي "الرَّوْضَةِ" وَغَيْرِهِ: مَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ أَوْ1 التَّكْذِيبُ2.
فَيَرِدُ عَلَيْهِمَا الدَّوْرُ الْمُتَقَدِّمُ. وَمَا قَبْلَ الدَّوْرِ أَيْضًا، وَبِمُنَافَاةِ أَوْ لِلتَّعْرِيفِ؛ لأَنَّهَا لِلتَّرْدِيدِ3. فَلِهَذَا4 أَتَى الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ5 وَغَيْرُهُ بِالْوَاوِ، وَهُوَ الْحَدُّ الرَّابِعُ6.
وَالْحَدُّ الْخَامِسُ لأَبِي الْحُسَيْنِ الْمُعْتَزِلِيِّ: أَنَّ الْخَبَرَ كَلامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُ كَلامٌ؛ لأَنَّهُ حَدَّهُ بِمَا انْتَظَمَ مِنْ حُرُوفٍ مَسْمُوعَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ7.
السَّادِسُ: لابْنِ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِهِ" وَغَيْرِهِ: هُوَ8 الْكَلامُ الْمَحْكُومُ
__________
1 في ز ش ب ع: و. وما أثبتناه في الأعلى من "الروضة" ومن ض.
2 وقد عدل التعريف عن الصدق والكذب إلى التصديق والتكذيب، لأن الصدق مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقته، فهما نسبة، والنسب والإضافات عدمية. أما التصديق والتكذيب فهو قول وجودي مسموع، فالأولان عدميان، والآخران وجوديان. وفرق آخر أن الصدق والكذب تابع للخبر، أما التصديق والتكذيب فتابعان للصدق والكذب.
"انظر: الفروق 1/ 18، نهاية السول 1/ 245، كشف الأسرار 2/ 360، المستصفى 1/ 132، الروضة ص 48".
3 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 8، العضد على ابن الحاجب 2/ 48، الفروق 1/ 19.
4 في ب: فلهذه.
5 مختصر الطوفي ص 49، ولفظه: "وما تطرق إليه التصديق والتكذيب".
6 انظر: المحصول للرازي 1/ 381، الإحكام للآمدي 2/ 9، المستصفى 1/ 132.
7 ولفظه: "كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور، نفياً أو إثباتاً". المعتمد 2/ 544.
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 9، فواتح الرحموت 2/ 103، تيسير التحرير 3/ 24، كشف الأسرار 2/ 360، مختصر ابن الحاجب 2/ 45، إرشاد الفحول ص 42-43".
8 في ب: وهو.
(2/293)

فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ. قَالَ: وَنَعْنِي الْخَارِجَ عَنْ كَلامِ النَّفْسِ. فَنَحْوُ: طَلَبْت الْقِيَامَ حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ، بِخِلافِ قُمْ1.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وَنَعْنِي2 بِالْكَلامِ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالإِسْنَادِ. وَالْمُرَادُ بِالنِّسْبَةِ الْخَارِجِيَّةِ: الأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ كَلامِ النَّفْسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ كَلامُ النَّفْسِ بِالْمُطَابَقَةِ وَاللاَّ مُطَابَقَةِ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الأَمْرُ3: النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ. فَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ: نَحْوُ طَلَبْت الْقِيَامَ. فَإِنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ، وَهُوَ نِسْبَةُ طَلَبِ الْقِيَامِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَهَذِهِ4 النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ5 عَنْ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ النَّفْسِيُّ بِالْمُطَابَقَةِ وَاللاَّ مُطَابَقَةِ6 بِخِلافِ قُمْ. فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ النَّفْسِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ خَارِجِيٌّ7.
الْحَدُّ السَّابِعُ لِلْبِرْمَاوِيِّ: أَنَّ الْخَبَرَ مَا لَهُ مِنْ الْكَلامِ خَارِجٌ. أَيْ لِنِسْبَتِهِ8 وُجُودٌ خَارِجِيٌّ فِي زَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِ الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ.
الْحَدُّ9 الثَّامِنُ لابْنِ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ": أَنَّهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةِ
__________
1 مختصر ابن الحاجب 2/ 45، وانظر: كشف الأسرار 2/ 360، تيسير التحرير 3/ 25، إرشاد الفحول ص 43.
2 في ش: ويعني.
3 ساقطة من ع.
4 في ش ز: وهو.
5 في ب ز ع ض: خارجية.
6 ساقطة من ش.
7 انظر: شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 45، المحلي على جمع الجوامع 2/ 103، غاية الوصول ص 94.
8 في دع ض: لنسبة.
9 ساقطة من ش ب ز ع.
(2/294)

مَعْلُومٍ إلَى مَعْلُومٍ أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، وَيَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ1.
وَالْقَوْلِ 2 الثَّانِي: - وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ لا يُحَدُّ كَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ لِلْقَائِلِينَ3 بِهِ - مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: عُسْرُهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْعِلْمِ4.
الْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ تَصَوُّرَهُ ضَرُورِيٌّ؛ لأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، أَيْ يَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا مَوْجُودٌ، مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ النِّسْبَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ 5مُحْتَمِلٍ لِلصِّدْقِ1 وَالْكَذِبِ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ. فَمُطْلَقُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ هَذَا الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا6.
"وَيُطْلَقُ" الْخَبَرُ "مَجَازًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ "عَلَى دَلالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَإِشَارَةٍ
__________
1 هذا التعريف قريب من التعريف الذي اختاره الآمدي وشرحه وبين احترازاته، وهناك تعريفات أخرى للخبر.
"انظر: التمهيد للإسنوي ص 134، التعريفات للجرجاني ص 101، شرح تنقيح الفصول ص 346، الإحكام للآمدي 2/ 9، المستصفى 1/ 132، فواتح الرحموت 2/ 102، تيسير التحرير 3/ 24، نهاية السول 1/ 242، الفروق للقرافي 1/ 18، شرح الورقات ص 176، إرشاد الفحول ص 44، اللمع ص 39، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90".
2 في ش ز: وللقول، وهذا هو القول الثاني المقابل لقول أكثر العلماء الذين رأوا تعريف الخبر.
3 في ش ز: المقابلين.
4 وقد سبق بيان ذلك في المجلد الأول ص 60.
5 في ب ع ض: يحتمل الصدق.
6 لقد ناقش الآمدي رحمه الله هذا القول ورد على أدلته.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 4، فواتح الرحموت 2/ 100، مناهج العقول 2/ 257، نهاية السول 1/ 245، كشف الأسرار 2/ 360، مختصر ابن الحاجب 2/ 45، جمع الجوامع والمحلي عليه وحاشية البناني 2/ 107، إرشاد الفحول ص 43".
(2/295)

حَالِيَّةٍ" كَقَوْلِهِمْ: عَيْنَاكِ تُخْبِرُنِي بِكَذَا، وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِكَذَا1. قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي2:
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدَك مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ3
"و"َ يُطْلَقُ الْخَبَرُ"حَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ 4". قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ. وَذَلِكَ 5لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ7 عِنْدَ الإِطْلاقِ إلَى6 ذَلِكَ7. "وَتَدُلُّ" الصِّيغَةُ "بِمُجَرَّدِهَا" أَيْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ "عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ8.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 3، كشف الأسرار 2/ 359.
2 هو أحمد بن الحسين بن الحسن، الجُعْفي، الكندي الكوفي، المفروف بالمتنبي، الشاعر المشهور. قدم الشام وجال في الأقطار، واشتغل في فنون الأدب، وكان من المكثرين من نقل اللغة المطلعين على غريبها، ويستشهد بكلام العرب من النظم والنثر. وشعره في النهاية والقمة، ادعى النبوة في السماوة، ثم تاب منها، قتل سنة 354 هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 1/ 102، شذرات الذهب 3/ 13، حسن المحاضرة 1/ 560".
3 البيت لأبي الطيب المتنبي يمدح به كافورا الأخشيدي ومطلعها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
والمانوية أصحاب ماني بن فاتك الثنوي الذي يمجد النور ويعبده، ويكره الظلمة ويلعن السواد.
"انظر: العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطبي 2/ 336، الملل والنحل للشهرستاني 2/ 72، الفهرست ص 458".
4 انظر: المسودة ص 232، الإحكام للآمدي 2/ 3، كشف الأسرار 2/ 360.
5 في ض: التبادر للفهم.
6 في ض: في.
7 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 3.
8 انظر: المسودة ص 232، اللمع ص 39.
(2/296)

وَنَاقَشَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ: الصِّيغَةُ. هِيَ الْخَبَرُ. فَلا يُقَالُ لَهُ صِيغَةٌ، وَلا1 هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ2. وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مَا قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالُوا: لأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ 3اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، لا4 اللَّفْظُ فَقَطْ. فَتَقْدِيرُهُ لِهَذَا الْمُرَكَّبِ جُزْءٌ، وَ4يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ5.
وَإِذَا قِيلَ: الْخَبَرُ الصِّيغَةُ فَقَطْ، بَقِيَ الدَّلِيلُ هُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ6. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا صِيغَةَ لَهُ، وَيَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةٍ هِيَ7 قَصْدُ الْمُخْبِرِ إلَى الإِخْبَارِ8. كَالأَمْرِ عِنْدَهُمْ9.
وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: هُوَ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ10.
وَقَالَ الآمِدِيُّ: "يُطْلَقُ عَلَى الصِّيغَةِ وَعَلَى الْمَعْنَى، وَالأَشْبَهُ لُغَةً: حَقِيقَةٌ فِي
__________
1 في ب: إلا.
2 انظر: المسودة ص 232.
3 ساقطة من ض.
4 ساقطة من ب ع ض.
5 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 45، المحلي على جمع الجوامع 2/ 104، المسودة ص 232.
6 انظر: المسودة ص 232.
7 في ع ب ز ض: هو. وفي المسودة: وهو.
8 في المسودة: الإخبار به.
9 نسب الشيرازي هذا القول للأشعرية، ورَدَّ عليه: بأن أهل اللغة قسموا الكلام إلى أربعة أقسام، فقالوا: أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذا يدل على فساد قولهم.
"انظر: اللمع ص 39، المعتمد 2/ 542، المسودة ص 232".
10 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 4، المستصفى 1/ 132، جمع الجوامع 2/ 104، المسودة ص 232.
(2/297)

الصِّيغَةِ لِتَبَادُرِهَا عِنْدَ الإِطْلاقِ1.
"وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ" أَيْ فِي الْخَبَرِ "إرَادَةُ" الإِخْبَارِ، بَلْ هُوَ مُفِيدٌ بِذَاتِهِ إفَادَةً أَوَّلِيَّةً2. وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا يُفِيدُ بِاللاَّزِمِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ. نَحْوُ أَنَا أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تُخْبِرَنِي بِكَذَا، أَوْ أَنْ تَسْقِيَنِي مَاءً، أَوْ أَنْ تَتْرُكَ الأَذَى وَنَحْوَهُ. فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ دَالاًّ عَلَى الطَّلَبِ، لَكِنَّهُ3 لا بِذَاتِهِ بَلْ هَذِهِ4 إخْبَارَاتٌ لازَمَهَا الطَّلَبُ، وَلا يُسَمَّى الأَوَّلُ اسْتِفْهَامًا، وَلا الثَّانِي أَمْرًا، وَلا الثَّالِثُ نَهْيًا5. وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا عَطْشَانُ. كَأَنَّهُ قَالَ: اسْقِنِي. فَإِنَّ هَذَا طَلَبٌ بِالْقَرِينَةِ لا بِذَاتِهِ6.
7إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ5 "فَإِتْيَانُهُ" أَيْ مَجِيئُهُ "دُعَاءً" نَحْوَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ8 "أَوْ9 تَهْدِيدًا" نَحْوَ 10قَوْله تَعَالَى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ} 11 وَ8نَحْوَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّك لا تَنْتَهِي عَنْ سُوءِ فِعْلِك بِدُونِ الْمُعَاقَبَةِ "أَوْ أَمْرًا" نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ
__________
1 الإحكام للآمدي 2/ 4، وانظر: الحدود للباجي ص 60، نهاية السول 2/ 260، المحلي على جمع الجوامع 2/ 104.
2 انظر: المعتمد 2/ 542.
3 في ب ع ض: لكن.
4 في ض: هذا.
5 في ب ض ع: نهيأ لذلك.
6 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 348.
7 ساقطة من ض.
8 في ب ع: ورحمه الله.
9 في ز ع ب: و.
10 ساقطة من ش ز. وفي ض: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ} ، و.
11 الآية 31 من الرحمن.
(2/298)

يَتَرَبَّصْنَ} 1 {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} 2 وَأَمَرْتُك أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِكَذَا "مَجَازٌ" لأَنَّ ذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَلا كَذِبٌ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْخَبَرُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٍ بِهِ. وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْبَيَانِيُّونَ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ وَمُسْنَدٍ، وَيَعُدُّونَهُ إلَى مُطْلَقِ الْكَلامِ.
وَالْمَنَاطِقَةُ يُسَمُّونَ الْخَبَرَ قَضِيَّةً، لِمَا فِيهَا مِنْ الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ، وَيُسَمُّونَ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَوْضُوعًا، وَالْمَقْضِيَّ بِهِ مَحْمُولاً؛ لأَنَّك تَضَعُ الشَّيْءَ وَتَحْمِلُ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَيُقَسِّمُونَ الْقَضِيَّةَ إلَى:
طَبِيعِيَّةٍ3، وَهِيَ مَا حُكِمَ فِيهَا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ 4عَلَى الآخَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ13، لا بِالنَّظَرِ إلَى أَفْرَادِهِ نَحْوُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَنَحْوُ: 5الْمَاءُ مُرْوٍ5. وَغَيْرِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي قُصِدَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى شَخْصٍ فِي الْخَارِجِ لا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، ثُمَّ يُنْظَرُ. فَإِنْ حُكِمَ فِيهَا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ سُمِّيَتْ شَخْصِيَّةً. نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ. أَوْ لا عَلَى مُعَيَّنٍ. فَإِنْ ذُكِرَ فِيهَا سُورُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ فِي نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. سُمِّيَتْ مَحْصُورَةً. نَحْوُ كُلُّ إنْسَانٍ كَاتِبٌ بِالْقُوَّةِ، وَبَعْضُ الإِنْسَانِ كَاتِبٌ بِالْفِعْلِ.
__________
1 الآية 228 من البقرة.
2 الآية 233 من البقرة.
3 في ض: طبيعة.
4 ساقطة من ع.
5 في ش: المأمور. وهو خطأ فادح.
(2/299)

