Advertisement

مختصر التحرير شرح الكوكب المنير 003


المجلد الثالث
باب الأمر
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابٌ الأمر:
"الأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ1"
لَمَّا كَانَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ: السَّنَدُ، وَالْمَتْنُ2. وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى السَّنَدِ3 أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْمَتْنِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَتْنُ مِنْهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَعَامٌّ وَخَاصٌّ وَمُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ وَمُجْمَلٌ وَمُبَيَّنٌ وَظَاهِرٌ وَمُؤَوَّلٌ وَمَنْطُوقٌ وَمَفْهُومٌ. بَدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالأَمْرِ ثُمَّ بِالنَّهْيِ، لانْقِسَامِ الْكَلامِ إلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، لا بِاعْتِبَارِ الدَّلالَةِ وَالْمَدْلُولِ.
فَالأَمْرُ لا يَعْنِي بِهِ مُسَمَّاهُ، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الأَخْبَارِ عَنْ الأَلْفَاظِ: أَنْ يَلْفِظَ بِهَا وَالْمُرَادُ مُسَمَّيَاتُهَا، بَلْ لَفْظَةُ الأَمْرِ هُوَ أَمْرٌ4، كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ مُبْتَدَأٌ، وَضَرَبَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفِي حَرْفُ جَرٍّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ. وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ5.
__________
1 إن باب الامر والنهي من الابواب المهمة في أصول الفقه، لأنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب إلى المكلفين، ولذلك أهتم بها علماء الأصول بالتوضيح والبيان لتمحيص الأحكام الشرعية، وجعلهما كثير من المؤلفين في مقدمة كتب الأصول.
قال الإمام السرخي: "فأحق ما يبدأ به في البيا، الأمر وال، هي، لأ، معظم الابتلا بها، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميزالحلال م، الحرام" "أصول السرخي 1/11 ".
وانظر: الم، خول ص 98، التبصرة ص17، العدة1/213.
2 في ش ز: في المت،.
3 المجلد الثاني صفحة 287 - 582
4 في ش ز ض: وهو أمر.
5 انظر: الإحكام للآمدي 2/130، المحصول ج1ق2/7، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/366، م، اهج العقول 2/2،،هاية السول2/6، القواعد والفوائد الأصولية 158، مختصر الطوفي ص84، كشف الاسرار1/101، التوضيح على التنقيح 2/46، تيسير التحرير 1/224، فواتح الرحموت 1/367، العضد على ابن الحاجب 2/76، التمهيد ص72، إرشاد الفحول ص91، مباحث الكتاب والسنة ص109، المعتمد 1/45.
(3/5)

"وَ"هُوَ أَيْضًا "نَوْعٌ مِنْ" أَنْوَاعِ "الْكَلامِ" لأَنَّ الْكَلامَ هُوَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ بِالإِسْنَادِ عَلَى إفَادَةِ مَعَانِيهَا. فَنَوْعٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ الأَسْمَاءِ فَقَطْ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمَاضِي1 وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ فِعْلِ الأَمْرِ وَفَاعِلِهِ2.
ثُمَّ الأَمْرُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ3 عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ4. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: "وَمَجَازٌ فِي الْفِعْلِ" وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} 5 أَيْ فِي الْفِعْلِ
__________
1. ساقطة من ض.
2. انظر: أصول السرخي 1/11، البرهان للجوني 1/199، الأحكام للآمدي 2/130، المنخول ص 98، المستصفى 1/411، العبادي على الوقات ص 60.
3. يرى بعض العلماء أن إطلاق الأمر على الفعل حقيقة، ويكون الأمر مشتركاً بينهما، واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} ، وفرعوا على ذلك أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على اللإيجاب ضرورة أنه أمر.
انظر أدلة هذا الرأي مع مناقشته في "نهاية السول 2/8، الأحكام للآمدي 2/131، المحصول ج1 ق2/7،10، المعتمد 1/45، 47، 56، شرح تنقيح الفصول ص 126، التوضيح على التنقيح 2/46، التلويح على التوضيح 2/47، العضد على ابن الحاجب 2/76، اللمع ص 7، فتح الغفار 1/28، كشف الأسرار 1/102، وما بعدها، تيسير التحرير 1/334 وما بعدها، إرشاد الفحول ص 91".
4. انظر آراء العلماء في إطلاق الأمر على الفعل مجازاً في "المسودة ص 16، مختصر البعلي ص 97، القواعد والفوائد الأصولية ص158، العدة 1/223، الإحكام للآمدي 1/131، جمع الجوامع 1/366، العضد على ابن الحاجب 2/76، اللمع ص 7، شرح تنقيح الفصول ص 126، التوضيح على التنقيح 2/46، تيسير التحرير 1/334، المعتمد 1/45، فواتح الرحموت 1/367، أصول السرخسي 1/11، فتح الغفار 1/28".
5 الآية 159 من آل عمران.
(3/6)

وَنَحْوِهِ1. وقوله تعالى: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} 2 وقوله تعالى: {حَتَّى إذَا جَاءَ أَمْرُنَا} 3.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا4 وَيُرَادُ بِهِ الشَّأْنُ5. وَمِنْهُ قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} 6 أَيْ: شَأْنُهُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُبَاشِرٌ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ كَقوله تعالى: {إنَّمَا قَوْلُنَا 7 لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} 8
وَيُطْلَقُ أَيْضًا وَيُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ9، نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
"لأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ"10
أَيْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
__________
1 ساقطة من ض.
2 الآية 73 من هود.
3 الآية 40من هود.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: أصول السرخسي 1/12، شرح تنقيح الفصول ص 126.
6 الآية 97 من هود.
7 في ب ز ع ض: أمرنا، ولا يوجد في القرآن آية بهذا اللفظ "انما أمرنا ... "، ولعل المقصود الآية 82 من سورة يس: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
8 الاية 40 من النحل.
9 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 127.
10 هذا عجز بيت من الوافر، لأنس بن مدركة الخثعمي، وصدره:
عزمت على إقامة ذي صباحٍ
وقد استشهد به سيبويه في "الكتاب" والمبرد في "المقتضب" وابن جني في "الخصائص" وابن الشجري في "أماليه" وابن يعيش الحلبي في "شرح المفصل" وابن عصفور في "المقرب" والبغدادي في "خزانة الأدب".
" انظر: معجم شواهد العربية 1/106، شرح أبيات سيبويه للسيرافي 1/388"
(3/7)

وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ كَقَوْلِهِمْ: تَحَرَّكَ الْجِسْمُ لأَمْرٍ، أَيْ لِشَيْءٍ1.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقَةِ 2بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَعَلَى الْقَصْدِ وَالْمَقْصُودِ.
وَقِيلَ إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ والْقَوْلِ بِالاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لأَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا3
وَقِيلَ مُتَوَاطٍ فَهُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ وَالْمَجَاز4ِ
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْكِفَايَةِ" إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالشَّأْنِ وَالطَّرِيقَةِ وَنَحْوِهِ5.
__________
1. انظر: شرح تنقيح الفصول ص 126.
2. ساقطة من ش ز.
3. انظر أصحاب هذا القول وأدلتهم ومناقشاتها في "العضد على ابن الحاجب 2/76، نهاية السول 2/8/ جمع الجوامع 1/367، شرح تنقيح الفصول ص126، فواتح الرحموت 1/367، كشف الأسرار 1/102، التوضيح على التنقيح 2/46، تيسير التحرير 1/334، التمهيد ص 73، القواعد والفوائد الأصولية ص 158، مباحث الكتاب والسنة ص 109".
4 وهو اختيار الآمدي، وقال التفتازاني عن هذا القول:"وهو قول حادث مخالف للإجماع، فلم يلتفت إليه".
"انظر: التلويح على التوضيح 2/46، الإحكام للآمدي 2/137، العضد على ابن الحجاب 2/76، جمع الجوامع 1/367، فواتح الرحموت 1/367، تيسير التحرير 1/334، مختصر البعلي ص 67".
5 ذهب إلى ذلك أبو الحيسن البصري، بينما أنكر القاضي ذلك في كتابه "العدة" فقال: "الفعل لا يسمى أمراً ... حقيقة".
"انظر: المسودة ص 16، العدة 1/223، المعتمد 1/45، الإحكام للآمدي 2/131، المحصول ? 1 ق2/7،14، نهاية السول 2/9، جمع الجوامع 1/367، التلويح على التوضيح 2/46، مختصر البعلي ص97، القواعد والفوائد الأصولية ص152، 158، إرشاد الفحول ص 91".
(3/8)

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَلِيمِ1،وَالِدُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: "هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِمَنْ أَنْصَفَ"2.اهـ.
وَاسْتَدَلَّ لَلْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ-وَهُوَ كَوْنُ الأَمْرِ مَجَازًا فِي غَيْرِ الْقَوْلِ الْمَخْصُوص- بِأَنَّ الْقَوْلَ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الإِطْلاقِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصُّ، لأَنَّ الأَعَمَّ لا يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الاشْتِرَاكُ3 وَالاطِّرَادُ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَلا يُقَالُ لِلآكِلِ آمِرٌ، وَلا يُشْتَقُّ لَهُ مِنْهُ أَمْرٌ4، وَلا مَانِعَ،
__________
1 هو عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، ابن تيمية، الحراني، شهاب الدين، أبو المحاسن، والد شيخ الاسلام تقي الدين احمد بن عبد الحليم، وهو ابن الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن تيمية، سمع عبد الحليم من والده، وقرأ عليه المذهب حتى اتقنه، ورحل إلى حلب في طلب العلم، ثم صار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه، ودرّس وأفتى وصنف، وكان محققاً لما ينقله، ديناً، متواضعاً، حسن الخلق، جواداً، وقدم دمشق، قال الذهبي: "وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس" يشير إلى والده وابنه، له تعاليق وفوائد، وصنف في علوم شتى، توفي سنة 680هـ بدمشق، ودفن بسفح قاسيون.
انظر ترجمته في ذيل "طبقات الحنابلة 2/310، شذرات الذهب 5/376، البداية والنهاية 13/303.
2 المسودة ص 16، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 162.
3 أي يكون كل فعل أمراً باطراد، وأن الأمر يقع على آحاد الأفعال، والواقع أن ذلك غير مطرود، فلا يقال للأكل والشرب أمر. "انظر: المعتمد 1/46، الإحكام للآمدي 2/131، المحصول ج1 ق 2/7، فواتح الرحموت1/368، العضد على ابن الحاجب 2/6، إرشاد الفحول ص 91، العدة 1/223".
وفي ش: لا طرد، وفي ز عِ: ولا طرد.
4 يوضح ذلك السرخسي فيقول: "ألا ترى أنه لا يقولون للآكل والشارب آمراً، فبهذا تبين أن اسم الأمر لا يتناول الفعل حقيقة، كما لا يقال: "الأمر" اسم عام يدخل تحته المشتق وغيره، لأن الأمر مشتق في الأصل، فإنه يقال: أمر يامر أمراً، فهر آمر، وماكان مشتقاً في الأصل لا يقال إنه يتناول المشتق وغيره حقيقة" "أصول السرخسي 1/12".
"وانظر: التلويح على التوضيح 2/47 وما بعدها، كشف الأسرار1/105 وما بعدها، تيسير التحرير 1/336، فواتح الرحموت1/368، المعتمد 1/47، الإحكام للآمدي 2/131، 135، المحصول? 1 ق2/8، العدة 1/223".
(3/9)

وَلاتَّحَدَ1 جَمْعَاهُمَا2، وَلَوُصِفَ بِكَوْنِهِ مُطَاعًا وَمُخَالِفًا، وَلِمَا صَحَّ نَفْيُهُ3.
"وَ"أَمَّا "حَدُّهُ" أَيْ حَدُّ الأَمْرِ فِي الاصْطِلاحِ فَهُوَ "اقْتِضَاءُ" مُسْتَعْلٍ مِمَّنْ دُونَهُ فِعْلاً بِقَوْلٍ "أَوْ اسْتِدْعَاءِ مُسْتَعْلٍ" أَيْ عَلَى جِهَةِ الاسْتِعْلاءِ "مِمَّنْ" أَيْ مِنْ شَخْصٍ "دُونَهُ فِعْلاً" مَعْمُولُ اسْتِدْعَاءِ "بِقَوْلٍ" مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِدْعَاءِ4.
__________
1 في ع: لا اتحد، وفي د: وإلا اتحد.
2 استدل بعض علماء الأصول على كون الأمر مجازاً في الفعل وليس حقيقة بأن العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول، فتجمعه على"أوامر"، وبين جمع المر الذي هو الفعل، فتجمعه على "أمور" وهذا يدل على أن الأمر ليس حقيقة في الفعل، وقال ابن عبد الشكور- مستدلاً على كون الأمر حقيقة في القول مجازاً في الفعل وأنه غير مشترك فيهما-: وثالثاً بلزوم اتحاد الجمع" على تقدير الاشتراك اللفظي"، مع أن في الفعل "أمور"، وفي القول "أوامر"، ثم قال: ولك أن تعارض بأنه لولا الاشتراك لم يختلف الجمع، وقد اختلف. "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1/368".
واعترض الأصوليين على هذا الاستدلال فقال أبو الحسين البصري:" انه قد حكي عن أهل اللغة أن "الأمر" لا يجمع "أوامر" لا في القول ولا في الفعل، وأن "أوامر" جمع "آمرة"، وأن "أمر" و"أمور" يقع كل منهما موقع الآخر إن استعمل في الفعل، وليس أحدهما جمعاً للآخر"، ثم قال: "وأن اختلاف جمعيهما ليس، بأن يدل على أنه حقيقة فيهما، بأولى من أن يدل على أنه مجاز في أحدهما وحقيقة في الآخر المعتمد1/48".
" وانظر: أصول السرخسي 1/12، تيسير التحرير1/336، إرشاد الفحول ص 91".
3. أي ماكان مستعملاً بطريق المجاز يجوز نفيه عنه، أما ماكان مستعملاً بطريق الحقيقة فلا يصبح نفيه عنه، كالأب فهو حقيقة للأب الأدنى فلا بجوز نفيه عنه، ومجاز للجد فيجوز نفيه عنه بإثبات غيره، وأنه يجوز نفي الأمر عن الفعل وغيره، كما لو قال إنسان: ماأمرت اليوم بشيء، كان صادقاً، وإن كان قد فعل أفعالاً.
"وانظر: أصول السرخسي 1/13، التلويح على التوضيح 2/48، تيسير التحرير1/335، 337، كشف الأسرار 1/102، المحصول ? 1 ق2/9 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع 1/366، العدة 1/223، إرشاد الفحول ص91".
4 انظر تعريف الأمر في "الإحكام للآمدي 1/137 وما بعدها، 140، الحدود للباجي ص 52، الكافية في الجدل ص 33، المحصول ج1ق 2/19، 22، المستصفى 1/411، البرهان للجويني 1/203، العبادي على الورقات ص77، اللمع ص7، التبصرة ص17، المنخول ص102، جمع الجوامع 1/367، فتح الغفار 1/26، كشف الأسرار 1/101،تيسير التحرير 1/33، التوضيح على التنقيح 2/44، فواتح الرحموت 1/370، مختصرابن الحاجب 2/77 وما بعدها، روضة الناظر 2/189، نزهة الخاطر 2/6، مختصر الطوفي ص84، مختصر البعلي ص67، إرشاد الفحول ص92 وما بعدها".
(3/10)

فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الاسْتِعْلاءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْمُوَفَّقِ1وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ وَالطُّوفِيِّ وَابْنِ مُفْلِحٍ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ وَالْفَخْرِ الرَّازِيِّ2، وَالآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَبِي الْحُسَيْنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ3.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَاعْتَبَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ وَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ إلَى الْمُحَقِّقِينَ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ
__________
1 في ش، ز: الموافق وأبي الخطاب.
2 ذكر الفخر الرازي رأيه في "المحصول" عرضاً في التعريف " المحصول? 1ق 2/22" وأشار فيما بعد أنه لا يشترط، واكتفى بذكر رأي جمهور المعتزلة، ثن أتبعه برأي أبي الحسين البصري، ثم قال: "وقال أصحابنا لا يعتبر العلو، ولا الاستعلاء" وذكرأدلة كل قول: "انظر: المحصول ? 1 ق 2/45 وما بعدها" ولعله بين رأيه في كتاب آخر، بدليل مانقله الإسنوي عنه فقال: "وصححه أيضاً في "المنتخب" وجزم به في "المعالم" "نهاية السول 2/8".
3 اختار هذا الرأي في أشتراط الاستعلاء في الأمر القرافي والباجي من المالكية، وابن عبد الشكور وصدر الشريعة من الحنفية، ورجحه الكمال بن الهمام منهم، وهو قول الآمدي وغيره من الشافعية.
"انظر: المعتمد 1/45، الحدود للباجي ص 53، شرح تنقيح الفصول ص 136، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/77، فتح الغفار 1/26، التوضيح على التنقيح 2/44، تيسير التحرير 1/337، 338، جمع الجوامع 1/369، الإحكام للآمدي 2/140، نهاية السول 2/7، المحصول ? 1 ق 2/45،نزهة الخاطر 2/62، الروضة 2/189، مختصر الطوفي ص 84، التمهيد ص 72، مختصر البعلي ص 97، القواعد والفوائد الأصولية ص 158، مباحث الكتاب والسنة ص 109، جمع الجوامع 1/369".
(3/11)

وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعُلُوَّ. فَأَمْرُ الْمُسَاوِي ِغَيْرِهِ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْتِمَاسًا، وَالأَدْوَنِ سُؤَالا1ً.
وَاعْتَبَرَ الاسْتِعْلاءَ وَالْعُلُوَّ مَعًا ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ2.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا تُشْتَرَطُ الرُّتْبَةُ3.
فَتَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الاسْتِعْلاءُ وَالْعُلُوُّ4 مَعًا. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ. وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُ الاسْتِعْلاءِ فَقَطْ. وَالرَّابِعُ: اعْتِبَارُ الْعُلُوِّ فَقَطْ5.
"وَتُعْتَبَرُ إرَادَةُ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ6"
__________
1. وهو قول ابن الصباغ والسمعاني من الشافعية.
"انظر: نهاية السول 2/7، جمع الجوامع 1/369، اللمع ص7، التبصرة ص17، المحصول ? 1 ق 2/45، التمهيد ص72، شرح تنقيح الفصول ص 136، المعتمد 1/49، تيسير التحرير 1/338، فواتح الرحموت1/369، فتح الغفار1/26، نزهة الخاطر2/62، المسودة ص41، القواعد والفوائد الأصولية ص 158".
2 انظر: جمع الجوامع 1/369، نهاية السول 2/8، التمهيد ص 72، القواعد والفوائد الأصولية ص 158".
3 قال الفخر الرازي: "الذي عليه المتكلمون: أنه لا يشترط علو ولا استعلاء"، وماهو ما جزم به ابن السبكي، ورجحه العضد، ولم تشترط المعتزلة وغيرهم الاستعلاء، لقول فرعون لمن دونه {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} الأعراف/110.
انظر أدلة هذا القول مع مناقشته في المسودة ص 41، فواتح الرحموت 1/370، تيسير التحرير 1/338، جمع الجوامع 1/369، المحصول ? 1 ق 2/45، المستصفى 1/441، العضد على ابن الحاجب 2/77، مختصر الطوفي من 84، القواعد والفوائد الأصولية ص 158، شرح تنقيح الفصول ص 137".
4 في ش ع ض ب: العلو والاستعلاء.
5 انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشة الأدلة في المراجع السابقة هامش 3.
6 انظر هذة المسألة في " الإحكام للآمدي 2/138، 139، المنخول ص 103، الموافقات 1/83، البرهان 1/204، 211، المسودة ص 4، القواعد والفوائد الأصولية ص 159".
(3/12)

قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: بِلا خِلافٍ، حَتَّى1 لا يَرِدُ نَحْوُ: نَائِمٍ وَسَاهٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: اتَّفَقْنَا أَنَّ إرَادَةَ النُّطْقِ مُعْتَبَرَةٌ. وَإِلاَّ فَلَيْسَ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً وَاسْتِدْعَاءً.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ هُوَ كَلامٌ؟ فَنَفَاهُ الْمُحَقِّقُونَ، فَقَوْمٌ لِقِيَامِ الْكَلامِ بِالنَّفْسِ, وَقَوْمٌ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ. وَعِنْدَنَا لأَنَّهُ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ. كَخُرُوجِ حَرْفٍ مِنْ غَلَبَةِ عُطَاسٍ وَنَحْوِهِ2.
"وَتَدُلُّ" الصِّيغَةُ "مُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى الأَمْرِ "لُغَةً" أَيْ3 عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَة.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ الْبَلْخِيُّ4
__________
1 في ض: حيث.
2 انظر: المعتمد 1/50.
3 ساقطة من ب.
4 وهو محمد بن الفضل بن العباس، أبو عبد الله البلخي، فقيه حنفي من مشاهير مشايخ خرسان، أصله من بلخ، ثم أخرج منها، فدخل سمرقند، ومات فيها سنة 319 هـ، وله كلام بيلغ، ووعظ لطيف، وتأثير في التوجيه، وسماه أبو نعيم: من حكماء المشرق المتأخرين.
انظر ترجمته في "حلية الأولياء 10/221، طبقات الصوفية ص 212، الأعلام للزركلي 7/221".
وورد في بعض كتب الأصول في بابي الأمر والعموم اسم: محمد بن الشجاع، أبو عبد الله الثلجي، وهو فقيه حنفي أيضاً من بغداد، كان فقيه العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث، مع ورع وعبادة، وكان يميل إلى الاعتزال، مات فجأة سنة 267 هـ ساجداً في صلاة العصر، له كتاب "تصحيح الآثار" و "كتاب النوادر" و "كتاب المضاربة" في الفقه الحنفي، ولعلماء الحديث كلام فيه، ويقال له أيضاً: ابن الثلجي.
انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ 2/629، الفوائد البهية ص 171، ميزان الاعتدال 3/577، الأعلام للزركلي7/28، المعتمد 1/134، تفسير النصوص 2/19، الروضة 2/223، العدة 2/489".
(3/13)

مِنْ الْمُعْتَزِلَة1ِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصِّيغَةُ الأَمْرُ. فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ لِلأَمْرِ صِيغَةٌ أَوْ أَنْ يُقَالَ: هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، بَلْ الصِّيغَةُ نَفْسُهَا هِيَ الأَمْرُ، وَالشَّيْءُ لا يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: الأَمْرُ2 الإِرَادَةُ، وَالأَشْعَرِيَّةِ: الأَمْرُ مَعْنًى فِي النَّفْسِ3.
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: صِيغَةُ الأَمْرِ. كَقَوْلِك: ذَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْسُهُ4.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قَوْلُهُمْ لِلأَمْرِ صِيغَةً صَحِيحٌ، لأَنَّ الأَمْرَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، فَاللَّفْظُ دَلَّ5 عَلَى التَّرْكِيبِ، وَلَيْسَ هُوَ عَيْنُ الْمَدْلُولِ، وَلأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ6 عَلَى صِيغَتِهِ الَّتِي هِيَ الأَمْرُ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ أَمْرًا، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى
__________
1. انظر هذه المسألة في " الإحكام للآمدي 2/141، التبصرة ص 22، المستصفى 1/412 وما بعدها، 417، جمع الجوامع 1/371، البرهان 1/200، شرح التنقيح ص 126، الروضة 2/189، التلويح على التوضيح 2/45، كشف الأسرار 1/101، تيسير التحرير 1/340، مختصر البعلي ص 98، مختصر الطوفي ص 84، العدة 1/214".
2. ساقطة من ض.
3. ويقول الأشعرية: ليس للأمر صيغة، وإنما هو معنى في النفس.
" انظر: مختصر ابن الحاجب 2/79، شرح تنقيح الفصول ص 126، المعتمد 1/50، اللمع ص 8، التبصرة ص 22، المحصول ? 1 ق 2/24، البناني على جمع الجوامع 1/370، الإحكام للآمدي 2/141، المسودة ص 8-9، البرهان 1/212، المستصفى 1/413، 417 ".
وفي ض: نفس.
4. انظر: البرهان للجويني 1/272، الإحكام للآمدي 2/141، التبصرة ص 18، المحصول? 1 ق 2/24، 34، المسودة ص 4، 8، 9، تيسير التحرير 1/340.
5. في ض: دال.
6. في ع: دال.
(3/14)

الأَمْرِ1.
وَقَالَ الْقَاضِي: الأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ وَاسْتِدْعَائِهِ، فَجَعَلَهُ مَدْلُولَ الأَمْرِ لا عَيْنَ الأَمْرِ2.
وَ "لا" يُشْتَرَطُ فِي الأَمْرِ "إرَادَةُ الْفِعْلِ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ3؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِه4، وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَأَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَرَادَهُ لَوَقَعَ؛ لأَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ تُرَدَّ5 الأَمَانَاتُ إلَى أَهْلِهَا ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لأؤَدِّيَنَّ إلَيْك أَمَانَتَك6 غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ وَ7 لَوْ كَانَ مُرَادَ اللَّهِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ. وَلا حِنْثَ بِالإِجْمَاعِ، خِلافًا لِمَنْ حَنَّثَهُ8 كَالْجُبَّائِيِّ9.
__________
1. انظر بيان ذلك في "نزهةالخاطر2/63 وما بعدها, المسودة ص 8 وما بعدها، فتح الغفار1/27, البرهان للجويني1/212, كشف الأسرار1/101, اللمع ص 8, العدة1/214".
2. انظر: العدة 1/214.
3. انظر آراء العلماء في اشتراط إرادة الفعل وعدم اشتراطها في "فواتح الرحموت1/271, تيسير التحرير 1/241, نهاية السول2/10, جمع الجوامع1/270, الموافقات3/81, التبصرة ص 18, المحصول ? 1 ق2/24, المستصفى1/415, المعتمد1/50, البرهان للجويني1/204, شرح تنقيح الفصول ص134, المسودة ص54, الروضة2/192, مختصر الطوفي ص85, مختصر البعلي ص 97, مباحث الكتاب والسنة ص 10, العدة1/214, 220".
4. في ز ع ب: ولده.
5. في ز ض ع ب: برد.
.6 في ض ب: أمانتك إليك.
.7 ساقطة من ض.
8. ساقطة من ش.
9. في ش: للجبائي: وهذا قول أبي علي الجبائي, وابنه أبي هاشم الجبائي من المعتزلة. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص138".
(3/15)

وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ1.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الأَصْحَابِ: لَنَا عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لا يُشْتَرَطُ لَهُ إرَادَةُ: إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا.
قَالُوا: الصِّيغَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْمَعَانِي. فَلا تَتَعَيَّنُ لِلأَمْرِ2 إلاَّ بِالإِرَادَةِ. إذْ لَيْسَتْ أَمْرًا لِذَاتِهَا3 وَلا لِتَجَرُّدِهَا عَنْ الْقَرَائِنِ.
قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ الأَمْرِ مَجَازٌ، فَهِيَ بِإِطْلاقِهَا لَهُ. ثُمَّ الأَمْرُ وَالإِرَادَةُ يَنْفَكَّانِ4 كَمَنْ يَأْمُرُ وَلا يُرِيدُ، أَوْ يُرِيدُ وَلا يَأْمُرُ. فَلا يَتَلازَمَانِ، وَإِلاَّ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ5.
"وَالاسْتِعْلاءُ" طَلَبٌ "بِغِلْظَةِ. وَالْعُلُوُّ: كَوْنُ الطَّالِبِ6 أَعْلَى رُتْبَةً7"
__________
1. انظر أدلة الجمهور على عدم اشتراط إرادة الفعل في الأمر, في "البرهان للجويني1/205, المعتمد 1/50, 54, نهاية السول2/14, شرح تنقيح الفصول ص 138, المستصفى1/415, جمع الجوامع والمحلي عليه 1/370, فواتح الرحموت 1/371, الروضة 2/192, نزهة الخاطر2/67".
2. في ش: يتعين الأمر, وفي ز: تتعين لأمر, والأعلى من مختصر الطوفي, وموافق لنسخة ع ض ب.
3. في ش: بذاتها.
4. في ع ب: يتفاكان.
5. انظر: مختصر الطوفي58, الروضة2/192, نزهة الخاطر2/67, القواعد والفوائد الأصولية ص189، المحصول ? 1 ق2/29, نهاية السول2/14, شرح تنقيح الفصول ص138.
6. في ع ب: طالب.
7. انظر: التمهيد ص72. فتح الغفار1/27. نهاية السول2/7.
(3/16)

قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّنْقِيحِ: الاسْتِعْلاءُ هَيْئَةٌ فِي الأَمْرِ مِنْ التَّرَفُّعِ أَوْ إظْهَارِ الأَمْرِ1، وَالْعُلُوُّ يَرْجِعُ إلَى هَيْئَةِ الآمِرِ مِنْ شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَأْمُور2ِ انْتَهَى.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْعُلُوِّ أَنْ يَكُونَ الآمِرُ فِي نَفْسِهِ عَالِيًا، أَيْ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ الْمَأْمُورِ، وَالاسْتِعْلاءُ أَنْ يَجْعَلَ الآمِرُ نَفْسَهُ عَالِيًا بِكِبْرِيَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ كَذَلِكَ أَوْ لا، فَالْعُلُوُّ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لِلآمِرِ، وَالاسْتِعْلاءُ مِنْ صِفَةِ صِيغَةِ الأَمْرِ وَهَيْئَةِ نُطْقِهِ مَثَلاً.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: فَالْعُلُوُّ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالاسْتِعْلاءُ صِفَةٌ لِلْكَلامِ3.
"وَتَرِدُ صِيغَةُ افْعَلْ" لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ 4.
أَحَدُهَا كَوْنُهَا "لِوُجُوبٍ5" نَحْوَ قوله تعالى: {أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} 6 وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".
"وَ" الثَّانِي: لِـ "نَدْبٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
__________
1. في "التنقيح": القهر.
2. شرح تنقيح الفصول ص137, وانظر: مختصر البعلي ص97, القواعد والفوائد الأصلية ص159.
3. انظر: نهاية السول2/8.
4. انظر المعاني التي ترد لها صيغة إفعل في "أصول السرخي1/14, التوضيح على التنقيح2/51, كشف الأسرار1/107, المعتمد1/49, فواتح الرحموت1/372, الإحكام للامدي2/142, المنخول ص132، المحصول ? 1 ق2/57, المستصفى1/417, جمع الجوامع1/370, العبادي على الورقات ص81, نهاية السول2/14, العدة1/219, مختصر الطوفي ص84, مختصر البعلي ص98, التفتازاني على العضد2/78, اثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص295, مباحث الكتاب والسنة ص112".
5. انظر: المراجع السابقة.
6. الاية78 من الإسراء.
(3/17)

خَيْرًا} 1 فَإِنَّهُ لِلنَّدْبِ عَلَى الأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ2.
وَعِنْدَ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَجَمْعٍ: أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ3.
وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: حَمْلُ الآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ الإِنْصَافِ إنَّ كَوْنَ الْكِتَابَةِ مُسْتَحَبَّةً لِمَنْ عُلِمَ فِيهِ خَيْرٌ: الْمَذْهَبُ بِلا رَيْبٍ، وَذَكَرَهُ عَنْ جَمَاهِيرِ الأَصْحَابِ، فَلْيُعَاوِدْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ4.
"وَ"الثَّالِثُ: كَوْنُهَا5 بِمَعْنَى "إبَاحَةٍ6" نَحْوَ قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 7 وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} 8.
__________
1. الآية33 من النور.
2. انظر: الإحكام لابن حزم 1/287, التوضيح على التنقيح 2/51, كشف الأسرار 1/107, أصول السرخسي 1/14, فواتح الرحموت 1/372. نهاية السول 2/14, جمع الجوامع 1/372, المستصفى 1/417, الإحكام للآمدي 2/142, الروضة 2/191, العبادي على الورقات ص 81, المنخول ص132, العدة1/219.
3. انظر: المحلى لابن حزم 9/222, فواتح الرحموت1/372.
4. الإنصاف7/446
5. في ض: كونه.
6. انظر: نهاية السول 2/14, جمع الجوامع 1/372, المحصول? 1 ق2/95, المستصفى1/417, المنخول ص132, العبادي على الوراقات ص81, الإحكام لابن حزم 1/287, أصول السرخسي1 /14, التوضيح على التنقيح2/51،كشف الأسرار1/107,فواتح الرحموت1/372،الروضة2/191,العدة1/219
7. الآية 2من المائدة.
8. الآية 10من الجمعة.
(3/18)

وَاعْلَمْ أَنَّ الإِبَاحَةَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنْ خَارِجٍ. فَلِهَذِهِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ الأَمْرُ عَلَيْهَا مَجَازًا بِعَلاقَةِ الْمُشَابَهَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. لأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ1.
__________
1. أي من خارج عن الأمر, لأن الأصل في الأمر للوجوب, فإن أريد به الندب أوالإباحة فلا بد من قرينة تدل على ذلك, وهذه القرينة إما لفظية أو غير لفظية, وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة, مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فالأمر بالمكاتبة للندب للنص على القرينة بعده {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} لأن الله تعالى علق الكتابة على علم المالك بما يراه خيرآ للعبد, كما يوجد في الآية قرينة أخرى, وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه, وأول الآية نصت على ثبوت الملك له {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
ويرى القاضي حسين من الشافعية أن الأمر هنا للندب لقرينة أخرى وهي أنه وقع بعد حظر, والأمر بعد الحظر للندب عنده, والحظر السابق هو تحريم بيع مال الشخص بماله, وهو ممتنع, والكتابة كذلك, ثم جاء الأمر بها فصارت للندب, "انظر: التمهيد للإستوي ص74".
ومثل الأمر بالإنتشار بعد الصلاة, فإنه ورد في الآية بعد النص على حظر البيع والتجارة أثناء الصلاة, بقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} سورة الجمعة9, فالأمر بالفعل بعد الحظر يفيد الإباحة عند الجمهور, وكذلك الأمر بالاصطياد بعد التحلل من الإحرام, فإنه ورد بعد النص على تحريم الصيد اثناء الإحرام في قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة/1, ومثل قوله صلى اله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور, ألا فزوروها" فالأمر بالفعل بعد حظره قرينة على صرفه إلى الإباحة, وقد يختلف الفقهاء في القرينة, وهل تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب أو الإباحة أم لا.
وخالف الظاهرية –ومنهم ابن حزم- جماهير العلماء، وقالوا: إن الأمر للوجوب، ولا يصرفه عن الوجوب قرينة، ولا يخرج الأمر عن الوجوب إلابنصٍ آخر أو إجماع.
انظر تفصيل هذا الموضوع في "المسودة ص17، الروضة 2/192، نزهة الخاطر 2/70، القواعد والفوائد الأصولية ص161، الإحكام لابن حزم 1/276، البرهان للجوني 1/261، التوضيح على التنقيح 2/63، كشف الأسرار 1/107-120، نهاية السول 2/18، أثر الاختلاف في القواعد الإصولية ص299،311،مباحث الكتاب والسنة ص123، أصول الفقه الإسلامي ص276، 313،تفسير النصوص 2/360، العدة1/248،256، فيض القدير5/55،الإحكام للآمدي2/142".
(3/19)

"وَ" الرَّابِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إرْشَادٍ"1 نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} 2 وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} 3 وقوله تعالى: {إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} 4
وَالضَّابِطُ فِي الإِرْشَادِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، بِخِلافِ النَّدْبِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الآخِرَةِ، وَأَيْضًا: الإِرْشَادُ لا ثَوَابَ فِيهِ، وَالنَّدْبُ فِيهِ الثَّوَابُ5
"وَ" الْخَامِسُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إذْنٍ"6 نَحْوَ قَوْلِ مَنْ بِدَاخِلِ مَكَان لِلْمُسْتَأْذِنِ7 عَلَيْهِ: اُدْخُلْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ هَذَا فِي قِسْمِ الإِبَاحَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الإِبَاحَةُ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ صِيَغِ الشَّرْعِ الَّذِي لَهُ الإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ، وَإِنَّمَا الإِذْنُ يُعْلَمُ بِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ دُخُولَ مِلْكِ ذَلِكَ الآذِنِ8 مَثَلاً، فَتَغَايَرَا.
__________
1. انظر: الإحكام للآمدي /142، المحصول ج1 ق2/58، المستصفى 1/417، نهاية السول 2/15، جمع الجوامع 1/372، أصول السرخسي 1/14، التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، المنخول ص 132، فواتح الرحموت 1/372، العدة 1/219.
2. الآية 282 من البقرة.
3. الآية 282 من البقرة.
4. الآية 282 من البقرة.
5. انظر: كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، المحلي على جمع الجوامع والبناني عليه 1/372، المستصفى1/419، 422، المحصول? 1ق2/58، الإحكام للآمدي2/142، نهاية السول2/17.
6. انظر: جمع الجوامع 1/373.
7. في ض ب: لمستأذن.
8. ساقطة من ض.
(3/20)

"وَ" السَّادِسُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَأْدِيبٍ"1 نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي2 سَلَمَةَ3 فِي حَالِ صِغَرِهِ "يَا غُلامُ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ4 وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ5.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي قِسْمِ النَّدْبِ. مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ6.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْرَبُ مِنْ النَّدْبِ7.
__________
1. انظر: التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، المنخول ص132، المحصول ? 1 ق 2/57، المستصفى1/417، الرسالة ص350، 352، الإحكام للآمدي2/142، جمع الجوامع 1/373.
2. ساقطة من ض.
3. هو الصحابي عمر بن عبد الله بن عبد الأسد القرشي المخزومي، أبو حفص، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد بأرض الحبشة في أواخر السنة الثانية للهجرة، وكان أبواه مهاجرين للحبشة، ثم توفي والده أبو سلمة، فتزوج رسول صلى الله عليه وسلم والدته أم سلمة، فعاش في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم ورعايته، شهد مع علي الجمل، واستعمله على رضي الله عنه على البحرين وفارس، وروي له اثنا عشر حديثاً، توفي سنة 83 هـ.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/519،الاستيعاب 2/474، الخلاصة ص 283، تهذيب الأسماء 2/16، مشاهير علماء الأمصارص 27، أسد الغابة 4/183".
4. ساقطة من ش ز.
5.هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ومالك والدارمي عن عمر بن أبي سلمة مرفوعاً.
"انظر صحيح البخاري 3/291، صحيح مسلم 3/1599، سنن أبي داود 2/314، تحفة الأحوذي 5/590، سنن ابن ماجه2/1087، مختصر سنن أبي داود 5/304، الموطأ ص 580 ط الشعب، مسند أحمد 4/26، سنن الدارمي 2/94، ذخائر المواريث 3/63، الفتح الكبير 3/400، تخريج أحاديث مختصر المناهج ص 289، البيان والتعريف 2/270".
6. ومنهم الآمدي، ونسب ابن عبد الشكور أن الشافعي يقول إن الأمر للوجوب، فقال: "وعند الشافعي للإيجاب" "فواتح الرحموت1/372"، وانظر: الإحكام للآمدي2/142، نهاية السول شرح منهاج الوصول2/14
7. وهو رأي الفخر الرازي والتفتازاني وعبد العزيز البخاري.
"انظر: المحصول ? 1 ق2/57، التلويح على التوضيح2/51، كشف الأسرار1/107".
(3/21)

هُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَة1ِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا2 عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ؛ لأَنَّ الأَدَبَ3 مُتَعَلِّقٌ بِمَحَاسِنِ الأَخْلاقِ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ4 مِنْ مُكَلَّفٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ عُمَرَ كَانَ صَغِيرًا. وَالنَّدْبُ مُخْتَصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَأَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ وَغَيْرِهَا5.
"وَ" السَّابِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "امْتِنَانٍ"6 نَحْوُ قوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ} 7 وَسَمَّاهُ أَبُو الْمَعَالِي: الإِنعَامَ8.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِبَاحَةِ: أَنَّ الإِبَاحَةَ مُجَرَّدُ إذْنٍ، وَالامْتِنَانُ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ اقْتِرَانِ حَاجَةِ الْخَلْقِ لِذَلِكَ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ9، وَالْعَلاقَةُ بَيْنَ الامْتِنَانِ وَالْوُجُوبِ: الْمُشَابَهَةُ فِي الإِذْنِ إذْ الْمَمْنُونُ لا يَكُونُ إلاَّ مَأْذُونًا فِيهِ10.
__________
1. انظر: المحصول? 1 ق 2/58.
2. ساقطة من ض.
3. في ش: الإذن.
4. ساقطة من ش.
5. انظر: التلويح على التوضيح 2/51، فواتح الرحموت 1/372، نهاية السول 2/17.
6. انظر: التوضيع على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، نهاية السول 2/15، جمع الجوامع 1/372، الإحكام للآمدي 2/143، المنخول ص132، المحصول ? 1 ق2/85، المستصفى 1/417، العدة 1/220
7. الاية 88 من المائدة.
8. وتبعه ابن السبكي في "جمع الجوامع 1/374" وحقيقة إسداء النعمة، وفرق بعضهم بين الإنعام والامتنان باختصاص الإنعام بذكر أعلى مايحتاج إليه "انظر: البناني على جمع الجوامع1/374".
9. انظر فتح الرحموت 1/372، نهاية السول 2/18، المحلي على جمع الجوامع 1/373.
10. انظر: نهاية السول 2/18.
(3/22)

"وَ" الثَّامِنُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إكْرَامٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {اُدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} 1 فَإِنَّ قَرِينَةَ2 بِسَلامٍ آمَنِينَ يَدُلُّ عَلَى الإِكْرَامِ3.
"وَ" التَّاسِعُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "جَزَاءٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 4.
"وَ" الْعَاشِرُ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "وَعْدٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} 5، "وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي تَمِيمٍ "أَبْشِرُوا" 6.
وَقَدْ يُقَالُ بِدُخُولِ ذَلِكَ فِي الامْتِنَانِ. فَإِنَّ بُشْرَى الْعَبْدِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ.
"وَ" الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَهْدِيدٍ"7 نَحْوُ قوله تعالى: {اعْمَلُوا
__________
1. الآية 46 من الحجر.
2. في ع ض: بقرينة.
3. ولعلاقة بين الوجوب والإكرام هي المشابهة في الإذن.
" انظر: نهاية السول 2/18، جمع الجوامع 1/373، المحصول ? 1 ق 2/58، المستصفى 1/418، الإحكام للآمدي 2/134، المنخول ص 1133، الروضة 2/191، العدة 1/220، كشف الأسرار 1/107، التوضيح على التنقيح 2/51، فواتح الرحموت 1/372".
4. الآية 32 من النحل.
5. الآية 30 من فصلت.
6. هذا الحديث رواه البخاري والترمذي وأحمد عن عمران بن حصين، قال جاء نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يابني تميم أبشروا"، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجهه، فجاءه أهل اليمن، فقال "يأهل اليمن، اقبلوا بالبشرى، إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قبلنا، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم يحدث: "بدأ الخلق والعرش ... " الحديث.
"انظر: صحيح البخاري2/207، باب بدء الخلق، تحفة الأحوذي 10/450، مسند أحمد 4/426، 433".
7. وسمى السرخسي ذلك توبيخاً، وسماه صدر الشريعة تهديداً، وسماه البردوي تقريعاًَ، وبين عبد العزيز البخاري الفرق بين التقريع والتوبيخ.
"انظر: كشف الأسرار 1/107،108، أصول السرخسي 1/14، التوضيح على التنقيح 2/51،فواتح الرحموت1/372، الروضة2/191، الإحكام للآمدي2/143، التبصرة ص 20، المنخول ص133، المحصول? 1 ق2/59، المستصفى 1/418، نهاية السول 2/15، جمع الجوامع1/372، العبادي على الورقات ص 98، العدة 1/219".
(3/23)

مَا شِئْتُمْ} 1 وقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِك وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ} 2.
"وَ" الثَّانِي عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إنْذَارٍ"3 نَحْوُ قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلَى النَّارِ} 4
وَقَدْ جَعَلَهُ قَوْمٌ قِسْمًا مِنْ التَّهْدِيدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَيْضَاوِيِّ 5.
وَالصَّوَابُ الْمُغَايَرَةُ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ التَّهْدِيدَ هُوَ التَّخْوِيفُ، وَالإِنْذَارُ: إبْلاغُ الْمَخُوفِ6. كَمَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِهِمَا7.
__________
1. الآية 40 من فصلت.
2. الآية 64 من الإسراء.
3. انظر: كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، المحصول? 1 ق 2/58، المستصفى 1/418، الإحكام للآمدي 2/143، المنخول ص 133، نهاية السول 2/15، جمع الجوامع 1/373.
4. الآية 30 من إبراهيم.
5. وهو رأي الفخر الرازي أيضاً.
"انظر: نهاية السول شرح منهاج الوصول 2/15، 18، المحصول? 1 ق 2/59".
6 قال التفتازاني: "والتهديد هو التخويف، ويقرب منه الإنذار ... فإنه إبلاغ مع تخويف"، "التلويح 2/51"، وقال الإسنوي بعد نقل هذا الفرق عن "الصحاح" قال: "وقد فرق الشارحون بفروق أخرى، لا أصل لها فاجتنبها"، "نهاية السول2/18".
وانظر كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، جمع الجوامع 1/373.
7. قال الجوهري: "الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف" "الصحاح 2/25".
(3/24)

وَقِيلَ: الإِنْذَارُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ كَالآيَةِ وَالتَّهْدِيدُ لا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَقْرُونًا وَقَدْ لا يَكُونُ مَقْرُونًا.
وَقِيلَ: التَّهْدِيدُ عُرْفًا أَبْلَغُ فِي الْوَعِيدِ وَالْغَضَبِ مِنْ الإِنْذَارِ.
"وَ" الثَّالِثَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَحْسِيرٍ" وَتَلْهِيفٍ، نَحْوُ قوله تعالى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} 1وَمِثْلُهُ قوله تعالى: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} 2حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ3.
"وَ" الرَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَسْخِيرٍ"4 نَحْوُ قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 5 وَالْمُرَادُ بِالتَّسْخِيرِ هُنَا: السُّخْرِيَةُ6 بِالْمُخَاطَبِ بِهِ، لا بِمَعْنَى التَّكْوِينِ، كَمَا قَالَهُ7 بَعْضُهُمْ8.
"وَ" الْخَامِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَعْجِيزٍ"9 نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:
__________
1. الآية 119 من آل عمران.
2. الآية 108 من المؤمنون.
3 انظر: مقياس اللغة 2/62، 182.
4 وسماه ابن السبكي: التسخير والامتهان.
"انظر: جمع الجوامع 1/373، المحصول ? 1 ق2/60، المستصفى 1/418، المنخول ص133، الإحكام للآمدي 2/143، نهاية السول 2/15، التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، الروضة 2/191، تفسير النصوص 1/238".
5 الآية 65 من البقرة.
6. في ز ض ب: السخريا.
7. في ش ع: قال.
8. انظر: فواتح الرحموت 1/372.
9 وسماه السرخسي التقريع "أصول السرخسي 1/14".
"وانظر: التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، التبصرة ص20، المنخول ص133، المحصول? 1 ق 2/60، نهاية السول 2/15، جمع الجوامع 1/373، الإحكام للآمدي 2/143، العدة 1/219".
(3/25)

{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} 1، وَالْعَلاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُجُوبِ الْمُضَادَّةُ؛ لأَنَّ التَّعْجِيزَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُمْتَنِعَاتِ، وَالإِيجَابُ فِي الْمُمْكِنَاتِ. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} 2 وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ3 بِقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} 4.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْجِيزِ وَالتَّسْخِيرِ: أَنَّ التَّسْخِيرَ نَوْعٌ مِنْ التَّكْوِينِ فَمَعْنَى {كُونُوا قِرَدَةً} 5 انْقَلِبُوا إلَيْهَا. وَأَمَّا التَّعْجِيزُ: فَإِلْزَامُهُمْ أَنْ يَنْقَلِبُوا، وَهُمْ لا يَقْدِرُونَ أَنْ يَنْقَلِبُوا6.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: فِي التَّمَسُّكِ بِهَذَا نَظَرٌ7. وَإِنَّمَا التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي الأَمْرُ8 فِعْلَ مَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ9 نَحْوُ قوله تعالى: {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ} 10
"وَ" السَّادِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إهَانَةٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} 11 وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ التَّهَكُّمَ.12
__________
1. الآية 38 من يونس، وفي ع: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} البقرة /23.
2. الآية 34 من الطور.
3. انظر: الروضة 2/191.
4. الآيتان 50، 51 من الإسراء.
5. الآية 65 من البقرة.
6. ساقطة من ض، وانظر: كشف الأسرار 1/108، نهاية السول 2/18.
7. في ب: النظر.
8. في ض ع: بالأمر.
9. انظر: نهاية السول 2/19.
10. الآية 168 من آل عمران.
11. الآية 49من الدخان.
12.انظر: المستصفى 1/418، الإحكام للآمدي 2/143، المنخول ص133، المحصول ج1 ق2/60، نهاية السول 2/19، جمع الجوامع 1/374، التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372، الروضة 2/191.
(3/26)

وَضَابِطُهُ: أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ وَالْكَرَامَةُ، وَالْمُرَادُ ضِدُّهُ، وَيُمَثَّلُ بِقوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجِلِكَ} 1 وَالْعَلاقَةُ أَيْضًا فِيهِمَا2 الْمُضَادَّةُ.
"وَ" السَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "احْتِقَارٍ" نَحْوُ قوله تعالى فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَاطِبُ السَّحَرَةَ {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} 3 إذْ أَمْرُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعْجِزَةِ حَقِيرٌ، وَهُوَ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْبَيْضَاوِيُّ4.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِهَانَةِ: أَنَّ الإِهَانَةَ إمَّا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ. كَتَرْكِ إجَابَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لا بِمُجَرَّدِ اعْتِقَادٍ. وَالاحْتِقَارُ: قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ5 الاعْتِقَادِ. فَلِهَذَا يُقَالُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: احْتَقَرَهُ، وَلا يُقَالُ: أَهَانَهُ6.
"وَ" الثَّامِنَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَسْوِيَةٍ"7 نَحْوُ قوله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} 8 بَعْدَ قوله تعالى: {اصْلَوْهَا} 9 أَيْ هَذِهِ
__________
1 الآية 64 من الإسراء.
2 في ع ض ب: هنا.
3 الآية 43 من الشعراء.
4 كذا أورده ابن عبد الشكور.
"انظر: نهاية السول بشرح منهاج الوصول2/19، فواتح الرحموت 1/372، التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، جمع الجوامع 1/372".
5 في ض ب: مجرد.
6 انظر نهاية السول 2/19، فواتح الرحموت 1/372.
7 انظر: الروضة 2/191، نهاية السول 2/19، جمع الجوامع 1374، المستصفى 1/418، المحصول ? 1 ق 2/60، المنخول ص133، الإحكام للآمدي2/143، كشف الأسرار1/107، فواتح الرحموت1/372،التوضيح على التنقيح2/51.
8 الآية 16 من الطور.
9 الآية 16 من الطور.
(3/27)

التَّصْلِيَةُ لَكُمْ، سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ أَوْ لا. فَالْحَالَتَانِ سَوَاءٌ، وَالْعَلاقَةُ الْمُضَادَّةُ. لأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مُضَادَّةٌ لِوُجُوبِ الْفِعْلِ1. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "فَاخْتَصَّ 2 عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ3.
"وَ" التَّاسِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "دُعَاءٍ"4 نَحْوُ قوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} 5، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} 6 وَكُلُّهُ طَلَبُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ وَالإِحْسَانِ.
وَالْعَلاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ7 الإِيجَابِ طَلَبُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ8.
"وَ" الْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَمَنٍّ9" كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
__________
1.انظر: نهاية السول 2/19.
2. في جميع النسخ: فأحرص، وهو تحريف من النساخ.
3. هذا الحديث رواه البخاري تعليقاً في "صحيحه" في كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله، إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني، ثم قلت: مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذر".
ورواه النسائي بلفظ: "ولا أجد طولاً أتزوج النساء، أفأختصي؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ثلاثاً".
"انظر: صحيح البخاري 3/155-156، سنن النسائي 6/49".
4. انظر: المحصول ? 1 ق2/60، المستصفى 1/418، المنخول ص133، نهاية السول 2/19، جمع الجوامع 1/374، الإحكام للآمدي 2/143، الروضة 2/191، التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/107، فواتح الرحموت 1/372.
5. الآية 41 من إبراهيم، وفي ز ع ض ب: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} نوح/28.
6. الآية147 من آل عمران.
7. في ش: بين وبينه، وفي ز: بين وبين.
8. انظر: نهاية السول 2/19.
9. انظر: نهاية السول 2/19، جمع الجوامع 1/374، المحصول ? 1 ق2/60، المستصفى 1/418، المنخول ص133، الإحكام للآمدي 2/143، فواتح الرحموت 1/272، كشف الأسرار 1/107، التوضيح على التنقيح 2/51، الروضة 2/191.
(3/28)

"أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِي1"
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى التَّمَنِّي دُونَ التَّرَجِّي؛ لأَنَّهُ أَبْلَغُ. لأَنَّهُ نَزَّلَ لَيْلَهُ لِطُولِهِ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَحِيلِ انْجِلاؤُهُ2. كَمَا قَالَ الآخَرُ
"وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلا آخِرٍ3"
قَالَ بَعْضُهُمْ؛ وَالأَحْسَنُ تَمْثِيلُ هَذَا كَمَا مَثَّلَهُ ابْنُ فَارِسٍ لِشَخْصِ تَرَاهُ: كُنْ فُلانًا. وَفِي الْحَدِيثِ: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ4 تَبُوكَ "كُنْ أَبَا ذَرٍّ" 5 وَرَأَى6 آخَرَ فَقَالَ:
__________
1. هذا صدر بيت من الطويل للأمرئ القيس، وعجزه:
"بصبح وما الإصباح منك بأمثل"
واستشهد بهذا البيت ابن الشجري في "أماليه"، والعيني في "شرح شواهد الألفية"، والأشموني في "شرح ألفية ابن مالك"، والعباسي في "معاهد التنصيص"، والشيخ خالد في "التصريح بمضمون التوضيح".
"انظر: ديوان امرئ القيس ص8 ط ثانية بدار المعارف بمصر، معجم شواهد العربية ص304".
2. قال العلماء: إن الترجي يكون في الممكنات والتمني في المستحيلات، لذلك حمل الشاعر ليله على التمني، لأن ليل المحب لطوله كانه مستحيل الانجلاء، ولذا استشهدوا في البيت للتمني، وقد يكون للترجي إذا كان مترقباً للإصباح.
"انظر: نهاية السول 2/19، فواتح الرحموت 1/342، المحلي على جمع الجوامع 1/374".
3. هذا عجز بيت من المتقارب لخالد الكاتب، وصدره:
"رقدت ولم ترث للساهر"
ذكره الجرجاني في "دلائل الإعجاز ص376، الطبعة الثالثة عن دار المنار بمصر سنة 1366 هـ" وعبد السلام هارون في "معجم شواهد العربية ص193".
4. ساقطة من ز ع ض ب.
5. هذا الحديث رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وقال: فيه إرسال.
"انظر: المستدرك 3/50، زاد المعاد 3/534، طبع مؤسسة الرسالة".
6. في ب وروى.
(3/29)

"كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ" 1 لأَنَّ امْرَأَ الْقِيسِ قَدْ يَدَّعِي اسْتِفَادَةَ التَّمَنِّي مِنْهُ مِنْ " أَلا " لا2 مِنْ صِيغَةِ افْعَلْ، بِخِلافِ هَذَا الْمِثَالِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ " أَلا "3 قَرِينَةُ إرَادَةِ التَّمَنِّي بِافْعَلْ، وَأَمَّا " كُنْ فُلانًا " فَلَيْسَ أَنْ يَكُونَ إيَّاهُ، بَلْ الْجَزْمُ بِهِ، وَأَنْ يَنْبَغِيَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا احْتَمَلَ أَنَّ هَذَا4 فِي الْمِثَالَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا.
"وَ" الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "كَمَالِ الْقُدْرَةِ" نَحْوُ قوله تعالى: {إنَّمَا قَوْلُنَا5 لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 6 هَكَذَا سَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ7.
__________
1 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
"انظر: صحيح البخاري 3/86، صحيح مسلم 4/2122، رياض الصالحين ص20"
وأبو خيثمة هو الصحابي عبد الله بن خيثمة، الأنصاري السالمي المدني، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وباقي المشاهد، وتأخر عن غزوة تبوك عدة أيام، وبعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبو خيثمة على اهله، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماءً فيه ... فقال لنفسه: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والحر والريح، وأبو خيثمة في ظل باردٍ، وطعام، وامرأة حسناء، مقيم في ماله، ما هذا بالنصف، والله لاأدخل عريشة واحدة منكما حتى الحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك إذا شخص يزول يه السراب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة، عاش إلى زمن يزيد بن معاوية.
انظر: ترجمته في "الإصابة 4/53، الإستيعاب 4/51، أسد الغابة 3/225، تهذيب الأسماء 2/224".
2 ساقطة من ض.
3 في ض: الأمر.
4 في ش ز: ان يكون هذا، وفي ض: هذين المثالين.
5 في ز ع ض ب: أمرنا، ولعل المقصود الآية الأخرى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} سورة يّس /82.
6 الآية 40 سورة النحل.
7 وسماه الغزالي في "المنخول134":نهاية الاقتدار، وسماه في "المستصفى 1/418": كمال القدرة.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/143، فواتح الرحموت 2/9".
(3/30)

وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ1، وَسَمَّاهُ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: التَّسْخِيرَ، فَهُوَ تَفْعِيلٌ مِنْ " كَانَ " بِمَعْنَى وُجِدَ، فَتَكْوِينُ الشَّيْءِ إيجَادُهُ مِنْ الْعَدَمِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوجِدُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ2.
"وَ" الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "خَبَرٍ3" نَحْوُ قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} 4 وقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} 5 وقوله تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} 6 وقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} 7
وَمِنْهُ عَلَى رَأْيٍ "إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت" 8
__________
1 منهم صدر الشريعة وابن عبد الشكور من الحنفية، والفخر الرازي وابن السبكي من الشافعية، والتكوين هو الإيجاد من العدم، أما التسخير فهو الانتقال إلى حالة ممتهنة، وقال ابن عبد الشكور عن "التكوين":ولا يعتبر فيه الانتقال من حالة إلى أخرى كالتسخير".
"انظر: التوضيح على التنقيح 2/51، 53، فواتح الرحموت 1/342، المحصول ? 1 ق2/61، جمع الجوامع 1/343، التبصرة ص30، التلويح على التوضيح 2/58، كشف الأسرار 1/107، 112 وما بعدها، العبادي على الورقات ص98، نهاية السول 2/19، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص296"
2 يرى بعض العلماء أن الأمر هنا بمعنى التكوين حقيقة، وليس مجازاً، قال السرخسي الحنفي: "فالمراد حقيقة هذه الكلمة "كن" عندنا، لا يكون مجازاً عن التكوين كما زعم بعضهم". "أصول السرخسي 1/18".
3 انظر: المحصول ? 1 ق2/50، نهاية السول 2/19، جمع الجوامع 1/374، كشف الأسرار 1/107، الروضة 2/191، شرح تنقيح الفصول ص142.
4 الاية 81 من التوبة.
5 الآية 75 من مريم.
6 الآية 12 من العنكبوت.
7 الآية 38 من مريم.
8 هذا جزء من حديث شريف، وأوله: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة"، وسبق تخريجه ح2ص391.
(3/31)

وَذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى الأَمْرِ1 فِي قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} 2 وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} 3 جَاءَ الأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ 4وَكَذَا جَاءَ الْخَبَرُ5 بِمَعْنَى النَّهْيِ6، كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا" بِالرَّفْعِ7؛ إذْ لَوْ كَانَ نَهْيًا لَجُزِمَ، فَيُكْسَرُ لالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي: وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لِشِدَّةِ طَلَبِهِ نَزَّلَ الْمَطْلُوبَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِعِ لا مَحَالَةَ، وَمِنْ هُنَا تُعْرَفُ الْعَلاقَةُ فِي إطْلاقِ الْخَبَرِ بِمَعْنَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ8
"وَ" الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَفْوِيضٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} 9 ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي10.
__________
1 انظر: نهاية السول 2/20، شرح تنقيح الفصول ص142، مختصر البعلي ص99، المحصول ? 1 ق2/50، التمهيد ص72.
2 الاية 233 من البقرة.
3 الآية 228 من البقرة.
4 ساقطة من ش ز.
5 في ش ز: والخبر.
6 انظر: المحصول ج1 ق2/52، نهاية السول 2/20.
7 هذا الحديث رواه ابن ماجة عن أبي هريرة، وتتمه: "فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"، ورواه الشافعي والدارقطني.
"انظر: سنن ابن ماجة 1/606، بدائع المنن 2/318، سنن الدارقطني 3/227، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص289، نيل الأوطار 6/134، الفتح الكبير 3/322".
8 العلاقة بين الأمر والخبر: أن الأمر يدل على وجود الفعل، كما أن الخبر يدل على وجود الفعل أيضاً، والعلاقة بين الخبر والنهي: أن النهي يدل على عدم الفعل، كما أن الخبر يدل الفعل أيضاً. "انظر: المحصول ? 1 ق2/52، 54".
9 الآية 72 من طه.
10 سار ابن السبكي على منهج أبي المعالي في هذه التسمية: "انظر: جمع الجوامع 1/374".
(3/32)

وَيُسَمَّى أَيْضًا1: التَّحْكِيمُ. وَسَمَّاهُ ابْنُ فَارِسٍ وَالْعَبَّادِيُّ2: التَّسْلِيمَ، وَسَمَّاهُ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَرُّوذِيُّ3: الاسْتِبْسَالَ. وَ4قَالَ: أَعْلَمُوهُ5 أَنَّهُمْ قَدْ اسْتَعَدُّوا لَهُ بِالصَّبْرِ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ تَارِكِينَ لِدِينِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَقِلُّونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ فِي جَنْبِ مَا يَتَوَقَّعُونَهُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} 6 أَخْبَرَهُمْ بِهَوَانِهِمْ
"وَ" الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَكْذِيبٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى7
__________
1 ساقطة من ض.
2 هو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو عاصم العبادي، الهروي، الإمام الجليل، القاضي، كان مجراً في العلم، وحافظاً لمذهب الشافعي، كان معروفاً بغموض العبارة، حباً لاستعمال الذهن الثاقب، كان من أصحاب الوجوه في المذهب، وكان مناظراً، دقيق النظر، تفقه وسمع الحديث الكثير، ودرس وحدث، وصنف كتباً كثيرة، منها "أدب القضاء" الذي شرحه أبو سعد الهروي في كتاب "الإشراف على غوامض الحكومات" ولأبي عاصم: "طبقات الفقهاء" و "الرد على القاضي السمعاني" و "كتاب الأطعمة" و "الزيادات" و "زيادات الزيادات" والهادي إلى مذهب العلماء" وغيرها، توفي سنة458 ?.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 4/104، وفيات الأعيان 3/351، شذرات الذهب 3/306، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص56، تهذيب الأسماء 2/249".
3 هو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث الفقيه السمرقندي المشهور بإمام الهدى، علامة من أئمة الحنفية، ومن الزهاد، له تصانيف كثيرة منها: "تفسير القرآن" و "عمدة العقائد" و "بستان العارفين" و "تنبيه الغافلين" و "خزانة الفقه" و "شرح الجامع الصغير" و "عيون المسائل" و "مختلف الرواية" وغيرها، توفي سنة 373?، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الفوائد البيهة ص220، الجواهر المضيئة 2/196، الأعلام للزركلي 8/348".
4 ساقطة من ع ض ب.
5 في ش: اعلموا.
6 الآية 71 من يونس.
7 انظر: جمع الجوامع 1/374، تفسير النصوص 1/238.
(3/33)

{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1 وَمِنْهُ قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} 2 {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ} 3
"وَ" الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "مَشُورَةٍ"4 نَحْوُ قوله تعالى: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} 5 فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ لابْنِهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إشَارَةً إلَى مُشَاوَرَتِهِ فِي هَذَا الأَمْرِ. وَهُوَ قَوْلُهُ: {يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} 6 ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ
"وَ" السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "اعْتِبَارٍ" نَحْوُ قوله تعالى: {اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} 7 فَإِنَّ فِي8 ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ9
"وَ" السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "تَعَجُّبٍ10" نَحْوُ قوله تعالى: {اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الأَمْثَالَ} 11 قَالَهُ الْفَارِسِيُّ. وَمَثَّلَهُ الْهِنْدِيُّ بِقَوْلِهِ
__________
1 الآية 93 من آل عمران.
2 الآية 23 من البقرة.
3 الآية 150 من الأنعام.
4 انظر: جمع الجوامع 1/374.
5 الآية 102 من الصافات.
6 الآية 102 من الصافات.
7 الآية 99 من الأنعام.
8 ساقطة من ع ض.
9 انظر: جمع الجوامع 1/374، تفسير النصوص 1/238.
10 انظر: جمع الجوامع 1/374.
ومثله عبد العزيز البخاري بقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} مريم/38، أي ما أسمعهم وما أبصرهم، "كشف الأسرار 1/107.
11 الآية 48 من الإسراء.
(3/34)

تَعَالَى: {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} 1 وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ مَثَّلَ بِهِ لِلتَّعْجِيزِ2، وَأَنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ3. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ4: وَهُوَ الظَّاهِرُ5. فَإِنَّ التَّمْثِيلَ بِهِ لِلتَّعَجُّبِ أَوْضَحُ؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعَجُّبُ
"وَ" الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "إرَادَةِ امْتِثَالِ أَمْرٍ آخَرَ6" نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كُنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ" 7 فَإِنَّ8 الْمَقْصُودَ الاسْتِسْلامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْفِتَنِ9.
فَهَذَا الَّذِي وَقَعَ اخْتِيَارُنَا عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَشْيَاءَ غَيْرَ
__________
1 الآية 50 من الإسراء.
2 في ض: لتعجيز.
3 صفحة 26.
4 في ض: قاله.
5 في ض: ظاهر.
6 انظر: جمع الجوامع 1/374.
7 هذا الحديث رواه الطبراني عن خباب بن الأرت، ورواه أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة بلفظ: "فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول، لا القاتل، فافعل" قال العجلوني: وبعضها يقوى بعضاً، وصحح الحاكم حديث حذيفة أنه قيل له: ما تأمرنا إذا اقتتل المصلون؟ قال: "آمرك أن تنظر أقصى بيت من دارك فتلج فيه، فإن دخل عليك، فتقول: ها بؤ بإثمي وإثمك، فتكون كابن آدم" وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم: القاتل في النار، والمقتول في الجنة" وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة: "كسروا فيها قسيكم وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته، فليكن كخير ابني آدم" وفي رواية "كن كابن آدم".
"انظر: كشف الخفا 2/193 ط حلب، المستدرك 4/444، أسنى المطالب ص171، سنن أبي داود 2/415، 416، سنن ابن ماجة 2/1310، تحفة الأحوذي 6/437، مسند أحمد 4/416، 5/292، نيل الأوطار 5/368".
8 في ز: فإنما.
9 في ش: القتل.
(3/35)

ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ1.
فَمِنْهَا، وَهُوَ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: كَوْنُهَا بِمَعْنَى "التَّخْيِيرِ2" نَحْوُ قوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 3 ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ.
وَقَدْ يُقَالُ: نَفْسُ صِيغَةِ افْعَلْ لَيْسَ فِيهَا تَخْيِيرٌ إلاَّ4 بِانْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ يُفِيدُهُ، لَكِنْ مِثْلُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي التَّسْوِيَةِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّلاثُونَ: الاخْتِيَارُ. نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَلا يَغْمِسْ 5 يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا" بِدَلِيلِ "فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" 6.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ النَّدْبِ. فَلا حَاجَةَ إلَى إفْرَادِهِ.
__________
1 ذكر الغزالي في معاني صيغة "إفعل" خمسة عشر وجهاً، ثم قال: "وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفاً منهم بالتكثير، وبعضها كالمتداخل، فإن قوله "كل مما يليك" داخل في الندب، والآداب مندوب إليها، وقوله: "تمتعوا" للإنذار قريب من قوله: "اعملوا ما شئتم" الذي هو للتهديد" "المستصفى 1/419"
2 ذكر ابن عبد الشكور التخيير، ومثله الشارح محمد نظام الدين الأنصاري بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أي مخير في الفعل وقت زوال الحياء. "فواتح الرحموت 1/372".
3 الآية 42 من المائدة. ساقطة من ش ز ع ب.
4 ساقطة من ش ز ع ب. في ش: بضده.
5 في ش: بضده. في ض ش: يغمس، وهي رواية للحديث عند مسلم.
6 في ض ش: يغمس، وهي رواية للحديث عند مسلم.
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي عن أبي هريرة مرفوعاً، وأوله: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل ... "
"انظر: صحيح البخاري 1/30، صحيح مسلم بشرح النووي 3/180، سنن أبي داود 1/23، تحفة الأحوذي 1/109، سنن النسائي 1/110، سنن ابن ماجة 1/138، الموطأ ص39 طبعة الشعب، بدائع المنن 1/27، مسند أحمد 2/241، 253، سنن الدارمي 1/196".
(3/36)

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قُلْت1: لَيْسَ فِي هَذَا صِيغَةُ أَمْرٍ، إنَّمَا هُوَ صِيغَةُ نَهْيٍ كَمَا تَرَى. انْتَهَى.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلاثُونَ: الْوَعِيدُ. نَحْوُ قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} 2 وَلَكِنْ هَذَا مِنْ التَّهْدِيدِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّهْدِيدُ أَبْلَغُ مِنْ الْوَعِيدِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلاثُونَ: الالْتِمَاسُ. كَقَوْلِك لِنَظِيرِك: افْعَلْ. وَهَذَا يَأْتِي عَلَى رَأْيٍ3، وَهُوَ وَشَبَهُهُ مِمَّا يَقِلُّ4 جَدْوَاهُ فِي دَلائِلِ الأَحْكَامِ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الثَّالِثُ وَالثَّلاثُونَ: التَّصَبُّرُ. نَحْوُ قوله تعالى: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} 5 {فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} 6 {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} 7 ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ8.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ: قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ، نَحْوُ قوله تعالى: {اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ} 9 ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ الْخَامِسُ وَالثَّلاثُونَ: التَّحْذِيرُ وَالإِخْبَارُ عَمَّا يَئُولُ الأَمْرُ
__________
1 ساقطة من ب.
2 الآية 29 من الكهف. وفي ع ض ب: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ... } .
3 وهو رأي ابن عبد الشكور، "انظر: مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت 1/372".
4 في ش: تقل.
5 الآية 40 من التوبة.
6 الآية 17 من الطارق.
7 الآية 83 من الزخرف.
8 انظر: تفسير النصوص 1/283.
9 الآية 49 من الأعراف، والآية 32 من النحل، والآية 70 من الزخرف.
(3/37)

إلَيْهِ1، نَحْوُ قوله تعالى: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} 2 قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ.
"وَكَنَهْيٍ" فِي الْمَعْنَى "دَعْ، وَاتْرُكْ" وَكُفَّ، وَأَمْسِكْ نَفْسَك عَنْ كَذَا. وَنَحْوُهُ3.
لَمَّا كَانَ4 مِنْ أَبْعَاضِ " افْعَلْ " مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ. اُحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى إخْرَاجِهَا. وَلِهَذَا قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي حَدِّ الأَمْرِ: إنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كُفَّ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كُفَّ5، أَيْ مَدْلُولٍ عَلَى الْكَفِّ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ بِغَيْرِ كُفَّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ أَمْرٍ.
فَقَوْلُهُ "اقْتِضَاءُ فِعْلٍ" أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ، وَهُوَ جِنْسٌ يَشْمَلُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَتَخْرُجُ الإِبَاحَةُ6 وَغَيْرُهَا مِمَّا تُسْتَعْمَلُ مِنْهُ7 صِيغَةُ الأَمْرِ. وَلَيْسَ أَمْرًا، وَقَوْلُهُ "غَيْرِ كُفَّ " فَصْلٌ خَرَجَ بِهِ النَّهْيُ. فَإِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ هُوَ كُفَّ.
وَقَوْلُهُ "مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كُفَّ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: كُفَّ 8.
__________
1 انظر: كشف الأسرار 1/107.
2 الآية 65 من هود، وأولها: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا ... } .
3 انظر: تيسير التحرير 1/337، 338، فواتح الرحموت 1/395، العضد على ابن الحاجب 2/77، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه 1/367 وما بعدها.
4 في ش ز: بعض من.
5 جمع الجوامع 1/367.
6 في ض ب: ويخرج
7 في ش ب: منه.
8 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/367.
(3/38)

فصل الأمر حقيقة في الوجوب
...
فَصْلُ الأمر حقيقة الوجوب:
"الأَمْرِ" فِي حَالَةِ1 كَوْنِهِ "مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةٍ" "حَقِيقَةٍ فِي الْوُجُوبِ" عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ2 "شَرْعًا" أَيْ بِاقْتِضَاءِ وَضْعِ الشَّرْعِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ أَحَدُ الأَقْوَالِ الثَّلاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ3.
وَالثَّانِي 4 - وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ بِاقْتِضَاءِ وَضْعِ اللُّغَةِ5.
__________
1 في ض: حال.
2 وهو قول الظاهرية أيضاً، قال إمام الحرمين في "البرهان" والآمدي في "الإحكام" إنه مذهب الشافعي، وذكر الشيرازي في "شرح اللمع" أن الأشعري نص عليه.
"انظر: البرهان للجويني 1/216، الإحكام للآمدي 2/144، الإحكام لابن حزم 1/259، اللمع ص8، التبصرة ص26، التمهيد ص73، فواتح الرحموت 1/373، كشف الأسرار 1/108، 110، تيسير التحرير 1/341، أصول السرخسي 1/14، المستصفى 1/423، المعتمد 1/57، التوضيح على التنقيح 2/53، شرح تنقيح الفصول ص127، الروضة ص127، مختصر الطوفي ص86، مختصر البعلي ص99، القواعد والفوائد الأصولية ص159، مختصر ابن الحاجب 2/79، العبادي على الورقات ص80، العدة 1/224، إرشاد الفحول ص94، مباحث الكتاب والسنة ص112، تفسير النصوص 1/241، المسودة ص13، فتح الغفار 1/31.
3 انظر: فواتح الرحموت 2/377، تيسير التحرير 1/360، نهاية السول 2/21، البرهان للجويني 1/223، القواعد والفوائد الأصولية ص159، مختصر البعلي ص99، التمهيد ص73، اللمع ص8، مباحث الكتاب والسنة ص112.
4 في ش ز: الثاني.
5 وهو رأي ابن حزم الظاهري وابن نجيم الحنفي وابن عبد الشكور وجلال الدين المحلي، وهو الصحيح عن أبي إسحاق الشيرازي، وهو ظاهر كلام الآمدي.
انظر: الإحكام لابن حزم 1/263، فتح الغفار 1/31، فواتح الرحموت 1/377، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/375، تيسير التحرير 1/360، اللمع ص8، التمهيد ص73، البرهان 1/223، مختصر البعلي ص99، القواعد والفوائد الأصولية ص159، نهاية السول 2/22، الإحكام للآمدي 2/145، مباحث الكتاب والسنة ص114".
(3/39)

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ - أَنَّهُ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ1.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ بِقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} 2 وَبِقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} 3 ذَمَّهُمْ وَذَمَّ إبْلِيسَ عَلَى مُخَالَفَةِ الأَمْرِ الْمُجَرَّدِ4. لأَنَّ السَّيِّدَ لا يُلامُ عَلَى عِقَابِ عَبْدِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ مُجَرَّدِ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلاءِ، وَدَعْوَى قَرِينَةِ الْوُجُوبِ وَاقْتِضَاءِ تِلْكَ اللُّغَةِ لُغَةً لَهُ دُونَ هَذِهِ: غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ5.
__________
1 ذكر هذا الرأي القيرواني في "المستوعب"، انظر: التمهيد ص73، نهاية السول 2/22، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/375، مختصر البعلي ص99، القواعد والفوائد الأصولية ص159، مباحث الكتاب والسنة ص114.
2 الآية 63 من النور.
3 الآية 48 من المرسلات.
4 وذلك في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} الأعراف/12، ومثل هذا الذم لا يكون إلا على ترك الواجب، فدل على أن الأمر للوجوب.
"انظر: التبصرة ص27، شرح تنقيح الفصول ص127، مباحث الكتاب والسنة ص113، العدة1/230".
5 انظر القول في الوجوب وأدلته ومناقشتها في "المحصول ج1 ق2/69 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 2/80، نهاية السول 2/20، وما بعدها، أحكام الإحكام 1/104، 138، المسودة ص5، ص15، أصول السرخسي 1/16، 18، الإحكام لابن حزم 1/259، فتح الغفار 1/33، شرح تنقيح الفصول ص127، البرهان للجويني 1/221، التوضيح على التنقيح 2/53 وما بعدها، 62 وما بعدها، الإحكام للآمدي 2/144، 146، التبصرة ص27، المنخول ص105، المستصفى 1/429، مختصر الطوفي ص86، الروضة 2/194، إرشاد الفحول ص94، العدة 1/229، تفسير النصوص 1/245".
وفي ش: ممسوعة.
(3/40)

وَقِيلَ: إنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٍ فِي النَّدْبِ. وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ1. وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهَا2.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَمَرَ3 بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَلُ مِمَّا نَهَى عَنْهُ4. فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ5: لَعَلَّهُ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ قَالُوا: الأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَلا تَكْرَارَ. وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَالدَّوَامِ، لِئَلاَّ يُخَالِفَ نُصُوصَهُ6.
وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ: فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ النَّصِّ أَنَّهُ لِلنَّدَبِ7.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّا نَحْمِلُ الأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ، وَنَفْيًا لِلْعِقَابِ بِالاسْتِصْحَابِ، وَلأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَلأَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً8.
__________
1 الإحكام للآمدي 2/144، المستصفى 1/426.
2 هذا قول أكثر المعتزلة، ونقله السرخسي عن بعض المالكية.
وانظر القول في الندب مع أدلته ومنا قشتها في "مختصر ابن الحاجب 2/79، نهاية السول 2/22، 37، جمع الجوامع 1/375، المسودة ص5، أصول السرخسي 1/16، فتح الغفار 1/31، شرح تنقيح الفصول ص137، البرهان للجويني 1/215، التلويح على التوضيح 2/51، 53، 63، كشف الأسرار 1/108، 111، تيسير التحرير 1/341، مختصر البعلي ص99، المعتمد 1/57، 76، الإحكام للآمدي 2/144، اللمع ص8، التبصرة ص27، المستصفى 1/419، 423، 426، فواتح الرحموت 1/373، التمهيد ص73، روضة الناظر 2/193، مختصر الطوفي ص86، القواعد والفوائد الأصولية ص159، العدة 1/229، إرشاد الفحول ص94، تفسير النصوص 1/242، مباحث الكتاب والسنة ص112".
3 في ش ز ع: أمر الله.
4 انظر: المسودة ص5، 14، الفوائد والفوائد الأصولية ص191، العدة 1/228.
5 منهم أبو البركات ابن تميمة، "انظر: المسودة ص14، القواعد والفوائد الأصولية ص191".
6 انظر: العدة 1/229.
7 انظر: المسودة ص5، القواعد والفوائد الأصولية ص191.
8 هناك أقوال كثيرة في المسألة، ولكل قول دليله، وبحثه المصنف رحمه الله سابقاً في المجلد الأول ص405.
"وانظر: كشف الأسرار 1/119، تيسير التحرير 1/347، المعتمد 1/76، التبصرة ص33، المحصول ج1 ق2/353، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 1/81، اللمع ص7، شرح تنقيح الفصول ص127، الروضة 2/193، العدة 1/248، مباحث الكتاب والسنة ص113، 114، تفسير النصوص 1/264، أصول الفقه الإسلامي ص277".
(3/41)

وَقِيلَ: إنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٍ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ الطَّلَبُ. فَيَكُونُ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ. اخْتَارَهُ الْمَاتُرِيدِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ1، لَكِنْ قَالَ: يُحْكَمُ بِالْوُجُوبِ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْعَمَلِ احْتِيَاطًا دُونَ الاعْتِقَادِ2.
وَاسْتُدِلَّ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بِأَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ. وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَيَحْسُنُ الاسْتِفْهَامُ. وَالتَّقْيِيدُ أَفْعَلَ3 وَاجِبًا أَوْ نَدْبًا4.
رَدُّ خِلافِ الأَصْلِ.
وَمَنَعَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لا يَحْسُنُ الاسْتِفْهَامُ5.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ اثْنَا عَشَرَ قَوْلاً غَيْرَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا6 خَشْيَةَ الإِطَالَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلاً7.
__________
1 انظر: كشف الأسرار 1/118، تيسير التحرير 1/340، 347 وما بعدها، الإحكام للآمدي 2/144، المحصول ?1 ق2/67، مختصر ابن الحاجب 2/79، نهاية السول 2/22، جمع الجوامع 1/375، المعتمد 1/56، شرح تنقيح الفصول ص127، التمهيد ص72، القواعد والفوائد الأصولية ص160، مباحث الكتاب والسنة ص112.
2 انظر: كشف الأسرار 1/108، تيسير التحرير 1/341، فواتح الرحموت 1/373.
3 في ش: فعل.
4 انظر: كشف الأسرار 1/108، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/81، القواعد والفوائد الأصولية ص162.
5 أي لا يحسن الاستفهام عن الأمر، هل هو للوجوب أم لا؟ "انظر: مختصر البعلي ص99".
6 في ب: ذكره.
7 ساقطة من ش ز، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص161.
(3/42)

"وَ" يَكُونُ الأَمْرُ الَّذِي لَيْسَ مُقَيَّدًا1 بِمَرَّةٍ وَلا تَكْرَارٍ "لِتَكْرَارٍ حَسَبِ الإِمْكَانِ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَبِي إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ قَالَهُ2 الآمِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ3 وَالْمُتَكَلِّمِينَ4، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْقَصَّار5ِ عَنْ مَالِكٍ. فَيَجِبُ اسْتِيعَابُ
__________
وذكر الإسنوي في هذه المسألة ستة عشر قولاُ "التمهيد"، وقال الغزالي: "والمختار أنه متوقف فيه" "المستصفى 1/419، 423".
وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/79، نهاية السول 2/22، جمع الجوامع وشرح المحلي والبناني عليه 1/376، التبصرة ص27، المنخول ص105، المحصول ? 1 ق2/62، 66، المعتمد 1/57، الإحكام للآمدي 2/144، كشف الأسرار 1/107وما بعدها، التلويح على التوضيح 2/51، 53، فواتح الرحموت 1/373، نهاية السول 2/22ن أصول السرخسي 1/15، الإحكام لابن حزم 1/259 وما بعدها، فتح الغفار 1/31 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص127، البرهان للجويني 1/212، المسودة ص5، الروضة 2/193، مختصر الطوفي ص86، القواعد والفوائد الأصولية ص159 وما بعدها، العدة 1/229، مباحث الكتاب والسنة ص113، 115، إرشاد الفحول ص94.
1 في ض ب: بمقيد.
2 في ش ز ع ب ض: قال.
3 في ض: العلماء.
4 انظر أدلة هذا القول ومناقشتها في "التوضيح على التنقيح 2/68، نهاية السول 2/42، 46، البرهان للجويني 1/224، 229، تيسير التحرير 1/351، مختصر البعلي ص100، المعتمد 1/108، الإحكام للآمدي 2/155، جمع الجوامع 1/380، اللمع ص8، التبصرة ص41، المنخول ص108، المحصول ? 1 ق2/163، المستصفى 2/2، مختصر ابن الحاجب 2/81، العبادي على الورقات ص83، المسودة ص20، نزهة الخاطر 2/78، التمهيد ص78، القواعد والفوائد الأصولية ص171".
5 هو علي بن عمر بن أحمد، أبو الحسن، الفقيه المالكي، المعروف بابن القصار الأبهري الشيرازي البغدادي، كان أصولياً نظاراً، تفقه بأبي بكر الأبهري، وتفقه عليه القاضي عبد الوهاب وابن عمروس وجماعة، ولي بغداد، وله كتاب كبير في مسائل الخلاف، قال الشيرازي: "لا أعرف لهم كتاباً في الخلاف أحسن منه" توفي سنة 398 ?، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب ص199 ط أولى، ترتيب المدارك 2/602، شجرة النور الزكية ص92، طبقات الفقهاء للشيرازي ص198، تاريخ بغداد 12/41".
(3/43)

الْعُمْرِ بِهِ، دُونَ أَزْمِنَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالنَّوْمِ وَضَرُورِيَّاتِ الإِنْسَانِ1.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لا يَقْتَضِي تَكْرَارًا إلاَّ بِقَرِينَةٍ. وَنَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ2.
وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى3
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص120، المعتمد 1/110، المنخول ص108، العضد على ابن الحاجب 2/82، نهاية السول 2/42.
2 وهو قول ابن الخطاب، ورجحه الطوفي، ومال إليه ابن قدامة، وهو الصحيح عند الفخر الرازي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري، وعبد الحنفية والظاهرية.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص171، الروضة 2/199، المسودة ص20، 22، مختصر الطوفي 87، 88، العدة 1/264، مختصر البعلي ص100، كشف الأسرار 1/122، تيسير التحرير 1/251، فتح الغفار 1/36، التوضيح على التنقيح 2/69، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/62، أصول السرخسي 1/20، الإحكام لابن حزم 1/216، المعتمد 1/108، المحصول ? 1 ق2/162، فواتح الرحموت 1/380".
3 ذكر البعلي في القول الأول أنه: "أشهر قولي القاضي" "القواعد والفوائد الأصولية ص171"، وهو ما نص عليه القاضي في "العدة1/264"، ونقله الطوفي عنه، "مختصر الطوفي ص87"، وقاله الموفق عنه "الروضة 2/200".
وهناك أقوال أخرى في المسألة، ففي قول ثالث: أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا يدل على المرة، ولا على التكرار، وفي قول رابع أن الأمر إن كان معلقاً بشرط اقتضى التكرار، وإن كان مطلقاً فلا يقضي التكرار، وهو اختيار المجد ابن تيمية في "المسودة ص20" وفي قول خامس أنه مشترك بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة، وفي قول سادس أنه على التوقف، وهو اختيار الأشعرية وإمام الحرمين والغزالي، واختلفوا في معنى الوقف، فقيل: لا يعلم أوضع للمرة هنا أو للتكرار أو لمطلق الفعل، وقيل: لا يعلم مراد المتكلم لاشتراك الأمر بين الثلاثة، ونقل ابن الحاجب والآمدي والمجد عم إمام الحرمين أنه لا يقتضي شيئاً، ولكن كلام الجويني في "البرهان" يخالف ذلك.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص171، 172، المسودة ص20، 21، التمهيد ص78، مختصر البعلي ص101، التلويح على التوضيح 2/69، المنخول ص108، 111، الإحكام للآمدي 2/155، البرهان للجويني 1/224، 228، شرح تنقيح الفصول ص130، العدة 1/264 وما بعدها، 275، إرشاد الفحول ص98، مختصر ابن الحاجب 2/81".
(3/44)

"وَ" يَكُونُ الأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِـ"فِعْلِ الْمَرَّةِ" الْوَاحِدَةِ "بِالالْتِزَامِ"1.
فَعَلَى كَوْنِهِ لا يَقْتَضِي تَكْرَارًا يُفِيدُ الأَمْرُ طَلَبَ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِوَحْدَةٍ وَلا بِكَثْرَةٍ، إلاَّ أَنَّهُ2 لا يُمْكِنُ3 إدْخَالُ تِلْكَ4 الْمَاهِيَّةُ فِي الْوُجُودِ بِأَقَلَّ مِنْ مَرَّةٍ. فَصَارَتْ الْمَرَّةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الالْتِزَامِ5.
وَقِيلَ: يَقْتَضِي فِعْلَ مَرَّةٍ بِلَفْظِهِ وَوَضْعِهِ6.
"وَ"أَمْرٍ "مُعَلَّقٍ بِمُسْتَحِيلٍ" نَحْوُ: صَلِّ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا "لَيْسَ أَمْرًا" لأَنَّهُ كَقَوْلِهِ7: كُنْ الآنَ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
__________
1 في ض: بالتزام.
2 في ض ب: لأنه.
3 في ع: تمكن.
4 مابين القوسين إضافة من "القواعد والفوائد الأصولية ص171"، والنص منقول حرفياً منه.
5 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص171، الروضة 2/200، المحصول? 1 ق2/163، جمع الجوامع 1/379، نزهة الخاطر 2/78، أصول السرخسي 1/25، الإحكام لابن حزم 1/319، فتح الغفار 1/26، البرهان للجويني 1/229، تيسير التحرير 1/351، مختصر البعلي ص10، المعتمد 1/107، الإحكام للآمدي 2/155، التبصرة ص41، نهاية السول 2/43، العبادي على الورقات ص82، إرشاد الفحول ص97، التمهيد ص78.
6 وهذا قول أصحاب الإمام مالك، وقاله كثير من الحنفية والشافعية، ونقله الشيرازي في "شرح اللمع" عن أكثر الشافعية، وقال الغزالي: "وإليه صار الشافعية الفقهاء".
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص171، التمهيد ص78، شرح تنقيح الفصول ص120، البرهان للجويني 1/224، 228، تيسير التحرير 1/351، مختصر البعلي ص10، نهاية السول 2/42، المسودة ص20، أصول السرخسي 1/20، الإحكام للآمدي 2/155، اللمع ص8، المنخول ص108، المحصول ? 1 ق2/63، المستصفى 2/2، فواتح الرحموت 1/380، مختصر ابن الحاجب 2/81، التلويح على التوضيح 2/69، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص315".
7 في ع: كقولك.
(3/45)

"وَ"أَمْرٍ مُعَلَّقٍ "بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَيْسَا بِعِلَّةٍ" لِلْمَأْمُورِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: إذَا مَضَى شَهْرٌ، أَوْ إذَا هَبَّتْ1 رِيحٌ، أَوْ إنْ سَافَرَ زَيْدٌ، فَأَعْتِقُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي، فَحَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا عَلَّقَ عَلَيْهِ الأَمْرَ، وَأَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ. فَقَدْ امْتَثَلَ مَا أَمَرَ بِهِ "وَلَمْ يَتَكَرَّرْ" الأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ "بِتَكَرُّرِهِمَا"2 أَيْ: تَكَرُّرِ3 الشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ بِعِلَّةٍ ثَابِتَةٍ.
وَلا الصِّفَةِ الَّتِي لَيْسَتْ4 بِعِلَّةٍ ثَابِتَةٍ 5. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ عِلَّةً ثَابِتَةً نَحْوُ قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} 6 أَوْ كَانَتْ الصِّفَةُ عِلَّةً ثَابِتَةً نَحْوُ قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 7 {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 8 فَإِنَّ الأَمْرَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا9
__________
1 في ض: هب.
2 في ض: بتكرره.
3 في ب: بتكرر.
4 في ع: ليس.
5 اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاث مذاهب، الأول: أنه لا يدل على التكرار من جهة اللفظ، لكن يدل عليه من جهة القياس، بناء على أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، وهو اختيار الفخر الرازي، والثاني: يدل على التكرار بلفظه، والثالث: لا يدل على التكرار لا بلفظه ولا بالقياس، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري والشيرازي.
انظر: هذه الآراء مع الأدلة والمناقشة في "التمهيد ص79، أصول السرخسي 1/21، شرح تنقيح الفصول ص131، المعتمد 1/115 وما بعدها، المستصفى 2/7، الإحكام للآمدي 2/161 وما بعدها، اللمع ص8، التبصرة ص47 وما بعدها، المحصول ? 1 ق2/179، وما بعدها، نهاية السول 2/42، 50 وما بعدها، منهاج العقول 2/46، القواعد والفوائد الأصولية ص172، العدة 1/275".
6 الآية 6 من المائدة.
7 الآية 38 من المائدة.
8 الآية 2 من النور.
9 دعوى الاتفاق غير مسلمة، لأن بعض الحنفية خالفوا في ذلك، فقال النسفي: "ولا يقتضي التكرار سواء كان معلقاً بالشرط أو مخصوص بالوصف أو لم يكن" "فتح الغفار بشرح المنار للنسفي 1/36-37"، وقال صدر الشريعة: "وعند بعض علمائنا: لا يحتمل التكرار إلا أن يكون=
(3/46)