وَنَحْوُ لا شَيْءَ، أَوْ لا وَاحِدَ مِنْ الإِنْسَانِ بِجَمَادٍ، وَلَيْسَ بَعْضُ الإِنْسَانِ بِكَاتِبٍ بِالْفِعْلِ، أَوْ بَعْضُ الإِنْسَانِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَضِيَّةِ سُورٌ، وَالْمُرَادُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الأَفْرَادِ لا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ: سُمِّيَتْ1 مُهْمَلَةً، نَحْوُ الإِنْسَانُ فِي خُسْرٍ. وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ ضَرُورِيٌّ، فَهُوَ الْمُتَحَقِّقُ. وَلا يَصْدُقُ عَلَيْهَا كُلِّيَّةٌ. لَكِنْ إذَا كَانَ فِيهَا " أَلْ " كَمَا فِي: الإِنْسَانُ كَاتِبٌ، يُطْلِقُ عَلَيْهَا2 ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ كَثِيرًا أَنَّهَا كُلِّيَّةٌ، نَظَرًا إلَى إفَادَةِ "أَلْ" لِلْعُمُومِ3. فَهِيَ مِثْلُ: كُلٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ اصْطِلاحِ الْمَنَاطِقَةِ4.
"وَغَيْرُهُ" أَيْ وَغَيْرُ الْخَبَرِ مِنْ الْكَلامِ "إنْشَاءٌ وَتَنْبِيهٌ" وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، سُمِّيَ5 إنْشَاءً لأَنَّك ابْتَكَرْته مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ6، وَسُمِّيَ7 تَنْبِيهًا؛ لأَنَّك تُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَقْصُودِك8.
__________
1 في ب ز ع ض: وسميت.
2 في ع: عليهما.
3 في ب ع: العموم.
4 انظر: مختصر ابن الحاجب 1/ 86.
5 في ع: يسمى.
6 حقيقة الإنشاء أنه القول الذي بحيث يوجد به مدلوله في نفس الأمر أو متعلقه.
انظر: الفروق 1/ 21.
7 في ع: ويسمى.
8 قال ابن عبد الشكور: "وتسمية الجميع بالتنيبه كما في المختصر غير متعارف". "مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت 2/ 103". وقال بعضهم: التنبيه، يطلق على القسم والنداء. وقال المناطقة: يطلق على القسم والنداء والتمني والترجي. وزاد بعضهم: الاستفهام. وقال ابن الحاجب وغيره كالمصنف: "كل ما ليس بخبر يسمى إنشاء وتنبيهاً". "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 45، 49".
"وانظر: تيسير التحرير 3/ 26، مناهج العقول 2/ 245، نهاية السول 1/ 243، المحلي على جمع الجوامع 2/ 106، التعريفات للجرجاني ص 40، 71، المحصول للرازي 1/ 318، الفروق 1/ 21، إرشاد الفحول ص 44، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90".
(2/300)

"وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ غَيْرِ الْخَبَرِ "الأَمْرُ" نَحْوُ قُمْ "وَنَهْيٌ" نَحْوُ لا تَقْعُدْ "وَاسْتِفْهَامٌ" نَحْوُ هَلْ عِنْدَك أَحَدٌ؟ "وَتَمَنٍّ" نَحْوُ "لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ1" "وَتَرَجٍّ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} 2.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي: أَنَّ التَّمَنِّي يَكُونُ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْمُمْكِنِ، وَالتَّرَجِّي لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُمْكِنِ3.
"وَقَسَمٌ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {تَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} 4 وَنِدَاءٌ نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} 5 "وَصِيغَةُ عَقْدٍ" نَحْوُ وَهَبْت وَنَحْوُ قَبِلْت "وَ" صِيغَةُ "فَسْخ" نَحْوُ أَقَلْت.
وَقِيلَ: إنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ لَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الإِخْبَارِ. فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِك: الإِخْبَارُ عَمَّا فِي قَلْبِك. فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ هُوَ
__________
1 لفظة "يعود" ساقطة من ز. وفي ض: يعود يوماً. وهذه الجملة قطعة من بيت من الشعر، وهو:
فيا ليت الشباب يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيب
والبيت لأبي العتاهية إسماعيل بن قاسم ت 213 هـ.
"انظر: أبو العتاهية؛ أشعاره وأخباره ص 32، مغني اللبيب ص 376".
2 الآية 216 من البقرة، وأول الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً} .
3 انظر: مناهج العقول 1/ 244، البناني على جمع الجوامع 2/ 106.
4 الآية 57 من الأنبياء، وأول الآية {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ} .
5 الآية الأولى من النساء.
(2/301)

التَّرَاضِي. فَصَارَ "بِعْت" وَنَحْوُهَا: لَفْظًا1 دَالاًّ2 عَلَى الرِّضَى بِمَا فِي ضَمِيرِك. فَيُقَدَّرُ وُجُودُهَا3 قَبْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ. وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ4.
وَدَلِيلُ الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ5: أَنَّ صِيغَةَ الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا اقْتَرَنَ مَعْنَاهُ بِوُجُودِ لَفْظِهِ، نَحْوُ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَأَعْتَقْت وَطَلَّقْت وَفَسَخْت وَنَحْوِهَا6 مِمَّا يُشَابِهُ ذَلِكَ، مِمَّا تُسْتَحْدَثُ بِهَا الأَحْكَامُ إنْشَاءً؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ إمَّا عَنْ مَاضٍ أَوْ حَالٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، وَالأَوَّلانِ بَاطِلانِ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ أَنْ لا يَقْبَلَ الطَّلاقُ وَنَحْوُهُ التَّعْلِيقَ. لأَنَّهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفَ شَيْءٍ7 لَمْ يُوجَدْ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ، وَالْمَاضِي وَالْحَالُ قَدْ وُجِدَا8، لَكِنَّ
__________
1 في ب: لفظ. وهو خطأ.
2 في ض: دلَّ.
3 في ش ز: وجودهما.
4 وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه. وادعى ابن عبد الشكور أنه قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة.
"انظر: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/ 103، 104، تيسير التحرير 3/ 26، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه 2/ 163، الفروق 1/ 28، 29، غاية الوصول ص 103، المحصول 1/ 440، الفروق 1/ 23".
5 قال الجمهور: إن صيغ العقود والفسوخ إنشاء لوجود مضمونها في الخارج بها.
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 103، تيسير التحرير 3/ 28، مختصر ابن الحاجب 2/ 49، المحلي على جمع الجوامع 2/ 163، الفروق 1/ 27، 28 وما بعدها، غاية الوصول ص 103، المحصول 1/ 440".
6 في ش: ونحوهما.
7 في ز: الشيء.
8 في ش ض: وجد.
(2/302)

قَبُولَهُ التَّعْلِيقَ إجْمَاعٌ، وَالْمُسْتَقْبَلُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ؛ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ "سَأُطَلِّقُ"، وَالْفَرْضُ1 خِلافُهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّتِهِ. وَأَيْضًا لا خَارِجَ لَهَا، وَلا تَقْبَلُ2 صِدْقًا وَلا كَذِبًا. وَلَوْ كَانَتْ خَبَرًا لَمَا قَبِلَتْ تَعْلِيقًا، لِكَوْنِهِ مَاضِيًا؛ وَلأَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ قَاطِعٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ طَلَّقْت إذَا قَصَدَ بِهِ الْوُقُوعَ وَطَلَّقْت إذَا قَصَدَ بِهِ الإِخْبَارَ3.
"وَلَوْ قَالَ لِرَجْعِيَّةٍ: طَلَّقْتُك، طَلُقَتْ" عَلَى الصَّحِيحِ4 الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ لأَنَّهُ5 إنْشَاءٌ لِلطَّلاقِ6.
فَعَلَى هَذَا: لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ أَرَادَ الإِخْبَارَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَفِي وَجْهٍ وَإِنْ ادَّعَى مَاضِيًا" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ "أَنِّي مَتَى قُلْت فِي وَجْهٍ: كَانَ الْمُقَدَّمُ خِلافَهُ7" فَعُلِمَ مِنْهَا: أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا تَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت الإِخْبَارَ8.
__________
1 في د ع: والغرض.
2 في ز ض: يقبل.
3 انظر: فواتح الرحموت 2/ 103، 104 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 27، مختصر ابن الحاجب 2/ 49، البناني على جمع الجوامع 2/ 28 وما بعدها، المحصول 1/ 441 وما بعدها.
4 في ب ض: الأصح.
5 في ز ع: أنه.
6 انظر: المحصول 1/ 444.
7 المجلد الأول صفحة 29.
8 وهذا الطلاق يقع قضاء فقط، ولا يقع ديانة إذا كان صادقاً فيما بينه وبين نفسه.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 49، التفتازاني على العضد 2/ 49، الفروق 1/ 28، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 44، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 53".
(2/303)

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا لا تَطْلُقُ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ قَصَدَ الإِخْبَارَ عَنْ الطَّلاقِ الْمَاضِي1.
"وَ" قَوْلُ الشَّاهِدِ "أَشْهَدُ: إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إخْبَارًا" عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ2.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إخْبَارٌ مَحْضٌ3؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي "الْمُجْمَلِ": الشَّهَادَةُ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ. وَقَالَ الرَّازِيِّ: قَوْلُهُ أَشْهَدُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّهَادَةِ. وَهِيَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْمُسَمَّى بِكَلامِ4 النَّفْسِ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ؛ لأَنَّهُ لا يَدْخُلُهُ تَكْذِيبٌ شَرْعًا. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْقَرَافِيُّ5.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 6 فَرَاجِعٌ إلَى تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ شَهَادَةً؛ 7لا أَنَّهَا11 مَا وَاطَأَ فِيهَا الْقَلْبُ اللِّسَانَ.
وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ لاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. فَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إخْبَارٌ. كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ؛ لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ تَكْذِيبٌ شَرْعًا. فَالْقَائِلُ
__________
1 انظر: فواتح الرحموت 2/ 104 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 2/ 50، الفروق 1/ 30.
2 أي تضمن الأخبار بالمشهود به نظراً إلى وجود مضمونه في الخارج به وإلى متعلقه.
انظر: غاية الوصول ص 102، المحلي على جمع الجوامع 2/ 162.
3 نظراًَ إلى متعلقه فقط.
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 162، غاية الوصول ص 102".
4 في ز ب ع ض: كلام.
5 نظراً إلى اللفظ فقط.
"انظر: الفروق 1/ 17، المحلي على جمع الجوامع 2/ 162، غاية الوصول ص 102".
6 الآية الأولى من المنافقون.
7 في ز ع ض ب: لأنها.
(2/304)

بِالثَّالِثِ - رَأَى1 أَنَّ كُلاًّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ - لَهُ وَجْهٌ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا2.
وَقَالَ الْكُورَانِيُّ: إذَا3 أَرَدْت تَحْقِيقَ الْمَسْأَلَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ دَلالَةَ الأَلْفَاظِ إنَّمَا هِيَ عَلَى الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالنَّفْسِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَلامِ الإِشَارَةُ إلَى أَنَّ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِالنَّفْسِ مُطَابِقَةٌ لأُخْرَى4 خَارِجِيَّةٍ فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ. فَالْكَلامُ خَبَرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْخَارِجِيَّةُ قَائِمَةً بِالنَّفْسِ أَيْضًا، كَعَلِمْتُ وَظَنَنْت. أَوْ بِغَيْرِهِ كَخَرَجْتُ وَدَخَلْت، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ5 مُطَابَقَةُ تِلْكَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ لأُخْرَى خَارِجِيَّةٍ. فَالْكَلامُ إنْشَاءٌ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: أَشْهَدُ بِكَذَا. لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهِ تُطَابِقُ نِسْبَةً أُخْرَى فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ، بَلْ مُرَادُهُ الدَّلالَةُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ النِّسْبَةِ. مِثْلُ: اضْرِبْ، وَلا تَضْرِبْ. فَهُوَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ، وَلا يَرْجِعُ الصِّدْقُ وَلا6 الْكَذِبُ إلَيْهِ، وَكَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ خَبَرًا لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ 7إنْشَاءً مَحْضًا؛ لأَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ، وَلَوْ كَانَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُتَضَمِّنًا لآخَرَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ7 مَحْضُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَبْقَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ قَطُّ إذْ قَوْلُك:
__________
1 في ش: أي.
2 قال العلامة المحلي: "لم تتوارد الثلاثة على محل واحد، ولا منافاة بين كون أشهد إنشاء، وكون معنى الشهادة إخباراً، لأنه صيغة مؤدية لذلك المعنى بمتعلقه". "المحلي على جمع الجوامع 2/ 162".وقال العضد: "وهذه المسألة لفظية لا يجدي الإطناب فيها كثير نفع". "العضد على ابن الحاجب 2/ 51".
"وانظر: غاية الوصول ص 102".
3 في ع ض: إن.
4 في ع: للأخرى.
5 في ب ع ض: ترد.
6 ساقطة من ب ز ض.
7 ساقطة من ض.
(2/305)

اضْرِبْ. مُتَضَمِّنٌ لِقَوْلِك: الضَّرْبُ مِنْك مَطْلُوبٌ، أَوْ أَطْلُبُ الضَّرْبَ1 مِنْك. وَهَذَا مِمَّا لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ2. اهـ.
فَائِدَةٌ:
ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فُرُوقًا بَيْنَ الْخَبَرِ وَالإِنْشَاءِ:
أَحَدُهَا: قَبُولُ الْخَبَرِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، بِخِلافِ الإِنْشَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ 3تَابِعٌ لِلْمُخْبِرِ عَنْهُ1 فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالاً أَوْ مُسْتَقْبَلاً، وَالإِنْشَاءُ مَتْبُوعٌ لِمُتَعَلَّقِهِ. فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِنْشَاءَ سَبَبٌ لِوُجُودِ مُتَعَلَّقِهِ. فَيَعْقُبُ آخِرَ حَرْفٍ مِنْهُ 4أَوْ يُوجَدُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ2 عَلَى الْخِلافِ فِي ذَلِكَ إلاَّ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ. وَلَيْسَ الْخَبَرُ سَبَبًا وَلا مُعَلَّقًا5 عَلَيْهِ، بَلْ مُظْهِرٌ لَهُ6 فَقَطْ7 اهـ.
وَهَذِهِ الْفُرُوقُ رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجٌ 8يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ6.
وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ هَلْ هُوَ خَبَرٌ أَوْ إنْشَاءٌ؟
__________
1 ساقطة من ب ز ض.
2 انظر مناقشة الموضوع في "فواتح الرحموت 2/ 103-107".
3 في ش ب ع ز: للمخبر. وما أثبتناه أعلاه من د ض. والنص باختصار وتصرف من "الفروق".
4 ساقطة من ش.
5 في د ع ض: متعلقاً.
6 ساقطة من ب ع ض.
7 الفروق 1/ 23 باختصار وتصرف.
وانظر: حاشية التفتازاني على العضد 2/ 49.
8 في ش ض: بصدق أو بكذب. وفي د: بيصدق أو يكذب.
(2/306)

قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ إنْشَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَشَارَ إلَى كَذِبِ الْمُظَاهِرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا 1 وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} 2 قَالَ: وَلأَنَّهُ حَرَامٌ وَلا سَبَبَ لِتَحْرِيمِهِ إلاَّ كَوْنُهُ كَذِبًا. وَأَجَابَ عَمَّنْ قَالَ: سَبَبُ التَّحْرِيمِ: أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ. وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى رَأْيٍ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ3.
لَكِنْ4 قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْشَاءٌ خِلافًا5 لَهُ؛ لأَنَّ مَقْصُودَ النَّاطِقِ بِهِ تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ الْخَبَرِيِّ بِإِنْشَاءِ التَّحْرِيمِ. فَالتَّكْذِيبُ وَرَدَ عَلَى مَعْنَاهُ الْخَبَرِيِّ لا عَلَى مَا قَصَدَ مِنْ إنْشَاءِ التَّحْرِيمِ. فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ طَلاقًا وَلا ظِهَارًا إلاَّ مِنْ حَيْثُ الإِخْبَارُ.
فَالإِنْشَاءُ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ أَذِنَ الشَّارِعُ فِيهِ كَمَا أَرَادَهُ الْمُنْشِئُ. كَالطَّلاقِ. وَضَرْبٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّرْعُ، وَلَكِنْ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا. وَهُوَ الظِّهَارُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ6 7تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ إذَا عَادَ2 حَتَّى يُكَفِّرَ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا حَرَامٌ لا 8يَقْصِدُ طَلاقًا أَوْ ظِهَارًا3 رَتَّبَ فِيهِ التَّحْرِيمَ حَتَّى يُكَفِّرَ. اهـ.
__________
1 هنا ينتهي الاستشهاد بالآية في ب ع ض.
2 الآية 2 من المجادلة.
3 الفروق 1/ 31-37.
4 ساقطة من ض.
5 وهو قول أبي سعيد الهروي والغزالي. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5/ 367".
6 في ب ز ع ض: فيه.
7 في ض: التحريم.
8 في ع: بقصد طلاق أو ظهار.
(2/307)

"وَيَتَعَلَّقُ" مِنْ قِسْمِ الإِنْشَاءِ "بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ" اثْنَا عَشَرَ حَقِيقَةً.
"أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَدُعَاءٌ وَتَرَجٍّ وَتَمَنٍّ" لِدَلالَةِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ عَلَى الطَّلَبِ. وَطَلَبُ الْمَاضِي مُتَعَذِّرٌ، وَالْحَالُ مَوْجُودٌ، وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ. فَتَعَيَّنَ الْمُسْتَقْبَلُ.
"وَشَرْطٌ وَجَزَاءٌ" لأَنَّ مَعْنَى هَاتَيْنِ1 الْحَقِيقَتَيْنِ رَبْطُ أَمْرٍ وَتَوْقِيفُ دُخُولِهِ2 فِي الْوُجُودِ عَلَى وُجُودِ أَمْرٍ آخَرَ. وَالتَّوَقُّفُ فِي الْوُجُودِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
"وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ" لأَنَّ الْوَعْدَ حَثٌّ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فِيمَا3 تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ خَيْرٍ. وَالْوَعِيدُ زَجْرٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ بِمَا تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ شَرٍّ. وَالتَّوَقُّعُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
"وَإِبَاحَةٌ" وَذَلِكَ لأَنَّ الإِبَاحَةَ تَخْيِيرٌ بَيْنَ 4الْفِعْلِ أَوْ4 التَّرْكِ. وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا يَكُونُ فِي5 مَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ.
"وَعَرْضٌ" نَحْوُ أَلا تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَك.
"وَتَحْضِيضٌ" نَحْوُ: هَلاَّ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَك؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مُخْتَصٌّ بِالْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنَّ التَّحْضِيضَ أَشَدُّ وَأَبْلَغُ مِنْ الْعَرْضِ6.
__________
1 في ب ز ع: هذين.
2 في ز: وخوله.
3 في ب د ع ض: بما.
4 في ب: الفعلين و. وفي ع ض: الفعل و.
5 ساقطة من ض.
6 انظر: الفروق 1/ 27 وما بعدها.
(2/308)

فصل: الخبر صدق أو كذب
...
فَصْلٌ: "الْخَبَرُ إنْ طَابَقَ"
مَا فِي الْخَارِجِ "فَ" هُوَ "صِدْقٌ وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ "فَ" هُوَ "كَذِبٌ" وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ مَعَ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمِهَا مَعَ الْكَذِبِ. وَبَيْنَ أَنْ لا يَعْتَقِدَ شَيْئًا أَوْ يَعْتَقِدَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ وُجُودِهَا، أَوْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا مَعَ عَدَمِهَا. وَإِذَنْ فَلا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ1.
وَقَالَ الْجَاحِظُ2: الْمُطَابِقُ3 مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ صِدْقٌ، وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ4 مَعَ اعْتِقَادِ5 عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ كَذِبٌ. وَغَيْرُهُمَا وَاسِطَةٌ،
__________
1 انظر قول الجماهير مع توجيهه وبيانه في "التمهيد للإسنوي ص 135، الإحكام للآمدي 2/ 10، شرح تنقيح الفصول ص 347، فواتح الرحموت 2/ 107، تيسير التحرير 3/ 28، نهاية السول 2/ 261، الفروق 1/ 25، المعتمد 2/ 544، مختصر ابن الحاجب 2/ 50، المحلي على جمع الجوامع 2/ 110، المسودة ص 232، إرشاد الفحول ص 44، غاية الوصول ص 94".
2 هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، الكناني الليثي البصري، العالم المشهور، صاحب التصانيف في كل فن، وله مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، كان بحراً من بحور العلم، رأساً في الكلام والاعتزال. ومن تصانيفه: "الحيوان"، و"البيان والتبيين"، و"العرجان والبرصان والقرعان". وله مصنفات في التوحيد وإثبات النبوة وفي الإمامة وفضائل المعتزلة، وكان مع فضائله وفصاحته مشوه الخلقة، وأصيب في أواخر عمره بالفالج. توفي بالبصرة سنة 255هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/ 140، بغية الوعاة 2/ 228، شذرات الذهب 2/ 121، روضات الجنات 5/ 324، فرق وطبقات المعتزلة ص 73".
3 في ش ب ز ض: المطابقة. وكذا في أصل ع، لكنها صححت على الهامش كالأعلى.
4 في ش ب ز ض: المطابقة.
5 ساقطة من ش ب ز.
(2/309)

لا1 صِدْقٌ2، وَلا كَذِبٌ. فَيَدْخُلُ فِي الْوَاسِطَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَتَصِيرُ الأَقْسَامُ عِنْدَهُ سِتَّةٌ: صِدْقٌ وَكَذِبٌ وَ3وَاسِطَةٌ4؛ لأَنَّ الْخَبَرَ إمَّا مُطَابِقٌ أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ. فَإِنْ كَانَ 5مُطَابِقًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لا. وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لا5 مُطَابَقَةَ أَوْ لا6.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَإِمَّا7 أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لا مُطَابَقَةَ أَوْ لا. وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لا8.
وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الْجَاحِظِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} 9. وَالْمُرَادُ الْحَصْرُ فِي الافْتِرَاءِ وَالْجُنُونِ، ضَرُورَةَ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ.
__________
1 في ش ز: ولا.
2 في ش ز: صدق فيه.
3 ساقطة من ض.
4 وكذلك قال الراغب الأصبهاني بالواسطة. وقال البناني: "قلت: وكلام السعد في مطوله يشعر بعدم الجزم بنفي الواسطة".
"انظر: البناني على جمع الجوامع 2/ 112، الإحكام للآمدي 2/ 10، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/ 111، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 50، المسودة ص 232، الفروق 1/ 25، فواتح الرحموت 2/ 108، تيسير التحرير 3/ 28، نهاية السول 2/ 260، المعتمد 2/ 544، التمهيد ص 135، إرشاد الفحول ص 44".
5 ساقطة من ض.
6 قال القرافي: "والخلاف لفظي". "شرح تنقيح الفصول ص 347". وكذلك يرى الرازي في "المحصول" أن المسألة لفظية، وهو ما يراه الآمدي أيضاً.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 12، إرشاد الفحول ص 44".
7 في ض: إما.
8 انظر تفصيل قول الجاحظ وتقسيماته في "العضد على ابن الحاجب 2/ 50، فواتح الرحموت 2/ 108، تيسير التحرير 3/ 28، شرح تنقيح الفصول ص 347، غاية الوصول ص 94، إرشاد الفحول ص 44".
9 الآية 8 من سبأ. والآية حكاية عن الكفار في اعتراضهم على قوله صلى الله عليه وسلم لهم: {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِيْ خَلْقٍ جَدِيْدٍ} . سبأ/ 7.
(2/310)

فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَلامُ مَجْنُونٍ لا يَكُونُ صِدْقًا؛ لأَنَّهُمْ لا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَهُ وَلا كَذِبَهُ؛ لأَنَّهُ قَسِيمُ الْكَذِبِ1 عَلَى مَا زَعَمُوهُ. فَثَبَتَتْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ2.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ لَمْ يَفْتَرِ. فَيَكُونَ مَجْنُونًا؛ لأَنَّ الْمَجْنُونَ لا افْتِرَاءَ لَهُ لِعَدَمِ قَصْدِهِ3.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِنَحْوِ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي حَدِيثِ "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" 4: مَا كَذَبَ، وَلَكِنْ5 وَهِمَ6 ".
__________
1 في ض: للكذب.
2 انظر: فواتح الرحموت 2/ 108، تيسير التحرير 3/ 28، العضد على ابن الحاجب 2/ 50، شرح تنقيح الفصول ص 347، الإحكام للآمدي 2/ 10، الفروق 1/ 26، إرشاد الفحول ص 44.
3 انظر: فواتح الرحموت 2/ 108، تيسير التحرير 3/ 28، العضد على ابن الحاجب 2/ 50، الفروق 1/ 26، شرح تنقيح الفصول ص 347، الإحكام للآمدي 2/ 10، إرشاد الفحول ص 44.
4 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والشافعي والبغوي عن ابن عمر مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 223، صحيح مسلم 2/ 641، سنن أبي داود 2/ 172، سنن النسائي 4/ 13، سنن ابن ماجه 1/ 508، بدائع المنن 1/ 205، شرح السنة 5/ 240 وما بعدها".
5 في ب ع ض: ولكنه. وهي رواية ثانية عن مالك والشافعي وأحمد.
6 روى كلام عائشة الإمام مسلم بلفظ: "إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ". والإمام مالك وأحمد بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ"، والإمام الشافعي بلفظ: "أما إنه لم يكذب ولكنه أخطأ أو نسي".
"انظر: صحيح مسلم 2/ 641، الموطأ 1/ 234، مسند أحمد 6/ 107، بدائع المنن 1/ 205".
ووجه الاستدلال أن الوهم –وهو ما ليس عن اعتقاد، وإن خالف الواقع- ليس بكذب، وقد قبل جماهير الفقهاء والمحدثين حديث ابن عمر. وقال السيوطي: إنه متواتر، وبينوا المقصود منه................=
(2/311)

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا كَذَبَ عَمْدًا، بَلْ وَهِمَ1.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": الْمُرَادُ مِنْ الآيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْحَصْرُ فِي كَوْنِهِ خَبَرًا كَذِبًا، أَوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِجُنُونِهِ. فَلا عِبْرَةَ بِكَلامِهِ2.
وَأَمَّا الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فَيَتْبَعَانِ الْقَصْدَ وَيَرْجِعَانِ إلَى الْمُخْبِرِ، لا إلَى الْخَبَرِ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الأُمَّةِ صِدْقُ الْمُكَذِّبِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} 3 مَعَ عَدَمِ4 اعْتِقَادِهِ، وَكَذِبُهُ فِي نَفْيِ الرِّسَالَةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ5.
وَكَثُرَ فِي السُّنَّةِ تَكْذِيبُ مَنْ أَخْبَرَ - يَعْتَقِدُ الْمُطَابَقَةَ - فَلَمْ يَكُنْ، كَقَوْلِهِ6 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ" 7 اهـ.
__________
1 وَهِمَ يَوْهَم على وزن غلط يَغْلَط وزناً ومعنى، أي إنه نسي أو أخطأ كما جاء في رواية أخرى.
"انظر: المصباح المنير 2/ 1046، فواتح الرحموت 2/ 108 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 29، العضد على ابن الحاجب 2/ 50".
2 يرى الآمدي وغيره أن المسألة لفظية، ويبرهنون على ذلك.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 12، إرشاد الفحول ص 44".
3 لفظ الجلالة غير موجود في ض.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 11، فواتح الرحموت 2/ 108، المعتمد 2/ 545.
6 في ض: قوله.
7 هو الصحابي أبو السنابل بن بَعْكك بن الحجاج بن الحارث، اسمه حَبَّة، أو حَنَّة، وقيل عمرو، وقيل غير ذلك. أسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان شاعراً، وخطب سبيعة الأسلمية. قال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن سعد: أقام بمكة حتى مات. وقال البغوي: سكن الكوفة. وقال ابن حبان: توفي بالمدينة، ولم يذكر تاريخ وفاته، روي له اثنا عشر حديثاً............=
(2/312)

وَقِيلَ: إنْ اعْتَقَدَ الْمُخْبِرُ الْمُطَابَقَةَ وَكَانَ الأَمْرُ كَمَا اعْتَقَدَ، فَصِدْقٌ وَإِلاَّ فَكَذِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ1. كَقَوْلِهِ2 تَعَالَى: {إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 3، كَذَّبَهُمُ4 اللَّهُ تَعَالَى لِعَدَمِ5 اعْتِقَادِهِمْ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ6.
__________
=انظر ترجمته في "الإصابة 4/ 95، تهذيب الأسماء 2/ 241، مشاهير علماء الأمصار ص 21، الخلاصة ص 451".
وسبب الحديث أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فتزينت وتعرضت للتزويج، فقال لها أبو السنابل: "لا سبيل إلى ذلك أي حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "كذب أبو السنابل" أو "ليس كما قال أبو السنابل، وقد حللت فتزوجي". هكذا رواه البغوي والشافعي. والحديث مع القصة وردت بألفاظ مختلفة في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والشافعي وابن حبان والدارمي وغيرهم.
"انظر: شرح السنة 9/ 304، صحيح البخاري 3/ 204، صحيح مسلم 2/ 1122، تحفة الأحوذي 4/ 373، سنن النسائي 6/ 158، بدائع المنن 2/ 402، موارد الظمآن ص 323، سنن الدارمي 2/ 166، سنن ابن ماجه 1/ 653، فتح الباري 8/ 461، الموطأ 2/ 590، مسند أحمد 6/ 289، الرسالة للشافعي ص 575".
1 هو قول النظام ومن تابعه من أهل الأصول والفقهاء، ودليلهم النقلي الآية الكريمة المذكورة بالأعلى. واستدلوا أيضاً بالعقل. ويرى الشوكاني الجمع بينهما، وأن الصدق ما طابق الواقع والاعتقاد، وأن الكذب ما خالفهما أو خالف أحدهما.
"انظر: إرشاد الفحول ص 44، 45، فواتح الرحموت 2/ 108، تيسير التحرير 3/ 29".
2 في ب ع ض: لقوله.
3 الآية الأولى من سورة المنافقون.
4 في ش ز: وكذبهم.
5 في د ض: في عدم.
6 انظر: فواتح الرحموت 2/ 107، تيسير التحرير 3/ 29، تفسير ابن كثير 4/ 368 ط الحلبي، إرشاد الفحول ص 45.
(2/313)

وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ1 أَكْذَبَهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ الصَّادِقَةَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمُطَابَقَةِ مُعْتَقِدًا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَاذِبُونَ2 فِي ضَمَائِرِهِمْ3. وَقِيلَ فِي تَمَنِّيهِمْ.
فَالْخَبَرُ عَلَى4 هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ مُنْحَصِرًا فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَكِنْ لا5 عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ6.
"وَيَكُونَانِ" أَيْ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ "فِي" زَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ" كَ مَا يَكُونَانِ7 فِي زَمَنٍ مَاضٍ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ: "لا آكُلُ" ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ8، لا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ. وَقِيلَ لَهُ9 أَيْضًا: بِمَ تَعْرِفُ10 الْكَذَّابَ؟ قَالَ بِخُلْفِ الْوَعْدِ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ
__________
1 في ض: أن.
2 في ب: لكاذبون.
3 قال محمد نظام الدين الأنصاري: "ولك أن تقرر بأن قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} كناية عن الإخبار بإيمانهم. فمقصودهم الإخبار بأنهم مؤمنون ثابتون على إيمانهم، وعبروا عنه بما هو ملزوم الإيمان، وهو الشهادة عن صميم القلب، فردَّ الله عليهم بأنهم كاذبون في دعواهم، لما أنهم منافقون، وليس لهم في أصل الأمر تصديق أصلاً". "فواتح الرحموت 2/ 107".
"وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 71".
4 في ب: في.
5 ساقطة من ش.
6 انظر: فواتح الرحموت 2/ 107، تيسير التحرير 3/ 29، إرشاد الفحول ص 45.
7 في ض: يكون.
8 في ز ش ب: الكذب.
9 في ش: عنه.
10 في ب ع ض: يعرف.
(2/314)

الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} 1. وقَوْله تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} - إلَى آخِرِ الآيَةِ 2، وقَال3 تَعَالَى: {وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} 4، وقَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} 5 فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" فِي *قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ6 يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ "الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ" فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَذَبَ سَعْدٌ" 7.
__________
1 الآية 38 من النحل.
2 الآية 11 من الحشر، وتتمة الآية: {وَلاَ نُطِيْعُ فِيْكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُوْنَ} .
3 في ش: وقوله. والأعلى أصح لأنها تكملة الآية السابقة، ومحلُّ الاستشهاد بها.
4 الآية 11 من الحشر.
5 الآية 12 من العنكبوت.
6 هو الصحابي سعد بن عبادة بن دُلَيم الخزرجي الأنصاري، سيد الخزرج، أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، كان نقيب بني ساعدة، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. وكان سيداً جواداً، وجيهاً في الأنصار، ذا رياسة وسيادة وكرم، وكان شديد الغيرة، وكان أحد النقباء بالعقبة، وشهد بدراً وباقي المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب بالعربية، ويحسن الرمي والعوم. خرج إلى الشام فمات بحوران سنة 15 هـ، وقيل 16 هـ. ويرى ابن عساكر وغيره أن قبره نُقل إلى المزة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاوره مع سعد بن معاذ، ومناقبه كثيرة.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/ 30، الاستيعاب 2/ 38، تهذيب الأسماء 1/ 212، الخلاصة ص 134".
7 روى البخاري أن سعد بن عبادة قال يوم الفتح: "يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار ... فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة سعد قال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويومٌ تكسى فيه الكعبة". صحيح البخاري 3/ 61".
(2/315)

وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" فِي قَوْلِ1 عَبْدِ حَاطِبٍ2 لَمَّا جَاءَ يَشْكُو حَاطِبًا3 "لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ" فَقَالَ4 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَذَبْت، لا يَدْخُلُهَا" 5.
وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ6 عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} 7.
__________
*- 1 ساقطة من ب.
2 هو حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير الصحابي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، حليف الزبير بن العوام، شهد بدراً والحديبية، وشهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... } الآيتان 1-2 من الممتحنة نزلتا فيه. وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، وسأله المقوقس عن رسول الله، ثم قال له: أنت حكيم جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها مارية القبطية وأختها سيرين. وأرسل معه من يوصله إلى مأمنه. توفي حاطب سنة 30 هـ بالمدينة، وصلى عليه عثمان رضي الله عنهما، وكان عمره خمساً وستين سنة.
انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء 1/ 152، شذرات الذهب 1/ 37، مشاهير علماء الأمصار ص 21، الإصابة 1/ 300".
3 في ب ز ع ض: على حاطب.
4 في ض: فقال النبي صلى الله عليه وسلم.
5 روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر: "أن عبداً لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدراً والحديبية".
"انظر: صحيح مسلم 4/ 1942، مسند أحمد 3/ 349".
6 هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي، يعرف بابن النحاس، أبو جعفر النحوي، المصري، من أهل الفضل الشائع، والعلم الذائع، كان عالماً بالنحو، صادقاً. صنف كتباً كثيرة، منها: "إعراب القرآن"، و"معاني القرآن"، و"الكافي" في العربية، و"المقنع" في اختلاف البصريين والكوفيين، و"وشرح المعلقات"، و"شرح المفضليات". غرق في النيل سنة 338 هـ.
انظر ترجمته في "بغية الوعاة 1/ 362، طبقات المفسرين 1/ 67، شذرات الذهب 2/ 346، حسن المحاضرة 1/ 531، وفيات الأعيان 1/ 82".
7 الآية 27 من الأنعام.
(2/316)

وَقِيلَ: لا يَكُونُ الْكَذِبُ إلاَّ فِي مَاضٍ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ، بَلْ هُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ كَالْوَعْدِ. كَانَ إنْشَاءً. وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. اهـ.
"وَمَوْرِدُهُمَا" أَيْ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ "النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا" الْخَبَرُ بِإِيقَاعِ الْمُخْبِرِ1. "وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ الْخَبَرِ مَا هُوَ "مَعْلُومٌ صِدْقُهُ" وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ عِلْمُ صِدْقِهِ ضَرُورِيًّا بِنَفْسِ الْخَبَرِ بِتَكَرُّرِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، كَالْخَبَرِ الَّذِي 2بَلَغَتْ رُوَاتُه2 حَدَّ التَّوَاتُرِ، لَفْظِيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا3.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِغَيْرِ نَفْسِ الْخَبَرِ، لِكَوْنِهِ4 مُوَافِقًا لِلضَّرُورِيِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُتَعَلَّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَتَكَرُّرٍ.
__________
1 أي إن مورد الصدق والكذب في الخبر هي مجرد النسبة التي تضمنها الخبر فقط دون غيرها، مثال: "قام زيد بن عمرو"، فإن مورد الصدق والكذب في القيام فقط، ولاتشمل بنوته لعمرو، إذ لم يقصد بالخبر الإخبار بالبنوة، وهذا ما يسمى في القضاء، بالحكم الضمني، وقد قال به أكثر الفقهاء إذا كان المشهود عليه غائباً.
"انظر: غاية الوصول ص 94، نظرية الدعوى 2/ 206، 222، المحلي على جمع الجوامع 2/ 115 وما بعدها".
2 في ش: بلغ رواته. وفي د ض: بلغت روايته.
3 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 12، المستصفى 1/ 140، نهاية السول 2/ 261، 262، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، الكفاية للخطيب البغدادي ص 17، المعتمد 2/ 547، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، إرشاد الفحول ص 45.
4 في ع ض: بل بكونه.
(2/317)

نَحْوُ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الاثْنَيْنِ1.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ "نَظَرِيًّا" 2، كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَخَبَرِ كُلِّ الأُمَّةِ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عُلِمَ بِالنَّظَرِ وَالاسْتِدْلالِ3.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ وَغَيْرَ نَظَرِيٍّ، وَلَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِيِّ4، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي عُلِمَ مُتَعَلَّقُهُ بِالنَّظَرِ. كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ حَادِثٌ5 "وَ" مِنْ الْخَبَرِ أَيْضًا مَا هُوَ مَعْلُومٌ "كَذِبُهُ6" وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَيْضًا.
أَحَدُهَا: مَا عُلِمَ خِلافُهُ بِالضَّرُورَةِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ: النَّارُ بَارِدَةٌ7.
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 354، الإحكام للآمدي 2/ 12، نهاية السول 2/ 261، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، المعتمد 2/ 546، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، إرشاد الفحول ص 45.
2 في جميع النسخ: ضروريًّا.
3 انظر: التمهيد ص 134، الكفاية للخطيب البغدادي ص 17، أصول السرخسي 1/ 374، تيسير التحرير 3/ 29، كشف الأسرار 2/ 360، فواتح الرحموت 2/ 109، شرح تنقيح الفصول ص 354، الإحكام للآمدي 2/ 12، المستصفى 1/ 141، المحلي على جمع الجوامع 2/ 119، المسودة ص 243، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، غاية الوصول ص 95، إرشاد الفحول ص 45، المعتمد 2/ 546، 551.
4 في ع: للنظر.
5 ذكر القرافي وغيره أنواعاً أخرى للخبر المعلوم صدقه والمفيد للعلم.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 354، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، إرشاد الفحول ص 45".
6 انظر: المسودة ص 233.
7 ونحو: النقيضان يجتمعان أو يرتفعان.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 12، المستصفى 1/ 142، المحلي على جمع الجوامع 2/ 116، مناهج العقول 2/ 274، نهاية السول 2/ 277، شرح تنقيح الفصول ص 355، كشف الأسرار 2/ 360، فواتح الرحموت 2/ 109، غاية الوصول ص 94، إرشاد الفحول ص 46، المعتمد 2/ 547".
(2/318)

النَّوْعُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ خِلافُهُ بِالاسْتِدْلالِ. كَقَوْلِ الْفَيْلَسُوفِ1: الْعَالَمُ قَدِيمٌ2.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوهِمَ أَمْرًا بَاطِلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ لِمُعَارَضَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ. كَمَا لَوْ اخْتَلَقَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ حَدِيثًا كَذِبًا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ عَلَى 3رَسُولِ اللَّهِ5 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ كَذِبٌ4.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ الرِّسَالَةَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ5.
"وَ" مِنْ الْخَبَرِ أَيْضًا: مَا هُوَ "مُحْتَمِلٌ" لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ6.
__________
1 في ع: الفيلسوفي.
2 انظر: التمهيد للباقلاني ص 161، المحلي على جمع الجوامع 2/ 116، الكفاية للخطيب البغدادي ص 17، المستصفى 1/ 142، مناهج العقول 2/ 274، نهاية السول 2/ 277، المعتمد 2/ 547، شرح تنقيح الفصول ص 355، غاية الوصول ص 94، إرشاد الفحول ص 46، كشف الأسرار 2/ 360.
3 في ب ع ض: رسوله.
4 ومثل ذلك قول الزنادقة أيضاً: إن الله تعالى خلق نفسه، فهذا كذب لإيهامه باطلاً، وهو حدوثه تعالى، وقد دل العقل القاطع على أنه تعالى منزه عن الحدوث. ومثل حديث: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نَفْسٌ منفوسة اليومَ". رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، فحذفوا كلمة "اليوم".
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 116، غاية الوصول ص 95، إرشاد الفحول ص 46، صحيح مسلم 4/ 1967".
5 ذكر القرافي والمحلي وغيرهما أنواعًا أخرى للخبر المعلوم كذبه.
"انظر: التمهيد للإسنوي ص 134، شرح تنقيح الفصول ص 355، المحلي على جمع الجوامع 2/ 11 وما بعدها، المستصفى 1/ 145، أصول السرخسي 1/ 374، غاية الوصول ص 95، إرشاد الفحول ص 46".
6 هذا تقسيم آخر للخبر باعتبار آخر.
"انظر: التمهيد للإسنوي ص 134، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، التمهيد للباقلاني ص 162، المسودة ص 233، أصول السرخسي 1/ 374، إرشاد الفحول ص 46".
(2/319)

"فَالأَوَّلُ" وَهُوَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ. قَدْ تَقَدَّمَتْ أَنْوَاعُهُ الَّتِي مِنْهَا مَا هُوَ "ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِهِ كَمُتَوَاتِرٍ. وَبِغَيْرِهِ كَمُوَافِقٍ لِضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ، كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَالإِجْمَاعِ وَخَبَرِ مَنْ وَافَقَ أَحَدَهَا أَوْ1 ثَبَتَ فِيهِ2 صِدْقُهُ3.
"وَ" الْقِسْمُ "الثَّانِي" مِنْ الْخَبَرِ وَهُوَ الْمَعْلُومُ كَذِبُهُ. قَدْ تَقَدَّمَتْ 4أَنْوَاعُهُ أَيْضًا5. وَمِنْهَا "مَا خَالَفَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ5".
"وَ" أَمَّا الْقِسْمُ "الثَّالِثُ" مِنْ الْخَبَرِ، وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ6.
أَحَدُهَا: "مَا ظُنَّ صِدْقُهُ كَعَدْلٍ" أَيْ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ، وَيَتَفَاوَتُ فِي الظَّنِّ7
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: مَا ظُنَّ "كَذِبُهُ كَ" خَبَرِ "كَذَّابٍ" لِرُجْحَانِ
__________
1 في ز ش: و.
2 في ع ض: به.
3 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 354، الإحكام للآمدي 2/ 12، المستصفى 1/ 141، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، كشف الأسرار 2/ 360، العضد على ابن الحاجب 2/ 51.
4 في ز ع ض: أيضاً أنواعه.
5 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 355، الإحكام للآمدي 2/ 12، المستصفى 1/ 142، نهاية السول 2/ 277، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، العضد على ابن الحاجب 2/ 51.
6 ساقطة من ب.
وانظر: كشف الأسرار 2/ 360، الكفاية ص 18، إرشاد الفحول ص 46.
7 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 13، مناهج العقول 2/ 279، المحلي على جمع الجوامع 2/ 129، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، نهاية السول 2/ 281، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، إرشاد الفحول ص 46، كشف الأسرار 2/ 360.
(2/320)

كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ. وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ أَيْضًا1.
"وَ" النَّوْعُ الثَّالِثُ: "مَا شُكَّ فِيهِ كَ" خَبَرِ "مَجْهُولِ" الْحَالِ. فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الاحْتِمَالانِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ2.
"وَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ" يَكُونُ "كَذِبًا" 3.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "وَقَوْلُ قَوْمٍ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبٌ بَاطِلٌ4. وَاسْتَدَلُّوا لِقَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ5 لَوْ كَانَ صِدْقًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ6 دَلِيلٌ، كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صِدْقًا7 دَلَّ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَةِ. وَهَذَا الاسْتِدْلال فَاسِدٌ، لِجَرَيَانِ مِثْلِهِ فِي نَقِيضِ مَا أَخْبَرَ بِهِ إذَا أَخْبَرَ بِهِ آخَرُ. فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَيُعْلَمُ8 بِالضَّرُورَةِ وُقُوعُ الْخَبَرِ بِهِمَا، أَيْ بِالإِخْبَارِ بِشَيْءٍ وَبِنَقِيضِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِكَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ؛ إذْ لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ إلاَّ
__________
1 انظر: نهاية السول 2/ 281، الإحكام للآمدي 2/ 13، الكفاية للخطيب البغدادي ص 101، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، كشف الأسرار 2/ 360، إرشاد الفحول ص 46.
2 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 13، نهاية السول 2/ 281، العضد على ابن الحاجب 2/ 51، فواتح الرحموت 2/ 109، تيسير التحرير 3/ 29، كشف الأسرار 2/ 360، إرشاد الفحول ص 46.
3 وهذا رد على بعض الظاهرية القائلين بأن كل خبر لم يعلم صدقه فهو كذب، لأنه لو كان صدقاً لما تركنا الله تعالى بدون دليل يدل عليه.
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 109، الإحكام للآمدي 2/ 13، تيسير التحرير 3/ 30، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 51".
4 ساقطة من ب.
5 في ع: بأن.
6 في ز: على.
7 في ب: صادقاً.
8 في شرح العضد: ونعلم.
(2/321)

بِدَلِيلٍ، وَالْعِلْمُ1 بِكَذِبِ كُلِّ مُسْلِمٍ فِي دَعْوَى إسْلامِهِ؛ 2إذْ لا10 دَلِيلَ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ3.
"وَمَدْلُولُهُ" أَيْ الْخَبَرُ هُوَ "الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لا ثُبُوتُهَا" أَيْ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ النِّسْبَةِ لا نَفْسُ الثُّبُوتِ. فَإِذَا قُلْت: زَيْدٌ قَائِمٌ. فَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ قِيَامِهِ 4لا نَفْسِ ثُبُوتِ قِيَامِهِ1؛ إذْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ ثُبُوتُ قِيَامِ زَيْدٍ، لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا، بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ صِدْقًا. قَالَهُ الرَّازِيّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ5.
وَخَالَفَ الْقَرَافِيُّ فَقَالَ: إنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْخَبَرَ إلاَّ لِلصِّدْقِ، لاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى "قَامَ زَيْدٌ": حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي. وَاحْتِمَالُهُ الْكَذِبَ لَيْسَ مِنْ الْوَضْعِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ6. اهـ.
__________
1 أي ويلزم العلم.
2 في ب: أو لا يعلم.
3 العضد على ابن الحاجب 1/ 51.
وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 13، فواتح الرحموت 2/ 109 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 30.
4 ساقطة من ش.
5 اختلف العلماء في مدلول الخبر على قولين: الأول: ما ذكره المصنف وهو الحكم بالنسبة، وهو قول الرازي ومن وافقه. والقول الثاني: أن مدلول الخبر ثبوت النسبة في الخارج، وهو ما رجحه السعد التفتازاني وغيره.
"انظر: المحصول 1/ 322، تيسير التحرير 3/ 26، المحلي على جمع الجوامع 2/ 113-114، غاية الوصول ص 94".
6 قاله القرافي في كتابه: "نفائس الأصول في شرح المحصول" وهو مخطوط. وذكر معناه في كتابيه الفروق 1/ 24، شرح تنقيح الفصول ص 346.
"وانظر: المحلي على جمع الجوامع 2/ 113، غاية الوصول ص 94، إرشاد الفحول ص 44".
(2/322)

قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي1 مِثْلِ: "زَيْدٌ قَائِمٌ"، إذَا صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَصْدِ، يَدُلُّ عَلَى الإِيقَاعِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْوُقُوعِ. فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى حُكْمًا، فَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَصِدْقُ الْخَبَرِ وَكَذِبُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الإِيقَاعِ؛ لأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ2 بِذَلِكَ الْوُقُوعِ3، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ إفَادَةِ الْمُخَاطَبِ فَالْحُكْمُ هُوَ الْوُقُوعُ4؛ لأَنَّك إذَا قُلْت "زَيْدٌ قَائِمٌ" إنَّمَا يُفِيدُ الْمُخَاطَبَ وُقُوعَ الْقِيَامِ، لا أَنَّك أَوْقَعْت الْقِيَامَ عَلَى زَيْدٍ. فَإِنَّهُ لا يُعَدُّ فَائِدَةً.
"وَمِنْهُ" أَيْ وَ5مِنَ الْخَبَرِ "تَوَاتُرٌ" يَعْنِي أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، تَوَاتُرًا وَآحَادًا.
"وَهُوَ" أَيْ التَّوَاتُرُ "لُغَةً تَتَابُعُ" شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ "بِمُهْلَةٍ" أَيْ6 وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْ الْوَتْرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} 7 أَصْلُهَا وَتْرًا أُبْدِلَتْ التَّاءُ مِنْ الْوَاوِ8. قَالَهُ9 ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ10: مِنْ
__________
1 ساقطة من ش ب ز ع.
2 في ش: المتصف بالكلام.
3 في ب ز ض: لا الوقوع.
4 في د: لا الوقوع.
5 ساقطة من ع ض.
6 في ب: أو.
7 الآية 44 من المؤمنون.
8 انظر: القاموس المحيط 2/ 156، المصباح المنير 2/ 1002، المغرب للمطرزي ص 475.
9 في ز: وقاله.
10 هو موهوب بن أحمد بن محمد، أبو منصور الجوالقي، شيخ أهل اللغة في عصره
قال ابن السمعاني: "إمام في اللغة والأدب، وهو من مفاخر بغداد، وهو متدين ثقة ورع، غزير الفضل، كامل العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنف التصانيف، واشتهرت عنه". وكان يصلي بالمقتفي بالله الخليفة. ومن تصانيفه: "شرح أدب الكاتب" و"المعرب"، و"تتمة درة الغوّاص للحريري" وسماه "التكملة فيما يلحن به العامة". توفي سنة 540 ببغداد.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 4/ 426، شذرات الذهب 4/ 127، ذيل طبقات الحنابلة 1/ 204، بغية الوعاة 2/ 308، إنباه الرواة 3/ 335".
(2/323)

غَلَطِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُمْ: تَوَاتَرَتْ كُتُبُك إلَيَّ. أَيْ اتَّصَلَتْ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ. وَإِنَّمَا التَّوَاتُرُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ بَيْنَهُمَا انْقِطَاعٌ. وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنْ الْوَتْرِ، وَهُوَ الْعَوْدُ اهـ.
"و"َ التَّوَاتُرُ "اصْطِلاحًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الْعُلَمَاءِ "خَبَرُ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ" أَيْ مَعَ هَذَا الْعَدَدِ "لِكَثْرَتِهِ" أَيْ مِنْ أَجْلِ كَثْرَتِهِ "تَوَاطُؤٌ" فَاعِلُ يَمْتَنِعُ "عَلَى كَذِبٍ" مُتَعَلِّقٌ بِتَوَاطُؤٍ عَنْ مَحْسُوسٍ مُتَعَلِّقٍ بِخَبَرٍ، أَيْ بِخَبَرِ عَدَدٍ1 "عَنْ مَحْسُوسٍ" "أَوْ خَبَرُ" عَدَدٍ "عَنْ عَدَدٍ كَذَلِكَ" أَيْ يَمْتَنِعُ مَعَهُ لِكَثْرَتِهِ تَوَاطُؤٌ عَلَى كَذِبٍ إلَى "أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَحْسُوسٍ" أَيْ مَعْلُومٍ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. كَمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ2.
فَقَوْلُهُ: "خَبَرٌ" جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَ وَغَيْرَهُ. وَبِإِضَافَتِهِ إلَى عَدَدٍ يَخْرُجُ خَبَرُ الْوَاحِدِ.
وَبِقَوْلِهِ: "يَمْتَنِعُ مَعَهُ3 ... إلَى آخِرِهِ": يَخْرُجُ بِهِ خَبَرُ عَدَدٍ لَمْ يَتَّصِفْ ذَلِكَ الْعَدَدُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ.
__________
1 ساقطة من ش. وفي ب ز ع ض: خبر.
2 اعتبر الطوفي وغيره هذا القيد شرطاً في التواتر، فقالوا: وشرط التواتر إسناده إلى عيان محسوس، وليس عن اجتهاد، وهو قول الجويني وابن برهان والمقدسي وغيرهم.
"انظر: المسودة ص 234، المعتمد 2/ 563، مختصر الطوفي ص 51، شرح الورقات ص 183، المحلي على جمع الجوامع 2/ 123، الروضة ص 50، غاية الوصول ص 96".
3 ساقطة من ش ب ز.
(2/324)

وَخَرَجَ بِقَيْدِ "الْمَحْسُوسِ" مَا كَانَ عَنْ مَعْلُومٍ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ كَإِخْبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ دَهْرِيًّا بِحُدُوثِ1 الْعَالَمِ لِتَجْوِيزِهِ غَلَطَهُمْ فِي الاعْتِقَادِ2.
"مُفِيدٌ" صِفَةٌ لِتَوَاتُرٍ، أَيْ وَمِنْ الْخَبَرِ تَوَاتُرٌ مُفِيدٌ "لِلْعِلْمِ بِنَفْسِهِ3".فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُتَوَاتِرِ عَادَةً وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ لا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِسَبَبِ مَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ4.
ثُمَّ الْقَرَائِنُ الْمُفِيدَةُ لِلْعِلْمِ قَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِمَوْتِ وَلَدِهِ مِنْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ. وَقَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً، كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ
__________
1 في ب ز ع: بحدث.
2 انظر في تعريف التواتر التعريفات للجرجاني ص 102، 210، 74، الحدود للباجي ص 61، المغرب ص 475، الكافية في الجدل ص 179، 181، مقدمة ابن الصلاح ص 135، الإحكام لابن حزم 1/ 93، شرح الورقات ص 179، 181، شرح تنقيح الفصول ص 349، أصول السرخسي 1/ 282، فواتح الرحموت 2/ 110، تيسير التحرير 3/ 30، نهاية السول 2/ 262، مختصر الطوفي ص 49، اللمع ص 39، غاية الوصول ص 95، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90، الإحكام للآمدي 2/ 14، إرشاد الفحول ص 46.
3 انظر: المسودة ص 233، شرح الورقات ص 179، الإحكام لابن حزم 1/ 93، المعتمد 2/ 551، الكفاية للخطيب البغدادي ص 16، شرح نخبة الفكر ص 24، جامع بيان العلم 2/ 41، العضد على ابن الحاجب 2/ 52، المحلي على جمع الجوامع 2/ 119، كشف الأسرار 2/ 360، فواتح الرحموت 2/ 110، الإحكام للآمدي 2/ 14، الروضة ص 48، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90.
4 أما القرائن اللازمة للخبر من أحوال المخبِر والمخبَر والمخبَر عنه، فلا تضر في إفادة العلم من المتواتر، بل لها تأثير في ذلك.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 52، شرح الورقات ص 179، مناهج العقول 2/ 260، كشف الأسرار 2/ 360، تيسير التحرير 3/ 30، فواتح الرحموت 2/ 110، الروضة ص 48، إرشاد الفحول ص 46".
(2/325)

تَقْتَضِي الْبَدِيهَةُ1 أَوْ2 الاسْتِدْلال صِدْقَهُ. وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً3 كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِعَطَشِهِ.
وَكَوْنُ خَبَرِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ4.
"وَ" الْعِلْمُ "الْحَاصِلُ" بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ "ضَرُورِيٌّ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، إذْ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لافْتَقَرَ إلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَسَاغَ الْخِلافُ فِيهِ عَقْلاً، كَسَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ، وَلأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إلَى التَّصْدِيقِ بِهِ. وَهَذَا كَذَلِكَ5.
__________
1 في ش: البديهي.
2 في ز ش: و.
3 ساقطة من ش.
4 وخالف في ذلك السمنية، وهم من عبدة الأصنام، والبراهمة، وهم من منكري الرسالة، فإنهم حصروا مدارك العلم في الحواس الخمسة فقط. وفرق بعضهم بين الحاضر والماضي، فقالوا: يفيد العلم في الحاضر، لأنه معضود بالحس، فيبعد تطرق الخطأ إليه، أما الماضي فإنه بعيد عن الحس، فيتطرق إليه احتمال الخطأ والنسيان. وقال جماعة بأنه يفيد علم طمأنينة لا يقين. وقد بين الآمدي وصاحب "فواتح الرحموت" أدلة هذه الآراء مع مناقشتها والرد عليها.
"انظر: كشف الأسرار 2/ 262 وما بعدها، المعتمد 2/ 551، العضد على ابن الحاجب 2/ 52، المسودة ص 233، مناهج العقول 2/ 262، فواتح الرحموت 2/ 113، الإحكام للآمدي 2/ 15، المستصفى 1/ 132، شرح تنقيح الفصول ص 349، 350، أصول السرخسي 1/ 283، شرح الورقات ص 179، نهاية السول 2/ 265، الروضة ص 48، مختصر الطوفي ص 49، إرشاد الفحول ص 47، تيسير التحرير 3/ 31".
5 انظر: الحدود للباجي ص 62، أصول السرخسي 1/ 283، 292، كشف الأسرار 2/ 262، فواتح الرحموت 2/ 114، تيسير التحرير 3/ 32، نهاية السول 2/ 265، مناهج العقول 2/ 264، المستصفى 1/ 133، شرح تنقيح الفصول ص 351، المحلي على جمع الجوامع 2/ 122، المسودة ص 234، التمهيد للباقلاني ص 162، شرح نخبة الفكر ص 26، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 53، الإحكام للآمدي 2/ 18، 19، غاية الوصول ص 96، المعتمد 2/ 552 وما بعدها، مختصر الطوفي ص 50، اللمع ص 39، الروضة ص 49، إرشاد الفحول ص 46، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90.
(2/326)

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ: إنَّهُ نَظَرِيٌّ؛ إذْ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا 1لَمَا افْتَقَرَ6 إلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ. وَهُمَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الإِخْبَارِ وَامْتِنَاعُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. فَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ2. رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ3.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَالْخِلافُ لَفْظِيٌّ؛ إذْ مُرَادُ الأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ: مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إلَى تَصْدِيقِهِ. وَالثَّانِي: الْبَدِيهِيُّ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ. وَالضَّرُورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَيْهِمَا. فَدَعْوَى كُلٍّ غَيْرُ دَعْوَى الآخَرِ، وَالْجَزْمُ حَاصِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ4.
__________
1 في ض: لافتقر.
2 وهو قول الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة، وإمام الحرمين والدقاق من الشافعية.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 351، العضد على ابن الحاجب 2/ 53، المحلي على جمع الجوامع 2/ 122، المسودة ص 234، شرح نخبة الفكر ص 27، فواتح الرحموت 2/ 114، 115، تيسير التحرير 3/ 32، أصول السرخسي 1/ 291، المعتمد 2/ 552، نهاية السول 2/ 265، مناهج العقول 2/ 264، الإحكام للآمدي 2/ 18، 20، المستصفى 1/ 132، غاية الوصول ص 96، الروضة ص 49، مختصر الطوفي ص 50، إرشاد الفحول ص 46، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90".
3 قال العضد: "إن العلم بالصدق ضروري يحصل بالعادة لا بالمقدمتين، فاستغني عن الترتيب، ولا ينافي صورة الترتيب، فإن وجوده لا يوجب الاحتياج إليها، فإنها ممكنة في كل ضروريّ. العضد على ابن الحاجب 2/ 53".
وانظر: كشف الأسرار 2/ 367، 368، نهاية السول 2/ 266، مناهج العقول 2/ 264، شرح تنقيح الفصول ص 351، أصول السرخسي 1/ 291، فواتح الرحموت 2/ 115، تيسير التحرير 3/ 32، الروضة ص 49.
4 مختصر الطوفي ص 50.
وهذا الرأي هو ما أيده شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وابن بدران والمحلي. وقال الغزالي: إنه قسم ثالث ليس ضرورياً ولا نظرياً، بل من نوع القضايا التي قياساتها معها، وقال المرتضى والآمدي بالوقف، وهناك أقوال كثيرة
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 18، 23، المستصفى 1/ 133، المحلي على جمع الجوامع 2/ 122، غاية الوصول ص 96، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90، أصول السرخسي 1/ 284، فواتح الرحموت 2/ 114، تيسير التحرير 3/ 32، نهاية السول 2/ 266، مناهج العقول 2/ 264، العضد على ابن الحاجب 2/ 53، إرشاد الفحول ص 46".
(2/327)

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ، بَلْ "يَقَعُ" الْعِلْمُ "عِنْدَهُ" أَيْ عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ "بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى" عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ قَوْمٌ1.
لَنَا عَلَى الأَوَّلِ: مَا ثَبَتَ مِنْ الأُصُولِ أَنَّهُ لا مُوجِدَ2 إلاَّ اللَّهُ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إجْرَاءِ الْعَادَةِ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ الْمَنِيِّ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ بِدُونِ ذَلِكَ خِلافًا لِمَنْ قَالَ بِالتَّوَلُّدِ3.
قَالَ الْمُخَالِفُ: يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ4 وَيُمْكِنُ ضِدُّهُ.
قُلْنَا: هُوَ5 مُمْكِنٌ عَقْلاً وَوَاجِبٌ عَادَةً.
وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ وُلِّدَ الْعِلْمُ فَإِمَّا مِنْ الأَخِيرِ وَحْدَهُ، 6وَهُوَ مُحَالٌ إذْ كَانَ يَكْفِي مُنْفَرِدًا. أَوْ مِنْهُ وَمِنْ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ6، وَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا، لِعَدَمِ صُدُورِ
__________
1 وهم البراهمة وغيرهم. وانظر أدلتهم ومناقشتهم والرد عليها في "اللمع ص 39، غاية الوصول ص 95، أصول السرخسي 1/ 283، الإحكام للآمدي 2/ 23، نهاية السول 2/ 273، كشف الأسرار 2/ 361، المسودة ص 235".
2 في ز ش ب: يوجد.
3 في ش: التوالد. والتولد هو إيجاد المخلوق بلا أب ولا أم، مثل: الحيوان المتولد من الماء الراكد في الصف. أما التوالد فهو فعل مشترك بين شخصي الذكر والأنثى.
"انظر: التعريفات للجرجاني ص 72، المسودة ص 235، الإحكام للآمدي 2/ 23، المعتبر في الحكمة 2/ 266".
4 لفظة الجلالة غير موجودة في ع ض.
5 ساقطة من ز ش.
6 ساقطة من ض.
(2/328)

الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبَيْنِ1 فَصَاعِدًا، أَوْ2 لأَنَّهَا تُعْدَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَالْمَعْدُومُ لا يُؤَثِّرُ.
فَقِيلَ: يَجُوزُ تَأْثِيرُ الأَخِيرِ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ مَا قَبْلَهُ وَانْعِدَامِهِ أَيْضًا. فَهُوَ وَارِدٌ فِي إفَادَتِهِ التَّوَلُّدَ3.
"وَهُوَ" أَيْ التَّوَاتُرُ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ "لَفْظِيٌّ" وَهُوَ مَا اشْتَرَكَ عَدَدُهُ فِي لَفْظٍ بِعَيْنِهِ4. وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" 5 فَإِنَّهُ قَدْ
__________
1 في ز ش ع: شيئين.
2 في ب: و.
3 انظر مناقشة ذلك في "الإحكام للآمدي 2/ 23 وما بعدها".
وقد اشترط العلماء في خبر التواتر ليفيد العلم شروطاً عدة، منها: أن يكون المخبرون عدداً لا يصح منهم التواطؤ على الكذب، وأن يستوي طرفاه ووسطه، وأن يكون الخبر في الأصل عن مشاهدة أو سماع مباشر، وغير ذلك.
"انظر: فواتح الرحموت 2/ 115، تيسير التحرير 3/ 34، كشف الأسرار 2/ 360، المستصفى 1/ 134، الإحكام للآمدي 2/ 25، شرح تنقيح الفصول ص 353، نهاية السول 2/ 270، مناهج العقول 2/ 266، المحلي على جمع الجوامع 2/ 123، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 53، المعتمد 2/ 558، 561، مقدمة ابن الصلاح ص 135، المسودة ص 235، شرح نخبة الفكر ص 22، اللمع ص 39، الروضة ص 50، إرشاد الفحول ص 47".
4 "انظر: شرح تنقيح الفصول ص 353، تيسير التحرير 3/ 36، نهاية السول 2/ 274، غاية الوصول ص 95.
5 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم والطبراني والدارمي وغيرهم عن عدد من الصحابة، منهم أنس والزبير وأبو هريرة وعلي وجابر وأبو سعيد وابن مسعود وزيد بن أرقم وخالد بن عرفطة وسلمة بن الأكوع وعقبة بن عامر ومعاوية والسائب بن يزيد وسلمان بن خالد الخزاعي والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.
"انظر: صحيح البخاري 1/ 31، صحيح مسلم 1/ 10، سنن أبي داود 2/ 287، تحفة الأحوذي 7/ 419، سنن ابن ماجه 1/ 13، مسند أحمد 1/ 70، 4/ 245، سنن الدارمي 1/ 76، فيض القدير 6/ 214، النووي على مسلم 1/ 66، المستدرك 1/ 103".
(2/329)

نَقَلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ1.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ2: "يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِثَالاً لِلْمُتَوَاتِرِ مِنْ السُّنَّةِ3". اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوَاتُرَ4 يَكُونُ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِرَاءاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ. وَ5تَقَدَّمَ الْخِلافُ فِي الْعَشْرِ6.
وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهِ كَثِيرٌ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهَا قَلِيلٌ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ نَفَاهُ إذَا كَانَ لَفْظِيًّا، لَكِنَّ الأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ اللَّفْظِيِّ مِنْ السُّنَّةِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ
__________
1 نص العلماء على تواتر هذا الحديث، وأنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون رجلاً من الصحابة. وقال ابن الجوزي: "رواه من الصحابة واحد وستون نفساً". وفي قول: اثنان وستون، وفيهم المشهود لهم بالجنة، ولم يجتمع العشرة على رواية حديث غيره، واستمر عدد رواته في ازدياد في الطبقات التالية على التوالي والاستمرار.
"انظر: مقدمة ابن الصلاح ص 135، فيض القدير 6/ 214، النووي على صحيح مسلم 1/ 68، شرح الورقات ص 183، اللمع ص 39، الموضوعات لابن الجوزي 1/ 56، 65".
2 هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشَّهْرَزوري الشافعي، أبو عمرو، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، تقي الدين. تفقه وبرع في المذهب الشافعي وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وفي التفسير. وكان مشاركاً في عدة علوم، متبحراً في الأصول والفروع. وكان زاهداً جليلاً. وإذا أطلق الشيخ في علم الحديث فالمراد به ابن الصلاح. صنف كتباً كثيرة، منها: "علوم الحديث"، و"شرح مسلم"، و"إشكالات على كتاب الوسيط" في الفقه. توفي بدمشق سنة 643هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 326، طبقات المفسرين 1/ 377، تذكرة الحفاظ 4/ 1430، وفيات الأعيان 2/ 408، طبقات الحفاظ ص 499، البداية والنهاية 13/ 168، شذرات الذهب 5/ 221، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص 220".
3 مقدمة ابن الصلاح ص 135.
4 في ش ز ض: المتواتر.
5 في ب ع: وقد.
6 صفحة 127 وما بعدها.
(2/330)

حَدِيثَ ذِكْرِ حَوْضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ فِي كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُور": أَوْرَدَ رِوَايَتَهُ عَنْ أَزْيَدَ مِنْ ثَلاثِينَ صَحَابِيًّا1. وَأَفْرَدَهُ الْمَقْدِسِيُّ بِالْجَمْعِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَحَدِيثُهُ مُتَوَاتِرٌ بِالنَّقْلِ. وَحَدِيثُ الشَّفَاعَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: بَلَغَ التَّوَاتُرَ2،
__________
1 حديث الحوض رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري وحذيفة وثوبان وأنس وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وغيرهم. قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه، ثم قال: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ البيهقي في كتابه "البعث والنشور" بأسانيده زطرقه المتكاثرات. ثم قال القاضي عياض: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواتراً. وذكر الزين العراقي أن رواته من الصحابة مائة ونيف، ونقل عن ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" أن رواته ثمانية وتسعون نفساً".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 232، 3/ 20، صحيح مسلم 4/ 1792، سنن أبي داود 2/ 538، تحفة الأحوذي 7/ 133، سنن ابن ماجه 2/ 1438، شرح ألفية العراقي 2/ 277، ذخائر المواريث 2/ 20، الموطأ 1/ 29، المنتقى 1/ 70، مسند أحمد 1/ 257، المستدرك 1/ 75، موارد الظمآن ص 646".
2 روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. قال: فيأتون آدم ... الحديث إلى قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع ... الحديث. "صحيح مسلم 1/ 180".ورواه البخاري عن أبي هريرة. "صحيح البخاري 3/ 149".
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم وابن ماجه عن جابر مرفوعاً أن ر سول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". "انظر: مسند أحمد 3/ 213، سنن أبي داود 2/ 537، تحفة الأحوذي 7/ 127، سنن ابن ماجه 2/ 1441، المستدرك 1/ 69".
وقد وردت أحاديث الشفاعة وخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بها، وأنه اختبأ دعوته للشفاعة يوم........=
(2/331)

وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ1. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَاهُ نَحْوُ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا وَاسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ2.
وَأَمَّا التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ مِنْ السُّنَّةِ، وَهُوَ بِأَنْ3 يَتَوَاتَرَ مَعْنًى فِي ضِمْنِ أَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فِيهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَكَثِيرٌ.
"و"َ قِسْمٌ "مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ تَغَايُرُ الأَلْفَاظِ مَعَ الاشْتِرَاكِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ" وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ4 كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَلِكَ "كَحَدِيثِ الْحَوْضِ، وَسَخَاءِ
__________
= القيامة، وأنه صاحب المقام المحمود، في جميع كتب السنة تقريباً بروايات كثيرة، وألفاظ متعددة، وعن عدد كبير من الصحابة، وذكر معظمها القاضي عياض في كتابه القيم "الشفا".
"انظر: الشفا 1/ 216 وما بعدها طبع التجارية، صحيح مسلم 1/ 180 وما بعدها، صحيح البخاري 1/ 115، سنن أبي داود 1/ 126، تحفة الأحوذي 7/ 127، سنن ابن ماجه 2/ 1441، مسند أحمد 2/ 222، 3/ 2، 4/ 437، 5/ 43، المستدرك 1/ 69 وما بعدها، سنن الدارمي 2/ 327، موارد الظمآن ص 642 وما بعدها، فيض القدير 2/ 162، سنن النسائي 2/ 22، النووي على مسلم 3/ 53".
1 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والطبراني والدارمي وابن حبان وغيرهم عن ابن عمر وسعد وحذيفة والمغيرة وجرير وبلال وصفوان وخزيمة وثوبان وأسامة وعمر بن الخطاب وابن أبي عمارة وغيرهم. قال الزين العراقي: "فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة، منهم العشرة". شرح ألفية العراقي 2/ 27".
"انظر: صحيح البخاري 1/ 49، صحيح مسلم 1/ 228، سنن أبي داود 1/ 33، سنن النسائي 1/ 69، تحفة الأحوذي 1/ 313، سنن ابن ماجه 1/ 181، نيل الأوطار 1/ 209، تخريج أحاديث البزدوي ص 152، سنن الدارمي 1/ 181، مسند أحمد 4/ 246، موارد الظمآن ص 71، الموطأ 1/ 38".
2 انظر: شرح ألفية العراقي 2/ 276.
3 في ع: أن.
4 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 353، مختصر ابن الحاجب 2/ 55، مناهج العقول 2/ 270، نهاية السول 2/ 274، المحلي على جمع الجوامع 2/ 119، المسودة ص 235، تيسير التحرير 3/ 36، غاية الوصول ص 95.
(2/332)

حَاتِمٍ1 وَشُجَاعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهَا2.
وَذَلِكَ إذَا كَثُرَتْ الأَخْبَارُ فِي الْوَقَائِعِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا، لَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا بِجِهَةِ التَّضَمُّنِ أَوْ الالْتِزَامِ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَثَلاً الشَّجَاعَةُ أَوْ الْكَرَمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيُسَمَّى الْمُتَوَاتِرَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَذَلِكَ كَوَقَائِعِ حَاتِمٍ فِيمَا يُحْكَى مِنْ عَطَايَاهُ مِنْ فَرَسٍ وَإِبِلٍ وَعَيْنٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِهَا. فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ جُودَهُ فَيُعْلَمُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا بِعَيْنِهِ، وَكَقَضَايَا3 عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حُرُوبِهِ مِنْ أَنَّهُ هَزَمَ فِي خَيْبَرَ كَذَا4، وَفَعَلَ فِي أُحُدٍ كَذَا، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالالْتِزَامِ عَلَى شُجَاعَتِهِ. وَقَدْ تَوَاتَرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْقَطْعِ5.
"وَلا يَنْحَصِرُ" التَّوَاتُرُ "فِي عَدَدٍ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمُحَقِّقِينَ "وَيُعْلَمُ" حُصُولُ الْعَدَدِ "إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ" عِنْدَهُ "وَلا دَوْرَ" إذْ حُصُولُ الْعِلْمِ مَعْلُولُ
__________
1 هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشْرج، من طيئ، كان جواداً شاعراً جيد الشعر، وكان حيث ما نزل عرف منزله، وإذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وقسم ماله بضع عشرة مرة.
"انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 241 تحقيق أحمد شاكر طبع دار المعارف بمصر 1966، شرح شواهد المغني للسيوطي ص 75، والمراجع التي أشير إليها في هامش الكتابين".
2 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/ 55، المحلي على جمع الجوامع 2/ 119، الإحكام للآمدي 2/ 30، فواتح الرحموت 2/ 119، تيسير التحرير 3/ 36، شرح الورقات ص 183، اللمع ص 39.
3 في ض: وقضايا.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 30، نهاية السول 2/ 274، مناهج العقول 2/ 271، العضد على ابن الحاجب 2/ 55، المحلي على جمع الجوامع 2/ 119.
(2/333)

الأَخْبَارِ وَدَلِيلُهُ. كَالشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَعْلُولُ الْمُشْبِعِ1 وَالْمُرْوِي وَدَلِيلُهُمَا2، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ابْتِدَاءً الْقَدْرُ الْكَافِي مِنْهُمَا3.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ4.
نَعَمْ, لَوْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِالْمَخْبَرِ عَنْهُ فِيهَا5 أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ؛ إذْ الظَّنُّ يَتَزَايَدُ بِتَزَايُدِ الْمُخْبِرِينَ تَزَايُدًا خَفِيًّا تَدْرِيجِيًّا. كَتَزَايُدِ النَّبَاتِ وَعَقْلِ الصَّبِيِّ وَنُمُوِّ بَدَنِهِ، وَنُورِ6 الصُّبْحِ وَحَرَكَةِ الْفَيْءِ فَلا يُدْرَكُ7.
__________
1 في ض: الشبع.
2 في ش: ودليلها.
3 في ش: منها.
وانظر: شرح تنقيح الفصول ص 352، أصول السرخسي 1/ 294، نهاية السول 2/ 270، مناهج العقول2/ 266، كشف الأسرار 2/ 361، شرح الورقات ص 181، الروضة ص 50، مختصر الطوفي ص 51-52، إرشاد الفحول ص 47، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
4 انظر أقوال العلماء في تحديد العدد ومناقشة ذلك، وأن التواتر غير محصور في عدد عند الجماهير في "المحلي على جمع الجوامع 2/ 120 وما بعدها، المسودة ص 235، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 54، مناهج العقول 2/ 268، نهاية السول 2/ 271، الإحكام للآمدي 2/ 25 وما بعدها، شرح الورقات ص 181، المستصفى 2/ 134، 137، 138، شرح تنقيح الفصول ص 351 وما بعدها، الإحكام لابن حزم 1/ 94، كشف الأسرار 2/ 361، تيسير التحرير 3/ 34، فواتح الرحموت 2/ 110، 116 وما بعدها، شرح نخبة الفكر ص 19 وما بعدها، شرح الورقات ص 181، إرشاد الفحول ص 47، غاية الوصول ص 95، الروضة ص 50، اللمع ص 40، المعتمد 2/ 561، 565".
5 في ض: فيهما.
6 في ب ع ض: وضوء. وكذا في مختصر الطوفي ص 52.
7 مختصر الطوفي ص 52. وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 26، المستصفى 1/ 137، العضد على ابن الحاجب 2/ 54، كشف الأسرار 2/ 361، المسودة ص 235، اللمع ص 40، الروضة ص 51.
(2/334)

قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَعْلَمُ1 الْعِلْمَ بِالتَّوَاتُرِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَقَلِّ عَدَدِهِ؟
قُلْنَا: كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ الْخُبْزَ مُشْبِعٌ، وَالْمَاءَ مُرْوٍ، وَإِنْ جَهِلْنَا عَدَدَهُ2. اهـ.
"وَيَخْتَلِفُ" الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ "بِاخْتِلافِ الْقَرَائِنِ" أَيْ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ. مِثْلِ الْهَيْئَاتِ الْمُقَارِنَةِ لِلْخَبَرِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْرِيفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَلاخْتِلافِ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ فِي اطِّلاعِهِمْ عَلَى قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ، وَلاخْتِلافِ إدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ لِتَفَاوُتِ الأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ وَلاخْتِلافِ الْوَقَائِعِ عَلَى عِظَمِهَا وَحَقَارَتِهَا3.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ4.
قَالَ فِي "جَمْعِ الْجَوَامِعِ": "وَالصَّحِيحُ ثَالِثُهَا": أَنَّ عِلْمَهُ لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ مُتَّفِقٌ، وَلِلْقَرَائِنِ قَدْ يَخْتَلِفُ5. فَيَحْصُلُ لِزَيْدٍ دُونَ عَمْرٍو6".
وَ7قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: هَلْ يَجِبُ اطِّرَادُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَ، أَوْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ. ثَالِثُهَا - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - أَنَّ عِلْمَهُ مُتَّفِقٌ8، أَيْ يَتَّفِقُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْعِلْمِ بِهِ،
__________
1 في ب ع ص: يعلم.
2 انظر: المستصفى 1/ 138، الإحكام للآمدي 2/ 26، الروضة ص 51.
3 انظر: المستصفى 1/ 135، العضد على ابن الحاجب 2/ 54، غاية الوصول ص 96، الروضة ص 49.
4 انظر هذه الأقوال في "المحلي على جمع الجوامع 2/ 124، غاية الوصول ص 96".
5 انظر: غاية الوصول ص 96.
6 جمع الجوامع 2/ 124.
7 ساقطة من ب.
8 في د: متفق عليه.
(2/335)