قَالَهُ ابْنُ1 الْبَاقِلاَّنِيِّ فِي التَّقْرِيبِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالآمِدِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ2. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: وَكَلامُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِيهِ3. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لاتِّبَاعِ الْعِلَّةُ، لا لِلأَمْرِ. فَمَعْنَى هَذَا التَّكْرِيرِ: أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ4 وُجِدَ الْحُكْمُ؛ لأَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وُجِدَ الْحُكْمُ، لا أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ يَتَكَرَّرُ الْفِعْلُ5.
__________
=معلقاً بشرط أو مخصوص بوصف" "التوضيح على التنقيح2/69"، وعلق التفتازاني عليه: "وظاهر عبارة المصنف أن المعلق على شرط أو وصفة يحتمل التكرار، والحق أنه يوجبه على هذا المذهب" "التلويح على التوضيح 2/71"، وقال البزدوي: "وقال عامة مشايخنا: لا توجبه ولا تحتمله بكل حال" "كشف الأسرار على أصول البزدوي 1/122"، وقال عبد العزيز البخاري: "والمذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار، ولا يحتمله سواء كان مطلقاً أو معلقاً بشرط، أو مخصوصاً بوصف، إلا الأمر بالفعل يقع على أقل جنسه" "كشف الأسرار 1/123"، وقال الكمال بن الهمام: "الشرط هنا علة فيتكرر بتكررها اتفاقاً" "تيسير التحرير 1/353"، وقال ابن عبد الشكور: "فإن كان علة فهل يتكرر بتكررها؟ والحق نعم، وقيل: لا، فدعوى الإجماع في العلة، كما في المختصر وغيره، غلط" "فواتح الرحموت 1/386".
"وانظر: العدة 1/275، مختصر البعلي ص101، المعتمد 1/115، الإحكام للآمدي 2/161، المستصفى 2/7، تفسير النصوص 2/318".
1 ساقطة من ض.
2 انظر: المحصول ? 1 ق2/179، المستصفى 2/8، جمع الجوامع 1/280، الإحكام للآمدي 2/161 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/83، أصول السرخسي 1/20، 21، فواتح الرحموت 1/386، التمهيد ص79، المسودة ص20، الروضة 2/200، العدة 1/276، القواعد والفوائد الأصولية ص172، تفسير النصوص 2/318 وما بعدها.
3 القواعد والفوائد الأصولية ص172.
4 ساقطة من ض، وسقط من ب: إذا وجدتِ العلةُ وجد الحكم، لا أنه.
5 انظر: الإحكام للآمدي 2/161، المحصول ? 1 ق2/183، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/83، الروضة 2/200، العدة 1/276.
(3/47)

"وَ" الأَمْرُ "لِلْفَوْرِ"1 سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ2.
__________
1 المقصود من كون الأمر للفور أن يبادر المكلف لامتثال الأمر وتنفيذه بعد سماعه دون تأخير، فإن تأخر عن الأداء كان مؤاخذاً، قال صدر الشريعة: "المراد بالفور الوجوب في الحال، والمارد بالتراخي عدم التقيد بالحال لا التقيد بالمستقبل. حتى لو أداه في الحال يخرج عن العهدة" "التوضيح على التنقيح 2/188"، وقال عبد العزيز البخاري: "ومعنى قولنا على الفور أنه يجب تعجيل الفعل في أوقات الإمكان، ومعنى قولنا على التراخي: أنه يجوز تأخيره عنه، وليس معناه أنه يجب تأخيره عنه" "كشف الأسرار 1/254".
"وانظر: اللمع ص8، فواتح الرحموت 1/387، جمع الجوامع 1/381، تخريج الفروع ص40، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص321".
وفي ب: إلا للفور.
2 إن القول بان الأمر للفور هو رأي بعض الشافعية كأبي بكر الصيرفي والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي حامد وأبي بكر الدقاق، وهو قول الظاهرية، وبعض الحنفية، وقد نسب المصنف القول به للحنفية تساهلا كما فعل الجويني والبيضاوي والفخر الرازي وغيرهم، والصواب أنه قول أبي الحسن الكرخي منهم وتبعه بعض الحنفية، وأن أكثر الحنفية يرون أن الأمر لمطلق الطلب فقط، قال ابن عبد الشكور في "مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت 1/387": "هو لمجرد الطلب فيجوز التأخير كما يجوز البدار" وقال عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار 254": "اختف العلماء في الأمر المطلق أنه على الفور أم على التراخي، فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي وعامة المتكلمين إلى أنه على التراخي، وذهب بعض أصحابنا، منهم أبو الحسن الكرخي.. إلى أنه على الفور.
وانظر تحقيق المسألة في "تيسير التحرير 1/356، أصول السرخسي 1/26ن التوضيح على التنقيح 2/188، المعتمد 1/120، الإحكام لابن حزم 1/294، شرح تنقيح الفصول ص128، البرهان للجويني 1/231، 241، المنخول ص 111، الإحكام للآمدي 1/165، التبصرة ص52، المحصول? 1 ق2/189، المستصفى 2/9ن مختصر ابن الحاجب 2/83، نهاية السول 2/55، جمع الجوامع 1/381، العبادي على الورقات ص85، مختصر البعلي ص101، المسودة ص24، 25، التمهيد ص80، الروضة 2/202 وما بعدها، العدة 1/281، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص322، تفسير النصوص 2/345، القواعد والفوائد الأصولية ص189، مختصر الطوفي ص89، مباحث الكتاب والسنة ص10، إرشاد الفحول ص99".
(3/48)

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْهُمْ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا1 تَأْخِيرَ الْحَجِّ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ2.
وَقِيلَ: لا يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْعَزْمُ3.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ لُغَةً. قَالَهُ أَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ، فَإِنْ بَادَرَ امْتَثَلَ4
__________
1 في ش: جوز.
2 اختلف العلماء فيما يترتب على التراخي، بأن يموت المأمور به بعد تمكنه منه وقبل الفعل، فإنه لا يموت عاصياً عند الأكثرين، وقال قوم يموت عاصياً، وقال النووي: "فيه أوجه ... والأصح العصيان" "المجموع 7/90".
"وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص75 وما بعدها، نزهة الخاطر 2/86، الإحكام للآمدي 2/20، أصول السرخسي 1/26، كشف الأسرار 1/255، شرح تنقيح الفصول ص129، الإحكام لابن حزم 1/299، المجوع للنووي 7/82، 83، 88، المغني 2/232، المسودة ص25، شرح الكوكب المنير 1/373".
3 يرى أكثر الحنفية والشافعية أن الأمر لمجرد الطلب، وأنه لا يقتضي الفور ولا التراخي، وصرح الجويني فقال: "والوجه أن يعبر: الصيغة تقتضي الامتثال" "البرهان 1/233، 235"، وهذه رواية عن أحمد، وهو الراجح عند المالكية كما اختره ابن الحاجب، وقالت المعتزلة: لا يقتضي التعجيل، ولا يشترطون العزم، ووقع تساهل في عبارات بعض العلماء الأصول أن الأمر للتراخي وينسبونه للشافعية، والتحقيق أنهم يقصدون أن التأخير جائز، قال الشيرازي: "والتعبير بكونه يفيد التراخي غلط ... " وهذا ما حققه علماء الشافعية.
انظر تحقيق المسألة وأقوال العلماء فيها مفصلة مع الأدلة والمناقشة في "نهاية السول 2/55، التبصرة ص53، اللمع ص8، 9، المحصول ? 1 ق2/189، جمع الجوامع 1/381، المعتمد 1/120، 129، الإحكام للآمدي 1/165، المستصفى 2/9، فواتح الرحموت 1/387 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب 2/83، البرهان 1/232، الإحكام لابن حزم 1/294 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص129، المسودة ص24، 25، مختصر البعلي ص 101، المنخول ص 111، تيسير التحرير 2/356 وما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية ص179، 180، العدة 1/282، مختصر الطوفي ص89، التمهيد ص80، الروضة 2/202، أصول السرخسي 1/28، إرشاد الفحول ص99، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص321 وما بعدها، تفسير النصوص 2/345 وما بعدها".
4 تعددت الأقوال في مسألة الأمر للفور أو للتراخي أو لمجرد الطلب والامتثال أو الوقف أو غير ذلك، ولكل قولٍ دليله.
"انظر: جمع الجوامع 1/382، البرهان للجويني 1/232، 246، كشف الأسرار 1/254، تيسير التحرير 1/357، الإحكام للآمدي 2/165، المنخول ص111، المحصول ? 1 ق2/189، المستصفى 2/9، مختصر ابن الحاجب 2/83، 84، نهاية السول 2/55، المسودة ص25، 26، الروضة 2/202، مختصر الطوفي ص89-90، التمهيد ص80، التبصرة ص53، القواعد والفوائد الأصولية ص180، العدة 1/282، إرشاد الفحول ص99، مباحث الكتاب والسنة ص120 وما بعدها، مختصر البعلي ص 101".
(3/49)

"وَفَعَلَ عِبَادَةً لَمْ يُقَيَّدْ" فِعْلُهَا "بِوَقْتٍ" فِي حَالَةِ كَوْنِ الْفِعْلِ "مُتَرَاخِيًا" عَنْ الْفَوْرِ بِهِ1 عَلَى الْقَوْلِ بِهَا "أَوْ مُقَيَّدٌ بِهِ" أَيْ بِوَقْتِ "بَعْدَهُ" أَيْ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي قُيِّدَ بِهِ "قَضَاءً بِالأَمْرِ الأَوَّلِ" لا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فِي الصُّورَتَيْنِ.
أَمَّا فِي الأُولَى -وَهِيَ "مَا2 إذَا لَمْ يُقَيَّدْ الأَمْرُ بِوَقْتٍ وَقُلْنَا بِالْفَوْرِيَّةِ، وَفَعَلَهُ مُتَرَاخِيًا- فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ. وَإِنْ قُلْنَا: الأَمْرُ لِلتَّرَاخِي فَلَيْسَ بِقَضَاءٍ3.
وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ - وَهِيَ مَا4 إذَا كَانَ الأَمْرُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ5 وَفَعَلَهُ بَعْدَهُ - فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِيهَا أَيْضًا بِالأَمْرِ الأَوَّلِ. اخْتَارَهُ6 الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْمُوَفَّقُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمْ7.
__________
1 ساقطة من ض ب.
2 ساقطة من ز ع ض ب.
3 نقل المجد عن الجويني أنه قال: "أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق إذا أخره ثم أقامه, فهو مؤد, لا قاض" ثم ذكر المجد الاختلاف بين علماء الحنفية في ذلك فقال: "قال الرازي منهم كالجمهور, وقال غيره: إنه يسقط كالموت عندهم, هذا قول الكرخي وغيره, وأبي الفرج المالكي" "المسودة ص26".
وانظر: العدة1/293,294, الإحكام للامدي2/179, فتح الغفار1/42.
4 ساقطة من ض ب.
5 في ض: بالوقت.
6 في ع: واختاره.
7 وهو قول المقدسي من الحنابلة, وقول الحنفية وبعض الشافعية.
"انظر: مختصر البعلي ص102, العدة1/293, القواعد والفوائد الأصولية ص180, مختصر الطوفي ص90, الروضة2/204,206, المسودةص27, فتح الغفار1/42, شرح تنقيح الفصول ص144, البرهان للجويني 1/265,267, المعتمد1/146, الإحكام للآمدي2/179, اللمع ص9, التبصرة ص64, المنخول ص121, المستصفى2/10, العضد على ابن الحاجب2/92, جمع الجوامع1/382, إرشاد الفحول ص106".
(3/50)

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ فِي1 بَابِ الْحَيْضِ: وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ الصَّوْمَ إجْمَاعًا، وَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا هِيَ وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالأَمْرِ السَّابِقِ لا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فِي الأَشْهَرِ2.
"والأمرُ بـ" شيءٍ "معينٍ3 نهيٌ عن ضده "أي ضدِّ ذلك المعين "معنىً" أي من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ4، عند أصحابنا والأئمةِ الثلاثة، وذكره أبو
__________
1 ساقطة من ش.
2 الفروع1/260.
يرى جمهور الفقهاء أنه لابد من أمر جديد, وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة, واختاره ابن عقيل منهم, وقواه المجد ابن تيمية, ولكل قول دليله.
"انظر: المستصفى2/11, المسودة ص27, أصول السرخي1/45,46, الإحكام لابن حزم1/203, الروضة 2/204, مختصر الطوفي ص90, شرح تنقيح الفصول ص129,144, البرهان للجويني 1/265, مختصر البعلي ص102, العدة 1/296, المعتمد 1/146, الإحكام للآمدي 2/179, اللمع ص9, التبصرة ص64, المنخول ص120, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/92, جمع الجوامع 1/382, إرشاد الفحول ص106, مباحث الكتاب والسنة ص125, أصول الفقه الإسلامي ص262".
3 قيد المصنف الأمر بالشيء المعين للاحتراز عن الأمر بشيء غير معين كالواجب المخير, وعن الأمر بشيء في وقت موسع, كالواجب الموسع, فإن الآمر بهما ليس نهياً عن الضد باتفاق. "انظر: التبصرة ص89".
4 قال القرافي: "أريد به أن الأمر يدل بالالتزام, لا بالمطابقة" "شرح تنقيح الفصول ص13", وقال البعلي: "وعند أكثر الأشاعرة من جهة اللفظ, بناء على أن الأمر والنهي لا صيغة لهما"
"مختصر البعلي ص101", وقال الفخر الرازي:" اعلم أنا لا نريد بهذا أن صيغة الأمر هي صيغة النهي, بل المراد أن الأمر بالشيء دال على أن المنع من نقيضه بطريق الالتزام" " المحصول2/324", وقال أبو الحسين البصري: "فالخلاف في الاسم" "المعتمد1/106".
(3/51)

الخطاب عن الفقهاء، وقاله الكعبي وأبو الحسين المعتزلي1.
قَالَ القاضي: بناء على أصلِنا أن2 مطلقَ الأمرِ للْفَوْرِ3.
وعن باقي المعتزلة: ليس نهيا عن ضده، بناء على أصلِهم في اعتبار إرادةِ الناهي، وليست معلومةً، وقطع به النووي في الروضة في كتاب الطلاق؛ لأن القائل: اسكن قد يكون غافلاً عن ضد السكون، وهو الحركة فليس عينَه، ولا يتضمنه4.
وعند الأشعرية: الأمر معنًى في النفس، فقال بعضهم: هو عين النهي عن ضده الوجودي، وهو قول الأشعري، قَالَ أبو حامد: بنى الأشعري ذلك على أن الأمر لا صيغة له، وإنما هو معنًى قائمٌ في النفس، فالأمر عندهم هو نفسُ النهي من هذا الوجه، أي فاتصافه بكونه أمرا ونهيا كاتصاف الكونِ الواحد بكونه قريبًا من شيءٍ بعيدا من شيء 5.
__________
1 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص183ومختصر الطوفي ص88, المسودة ص49, العدة2/368, أصول السرخسي 1/94, الإحكام لابن حزم 1/314, شرح تنقيح الفصول ص136 والبرهان للجويني 1/250, تيسير التحرير 1/362, مختصر البعلي ص101, المعتمد 1/106, الإحكام للآمدي 1/170, اللمع ص11, التبصرة ص89, جمع الجوامع 1/386, العبادي على الوراقات ص19, تخريج الفروع على الأصول ص128, إرشاد الفحول ص101
2 في ش ز: لأن, ولأعلى من"العدة" وبقية النسخ.
3 قال القاضي أبو يعلى: "الأمر بالشيء نهي عن ضده عن طريق المعنى, سواء كان له ضد واحد أو أضداد كثيرة, وسواء كان مطلقاً أو معلقاً بوقت مضيق, لأن من أصلنا: أن إطلاق الأمر يقتضي الفور" "العدة1/368".
وسبق بحث هذه المسألة في المجلد الأول ص390, وانظر: أصول الفقه الإسلامي ص297.
4 انظر: البرهان للجويني1/250, تيسير التحرير1363, مختصر البعلي ص101, المعتمد1/106, الإحكام للآمدي2/171, اللمع ص11, التبصرة ص90, المحصول? 1 ق2/334, مختصر الطوفي ص88, 89, المسودة ص49, العدة 2/370.
5 انظر: البرهان 1/250، تيسير التحرير 1/362، المسودة ص49، القواعد والفوائد الأصولية ص183، العدة 2/370.
(3/52)

وقال ابن الصباغ وأبو الطيب والشيرازي: إنه ليس عينَ النهي، ولكنه يتضمنُه ويستلزمُه من طريق المعنى، ونُقِلَ هذا عن أكثر الفقهاء، واختاره الآمدي، إلا أن1 يقول2 بتكليفِ المحالِ3.
وقال أبو المعالي والغزالي والكِيا الهِرَّاسِيُّ 4: إنه ليس عينَ النهي5 عن ضِدِّه ولا يقتضيه6. وللقاضي أبي بكر الباقلاني الأقوال الثلاثة المتقدمة7.
وعند الرازي في ”المحصول“: يقتضي الكراهةَ، لأن النهي لما لم يكن مقصودًا سمي اقتضاء؛ لأنه ضروري، فيثبت به8 أقلُّ ما يثبت بالنهي، وهو الكراهة 9.
__________
1 في ش: أنه.
2 في ض ب: نقول.
3 وهذا ما نقله الجويني أنه آخر ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني, وهو ما اختاره السرخسي والنسفي وابن نجيم وغيرهم من الحنفية.
"انظر: الإحكام للآمدي1/172, البرهان للجويني1/250, أصول السرخسي1/94, التوضيح على النتقيح2/238, فتح الغفار بشرح المنار2/60, التبصرة ص55,89, جمع الجوامع1/386, تيسير التحرير1/363, العدة1/370, العضد على ابن الحاجب2/85".
4 ساقطة من ض ب.
5 في ش ع: النهي.
6 وهو قول الآمدي على القول بجواز التكليف بالمحال.
" انظر: الإحكام للآمدي2/171, المستصفى1/82, البرهان للجويني1/252, تيسير التحرير1/362, المسودة ص49, جمع الجوامع1/387, القواعد والفوائد الأصولية ص183, المنخول ص114, إرشاد الفحول ص102".
7 انظر: الإحكام للآمدي2/170, المستصفى1/81, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه1/8, جمع الجوامع1/386.
8 ساقطة من ض ب.
9 وهذا ما نقله الكمال بن الهمام عن فخر الإسلام البزدوي والقاضي أبي زيد الدبوسي وأتباعهما, وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: المحصول ? 1 ق2/324وما بعدها, تيسير التحرير1/363,367, البرهان للجويني1/250,251, التوضيح على التنقيح2/238".
(3/53)

والمراد بالضد هنا الوجودي، وذلك لأنه هو من لوازم الشيء المأمور به1.
"وكذا العكس" يعني أن النهي عن شيء يكون أمرا بضده2.
ثم إنه قد يكون للمأمور ضد واحد، كالأمر بالإيمان فإنه نهي عن الكفر، وقد يكون للمنهي عنه ضد واحد، كالنهي عن صوم يوم العيد، فإنه أمر بفطره3،
وقد يكون لكل منهما أضداد، وهو المشار إليه بقوله: "ولو تعدد الضد"4 وذلك كالأمر بالقيام، فإن له أضداد من قعود وركوع وسجود واضطجاع5.
__________
وأتباعهما, وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: المحصول ? 1 ق2/324وما بعدها, تيسير التحرير1/363,367, البرهان للجويني1/250,251, التوضيح على التنقيح2/238".
1 ساقطة من ع ض.
وانظر: تيسير التحرير1/363, المحصول ? 1 ق2/337, البناني على جمع الجوامع1/386, العبادي على الورقات ص91.
2 انظر: البرهان للجويني1/350, اللمع ص14, الإحكام للآمدي2/173, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/88,85, جمع الجوامع1/388, العبادي على الورقات ص91 أصول السرخسي1/96, المسودة ص81, القواعد والفوائد الأصولية ص183, مختصر البعلي ص102, العدة2/430,372.
3 انظر: المعتمد1/107, تيسير التحرير1/363, إرشاد الفحول ص101.
4 في ب: ضد.
5 جمع المصنف رحمه الله تعالى بين مسألتي الأمر والنهي إذا تعدد الضد في كل منهما, وقد ميز العلماء بين المسألتين, فقالوا: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده, وأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده فقط, وهو ما صرح به القاضي أبو يعلى في "العدة2/430,372".
"انظر: المسودة ص81, العدة2/368, مختصر البعلي ص102, أصول السرخسي1/96,94, فواتح الرحموت1/97, المستصفى1/81, شرح تنقيح الفصول ص177.136.135, البرهان للجويني1/250, تيسير التحرير1/363, المعتمد1/108, اللمع ص14, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/87 وما بعدها, إرشاد الفحول ص102, أصول الفقه الإسلامي ص299".
(3/54)

ووجه ذلك أن أمر الإيجاب طلبُ فعلٍ يُذَمُّ تاركُه إجماعًا ولا ذمَّ إلا على فعل، وهو الكفُّ عن المأمور به، أو1 الضدِّ، فيستلزمُ النهيُ عن ضده، أو النهيُ عن الكف عنه2.
ورده القائلُ بأن3 الأمرَ بمعيَّنٍ4 لا يكون نهيا عن ضده بأن الذَّمَ على الترك بدليل خارجي5 عن الأمر، وإن سُلِّم فالنهيُ طلبُ كَفٍّ عن فعل، لا عن كفٍّ، وإلا لزم تصورُ الكَفِّ عن الكَفِّ لكل أمر، والواقعُ خِلافُهُ6.
وفي هذا الرد نظرٌ ومَنْعٌ؛ ولأن المأمور به لا يتم إلا بترك ضده، فيكون مطلوبًا، وهو معنى النهي، والخلافُ في كون النهي عن شيء لا يكون أمرًا بضده، كالخلاف في كون الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده، والصحيح من الخلافين ما في المتن7.
"وَنَدْبٌ كَإِيجَابٍ" يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ أَمْرِ النَّدْبِ حُكْمُ أَمْرِ الإِيجَابِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ الْقَاضِي8 وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، إنْ قِيلَ
__________
1 في ع ب: و.
2 انظر: شرح تنقيح الفصول ص137, تيسير التحرير1/364 وما بعدها, العدة2/431.
3 في ش ز: أن
4 في ع ض ب: بمعنى
5 في ض ب: خارج.
6 انظر: تيسير التحرير1/365, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/86 وما بعدها, جمع الجوامع والمحلي عليه1/389, إرشاد الفحول ص102, العدة1/370وما بعدها.
7 انظر أدلة هذه الأقوال مع مناقشتها بتفصيل في المراجع السابقة في هامش6 والمرجع المشار إليهما في الصفحة السابقة هامش5,2.
8 قال القاضي أبو يعلى:"إذا صرف الأمر عن الوجوب جاز أن يحتج به على الندب والجواز, ويكون حقيقة فيه, ولا يكون مجازاً, وهذا بناء على أصلنا: أن المندوب مأمور به" ثم ذكر أقوال الحنفية بخلاف ذلك, وأقوال الشافعية. "انظر: العدة2/374".
(3/55)

إنَّ النَّدْبَ1 مَأْمُورٌ2 بِهِ حَقِيقَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً3.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَأَمْرُ النَّدْبِ كَالإِيجَابِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إنْ قِيلَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، وَحُمِلَ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ فِي الْوُجُوبِ تَحْرِيمًا. وَفِي النَّهْيِ تَنْزِيهًا. قَالَ: وَ4بَعْضُ أَهْلِ الْحَقِّ خَصَّصَ5 ذَلِكَ بِأَمْرِ الإِيجَابِ لا النَّدْبِ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الأَشْعَرِيِّ6.
"وَالأَمْرُ بَعْدَ حَظْرٍ، أَوْ" بَعْدَ "اسْتِئْذَانٍ، أَوْ" كَانَ "بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمَ": "لِلإِبَاحَةِ" فِي الْمَسَائِلِ الثَّلاثِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِنَّ.
وَالإِبَاحَةُ فِي الأَوْلَى، وَهِيَ الأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ: حَقِيقَةً لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ فِي
__________
1 في ض ب: المندوب.
2 في ع ض: حكم مأمور.
3 المجلد الأول ص405.
وانظر: المسودة ص50, جمع الجوامع1/387, شرح تنقيح الفصول ص136, تيسير التحرير1/363,347, المعتمد1/107, المع ص11,7, المحصول? 1 ق2/353, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه1/85, مختصر البعلي ص102.
4 ساقطة من ض ب.
5 في ض: وخصوا, وفي ب: خص.
6 انظر: شرح تنقيح الفصول ص136, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/89,85 وما بعدها.
(3/56)

ذَلِكَ، لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ1 فِيهَا حِينَئِذٍ، وَالتَّبَادُرُ عَلامَةُ الْحَقِيقَةِ2.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَوُرُودُ الأَمْرِ بَعْدَهُ يَكُونُ لِرَفْعِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ. فَالْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ زِيَادَةٌ لا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ3.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَوْله4 تَعَالَى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 5 {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} 6 {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ 7 مِنْ حَيْثُ
__________
1 ساقطة من ض ب.
2 وهذا قول الشافعي, وبعض المالكية, ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين, ورجحه ابن الحاجب والآمدي والطوفي وغيرهم.
ويرى الطوفي أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة من حيث العرف, لا اللغة’, لأنه في اللغة يقتضي الوجوب, وهو ما أيده الكمال بن الهمام وابن عبد الشكور, وقالا: "إن الإباحة في عرف الشرع".
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/91, نهاية السول2/40, جمع الجوامع1/378, فتح الرحموت1/379, تيسير التحرير2/345, كشف الأسرار1/121,120, التوضيح على التنقيح2/62, المعتمد1/82, الإحكام للآمدي2/178, التبصرة ص38, المنخول ص131, البرهان للجويني1/263, أصول السرخسي1/19, شرح تنقيح الفصول ص139,138, المسودة ص16, مختصر الطوفي ص86, نزهة الخاطر2/76, اللمع ص8, المستصفى1/435, الروضة2/198, العدة1/256, التمهيدص74, القواعد والفوائد الأصولية ص165, مختصر البعلي ص99, مباحث الكتاب ص123".
3 انظر مزيداً من الأدلة لهذا القول في المراجع السابقة.
4 في ب: في قوله.
5 الآية 2 من المائدة, وقد وردت هذه الآية بعد قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة/1, وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرمٌ} المائدة/95.
6 الآية10 من الجمعة, وقد وردت هذه الآية بعد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة/9.
7 هنا تنتهي الآية في ع ض ب.
(3/57)

أَمَرَكُمْ اللَّهُ} 1.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَادَّخِرُوهَا" 2.
وَالأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ سِوَى الْحَظْرِ. وَالإِجْمَاعُ حَادِثٌ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: لا تَأْكُلْ هَذَا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ3: كُلْهُ4.
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى5، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ، وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ6 مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ كَالأَمْرِ
__________
1 الآية222البقرة: وهذه الآية وردت بعد قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ} البقرة/222.
2 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والحاكم عن عائشة وعلي وغيرهما مرفوعاً بألفاظ متقاربة.
"انظر: صحيح البخاري3/319, صحيح مسلم3/1561, سنن أبي داود2/89, تحفة الأحوذي5/99, سنن النسائي4/73, سنن ابن ماجه2/1055, الموطأ ص299 ط الشعب, مسند أحمد6/51, المستدرك4/232, تخريج أحاديث البزدوي ص225, نيل الأوطار5/143, فيض القدير5/55,45".
3 ساقطة من ش ز ض ب.
4 انظر: التبصرة ص39, المحصول ? 1 ق2/160, وما بعدها, نهاية السول1/41, جمع الجوامع1/378، البرهان للجويني1/263, مختصر ابن الحاجب والعضد عليه2/91, فواتح الرحموت1/380, تيسيرالتحرير1/346, مختصر الطوفي ص87, العدة1/257وما بعدها, مباحث الكتاب والسنة ص87.
5 لم يبين القاضي أبو يعلى رأيه في كتابه"العدة" وإنما اكتفى بذكر الرأي الأول, ثم الرأي الثاني والاستدلال لكل منهما, ومناقشة أدلة القول الثاني وردها, "العدة1/263,256", ولعله ذكر الرأي الأعلى في كتاب آخر.
6 هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد, المحبوبي البخاري , الإمام الحنفي, كان فقيهاً أصولياً, محدثاً مفسراً, لغوياً أديباً, متكلماً, وكان حافظاً للشريعة, متقناً للأصول والفروع, متبحراً في المنقول والمعقول, عرف بصدر الشريعة منذ نشأته فاشتهر بذلك بين أقرانه وشيوخه وتلاميذه, شرح كتاب "الوقاية" لجده تاج الشريعة محمود, ثم اختصره "الوقاية" وسماه "النقاية" وألف في الأصول متنا مشهوراً اسمه "التنقيح" ثم شرحه بكتابه "التوضيح على التنقيح", ثم جاء التفتازاني وعمل عليه حاشية سماها "التلويح" مطبوع عدة مرات, توفي في بخارى سنة 747?
انظر ترجمته في "الفوائد البهية ص109, تاج التراجم ص40, الفتح المبين2/155, الأعلام للزركلي4/354".
(3/58)

ابْتِدَاءً1.
وَاسْتُدِلَّ لِلْوُجُوبِ بِقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 2.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالإِبَاحَةِ: أَنَّ الْمُتَبَادِرَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِي الآيَةِ إنَّمَا عُلِمَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ3.
وَذَهَبَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالآمِدِيُّ إلَى الْوَقْفِ فِي الإِبَاحَةِ
__________
1 أي أنه للوجوب, وأن النهي السابق لا يصلح قرينة لصرف الأمر من الوجوب إلى الندب أو الإباحة, وهو قول المعتزلة وأكثر الحنفية, واختاره الباجي وكثر أصحاب مالك والبيضاوي, قال السرخسي: "الأمر بعد الحظر: الصحيح عندنا أن مطلقه الإيجاب" "أصول السرخسي1/19".
انظر أصحاب هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "التوضيح على التنقيح2/62 ط الخشاب, كشف الأسرار1/121,120, فتح الغفار1/32, تيسير التحرير1/345, وفواتح الرحموت1/37, العضد على ابن الحاجب2/91, نهاية السول2/40, جمع الجوامع1/378, المستصفى1/435, الإحكام للآمدي2/178, اللمع ص8, التبصرة ص38, المنخول ص131, المحصول ? 1 ق2/159, المعتمد1/82, الإحكام للآمدي2/178, التمهيد ص74, القواعد والفوائد الأصولية ص165, العدة1/257وما بعدها, الروضة2/198, المسودة ص16, شرح تنقيح الفصول ص139, مختصر البعلي ص100, مباحث الكتاب والسنة ص124.
2 الآية5 من التوبة.
3 انظر مناقشة أدلة القول الثاني في "التلويح على التوضيح2/62, الروضة2/199, مختصر ابن الحاجب2/87, كشف الأسرار1/121, تيسير التحرير1/345, العدة1/259, والمراجع السابقة".
(3/59)

وَالْوُجُوبِ. لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ1.
وَقِيلَ: لِلنَّدَبِ2. وَأَسْنَدَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ3 إلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الإِنْسَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الْجُمُعَةِ نُدِبَ لَهُ أَنْ يُسَاوِمَ شَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ4.
وَذَهَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَمْعٌ إلَى5 أَنَّهُ لِرَفْعِ الْحَظْرِ السَّابِقِ وَإِعَادَةِ حَالِ الْفِعْلِ إلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْحَظْرِ6.
__________
1 انظر: المستصفى1/435, المنخول ص131, البرهان1/264, جمع الجوامع1/378. العضد على ابن الحاجب2/91, التلويح على التوضيح2/63, المسودة ص17, شرح تنقيح الفصول ص140, فواتح الرحموت1/379, الإحكام للآمدي2/178,.
2 وهو قول القاضي حسين من الشافعية.
"انظر: مختصر البعلي ص100, القواعد والفوائد الأصولية ص165, التمهيد ص74, التوضيح على التنقيح2/62, كشف الأسرار1/121".
3 هو مسعود بن عمر بن عبد الله , سعد الدين التفتازاني, العلامة الشافعي, كان أصولياً مفسراً, متكلماً متحدثاً, نحوياً أديباً, ولد بتفتازان من بلاد خرسان, ثم رحل إلى سرخس, وأقام بها حتى أبعده تيمورلنك إلى سمرقند, فجلس فيها للتدريس, وأقبل عليه الطلاب والعلماء, واشتهرت تصانيفه في الآفاق, وكان الشريف الجرجاني في بدء أمره يعتمد عليها, ويأخذ منها, ومن مؤلفاته: "التلويح في كشف حقائق التنقيح" في الأصول, و "تهذيب المنطق والكلام" و "حاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب" في الأصول, و "شرح على العقائد النسفية" و "شرح مقاصد الطالبين في علم أصول الدين" وغيرهما, توفي بسمرقند سنة791?, وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الدرر الكامنة5/119, الفتح المبين2/206, بغية الوعاة2/285, البدرالطالع2/303, الأعلام للزركلي8/113".
4 انظر: التلويح2/62.
5 ساقطة من ز ع ض ب.
6 وهو رأي الكمال بن الهمام من الحنفية وغيره.
"انظر: المسودة ص16وما بعدها, تيسير التحرير1/346, مختصر البعلي ص100, مختصر الطوفي ص86, شرح تنقيح الفصول ص140, القواعد والفوائد الأصولية ص165, مباحث الكتاب والسنة ص124".
(3/60)

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ1 {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 2.
قَالَ الْكُورَانِيُّ: هَذَا الْخِلافُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ3. انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ كَوْنُ الأَمْرِ بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ لِلإِبَاحَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. وَحَكَاهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ عَنْ الأَصْحَابِ. وَقَالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَبَيْنَ الأَمْرِ بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ4.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: إذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ لِلْوُجُوبِ، فَوُجِدَ أَمْرٌ بَعْدَ اسْتِئْذَانٍ، فَإِنَّهُ لا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، بَلْ الإِبَاحَةَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحِلَّ وِفَاقٍ. قُلْت: وَكَذَا ابْنُ عَقِيلٍ5. انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَإِطْلاقُ جَمَاعَةٍ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. مِنْهُمْ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ وَالاسْتِئْذَانِ: الْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
__________
1 المسودة ص18.
2 الآية 5 من التوبة.
3 وهناك أقوال أخرى في المسالة، كالتفصيل بين الأمر الصريح بلفظه، وبين صيغة "أفعل"، وهو رأي ابن حزم الظاهري والمجد بن تيمية.
"انظر: مختصر الطوفي ص18، 19، 20، الإحكام لابن حزم1/321, مختصر البعلي ص100, الإحكام للآمدي 2/178, البرهان للجويني1/264, القواعد والفوائد الأصولية ص165, الروضة2/198".
4 انظر: التمهيد ص75, المسودة ص18, فواتح الرحموت1/379, نهاية السول 2/41, جمع الجوامع 1/378.
5 القواعد والفوائد الأصولية ص169.
(3/61)

وَاخْتَارَ أَنَّ الأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ. فَكَذَا بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ عِنْدَهُ1 انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ لِمَا اسْتَدَلاَّ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَحْمِ الإِبِلِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوُضُوءِ2 مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ 3فَقَالَ: "نَعَمْ يُتَوَضَّأُ 4 مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ" 5.
وَمِمَّا يُقَوِّي الإِشْكَالَ: أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ6 وَهُوَ بَعْدَ سُؤَالٍ، وَلا يَجِبُ بِلا خِلافٍ، وَلا7 يُسْتَحَبُّ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ يَسْتَحِبُّونَ الْوُضُوءَ مِنْهُ؟ وَالاسْتِحْبَابُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ يَقْتَضِي الإِبَاحَةَ؟
قُلْت: إذَا قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ فَلِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذَا الأَمْرِ. وَهُوَ أَنَّ الأَكْلَ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ يُورِثُ قُوَّةً نَارِيَّةً، فَنَاسَبَ8 أَنْ تُطْفَأَ9 بِالْمَاءِ، كَالْوُضُوءِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ10 الإِبِلِ وَاجِبًا عَلَى الأُمَّةِ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الإِبِلِ، لَمْ يُؤَخِّرْ بَيَانَ وُجُوبِهِ، حَتَّى يَسْأَلَهُ سَائِلٌ فَيُجِيبَهُ.
__________
1 القواعد والفوائد الأصولية ص170.
وانظر: المحصول ? 1 ق2/159, فواتح الرحموت 1/379, نهاية السول 2/41.
2 في ز ع ض ب: التوضئ, وكذا في"القواعد والفوائد الأصولية ص170" فالنص منقول منه مع تصرف بسيط.
3 ساقطة من ض.
4 في ب: توضأ.
5 صحيح مسلم1/275, ومر تخريج الحديث كاملاً في المجلد الثاني ص366.
6 ونصه"قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم" انظر: النووي على صحيح مسلم4/48.
7 في ع ض ب: بل ولا,
8 في ز ع ض ب: فيناسب.
9 في ش ز ع ض ب: يطفأ, والأعلى من" القواعد والفوائد الأصولية ص170".
10 في ع ض ب: لحم.
(3/62)

فَعُلِمَ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ لُحُومِهَا مَشْرُوعٌ. وَهُوَ حَقٌّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْحَدِيثُ إنَّمَا ذُكِرَ فِيهِ بَيَانُ وُجُوبِ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ 1الْغَنَمِ؟ قَالَ: "إنْ شِئْت فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْت فَلا تَتَوَضَّأْ" مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ لُحُومِ2 الْغَنَمِ مُبَاحٌ. فَلَمَّا خَيَّرَ فِي لَحْمِ الْغَنَمِ وَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ3 الإِبِلِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الإِذْنِ، بَلْ لِلطَّلَبِ الْجَازِمِ4. انْتَهَى.
وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ5.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ - وَهِيَ الأَمْرُ بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمٍ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: وَالأَمْرُ بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمٍ، كَالأَمْرِ بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ فِي الأَحْكَامِ وَالْمَعْنَى6. وَحِينَئِذٍ فَلا يَسْتَقِيمُ اسْتِدْلالُ الأَصْحَابِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ بِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ فَقَالَ7: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ 8 عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ... " الْحَدِيثَ9
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 في ض ب: لحم.
3 ساقطة من ش ز.
4 القواعد والفوائد الأصولية ص170.
5 انظر: المغني1/141, المحرر في الفقه1/15, كشاف القناع1/147, الفروع لابن مفلح1/183.
6 انظر: التمهيد للإسنوي ص75.
7 في ش: فقل, وفي ز ع ض ب: قال, والأعلى من "القواعد والفوائد الأصولية".
8 في ش: صلى الله, وفي ز ب: صلي, وكذا في القواعد, وهو خطأ نحوي
9 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والبغوي عن أبي حميد الساعدي, وأبي مسعود الأنصاري وابن مسعود رضي الله عنهم مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري4/106, صحيح مسلم1/305, سنن أبي داود1/324, تحفة الأحوذي9/85, سنن النسائي3/38, سنن ابن ماجه1/293, مسند أحمد4/119, شرح السنة3/191, الموطأ ص120 ط الشعب, مختصر سنن أبي داود1/454".
(3/63)

نَعَمْ إنْ1 ثَبَتَ الْوُجُوبُ مِنْ خَارِجٍ. فَيَكُونُ هَذَا الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ؛ لأَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةٍ وَاجِبَةٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ2.
"وَنَهْيٌ" عَنْ شَيْءٍ "بَعْدَ أَمْرٍ" بِهِ "لِلتَّحْرِيمِ" قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَالأَكْثَرُ. وَحَكَاهُ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَ3الْبَاقِلاَّنِيّ إجْمَاعًا4.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ: لِلْكَرَاهَةِ. قَالَ5: وَتَقَدَّمَ الْوُجُوبُ قَرِينَةً فِي أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَهُ لِلْكَرَاهَةِ، وَقَطَعَ بِهِ6. وَقَالَهُ الْقَاضِي و7َ أَبُو الْخَطَّابِ:
__________
1 في ش ز ع ب: إن, والأعلى من" القواعد والفوائد الأصولية".
2 القواعد والفوائد الأصولية ص170 وما بعدها.
وانظر: التمهيد ص75.
3 ساقطة من ش ز.
4 قال الجويني:" وقد ذكر الأستاذ أبو إسحاق أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظر, والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب, وادعى الوفاق في ذلك" "البرهان1/265".
"وانظر: مختصر الطوفي ص87, العدة1/262, الروضة2/201, المسودة ص17, 83, شرح تنقيح الفصول ص140, نهاية السول 2/41, جمع الجوامع 1/379, التمهيد ص81, مختصر البعلي ص100, المنخول ص130, المحصول? 1ق2/162, مختصر ابن الحاجب 2/95, تيسير التحرير 1/376".
5 في ع ض ب: فقال.
6 انظر: المسودة ص83, مختصر الطوفي ص87, مختصر البعلي ص100, جمع الجوامع 1/379.
7 في ش: وقال.
(3/64)

ثُمَّ سَلَّمَا1 أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ؛ لأَنَّهُ آكَدُ2.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: هُوَ لإِبَاحَةِ التَّرْكِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "وَلا تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ" 3 ثُمَّ سَلِمَ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ4.
وَقِيلَ: لِلإِبَاحَةِ. كَالْقَوْلِ فِي مَسْأَلَةِ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْر5ِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى: {إنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي} 6.
وَوَقَفَ أَبُو الْمَعَالِي لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ7.
وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ، وَالنَّهْيِ بَعْدَ الأَمْرِ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ مُقْتَضَى النَّهْيِ وَهُوَ التَّرْكُ مُوَافِقٌ لِلأَصْلِ، بِخِلافِ مُقْتَضَى الأَمْرِ، وَهُوَ الْفِعْلُ.
__________
1 في ش ب ز: سلمنا.
2 انظر: العدة1/262.
3 هذا الحديث بهذا اللفظ رواه ابن ماجه وأحمد عن جابر بن سمرة مرفوعاً, ورواه مسلم وغيره بألفاظ أخرى سبقت.
"انظر: سنن ابن ماجه1/166, مسند أحمد5/105,102,97".
4 روضة الناظر2/199.
5 انظر: العدة1/262, التمهيد ص81, شرح تنقيح الفصول ص140, مختصر البعلي ص100, نهاية السول 2/41, المحلي على جمع الجوامع 1/379.
6 الآية76 من الكهف.
7 انظر: البرهان1/265.
ونقل المجد بن تيمية غلط من ادعى في هذه المسألة إجماعاً, وقال ابن عقيل: لا يقتضي التحريم, ولا التنزيه، بل يقتضي الإسقاط لما أوجبه الأمر، وغلط من قال: يقتضي التنزيه فضلاً عن التحريم.
"انظر: المسودة ص84، جمع الجوامع 1/389، تيسير التحرير 1/376، تفسير النصوص 2/384".
(3/65)

الثَّانِي: أَنَّ1 النَّهْيَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالأَمْرَ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَاعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِالإِبَاحَةِ فِي الأَمْرِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ سَبَبُهُ وُرُودُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرًا لِلإِبَاحَةِ. وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النَّهْيِ بَعْدَ الْوُجُوبِ2. انْتَهَى
"وَكَأَمْرٍ خَبَرٌ3 بِمَعْنَاهُ" يَعْنِي أَنَّ الأَمْرَ الَّذِي بِلَفْظِ الْخَبَرِ نَحْوُ قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} 4 حُكْمُهُ حُكْمُ الأَمْرِ الصَّرِيحِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ تَاجٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ دُونَ صُورَةِ اللَّفْظِ5.
وَكَذَا النَّهْيُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ. وَمِنْهُ قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} 6.
وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُمَا كَالأَمْرِ وَالنَّهْي الصَّرِيحِ بِدُخُولِ النَّسْخِ فِيهِمَا؛ إذْ الأَخْبَارُ الْمَحْضَةُ لا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ 7.
"وَأَمْرٌ" مِنْ الشَّارِعِ "بِأَمْرٍ" لآخَرَ "بِشَيْءٍ لَيْسَ أَمْرًا بِهِ" أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ8. كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ عَنْ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: "مُرْهُ
__________
1 ساقطة من ب.
2 انظر: المعتمد 1/112 وما بعدها، نهاية السول 2/41، المحلي على جمع الجوامع 1/379، اللمع ص14، تيسير التحرير 1/352، 376، شرح تنقيح الفصول ص140 وما بعدها، الروضة 2/201، نزهة الخاطر 2/77، التمهيد ص81، مختصر الطوفي ص87، العدة 1/262.
3 في ب: خبراً.
4 الآية 228 من البقرة.
5 انظر: مختصر البعلي ص100.
6 الآية 79 من الواقعة.
7 قال بعض الحنابلة: الخبر بمعنى الأمر لا يحتمل الندب. "انظر: مختصر البعلي ص100".
8 وهو ما صححه ابن الحاجب والقرافي والفخر الرازي وابن عبد الشكور وغيرهم. "انظر: مختصر ابن الحاجب 2/93، شرح تنقيح الفصول ص148، المحصول ? 1 ق2/426، فواتح الرحموت 1/390، تيسير التحرير 1/361، مختصر البعلي ص102، الإحكام للآمدي 2/182، المستصفى 2/13، نهاية السول 2/58، جمع الجوامع 1/384، الروضة 2/207، التمهيد ص75، القواعد والفوائد الأصولية ص190، إرشاد الفحول ص107".
(3/66)

فَلْيُرَاجِعْهَا" 1 وَ2قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ3 لِسَبْعٍ" 4 وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَأْمُرْ أَهْلَك بِالصَّلاةِ} 5 لأَنَّهُ مُبَلِّغٌ لا آمِرٌ6، وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ آمِرًا
__________
1 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "مره فليرجعها، أو ليطلقها طاهراً أو حاملاً".
"انظر: صحيح البخاري 3/176 مط العثمانية، صحيح مسلم 2/1095، سنن أبي داود 1/503 تحفة الأحوذي 4/341، سنن النسائي 6/112، سنن ابن ماجه 1/652، مسند أحمد 1/44، 2/26، 43، سنن الدارمي 2/160".
قال ابن دقيق العيد: "يتعلق ذلك بمسألة أصولية، وهي أن الأمرَ بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أو لا؟ وذكر الحافظ ابن حجر: أن من مثل بها فهو غالط، وأن ذلك تابع للقرينة".
"انظر: إحكام الأحكام 2/203، فتح الباري 11/262 ط الحلبي، نيل الأوطار 6/250".
2 في ب: أو.
3 في ز ض ع ب: بها.
4 رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ: "مروا أولادكم بالصلاة.." ورواه الترمذي عن سبرة مرفوعاً بلفظ: "علموا الصبي الصلاة ... " وقال حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند بعض أهل العلم، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عليه.
"انظر: سنن أبي داود 1/115، مسند أحمد 2/180، 187، تحفة الأحوذي 2/445، مختصر سنن أبي داود 1/270، تخريج أحاديث البزدوي ص327، المستدرك 1/258، 197، فيض القدير 5/521".
5 الآية 132 من طه.
6 قال القرافي: "لأن الأمر بالأمر لا يكون أمراً، لكن علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر غيره، فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأموراً إجماعاً" "شرح تنقيح الفصول ص149".
(3/67)

لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مُرْ عَبْدَك بِكَذَا، مَعَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ لا تَفْعَلُهُ1: أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ2.
"وَ" قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} 3 "لَيْسَ" ذَلِكَ "أَمْرًا لَهُمْ بِإِعْطَاءٍ"4.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ5.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ الإِعْطَاءُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الأَمْرَ بِالأَخْذِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُقَدِّمَةَ الْوَاجِبِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ. وَإِنْ اخْتَلَفَ الْفَاعِلُ هُنَا. فَيَكُونُ كَالأَمْرِ لَهُمْ ابْتِدَاءً6.
"وَأَمْرٌ بِصِفَةٍ" فِي فِعْلٍ "أَمْرٌ بِ" الْفِعْلِ7 "الْمَوْصُوفِ" نَصًّا8.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ، تَبَعًا لِلْمَجْدِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: إذَا وَرَدَ الأَمْرُ بِهَيْئَةٍ أَوْ
__________
1 في ش ز: تفعل.
2 انظر: نهاية السول 2/58، الإحكام للآمدي 2/182-183، فواتح الرحموت 1/391، مختصر ابن الحاجب 2/93ن تيسير التحرير1/361، إرشاد الفحول ص107
3 الآية 103 من التوبة، وتتمة الآية: {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
4 انظر: المستصفى 2/13، الإحكام للآمدي 2/182.
5 انظر مناقشة ذلك في المراجع السابقة، وسوف تتكرر هذه المسألة في فصل العام، وهل الآية تشمل كل مالٍ أم لا؟
6 انظر مناقشة هذا القول في "الإحكام للآمدي 2/183، المستصفى 2/13، المحلي على جمع الجوامع 1/384".
7 في ش: به فعل.
8 انظر: مختصر البعلي ص103، اللمع ص10.
(3/68)


صِفَةٍ لِفِعْلٍ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا1، سَاغَ2 التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى وُجُوبِ أَصْلِ الْفِعْلِ لِتَضَمُّنِهِ الأَمْرَ بِهِ لأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُهُمَا3. فَإِذَا خُولِفَ فِي الصَّرِيحِ بَقِيَ الْمُتَضَمَّنُ عَلَى أَصْلِ الاقْتِضَاءِ. ذَكَرَهُ4 أَصْحَابُنَا. وَنَصَّ عَلَيْهِ إمَامُنَا5 حَيْثُ تَمَسَّكَ عَلَى وُجُوبِ الاسْتِنْشَاقِ6 بِالأَمْرِ بِالْمُبَالَغَةِ7، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، بِأَنَّهُ8 لا يَبْقَى دَلِيلاً عَلَى وُجُوبِ الأَصْلِ9. حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ10.
__________
1 في ب: استحبابها، وفي المسودة: أنها مستحبة.
2 في المسودة: جاز.
3 في المسودة: وجوبها.
4 في ع: وذكره.
5 في المسودة: أحمدُ.
6 نقل الترمذي عن الأمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: "الاستنشاق أوكد من المضمضة" "تحفة الأحوذي 2/120" ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: "الاستنشاق عندي آكد" "المغني 1/90"، وانظر: كشف القناع 1/105.
7 في ز: للمبالغة.
والأمر بالمبالغة جاء في حديث لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً".
رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقال النووي: "حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة".
"انظر: مسند أحمد 4/33، 211، سنن أبي داود 1/31، مختصر سنن أبي داود 1/105، تحفة الأحوذي 1/119، سنن النسائي 1/57، سنن ابن ماجه 1/142، بدائع المنن 1/31، موارد الظمآن ص68، المستدرك 1/148، السنن الكبرى 1/52، نيل الأوطار 1/172".
8 في ب: فإنه.
9 في ب: الأمر.
10 المسودة ص59.
والجرجاني هو محمد بن يحيى بن مهدي، أبو عبد الله، الفقيه الجرجاني، من أعلام الحنفية، ومن أصحاب التخريج، أصله من جرجان، وسكن بغداد، وتفقه عليه القدوري، وصنف كتباً، منها "ترجيح مذهب أبي حنيفة" و "القول المنصور في زيارة القبور"، توفي سنة 397 ? وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة 2/143، تاريخ بغداد 3/433، الفوائد البيهة ص202، الأعلام للزركلي 8/5".
(3/69)

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ فِي لَفْظِ الْخِطَابِ لا تَقْتَضِي1 مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ فِي فَحْوَاهُ، وَهُوَ يُشْبِهُ نَسْخَ اللَّفْظِ، هَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِلْفَحْوَى؟ وَهَكَذَا يَجِيءُ فِي جَمِيعِ دَلالاتِ الالْتِزَامِ. وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ مُتَوَجِّهٌ. وَسِرُّهَا أَنَّه2ُ: هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَمْرَيْنِ، أَوْ أَمْرٍ بِفِعْلَيْنِ، أَوْ أَمْرٍ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَوَازِمُهُ جَاءَتْ ضَرُورَةً؟ وَهُوَ يُسْتَمَدُّ مِنْ الأَمْرِ بِالشَّيْءِ, هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ؟ 3 انْتَهَى.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: الأَمْرُ بِالصِّفَةِ أَمْرٌ بِالْمَوْصُوفِ وَيَقْتَضِيهِ، كَالأَمْرِ بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَكُونُ أَمْرًا بِهِمَا4
"وَأَمْرٌ مُطْلَقٌ بِبَيْعٍ" أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ: بِعْهُ بِمِائَةٍ مَثَلاً، أَوْ بِعْهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ "يَتَنَاوَلُهُ" أَيْ يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ الصَّادِرَ مِنْ الْمَأْمُورِ "وَلَوْ" وَقَعَ "بِغَبْنٍ فَاحِشٍ"5
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: إذَا أُطْلِقَ الأَمْرُ، كَقَوْلِهِ لِوَكِيلِهِ:6 بِعْ كَذَا. فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا: يَتَنَاوَلَ7 الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ, وَاعْتُبِرَ ثَمَنُ الْمِثْلِ لِلْعُرْفِ
__________
1 في المسودة: يقتضي.
2 ساقطة من ش ز.
3 المسودة ص59.
4 انظر: اللمع ص10.
5 انظر: المسودة ص98، الإحكام للآمدي 2/183، فواتح الرحموت 1/392، نهاية السول 2/58، إرشاد الفحول ص108.
6 في ض: بعه بكذا.
7 في ز ش ع: تناول.
(3/70)

وَالاحْتِيَاطِ لِلْمُوَكِّلِ. وَفَرَّقُوا أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِي اعْتِبَارِ إطْلاقِهِ بِالتَّعَدِّيَةِ بِتَعْلِيلِهِ، بِخِلافِ الْمُوَكِّلِ.
"وَيَصِحُّ" الْبَيْعُ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ "وَيَضْمَنُ" الْوَكِيلُ الْمَأْمُورُ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ "النَّقْصَ"1.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ثُمَّ هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ النَّقْصَ أَمْ لا، كَقَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لا يُعْتَبَرُ ثَمَنُ الْمِثْلِ. وَاعْتَبَرُوهُ فِي الْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: الأَمْرُ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ إذَا أَتَى بِمُسَمَّاهَا اُمْتُثِلَ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ اللَّفْظُ الْجُزْئِيَّاتِ2 وَلَمْ يَنْفِهَا3، فَهِيَ مِمَّا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ 4. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ عِنْدَ ذِكْرِهِ5 هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَنْبِيهٌ هَذَا فَرْدٌ مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ. وَهِيَ الدَّالُ عَلَى الأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الأَخَصِّ. فَإِذَا قُلْنَا "جِسْمٌ" لا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ نَامٍ. وَإِذَا قُلْنَا "نَامٍ" لا يُفْهَمُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ. وَإِذَا قُلْنَا "حَيَوَانٌ"
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 2/183، 184، إرشاد الفحول ص108.
2 في ز ع ض: للجزيئات.
3 في ض: بنفعها.
4 انظر الإحكام للآمدي 2/182، مختصر ابن الحاجب 2/93، نهاية السول 2/58، إرشاد الفحول ص108.
وقد اختلف العلماء في أحكام الوكالة المطلقة في البيع، فقال الجمهور: يتقيد الوكيل بنقد البلد وثمن المثل، وإلا ضمن، وهو قول المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، خلافاً لما نقله المؤلف عن الحنفية، وقال الإمام أبو حنيفة يفرق بين البيع والشراء، فاعتبر ثمن المثل في الشراء فقط، وهو ما نسبه المؤلف إلى الحنفية عامة.
"انظر: كشاف القناع 3/463، مغني المحتاج 2/223، البدائع للكاساني 7/3469، التاج والإكليل لمختصر خليل 5/196 على هامش مواهب الجليل، الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد 2/96".
5 في ع: ذكر.
(3/71)

لا يُفْهَمُ أَنَّهُ إنْسَانٌ، وَإِذَا قُلْنَا "إنْسَانٌ1" لا يُفْهَمُ أَنَّهُ زَيْدٌ. فَإِنَّ2 قُلْنَا: إنَّ الْكُلِّيَّ قَدْ يُحْصَرُ نَوْعُهُ فِي شَخْصِهِ كَانْحِصَارِ الشَّمْسِ فِي فَرْدٍ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مُلُوكِ الأَقَالِيمِ وَقُضَاةِ الأُصُولِ تَنْحَصِرُ أَنْوَاعُهُمْ فِي أَشْخَاصِهِمْ.
فَإِذَا قُلْت: صَاحِبُ مِصْرَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ الذِّهْنُ إلَى3 الْمَلِكِ الْحَاضِرِ فِي وَقْتِ الصِّيغَةِ. فَيَكُونُ الأَمْرُ بِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْجُزْئِيَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
قُلْت: لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَاقِعَ كَذَلِكَ. وَمَقْصُودُ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ دَلالَةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَفْظٌ. انْتَهَى.
"وَالأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِلا عَطْفٍ إنْ اخْتَلَفَا" كَقَوْلِ الْقَائِلِ "صَلِّ صُمْ" وَنَحْوِهِمَا "عَمَلٌ بِهِمَا" أَيْ بِالأَمْرَيْنِ إجْمَاعًا4.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفَا "وَلَمْ يَقْبَلْ" الأَمْرُ "التَّكْرَارَ" كَقَوْلِهِ: صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَكَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ سَالِمًا أَعْتِقْ سَالِمًا. وَكَقَوْلِهِ: اُقْتُلْ زَيْدًا. اُقْتُلْ زَيْدًا "أَوْ قَبِلَ التَّكْرَارَ وَمَنَعَتْهُ5" أَيْ التَّكْرَارَ "الْعَادَةُ"6
__________
1 في ب: إنه إنسان.
2 في ب: وإذا.
3 في ز ع: الحاضر الملك، وفي ض ب: حاضر الملك.
4 انظر: شرح تنقيح الفصول ص1311، المعتمد 1/173، التبصرة ص50، المحصول ? 1 ق2/253 وما بعدها، جمع الجوامع 1/389، إرشاد الفحول ص109، العدة 1/278 هامش.
5 في ب: ومنعه.
6 نقل القرافي عن القاضي عبد الوهاب أن "موانع التكرار أمور، أحدها: أن يمتنع التكرار إما عقلاً كقتل المقتول، أو كسر المكسور، وكذلك: صم هذا اليوم، أو شرعاً كتكرار العتق في عبدٍ، وثانيهما: أن يكون الأمر مستغرقاً للجنس ... ، وكذلك الخبر، كقوله: اجلد الزناة، أو خلقت الخلق، وثالثهما: أن يكون هناك عهد أو قرينة حالٍ يقتضي الصرف للاول" "شرح تنقيح الفصول ص132".
(3/72)

كَقَوْلِهِ: اسْقِنِي مَاءً، اسْقِنِي مَاءً "أَوْ" قَبِلَ التَّكْرَارَ وَ "عُرِّفَ ثَانٍ" مِنْ الأَمْرَيْنِ. كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، صَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ1 "أَوْ" قَبِلَ التَّكْرَارَ فِي حَالَةِ كَوْنِ أَنَّهُ "بَيْنَ آمِرٍ وَمَأْمُورٍ عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ" يَمْنَعُ التَّكْرَارَ. كَمَنْ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دِرْهَمٌ. فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ لِي دِرْهَمًا، أَحْضِرْ لِي دِرْهَمًا "فَ" الثَّانِي "تَأْكِيدٌ" لِلأَوَّلِ إجْمَاعًا2.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ الْعَادَةُ التَّكْرَارَ، وَلَمْ يُعْرَفُ ثَانِي الأَمْرَيْنِ دُونَ الأَوَّلِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ آمِرٍ وَمَأْمُورٍ عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ "فَ" الثَّانِي "تَأْسِيسٌ" لا تَأْكِيدٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَه3 أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ "كَبَعْدِ امْتِثَالِ"4 الأَمْرِ الأَوَّلِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ الأَشْبَهُ5 بِمَذْهَبِنَا. كَقَوْلِنَا فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ قَاطِبَةً.
__________
1 في ب: ركعتين.
2 انظر: المسودة ص23، شرح تنقيح الفصول ص132، الإحكام للآمدي 2/184، التبصرة ص50، المحصول ?1 ق2/255، فواتح الرحموت 1/391، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94، جمع الجوامع 1/389، التمهيد ص76، العدة 1/278، إرشاد الفحول ص109.
3 في ش ز: وقال.
4 وهو الذي اختاره القاضي في "كتاب الروايتين" وكتاب "مقدمة المجرد" بينما اختار في "العدة 1/280" أنه للتأكيد، واختار القول بالتأسيس أبو البركات بن تيمية وأبو عبد الله البصري، وأكثر الشافعية والقاضي عبد الجبار المعتزلي والفخر الرازي والآمدي والحنفية وغيرهم.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص173، التمهيد ص76، الروضة 2/200، المسودة ص23، العدة 1/278، شرح تنقيح الفصول ص132، تيسير التحرير 1/362، مختصر البعلي ص103، والمعتمد 1/174، الإحكام للآمدي 2/195، اللمع ص9، التبصرة ص50، المحصول ج1 ق2/255، فواتح الرحموت 1/391، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94، نهاية السول 2/58، إرشاد الفحول ص108، جمع الجوامع 1/389".
5 في ع ض: أشبه.
(3/73)

وَذَلِكَ. لأَنَّ الأَصْلَ التَّأْسِيسُ1.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ: الثَّانِي تَأْكِيدٌ لا تَأْسِيسٌ، لِئَلاَّ يَجِبَ فِعْلٌ بِالشَّكِّ وَلا تَرْجِيحَ.
وَمَنَعَ بِأَنَّ تَغَايُرَ اللَّفْظِ يُفِيدُ تَغَايُرَ الْمَعْنَى، ثُمَّ سَلَّمَهُ3.
"وَبِهِ" أَيْ وَ4الأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِعَطْفٍ "إنْ اخْتَلَفَا" كَصَلِّ وَصُمْ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ, وَآتُوا الزَّكَاةَ5 "عُمِلَ بِهِمَا"6.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفَا "وَلَمْ يَقْبَلْ" الأَمْرُ "التَّكْرَارَ" حِسًّا. كَاقْتُلْ زَيْدًا، وَاقْتُلْ زَيْدًا، أَوْ7 لَمْ يَقْبَلْ الأَمْرُ التَّكْرَارَ حُكْمًا. كَأَعْتِقْ سَالِمًا وَأَعْتِقْ
__________
1 المسودة ص23.
وانظر: التمهيد ص77، القواعد والفوائد الأصولية ص173، تيسير التحرير1/362.
2 وعملا ببراءة الذمة، ولكثرة التأكيد في مثل هذه الحالات، وهو ما رجحه أبو محمد المقدسي والقاضي أبو يعلى في "العدة" والصيرفي والكمال بن الهمام وغيرهم.
"انظر: التمهيد للإسنوي ص76، تيسير التحرير 1/362، مختصر البعلي ص103، والمعتمد 1/174،اللمع ص9، التبصرة ص51، فواتح الرحموت 1/391، 392، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94، نهاية السول 2/58، إرشاد الفحول ص108، العدة 1/280".
3 وهناك قول ثالث بالوقف للتعارض، وهو قول أبي الحسين البصري وغيره، ولكل قول دليله.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص173، جمع الجوامع 1/389، المعتمد 1/175، المحصول ? 1 ق2/255، مختصر البعلي ص103، نهاية السول 2/58، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94، الإحكام للآمدي 2/185".
4 ساقطة من ض.
5 الآية 43، 110 من البقرة
6 انظر: تيسير التحرير 1/362، المعتمد 1/176، الإحكام للآمدي 2/185.
7 في ع ض ب: و.
(3/74)

سَالِمًا "فَ" الثَّانِي "تَأْكِيدٌ" بِلا خِلافٍ1.
"وَإِنْ قَبِلَ" الأَمْرُ التَّكْرَارَ مَعَ الْعَطْفِ "وَلَمْ تَمْنَعْ" مِنْ التَّكْرَارِ "عَادَةٌ وَلا عُرِّفَ" بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ "ثَانٍ" مِنْ الأَمْرَيْنِ كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ "فَ" الثَّانِي "تَأْسِيسٌ 2.
وَإِنْ مَنَعَتْ عَادَةٌ" مِنْ التَّكْرَارِ كَقَوْلِهِ: اسْقِنِي مَاءً، وَ3اسْقِنِي مَاءً "تَعَارَضَا" أَيْ تَعَارَضَ الْعَطْفُ وَمَنْعُ الْعَادَةِ4.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ عَادَةٌ مِنْ5 التَّكْرَارِ "وَعُرِّفَ ثَانٍ" كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ6 "فَ" الثَّانِي "تَأْكِيدٌ" فِي اخْتِيَارِ الْقَاضِي وَأَبِي الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيِّ7.
__________
1 انظر: المحصول? 1 ق2/260، الإحكام للآمدي 2/185، المسودة ص24، المعتمد 1/17، العدة 1/280.
2 ذكر الآمدي الاختلاف في هذه الصورة، وأنها كالصورة السابقة التي قال عنها: "قال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد ما أفاده الأول ... وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف" "الإحكام للآمدي 2/158".
وانظر: هذه المسألة في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94، جمع الجوامع/389، شرح تنقيح الفصول ص132، المسودة ص24، المعتمد 1/175، فواتح الرحموت 1/392، تيسير التحرير 1/362، القواعد والفوائد الأصولية ص173، العدة 1/280".
3 ساقطة من ب.
4 قال: الآمدي: "فقد تعارض الظاهر من حروف العطف مع منع العادة من التكرار، ويبقى الأمر على ما ذكرناه فيما إذا لم بكن حرف عطفٍ، ولاثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار" "الإحكام للآمدي 2/186".
"وانظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 1/94".
5 ساقطة من ب.
6 في ش ز ض: ركعتين.
7 قال الآمدي: "فلا خلاف في كون الثاني مؤكداً للأول" "الأحكام 2/185".
"وانظر: المسودة ص23، 24، التمهيد ص77، القواعد والفوائد الأصولية ص173، شرح تنقيح الفصول ص133، والمعتمد 1/176، جمع الجوامع 1/389".
(3/75)

وَاخْتَارَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَقْفَ لِمُعَارَضَةِ1 لامِ الْعَهْدِ لِلْعَطْفِ2.
__________
1 في ض: لمعارضته.
2 انظر: المعتمد 1/176.
وهو ما رجحه الآمدي "انظر: الإحكام له 2/186".
"وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص173، التمهيد ص77، المسودة ص23، 24، شرح تنقيح الفصول ص132، المحصول? 1 ق2/258، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/54".
(3/76)

باب النهي:
"النَّهْيُ مُقَابِلٌ لِلأَمْرِ فِي كُلِّ حَالِهِ"1 أَيْ فِي كُلِّ الَّذِي لِلأَمْرِ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ الْمَتْنِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.. وَمِنْ2 كَوْنُهُ نَوْعًا مِنْ الْكَلامِ وَغَيْرُ ذَلِكَ3.
"وَصِيغَتُهُ" "لا تَفْعَلْ4.
وَتَرِدُ" لَمَعَانٍ كَثِيرَةٍ5:
__________
1 عرف الإسنوي النهي بأنه: "هو القول الدال بالوضع على الترك" "التمهيد ص80"، وله تعريفات كثيرة.
"انظر: كشف الأسرار 1/256، تيسير التحرير 1/374، أصول السرخسي 1/278، التوضيح على التنقيح 2/44، فواتح الرحموت 1/495، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/94 وما بعدها، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/390، العبادي على الورقات ص93، الكافية في الجدول ص33، فتح الغفار 1/77، المستصفى 1/411".
2 في ش: ومنه.
3 انظر مباحث النهي، وانه مقابل للأمر في جميع أحواله في "الروضة 2/216، فتح الغفار 1/77، شرح تنقيح الفصول ص168، البرهان للجويني 1/283، كشف الأسرار 1/256، تيسير التحرير 1/374، مختصر البعلي ص103، المعتمد 1/181، الإحكام للآمدي 2/187، المنخول ص126، المستصفى 2/24، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/95، نهاية السول 2/62 وما بعدها، التمهيد ص72، اللمع ص14، مختصر الطوفي هي 95، مباحث الكتاب والسنة ص128، العدة 2/426".
4 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص190، المسودة ص80، تيسير التحرير 1/375، مختصر البعلي ص103، المعتمد 1/181، اللمع ص14، العدة 2/425.
5 انظر: تيسير التحرير 1/375، فواتح الرحموت 1/395، المستصفى 1/418، المحصول? 1 ق2/469، الإحكام للآمدي 2/187، منهاج العقول 2/16، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/392، إرشاد الفحول ص109، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص330، تفسير النصوص 2/378، العدة 2/427.
(3/77)

أحَدُهَا: كَوْنُهَا "لِتَحْرِيمٍ" وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَقَطْ1. نَحْوَ قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} 2 وقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} 3 وقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} 4.
"وَ" الثَّانِي: لِـ"كَرَاهَةٍ"5 نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَمَسُّ6 أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ" 7 وَمِثْلُهُ الْمُحَلَّى8 وَغَيْرُهُ بِقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا
__________
1 انظر: التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/256، تيسير التحرير 1/375، تحقيق المراد ص61، الإحكام للآمدي 2/187، المنخول ص134، المحصول ? 1 ق2/469، المستصفى 1/148، فواتح الرحموت 1/395، منهاج العقول 2/16، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/392، إرشاد الفحول ص109، العدة 2/426، تفسير النصوص 2/378.
2 الآية 29 من النساء.
3 الآية 32 من الإسراء.
4 الآية 29 من النساء.
5 انظر: التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/56، تيسير التحرير 1/377، تحقيق المراد ص61، الإحكام للآمدي 2/187، المنخول ص134، المستصفى 1/418، فواتح الرحموت 1/395، منهاج العقول 2/16، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/392.
6 في ع ض ب: يمسكن، وهي رواية أخرى للحديث.
7 هذا الحديث متفق على صحته، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حبان والبغوي عن أبي قتادة مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/41، صحيح مسلم 1/225، سنن أبي داود 1/7، تحفة الأحوذي 1/77، سنن النسائي 1/26، سنن ابن ماجه 1/113، سنن الدارمي 1/172، موارد الظمآن ص63، شرح السنة 1/367".
8 في ش: المحلى.
والمحليٌ هو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، الشيخ جلال الدين المحلي، أبو عبد الله الشافعي المصري، برع في فنون الفقه والكلام والأصول والنحو والمنطق وغيرها، وكان آية في الذكاء والفهم،
(3/78)

الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} 1.
"وَ" الثَّالِثُ: كَوْنُهَا لِ "تَحْقِيرٍ"2 نَحْوَ قوله تعالى: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} 3.
"وَ" الرَّابِعُ: كَوْنُهَا لِ "بَيَانِ الْعَاقِبَةِ"4 نَحْوَ قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} 5
__________
=وعلى قدم من الصلاح والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ويرجع إليه القضاة، ولي تدريس الفقه، وعرض عليه القضاء فامتنع، له مصنفات كثيرة نافعة مفيدة، وهي في غاية الاختصار والتحرير وسلامة العبارة، فأقبل عليها الناس والعلماء وتداولوها حتى وقتنا الحاضر، منها "شرح جمع الجوامع" في الأصول، و"المناسك" و "كتاب الجهاد" و "شرح بردة المديح" و "شرح منهاج الطالبين" في الفقه، وشرع في أشياء لم يكملها، منها "شرح القواعد لابن هشام" و "شرح التسهيل" و "تفسير القرآن" وغيرها، توفي سنة 864?
انظر ترجمته في "حسن المحاضرة 1/443، شذرات الذهب 7/303، الضوء اللامع 7/39، طبقات المفسرين 2/80، البدر الطالع 2/115، الفتح المبين 3/40".
1 الآية 267 من البقرة.
2 وسماه السبكي التقليل والاحتقار.
" انظر: التوضيح على التنقيح 2/51، كشف الأسرار 1/256، مختصر البعلي ص103، تحقيق المراد ص65، الإحكام للآمدي 1/187، المنخول ص135، المستصفى 1/418، فواتح الرحموت 1/395، منهاج العقول 2/16، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/395".
3 الآية 88 من الحجر.
4 انظر: الإحكام للآمدي 2/53، المستصفى 1/418، المنخول ص134، منهاج العقول 2/16، جمع الجوامع 1/392، نهاية السول 2/62، مختصر البعلي ص103، فواتح الرحموت 1/395، كشف الأسرار 1/256، التلويح على التوضيح 2/53، تحقيق المراد ص62، إرشاد الفحول ص109.
5 الآية 42 من إبراهيم، واستشهد لذلك المحلي بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء} آل عمران 169، ثم قال: "أي عاقبة الجهاد الحياة، لا الموت" "المحلي على جمع الجوامع 1/294".
(3/79)

"وَ" الْخَامِسُ: كَوْنُهَا لِ "دُعَاءٍ"1 نَحْوَ قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} 2 وقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنَا} 3.
"وَ" السَّادِسُ: كَوْنُهَا لِ "يَأْسٍ"4 نَحْوَ قوله تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} 5.
وَبَعْضُهُمْ مَثَّلَ بِهِ لِلاحْتِقَارِ.
"وَ" السَّابِعُ: كَوْنُهَا لِ "إرْشَادٍ"6 نَحْوَ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} 7 وَالْمُرَادُ: أَنَّ الدَّلالَةَ عَلَى الأَحْوَطِ تَرْكُ ذَلِكَ.
__________
1 انظر: كشف الأسرار 1/256، فواتح الرحموت 1/395، المنخول ص135، المستصفى 1/418، منهاج العقول 2/16، جمع الجوامع 1/392،الإحكام للآمدي 2/187، نهاية السول 2/62، تحقيق المراد ص62، مختصر البعلي ص103، إرشاد الفحول ص109، العدة 2/427.
2 الآية 286 من البقرة.
3 الآية 8 من آل عمران.
4 انظر: التلويح على التوضيح 2/53، كشف الأسرار 1/256، مختصر البعلي ص103، تحقيق المراد ص62، فواتح الرحموت 1/395، منهاج العقول 2/19، الإحكام للآمدي 2/187، المستصفى 1/418، المنخول ص135، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/392، إرشاد الفحول ص110.
5 الآية 66 من التوبة، أي إن العذر لا ينفع، وهذا لتحقيق اليأس، واستشهد الغزالي في "المستصفى" و "المنخول" بقوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} التحريم/7، وانظر: العدة 2/427.
6 انظر: الإحكام للآمدي 2/187، المنخول ص135، المستصفى 1/418، نهاية السول 2/62، جمع الجوامع 1/392، منهاج العقول 2/19، فواتح الرحموت 1/395، التوضيح على التنقيح 2/53، كشف الأسرار 1/256، مختصر البعلي ص103، تحقيق المراد ص62،إرشاد الفحول ص109.
7 الآية 101 من المائدة.
(3/80)

قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ.
وَالأَظْهَرُ الأَوَّلُ. لأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا السَّائِلُ1 لا يَعْرِفُ2 حِينَ السُّؤَالِ هَلْ تُؤَدِّي إلَى مَحْذُورٍ أَمْ3 لا؟ وَلا تَحْرِيمَ إلاَّ بِالتَّحَقُّقِ.
"وَ" الثَّامِنُ: كَوْنُهَا "لأَدَبٍ" نَحْوَ قوله تعالى: {وَلا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} 4 وَلَكِنْ هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْكَرَاهَةِ؛ إذْ الْمُرَادُ لا تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ النِّسْيَانِ. فَإِنَّ نَفْسَ النِّسْيَانِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ حَتَّى يُنْهَى عَنْهُ.
وَبَعْضُهُمْ يُعِدُّ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَلَيْسَ لِلْخَبَرِ مِثَالٌ صَحِيحٌ. وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} 5 وَهَذَا الْمِثَالُ إنَّمَا هُوَ لِلْخَبَرِ بِمَعْنَى النَّهْيِ، لا لِلنَّهْيِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ.
"وَ" التَّاسِعُ: كَوْنُهَا لِ "تَهْدِيدٍ"6 كَقَوْلِك لِمَنْ تُهَدِّدُهُ: أَنْتَ لا تَمْتَثِلُ أَمْرِي. هَكَذَا مَثَّلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ "لا" هُنَا نَافِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مَعْنَى التَّهْدِيدِ. وَالأَوْلَى تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ - وَقَدْ أَمَرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ فَلَمْ7 يَفْعَلْهُ - لا تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ عَادَتَك أَنْ8 لا تَفْعَلَهُ بِدُونِ الْمُعَاقَبَةِ.
"وَ" الْعَاشِرُ: كَوْنُهَا لِ "إبَاحَةِ التَّرْكِ" كَالنَّهْيِ بَعْدَ الإِيجَابِ عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ فِي أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَ الأَمْرِ لِلإِبَاحَةِ. وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ.
__________
1 ساقطة من ض.
2 في ش ز: تعرف.
3 في ض ب: أو.
4 الآية 237 من البقرة.
5 الآية 79 من الواقعة.
6 انظر: تحقيق المراد ص62، فواتح الرحموت 1/395، العدة 1/427، إرشاد الفحول ص10.
7 في ض: ولم.
8 ساقطة من ض ب.
(3/81)

"وَ" الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "لالْتِمَاسِ"1 كَقَوْلِك لِنَظِيرِك: لا تَفْعَلْ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ لَهَا ثَلاثُ صِفَاتٍ: أَعْلَى، وَنَظِيرٌ, وَأَدْوَنُ2. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ.
"وَ" الثَّانِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "لتَّصَبُّرِ"3 نَحْوَ قوله تعالى: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} 4.
"وَ" الثَّالِثَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "إيقَاعِ أَمْنٍ" نَحْوَ قوله تعالى: {وَلا تَخَفْ إنَّك مِنْ الآمِنِينَ} 5 {لا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 6 وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى نَظِيرٍ7، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ لا تَخَافُ.
"وَ" الرَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا. لِ "تَسْوِيَةٍ"8 نَحْوَ قوله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} 9.
"وَ" الْخَامِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "تَحْذِيرٍ"10 نَحْوَ قوله تعالى: {وَلا
__________
1 في ض ب: التماسٍ.
وانظر: فواتح الرحموت 1/395، إرشاد الفحول ص110.
2 في ش ز ض: ودون.
3 في ش ز: لتصبير.
4 الآية 40 من التوبة.
5 الآية 31 من القصص.
6 الآية 25 من القصص.
7 في ش: نظير.
8 انظر: فواتح الرحموت 1/395، تحقيق المراد ص63.
9 الآية 16 من الطور.
10 انظر: تحقيق المراد ص62.
ولصيغة النهي معان أخرى كالشفقة وتسكين النفس والعظة، وبعضها متداخل في بعض.
"انظر: التوضيح على التنقيح 2/53، كشف الأسرار 1/256، تحقيق المراد ص62، منهاج العقول 2/19، العدة 2/427".
(3/82)

تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 1.
"فَإِنْ" "تَجَرَّدَتْ" صِيغَةُ النَّهْيِ عَنْ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ وَالْقَرَائِنِ "فَ" هِيَ "لِتَحْرِيمٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ2. وَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إنْكَارِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا لِلْكَرَاهَةِ3.
وَقِيلَ: صِيغَةُ النَّهْيِ تَكُونُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَ4الْكَرَاهَةِ. فَتَكُونُ مِنْ الْمُجْمَلِ 5.
وَقِيلَ: تَكُونُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ. فَتَكُونُ حَقِيقَةً فِي كُلٍّ مِنْهُمَا6.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ7
__________
1 الآية 102 من آل عمران.
2 وهو الصحيح عند الفخر الرازي والآمدي وغيرهما.
"انظر: المسودة ص81، الرسالة ص217، 343، البرهان للجويني 1/283، نهاية السول 2/63، الإحكام للآمدي 2/187، التبصرة ص99، المحصول ? 1 ق2/469، تحقيق المراد ص63، اللمع ص14، فواتح الرحموت 1/396، كشف الأسرار 1/256، التمهيد ص81، مختصر الطوفي ص95، القواعد والفوائد الأصولية ص190، شرح تنقيح الفصول ص168، التمهيد ص81".
3 الرسالة ص353.
"وانظر: التمهيد ص81، المسودة ص81، القواعد والفوائد الأصولية ص190".
4 في ش: أو.
5 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص190.
6 وهو مطلق الترك. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص190، تيسير التحرير 1/375".
7 وهو قول الأشعرية، وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: المسودة ص81، شرح تنقيح الفصول ص168، المحصول ? 1 ق2/469، التبصرة ص99، تحقيق المراد ص63، كشف الأسرار 1/256، تيسير التحرير 1/375، فواتح الرحموت 1/396، القواعد والفوائد الأصولية ص190، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص332".
(3/83)

"وَ"وُرُودُ1 صِيغَةِ النَّهْيِ "مُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ" أَيْ لَعَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ2 وَنَحْوِهَا3 مِنْ الْمُسْتَقْبَحِ لِذَاتِهِ: يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا4 عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ5.
__________
1 في ب: وورد.
2 ساقطة من ض.
3 في ض ب: ونحوهما.
4 أي أن اقتضاء النهي للفساد هو الشرع، لافي اللغة، لأن صيغة النهي لغة تدل على مجرد طلب الكف عن الفعل على وجه الجزم والقطع، واقتضاؤه للفساد أو البطلان قدر زائد يحتاج إلى دليل آخر غير اللغة، وهو اختيار الآمدي وأكثر الأصوليون، وفي قول: إنه يقتضي الفساد من جهة اللغة واللسان، وقيل: معنى.
"انظر: جمع الجوامع 1/393، نهاية السول 2/62، الإحكام للآمدي2/188، مختصر ابن الحاجب 2/95، تيسير التحرير 1/376، فواتح الرحموت 1/396، مختصر البعلي ص104، مباحث الكتاب والسنة ص129،130".
5 قال: القرافي: ومعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات عدم ترتب آثارها عليها" "شرح تنقيح الفصول ص173".
والفاسد والباطل بمعنى واحد عند الجمهور، بينما فرق الحنفية بينهما، فقالوا: الباطل ما ليس مشروعاً بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، وسبق بيان ذلك في المجلد الأول ص473وما بعدها.
والأشياء التي نهى الشارع عنها لعينها باطلة عند الحنفية، وليست مشروعة أصلاً وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: مختصر ابن الحاجب 2/95، نهاية السول 2/63، العبادي على الورقات ص93، المحصول ? 1 ق2/486، المنخول ص126، 205، تيسير التحرير 1/376، المعتمد 1/184، الإحكام للآمدي 2/188، التبصرة ص100، المستصفى 2/24، جمع الجوامع 1/393، البرهان للجويني 1/283، المسودة ص80، 83، أصول السرخسي 1/80، 82، فواتح الرحموت 1/396، فتح الغفار 1/78، 79، 81، التوضيح على التنقيح 2/223، كشف الأسرار 1/257، 258، 266، اللمع ص14، مختصر الطوفي ص104، مختصر البعلي ص10، التمهيد ص81، الروضة 2/217، العدة 2/432، إرشاد الفحول ص110، القواعد والفوائد الأصولية ص192، 193، تحقيق المراد ص67، 72، 74، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص343، مباحث الكتاب والسنة ص129، 130، تفسير النصوص 2/389".
(3/84)

قَالَ الْخَطَّابِيُّ1: هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ2، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" 3.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ4 عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ، كَاحْتِجَاجِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} 5 وَاسْتِدْلالُ الصَّحَابَةِ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. عَلَى فَسَادِ6 عُقُودِ الرِّبَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ" - الْحَدِيثَ 7" وَعَلَى فَسَادِ
__________
1 في ع: أبو الخطاب، والأعلى من بقية النسخ وهو الصواب، لأنه ورد بالنص في "المسودة" و "القواعد والفوائد الأصولية".
2 انظر: المسودة ص83، القواعد والفوائد الأصولية ص192.
3 هذا الحديث رواه البخاري معلقاً، ورواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد".
قال المناوي: "أي مردود فلا يقبل منه، وفيه دليل للقاعدة الأصولية أن مطلق النهي يقتضي الفساد، لأن المنهي عنه مخترع محدث، وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد".
"انظر: فتح الباري 13/317، صحيح البخاري 4/268، صحيح مسلم 3/1344، خلق أفعال العباد ص29، سنن أبي داود 2/506، سنن ابن ماجه 1/7، مسند أحمد 6/146، 180، فيض القدير 6/183".
4 في ض: يستدون، وفي ب: يستدل.
5 الآية 221 من البقرة.
6 في ض ب: العقود بالربا.
7 هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والبيهقي ومالك والشافعي عن عبادة بن الصامت وأبي سعيد مرفوعاً بألفاظ مختلفة، وتقدم تخريجه في المجلد الثاني ص554.
(3/85)

نِكَاحِ الْمَحْرَمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ1. وَقَدْ شَاعَ وَذَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ2.
فَإِنْ قِيلَ: احْتِجَاجُهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ لا عَلَى الْفَسَادِ3.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْفَسَادِ مَعًا. أَلا تَرَى إلَى حَدِيثِ بَيْعِ الصَّاعَيْنِ4 مِنْ التَّمْرِ بِالصَّاعِ. وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا" 5 وَذَلِكَ
__________
1 ورد النهي عن نكاح المحرم في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المُحْرِمُ، ولا يخطب" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك وأحمد والدارمي وغيره. " انظر صحيح مسلم 2/1030، سنن أبي داود 1/427، تحفة الأحوذي 3/579، سنن النسائي 5/151، 6/73، سنن ابن ماجه 1/632، مسند أحمد 1/57، 64، المنتقى شرح الموطأ 2/228، سنن الدارمي 2/141، نيل الأوطار 5/16، نصب الراية 3/170".
2 انظر أدلة الجمهور في "الرسالة للشافعي ص347، تيسير التحرير 1/381، المعتمد 1/187 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص174، الإحكام للآمدي 2/190، التبصرة ص101، المحصول? 1 ق2/496، المستصفى 2/26 وما بعدها، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/95 وما بعدها، الروضة 2/218، العدة 2/434 وما بعدها، مختصر الطوفي ص96، إرشاد الفحول ص110، تحقيق المراد ص10 وما بعدها، تفسير النصوص 2/390".
3 انظر: شرح تنقيح الفصول ص174 وما بعدها، تيسير التحرير 1/381، تحقيق المراد ص113، 129.
4 ساقطة من ز ع ض ب.
5 روى البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجل على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنبياُ" وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم "هذا هو الربا"، وفي رواية لمسلم والنسائي: "أوّه عين الربا"، وروى الطبراني وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، والصاع بالصاعين، أني أخاف عليكم الرما، والرما هو الربا" وروى أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: اشترينا الصاع بصاعين من تمرنا صاعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربيتم". "انظر: صحيح البخاري 2/24، صحيح مسلم 3/1215 وما بعدها، سنن النسائي 7/240، سنن ابن ماجه 2/758، مسند أحمد 2/109، 3/2، تخريج احاديث البزدوي ص76، النووي على مسلم 11/22".
(3/86)

بَعْدَ الْقَبْضِ. فَأَمَرَ1 بِرَدِّهِ. و2َبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" وَالرَّدُّ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعِبَادَاتِ اقْتَضَى عَدَمَ الاعْتِدَادِ بِهَا، وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْعُقُودِ اقْتَضَى3 فَسَادَهَا4.
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَلا طَاعَةٍ5.
قُلْنَا: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي رَدَّ ذَاتِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اقْتَضَى رَدَّ مُتَعَلِّقِهِ6.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ الأُصُولِ7.
قِيلَ: تَقَوَّى بِالْقَبُولِ. وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ الْفُرُوعِ8.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ 9، وَلا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ، وَلا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ" 10 وَنَحْوَ
__________
1 في ض: فأمره.
2 ساقطة من ب.
3 ساقطة من ض.
4 انظر: تيسير التحرير 1/382، تحقيق المراد ص114وما بعدها، 130وما بعدها.
5 انظر: التبصرة ص101، المحصول ? 1 ق2/488، المستصفى 2/30، العدة 2/435.
6 انظر: المعتمد 1/187، الإحكام للآمدي 2/191، التبصرة ص101، إحكام الأحكام 1/53، العدة 2/432.
7 قال ابن حجر الهيثمي: "والزعم أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الواحد باطل" "انظر: فيض القدير 6/183".
وانظر: تحقيق المراد ص112، التبصرة ص101.
8 انظر: تحقيق المراد ص114، التبصرة ص101.
9 سبق تخريجه بلفظ "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" المجلد الأول ص299.
10 سبق تخريجه بلفظ "ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وله روايات وألفاظ متعددة، المجلد الثاني ص210.
(3/87)

ذَلِكَ. قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نَفْيَ نَفْسِ الْفِعْلِ؛ لأَنَّ الْفِعْلَ مَوْجُودٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ حُكْمِهِ. فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ. فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ إيجَادُهُ. وَكَانَ. الْفَرْضُ1 الأَوَّلُ عَلَى عَادَتِهِ2.
وَيَدُلُّ لِلْفَسَادِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا: الاعْتِبَارُ وَالْمُنَاقَضَةُ.
أَمَّا الاعْتِبَارُ3: فَلأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ مَفْسَدَةٍ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ بِمَا. يُلازِمُهُ؛ لأَنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ لا يَنْهَى عَنْ الْمَصَالِحِ. وَفِي الْقَضَاءِ بِإِفْسَادِهَا إعْدَامٌ لَهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ وَلأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مَعَ رَبْطِ الْحُكْمِ بِهَا يُفْضِي4 إلَى التَّنَاقُضِ فِي الْحِكْمَةِ؛ لأَنَّ نَصْبَهَا سَبَبًا يُمَكِّنُ مِنْ التَّوَسُّلِ5، وَالنَّهْيُ يَمْنَعُ مِنْ التَّوَسُّلِ6، وَلأَنَّ حُكْمَهَا مَقْصُودُ الآدَمِيِّ وَمُتَعَلِّقُ غَرَضِهِ، فَتَمْكِينُهُ مِنْهُ حَثٌّ عَلَى تَعَاطِيهِ. وَالنَّهْيُ مَنْعٌ مِنْ التَّعَاطِي، وَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْسُدْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ بِالنَّهْيِ حُكْمُه7ُ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ لِكَوْنِ الْفَرْضِ جَوَازَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّتُهُ
__________
1 في ش: الغرض.
2 انظر: تيسير التحرير 1/380، الروضة 2/217 وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة ص130.
3 ساقطة من ض.
الاعتبار هو التقدير، وهو قريب من القياس في اللغة، والاعتبار في الاصطلاح: إيراد الحكم على وفق أمر آخر، ويأتي القياس والمصالح المرسلة باسم المناسب المعتبر، وهو كل وصف شهد الشرع باعتباره بأخذ فروع الأحكام.
"انظر: الكافية في الجدل ص62، إرشاد الفحول ص217، الوسيط في أصول الفقه ص24".
4 في ز ع ض ب: مفضٍ.
5 في ض ب: التوصل.
6 في ض ب: التوصل.
7 في ش ز: عن حكمه.
(3/88)

حُكْمُ الصِّحَّةِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ1.
أَمَّا الْمُلازَمَةُ: فَلاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ الْحِكْمَةِ. وَأَمَّا بُطْلانُ الثَّانِي: فَلأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ الْحُكْمِ عَنْ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ. لأَنَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ2 أَوْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً؛ وَلَوْ3 كَانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ النَّهْيُ. فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ. وَفِي رُجْحَانِ النَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ.
فَإِنْ قُلْت5: التَّرْجِيحُ غَايَتُهُ أَنْ يُنَاسِبَ نَفْيَ الصِّحَّةِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفِي الصِّحَّةِ إلاَّ بِإِيرَادِ شَاهِدٍ بِالاعْتِبَارِ. وَلَوْ ظَهَرَ كَانَ الْفَسَادُ لازِمًا مِنْ الْقِيَاسِ6.
قُلْنَا: الْقَضَاءُ بِالْفَسَادِ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ، فَلا يُفْتَقَرُ إلَى شَاهِدِ الاعْتِبَارِ، وَلأَنَّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مَنْهِيَّاتٍ بَاطِلَةً، وَلا مُسْتَنِدَ لَهَا إلاَّ أَنَّ النَّهْيَ لِلأَصْلِ7.
وَأَمَّا دَلِيلُ الْفَسَادِ بِالْمُنَاقَضَةِ8: فَلأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَبْطَلُوا النِّكَاحَ فِي
__________
1 انظر: كشف الأسرار 1/261، تحقيق المراد ص131.
2 ساقطة من ش ز ض ب.
3 في ش ز ع: إذ لو.
4 انظر: الإحكام للآمدي 2/189 وما بعدهما، المحصول? 1 ق2/494، 496، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/96، تحقيق المراد ص131.
5 في ش ز: قلنا.
6 انظر: تحقيق المراد ص135.
7 انظر: تحقيق المراد ص135، الإحكام للآمدي 1/53.
8 المناقضة عند الأصوليون هي النقض، وعند أهل النظر عبارة عن منع مقدمة الدليل، أو هي ابطال دليل المعلل "كشاف اصطلاح الفنون 6/1411"، وقال الباجي: "النقض: هو وجود العلة وعدم الحكم" "الحدود ص76"، وقال الجويني: "النقض: انتفاء الحكم عما ادعي له من العلة، وقيل: وجود العلة مع فقد ما ادعي من حكمها، وقيل: ابراء العلة حيث لا حكم" "الكافية في الجدل ص69".
(3/89)

الْعِدَّةِ1 وَنِكَاحَ الْمَحْرَمِ، وَالْمُحَاقَلَةَ2 وَالْمُزَابَنَةَ وَالْمُنَابَذَةَ وَالْمُلامَسَةَ3، وَالْعَقْدَ عَلَى مَنْكُوحَةِ الأَبِ لِقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} 4. {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} 5 وَالصَّلاةَ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ وَالثَّوْبِ النَّجِسِ6،
__________
1 أبطل العلماء النكاح في العدة لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} البقرة/228، ولقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} القرة/232، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} القرة /234، ولحديث أي السنابل وسبيعة الأسلمية الذي مر سابقاً "المجلد الثاني ص313" وغيره.
2 في ض ب: المحالقة.
3 روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والدارقطني عن جابر وغيره بألفاظ متقاربة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة، وأن، يشتري النخل حتى يشقه، والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر، والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك.
واختف العلماء في تفسير المحاقلة ففسرها بعضهم بما جاء في الحديث، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله، والحقل: الحرث وموضع الزرع، وأخرج الشافعي عن جابر أن المحاقلة أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة، وقال ابن الكثير: "المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جار مفسراً في الحديث" "النهاية في غريب الحديث 1/416".
"انظر: صحيح البخاري 2/15 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 1/194، سنن أبي داود 2/225، تحفة الأحوذي 4/416، سنن النسائي 7/234، سنن ابن ماجه2/761، مسند أحمد 1/224، 2/392، سنن الدارمي 2/252، الموطأ 386 ط الشعب، سنن الدارقطني 3/48، نيل الأوطار 5/189، المغني 4/156".
4 الآية 22 من النساء. وفي ع ض ب: " ... من النساء الآية.
5 الآية 221 من البقرة. وفي ع ض ب: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ} .
6 لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المدثر/4، ولما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي".
"انظر: صحيح البخاري 1/46 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 4/17، سنن أبي داود 1/65، تحفة الأحوذي 1/390، سنن النسائي 1/98، سنن ابن ماجه 1/203، مسند أحمد 6/83، 129، الموطأ ص62 ط الشعب".
(3/90)

وَحَالَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ1، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلا مُسْتَنِدَ إلاَّ النَّهْيِ2.
قَالُوا: لَوْ دَلَّ الْفَسَادُ3 لَنَاقَضَ التَّصْرِيحَ بِالصِّحَّةِ فِي قَوْلِهِ: نَهَيْتُك عَنْ فِعْلِ كَذَا فَإِنْ فَعَلْت صَحَّ4.
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْفَسَادِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالصِّحَّةِ5 لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حِكْمَةِ الْفَسَادِ، وَلأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ فَالتَّصْرِيحُ بِخِلافِ الظَّاهِرِ، وَ6لا تَنَاقُضَ7، نَحْوَ: رَأَيْتُ أَسَدًا يَرْمِي. وَأَيْضًا فَإِنَّ8 قَوْلَهُ: يُشْبِهُ الْمُسْتَدْرَكَ وَالْمُسْتَثْنَى. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَكِنَّك إنْ فَعَلْت صَحَّ، أَوْ قَوْلُهُ: إلاَّ أَنَّك إذَا فَعَلْت صَحَّ. وَلَيْسَ فِي كَلامِ الشَّارِعِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ9.
وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّهْيُ لِوَصْفٍ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لازِمٌ لَهُ. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
__________
1 لما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" وسبق تخريجه في المجلد الأول ص471.
2 انظر: تحقيق المراد ص103، الإحكام للآمدي 2/193.
3 في ش ز ع: الفساد.
4 انظر: التبصرة ص103، المحصول ? ق2/489 وما بعدها، العدة 2/439.
5 ساقطة من ض.
6 ساقطة من ش ز.
7 في ع: يناقض.
8 في ش ز: فإنه.
9 انظر: تفصيل هذه الأدلة مع الزيادة عليها في "تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للعلائي ص111 وما بعدها، الإحكام للآمدي 2/188، 192 وما بعدها، التبصرة ص103، المحصول 2/487، 489، العدة 2/439".
(3/91)

"أَوْ وَصْفِهِ" كَالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ1 وَعَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ2.فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ "يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ3.
فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ الْقِيَامِ وَالاسْتِيلاءِ وَالسَّبِيلِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْطُلُ هَذَا الْوَصْفُ. اللاَّزِمُ4 لَهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الشَّيْءِ وَفَسَادَ وَصْفِهِ. فَالْمُحَرَّمُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الصَّوْمِ فِي الْعِيدِ لا الْوَاقِعُ. فَالْفِعْلُ حَسَنٌ5؛.لا أَنَّهُ6 صَوْمٌ قَبِيحٌ لِوُقُوعِهِ فِي الْعِيدِ. فَهُوَ عِنْدَهُمْ طَاعَةٌ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ7، وَوَصْفُ قُبْحِهِ لازِمٌ لِلْفِعْلِ لا لِلاسْمِ، وَلا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ8.
__________
1 ورد النهي عن نكاح الكافر للمسلة في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ} البقرة/221
2 انظر: المغني 4/199.
3 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/98، جمع الجوامع 1/394، الفروق 2/82، المنخول ص205، العدة 2/441، الروضة 2/217، المسودة ص82، 83، مختصر الطوفي ص96، التمهيد ص81، مباحث الكتاب والسنة 131، 133.
4 في ش ز: الملازم.
5 في ع: عندهم حسن.
6 في ز ع ض ب: لأنه.
7 قال النووي رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمداً لعينها، قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزم قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك" شرح النووي على مسلم 8/15".
وقال التمرتاشي والحصكفي: "ولو نذر صوم الأيام المنهية، أو صوم هذه السنة صح مطلقاً على المختار، وفرقوا بين النذر والشروع فيها بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح، ولكنه أفطر الأيام المنهية، وجوباً تحامياً عن المعصية وقضاها إسقاطاً للواجب، وإن صامهما خرج عن العهدة مع الحرمة" "حاشية ابن عابدين 4/433".
8 قال الآمدي: "وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة ... وكثير من مشايخهم" "الإحكام للآمدي 2/188".
انظر: هذا الرأي وأدلته في "فواتح الرحموت 1/398، أصول السرخسي 1/81، 85، كشف الأسرار 1/258 وما بعدها، التوضيح على التنقيح 2/223، 227، فتح الغفار 1/78، تيسير التحرير 1/377 وما بعدها، 382 وما بعدها، المعتمد 1/184، 188وما بعدها، تحقيق المراد ص91، 149 وما بعدها، المستصفى 2/25، مختصر ابن الحاجب 2/97، 98، نهاية السول 2/64، جمع الجوامع 1/396، الفروق 2/83، الروضة 2/217، المسودة ص83، مختصر الطوفي ص96، البرهان للجويني 1/292، تفسير النصوص2/390، مباحث الكتاب والسنة ص135، 136، العدة 2/442، المحصول? 1 ق2/500"
(3/92)

وَقِيلَ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ1 الْعِيدِ2 نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ؟ فَقَالَ: هُوَ حُجَّتُنَا؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَمَّا3 لا يَكُونُ مُحَالٌ، كَنَهْيِ الأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ لَمَا نَهَى عَنْهُ4.
"وَكَذَا" لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ "لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَ" النَّهْيِ عَنْ عَقْدِ بَيْعٍ "بَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ"5 وَكَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، يَعْنِي فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَهُ عِنْدَ
__________
1 ساقطة من ع ض.
2 جاء النعي عن صوم يوم العيد في الحديث الصحيح المرفوع الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي سعيد وعمر وأبي هريرة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الضحى" وفي رواية البخاري وأحمد "لا صوم في يومين" وفي رواية مسلم "لا يصح الصيام في يومين".
"انظر: صحيح البخاري 1/233 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 8/15، مسند أحمد 5/52، 66، الموطأ ص200 ط الشعب، نيل الأوطار 4/293، سنن أبي داود 1/563، تحفة الأحوذي 3/579، سنن ابن ماجه 1/546، بدائع المنن 1/275، سنن الدارمي 2/20".
3 في ب: عنه.
4 انظر مناقشة الموضوع في "الإحكام للآمدي 2/192، المحصول? 1 ق2/500 وما بعدها، المستصفى 2/28، الروضة 2/217، مختصر البعلي ص104".
5 هو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة/9.
(3/93)

الإِمَامِ أَحْمَدَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ1 وَالْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْجُبَّائِيَّةِ2.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الأَكْثَرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الآمِدِيُّ: لا خِلافَ أَنَّهُ لا يَقْتَضِي الْفَسَادَ إلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ3.
وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاتِ4.
وَأَلْزَمَ الْقَاضِي5 الشَّافِعِيَّةَ بِبُطْلانِ الْبَيْعِ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ وَالِدَةٍ
__________
1 في ع: والظاهرية والمالكية.
2انظر هذه المسألة في "المعتمد 1/195، نهاية السول 2/65، شرح تنقيح الفصول 174، 176، مختصر الطوفي ص86، مختصر البعلي ص104، المسودة ص83، العدة 2/441، الفروق 2/85، الإحكام لابن حزم 3/307، مباحث الكتاب والسنة ص132".
ولفظة الجبائية: ساقطة من ب.
3 في ع ض ب: وإمامنا أحمد.
وانظر: الإحكام للآمدي 2/188، التبصرة ص100 هامش.
4 هذا رد على القول الذي يذهب للتفصيل بين العبادات والمعاملات، وهو رأي أبي الحسين البصري والفخر الرازي وابن السبكي وغيرهم، وهناك مذاهب أخرى.
انظر أصحاب هذه المذاهب مع أدلتها ومناقشتها مع بيان مذهب الحنابلة وأدلتهم في "المعتمد 1/184، التمهيد ص82، المسودة ص83، العدة 2/444، المحصول ?1 ق2/486، المنخول ص126، المستصفى 2/25، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/95 وما بعدها، نهاية السول 2/52، 65، أصول السرخسي 1/81، فتح الغفار 1/78، التوضيح على التنقيح 2/229، 232، تيسير التحرير 1/377، جمع الجوامع 1/393، 395، تحقيق المراد ص77، 9، اللمع ص15، القواعد والفوائد الأصولية ص192، فواتح الرحموت 1/396، مباحث الكتاب والسنة ص131".
5 انظر: العدة 2/446.
واستدل القاضي بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا توله والدة عن ولدها"، روى هذا الحديث أبو بكر رضي الله عنه، وأخرجه عنه البيهقي قال السيوطي إنه حسن، وقال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف، ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" مرسلاً عن الزهري، "انظر: فيض القدير 6/423، التلخيص الخبير 3/15",
(3/94)

وَوَلَدِهَا1
"لا" إنْ كَانَ النَّهْيُ "عَنْ غَيْرِهِ" أَيْ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ غَيْرِ عَقْدٍ. وَكَانَ ذَلِكَ "لِحَقِّ2 آدَمِيٍّ، كَتَلَقٍّ3" لِلرُّكْبَانِ4 "وَ"كَ "نَجْشٍ"5 وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِغَيْر6ِ الْمُشْتَرِي "وَ" كَـ"سَوْمٍ" عَلَى سَوْمِ مُسْلِمٍ "وَ" كَـ"خِطْبَةٍ" وَلَوْ لِذِمِّيَّةٍ عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ7 "وَ"كَ "تَدْلِيسِ"
__________
1 ورد عن علي رضي الله عنه أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع.
رواه أبو داود والدارقطني، وفي الباب أحاديث أخر.
"انظر: سنن أبي داود 2/58، نيل الأوطار 5/182".
2 في ع ض: كحق.
3 في ب: كتلقي.
4 روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان" ورواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تلقوا الركبان، ولا بيع حاضر لبادٍ".
"انظر: صحيح البخاري 2/13المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 10/160، سنن أبي داود 2/241، مسند أحمد 2/105، 156، 394، نيل الأوطار5/188، المغني 4/164".
وفي ع ض ب: الركبان.
5 روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش"، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهم.
"انظر: صحيح البخاري 2/12 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم على شرح النووي 10/16، سنن أبي داود 2/241، سنن النسائي 7/227، سنن ابن ماجه 2/734، نيل الأوطار 5/187، المغني 4/159".
6 في ش: لغير، وفي ب: ليغر بها.
7 روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه" وفي لفظ: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه"، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبع الرجل أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن".
"انظر: صحيح البخاري 2/12 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم على شرح النووي 10/15، نيل الأوطار 5/187، مسند أحمد 2/398، 411، 457، سنن ابن ماجه 2/734، سنن النسائي 7/227، نيل الأوطار 5/189، المغني 4/159"
(3/95)

مَبِيعٍ1، كَالتَّصْرِيَةِ2 وَنَحْوِهَا. فَإِنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ3.
قَالَ4 ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَحَيْثُ قَالَ أَصْحَابُنَا: اقْتَضَى النَّهْيُ الْفَسَادَ فَمُرَادُهُمْ: مَا لَمْ يَكُنْ النَّهْيُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ. فَإِنْ كَانَ وَلا مَانِعَ. كَتَلَقِّي الرُّكْبَانَ وَالنَّجْشِ. فَإِنَّهُمَا يَصِحَّانِ عَلَى الأَصَحِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. لإِثْبَاتِ الشَّرْعِ الْخِيَارَ فِي التَّلَقِّي5.
"وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَالدَّوَامَ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ6، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِهِ
__________
1 في ش: بيع، وفي ع: لمبيع، وفي ز: ببيع.
2 لحديث: "لا تصروا الإبل والغنم، عمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها امسكها، وإن سخطها ردها، وصاعاً من تمر" وسبق تخريجه كاملاً في المجلد الثاني ص368 هـ، 566، 568، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم 10/160
3 قال الشوكاني: "وقد اختلف في هذا النهي، هل يقتضي الفساد أم لا؟ فقيل: يقتضي الفساد، وقيل: لا، وهو الظاهر، لآن النهي ههنا لأمر خارج، وهي لا يقتضيه، كما تقرر في الأصول" "نيل الأوطار5/188".
وقال: "وق قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وقال غيرهم بعدم الفساد. "نيل الأوطار 5/188".
"وانظر: مختصر البعلي ص104، 105، التمهيد ص82، مختصر الطوفي".
4 في ض ب: وقال.
5 وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"
وفي روايات أخرى "أن يتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق" "نهى عن التلقي" "نهى عن تلقي البيوع" "أن يتلقى الجلب" وسيده أي مالكه، "انظر: النووي على مسلم 10/163، سن أبي داود 2/240".
6 انظر: المسودة ص81، التمهيد ص81، تيسير التحرير 1/376، مختصر البعلي ص 105، فواتح الرحموت 1/406، نهاية السول 2/63، القواعد والفوائد الأصولية ص191، العدة 2/428".
(3/96)

لِلدَّوَامِ: كَوْنُهُ لِلْفَوْرِ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَلأَنَّ مَنْ نُهِيَ عَنْ فِعْلٍ بِلا قَرِينَةٍ فَفَعَلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ عُدَّ مُخَالِفًا لُغَةً وَعُرْفًا. وَلِهَذَا لَمْ يَزَلْ1 الْعُلَمَاءُ يُسْتَدَلُّونَ2 بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ إجْمَاعًا3.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَمْرِ: أَنَّ الأَمْرَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَقَعُ الامْتِثَالُ فِيهِ بِالْمَرَّةِ. وَأَمَّا الانْتِهَاءُ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلا يَتَحَقَّقُ إلاَّ بِاسْتِيعَابِهِ فِي الْعُمُرِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَكْرَارٌ، بَلْ بِالاسْتِمْرَارِ4 بِهِ يَتَحَقَّقُ الْكَفُّ5.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ النَّهْيَ مُنْقَسِمٌ6 إلَى الدَّوَامِ كَالزِّنَا، وَإِلَى غَيْرِهِ كَالْحَائِضِ
__________
1 في ع ض ب: تزل.
2 في ع ض ب: تستدل.
3 نقل العلماء عن أبي بكر الباقلاني أن النهي لا يقتضي الفور والتكرار كالأمر، وتابعه على ذلك الفخر الرازي فقال: "إن قلنا إن النهي يفيد التكرار فهو يفيد الفور لا محالة، وإلا فلا" أي إن ذلك لم يفيد التكرار فلا يفيد الفور، وقد اختار الفخر الرازي أن الأمر لا يفيد التكرار، وبالتالي فإن الأمر لا يفيد الفور عنده، ثم صرح باختياره فقال: "المشهور أن النهي يفيد التكرار، ومنهم من أباه، وهو المختار". "انظر: المحصول 2/470، 475".
وقال العضد: "يقتضي دوام ترك المنهي عند المحققين ظاهراً ... وقد خالف في ذلك شذوذ" "العضد على ابن الحاجب 2/98".
"وانظر: فواتح الرحموت 1/406، تيسير التحرير 1/376، الإحكام للآمدي 2/194، المسودة ص81، شرح تنقيح الفصول ص168، البرهان للجويني 1/230، مختصر ابن الحاجب 2/98، التمهيد ص81، مختصر البعلي ص105، العدة 2/428، جمع الجوامع 1/390، القواعد والفوائد الأصولية ص191، تفسير النصوص 2/382".
4 في ع ض ب: الاستمرار.
5 انظر: شرح تنقيح الفصول ص171، البرهان للجويني 1/230، اللمع ص14.
6 في ع: ينقسم.
(3/97)

عَنْ الصَّلاةِ. فَكَانَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ عَدَمَ الدَّوَامِ لِقَرِينَةٍ، هِيَ تَقْيِيدُهُ بِالْحَيْضِ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً لِلدَّوَامِ أَوْلَى مِنْ الْمَرَّةِ لِدَلِيلِنَا، وَلإِمْكَانِ التَّجَوُّزِ فِيهِ عَنْ بَعْضِهِ لاسْتِلْزَامِهِ لَهُ بِخِلافِ الْعَكْسِ1.
"وَ"قَوْلُ النَّاهِي عَنْ شَيْءٍ "لا تَفْعَلْهُ مَرَّةً يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ" قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. فَلا يَسْقُطُ النَّهْيُ بِتَرْكِهِ مَرَّةً2.
وَعِنْدَ الْقَاضِي وَالأَكْثَرِ يَسْقُطُ بِمَرَّةٍ3، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَدَّمَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، حَتَّى قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ: غَرِيبٌ لَمْ نَرَهُ لِغَيْرِ ابْنِ4 السُّبْكِيّ. وَقَطَعَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَمْ يَطَّلِعَا عَلَى كَلامِ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ5.
"وَيَكُونُ" النَّهْيُ "عَنْ" شَيْءٍ "وَاحِدٍ" فَقَطْ، وَهُوَ كَثِيرٌ6 "وَ"عَنْ "مُتَعَدِّدٍ" أَيْ شَيْئَيْنِ7 فَأَكْثَرَ "جَمْعًا" أَيْ عَنْ الْهَيْئَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. فَيَكُونُ لَهُ فِعْلُ
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 2/194.
2 قال القرافي: "وهو المشهور من مذاهب العلماء" وقال الكمال: "خلافاً لشذوذ"، وهذا فرع لاقتضاء النهي التكرار وعدمه.
"انظر: الروضة 2/201، المسودة ص81، شرح تنقيح الفصول ص168، تيسير التحرير 1/376، مختصر البعلي ص105، فواتح الرحموت 1/406، المحصول? 1 ق2/470، القواعد والفوائد الأصولية ص192".
3 ساقطة من ض.
4 ساقطة من ض.
5 ومذهب الفخر الرازي، ورأيه مخالف لاختيار أكثر الأشاعرة والشافعية.
"انظر: المحصول? 1 ق2/470، المسودة ص81، القواعد والفوائد الأصولية ص192، مختصر البعلي ص105، شرح تنقيح الفصول ص168، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/390".
6 انظر جمع الجوامع 1/392، نهاية السول 2/66.
7 في ض ب: عن شيئين.
(3/98)

أَيُّهَا شَاءَ عَلَى انْفِرَادِهِ1 كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ2، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَ3بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا4.
"وَفَرْقًا" وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الافْتِرَاقِ دُونَ الْجَمْعِ. كَالنَّهْيِ عَنْ. الاقْتِصَارِ5 عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ6.نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ" 7 فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُنَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالَتَيْ الرِّجْلَيْنِ8، لا عَنْ لُبْسِهِمَا مَعًا، وَلا عَنْ تَحْفِيفِهِمَا مَعًا. وَلِذَلِكَ
__________
1 نقل الشيرازي أن المعتزلة قالت: "يكون نهياً عنهما، فلا يجوز فعل واحد منهما"، وأيد أبو الحسين البصري الجمهور، وخالف المعتزلة في ذلك.
"انظر: التبصرة ص104، المعتمد 1/183، المسودة ص81، شرح تنقيح الفصول ص172، المنخول ص131، المحصول ? 1 ق2/508، نهاية السول 2/66، جمع الجوامع 1/393، القواعد والفوائد الأصولية ص69".
2 ثبت النهي عن تحريم الجمع بين الأختين في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} النساء/23.
3 في ب: أو.
4 روى البخاري ومسلم أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وفي رواية: "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها".
"انظر: صحيح البخاري 3/160 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 9/191، سنن أبي داود 1/476، تحفة الأحوذي 4/272، سنن النسائي 6/79 وما بعدها، سنن ابن ماجه 1/621، مسند أحمد 2/179، 423، سنن الدارمي 2/136، نيل الأوطار 6/166".
5 في ش: إحفائهما.
6 في ش: جمع الجوامع وشرح المحلي والبناني عليه 1/393.
7 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمش أحدكم في نعل واحدةٍ، ليُنْعِلْهما جميعاً، أو ليُحْفهما جميعاً" وفي رواية: "أو ليخلعهما جميعاً" وفيه روايات أخرى.
"انظر: صحيح البخاري 4/34، صحيح مسلم 3/1660، سنن أبي داود 2/389، مختصر سنن أبي داود 6/83، تحفة الأحوذي 5/470، سنن ابن ماجه 2/1195".
8 انظر: التبصرة ص104، منهاج العقول 2/62.
(3/99)

قَالَ: "لِيُنْعِلْهُمَا 1 جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا 2 جَمِيعًا".
"وَ" يَكُونُ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ مُتَعَدِّدٍ "جَمِيعًا" وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّهْيِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا: لا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبْ اللَّبَنَ. فَإِنَّك إنْ3 جَزَمْت الْفِعْلَيْنِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ. فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ نَصَبْت الثَّانِيَ مَعَ جَزْمِ الأَوَّلِ كَانَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ4 بِانْفِرَادٍ5، وَإِنْ جَزَمْت الأَوَّلَ وَرَفَعْت الثَّانِيَ كَانَ الأَوَّلُ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ فَقَطْ فِي حَالَةِ مُلابَسَةِ6 الثَّانِي7.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ اللَّذَيْنِ حَقُّهُمَا التَّقْدِيمُ لِتَعَلُّقِهِمَا بِنَفْسِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ. شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِمَدْلُولِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِ بِهِ فَقَالَ:
__________
1 في ز: وليلبسهما، وفي ع ض ب: ليلبسهما.
2 في ب: ليخلعهما.
3 في ع: إذا.
4 ساقطة من ز ع ض ب.
5 في ش: بانفراد.
6 في ب: ملابسته.
7 انظر: شرح تنقيح الفصول ص173، المعتمد 1/182-183.
(3/100)

باب العام:
"الْعَامُّ" فِي اصْطِلاحِ الْعُلَمَاءِ."لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ" أَيْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ.
قَالَ الطُّوفِيُّ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لِلْعَامِّ حُدُودًا كُلَّهَا مُعْتَرِضَةً1- اللَّفْظُ إنْ دَلَّ. عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ. فَهُوَ الْمُطْلَقُ كَالإِنْسَانِ2، أَوْ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ. كَزَيْدٍ فَهُوَ الْعَلَمُ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ كَرَجُلٍ فَهُوَ النَّكِرَةُ، أَوْ عَلَى وَحَدَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَهِيَ إمَّا بَعْضُ وَحَدَاتِ الْمَاهِيَّةِ فَهُوَ3 اسْمُ الْعَدَدِ. كَعِشْرِينَ رَجُلاً، أَوْ جَمِيعُهَا فَهُوَ الْعَامُّ4.
فَإِذًا هُو5َ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ أَجْوَدُهَا6.
فَهَذَا الْحَدُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ؛ لأَنَّ التَّقْسِيمَ الصَّحِيحَ يَرِدُ عَلَى جِنْسِ الأَقْسَامِ، ثُمَّ يُمَيِّزُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ بِذِكْرِ خَوَاصِّهَا الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا. فَيَتَرَكَّبُ كُلُّ
__________
1 مختصر الطوفي ص97.
2 ساقطة من مختصر البعلي.
3 في ع: فهي.
4 في ع: كالعام.
5 في مختصر الطوفي: فهو إذن.
6 مختصر الطوفي ص97.
وانظر: مختصر البعلي ص105، نهاية السول 2/70.
(3/101)

وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ جِنْسِهِ الْمُشْتَرَكِ وَمُمَيِّزهُ1 الْخَاصُّ، وَهُوَ الْفَصْلُ. وَلا مَعْنَى لِلْحَدِّ إلاَّ اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ.
وَعَلَى هَذَا فَقَدْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ مَعْرِفَةَ حُدُودِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ وَالْعَلَمُ وَالنَّكِرَةُ وَاسْمُ الْعَدَدِ وَالْعَامُّ2.
فَالْمُطْلَقُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ وَصْفٍ زَائِدٍ3.
وَالْعَلَمُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ4.
وَاسْمُ الْعَدَدِ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى بَعْضِ وَحَدَاتِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ5.
وَالْعَامُّ: مَا ذَكَرْنَا6.انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ "فَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ" أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ وَحْدَةٍ وَكَثْرَةٍ وَحُدُوثٍ وَقِدَمٍ، وَطُولٍ وَقِصَرٍ وَلَوْنٍ مِنْ الأَلْوَانِ. فَهَذَا الْمُطْلَقُ كَالإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إنْسَانٌ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ نَاطِقٍ لا عَلَى وَاحِدٍ وَلا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرَ، وَإِنْ كَانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ7 بَعْضِ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ وَافَقَهُ: إنَّهُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ8.
__________
1 في ش ز ع: ويميز.
2 ساقطة من ز ش.
3 انظر: نهاية السول 2/71، المحصول ? 1 ق2/520، شرح تنقيح الفصول ص39، إرشاد الفحول ص144.
4 انظر: نهاية السول 2/72.
5 انظر: نهاية السول 2/72، المحصول ? 1 ق2/522.
6 يرى الإسنوي أن هذا التقسيم ضعيف لوجوهٍ كثيرة. "فانظر: نهاية السول 2/72".
7 في ز: على.
8 هذا تعريف القاضي أبي الحسين البصري، وتابعه أبو الخطاب الحنبلي في ذلك، واختاره الرازي وزاد عليه "بحسب وضع واحد" ورجحه الشوكاني.
"انظر: المعتمد 1/203، مختصر ابن الحاجب 2/98، العدة 1/140، المحصول? 1 ق2/513، إرشاد الفحول ص112".
(3/102)

وَقِيلَ: مَا عَمَّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا1.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً2، أَيْ دَفْعَةً3.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ4.
"وَيَكُونُ" الْعَامُّ "مَجَازًا" عَلَى الأَصَحِّ، كَقَوْلِك: رَأَيْت الأُسُودَ عَلَى الْخُيُولِ، فَالْمَجَازُ هُنَا كَالْحَقِيقَةِ فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا5.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لا يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ؛ لأَنَّهُ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ، فَيَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى الضَّرُورَةِ6.وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ خَاصًّا بِحَالِ الضَّرُورَةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ قَوْمٍ غَالِبٌ عَلَى اللُّغَاتِ7.
__________
1 وهذا تعريف القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي. "انظر: العدة 1/140".
2 مختصر ابن الحاجب 2/99.
3 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/100، 101.
4 انظر في تعريف العام "العضد على ابن الحاجب 2/99، الحدود ص44، المعتمد 1/203، جمع الجوامع 1/398، نهاية السول 2/68، الكافية في الجدل ص50، الإحكام للآمدي 2/195، التوضيح على التنقيح 1/193، فواتح الرحموت 1/255، الإحكام لابن حزم 1/363، شرح تنقيح الفصول ص38، أصول السرخسي 1/125، فتح الغفار 1/84، منهاج العقول 2/66، الروضة 2/220، تيسير التحرير 1/190، المنخول ص138، المستصفى 2/32، اللمع ص15، المسودة ص574، العدة 1/140، مباحث الكتاب والسنة ص147، تفسير النصوص 2/9، إرشاد الفحول ص112، المحصول? 1 ق2/513".
5 انظر: جمع الجوامع 1/401.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/401.
7 تقدم بحث المجاز بإسهاب في "المجلد الأول ص135 – 199".
(3/103)

وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَجَازِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ. إلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلامَ" 1 فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ. فَدَلَّ عَلَى تَعْمِيمِ كَوْنِ الطَّوَافِ صَلاةَ2 مَجَازٍ.
"وَالْخَاصُّ" بِخِلافِ الْعَامِّ؛ لأَنَّهُ قَسِيمُهُ، وَهُوَ3 "مَا دَلَّ" عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ دَلالَةً "أَخَصُّ" مِنْ دَلالَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ4 "وَلَيْسَ" هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ "بِعَامٍّ" إلاَّ 5بِالْمَحْدُودِ أَوَّلاً6.
"وَلا" شَيْءَ "أَعَمَّ مِنْ مُتَصَوِّرِ" اسْمِ مَفْعُولٍ، أَيْ لا أَعَمَّ مِنْ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تُخَيَّلُ صُورَتُهُ فِي الذِّهْنِ. فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَعْلُومَ وَالْمَجْهُولَ7 وَالْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ8
__________
1 الحديث بهذا اللفظ أخرجه مرفوعاً البيهقي والحاكم وابن حبان والدارمي عن ابن عباس والطبراني عن ابن عمر وأحمد عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه موقوفاً النسائي عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
"انظر: المستدرك 1/459، 2/267، سنن النسائي 5/176، سنن البيهقي 5/85، مسند أحمد 3/414، 4/64، 5/377، تخريج أحاديث أصول البردوي ص13، سنن الدارمي 2/44، فيض القدير 4/293، التلخيص الحبير 1/129".
وأخرجه أيضاً الترمذي والحاكم عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه، فلا يتكلمن إلا بخير" "تحفة الأحوذي 4/33، المستدرك 1/459، عرضة الأحوذي 4/182".
2 ساقطة من ز ش ع.
3 في ش ز: وهو.
4 انظر: في تعريف الخاص "الحدود للباجي ص44، المسودة ص571، مختصر البعلي ص105، المعتمد 1/251، الكافية في الجدل ص50، الإحكام للآمدي 2/196، أصول السرخسي 1/124، التوضيح على التنقيح 1/168، شرح الورقات ص106، المنخول ص162، كشف الأسرار 1/30، مختصر الطوفي ص108، إرشاد الفحول ص141".
5 في ش ز: إلا
6 انظر: الإحكام للآمدي 2/197.
7 ساقطة من ض.
8 هذا تقسيم العام والخاص بحسب المراتب علواً ونزولاً وتوسطاً، ويسمى القسم الأول العام المطلق، ويقال إنه ليس بموجود.
"انظر: نزهة الخاطر 2/121، المستصفى 2/32، الروضة 2/220، الإحكام للآمدي 2/197، مختصر الطوفي ص98".
(3/104)

"وَ" لا شَيْءَ "أَخَصُّ مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ" كَزَيْدٍ وَهِنْدٍ، وَمِثْلُهُ الْحَاضِرُ وَالْمُشَارُ1 إلَيْهِ بِهَذَا وَنَحْوِهِ2.
"وَكَحَيَوَانٍ" أَيْ وَمِثْلِ لَفْظِ حَيَوَانٍ "عَامٌّ" نِسْبِيٌّ لأَنَّ الْحَيَوَانَ أَعَمُّ مِنْ الإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالأَسَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ "خَاصٌّ نِسْبِيٌّ" لأَنَّ الْحَيَوَانَ أَخَصُّ مِنْ الْجِسْمِ لِشُمُولِهِ كُلَّ مُرَكَّبٍ، وَمِنْ النَّامِي لِشُمُولِهِ النَّبَاتَ، فَكُلُّ لَفْظٍ بِالنِّسْبَةِ3 إلَى مَا دُونَهُ عَامٌّ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ خَاصٌّ4.
"وَيُقَالُ لِلَّفْظِ عَامٌّ وَخَاصٌّ، وَلِلْمَعْنَى أَعَمُّ وَأَخَصُّ"5.
قَالَ الْكُورَانِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: هَذَا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يُدْرَكُ لَهُ وَجْهٌ سِوَى التَّمْيِيزُ بَيْنَ صِفَةِ6 اللَّفْظِ وَصِفَةِ7 الْمَعْنَى.
__________
1 في ش: والمشار.
2 ويسمى هذا القسم: خاصاً مطلقاً.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/197، البرهان 1/400، مختصر الطوفي ص98، مختصر البعلي ص105، الروضة 2/221، الإحكام لابن حزم 1/362".
3 في ش ز: لما.
4 ويسمى هذا القسم عاماً وخاصاً إضافياً.
"انظر: المعتمد 1/207، المستصفى 2/32، الإحكام للآمدي 2/197، البرهان 1/400، المنخول ص162، نزهة الخاطر 2/122، الروضة 2/221، مختصر الطوفي ص98، مختصر البعلي ص106".
5 انظر: جمع الجوامع 1/404.
6 في ص: صيغة.
7 في ض ب: صيغة.
(3/105)

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ1، تَدُلُّ2 عَلَى الزِّيَادَةِ وَالرُّجْحَانِ. وَالْمَعَانِي3 أَعَمُّ مِنْ الأَلْفَاظِ، فَخُصَّتْ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهَا عَامٌّ وَخَاصٌّ أَيْضًا4.اهـ5.
"وَالْعُمُومُ" بِمَعْنَى "الشَّرِكَةِ فِي الْمَفْهُومِ" لا بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ فِي اللَّفْظِ "مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ حَقِيقَةً" إجْمَاعًا6، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ عَامٍّ يَصِحُّ شَرِكَةُ الْكَثِيرِينَ فِي مَعْنَاهُ، لا أَنَّهُ7 يُسَمَّى عَامًّا حَقِيقَةً، إذْ لَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ فِي مُجَرَّدِ الاسْمِ لا فِي مَفْهُومِهِ لَكَانَ مُشْتَرَكًا لا عَامًّا، وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ لِذَاتِهَا.
"وَكَذَا" -عَلَى خِلافٍ- يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ "الْمَعَانِي" حَقِيقَةً "فِي قَوْلِ" الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ الْحَاجِبِ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ. فَيَكُونُ الْعُمُومُ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا بِالتَّوَاطُؤِ8.
__________
1 ساقطة من ب.
2 في ض: يدل.
3 في ش ع: فالمعاني.
4 انظر: البناني والمحلي على جمع الجوامع 1/404.
5 ساقطة من ش ز.
6 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/101، جمع الجوامع 2/403، المستصفى 2/32، المسودة ص97، الإحكام للآمدي 2/198، نزهة الخاطر 2/118، نهاية السول 2/68، المعتمد 1/203، مختصر البعلي ص106، نزهة الخاطر 2/118، فتح الغفار 1/84، فواتح الرحموت 1/258، تيسير التحرير 1/194، مختصر الطوفي ص97، إرشاد الفحول ص113.
7 في ض: لأنه.
8 قال البعلي: "إنه الصحيح" "مختصر البعلي ص106"، ورجح هذا القول ابن نجيم الحنفي واختاره ابن عبد الشكور والكمال بن الهمام.
"انظر: فتح الغفار 1/84، فواتح الرحموت 1/258، المسودة ص97، الموافقات 3/166، الإحكام للآمدي 2/198، نهاية السول 2/68، جمع الجوامع 2/403ن مختصر ابن الحاجب 2/101، تيسير التحرير 1/194، إرشاد الفحول ص113".
(3/106)

وَالْقَوْلُ الثَّانِي -وَهُوَ قَوْلُ الْمُوَفَّقِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ1 وَالأَكْثَرِ- إنَّهُ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي مَجَازًا لا حَقِيقَةً2.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُمُومَ لا يَكُونُ فِي الْمَعَانِي لا حَقِيقَةً وَلا مَجَازًا3.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَامِّ لُغَةُ شُمُولِ أَمْرٍ لِمُتَعَدِّدٍ4، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي: كَعَمَّ الْمَطَرُ وَالْخَصِبُ، وَفِي الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ لِشُمُولِهِ لِمَعَانِي الْجُزْئِيَّاتِ5.
وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَمْرٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ. وَعُمُومُ الْمَطَرِ شُمُولُ مُتَعَدِّدٍ لِمُتَعَدِّدٍ؛ لأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الأَرْضِ يَخْتَصُّ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَطَرِ6.
__________
1 في ش: الجويني.
2 نقل الآمدي هذا القول عن الأكثرين، ولم يرجح خلافه، وهو قول أكثر الحنفية وأبي الحسن البصري.
"انظر: المسودة ص90، 97، نزهة الخاطر 2/118، العضد على ابن الحاجب 2/101، الإحكام للآمدي 2/198، أصول السرخسي 1/125، فتح الغفار 1/84، فواتح الرحموت 1/258، تيسير التحرير 1/194، إرشاد الفحول ص113، المعتمد 1/203، نهاية السول 2/68".
3 قال عبد العلي محمد بن نظام الأنصاري: "وهذا مما لم يعلم قائله ممن يعتد بهم" "فواتح الرحموت 1/258".
"وانظر: مختصر الطوفي ص97، العضد على ابن الحاجب 2/101، نهاية السول 2/68، المستصفى 2/33، فتح الغفار 1/84، تيسير التحرير 1/194، إرشاد الفحول ص113".
4 في ض: متعدد.
5 انظر أدلة القول الأول: بان العموم من عوارض المعاني حقيقة في "الروضة2/220، نزهة الخاطر 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/403، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/101، نهاية السول 2/68، فتح الغفار 1/84، فواتح الرحموت 1/258، تيسير التحرير 1/19، إرشاد الفحول ص113".
6 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/101، نهاية السول 2/68، المعتمد 1/203، الإحكام للآمدي 2/198، أصول السرخسي 1/125، فواتح الرحموت 1/258، تيسير التحرير 1/195، إرشاد الفحول ص113.
(3/107)

وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْعُمُومِ لُغَةً، وَلَوْ سَلِمَ فَعُمُومُ الصَّوْتِ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ شَامِلٍ لِلأَصْوَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْحَاصِلَةِ لِسَامِعَيْهِ. وَعُمُومُ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الطَّلَبُ الشَّامِلُ لِكُلِّ طَلَبٍ تَعَلَّقَ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ. وَكَذَا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الذِّهْنِيُّ1. وَقَدْ فَرَّقَ طَائِفَةٌ بَيْنَ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، فَقَالُوا: بِعُرُوضِ الْعُمُومِ لِلْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ2.
دُونَ الْخَارِجِيِّ. لأَنَّ الْعُمُومَ عِبَارَةٌ عَنْ شُمُولِ أَمْرٍ وَاحِدٍ لِمُتَعَدِّدٍ، وَالْخَارِجِيَّ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ. لأَنَّ الْمَطَرَ الْوَاقِعَ فِي هَذَا الْمَكَانِ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، بَلْ كُلُّ قَطْرَةٍ مِنْهُ مَخْصُوصَةٌ بِمَكَانٍ خَاصٍّ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةِ كَالْمُقْتَضَى وَالْمَفْهُومِ. أَمَّا الْمَعَانِي التَّابِعَةُ لِلأَلْفَاظِ: فَلا خِلافَ فِي عُمُومِهَا3؛ لأَنَّ لَفْظَهَا عَامٌّ4.
"وَلِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ" أَيْ5 يَخْتَصُّ بِهَا عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَهِيَ "حَقِيقَةٌ فِيهِ" أَيْ فِي الْعُمُومِ "مَجَازٌ فِي الْخُصُوصِ" عَلَى
__________
1 انظر: أدلة النافين ومناقشتها في "الإحكام للآمدي 2/198، نهاية السول 2/68، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/101، فواتح الرحموت 1/258، تيسير التحرير 1/195، إرشاد الفحول ص113".
2 ساقطة من ب.
3 في ش: عمومه.
4 انظر توجيه هذا القول وتعليله ومناقشته في "فواتح الرحموت 1/259، تيسير التحرير 1/195 وما بعدها، فتح الغفار 1/84، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/404، الروضة 2/220".
5 في ش: تختص به.
6 هذا مذهب الجمهور، مذهب الجمهور، ويسمى مذهب أرباب العموم.
" انظر: المسودة ص89، 100، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/102، التبصرة ص105، المعتمد 1/209ن المحصول ج1 ق2/523، فواتح الرحموت 1/260، تيسير التحرير 1/229، الإحكام لابن حزم 1/338 وما بعدها، مختصر البعلي ص106، القواعد والفوائد الأصولية ص194، تخريج الفروع على الأصول ص173، العدة 2/485، إرشاد الفحول ص115، مباحث الكتاب والسنة ص148، تفسير النصوص 2/19".
(3/108)

الأَصَحِّ؛ لأَنَّ كَوْنَهَا لِلْعُمُومِ أَحْوَطُ مِنْ كَوْنِهَا لِلْخُصُوصِ1.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ2.
وَقِيلَ: مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ3. وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: لا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ4.
__________
1 انظر: المسودة ص89، مختصر ابن الحاجب 2/102، المستصفى 2/34، 36، مختصر البعلي ص106، جمع الجوامع 1/410، نهاية السول 2/82، الإحكام للآمدي 2/200، القواعد والفوائد الأصولية ص194، المعتمد 1/210، التمهيد ص83، الرسالة للشافعي ص51، 53، البرهان للجويني 1/321، الإحكام لابن حزم 1/339.
2 قال أصحاب القول الثاني إن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم، ويسمى مذهب أرباب الخصوص، وحكي عن الجبائي والبلخي أو الثلجي.
انظر تفصيل هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/102، جمع الجوامع 1/410، نهاية السول 2/82، المستصفى 2/34، 36، 45، الإحكام للآمدي 2/200، 218 وما بعدها، البرهان للجويني 1/321، فواتح الرحموت 1/260، تيسير التحرير 1/197، 229، الإحكام لابن حزم 1/338، القواعد والفوائد الأصولية ص194، العدة 2/489، مختصر البعلي ص106، المعتمد 1/209، التمهيد ص83، تفسير النصوص 2/19".
3 وهذا قول أبي بكر الباقلاني، وذهب إليه الأشعري تارة.
"انظر: المسودة ص89، جمع الجوامع 1/410، نهاية السول 2/82، التمهيد ص83، الإحكام للآمدي 2/200، أصول السرخسي 1/132، البرهان للجويني 1/322، المحصول ? 1 ق2/523، شرح تنقيح الفصول ص192، فواتح الرحموت 1/260، التبصرة ص105، مختصر البعلي ص106، القواعد والفوائد الأصولية ص194، تيسير التحرير 1/197، 229، مختصر ابن الحاجب 2/102".
4 أي يجب التوقف في صيغ العموم، قال البعلي: "والوقف إما على معنى لا ندري، وإما نعلم أنه وضع، ولا ندري أحقيقة أم مجاز" "مختصر البعلي ص160"، وهذا رأي الأشعري واختاره الآمدي، ويسمى مذهب الواقفية، وهناك قول خامس بالتوقف في الأخبار، أما الأوامر والنواهي فتحمل على العموم. انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشتها في "مختصر البعلي ص106، العدة 2/490، المسودة ص89، الروضة 2/223، مختصر الطوفي ص99، الإحكام لابن حزم 1/339، مختصر ابن الحاجب 2/102، جمع الجوامع 1/410، التبصرة ص105، نهاية السول 2/82، المنخول ص183، المعتمد 1/209، المستصفى 2/34، 36، 46، اللمع ص16، التمهيد ص83، الإحكام للآمدي 2/200، أصول السرخسي 1/132، البرهان 1/320، تيسير التحرير 1/197، 229، المحصول? 1 ق2/523، 565، شرح تنقيح الفصول ص192، التلويح على التوضيح 1/196، فواتح الرحموت 1/260، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص200، تفسير النصوص 2/19، 21".
(3/109)

وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِ الإِنْسَانِ: لا تَضْرِبْ أَحَدًا1. وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَذَا فَقُلْ لَهُ كَذَا عَامٌّ قَطْعًا2. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أُنْزِلَ3 عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ" {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} 4 وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الأَحْزَابِ قَالَ: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ5، وَلأَنَّ نُوحًا تَمَسَّك بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأَهْلَكَ} 6 بِأَنَّ ابْنَهُ مِنْ
__________
1 في ض: أحد
2 انظر العضد على ابن الحاجب والتفتازاني عليه 2/102.
3 في ز ب: أنزل الله.
4 الآيتان 7، 8 من الزلزلة.
والحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 3/143 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم 2/682".
5 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 3/34، صحيح مسلم 3/1391، زاد المعاد 3/275".
6 لآية 40 من هود، وأول الآية: {حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} .
(3/110)

أَهْلِهِ1، وَأَقَرَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَيَّنَ الْمَانِعَ2، وَاسْتِدْلالُ الصَّحَابَةِ وَالأَئِمَّةِ عَلَى حَدِّ كُلِّ سَارِقٍ وَزَانٍ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 3 وَ 4 {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 5.
وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ6 بِأَنَّ الْعُمُومَ فُهِمَ مِنْ الْقَرَائِنِ، ثُمَّ الأَخْبَارُ آحَادٌ7.
رُدَّ بِأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْقَرِينَةِ، ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَرِيحٌ8، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ9 مَعْنًى.
وَأَيْضًا صِحَّةُ الاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِك: أَكْرِمْ النَّاسَ إلاَّ الْفُسَّاقَ، هُوَ10إخْرَاجٌ مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ بِإِجْمَاعِ أَهْل الْعَرَبِيَّةِ، لا يَصْلُحُ دُخُولُهُ.
وَأَيْضًا مَنْ دَخَلَ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، و11َمِنْ نِسَائِي طَالِقٌ, يَعُمُّ اتِّفَاقًا،
__________
1 وذلك في قوله تعالى على لسان نوح: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} الآية 45 من هود.
2 أي المانع من دخول ابنه في أهله، وذلك في قوله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} الآية 46 من هود.
وانظر: التبصرة ص106، العدة 2/491.
3 الآية 38 من المائدة.
4 ساقطة من ش ز ع.
5 الآية 2 من النور.
6 ساقطة من ض ب.
7 انظر: المسودة ص89، الروضة 2/223، 227، مختصر الطوفي ص100، نزهة الخاطر 2/127، العدة 2/496، العضد على ابن الحاجب 2/103، التبصرة ص108، المعتمد 1/223، المستصفى 2/44، الإحكام للآمدي 2/208، المحصول ? 1 ق2/532، 565.
8 ساقطة من ض.
9 في ض: متواتر.
10 في ش: وهي.
11 ساقطة من ب.
(3/111)

وَكَذَا قَوْلُك مُسْتَفْهِمًا مَنْ جَاءَك؟ عَامٌّ؛ لأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْعُمُومِ اتِّفَاقًا. وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ فِي الْخُصُوصِ. لِحُسْنِ جَوَابِهِ بِجُمْلَةِ الْعُقَلاءِ وَلِتَفْرِيقِ أَهْلِ اللُّغَةِ بَيْنَ لَفْظِ الْعُمُومِ وَلَفْظِ الْخُصُوصِ.
وَأَيْضًا كُلُّ النَّاسِ عُلَمَاءُ، يُكَذِّبُهُ كُلُّهُمْ لَيْسُوا عُلَمَاءَ1.
"وَمَدْلُولُهُ" أَيْ الْعُمُومِ كُلِّيَّةً "أَيْ مَحْكُومٌ فِيهِ" عَلَى "كُلِّ فَرْدٍ" فَرْدٍ2 بِحَيْثُ لا يَبْقَى فَرْدٌ "مُطَابِقَةً"3 أَيْ دَلالَةً مُطَابِقَةً "إثْبَاتًا وَسَلْبًا4".
فَقَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} "5 بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: اُقْتُلْ زَيْدًا الْمُشْرِكَ وَعَمْرًا6 الْمُشْرِكَ وَبَكْرًا الْمُشْرِكَ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِنَا: كُلُّ رَجُلٍ يُشْبِعُهُ رَغِيفَانِ. أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ7.
__________
1 انظر مزيداً من أدلة القول الأول، والرد على الاعتراضات والشبه عليه في "الروضة 2/224 وما بعدها، مختصر الطوفي ص99 وما بعدها، العدة 2/490 وما بعدها، العضد على ابن الحاجب 2/102 وما بعدها، التبصرة ص106، نهاية السول 2/82، المعتمد 1/209 وما بعدها، المستصفى 2/38 وما بعدها، 48 وما بعدها، اللمع ص16، الإحكام للآمدي 2/201 وما بعدها، المحصول? 1 ق2/525 وما بعدها، 571 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص19، كشف الأسرار 1/301، فواتح الرحموت 1/261 وما بعدها، تيسير التحرير 1/197، إرشاد الفحول ص115، تفسير النصوص 2/24 وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة ص149".
2 ساقطة من ض ب.
3 قال البناني: "مطابقة صفة لمصدر محذوف والتقدير دال عليه دلالة مطابقة، ويحتمل حالتيه من كل فرد، أي حال كون كل فردٍ مطابقة أي ذا مطابقة ... إلا أن مجيء المصدر حالاً وإن كثر غير مقيس" "البناني على جمع الجوامع 1/405".
4 انظر: جمع الجوامع 1/405، مختصر البعلي ص106، شرح تنقيح الفصول ص195، فتح الغفار 1/86، تيسير التحرير 1/193، التمهيد 83.
5 الآية 5 من التوبة.
6 في ش ز: وعمرا.
7 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/405، التمهيد ص83، شرح تنقيح الفصول ص196.
(3/112)

"لا" أَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ "كُلِّيٌّ" وَهُوَ مَا اشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ كَالْحَيَوَانِ وَالإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ صَادِقٌ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ1.
"وَلا كُلَّ" أَيْ وَلا أَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ عَلَى أَفْرَادِهِ مِنْ بَابِ دَلالَةِ الْكُلِّ2 عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ3 وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَأَسْمَاءِ الْعَدَدِ. وَمِنْهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ يَحْمِلُ الصَّخْرَةَ، أَيْ الْمَجْمُوعُ لا كُلُّ وَاحِدٍ.
وَيُقَالُ: الْكُلِّيَّةُ وَالْجُزْئِيَّةُ4 وَالْكُلِّيُّ وَالْجُزْئِيُّ وَالْكُلُّ وَالْجُزْءُ، فَصِيغَةُ الْعُمُومِ لِلْكُلِّيَّةِ، وَالنَّكِرَاتِ لِلْكُلِّيِّ، وَأَسْمَاءِ. الأَعْدَادِ5 لِلْكُلِّ، وَبَعْضِ الْعَدَدِ زَوْجٌ لِلْجُزْئِيَّةِ، وَالأَعْلامِ لِلْجُزْئِيِّ، وَمَا تَرَكَّبَ مِنْ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ كَالْخَمْسَةِ لِلْجُزْءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْكُلِّيِّ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدِهَا: أَنَّ الْكُلَّ مُتَقَوِّمٌ بِأَجْزَائِهِ، وَالْكُلِّيَّ مُتَقَوِّمٌ بِجُزْئِيَّاتِهِ.
__________
1 وضح المحلي ذلك فقال: "أي من غير نظر إلى الأفراد نحو الرجل خير من المرأة، أي حقيقته أفضل من حقيقتها، وكثيراً ما يفضل بعض أفرادها بعض أفراده" "المحلي على جمع الجوامع 1/406"، واللفظ يدل على الكلي يسمى مطلقاً، وسبق بيانه في "المجلد الأول ص93 هامش، 132".
"وانظر: التمهيد ص83، مختصر البعلي ص106، فتح الغفار 1/86، شرح تنقيح الفصول ص195"
2 في ض: الكلي.
3 أي إن العام ليس محكوماً فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع.
"انظر: مختصر البعلي ص106، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/406، التمهيد ص83، شرح تنقيح الفصول ص195".
في ش ز ع: أجزائه.
4 الكلية هي ثبوت الحكم لكل واحد بحيث لا يبقى فرد، ويكون الحكم ثابتاً للكل بطريق الالتزام، وتقابلها الجزئية وهي ثبوت لبعض الأفراد.
" انظر: التمهيد ص83، فتح الغفار 1/86"
5في ش ز: الأعلام.
(3/113)

الثَّانِي: أَنَّ الْكُلَّ فِي الْخَارِجِ وَالْكُلِّيَّ فِي الذِّهْنِ.
الثَّالِثِ: أَنَّ الأَجْزَاءَ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْجُزْئِيَّاتِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ.
الرَّابِعِ: أَنَّ الْكُلَّ مَحْمُولٌ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَالْكُلِّيَّ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ1.
"وَدَلالَتُهُ" أَيْ دَلالَةُ الْعُمُومِ "عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى" دَلالَةً "قَطْعِيَّةً" وَهَذَا بِلا نِزَاعٍ2.
"وَ"دَلالَتُهُ "عَلَى كُلِّ فَرْدٍ بِخُصُوصِهِ بِلا قَرِينَةٍ" تَقْتَضِي كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ. كَالْعُمُومَاتِ3 الَّتِي لا يَدْخُلُهَا تَخْصِيصٌ4. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 5 {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} 6 {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 7 دَلالَةً "ظَنِّيَّةً" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ 8.
__________
1 انظر: شرح الكوكب المنير 1/132، 135، 136، التمهيد ص83، شرح تنقيح الفصول ص27..
2 انظر: مختصر البعلي ص106، جمع الجوامع 1/407، فتح الغفار 1/86، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص202، مباحث الكتاب والسنة ص153.
3 في ب: كعمومات.
4 انظر: المحلي على جمع الجوامع والبناني عليه 1/407، 408.الآية 3 من الحديد.
5 الآية 3 من الحديد..
6 الآية 284 من البقرة
7 الآية 6 من هود.
8 ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن دلالة العام على كل فرد بخصوصه ظنية، وقال الحنفية والمعتزلة وابن عقيل والفخر إسماعيل من الحنابلة وحكي رواية عن أحمد، ونقل عن الشافعي، عن دلالته قطعية، وقال آخرون بالوقف.
"انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه1/407، نهاية السول 2/82، المسودة ص109، الروضة 2/242، مختصر الطوفي ص105، التبصرة ص119، اللمع ص16، تخريج الفروع على الأصول ص173، كشف الأسرار 1/91 وما بعدها، أصول السرخسي 1/132، فتح الغفار 1/86، التلويح على التوضيح 1/196، 204، فواتح الرحموت 1/265، مختصر البعلي ص106، مباحث الكتاب والسنة ص153"
(3/114)

وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمُتَرَاخِي1 لا يَكُونُ نَسْخًا، وَلَوْ كَانَ الْعَامُّ نَصًّا عَلَى أَفْرَادِهِ لَكَانَ نَسْخًا، وَذَلِكَ أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ تَرِدُ تَارَةً بَاقِيَةً عَلَى عُمُومِهَا، وَتَارَةً يُرَادُ بِهَا بَعْضُ الأَفْرَادِ، وَتَارَةً يَقَعُ فِيهَا التَّخْصِيصُ وَ2مَعَ الاحْتِمَالِ لا قَطْعَ، بَلْ لَمَّا كَانَ الأَصْلُ بَقَاءَ الْعُمُومِ فِيهَا كَانَ هُوَ الظَّاهِرُ الْمُعْتَمَدُ لِلظَّنِّ. وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الإِجْمَالِ، وَإِنْ اقْتَرَنَ بِالْعُمُومِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّعْمِيمِ. فَهُوَ كَالْمُجْمَلِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ مِنْهُ "نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} 3" ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ 4.
"وَعُمُومُ الأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأَحْوَالِ وَالأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالْمُتَعَلِّقَات" عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ5.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: الْعَامُّ فِي الأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الأَحْوَالِ. هَذَا 6الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 7 ظَاهِرُهَا عَلَى الْعُمُومِ: أَنَّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَلَدِهِ فَلَهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ
__________
1 في د: المتراخي.
2 ساقطة من ض.
3 الآية 20 من الحشر.
4 انظر مزيداً من أدلة الجمهور في كون دلالة العام على أفراده ظنية، مع أدلة الحنفية ومناقشتها في "المحلي على جمع الجوامع البناني عليه 1/407، فتح الغفار 1/86 وما بعدها، أصول السرخسي 1/132، التلويح على التوضيح 1/199، فواتح الرحموت 1/266، مباحث الكتاب والسنة ص153، والمراجع السابقة في هامش6".
5 انظر: جمع الجوامع 1/408، مختصر البعلي ص106، القواعد والفوائد الأصولية ص236، مباحث الكتاب والسنة ص152.
6 ساقطة من ش ز ض ع ب. وأثبتناها من "القواعد والفوائد الأصولية".
7 الآية 11 من النساء.
(3/115)

تَعَالَى. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ الْكِتَابِ: أَنَّ الآيَةَ إنَّمَا قَصَدَتْ لِلْمُسْلِمِ لا لِلْكَافِرِ1.انْتَهَى2.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ، مِنْهُمْ الْقَرَافِيُّ، قَالَ -وَتَابَعَهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ- بِأَنَّ3 صِيَغَ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الأَشْخَاصِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالأَحْوَالِ والْمَتَعَلِّقاتِ فَهَذِهِ الأَرْبَعُ لا عُمُومَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ فِي غَيْرِهَا، حَتَّى يُوجَدَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، نَحْوَ: لأَصُومَنَّ الأَيَّامَ، وَلأصَلِّيَنَّ فِي جَمِيعِ الْبِقَاعِ، وَلا عَصَيْت اللَّهَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَلأَشْتَغِلَنَّ بِتَحْصِيلِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ4.
__________
1 بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والدارمي والدارقطني عن أسامة بن زيد مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
"انظر: صحيح البخاري 4/115 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 11/52، سنن أبي داود 2/113، تحفة الأحوذي 6/386، سنن ابن ماجه 2/912، مسند أحمد 5/201، الموطأ ص321 ط الشعب، سنن الدارقطني 3/69، التلخيص الحبير 3/84، نصب الراية 4/428، نيل الأوطار 6/82".
وروى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاًَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى"، ورواه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعاً.
"انظر: التلخيص الحبير 3/84، مسند أحمد 2/187، سنن أبي داود 2/113، سنن ابن ماجه 2/912، سنن الدارمي 2/370، نصب الراية 4/428، سنن الدارقطني 3/70".
وروى الإمام مالك عن علي رضي الله عنه قال: "وإنما ورث أبا طالب عقيل وطالب، ولم يرثه علي، فذلك تركنا نصيبنا من الشعب" "الموطأ ص322 ط الشعب".
2 القواعد والفوائد الأصولية ص236.
وانظر: العدة 2/551.
3 ساقطة من ش ز ض ب.
4 ومثل قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} التوبة/5، تقتضي قتل كل مشرك لكن في كل حال بحيث يعم الهدنة والحرابة وعقد الذمة. وهذا قول أبي العباس ابن تيمية أيضا. ً
"انظر: مختصر البعلي ص106، نهاية السول 2/81، القواعد والفوائد الأصولية ص236، المسودة ص49، المحلي على جمع الجوامع 1/408، شرح تنقيح الفصول ص200".
(3/116)

وَرَدَّ ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. فَقَالَ: أُولِعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ -وَمَا قَرُبَ مِنْهُ- بِأَنْ قَالُوا: صِيغَةُ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلاً، أَوْ عَلَى الأَفْعَالِ: كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّقَات، ثُمَّ يَقُولُونَ1: الْمُطْلَقُ2 يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ. فَلا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ. وَأَكْثَرُوا مِنْ3 هَذَا السُّؤَالِ فِيمَا لا يُحْصَى كَثْرَةً4 مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ.
قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنَّ 5 مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ -مَثَلاً- يَكُونُ6 دَالاًّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ، وَلا يَخْرُجُ7 عَنْهَا ذَاتٌ إلاَّ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهَا. فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
إلَى أَنْ قَالَ8 - مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا. فَتَقْتَضِي9 الصِّيغَةُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا الدَّاخِلَةُ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هُوَ مُطْلَقٌ فِي الأَزْمَانِ10 فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارِ فِي أَوَّلِ
__________
1 في ز ع ض ب: قال.
2 في ب: والمطلق.
3 في ض: في.
4 في ز: كثيرة.
5 ساقطة من ض ع ب.
6 في ب: فيكون.
7 في إحكام الأحكام: تخرج.
8 ساقطة من ز ض ع ب.
9 في إحكام الأحكام: فمقتضى.
10 في ز ض ع ب: الزمان.
(3/117)

النَّهَارِ مَثَلاً، وَلا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ عَمِلْت بِهِ مَرَّةً، فَلا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ أُخْرَى لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ.
قُلْنَا لَهُ1: لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ2 عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ3 الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ. فَإِذَا أَخْرَجْت4 بَعْضَ5 تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجْت مَا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ6.وَقَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ7."فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ8" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ فِي
__________
1 ساقطة من ب ز ع.
2 في ز ع ب: الصيغة لما دلت.
3 ساقطة من ز ع ب.
4 في ب: خرجت.
5 ساقطة من ز.
6 ساقطة من ز ع ب.
7 هو الصحابي خالد بن زيد بن كليب، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي المدني، من السابقين إلى الإسلام، شهد بيعة العقبة وبدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة مهاجراً، وأقام عنده شهراً، وله منزلة رفيعة في الإسلام، ومناقبه كثيرة، روى عنه البخاري ومسلم، كما روى عنه عدد من الصحابة، واستحلفه علي كرم الله وجهه على المدينة لما خرج مهاجراً إلى العراق، ثم لحق به، وشهد معه قتال الخوارج، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينه وبين مصعب بن عمير، ولزم الجهاد في سبيل الله بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي بأرض الروم غازياً سنة52 ?، قيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 2/89 مطبعة السعادة، أسد الغابة 2/94، الخلاصة 1/277 مطبعة الفجالة الجديدة، تهذيب الأسماء 2/177، مشاهير علماء الإمصار ص26".
8 هذا الأثر رواه مسلم وأبو داود والترمذي والدارمي وأحمد عن أبي أيوب الأنصاري في آخر حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. "انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 3/153، سنن أبي داود 1/3، تحفة الأحوذي 1/53، سنن الدارمي 1/170، مسند أحمد 5/421".
وسوف يأتي تخريج الحديث الكامل فيما بعد الصفحة 372.
(3/118)

الأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْمَكَانِ1. انْتَهَى.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يَعُمُّ بِطَرِيقِ الالْتِزَامِ لا بِطَرِيقِ الْوَضْعِ، وَجَمَعُوا بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ.
"وَصِيغَتُهُ" 3 أَيْ الْعُمُومِ "اسْمُ شَرْطٍ، وَ" اسْمُ "اسْتِفْهَامٍ 4 كَمَنْ فِي عَاقِلٍ5 "نَحْوَ". قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} 6، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} 7 {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} 8 وَتَقُولُ9 فِي الاسْتِفْهَامِ: مَنْ الَّذِي عِنْدَك؟
" وَمَا فِي غَيْرِهِ" أَيْ غَيْرِ الْعَاقِلِ10. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {مَا يَفْتَحْ اللَّهُ
__________
1 إحكام الأحكام 1/94-95، ونقل البعلي هذا النص بأكمله في "القواعد والفوائد الأصولية ص236-237".
2 وهناك أقوال أخرى في المسألة. "انظر: نهاية السول 2/81".
3 في ع ب: وصيغة.
4 ساقطة من ز.
5 وعبر البيضاوي وغيره بقولهم: "ومن للعالمين" وبين الإسنوي الحكمة من ذلك.
"انظر: نهاية السول 2/78، المعتمد 1/206، مختصر ابن الحاجب 2/102، شرح الورقات ص101، الإحكام للآمدي 2/197، العدة 2/485، البرهان 1/322، 360، المحصول ? 1 ق2/517، شرح تنقيح الفصول ص199، 200، التمهيد ص85، اللمع ص15، أصول السرخسي 1/155، فتح الغفار 1/95، 56، كشف الأسرار 2/5، التلويح على التوضيح 1/263، المسودة ص100، الروضة 2/222، مختصر الطوفي ص98، المنخول ص140، إرشاد الفحول ص117".
6 ساقطة من ز ع ب.
7 الآيتان 2، 3 من الطلاق.
8 الآية 46 من فصلت.
9 في ش ز: يقول.
10 انظر: جمع الجوامع 1/409، نهاية السول 2/79، المعتمد 1/206، البرهان 1/322، المحصول ج1 ق2/517، شرح تنقيح الفصول ص199، الإحكام للآمدي 2/198، اللمع ص1، التمهيد ص85، أصول السرخسي 1/156، فتح الغفار 1/95، 96، المسودة ص101، الروضة 2/222، مختصر البعلي ص107، مختصر الطوفي ص98، كشف الأسرار 2/11، التلويح على التوضيح 1/267، إرشاد الفحول ص117، العدة 2/485.
(3/119)

لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} 1 {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} 2 وَتَقُولُ فِي الاسْتِفْهَامِ: مَا الَّذِي عِنْدَك؟
وَاسْتِعْمَالُ "مَنْ" فِيمَنْ يَعْقِلُ وَ "مَا" فِيمَا لا يَعْقِلُ شَائِعٌ. قَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلامِ الْعَرَبِ.
وَقِيلَ3: تَكُونُ "مَا" لِمَنْ يَعْقِلُ وَلِمَنْ لا يَعْقِلُ فِي الْخَبَرِ وَالاسْتِفْهَامِ4، وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ "مَنْ، وَمَا" فِي الاسْتِفْهَامِ لِلْعُمُومِ5.
فَإِذَا6 قُلْنَا: مَنْ فِي الدَّارِ؟ حَسُنَ الْجَوَابُ بِوَاحِدٍ. فَيُقَالُ مَثَلاً: زَيْدٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ. فَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الاسْتِفْهَامِ، لا بِاعْتِبَارِ الْكَائِنِ فِي الدَّارِ. فَالاسْتِفْهَامُ عَمَّ جَمِيعَ الرُّتَبِ. فَالْمُسْتَفْهِمُ عَمَّ بِسُؤَالِهِ كُلَّ وَاحِدٍ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ فِي الدَّارِ. فَالْعُمُومُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الاسْتِفْهَامِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى كُلِّ الرُّتَبِ الْمُتَوَهَّمَةِ
__________
1 الآية 2 من فاطر.
2 الآية 198 من آل عمران.
3 في ع: وقد.
4 انظر: المحصول ? 1 ف2/517، مختصر البعلي ص107.
5 انظر: شرح تنقيح الفصول ص200.
6 في ب: فإن.
(3/120)

"وَمِنْ" صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "أَيْنَ، وَأَنَّى، وَحَيْثُ لِلْمَكَانِ"1 نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} 2 وقَوْله تَعَالَى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمْ الْمَوْتُ} 3 فِي الْجَزَاءِ4. وَ5تَقُولُ مُسْتَفْهِمًا: أَيْنَ زَيْدٌ؟
"وَمَتَى" لِزَمَانٍ مُبْهَمٍ6 نَحْوَ: مَتَى تَقُمْ أَقُمْ. وَلا يُقَالُ: مَتَى طَلَعَتْ الشَّمْسُ؟، لأَنَّ زَمَنَ طُلُوعِهَا غَيْرُ مُبْهَمٍ. وَاسْتُدِلَّ لِمَتَى بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ7
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 2/198، أصول السرخسي 1/157، البرهان 1/323، المحصول ج1 ق2/518، شرح تنقيح الفصول ص179، نهاية السول 2/79، المنخول ص138، المعتمد 1/206، اللمع ص15، جمع الجوامع 1/409، مختصر البعلي ص107، المسودة ص101، الروضة 2/222، مختصر الطوفي ص98، العدة 2/485.
2 الآية 4 من الحديد.
3 الآية 78 من النساء.
4 في ع: الخبر.
5 في ع: أو.
6 انظر: أصول السرخسي 1/157، البرهان 1/323، المحصول ج1 ق2/518، شرح تنقيح الفصول ص197، الإحكام للآمدي 2/198، المعتمد 1/206، نهاية السول 2/79، المنخول ص138، اللمع ص15، جمع الجوامع 1/409، مختصر البعلي ص107، الروضة 2/222، مختصر الطوفي ص98، العدة 2/485.
7 البيت من الطويل للحطيئة من قصيدة يمدح فيها بغيض بن عامر، ومطلعها:
آثرت ادلاجي على ليلِ حَرةٍ ... هضيم الحشا حُسَّانةِ المتجرد
ومعنى تعشو: أي تجيئه على غير هداية، أو تجيئه على غير بصر ثابت.
والبيت ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب" وابن منظور في "لسان العرب" وسيبويه في "الكتاب" والعباسي في "معاهد التنصيص" والمبرد في "المقتضب"، والزجاجي في "الجمل" وابن الشجري في "أماليه" وابن يعيش الحلبي في "شرح المفصل" وابن عقيل في "شرحه على ألفية ابن مالك".
"انظر: شرح أبيات سيبويه للسيرافي 2/65، شرح ابن عقيل 2/365، معجم شواهد العربية ص111، لسان العرب 5/57 ط دار صادر ودار بيروت 1388هـ/1968م، ديوان الحطيئة ص25".
(3/121)

وَتَقُولُ فِي الاسْتِفْهَامِ: مَتَى جَاءَ زَيْدٌ؟
"وَأَيُّ لِلْكُلِّ" يَعْنِي أَنَّ " أَيَّ " الْمُضَافَةَ تَكُونُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ1.فَمِنْ الأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} 2 وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" وَمِنْ الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: {أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} 3 وَتَقُولُ فِي الاسْتِفْهَامِ: أَيُّ وَقْتٍ تَخْرُجُ؟
"وَتَعُمُّ4 مَنْ وَأَيَّ الْمُضَافَةَ إلَى الشَّخْصِ ضَمِيرُهُمَا5، فَاعِلاً" كَانَ، نَحْوَ قَوْلِهِ: مَنْ قَامَ مِنْكُمْ؟ أَوْ أَيُّكُمْ قَامَ فَهُوَ حُرٌّ "أَوْ" كَانَ "مَفْعُولاً6" نَحْوَ قَوْلِهِ: مَنْ أَقَمْته مِنْكُمْ، أَوْ أَيُّكُمْ أَقَمْته فَهُوَ حُرٌّ. فَقَامُوا فِي الصُّورَةِ الأُولَى، أَوْ أَقَامَهُمْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ7.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَ "أَيُّ" عَامَّةٌ فِيمَا تُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَمْكِنَةِ وَالأَحْوَالِ. وَمِنْهُ: أَيُّ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا8.وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهَا
__________
1 انظر: المعتمد 2/206، شرح تنقيح الفصول ص179، التلويح على التوضيح 1/257، تيسير التحرير 1/226، المحصول ج1 ق2/516، العدة 2/485، الإحكام للآمدي 2/197، اللمع ص15، التمهيد ص76، جمع الجوامع 1/409، نهاية السول 2/78، مختصر الطوفي ص98، مختصر البعلي ص107، إرشاد الفحول ص118.
2 الآية 12 من الكهف.
3 الآية 28 من القصص.
4 في ش ع: يعم.
5 في ب: ضميرها.
6 انظر: مختصر البعلي ص107.
7 يرى السرخسي أن "أي" لا تعم. "انظر: أصول السرخسي 1/161".
8 هذا طرف من حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والطيالسي وأبو عوانة والدارمي وابن حبان عن عائشة مرفوعاً بلفظ "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها" وسبق تخريجه كاملاً في "المجلد الثاني ص541".
(3/122)

بِالاسْتِفْهَامِيَّةِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ أَوْ الْمَوْصُولَةِ، لِتَخْرُجَ الصِّفَةُ1. نَحْوَ: مَرَرْت بِرَجُلٍ أَيِّ رَجُلٍ، وَالْحَالُ نَحْوَ2: مَرَرْت بِزَيْدٍ أَيِّ رَجُلٍ. اَهَـ.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لا عُمُومَ فِي الْمَوْصُولَةِ، نَحْوَ: يُعْجِبُنِي أَيُّهُمْ هُوَ قَائِمٌ. فَلا عُمُومَ فِيهَا، بِخِلافِ الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 3 وَالاسْتِفْهَامِيَّةِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} 4.
"وَ"مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا: الاسْمُ "الْمَوْصُولُ 5 " سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا كَاَلَّذِي وَاَلَّتِي أَوْ مَثْنًى نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} 6 أَوْ مَجْمُوعًا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} 7 {وَاَللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} 8 {وَاَللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ} 9.
"وَ" مِنْ صِيَغِهِ أَيْضًا "كُلُّ" وَهِيَ أَقْوَى صِيَغِهِ10.وَلَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى إضَافَتِهَا
__________
1 في ب: كمررت.
2 ساقطة من ز.
3 الآية 110 من الإسراء.
4 الآية 38 من النمل.
5 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/102، جمع الجوامع 1/409، نهاية السول 2/78، أصول السرخسي 1/157، فواتح الرحموت 1/260، شرح الورقات ص101، إرشاد الفحول ص12.
6 الآية 16 من النساء.
7 الآية 101 من الأنبياء.
8 الآية 34 من النساء.
9 الآية 4 من الطلاق.
10 انظر: الإحكام للآمدي 2/197، أصول السرخسي 1/157، فتح الغفار 1/97، المحصول ج1 ق2/517، 555 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص179، كشف الأسرار 2/8، تيسير التحرير 1/224، المعتمد 1/206، التمهيد ص84، جمع الجوامع 1/409، نهاية السول 2/7، المسودة ص101، الروضة 2/222، القواعد والفوائد الأصولية ص178، مختصر البعلي ص107، مختصر الطوفي ص98.
(3/123)

مَعَانٍ.
مِنْهَا: أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ. فَهِيَ لِشُمُولِ أَفْرَادِهِ1 نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} 2.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ لِمَعْرِفَةٍ3، وَهِيَ جَمْعٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ. فَهِيَ لاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِهِ أَيْضًا4، نَحْوَ كُلُّ الرِّجَالِ وَكُلُّ النِّسَاءِ عَلَى وَجَلٍ إلاَّ مَنْ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْحَدِيثِ: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" 5.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ لِمَعْرِفَةٍ مُفْرَدٍ، فَهِيَ لاسْتِغْرَاقِ أَجْزَائِهِ أَيْضًا، نَحْوَ كُلُّ الْجَارِيَةِ حَسَنٌ، أَوْ كُلُّ زَيْدٍ جَمِيلٌ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَادَّتُهَا تَقْتَضِي الاسْتِغْرَاقَ وَالشُّمُولَ كَالإِكْلِيلِ لإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ، وَالْكَلالَةِ لإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ. فَلِهَذَا كَانَتْ أَصَرْحَ صِيَغِ الْعُمُومِ لِشُمُولِهَا الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ، الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ، الْمُفْرَد6َ وَالْمَثْنَى وَالْجَمْعَ، وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ عَلَى
__________
1 انظر: تيسير التحرير 1/224، فتح الغفار 1/98.
2 الآية 185 من آل عمران، وفي آيات أخرى.
3 في ب: إلى المعرفة.
4 انظر: فتح الغفار 1/98، تيسير التحرير 1/224.
5 هذا تتمة حديث شريف، وأوله: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله ملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن "أو تملأ" ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقران حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو ... " رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والبغوي وابن ماجه والدارمي عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً، وقال السيوطي: صحيح، وقال ابن القطان: اكتفوا أنه في "مسلم"، وقد بين الدارقطني أنه منقطع.
" ناظر: مسند أحمد 3/321، 399، 5/342، 344، صحيح مسلم 1/203، تحفة الأحوذي 9/498، سنن ابن ماجه 1/102، شرح السنة 1/319، سنن الدارمي 1/167، فيض القدير 4/292".
6 ساقطة من ب.
(3/124)

إضَافَتِهَا كَمَا مَثَّلْنَا، أَوْ حُذِفَ الْمُضَافُ إلَيْهِ. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ} 1.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَيْسَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ مِنْهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ مُبْتَدَأَةً وَتَابِعَةً لِتَأْكِيدِ الْعَامِّ. نَحْوَ جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ.
وَهُنَا: فَوَائِدُ:
مِنْهَا: أَنْ مَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِهَا تَسْتَغْرِقُ الأَفْرَادَ فِيمَا إذَا أُضِيفَتْ لِجَمْعٍ مُعَرَّفٍ، كَمَا لَوْ أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ. فَتَكُونُ مِنْ الْكُلِّيَّةِ.
كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْته.." الْحَدِيثَ2 وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ، لا مِنْ الْكُلِّيَّةِ.
وَمِنْهَا: إذَا دَخَلَتْ "كُلُّ" عَلَى جَمْعٍ مُعَرَّفٍ بِأَلْ3، وَقُلْنَا بِعُمُومِهَا. فَهَلْ الْمُفِيدُ لِلْعُمُومِ الأَلْفُ وَاللاَّمُ وَ "كُلٌّ" تَأْكِيدٌ، أَوْ اللاَّمُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَ "كُلٌّ" لِتَأْسِيسِ إفَادَةِ الْعُمُومِ؟ وَالثَّانِي: أَظْهَرُ؛ لأَنَّ "كُلاًّ" إنَّمَا تَكُونُ مُؤَكِّدَةً إذَا كَانَتْ تَابِعَةً. وَقَدْ يُقَالُ: اللاَّمُ أَفَادَتْ عُمُومَ مَرَاتِبِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَ "كُلٌّ" أَفَادَتْ اسْتِغْرَاقَ الأَفْرَادِ. فَنَحْوَ: كُلُّ الرِّجَالِ، تُفِيدُ فِيهَا الأَلِفُ وَاللاَّمُ عُمُومَ مَرَاتِبِ جَمْعِ
__________
1 الآية 2/285 من البقرة.
2 هذا حديث قدسي رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه بألفاظ مختلفة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... " الحديث.
ورواه أبو عوانة وابن حبان والحاكم.
" انظر: مسند أحمد 5/160، صحيح مسلم 4/1994، سنن ابن ماجه 2/1422، جامع العلوم والحكم ص209، الاتحافات السنية بشرح الأحاديث القدسيةص41".
3 في ض د: باللام.
(3/125)

الرَّجُلِ، وَكُلُّ اسْتِغْرَاقِ الآحَادِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ1: إنَّ "كُلَّ" لا تَدْخُلُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ بِاللاَّمِ إذَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْعُمُومُ. اهـ, وَلِهَذَا مَنَعَ دُخُولَ أَلْ عَلَى "كُلٍّ" وَعَيَّبَ قَوْلَ بَعْضِ النُّحَاةِ: بَدَلُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلّ2ِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ. نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ} 3 وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ الطَّلاقِ وَاقِعٌ إلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ" 4 لأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا5 مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ 6الْمُعَرَّفِ، حَتَّى تَكُونَ لاسْتِغْرَاقِ الأَفْرَادِ لا الأَجْزَاءِ 7.
__________
1 هو محمد بن السري بن سهل، أبو بكر النحوي، المعروف بابن السراج، أحد أئمة النحو المشهورين، وأحد العلماء المذكورين بالأدب وعلم العربية، أخذ الأدب عن المبرد، وأخذ عنه جماعة من الأعيان, ونقل عنه الجوهري في كتابه "الصحاح" في مواضع عديدة، وله تصانيف مشهورة في النحو، منها كتاب "الأصول" قال ابن خلكان: "وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه" وله كتاب "جمل الأصول" و "الموجز" و "شرح كتاب سيبويه" و "احتجاج القراء" و "الشعر والشعراء" وغيرها، توفي سنة 316 ?.
2 ساقطة من ش.
3 الآية 93 من آل عمران.
4 هذا الحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم.. أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز".
ورواه البخاري عن علي رضي الله عنه موقوفاً بلفظ: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه".
"انظر: صحيح البخاري 3/179 المطبعة العثمانية، تحفة الأحوذي 4/370، نيل الأوطار 6/265".
5 في ش ز: أنها.
6 في ب: جمع.
7 في ب: لإجزاء.
(3/126)

وَمِنْهَا: أَنَّ مَحَلَّ عُمُومِهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا نَفْيٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا نَحْوَ لَمْ يَقُمْ كُلُّ الرِّجَالِ. فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لِلْمَجْمُوعِ، وَالنَّفْيُ وَارِدٌ عَلَيْهِ. وَسُمِّيَتْ سَلْبَ الْعُمُومِ، بِخِلافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا. نَحْوَ: كُلُّ إنْسَانٍ لَمْ يَقُمْ. فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ فِي كُلِّ فَرْدٍ، وَيُسَمَّى عُمُومُ السَّلْبِ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ. وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ" جَوَابًا لِقَوْلِهِ: أَنَسِيت1 أَمْ قَصُرَتْ الصَّلاةُ؟ أَيْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْ الأَمْرَيْنِ، لَكِنْ بِحَسَبِ ظَنِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلاسْتِفْهَامِ عَنْ أَيِّ الأَمْرَيْنِ وَقَعَ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَلا لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ" فَإِنَّ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ يَقْتَضِيهِ الإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ.
وَأَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِمْ: تُقَدَّمُ النَّفْيُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} 2 فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ3 الْقَاعِدَةُ بِأَنْ لا يَنْتَقِضَ النَّفْيُ, فَإِنْ انْتَقَضَ كَانَتْ لِعُمُومِ السَّلْبِ، وَقَدْ يُقَالُ: انْتِقَاضُ النَّفْيِ قَرِينَةُ إرَادَةِ عُمُومِ السَّلْبِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
"وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "جَمِيعُ 4 " وَهِيَ مِثْلُ كُلِّ، إلاَّ أَنَّهَا لا تُضَافُ إلاَّ5 إلَى مَعْرِفَةٍ، فَلا يُقَالُ: جَمِيعُ رَجُلٍ، وَتَقُولُ جَمِيعُ النَّاسِ،
__________
1 في ب: نسيت.
2 الآية 93 من مريم
3 في ض: تقييده.
4 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/409، نهاية السول 2/78، المعتمد 1/206، الإحكام للآمدي 2/197، المحصول ج1 ق2/517، 555، شرح تنقيح الفصول ص179، كشف الأسرار 2/10، تيسير التحرير 1/225، فتح الغفار 1/99، مختصر الطوفي ص98، الروضة 2/222، إرشاد الفحول 117، أصول السرخسي 1/158.
5 ساقطة من ض.
(3/127)

وَجَمِيعُ الْعَبِيدِ، وَدَلالَتُهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ، بِخِلافِ كُلٍّ فَإِنَّهَا بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ.
سوَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلاًّ 1تَعُمُّ عَلَى جِهَةِ الانْفِرَادِ، وَجَمِيعَ عَلَى جِهَةِ الاجْتِمَاعِ2.
"وَنَحْوَهُمَا" أَيْ وَمِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا: كُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ كُلٍّ وَجَمِيعٍ، مِثْلَ أَجْمَعَ وَأَجْمَعِينَ3.
"وَ" كَذَلِكَ "مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ وَعَامَّةً وَكَافَّةً وَقَاطِبَةً" قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} 4 وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} 5 وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} 6 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّا مَعَاشِرَ 7 الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا 8 تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" 9 وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْتَدَّتْ
__________
1 في ض: كل.
2 انظر: تيسير التحرير 1/225.
3 انظر: مختصر البعلي ص107، إرشاد الفحول ص119.
4 الآية 39 من الحجر.
5 الآية 33 من الرحمن.
6 الآية 36 من التوبة.
7 في ش: معشر.
8 في ز: وما، وفي ض ع ب سقط: "ما تركناه صدقة".
9 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك وأحمد والبيهقي عن أبي بكر وعثمان وعائشة وأبي هريرة وغيرهم مرفوعاًُ بألفاظ متقاربة، واللفظ السابق معزو للترمذي في غير "جامعه".
" انظر: صحيح البخاري 3/17، 4/55، صحيح مسلم 3/1389، 1383، سنن أبي داود 2/128، تحفة الأحوذي 5/232، سنن النسائي 7/120، مسند أحمد 1/9، 13، السنن الكبرى 10/143، تخريج أحاديث البردوي ص64، النووي على مسلم 12/76، المنتقى 7/317، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص490".
(3/128)

الْعَرَبُ قَاطِبَةً"1 قَالَ ابْنُ الأَثِير2ِ: أَيْ جَمِيعُهُمْ3، لَكِنَّ مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ: لا يَكُونَانِ إلاَّ مُضَافَيْنِ، بِخِلافِ قَاطِبَةً وَعَامَّةً وَكَافَّةً فَإِنَّهَا4 لا تُضَافُ5 "وَ"مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "جَمْعٌ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِمُذَكَّرٍ أَوْ لِمُؤَنَّثٍ6، وَسَوَاءٌ كَانَ سَالِمًا أَوْ مُكَسَّرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ
__________
1 هذا جزء من حديث رواه النسائي عن أنس بلفظ: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب" ورواه الدارمي.
"انظر: سنن النسائي 6/6، 7/71، سنن الدارمي 1/42".
2 هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري الشافعي، أبو السعادات، مجد الدين، ابن الأثير، صاحب كتاب النهاية في غريب الحديث"، ولد بالجزيرة، ونشأ بها وتعلم، ثم انتقل إلى الموصل، فظهرت شخصيته، ونضجت ثقافته، وتولى عدة مناصب، وعرضت عليه الوزارة فرفضها، وعزف عن الدنيا، وأقبل على العلم، فجذب الناس من كل صوب، إلى أن مرض فلزم بيته صابراً متحسباً متفرغاً للعلم والتصنيف، وكان عالماً فاضلاً، وفقيهاً ومحدثاً وأدبياً ونحوياً، وكان ورعاً تقياً متديناً، وله مؤلفات كثيرة نافعة ومفيدة، منها "النهاية في غريب الحديث" و "جامع الأصول من أحاديث الرسول" و "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" للثعلبي النيسابوري والزمخشري، و "البديع" في النحو، و"الشافي شرح مسند الشافعي" توفي سنة 606 هـ، وهو شقيق عز الدين على بن محمد ... ابن الأثير الجزري، صاحب "أسد الغابة" المتوفى سنة 630هـ، وشقيق ضياء نصر الله، الكاتب والأديب صاحب "المثل السائر" المتوفى سنة 637?.
انظر ترجمة مجد الدين في "طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 8/366، وفيات الأعيان 3/289، إنباه الرواة 3/257، النجوم الزاهرة 5/22، البداية والنهاية 13/54، مرآة الجنان 4/11".
3 النهاية في غريب الحديث4/79.
4 في ب: فإنهما.
5 انظر: مختصر البعلي ص107، إرشاد الفحول ص119.
6 في ض ب: مؤنث.
(3/129)

"مُعَرَّفٌ"1 ذَلِكَ الْجَمْعُ "بِلامٍ أَوْ إضَافَةٍ"2.
مِثَالُ السَّالِمِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الْمُعَرَّفِ بِاللاَّمِ: قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} 3 وَمِثَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الرِّجَالُ وَالصَّوَاحِبُ. وَ4جَمْعُ الْقِلَّةِ: الأَفْلَسُ وَالأَكْبَادُ، وَمِثَالُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالإِضَافَةِ قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} 5 وقَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} 6 وَقِيلَ: إنَّ الْجَمْعَ الْمُذَكَّرَ لا يَعُمُّ، فَلا يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ7.
__________
1 في ع ي: معرفاً.
2 انظر: فواتح الرحموت 1/260، كشف الأسرار 2/2، التلويح على التوضيح 1/233، تيسير التحرير 1/210، أصول السرخسي 1/151، المستصفى 2/37، جمع الجوامع والبناني عليه 1/410، نهاية السول 2/79، المنخول ص138، المعتمد 1/207، مختصر ابن الحاجب 2/102، الإحكام للآمدي 2/197، اللمع ص15، التمهيد ص87، البرهان 1/323، المحصول ج1 ق2/518، شرح تنقيح الفصول ص180، شرح الورقات ص101، مختصر البعلي ص107، مختصر الطوفي ص98، الروضة 2/221، إرشاد الفحول ص119، العدة 2/484.
3 الآية 35 من الأحزاب.
4 في ض: أو.
5 الآية 11 من النساء، وفي ب ض ع تنتهي الآية عند {أَوْلادِكُمْ} وانظر: المسودة ص111.
6 الآية 23 من النساء.
7 هو قول الشيخ أبي هاشم الجبائي المعتزلي، خلافاً للشيخ أبي علي الجبائي، وهناك أقوال أخرى تفصل بين حالات وحالات.
"انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/410 وما بعدها، المعتمد 1/240، 242، المستصفى 2/37".
(3/130)

وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فِي التَّشَهُّدِ. "فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ: فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ 1.
وَعَلَى هَذَا الأَصَحُّ: أَنَّ أَفْرَادَهُ آحَادٌ فِي الإِثْبَاتِ وَغَيْرِهِ. وَعَلَيْهِ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} 2 أَيْ كُلَّ مُحْسِنٍ وقَوْله تَعَالَى: {فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ} 3 أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ مِنْهُ، نَحْوَ جَاءَ الرِّجَالُ إلاَّ زَيْدًا4.
وَقِيلَ: إنَّ أَفْرَادَهُ جُمُوعٌ، وَكَوْنُهُ فِي الآيَاتِ آحَادٌ بِدَلالَةِ الْقَرِينَةِ5.
"وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "اسْمُ جِنْسٍ مُعَرَّفٍ تَعْرِيفَ جِنْسٍ" وَهُوَ مَا لا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ6كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهَا7، حَمْلاً لِلتَّعْرِيفِ عَلَى فَائِدَةٍ لَمْ تَكُنْ، وَهُوَ تَعْرِيفُ جَمِيعِ الْجِنْسِ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ كَالْجَمْعِ، وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} 8
__________
1 انظر: صحيح البخاري 1/150، صحيح مسلم 1/302، مسند أحمد 1/382.
وسبق تخريج هذا الحديث بنصه الكامل تفصيلاً في "المجلد الثاني ص442".
2 الآية 134 من آل عمران.
3 الآية 8 من القلم.
4 انظر تفصيل الأدلة في "جمع الجوامع والمحلي عليه 1/411، المعتمد 1/240".
5 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/411 وما بعدها.
6 انظر: نهاية السول 2/79، المعتمد 1/207، الإحكام للآمدي 2/197، المحصول ج1 ق2/518، شرح تنقيح الفصول ص180، كشف الأسرار 2/14، التلويح على التوضيح 1/242، فواتح الرحموت 1/260، أصول السرخسي 1/154، 160، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/102، الروضة 2/221، مختصر البعلي ص107، مختصر الطوفي ص98، اللمع ص15، العدة 2/484، 519 وما بعدها.
7 في ض: ونحوهما.
8 الآيتان 2، 3 من العصر.
(3/131)

وَ "لا" يَعُمُّ "مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ" اتِّفَاقًا1.وَذَلِكَ كَسَبْقِ تَنْكِيرٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} 2 لأَنَّهُ يَصْرِفُهُ إلَى ذَلِكَ فَلا يَعُمُّ إذَا عُرِفَ وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} 3 وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} 4.
"وَيَعُمُّ مَعَ جَهْلِهَا" أَيْ جَهْلِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ تَقْيِيدَ الْعُمُومِ بِانْتِفَاءِ الْعَهْدِ يَقْتَضِي أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الاسْتِغْرَاقُ. وَلِهَذَا احْتَاجَ الْعَهْدُ إلَى قَرِينَةٍ فِيمَا5 احْتَمَلَ الْعَهْدَ وَالاسْتِغْرَاقَ، لانْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَمَحْمُولٌ6 عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ الاسْتِغْرَاقُ لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ7.
وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعَهْدِ8.
وَقِيلَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلاً احْتِمَالاً عَلَى السَّوَاءِ9.
"وَإِنْ عَارَضَ الاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوْ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ لَمْ يَعُمَّ" وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الطَّلاقُ10 يَلْزَمُنِي لا أَفْعَلُ كَذَا، وَ11حَنِثَ، فَإِنَّهُ لا يَقَعُ
__________
1 انظر هذه المسألة في "المسودة ص105، الروضة 2/230، نزهة الخاطر 2/134، التبصرة ص115، نهاية السول 2/79".
2 الآيتان 15، 16 من المزمل.
3 الآية 27 من الفرقان.
4 الآية 36 من آل عمران.
5 في ش ز: فيما.
6 في ض ع: محمول.
7 انظر: المسودة ص105، الروضة 2/230.
8 انظر: التمهيد ص89.
9 انظر: المسودة ص105، الروضة 2/230.
10 في ض: إن الطلاق.
11 في ش: لو، وفي ز: أو.
(3/132)

عَلَيْهِ إلاَّ وَاحِدَةٌ: لأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لا يَعْتَقِدُونَهُ1 ثَلاثًا2، وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ3 فِي الأَجْنَاسِ. لِلاسْتِغْرَاقِ. وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلاثًا، وَلا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ إلاَّ وَاحِدَةً. فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي ظَنِّهِمْ وَاحِدَةٌ، فَلا يُرِيدُونَ إلاَّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِمْ. فَيَصِيرُ كَأَنَّهُمْ نَوَوْا وَاحِدَةً، وَلأَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ فِي أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ4 تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الاسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا. كَقَوْلِهِمْ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاقِ، وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلاقَ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَلا يُفْهَمُ مِنْهُ الاسْتِغْرَاقُ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَلا يُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ إلاَّ بِنِيَّةٍ صَارِفَةٍ إلَيْهِ. قَالَهُ5 فِي الْمُغْنِي6.
وَهَذَا7 الأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَعُمُّ فَتَطْلُقُ ثَلاثًا.
وَنَحْوَ: وَاَللَّهِ لا أَشْتَرِي8 الْعَبِيدَ يَحْنَثُ بِوَاحِدٍ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ9.
"وَ"مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ10 أَيْضًا "مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِلامٍ غَيْرِ عَهْدِيَّةٍ لَفْظًا" كَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْحُرِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاء11ِ
__________
1 في ض: يعتمدونه.
2 في ش ز: ثلاثة
3 ساقطة من ش ز ع.
4. في د: أشياء، وفي ض: الأسماء.
5. في د ض ب: قال.
6 انظر: المغني 7/484، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص169.
7 في ب: أصح الروايتين عند.
8. في ب: اشتريت.
9 انظر: المغني 7/484، القواعد والفوائد الأصولية ص196.
10 في ب: العمومات.
11 وهو قول الشافعي والإمام أحمد وابن برهان وأبي الطيب والبويطي، ونقله الآمدي عن الأكثرين، ونقله الفخر الرازي عن الفقهاء والمبرد، وهو قول أبي علي الجبائي، وصحح البيضاوي وابن الحاجب، وخالف فيه الفخر الرازي مطلقاً، واختلف النقل عن أبي هاشم، وفصل إمام الحرمين والغزالي كما سيذكره المصنف.
"انظر: جمع الجوامع 1/214، تيسير التحرير 1/209، المستصفى 2/37، 89، المحصول ج1 ق2/602، المعتمد 1/244، كشف الأسرار 2/14، التلويح على التوضيح 1/240، التمهيد ص94، فتح الغفار 1/104، المنخول ص144، التبصرة ص115، شرح الورقات ص100، مختصر البعلي ص107، المسودة ص105، الروضة 2/221، مختصر الطوفي ص98، القواعد والفوائد الأصولية ص194، نهاية السول 2/80، العدة 2/485، 591".
(3/133)

قَالَ الشَّافِعِيُّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فِي الرِّسَالَةِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي1 وَنَحْوَهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ.
وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ3 الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ4 بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الزِّنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلِوُقُوعِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ، وَهُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} 5 - الآيَةَ6.
وَأَيْضًا فَيُوصَفُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} 7 وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْجِنْسَ لا الاسْتِغْرَاقَ فَلا يَعُمُّ8.
__________
1 الآية 2 من النور.
2 الرسالة ص67، وانظر: نهاية السول 2/80.
3 في ض ع ب: تزل.
4 في ز ض ع ب: تستدل.
5 الآية 19 من المعارج.
6 ساقطة من ش، وفي د: الآيات.
7 الآية 31 من النور.
8 وهذا قول الإمام فخر الدين الرازي والمنقول عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي.
"انظر: المحصول ج1 ق2/599، المعتمد1/244، جمع الجوامع 1/412، المستصفى 2/37، التمهيد ص94".
(3/134)

وَقِيلَ: هُوَ مُجْمَلٌ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلأَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ1.
وَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ إنْ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ وَاحِدُهُ بِالتَّاءِ، وَلَكِنْ لا يَتَشَخَّصُ لَهُ وَاحِدٌ، وَلا يَتَعَدَّدُ. كَالذَّهَبِ وَالْعَسَلِ، بِخِلافِ مَا يَتَشَخَّصُ مَدْلُولُهُ. كَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالرَّجُلِ2.
وَقِيلَ بِالْفَرْقِ فِيمَا إذَا3 دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أَلْ" بَيْنَ مَا فِيهِ تَاءُ التَّأْنِيثِ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَحْدَةِ4 كَضَرْبَةٍ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وَالْجِنْسِ، بِخِلافِ مَا لا هَاءَ فِيهِ كَرَجُلٍ؛ أَوْ فِيهِ وَ5بُنِيَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ: كَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ. فَالْمُقْتَرِنُ بِـ"أَلْ" مِنْ ذَلِكَ عَامٌّ6.
وَعَلَى الأَوَّلِ -الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ عُمُومَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: عُمُومُ الْمُفْرَدِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلْ غَيْرُ عُمُومِ الْجَمْعِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ "أَلْ" فَالأَوَّلُ: يَعُمُّ الْمُفْرَدَاتِ. وَالثَّانِي: يَعُمُّ الْجُمُوعَ؛ لأَنَّ أَلْ تَعُمُّ أَفْرَادَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ. وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ7.
__________
1 انظر: المستصفى 2/37.
2 وهذا قول إمام الحرمين والغزالي رحمهما الله تعالى.
" انظر: البرهان 1/339 وما بعدها، المستصفى 2/53، المنخول ص144، جمع الجوامع 1/412 وما بعدها".
3 ساقطة من ب.
4 في ز ع ض ب: توحيده.
5 ساقطة من ض، ومكانها: هاء، وساقطة من ب.
6 وهذا رأي الغزالي.
"انظر: المستصفى 2/53، جمع الجوامع 1/412 وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص181".
7 انظر: نهاية السول 2/79.
(3/135)

وَفَائِدَةُ هَذَا: تَعَذُّرُ الاسْتِدْلالِ بِالْجَمْعِ عَلَى مُفْرَدٍ فِي حَالَةِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ؛ لأَنَّ الْعُمُومَ وَارِدٌ عَلَى أَفْرَادِ الْجُمُوعِ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِجَمْعٍ.
"وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا "مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ" كَعَبْدِك وَامْرَأَتِك عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ، تَبَعًا لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَ1حَكَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الأَكْثَرِ2.وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} 3.
"وَ"مِنْ صِيَغِهِ أَيْضًا "نَكِرَةٌ فِي نَفْيٍ 4، وَ" كَذَا فِي "نَهْيٍ" لأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ5.صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ النَّكِرَةَ، نَحْوَ: مَا أَحَدٌ قَائِمًا، أَوْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ فِيهَا. نَحْوَ: مَا قَامَ أَحَدٌ. أَوْ كَانَتْ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَمْ يُبَاشِرْهَا، نَحْوَ لَيْسَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ6.
__________
1 ساقطة من ب.
2 وخالف في ذلك الحنفية والشافعية.
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/413، نهاية السول 2/80، الروضة 2/221، مختصر البعلي ص108، مختصر الطوفي ص98، القواعد والفوائد الأصولية ص200".
3 الآية 34 من إبراهيم.
4 انظر هذه المسألة في "المستصفى 2/90، الإحكام للآمدي 2/197، البرهان 1/323، 337، المحصول ج1 ق2/518، 563، جمع الجوامع 1/413، نهاية السول 2/80، المعتمد 1/207، المنخول ص146، مختصر ابن الحاجب 2/102، تيسير التحرير 1/219، أصول السرخسي 1/160، فتح الغفار 1/100، شرح تنقيح الفصول ص181، كشف الأسرار 2/12، فواتح الرحموت 1/260، شرح الورقات ص104، مختصر البعلي ص108، المسودة ص101، الروضة 2/222، مختصر الطوفي ص98، إرشاد الفحول ص119، القواعد والفوائد الأصولية ص201، اللمع ص15، التمهيد ص90".
5 انظر: المسودة ص101.
6 انظر: نهاية السول 2/80، شرح تنقيح الفصول ص184، 195، التمهيد ص90، القواعد والفوائد الأصولية ص201.
(3/136)

وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي أَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ1.وَهُوَ. مَخْصُومٌ2 بِقَوْله تَعَالَى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} 3 رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ4 {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} 5 لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمَا حَصَلَ بِهِ الرَّدُّ6.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ نَحْوُ7: قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 8 وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ} 9 {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} 10 {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} 11 {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} 12.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَإِنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ "وَضْعًا" بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْمُطَابِقَةِ13.
__________
1 انظر: الروضة 2/29، شرح تنقيح الفصول ص182.
2 في ض: مخصوص.
3 الآية 91 من الأنعام.
4 ساقطة من ض.
5 الآية 91 من الأنعام.
6 انظر: المحصول ج1 ق2/583 وما بعدها
7 ساقطة من ش ز.
8 الآيتان 23، 24 من الكهف.
9 الآية 81 من طه.
10 الآية 32 من الإسراء.
11 الآية 151 من الأنعام.
12 الآية 188 من البقرة.
13 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه والبناني 1/413، نزهة الخاطر 2/125، مختصر الطوفي ص99.
(3/137)

وَقِيلَ: إنَّ عُمُومَهَا1 لُزُومًا، بِمَعْنَى أَنَّ نَفْيَ فَرْدٍ مِنْهُمْ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ الأَفْرَادِ ضَرُورَةً2.
وَالأَوَّلُ: اخْتِيَارُ الْقَرَافِيُّ 3َ مَنْ وَافَقَهُ.
وَالثَّانِي: اخْتِيَارُ السُّبْكِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ4.
وَيُؤَيِّدُ الأَوَّلَ: صِحَّةُ الاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ بِالاتِّفَاقِ. فَدَلَّ عَلَى تَنَاوُلِهَا5 لِكُلِّ فَرْدٍ6.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَلالَةَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عَلَى الْعُمُومِ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ يَكُونُ "نَصًّا" وَصُورَتُهُ: مَا إذَا بُنِيَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ عَلَى الْفَتْحِ لِتَرَكُّبِهَا مَعَ لا7. نَحْوَ: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ8.
"وَ" قِسْمٌ يَكُونُ "ظَاهِرًا" وَصُورَتُهُ: مَا إذَا لَمْ تُبْنَ النَّكِرَةُ مَعَ لا. نَحْوَ: لا فِي الدَّارِ رَجُلٌ بِالرَّفْعِ؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: بَعْدَهُ، بَلْ9 رَجُلانِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَصًّا. فَإِنْ زِيدَ فِيهَا "مَنْ" كَانَتْ نَصًّا أَيْضًا10
__________
1 في ب: عمومها.
2 انظر: فواتح الرحموت 1/261، جمع الجوامع والبناني عليه 1/413.
3 ساقطة من ض.
4 وهو قول الحنفية والسبكي الكبير.
5 في ب: تناولهما.
6 انظر: فواتح الرحموت 1/261.
7 ساقطة من ض.
8 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/414، شرح تنقيح الفصول ص182، فتح الغفار 1/100، فواتح الرحموت 1/260.
9 ساقطة من ض ب.
10 وقيل: إنها لا تعم في هذه الحالة.
"انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/414، نهاية السول 2/80، فتح الغفار 1/100، شرح تنقيح الفصول ص182، 194، فواتح الرحموت 1/260، التمهيد ص90".
(3/138)

"وَ" مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا النَّكِرَةُ "فِي" سِيَاقِ "إثْبَاتٍ لامْتِنَانٍ" مَأْخُوذُ ذَلِكَ1 مِنْ اسْتِدْلالِ أَصْحَابِنَا إذَا حَلَفَ لا يَأْكُلُ فَاكِهَةً يَحْنَثُ بِأَكْلِ2 التَّمْرِ وَالرُّمَّانِ لِقَوْله تَعَالَى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} 3 قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ4، وَذَكَرَ5 جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فِي أَوَائِلِ تَعْلِيقِهِ6 فِي الْكَلامِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} 7 وَجَرَى عَلَيْهِ8 الزَّمْلَكَانِيُّ9 فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ. وَقَطَعَ
__________
1 ساقطة من ض.
2 في: يأكل، وفي ب: بأكله.
3 الآية 68 من الرحمن.
4 القواعد والفوائد الأصولية ص204، وانظر: التمهيد ص93.
5 في ش ز ع: وذكره.
6 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص204.
7 الآية 48 من الفرقان.
8 ساقطة من ش.
9 وهو محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، كمال الدين الزملكاني، ابن خطيب زملكا، ويعرف بابن الزملكاني، الفقيه الأصولي المناظر القاضي، منسوب إلى زملكا قرية في غوطة دمشق الشرقية، طلب الحديث وقرأ الأصول والنحو بدمشق، ثم ولي قضاء حلب، قال ابن كثير: "انتهت إليه رئاسة المذهب تدريساً وإفتاء ومناظرة، وبرع وساد أقرانه" وقال الذهبي: "شيخنا عالم العصر، وكان من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، درس وأفتى وصنف، وتخرج به الأصحاب"، ومن مصنفاته: "الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيادة" و "تفضيل البشر على الملائكة" و "شرح منهاج الطالبين" غير كامل، و"البرهان في إعجاز القران"، طلبه السلطان ليوليه قضاء القضاء في دمشق فمرض في الطريق، ومات بمدينة بلبيس من أعمال مصر سنة 727هـ، وحمل إلى القاهرة، ودفن بجوار تربة الإمام الشافعي.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 9/190، الدرر الكامنة 4/192، شذرات الذهب 6/78، البدر الطالع 2/494، حسن المحاضرة 1/320، البداية والنهاية 14/131، كشف الظنون 1/241، البرهان في علوم القرآن 2/95".
(3/139)

بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ وَشَرْحِهَا1.
قِيلَ: وَالْقَوْلُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلامِ2 الْبَيَانِيِّينَ فِي تَنْكِيرِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ. أَنَّهُ يَكُونُ لِلتَّكْثِير3ِ. نَحْوَ إنَّ لَهُ لإٍبِلاً، وَإِنَّ لَهُ لَغَنَمًا. وَعَلَيْهِ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ لَنَا لأَجْرًا} 4 وَكَذَا قَرَّرَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} 5.
"وَ" كَذَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ "اسْتِفْهَامٍ إنْكَارِيٍّ" قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. لأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ مُسَوِّغَاتِ الابْتِدَاءِ وَصَاحِبِ الْحَالِ. وَ6فِي بَابِ الاسْتِثْنَاءِ، وَفِي الْوَصْفِ الْمُبْتَدَإِ الْمُسْتَغْنَى بِمَرْفُوعِهِ عَنْ خَبَرِهِ7 عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ النَّفْيَ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ. نَحْوَ هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} 8 {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} 9 فَإِنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ كُلِّهِ، لأَنَّ الإِنْكَارَ هُوَ حَقِيقَةُ النَّفْيِ
__________
1 خالف الجماعة في ذلك، منهم الغزالي، فقال في "المنخول ص146": "وفي الإثبات تشعر بالتخصيص، وهو قول الحنفية وأبي هاشم المعتزلي، وفرق الرازي بين النكرة في الإثبات إذا كانت خبراً فلا تعم، وإذا كانت أمراً فالأكثرون على أنها للعموم.
"انظر: المعتمد 1/246، كشف الأسرار 2/12، 24، فتح الغفار 1/101، المحصول ج1 ق2/564، المستصفى 2/37، 90، التمهيد ص93".
2 في ض ع ب: قول.
3 في ب: للتنكير.
4 الآية 41 من الشعراء، وانظر: الكشاف 3/112.
5 الآية 12 من الغاشية، وانظر: الكشاف 3/247.
6 ساقطة من ع.
7 في ش ز ع ض ب: خبر.
8 الآية 98 من مريم.
9 الآية 65 من مريم.
(3/140)

"وَ" كَذَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ "شَرْطٍ" فَإِنَّهَا تَعُمُّ1 نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} 2 {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ} 3 وَمَنْ يَأْتِينِي بِأَسِيرٍ فَلَهُ دِينَارٌ4. يَعُمُّ كُلَّ أَسِيرٍ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ5. وَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ6، وَوَافَقَهُ. الإِبْيَارِيُّ7 فِي شَرْحِهِ8، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ: لا أَكَلْت وَإِنْ أَكَلْت9.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ10 الْمُرَادَ الْعُمُومُ الْبَدَلِيُّ لا الْعُمُومُ11 الشُّمُولِيُّ12
__________
1 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/414، نهاية السول 2/81، التلويح على التوضيح 1/246، البرهان 1/337، مختصر ابن الحاجب 2/117، التمهيد ص92، تيسير التحرير 1/219، مختصر البعلي ص108، المسودة ص103، القواعد والفوائد الأصولية ص204.
2 الآية 46 من فصلت.
3 الآية 6 من التوبة.
4 في ض ب: درهم.
5 ساقطة من ض ع.
6 ساقطة من ض، وانظر: البرهان 1/323.
7 في ش ض ز ع ب: الأنباري، وكذا في القواعد والفوائد الأصولية، وهو تصحيف يقع كثيراً في كتب الأصول، ولذلك نبه عليه المحققون كما مر في ترجمته "المجلد الثاني ص544" وهو علي بن إسماعيل بن عطية أبو الحسن الأبياري، شارح كتاب "البرهان"، ونقل الإسنوي رأيه في هذه المسألة "نهاية السول 2/81" وصحح نسبه في هامش نسخة ع.
8 وصرح بهذا الرأي أبو البركات ابن تيمية.
"انظر: المسودة ص102، مختصر البعلي ص108".
9 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/117، نهاية السول 2/81، القواعد والفوائد الأصولية ص204، التمهيد ص93، الإحكام للآمدي 2/251.
10 ساقطة من ض.
11 ساقطة من ش ز ع ض.
12 قال بهذا الرأي ابن السبكي، ثم قال شارحه المحلي: "أقول: وقد تكون للشمول نحو {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} التوبة/6، أي كل واحد منم" "جمع الجوامع والمحلي عليه 1/414".
(3/141)

"وَلا يَعُمُّ جَمْعٌ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُضَافٍ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالأَكْثَرِ1؛ لأَنَّهُ لَوْ قَالَ: اضْرِبْ رِجَالاً، امْتَثَلَ بِضَرْبِ أَقَلِّ الْجَمْعِ، أَوْ2 لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ، قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ، لأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَهُ نَكِرَةً، وَلَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ نَكِرَةً لِمُغَايَرَةِ مَعْنَى النَّكِرَةِ لِمَعْنَى الْعُمُومِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْعَامِّ، وَلأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى أَقَلِّ3 الْجَمْعِ، وَعَلَى مَا زَادَ مَرْتَبَةٌ بَعْدَ أُخْرَى إلَى مَا لا يَتَنَاهَى، وَإِذَا كَانَ مَدْلُولُ النَّكِرَةِ أَعَمَّ مِنْ هَذَا وَمِنْ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ، فَالأَعَمُّ لا يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ. وَعُمُومُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عُمُومِ بَدَلٍ لا شُمُولٍ4.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَجْهًا بِالْعُمُومِ5. وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ6 وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ7
__________
1 انظر هذه المسألة في "التوضيح على التنقيح 1/168، فواتح الرحموت 1/268، تيسير التحرير 1/205، المحصول ج1 ق2/614، البرهان 1/336، التبصرة ص118، جمع الجوامع والحلي عليه 1/419، نهاية السول 2/84، شرح تنقيح الفصول ص191، مختصر ابن الحاجب 2/104، المسودة ص106، مختصر البعلي ص108، التمهيد ص89، القواعد والفوائد الأصولية ص238، إرشاد الفحول 123، العدة 2/523".
2 في ش ز ب: و.
3 في ش: الأقل.
4 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/104، جمع الجوامع 1/419، نهاية السول 2/84، المحصول ج1 ق2/615، تيسير التحرير 1/205.
5 في ب: في العموم.
6 ساقطة من ب.
7 قال الإسنوي: "والجمهور على أنه لا يعم" "التمهيد ص85"، وكذا قاله الآمدي "الإحكام 2/197"، وهو قول فخر الإسلام البردوي من الحنفية.
"انظر: المحصول ج1 ق2/614، فواتح الرحموت 1/268، تيسير التحرير 1/205، المحلي على جمع الجوامع 1/419، التبصرة ص118، نهاية السول 2/84، القواعد والفوائد الأصولية ص228، مختصر البعلي ص108، العدة 2/523، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/104، إرشاد الفحول ص123، شرح تنقيح الفصول ص191".
(3/142)

"وَ"عَلَى الأَوَّلِ "يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ جَمْعٍ1".
وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى مَجْمُوعِ الأَفْرَادِ مِنْ دَلالَةِ الْكُلِّ عَلَى الأَجْزَاءِ2.
وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ3.
قَالَ ابْنُ4 الْعِرَاقِيِّ: قُلْت: وَكَلامُ الْجُمْهُورِ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ مَحْمُولٌ عَلَى جُمُوعِ الْقِلَّةِ، لِنَصِّهِمْ عَلَى أَنَّ جُمُوعَ الْكَثْرَةِ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ أَحَدَ عَشَرَ فَمَا فَوْقَهَا5.وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ يَقْبَلُ تَفْسِيرَ الإِقْرَارِ بِدَرَاهِمَ بِثَلاثَةٍ، مَعَ أَنَّ دَرَاهِمَ6 جَمْعُ كَثْرَةٍ. وَكَأَنَّهُمْ جَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ7.انْتَهَى
__________
1 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/419، نهاية السول 2/84، التمهيد ص89، تيسير التحرير 1/206، العدة 2/523، المحصول ج1 ق2/614، مختصر ابن الحاجب 2/104، القواعد والفوائد الأصولية ص228.
2 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/419.
3 انظر: العدة 2/524.
4 ساقطة من ض ب.
5 في ض ع ب: ويخالف.
6 في ع: الدراهم.
7 قال الإسنوي: "واعلم أنه لا فرق عند الأصوليين والفقهاء بجمع القلة كأفلس أو بجمع الكثرة كفلوس، على خلاف طريقة النحويين" "التمهيد ص90"، جاء في "فواتح الرحموت 1/271": "فائدة: لا فرق عند قوم من الفقهاء وأهل الأصول بين جمع القلة وبين جمع الكثرة، وإن صرح به النحاة".
"وانظر: المحلي على جمع الجوامع 1/419، البناني على جمع الجوامع 1/420 وما بعدها، نهاية السول 2/84، شرح تنقيح الفصول ص191، أصول السرخسي 1/151، البرهان 1/355، فواتح الرحموت 1/268".
(3/143)

"وَهُوَ" أَيْ أَقَلُّ الْجَمْعِ "ثَلاثَةٌ حَقِيقَةً" قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَذَكَرَهُ1 ابْنُ بُرْهَانٍ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ قَاطِبَةً. وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ. وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ2.
وَقَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَالْغَزَالِيُّ3 وَابْنُ الْمَاجِشُونِ4، وَالْبَلْخِيُّ5
__________
1 في ش: وذكر.
2 انظر هذه المسألة في "كشف الأسرار 2/28، التلويح على التوضيح 1/227، 229، فواتح الرحموت 1/269، تيسير التحرير 1/207، أصول السرخسي 1/151، فتح الغفار 1/108، البرهان 1/348، المحصول ج1 ق2/606، نهاية السول 2/101، شرح تنقيح الفصول ص233، الإحكام لابن حزم 1/391، منهاج العقول 2/97، الإحكام للآمدي 2/222، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/419، التبصرة ص127، المنخول ص148، المعتمد 1/248، اللمع ص15، الروضة 2/231، العدة 2/649، مختصر البعلي ص109، مختصر الطوفي ص101، نزهة الخاطر 2/137، القواعد والفوائد الأصولية ص238، إرشاد الفحول ص124".
3 ينتهي السقط في نسخة ش، والذي طبع ملحقاً.
4 هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، القرشي التيمي مولاهم، المدني، أبو مروان، الفقيه المالكي، تفقه على الإمام مالك وأبيه عبد العزيز، وتعلم الأدب من خؤولته من كلب البادية، ودارت عليه الفتيا وعلى أبيه من قبل، وأضر في أخر عمره، وكان يناظر الإمام الشافعي على مستوى عالٍ فلا بعرف الناس ما يقولان، وكان يسمع الغناء، قال يحيى بن أكثم: "كان مجراً لا تدركه الدلاء". توفي سنة 212هـ وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الديباج المذهب ص153 الطبعة الأولى، الانتقاء ص57، طبقات الفقهاء للشيرازي ص148، ترتيب المدارك 1/360 وما بعدها، الخلاصة 2/178 مطبعة الفجالة الجديدة، وفيات الأعيان 2/240، الأعلام 4/305، ميزان الاعتدال 2/658".
5 في ش ض ع ب: الباجي، والأعلى من ز، ونص عليه الشيرازي في "التبصرة ص106"، وجاء في "المسودة ص89": "وقال محمد بن شجاع البلخي وأبو هاشم وجماعة المعتزلة: يحمل لفظ الجمع على الثلاثة، ويوقف فيما زاد"، ونقل ابن قدامة مثل ذلك عن محمد بن شجاع الثلجي. "انظر: الروضة 2/223" وتقدمت ترجمة الاثنين.
(3/144)

وَابْنُ دَاوُد1، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى النَّحْوِيُّ2، وَنِفْطَوَيْهِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: اثْنَانِ حَقِيقَةً, وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا3،
__________
1 هو محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، أبو بكر، كان فقيهاً أديباً مناظراً ظريفاً شاعراً، وكان يناظر أبا العباس ابن سريج، وهو إمام ابن إمام، وجلس مكان والده بعد وفاته في الحلقة والتدريس وهو صغير السن حتى استصغره الناس، وله تصانيف كثيرة منها: "الوصول إلى معرفة الأصول" و "الانذار" و "الاعذار" والانتصار" على محمد بن جرير وغيره، و"الزهرة" في الأدب، و "اختلاف مسائل الصحابة"، وهو ابن داود الظاهري، توفي أبو بكر سنة297 هـ.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/390، تذكرة الحفاظ 2/660، تاريخ بغداد 5/256، طبقات الفقهاء للشيرازي ص175، النجوم الزاهرة 3/171".
وترجم لابن داود في هامش "الإحكام للآمدي 2/81" بأنه موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله الخالقاني 218هـ، بينما نص على اسمه الشوكاني وغيره.
"انظر: إرشاد الفحول ص124، مختصر البعلي ص45، 109، الروضة 2/231، التبصرة ص127".
2 هو علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي، النحوي، بغدادي المنزل، شيرازي الأصل، درس ببغداد الأدب على أبي سعيد السيرافي، وخرج إلى شيراز فدرس النحو على أبي علي الفارسي عشرين سنة حتى أتقنه، ثم عاد إلى بغداد ويقي فيها إلى أخر عمره، وله تصانيف كثيرة في النحو، منها: "شرح مختصر الجرمي" و "البديع" و "شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي، وغيرها، توفي سنة 420 هـ ببغداد.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 3/425، إنباه الرواة 2/297، تاريخ بغداد 12/17، شذرات الذهب 3/216، النجوم الزاهرة 4/271، بغية الوعاة 2/112، البداية والنهاية 12/27".
3 وفي المسألة أقوال أخرى، ولكل قولٍ دليله.
"انظر: العدة 2/650، التبصرة ص127، الروضة 2/231، منهاج العقول 2/97، الإحكام لابن حزم 1/391، البرهان 1/349، المحصول ج1 ق2/223، كشف الأسرار 2/82، التلويح على التوضيح 1/227، 229، فواتح الرحموت 1/269، الإحكام للآمدي 2/222، نهاية السول 2/101، تيسير التحرير 1/207، أصول السرخسي 1/51، نزهة الخاطر 2/138، المحلي على جمع الجوامع 1/419، شرح تنقيح الفصول ص233، مختصر الطوفي ص101، مختصر البعلي ص109، القواعد والفوائد الأصولية ص238، إرشاد الفحول ص123، المنخول ص148، المعتمد 1/248، المستصفى 2/91، اللمع ص215".
(3/145)

وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِسَبْقِ الثَّلاثَةِ عِنْدَ الإِطْلاقِ. وَلا يَصِحُّ نَفْيُ الصِّيغَةِ عَنْهَا, وَهُمَا دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ. وَالْمُثَنَّى بِالْعَكْسِ1.
رَوَى2 الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ3 -مُحْتَجًّا بِهِ- وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ4 عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عنْهُ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ "إنَّ الأَخَوَيْنِ لا يَرُدَّانِ الأُمَّ إلَى السُّدُسِ. إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ} 5 وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسَا بِإِخْوَةٍ, فَقَالَ عُثْمَانُ: لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ، وَمَضَى فِي الأَمْصَارِ6".
__________
1 انظر: مزيداً من أدلة القول الأول: "أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة" في "الروضة 2/231 وما بعدها، التبصرة ص128، المستصفى 2/91 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/270، نهاية السول 2/101، المحصول ج1 ق2/606 وما بعدها، البرهان 1/351، أصول السرخسي 1/152، الإحكام للآمدي 2/225، العدة 2/651، مختصر الطوفي 101".
2 في ع ب: وروى.
3 انظر: السنن الكبرى للبيهقي 6/227ن المحلي لابن حزم 9/258.
وأخرج أثر ابن عباس الحاكم في "المستدرك 4/335" وصححه، ووافقه الذهبي، ولكن تعقبه ابن حجر في "التلخيص الحبير 3/85".
4 في ع ب: ذؤيب.
وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، أبو الحارث القرشي العامري المدني، أحد الأئمة الأعلام، صاح الإمام مالك، قال أحمد عنه: "يشبه بابن المسيب، وهو أصلح وأورع وأقوم بالحق من مالك" وهو من عباد المدينة وقرائهم وفقهائهم، توفي بالكوفة سنة 159 هـ.
انظر ترجمته في "الخلاصة 2/431 مطبعة الفجالة الجديدة، وفيات الأعيان 3/323، طبقات الفقهاء للشيرازي ص67، مشاهير علماء الأمصار ص140، البداية والنهاية 10/131".
5 الآية 11 من النساء.
6 في ز: الأعصار.
(3/146)

قَالَ أَحْمَدُ فِي شُعْبَةَ1: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ضَعِيفٌ, وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ2.
وَلَمَّا حَجَبَ الْقَوْمُ الأُمَّ بِالأَخَوَيْنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الآيَةَ قَصَدَتْ الأَخَوَيْنِ فَمَا فَوْقَ3، وَهَذَا دَلِيلُ صِحَّةِ الإِطْلاقِ مَجَازًا, وَدَلِيلُ الْقَائِلِ حَقِيقَةً هَذِهِ الآيَةُ. وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ4.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ "يُسَمَّى الأَخَوَانِ إخْوَةٌ5".
رُدَّ6 بِمَا سَبَقَ, وَإِنْ صَحَّ قَوْلُ زَيْدٍ -فَإِنَّ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي الزِّنَادِ7،
__________
1 في ش: شعبة مولى ابن عباس عنه.
2 ساقطة من ز ض ع ب: ثم كتبت بعد سطر.
قال ابن كثير: "وفي صحة هذا الأثر نظر، لآن في سنن الحديث شعبة مولى ابن عباس، وقد تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان صحيحاً عنه لذهب إليه أصحاب ابن عباس رضي الله عنه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه" "تفسير ابن كثير 1/459 ط الحلبي".
"وانظر: ميزان الاعتدال 2/274، يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/256".
3 في ز ع ض: الزيادة التي سقطت قبل السطر.
4 احتج الجمهور بقول ابن عباس رضي الله عنه بأن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولذلك اعترض على عثمان رضي الله عنه، وأقره عثمان على ذلك، واستدلوا على صحة إطلاق الجمع على الاثنين مجازاً بالإجماع الذي ذكره عثمان رضي الله عنه، وذلك بحمل اللفظ على خلاف الظاهر بالإجماع، فدل على صحته، وأنه ليس حقيقة، وإنما مجازاً، وهو ما بينه المصنف في الصفحة التالية.
"انظر: نزهة الخاطر 2/139، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/105، نهاية السول 2/103، منهاج العقول 2/99، تيسير التحرير 1/207، الإحكام للآمدي 2/23، 225، التلويح على التوضيح 1/229، فواتح الرحموت 1/270، اللمع ص15، إرشاد الفحول ص124، العدة 2/651".
5 انظر: التبصرة ص123، تيسير التحرير 1/207، العدة 2/652.
6 في ش: ور.
7 هو عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، المدني القرشي مولاهم، أبو محمد، قال الذهبي: "أحد العلماء الكبار، وأخير المحدثين لهشام بن عروة"، وكان فقيهاً مفتياً، وكان من الحفاظ المكثرين، ولي خراج المدينة، وقدم بغداد، ولقي رجال أبيه، ولم يحدث عنهم حتى مات أبوه، وروى له أصحاب السنن، توفي ببغداد سنة174 هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص106، الخلاصة ص227، ميزان الاعتدال 2/575، شذرات الذهب 1/284، المعارف ص465، يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/347".
(3/147)

مُخْتَلَفٌ فِيهِ1 -فَمُرَادُهُ: مَجَازًا وَفِي حَجْبِ الأُمِّ2.
قَالُوا {إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} 3 لِمُوسَى وَهَارُونَ4.
رُدَّ5، وَمَنْ آمَنَ مِنْ قَوْمِهِمَا، أَوْ6 وَفِرْعَوْنُ أَيْضًا7.
قَالُوا {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 8.
رَدَّ الطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةَ لُغَةً, وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّائِفَةُ: الْوَاحِدُ فَمَا
__________
1 قال يحيى بن معين: "وابن أبي الزناد" لا يحتج بحديثه وقال أيضاً: "ماحدث بالمدينة فهو صحيح"، وقال يعقوب بن شيبة عنه: "ثقة صدوق فيه ضعف"، وقال ابن عدي: "بعض ما يرويه لا يتابع عليه"، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ووثقه مالك، وضعفه النسائي، وقال الذهبي: "وقد مشاه جماعة وعدلوه، وكان من الحفاظ المكثرين".
"انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/347، ميزان الاعتدال 2/576، الخلاصة ص227".
2 انظر: التبصرة ص129، كشف الأسرار 2/28، فواتح الرحموت 1/270، العدة 2/652.
3 الآية 15 من الشعراء.
4 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/105، المحصول ج1 ق2/611، فواتح الرحموت 1/270، إرشاد الفحول ص124، العدة 2/655.
5 ساقطة من ب.
6 ساقطة من ب.
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/105، المحصول ج1 ق2/611، فواتح الرحموت 1/270، العدة 2/655، إرشاد الفحول ص124.
8 الآية 9 من الحجرات.
(3/148)

فَوْقَهُ, 1نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} 2 فَإِنْ صَحَّ فَمَجَازٌ. وَلا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْجَمْعِ، وَلِهَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ3. وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، كَالْخَصْمِ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ؛ لأَنَّهُ فِي الأَصْلِ مَصْدَرٌ4.
قَالُوا {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} 5.
رُدَّ6 الضَّمِيرُ لِلْقَوْمِ، أَوْ لَهُمْ وَلِلْحَاكِمِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِمَعْنَى الأَمْرِ؛ لأَنَّهُ لا يُضَافُ الْمَصْدَرُ إلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ معا7.
قَالُوا: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ" 8
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 الآية 2 من النور.
3 الصحاح 4/1397، وانظر: المستصفى 2/94.
4 انظر: كشف الأسرار 2/5، التوضيح على التنقيح 1/233، الإحكام لابن حزم 1/395، العدة 2/653.
5 الآية 78 من الأنبياء.
6 في ش ع ز ض ب: و.
7 ساقطة من.
وانظر: التبصرة ص129 وما بعدها، المعتمد 1/248، المستصفى 2/92، الإحكام للآمدي 2/222، شرح تنقيح الفصول ص235، نهاية السول 2/102، أصول السرخسي 1/152، المحصول ج1 ق2/607، 610، فواتح الرحموت 1/270، منهاج العقول 2/98.
8 هذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم والدارقطني عن أبي أمامة وأبي موسى رضي الله عنهما مرفوعاً، وبوب له البخاري.
انظر: مسند أحمد 5/254، سنن ابن ماجه 1/312، فيض القدير 1/148، صحيح البخاري بحاشية السندي 1/83 المطبعة العثمانية، المستدرك4/334، سنن الدارقطني 1/280".
وانظر احتجاج علماء الأصول بهذا الحديث، وتوجههم له في "العضد على ابن الحاجب 2/105، التبصرة ص130، المعتمد 1/448، المحصول ج1 ق2/608، كشف الأسرار 2/28، الإحكام لابن حزم 1/391، منهاج العقول 2/99، شرح تنقيح الفصول ص236، فتح الغفار 1/109، نهاية السول 2/103، إرشاد الفحول ص124، العدة 2/657".
(3/149)

رُدَّ خَبَرٌ ضَعِيفٌ1.ثُمَّ الْمُرَادُ فِي2 الْفَضِيلَةِ، لِتَعْرِيفِهِ الشَّرْعَ لا اللُّغَةَ3.
وَعَلَى الأَوَّلِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَبُو الْمَعَالِي: يَصِحُّ إطْلاقُ الْجَمْعِ عَلَى الاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ مَجَازًا4وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَد
__________
1 جاء في زوائد ابن ماجه: ربيع وولده ضعيفان، وقال القسطلاني في "شرح البخاري": "طرقة كلها ضعيفة"، ونقل العجلوني عن صاحب "التمييز" قال عنه: "ضعيف" ثم قال: "ولعله أراد باعتبار ذاته"، وقال السيوطي: حسن لغيره، وقال الحافظ ابن حجر: "الربيع بن بدر ضعيف، وأبوه مجهول"، ولكن قد وردت أحاديث كثيرة تؤكد صحة هذا المعنى، وهو عنوان عند البخاري قال: "باب: أثنان فما فوقهما جماعة" وذكر حديث مالك بن الحويرث مرفوعاً: "إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما " ووردت أحاديث كثيرة تفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى جماعة مع شخص آخر، أو مع إحدى نسائه.
"انظر: كشف الخفا 1/47، صحيح البخاري 1/121، تخريج أحاديث البردوي ص72، التلخيص الحبير 3/81، فيض القدير 1/149، سنن النسائي 2/81، سنن ابن ماجه 1/312، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص291".
2 في ب: بـ.
3 وضح ذلك الطوفي فقال: "والاثنان جماعة في حصول الفضيلة حكماً لا لفظاً، إذ الشارع يبين الأحكام لا اللغات" "مختصر الطوفي ص101"، وقال العضد بعد بيان رده على دليل المخالفين: "واعلم أن هذا الدليل، وإن سلم، فليس في محل النزاع لما مر انه ليس النزاع في ج م ع، وإنما النزاع في صيغ الجمع" "العضد على ابن الحاجب 2/106".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/223، أصول السرخسي 1/151 وما بعدها، فتح الغفار 1/109، مختصر الطوفي ص102، العضد على ابن الحاجب 2/105،شرح تنقيح الفصول ص236، منهاج العقول 2/99، كشف الأسرار 2/29، 30، المحصول ج1 ق2/613، فواتح الرحموت 1/271، التلويح على التوضيح 1/227، الإحكام لابن حزم 1/391، الروضة 2/232، القواعد والفوائد الأصولية ص239، العدة 2/658، نهاية السول 2/103، إرشاد الفحول ص124، التبصرة ص130، المعتمد 1/248".
4 ذكر ابن الحاجب في المسألة أربعة أقوال: الأول: لا يصح، ثانيها: يصح حقيقة، ثالثها: يصح مجازاً، رابعها: يصح حق على الواحد، ثم بين العضد أدلة كل قول، وقال ابن السبكي: "والأصح أنه يصدق على الواحد مجازاً".
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/105 وما بعدها، جمع الجوامع 1/420، نهاية السول 2/101، البرهان 1/354، فواتح الرحموت 1/269، تيسير التحرير 1/208، المعتمد 248، العدة 2/654، منهاج العقول 2/98، إرشاد الفحول ص124".
(3/150)

جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} 1 وَمَثَّلَهُ ابْنُ فَارِسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} 2 فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرْسَلِينَ: سُلَيْمَانُ3 أَوْ الْهُدْهُدُ4 وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لاحْتِمَالِ إرَادَتِهَا الْجَيْشَ.
وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ الزَّوْجِ لامْرَأَتِهِ - وَقَدْ رَآهَا تَتَصَدَّى لِنَاظِرِيهَا5-: تَتَبَرَّجِينَ لِلرِّجَالِ؟ وَلَمْ يَرَ إلاَّ وَاحِدًا. فَإِنَّ الأَنَفَةَ مِنْ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهَا الْجَمْعُ وَالْوَاحِدُ6.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْجَمْعَ، لِظَنِّهِ أَنَّهَا لَمْ 7تَتَبَرَّجْ لِهَذَا الْوَاحِدِ إلاَّ وَقَدْ تَبَرَّجَتْ لِغَيْرِهِ8.
"وَالْمُرَادُ" بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلافِ "غَيْرُ لَفْظِ جَمْعٍ" الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَالْعَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الاثْنَيْنِ9، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ؛ لأَنَّ مَدْلُولَهُ: ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ10
__________
1 الآية 173 من آل عمران. وكلمة "فاخشوهم" ساقطة من ش ض ع ب.
2 الآية 35 من النمل.
3 في ض: سليمان بن داود.
4 ساقطة من ش، وفي ب: والهدهد.
5 في ش ز ع: لناظريها، وفي ب: لناظرٍ.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/421، البرهان 1/353، تيسير التحرير 1/207.
7 في ب: لا.
8 انظر أدلة إطلاق الجمع على الاثنين مجازاً في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/105، المحلي والبناني على جمع الجوامع 1/421، البرهان 1/353، التلويح على التوضيح 1/229وما بعدها".
9 في ب: اثنين.
10 انظر: الإحكام للآمدي 2/222، منهاج العقول 2/99، شرح تنقيح الفصول ص233 نهاية السول 2/103 فتح الغفار 1/109، العضد على ابن الحاجب 2/105، نزهة الخاطر 2/138، القواعد والفوائد الأصولية ص238، العدة 2/658، التمهيد ص90، فواتح الرحموت 1/270، إرشاد الفحول ص123.
(3/151)

"وَ" غَيْرُ "نَحْنُ، وَ1قُلْنَا، وَقُلُوبُكُمَا" وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، بَلْ هُوَ وِفَاقٌ2.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ الْخِلافُ فِي {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} 3 لأَنَّ قَاعِدَةَ.4: أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ أُضِيفَا إلَى مُتَضَمِّنِهِمَا يَجُوزُ فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: الْجَمْعُ5 عَلَى الأَصَحِّ6، نَحْوَ قَطَعْت رُؤوسَ7 الْكَبْشَيْنِ، ثُمَّ الإِفْرَادُ كَرَأْسِ الْكَبْشَيْنِ، ثُمَّ التَّثْنِيَةُ كَرَأْسَيْ الْكَبْشَيْنِ. وَإِنَّمَا رَجَحَ الْجَمْعُ اسْتِثْقَالاً، لِتَوَالِي دَالَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّثْنِيَةُ وَتَضَمُّنُ الْجَمْعِ الْعَدَدَ، بِخِلافِ مَا لَوْ أُفْرِدَ8.انْتَهَى.
وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلافُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لاسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ لُغَةً. وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي نَحْوِ "رِجَالٌ وَمُسْلِمِينَ "وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ9.
__________
1 ساقطة من ض.
2 انظر: التلويح على التوضيح 1/227، الإحكام لابن حزم 1/392، نهاية السول 2/102، المستصفى 2/92، البرهان 1/350، المحصول ج1 ق2/611، كشف الأسرار 2/32، العضد على ابن الحاجب 2/105، نزهة الخاطر 2/137، مختصر الطوفي ص101، القواعد والفوائد الأصولية ص239، العدة 2/654، منهاج العقول 2/98، إرشاد الفحول 123.
3 الآية 4 من التحريم
4 في ش: اللغات.
5 في ش: للجمع.
6 في ض ع: الأفصح.
7 في ش: رأس.
8 انظر: نزهة الخاطر 2/137-138، العدة 2/654، المحلي على جمع الجوامع 1/419، المحصول ج1 ق2/611، فواتح الرحموت 1/270، مناهج العقول 2/98، 99، نهاية السول 2/103.
9 انظر: المنخول ص149، فواتح الرحموت 1/270، الإحكام لابن حزم 1/392، نهاية السول 2/103، فتح الغفار 1/109، العدة 2/654.
(3/152)

"وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ صَلاةٍ ثَلاثَةٌ" قَالَهُ الأَصْحَابُ، مَا عَدَا ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكَلِ، وَصَاحِبِ الْبُلْغَةِ1 فِيهَا. وَاخْتَارَهُ مِنْ النُّحَاةِ الزَّجَّاجُ2.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ لَفْظَ "جَمْعٍ" كَلَفْظِ "جَمَاعَةٍ"3.
"وَمِعْيَارُ الْعُمُومِ: صِحَّةُ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ بِقَبُولِهِ4 الاسْتِثْنَاءَ مِنْهُ5، فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجٌ مَا لَوْلاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَوَجَبَ6 أَنْ تَكُونَ كُلُّ الأَفْرَادِ وَاجِبَةَ الانْدِرَاجِ. وَهَذَا مَعْنَى الْعُمُومِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ7 الْعَدَدَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ8، فَأَجَابَ: بِأَنَّا لَمْ نَقُلْ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٌّ. بَلْ قُلْنَا: كُلُّ عَامٍّ يَقْبَلُ الاسْتِثْنَاءَ. فَمِنْ أَيْنَ الْعَكْسُ9؟
__________
1 البلغة في الفقه للحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الربعي البغدادي المتوفي سنة 631 هـ "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص206".
ويوجد كتاب "البلغة في الفروع" للشيخ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوقي سنة 597 هـ، و"البلغة" لأبي البقاء عبد الحسين العكبري المتوفى سنة 538هـ "أنظر: كشف الظنون 1/202".
2 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص239.
3 في ع: الجماعة.
أي أقل الجماعة في غير الصلاة ثلاثة، وقال ابن الجوزي وغيره: إن أقلها اثنان، وهذا ما ذكره البعلي ثم قال: "واستشكل القرافي محل النزاع في هذه المسألة" "القواعد والفوائد الأصولية ص229".
4 في ز: بقوله، وفي ض: هو بقبوله، وفي ب: بقبول.
5 انظر: جمع الجوامع والمحلي والبناني عليه 1/417، نهاية السول 2/82، مختصر البعلي ص109.
6 في ض: فلزم.
7 جمع الجوامع 1/417.
8 انظر: البناني على جمع الجوامع 1/417.
9 انظر: البناني على جمع الجوامع 1/417.
(3/153)

قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مِعْيَارَ الشَّيْءِ مَا يَسَعُهُ وَحْدَهُ. فَإِذَا وَسِعَ غَيْرَهُ مَعَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِعْيَارَهُ1فَاللَّفْظُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الاسْتِثْنَاءِ بِالْعُمُومِ انْتَهَى.
وَبَقِيَتْ2 مَسَائِلُ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ.
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَامًّا بِالْعُرْفِ أَوْ بِالْعَقْلِ3.
فَالأَوَّلُ فِي ثَلاثِ4 أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: فَحْوَى الْخِطَابِ5.
وَالثَّانِي 6: لَحْنُ الْخِطَابِ.
فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى شَيْءٍ، وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُسَاوٍ لَهُ7. فِيهِ أَوْ8 أَوْلَى نَحْوُ. قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} 9 {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 10"وَيَأْتِي11 بَيَانُ الْقِسْمَيْنِ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ12.
__________
1 في ض ب: معياراً.
2 في ع: وبقية.
3 انظر: الموافقات 3/189 وما بعدها، المحصول ج1 ق2/516، 519، جمع الجوامع 1/414، المسودة ص49، العدة 2/547، مباحث الكتاب والسنة ص150.
4 في ش ز ض ب: ثلاث.
5 ساقطة من ض.
6 في ب: والثانية.
7 ساقطة من ش.
8 في ض ب: و.
9 الآية 10 من النساء.
10 الآية 23 من الإسراء.
11 في ش: وبه يأتي.
12 صفحة 481 وما بعدها من هذا المجلد.
(3/154)

وَحِكَايَةُ الْخِلافِ فِي الْفَحْوَى أَنَّهُ. دَلَّ عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ قِيَاسًا، أَوْ 1نَقَلَ عُرْفًا أَوْ2 مَجَازًا بِالْقَرِينَةِ، أَوْ دَلَّ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ3.
وَالثَّالِثِ: مَا نِسْبَةُ4 الْحُكْمِ فِيهِ لِذَاتٍ. وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ فِي الْمَعْنَى بِفِعْلٍ اقْتَضَاهُ الْكَلامُ، نَحْوُ. قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} 5 {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} 6 فَإِنَّ الْعُرْفَ الأَوَّلَ7 نَقَلَهُ إلَى تَحْرِيمِ الأَكْلِ عَلَى الْعُمُومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ إلَى جَمِيعِ الاسْتِمْتَاعَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ النِّسَاءِ، فَيَشْمَلُ الْوَطْءَ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّرُ الْوَطْءَ فَقَطْ8، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْعَامُّ بِالْعَقْلِ. وَذَلِكَ فِي ثَلاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ، نَحْوُ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِلإِسْكَارِ9 فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ، وَالْعَقْلُ يَحْكُمُ بِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ يُوجَدُ الْمَعْلُولُ، وَكُلَّمَا انْتَفَتْ يَنْتَفِي10.
__________
1 في ب: و.
2 في ب: و.
3 انظر: المعتمد 1/208، 209.
4 في ش: نسبة.
5 الآية 3 من المائدة.
6 الآية 23 من النساء.
7 في ش ز: الأولى.
8 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/415، نهاية السول 2/81، المعتمد 1/207، المحصول ج1 ق2/519، التبصرة ص201، إرشاد الفحول ص131، مباحث الكتاب والسنة ص150، 151.
9 في ش: على الإسكار.
10 انظر: نهاية السول 2/81، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/415، 425، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/119، المعتمد 1/108، المحصول ج1 ق2/519، فواتح الرحموت 1/285، تيسير التحرير 1/259، إرشاد الفحول ص135، مباحث الكتاب والسنة ص150.
(3/155)

فَهَذَا الْقِسْمُ لَمْ يَدُلَّ بِاللُّغَةِ، لأَنَّهُ لا مَنْطُوقَ فِيهِ بِصِيغَةِ عُمُومٍ1، وَلا بِالْمَفْهُومِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَلا بِالْعُرْفِ لِعَدَمِ الاشْتِهَارِ2. فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الْعَقْلُ3.
وَإِذَا قُلْنَا: بِأَنَّ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 4 مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ يَكُونُ مِنْ الْعَامِّ عَقْلاً5.
نَعَمْ6 تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ7 عُمُومِ الْعِلَّةِ عَقْلاً، لَكِنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ الشَّرْعِ فَالْحُكْمُ فِي عُمُومِهِ8 لِكُلِّ مَا فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ الَّتِي وَقَعَ الْقِيَاسُ بِهَا شَرْعِيٌّ9.
وَقِيلَ: الْحُكْمُ فِي عُمُومِهِ10 لُغَوِيٌّ 11.
وَقِيلَ: لا يَعُمُّ شَرْعًا وَلا لُغَةً12.
__________
1 في ض: عمومه.
2 في ض: الاستشهاد.
3 انظر: نهاية السول 2/81.
4 الآية 23 من الإسراء.
5 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/425، تيسير التحرير 1/259، مباحث الكتاب والسنة ص151.
6 في ش: يعم.
7 ساقطة من ض، وفي ش ز ع: من حيث.
8 في ض: عموم.
9 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/119، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/425، تيسير التحرير 1/259.
10 في ض: عموم.
11 وهو قول النظام. "انظر: فواتح الرحموت 1/285، تيسير التحرير 1/259، العضد على ابن الحاجب 2/119، المحلي على جمع الجوامع 1/425، إرشاد الفحول ص135".
12 وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني: "انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/119، فواتح الرحموت 1/285، تيسير التحرير 1/259، إرشاد الفحول ص135".
(3/156)

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ "زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ 1 وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا" 2 فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ شَهِيدٍ شَرْعًا3.
وَالثَّانِي: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ4 الْقَائِلِ5 بِهِ6، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" 7 فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ8 عَلَى أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ عُمُومًا لا يَكُونُ ظُلْمًا9.
__________
1 في ع: بكلوهم.
2 هذا الحديث رواه البخاري والنسائي والترمذي وأحمد والشافعي والطبراني والحاكم والديلمي عن عبد الله بن ثعلبة وجابر وأنس رضي الله عنهم مرفوعاً بألفاظ مختلفة.
"انظر: صحيح البخاري 3/19 المطبعة العثمانية، سنن النسائي 4/64، تحفة الأحوذي 4/126، مسند أحمد 5/431، المستدرك 1/366، بدائع المنن 1/210، فيض القدير 4/65، نيل الأوطار 4/32".
3 ساقطة من ش.
وانظر: المستصفى 2/68، العضد على ابن الحاجب 2/119.
4 في ش: ولا.
5 في ز ش: قائل.
6 ويسمى عند الشافعية: دليل الخطاب. "انظر: المحصول ج1 ق2/520، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/416".
7 هذا طرف من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/58، صحيح مسلم 3/1197، سنن أبي داود 2/222، مختصر سنن أبي داود 5/17، تحفة الأحوذي 4/535، سنن النسائي 7/278، سنن ابن ماجه 2/803، مسند أحمد 2/71، 245، 254، الموطأ ص418 ط الشعب، فيض القدير 5/523، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص289".
8 في ش ع ض ب: بمفهومه يدل.
9 خلافا للغزالي. "انظر: المستصفى 2/70، المحصول ج1 ق2/520، المحلي على جمع الجوامع 1/416".
(3/157)

وَالثَّالِثُ: إذَا وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالِ1، كَمَا لَوْ2 سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ أَفْطَرَ؟ فَقَالَ "عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ" 3 فَيُعْلَمُ أَنَّهُ يَعُمُّ4 كُلَّ مُفْطِرٍ5.
"فَائِدَةٌ:"
"سَائِرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى بَاقِيهِ"
وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَذَلِكَ لأَنَّهَا مِنْ "أَسْأَرَ" بِمَعْنَى أَبْقَى، فَهُوَ6 مِنْ السُّؤْرِ، وَهُوَ الْبَقِيَّةُ، فَلا يَعُمُّ7
__________
1 في ش: بالسؤال.
2 ساقطة من ض ب.
3 هذا الحديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بألفاظ وصيغ مختلفة.
"انظر: صحيح البخاري 1/331، صحيح مسلم 2/781، مختصر سنن أبي داود 3/268، تحفة الأحوذي 3/418، سنن ابن ماجه 1/534، مسند أحمد 2/241".
4 ساقطة من ز.
5 اختلف العلماء في هذه المسألة، وقد لخص أقوالهم الترمذي فقال: "وأما من أفطر متعمداً من أكل وشرب، فإن أهل العلم قد اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: عليه القضاء والكفارة، وشبهوا الأكل والشرب بالجماع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق، وقال بعضهم: عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأنه إنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة في الجماع، ولم يذكر عنه في الأكل والشرب، وقالوا: لا يشبه الأكل والشرب الجماع، وهو قول الشافعي وأحمد"، "تحفة الأحوذي 3/418".
"وانظر: المعتمد 1/208، المنخول ص150، المحصول ج1 ق2/520، المغني 3/130".
6 في ب: فهي.
7 وهو قول القاضي عبد الوهاب المالكي، وقال الإسنوي: " وهو الصحيح، للحديث: "وفارق سائرهن" أي باقيهن".
"انظر نهاية السول 2/78، شرح تنقيح الفصول ص190، مختصر البعلي ص190".
(3/158)

وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ1، لأَنَّهَا مِنْ سُوَرِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا. وَغَلَّطُوهُ2.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ فِي شَرْحِ سِيبَوَيْهِ، وَالْجَوَالِيقِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ، وَابْنُ بَرِّيٍّ3 وَغَيْرُهُمْ، وَأَوْرَدُوا لَهُ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً.
وَمِمَّنْ عَدَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، وَغَيْرِهِ. وَلَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: لا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَهُوَ لِلْعُمُومِ الْمُطْلَقِ. وَالْعُمُومُ4 الْبَاقِي بِحَسَبِ الاسْتِعْمَالِ.
__________
1 قال الجوهري: "وسائر الناس جميعهم" "الصحاح 2/692".
"وانظر: كشف الأسرار 1/110".
2 انظر: نهاية السول 2/78، شرح تنقيح الفصول ص190.
3 وهو عبد الله بن بري بن عبد الجبار بن بري، المقدسي الأصل، المصري، أبو محمد المعروف بابن البري، الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية، قال ابن خلكان: "كان علامة عصره، وحافظ وقته، ونادرة دهره"، نشأ بمصر، وقرأ العربية على مشايخها، وأتقنها، وبدأ بالتدريس والتأليف، وقصده الطلبة من الآفاق، قال القفطي: "وكان جم الفوائد، كثير الاطلاع، عالماً بكتاب سيبويه، وعللهن وكانت كتبه في غاية الصحة والجودة"، ولي رئاسة الديوان المصري، ومن مؤلفاته: "الرد على ابن الخشاب"، انتصر فيه للحريري، و"غلط الضعفاء في الفقهاء" و "شرح شواهد الإيضاح" و "حواش على صحاح الجوهري" استدرك عليه مواضع كثيرة، و"حواش على درة الغواص" للحريري، توفي سنة882 هـ.
انظر ترجمته في "إنباه الرواة 2/110، وفيات الأعيان 2/292، حسن المحاضرة 1/533، شذرات الذهب 4/273، مرآة الجنان 3/424، بغية الوعاة 2/34، الأعلام للزركلي 4/200، النجوم الزاهرة 6/103، طبقات الشافعية الكبرى 7/121".
4 في ش ز: العموم.
(3/159)

فصل العام بعد تخصيصه:
"الْعَامِّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ حَقِيقَةً" فِيمَا لَمْ, يَخُصَّ1 عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا, وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ, قَالَ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ2, وَذَلِكَ لأَنَّ3 الْعَامَّ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُطَابِقَةٍ لأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ مِنْهَا4 فَسَقَطَ بِالتَّخْصِيصِ طِبْقَ مَا خُصِّصَ بِهِ مِنْ الْمَعْنَى, فَالْبَاقِي مِنْهَا وَمِنْ الْمَدْلُولِ مُتَطَابِقَانِ5 تَقْدِيرًا، فَلا اسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَلا مَجَازَ، فَالتَّنَاوُلُ6 بَاقٍ7، فَكَانَ8 حَقِيقَةً قَبْلَهُ، فَكَذَا بَعْدَهُ9.
__________
1 في ش ز ع: يخصص.
2 وهو رأي كثير من الحنفية كشمس الأئمة السرخسي.
"انظر: كشف الأسرار 1/307، المستصفى 2/54، الإحكام للآمدي 2/227، أصول السرخسي 1/144، المحصول ج1 ق3/18، البرهان 1/410، نهاية السول 2/105، شرح تنقيح الفصول ص226، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/5، مختصر ابن الحاجب 2/106، التبصرة ص122، منهاج العقول 2/104، مختصر البعلي ص109، المسودة ص116، الروضة 2/239، العدة 2/533، اللمع ص18، فواتح الرحموت 1/311، إرشاد الفحول ص135".
3 في ش ز: أن.
4 في ش: مها فقط.
5 في ش: مدلولها متطابقان، وفي د: المدلول متطابقات.
6 في ش: فالتأويل.
7 في ع: باقياً.
8 في ض ع ب: وكان.
9 انظر أدلة هذا القول ومناقشتها في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/107، التبصرة ص123، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/5، المنخول ص153، الإحكام للآمدي 2/230، نهاية السول 2/105 وما بعدها، المعتمد 1/282 وما بعدها، منهاج العقول 2/104، الإحكام لابن حزم 1/373، كشف الأسرار 1/307، تيسير التحرير 1/308، فواتح الرحموت 1/312، اللمع ص18، إرشاد الفحول ص153، العدة 2/523 وما بعدها".
(3/160)

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ: يَكُونُ مَجَازًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ, وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، لأَنَّهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حَقِيقَةٌ فِي الاسْتِغْرَاقِ, فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِ بَعْدُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَرِينَةٍ، وَيَحْصُلُ الاشْتِرَاكُ1.
وَجُمْلَةُ الأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِيَةٌ، تَرَكْنَا بَاقِيَهَا خَشْيَةَ الإِطَالَةِ2.
"وَهُوَ" -أَيْ الْعَامُّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ- "حُجَّةٌ إنْ خُصَّ بِمُبَيِّنٍ" 3 أَيْ بِمَعْلُومٍ, أَوْ اسْتِثْنَاءٍ4 بِمَعْلُومٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ
__________
1 واختار هذا القول الجويني والقرافي ورجحه الآمدي وكثير من الحنفية كعيسى بن إبان وغيره، ومال إليه الغزالي، قال المجد: "ومعنى كونه مجازاً معنى في الاقتصار به على البعض الباقي لا في تناوله له" "المسودة ص116".
وانظر تفصيل هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "فواتح الرحموت 1/311، العدة 2/535، المحصول ج1 ق3/18، البرهان 1/411، المنخول ص153، المستصفى 2/58، الإحكام للآمدي 2/227، اللمع ص18، التبصرة ص122، 124، مختصر ابن الحاجب 2/106، المعتمد 1/282، الروضة 2/239، مختصر البعلي ص109، شرح تنقيح الفصول ص226، إرشاد الفحول ص135، المسودة ص115".
2 انظر هذا الأقوال في "الإحكام للآمدي 2/227، نهاية السول 2/105، العضد على ابن الحاجب 2/106، التبصرة ص122، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/6، المستصفى 2/54 وما بعدها، البرهان 1/410 وما بعدها، المعتمد 1/182 وما بعدها، المحصول ج1 ق3/19، منهاج العقول 2/104، فواتح الرحموت 1/311، كشف الأسرار 1/307، أصول السرخسي 1/144، تيسير التحرير 1/308، العدة 2/538، المسودة ص116، الروضة 2/239، مختصر البعلي ص109، اللمع ص1/18، الإحكام للآمدي 2/277، إرشاد الفحول ص136".
3 كذا في ش ز ض، وكذا في مختصر البعلي وابن الحاجب، وفي د: بمعين، وكذا في جمع الجوامع ونهاية السول، وفي المستصفى: بمعلوم.
4 في ش: واستثناء.
(3/161)

وَالأَكْثَرِ1, وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ2.
وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ3.هُوَ الَّذِي صَحَّ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ, لَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ4 قَطْعًا، بِخِلافِ مَا قَبْلَ التَّخْصِيصِ5. اهـ.
وَقِيلَ: حُجَّةٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، لا فِيمَا زَادَ, حَكَاهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ تَحَكُّمٌ6.
وَقِيلَ: حُجَّةٌ فِي وَاحِدٍ، وَلا يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي جَمْعٍ7.
__________
1 وهذا قول الشافعية، واختاره الجويني والفخر الرازي وغيرهما.
"انظر: المحصول ج1 ق3/22، 23، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/108، 109، المستصفى 2/57، التبصرة ص187، جمع الجوامع 2/7، التمهيد ص125، نهاية السول 2/109، شرح تنقيح الفصول ص227، المعتمد 1/286، أصول السرخسي 1/144، فتح الغفار 1/90، كشف الأسرار 1/307، تيسير التحرير 1/313، المسودة ص116، مختصر البعلي ص109، مختصر الطوفي ص104، نزهة الخاطر 2/150، الروضة 2/238، إرشاد الفحول ص137".
2 ذكره الآمدي عن الفقهاء ثم اختاره ورجحه وذكر أدلته "انظر: الإحكام للآمدي 2/232، 233 وما بعدها".
3 في ش: الدبوسوي.
4 في ض ب: للعام.
5 هذا ما صححه السرخسي وغيره، وانظر أدلة هذا القول في "أصول السرخسي 1/144، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/108، 109، التبصرة ص188 وما بعدها، المحصول ج1 ق3/23 وما بعدها".
6 أي أنه حجة في أقل الجمع، وهو ثلاثة أو اثنان، لأنه المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، لاحتمال أن يكون قد خصص، فيكون الاحتجاج به تحكما بغير دليل.
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/7، المستصفى 2/57، العضد على ابن الحاجب 2/109، تيسير التحرير 1/313، الإحكام للآمدي 2/233، فواتح الرحموت 1/308، مختصر البعلي ص109، إرشاد الفحول ص137، 138، مختصر الطوفي ص104".
7 انظر: إرشاد الفحول ص137.
(3/162)

وَقِيلَ: حُجَّةٌ إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ، وَإِنْ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ فَمُجْمَلٌ فِي الْبَاقِي1.
وَ 2 قِيلَ: إنْ كَانَ الْعُمُومُ مُنْبِئًا عَنْهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 3 فَهُوَ حُجَّةٌ، فَإِنَّهُ يُنْبِئُ4 عَنْ الْحَرْبِيِّ كَمَا يُنْبِئُ5 عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْبِئًا6 فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 7 فَإِنَّهُ لا يُنْبِئُ عَنْ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ, فَإِذَا انْتَهَى الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ عِنْدَ وُجُودِهِمَا8.
وَفِيهِ أَقْوَالٌ يَطُولُ الْكَلامُ بِذِكْرِهَا9.
__________
1 وهذا قول أبي الحسن الكرخي والبلخي وغيرهما.
"انظر: مختصر ابن الحاجب 2/108، الإحكام للآمدي 2/232، التبصرة ص187، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/7، نهاية السول 2/109، شرح تنقيح الفصول ص227، المحصول ج1 ق3/23، فواتح الرحموت 1/308، مختصر الطوفي ص105، إرشاد الفحول ص138".
2 ساقطة من ش.
3 الآية 5 من التوبة.
4 5 في ش: ينهى.
5 في ش: ينهى.
6 في ب: منبئاً له.
7 الآية 37 من المائدة.
8 وهذا قول أبي عبد الله البصري.
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/108، 109، الإحكام للآمدي 2/232، تيسير التحرير 1/313، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/7، المعتمد 1/286، التبصرة ص188".
9 انظر هذه الأقوال في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/108، العدة 2/539، المستصفى 2/56، الإحكام للآمدي 2/232، مختصر البعلي ص110، المسودة ص116، الروضة 2/238، مختصر الطوفي ص104، كشف الأسرار 1/307، التبصرة ص187، أصول السرخسي 1/144 وما بعدها، فتح الغفار 1/90 وما بعدها، تيسير التحرير 1/313، فواتح الرحموت 1/308، نهاية السول 2/109، شرح تنقيح الفصول 2/227، المعتمد 1/286، جمع الجوامع 2/7، إرشاد الفحول ص138".
(3/163)

وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ1 خُصَّ بِمُبَيِّنٍ2 أَنَّهُ لَوْ خُصَّ بِمَجْهُولٍ3 كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 4.إلاَّ5 بَعْضَهُمْ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً اتِّفَاقًا. قَالَهُ جَمْعٌ وَهُوَ ظَاهِرُ6 تَقْيِيدِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِمَا7.
وَ8مَحَلُّ الْخِلافِ بِالْمُخَصَّصِ بِمُعَيَّنٍ9، فَلا يُسْتَدَلُّ بِـ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 10 إلاَّ بَعْضَهُمْ بِقَتْلِ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ، إذْ مَا مِنْ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ11 إلاَّ و12َيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْرَجُ13.وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} 14
__________
1 في ز: وإن.
2 قال السبكي والإسنوي: "بمعين" "انظر: جمع الجوامع 2/7، نهاية السول 2/107".
3 قال العضد والتفتازاني: "أما المخصص بمجمل أي مبهم غير معين.. فليس بحجةٍ بالاتفاق" "العضد والتفتازاني على ابن الحاجب 2/108" وانظر: منهاج العقول 2/106.
4 الآية 5 من التوبة.
5 في ش: لا.
6 ساقطة من ض ب.
7 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/108، نهاية السول 2/107 وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع 2/7، المحصول ج1 ق3/23، المنخول ص153، المستصفى 2/57، الإحكام للآمدي 2/233، أصول السرخسي 1/144، التمهيد ص125، المعتمد 1/287، فواتح الرحموت 1/308، إرشاد الفحول ص137.
8 ساقطة من ز ض ب.
9 في ش ز ع: بمعنى.
10 الآية 5 من التوبة.
11 ساقطة من ز ض ع ب.
12 ساقطة من ش ب.
13 انظر: التمهيد ص125، نهاية السول 2/108، وسيأتي الكلام عن ذلك صفحة 418.
14 الآية 1 من المائدة.
(3/164)

وَ 1 قِيلَ: يَكُونُ حُجَّةً أَيْضًا. وَقَدَّمَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَعَزَاهُ إلَى الأَكْثَرِ2.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ بُرْهَانٍ. وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ. انْتَهَى.
"وَعُمُومُهُ" أَيْ عُمُومُ3 مَا خُصَّ بِمُبَيِّنٍ "مُرَادٌ تَنَاوُلاً، لا حُكْمًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لأَفْرَادِهِ، لا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ, "وَقَرِينَتُهُ لَفْظِيَّةٌ وَ4قَدْ تَنْفَكُّ" عَنْهُ5.
"وَالْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ, كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ6 وَمِنْ ثَمَّ كَانَ7" هَذَا "مَجَازًا" لِنَقْلِ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الأَصْلِيِّ، بِخِلافِ مَا قَبْلَهُ
__________
1 ساقطة من ز.
2 واختلف آراء الحنفية إلى عدة أقوال أهمها اثنان، فقال الكرخي: لا يبقى العام حجة أصلاً، سواء كان المخصص معلوماً أو مجهولاً، وفصل غيره بينهما، قال السرخسي: "والصحيح عندي أن المذهب عند علمائنا رحمهم الله في العام إذا لحقه خصوص يبقى حجة فيما وراء المخصوص، سواء كان المخصوص مجهولاً أو معلوماً" "أصول السرخسي 1/144"، وقال البردوي مثل ذلك تماماً "انظر: كشف الأسرار 1/308"، لكن قال ابن نجيم: "وهو باق في المعلوم لا المجمل، وبهذا ضعف ما ذهب إليه المصنف "النسفي صاحب المنار" تبعاً لفخر الإسلام، وهو إن كان هو المختار عندنا كما في التلويح، لكنه ضعيف من جهة الدليل، فالظاهر هو مذهب الجمهور، وهو أنه كان مخصوصاً بمجمل فليس بحجة ... وبمعلوم حجة" "فتح الغفار 1/90".
"وانظر: كشف الأسرار 1/307، تيسير التحرير 1/313، فواتح الرحموت 1/308، إرشاد الفحول ص137، جمع الجوامع 2/6".
3 في ز: وعموم.
4 ساقطة من ش ز.
5 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 2/5.
6 في ش: كأن يعمل في جزء شيء.
7 القوسان ساقطان من ش.
(3/165)

"وَقَرِينَتُهُ عَقْلِيَّةٌ لا تَنْفَكُّ" عَنْهُ1
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ دَلالَةَ الأَوَّلِ2 أَعَمُّ مِنْ دَلالَةِ الثَّانِي.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَهُوَ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الْبَابِ3.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّ4 الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ: مَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَقَلَّ. وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ هُوَ الأَكْثَرُ.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ5: وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ: لأَنَّ6 الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الأَكْثَرُ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ: هُوَ الأَقَلُّ7.
وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّ8 إرَادَةَ مَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، ثُمَّ خُصَّ بِتَأَخُّرٍ أَوْ تَقَارُنٍ9.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَجِبُ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. فَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ أَعَمُّ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. أَلا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ بِاللَّفْظِ أَوَّلاً مَا دَلَّ
__________
1 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 2/5.
2 في ب: أهم من الثاني.
3 انظر الفرق بينهما في "جمع الجوامع 2/5، إرشاد الفحول ص40، مباحث الكتاب والسنة ص208، تفسير النصوص 2/105".
4 في ز ع ب: أن.
5 في ز ض ع ب: ابن أبي هريرة.
6 في ش: أن.
7 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص195، جمع الجوامع 2/5.
8 ساقطة من ض.
9 وضح البعلي هذا الوجه الثاني فقال: "إن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به" "القواعد والفوائد الأصولية ص195".
(3/166)

عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ مِنْ الْعُمُومِ، ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ: كَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَلَمْ يَكُنْ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ؟ وَيُقَالُ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي أَخْرَجَ. وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ إذَا قَصَدَ الْعُمُومَ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ1 أَنْ لا يَقْصِدَ الْخُصُوصَ، بِخِلافِ مَا إذَا نَطَقَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ مُرِيدًا بِهِ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ2 فِي هَذَا. اهـ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَحَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ: أَنَّ الْعَامَّ إذَا قُصِرَ عَلَى بَعْضِهِ، لَهُ ثَلاثُ حَالاتٍ:
الأُولَى 3: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِي الابْتِدَاءِ خَاصٌّ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ خَاصٌّ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُرَادَ بِهِ عَامٌّ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْضُهُ، فَهَذَا نَسْخٌ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ لا يَقْصِدَ بِهِ خَاصٌّ وَلا عَامٌّ فِي الابْتِدَاءِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ أَمْرٌ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّهُ4 لَمْ يُرِدْ بِهِ فِي الابْتِدَاءِ عُمُومَهُ، فَهَذَا هُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ. وَلِهَذَا كَانَ التَّخْصِيصُ عِنْدَنَا بَيَانًا، لا نَسْخًا. إلاَّ إنْ أَخْرَجَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ، فَيَكُونُ نَسْخًا، لأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعُمُومَ أُرِيدَ بِهِ فِي5 الابْتِدَاءِ. اهـ.
وَفَرَّقَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ أُرِيدَ عُمُومُهُ وَشُمُولُهُ لِجَمِيعِ الأَفْرَادِ مِنْ جِهَةِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهَا، لا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَاَلَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ لَمْ يُرَدْ شُمُولُهُ لِجَمِيعِ الأَفْرَادِ لا مِنْ جِهَةِ التَّنَاوُلِ وَلا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ6 بَلْ هُوَ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي
__________
1 في ش: بين.
2 في ع: يتناوله.
3 في ب: الأول.
4 ساقطة من ب.
5 في ش: به.
6 ساقطة من ش.
(3/167)

جُزْئِيٍّ، وَلِهَذَا كَانَ مَجَازًا قَطْعًا، لِنَقْلِ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الأَصْلِيِّ، بِخِلافِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ1
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ الْبُلْقِينِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَرِينَةَ الْمَخْصُوصِ لَفْظِيَّةٌ، وَقَرِينَةَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ عَقْلِيَّةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ قَرِينَةَ الْمَخْصُوصِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْهُ؛ وَقَرِينَةَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ لا تَنْفَكُّ عَنْه.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: يَجُوزُ وُرُودُ الْعَامِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، خَبَرًا كَانَ أَوْ أَمْرًا.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ ذَكَرَ2 الإِمَامُ3 أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} 4 قَالَ: وَأَتَتْ عَلَى أَشْيَاءَ لَمْ تُدَمِّرْهَا، كَمَسَاكِنِهِمْ وَالْجِبَالِ.
"وَالْجَوَابُ" مِنْ الشَّارِعِ إنْ لَمْ5 يَكُنْ مُسْتَقِلاًّ بِالسُّؤَالِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "لا الْمُسْتَقِلَّ" فَهُوَ "تَابِعٌ لِسُؤَالٍ" فِي "عُمُومِهِ6" اتِّفَاقًا7 نَحْوُ {جَوَابِ
__________
1 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 2/5.
2 في ش: ذكر.
3 ساقطة من ش.
4 الآية 25 من الأحقاف.
5 ساقطة من ب.
6 في ب: عموم.
7 الجواب غير المستقل هو الذي لا يكون كلاماً مفيداً بدون اعتبار السؤال أو الحادثة، مثل نعم، فإن كان السؤال عاماً كان جوابه عاماً باتفاق.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/237، نهاية السول 2/158، المحصول ج1 ق3/187، جمع الجوامع 37/2، مختصر ابن الحاجب 109/2، المعتمد 303/1، التلويح على التوضيح 272/1، فتح الغفار 59/2، فواتح الرحموت 289/1، تيسير التحرير 263/1، مختصرا البعلي ص 110، 147، إرشاد الفحول ص 113، شرح تنقيح الفصول 216،العدة 596/2.
(3/168)

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ1 بِالتَّمْرِ "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ، إذَا يَبُسَ"؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَلا إذْنَ" 2.
وَفِي قَوْلِ3: "وَ" كَذَا فِي "خُصُوصِهِ" يَعْنِي أَنَّ الْجَوَابَ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ يَتْبَعُ السُّؤَالَ4 فِي خُصُوصِهِ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ5، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} 6 وَكَحَدِيثِ أَنَسٍ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ، أَيَنْحَنِي7 لَهُ؟ قَالَ: "لا".قَالَ: أَفَيَلْزَمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: "لا". قَالَ: فَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ8.
__________
1 في ش: أو ييبس.
2 هذا الحديث صحيح، رواه الإمام مالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً.
"انظر: المنتقى 4/242، سنن أبي داود 2/225، تحفة الأحوذي 4/418، سنن النسائي 7/236، سنن ابن ماجه 2/761، المستدرك 2/38، نيل الأوطار 5/224، مسند أحمد 1/175، سنن الدارقطني 3/49، التلخيص الحبير 3/9".
3 في ز ش: قوله.
4 في ش: تبع السؤال.
5 قال ابن عبد الشكور: "وهو الأوجه".
"انظر: فواتح الرحموت 1/289، تيسير التحرير 1/263، الإحكام للآمدي 2/237، البرهان 1/374، نهاية السول 2/158، المحصول ج1 ق3/187، المحلي على جمع الجوامع 2/37، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/109، 110، مختصر البعلي ص110، أصول السرخسي 2/271، إرشاد الفحول ص133".
6 الآية 44 من الأعراف.
7 في ب: وينحني.
8 هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه هن أنس مرفوعاً، وروى معناه أبو داود عن أبي ذرٍ مرفوعاً.
"انظر: تحفة الأحوذي 7/514، سنن ابن ماجه 1/1220، سنن أبي داود 2/644، مختصر سنن أبي داود 8/82".
(3/169)

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ: كَقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: تَغَدَّ عِنْدِي، فَيَقُولُ لا1.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بُرْدَةَ "تَجْزِيك 2، وَلاتَجْزِي 3 أَحَدًا بَعْدَك" أَيْ فِي الأُضْحِيَّةِ4.
قَالَ الآمِدِيُّ: فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ وَإِنْ تُرِكَ فِيهِ الاسْتِفْصَالُ مَعَ تَعَارُضِ الأَحْوَالِ5: لا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، إذْ اللَّفْظُ لا عُمُومَ لَهُ. وَلَعَلَّ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، كَتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِقَوْلِهِ: "وَ 6 لا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَك" ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَعْمِيمِ الْمَعْنَى فَبِالْعِلَّةِ لا بِالنَّصِّ7.
__________
1 انظر: الإحكام للآمدي 2/240، نهاية السول 2/158.
2 في ش ز ض: يجزيك.
3 في ش ز ض: يجزي.
4 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن البراء بن عازب قال: ضحى خالٌ لي يقال له: أبو بردة، قبل الصلاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شاتك شاة لحم"، فقال: يا رسول الله، إن عندي داجناً جذعة من المعز قال: "اذبحها، ولا تصلح لغيرك" وهناك ألفاظ أخرى للحديث، واسم أبي بردة هانئ بن نيار، وتقدمت ترجمته في المجلد الأول ص337.
قال ابن حجر: "والجذعة وصف لسن معين، فمن الضأن ما أكمل السنة، والجذع من المعز ما دخل في السنة الثانية" "فتح الباري 10/9"، وقال النووي: "وفيه أن جزعة المعز لا تجزي في الأضحية، وهذا متفق عليه" "النووي على مسلم 13/112".
"وانظر: صحيح البخاري 3/317، صحيح مسلم 3/1552، سنن أبي داود 2/87، تحفة الأحوذي 5/96، سنن النسائي 7/196، سنن ابن ماجه 2/1054، مسند أحمد 3/466، نيل الأوطار 5/128".
5 في ش: الأقوال.
6 ساقطة من ش.
7 الإحكام للآمدي 2/237، وانظر: نهاية السول 2/158، العدة 2/596.
(3/170)

وَقَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لاحْتِمَالِ مَعْرِفَةِ حَالِهِ. فَأَجَابَ عَلَى مَا عُرِفَ. وَعَلَى هَذَا تَجْرِي1 أَكْثَرُ الْفَتَاوَى مِنْ الْمُفْتِينَ2. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلْعُلَمَاءِ: إنَّ الْجَوَابَ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ لا يَتْبَعُ السُّؤَالَ فِي خُصُوصِهِ، إذْ لَوْ اُخْتُصَّ3 بِهِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى تَخْصِيصِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: تُرِكَ الاسْتِفْصَالُ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الاحْتِمَالِ: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَيَحْسُنُ بِهِ4 الاسْتِدْلال 5.
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لأَنَّهُ احْتَجَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُنَا6.
وَ7قَالَ الْمَجْدُ أَيْضًا8: وَمَا سَبَقَ إنَّمَا يَمْنَعُ قُوَّةَ الْعُمُومِ لا ظُهُورَهُ، لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ لِمَا لَمْ يَذْكُرْ9.
__________
1 في ع: يجري.
2 انظر: البرهان 1/346.
3 في ش: خص.
4 في ض ب ع: بها
5 قال المحلي: "وقيل: لا ينزل منزلة العموم، بل يكون الكلام مجملاً" "جمع الجوامع 1/426".
"وانظر: إحكام الأحكام 1/161، المستصفى 2/68، المحصول ج1 ق2/631، شرح تنقيح الفصول ص186، نهاية السول 2/89، البرهان 1/345، التمهيد ص97، المسودة ص108، فواتح الرحموت 1/289ن تيسير التحرير 1/264، مختصر البعلي ص116، القواعد والفوائد الأصولية ص234، المنخول ص150، إرشاد الفحول ص132، مباحث الكتاب والسنة ص162".
6 المسودة ص109.
7 ساقطة من ش ز ض.
8 ساقطة من ش ز.
9 المسودة ص109.
(3/171)

وَمَثَّلَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ1 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْلانَ2 وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا" 3 وَلَمْ يَسْأَلْهُ: هَلْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا؟ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ4.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ عِبَارَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ "حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبُ الإِجْمَالِ5، وَسَقَطَ بِهَا6 الاسْتِدْلال"7 فَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ الْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَمِنْهُمْ8 مَنْ9 قَالَ:
__________
1 في ب: بقوله.
2 هو الصحابي غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي، أبو عمر، كان أحد أشراف ثقيف ومقدميهم، وكان حكيماً، وفد على كسرى فقال له كسرى: أنت حكيم في قومٍ لا حكمة فيهم، وكان شاعراً محسناً، أسلم بعد فتح الطائف، وكان تحته عشرة نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعاً منهن ويفارق باقيهن، توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
انظر ترجمته في "الإصابة 3/189، الاستيعاب 3/189، أسد الغابة 4/343، تهذيب الأسماء 2/49".
3 روى الإمام مالك والشافعي وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً".
"انظر: المنتقى 4/122، بدائع المنن 2/351، تحفة الأحوذي 4/278، سنن ابن ماجه 1/628، موارد الظمآن ص310، المستدرك 2/193، نيل الأوطار 6/180".
4 انظر توجيه إمام الحرمين الجويني لوجه العموم في ذلك في "البرهان 1/346".
"انظر: المحصول ج1 ق2/632، المحلي على جمع الجوامع 1/426، نهاية السول 2/89، التمهيد ص97، إرشاد الفحول ص132، مباحث الكتاب والسنة ص163".
5 في ض ب: إجمال.
6 في ز ع ض ب: منها.
7 في ض: استدلال. وانظر: شرح تنقيح الفصول ص186، نهاية السول 2/89، القواعد والفوائد الأصولية ص224، التمهيد ص97.
8 في ض: ومنه.
9 ساقطة من ب.
(3/172)

لَهُ1 قَوْلانِ.
وَقَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: يُحْمَلُ الأَوَّلُ عَلَى قَوْلٍ يُحَالُ عَلَيْهِ الْعُمُومُ، وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى فِعْلٍ، لأَنَّهُ لا عُمُومَ لَهُ. وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الإِسْلامِ الْبُلْقِينِيُّ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الإِلْمَامِ2، وَالسُّبْكِيُّ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الأَوَّلُ مَعَ بُعْدِ الاحْتِمَالِ، وَالثَّانِي مَعَ قُرْبِ الاحْتِمَالِ. ثُمَّ الاحْتِمَالُ إنْ كَانَ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ سَقَطَ الْحُكْمُ3 وَ4الاسْتِدْلالُ، كَقَوْلِهِ فِي الْمُحْرِمِ: "لا تُمِسُّوهُ 5 طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" 6
__________
1 ساقطة من ب.
2 في ب: الإمام، ولابن العيد كتاب "الإلمام بأحاديث الأحكام" ثم شرحه بنفسه في "شرح الإلمام" وسماه الصلاح الصفدي إنه "الإمام" وقال ابن حجر: إن "الإمام" ليس "شرح الإلمام" فالإلمام في أحاديث الأحكام، والإلمام مستمد منه. والإلمام مطبوع بالرياض ص1383هـ/1963م.
3 ساقطة من ب.
4 ساقطة من ز ض ع ب.
5 في ز ض ع ب: تقربوه.
6 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبغوي والدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغسلوه بماءٍ وسدرٍ وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".
"انظر: صحيح البخاري 1/220، صحيح مسلم 2/865، سنن أبي داود 2/196، تحفة الأحوذي 4/23، سنن النسائي 4/32، 5/154، سنن ابن ماجه 2/1030، شرح السنة للبغوي 5/321، سنن الدرامي 2/50، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص304".
وبين القرافي رأيه في ذلك فقال: "وهذه واقعة عين في هذا المحرم وليس في اللفظ ما يقتضي أن هذا الحكم ثابت لكل محرم أو ليس بثابت، وإذا تساوت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين سقط استدلال الشافعية به على أن المحرم إذا مات لا يغسل ... بل علل حكم الشخص المعين فقط، فكان اللفظ مجملاً بالنسبة إلى غيره " "الفروق 2/90".
(3/173)

وَقَالَ أَيْضًا: الأَوَّلُ إذَا كَانَ الاحْتِمَالُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ كَقِصَّةِ غَيْلانَ، وَالثَّانِي إذَا كَانَ الاحْتِمَالُ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ1.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا: الْحُكْمُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ, ثُمَّ2 قَالَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ: حُكْمُهُ فِي وَاحِدٍ حُكْمُهُ فِي مِثْلِهِ، إلاَّ أَنْ يُرَدَّ تَخْصِيصَهُ, وَلِهَذَا حُكْمُهُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ حُكْمُهُ3 فِي سَائِرِ الشُّهَدَاءِ4.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: اللَّفْظُ خَاصٌّ، وَالتَّعْلِيلُ عَامٌّ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ5.
"وَ" الْجَوَابُ "الْمُسْتَقِلُّ" وَهُوَ الَّذِي لَوْ وَرَدَ ابْتِدَاءً لأَفَادَ الْعُمُومَ "إنْ سَاوَى6 السُّؤَالَ" فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ عَامًّا أَوْ خَاصًّا "تَابَعَهُ"
__________
1 جمع القرافي بين العبارتين فقال: "الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب الشرع على السواء فتقدح، وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدح، فحيث قال الشافعي رضي الله عنه: "إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال"، مراده إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع، ومراده "أن حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تنزل منزلة العموم في المقال" إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل" "الفروق 2/88، 90"، وقال القرافي أيضاً: "لا شك أن الإجمال المرجوح لا يؤثر في المساوي الراجح، وحينئذ فنقول: الاحتمال المؤثر إن كان في محل الحكم وليس في دليله فلا يقدح كحديث غيلان، وهو مراد الشافعي بالكلام الأول، وإن كان في دليله قدح، وهو المراد بالكلام الثاني" "شرح تنقيح الفصول ص187".
"انظر: نهاية السول 2/89ن التمهيد ص97، الإحكام للآمدي 2/256، القواعد والفوائد الأصولية ص234، إرشاد الفحول ص132".
2 ساقطة من ز ض ع ب.
3 في ش ز ع ب: حكمه.
4 انظر: المستصفى 2/69، الإحكام للآمدي 2/256.
5 وهو رأي الغزالي. "انظر: المستصفى 2/68، البرهان 1/348".
6 في ش: أن يساوي.
(3/174)

أَيْ تَابَعَ الْجَوَابَ السُّؤَالُ1 "فِيمَا فِيهِ" أَيْ فِي السُّؤَالِ "مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ2 الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ3.
فَالْعُمُومُ4 نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" 5.
وَالْخُصُوصُ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ الأَعْرَابِيُّ عَنْ وَطْئِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ6: "أَعْتِقْ رَقَبَةً" 7
__________
1 في ش ع: السؤال الجواب.
2 ساقطة من ب.
3 انظر هذه المسألة في "أصول السرخسي 1/272، فواتح الرحموت 1/290، الإحكام للآمدي 2/237، 238، نهاية السول 2/159، شرح تنقيح الفصول ص216، المعتمد 1/303، المحصول ج1 ق2/188، جمع الجوامع 2/37، المنخول ص151، المستصفى 2/58، البرهان 1/374، الروضة 2/233، إرشاد الفحول ص133".
4 ساقطة من ش.
5 روى الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن الجارود والبيهقي وابن شيبة والدارقطني وابن حبان والحاكم والدارمي عن أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه، الحلُ ميتته"، قال البغوي: "هذا الحديث صحيح متفق علي صحته" وحكى الترمذي أن البخاري صححه.
"انظر: المنتقى 1/54، بدائع المنن 1/19، مسند أحمد 2/361، سنن أبي داود1/19، تحفة الأحوذي 1/225، 230، سنن النسائي 1/44، 7/183، سنن ابن ماجه 1/136، سنن الدارمي 1/186ن المستدرك 1/141، موارد الظمآن ص60ن التلخيص الحبير 1/9، نيل الأوطار 1/24، البيات والتعريف 3/242".
6 ساقطة من ش.
7 روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: "وما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: "اعتق رقبة ... " الحديث.
(3/175)

قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِبَارَةِ الأُولَى1.
"فَإِنْ2 كَانَ الْجَوَابُ3 أَخَصَّ مِنْ السُّؤَالِ4 اخْتَصَّ بِهِ" أَيْ الْجَوَابِ "السُّؤَالُ" كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: اُقْتُلْ الْمُرْتَدَّاتِ، فَيَخْتَصُّ السُّؤَالُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ بِالْمُرْتَدَّاتِ مِنْهُنَّ5.
"وَإِنْ كَانَ" الْجَوَابُ "أَعَمَّ" مِنْ السُّؤَالِ. مِثَالُهُ: لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاءِ بِئْرِ بِضَاعَةَ؟ فَقَالَ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" 6
__________
1 وهي "ترك الاستفصال في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال".
"انظر: المستصفى 2/60، البرهان 1/348، 373، 375، اللمع ص22، العدة 2/602".
2 في ز ض ع ب: وإن.
3 في ش ز: الجواب.
4 انظر هذه المسألة في "الإحكام للآمدي 2/238، فواتح الرحموت 1/290، التمهيد ص125، نهاية السول 2/158، المعتمد 1/303، المحصول ج1 ق3/188، جمع الجوامع 2/37
5 في ش: المرتدات.
6 هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس وأبي سعيد وسهل بن سعد رضي الله عنهم مرفوعاً بألفاظ مختلفة، قال العراقي بعدما حكى اختلاف الناس فيه: "والحديث صحيح"، وحكى المنذر عن الإمام أحمد أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وكذلك رمز له السيوطي، وقال المناوي: هذا متروك الظاهر فيما إذا تغير بالنجاسة اتفاقاً، وخصه الشافعية والحنابلة بمفهوم خبر أبي داود وغيره، "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" كما سيأتي صفحة 368.
"انظر: سنن أبي داود 1/16، 15، تحفة الأحوذي 1/204، سنن النسائي 1/141، مختصر سنن أبي داود للمنذري 1/73، فيض القدير 6/248، سنن الدارقطني 1/28، مسند أحمد 1/235، 284، 3/16، 31، 6/172، سنن ابن ماجه 1/173، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص292، التلخيص الحبير 1/12".
(3/176)

"أَوْ وَرَدَ" حُكْمٌ "عَامٌّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِلا سُؤَالٍ"، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى شَاةٍ1 مَيْتَةٍ لِمَيْمُونَةَ2، فَقَالَ: "أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" 3. "اُعْتُبِرَ عُمُومُهُ" أَيْ عُمُومُ الْجَوَابِ فِي الصُّورَةِ الأُولَى، وَعُمُومُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى السَّبَبِ الْخَاصِّ فِي الثَّانِيَةِ4، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى سَبَبِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمَا
__________
1 في ز ض ع ب: بشاة.
2 هي الصحابية ميمونة بنت الحارث بن خزن الهلالية، أم المؤمنين، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة سبع في ذي القعدة، لما اعتمر عمرة القضية، وقيل: اسمها برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل غيرها، وهي أخر امرأة تزوجها صلى الله عليه وسلم ممن دخل بهن، وروي عنها 46 حديثاً، وماتت بسرف "ماء قريب من مكة، عشرة أميال إلى جهة المدينة"، ودفنت هناك سنة 51هـ، وقيل غير ذلك، وصلى عليها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، وقيل تزوجها وهو حلال، ولهذا اختلف الفقهاء في نكاح المحرم.
انظر ترجمتها في "الإصابة 4/411، الاستيعاب 4/404، الخلاصة ص496، تهذيب الأسماء 2/355، أسد الغابة 7/272".
3 هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن عباس رضي اله عنهما مرفوعاُ بأسانيد صحيحة، وروى البخاري معناه عن ابن عباس أيضاً مرفوعاً.
"انظر: صحيح مسلم 1/276، تحفة الأحوذي 5/398، سنن النسائي 7/151 وما بعدها، سنن ابن ماجه 2/1193، صحيح البخاري 2/27، مسند أحمد 1/219، 227، سنن أبي داود 2/386، فيض القدير 3/139، تخريج أحاديث البردوي ص161، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص293".
4 يعبر علماء الأصول عن هذه المسألة بقولهم: "العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب"، وهو قول الآمدي وإمام الحرمين والبيضاوي وابن الحاجب والفخر الرازي.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/238 وما بعدها، نهاية السول 2/158، المستصفى 2/114، البرهان 1/372، فواتح الرحموت 1/290، التمهيد ص124، المعتمد 1/303، المنخول ص151، الموافقات 3/178، اللمع ص22، المحصول ج1 ق3/188، شرح تنقيح الفصول ص216، جمع الجوامع 2/38، أصول السرخسي 1/272، فتح الغفار 2/59، تخريج الفروع على الأصول ص1993، إرشاد الفحول ص133، نزهة الخاطر 2/141، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/110، التبصرة ص144".
(3/177)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ1، لأَنَّ عُدُولَ الْمُجِيبِ عَمَّا2 سُئِلَ عَنْهُ، أَوْ عُدُولَ الشَّارِعِ3 عَمَّا اقْتَضَاهُ حَالُ السَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ الْعَامُّ عَلَيْهِ عَنْ4 ذِكْرِهِ بِخُصُوصِهِ إلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ، لأَنَّ الْحُجَّةَ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَالسَّبَبُ لا يُصْلَحُ مُعَارِضًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ عِنْدَ وُرُودِ الْجَوَابِ أَوْ5 السَّبَبِ: بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا6.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلَنَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِنَا، وَقَالَهُ7 جَمْعٌ كَثِيرٌ: أَنَّهُ يُقْتَصَرُ عَلَى سَبَبِهِ8.
__________
1 انظر: المستصفى 2/60، 114، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/110، الإحكام للآمدي 2/239، البرهان 1/374، تيسير التحرير 1/264، نهاية السول 2/159، المسودة ص130، الروضة 2/233، مختصر البعلي ص110، مختصر الطوفي ص102، القواعد والفوائد الأصولية ص240، التمهيدص124.
2 في ض: لما.
3 في ش: المشار.
4 في ش: عن.
5في ش: و.
6 انظر: الروضة 2/233، مختصر الطوفي ص102، العضد على ابن الحاجب 2/110، التبصرة ص145، المحصول ج1 ق3/189، أصول السرخسي 1/272.
7 في ب: قال.
8 وهو قول مالك وأبي ثور والمزني والقفال والدقاق من الشافعية، وقال الجويني: وهو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي، ثم نصره، لكن الفخر الرازي ناقشه ورد عليه في "مناقب الشافعي"، ونقل هذا القول عن الشافعي أيضاً، وفي المسألة عدة آراء وتفصيلات.
"انظر: نهاية السول 2/159، اللمع ص23، شرح تنقيح الفصول ص216، المحصول ج1 ق3/189، المحلي على جمع الجوامع 2/159، التمهيد ص124، المسودة ص130، نزهة الخاطر 2/141، العضد على ابن الحاجب 2/110، المستصفى 1/60، الإحكام للآمدي 2/239، التبصرة ص145، الرسالة ص206، 231، فواتح الرحموت 1/290، تيسير التحرير 1/264، مختصر البعلي ص110، الروضة 2/233، مختصر الطوفي ص102، تخريج الفروع على الأصول ص193، القواعد والفوائد الأصولية ص240، إرشاد الفحول ص134".
(3/178)

وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ اسْتَدَلُّوا عَلَى التَّعْمِيمِ مَعَ السَّبَبِ الْخَاصِّ، وَلَمْ يُنْكَرْ، كَآيَةِ اللِّعَانِ1, وَنَزَلَتْ فِي هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ2, وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ3وَآيَةِ الظِّهَارِ4، وَنَزَلَتْ فِي أَوْسِ بْنِ
__________
1 آية اللعان هي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ, وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} النور/6-7.
2 هو الصحابي هلال بن أمية بن عامر الأنصاري المدني، شهد بدراً وأحداً، وكان قديم الإسلام، وكان يكسر أصنام بني واقف من قومه، وكانت معه رايتهم يوم الفتح، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فتاب الله عليهم، وذكرهم في سورة التوبة، وهم هلال وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع.
انظر ترجمة هلال في "الإصابة 3/606، الاستيعاب 3/604، أسد الغابة 5/406، تهذيب الأسماء 2/139".
3 هذه الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 3/279، صحيح سلم 2/1134، سنن أبي داود 1/52، سنن النسائي 6/140، سنن ابن ماجه 1/668، السنن الكبرى للبيهقي 10/265، تحفة الأحوذي 9/26، المستدرك2/202".
قال النووي: "السبب في نزول آية اللعان عويمر العجلاني، وقال الجمهور: السبب قصة هلال بن أمية ... لأنه أول رجل لاعن"، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم عن أنس بن مالك قال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سمحاء، وكان أخ البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام ... " وقال الصنعاني: "قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان ... ثم جمع بينها".
"انظر: المراجع السابقة، نيل الأوطار 6/300، 302، سبل السلام 4/16، النووي على مسلم /128، فتح الباري 9/374 ط الحلبي، الرسالة للشافعي ص148".
4 آية الظهار هي قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ, وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة/2-3.
(3/179)

الصَّامِتِ1. رَوَاهُ 2أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا3. وَقِصَّةِ عَائِشَةَ فِي الإِفْكِ4 فِي الصَّحِيحَيْنِ5، وَغَيْرِ ذَلِكَ, فَكَذَا هُنَا, وَلأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ بِوَضْعِهِ وَالاعْتِبَارُ بِهِ بِدَلِيلٍ لَوْ كَانَ أَخَصَّ, وَالأَصْلُ عَدَمُ مَانِعٍ, وَقَاسَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، مَعَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِهِمَا6
قَالَ الْمُخَالِفُ: لَوْ عَمَّ جَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالاجْتِهَادِ كَغَيْرِهِ7.
__________
1 هو الصحابي أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري، اخو عبادة بن الصامت، شهد بدراً والمشاهد كلها، وعن عائشة رضي الله عنها أن جميلة "بنت عم له" كانت تحت أوس بن الصامت، وكان به لمم ... فذكرت الحديث" وكان أول ظهار في الإسلام منه، وكان شاعراً، مات في أيام عثمان، وله 85 سنة، وقالوا مات ص34 هـ بالرملة، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 1/85، الاستيعاب 1/78، تهذيب الأسماء 1/129، الخلاصة ص41، أسد الغابة 1/172".
2 ساقطة من ش ز ض ب.
3 هذا الحديث رواه احمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم مرفوعاُ عن خولة بنت مالك، وعائشة وسلمة بن صخر وغيرهم.
"انظر: مسند أحمد 6/411، سنن أبي داود 1/513، تحفة الأحوذي 4/381، 9/188، سنن ابن ماجه 1/666، المستدرك 2/481، نيل الأوطار 6/294، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص70".
4 ساقطة من ش.
5 انظر: صحيح البخاري 3/163، صحيح مسلم بشرح النووي 17/102، مسند أحمد 6/194، سنن أبي داود 2/471، تحفة الأحوذي 9/29، سبل السلام 4/15، نيل الأوطار 6/319.
6 في ش ز: بها.
انظر مزيداً من أدلة القول الأول في "الروضة 2/233، مختصر الطوفي ص102، نزهة الخاطر 2/142، العضد على ابن الحاجب 2/210، التبصرة ص146، المستصفى 2/60، الإحكام للآمدي 2/239، فواتح الرحموت 1/290، تيسير التحرير 1/264، شرح تنقيح الفصول ص216، المعتمد 1/304، المحصول ج1 ق3/189، العدة 2/601 وما بعدها".
7 انظر: الروضة 2/233، مختصر الطوفي ص102، نزهة الخاطر 2/142، المسودة ص131، العضد على ابن الحاجب 2/110، المستصفى 2/60، الإحكام للآمدي 2/240، البرهان 1/377 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/290، تيسير التحرير 1/265.
(3/180)

وَرُدَّ1 بِأَنَّ السَّبَبَ مُرَادٌ قَطْعًا بِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ، لِوُرُودِ الْخِطَابِ بَيَانًا لَهُ، وَغَيْرُهُ ظَاهِرٌ. وَلِهَذَا لَوْ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ طَلاقَهَا، فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ: طَلُقَتْ, ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ. وَالأَشْهَرُ عِنْدَنَا: وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ، لَكِنْ يَدِينُ2.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ خِلافٌ, وَلَوْ اسْتَثْنَى غَيْرَهَا لَمْ تَطْلُقْ، عَلَى أَنَّهُ مَنَعَ فِي الإِرْشَادِ3 وَالْمُبْهِجِ4 وَالْفُصُولِ الْمُعْتَمِرَ الْمُحْصَرَ5 مِنْ التَّحَلُّلِ مَعَ أَنَّ سَبَبَ الآيَةِ6 فِي حُصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَكَانُوا مُعْتَمِرِينَ7.
وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ حَمَلَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
__________
1 في ش ز: ورد.
2 قال البعلي: "وأما محل السبب فلا يجوز إخراجه بالاجتهاد إجماعاً، قاله غير واحدٍ، لأن دخوله مقطوع به، لكون الحكم أورد بياناً له، بخلاف غيره، فإنه يجوز إخراجه، لأن دخوله مظنون به، لكن نقل ناقلون عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج السبب" "القواعد والفوائد الأصولية ص242.
"وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/110، المستصفى 2/60، 61، الإحكام للآمدي 2/240 وما بعدها". وسوف يذكر المصنف هذا الدليل مرة ثانية بعد أربع صفحات "ص187".
3 الإرشاد لابن موسى، كما نص عليه البعلي في "القواعد والفوائد الأصولية ص242".
4 في ش: المنهج، وفي "القواعد والفوائد الأصولية ص242": والشيرازي في الممتع، والصواب "المبهج" لأبي الفرج الشيرازي.
"انظر: طبقات الحنابلة 2/248، ذيل طبقات الحنابلة 1/71، المنهج الأحمد 2/162".
5 ساقطة من ش.
6 الآية هي قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} الآية 196 من البقرة.
7 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص242، الروضة 2/234، تفسير ابن كثير 1/231 ط الحلبي، تفسير الطبري 2/215.
(3/181)

هُرَيْرَةَ "لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" 1 عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ، مَعَ أَنَّ سَبَبَهُ أَمْرُ الدُّنْيَا2.لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ سَبَبُهُ3.
وَالأَصَحُّ عَنْ4 أَحْمَدَ: أَنَّهُ لا يَصِحُّ اللِّعَانُ عَلَى حَمْلٍ, وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَهُوَ سَبَبُ آيَةِ اللِّعَانِ، وَاللِّعَانُ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ, لَكِنْ5 ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. وَلِهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لاعَنَ بَعْدَ الْوَضْعِ 6 ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلِمَ وُجُودَهُ بِوَحْيٍ، فَلا
__________
1 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/70، صحيح مسلم 4/2295، سنن أبي داود 2/565، سنن ابن ماجه 2/1318، مسند أحمد 2/115، الأدب المفرد ص328، نيل الأوطار 6/454، سنن الدارمي 2/319".
2 سبب ورود الحديث أنه لما اسر أبو عزة الجمحي الشاعر ببدر وشكا عائلة وفقراً فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء، ثم ظفر به بأحد، فقال: مُنٌ علي، وذكر فقراً وعائلة، فقال: "لا تمسح بعارضيك ملة، تقول سخرت بمحمد مرتين، وأمر به فقتل" قال سعيد بن المسيب: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال حينئذ: "لا يلدغ المؤمن" فصار الحديث مثلاً.
"انظر البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث 3/331".
3 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص242، الإحكام للآمدي 2/240 وما بعدها.
4 في د ب: عند.
5 في ض: لكنه.
6 روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه ذكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً، ثم أنصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلاً، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي فيه، فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفراً، قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله خدلاً، آدم، كثير اللحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بين"، فوضعت شبيهاً بالذي ذكر زوجها انه وجده عندها، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما".
وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بأمه".
"انظر: صحيح البخاري 3/281، صحيح مسلم 2/1132، 1134، سنن أبي داود 1/524، تحفة الأحوذي 4/390، سنن النسائي 6/146، سنن ابن ماجه 1/669، نيل الأوطار 6/310".
(3/182)

يَكُونُ اللِّعَانُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ. وَلَيْسَ سَبَبُ الآيَةِ قَذْفَ حَامِلٍ وَلِعَانِهَا1.
وَ2فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ3 عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدٍ: أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ4 ابْنِي5، فَاقْبِضْهُ6 إلَيْك, فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ وَفِيهِ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا7 يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ،
__________
1 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص243، البرهان 1/378، المنخول ص151، فواتح الرحموت 1/290، تيسير التحرير 1/265.
2 ساقطة من ع.
3 هو عتبة بن أبي وقاص بن أهيب القرشي الزهري، أخو سعد، ولم يذكره الجمهور في الصحابة، وذكره ابن منده فيهم، واحتج بحديث وصيته إلى أخيه سعد في ابن وليدة زمعة، وأنكر أبو نعيم على ابن منده ذلك، وقال أبو نعيم: وعتبة هذا هو الذي شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته بوم أحد، وما علمت له إسلاماً، ولم بذكره أحد من المتقدمين في الصحابة" ودعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافراً، فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار، قال ابن حجر: فلا معنى لا يراده في الصحابة، وذكر الباجي أن وصيته كانت بحسب أنواع النكاح التي كانت في الجاهلية، وقد حرمها الإسلام.
"انظر: الإصابة 3/161، أسد الغابة 3/571، تهذيب الأسماء 1/320، المنتقى للباجي 6/5".
4 هو زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري المكي، مات قبل فتح مكة، وكانت له جارية يمانية يطؤها مع غيره كما كان معهوداً في أنكحة الجاهلية.
"انظر: تهذيب الأسماء 1/311، الإصابة 2/433، الاستيعاب 2/410، المنتقى 6/5".
5 هو عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري الذي تخاصم فيه سعد وعبد بن زمعة، وله عقب، توفي بالمدينة.
"انظر: تهذيب الأسماء 1/311، الاستيعاب 2/410، أسد الغابة 3/448".
6 في ض: قابضة.
7 ساقطة من ش ز.
(3/183)

عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ "وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ1 هَذَا أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ"2, فَرَأَى فِيهِ3 شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ, وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ" 4, وَكَانَتْ تَحْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5 وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ6 "هُوَ أَخُوك
__________
1 هو الصحابي عبد بن زمعة بن قيس القرشي العامري المكي، أمه عاتكة بنت الأحنف، وهو أخو سودة أم المؤمنين لأبيها، وكان عبد بن زمعة شريفاً ومن سادات الصحابة.
"انظر: الإصابة 2/433، الاستيعاب 2/442، أسد الغابة 2/515، تهذيب الأسماء 1/310".
2 هذه زيادة من الحديث، وتوضح المعنى.
3 ساقطة من ض ع ب.
4 هي أم المؤمنين سودة بن زمعة بن قيس القرشية العامرية الصحابية، أم الأسود، كانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ابن عمها السكران بن عمرو، أخي سهل بن عمرو، وكان زوجها مسلماً هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة، ومات، ولم يعقب، أسلمت سودة قديماً وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم زوجها، وجرحا في مكة، فهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة عشر من البعثة النبوية بعد وفاة خديجة، ودخل بها بمكة وهاجر إلى المدينة، وقيل: تزوجها بعد عائشة، ولها مناقب كثيرة، ماتت في خلافة عمر رضي الله عنهم، وقيل: غير ذلك.
انظر ترجمتها في "الإصابة 4/338، الاستيعاب 4/323، أسد الغابة 7/157، تهذيب الأسماء 2/348، الخلاصة ص492".
5 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي والحاكم والبيهقي، ورواه الترمذي مختصراً، عن عائشة وأبي هريرة وعثمان وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر وأبي أمامة رضي الله عنهم مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/170، صحيح مسلم 2/1080، سنن أبي داود 1/528، سنن النسائي 6/148، تحفة الأحوذي 4/321، 6/310، سنن ابن ماجه 1/646، المنتقى شرح الموطأ 6/4، المستدرك 4/96، السنن الكبرى 6/86، النووي على مسلم 10/38، بدائع المنن 2/219، إحكام الأحكام 2/319، نيل الأوطار 6/313، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص98، مسند أحمد 4/5، 6/27، 129، البيان والتعريف 3/289".
6 في ع: البخاري.
(3/184)

يَا عَبْدُ" وَلأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ1 أَنَّ زَمْعَةَ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا، وَكَانَتْ تَظُنُّ بِآخَرَ2 وَفِيهِ "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَيْسَ لَك بِأَخٍ " 3.زَادَ أَحْمَدُ "أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ" 4.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يُنْقَلُ5 السَّبَبُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ6.
رُدَّ فَائِدَتُهُ7 مَنْعِ تَخْصِيصِهِ، وَمَعْرِفَةِ8 الأَسْبَابِ9.
__________
1 هو الصحابي عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أبو خبيب، أو أبو حبيب، أو أبو عبد الرحمن، وهو أول مولود في الإسلام في السنة الأولى بعد الهجرة، أمه أسماء بنت أبي بكر، وهو فارس قريش، شهد اليرموك وفتح أفريقيا، وصار أمير المؤمنين، بويع بالخلافة بعد موت يزيد سنة64 هـ، وغلب على اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وكان فصيحاً شريفاً، لسناً أطلس، كثير العبادة، وكان يسمى حمامة المسجد، ودافع عن عثمان في الدار، قاتله بنو أمية حتى انتصروا عليه في الكعبة، وقتل وصلب سنة 73هـ، ثم سلم إلى أمه فدفنته بالمدينة في دار صفية بنت حيي ثم زيدت دارها في المسجد، فهو مدفون مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، كما يقول الكتبي.
انظر ترجمته في "الإصابة 4/69 المطبعة الشرفية، الخلاصة 2/56 مطبعة الفجالة الجديدة، أسد الغابة 3/242، المعارف ص256، 600، فوات الوفيات 1/445، العقد الثمين 5/141، البداية والنهاية 8/332، تاريخ الخلفاء ص211، حلية الأولياء 1/329".
2 في رواية النسائي: "كانت لزمعة جارية يطؤها هو، وكان يظن بآخر يقع عليها، فجاءت بولد شبه الذي كان يظن به، فمات زمعة وهي حبلى" "سنن النسائي 6/148"
3 وتمام الحديث: "لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، قالت: فما رآها حتى لقي الله" "انظر: المنتقى شرح الموطأ 6/5".
4 انظر: مسند أحمد 4/5، سنن النسائي 6/149.
5 في ض: ينتقل.
6 انظر: الروضة 2/233، العضد على ابن الحاجب 2/111، المستصفى 2/61، الإحكام للآمدي 2/240، فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266، نهاية السول 2/159، التمهيد ص124، مختصر الطوفي ص102، العدة 2/613.
7 في ش: فائدة.
8 في ض ب: ومعرفته.
9 بين المجد ابن تيمية أنواع الأسباب، وذكر فائدتها، ثم قال: "ومن لم يحط علماً بأسباب الكتاب الكتاب والسنة والإ عظم خطؤه كما وقع لكثير من المتفقهين والأصوليين والمفسرين" "المسودة ص131".
وانظر مناقشة أدلة القول الثاني القائل باقتصار الحكم على السبب في "المستصفى 2/61، الإحكام للآمدي 2/241، نهاية السول 2/159، العضد على ابن الحاجب 2/111، فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266، التمهيد ص124، المسودة ص131، العدة 2/613، الروضة 2/224، مختصر الطوفي ص102، نزهة الخاطر 2/142".
(3/185)

قَالُوا: لَوْ قَالَ: تَغَدَّ عِنْدِي، فَحَلَفَ لا تَغَدَّيْت، لَمْ يَعُمَّ1، وَمِثْلُهُ نَظَائِرُهَا.
رُدَّ بِالْمَنْعِ2 فِي الأَصَحِّ عَنْ أَحْمَدَ, وَإِنْ سَلِمَ كَقَوْلِ مَالِكٍ3 فَلِلْعُرْفِ، وَلِدَلالَةِ السَّبَبِ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَمَنْوِيٍّ4.
قَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يُطَابِقْ الْجَوَابُ السُّؤَالَ5.
رُدَّ طَابَقٌ وَزَادَ6
__________
1 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/111، الإحكام للآمدي 2/240، فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266، المعتمد 1/303، 304، المحصول ج1 ق3/188، العدة 2/613.
2 في ش ز: مثله نظائر، رد لمنع.
3 في ض: لملك.
4 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/111، الإحكام للآمدي 2/421، فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266.
5 ساقطة من ب، وسقط من ب أيضاً: رد، طابق وزاد.
وانظر: الروضة 2/234، مختصر الطوفي ص102، نزهة الخاطر 2/142، العدة 2/613، شرح تنقيح الفصول ص216، المحصول ج1 ق3/190، العضد على ابن الحاجب 2/111، الإحكام للآمدي 2/240، فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266.
6 انظر: فواتح الرحموت 1/292، تيسير التحرير 1/266، المحصول ج1 ق3/190، الإحكام للآمدي 2/241، العضد على ابن الحاجب 2/111، نزهة الخاطر 2/144، مختصر الطوفي ص103، الروضة 2/224.
(3/186)

"وَصُورَةُ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ 1 فِي الْعُمُومِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ [فَلا يَخُصُّ2 بِاجْتِهَادٍ] فَيَتَطَرَّقُ التَّخْصِيصُ إلَى3 ذَلِكَ الْعَامِّ، إلاَّ تِلْكَ الصُّورَةَ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا4، لَكِنَّ السُّبْكِيَّ قَالَ: إنَّمَا تَكُونُ صُورَةُ السَّبَبِ قَطْعِيَّةً إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دُخُولِهَا وَضْعًا تَحْتَ اللَّفْظِ الْعَامِّ, وَإِلاَّ فَقَدْ يُنَازَعُ5 فِيهِ الْخَصْمُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إخْرَاجَ السَّبَبِ, فَالْمَقْطُوعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ6 بَيَانُ حِكْمَةِ السَّبَبِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ كَوْنِهِ خَارِجًا، كَمَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ, وَلا دَلِيلَ عَلَى تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْ الأَمْرَيْنِ7.
فَائِدَةٌ:
"قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عَامٌّ لَمْ يُخَصَّ8 إلاَّ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
__________
1 في ش: لدخول.
2 في ش ز: يختص.
3 ساقطة من ض ع ب.
4 هذا ما ذكره المصنف سابقاً صفحة 181، ونقلنا بعده نص البعلي: أن محل السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد إجماعاً.
"وانظر: تيسير التحرير 1/267، نهاية السول 2/159، اللمع ص22، البرهان 1/378، المنخول ص151، المحصول ج1 ق3/191، جمع الجوامع 2/39، التمهيد ص124، القواعد والفوائد الأصولية ص242، الإحكام للآمدي 2/240، العضد على ابن الحاجب 2/110، المستصفى 2/60".
5 في ش ز: تنازع.
6 ساقطة من ض.
7 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 2/39-40.
8 نقل الشوكاني عن علم الدين العراقي أنه قال: "ليس في القرآن عام غير مخصوص إلا أربعة مواضع: أحدها: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} النساء/23، فكا ما سميت أما عن نسب أو رضاع، وإن علت، فهي حرام، ثانيها: قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الرحمن/26، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} آل عمران/185، ثالثاً: قوله تعالى: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة/284، ثم اعترض الشوكاني على الموضع الرابع بأن القدرة لا تتعلق بالمستحيلات، وهي أشياء، ثم ألحق الشوكاني بما سبق قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} هود/6.
"انظر: إرشاد الفحول ص143 وما بعدها، الروضة 2/238، شرح تنقيح الفصول ص227، الرسالة للشافعي ص53-54".
(3/187)

الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 1 وقَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 2.
__________
1 الآية 6 من هود.
2 الآية 101 من الأنعام.
(3/188)

فصل إطلاق جمع المشترك على معانيه
...
فصل إطلاق جمع المشترك:
"يَصِحُّ إطْلاقُ جَمْعِ الْمُشْتَرَكِ" عَلَى مَعَانِيهِ "وَمُثَنَّاهُ" عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَعًا "كَ1" إطْلاقِ "مُفْرَدٍ2 عَلَى كُلِّ مَعَانِيهِ3".
أَمَّا إرَادَةُ4 الْمُتَكَلِّمِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ أَحَدَ5 مَعَانِيهِ أَوْ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ6, فَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا، وَهُوَ حَقِيقَةٌ، لأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ7.
وَأَمَّا إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ -وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ- فَفِيهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا -وَهُوَ الصَّحِيحُ-: يَصِحُّ، كَقَوْلِنَا: الْعَيْنُ مَخْلُوقَةٌ، وَنُرِيدُ8 جَمِيعَ مَعَانِيهَا. وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الأَصْحَابِ9.
__________
1 في ب: وكـ.
2 في ش: مفرد.
3 في ض ع: ماله معا.
4 في ش: أي ما أراد.
5 في د: كأحد.
6 ساقطة من ش.
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/111 وما بعدها، التبصرة ص184، المسودة ص168، المنخول ص147.
وسيرد بحث المشترك تفصيلاً فيما بعد
8 في ش ز ض: يريد
9 انظر هذا القول في المسألة في المستصفى 2/71، الإحكام للآمدي 2/242، البرهان 1/343، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/111، 112، التبصرة ص184، تيسير التحرير 1/235، مختصر البعلي ص110، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص228، المنخول ص147، جمع الجوامع 1/297".
(3/189)

قَالَ فِي الانْتِصَارِ -لَمَّا قِيلَ لَهُ فِيمَنْ لا يَجِدُ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ -: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، أَيْ لا يَحْبِسُهَا. فَقَالَ: الظَّاهِرُ مِنْهَا الإِطْلاقُ، عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْعَقْدِ وَالْمَكَانِ مَعًا.
وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ1. وَقَطَعَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ: ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} 2 فَإِنَّ الصَّلاةَ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَمِنْ الْمَلائِكَةِ الدُّعَاءُ3وَكَذَا لَفْظُ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} 4 وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى5 عِلْمُهُ، وَشَهَادَةُ غَيْرِهِ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ. وَبِقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} 6 النِّكَاحُ الْعَقْدُ، وَالْوَطْءُ مُرَادَانِ7 لَنَا مِنْهُ إذَا قُلْنَا: النِّكَاحُ مُشْتَرَكٌ8. وَقَطَعَ بِهِ الْبَاقِلاَّنِيُّ, وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ9 مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ10.
وَيَكُونُ إطْلاقِهِ11 عَلَى مَعَانِيهِ أَوْ مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لا حَقِيقَةً. نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاخْتَارَهُ12
__________
1 في ع ض ب: للشافعي.
2 الآية 56 من الأحزاب.
3 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/114.
4 الآية 18 من آل عمران.
5 في ض ب: وشهادة الله.
6 الآية 22 من النساء.
7 في ش: مراد لنا.
8 في ب: المشترك.
9 في ش: من.
10 انظر: المنخول ص147، المستصفى 2/72، 74، الإحكام للآمدي 2/242 وما بعدها، العدة 2/703، المسودة ص166.
11 في ش: من إطلاقه، وفي ز: بإطلاقه.
12 ساقطة من ش ز.
(3/190)

ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَبِعَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ1.
وَقِيلَ: حَقِيقَةً2.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ بِقَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: صِحَّةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنَيَيْهِ فِي النَّفْيِ دُونَ الإِثْبَاتِ، لأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ3 تَعُمُّ4.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: صِحَّةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مُفْرَدٍ, فَإِنْ كَانَ جَمْعًا كَاعْتَدِّي بِالأَقْرَاءِ5، أَوْ مُثَنًّى، كَقُرْأَيْنِ صَحَّ6.
الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: صِحَّةُ اسْتِعْمَالِهِ إنْ تَعَلَّقَ أَحَدُ7 الْمَعْنَيَيْنِ بِالآخَرِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} 8 فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ9 اللَّمْسِ بِالْيَدِ10 وَلازِمٌ لِلآخَرِ.
__________
1 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/294، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/111، 112، التبصرة ص184، البرهان 1/344، تيسير التحرير 1/235.
2 نقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني والمعتزلة: أنه يصح حقيقة إن صح الجمع.
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/112، تيسير التحرير 1/235، جمع الجوامع 1/295".
3 في ز: النفي في النكرة، وفي ض ع ب: النكرة في النفي.
4 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/112، مختصر البعلي ص111، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص230، المسودة ص168.
5 في ش ز: الأقراء.
6 ساقطة من ش.
وانظر: مختصر البعلي ص111، المسودة ص168.
7 في ع: إحدى.
8 الآية 43 من النساء.
9 في ش: فكلمة.
10 في ش: تأكيد.
(3/191)

الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ، لَكِنْ لَيْسَ مِنْ اللُّغَةِ، فَإِنَّ اللُّغَةَ مَنَعَتْ مِنْهُ1.
الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: لا يَصِحُّ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْقَيِّمِ. وَحَكَاهُ عَنْ الأَكْثَرِينَ2.
قَالَ3 فِي كِتَابِهِ4 جَلاءُ الأَفْهَامِ5 فِي الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِي مَنْعِ كَوْنِ الصَّلاةِ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الرَّحْمَةُ-: الأَكْثَرُونَ لا يُجَوِّزُونَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَلا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَرَدَ مَا وَرَدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا عَلَى إبْطَالِ اسْتِعْمَالِ6 اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ مَعًا بِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلاً فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْءِ فِي كِتَابِ التَّعْلِيقِ عَلَى الأَحْكَامِ7.
فَعَلَى الْجَوَازِ: هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ8 مَعَانِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِهَا؛ لأَنَّهُ
__________
1 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/112، المعتمد 1/326.
2 في ش ز: الأكثر.
ذهب إلى ذلك أصحاب أبي حنيفة كالكرخي، وأبو هاشم الجبائي وأبو عبد الله البصري من المعتزلة، والإمام الفخر الرازي والغزالي وإمام الحرمين، ونقله القرافي عن مالك وأبي حنيفة، وفي قول عند الحنفية: أن حكم المشترك الوقف.
"انظر: التبصرة ص184، المعتمد 1/324، الإحكام للآمدي 2/242، تيسير التحرير 1/235، المستصفى 2/72، أصول السرخسي 1/126، 162، كشف الأسرار 1/39 وما بعدها، 2/33، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص230، التمهيد ص42، المسودة ص168".
3 في ض ع ب: فقال.
4 في ض: كتاب.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 ساقطة من ض.
7 ساقطة من ز.
8 في ش: و.
(3/192)

لا تَدَافُعَ بَيْنَهَا1.
وَقِيلَ: هُوَ مُجْمَلٌ، فَيُرْجَعُ إلَى مُخَصَّصٍ2.
قَالَ الإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمَحَلُّ الْخِلافِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكُلِّيِّ الْعَدَدِيِّ، كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْصِيلِ، أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ، فَرَدُّوا ذَلِكَ3 بِأَنْ يَجْعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى4 كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ بِالْمُطَابِقَةِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَدُلُّ5 عَلَى الْمَعْنَى الآخَرِ بِهَا, وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكُلِّيِّ6 الْمَجْمُوعِيَّ7، وَهُوَ8 أَنْ يَجْعَلَ مَجْمُوعَ الْمَعْنَيَيْنِ مَدْلُولاً مُطَابِقًا كَدَلالَةِ الْعَشَرَةِ عَلَى آحَادِهَا، وَلا الْكُلِّيِّ الْبَدَلِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولاً مُطَابِقًا عَلَى الْبَدَلِ. انْتَهَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَمْعَ9 الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ10 مَعَانِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ
__________
1 في ش ع ض ب: بينهما.
وهو قول الشافعي، وهو كثير في كلام القاضي الباقلاني وأصحابه، وقال العضد: "فيحمل عند التجرد عن القرائن عليهما، ولا يحتمل على أحدهما خاصة إلا بقرينة" "العضد على ابن الحاجب 2/112، 113 وما بعدها".
وانظر: مختصر البعلي ص110، المنخول ص147.
2 في ش: التخصيص.
قال البعلي: "وهو ما صرح به القاضي وابن عقيل" "مختصر البعلي ص111"، ولكن القاضي صرح في مكان أنه مجمل وصرح في مكان آخر أنه عام. "انظر: العدة 1/145، 2/513".
3 في ز ض: فردوا ذلك، وفي ش: وردوا ذلك.
4 في ش: يجعل بدلاً عن.
5 في ض: يدل.
6 في ش: بالكلي.
7 في ش ض ب: المجموع.
8 في ش: وهي.
9 في ع ض ب: جميع.
10 في ض: اعتبار.
(3/193)

الْمُفْرَدِ1 فِي مَعَانِيهِ2.
وَوَجْهُ الْبِنَاءِ: أَنَّ التَّثْنِيَةَ وَالْجَمْعَ تَابِعَانِ لِمَا3 يُسَوَّغُ عَلَى4 الْمُفْرَدِ فِيهِ، فَحَيْثُ جَازَ اسْتِعْمَالُ الْمُفْرَدِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ جَازَ تَثْنِيَةُ الْمُشْتَرَكِ وَجَمْعُهُ، وَحَيْثُ لا فَلا، فَتَقُولُ5: عُيُونُ زَيْدٍ، وَتُرِيدُ: بِذَلِكَ الْعَيْنَ الْبَاصِرَةَ، وَالْعَيْنَ الْجَارِيَةَ، وَعَيْنَ الْمِيزَانِ، وَالذَّهَبِ6 الَّذِي لِزَيْدٍ7.
وَاسْتَعْمَلَ الْحَرِيرِيّ8ُ ذَلِكَ فِي الْمَقَامَاتِ، فِي قَوْلِهِ "فَانْثَنَى بِلا عَيْنَيْنِ" يُرِيدُ الْبَاصِرَةَ وَالذَّهَبَ. وَهَذَا قَوْلُ الأكثر9.
__________
1 في ش: الفرد.
2 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/297.
3 في ب: على.
4 ساقطة من ز ش.
5 في ض: فيقول.
6 في ض ع ب: والذهب والفضة.
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/112، الإحكام للآمدي 2/242، المنخول ص147، جمع الجوامع 1/297.
8 هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد، الحريري البصري، صاحب "المقامات" المشهورة، قال ابن السمعاني: "أحد الأئمة في الأدب واللغة، ولم يكن له في فنه نظير في عصره، فاق أهل زمانه بالذكاء والفصاحة"، وكان غنياً كثير المال، وقال ابن خلكان: "ورزق الحظوة التامة في عمل "المقامات"، واشملت على شيء كثير من كلام العرب، من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته"، ويحكي أنه كان دميماً، قبيح المنظر، وكان مولعاً بنتف لحيته عند الفكرة، وله تواليف حسان، منها "در الغواص في أوهام الخواص" و "ملحمة الإعراب" منظومة في النحو، وله "شرحها" وله "ديوان شعر ورسائل" توفي سنة516هـ، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 7/266، وفيات الأعيان 3/227، شذرات الذهب 4/50، إنباه الرواة 3/23، بغية الوعاة 2/257، مرآة الجنان 3/213، النجوم الزاهرة 5/225".
9 في ش ز: كثير.
وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/112، الإحكام للآمدي 2/242.
(3/194)

وَقِيلَ: يَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ1 إطْلاقُ الْمُفْرَدِ عَلَى مَعَانِيهِ2.
وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا.
"وَيَصِحُّ إطْلاقُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ الرَّاجِحِ مَعًا" وَيَكُونُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا مَجَازًا. فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الأَقْوَالِ وَالأَحْكَامِ3.
إلاَّ أَنَّ الْقَاضِي4 أَبَا5 بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيَّ قَالَ: اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مُحَالٌ لأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَالْمَجَازُ6 فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ7، وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ8انْتَهَى.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 9 فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ، مَجَازٌ فِي وَلَدِ الابْنِ.
وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} 10 فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، خِلافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْوُجُوبِ11
__________
1 في ع: نصحح.
2 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/112.
3 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/113، المسودة ص166، العدة 22/703، جمع الجوامع 1/298.
4 ساقطة من ش.
5 في ب: أبو.
6 ساقطة من ش.
7 ساقطة من ض.
8 انظر: المسودة ص166، المنخول ص147، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/298.
9 الآية 11 من النساء.
10 الآية 77 من الحج.
11 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/299.
(3/195)

وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ مَدْلُولَ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ1 مُطْلَقُ الطَّلَبِ، فِرَارًا مِنْ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ2. وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْمَجْدُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ" 3 يَشْمَلُ الْمُحْتَضَرَ وَالْمَيِّتَ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ حَقِيقَةٌ، وَقَبْلَهُ مَجَازٌ4.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: اللَّمْسُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّمْسِ5 بِالْيَدِ، مَجَازٌ فِي الْجِمَاعِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا. وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، لأَنَّهُ لا تَدَافُعَ بَيْنَهُمَا6.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ7 "وَهُوَ" أَيْ اللَّفْظُ حَالَةَ إطْلاقِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَجَازهِ8 "ظَاهِرٌ فِيهِمَا" أَيْ
__________
1 في د: على.
2 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/299.
3 هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن معقل بن يسار، ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة".
قال النووي: "إسناده ضعيف، فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود" وقال ابن حجر: "أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال راويه" ونقل عنه قوله: "وأما الحاكم فتساهل في تصحيحه لكنه من فضائل الأعمال، وعلى هذا يحمل سكوت أبي داود، والعلم عند الله" وقال الدارقطني: "إنه حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث".
"انظر: سنن أبي داود 4/287، مختصر سنن أبي داود 4/287، سنن ابن ماجه 1/466، مسند أحمد 5/26، المستدرك 1/565، الأذكار للنووي ص131، فيض القدير 2/67، موارد الظمآن ص184".
4 انظر: المحرر في الفقه 1/182.
5 في ش ز ض: بالمس، والأعلى من ع ب، و "العدة".
6 العدة 2/704.
7 انظر: المسودة ص167، 565، المنخول ص148.
8 في ش: الحقيقة والمجاز.
(3/196)

غَيْرُ مُجْمَلٍ، وَلا ظَاهِرٍ1 فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، إذْ لا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا "فَيُحْمَلُ2 عَلَيْهِمَا كَعَامٍّ3".
وَمَحَلُّ صِحَّةِ الإِطْلاقِ وَالْحَمْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَنَافٍ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ.
"فَإِنْ تَنَافَيَا4 كَافْعَلْ، أَمْرًا و5َ تَهْدِيدًا: امْتَنَعَ" الإِطْلاقُ وَالْحَمْلُ.
"وَأُلْحِقَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "بِذَلِكَ" أَيْ بِمَا تَقَدَّمَ اللَّفْظَانِ "الْمَجَازَانِ الْمُسْتَوَيَانِ6" مِثَالُ ذَلِكَ7 لَوْ حَلَفَ لا يَشْتَرِي دَارَ زَيْدٍ، وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّهُ8 لا يَعْقِدُ بِنَفْسِهِ، وَتَرَدَّدَ الْحَالُ بَيْنَ السَّوْمِ وَشِرَاءِ الْوَكِيلِ: هَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا أَمْ لا؟ فَمَنْ جَوَّزَ الْحَمْلَ يَقُولُ: يَحْنَثُ كُلٌّ مِنْهُمَا9.
"وَدَلالَةُ الاقْتِضَاءِ وَالإِضْمَارِ عَامَّةٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ10.
وَعِنْدَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ مُجْمَلَةٌ11.
__________
1 في ع: نص أو ظاهر.
2 في ش: فتحمل.
3 انظر: جمع الجوامع 1/296، مختصر البعلي ص110.
4 في ش: وإن تنافى.
5 في ع ب: أو.
6 في ش: المستوفيان.
7 في ش: مثل، وفي ز ض ع: مثل ذلك.
8 ساقطة من ز.
9 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/300.
10 نسب البردوي هذا القول للشافعي، وليس هناك دليل يؤيد ذلك، لكن قال بهذا القول بعض الشافعية.
"انظر: كشف الأسرار 2/237، المستصفى 2/62، تيسير التحرير 1/242، المسودة ص90، مختصر البعلي ص111، تخريج الفروع على الأصول ص145، إرشاد الفحول ص131، العدة 2/513".
11 قال المجد ابن تيمية: "وقال أكثر الحنفية وبعض الشافعية، لا يثبت العموم في ذلك بل هو مجمل، واختاره القاضي في أوائل "العدة" وآخر "العمدة" وزعم أن أحمد قد أومأ إليه، وذكر كلاماً لا يدل عندي على ما قال بل على خلافه" "المسودة ص91، 94"
"وانظر: المحلي على جمع الجوامع 1/424، المستصفى 2/62".
(3/197)

وَعِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هِيَ لِنَفْيِ الإِثْمِ1.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِمَا رَوَاهُ2 الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ "إنَّ اللَّهَ وَضَعَ" وَرَوَاهُ3 ابْنُ عَدِيٍّ4 "إنَّ اللَّهَ رَفَعَ5 عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلاثًا: الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَالأَمْرَ يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ" 6 فَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِيهِ: مُقْتَضَى الإِضْمَارِ، وَمُقْتَضَاهُ الإِضْمَارُ.
__________
1 يعبر الحنفية والشافعية عن هذا الرأي بقولهم: "المقتضى لا عموم له".
"انظر: البناني على جمع الجوامع 1/402، نهاية السول 2/89، المستصفى 2/61، المحصول ج1 ق2/624، تخريج الفروع على الأصول ص149، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/115، اللمع ص17، مختصر البعلي ص111، الإحكام للآمدي 2/249، فواتح الرحموت 1/294، أصول السرخسي 1/248، تيسير التحرير 1/22، إرشاد الفحول ص131، مباحث الكتاب والسنة 159، العدة 2/517".
2 في ز ض ع ب: روى.
3 في ز ض ب: وروى.
4 هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن مبارك، الجرجاني، أبو أحمد، ويعرف أيضاً بابن القطان، قال ابن قاضي شبهة: "أحد الأئمة الأعلام وأركان الإسلام" كان حافظاً متقناً جليلاً عارفاً بعلل الرجال، رحل إلى بلاد كثيرة كالشام ومصر، قال ابن السبكي: "وكتابه الكامل" طابق اسمه معناه، ووافق لفظه فحواه وكان فيه لحن، وألف كتاب "الانتصار" على مختصر المزني في الفقه، وكتاب "الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين"، توفي سنة 365 هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى 3/315، طبقات الحفاظ ص380، شذرات الذهب 3/51، تذكرة الحفاظ 3/940، البداية والنهاية 11/283".
5 في ز ض ب: رفع الله.
6 انظر: سنن ابن ماجه 1/659، كشف الخفا 1/433، فيض القدير 4/34، 6/362، تخريج أحاديث البردوي ص89، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص294، المستدرك 2/198، مجمع الزوائد 6/250، التلخيص الحبير 2/281.
وسبق تخريج هذا الحديث برواياته وألفاظ في المجلد الأول ص436، 512، والمجلد الثاني ص31، 60.
(3/198)

وَدَلالَتُهُ1 عَلَى الْمُضْمَرِ دَلالَةُ إضْمَارٍ وَاقْتِضَاءٍ. فَالْمُضْمَرُ عَامٌّ2.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَيُسَمَّى مُقْتَضًى3، لأَنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهِ عَلَيْهِ. وَهُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ: اللَّفْظُ الطَّالِبُ لِلإِضْمَارِ، وَبِفَتْحِهَا, ذَلِكَ الْمُضْمَرُ نَفْسُهُ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْكَلامُ, تَصْحِيحًا4وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا, انْتَهَى.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْمُقْتَضِي -بِالْكَسْرِ-: الْكَلامُ الْمُحْتَاجُ لِلإِضْمَارِ، وَبِالْفَتْحِ: هُوَ ذَلِكَ الْمَحْذُوفُ. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ أَيْضًا بِالْمُضْمَرِ5, فَالْمُخْتَلَفُ فِي عُمُومِهِ: عَلَى6 الصَّحِيحِ الْمُقْتَضَى -بِالْفَتْحِ- بِدَلِيلِ7 اسْتِدْلالِ مَنْ نَفَى عُمُومَهُ بِكَوْنِ8 الْعُمُومِ مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ، فَلا يَجُوزُ دَعْوَاهُ فِي الْمَعَانِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُقْتَضِي9 -بِالْكَسْرِ–
__________
1 في ب: ودلالة.
2 أي إن الخطأ أو النسيان لا يمكن رفعه، لأنه قد وقع فعلا، ولكن المراد به حكمه الذي تعلق به الفعل، وهذا الحكم عام في الإثم والأثر المترتب على الفعل.
انظر استدلال علماء الأصول بهذا الحديث قي "المسودة ص91، 94، 95، 103، العضد على ابن الحاجب 2/116، المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/249، العدة 2/514، 517، الروضة 2/183".
3 في ز ض ع ب: مقتضياً.
4 ساقطة من ش.
5 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/424، المحصول ج1 ق2/624، تيسير التحرير 1/241، العضد على ابن الحاجب 2/115، فواتح الرحموت 1/294، إرشاد الفحول ص131، مباحث الكتاب والسنة ص160.
6 في ش: هو.
7 ساقطة من ع.
8 في ع: لكون.
9 في ب: المحتمل.
(3/199)

وَهُوَ الْمَنْطُوقُ بِهِ، الْمُحْتَاجُ فِي دَلالَتِهِ لِلإِضْمَارِ، كَمَا صَوَّرَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ1.
وَبِالْجُمْلَةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ فِي نَحْوِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} 2 وَغَيْرِهَا مِنْ الأَمْثِلَةِ، إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحْتَمَلاتِ كُلِّهَا، وَ3 هُوَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوَّلاً؟ فِيهِ4 مَذَاهِبُ5.
وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ رَفْعَ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ، بَلْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ, فَاللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ مَعَ قَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ. احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ6.
7قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ8 مَا عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِنَفْسِهِ مَعَ قَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ. فَهُوَ حَقِيقَةٌ، أَوْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، لَكِنْ مُقْتَضَاهُ الأَوَّلُ9.
وَكَذَا فِي التَّمْهِيدِ وَالرَّوْضَةِ: أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ذَلِكَ10.
__________
1 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/402، مباحث الكتاب والسنة ص158، 162، العدة 2/517.
2 الآية 3 من المائدة.
وليس المقصود من الآية تحريم نفس العين، بل المقصود الفعل، ويحمل على كل فعل من بيع وأكل وغيرهما. "انظر: المسودة ص90، العدة2/145، 513، 518".
3 في ش: أو.
4 في ش: أو.
5 قال القاضي أبو يعلى: "وذهب الأكثر من أصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أنه لا يعتبر العموم في ذلك" "العدة 2/517".
"وانظر: المسودة ص90 وما بعدها".
6 ساقطة من ش ز.
وانظر: العدة 2/517، الروضة 2/183.
7 ساقطة من ش.
8 في ض ع ب. مضمونه أن.
9 انظر: المسودة ص93.
10 انظر: الروضة ص183.
(3/200)

وَاعْتُرِضَ: لا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ، فَهُوَ مَجَازٌ1.
وَ2 رُدَّ بِالْمَنْعِ لذَلِكَ3.
ثُمَّ قَوْلُنَا أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ.
وَعُورِضَ بِأَنَّ بَابَ الإِضْمَارِ فِي الْمَجَازِ أَقَلُّ، فَكُلَّمَا قَلَّ قَلَّتْ مُخَالَفَةُ الأَصْلِ فِيهِ، فَيَسْلَمُ قَوْلُنَا: لَوْ عَمَّ أُضْمِرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وَلا يَجُوزُ4.
رَدٌّ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْخَطَإِ عَامٌّ وَلا زِيَادَةَ، وَيَمْنَعُ أَنَّ زِيَادَةَ حُكْمٍ مَانِعٌ5.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِهِمْ6: التَّخْصِيصُ كَالإِضْمَارِ وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا فِي الإِضْمَارِ: هَلْ هُوَ مِنْ الْمَجَازِ أَمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَإِنَّهُ7 نَقْصُ الْمَعْنَى عَنْ اللَّفْظِ وَالإِضْمَارُ عَكْسُهُ، وَ8 لَيْسَ فِيهِمَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَوْضِعٍ9 آخَرَ.
وَفِي التَّمْهِيدِ: لأَنَّ الإِثْمَ لا مِزْيَةَ10
__________
1 وهذا محكي عن أبي عبد البصري المعروف بالجعل. "انظر: العدة 2/518، 519".
وانظر: المسودة ص93.
2 ساقطة من ز ض ب.
3 في ش: كذلك.
وانظر: العدة 2/519.
4 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/116، العدة 2/518.
5 انظر: مناقشة هذه الأدلة في "الإحكام للآمدي 2/249-250".
6 هذا ما نقله الشيخ تقي الدين ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى. "انظر: المسودة ص565".
7 في المسودة: فإن العموم المخصوص.
8 ساقطة من جميع النسخ، وأثبتناها من "المسودة".
9 في ز ض ع ب: موضوع.
10 في ع: لا مزية فيه.
(3/201)

لأُمَّتِهِ1 فِيهِ عَلَى الأُمَمِ2 لأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ3، وَلأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ4 فِي5 نَحْوِ: لَيْسَ لِلْبَلَدِ6 سُلْطَانٌ، لِنَفْيِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَنْبَغِي لَهُ7.
وَلا وَجْهَ لِمَنْعِ الآمِدِيِّ الْعُرْفَ فِي نَحْوِ: لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ8 وَكَلامُ الآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ فِي التَّحْرِيمِ الْمُضَافِ إلَى الْعَيْنِ، وَنَحْوُ "لا صَلاةَ إلاَّ بِطَهُورٍ" يُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ9 هُنَا. وَقَالُوا فِيهِ بِزِيَادَةِ الإِضْمَارِ، وَأَنَّهُ أَوْلَى, وَقَالُوا10 فِي "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي" لا إجْمَالَ فِيهِ وَلا إضْمَارَ، لِظُهُورِهِ11 لُغَةً قَبْلَ الشَّرْعِ فِي نَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ، وَتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ. وَالأَصْلُ فِيمَا تَبَادَرَ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَةً أَوْ12 عُرْفًا13.
"وَ" مَا مِنْ اللَّفْظِ "مِثْلُ: لا آكُلُ، أَوْ14 إنْ أَكَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ: يَعُمُّ مَفْعُولاتِهِ، فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ" وَكَذَا سَائِرُ الأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ15
__________
1 في ش: إلا منه
2 في ش الإثم، وفي هامش ش: كذا في الأصل، وليحرر.
3 انظر: الروضة 2/184.
4 في ز ض ع ب: العرف.
5 ساقطة من ض ع ب.
6 في ز ش: في البلد.
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/116، الروضة 2/182، الإحكام للآمدي 2/249.
8 انظر: الإحكام للآمدي 2/249.
9 في ش: ذكره.
10 في ز: وقال.
11 في ش ز ض: لظهور.
12 في ب: و.
13 انظر: فواتح الرحموت 1/265، الروضة 2/183، الإحكام للآمدي 2/249.
14 في ض ع: و.
15 انظر: هذه المسألة في "جمع الجوامع 1/423، نهاية السول 2/87، المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/251، المحصول ج1 ق2/627، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/117، فواتح الرحموت 2/286، مختصر البعلي ص111".
(3/202)

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْفِعْلُ الْمَنْفِيُّ هَلْ يَعُمُّ، حَتَّى إذَا وَقَعَ فِي يَمِينٍ1، نَحْوُ وَاَللَّهِ لا آكُلُ أَوْ2 لا أَضْرِبُ أَوْ3 لا أَقُومُ، أَوْ مَا أَكَلْت أَوْ مَا قَعَدْت وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَنَوَى تَخْصِيصَهُ بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، أَوْ لا يَعُمُّ فَلا يُقْبَلُ؟
يَنْظُرُ. إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا أَوْ لازِمًا:
فَالأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يَنْصَبُّ فِيهِ الْخِلافُ عِنْدَ الأَكْثَرِ. فَإِذَا نُفِيَ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: -وَهُوَ4 قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ5 وَأَبِي يُوسُفَ- أَنَّهُ يَعُمُّ6وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يَعُمُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقُرْطُبِيِّ وَالرَّازِيِّ7.
وَمَنْشَأُ الْخِلافِ: النَّفْيُ8 لِلأَفْرَادِ9، فَيُقْبَلُ10 إرَادَةُ التَّخْصِيصِ بِبَعْضِ
__________
1 في ز: عين.
2 في ش: و.
3 في ش:
و4 ساقطة من ز ض ع ب.
5 في ز ع ب: والمالكية والشافعية.
6 انظر نهاية السول 2/82، المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/251، المحصول ج1 ق2/627، شرح تنقيح الفصول ص184، جمع الجوامع 1/423، مختصر ابن الحاجب 2/116، مباحث الكتاب والسنة ص136.
7 قال الرازي: "ونظر أبي حنيفة رحمه الله –فيه دقيق" "المحصول ج1 ق2/627".
وانظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/116، المحلي على جمع الجوامع 1/423، نهاية السول 2/87، المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/251، المحصول ج1 ق2/627، شرح تنقيح الفصول ص184.
8 في ش ز ض ب: المنفي.
9 في ش ز: بالإفراد.
10 في ش ز: فتقبل.
(3/203)

الْمَفَاعِيلِ بِهِ لِعُمُومِهِ, أَوْ لِنَفْيِ1 الْمَاهِيَّةِ وَلا تَعَدُّدَ فِيهَا، فَلا عُمُومَ, وَالأَصَحُّ هُوَ الأَوَّلُ.
"فَلَوْ2 نَوَى" مَأْكُولاً "مُعَيَّنًا: قُبِلَ بَاطِنًا" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَابْنِ الْبَنَّا وَالْقُرْطُبِيِّ وَالرَّازِيِّ3.
فَإِنْ ذَكَرَ الْمَفْعُولَ بِهِ،.كَ لا أُكُلُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، أَوْ لا أَضْرِبُ عَبْدًا، فَلا خِلافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي عُمُومِهِ وَقَبُولِهِ التَّخْصِيصَ4.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِهِ "بَاطِنًا" بِصِحَّةِ الاسْتِثْنَاءِ فِيهِ، فَكَذَا تَخْصِيصُهُ.
قَالَ الْمُخَالِفُ: الْمَأْكُولُ لَمْ يُلْفَظْ بِهِ، فَلا عُمُومَ، كَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ5.
رُدَّ6 بِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ7.
__________
1 في ش ز ض ب: المنفي.
2 في ش: أو.
3 لا يقبل قوله قضاء بالاتفاق، لأن النية خلاف الظاهر من الكلام، وفيها منفعة له، فتكون كدعوى، فلا تقبل إلا بدليل، ولا يقبل ديانة عند أبي حنيفة ومن معه، لأن التخصيص من توابع العموم، ولا عموم هنا.
"انظر: المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/251، المحصول ج1 ق2/627، نهاية السول 2/78، 88، المحلي على جمع الجوامع 1/423، شرح تنقيح الفصول ص185، فواتح الرحموت 1/286، مختصر البعلي ص111".
4 في ض ع ب: للتخصيص.
انظر: نهاية السول 2/87.
5 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/117، نهاية السول 2/88، المستصفى 2/62، الإحكام للآمدي 2/251، المحصول ج1 ق2/628، فواتح الرحموت 1/186، شرح تنقيح الفصول ص185.
6 في ش ض: ورد.
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/117.
(3/204)

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالْفَرْقِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ1.
"فَلَوْ زَادَ" فَقَالَ: إنْ أَكَلْت "لَحْمًا" مَثَلاً "وَنَوَى" لَحْمًا "مُعَيَّنًا، قُبِلَ" مِنْهُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ2 "مُطْلَقًا" أَيْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عِنْدَنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ3، مَا ذُكِرَ عَنْ غَيْرِنَا، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اتِّفَاقًا، وَخَرَّجَهُ الْحَلْوَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ4.
"وَالْعَامُّ فِي شَيْءٍ عَامٌّ فِي مُتَعَلِّقَاتِهِ" وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: خِلافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ الإِمَامُ5, أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 6 ظَاهِرُهَا عَلَى الْعُمُومِ: أَنَّ مَنْ7 وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَلَدٍ فَلَهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَ8 هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ الْكِتَابِ- أَنَّ الآيَةَ إنَّمَا قَصَدَتْ لِلْمُسْلِمِ9، لا لِلْكَافِرِ10.
__________
1 انظر بيان الفرق في "الإحكام للآمدي 2/251، شرح تنقيح الفصول ص185، فواتح الرحموت 2/286".
2 في ب: المتعين.
3 ساقطة من ش.
4 في ش: الروايتين.
وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/423، نهاية السول 2/78، 88، المحصول ج1 ق2/630، فواتح الرحموت 1/288، التمهيد ص113.
5 ساقطة من ض ب.
6 الآية 11 من النساء.
7 ساقطة من ض.
8 ساقطة من ع ب.
9 سبق بيان هذه المسألة عن الإمام أحمد مع الأدلة ص115.
10 في ع: الكافر.
(3/205)

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: سَمَّاهُ عَامًّا, وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الأَحْوَالِ يَعُمُّهَا عَلَى الْبَدَلِ, وَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا1 لَمْ يَأْخُذْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْقُرْآنِ، بَلْ بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِمَّا سَكَتَ عَنْهُ الْقُرْآنُ.
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 2 عَامَّةٌ فِيهِمْ، مُطْلَقَةٌ فِي أَحْوَالِهِمْ. فَإِذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِحُكْمٍ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، بَلْ لِمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ3.
وَقَالَ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا، كَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" 4 فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، وَفِي وَصِيَّةِ الْمُمَيِّزِ. وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ عَلَى الشُّفْعَةِ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" 5
__________
1 في ز: بها.
2 الآية 5 من التوبة.
3 تقدمت مسألة "عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة"، خلافاً للقرافي وبعض الحنابلة، كأبي العباس ابن تيمية الذي قال: "إن عموم الأشخاص لا يقتضي عموم الأحوال"، "راجع ذلك مع الأدلة ص115".
4 هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي والدارقطني وابن عدي عن أمامة وعمرو بن خارجة وأنس وابن عباس وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجابر وزيد بن أرقم والبراء وعلي بن أبي طالب ومعتقل بن يسار رضي الله عنهم مرفوعاً بلفظ: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
"انظر: سنن أبي داود 2/103، سنن النسائي 6/207، تحفة الأحوذي 6/309، سنن ابن ماجه 2/906، نصب الراية 4/403، سنن البيهقي 6/463، سنن الدارقطني 4/98، كشف الخفا 2/514، تخريج أحاديث البردوي ص222، التلخيص الحبير 3/92، مسند أحمد 4/186، 238، 5/267".
5 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/22 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 11/46، سنن ابي داود 2/256، تحفة الأحوذي 4/613، سنن النسائي 7/282، سنن ابن ماجه 2/834، الموطأ ص444 ط الشعب، بدائع المنن 2/211، مسند أحمد 3/296، 399، التلخيص الحبير 3/55، 56، نصب الراية 4/175".
(3/206)

وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ عَامٌّ فِي الأَمْلاكِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
لا يَخْتَصُّ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ بِالْعَامِّ، بَلْ يَجْرِي فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِالنِّيَّةِ. وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ فِي "لا أَكَلْت" إنَّهُ لا عُمُومَ فِيهِ، بَلْ مُطْلَقٌ، وَالتَّخْصِيصُ فَرْعُ الْعُمُومِ1. اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالنِّيَّةِ تَقْيِيدًا، فَلَمْ يَمْنَعُوهُ, وَهَذِهِ هِيَ2 مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالنِّيَّةِ, وَلا أَكَلْت مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنْ3 أَكَلْت، لأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كَالنَّفْيِ4.
"وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ لِلْعُمُومِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ5.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ: لَيْسَ لِلْعُمُومِ, وَيَكْفِي النَّفْيُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ6.
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص185، فواتح الرحموت 1/286.
2 انظر: شرح تنقيح الفصول ص185، فواتح الرحموت 1/286.
3 في ش: وإن.
4 انظر: المحصول 2/619 هامش.
5 انظر هذه المسألة في "جمع الجوامع والمحلي عليه 1/422، نهاية السول 2/87، الإحكام للآمدي 2/247، المحصول ج1 ق2/617، شرح تنقيح الفصول ص186، التمهيد ص98، تخريج الفروع على الأصول ص160، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/114، فواتح الرحموت 1/289، تيسير التحرير 1/250، مختصر البعلي ص111، المسودة ص106".
6 انظر: نهاية السول 2/85، المعتمد 1/249، الإحكام للآمدي 2/247، المحصول ج1 ق2/617، المحلي على جمع الجوامع 1/422، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/114، شرح تنقيح الفصول ص186، فواتح الرحموت 1/289، تيسير التحرير 1/250، التمهيد ص98، المسودة ص107، مختصر البعلي ص111.
(3/207)

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: إنَّ1 الْخِلافَ فِي الاسْتِدْلالِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْله تَعَالَى: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} 2 فَلَوْ قُتِلَ بِهِ لَثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا، وَالاسْتِدْلالُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لا يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ بِقَوْله تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} 3 وَ4 لَوْ قُلْنَا: يَلِي5، لاسْتَوَى مَعَ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، وَهُوَ الْعَدْلُ6.
وَمَنْ نَفَى الْعُمُومَ فِي الآيَتَيْنِ لا يَمْنَعُ قِصَاصَ الْمُؤْمِنِ بِالذِّمِّيِّ، وَلا وِلايَةَ الْفَاسِقِ7.
ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَأْخَذَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الاسْتِوَاءَ فِي الإِثْبَاتِ هَلْ هُوَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي اللُّغَةِ أَوْ مَدْلُولُهُ لُغَةً الاسْتِوَاءُ مِنْ وَجْهٍ مَا؟
فَإِنْ قُلْنَا: مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَنَفْيُهُ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ، 8فَلا يَكُونُ عَامًّا9.
وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَهُوَ مِنْ عُمُومِ
__________
1 في ز ض ع ب: وإن.
2 الآية 20 من الحشر.
3 الآية 18 من السجدة.
4 ساقطة من ش ز ض ب.
5 في ش: بلى.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/422، نهاية السول 2/87، المعتمد 1/249، التمهيد ص98.
7 وهو قول الحنفية في المسألتين.
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/422، العضد على ابن الحاجب 2/114، فواتح الرحموت 1/289".
8 ساقطة من ب هنا، ثم ذكرت بعد ست كلمات.
9 انظر: نهاية السول 2/87، فواتح الرحموت 1/289، تيسير التحرير 1/250.
(3/208)

السَّلْبِ1 فِي الْحُكْمِ، لأَنَّ نَقِيضَ الإِيجَابِ الْكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيٌّ، وَنَقِيضَ الإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ سَلْبٌ كُلِّيٌّ, وَ2 لَكِنْ كَوْنُ الاسْتِوَاءِ فِي الإِثْبَاتِ عَامًّا مِنْ غَيْرِ صِيغَةِ عُمُومٍ مَمْنُوعٌ, غَايَتُهُ: أَنَّ حَقِيقَةَ الاسْتِوَاءِ ثَبَتَتْ3.
وَقَوْلُ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ: نَفْيُ الاسْتِوَاءِ أَعَمُّ مِنْ نَفْيِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمِنْ نَفْيِهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَالأَعَمُّ4 لا يَلْزَمُ مِنْهُ الأَخَصُّ5: مَرْدُودٌ بِمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَغَيْرُهُ6. بِأَنَّ7 ذَلِكَ فِي الإِثْبَاتِ أَمَّا8 نَفْيُ الأَعَمِّ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ9 الأَخَصِّ، كَنَفْيِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الإِنْسَانِ. هَذَا إذَا سَلَّمْنَا أَنَّ الاسْتِوَاءَ عَامٌّ لَهُ جُزْئِيَّاتٌ10.
أَمَّا إذَا قُلْنَا: حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُ كُلِّ مُتَّصِفٍ بِهَا11.
"وَالْمَفْهُومُ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ12 "عَامٌّ فِيمَا
__________
1 في ش: السبب.
2 ساقطة من ب.
3 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/114، نهاية السول 2/87، فواتح الرحموت 1/289، الإحكام للآمدي 247، شرح تنقيح الفصول ص186، تيسير التحرير 1/251، التمهيد ص98.
4 في ش: أعم.
5 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/114، نهاية السول 2/87.
6 ساقطة من ش.
7 في ش: إن.
8 في ش: ما.
9 في ب: نفي.
10 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/114، نهاية السول 2/87، تيسير التحرير 1/250.
11 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/115.
12 في ز ض ع ب: مخالفة أو موافقة.
(3/209)

سِوَى الْمَنْطُوقِ يُخَصَّصُ1 بِمَا. يُخَصَّصْ2 بِهِ الْعَامُّ هَذَا3 عِنْدَ الأَكْثَرِينَ4 مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ5.
قِيلَ6 لأَصْحَابِنَا: لَوْ كَانَ حُجَّةً لَمَا خُصَّ، لأَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ اللَّفْظِ كَالْعِلَّةِ، فَأَجَابُوا بِالْمَنْعِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ بِنَفْسِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، فَخُصَّ كَالنُّطْقِ وَقَدْ قِيلَ لأَحْمَدَ7 فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ السَّبْعَ وَالذِّئْبَ وَالْغُرَابَ وَنَحْوُهُ؟ فَاحْتَجَّ8 بِقَوْله تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ... } الآيَةَ9 10 لَكِنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ11 هَلْ يَعُمُّهُ النُّطْقُ12؟ فِيهِ خِلافٌ يَأْتِي.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قَالَ الآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ13: الْخِلافُ فِي الْمَفْهُومِ حُجَّةٌ،
__________
1 في ز ش: مخصص.
2 في ش: لم يخصص.
3 في ب: وهذا.
4 في ش ز ع ب: الأكثر.
5 واختار أبو العباس ابن تيمية وابن عقيل والمقدسي من الحنابلة أنه لا عموم له، وهو رأي الغزالي وابن دقيق العيد من الشافعية.
"انظر: مختصر البعلي ص111، 113، القواعد والفوائد الأصولية ص234، 237، مختصر ابن الحاجب 2/120، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/416 وما بعدها، المحصول ج1 ق2/654، الإحكام للآمدي 2/257، منهاج العقول 2/93، شرح تنقيح الفصول ص191، نهاية السول 2/96، تيسير التحرير 1/260، فواتح الرحموت 1/297، إرشاد الفحول ص131، المسودة ص 144".
6 في د ض ب: وقيل.
7 في ز ض ع ب: قال أحمد.
8 في ز ع ض ب: واحتج.
9 ساقطة من ب.
10 الآية 95 من المائدة.
11 في ع: موافقته.
12 في ز: المنطق.
13 انظر: الإحكام للآمدي 2/257، المحصول ج1 ق2/654.
(3/210)

لَهُ عُمُومٌ لا يَتَحَقَّقُ، لأَنَّ مَفْهُومَيْ1 الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالِفَةِ عَامٌّ فِي سِوَى الْمَنْطُوقِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ2، لِقَوْلِهِ3 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" 4 يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، دُونَ غَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ5.
فَمَتَى جَعَلْنَاهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ, وَتَأَوَّلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَرَادُوا: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
قِيلَ: قَوْلُهُمْ "الْمَفْهُومُ لا عُمُومَ لَهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظٍ حَتَّى يَعُمَّ" لا6. يُرِيدُونَ بِهِ7 سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ جَمِيعِ الْمَعْلُوفَةِ، لأَنَّهُ خِلافُ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ، وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَذْكُرُونَهُ فِي مَعْرِضِ الْبَحْثِ، فَقَدْ قَالُوا: دَلالَةُ الاقْتِضَاءِ. تُجَوِّزُ8 رَفْعِ الْخَطَإِ9، أَيْ حُكْمُهُ10: لا يَعُمُّ حُكْمَ الإِثْمِ وَالْغُرْمِ مَثَلاً، تَقْلِيلاً لِلإِضْمَارِ، فَكَذَلِكَ11 يُقَالُ فِي الْمَفْهُومِ: هُوَ حُجَّةٌ، لِضَرُورَةِ
__________
1 في ش مفهوم.
2 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص238، الإحكام للآمدي 2/257.
3 في ز ض ع ب: فقوله.
4 رواه البخاري وأبو داود والنسائي والدارمي والطبراني ومالك وأحمد عن أنس وعمر وابن عمر مرفوعاً بألفاظ متقاربة.
"انظر: صحيح البخاري 1/253، سنن أبي داود 1/358، سنن النسائي 5/14، 20، سنن الدارمي 1/381، تخريج أحاديث البردوي ص127، تخريج احاديث مختصر المنهاج ص289، المنتقى 2/126، مسند أحمد 1/12".
5 انظر: التبصرة ص226، اللمع ص18، إرشاد الفحول ص132.
6 ساقطة من ش.
7 ساقطة من ض.
8 في ش: بجواز.
9 في ب: الخطاب.
10 في ض: حكم.
11 في ش ز ض ب: فلذلك.
(3/211)

ظُهُورِ1 فَائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ, وَيَكْفِي فِي الْفَائِدَةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، لِتَوَقُّفِ بَيَانِهَا عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَهْلُ الْمَفْهُومِ، لَكِنَّهُ بَحْثٌ مُتَّجَهٌ2
"وَرَفْعُ3 كُلِّهِ4 تَخْصِيصٌ أَيْضًا" لإِفْرَادِهِ5 اللَّفْظَ فِي مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ، فَهُوَ كَبَعْضِ الْعَامِّ6.
__________
1 ساقطة من ش.
2 يرى الفخر الرازي والعضد وغيرهما أنه إذا حرر محل النزاع لم يتحقق خلاف، وأنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في محل النطق، أو ما يستغرق في الجملة.
انظر مناقشة هذه المسألة في "العضد على ابن الحاجب، والتفتازاني عليه 2/120، جمع الجوامع والمحلي عليه والبناني عليه 1/416 وما بعدها، المحصول ج1 ق2/654، شرح تنقيح الفصول ص191، فواتح الرحموت 1/297، تيسير التحرير 1/260، اللمع ص18، إرشاد الفحول ص131".
3 في ش: ووقع.
4 في ش: كل.
5 في ش: لإفراد، وفي "مختصر البعلي ص113": لإفادة.
6 انظر: مختصر البعلي ص113.
(3/212)

فَصْلٌ فِعْلُ 1 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَعُمُّ أَقْسَامَهُ وَجِهَاتِهِ:
"فِعْلُهُ" أَيْ فِعْلُ1 النَّبِيِّ "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُثْبَتِ وَإِنْ انْقَسَمَ إلَى جِهَاتٍ وَأَقْسَامٍ لا يَعُمُّ أَقْسَامَهُ وَجِهَاتِهِ2" لأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْهَا3 لا يَكُونُ إلاَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْسَامِ4.
مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ5 فَإِنَّهَا احْتَمَلَتْ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ أَنَّهَا فَرْضٌ وَنَفْلٌ مَعًا، فَلا يُمْكِنُ الاسْتِدْلال بِهِ عَلَى جَوَازِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَلا يَعُمُّ أَقْسَامَهُ6
__________
1 ساقطة من ش ع ض.
2 انظر هذه المسألة في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، جمع الجوامع والمحلي عليه 1/424، المعتمد 1/205، المستصفى 2/63، الإحكام للآمدي 2/252، 253، المحصول ج1 ق2/648، فواتح الرحموت 1/293، تيسير التحرير 1/247، مختصر البعلي ص111، إرشاد الفحول ص125، اللمع ص16".
3 في ش: فيها.
4 انظر: المستصفى 2/63، الإحكام للآمدي 2/252.
5 روى مالك والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبغوي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح فأغلقها ومكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جعل عموداً عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى".
"انظر: صحيح البخاري 1/98، 3/83، صحيح مسلم 2/966، سنن النسائي 5/171، سنن ابن ماجه 2/1018، بدائع المنن 1/65، المنتقى 3/34، شرح السنة 2/331".
6 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/425، المستصفى 2/64، الإحكام للآمدي 2/252، المحصول ج1 ق2653، التلويح على التوضيح 1/271، فواتح الرحموت 1/293، تيسير التحرير1/247، شرح الورقات ص104، إرشاد الفحول ص125، مباحث الكتاب والسنة 156، مختصر البعلي ص111.
(3/213)

وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ1،لا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا2 أَيْ وَقْتَ الصَّلاةِ الأُولَى وَوَقْتَ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وُقُوعَهُمَا فِي وَقْتِ الصَّلاةِ الأُولَى وَيَحْتَمِلُ وُقُوعَهُمَا فِي وَقْتِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ، وَالتَّعْيِينُ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ3، فَلا يعُمُّ4 وَقْتَيْ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، إذْ لَيْسَ فِي نَفْسِ وُقُوعِ الْفِعْلِ الْمَرْوِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ فِي وَقْتَيْهِمَا5.
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ6 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ7
__________
1 روى البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل السير جمع بين المغرب والعشاء، وفي رواية مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك.. الحديث".
وروى أبو داود عن معاذ في غزوة تبوك: "فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء". ورواه النسائي عن أنس، ورواه أحمد عن ابن عباس.
"انظر: صحيح البخاري 1/193، صحيح مسلم 1/489 وما بعدها، سنن أبي داود 1/257، تحفة الأحوذي 3/121، سنن النسائي 1/121، الموطأ ص108 ط الشعب، مسند أحمد 2/4، 148، سنن ابن ماجه 1/340، سنن الدارمي 1/356، شرح السنة 4/192، نيل الأوطار 3/242".
2 في ض: وقتها.
3 ثبت ذلك بالدليل فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب" ورواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن معاذ.
"انظر: صحيح البخاري 1/193، صحيح مسلم 1/489، سنن أبي داود 1/275، تحفة الأحوذي 3/121، بدائع المنن 1/117، مسند أحمد 2/150، نيل الأوطار 3/242".
4 في ش: تعم.
5 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/425، الإحكام للآمدي 2/253، المحصول ج1 ق2/648، اللمع ص17، شرح الورقات 105، مختصر البعلي ص112.
6 في ض ع ب: أنه.
7 في ش: غيوبة.
(3/214)

الشَّفَقِ1 فَإِنَّ صَلاتَهُ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْحُمْرَةِ، وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْبَيَاضِ، وَلا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ2 بَعْدَهُمَا3.إلاَّ عَلَى رَأْيِ4 مَنْ يُجَوِّزُ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ5.
"وَلا" يَعُمُّ "كُلُّ سَفَرٍ" كَسَفَرِ النُّسُكِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ6 أَيْضًا7.
"وَ" لَفْظُ " كَانَ " لِدَوَامِ الْفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ8، فَتُفِيدُ كَانَ "تَكَرُّرَهُ9" أَيْ تُكَرِّرَ10 الْفِعْلِ مِنْهُ، أَيْ فِي
__________
1 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد بألفاظ مختلفة "بأنه صلى الله عليه وسلم صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق".
"انظر: صحيح البخاري 1/74 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 2/136، سنن أبي داود 1/99، تحفة الأحوذي 1/471، سنن النسائي 1/214، سنن ابن ماجه 1/219، الموطأ ص31 ط الشعب، مسند أحمد 1/333، 30، 4/416، 5/349".
وقد يفهم من المسألة "أنه صلى الله عليه وسلم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق" وهذا الحديث في الصحيحين، ولكن العلامة البناني والعلامة التفتازاني نصا على الأول في الاستدلال.
"انظر: البناني على جمع الجوامع 1/425، التفتازاني على مختصر ابن الحاجب 2/118، مباحث الكتاب والسنة ص157".
2 في ض ب: يكون.
3 في ض: بعديهما.
4 في ش: أي.
5 في ض ب: معنيين.
6 ساقطة من ش.
7 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، المستصفى 2/64، الإحكام للآمدي 2/253، المحصول ج1 ق2/652، فواتح الرحموت 2/652، تيسير التحرير 1/247، إرشاد الفحول ص125، مباحث الكتاب والسنة ص156.
8 في ش ع: وتكراره.
9 في ع ب: تكراره.
10 في ض ع ب: تكرار.
(3/215)

الدَّوَامِ1، كَمَا عُلِمَ تكر2ر إكْرَامُ الضَّيْفِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَانَ حَاتِمُ يُكْرِمُ الضَّيْفَ, فَلا يَعُمُّ ذَلِكَ جَمِيعَ جِهَاتِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ كَمَا لا يَعُمُّ مِنْ3 حَيْثِيَّةِ غَيْرِ4 الْوَقْتِ5.
"وَلَمْ تَدْخُلْ الأُمَّةُ" أَيْ أُمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بِفِعْلِهِ 6" لأَنَّ فِعْلَهُ لَمَّا كَانَ لا عُمُومَ لَهُ فِي أَقْسَامِهِ، كَانَ7 كَذَلِكَ لا عُمُومَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّتِهِ "بَلْ" هُوَ خَاصٌّ بِهِ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ جَائِزًا8.
__________
1 العلاقة بين هذه المسألة مع ما قبلها أنها استدراك للأولى، وذلك أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يفيد العموم والدوام والتكرار، إلا إذا نقل الصحابي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ "كان" فإن نقله كذلك فإنه يدل على الدوام والتكرار، عند الجمهور، ولذلك قال الشوكاني: "وأما نحو قول الصحابي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا فلا يجري فيه الخلاف المتقدم، لأن لفظ كان هو الذي دل على التكرار، لا لفظ الفعل الذي بعدها" "إرشاد الفحول ص125".
"وانظر: المسودة ص115، القواعد والفوائد الأصولية ص237، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/425، الإحكام للآمدي 2/253، شرح الورقات ص05، مختصر البعلي ص112".
2 ساقطة من ش، وفي ض ع ب: تكرار.
3 ساقطة من ش.
4 ساقطة من ش.
5 اختلف العلماء في مسألة "كان" هل تفيد التكرار أم لا على قولين، الأول: أنها تفيد التكرار، وهو ما ذكره المصنف، والثاني: لا تفيد التكرار ورجحه الإسنوي والفخر الرازي، قال الإسنوي: "لفظ كان" لا يقتضي التكرار، وقيل يقتضيه"، "نهاية السول 2/88". وقال الفخر الرازي: "فأما التكرار فلا.." "المحصول ج1 ق2/650" ونقل القاضي أبو يعلى القول الثاني في "الكفاية" ومن العلماء من قال: إنه يفيد التكرار في العرف.
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، المحلي على جمع الجوامع 1/425، تيسير التحرير 1/248، شرح تنقيح الفصول ص189 وما بعدها، فواتح الرحموت 1/293، نهاية السول 2/88، المحصول ج1 ق2/650"
6 في ش: في فعله.
7 ساقطة من ز ض ب.
8 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/118، المستصفى 2/64، الإحكام للآمدي 2/253، فواتح الرحموت 293/1 التلويح على التوضيح 271/1،تيسير التحرير247/1، إرشاد الفحول ص125.
(3/216)

وَمَتَى وُجِدَ دُخُولُهَا فَهُوَ "بِدَلِيلٍ" خَارِجِيٍّ مِنْ "قَوْلٍ1" كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" وَ2 "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3 "أَوْ قَرِينَةِ تَأَسٍّ" كَوُقُوعِ فِعْلِهِ بَعْدَ خِطَابٍ مُجْمَلٍ، كَالْقَطْعِ4 بَعْدَ آيَةِ السَّرِقَةِ5، وَكَوُقُوعِهِ بَعْدَ خِطَابٍ مُطْلَقٍ، أَوْ بَعْدَ خِطَابٍ عَامٍّ "أَوْ قِيَاسٍ عَلَى فِعْلِهِ6".
وَاعْتُرِضَ بِعُمُومِ نَحْوِ "سَهَا7فَسَجَدَ "8 وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا أَنَا فَأَفِيضُ
__________
1 في ش: من قوله.
2 ساقطة من ز.
3 هذا جزء من حديث صحيح رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي بألفاظ متقاربة عن جابر مرفوعاً.
"انظر: صحيح مسلم 2/1006، مسند أحمد 3/378، سنن أبي داود 1/456، سنن النسائي 5/219، مختصر سنن أبي داود 2/416".
4 روى الإمام مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً" وروى الجماعة ومالك والدارمي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم"قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم".
"انظر: صحيح البخاري 4/173، صحيح مسلم 3/1312 وما بعدها، سنن أبي داود 2/448، تحفة الأحوذي 5/3، سنن النسائي 8/69، 70، سنن ابن ماجه 2/862، مسند أحمد 2/6، 54، المنتقى 7/156، 159، سنن الدارمي 2/172، 173، نيل الأوطار 7/140".
5 آية السرقة هي قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} المائدة/38.
6 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، المستصفى 2/64، الإحكام للآمدي 2/253، فواتح الرحموت 1/293، تيسير التحرير 1/248، العدة 1/318.
7 ساقطة من ش.
8 هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها أنه النبي صلى الله عليه وسلم: "سها قبل التمام فسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم" وفيه عيسى بن ميمون مختلف في الاحتجاج به، وضعفه الأكثر، وروى الطبراني في الصغير عن ابن عباس قال: "صليت خلف أنس بن مالك صلاة سها فيها فسجد بعد السلام ثم التفت إلينا وقال: أما إني لم أصنع إلا كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع" وفيه مجاهيل.
"انظر: مجمع الزوائد 4/153-154".
وأحاديث السهو في الصلاة والسجود له كثيرة وصحيحة، منها حديث ذي اليدين في الصحيحين، وسبق تخريجه في "المجلد الثاني ص193".
(3/217)

الْمَاءَ"1.
وَرَدَ ذَلِكَ بِالْفَاءِ، فَإِنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ2.
"وَالْخِطَابُ الْخَاصُّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ3 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} 4 وَنَحْوُهُ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَلا يَخْتَصُّ5 إلاَّ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ6, وَمِنْهُ قَوْله
__________
1 هذا طرف من حديث صحيح رواه البخاري بهذا اللفظ عن جبير بن مطعم، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن جبير بن مطعم مرفوعاً بألفاظ متقاربة، وروى الترمذي قريباً منه عن ميمونة.
"انظر: صحيح البخاري 1/57، صحيح البخاري 1/258، سنن أبي داود 1/55، سنن النسائي 1/170، تحفة الأحوذي 1/350، سنن ابن ماجه 1/350، مختصر سنن أبي داود 1/162، مسند أحمد 4/81، نيل الأوطار 1/290".
وانظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/118، الإحكام للآمدي 2/253.
2 أيد هذا الرد كثير من العلماء، وأن التعميم كان بأحد العوامل السابقة، قال العضد: "الجواب أن التعميم إنما كان بأحد ما ذكرنا "من قول أو قرينة أو قياس أو بالنص عليه بقوله" لا بصيغة الفعل" "العضد على ابن الحاجب 2/119"، وقال الآمدي: "أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو من حيث رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلية" "الإحكام للآمدي 2/254".
"انظر: فواتح الرحموت 1/293، تيسير التحرير 1/249".
3 في ش: النبي.
4 الآية 1 من المزمل.
5 ساقطة من ش.
6 في ز: يخصصه.
وقال الإسنوي: "وظاهر كلام الشافعي في البويطي أنه يتناولهم" "نهاية السول 2/88"، وقال الغزالي: "وهذا قول فاسد" "المستصفى 2/65".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/260، البرهان 1/367، المحصول ج1 ق2/620، مختصر ابن الحاجب 2/121، المحلي على جمع الجوامع 1/427، فواتح الرحموت 1/281، تيسير التحرير 1/251، مختصر الطوفي ص91، إرشاد الفحول ص129، مختصر البعلي ص114، العدة 1/318".
(3/218)

تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك} 1.
وَالْقَائِلُونَ بِالشُّمُولِ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ بِاللُّغَةِ، بَلْ لِلْعُرْفِ2 فِي مِثْلِهِ حَتَّى لَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ, وَلا يَقُولُونَ: إنَّهُمْ دَاخِلُونَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَيَتَّحِدُ الْقَوْلانِ3.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: لا يَعُمُّهُمْ الْخِطَابُ إلاَّ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ، إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِخُصُوصِهِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ, وَحِينَئِذٍ فَشُمُولُ الْحُكْمِ لَهُ بِذَلِكَ لا بِاللَّفْظِ، لأَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي أَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ4.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ بِقَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} 5 فَعَلَّلَ
__________
1 الآية 1 من التحريم.
2 في ش: المعروف.
3 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/122، فواتح الرحموت 1/281.
4 وهذا قول التميمي وأبي الخطاب من الحنابلة، ونسبه ابن عبد الشكور للمالكية.
"انظر: فواتح الرحموت 1/281، تيسير التحرير 1/251، المستصفى 2/64، المحصول ج1 ق2/620، نهاية السول 2/88، مختصر ابن الحاجب 2/121، جمع الجوامع 1/427، الإحكام للآمدي 2/260، البرهان 1/367، مختصر البعلي ص114، إرشاد الفحول ص129، العدة 1/324".
5 الآية 37 من الأحزاب.
(3/219)

الإِبَاحَةَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ أُمَّتِهِ. وَلَوْ اخْتَصَّ بِهِ الْحُكْمُ لَمَا كَانَ عِلَّةً لِذَلِكَ وَأَيْضًا {خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} 1 وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَصًّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّخْصِيصِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَائِدَةُ فِي التَّخْصِيصِ2 عَدَمُ الإِلْحَاقِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلِذَلِكَ رُفِعَ الْحَرَجُ3.
قُلْنَا4 ظَاهِرُ اللَّفْظِ مُقْتَضٍ لِلْمُشَارَكَةِ، لأَنَّهُ عَلَّلَ إبَاحَةَ التَّزْوِيجِ بِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ, وَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ بِالْخُصُوصِيَّةِ. فَالْقِيَاسُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ5.
وَأَيْضًا مَا6 فِي مُسْلِمٍ "أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌ، أَفَأَصُومُ7؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ" فَقَالَ: لَسْت مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ "وَاَللَّهِ إنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" 8
__________
1 الآية 50 من الأحزاب.
2 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/122، الإحكام للآمدي 2/261، فواتح الرحموت 1/281، تيسير التحرير 1/251، مختصر الطوفي ص92، العدة 1/324-325.
3 أي رفع الحرج عن الأمة بالنص والتخصيص عليها في الآية: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} ولو كانت الإباحة خاصة لما انتفى الحرج عن الأمة.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/261، 262، العضد على ابن الحاجب 2/123، تيسير التحرير 1/252، فواتح الرحموت 1/281.
4 في ش: فذلك.
5 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/427، البرهان 1/369، فواتح الرحموت 1/282، تيسير التحرير 1/252.
6 ساقطة من ز ض ب.
7 في ض: فأصوم.
8 هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً.
"انظر: صحيح مسلم 2/781، سنن أبي داود 1/557، مسند أحمد 6/312، نيل الأوطار 4/238".
(3/220)

فَدَلَّ الْحَدِيثُ مِنْ1 وَجْهَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ أَجَابَهُمْ بِفِعْلِهِ2، وَلَوْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُرَاجَعَتَهُمْ لَهُ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ، فَدَلَّ عَلَى3 أَنَّهُ لا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَى أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ الأَحْكَامِ، كَرُجُوعِهِمْ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ4، وَفِي صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ5.
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: الْمُفْرَدُ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لُغَةً.
قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ، بَلْ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ6.
__________
1 ساقطة من ز.
2 في ش: بقوله.
3 ساقطة من ش.
4 روى الإمام مالك والشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل" وفي رواية الترمذي: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل" وفي رواية الشافعي وابن حبان: "إذا التقى الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم"، وجعله البخاري عنوان باب: "إذا التقى الختانان".
"انظر: المنتقى 1/96، بدائع المنن 1/35-36، مسند أحمد 6/47، 97، صحيح مسلم 1/271، صحيح البخاري 1/62، سنن النسائي 1/92، تحفة الأحوذي 1/362، سنن ابن ماجه 1/199، سند الدارمي 1/194، موارد الظمآن ص81، شرح السنة 2/3، تخريج أحاديث البردوي ص170، نيل الأوطار 1/260".
5 انظر: البرهان 1/368، مختصر الطوفي ص92، العدة 1/327.
6 في ش: والشرع.
قال الطوفي: "وكأن الخلاف لفظي، إذ هؤلاء يتمسكون بالمقتضى اللغوي، والأولون بالواقع الشرعي" "مختصر الطوفي ص92".
"وانظر تيسير التحرير 1/252، العدة 1/330".
(3/221)

قَالُوا: يُوجِبُ كَوْنَ خُرُوجِ غَيْرِهِ تَخْصِيصًا1.
قُلْنَا: مِنْ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ مُسَلَّمٌ2، إذَا ظَهَرَتْ لَهُ مُشَارَكَتُهُمْ لَهُ3. فِي الأَحْكَامِ ثَبَتَتْ4 مُشَارَكَتُهُ لَهُمْ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّلازُمِ ظَاهِرًا, فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لأَحَدِ الْمُتَلازِمَيْنِ5 ثَبَتَ لِلآخَرِ؛ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمٌ انْفَرَدُوا بِهِ دُونَهُ لَثَبَتَ نَقِيضُهُ فِي حَقِّهِ دُونَهُمْ, وَقَدْ ظَهَرَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلافِهِ6
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِيمَا يُمْكِنُ إرَادَةُ الأُمَّةِ مَعَهُ أَمَّا مَا لا يُمْكِنُ إرَادَةُ الأُمَّةِ مَعَهُ فِيهِ7، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} 8 {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك} 9 وَنَحْوِهِ10، فَلا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ قَطْعًا، وَمِنْهُ مَا قَامَتْ قَرِينَةٌ فِيهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ مِنْ خَارِجٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} 11.
وَأَمَّا إنْ12 كَانَ الْخِطَابُ خَاصًّا بِالأُمَّةِ نَحْوُ خِطَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلصَّحَابَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِالأُمَّةِ، لا يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِ إلاَّ بِدَلِيلٍ فَيَعُمُّ
__________
1 في ش: تخصيصان.
2 في ز: المسلم.
3 في ش ز ض: له مشاركتهم.
4 في ض: فثبتت، وفي ب: فثبت.
5 في ب: قبل المتلازمين.
6 انظر: البرهان 1/369، تيسير التحرير 1/252، مختصر الطوفي ص92.
7 ساقطة من ش.
8 الآيتان 1-2 من المدثر.
9 الآية 67 من المائدة.
10 في ش: وغيره.
11 الآية 6 من المدثر.
12 في ض ب: إذا.
(3/222)

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلافِ1.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: نَفَى دُخُولَهُ هُنَا عَنْ الأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ, وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لا يَأْمُرُ نَفْسَهُ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبِيدِهِ2.
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَخْبَرٌ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَذَا أَيْ وَكَمَا3. قُلْنَا فِي الصُّوَرِ4 الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ كَوْنِ الْخِطَابِ لا يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِ خِطَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاحِدٍ مِنْ الأُمَّةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُخَاطَبَ وَغَيْرَهُ؛ لأَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ بِهِ الْمُخَاطَبُ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثًا إلَى الْجَمِيعِ5.
رُدَّ بِالْمَنْعِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ تَعْرِيفُ6 كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَلا يَلْزَمُ شَرِكَةُ الْجَمِيعِ فِي الْجَمِيعِ7.
__________
1 وهو الخلاف في مسألة الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عام الأمة عند الحنابلة والحنفية والمالكية، خلافاً لبعض الحنابلة وأكثر الشافعية والأشعرية والمعتزلة "صفحة 218 من هذا المجلد".
وقال الشوكاني: "الخطاب الخاص بالأمة. نحو "يا أيها الأمة" لا يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم قال الصفي الهندي: بلا خوف، وكذا قال القاضي عبد الوهاب" "إرشاد الفحول ص129".
وانظر: هذه المسألة في "المستصفى 2/65، 81، مختصر البعلي ص114، القواعد والفوائد الأصولية ص207، شرح تنقيح الفصول ص197، العدة 1/320".
2 انظر: مختصر البعلي ص114.
3 في ش: وكل ما.
4 في ش: الصورة.
5 وهذا قول الحنابلة فقط، وأبي المعالي الجويني، خلافاً للجمهور كما سيذكره المصنف.
انظر هذه المسألة في "جمع الجوامع 1/429، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/123، الإحكام للآمدي 2/263، البرهان 1/370، فواتح الرحموت 1/280، تيسير التحرير 1/252، مختصر الطوفي ص92، مختصر البعلي ص114، إرشاد الفحول ص130، العدة 1/318، 331".
6 في ع: تعريفه.
7 ساقطة من ش.
وانظر: إرشاد الفحول ص130.
(3/223)

وَقَالُوا: هُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِرُجُوعِهِمْ إلَى قِصَّةِ مَاعِزٍ1، وَبِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ2، وَأَخْذِهِ3 الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ4 وَغَيْرِ ذَلِكَ5.
وَ6 رُدَّ بِدَلِيلٍ هُوَ التَّسَاوِي فِي السَّبَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ7 كَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ وَاقَعْتُ
__________
1 هو الصحابي ماعز بن مالك الأسلمي، يقال: أسمه غريب، وماعز لقب له، معدود في المدنيين، كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بإسلام قومه، روى عنه عبد الله حديثاً واحداً، وهو الذي اعترف بالزنا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمه، وقال عليه الصلاة والسلام: "لقد تاب توبة لو تابها طائفة من أمتي لأجزأت عنهم"، وحديثه في الرجم رواه أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني.
"انظر: الإصابة 3/337، الاستيعاب 3/438، تهذيب الأسماء 2/75، أسد الغابة 5/8".
وقصة ماعز أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فرجمه رواها مسلم والبخاري وأبو داود وأحمد.
"انظر: صحيح البخاري 4/121، المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 11/195، سنن أبي داود 2/446، مسند احمد 1/238، 2/286، 3/2، 5/89، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص304".
2 هي الصحابية بروع بنت واشق الرواسية الكلابية أو الأشجعية، قال الجوهري في "الصحاح": أهل العربية يقولون بكسر الباء، والصواب الفتح، وهي زوجة هلال بن مرة وقصتها في حديث معقل بن سنان الأشجعي وغيره: أنها نكحت رجلاً، وفوضت إليه "أي فوضت إليه مقدار المهر" فتوفي قبل أن يجامعها فقضى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق نسائها".
"انظر: الإصابة 4/251، الاستيعاب 4/255، أسد الغابة 7/37، تهذيب الأسماء 2/332" وسيرد حديثها صفحة 227.
3 في ض ب: وأخذ.
4 هذا الحديث رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والشافعي ومالك عن عبد الرحمن بن عوف وغيره، وسبق تخريجه في "المجلد ص371".
5 انظر: العدة 1/319.
6 ساقطة من ع ب.
7 في ش ز: لسائل، وفي ب: بالسؤال.
(3/224)

أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ1: "أَعْتِقْ رَقَبَةً 2 " كَانَ عَامًّا وَإِلاَّ فَلا3, كَقَوْلِ النَّبِيِّ4 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" 5 فَلا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ- أَنَّهُ لا يَعُمُّ, قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لأَنَّهُ عَمَّ6 فِي الَّتِي7 قَبْلَهَا لِفَهْمِ8 الاتِّبَاعِ، لأَنَّهُ مُتَّبَعٌ9.
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ10
__________
1 ساقطة من ز ض ع ب.
2 ساقطة من ز ض ع ب.
3 ساقطة من ش.
4 في ض ع ب: كقوله.
5 هذا طرف من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ومالك وأحمد عن عائشة، ورواه البخاري ومسلم عن أبي موسى، ورواه البخاري عن ابن عمر، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، ولفظ البخاري: "قال الأسود: كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذن، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس ... " الحديث.
"انظر: صحيح البخاري 1/122، صحيح مسلم 1/313 وما بعدها، تحفة الأحوذي 10/156، سنن ابن ماجه 1/389، تخريج احاديث البردوي ص245، الموطأ ص123 ط الشعب، مسند أحمد 6/24، 159، المنتقى 1/305، الفتح الكبير 3/135".
6 في د ض ب: لو عم.
7 في ض ب: الشيء.
8 في ب: لعلم.
9 انظر قول الجمهور في هذه المسألة في "جمع الجوامع 1/429، الإحكام للآمدي 2/263، البرهان 1/370، تخريج الفروع على الأصول ص181، مختصر ابن الحاجب 2/123، فواتح الرحموت 1/280، تيسير التحرير 1/252، مختصر الطوفي ص92، مختصر البعلي ص114، إرشاد الفحول ص130، مباحث الكتاب والسنة ص158".
10 في ز: بذلك.
(3/225)

الْوَاحِدَ1، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بُرْدَةَ "اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك 2 " وَمِثْلُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَإِنَّهُ وَقَعَ لَهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، كَمَا فِي أَبِي دَاوُد3، كَمَا رَخَّصَ لأَبِي بُرْدَةَ، وَرَخَّصَ أَيْضًا لَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ4.وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ5 بَعْدَ تَخْصِيصٍ6
__________
1 انظر ما نقله الشوكاني من أقوال العلماء في هذه المسألة، وحصر الخلاف فيها باللغة أو بالشرع، ومحل الخلاف في كتابه "إرشاد الفحول ص130".
2 في ز: من بعدك.
3 روى عن أبو داود عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ضحايا، فأعطاني عتوداً جذعاً، قال: فرجعت به إليه، فقلت له: إنه جذع، "أي لا يجزي في الأضحية"، قال: "ضح به"، فضحيت به"، والعتود: هو الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة، ورواه الإمام أحمد.
"انظر: مسند أحمد 5/194، سنن أبي داود 2/86، النهاية في غريب الحديث 3/177".
4 روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله، إنه أصابني جذع، فقال: "ضح به".
والجذع من أسنان الدواب، وهو كل ما كان منها شاباً قوياً، ويختلف من الإبل إلى البقر إلى الغنم، فهو من المعز ما دخل في السنة الثانية.
"انظر: صحيح البخاري 3/316، صحيح مسلم 3/1556، تحفة الأحوذي 5/86، سنن النسائي 7/192، سنن ابن ماجه 2/1048، مسند أحمد 4/144، النهاية في غريب الحديث 1/250".
5 في ع: لعموم.
6 قال العضد: "فائدته "التخصيص" نفي احتمال الشركة قطعاً للإلحاق بالقياس" "العضد على ابن الحاجب 2/124".
وانظر: الإحكام للآمدي 2/264، إرشاد الفحول ص130.
(3/226)

اُسْتُدِلَّ1 لِلأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِرُجُوعِ الصَّحَابَةِ2 إلَى التَّمَسُّكِ بِقَضَايَا الأَعْيَانِ3، كَقَضِيَّةِ4 مَاعِزٍ، وَدِيَةِ الْجَنِينِ5، وَالْمُفَوَّضَةِ6، وَالسُّكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ7، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
__________
1 في ش: استدلال.
2 ساقطة من ش.
3 انظر: تيسير التحرير 1/252، فواتح الرحموت 1/280، الإحكام للآمدي 2/263، العضد على ابن الحاجب 2/123، العدة 1/332، 335.
4 في ز ع: كقصة.
5 سبق تخريج حديث دية الجنين في المجلد الثاني ص370.
6 المفوضة هي المرأة التي فوضت نكاحها إلى الزوج حتى تزوجها من غير مهر، وقال الفيومي: وقيل: فوضت أي أهملت حكم المهر، فهي مفوضة اسم فاعل، وقال بعضهم: مفوضة، اسم مفعول، لأن الشرع فوض أمر المهر إليها في إثباته وإسقاطه" "المصباح المنير 2/742".
وحديث المفوضة هو حديث بروع بنت واشق الذي رواه علقمة عن معقل بن سنان الأشجعي قال علقمة: أتي عبد الله في امرأة تزوجها رجل ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لبروع ابنة واشق بمثل ما قضى".
وقال علي: لا صداق لها، وكذلك قال زيد، وبهذا أخذ الإمام مالك، وأخذ سفيان والحسن وقتادة بقول ابن مسعود.
"انظر: سنن أبي داود 1/487، سنن النسائي 6/99، 164، سنن ابن ماجه 1/609، مسند أحمد 1/431ن سنن الدارمي 2/155، المستدرك 2/180، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص45، تخريج أحاديث البردوي ص161، 237".
7 ساقطة من ز ض ع.
والمبتوتة هي المطلقة طلاقاً باتا بائناً، كالمطلقة ثلاثاً، فلا يجوز لزوجها أن يراجعها أو يعود إليها، وقال بعض الفقهاء بأنه لا نفقة ولا سكن لها، لما رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن فاطمة بنت قيس قالت: "طلقني زوجي ثلاثاً، فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة" وقال الجمهور: لها السكنى ولا نفقة لها، لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} الطلاق/6، ولقوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} الطلاق/1.
"انظر: صحيح مسلم 2/1114، سنن أبي داود 1/532، سنن النسائي 6/175، تحفة الأحوذي 4/351، سنن ابن ماجه 1/656، تخريج أحاديث البردوي ص161، 163، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص55، مسند أحمد 6/373، 411، النهاية في غريب الحديث 1/92، نيل الأوطار 6/338".
(3/227)

وَأَما1 قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2 لأَبِي بُرْدَةَ: "وَلا تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ3 بَعْدَك" فَلَوْلا4 أَنَّ الإِطْلاقَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ لَمْ يَخُصَّ, وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ خُزَيْمَةَ بِجَعْلِ شَهَادَتِهِ كَشَهَادَتَيْنِ5.
وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} 6 وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ "بُعِثْتُ إلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ" 7.
قَالُوا: لِتَعْرِيفِ8 كُلِّ مَا يَخْتَصُّ9.
__________
1 في ش ز ع: وأيضاً.
2 ساقطة من ب.
3 في ب: لأحدٍ.
4 في ش: لو.
5 أخرج أبو داود والنسائي وأحمد والبيهقي والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد له خزيمة فهو حسبه" وفي رواية: "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة شهادة رجلين" وفي رواية أحمد: "فكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين"، وذكره البخاري ضمن حديث بلفظ: "خزيمة الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين"، وتقدمت ترجمة خزيمة بت ثابت الأنصاري "المجلد الأول ص337".
"انظر: سنن أبي داود 2/276، سنن النسائي 7/266، مسند أحمد 5/188، 189، السنن الكبرى للبيهقي 10/146، المستدرك 2/18، صحيح البخاري 2/92 المطبعة العثمانية، نيل الأوطار 5/180، تخريج أحاديث البردوي ص256".
6 الآية 28 من سبأ.
7 هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد ومسلم والدارمي عن جابر وأبي ذر مرفوعاً، وأوله: "أعطيت خمساً لم يعطيهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود ... " الحديث.
"انظر: صحيح مسلم 1/37، مسند أحمد 1/250، 4/416، 5/145، سنن الدارمي 2/224".
8 في ش: التعريف.
9 أي لتعريف كل أحد من الناس ما يختص به من الحكام كالمقيم والمسافر، والحر والعبد، والحائض والآيسة.. وهكذا، وليس لبيان أن كل الأحكام لكل الناس.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/123، الإحكام للآمدي 2/263، فواتح الرحموت 8/280".
(3/228)

قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ اخْتِصَاصٌ ظَهَرَ اقْتِصَارُ الْحُكْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَيْضًا فَقَوْلُ1 الرَّاوِي "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَضَى" يَعُمُّ، وَلَوْ اخْتَصَّ بِمَنْ سَوْقُهُ لَهُ2 لَمْ يَعُمَّ لاحْتِمَالِ سَمَاعِ الرَّاوِي أَمْرًا أَوْ3 نَهْيًا لِوَاحِدٍ، فَلا يَكُونُ عَامًّا4.
قَالُوا: لَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَطْعِ وَالتَّخْصِيصِ.
قُلْنَا: سِيقَ جَوَابُهُمَا.
قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْهُ5 عَدَمُ فَائِدَةٍ حُكْمِيٍّ6 عَلَى الْوَاحِدِ7.
__________
1 في ض ب: قول.
2 ساقطة من ز ض ع.
3 في و: ع.
4 ستأتي هذه المسألة في الصفحة التالية.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 في ز: الحكم، وفي ع: حكم.
7 هذا طرف من حديث، وتتمته "حكمي على الواحد، حكمي على الجماعة" وفي لفظ "كحكمي على الجماعة"، وهو حديث لا أصل له، كما قال العراقي، وقال: سئل عنه المزي والذهبي فأنكره، ولكن وردت احاديث كثيرة تشهد لصحة معناه، منها ما رواه الإمام مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث أميمة بنت رقيقة أنها قالت: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة من الأنصار نبايعه، فقلنا: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين لأيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، قال: "فيما استطعتن وأطقتن"، قال: قلنا الله ورسول أرحم بنا، هلم نبايعك يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" أو "مثل قولي لا مرأة واحدة"، قال ابن كثير في تفسيره: إسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه مختصراً بدون الجملة الأخيرة.
"انظر: تحفة الأحوذي 5/220، سنن النسائي 7/134، سنن ابن ماجه 2/959، سنن الدارقطني 4/146، مسند أحمد 6/357، الموطأ ص608 ط الشعب، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص293، كشف الخفا 1/436، تفسير ابن كثير 4/352 طبعة عيسى الحلبي، فيض القدير 3/16".
(3/229)

قُلْنَا: الْحَدِيثُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَصْلاً.
"وَفِعْلُهُ" أَيْ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِي تَعَدِّيهِ إلَيْهَا" أَيْ إلَى الأُمَّةِ "كَخِطَابٍ خَاصٍّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي1 أَنَّ فِعْلَهُ مُخْرَجٌ عَلَى الْخِلافِ فِي الْخِطَابِ الْمُتَوَجَّهِ إلَيْهِ 2عِنْدَ الأَكْثَرِ3.وَالْخِطَابُ الْمُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لا4 يَخْتَصُّ بِهِ إلاَّ بِدَلِيلٍ، فَكَذَا5 فِعْلُهُ6.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَتَعَدَّى فِعْلُهُ إذَا عُرِفَ وَجْهُهُ. يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ خِطَابُهُ7.
"فَائِدَةٌ":
"نَحْوُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ8" وَقَوْلُهُ: قَضَى رَسُولُ
__________
1 في ز: أنه.
2 ساقطة من ز.
3 انظر: مختصر البعلي ص114.
4 في ز: ولا.
5 في ش: وكذا.
6 انظر: العدة 1/318.
7 وهو قول أبي المعالي وغيره، "انظر: مختصر البعلي ص114".
8 هذا الحديث رواه الإمام مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً.
"انظر: الموطأ ص412 ط الشعب، المنتقى 5/41، مسند أحمد 1/116، 302، 2/154، صحيح مسلم 3/1153، سنن أبي داود 2/228، تحفة الأحوذي 4/426، سنن النسائي 7/230، سنن ابن ماجه 2/739، سنن الدارمي 2/251، مختصر سنن أبي داود 5/45، نيل الأوطار 5/166".
(3/230)

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ 1 "يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ" وَكُلَّ جَارٍ2.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ3.
لَنَا: أَنَّ الصَّحَابِيَّ الرَّاوِيَ4 عَدْلٌ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ صِيغَةَ الْعُمُومِ، وَهِيَ الْجَارُ وَالْغَرَرُ، لِكَوْنِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ فَاللاَّمُ الْجِنْسِ، إلاَّ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ, وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ5 أَنَّهُ سَمِعَ6 صِيغَةَ الْعُمُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ فِيمَا فَعَلَهُ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ7.
__________
1 روى هذا الحديث بهذا اللفظ النسائي عن أبي رافع، ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بلفظ "الجار أحق بشفعة جاره" ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة مرفوعاً بلفظ: "جار الدار أحق بالدار من غيره".
"انظر: مسند أحمد 3/353، 5/17، 22، سنن أبي داود 2/256، سنن النسائي 7/281، تحفة الأحوذي 4/609، سنن ابن ماجه 2/833، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ص88، مختصر سنن أبي داود 5/169 وما بعدها، نيل الأوطار 5/375".
2 اختار هذا القول الآمدي والشوكاني وغيرهما، وقال الرازي: "فالاحتمال فيهما، ولكن جانب العموم أرجح" "المحصول ج1 ق2/647".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/255، إرشاد الفحول ص125، التلويح على التوضيح 1/271، فواتح الرحموت 1/294، تيسير التحرير 1/249، الإحكام لابن حزم 1/384، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/119، مختصر الطوفي ص103، مختصر البعلي ص112، الروضة 2/235".
3 انظر: نهاية السول 2/89، المستصفى 2/66، الإحكام للآمدي 2/255، البرهان 1/348، المحصول ج1 ق2/642، شرح تنقيح الفصول ص188، التلويح على التوضيح 1/271، فواتح الرحموت 1/294، شرح الورقات ص105، اللمع ص17، التمهيد ص98، نزهة الخاطر 2/145، العضد على ابن الحاجب 2/119، جمع الجوامع 2/36، الروضة 2/235، مختصر الطوفي ص103، مختصر البعلي ص113، مباحث الكتاب والسنة ص156.
4 ساقطة من ض.
5 ساقطة من ز ع ض ب.
6 في ش: لم ينقل.
7 انظر: الإحكام للآمدي 2/255، العضد على ابن الحاجب 2/119، التوضيح على التنقيح 1/271، فواتح الرحموت 1/294، تيسير التحرير 1/249، إرشاد الفحول ص125، الروضة 2/235، مختصر الطوفي ص103.
(3/231)

وَاحْتَجَّ1 الْخَصْمُ عَلَى أَنَّهُ لا عُمُومَ لَهُ2؛ لأَنَّهُ حِكَايَةُ الرَّاوِي، وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِأَنْ رَأَى3 عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ غَرَرٍ خَاصٍّ، أَوْ قَضَى لِجَارٍ4 خَاصٍّ, فَنَقَلَ صِيغَةَ الْعُمُومِ لِظَنِّهِ عُمُومَ الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً، فَتَوَهَّمَ أَنَّهَا عَامَّةٌ، فَنَقَلَهَا عَامَّةً، وَحِينَئِذٍ فَلا يُمْكِنُ الاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لأَنَّ الاحْتِجَاجَ بِالْمَحْكِيِّ، لا5 بِالْحِكَايَةِ، إلاَّ إذَا طَابَقَتْهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ6.
قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَادِحًا فَهُوَ خِلافُ الظَّاهِرِ, لأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلأَنَّ اللاَّمَ غَالِبًا لِلاسْتِغْرَاقِ، فَحَمْلُهُ عَلَى
__________
1 في ز: فاحتج.
2 ساقطة من ش.
3 في ش: روى عن.
4 في ش: لعارض.
5 ساقطة من ب.
6 انظر أدلة الجمهور في عدم العموم في "المحلي على جمع الجوامع 2/36، الإحكام للآمدي 2/255، المحصول ج1 ق2/642، شرح تنقيح الفصول ص188، التلويح على التوضيح 1/271، فواتح الرحموت 1/294، تيسير التحرير 1/249، شرح الورقات ص106، العضد على ابن الحاجب 2/119، نهاية السول 2/89، المستصفى 2/66، 67، التمهيد ص97، اللمع ص17، الروضة 2/235، مختصر ص103، إرشاد الفحول ص125، مباحث الكتاب والسنة ص157".
(3/232)

الْعَهْدِ خِلافُ الْغَالِبِ1.
__________
1 ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في "التقريب" والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق والقاضي عبد الوهاب وصححه، وحكاه عن أبي القفال: التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف "أن"، فيكون للعموم، كقوله: "قضى أن الخراج بالضمان" وبين لا يقترن فيكون خاصاً، نحو "قضى بالشفعة للجار".
وذهب بعض المتأخرين إلى أن النزاع لفظي من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغة المذكورة، والمثبت للعموم فيها هو باعتبار خارجي. "انظر: إرشاد الفحول ص125".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/255، فواتح الرحموت 1/293، تيسير التحرير 1/249، العضد على ابن الحاجب 2/119، نزهة الخاطر 2/146، مختصر الطوفي ص103، إرشاد الفحول ص125".
(3/233)

فَصْلٌ لَفْظُ الرِّجَالِ وَالرَّهْطِ لا يَعُمُّ النِّسَاءَ وَلا الْعَكْسَ:
وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ النِّسَاءِ لا يَعُمُّ الرِّجَالَ. وَلا الرَّهْطَ1 قَطْعًا2
"وَيَعُمُّ نَحْوُ" لَفْظِ "النَّاسِ، وَ" لَفْظِ "الْقَوْمِ" كَالإِنْسِ وَالآدَمِيِّينَ "الْكُلِّ" أَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ3 ثُمَّ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ خَاصَّةً4.
وَفِي مَدْلُولِ " الْقَوْمِ " ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقَوْمُ: الْجَمَاعَةُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا5، أَوْ مِنْ الرِّجَالِ خَاصَّةً، أَوْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ عَلَى التَّبَعِيَّةِ، وَيُؤَنَّثُ6.اهـ.
__________
1 ساقطة من ض.
2 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/124، المحصول ج1 ق2/621، تيسير التحرير 1/231، المعتمد 1/250، الإحكام للآمدي 2/265، الروضة 2/236، مختصر البعلي ص114، إرشاد الفحول 126.
3 ساقطة من ض ع.
وانظر: الإحكام للآمدي 2/265، البرهان 1/360، 127، مختصر البعلي ص144، المسودة ص99، العضد على ابن الحاجب 2/124، المنخول ص143، المنتقى 2/79، الروضة 2/236.
4 انظر: كشف الأسرار 2/5، التلويح على التوضيح 1/226.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 القاموس المحيط 4/169-170.
(3/234)

وَيُسْتَأْنَسُ لِلأَوَّلِ بِقَوْله تَعَالَى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} 1 فَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي ذَلِكَ2 اهـ.
وَنَحْوُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُصَلِّينَ وَالْمُزْكِينَ3 "كَالْمُسْلِمِينَ، وَ" نَحْوُ4 "فَعَلُوا" كَكُلُوا وَشَرِبُوا، وَكَذَا5 افْعَلُوا كَكُلُوا وَاشْرَبُوا6، وَيَفْعَلُونَ كَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَفَعَلْتُمْ كَأَكَلْتُمْ وَشَرِبْتُمْ، وَكَذَا اللَّوَاحِقُ، كَذَلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ7 "يَعُمُّ النِّسَاءَ تَبَعًا" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ رضي الله تعالى عنه8.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَعُمُّ، اخْتَارَهُ9 أَبُو الْخَطَّابِ وَالطُّوفِيُّ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ وَنَقَلَهُ10 ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ11.
__________
1 الآية 31 من الأحقاف.
2 انظر: كشف الأسرار 2/5، التلويح على التوضيح 1/226.
3 في ش: والمشركين.
4 في ب: ونحوه.
5 في ش: وكذلك.
6 في د: وشربوا.
7 في ش: الذكور.
8 انظر هذه المسألة في "الإحكام للآمدي 2/265، البرهان 1/358، شرح تنقيح الفصول ص198، المستصفى 2/79، مختصر ابن الحاجب 2/124، المنخول ص143، المعتمد 1/250، المحصول ج1 ق2/623، المحلي على جمع الجوامع 1/429، التمهيد ص104، العدة 2/351، فواتح الرحموت 1/273، تيسير التحرير 1/231، الإحكام لابن حزم 1/324، مختصر البعلي ص114، إرشاد الفحول ص127، الروضة 2/226، مختصر الطوفي ص103.
9 في ش ب: اختارها.
10 في ع: ونقل.
11 وهذا القول رجحه الغزالي والباقلاني وغيرهما.
"انظر: المستصفى 2/79، البرهان 1/358، المحصول ج1 ق2/623، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/124، نهاية السول 2/88، جمع الجوامع 1/429، المعتمد 1/250، شرح تنقيح الفصول ص198، فواتح 1/273، تيسير التحرير 1/231، الروضة 2/236، مختصر البعلي ص114، مختصر الطوفي ص103، التمهيد ص104، الإحكام للآمدي 2/265، فتح الغفار 1/93، إرشاد الفحول ص127".
(3/235)

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ عَنْ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: إنَّ عُمُومَهُ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، بَلْ بِالْعُرْفِ1، أَوْ بِعُمُومِ الأَحْكَامِ أَوْ2 نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: انْدِرَاجُ النِّسَاءِ تَحْتَ لَفْظِ "الْمُسْلِمِينَ" بِالتَّغْلِيبِ لا بِأَصْلِ الْوَضْعِ3.
وَ4 قَالَ الإِبْيَارِيُّ5: لا خِلافَ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ فِي عَدَمِ تَنَاوُلِهِنَّ لِجَمْعٍ كَجَمْعِ الذُّكُورِ. وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلَى ثُبُوتِ التَّنَاوُلِ، لِكَثْرَةِ اشْتِرَاكِ النَّوْعَيْنِ فِي الأَحْكَامِ لا غَيْرُ، فَيَكُونُ الدُّخُولُ عُرْفًا لا لُغَةً.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّنَاوُلِ: هَلْ يَكُونُ دَالاًّ عَلَيْهِمَا 6بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ7 عَلَيْهِمَا مَجَازًا صِرْفًا8؟ خِلافَ9, ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْقَاضِي الْبَاقِلاَّنِيِّ10: الثَّانِي11، وَالْقِيَاسُ12 قَوْلُ أَبِي الْمَعَالِي
__________
1 في ش: العرف.
2 في ز ض ب: و.
3 البرهان 1/359.
"وانظر: تيسير التحرير 1/231، إرشاد الفحول ص127".
4 ساقطة من ش.
5 في ش ض ب: الأنباري، وقال في "إرشاد الفحول ص127" ابن الأنباري.
6 ساقطة من ش.
7 في ز: و.
8 في ش ب: عرفاً.
9 في ش: خلاف الظاهر.
10 في ش: والباقلاني.
11 في ب: والثاني.
12 في ض ع: وقياس، وساقطة من ب.
(3/236)

الأَوَّلِ1. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِمُشَارَكَةِ الذُّكُورِ فِي الأَحْكَامِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ2.
رُدَّ بِالْمَنْعِ بِلا لِدَلِيلٍ3 وَلِهَذَا لَمْ يَعُمَّهُنَّ الْجِهَادُ وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهُمَا4.
أُجِيبَ بِالْمَنْعِ, ثُمَّ لَوْ كَانَ لَعُرِفَ5. وَالأَصْلُ عَدَمُهُ، وَخُرُوجُهُنَّ6 مِنْ بَعْضِ الأَحْكَامِ لا يُمْنَعُ كَبَعْضِ الذُّكُورِ، وَلأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ غَلَّبُوا الْمُذَكَّرَ7 بِاتِّفَاقٍ بِدَلِيلِ {اهْبِطُوا} 8 لآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ9.
رُدَّ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ، وَيَكُونُ مَجَازًا10.
أُجِيبَ: لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعِلْمَ بِقَصْدِهِ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَعُمَّهُنَّ لَمَا عَمَّ11 بِالْقَصْدِ، بِدَلِيلِ جَمْعِ الرِّجَالِ، وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَلَوْ كَانَ مَجَازًا لَمْ يُعَدَّ الْعُدُولُ عَنْهُ عِيًّا12.
__________
1 ساقطة من ش، وفي د: للأول.
وانظر: إرشاد الفحول ص127، العدة 2/354.
2 انظر: فواتح الرحموت 1/273، 275، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/125، الإحكام للآمدي 2/261، مختصر الطوفي ص104، إرشاد الفحول ص128.
3 في ش: بلا دليل، وفي د: بل له دليل، وفي ب: لدليل.
4 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/124، فواتح الرحموت 1/275.
5 في ع ب: العرف.
6 في ض: وأخرجوهن، وفي ب: وإخراجهن.
7 في ش: الذكور.
8 الآية 36 من البقرة، وأول الآية: {أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ..} الآية.
9 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/124، 125، فواتح الرحموت 1/275، تيسير التحرير 1/232، مختصر الطوفي ص104، إرشاد الفحول ص128.
10 انظر: تيسير التحرير 1/232، العضد على ابن الحاجب 2/124.
11 في ش: علم.
12 في ز: عبثاً، وفي ض ع ب: عيباً.
(3/237)

قَالَ الْمَانِعُونَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا لَنَا لا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ1 الرِّجَالُ؟ فَنَزَلَتْ {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ..} الآيَةَ2 رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ3. وَلَوْ دَخَلْنَ لَمْ يَصْدُقْ نَفْيَهَا، وَلَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ لَهُ4.
رُدَّ: يَصْدُقُ، وَيَصِحُّ، لأَنَّهَا إنَّمَا5 أَرَادَتْ التَّنْصِيصَ تَشْرِيفًا لَهُنَّ لا تَبَعًا6.
قَالُوا: الْجَمْعُ تَضْعِيفُ الْوَاحِدِ، وَمُسْلِمٌ لِرَجُلٍ، فَمُسْلِمُونَ لِجَمْعِهِ7.
رُدَّ: يُحْتَمَلُ مَنْعُهُ8, قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ.
__________
1 في ع: تذكر.
2 الآية 35 من الأحزاب.
وانظر احتجاج الجمهور بالآية ورد الحنابلة عليهم، وجوابهم على الرد في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/124".
3 روى هذا الحديث النسائي وأحمد مرفوعاً، ورواه الترمذي مرسلاً.
"انظر: سنن النسائي 5/353، مسند أحمد 6/301، 305، تحفة الأحوذي 8/375".
4 "انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/125، الإحكام للآمدي 2/266، فواتح الرحموت 1/273، تيسير التحرير 1/231، مختصر الطوفي ص104، إرشاد الفحول ص127".
5 ساقطة من ز ع ض ب.
6 يقول الإسنوي: "فإن ادعى الخصم أن ذكرهن للتنصيص عليهن، ففائدة التأسيس أولى" "التمهيد ص104".
وانظر: تيسير التحرير 1/231، العضد على ابن الحاجب 2/124، 125، الإحكام للآمدي 2/267، فواتح الرحموت 1/273".
7 في ش ز: لجماعة.
وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/125، الإحكام للآمدي 2/266، فواتح الرحموت 1/274، تيسير التحرير 1/233.
8 في ب: جمعه.
(3/238)

وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا1 بِأَنَّ2 قَوْله تَعَالَى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} 3 عَامٌّ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى4.
وَأَمَّا الْخَنَاثَى5: فَعَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِ النِّسَاءِ: الْخَنَاثَى6 أَوْلَى وَعَلَى الْمَنْعِ: فَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ: دُخُولُهُمْ فِي خِطَابِ النِّسَاءِ فِي التَّغْلِيظِ، وَالرِّجَالِ فِي التَّخْفِيفِ7.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَمِمَّا يُخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةُ الْوَاعِظِ الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ: طَلَّقْتُكُمْ ثَلاثًا، وَامْرَأَتُهُ فِيهِمْ، وَهُوَ لا يَدْرِي, فَأَفْتَى أَبُو الْمَعَالِي بِالْوُقُوعِ, قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ, قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُقُوعِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَقَعَ, وَلَهُمْ فِيهَا8 كَلامٌ كَثِيرٌ9.
" وَإِخْوَةٌ وَعُمُومَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى10"
__________
1 في ض: بعض أصحابنا.
2 في ش: أن.
3 الآية 178 من البقرة، وأول الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... } الآية.
4 انظر: مختصر البعلي ص115.
5 في ش: الخنثى.
6 في ش ز: الخنثات.
7 في ش ز ض: التحقيق.
وانظر التمهيد 105.
8 في ش: فيه.
9 حكى الغزالي هذه المسألة في كتابه "البسيط" الذي اختصر به كتاب "نهاية المطلب" لأبي المعالي الجويني.
"انظر: روضة الطالبين 8/55، التمهيد ص105-106".
10 انظر: مختصر البعلي ص115.
(3/239)

قَالَ1 فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الإِخْوَةَ وَالْعُمُومَةَ يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ, قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي2 وَالشَّرْحِ3 وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ4 وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ فِيهِ5 وَغَيْرُهُمْ, وَظَاهِرُ كَلامِهِ فِي الْوَاضِحِ: أَنَّ الإِخْوَةَ لا تَعُمُّ الإِنَاثَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَعُمُّهُنَّ6.
"وَتَعُمُّ7 "مَنْ" الشَّرْطِيَّةُ الْمُؤَنَّثَ"8 لِقَوْلِهِ9 تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} 10 فَالتَّفْسِيرُ11 بِالذَّكَرِ وَالأُنْثَى دَلَّ عَلَى تَنَاوُلِ12 الْقِسْمَيْنِ, وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
__________
1 في ب: قاله.
2 المغني 6/276.
3 الشرح الكبير 6/234 في الوقف، 7/24 الفرائض.
4 هو عبد الرحمن بن رزين بن عبد الله بن نصر، الغساني الحواراني ثم الدمشقي، سيف الدين، أبو الفرج، كان فقيهاً فاضلاً، وكان وكيلاً لابن الجوزي في بناء مدرسته بدمشق، وذهب إلى بغداد لرفع حسابها إليه سنة 656هـ فقتل شهيداً بسيف التتار، صنف عدة تصانيف منها: "التهذيب" في اختصار "المغني" في مجلدين، ومنها "اختصار الهداية"، وله تعليق في الخلاف مختصرة، قال ابن رجب: "وتصانيف غير محررة".
انظر ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة 2/264، المدخل إلى مذهب أحمد ص207".
5 انظر: الفروع.
6 انظر: مختصر البعلي ص115.
7 في ش ز: فتعم.
8 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/125، جمع الجوامع 1/428، نهاية السول 2/78، الإحكام للآمدي 2/269، البرهان 1/360، المحصول ج1 ق2/622، العدة 2/351، إرشاد الفحول ص127.
9 في ب: كقوله.
10 الآية 124 من النساء.
11 في ع: فالتعبير.
12 ساقطة من ز.
(3/240)

وَرَسُولِهِ} 1 وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ2 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ". فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ3 بِذُيُولِهِنَّ؟ 4 فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَهْمِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي مَنْ الشَّرْطِيَّةِ" 5.وَلأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَهُ الإِمَاءُ عَتَقْنَ بِالإِجْمَاعِ, قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ6.
وَحَكَى غَيْرُهُ قَوْلاً: أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ7، وَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدَّةِ، فَجَعَلُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 8
__________
1 الآية 31 من الأحزاب.
2 في ز: ولقوله.
3 في ش ز ع: يصنع.
4 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد عن ابن عمر وغيره مرفوعاً، والشطر الأخير من الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/17 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 14/60 وما بعدها، سنن أبي داود 2/381، 385، سنن النسائي 8/184، تحفة الأحوذي 5/406، الموطأ ص570 ط الشعب، مسند أحمد 2/24، 6/293، سبل السلام 4/158، سنن ابن ماجه 2/1181، 1185".
5 قال الصنعاني: "أي لا يرحم الله من جر ثوبه خيلاء، سواء كان من النساء أو الرجال، وقد فهمت ذلك أم سلمة فقالت عند سماعها الحديث: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ " "سبل السلام 4/158".
6 قال المجد بن تيمية: "وهذا قول المحققين من أهل اللسان والأصول والفقه".
"انظر: المحصول ج1 ق2/622، المسودة ص104، مختصر ابن الحاجب 2/125، مختصر البعلي ص115".
7 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/125، البرهان 1/360، المحلي على جمع الجوامع 1/428، نهاية السول 2/78، المحصول ج1 ق2/622، مختصر البعلي ص115، المسودة ص105، التمهيد ص125، نهاية السول 2/161، الإحكام للآمدي 2/269، إرشاد الفحول ص127.
8 حديث صحيح رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن ابن عباس مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 2/113، 4/132، المطبعة العثمانية، مسند أحمد 1/2،282، 5/231، سنن أبي داود 2/440، تحفة الأحوذي 5/24، سنن النسائي 7/69، سنن ابن ماجه 2/848، فيض القدير 6/95، نصب الراية 3/407، 456، المستدرك 4/366".
(3/241)

لا يَتَنَاوَلُهَا1, وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ2.
"وَيَعُمُّ النَّاسُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَنَحْوُهُمَا" كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَيَا عِبَادِي "عَبْدًا" كُلُّهُ رَقِيقٌ "وَمُبَعَّضًا" قَلَّ الرِّقُّ فِيهِ أَوْ كَثُرَ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْثَرِ أَتْبَاعِهِ وَالأَئِمَّةِ3 الأَرْبَعَةِ، لأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْخَبَرِ، فَكَذَا فِي الأَمْرِ، وَبِاسْتِثْنَاءِ الشَّارِعِ لَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ4.
وَقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ إلاَّ بِدَلِيلٍ5.
وَقِيلَ: إنْ تَضَمَّنَ تعبداً6 دَخَلُوا،
__________
1 احتج الحنفية بدليل آخر أن راوي الحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه خالفه، وقال: لا تقتل المرأة بل تحبس، واعتبروا رأيه مخصصا للحديث. "انظر: التمهيد ص125".
2 انظر: العدة 2/351، البرهان 1/360.
3 في ش ز ع: أتباع الأمة.
4 وكذا الجهاد والحج، وذلك لأمر عارضٍ، وهو فقره واشتغاله بخدمة سيده.
"انظر: المعتمد 1/300، جمع الجوامع 1/427، شرح تنقيح الفصول ص196، فواتح الرحموت 1/276، تيسير التحرير 1/253، الإحكام لابن حزم 1/329، المستصفى 2/77، الإحكام للآمدي 2/270، البرهان 1/356، المنخول ص143، المسودة ص34، الروضة 2/236، المحصول ج1 ق3/201، القواعد والفوائد الأصولية ص209، 211، مختصر البعلي ص115، العدة 2/348، إرشاد الفحول ص128، مختصر الطوفي ص103، نزهة الخاطر 2/148، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/125، التمهيد ص104".
5 وقال بعض المالكية والشافعية لا يدخلون، وهو ما نقله الماوردي والروياني عنهم.
"انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/427، المستصفى 2/78، المسودة 34، التمهيد ص104، الإحكام للآمدي 2/270، شرح تنقيح الفصول ص196، فواتح الرحموت 1/270، تيسير التحرير 1/253، القواعد والفوائد الأصولية ص210، إرشاد الفحول ص128".
6 في ش: أضمر العبيد.
(3/242)

وَإِلاَّ فَلا1.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: الْقَائِلُونَ بِعُمُومِ دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ2 فِي لَفْظِ "النَّاسِ" وَنَحْوِهِ، إنْ3 زَعَمُوا أَنَّهُ لا يَتَنَاوَلُهُمْ لُغَةً فَمُكَابَرَةٌ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ أَخْرَجَهُمْ شَرْعًا فَبَاطِلٌ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ4.
"وَ" يَدْخُلُ الَّذِينَ هُمْ "كُفَّارٌ وَجِنٌّ5 فِي" مُطْلَقِ لَفْظِ "النَّاسِ وَنَحْوِهِ" مِثْلَ {أُولِي الأَلْبَابِ} 6 فِي الأَصَحِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لُغَةً, وَبِهِ قَالَ الأُسْتَاذُ7 أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ, إذْ لا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ8.
أَمَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ، أَوْ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُرَادُ، لا الْمُؤْمِنُونَ: عُمِلَ بِهَا، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
__________
1 قال أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي: إن كان لحق الله "دخلوا" وإن كان من حقوق الآدميين لم يدخلوا.
انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشتها في "الإحكام للآمدي 2/370، فواتح الرحموت 1/276، تيسير التحرير 1/253، المسودة ص34، مختصر البعلي ص115، القواعد والفوائد الأصولية ص210، العضد على ابن الحاجب 2/125، التمهيد ص104، إرشاد الفحول ص128".
2 في ب: الكفار والعبيد.
3 في ز: وإن.
4 انظر ما يتفرع على هذه القاعدة من أحكام العبيد في "القواعد والفوائد الأصولية ص210، 233، العضد على ابن الحاجب 2/126، البرهان 1/357، تيسير التحرير 1/253، إرشاد الفحول ص128، التمهيد ص104".
5 ساقطة من ش.
6 الآية 179 من البقرة، وتتمة الآية {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ} وجاءت في آيات أخرى.
7 ساقطة من ش.
8 وقيل: لا يعم الكافر، بناء على عدم تكليفه بالفروع، وقيل: تعمه النواهي دون الأوامر، وتقدم بحث هذا الموضوع في "فصل الحكم التكليفي- مسألة: عل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ " وللعلماء أقوال فيها.
"وانظر: المعتمد 1/294 وما بعدها، العدة 2/358، المسودة ص46، جمع الجوامع 1/427، المحلي على جمع الجوامع 1/427، المستصفى 2/78، شرح تنقيح الفصول ص166، المحصول ج1 ق3/201، 203، إرشاد الفحول ص128".
(3/243)

لَكُمْ} 1 لأَنَّ الأَوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ: أَمَّا نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيُّ2، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ3، أَوْ أَرْبَعَةٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ4. وَالثَّانِي: لِكُفَّارِ مَكَّةَ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: بِأَنَّ اللاَّمَ فِي ذَلِكَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَالْكَلامُ فِي الاسْتِغْرَاقِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} 5 الْمُرَادُ الْكُفَّارُ بِدَلِيلِ بَاقِي الآيَةِ, نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْعَامِّ
__________
1 الآية 173 من آل عمران.
2 هو الصحابي نعيم بن مسعود بن عامر، الغطفاني الأشجعي، أبو سلمة، أسلم في وقعة الخندق، وهو الذي أوقع الخلاف بين قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق، وخذل بعضهم بعضٍ، وأرسل الله تعالى عليهم الريح والجنود، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن ذي اللحية، وكان نعيم يسكن المدينة، وكذلك ولده من بعده، توفي في آخر خلافة عثمان، وقيل: بل قتل يوم الجمل قبل قدوم علي البصرة، رضي الله عنهم.
انظر ترجمته في: الإصابة 3/568، الاستيعاب 3/557، أسد الغابة 5/348، الخلاصة ص403، تهذيب الأسماء 2/131".
3 قال القرطبي: "اختلف في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} ، فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي: هو نعيم بن مسعود الأشجعي واللفظ عام، ومعناه خاص، كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} النساء/54، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال السدي: هو أعرابي جعل له جعل على ذلك، وقال ابن إسحاق وجماعة: يريد بالناس ركب عبد القيس، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم، وقيل: الناس هنا المنافقون" "تفسير القرطبي 4/279".
وانظر: تفسير ابن كثير 1/429، تفسير الطبري 4/178 وما بعدها، تفسير القاسمي 4/1029".
4 الرسالة ص60.
وهو ما رجحه الطبري وغيره "انظر: تفسير الطبري 4/182، فواتح الرحموت 1/307".
5 الآية 73 من الحج.
(3/244)

الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ1, فَقَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَلا تَكُونُ أَلْ2 فِيهَا عَهْدِيَّةً.
"وَ" قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} 3 لا يَشْمَلُ الأُمَّةَ" أَيْ أُمَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ4 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الأَكْثَرِ, وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ5.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} 6 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} 7 {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} 8 إلاَّ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى مُشَارَكَةِ الأُمَّةِ لَهُمْ, وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَلَيْهِمْ فَلا يَتَعَدَّاهُمْ9.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى10.
__________
1 الرسالة ص60.
2 ساقطة من ش.
3 الآية 64 من آل عمران، وفي آيات أخرى كثيرة.
4 في د: أي المجيبة لنبينا محمد، وفي ض ع: المجيبة لنبينا، وفي ز: أي لنبينا، وفي ب: المجيبة لنبينا محمد.
5 انظر: جمع الجوامع 1/429.
6 الآية 171 من النساء.
7 الآية 47من النساء. وفي ش ز ض ع ب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} ، وفي ب: يوجد آية بهذا اللفظ. وفي ض ب: "أنزلنا".
8 الآية 64 من آل عمران، وفي ب: تتمة: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ} .
9 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/429.
10 جاء في هامش ش: "إنما نودوا بهذا إلفاتا لهم إلى إقامة العمل بالكتاب الذي أنزله الله فرقاناً لهم، فأعرضوا عنه، وقلدوا الشيوخ والآباء، واتبعوا الأهواء فتفرقوا وضلوا، وكتاب الله أولى أن يدخل المخاطبون به في هذا النداء".
(3/245)

قَالَ1 الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ2: يَشْمَلُ الأُمَّةَ إنْ شَرَكُوهُمْ3 فِي الْمَعْنَى, قَالَ: لأَنَّ شَرْعَهُ عَامٌّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، كَالْمُؤْمِنِينَ4، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِمْ، كَأُمِّيِّ5 أَهْلِ الْكِتَابِ, وَذَلِكَ كَافٍ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فَلا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى لأَهْلِ بَدْرٍ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} 6 وَلأَهْلِ أُحُدٍ {إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا} 7 فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَعُمُّ غَيْرَهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ الشُّمُولُ هُنَا بِطَرِيقِ الْعَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ أَوْ8 الاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ، وَفِيهِ الْخِلافُ الْمَشْهُورُ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي اسْتِدْلالُ الآيَةِ عَلَى حُكْمِنَا، مِثْلَ9 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} 10الآيَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الضَّمَائِرَ رَاجِعَةٌ لِبَنِي إسْرَائِيلَ11.
قَالَ12: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخِطَابِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَمَّا خِطَابُهُ لَهُمْ
__________
1 في ض ع ب: وقال.
2 المسودة ص47، بتصرف.
3 في ب: شاركوهم.
4 في ز: من المؤمنين.
5 في ع: كما في.
6 الآية 69 من الأنفال.
7 الآية 122 من آل عمران.
8 في ش ز: و.
9 ز ض ع ب: بمثل.
10الآية 44 من البقرة.
11 انظر: المسودة ص48.
12 ساقطة من ع.
(3/246)

عَلَى لِسَانِ مُوسَى1 وَغَيْرِهِ2 مِنْ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ: فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا: هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا؟ وَالْحُكْمُ هُنَا لا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا، بَلْ بِالاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ3.
"وَيَعُمُّهُ" أَيْ يَعُمُّ4 النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} 5، وَ {يَا عِبَادِي} 6 وَنَحْوُ ذَلِكَ7، كَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ [حَيْثُ لا قَرِينَةَ تَخُصُّهُمْ] 8 نَحْوُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} 9 لأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالاسْتِجَابَةِ.
وَقِيلَ: يَعُمُّهُ10 خِطَابُ الْقُرْآنِ دُونَ خِطَابِ السُّنَّةِ11.
__________
1 في ز ض ع ب: موسى صلى الله عليه وسلم.
2 في ض ب: أو.
3 المسودة ص48، وانظر: البناني على جمع الجوامع 1/429.
4 في ض ب: ويعم.
5 الآية 21 من البقرة، وفي آيات أخرى.
6 الآية 56 من العنكبوت، والآية 53 من الزمر.
7 في ب: سطر كامل مكرر "يا أمة محمد ... مأمورون".
8 وقال الصيرفي والحليمي من الشافعية: إلا أن يكون معه: قل، فلا تعمه.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/272، المحصول ج1 ق3/200، البرهان 1/365، 367، جمع الجوامع 1/429، نهاية السول 2/89، المستصفى 2/81،شرح تنقيح الفصول ص197، فواتح الرحموت 1/277، تيسير التحرير 2/254، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/126، مختصر البعلي ص115، إرشاد الفحول ص129، المسودة ص33، القواعد والفوائد الأصولية ص207".
9 الآية 24 من الأنفال.
10 في ض: يعم.
11 انظر: إرشاد الفحول ص129.
(3/247)

وَقِيلَ: لا يَعُمُّهُ1 خِطَابُ الْقُرْآنِ وَلا خِطَابُ السُّنَّةِ لِقَرِينَةِ الْمُشَافَهَةِ، وَلأَنَّ الْمُبَلِّغَ -بِكَسْرِ اللاَّمِ- غَيْرُ الْمُبَلَّغِ - بِفَتْحِهَا, وَالآمِرَ وَالنَّاهِيَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، فَلا يَكُونُ دَاخِلاً2.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْعِبَادِ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَلِّغٌ لِلْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ3 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الآمِرُ وَالنَّاهِي، وَجِبْرِيلَ هُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ، وَلا يُنَافِي كَوْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَاطِبًا مُخَاطَبًا وَ4مُبَلِّغًا وَ5مُبَلَّغًا بِاعْتِبَارَيْنِ6.
وَرُبَّمَا اعْتَلَّ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ خَصَائِصُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِخُصُوصِيَّتِهِ7، بِخِلافِ الأَمْرِ8 الَّذِي خَاطَبَ بِهِ النَّاسَ9.
وَرُدَّ10 بِأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ، حَتَّى يَأْتِيَ
__________
1 في ض ب: يعم لا.
2 انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشتها في "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/126، المحلي على جمع الجوامع 1/427، المستصفى 2/81، الإحكام للآمدي 2/272، البرهان 1/365، تيسير التحرير 1/255، المحصول ج1 ق2/200، القواعد والفوائد الأصولية ص207، إرشاد الفحول ص129".
3 في ز ض ع ب: فالله.
4 ساقطة من ض ع ب.
5 ساقطة من ض ع ب.
6 انظر أدلة هذا القول بان الخطاب يعم النبي صلى الله عليه وسلم في "العضد على ابن الحاجب 2/126، البناني على جمع الجوامع 1/427، الإحكام للآمدي 2/272 وما بعدها، البرهان 1/365، فواتح الرحموت 1/277، تيسير التحرير 1/255".
7 في ب: لخصوصية.
8 في ع: الآمر.
9 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/126، الإحكام للآمدي 2/272، البرهان 1/365، فواتح الرحموت 1/278، المسودة ص33".
10 في ع: رد.
(3/248)

دَلِيلٌ1.
وَتَظْهَرَ فَائِدَةُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ: هَلْ يَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّهِ؟
إنْ قُلْنَا: يَعُمُّهُ2 الْخِطَابُ فَنَسْخٌ، أَيْ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَمَلِ، لأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلاَّ فَلا3.
"وَيَعُمُّ" الْخِطَابُ "غَائِبًا وَمَعْدُومًا" حَالَتُهُ4 "إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ لُغَةً" أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ, قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ5.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي قَوْلِنَا "وَيَعُمُّ الْغَائِبَ وَالْمَعْدُومَ إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ" فِي الْكَلامِ النَّفْسِيِّ، بَلْ هَذِهِ خَاصَّةٌ بِاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ, وَلأَنَّنَا
__________
1 قال العضد: "الجواب أن انفراده ف ذلك بدليل لا يوجب عدم المشاركة مطلقاً، فإن عدم الحكم قد يكون لمانع، كما قد يكون لعدم المقتضي، وذلك كما لو خرج المريض والمسافر وغيرهما من عمومات مخصوصة، ولا يوجب ذلك خروجهم من العمومات مطلقاً" "العضد على ابن الحاجب 2/127".
وقال الآمدي: "إن اختصاصه ببعض الأحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب، ولهذا فإن الحائض والمسافر والمريض، كل واحد قد اختص بأحكام لا يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب" "الإحكام 2/274".
"وانظر: المستصفى 2/81، البرهان 1/365، فواتح الرحموت 1/278".
2 في ب: يعم.
3 انظر: إرشاد الفحول ص129.
4 في ش: حالما.
5 انظر هذه المسألة في "المحلي على جمع الجوامع 1/428، نهاية السول 2/88، الإحكام للآمدي 2/274، المحصول ج1 ق2/429، فواتح الرحموت 1/279، تيسير التحرير 1/255، المنخول ص124، البرهان 1/270، شرح تنقيح الفصول ص145، مختصر الطوفي ص92، الروضة 2/213، إرشاد الفحول ص128".
وتقدمت هذه المسألة في فصل التكليف، "المجلد الأول ص 513 وما بعدها".
(3/249)

مَأْمُورُونَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَصَلَ1 ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ وُجُودِنَا فَاقْتَضَى2 بِطَرِيقِ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَأَنْ لا يَكُونَ قَسِيمًا3 لِلْخَبَرِ4. اهـ.
وَقِيلَ: لا يَعُمُّهُ5 الْخِطَابُ إلاَّ بِدَلِيلٍ آخَرَ6.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَمِمَّا اُخْتُلِفَ فِي عُمُومِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} - {يَا عِبَادِي} لا7 خِلافَ في8 انه عَامٌّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَنْ9 لَمْ يُشَافَهْ بِهِ،
__________
1 في ز: فحصل.
2 في ش ز ع ض: مقتضٍ.
3 في ض: قسماً.
4 انظر: إرشاد الفحول ص128.
5 في ض ب: يعم.
6 قال الغزالي: "فهو خطاب مع الموجودين في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائدٍ" "المستصفى 2/83".
وقال الآمدي: "فذهب أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت حكمه إلى من بعدهم إلا بدليل أخر" "الإحكام 2/274".
واستدل لذلك الإسنوي فقال: "لنا أنه لم يتناول الصبي والمجنون، فالمعدوم أولى" "التمهيد ص107".
"وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/127، المستصفى 1/81، نهاية السول 2/88، تيسير التحرير 1/255، مختصر الطوفي ص62، 92، الروضة 2/213، جمع الجوامع 1/427، المحصول ج1 ق2/430، شرح تنقيح الفصول ص188، فواتح الرحموت 1/278، إرشاد الفحول ص128".
وتقدمت هذه المسألة في "المجلد الأول ص513" بعنوان: تكليف المعدوم.
7 في ز: بلا.
8 ساقطة من ش.
9 في ض ب: لمن.
(3/250)

سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا غَائِبًا وَقْتَ تَبْلِيغِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مَعْدُومًا بِالْكُلِّيَّةِ, فَإِذَا بَلَغَ الْغَائِبُ وَ1 الْمَعْدُومُ بَعْدَ وُجُودِهِ تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ, وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي جِهَةِ عُمُومِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْعَامَّ الْمُشَافَهَ فِيهِ بِحُكْمٍ، لا خِلافَ فِي شُمُولِهِ لُغَةً لِلْمُشَافَهِينَ، وَفِي غَيْرِهِمْ حُكْمًا، وَكَذَا الْخِلافُ فِي غَيْرِهِمْ هَلْ2 الْحُكْمُ شَامِلٌ لَهُمْ بِاللُّغَةِ أَوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ؟
ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ اللَّفْظِ، أَيْ اللُّغَوِيِّ.
وَذَهَبَ الأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ3.
وَذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ مِنْ عُمُومِ4 دِينِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالضَّرُورَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} 5 وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً" 6.
قَالَ: وَهَذَا مَعْنًى قول7 كَثِيرٌ، كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِثْلَ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ش: وهل.
3 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/428، المستصفى 2/83 وما بعدها، المحصول ج1 ق2/635، مختصر ابن الحاجب 2/127، تيسير التحرير 1/255، إرشاد الفحول ص129.
4 ساقطة من ش.
5 الآية 19 من الأنعام.
وانظر: تفسير ابن كثير 2/126 ط عيسى الحلبي، تفسير القرطبي 2/399، تفسير الخازن 2/102، تفسير القاسمي 6/2268.
6 هذا جزء من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والنسائي والدارمي وابن سعد عن جابر وأبي هريرة وخالد بن معدان رضي الله عنهم مرفوعا، ولفظه في "مسلم": "فضلت على الأنبياء بست.. وأرسلت إلى الخلق كافة"، وعبارة البخاري: "وبعثت إلى الناس عامة".
"انظر: فتح الباري 1/348 ط عبد الرحمن، صحيح مسلم 1/371، سنن النسائي 1/172، سنن الدارمي 1/323، فيض القدير 3/202".
7 ساقطة من ش.
(3/251)

لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ، أَيْ لِمَنْ بَعْدَ1 الْمُوَاجِهِينَ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ2.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ3.
وَأَجَابُوا عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ، بِأَنَّهُ4 لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْدُومُونَ مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلاً إلَيْهِمْ، بِأَنَّهُ5 لا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ6 فِي الإِرْسَالِ، بَلْ مُطْلَقُ الْخِطَابِ كَافٍ7.وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلامِهِ8" أَيْ كَلامِ نَفْسِهِ "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْكَلامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً، أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا "إنْ صَلَحَ" عِنْدَ دُخُولِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ9، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
__________
1 في د: لمن بعدهم، وفي ش ز: من بعدهم.
2 مختصر ابن الحاجب 2/127.
وأضاف ابن الحاجب فقال: "وأيضاً إذا أمتنع في الصبي والمجنون فالمعدوم أجدر".
"وانظر: فواتح الرحموت 1/279، التهميد ص107".
3 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/127.
4 في ش: فإنه.
5 في ش: فإنه.
6 في ض ب: الشافهي.
7 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/127، الإحكام للآمدي 2/274 وما بعدها، مختصر الطوفي ص93.
8 ذكر ابن الحاجب وابن السبكي وابن قدامة وغيرهم هذه المسألة بعبارة "المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه".
9 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/127، الروضة 2/241، جمع الجوامع 1/384، البرهان 1/362، شرح تنقيح الفصول ص198، 221، المستصفى 2/88، الإحكام للآمدي 2/278، فواتح الرحموت 1/280، المحصول ج1 ق3/199، المنخول ص143، مختصر الطوفي ص105، القواعد والفوائد الأصولية ص205، نهاية السول 2/89، التمهيد ص100، إرشاد الفحول ص130".
(3/252)

عَلِيمٌ} 1 إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ {شَيْءٍ} عَلَيْهِ تَعَالَى2. وَقَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إلَيْك فَأَكْرِمْهُ، أَوْ فَلا تُهِنْهُ, ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنْ الأَكْثَرِ, وَلأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَلا مَانِعَ مِنْ الدُّخُولِ, وَالأَصْلُ عَدَمُهُ3.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَدْخُلُ إلاَّ بِدَلِيلٍ.
وَقِيلَ: لا يَدْخُلُ مُطْلَقًا4.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالأَكْثَرُ: لا فِي الأَمْرِ وَلا فِي5 النَّهْيِ6.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا "إنْ صَلَحَ" مَا إذَا كَانَ الْكَلامُ7 بِلَفْظِ الْمُخَاطَبَةِ، نَحْوُ
__________
1 الآية 282 من البقرة، والآية 176 من آل عمران، والآية 35، 64 من النور، والآية 16 من الحجرات، والآية 11 من التغابن.
2 ساقطة من ض ع ب.
3 قال ابن قدامة: "والأصل اتباع العموم" "الروضة 2/241".
"وانظر: العضد على ابن الحاجب 2/128، المحلي على جمع الجوامع 1/429، المنخول ص143، شرح تنقيح الفصول ص221، الإحكام للآمدي 2/278، فواتح الرحموت 1/277، تيسير التحرير 1/256، مختصر الطوفي ص105، إرشاد الفحول ص130".
4 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/429، المستصفى 2/88، البرهان 1/363، تيسير التحرير 1/257، الروضة 2/241، القواعد والفوائد الأصولية ص205، مختصر الطوفي ص 105.
5 في ز ض ع ب: و.
6 عبارة المصنف غير واضحة في نقل رأي أبي الخطاب، وقد جاء واضحاً في عبارات الكتب الأخرى، قال الطوفي: "وقال أبي الخطاب إلا في الأمر" "مختصر الطوفي ص105"، وقال البعلي: "واختار أبو الخطاب يدخل إلا في الأمر، وهو أكثر كلام القاضي، وحكاه التميمي عن أحمد" "القواعد والفوائد الأصولية ص206"، وقال البعلي أيضاً في "مختصره ص115": "فيه ثلاثة أقوال: ثالثها: يتناول إلا في الأمر، واختاره أبو الخطاب" وقال ابن قدامة: "واختار أبو الخطاب أن الآمر لا يدخل في الأمر" "الروضة 2/241".
"وانظر: جمع الجوامع 1/429، شرح تنقيح الفصول ص221، المحصول ج1 ق3/200، إرشاد الفحول ص130".
7 ساقطة من ض.
(3/253)

قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" 1.
"وَتَضَمَّنَ" كَلامٌ "عَامٌّ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا كَالأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ" نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 2 وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} 3 وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} 4: "لا يُمْنَعُ عُمُومُهُ" أَيْ لا يُغَيَّرُ عُمُومُهُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ5، إذْ لا تَنَافِيَ بَيْنَ قَصْدِ الْعُمُومِ، وَبَيْنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، فَيَحْمِلُ6 الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ، إذْ لا صَارِفَ لَهُ عَنْهُ7.
__________
1 هذا طرف من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/151، صحيح مسلم 3/1267، سنن أبي داود 2/199، تحفة الأحوذي 5/132، سنن النسائي 7/4، سنن ابن ماجه 1/677، الموطأ ص297 ط الشعب، مسند أحمد 2/7، النووي على مسلم 11/105، نصب الراية 3/295، مختصر سنن أبي داود 4/357، التلخيص الحبير 4/168".
2 الآيتان 13-14 من الانفطار.
3 الآية 34 من التوبة، وتتمة الآية {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} .
4 الآية 5 من المؤمنون.
5 صحح هذا القول الآمدي والفخر الرازي وابن الحاجب، ونسب الكمال بن الهمام وابن عبد الشكور مخالفة لشافعية لذلك بإطلاق.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/280، مختصر ابن الحجاب 2/128، جمع الجوامع 1/422، نهاية السول 2/89، فتح الغفار 2/60، فواتح الرحموت 1/283، تيسير التحرير 1/257، شرح تنقيح الفصول ص221، المحصول ج1 ق3/203، المعتمد 1/302، مختصر البعلي ص116، المسودة ص133، التبصرة ص193، اللمع ص16، التمهيد ص98، إرشاد الفحول ص133".
6 في ش ز: فيحتمل.
7 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/128، المحلي والبناني على جمع الجوامع1/ 422، التبصرة ص193، تيسير التحرير 1/257، شرح تنقيح الفصول ص221، إرشاد الفحول ص133".
(3/254)

وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْعُمُومَ، لِوُرُودِ ذَلِكَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يَعُمَّ1.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُمُومَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَلا مُنَافَاةَ2.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيهِ تَفْصِيلٍ, قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ إنْ عَارَضَهُ عَامٌّ آخَرُ لا يَقْصِدُ بِهِ الْمَدْحَ أَوْ الذَّمَّ، فَيَتَرَجَّحُ الَّذِي لَمْ يُسَقْ3 لِذَلِكَ عَلَيْهِ4، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} 5 مَعَ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} 6 فَالأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى سِيَاقِهَا
__________
1 وهذا قول بعض الشافعية، وبين ابن السبكي أنه وجه ضعيف في المذهب، وأن الصحيح أنه بعم، وهو قول الثابت عن الشافعي، وقال الشيرازي عن القول: بعدم العموم: وهذا خطأ "اللمع ص16"، وقال بعدم العموم أبو الحسن الكرخي وبعض الحنفية ولعض المالكية، ونقل ذلك عن الشافعية بإطلاق.
"انظر: نهاية السول 2/89، المسودة ص133، المحصول ج1 ق3/203، مختصر ابن الحاجب 2/128، المحلي على جمع الجوامع 1/422، التبصرة ص193، الإحكام للآمدي 2/280، فواتح الرحموت 2/283، 284، تيسير التحرير 1/257، شرح تنقيح الفصول ص221، مختصر البعلي ص116، إرشاد الفحول ص133".
2 أي أن التعميم أبلغ في المدح والذم من عدمه، وأنه لامنافاة بين المسوق للمبالغة وبين التعميم.
"انظر: المحصول ج1 ق3/204، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/128، 129، التبصرة ص194، الإحكام للآمدي 2/280، فواتح الرحموت 1/284، تيسير التحرير 1/257، إرشاد الفحول ص133".
3 في ز ض ع ب: يسبق.
4 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/422.
5 الآية 23 من النساء، وأول الآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... } ، وفي ب: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} .
6 الآية 3 من النساء، وأول الآية: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
(3/255)

الْمِنَّةُ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ, وَقَدْ رَدَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى داود1 الظَّاهِرِيِّ احْتِجَاجَهُ, بِالثَّانِيَةِ عَلَى2 إبَاحَةُ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ3. اهـ.
"وَمِثْلَ" أَيْ وَنَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} 4 يَعُمُّ "فَيَقْتَضِي" الْعُمُومُ "أَخْذَهَا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ" فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ مِنَّا5، وَقَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ6، إلاَّ أَنْ يَخُصَّ بِدَلِيلٍ مِنْ السُّنَّةِ. وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ7.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ: يَكْفِي الأَخْذُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ8.
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ش: الثانية علة.
3 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/422.
4 الآية 103 من التوبة.
5 ساقطة من ش ز.
6 انظر هذه المسألة في "نهاية السول 2/90، جمع الجوامع 1/429، مختصر ابن الحاجب 2/128، التمهيد ص99، الإحكام للآمدي 2/279، فواتح الرحموت 1/282، تيسير التحرير 1/257، مختصر البعلي ص116، إرشاد الفحول ص126".
7 قال الشافعي: "ولولا دلالة السنة كان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها دون بعض" "الرسالة ص196".
8 يبحث أكثر العلماء هذه المسألة تحت عنوان: "الجمع المضاف إلى جمع"، واختار الآمدي قول ابن الحاجب والكرخي وقال: "ومأخذ الكرخي دقيق" كما أيده ابن عبد الشكور.
"انظر: مختصر ابن الحاجب 2/182، فواتح الرحموت 1/282، تيسير التحرير 1/257، 258، أصول السرخسي 1/276، المحلي على جمع الجوامع 1/429، الإحكام للآمدي 2/379، التمهيد ص100، إرشاد الفحول ص126".
(3/256)

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: خِلافًا لِلأَكْثَرِينَ, ثُمَّ قَالَ: لَنَا أَنَّهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ، يَصْدُقُ1 أَنَّهُ2 أُخِذَ مِنْهَا صَدَقَةٌ، فَيَلْزَمُ الامْتِثَالُ, وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ دِينَارٍ مَالٌ, وَلا يَجِبُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ3. اهـ.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِمَنْعِ صِدْقِ ذَلِكَ، لأَنَّ {أَمْوَالَهُمْ} جَمْعٌ مُضَافٌ. فَكَانَ4 عَامًّا فِي كُلِّ نَوْعٍ نَوْعٌ وَفَرْدٍ فَرْدٌ5, إلاَّ مَا خَرَجَ بِالسَّنَةِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ6.
وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّ الْمُرَادَ: عَنْ كُلِّ نِصَابٍ نِصَابٌ، كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ7.
وَمِمَّا ذَكَرَ احْتِجَاجًا8 لِلْكَرْخِيِّ9: أَنَّ "مِنْ" فِي الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، وَلَوْ كَانَتْ الآيَةُ عَامَّةً. وَالتَّبْعِيضُ: يَصْدُقُ بِبَعْضِ الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ10.
__________
1 في ش ب: بصدق بواحدة، وما أثبتاه من نسخة ز ض ع ومختصر ابن الحاجب.
2 في ش ز ض ع: أنها، والأعلى من "مختصر ابن الحاجب".
3 مختصر ابن الحاجب 2/128.
4 في ش: وكان.
5 في ب: وكل فرد فرد.
6 قال الشافعي رحمه الله: "فكان مخرج الآية عاماً في الأموال، وكان يحتمل أن تكون على بعض الأموال دون بعض، فدلت السنة على أن الزكاة في بعض الأموال دون بعض" "الرسالة ص187".
"وانظر: العضد والتفتازاني على ابن الحاجب 2/128، الإحكام للآمدي 2/279، إرشاد الفحول ص126".
7 انظر: العضد والتفتازاني على ابن الحاجب 2/128.
8 في ب: احتجاج.
9 في ش: على الكرخي، وفي ض: الكرخي.
10 انظر: الإحكام للآمدي 2/279.
(3/257)

وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّبْعِيضَ فِي الْعَامِّ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ تَبْعِيضِ كُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ1 مِنْهُ، فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ كُلِّ نِصَابٍ إذْ لَوْ سَقَطَتْ2 "مِنْ" لَكَانَ الْمَالُ يُؤْخَذُ كُلُّهُ صَدَقَةً 3.
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ب: أسقطت.
3 وقال الآمدي بالتوقف لعدم ترجيح أحد القولين عنده "انظر: الإحكام للآمدي 2/279".
وانظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 1/429، فواتح الرحموت 2/282، إرشاد الفحول ص126.
(3/258)

فصل القران بين شيئين لفظا لا يقتضي التسوية بينهما حكما
...
"فَصْلُ"
الْقِرَانِ: أَنْ1 يَقْرُنَ الشَّارِعُ2 بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَفْظًا" أَيْ فِي اللَّفْظِ "لا يَقْتَضِي" ذَلِكَ الْقُرْآنِ3 "تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا" أَيْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ "حُكْمًا فِي غَيْرِ" الْحُكْمِ "الْمَذْكُورِ إلاَّ بِدَلِيلٍ" مِنْ خَارِجٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ4, وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ" 5 لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشَّرِكَةِ6.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لا يَلْزَمُ مِنْ تَنَجُّسِهِ7 بِالْبَوْلِ تَنَجُّسُهُ8 بِالاغْتِسَالِ.
__________
1 في ض ع: بأن.
2 في ب: الشرع.
3 ساقطة من ش.
4 انظر: المسودة ص140، التبصرة ص229، التمهيد ص75، اللمع ص25، جمع الجوامع 2/19، أصول السرخسي 1/273، مختصر البعلي ص113.
5 روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبغوي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه"، ورواه الترمذي والنسائي بلفظ: "ثم يتوضأ منه" وروى مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ف قال: كيف يفعل با أبا هريرة؟ قال "يتناوله تناولاً".
"انظر: صحيح البخاري 1/54، صحيح مسلم 1/235، 236، سنن أبي داود 1/17، تحفة الأحوذي 1/222، سنن النسائي 1/44، 103، سنن ابن ماجه 1/124، 198، مختصر سنن أبي داود 1/75، شرح السنة 2/66، الفتح الكبير 3/352، إحكام الأحكام 1/62".
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/19، المسودة ص140.
8 7 في ش ز: تنجسه.
(3/259)

وَمِنْ الدَّلِيلِ أَيْضًا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 1 فَعَطَفَ وَاجِبًا عَلَى مُبَاحٍ, لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشَّرِكَةِ وَعَدَمُ دَلِيلِهَا2.
وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ وَجَمْعٌ. لأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ3، نَحْوُ. قَوْله تَعَالَى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} 4 فَلِذَلِكَ لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ, لأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ دُخُولُهُ فِي الزَّكَاةِ لَكَانَ فِيهِ عَطْفٌ وَاجِبٌ عَلَى مَنْدُوبٍ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ مَنْدُوبَةٌ5 اتِّفَاقًا6.
وَضَعُفَ بِأَنَّ الأَصْلَ فِي اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: إنَّمَا هُوَ فِيمَا ذَكَرَ، لا فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ, وَ7 قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ الْعَامَّيْنِ8 إذَا عُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَخُصَّ أَحَدُهُمَا: لا يَقْتَضِي9 تَخْصِيصَ10 الآخَرِ11،
__________
1 الآية 141 من الأنعام.
2 انظر: اللمع ص25.
3 وهو قول المزني من الشافعية. "انظر: جمع الجوامع 2/19، التبصرة ص229، اللمع ص25، فتح الغفار 2/58، مختصر البعلي ص113، المسودة ص140".
4 الآية 43 من البقرة.
5 في ب: مندوبة عليه.
6 انظر: أصول السرخسي 1/273، فتح الغفار 1/59.
7 ساقطة من ب.
8 في د ض: العاملين.
9 في ع: يقضي.
10 في ع: بتخصيص.
11 سيذكر المصنف هذه المسألة في الصفحة 262، وسيكررها في آخر بحث الخاص، وبين الشوكاني سبب تكرار هذه المسألة في العام والخاص فقال: "فهذه المباحث لها تعلق بالعام وتعلق بالخاص" "إرشاد الفحول ص159".
(3/260)

وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا بِقَوْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "وَاَللَّهِ لأقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ "1.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ لِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ بِأَنَّهَا قَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى2، وَرَدَ الدَّلِيلُ3 وَقَرِينُهُ4 فِي الأَمْرِ بِهَا5.
وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} 6 قَالَ: فَعَطْفُ اللَّمْسِ عَلَى الْغَائِطِ مُوجِبٌ7 لِلْوُضُوءِ8, قَالَ: وَخَصَّصَهُ9 أَحْمَدُ بِالْقَرِينَةِ, وذَكَرَ10 قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ النَّجْوَى11 وقَوْله
__________
1 هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 1/167 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 1/207، سنن أبي داود 1/356، تحفة الأحوذي 7/326، سنن النسائي 5/11، 7/71، مسند أحمد 2/528، 1/19، 48".
وانظر: التبصرة ص226، أصول السرخسي 1/373.
2 انظر: التبصرة ص230.
3 في ش ز: ورد الدليل.
4 في ع: وقرينته. وفي ش: وقرينه.
5 وضح الشيرازي الرد على الاستدلال بقول أبي بكر رضي الله عنهما فقال: "والجواب أن أبا بكر رضي الله عنه أراد: لا أفرق بين ما جمع الله في الإيجاب بالأمر، وكذلك ابن عباس أراد أنها لقرينة الحج في الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فكان الاحتجاج في الحقيقة يظاهر الأمر، لا بالاقتران" "التبصرة ص230".
6 الآية 6 من المائدة.
7 في ش: يوجب.
8 في ز ش ض: الوضوء.
9 في ض ع ب: وخصص.
10 في ش ز ع ب: فذكر.
11 وهي آيات النجوى في سورة المجادلة 8-10: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ... وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} والآيتان 12/13 من المجادلة.
(3/261)

تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} 1 {فَإِنْ أَمِنَ} 2 فَلا بَأْسَ, اُنْظُرْ إلَى آخِرِ الآيَةِ3.
"وَلا يَلْزَمُ مِنْ إضْمَارِ شَيْءٍ فِي مَعْطُوفٍ " عَلَى شَيْءٍ "أَنْ يُضْمَرَ" ذَلِكَ الشَّيْءُ "فِي مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ" ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ حَمْدَانَ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْقَاضِي وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ4.
وَتَرْجَمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا فِي الْمَتْنِ هِيَ تَرْجَمَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ، وَتَرْجَمَهَا الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ بِقَوْلِهِمْ "عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ5 لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ "6
__________
1 الآية 282 من البقرة.
2 الآية 283 من البقرة، وجاء في جميع النسخ: وإذا.
3 وتتمة الآيتين: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} البقرة 282-283.
4 انظر هذه المسألة في "المستصفى 2/70، الإحكام للآمدي 2/258، المحصول ج1 ق2/623، ج1 ق3/302، نهاية السول 2/163، المحلي على جمع الجوامع 2/32، 1/424، شرح تنقيح الفصول ص222، المعتمد 1/308، مختصر البعلي ص113، المسودة ص140، مختصر ابن الحاجب 2/120، فواتح الرحموت 1/298، تيسير التحرير 1/261، إرشاد الفحول ص139، اللمع ص25، مباحث الكتاب والسنة ص155".
5 في ش ز: العام على الخاص.
6 وترجم هذه المسالة البعلي وغيره بلفظ: "رجوع الضمير إلى بعض العام المتقدم لا يخصصه عند أكثر أصحابنا والشافعية "مختصر البعلي ص124"، ويلاحظ في هذه الترجمة مراعاتها لفصل الخاص والتخصيص، وهي ما سيذكرها المصنف في آخر فصل الخاص صفحة 389.
"وانظر: نهاية السول 2/162، شرح تنقيح الفصول ص222، جمع الجوامع 2/32، المحصول ج1 ق3/205".
(3/262)

وَمَثَّلَ الْفَرِيقَانِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ "لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ" 1.
وَالْخِلافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ، مَعَ الاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ يُقَدِّرُونَ تَتْمِيمًا2 لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لَفْظًا عَامًّا، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مُتَعَلِّقِهِ, فَيَكُونُ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} 3 فَيُقَدَّرُ: وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ4, إذْ لَوْ قَدَّرَ خَاصًّا - وَهُوَ وَلا ذُو5 عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ- لَزِمَ التَّخَالُفُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ, وَيَكُونُ6 تَقْدِيرًا بِلا دَلِيلٍ، بِخِلافِ مَا لَوْ قَدَّرَ عَامًّا, فَإِنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ7 عَلَيْهِ مِنْ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا, وَحِينَئِذٍ فَيُخَصَّصُ
__________
1 هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بهذا اللفظ عن علي رضي الله عنه، ورواه الترمذي وابن ماجه عن علي وعمرو بن شعيب بدون الزيادة الأخيرة.
"انظر: مسند أحمد 1/119، 122، 2/180، 192، سنن أبي داود 2/488، سنن النسائي 8/21، تحفة الأحوذي 4/669، سنن ابن ماجه 2/887، 888".
قال المناوي: "تنبيه: هذا الحديث روي بزيادة، ولفظه: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، يعني بكافر حربي للإجماع على قتله بغير حربي، فقال الحنفي يقدر الحبي في المعطوف عليه لوجوب الاشتراك بين المعطوفين في صفة الحكم، فلا ينافي ما قال به من قتل المسلم بذمي، وقد مثل "بهذه الزيادة" أهل الصول للأصح عندهم أن عطف الخاص على العام كعكسه لا يخصص، فقوله: "ولا ذو عهد في عهده" يعني بكافر حربي للإجماع على قتله بغير الحربي، "فيض القدير 6/453".
وانظر: المسودة ص140.
2 في ش: تتمتها.
3 الآية 285 من البقرة.
4 انظر: المسودة ص140.
5 في ز ض: ذوا، وفي ب: وذو.
6 في ز ض ع ب: وأن يكون.
7 ساقطة من ز.
(3/263)

الْعُمُومُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْحَرْبِيِّ. بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَهُوَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ لا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ, وَيُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ وَالذِّمِّيِّ1.
قَالُوا: وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يُخَصَّصَ الْعَامُّ الْمَذْكُورُ، أَوْ لا لِيَتَسَاوَيَا2. فَيَصِيرُ: لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو3 عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ4.
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: فَإِذَا قَدَّرُوا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنَّمَا يُقَدِّرُونَ خَاصًّا. فَيَقُولُونَ: وَلا ذُو5 عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ6، لأَنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّمَا هُوَ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ بِلا زِيَادَةٍ, وَفِي التَّقْدِيرِ "بِحَرْبِيٍّ" كِفَايَةٌ وَلا يَضُرُّ تَخَالُفُهُ مَعَ الْمَعْطُوفِ
__________
1 وخلاصة الخلاف أن الجمهور يرون أن التعاطف بين الكلمتين ل يقتضي لأكثر من اشتراكها في أصل الحكم، وقال الحنفية: إن عموم المعطوف عليه يسري إلى معطوفه عن طريق التبعية، وبناء عليه قال الجمهور في الحديث: إن كلمة "كافر" في الجملة عامة تعم الذمي والحربي، وإذا قتل المسلم ذمياً أو حربياً فلا يقتل به، وأن الجملة الثانية معطوفة عليه، ولا علاقة لها بعمومها ومعناها: أنه لا يجوز قتل المعاهد مادام غير خارج على عهده، فالأولى عامة، والثانية خاصة.
وقال الحنفية: العطف يسوي بين المعطوف والمعطوف عليه في العموم، ولا يصح العموم في الحديث في المعطوف لأنها تصبح "ولا يقتل ذو عهد بعهده بقتل كافرٍ ذمياً كان أو حربياً" وهذا غير صحيح، لأن المعاهد لا يقتل بقتله الكافر الحربي، ولكن يقتل باتفاق بقتله الكافر الذمي، ولذلك قال الحنفية: "إن الفقرة الثانية خصصت بدليل آخر، ويجب تخصيص الجملة الأولى مثلها للتساوي بينهما، ويخصص العام الأول، فيصير "لا يقتل مسلم بكافر حربي".
"انظر: الإحكام للآمدي 2/258، المحلي على جمع الجوامع 1/32، 424، نهاية السول 2/163، شرح تنقيح الفصول ص222، المعتمد 1/308، المحصول ج1 ق3/206، العضد على ابن الحاجب والتفتازاني عليه 2/120، 121، المسودة ص140، فواتح الرحموت 1/298، تيسير التحرير 1/261، إرشاد الفحول ص139، مباحث الكتاب والسنة ص155".
2 في ز: يتساويا، وفي ض" فيتساويا، وفي ش: يتساويان.
3 في ز: ذوا.
4 ساقطة من ش.
5 في ض: ذوا.
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 1/424، تيسير التحرير 1/262، فواتح الرحموت 1/298، شرح تنقيح الفصول ص222.
(3/264)

عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ, إذْ لا يُشْتَرَطُ إلا1 اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ، وَهُوَ هُنَا: مَنْعُ الْقَتْلِ بِمَا ذَكَرَ. أَوْ2 بِمَا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لا فِي كُلِّ الأَحْوَالِ3: وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} 4 فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ5 بِالرَّجْعِيَّاتِ, وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُطَلَّقَاتُ بِالْعُمُومِ6.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ, اهـ7.
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ض: ذكروا و، في ع: يذكر أو، في ب: ذكر و.
3 أجاب القرافي على استدلال الحنفية بالحديث فقال: "والجواب عنه من أربعة أوجه، أحدها أنا نمنع أن الواو عاطفة، بل هي للاستئناف، فلا يلزم التشريك، وثانيها: سلمناه لكن العطف يقتضي التشريك في أصل الحكم دون توابعه..، وثالثها: ... بل معناه التنبيه على السببية ... فإنها "في عهده" للسببية..، ورابعها: أن معناه نفي الوهم عما يعتقد أن المعاهدة كعقد الذمة يدوم، وتكون "في" على هذا للظرفية" "شرح تنقيح الفصول ص223 باختصار".
"وانظر: المعتمد 1/209، المحصول ج1 ق3/306".
4 الآية 228 من البقرة.
5 في ش ع: يختص.
6 العموم في أول الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} الآية، فلفظ "المطلقات" عام للبائن والرجعية، وتجب العدة عليهما، ويلزم من ذلك أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ} يشملن بعل البائن وبعل الرجعية، وهذا غير صحيح، لأن البائن لا يحق لبعلها أن يردها ويراجعها، فدل على أن الضمير مع المعطوف خاص بالرجعية، مع أنه في المعطوف عليه عام في البائن والرجعية، لأن العطف لا يقتضي المشاركة في الحكم عند الجمهور، وقال الحنفية وابن الحاجب: "إن الضمير في المعطوف "وبعولتهن" عام لكنه خص بدليل منفصل".
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/121، المستصفى 2/71، الإحكام للآمدي 2/258، المحصول ج1 ق2/634، شرح تنقيح الفصول ص191، فواتح الرحموت 1/199، تيسير التحرير 1/320، مختصر البعلي ص124، اللمع ص25".
وسوف يذكر المصنف هذه الآية والمسالة في نهاية بحث التخصيص.
7 ساقطة من ض ع.
(3/265)

وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى الْعَامِّ وَصِيَغِ الْعُمُومِ, وَكَانَ يَلْحَقُهُ التَّخْصِيصُ ذَكَرَهُ1 عَقِبَهُ2 فَقَالَ:
__________
1 في ض ب: ذكر.
2 في ش: عقبة.
(3/266)

باب التخصيص:
بِالتَّنْوِينِ1 "التَّخْصِيصُ" وَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى بَيَانِ الْمُخَصِّصِ -بِكَسْرِ الصَّادِ- وَالْمُخَصَّصِ - بِفَتْحِهَا.
فَأَمَّا التَّخْصِيصُ2: فَرَسَمُوهُ بِأَنَّهُ "قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ3".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ قَالَ "عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ" فَإِنَّ مُسَمَّى الْعَامِّ جَمِيعُ مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، لا بَعْضُهُ.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ تَبَعًا لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ: هُوَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ4، فَخَرَجَ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ، لأَنَّهُ قَصْرٌ مُطْلَقٌ، لا عَامٌّ، كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. وَكَذَا الإِخْرَاجُ مِنْ الْعَدَدِ، كَعَشْرَةٍ إلاَّ ثَلاثَةً, وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَدَخَلَ مَا عُمُومُهُ بِاللَّفْظِ كَـ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 5 قَصْرٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ6 الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عُصِمَ بِأَمَانٍ، وَمَا عُمُومُهُ بِالْمَعْنَى، كَقَصْرِ عِلَّةِ الرِّبَا فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَثَلاً. بِأَنَّهُ يَنْقُصُ إذَا جَفَّ عَلَى غَيْرِ الْعَرَايَا7.
__________
1 ساقطة من ش ز.
2 في ض: فأما التنوين، وفي ش ز: وأما التخصيص.
3 انظر: مختصر البعلي ص116.
4 جمع الجوامع 2/2.
5 الآية 5 من التوبة.
6 ساقطة من ش ز.
7 ورد استثناء العرايا من الربا في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والدارمي عن سهل بن أبي حثمة وغيره بألفاظ كثيرة، مرفوعا.
انظر: صحيح البخاري 2/15 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 10/195، سنن أبي داود 2/226، تحفة الأحوذي 4/418، سنن النسائي 7/233، سنن ابن ماجه 2/761، الموطأ ص383، 386 ط الشعب، سنن الدارمي 2/252، مسند أحمد3/360، 5/190، 364.
(3/267)

وَالْمُرَادُ مِنْ قَصْرِ الْعَامِّ: قَصْرُ حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ1 "الْعَامِّ" بَاقِيًا2 عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ لَفْظًا لا حُكْمًا, فَبِذَلِكَ يَخْرُجُ إطْلاقُ3 الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ, فَإِنَّ ذَلِكَ قَصْرُ إرَادَةِ لَفْظِ الْعَامِّ، لا قَصْرُ حُكْمِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ4 عَلَى تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ: أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بِدَلِيلٍ عَامٍّ، لا5 قَصْرُ الْعَامِّ بِدَلِيلِهِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْكَلامَ فِي التَّخْصِيصِ الشَّرْعِيِّ فَالتَّقْدِيرُ6 قَصْرُ الشَّارِعِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ إلَى مَفْعُولِهِ, وَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ7.
"وَيُطْلَقُ" التَّخْصِيصُ "عَلَى قَصْرِ لَفْظٍ غَيْرِ عَامٍّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ" أَيْ مُسَمَّى ذَلِكَ اللَّفْظِ "كَ" إطْلاقِ "عَامٍّ عَلَى غَيْرِ لَفْظٍ عَامٍّ" كَعَشَرَةٍ وَمُسْلِمِينَ
__________
1 في ب: لفظه.
2 في ب: باق.
3 في ش: الخلاف.
4 في ز ض ع ب: أورد.
5 في ز: فلم لا قيل. وفي ب ض د ع: فلم لا قال.
6 في ش: بالتقدير.
7 انظر في تعريف التخصيص "المحصول ج1 ق3/7، الإحكام للآمدي 2/281، كشف الأسرار 1/306، نهاية السول 2/90، 94، المعتد 1/250، 251، شرح تنقيح الفصول ص51، البرهان 1/400، مختصر ابن الحاجب 1/129، البناني على جمع الجوامع 2/2، مختصر البعلي ص116، العدة 1/155، مختصر الطوفي ص107، فواتح الرحموت 1/100، 300، تيسير التحرير 1/282، الحدود للباجي ص44، اللمع ص18، شرح الورقات ص101، إرشاد الفحول ص142، مباحث الكتاب والسنة ص206، تفسير النصوص 2/78".
(3/268)

لِلْعَهْدِ1.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا بِالاصْطِلاحِ كَإِطْلاقِ الْعَشَرَةِ عَلَى بَعْضِ آحَادِهَا, وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ عَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لِتَعَدُّدِهِ، كَعَشَرَةٍ وَالْمُسْلِمِينَ الْمَعْهُودِينَ، لا الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا, وَإِلاَّ كَانَ عَامًّا اصْطِلاحًا.
"وَيَجُوزُ" التَّخْصِيصُ "مُطْلَقًا" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالأَكْثَرُ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا2، خِلافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ فِي الْخَبَرِ3, وَعَنْ بَعْضِهِمْ وَ4 فِي الأَمْرِ5.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ اُسْتُعْمِلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ6.
__________
1 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/130، التمهيد ص109.
2 اشترط الحنفية في تخصيص العام أن يكون مقارناً له، ولا يصح أن يكون متراخياً، وإلا كان نسخاً.
انظر هذه المسألة في "المستصفى 2/98، المحصول ج1 ق3/14، الإحكام للآمدي 2/282، التبصرة ص143، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/130، المعتمد 1/255، مختصر البعلي ص116، العدة 2/595، المسودة ص130، الروضة 2/243، مختصر الطوفي ص107، اللمع ص18، فواتح الرحموت 1/301، كشف الأسرار 1/307، إرشاد الفحول ص143".
3 انظر: فواتح الرحموت 1/301، كشف الأسرار 1/307، تيسير التحرير 1/275، العدة 2/595، المسودة ص130، مختصر البعلي ص116، اللمع ص18، التبصرة ص143، المعتمد 1/255، المحصول ج1 ق3/15، الإحكام للآمدي 2/282.
4 ساقطة من ش ز.
5 نقل أكثر الأصوليين الإجماع على جواز التخصيص في الأمر، ونقل الرازي والبيضاوي وابن الحاجب الخلاف في ذلك.
"انظر: التبصرة ص143 هامش، فواتح الرحموت 1/301".
6 انظر: المعتمد 1/255، العضد على ابن الحاجب 2/130، المحصول ج1 ق3/14، الإحكام للآمدي 2/282، المستصفى 2/98، فواتح الرحموت 1/301.
(3/269)

قَالَ الْمُخَالِفُ1: يُوهِمُ فِي الْخَبَرِ الْكَذِبَ، وَفِي الأَمْرِ الْبَدَاءَ2.
رَدًّا3 بِالْمَنْعِ4.
وَيَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وُرُودُ مَا هُوَ مَخْصُوصٌ قَطْعًا5، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 6 {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} 7 {يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} 8 {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} 9 {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} 10 وَفِي الأَمْرِ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 11 وَفِي النَّهْيِ {لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} 12 مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْبَانِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ قَطْعًا, بَلْ قَالُوا:
__________
1 في ض: المخالفون.
2 البداء هو ظهور المصلحة بعد خفائها.
"وانظر: نهاية السول 2/96، المحصول ج1 ق3/15، كشف الأسرار 1/307، فواتح الرحموت 1/301، تيسير التحرير 1/275، منهاج العقول 2/94، إرشاد الفحول ص144".
3 في ز ع ض: رد.
4 قال الإسنوي معيناً المنع: "لأنا نعلم أن اللفظ في الأصل يحتمل التخصيص، فقيام الدليل على وقوعه مبين المراد، وإنما يلزم البداء، أو الكذب أن لو كان المخرج مراداً" "نهاية السول 2/96".
"وانظر: المحصول ج1 ق3/15، كشف الأسرار 1/307، تيسير التحرير 1/275، منهاج العقول 2/94، إرشاد الفحول ص144".
5 انظر: منهاج العقول 2/94، المستصفى 2/99، الإحكام للآمدي 2/283، نهاية السول 2/96.
6 الآية 62 من الزمر.
7 الآية25 من الأحقاف.
8 الآية 57 من القصص.
9 الآية 23 من النمل.
10 الآية 84 من الكهف.
11 الآية 5 من التوبة.
12 الآية 222 من البقرة.
(3/270)

لا عَامَّ إلاَّ وَطَرَقَهُ التَّخْصِيصُ إلاَّ مَوَاضِعَ يَسِيرَةً1.
وَ2يَجُوزُ التَّخْصِيصُ "وَلَوْ لِعَامٍّ مُؤَكَّدٍ3" إذْ تَأْكِيدُهُ لا يَمْنَعُ تَخْصِيصَهُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ4، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ} 5 إذَا قَدَّرَ مُتَّصِلاً, وَفِي الْحَدِيثِ "فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلاَّ أَبَا قَتَادَةَ" 6.
وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ مُطْلَقًا "إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ" فَقَطْ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ, قَالَهُ
__________
1 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/130، الإحكام للآمدي 2/282، نهاية السول 2/96، المستصفى 2/99، منهاج العقول 2/94، الروضة 2/242، نزهة الخاطر 2/159، مختصر الطوفي ص107، مختصر البعلي ص116، إرشاد الفحول ص143.
2 ساقطة من ش ض.
3 في ب: بكلام مؤكد.
4 انظر: التمهيد ص110، المحصول ج1 ق3/12.
5 الآية 30-31 من الحجر، والآية 73-74 من سورة ص.
6 هو الصحابي الحارث بن ربعي، وقيل: اسمه النعمان، أبو قتادة، الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلف علماء السير في شهوده بدراً، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وأرسله عليه الصلاة والسلام في عدة سرايا، وأبلى في الجهاد والقتال بلاء حسناً، وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً "خير فرساننا أبو قتادة" وكان من سادات الأنصار، وروى مائة وسبعين حديثاً، توفي بالمدينة سنة 54هـ، وله سبعون سنة، وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الإصابة 7/155 المطبعة الشرفية، أسد الغابة 6/250، الخلاصة 3/238 مطبعة الفجالة الجديدة، مشاهير علماء الأمصار ص14".
والحديث ورد في عمرة القضية بعد صلح الحديبية، قال أبو قتادة: "فاحرم أصحابي غيري" "انظر: المغازي لابن إسحاق 2/733". ورواه البخاري بلفظ "فاحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم" "صحيح البخاري 1/225، المطبعة العثمانية، كتاب الحج، باب لا يشير المحرم إلى الصيد".
وروى مسلم بلفظ "أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم" "صحيح مسلم بشرح النووي 8/109".
"وانظر: زاد المعاد 2/164، تحقيق أرناؤوط، سنن أبي داود 1/428".
(3/271)

أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ1.
وَمَنَعَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: مِنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ2.
وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ: إنْ3 كَانَ لَفْظُهُ جَمْعًا4.
وَالْقَاضِي وَوَلَدُ الْمَجْدِ وَجَمْعٌ: لا بُدَّ أَنْ يَبْقَى كَثْرَةٌ وَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ5.
__________
1 وهو المختار عند الحنفية.
"انظر: فتح الغفار 1/108، تيسير التحرير 1/326، المسودة ص116، الروضة 2/240، العدة 2/544، مختصر البعلي ص116، التمهيد ص112، منهاج العقول 2/99، الإحكام للآمدي 2/283، جمع الجوامع 2/3، فواتح الرحموت 1/306، نهاية السول 2/100، التبصرة ص125، اللمع ص18، شرح تنقيح الفصول ص224، المعتمد 1/254، إرشاد الفحول ص144، المحصول ج1 ق3/16، الإحكام للآمدي 2/283".
2 أي يمنع أن ينقص العام بعد التخصيص عن أقل الجمع، وهو قول الغزالي وذكره الجويني عن الأكثرين، وقال به فخر الإسلام البردوي والنسفي وصدر الشريعة وأبو بكر الرازي من الحنفية.
"انظر: فتح الغفار 1/108، فواتح الرحموت 1/306، العضد على ابن الحاجب 2/131، المحصول ج1 ق3/16، الإحكام للآمدي 2/283، جمع الجوامع 3/2، المعتمد 1/253، شرح تنقيح الفصول ص224، التبصرة ص125، اللمع ص18، المسودة ص117، الروضة 2/240، التمهيد ص112، نهاية السول 2/100، العدة 2/544، مختصر البعلي ص117، إرشاد الفحول ص144".
3 في ض: إذ.
4 يرى القفال أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقل المراتب التي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص مراعاة لمدلول الصيغة، فإن كان جمعاً فيجوز تخصيصه إلى ثلاثةٍ، وإن كان غير الجمع كمن وما فيجوز تخصيصها إلى الواحد وأخذ بهذا القول ابن السبكي.
"انظر: التمهيد ص112، منهاج العقول 2/97، الإحكام للآمدي 2/283، المحصول ج1 ق3/16، المعتمد 1/254، جمع الجوامع 2/3، إرشاد الفحول ص144".
5 وهذا اختيار الغزالي والرازي وأكثر المعتزلة، وذكره الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين، وذلك بان يبقى عدد غير محصور.
انظر: هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "نهاية السول 2/100، التبصرة ص125 هامش، شرح تنقيح الفصول ص224، المعتمد 1/254، منهاج العقول 2/97، المحصول ج1 ق3/16، المسودة ص117".
(3/272)

وَابْنُ حَمْدَانَ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ1: تُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ2.
وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِاسْتِثْنَاءٍ وَبَدَلٍ إلَى وَاحِدٍ، وَبِمُتَّصِلٍ وَصِفَةٍ، وَمُنْفَصِلٍ فِي مَحْصُورِ قَلِيلٍ إلَى اثْنَيْنِ، وَغَيْرِ الْمَحْصُورِ وَالْعَدَدِ الْكَثِيرِ، كَالْمَجْدِ3.
وَمَا فِي الْمَتْنِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ4. وَكَذَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ5.
قَالَ6 الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ.
وَحَكَى الْجُوَيْنِيُّ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي "مَنْ" وَ "مَا " وَنَحْوِهِمَا7.
__________
1 في ض: كثرة.
2 أي يقرب من مدلول اللفظ العام، وقال الشوكاني: "وإليه ميل الأكثر" "إرشاد الفحول ص144".
"وانظر: مختصر البعلي ص117، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/130، جمع الجوامع 2/3".
3 قال ابن الحاجب في غير المحصور والعدد: لا بد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلول العام، كما قال ابن حمدان وطائفة، وليس كما يقول المجد. "انظر: مختصر ابن الحاجب 2/130".
وتوقف الآمدي في المسألة، وقال بعض الحنفية إن منتهى التخصيص جمع يزيد على النصف.
"انظر: تيسير التحرير 1/326، الإحكام للآمدي 2/284، جمع الجوامع 2/3، فواتح الرحموت 1/306، نهاية السول 2/101، التبصرة ص125".
4 في ش ز: جماعة, والأعلى من ض والمسودة، انظر النص في "المسودة ص117".
5 في ز ض ع ب: المنصور.
6 ساقطة من ض.
7 انظر: شرح تنقيح الفصول ص224.
(3/273)

وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ1, وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَاسْتَدَلَّ لِلْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ التَّخْصِيصُ الْمَذْكُورُ لَكَانَ الامْتِنَاعُ: إمَّا لأَنَّهُ مَجَازٌ، أَوْ لاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ2.
وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ لُغَةٌ3.
وَجَوَابُهُ بِالْمَنْعِ, ثُمَّ لا فَرْقُ4.وَأَيْضًا: أَكْرِمْ النَّاسَ إلاَّ الْجُهَّالَ5.
وَاعْتُرِضَ6 عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خَصَّ بِالاسْتِثْنَاءِ7.
وَجَوَابُهُ الْمَعْرُوفُ التَّسْوِيَةُ، ثُمَّ8 لا فَرْقَ9.
وَاسْتَدَلَّ بِقَوْله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ} 10 وَأُرِيدَ بِهِ11 نُعَيْمُ بْنُ
__________
1 انظر: التبصرة ص125، اللمع ص18.
2 في ز ض ع ب: موضوعه.
3 انظر: المعتمد 1/255، المحصول ج1 ق3/17، الإحكام للآمدي 2/285، العدة 2/546.
4 انظر: العدة 2/546
5 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/131.
6 في ش: فاعترض.
7 أي إن جواز التخصيص بالاستثناء، ولايعم بقية المخصصات.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/131".
8 ساقطة من ض.
9 قال العضد: "والفرق قائم" "انظر العضد على ابن الحاجب 2/131".
10 الآية 173 من آل عمران.
11 ساقطة من ض ز ع ب.
(3/274)

مَسْعُودٍ1.
رُدَّ لَيْسَ2 بِعَامٍّ، لأَنَّهُ الْمَعْهُودُ3.
وَاسْتَدَلَّ بِقَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 4.
أُجِيبَ: أَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَمَحِلُّ النِّزَاعِ فِي الإِخْرَاجِ مِنْهُ5.
وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ قَوْلِهِ6: أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْت الْمَاءَ، لأَقَلِّ شَيْءٍ مِنْهُمَا7.
رَدَّ، الْمُرَادُ بَعْضُ مُطَابِقٍ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ8.
الْقَائِلَ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ مَا سِيقَ فِيهِ.
__________
1 انظر: نهاية السول 2/101، التبصرة ص125، شرح تنقيح الفصول 225، منهاج العقول 2/101، مختصر ابن الحاجب2/131، فواتح الرحموت 1/306، فتح الغفار 1/109، تيسير التحرير 1/328، إرشاد الفحول ص145.
2 في ش: وليس.
3 في ش: المعهود.
وانظر: منهاج العقول 2/101، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/131، فواتح الرحموت 1/306، تيسير التحرير 1/328، إرشاد الفحول ص145.
4 الآية 9 من الحجر.
"وانظر: المعتمد 1/255، مختصر ابن الحاجب 2/130، المحصول ج1 ق3/18، الإحكام للآمدي 2/284".
5 انظر: شرح تنقيح الفصول ص224، 225، المعتمد 1/225، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/130، 131، الإحكام للآمدي 2/284.
6 ساقطة من ض ب.
7 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/131، الإحكام للآمدي 2/85، إرشاد الفحول ص145.
8 أي إن "الخبز" و "الماء" في المثال ليس بعام بل هو للبعض الخارجي المطابق للمعهود الذهني، وهو الخبز والماء المقرر في الذهن أنه يؤكل ويشرب.
"انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/131، الإحكام للآمدي 2/285، إرشاد الفحول ص145".
(3/275)

رَدَّ لَيْسَ1 الْجَمْعُ بِعَامٍّ لِيُطْلَقَ الْعَامُّ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ2.
"وَلا تَخْصِيصَ إلاَّ فِيمَا لَهُ شُمُولٌ حِسًّا" نَحْوُ: جَاءَنِي الْقَوْمُ "أَوْ حُكْمًا" نَحْوُ اشْتَرَيْتُ الْعَبْدَ3.
قَالَ الْعَسْقَلانِيُّ4: لا يَسْتَقِيمُ التَّخْصِيصُ إلاَّ بِمَا فِيهِ مَعْنَى الشُّمُولِ، وَيَصِحُّ تَوْكِيدُهُ بِكُلٍّ، لِيَكُونَ ذَا أَجْزَاءٍ5 يَصِحُّ اقْتِرَانُهُمَا6 إمَّا حِسًّا كَ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 7 أَوْ حُكْمًا, كَاشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ كُلَّهَا، لإِمْكَانِ افْتِرَاقِ8 أَجْزَائِهَا9.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: التَّخْصِيصُ وَالنَّسْخُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَفْعَالَنَا الْوَاقِعَةَ فِي الأَزْمَانِ وَالأَعْيَانِ فَقَطْ. وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ تُكَلِّمُونَ أَكْثَرُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّسْخَ10 يَتَنَاوَلُ الأَزْمَانَ فَقَطْ، وَالتَّخْصِيصُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ, وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ11 الْمُحَصِّلُونَ تَجَوُّزًا12.
__________
1 في ش: رداً إذ ليس.
2 انظر مزيداً من ادلة جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد في "الروضة2/240".
3 انظر: منهاج العقول 2/92، نهاية السول 2/95، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/130، المحصول ج1 ق3/12، الإحكام للآمدي 2/282، جمع الجوامع 2/2.
4 هو علاء الدين بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الحنبلي الذي شرح "مختصر الطوفي" في الأصول، وتقدمت ترجمته في "المجلد الأول ص89".
5 في ش: إذا أجزى.
6 في ش: اقترانهما.
7 الآية 5 من التوبة.
8 في ع ب: اقتران.
9 انظر: المعتمد 1/253، العضد على ابن الحاجب 2/130، اللمع ص23.
10 في ض: بالنسخ.
11 في ض: يتناوله.
12 يفرق الحنفية بينهما بأمر مهم، وهو أن التخصيص يكون متصلاً بالعام، وأن النسخ يكون متراخياً عنه، وذكر الشوكاني عشرين وجهاً للتفريق بينهما.
انظر الفرق بين النسخ والتخصيص في "كشف الأسرار 3/209، التلويح على التوضيح 2/281، العضد على ابن الحاجب 2/130، المحصول ج1 ق3/9، فواتح الرحموت 1/310، شرح تنقيح الفصول ص230، المعتمد 1/251، منهاج العقول 2/91، اللمع ص18، نهاية السول 2/94، 149، إرشاد الفحول ص142 وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة ص207".
(3/276)

"وَالْمُخَصَّصُ" هُوَ "الْمَخْرَجُ، وَهُوَ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ" الإِخْرَاجَ1.
وَ2 لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى التَّخْصِيصِ أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْمُخَصِّصِ -بِكَسْرِ الصَّادِ- وَهُوَ حَقِيقَةً: فَاعِلُ التَّخْصِيصِ الَّذِي هُوَ الإِخْرَاجُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى إرَادَتهِ3 الإِخْرَاجِ, لأَنَّهُ إنَّمَا يُخَصَّصُ4 بِالإِرَادَةِ فَأُطْلِقَ عَلَى نَفْسِ الإِرَادَةِ مُخَصِّصًا، حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ5 وَأَتْبَاعُهُ: إنَّ حَقِيقَةَ التَّخْصِيصِ هُوَ الإِرَادَةُ6.
"وَيُطْلَقُ" الْمُخَصِّصُ "مَجَازًا عَلَى الدَّلِيلِ" الدَّالِّ عَلَى الإِرَادَةِ "وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا" فَإِنَّهُ الشَّائِعُ7 فِي الأُصُولِ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً8.
"وَهُوَ" أَيْ الْمُخَصِّصُ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ "مُنْفَصِلٌ" وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّ9 بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَبِطًا بِكَلامٍ آخَرَ10 "وَ11 مِنْه" أَيْ وَ12 مِنْ الْقِسْمِ الْمُنْفَصِلِ
__________
1 وهذا اختيار الفخر الرازي وابن برهان، وقال أبو الحسين البصري: "إن المخصص هو إما الدليل وأما إرادة المتكلم" "المعتمد 1/256".
"انظر: المحصول ج1 ق3/8، منهاج العقول 2/92، نهاية السول 2/95، 113، مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص107، إرشاد الفحول ص145".
2 ساقطة من ز ض ع ب.
3 في ش: إرادة.
4 في ب: يخص.
5 في ش: البرماوي.
6 انظر: المعتمد 1/256، المحصول ج1 ق3/8، إرشاد الفحول ص145.
7 في ش: المتتابع.
8 فيقال المخصصات، ويراد منها أدلة التخصيص.
"انظر: المحصول ج1 ق3/8، منهاج العقول 2/92، نهاية السول 2/95، 113، المعتمد 1/256، مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص107، إرشاد الفحول ص142، 145".
9 في ش: استعمل.
10 انظر: جمع الجوامع 2/24، منهاج العقول 2/112، المعتمد 2/112، المعتمد 1/283، فواتح الرحموت 1/316، نهاية السول 2/113، 141، مختصر البعلي ص117.
11 ساقطة من ش.
12 ساقطة من ش.
(3/277)

"الْحِسِّ 1 " نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:2 {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} 3 وقَوْله تَعَالَى: {يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} 4 وقَوْله تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} 5. وقَوْله تَعَالَى: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} 6.
وَالْمُرَادُ بِالْحِسِّ الْمُشَاهَدَةُ, وَنَحْنُ نُشَاهِدُ أَشْيَاءَ كَانَتْ حِينَ7 الرِّيحِ لَمْ تُدَمِّرْهَا وَلَمْ تَجْعَلْهَا كَالرَّمِيمِ، كَالْجِبَالِ وَنَحْوِهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَمْ تُجْبَ إلَيْهِ ثَمَرَاتُهُ، وَأَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ تُؤْتَ مِنْهَا بِلْقِيسُ8 فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} 9.
ثُمَّ هَاهُنَا بَحْثَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ10 هَذِهِ الأَمْثِلَةَ لا تَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِالْحِسِّ11،
__________
1 الحس هو الدليل المأخوذ من الرؤية البصرية أو السمع أو الذوق أو الشتم، من إطلاق أحد الحواس وإرادة الكل.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص215، المحصول ج1 ق3/115، الإحكام لابن حزم 1/342، الإحكام للآمدي 2/317، المستصفى 2/99، جمع الجوامع 2/24، نهاية السول 2/141، منهاج العقول 2/139، الروضة 2/343، مختصر البعلي ص113، مختصر الطوفي ص107، إرشاد الفحول ص157، مباحث الكتاب والسنة ص213".
2 ساقطة من ش.
3 الآية 25 من الأحقاف، وفي ز:"تدمر كل شيء".
4 الآية 57 من القصص.
5 الآية 23 من النمل.
6 الآية 42 من الذاريات.
7 ساقطة من ش ز.
8 انظر المراجع السابقة في هامش 8.
9 الآية 23 من النمل.
10 في ش: في.
11 في ش: بالجنس.
(3/278)

فَقَدْ يُدَّعَى1 أَنَّهَا مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ2.
الثَّانِي: أَنَّ مَا كَانَ خَارِجًا بِالْحِسِّ3 فَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى يَخْرُجَ، كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي التَّخْصِيصِ4 بِالْعَقْلِ5.
"وَ" مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ أَيْضًا "الْعَقْلُ" ضَرُورِيًّا كَانَ أَوْ نَظَرِيًّا6.
فَمِثَالُ الضَّرُورِيِّ: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 7 فَإِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ نَفْسَهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ8.
__________
1 في ش: يراعى.
2 وهو رأي الزركشي كما نقله الشوكاني.
"انظر: إرشاد الفحول ص157، نزهة الخاطر 2/160".
3 في ش: بالجنس.
4 ساقطة من ش.
5 انظر: الروضة 2/244، نزهة الخاطر 2/160، مختصر الطوفي ص107.
6 منعت طائفة من العلماء التخصيص بالعقل، لأن المخصص يتأخر، ولأنه يلزم منه جواز النسخ بالعقل، ولأنه يؤدي للتعارض مع الشرع، وقد رد الغزالي والآمدي والعضد وغيرهم على هذه الحجج، وقال الفخر الرازي: "ومنهم من نازع في تخصيص العام بدليل العقل، والأشبه عندي أنه لا خلاف في المعنى، بل في اللفظ" "المحصول ج1 ق3/111" وقال الغزالي: "وهو نزاع في العبارة" "المستصفى 2/100".
"وانظر: تيسير التحرير 1/273، العدة 2/547، الإحكام للآمدي 2/314، المستصفى 2/99، جمع الجوامع 2/24، البرهان 1/408، المعتمد 1/272، شرح تنقيح الفصول ص202، فواتح الرحموت 1/301، الروضة 2/244، المسودة ص118، نهاية السول 2/141، اللمع ص19، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/147، مختصر البعلي 122، مختصر الطوفي ص107، مباحث الكتاب والسنة ص212، إرشاد الفحول ص156".
7 الآية 16 من الرعد، والآية 62 من الزمر، وفي ش: "كل شيء".
8 انظر: نهاية السول 2/141، الإحكام للآمدي 2/314، المستصفى 2/99، جمع الجوامع 2/24، منهاج العقول 2/139، العدة 2/548، مختصر ابن الحاجب 2/147، المحصول ج1 ق3/111، شرح تنقيح الفصول ص202، اللمع ص19، إرشاد الفحول ص156، فواتح الرحموت 1/301.
(3/279)

وَمِثَالُ النَّظَرِيِّ: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً} 1 فَإِنَّ الْعَقْلَ بِنَظَرِهِ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ بِالتَّكْلِيفِ بِالْحَجِّ، لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا2، بَلْ هُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَافِلِينَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ3.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مَنَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْعَقْلِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِهِ فِي لَفْظِ الْعَامِّ, وَفَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي لَفْظِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ خُرُوجِهِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ4، وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَا نَزَلَ مِنْ الْكِتَابِ عَامًّا5 يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ: إنَّ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ6 يَدْخُلْ خُصُوصُهُ قَوْله تَعَالَى: {اللَّهُ 7 خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 8
__________
1 الآية 97 من آل عمران.
2 في ش: فقههما.
3 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/147، المحصول ج1 ق3/111، الإحكام للآمدي 2/314، المستصفى 2/100، فواتح الرحموت 1/301، نهاية السول 2/141، المعتمد 1/272، العدة 2/548، الروضة 2/244، مختصر الطوفي ص107، إرشاد الفحول ص156.
وفي ب: المكلفين.
4 يرى الشافعي أن ذلك من باب العام الذي أريد به الخصوص، قال الجويني: "أبى بعض الناس تسمية ذلك تخصيصاً، وهي مسألة قليلة الفائدة، ولست أراها خلافية" "البرهان 1/409"، ثم الجويني إلى أنه نزاع في العبارة كما نقلناه عن الرازي والغزالي، وأنهم جعلوا ذلك بياناً، وقد يقال لهم: إن التخصيص بيان.
"انظر: المسودة ص118، الروضة 2/244، جمع الجوامع 2/25، المعتمد 1/272 وما بعدها، المحصول ج1 ق3/111، المستصفى 2/100، إرشاد الفحول ص156، مباحث الكتاب والسنة ص213".
5 في د ض ب: ما.
6 ساقطة من ب.
7 في ش: هو، وفي ض: إنه.
8 الآية 16 من الرعد، والآية 62 من الزمر.
(3/280)

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} 1.قَالَ: فَهَذَا عَامٌّ لا خَاصٌّ2 فِيهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ سَمَاءٍ وَ3 أَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ4 تَعَالَى خَالِقُهُ، وَكُلُّ دَابَّةٍ فَعَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا5. اهـ.
"وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التَّخْصِيصِ "مُتَّصِلٌ" وَهُوَ مَا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ مُرْتَبِطٌ بِكَلامٍ آخَرَ6.
"وَهُوَ" أَيْ الْمُتَّصِلُ "أَقْسَامٌ":
أَحَدُهَا: "اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ".
أَمَّا الاسْتِثْنَاءُ7 فَمَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ8، وَهُوَ الْعَطْفُ، مِنْ قَوْلِهِ9: ثَنَيْتُ الْحَبْلَ أُثْنِيه10: إذَا عَطَفْت11 بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ, وَقِيلَ: مِنْ ثَنَّيْته عَنْ الشَّيْءِ: إذَا صَرَفْته عَنْهُ
__________
1 الآية 6 من هود.
2 في ش: الإخلاص.
3 في ض ع ب: أو.
4 في ش: فإن الله، والأعلى من ز ض ع ب، ومن "الرسالة".
5 الرسالة ص53-54.
وانظر: مناقشة هذه المسألة في "الروضة 2/244، نزهة الخاطر 2/160، والمراجع السابقة في الهامش 1".
6 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/9، نهاية السول 2/113، المعتمد 1/283، فواتح الرحموت 1/316، مختصر البعلي ص117، منهاج العقول 2/112.
7 في ض: الإنشاء.
8 في ض: الشيء.
9 في د: فقوله، وفي ز ض ب: نقول، وفي ع: تقول.
10 في ش: تثنيه.
11 في ش: عطف.
(3/281)

"وَهُوَ" أَيْ الاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ "إخْرَاجُ مَا" أَيْ إخْرَاجُ شَيْءٍ "لَوْلاهُ" أَيْ لَوْلا الاسْتِثْنَاءُ1 "لَوَجَبَ دُخُولُهُ" أَيْ دُخُولُ ذَلِكَ الشَّيْءِ "لُغَةً" أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ2.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ3: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِينَ4.
فَعَلَى هَذَا لا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءٌ 5 مِنْ النَّكِرَةِ, فَلا يُقَالُ: جَاءَنِي رِجَالٌ إلاَّ زَيْدًا، لاحْتِمَالِ أَنْ لا يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ دُخُولَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ6.
وَقِيلَ: إنَّ الاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجُ مَا لَوْلاهُ لَجَازَ دُخُولُهُ7.
فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ8 الاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّكِرَةِ وَسَلَّمَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ9.
__________
1 في ض: استثناء.
2 انظر: المسودة ص159، 160، تخريج الفروع على الأصول ص67، شرح تنقيح الفصول ص256، القواعد والفوائد الأصولية ص246، مختصر الطوفي ص111، مختصر البعلي ص117.
3 في ش: التقي.
4 المسودة ص160، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص246.
5 في ش: استثناء.
6 المسودة ص159، نهاية السول 2/113، منهاج العقول 2/112، العدة 2/673.
7 انظر هذا القول والاستثناء في "المساعد على التسهيل 1/548، نهاية السول 2/113، المعتمد 1/260، منهاج العقول 2/112، المستصفى 2/163، التمهيد ص114، نهاية السول 2/113، العدة 2/659، 673، التلويح على التوضيح 2/284، كشف الأسرار 1/121، جمع الجوامع 2/9، المحصول ج1 ق3/38، الإحكام للآمدي 2/287، المسودة ص159، 160، الروضة 2/252، القواعد والفوائد الأصولية ص245، 246، الإحكام لابن حزم 1/397، مختصر البعلي ص117، شرح الورقات ص109، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/132، شرح تنقيح الفصول ص237، 256".
8 في ش: لا يصح.
9 انظر: العدة 2/525، المسودة ص159، مختصر البعلي ص118.
(3/282)

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إنْ وُصِفَتْ النَّكِرَةُ صَحَّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا، وَإِلاَّ فَلا1.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: أَمَّا إذَا أَفَادَ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّكِرَةِ، كَاسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ من2 مُرَكَّبٍ فَيَجُوزُ، نَحْوُ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا إلاَّ رُبُعَهُ، أَوْ دَارًا إلاَّ سَقْفَهَا. فَالاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّكِرَةِ إذَا لَمْ يُفِدْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلاً. وَلا يَكُونُ مُنْقَطِعًا لأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ لا يَدْخُلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ3 "بِإِلاَّ" مُتَعَلِّقٌ بِإِخْرَاجٍ، يَعْنِي أَنَّ الإِخْرَاجَ يَكُونُ بِإِلاَّ.
"أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا" أَيْ أَخَوَاتِ "إلاَّ".
وَأَدَوَاتُ الاسْتِثْنَاءِ الْمَشْهُورَةُ ثَمَانِيَةٌ4، مِنْهَا: حُرُفٌ5 بِاتِّفَاقٍ6، وَهِيَ "إلاَّ" أَوْ وَحُرُفٌ7 عَلَى الأَصَحِّ، وَهِيَ "حَاشَا" فَإِنَّهَا حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ دَائِمًا, وَيُقَالُ فِيهَا8: حَاشَ وَحَشَا9.
__________
1 المساعد على التسهيل 1/589.
2 ساقطة من ش.
3 ساقطة من ز.
4 قال القرافي: "فائدة: آداواته أحد عشر: إلا وهي أم الباب، وغير وليس ولا يكون وحاشا وخلا وعدا وسوى وسوى وسواء، وما عدا وما خلا ولا سيما على خلاف فيها" "شرح تنقيح الفصول ص238".
"وانظر: المستصفى 2/163، منهاج العقول 2/112، البرهان 1/380، المنخول ص154، الروضة 2/252، نهاية السول 2/113، تيسير التحرير 1/283، المحلي على جمع الجوامع 2/10، الإحكام للآمدي 2/288، الإحكام لابن حزم 1/297ن مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص111، القواعد والفوائد الأصولية ص245، العضد على ابن الحاجب 2/132".
5 في ش: حروف.
6 في ع ب: بالاتفاق.
7 في ش: أو حروف، وفي د ز: أو حرف.
8 ساقطة من ش.
وقال ابن مالك: "وكثر فيها: حاش، وقل حشا وحاش" "المساعد على التسهيل1/585".
9 في ش ز ض ب: وحاشا، وانظر: المساعد على التسهيل 1/584.
(3/283)

وَمِنْهَا مَا هُوَ فِعْلٌ بِالاتِّفَاقِ، كَلا يَكُونُ، أَوْ فِعْلٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَهِيَ "لَيْسَ".
وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَرْفِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ1 بِحَسَبِ الاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ نُصِبَ2 مَا بَعْدَهُ كَانَ فِعْلاً، وَإِنْ جُرَّ3 مَا بَعْدَهُ كَانَ حَرْفًا، وَهُوَ "خَلا" بِالاتِّفَاقِ، وَ "عَدَا" عِنْدَ غَيْر4ِ سِيبَوَيْهِ5.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ اسْمٌ، وَهُوَ "غَيْرُ" وَ "سِوَى" وَيُقَالُ فِيهِ "سُوَى" بِضَمِّ السِّينِ، وَ "سَوَاءً" بِفَتْحِهَا وَالْمَدِّ، وَبِكَسْرِهَا وَالْمَدِّ، سَوَاءٌ قُلْنَا هُوَ ظَرْفٌ، أَوْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأَسْمَاءِ6.
ثُمَّ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاسْتِثْنَاءِ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صَادِرَيْنِ7 مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ8؛ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 9 فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إلاَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ" 10 فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ
__________
1 في ب: الفعلية والحرفية.
2 في ز: نصبت.
3 في ز: جرت.
4 ساقطة من ش.
5 قال ابن مالك: "والتزم سيبويه فعلية "عدا" "المساعد على التسهيل 1/584".
6 انظر: المساعد 1/584.
7 في ش: منه صادراً.
8 وفي قول لا يشترط أن يكون المستثنى والمستثنى منه من متكلم واحد.
"انظر: جمع الجوامع 2/10".
9 الآية 5 من التوبة، وأولها: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} الآية.
10 روى البخاري وأحمد عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: "أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية".
قال الشوكاني: "قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام" "نيل الأوطار 8/60".
"وانظر: صحيح البخاري 2/133 المطبعة العثمانية".
(3/284)

مُنْفَصِلٌ لا مُتَّصِلٌ1.
وَقَدَّمَ هَذَا الْقَوْلَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ2. وَضَعَّفَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ مُقَابِلَهُ, وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو لِي عَلَيْك مِائَةٌ، فَقَالَ عَمْرٌو: إلاَّ دِرْهَمًا، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى عَلَى الأَصَحِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يُخْتَلَى خَلاهُ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إلاَّ الإِذْخِرَ" 3 فَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْعَبَّاسَ أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ4 رَسُولَ اللَّهِ5 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالاسْتِثْنَاءِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ، اتِّكَالاً عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ ذَلِكَ6 بِقَرِينَةٍ، وَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِثْنَاءَهُ، وَلأَجْلِ ذَلِكَ أَعَادَ7 النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاسْتِثْنَاءِ8، فَقَالَ "إلاَّ
__________
1 يرى بعض العلماء أن الاستثناء من متكلم واحد، وهو الله تعالى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عند ربه في المعنى.
"انظر: البناني والمحلي على جمع الجوامع 2/10".
2 جمع الجوامع 2/20.
3 رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن عباس مرفوعاً، ورواه أبو داود وأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً، وأوله: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق الله السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ... " الحديث والإذخر نبات طيب الرائحة، والخلا: الحشيش، والقين: الحداد والصائغ، أي يحتاج إليه الحداد والصائغ في وقود النار، ويختلى أي يؤخذ.
"انظر: صحيح البخاري 1/160 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 9/126، سنن أبي داود 1/465، سنن النسائي 5/161، سنن ابن ماجه 2/1038، مسند أحمد 1/259، 2/228".
4 في ش ز: يذكره.
5 في ض ع ب: النبي.
6 في ب: لذلك.
7 في ش: عاد.
8 في ش: إلى الاستثناء.
(3/285)

الإِذْخِرَ" وَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِثْنَاءِ الْعَبَّاسِ وَهَذَا يُرْشِدُ إلَى اعْتِبَارِ كَوْنِهِ1 مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا "فَلا يَصِحُّ" الاسْتِثْنَاءُ "مِنْ نَكِرَةٍ" كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ2.
"وَلا" يَصِحُّ3 الاسْتِثْنَاءُ أَيْضًا "مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ" نَحْوُ: جَاءَ الْقَوْمُ إلاَّ حِمَارًا، لأَنَّ الْحِمَارَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقَوْمِ4، وَكَذَا: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلاَّ دِينَارًا، وَنَحْوُهُ، وَهَذَا هُوَ5 الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ6 عَنْد7 الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاخْتِيَارُ الأَكْثَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ8.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ9 الآخَرِ، وَاخْتُلِفَ فِي
__________
1 في ز: اعتباره.
2 صفحة 282.
وانظر: نهاية السول 2/113، منهاج العقول 2/112، المسودة ص159، مختصر البعلي ص118.
3 ساقطة من ش.
4 في ز: العموم.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 ساقطة من ض.
7 في ش: عن.
8 اختاره الغزالي في "المنخول ص159" وقال الآمدي: "ومنعه الأكثرون" "الإحكام 2/291".
"وانظر: البرهان 1/396، الشرح الكبير 5/309، العدة 2/673، الروضة 2/253، التبصرة ص165، القواعد والفوائد الأصولية ص256، مختصر الطوفي ص111، مختصر البعلي ص117، كشف الأسرار 3/131، المستصفى 2/167، تيسير التحرير 1/283، إرشاد الفحول ص146، الإفصاح 2/264".
9 في ع: عن.
(3/286)

مَأْخَذِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَقِيلَ: لأَنَّ النَّقْدَيْنِ كَالْجِنْسِ فِي الأَشْيَاءِ1، فَكَذَا فِي الاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ: إنَّ2 كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الآخَرِ، وَقِيلَ: إنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا3.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا، لأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ4.
وَوَجْهُ عَدَمِ صِحَّةِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ
__________
1 في ش ز ع: أشياء.
2 في ز ض ع ب: لأن.
3 وهو قول الإمام أبي حنيفة.
"انظر: كشف الأسرار 3/136، العدة 2/677، الشرح الكبير 5/311، الإحكام للآمدي 2/297، المغني 5/114، مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص111، القواعد والفوائد الأصولية ص256، الإفصاح 2/264".
4 وهذا قول أبي الخطاب من الحنابلة، وقال الحنفية: يصح الاستثناء من غير الجنس إذا كان مكيلاً أو موززناً.
ثم أنقسم أصحاب هذا القول –المجوزون للاستثناء من غير الجنس- إلى فرق، فقال أكثرهم: إن الاستثناء من غير الجنس مجاز، وهو رأي الشيرازي والغزالي وابن الحاجب والرازي والبيضاوي وابن السبكي والجويني والكمال بن الهمام والسرخسي والبردوي والبخاري صاحب "كشف الأسرار" وصدر الشريعة.
وقال بعضهم: كالقاضي الباقلاني: إنه حقيقة.
وقال آخرون: أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازاً، وفي قول: إنه مشترك، وفي قول: الوقف.
"انظر: جمع الجوامع 2/12، تيسير التحرير 1/283، 284، فواتح الرحموت 1/316، نهاية السول 2/114، البرهان 1/384، 397، 398، شرح الورقات ص111، المنخول ص159، المعتمد 1/262، مختصر ابن الحاجب 2/132، المحصول ج1 ق3/43، الإحكام لابن حزم 1/397، الإحكام للآمدي 2/291، كشف الأسرار 3/121، التوضيح على التنقيح 2/284، 300، العدة 2/673، اللمع ص24، المستصفى 2/167، 169، التبصرة ص165، إرشاد الفحول ص146، الإفصاح 2/264".
(3/287)

الاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِهِ عَمَّا يَقْتَضِيهِ لَوْلاهُ1, لأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ، تَقُولُ: ثَنَيْت فُلانًا عَنْ رَأْيِهِ، وَثَنَيْت عِنَانَ دَابَّتِي، و2 َلأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِهِ بِالأَوَّلِ، لِعَدَمِ اسْتِقْلالِهِ، وَإِلاَّ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ شَيْءِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنًى عَامٍّ، وَلأَنَّهُ لَوْ قَالَ: جَاءَ النَّاسُ إلاَّ الْكِلابَ وَإِلاَّ الْحَمِيرَ، عُدَّ قَبِيحًا لُغَةً وَعُرْفًا، وَلأَنَّهُ تَخْصِيصٌ، فَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ دَاخِلٍ3.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إلاَّ رَمْزًا} 4، {أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} 5 {مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} 6 {مِنْ سُلْطَانٍ إلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ} 7 وَقَوْلُ الْعَرَبِ مَا بِالدَّارِ أَحَدٌ إلاَّ زَيْدٌ، وَمَا جَاءَنِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرٌو8.
__________
1 ساقطة من ض.
2 ساقطة من ش.
3 انظر أدلة الحنابلة في منع الاستثناء من الجنس في "العدة 2/673 وما بعدها، الروضة 2/254، المحصول ج1 ق3/43، الإحكام للآمدي 2/292، المستصفى 2/170، مختصر الطوفي ص111".
4 الآية 41 من آل عمران، وأول الآية: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} الآية.
5 الآية 92 من النساء، وأول الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} الآية فاستثنى الخطأ من القتل وهو ليس من جنسه. "انظر: الإحكام للآمدي 2/294".
6 الآية 157 من النساء. استثنى الظن من العلم، والظن ليس من جنس العلم. "انظر: المحصول ج1 ق3/46، الإحكام للآمدي 2/293، 296".
7 الآية 22 من إبراهيم، وأول الآية: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} الآية.
8 هذه بعض أدلة الجمهور في جواز الاستثناء من غير الجنس، وهناك أدلة كثيرة ذكروها في كتبهم.
"انظر: المعتمد 1/262، المحصول ج1 ق3/45، الإحكام للآمدي 2/293، كشف الأسرار 3/133، البرهان 1/398، المنخول ص159، شرح الورقات ص111، التبصرة ص165، اللمع ص24، نهاية السول 2/114، الروضة 2/254، المستصفى 2/167 وما بعدها، 209، العدة 2/672".
(3/288)

وَأُجِيبَ بِأَنَّ "إلاَّ" فِي ذَلِكَ1: بِمَعْنَى "لَكِنْ" عِنْدَ النُّحَاةِ، مِنْهُمْ: الزَّجَّاجُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ2 قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْتِ إلاَّ بَعْدَ نَفْيٍ، أَوْ بَعْدَ إثْبَاتٍ بَعْدَ جُمْلَةٍ3.
"وَالْمُرَادُ" مِنْ قَوْلِ4 الْمُقِرِّ5 "بِعَشَرَةٍ إلاَّ ثَلاثَةً سَبْعَةٌ وَ" أَدَاةُ6 الاسْتِثْنَاءِ وَهِيَ "إلاَّ" فِي هَذَا الْمِثَالِ "قَرِينَةٌ مُخَصِّصَةٌ".
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَقْدِيرِ دَلالَةِ الاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَذَاهِبَ:
فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ 7 أَنَّ8 إلاَّ قَرِينَةٌ9 مُخَصِّصَةٌ10.
وَمَنْشَأُ11 الْخِلافِ: الإِشْكَالُ فِي مَعْقُولِيَّةِ الاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّك إذَا قُلْتَ: قَامَ
__________
1 في ع: بذلك.
2 ساقطة من ز ض ع ب.
3 انظر: المغني 5/113، مختصر الطوفي ص111، الروضة 2/254، البرهان 1/398، المحصول ج1 ق3/50، فواتح الرحموت 1/316، العدة 2/676.
4 في ش: قوله.
5 في ش ز: من أقر.
6 في ش: وأدوات، وفي ض: أو أداة.
7 في ش: الأكثرين.
8 ساقطة من ش.
9 في ش ز ض ع: لا. وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/134.
10 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/134، جمع الجوامع 2/14، فواتح الرحموت 1/316، تيسير التحرير 1/289، التلويح على التوضيح 2/285، تخريج الفروع على الأصول ص67، التمهيد ص116، القواعد والفوائد الأصولية ص246، مختصر البعلي ص117، نهاية السول 2/120، البرهان 1/401، إرشاد الفحول ص146.
11 في ش: الإشكال: الخلاف.
(3/289)

الْقَوْمُ إلاَّ زَيْدًا, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ دَخَلَ فِيهِمْ، فَكَيْفَ أُخْرِجَ؟ هَذَا1 وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إخْرَاجٌ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ، فَقَدْ تَنَاقَضَ أَوَّلُ الْكَلامِ وَآخِرُهُ2.
وَكَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا، بَلْ أَبْلَغُ، لأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ الْعَامِّ فِيهِ3 وَالْعَامُّ: فِيهِ4 الْخِلافُ السَّابِقُ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَفْيِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ، لأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى هَذَا5 التَّقْدِيرِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَلَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، فَتَكُونَ "إلاَّ" قَرِينَةً بَيَّنَتْ أَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ، وَأُرِيدَ بِهِ الْجُزْءَ مَجَازًا6، وَعَلَى هَذَا: فَالاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنٌ لِغَرَضِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ7عَشَرَةٌ، كَانَ ظَاهِرًا، وَيَحْتَمِلُ إرَادَةَ بَعْضِهَا مَجَازًا، فَإِذَا قَالَ: إلاَّ ثَلاثَةً، فَقَدْ تَبَيَّنَ8 أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَشَرَةِ سَبْعَةٌ فَقَطْ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ9.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ، كَالتَّخْصِيصِ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ, وَفِي التَّمْهِيدِ: مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ فِي اللَّفْظِ
__________
1 ساقطة من د.
2 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/135.
3 ساقطة من ش ز ع ض ب.
4 في ش: عند.
5 ساقطة من ش ز.
6 في ب: مجاز.
7 ساقطة من ش.
8 في ز ع ض ب: بين.
9 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/135، تخريج الفروع على الأصول ص68، التمهيد ص116.
(3/290)

كَالتَّخْصِيصِ، وَمُرَادُهُ1 الأَوَّلُ2.
وَاسْتَنْكَرَ أَبُو الْمَعَالِي هَذَا الْمَذْهَبَ، وَقَالَ: لا يَعْتَقِدُهُ لَبِيبٌ3.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي -وَبِهِ قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ-: إنَّ نَحْوَ عَشَرَةٍ إلاَّ ثَلاثَةً مَدْلُولُهُ4 سَبْعَةٌ، لَكِنْ لَهُ لَفْظَانِ، أَحَدُهُمَا مُرَكَّبٌ، وَهُوَ عَشَرَةٌ إلاَّ ثَلاثَةً، وَاللَّفْظُ الآخَرُ سَبْعَةٌ5، وَقَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ، فَيَكُونَ الْبَاقِي فِيهِ حَقِيقَةً، أَوْ بِمُنْفَصِلٍ6، فَيَكُونَ تَنَاوَلَ اللَّفْظَ لِلْبَاقِي7 مَجَازًا8.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجٌ لِشَيْءٍ9 دَلَّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْجُمْلَةِ بِالْمُعَارَضَةِ، فَمَعْنَى عَشَرَةٍ إلاَّ ثَلاثَةً فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ10.
__________
1 في ش: ورده.
2 في ش ز: كالأول.
3 البرهان 1/401، وانظر: إرشاد الفحول ص147.
4 في ش: مدلول.
5 اختار هذا القول إمام الحرمين الجويني.
"انظر: البرهان 1/400، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/134، 135، فواتح الرحموت 1/320، تيسير التحرير 1/291، التلويح على التوضيح 2/286، شرح تنقيح الفصول ص231، التمهيد ص116، مختصر البعلي ص117، إرشاد الفحول ص147".
6 في ز ع ب: بالمنفصل.
7 في ش ز ع ض: الباقي.
8 أي أن الاستثناء ليس بتخصيص على رأي القاضي الباقلاني، كما سيذكره المصنف، وسبق بيان آراء العلماء في الاستثناء المنقطع، هل هو حقيقة أم مجاز "ص287".
"وانظر: نهاية السول 2/120، جمع الجوامع 2/14، فواتح الرحموت 1/320، التمهيد ص116، القواعد والفوائد الأصولية ص246".
9 في ض ب: شيء.
10 أي أن لفظ الاستثناء يوجب انعدام المستثنى منه في القدر المستثنى مع باء العموم بطريق المعارضة كالتخصيص، إلا أن الاستثناء متصل بالكلام، والتخصيص منفصل. "انظر: تخريج الفروع على الأصول ص67".
وفي هامش ش: كذا بالأصل وليحرر.
(3/291)

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ -وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ-: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَشَرَةِ عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِ، وَلَكِنْ لا يُحْكَمُ بِمَا أُسْنِدَ إلَيْهَا إلاَّ بَعْدَ إخْرَاجِ الثَّلاثَةِ مِنْهَا، فَفِي اللَّفْظِ أُسْنِدَ الْحُكْمُ إلَى عَشَرَةٍ وَفِي الْمَعْنَى إلَى سَبْعَةٍ1.
وَعَلَى هَذَا: فَلَيْسَ الاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ الأَوَّلِ2، بَلْ بِهِ3 وَبِمَا يَحْصُلُ الإِخْرَاجُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلاَّ الإِثْبَاتُ، وَلا نَفْيَ أَصْلاً، فَلا تَنَاقُضَ4.
فَالاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ الْبَاقِلاَّنِيِّ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، لأَنَّ التَّخْصِيصَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ5، وَهُنَا لَمْ يُرِدْ بِالْعَامِّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ، بَلْ الْمَجْمُوعَ6 الْمُرَكَّبَ، وَأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الأَكْثَرِينَ تَخْصِيصٌ لِمَا فِيهِ مِنْ قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ7.
وَأَمَّا عَلَى8 الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا، نَظَرًا إلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الظَّاهِرِ لِلْعَامِّ، وَالْمُرَادُ الْمَخْصُوصُ9، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لا10 يَكُونَ تَخْصِيصًا؛
__________
1 وافق على هذا الرأي ابن السبكي والصفي الهندي.
انظر هذا الرأي مع أدلته ومناقشته في "نهاية السول 2/120، مختصر ابن الحاجب 2/134، جمع الجوامع 2/13، فواتح الرحموت 1/318، تيسير التحرير 1/290، التلويح على التنقيح 2/286، 288".
2 في ز ع ب: بالأول.
3 في ش: به وبما.
4 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/134، 136، التهميد ص116، إرشاد الفحول ص147.
5 ساقطة من ض.
6 في ض ب: بالمجموع.
7 انظر: نهاية السول 2/120، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/135، 136، القواعد والفوائد الأصولية ص246، التمهيد ص116، مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص111، اللمع ص23، إرشاد الفحول ص147.
8 ساقطة من ش.
9 في ش ب: المخصوص.
10 ساقطة من ش ب.
(3/292)

نَظَرًا إلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمُسْتَثْنَى1 مِنْهُ تَمَامُ مُسَمَّاهُ2.
فَوَائِدُ:
ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ3
إحْدَاهَا4: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَوْلاهُ لَعُلِمَ دُخُولُهُ، كَالاسْتِثْنَاءِ مِنْ النُّصُوصِ، مِثْلُ: عِنْدِي عَشَرَةٌ إلاَّ ثَلاثَةً.
وَالثَّانِي: مَا لَوْلاهُ5 لَظُنَّ دُخُولُهُ، كَالاسْتِثْنَاءِ مِنْ الظَّوَاهِرِ، نَحْوُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلاَّ زَيْدًا.
وَالثَّالِثُ: مَا لَوْلاهُ لَجَازَ دُخُولُهُ، كَالاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْمُحَالِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ، كَأَكْرِمْ رَجُلاً إلاَّ زَيْدًا أَوْ6 عَمْرًا، وَصَلِّ7 إلاَّ عِنْدَ الزَّوَالِ وقَوْله تَعَالَى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، إلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} 8
__________
1 في ش: من المستثنى.
2 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/135، 136، التلويح على التوضيح 2/286، التمهيد ص116، إرشاد الفحول ص147.
3 شرح تنقيح الفصول ص256 "بتصرف".
4 في ب: أحدها.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 في ض ع ب: و. وكذا في "شرح تنقيح الفصول".
7 في ش ز ض: ومثل.
8 الآية 66 من يوسف.
(3/293)

وَالرَّابِعُ: مَا لَوْلاهُ لَقُطِعَ بِعَدَمِ دُخُولِهِ كَالاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ كَقَامَ الْقَوْمُ إلاَّ حِمَارًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: يَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ فِي عَشَرَةِ أُمُورٍ اثْنَانِ يَنْطِقُ بِهِمَا وَثَمَانِيَةٌ لا يَنْطِقُ بِهَا وَقَعَ الاسْتِثْنَاءُ1 مِنْهَا، مِمَّا2 يُنْطَقُ بِهَا مِنْ3 الأَحْكَامِ وَالصِّفَاتِ, فَالأَحْكَامُ: قَامَ الْقَوْمُ إلاَّ زَيْدًا، وَالصِّفَاتُ4: قَوْلُ الشَّاعِرِ:
قَاتَلَ ابْنَ الْبَتُولِ إلاَّ عَلِيًّا5
يُرِيدُ الْحُسَيْنَ ابْنَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا6.وَمَعْنَى "الْبَتُولِ" الْمُنْقَطِعَةُ، قِيلَ: عَنْ النَّظِيرِ وَالشَّبِيهِ، وَقِيلَ عَنْ الأَزْوَاجِ إلاَّ عَنْ عَلِيٍّ، فَاسْتَثْنَى مِنْ صِفَاتِهَا لا مِنْهَا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى} 7 اسْتَثْنَوْا مِنْ صِفَتِهِمْ الْمَوْتَةَ الأُولَى لا مِنْ ذَوَاتِهِمْ8.
وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْ الصِّفَةِ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مِنْ9 مُتَعَلِّقِهَا، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ الْمُتَقَدِّمِ، مُتَعَلِّقَهُ10 التَّبَتُّلِ،
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ز: فيما، وفي ع ب: فما، وفي "شرح تنقيح الفصول": أما اللذان.
3 ساقطة من ز ض ع ب، وفي "شرح تنقيح الفصول": فهما.
4 في ش: والصفة.
5 في ب: عبيداً.
6 ساقطة من ش ز ع ض، وأثبتناها من "شرح تنقيح الفصول.
7 الآيتان 58-59 من الصافات.
8 شرح تنقيح الفصول ص257.
9 في ض ع ب: عن.
10 في ض ع: متعلق.
(3/294)

وَثَانِيهَا: مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهَا كَالآيَةِ، لأَنَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى أَحَدُ أَنْوَاعِ الْمَوْتِ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يُسْتَثْنَى بِجُمْلَتِهَا لا بِتَرْكِ1 شَيْءٍ مِنْهَا2، كَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلاَّ وَاحِدَةً ...
وَالثَّمَانِيَةُ الْبَاقِيَةُ التي3 لا يُنْطَقُ بِهَا، وَيَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا:
أَحَدُهَا: الأَسْبَابُ، نَحْوُ لا عُقُوبَةَ إلاَّ بِجِنَايَةٍ.
وَالثَّانِي: الشُّرُوطُ4، نَحْوُ5 لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ.
وَالثَّالِثُ: الْمَوَانِعُ، نَحْوُ6 لا تَسْقُطُ الصَّلاةُ عَنْ الْمَرْأَةِ إلاَّ بِالْحَيْضِ.
وَالرَّابِعُ: الْمُحَالُ، نَحْوُ7 أَكْرِمْ رَجُلاً إلاَّ زَيْدًا وَعَمْرَوًا وَبَكْرًا، فَإِنَّ كُلَّ شَخْصٍ هُوَ مَحِلُّ الأَعَمِّيَّةِ8
وَالْخَامِسُ: الأَحْوَالُ، نَحْوُ9 قَوْله تَعَالَى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} 10أَيْ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ إلاَّ فِي حَالَةِ الإِحَاطَةِ بِكُمْ11، فَإِنِّي أَعْذِرُكُمْ.
__________
1 في ع ب: يترك، وكذا في "شرح تنقيح الفصول".
2 في ز ض ع ب: منها شيء، وكذا في "شرح تنقيح الفصول".
3 ساقطة من جميع النسخ، وأثبتناها من "شرح تنقيح الفصول".
4 ساقطة من ب.
5 ساقطة من ز ض ع ب.
6 ساقطة من ز ض ع ب.
7 ساقطة من ض ع ب.
8 في "شرح تنقيح الفصول": لأعمه.
9 ساقطة من ز ض ع ب.
10 الآية 66 من يوسف.
11 ساقطة من جميع النسخ، وأثبتناها من "شرح تنقيح الفصول".
(3/295)

وَالسَّادِسُ: الأَزْمَانُ، نَحْوُ1 صَلِّ إلاَّ عِنْدَ الزَّوَالِ.
وَالسَّابِعُ: الأَمْكِنَةُ، نَحْوُ2 صَلِّ إلاَّ عِنْدَ الْمَزْبَلَةِ وَنَحْوِهَا.
وَالثَّامِنُ: مُطْلَقُ الْوُجُودِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْخُصُوصِيَّاتِ، نَحْوُ3.قَوْله تَعَالَى: {إنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} 4 أَيْ لا حَقِيقَةَ لِلأَصْنَامِ أَلْبَتَّةَ، إلاَّ أَنَّهَا لَفْظٌ مُجَرَّدٌ، فَاسْتَثْنَى اللَّفْظَ مِنْ مُطْلَقِ الْوُجُودِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّفْيِ، أَيْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا وُجُودٌ, أَلْبَتَّةَ إلاَّ عِنْدَ5 وُجُودِ اللَّفْظِ، وَلا شَيْءَ وَرَاءَهُ.
فَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ لَمْ, يُذْكَرْ فِيهَا6 الاسْتِثْنَاءُ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ7 بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَ الاسْتِثْنَاءِ فَرْدٌ8 مِنْهَا، فَيُسْتَدَلُّ9 بِذَلِكَ الْفَرْدِ عَلَى جِنْسِهِ وَهُوَ10 الْكَائِنُ بَعْدَ11 الاسْتِثْنَاءِ, وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ12 أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ كُلُّهَا اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، لأَنَّهُ مِنْ الْجِنْسِ، وَحُكِمَ بِالنَّقِيضِ بَعْدَ إلاَّ, فَهَذَانِ13 الْقَيْدَانِ وَافِيَانِ بِحَقِيقَةِ الْمُتَّصِلِ14. اهـ.
__________
1 ساقطة من ز ض ع ب.
2 ساقطة من ز ض ع.
3 ساقطة من ض ب.
4 الآية 23 من النجم.
5 في ز: في، وساقطة من ض ع ب.
6 في ش: ينكروا فيها، وفي"شرح تنقيح الفصول": تذكر قبل.
7 في "شرح تنقيح الفصول": تعلم.
8 في "شرح تنقيح الفصول": وهو فرد.
9 في ض: ليستدل.
10 ساقطة من ش، وفي ب: هو، وفي "شرح تنقيح الفصول": وأن جنسه هو.
11 في هامش "شرح تنقيح الفصول": لعلها.
12 ساقطة من ب.
13 في ز ض ع ب: وهذان، وكذا في "شرح تنقيح الفصول".
14 شرح تنقيح الفصول ص256-258.
(3/296)

"وَشُرُوطُهُ" 1 أَيْ شُرُوطُ2 الاسْتِثْنَاءِ3 "اتِّصَالٌ مُعْتَادٌ 4 ".
ثُمَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ "لَفْظًا" كَذِكْرِ الْمُسْتَثْنَى عَقِبَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، "أَوْ" يَكُونَ الاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ "حُكْمًا" كَانْقِطَاعِهِ عَنْهُ بِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ, وَيَأْتِي بِهِ عَقِبَ ذَلِكَ، فَيُشْتَرَطَ ذَلِكَ "كَبَقِيَّةِ التَّوَابِعِ5".
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَصِحُّ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ"6
__________
1 في ز ض ع ب: وشرطه.
2 في ز: وشرطه، وفي ض ع ب: وشرط.
3 في ب: للاستثناء.
4 في ش: معناه. وهناك شروط كثيرة مفصلة، ذكر المنصف بعضها فيما يلي، واغفل بعضها الآخر، قد ذكرها علماء الأصول."انظر: المسودة ص153، العدة 2/660، مختصر البعلي ص118، مختصر الطوفي ص111، القواعد والفوائد الأصولية ص251، الروضة 2/253، المغنى 9/522، التمهيد ص116، نهاية السول 2/117، منهاج العقول 2/114، اللمع ص23، شرح تنقيح الفصول ص242، البرهان1/385، شرح الورقات ص110، التبصرة ص162، المنخول ص157، تيسير التحرير 1/297، المعتمد 1/260، مختصر ابن الحاجب 2/137، المستصفى 2/165، الإحكام للآمدي 2/289، فواتح الرحموت 1/321، إرشاد الفحول ص147، الشرح الكبير 5/305، جمع الجوامع 2/10، المحصول ج1 ق3/39".
5 قال الإمام مالك: "أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما كان في ذلك نسقاً، يتبع بعضه بعضاً، قبل أن يسكت، فإن سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له". "الموطأ ص295 ط الشعب".
"وانظر: المحصول ج1 ق3/40، الإحكام للآمدي 1/289، جمع الجوامع 2/10، فواتح الرحموت 1/321، مختصر البعلي ص118، نزهة الخاطر 2/177، القواعد والفوائد الأصولية ص251، نهاية السول 2/117، شرح تنقيح الفصول ص242، مختصر ابن الحاجب 2/137، شرح الورقات ص110، المعتمد 1/261، تيسير التحرير 1/297، إرشاد الفحول ص147".
6 نقله عن ابن عباس المازني.
"انظر: التبصرة ص162، نهاية السول 2/117، القواعد والفوائد الأصولية ص251، البرهان 1/385، جمع الجوامع 2/11، فواتح الرحموت 1/321، تيسير التحرير 1/297، المسودة ص152، مختصر البعلي ص117، مختصر الطوفي ص111، شرح تنقيح الفصول ص243، إرشاد الفحول ص148، الكشاف 2/480".
(3/297)

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَرَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ1 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ كَانَ يَرَى الاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ".
الأَعْمَشُ مُدَلِّسٌ وَمَعْنَاهُ قَوْلُ. طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا "إلَى سَنَتَيْنِ"2.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا "أَنَّهُ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ إلَى شَهْر3ٍ".
وَرُوِيَ عَنْهُ "يَصِحُّ أَبَدًا" كَمَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ4.
لَكِنْ حَمَلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَلامَ ابْنِ عَبَّاسٍ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَلَى نِسْيَانِ قَوْلِ "إنْ شَاءَ اللَّهُ" مِنْهُمْ الْقَرَافِيُّ5.
__________
1 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص251، ميزان الاعتدال 2/224، الكشاف 2/480.
2 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص251، جمع الجوامع 2/11، إرشاد الفحول ص148.
3 نقله عنه الآمدي وابن الحاجب وابن السبكي وغيرهم.
"انظر: نهاية السول 2/117، مختصر ابن الحاجب 2/137، الإحكام للآمدي 2/289، جمع الجوامع 2/10، تيسير التحرير 1/297، فواتح الرحموت 1/321، منهاج العقول 2/115، القواعد والفوائد الأصولية ص251، المعتمد 1/261، إرشاد الفحول ص148".
4 رواه الحاكم في "المستدرك 4/303".
"وانظر: تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص308، نهاية السول 2/117، جمع الجوامع 2/11، المسودة ص152، فواتح الرحموت 1/321، تيسير التحرير 1/297، مختصر البعلي ص118، الروضة 2/253، القواعد والفوائد الأصولية ص251، إرشاد الفحول ص148".
5 استدل العلماء لقول ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم: "لأغزون قريشاً" ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، ولما روي أنه عليه الصلاة والسلام سأله اليهود عن لبث أصحاب الكهف، فقال: "غداً أجيبكم"، فتأخر الوحي إلى بضعة عشر يوماً ثم نزل: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} الكهف23-24، فقال: "إنشاء الله"، أي أن التعليق على مشيئة الله.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص243، منهاج العقول 2/115، التبصرة ص162، القواعد والفوائد الأصولية ص252، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/137، 138، إرشاد الفحول ص148"
(3/298)

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقُولَ الْحَالِفُ "إنْ شَاءَ اللَّهُ" وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ1: إنَّهُ لا يَثْبُتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ2، ثُمَّ قَالَ: إنْ
__________
1 هو محمد بن عمر بن أحمد، الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، أبو موسى، المدني الأصفهاني، انتهى إليه التقدم في الحديث مع الإسناد، وكان أوحد زمانه، وشيخ وقته في الإسناد والحفظ والثقة والإتقان والدين والصلاح والضبط والتواضع، وقرأ القراءات العشر، ومهر النحو واللغة، وله المصنفات الكثيرة، منها: "معرفة الصحابة" و "الأخبار الطوالات" و "المغيث" تتمة كتاب "الغريبين للهروي" و "اللطائف في المعارف" و "عوالي التابعين" وغيرها، توفي سنة 581 هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 6/160، تذكرة الحفاظ 4/1334، طبقات القراء للجزري 2/215، طبقات الحفاظ ص475، شذرات الذهب 4/273، وفيات الأعيان 3/414، مرآة الجنان 3/453، البداية النهاية 12/318".
2 هذا رأي أكثر العلماء، وقالوا: إن صح فمؤول، واختلفوا في تأويله على أقوال كما ذكر المصنف، قال الشيرازي: "فالظاهر أنه لا يصح عنه، وهو بعيد" "اللمع ص23". وقال الجويني: "والجه اتهام المناقل وحمل النقل على انه خطأ، أو مختلق مخترع" "البرهان 1/386"، وقال الغزالي: "والجه تكذيب الناقل، فلا يظن به ذلك" "المنخول ص157"، ولكن الشوكاني قال: "إنها ثابتة في "مستدرك" الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين بلفظ: "إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثنى إلى سنة" وقد روى عنه هذا غير الحاكم من طرق، كما ذكر أبو موسى المدني وغيره ثم يقول: "فالرواية عن ابن عباس قد صحت، ولكن الصحيح خلاف ما قاله" "إرشاد الفحول ص148".
"وانظر: المحصول ج1 ق3/40، الإحكام للآمدي 2/291، المستصفى 2/165، فواتح الرحموت 1/321، تيسير التحرير 1/297، المعتمد 1/261، مختصر ابن الحاجب 2/137".
(3/299)

صَحَّ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَعْنَى: إذَا نَسِيتَ الاسْتِثْنَاءَ فَاسْتَثْنِ إذَا ذَكَرْت.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ أَجَازَهُ بعد1 أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ2.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يَصِحُّ اتِّصَالُهُ بِالنِّيَّةِ، وَانْقِطَاعُهُ لَفْظًا، فَيُدَيَّنُ3.
قَالَ4 الآمِدِيُّ: فَلَعَلَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ5.
وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَصِحُّ فِي الْيَمِينِ مُتَّصِلاً فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ إذَا لَمْ يَخْلِطْ كَلامَهُ بِغَيْرِهِ6.
وَعَنْهُ أَيْضًا: وَفِي الْمَجْلِسِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ, وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ7.
__________
1 ساقطة من ع ب.
2 انظر: جمع الجوامع 2/11، مختصر البعلي ص118، إرشاد الفحول ص 148، مناهج العقول 2/115، الكشاف 2/480.
3 أي يجوز الانفصال بالاستثناء إذا نواه متصلاً ثم أظهر النية بعد ذلك فإنه يصدق ديانة، وهذا تأويل الفخر الرازي لقول ابن عباس رضي الله عنهما إن صح عنه.
"انظر: المحصول ج 1 ق 3/40، مناهج العقول 2/115، شرح تنقيح الفصول ص 242، المنخول ص 157، البرهان 1/387، الإحكام للآمدي 2/289، المستصفى 2/165، القواعد والفوائد الأصولية ص 251".
4 في ع: وقال.
5 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/137، المحصول ج1 ق3/4، جمع الجوامع 2/11، القواعد والفوائد الأصولية ص 251.
6 انظر: العدة 2/661، المسودة ص152،القواعد والفوائد الأصولية ص252، مختصر البعلي ص 118.
7 أي يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالزمن اليسير مادام في المجلس.
"انظر: المسودة ص 152، 153، الروضة 2/253، مختصر البعلي ص 118، التبصرة ص 162، جمع الجوامع 2/11، المغني 9/523، فتح الرحموت 1/321، تيسر التحرير 1/298، إرشاد الفحول ص 148، الكشاف 2/480".
(3/300)

وَقِيلَ: يَصِحُّ مَا لَمْ يَأْخُذْ فِي كَلامٍ آخَرَ1.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ: يَصِحُّ وَلَوْ تَكَلَّمَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً, وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلامَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ2.
وَاسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ؛ وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وَلَمْ يَقُلْ: أَوْ3 لِيَسْتَثْنِ4.
وَكَذَلِكَ لَمَّا أَرْشَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِقَوْلِهِ: {وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} 5 جَعَلَ طَرِيقَ بِرِّهِ ذَلِكَ6.
__________
1 انظر: جمع الجوامع 2/11، مختصر البعلي ص118.
2 ذكر الشيرازي قولاً آخر فقال: "وحكي عن قوم جواز إذا أورد معه كلام يدل على أن ذلك استثناء مما تقدم، وهو أن يقول: "جاء الناس"، ثم يقول بعد زمان "إلا زيداً، وهو استثناء مما كنت قلت "اللمع ص23".
"وانظر: مناهج العقول 2/115، البرهان 1/386، 387، المنخول ص157، مختصر ابن الحاجب 2/137، الإحكام للآمدي 2/289،290، ومابعدها، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/11، 12، فواتح الرحموت 2/321، 323، تيسير التحرير 1/299، العدة 2/663".
3 في ع: و.
4 انظر: المعني 9/523، فواتح الرحموت 1/322، تيسر التحرير 1/298، العدة 2/661، مناهج العقول 2/115، مختصر ابن الحاجب 2/137، الإحكام للآمدي 2/289، إرشاد الفحول ص 148.
وفي ب: يستثنى.
5 الآية 44 من سورة ص. وفي ب: فخذ ...
6 انظر مزيداً من أدلة العلماء الاتصال بين للمستثنى والمستثنى منه في "الروضة 2/253، التبصرة ص 163 وما بعدها، المحصول ج1 ق3/41، مختصر ابن الحاجب 2/137، فواتح الرحموت 1/321، تيسير التحرير 1/298".
(3/301)

وَفِي تَارِيخِ بَغْدَادَ لابْنِ النَّجَّارِ1: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مَرَّةً مِنْ بَغْدَادَ، فَاجْتَازَ بَعْضَ2 الطَّرِيقِ، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ سَلَّةٌ فِيهَا بَقْلٌ، وَهُوَ يَقُولُ لآخَرَ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَرَاخِي3 الاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَوْ صَحَّ لَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: {وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} 4 بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: اسْتَثْنِ، وَلا حَاجَةَ إلَى التَّوَسُّلِ إلَى الْبِرِّ بِذَلِكَ، فَقَالَ5 الشَّيْخُ6 أَبُو إِسْحَاقَ: بَلْدَةٌ فِيهَا رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لا تَسْتَحِقُّ7 أَنْ يُخْرَجُ مِنْهَا.
وَمِنْ لَطِيفِ مَا يُحْكَى: أَنَّ الرَّشِيدَ8 اسْتَدْعَى أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ
__________
1 هو محمد بن محمود بن الحسن، محب الدين، أبو عبد الله، ابن النجار البغدادي، كان حافظاً ثقة مؤرخاً، وكان من أعيان الحفاظ الثقات، مع الدين والصيانة والفهم وسعة الرواية، سمع الحديث بأصبهان ونيسابور وهراة ودمشق ومصر، وله المصنفات الكثيرة النافعة التي تدل على سعة علمه وفهمه وفضله، منها "تاريخ بغداد" وه ذيل على "تاريخ بغداد" للخطيب، في ثلاثين مجلداً، وهو "المؤتلف" ذيل على ابن ماكولا، و "المتفق" و "الأنساب" و "الكمال" في الرجال، و "تاريخ المدينة" و "مناقب الشافعي" توفي سنة 643هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/98، طبقات الحافظ ص449، تذكرة الحفاظ 4/1428، مرآة الجنان 4/111، البداية والنهاية 13/169، فوائد الوفيات 2/522، مفتاح السعادة 1/259".
وفي ع: ابن البخاري.
2 في ز ض ع ب: في بعض.
3 ساقطة من ض.
4 الآية 44 من سورة ص.
5 في ض: قال.
6 ساقطة من ب.
7 في ش ض ع ب: يستحق.
8 هو الخليفة هارون المهدي محمد بن المنصور، خامس خلفاء بني العباس وأشهرهم، تولى الخلافة سنة 170هـ، وكان من أمير الخلفاء، وأجل ملوك الدنيا، كثير الغزو والجهاد والحج، وكان كثير العبادة والورع، يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، وازدهرت الدولة في أيامه، وكان عالماً والفقه والحديث وأخبار العرب، فصيحاً، شجاعاً كريماً حازماً متواضعاً، يحج سنة ويغزو سنة، توفي بطوس أثناء ذهابه للحج سنة 193هـ.
انظر ترجمته في "تاريخ الخلفاء ص 283، فوات الوفيات 2/616، البداية والنهاية 10/213، تاريخ بغداد 14/5، البدء والتاريخ 6/101، الأعلام للزركلي 9/43".
(3/302)

وَقَالَ لَهُ1: كَيْفَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الاسْتِثْنَاءِ؟ فَقَالَ: يُلْحَقُ عِنْدَهُ بِالْخِطَابِ، وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِهِ2 وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْك أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَلا تُخَالِفْهُ, وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ لَطِيفًا فِيمَا يُورِدُهُ، مُتَأَنِّيًا فِيمَا يَقُولُهُ، فَقَالَ: رَأْيُ ابْنِ عَبَّاسِ يُفْسِدُ عَلَيْك بَيْعَتَك، لأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَك وَبَايَعَك يَرْجِعُ3 إلَى مَنْزِلِهِ فَيَسْتَثْنِي, فَانْتَبَهَ الرَّشِيدُ، وَقَالَ: إيَّاكَ أَنْ تُعَرِّفَ النَّاسَ4 مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ، وَاكْتُمْهُ.
وَوَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ لأَبِي حَنِيفَةَ5 مَعَ الْمَنْصُورِ6.
"وَ" شَرْطٌ أَيْضًا لِلاسْتِثْنَاءِ "نِيَّتُهُ7" أَيْ أَنْ8 يَنْوِيَ الْمُسْتَثْنِي "قَبْلَ تَمَامِ
__________
1 في ض ب: فقال، وفي ع: وقال
2 في ض ب: ويغير حكمه.
3 في ض ب: ويرجع.
4 ساقطة من ض.
5 انظر: فواتح الرحموت 1/322، تيسير التحرير 1/298، الكشاف 2/480.
6 هو الخليفة عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، بويع بالخلافة سنة 137هـ، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، وكان مهيباً شجاعاً حازماً، كثير الجد والتفكير، كامل العقل، يشارك في العلم، وكان عارفاً بالفقه والأدب، مقدماً في الفلسفة والفلك، محباً للعلماء، وانتشر العلم في زمانه، وبني بغداد وغيرها، وتفي في أثناء ذهابه للحج سنة 158هـ، ودفن في الحجون بمكة المكرمة.
انظر ترجمته في "تاريخ الخلفاء ص259، البداية والنهاية 10/121، فوات الوفيات 1/488، المعارف ص377، البدء والتاريخ 6/90، تاريخ بغداد10/53، العقد الثمين 5/248، الأعلام للزركلي 5/259".
7 في ن: نية.
8 ساقطة من ب
(3/303)

مُسْتَثْنًى مِنْهُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيَّةِ1.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: اتَّفَقَ2 الذَّاهِبُونَ إلَى اشْتِرَاطِ اتِّصَالِهِ: أَنْ يَنْوِيَ فِي الْكَلامِ، فَلَوْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ نِيَّةُ الاسْتِثْنَاءِ إلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسْتَثْنَى3 مِنْهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
ثُمَّ قِيلَ: يُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْكَلامِ.
وَقِيلَ يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا قَبْلَ فَرَاغِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ4. اهـ.
"وَ" شَرْطٌ أَيْضًا لِلاسْتِثْنَاءِ "نُطْقٌ بِهِ" أَيْ بِالْمُسْتَثْنَى5 "إلاَّ فِي يَمِينِ مَظْلُومٍ6 خَائِفٍ بِنُطْقِهِ7".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْفُرُوعِ: وَيُعْتَبَرُ نُطْقُهُ إلاَّ مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ8, نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُسْتَوْعَبِ9 " خَائِفٍ" وَالأَصْحَابُ عَلَى
__________
1 انظر: المسودة ص153، مختصر البعلي ص119، القواعد والفوائد الأصولية ص 252، فواتح الرحموت 1/326، الفروع لابن مفلح 6/343، الإنصاف 11/27
2 في ع: واتفق.
3 ساقطة من ز.
4 وهناك أقوال كثيرة في تعيين محل النية أول الكلام، أو بعده بفاصل يسير، أو قبل تكميل المستثنى منه، أو عدم النية أصلاً.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص2525، مختصر البعلي ص119، الإنصاف 11/27".
5 في ض ب: المستثنى.
6 ساقطة من ش ز، وفي د: مطلق، وفي "مختصر البعلي": "إلا في اليمين لخائف من نطقه".
7 انظر: المغني 9/523، مختصر البعلي ص119، إرشاد الفحول ص147.
8 في ز: وخائف.
9 المستوعب للعلامة محمد بن عبد الله السامري، وهو متن مختصر في المذهب الحنلبي.
"انظر: المدخل إلى المذهب أحمد ص 210".
(3/304)

الأَوَّلِ1.
قَالَ2 فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ رَجَوْتُ أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ, فَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ3 لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ4. انْتَهَى5.
"لا تَأْخِيرُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الاسْتِثْنَاءِ تَأْخِيرُ الْمُسْتَثْنَى عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي اللَّفْظِ. فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ الْكُلِّ6, وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنِّي وَاَللَّهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ" 7 الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ8، وَكَقَوْلِ الْكُمَيْتِ9:
__________
1 انظر: الفروع 6/3253.
2 في ع: وقال، وفي ب: قاله.
3 في ض: و.
4 الشرح الكبير مع المغني11/228، المغني 9/529
5 في ز: انتهيا.
6 اختلف العلماء في هذه المسألة، فقال بعضهم لا يجوز تقديم المستثنى في أول الكلام ولو تقدمه حرف نفي.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/28، القواعد والفوائد الأصولية ص253، العدة2/664، شرح الورقات ص111، التمهيد ص116، مختصر البعلي ص119، المسودة ص 154، اللمع ص 23".
7 ساقطة من ز.
8 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً.
"انظر: صحيح البخاري 4/100 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 11/110، سنن أبي داود 2/205، سنن النسائي 7/9، سنن ابن ماجه 1/681، مسند أحمد 4/398، 401، التخليص الحبير 4/170".
9 هو الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، أبو المستهل، شاعر الهاشميين، من أهل الكوفة، عاش في عهدة الدولة الأموية، وكان معروفاً بالتشيع، وكان عالماً بآداب اللغة ولغاتها، وأخبار العرب وأنسابهم، وكان من شعراء مضر، وكان متعصباً للمضرية على القحطانية، وكان معلماً ومنحازاً لبني هاشم، وأشهر شعره وأجوده "الهاشميات" وهو من أصحاب الملحمات الشعرية، توفي سنة 126هـ
انظر ترجمته وحياته في "الأغاني 18/6265ط الشعب، الشعر والشعراء لابن قتيبة 562، الأعلام للزركلي 6/92، المعارف ص547، النجوم المزهرة 1/300".
(3/305)

وَمَا لِي إلاَّ آلَ أَحْمَدَ. شِيعَةٌ1 ... وَمَالِي إلاَّ مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبٌ2
"وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ" فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِنَا3.
قَالَ فِي الإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ4.قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةُ: الصِّحَّةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ5، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحُ الْمُحَرِّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ6،
وَ
__________
1 في ش: شرعة.
2 هذا البيت للكميت من قصيدة يمدح بها آل البيت ومطلعها:
طربت، وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعباً مني، وذو الشيب يلعب
واستشهد بالبيت السابق بهذا اللفظ في "الأغاني"و "مجالس ثعلب"و "شذور الذهب" و "شواهد الألفية" للعيني و "شرح الأشموني" لألفية ابن مالك، واستشهد به بلفظ"ومالي إلا مشعب الحق مشعب" في"المقتضب" للمبرد و"الإنصاف" و "الجمل" للزجاجي، و"شرح المفصل" لابن يعيش الحلبي و"خزانة الأدب" للبغدادي.
"انظر: معجم شواهد العربية 1/35، شرح شذور الذهب 263، شرح ابن عقيل 1/601".
وانظر: اللمع ص 23، البرهان 1/383.
3 وهو رأي الجمهور من الشافعية والمالكية والحنفية والراجح عند الحنابلة.
"أنظر: جمع الجوامع 2/14، البرهان 1/396، العدة 2/667، العضد على ابن الحاجب 2/183، المحصول ج1 ق3/53، التمهيد ص 119، الروضة 2/255، المسودة ص 155، مختصر البعلي ص 119، مختصر الطوفي ص 112، نزهة الخاطر 2/181، المساعد 1/571، القواعد والفوائد الأصولية ص 247، المستصفى 2/172، مناهج العقول 2/116، التبصرة ص168ن نهاية السول 2/118، الشرح الكبير 5/301، الإنصاف 12/172".
4 الإنصاف 12/172.
5 الإفصاح 2/265، وانظر. القواعد والفوائد الأصولية ص 247، الإنصاف 12/172.
6 وهما "الرعاية الكبرى" و"الراعية الصغرى" وكلتاهما لابن حمدان. "انظر: المدخل إلى مذهب احمد ص 239".
(3/306)

الْحَاوِي الصَّغِيرِ1، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ2 فِي تَذْكِرَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِرْشَادِ وَالْوَجِيزِ3 وَالْمُنَوَّرِ، وَمُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ4, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ فِي الإِطْلاقِ5 وَالإِقْرَارِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِمَا6: لا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ7.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا يَصِحُّ8.
"لا الأَكْثَرُ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ مِنْ عَدَدٍ مُسَمًّى،
__________
1 لعله لأبي طالب عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم البصري الحنبلي، وله "الحاوي الكبير". "أنظر المدخل إلى مذهب أحمد ص 208".
2 هو علي بن عمر بن أحمد ... ابن عبدوس الحراني الفقيه الزاهد الواعظ، أبو الحسن، تفقه وبرع في الفقه والتفسير والوعظ، والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات، وله تفسير كبير، توفي سنة 559هـ بحران، قال المرداوي: "التذكرة لابن عبدوس فإنه بناها على الصحيح من المذهب".
"انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/241، المدخل إلى مذهب أحمد ص 209، الإنصاف 1/14، 16".
3 لعله لعبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزريراني البغدادي، فقيه العراق ومفتي الآفاق، المتوفي سنة 732هـ."انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 206".
4 قال الرداوي: "المنتخب للشيخ تقي الدين أحمد بن محمد الآدمي البغدادي" "الإنصاف 1/14".
وهناك "المنتخب في الفقه" مجلدان تصنيف عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي، ثم الدمشقي، الفقه الواعظ. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص 208".
5 في ش: الإطلاق.
6 في ز: فيها.
7انظر: المحرر في الفقه، ومعه النكت والفوائد 2/456، المغني 5/130، مختصر البعلي ص 119، مختصر الطوفي ص 112، المسودة ص155، الإنصاف 12/172
8 انظر: المغني 5/130، مختصر الطوفي ص 112، مختصر البعلي ص 119، المسودة ص 155، الإنصاف 12/173.
(3/307)

كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلاَّ سِتَّةً، عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ1 وَأَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ2, وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ3, وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ الإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو4 حَيَّانَ فِي الارْتِشَافِ عَنْ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ5.
وَقِيلَ: بَلَى6.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: يَصِحُّ7
__________
1 انظر: المغني 5/129، مختصر البعلي ص119، مختصر الطوفي ص 112، الإنصاف 12/171.
2 انظر: المساعد 1/571.
3 انظر: الإفصاح 2/264.
4 في ض: وابن.
5 وهو قول ابن درستويه وغيره من البصريين.
"انظر: العدة 2/666، المسودة ص 154، الروضة 2/255، المساعد 1/571، القواعد والفوائد الأصولية ص 247، مختصر ابن الحاجب 2/138، المستصفى 2/171، الشرح الكبير 5/301، المعتمد 1/363، التبصرة ص 168، إرشاد الفحول ص 149".
وفي ش: الأشعرية.
6 انظر: الإنصاف 12/172.
7 وهو قول أكثر الكوفيين، وبه قال أبو عبيد والسيرافي واختاره ابن خروف والشلوبين وأبو بكر الخلال وغيره من الحنابلة، وفي المسألة عدة أقوال.
أما استثناء الكل أو الاستثناء المستغرق فباطل باتفاق، إلا في قول شاذ.
انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشتها في "التلويح على التوضيح 2/302، كشف الأسرار 3/122، فواتح الرحموت 1/323، 324، تيسير التحرير 1/300، شرح تنقيح الفصول ص 244، البرهان 1/396، شرح الورقات ص 110، نهاية السول 2/118، المسودة ص 155، الروضة 2/255، المساعد 1/571، التمهيد ص 118، 119، الفروق للقرافي 3/168، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/138، المحصول جـ 1ق3/53، الإحكام للآمدي 2/297، المستصفي 2/170، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/14، 15، إرشاد الفحول ص 149، الافصاح 2/264".
(3/308)

وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَرِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "إلاَّ إذَا كَانَتْ الْكَثْرَةُ مِنْ1 دَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ اللَّفْظِ2" 3 نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إلاَّ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ} 4 وقَوْله تَعَالَى: {إلاَّ عِبَادَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ} 5 وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} 6 لأَنَّ7 هَذَا تَخْصِيصٌ بِصِفَةٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَثْنَى8 بِالصِّفَةِ مَجْهُولٌ مِنْ مَعْلُومٍ وَمِنْ مَجْهُولٍ، وَيُسْتَثْنَى الْجَمِيعُ أَيْضًا9.
__________
1 في ش: عن.
2 ساقطة من ض.
3: المسودة ص 155، القواعد والفوائد الأصولية ص 247، 248، الإحكام لابن حزم 1/402.
4 الآية 42 من الحجر، وأول الآية: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
5 الآية 40 من الحجر، والآية التي قبلها: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ، والآية 83من سورة ص، والآية التي قبلها: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .
6 الآية 130 من يوسف
استثنى الغاوين، وهم أكثر من غيرهم بدليل قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ، وهذا يدل على أن الأكثر ليس بمؤمن.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/139، الإحكام للآمدي 2/297، فواتح الرحموت 1/324".
7 في ش: إن.
8 في ب: استثناء.
9 هذه بعض أدلة الجمهور في جواز استثناء الأكثر، وأنه لا فرق بين العدد والصفة عندهم، وهناك أدلة أخرى كثيرة.
"فانظر: العدة 2/669، 676، المسودة ص 155، الروضة 2/255، القواعد والفوائد الأصولية ص 248، نهاية السول 2/118، وما بعدها، التبصرة ص 169، اللمع ص 24، مناهج العقول 2/116، شرح تنقيح الفصول ص 245، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 1/138، المحصول جـ 1ق 3/122، تيسير التحرير 1/300 وما بعدها، الإحكام للآمدي 2/297، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/14، فواتح الرحموت 1/324، كشف الأسرار 3/112، إرشاد الفحول ص149".
(3/309)

فَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إلاَّ بَنِي تَمِيمٍ، أَوْ1 إلاَّ الْبِيضَ، فَكَانُوا كُلُّهُمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ بِيضًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ، بِخِلافِ الْعَدَدِ. ثُمَّ الْجِنْسُ ظَاهِرٌ وَالْعَدَدُ صَرِيحٌ، فَلِهَذَا فَرَّقَتْ اللُّغَةُ بَيْنَهُمَا2.
وَبِهَذَا يُجَابُ أَيْضًا عَمَّا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي3 ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْته" 4.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ عَنْ ذَلِكَ: لا خِلافَ فِيهِ، لَكِنْ اتَّفَقُوا5 عَلَى6 أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهَذِهِ الدَّارِ إلاَّ هَذَا الْبَيْتَ صَحَّ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَهَا، بِخِلافِ إلاَّ ثُلُثَيْهَا، فَإِنَّهُ عَلَى الْخِلافِ.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: لا خِلافَ فِي جَوَازِهِ، إذَا كَانَتْ الْكَثْرَةُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ لا مِنْ اللَّفْظِ قَالُوا7: كَالتَّخْصِيصِ، وَكَاسْتِثْنَاءِ الأَقَلِّ،
__________
1 في ز: و.
2 قال الآمدي:" إنما يمتنع استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحاً به، فإن لم يكن، نحو: جاء بنو تميم إلا الأراذل منهم، فإنه يصح من غير استقباح، وإن كانت الأراذل أكثر" "الإحكام للآمدي 2/297".
"وانظر: نهاية السول 2/119، العضد على ابن الحاجب 2/138، القواعد والفوائد الأصولية ص 248".
3 في ض: أبا
4 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/138،139، فواتح الرحموت 1/325، تيسير التحرير 1/301، إرشاد الفحول ص149، والحديث سبق تخريجه ص 125.
5 في ش: اختلفوا.
6 ساقطة من ز ش ض ب.
7 في ز ش ع: قالوا.
(3/310)

وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ، وَعَجِبَ مِنْ ذِكْرِ الْخِلافِ, ثُمَّ يَحْتَجُّ بِالإِجْمَاعِ أَنَّ1 مَنْ أَقَرَّ بِعَشَرَةٍ2 إلاَّ دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ3.
"وَحَيْثُ بَطَلَ" الاسْتِثْنَاءُ "وَاسْتَثْنَى مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْمُسْتَثْنَى4 "رَجَعَ" الاسْتِثْنَاءُ "إلَى مَا قَبْلَهُ" أَيْ مَا5 قَبْلَ الْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوَّلاً6.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ: جَزَمَ7 بِهِ فِي الْمُغْنِي8.
وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْكُلُّ9.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مَا يَئُولُ10 إلَيْهِ الاسْتِثْنَاءاتُ11.
قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي.
فَيَتَفَرَّعُ12 عَلَى ذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلاَّ عَشْرَةً إلاَّ ثَلاثَةً, فَعَلَى الْقَوْلِ
__________
1 في ع: أنه.
2 في ش: بعشر.
3 انظر: المسودة ص155.
وقال الإسنوي: "لو قال قائل: علي عشرة إلا تسعة، لكان يلزمه واحد بإجماع الفقهاء" "نهاية السول 2/118".
وانظر: مناهج العقول 2/116، فواتح الرحموت 1/325.
4 ساقطة من ض ب.
5 ساقطة من ض.
6 انظر: مختصر البعلي ص 119، القواعد والفوائد الأصولية ص 245.
7 في ب: وجزم.
8 انظر: المحرر في الفقه ومعه النكت الفوائد 2/458، المغني 5/116.
9 انظر: مختصر البعلي ص 119، القواعد والفوائد الأصولية ص 254.
10 في ع: تؤول
11 انظر: المحرر في الفقه والنكت والفوائد 2/458، مختصر البعلي ص 119، القواعد والفوائد الأصولية ص 254.
12 في ع: فيفرع.
(3/311)

الأَوَّلِ: يَلْزَمُهُ1 سَبْعَةٌ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ الأَوَّلَ لَمْ يَصِحَّ فَيَسْقُطُ، فَيَبْقَى كَأَنَّهُ اسْتَثْنَى ثَلاثَةً مِنْ عَشَرَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، لِبُطْلانِ الاسْتِثْنَاءَيْنِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَهُ2 عَلَيَّ عَشَرَةٌ تَلْزَمُنِي، إلاَّ عَشَرَةً لا تَلْزَمُنِي، إلاَّ ثَلاثَةً تَلْزَمُنِي3.
"وَيُسْتَثْنَى بِصِفَةِ مَجْهُولٍ مِنْ مَعْلُومٍ، وَمِنْ مَجْهُولٍ، وَالْجَمِيعِ، كَاقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إلاَّ الْبِيضَ، فَكَانُوا كُلُّهُمْ بِيضًا لَمْ يُقْتَلُوا". قَالَهُ4 ابْنُ مُفْلِحٍ: وَغَيْرُهُ5, وَتَقَدَّمَتْ الإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ6.
"وَإِذَا تَعَقَّبَ الاسْتِثْنَاءُ جُمَلاً بِوَاوِ عَطْفٍ" وَصَلَحَ عَوْدُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلا مَانِعَ "أَوْ" تَعَقَّبَ7 الاسْتِثْنَاءُ جُمَلاً مُتَعَاطِفَةً "بِمَا فِي مَعْنَاهَا" أَيْ مَعْنَى8 الْوَاوِ "كَالْفَاءِ، وَثُمَّ9، وَصَلَحَ عَوْدُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ10" مِنْ الْجُمَلِ
__________
1 في ع: تلزمه.
2 ساقطة من ش ز ع ض.
3 انظر: المحرر في الفقه ومعه النكت والفوائد 2/458، مختصر البعلي ص119، القواعد والفوائد الأصولية ص254.
4 في ش ز ع: قال.
5 ساقطة من ش.
6 صفحة 309، وانظر: مختصر البعلي ص 120.
7 في ض: تعقبت.
8 في ب: المنع.
9 فصل في ذلك إمام الحرمين الجويني في "النهاية" والآمدي وابن الحاجب والإسنوي وغيرهم، واشترطوا أن يكون العطف بالواو فقط، فإن كان بثم وغيرها فيختص الاستثناء بالجملة الأخيرة.
"انظر: التمهيد ص 120، التبصرة ص 172، جمع الجوامع 2/17، الإحكام للآمدي 2/300، مختصر ابن الحاجب 2/139، شرح تنقيح الفصول ص 253، تيسير التحرير 1/302، إرشاد الفحول ص 152، نهاية السول 2/128".
10 في ب: واحد.
(3/312)

"وَلا مَانِعَ" مِنْ ذَلِكَ "فَلِلْجَمِيعِ" أَيْ فَيَعُودُ الاسْتِثْنَاءُ لِلْجَمِيعِ "كَبَعْدِ مُفْرَدَاتٍ" يَعْنِي كَمَا لَوْ تَعَقَّبَ الاسْتِثْنَاءُ مُفْرَدَاتٍ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِهَا1.
أَمَّا كَوْنُ الاسْتِثْنَاءِ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلاً يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ: فَعِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ2.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالرَّازِيِّ وَالْمَجْدِ: يَرْجِعُ إلَى الْجُمْلَةِ3 الأَخِيرَةِ4.
__________
1 انظر هذه المسألة في "المحصول ج 1 ق 3/63، مناهج العقول 2/126، التبصرة ص 172، مختصر ابن الحاجب 2/139، الإحكام للآمدي 2/174، المستصفى 21/174، نهاية السول 2/128، جمع الجوامع 2/17، فواتح الرحموت 1/322، المنخول ص 160، المعقد 1/264، العدة 2/678، الإحكام لابن حزم 1/47، مختصر البعلي ص 119، مختصر الطوفي ص112، المسودة ص 156، 158، الروضة 2/257، نزهة الخاطر 2/185، القواعد والفوائد الأصولية ص 257، 258، التمهيد ص119، تخريج الفروع على الأصول ص 204، فتح الغفار 2/128، تيسير التحرير 1/302، التلويح على التوضيح 2/303، اللمع ص24، شرح تنقيح الفصول ص249، البرهان 1/288، إرشاد الفحول ص150، مباحث الكتاب والسنة ص 211".
2 انظر: المسودة ص 156، القواعد والفوائد الأصولية ص 257، التمهيد ص 120، والمراجع السابقة.
3 في ش ض ع ب: للجملة.
4 اختار الرازي هذا القول في "المعالم" وتوقف في "المحصول" ونقله أبو الحسين البصري في "المعتمد" عن الظاهرية.
انظر هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "التلويح على التوضيح 2/303، فواتح الرحموت 1/322، أصول السرخسي 1/275، تيسير التحرير 1/302، 305، فتح الغفار 2/128، كشف الأسرار 3/123، المحصول ج 1 ق 3/63، 67، الإحكام للآمدي 2/300، 302، ومابعدها، المستصفى 2/174، 176، جمع الجوامع 2/18، البرهان 1/388، المنخول ص 160، المعتمد 1/264، شرح تنقيح الفصول ص 249، نهاية السول 2/128، التبصرة ص 173، مناهج العقول 2/126، تخريج الفروع على الأصول ص205، التمهيد ص 120، الروضة 2/257، المسودة ص 156، العدة 2/679، مختصر الطوفي ص 112، مختصر البعلي ص 120، القواعد والفوائد الأصولية ص 257، مباحث الكتاب والسنة ص 211، اللمع ص 24".
(3/313)

وَقِيلَ: إنْ تَبَيَّنَ إضْرَابٌ عَنْ الأُولَى فَلِلأَخِيرَةِ، وَإِلاَّ فَلِلْجَمِيعِ1.
وَالإِضْرَابُ: أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا أَوْ2 اسْمًا مُطْلَقًا أَوْ حُكْمًا، اشْتَرَكَتْ الْجُمْلَتَانِ فِي غَرَضٍ وَاحِدٍ أَوْ لا3، وَالْغَرَضُ الْحَمْلُ4.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ5.
وَقَالَ الْمُرْتَضَى6: بِالاشْتِرَاكِ7.
__________
1 وهذا قول جماعة من المعتزلة، منهم عبد الجبار وأبو الحسين البصري، واختاره القاضي أبو يعلى في "الكفاية".
"انظر: المعتمد 1/265 وما بعدها، البرهان 1/393، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/139، 140، المحصول ج1 ق3 /64، الإحكام للآمدي 2/300، جمع الجوامع 2/17، تيسير التحرير 1/302، مختصر البعلي ص120، فواتح الرحموت 1/333، إرشاد الفحول ص 151".
2 في ض ب: و.
3 في ض بك أولي.
4 أي أن يكون بين الجمل تعلق بأن يكون حكم الأولى أو اسمها مضمراً في الثانية، فلا تستقل الثانية إلا مع الأولى، مثل أكرم الفقهاء ووالزهاد إلا المبتدعة، ومثل أكرم الفقهاء أو أنفق عليهم إلا المبتدعة.
انظر توضيح ذلك مع الأمثلة والبيان في "القواعد والفوائد الأصولية ص257، العضد على ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ 1ق 3/64، وما بعدها، الإحكام للآمدي 2/300، شرح تنقيح الفصول ص249، إرشاد الفحول ص 151، والمراجع السابقة في الهامش1".
5 وهو قول الشعرية، منهم الباقلاني والغزالي لتعارض الأدلة.
"انظر: نهاية السول 2/128، مختصر ابن الحاجب 2/139، المحصول جـ1 ق3/64، الإحكام للآمدي 2/301، جمع الجوامع 2/18، المستصفى 2/174، فواتح الرحموت 1/333، تيسير التحرير 1/302، العدة 2/679، المسودة ص 156، مختصر البعلي ص120، القواعد والفوائد الأصولية ص 257، مناهج العقول 2/126، إرشاد الفحول ص150، التبصرة ص173، اللمع ص24، البرهان 1/395".
6 في ش: الرضي.
7 أي بالاشتراك اللفظي كالقرء والعين، لأنه ورد للأخيرة وللكل ولبعض الجمل المتقدمة قال البعلي: "وحاصل ذلك أن يكون مجملاً" "مختصر البعلي ص120"، وقال العضد: "وهذان "القولان" موافقان للحنفية في الحكم، وان خالفا في المآخذ، لأنه يرجع إلى الأخيرة، فيثبت حكمه فيها، ولا يثبت في غيرها كالحنفية" "العضد على ابن الحاجب 2/139".
"وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/139، الإحكام للآمدي 2/301، جمع الجوامع 2/18، تيسير التحرير 1/302، نهاية السول 2/128، شرح تنقيح الفصول ص249، مناهج العقول 2/126، مختصر الطوفي ص 112، فواتح الرحموت 1/333، القواعد والفوائد الأصولية ص 258".
(3/314)

وَالآمِدِيُّ: إنْ ظَهَرَ أَنَّ الْوَاوَ لِلابْتِدَاءِ رَجَعَ لِلْجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ رَجَعَ1 لِلْجَمِيعِ2، وَإِنْ أَمْكَنَا فَالْوَقْفُ3.
وَقِيلَ: إنْ4 كَانَ تَعَلَّقَ رَجَعَ إلَى الْجَمِيعِ، وَإِلاَّ فَلِلأَخِيرَةِ5.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَإِنْ تَعَقَّبَ الاسْتِثْنَاءَ جُمَلاً، وَإِنْ لَمْ6 يُمْكِنْ عَوْدُهُ إلَى كُلٍّ مِنْهَا لِدَلِيلٍ اقْتَضَى عَوْدَهُ إلَى الأُولَى فَقَطْ، أَوْ إلَى الأَخِيرَةِ فَقَطْ7 أَوْ إلَى كُلٍّ مِنْهَا بِالدَّلِيلِ: فَلا خِلافَ فِي الْعَوْدِ إلَى مَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ8.
__________
1 في ض: ترجع.
2 في ز: إلى الجمع.
3 وهذه اختيار ابن الحاجب، وقال العضد:" ومرجع هذا المذهب على الوقف، لأن القائل به يقول به عند عدم القرينة "العضد على ابن الحاجب 2/140".
"وانظر: الإحكام للآمدي 2/301، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/17، مختصر ابن الحاجب 2/139".
4 في ع: أنه.
5 وهذا ما رجحه الشوكاني، وهناك أقوال أخرى في المسألة.
"انظر: المحصول جـ1 ق3/64، إرشاد الفحول ص151، نهاية السول 2/128،130، البرهان 1/393،، المعتمد 1/265، مناهج العقول 2/126، مختصر الطوفي ص112، مباحث الكتاب والسنة ص 211، القواعد والفوائد الأصولية ص 258، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/139، 140".
6 في ش ز: وإن لم.
7 ساقطة من ش.
8 انظر: العضد على ابن الحاجب 2/139.
(3/315)

مِثَالُ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَوْدِهِ إلَى الأُولَى1 فَقَطْ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} 2 فَالاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إلاَّ3 مَنْ "اغْتَرَفَ" إنَّمَا يَعُودُ إلَى "مِنْهُ" لا إلَى "مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ"4.
وقَوْله تَعَالَى: {لا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك} 5 فَاسْتِثْنَاءُ "مَا مَلَكَتْ يَمِينُك6" يَعُودُ إلَى لَفْظِ "النِّسَاءِ" لا إلَى الأَزْوَاجِ, لأَنَّ زَوْجَتَهُ لا تَكُونُ مِلْكَ يَمِينِهِ.
وَحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فِي 7 فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلاَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيق" 8 وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ
__________
1 ساقطة من ب.
2 الآية 249 من البقرة.
3 ساقطة من ش ز.
4 انظر: نهاية السول 2/128، شرح تنقيح الفصول ص 252.
5 الآية 52 من الأحزاب.
6 ساقطة من ع.
7 ساقطة من ض ع ب.
8 هذا الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً، قال المنذري: " وفي إسناده رجل مجهول" وأسنده ابن حزم في "المحلى".
ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والدارمي بدون الاستثناء "إلا زكاة الفطر في الرقيق" عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي رواية "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر" ورواه أبو داود بلفظ "ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق".
"انظر: صحيح البخاري 1/175المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 7/55، 56، سنن أبي داود 1/369، تحفة الأحوذي 3/268، سنن النسائي 5/25، سنن ابن ماجه 1/578، الموطأ ص 186 ط الشعب، مسند أحمد 2/242، سنن الدارمي 1/384، مختصر سنن أبي داود2/206، المحلى لابن حزم 6/133، نيل الأوطار 4/203، فيض القدير 5/369".
(3/316)

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً} 1 اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْجُمْلَةِ الأُولَى2.
وَمِثَالُ الْعَائِدِ3 إلَى الأَخِيرَةِ4 جَزْمًا لِلدَّلِيلِ5 قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} 6الآيَةَ فَإِنَّ {إلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} إنَّمَا يَعُودُ لِلدِّيَةِ لا لِلْكَفَّارَةِ7, وَنَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} 8. لا يَعُودُ لِلسُّكَارَى لأَنَّ السَّكْرَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، إذْ لا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهُ.
__________
1 الآية 83 من النساء، وفي ز ع ض ب: { ... أَذَاعُواْ بِهِ..إلى.. إِلاَّ قَلِيلاً} .
وللمفسرين أقوال في عودة الاستثناء إلى الأخيرة {لا تبعتم الشيطان} أو إلى الوسط {لعلمه الذين بيتنبطونه} أو إلى الأولى} وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} ، أو إلى الجميع والإحاطة، ورجح الطبري عوده إلى القسم الأول من الآية.
"انظر: تفسير الطبري 5/183 وما بعدها، تفسير القاسمي 5/1414، تفسير القرطبي 5/292، تفسير البغوي 1/375 المطبعة الشرفية".
2 قال الشوكاني عن الحديث: " وأجاب الجمهور بأنه يبنى عموم قوله في "عبده" على خصوص قوله "من المسلمين" في حديث الباب، ولا يخفى أن قوله: "من المسلمين" أعم من قوله "في عبده" من وجه، وأخص من وجه" "نيل الأوطار 4/203".
وانظر: المستصفى 2/179.
3 ساقطة من ب.
4 في ش: الأخير.
5 في ض ب: لدليل، وفي ع: بدليل.
6 الآية 92 من النساء، وتتمة الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} .
7 انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/18، الإحكام للآمدي 2/304، المستصفى 2/179، الروضة 2/258.
8 الآية 43من النساء، وفي ش ض ع ب: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} . وأول الآية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} .
(3/317)

وَمِثَالُ الْعَائِدِ إلَى الأَخِيرِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مُحْتَمِلاً: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الآيَةَ1 فَـ {إلاَّ الَّذِينَ 2 تَابُوا} 3 عَائِدٌ إلَى الإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ قَطْعًا، حَتَّى يَزُولَ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ4 اسْمُ الْفِسْقِ, بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَ5يَلْزَمُ مِنْهُ لازِمُ الْفِسْقِ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ, خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَزُولُ اسْمُ الْفِسْقِ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، عَمَلاً بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَاعِدَتِهِ, وَهُوَ الْعَوْدُ إلَى الأَخِيرِ، لا إلَى غَيْرِهِ.
وَلا يَعُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِلْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَطْعًا، لأَنَّ حَد6 الْقَذْفِ حَقٌّ لآدَمِيِّ7, فَلا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
وَهَلْ8 يَعُودُ إلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَتُقْبَلَ إذَا تَابَ، أَوْ لا يَعُودُ إلَيْهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ فِيهِ الْخِلافُ9.
__________
1 الآية 4 من النور، ولفظه: الآية ساقطة من ع، وتتمة الآية: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
2 في ض ب: فالذين.
3 الآية 5 من النور، وتتمة الآية: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
4 في ش: بالقربة.
5 في ش: أو، ساقطة من د.
6 في ش ز: حق.
7 في ش: الآدمي.
8 في ب: فهل.
9 انظر: نهاية السول 2/127،128، البرهان 1/389، 394، العضد على ابن الحاجب 2/140، 141، المستصفى 2/178، المحلي على جمع الجوامع 2/19، أصول السرخسي 1/275، فواتح الرحموت 1/337، كشف الأسرار 3/123، 133، العدة 2/678، تيسير التحرير 1/307، التلويح على التوضيح 2/303، المنخول ص160، تخريج الفروع على الأصول ص207، مناهج العقول 2/125، القواعد والفوائد الأصولية ص259،260، اللمع ص24، إرشاد الفحول ص151، الإحكام للآمدي 2/304.
(3/318)

وَمِثَالُ الْعَائِدِ إلَى الْكُلِّ قَطْعًا بِالدَّلِيلِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} 1 فَـ {إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ بِالإِجْمَاعِ, كَمَا قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ2.
3وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} 4 الآيَةَ فَـ {إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} عَائِدٌ إلَى الْكُلِّ.
وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ} الآيَاتِ5 فَ {إلاَّ مَنْ تَابَ} عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ.
__________
1 الآيتان 33-34 من المائدة، وفي ب ض ز ع: {........وَرَسُولَهُ} ، الآية.
2 انظر: نهاية السول 2/128، المحلي على جمع الجوامع 2/18، تفسير الطبري 6/220 ومابعدها، تفسير ابن كثير 2/52 طبعة الحلبي، تفسير القرطبي 6/158، تفسير القاسمي 6/1955.
3 ساقطة من ش.
"وانظر: شرح تنقيح الفصول ص 252، تفسير الطبري 6/73، تفسير ابن كثير 2/10 ط الحلبي، تفسير القاسمي 6/1820، تفسير القرطبي 6/50".
4 الآية 3من المائدة. وفي ش: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إلى {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} .
وتتمة الآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} .
5 الآيات 68-71 من الفرقان.
(3/319)

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: بِلا خِلافٍ1.
وَأَمَّا مَا تَجَرَّدَ عَنْ2 الْقَرَائِنِ وَأَمْكَنَ عَوْدُهُ إلَى الأَخِيرِ وَإِلَى الْجَمِيعِ: فَفِيهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا: يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ3.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ, وَقَالَ: إنَّهُ الظَّاهِرُ4 مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ فِي مَذْهَبِنَا. وَنَقَلَهُ الأَصْحَابُ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ، حَيْثُ قَالَ فِي حَدِيثِ: "لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ5 فِي سُلْطَانِهِ، وَلا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلاَّ بِإِذْنِهِ" 6 أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الاسْتِثْنَاءُ عَلَى كُلِّهِ7.
وَقَالَ الْقَاضِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ طَاعَةِ الرَّسُولِ8.
وَوَجْهُهُ9: أَنَّ الْعَطْفَ يَجْعَلُ الْجَمِيعَ كَوَاحِدٍ10
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص252، المحلي على جمع الجوامع 2/18.
2 في ش: من.
3 السنن الكبرى للبيهقي 10/152.
4 في ض ع: هو الظاهر
5 ساقطة من ز ض ع ب، وهو رواية أخرى للحديث بلفظ "لا يؤمن الرجل".
6 هذا جزء من حديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعاً، والتكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعده كرامة، وهي تفعلة من الكرامة.
"انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 5/172، سنن النسائي 2/59، تحفة الأحوذي 2/31، سنن ابن ماجه 1/313، النهاية في غريب الحديث 4/168، مسند أحمد 4/118،121، سنن أبي داود 1/137".
7 انظر: المسودة ص156، العدة 2/678، الروضة 2/257، إرشاد الفحول ص150.
8 انظر: المسودة ص158، الروضة 2/258.
9 في ش ز: ووجه.
10 انظر: المحصول ج1 ق3/68، الإحكام للآمدي 2/301، المستصفى 2/174، فواتح الرحموت 1/335، تيسير التحرير 1/304، مختصر ابن الحاجب 2/140، المعتمد 1/268، البرهان 1/390، المنخول ص 160، نهاية السول 2/129، التبصرة ص174، شرح تنقيح الفصول ص 250، مناهج العقول 2/127، الروضة 2/258، نزهة الخاطر 2/187، مختصر الطوفي ص112، تخريج الفروع على الأصول ص205، إرشاد الفحول ص151، العدة 2/680.
(3/320)

رَدَّ، إنَّمَا1 هَذَا فِي الْمُفْرَدَاتِ وَأَمَّا فِي الْجُمَلِ2 فَمَحِلُّ النِّزَاعِ3.
قَالُوا: كَالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لِلْجَمِيعِ كَذَلِكَ هُنَا4.
رَدٌّ بِالْمَنْعِ، ثُمَّ قِيَاسٍ فِي اللُّغَةِ، ثُمَّ الْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ رُتْبَتُهُ5 التَّقْدِيمُ, ثُمَّ لُغَةً بِلا شَكٍّ, فَالْجُمَلُ هِيَ6 الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ لَهَا7.
__________
1 في ب: بأن.
2 في ش: المجمل.
3 انظر: التبصرة ص174، البرهان 1/390، المنخول ص 160، المعتمد 1/268، مختصر ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ1ق3/79، الإحكام للآمدي 2/301، المستصفى 2/174، فواتح الرحموت 1/335، تيسير التحرير 1/306، إرشاد الفحول ص151.
4 الشرط كما لو قال: نساؤه طوالق، عبيده أحرار، ماله صدقة إن كلم زيداً، أو إن شاء الله، وقد صح الحنفية وغيرهم بذلك فقالوا: إن الشرط المتعقب جملاً يعود إلى جميعها، فقاس الآخرون الاستثناء على الشرط.
"انظر: العدة 2/680، التبصرة ص173، اللمع ص24، شرح تنقيح الفصول ص250، البرهان 1/391، المعتمد 1/267، مختصر ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ 1ق3/68، الإحكام للآمدي 2/302، المستصفى 2/175، فواتح الرحموت 1/335، تيسير التحرير 1/306، مناهج العقول 2/127، تخريج الفروع على الأصول ص 205، نهاية السول 2/129، إرشاد الفحول ص151، المسودة ص 157، الروضة 2/257، نزهة الخاطر 2/186، مختصر الطوفي ص112".
5 في ش ض ب: رتبة.
6 في ش: فالحمل على.
7 في ش: أيضاً.
انظر مناقشة الطوفي لهذا الدليل والجواب عليه، فإنه قال: " لا يقال رتبة الشرط التقديم بخلاف الاستثناء، لأنا تقول عقلاً لا لغة" "مختصر الطوفي ص112"، وقال العضد: "وإن سلم فهذا إنما يرجع إلى الجميع للقرينة الدالة على اتصال الجمل وهو اليمين عليها وإنما الكلام فيما لا قرينة فيها. العضد على ابن الحاجب 141/2.
وانظر تيسير التحرير 307/1،فواتح الرحموت 335/1، المحصول ج1ق3 /78، العدة 680/2، الإحكام للآمدي 302/2، الروضة 258/2، نزهة الخاطر 187/2، المستصفى 174/2، شرح تنقيح الفصول ص250، المعتمد 268/1، مختصر ابن الحاجب 140/2، إرشاد الفحول ص 151.
(3/321)

قَالُوا: لَوْ كَرَّرَ الاسْتِثْنَاءَ كَانَ مُسْتَهْجَنًا1 قَبِيحًا لُغَةً. ذَكَرَهُ2 الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ بِاتِّفَاقِهِمْ3.
رَدَّ بِالْمَنْعِ لُغَةً، ثُمَّ الاسْتِهْجَانِ لِتَرْكِ الاخْتِصَارِ، لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ بَعْدَ الْجُمَلِ4 إلاَّ كَذَا فِي الْجَمِيعِ5.
قَالُوا: صَالِحٌ لِلْجَمِيعِ. فَكَانَ لَهُ كَالْعَامِّ، فَبَعْضُهُ تَحَكُّمٌ6.
رَدَّ لا ظُهُورَ، بِخِلافِ الْعَامِّ. وَالْجُمْلَةُ الأَخِيرَةُ أَوْلَى لِقُرْبِهَا7.
__________
1 في ش: منهجاً.
2 في ب: ذكر.
3 أي اتفاق أهل اللغة، واللفظة ساقطة من ض ب.
"انظر: الروضة 2/258، مختصر الطوفي ص112، شرح تنقيح الفصول ص205، مختصر ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ1 ق3/70، الإحكام للآمدي 2/302، المستصفى 2/175، فواتح الرحموت 1/336، تيسير التحرير 1/307".
4 في ض: الحمل.
5 انظر: مختصر ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ1 ق3/80، الإحكام للآمدي 2/302، فواتح الرحموت 1/335، تيسير التحرير 1/307.
6 انظر: التبصرة ص174، مختصر ابن الحاجب 2/140، الإحكام للآمدي 2/303، فواتح الرحموت 1/336، تيسير التحرير 1/307.
7 انظر: التبصرة ص 175، المعتمد 1/271، فواتح الرحموت 1/336، تيسير التحرير 1/307، مختصر ابن الحاجب 2/140، الإحكام للآمدي 2/303.
(3/322)

قَالُوا: خَمْسَةٌ1 وَخَمْسَةٌ إلاَّ سِتَّةً لِلْجَمِيعِ إجْمَاعًا, فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُمَلِ2 مَا يَقْبَلُ الاسْتِثْنَاءَ لا الْجُمَلُ3, النَّحْوِيَّةُ4.
وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ, فَقَالَ: مَنْ تَأَمَّلَ غَالِبَ الاسْتِثْنَاءاتِ5 فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاللُّغَةِ وَجَدَهَا لِلْجَمِيعِ, وَالأَصْلُ إلْحَاقُ الْمُفْرَدِ بِالْغَالِبِ, فَإِذَا جَعَلَ حَقِيقَةً فِي الْغَالِبِ مَجَازًا فِيمَا قَلَّ: عُمِلَ بِالأَصْلِ النَّافِي6 لِلاشْتِرَاكِ, وَالأَصْلُ النَّافِي لِلْمَجَازِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مُطْلَقًا7.
وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ أَوَّلَ الْكَلامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ8.
وَأَمَّا إذَا تَعَقَّبَ الاسْتِثْنَاءُ مُفْرَدَاتٍ9, فَقَدْ قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَالْوَارِدُ بَعْدَ مُفْرَدَاتٍ 10, نَحْوُ: تَصَدَّقْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ إلاَّ الْفَسَقَةَ مِنْهُمْ:
__________
1 ساقطة من ش.
2 في ش: الحمل.
3 ساقطة من ش ز.
4 انظر: المعتمد 1/269، مختصر ابن الحاجب 2/140، المحصول جـ1 ق3/70، الإحكام للآمدي 2/303، فواتح الرحموت 1/336، تيسير التحرير 1/307.
5 في ب: الاستثناء.
6 في هامش ع: الباقي.
7 انظر: المسودة ص 156 وما بعدها، 159.
8 صفحة 313-314.
9 وانظر أدلة هذه المذاهب في "مختصر الطوفي ص112، مناهج العقول 2/172، نهاية السول 2/129"، والمراجع المذكورة فغي هوامش الصفحتين "313-314".
ساقطة من ض، وفي ش: فقد قال في "جمع الجوامع": "والوارد بعد مفردات". وسقط الباقي.
10 جمع الجوامع 2/19.
(3/323)

أَوْلَى بِعَوْدِهِ لِلْكُلِّ1 مِنْ الْوَارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ لِعَدَمِ اسْتِقْلالِ الْمُفْرَدِ2, 1هـ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَفْظُ "الْجُمَلِ" يُرَادُ بِهِ مَا فِيهِ شُمُولٌ، لا3 الْجُمَلُ النَّحْوِيَّةُ، لَكِنْ الْقَاضِي وَأَبُو يَعْلَى4 وَغَيْرُهُ: ذَكَرَ الأَعْدَادَ مِنْ صُوَرِهَا، وَسَوَّى بَيْنَ قَوْلِهِ: رَجُلٌ وَرَجُلٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: رَجُلَيْنِ وَرَجُلَيْنِ5, وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الاسْتِثْنَاءِ فِي الإِقْرَارِ6 وَالْعَطْفِ7 إذَا 8تَعَقَّبَ. جُمْلَتَيْنِ, هَلْ يَعُودُ إلَيْهِمَا أَوْ9 إلَى الثَّانِيَةِ: كَجُمْلَةٍ أَوْ كَجُمْلَتَيْنِ10؟ عَلَى وَجْهَيْنِ11 12 13.
وَقَالَ أَيْضًا: كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُدْخِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الاسْتِثْنَاءَ الْمُتَعَقِّبَ
__________
1 في ض: لكل.
2 المحلي على جمع الجوامع 2/19.
وانظر: التمهيد ص120، التبصرة ص172 هامش.
وفي ز ض ع ب: المفردات.
3 ساقطة من ب.
4 في ش: وأبو يعلى، وعبارة "المسودة" فإن القاضي وغيره ذكر الأعداد.".
5 ساقطة من "المسودة" وكذا في "القواعد والفوائد الأصولية ص 258" الذي نقل النص عن "المسودة" وفي ب: ورجلين، وانظر عبارة القاضي في "العدة 2/680".
6 في ش: الإفراد، وما أثبتناه في الأعلى من بقية النسخ، ومن "المسودة".
7 ساقطة من "المسودة" و "القواعد والفوائد الأصولية".
8 في ش ز ع: اتفقت جملتان، وما أثبتناه في الأعلى من نسخة ض ب، و "المسودة".
9 في ش: و.
10 ساقطة من ش.
11 في "المسودة" و "القواعد والفوائد الأصولية": المستثنى.
12 في ز: جملتين، وفي "المسودة": أو هما جملتان. وكذا في "القواعد والفوائد الأصولية".
13 المسودة ص 156، 158، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص258.
(3/324)

اسْمًا فَيُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ "جُمْلَةً"1 الْجُمْلَةَ الَّتِي تَقْبَلُ الاسْتِثْنَاءَ 2 لا يُرِيدُونَ "بِهَا"3 الْجُمْلَةَ مِنْ الْكَلامِ4 وَلا5 بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ فَإِنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ أَكْرِمْ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ إلاَّ الْفُسَّاقَ، أَوْ يُقَالُ: أَكْرِمْ هَؤُلاءِ وَأَكْرِمْ هَؤُلاءِ إلاَّ الْفُسَّاقَ6، 7ذَكَرَهُ فِي الْمُسَوَّدَةِ8 وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ عَنْهُ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيِّ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الاسْمِيَّةُ مِنْ مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ, وَالْفِعْلِيَّةُ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَبَّرَ بِالْجُمَلِ9، فَإِنَّمَا أَرَادَ الأَعَمَّ بِالتَّقْرِيرِ10 الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ, وَهُوَ حَسَنٌ, اهـ11.
"وَمِثْلُ بَنِي تَمِيمٍ وَرَبِيعَةَ أُكْرِمْهُمْ إلاَّ الطِّوَالَ" يَرْجِعُ12 الاسْتِثْنَاءُ "لِلْكُلِّ وَأَدْخَلَ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ سَائِرَ قُرَيْشٍ فَأَكْرَمَهُمْ13، الضَّمِيرُ لِلْكُلِّ14".
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَقَالَ عَنْ الصُّورَةِ الأُولَى: جَعَلَهَا فِي التَّمْهِيدِ
__________
1 في "المسودة": يعقب جملة.
2 ساقطة من ش.
3 ساقطة من جميع النسخ، وأثبتناها من "المسودة".
4 ساقطة من ب.
5 في ض: أولاً.
6 ساقطة من ب.
7 ساقطة من ش.
8 المسودة ص157-158، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص258.
9 في ض ب: بالجملة.
10 في ش: بالتقدير.
11 ساقطة من ض.
12 في ش: ويرجع
13 في "مختصر البعلي ص120": وأكرمهم
14 انظر الإحكام للآمدي 2/303، مختصر البعلي ص120، القواعد والفوائد الأصولية ص259، المسودة ص157.
(3/325)

أَصْلاً1 لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا, كَذَا قَالَ, كَأَنَّهُ يَقُولُ2: إنَّ3 الْخِلافَ لَيْسَ بِجَارٍ فِيهَا، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي التَّمْهِيدِ: الْخِلافُ جَارٍ فِيهَا4.
وَقَالَ عَنْ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ قَوْلِهِ فِي التَّمْهِيدِ: الضَّمِيرُ5 لِلْجَمِيعِ، لأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَيْسَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي6 قَبْلَهَا انْتَهَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: رَأَيْتهَا لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ اسْتَفْتَى عَلَيْهَا فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلادِ أَوْلادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلادِ أَوْلادِ7 أَوْلادِهِ، عَلَى أَنَّهُ8 مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ. كَتَبَ عَلَيْهَا خَمْسَ9 كَرَارِيسَ, فَقَالَ: لَوْ قَالَ أَدْخِلْ بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ سَائِرَ قُرَيْشٍ فَأَكْرِمْهُمْ، كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا10 إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ, وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِي الاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ جُمَلاً: هَلْ يَعُودُ إلَى الأَخِيرَةِ أَوْ إلَى الْكُلِّ؟ لأَنَّ الْخِلافَ هُنَاكَ إنَّمَا نَشَأَ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الضَّمِيرِ, فَإِنَّ الضَّمِيرَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَالِحٌ لِلْعُمُومِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ إذَا لَمْ يَقُمْ مُخَصِّصٌ, وَعَلَى هَذَا
__________
1 في ض: أصل.
2 ساقطة من ب.
3 ساقطة من ز.
4 انظر: مختصر البعلي ص120.
5 في ش: والضمير.
6 ساقطة من ش ز ض ب.
7 ساقطة من ض ب.
8 في ش: أن.
9 في ع: خمسة.
10 في ض: عائد.
(3/326)

فَحَمْلُ الضَّمِيرِ عَلَى الْعُمُومِ حَقِيقَةٌ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ مِثْلُ التَّخْصِيصِ لِلَّفْظِ1 الْعَامِّ2 اهـ 3.
"وَهُوَ" أَيْ الاسْتِثْنَاءُ الصَّحِيحُ "مِنْ نَفْيٍ" أَيْ مِنْ أَشْيَاءَ مَنْفِيَّةٍ "إثْبَاتٌ" لِلْمُسْتَثْنَى "وَبِالْعَكْسِ" أَيْ وَالاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَشْيَاءَ مَثبتة4ٍ نَفْيٌ لِلْمُسْتَثْنَى.
فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا، كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِتِسْعَةٍ, وَإِذَا قَالَ5: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلاَّ دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ6, وَعَلَى هَذَا7 قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ8 وَالشَّافِعِيَّةِ 9.
__________
1 في زض ع ب: تخصيص اللفظ
2 في ش: المستثنى.
3 ساقطة من ز. انظر: مجموع الفتاوى 31/100 وما بعدها.
4 في ش: منفية.
5 في ش: قال: له ليس علي عشرة إلا درهماً، كان ذلك إقراراً بتسعة، وإذا قال:
6 في ش: له بدرهم.
7 في ض ب: وهذا.
8 استثنى المالكية من هذه القاعدة الأيمان، فقال القرافي: "اعلم ان مذهب مالك رحمه الله أن الاستثناء من النفي إثبات، في غير الأيمان، هذه قاعدته في الأقارير، وقاعدته في الأيمان أن الاستثناء من النفي ليس باثبات" "الفروق 2/93".
9 وهذا قول طائفة محققي الحنفية، كالامام فخر الإسلام البردوي وشمس الأئمة الحلواني والقاضي أبي زيد.
"انظر: المحصول جـ1ق3/56، كشف الأسرار 3/126، تيسير التحرير 1/294، التلويح على التوضيح 2/289، فواتح الرحموت 1/337، فتح الغفار 2/124، شرح تنقيح الفصول ص 247، مختصر ابن الحاجب 2/142، الإحكام للآمدي 2/308، جمع الجوامع 2/15، مناهج العقول 2/120، التمهيد ص117، نهاية السول 2/123، تخريج الفروع على الأصول ص 68، القواعد والفوائد الأصولية ص263، مختصر البعلي ص120، المحرر في الفقه 2/462، المسودة ص 160، الروضة 2/270، إرشاد الفحول ص149".
(3/327)

وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الإِثْبَاتِ نَفْيًا، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ1, وَقَالُوا: فِي قَوْلِهِ2 لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ دِرْهَمًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الدِّرْهَمَ الْمُخْرَجَ مَنْفِيٌّ بِالأَصَالَةِ، لا مِنْ حَيْثُ إنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنْ3 الإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَلا يُوجِبُونَ فِي: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلاَّ دِرْهَمًا شَيْئًا4، إذْ الْمُرَادُ إلاَّ دِرْهَمًا فَإِنِّي لا أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلا إقْرَارَ إلاَّ مَعَ حُكْمٍ ثَابِتٍ5.
وَاسْتَدَلَّ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بِاللُّغَةِ وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ "لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ" تَوْحِيدٌ, وَتَبَادَرَ فَهْمُ كُلِّ مَنْ سَمِعَ قَوْلَ الْقَائِلِ: لا عَالِمَ إلاَّ زَيْدٌ, وَلَيْسَ لَك عَلَيَّ إلاَّ دِرْهَمٌ إلَى عِلْمِهِ وَإِقْرَارِهِ6.
__________
1 وفي قول ثالث: الاستثناء من الاثبات نفي، وأما الاستثناء من التفي فليس بإثبات.
"انظر: مختصر البعلي ص120، المسودة ص160، القواعد والفوائد الأصولية ص 263، التمهيد ص117، مناهج العقول 2/120، شرح تنقيح الفصول ص 247، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/142، 143، المحصول جـ1ق3/57، الإحكام للآمدي 2/308، جمع الجوامع 2/15، نهاية السول 2/123".
2 ساقطة من ض ع ب.
3 في ش: من النفي إثبات ومن.
4 في ش: شيء.
5 انظر: التمهيد ص118، مناهج العقول 2/120، فواتح الرحموت 1/327، فتح الغفار 1/124، العضد على ابن الحاجب 2/143، تيسير التحرير 1/294، التلويح على التوضيح 2/289، إرشاد الفحول ص149.
6 انظر أدلة الجمهور في هذه القاعدة في "الإحكام للآمدي 2/308، المحلى على جمع الجوامع 2/16، فواتح الرحموت 1/327، كشف الأسرار 1/126، تيسير التحرير 1/294، التلويح على التوضيح 2/293، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/143، المحصول جـ1 ق3/57، نهاية السول 2/123، الروضة 2/270، شرح تنقيح الفصول ص247، مناهج العقول 2/120، إرشاد الفحول ص150".
(3/328)

قَالُوا: لَوْ كَانَ لَلَزِمَ1 مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ ثُبُوتُهَا بِالطَّهَارَةِ2وَمِثْلُهُ لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ" وَ: "لا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" 3.
رُدَّ لا يَلْزَمُ؛ لأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ, وَإِنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الطُّهُورِ لِلصَّلاةِ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ4.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: هَذِهِ صِيغَةُ5 الشَّرْطِ. وَمُقْتَضَاهَا نَفْيُهَا عِنْدَ نَفْيِهَا, وَوُجُودُهَا6 عِنْدَ وُجُودِهَا، لَيْسَ مَنْطُوقًا، بَلْ مِنْ الْمَفْهُومِ، فَنَفْيُ شَيْءٍ لانْتِفَاءِ شَيْءٍ لا يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ، بَلْ يَبْقَى كَمَا قَبْلَ النُّطْقِ، بِخِلافِ لا عَالِمَ إلاَّ زَيْدٌ7.
__________
1 في ز ض ع ب: لزم.
2 هذه بعض أدلة الحنفية على قولهم في المسألة، وسيذكرها المصنف بالتفصيل بعد قليل "ص332".
"انظر: مختصر ابن الحاجب 2/143، المحصول جـ1 ق3/58، الإحكام للآمدي 2/308".
3 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي ومالك والشافعي عن عبادة بن الصامت وأبي سعيد مرفوعاً بألفاظ مختلفة، وأوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب" ورواه البخاري عن ابن عمر مرفوعا.
ومر تخريجه كاملاً في "المجلد الثاني ص 554"، وانظر: صحيح البخاري 2/14 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 11/13.
4 انظر: المسودة ص 190، الروضة 2/270، 271، نهاية السول 2/124، الفروق 2/96، مختصر ابن الحاجب 2/143، الإحكام للآمدي 2/308، مناهج العقول 2/122.
5 في ش ض: صفة.
6 في "الروضة": وأما وجودها.
7 الروضة:2/270-271.
(3/329)

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: جَعَلَهُ الْمُثْبَتَ مِنْ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ1. وَكَذَا جَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي قَوْلِ أَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ إلاَّ مَا كَانَ2 مَأْكُولاً.
وَقَدْ احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمَهْرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 3 قَالَ: فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ صِحَّتَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذِهِ دَلالَةُ صِفَةٍ4.فَإِنْ قِيلَ: فِيهِ إشْكَالٌ سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّفْيُ الأَعَمُّ، أَيْ لا صِفَةَ لِلصَّلاةِ مُعْتَبَرَةٌ إلاَّ صِفَةَ الطَّهَارَةِ, فَنَفَى الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ وَأَثْبَتَ الطَّهَارَةَ5.
قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ نَفْيِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي إثْبَاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَأَيْضًا أَكَّدَهَا6.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فَلا7 إشْكَالَ: قَوْلٌ بَعِيدٌ لأَنَّهُ مُفَرَّغٌ فَهُوَ مِنْ
__________
1 في ش: فيقي ليس يجيد.
2 ساقطة من ض.
3 هذا الحديث رواه الإمام أحمد والدارقطني، وأشار إليه الترمذي، ورواه البيهقي في "العلل"، وفي شخص متروك، ورواه الشافعي من طريق آخر مرسلاً، وقال: "وهذا وإن كان منقطعاً فإن أكثر أهل العلم يقولون به"، وهو طرف من حديث رواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة، رضي الله عنها مرفوعاً، وقال البخاري: وقال بعض الناس: "لايجوز نكاح بغير شاهدين".
"انظر: صحيح البخاري 2/67 المطبعة العثمانية، تحفة الأحوذي 4/235، بدائع المنن 2/313، السنن الكبرى 7/124 وما بعدها، نيل الأوطار 6/142".
أما الشطر الأول من الحديث "لانكاح إلا بولي" فهو حديث صحيح، وسبق تخريجه في "المجلد الثاني ص 551".
4 في ش ز: صيغة.
5 انظر: الروضة 2/271.
6 انظر: نهاية السول 2/124، التبصرة ص 204، مختصر ابن الحاجب 2/143، مناهج العقول 2/122.
7 في ش: بلا
(3/330)

تَمَامِ الْكَلامِ, وَمِثْلُهُ: مَا زَيْدٌ إلاَّ قَائِمٌ وَنَحْوُهُ1.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ "لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ" لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى فِيهِ مُثْبَتًا لَمْ يَكُنْ كَافِيًا فِي الدُّخُولِ فِي الإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ كَافٍ بِاتِّفَاقٍ, وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلاَّ اللَّه" 2 فَجَعَلَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمُقَاتَلَةِ.
وَقَدْ أَجَابُوا بِأَنَّ الإِثْبَاتَ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا الْكُفَّارُ يَزْعُمُونَ الشَّرِكَةَ3, فَنُفِيَتْ الشَّرِكَةُ بِذَلِكَ، أَوْ4 أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لا يُفِيدُ الإِثْبَاتَ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَكِنْ5 يُفِيدُهُ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ, فَإِنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلثُّبُوتِ6.
فَإِذَا قُلْتَ: لا شَرِيكَ لِفُلانٍ فِي كَرَمِهِ, اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ كَرِيمًا, وَأَيْضًا فَالْقَرَائِنُ تَقْتَضِي الإِثْبَاتَ؛ لأَنَّ كُلَّ مُتَلَفِّظٍ7 بِهَا ظَاهِرُ قَصْدِهِ إثْبَاتُهُ8 وَاحِدًا9 لا التَّعْطِيلُ.
__________
1 انظر: نهاية السول 2/124، مختصر ابن الحاجب 2/143، مناهج العقول 2/122.
2 هذا حديث صحيح متواتر، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي وأحمد والدارمي وغيرهم عن خمسة عشر صحابياًَ.
"انظر: صحيح البخاري 1/167 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 1/206، سنن أبي داود 1/356، تحفة الأحوذي 7/339، سنن النسائي 5/11، سنن ابن ماجه 1/27، بدائع المنن 2/95، مسند أحمد 2/314، سنن الدارمي 2/218، فيض القدير 2/189، الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة للسيوطي ص 6".
3 في د ز ض: شركة.
4 في ب:
و5 في ع: لكنه.
6 انظر: مناهج العقول 2/121، نهاية السول 2/123، فواتح الرحموت 1/230.
7 في ض: به، وساقطة من ب.
8 في ز: إثبات.
9 في ش: إنها واحداً.
(3/331)

وَرَدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عُلِّقَ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا, فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَدُلُّ بِلَفْظِهَا دُونَ شَيْءٍ زَائِدٍ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الإِلْمَامِ: كُلُّ هَذَا عِنْدِي تَشْغِيبٌ وَمُرَاوِغَاتٌ جَدَلِيَّةٌ, وَالشَّرْعُ خَاطَبَ النَّاسَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا لإِثْبَاتِ1 مَقْصُودِ التَّوْحِيدِ, وَحَصَلَ الْفَهْمُ لِذَلِكَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لأَمْرٍ2 زَائِدٍ، وَلَوْ كَانَ وَضْعُ اللَّفْظِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَكَانَ أَهَمَّ الْمُهِمَّاتِ: أَنْ يُعَلِّمَنَا الشَّارِعُ مَا يَقْتَضِيهِ بِالْوَضْعِ مِنْ الاحْتِيَاجِ إلَى أَمْرٍ آخَرَ, فَإِنَّ ذَلِكَ3 هُوَ الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ فِي الإِسْلامِ4. اهـ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ أَيْضًا: قَوْله تَعَالَى: {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلاَّ عَذَابًا} 5 وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْحَنَفِيَّةِ، فَمِنْ أَعْظَمِهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ يَكُونُ مُصَلِّيًا، أَوْ تَصِحُّ صَلاتُهُ وَإِنْ فَقَدَ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ6.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُطْلَقٌ يَصْدُقُ بِصُورَةِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى, فَيَحْصُلَ الإِثْبَاتُ لا أَنَّهُ عَامٌّ، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ مُتَطَهِّرٍ مُصَلِّيًا, فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ شَرْطٍ أَيْ
__________
1 في ع: كإثبات.
2 في ع: إلى أمرٍ
3 ساقطة من ز ع ض ب.
4 انظر: إرشاد الفحول ص150.
5 الآية 30 من النبأ.
6 انظر: مناهج العقول 2/121، المحصول جـ1 ق3/58، الإحكام للآمدي 2/308، فواتح الرحموت 1/328، ومابعدها، مختصر ابن الحاجب 2/143، نهاية السول 2/123، فتح الغفار 2/126، تيسير التحرير 1/295، التوضيح على التنقيح 2/290.
(3/332)

لا صَلاةَ إلاَّ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ, وَمَعْلُومٌ: أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ1.
وَأَيْضًا: فَالْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي هَذَا الشَّرْطِ دُونَ, سَائِرِ2 الشُّرُوطِ؛ لأَنَّهُ آكَدُ, فَكَأَنَّهُ لا شَرْطَ غَيْرُهُ؛ 3لا أَنَّ الْمَقْصُودَ: نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ4.
وَأَيْضًا: فَقَدْ قِيلَ: الاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ, وَلَيْسَ الْكَلامُ فِيهِ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ5.
عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ لا يُعْرَفُ، إنَّمَا الْمَعْرُوفُ: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ6, لَكِنْ فِي ابْنِ مَاجَهْ: "لا تُقْبَلُ صَلاةٌ إلاَّ بِطُهُورٍ" 7 وَلَوْ مَثَّلُوا بِحَدِيثِ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ8
__________
1 انظر: فواتح الرحموت 1/329، التلويح على التوضيح 2/292، مختصر ابن الحاجب 2/143، مناهج العقول 2/121، الإحكام للآمدي 2/308، إرشاد الفحول ص150.
2 في ش: المبالغة في سائر.
3 في ش ع: لأن.
4 انظر: مناهج العقول2/121، التبصرة ص 203، فواتح الرحموت 1/329، نهاية السول 2/123، مختصر ابن الحاجب 2/143.
5 أي ضعف ابن الحاجب هذا الجواب على دليل الحنفية، وقال: "القول بأنه منقطع بعيد، لأن هذا استثناء مفرغ، والمفرغ من تمام الكلام، بخلاف المنقطع" "مختصر ابن الحاجب2/143".
"وانظر: مناهج العقول 2/121، نهاية السول 2/124، فواتح الرحموت 1/329".
6 صحيح مسلم 1/204.
ومر تخريج هذا الحديث كاملاً في "المجلد الأول ص 299".
7 سنن ابن ماجه 1/100.
8 هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدار مي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ورواه أحمد والترمذي بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب".
"انظر: صحيح البخاري 2/106 المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي 4/100، مسند أحمد 2/241،478؟، سنن أبي داود 1/188، تحفة الأحوذي 2/59، سنن النسائي 2/106، سنن ابن ماجه1/273، سنن الدارمي 1/283، التلخيص الحبير 1/230، نصب الراية 1/363، الفتح الكبير 3/345، سنن الدارقطني 1/321".
(3/333)

لَكَانَ1 أَجْوَدَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُوَافِقٌ2 لِقَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ3, وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مُوَافِقٌ4 لِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ5, وَبَقِيَّةِ الْبَصْرِيِّينَ6.
َمَحِلُّ الْخِلافِ فِي الاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ؛ لأَنَّهُ فِيهِ إخْرَاجٌ, أَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَالظَّاهِرُ7: أَنَّ مَا بَعْدَ "إلاَّ " فِيهِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ الْحُكْمِ السَّابِقِ, فَإِنَّ مَسَاقَهُ هُوَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ8, فَنَحْوُ, قَوْله تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} 9 الْمُرَادُ: أَنَّ لَهُمْ بِهِ اتِّبَاعَ الظَّنِّ لا الْعِلْمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّنُّ دَاخِلاً فِي الْعِلْمِ. وَقِسْ عَلَيْهِ.
وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَمِنْ الإِثْبَاتِ نَفْيٌ تَرَتَّبَ10 عَلَيْهِمَا تَعَدُّدُ الاسْتِثْنَاءِ11.
__________
1 في ض: كان.
2 في ب: موافقة.
3 في ع: أهل الكوفة.
4 في ب: موافقة.
5 في ش: نحاة سيبويه.
6 انظر: المساعد على التسهيل 1/548
7 في ض: فالظهار، وفي ب: فلإظهار.
8 في ش: الثابت لك.
9 الآية 157 من النساء.
10 في ش: يترتب.
11 وهو صحيح حملاً للكلام على الصحة.
"انظر: التمهيد ص 119، نهاية السول 2/124، المحصول جـ1ق3/60، القواعد والفوائد الأصولية ص254".
(3/334)

وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالاً:
أَحَدُهَا: نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ1 عَشَرَةٌ إلاَّ تِسْعَةً إلاَّ ثَمَانِيَةً إلاَّ سَبْعَةً إلاَّ سِتَّةً إلاَّ خَمْسَةً إلاَّ أَرْبَعَةً إلاَّ ثَلاثَةً إلاَّ اثْنَيْنِ2 إلاَّ وَاحِدًا3, وَلاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ مِنْ ذَلِكَ طُرُقٌ:
إحداها4: طَرِيقَةُ الإِخْرَاجِ. وَجَبْرُ الْبَاقِي بِالاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي, فَنَقُولُ5: لَمَّا أَخْرَجَ6 تِسْعَةً بِالاسْتِثْنَاءِ الأَوَّلِ جَبَرَ مَا بَقِيَ وَهُوَ وَاحِدٌ بِالاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي, وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ فَصَارَ تِسْعَةً، ثُمَّ أَخْرَجَ7 بِالاسْتِثْنَاءِ الثَّالِثِ سَبْعَةً, بَقِيَ اثْنَانِ، فَجَبَرَهُ بِالرَّابِعِ وَهُوَ سِتَّةٌ فَصَارَ ثَمَانِيَةً، ثُمَّ أَخْرَجَ8 بِالْخَامِسِ خَمْسَةً, فَبَقِيَ ثَلاثَةٌ, فَجَبَرَ بِالسَّادِسِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ, فَصَارَ سَبْعَةً، ثُمَّ أَخْرَجَ9 بِالسَّابِعِ10 ثَلاثَةً, فَبَقِيَ أَرْبَعَةٌ فَجَبَرَ بِالثَّامِنِ وَهُوَ اثْنَانِ فَصَارَ الْبَاقِي سِتَّةً وَأَخْرَجَ11 مِنْهُ بِالاسْتِثْنَاءِ التَّاسِعِ وَاحِدًا12فَصَارَ الْمُقَرُّ بِهِ خَمْسَةً13.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَحُطَّ14 الآخَرَ مِمَّا يَلِيهِ، وَهَكَذَا إلَى15 الأَوَّلِ
__________
1 ساقطة من ش
2 في ع: اثنان.
3 في ش: واحد.
4 في ش ض ب: أحدها.
5 في ع: فتقول.
6 في ز ض ع: خرج.
7 في ز ض ع: خرج.
8 في ز ض ع: خرج
9 في ز ض ع: خرج.
10 في ض: التاسع.
11 في ع: وخرج.
12 في ز: واحد، وفي ض: واحد واحد، وفي ب. وهو واحد.
13انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 245، مناهج العقول 2/125، شرح تنقيح الفصول ص 256، المحلي على جمع الجوامع 2/17، المساعد 1/577.
14 في ض ع ب: يحط.
15 في ش: إلا.
(3/335)

فَتَحُطَّ1 وَاحِدًا2 مِنْ اثْنَيْنِ، يَبْقَى وَاحِدٌ، تَحُطَّهُ3 مِنْ ثَلاثَةٍ يَبْقَى اثْنَانِ، تَحُطَّهُمَا4 مِنْ أَرْبَعَةٍ يَبْقَى اثْنَانِ، تَحُطَّهُمَا5 مِنْ خَمْسَةٍ يَبْقَى ثَلاثَةٌ تَحُطّهُمَا6 مِنْ سِتَّةٍ يَبْقَى7 ثَلاثَةٌ، تَحُطَّهَا8 مِنْ سَبْعَةٍ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، تَحُطَّهَا9 مِنْ ثَمَانِيَةٍ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، تَحُطَّهَا10 مِنْ تِسْعَةٍ يَبْقَى خَمْسَةٌ، تَحُطَّهَا11 مِنْ عَشَرَةٍ يَبْقَى الْمُقَرُّ بِهِ خَمْسَةٌ12.
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ وَتْرٍ مِنْ الاسْتِثْنَاءاتِ خَارِجًا وَكُلَّ شَفْعٍ مَعَ الأَصْلِ دَاخِلاً فِي الْحُكْمِ, فَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ الْحَاصِلُ, فَيَسْقُطَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الْخَارِجِ مِمَّا اجْتَمَعَ مِنْ الدَّاخِلِ فَهُوَ الْجَوَابُ.
فَالْعَشَرَةُ وَالثَّمَانِيَةُ وَالسِّتَّةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالاثْنَانِ: ثَلاثُونَ هِيَ الْمُخْرَجُ مِنْهَا وَالتِّسْعَةُ وَالسَّبْعَةُ13 وَالْخَمْسَةُ وَالثَّلاثَةُ وَالْوَاحِدُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ: هِيَ الْمُخْرَجَةُ, يَبْقَى خَمْسَةٌ.
وَلَهُمْ طُرُقٌ غَيْرُ ذَلِكَ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا14.
__________
1 في ب: فيحط.
2 في ض: واحد.
3 في ش: فحطه.
4 في ش: فحطهما.
5 في ش: فحطهما.
6 في ش: فحطهما.
7 في ب: تبقى.
8 في ش: فحطها
9 في ش: فحطها
10 ش: فحطها
11 في ش: فحطها
12 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص255، شرح تنقيح الفصول ص256، المساعد 1/577.
13 ساقطة من ع.
14 انظر: شرح تنقيح الفصول ص256، القواعد والفوائد الأصولية ص 254، المساعد 1/576
(3/336)

وَاسْتَثْنَى الْقَرَافِيُّ الشَّرْطَ, فَقَالَ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ1: قَوْلُ الْعُلَمَاءِ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، لَيْسَ عَلَى إطْلاقِهِ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَقَعُ فِي الأَحْكَامِ، نَحْوَ قَامَ الْقَوْمُ إلاَّ زَيْدًا, وَمِنْ الْمَوَانِعِ، نَحْوُ لا تَسْقُطُ الصَّلاةُ عَنْ الْمَرْأَةِ إلاَّ بِالْحَيْضِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ، نَحْوُ "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" , فَالاسْتِثْنَاءُ مِنْ الشُّرُوطِ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلامِ الْعُلَمَاءِ, فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالنَّفْيِ لأَجْلِ عَدَمِ الشَّرْطِ أَنْ يَقْضِيَ بِالْوُجُودِ لأَجْلِ وُجُودِ الشَّرْطِ، لِمَا عُلِمَ2 مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَلا الْعَدَمُ.
فَقَوْلُهُمْ3: الاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ: مُخْتَصٌّ4 بِمَا عَدَا الشَّرْطَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ. وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ النُّقُوضَ5 الَّتِي أَلْزَمُونَا بِهَا كُلَّهَا مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ6, وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ صُوَرِ النِّزَاعِ فَلا تَلْزَمُنَا7. اهـ.
"وَإِذَا عُطِفَ" اسْتِثْنَاءٌ "عَلَى" اسْتِثْنَاءٍ "مِثْلِهِ أُضِيفَ إلَيْهِ" أَيْ أُضِيفَ الثَّانِي إلَى الأَوَّلِ, فَعَشَرَةٌ إلاَّ ثَلاثَةً وَإِلاَّ اثْنَيْنِ8 كَعَشَرَةٍ إلاَّ خَمْسَةً. وَأَنْتِ طَالِقٌ إلاَّ ثَلاثًا9 إلاَّ وَاحِدَةً وَإِلاَّ وَاحِدَةً، يَلْغُو الثَّانِي إنْ بَطَلَ اسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ، وَإِلاَّ وَقَعَ وَاحِدَةٌ, فَيَرْجِعُ الْكُلُّ الْمُتَعَاطِفُ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، حَمْلاً لِلْكَلامِ عَلَى الصِّحَّةِ
__________
1 شرح تنقيح الفصول ص 248، وانظر نفس المرجع ص 256
2 في "شرح تنقيح الفصول": تقدم
3 في"شرح تنقيح الفصول": فقول العلماء.
4 في"شرح تنقيح الفصول": يختص.
5 في"شرح تنقيح الفصول": النصوص
6 في ب: الشرط
7 شرح تنقيح الفصول ص 248
8 في ض: والاثنين
9 في ش: إلا ثلاثاً
(3/337)

مَا أَمْكَنَ. فَإِنَّ عَوْدَ كُلٍّ لِمَا يَلِيهِ قَدْ تَعَذَّرَ بِانْفِصَالِهِ بِأَدَاةِ الْعَطْفِ1.
هَذَا إذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَوْدِ الْكُلِّ الاسْتِغْرَاقُ, أَوْ2 الأَكْثَرُ عَلَى الصَّحِيحِ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْطَفْ "فَ" هُوَ "اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الاسْتِثْنَاءِ3 وَيَصِحُّ" قَالَهُ4 بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ مَنْعَهُ5.
فَعَلَى الصِّحَّةِ6 لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلاَّ ثَلاثَةً إلاَّ دِرْهَمًا, يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنْ الإِثْبَاتِ نَفْيٌ, وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا إلاَّ وَاحِدَةً إلاَّ وَاحِدَةً, فَيَقَعَ اثْنَتَانِ، وَيَلْغُوَ قَوْلُهُ: إلاَّ وَاحِدَةً, الثَّانِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لا يَلْغُو, فَيَقَعَ ثَلاثٌ7؛ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ.
وَاسْتُدِلَّ لِجَوَازِ الاسْتِثْنَاءِ مِنْ الاسْتِثْنَاءِ بِقَوْله تَعَالَى: {إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ} 8
__________
1 انظر: مناهج العقول 2/112، جمع الجوامع 2/16، المحصول جـ1ق3/60، نهاية السول 2/124، شرح تنقيح الفصول ص254
2 في ش: و.
3 في ش ز: استثناء
4 في ز ع ض ب: قال
5 قال الجمهور بصحة الاستثناء الثاني من الاستثناء الأول، ويكون مستثنى منه، وتطبيق القاعدة السابقة، وهي أن الاستثناء في النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وهذا مذهب البصريين والكسائي، وقال بعض النحويين تعود المستثنيات بها إلى المذكور أولاً.
"انظر: المسودة ص 154، المساعد 1/577، القواعد والفوائد الأصولية ص 253، نهاية السول 2/125، الإحكام للآمدي 2/288، جمع الجوامع 2/16،17، مناهج العقول 2/123، العدة 2/666".
6 ساقطة من ض.
7 في ع: ثلاثاً.
8 الآيتان 59، 60من الحجر، وفي ب ز ع ض: "إلا امرأته الآية".
"وانظر 2/666، الإحكام للآمدي 2/288، القواعد والفوائد الأصولية ص 253".
(3/338)

وَعَلَّلَ الْقَائِلُونَ بِالْمَنْعِ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ بِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الأَوَّلُ بِتَقْوِيَةِ حَرْفِ الاسْتِثْنَاءِ, وَالْعَامِلُ لا يَعْمَلُ فِي مَعْمُولِينَ.
وَأَجَابُوا عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلاَّ امْرَأَتَهُ} 1 قَدَّرْنَا بِأَنَّ2 الاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ، وَ3هُوَ "إلاَّ امْرَأَتَهُ" إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ "أَجْمَعِينَ" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ4.
__________
1 الآيات 58، 59، 60 من الحجر
2 في ش: بألا
3 ساقطة من ب.
4 ساقطة من ز ض ع ب.
(3/339)

فَصْلٌ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمُخَصَّصِ الْمُتَّصِلِ 1 الشَّرْطُ 2:
"وَيَخْتَصُّ" الشَّرْطُ "اللُّغَوِيُّ مِنْهُ" أَيْ مِنْ الشَّرْطِ الْمُطْلَقِ "بِكَوْنِهِ" أَيْ بِكَوْنِ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ "مُخَصَّصًا"3 قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ، فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ: الشَّرْطُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ، ثُمَّ قَالَ: الثَّانِي اللُّغَوِيُّ, وَالْمُرَادُ بِهِ صِيَغُ التَّعْلِيقِ "بِإِنْ" وَنَحْوِهَا4, وَهُوَ مَا يُذْكَرُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي الْمُخَصَّصَاتِ لِلْعُمُومِ نَحْوُ "قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} 5, وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ6 فِي الْفِقْهِ7: الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ, وَالطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ8.
__________
1 ساقطة من ش
2 في ش: "الشرط" من المخصص المتصل.
3 انظر هذه المسألة في "نهاية السول 2/131، نزهة الخاطر 2/190، شرح الورقات ص 108، المعتمد 1/259، العضد على ابن الحاجب 2/132، 145، المستصفى 2/181، 205، المحلي على جمع الجوامع 2/22، مناهج العقول 2/112،130، الروضة 2/259، تيسير التحرير 1/280، التلويح على التوضيح 2/36، إرشاد الفحول ص 153"
4 أدوات الشرط هي: إن "المخففة"، وإذا، ومن، وما، ومهما، وحيثما، وأينما، وإذ، ما، والأولى حرف وهي أم صيغ الشرط، وما عداها أسماء, "انظر: الإحكام للآمدي 2/309"
5 الآية 6 من الطلاق.
6 في ش: قوله.
7 في ض: اللغة.
8 انظر أنواع الشرط، وتعريف كل نوع في "المجلد الأول ص 452 وما بعدها".
"وانظر: مختصر ابن الحاجب 2/145، المحصول جـ1ق3/89، الإحكام للآمدي 2/309، المستصفى 2/180 وما بعدها، 205، المحلي على جمع الجوامع 2/21، فواتح الرحموت 1/339، 341، تيسير التحرير 1/280، إرشاد الفحول ص 153".
(3/340)

وَهَذَا -كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ- يَرْجِعُ إلَى كَوْنِهِ سَبَبًا، حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ1, وَوَهَمَ مَنْ فَسَّرَهُ هُنَاكَ بِتَفْسِيرِ الشَّرْطِ الْمُقَابِلِ لِلسَّبَبِ وَالْمَانِعِ، كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الأُصُولِيِّينَ كَالطُّوفِيِّ2 فَجَعَلَ3 الْمُخَصَّصَ هُنَا مِنْ الشَّرْطِ4 اللُّغَوِيِّ, وَوَهَمَ مَنْ قَالَ غَيْرَهُ5.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَظَاهِرُ6 كَلامِ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنِ مُفْلِحٍ: أَنَّ الْمَحْدُودَ7 فِي الْمُخَصَّصَاتِ يَشْمَلُ8 الشُّرُوطَ الثَّلاثَةَ فَإِنْ9 قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ قَالَ10 -لَمَّا ذُكِرَ حَدُّ الْمُوَفَّقِ وَالْغَزَالِيِّ- وَلا يَمْنَعُ لُزُومُ الدُّورِ بِحَمْلِ الشَّرْطِ عَلَى اللُّغَوِيِّ؛ إذْ الْمَحْدُودُ هُوَ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ وَالْعَادِيِّ11.
قُلْت: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ: تَمْثِيلُهُمْ بِذَلِكَ12 1هـ.
__________
1 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 85، 261، 262، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/145، جمع الجوامع 2/20، إرشاد الفحول ص 153.
2 ساقطة من ش ز.
3 في ع: في جعل.
4 ساقطة من ش ع.
5 انظر: مختصر الطوفي ص22،113، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/145، التلويح على التوضيح 2/38.
6 في ض: وهو ظاهر.
7 في ش: الحدود.
8 في ش: تشمل.
9 في ش: قال.
10 ساقطة من ش.
11 ساقطة من ش ز.
12 انظر: الروضة 2/259
(3/341)

"وَهُوَ" أَيْ الشَّرْطُ "مُخْرَجٌ مَا لَوْلاهُ" أَيْ لَوْلا الشَّرْطُ "لَدَخَلَ" ذَلِكَ الْمُخْرَجُ, نَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ دَخَلُوا, فَيَقْصُرَهُ الشَّرْطُ عَلَى مَنْ دَخَلَ1.
"وَيَتَّحِدُ" الشَّرْطُ2، مِثْلُ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَأُكْرِمْهُ، 3أَوْ فَأَكْرِمْهُ وَأَعْطِهِ، أَوْ فَأَكْرِمْهُ أَوْ أَعْطِهِ.
"وَيَتَعَدَّدُ" الشَّرْطُ "عَلَى الْجَمْعِ4" مِثْلُ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ وَ5السُّوقَ فأكرمه6.
"وَ"يَتَعَدَّدُ الشَّرْطُ عَلَى "الْبَدَلِ" مِثْلُ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوْ السُّوقَ.
فَهَذِهِ "ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ كُلٌّ مِنْهَا" أَيْ مِنْ الأَقْسَامِ "مَعَ الْجَزَاءِ كَذَلِكَ" أَيْ كَالشَّرْطِ7، يَعْنِي أَنَّ الْجَزَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا، أَوْ8 مُتَعَدِّدًا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، أَوْ9 مُتَعَدِّدًا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ, كَمَا مَثَّلْنَا, فَتَكُونَ الأَقْسَامُ تِسْعَةً مِنْ ضَرْبِ ثَلاثَةٍ فِي ثَلاثَةٍ10
__________
1 انظر: مختصر البعلي ص121، الإحكام للآمدي 2/310، المستصفى 2/205.
2 في ب: أي الشرط.
3 ساقطة من ز د.
4 في ب: الجميع.
5 في ب: أو.
6 ساقطة من ش ز ض ع ب.
7 في ض: الشرط.
8 في ض: و.
9 ساقطة من ض.
10 هذا تقسيم للشرط والمشروط باعتبار التعدد والاتحاد.
"انظر: العضد على ابن الحاجب 2/146، المحصول جـ1ق3/94، الإحكام للآمدي 2/310، المستصفى 2/206، نهاية السول 2/134، المعتمد 1/259، مختصر ابن الحاجب 2/145، مناهج العقول 2/133، فواتح الرحموت 1/342، تيسير التحرير 1/280، إرشاد الفحول ص153".
(3/342)

"وَيَتَقَدَّمُ" الشَّرْطُ "عَلَى الْجَزَاءِ لَفْظًا" أَيْ فِي اللَّفْظِ "لِتَقَدُّمِهِ" أَيْ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْجَزَاءِ "فِي الْوُجُودِ طَبْعًا" لأَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ شَيْءٍ يُجَازَى عَلَيْهِ1.
"وَمَا ظَاهِرُهُ" أَيْ تَرْكِيبُ ظَاهِرِهِ "أَنَّهُ" أَيْ أَنَّ الشَّرْطَ "مُؤَخَّرٌ" فِيهِ عَنْ الْجَزَاءِ "الْجَزَاءُ2 فِيهِ مَحْذُوفٌ قَامَ مَقَامَهُ, وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ" فَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَكْرَمْتُكَ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ, خَبَرٌ, وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ مُرَاعَاةً لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ, كَتَقَدُّمِ الاسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ3.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي التَّسْهِيلِ: لأَدَاةِ الشَّرْطِ صَدْرُ الْكَلامِ, فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا سَبَبُهُ4 فَالْجَوَابُ5 مَعْنًى, فَهُوَ دَلِيلُ الْجَوَابِ وَلَيْسَ إيَّاهُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ وَأَبِي6 زَيْدٍ7.
__________
1إن الشرط يتقدم في المعنى فيكون متقدماً في اللفظ، قال القرافي: "وهو معنى قوله: متقدم في الطبع فيقدم في الوضع" "شرح تنقيح الفصول ص 265".
"وانظر: المحصول جـ1 ق3/97، شرح تنقيح الفصول ص264، الإحكام للآمدي 2/311، شرح الورقات ص111، المعتمد 1/260"
2 في ش: والجزاء
3 قال الشيرازي: "يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر، كما يجوز في الاستثناء" "اللمع ص25".
وقال الفخر الرازي: "لا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى، ويشبه أن يكون هو التقديم خلافاً للفراء" "المحصول جـ1 ق3/97".
"وانظر: شرح تنقيح الفصول ص214، 264، المعتمد 1/268، مختصر ابن الحاجب 2/146، الإحكام للآمدي 2/311، فواتح الرحموت 1/342"
4 في ع: شبيه
5 في ش: فالجواب
6 في ش: ابن، وفي د: ابن أبي
7 هو سعيد بن أوس بن ثابت، الأنصاري الخزرجي، قال المبرد: كان أبو زيد عالماً
(3/343)

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ: إنْ عَنَوْا أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَيْسَ بِجَزَاءٍ لِلشَّرْطِ1 فِي اللَّفْظِ2 وَإِنْ عَنَوْا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ3 لِلشَّرْطِ لا لَفْظًا وَلا مَعْنًى, فَهُوَ عِنَادٌ4، لأَنَّ الإِكْرَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدُّخُولِ، فَيَتَأَخَّرُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى, فَيَكُونُ جَزَاءً لَهُ مَعْنًى.
قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ -أَيْ أَكْرَمْتُك5- جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ دُونَ الْمَعْنَى: رُوعِيَتْ الشَّائِبَتَانِ فِيهِ، أَيْ شَائِبَةُ الاسْتِقْلالِ6 مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَحُكِمَ بِكَوْنِهِ جَزَاءً، وَشَائِبَةُ عَدَمِ الاسْتِقْلالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَحُكِمَ بِأَنَّ الْجَزَاءَ مَحْذُوفٌ، لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى7.انْتَهَى.
"وَيَصِحُّ إخْرَاجُ الأَكْثَرِ" مِنْ الْبَاقِي "بِهِ" أَيْ بِالشَّرْطِ8.
__________
بالنحو، ولم يكن مثل الخليل وسيبويه، وهو من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغريب، كان الثوري يقول عن ابن مناذر: الأصمعي. أحفظ الناس، وأبو عبيدة أجمعهم، وأبو زيد الأنصاري أوثقهم، وكان يقال له: أبو زيد النحوي، وله مصنفات كثيرة ومفيدة، منها: "المصادر" و"الإبل" و"خلق الإنسان" و"اللغات" و"النوادر" و"الجمع والتثنية" و "بيوتات العرب" وغيرها، عمر كثيراً، وتفي سنة 215هـ بالبصرة، وقيل غير ذلك، وكان يرى رأي القدرية.
انظر ترجمته في "وفيات الأعيان 2/120، الفهرست لابن نديم ص 81، طبقات القراء 1/305، المعارف ص545، إنباه الرواة 2/30، تاريخ بغداد 9/77، شذرات الذهب 2/34، مرآة الجنان 2/58، النجوم الزاهرة 2/210، الأعلام للزركلي 3/144"
1 في ب: الشرط
2 في ش: لا لفظاً ولا معنى، فهو عناد، لأن في اللفظ الإكرام يتوقف
3في ب: الشرط
4 مختصر ابن الحاجب 2/146
5 ساقطة من ب ض هنا، ثم ذكرت بعد كلمتين
6 ساقطة من ض
7 مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/146
8انظر: جمع الجوامع 2/23، شرح تنقيح الفصول ص264، 265، نهاية السول 2/134، إرشاد الفحول ص153.
(3/344)

قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ التَّقْيِيدُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِنْهُ1 أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الاسْتِثْنَاءِ2 اهـ.
فَلَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ، خَرَجَ جُهَّالُهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ3.
"وَهُوَ" أَيْ الشَّرْطُ "فِي اتِّصَالٍ بِمَشْرُوطٍ، وَ" فِي "تَعَقُّبِ4 جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ: كَاسْتِثْنَاءٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الشَّرْطِ. بِالْمَشْرُوطِ5، كَمَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الاسْتِثْنَاءِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ "إنْ شَاءَ اللَّهُ" يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلاً مُتَعَاطِفَةً عَادَ إلَى الْكُلِّ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ6.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَدَمَ عَوْدِهِ لِلْجَمِيعِ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ7.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ أَوْلَى بِالْعَوْدِ إلَى الْكُلِّ مِنْ الاسْتِثْنَاءِ، بِدَلِيلِ مُوَافَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ, مِثَالُهُ: أَكْرِمْ قُرَيْشًا وَأَعْطِ تَمِيمًا إنْ نَزَلُوا بِكَذَا8.
__________
1ساقطة من ز، ومن "المحصول"
2 المحصول جـ 1ق3/97
3انظر: المحلي على جمع الجوامع 2/23
4 في ع: تعقيب
5 انظر: شرح تنقيح الفصول ص 214، 264، 265، المحصول جـ1 ق3/97، مختصر ابن الحاجب 2/146، الإحكام للآمدي 2/311، جمع الجوامع 2/22، إرشاد الفحول ص153.
6 انظر: الإحكام للآمدي 2/311، المحصول جـ1 ق3/96، جمع الجوامع 2/22، العضد على ابن الحاجب 2/146، شرح تنقيح الفصول ص214، 264، المعتمد1/264، نهاية السول 2/129، اللمع ص 25، فواتح الرحموت 1/342، تيسير التحرير 1/281، مختصر البعلي ص 121، القواعد والفوائد الأصولية ص 260، التمهيد ص 121، الإحكام للآمدي 2/311
7 وحكاه في "المحصول" عن بعض الأدباء، واختار الرازي الوقف، وحكي عن أهل الظاهر.
"انظر: المحصول جـ1 ق3/96، التمهيد ص 120،121، القواعد والفوائد الأصولية ص 261، الإحكام للآمدي 2/311، المعتمد 1/264، إرشاد الفحول ص 153، شرح تنقيح الفصول ص 264".
8انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 260، شرح تنقيح الفصول ص 214، جمع الجوامع والمحلي عليه 2/22، تيسير التحرير 1/281.
(3/345)

"وَيَحْصُلُ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى شَرْطِ "عَقِبِهِ" أَيْ عَقِبِ وُجُودِ الشَّرْطِ1.
"وَ"يَحْصُلُ "عَقْدٌ" أَيْ تَرَتَّبَ أَثَرُهُ مِنْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا "عَقِبَ صِيغَةِ" ذَلِكَ الْعَقْدِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَلْ يَحْصُلُ الشَّرْطُ مَعَ الْمَشْرُوطِ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُك: بِعْتُكَ أَوْ2 وَهَبْتُكَ، هَلْ يَحْصُلُ مَعَ الْكَافِ أَوْ بَعْدَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ, الأَكْثَرُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّهَا مَعَهَا, وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ وَالثَّانِي بَعْدَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَاسَ3 الأَوَّلُونَ الشَّرْطَ عَلَى الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ, وَالتَّحْقِيقُ الْمَنْعُ فِيهِمَا، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي كَسْرَتِهِ فَانْكَسَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ شَارِحُ التَّحْرِيرِ: قُلْتُ وَمَا صَحَّحَهُ هُوَ ظَاهِرُ كَلامِ الأَصْحَابِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلاقِ بِالشَّرْطِ4.
__________
1 انظر: نهاية السول 2/134، مناهج العقول 2/132، شرح تنقيح الفصول ص 263، المعتمد 1/260، المحصول جـ1 ق3/92 ومابعدها.
2 في ز:
و3 في ز: وقاس
4 في ع ب: بالشروط
(3/346)

فصل المخصص المتصل الثالث الصفة
...
فصل المخصص الثالث الصفة:
"الثَّالِثُ" مِنْ الْمُخَصَّصِ الْمُتَّصِلِ "الصِّفَةُ" وَهُوَ1 مَا أَشْعَرَ بِمَعْنًى يَتَّصِفُ بِهِ أَفْرَادُ الْعَامِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَصْفُ نَعْتًا، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، أَوْ حَالاً، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مُفْرَدًا2 أَوْ جُمْلَةً أَوْ شِبْهِهَا3، وَهُوَ الظَّرْفُ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ4، وَلَوْ كَانَ جَامِدًا مُؤَوَّلاً بِمُشْتَقٍّ5، لَكِنْ يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيُطْرَحَ مَفْهُومُهُ، كَمَا يَأْتِي فِي الْمَفَاهِيمِ6، أَوْ يُسَاقَ الْوَصْفُ لِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ تَرَحُّمٍ أَوْ تَوْكِيدٍ أَوْ تَفْضِيلٍ7، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُخَصَّصًا لِلْعُمُومِ8.
مِثَالُ التَّخْصِيصِ بِالصِّفَةِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الدَّاخِلِينَ؛ فَيُقْصَرَ الإِكْرَامُ عَلَيْهِمْ9
__________
1 في ش: وهو
2 في ش ز: لمفرد
3 في ب: شبههما
4 انظر: تفصيل الكلام عن التخصيص بالحال والظرف والجار والمجرور والتمييز في "إرشاد الفحول ص 155"
5 انظر مسألة التخصيص بالصفة في"المحصول جـ1 ق 3/105، الإحكام للآمدي 2/312، المستصفى 2/204، جمع الجوامع 2/23، فواتح الرحموت 1/344، تيسير التحرير 1/382، التوضيح على التنقيح 2/31، العضد على ابن الحاجب 2/132،146، نهاية السول 2/135، المعتمد 1/257، شرح الورقات ص 109، مناهج العقول 2/112، 134، اللمع ص 25، مختصر البعلي ص 121، إرشاد الفحول ص 153"
6 في ش: المفهم
7 في ش: تفضيل
8 انظر: التلويح على التوضيح 2/32
9 انظر: مختصر البعلي ص 121، الإحكام للآمدي 2/312.
(3/347)

"وَهِيَ" أَيْ الصِّفَةُ "كَاسْتِثْنَاءٍ فِي عَوْدٍ".
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالآمِدِيُّ وَجَمْعٌ1: هِيَ كَالاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ كَمَا تَقَدَّمَ2.
"وَلَوْ تَقَدَّمَتْ" الصِّفَةُ، نَحْوَ وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلادِي وَأَوْلادِهِمْ فَتُشْتَرَطَ الْحَاجَةُ فِي أَوْلادِ الأَوْلادِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ3.
وَقِيلَ: تَخْتَصُّ4 بِمَا وَلِيَتْهُ إنْ. تَوَسَّطَتْ5.
قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ: فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ6.
مِثَالُ ذَلِكَ: عَلَى أَوْلادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَوْلادِهِمْ.
قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: لا نَعْلَمُ فِيهَا7 نَقْلاً، وَيَظْهَرُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ8.
__________
1 ساقطة من ب
2 صفحة 312 وما بعدها.
أي يجري فيه القولان السابقان بعودة التخصيص عند عدم القرنية إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجميع.
"انظر: الإحكام للآمدي 2/312، جمع الجوامع 2/23، نهاية السول 2/135، المعتمد 1/257، مختصر ابن الحاجب 2/146، المحصول جـ ق3/105، فواتح الرحموت 1/344، تيسير التحرير 1/282، مختصر البعلي ص 121، القواعد والفوائد الأصولية ص 262، التمهيد ص 123، 127، إرشاد الفحول ص 153"
3 انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه 2/23، التمهيد ص 123
4 في ش: يخص
5 في ش: تخصصت توسطت
6 جمع الجوامع 2/23.
وانظر: إرشاد الفحول ص 153
7 في ز: فيه
8 جمع الجوامع 2/23.
(3/348)

فصل المخصص المتصل الرابع الغاية:
"الرَّابِعِ" مِنْ الْمُخَصَّصِ الْمُتَّصِلِ "الْغَايَةُ".
وَالْمُرَادُ بِهَا: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ اللَّفْظِ الْعَامِّ حَرْفٌ مِنْ أَحْرُفِ1 الْغَايَةِ، كَاللاَّمِ وَإِلَى وَحَتَّى2.
مِثَالُ اللاَّمِ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} 3 أَيْ إلَى بَلَدٍ4, وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {بِأَنَّ رَبَّك أَوْحَى لَهَا} 5 أَيْ أَوْحَى إلَيْهَا, وَمِنْ ذَلِكَ "أَوْ" فِي قَوْلِهِ:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ6 أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى
أَيْ: إلَى أَنْ أُدْرِكَ الْمُنَى.
وَرُبَّمَا كَانَتْ " إلَى " بِمَعْنَى "مَعَ".
وَ "حَتَّى" لِلابْتِدَاءِ، نَحْوُ:
__________
1 في ب: حروف
2 انظر: نهاية السول 2/136، المحصول جـ1 ق3/102، العضد على ابن الحاجب 2/132، 146، الإحكام للآمدي 2/313، المستصفى 2/208، جمع الجوامع 2/23، فواتح الرحموت 1/343، تيسير التحرير 1/281، اللمع ص 27، مناهج العقول 2/112، 136، مختصر البعلي ص 121، القواعد والفوائد الأصولية ص 262، المعتمد 1/257، إرشاد الفحول ص 154
3 الآية 57 من الأعراف
4 ساقطة من ز ع ب
5 الآية من الزلزلة
6 هذا البيت يستشهد به النحاة، ولم ينسبه أحد من علماء اللغة والأدب والنوح إلى شاعر معين، وعجزه:
"فما انقادت الأيام إلا لصابر".
"انظر: شرح شذور الذهب 238، شرح ابن عقيل 2/346"
(3/349)

حتَّى مَاءَ دِجْلَةَ أَشْكَلا1
وَمِثَالُ إلَى وَحَتَّى: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَى أَوْ حَتَّى أَنْ يَدْخُلُوا فَيُقْصَرَ عَلَى غَيْرِهِمْ2.
"وَهِيَ" أَيْ الْغَايَةُ "كَاسْتِثْنَاءٍ فِي اتِّصَالٍ وَعَوْدٍ" بَعْدَ الْجُمَلِ3 فَفِي 4نَحْوِ وَقَفْتُ5 عَلَى أَوْلادِي وَأَوْلادِ أَوْلادِي6 وَأَوْلادِ أَوْلادِ أَوْلادِي إلَى أَنْ يَسْتَغْنُوا تَعُودُ7 إلَى الْكُلِّ8.
__________
1 في ش: أشكل، وهي رواية ثانية للكلمة، وهذا عجز بيت، وصدره:
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكلا
وهذا البيت لجرير من قصيدة يهجو بها الأخطل، وأولها:
أجدك لايصحو الفؤاد المعلل ... وقد لاح من شيب عذار ومحل
وفيها:
لنا الفضل في الدنيا، وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
وجاء البيت في الديوان:
ومازالت القتلى تمور دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
واستشهد بالبيت الزمخشري في "الكشاف" عند الآية 6 من سورة النساء في قوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} حيث جعل ما بعد حتى غاية للابتداء، وهي التي تقع بعد الجمل، واستشهد به الأشموني, ومعنى تمج: تمور، والأشكل: الذي خالط بياضه حمرة.
"انظر: ديوان جرير ص 365، 267، الكشاف للزمخشري 1/501، 4/480"
2 انظر: الإحكام للآمدي 2/313، تيسير التحرير 1/281، مختصر البعلي ص121
3 أي أنها تعود إلى الجميع على قول الجمهور في الاستثناء، وعند الحنفية تعود للأخيرة.
"انظر: جمع الجوامع 2/23، فواتح الرحموت 1/343، مختصر ابن الحاجب 2/146، التمهيد ص 124، القواعد والفوائد الأصولية ص 262، مختصر البعلي ص 121"
4 في ش: نفي
5 في ب: اوقفت
6 في ب: أولاد
7 في ش ز: يعود
8 انظر: الإحكام للآمدي 2/313، التمهيد ص124، تيسير التحرير 2/282، إرشاد الفحول ص154.
(3/350)

وَيَخْرُجُ الأَكْثَرُ1 بِهَا بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُخْرَجِ أَقَلَّ مِنْ الْمُخْرَجِ.
وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، أَيْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ2، لأَنَّ مَا بَعْدَهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا لَمْ يَكُنْ غَايَةً، بَلْ وَسَطًا بِلا فَائِدَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} 3 فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ اللَّيْلِ دَاخِلاً قَطْعًا، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ4.
وَ5قَالَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ: مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهَا نُطْقًا.
وَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا مُطْلَقًا6.
وَقِيلَ: مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهَا إنْ كَانَ مَعَهَا "مِنْ" مِثَالِهِ: بِعْتُك مِنْ هَذَا إلَى هَذَا7.
وَقَالَ الرَّازِيّ: إنْ تَمَيَّزَ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْحِسِّ لَمْ يَدْخُلْ وَإِلاَّ دَخَلَ, وَالْمُتَمَيِّزُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} 8 فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ حِسًّا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى مَا بَعْدَهَا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ} 9 فَإِنَّ الْمَرْفَقَ10
__________
1 في ش: الكل
2 انظر: نهاية السول 2/136، المحصول جـ1 ق3/102، اللمع ص 27، القواعد والفوائد الأصولية ص 262، مناهج العقول 2/126، إرشاد الفحول ص154.
3 الآية 187 من البقرة.
4 انظر: نهاية السول 2/136، 137، مناهج العقول 2/136.
5 ساقطة من ب ز
6 انظر: نهاية السول 2/137.
7 انظر: نهاية السول 2/137.
8 لآية 187 من البقرة.
9 الآية 6 من المائدة.
10 في ب: المرافق.
(3/351)

غَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْيَدِ بِفَصْلٍ مَحْسُوسٍ1.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَعْنَى عَيْنًا أَوْ وَقْتًا لَمْ يَدْخُلْ وَإِلاَّ دَخَلَ2، نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} 3 لأَنَّ الْغَايَةَ هُنَا فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ لا يُدْخِلُ نَفْسَهُ4 مَا لَمْ يُفْعَلْ، وَمَا لَمْ تُوجَدْ الْغَايَةُ لا يَنْتَهِي الْمُغَيَّا5, فَلا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ النَّهْيِ لانْتِهَاءِ النَّهْيِ, فَيَبْقَى الْفِعْلُ دَاخِلاً فِي النَّهْيِ.
وَقِيلَ: لا تَدُلُّ الْغَايَةُ6 عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفٌ وَلا مُوَافِقٌ، قَالَهُ الآمِدِيُّ7.
وَمَحِلُّ مَا تَقَدَّمَ: فِي غَايَةِ تَقَدُّمِهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ الْغَايَةُ عُمُومٌ يَشْمَلُهَا، فَلا يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إلاَّ فِي: قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ8 كُلُّهَا مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الإِبْهَامِ وَنَحْوِهِ، فَلا" أَيْ فَلا يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَيَكُونُ الإِبْهَامُ دَاخِلاً قَطْعًا9.
قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ10: قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ إنَّ الْغَايَةَ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ
__________
1 المحصول جـ1 ق3/103.
وانظر: نهاية السول2/137، 138، مناهج العقول 2/136، إرشاد الفحول ص 154.
2 ساقطة من ب.
3 الآية 222من البقرة.
4 في ش: نفسه.
5 في ش: المعنى.
6 في ش ز ض ب: تدخل.
7الإحكام للآمدي 2/313.
وهناك أقوال أخرى ذكرها الشوكاني. "انظر: إرشاد الفحول ص154".
8 في ش: أصابعها.
9 انظر: جمع الجوامع 2/23، إرشاد الفحول ص154.
10 هو علي بن عبد الكافي، تقي الدين السبكي، والد تاج الدين السبكي صاحب"جمع الجوامع" ومرت ترجمة الوالد والابن.
(3/352)

إنَّمَا1 هُوَ إذَا2 تَقَدَّمَهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} 3 فَلَوْلا الْغَايَةُ لَقَاتَلْنَا الْكُفَّارَ أَعْطَوْا أَوْ لَمْ يُعْطُوا4.
فَأَمَّا نَحْوُ "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ" وَلَوْ سَكَتَ عَنْ الْغَايَةِ لَمْ يَكُنْ الصَّبِيُّ شَامِلاً لِلْبَالِغِ، وَلا النَّائِمُ لِلْمُسْتَيْقِظِ، وَلا الْمَجْنُونُ لِلْمُفِيقِ فَذَكَرَ الْغَايَةَ فِي ذَلِكَ: إمَّا تَوْكِيدٌ5 لِتَقْرِيرِ أَنَّ أَزْمِنَةَ الصَّبِيِّ وَأَزْمِنَةَ الْجُنُونِ6 وَأَزْمِنَةَ النَّوْمِ لا يُسْتَثْنَى مِنْهَا شَيْءٌ, وَنَحْوه7, قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} 8 طُلُوعِهِ9 أَوْ زَمَنَ طُلُوعِهِ10 لَيْسَ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى يَشْمَلَهُ {سَلامٌ هِيَ} بَلْ حُقِّقَ بِهِ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِلإِشْعَارِ11 بِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ حُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ, وَلَوْلا الْغَايَةُ لَكَانَ مَسْكُوتًا12 عَنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ مُحْتَمِلاً:
"وَغَايَةٌ، وَ" 13مَعْنَى "مُقَيَّدٍ بِهَا" أَيْ بِالْغَايَةِ "يَتَّحِدَانِ وَيَتَعَدَّانِ تِسْعَةَ
__________
1 ساقطة من ش ز ع ض.
2 في ش: إذا هو.
3 الآية 29 من التوبة.
4 جمع الجوامع 2/23.
5 في ز: توكيداً.
6 في ع: المجنون.
7 في ش ز ض: ونحو.
8 الآية 5 من القدر.
9 في د ب: الفجر طلوعه.
10 ساقطة من ض ب.
11 في ب: الإشعار.
12 في ش ز: سكوتاً.
13 في ش ز: معنى.
(3/353)

أَقْسَامٍ" لأَنَّ الْغَايَةَ وَالْمُغَيَّا1: إمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَّحِدَيْنِ, كَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا، أَوْ مُتَعَدِّدَيْنِ: إمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، كَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ أَعْطِهِمْ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا أَوْ2 يَقُومُوا،34 وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُتَعَدِّدًا وَالآخَرُ مُتَّحِدًا, فَتَكُونَ الأَقْسَامُ تِسْعَةً كَالشَّرْطِ5.
"وَ6الْخَامِسُ" مِنْ الْمُخَصَّصِ الْمُتَّصِلِ "بَدَلُ الْبَعْضِ".
نَحْوُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ فُلانًا وَفُلانًا, اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالرَّجُلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ7.
"وَالتَّوَابِعُ الْمُخَصَّصَةُ" الَّتِي "كَبَدَلٍ وَعَطْفِ بَيَانٍ8 وَتَوْكِيدٍ وَنَحْوِهِ9 كَاسْتِثْنَاءٍ" فِي الْمَعْنَى10.
__________
1 في ش ز: المعنى.
2 في ع: أو.
3 في ش: و.
4 في ش: و.
5 انظر: المعتمد 1/298، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/146، فواتح الرحموت 1/343، تيسير التحرير 1/282.
6 ساقطة من ش ز.
7 ذكر هذا النوع من المخصصات بعض العلماء، وأغفله آخرون، قال ابن السبكي: "ولم يذكره الأكثرون" "جمع الجوامع 2/34".
وانظر: مناهج العقول 2/112، العضد على ابن الحاجب 2/132، فواتح الرحموت 1/344، تيسير التحرير 1/282، إرشاد الفحول ص154.
8 ساقطة من ع.
9 في ب: ونحوها.
10 انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 262.
(3/354)

"وَشَرْطٍ "مُقْتَرِنٍ"1 بِحَرْفِ جَرٍّ" كَقَوْلِهِ: عَلَى أَنَّهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهُ "أَوْ" حَرْفِ2 "عَطْفٍ" كَقَوْلِهِ: وَمِنْ شَرْطِهِ كَذَا ف3 "كَ" شَرْطٍ "لُغَوِيٍّ"4 فَقَوْلُهُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي أَسَدٍ وَبَنِي بَكْرٍ الْمُؤْمِنِينَ أَمْكَنَ كَوْنُهُ عَامًّا5 لِبَكْرٍ فَقَطْ, وَشَرْطُ6 كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ أَوْ عَلَى أَنَّهُ7 مُتَعَلِّقٌ بِالإِكْرَامِ وَهُوَ لِلْجَمِيعِ8، كَقَوْلِهِ "إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ9".
"وَيَتَعَلَّقُ حَرْفٌ مُتَأَخِّرٌ بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ10" وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكْرِمْ أَوْ وَقَفْت أَوْ نَحْوُهُمَا، وَهُوَ الْكَلامُ وَالْجُمْلَةُ, فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا تَعَلَّقَ بِالاسْمِ، وَمَا11 تَعَلَّقَ بِالْكَلامِ.
وَوَقْفُ الإِنْسَانِ عَلَى حَمْلِ12 أَجْنَبِيَّاتٍ كَوَقْفِهِ عَلَى أَوْلادِهِ، ثُمَّ أَوْلادِ فُلانٍ، ثُمَّ الْمَسَاكِينَ، عَلَى أَنَّهُ13 لا يُعْطَى مِنْهُمْ إلاَّ صَاحِبُ عِيَالٍ، يُقَوِّي اخْتِصَاصَ الشَّرْطِ بِالْجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ، لأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ الأُولَى, قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
"وَإِشَارَةٌ بِ" لَفْظِ "ذَلِكَ" بَعْدَ جُمَلٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ
__________
1 في د: معنون، وفي ش ز ع ب: معنوي، والتصويب منا بحسب المعنى.
2 في ش ب: بحرف.
3 في ش: و.
4انظر: مختصر البعلي ص 121.
5في زع ب: تماماً.
6 في ز ب: وبشرط، وفي ع: ويشترط.
7 في ش: أنه.
8 في ش ز ع: للجميع معاً.
9 انظر: المسودة ص 157، القواعد والفوائد الأصولية ص 262.
10 في ش ز ع: المقدم.
11 في ز: وبين ما.
12في ش: حبل.
13 في ب: أنهم.
(3/355)

ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} 1 وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} 2 وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} 3.
"وَتَمْيِيزٌ بَعْدَ جُمَلٍ" نَحْوَ لَهُ4: عَلَيَّ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا, وَنَحْوَ: لَهُ5 عَلَيَّ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا "يَعُودَانِ" أَيْ الإِشَارَةُ بِذَلِكَ وَالتَّمْيِيزُ "إلَى الْكُلِّ" أَيْ كُلِّ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ6
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الإِرْشَادِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} 7 يَجِبُ عَوْدُهُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ: وَعَوْدُهُ إلَى بَعْضِهِ لَيْسَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ, وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ وَخَدَمَنِي وَأَكْرَمَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَمْ يَعُدْ إلَى الدُّخُولِ فَقَطْ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الْوَاضِحِ فِي مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ, وَقَالَ: إذَا عَادَ لِلْجَمِيعِ8 فَالْمُؤَاخَذَةُ9 بِكُلٍّ مِنْ الْجُمَلِ فَالْخُلُودُ لِلْكُفْرِ، وَالْمُضَاعَفَةُ فِي قَدْرِ الْعَذَابِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الذُّنُوبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} 10 قِيلَ: الإِشَارَةُ إلَى أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ, وَقِيلَ: إلَى النَّهْيِ عَنْ الضِّرَارِ.
__________
1 الآية 68 من الفرقان.
2 الآية 233 من البقرة.
3 الآية من المائدة.
4 في ش: قوله.
5 في ز: وقوله.
6 انظر: مختصر البعلي ص121، القواعد والفوائد الأصولية ص 262.
7 الآية 68 من الفرقان.
8 في ب: إلى الجميع.
9 في ش: فالواحدة.
10 الآية 233 من البقرة.
(3/356)

وَقِيلَ: إلَى الْجَمِيعِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، لأَنَّهُ "عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ" وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ, فَيَجِبُ الْجَمِيعُ1.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} 2 إشَارَةٌ إلَى الْجَمِيعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الاسْتِقْسَامِ3.
وَ4قَالَ أَبُو يَعْلَى5 الصَّغِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا6 فِي قَتْلِ مَانِعِ الزَّكَاةِ فِي آيَةِ الْفُرْقَانِ الْمَذْكُورَةِ7: ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي عَوْدَ الْعَذَابِ وَالتَّخْلِيدَ إلَى الْجَمِيعِ, وَكُلُّ وَاحِدٍ
__________
1 زاد المسير 1/273.
وانظر: تفسير الطبري 2/502، تفسير القرطبي 3/169، تفسير القاسمي 3/611.
2 الآية 3 من المائدة.
3 إملاه ما من به الرحمن 1/207.
وفي ش ض ب ز: الاستفهام، والاستقسام بالأزلام الذي جاء قبل الإشارة: {وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} .
وانظر: تفسير الطبري 6/78، تفسير القرطبي 6/60، تفسير القاسمي 6/1825.
4 ساقطة من ش.
5 في ض: المعالي.
6 هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسين، القاضي أبو يعلى الصغير، ويلقب عماد الدين، ابن القاضي أبي خازم ابن القاضي الكبير أبي يعلى، سمع أبو يعلى الصغير الحديث، ودرس الفقه، وبرع في المذهب والخلاف والمناظرة، وأفتى ودرس وناظر في شبيبته، قال ابن رجب: "كان ذا ذكاء مفرط، وذهن ثاقب، وفصاحة وحسن عبارة"، ولي القضاء بباب الأزج، ثم ولي قضاء واسط، وصنف عدة كتب، منها: "التعليقة" في مسائل الخلاف، كبيرة، و "المفردات" و "شرح المذهب" و "النكت والإشارات في المسائل المفردات" توفي سنة 560هـ، وأضر بآخر عمره.
انظر ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة1/247، المنهج الأحمد 2/283، الأعلام 7/251، شذرات الذهب 4/190".
وقارن ما قاله ابن بدران في "المدخل إلى مذهب أحمد ص 210"
7 وهي قوله تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} الآية 68 من الفرقان.
(3/357)

مِنْهُمْ1 لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى2 أَنَّ التَّخْلِيدَ لا يَكُونُ إلاَّ بِالْكُفْرِ، فَخُصِّصَتْ بِهِ الآيَةُ3.
وَأَمَّا التَّمْيِيزُ فَمُقْتَضَى كَلامِ النُّحَاةِ وَبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ: عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ, وَلَنَا خِلافٌ فِي الْفُرُوعِ, قَالَهُ الْبَعْلِيُّ فِي أُصُولِهِ4.
وَقَالَ فِي قَوَاعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْفُرُوعِ عَلَى وَجْهَيْنِ, أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الأَمْرَ كَذَلِكَ, فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ -مَثَلاً- أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا, فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الأَلْفِ إلَيْهِ5.
__________
1 في ض ع: منه
2 ساقطة من ب
3 انظر: مختصر البعلي ص122
4 انظر: مختصر البعلي ص122
5 القواعد والفوائد الأصولية ص 263
(3/358)

فصل تخصيص الكتاب ببعضه وتخصيصه بالسنة مطلقا
...
فَصْلٌ يُخَصَّصُ الْكِتَابُ بِبَعْضِهِ وَبِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا:
"يُخَصَّصُ الْكِتَابُ بِبَعْضِهِ وَ" يُخَصَّصُ أَيْضًا "بِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءً كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا. "وَ" تُخَصَّصُ "السُّنَّةُ بِهِ" أَيْ بِالْقُرْآنِ "وَبِبَعْضِهَا" أَيْ تُخَصَّصُ1 السُّنَّةُ بِبَعْضِهَا "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا2.
فَمِنْ أَمْثِلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ3: قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 4 فَإِنَّ عُمُومَهُ خُصَّ بِالْحَوَامِلِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 5 وَخُصَّ أَيْضًا عُمُومُهُ الشَّامِلُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا بقَوْلِهِ تَعَالَى6 فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
__________
1 في ش: تخصيص، وفي ع ب: وتخصيص، وفي ع: وتخصص.
2 انظر: نهاية السول 2/143،الإحكام للآمدي 2/318، المحصول جـ1 ق3/117، الروضة 2/244، مختصر الطوفي ص 107، مختصر البعلي ص 123، مباحث الكتاب والسنة ص 216.
3 وهو رأي الجمهور الأصوليين، لكنهم اختلفوا في شروطه بالتقديم أو التأخير أو الاقتران أو الاستقلال أو الاتصال أو التراخي، كما سيذكره المصنف فيما بعد.
"انظر: المحصول جـ1 ق3/117، جمع الجوامع 2/26، فواتح الرحموت 1/345، شرح الورقات ص114، شرح تنقيح الفصول ص 202، اللمع ص19، نهاية السول 2/143، المعتمد1/374، مناهج العقول 2/143، مختصر ابن الحاجب 2/147، مباحث الكتاب والسنة ص 216، إرشاد الفحول ص 157".
4 الآية 228 من البقرة.
5 الآية 4 من الطلاق.
6 في ض: في قوله.
(3/359)

عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} 1.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} 2 خُصَّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 3.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} 4 خُصَّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} 5.
وَالْمُخَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ6، وَتَمَسَّكُوا
__________
1 الآية 49 من الأحزاب.
"انظر: ناهية السول 2/143، شرح تنقيح الفصول ص202، المحلي على جمع الجوامع 2/26، المعتمد 1/274، المحصول جـ1 ق3/118، إرشاد الفحول ص 157"
2 الآية 234، من البقرة، في ش: 224، وفي ب ز: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} ، الآية.
3 الآية 4 من الطلاق.
ويرى بعض العلماء أن قوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} مخصص بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ، ويرى بعضهم أن الآية الأولى متأخرة عن الثانية فهي ناسخة لها، لا مخصصة.
وتفرع على هذا الاختلاف اختلاف الصحابة والتابعين والأئمة في عدة المتوفي عنها زوجها الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها، هل تنقضي عدتها بوضع الحمل، أم تنتظر أربعة أشهر وعشرا؟ أم تعتد آخر الأجلين؟ فيه أقوال محلها كتب الفقه.
"انظر: تيسير التحرير1/277، المعتمد 1/275، مختصر ابن الحجاب 2/147، فواتح الرحموت 1/346، إرشاد الفحول ص 157".
4 الآية 221 من البقرة.
5 الآية 5 من المائدة.
6 انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه 2/147،148، المحصول جـ 1ق3/117, 119، الإحكام للآمدي 2/319، المحلي على جمع الجوامع 2/26، شرح تنقيح الفصول ص202، إرشاد الفحول ص157.
(3/360)

بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِاللَّفْظِ. فَلا يَكُونُ إلاَّ بِالسُّنَّةِ، لِقَوْلِهِ1 تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ} 2.
وَمَا ذَكَر3 مِنْ الأَمْثِلَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ فِيهِ بِالسُّنَّةِ. كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ مَعَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ4 حِينَ قَالَ: مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا: فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفْتَاهَا بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ بِوَضْعِ حَمْلِهَا5.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا إذَا بَيَّنَ مَا6 أُنْزِلَ بِآيَةٍ أُخْرَى،
__________
1 في ب ز: كقوله.
2 الآية 44 من النحل.
3 في ش ز: ذكره.
4 هي الصحابية سبيعة بنت الحارث الأسلمية، كانت امرأة سعد بن خولة رضي الله عنه، توفي عنها بمكة في حجة الوداع، وهي حامل، فوضعت بعد زوجها بليال، قيل شهر، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: أقل من ذلك، فخطبها شاب وكهل، فمالت للشاب، فقال لها الكهل-وهو أبو السنابل مستنكراً-: تريدين أن تتزوجي؟ وكان من أهلها غيباً، ورجا أن يؤثره بها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "قد حلل