وَلا يَخْتَلِفُونَ وَإِنْ كَانَ لاخْتِلافِ قَرَائِنَ بِهِ اضْطَرَبَتْ1. فَقَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ فِيهِ إلاَّ بِانْضِمَامِ قَرِينَةٍ إلَى الْخَبَرِ لَيْسَ مِنْ التَّوَاتُرِ، بَلْ2 لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِمُجَرَّدِ3 رِوَايَتِهِمْ4. اهـ.
"وَيَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُحَقِّقِينَ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالأُرْمَوِيُّ وَالْخُونَجِيُّ5 وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ لا.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: الأَصَحُّ التَّفَاوُتُ. فَإِنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ "الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ" وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلاً فِيهِمَا.
__________
1 في ش: اضطردت.
2 ساقطة من ض.
3 في ش: لمجرد.
4 يميز العلماء في هذا المجال بين القرائن اللازمة والقرائن المنفصلة، وقد حصروا موضوع المسألة في القرائن اللازمة للخبر من أحواله المتعلقة بالعدد، أو بالمخبر به أو بالمخبر عنه. أما القرائن المنفصلة عن الخبر المفيد للعلم فلا تجعل الحديث متواتراً.
"انظر: غاية الوصول ص 96، مختصر الطوفي ص 51".
5 هو محمد بن ناماوار بن عبد الملك، القاضي أفضل الدين، أبو عبد الله الشافعي، الخونجي، الفيلسوف، بالغ في علوم الأوائل حتى تفرد برئاسة ذلك في زمانه، وكان يفتي ويناظر، وولي قضاء القاهرة بعد عزل الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وصنف "الموجز" في المنطق والجمل، و"كشف الأسرار" في الطبيعيات. وشرح مقالة ابن سينا، وغير ذلك. توفي سنة 646، وقيل غير ذلك، ودفن بسفح المقطم.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/ 105، حسن المحاضرة 1/ 541، شذرات الذهب 5/ 237".
(2/336)

قَالَ: وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ الشَّيْخِ1 عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ وَبَيْنَ الْخُونَجِيِّ. فَنَفَى ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ التَّفَاوُتَ وَأَثْبَتَهُ الْخُونَجِيُّ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ قُلْت: كَيْفَ يَنْفِي التَّفَاوُتَ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ الْمُخْبَرُ 2 كَالْمُعَايِنِ 3" وَكَمَا يُفَرَّقُ4 بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ؟ ثُمَّ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ. وَهُوَ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الرُّؤْيَةَ فِي الآخِرَةِ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ الْكَلامُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ نَفْيُ التَّفَاوُتِ؟ اهـ.
"وَيَمْتَنِعُ اسْتِدْلالٌ بِهِ" أَيْ بِالتَّوَاتُرِ "عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ5 بِهِ عِلْمٌ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّوَاتُرُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ آخَرِينَ، امْتَنَعَ الاسْتِدْلال بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ مَنْ حَصَلَ لَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ؛ لأَنَّهُ يَقُولُ: مَا تَدَّعِيهِ مِنْ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَلا أَسْمَعُهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ عِنْدِي6.
"و"َ يَمْتَنِعُ "كِتْمَانُ أَهْلِهِ" أَيْ أَهْلِ التَّوَاتُرِ "مَا" أَيْ شَيْئًا "يُحْتَاجُ إلَى
__________
1 ساقطة من ب.
2 في ش: الخبر. وهو نص رواية ثانية.
3 هذا الحديث رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "ليس الخبر كالمعاينة"، وله تتمة. ورواه أحمد وابن حبان بلفظ: "ليس المعاين كالمُخْبَر". ورواه البغوي والدارقطني في "الأفراد" والضياء في "المختارة" وابن عدي وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد".
"انظر: فيض القدير 5/ 357، كشف الخفا 2/ 168، مسند أحمد 1/ 271، موارد الظمآن ص 510".
4 في ب ع: نفرق. وفي ض: تفرق
5 ساقطة من ش.
6 عبر المجد ابن تيمية عن هذه المسألة بأسلوب آخر فقال: "ولا يشترط للتواتر أن يُجْمِع الناس كلهم على التصديق به، خلافاً لليهود". "المسودة ص 233".
(2/337)

نَقْلِهِ كَـ" امْتِنَاعِ "كَذِبٍ عَلَى عَدَدِهِمْ" أَيْ عَدَدِ الْحَاصِلِ الْعِلْمُ بِهِمْ فِي التَّوَاتُرِ "عَادَةً" أَيْ فِي الْعَادَةِ1.
وَ2هَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ:
الأُولَى: امْتِنَاعُ3 كِتْمَانِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ، خِلافًا لِلرَّافِضَةِ، حَيْثُ قَالُوا: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ4، لاعْتِقَادِهِمْ كِتْمَانَ النَّصِّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ5. وَهَذَا لا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَشَهِدَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ6، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ7 بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ8، يَعْلَمُونَ أَنَّ الإِمَامَةَ يَسْتَحِقُّهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيَكْتُمُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُوَلُّونَ غَيْرَهُ. وَهَذَا9 مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ الَّذِي لا يَرْتَابُ فِيهِ مُسْلِمٌ. وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ بُهْتِ
__________
1 انظر: المسودة ص 235، الروضة ص 51، مختصر الطوفي ص 53.
2 ساقطة من ض.
3 في ش ز ض: في امتناع.
4 في ش ز: على ذلك.
5 انظر: التمهيد للباقلاني ص 165، المسودة ص 235، الروضة ص 51، مختصر الطوفي ص 52، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
6 سيأتي نص الحديث في ذلك في "فصل الصحابي" من هذا المجلد ص 465، 474.
7 ساقطة من ب ع ض.
8 وردت آيات كثيرة في الثناء على الصحابة وبيان فضلهم ورضاء الله عليهم، وقد ذكر المصنف بعضها فيما بعد في "فصل الصحابي"، منها قوله تعالى: {وَالسَّابِقُوْنَ الأَوَّلُوْنَ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِيْنَ اتَّبَعُوْهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوْا عَنْهُ} . التوبة/ 100، وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِيْنَ إِذْ يُبَايِعُوْنَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} . الفتح/ 18. "وانظر: المسودة ص 259".
9 في ب ز ع ض: هذا.
(2/338)

الرَّافِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَسْتَحِقُّونَ1، وَلأَنَّ هَذَا فِي الْقُبْحِ كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: امْتِنَاعُ الْكَذِبِ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ عَادَةً، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ. وَهَذَا مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي جَوَازِ مَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ؛ لأَنَّهُ إذَا جَازَ الْكَذِبُ فَالْكِتْمَانُ أَوْلَى. وَالأَصَحُّ عَدَمُ جَوَازِهِ عَادَةً لا لِذَاتِهِ2، وَلا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ3
"وَلا يُشْتَرَطُ إسْلامُهُمْ" أَيْ4 إسْلامُ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ فِي التَّوَاتُرِ5.
وَاشْتَرَطَ ابْنُ عَبْدَانَ6 مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الإِسْلامَ وَالْعَدَالَةَ أَيْضًا. لأَنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ عُرْضَةٌ لِلْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، لأَفَادَ إخْبَارَ النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ، وَهُوَ
__________
1 في ب: يستحقونه.
2 ساقطة من د ض.
3 انظر: مختصر الطوفي ص 53، المدخل إلى مدخل مذهب أحمد ص 91.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: المستصفى 1/ 140، الإحكام للآمدي 2/ 27، نهاية السول 2/ 261، المحلي على جمع الجوامع 2/ 122، مختصر ابن الحاجب 2/ 55، شرح نخبة الفكر ص 21، كشف الأسرار 2/ 361، تيسير التحرير 3/ 35، غاية الوصول ص 96، اللمع ص 39، الروضة ص 51، شرح الورقات ص 181، مختصر الطوفي ص 52، المسودة ص 234، إرشاد الفحول ص 48، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
6 هو عبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان، الفقيه أبو الفضل، شيخ همذان وفقيهها وعالمها، كان ثقة ورعاً جليل القدر، وممن يشار إليه. له كتاب "شرائط الأحكام"، و"شرح العبادات". توفي سنة 433هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 5/ 65، شذرات الذهب 3/ 251، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص 143".
(2/339)

بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} 1، وَبِالإِجْمَاعِ2.
وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ حُصُولِ شَرْطِ التَّوَاتُرِ لِلاخْتِلالِ3 فِي الطَّبَقَةِ الأُولَى، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَلأَنَّهُمْ4 رَأَوْهُ مِنْ بَعِيدٍ أَوْ بَعْدَ صَلْبِهِ، فَشُبِّهَ لَهُمْ. وَلِلاخْتِلالِ فِي الْوَسَطِ بِقُصُورِ النَّاقِلِينَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاقِلِينَ إلَيْنَا مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ؛ لأَنَّ بُخْتنَصْر5 قَدْ قَتَلَ النَّصَارَى حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاَّ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ.
وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ إخْبَارِ الإِمَامِيَّةِ بِالنَّصِّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ6.
"وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ" بَيْنَ وُقُوعِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَبَيْنَ الإِخْبَارِ.
__________
1 الآية 157 من النساء.
2 وكذلك اشترط البزدوي من الحنفية الإسلام في عدد التواتر.
"انظر: كشف الأسرار 2/ 361، فواتح الرحموت 2/ 118، العضد على ابن الحاجب 2/ 55، الإحكام للآمدي 2/ 27، اللمع ص 39، المسودة ص 234".
3 في ش ز: للاخلال.
4 في ض: ولأنه.
5 هو أحد ملوك الأرض، كان كاتباً عند ملك الجزيرة ليقر الذي نذر؛ لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحن ابنه للزهرة التي يعبدها، ولكن الله أرسل ريحاً فأهلكته، وأفل هو وجيشه، فقتله ابنه، وغضب بختنصر للأب، فقتل الابن واستلم الحكم، وكان أول ملك، ثم غزا بني إسرائيل وانتصر عليهم، ثم رده الله عنهم، ثم فسقوا فجاءهم وانتصر عليهم، وقتل منهم وصلب وجدع، وباع ذراريهم ونساءهم، ومثل بهم، وأسر منهم الكثير، ثم لحق بأرض بابل.
"انظر: المعارف ص 32، 46، 562".
6 انظر: أصول السرخسي 1/ 285، الإحكام للآمدي 2/ 28، المستصفى 1/ 139، فواتح الرحموت 2/ 118، تيسير التحرير 3/ 36، كشف الأسرار 2/ 366، المعضد على ابن الحاجب 2/ 55.
(2/340)

"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "أَنْ لا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ وَلا يُحْصِيَهُمْ عَدَدٌ1".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنْ لا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ وَلا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ2، وَهُوَ بَاطِلٌ. لأَنَّ أَهْلَ الْجَامِعِ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ سُقُوطِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ3 الْمَنَارَةِ، أَوِ4 الْخَطِيبِ عَنْ الْمِنْبَرِ، لَكَانَ إخْبَارُهُمْ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَضْلاً عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ5.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِيهِمْ "اخْتِلافُ نَسَبٍ6 وَ" لا اخْتِلافُ "دِينٍ وَ" لا اخْتِلافُ "وَطَنٍ 7".
قَالَ8 ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ قَوْمٌ اخْتِلافَ النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْوَطَنِ
__________
1 انظر: كشف الأسرار 2/ 361، المحلي على جمع الجوامع 2/ 122، المسودة ص 234، 236، نهاية السول 2/ 271، العضد على ابن الحاجب 2/ 55، فواتح الرحموت 2/ 119، الإحكام للآمدي 2/ 27، المستصفى 1/ 139، الإحكام لابن حزم 1/ 96، غاية الوصول ص 96، مختصر الطوفي ص 52، الروضة ص 51، إرشاد الفحول ص 48، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
2 وممن اشترط ذلك البزدي "انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي 2/ 361".
وقد عرف السرخسي خبر التواتر فقال: "أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم هكذا إلى أن يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم. أصول السرخسي 1/ 282". فاشترط في التعريف تباين الأمكنة.
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/ 27، العضد على ابن الحاجب 2/ 55".
3 في ب ع ض: عن.
4 في ب: و.
5 انظر: كشف الأسرار 2/ 361، الإحكام للآمدي 2/ 27، الروضة ص 51، مختصر الطوفي ص 52.
6 انظر: المستصفى 1/ 139، فواتح الرحموت 2/ 119، نهاية السول 2/ 271، غاية الوصول ص 96.
7 انظر: فواتح الرحموت 2/ 119، نهاية السول 2/ 271، الإحكام للآمدي 2/ 27، المستصفى 1/ 139، العضد على ابن الحاجب 2/ 55، مختصر الطوفي ص 52، إرشاد الفحول ص 48، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
8 في ض: قاله.
(2/341)

لِتَنْدَفِعَ1 التُّهْمَةُ2، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ التُّهْمَةَ لَوْ حَصَلَتْ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ، سَوَاءٌ كَانُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ نَسَبٍ وَاحِدٍ وَفِي3 وَطَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وَإِنْ ارْتَفَعَتْ حَصَلَ الْعِلْمُ كَيْفَ كَانُوا.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "إخْبَارُهُمْ طَوْعًا4". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ قَوْمٌ إخْبَارَهُمْ طَوْعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الصِّدْقَ لا يَمْتَنِعُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِلاَّ فَاتَ5 الشَّرْطُ6.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "أَنْ لا يَعْتَقِدَ" الْمُخْبِرُ "خِلافَهُ" أَيْ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ7.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ - وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُوسَوِيُّ8 - عَدَمَ اعْتِقَادِ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ. قَالَ: لأَنَّ اعْتِقَادَ النَّقِيضِ مُحَالٌ
__________
1 في ب: لتدفع.
2 وهو ما اشترطه البزدوي. "انظر: كشف الأسرار 2/ 27، أصول السرخسي 2/ 27".
3 في ش ز ع: في.
4 اشترط الخطيب البغدادي في خبر التواتر أن لا يدخله أسباب القهر والغلبة.
"انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص 16". وانظر: المستصفى 1/ 140، الإحكام للآمدي 2/ 28، إرشاد الفحول ص 48.
5 في ع ض: لفات.
6 انظر: الإحكام للآمدي 2/ 28.
7 انظر: مختصر الطوفي ص 52، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
8 هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف المرتضى، أبو القاسم، وهو أخو الشريف الرضي. كان أبو القاسم نقيب الطالبيين، وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر وأصول الفقه، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين. وله ديوان شعر كبير. واختلف الناس في "نهج البلاغة" هل هو الذي جمعه أم الشريف الرضي؟ والغالب أنه ليس من كلام علي، وإنما هو من كلام من جمعه. ومن مصنفات المرتضى: "الغرر والدرر" في اللغة والنحو، و"الذخيرة" في الأصول، و"الذريعة" في أصول الفقه، و"الشيب والشباب"، وكتاب "النقض على ابن جني"، و"طيف الخيال"، و"ديوان شعر". توفي سنة 436هـ ببغداد.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/ 3، شذرات الذهب 3/ 256، بغية الوعاة 3/ 256، إنباه الرواة 2/ 249، مرآة الجنان 3/ 55، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 383، تاريخ بغداد 11/ 402".
(2/342)

وَالطَّارِئُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْتَقِرِّ، فَلا يَرْفَعُهُ. وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا، بَلْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ سَوَاءٌ كَانَ السَّامِعُ يَعْتَقِدُ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ أَوْ لا. فَلا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ عَلَى ذَلِكَ1.
"وَمَنْ حَصَلَ بِخَبَرِهِ عِلْمٌ بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ حَصَلَ2" الْعِلْمُ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْخَبَرِ "بِغَيْرِهَا" أَيْ بِغَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ "لآخَرَ" أَيْ لِشَخْصٍ آخَرَ3.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ4 وَالْبَاقِلاَّنِيّ: مَنْ حَصَلَ بِخَبَرِهِ عِلْمٌ بِوَاقِعَةٍ5 لِشَخْصٍ حَصَلَ بِمِثْلِهِ بِغَيْرِهَا لِشَخْصٍ آخَرَ6 صَحِيحٍ.
__________
1 انظر: مختصر الطوفي ص 52.
2 في ع: حصل له.
3 انظر: المستصفى 1/ 135، الإحكام للآمدي 2/ 29، الروضة ص 49، غاية الوصول ص 96، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90.
4 في جميع النسخ: الحسن، وهو خطأ.
وأبو الحسين هو البصري المعتزلي القاضي، صاحب "المعتمد"، وقد نص الآمدي على ذلك فقال: "ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيداً للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه". "الإحكام للآمدي 2/ 29".
5 في ب: واقعة.
6 انظر: المعتمد 2/ 561، 563، 564.
(2/343)

ثُمَّ قَالَ: إنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَلأَجْلِ هَذَا قُلْنَا "مَعَ تَسَاوٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ".
قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ عَادَةً.
وَسَبَقَهُ بِاشْتِرَاطِ التَّسَاوِي ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ1.
__________
1 والتساوي يكون في المخبرين والخبر والمخبَر. وهذا ما صرح به ابن الحاجب والعضد، وهو مضمون كلام الآمدي. واشترط الغزالي تجرد الخبر عن القرائن. أما إذا حفت به القرائن فإن الوقائع والأشخاص تختلف.
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/ 55، الإحكام للآمدي 2/ 29-30، المستصفى 1/ 135، فواتح الرحموت 2/ 117، تيسير التحرير 3/ 35".
(2/344)

فصل: خبر الآحاد
...
"فَصْلٌ" "وَمِنْ الْخَبَرِ آحَادٌ"
وَمِنْ الْخَبَرِ آحَادٌ جَمْعُ أَحَدٍ. كَأَبْطَالٍ جَمْعُ بَطَلٍ، وَهَمْزَةُ أَحَدٍ: مُبْدَلَةٌ مِنْ الْوَاوِ1، وَأَصْلُ آحَادٍ أَأْحَادٌ بِهَمْزَتَيْنِ، أُبْدِلَتْ الثَّانِيَةُ أَلِفًا كَآدَمَ2.
"وَهُوَ" أَيْ خَبَرُ الآحَادِ فِي الاصْطِلاحِ "مَا عَدَا الْمُتَوَاتِرَ3" عِنْدَ ابْنِ الْبَنَّاءِ، وَالْمُوَفَّقِ وَالطُّوفِيِّ وَجَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلا وَاسِطَةَ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالآحَادِ4. "فَدَخَلَ" فِي الآحَادِ مِنْ الأَحَادِيثِ مَا عُرِفَ بِأَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ5،
__________
1 في ب: الواحد. وفي ض: واو.
2 انظر: القاموس المحيط 1/ 283، المصباح المنير 1/ 13، 2/ 1007.
3 انظر تعريف خبر الآحاد في "التعريفات للجرجاني ص 101، الكفاية للخطيب ص 16، الكافية في الجدل ص 56، شرح تنقيح الفصول ص 356، المحلي على جمع الجوامع 2/ 129، المستصفى 1/ 145، نهاية السول 2/ 281، مناهج العقول 2/ 279، شرح نخبة الفكر ص 51، الإحكام للآمدي 2/ 31، مختصر ابن الحاجب 2/ 55، شرح الورقات ص 184، فواتح الرحموت 2/ 110، تيسير التحرير 3/ 37، كشف الأسرار 2/ 370، غاية الوصول ص 97، إرشاد الفحول ص 48، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91".
4 انظر: الإحكام لابن حزم 1/ 97، شرح الورقات ص 184، الروضة ص 46، 48، اللمع ص 40، مختصر الطوفي ص 53، إرشاد الفحول ص 48.
5 يرى الجمهور أن خبر الآحاد أقسام، منها خبر الواحد، ومنها الخبر المستفيض الذي عرفه المؤلف، ومنها المشهور، وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث، وكان رواته في الطبقة الأولى واحداً فأكثر، وجعل الجصاص الحنفي الحديث المشهور قسماً من المتواتر ووافقه بعض الحنفية. وذهب جمهور الحنفية إلى أن المشهور قسيمٌ للمتواتر. وقال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي: "وقد يسمى المستفيض مشهوراً". وقسم القرافي الأخبار إلى متواتر وآحاد وما ليس بمتواتر ولا آحاد.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص 349، غاية الوصول ص 97، الإحكام للآمدي 2/ 31، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 2/ 129 وما بعدها، شرح نخبة الفكر ص 31 كشف الأسرار 2/ 368، 3/ 59، نهاية السول 2/ 281، تيسير التحرير 3/ 37، أصول السرخسي 1/ 291 وما بعدها، فواتح الرحموت 2/ 111، إرشاد الفحول ص 49، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91 وما بعدها".
(2/345)

وَهُوَ مَا زَادَ نَقْلَتُهُ عَلَى ثَلاثَةٍ" عُدُولٍ. فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً فَصَاعِدًا فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَجَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ"1. وَقِيلَ: مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى الاثْنَيْنِ2.
وَقِيلَ: مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى وَاحِدٍ. فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ3 وَأَبُو حَاتِمٍ4 الْقَزْوِينِيُّ5.
__________
1 وهو قول الأصوليين.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/ 31، نهاية السول 2/ 281، مختصر ابن الحاجب 2/ 55، غاية الوصول ص 97، تدريب الراوي 2/ 173، إرشاد الفحول ص 49".
2 وهو قول المحدثين.
"انظر: تدريب الراوي 2/ 173، شرح نخبة الفكر ص 30، تيسير التحرير 3/ 37، غاية الوصول ص 97".
3 هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الذي قال في "التنبيه": أقل ما ثبت به الاستفاضة اثنان، وتبعه الشيخ زكريا الأنصاري، ولعل المقصود أبو إسحاق الإسفراييني.
"انظر: غاية الوصول ص 97، إرشاد الفحول ص 49، المحلي على جمع الجوامع 2/ 129، التنبيه ص 162".
4 هو محمود بن الحسن بن محمد الطبري، المعروف بالقزويني، أبو حاتم، ينتهي نسبه إلى أنس بن مالك رضي الله عنه. وهو شيخ أبي إسحاق الشيرازي، تفقه على الشيخ أبي حامد ببغداد، وأخذ الأصول عن أبي بكر الباقلاني. وكان حافظاً للمذهب والخلاف، صنف كتباً كثيرة في المذهب والخلاف والأصول والجدل، منها: "تجريد التجريد" الذي ألفه رفيقه المحاملي. توفي سنة 414هـ وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 5/ 312، تهذيب الأسماء 2/ 207، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 130، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص 145، تبيين كذب المفتري ص 260".
5 في ز ش: القزوينيين.
(2/346)

وَقِيلَ: هُوَ الشَّائِعُ عَنْ أَصْلٍ1. قَالَهُ فِي "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" وَغَيْرِهِ2.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَا ارْتَفَعَ عَنْ ضَعْفِ الآحَادِ، وَلَمْ يَلْتَحِقْ بِقُوَّةِ التَّوَاتُرِ3.
"وَيُفِيدُ" الْحَدِيثُ الْمُسْتَفِيضُ الْمَشْهُورُ "عِلْمًا نَظَرِيًّا".
نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ فُورَكٍ4.
وَقِيلَ: يُفِيدُ الْقَطْعَ5.
__________
1 في ض: أصله.
2 انظر: جمع الجوامع 2/ 129، غاية الوصول ص 97، إرشاد الفحول ص 49.
3 الفرق بين الخبر المتواتر والخبر المشهور أن جاحد الخبر المتواتر كافر باتفاق، وجاحد الخبر المشهور مختلف فيه. فقال الجرجاني يكفر، وهو ما نقله الكمال بن الهمام عن الجصاص، بينما نقل ابن عبد الشكور وصدر الشريعة عنه أنه لا يكفر. وقال ابن عبد الشكور: "والاتفاق على أن جاحده لا يكفر، بل يضلل". وهو ما جاء فيه "كشف الأسرار" أيضاً، وأساس الاختلاف هو اختلافهم في المشهور هل يفيد علم يقين أم علم طمأنينة؟ على قولين. أما جاحد خبر الآحاد فلا يكفر عند الأكثرين، كما سيذكره المصنف صفحة 352.
وقد ذكر علماء الحديث وأصول الفقه تعريفات كثيرة للخبر المستفيض والمشهور.
"انظر: الكافية في الجدل ص 55، أصول السرخسي 1/ 292، 293، فواتح الرحموت 2/ 111، تيسير التحرير 3/ 37- 38، تدريب الراوي 2/ 173، حاشية البناني على جمع الجوامع 2/ 129، التعريفات للجرجاني ص 102، 229، أصول البزدوي وكشف الأسرار 2/ 367، 368، 369، شرح نخبة الفكر ص 47، جامع بيان العلم 2/ 42، المسودة ص 245، 248".
4 وهو قول أبي بكر الجصاص.
"انظر: تيسير التحرير 3/ 38، فواتح الرحموت 2/ 111، جمع الجوامع 2/ 130، المسودة ص 240، غاية الوصول ص 97".
5 قال ابن عبد الشكور: "ويوجب ظنًَّا كأنه اليقين". وقال الأنصاري شارح "مسلم الثبوت": "ويسمى هذا الظن علم الطمأنينة". "مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت 2/ 112".
وانظر: كشف الأسرار 2/ 368، تيسير التحرير 3/ 38.
(2/347)

"وَغَيْرُهُ" أَيْ وَغَيْرُ الْمُسْتَفِيضِ مِنْ الأَحَادِيثِ "يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ" عِنْدَ الأَكْثَرِ لاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى مَا دُونَ عَدَدِ رُوَاةِ الْمُسْتَفِيضِ لِقُرْبِ احْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْخَطَإِ عَلَى عَدَدِهِمْ الْقَلِيلِ1.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَالطُّوفِيُّ وَجَمْعٌ: إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ2.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَصَحُّ3.
__________
1 ذكر الآمدي حجج هذا القول وناقشها وردها. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 32 وما بعدها.
وانظر: كشف الأسرار 2/ 370، فواتح الرحموت 2/ 121، العضد على ابن الحاجب 2/ 56، المحلي على جمع الجوامع 2/ 130، توضيح الأفكار 1/ 25، المسودة ص 240، 244، مناهج العقول 2/ 279، المستصفى 1/ 145، شرح تنقيح الفصول ص 356، الروضة ص 52، اللمع ص 40، غاية الوصول ص 97، مختصر الطوفي ص 53، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91.
2 وهو قول إمام الحرمين والغزالي والآمدي والنظام والرازي وابن الحاجب والبيضاوي والسبكي، وأيده شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، واحتج له الآمدي بحجج كثيرة، وشرح هذه الحجج أبو الحسين البصري.
قال الشوكاني: "وقيل لا يفيده، وهذا خلاف لفظي؛ لأن القرائن إن كانت قوية بحيث يحصل لكل عاقل عندها العلم كان من المعلوم صدقه. إرشاد الفحول ص 50".
انظر: المستصفى 2/ 136، نهاية السول 2/ 262، المعتمد 2/ 566، تيسير التحرير 3/ 76، المحصول 1/ 285، المسودة ص 240، 243، اللمع ص 40، الورقات وشرحها ص 184، شرح تنقيح الفصول ص 354، 357، الإحكام للآمدي 2/ 32، 37، فواتح الرحموت 2/ 121، مناهج العقول 2/ 279، توضيح الأفكار 1/ 26، مختصر ابن الحاجب 2/ 55، جمع الجوامع 2/ 130، غاية الوصول ص 97، الروضة ص 52، مختصر الطوفي ص 51، المدخل إلى مذهب أحمد ص 90.
3 قال الشوكاني: "وقال أحمد بن حنبل: إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في "الإحكام" عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي، وقال: وبه نقول. وحكاه ابن خواز منداد عن مالك بن أنس، واختاره، وأطال في تقريره، ونقل عن القفال أنه يوجب العلم الظاهر". "إرشاد الفحول ص 48". واستدلوا على القول بأنه يفيد العلم مطلقاً أنه يجب العمل به. وبين صاحب "كشف الأسرار" أن الإمام أحمد قال: إن خبر الآحاد يفيد العلم ضرورة. وقال داود: إنه يفيد العلم استدلالاً". "كشف الأسرار 2/ 371".........=
(2/348)

لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْقَرَائِنُ لا يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِعَادَةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِمَا تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ، كَسُكُونِهَا إلَى الْمُتَوَاتِرِ 1أَوْ قَرِيبٍ1 مِنْهُ بِحَيْثُ لا يَبْقَى فِيهَا احْتِمَالٌ عِنْدَهُ.
"إلاَّ إذَا نَقَلَهُ" أَيْ نَقَلَ غَيْرَ الْمُسْتَفِيضِ "آحَادُ الأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ" أَيْ عَلَى إمَامَتِهِمْ "مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ وَتُلُقِّيَ" الْمَنْقُولُ "بِالْقَبُولِ فَالْعِلْمُ" أَيْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ "فِي قَوْلٍ2".
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلامِ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الأُصُولِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ3 أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ4، وَعَمَلاً بِهِ
__________
= وانظر: أصول السرخسي 1/ 321، 329، الإحكام لابن حزم 1/ 107- 125، الإحكام للآمدي 2/ 32، المسودة ص 240، 244 وما بعدها، فواتح الرحموت 2/ 121، 122 وما بعدها، تيسير التحرير 3/ 76، مناهج العقول 2/ 279، المعتمد 2/ 566، 570، توضيح الأفكار 1/ 25، العضد على ابن الحاجب 2/ 56، جمع الجوامع 2/ 130، الكفاية للخطيب البغدادي ص 25- 26، غاية الوصول ص 97.
وقال ابن بدران: "إنه يفيد العلم في قول لأحمد، وحمله بعض العلماء على أخبار مخصوصة". المدخل إلى مذهب أحمد ص 91".
1 في ز ش: وقربت.
2 وهو قول الخطيب البغدادي، ورجحه الشوكاني.
"انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص 17، إرشاد الفحول ص 49، المعتمد 2/ 547، توضيح الأفكار 1/ 96، 121، المسودة ص 240، 243، غاية الوصول ص 97، الروضة ص 52، مختصر الطوفي ص 53، المدخل إلى مذهب أحمد ص 91".
3 في ض: وابن حمد.
4 ساقطة من ب ع ض.
(2/349)

يُوجِبُ الْعِلْمَ إلاَّ فِرْقَةً قَلِيلَةً اتَّبَعُوا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ1.
وَالأَوَّلُ: ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالسَّرَخْسِيُّ2 وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ3 وَالسَّلَفُ وَأَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّة