Advertisement

أصول السرخسي 002


فصل فِي الْخَبَر يلْحقهُ التَّكْذِيب من جِهَة الرَّاوِي أَو من جِهَة غَيره
أما مَا يلْحقهُ من جِهَة الرَّاوِي فَأَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا أَن يُنكر الرِّوَايَة أصلا وَالثَّانِي أَن يظْهر مِنْهُ مُخَالفَة للْحَدِيث قولا أَو عملا قبل الرِّوَايَة أَو بعْدهَا أَو لم يعلم التَّارِيخ وَالثَّالِث أَن يظْهر مِنْهُ تعْيين شَيْء مِمَّا هُوَ من محتملات الْخَبَر تَأْوِيلا أَو تَخْصِيصًا وَالرَّابِع أَن يتْرك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أصلا
فَأَما الْوَجْه الأول فقد اخْتلف فِيهِ أهل الحَدِيث من السّلف فَقَالَ بَعضهم بإنكار الرَّاوِي يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة
وَقَالَ بَعضهم لَا يخرج (من أَن يكون حجَّة) وَبَيَان هَذَا فِيمَا رَوَاهُ ربيعَة عَن سُهَيْل بن أبي صَالح من حَدِيث الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين ثمَّ قيل لسهيل إِن ربيعَة يروي عَنْك هَذَا الحَدِيث فَلم يذكرهُ وَجعل يروي وَيَقُول حَدثنِي ربيعَة عني وَهُوَ ثِقَة
وَقد عمل الشَّافِعِي بِالْحَدِيثِ مَعَ إِنْكَار الرَّاوِي وَلم يعْمل بِهِ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله
وَذكر سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل الحَدِيث ثمَّ روى أَن ابْن جريج سَأَلَ الزُّهْرِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يعرفهُ ثمَّ عمل بِهِ مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ مَعَ إِنْكَار الرَّاوِي وَلم يعْمل بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لإنكار الرَّاوِي إِيَّاه وَقَالُوا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الْفَصْل على الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائِنَا رَحِمهم الله بِهَذِهِ الصّفة وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِمَا لَو ادّعى رجل عِنْد قَاض أَنه قضى لَهُ بِحَق على هَذَا الْخصم وَلم يعرف القَاضِي قَضَاءَهُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدين على قَضَائِهِ بِهَذِهِ الصّفة فَإِن على قَول أبي يُوسُف لَا يقبل القَاضِي هَذِه الْبَيِّنَة وَلَا ينفذ قَضَاءَهُ بهَا وعَلى قَول مُحَمَّد يقبلهَا وَينفذ قَضَاءَهُ فَإِذا ثَبت هَذَا الْخلاف بَينهمَا فِي قَضَاء يُنكره القَاضِي فَكَذَلِك فِي حَدِيث يُنكره الرَّاوِي الأَصْل
وعَلى هَذَا مَا يَحْكِي من المحاورة الَّتِي جرت بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله فِي الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة فِي ثَلَاث مسَائِل من
(2/3)

الْجَامِع الصَّغِير وَقد بيناها فِي شرح الْجَامِع الصَّغِير فَإِن مُحَمَّدًا ثَبت على مَا رَوَاهُ عَن أبي يُوسُف عَنهُ بعد إِنْكَار أبي يُوسُف وَأَبُو يُوسُف لم يعْتَمد رِوَايَة مُحَمَّد عَنهُ حِين لم يتَذَكَّر
وَزعم بعض مَشَايِخنَا أَن على قِيَاس قَول عُلَمَائِنَا يَنْبَغِي أَن لَا يبطل الْخَبَر بإنكار رَاوِي الأَصْل إِلَّا على قَول زفر رَحمَه الله وردوا هَذَا إِلَى قَول زوج الْمُعْتَدَّة أَخْبَرتنِي أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَهِي تنكر فَإِن على قَول زفر لَا يبْقى الْخَبَر مَعْمُولا بِهِ بعد إنكارها وَعِنْدنَا يبْقى مَعْمُولا بِهِ إِلَّا فِي حَقّهَا وَالْأول أصح فَإِن جَوَاز نِكَاح الْأُخْت والأربع لَهُ هُنَا عندنَا بِاعْتِبَار ظُهُور انْقِضَاء الْعدة فِي حَقه (بقوله) لكَونه أَمينا فِي الْإِخْبَار عَن أَمر بَينه وَبَين ربه لَا لاتصال الْخَبَر بهَا وَلِهَذَا لَو قَالَ انْقَضتْ عدتهَا وَلم يضف الْخَبَر إِلَيْهَا كَانَ الحكم كَذَلِك فِي الصَّحِيح من الْجَواب
فَأَما الْفَرِيق الأول فقد احْتَجُّوا بِحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ رَضِي الله عَنهُ فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لما قَالَ لأبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا (أَحَق مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ) فَقَالَا نعم فَقَامَ فَأَتمَّ صلَاته وَقبل خبرهما عَنهُ وَإِن لم يذكرهُ وَعمر قبل خبر أنس بن مَالك عَنهُ فِي أَمَان الهرمزان بقوله لَهُ أَتكَلّم كَلَام حَيّ وَإِن لم يذكر ذَلِك وَلِأَن النسْيَان غَالب على الْإِنْسَان فقد يحفظ الْإِنْسَان شَيْئا وَيَرْوِيه لغيره ثمَّ ينسى بعد مُدَّة فَلَا يتذكره أصلا والراوي عَنهُ عدل ثِقَة فبه يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِي خَبره ثمَّ لَا يبطل ذَلِك بنسيانه
وَهَذَا بِخِلَاف الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فَإِن شَاهد الأَصْل إِذا أنكرهُ لم يكن للْقَاضِي أَن يقْضِي بِشَهَادَتِهِ لِأَن الفرعي هُنَاكَ لَيْسَ بِشَاهِد على الْحق ليقضي بِشَهَادَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابت فِي نقل شَهَادَة الْأَصْلِيّ وَلِهَذَا لَو قَالَ أشهد على فلَان لَا يكون صَحِيحا مَا لم يقل أشهدنى على شَهَادَته وَأَمرَنِي بِالْأَدَاءِ فَأَنا أشهد على شَهَادَته ثمَّ الْقَضَاء يكون بِشَهَادَة الْأَصْلِيّ وَمَعَ إِنْكَار لَا تثبت شَهَادَته فِي مجْلِس الْقَضَاء فَأَما هُنَا الفرعي إِنَّمَا يروي الحَدِيث بِاعْتِبَار سَماع صَحِيح لَهُ من الْأَصْلِيّ وَلَا يبطل ذَلِك بإنكار الْأَصْلِيّ بِنَاء على نسيانه
وَأما الْفَرِيق الثَّانِي استدلوا بِحَدِيث عمار رَضِي الله عَنهُ حِين قَالَ لعمر أما تذكر إِذْ كُنَّا فِي الْإِبِل فأجنبت فتمعكت فِي التُّرَاب ثمَّ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك فَقَالَ أما كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض فتمسح بهما وَجهك وذراعيك فَلم
(2/4)

يرفع عمر رَضِي الله عَنهُ رَأسه وَلم يعْتَمد رِوَايَته مَعَ أَنه كَانَ عدلا ثِقَة لِأَنَّهُ روى عَنهُ وَلم يتَذَكَّر هُوَ مَا رَوَاهُ فَكَانَ لَا يرى التَّيَمُّم للْجنب بعد ذَلِك وَلِأَن بِاعْتِبَار تَكْذِيب الْعَادة يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعَمَل كَمَا قَررنَا فِيمَا سبق وَتَكْذيب الرَّاوِي أدل على الوهن من تَكْذِيب الْعَادة وَهَذَا لِأَن الْخَبَر إِنَّمَا يكون مَعْمُولا بِهِ إِذا اتَّصل برَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام وَقد انْقَطع هَذَا الِاتِّصَال بإنكار رَاوِي الأَصْل لِأَن إِنْكَاره حجَّة فِي حَقه فتنتفي بِهِ رِوَايَته الحَدِيث أَو يصير هُوَ مناقضا بإنكاره وَمَعَ التَّنَاقُض لَا تثبت رِوَايَته وَبِدُون رِوَايَته لَا يثبت الِاتِّصَال فَلَا يكون حجَّة كَمَا فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة وكما يتَوَهَّم نِسْيَان رَاوِي الأَصْل يتَوَهَّم غلط رَاوِي الْفَرْع فقد يسمع الْإِنْسَان حَدِيثا فيحفظه وَلَا يحفظ من سمع مِنْهُ فيظن أَنه سَمعه من فلَان وَإِنَّمَا سَمعه من غَيره فأدنى الدَّرَجَات فِيهِ أَن يَقع التَّعَارُض فِيمَا هُوَ متوهم فَلَا يثبت الِاتِّصَال من جِهَته وَلَا من جِهَة غَيره لِأَنَّهُ مَجْهُول وبالمجهول لَا يثبت الِاتِّصَال
وَأما حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّمَا يحمل على أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام تذكر ذَلِك عِنْد خبرهما وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِنَّهُ كَانَ مَعْصُوما عَن التَّقْرِير على الْخَطَأ وَحَدِيث عمر مُحْتَمل لذَلِك أَيْضا فَرُبمَا تذكر حِين شهد بِهِ غَيره فَلهَذَا عمل بِهِ أَو تذكر غَفلَة من نَفسه وشغل الْقلب بِشَيْء فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد يكون هَذَا للمرء بِحَيْثُ يُوجد شَيْء مِنْهُ ثمَّ لَا يذكرهُ فَأَخذه بِالِاحْتِيَاطِ وَجعله آمنا من هَذَا الْوَجْه
وَنحن لَا نمْنَع من مثل هَذَا الِاحْتِيَاط وَإِنَّمَا ندعي أَنه لَا يبْقى مُوجبا للْعَمَل مَعَ إِنْكَار رَاوِي الأَصْل وكما أَن رَاوِي الْفَرْع عدل ثِقَة فراوي الأَصْل كَذَلِك وَذَلِكَ يرجح جَانب الصدْق فِي إِنْكَاره أَيْضا فتتحقق الْمُعَارضَة من هَذَا الْوَجْه وَأدنى مَا فِيهِ أَن يتعارض قولاه فِي الرِّوَايَة وَالْإِنْكَار فَيبقى الْأَمر على مَا كَانَ قبل رِوَايَته
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ مَا إِذا ظهر مِنْهُ الْمُخَالفَة قولا أَو عملا فَإِن كَانَ ذَلِك بتاريخ قبل الرِّوَايَة فَإِنَّهُ لَا يقْدَح فِي الْخَبَر وَيحمل على أَنه كَانَ ذَلِك مذْهبه قبل أَن يسمع الحَدِيث فَلَمَّا سمع الحَدِيث رَجَعَ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِن لم يعلم التَّارِيخ لِأَن الْحمل على أحسن الْوَجْهَيْنِ وَاجِب مَا لم يتَبَيَّن خِلَافه وَهُوَ أَن يكون ذَلِك مِنْهُ قبل أَن يبلغهُ الحَدِيث
(2/5)

ثمَّ رَجَعَ إِلَى الحَدِيث
وَأما إِذا علم ذَلِك مِنْهُ بتاريخ بعد الحَدِيث فَإِن الحَدِيث يخرج بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَن فتواه بِخِلَاف الحَدِيث أَو عمله من أبين الدَّلَائِل على الِانْقِطَاع وَأَنه الأَصْل للْحَدِيث فَإِن الْحَالَات لَا تَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت الرِّوَايَة تقولا مِنْهُ لَا عَن سَماع فَيكون وَاجِب الرَّد أَو تكون فتواه وَعَمله بِخِلَاف الحَدِيث على وَجه قلَّة المبالاة والتهاون بِالْحَدِيثِ فَيصير بِهِ فَاسِقًا لَا تقبل رِوَايَته أصلا أَو يكون ذَلِك مِنْهُ عَن غَفلَة ونسيان وَشَهَادَة الْمُغَفَّل لَا تكون حجَّة فَكَذَلِك خَبره أَو يكون ذَلِك مِنْهُ على أَنه علم انتساخ حكم الحَدِيث وَهَذَا أحسن الْوُجُوه فَيجب الْحمل عَلَيْهِ تحسينا للظن بروايته وَعَمله فَإِنَّهُ روى على طَرِيق إبْقَاء الْإِسْنَاد وَعلم أَنه مَنْسُوخ فَأفْتى بِخِلَافِهِ أَو عمل بالناسخ دون الْمَنْسُوخ وكما يتَوَهَّم أَن يكون فتواه أَو عمله بِنَاء على غَفلَة أَو نِسْيَان يتَوَهَّم أَن تكون رِوَايَته بِنَاء على غلط وَقع لَهُ وَبِاعْتِبَار التَّعَارُض بَينهمَا يَنْقَطِع الِاتِّصَال
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ يغسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا ثمَّ صَحَّ من فتواه أَنه يطهر بِالْغسْلِ ثَلَاثًا فحملنا على أَنه كَانَ علم انتساخ هَذَا الحكم أَو علم بِدلَالَة الْحَال أَن مُرَاد رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام النّدب فِيمَا وَرَاء الثَّلَاثَة
وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ متعتان كَانَتَا على عهد رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنا أنهِي عَنْهُمَا وأعاقب عَلَيْهِمَا مُتْعَة النِّسَاء ومتعة الْحَج
فَإِنَّمَا يحمل هَذَا على علمه بالانتساخ وَلِهَذَا قَالَ ابْن سِيرِين هم الَّذين رووا الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة وهم الَّذين نهوا عَنْهَا وَلَيْسَ فِي رَأْيهمْ مَا يرغب عَنهُ وَلَا فِي نصيحتهم مَا يُوجب التُّهْمَة
وَأما فِي الْعَمَل فبيان هَذَا فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا (أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا) ثمَّ صَحَّ أَنَّهَا زوجت ابْنة أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر رَضِي الله عَنْهُمَا فبعملها بِخِلَاف الحَدِيث يتَبَيَّن النّسخ وَحَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يرفع يَدَيْهِ عِنْد الرُّكُوع وَعند رفع الرَّأْس من الرُّجُوع ثمَّ قد صَحَّ عَن مُجَاهِد قَالَ صَحِبت ابْن عمر سِنِين وَكَانَ لَا يرفع يَدَيْهِ إِلَّا عِنْد تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح فَيثبت بِعَمَلِهِ بِخِلَاف الحَدِيث نسخ الحكم
وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ تَعْيِينه بعض محتملات الحَدِيث فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع كَون الحَدِيث مَعْمُولا بِهِ على ظَاهره من قبل أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك بِتَأْوِيل وتأويله لَا يكون
(2/6)

حجَّة على غَيره وَإِنَّمَا الْحجَّة الحَدِيث وبتأويله لَا يتَغَيَّر ظَاهر الحَدِيث فَيبقى مَعْمُولا بِهِ على ظَاهره وَهُوَ وَغَيره فِي التَّأْوِيل والتخصيص سَوَاء
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا وَهَذَا يحْتَمل التَّفَرُّق بالأقوال وَيحْتَمل التَّفَرُّق بالأبدان ثمَّ حمله ابْن عمر على التَّفَرُّق بالأبدان حَتَّى روى عَنهُ أَنه كَانَ إِذا أوجب البيع مَشى هنيهة وَلم نَأْخُذ بتأويله لِأَن الحَدِيث فِي احْتِمَال كل وَاحِد من الْأَمريْنِ كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فِيهِ يكون تَأْوِيلا لَا تَصرفا فِي الحَدِيث
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ ثمَّ قد ظهر من فَتْوَى ابْن عَبَّاس أَن الْمُرْتَدَّة لَا تقتل فَقَالَ هَذَا تَخْصِيص لحق الحَدِيث من الرَّاوِي وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة التَّأْوِيل لَا يكون حجَّة على غَيره فَأَنا آخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَأوجب الْقَتْل على الْمُرْتَدَّة
وَأما ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أصلا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخِلَاف الحَدِيث حَتَّى يخرج بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَن ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حرَام كَمَا أَن الْعَمَل بِخِلَافِهِ حرَام وَمن هَذَا النَّوْع ترك ابْن عمر الْعَمَل بِحَدِيث رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع كَمَا بَينا
وَأما مَا يكون من جِهَة غير الرَّاوِي فَهُوَ قِسْمَانِ أَحدهمَا مَا يكون من جِهَة الصَّحَابَة وَالثَّانِي مَا يكون من جِهَة أَئِمَّة الحَدِيث
فَأَما مَا يكون من الصَّحَابَة فَهُوَ نَوْعَانِ على مَا ذكره عِيسَى بن أبان رَحمَه الله أَحدهمَا أَن يعْمل بِخِلَاف الحَدِيث بعض الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَهُوَ مِمَّن يعلم أَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مثل ذَلِك الحَدِيث فَيخرج الحَدِيث بِهِ من أَن يكون حجَّة لِأَنَّهُ لما انْقَطع توهم أَنه لم يبلغهُ وَلَا يظنّ بِهِ مُخَالفَة حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوَاء رَوَاهُ هُوَ أَو غَيره فَأحْسن الْوُجُوه فِيهِ أَنه علم انتساخه أَو أَن ذَلِك الحكم لم يكن حتما فَيجب حمله على هَذَا
وَبَيَانه فِيمَا روى الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ ثمَّ صَحَّ عَن الْخُلَفَاء أَنهم أَبَوا الْجمع بَين الْجلد وَالرَّجم بعد علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِم الحَدِيث لشهرته فَعرفنَا بِهِ انتساخ هَذَا الحكم وَكَذَلِكَ صَحَّ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَوْله وَالله لَا أنفي أحدا أبدا
وَقَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة مَعَ علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِمَا الحَدِيث فاستدللنا بِهِ على انتساخ حكم الْجمع بَين الْجلد والتغريب
(2/7)

وَكَذَلِكَ مَا يرْوى أَن عمر رَضِي الله عَنهُ حِين فتح السوَاد من بهَا على أَهلهَا وأبى أَن يقسمها بَين الْغَانِمين مَعَ علمنَا أَنه لم يخف عَلَيْهِ قسْمَة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام خَيْبَر بَين أَصْحَابه حِين افتتحها فاستدللنا بِهِ على أَنه علم أَن ذَلِك لم يكن حكما حتما من رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام على وَجه لَا يجوز غَيره فِي الْغَنَائِم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ كَانَ يطبق فِي الصَّلَاة بعد مَا ثَبت انتساخه بِحَدِيث مَشْهُور فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب ثمَّ خَفِي عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى لم يَجْعَل عمله دَلِيلا على أَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب مَنْسُوخ أَو أَن الْأَخْذ بالركب لَا يكون عينا فِي الصَّلَاة قُلْنَا مَا خَفِي على ابْن مَسْعُود حَدِيث الْأَمر بِالْأَخْذِ بالركب وَإِنَّمَا وَقع عِنْده أَنه على سَبِيل الرُّخْصَة فَكَانَ تلحقهم الْمَشَقَّة فِي التطبيق مَعَ طول الرُّكُوع لأَنهم كَانُوا يخَافُونَ السُّقُوط على الأَرْض فَأمروا بِالْأَخْذِ بالركب تيسيرا عَلَيْهِم لَا تعيينا عَلَيْهِم فلأجل هَذَا التَّأْوِيل لم يتْرك الْعَمَل بِظَاهِر الحَدِيث الَّذِي فِيهِ أَمر بِالْأَخْذِ بالركب
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يظْهر مِنْهُ الْعَمَل بِخِلَاف الحَدِيث وَهُوَ مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ ذَلِك الحَدِيث فَلَا يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة بِعَمَلِهِ بِخِلَافِهِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام رخص للحائض فِي أَن تتْرك طواف الصَّدْر ثمَّ صَحَّ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهَا تقيم حَتَّى تطهر فَتَطُوف وَلَا تتْرك بِهَذَا الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ رخصَة لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ مَا يرْوى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ لَا يُوجب إِعَادَة الْوضُوء على من قهقه فِي الصَّلَاة وَلَا يتْرك بِهِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْمُوجب للْوُضُوء من القهقهة فِي الصَّلَاة لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ قَول ابْن عمر لَا يحجّ أحد عَن أحد لَا يمْنَع الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْوَارِد فِي الإحجاج عَن الشَّيْخ الْكَبِير لجَوَاز أَن يكون ذَلِك خَفِي عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَن الحَدِيث مَعْمُول بِهِ إِذا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يتْرك الْعَمَل بِهِ بِاعْتِبَار عمل مِمَّن هُوَ دونه بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا تحمل فتواه بِخِلَاف الحَدِيث على أحسن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنه إِنَّمَا أفتى بِهِ بِرَأْيهِ لِأَنَّهُ خَفِي عَلَيْهِ النَّص وَلَو بلغه لرجع إِلَيْهِ فعلى من يبلغهُ الحَدِيث بطرِيق صَحِيح أَن يَأْخُذ بِهِ
(2/8)

وَأما مَا يكون من أَئِمَّة الحَدِيث فَهُوَ الطعْن فِي الروَاة وَذَلِكَ نَوْعَانِ مُبْهَم ومفسر
ثمَّ الْمُفَسّر نَوْعَانِ مَا لَا يصلح أَن يكون طَعنا وَمَا يصلح أَن يكون
وَالَّذِي يصلح نَوْعَانِ مُجْتَهد فِيهِ أَو مُتَّفق عَلَيْهِ
والمتفق عَلَيْهِ نَوْعَانِ أَن يكون مِمَّن هُوَ مَشْهُور بِالنَّصِيحَةِ والإتقان أَو مِمَّن هُوَ مَعْرُوف بالتعصب والعداوة
فَأَما الطعْن الْمُبْهم فَهُوَ عِنْد الْفُقَهَاء لَا يكون جرحا لِأَن الْعَدَالَة بِاعْتِبَار ظَاهر الدّين ثَابت لكل مُسلم خُصُوصا من كَانَ من الْقُرُون الثَّلَاثَة فَلَا يتْرك ذَلِك بطعن مُبْهَم أَلا ترى أَن الشَّهَادَة أضيق من رِوَايَة الْخَبَر فِي هَذَا
ثمَّ الطعْن الْمُبْهم من الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يكون جرحا فَكَذَلِك من الْمُزَكي وَلَا يمْتَنع الْعَمَل بِالشَّهَادَةِ لأجل الطعْن الْمُبْهم فَلِأَن لَا يخرج الحَدِيث بالطعن الْمُبْهم من أَن يكون حجَّة أولى
وَهَذَا للْعَادَة الظَّاهِرَة أَن الْإِنْسَان إِذا لحقه من غير مَا يسوءه فَإِنَّهُ يعجز عَن إمْسَاك لِسَانه فِي ذَلِك الْوَقْت حَتَّى يطعن فِيهِ طَعنا مُبْهما إِلَّا من عصمه الله تَعَالَى ثمَّ إِذا طلب مِنْهُ تَفْسِير ذَلِك لَا يكون لَهُ أصل
والمفسر الَّذِي لَا يصلح أَن يكون طَعنا لَا يُوجب الْجرْح أَيْضا وَذَلِكَ مثل طعن بعض المتعنتين فِي أبي حنيفَة أَنه دس ابْنه ليَأْخُذ كتب أستاذه حَمَّاد فَكَانَ يروي من ذَلِك
وَهَذَا إِن صَحَّ فَهُوَ لَا يصلح طَعنا بل هُوَ دَلِيل الإتقان فقد كَانَ هُوَ لَا يستجيز الرِّوَايَة إِلَّا عَن حفظ وَالْإِنْسَان لَا يقوى اعْتِمَاده على جَمِيع مَا يحفظه فَفعل ذَلِك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فَيَزْدَاد بِهِ معنى الإتقان
وَكَذَلِكَ الطعْن بالتدليس على من يَقُول حَدثنِي فلَان عَن فلَان وَلَا يَقُول قَالَ حَدثنِي فلَان فَإِن هَذَا لَا يصلح أَن يكون طَعنا لِأَن هَذَا يُوهم الْإِرْسَال وَإِذا كَانَ حَقِيقَة الْإِرْسَال دَلِيل زِيَادَة الإتقان على مَا بَينا فَمَا يُوهم الْإِرْسَال كَيفَ يكون طَعنا
وَمِنْه الطعْن بالتلبيس على من يكنى عَن الرَّاوِي وَلَا يذكر اسْمه وَلَا نسبه نَحْو رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ بقوله حَدثنَا أَبُو سعيد من غير بَيَان يعلم بِهِ أَن هَذَا ثِقَة أَو غير ثِقَة وَنَحْو رِوَايَة مُحَمَّد بقوله أخبرنَا الثِّقَة من غير تَفْسِير فَإِن هَذَا مَحْمُول على أحسن الْوُجُوه وَهُوَ صِيَانة الرَّاوِي من أَن يطعن فِيهِ (بعض) من لَا يُبَالِي وصيانة السَّامع من أَن
(2/9)

يبتلى بالطعن فِي أحد من غير حجَّة على أَن من يكون مطعونا فِي بعض رواياته بِسَبَب لَا يُوجب عُمُوم الطعْن فِيهِ فَذَلِك لَا يمْنَع قبُول رِوَايَته وَالْعَمَل بِهِ فِيمَا سوى ذَلِك نَحْو الْكَلْبِيّ وَأَمْثَاله
ثمَّ سُفْيَان الثَّوْريّ مِمَّن لَا يخفى حَاله فِي الْفِقْه وَالْعَدَالَة وَلَا يظنّ بِهِ إِلَّا أحسن الْوُجُوه
وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن الْحسن فَتحمل الْكِنَايَة مِنْهُمَا عَن الرَّاوِي على أَنَّهُمَا قصدا صيانته وَكَيف يَجْعَل ذَلِك طَعنا وَالْقَوْل بِأَنَّهُ ثِقَة شَهَادَة بِالْعَدَالَةِ لَهُ
وَمن ذَلِك أَيْضا طعن بعض الْجُهَّال فِي مُحَمَّد بن الْحسن بِأَنَّهُ سَأَلَ عبد الله بن الْمُبَارك رَحمَه الله أَن يروي لَهُ أَحَادِيث ليسمعها مِنْهُ فَأبى فَلَمَّا قيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ لَا تعجبني أخلاقه
فَإِن هَذَا إِن صَحَّ لم يصلح أَن يكون طَعنا لِأَن أَخْلَاق الْفُقَهَاء لَا توَافق أَخْلَاق الزهاد فِي كل وجع فهم بِمحل الْقدْوَة والزهاد بِمحل الْعُزْلَة وَقد يحسن فِي مقَام الْعُزْلَة مَا يقبح فِي مقَام الْقدْوَة أَو على عكس ذَلِك فَكيف يصلح أَن يكون هَذَا طَعنا لَو صَحَّ مَعَ أَنه غير صَحِيح فقد رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ لَا بُد أَن يكون فِي كل زمَان من يحيي بِهِ الله للنَّاس دينهم ودنياهم
فَقيل لَهُ من بِهَذِهِ الصّفة فِي هَذَا الزَّمَان فَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن
فَهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا أصل لذَلِك الطعْن
وَمن ذَلِك الطعْن بركض الدَّوَابّ فَإِن ذَلِك من عمل الْجِهَاد لِأَن السباق على الأفراس والأقدام مَشْرُوع ليتقوى بِهِ الْمَرْء على الْجِهَاد فَمَا يكون من جنسه مَشْرُوع لَا يصلح أَن يكون طَعنا
وَمن ذَلِك الطعْن بِكَثْرَة المزاح فَإِن ذَلِك مُبَاح شرعا إِذا لم يتَكَلَّم بِمَا لَيْسَ بِحَق على مَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يمازح وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا
وَلَكِن هَذَا بِشَرْط أَن لَا يكون متخبطا مجازفا يعْتَاد الْقَصْد إِلَى رفع الْحجَّة والتلبيس بِهِ أَلا ترى إِلَى مَا رُوِيَ أَن عليا رَضِي الله عَنهُ كَانَ بِهِ دعابة
وَقد ذكر ذَلِك عمر حِين ذكر اسْمه فِي الشورى وَلم يذكرهُ على وَجه الطعْن فَعرفنَا أَن عينه لَا يكون طَعنا
وَمن ذَلِك الطعْن بحداثة سنّ الرَّاوِي فَإِن كثيرا من الصَّحَابَة كَانُوا يروون فِي حَدَاثَة سنهم مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَلَكِن هَذَا بِشَرْط الإتقان عِنْد التَّحَمُّل
(2/10)

فِي الصغر وَعند الرِّوَايَة بعد الْبلُوغ وَلِهَذَا أَخذنَا بِحَدِيث عبد الله بن ثَعْلَبَة بن صعير رَضِي الله عَنهُ فِي صَدَقَة الْفطر أَنه نصف صَاع من بر ورجحنا حَدِيثه على حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ فِي التَّقْدِير بِصَاع من بر لِأَن حَدِيثه أحسن متْنا فَذَلِك دَلِيل الإتقان وَوَافَقَهُ رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَيْضا
وَالشَّافِعِيّ أَخذ بِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير رَضِي الله عَنْهُمَا فِي إِثْبَات حق الرُّجُوع للوالد فِيمَا يهب لوَلَده وَقد رُوِيَ أَنه نحله أَبوهُ غُلَاما وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَعرفنَا أَن مثل هَذَا لَا يكون طَعنا عِنْد الْفُقَهَاء
وَمن ذَلِك الطعْن بِأَن رِوَايَة الْأَخْبَار لَيست بعادة لَهُ فَإِن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ مَا اعْتَادَ الرِّوَايَة وَلَا يظنّ بِأحد أَنه يطعن فِي حَدِيثه بِهَذَا السَّبَب وَقبل رَسُول الله شَهَادَة الْأَعرَابِي على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان والأعرابي مَا كَانَ اعْتَادَ الرِّوَايَة وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة من يمْتَنع من الرِّوَايَة فِي عَامَّة الْأَوْقَات وَفِيهِمْ من يشْتَغل بالرواية فِي عَامَّة الْأَوْقَات ثمَّ لم يرجح أحد رِوَايَة من اعْتَادَ ذَلِك على من لم يعْتد الرِّوَايَة وَهَذَا لِأَن الْمُعْتَبر هُوَ الإتقان وَرُبمَا يكون إتقان من لم تصر الرِّوَايَة عَادَة لَهُ فِيمَا يروي أَكثر من إتقان من اعْتَادَ الرِّوَايَة
وَمن ذَلِك الطعْن بالاستكثار من تَفْرِيع مسَائِل الْفِقْه فَإِن ذَلِك دَلِيل الِاجْتِهَاد وَقُوَّة الخاطر فيستدل بِهِ على حسن الضَّبْط والاتقان فَكيف يصلح أَن يكون طَعنا وَمَا يكون مُجْتَهدا فِيهِ الطعْن بِالْإِرْسَال وَقد بَينا أَنه لَيْسَ بطعن عندنَا لِأَنَّهُ دَلِيل تَأَكد الْخَبَر وإتقان الرَّاوِي فِي السماع من غير وَاحِد
وَأما الطعْن الْمُفَسّر بِمَا يكون مُوجبا للجرح فَإِن حصل مِمَّن هُوَ مَعْرُوف بالتعصب أَو مُتَّهم بِهِ لظُهُور سَبَب باعث لَهُ على الْعَدَاوَة فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْجرْح وَذَلِكَ نَحْو طعن الْمُلْحِدِينَ والمتهمين بِبَعْض الْأَهْوَاء المضلة فِي أهل السّنة وَطعن بعض من ينتحل مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي بعض الْمُتَقَدِّمين من كبار أَصْحَابنَا فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْجرْح لعلمنا أَنه كَانَ عَن تعصب وعداوة
فَأَما وُجُوه الطعْن الْمُوجب للجرح فَرُبمَا يَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعِينَ وَجها يطول الْكتاب بِذكر تِلْكَ الْوُجُوه وَمن طلبَهَا فِي كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وقف عَلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(2/11)

فصل فِي بَيَان الْمُعَارضَة بَين النُّصُوص وَتَفْسِير الْمُعَارضَة وركنها وَحكمهَا وَشَرطهَا
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْحجَج الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة لَا يَقع بَينهمَا التَّعَارُض والتناقض وضعا لِأَن ذَلِك من أَمَارَات الْعَجز وَالله يتعالى عَن أَن يُوصف بِهِ وَإِنَّمَا يَقع التَّعَارُض لجهلنا بالتاريخ فَإِنَّهُ يتَعَذَّر بِهِ علينا التَّمْيِيز بَين النَّاسِخ والمنسوخ أَلا ترى أَن عِنْد الْعلم بالتاريخ لَا تقع الْمُعَارضَة بِوَجْه وَلَكِن الْمُتَأَخر نَاسخ للمتقدم فَعرفنَا أَن الْوَاجِب فِي الأَصْل طلب التَّارِيخ ليعلم بِهِ النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ وَإِذا لم يُوجد ذَلِك يَقع التَّعَارُض بَينهمَا فِي حَقنا من غير أَن يتَمَكَّن التَّعَارُض فِيمَا هُوَ حكم الله تَعَالَى فِي الْحَادِثَة وَلأَجل هَذَا يحْتَاج إِلَى معرفَة تَفْسِير الْمُعَارضَة وركنها وَشَرطهَا وَحكمهَا
فَأَما التَّفْسِير فَهِيَ الممانعة على سَبِيل الْمُقَابلَة
يُقَال عرض لي كَذَا أَي استقبلني فَمَنَعَنِي مِمَّا قصدته وَمِنْه سميت الْمَوَانِع عوارض فَإِذا تقَابل الحجتان على سَبِيل المدافعة والممانعة سميت مُعَارضَة
وَأما الرُّكْن فَهُوَ تقَابل الحجتين المتساويتين على وَجه يُوجب كل وَاحِد مِنْهُمَا ضد مَا توجبه الْأُخْرَى كالحل وَالْحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيْء وبالحجتين المتساويتين تقوم الْمُقَابلَة إِذا لَا مُقَابلَة للضعيف مَعَ الْقوي
وَأما الشَّرْط فَهُوَ أَن يكون تقَابل الدَّلِيلَيْنِ فِي وَقت وَاحِد وَفِي مَحل وَاحِد لِأَن المضادة والتنافي لَا يتَحَقَّق بَين الشَّيْئَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَلَا فِي محلين حسا وَحكما
وَمن الحسيات اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاعهمَا فِي وَقت وَاحِد وَيجوز أَن يكون بعض الزَّمَان نَهَارا وَالْبَعْض لَيْلًا وَكَذَلِكَ السوَاد مَعَ الْبيَاض مجتمعان فِي الْعين فِي محلين وَلَا تصور لاجتماعهما فِي مَحل وَاحِد
وَمن الحكميات النِّكَاح فَإِنَّهُ يُوجب الْحل فِي الْمَنْكُوحَة وَالْحُرْمَة فِي أمهَا وبنتها وَلَا يتَحَقَّق التضاد بَينهمَا فِي محلين حَتَّى صَحَّ إثباتهما بِسَبَب وَاحِد
وَالصَّوْم يجب فِي وَقت وَالْفطر فِي وَقت آخر وَلَا يتَحَقَّق
(2/12)

معنى التضاد بَينهمَا باخْتلَاف الْوَقْت فَعرفنَا أَن شَرط التضاد والتمانع اتِّحَاد الْمحل وَالْوَقْت
وَمن الشَّرْط أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجبا على وَجه يجوز أَن يكون نَاسِخا للْآخر إِذا عرف التَّارِيخ بَينهمَا وَلِهَذَا قُلْنَا يَقع التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ وَبَين الْقِرَاءَتَيْن وَبَين السنتين وَبَين الْآيَة وَالسّنة الْمَشْهُورَة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يجوز أَن يكون نَاسِخا إِذا علم التَّارِيخ بَينهمَا على مَا نبينه فِي بَاب النّسخ
وَلَا يَقع التَّعَارُض بَين القياسين لِأَن أَحدهمَا لَا يجوز أَن يكون نَاسِخا للْآخر فَإِن النّسخ لَا يكون إِلَّا فِيمَا هُوَ مُوجب للْعلم وَالْقِيَاس لَا يُوجب ذَلِك وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا عَن تَارِيخ وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي القياسين
وَكَذَلِكَ لَا يَقع التَّعَارُض فِي أقاويل الصَّحَابَة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا (إِنَّمَا) قَالَ ذَلِك عَن رَأْيه وَالرِّوَايَة لَا تثبت بِالِاحْتِمَالِ وكما أَن الرأيين من وَاحِد لَا يصلح أَن يكون أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر فَكَذَلِك من اثْنَيْنِ
وَأما الحكم فَنَقُول مَتى وَقع التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ فالسبيل الرُّجُوع إِلَى سَبَب النُّزُول ليعلم التَّارِيخ بَينهمَا فَإِذا علم ذَلِك كَانَ الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم فَيجب الْعَمَل بالناسخ وَلَا يجوز الْعَمَل بالمنسوخ فَإِن لم يعلم ذَلِك فَحِينَئِذٍ يجب الْمصير إِلَى السّنة لمعْرِفَة حكم الْحَادِثَة وَيجب الْعَمَل بذلك إِن وجد فِي السّنة لِأَن الْمُعَارضَة لما تحققت فِي حَقنا فقد تعذر علينا الْعَمَل بالآيتين إِذْ لَيست إِحْدَاهمَا بِالْعَمَلِ بهَا أولى من الْأُخْرَى والتحقق بِمَا لَو لم يُوجد حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب فَيجب الْمصير إِلَى السّنة فِي معرفَة الحكم
وَكَذَلِكَ إِن وَقع التَّعَارُض بَين السنتين وَلم يعرف التَّارِيخ فَإِنَّهُ يُصَار إِلَى مَا بعد السّنة فِيمَا يكون حجَّة فِي حكم الْحَادِثَة وَذَلِكَ قَول الصَّحَابِيّ أَو الْقيَاس الصَّحِيح على مَا بَينا من قبل فِي التَّرْتِيب فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة لِأَن عِنْد الْمُعَارضَة يتَعَذَّر الْعَمَل بالمتعارضين فَفِي حكم الْعَمَل يَجْعَل ذَلِك كَالْمَعْدُومِ أصلا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا ادّعى رجلَانِ نِكَاح امْرَأَة وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَتعذر تَرْجِيح إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِنَّهُ تبطل الحجتان وَيصير كَأَنَّهُ لم يقم كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة
(2/13)

فَأَما إِذا وَقع التَّعَارُض بَين القياسين فَإِن أمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِدَلِيل شَرْعِي وَذَلِكَ قُوَّة فِي أَحدهمَا لَا يُوجد مثله فِي الآخر يجب الْعَمَل بالراجح وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة معرفَة التَّارِيخ فِي النُّصُوص وَإِن لم يُوجد ذَلِك فَإِن الْمُجْتَهد يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ لَا بِاعْتِبَار أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حق أَو صَوَاب فَالْحق أَحدهمَا وَالْآخر خطأ على مَا هُوَ الْمَذْهَب عندنَا فِي الْمُجْتَهد أَنه يُصِيب تَارَة ويخطىء أُخْرَى وَلكنه مَعْذُور فِي الْعَمَل بِهِ فِي الظَّاهِر مَا لم يتَبَيَّن لَهُ الْخَطَأ بِدَلِيل أقوى من ذَلِك وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي طَرِيق الِاجْتِهَاد مُصِيب وَإِن لم يقف على الصَّوَاب بِاجْتِهَادِهِ وطمأنينة الْقلب إِلَى مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده يصلح أَن يكون دَلِيلا فِي حكم الْعَمَل شرعا عِنْد تحقق الضَّرُورَة بِانْقِطَاع الْأَدِلَّة
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام الْمُؤمن ينظر بِنور الله وَقَالَ فراسة الْمُؤمن لَا تخطىء وَلِهَذَا جَوَّزنَا التَّحَرِّي فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد انْقِطَاع الْأَدِلَّة الدَّالَّة على الْجِهَة وحكمنا بِجَوَاز الصَّلَاة سَوَاء تبين أَنه أصَاب جِهَة الْكَعْبَة أَو أَخطَأ لِأَنَّهُ اعْتمد فِي عمله دَلِيلا شَرْعِيًّا وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ بقوله قبْلَة المتحري جِهَة قَصده
وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُخَيّرا عِنْد تعَارض القياسين لأجل الضَّرُورَة لِأَنَّهُ إِن ترك الْعَمَل بهما للتعارض احْتَاجَ إِلَى اعْتِبَار الْحَال لبِنَاء حكم الْحَادِثَة عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ بعد الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يرجع إِلَيْهِ فِي معرفَة حكم الْحَادِثَة وَالْعَمَل بِالْحَال عمل بِلَا دَلِيل وَلَا إِشْكَال أَن الْعَمَل بِدَلِيل شَرْعِي فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ وَالصَّوَاب يكون أولى من الْعَمَل بِلَا دَلِيل وَلَكِن هَذِه الضَّرُورَة إِنَّمَا تتَحَقَّق فِي القياسين وَلَا تتَحَقَّق فِي النصين لِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا دَلِيل شَرْعِي يرجع إِلَيْهِ فِي معرفَة حكم الْحَادِثَة لهَذَا لَا يتَخَيَّر هُنَاكَ فِي الْعَمَل بِأَيّ النصين شَاءَ
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا كَانَ فِي السّفر وَمَعَهُ إناءان فِي أَحدهمَا مَاء طَاهِر وَفِي الآخر مَاء نجس وَلَا يعرف الطَّاهِر من النَّجس فَإِنَّهُ يتحَرَّى للشُّرْب وَلَا يتحَرَّى للْوُضُوء بل يتَيَمَّم لِأَن فِي حق الشّرْب لَا يجد بَدَلا يصير إِلَيْهِ فِي تَحْصِيل مَقْصُوده فَلهُ أَن يصير إِلَى التَّحَرِّي لتحَقّق الضَّرُورَة وَفِي حكم الطَّهَارَة يجد شَيْئا آخر يطهر بِهِ عِنْد الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء الطَّاهِر وَهُوَ التَّيَمُّم فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ الضَّرُورَة وبسبب الْمُعَارضَة يَجْعَل لعادم المَاء فَيصير إِلَى التَّيَمُّم وَقُلْنَا فِي المساليخ إِذا اسْتَوَت الذكية وَالْميتَة فَفِي حَالَة الضَّرُورَة بِأَن لم يجد حَلَالا سوى ذَلِك جَازَ لَهُ التَّحَرِّي وَعند عدم الضَّرُورَة بِوُجُود طَعَام حَلَال لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى التَّحَرِّي وَلِهَذَا
(2/14)

لم يجوز التَّحَرِّي فِي الْفروج أصلا عِنْد اخْتِلَاط الْمُعتقَة عينا بِغَيْر الْمُعتقَة لِأَن جَوَاز ذَلِك بِاعْتِبَار الضَّرُورَة وَلَا مدْخل للضَّرُورَة فِي إِبَاحَة الْفرج بِدُونِ الْملك بِخِلَاف الطَّعَام وَالشرَاب
ثمَّ إِذا عمل بِأحد القياسين وَحكم بِصِحَّة عمله بِاعْتِبَار الظَّاهِر يصير ذَلِك لَازِما لَهُ حَتَّى لَا يجوز لَهُ أَن يتْركهُ وَيعْمل بِالْآخرِ من غير دَلِيل مُوجب لذَلِك
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي الثَّوْبَيْنِ إِذا كَانَ أَحدهمَا طَاهِرا وَالْآخر نجسا وَهُوَ لَا يجد ثوبا آخر فَإِنَّهُ يصير إِلَى التَّحَرِّي لتحَقّق الضَّرُورَة فَإِنَّهُ لَو ترك لبسهما لَا يجد شَيْئا آخر يُقيم بِهِ فرض السّتْر الَّذِي هُوَ شَرط جَوَاز الصَّلَاة وَبَعْدَمَا صلى فِي أحد الثَّوْبَيْنِ بِالتَّحَرِّي لَا يكون لَهُ أَن يُصَلِّي فِي الثَّوْب الآخر لأَنا حِين حكمنَا بِجَوَاز الصَّلَاة فِي ذَلِك الثَّوْب فَذَلِك دَلِيل شَرْعِي مُوجب طَهَارَة ذَلِك الثَّوْب وَالْحكم بِنَجَاسَة الثَّوْب الآخر فَلَا تجوز الصَّلَاة فِيهِ بعد ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل أقوى مِنْهُ
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو تحرى عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة وَصلى صَلَاة إِلَى جِهَة ثمَّ وَقع تحريه على جِهَة أُخْرَى يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي فِي الْمُسْتَقْبل إِلَى الْجِهَة الثَّانِيَة وَلم يَجْعَل ذَلِك دَلِيلا على أَن جِهَة الْقبْلَة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي الِابْتِدَاء قُلْنَا لِأَن هُنَاكَ الحكم بِجَوَاز الصَّلَاة إِلَى تِلْكَ الْجِهَة لَا يتَضَمَّن الحكم بِكَوْنِهَا جِهَة الْكَعْبَة لَا محَالة أَلا ترى أَنه وَإِن تبين لَهُ الْخَطَأ بِيَقِين بِأَن استدبر الْكَعْبَة جَازَت صلَاته وَفِي الثَّوْب من ضَرُورَة الحكم بِجَوَاز الصَّلَاة فِي ثوب الحكم بِطَهَارَة ذَلِك الثَّوْب حَتَّى إِذا تبين أَنه كَانَ نجسا تلْزمهُ إِعَادَة الصَّلَاة وَالْعَمَل بِالْقِيَاسِ من هَذَا الْقَبِيل فَإِن صِحَة الْعَمَل بِأحد القياسين يتَضَمَّن الحكم بِكَوْنِهِ حجَّة للْعَمَل بِهِ ظَاهرا وَلِهَذَا لَو تبين نَص بِخِلَافِهِ بَطل حكم الْعَمَل بِهِ فَلهَذَا كَانَ الْعَمَل بِأحد القياسين مَانِعا لَهُ من الْعَمَل بِالْقِيَاسِ الآخر بعد مَا لم يتَبَيَّن دَلِيل أقوى مِنْهُ
وَوجه آخر أَن التَّعَارُض بَين النصين إِنَّمَا يَقع لجهلنا بالتاريخ بَينهمَا وَالْجهل لَا يصلح دَلِيلا على حكم شَرْعِي من حَيْثُ الْعلم لَا من حَيْثُ الْعَمَل وَالِاخْتِيَار حكم شَرْعِي لَا يجوز أَن يثبت بِاعْتِبَار هَذَا الْجَهْل
فَأَما التَّعَارُض بَين القياسين بِاعْتِبَار كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالحا للْعَمَل بِهِ فِي أصل الْوَضع وَإِن كَانَ أَحدهمَا صَوَابا حَقِيقَة وَالْآخر خطأ وَلَكِن من حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ مَعْمُول
(2/15)

بِهِ شرعا مَا لم يتَبَيَّن وَجه الْخَطَأ فِيهِ فإثبات الْخِيَار بَينهمَا فِي حكم الْعَمَل إِذا رجح أَحدهمَا بِنَوْع فراسة يكون إِثْبَات الحكم بِدَلِيل شَرْعِي ثمَّ إِذا عمل بِأَحَدِهِمَا صَحَّ ذَلِك بِالْإِجْمَاع فَلَا يكون لَهُ أَن ينْقض مَا نفذ من الْقَضَاء مِنْهُ بِالْإِجْمَاع وَلَا يصير إِلَى الْعَمَل بِالْآخرِ إِلَّا بِدَلِيل هُوَ أقوى من الأول
فَإِن قيل لَو ثَبت الْخِيَار لَهُ فِي الْعَمَل بالقياسين لَكَانَ يبْقى خِيَاره بَعْدَمَا عمل بِأَحَدِهِمَا فِي حَادِثَة حَتَّى يكون لَهُ أَن يعْمل بِالْآخرِ فِي حَادِثَة أُخْرَى كَمَا فِي كَفَّارَة الْيَمين فَإِنَّهُ لَو عين أحد الْأَنْوَاع فِي تَكْفِير يَمِين بِهِ يبْقى خِيَاره فِي تعْيين نوع آخر فِي كَفَّارَة يَمِين أُخْرَى
قُلْنَا هُنَاكَ التَّخْيِير ثَبت على أَن كل وَاحِد من الْأَنْوَاع صَالح للتكفير بِهِ بِدَلِيل مُوجب للْعلم وَهنا الْخِيَار مَا ثَبت بِمثل هَذَا الدَّلِيل بل بِاعْتِبَار أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للْعَمَل بِهِ ظَاهرا مَعَ علمنَا بِأَن الْحق أَحدهمَا وَالْآخر خطأ فَبعد مَا تأيد أَحدهمَا بنفوذ الْقَضَاء بِهِ لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى الآخر إِلَّا بِدَلِيل هُوَ أقوى من الأول وَهَذَا لِأَن جِهَة الصَّوَاب تترجح بِعَمَلِهِ فِيمَا عمل بِهِ وَمن ضَرُورَته ترجح جَانب الْخَطَأ فِي الآخر ظَاهرا فَمَا لم يرْتَفع ذَلِك بِدَلِيل سوى مَا كَانَ مَوْجُودا عِنْد الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا لَا يكون لَهُ أَن يصير إِلَى الْعَمَل بِالْآخرِ
وَالْحَاصِل أَن فِيمَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الِانْتِقَال من مَحل إِلَى مَحل إِذا تعين الْمحل بِعَمَلِهِ لَا يبْقى لَهُ خِيَار بعد ذَلِك كالنجاسة فِي الثَّوْب فَإِنَّهَا لَا تحْتَمل الِانْتِقَال من ثوب إِلَى ثوب فَإِذا تعين بِصَلَاتِهِ فِي أحد الثَّوْبَيْنِ صفة الطَّهَارَة فِيهِ والنجاسة فِي الآخر لَا يبْقى لَهُ رَأْي فِي الصَّلَاة فِي الثَّوْب الآخر مَا لم يثبت طَهَارَته بِدَلِيل مُوجب للْعلم
وَفِي بَاب الْقبْلَة فرض التَّوَجُّه يحْتَمل الِانْتِقَال أَلا ترى أَنه انْتقل من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة وَمن عين الْكَعْبَة إِلَى الْجِهَة إِذا بعد من مَكَّة وَمن جِهَة الْكَعْبَة إِلَى سَائِر الْجِهَات إِذا كَانَ رَاكِبًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ رَاحِلَته فَبعد مَا صلى بِالتَّحَرِّي إِلَى جِهَة إِذا تحول رَأْيه ينْتَقل فرض التَّوَجُّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَة أَيْضا لِأَن الشَّرْط أَن يكون مبتلى فِي التَّوَجُّه عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا إِذا صلى إِلَى الْجِهَة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا تحريه
وَكَذَلِكَ حكم الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فِي المجتهدات فَإِن الْقَضَاء الَّذِي نفذ بِالْقِيَاسِ فِي مَحل لَا يحْتَمل الِانْتِقَال إِلَى مَحل آخر فَيلْزم ذَلِك
فَأَما
(2/16)

فِيمَا وَرَاء ذَلِك الحكم مُحْتَمل للانتقال فَإِن الْكَلَام فِي حكم يحْتَمل النّسخ وَشرط الْعَمَل بِالْقِيَاسِ أَن يكون مبتلى بِطَلَب الطَّرِيق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع شرعا فَإِذا اسْتَقر رَأْيه على أَن الصَّوَاب هُوَ الآخر كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْمل فِي الْمُسْتَقْبل
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا طلق إِحْدَى امرأتيه بِعَينهَا ثمَّ نسي أَو أعتق أحد المملوكين بِعَيْنِه ثمَّ نسي لَا يثبت لَهُ خِيَار الْبَيَان لِأَن الْوَاقِع من الطَّلَاق وَالْعتاق لَا يحْتَمل الِانْتِقَال من مَحل إِلَى مَحل آخر وَإِنَّمَا ثبتَتْ الْمُعَارضَة بَين المحلين فِي حَقه لجهله بِالْمحل الَّذِي عينه عِنْد الْإِيقَاع وجهله لَا يثبت الْخِيَار لَهُ شرعا وبمثله لَو أوجب فِي أَحدهمَا بِغَيْر عينه ابْتِدَاء كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْبَيَان لِأَن تعْيين الْمحل كَانَ مَمْلُوكا لَهُ شرعا كابتداء الْإِيقَاع وَلكنه بِمُبَاشَرَة الْإِيقَاع أسقط مَا كَانَ لَهُ من الْخِيَار فِي أصل الْإِيقَاع وَلم يسْقط مَا كَانَ لَهُ من الْخِيَار فِي التَّعْيِين فَيبقى ذَلِك الْخِيَار ثَابتا لَهُ شرعا وَمِمَّا يثبت فِيهِ حكم التَّعَارُض سُؤْر الْحمار والبغل فقد تَعَارَضَت الْأَدِلَّة فِي الحكم بِطَهَارَتِهِ ونجاسته وَقد بَينا هَذَا فِي فروع الْفِقْه وَلَكِن لَا يُمكن الْمصير إِلَى الْقيَاس بعد هَذَا التَّعَارُض لِأَن الْقيَاس لَا يصلح لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء فَوَجَبَ الْعَمَل بِدَلِيل فِيهِ بِحَسب الْإِمْكَان وَهُوَ الْمصير إِلَى الْحَال فَإِن المَاء كَانَ طَاهِرا فِي الأَصْل فَيبقى طَاهِرا
نَص عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع من النَّوَادِر حَتَّى قَالَ لَو غمس الثَّوْب فِي سُؤْر الْحمار تجوز الصَّلَاة فِيهِ وَلَا يَتَنَجَّس الْعُضْو أَيْضا بِاسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ عرق طَاهِر فِي الأَصْل
وَهَذَا الدَّلِيل لَا يصلح أَن يكون مُطلقًا أَدَاء الصَّلَاة بِهِ وَحده لِأَن الْحَدث كَانَ ثَابتا قبل اسْتِعْمَاله فَلَا يَزُول بِاسْتِعْمَالِهِ بِيَقِين فشرطنا ضم التَّيَمُّم إِلَيْهِ حَتَّى يحصل التيقن بِالطَّهَارَةِ الْمُطلقَة لأَدَاء الصَّلَاة
وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى إِذا لم يظْهر فِيهِ دَلِيل يتَرَجَّح بِهِ صفة الذُّكُورَة أَو الْأُنُوثَة فَإِنَّهُ يكون مُشكل الْحَال يَجْعَل بِمَنْزِلَة الذُّكُور فِي بعض الْأَحْكَام وبمنزلة الْإِنَاث فِي الْبَعْض على حسب مَا يدل عَلَيْهِ الْحَال فِي كل حكم
وَكَذَلِكَ الْمَفْقُود فَإِنَّهُ يَجْعَل بمنزله الْحَيّ فِي مَال نَفسه حَتَّى لَا يُورث عَنهُ وبمنزلة الْمَيِّت فِي الْإِرْث من الْغَيْر لِأَن أمره مُشكل فَوَجَبَ الْمصير إِلَى الْحَال لأجل الضَّرُورَة وَالْحكم بِمَا يدل عَلَيْهِ الْحَال فِي كل حَادِثَة
(2/17)

وَأما بَيَان المخلص عَن المعارضات فَنَقُول يطْلب هَذَا المخلص أَولا من نفس الْحجَّة فَإِن لم يُوجد فَمن الحكم فَإِن لم يُوجد فباعتبار الْحَال فَإِن لم يُوجد فبمعرفة التَّارِيخ نصا فَإِن لم يُوجد فبدلالة التَّارِيخ
فَأَما الْوَجْه الأول وَهُوَ الطّلب المخلص من نفس الْحجَّة فبيانه من أوجه أَحدهَا أَن يكون أحد النصين محكما وَالْآخر مُجملا أَو مُشكلا فَإِن بِهَذَا يتَبَيَّن أَن التَّعَارُض حَقِيقَة غير مَوْجُود بَين النصين وَإِن كَانَ مَوْجُودا ظَاهرا فيصار إِلَى الْعَمَل بالحكم دون الْمُجْمل والمشكل
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أَحدهمَا نصا من الْكتاب أَو السّنة الْمَشْهُورَة وَالْآخر خبر الْوَاحِد
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ أَحدهمَا مُحْتملا للخصوص فَإِنَّهُ يَنْتَفِي معنى التَّعَارُض بتخصيصه بِالنَّصِّ الآخر
وَبَيَانه من الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} وَقَوله تَعَالَى فِي الْمُسْتَأْمن {ثمَّ أبلغه مأمنه} فَإِن التَّعَارُض يَقع بَين النصين ظَاهرا وَلَكِن قَوْله {فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} عَام يحْتَمل الْخُصُوص فَجعلنَا قَوْله تَعَالَى {ثمَّ أبلغه مأمنه} دَلِيل تَخْصِيص الْمُسْتَأْمن من ذَلِك
وَمن السّنة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا وَنَهْيه عَن الصَّلَاة فِي ثَلَاث سَاعَات فالتعارض بَين النصين ثَبت ظَاهرا وَلَكِن قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فليصلها إِذا ذكرهَا بِعرْض التَّخْصِيص فَيجْعَل النَّص الآخر دَلِيل التَّخْصِيص حَتَّى يَنْتَفِي بِهِ التَّعَارُض
وَكَذَلِكَ إِن ظهر عمل النَّاس بِأحد النصين دون الآخر لِأَن الَّذِي ظهر الْعَمَل بِهِ بَين النَّاس ترجح بِدَلِيل الْإِجْمَاع فَيَنْتَفِي بِهِ معنى التَّعَارُض بَينهمَا مَعَ أَن الظَّاهِر أَن اتِّفَاقهم على الْعَمَل بِهِ لكَونه مُتَأَخِّرًا نَاسِخا لما كَانَ قبله وبالعلم بالتاريخ يَنْتَفِي التَّعَارُض فَكَذَلِك بِالْإِجْمَاع الدَّال عَلَيْهِ وَإِن كَانَ الْمَعْمُول بِهِ سَابِقًا فَذَلِك دَلِيل على أَن الآخر مؤول أَو سَهْو من بعض الروَاة إِن كَانَ فِي الْأَخْبَار لِأَن الْمَنْسُوخ إِذا اشْتهر فناسخه يشْتَهر بعده أَيْضا كَمَا اشْتهر تَحْرِيم الْمُتْعَة بعد الْإِبَاحَة واشتهر إِبَاحَة زِيَارَة الْقُبُور وإمساك لُحُوم الْأَضَاحِي وَالشرب فِي الْأَوَانِي بعد النَّهْي
(2/18)

وَلَو اشْتهر النَّاسِخ لما أَجمعُوا على الْعَمَل بِخِلَافِهِ فَبِهَذَا الطَّرِيق تَنْتفِي الْمُعَارضَة وكما يَنْتَفِي التَّعَارُض بِدَلِيل الْإِجْمَاع يثبت التَّعَارُض بِدَلِيل الْإِجْمَاع فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن مِيرَاث الْعمة وَالْخَالَة فَقَالَ لَا شَيْء لَهما وَقَالَ الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ فَمن حَيْثُ الظَّاهِر لَا تعَارض بَين الْحَدِيثين لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَحل آخر وَلَكِن ثَبت بِإِجْمَاع النَّاس أَنه لَا فرق بَين الْخَال وَالْخَالَة والعمة فِي صفة الوراثة فباعتبار هَذَا الْإِجْمَاع يَقع التَّعَارُض بَين النصين ثمَّ رجح عُلَمَاؤُنَا الْمُثبت مِنْهُمَا وَرجح الشَّافِعِي مَا كَانَ مَعْلُوما بِاعْتِبَار الأَصْل وَهُوَ عدم اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث
وَبَيَان الطّلب المخلص من حَيْثُ الحكم أَن التَّعَارُض إِنَّمَا يَقع للمدافعة بَين الْحكمَيْنِ فَإِن كَانَ الحكم الثَّابِت بِأحد النصين مدفوعا بِالْآخرِ لَا محَالة فَهُوَ التَّعَارُض حَقِيقَة وَإِن أمكن إِثْبَات حكم بِكُل وَاحِد من النصين سوى الحكم الآخر لَا تتَحَقَّق المدافعة فَيَنْتَفِي التَّعَارُض
وَبَيَان ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} مَعَ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} فَبين النصين تعَارض من حَيْثُ الظَّاهِر فِي يَمِين الْغمُوس فَإِنَّهَا من كسب الْقُلُوب وَلكنهَا غير معقودة لِأَنَّهَا لم تصادف مَحل عقد الْيَمين وَهُوَ الْخَبَر الَّذِي فِيهِ رَجَاء الصدْق وَلَكِن انْتَفَى هَذَا التَّعَارُض بِاعْتِبَار الحكم فَإِن الْمُؤَاخَذَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى {بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} هِيَ الْمُؤَاخَذَة بِالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا وَفِي قَوْله تَعَالَى {بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} الْمُؤَاخَذَة بالعقوبة فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ أطلق الْمُؤَاخَذَة فِيهَا والمؤاخذة الْمُطلقَة تكون فِي دَار الْجَزَاء فَإِن الْجَزَاء بوفاق الْعَمَل فَأَما فِي الدُّنْيَا فقد يبتلى الْمُطِيع ليَكُون تمحيصا لذنوبه وينعم على العَاصِي استدراجا فَبِهَذَا الطَّرِيق تبين أَن الحكم الثَّابِت فِي أحد النصين غير الحكم الثَّابِت فِي الآخر وَإِذا انْتَفَت المدافعة بَين الْحكمَيْنِ ظهر المخلص عَن التَّعَارُض
فَأَما المخلص بطرِيق الْحَال فبيانه فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن} بِالتَّخْفِيفِ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن وبالتشديد فِي الْأُخْرَى فبينهما تعَارض فِي الظَّاهِر لِأَن حَتَّى للغاية وَبَين امتداد الشَّيْء إِلَى غَايَة وَبَين قصوره دونهَا مُنَافَاة والإطهار هُوَ الِاغْتِسَال وَالطُّهْر يكون بِانْقِطَاع الدَّم فَبين امتداد حُرْمَة القربان إِلَى الِاغْتِسَال وَبَين ثُبُوت حل القربان عِنْد انْقِطَاع الدَّم مُنَافَاة وَلَكِن بِاعْتِبَار الْحَال يَنْتَفِي هَذَا التَّعَارُض وَهُوَ أَن بِالتَّخْفِيفِ على حَال مَا إِذا كَانَ أَيَّامهَا عشرَة لِأَن الطُّهْر بالانقطاع إِنَّمَا يتَيَقَّن بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالة فَإِن الْحيض لَا يكون أَكثر من عشرَة أَيَّام فَأَما فِيمَا دون الْعشْرَة لَا يثبت الطُّهْر بالانقطاع بِيَقِين لتوهم أَن يعاودها الدَّم وَيكون ذَلِك حيضا فتمتد حُرْمَة القربان إِلَى الإطهار بالاغتسال
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فالتعارض يَقع فِي الظَّاهِر تحمل الْقِرَاءَة
(2/19)

بِالتَّشْدِيدِ على حَال مَا إِذا كَانَ أَيَّامهَا دون الْعشْرَة وَالْقِرَاءَة بَين الْقِرَاءَة بِالنّصب الَّذِي يَجْعَل الرجل عطفا على المغسول وَالْقِرَاءَة بالخفض الَّذِي يَجْعَل الرجل عطفا على الْمَمْسُوح (ثمَّ) تَنْتفِي هَذِه الْمُعَارضَة بِأَن تحمل الْقِرَاءَة بالخفض على حَال مَا إِذا كَانَ لابسا للخف بطرِيق أَن الْجلد الَّذِي استتر بِهِ الرجل يَجْعَل قَائِما مقَام بشرة الرجل فَإِنَّمَا ذكر الرجل عبارَة عَنهُ بِهَذَا الطَّرِيق وَالْقِرَاءَة بِالنّصب على حَال ظُهُور الْقدَم فَإِن الْفَرْض فِي هَذِه الْحَالة غسل الرجلَيْن عينا
فَأَما طلب المخلص من حَيْثُ التَّارِيخ فَهُوَ أَن يعلم بِالدَّلِيلِ التَّارِيخ فِيمَا بَين النصين فَيكون الْمُتَأَخر مِنْهُمَا نَاسِخا للمتقدم
وَبَيَان هَذَا فِيمَا قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِي عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا محتجا بِهِ على من يَقُول إِنَّهَا تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ فَإِنَّهُ قَالَ من شَاءَ باهلته أَن سُورَة النِّسَاء الْقصرى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ} نزلت بعد سُورَة النِّسَاء الطُّولى {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} فَجعل التَّأَخُّر دَلِيل النّسخ فَعرفنَا أَنه كَانَ مَعْرُوفا فِيمَا بَينهم أَن الْمُتَأَخر من النصين نَاسخ للمتقدم
فَأَما طلب المخلص بِدلَالَة التَّارِيخ وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن أكل الضَّب وَرُوِيَ أَنه رخص فِيهِ وَمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن أكل الضبع وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رخص فِيهِ فَإِن التَّعَارُض بَين النصين ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر ثمَّ يَنْتَفِي ذَلِك بالمصير إِلَى دلَالَة التَّارِيخ وَهُوَ أَن النَّص الْمُوجب للحظر يكون مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة فَكَانَ الْأَخْذ بِهِ أولى
وَبَيَان ذَلِك وَهُوَ أَن الْمُوجب للْإِبَاحَة يبْقى مَا كَانَ على مَا كَانَ على طَريقَة بعض مَشَايِخنَا لكَون الْإِبَاحَة أصلا فِي الْأَشْيَاء كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّد فِي كتاب الْإِكْرَاه وعَلى أقوى الطَّرِيقَيْنِ بِاعْتِبَار أَن قبل مبعث
(2/20)

رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت الْإِبَاحَة ظَاهِرَة فِي هَذِه الْأَشْيَاء فَإِن النَّاس لم يتْركُوا سدى فِي شَيْء من الْأَوْقَات وَلَكِن فِي زمَان الفترة الْإِبَاحَة كَانَت ظَاهِرَة فِي النَّاس وَذَلِكَ بَاقٍ إِلَى أَن ثَبت الدَّلِيل الْمُوجب للْحُرْمَة فِي شريعتنا فَبِهَذَا الْوَجْه يتَبَيَّن أَن الْمُوجب للحظر مُتَأَخّر وَهَذَا لأَنا لَو جعلنَا الْمُوجب للْإِبَاحَة مُتَأَخِّرًا احتجنا إِلَى إِثْبَات نسخين نسخ الْإِبَاحَة الثَّابِتَة فِي الِابْتِدَاء بِالنَّصِّ الْمُوجب للحظر ثمَّ نسخ الْحَظْر بِالنَّصِّ الْمُوجب للْإِبَاحَة وَإِذا جعلنَا نَص الْحَظْر مُتَأَخِّرًا احتجنا إِلَى إِثْبَات النّسخ فِي أَحدهمَا خَاصَّة فَكَانَ هَذَا الْجَانِب أولى وَلِأَنَّهُ قد ثَبت بالِاتِّفَاقِ نسخ حكم الْإِبَاحَة بالحظر
وَأما نسخ حكم الْحَظْر بِالْإِبَاحَةِ فمحتمل فبالاحتمال لَا يثبت النّسخ وَلِأَن النَّص الْمُوجب للحظر فِيهِ زِيَادَة حكم وَهُوَ نيل الثَّوَاب بالانتهاء عَنهُ وَاسْتِحْقَاق الْعقَاب بالإقدام عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَنْعَدِم فِي النَّص الْمُوجب للْإِبَاحَة فَكَانَ تَمام الِاحْتِيَاط فِي إِثْبَات التَّارِيخ بَينهمَا على أَن يكون الْمُوجب للحظر مُتَأَخِّرًا وَالْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ أصل فِي الشَّرْع
وَاخْتلف مَشَايِخنَا فِيمَا إِذا كَانَ أحد النصين مُوجبا للنَّفْي وَالْآخر مُوجبا للإثبات فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي رَحمَه الله يَقُول الْمُثبت أولى من النَّافِي لِأَن الْمُثبت أقرب إِلَى الصدْق من النَّافِي وَلِهَذَا قبلت الشَّهَادَة على الْإِثْبَات دون النَّفْي
وَكَانَ عِيسَى بن أبان رَحمَه الله يَقُول تتَحَقَّق الْمُعَارضَة بَينهمَا لِأَن الْخَبَر الْمُوجب للنَّفْي مَعْمُول بِهِ كالموجب للإثبات وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على صدق الرَّاوِي فِي الْخَبَر الْمُوجب للإثبات فَإِنَّهُ يسْتَدلّ بِعَيْنِه على صدق الرَّاوِي فِي الْخَبَر الْمُوجب للنَّفْي
وَاخْتلف عمل الْمُتَقَدِّمين من مَشَايِخنَا فِي مثل هذَيْن النصين فَإِنَّهُ رُوِيَ أَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام تزوج مَيْمُونَة رَضِي الله عَنْهَا وَهُوَ محرم وَرُوِيَ أَنه تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال ثمَّ أَخذنَا بِرِوَايَة من روى أَنه تزَوجهَا وَهُوَ محرم وَالْإِثْبَات فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لأَنهم اتَّفقُوا أَن العقد كَانَ بعد إِحْرَامه فَمن روى أَنه تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال فَهُوَ الْمُثبت للتحلل من الْإِحْرَام قبل العقد ثمَّ لم يرجح الْمُثبت على النَّافِي هُنَا
وَرُوِيَ أَن بَرِيرَة أعتقت وَزوجهَا كَانَ حرا فَخَيرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرُوِيَ أَنَّهَا أعتقت وَزوجهَا عبد وَلَا خلاف أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فِي الأَصْل فَكَانَ الْإِثْبَات فِي رِوَايَة من روى أَن زَوجهَا كَانَ حرا حِين أعتقت فأخذنا بذلك فَهَذَا يدل على أَن التَّرْجِيح
(2/21)

يحصل بالإثبات
وَرُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام رد ابْنَته زَيْنَب على أبي الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُمَا بِنِكَاح جَدِيد وَرُوِيَ أَنه ردهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الأول وَالْإِثْبَات فِي رِوَايَة من روى أَنه ردهَا عَلَيْهِ بِعقد جَدِيد وَبِذَلِك أَخذنَا فَهُوَ دَلِيل على أَن التَّرْجِيح يحصل بالإثبات
وَذكر فِي كتاب الِاسْتِحْسَان إِذا أخبر عدل بِطَهَارَة المَاء وَعدل آخر بِنَجَاسَتِهِ فَإِنَّهُ يتعارض الخبران وَالْإِثْبَات فِي خبر من أخبر بِنَجَاسَتِهِ ثمَّ لم يرجح الْخَبَر بِهِ
وَقَالَ فِي التَّزْكِيَة الشَّاهِد إِذا عدله وَاحِد وجرحه آخر فَإِن الْجرْح يكون أولى لِأَن فِي خَبره إِثْبَاتًا
فَإِذا تبين من أصُول عُلَمَائِنَا هَذَا كُله فَلَا بُد من طلب وَجه يحصل بِهِ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْفُصُول وَيسْتَمر الْمَذْهَب عَلَيْهِ مُسْتَقِيمًا
وَذَلِكَ الْوَجْه أَن خبر النَّفْي إِمَّا أَن يكون لدَلِيل يُوجب الْعلم بِهِ أَو لعدم الدَّلِيل الْمُثبت أَو يكون مشتبها فَإِن كَانَ لدَلِيل يُوجب الْعلم بِهِ فَهُوَ مسَاوٍ للمثبت وتتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا وعَلى هَذَا قَالَ فِي السّير الْكَبِير إِذا قَالَت الْمَرْأَة سَمِعت زَوجي يَقُول الْمَسِيح ابْن الله فبنت مِنْهُ وَقَالَ الزَّوْج إِنَّمَا قلت الْمَسِيح ابْن الله قَول النَّصَارَى أَو وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله فَالْقَوْل قَوْله فَإِن شهد للْمَرْأَة شَاهِدَانِ
وَقَالا لم نسْمع من الزَّوْج هَذِه الزِّيَادَة
فَالْقَوْل قَوْله أَيْضا وَإِن قَالَا لم يقل هَذِه الزِّيَادَة قبلت الشَّهَادَة وَفرق بَينهمَا
وَكَذَا لَو ادّعى الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق وَشهد الشُّهُود أَنه لم يسْتَثْن قبلت الشَّهَادَة وَهَذِه شَهَادَة على النَّفْي وَلكنهَا عَن دَلِيل مُوجب للْعلم بِهِ وَهُوَ أَن مَا يكون من بَاب الْكَلَام فَهُوَ مسموع من الْمُتَكَلّم لمن كَانَ بِالْقربِ مِنْهُ وَمَا لم يسمع مِنْهُ يكون دندنة لَا كلَاما فَإِذا قبلت الشَّهَادَة على النَّفْي إِذا كَانَ عَن دَلِيل كَمَا تقبل على الْإِثْبَات قُلْنَا فِي الْخَبَر أَيْضا يَقع التَّعَارُض بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات
فَأَما إِذا كَانَ خبر النَّفْي لعدم الْعلم بالإثبات فَإِنَّهُ لَا يكون مُعَارضا للمثبت لِأَنَّهُ خبر لَا عَن دَلِيل مُوجب بل عَن اسْتِصْحَاب حَال وَخبر الْمُثبت عَن دَلِيل مُوجب لَهُ وَلِأَن السَّامع والمخبر فِي هَذَا النَّوْع سَوَاء فَإِن السَّامع غير عَالم بِالدَّلِيلِ الْمُثبت كالمخبر بِالنَّفْيِ فَلَو جَازَ أَن يكون هَذَا
(2/22)

الْخَبَر مُعَارضا لخَبر الْمُثبت لجَاز أَن يكون علم السَّامع مُعَارضا لخَبر الْمُثبت
وَإِن كَانَ الْحَال مشتبها فَإِنَّهُ يجب الرُّجُوع إِلَى الْخَبَر بِالنَّفْيِ واستفساره عَمَّا يخبر بِهِ ثمَّ التَّأَمُّل فِي كَلَامه فَإِن ظهر أَنه اعْتمد فِي خَبره دَلِيلا مُوجبا الْعلم بِهِ فَهُوَ نَظِير الْقسم الأول وَإِلَّا فَهُوَ نَظِير الْقسم الثَّانِي
فَفِي مَسْأَلَة التَّزْكِيَة من يُزكي الشَّاهِد فقد عرفنَا أَنه إِنَّمَا يُزَكِّيه لعدم الْعلم بِسَبَب الْجرْح مِنْهُ إِذْ لَا طَرِيق لأحد إِلَى الْوُقُوف على جَمِيع أَحْوَال غَيره حَتَّى يكون إخْبَاره عَن تزكيته عَن دَلِيل مُوجب الْعلم بِهِ وَالَّذِي جرحه فخبره مُثبت الْجرْح الْعَارِض لوقوفه على دَلِيل مُوجب لَهُ فَلهَذَا جعل خَبره أولى
وَفِي طَهَارَة المَاء ونجاسته الْمخبر بِالطَّهَارَةِ يعْتَمد دَلِيلا لِأَنَّهُ توقف على طَهَارَة المَاء حَقِيقَة فَإِن المَاء الَّذِي نزل من السَّمَاء إِذا أَخذه الْإِنْسَان فِي إِنَاء طَاهِر وَكَانَ بمرأى الْعين مِنْهُ إِلَى وَقت الِاسْتِعْمَال فَإِنَّهُ يعلم طَهَارَته بِدَلِيل مُوجب لَهُ كَمَا أَن الْمخبر بِنَجَاسَتِهِ يعْتَمد الدَّلِيل فتتحقق الْمُعَارضَة بَين الْخَبَرَيْنِ
وعَلى هَذَا أثبتنا الْمُعَارضَة فِي حَدِيث نِكَاح مَيْمُونَة لِأَن الْمخبر بِأَنَّهُ كَانَ محرما اعْتمد دَلِيلا والمخبر بِأَنَّهُ كَانَ حَلَالا اعْتمد أَيْضا فِي خَبره الدَّلِيل الْمُوجب لَهُ فَإِن هَيْئَة الْمحرم ظَاهرا يُخَالف هَيْئَة الْحَلَال فتتحقق الْمُعَارضَة من هَذَا الْوَجْه وَيجب الْمصير إِلَى طلب التَّرْجِيح من جِهَة إتقان الرَّاوِي لما تعذر التَّرْجِيح من نفس الْحجَّة فأخذنا بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لِأَنَّهُ روى الْقِصَّة على وَجههَا وَذَلِكَ دَلِيل إتقانه وَلِأَن يزِيد بن الْأَصَم لَا يعادله فِي الضَّبْط والاتقان
وَحَدِيث رد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْنَب على أبي الْعَاصِ رجحنا فِيهِ الْمُثبت للنِّكَاح الْجَدِيد لِأَن من نفى ذَلِك فَهُوَ لم يعْتَمد فِي نَفْيه دَلِيلا مُوجبا الْعلم بِهِ بل عدم الدَّلِيل للإثبات وَهُوَ مُشَاهدَة النِّكَاح الْجَدِيد فتبنى رِوَايَته على اسْتِصْحَاب الْحَال وَهُوَ أَنه عرف النِّكَاح بَينهمَا فِيمَا مضى وَشَاهد ردهَا عَلَيْهِ فروى أَنه ردهَا بِالنِّكَاحِ الأول
وَفِي حَدِيث بَرِيرَة رجحنا الْخَبَر الْمُثبت لحرية الزَّوْج عِنْد عتقهَا لِأَن من يروي أَنه كَانَ عبدا فَهُوَ لم يعْتَمد فِي خَبره دَلِيلا مُوجبا لنفي الْحُرِّيَّة وَلَكِن بنى خَبره على اسْتِصْحَاب الْحَال لعدم علمه بِدَلِيل الْمُثبت للحرية فَلهَذَا رجحنا الْمُثبت
وَمن هَذَا النَّوْع رِوَايَة أنس رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ قَارنا فِي حجَّة الْوَدَاع وَرِوَايَة جَابر رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ مُفردا بِالْحَجِّ فَإنَّا رجحنا خبر الْمُثبت للقران لِأَن من روى الْإِفْرَاد
(2/23)

فَهُوَ مَا اعْتمد دَلِيلا مُوجبا نفى الْقرَان وَلكنه عدم الدَّلِيل الْمُوجب للْعلم بِهِ وَهُوَ أَنه لم يسمع تلبيته بِالْعُمْرَةِ وَسمع التَّلْبِيَة بِالْحَجِّ وَرُوِيَ أَنه كَانَ مُفردا
وَمن ذَلِك حَدِيث بِلَال رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لم يصل فِي الْكَعْبَة مَعَ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه صلى فِيهَا عَام الْفَتْح فَإِنَّهُم اتَّفقُوا أَنه مَا دَخلهَا يَوْمئِذٍ إِلَّا مرّة وَمن أخبر أَنه لم يصل فِيهَا (فَإِنَّهُ) لم يعْتَمد دَلِيلا مُوجبا للْعلم بِهِ وَلكنه لم يعاين صلَاته فِيهَا وَالْآخر عاين ذَلِك فَكَانَ الْمُثبت أولى من النَّافِي
وَمن أهل النّظر من يَقُول يتَخَلَّص عَن التَّعَارُض بِكَثْرَة عدد الروَاة حَتَّى إِذا كَانَ أحد الْخَبَرَيْنِ يرويهِ وَاحِد وَالْآخر يرويهِ اثْنَان فَالَّذِي يرويهِ اثْنَان أولى بِالْعَمَلِ بِهِ
وَاسْتَدَلُّوا بِمَسْأَلَة كتاب الِاسْتِحْسَان فِي الْخَبَر بِطَهَارَة المَاء ونجاسته وَحل الطَّعَام وحرمته أَنه إِذا كَانَ الْمخبر بِأحد الْأَمريْنِ اثْنَيْنِ وبالآخر وَاحِدًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذ بِخَبَر الِاثْنَيْنِ وَهَذَا لِأَن خبر الْمثنى حجَّة تَامَّة فِي الشَّهَادَات بِخِلَاف خبر الْوَاحِد فطمأنينة الْقلب إِلَى خبر الْمثنى أَكثر وَقد اشْتهر عَن الصَّحَابَة الِاعْتِمَاد على خبر الْمثنى دون الْوَاحِد على مَا سبق بَيَانه
وَكَذَلِكَ يتَخَلَّص عَن التَّعَارُض أَيْضا بحريّة الرَّاوِي اسْتِدْلَالا بِمَا ذكر فِي الِاسْتِحْسَان أَنه مَتى كَانَ الْمخبر بِأحد الْأَمريْنِ حُرَّيْنِ وبالآخر عَبْدَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذ بِخَبَر الحرين
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالَّذِي يَصح عِنْدِي أَن هَذَا النَّوْع من التَّرْجِيح قَول مُحَمَّد رَحمَه الله خَاصَّة فقد ذكر نَظِيره فِي السّير الْكَبِير قَالَ أهل الْعلم بالسير ثَلَاث فرق أهل الشَّام وَأهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق فَكل مَا اتّفق فِيهِ الْفَرِيقَانِ (مِنْهُم) على قَول أخذت بذلك وَتركت مَا انْفَرد بِهِ فريق وَاحِد
وَهَذَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْقَائِلين صَار إِلَيْهِ مُحَمَّد وأبى ذَلِك أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف
وَالصَّحِيح مَا قَالَا فَإِن كَثْرَة الْعدَد لَا يكون دَلِيل قُوَّة الْحجَّة قَالَ تَعَالَى {وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين} وَقَالَ تَعَالَى {مَا يعلمهُمْ إِلَّا قَلِيل} وَقَالَ تَعَالَى {وَقَلِيل مَا هم} ثمَّ السّلف من الصَّحَابَة وَغَيرهم لم يرجحوا بِكَثْرَة الْعدَد فِي بَاب الْعَمَل بأخبار الْآحَاد فَالْقَوْل بِهِ يكون
(2/24)

قولا بِخِلَاف إِجْمَاعهم وَلما اتفقنا أَن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل كَخَبَر الْمثنى فَيتَحَقَّق التَّعَارُض بَين الْخَبَرَيْنِ بِنَاء على هَذَا الْإِجْمَاع أَرَأَيْت لَو وصل إِلَى السَّامع أحد الْخَبَرَيْنِ بطرق وَالْآخر بطرِيق وَاحِد أَكَانَ يرجح مَا وصل إِلَيْهِ بطرق إِذا كَانَ رَاوِي الأَصْل وَاحِدًا فَهَذَا لَا يَقُول بِهِ أحد وَلَا يُؤْخَذ حكم رِوَايَة الْأَخْبَار من حكم الشَّهَادَات أَلا ترى أَن فِي رِوَايَة الْأَخْبَار يَقع التَّعَارُض بَين خبر الْمَرْأَة وَخبر الرجل وَبَين خبر الْمَحْدُود فِي الْقَذْف بعد التَّوْبَة وَخبر غير الْمَحْدُود وَبَين خبر الْمثنى وَخبر الْأَرْبَعَة وَإِن كَانَ يظْهر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الشَّهَادَات حَتَّى يثبت بِشَهَادَة الْأَرْبَعَة مَا لَا يثبت بِشَهَادَة الِاثْنَيْنِ وَهُوَ الزِّنَا
وَكَذَلِكَ طمأنينة الْقلب إِلَى قَول الْأَرْبَعَة أَكثر وَمَعَ ذَلِك تتَحَقَّق الْمُعَارضَة بَين شَهَادَة الِاثْنَيْنِ وَشَهَادَة الْأَرْبَعَة فِي الْأَمْوَال ليعلم أَنه لَا يُؤْخَذ حكم الْحَادِثَة من حَادِثَة أُخْرَى مَا لم تعلم الْمُسَاوَاة بَينهمَا من كل وَجه
وَإِنَّمَا رجح خبر الْمثنى على خبر الْوَاحِد وَخبر الحرين على خبر الْعَبْدَيْنِ فِي مَسْأَلَة الِاسْتِحْسَان لظُهُور التَّرْجِيح فِي الْعَمَل بِهِ فِيمَا يرجع إِلَى حُقُوق الْعباد فَأَما فِي أَحْكَام الشَّرْع فخبر الْوَاحِد وَخبر الْمثنى فِي وجوب الْعَمَل بِهِ سَوَاء
وَمن هَذِه الْجُمْلَة إِذا كَانَ فِي أحد الْخَبَرَيْنِ زِيَادَة لم تذكر تِلْكَ الزِّيَادَة فِي الْخَبَر الثَّانِي فمذهبنا فِيهِ أَنه إِذا كَانَ الرَّاوِي وَاحِدًا يُؤْخَذ بالمثبت للزِّيَادَة وَيجْعَل حذف تِلْكَ الزِّيَادَة فِي بعض الطّرق محالا على قلَّة ضبط الرَّاوِي وغفلته عَن السماع وَذَلِكَ مثل مَا يرويهِ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ والسلعة قَائِمَة بِعَينهَا تحَالفا وترادا وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لم تذكر هَذِه الزِّيَادَة فأخذنا بِمَا فِيهِ إِثْبَات هَذِه الزِّيَادَة وَقُلْنَا لَا يجْرِي التَّحَالُف إِلَّا عِنْد قيام السّلْعَة
وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يَقُولَانِ نعمل بِالْحَدِيثين لِأَن الْعَمَل بهما مُمكن فَلَا نشتغل بترجيح أَحدهمَا فِي الْعَمَل بِهِ
وَالصَّحِيح مَا قُلْنَا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن أصل الْخَبَر وَاحِد وَذَلِكَ مُتَيَقن بِهِ وكونهما خبرين مُحْتَمل وبالاحتمال لَا يثبت الْخَبَر وَإِذا كَانَ الْخَبَر وَاحِدًا فَحذف الزِّيَادَة من بعض الروَاة لَيْسَ لَهُ طَرِيق سوى مَا قُلْنَا
وَالثَّانِي أَنا لَو جعلناهما خبرين لم يكن للزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فِي أَحدهمَا فَائِدَة فِيمَا يرجع إِلَى بَيَان الحكم لِأَن الحكم وَاحِد فِي الْخَبَرَيْنِ وَلَا يجوز حمل كَلَام رَسُول الله على مَا فِيهِ إخلاؤه عَن الْفَائِدَة
فَأَما إِذا اخْتلف الرَّاوِي فقد علم أَنَّهُمَا خبران وَأَن النَّبِي
(2/25)

عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا قَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَقت آخر فَيجب الْعَمَل بهما عِنْد الْإِمْكَان كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا فِي أَن الْمُطلق لَا يحمل على الْمُقَيد فِي حكمين
وَبَيَان هَذَا فِيمَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض وَقَالَ لعتاب بن أسيد رَضِي الله عَنهُ انههم عَن أَرْبَعَة عَن بيع مَا لم يقبضوا فَإنَّا نعمل بِالْحَدِيثين وَلَا نجْعَل الْمُطلق مِنْهُمَا مَحْمُولا على الْمُقَيد بِالطَّعَامِ حَتَّى لَا يجوز بيع سَائِر الْعرُوض قبل الْقَبْض كَمَا لَا يجوز بيع الطَّعَام
وَأهل الحَدِيث يجْعَلُونَ الروَاة فِي هَذَا طَبَقَات فَيَقُولُونَ إِذا كَانَت الزِّيَادَة يَرْوِيهَا من هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا يجب الْأَخْذ بذلك وَإِن كَانَت الزِّيَادَة إِنَّمَا يَرْوِيهَا من لَيْسَ فِي الطَّبَقَة الْعليا ويروي الْخَبَر بِدُونِ الزِّيَادَة من هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا فَإِنَّهُ يثبت التَّعَارُض بَينهمَا
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي خبر يرْوى مَوْقُوفا على بعض الصَّحَابَة بطرِيق وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بطرِيق فَإِن كَانَ يرويهِ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام من هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا فَإِنَّهُ يثبت مَرْفُوعا وَإِن كَانَ إِنَّمَا يرويهِ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام من لَيْسَ فِي الطَّبَقَة الْعليا وَيَرْوِيه مَوْقُوفا من هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا فَإِنَّهُ يثبت مَوْقُوفا
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْمسند والمرسل وَلَكِن الْفُقَهَاء لم يَأْخُذُوا بِهَذَا القَوْل لِأَن التَّرْجِيح عِنْد أهل الْفِقْه يكون بِالْحجَّةِ لَا بأعيان الرِّجَال وَالله أعلم

بَاب الْبَيَان
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اخْتلفت عبارَة أَصْحَابنَا فِي معنى الْبَيَان
قَالَ أَكْثَرهم هُوَ إِظْهَار الْمَعْنى وإيضاحه للمخاطب مُنْفَصِلا عَمَّا تستر بِهِ
وَقَالَ بَعضهم هُوَ ظُهُور المُرَاد للمخاطب وَالْعلم بِالْأَمر الَّذِي حصل لَهُ عِنْد الْخطاب وَهُوَ اخْتِيَار أَصْحَاب الشَّافِعِي لِأَن الرجل يَقُول بَان لي هَذَا الْمَعْنى بَيَانا أَي ظهر وَبَانَتْ الْمَرْأَة من زَوجهَا بينونة أَي حرمت وَبَان الحبيب بَينا أَي بعد وكل ذَلِك عبارَة عَن الِانْفِصَال والظهور وَلكنهَا بمعان مُخْتَلفَة فاختلفت المصادر بحسبها
وَالأَصَح هُوَ الأول أَن المُرَاد هُوَ الْإِظْهَار فَإِن أحدا من الْعَرَب لَا يفهم من إِطْلَاق لفظ الْبَيَان الْعلم الْوَاقِع للمبين لَهُ وَلَكِن إِذا قَالَ الرجل بَين فلَان كَذَا بَيَانا وَاضحا فَإِنَّمَا يفهم
(2/26)

مِنْهُ أَنه أظهره إِظْهَارًا لَا يبْقى مَعَه شكّ وَإِذا قيل فلَان ذُو بَيَان فَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْإِظْهَار أَيْضا وَقَول رَسُول الله إِن من الْبَيَان لسحرا يشْهد لما قُلْنَا إِنَّه عبارَة عَن الْإِظْهَار وَقَالَ تَعَالَى {هَذَا بَيَان للنَّاس} وَقَالَ تَعَالَى {علمه الْبَيَان} وَالْمرَاد الْإِظْهَار وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَأْمُورا بِالْبَيَانِ للنَّاس قَالَ تَعَالَى {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} وَقد علمنَا أَنه بَين للْكُلّ
وَمن وَقع لَهُ الْعلم ببيانه أقرّ وَمن لم يَقع لَهُ الْعلم أصر
وَلَو كَانَ الْبَيَان عبارَة عَن الْعلم الْوَاقِع للمبين لما كَانَ هُوَ متمما للْبَيَان فِي حق النَّاس كلهم
وَقَول من يَقُول من أَصْحَابنَا حد الْبَيَان هُوَ الْإِخْرَاج عَن حد الْإِشْكَال إِلَى التجلي لَيْسَ بِقَوي فَإِن هَذَا الْحَد أشكل من الْبَيَان وَالْمَقْصُود بِذكر الْحَد زِيَادَة كشف الشَّيْء لَا زِيَادَة الْإِشْكَال فِيهِ ثمَّ هَذَا الْحَد لبَيَان الْمُجْمل خَاصَّة وَالْبَيَان يكون فِيهِ وَفِي غَيره
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد الْفُقَهَاء وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين أَن الْبَيَان يحصل بِالْفِعْلِ من رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا يحصل بالْقَوْل
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يكون الْبَيَان إِلَّا بالْقَوْل بِنَاء على أصلهم أَن بَيَان الْمُجْمل لَا يكون إِلَّا مُتَّصِلا بِهِ وَالْفِعْل لَا يكون مُتَّصِلا بالْقَوْل
فَأَما عندنَا بَيَان الْمُجْمل قد يكون مُتَّصِلا بِهِ وَقد يكون مُنْفَصِلا عَنهُ على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ الدَّلِيل على أَن الْبَيَان قد يحصل بِالْفِعْلِ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بَين مَوَاقِيت الصَّلَاة للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِالْفِعْلِ حَيْثُ أمه فِي الْبَيْت فِي الْيَوْمَيْنِ وَلما سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مَوَاقِيت الصَّلَاة قَالَ للسَّائِل صل مَعنا ثمَّ صلى فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَبين لَهُ الْمَوَاقِيت بِالْفِعْلِ وَقَالَ لأَصْحَابه خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَفِي هَذَا تنصيص على أَن فعله مُبين لَهُم وَلِأَن الْبَيَان عبارَة عَن إِظْهَار المُرَاد فَرُبمَا يكون ذَلِك بِالْفِعْلِ أبلغ مِنْهُ بالْقَوْل أَلا ترى أَنه أَمر أَصْحَابه بِالْحلقِ عَام الْحُدَيْبِيَة فَلم يَفْعَلُوا ثمَّ لما رَأَوْهُ حلق بِنَفسِهِ حَلقُوا فِي الْحَال فَعرفنَا أَن إِظْهَار المُرَاد يحصل بِالْفِعْلِ كَمَا يحصل بالْقَوْل
ثمَّ الْبَيَان على خَمْسَة أوجه بَيَان تَقْرِير وَبَيَان تَفْسِير وَبَيَان تَغْيِير وَبَيَان تَبْدِيل وَبَيَان ضَرُورَة
للخصوص فَيكون الْبَيَان قَاطعا للاحتمال مقررا للْحكم على مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِر وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ} فصيغة
(2/27)

فَأَما بَيَان التَّقْرِير فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة الَّذِي يحْتَمل الْمجَاز وَالْعَام الْمُحْتَمل الْجمع تعم الْمَلَائِكَة على احْتِمَال أَن يكون المُرَاد بَعضهم وَقَوله تَعَالَى {كلهم أَجْمَعُونَ} بَيَان قَاطع لهَذَا الِاحْتِمَال فَهُوَ بَيَان التَّقْرِير
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا طَائِر يطير بجناحيه} يحْتَمل الْمجَاز لِأَن الْبَرِيد يُسمى طائرا فَإِذا قَالَ يطير بجناحيه بَين أَنه أَرَادَ الْحَقِيقَة
وَهَذَا الْبَيَان صَحِيح مَوْصُولا كَانَ أَو مَفْصُولًا لِأَنَّهُ مُقَرر للْحكم الثَّابِت بِالظَّاهِرِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق ثمَّ قَالَ نَوَيْت بِهِ الطَّلَاق عَن النِّكَاح أَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر ثمَّ قَالَ نَوَيْت بِهِ الْحُرِّيَّة عَن الرّقّ وَالْملك فَإِنَّهُ يكون ذَلِك بَيَانا صَحِيحا لِأَنَّهُ تَقْرِير للْحكم الثَّابِت بِظَاهِر الْكَلَام لَا تَغْيِير لَهُ
وَأما بَيَان التَّفْسِير فَهُوَ بَيَان الْمُجْمل والمشترك فَإِن الْعَمَل بِظَاهِرِهِ غير مُمكن وَإِنَّمَا يُوقف على المُرَاد للْعَمَل بِهِ بِالْبَيَانِ فَيكون الْبَيَان تَفْسِيرا لَهُ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} وَقَوله تَعَالَى {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} وَنَظِيره من مسَائِل الْفِقْه إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت بَائِن أَو أَنْت عَليّ حرَام فَإِن الْبَيْنُونَة وَالْحُرْمَة مُشْتَركَة فَإِذا قَالَ عنيت بِهِ الطَّلَاق كَانَ هَذَا بَيَان تَفْسِير ثمَّ بعد التَّفْسِير الْعَمَل بِأَصْل الْكَلَام وَلِهَذَا أثبتنا بِهِ الْبَيْنُونَة وَالْحُرْمَة
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم وَفِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة ثمَّ قَالَ عنيت بِهِ نقد كَذَا فَإِنَّهُ يكون ذَلِك بَيَان تَفْسِير
وَسَائِر الْكِنَايَات فِي الطَّلَاق وَالْعتاق على هَذَا أَيْضا
ثمَّ هَذَا النَّوْع يَصح عِنْد الْفُقَهَاء مَوْصُولا ومفصولا وَتَأْخِير الْبَيَان عَن أصل الْكَلَام لَا يُخرجهُ من أَن يكون بَيَانا وعَلى قَول بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والمشترك عَن أصل الْكَلَام لِأَن بِدُونِ الْبَيَان لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ وَالْمَقْصُود بِالْخِطَابِ فهمه وَالْعَمَل بِهِ فَإِذا كَانَ ذَلِك لَا يحصل بِدُونِ الْبَيَان فَلَو جَوَّزنَا
(2/28)

تَأْخِير الْبَيَان أدّى إِلَى تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع يُوضحهُ أَنه لَا يحسن خطاب الْعَرَبِيّ بلغَة التركية وَلَا خطاب التركي بلغَة الْعَرَب إِذا علم أَنه لَا يفهم ذَلِك إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ ترجمان يبين لَهُ وَإِنَّمَا لَا يحسن ذَلِك لِأَن الْمَقْصُود بِالْخِطَابِ إفهام السَّامع وَهُوَ لَا يفهم فَكَذَلِك الْخطاب بِلَفْظ مُجمل بِدُونِ بَيَان يقْتَرن بِهِ لَا يكون حسنا شرعا لِأَن الْمُخَاطب لَا يفهم المُرَاد بِهِ وَإِنَّمَا يَصح مَعَ الْبَيَان لِأَن الْمُخَاطب يفهم المُرَاد بِهِ
وَلَكنَّا نقُول الْخطاب بالمجمل قبل الْبَيَان مُفِيد وَهُوَ الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد بِهِ مَعَ انْتِظَار الْبَيَان للْعَمَل بِهِ وَإِنَّمَا يكون هَذَا تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع أَن لَو أَوجَبْنَا الْعَمَل بِهِ قبل الْبَيَان وَلَا نوجب ذَلِك وَلَكِن الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِيهِ أهم من الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ بِهِ فَكَانَ حسنا صَحِيحا من هَذَا الْوَجْه أَلا ترى أَن الِابْتِلَاء بالمتشابه كَانَ باعتقاد الحقية فِيمَا هُوَ المُرَاد بِهِ من غير انْتِظَار الْبَيَان فَلِأَن يكون الِابْتِلَاء باعتقاد الحقية فِي الْمُجْمل مَعَ انْتِظَار الْبَيَان صَحِيحا كَانَ أولى
ومخاطبة الْعَرَبِيّ بلغ التركية تَخْلُو عَن هَذِه الْفَائِدَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم} وَبَيَان مَا قُلْنَا فِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ معلمه فَإِنَّهُ كَانَ مبتلى باعتقاد الحقية فِيمَا فعله معلمه مَعَ انْتِظَار الْبَيَان وَمَا كَانَ سُؤَاله فِي كل مرّة إِلَّا استعجالا مِنْهُ للْبَيَان الَّذِي كَانَ منتظرا لَهُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَمَا بَينه لَهُ مَا أخبر الله عَن معلمه {ذَلِك تَأْوِيل مَا لم تسطع عَلَيْهِ صبرا}
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز تَأْخِير دَلِيل الْخُصُوص فِي الْعُمُوم فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله دَلِيل الْخُصُوص إِذا اقْترن بِالْعُمُومِ يكون بَيَانا وَإِذا تَأَخّر لم يكن بَيَانا بل يكون نسخا
وَقَالَ الشَّافِعِي يكون بَيَانا سَوَاء كَانَ مُتَّصِلا بِالْعُمُومِ أَو مُنْفَصِلا عَنهُ
وَإِنَّمَا يبتنى هَذَا الْخلاف على الأَصْل الَّذِي قُلْنَا إِن مُطلق الْعَام عندنَا يُوجب الحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا كالخاص وَعند الشَّافِعِي يُوجب الحكم على احْتِمَال الْخُصُوص بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي ثَبت خصوصه بِالدَّلِيلِ فَيكون دَلِيل الْخُصُوص على مذْهبه فيهمَا بَيَان التَّفْسِير لَا بَيَان التَّغْيِير فَيصح مَوْصُولا ومفصولا
وَعِنْدنَا لما
(2/29)

كَانَ الْعَام الْمُطلق مُوجبا للْحكم قطعا فدليل الْخُصُوص فِيهِ يكون مغيرا لهَذَا الحكم فَإِن الْعَام الَّذِي دخله خُصُوص لَا يكون حكمه عندنَا مثل حكم الْعَام الَّذِي لم يدْخلهُ خُصُوص وَبَيَان التَّغْيِير إِنَّمَا يكون مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا على مَا يَأْتِيك بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وعَلى هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِذا أوصى لرجل بِخَاتم وَلآخر بفصه فَإِن كَانَ فِي كَلَام مَوْصُول فَهُوَ بَيَان وَتَكون الْحلقَة لأَحَدهمَا والفص للْآخر وَإِن كَانَ فِي كَلَام مفصول فَإِنَّهُ لَا يكون بَيَانا وَلَكِن يكون إِيجَاب الفص للْآخر ابْتِدَاء حَتَّى يَقع التَّعَارُض بَينهمَا فِي الفص فَتكون الْحلقَة للْمُوصى لَهُ بالخاتم والفص بَينهمَا نِصْفَانِ
وَأما بَيَان الْمُجْمل فَلَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة بل هُوَ بَيَان مَحْض لوُجُود شَرطه وَهُوَ كَون اللَّفْظ مُحْتملا غير مُوجب للْعَمَل بِهِ بِنَفسِهِ وَاحْتِمَال كَون الْبَيَان الملحق بِهِ تَفْسِيرا وإعلاما لما هُوَ المُرَاد بِهِ فَيكون بَيَانا من كل وَجه وَلَا يكون مُعَارضا فَيصح مَوْصُولا ومفصولا وَدَلِيل الْخُصُوص فِي الْعَام لَيْسَ بِبَيَان من كل وَجه بل هُوَ بَيَان من حَيْثُ احْتِمَال صِيغَة الْعُمُوم للخصوص وَهُوَ ابْتِدَاء دَلِيل معَارض من حَيْثُ كَون الْعَام مُوجبا الْعَمَل بِنَفسِهِ فِيمَا تنَاوله فَيكون بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط فَيصح مَوْصُولا على أَنه بَيَان وَيكون مُعَارضا نَاسِخا للْحكم الأول إِذا كَانَ مَفْصُولًا
وَقد بَينا أَدِلَّة هَذَا الأَصْل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْخلاف وَإِنَّمَا أعدناه هُنَا للْحَاجة إِلَى الْجَواب عَن نُصُوص وَشبه يحْتَج بهَا الْخصم
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه ثمَّ إِن علينا بَيَانه} وَثمّ للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي فقد ضمن الْبَيَان بعد إِلْزَام الِاتِّبَاع وإلزام الِاتِّبَاع إِنَّمَا يكون بِالْعَام دون الْمُجْمل إِذْ المُرَاد بالاتباع الْعَمَل بِهِ فَعرفنَا أَن الْبَيَان الَّذِي هُوَ خُصُوص قد يتَأَخَّر عَن الْعُمُوم
وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك} وَعُمُوم اسْم الْأَهْل يتَنَاوَل ابْنه ولأجله كَانَ سُؤال نوح بقوله {إِن ابْني من أَهلِي} ثمَّ بَين الله تَعَالَى لَهُ بقوله تَعَالَى {إِنَّه لَيْسَ من أهلك} وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَعَ ضَيفه الْمُكرمين {إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة} وَعُمُوم هَذَا اللَّفْظ يتَنَاوَل لوطا وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِن فِيهَا لوطا ثمَّ بينوا لَهُ فَقَالُوا {لننجينه وَأَهله} فَدلَّ أَن دَلِيل الْخُصُوص يجوز أَن ينْفَصل عَن الْعُمُوم
وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم}
(2/30)

ثمَّ لما عَارضه ابْن الزبعري بِعِيسَى وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام نزل دَلِيل الْخُصُوص {إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون} وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قصَّة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُم أمروا بِذبح بقرة كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة} ثمَّ لما استوصفوها بَين لَهُم صفتهَا وَكَانَ ذَلِك دَلِيل الْخُصُوص على وَجه الْبَيَان مُنْفَصِلا عَن أصل الْخطاب
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن آيَة الْمَوَارِيث عَامَّة فِي إِيجَاب الْمِيرَاث للأقارب كفَّارًا كَانُوا أَو مُسلمين ثمَّ بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْإِرْث يكون عِنْد الْمُوَافقَة فِي الدّين لَا عِنْد الْمُخَالفَة فَيكون هَذَا تَخْصِيصًا مُنْفَصِلا عَن دَلِيل الْعُمُوم وَقَوله تَعَالَى {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} عَام فِي تَأْخِير الْمِيرَاث عَن الْوَصِيَّة فِي جَمِيع المَال ثمَّ بَيَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْوَصِيَّة تخْتَص بِالثُّلثِ تَخْصِيص مُنْفَصِل عَن دَلِيل الْعُمُوم فَدلَّ على أَن ذَلِك جَائِز وَلَا يخرج بِهِ من أَن يكون بَيَانا وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى {وَلِذِي الْقُرْبَى} فَإِنَّهُ عَام تَأَخّر بَيَان خصوصه إِلَى أَن كلم عُثْمَان وَجبير بن مطعم رَضِي الله عَنْهُمَا رَسُول الله فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب كشيء وَاحِد وَقَالَ إِنَّهُم لم يُفَارِقُونِي فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام
ثمَّ قَالُوا تَأْخِير الْبَيَان فِي الْأَعْيَان مُعْتَبر بِتَأْخِير الْبَيَان فِي الْأَزْمَان وبالاتفاق يجوز أَن يرد لفظ مطلقه يَقْتَضِي عُمُوم الْأَزْمَان ثمَّ يتَأَخَّر عَنهُ بَيَان أَن المُرَاد بعض الْأَزْمَان دون الْبَعْض بالنسخ فَكَذَلِك يجوز أَن يرد لفظ ظَاهره يَقْتَضِي عُمُوم الْأَعْيَان ثمَّ يتَأَخَّر عَنهُ دَلِيل الْخُصُوص الَّذِي يتَبَيَّن بِهِ أَن المُرَاد بعض الْأَعْيَان دون الْبَعْض
وَحجَّتنَا فِيهِ أَن الْخصم يوافقنا بالْقَوْل فِي الْعُمُوم وَبطلَان مَذْهَب من يَقُول بِالْوَقْفِ فِي الْعُمُوم وَقد أوضحنا ذَلِك بِالدَّلِيلِ
ثمَّ من ضَرُورَة القَوْل بِالْعُمُومِ لُزُوم اعْتِقَاد الْعُمُوم فِيهِ وَالْقَوْل بِجَوَاز تَأْخِير دَلِيل الْخُصُوص يُؤَدِّي إِلَى أَن يُقَال يلْزمنَا اعْتِقَاد الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد
وكما يجب اعْتِقَاد الْعُمُوم عِنْد وجود صِيغَة الْعُمُوم يجوز الْإِخْبَار بِهِ أَيْضا فَيُقَال إِنَّه عَام
وَفِي جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان بِدَلِيل الْخُصُوص يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِجَوَاز الْكَذِب فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ بَاطِل
(2/31)

وَهَذَا بِخِلَاف النّسخ فَإِن الْوَاجِب اعْتِقَاد الحقية فِي الحكم النَّازِل فَأَما فِي حَيَاة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام فَمَا كَانَ يجب اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِي ذَلِك الحكم وَلَا إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ مؤبد لِأَن الْوَحْي كَانَ ينزل سَاعَة فساعة ويتبدل الحكم كَالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَتَحْرِيم شرب الْخمر وَمَا أشبه ذَلِك وَإِنَّمَا اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِيهِ وَإِطْلَاق القَوْل بِهِ بعد رَسُول الله لقِيَام الدَّلِيل على أَن شَرِيعَته لَا تنسخ بعده بشريعة أُخْرَى
فَأَما قَوْله تَعَالَى {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} فَنَقُول بالِاتِّفَاقِ لَيْسَ المُرَاد جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن فَإِن الْبَيَان من الْقُرْآن أَيْضا فَيُؤَدِّي هَذَا القَوْل بِأَن لذَلِك الْبَيَان بَيَانا إِلَى مَا لَا يتناهى وَإِنَّمَا المُرَاد بعض مَا فِي الْقُرْآن وَهُوَ الْمُجْمل الَّذِي يكون بَيَانه تَفْسِيرا لَهُ وَنحن نجوز تَأْخِير الْبَيَان فِي مثله فَأَما فِيمَا يكون مغيرا أَو مبدلا للْحكم إِذا اتَّصل بِهِ فَإِذا تَأَخّر عَنهُ يكون نسخا وَلَا يكون بَيَانا مَحْضا وَدَلِيل الْخُصُوص فِي الْعَام بِهَذِهِ الصّفة
وَنَظِيره المحكمات الَّتِي هن أم الْكتاب فَإِن فِيهَا مَا لَا يحْتَمل النّسخ وَيحْتَمل بَيَان التَّقْرِير كصفات الله جلّ جَلَاله فَكَذَلِك مَا ورد من الْعَام مُطلقًا قُلْنَا إِنَّه يحْتَمل الْبَيَان الَّذِي هُوَ نسخ وَلكنه لَا يحْتَمل الْبَيَان الْمَحْض وَهُوَ مَا يكون تَفْسِيرا لَهُ إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَنهُ
فَأَما قَوْله تَعَالَى {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلك} قُلْنَا الْبَيَان هُنَا مَوْصُول فَإِنَّهُ قَالَ {إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل} وَالْمرَاد مَا سبق من وعد إهلاك الْكفَّار بقوله تَعَالَى {إِنَّهُم مغرقون}
فَإِن قيل فَفِي ذَلِك الْوَعْد نهي لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن الْكَلَام فيهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَا تخاطبني فِي الَّذين ظلمُوا} فَلَو كَانَ قَوْله {إِلَّا من سبق عَلَيْهِ القَوْل} منصرفا إِلَى ذَلِك لما استجاز نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام سُؤال ابْنه بقوله {إِن ابْني من أَهلِي} قُلْنَا إِنَّمَا سَأَلَ لِأَنَّهُ كَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَان وَكَانَ يظنّ فِيهِ أَنه يُؤمن حِين تنزل الْآيَة الْكُبْرَى وامتد رجاؤه لذَلِك إِلَى أَن آيسه الله تَعَالَى من ذَلِك بقوله تَعَالَى {إِنَّه عمل غير صَالح} فَأَعْرض عَنهُ عِنْد ذَلِك وَقَالَ {رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم} وَنَظِيره اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِأَبِيهِ (بِنَاء على رَجَاء أَن يُؤمن كَمَا وعد وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ}
(2/32)

ثمَّ قَوْله تَعَالَى {وَأهْلك} مَا تنَاول ابْنه الْكَافِر لِأَن أهل الْمُرْسلين من يتابعهم على دينهم وعَلى هَذَا لفظ الْأَهْل كَانَ مُشْتَركا فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد الْأَهْل من حَيْثُ النّسَب وَاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد الْأَهْل من حَيْثُ الْمُتَابَعَة فِي الدّين فَلهَذَا سَأَلَ الله فَبين الله لَهُ أَن المُرَاد أَهله من حَيْثُ الْمُتَابَعَة فِي الدّين وَأَن ابْنه الْكَافِر لَيْسَ من أَهله وَتَأْخِير الْبَيَان فِي الْمُشْتَرك صَحِيح عندنَا
فَأَما قَوْله تَعَالَى {إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة} فالبيان هُنَا مَوْصُول فِي هَذِه الْآيَة بقوله {إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين} وَفِي مَوضِع آخر بقوله {إِلَّا آل لوط}
فَإِن قيل فَمَا معنى سُؤال إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الرُّسُل بقوله {إِن فِيهَا لوطا} قُلْنَا فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا أَن الْعَذَاب النَّازِل قد يخص الظَّالِمين كَمَا فِي قصَّة أَصْحَاب السبت وَقد يُصِيب الْكل فَيكون عذَابا فِي حق الظَّالِمين ابتلاء فِي حق المطيعين كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} فَأَرَادَ الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَن يبين لَهُ أَن عَذَاب أهل تِلْكَ الْقرْيَة من أَي الطَّرِيقَيْنِ وَأَن يعلم أَن لوطا عَلَيْهِ السَّلَام هَل ينجو من ذَلِك أم يبتلى بِهِ وَالثَّانِي أَنه علم يَقِينا أَن لوطا لَيْسَ من المهلكين مَعَهم وَلكنه خصّه فِي سُؤَاله لِيَزْدَادَ طمأنينة وليكون فِيهِ زِيَادَة تَخْصِيص للوط
وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى {رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى} وَقد كَانَ عَالما متيقنا بإحياء الْمَوْتَى وَلَكِن سَأَلَهُ لينضم العيان إِلَى مَا كَانَ لَهُ من علم الْيَقِين فَيَزْدَاد بِهِ طمأنينة قلبه
فَأَما قَوْله تَعَالَى {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم} فقد قيل إِن هَذَا الْخطاب كَانَ لأهل مَكَّة وهم كَانُوا عَبدة الْأَوْثَان وَمَا كَانَ فيهم من يعبد عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْمَلَائِكَة فَلم يكن أصل الْكَلَام متناولا لَهُم
وَالْأَوْجه أَن يَقُول إِن فِي صِيغَة الْكَلَام مَا هُوَ دَلِيل ظَاهر على أَنه غير متناول لَهُم فَإِن كلمة مَا يعبر بهَا عَن ذَات مَا لَا يعقل وَإِنَّمَا يعبر عَن ذَات من يعقل بِكَلِمَة من إِلَّا أَن الْقَوْم كَانُوا متعنتين يجادلون بِالْبَاطِلِ بعد مَا تبين لَهُم فحين عارضوا بِعِيسَى وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِ السَّلَام على رَسُول لمن عارضوا بِهِ وَقد كَانُوا أهل اللِّسَان فَأَعْرض عَن جوابهم امتثالا بقوله تَعَالَى {وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ} ثمَّ بَين الله تَعَالَى تعنتهم الله عَلَيْهِ السَّلَام تعنتهم فِي ذَلِك وَأَنَّهُمْ يعلمُونَ أَن الْكَلَام غير
(2/33)

متناول فِيمَا عارضوا بِهِ بقوله {إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون} وَمثل هَذَا الْكَلَام يكون ابْتِدَاء كَلَام هُوَ حسن وَإِن لم يكن مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي حق من لَا يتعنت وَإِنَّمَا كلامنا فِيمَا يكون مُحْتَاجا إِلَيْهِ من الْبَيَان ليوقف بِهِ على مَا هُوَ المُرَاد
وَالَّذِي يُوضح تعنت الْقَوْم أَنهم كَانُوا يسمونه مرّة ساحرا وَمرَّة مَجْنُونا وَبَين الوصفين تنَاقض بَين فالساحر من يكون حاذقا فِي عمله حَتَّى يلبس على الْعُقَلَاء وَالْمَجْنُون من لَا يكون مهتديا إِلَى الْأَعْمَال والأقوال على مَا عَلَيْهِ أصل الْوَضع وَلَكنهُمْ لشدَّة الْحَسَد كَانُوا يتعنتون وينسبونه إِلَى مَا يَدْعُو إِلَى تنفير النَّاس عَنهُ من غير تَأمل فِي التَّحَرُّز عَن التَّنَاقُض واللغو
فَأَما قصَّة بقرة بني إِسْرَائِيل فَنَقُول كَانَ ذَلِك بَيَانا بِالزِّيَادَةِ على النَّص وَهُوَ يعدل النّسخ عندنَا والنسخ إِنَّمَا يكون مُتَأَخِّرًا عَن أصل الْخطاب وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ لَو أَنهم عَمدُوا إِلَى أَي بقرة كَانَت فذبحوها لأجزأت عَنْهُم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم
فَدلَّ أَن الْأَمر الأول قد كَانَ فِيهِ تَخْفيف وَأَنه قد انتسخ ذَلِك بِأَمْر فِيهِ تَشْدِيد عَلَيْهِم
فَأَما قَوْله {وَلِذِي الْقُرْبَى} فقد قيل إِنَّه مُشْتَرك يحْتَمل أَن يكون المُرَاد قربى النُّصْرَة وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد قربى الْقَرَابَة فَلهَذَا سَأَلَ عُثْمَان وَجبير بن مطعم رَضِي الله عَنْهُمَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك وَبَين لَهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن المُرَاد قربى النُّصْرَة
أَو نقُول قد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد من يُنَاسِبه إِلَى أقْصَى أَب فَإِن ذَلِك يُوجب دُخُول جَمِيع بني آدم فِيهِ وَلَكِن فِيهِ إِشْكَال أَن المُرَاد من يُنَاسِبه بِأَبِيهِ خَاصَّة أَو بجده أَو أَعلَى من ذَلِك فَبين رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام أَن المُرَاد من يُنَاسِبه إِلَى هَاشم ثمَّ ألحق بهم بني الْمطلب لانضمامهم إِلَى بني هَاشم فِي الْقيام بنصرته فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام فَلم يكن هَذَا الْبَيَان من تَخْصِيص الْعَام فِي شَيْء بل هَذَا بَيَان المُرَاد فِي الْعَام الَّذِي يتَعَذَّر فِيهِ القَوْل بِالْعُمُومِ وَقد بَينا أَن مثل هَذَا الْعَام فِي حكم الْعَمَل بِهِ كالمجمل كَمَا فِي قَوْله {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير} فَيكون الْبَيَان تَفْسِيرا لَهُ فَلهَذَا صَحَّ مُتَأَخِّرًا
فَأَما تَقْيِيد حكم الْمِيرَاث بالموافقة فِي الدّين
(2/34)

فَهُوَ زِيَادَة على النَّص وَهُوَ يعدل النّسخ عندنَا فَلَا يكون بَيَانا مَحْضا
فَأَما قصر حكم تَنْفِيذ الْوَصِيَّة على الثُّلُث وجوبا قبل الْمِيرَاث فَيحْتَمل أَن السّنة المبينة لَهُ كَانَت قبل نزُول آيَة الْمِيرَاث فَيكون ذَلِك بَيَانا مُقَارنًا لما نزل فِي حَقنا بِاعْتِبَار الْمَعْنى فَإِنَّهُ لما سبق علمنَا بِمَا نزل كَانَ من ضَرُورَته أَن يكون مُقَارنًا لَهُ
فَأَما الْبَيَان الْمُتَأَخر فِي الْأَزْمَان فَهُوَ نسخ وَنحن لَا ندعي إِلَّا هَذَا فَإنَّا نقُول إِنَّمَا يكون دَلِيل الْخُصُوص بَيَانا مَحْضا إِذا كَانَ مُتَّصِلا بِالْعَام فَأَما إِذا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنهُ يكون نسخا
فَتبين أَن مَا اسْتدلَّ بِهِ من الْحجَّة هُوَ لنا عَلَيْهِ
وسنقرره فِي بَاب النّسخ إِن شَاءَ الله تَعَالَى

فصل فِي بَيَان التَّغْيِير والتبديل
أما بَيَان التَّغْيِير هُوَ الِاسْتِثْنَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} فَإِن الْألف اسْم مَوْضُوع لعدد مَعْلُوم فَمَا يكون دون ذَلِك الْعدَد يكون غَيره لَا محَالة فلولا الِاسْتِثْنَاء لَكَانَ الْعلم يَقع لنا بِأَنَّهُ لبث فيهم ألف سنة وَمَعَ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يَقع الْعلم لنا بِأَنَّهُ لبث فيهم تِسْعمائَة وَخمسين عَاما فَيكون هَذَا تغييرا لما كَانَ مُقْتَضى مُطلق تَسْمِيَة الْألف
وَبَيَان التبديل هُوَ التَّعْلِيق بِالشّرطِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ} فَإِنَّهُ يتَبَيَّن بِهِ أَنه لَا يجب إيتَاء الْأجر بعد العقد إِذا لم يُوجد الْإِرْضَاع وَإِنَّمَا يجب ابْتِدَاء عِنْد وجود الْإِرْضَاع فَيكون تبديلا لحكم وجوب أَدَاء الْبَدَل بِنَفس العقد
وَإِنَّمَا سمينا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْم لما ظهر من أثر كل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن حد الْبَيَان غير حد النّسخ لِأَن الْبَيَان إِظْهَار حكم الْحَادِثَة عِنْد وجوده ابْتِدَاء والنسخ رفع للْحكم بعد الثُّبُوت وَعند وجود الشَّرْط يثبت الحكم ابْتِدَاء وَلَكِن بِكَلَام كَانَ سَابِقًا على وجود الشَّرْط تكلما بِهِ إِلَّا أَنه لم يكن مُوجبا حكمه إِلَّا عِنْد وجود الشَّرْط فَكَانَ بَيَانا من حَيْثُ إِن الحكم ثَبت عِنْد وجوده ابْتِدَاء وَلم يكن نسخا صُورَة من حَيْثُ إِن النّسخ هُوَ رفع الحكم بعد ثُبُوته فِي مَحَله فَكَانَ تبديلا من حَيْثُ إِن مُقْتَضى قَوْله لعَبْدِهِ أَنْت حر نزُول الْعتْق
(2/35)

فِي الْمحل واستقراره فِيهِ وَأَن يكون عِلّة للْحكم بِنَفسِهِ وبذكر الشَّرْط يتبدل ذَلِك كُله لِأَنَّهُ يتَبَيَّن بِهِ أَنه لَيْسَ بعلة تَامَّة للْحكم قبل الشَّرْط وَأَنه لَيْسَ بِإِيجَاب لِلْعِتْقِ بل هُوَ يَمِين وَأَن مَحَله الذِّمَّة حَتَّى لَا يصل إِلَى العَبْد إِلَّا بعد خُرُوجه من أَن يكون يَمِينا بِوُجُود الشَّرْط فَعرفنَا أَنه تَبْدِيل
وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاء فَإِن قَوْله لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم مُقْتَضَاهُ وجوب الْعدَد الْمُسَمّى فِي ذمَّته ويتغير ذَلِك بقوله إِلَّا مائَة لَا على طَرِيق أَنه يرْتَفع بعض مَا كَانَ وَاجِبا ليَكُون نسخا فَإِن هَذَا فِي الْإِخْبَار غير مُحْتَمل وَلَكِن على طَرِيق أَنه يصير عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى فَيكون إِخْبَارًا عَن وجوب تِسْعمائَة فَقَط فَعرفنَا أَنه تَغْيِير لمقْتَضى صِيغَة الْكَلَام الأول وَلَيْسَ بتبديل إِنَّمَا التبديل أَن يخرج كَلَامه من أَن يكون إِخْبَارًا بِالْوَاجِبِ أصلا فَلهَذَا سميناه بَيَان التَّغْيِير
ثمَّ لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الْبَيَان أَنه يَصح مَوْصُولا بالْكلَام وَلَا يَصح مَفْصُولًا مِمَّن لَا يملك النّسخ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفيَّة إِعْمَال الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط
فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا مُوجب الِاسْتِثْنَاء أَن الْكَلَام بِهِ يصير عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَأَنه يَنْعَدِم ثُبُوت الحكم فِي الْمُسْتَثْنى لِانْعِدَامِ الدَّلِيل الْمُوجب لَهُ مَعَ صُورَة التَّكَلُّم بِهِ بِمَنْزِلَة الْغَايَة فِيمَا يقبل التَّوْقِيت فَإِنَّهُ يَنْعَدِم الحكم فِيمَا وَرَاء الْغَايَة لِانْعِدَامِ الدَّلِيل الْمُوجب لَهُ لَا لِأَن الْغَايَة توجب نفي الحكم فِيمَا وَرَاءه
وعَلى قَول الشَّافِعِي الحكم لَا يثبت فِي الْمُسْتَثْنى لوُجُود الْمعَارض كَمَا أَن دَلِيل الْخُصُوص يمْنَع ثُبُوت حكم الْعَام فِيمَا يتَنَاوَلهُ دَلِيل الْخُصُوص لوُجُود الْمعَارض
وَكَذَلِكَ الشَّرْط عندنَا فَإِنَّهُ يمْنَع ثُبُوت الحكم فِي الْمحل لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة لَهُ حكما مَعَ صُورَة التَّكَلُّم بِهِ لَا لِأَن الشَّرْط مَانع من وجود الْعلَّة وعَلى قَوْله الشَّرْط مَانع للْحكم مَعَ وجود علته
وَالْكَلَام فِي فصل الشَّرْط قد تقدم بَيَانه إِنَّمَا الْكَلَام هُنَا فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بِاتِّفَاق أهل اللِّسَان أَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَمن الْإِثْبَات نفي فَهَذَا تنصيص على أَن الِاسْتِثْنَاء مُوجب مَا هُوَ ضد مُوجب أصل الْكَلَام على وَجه الْمُعَارضَة لَهُ فِي الْمُسْتَثْنى وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى {قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته}
(2/36)

فالاستثناء الأول كَانَ من المهلكين ثمَّ فهم مِنْهُ الإنجاء وَالِاسْتِثْنَاء الثَّانِي من المنجين فَإِنَّمَا فهم مِنْهُ أَنهم من المهلكين
وعَلى هَذَا قَالُوا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ يلْزمه تِسْعَة لِأَن الِاسْتِثْنَاء الأول من الْإِثْبَات فَكَانَ نفيا وَالِاسْتِثْنَاء الثَّانِي من النَّفْي فَكَانَ إِثْبَاتًا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم} أَي إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم لم يشْربُوا فقد نَص على هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا إِبْلِيس لم يكن من الساجدين} وَإِذا ثَبت أَن المُرَاد بالْكلَام هَذَا كَانَ فِي مُوجبه كالمنصوص عَلَيْهِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ كلمة الشَّهَادَة فَإِنَّهَا كلمة التَّوْحِيد لاشتمالها على النَّفْي وَالْإِثْبَات وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك إِذا جعل كَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا الله فَإِنَّهُ هُوَ الْإِلَه وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن صِيغَة الْإِيجَاب إِذا صَحَّ من الْمُتَكَلّم فَهُوَ مُفِيد حكمه إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع وبالاستثناء لَا يَنْتَفِي التَّكَلُّم بِكَلَام صَحِيح فِي جَمِيع مَا تنَاوله أصل الْكَلَام وَلَو لم يكن الِاسْتِثْنَاء مُوجبا هُوَ معَارض مَانع لما امْتنع ثُبُوت الحكم فِيهِ لِأَن بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يخرج من أَن يكون متكلما بِهِ فِيهِ لِاسْتِحَالَة أَن يكون متكلما بِهِ غير مُتَكَلم فِي كَلَام وَاحِد وَلَكِن يجوز أَن يكون متكلما بِهِ وَيمْتَنع ثُبُوت الحكم فِيهِ لمَانع منع مِنْهُ كَمَا فِي البيع بِشَرْط الْخِيَار فَعرفنَا أَن الطَّرِيق الصَّحِيح فِي الِاسْتِثْنَاء هَذَا وَعَلِيهِ خرج مذْهبه فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا الَّذين تَابُوا} فِي آيَة الْقَذْف إِن المُرَاد إِلَّا الَّذين تَابُوا فَأُولَئِك هم الصالحون وَتقبل شَهَادَتهم إِلَّا أَنه لَا يتَنَاوَل هَذَا الِاسْتِثْنَاء الْجلد على وَجه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء لبَعض الْأَحْوَال بِإِيجَاب حكم فِيهِ سوى الحكم الأول وَهُوَ حَال مَا بعد التَّوْبَة فَيخْتَص بِمَا يحْتَمل التَّوْقِيت دون مَا لَا يحْتَمل التَّوْقِيت وَإِقَامَة الْجلد لَا يحْتَمل ذَلِك فَأَما رد الشَّهَادَة والتفسيق يحْتَمل ذَلِك
وَقَالَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء إِن المُرَاد لَكِن إِن جعلتموه سَوَاء بِسَوَاء فبيعوا أَحدهمَا بِالْآخرِ حَتَّى أثبت بِالْحَدِيثِ حكمين حكم الْحُرْمَة لمُطلق الطَّعَام (بِالطَّعَامِ) فأثبته فِي الْقَلِيل وَالْكثير وَحكم الْحل بِوُجُود الْمُسَاوَاة كَمَا هُوَ مُوجب الِاسْتِثْنَاء فَيخْتَص بالكثير الَّذِي يقبل الْمُسَاوَاة
وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى {فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون}
(2/37)

فِي أَن الثَّابِت بِهِ حكمان حكم بِنصْف الْمَفْرُوض بِالطَّلَاق فَيكون عَاما فِيمَن يَصح مِنْهُ الْعَفو وَمن لَا يَصح الْعَفو مِنْهُ نَحْو الصَّغِيرَة والمجنونة وَحكم سُقُوط الْكل بِالْعَفو كَمَا هُوَ مُوجب الِاسْتِثْنَاء فَيخْتَص بالكبيرة الْعَاقِلَة الَّتِي يَصح مِنْهَا الْعَفو
وعَلى هَذَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا ثوبا فَإِنَّهُ يلْزمه الْألف إِلَّا قدر قيمَة الثَّوْب لِأَن مُوجب الِاسْتِثْنَاء نفي الحكم فِي الْمُسْتَثْنى بِدَلِيل الْمعَارض وَالدَّلِيل الْمعَارض يجب الْعَمَل بِهِ بِحَسب الْإِمْكَان والإمكان هُنَا أَن يَجْعَل مُوجبه نفي مِقْدَار قيمَة ثوب لَا نفي عين الثَّوْب وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا كرّ حِنْطَة إِنَّه ينقص من الْألف قدر قيمَة كرّ حِنْطَة وَإِن الِاسْتِثْنَاء يصحح بِحَسب الْإِمْكَان على الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا بِخِلَاف مَا يَقُوله مُحَمَّد رَحمَه الله إِنَّه لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء
قَالَ وَلَو كَانَ الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى من الْوَجْه الَّذِي قُلْتُمْ لَكَانَ يلْزمه الْألف هُنَا كَامِلا لِأَن مَعَ وجوب الْألف عَلَيْهِ نَحن نعلم أَنه لَا كرّ عَلَيْهِ فَكيف يَجْعَل هَذَا عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَالْكَلَام لم يتَنَاوَل الْمُسْتَثْنى أصلا فَظهر أَن الطَّرِيق فِيهِ مَا قُلْنَا
وَحجَّتنَا فِي إبِْطَال طَريقَة الْخصم الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فِيمَا هُوَ خبر نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم}
{فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} فَإِن دَلِيل الْمُعَارضَة فِي الحكم إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْإِيجَاب دون الْخَبَر لِأَن ذَلِك يُوهم الْكَذِب بِاعْتِبَار صدر الْكَلَام وَمَعَ بَقَاء أصل الْكَلَام للْحكم لَا يتَصَوَّر امْتنَاع الحكم فِيهِ بمانع فَلَو كَانَ الطَّرِيق مَا قَالَه الْخصم لاختص الِاسْتِثْنَاء بِالْإِيجَابِ كدليل الْخُصُوص وَدَلِيل الْخُصُوص يخْتَص بِالْإِيجَابِ
وَالثَّانِي أَن الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَ المستنثى بعض مَا تنَاوله الْكَلَام
وَلَا يَصح إِذا كَانَ جَمِيع مَا تنَاوله الْكَلَام وَدَلِيل الْخُصُوص الَّذِي هُوَ رفع للْحكم كالنسخ كَمَا يعْمل فِي الْبَعْض
(2/38)

يعْمل فِي الْكل فَعرفنَا أَنه لَيْسَ الطَّرِيق فِي الِاسْتِثْنَاء مَا ذهب إِلَيْهِ وَلَكِن الطَّرِيق فِيهِ أَنه عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى حَتَّى إِذا كَانَ يتَوَهَّم بعد الِاسْتِثْنَاء بَقَاء شَيْء دون الْخَبَر يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَنهُ صَحَّ وَإِن لم يبْق من الحكم شَيْء
وَبَيَان هَذَا أَنه لَو قَالَ عَبِيدِي أَحْرَار إِلَّا عَبِيدِي لم يَصح الِاسْتِثْنَاء وَلَو قَالَ إِلَّا هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ سواهُم صَحَّ الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ يتَوَهَّم بَقَاء شَيْء وَرَاء الْمُسْتَثْنى يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَنهُ هُنَا وَلَا توهم لمثله فِي الأول وَكَذَلِكَ الطَّلَاق على هَذَا
وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن اسْتثِْنَاء الْكل إِنَّمَا لَا يَصح لِأَنَّهُ رُجُوع فَإِن فِيمَا يَصح الرُّجُوع عَنهُ لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْكل أَيْضا حَتَّى إِذا قَالَ أوصيت لفُلَان بِثلث مَالِي إِلَّا ثلث مَالِي كَانَ الِاسْتِثْنَاء بَاطِلا وَالرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة يَصح وَإِنَّمَا بَطل الِاسْتِثْنَاء هُنَا لِأَنَّهُ لَا يتَوَهَّم وَرَاء الْمُسْتَثْنى شَيْء يكون الْكَلَام عبارَة عَنهُ فَعرفنَا أَنه تصرف فِي الْكَلَام لَا فِي الحكم وَأَنه عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى بأطول الطَّرِيقَيْنِ تَارَة وأقصرهما تَارَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الدَّلِيل الْمعَارض يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَالِاسْتِثْنَاء لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ مَا لم يسْبق صدر الْكَلَام لَا يتَحَقَّق الِاسْتِثْنَاء مُفِيدا شَيْئا بِمَنْزِلَة الْغَايَة الَّتِي لَا تستقل بِنَفسِهَا
فَأَما دَلِيل الْخُصُوص يصير مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَإِن لم يسْبقهُ الْكَلَام وَيكون مُفِيدا لحكمه
ثمَّ الدَّلِيل على صِحَة مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَن الِاسْتِثْنَاء يبين أَن صدر الْكَلَام لم يتَنَاوَل الْمُسْتَثْنى أصلا فَإِنَّهُ تصرف فِي الْكَلَام كَمَا أَن دَلِيل الْخُصُوص تصرف فِي حكم الْكَلَام ثمَّ يتَبَيَّن بِدَلِيل الْخُصُوص أَن الْعَام لم يكن مُوجبا الحكم فِي مَوضِع الْخُصُوص فَكَذَلِك بِالِاسْتِثْنَاءِ يتَبَيَّن أَن أصل الْكَلَام لم يكن متناولا للمستثنى
وَالدَّلِيل على تَصْحِيح هَذِه الْقَاعِدَة قَوْله تَعَالَى {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} فَإِن مَعْنَاهُ لبث فيهم تِسْعمائَة وَخمسين عَاما لِأَن الْألف اسْم لعدد مَعْلُوم لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال مَا دونه بِوَجْه فَلَو لم يَجْعَل أصل الْكَلَام هَكَذَا لم يُمكن تَصْحِيح ذكر الْألف بِوَجْه لِأَن اسْم الْألف لَا ينْطَلق على تِسْعمائَة وَخمسين أصلا وَإِذا قَالَ الرجل لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا مائَة فَإِنَّهُ يَجْعَل كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عَليّ تِسْعمائَة فَإِن مَعَ بَقَاء صدر الْكَلَام على حَاله وَهُوَ الْألف لَا يُمكن إِيجَاب
(2/39)

تِسْعمائَة عَلَيْهِ ابْتِدَاء لِأَن الْقدر الَّذِي يجب حكم صدر الْكَلَام وَإِذا لم يكن فِي صدر الْكَلَام احْتِمَال هَذَا الْمِقْدَار لَا يُمكن إِيجَابه حَقِيقَة فَعرفنَا بِهِ أَنه يصير صدر الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَهُوَ تِسْعمائَة وَكَانَ لهَذَا الْعدَد عبارتان الأقصر وَهُوَ تِسْعمائَة والأطول هُوَ الْألف إِلَّا مائَة
وَهَذَا معنى قَول أهل اللُّغَة إِن الِاسْتِثْنَاء اسْتِخْرَاج يَعْنِي اسْتِخْرَاج بعض الْكَلَام على أَن يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى أَلا ترى أَن بعد دَلِيل الْخُصُوص الحكم الثَّابِت بِالْعَام مَا يتَنَاوَلهُ لفظ الْعُمُوم حَقِيقَة حَتَّى إِذا كَانَ الْعَام بِعِبَارَة الْفَرد يجوز فِيهِ الْخُصُوص إِلَى أَن لَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا وَاحِد وَإِذا كَانَ بِلَفْظ الْجمع يجوز فِيهِ الْخُصُوص إِلَى أَن لَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا ثَلَاثَة فَإِن أدنى مَا تنَاوله اسْم الْجمع ثَلَاثَة وَإِذا كَانَ الْبَاقِي دون ذَلِك كَانَ رفعا للْحكم بطرِيق النّسخ
ثمَّ كَمَا يجوز أَن يكون الْكَلَام مُعْتَبرا فِي الحكم وَيمْتَنع ثُبُوت الحكم بِهِ لمَانع فَكَذَلِك يجوز أَن تبقى صُورَة الْكَلَام وَلَا يكون مُعْتَبرا فِي حق الحكم أصلا كَطَلَاق الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِذا جعلنَا طَرِيق الِاسْتِثْنَاء مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ بَقِي صُورَة التَّكَلُّم فِي الْمُسْتَثْنى غير مُوجب بِحكمِهِ وَذَلِكَ جَائِز وَإِذا جعلنَا الطَّرِيق مَا قَالَه الْخصم احتجنا إِلَى أَن نثبت بالْكلَام مَا لَيْسَ من محتملاته وَذَلِكَ لَا يجوز فَعرفنَا أَن انعدام وجوب الْمِائَة عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة لَا لمعارض يمْنَع الْوُجُوب بعد وجود الْعلَّة الْمُوجبَة وَكَذَلِكَ فِي التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَإِن امْتنَاع ثُبُوت الحكم فِي الْمحل لِانْعِدَامِ علته بطرِيق أَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لما منع الْوُصُول إِلَى الْمحل وَصُورَة التَّكَلُّم بِدُونِ الْمحل لَا يكون عِلّة للْإِيجَاب فانعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة فِي الْفَصْلَيْنِ لَا لمَانع كَمَا توهمه الْخصم إِلَّا أَن الْوُصُول إِلَى الْمحل فِي التَّعْلِيق متوهم لوُجُود الشَّرْط فَلم يبطل الْكَلَام فِي حق الحكم أصلا وَلَكِن نجعله تَصرفا آخر وَهُوَ الْيَمين على أَنه مَتى وصل إِلَى الْمحل وَلم يبْق يَمِينا كَانَ إِيجَابا فسميناه بَيَان التبديل لهَذَا وَانْتِفَاء الْمُسْتَثْنى من أصل الْكَلَام لَيْسَ فِيهِ توهم الِارْتفَاع حَتَّى تكون صُورَة الْكَلَام عَاملا فِيهِ فجعلناه بَيَان التَّغْيِير بطرِيق أَنه عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى لِأَنَّهُ لم يصر تَصرفا آخر
(2/40)

بِالِاسْتِثْنَاءِ وَهَذَا لِأَن الْكَلِمَة كَمَا لَا تكون مفهمة قبل انضمام بعض حروفها إِلَى الْبَعْض لَا تكون مفهمة قبل انضمام بعض الْكَلِمَات إِلَى الْبَعْض حَتَّى تكون دَالَّة على المُرَاد فتوقف أول الْكَلَام على آخِره فِي الْفَصْلَيْنِ وَيكون الْكل فِي حكم كَلَام وَاحِد فَإِن ظهر بِاعْتِبَار آخِره لصدر الْكَلَام مَحل آخر وَهُوَ الذِّمَّة كَمَا فِي الشَّرْط جعل بَيَانا فِيهِ تَبْدِيل وَإِن لم يظْهر لصدر الْكَلَام مَحل آخر بِآخِرهِ جعل آخِره مغيرا لصدره بطرِيق الْبَيَان وَذَلِكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ على أَن يَجْعَل عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَيجْعَل بِمَنْزِلَة الْغَايَة على معنى أَنه يَنْتَهِي بِهِ صدر الْكَلَام ولولاه لَكَانَ مجاوزا إِلَيْهِ كَمَا أَن بالغاية يَنْتَهِي أصل الْكَلَام على معنى أَنه لَوْلَا الْغَايَة لَكَانَ الْكَلَام متناولا لَهُ ثمَّ انعدام الحكم بعد الْغَايَة لعدم الدَّلِيل الْمُثبت لَا لمَانع بعد وجود الْمُثبت فَكَذَلِك انعدام الحكم فِي الْمُسْتَثْنى لعدم دَلِيل الْمُوجب لَا لمعارض مَانع
فَأَما قَول أهل اللُّغَة الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَمن الْإِثْبَات نفي فإطلاق ذَلِك بِاعْتِبَار نوع من الْمجَاز فَإِنَّهُم كَمَا قَالُوا هَذَا فقد قَالُوا إِنَّه اسْتِخْرَاج وَإنَّهُ عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَلَا بُد من الْجمع بَين الْكَلِمَتَيْنِ وَلَا طَرِيق للْجمع سوى مَا بَينا وَهُوَ أَنه بِاعْتِبَار حَقِيقَته فِي أصل الْوَضع عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَهُوَ نفي من الْإِثْبَات وَإِثْبَات من النَّفْي بِاعْتِبَار إِشَارَته على معنى أَن حكم الْإِثْبَات يتوقت بِهِ كَمَا يتوقت بالغاية فَإِذا لم يبْق بعده ظهر النَّفْي لِانْعِدَامِ عِلّة الْإِثْبَات فَسُمي نفيا مجَازًا
فَإِن قيل هَذَا فَاسد فَإِن قَول الْقَائِل لَا عَالم إِلَّا زيد يفهم مِنْهُ الْإِخْبَار بِأَن زيدا عَالم وَكَذَلِكَ كلمة الشَّهَادَة تكون إِقْرَارا بِالتَّوْحِيدِ حَقِيقَة كَيفَ يَسْتَقِيم حمل ذَلِك على نوع من الْمجَاز قُلْنَا قَول الْقَائِل لَا عَالم نفي لوصف الْعلم وَقَوله إِلَّا زيد تَوْقِيت للوصف بِهِ وَمُقْتَضى التَّوْقِيت انعدام ذَلِك الْوَصْف بعد الْوَقْت فَمُقْتَضى كَلَامه هُنَا نفي صفة الْعلم لغير زيد ثمَّ ثَبت بِهِ الْعلم لزيد بِإِشَارَة كَلَامه لَا بِنَصّ كَلَامه كَمَا أَن نفي النَّهَار يتوقت إِلَى طُلُوع الْفجْر فبوجوده يثبت مَا هُوَ ضِدّه وَهُوَ صفة النَّهَار وَنفي السّكُون يتوقت بالحركة فَبعد انعدام الْحَرَكَة يثبت السّكُون يقرره أَن الْآدَمِيّ لَا يَخْلُو عَن أحد الوصفين إِمَّا الْعلم وَإِمَّا نفي الْعلم عَنهُ فَلَمَّا توقت النَّفْي فِي صفة كَلَامه بزيد
(2/41)

ثَبت صفة الْعلم فِيهِ لِانْعِدَامِ ضِدّه
وَفِي كلمة الشَّهَادَة كَذَلِك نقُول فَإِن كَلَامه نفي الألوهية عَن غير الله تَعَالَى وَنفي الشّركَة فِي صفة الألوهية لغير الله مَعَه ثمَّ يثبت التَّوْحِيد بطرِيق الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَكَانَ الْمَقْصُود بِهَذِهِ الْعبارَة إِظْهَار التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ هُوَ الأَصْل وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ يبتنى عَلَيْهِ وَمعنى التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ بِهَذَا الطَّرِيق يكون أظهر
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا أَن يَأْذَن لي فلَان فَمَاتَ فلَان قبل أَن يَأْذَن لَهُ بطلت الْيَمين كَمَا لَو قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار حَتَّى يَأْذَن لي فلَان لِأَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ يثبت بِالْيَمِينِ حظر الْخُرُوج موقتا بِإِذن فلَان وَلَا تصور لذَلِك إِلَّا فِي حَال حَيَاة فلَان فَأَما بعد مَوته وَانْقِطَاع إِذْنه لَو بقيت الْيَمين كَانَ مُوجبهَا حظرا مُطلقًا والموقت غير الْمُطلق
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو قَالَ لامْرَأَته إِن خرجت إِلَّا بإذني فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى تَجْدِيد الْإِذْن فِي كل مرّة وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء بِمَنْزِلَة الْغَايَة لكَانَتْ الْيَمين ترْتَفع بِالْإِذْنِ مرّة كَمَا لَو قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار حَتَّى آذن لَك
قُلْنَا إِنَّمَا اخْتلفَا فِي هَذَا الْوَجْه لِأَن كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ يتَنَاوَل محلا آخر فَإِن قَوْله حَتَّى آذن مَحَله الْحَظْر الثَّابِت بِالْيَمِينِ فَإِنَّهُ تَوْقِيت لَهُ وَقَوله إِلَّا بإذني مَحَله الْخُرُوج الَّذِي هُوَ مصدر كَلَامه وَمَعْنَاهُ إِلَّا خُرُوجًا بإذني وَالْخُرُوج غير الْحَظْر الثَّابِت بِالْيَمِينِ فَعرفنَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا دخل فِي مَحل آخر هُنَا فَلهَذَا كَانَ حكم الِاسْتِثْنَاء مُخَالفا لحكم التَّصْرِيح بالغاية وبالاستثناء يظْهر معنى التَّوْقِيت فِي كل خُرُوج يكون بِصفة الْإِذْن وكل خُرُوج لَا يكون بِتِلْكَ الصّفة فَهُوَ مُوجب للحنث
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الِاسْتِثْنَاء نَوْعَانِ حَقِيقَة ومجاز
فَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة مَا بَينا وَمَا هُوَ مجَاز مِنْهُ فَهُوَ الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وَهِي بِمَعْنى لَكِن أَو بِمَعْنى الْعَطف
وَبَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى {لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني} أَي لَكِن أباطيل
قَالَ تَعَالَى {فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين} أَي لَكِن رب الْعَالمين الَّذِي خلقني
وَقَالَ {لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا إِلَّا سَلاما} أَي لَكِن سَلاما
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم} إِنَّه بِمَعْنى الْعَطف وَلَا الَّذين ظلمُوا وَقيل لَكِن أَي لَكِن الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فَلَا تخشوهم واخشوني
وَقيل فِي قَوْله {إِلَّا خطأ} إِنَّه بِمَعْنى لَكِن أَي لَكِن إِن قَتله خطأ
وَزعم بعض مَشَايِخنَا أَنه بِمَعْنى وَلَا
قَالَ رَضِي عَنهُ وَهَذَا غلط عِنْدِي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون عطفا على النَّهْي فَيكون نهيا وَالْخَطَأ لَا يكون مَنْهِيّا عَنهُ وَلَا مَأْمُورا بِهِ بل هُوَ مَوْضُوع قَالَ تَعَالَى {وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ}
(2/42)

ثمَّ الْكَلَام لحقيقته لَا يحمل على الْمجَاز إِلَّا إِذا تعذر حمله على الْحَقِيقَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا أَن يعفون} فَإِنَّهُ يتَعَذَّر حمله على حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ إِذا حمل عَلَيْهِ كَانَ فِي معنى التَّوْقِيت فيتقرر بِهِ حكم التنصيف الثَّابِت بصدر الْكَلَام فَعرفنَا أَنه بِمَعْنى لَكِن وَأَنه ابْتِدَاء حكم أَي لَكِن إِن عَفا الزَّوْج بإيفاء الْكل أَو الْمَرْأَة بالإسقاط فَهُوَ أقرب للتقوى
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {إِلَّا الَّذين تَابُوا} فِي آيَة الْقَذْف فَإِنَّهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع أَي لَكِن إِن تَابُوا من قبل أَن التائبين هم القاذفون
فَتعذر حمل اللَّفْظ على حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء فَإِن الثَّابِت لَا يخرج من أَن يكون قَاذِفا وَإِن كَانَ مَحْمُولا على حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء هُوَ اسْتثِْنَاء بعض الْأَحْوَال أَي وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا أَن يتوبوا فَيكون هَذَا الِاسْتِثْنَاء توقيتا بِحَال مَا قبل التَّوْبَة فَلَا تبقى صفة الْفسق بعد التَّوْبَة لِانْعِدَامِ الدَّلِيل الْمُوجب لَا لمعارض مَانع كَمَا توهمه الْخصم
وَقَوله لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء اسْتثِْنَاء لبَعض الْأَحْوَال أَيْضا أَي لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا حَالَة التَّسَاوِي فِي الْكَيْل
فَيكون توقيتا للنَّهْي بِمَنْزِلَة الْغَايَة وَيثبت بِهَذَا النَّص أَن حكم الرِّبَا الْحُرْمَة الموقتة فِي الْمحل دون الْمُطلقَة
وَإِنَّمَا تتَحَقَّق الْحُرْمَة الموقتة فِي الْمحل الَّذِي يقبل الْمُسَاوَاة فِي الْكَيْل فَأَما فِي الْمحل الَّذِي لَا يقبل الْمُسَاوَاة لَو ثَبت إِنَّمَا يثبت حُرْمَة مُطلقَة وَذَلِكَ لَيْسَ من حكم هَذَا النَّص فَلهَذَا لَا يثبت حكم الرِّبَا فِي الْقَلِيل وَفِي المطعوم الَّذِي لَا يكون مَكِيلًا أصلا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا ثوبا فَإِنَّهُ تلْزمهُ الْألف لِأَن هَذَا لَيْسَ
(2/43)

باستثناء حَقِيقَة إِذْ حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء فِي أصل الْوَضع أَن يكون الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى والمستثنى هُنَا لم يتَنَاوَلهُ صدر الْكَلَام صُورَة وَمعنى حَتَّى يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاءه فَيكون اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا وَمَعْنَاهُ لَكِن لَا ثوب لَهُ عَليّ
وَالتَّصْرِيح بِهَذَا الْكَلَام لَا يسْقط عَنهُ شَيْئا من الْألف وَلَا يمْنَع إِعْمَال أصل الْكَلَام فِي إِيجَاب جَمِيع الْألف عَلَيْهِ فَكَذَلِك اللَّفْظ الَّذِي يدل عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّد فِي قَوْله إِلَّا كرّ حِنْطَة إِنَّه تلْزمهُ الْألف كَامِلَة
فَأَما أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رَضِي الله عَنْهُمَا استحسنا هُنَا فَقَالَا كَلَامه اسْتثِْنَاء حَقِيقَة بِاعْتِبَار الْمَعْنى لِأَن صُورَة صدر الْكَلَام الْإِخْبَار بِوُجُوب الْمُسَمّى عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ إِظْهَار مَا هُوَ لَازم فِي ذمَّته والمكيل وَالْمَوْزُون كشيء وَاحِد فِي حكم الثُّبُوت فِي الذِّمَّة على معنى أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت فِي الذِّمَّة ثبوتا صَحِيحا بِمَنْزِلَة الْأَثْمَان فَهَذَا الِاسْتِثْنَاء بِاعْتِبَار صُورَة صدر الْكَلَام لَا يكون استخراجا وَبِاعْتِبَار مَعْنَاهُ يكون استخراجا على أَنه استخرج هَذَا الْقدر مِمَّا هُوَ وَاجِب فِي ذمَّته وَالْمعْنَى يتَرَجَّح على الصُّورَة لِأَنَّهُ هُوَ الْمَطْلُوب فَلهَذَا جعلنَا استثناءه استخراجا على أَن يكون كَلَامه عبارَة عَمَّا وَرَاء مَالِيَّة كرّ حِنْطَة من الْألف فَأَما الثَّوْب لَا يكون مثل الْمكيل وَالْمَوْزُون فِي الصُّورَة وَلَا فِي الْمَعْنى وَهُوَ الثُّبُوت فِي الذِّمَّة فَإِنَّهُ لَا يثبت فِي الذِّمَّة إِلَّا مَبِيعًا وَالْألف تثبت فِي الذِّمَّة ثمنا فَلَا يُمكن جعل كَلَامه استخراجا بِاعْتِبَار الصُّورَة وَلَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى فَلهَذَا جَعَلْنَاهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا
ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي بِنَاء على أَصله الِاسْتِثْنَاء مَتى تعقب كَلِمَات معطوفة بَعْضهَا على بعض ينْصَرف إِلَى جَمِيع مَا تقدم ذكره لِأَنَّهُ معَارض مَانع للْحكم بِمَنْزِلَة الشَّرْط ثمَّ الشَّرْط ينْصَرف إِلَى جَمِيع مَا سبق حَتَّى يتَعَلَّق الْكل بِهِ فَكَذَلِك الِاسْتِثْنَاء
وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى فِي آيَة قطاع الطَّرِيق {إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم} فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَى جَمِيع مَا تقدم ذكره
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا الِاسْتِثْنَاء تَغْيِير وَتصرف فِي الْكَلَام فَيقْتَصر على مَا يَلِيهِ خَاصَّة
(2/44)

لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن إِعْمَال الِاسْتِثْنَاء بِاعْتِبَار أَن الْكل فِي حكم كَلَام وَاحِد وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي الْكَلِمَات المعطوفة بَعْضهَا على بعض
وَالثَّانِي أَن أصل الْكَلَام عَامل بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَإِنَّمَا انْعَدم هَذَا الْوَصْف مِنْهُ بطرِيق الضَّرُورَة فَيقْتَصر على مَا تحقق فِيهِ الضَّرُورَة وَهَذِه الضَّرُورَة ترْتَفع بصرفه إِلَى مَا يَلِيهِ بِخِلَاف الشَّرْط فَإِنَّهُ تَبْدِيل وَلَا يخرج بِهِ أصل الْكَلَام من أَن يكون عَاملا إِنَّمَا يتبدل بِهِ الحكم كَمَا بَينا وَمُطلق الْعَطف يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فَلهَذَا أثبتنا حكم التبديل بِالتَّعْلِيقِ بِالشّرطِ فِي جَمِيع مَا سبق ذكره مَعَ أَن فِيهِ كلَاما فِي الْفرق بَين مَا إِذا عطفت جملَة تَامَّة على جملَة تَامَّة وَبَين مَا إِذا عطفت جملَة نَاقِصَة على جملَة تَامَّة ثمَّ تعقبها شَرط وَلَكِن لَيْسَ هَذَا مَوضِع بَيَان ذَلِك
فَأَما قَوْله تَعَالَى {إِلَّا الَّذين تَابُوا} فلأجل دَلِيل فِي نَص الْكَلَام صرفناه إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَذَلِكَ التَّقْيِيد بقوله تَعَالَى {من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم} فَإِن التَّوْبَة فِي محو الْإِثْم ورجاء الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة بِهِ فِي الْآخِرَة لَا تخْتَلف بوجودها بعد قدرَة الإِمَام على التائب أَو قبل ذَلِك وَإِنَّمَا تخْتَلف فِي حكم إِقَامَة الْحَد الَّذِي يكون مفوضا إِلَى الإِمَام فَعرفنَا بِهَذَا التَّقْيِيد أَن المُرَاد مَا سبق من الْحَد وَقد يتَغَيَّر حكم مُقْتَضى الْكَلَام لدَلِيل فِيهِ أَلا ترى أَن مُقْتَضى مُطلق الْكَلَام التَّرْتِيب على أَن يَجْعَل الْمُتَقَدّم فِي الذّكر مُتَقَدما فِي الحكم ثمَّ يتَغَيَّر ذَلِك بِدَلِيل مغير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا قيمًا} فَإِن المُرَاد أنزلهُ قيمًا وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك لَكَانَ لزاما وَأجل مُسَمّى} فَإِن مَعْنَاهُ وَلَوْلَا سبقت من رَبك كلمة وَأجل مُسَمّى لَكَانَ لزاما وضمة اللَّام دلنا على ذَلِك فَهَذَا نَظِيره
وَإِذا تقرر هَذَا الأَصْل قُلْنَا الْبَيَان المغير والمبدل يَصح مَوْصُولا وَلَا يَصح مَفْصُولًا لِأَنَّهُ مَتى كَانَ بَيَانا كَانَ مقررا للْحكم الثَّابِت بصدر الْكَلَام كبيان التَّقْرِير وَبَيَان التَّفْسِير وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك إِذا كَانَ مَوْصُولا فَأَما إِذا كَانَ مَفْصُولًا فَإِنَّهُ يكون رفعا للْحكم الثَّابِت بِمُطلق الْكَلَام
أما فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِن الْكَلَام يتم مُوجبا لحكمه بِآخِرهِ وَذَلِكَ بِالسُّكُوتِ عَنهُ أَو الِانْتِقَال إِلَى كَلَام آخر
(2/45)

وَالِاسْتِثْنَاء الْمَوْصُول لَيْسَ بِكَلَام آخر فَإِنَّهُ غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَأَما إِذا سكت فقد تمّ الْكَلَام مُوجبا لحكمه ثمَّ الِاسْتِثْنَاء بعد ذَلِك يكون نسخا بطرِيق رفع الحكم الثَّابِت فَلَا يكون بَيَانا مغيرا وَأما الشَّرْط فَهُوَ مبدل بِاعْتِبَار أَنه يمْتَنع الْوُصُول إِلَى الْمحل وَهُوَ العَبْد فِي كلمة الْإِعْتَاق وَيجْعَل مَحَله الذِّمَّة وَإِنَّمَا يتَحَقَّق هَذَا إِذا كَانَ مَوْصُولا فَأَما المفصول يكون رفعا عَن الْمحل يعْتَبر هَذَا فِي المحسوسات فَإِن تَعْلِيق الْقنْدِيل بالحبل فِي الِابْتِدَاء يكون مَانِعا من الْوُصُول إِلَى مقره من الأَرْض مُبينًا أَن إِزَالَة الْيَد عَنهُ لم يكن كسرا فَأَما بعد مَا وصل إِلَى مقره من الأَرْض تَعْلِيقه بالقنديل يكون رفعا عَن مَحَله
فَتبين بِهَذَا أَن الشَّرْط إِذا كَانَ مَفْصُولًا فَإِنَّهُ يكون رفعا للْحكم عَن مَحَله بِمَنْزِلَة النّسخ وَهُوَ لَا يملك رفع الطَّلَاق وَالْعتاق عَن الْمحل بَعْدَمَا اسْتَقر فِيهِ فَلهَذَا لَا يعْمل الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط مَفْصُولًا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم وَدِيعَة فَإِنَّهُ يصدق مَوْصُولا وَلَا يصدق إِذا قَالَه مَفْصُولًا لِأَن قَوْله وَدِيعَة بَيَان فِيهِ تَغْيِير أَو تَبْدِيل فَإِن مُقْتَضى قَوْله عَليّ ألف دِرْهَم الْإِخْبَار بِوُجُوب الْألف فِي ذمَّته وَقَوله وَدِيعَة فِيهِ بَيَان أَن الْوَاجِب فِي ذمَّته حفظهَا وإمساكها إِلَى أَن يُؤَدِّيهَا إِلَى صَاحبهَا لَا أصل المَال فإمَّا أَن يكون تبديلا للمحل الَّذِي أخبر بصدر الْكَلَام أَنه الْتَزمهُ لصَاحبه أَو تغييرا لما اقْتَضَاهُ أول الْكَلَام لِأَنَّهُ لَازم عَلَيْهِ للْمقر لَهُ من أصل المَال إِلَى الْحِفْظ فَإِذا كَانَ مَوْصُولا كَانَ بَيَانا صَحِيحا وَإِذا كَانَ مَفْصُولًا كَانَ نسخا فَيكون بِمَنْزِلَة الرُّجُوع عَمَّا أقرّ بِهِ
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لغيره أقرضتني عشرَة دَرَاهِم أَو اسلفتني أَو أسلمت إِلَيّ أَو أَعْطَيْتنِي إِلَّا أَنِّي لم أَقبض فَإِن قَالَ ذَلِك مَفْصُولًا لم يصدق وَإِن قَالَ مَوْصُولا صدق اسْتِحْسَانًا لِأَن هَذَا بَيَان تَغْيِير فَإِن حَقِيقَة هَذِه الْأَلْفَاظ تَقْتَضِي تَسْلِيم المَال إِلَيْهِ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِقَبْضِهِ إِلَّا أَنه يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ العقد مجَازًا فقد تسْتَعْمل هَذِه الْأَلْفَاظ للْعقد فَكَانَ قَوْله لم أَقبض تغييرا للْكَلَام عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز فَيصح مَوْصُولا وَلَا يَصح مَفْصُولًا
وَإِذا قَالَ دفعت إِلَيّ ألف دِرْهَم أَو نقدتني إِلَّا أَنِّي لم أَقبض فَكَذَلِك الْجَواب عِنْد مُحَمَّد لِأَن الدّفع والنقد والإعطاء
(2/46)

فِي الْمَعْنى سَوَاء فتجعل هَاتَانِ الكلمتان كَقَوْلِه أَعْطَيْتنِي وَيصدق فيهمَا إِذا كَانَ مَوْصُولا لَا إِذا كَانَ مَفْصُولًا بطرِيق أَنه بَيَان تَغْيِير
وَأَبُو يُوسُف قَالَ فيهمَا لَا يصدق مَوْصُولا وَلَا مَفْصُولًا لِأَن الدّفع والنقد اسْم للْفِعْل لَا يتَنَاوَل العقد مجَازًا وَلَا حَقِيقَة فَكَانَ قَوْله إِلَّا أَنِّي لم أَقبض رُجُوعا وَالرُّجُوع لَا يعْمل مَوْصُولا وَلَا مَفْصُولًا فَأَما الْإِعْطَاء قد سمي بِهِ العقد مجَازًا يُقَال عقد الْهِبَة وَعقد الْعَطِيَّة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا أَنَّهَا زيوف لم يصدق مَوْصُولا وَلَا مَفْصُولًا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يصدق مَوْصُولا لِأَن قَوْله إِلَّا أَنَّهَا زيوف بَيَان تَغْيِير فَإِن مُطلق تَسْمِيَة الْألف فِي البيع ينْصَرف إِلَى الْجِيَاد لِأَنَّهُ هُوَ النَّقْد الْغَالِب وَبِه الْمُعَامَلَة بَين النَّاس وَفِيه احْتِمَال الزُّيُوف بِدُونِ هَذِه الْعَادة فَكَانَ كَلَامه بَيَان تَغْيِير فَيصح مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا كَمَا فِي قَوْله إِلَّا أَنَّهَا وزن خَمْسَة وكما فِي الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة بل أولى فَإِن ذَلِك نوع من الْمجَاز وَهَذَا حَقِيقَة لِأَن إسم الدَّرَاهِم للزيوف حَقِيقَة كَمَا أَنَّهَا للجياد حَقِيقَة
وَأَبُو حنيفَة يَقُول مُقْتَضى عقد الْمُعَاوضَة وجوب المَال بِصفة السَّلامَة والزيافة فِي الدَّرَاهِم عيب لِأَن الزيافة إِنَّمَا تكون بغش فِي الدَّرَاهِم والغش عيب فَكَانَ هَذَا رُجُوعا عَن مُقْتَضى أول كَلَامه وَالرُّجُوع لَا يعْمل مَوْصُولا وَلَا مَفْصُولًا وَصَارَ دَعْوَى الْعَيْب فِي الثّمن كدعوى الْعَيْب فِي البيع بِأَن قَالَ بِعْتُك هَذِه الْجَارِيَة معيبا بِعَيْب كَذَا وَقَالَ المُشْتَرِي بل اشْتَرَيْتهَا سليمَة فَإِن البَائِع لَا يصدق سَوَاء قَالَه مَوْصُولا أَو مَفْصُولًا بِخِلَاف قَوْله إِلَّا أَنَّهَا وزن خَمْسَة فَإِن ذَلِك اسْتثِْنَاء لبَعض الْمِقْدَار بِمَنْزِلَة قَوْله إِلَّا مِائَتَيْنِ وَبِخِلَاف قَوْله لفُلَان عَليّ كرّ حِنْطَة من ثمن بيع إِلَّا أَنَّهَا ردية لِأَن الرداءة لَيست بِعَيْب فِي الْحِنْطَة فالعيب مَا يَخْلُو عَنهُ أصل الْفطْرَة والرداءة فِي الْحِنْطَة تكون بِأَصْل الْخلقَة فَكَانَ هَذَا بَيَان النَّوْع لَا بَيَان الْعَيْب فَيصح مَوْصُولا كَانَ أَو مَفْصُولًا
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم من ثمن خمر فَإِن عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد هَذَا بَيَان تَغْيِير من حَقِيقَة وجوب المَال إِلَى (بَيَان) مُبَاشرَة سَبَب الِالْتِزَام صُورَة وَهُوَ شِرَاء الْخمر فَيصح مَوْصُولا لَا مَفْصُولًا
وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا رُجُوع لِأَن
(2/47)

أول كَلَامه تنصيص على وجوب المَال فِي ذمَّته وَثمن الْخمر لَا يكون وَاجِبا فِي ذمَّة الْمُسلم بِالشِّرَاءِ فَيكون رُجُوعا
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم من ثمن جَارِيَة باعنيها إِلَّا أَنِّي لم أقبضها فَإِن على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يصدق إِذا كَانَ مَوْصُولا وَإِذا كَانَ مَفْصُولًا يسْأَل الْمقر لَهُ عَن الْجِهَة فَإِن قَالَ الْألف لي عَلَيْهِ بِجِهَة أُخْرَى سوى البيع فَالْقَوْل قَوْله وَالْمَال لَازم على الْمقر وَإِن قَالَ بِجِهَة البيع وَلكنه قبضهَا فَالْقَوْل حِينَئِذٍ قَول الْمقر أَنه لم يقبضهَا لِأَن هَذَا بَيَان تَغْيِير فَإِنَّهُ يتَأَخَّر بِهِ حق الْمقر لَهُ فِي الْمُطَالبَة بِالْألف إِلَى أَن يحضر الْجَارِيَة ليسلمها بِمَنْزِلَة شَرط الْخِيَار أَو الْأَجَل فِي العقد يكون مغير لمقْتَضى مُطلق العقد وَلَا يكون نَاسِخا لأصله فَيصح هَذَا الْبَيَان مِنْهُ مَوْصُولا وَإِذا كَانَ مَفْصُولًا فَإِن صدقه فِي الْجِهَة فقد ثبتَتْ الْجِهَة بتصادقهما عَلَيْهِ ثمَّ لَيْسَ فِي إِقْرَاره بِالشِّرَاءِ وَوُجُوب المَال عَلَيْهِ بِالْعقدِ إِقْرَار بِالْقَبْضِ فَكَانَ الْمقر لَهُ مُدعيًا عَلَيْهِ ابْتِدَاء تَسْلِيم الْمَبِيع وَهُوَ مُنكر لَيْسَ براجع عَمَّا أقرّ بِهِ فَجعلنَا القَوْل قَول الْمُنكر وَإِذا كذبه فِي الْجِهَة لم تثبت الْجِهَة الَّتِي ادَّعَاهَا وَقد صَحَّ تَصْدِيقه لَهُ فِي وجوب المَال عَلَيْهِ وَبَيَانه الَّذِي قَالَ إِنَّه من ثمن جَارِيَة لم يقبضهَا بَيَان تَغْيِير فَلَا يَصح مَفْصُولًا
وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا رُجُوع عَمَّا أقرّ بِهِ لِأَنَّهُ أقرّ بِأول كَلَامه أَن المَال وَاجِب لَهُ دينا فِي ذمَّته وَثمن جَارِيَة لَا يُوقف على أَثَرهَا لَا تكون وَاجِبَة عَلَيْهِ إِلَّا بعد الْقَبْض فَإِن الْمَبِيعَة قبل التَّسْلِيم إِذا صَارَت بِحَيْثُ لَا يُوقف على عينهَا بِحَال بَطل العقد وَلَا يكون ثمنهَا وَاجِبا
وَقَوله من ثمن جَارِيَة باعنيها وَلَكِنِّي لم أقبضها إِشَارَة إِلَى هَذَا فَإِن الْجَارِيَة الَّتِي هِيَ غير مُعينَة لَا يُوقف على أَثَرهَا وَمَا من جَارِيَة يحضرها البَائِع إِلَّا وَللْمُشْتَرِي أَن يَقُول الْمَبِيعَة غَيرهَا فَعرفنَا أَن آخر كَلَامه رُجُوع عَمَّا أقرّ بِهِ من وجوب المَال دينا فِي ذمَّته وَالرُّجُوع لَا يَصح مَوْصُولا وَلَا مَفْصُولًا
وعَلى هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا فِي كتاب الشّركَة إِذا قَالَ لغيره بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم إِلَّا نصفه فَإِنَّهُ يَجْعَل هَذَا بيعا لنصف العَبْد بِجَمِيعِ الْألف وَلَو قَالَ عَليّ أَن لي نصفه يكون بَائِعا نصف العَبْد بِخَمْسِمِائَة لِأَنَّهُ إِذا قيد كَلَامه بِالِاسْتِثْنَاءِ يصير عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَإِنَّمَا أدخلهُ على الْمَبِيع
(2/48)

دون الثّمن وَمَا وَرَاء الْمُسْتَثْنى من الْمَبِيع نصف العَبْد فَيصير بَائِعا لذَلِك بِجَمِيعِ الْألف
فَأَما قَوْله على أَن لي نصفه فَهُوَ معَارض بِحكمِهِ لصدر الْكَلَام وَيصير بَائِعا جَمِيع العَبْد من نَفسه وَمن المُشْتَرِي بِالْألف وَبيعه من نَفسه مُعْتَبر إِذا كَانَ مُفِيدا أَلا ترى أَن الْمضَارب يَبِيع مَال الْمُضَاربَة من رب المَال فَيجوز لكَونه مُفِيدا وَإِذا كَانَ كل وَاحِد من الْبَدَلَيْنِ مَمْلُوكا لَهُ فَهُنَا أَيْضا إِيجَابه لنَفسِهِ مُفِيد فِي حق تَقْسِيم الثّمن فَيعْتَبر ويتبين بِهِ أَنه صَار بَائِعا نصفه من المُشْتَرِي بِنصْف الْألف كَمَا لَو بَاعَ مِنْهُ عَبْدَيْنِ بِأَلف دِرْهَم وَأَحَدهمَا مَمْلُوك لَهُ يصير بَائِعا عبد نَفسه مِنْهُ بِحِصَّتِهِ من الثّمن إِذا قسم على قِيمَته وَقِيمَة العَبْد الَّذِي هُوَ ملك المُشْتَرِي
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو يُوسُف فِيمَن أودع صَبيا مَحْجُورا عَلَيْهِ مَالا فاستهلكه إِنَّه يكون ضَامِنا لِأَن تسليطه إِيَّاه على المَال بِإِثْبَات يَده عَلَيْهِ يتنوع نَوْعَيْنِ استحفاظ وَغير استحفاظ فَيكون قَوْله أحفظه بَيَانا مِنْهُ لنَوْع مَا كَانَ من جِهَته وَهُوَ التَّمْكِين وَبَيَانه تصرف مِنْهُ فِي حق نَفسه مَقْصُورا عَلَيْهِ غير متناول لحق الْغَيْر فينعدم مَا سوى الاستحفاظ لِانْعِدَامِ علته وينعدم نُفُوذ الاستحفاظ لِانْعِدَامِ ولَايَته على الْمحل وَكَون الصَّبِي مِمَّن لَا يحفظ وَبعد انعدام النَّوْعَيْنِ يصير كَأَنَّهُ لم يُوجد تَمْكِينه من المَال أصلا فَإِذا اسْتَهْلكهُ كَانَ ضَامِنا كَمَا لَو كَانَ المَال فِي يَد صَاحبه على حَاله فجَاء الصَّبِي واستهلكه
وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَا التسليط فعل مُطلق وَلَيْسَ بعام حَتَّى يُصَار فِيهِ إِلَى التنويع وَقَوله احفظ كَلَام لَيْسَ من جنس الْفِعْل ليشتغل بِتَصْحِيحِهِ بطرِيق الِاسْتِثْنَاء وَلكنه معَارض لِأَن الدّفع إِلَيْهِ تسليط مُطلقًا وَقَوله احفظ معَارض بِمَنْزِلَة دَلِيل الْخُصُوص أَو بِمَنْزِلَة مَا قَالَه الْخصم فِي الِاسْتِثْنَاء وَإِنَّمَا يكون مُعَارضا إِذا صَحَّ مِنْهُ هَذَا القَوْل شرعا كدليل الْخُصُوص إِنَّمَا يكون مُعَارضا إِذا صَحَّ شرعا وَلَا خلاف أَن قَوْله احفظ غير صَحِيح فِي حكم الاستحفاظ شرعا فَيبقى التسليط مُطلقًا فالاستهلاك بعد تسليط من لَهُ الْحق مُطلقًا لَا يكون مُوجبا للضَّمَان على الصَّبِي وَلَا على الْبَالِغ
وَمَا يخرج من الْمسَائِل على هَذَا الأَصْل يكثر تعدادها فَمن فهم مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فَهُوَ يهديه إِلَى مَا سواهَا وَالله أعلم
(2/49)

فصل
وَأما بَيَان الضَّرُورَة فَهُوَ نوع من الْبَيَان يحصل بِغَيْر مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل
وَهُوَ على أَرْبَعَة أوجه مِنْهُ مَا ينزل منزلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْبَيَان وَمِنْه مَا يكون بَيَانا بِدلَالَة حَال الْمُتَكَلّم وَمِنْه مَا يكون بَيَانا بضرورة دفع الْغرُور وَمِنْه مَا يكون بَيَانا بِدلَالَة الْكَلَام
فَأَما الأول فنحو قَوْله {وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث} فَإِنَّهُ لما أضَاف الْمِيرَاث إِلَيْهِمَا فِي صدر الْكَلَام ثمَّ بَين نصيب الْأُم كَانَ ذَلِك بَيَانا أَن للْأَب مَا بَقِي فَلَا يحصل هَذَا الْبَيَان بترك التَّنْصِيص على نصيب الْأَب بل بِدلَالَة صدر الْكَلَام يصير نصيب الْأَب كالمنصوص عَلَيْهِ
وعَلى هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا فِي الْمُضَاربَة إِذا بَين رب المَال حِصَّة الْمضَارب من الرِّبْح وَلم يبين حِصَّة نَفسه جَازَ العقد قِيَاسا واستحسانا لِأَن الْمضَارب هُوَ الَّذِي يسْتَحق بِالشّرطِ وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى بَيَان نصِيبه خَاصَّة وَقد وجد وَلَو بَين نصيب نَفسه من الرِّبْح وَلم يبين نصيب الْمضَارب جَازَ العقد اسْتِحْسَانًا لِأَن مُقْتَضى الْمُضَاربَة الشّركَة بَينهمَا فِي الرِّبْح فببيان نصيب أَحدهمَا يصير نصيب الآخر مَعْلُوما وَيجْعَل ذَلِك كالمنطوق بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَك مَا بَقِي
وَكَذَلِكَ فِي الْمُزَارعَة إِذا بَين نصيب من الْبذر من قبله وَلم يبين نصيب الآخر جَازَ العقد اسْتِحْسَانًا لهَذَا الْمَعْنى
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ فِي وَصيته أوصيت لفُلَان وَفُلَان بِأَلف دِرْهَم لفُلَان مِنْهَا أَرْبَعمِائَة فَإِن ذَلِك بَيَان أَن للْآخر سِتّمائَة بِمَنْزِلَة مَا لَو نَص عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أوصيت بِثلث مَالِي لزيد وَعَمْرو لزيد من ذَلِك ألف دِرْهَم فَإِنَّهُ يَجْعَل هَذَا بَيَانا مِنْهُ أَن مَا يبْقى من الثُّلُث لعَمْرو كَمَا لَو نَص عَلَيْهِ
وَأما النَّوْع الثَّانِي فنحو سكُوت صَاحب الشَّرْع عَن مُعَاينَة شَيْء عَن تَغْيِيره يكون بَيَانا مِنْهُ لحقيته بِاعْتِبَار حَاله فَإِن الْبَيَان وَاجِب عِنْد الْحَاجة إِلَى الْبَيَان فَلَو كَانَ الحكم بِخِلَافِهِ لبين ذَلِك لَا محَالة وَلَو بَينه لظهر وَكَذَلِكَ سكُوت الصَّحَابَة عَن بَيَان قيمَة الْخدمَة للْمُسْتَحقّ على الْمَغْرُور يكون دَلِيلا على نَفْيه بِدلَالَة حَالهم
(2/50)

لِأَن الْمُسْتَحق جَاءَ يطْلب حكم الْحَادِثَة وَهُوَ جَاهِل بِمَا هُوَ وَاجِب لَهُ وَكَانَت هَذِه أول حَادِثَة وَقعت بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا لم يسمعوا فِيهِ نصا عَنهُ فَكَانَ يجب عَلَيْهِم الْبَيَان بِصفة الْكَمَال وَالسُّكُوت بعد وجوب الْبَيَان دَلِيل النَّفْي
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا ولدت أمة الرجل ثَلَاثَة أَوْلَاد فِي بطُون مُخْتَلفَة فَقَالَ الْأَكْبَر ابْني فَإِنَّهُ يكون ذَلِك بَيَانا مِنْهُ أَن الآخرين ليسَا بولدين لَهُ لِأَن نفي نسب ولد لَيْسَ مِنْهُ وَاجِب وَدَعوى نسب ولد هُوَ مِنْهُ ليتأكد بِهِ على وَجه لَا يَنْتَفِي وَاجِب أَيْضا فالسكوت عَن الْبَيَان بعد تحقق الْوُجُوب دَلِيل النَّفْي فَيجْعَل ذَلِك كالتصريح بِالنَّفْيِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا الْبكر إِذا بلغَهَا نِكَاح الْوَلِيّ فَسَكَتَتْ يَجْعَل ذَلِك إجَازَة مِنْهَا بِاعْتِبَار حَالهَا فَإِنَّهَا تَسْتَحي فَيجْعَل سكُوتهَا دَلِيلا على جَوَاب يحول الْحيَاء بَينهَا وَبَين التَّكَلُّم بِهِ وَهُوَ الْإِجَازَة الَّتِي يكون فِيهَا إِظْهَار الرَّغْبَة فِي الرِّجَال فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَسْتَحي من ذَلِك
وَأما النَّوْع الثَّالِث فنحو سكُوت الْمولى عَن النَّهْي عِنْد رُؤْيَة العَبْد يَبِيع وَيَشْتَرِي فَإِنَّهُ يَجْعَل إِذْنا لَهُ فِي التِّجَارَة لضَرُورَة دفع الْغرُور عَمَّن يُعَامل العَبْد فَإِن فِي هَذَا الْغرُور إِضْرَارًا بهم وَالضَّرَر مَدْفُوع وَلِهَذَا لم يَصح الْحجر الْخَاص بعد الْإِذْن الْعَام الْمُنْتَشِر وَالنَّاس لَا يتمكنون من استطلاع رَأْي الْمولى فِي كل مُعَاملَة يعاملونه مَعَ العَبْد وَإِنَّمَا يتمكنون من التَّصَرُّف بمرأى الْعين مِنْهُ ويستدلون بسكوته على رِضَاهُ فَجعلنَا سُكُوته كالتصريح بِالْإِذْنِ لضَرُورَة دفع الْغرُور
وَكَذَلِكَ سكُوت الشَّفِيع عَن طلب الشُّفْعَة بعد الْعلم بِالْبيعِ يَجْعَل بِمَنْزِلَة إِسْقَاط الشُّفْعَة لضَرُورَة دفع الْغرُور عَن المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى التَّصَرُّف فِي المُشْتَرِي فَإِذا لم يَجْعَل سكُوت الشَّفِيع عَن طلب الشُّفْعَة إِسْقَاطًا للشفعة فإمَّا أَن يمْتَنع المُشْتَرِي من التَّصَرُّف أَو ينْقض الشَّفِيع عَلَيْهِ تصرفه فلدفع الضَّرَر والغرور جعلنَا ذَلِك كالتنصيص مِنْهُ على إِسْقَاط الشُّفْعَة وَإِن كَانَ السُّكُوت فِي أَصله غير مَوْضُوع للْبَيَان بل هُوَ ضِدّه
وَكَذَلِكَ نُكُول الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْيَمين يَجْعَل بِمَنْزِلَة الْإِقْرَار مِنْهُ إِمَّا لدفع الضَّرَر عَن الْمُدَّعِي فَيكون من النَّوْع الثَّالِث أَو لحَال الناكل وَهُوَ امْتِنَاعه من الْيَمين الْمُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بعد تمكنه من إيفائه
(2/51)

وَأما النَّوْع الرَّابِع فبيانه فِيمَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة وَدِرْهَم أَو مائَة ودينار فَإِن ذَلِك بَيَان للمائة أَنَّهَا من جنس الْمَعْطُوف عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يلْزمه الْمَعْطُوف وَالْقَوْل فِي بَيَان جنس الْمِائَة قَوْله وَكَذَلِكَ لَو قَالَ مائَة وقفيز حِنْطَة أَو ذكر مَكِيلًا أَو مَوْزُونا آخر
وَاحْتج فَقَالَ إِنَّه أقرّ بِمِائَة مُجملا ثمَّ عطف مَا هُوَ مُفَسّر فَيلْزمهُ الْمُفَسّر وَيرجع إِلَيْهِ فِي بَيَان الْمُجْمل كَمَا لَو قَالَ مائَة وثوب أَو مائَة وشَاة أَو مائَة وَعبد وَهَذَا لِأَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَلَا يكون الْعَطف تَفْسِيرا للمعطوف عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَكَيف يكون تَفْسِيرا وَهُوَ فِي نَفسه مقرّ بِهِ لَازم إِيَّاه وَلَو كَانَ تَفْسِيرا لَهُ لم يجب بِهِ شَيْء لِأَن الْوُجُوب بالْكلَام الْمُفَسّر لَا بالتفسير
وَلَكنَّا نقُول قَوْله وَدِرْهَم بَيَان للمائة عَادَة وَدلَالَة
أما من حَيْثُ الْعَادة فَلِأَن النَّاس اعتادوا حذف مَا هُوَ تَفْسِير عَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الْعدَد إِذا كَانَ الْمَعْطُوف مُفَسرًا بِنَفسِهِ كَمَا اعتادوا حذف التَّفْسِير عَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ والاكتفاء بِذكر التَّفْسِير للمعطوف فَإِنَّهُم يَقُولُونَ مائَة وَعشرَة دَرَاهِم على أَن يكون الْكل من الدَّرَاهِم وَإِنَّمَا اعتادوا ذَلِك لضَرُورَة طول الْكَلَام وَكَثْرَة الْعدَد والإيجاز عِنْد ذَلِك طَرِيق مَعْلُوم عَادَة وَإِنَّمَا اعتادوا هَذَا فِيمَا يثبت فِي الذِّمَّة فِي عَامَّة الْمُعَامَلَات كالمكيل وَالْمَوْزُون دون مَا لَا يثبت فِي الذِّمَّة إِلَّا فِي مُعَاملَة خَاصَّة كالثياب فَإِنَّهَا لَا تثبت فِي الذِّمَّة قرضا وَلَا بيعا مُطلقًا وَإِنَّمَا يثبت فِي السّلم أَو فِيمَا هُوَ فِي معنى السّلم كَالْبيع بالثياب الموصوفة مُؤَجّلا
وَأما من حَيْثُ الدّلَالَة فَلِأَن الْمَعْطُوف مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ كشيء وَاحِد من حَيْثُ الحكم وَالْإِعْرَاب بِمَنْزِلَة الْمُضَاف مَعَ الْمُضَاف إِلَيْهِ ثمَّ الْإِضَافَة للتعريف حَتَّى يصير الْمُضَاف مُعَرفا بالمضاف إِلَيْهِ فَكَذَلِك الْعَطف مَتى كَانَ صَالحا للتعريف يصير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُعَرفا بالمعطوف بِاعْتِبَار أَنَّهُمَا كشيء وَاحِد وَلَكِن هَذَا فِيمَا يجوز أَن يثبت فِي الذِّمَّة عِنْد مُبَاشرَة السَّبَب بِذكر الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ كالمكيل وَالْمَوْزُون
فَأَما مَا لَيْسَ بمقدر لَا يثبت دينا فِي الذِّمَّة بِذكر الْمَعْطُوف (والمعطوف) عَلَيْهِ مَعَ إِلْحَاق التَّفْسِير بالمعطوف عَلَيْهِ وَلَكِن يحْتَاج إِلَى ذكر شَرَائِط أخر فَلهَذَا لم نجْعَل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُفَسرًا بالمعطوف هُنَاكَ
(2/52)

وَاتَّفَقُوا أَنه لَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة وَثَلَاثَة دَرَاهِم أَنه تلْزمهُ الْكل من الدَّرَاهِم
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ مائَة وَثَلَاثَة أَثوَاب أَو ثَلَاثَة أَفْرَاس أَو ثَلَاثَة أعبد لِأَنَّهُ عطف إِحْدَى الجملتين على الْأُخْرَى ثمَّ عقبهما بتفسير والعطف للاشتراك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فالتفسير الْمَذْكُور يكون تَفْسِيرا لَهما
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لَهُ عَليّ أحد وَعِشْرُونَ درهما فَالْكل دَرَاهِم لِأَنَّهُ عطف الْعدَد الْمُبْهم على مَا هُوَ وَاحِد مَذْكُور على وَجه الْإِبْهَام وَقَوله درهما مَذْكُور على وَجه التَّفْسِير فَيكون تَفْسِيرا لَهما وَالِاخْتِلَاف فِي قَوْله لَهُ مائَة ودرهمان كالاختلاف فِي قَوْله وَدِرْهَم
وَقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة وثوب أَو مائَة وشَاة فالمعطوف يكون تَفْسِيرا للمعطوف عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ مائَة وَعبد لِأَن فِي قَوْله مائَة وَدِرْهَم إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ تَفْسِيرا بِاعْتِبَار أَن الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ كشيء وَاحِد وَهَذَا يتَحَقَّق فِي كل مَا يحْتَمل الْقِسْمَة فَإِن معنى الِاتِّحَاد بالْعَطْف فِي مثله يتَحَقَّق فَأَما مَا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة مُطلقًا كَالْعَبْدِ لَا يتَحَقَّق فِيهِ معنى الِاتِّحَاد بِسَبَب الْعَطف فَلَا يصير الْمُجْمل بالمعطوف فِيهِ مُفَسرًا وَالله أعلم

بَاب النّسخ جَوَازًا وتفسيرا
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن النَّاس تكلمُوا فِي معنى النّسخ لُغَة فَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن النَّقْل من قَول الْقَائِل نسخت الْكتاب إِذا نَقله من مَوضِع إِلَى مَوضِع
وَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن الْإِبْطَال من قَوْلهم نسخت الشَّمْس الظل أَي أبطلته
وَقَالَ بَعضهم هُوَ عبارَة عَن الْإِزَالَة من قَوْلهم نسخت الرِّيَاح الْآثَار أَي أزالتها
وكل ذَلِك مجَاز لَا حَقِيقَة فَإِن حَقِيقَة النَّقْل أَن تحول عين الشَّيْء من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر وَنسخ الْكتاب لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة إِذْ لَا يتَصَوَّر نقل عين الْمَكْتُوب من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر وَإِنَّمَا يتَصَوَّر إِثْبَات مثله فِي الْمحل الآخر
وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْكَام فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر نقل الحكم الَّذِي هُوَ مَنْسُوخ إِلَى ناسخه وَإِنَّمَا المُرَاد إِثْبَات مثله مَشْرُوعا فِي الْمُسْتَقْبل أَو نقل المتعبد من الحكم الأول إِلَى الحكم الثَّانِي
وَكَذَلِكَ معنى الْإِزَالَة فَإِن إِزَالَة الْحجر عَن مَكَانَهُ لَا يعْدم عينه وَلَكِن عينه بَاقٍ فِي الْمَكَان الثَّانِي وَبعد النّسخ لَا يبْقى الحكم الأول وَلَو كَانَ حَقِيقَة النّسخ الْإِزَالَة لَكَانَ يُطلق هَذَا
(2/53)

الِاسْم على كل مَا تُوجد فِيهِ الْإِزَالَة وَأحد لَا يَقُول بذلك
وَكَذَلِكَ لفظ الْإِبْطَال فَإِن بِالنَّصِّ لَا تبطل الْآيَة وَكَيف تكون حَقِيقَة النّسخ الْإِبْطَال وَقد أطلق الله تَعَالَى ذَلِك فِي الْإِثْبَات بقوله تَعَالَى {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فَعرفنَا أَن الِاسْم شَرْعِي عَرفْنَاهُ بقوله تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} وأوجه مَا قيل فِيهِ إِنَّه عبارَة عَن التبديل من قَول الْقَائِل نسخت الرسوم أَي بدلت برسوم أخر
وَقد استبعد هَذَا الْمَعْنى بعض من صنف فِي هَذَا الْبَاب من مَشَايِخنَا وَقَالَ فِي إِطْلَاق لفظ التبديل إِشَارَة إِلَى أَنه رفع الحكم الْمَنْسُوخ وَإِقَامَة النَّاسِخ مقَامه وَفِي ذَلِك إِيهَام البداء وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَعِنْدِي أَن هَذَا سَهْو مِنْهُ وَعبارَة التبديل مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى {وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة} وَإِذا كَانَ اسْم النّسخ شَرْعِيًّا مَعْلُوما بِالنَّصِّ فَجعله عبارَة عَمَّا يكون مَعْلُوما بِالنَّصِّ أَيْضا يكون أولى الْوُجُوه
ثمَّ هُوَ فِي حق الشَّارِع بَيَان مَحْض فَإِن الله تَعَالَى عَالم بحقائق الْأُمُور لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة ثمَّ إِطْلَاق الْأَمر بِشَيْء يوهمنا بَقَاء ذَلِك على التَّأْبِيد من غير أَن نقطع القَوْل بِهِ فِي زمن من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَكَانَ النّسخ بَيَانا لمُدَّة الحكم الْمَنْسُوخ فِي حق الشَّارِع وتبديلا لذَلِك الحكم بِحكم آخر فِي حَقنا على مَا كَانَ مَعْلُوما عندنَا لَو لم ينزل النَّاسِخ بِمَنْزِلَة الْقَتْل فَإِنَّهُ انْتِهَاء الْأَجَل فِي حق من هُوَ عَالم بعواقب الْأُمُور
لِأَن الْمَقْتُول ميت بأجله بِلَا شُبْهَة وَلَكِن فِي حق الْقَاتِل جعل فعله جِنَايَة على معنى أَنه يعْتَبر فِي حَقه حَتَّى يسْتَوْجب بِهِ الْقصاص وَإِن كَانَ ذَلِك موتا بالأجل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} وَمن فهم معنى التبديل بِهَذِهِ الصّفة عرف أَنه لَيْسَ فِيهِ من إِيهَام البداء شَيْء
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد الْمُسلمين أَن النّسخ جَائِز فِي الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي يجوز أَن يكون ثَابتا وَيجوز أَن لَا يكون على مَا نبينه فِي فصل مَحل النّسخ وعَلى قَول الْيَهُود النّسخ لَا يجوز أصلا
وهم فِي ذَلِك فريقان فريق مِنْهُم يَأْبَى النّسخ عقلا وفريق يَأْبَى جَوَازه سمعا وتوقيفا
وَقد قَالَ بعض من لَا يعْتد بقوله من الْمُسلمين إِنَّه لَا يجوز النّسخ أَيْضا وَرُبمَا قَالُوا لم يرد النّسخ فِي شَيْء أصلا
وَلَا وَجه لِلْقَوْلِ الأول إِذا كَانَ الْقَائِل مِمَّن يعْتَقد الْإِسْلَام فَإِن شَرِيعَة هَذَا القَوْل مِنْهُ مَعَ اعْتِقَاده لهَذِهِ الشَّرِيعَة
وَالثَّانِي بَاطِل نصا فَإِن قَوْله تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت} مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ناسخة لما قبلهَا
(2/54)

من الشَّرَائِع فَكيف يتَحَقَّق {بِخَير مِنْهَا} وَقَوله {وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة} نَص قَاطع على جَوَاز النّسخ وانتساخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بفرضية التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة أَمر ظَاهر لَا يُنكره عَاقل فَقَوْل من يَقُول لم يُوجد بَاطِل من هَذَا الْوَجْه
فَأَما من قَالَ من الْيَهُود إِنَّه لَا يجوز بطرِيق التَّوْقِيف اسْتدلَّ بِمَا يرْوى عَن مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ تمسكوا بالسبت مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَزَعَمُوا أَن هَذَا مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة عِنْدهم وَقَالُوا قد ثَبت عندنَا بِالطَّرِيقِ الْمُوجب للْعلم وَهُوَ خبر التَّوَاتُر عَن مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن شريعتي لَا تنسخ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنْتُم أَن ذَلِك ثَبت عنْدكُمْ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر عَمَّن تَزْعُمُونَ أَنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَبِهَذَا الطَّرِيق طعنوا فِي رِسَالَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالُوا من أجل الْعَمَل فِي السبت لَا يجوز تَصْدِيقه وَلَا يجوز أَن يَأْتِي بمعجزة تدل على صدقه
وَمن أنكر مِنْهُم ذَلِك عقلا قَالَ الْأَمر بالشَّيْء دَلِيل على حسن الْمَأْمُور بِهِ وَالنَّهْي عَن الشَّيْء دَلِيل على قبح الْمنْهِي عَنهُ وَالشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون حسنا وقبيحا فَالْقَوْل بِجَوَاز النّسخ قَول بِجَوَاز البداء وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَصَوَّر مِمَّن يجهل عواقب الْأُمُور وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك يُوضحهُ أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي التَّأْبِيد فِي الحكم وَكَذَلِكَ مُطلق النَّهْي وَلِهَذَا حسن منا اعْتِقَاد التَّأْبِيد فِيهِ فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح بالتأبيد وَلَو ورد نَص بِأَن الْعَمَل فِي السبت حرَام عَلَيْكُم أبدا لم يجز نسخه بعد ذَلِك بِحَال فَكَذَلِك إِذا ثَبت التَّأْبِيد بِمُقْتَضى مُطلق الْأَمر إِذْ لَو كَانَ ذَلِك موقتا كَمَا قُلْتُمْ لَكَانَ تَمام الْبَيَان فِيهِ بالتنصيص على التَّوْقِيت فَمَا كَانَ يحسن إِطْلَاقه عَن ذكر التَّوْقِيت وَفِي ذَلِك إِيهَام الْخلَل فِيمَا بَينه الله تَعَالَى فَلَا يجوز القَوْل بِهِ أصلا
وَحجَّتنَا فِيهِ من طَرِيق التَّوْقِيف اتِّفَاق الْكل على أَن جَوَاز النِّكَاح بَين الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات قد كَانَ فِي شَرِيعَة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبِه حصل الْمَرْء قد كَانَ فِي شَرِيعَته فَإِن حَوَّاء رَضِي الله عَنْهَا خلقت مِنْهُ وَكَانَ يسْتَمْتع بهَا ثمَّ انتسخ ذَلِك الحكم حَتَّى لَا يجوز لأحد أَن يسْتَمْتع بِمن هُوَ بعض مِنْهُ بِالنِّكَاحِ نَحْو ابْنَته وَلِأَن الْيَهُود مقرون بِأَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام حرم شَيْئا من المطعومات على نَفسه وَأَن ذَلِك صَار حَرَامًا عَلَيْهِم كَمَا أخبرنَا الله تَعَالَى بِهِ فِي قَوْله {كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا} مَا التناسل
(2/55)

وَقد انتسخ ذَلِك بعده وَكَذَلِكَ جَوَاز الِاسْتِمْتَاع بِمن هُوَ بعض من {حرم إِسْرَائِيل على نَفسه} الْآيَة والنسخ لَيْسَ إِلَّا تَحْرِيم الْمُبَاح أَو إِبَاحَة الْحَرَام وَكَذَلِكَ الْعَمَل فِي السبت كَانَ مُبَاحا قبل زمن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُم يوافقوننا على أَن حُرْمَة الْعَمَل فِي السبت من شَرِيعَة مُوسَى وَإِنَّمَا يكون من شَرِيعَته إِذا كَانَ ثُبُوته بنزول الْوَحْي عَلَيْهِ فَأَما إِذا كَانَ ذَلِك قبل شَرِيعَته على هَذَا الْوَجْه أَيْضا فَلَا فَائِدَة فِي تَخْصِيصه أَنه شَرِيعَته فَإِذا جَازَ ثُبُوت الْحُرْمَة فِي شَرِيعَته بعد مَا كَانَ مُبَاحا جَازَ ثُبُوت الْحل فِي شَرِيعَة نَبِي آخر قَامَت الدّلَالَة على صِحَة نبوته
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن النّسخ فِي المشروعات الَّتِي يجوز أَن تكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا تكون وَمَعْلُوم أَن هَذِه المشروعات شرعها الله تَعَالَى على سَبِيل الِابْتِلَاء لِعِبَادِهِ حَتَّى يُمَيّز الْمُطِيع من العَاصِي
وَمعنى الِابْتِلَاء يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس وباختلاف الْأَوْقَات فَإِن فِي هَذَا الِابْتِلَاء حِكْمَة بَالِغَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا مَنْفَعَة للعباد فِي ذَلِك عَاجلا أَو آجلا لِأَن الله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ المضار وَالْمَنَافِع وَمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ أصلا يكون عَبَثا ضدا للحكمة ثمَّ قد تكون الْمَنْفَعَة فِي إِثْبَات شَيْء فِي وَقت وَفِي نَفْيه فِي وَقت آخر كإيجاب الصَّوْم فِي النَّهَار إِلَى غرُوب الشَّمْس أَو طُلُوع النُّجُوم كَمَا هُوَ مَذْهَبهم وَنفي الصَّوْم بعد ذَلِك وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف أَحْوَال النَّاس كوجوب اعتزال الْمَرْأَة فِي حَالَة الْحيض وَانْتِفَاء ذَلِك بَعْدَمَا طهرت أَلا ترى أَنه لَو نَص على ذكر الْوَقْت فِيهِ بِأَن قَالَ حرمت عَلَيْكُم الْعَمَل فِي السبت ألف سنة ثمَّ هُوَ مُبَاح بعد ذَلِك كَانَ مُسْتَقِيمًا وَكَانَ معنى الِابْتِلَاء فِيهِ متحققا وَلم يكن فِيهِ من معنى البداء شَيْء فَكَذَلِك عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ فِي التَّحْرِيم
حِين شَرعه لَا يكون فِيهِ من معنى البداء شَيْء بل يكون امتحانا للمخاطبين فِي الْوَقْتَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ بِمَنْزِلَة تَبْدِيل الصِّحَّة بِالْمرضِ وَالْمَرَض بِالصِّحَّةِ وتبديل الْغنى بالفقر والفقر بالغنى فَإِن ذَلِك ابتلاء بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا إِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِيمَا أنزلهُ على نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ {إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه} وَالثَّانِي أَن ثمَّ النّسخ بعد ذَلِك إِذا انْتَهَت مُدَّة التَّحْرِيم الَّذِي كَانَ مَعْلُوما عِنْد
(2/56)

الشَّارِع النّسخ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَذَلِكَ غيب عَنَّا لَو بَينه لنا فِي وَقت الْأَمر كَانَ حسنا لَا يشوبه من معنى الْقبْح شَيْء فَكَذَلِك إِذا بَينه بعد ذَلِك بالنسخ
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن النّسخ إِنَّمَا يكون فِيمَا يجوز أَن يكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا يكون مَشْرُوعا وَمَعَ الشَّرْع مُطلقًا يحْتَمل أَن يكون موقتا وَيحْتَمل أَن يكون مُؤَبَّدًا احْتِمَالا على السوَاء لِأَن الْأَمر يَقْتَضِي كَونه مَشْرُوعا من غير أَن يكون مُوجبا بَقَاءَهُ مَشْرُوعا وَإِنَّمَا الْبَقَاء بعد الثُّبُوت بِدَلِيل آخر سبق أَو بِعَدَمِ الدَّلِيل المزيل فَأَما أَن يكون ذَلِك وَاجِبا بِالْأَمر فَلَا لِأَن إحْيَاء الشَّرِيعَة بِالْأَمر بِهِ كإحياء الشَّخْص وَذَلِكَ لَا يُوجب بَقَاءَهُ وَإِنَّمَا يُوجب وجوده ثمَّ الْبَقَاء بعد ذَلِك بإبقاء الله تَعَالَى إِيَّاه أَو بانعدام سَبَب الفناء فَكَمَا أَن الإماتة بعد الْإِحْيَاء لَا يكون فِيهِ شَيْء من معنى الْقبْح وَلَا يكون دَلِيل البداء وَالْجهل بعواقب الْأُمُور بل يكون ذَلِك بَيَانا لمُدَّة بَقَاء الْحَيَاة الَّذِي كَانَ مَعْلُوما عِنْد الْخَالِق حِين خلقه وَإِن كَانَ ذَلِك غيبا عَنَّا فَكَذَلِك النّسخ فِي حكم الشَّرْع
فَإِن قيل فعلى هَذَا بَقَاء الحكم قبل أَن يظْهر ناسخه لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ لِأَنَّهُ مَا لم يكن هُنَاكَ دَلِيل مُوجب لَهُ لَا يكون مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا دَلِيل سوى الْأَمر بِهِ
قُلْنَا أما فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَذَلِك نقُول بَقَاءَهُ بعد الْأَمر إِنَّمَا يكون باستصحاب الْحَال لجَوَاز نزُول الْوَحْي بِمَا ينسخه وَيبين بِهِ مُدَّة بَقَائِهِ إِلَّا أَن الْوَاجِب علينا التَّمَسُّك بِمَا ظهر عندنَا لَا بِمَا هُوَ غيب عَنَّا فَمَا لم تظهر لنا مُدَّة الْبَقَاء بنزول النَّاسِخ يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ وَكَذَلِكَ بعد نزُول النَّاسِخ قبل أَن يعلم الْمُخَاطب بِهِ
وَهُوَ نَظِير حَيَاة الْمَفْقُود بَعْدَمَا غَابَ عَنَّا فَإِنَّهُ يكون ثَابتا باستصحاب الْحَال لَا بِدَلِيل مُوجب لبَقَائه حَيا وَلَكنَّا نجعله فِي حكم الْأَحْيَاء بِنَاء على مَا ظهر لنا حَتَّى يتَبَيَّن انْتِهَاء مُدَّة حَيَاته بِظُهُور مَوته فَأَما بعد وَفَاة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام
(2/57)

فَلم يبْق احْتِمَال النّسخ وَصَارَ الْبَقَاء ثَابتا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَهُوَ أَن النّسخ لَا يكون إِلَّا على لِسَان من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَلَا توهم لذَلِك بَعْدَمَا قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
فَإِن قيل فعلى هَذَا لَا يكون النّسخ فِي أصل الْأَمر لِأَن الحكم الثَّابِت بِالْأَمر غير الْأَمر فببيان مدَّته لَا يثبت تَبْدِيل الْأَمر بِالنَّهْي
قُلْنَا وَهَكَذَا نقُول فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي النّسخ تعرض لِلْأَمْرِ بِوَجْه من الْوُجُوه بل للْحكم الثَّابِت بِهِ ظَاهرا بِنَاء على مَا هُوَ مَعْلُوم لنا فَإِنَّهُ كَانَ يجوز الْبَقَاء بعد هَذِه الْمدَّة بِاعْتِبَار الْإِطْلَاق الَّذِي كَانَ عندنَا
فَأَما فِي حق الشَّارِع فَهُوَ بَيَان مُدَّة الحكم كَمَا كَانَ مَعْلُوما لَهُ حَقِيقَة وَلَا يتَحَقَّق مِنْهُ توهم التَّعَرُّض لِلْأَمْرِ وَلَا لحكمه كالإماتة بعد الْإِحْيَاء فَإِنَّهُ بَيَان الْمدَّة من غير أَن يكون فِيهِ تعرض لأصل الْإِحْيَاء وَلَا لما يبتنى عَلَيْهِ من مُدَّة الْبَقَاء فاعتبار مَا هُوَ ظَاهر لنا يكون فِيهِ تَبْدِيل صفة الْحَيَاة بِصفة الْوَفَاة وَإِنَّمَا تتَحَقَّق الْمُنَافَاة بَين الْقبْح وَالْحسن فِي مَحل وَاحِد فِي وَقت وَاحِد فَأَما فِي وَقْتَيْنِ ومحلين فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك أَلا ترى أَنه لَا يتَوَجَّه الْخطاب على من لَا يعقل من صبي أَو مَجْنُون ثمَّ يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْخطاب بَعْدَمَا عقل وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا حسنا لاخْتِلَاف الْوَقْت أَو لاخْتِلَاف الْمحل
وَهَذَا لِأَن أحوالنا تتبدل فَيكون النّسخ تبديلا بِنَاء على مَا يتبدل من أحوالنا من الْعلم مُدَّة الْبَقَاء وَالْجهل بِهِ لَا يكون مُؤديا إِلَى الْجمع بَين صفة الْقبْح وَالْحسن وَالله يتعالى عَن ذَلِك فَكَانَ فِي حَقه بَيَانا مَحْضا لمُدَّة بَقَاء الْمَشْرُوع بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهِ حِين شَرعه
وَمَا استدلوا بِهِ من السّمع لَا يكَاد يَصح عندنَا بَعْدَمَا ثَبت رِسَالَة رسل بعد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِالْآيَاتِ المعجزة والدلائل القاطعة
ودعواهم أَن ذَلِك فِي التَّوْرَاة غير مسموعة مِنْهُم لِأَنَّهُ ثَبت عندنَا على لِسَان من ثبتَتْ رسَالَته أَنهم حرفوا التَّوْرَاة وَزَادُوا فِيهَا ونقصوا وَلِأَن كَلَام الله تَعَالَى لَا يثبت إِلَّا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي التَّوْرَاة بَعْدَمَا فعل بخْتنصر ببني إِسْرَائِيل مَا فعل من الْقَتْل الذريع وإحراق أسفار التَّوْرَاة
وَفِي الْمَسْأَلَة كَلَام كثير بَين أهل الْأُصُول وَلَكنَّا اقتصرنا هُنَا على قدر مَا يتَّصل بأصول الْفِقْه وَالْمَقْصُود من بَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة هُنَا مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من أصُول الْفِقْه وَالله الْمُوفق للإتمام
(2/58)

فصل فِي بَيَان مَحل النّسخ
قد بَينا أَن جَوَاز النّسخ مُخْتَصّ بِمَا يجوز أَن يكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا يكون مَشْرُوعا وَهُوَ مِمَّا يحْتَمل التَّوْقِيت نصا مَعَ كَونه مَشْرُوعا لِأَنَّهُ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَبعد انْتِهَاء الْمدَّة لَا يبْقى مَشْرُوعا فَلَا بُد من أَن يكون فِيهِ احْتِمَال الوصفين
وَبِهَذَا الْبَيَان يظْهر أَنه إِذا كَانَ موقتا فَلَا بُد من أَن يكون مُحْتملا للتوقيت نصا وَفِي هَذَا بَيَان أَنه لَيْسَ فِي أصل التَّوْحِيد احْتِمَال النّسخ بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن الله تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته لم يزل كَانَ وَلَا يزَال يكون وَمن صِفَاته أَنه صَادِق حَكِيم عَالم بحقائق الْأُمُور فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي هَذَا بِوَجْه من الْوُجُوه أَلا ترى أَن الْأَمر بِالْإِيمَان بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله لَا يحْتَمل التَّوْقِيت بِالنَّصِّ وَأَنه لَا يجوز أَن يكون غير مَشْرُوع بِحَال من الْأَحْوَال
وعَلى هَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء لَا نسخ فِي الْأَخْبَار أَيْضا يعنون فِي مَعَاني الْأَخْبَار واعتقاد كَون الْمخبر بِهِ على مَا أخبر بِهِ الصَّادِق الْحَكِيم بِخِلَاف مَا يَقُوله بعض أهل الزيغ من احْتِمَال النّسخ فِي الْأَخْبَار الَّتِي تكون فِي الْمُسْتَقْبل لظَاهِر قَوْله تَعَالَى {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت} وَلَكنَّا نقُول الْأَخْبَار ثَلَاثَة خبر عَن وجود مَا هُوَ مَاض وَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال التَّوْقِيت وَلَا احْتِمَال أَن لَا يكون مَوْجُودا وَخبر عَمَّا هُوَ مَوْجُود فِي الْحَال وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَال أَيْضا وَخبر عَمَّا هُوَ كَائِن فِي الْمُسْتَقْبل نَحْو الْإِخْبَار بِقِيَام السَّاعَة وَلَيْسَ فِيهِ احْتِمَال مَا بَينا من التَّرَدُّد فتجويز النّسخ فِي شَيْء من ذَلِك يكون قولا بتجويز الْكَذِب والغلط على الْمخبر بِهِ أَلا ترى أَنه لَا يَسْتَقِيم أَن يُقَال اعتقدوا الصدْق فِي هَذَا الْخَبَر إِلَى وَقت كَذَا ثمَّ اعتقدوا فِيهِ الْكَذِب بعد ذَلِك
وَالْقَوْل بِجَوَاز النّسخ فِي مَعَاني الْأَخْبَار يُؤَدِّي إِلَى هَذَا لَا محَالة وَهُوَ البداء وَالْجهل الَّذِي تدعيه الْيَهُود فِي أصل النّسخ
فَأَما قَوْله تَعَالَى {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت} فقد فسره الْحسن رَضِي الله عَنهُ بِالْإِحْيَاءِ والإماتة
وَفَسرهُ زيد بن أسلم رَضِي الله عَنهُ قَالَ {يمحو الله مَا يَشَاء} مِمَّا أنزلهُ من الْوَحْي {وَيثبت} بإنزال الْوَحْي فِيهِ
فعلى هَذَا يتَبَيَّن أَن المُرَاد مَا يجوز أَن يكون مؤقتا أَو أَن المُرَاد التِّلَاوَة وَنحن نجوز ذَلِك فِي الْأَخْبَار أَيْضا بِأَن تتْرك التِّلَاوَة فِيهِ حَتَّى يندرس وينعدم حفظه من قُلُوب الْعباد كَمَا فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة وَإِنَّمَا
(2/59)

لَا يجوز ذَلِك فِي مَعَاني الْأَخْبَار على مَا قَررنَا
وَإِنَّمَا مَحل النّسخ الْأَحْكَام الْمَشْرُوعَة بِالْأَمر وَالنَّهْي مِمَّا يجوز أَن لَا يكون مَشْرُوعا وَيجوز أَن يكون مَشْرُوعا موقتا
وَذَلِكَ يَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام قسم مِنْهُ مَا هُوَ مؤبد بِالنَّصِّ وَقسم مِنْهُ مَا يثبت التَّأْبِيد فِيهِ بِدلَالَة النَّص وَقسم مِنْهُ مَا هُوَ موقت بِالنَّصِّ
فَهَذِهِ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة لَيْسَ فِيهَا احْتِمَال النّسخ أَيْضا وَإِنَّمَا احْتِمَال النّسخ فِي الْقسم الرَّابِع وَهُوَ الْمُطلق الَّذِي يحْتَمل أَن يكون موقتا وَيحْتَمل أَن يكون مُؤَبَّدًا احْتِمَالا على السوَاء
فَأَما بَيَان الْقسم الأول فِي قَوْله تَعَالَى {وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة} فَفِيهِ تنصيص على التَّأْبِيد وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {خَالِدين فِيهَا أبدا} لِأَن بعد التَّنْصِيص على التَّأْبِيد بَيَان التَّوْقِيت فِيهِ بالنسخ لَا يكون إِلَّا على وَجه البداء وَظُهُور الْغَلَط وَالله تَعَالَى يتعالى عَن ذَلِك
وَمَا ثَبت التَّأْبِيد فِيهِ بِدلَالَة النَّص فبيانه فِي الشَّرَائِع بَعْدَمَا قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُسْتَقرًّا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا احْتِمَال النّسخ لِأَن النّسخ لَا يكون إِلَّا على لِسَان من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَقد ثَبت بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ أَن رَسُول الله خَاتم النَّبِيين وَأَنه لَا نسخ لشريعته فَلَا يبْقى احْتِمَال النّسخ بعد هَذِه الدّلَالَة فِيمَا كَانَ شَرِيعَة لَهُ حِين قبض
وَنَظِيره من الْمَخْلُوقَات الدَّار الْآخِرَة فقد ثَبت بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ أَنه لَا فنَاء لَهَا
وَأما الْقسم الثَّالِث فبيانه فِي قَول الْقَائِل أَذِنت لَك فِي أَن تفعل كَذَا إِلَى مائَة سنة فَإِن النَّهْي قبل مُضِيّ تِلْكَ الْمدَّة يكون من بَاب البداء ويتبين بِهِ أَن الْإِذْن الأول كَانَ غَلطا مِنْهُ لجهله بعاقبة الْأَمر والنسخ الَّذِي يكون مُؤديا إِلَى هَذَا لَا يجوز القَوْل بِهِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَلم يرد شرع بِهَذِهِ الصّفة
فَأَما الْقسم الرَّابِع فبيانه فِي الْعِبَادَات الْمَفْرُوضَة شرعا عِنْد أَسبَاب جعلهَا الشَّرْع سَببا لذَلِك فَإِنَّهَا تحْتَمل التَّوْقِيت نصا يَعْنِي فِي الْأَدَاء اللَّازِم بِاعْتِبَار الْأَمر وَفِي الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى سَببا لذَلِك فَإِنَّهُ لَو قَالَ جعلت زَوَال الشَّمْس سَببا لوُجُوب صَلَاة الظّهْر عَلَيْكُم إِلَى وَقت كَذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَلَو قَالَ جعلت شُهُود الشَّهْر سَببا لوُجُوب الصَّوْم عَلَيْكُم إِلَى وَقت كَذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا
وَهَذَا كُله فِي الأَصْل مِمَّا يجوز أَن يكون
(2/60)

مَشْرُوعا وَيجوز أَن لَا يكون فَكَانَ النّسخ فِيهِ بَيَانا لمُدَّة بَقَاء الحكم وَذَلِكَ جَائِز بِاعْتِبَار مَا بَينا من الْمَعْنيين أَحدهمَا أَن معنى الِابْتِلَاء وَالْمَنْفَعَة للعباد فِي شَيْء يخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات وَاخْتِلَاف النَّاس فِي أَحْوَالهم
وَالثَّانِي أَن دَلِيل الْإِيجَاب غير مُوجب للبقاء بِمَنْزِلَة البيع يُوجب الْملك فِي الْمَبِيع للْمُشْتَرِي وَلَا يُوجب بَقَاء الْملك بل بَقَاؤُهُ بِدَلِيل آخر مبق أَو بِعَدَمِ دَلِيل المزيل وَهُوَ مُوجب الثّمن فِي ذمَّة المُشْتَرِي وَلَا يُوجب بَقَاء الثّمن فِي ذمَّته لَا محَالة وَلَا يكون فِي النّسخ تعرضا لِلْأَمْرِ وَلَا للْحكم الَّذِي هُوَ مُوجبه وَامْتِنَاع جَوَاز النّسخ فِيمَا تقدم من الْأَقْسَام كَانَ لِاجْتِمَاع معنى الْقبْح وَالْحسن وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي وَقت وَاحِد لَا فِي وَقْتَيْنِ حَتَّى إِن مَا يكون حسنا لعَينه لَا يجوز أَن يكون قبيحا لعَينه بِوَجْه من الْوُجُوه
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الْخَلِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِذبح وَلَده وَكَانَ الْأَمر دَلِيلا على حسن ذبحه ثمَّ انتسخ ذَلِك فَكَانَ مَنْهِيّا عَن ذبحه مَعَ قيام الْأَمر حَتَّى وَجب ذبح الشَّاة فدَاء عَنهُ وَلَا شكّ أَن النَّهْي عَن ذبح الْوَلَد الَّذِي بِهِ يثبت الانتساخ كَانَ دَلِيلا على قبحه وَقد قُلْتُمْ باجتماعهما فِي وَقت وَاحِد
قُلْنَا لَا كَذَلِك فَإنَّا لَا نقُول بِأَنَّهُ انتسخ الحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا بِالْأَمر وَكَيف يُقَال بِهِ وَقد سَمَّاهُ الله محققا رُؤْيَاهُ بقوله تَعَالَى {وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت الرُّؤْيَا} أَي حققت مَا أمرت بِهِ
وَبعد النّسخ لَا يكون هُوَ محققا مَا أَمر بِهِ وَلَكنَّا نقُول الشَّاة كَانَت فدَاء كَمَا نَص الله عَلَيْهِ فِي قَوْله {وفديناه بِذبح عَظِيم} على معنى أَنه يقدم على الْوَلَد فِي قبُول حكم الْوُجُوب بعد أَن كَانَ الْإِيجَاب بِالْأَمر مُضَافا إِلَى الْوَلَد حَقِيقَة كمن يَرْمِي سَهْما إِلَى غَيره فيفديه آخر بِنَفسِهِ بِأَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ حَتَّى ينفذ فِيهِ بعد أَن يكون خُرُوج السهْم من الرَّامِي إِلَى الْمحل الَّذِي قَصده وَإِذا كَانَ فدَاء من هَذَا الْوَجْه كَانَ هُوَ ممتثلا للْحكم الثَّابِت بِالْأَمر فَلَا يَسْتَقِيم القَوْل بالنسخ فِيهِ لِأَن ذَلِك يبتنى على النَّهْي الَّذِي هُوَ ضد الْأَمر فَلَا يتَصَوَّر اجْتِمَاعهمَا فِي وَقت وَاحِد
فَإِن قيل فإيش الْحِكْمَة فِي إِضَافَة الْإِيجَاب إِلَى الْوَلَد إِذا لم يجب بِهِ ذبح الْوَلَد قُلْنَا فِيهِ تَحْقِيق معنى الِابْتِلَاء فِي حق الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يظْهر مِنْهُ الانقياد والاستسلام وَالصَّبْر على مَا بِهِ من حرقة الْقلب على وَلَده وَفِي حق الْوَلَد بِالصبرِ والمجاهدة على معرة الذّبْح إِلَى حَال المكاشفة
لرب الْعَالمين وللولد بِأَن يكون قربانا لله وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله {فَلَمَّا أسلما} ثمَّ اسْتَقر حكم الْوُجُوب فِي الشَّاة بطرِيق الْفِدَاء وَفِيه إِظْهَار معنى الْكَرَامَة والفضيلة
(2/61)

للخليل عَلَيْهِ السَّلَام بِالْإِسْلَامِ للْوَلَد كَمَا قَالَ {وفديناه بِذبح عَظِيم} وَالْفِدَاء اسْم لما يكون وَاجِبا بِالسَّبَبِ الْمُوجب للْأَصْل فبه يتَبَيَّن انعدام النّسخ هُنَا لِانْعِدَامِ رُكْنه فَإِنَّهُ بَيَان مُدَّة بَقَاء الْوَاجِب وَحين وَجَبت الشَّاة فدَاء كَانَ الْوَاجِب قَائِما وَالْولد حرَام الذّبْح فَعرفنَا أَنه لَا وَجه لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ كَانَ نسخا
ثمَّ على مَذْهَب عُلَمَائِنَا يجوز نسخ الأخف بالأثقل كَمَا يجوز نسخ الأثقل بالأخف
وَذكر الشَّافِعِي فِي كتاب الرسَالَة أَن الله تَعَالَى فرض فَرَائض أثبتها وَأُخْرَى نسخهَا رَحْمَة وتخفيفا لِعِبَادِهِ فَزعم بعض أَصْحَابه أَنه أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه الْحِكْمَة فِي النّسخ
وَقَالَ بَعضهم بل أَرَادَ بِهِ أَن النَّاسِخ أخف من الْمَنْسُوخ وَكَانَ لَا يجوز نسخ الأخف بالأثقل وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ بقوله تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا} وبالاتفاق لَيْسَ المُرَاد أَن النَّاسِخ أفضل من الْمَنْسُوخ فَعرفنَا أَن المُرَاد أَنه خير من حَيْثُ إِنَّه أخف وَعَلِيهِ نَص فِي مَوضِع آخر فَقَالَ {الْآن خفف الله عَنْكُم} الْآيَة
وَلَكنَّا نستدل بقوله {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت} فالتقييد بِكَوْن النَّاسِخ أخف من الْمَنْسُوخ يكون زِيَادَة على هَذَا النَّص من غير دَلِيل ثمَّ الْمَعْنى الَّذِي دلّ على جَوَاز النّسخ وَهُوَ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الِابْتِلَاء وَالنَّقْل إِلَى مَا فِيهِ مَنْفَعَة لنا عَاجلا أَو آجلا لَا يفصل بَينهمَا فقد يكون الْمَنْفَعَة تَارَة فِي النَّقْل إِلَى مَا هُوَ أخف على الْبدن وَتارَة فِي النَّقْل إِلَى مَا هُوَ أشق على الْبدن أَلا ترى أَن الطَّبِيب ينْقل الْمَرِيض من الْغذَاء إِلَى الدَّوَاء تَارَة وَمن الدَّوَاء إِلَى الْغذَاء تَارَة بِحَسب مَا يعلم من منفعَته فِيهِ
ثمَّ هُوَ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم على وَجه لَو كَانَ مَقْرُونا بِالْأَمر لَكَانَ صَحِيحا مُسْتَقِيمًا وَفِي هَذَا لَا فرق بَين الأثقل والأخف وَلَا حجَّة لَهُم فِي قَوْله {الْآن خفف الله عَنْكُم} فَإِن النّسخ فِي ذَلِك الحكم بِعَيْنِه كَانَ نقلا من الأثقل إِلَى الأخف وَهَذَا يدل على أَن كل نسخ يكون بِهَذِهِ الصّفة أَلا ترى أَن حد الزِّنَا كَانَ فِي الِابْتِدَاء هُوَ الْحَبْس والأذى بِاللِّسَانِ ثمَّ انتسخ ذَلِك بِالْجلدِ وَالرَّجم
وَلَا شكّ أَن النَّاسِخ أثقل على الْبدن
وَجَاء عَن معَاذ وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} أَن حكمه كَانَ هُوَ التَّخْيِير للصحيح بَين الصَّوْم والفدية ثمَّ انتسخ ذَلِك بفرضية الصَّوْم عزما بقوله تَعَالَى {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه}
ثمَّ لَا شكّ أَنه قد افْترض على الْعباد بعض مَا كَانَ مَشْرُوعا لَا بِصفة الْفَرْضِيَّة وإلزام مَا كَانَ مُبَاحا يكون أشق لَا محَالة
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَيْسَ المُرَاد من قَوْله {نأت بِخَير مِنْهَا} الأخف على وانتسخ حكم إِبَاحَة الْخمر بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ أشق على
(2/62)

الْبدن الْبدن فَإِن الْحَج مَا كَانَ لَازِما قبل نزُول قَوْله تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} وَكَانَ كل مُسلم مَنْدُوبًا إِلَى أَدَائِهِ ثمَّ صَار الْأَدَاء لَازِما بِهَذِهِ الْآيَة وَهَذَا أشق على الْبدن يُوضحهُ أَن ترك الْخُرُوج لِلْحَجِّ يكون أخف على الْبدن من الْخُرُوج وَلَا إِشْكَال أَن الْخُرُوج إِلَى أَدَاء الْحَج بعد التَّمَكُّن خير من التّرْك
فَبِهَذَا يتَبَيَّن ضعف استدلالهم

فصل فِي بَيَان شَرط النّسخ
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن شَرط جَوَاز النّسخ عندنَا هُوَ التَّمَكُّن من عقد الْقلب فَأَما الْفِعْل أَو التَّمَكُّن من الْفِعْل فَلَيْسَ بِشَرْط وعَلى قَول الْمُعْتَزلَة التَّمَكُّن من الْفِعْل شَرط
وَحَاصِل الْمَسْأَلَة أَن النّسخ بَيَان لمُدَّة عقد الْقلب وَالْعَمَل بِالْبدنِ تَارَة ولأحدهما وَهُوَ عقد الْقلب على الحكم تَارَة فَكَانَ عقد الْقلب هُوَ الحكم الْأَصْلِيّ فِيهِ وَالْعَمَل بِالْبدنِ زِيَادَة يجوز أَن يكون النّسخ بَيَانا للمدة فِيهِ وَيجوز أَن لَا يكون عندنَا
وعَلى قَوْلهم النّسخ يكون بَيَانا لمُدَّة الحكم فِي حق الْعَمَل بِهِ وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد الْفِعْل أَو التَّمَكُّن مِنْهُ حكما لِأَن التّرْك بعد التَّمَكُّن فِيهِ تَفْرِيط من العَبْد فَلَا يَنْعَدِم بِهِ معنى بَيَان مُدَّة الْعَمَل بالنسخ
قَالُوا لِأَن الْعَمَل هُوَ الْمَقْصُود بِالْأَمر وَالنَّهْي أَلا ترى أَن ورودهما بِذكر الْفِعْل معنى قَول الْقَائِل افعلوا كَذَا وَلَا تَفعلُوا كَذَا
وَتَحْقِيق معنى الِابْتِلَاء فِي الْفِعْل أَيْضا فَعرفنَا أَنه هُوَ الْمَقْصُود والنسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل لَا يكون إِلَّا بطرِيق البداء أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يَقُول قد أمرت عَبدِي أَن يفعل غَدا كَذَا ثمَّ بدا لي فنهيته عَنهُ
وَهَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَهِي عَمَّا أَمر بِفِعْلِهِ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل بِأَن يظْهر لَهُ من حَال الْمَأْمُور بِهِ مَا لم يكن مَعْلُوما حِين يَأْمُرهُ بِهِ لعلمنا أَنه بِالْأَمر إِنَّمَا طلب من الْمَأْمُور إِيجَاد الْفِعْل بعد التَّمَكُّن مِنْهُ لَا قبله إِذْ التَّكْلِيف لَا يكون إِلَّا بِحَسب الوسع والبداء على الله تَعَالَى لَا يجوز يقرره أَن القَوْل بِجَوَاز النّسخ قبل التَّمَكُّن يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا وقبيحا فِي وَقت وَاحِد لِأَن الْأَمر دَلِيل على حسن فعل الْمَأْمُور بِهِ عِنْد الْإِمْكَان وَالنَّهْي قبل التَّمَكُّن
(2/63)

دَلِيل على قبح فعله فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه يُوضحهُ أَن النّسخ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم على وَجه يجوز أَن يكون مَقْرُونا بِالْأَمر وَلِهَذَا جَازَ النّسخ فِي الْأَمر وَالنَّهْي دون الْخَبَر والنسخ قبل التَّمَكُّن لَا يَصح مَقْرُونا بِالْأَمر فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول افْعَل كَذَا إِلَى أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ ثمَّ لَا يَفْعَله بعد ذَلِك فَعرفنَا أَن النّسخ قبل التَّمَكُّن لَا يجوز
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك الحَدِيث الْمَشْهُور إِن الله تَعَالَى فرض على عباده خمسين صَلَاة فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج ثمَّ انتسخ مَا زَاد على الْخمس لسؤال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ ذَلِك نسخا قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل إِلَّا أَنه كَانَ بعد عقد الْقلب عَلَيْهِ فَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الأَصْل لهَذِهِ الْأمة وَلَا شكّ أَنه عقد قلبه على ذَلِك وَلَا معنى لقَولهم إِن الله تَعَالَى مَا فرض ذَلِك عزما وَإِنَّمَا جعل ذَلِك إِلَى رَأْي رَسُوله ومشيئته لِأَن فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ التَّخْفِيف عَن أمته غير مرّة وَمَا زَالَ يسْأَل ذَلِك ويجيبه ربه إِلَيْهِ حَتَّى انْتهى إِلَى الْخمس فَقيل لَهُ لَو سَأَلت التَّخْفِيف أَيْضا فَقَالَ أَنا أستحي من رَبِّي وَفِي هَذَا بَيَان أَنه لم يكن ذَلِك مفوضا إِلَى اخْتِيَاره بل كَانَ نسخا على وَجه التَّخْفِيف بسؤاله بعد الْفَرْضِيَّة
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بقوله {فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة} إِلَى قَوْله {فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم} فَإِن هَذَا نسخ الْأَمر قبل الْفِعْل وَلَكنهُمْ يَقُولُونَ كَانَ هَذَا النّسخ بعد التَّمَكُّن من الْفِعْل وَإِن كَانَ قبل مُبَاشرَة الْفِعْل وَلَا خلاف فِي جَوَاز ذَلِك وَالأَصَح هُوَ الأول وَلِأَن النّسخ جَائِز بعد وجود جُزْء مِمَّا تنَاوله الْأَمر بِالْفِعْلِ فَإِن قَول الْقَائِل افعلوا كَذَا فِي مُسْتَقْبل أعماركم يجوز نسخه بِالنَّهْي عَنهُ بعد مُضِيّ جُزْء من الْعُمر وَلَوْلَا النّسخ لَكَانَ أصل الْكَلَام متناولا لجَمِيع الْعُمر فبالنسخ يتَبَيَّن أَنه كَانَ المُرَاد الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ فِي ذَلِك الْجُزْء خَاصَّة وَلَا يتَوَهَّم فِيهِ معنى البداء أَو الْجَهْل بعاقبة الْأَمر فَكَذَلِك النّسخ بعد عقد الْقلب على الحكم واعتقاد الحقية فِيهِ قبل التَّمَكُّن من الْعَمَل يكون بَيَانا أَن المُرَاد كَانَ عقد الْقلب عَلَيْهِ إِلَى هَذَا الْوَقْت واعتقاده الْفَرْضِيَّة فِيهِ دون مُبَاشرَة الْعَمَل وَإِنَّمَا يكون مُبَاشرَة الْعَمَل مَقْصُودا لمن ينْتَفع بِهِ وَالله يتعالى عَن ذَلِك وَإِنَّمَا الْمَقْصُود فِيمَا يَأْمر الله بِهِ عباده الِابْتِلَاء والابتلاء بعزيمة الْقلب
(2/64)

واعتقاد الحقية لَا يكون دون الِابْتِلَاء بِالْعَمَلِ وَرُبمَا يكون ذَلِك أهم أَلا ترى أَن فِي الْمُتَشَابه مَا كَانَ الِابْتِلَاء إِلَّا بِعقد الْقلب عَلَيْهِ واعتقاد الحقية فِيهِ
وَكَذَلِكَ فِي الْمُجْمل الَّذِي لَا يُمكن الْعَمَل بِهِ إِلَّا بعد الْبَيَان يكون الِابْتِلَاء قبل الْبَيَان بِعقد الْقلب عَلَيْهِ واعتقاد الحقية فِيهِ وَيكون ذَلِك حسنا لَا يشوبه من معنى الْقبْح شَيْء فَكَذَلِك الْأَمر الَّذِي يرد النّسخ عَقِيبه قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل وَيعْتَبر هَذَا بإحياء الشَّخْص فقد تبين انْتِهَاء مُدَّة حَيَاته بِالْمَوْتِ قبل أَن يصير مُنْتَفعا بحياته إِمَّا فِي بطن أمه بِأَن ينْفَصل مَيتا أَو بعد الِانْفِصَال قبل أَن ينْتَفع بحياته وَأحد لَا يَقُول إِنَّه يتَمَكَّن فِيهِ معنى البداء أَو إِنَّه يجْتَمع فِيهِ معنى الْحسن والقبح يُوضحهُ أَن الْوَاحِد منا قد يَأْمر عَبده ومقصوده من ذَلِك أَن يظْهر عِنْد النَّاس حسن طَاعَته وانقياده لَهُ ثمَّ ينهاه عَن ذَلِك بعد حُصُول هَذَا الْمَقْصُود قبل أَن يتَمَكَّن من مُبَاشرَة الْفِعْل وَلَا يَجْعَل ذَلِك دَلِيل البداء مِنْهُ وَإِن كَانَ مِمَّن يجوز عَلَيْهِ البداء فَلِأَن لَا يَجْعَل النّسخ قبل التَّمَكُّن من الْفِعْل بعد عزم الْقلب واعتقاد الحقية موهما للبداء فِي حق من لَا يجوز عَلَيْهِ البداء أولى وَإِنَّمَا يجْتَمع الْحسن والقبح فِي شَيْء وَاحِد إِذا كَانَ مَأْمُورا بِهِ ومنهيا عَنهُ فِي وَقت وَاحِد وَذَلِكَ لَا يكون مَعَ أَن الْحسن مُطلقًا مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه الشَّرْع يقرره أَن تَمام الْحسن على مَا يَزْعمُونَ إِنَّمَا يظْهر عِنْد مُبَاشرَة الْعَمَل وَالْإِطْلَاق يَقْتَضِي صفة الْكَمَال ثمَّ بالِاتِّفَاقِ يجوز النّسخ بعد التَّمَكُّن من الْفِعْل قبل حَقِيقَة الْفِعْل لِأَن معنى الْحسن فِيهِ كَامِل من حَيْثُ عقد الْقلب واعتقاد الحقية فِيهِ فَكَذَلِك قبل التَّمَكُّن وَلَا نقُول بِأَن مثل هَذَا الْبَيَان لَا يجوز مَقْرُونا بِالْأَمر فَإِنَّهُ لَو قَالَ افْعَل كَذَا فِي وَقت كَذَا (إِن لم أنسخه عَنْك كَانَ ذَلِك أمرا مُسْتَقِيمًا بِمَنْزِلَة قَوْله افْعَل كَذَا فِي وَقت كَذَا) إِن تمكنت مِنْهُ وَتَكون الْفَائِدَة فِي الْحَال هُوَ الْقبُول بِالْقَلْبِ واعتقاد الحقية فِيهِ فَكَذَلِك يجوز مثله بعد الْأَمر بطرِيق النّسخ وَالله الْمُوفق

فصل فِي بَيَان النَّاسِخ
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْحجَج أَرْبَعَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
(2/65)

وَالْقِيَاس
وَلَا خلاف بَين جُمْهُور الْعلمَاء فِي أَنه لَا يجوز نسخ الْكتاب وَالسّنة بِالْقِيَاسِ وَكَانَ ابْن سُرَيج من أَصْحَاب الشَّافِعِي يجوز ذَلِك والأنماطي من أَصْحَابه كَانَ يَقُول لَا يجوز ذَلِك بِقِيَاس الشّبَه وَيجوز بِقِيَاس مستخرج من الْأُصُول وكل قِيَاس هُوَ مستخرج من الْقُرْآن يجوز نسخ الْكتاب بِهِ وكل قِيَاس هُوَ مستخرج من السّنة يجوز نسخ السّنة بِهِ لِأَن هَذَا فِي الْحَقِيقَة نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَنسخ السّنة بِالسنةِ فثبوت الحكم بِمثل هَذَا الْقيَاس فِي الْحَقِيقَة يكون محالا بِهِ على الْكتاب وَالسّنة
وَهَذَا قَول بَاطِل بِاتِّفَاق الصَّحَابَة فقد كَانُوا مُجْمِعِينَ على ترك الرَّأْي بِالْكتاب وَالسّنة حَتَّى قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيث الْجَنِين كدنا أَن نقضي فِيهِ برأينا وَفِيه سنة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُول الله يمسح على ظَاهر الْخُف دون بَاطِنه
وَلِأَن الْقيَاس كَيْفَمَا كَانَ لَا يُوجب الْعلم فَكيف ينْسَخ بِهِ مَا هُوَ مُوجب للْعلم قطعا وَقد بَينا أَن النّسخ بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَكَونه حسنا إِلَى ذَلِك الْوَقْت وَلَا مجَال للرأي فِي معرفَة انْتِهَاء وَقت الْحسن وَمَا ادَّعَاهُ من أَن هَذَا الحكم يكون ثَابتا بِالْكتاب فَكَلَام ضَعِيف فَإِن الْوَصْف الَّذِي بِهِ يرد الْفَرْع إِلَى الأَصْل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْكتاب وَالسّنة غير مَقْطُوع بِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْنى فِي الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَأحد من القائسين لَا يَقُول بِأَن حكم الرِّبَا فِيمَا عدا الْأَشْيَاء السِّتَّة يكون ثَابتا بِالنَّصِّ الَّذِي فِيهِ ذكر الْأَشْيَاء السِّتَّة
وَأما النّسخ بِالْإِجْمَاع فقد جوزه بعض مَشَايِخنَا بطرِيق أَن الْإِجْمَاع مُوجب علم الْيَقِين كالنص فَيجوز أَن يثبت النّسخ بِهِ وَالْإِجْمَاع فِي كَونه حجَّة أقوى من الْخَبَر الْمَشْهُور وَإِذا كَانَ يجوز النّسخ بالْخبر الْمَشْهُور كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الزِّيَادَة على النَّص فجوازه بِالْإِجْمَاع أولى
وَأَكْثَرهم على أَنه لَا يجوز ذَلِك لِأَن الْإِجْمَاع عبارَة عَن اجْتِمَاع الآراء على شَيْء وَقد بَينا أَنه لَا مجَال للرأي فِي معرفَة نِهَايَة وَقت الْحسن والقبح فِي الشَّيْء عِنْد الله تَعَالَى ثمَّ أَوَان النّسخ حَال حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لاتفاقنا على أَنه لَا نسخ بعده وَفِي حَال حَيَاته مَا كَانَ ينْعَقد الْإِجْمَاع بِدُونِ رَأْيه وَكَانَ الرُّجُوع إِلَيْهِ فرضا وَإِذا وجد الْبَيَان مِنْهُ فالموجب للْعلم قطعا هُوَ الْبَيَان المسموع
(2/66)

مِنْهُ وَإِنَّمَا يكون الْإِجْمَاع مُوجبا للْعلم بعده وَلَا نسخ بعده فَعرفنَا أَن النّسخ بِدَلِيل الْإِجْمَاع لَا يجوز
ثمَّ الْأَقْسَام بعد هَذَا أَرْبَعَة نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَنسخ السّنة بِالسنةِ وَنسخ الْكتاب بِالسنةِ وَنسخ السّنة بِالْكتاب
وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي جَوَاز الْقسمَيْنِ الْأَوَّلين ويختلفون فِي الْقسمَيْنِ الآخرين
فعندنا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ المتواترة أَو الْمَشْهُورَة على مَا ذكره الْكَرْخِي عَن أبي يُوسُف أَنه يجوز نسخ الْكتاب بِمثل خبر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَهُوَ مَشْهُور وَكَذَلِكَ يجوز نسخ السّنة بِالْكتاب
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ وَلَا نسخ السّنة بِالْكتاب فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الرسَالَة وَسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينسخها إِلَّا سنة كَمَا لَا ينْسَخ الْكتاب إِلَّا الْكتاب
فَمن أَصْحَابه من يَقُول مُرَاده نفي الْجَوَاز وَمِنْهُم من يَقُول مُرَاده نفي الْوُجُود أَي لم يُوجد فِي الشَّرِيعَة نسخ الْكتاب بِالسنةِ وَلَا نسخ السّنة بِالْكتاب
فَيحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْفَصْلَيْنِ بِالْحجَّةِ
فَأَما هُوَ احْتج بقوله تَعَالَى {قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ} وَفِي هَذَا تنصيص على أَنه كَانَ مُتبعا لكل مَا يُوحى إِلَيْهِ وَلم يكن مبدلا لشَيْء مِنْهُ والنسخ تَبْدِيل قَالَ تَعَالَى {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون} فَأخْبر أَنه مُبين لما هُوَ الْمنزل حَتَّى يعْمل النَّاس بالمنزل بَعْدَمَا تبين لَهُم ببيانه وَفِي تَجْوِيز نسخ الْكتاب بِالسنةِ رفع هَذَا الحكم لِأَن الْعَمَل بالناسخ يكون فَإِذا كَانَ النَّاسِخ من السّنة لَا يكون الْعَمَل بِهِ عملا بالمنزل
وَقَوله تَعَالَى {ولعلهم يتفكرون} أَي يتفكرون فِي الْمنزل ليعملوا بِهِ بعد بَيَانه وَفِي النَّاسِخ فِي الْمَنْسُوخ التفكر فِي التَّارِيخ بَينهمَا ليجعل الْمُتَقَدّم مَنْسُوخا بالمتأخر لَا فِي الْمنزل ليعْمَل بِهِ وَقَالَ تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} وَلَا شكّ أَن السّنة لَا تكون مثلا لِلْقُرْآنِ وَلَا خيرا مِنْهُ وَالْقُرْآن كَلَام الله غير مُحدث وَلَا مَخْلُوق وَهُوَ معجز وَالسّنة كَلَام مَخْلُوق وَهُوَ غير معجز
فَعرفنَا أَن نسخ الْكتاب لَا يجوز بِالسنةِ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رُوِيَ لكم
(2/67)

عني حَدِيث فاعرضوه على كتاب الله فَمَا وَافق كتاب الله فاقبلوه وَمَا خَالف كتاب الله فَردُّوهُ وَمَعَ هَذَا الْبَيَان من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيفَ يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ وَلِأَن مَا قلته أقرب إِلَى صِيَانة رَسُول الله عَن طعن الطاعنين فِيهِ وبالاتفاق يجب الْمصير فِي بَاب بَيَان أَحْكَام الشَّرْع إِلَى طَرِيق يكون أبعد عَن الطعْن فِيهِ
وَبَيَان ذَلِك أَنه إِذا جَازَ مِنْهُ أَن يَقُول مَا هُوَ مُخَالف للمنزل فِي الظَّاهِر على وَجه النّسخ لَهُ فالطاعن يَقُول هُوَ أول قَائِل وَأول عَامل بِخِلَاف مَا يزْعم أَنه أنزل إِلَيْهِ فَكيف يعْتَمد قَوْله فِيهِ وَإِذا ظهر مِنْهُ قَول ثمَّ قَرَأَ مَا هُوَ مُخَالف لما ظهر مِنْهُ من القَوْل فالطاعن يَقُول قد كذبه ربه فِيمَا قَالَ فَكيف نصدقه وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الله تَعَالَى فِي قَوْله {وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة وَالله أعلم بِمَا ينزل قَالُوا إِنَّمَا أَنْت مفتر} ثمَّ نفى عَنهُ هَذَا الطعْن بقوله {قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ} فَفِي هَذَا بَيَان أَنه لَيْسَ فِي نسخ الْكتاب بِالْكتاب تعريضه لِلطَّعْنِ وَفِي نسخ الْكتاب بِالسنةِ تعريضه لِلطَّعْنِ من الْوَجْه الَّذِي قَالَه الطاعنون فَيجب سد هَذَا الْبَاب لعلمنا أَنه مصون عَمَّا يُوهم الطعْن فِيهِ
وَاسْتدلَّ على نفي جَوَاز نسخ (السّنة) بِالْكتاب بقوله {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء} وَالسّنة شَيْء فَيكون الْكتاب تبيانا لحكمه لَا رَافعا لَهُ وَذَلِكَ فِي أَن يكون مؤيدا إِن كَانَ مُوَافقا ومبينا للغلط فِيهَا إِن كَانَ مُخَالفا وَلِهَذَا لَا يجوز إِلَّا عِنْد وُرُوده ليَكُون بَيَانا مَحْضا فَإِن رَسُول الله كَانَ لَا يقر على الْخَطَأ وَالْبَيَان الْمَحْض مَا يكون مُقَارنًا وَلِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِذا أَمر بِشَيْء وتقرر ذَلِك فقد توجه علينا الْأَمر من الله تَعَالَى بتصديقه فِي ذَلِك واتباعه فَلَا يجوز القَوْل بِأَن ينزل فِي الْقُرْآن بعد ذَلِك مَا يكون مُخَالفا لَهُ حَقِيقَة أَو ظَاهرا فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ لَا يفترض تَصْدِيقه فِيمَا يخبر بِهِ لجَوَاز أَن ينزل الْقُرْآن بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ خلاف النَّص وَخلاف قَول الْمُسلمين أجمع يقرره أَن السّنة نوع حجَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع وَالْكتاب كَذَلِك وحجج الشَّرْع لَا تتناقض وَإِنَّمَا يتأيد وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على أَنه من عِنْد غير الله قَالَ تَعَالَى {وَلَو كَانَ من عِنْد} نوع مِنْهَا بِنَوْع
(2/68)

آخر لِأَن فِي التَّنَاقُض مَا يُؤَدِّي إِلَى تنفير النَّاس عَن قبُوله {غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن أحد النَّوْعَيْنِ يتأيد بِالْآخرِ وَلَا يتَمَكَّن فِيمَا بَين النَّوْعَيْنِ تنَاقض وَالْقَوْل بِجَوَاز نسخ السّنة بِالْكتاب وَالْكتاب بِالسنةِ يُؤَدِّي إِلَى هَذَا
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك من أَصْحَابنَا من اسْتدلَّ بقوله تَعَالَى {كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين} فَفِي هَذَا تنصيص على أَن الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين فرض ثمَّ انتسخ ذَلِك بقوله عَلَيْهِ السَّلَام لَا وَصِيَّة لوَارث وَهَذِه سنة مَشْهُورَة
وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّمَا انتسخ ذَلِك بِآيَة الْمَوَارِيث لِأَن فِيهَا إِيجَاب حق آخر لَهُم بطرِيق الْإِرْث وَإِيجَاب حق بطرِيق الْإِرْث لَا يُنَافِي حَقًا آخر ثَابتا بطرِيق آخر وَبِدُون الْمُنَافَاة لَا يثبت النّسخ
وَلَا يجوز أَن يُقَال لَعَلَّ ناسخه مِمَّا أنزل فِي الْقُرْآن وَلَكِن لم يبلغنَا لانتساخ تِلَاوَته مَعَ بَقَاء حكمه لِأَن فتح هَذَا الْبَاب يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِالْوَقْفِ فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرْع فَإِنَّهُ يُقَال مَا من حكم إِلَّا ويتوهم فِيهِ أَن يكون ناسخه قد نزل ثمَّ لم يبلغنَا لانتساخ تِلَاوَته وَمَعَ ذَلِك يُؤَدِّي هَذَا إِلَى مَذْهَب الروافض فَإِنَّهُم يَقُولُونَ قد نزلت آيَات كَثِيرَة فِيهَا تنصيص على إِمَامَة عَليّ وَلم يبلغنَا ذَلِك وَيَقُولُونَ إِن لظَاهِر مَا نزل من الْقُرْآن بَاطِنا لَا نعقله وَقد كَانَ يعقله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأهل بَيته فيزعمون أَن كثيرا من الْأَحْكَام قد خَفِي علينا وَيجب الرُّجُوع فِيهَا إِلَى أهل الْبَيْت للوقوف على ذَلِك وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على بطلَان القَوْل بِهَذَا فَكل سُؤال يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بذلك فَهُوَ سَاقِط
وَلَكِن هَذَا الِاسْتِدْلَال مَعَ هَذَا لَيْسَ بِقَوي من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن فِي آيَة الْمَوَارِيث تنصيصا على تَرْتِيب الْإِرْث على وَصِيَّة مُنكرَة فَإِنَّهُ قَالَ {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} وَالَّتِي كَانَت مَفْرُوضَة من الْوَصِيَّة هِيَ الْوَصِيَّة الْمَعْهُودَة الْمعرفَة بِالْألف وَاللَّام فَإِنَّهُ قَالَ {الْوَصِيَّة للْوَالِدين} فَلَو كَانَت تِلْكَ الْوَصِيَّة بَاقِيَة عِنْد نزُول آيَة الْمَوَارِيث لَكَانَ فِيهَا تَرْتِيب الْمِيرَاث على الْوَصِيَّة الْمَعْهُودَة وَفِي التَّنْصِيص على تَرْتِيب الْإِرْث على
(2/69)

وَصِيَّة مُطلقَة دَلِيل نسخ الْوَصِيَّة الْمَعْهُودَة لِأَن الْإِطْلَاق بعد التَّقْيِيد نسخ كَمَا أَن التَّقْيِيد بعد الْإِطْلَاق نسخ
وَالثَّانِي أَن النّسخ فِي الشَّرْع نَوْعَانِ أَحدهمَا إِثْبَات الحكم مُبْتَدأ على وَجه يكون دَلِيلا على انْتِهَاء الْوَقْت فِي حكم كَانَ قبله
وَالثَّانِي نسخ بطرِيق التَّحْوِيل للْحكم من شَيْء إِلَى شَيْء بِمَنْزِلَة تَحْويل فرض التَّوَجُّه عِنْد أَدَاء الصَّلَاة من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة وانتساخ الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين بِآيَة الْمِيرَاث من النَّوْع الثَّانِي فَإِن الله تَعَالَى فوض بَيَان نصيب كل فريق إِلَى من حَضَره الْمَوْت على أَن يُرَاعى الْحُدُود فِي ذَلِك وَيبين حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم بِحَسب قرَابَته ثمَّ تولى بَيَان ذَلِك بِنَفسِهِ فِي آيَة الْمَوَارِيث وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى {يُوصِيكُم الله} وَإِنَّمَا تولى بَيَانه بِنَفسِهِ لِأَن الْمُوصي رُبمَا كَانَ يقْصد إِلَى المضارة فِي ذَلِك وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى {غير مضار وَصِيَّة من الله} وَرُبمَا كَانَ لَا يحسن التَّدْبِير فِي مِقْدَار مَا يوصى لكل وَاحِد مِنْهُم بجهله فَبين الله تَعَالَى نصيب كل وَاحِد مِنْهُم على وَجه يتَيَقَّن بِأَنَّهُ هُوَ الصَّوَاب وَأَن فِيهِ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى {لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا} وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير من أَمر غَيره بِإِعْتَاق عَبده ثمَّ يعتقهُ بِنَفسِهِ فينتهي بِهِ حكم الْوكَالَة لما بَاشرهُ الْمُوكل بِنَفسِهِ فَهُنَا حِين بَين الله تَعَالَى نصيب كل قريب لم يبْق حكم الْوَصِيَّة إِلَى الْوَالِدين والأقربين لحُصُول الْمَقْصُود بأقوى الطّرق وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بقوله إِن الله تَعَالَى أعْطى كل ذِي حق حَقه أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث وَكَانَ النّسخ بِهَذَا الطَّرِيق بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة فَإِن الدّين إِذا تحول من ذمَّة إِلَى ذمَّة حَتَّى اشتغلت الذِّمَّة الثَّانِيَة بِهِ فرغ مِنْهُ الذِّمَّة الأولى وَإِن لم يكن بَين وجوب الدّين فِي الذمتين معنى الْمُنَافَاة كَمَا يكون بطرِيق الْكفَالَة
وَلَكنَّا نقُول بِهَذَا الطَّرِيق يجوز أَن يثبت انْتِهَاء حكم وجوب الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين فَأَما انْتِهَاء حكم جَوَاز الْوَصِيَّة لَهُم لَا يثبت بِهَذَا الطَّرِيق أَلا ترى أَن بالحوالة وَإِن لم يبْق الدّين وَاجِبا فِي الذِّمَّة الأولى فقد بقيت الذِّمَّة محلا صَالحا لوُجُوب الدّين فِيهَا وَلَيْسَ من ضَرُورَة انْتِفَاء وجوب الْوَصِيَّة لَهُم
(2/70)

انْتِفَاء الْجَوَاز كَالْوَصِيَّةِ للأجانب
فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا انتسخ انْتِفَاء وجوب الْوَصِيَّة لَهُم لضَرُورَة نفي أصل الْوَصِيَّة لَهُم وَذَلِكَ ثَابت بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا وَصِيَّة لوَارث فَمن هَذَا الْوَجْه يَتَقَرَّر الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بِحكم الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ فِي حق الزَّانِي فَإِنَّهُ كَانَ بِالْكتاب ثمَّ انتسخ بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوي أَيْضا فقد ثَبت بِرِوَايَة عمر رَضِي الله عَنهُ أَن الرَّجْم مِمَّا كَانَ يُتْلَى فِي الْقُرْآن على مَا قَالَ لَوْلَا أَن النَّاس يَقُولُونَ إِن عمر زَاد فِي كتاب الله لكتبت على حَاشِيَة الْمُصحف الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ
الحَدِيث فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا نسخ الْكتاب بِالْكتاب
ثمَّ الْآيَة الَّتِي فِيهَا بَيَان حكم الْحَبْس والأذى بِاللِّسَانِ فِيهَا بَيَان تَوْقِيت ذَلِك الحكم بِمَا هُوَ مُجمل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا} فَإِنَّمَا بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك الْمُجْمل وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا وَلَا خلاف أَن بَيَان الْمُجْمل فِي كتاب الله تَعَالَى بِالسنةِ يجوز
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بقوله تَعَالَى {فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا} فَإِن هَذَا حكم مَنْصُوص فِي الْقُرْآن فقد انتسخ وناسخه لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآن فَعرفنَا أَنه ثَابت بِالسنةِ
وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا
وَبَين أهل التَّفْسِير كَلَام فِيمَا هُوَ المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة وَأثبت مَا قيل فِيهِ أَن من ارْتَدَّت زَوجته وهربت إِلَى دَار الْحَرْب فقد كَانَ على الْمُسلمين أَن يعينوه من الْغَنِيمَة بِمَا ينْدَفع بِهِ الخسران عَنهُ وَذَلِكَ بِأَن يعطوه مثل مَا سَاق إِلَيْهَا من الصَدَاق وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى {فعاقبتم} أَي عَاقَبْتُمْ الْمُشْركين بِالسَّبْيِ والاسترقاق واغتنام أَمْوَالهم
وَكَانَ ذَلِك بطرِيق النّدب على سَبِيل الْمُسَاوَاة وَلم ينتسخ هَذَا الحكم
فَبِهَذَا تبين أَنه لَا يُؤْخَذ نسخ حكم ثَابت بِالْكتاب بِحكم هُوَ ثَابت بِالسنةِ ابْتِدَاء وَإِنَّمَا يُؤْخَذ من ذَلِك الزِّيَادَة بِالسنةِ على الحكم الثَّابِت بِالْكتاب نَحْو مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي ضم التَّغْرِيب إِلَى الْجلد
(2/71)

فِي حد الْبكر فَإِنَّهُ أثْبته بقوله (الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام) وَمثل هَذِه الزِّيَادَة عندنَا نسخ وَعِنْده بَيَان بطرِيق التَّخْصِيص وَلَا يكون نسخا
فعلى هَذَا الْكَلَام يبتنى على ذَلِك الأَصْل
وسنقرر هَذَا بعد هَذَا
ثمَّ الْحجَّة لإِثْبَات جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ قَوْله تَعَالَى {وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} فَإِن المُرَاد بَيَان حكم غير متلو فِي الْكتاب مَكَان حكم آخر وَهُوَ متلو على وَجه يتَبَيَّن بِهِ مُدَّة بَقَاء الحكم الأول وَثُبُوت حكم الثَّانِي والنسخ لَيْسَ إِلَّا هَذَا
وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد هَذَا لَا مَا توهمه الْخصم فِي بَيَان الحكم الْمنزل فِي الْكتاب أَنه قَالَ تَعَالَى {مَا نزل إِلَيْهِم} وَلَو كَانَ المُرَاد الْكتاب لقَالَ مَا نزل إِلَيْك كَمَا قَالَ تَعَالَى {بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} والمنزل إِلَى النَّاس الحكم الَّذِي أمروا باعتقاده وَالْعَمَل بِهِ وَذَلِكَ يكون تَارَة بِوَحْي متلو وَتارَة بِوَحْي غير متلو وَهُوَ مَا يكون مسموعا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا يُقَال إِنَّه سنته فقد ثَبت بِالنَّصِّ أَنه كَانَ لَا يَقُول ذَلِك إِلَّا بِالْوَحْي قَالَ تَعَالَى {وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَمعنى قَوْله {لَعَلَّهُم يتفكرون} أَي يتفكرون فِي حجج الشَّرْع ليقفوا بتفكرهم على الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي كل حجَّة أَو ليعرفوا النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ
وَوجه الْحِكْمَة فِي تَبْدِيل الْمَنْسُوخ بالناسخ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمَنَافِع للمخاطبين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَو يتَبَيَّن لَهُم إِرَادَة الْيُسْر والتوسعة لِلْأَمْرِ عَلَيْهِم أَو مَا يكون لَهُم فِيهِ من عَظِيم الثَّوَاب وَفِي هَذَا كُله لَا فرق بَين مَا يكون ثُبُوته بِوَحْي متلو وَبَين مَا يكون ثُبُوته بِوَحْي غير متلو وَفِيمَا تَلا من الْآيَة إِشَارَة إِلَى مَا قُلْنَا فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى {قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ} فَعرفنَا أَن المُرَاد بَيَان أَنه لَا يُبدل شَيْئا من تِلْقَاء نَفسه بِنَاء على مُتَابعَة الْهوى وَإِنَّمَا يُوحى إِلَيْهِ فَيتبع مَا يُوحى إِلَيْهِ ويبينه للنَّاس فِيمَا لَيْسَ بمنزل فِي الْقُرْآن وَلَكِن الْعبارَة فِيهِ مفوض إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيبينه بعبارته وَهُوَ حكم ثَابت من الله تَعَالَى بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ بِمَنْزِلَة الحكم المتلو فِي الْقُرْآن وَدَلِيل كَونه مَقْطُوعًا بِهِ مَا قَالَ إِن تصديقنا إِيَّاه فرض علينا من الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ أَتْبَاعه لَازم بقوله تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا}
(2/72)

وَقَالَ تَعَالَى {قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله} فَبِهَذَا التَّقْرِير يتَبَيَّن أَن بِالْوَحْي الَّذِي هُوَ غير متلو (يجوز أَن يتَبَيَّن مُدَّة بَقَاء الحكم المتلو كَمَا يجوز أَن يتَبَيَّن ذَلِك بِالْوَحْي الَّذِي هُوَ متلو) والنسخ لَيْسَ إِلَّا هَذَا أَلا ترى أَنا لَو سمعنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحكم هُوَ ثَابت بِوَحْي متلو قد كَانَ هَذَا الحكم ثَابتا إِلَى الْآن وَقد انْتهى وقته فَلَا تعملوا بِهِ بعده يلْزمنَا تَصْدِيقه فِي ذَلِك والكف عَن الْعَمَل بِهِ وتكفير من يكذبهُ فِي ذَلِك
فَكَذَلِك إِذا ثَبت ذَلِك عندنَا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر عَنهُ
فَإِن قيل مَعَ هَذَا فِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى (أَن رَسُول الله مُبين للْحكم وَفِي النّسخ بَيَان حكم وَرفع حكم مَشْرُوع وَلَيْسَ فِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى) أَنه رَافع لحكم ثَابت بِوَحْي متلو
قُلْنَا نَحن نقُول هُوَ مُبين وَلَكِن فِي حق الحكم الأول مُبين تَأْوِيلا وتبليغا وَفِي حق الحكم الثَّانِي تبليغا وتأويلا
وَبَيَان هَذَا أَنا قد ذكرنَا أَن الدَّلِيل الْمُوجب لثُبُوت الحكم وَهُوَ الْوَحْي المتلو لَا يكون مُوجبا بَقَاء الحكم وبالنسخ إِنَّمَا يرْتَفع بَقَاء الحكم الأول وَلم يكن ذَلِك ثَابتا بِوَحْي متلو حَتَّى يكون فِي بَيَانه رفع الحكم المتلو مَعَ أَنه لَيْسَ فِي النّسخ رفع الحكم وَلكنه بَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم ثمَّ الْوَقْت لَا يبْقى بعد مُضِيّ وقته كَمَا لَو كَانَ التَّوْقِيت فِيهِ مَذْكُورا فِي النَّص الْمُثبت فعلى هَذَا التَّقْرِير يكون هُوَ مُبينًا للْوَقْت فِيمَا هُوَ منزل
فَإِن قيل فعلى هَذَا اخْتِلَاط الْبَيَان بالنسخ وبالاتفاق بَين الْبَيَان والنسخ فرق
قُلْنَا لَا كَذَلِك فَإِن كلا وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْحَقِيقَة بَيَان إِلَّا أَن الْبَيَان الْمَحْض يجوز أَن يكون مقترنا بِأَصْل الْكَلَام كدليل الْخُصُوص فِي الْعُمُوم فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُقَارنًا وَبَيَان الْمُجْمل فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون مُقَارنًا
فَأَما النّسخ (بَيَان) لَا يكون
(2/73)

إِلَّا مُتَأَخِّرًا
وبهذه الْعَلامَة يظْهر الْفرق بَينهمَا فَأَما أَن يكون النّسخ غير الْبَيَان فَلَا
فَإِن قيل الحكم الثَّابِت بِالسنةِ يُضَاف إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَال إِنَّه سنته وَمَا يكون طَرِيقه الْوَحْي فَهُوَ مُضَاف إِلَى الله تَعَالَى كَالثَّابِتِ بِالْوَحْي المتلو فَفِي إِضَافَته إِلَى رَسُول الله دَلِيل على أَنه لَيْسَ بِبَيَان لما هُوَ الْمنزل بطرِيق الْوَحْي
وَإِذا تقرر هَذَا فَنَقُول فِي النّسخ بَيَان انْتِهَاء مُدَّة كَون الحكم حسنا عِنْد الله تَعَالَى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمكن مَعْرفَته إِلَّا بِوَحْي من الله فَكيف يجوز إِثْبَات نسخ الْكتاب بِالسنةِ قُلْنَا قد بَينا أَن مَا بَينه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّمَا يُبينهُ عَن وَحي وَالْإِضَافَة إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الْعبارَة فِي ذَلِك لَهُ فَمن هَذَا الْوَجْه يُقَال إِنَّه سنته
فَأَما حَقِيقَة الحكم من الله تَعَالَى وقف عَلَيْهِ رَسُول الله بطرِيق الْوَحْي ثمَّ بَينه للنَّاس
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه مَا عرف انْتِهَاء مُدَّة الْحسن فِي ذَلِك الحكم إِلَّا بِوَحْي من الله تَعَالَى وَمَا هُوَ إِلَّا نَظِير بَيَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُدَّة الْحَيَاة لحي قد أَحْيَاهُ الله تَعَالَى فَإِن أحدا لَا يظنّ أَنه بَين ذَلِك من غير طَرِيق الْوَحْي وَمَا كَانَت الْإِضَافَة إِلَيْهِ إِلَّا نَظِير قَوْله تَعَالَى {أَفَرَأَيْتُم مَا تمنون أأنتم تخلقونه أم نَحن الْخَالِقُونَ} فَإِن إِضَافَة الإمناء إِلَى الْعباد لَا يمْنَع القَوْل بِأَن الشَّخْص مَخْلُوق خلقه الله تَعَالَى فَكَذَلِك إِضَافَة السّنة إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بطرِيق أَنه ظهر لنا بعبارته لَا يكون دَلِيلا على أَن الحكم غير ثَابت بطرِيق الْوَحْي من الله تَعَالَى وكما أَن الْكتاب وَالسّنة كل وَاحِد مِنْهُمَا حجَّة مُوجبَة للْعلم فآيات الْكتاب كلهَا حجَّة مُوجبَة للْعلم
ثمَّ القَوْل بِجَوَاز نسخ الْكتاب بِالْكتاب لَا يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بالتناقض فِي الْحجَّة فَكَذَلِك فِي السّنَن فَإِن جَوَاز نسخ السّنة بِالسنةِ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُض وتطرق الطاعنين إِلَى الطعْن فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَذَلِك جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ لَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِك بل يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى تَعْظِيم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَى قرب مَنْزِلَته من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى فوض بَيَان الحكم الَّذِي هُوَ وَحي فِي الأَصْل إِلَيْهِ ليبينه بعبارته وَجعل لعبارته من الدرجَة مَا يثبت بِهِ مُدَّة الحكم الَّذِي هُوَ ثَابت بِوَحْي متلو حَتَّى
(2/74)

يتَبَيَّن بِهِ انتساخه
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَا خلاف بَيْننَا وَبَين الْخصم على جَوَاز نسخ التِّلَاوَة دون الحكم وَنسخ تِلَاوَة الْكتاب إِنَّمَا يكون بِغَيْر الْكتاب إِمَّا بِأَن يرفع حفظه من الْقُلُوب أَو لَا يبْقى أحد مِمَّن كَانَ يحفظه نَحْو صحف إِبْرَاهِيم وَمن تقدمه من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَهَذَا نسخ الْكتاب بِغَيْر الْكتاب وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَرَأَ فِي صلَاته سُورَة الْمُؤمنِينَ فأسقط مِنْهَا آيَة ثمَّ قَالَ بعد الْفَرَاغ ألم يكن فِيكُم أبي فَقَالَ نعم يَا رَسُول الله
فَقَالَ هلا ذكرتنيها فَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا نسخت
فَقَالَ لَو نسخت لأنبأتكم بهَا فقد اعْتقد نسخ الْكتاب بِغَيْر الْكتاب وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِذا ثَبت جَوَاز نسخ التِّلَاوَة بِغَيْر الْكتاب فَكَذَلِك جَوَاز نسخ الحكم لِأَن وجوب التِّلَاوَة وَالْعَمَل بِحكمِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا حكم ثَابت بِالْكتاب
وَالدَّلِيل على جَوَاز نسخ الحكم الثَّابِت بِالْكتاب بِغَيْرِهِ أَن قَوْله تَعَالَى {لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد} قد انتسخ بِاتِّفَاق الصَّحَابَة على مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا مَا خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الدُّنْيَا حَتَّى أُبِيح لَهُ النِّسَاء
وناسخ هَذَا لَا يُتْلَى فِي الْكتاب فَعرفنَا أَنهم اعتقدوا جَوَاز نسخ الْكتاب بِغَيْر الْكتاب
فَأَما قَوْله تَعَالَى {نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} فَهُوَ يخرج على مَا ذكرنَا من التَّقْرِير فَإِن كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ ثَابت بطرِيق الْوَحْي وشارعه علام الغيوب وَإِن كَانَت الْعبارَة فِي أَحدهمَا من حَيْثُ الظَّاهِر لرَسُول الله فيستقيم إِطْلَاق القَوْل بِأَن الحكم الثَّانِي مثل الأول أَو خير مِنْهُ على معنى زِيَادَة الثَّوَاب والدرجة فِيهِ أَو كَونه أيسر على الْعباد أَو أجمع لمصالحهم عَاجلا وآجلا إِلَّا أَن الْوَحْي المتلو نظمه معجز وَالَّذِي هُوَ غير متلو نظمه لَيْسَ بمعجز لِأَنَّهُ عبارَة مَخْلُوق وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَام وَإِن كَانَ أفْصح الْعَرَب فَكَلَامه لَيْسَ بمعجز أَلا ترى أَنه مَا تحدى النَّاس إِلَى الْإِتْيَان بِمثل كَلَامه كَمَا تحداهم إِلَى الأتيان بِمثل سُورَة من الْقُرْآن
وَلَكِن حكم النّسخ لَا يخْتَص بالمعجز أَلا ترى أَن النّسخ يثبت بِمَا دون الْآيَة وبآية وَاحِدَة واتفاق الْعلمَاء على صفة الإعجاز فِي سُورَة وَإِن تكلمُوا فِيمَا دون
(2/75)

السُّورَة
فَعرفنَا أَن حكم النّسخ لَا يخْتَص بالمعجز
وَمَا رُوِيَ من قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فاعرضوه على كتاب الله تَعَالَى فقد قيل هَذَا الحَدِيث لَا يكَاد يَصح لِأَن هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مُخَالف لكتاب الله تَعَالَى فَإِن فِي الْكتاب فَرضِيَّة اتِّبَاعه مُطلقًا وَفِي هَذَا الحَدِيث فَرضِيَّة اتِّبَاعه مُقَيّدا بِأَن لَا يكون مُخَالفا لما يُتْلَى فِي الْكتاب ظَاهرا
ثمَّ وَلَئِن ثَبت فَالْمُرَاد أَخْبَار الْآحَاد لَا المسموع مِنْهُ بِعَيْنِه أَو الثَّابِت عَنهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَفِي اللَّفْظ مَا دلّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام إِذا رُوِيَ لكم عني حَدِيث وَلم يقل إِذا سَمِعْتُمْ مني وَبِه نقُول إِن بِخَبَر الْوَاحِد لَا يثبت نسخ الْكتاب لِأَنَّهُ لَا يثبت كَونه مسموعا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطعا وَلِهَذَا لَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين على أَن المُرَاد بقوله وَمَا خَالف فَردُّوهُ عِنْد التَّعَارُض إِذا جعل التَّارِيخ بَينهمَا حَتَّى لَا يُوقف على النَّاسِخ والمنسوخ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يعْمل بِمَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَلَا يجوز ترك مَا هُوَ ثَابت فِي كتاب الله نصا عِنْد التَّعَارُض وَنحن هَكَذَا نقُول وَإِنَّمَا الْكَلَام فِيمَا إِذا عرف التَّارِيخ بَينهمَا
وَالدَّلِيل على جَوَاز نسخ السّنة بِالْكتاب قَوْله تَعَالَى {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء} فَإِن السّنة شَيْء ومطلقها يحْتَمل التَّوْقِيت والتأبيد فناسخها يكون مُبينًا معنى التَّوْقِيت فِيهَا وَالله تَعَالَى بَين أَن الْقُرْآن تبيان لكل شَيْء فبه يظْهر جَوَاز نسخ السّنة بِالْكتاب
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ جَوَاز نسخ السّنة بِالسنةِ فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَابت بِوَحْي غير متلو فَإِذا جَازَ نسخ السّنة بِوَحْي غير متلو فَلِأَن يجوز نسخهَا بِوَحْي متلو كَانَ أولى
وَالدَّلِيل على وجود ذَلِك أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَمَا قدم المدنية كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا وَهَذَا الحكم لَيْسَ يُتْلَى فِي الْقُرْآن وَإِنَّمَا يثبت بِالسنةِ ثمَّ انتسخ بقوله تَعَالَى {فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام}
فَإِن قيل لَا كَذَلِك بل ثُبُوت هَذَا الحكم بِالْكتاب فَإِنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَة من قبلنَا وَعِنْدِي شَرِيعَة من قبلنَا تلزمنا حَتَّى يقوم الدَّلِيل على انتساخه وَهَذَا حكم ثَابت بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده} قُلْنَا عنْدك شَرِيعَة من قبلنَا تلزمنا بطرِيق أَنه تصير شَرِيعَة لنا بِسنة رَسُول الله قولا أَو عملا
(2/76)

فَلَا يخرج بِهَذَا من أَن يكون نسخ السّنة بِالْكتاب مَعَ أَن النَّاسِخ مَا كَانَ فِي شَرِيعَة من قبلنَا قد ثَبت بِفعل رَسُول الله حِين كَانَ بِمَكَّة فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ بَعْدَمَا قدم الْمَدِينَة لما صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس انتسخت السّنة بِالسنةِ ثمَّ لما نزلت فَرضِيَّة التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة انتسخت السّنة بِالْكتاب وَلَا خلاف أَن مَا كَانَ فِي شَرِيعَة من قبلنَا ثَبت انتساخه فِي حَقنا بقول أَو فعل من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخِلَافِهِ وَهَذَا نسخ الْكتاب بِالسنةِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام صَالح قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة على أَن يرد عَلَيْهِم من جَاءَهُ مِنْهُم مُسلما ثمَّ انتسخ بقوله {فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار} الْآيَة وَهَذَا نسخ السّنة بِالْكتاب
وَكَذَلِكَ حكم إِبَاحَة الْخمر فِي الِابْتِدَاء فَإِن كَانَ ثَابتا بِالسنةِ ثمَّ انتسخ بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنبُوهُ} وَحكم حُرْمَة الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع بعد النّوم فِي زمَان الصَّوْم كَانَ ثَابتا بِالسنةِ ثمَّ انتسخ بقوله تَعَالَى {فَالْآن باشروهن} الْآيَة
وَلِهَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة
وَأما نسخ الْكتاب بِالْكتاب فنحو وجوب الصفح والإعراض عَن الْمُشْركين فَإِنَّهُ كَانَ ثَابتا بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فاصفح الصفح الْجَمِيل} ثمَّ انتسخ ذَلِك بِالْكتاب بقوله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} وَحُرْمَة فرار الْوَاحِد مِمَّا دون الْعشْرَة من الْمُشْركين حكما ثَابتا بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله {وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا} ثمَّ انتسخ بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله {الْآن خفف الله عَنْكُم}
وَأما نسخ السّنة بِالسنةِ فبيانه فِيمَا رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه
وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن تمسكوها فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فأمسكوا وَادخرُوا مَا بدا لكم
وَكنت نَهَيْتُكُمْ عَن الشّرْب فِي الدُّبَّاء والحنتم والمزفت فَاشْرَبُوا فِي الظروف فَإِن الظروف لَا تحل شَيْئا وَلَا تحرمه وَلَا تشْربُوا مُسكرا ثمَّ إِنَّمَا يجوز نسخ الْكتاب بِالسنةِ المتواترة أَو الْمَشْهُورَة على وَجه لَو جهل التَّارِيخ بَينهمَا يثبت حكم التَّعَارُض
فَأَما بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز النّسخ بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن التَّعَارُض بِهِ لَا يثبت بَينه وَبَين الْكتاب فَإِنَّهُ لَا يعلم بِأَنَّهُ كَلَام رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام لتمكن الشُّبْهَة فِي طَرِيق النَّقْل وَلِهَذَا لَا يُوجب الْعلم فَلَا يتَبَيَّن بِهِ أَيْضا مُدَّة بَقَاء الحكم الثَّابِت بِمَا يُوجب علم الْيَقِين
فَأَما فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(2/77)

فقد كَانَ يجوز أَن يثبت نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد أَلا ترى أَن أهل قبَاء تحولوا فِي خلال الصَّلَاة من جِهَة بَيت الْمُقَدّس إِلَى جِهَة الْكَعْبَة بِخَبَر الْوَاحِد وَلم يُنكر عَلَيْهِم ذَلِك رَسُول الله
وَهَذَا لِأَن فِي حَيَاته كَانَ احْتِمَال النّسخ والتوقيت قَائِما فِي كل حكم لِأَن الْوَحْي كَانَ ينزل حَالا فحالا فَأَما بعده فَلَا احْتِمَال للنسخ ابْتِدَاء
وَلَا بُد من أَن يكون مَا يثبت بِهِ النّسخ مُسْتَندا إِلَى حَال حَيَاته بطرِيق لَا شُبْهَة فِيهِ وَهُوَ النَّقْل الْمُتَوَاتر أَو مَا يكون فِي حيّز التَّوَاتُر على الْوَجْه الَّذِي قَررنَا فِيمَا سبق وَالله أعلم

فصل فِي بَيَان وُجُوه النّسخ
وَهَذِه وُجُوه أَرْبَعَة نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم جَمِيعًا وَنسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة وَنسخ رسم التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم والنسخ بطرِيق الزِّيَادَة على النَّص
فَأَما الْوَجْه الأول فنحو صحف إِبْرَاهِيم وَمن تقدمه من الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام فقد علمنَا بِمَا يُوجب الْعلم حَقِيقَة أَنَّهَا قد كَانَت نازلة تقْرَأ وَيعْمل بهَا قَالَ تَعَالَى {إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى} وَقَالَ تَعَالَى {وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين} ثمَّ لم يبْق شَيْء من ذَلِك فِي أَيْدِينَا تِلَاوَة وَلَا عملا بِهِ فَلَا طَرِيق لذَلِك سوى القَوْل بانتساخ التِّلَاوَة وَالْحكم فِيمَا يحْتَمل ذَلِك
وَله طَرِيقَانِ إِمَّا صرف الله تَعَالَى عَنْهَا الْقُلُوب وَإِمَّا موت من يحفظها من الْعلمَاء لَا إِلَى خلف
ثمَّ هَذَا النَّوْع من النّسخ فِي الْقُرْآن كَانَ جَائِزا فِي حَيَاة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام بقوله تَعَالَى {سنقرئك فَلَا تنسى إِلَّا مَا شَاءَ الله} فالاستثناء دَلِيل على جَوَاز ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها} وَقَالَ {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} فَأَما بعد وَفَاة الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يجوز هَذَا النَّوْع من النّسخ فِي الْقُرْآن عِنْد الْمُسلمين
وَقَالَ بعض الْمُلْحِدِينَ مِمَّن يتستر بِإِظْهَار الْإِسْلَام وَهُوَ قَاصد إِلَى إفساده هَذَا جَائِز بعد وَفَاته أَيْضا وَاسْتدلَّ فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ أَن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ كَانَ يقْرَأ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَإِنَّهُ كفر بكم

وَأنس رَضِي الله عَنهُ كَانَ يَقُول
(2/78)

قَرَأنَا فِي الْقُرْآن بلغُوا عَنَّا قَومنَا أَنا لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا وأرضانا
وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ قَرَأنَا آيَة الرَّجْم فِي كتاب الله ووعيناها
وَقَالَ أبي بن كَعْب إِن سُورَة الْأَحْزَاب كَانَت مثل سُورَة الْبَقَرَة أَو أطول مِنْهَا
وَالشَّافِعِيّ لَا يظنّ بِهِ مُوَافقَة هَؤُلَاءِ فِي هَذَا القَوْل وَلكنه اسْتدلَّ بِمَا هُوَ قريب من هَذَا فِي عدد الرضعات فَإِنَّهُ صحّح مَا يرْوى عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَإِن مِمَّا أنزل فِي الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات يحرمن فنسخن بِخمْس رَضعَات مَعْلُومَات وَكَانَ ذَلِك مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآن بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث
وَالدَّلِيل على بطلَان هَذَا القَوْل قَوْله تَعَالَى {إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون} وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ المُرَاد الْحِفْظ لَدَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى يتعالى من أَن يُوصف بِالنِّسْيَانِ والغفلة فَعرفنَا أَن المُرَاد الْحِفْظ لدينا فالغفلة وَالنِّسْيَان متوهم منا وَبِه يَنْعَدِم الْحِفْظ إِلَّا أَن يحفظه الله عز وَجل وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْء من أَوْقَات بَقَاء الْخلق فِي الدُّنْيَا عَن أَن يكون فِيمَا بَينهم مَا هُوَ ثَابت بطرِيق الْوَحْي فِيمَا ابتلوا بِهِ من أَدَاء الْأَمَانَة الَّتِي حملوها إِذْ الْعقل لَا يُوجب ذَلِك وَلَيْسَ بِهِ كِفَايَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَقد ثَبت أَنه لَا نَاسخ لهَذِهِ الشَّرِيعَة بِوَحْي ينزل بعد وَفَاة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام وَلَو جَوَّزنَا هَذَا فِي بعض مَا أُوحِي إِلَيْهِ لوَجَبَ القَوْل بتجويز ذَلِك فِي جَمِيعه فَيُؤَدِّي إِلَى القَوْل بِأَن لَا يبْقى شَيْء مِمَّا ثَبت بِالْوَحْي بَين النَّاس فِي (حَال) بَقَاء التَّكْلِيف وَأي قَول أقبح من هَذَا وَمن فتح هَذَا الْبَاب لم يَأْمَن أَن يكون بعض مَا فِي أَيْدِينَا الْيَوْم أَو كُله مُخَالف لشريعة رَسُول الله بِأَن نسخ الله ذَلِك بعده وَألف بَين قُلُوب النَّاس على أَن ألهمهم مَا هُوَ خلاف شَرِيعَته فلصيانة الدّين إِلَى آخر الدَّهْر أخبر الله تَعَالَى أَنه هُوَ الْحَافِظ لما أنزلهُ على رَسُوله وَبِه يتَبَيَّن أَنه لَا يجوز نسخ شَيْء مِنْهُ بعد وَفَاته بطرِيق الاندراس وَذَهَاب حفظه من قُلُوب الْعباد وَمَا ينْقل من أَخْبَار الْآحَاد شَاذ لَا يكَاد يَصح شَيْء مِنْهَا وَيحمل قَول من قَالَ فِي آيَة الرَّجْم إِنَّه فِي كتاب الله أَي فِي حكم الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى {كتاب الله عَلَيْكُم} أَي حكم الله عَلَيْكُم وَحَدِيث عَائِشَة لَا يكَاد يَصح
(2/79)

لِأَنَّهُ قَالَ فِي ذَلِك الحَدِيث وَكَانَت الصَّحِيفَة تَحت السرير فاشتغلنا بدفن رَسُول الله فَدخل دَاجِن الْبَيْت فَأَكله وَمَعْلُوم أَن بِهَذَا لَا يَنْعَدِم حفظه من الْقُلُوب وَلَا يتَعَذَّر عَلَيْهِم إثْبَاته فِي صحيفَة أُخْرَى فَعرفنَا أَنه لَا أصل هَذَا الحَدِيث
فَأَما الْوَجْهَانِ الْآخرَانِ فهما جائزان فِي قَول الْجُمْهُور من الْعلمَاء وَمن النَّاس من يَأْبَى ذَلِك
قَالُوا لِأَن الْمَقْصُود بَيَان الحكم وإنزال المتلو كَانَ لأَجله فَلَا يجوز رفع الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة لخلوه عَمَّا هُوَ الْمَقْصُود وَلَا يجوز نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم لِأَن الحكم لَا يثبت بِدُونِ السَّبَب وَلَا يبْقى بِدُونِ بَقَاء السَّبَب أَيْضا
وَمِنْهُم من يَقُول يجوز نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة وَلَا يجوز نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم فَإِنَّهُ لَا شكّ فِي وجوب الِاعْتِقَاد فِي المتلو أَنه قُرْآن وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى كَيفَ يَصح أَن يعْتَقد فِيهِ خلاف هَذَا فِي شَيْء من الْأَوْقَات وَالْقَوْل بنسخ التِّلَاوَة يُؤَدِّي إِلَى هَذَا فَكَانَ هَذَا نوعا من الْأَخْبَار الَّتِي لَا يجوز فِيهَا النّسخ
فَأَما دليلنا على وجود نسخ الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة قَوْله تَعَالَى {فأمسكوهن فِي الْبيُوت} فَإِن الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ كَانَ حد الزِّنَا وَقد انتسخ هَذَا الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج} فَإِن تَقْدِير عدَّة الْوَفَاة بحول كَانَ منزلا وانتسخ هَذَا الحكم مَعَ بَقَاء التِّلَاوَة
وَقَوله تَعَالَى {فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة} فَإِن حكم هَذَا قد انتسخ بقوله {فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم} وَبقيت التِّلَاوَة
وَحكم التَّخْيِير بَين الصَّوْم والفدية قد انتسخ بقوله {فليصمه} وَبقيت التِّلَاوَة وَهُوَ قَوْله {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك أَنه يتَعَلَّق بِصِيغَة التِّلَاوَة حكمان مقصودان أَحدهمَا جَوَاز الصَّلَاة وَالثَّانِي النّظم المعجز وَبعد انتساخ الحكم الَّذِي هُوَ الْعَمَل بِهِ يبْقى هَذَانِ الحكمان وهما مقصودان أَلا ترى أَن بالمتشابه فِي الْقُرْآن إِنَّمَا يثبت هَذَانِ الحكمان فَقَط وَإِذا حسن ابْتِدَاء رسم التِّلَاوَة لهذين الْحكمَيْنِ فالبقاء أولى
وَقد بَينا أَن
(2/80)

الدَّلِيل الْمُوجب لثُبُوت الحكم لَا يكون مُوجبا للبقاء وبالانتساخ إِنَّمَا يَنْعَدِم بَقَاء الحكم وَذَلِكَ مَا كَانَ مُضَافا إِلَى مَا كَانَ مُوجبا ثُبُوت الحكم فانتهاء الحكم لَا يمْنَع بَقَاء التِّلَاوَة من هَذَا الْوَجْه
وَأما نسخ التِّلَاوَة مَعَ بَقَاء الحكم فبيانه فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن صَوْم كَفَّارَة الْيَمين ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات
وَقد كَانَت هَذِه قِرَاءَة مَشْهُورَة إِلَى زمن أبي حنيفَة
وَلَكِن لم يُوجد فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر الَّذِي يثبت بِمثلِهِ الْقُرْآن وَابْن مَسْعُود لَا يشك فِي عَدَالَته وإتقانه فَلَا وَجه لذَلِك إِلَّا أَن نقُول كَانَ ذَلِك مِمَّا يُتْلَى فِي الْقُرْآن كَمَا حفظه ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ثمَّ انتسخت تِلَاوَته فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَرْف الله الْقُلُوب عَن حفظهَا إِلَّا قلب ابْن مَسْعُود ليَكُون الحكم بَاقِيا بنقله فَإِن خبر الْوَاحِد مُوجب للْعَمَل بِهِ وقراءته لَا تكون دون رِوَايَته فَكَانَ بَقَاء هَذَا الحكم بعد نسخ التِّلَاوَة بِهَذَا الطَّرِيق
وَالدَّلِيل على جَوَازه مَا بَينا أَن بَقَاء الحكم لَا يكون بِبَقَاء السَّبَب الْمُوجب لَهُ فانتساخ التِّلَاوَة لَا يمْنَع بَقَاء الحكم أَلا ترى أَن البيع مُوجب للْملك ثمَّ لَو قطع المُشْتَرِي ملكه بِالْبيعِ من غَيره أَو أزاله بِالْإِعْتَاقِ لم يَنْعَدِم ذَلِك البيع لِأَن الْبَقَاء لم يكن مُضَافا إِلَيْهِ
ثمَّ قد بَينا أَن حكم تعلق جَوَاز الصَّلَاة بتلاوته وَحُرْمَة قِرَاءَته على الْجنب وَالْحَائِض مَقْصُود وَهُوَ مِمَّا يجوز أَن يكون موقتا يَنْتَهِي بِمُضِيِّ مدَّته فَيكون نسخ التِّلَاوَة بَيَان مُدَّة ذَلِك الحكم كَمَا أَن نسخ الحكم بَيَان الْمدَّة فِيهِ وَمَا توهمه بَعضهم فَهُوَ غلط بَين فَإِن بَعْدَمَا اعتقدنا فِي المتلو أَنه قُرْآن وَأَنه كَلَام الله تَعَالَى لَا نعتقد فِيهِ أَنه لَيْسَ بقرآن وَأَنه لَيْسَ بِكَلَام الله تَعَالَى بِحَال من الْأَحْوَال وَلَكِن بانتساخ التِّلَاوَة يَنْتَهِي حكم تعلق جَوَاز الصَّلَاة بِهِ وَحُرْمَة قرآءته على الْجنب وَالْحَائِض لضَرُورَة أَن الله تَعَالَى رفع عَنَّا تِلَاوَته وَحفظه وَهُوَ نَظِير مَا يَقُول فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد مَا قبض نعتقد فِيهِ أَنه رَسُول الله وَأَنه خَاتم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام على مَا كَانَ فِي حَال حَيَاته وَإِن أخرجه الله من بَيْننَا بانتهاء مُدَّة حَيَاته فِي الدُّنْيَا
وأيد جَمِيع مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} ثمَّ قد بَينا أَنه يجوز إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء بِوَحْي غير متلو فَلِأَن يجوز بَقَاء الحكم بَعْدَمَا انتسخ حكم التِّلَاوَة من الْوَحْي المتلو كَانَ أولى
(2/81)

وَأما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ الزِّيَادَة على النَّص فَإِنَّهُ بَيَان صُورَة وَنسخ معنى عندنَا سَوَاء كَانَت الزِّيَادَة فِي السَّبَب أَو الحكم وعَلى قَول الشَّافِعِي هُوَ بِمَنْزِلَة تَخْصِيص الْعَام وَلَا يكون فِيهِ معنى النّسخ حَتَّى جوز ذَلِك بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس
وَبَيَان هَذَا فِي النَّفْي مَعَ الْجلد وَقيد صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين
وَجه قَوْله إِن الرَّقَبَة اسْم عَام يتَنَاوَل المؤمنة والكافرة فإخراج الْكَافِرَة مِنْهَا يكون تَخْصِيصًا لَا نسخا بِمَنْزِلَة إِخْرَاج بعض الْأَعْيَان من الِاسْم الْعَام أَلا ترى أَن بني إِسْرَائِيل استوصفوا الْبَقَرَة وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم طلب الْبَيَان الْمَحْض دون النّسخ وَبَعْدَمَا بَينهَا الله لَهُم امتثلوا الْأَمر الْمَذْكُور فِي قَوْله {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة} وَهَذَا لِأَن النّسخ يكون بِرَفْع الحكم الْمَشْرُوع وَفِي الزِّيَادَة تَقْرِير الحكم الْمَشْرُوع وإلحاق شَيْء آخر بِهِ بطرِيق المحاورة فَإِن إِلْحَاق النَّفْي بِالْجلدِ لَا يخرج الْجلد من أَن يكون مَشْرُوعا وإلحاق صفة الْإِيمَان بِالرَّقَبَةِ لَا يخرج الرَّقَبَة من أَن تكون مُسْتَحقَّة الْإِعْتَاق فِي الْكَفَّارَة
وَهَذَا نَظِير حُقُوق الْعباد فَإِن من ادّعى على غَيره ألفا وخمسائة وَشهد لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلف وآخران بِأَلف وخمسائة حَتَّى قضى لَهُ بِالْمَالِ كُله كَانَ مِقْدَار الْألف مقضيا بِهِ بِشَهَادَتِهِم جَمِيعًا وإلحاق الزِّيَادَة بِالْألف فِي شَهَادَة الآخر يُوجب تَقْرِير الأَصْل فِي كَونه مشهودا بِهِ لَا رَفعه
فَتبين بِهَذَا أَن الزِّيَادَة لَا تتعرض لأصل الحكم الْمَشْرُوع فَلَا يكون فِيهَا معنى النّسخ بِوَجْه من الْوُجُوه
ثمَّ قد يكون بطرِيق التَّخْصِيص وَقد لَا يكون وَلِهَذَا لَا يشْتَرط فِيهَا أَن تكون مقرونة بِالْأَصْلِ كَمَا يشْتَرط ذَلِك فِي دَلِيل الْخُصُوص وحاجتنا إِلَى إِثْبَات أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ وَقد أَثْبَتْنَاهُ بِمَا قَررنَا
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَن أَكثر مَا ذكره الْخصم دَلِيل على أَن الزِّيَادَة بَيَان صُورَة وَنحن نسلم ذَلِك وَلَكنَّا ندعي أَنه نسخ معنى وَالدَّلِيل على إِثْبَات ذَلِك أَن مَا يجب حَقًا لله تَعَالَى من عبَادَة أَو عُقُوبَة أَو كَفَّارَة لَا يحْتَمل الْوَصْف بالتجزي وَلَيْسَ للْبَعْض مِنْهُ حكم الْجُمْلَة بِوَجْه فَإِن الرَّكْعَة من صَلَاة الْفجْر لَا تكون فجرا والركعتين من صَلَاة الظّهْر فِي حق الْمُقِيم لَا تكون ظهرا وَكَذَلِكَ الْمظَاهر إِذا صَامَ شهرا ثمَّ عجز فأطعم ثَلَاثِينَ مِسْكينا لَا يكون مكفرا بِهِ بِالْإِطْعَامِ
(2/82)

وَلَا بِالصَّوْمِ وَلِهَذَا قُلْنَا الْقَاذِف إِذا جلد تِسْعَة وَسبعين سَوْطًا لَا تسْقط شَهَادَته لِأَن الْحَد ثَمَانُون سَوْطًا فبعضه لَا يكون حدا
إِذا تقرر هَذَا فَنَقُول الثَّابِت بِآيَة الزِّنَا جلد وَهُوَ حد فَإِذا الْتحق النَّفْي بِهِ يخرج الْجلد من أَن يكون حدا لِأَنَّهُ يكون بعض الْحَد حِينَئِذٍ وَبَعض الْحَد لَيْسَ بِحَدّ بِمَنْزِلَة بعض الْعلَّة فَإِنَّهُ لَا يُوجب شَيْئا من الحكم الثَّابِت بِالْعِلَّةِ فَكَانَ نسخا من هَذَا الْوَجْه وَكَذَلِكَ فِي الرَّقَبَة فَإِن مَعَ الْإِطْلَاق التَّكْفِير بتحرير رَقَبَة وَبعد الْقَيْد تَحْرِير رَقَبَة بعض مَا يتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَة
فَعرفنَا أَنه نسخ وَبِه فَارق حُقُوق الْعباد فَإِنَّهُ مِمَّا يحْتَمل الْوَصْف بالتجزي فَيمكن أَن يَجْعَل إِلْحَاق الزِّيَادَة بِهِ تقريرا للمزيد عَلَيْهِ حَتَّى إِن فِيمَا لَا يحْتَمل التجزي من حُقُوق الْعباد الحكم كَذَلِك أَيْضا فَإِن البيع لما كَانَ عبارَة عَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول لم يكن الْإِيجَاب الْمَحْض بيعا وَنِكَاح أَربع نسْوَة لما كَانَ مُوجبا حُرْمَة النِّكَاح عَلَيْهِ لَا يثبت شَيْء من ذَلِك بِنِكَاح امْرَأَة أَو امْرَأتَيْنِ لِأَن لَيْسَ بِنِكَاح أَربع نسْوَة وَقد بَينا فِي قصَّة بني إِسْرَائِيل أَن ذَلِك كَانَ بَيَانا صُورَة وَكَانَ نسخا معنى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا بقوله شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم
يدل عَلَيْهِ أَن النّسخ لبَيَان مُدَّة بَقَاء الحكم وَإِثْبَات حكم آخر ثمَّ الْإِطْلَاق ضد التَّقْيِيد فَكَانَ من ضَرُورَة ثُبُوت التَّقْيِيد انعدام صفة الْإِطْلَاق وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد انْتِهَاء مُدَّة حكم الْإِطْلَاق وَإِثْبَات حكم هُوَ ضِدّه وَهُوَ التَّقْيِيد وَإِذا كَانَ إِثْبَات حكم غير الأول على وَجه يعلم أَنه لم يبْق مَعَه الأول نسخا فإثبات حكم هُوَ ضد الأول أولى أَن يكون نسخا بطرِيق الْمَعْنى وَبِه فَارق التَّخْصِيص فَإِن التَّخْصِيص لَا يُوجب حكما فِيمَا تنَاوله الْعَام غير الحكم الأول وَلَكِن يبين أَن الْعَام لم يكن متناولا لما صَار مَخْصُوصًا مِنْهُ وَلِهَذَا لَا يكون التَّخْصِيص إِلَّا مُقَارنًا يقرره أَن التَّخْصِيص للإخراج وَالتَّقْيِيد للإثبات وَأي مشابهة تكون بَين الْإِخْرَاج من الحكم وَبَين إِثْبَات الحكم
وَهَذَا لِأَن الْإِطْلَاق يعْدم صفة التَّقْيِيد وَالتَّقْيِيد إِيجَاد لذَلِك الْوَصْف فَبعد مَا ثَبت التَّقْيِيد لَا يتَصَوَّر بَقَاء صفة الْإِطْلَاق وَلَا يكون الحكم ثَابتا لما تنَاوله صِيغَة الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يكون ثَابتا بالمقيد من اللَّفْظ فَأَما الْعَام إِذا خص مِنْهُ شَيْء يبْقى الحكم ثَابتا فِيمَا وَرَاءه بِمُقْتَضى لفظ الْعُمُوم فَقَط
(2/83)


وَإِذا كَانَ بَقَاء الحكم بِمَا كَانَ النَّص الْعَام متناولا لَهُ عرفنَا أَن التَّخْصِيص لَا يكون تعرضا لما وَرَاء الْمَخْصُوص بِشَيْء
وَبَيَان هَذَا أَن قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} وَإِن خص مِنْهُ أهل الذِّمَّة وَغَيرهم فَمن لَا أَمَان لَهُ يجب قَتله لِأَنَّهُ مُشْرك
وَفِي قَوْله {فَتَحْرِير رَقَبَة} إِذا قيدنَا بِصفة الْإِيمَان لَا تتأدى الْكَفَّارَة بِمَا يتَنَاوَلهُ اسْم الرَّقَبَة بل بِمَا يتَنَاوَلهُ اسْم الرَّقَبَة المؤمنة
فَعرفنَا أَنه فِي معنى النّسخ وَلَيْسَ بتخصيص وَلِأَن التَّخْصِيص يصرف فِيمَا كَانَ اللَّفْظ متناولا لَهُ بِاعْتِبَار دَلِيل الظَّاهِر لَوْلَا دَلِيل الْخُصُوص وَالتَّقْيِيد تصرف فِيمَا لم يكن اللَّفْظ متناولا لَهُ أصلا لَوْلَا التَّقْيِيد فَإِن اسْم الرَّقَبَة لَا يتَنَاوَل صفتهَا من حَيْثُ الْإِيمَان وَالْكفْر فَعرفنَا أَنه نسخ والنسخ فِي الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يكون بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا بِالْقِيَاسِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَا تتَعَيَّن الْفَاتِحَة للْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة ركنا لِأَنَّهُ زِيَادَة على مَا ثَبت بِالنَّصِّ وَلَا تثبت الطَّهَارَة عَن الْحَدث شرطا فِي ركن الطّواف لِأَنَّهُ زِيَادَة على النَّص وَلَا يثبت النَّفْي حدا مَعَ الْجلد فِي زنا الْبكر لِأَنَّهُ زِيَادَة وَلَا يثبت اشْتِرَاط صفة الْإِيمَان فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار لِأَنَّهُ زِيَادَة
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله شرب الْقَلِيل من الطلاء المثلث لَا يكون حَرَامًا لِأَن الْمحرم السكر بِالنَّصِّ وَشرب الْقَلِيل بعض الْعلَّة فِيمَا يحصل بِهِ السكر فَلَا يكون مُسكرا
وعَلى هَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِذا وجد الْمُحدث من المَاء مَا لَا يَكْفِيهِ لوضوئه أَو الْجنب مَا لَا يَكْفِيهِ لاغتساله فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَلَا يسْتَعْمل ذَلِك المَاء لِأَن الْوَاجِب اسْتِعْمَال المَاء الَّذِي هُوَ طهُور وَهَذَا بِمَنْزِلَة بعض الْعلَّة فِي حكم الطَّهَارَة فَلَا يكون طهُورا فوجوده لَا يمْنَع التَّيَمُّم
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا شهد أحد الشَّاهِدين بِالْبيعِ بِأَلف وَالْآخر بِالْبيعِ بِأَلف وَخَمْسمِائة لَا تقبل الشَّهَادَة فِي إِثْبَات العقد بِأَلف وَإِن اتّفق عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ ظَاهرا لِأَن الَّذِي شهد بِأَلف وَخَمْسمِائة قد جعل الْألف بعض الثّمن وانعقاد البيع بِجَمِيعِ الثّمن الْمُسَمّى لَا بِبَعْضِه فَمن هَذَا الْوَجْه كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَعْنى شَاهد لعقد آخر وَالْألف الْمَذْكُور فِي شَهَادَة الثَّانِي كَانَ بِحَيْثُ يثبت بِهِ العقد لَوْلَا وصل شَيْء آخر بِهِ بِمَنْزِلَة التَّخْيِير فِي الطَّلَاق وَالْعتاق يصير شَيْئا آخر إِذا اتَّصل بِهِ التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَحكم الزِّيَادَة يكون بِهَذِهِ الصّفة أَيْضا
وَالَّذِي يُقرر جَمِيع مَا ذكرنَا أَن النّسخ إِنَّمَا يثبت بِمَا لَو جهل التَّارِيخ فِيهِ كَانَ مُعَارضا وَهَذَا يتَحَقَّق فِي الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد فَإِنَّهُ لَو جهل التَّارِيخ بَين النَّص الْمُطلق والمقيد يثبت التَّعَارُض بَينهمَا فَعرفنَا أَنه عِنْد معرفَة وَيجوز أَن يرد النّسخ على مَا هُوَ نَاسخ كَمَا يجوز أَن يرد النّسخ على مَا كَانَ مَشْرُوعا ابْتِدَاء إِذْ الْمَعْنى لَا يُوجب الْفرق بَينهمَا
وَبَيَان هَذَا فِيمَا نقل عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن حُرْمَة مفاداة الْأَسير الثَّابِت بقوله تَعَالَى {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} قد انتسخ التَّارِيخ بَينهمَا يكون
(2/84)

التَّقْيِيد فِي النَّص الْمُطلق نسخا من حَيْثُ الْمَعْنى بقوله تَعَالَى {فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء} ثمَّ قَالَ السّديّ هَذَا قد انتسخ بقوله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} لِأَن سُورَة بَرَاءَة من آخر مَا نزل فَكَانَ نَاسِخا للْحكم الَّذِي كَانَ قبله
وَكَذَلِكَ حكم الْحَبْس فِي الْبيُوت والأذى بِاللِّسَانِ فِي كَونه حدا قد انتسخ بقوله عَلَيْهِ السَّلَام (خُذُوا عني) الحَدِيث
ثمَّ هَذَا الحكم انتسخ بنزول قَوْله تَعَالَى {فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة} وبرجم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مَاعِز بن مَالك رَضِي الله عَنهُ وَاسْتقر الحكم على أَن الْحَد الْكَامِل فِي حق غير الْمُحصن مائَة جلدَة وَفِي حق الْمُحصن الرَّجْم
وَمِمَّا اخْتلفُوا فِي أَنه نسخ أم لَا حكم الْمِيرَاث فقد كَانَ التوريث بِالْحلف وَالْهجْرَة ثَابتا فِي الِابْتِدَاء قَالَ تَعَالَى {وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم} وَقَالَ تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا} إِلَى قَوْله {أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا} الْآيَة ثمَّ انتسخ هَذَا عِنْد بعض الْعلمَاء بنزول قَوْله تَعَالَى {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله من الْمُؤمنِينَ والمهاجرين} الْآيَة
وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا لَيْسَ بنسخ وَلَكِن هَذَا تَقْدِيم وَارِث على وَارِث فَلَا يكون نسخا كتقديم الابْن على الْأَخ فِي الْمِيرَاث لَا يكون نسخ التوريث بالأخوة وَتَقْدِيم الشَّرِيك على الْجَار فِي اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة لَا يكون نسخ حكم الشُّفْعَة بالجوار
وَالأَصَح أَن نقُول هَذَا نسخ بعض الْأَحْوَال دون الْبَعْض فَإِن قَوْله تَعَالَى {فآتوهم نصِيبهم} تنصيص على أَن بِالْحلف يسْتَحق النَّصِيب من الْمِيرَاث مَعَ وجود الْقَرِيب ثمَّ انتسخ هَذَا الحكم بقوله تَعَالَى {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} حَتَّى لَا يسْتَحق بِالْحلف شَيْئا مَعَ وجود الْقَرِيب أصلا
فَعرفنَا أَن هَذَا الحكم قد انْتهى فِي هَذِه الْحَالة فَكَانَ نسخا وَإِن كَانَ
(2/85)

الْإِرْث بِهَذَا السَّبَب بَاقِيا فِي غير هَذِه الْحَالة وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله يَا معشر هَمدَان إِنَّه لَيْسَ حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب أَحْرَى أَن يَمُوت الرجل فيهم وَلَا يعرف لَهُ نسب مِنْكُم فَإِذا كَانَ ذَلِك فليضع مَاله حَيْثُ أحب
وَالله أعلم

بَاب الْكَلَام فِي أَفعَال النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
اعْلَم بِأَن أَفعاله الَّتِي تكون عَن قصد تَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام مُبَاح ومستحب وواجب وَفرض
وَهنا نوع خَامِس وَهُوَ الزلة وَلكنه غير دَاخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ لَا يصلح للاقتداء بِهِ فِي ذَلِك وَعقد الْبَاب لبَيَان حكم الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفعاله وَلِهَذَا لم يذكر فِي الْجُمْلَة مَا يحصل فِي حَالَة النّوم وَالْإِغْمَاء لِأَن الْقَصْد لَا يتَحَقَّق فِيهِ فَلَا يكون دَاخِلا فِيمَا هُوَ حد الْخطاب
وَأما الزلة فَإِنَّهُ لَا يُوجد فِيهَا الْقَصْد إِلَى عينهَا أَيْضا وَلَكِن يُوجد الْقَصْد إِلَى أصل الْفِعْل
وَبَيَان هَذَا أَن الزلة أخذت من قَول الْقَائِل زل الرجل فِي الطين إِذا لم يُوجد الْقَصْد إِلَى الْوُقُوع وَلَا إِلَى الثَّبَات بعد الْوُقُوع وَلَكِن وجد الْقَصْد إِلَى الْمَشْي فِي الطَّرِيق فَعرفنَا بِهَذَا أَن الزلة مَا تتصل بالفاعل عِنْد فعله مَا لم يكن قَصده بِعَيْنِه وَلكنه زل فاشتغل بِهِ عَمَّا قصد بِعَيْنِه وَالْمَعْصِيَة عِنْد الْإِطْلَاق إِنَّمَا يتَنَاوَل مَا يَقْصِدهُ الْمُبَاشر بِعَيْنِه وَإِن كَانَ قد أطلق الشَّرْع ذَلِك على الزلة مجَازًا
ثمَّ لَا بُد أَن يقْتَرن بالزلة بَيَان من جِهَة الْفَاعِل أَو من الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى مخبرا عَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد قتل القبطي {هَذَا من عمل الشَّيْطَان} الْآيَة وكما قَالَ تَعَالَى {وَعصى آدم ربه فغوى} الْآيَة وَإِذا كَانَ الْبَيَان يقْتَرن بِهِ لَا محَالة علم أَنه غير صَالح للاقتداء بِهِ
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي أَفعاله الَّتِي لَا تكون عَن سَهْو وَلَا من نتيجة الطَّبْع على مَا جبل عَلَيْهِ الْإِنْسَان مَا هُوَ مُوجب ذَلِك فِي حق أمته
فَقَالَ بَعضهم الْوَاجِب هُوَ الْوَقْف فِي ذَلِك حَتَّى يقوم الدَّلِيل
وَقَالَ بَعضهم بل يجب اتِّبَاعه والاقتداء بِهِ فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا مَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل
وَكَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي
(2/86)

رَحمَه الله يَقُول إِن علم صفة فعله أَنه فعله وَاجِبا أَو ندبا أَو مُبَاحا فَإِنَّهُ يتبع فِيهِ بِتِلْكَ الصّفة وَإِن لم يعلم فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ صفة الْإِبَاحَة ثمَّ لَا يكون الِاتِّبَاع فِيهِ ثَابتا إِلَّا بِقِيَام الدَّلِيل
وَكَانَ الْجَصَّاص رَحمَه الله يَقُول بقول الْكَرْخِي رَحمَه الله إِلَّا أَنه يَقُول إِذا لم يعلم فالاتباع لَهُ فِي ذَلِك ثَابت حَتَّى يقوم الدَّلِيل على كَونه مَخْصُوصًا
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح
فَأَما الواقفون احْتَجُّوا فَقَالُوا لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتِّبَاعه فِي ذَلِك على وَجه الْمُوَافقَة لِأَن ذَلِك لَا يكون بالموافقة فِي أصل الْفِعْل دون الصّفة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ هُوَ فعل فعلا نفلا وَنحن نفعله فرضا يكون ذَلِك مُنَازعَة لَا مُوَافقَة وَاعْتبر هَذَا بِفعل السَّحَرَة مَعَ مَا رَأَوْهُ من الكليم ظَاهرا فَإِنَّهُ كَانَ مُنَازعَة مِنْهُم فِي الِابْتِدَاء لِأَن فعلهم لم يكن بِصفة فعله فَعرفنَا أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُشكلا لَا تتَحَقَّق الْمُوَافقَة فِي الْفِعْل لَا محَالة وَلَا وَجه للمخالفة فَيجب الْوَقْف فِيهِ حَتَّى يقوم الدَّلِيل
وَهَذَا الْكَلَام عِنْد التَّأَمُّل بَاطِل فَإِن هَذَا الْقَائِل إِن كَانَ يمْنَع الْأمة من أَن يَفْعَلُوا مثل فعله بِهَذَا الطَّرِيق ويلومهم على ذَلِك فقد أثبت صفة الْحَظْر فِي الِاتِّبَاع وَإِن كَانَ لَا يمنعهُم من ذَلِك وَلَا يلومهم عَلَيْهِ فقد أثبت صفة الْإِبَاحَة فَعرفنَا أَن القَوْل بِالْوَقْفِ لَا يتَحَقَّق فِي هَذَا الْفَصْل
وَأما الْفَرِيق الثَّانِي فقد استدلوا بالنصوص الْمُوجبَة للاقتداء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَقْوَاله وأفعاله نَحْو قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} وَقَوله تَعَالَى {وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول} وَقَوله تَعَالَى {فَاتبعُوني يحببكم الله} وَقَوله تَعَالَى {الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي} إِلَى قَوْله {واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون} وَقَوله تَعَالَى {فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره} أَي عَن سمته وطريقته
وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد} فَفِي هَذِه النُّصُوص دَلِيل على وجوب الِاتِّبَاع علينا إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل يمْنَع من ذَلِك
فَأَما الدَّلِيل لنا فِي هَذَا الْفَصْل أَن نقُول صَحَّ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي عَلَيْهِ
(2/87)

السَّلَام خلع نَعْلَيْه فِي الصَّلَاة فَخلع النَّاس نعَالهمْ فَلَمَّا فرغ قَالَ مَا لكم خلعتم نعالكم الحَدِيث
فَلَو كَانَ مُطلق فعله مُوجبا للمتابعة لم يكن لقَوْله مَا لكم خلعتم نعالكم معنى
وَخرج للتراويح لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ فَلَمَّا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ خشيت أَن تكْتب عَلَيْكُم وَلَو كتبت عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بهَا فو كَانَ مُطلق فعله يلْزمنَا الِاتِّبَاع لَهُ فِي ذَلِك لم يكن لقَوْله خشيت أَن تكْتب عَلَيْكُم معنى
ثمَّ قد بَينا أَن الْمُوَافقَة حَقِيقَتهَا فِي أصل الْفِعْل وَصفته فَعِنْدَ الْإِطْلَاق إِنَّمَا يثبت الْقدر الْمُتَيَقن بِهِ وَهُوَ صفة الْإِبَاحَة فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التَّمَكُّن من إِيجَاد الْفِعْل شرعا فَيثبت الْقدر الْمُتَيَقن بِهِ (وَهُوَ صفة الْإِبَاحَة) من الْوَصْف ويتوقف مَا وَرَاء ذَلِك على قيام الدَّلِيل بِمَنْزِلَة رجل يَقُول لغيره وَكلتك بِمَالي فَإِنَّهُ يملك الْحِفْظ لِأَنَّهُ مُتَيَقن لكَونه مُرَاد الْمُوكل وَلَا يثبت مَا سوى ذَلِك من التَّصَرُّفَات حَتَّى يقوم الدَّلِيل يُقرر مَا ذكرنَا أَن الْفِعْل قِسْمَانِ أَخذ وَترك
ثمَّ أحد قسمي أَفعاله وَهُوَ التّرْك لَا يُوجب الِاتِّبَاع علينا إِلَّا بِدَلِيل فَكَذَلِك الْقسم الآخر
وَبَيَان هَذَا أَنه حِين كَانَ الْخمر مُبَاحا قد ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شربهَا أصلا ثمَّ ذَلِك لَا يُوجب علينا ترك الشّرْب فِيمَا هُوَ مُبَاح يُوضحهُ أَن مُطلق فعله لَو كَانَ مُوجبا لِلِاتِّبَاعِ لَكَانَ ذَلِك عَاما فِي جَمِيع أَفعاله وَلَا وَجه لِلْقَوْلِ بذلك لِأَن ذَلِك يُوجب على كل أحد أَن لَا يُفَارِقهُ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار ليقف على جَمِيع أَفعاله فيقتدي بِهِ لِأَنَّهُ لَا يخرج عَن الْوَاجِب إِلَّا بذلك وَمَعْلُوم أَن هَذَا مِمَّا لَا يتَحَقَّق وَلَا يَقُول بِهِ أحد
فَعرفنَا أَن مُطلق الْفِعْل لَا يلْزمنَا اتِّبَاعه فِي ذَلِك
فَأَما الْآيَات فَفِي قَوْله {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} دَلِيل على أَن التأسي بِهِ فِي أَفعاله لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ من حق الْكَلَام أَن يَقُول عَلَيْكُم فَفِي قَوْله {لكم} دَلِيل على أَن ذَلِك مُبَاح لنا لَا أَن يكون لَازِما علينا
وَالْمرَاد بِالْأَمر بالاتباع التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ فَإِن الْخطاب بذلك لأهل الْكتاب وَذَلِكَ بَين فِي سِيَاق الْآيَة وَالْمرَاد بِالْأَمر مَا يفهم من مُطلق لفظ الْأَمر عِنْد
(2/88)

الْإِطْلَاق وَقد تقدم بَيَان هَذَا فِي أول الْكتاب
ثمَّ قَالَ الْكَرْخِي قد ظهر خُصُوصِيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأَشْيَاء لاختصاصه بِمَا لَا شركَة لأحد من أمته مَعَه فِي ذَلِك فَكل فعل يكون مِنْهُ فَهُوَ مُحْتَمل للوصف لجَوَاز أَن يكون هَذَا مِمَّا اخْتصَّ هُوَ بِهِ وَيجوز أَن يكون مِمَّا هُوَ غير مَخْصُوص بِهِ وَعند احْتِمَال الْجَانِبَيْنِ على السوَاء يجب الْوَقْف حَتَّى يقوم الدَّلِيل لتحَقّق الْمُعَارضَة
وَلَكِن الصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْجَصَّاص لِأَن فِي قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} تنصيص على جَوَاز التأسي بِهِ فِي أَفعاله فَيكون هَذَا النَّص مَعْمُولا بِهِ حَتَّى يقوم الدَّلِيل الْمَانِع وَهُوَ مَا يُوجب تَخْصِيصه بذلك وَقد دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم} وَفِي هَذَا بَيَان أَن ثُبُوت الْحل فِي حَقه مُطلقًا دَلِيل ثُبُوته فِي حق الْأمة أَلا ترى أَنه نَص على تَخْصِيصه فِيمَا كَانَ هُوَ مَخْصُوصًا بِهِ بقوله تَعَالَى {خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ} وَهُوَ النِّكَاح بِغَيْر مهر فَلَو لم يكن مُطلق فعله دَلِيلا للْأمة فِي الْإِقْدَام على مثله لم يكن لقَوْله {خَالِصَة لَك} فَائِدَة فَإِن الخصوصية تكون ثَابِتَة بِدُونِ هَذِه الْكَلِمَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما قَالَ لعبد الله بن رَوَاحَة حِين صلى على الأَرْض فِي يَوْم قد مُطِرُوا فِي السّفر ألم يكن لَك فِي أُسْوَة فَقَالَ أَنْت تسْعَى فِي رَقَبَة قد فكت وَأَنا أسعى فِي رَقَبَة لم يعرف فكاكها
فَقَالَ إِنِّي مَعَ هَذَا أَرْجُو أَن أكون أخشاكم لله وَلما سَأَلت امْرَأَة أم سَلمَة عَن الْقبْلَة للصَّائِم فَقَالَت إِن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام يقبل وَهُوَ صَائِم
فَقَالَت لسنا كرسول الله قد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر ثمَّ سَأَلت أم سَلمَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن سؤالها فَقَالَ هلا أخْبرتهَا أَنِّي أقبل وَأَنا صَائِم فَقَالَت قد أخْبرتهَا بذلك فَقَالَت كَذَا
فَقَالَ إِنِّي أَرْجُو أَن أكون أَتْقَاكُم لله وَأعْلمكُمْ بِحُدُودِهِ فَفِي هَذَا بَيَان أَن اتِّبَاعه فِيمَا يثبت من أَفعاله أصل حَتَّى يقوم الدَّلِيل على كَونه مَخْصُوصًا بِفِعْلِهِ وَهَذَا لِأَن الرُّسُل أَئِمَّة يقْتَدى بهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا}
(2/89)

فَالْأَصْل فِي كل فعل يكون مِنْهُم جَوَاز الِاقْتِدَاء بهم إِلَّا مَا يثبت فِيهِ دَلِيل الخصوصية بِاعْتِبَار أَحْوَالهم وعلو مَنَازِلهمْ وَإِذا كَانَ الأَصْل هَذَا فَفِي كل فعل يكون مُبْهَم بِصفة الْخُصُوص يجب بَيَان الخصوصية مُقَارنًا بِهِ إِذْ الْحَاجة إِلَى ذَلِك ماسة عِنْد كل فعل يكون (مِنْهُم) حكمه بِخِلَاف هَذَا الأَصْل وَالسُّكُوت عَن الْبَيَان بعد تحقق الْحَاجة دَلِيل النَّفْي فَترك بَيَان الخصوصية يكون دَلِيلا على أَنه من جملَة الْأَفْعَال الَّتِي هُوَ فِيهَا قدوة أمته

فصل فِي بَيَان طَريقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إِظْهَار أَحْكَام الشَّرْع
قد بَينا أَنه كَانَ يعْتَمد الْوَحْي فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع
وَالْوَحي نَوْعَانِ ظَاهر وباطن
فَالظَّاهِر مِنْهُ قِسْمَانِ (أَحدهمَا) مَا يكون على لِسَان الْملك بِمَا يَقع فِي سَمعه بعد علمه بالمبلغ بِأَنَّهُ قَاطِعَة وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى {قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم} الْآيَة وَالْآخر مَا يَتَّضِح لَهُ بِإِشَارَة الْملك من غير بَيَان بِكَلَام وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب وَالْوَحي الْبَاطِن هُوَ تأييد الْقلب على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة وَلَا معَارض وَلَا مُزَاحم وَذَلِكَ بِأَن يظْهر لَهُ الْحق بِنور فِي قلبه من ربه يَتَّضِح لَهُ حكم الْحَادِثَة بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الله تَعَالَى بقوله {لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله} وَهَذَا كُله مَقْرُونا بالابتلاء وَمعنى الِابْتِلَاء هُوَ التَّأَمُّل بِقَلْبِه فِي حَقِيقَته حَتَّى يظْهر لَهُ مَا هُوَ الْمَقْصُود وكل ذَلِك خَاص لرَسُول الله تثبت بِهِ الْحجَّة القاطعة وَلَا شركَة للْأمة فِي ذَلِك إِلَّا أَن يكرم الله بِهِ من شَاءَ من أمته لحقه وَذَلِكَ الْكَرَامَة للأولياء
وَأما مَا يشبه الْوَحْي فِي حق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ استنباط الْأَحْكَام من النُّصُوص بِالرَّأْيِ
(2/90)

وَالِاجْتِهَاد فَإِنَّمَا يكون من رَسُول الله بِهَذَا الطَّرِيق فَهُوَ بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي لقِيَام الدَّلِيل على أَنه يكون ثَوابًا لَا محَالة فَإِنَّهُ كَانَ لَا يقر على الْخَطَأ فَكَانَ ذَلِك مِنْهُ حجَّة قَاطِعَة وَمثل هَذَا من الْأمة لَا يَجْعَل بِمَنْزِلَة الْوَحْي لِأَن الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب فقد علم أَنه كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صفة الْكَمَال مَا لَا يُحِيط بِهِ إِلَّا الله فَلَا شكّ أَن غَيره لَا يُسَاوِيه فِي إِعْمَال الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام
وَهَذَا يبتنى على اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام هَل كَانَ يجْتَهد فِي الْأَحْكَام وَيعْمل بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ فَأبى ذَلِك بعض الْعلمَاء وَقَالَ هَذَا الطَّرِيق حَظّ الْأمة فَأَما حَظّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْعَمَل بِالْوَحْي من الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
وَقَالَ بَعضهم قد كَانَ يعْمل بطرِيق الْوَحْي تَارَة وبالرأي تَارَة وَبِكُل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ كَانَ يبين الْأَحْكَام
وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا كَانَ يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث الَّتِي لَيْسَ فِيهَا وَحي منزل كَانَ ينْتَظر الْوَحْي إِلَى أَن تمْضِي مُدَّة الِانْتِظَار ثمَّ كَانَ يعْمل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَيبين الحكم بِهِ فَإِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِك حجَّة قَاطِعَة للْحكم
فَأَما الْفَرِيق الأول فاحتجوا بقوله تَعَالَى {وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَقَالَ تَعَالَى {قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ} وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه كَانَ لَا يجوز لأحد مُخَالفَة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا بَينه من أَحْكَام الشَّرْع والرأي قد يَقع فِيهِ الْغَلَط فِي حَقه وَفِي حق غَيره فَلَو كَانَ يبين الحكم بِالرَّأْيِ لَكَانَ يجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك كَمَا فِي أَمر الْحَرْب فقد ظهر أَنهم خالفوه فِي ذَلِك غير مرّة واستصوبهم فِي ذَلِك أَلا ترى أَنه لما أَرَادَ النُّزُول يَوْم بدر دون المَاء قَالَ لَهُ الْخَبَّاب بن الْمُنْذر رَضِي الله عَنهُ إِن كَانَ عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَإِنِّي أرى الصَّوَاب أَن ننزل على المَاء ونتخذ الْحِيَاض فَأخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَأْيهِ وَنزل على المَاء
وَلما أَرَادَ يَوْم الْأَحْزَاب أَن يُعْطي الْمُشْركين شطر ثمار الْمَدِينَة لينصرفوا قَامَ سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالا إِن كَانَ هَذَا عَن وَحي فسمعا وَطَاعَة وَإِن كَانَ عَن رَأْي فَلَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف قد كُنَّا نَحن وهم فِي الْجَاهِلِيَّة لم يكن لنا وَلَا لَهُم دين فَكَانُوا لَا يطمعون
(2/91)

فِي ثمار الْمَدِينَة إِلَّا بشري أَو بقري فَإِذا أعزنا الله تَعَالَى بِالدّينِ نعطيهم الدنية لَا نعطيم إِلَّا السَّيْف
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِنِّي رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة فَأَرَدْت أَن أصرفهم عَنْكُم فَإِذا أَبَيْتُم أَنْتُم وَذَاكَ ثمَّ قَالَ للَّذين جَاءُوا للصلح اذْهَبُوا فَلَا نعطيكم إِلَّا السَّيْف وَلما قدم الْمَدِينَة استقبح مَا كَانُوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عَن ذَلِك فأحشفت وَقَالَ عهدي بثماركم بِخِلَاف هَذَا فَقَالُوا نَهَيْتنَا عَن التلقيح وَإِنَّمَا كَانَت جودة الثَّمر من ذَلِك
قَالَ أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم وَأَنا أعلم بِأَمْر دينكُمْ فَتبين أَن الرَّأْي مِنْهُ كالرأي من غَيره فِي احْتِمَال الْغَلَط وبالاتفاق لَا تجوز مُخَالفَته فِيمَا ينص عَلَيْهِ من أَحْكَام الشَّرْع فَعرفنَا أَن طَرِيق وُقُوفه على ذَلِك مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الْغَلَط أصلا وَذَلِكَ الْوَحْي ثمَّ الرَّأْي الَّذِي فِيهِ توهم الْغَلَط إِنَّمَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه الضَّرُورَة تثبت فِي حق الْأمة لَا فِي حَقه فقد كَانَ الْوَحْي يَأْتِيهِ فِي كل وَقت وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير التَّحَرِّي فِي أَمر الْقبْلَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ بِمَكَّة معاينا للكعبة وَيجوز الْمصير إِلَيْهِ لمن كَانَ نَائِيا عَن الْكَعْبَة لِأَن من كَانَ معاينا فالضرورة المحوجة إِلَى التَّحَرِّي لَا تتَحَقَّق فِي حَقه لوُجُود الطَّرِيق الَّذِي لَا يتَمَكَّن فِيهِ تُهْمَة الْغَلَط وَهُوَ المعاينة وَكَذَلِكَ حَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَام وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ ينصب أَحْكَام الشَّرْع ابْتِدَاء والرأي لَا يصلح لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء وَإِنَّمَا هُوَ لتعدية حكم النَّص إِلَى نَظِيره مِمَّا لَا نَص فِيهِ كَمَا فِي حق الْأمة لِأَنَّهُ لَا يجوز لأحد اسْتِعْمَال الرَّأْي فِي نصب حكم ابْتِدَاء فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا كَانَ ينصب الحكم ابْتِدَاء بطرِيق الْوَحْي دون الرَّأْي وَهَذَا لِأَن الْحق فِي أَحْكَام الشَّرْع لله تَعَالَى فَإِنَّمَا يثبت حق الله تَعَالَى بِمَا يكون مُوجبا للْعلم قطعا والرأي لَا يُوجب ذَلِك وَبِه فَارق أَمر الْحَرْب والشورى فِي الْمُعَامَلَات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمطلوب بِهِ الدّفع عَنْهُم أَو الْجَرّ إِلَيْهِم فِيمَا تقوم بِهِ مصالحهم وَاسْتِعْمَال الرَّأْي جَائِز فِي مثله لحَاجَة الْعباد إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم فَوق ذَلِك وَالله تَعَالَى يتعالى عَمَّا يُوصف بِهِ الْعباد من الْعَجز أَو الْحَاجة فَمَا هُوَ حق الله تَعَالَى لَا يثبت ابْتِدَاء إِلَّا بِمَا يكون مُوجبا علم الْيَقِين
(2/92)

وَالْحجّة لِلْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولي النَّاس بِهَذَا الْوَصْف الَّذِي ذكره عِنْد الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ فَعرفنَا أَنه دَاخل فِي هَذَا الْخطاب قَالَ تَعَالَى {وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم} وَقد دخل فِي جملَة المستنبطين من تقدم ذكره فَعرفنَا أَن الرَّسُول من جملَة الَّذين أخبر الله أَنهم يعلمُونَ بالاستنباط وَقَالَ تَعَالَى {ففهمناها سُلَيْمَان} وَالْمرَاد أَنه وقف على الحكم بطرِيق الرَّأْي لَا بطرِيق الْوَحْي لِأَن مَا كَانَ بطرِيق الْوَحْي فداود وَسليمَان عَلَيْهِمَا السَّلَام فِيهِ سَوَاء وَحَيْثُ خص سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام بالفهم عرفنَا أَن المُرَاد بِهِ بطرِيق الرَّأْي وَقد حكم دَاوُد بَين الْخَصْمَيْنِ حِين تسوروا الْمِحْرَاب بِالرَّأْيِ فَإِنَّهُ قَالَ {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه} وَهَذَا بَيَان بِالْقِيَاسِ الظَّاهِر
وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فَقضيت أَكَانَ يقبل مِنْك وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس
وَقَالَ لعمر رَضِي الله عَنهُ حِين سَأَلَهُ عَن الْقبْلَة للصَّائِم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك وَقَالَ فِي حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِالْمَاءِ أَكنت شَاربه وَهَذَا بَيَان بطرِيق الْقيَاس فِي حُرْمَة الأوساخ وَاسْتِعْمَال الْمُسْتَعْمل
وَقَالَ إِن الرجل ليؤجر فِي كل شَيْء حَتَّى فِي مباضعة أَهله فَقيل لَهُ يقْضِي أَحَدنَا شَهْوَته ثمَّ يُؤجر على ذَلِك قَالَ أَرَأَيْتُم لَو وضع ذَلِك فِيمَا لَا يحل هَل كَانَ يَأْثَم بِهِ قَالُوا نعم
قَالَ فَكَذَلِك يُؤجر إِذا وَضعه فِيمَا يحل وَهَذَا بَيَان بطرِيق الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ مَأْمُورا بالمشاورة مَعَ أَصْحَابه قَالَ تَعَالَى {وشاورهم فِي الْأَمر} وَقد صَحَّ أَنه كَانَ يشاورهم فِي أَمر الْحَرْب وَغير ذَلِك حَتَّى رُوِيَ أَنه شاور أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا فِي مفاداة الْأُسَارَى يَوْم بدر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بكر بِأَن يفادي بهم وَمَال رَأْيه إِلَى ذَلِك حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} ومفاداة الْأَسير بِالْمَالِ جَوَازه وفساده من أَحْكَام الشَّرْع وَمِمَّا هُوَ حق الله تَعَالَى وَقد شاور فِيهِ أَصْحَابه وَعمل فِيهِ بِالرَّأْيِ إِلَى أَن نزل الْوَحْي بِخِلَاف مَا رَآهُ فَعرفنَا أَنه كَانَ يشاورهم فِي الْأَحْكَام كَمَا فِي الحروب وَقد شاورهم فِيمَا يكون جَامعا لَهُم فِي أَوْقَات الصَّلَاة ليؤدوها بِالْجَمَاعَة ثمَّ لما جَاءَ عبد الله بن زيد رَضِي الله عَنهُ وَذكر مَا رأى فِي الْمَنَام من أَمر الْأَذَان
(2/93)

فَأخذ بِهِ وَقَالَ (ألقها على بِلَال) وَمَعْلُوم أَنه أَخذ بذلك بطرِيق الرَّأْي دون طَرِيق الْوَحْي أَلا ترى أَنه لما أَتَى عمر وَأخْبرهُ أَنه رأى مثل ذَلِك قَالَ الله أكبر هَذَا أثبت وَلَو كَانَ قد نزل عَلَيْهِ الْوَحْي بِهِ لم يكن لهَذَا الْكَلَام معنى وَلَا شكّ أَن حكم الْأَذَان مِمَّا هُوَ (من) حق الله ثمَّ قد جوز الْعَمَل فِيهِ بِالرَّأْيِ فَعرفنَا أَن ذَلِك جَائِز وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِنَّه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم فِي الْأَحْكَام لتطييب نُفُوسهم وَهَذَا لِأَن فِيمَا كَانَ الْوَحْي فِيهِ ظَاهرا مَعْلُوما مَا كَانَ يستشيرهم وَفِيمَا كَانَ يستشيرهم الْحَال لَا يَخْلُو إِمَّا أَن كَانَ يعْمل برأيهم أَو لَا يعْمل فَإِن كَانَ لَا يعْمل برأيهم وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما لَهُم فَلَيْسَ فِي هَذِه الاستشارة تطييب النَّفس وَلكنهَا من نوع الاستهز وَظن ذَلِك برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محَال وَإِن كَانَ يستشيرهم ليعْمَل برأيهم فَلَا شكّ أَن رَأْيه يكون أقوى من رَأْيهمْ وَإِذا جَازَ لَهُ الْعَمَل برأيهم فِيمَا لَا نَص فِيهِ فجواز ذَلِك بِرَأْيهِ أولى
ويتبين بِهَذَا أَنه إِنَّمَا كَانَ يستشيرهم لتقريب الْوُجُوه وتحميس الرَّأْي على مَا كَانَ يَقُول المشورة تلقيح الْعُقُول وَقَالَ من الحزم أَن تستشير ذَا رَأْي ثمَّ تُطِيعهُ ثمَّ الاستنباط بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يبتنى على الْعلم بمعاني النُّصُوص وَلَا شكّ أَن دَرَجَته فِي ذَلِك أَعلَى من دَرَجَة غَيره وَقد كَانَ يعلم بالمتشابه الَّذِي لَا يقف أحد من الْأمة بعده على مَعْنَاهُ فَعرفنَا بِهَذَا أَن لَهُ من هَذِه الدرجَة أَعلَى النِّهَايَة وَبعد الْعلم بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُوقف بِهِ على الحكم الْمَنْع من اسْتِعْمَال ذَلِك نوع من الْحجر وتجويز اسْتِعْمَال ذَلِك نوع إِطْلَاق وَإِنَّمَا يَلِيق بعلو دَرَجَته الْإِطْلَاق دون الْحجر
وَكَذَلِكَ مَا يعلم بطرِيق الْوَحْي فَهُوَ مَحْصُور متناه وَمَا يعلم بالاستنباط من مَعَاني الْوَحْي غير متناه
وَقيل أفضل دَرَجَات الْعلم للعباد طَرِيق الاستنباط أَلا ترى أَن من يكون مستنبطا من الْأمة فَهُوَ على دَرَجَة مِمَّن يكون حَافِظًا غير مستنبط فَالْقَوْل بِمَا يُوجب سد بَاب مَا هُوَ أَعلَى الدَّرَجَات فِي الْعلم عَلَيْهِ شبه الْمحَال وَلَوْلَا طعن المتعنتين لَكَانَ الأولى بِنَا الْكَفّ عَن الِاشْتِغَال بِإِظْهَار هَذَا بِالْحجَّةِ فقد كَانَ دَرَجَته فِي الْعلم مَا لَا
(2/94)

يُحِيط بِهِ إِلَّا الله وَتَمام معنى التَّعْظِيم فِي حق من هُوَ دونه أَن لَا يشْتَغل بِمثل هَذَا التَّقْسِيم فِي حَقه وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك لدفع طعن المتعنتين
ثمَّ مَا بَينه بِالرَّأْيِ إِذا أقرّ عَلَيْهِ كَانَ صَوَابا لَا محَالة فَيثبت بِهِ علم الْيَقِين بِخِلَاف مَا يكون من غَيره من الْبَيَان بِالرَّأْيِ وَهُوَ نَظِير الإلهام على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي بَيَان الْوَحْي الْبَاطِن وَأَنه حجَّة قَاطِعَة فِي حَقه وَإِن كَانَ الإلهام فِي حق غَيره لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة على مَا نبينه فِي بَابه
وَالدَّلِيل على هَذِه الْقَاعِدَة مَا رُوِيَ أَن خَوْلَة رَضِي الله عَنْهَا لما جَاءَت إِلَيْهِ تسأله عَن ظِهَار زَوجهَا مِنْهَا قَالَ مَا أَرَاك إِلَّا قد حرمت عَلَيْهِ فَقَالَت إِنِّي أشتكي إِلَى الله فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله {قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك} الْآيَة فَعرفنَا أَنه كَانَ يُفْتِي بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَكَانَ لَا يقر على الْخَطَأ وَهَذَا لأَنا أمرنَا باتباعه قَالَ تَعَالَى {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} وَحين بَين بِالرَّأْيِ وَأقر على ذَلِك كَانَ اتِّبَاع ذَلِك فرضا علينا لَا محَالة فَعرفنَا أَن ذَلِك هُوَ الْحق الْمُتَيَقن بِهِ وَمثل ذَلِك لَا يُوجد فِي حق الْأمة فالمجتهد قد يخطىء ويقر على ذَلِك فَلهَذَا لم يكن الرَّأْي فِي حق غَيره مُوجبا علم الْيَقِين وَلَا صَالحا لنصب الحكم بِهِ ابْتِدَاء بل لتعدية حكم النَّص إِلَى غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد ثَبت بِالنَّصِّ عمله بِالرَّأْيِ فِيمَا لم يقر عَلَيْهِ وَرُبمَا عوتب على ذَلِك وَرُبمَا لم يُعَاتب
فمما عوتب عَلَيْهِ مَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} وَفِي قَوْله تَعَالَى {عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى} وَمِمَّا لم يُعَاتب عَلَيْهِ مَا يرْوى أَنه لما دخل بَيته وَوضع السِّلَاح حِين فرغ من حَرْب الْأَحْزَاب أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ وضعت السِّلَاح وَلم تضعه الْمَلَائِكَة
وَأمره بِأَن يذهب إِلَى بني قُرَيْظَة
وَمن ذَلِك أَنه أَمر أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ بتبليغ سُورَة بَرَاءَة إِلَى الْمُشْركين فِي الْعَام الَّذِي أمره فِيهِ أَن يحجّ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَا يبلغهَا إِلَيْهِم إِلَّا رجل مِنْك
فَبعث عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فِي أَثَره ليَكُون هُوَ الْمبلغ للسورة إِلَيْهِم والقصة فِي ذَلِك مَعْرُوفَة فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه كَانَ يعْمل بِرَأْيهِ وَكَانَ لَا يقر إِلَّا على مَا هُوَ الصَّوَاب وَلِهَذَا كَانَ لَا تجوز مُخَالفَته فِي ذَلِك لِأَنَّهُ حِين أقرّ عَلَيْهِ فقد حصل التيقن بِكَوْن الصَّوَاب فِيهِ فَلَا يسع لأحد أَن يُخَالِفهُ فِي ذَلِك
فَأَما قَوْله {وَمَا ينْطق عَن الْهوى}
(2/95)

فقد قيل هَذَا فِيمَا يَتْلُو عَلَيْهِ من الْقُرْآن بِدَلِيل أول السُّورَة قَوْله تَعَالَى {والنجم إِذا هوى} أَي وَالْقُرْآن إِذا أنزل
وَقيل المُرَاد بالهوى هوى النَّفس الأمارة بالسوء وَأحد لَا يجوز على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتِّبَاع هوى النَّفس أَو القَوْل بِهِ وَلَكِن طَرِيق الاستنباط والرأي غير هوى النَّفس
وَهَذَا أَيْضا تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي} ثمَّ فِي قَوْله {إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ} مَا يُوضح جَمِيع مَا قُلْنَا لِأَن اتِّبَاع الْوَحْي إِنَّمَا يتم فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ الْوَحْي بِعَيْنِه واستنباط الْمَعْنى فِيهِ لإِثْبَات الحكم فِي نَظِيره وَذَلِكَ بِالرَّأْيِ يكون
ثمَّ قد بَينا أَنه مَا كَانَ يقر إِلَّا على الصَّوَاب فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَ ذَلِك وَحيا فِي الْمَعْنى وَهُوَ يشبه الْوَحْي فِي الِابْتِدَاء على مَا بَينا إِلَّا أَنا شرطنا فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن الْوَحْي وَهُوَ نَظِير مَا يشْتَرط فِي حق الْأمة للْعَمَل بِالرَّأْيِ الْعرض على الْكتاب وَالسّنة فَإِذا لم يُوجد فِي ذَلِك فَحِينَئِذٍ يُصَار إِلَى اجْتِهَاد الرَّأْي
وَنَظِيره من الْأَحْكَام من كَانَ فِي السّفر وَلَا مَاء مَعَه وَهُوَ يَرْجُو وجود المَاء فَعَلَيهِ أَن يطْلب المَاء وَلَا يعجل بِالتَّيَمُّمِ وَإِن كَانَ لَا يَرْجُو وجود المَاء فَحِينَئِذٍ يتَيَمَّم وَلَا يشْتَغل بِالطَّلَبِ فحال غير رَسُول الله مِمَّن يبتلى بحادثة كَحال من لَا يَرْجُو وجود المَاء لِأَنَّهُ لَا طمع لَهُ فِي الْوَحْي فَلَا يُؤَخر الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي فِي كل سَاعَة عَادَة فَكَانَ حَاله فِيمَا يبتلى بِهِ من الْحَوَادِث كَحال من يَرْجُو وجود المَاء فَلهَذَا كَانَ ينْتَظر وَلَا يعجل بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَكَانَ هَذَا الِانْتِظَار فِي حَقه بِمَنْزِلَة التَّأَمُّل فِي النَّص المؤول أَو الْخَفي فِي حق غَيره وَمُدَّة الِانْتِظَار فِي ذَلِك أَن يَنْقَطِع طمعه عَن نزُول الْوَحْي فِيهِ بِأَن كَانَ يخَاف الْفَوْت فَحِينَئِذٍ يعْمل فِيهِ بِالرَّأْيِ ويبينه للنَّاس فَإِذا أقرّ على ذَلِك كَانَت حجَّة قَاطِعَة بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِالْوَحْي
وافقا لما هُوَ فِي الْقُرْآن يَجْعَل صادرا عَن الْقُرْآن وبيانا لما فِيهِ
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ يَجْعَل ذَلِك بَيَان حكم مُبْتَدأ حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه
وعَلى هَذَا قُلْنَا بَيَان النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام للتيمم فِي حق الْجنب صادر عَمَّا فِي الْقُرْآن وَبِه يتَبَيَّن أَن المُرَاد من قَوْله تَعَالَى {أَو لامستم النِّسَاء}
(2/96)

فصل
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فعل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَوله مَتى ورده الْجِمَاع دون الْمس بِالْيَدِ وهم يجْعَلُونَ ذَلِك بَيَان حكم مُبْتَدأ ويحملون قَوْله {أَو لامستم النِّسَاء} على الْمس بِالْيَدِ قَالُوا لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك صادرا عَمَّا فِي الْقُرْآن وَيحْتَمل أَن يكون شرع الحكم ابْتِدَاء وَهُوَ فِي الظَّاهِر غير مُتَّصِل بِالْآيَةِ فَيحمل على أَنه بَيَان حكم مُبْتَدأ بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلِأَن فِي حمله على هَذَا زِيَادَة فَائِدَة وَفِي حمله على مَا قُلْتُمْ تَأْكِيد مَا صَار مَعْلُوما بِالْآيَةِ ببيانه فَحَمله على مَا يُفِيد فَائِدَة جَدِيدَة كَانَ أولى
وَحجَّتنَا فِيهِ قَوْله تَعَالَى {إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} فَفِي هَذَا تنصيص على أَن قَوْله وَفعله فِي حكم الشَّرْع يكون عَن وَحي فَإِذا كَانَ ذَلِك ظَاهرا مَعْلُوما فِي الْوَحْي المتلو عرفنَا أَنه صادر عَن ذَلِك إِذْ لَو لم نجعله صادرا عَن ذَلِك احتجنا إِلَى إِثْبَات وَحي غير متلو فِيهِ وَإِثْبَات الْوَحْي من غير الْحَاجة وَمَعَ الشَّك لَا يجوز
وَقَالَ تَعَالَى {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} أَي ردُّوهُ إِلَى كتاب الله وَقَالَ تَعَالَى {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله} فَإِذا ظهر مِنْهُ حكم فِي حَادِثَة وَذَلِكَ الحكم مَوْجُود فِيمَا أنزل الله عرفنَا أَنه حكم فِيهِ بِمَا أنزل الله لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُخَالف مَا أَمر بِهِ وَلِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَهموا ذَلِك من أَفعاله فَإِنَّهُم حملُوا قطعه يَد السَّارِق على الْوُجُوب وأداءه الصَّلَاة فِي مواقيتها على الْوُجُوب وَقد بَينا أَن مُطلق فعله لَا يدل على ذَلِك فلولا أَنهم علمُوا أَن فعله ذَلِك صادر عَن الْآيَات الدَّالَّة على الْوُجُوب نَحْو قَوْله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات} وَقَوله تَعَالَى {فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} لاستفسروه وطلبوا مِنْهُ بَيَان صفة فعله وَحَيْثُ لم يشتغلوا بذلك عرفنَا أَنهم علمُوا أَن فعله ذَلِك مِنْهُ صادر عَن الْآيَة فَأَما مَأْمُور بِاتِّبَاع مَا فِي الْقُرْآن كَغَيْرِهِ
وَقَالَ تَعَالَى {وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون} فَسقط دَعوَاهُم الِاحْتِمَال
(2/97)

سَاقِط فَإِن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِنْهُ صادر عَن الْقُرْآن لِأَنَّهُ اعْتِبَار الِاحْتِمَال مَعَ هَذَا الظَّاهِر
وَقَوْلهمْ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة سَاقِط فَإِن إِثْبَات هَذِه الزِّيَادَة لَا يُمكن إِلَّا بعد إِثْبَات وَحي بِالشَّكِّ وَمن غير حَاجَة إِلَيْهِ وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يجوز

فصل
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فعل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مَتى كَانَ على وَجه الْبَيَان لما فِي الْقُرْآن وَحصل ذَلِك مِنْهُ فِي مَكَان أَو زمَان فالبيان يكون وَاقعا بِفِعْلِهِ وَبِمَا هُوَ من صِفَاته عِنْد الْفِعْل فَأَما الْمَكَان وَالزَّمَان لَا يكون شرطا فِيهِ
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ الْبَيَان مِنْهُ بالمداومة على فعل مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي مَكَان أَو على فعل وَاجِب فِي مَكَان أَو زمَان يدل على أَن ذَلِك الْمَكَان وَالزَّمَان شَرط فِيهِ
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِحْرَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْحَجِّ فِي أشهر الْحَج لَا يكون بَيَانا فِي أَن الْإِحْرَام تخْتَص صِحَّته بالوجود فِي أشهر الْحَج حَتَّى يجوز الْإِحْرَام بِالْحَجِّ قبل أشهر الْحَج
وَكَذَلِكَ فعله رَكْعَتي الطّواف فِي مقَام إِبْرَاهِيم لَا يكون بَيَانا أَن رَكْعَتي الطّواف تخْتَص بِالْأَدَاءِ فِي ذَلِك الْمَكَان
وعَلى قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله ينْتَصب الزَّمَان شرطا ببيانه وَالْمَكَان فِي أحد الْوَجْهَيْنِ أَيْضا قَالَ لِأَن مداومته على ذَلِك فِي مَكَان بِعَيْنِه أَو زمَان بِعَيْنِه لَو لم يحمل على وَجه الْبَيَان لم يبْق لَهُ فَائِدَة أُخْرَى وَقد علمنَا أَنه مَا داوم على ذَلِك إِلَّا لفائدة ثمَّ قَاس هَذَا بمداومته على فعل الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة فِي الْأَوْقَات الْمَخْصُوصَة والأمكنة الطاهرة فَإِن ذَلِك بَيَان مِنْهُ لوُجُوب مُرَاعَاة ذَلِك الزَّمَان وَالْمَكَان فِي أَدَاء الْفَرَائِض فَكَذَلِك فِي سَائِر أَفعاله
وَلَكنَّا نقُول الْبَيَان إِنَّمَا يحصل بِفِعْلِهِ وَالْمَكَان وَالزَّمَان لَيْسَ من فعله فِي شَيْء فَمَا كَانَ الْمَكَان وَالزَّمَان إِلَّا بِمَنْزِلَة فعل غَيره وَغَيره وَإِن ساعده الْمَكَان الَّذِي يُوجد فِيهِ الْفِعْل أَو الزَّمَان الَّذِي يُوجد فِيهِ الْفِعْل لَا يكون لَهُ حَظّ فِي حُصُول الْبَيَان بِهِ بل بِجعْل الْبَيَان حَاصِلا بِفِعْلِهِ فَقَط إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ أَمر مُجمل فِي حق الزَّمَان مُحْتَاجا إِلَى الْبَيَان أَو فِي حق الْمَكَان كَمَا فِي بَاب الصَّلَاة فَإنَّا نعلم فرضيتها فِي بعض الْأَوْقَات (الْمَخْصُوصَة) واختصاص جَوَاز أَدَائِهَا بِبَعْض الْأَمْكِنَة بِالنَّصِّ فَيكون فعله فِي الْأَوْقَات الْمَخْصُوصَة والأمكنة الطاهرة بَيَانا للمجمل فِي ذَلِك كُله فَأَما فعله فِي بَاب الْحَج بَيَان لقَوْله تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} وَذَلِكَ حَاصِل على ذَلِك الْفِعْل فَإِن الْبَيَان يكون حَاصِلا بِفِعْلِهِ لَا بِفعل غَيره
(2/98)

فَكَذَلِك بِالْفِعْلِ لَا بِالْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمر مُجمل لاخْتِصَاص عقد الْإِحْرَام بِالْحَجِّ بِبَعْض الْأَوْقَات دون الْبَعْض وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا نَظِير مُبَاشرَة الطَّهَارَة بِالْمَاءِ فِي الْوَقْت فَإِن ذَلِك كَانَ بَيَانا مِنْهُ لأصل الطَّهَارَة الْمَأْمُور بهَا فِي الْكتاب وَلم يكن بَيَانا فِي التَّخْصِيص فِي الْوَقْت حَتَّى تجوز الطَّهَارَة بِالْمَاءِ قبل دُخُول الْوَقْت بِلَا خلاف

فصل فِي بَيَان شرائع من قبلنَا
اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْفَصْل على أقاويل
فَمنهمْ من قَالَ مَا كَانَ شَرِيعَة لنَبِيّ فَهُوَ بَاقٍ أبدا حَتَّى يقوم دَلِيل النّسخ فِيهِ وكل من يَأْتِي فَعَلَيهِ أَن يعْمل بِهِ على أَنه شَرِيعَة ذَلِك النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مَا لم يظْهر ناسخه
وَقَالَ بَعضهم شَرِيعَة كل نَبِي تَنْتَهِي ببعث نَبِي آخر بعده حَتَّى لَا يعْمل بِهِ إِلَّا أَن يقوم الدَّلِيل على بَقَائِهِ وَذَلِكَ بِبَيَان من النَّبِي الْمَبْعُوث بعده
وَقَالَ بَعضهم شرائع من قبلنَا يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ على أَن ذَلِك شَرِيعَة لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا لم يظْهر دَلِيل النّسخ فِيهِ وَلَا يفصلون بَين مَا يصير مَعْلُوما من شرائع من قبلنَا بِنَقْل أهل الْكتاب أَو بِرِوَايَة الْمُسلمين عَمَّا فِي أَيْديهم من الْكتاب وَبَين مَا ثَبت من ذَلِك بِبَيَان فِي الْقُرْآن أَو السّنة
وَأَصَح الْأَقَاوِيل عندنَا أَن مَا ثَبت بِكِتَاب الله أَنه كَانَ شَرِيعَة من قبلنَا أَو بِبَيَان من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن علينا الْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام مَا لم يظْهر ناسخه فَأَما مَا علم بِنَقْل دَلِيل مُوجب للْعلم على أَنهم حرفوا الْكتب فَلَا يعْتَبر نقلهم فِي ذَلِك لتوهم أَن الْمَنْقُول من جملَة مَا حرفوا وَلَا يعْتَبر فهم الْمُسلمين ذَلِك مِمَّا فِي أَيْديهم من الْكتب لجَوَاز أَن يكون ذَلِك من جملَة مَا غيروا وبدلوا
وَالدَّلِيل على أَن الْمَذْهَب هَذَا أَن مُحَمَّدًا قد اسْتدلَّ فِي كتاب الشّرْب على جَوَاز الْقِسْمَة بطرِيق الْمُهَايَأَة فِي الشّرْب بقوله تَعَالَى {ونبئهم أَن المَاء} أهل الْكتاب أَو بفهم الْمُسلمين
(2/99)

من كتبهمْ فَإِنَّهُ لَا يجب اتِّبَاعه لقِيَام {قسْمَة بَينهم} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَذِه نَاقَة لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم} وَإِنَّمَا أخبر الله تَعَالَى ذَلِك عَن صَالح عَلَيْهِ السَّلَام وَمَعْلُوم أَنه مَا اسْتدلَّ بِهِ إِلَّا بعد اعْتِقَاده بَقَاء ذَلِك الحكم شَرِيعَة لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام
وَاسْتدلَّ أَبُو يُوسُف على جَرَيَان الْقصاص بَين الذّكر وَالْأُنْثَى بقوله تَعَالَى {وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ} وَبِه كَانَ يسْتَدلّ الْكَرْخِي على جَرَيَان الْقصاص بَين الْحر وَالْعَبْد وَالْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالشَّافِعِيّ فِي هَذَا لَا يخالفنا وَقد اسْتدلَّ برجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْيَهُودِيين بِحكم التَّوْرَاة كَمَا نَص عَلَيْهِ بقوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها على وجوب الرَّجْم على أهل الْكتاب وعَلى أَن ذَلِك صَار شَرِيعَة لنبينا
وَنحن لَا ننكر ذَلِك أَيْضا وَلَكنَّا ندعي انتساخ ذَلِك بطرِيق زِيَادَة شَرط الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم فِي شريعتنا ولمثل هَذِه الزِّيَادَة حكم النّسخ عندنَا
وَبَين الْمُتَكَلِّمين اخْتِلَاف فِي أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قبل نزُول الْوَحْي (عَلَيْهِ) هَل كَانَ متعبدا بشريعة من قبله فَمنهمْ من أَبى ذَلِك وَمِنْهُم من توقف فِيهِ وَمِنْهُم من قَالَ كَانَ متعبدا بذلك وَلَكِن مَوضِع بَيَان هَذَا الْفَصْل أصُول التَّوْحِيد فَإنَّا نذْكر هَهُنَا مَا يتَّصل بأصول الْفِقْه
فَأَما الْفَرِيق الأول قَالُوا صفة الْإِطْلَاق فِي الشَّيْء يَقْتَضِي التَّأْبِيد فِيهِ إِذا كَانَ مُحْتملا للتأبيد فالتوقيت يكون زِيَادَة فِيهِ لَا يجوز إثْبَاته إِلَّا بِالدَّلِيلِ ثمَّ الرَّسُول الَّذِي كَانَ الحكم شَرِيعَة لَهُ لم يخرج من أَن يكون رَسُولا برَسُول آخر بعث بعده فَكَذَلِك شَرِيعَته لَا تخرج من أَن تكون مَعْمُولا بهَا وَإِن بعث بعده رَسُول آخر مَا لم يقم دَلِيل النّسخ فِيهِ أَلا ترى أَن علينا الْإِقْرَار بالرسل كلهم وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى {والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا نفرق بَين أحد من رسله}
(2/100)

فَكَذَلِك مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فَمَا لم يظْهر ناسخه فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال النّسخ فِي كَونه بَاقِيا مَعْمُولا بِهِ يُوضحهُ أَن مَا ثَبت شَرِيعَة لرَسُول فقد ثبتَتْ الحقية فِيهِ وَكَونه مرضيا عِنْد الله وَبعث الرُّسُل لبَيَان مَا هُوَ مرضِي عِنْد الله فَمَا علم كَونه مرضيا قبل بعث رَسُول آخر لَا يخرج من أَن يكون مرضيا ببعث رَسُول آخر وَإِذا بَقِي مرضيا كَانَ مَعْمُولا بِهِ كَمَا كَانَ قبل بعث الرَّسُول الثَّانِي وَبِهَذَا تبين الْفرق أَن الأَصْل هُوَ الْمُوَافقَة فِي شرائع الرُّسُل إِلَّا أذا تبين تَغْيِير حكم بِدَلِيل النّسخ
فَأَما الْفَرِيق الثَّانِي فقد استدلوا بقوله تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا} وَبِقَوْلِهِ {وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل} فتخصيص بني إِسْرَائِيل يكون التَّوْرَاة هدى لَهُم يكون دَلِيلا على أَنه لَا يلْزمنَا الْعَمَل بِمَا فِيهِ إِلَّا أَن يقوم دَلِيل يُوجب الْعَمَل بِهِ فِي شريعتنا وَلِأَن بعث الرُّسُل لبَيَان مَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى بَيَانه وَإِذا لم تجْعَل شَرِيعَة رَسُول منتهية ببعث رَسُول آخر لم يكن بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَى الْبَيَان عِنْد بعث الثَّانِي لِأَن ذَلِك مُبين عِنْدهم بِالطَّرِيقِ الْمُوجب للْعلم فَمن هَذَا الْوَجْه يتَبَيَّن أَن بعث رَسُول آخر دَلِيل النّسخ لشريعة كَانَت قبله وَلِهَذَا جعلنَا هَذَا كالنسخ فِيمَا يحْتَمل النّسخ دون مَا لَا يحْتَمل النّسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدّين أَلا ترى أَن الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام مَا اخْتلفُوا فِي شَيْء من ذَلِك أصلا وَلَا وَصفا وَلَا يجوز أَن يكون بَينهم فِيهِ خلاف وَلِهَذَا انْقَطع القَوْل بِبَقَاء شَرِيعَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قيام السَّاعَة لعلمنا بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ أَنه لَا نَبِي بعده حَتَّى يكون نَاسِخا لشريعته يُوضحهُ أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام قبل نَبينَا أَكْثَرهم إِنَّمَا بعثوا إِلَى قوم مخصوصين ورسولنا هُوَ الْمَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة على مَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَقد كَانَ النَّبِي قبلي يبْعَث إِلَى قومه الحَدِيث فَإِذا ثَبت أَنه قد كَانَ فِي الْمُرْسلين من يكون وجوب الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ على أهل مَكَان دون أهل مَكَان آخر وَإِن كَانَ ذَلِك مرضيا عِنْد الله تَعَالَى علمنَا أَنه يجوز أَن يكون وجوب الْعَمَل بِهِ على أهل زمَان دون أهل نبيين فِي ذَلِك الْوَقْت فِي مكانين على أَن يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا أَنه يجوز مثل ذَلِك فِي زمانين وَأَن الْمَبْعُوث آخرا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَيَأْمُر النَّاس باتباعه وَلَا يَدْعُو إِلَى الْعَمَل بشريعة من قبله فَتعين الْكَلَام فِي نَبينَا فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى اتِّبَاعه كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَاتبعُوني يحببكم الله} وَإِنَّمَا يَأْمر بِالْعَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ فَلَو بقيت زمَان آخر
(2/101)

وَإِن كَانَ (ذَلِك) منتهيا ببعث نَبِي آخر وَقد كَانَ يجوز اجْتِمَاع شرائع من قبلنَا مَعْمُولا بهَا بعد مبعثه لدعا النَّاس إِلَى الْعَمَل بذلك ولكان يجب عَلَيْهِ أَن يعلم ذَلِك أَصْحَابه ليتمكنوا من الْعَمَل بِهِ وَلَو فعل ذَلِك لنقل إِلَيْنَا نقلا مستفيضا وَالْمَنْقُول إِلَيْنَا مَنعه إيَّاهُم عَن ذَلِك فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (لما رأى صحيفَة فِي يَد عمر سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ التَّوْرَاة
فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه وَقَالَ أمتهوكون كَمَا تهوكت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالله لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتباعي وَبِهَذَا اللَّفْظ يتَبَيَّن أَن الرَّسُول الْمُتَقَدّم ببعث رَسُول آخر يكون كالواحد من أمته فِي لُزُوم اتِّبَاع شَرِيعَته لَو كَانَ حَيا وَعَلِيهِ دلّ كتاب الله كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ} فَأخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم بذلك من أبين الدَّلَائِل على أَنهم بِمَنْزِلَة أمة من بعث آخرا فِي وجوب اتِّبَاعه وَبِهَذَا ظهر شرف نَبينَا عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ لَا نَبِي بعده فَكَانَ الْكل مِمَّن تقدم وَمِمَّنْ تَأَخّر فِي حكم المتبع لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقلب يطيعه الرَّأْس ويتبعه الرجل
والفريق الثَّالِث استدلوا بِهَذَا الْكَلَام أَيْضا وَلَكِن بطرِيق أَن مَا كَانَ شَرِيعَة لمن قبلنَا يصير شَرِيعَة لنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن تقدم فِي الْعَمَل بِهِ يكون مُتبعا لَهُ وَفِي حكم الْعَامِل بِشَرِيعَتِهِ من هَذَا الْوَجْه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم} وَقَالَ تَعَالَى {قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم} وَقَالَ تَعَالَى {وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} وَمَا يكون منتهيا مَنْسُوخا لَا يكون مُتبعا فبهذه النُّصُوص يتَبَيَّن أَنه مُتبع عَلَيْهِ السَّلَام وَيجب على النَّاس الْعَمَل بِهِ بطرِيق أَنه شَرِيعَة لَهُ حَتَّى يقوم دَلِيل نسخه فِي شَرِيعَته أَلا ترى أَنه قد اجْتمع نبيان فِي وَقت وَاحِد وَفِي مَكَان وَاحِد فِيمَن قبلنَا على أَن كَانَ أَحدهمَا تبعا للْآخر نَحْو هَارُون مَعَ مُوسَى وَلُوط مَعَ إِبْرَاهِيم كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَآمن لَهُ لوط} فَكَانَت الشَّرِيعَة وَأَنه مِلَّة إِبْرَاهِيم فَلم يبْق
(2/102)

طَرِيق سوى أَن نقُول قد صَار ذَلِك شَرِيعَة لنبينا لأَحَدهمَا وَالْآخر نَبِي مُرْسل وَهُوَ مَأْمُور باتباعه وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ وَلَا يجوز القَوْل باجتماع نبيين فِي وَقت وَاحِد وَمَكَان وَاحِد على أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا شَرِيعَة تخَالف شَرِيعَة الآخر فِي وَقت من الْأَوْقَات
وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده} وَمَعْلُوم أَن الْهدى فِي أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع جَمِيعًا
فَإِن قيل المُرَاد بِهِ الْأَمر بالاقتداء بهم فِي أصل الدّين فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على مَا تقدم من قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل} إِلَى قَوْله {وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم} إِلَى قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذين هدى الله} وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد كَانَ فِي الْمَذْكُورين من لم يكن نَبيا فَإِنَّهُ قَالَ {وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم} وَمَعْلُوم أَن الْأَمر بالاقتداء فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون فِي غير الْأَنْبِيَاء وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي أصل الدّين وَلِأَنَّهُ قد كَانَ فِي شرائعهم النَّاسِخ والمنسوخ فَالْأَمْر باللاقتداء بهم فِي الْأَحْكَام على الْإِطْلَاق يكون آمرا بِالْعَمَلِ بشيئين مُخْتَلفين متضادين وَذَلِكَ غير جَائِز
قُلْنَا فِي الْآيَة تنصيص على الِاقْتِدَاء بهداهم وَذَلِكَ يعم أصل الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى {الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين} أَنه يدلنا على أَن الْهدى كل مَا يجب الاتقاء فِيهِ وَمَا يكون الْمُهْتَدي فِيهِ متقيا وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ} وَالْحكم إِنَّمَا يكون بالشرائع وَلما سُئِلَ مُجَاهِد عَن سَجْدَة ص قَالَ سجدها دَاوُد وَهُوَ مِمَّن أَمر نَبِيكُم بِأَن يَقْتَدِي بِهِ وتلا قَوْله تَعَالَى {فبهداهم اقتده} فَبِهَذَا تبين أَن هَذَا أَمر مُبْتَدأ غير مَبْنِيّ على مَا سبق فعمومه يتَنَاوَل أصل الدّين والشرائع جَمِيعًا
وَقَوله فِيهَا نَاسخ ومنسوخ قُلْنَا وَفِي شريعتنا أَيْضا نَاسخ ومنسوخ ثمَّ لم يمْنَع ذَلِك إِطْلَاق القَوْل بِوُجُوب الِاقْتِدَاء علينا برَسُول الله صلى الله
وَقَوله قد كَانَ فيهم من لَيْسَ بِنَبِي لَا كَذَلِك فقد ألحق بِهِ من الْبَيَان مَا يعلم بِهِ أَن المُرَاد الْأَنْبِيَاء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {واجتبيناهم وهديناهم}
(2/103)

عَلَيْهِ وَسلم فِي شَرِيعَته {إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} {أُولَئِكَ الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب} مَعَ أَن الْأَمر بالاقتداء يعلم أَنه لَا يتَنَاوَل إِلَّا من يعلم أَنه مرضِي الطَّرِيقَة مقتدي بِهِ من نَبِي أَو ولي والأولياء على طَريقَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي الْعَمَل بشرائعهم فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن المُرَاد هُوَ الْأَمر بالاقتداء بالأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام وَمَعْلُوم أَنه مَا أَمر بالاقتداء بهم فِي دُعَاء النَّاس إِلَى شريعتهم وَإِنَّمَا أَمر بذلك على أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى شَرِيعَته فَعرفنَا بِهَذَا أَن ذَلِك كُله صَار شَرِيعَة لَهُ بِمَنْزِلَة الْملك ينْتَقل من الْمُورث إِلَى الْوَارِث فَيكون ذَلِك الْملك بِعَيْنِه مُضَافا إِلَى الْوَارِث بَعْدَمَا كَانَ مُضَافا إِلَى الْمُورث فِي حَيَاته وَإِلَى ذَلِك وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا} فَأَما قَوْله {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا} قد عرفنَا يَقِينا أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ الْمُخَالفَة فِي الْمِنْهَاج فِي الْكل بل ذَلِك مُرَاد فِي الْبَعْض وَهُوَ مَا قَامَ الدَّلِيل فِيهِ على انتساخه
وَقَوله {هدى لبني إِسْرَائِيل} لَا يدل على أَنه لَيْسَ بهدى لغَيرهم كَقَوْلِه تَعَالَى {هدى لِلْمُتقين} وَالْقُرْآن هدى للنَّاس أجمع وأيد هَذَا دُعَاء رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالتَّوْرَاةِ وَطلب حكم الرَّجْم مِنْهُ للْعَمَل بِهِ وَقَوله أَنا أَحَق من أَحْيَا سنة أماتوها فَإِن إحْيَاء سنة أميتت إِنَّمَا يكون بِالْعَمَلِ بهَا فَعرفنَا أَن التَّوْرَاة هدى لبني إِسْرَائِيل ولغيرهم وأيد جَمِيع مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى {مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ} وَلَا معنى لذَلِك سوى أَن مَا فِيهِ يصير شَرِيعَة لنبينا بِمَا أنزل عَلَيْهِ من الْكتاب إِلَّا مَا ثَبت نسخه وَهَذَا هُوَ القَوْل الصَّحِيح عندنَا إِلَّا أَنه قد ظهر من أهل الْكتاب الْحَسَد وَإِظْهَار الْعَدَاوَة مَعَ الْمُسلمين فَلَا يعْتَمد قَوْلهم فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه من شريعتهم وَأَن ذَلِك قد انْتقل إِلَيْهِم بالتواتر وَلَا تقبل شَهَادَتهم فِي ذَلِك لثُبُوت كفرهم وضلالهم فَلم يبْق لثُبُوت ذَلِك طَرِيق سوى نزُول الْقُرْآن بِهِ أَو بَيَان الرَّسُول لَهُ فَمَا وجد فِيهِ هَذَا الطَّرِيق فعلينا تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ} فِيهِ الِاتِّبَاع وَالْعَمَل بِهِ حَتَّى يقوم دَلِيل
(2/104)

النّسخ وأيد مَا ذكرنَا قَوْله
{فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ} وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِأَحْكَام التَّوْرَاة وَإِنَّمَا كَانُوا يمتنعون من الْعَمَل بِهِ على طَرِيق أَنه شَرِيعَة رَسُولنَا فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يقرونَ برسالته وَقد سماهم الله كَافِرين ظالمين ممتنعين من الحكم بِمَا أنزل الله
وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ} وَإِنَّمَا سماهم فاسقين لتركهم الْعَمَل بِمَا فِي الْإِنْجِيل على أَنه شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنه يجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ على أَنه شَرِيعَة نَبينَا
وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله} تنصيص على أَنه مَعْمُول بِهِ
وَقَالَ تَعَالَى {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا} إِلَى قَوْله {أَن أقِيمُوا الدّين} وَالدّين اسْم لكل مَا يدان الله بِهِ فَتدخل الْأَحْكَام فِي ذَلِك وَيظْهر أَن ذَلِك كُله قد صَار شَرِيعَة لنبينا فَيجب اتِّبَاعه وَالْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا قَامَ دَلِيل النّسخ فِيهِ

فصل فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قولا وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف
حكى أَبُو عَمْرو بن دانيكا الطَّبَرِيّ عَن أبي سعيد البردعي رَحمَه الله أَنه كَانَ يَقُول قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة مقدم على الْقيَاس يتْرك الْقيَاس بقوله وعَلى هَذَا أدركنا مَشَايِخنَا
وَذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي الْحسن الْكَرْخِي رَحمَه الله أَنه كَانَ يَقُول أرى أَبَا يُوسُف يَقُول فِي بعض مسَائِله الْقيَاس كَذَا إِلَّا أَنِّي تركته للأثر وَذَلِكَ الْأَثر قَول وَاحِد من الصَّحَابَة
فَهَذِهِ دلَالَة بَيِّنَة من مذْهبه على تَقْدِيم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس
قَالَ وَأما أَنا فَلَا يُعجبنِي هَذَا الْمَذْهَب
وَهَذَا الَّذِي ذكره الْكَرْخِي عَن أبي يُوسُف مَوْجُود فِي كثير من الْمسَائِل عَن أَصْحَابنَا فقد قَالُوا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إنَّهُمَا سنتَانِ فِي الْقيَاس فِي الْجَنَابَة وَالْوُضُوء جَمِيعًا تركنَا
(2/105)

الْقيَاس لقَوْل ابْن عَبَّاس وَقَالُوا فِي الدَّم إِذا ظهر على رَأس الْجرْح وَلم يسل فَهُوَ نَاقض للطَّهَارَة فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لقَوْل ابْن عَبَّاس وَقَالُوا فِي الْإِغْمَاء إِذا كَانَ يَوْمًا وَلَيْلَة أَو أقل فَإِنَّهُ يمْنَع قَضَاء الصَّلَوَات فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لفعل عمار بن يَاسر رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالُوا فِي إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه إِنَّه جَائِز فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لقَوْل ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله فِيمَن اشْترى شَيْئا على أَنه (إِن) لم ينْقد الثّمن إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا بيع بَينهمَا فَالْعقد فَاسد فِي الْقيَاس تَرَكْنَاهُ لأثر يرْوى عَن ابْن عمر
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِعْلَام قدر رَأس المَال فِيمَا يتَعَلَّق العقد على قدره شَرط لجَوَاز السّلم بلغنَا نَحْو ذَلِك عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَخَالفهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِالرَّأْيِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِذا ضَاعَ الْعين فِي يَد الْأَجِير الْمُشْتَرك بِمَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ فَهُوَ ضَامِن لأثر رُوِيَ فِيهِ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا ضَمَان عَلَيْهِ فَأخذ بِالرَّأْيِ مَعَ الرِّوَايَة بِخِلَافِهِ عَن عَليّ
وَقَالَ مُحَمَّد لَا تطلق الْحَامِل أَكثر من وَاحِدَة للسّنة بلغنَا ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر رَضِي الله عَنْهُمَا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف بِالرَّأْيِ إِنَّهَا تطلق ثَلَاثًا للسّنة
فَعرفنَا أَن عمل عُلَمَائِنَا بِهَذَا فِي مسائلهم مُخْتَلف
ول لشافعي فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ كَانَ يَقُول فِي الْقَدِيم يقدم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس وَهُوَ قَول مَالك وَفِي الْجَدِيد كَانَ يَقُول يقدم الْقيَاس فِي الْعَمَل بِهِ على قَول الْوَاحِد والاثنين من الصَّحَابَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْكَرْخِي
وَبَعض أهل الحَدِيث يخصون بترك الْقيَاس فِي مُقَابلَة قَوْلهم الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ويستدلون بقوله عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَظَاهر الْحَدِيثين يَقْتَضِي وجوب اتباعهما وَإِن خالفهما غَيرهمَا من الصَّحَابَة وَلَكِن يتْرك هَذَا الظَّاهِر عِنْد ظُهُور الْخلاف بِقِيَام الدَّلِيل فَبَقيَ حَال ظُهُور قَوْلهمَا من غير مُخَالف لَهَا على مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر
وَأما الْكَرْخِي فقد احْتج بقوله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَالِاعْتِبَار هُوَ الْعَمَل بِالْقِيَاسِ والرأي فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} يَعْنِي إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَقد دلّ عَلَيْهِ
(2/106)

حَدِيث معَاذ حِين قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَ تقضي قَالَ بِكِتَاب الله
قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله قَالَ بِسنة رَسُول الله
قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله قَالَ اجْتهد رَأْيِي
فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضى بِهِ رَسُوله فَهَذَا دَلِيل على أَنه لَيْسَ بعد الْكتاب وَالسّنة شَيْء يعْمل بِهِ سوى الرَّأْي
قَالَ وَلَا حجَّة لكم فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ لِأَن المُرَاد الِاقْتِدَاء بهم فِي الجري على طريقهم فِي طلب الصَّوَاب فِي الْأَحْكَام لَا فِي تقليدهم وَقد كَانَت طريقتهم الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد أَلا ترى أَنه شبههم بالنجوم وَإِنَّمَا يَهْتَدِي بِالنَّجْمِ من حَيْثُ الِاسْتِدْلَال بِهِ على الطَّرِيق بِمَا يدل عَلَيْهِ لَا أَن نفس النَّجْم يُوجب ذَلِك وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله اقتدوا بالذين من بعدِي وَعَلَيْكُم بِسنة الْخُلَفَاء من بعدِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي سلوك طريقهم فِي اعْتِبَار الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى فقد ظهر من الصَّحَابَة الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ ظهورا لَا يُمكن إِنْكَاره والرأي قد يخطىء فَكَانَ فَتْوَى الْوَاحِد مِنْهُم مُحْتملا مترددا بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ وَلَا يجوز ترك الرَّأْي بِمثلِهِ كَمَا لَا يتْرك بقول التَّابِعِيّ وكما لَا يتْرك أحد الْمُجْتَهدين فِي عصر رَأْيه بقول مُجْتَهد آخر
وَالدَّلِيل على أَن الْخَطَأ مُحْتَمل فِي فتواهم مَا رُوِيَ أَن عمر سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فَقَالَ رجل هَذَا هُوَ الصَّوَاب
فَقَالَ وَالله مَا يدْرِي عمر أَن هَذَا هُوَ الصَّوَاب أَو الْخَطَأ وَلَكِنِّي لم آل عَن الْحق
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِيمَا أجَاب بِهِ فِي المفوضة وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان
فَعرفنَا أَنه قد كَانَ جِهَة الْخَطَأ مُحْتملا فِي فتواهم وَلَا يُقَال هَذَا فِي إِجْمَاعهم مَوْجُود إِذا صدر عَن رَأْي ثمَّ كَانَ حجَّة لِأَن الرَّأْي إِذا تأيد بِالْإِجْمَاع تتَعَيَّن جِهَة الصَّوَاب فِيهِ بِالنَّصِّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِن الله لَا يجمع أمتِي على الضَّلَالَة أَلا ترى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر يَجْعَل حجَّة بِهَذَا الطَّرِيق وَإِن لم يكن قَول الْوَاحِد مِنْهُم مقدما على الرَّأْي فِي الْعَمَل بِهِ وَلِأَنَّهُ لم يظْهر مِنْهُم دُعَاء النَّاس إِلَى أقاويلهم وَلَو كَانَ قَول الْوَاحِد مِنْهُم مقدما على الرَّأْي لدعا النَّاس إِلَى قَوْله كَمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْعُو النَّاس إِلَى الْعَمَل بقوله وكما كَانَت الصَّحَابَة تَدْعُو النَّاس إِلَى الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وَإِلَى الْعَمَل
(2/107)

بإجماعهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذْ الدُّعَاء إِلَى الْحجَّة وَاجِب وَلِأَن قَول الْوَاحِد مِنْهُم لَو كَانَ حجَّة لم يجز لغيره مُخَالفَته بِالرَّأْيِ كالكتاب وَالسّنة وَقد رَأينَا أَن بَعضهم يُخَالف بَعْضًا بِرَأْيهِ فَكَانَ ذَلِك شبه الِاتِّفَاق مِنْهُم على أَن قَول الْوَاحِد مِنْهُم لَا يكون مقدما على الرَّأْي
وَلَا يدْخل على هَذَا إِجْمَاعهم فَإِن مَعَ بَقَاء الْوَاحِد مِنْهُم مُخَالفا لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع وَبعد مَا ثَبت الْإِجْمَاع باتفاقهم لَو بدا لأَحَدهم فَخَالف لم يعْتد بِخِلَافِهِ أَيْضا على مَا بَينا أَن انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط لثُبُوت حكم الْإِجْمَاع وَأَن مُخَالفَة الْإِجْمَاع بعد انْعِقَاده كمخالفة النَّص
وَجه مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو سعيد البردعي وَهُوَ الْأَصَح أَن فَتْوَى الصَّحَابِيّ فِيهِ احْتِمَال الرِّوَايَة عَمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فقد ظهر من عَادَتهم أَن من كَانَ عِنْده نَص فَرُبمَا روى وَرُبمَا أفتى على مُوَافقَة النَّص مُطلقًا من غير الرِّوَايَة وَلَا شكّ أَن مَا فِيهِ احْتِمَال السماع من صَاحب الْوَحْي فَهُوَ مقدم على مَحْض الرَّأْي فَمن هَذَا الْوَجْه تَقْدِيم قَول الصَّحَابِيّ على الرَّأْي بِمَنْزِلَة تَقْدِيم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس وَلَئِن كَانَ قَوْله صادرا عَن الرَّأْي فرأيهم أقوى من رَأْي غَيرهم لأَنهم شاهدوا طَرِيق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَيَان أَحْكَام الْحَوَادِث وشاهدوا الْأَحْوَال الَّتِي نزلت فِيهَا النُّصُوص والمحال الَّتِي تَتَغَيَّر باعتبارها الْأَحْكَام فبهذه الْمعَانِي يتَرَجَّح رَأْيهمْ على رَأْي من لم يُشَاهد شَيْئا من ذَلِك وَعند تعَارض الرأيين إِذا ظهر لأَحَدهمَا نوع تَرْجِيح وَجب الْأَخْذ بذلك فَكَذَلِك إِذا وَقع التَّعَارُض بَين رَأْي الْوَاحِد منا ورأي الْوَاحِد مِنْهُم يجب تَقْدِيم رَأْيه على رَأينَا لزِيَادَة قُوَّة فِي رَأْيه وَهَكَذَا نقُول فِي الْمُجْتَهدين فِي زَمَاننَا فَإِن على أصل أبي حنيفَة إِذا كَانَ عِنْد مُجْتَهد أَن من يُخَالِفهُ فِي الرَّأْي أعلم بطرِيق الِاجْتِهَاد وَأَنه مقدم عَلَيْهِ فِي الْعلم فَإِنَّهُ يدع رَأْيه لرأي من عرف زِيَادَة قُوَّة فِي اجْتِهَاده كَمَا أَن الْعَاميّ يدع رَأْيه لرأي الْمُفْتِي الْمُجْتَهد لعلمه بِأَنَّهُ مُتَقَدم عَلَيْهِ فِيمَا يفصل بِهِ بَين النَّاسِخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا يدع الْمُجْتَهد فِي زَمَاننَا رَأْيه لرأي من هُوَ مقدم عَلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد من أهل عصره لوُجُود الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي الْحَال وَفِي معرفَة طَرِيق الِاجْتِهَاد وَلَكِن هَذَا لَا يُوجد فِيمَا بَين الْمُجْتَهد منا والمجتهد من الصَّحَابَة فالتفاوت بَينهمَا فِي الْحَال لَا يخفى
(2/108)

وَفِي طَرِيق الْعلم كَذَلِك فهم قد شاهدوا أَحْوَال من ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وسمعوا مِنْهُ وَإِنَّمَا انْتقل إِلَيْنَا ذَلِك بخبرهم وَلَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن تَأْوِيل الصَّحَابِيّ للنَّص لَا يكون مقدما على تَأْوِيل غَيره وَلم يعْتَبر فِيهِ هَذِه الْأَحْوَال فَكَذَلِك فِي الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ قُلْنَا لِأَن التَّأْوِيل يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي وُجُوه اللُّغَة ومعاني الْكَلَام وَلَا مزية لَهُم فِي ذَلِك الْبَاب على غَيرهم مِمَّن يعرف من مَعَاني اللِّسَان مثل ذَلِك
فَأَما الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام إِنَّمَا يكون بِالتَّأَمُّلِ فِي النُّصُوص الَّتِي هِيَ أصل فِي أَحْكَام الشَّرْع وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال ولأجله تظهر لَهُم المزية بمشاهدة أَحْوَال الْخطاب على غَيرهم مِمَّن لم يُشَاهد وَلَا يُقَال هَذِه أُمُور باطنة وَإِنَّمَا أمرنَا بِبِنَاء الحكم على مَا هُوَ الظَّاهِر لِأَن بِنَاء الحكم على الظَّاهِر مُسْتَقِيم عندنَا وَلَكِن فِي مَوضِع يتَعَذَّر اعتبارهما جَمِيعًا فَأَما عِنْد الْمُقَابلَة لَا إِشْكَال أَن اعْتِبَار الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا يتَقَدَّم على مُجَرّد اعْتِبَار الظَّاهِر (وَفِي الْأَخْذ بقول الصَّحَابِيّ اعتبارهما وَفِي الْعَمَل بِالرَّأْيِ اعْتِبَار الظَّاهِر) فَقَط هَذَا مَعَ مَا لَهُم من الْفَضِيلَة بِصُحْبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتفقه فِي الدّين سَمَاعا مِنْهُ وَشَهَادَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُم بالخيرية بعده وتقديمهم فِي ذَلِك على من بعدهمْ بقوله خير النَّاس قَرْني الحَدِيث وَقَالَ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه فَعرفنَا أَنهم يوفقون لإصابة الرَّأْي مَا لَا يوفق غَيرهم لمثله فَيكون رَأْيهمْ أبعد عَن احْتِمَال الْخَطَأ من رَأْي من بعدهمْ وَلَا حجَّة فِي قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا} لِأَن تَقْدِيم قَوْلهم بِهَذَا الطَّرِيق نوع من الِاعْتِبَار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدَّلِيلَيْنِ بِزِيَادَة قُوَّة فِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} لِأَن فِي تَقْدِيم فَتْوَى الصَّحَابِيّ رد الحكم إِلَى أَمر الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام لِأَن الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام قد دَعَا النَّاس إِلَى الِاقْتِدَاء بِأَصْحَابِهِ بقوله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَدْعُو الْوَاحِد مِنْهُم غَيره إِلَى قَوْله لِأَن ذَلِك الْغَيْر إِن أظهر قولا بِخِلَاف قَوْله فَعِنْدَ تعَارض الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمَا تتَحَقَّق الْمُسَاوَاة بَينهمَا وَلَيْسَ أَحدهمَا بِأَن يَدْعُو صَاحبه إِلَى قَوْله بِأولى من الآخر وَإِن لم يظْهر مِنْهُ قَول بِخِلَاف ذَلِك فَهُوَ لَا يدْرِي
(2/109)

لَعَلَّه إِذا دَعَاهُ إِلَى قَوْله أظهر خِلَافه فَلَا يكون قَوْله حجَّة عَلَيْهِ فَأَما بَعْدَمَا ظهر القَوْل عَن وَاحِد مِنْهُم وانقرض عصرهم قبل أَن يظْهر قَول بِخِلَافِهِ من غَيره فقد انْقَطع احْتِمَال مَا ثَبت بِهِ الْمُسَاوَاة من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا فَيكون قَوْله حجَّة وَإِنَّمَا سَاغَ لبَعْضهِم مُخَالفَة الْبَعْض لوُجُود الْمُسَاوَاة بَينهم فِيمَا يتقوى بِهِ الرَّأْي وَهُوَ مُشَاهدَة أَحْوَال التَّنْزِيل وَمَعْرِفَة أَسبَابه
وَلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين أَن قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة حجَّة فِيمَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِي معرفَة الحكم فِيهِ وَذَلِكَ نَحْو الْمَقَادِير الَّتِي لَا تعرف بِالرَّأْيِ فَإنَّا أَخذنَا بقول عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي تَقْدِير الْمهْر بِعشْرَة دَرَاهِم وأخذنا بقول أنس فِي تَقْدِير أقل الْحيض بِثَلَاثَة أَيَّام وَأَكْثَره بِعشْرَة أَيَّام وَبقول عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فِي تَقْدِير أَكثر النّفاس بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَبقول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فِي أَن الْوَلَد لَا يبْقى فِي الْبَطن أَكثر من سنتَيْن وَهَذَا لِأَن أحدا لَا يظنّ بهم المجازفة فِي القَوْل وَلَا يجوز أَن يحمل قَوْلهم فِي حكم الشَّرْع على الْكَذِب فَإِن طَرِيق الدّين من النُّصُوص إِنَّمَا انْتقل إِلَيْنَا بروايتهم وَفِي حمل قَوْلهم على الْكَذِب وَالْبَاطِل قَول بفسقهم وَذَلِكَ يبطل روايتهم فَلم يبْق إِلَّا الرَّأْي أَو السماع مِمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَلَا مدْخل للرأي فِي هَذَا الْبَاب فَتعين السماع وَصَارَ فتواه مُطلقًا كروايته عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا شكّ أَنه لَو ذكر سَمَاعه من رَسُول الله لَكَانَ ذَلِك حجَّة لإِثْبَات الحكم بِهِ فَكَذَلِك إِذا أفتى بِهِ وَلَا طَرِيق لفتواه إِلَّا السماع وَلِهَذَا قُلْنَا إِن قَول الْوَاحِد مِنْهُم فِيمَا لَا يُوَافقهُ الْقيَاس يكون حجَّة فِي الْعَمَل بِهِ كالنص يتْرك الْقيَاس بِهِ حَتَّى إِن فِي شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن أَخذنَا بقول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فِي قصَّة زيد بن أَرقم رَضِي الله عَنهُ وَتَركنَا الْقيَاس لِأَن الْقيَاس لما كَانَ مُخَالفا لقولها تعين جِهَة السماع فِي فتواها وَكَذَلِكَ أَخذنَا بقول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي النّذر بِذبح الْوَلَد إِنَّه يُوجب ذبح شَاة لِأَنَّهُ قَول يُخَالف الْقيَاس فتتعين فِيهِ جِهَة السماع وأخذنا بقول ابْن
(2/110)

مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِي تَقْدِير الْجعل لراد الْآبِق من مسيرَة سفر بِأَرْبَعِينَ درهما لِأَنَّهُ قَول بِخِلَاف الْقيَاس وَهُوَ إِطْلَاق الْفَتْوَى مِنْهُ فِيمَا لَا يعرف بِالْقِيَاسِ فتتعين جِهَة السماع
فَإِن قيل هَذَا الْمَعْنى يُوجد فِي قَول التَّابِعِيّ فَإِنَّهُ لَا يظنّ المجازفة فِي القَوْل بالمجتهد فِي كل عصر وَلَا يجوز حمل كَلَامه على الْكَذِب قصدا وَمَعَ ذَلِك لَا تتَعَيَّن جِهَة السماع لفتواه عِنْد الْإِطْلَاق حَتَّى لَا يكون حجَّة فِيمَا لَا يسْتَدرك بِالْقِيَاسِ كَمَا لَا يكون حجَّة فِيمَا يعرف بِالْقِيَاسِ
قُلْنَا قد بَينا أَن قَول الصَّحَابِيّ يكون أبعد عَن احْتِمَال الْغَلَط وَقلة التَّأَمُّل فِيهِ من قَول غَيره ثمَّ احْتِمَال اتِّصَال قَوْلهم بِالسَّمَاعِ يكون بِغَيْر وَاسِطَة فقد صحبوا من كَانَ ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وسمعوا مِنْهُ وَاحْتِمَال اتِّصَال قَول من بعدهمْ بِالسَّمَاعِ يكون بِوَاسِطَة النَّقْل وَتلك الْوَاسِطَة لَا يُمكن إِثْبَاتهَا بِغَيْر دَلِيل وبدونها لَا يثبت اتِّصَال قَوْله بِالسَّمَاعِ بِوَجْه من الْوُجُوه فَمن هَذَا الْوَجْه يَقع الْفرق بَين قَول الصَّحَابِيّ وَبَين قَول من هُوَ دونه فِيمَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ
فَإِن قيل قد قُلْتُمْ فِي الْمَقَادِير بِالرَّأْيِ من غير أثر فِيهِ فَإِن أَبَا حنيفَة قدر مُدَّة الْبلُوغ بِالسِّنِّ بثماني عشرَة سنة أَو سبع عشرَة سنة بِالرَّأْيِ وَقدر مُدَّة وجوب دفع المَال إِلَى السَّفِيه الَّذِي لم يؤنس مِنْهُ الرشد بِخمْس وَعشْرين سنة بِالرَّأْيِ وَقدر أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد مُدَّة تمكن الرجل من نفي الْوَلَد بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا بِالرَّأْيِ وَقدر أَصْحَابنَا جَمِيعًا مَا يطهر بِهِ الْبِئْر من النزح عِنْد وُقُوع الْفَأْرَة فِيهِ بِعشْرين دلوا فَهَذَا يتَبَيَّن فَسَاد قَول من يَقُول إِنَّه لَا مدْخل للرأي فِي معرفَة الْمَقَادِير وَأَنه تتَعَيَّن جِهَة السماع فِي ذَلِك إِذا قَالَه صَحَابِيّ
قُلْنَا إِنَّمَا أردنَا بِمَا قُلْنَا الْمَقَادِير الَّتِي تثبت لحق الله ابْتِدَاء دون مِقْدَار يكون فِيمَا يتَرَدَّد بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَالصَّغِير وَالْكَبِير فَإِن الْمَقَادِير فِي الْحُدُود والعبادات نَحْو أعداد الرَّكْعَات فِي الصَّلَوَات مِمَّا لَا يشكل على أحد أَنه لَا مدْخل
(2/111)

للرأي فِي معرفَة ذَلِك فَكَذَلِك مَا يكون بِتِلْكَ الصّفة مِمَّا أَشَرنَا إِلَيْهِ فَأَما مَا استدللتم بِهِ فَهُوَ من بَاب الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإنَّا نعلم أَن ابْن عشر سِنِين لَا يكون بَالغا وَأَن ابْن عشْرين سنة يكون بَالغا ثمَّ التَّرَدُّد فِيمَا بَين ذَلِك فَيكون هَذَا اسْتِعْمَال الرَّأْي فِي إِزَالَة التَّرَدُّد وَهُوَ نَظِير معرفَة الْقيمَة فِي الْمَغْصُوب والمستهلك وَمَعْرِفَة مهر الْمثل وَالتَّقْدِير فِي النَّفَقَة فَإِن للرأي مدخلًا فِي معرفَة ذَلِك من الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا وَكَذَلِكَ حكم دفع المَال إِلَى السَّفِيه فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم} وَقَالَ {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا}
فَوَقَعت الْحَاجة إِلَى معرفَة الْكَبِير على وَجه يتَيَقَّن مَعَه بِنَوْع من الرشد وَذَلِكَ مِمَّا يعرف بِالرَّأْيِ فَقدر أَبُو حنيفَة ذَلِك بِخمْس وَعشْرين سنة لِأَنَّهُ يتَوَهَّم أَن يصير جدا فِي هَذِه الْمدَّة وَمن صَار فَرعه أصلا فقد تناهى فِي الْأَصْلِيَّة فيتيقن لَهُ بِصفة الْكبر وَيعلم إيناس الرشد مِنْهُ بِاعْتِبَار أَنه بلغ أشده فَإِنَّهُ قيل فِي تَفْسِير الأشد الْمَذْكُور فِي سُورَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّه هَذِه الْمدَّة وَكَذَلِكَ مَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من النَّفْي بعد الْولادَة بساعة أَو ساعتين لَا محَالة وَلَا يتَمَكَّن من النَّفْي بعد سنة أَو أَكثر فَإِنَّمَا وَقع التَّرَدُّد فِيمَا بَين الْقَلِيل وَالْكثير من الْمدَّة فَاعْتبر الرَّأْي فِيهِ بِالْبِنَاءِ على أَكثر مُدَّة النّفاس
فَأَما حكم طَهَارَة الْبِئْر بالنزح فَإِنَّمَا عَرفْنَاهُ بآثار الصَّحَابَة فَإِن فَتْوَى عَليّ وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنْهُمَا فِي ذَلِك مَعْرُوفَة مَعَ أَن ذَلِك من بَاب الْفرق بَين الْقَلِيل من النزح وَالْكثير وَقد بَينا أَن للرأي مدخلًا فِي معرفَة هَذَا كُله فِي قَول ظهر عَن صَحَابِيّ وَلم يشْتَهر ذَلِك فِي أقرانه فَإِنَّهُ بَعْدَمَا اشْتهر إِذا لم يظْهر النكير عَن أحد مِنْهُم كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الْإِجْمَاع وَقد بَينا الْكَلَام فِيهِ وَمَا اخْتلف فِيهِ الصَّحَابَة فقد بَينا أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم حَتَّى لَا يتَمَكَّن أحد من أَن يَقُول بِالرَّأْيِ قولا خَارِجا عَن أقاويلهم وَكَذَلِكَ لَا يشْتَغل بِطَلَب التَّارِيخ بَين أقاويلهم ليجعل الْمُتَأَخر نَاسِخا للمتقدم كَمَا يفعل فِي الْآيَتَيْنِ والخبرين لِأَنَّهُ لما ظهر الْخلاف بَينهم وَلم نجز المحاجة بِسَمَاع من صَاحب الْوَحْي فقد انْقَطع احْتِمَال التَّوْقِيف فِيهِ وَبَقِي مُجَرّد القَوْل بِالرَّأْيِ والرأي
(2/112)

لَا يكون نَاسِخا للرأي وَلِهَذَا لم يجز نسخ أحد القياسين بِالْآخرِ وَلَكِن طَرِيق الْعَمَل طلب التَّرْجِيح بِزِيَادَة قُوَّة لأحد الْأَقَاوِيل فَإِن ظهر ذَلِك وَجب الْعَمَل بالراجح وَإِن لم يظْهر يتَخَيَّر المبتلي بالحادثة فِي الْأَخْذ بقول أَيهمَا شَاءَ بعد أَن يَقع فِي أَكثر رَأْيه أَنه هُوَ الصَّوَاب وَبعد مَا عمل بِأحد الْقَوْلَيْنِ لَا يكون لَهُ أَن يعْمل بالْقَوْل الآخر إِلَّا بِدَلِيل وَقد بَينا (لَك) هَذَا فِي بَاب الْمُعَارضَة
هَذَا الَّذِي بَينا هُوَ النِّهَايَة فِي الْأَخْذ بِالسنةِ حَقِيقَتهَا وشبهتها ثمَّ الْعَمَل بِالرَّأْيِ بعده وَبِذَلِك يتم الْفِقْه على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحسن فِي أدب القَاضِي فَقَالَ لَا يَسْتَقِيم الْعَمَل بِالْحَدِيثِ إِلَّا بِالرَّأْيِ وَلَا يَسْتَقِيم الْعَمَل بِالرَّأْيِ إِلَّا بِالْحَدِيثِ
وأصحابنا هم المتمسكون بِالسنةِ والرأي فِي الْحَقِيقَة فقد ظهر مِنْهُم من تَعْظِيم السّنة مَا لم يظْهر من غَيرهم مِمَّن يَدعِي أَنه صَاحب الحَدِيث لأَنهم جوزوا نسخ الْكتاب بِالسنةِ لقُوَّة درجتها وجوزوا الْعَمَل بالمراسيل وَقدمُوا خبر الْمَجْهُول على الْقيَاس وَقدمُوا قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس لِأَن فِيهِ شُبْهَة السماع من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا ثمَّ بعد ذَلِك كُله عمِلُوا بِالْقِيَاسِ الصَّحِيح وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي ظهر أَثَره بقوته
فَأَما الشَّافِعِي رَحمَه الله حِين لم يجوز الْعَمَل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السّنَن وَحين لم يقبل رِوَايَة الْمَجْهُول فقد عطل بعض السّنة أَيْضا وَحين لم ير تَقْلِيد الْوَاحِد من الصَّحَابَة فقد جوز الْإِعْرَاض عَمَّا فِيهِ شُبْهَة السماع ثمَّ جوز الْعَمَل بِقِيَاس الشّبَه وَهُوَ مِمَّا لَا يجوز أَن يُضَاف إِلَيْهِ الْوُجُوب بِحَال فَمَا حَاله إِلَّا كَحال من لم يجوز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ أصلا ثمَّ يعْمل باستصحاب الْحَال فَحَمله مَا صَار إِلَيْهِ من الِاحْتِيَاط على الْعَمَل بِلَا دَلِيل وَترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ
وَتبين أَن أَصْحَابنَا هم الْقدْوَة فِي أَحْكَام الشَّرْع أُصُولهَا وفروعها وَأَن بفتواهم اتَّضَح الطَّرِيق للنَّاس إِلَّا أَنه بَحر عميق لَا يسلكه كل سابح وَلَا يستجمع شَرَائِطه كل طَالب وَالله الْمُوفق
(2/113)

فصل فِي خلاف التَّابِعِيّ هَل يعْتد بِهِ مَعَ إِجْمَاع الصَّحَابَة
لَا خلاف أَن قَول التَّابِعِيّ لَا يكون حجَّة على وَجه يتْرك الْقيَاس بقوله فقد روينَا عَن أبي حنيفَة أَنه كَانَ يَقُول مَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين زاحمناهم
وَلَا خلاف أَن من لم يدْرك عصر الصَّحَابَة من التَّابِعين أَنه لَا يعْتد بِخِلَافِهِ فِي إِجْمَاعهم فَأَما من أدْرك عصر الصَّحَابَة من التَّابِعين كالحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ رَضِي الله عَنْهُم فَإِنَّهُ يعْتد بقوله فِي إِجْمَاعهم عندنَا حَتَّى لَا يتم إِجْمَاعهم مَعَ خِلَافه وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يعْتد بقوله مَعَ إِجْمَاعهم
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يثبت إِجْمَاع الصَّحَابَة فِي الْإِشْعَار لِأَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ كَانَ يكرههُ وَهُوَ مِمَّن أدْرك عصر الصَّحَابَة فَلَا يثبت إِجْمَاعهم دون قَوْله
وَجه قَول الشَّافِعِي أَن إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة بطرِيق الْكَرَامَة لَهُم وَلَا مُشَاركَة للتابعي مَعَهم فِي السَّبَب الَّذِي استحقوا بِهِ زِيَادَة الْكَرَامَة وَذَلِكَ صُحْبَة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام ومشاهدة أَحْوَال الْوَحْي وَلِهَذَا لم نجْعَل التَّابِعِيّ الَّذِي أدْرك عصرهم بمنزلتهم فِي الِاحْتِجَاج بقوله فَكَذَلِك لَا يقْدَح قَوْله فِي إِجْمَاعهم كَمَا لَا يقْدَح قَول من لم يدْرك عصر الصَّحَابَة فِي إِجْمَاعهم وَلِأَن صَاحب الشَّرْع أمرنَا بالاقتداء بهم وَندب إِلَى ذَلِك بقوله عَلَيْهِ السَّلَام بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَهَذَا لَا يُوجد فِي حق التَّابِعِيّ وَإِن أدْرك عصرهم فَلَا يكون مزاحما لَهُم وَإِنَّمَا يَنْعَدِم انْعِقَاد الْإِجْمَاع بالمزاحم
وَحجَّتنَا فِي ذَلِك أَنه لما أدْرك عصرهم وسوغوا لَهُ اجْتِهَاد الرَّأْي والمزاحمة مَعَهم فِي الْفَتْوَى وَالْحكم بِخِلَاف رَأْيهمْ قد صَار هُوَ كواحد مِنْهُم فِيمَا يبتني على اجْتِهَاد الرَّأْي ثمَّ الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد مَعَ خلاف وَاحِد مِنْهُم فَكَذَلِك لَا ينْعَقد مَعَ خلاف التَّابِعِيّ الَّذِي أدْرك عصرهم لِأَنَّهُ من عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر فَشرط انْعِقَاد الْإِجْمَاع أَن لَا يكون أحد من أهل الْعَصْر مُخَالفا لَهُم
وَبَيَان هَذَا أَن عمر وعليا رَضِي الله عَنْهُمَا قلدا شريحا الْقَضَاء بَعْدَمَا ظهر مِنْهُ مخالفتهما فِي الرَّأْي وَإِنَّمَا قلداه الْقَضَاء ليحكم بِرَأْيهِ
فَإِن قيل لَا كَذَلِك بل قلداه الْقَضَاء ليحكم بقولهمَا أَو بقول بعض الصَّحَابَة
(2/114)

سواهُمَا
قُلْنَا قد رُوِيَ أَن عمر كتب إِلَى شُرَيْح اقْضِ بِمَا فِي كتاب الله فَإِن لم تَجِد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم تَجِد فاجتهد بِرَأْيِك
فَإِن قيل معنى قَوْله (فاجتهد بِرَأْيِك) فِي آرائنا وأقاويلنا
قُلْنَا هَذِه زِيَادَة على النَّص وَهِي تنزل منزلَة النّسخ فَلَا يكون تَأْوِيلا وَقد صَحَّ أَن عليا رَضِي الله عَنهُ تحاكم إِلَى شُرَيْح وَقضى عَلَيْهِ بِخِلَاف رَأْيه فِي شَهَادَة الْوَلَد لوالده ثمَّ قَلّدهُ الْقَضَاء فِي خِلَافَته وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا رَجَعَ إِلَى قَول مَسْرُوق فِي النّذر بِذبح الْوَلَد فَأوجب عَلَيْهِ شَاة بَعْدَمَا كَانَ يُوجب عَلَيْهِ مائَة من الْإِبِل وَعمر رَضِي الله عَنهُ أَمر كَعْب بن سور أَن يحكم بِرَأْيهِ بَين الزَّوْجَيْنِ فَجعل لَهَا لَيْلَة من أَربع لَيَال وَكَانَ ذَلِك خلاف رَأْي عمر
قَالَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن تَذَاكرنَا مَعَ ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة عدَّة مَرَّات عدَّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ وَقلت تَعْتَد بِوَضْع الْحمل فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَنا مَعَ ابْن أخي وَعَن مَسْرُوق أَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا صنع طَعَاما لأَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود فجرت الْمسَائِل وَكَانَ ابْن عَبَّاس يخطىء فِي بعض فَتَاوِيهِ فَمَا مَنعهم من أَن يردوا عَلَيْهِ إِلَّا كَونهم على طَعَامه
وَسُئِلَ ابْن عمر عَن مَسْأَلَة فَقَالَ سلوا عَنْهَا سعيد بن جُبَير فَهُوَ أعلم بهَا مني
وَكَانَ أنس بن مَالك إِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ سلوا عَنْهَا مَوْلَانَا الْحسن
فَظهر أَنهم سوغوا اجْتِهَاد الرَّأْي لمن أدْرك عصرهم وَلَا مُعْتَبر بالصحبة فِي هَذَا الْبَاب أَلا ترى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة وَإِن انعدمت الصُّحْبَة لَهُم وَأَنه قد كَانَ فِي الصَّحَابَة الْأَعْرَاب الَّذين لم يَكُونُوا من أهل الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام فَكَانَ لَا يعْتَبر قَوْلهم فِي الْإِجْمَاع مَعَ وجود الصُّحْبَة فَعرفنَا أَن هَذَا الحكم إِنَّمَا يبتنى على كَونه من عُلَمَاء الْعَصْر وَمِمَّنْ يجْتَهد فِي الْأَحْكَام ويعتد بقوله
ثمَّ الصَّحَابَة فِيمَا بَينهم كَانُوا متفاضلين فِي الدرجَة
(2/115)

فَإِن دَرَجَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَوق دَرَجَة غَيرهم فِي الْفَضِيلَة وَلم يدل ذَلِك على أَن الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة يثبت بِدُونِ قَوْلهم وكما أَمر رَسُول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أَمر بالاقتداء بالخلفاء الرَّاشِدين لسَائِر الصَّحَابَة بقوله عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي وَأمر بالاقتداء بِأبي بكر وَعمر بقوله عَلَيْهِ السَّلَام اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر ثمَّ هَذَا لَا يدل على أَن إِجْمَاعهم يكون حجَّة قَاطِعَة مَعَ خلاف سَائِر الصَّحَابَة

فصل فِي حُدُوث الْخلاف بعد الْإِجْمَاع بِاعْتِبَار معنى حَادث
فمذهب عُلَمَائِنَا أَن الِاتِّفَاق مَتى حصل فِي شَيْء على حكم ثمَّ حدث فِيهِ معنى اخْتلفُوا لأَجله فِي حكمه فالإجماع الْمُتَقَدّم لَا يكون حجَّة فِيهِ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء ذَلِك الْإِجْمَاع حجَّة فِيهِ يجب التَّمَسُّك بِهِ حَتَّى يُوجد إِجْمَاع آخر بِخِلَافِهِ
وَبَيَان هَذَا فِي المَاء الَّذِي وَقع فِيهِ نَجَاسَة وَلم يتَغَيَّر أحد أَوْصَافه فَإِن الْإِجْمَاع الَّذِي كَانَ على طَهَارَته قبل وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ لَا يكون حجَّة لإِثْبَات صفة الطَّهَارَة فِيهِ بعد وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ لَا يكون حجَّة لإِثْبَات صفة الطَّهَارَة فِيهِ بعد وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ وَعند بَعضهم يكون حجَّة
وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمم إِذا أبْصر المَاء فِي خلال الصَّلَاة فالإجماع المنعقد على صِحَة شُرُوعه فِي الصَّلَاة قبل أَن يبصر المَاء لَا يكون حجَّة لبَقَاء صلَاته بَعْدَمَا أبْصر المَاء وَعند بَعضهم يكون حجَّة
وَكَذَلِكَ بيع أم الْوَلَد فالإجماع المنعقد على جَوَاز بيعهَا قبل الِاسْتِيلَاد لَا يكون حجَّة لجَوَاز بيعهَا بعد الِاسْتِيلَاد عندنَا وَعند بَعضهم يكون حجَّة
وَيَقُولُونَ قد انْعَقَد الْإِجْمَاع على حكم فِي هَذَا الْعين فَنحْن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ من الْإِجْمَاع حَتَّى ينْعَقد إِجْمَاع آخر لَهُ لِأَن الشَّيْء لَا يرفعهُ مَا هُوَ دونه وَلَا شكّ أَن الْخلاف دون الْإِجْمَاع يُوضحهُ أَن التَّمَسُّك بِالْيَقِينِ وَترك الْمَشْكُوك فِيهِ أصل فِي الشَّرْع فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَمر الشاك فِي الْحَدث بِأَن لَا ينْصَرف من صلَاته حَتَّى يستيقن بِالْحَدَثِ لِأَنَّهُ على يَقِين من الطَّهَارَة وَهُوَ فِي شكّ من الْحَدث
وَكَذَلِكَ أَمر الشاك فِي الصَّلَاة بِأَن يَأْخُذ بِالْأَقَلِّ لكَونه متيقنا بِهِ
وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْكَام نقُول الْيَقِين لَا يزَال بِالشَّكِّ حَتَّى إِذا شكّ فِي طَلَاق امْرَأَته لم يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا
وَكَذَلِكَ الْإِقْرَار بِالْمَالِ لَا يثبت مَعَ الشَّك لِأَن بَرَاءَة الذِّمَّة يَقِين بِاعْتِبَار الأَصْل
(2/116)

فَلَا يَزُول الْمُتَيَقن بِالشَّكِّ وَهَذَا لِأَن الْيَقِين كَانَ مَعْلُوما فِي نَفسه وَمَعَ الشَّك لَا يثبت للْعلم فَلَا يجوز ترك الْعَمَل بِالْعلمِ لأجل مَا لَيْسَ بِعلم
وأصحابنا قَالُوا هَذَا مَذْهَب بَاطِل فَإِن الْإِجْمَاع كَانَ ثَابتا فِي عين على حكم لَا لِأَنَّهُ عين وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِمَعْنى وَقد حدث معنى آخر خلاف ذَلِك وَمَعَ هَذَا الْمَعْنى الْحَادِث لم يكن الْإِجْمَاع قطّ فَكيف يَسْتَقِيم استصحابه وَبِه نبطل نَحن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ فَإنَّا لم نَكُنْ على الْإِجْمَاع مَعَ هَذَا الْمَعْنى قطّ
ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْحجَّة نفس الْإِجْمَاع أَو الدَّلِيل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْإِجْمَاع قبل حُدُوث هَذَا الْمَعْنى فِيهِ فَإِن كَانَ نفس الْإِجْمَاع فَبعد الْخلاف الْإِجْمَاع وَفِي الْموضع الَّذِي لَا إِجْمَاع لَا يتَحَقَّق الِاحْتِجَاج بِنَفس الْإِجْمَاع وَإِن كَانَ الدَّلِيل الَّذِي نَشأ مِنْهُ الْإِجْمَاع فَمَا لم يثبت بَقَاء ذَلِك الدَّلِيل بعد اعْتِرَاض الْمَعْنى الْحَادِث لَا يتَحَقَّق الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع
ثمَّ يحْتَج عَلَيْهِم بِعَين مَا احْتَجُّوا بِهِ فَنَقُول قد تَيَقنا بِالْحَدَثِ الْمَانِع من جَوَاز أَدَاء الصَّلَاة فِي أَعْضَاء الْمُحدث قبل اسْتِعْمَال هَذَا المَاء الَّذِي وَقعت فِيهِ النَّجَاسَة فَنحْن على مَا كُنَّا عَلَيْهِ من الْيَقِين وَالْإِجْمَاع لَا يتْرك بِالْخِلَافِ عِنْد اسْتِعْمَال هَذَا المَاء واتفقنا على أَن أَدَاء الصَّلَاة وَاجِب على من أدْرك الْوَقْت فَنحْن على ذَلِك الِاتِّفَاق لَا نتركه بأَدَاء يكون مِنْهُ بِالتَّيَمُّمِ بَعْدَمَا أبْصر المَاء لِأَن سُقُوط الْفَرْض بِهَذَا الْأَدَاء مَشْكُوك فِيهِ واتفقنا على أَن الْأمة بعد مَا حبلت من مَوْلَاهَا قد امْتنع بيعهَا فَنحْن على ذَلِك الِاتِّفَاق لَا نتركه بِالْخِلَافِ فِي جَوَاز بيعهَا بَعْدَمَا انْفَصل الْوَلَد عَنْهَا وكل كَلَام يُمكن أَن يحْتَج بِهِ على الْخصم بِعَيْنِه فِي إِثْبَات مَا رام إِبْطَاله بِهِ فَهُوَ بَاطِل فِي نَفسه وَهُوَ نَظِير احتجاجنا على من يَقُول لَا دَلِيل على النَّافِي فِي أَحْكَام الشَّرْع وَإِنَّمَا الدَّلِيل على الْمُثبت كَمَا فِي الدَّعَاوَى فَإِن الْبَيِّنَة تكون على الْمُثبت دون النَّافِي فَنَقُول من قَالَ لَا حكم فَهُوَ يثبت صِحَة اعْتِقَاد نفي الحكم وَهَذَا مِنْهُ إِثْبَات حكم شَرْعِي وخصمه يَنْفِي صِحَة هَذَا الِاعْتِقَاد فَيَنْبَغِي أَن تكون الْحجَّة عَلَيْهِ للإثبات لَا على خَصمه فَإِنَّهُ يَنْفِي وسنقرر هَذَا الْكَلَام فِي مَوْضِعه ثمَّ نستدل بقوله تَعَالَى {فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار} وَفِي هَذَا تنصيص على ترك الْعَمَل بِمَا كَانَ متيقنا بِهِ عِنْد حُدُوث معنى
(2/117)

آخر وَإِن لم يكن ذَلِك الْمَعْنى متيقنا بِهِ فَإِن كفرها قبل الْهِجْرَة كَانَ متيقنا بِهِ وَزَوَال ذَلِك بعد الْهِجْرَة إِنَّمَا نعرفه بغالب الرَّأْي لَا بِالْيَقِينِ وَلَيْسَ هَذَا نَظِير مَا اسْتشْهدُوا بِهِ لِأَن هُنَاكَ عِنْد الشَّك فِي الطَّلَاق لَا نجد دَلِيلا نعتمده فِي حكم الطَّلَاق سوى مَا تقدم وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّك فِي وجوب المَال لَا نجد دَلِيلا نعتمده سوى مَا تقدم وَكَذَلِكَ عِنْد الشَّك فِي الْحَدث وَعند الشَّك فِي أَدَاء بعض الصَّلَاة حَتَّى إِذا وجدنَا فِيهِ دَلِيلا وَهُوَ التَّحَرِّي نقُول بِأَنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك الدَّلِيل وَهنا قد وجدنَا دَلِيلا نستدل بِهِ على الحكم بعد حُدُوث الْمَعْنى الْحَادِث فِي الْعين فَيجب الْعَمَل بذلك الدَّلِيل وَلَا يجوز الْمصير إِلَى اسْتِصْحَاب مَا كَانَ قبل حُدُوث هَذَا الْمَعْنى فاليقين إِنَّمَا كَانَ قبل وجود الدَّلِيل المغير وَمثله لَا يكون يَقِينا بعد وجود الدَّلِيل المغير وعَلى هَذَا الأَصْل اسْتِصْحَاب الْعُمُوم بعد حُدُوث الدَّلِيل المغير للْحكم فَإِنَّهُ لَا يجوز لأحد أَن يسْتَدلّ على إِبَاحَة قتل الْمُسْتَأْمن بقوله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} لِأَن حكم هَذَا الْعَام كَانَ ثَابتا قبل وجود الدَّلِيل المغير فَلَا يجوز الِاسْتِدْلَال بِهِ بعد ذَلِك فِي مَوضِع فِيهِ خلاف وَهُوَ أَن الْمُسْتَأْمن إِذا جعل نَفسه طَلِيعَة للْمُشْرِكين يُخْبِرهُمْ بعورات الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتله اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} عندنَا وَعند بَعضهم يجوز قَتله بِاعْتِبَار هَذِه الْحجَّة وَالْكَلَام فِي هَذَا مثل الْكَلَام فِي الْفَصْل الأول وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْقيَاس - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ رَضِي الله عَنهُ مَذْهَب الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وَالصَّالِحِينَ والماضين من أَئِمَّة الدّين رضوَان الله عَلَيْهِم جَوَاز الْقيَاس بِالرَّأْيِ على الْأُصُول الَّتِي تثبت أَحْكَامهَا بِالنَّصِّ لتعدية حكم النَّص إِلَى الْفُرُوع جَائِز مُسْتَقِيم يدان الله بِهِ وَهُوَ مدرك من مدارك أَحْكَام الشَّرْع وَلكنه غير صَالح لإِثْبَات الحكم بِهِ ابْتِدَاء وعَلى قَول أَصْحَاب الظَّوَاهِر هُوَ غير صَالح لتعدية حكم النَّص بِهِ إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ وَالْعَمَل بَاطِل أصلا فِي أَحْكَام الشَّرْع
وَأول من أحدث هَذَا القَوْل إِبْرَاهِيم النظام وَطعن فِي السّلف لاحتجاجهم بِالْقِيَاسِ ونسبهم بتهوره إِلَى خلاف مَا وَصفهم الله بِهِ فَخلع بِهِ ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ إِمَّا للقصد إِلَى إِفْسَاد طَرِيق الْمُسلمين عَلَيْهِم
(2/118)

أَو للْجَهْل مِنْهُ بِفقه الشَّرِيعَة ثمَّ تبعه على هَذَا القَوْل بعض الْمُتَكَلِّمين بِبَغْدَاد وَلكنه تحرز عَن الطعْن فِي السّلف فِرَارًا من الشنعة الَّتِي لحقت النظام فَذكر طَرِيقا آخر لاحتجاج الصَّحَابَة بِالْقِيَاسِ هُوَ دَلِيل على جَهله وَهُوَ أَنه قَالَ مَا جرى بَين الصَّحَابَة لم يكن على وَجه الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا كَانَ على وَجه الصُّلْح والتوسط بَين الْخُصُوم وَذكر الْمسَائِل لتقريب مَا قصدوه من الصُّلْح إِلَى الأفهام
وَهَذَا مِمَّا لَا يخفى فَسَاده على من تَأمل أدنى تَأمل فِيمَا نقل عَن الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ نَشأ بعده رجل متجاهل يُقَال لَهُ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ فَأبْطل الْعَمَل بِالْقِيَاسِ من غير أَن وقف على مَا هُوَ مُرَاد كل فريق مِمَّن كَانَ قبله وَلكنه أَخذ طرفا من كل كَلَام وَلم يشْتَغل بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ ليتبين لَهُ وَجه فَسَاده قَالَ الْقيَاس لَا يكون حجَّة وَلَا يجوز الْعَمَل بِهِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَتَابعه على ذَلِك أَصْحَاب الظَّوَاهِر الَّذين كَانُوا مثله فِي ترك التَّأَمُّل وروى بَعضهم هَذَا الْمَذْهَب عَن قَتَادَة ومسروق وَابْن سِيرِين وَهُوَ افتراء عَلَيْهِم فقد كَانُوا أجل من أَن ينْسب إِلَيْهِم الْقَصْد إِلَى مُخَالفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه فِيمَا هُوَ طَرِيق أَحْكَام الشَّرْع بعد مَا ثَبت نَقله عَنْهُم
ثمَّ قَالَ بعض نفاة الْقيَاس دَلَائِل الْعقل لَا تصلح لمعْرِفَة شَيْء من أُمُور الدّين بهَا وَالْقِيَاس يشبه ذَلِك
وَقَالَ بَعضهم لَا يعْمل بالدلائل الْعَقْلِيَّة فِي أَحْكَام الشَّرْع أصلا وَإِن كَانَ يعْمل بهَا فِي العقليات
وَقَالَ بَعضهم لَا يعْمل بهَا إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة فِي أَحْكَام الشَّرْع لِإِمْكَان الْعَمَل بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ اسْتِصْحَاب الْحَال
وَهَذَا أقرب أقاويلهم إِلَى الْقَصْد فَيحْتَاج فِي تبين وَجه الْفساد فِيهِ إِلَى إِثْبَات أَن الْقيَاس حجَّة أَصْلِيَّة فِي تَعديَة الْأَحْكَام لَا حجَّة ضَرُورِيَّة وَإِلَى أَنه مقدم فِي الِاحْتِجَاج بِهِ على اسْتِصْحَاب الْحَال
وَلَكِن نبدأ بِبَيَان شبهتهم فَإِنَّهُم استدلوا بِظَاهِر آيَات من الْكتاب مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم} وَفِي الْمصير إِلَى الرَّأْي لإِثْبَات حكم فِي مَحل قَول بِأَن الْكتاب غير كَاف
وَقَالَ تَعَالَى {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء}
(2/119)

وَقَالَ تَعَالَى {مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} فَفِيهَا بَيَان أَن الْأَشْيَاء كلهَا فِي الْكتاب إِمَّا فِي إِشَارَته أَو دلَالَته أَو فِي اقتضائه أَو فِي نَصه فَإِن لم يُوجد فِي شَيْء من ذَلِك فبالإبقاء على الأَصْل الَّذِي علم ثُبُوته بِالْكتاب وَهُوَ دَلِيل مُسْتَقِيم قَالَ تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ} الْآيَة فقد أمره بالاحتجاج بِأَصْل الْإِبَاحَة فِيمَا لَا يجد فِيهِ دَلِيل الْحُرْمَة فِي الْكتاب وَهَذَا مُسْتَمر على أصل من يَقُول الْإِبَاحَة فِي الْأَشْيَاء أصل وعَلى أصلنَا الَّذِي نقُول إِنَّمَا نَعْرِف كل شَيْء بِالْكتاب وَهَذَا مَعْلُوم بقوله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا} فَإِن الْإِضَافَة بلام التَّمْلِيك تكون أدل على إِثْبَات صفة الْحل من التَّنْصِيص على الْإِبَاحَة فَلم يبْق الرَّأْي بعد هَذَا إِلَّا لتعرف الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِيهِ عَاقِبَة وَذَلِكَ مِمَّا لَا مجَال للرأي فِي مَعْرفَته فَإِن الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة عبارَة عَن الْفَوْز والنجاة وَمَا بِهِ الْفَوْز والنجاة فِي الْآخِرَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا الرَّأْي لمعْرِفَة الْمصَالح العاجلة الَّتِي يعلم جِنْسهَا بالحواس ثمَّ نستدرك نظائرها بِالرَّأْيِ وَهَذَا مثل مَا قُلْتُمْ إِن تَعْلِيل النُّصُوص بعلة لَا يتَعَدَّى إِلَى الْفُرُوع بَاطِل لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن إِثْبَات الحكم بهَا فَالْحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ فَلَا يكون فِي هَذَا التَّعْلِيل إِلَّا تعرف وَجه الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على الْمصلحَة فِي الْعَاقِبَة والرأي لَا يَهْتَدِي إِلَى ذَلِك
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} وَقَالَ تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ} {الْفَاسِقُونَ} وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ تقدم بَين يَدي الله وَرَسُوله وَهُوَ حكم بِغَيْر مَا أنزل الله فَإِن طَريقَة الاستنباط بآرائنا وَمَا يَبْدُو لنا من آرائنا لَا يكون مِمَّا أنزل الله فِي شَيْء إِنَّمَا الْمنزل كتاب الله وَسنة رَسُوله فقد ثَبت أَنه مَا كَانَ ينْطق إِلَّا عَن وَحي كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى} وَقَالَ تَعَالَى {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم} وَإِنَّمَا الحكم بِالرَّأْيِ من جملَة مَا قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام} الْآيَة وَاسْتَدَلُّوا بآثار فَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله قَالَ لم يزل بَنو إِسْرَائِيل على طَريقَة مُسْتَقِيمَة حَتَّى كثر فيهم أَوْلَاد السبايا فقاسوا مَا لم يكن بِمَا
(2/120)

قد كَانَ فضلوا وأضلوا وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِالْكتاب ثمَّ بُرْهَة بِالسنةِ ثمَّ بُرْهَة بِالرَّأْيِ فَإِذا فعلوا ذَلِك ضلوا وَقَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء الدّين أعيتهم السّنة أَن يحفظوها فَقَالُوا برأيهم فضلوا وأضلوا
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ إيَّاكُمْ وأرأيت وأرأيت فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ فِي أَرَأَيْت وأرأيت
وَقَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام من فسر الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِعْمَال الرَّأْي للْعَمَل بِهِ فِي الْأَحْكَام فَإِن إِعْمَال الرَّأْي للوقوف على معنى النَّص من حَيْثُ اللِّسَان فقه مُسْتَقِيم وَيكون الْعَمَل بِهِ عملا بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا اخْتلف فِيهِ ابْن عَبَّاس وَزيد رَضِي الله عَنْهُم فِي زوج وأبوين فَقَالَ ابْن عَبَّاس للْأُم ثلث جَمِيع المَال فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {فلأمه الثُّلُث} وَالْمَفْهُوم من إِطْلَاق هَذِه الْعبارَة ثلث جَمِيع المَال
وَقَالَ زيد للْأُم ثلث مَا بَقِي لِأَن فِي الْآيَة بَيَان أَن للْأُم ثلث مَا وَرثهُ الأبوان فَإِنَّهُ قَالَ {وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث} وميراث الْأَبَوَيْنِ هُوَ الْبَاقِي بعد نصيب الزَّوْج فللأم ثلث ذَلِك
هَذَا وَنَحْوه عمل بِالْكتاب لَا بِالرَّأْيِ فَيكون مُسْتَقِيمًا
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول يستدلون بأنواع من الْكَلَام أَحدهَا من حَيْثُ الدَّلِيل وَهُوَ أَن فِي الْقيَاس شُبْهَة فِي أَصله لِأَن الْوَصْف الَّذِي تعدى بِهِ الحكم غير مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا هُوَ ثَابت بِإِشَارَة النَّص وَلَا بدلالته وَلَا بِمُقْتَضَاهُ فتعيينه من بَين سَائِر الْأَوْصَاف بِالرَّأْيِ لَا يَنْفَكّ عَن شُبْهَة وَالْحكم الثَّابِت بِهِ من إِيجَاب أَو إِسْقَاط أَو تَحْلِيل أَو تَحْرِيم مَحْض حق الله تَعَالَى وَلَا وَجه لإِثْبَات مَا هُوَ حق الله بطرِيق فِيهِ شُبْهَة لِأَن من لَهُ الْحق مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة يتعالى عَن أَن ينتسب إِلَيْهِ الْعَجز أَو الْحَاجة إِلَى إِثْبَات حَقه بِمَا فِيهِ شُبْهَة وَلَا وَجه لإنكار هَذِه الشُّبْهَة فِيهِ فَإِن الْقيَاس لَا يُوجب الْعلم قطعا بالِاتِّفَاقِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَصله وعَلى هَذَا التَّقْرِير يكون هَذَا اسْتِدْلَالا بقوله تَعَالَى {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق}
(2/121)

وَلَا يدْخل على هَذَا أَخْبَار الْآحَاد فَإِن أَصله قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ مُوجب للْعلم قطعا وَإِنَّمَا تتمكن الشُّبْهَة فِي طَرِيق الِانْتِقَال إِلَيْنَا وَقد كَانَ قَول رَسُول الله حجَّة قبل الِانْتِقَال إِلَيْنَا بِهَذَا الطَّرِيق فلشبهة تتمكن فِي الطَّرِيق لَا يخرج الحَدِيث من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم وَهُوَ كالنص المؤول فَإِن الشُّبْهَة تتمكن فِي تأويلنا فَلَا يخرج النَّص من أَن يكون حجَّة مُوجبَة للْعلم
وَمِنْهُم من قرر هَذَا الْكَلَام من وَجه آخر وَقَالَ تعْيين وصف فِي الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ لإضافة الحكم إِلَيْهِ يشبه قِيَاس إِبْلِيس لَعنه الله على مَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ {أأسجد لمن خلقت طينا} وَكَذَلِكَ التَّمْيِيز بَين هَذَا الْوَصْف وَسَائِر الْأَوْصَاف فِي إِثْبَات حكم الشَّرْع أَو التَّرْجِيح بِالرَّأْيِ يشبه مَا فعله إِبْلِيس كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ {خلقتني من نَار وخلقته من طين} فَلَا يشك أحد فِي أَن ذَلِك كَانَ بَاطِلا وَلم يكن حجَّة فَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع لَا يكون عملا بِالْحجَّةِ أَيْضا
وَنَوع آخر من حَيْثُ الْمَدْلُول فَإِنَّهُ طَاعَة لله تَعَالَى وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة مَا هُوَ طَاعَة لله وَلِهَذَا لَا يجوز إِثْبَات أصل الْعِبَادَة بِالرَّأْيِ وَهَذَا لِأَن الطَّاعَة فِي إِظْهَار الْعُبُودِيَّة والانقياد وَمَا كَانَ التَّعَبُّد مَبْنِيا على قَضِيَّة الرَّأْي بل طَرِيقه طَرِيق الِابْتِلَاء أَلا ترى أَن من المشروعات مَا لَا يسْتَدرك بِالرَّأْيِ (أصلا) كالمقادير فِي الْعُقُوبَات والعبادات وَمِنْه مَا هُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْي وَمَا هَذِه صفته فَإِنَّهُ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالرَّأْيِ فَيكون الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ عملا بالجهالة لَا بِالْعلمِ وَكَيف يُمكن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ والمشروعات متباينة فِي أَنْفسهَا يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل فِي جَمِيعهَا وَالْقِيَاس عبارَة عَن رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي احذه بِهِ
فَكيف يَتَأَتَّى هَذَا مَعَ التباين يُوضحهُ أَن الْعِلَل الَّتِي تعدى الحكم بهَا من الْمَنْصُوص عَلَيْهِ إِلَى غَيره مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة ولأجلها اخْتلف الْعلمَاء فِي طَرِيق التَّعْدِيَة وَمَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ يتَعَذَّر تعْيين وَاحِد مِنْهَا للْعَمَل إِلَّا بِمَا يُوجب الْعلم قطعا وَهُوَ النَّص وَلِهَذَا جَوَّزنَا الْعَمَل بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْهِرَّة لَيست بنجسة إِنَّمَا هِيَ من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فأثبتنا هَذَا الحكم فِي غَيرهَا من حشرات هُوَ الْعلَّة عينا فَيكون الْعَمَل بِهِ بَاطِلا
وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْأَخْبَار فَإِنَّهُ لَا اخْتِلَاف فِيهَا فِي الأَصْل لِأَنَّهُ كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد بَينا أَنه قَالَ ذَلِك عَن وَحي وَقد علمنَا بِالنَّصِّ أَنه لَا اخْتِلَاف فِيمَا هُوَ من عِنْد الله قَالَ تَعَالَى {وَلَو} الْبَيْت لِأَن الْعلَّة
(2/122)

مَنْصُوص عَلَيْهَا فَأَما بِالرَّأْيِ فَلَا يُمكن الْوُقُوف على مَا {كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الْأَخْبَار من جِهَة الروَاة وَالْحجّة هُوَ الْخَبَر لَا الرَّاوِي
وَمَا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين الروَاة إِلَّا نَظِير اشْتِبَاه النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ فِي كتاب الله فَإِن ذَلِك مَتى ارْتَفع بِمَا هُوَ الطَّرِيق فِي مَعْرفَته يكون الْعَمَل بالناسخ وَاجِبا
وَيكون ذَلِك عملا بِالنَّصِّ لَا بالتاريخ فَكَذَلِك فِي الْأَخْبَار
وَتَحْت مَا قَررنَا فَائِدَتَانِ بهما قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ إِحْدَاهمَا الْمُحَافظَة على نُصُوص الشَّرِيعَة فَإِنَّهَا قوالب الْأَحْكَام
وَالثَّانِي التبحر فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن مَعَانِيه جمة غائرة لَا يفضل عمر الْمَرْء عَن التَّأَمُّل فِيهَا إِذا أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَا يتفرغ للْعَمَل بالهوى الَّذِي ينشأ مِنْهُ الزيغ عَن الْحق والوقوع فِي الْبِدْعَة وَمَا يحصل بِهِ التَّحَرُّز عَن الْبدع وَاجِبا أَحْكَام الشَّرْع فَلَا شكّ أَن قوام الدّين وَنَجَاة الْمُؤمنِينَ يكون فِيهِ
وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي فِي أَمر الْحَرْب وقيم الْمُتْلفَات وَمهر النِّسَاء وَالْوُقُوف على جِهَة الْكَعْبَة
أما على الْوَجْه الأول فَلِأَن هَذَا كُله من حُقُوق الْعباد ويليق بحالهم الْعَجز والاشتباه فِيمَا يعود إِلَى مصالحهم العاجلة فَيعْتَبر فِيهِ الوسع ليتيسر عَلَيْهِم الْوُصُول إِلَى مقاصدهم وَهَذَا فِي غير أَمر الْقبْلَة ظَاهر وَكَذَلِكَ فِي أَمر الْقبْلَة فَإِن الأَصْل فِيهِ معرفَة جِهَات أقاليم الأَرْض وَذَلِكَ من حُقُوق الْعباد
وعَلى الثَّانِي فَلِأَن الأَصْل فِيمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد مَا يكون مستدركا بالحواس وَبِه يثبت علم الْيَقِين كَمَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة أَلا ترى أَن الْكَعْبَة جِهَتهَا تكون محسوسة فِي حق من عاينها وَبعد الْبعد مِنْهَا بإعمال الرَّأْي يُمكن تصييرها كالمحسوسة
وَكَذَلِكَ أَمر الْحَرْب فالمقصود صِيَانة النَّفس عَمَّا يتلفها أَو قهر الْخصم وأصل ذَلِك محسوس وَمَا هُوَ إِلَّا نَظِير التوقي عَن تنَاول سم الزعاف لعلمه أَنه متْلف والتوقي عَن الْوُقُوع على السَّيْف
(2/123)

والسكين لعلمه أَنه نَاقض للبنية فَعرفنَا أَن أصل ذَلِك محسوس فإعمال الرَّأْي فِيهِ للْعَمَل يكون فِي معنى الْعَمَل بِمَا لَا شُبْهَة فِي أَصله
ثمَّ فِي هَذِه الْمَوَاضِع الضَّرُورَة تتَحَقَّق إِلَى إِعْمَال الرَّأْي فَإِنَّهُ عِنْد الْإِعْرَاض عَنهُ لَا نجد طَرِيقا آخر وَهُوَ دَلِيل الْعَمَل بِهِ فلأجل الضَّرُورَة جَوَّزنَا بِهِ الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ وَهنا الضَّرُورَة لَا تَدْعُو إِلَى ذَلِك لوُجُود دَلِيل فِي أَحْكَام الشَّرْع للْعَمَل بِهِ على وَجه يُغْنِيه عَن إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ وَهُوَ اعْتِبَار الأَصْل الَّذِي قَررنَا
وَلَا يدْخل على شَيْء مِمَّا ذكرنَا إِعْمَال الرَّأْي والتفكر فِي أَحْوَال الْقُرُون الْمَاضِيَة وَمَا لحقهم من المثلات والكرامات لِأَن ذَلِك من حُقُوق الْعباد فالمقصود أَن يمتنعوا مِمَّا كَانَ مهْلكا لمن قبلهم حَتَّى لَا يهْلكُوا أَو أَن يباشروا مَا كَانَ سَببا لاسْتِحْقَاق الْكَرَامَة لمن قبلهم حَتَّى ينالوا مثل ذَلِك وَهُوَ فِي الأَصْل من حُقُوق الْعباد بِمَنْزِلَة الْأكل الَّذِي يكْتَسب بِهِ الْمَرْء سَبَب إبْقَاء نَفسه وإتيان الْإِنَاث فِي مَحل الْحَرْث بطريقه ليكتسب بِهِ سَبَب إبْقَاء النَّسْل
ثمَّ طَرِيق ذَلِك الِاعْتِبَار بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَاني اللِّسَان فَإِن أَصله الْخَبَر وَذَلِكَ مِمَّا يعلم بحاسة السّمع ثمَّ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ يدْرك الْمَقْصُود وَلَيْسَ ذَلِك من حكم الشَّرِيعَة فِي شَيْء فقد كَانَ الْوُقُوف على مَعَاني اللُّغَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ بَاقٍ الْيَوْم بَين الْكَفَرَة الَّذين لَا يعلمُونَ حكم الشَّرِيعَة
وعَلى هَذَا يخرج أَيْضا مَا أَمر بِهِ رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام من المشورة مَعَ أَصْحَابه فَإِن المُرَاد أَمر الْحَرْب وَمَا هُوَ من حُقُوق الْعباد أَلا ترى أَن الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه شاورهم فِي ذَلِك وَلم ينْقل أَنه شاورهم قطّ فِي حَقِيقَة مَا هم عَلَيْهِ وَلَا فِيمَا أَمرهم بِهِ من أَحْكَام الشَّرْع وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ بقوله عَلَيْهِ السَّلَام إِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دينكُمْ فاعملوا بِهِ وَإِذا أتيتكم بِشَيْء من أَمر دنياكم فَأنْتم أعلم بِأَمْر دنياكم أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
وَهَذَا بَيَان شبه الْخُصُوم فِي الْمَسْأَلَة
وَالْحجّة لجمهور الْعلمَاء دَلَائِل الْكتاب وَالسّنة والمعقول وَهِي كَثِيرَة جدا قد أورد أَكْثَرهَا المتقدمون من مَشَايِخنَا وَلَكنَّا نذْكر من كل نوع طرفا مِمَّا هُوَ أقوى فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ
(2/124)

فَمن دَلَائِل الْكتاب قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} حُكيَ عَن ثَعْلَب قَالَ الِاعْتِبَار فِي اللُّغَة هُوَ رد حكم الشَّيْء إِلَى نَظِيره وَمِنْه يُسمى الأَصْل الَّذِي يرد إِلَيْهِ النَّظَائِر عِبْرَة وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار} وَالرجل يَقُول اعْتبرت هَذَا الثَّوْب بِهَذَا الثَّوْب أَي سويته بِهِ فِي التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ حد الْقيَاس فَظهر أَنه مَأْمُور بِهِ بِهَذَا النَّص
وَقيل الِاعْتِبَار التَّبْيِين وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون} أَي تبينون والتبيين الَّذِي يكون مُضَافا إِلَيْنَا هُوَ إِعْمَال الرَّأْي فِي معنى الْمَنْصُوص ليتبين بِهِ الحكم فِي نَظِيره
فَإِن قيل الِاعْتِبَار هُوَ التَّأَمُّل والتفكر فِيمَا أخبر الله تَعَالَى مِمَّا صنعه بالقرون الْمَاضِيَة
قُلْنَا هَذَا مثله وَلكنه غير مَأْمُور بِهِ لعَينه بل ليعتبر حَاله بحالهم فيزجروا عَمَّا استوجبوا بِهِ مَا استوجبوا من الْعقَاب إِذْ الْمَقْصُود من الِاعْتِبَار هُوَ أَن يتعظ بالعبرة وَمِنْه يُقَال السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
وَبَيَان مَا قُلْنَا فِي الْقصاص فَإِن الله تَعَالَى يَقُول {وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة} وَهُوَ فِي العيان ضد الْحَيَاة وَلَكِن فِيهِ حَيَاة بطرِيق الِاعْتِبَار فِي شَرعه واستبقائه أما الْحَيَاة فِي شَرعه وَهُوَ أَن من قصد قتل غَيره فَإِذا تفكر فِي نَفسه أَنه مَتى قَتله قتل بِهِ انزجر عَن قَتله فَتكون حَيَاة لَهما والحياة فِي استبقائه أَن الْقَاتِل عمدا يصير حَربًا لأولياء الْقَتِيل لخوفه على نَفسه مِنْهُم فَالظَّاهِر أَنه يقْصد قَتلهمْ ويستعين على ذَلِك بأمثاله من السُّفَهَاء ليزيل الْخَوْف عَن نَفسه فَإِذا استوفى الْوَلِيّ الْقصاص مِنْهُ انْدفع شَره عَنهُ وَعَن عشيرته فَيكون حَيَاة لَهُم من هَذَا الْوَجْه لِأَن إحْيَاء الْحَيّ فِي دفع سَبَب الْهَلَاك عَنهُ قَالَ تَعَالَى {وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا} وَإِذا تبين هَذَا الْمَعْنى فَنَقُول لَا فرق بَين حكم هُوَ هَلَاك فِي مَحل بِاعْتِبَار معنى هُوَ كفر وَبَين حكم هُوَ تَحْرِيم أَو تَحْلِيل فِي مَحل بِاعْتِبَار معنى هُوَ قدر وجنس فالتنصيص على الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ يكون تنصيصا على الْأَمر بِهِ فِي الْموضع الآخر
فَإِن قيل الْكفْر فِي كَونه عِلّة لما استوجبوه مَنْصُوص عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْقَتْل فِي كَونه عِلّة للْقصَاص وَنحن لَا ننكر هَذَا الِاعْتِبَار فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منصوصة
(2/125)

فَذَلِك نَحْو مَا رُوِيَ أَن ماعزا رَضِي الله عَنهُ زنا وَهُوَ مُحصن فرجم فَإنَّا نثبت هَذَا الحكم بِالزِّنَا بعد الْإِحْصَان فِي حق غير مَاعِز وَإِنَّمَا ننكر هَذَا فِي عِلّة مستنبطة بِالرَّأْيِ نَحْو الْكَيْل وَالْجِنْس فَإِنَّكُم تجعلونه عِلّة الرِّبَا فِي الْحِنْطَة بِالرَّأْيِ إِذْ لَيْسَ فِي نَص الرِّبَا مَا يُوجب تعْيين هَذَا الْوَصْف من بَين سَائِر أَوْصَاف الْمحل دلَالَة وَلَا إِشَارَة
قُلْنَا نَحن لَا نثبت حكم الرِّبَا فِي الْفُرُوع بعلة الْقدر وَالْجِنْس إِلَّا من الْوَجْه الَّذِي ثَبت حكم الرَّجْم فِي حق غير مَاعِز بعلة الزِّنَا بعد الْإِحْصَان فَإِن ماعزا إحْصَانه كَانَ مَوْجُودا قبل الزِّنَا ثمَّ لما ظهر مِنْهُ الزِّنَا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن إحْصَانه فَلَمَّا ظهر إحْصَانه عِنْده أَمر برجمه فَعرفنَا يَقِينا أَن عِلّة مَا أَمر بِهِ هُوَ مَا ظهر عِنْده وَالزِّنَا يصلح أَن يكون عِلّة لذَلِك لِأَن الْمَأْمُور بِهِ عُقُوبَة وَالزِّنَا جريمة يسْتَوْجب بهَا الْعقُوبَة والإحصان لَا يصلح أَن يكون عِلّة لِأَنَّهَا خِصَال حميدة وَبهَا يَسْتَفِيد الْمَرْء كَمَال الْحَال وتتم عَلَيْهِ النِّعْمَة فَلَا يصلح عِلّة للعقوبة وَلَكِن تتغلظ الْجِنَايَة بِالزِّنَا بعد وجودهَا لِأَن بِحَسب زِيَادَة النِّعْمَة يزْدَاد غلظ الجريمة أَلا ترى أَن الله تَعَالَى هدد نسَاء رَسُوله بِضعْف مَا هدد بِهِ سَائِر النِّسَاء فَقَالَ تَعَالَى {من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة} الْآيَة وَكَانَ ذَلِك لزِيَادَة النِّعْمَة عَلَيْهِنَّ وبتغلظ الجريمة تتغلظ الْعقُوبَة فَيصير رجما بعد أَن كَانَ جلدا فِي حق غير الْمُحصن فَعرفنَا أَن الْإِحْصَان حَال فِي الزَّانِي يصير الزِّنَا بِاعْتِبَارِهِ مُوجبا للرجم فَكَانَ شرطا وبمثل هَذَا الطَّرِيق تثبت عِلّة الرِّبَا فِي مَوضِع النَّص ثمَّ تعدى الحكم بِهِ إِلَى الْفُرُوع فَإِن النَّص قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ أَي بيعهَا وَقَوله مثل بِمثل تَفْسِير على معنى أَنه إِنَّمَا يكون بيعا فِي حَال مَا يكون مثلا بِمثل (وَالْفضل رَبًّا) أَي حَرَامًا بِسَبَب الرِّبَا فَيثبت بِالنَّصِّ أَن الْفضل محرم وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ المُرَاد كل فصل فَالْبيع مَا شرع إِلَّا للاستفضال والاسترباح وَإِنَّمَا المُرَاد الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض لِأَن البيع الْمَشْرُوع الْمُعَاوضَة فَلَا يجوز أَن يسْتَحق بِهِ فضلا خَالِيا عَن الْعِوَض ثمَّ خلو الْفضل عَن الْعِوَض لَا يظْهر يَقِينا بِعَدَد الحبات والحفنات وَلَا يظْهر إِلَّا بعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة قطعا فِي الْوَصْف الَّذِي صَار بِهِ محلا للْبيع وَهُوَ الْمَالِيَّة وَهَذِه الْمُسَاوَاة إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى مَعْرفَتهَا شرعا وَعرفا وَالشَّرْع إِنَّمَا أثبت هَذِه الْمُسَاوَاة
(2/126)

بِالْكَيْلِ لَا بالحبات والحفنات فَإِنَّهُ قَالَ (كَيْلا بكيل) وَكَذَلِكَ فِي عرف التُّجَّار إِنَّمَا يطْلب الْمُسَاوَاة بَين الْحِنْطَة وَالْحِنْطَة بِالْكَيْلِ وَعند الْإِتْلَاف يجب ضَمَان الْمثل بِالنَّصِّ وَيعْتَبر ذَلِك بِالْكَيْلِ فَثَبت بِهَذَا الطَّرِيق أَن الْعلَّة الْمُوجبَة للْحُرْمَة مَا يكون مؤثرا فِي الْمُسَاوَاة حَتَّى يظْهر بعده الْفضل الْخَالِي عَن الْمُقَابلَة فَيكون حَرَامًا بِمَنْزِلَة سَائِر الْأَشْيَاء الَّتِي لَهَا طول وَعرض إِذا قوبل وَاحِد بآخر وَبَقِي فضل فِي أحد الْجَانِبَيْنِ يكون خَالِيا عَن الْمُقَابلَة
ثمَّ الْمُسَاوَاة من حَيْثُ الذَّات لَا تعرف إِلَّا بِالْجِنْسِ وَمن حَيْثُ الْقدر على الْوَجْه الَّذِي هُوَ مُعْتَبر شرعا وَعرفا
لَا يعرف إِلَّا بِالْكَيْلِ وَهَذِه الْمُسَاوَاة لَا يتَيَقَّن إِلَّا بعد سُقُوط قيمَة الْجَوْدَة فأسقطنا قيمَة الْجَوْدَة مِنْهَا عِنْد الْمُقَابلَة بجنسها بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام (جيدها ورديئها سَوَاء) وبدليل شَرْعِي وَهُوَ حُرْمَة الِاعْتِيَاض عَنْهَا بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ لَو بَاعَ قفيز حِنْطَة جَيِّدَة بقفيز حِنْطَة رَدِيئَة وَدِرْهَم على أَن يكون الدِّرْهَم بِمُقَابلَة الْجَوْدَة لَا يجوز وَمَا يكون مَالا مُتَقَوّما يجوز الِاعْتِيَاض عَنهُ شرعا إِلَّا أَن إِسْقَاط قيمَة الْجَوْدَة يكون شرطا لَا عِلّة لِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهَا فِي إِحْدَاث الْمُسَاوَاة فِي الْمحل وَالْحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وجوب الْمُسَاوَاة فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْإِحْصَان لإِيجَاب الرَّجْم والمساواة الَّتِي هِيَ الحكم لما كَانَ يثبت بِالْقدرِ وَالْجِنْس عرفنَا أَن هذَيْن الوصفين هما الْعلَّة وَقد وجد التَّنْصِيص عَلَيْهَا فِي حَدِيث الرِّبَا بِمَنْزِلَة الزِّنَا فَإِنَّهُ مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي حَدِيث مَاعِز وَهُوَ مُؤثر فِي إِيجَاب الحكم فَعرفنَا أَنه عِلّة فِيهِ ثمَّ بعد مَا ثَبت الْمُسَاوَاة قطعا فِي صفة الْمَالِيَّة بِاعْتِبَار الْقدر إِذا كَانَ فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فضل فَهُوَ خَال عَن الْعِوَض فَيكون رَبًّا حَرَامًا لَا يجوز أَن يكون مُسْتَحقّا بِالْبيعِ وَإِذا جعل مَشْرُوطًا فِي البيع يفْسد بِهِ البيع وَهَذَا فضل ظهر شرعا وَلَو ظهر شرطا بِأَن بَاعَ من آخر عبدا بِعَبْد على أَن يسلم إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك ثوبا قد عينه من غير أَن يكون بِمُقَابلَة الثَّوْب عوض فَإِنَّهُ لَا يجوز ذَلِك البيع فَكَذَلِك إِذا ثَبت شرعا أَلا ترى أَنه لما ثَبت شرعا اسْتِحْقَاق صفة السَّلامَة عَن الْعَيْب بِمُطلق البيع فَإِذا فَاتَ ذَلِك يثبت حق الرَّد بِمَنْزِلَة مَا هُوَ ثَابت شرطا بِأَن يَشْتَرِي عبدا على
(2/127)

أَنه كَاتب فيجده غير كَاتب وَبِهَذَا تبين أَن مَا صرنا إِلَيْهِ هُوَ الِاعْتِبَار الْمَأْمُور بِهِ فَإِنَّهُ تَأمل فِي معنى النُّصُوص لإضافة الحكم إِلَى الْوَصْف الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ بِمَنْزِلَة إِضَافَة الْهَلَاك إِلَى الْكفْر الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ وَالرَّجم إِلَى الزِّنَا الَّذِي هُوَ مُؤثر فِيهِ وكل عَاقل يعرف أَن قوام أُمُوره بِمثل هَذَا الرَّأْي فالآدمي مَا سخر غَيره مِمَّن فِي الأَرْض إِلَّا بِهَذَا الرَّأْي وَمَا ظهر التَّفَاوُت بَينهم فِي الْأُمُور العاجلة إِلَّا بالتفاوت فِي هَذَا الرَّأْي فالمنكر لَهُ يكون مُتَعَنتًا
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم} والاستنباط لَيْسَ إِلَّا اسْتِخْرَاج الْمَعْنى من الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ
وَقيل المُرَاد بأولي الْأَمر أُمَرَاء السَّرَايَا وَقيل المُرَاد الْعلمَاء وَهُوَ الْأَظْهر فَإِن أُمَرَاء السَّرَايَا إِنَّمَا يستنبطون بِالرَّأْيِ إِذا كَانُوا عُلَمَاء واستنباط الْمَعْنى من الْمَنْصُوص بِالرَّأْيِ إِمَّا أَن يكون مَطْلُوبا لتعدية حكمه إِلَى نَظَائِره وَهُوَ عين الْقيَاس أَو ليحصل بِهِ طمأنينة الْقلب وطمأنينة الْقلب إِنَّمَا تحصل بِالْوُقُوفِ على الْمَعْنى الَّذِي لأَجله ثَبت الحكم فِي الْمَنْصُوص وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى جعل هَذِه الشَّرِيعَة نورا وشرحا للصدور فَقَالَ {أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه} وَالْقلب يرى الْغَائِب بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ كَمَا أَن الْعين ترى الْحَاضِر بِالنّظرِ إِلَيْهِ أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي بَيَان حَال من ترك التَّأَمُّل {فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور} ثمَّ فِي رُؤْيَة الْعين لَا إِشْكَال أَنه يحصل بِهِ من الطُّمَأْنِينَة فَوق مَا يحصل بالْخبر وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة وَنحن نعلم أَن الضال عَن الطَّرِيق (الْعَادِل) يكون ضيق الصَّدْر فَإِذا أخبرهُ مخبر بِالطَّرِيقِ واعتقد الصدْق فِي خَبره يتَبَيَّن فِي صَدره بعض الانشراح وَإِنَّمَا يتم انْشِرَاح صَدره إِذا عاين أَعْلَام الطَّرِيق الْعَادِل فَكَذَلِك فِي رُؤْيَة الْقلب فَإِنَّهُ إِذا تَأمل فِي الْمَعْنى الْمَنْصُوص حَتَّى وقف عَلَيْهِ يتم بِهِ انْشِرَاح صَدره وتتحقق طمأنينة قلبه وَذَلِكَ بِالنورِ الَّذِي جعله الله فِي قلب كل مُسلم فالمنع من هَذَا التَّأَمُّل وَالْأَمر بِالْوُقُوفِ على مَوَاضِع النَّص من غير طلب الْمَعْنى فِيهِ يكون بقوله تَعَالَى {لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم} نوع حجر ورفعا
(2/128)

لتحقيق معنى انْشِرَاح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب الثَّابِت
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وعندكم الْقيَاس لَا يُوجب الْعلم والمجتهد قد يخطىء وَقد يُصِيب قُلْنَا نعم وَلَكِن يحصل لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْعلم من طَرِيق الظَّاهِر على وَجه يطمئن قلبه وَإِن كَانَ لَا يدْرك مَا هُوَ الْحق بِاجْتِهَادِهِ لَا محَالة فَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى {فَإِن علمتموهن مؤمنات} فَإِن المُرَاد بِهِ الْعلم من حَيْثُ الظَّاهِر
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَأكْثر المشروعات بِخِلَاف الْمَعْهُود الْمُعْتَاد بَين النَّاس قُلْنَا نعم هُوَ بِخِلَاف الْمَعْهُود الْمُعْتَاد عِنْد اتِّبَاع هوى النَّفس وإشارتها وَأما إِذا ترك ذَلِك وَرجع إِلَى مَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يرجع إِلَيْهِ فَإِن يكون ذَلِك مُوَافقا لما هُوَ الْمَعْهُود الْمُعْتَاد عِنْد الْعُقَلَاء فباعتبار هَذَا التَّأَمُّل يحصل الْبَيَان على وَجه يطمئن الْقلب إِلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء واعتقاد الحقية فِي النُّصُوص فرض حق وَطلب طمأنينة الْقلب فِيهِ حسن كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ {قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي}
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} فقد بَينا أَن المُرَاد بِهِ الْقيَاس الصَّحِيح وَالرُّجُوع إِلَيْهِ عِنْد الْمُنَازعَة وَفِيه بَيَان أَن الرُّجُوع إِلَيْهِ يكون بِأَمْر الله وَأمر الرَّسُول
وَلَا يجوز أَن يُقَال المُرَاد هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ علق ذَلِك بالمنازعة وَالْأَمر بِالْعَمَلِ بِالْكتاب وَالسّنة غير مُتَعَلق بِشَرْط الْمُنَازعَة وَلِأَن الْمُنَازعَة بَين الْمُؤمنِينَ فِي أَحْكَام الشَّرْع قَلما تقع فِيمَا فِيهِ نَص من كتاب أَو سنة فَعرفنَا أَن المُرَاد بِهِ الْمُنَازعَة فِيمَا لَيْسَ فِي عينه نَص وَأَن المُرَاد هُوَ الْأَمر بِالرَّدِّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة بطرِيق التَّأَمُّل فِيمَا هُوَ مثل ذَلِك الشَّيْء من الْمَنْصُوص وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الْمُمَاثلَة بإعمال الرَّأْي وَطلب الْمَعْنى فِيهِ
ثمَّ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الصَّحَابَة فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن تخفى
(2/129)

فَوجه من ذَلِك مَا علمنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من طَرِيق المقايسة على مَا رُوِيَ أَنه قَالَ لعمر حِين سَأَلَهُ عَن الْقبْلَة فِي حَالَة الصَّوْم أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك وَهَذَا تَعْلِيم المقايسة فَإِن بالقبلة يفْتَتح طَرِيق اقْتِضَاء الشَّهْوَة وَلَا يحصل بِعَيْنِه اقْتِضَاء الشَّهْوَة كَمَا أَن بِإِدْخَال المَاء فِي الْفَم يفْتَتح طَرِيق الشّرْب وَلَا يحصل بِهِ الشّرْب
وَقَالَ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت تقضينه فَقَالَت نعم قَالَ فدين الله أَحَق وَهَذَا تَعْلِيم المقايسة وَبَيَان بطرِيق إِعْمَال الرَّأْي
وَقَالَ للَّذي سَأَلَهُ عَن قَضَاء رَمَضَان مُتَفَرقًا أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَيْك دين فَقضيت الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ أَكَانَ يقبل مِنْك قَالَ نعم فَقَالَ الله أَحَق بالتجاوز وَقَالَ للمستحاضة إِنَّه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صَلَاة فَهَذَا تَعْلِيم للمقايسة بطرِيق أَن النَّجس لما سَالَ حَتَّى صَار ظَاهرا وَوَجَب غسل ذَلِك الْموضع للتطهير وَجب تَطْهِير أَعْضَاء الْوضُوء بِهِ
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام الْهِرَّة لَيست بنجسة لِأَنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات وَهَذَا تَعْلِيم للمقايسة بِاعْتِبَار الْوَصْف الَّذِي هُوَ مُؤثر فِي الحكم فَإِن الطوف مُؤثر فِي معنى التَّخْفِيف وَدفع صفة النَّجَاسَة لأجل عُمُوم الْبلوى والضرورة فَظهر أَنه علمنَا الْقيَاس وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ كَمَا علمنَا أَحْكَام الشَّرْع وَمَعْلُوم أَنه مَا علمنَا ذَلِك لنعمل بِهِ فِي مُعَارضَة النُّصُوص فَعرفنَا أَنه علمنَا ذَلِك لنعمل بِهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ
وَوجه آخر أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمر أَصْحَابه بذلك فَإِنَّهُ قَالَ لِمعَاذ رَضِي الله عَنهُ حِين وَجهه إِلَى الْيمن بِمَ تقضي قَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله قَالَ بِسنة رَسُول الله
قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي سنة رَسُول الله قَالَ اجْتهد رَأْيِي
قَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضى بِهِ رَسُوله وَقَالَ لأبي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ حِين وَجهه إِلَى الْيَمين اقْضِ بِكِتَاب الله فَإِن لم تَجِد فبسنة رَسُول الله فَإِن لم تَجِد فاجتهد رَأْيك وَقَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ اقْضِ بَين هذَيْن قَالَ على مَاذَا أَقْْضِي فَقَالَ على أَنَّك إِن اجتهدت فَأَصَبْت
(2/130)

فلك عشر حَسَنَات وَإِن أَخْطَأت فلك حَسَنَة وَاحِدَة فَلَو لم يكن اجْتِهَاد الرَّأْي فِيمَا لَا نَص فِيهِ مدْركا من مدارك أَحْكَام الشَّرْع لما أَمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَضْرَتِهِ
وَوجه آخر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يشاور أَصْحَابه فِي أُمُور الْحَرْب تَارَة وَفِي أَحْكَام الشَّرْع تَارَة أَلا ترى أَنه شاورهم فِي أَمر الْأَذَان والقصة فِيهِ مَعْرُوفَة وشاورهم فِي مفاداة الْأُسَارَى يَوْم بدر حَتَّى أَشَارَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ وَأَشَارَ عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْقَتْلِ فَاسْتحْسن مَا أَشَارَ بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِرَأْيهِ حَتَّى شبه أَبَا بكر فِي ذَلِك بإبراهيم من الْأَنْبِيَاء حَيْثُ قَالَ {وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم} وبميكائيل من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ ينزل بِالرَّحْمَةِ وَشبه عمر بِنوح من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام حَيْثُ قَالَ {لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} وبجبريل من الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ ينزل بِالْعَذَابِ ثمَّ مَال إِلَى رَأْي أبي بكر
فَإِن قيل فَفِي ذَلِك نزل قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم} الْآيَة وَلَو كَانَ مستحسنا لما عوتبوا عَلَيْهِ
قُلْنَا العتاب مَا كَانَ فِي المشورة بل فِيمَا نَص الله عَلَيْهِ بقوله {لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم} ثمَّ هَذَا إِنَّمَا يلْزم من يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب وَنحن لَا نقُول بِهَذَا وَلَكِن نقُول إِعْمَال الرَّأْي والمشورة مستحسن ثمَّ الْمُجْتَهد قد يخطىء وَقد يُصِيب كَمَا فِي هَذِه الْحَادِثَة فقد شاورهما رَسُول الله واجتهد كل وَاحِد مِنْهُم رَأْيه ثمَّ أصَاب أَحدهمَا دون الآخر وَبِهَذَا تبين أَن قَوْله {وشاورهم فِي الْأَمر} لَيْسَ فِي الْحَرْب خَاصَّة وَلَكِن يتَنَاوَل كل مَا يَتَأَتَّى فِيهِ إِعْمَال الرَّأْي وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا يَوْمًا وَقد شاورهما فِي شَيْء قولا فَإِنِّي فِيمَا لم يُوح إِلَيّ مثلكما وَقد تَركهم رَسُول الله على الْمُشَاورَة بعده فِي أَمر الْخلَافَة حِين لم ينص على أحد بِعَيْنِه مَعَ علمه أَنه لَا بُد لَهُم من ذَلِك وَلما شاوروا فِيهِ تكلم كل وَاحِد بِرَأْيهِ إِلَى أَن اسْتَقر الْأَمر على مَا قَالَه عمر بطرِيق المقايسة والرأي فَإِنَّهُ قَالَ أَلا ترْضونَ لأمر
(2/131)

دنياكم بِمن رَضِي بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمر دينكُمْ
يَعْنِي الْإِمَامَة للصَّلَاة وَاتَّفَقُوا على رَأْيه وَأمر الْخلَافَة من أهم مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الشَّرْع وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز الْعَمَل فِيهِ بطرِيق الْقيَاس وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول إِن كَانَ هَذَا قِيَاسا فَهُوَ منتقض فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اسْتخْلف عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ليُصَلِّي بِالنَّاسِ وَلم يكن ذَلِك دَلِيل كَونه خَليفَة بعده وَذَلِكَ لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَشَارَ إِلَى الِاسْتِدْلَال على وَجه لَا يرد هَذَا النَّقْض وَهُوَ أَنه فِي حَال توفر الصَّحَابَة وَحُضُور جَمَاعَتهمْ وَوُقُوع الْحَاجة إِلَى الِاسْتِخْلَاف خص أَبَا بكر بِأَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْدَمَا راجعوه فِي ذَلِك وَسموا لَهُ غَيره كل هَذَا قد صَار مَعْلُوما بِإِشَارَة كَلَامه وَإِن لم ينص عَلَيْهِ وَلم يُوجد ذَلِك فِي حق عبد الرَّحْمَن وَلَا فِي حق غَيره
ثمَّ عمر جعل الْأَمر شُورَى بعده بَين سِتَّة نفر فاتفقوا بِالرَّأْيِ على أَن يجْعَلُوا الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى عبد الرَّحْمَن بَعْدَمَا أخرج نَفسه مِنْهَا فَعرض على عَليّ أَن يعْمل بِرَأْي أَبى بكر وَعمر فَقَالَ أعمل بِكِتَاب الله وبسنة رَسُول الله ثمَّ أجتهد رَأْيِي وَعرض على عُثْمَان هَذَا الشَّرْط أَيْضا فَرضِي بِهِ فقلده وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ علم أَن النَّاس قد استحسنوا سيرة العمرين فَتبين بِهَذَا أَن الْعَمَل بِالرَّأْيِ كَانَ مَشْهُورا مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الصَّحَابَة ثمَّ محاجتهم بِالرَّأْيِ فِي الْمسَائِل لَا تخفى على أحد فَإِنَّهُم تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْإِخْوَة وَشبهه بَعضهم بواد يتشعب مِنْهُ نهر وَبَعْضهمْ بشجرة تنْبت غصنا وَقد بَينا ذَلِك فِي فروع الْفِقْه
وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي الْعَوْل وَفِي التَّشْرِيك فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم فِيهِ بِالرَّأْيِ وبالرأي اعْترضُوا على قَول عمر رَضِي الله عَنهُ فِي عدم التَّشْرِيك حِين قَالُوا هَب أَن أَبَانَا كَانَ حمارا حَتَّى رَجَعَ عمر إِلَى التَّشْرِيك فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مُجْمِعِينَ على جَوَاز الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَكفى بإجماعهم حجَّة
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى برأيي
وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي
وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من ظَاهره
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ إيَّاكُمْ وأرأيت
(2/132)

وأرأيت
قُلْنَا أما القَوْل بِالرَّأْيِ عَن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ فَهُوَ أشهر من أَن يُمكن إِنْكَاره لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلَالَة أَقُول قولا برأيي فَإِن يَك صَوَابا فَمن الله وَإِن يَك خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان
وَمَا رووا عَنهُ قد اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة فَقَالَ فِي بَعْضهَا إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى بِخِلَاف مَا أَرَادَ الله
وَلَئِن ثَبت مَا رووا فَإِنَّمَا استبعد قَوْله بِالرَّأْيِ فِيمَا فِيهِ نَص بِخِلَاف النَّص وَهَذَا لَا يجوز مِنْهُ وَلَا من غَيره وَلَا يظنّ بِهِ
وَأما عمر رَضِي الله عَنهُ فَالْقَوْل عَنهُ بِالرَّأْيِ أشهر من الشَّمْس وَبِه يتَبَيَّن أَن مُرَاده بذم الرَّأْي عِنْد مُخَالفَة النَّص أَو الْإِعْرَاض عَن النَّص فِيمَا فِيهِ نَص والاشتغال بِالرَّأْيِ الَّذِي فِيهِ مُوَافقَة هوى النَّفس وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ فِي قَوْله أعيتهم السّنة أَن يحفظوها
وَالْقَوْل بِالرَّأْيِ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ مَشْهُور فَإِنَّهُ قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر على حُرْمَة بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن مُرَاده بقوله لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ أصل مَوْضُوع الشَّرْع وَبِه نقُول فَإِن أصل أَحْكَام الشَّرْع غير مَبْنِيّ على الرَّأْي وَلِهَذَا لَا يجوز إِثْبَات الحكم بِهِ ابْتِدَاء
وَقد اشْتهر القَوْل بِالرَّأْيِ عَن ابْن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ فِي المفوضة أجتهد رَأْيِي
فَعرفنَا أَن مُرَاده ذمّ السُّؤَال على وَجه التعنت بَعْدَمَا يتَبَيَّن الْحق أَو التَّكَلُّف فِيمَا لَا يحْتَاج الْمَرْء إِلَيْهِ وَهُوَ نَظِير قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ذروني مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ والْآثَار الَّتِي ذكرهَا مُحَمَّد فِي أول أدب القَاضِي كلهَا دَلِيل على أَنهم (كَانُوا) مُجْمِعِينَ على الْعَمَل بِالرَّأْيِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيث عمر حِين كتب إِلَى أبي مُوسَى اعرف الْأَمْثَال والأشباه وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك
وَذكر عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لقد أَتَى علينا زمَان لسنا نسْأَل ولسنا هُنَالك
الحَدِيث
فاتضح بِمَا ذكرنَا اتِّفَاقهم على الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي أَحْكَام الشَّرْع
فَأَما من طعن فِي السّلف من نفاة الْقيَاس لاحتجاجهم بِالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَام فَكَلَامه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا}
(2/133)

لِأَن الله تَعَالَى أثنى عَلَيْهِم فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَمَا قَالَ تَعَالَى {مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه} الْآيَة وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصفهم بِأَنَّهُم خير النَّاس فَقَالَ خير النَّاس قَرْني الَّذين أَنا فيهم والشريعة إِنَّمَا بلغتنا بنقلهم فَمن طعن فيهم فَهُوَ ملحد منابذ لِلْإِسْلَامِ دواؤه السَّيْف إِن لم يتب
وَمن قَالَ مِنْهُم إِن القَوْل بِالرَّأْيِ كَانَ من الصَّحَابَة على طَرِيق التَّوَسُّط وَالصُّلْح دون إِلْزَام الحكم فَهُوَ مكابر جَاحد لما هُوَ مَعْلُوم ضَرُورَة لِأَن الَّذين نقلوا إِلَيْنَا مَا احْتَجُّوا بِهِ من الرَّأْي فِي الْأَحْكَام قوم عالمون عارفون بِالْفرقِ بَين الْقَضَاء وَالصُّلْح فَلَا يظنّ بهم أَنهم أطْلقُوا لفظ الْقَضَاء فِيمَا كَانَ طَرِيقه طَرِيق الصُّلْح بِأَن لم يعرفوا الْفرق بَينهمَا أَو قصدُوا التلبيس وَلَا يُنكر أَنه كَانَ فِي ذَلِك مَا هُوَ بطرِيق الصُّلْح كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود حِين تحاكم إِلَيْهِ الْأَعرَابِي مَعَ عُثْمَان أرى أَن يَأْتِي هَذَا واديه فيعطي بِهِ ثمَّ إبِلا مثل إبِله وفصلانا مثل فصلانه
فَرضِي بذلك عُثْمَان
وَفِي قَوْله فَرضِي بِهِ بَيَان أَن هَذَا كَانَ بطرِيق الصُّلْح فَعرفنَا أَن فِيمَا لم يذكر مثل هَذَا اللَّفْظ أَو ذكر لفظ الْقَضَاء وَالْحكم فَالْمُرَاد بِهِ الْإِلْزَام وَقد كَانَ بعض ذَلِك على سَبِيل الْفَتْوَى والمفتي فِي زَمَاننَا يبين الحكم للمستفتي وَلَا يَدعُوهُ إِلَى الصُّلْح إِلَّا نَادرا فَكَذَلِك فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد كَانَ بعض ذَلِك بَيَانا فِيمَا لم يكن فِيهِ خُصُومَة أَولا تجْرِي فِيهِ الْخُصُومَة كالعبادات وَالطَّلَاق وَالْعتاق نَحْو اخْتلَافهمْ فِي أَلْفَاظ الْكِنَايَات وَاعْتِبَار عدد الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَمَا أشبه ذَلِك فَعرفنَا أَن قَول من قَالَ لم يكن ذَلِك مِنْهُم إِلَّا بطرِيق الصُّلْح والتوسط مُنكر من القَوْل وزور
وَمِنْهُم من قَالَ كَانُوا مخصوصين بِجَوَاز الْعَمَل وَالْفَتْوَى بِالرَّأْيِ كَرَامَة لَهُم كَمَا كَانَ رَسُول الله مَخْصُوصًا بِأَن قَوْله مُوجب للْعلم قطعا أَلا ترى أَنه قد ظهر مِنْهُم الْعَمَل فِيمَا فِيهِ نَص بِخِلَاف النَّص بِالرَّأْيِ وبالاتفاق ذَلِك غير جَائِز لأحد بعدهمْ فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مخصوصين بذلك
وَبَيَان هَذَا فِيمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج لصلح بَين الْأَنْصَار فَأذن بِلَال وَأقَام فَتقدم أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ للصَّلَاة فجَاء رَسُول الله وَهُوَ فِي الصَّلَاة الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ
(2/134)

فَأَشَارَ على أبي بكر أَن أثبت فِي مَكَانك وَرفع أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ يَدَيْهِ وَحمد الله ثمَّ اسْتَأْخَرَ وَتقدم رَسُول الله وَكَانَت سنة الْإِمَامَة لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْلُوما بِالنَّصِّ ثمَّ تقدم أَبُو بكر بِالرَّأْيِ وَقد أمره أَن يثبت فِي مَكَانَهُ نصا ثمَّ اسْتَأْخَرَ بِالرَّأْيِ
وَلما أَرَادَ رَسُول الله أَن يتَقَدَّم للصَّلَاة على ابْن أبي الْمُنَافِق جذب عمر رَضِي الله عَنهُ رِدَاءَهُ وَفِي رِوَايَة استقبله وَجعل يمنعهُ من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ بِالرَّأْيِ ثمَّ نزل الْقُرْآن على مُوَافقَة رَأْيه يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} وَلما أَرَادَ عَليّ أَن يكْتب كتاب الصُّلْح عَام الْحُدَيْبِيَة كتب هَذَا مَا صَالح مُحَمَّد رَسُول الله وَسُهيْل بن عَمْرو على أهل مَكَّة
قَالَ سُهَيْل لَو عرفناك رَسُولا مَا حاربناك اكْتُبْ مُحَمَّد بن عبد الله فَأمر رَسُول الله عليا أَن يمحو رَسُول الله فَأبى عَليّ رَضِي الله عَنهُ ذَلِك حَتَّى أمره أَن يرِيه مَوْضِعه فمحاه رَسُول الله بِيَدِهِ وَكَانَ هَذَا الإباء من عَليّ بِالرَّأْيِ فِي مُقَابلَة النَّص
وَقد كَانَ الحكم للمسبوق أَن يبْدَأ بِقَضَاء مَا سبق بِهِ ثمَّ يُتَابع الإِمَام حَتَّى جَاءَ معَاذ يَوْمًا وَقد سبقه رَسُول الله بِبَعْض الصَّلَاة فتابعه فِيمَا بَقِي ثمَّ قضى مَا فَاتَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله مَا حملك على مَا صنعت قَالَ وَجَدْتُك على شَيْء فَكرِهت أَن أخالفك عَلَيْهِ
فَقَالَ سنّ لكم معَاذ سنة حَسَنَة فاستنوا بهَا وَكَانَ هَذَا مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص ثمَّ استصوبه رَسُول الله فِي ذَلِك
وَأَبُو ذَر حِين بَعثه رَسُول الله مَعَ إبل الصَّدَقَة إِلَى الْبَادِيَة أَصَابَته جَنَابَة فصلى صلوَات بِغَيْر طَهَارَة إِلَى أَن جَاءَ إِلَى رَسُول الله الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ لَهُ التُّرَاب كافيك وَلَو إِلَى عشر حجج مَا لم تَجِد المَاء وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص
وَكَذَلِكَ عَمْرو بن الْعَاصِ أَصَابَته جَنَابَة فِي لَيْلَة بَارِدَة فَتَيَمم وَأم أَصْحَابه مَعَ وجود المَاء وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ عملا بِالرَّأْيِ فِي مَوضِع النَّص ثمَّ لم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك فَعرفنَا أَنهم كَانُوا مخصوصين بذلك
وَكَذَلِكَ ظهر مِنْهُم الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا يعرف بِالرَّأْيِ من الْمَقَادِير نَحْو حد الشّرْب كَمَا قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ ثَبت بآرائنا
وَلَا وَجه لذَلِك إِلَى الْحمل على معنى الخصوصية
لَا بَيَان الْكَرَامَة لَهُم لِأَن كرامتهم إِنَّمَا تكون بِطَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله فالسعي لإِظْهَار مُخَالفَة مِنْهُم فِي أَمر الله وَأمر الرَّسُول يكون طَعنا فيهم وَمَعْلُوم أَن رَسُول الله مَا وَصفهم بِأَنَّهُم خير النَّاس إِلَّا بعد علمه بِأَنَّهُم أطوع النَّاس لَهُ وَأظْهر النَّاس انقيادا لأَمره وتعظيما لأحكام الشَّرْع وَلَو جَازَ إِثْبَات مُخَالفَة الْأَمر بِالرَّأْيِ لَهُم بطرِيق الْكَرَامَة والاختصاص بِنَاء على الْخَيْرِيَّة الَّتِي وَصفهم بهَا رَسُول الله لجَاز مثل ذَلِك لمن بعدهمْ بِنَاء على مَا وَصفهم الله بِهِ بقوله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس}
(2/135)

وَالْجَوَاب أَن نقُول هَذَا الْكَلَام عِنْد التَّأَمُّل فِيهِ من جنس الطعْن عَلَيْهِم الْآيَة وَلَو جَازَ ذَلِك فِي فتاويهم لجَاز فِيمَا نقلوا إِلَيْنَا من أَحْكَام الشَّرْع فَتبين أَن هَذَا من جنس الطعْن وَأَنه لَا بُد من طلب التَّأْوِيل فِيمَا كَانَ مِنْهُم فِي صُورَة الْخلاف ظَاهرا بِمَا هُوَ تَعْظِيم وموافقة فِي الْحَقِيقَة
وَوجه ذَلِك بطرِيق الْفِقْه أَن نقُول قد كَانَ من الْأُمُور مَا فِيهِ احْتِمَال معنى الرُّخْصَة وَالْإِكْرَام أَو معنى الْعَزِيمَة والإلزام ففهموا أَن مَا اقْترن بِهِ من دلَالَة الْحَال أَو غَيره مِمَّا يتَبَيَّن بِهِ أحد المحتملين ثمَّ رَأَوْا التَّمَسُّك بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة أولى لَهُم من التَّرَخُّص بِالرُّخْصَةِ وَهَذَا أصل فِي أَحْكَام الشَّرْع
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث الصّديق فَإِن إِشَارَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ بِأَن يثبت فِي مَكَانَهُ كَانَ مُحْتملا معنى الْإِكْرَام لَهُ وَمعنى الْإِلْزَام وَعلم بِدلَالَة الْحَال أَنه على سَبِيل التَّرَخُّص وَالْإِكْرَام لَهُ فَحَمدَ الله تَعَالَى على ذَلِك ثمَّ تَأَخّر تمسكا بالعزيمة الثَّابِتَة بقوله تَعَالَى {لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله مَا كَانَ لِابْنِ أبي قُحَافَة أَن يتَقَدَّم بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَكَذَلِكَ كَانَ تقدمه للْإِمَامَة قبل أَن يحضر رَسُول الله فَإِن التَّأْخِير إِلَى أَن يحضر كَانَ رخصَة ومراعاة حق الله فِي أَدَاء الصَّلَاة فِي الْوَقْت الْمَعْهُود كَانَ عَزِيمَة فَإِنَّمَا قصد التَّمَسُّك بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة لعلمه أَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يستحسن ذَلِك مِنْهُ فَعرفنَا أَنه مَا قصد إِلَّا تَعْظِيم أَمر الله وتعظيم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا بَاشرهُ
(2/136)

بِالرَّأْيِ
وَكَذَلِكَ فعل عمر رَضِي الله عَنهُ بالامتناع من الصَّلَاة على من شهد الله بِكُفْرِهِ وَهُوَ الْعَزِيمَة لِأَن الصَّلَاة على الْمَيِّت الْمُسلم يكون إِكْرَاما لَهُ وَذَلِكَ لَا يشك فِيهِ إِذا كَانَ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا أَن التَّقَدُّم للصَّلَاة عَلَيْهِ كَانَ بطرِيق حسن الْعشْرَة ومراعاة قُلُوب الْمُؤمنِينَ من قراباته فجذب عمر رِدَاءَهُ تمسكا بِمَا هُوَ الْعَزِيمَة وتعظيما لرَسُول الله لَا قصدا مِنْهُ إِلَى مُخَالفَته
وَكَذَلِكَ حَدِيث عَليّ فَإِنَّهُ أَبى أَن يمحو ذَلِك تَعْظِيمًا لرَسُول الله وَهُوَ الْعَزِيمَة وَقد علم أَن رَسُول الله مَا قصد بِمَا أَمر بِهِ إِلَّا تتميم الصُّلْح لما رأى فِيهِ من الْحَظ للْمُسلمين بفراغ قُلُوبهم وَلَو علم عَليّ أَن ذَلِك كَانَ أمرا بطرِيق الْإِلْزَام لمحاه من سَاعَته أَلا ترى أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّك ستبعثني فِي أَمر أفأكون فِيهِ كالسكة المحماة أم الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فَقَالَ بل الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب فَبِهَذَا تبين أَنه عرف بِأَن ذَلِك الْأَمر مِنْهُ لم يكن إلزاما وَرَأى إِظْهَار الصلابة فِي الدّين بِمحضر من الْمُشْركين عَزِيمَة فتمسك بِهِ ثمَّ الرَّغْبَة فِي الصُّلْح مَنْدُوب إِلَيْهِ الإِمَام بِشَرْط أَن يكون فِيهِ مَنْفَعَة للْمُسلمين وَتَمام هَذِه الْمَنْفَعَة فِي أَن يظْهر الإِمَام الْمُسَامحَة والمساهلة مَعَهم فِيمَا يطْلبُونَ وَيظْهر الْمُسلمُونَ الْقُوَّة والشدة فِي ذَلِك ليعلم الْعَدو أَنهم لَا يرغبون فِي الصُّلْح لضعفهم فلأجل هَذَا فعل عَليّ رَضِي الله عَنهُ مَا فعله وَكَأَنَّهُ تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا} وَكَذَلِكَ حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ فَإِن السّنة الَّتِي كَانَت فِي حق الْمَسْبُوق من الْبِدَايَة بِمَا فَاتَهُ فِيهَا احْتِمَال معنى الرُّخْصَة ليَكُون الْأَدَاء عَلَيْهِ أيسر فَوقف معَاذ على ذَلِك وَعرف أَن الْعَزِيمَة مُتَابعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واعتقاد الْغَنِيمَة فِيمَا أدْركهُ مَعَه فاشتغل بإحراز ذَلِك أَولا تمسكا بالعزيمة لَا مُخَالفَة للنَّص
وَكَذَلِكَ حَدِيث أبي ذَر إِن صَحَّ أَنه أدّى صلَاته فِي تِلْكَ الْحَالة بِغَيْر طَهَارَة فَإِن فِي حكم التَّيَمُّم للْجنب بعض الِاشْتِبَاه فِي النَّص بِاعْتِبَار الْقِرَاءَتَيْن {أَو لامستم}
(2/137)

{أَو لامستم النِّسَاء} فَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْده أَن المُرَاد الْمس بالي وَأَنه لَا يجوز التَّيَمُّم للْجنب كَمَا هُوَ مَذْهَب عمر وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا ثمَّ رأى أَن بِسَبَب الْعَجز يسْقط عَنهُ فرض الطَّهَارَة فِي الْوَقْت وَأَن أَدَاء الصَّلَاة فِي الْوَقْت عَزِيمَة فاشتغل بِالْأَدَاءِ تَعْظِيمًا لأمر الله وتمسكا بالعزيمة
وَكَذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ رأى أَن فرض الِاغْتِسَال سَاقِط عَنهُ لما يلْحقهُ من الْحَرج بِسَبَب الْبرد أَو لخوفه الْهَلَاك على نَفسه وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن التَّيَمُّم مَشْرُوع لدفع الْحَرج فَعرفنَا أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْآثَار معنى يُوهم مُخَالفَة النَّص من أحد مِنْهُم وَأَنَّهُمْ فِي تَعْظِيم رَسُول الله كَمَا وَصفهم الله بِهِ
وَأما حد الشّرْب فَإِنَّمَا أثبتوه اسْتِدْلَالا بِحَدّ الْقَذْف على مَا رُوِيَ أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ لعمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى وحد المفترين فِي كتاب الله ثَمَانُون جلدَة
ثمَّ الحكم الثَّابِت بِالْإِجْمَاع لَا يكون محالا بِهِ على الرَّأْي وَقد بَينا أَن الْإِجْمَاع يُوجب علم الْيَقِين والرأي لَا يُوجب ذَلِك ثمَّ هَذَا دَعْوَى الخصوصية من غير دَلِيل وَمن لَا يرى إِثْبَات شَيْء بِالْقِيَاسِ فَكيف يرى إِثْبَات مُجَرّد الدَّعْوَى من غير دَلِيل وَالْكتاب يشْهد بِخِلَاف ذَلِك فَالنَّاس فِي تَكْلِيف الِاعْتِبَار الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} سَوَاء وهم كَانُوا أَحَق بِهَذَا الْوَصْف وَهَذَا أقوى مَا نعتمده من الدَّلِيل الْمَعْقُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ لَا فرق بَين التَّأَمُّل فِي إشارات النّصْف فِيمَا أخبر الله بِهِ عَن الَّذين لحقهم المثلات بِسَبَب كفرهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب} الْآيَة لنعتبر بذلك وننزجر عَن مثل ذَلِك السَّبَب وَبَين التَّأَمُّل فِي إشارات النَّص فِي حَدِيث الرِّبَا ليعرف بِهِ أَن الْمحرم هُوَ الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض فَثَبت ذَلِك الحكم بِعَيْنِه فِي كل مَحل يتَحَقَّق فِيهِ الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض مَشْرُوطًا فِي البيع كالأرز والسمسم والجص وَمَا أشبه ذَلِك وَقد قَررنَا هَذَا يُوضحهُ أَن التَّأَمُّل فِي معنى النَّص الثَّابِت بِإِشَارَة ثمَّ التَّأَمُّل فِي ذَلِك للوقوف على طَرِيق الِاسْتِعَارَة حَتَّى يَجْعَل ذَلِك اللَّفْظ مستعارا فِي مَحل آخر بطريقه جَائِز مُسْتَقِيم من عمل الراسخين فِي الْعلم فَكَذَلِك التَّأَمُّل فِي مَعَاني النَّص لإِثْبَات حكم النَّص فِي كل مَوضِع علم أَنه مثل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهَذَا لنوعين من الْكَلَام أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى نَص على أَن الْقُرْآن تبيان لكل شَيْء بقوله تَعَالَى {ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا} صَاحب الشَّرْع بِمَنْزِلَة التَّأَمُّل فِي معنى اللِّسَان
(2/138)

الثَّابِت بِوَضْع وَاضع اللُّغَة {لكل شَيْء} وَلَا يتَمَكَّن أحد من أَن يَقُول كل شَيْء فِي الْقُرْآن باسمه الْمَوْضُوع لَهُ فِي اللُّغَة فَعرفنَا أَنه تبيان لكل شَيْء بِمَعْنَاهُ الَّذِي يسْتَدرك بِهِ حكمه وَمَا ثَبت بِالنَّصِّ فإمَّا أَن يُقَال هُوَ ثَابت بِصُورَة النَّص لَا غير أَو بِالْمَعْنَى الَّذِي صَار مَعْلُوما بِإِشَارَة النَّص وَالْأول بَاطِل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ} ثمَّ أحد لَا يَقُول إِن هَذَا نهي عَن صُورَة التأفيف دون الشتم وَالضَّرْب
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا يظْلمُونَ نقيرا} وَقَوله تَعَالَى {من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار} فَعرفنَا أَن ثُبُوت الحكم بِاعْتِبَار الْمَعْنى الَّذِي وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي النَّص
ثمَّ ذَلِك الْمَعْنى نَوْعَانِ جلي وخفي وَيُوقف على الْجَلِيّ بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلَا يُوقف على الْخَفي إِلَّا بِزِيَادَة التَّأَمُّل وَهُوَ المُرَاد بقوله {فاعتبروا} وَبَعْدَمَا ثَبت لُزُوم اعْتِبَار ذَلِك الْمَعْنى بِالنَّصِّ وَإِثْبَات الحكم فِي كل مَحل قد وجد فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى يكون إِثْبَاتًا بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَإِن لم يكن صِيغَة النَّص متناولا إِلَّا ترى أَن الحكم بِالرَّجمِ على مَاعِز لم يكن حكما على غَيره بِاعْتِبَار صورته وَلَكِن بِاعْتِبَار الْمَعْنى الَّذِي لأَجله توجه الحكم عَلَيْهِ بِالرَّجمِ كَانَ ذَلِك بَيَانا فِي حق سَائِر الْأَشْخَاص بِالنَّصِّ
وَالثَّانِي أَنه مَا من حَادِثَة إِلَّا وفيهَا حكم لله تَعَالَى من تَحْلِيل أَو تَحْرِيم أَو إِيجَاب أَو إِسْقَاط وَمَعْلُوم أَن كل حَادِثَة لَا يُوجد فِيهَا نَص فالنصوص مَعْدُودَة متناهية وَلَا نِهَايَة لما يَقع من الْحَوَادِث إِلَى قيام السَّاعَة وَفِي تَسْمِيَته حَادِثَة إِشَارَة إِلَى أَنه لَا نَص فِيهَا فَإِن مَا فِيهِ النَّص يكون أصلا معهودا
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة مَا اشتغلوا باعتماد نَص فِي كل حَادِثَة (طلبا أَو رِوَايَة فَعرفنَا أَنه لَا يُوجد نَص فِي كل حَادِثَة)
(2/139)

وَقد لزمنا معرفَة حكم الْحَادِثَة بِالْحجَّةِ بِحَسب الوسع فإمَّا أَن يكون الْحجَّة استنباط الْمَعْنى من النُّصُوص أَو اسْتِصْحَاب الْحَال كَمَا قَالُوا وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ فِي اسْتِصْحَاب الْحَال إِلَّا عمل بِلَا دَلِيل وَلَا دَلِيل جهل وَالْجهل لَا يصلح أَن يكون حجَّة بِاعْتِبَار الأَصْل وَهُوَ أَيْضا مِمَّا لَا يُوقف عَلَيْهِ فَمن الْمُحْتَمل أَن لَا يكون عِنْد بعض النَّاس فِيهِ دَلِيل وَيكون عِنْد بَعضهم وَالْقِيَاس من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا حجَّة وَإِن كَانَ لَا يُوجب علم الْيَقِين أَلا ترى أَن الشَّرْع جوز لنا الْإِقْدَام على الْمُبَاحَات لقصد تَحْصِيل الْمَنْفَعَة يَعْنِي المسافرة للتِّجَارَة والمحاربة لِلْعَدو وَالْغَلَبَة على الْأَعْدَاء بغالب الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي أَمر الْقبْلَة والاشتغال بالمعالجة لتَحْصِيل صفة الْبُرْء وكل ذَلِك إقدام من غير بِنَاء على مَا يُوجب علم الْيَقِين ثمَّ هُوَ حسن فِي بعض الْمَوَاضِع وَاجِب فِي بعض الْمَوَاضِع
وَكَذَلِكَ تَقْوِيم الْمُتْلفَات واعتقاد الْمَعْرُوف فِي النَّفَقَات والمتعة فَإِن ذَلِك مَنْصُوص عَلَيْهِ ثمَّ الْإِقْدَام عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ جَائِز فَكَانَ ذَلِك عملا بِالْحجَّةِ فَتبين أَن الْقيَاس من نوع الْعَمَل بِمَا هُوَ حجَّة فِي الأَصْل وَلكنه دون الثَّابِت من الحكم بِالنَّصِّ فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا فِي وضع لَا يُوجد فِيهِ نظر
فَأَما اسْتِصْحَاب الْحَال فَهُوَ عمل بِالْجَهْلِ فَلَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة الْمَحْضَة بِمَنْزِلَة تنَاول الْميتَة
وسنقرر هَذَا فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فبهم التَّقْرِير يتَبَيَّن أَن نفاة الْقيَاس يتمسكون بِالْجَهْلِ وَأَن فُقَهَاء الْأَمْصَار يعلمُونَ بِمَا هُوَ الْحق وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال
وَأما استدلالهم بقوله تَعَالَى {أَو لم يَكفهمْ} قُلْنَا نَحن نقُول بِأَن مَا أنزل من الْكتاب كَذَلِك وَلَكِن الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ مِمَّا أنزل فِي الْكتاب إِشَارَة وَإِن كَانَ لَا يُوجد فِيهِ نصا فَإِنَّهُ الِاعْتِبَار الْمَأْمُور بِهِ من قَوْله تَعَالَى {فاعتبروا} وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الحكم بِهِ حكم بِمَا أنزل الله فيضعف بِهِ استدلالهم بقوله تَعَالَى {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله} وَبِه يتَبَيَّن أَنه من جملَة مَا تنَاوله قَوْله تَعَالَى {تبيانا لكل شَيْء} وَقَوله تَعَالَى {وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} وَقد قيل المُرَاد بِالْكتاب هُنَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ
(2/140)

لَا يكون تقدما بَين يَدي الله وَرَسُوله بل هُوَ ائتمار بِأَمْر الله وَأمر رَسُوله وسلوك طَرِيق قد علم رَسُول الله أمته بِالْوُقُوفِ بِهِ على أَحْكَام الشَّرْع وَهَذَا لأَنا إِنَّمَا نثبت الحكم فِي الْفُرُوع بِالْعِلَّةِ المؤثرة وَالْعلَّة مَا صَارَت مُؤثرَة بآرائنا بل بِجعْل الله إِيَّاهَا مُؤثرَة وَإِنَّمَا إِعْمَال الرَّأْي فِي تَمْيِيز الْوَصْف الْمُؤثر من سَائِر أَوْصَاف الأَصْل وَإِظْهَار التَّأْثِير فِيهِ فَلَا يكون الْعَمَل فِيهِ عملا بِالرَّأْيِ إِنَّمَا التَّقَدُّم بَين يَدي الله وَرَسُوله فِيمَا ذهب إِلَيْهِ الْخصم من القَوْل بِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجد ذَلِك فِي كتاب الله نصا وَهُوَ لَا يجوز الاستنباط ليقف بِهِ على إِشَارَة النَّص فَيكون ذَلِك قولا بِغَيْر حجَّة ثمَّ يكون عَاملا فِي الْأَحْكَام بِلَا دَلِيل وَقد بَينا أَن هَذَا لَا يصلح أَن يكون حجَّة أَصْلِيَّة
وَأما قَوْله {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} فالمذكور هُوَ علم مُنكر فِي مَوضِع النَّفْي والنكرة فِي مَوضِع النَّفْي تعم فاستعمال الرَّأْي يثبت نوع علم من طَرِيق الظَّاهِر وَإِن كَانَ لَا يثبت علم الْيَقِين وبالاتفاق علم الْيَقِين لَيْسَ بِشَرْط لوُجُوب الْعَمَل وَلَا لجوازه فَإِن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَاجِب وَلَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ فِي الْحَرْب جَائِز وَفِي بَاب الْقبْلَة عِنْد الِاشْتِبَاه وَاجِب وَفِي المعالجة بالأدوية جَائِز وَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك لَا يُوجب علم الْيَقِين وَهَذَا لِأَن التَّكْلِيف بِحَسب الوسع وَلَيْسَ فِي وسعنا تَحْصِيل علم الْيَقِين فِي حكم كل حَادِثَة والحرج مَدْفُوع فَفِي إِثْبَات الْحجر عَن إِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَوَادِث الَّتِي لَا نَص فِيهَا من الْحَرج مَا لَا يخفى
ثمَّ لَا إِشْكَال أَن مَا يثبت من الْعلم بطرِيق الْقيَاس فَوق مَا يثبت باستصحاب الْحَال لِأَن اسْتِصْحَاب الْحَال إِنَّمَا يكون دَلِيلا عِنْدهم لعدم الدَّلِيل المغير وَذَلِكَ مِمَّا لَا يعلم يَقِينا قد يجوز أَن يكون الدَّلِيل المغير ثَابتا وَإِن لم يبلغ الْمُبْتَلى بِهِ وَلِهَذَا لَا تقبل الْبَيِّنَة على النَّفْي فِي بَاب الْخُصُومَات وَتقبل على الْإِثْبَات بِاعْتِبَار طَرِيق لَا يُوجب علم الْيَقِين فَإِن الشَّهَادَة بِالْملكِ لظَاهِر الْيَد أَو الْيَد مَعَ التَّصَرُّف تكون مَقْبُولَة وَإِن كَانَت لَا توجب علم الْيَقِين
فَأَما قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق} قُلْنَا مَا يظْهر عِنْد اسْتِعْمَال الرَّأْي بِالْوَصْفِ الْمُؤثر حق فِي حَقنا وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَنه هُوَ الْحق عِنْد الله تَعَالَى أَلا ترى أَن المتحري فِي بَاب الْقبْلَة يلْزمه التَّوَجُّه إِلَى الْجِهَة الَّتِي يسْتَقرّ عَلَيْهَا الرَّأْي وَمَعْلُوم أَنه لَا يلْزمه مُبَاشرَة مَا لَيْسَ بِحَق أصلا
(2/141)

فَعرفنَا أَنه حق عندنَا وَإِن كُنَّا لَا نقطع القَوْل بِأَنَّهُ الْحق عِنْد الله تَعَالَى فقد يُصِيب الْمُجْتَهد ذَلِك بِاجْتِهَادِهِ وَقد يخطىء ثمَّ التَّكْلِيف بِحَسب الوسع وَلَيْسَ فِي وَضعنَا الْوُقُوف على مَا هُوَ حق عِنْد الله لَا محَالة وَإِنَّمَا الَّذِي فِي وسعنا طلبه بطرِيق الِاعْتِبَار الَّذِي أمرنَا بِهِ وَبعد إِصَابَة ذَلِك الطَّرِيق يلْزمنَا الْعَمَل بِهِ فَكَذَلِك فِي الْأَحْكَام وَمَا أشاروا إِلَيْهِ من الْفرق بَين مَا هُوَ مَحْض حق الله تَعَالَى وَبَين مَا فِيهِ حق الْعباد لَيْسَ بِقَوي لِأَن الْمَطْلُوب هُنَا جِهَة الْقبْلَة لأَدَاء مَا هُوَ مَحْض حق الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى مَوْصُوف بِكَمَال الْقُدْرَة وَمَعَ ذَلِك أطلق لنا الْعَمَل بِالرَّأْيِ فِيهِ إِمَّا لتحقيق معنى الِابْتِلَاء أَو لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعنا مَا هُوَ أقوى من ذَلِك بعد انْقِطَاع الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَوْجُود فِي الْأَحْكَام ثمَّ الِاحْتِمَال الَّذِي يبْقى بعد اسْتِعْمَال الرَّأْي بِمَنْزِلَة الِاحْتِمَال فِي خبر الْوَاحِد فَإِن قَول صَاحب الشَّرْع مُوجب علم الْيَقِين وَإِنَّمَا يثبت فِي حَقنا الْعلم وَالْعَمَل بِهِ إِذا بلغنَا ذَلِك وَفِي الْبلُوغ والاتصال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتِمَال فَكَذَلِك الحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ على وَجه يُوجب علم الْيَقِين وَفِيه معنى هُوَ مُؤثر فِي الحكم شرعا وَلَكِن فِي بُلُوغ الآراء وَإِدْرَاك ذَلِك الْمَعْنى نوع احْتِمَال فَلَا يمْنَع ذَلِك وجوب الْعَمَل بِهِ عِنْد انعدام دَلِيل هُوَ أقوى مِنْهُ وَلِهَذَا شرطنا للْعَمَل بِالرَّأْيِ أَن تكون الْحَادِثَة لَا نَص فِيهَا من كتاب وَلَا سنة فَتبين أَن فِيمَا قُلْنَا مُبَالغَة فِي الْمُحَافظَة على النُّصُوص بظواهرها ومعانيها فَإِنَّهُ مَا لم يقف على النُّصُوص لَا يعرف أَن الْحَادِثَة لَا نَص فِيهَا وَمَا لم يقف على مَعَاني النُّصُوص لَا يُمكنهُ أَن يرد الْحَادِثَة إِلَى مَا يكون مثلهَا من النُّصُوص ثمَّ مَعَ ذَلِك فِيهِ تَعْمِيم الْمَعْنى فِي الْفُرُوع وتعظيم مَا هُوَ حق الله تَعَالَى فَإِن اعْتِقَاد الحقية فِي الحكم الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ وَمعنى شرح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب ثَابت بِالْوُقُوفِ على الْمَعْنى
وَلَا معنى لاستدلالهم باخْتلَاف أَحْكَام النُّصُوص لأَنا إِنَّمَا نجوز اسْتِعْمَال الرَّأْي عِنْد معرفَة مَعَاني النُّصُوص وَإِنَّمَا يكون هَذَا فِيمَا يكون مَعْقُول الْمَعْنى فَأَما فِيمَا لَا يعقل الْمَعْنى فِيهِ فَنحْن لَا نجوز إِعْمَال الرَّأْي لتعدية الحكم إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ وسيأتيك بَيَان هَذَا فِي شَرط الْقيَاس ويتبين بِهَذَا أَن مُرَاد رَسُول الله صلى
(2/142)

الله عَلَيْهِ وَسلم بذم الرَّأْي فِيمَا رووا من الْآثَار الرَّأْي الَّذِي ينشأ عَن مُتَابعَة هوى النَّفس أَو الرَّأْي الَّذِي يكون الْمَقْصُود مِنْهُ رد الْمَنْصُوص نَحْو مَا فعله إِبْلِيس فَأَما الرَّأْي الَّذِي يكون الْمَقْصُود بِهِ إِظْهَار الْحق من الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا لَا يكون مذموما أَلا ترى أَن الله تَعَالَى أَمر بِهِ فِي إِظْهَار قيمَة الصَّيْد بقوله {يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم} فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد علم ذَلِك أَصْحَابه وَالصَّحَابَة عَن آخِرهم أَجمعُوا على اسْتِعْمَاله من غير نَكِير من أحد مِنْهُم على من اسْتَعْملهُ فَكيف يظنّ بهم الِاتِّفَاق على مَا ذمه رَسُول الله أَو جعله مدرجة الضلال هَذَا شَيْء لَا يَظُنّهُ إِلَّا ضال وَالله أعلم

فصل فِي بَيَان مَا لَا بُد للْقِيَاس من مَعْرفَته
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَذَلِكَ معنى الْقيَاس لُغَة فالصورة بِلَا معنى يكون فَاسِدا من الدَّعْوَى ثمَّ شَرطه فَإِن وجود الشَّيْء على وَجه يكون مُعْتَبرا شرعا لَا يكون إِلَّا بِوُجُود شَرطه ثمَّ رُكْنه فقوام الشَّيْء يكون بركنه ثمَّ حكمه فَإِن الشَّيْء إِنَّمَا يخرج من حد الْعَبَث والسفه إِلَى حد الْحِكْمَة بِكَوْنِهِ مُفِيدا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِحكمِهِ ثمَّ بِالدفع بعد ذَلِك فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع
فَأَما الأول فَهُوَ معرفَة الْقيَاس لُغَة فَنَقُول للْقِيَاس تَفْسِير هُوَ المُرَاد بصيغته وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته بمنزله فعل الضَّرْب فَإِن لَهُ تَفْسِيرا هُوَ الْمَعْلُوم بصورته وَهُوَ إِيقَاع الْخَشَبَة على جسم وَمعنى هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ الإيلام
فَأَما تَفْسِير صِيغَة الْقيَاس فَهُوَ التَّقْدِير يُقَال قس النَّعْل بالنعل أَي قدره بِهِ وقاس الطَّبِيب الْجرْح إِذا سبره بالمسبار ليعرف مِقْدَار غوره وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن مَعْنَاهُ لُغَة فِي الْأَحْكَام رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره ليَكُون مثلا لَهُ فِي الحكم الَّذِي وَقعت الْحَاجة إِلَى إثْبَاته وَلِهَذَا يُسمى مَا يجْرِي بَين المناظرين مقايسة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يسْعَى ليجعل جَوَابه فِي الْحَادِثَة مثلا لما اتفقَا على كَونه أصلا بَينهمَا يُقَال قايسته مقايسة وَقِيَاسًا وَيُسمى ذَلِك نظرا أَيْضا إِذْ لَا يصاب إِلَّا بِالنّظرِ عَن إنصاف وَيُسمى ذَلِك اجْتِهَادًا مجَازًا أَيْضا لِأَن ببذل المجهود يحصل هَذَا الْمَقْصُود
(2/143)

وَأما الْمَعْنى الَّذِي هُوَ المُرَاد بدلالته وَهُوَ أَنه مدرك من مدارك أَحْكَام الشَّرْع ومفصل من مفاصله وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هُنَا ببسط الْكَلَام فَنَقُول إِن الله تَعَالَى ابتلانا بِاسْتِعْمَال الرَّأْي وَالِاعْتِبَار وَجعل ذَلِك مَوْضُوعا على مِثَال مَا يكون بَين الْعباد مِمَّا شَرعه من الدَّعْوَى والبينات فالنصوص شُهُود على حُقُوق الله تَعَالَى وَأَحْكَامه بِمَنْزِلَة الشُّهُود فِي الدَّعَاوَى وَمعنى النُّصُوص (شَهَادَته بِمَنْزِلَة) شَهَادَة الشَّاهِد ثمَّ لَا بُد من صَلَاحِية الشَّاهِد بِكَوْنِهِ حرا عَاقِلا بَالغا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية النَّص لكَونه شَاهدا بِكَوْنِهِ مَعْقُول الْمَعْنى وَلَا بُد من صَلَاحِية الشَّهَادَة بِوُجُود لَفظهَا فَكَذَلِك لَا بُد من صَلَاحِية الْوَصْف الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة وَذَلِكَ بِأَن يكون ملائما للْحكم أَو مؤثرا فِيهِ على مَا نبين الِاخْتِلَاف فِيهِ وَلَا بُد مِمَّا هُوَ قَائِم مقَام الطَّالِب فِيهِ وَهُوَ القائس وَلَا بُد من مَطْلُوب وَهُوَ الحكم الشَّرْعِيّ فالمقصود تَعديَة الحكم إِلَى الْفُرُوع وَلَا بُد من مقضي عَلَيْهِ وَهُوَ عقد الْقلب ليترتب عَلَيْهِ الْعَمَل بِالْبدنِ إِن كَانَ يحاج نَفسه وَإِن كَانَ يحاج غَيره فَلَا بُد من خصم هُوَ كالمقضي عَلَيْهِ من حَيْثُ إِنَّه يلْزمه الانقياد لَهُ وَلَا بُد من قَاض فِيهِ وَهُوَ الْقلب بِمَنْزِلَة القَاضِي فِي الْخُصُومَات ثمَّ بعد اجْتِمَاع هَذِه الْمعَانِي يتَمَكَّن الْمَشْهُود عَلَيْهِ من الدّفع كَمَا فِي الدَّعْوَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ يتَمَكَّن من الدّفع بعد ظُهُور الْحجَّة فَإِن تَمام الْإِلْزَام إِنَّمَا يتَبَيَّن بِالْعَجزِ عَن الدّفع وَرُبمَا يخالفنا فِي بعض هَذَا الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء أَيْضا

فصل فِي تَعْلِيل الْأُصُول
قَالَ فريق من الْعلمَاء الْأُصُول غير معلولة فِي الأَصْل مَا لم يقم الدَّلِيل على كَونه معلولا فِي كل أصل
وَقَالَ فريق آخر هِيَ معلولة إِلَّا بِدَلِيل مَانع وَالْأَشْبَه بِمذهب الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنَّهَا معلولة فِي الأَصْل إِلَّا أَنه لَا بُد لجَوَاز التَّعْلِيل فِي كل أصل من دَلِيل مُمَيّز وَالْمذهب عِنْد عُلَمَائِنَا أَنه لَا بُد مَعَ هَذَا من قيام دَلِيل يدل على كَونه معلولا فِي الْحَال وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هَذَا فِي مَسْأَلَة
(2/144)

الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن اسْتِدْلَال من يسْتَدلّ من أَصْحَابنَا على كَون الحكم الثَّابِت فيهمَا معلولا بِأَن الْأُصُول فِي الأَصْل معلولة لَا يكون صَحِيحا حَتَّى يثبت بِالدَّلِيلِ أَن النَّص الَّذِي فيهمَا مَعْلُول فِي الْحَال
وَحجَّة الْفَرِيق الأول أَن الحكم فِي الْمَنْصُوص قبل التَّعْلِيل ثَابت بِصِيغَة النَّص وَفِي التَّعْلِيل تَغْيِير لذَلِك الحكم حَتَّى يكون ثَابتا بِالْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى فِي الْمَنْصُوص فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الْمجَاز من الْحَقِيقَة وَلَا يجوز الْعُدُول عَن الْحَقِيقَة إِلَى الْمجَاز إِلَّا بِدَلِيل بل أولى فالمجاز أحد نَوْعي اللِّسَان وَالْمعْنَى الَّذِي يستنبط من الْمَنْصُوص لَيْسَ من نوع اللِّسَان فِي شَيْء يُوضحهُ أَن الْمعَانِي تتعارض فِي الْمَنْصُوص وَبِاعْتِبَار الْمُعَارضَة لَا يتَعَيَّن وصف مِنْهَا بل كل وصف يحْتَمل أَن يكون هُوَ الْمَعْنى الْمُوجب للْحكم فِيهِ والمحتمل لَا يكون حجَّة وَلَا بُد من تَرْجِيح بعض الْأَوْصَاف عِنْد الِاشْتِغَال بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّرْجِيح بعد الْمُعَارضَة لَا يكون إِلَّا بِالدَّلِيلِ على أَنا نفهم من خطاب الشَّرْع مَا نفهم من مخاطباتنا وَمن يَقُول لغيره أعتق عَبدِي هَذَا لم يكن لَهُ أَن يصير إِلَى التَّعْلِيل فِي هَذَا الْأَمر فَكَذَلِك فِي مخاطبات الشَّرْع لَا يجوز الْمصير إِلَى التَّعْلِيل حَتَّى يقوم الدَّلِيل
وَحجَّة الْفَرِيق الثَّانِي أَن الدَّلِيل الَّذِي دلّ على صِحَة الْقيَاس وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ يكون دَلِيلا على جَوَاز التَّعْلِيل فِي كل أصل فَإِن مَا هُوَ طَرِيق التَّعْلِيل وَهُوَ الْوُقُوف على معنى النَّص وَالْوَصْف الَّذِي هُوَ صَالح لِأَن يكون عِلّة للْحكم مَوْجُود فِي كل نَص فَيكون جَوَاز التَّعْلِيل أصلا فِي كل نَص وَتَكون صفة الصلاحية أصلا فِي كل وصف فَيكون التَّعْلِيل بِهِ أصلا مَا لم يظْهر الْمَانِع بِمَنْزِلَة الْعَمَل بالأخبار فَإِن وجوب الْعَمَل بِكُل خبر ثَبت عَن صَاحب الشَّرْع هُوَ الأَصْل حَتَّى يمْنَع مِنْهُ مَانع وَلَا تتَحَقَّق الْمُعَارضَة الْمُوجبَة للتوقف بِمُجَرَّد اخْتِلَاف الْآثَار عِنْد إِمْكَان الْعَمَل بِالْكُلِّ فَكَذَلِك لَا تثبت الْمُعَارضَة الْمُوجبَة للتوقف عِنْد كَثْرَة أَوْصَاف الأَصْل مَعَ إِمْكَان الْعَمَل بِالْكُلِّ إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع وَلَيْسَ هَذَا نَظِير خطاب الْعباد فِي معاملاتهم فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا نشتغل فِيهِ
(2/145)

بِطَلَب الْمَعْنى لجَوَاز أَن يكون خَالِيا عَن معنى مُؤثر وَعَن حِكْمَة حميدة بِخِلَاف خطاب الشَّرْع أَلا ترى أَن هُنَاكَ وَإِن كَانَ التَّعْلِيل فِيهِ مَنْصُوصا لَا يُصَار إِلَى التَّعْدِيَة فَإِنَّهُ لَو قَالَ أعتق عَبدِي هَذَا فَإِنَّهُ أسود لم يكن لَهُ أَن يعدي الحكم بِهَذَا التَّعْلِيل إِلَى غَيره وَفِي خطاب الشَّرْع فِيمَا يكون التَّعْلِيل مَنْصُوصا يثبت حكم التَّعْدِيَة بالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام الْهِرَّة لَيست بنجسة لِأَنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات ودعواهم أَن فِي التَّعْلِيل تَغْيِير الحكم كَلَام بَاطِل فَإِن الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل ثَابت بِالنَّصِّ كَمَا كَانَ قبل التَّعْلِيل وَإِنَّمَا التَّعْلِيل لتعدية الحكم إِلَى مَحل آخر لَا نَص فِيهِ على مَا نبينه فِي فصل الشَّرْط فَعرفنَا أَن أثر التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص من حَيْثُ شرح الصَّدْر وطمأنينة الْقلب وَذَلِكَ تَقْرِير للْحكم لَا تَغْيِير كالوقوف على معنى اللِّسَان
وَقَوْلهمْ إِن فِي كل وصف احْتِمَالا قُلْنَا لَا كَذَلِك بل الأَصْل فِي النُّصُوص وجوب التَّعْلِيل لتعميم الحكم على مَا قَررنَا فَبعد هَذَا فِي كل وصف احْتِمَال أَنه لَيْسَ بِمُرَاد بعد قيام الدَّلِيل على كَونه حجَّة (وَمَا ثَبت حجَّة بِالدَّلِيلِ فَإِنَّهُ لَا يخرج بِالِاحْتِمَالِ من أَن يكون حجَّة) وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ الْمَانِع
وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ يَقُول قد علمنَا بِالدَّلِيلِ أَن عِلّة النَّص أحد أَوْصَافه لَا كل وصف مِنْهُ فَإِن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع باختلافهم فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة فِي النَّص فَكل وَاحِد مِنْهُم ادّعى أَن الْعلَّة مَا قَالَه وَذَلِكَ اتِّفَاق مِنْهُم أَن أحد الْأَوْصَاف هُوَ الْعلَّة ثمَّ ذَلِك الْوَصْف مَجْهُول والمجهول لَا يصلح اسْتِعْمَاله مَعَ الْجَهَالَة لتعدية الحكم فَلَا بُد من دَلِيل التَّمْيِيز بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف حَتَّى يجوز التَّعْلِيل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يجوز التَّعْلِيل بِسَائِر الْأَوْصَاف لِاتِّفَاق الصَّحَابَة على ذَلِك وَعلمنَا بِبُطْلَان التَّعْلِيل فِي مُخَالفَة الْإِجْمَاع
ثمَّ على أَصله التَّعْلِيل تَارَة يكون للْمَنْع من التَّعْدِيَة وَتارَة يكون لإِثْبَات التَّعْدِيَة وَلَا شكّ أَن الْوَصْف الَّذِي بِهِ يثبت الْحجر عَن التَّعْدِيَة غير الْوَصْف الَّذِي يثبت بِهِ حكم التَّعْدِيَة فَمَا لم يتَمَيَّز أحد الوصفين من الآخر بِالدَّلِيلِ لَا يجوز تَعْلِيل النَّص
(2/146)

وَأما عُلَمَاؤُنَا فقد شرطُوا الدَّلِيل الْمُمَيز وَلَكِن بطرِيق آخر سوى مَا ذكره الشَّافِعِي على مَا نذكرهُ فِي بَابه (إِن شَاءَ الله) وشرطوا قبل ذَلِك أَن يقوم الدَّلِيل فِي الأَصْل على كَونه معلولا فِي الْحَال لِأَن النُّصُوص نَوْعَانِ مَعْلُول وَغير مَعْلُول والمصير إِلَى التَّعْلِيل فِي كل نَص بعد زَوَال هَذَا الِاحْتِمَال وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِدَلِيل يقوم فِي النَّص على كَونه معلولا فِي الْحَال
وَإِنَّمَا نَظِيره مَجْهُول الْحَال إِذا شهد فَإِنَّهُ مَا لم نثبت حُرِّيَّته بِقِيَام الدَّلِيل عَلَيْهِ لَا تكون شَهَادَته حجَّة فِي الْإِلْزَام وَقبل ثُبُوت ذَلِك بِالدَّلِيلِ الْحُرِّيَّة ثَابِتَة بطرِيق الظَّاهِر وَلَكِن هَذَا يصلح للدَّفْع لَا للإلزام فَكَذَلِك الدَّلِيل الَّذِي دلّ فِي كل نَص على أَنه مَعْلُول ثَابت من طَرِيق الظَّاهِر وَفِيه احْتِمَال فَمَا لم يثبت بِالدَّلِيلِ الْمُوجب لكَون هَذَا النَّص معلولا لَا يجوز الْمصير إِلَى تَعْلِيله لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع فَفِيهِ معنى الْإِلْزَام وَهُوَ نَظِير اسْتِصْحَاب الْحَال فَإِنَّهُ يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للإلزام لبَقَاء الِاحْتِمَال فِيهِ
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الِاقْتِدَاء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَفعاله جَائِز مَا لم يقم الدَّلِيل الْمَانِع وَقد ظَهرت خصوصيته فِي بعض الْأَفْعَال ثمَّ لم يُوجب ذَلِك الِاحْتِمَال فِي كل فعل حَتَّى يُقَال لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا بعد قيام الدَّلِيل قُلْنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِمَام مقتدى بِهِ مَا بعث إِلَّا ليَأْخُذ النَّاس بهديه وهداه فَيكون الِاقْتِدَاء بِهِ هُوَ الأَصْل وَإِن كَانَ قد يجوز أَن يكون هُوَ مَخْصُوصًا بِبَعْض الْأَشْيَاء وَلَكِن الخصوصية فِي حَقه بِمَنْزِلَة دَلِيل التَّخْصِيص فِي الْعُمُوم وَالْعَمَل بِالْعَام مُسْتَقِيم حَتَّى يقوم دَلِيل التَّخْصِيص فَكَذَلِك الِاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفعاله
فَأَما هُنَا فاحتمال كَون النَّص غير مَعْلُول ثَابت فِي كل أصل مثل احْتِمَال كَونه معلولا فَيكون هَذَا بِمَنْزِلَة الْمُجْمل فِيمَا يرجع إِلَى الِاحْتِمَال وَالْعَمَل بالمجمل لَا يكون إِلَّا بعد قيام دَلِيل هُوَ بَيَان فَكَذَلِك تَعْلِيل الْأُصُول يُوضحهُ أَن هُنَاكَ
(2/147)

قد قَامَ الدَّلِيل الْمُوجب لعلم الْيَقِين على جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ مُطلقًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} وَهَهُنَا الدَّلِيل هُوَ صَلَاحِية الْوَصْف الْمَوْجُود فِي النَّص وَذَلِكَ إِنَّمَا يعلم بِالرَّأْيِ فَلَا يَنْعَدِم بِهِ احْتِمَال كَون النَّص غير مَعْلُول لأَنا قد بَينا أَن فِي تَعْلِيل النَّص معنى الِابْتِلَاء والابتلاء بِمَا يكون غير مَعْلُول من النُّصُوص أظهر وَبَعْدَمَا تحققت الْمُسَاوَاة فِي معنى الِابْتِلَاء لَا بُد من قيام الدَّلِيل فِي الْمَنْصُوص على أَنه مَعْلُول للْحَال
وَبَيَان هَذَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن حكم الرِّبَا ثَابت فيهمَا بِالنَّصِّ وَهُوَ مَعْلُول عندنَا بعلة الْوَزْن
وَأنكر الشَّافِعِي هَذَا فَيحْتَاج إِلَى أَن يثبت بِالدَّلِيلِ أَنه مَعْلُول
وَفِيه نَوْعَانِ من الدَّلِيل أَحدهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام يَد بيد فَفِيهِ إِيجَاب التَّعْيِين وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى الْفُرُوع لِأَنَّهُ لَا بُد من تعْيين أحد الْبَدَلَيْنِ فِي كل عقد فَإِن الدّين بِالدّينِ حرَام بِالنَّصِّ وَذَلِكَ رَبًّا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ثمَّ وجوب التَّعْيِين فِي الْبَدَل الآخر هُنَا لاشْتِرَاط الْمُسَاوَاة فالمساواة فِي الْبَدَلَيْنِ عِنْد اتِّفَاق الْجِنْس شَرط بقوله عَلَيْهِ السَّلَام مثل بِمثل وَعند اخْتِلَاف الْجِنْس الْمُسَاوَاة فِي العينية شَرط بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِذا اخْتلف النوعان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم بعد أَن يكون يدا بيد وَهَذَا حكم مُتَعَدٍّ إِلَى الْفُرُوع فَإِن الشَّافِعِي يشْتَرط التقايض فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مَعَ اخْتِلَاف الْجِنْس بِهَذَا النَّص وَنحن لَا نجوز بيع قفيز من حِنْطَة بِعَينهَا بقفيز من شعير بِغَيْر عينه غير مَقْبُوض فِي الْمجْلس وَإِن كَانَ مَوْصُوفا وَحل التَّفَاضُل بَينهمَا لِأَن بترك التَّعْيِين فِي الْمجْلس يَنْعَدِم الْمُسَاوَاة فِي الْيَد بِالْيَدِ وشرطنا الْقَبْض فِي رَأس مَال السّلم فِي الْمجْلس لتحقيق معنى التَّعْيِين فَعرفنَا أَنه مَعْلُول وَالتَّعْلِيل بالثمنية يمْنَع التَّعْدِيَة فباعتبار كَونه معلولا يكون مُتَعَدِّيا إِلَى الْفُرُوع فالوصف الَّذِي يمْنَع التَّعْدِيَة لَا يقْدَح فِيهِ وَلَا يُخرجهُ من أَن يكون شَاهدا بِمَنْزِلَة صفة الْجَهْل فِي الشَّاهِد فَإِنَّهُ لَا يكون طَعنا فِي شَهَادَته لِأَنَّهُ لَا يخرج بِهِ من أَن يكون أَهلا للولاية وَالشَّهَادَة تبتنى على ذَلِك بِخِلَاف صفة الرّقّ فَإِن الطعْن بِهِ يمْنَع الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ حَتَّى تثبت حُرِّيَّته بِالْحجَّةِ لِأَنَّهُ يخرج بِهِ من أَن يكون أهل الْولَايَة والصلاحية للشَّهَادَة تبتنى على
(2/148)

ذَلِك
وَمِثَال هَذَا أَيْضا مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي تَحْرِيم الْخمر إِنَّه مَعْلُول من غير قيام الدَّلِيل فِيهِ على كَونه معلولا بل الدَّلِيل من النَّص دَال على أَنه غير مَعْلُول وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام حرمت الْخمر لعينها وَالسكر من كل شراب وَإِثْبَات الْحُرْمَة وَصفَة النَّجَاسَة فِي بعض الْأَشْرِبَة المسكرة لَا يكون تَعديَة للْحكم الثَّابِت فِي الْخمر أَلا ترى أَنه لَا يثبت على ذَلِك الْوَجْه حَتَّى لَا يكفر مستحله وَلَا يكون التَّقْدِير فِي النَّجَاسَة فِيهِ كالتقدير فِي الْخمر وَإِنَّمَا تِلْكَ حُرْمَة ثَابِتَة بِاعْتِبَار نوع من الِاحْتِيَاط فَلَا يتَبَيَّن بِهِ كَون النَّص معلولا
ثمَّ تَعْلِيل النَّص قد يكون تَارَة بِالنَّصِّ نَحْو قَوْله تَعَالَى {لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم} وَقَول النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لبريرة ملكت بضعك فاختاري وَقد يكون بفحوى النَّص كَقَوْل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي السّمن الَّذِي وَقعت فِيهِ فَأْرَة إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوا مَا بَقِي وَإِن مَائِعا فأريقوه فَإِن فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه مَعْلُول بعلة مجاورة النَّجَاسَة إِيَّاه
وَكَذَلِكَ خبر الرِّبَا من هَذَا النَّوْع كَمَا بَينا وَقد يكون بالاستدلال بِحكم النَّص كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام فِي دم الِاسْتِحَاضَة إِنَّه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صَلَاة
وَقد يكون على اتِّفَاق الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ على كَونه معلولا فَعِنْدَ وجود شَيْء من هَذِه الْأَدِلَّة فِي النَّص سقط اعْتِبَار احْتِمَال كَونه غير مَعْلُول

فصل فِي ذكر شَرط الْقيَاس
وَإِنَّمَا قدمنَا الشَّرْط لِأَن الشرعيات لَا تصير مَوْجُودَة بركنها قبل وجود الشَّرْط أَلا ترى أَن من أَرَادَ النِّكَاح فَلَا بُد لَهُ من أَن يبْدَأ بإحضار الشُّهُود وَمن أَرَادَ الصَّلَاة لم يجد بدا من الْبِدَايَة بِالطَّهَارَةِ وَستر الْعَوْرَة
وَهَذِه الشُّرُوط خَمْسَة أَحدهَا أَن لَا يكون حكم الأَصْل مَخْصُوصًا بِهِ بِنَصّ آخر وَالثَّانِي أَن لَا يكون معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَالثَّالِث أَن لَا يكون التَّعْلِيل للْحكم الشَّرْعِيّ الثَّابِت بِالنَّصِّ بِعَيْنِه حَتَّى يتَعَدَّى بِهِ إِلَى فرع هُوَ نَظِيره وَلَا نَص
(2/149)

فِيهِ وَالرَّابِع أَن يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله وَالْخَامِس أَن لَا يكون التَّعْلِيل متضمنا إبِْطَال شَيْء من أَلْفَاظ الْمَنْصُوص
أما الأول فَلِأَن التَّعْلِيل لتعدية الحكم وَذَلِكَ يبطل التَّخْصِيص الثَّابِت بِالنَّصِّ فَكَانَ هَذَا تعليلا فِي مُعَارضَة النَّص لدفع حكمه وَالْقِيَاس فِي مُعَارضَة النَّص بَاطِل
وَأما الثَّانِي فَلِأَن التَّعْلِيل يكون مقايسة وَالْحكم المعدول بِهِ عَن الْقيَاس الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ على مُوَافقَة النَّص وَلَا مُعْتَبر بِالْقِيَاسِ فِيهِ على مُخَالفَة النَّص لِأَن الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ إِثْبَات الحكم بِهِ فِي الْفَرْع وَالْقِيَاس يَنْفِي هَذَا الحكم وَلَا يتَحَقَّق الْإِثْبَات بِحجَّة النَّفْي كَمَا لَا يتَحَقَّق التَّحْلِيل بِمَا هُوَ حجَّة التَّحْرِيم
وَأما الثَّالِث فَلِأَن المقايسة إِنَّمَا تكون بَين شَيْئَيْنِ ليعلم بِهِ أَنَّهُمَا مثلان فَلَا تصور لَهُ فِي شَيْء وَاحِد وَلَا فِي شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين لَا تتَحَقَّق الْمُمَاثلَة بَينهمَا فَإِذا لم يَتَعَدَّ الحكم بِالتَّعْلِيلِ عَن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ يكون شَيْئا وَاحِدًا لَا تتَحَقَّق فِيهِ المقايسة وَإِذا كَانَا مُخْتَلفين لَا يصيران بِالتَّعْلِيلِ مثلين وَمحل الانفعال شَرط كل فعل وَقَول كمحل هُوَ حَيّ فَإِنَّهُ شَرط ليَكُون صدمه ضربا وقطعه قتلا وَاشْتِرَاط كَونه حكما شَرْعِيًّا لِأَن الْكَلَام فِي الْقيَاس على الْأُصُول الثَّابِتَة شرعا وبمثل هَذَا الْقيَاس لَا يعرف إِلَّا حكم الشَّرْع فَإِن الطِّبّ واللغة لَا يعرف بِمثل هَذَا الْقيَاس
وَأما الرَّابِع فَلِأَن الْعَمَل بِالْقِيَاسِ يكون بعد النَّص وَفِي الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا مدْخل للْقِيَاس فِي التَّغْيِير كَمَا لَا مدْخل لَهُ فِي الْإِبْطَال فَإِذا لم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله كَانَ هَذَا بَيَانا مغيرا لحكم النَّص أَو مُبْطلًا لَهُ وَلَا مُعْتَبر بِالْقِيَاسِ فِي مُعَارضَة النَّص
وَأما الْخَامِس فَلِأَن النَّص مقدم على الْقيَاس بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَكَمَا لَا يعْتَبر
(2/150)

الْقيَاس فِي مُعَارضَة النَّص بِإِبْطَال حكمه لَا يعْتَبر فِي ممارسته بِإِبْطَال لَفظه
وَفِي بعض هَذِه الْفُصُول يخالفنا الشَّافِعِي رَحمَه الله على مَا نبينه
فَأَما الْمِثَال الأول وَهُوَ أَن الْعدَد مُعْتَبر فِي الشَّهَادَات الْمُطلقَة بِالنَّصِّ وَقد فسر الله تَعَالَى الشَّاهِدين برجلَيْن أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ تنصيص على أدنى مَا يكون من الْحجَّة لإِثْبَات الْحق ثمَّ خص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خُزَيْمَة رَضِي الله عَنهُ بِقبُول شَهَادَته وَحده فَكَانَ ذَلِك حكما ثَبت بِالنَّصِّ اخْتِصَاصه بِهِ كَرَامَة لَهُ فَلم يجز تَعْلِيله أصلا حَتَّى لَا يثبت ذَلِك الحكم فِي شَهَادَة غير خُزَيْمَة مِمَّن هُوَ مثله أَو دونه أَو فَوْقه فِي الْفَضِيلَة لِأَن التَّعْلِيل يبطل خصوصيته
وَكَذَلِكَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَخْصُوصًا بِأَن حل لَهُ تسع نسْوَة فقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الْحل بِالنِّكَاحِ يقْتَصر على الْأَرْبَعَة ثمَّ ظَهرت خُصُوصِيَّة رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِالزِّيَادَةِ بِنَصّ آخر فَلم يكن ذَلِك قَابلا للتَّعْلِيل
وَكَذَلِكَ ظَهرت خصوصيته بِالنِّكَاحِ (بِغَيْر مهر بِالنَّصِّ فَلم يكن ذَلِك قَابلا للتَّعْلِيل
وَقَالَ الشَّافِعِي قد ظَهرت خصوصيته بِالنِّكَاحِ) بِلَفْظ الْهِبَة بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ} فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ لتعدية الحكم إِلَى نِكَاح غَيره
وَلَكنَّا نقُول المُرَاد بِالنَّصِّ الْمُوجب للتخصيص ملك الْبضْع نِكَاحا بِغَيْر مهر فَإِنَّهُ ذكر فعل الْهِبَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي مصدرا ثمَّ قَوْله تَعَالَى {خَالِصَة لَك} نعت ذَلِك الْمصدر أَي إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي هبة خَالِصَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم} أَي من الابتغاء بِالْمَالِ الْمُقدر فالفرض عبارَة عَن التَّقْدِير وَذَلِكَ فِي المَال يكون لَا فِي لفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج أَو المُرَاد اخْتِصَاصه بِالْمَرْأَةِ حَتَّى لَا تحل لأحد بعده فيتأدى هُوَ بِكَوْن الْغَيْر شَرِيكا لَهُ فِي فراشها من حَيْثُ الزَّمَان وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا} أَلا ترى أَن معنى الْكَرَامَة بالاختصاص إِنَّمَا تظهر فِيمَا يتَوَهَّم فِيهِ الْحَرج بإلزامه إِيَّاه وَذَلِكَ
(2/151)

لَا يتَحَقَّق فِي اللَّفْظ فقد كَانَ أفْصح الْعَرَب لَا يلْحقهُ الْحَرج فِي لفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج
وَمن هَذِه الْجُمْلَة اشْتِرَاط الْأَجَل فِي السّلم فَإِنَّهُ حكم ثَابت بِالنَّصِّ فِي هَذَا العقد خَاصّا وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم
فَلَا يجوز الْمصير فِيهِ إِلَى التَّعْلِيل حَتَّى يجوز السّلم حَالا بِالْقِيَاسِ على البيع بعلة أَنه نوع بيع لِأَن الأَصْل فِي جَوَاز البيع اشْتِرَاط قيام الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْعَاقِد وَالْقُدْرَة على التَّسْلِيم حَتَّى لَو بَاعَ مَا لَا يملكهُ ثمَّ اشْتَرَاهُ فسلمه لَا يجوز ثمَّ ترك هَذَا الأَصْل فِي السّلم رخصَة بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم وَهَذَا لِأَن الْمُسلم فِيهِ غير مَقْدُور التَّسْلِيم للعاقد عِنْد العقد وَلَا يصير مَقْدُور التَّسْلِيم لَهُ بِنَفس العقد لِأَن العقد سَبَب للْوُجُوب عَلَيْهِ وَقدرته على التَّسْلِيم يكون بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ وَلكنه مُحْتَاج إِلَى مُبَاشرَة هَذَا العقد لتَحْصِيل الْبَدَل مَعَ عَجزه عَن تَسْلِيم الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْحَال وَقدرته على ذَلِك بعد مُضِيّ مُدَّة مَعْلُومَة بطرِيق الْعَادة إِمَّا بِأَن يكْتَسب أَو يدْرك غلاته بمجيء أَوَانه فجوز الشَّرْع هَذَا العقد مَعَ عدم الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي ملكه رخصَة لِحَاجَتِهِ وَلَكِن بطرِيق يقدر على التَّسْلِيم عِنْد وجوب التَّسْلِيم عَادَة وَذَلِكَ بِأَن يكون مُؤَجّلا فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ لكَونه حكما خَاصّا ثَبت الخصوصية فِيهِ بِالنَّصِّ كَمَا بَينا
وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْمَنَافِع لَا تضمن بِالْإِتْلَافِ وَالْغَصْب لِأَن وجوب الضَّمَان يَسْتَدْعِي الْمَالِيَّة والتقوم فِي الْمُتْلف وَذَلِكَ لَا يسْبق الْإِحْرَاز وَلَا تصور للإحراز فِي الْمَنَافِع ثمَّ ثُبُوت الْمَالِيَّة والتقوم فِيهَا بِالْعقدِ حكم خَاص ثَبت بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل
وَكَذَلِكَ إِثْبَات المعادلة بَينهمَا وَبَين الْأَعْيَان فِي مُوجب العقد الْفَاسِد وَالصَّحِيح حكم خَاص فِيهَا لِأَنَّهُ لَا مماثلة بَين الْمَنَافِع وَبَين الْأَعْيَان بِاعْتِبَار الأَصْل فالعين جَوْهَر يقوم بِهِ الْعرض وَالْمَنْفَعَة عرض يقوم بالجوهر
(2/152)

وَالْمَنَافِع لَا تبقى وَقْتَيْنِ وَالْعين تبقى وَبَين مَا يبْقى وَبَين مَا لَا يبْقى تفَاوت فَعرفنَا أَن ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي مُقْتَضى العقد حكم خَاص ثَابت بِالنَّصِّ فَلَا يقبل التَّعْلِيل
وَكَذَلِكَ إِلْزَام العقد على الْمَنَافِع قبل وجودهَا حكم خَاص ثَبت للْحَاجة أَو للضَّرُورَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يتَصَوَّر العقد عَلَيْهَا بعد الْوُجُود لِأَن الْمَوْجُود لَا يبْقى إِلَى وَقت التَّسْلِيم وَمَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّسْلِيم بِحكم العقد لَا يكون محلا للْعقد فَلَا يجوز تَعديَة هَذَا الحكم بِالتَّعْلِيلِ إِلَى الْمحل الَّذِي يتَصَوَّر العقد عَلَيْهِ بعد الْوُجُود وَهُوَ نَظِير حل الْميتَة عِنْد المخمصة فَإِن ثُبُوته لما كَانَ بطرِيق الضَّرُورَة لم يجز تَعْلِيله لتعدية ذَلِك الحكم إِلَى مَحل آخر
وَمِثَال الْفَصْل الثَّانِي مَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي جَوَاز التوضي بنبيذ التَّمْر فَإِنَّهُ حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل حَتَّى لَا يتَعَدَّى ذَلِك الحكم (إِلَى سَائِر الأنبذة وَوُجُوب الطَّهَارَة بالقهقهة فِي الصَّلَاة حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يكن قَابلا للتَّعْلِيل حَتَّى لَا يتَعَدَّى الحكم) إِلَى صَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة لِأَن النَّص ورد فِي صَلَاة مُطلقَة وَهِي مَا تشْتَمل على جَمِيع أَرْكَان الصَّلَاة
وَكَذَلِكَ بَقَاء الصَّوْم مَعَ الْأكل وَالشرب نَاسِيا فَإِنَّهُ معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ لِأَن ركن الصَّوْم يَنْعَدِم بِالْأَكْلِ مَعَ النسْيَان والركن هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشَّهَوَات وَأَدَاء الْعِبَادَة بعد فَوَات ركنها لَا يتَحَقَّق فَعرفنَا أَنه عَن معدول بِهِ عَن الْقيَاس فَلم يجز تَعديَة الحكم فِيهِ إِلَى المخطىء وَالْمكْره والنائم يصب فِي حلقه بطرِيق التَّعْلِيل
فَإِن قيل قد عديتم حكم النَّص إِلَى الْجِمَاع وَقد ورد فِي الْأكل وَالشرب وَكَانَ ذَلِك بطرِيق التَّعْلِيل
قُلْنَا لَا كَذَلِك بل قد ثَبت بِالنَّصِّ الْمُسَاوَاة بَين الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي حكم الصَّوْم وَإِن ركن الصَّوْم هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين جَمِيعًا فَيكون الحكم الثَّابِت (بِالنَّصِّ)
(2/153)

فِي أَحدهمَا ثَابتا فِي الآخر بِالنَّصِّ أَيْضا لَا بالمقايس لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا فرق فِي حكم الصَّوْم الشَّرْعِيّ سوى اخْتِلَاف الِاسْم فَإِن الْإِقْدَام على كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيهِ تَفْوِيت ركن الصَّوْم لِأَنَّهُ جِنَايَة على مَحل الْفِعْل من بضع أَو طَعَام وَهُوَ نَظِير جُزْء الرَّقَبَة مَعَ شقّ الْبَطن فَإِنَّهُمَا فعلان مُخْتَلِفَانِ فِي الِاسْم وكل وَاحِد مِنْهُمَا قتل مُوجب للقود بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ
وَكَذَلِكَ من بِهِ سَلس الْبَوْل يتَوَضَّأ لوقت كل صَلَاة كالمستحاضة وَكَانَ الحكم فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَابتا بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ لِأَن النَّص ورد عِنْد اسْتِدَامَة الْعذر
وعَلى هَذَا قُلْنَا من سبقه الْحَدث فِي خلال الصَّلَاة بِأَيّ وَجه سبقه فَإِنَّهُ يتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته بِالنَّصِّ وَذَلِكَ حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس وَإِنَّمَا ورد النَّص فِي الْقَيْء والرعاف ثمَّ جعل ذَلِك ورودا فِي سَائِر الْأَحْدَاث الْمُوجبَة للْوُضُوء وَلم يَجْعَل ورودا فِي الْحَدث الْمُوجب للاغتسال لتحَقّق الْمُغَايرَة فِيمَا بَينهمَا
فَإِن قيل فَكَذَلِك نقُول فِي الْمُكْره والخاطىء فالمساواة بَينهمَا وَبَين النَّاسِي ثَابت من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا غير قَاصد إِلَى الْجِنَايَة على الصَّوْم
قُلْنَا نعم وَلَكِن هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا ثَبت أَن الْقَصْد مُعْتَبر فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم وَإِذا كَانَ الْقَصْد لَا يعْتَبر فِي تحقق ركن الصَّوْم حَتَّى إِن من كَانَ مغمى عَلَيْهِ فِي جَمِيع النَّهَار يتَأَدَّى ركن الصَّوْم مِنْهُ فَكَذَلِك ترك الْقَصْد لَا يمْنَع تحقق فَوَات ركن الصَّوْم وَكَذَلِكَ مَعَ عدم الْقَصْد قد يتَحَقَّق فَوَات ركن الصَّوْم وانعدام الْأَدَاء بِهِ فَإِن من أغمى قبل غرُوب الشَّمْس وَبَقِي كَذَلِك إِلَى آخر الْغَد فَإِنَّهُ لَا يكون صَائِما وَإِن انْعَدم مِنْهُ الْقَصْد إِلَى ترك الصَّوْم ثمَّ لَا مُسَاوَاة أَيْضا بَين الخاطىء وَالْمكْره وَبَين النَّاسِي فِيمَا يرجع إِلَى عدم الْقَصْد فَإِن الخاطىء إِنَّمَا انعدام الْقَصْد مِنْهُ بِاعْتِبَار قَصده إِلَى الْمَضْمَضَة وَإِنَّمَا ابْتُلِيَ بالشرب خطأ بطرِيق يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ
وَأما النَّاسِي فانعدم الْقَصْد مِنْهُ لعدم علمه بِالصَّوْمِ أصلا وَذَلِكَ بنسيان لَا صنع لَهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله إِن الله أطعمك وسقاك وَلما كَانَ سَبَب الْعذر مِمَّن لَهُ الْحق على وَجه لَا صنع للعباد فِيهِ استقام أَن يَجْعَل الرُّكْن بِاعْتِبَارِهِ
(2/154)

قَائِما حكما فَأَما فِي الْمُكْره والنائم سَبَب الْعذر جَاءَ من جِهَة الْعباد وَالْحق فِي أَدَاء الصَّوْم لله فَلم يكن هَذَا فِي (معنى) سَبَب كَانَ مِمَّن لَهُ الْحق أَلا ترى أَن الْمَرِيض يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا برأَ والمقيد يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا رفع الْقَيْد عَنهُ
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله الَّذِي شج فِي صلَاته لَا يَبْنِي بعد الْوضُوء وَالَّذِي ابْتُلِيَ بقيء أَو رُعَاف يَبْنِي على صلَاته بعد الْوضُوء لما أَن ذَلِك حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ وَمَا يبتنى على صنع الْعباد لَيْسَ نَظِير مَا لَا صنع للعباد من كل وَجه
وَمن هَذِه الْجُمْلَة قُلْنَا حل الذَّبِيحَة مَعَ ترك التَّسْمِيَة نَاسِيا حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز تَعْلِيله لتعدية الحكم إِلَى الْعَامِد وَلَا مُسَاوَاة بَينهمَا فالناسي مَعْذُور غير معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى والعامد جَان معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى على الذَّبِيحَة
وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن المستحسنات كلهَا بِهَذِهِ الصّفة وَلَيْسَ كَمَا ظن فالمستحسن قد يكون معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَقد يكون ثَابتا بِنَوْع من الْقيَاس إِلَّا أَنه قِيَاس خَفِي على مَا نبينه فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن فِي الحكم الَّذِي يكون ثَابتا بِالنَّصِّ فِيهِ معنى مَعْقُول إِلَّا أَنه يُعَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر تخَالفه فَالْجَوَاب فِيهِ كَذَلِك إِلَّا أَنه لَا يجوز التَّعْلِيل فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الأَصْل بِمَنْزِلَة الرَّاوِي وَالْوَصْف الَّذِي بِهِ تعلل بِمَنْزِلَة الحَدِيث وَفِي رِوَايَة الْأَخْبَار قد يَقع التَّرْجِيح بِاعْتِبَار كَثْرَة الروَاة على مَا بَينا وَلَكِن بِهِ لَا يخرج من أَن تكون رِوَايَة الْوَاحِد مُعْتَبرا فَعرفنَا أَنه مَتى كَانَ النَّص مَعْقُول الْمَعْنى فَإِنَّهُ يجوز تَعْلِيله بذلك الْمَعْنى ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى فرع وَإِن عَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر فِي الأَصْل فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط التَّعْلِيل للتعدية اعْتِبَار جَمِيع مَعَاني الأَصْل
وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أعظم هَذِه الْوُجُوه فقها وأعمها نفعا وَهُوَ شَرط وَاحِد اسْما وَلَكِن يدْخل تَحْتَهُ أصُول
(2/155)

فَمِنْهَا أَن الْكَلَام مَتى كَانَ من معنى اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير فِيهِ إِلَى الْإِثْبَات بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ
وَبَيَان هَذَا فِي الْيَمين الْغمُوس فَإِن علماءنا قَالُوا إِنَّهَا لَا تَنْعَقِد مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا لَيست بِيَمِين معقودة وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِالنَّصِّ فِي الْيَمين المعقودة وَكَانَ الِاشْتِغَال فِي الحكم بِالتَّعْلِيلِ بقوله يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة بَاطِلا من الْكَلَام لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات الِاسْم حَقِيقَة فعندنا هَذِه لَيست بِيَمِين حَقِيقَة وَإِنَّمَا سميت يَمِينا مجَازًا لِأَن ارْتِكَاب هَذِه الْكَبِيرَة كَانَ بِاسْتِعْمَال صُورَة الْيَمين كَبيع الْحر يُسمى بيعا مجَازًا وَإِن لم يكن بيعا على الْحَقِيقَة وَإِذا كَانَ الْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم الْيَمين حَقِيقَة وَذَلِكَ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ كَانَ الِاشْتِغَال بِهِ فضلا من الْكَلَام وَلَكِن طَرِيق مَعْرفَته التَّأَمُّل فِي أصُول أهل اللُّغَة وهم إِنَّمَا وضعُوا الْيَمين لتحقيق معنى الصدْق من الْخَبَر فَعرفنَا أَن مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الصدْق بِوَجْه لَا يكون محلا للْيَمِين لخلوه عَن فَائِدَة وَبِدُون الْمحل لَا يتَصَوَّر انْعِقَاد الْيَمين وَلذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة فِي اللواطة إِنَّهَا لَا توجب الْحَد لِأَنَّهَا لَيست بزنا واشتغال الْخُصُوم بتعليل نَص الزِّنَا لتعدية الحكم أَو إِثْبَات الْمُسَاوَاة بَينه وَبَين اللواطة يكون فَاسِدا لِأَن طَرِيق معرفَة الِاسْم النّظر فِي مَوْضُوعَات أهل اللُّغَة لَا الأقيسة الشَّرْعِيَّة
وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْرِبَة سوى الْخمر لَا يجب الْحَد بِشرب الْقَلِيل مَا لم يسكر واشتغال الْخصم بتعليل نَص الْخمر لتعدية الحكم أَو لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فَاسد لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات هَذَا الِاسْم كَسَائِر الْأَشْرِبَة
فَإِن قيل اعْتِبَار الْمَعْنى لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فِي الِاسْم لُغَة لَا شرعا فالزنا عِنْد أهل اللُّغَة اسْم لفعل فِيهِ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على قصد سفح المَاء دون النَّسْل وَلِهَذَا سموهُ سِفَاحًا وَسموا النِّكَاح إحصانا واللواطة مثل الزِّنَا فِي هَذَا الْمَعْنى من كل وَجه
وَكَذَلِكَ الْخمر اسْم لعين تحصل مخامرة الْعقل
(2/156)

بشربه وَلِهَذَا لَا يُسمى الْعصير بِهِ قبل التخمر وَلَا بعد التخلل وَهَذِه الْأَشْرِبَة مُسَاوِيَة للخمر فِي هَذَا الْمَعْنى
قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للأعيان أَو للأشخاص عِنْد أهل اللُّغَة الْمَقْصُود بهَا تَعْرِيف الْمُسَمّى وإحضاره بذلك الِاسْم لَا تحقق ذَلِك الْوَصْف فِي الْمُسَمّى بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للرِّجَال وَالنِّسَاء كزيد وَعمر وَبكر وَمَا أشبهه فَكَذَلِك أَسمَاء الْأَفْعَال كَالزِّنَا واللواطة وَأَسْمَاء الْأَعْيَان كَالْخمرِ وَمَا هَذِه الدَّعْوَى إِلَّا نَظِير مَا يحْكى عَن بعض الموسوسين أَنه كَانَ يَقُول أَنا أبين الْمَعْنى فِي كل اسْم لُغَة أَنه لماذا وضع ذَلِك الِاسْم لُغَة لما يُسمى بِهِ
فَقيل لَهُ لماذا يُسمى الجرجير جرجيرا فَقَالَ لِأَنَّهُ يتجرجر إِذا ظهر على وَجه الأَرْض أَي يَتَحَرَّك
فَقيل لَهُ فلحيتك تتحرك أَيْضا وَلَا تسمى جرجيرا فَقيل لَهُ لماذا سميت القارورة قَارُورَة قَالَ لِأَنَّهُ يسْتَقرّ فِيهَا الْمَائِع
فَقيل لَهُ فجوفك أَيْضا يسْتَقرّ فِيهِ الْمَائِع وَلَا يُسمى قَارُورَة
وَلَا شكّ أَن الِاشْتِغَال بِمثل هَذَا فِي الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة يكون من نوع الْجُنُون
فَإِن قيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تبتنى على الْأَسَامِي الثَّابِتَة شرعا وَذَلِكَ نوع من الْأَسَامِي لَا يعرفهُ أهل اللُّغَة كاسم الصَّلَاة للأركان الْمَعْلُومَة وَاسم الْمُنَافِق لبَعض الْأَشْخَاص
وَمَا أشبه ذَلِك
قُلْنَا الْأَسْمَاء الثَّابِتَة شرعا تكون ثَابِتَة بطرِيق مَعْلُوم شرعا كالأسماء الْمَوْضُوعَة لُغَة تكون ثَابِتَة بطرِيق يعرفهُ أهل اللُّغَة ثمَّ ذَلِك الِاسْم لَا يخْتَص بِعِلْمِهِ وَاحِد من أهل اللُّغَة بل يشْتَرك فِيهِ جَمِيع أهل اللُّغَة لاشتراكهم فِي طَرِيق مَعْرفَته فَكَذَلِك هَذَا الِاسْم يشْتَرك فِي مَعْرفَته جَمِيع من يعرف أَحْكَام الشَّرْع وَمَا يكون بطرِيق الاستنباط والرأي فَإِنَّمَا يعرفهُ القايس فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا يجوز إِثْبَات الِاسْم بِالْقِيَاسِ على أَي وَجه كَانَ وعَلى هَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي إِلْحَاق النباش بالسارق فِي حكم الْقطع لِأَن الْقطع بِالنَّصِّ وَاجِب على السَّارِق فَالْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم السّرقَة حَقِيقَة وَقد قدمنَا الْبَيَان فِي نفي التَّسْوِيَة
(2/157)

بَين النباش وَالسَّارِق فِي فعل السّرقَة وَهَذَا لِأَن الْأَسْمَاء نَوْعَانِ حَقِيقَة ومجاز
فطريق معرفَة الْحَقِيقَة هُوَ السماع من أهل اللُّغَة وَطَرِيق معرفَة الْمجَاز مِنْهُ الْوُقُوف على اسْتِعَارَة أهل اللُّغَة وَنحن نعلم أَن طَرِيق الِاسْتِعَارَة فِيمَا بَين أهل اللُّغَة غير طَرِيق التَّعْدِيَة فِي أَحْكَام الشَّرْع فَلَا يُمكن معرفَة هَذَا النَّوْع بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي هُوَ لتعدية حكم الشَّرْع
وعَلى هَذَا قُلْنَا الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لتصحيح اسْتِعَارَة أَلْفَاظ الطَّلَاق لِلْعِتْقِ يكون بَاطِلا وَإِنَّمَا نشتغل فِيهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا هُوَ طَرِيق الِاسْتِعَارَة عِنْد أهل اللُّغَة
وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الِاسْتِعَارَة فِي أَلْفَاظ التَّمْلِيك للنِّكَاح يكون اشتغالا بِمَا لَا معنى لَهُ
وَكَذَلِكَ فِي إِثْبَات اسْتِعَارَة لفظ النّسَب لِلْعِتْقِ
وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ فِي تَصْحِيح إِرَادَة الْعدَد من لفظ الطَّلَاق
والاشتغال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الْمُوَافقَة بَين الشَّاهِدين إِذا شهد أَحدهمَا بِمِائَة وَالْآخر بمائتين أَو شهد أَحدهمَا بتطليقة وَالْآخر بِنصْف تَطْلِيقَة فَإِنَّمَا يكون من نوع هَذَا (فالحاجة فِيهِ إِلَى إِثْبَات الِاسْم وَطَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ التَّأَمُّل فِي طَرِيقه عِنْد أهل اللُّغَة) فَكَانَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ فِيهِ اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد
وَكَذَلِكَ الْإِطْعَام فِي الْكَفَّارَات فَإِن اشْتِرَاط التَّمْلِيك فِيهِ بِالْقِيَاسِ على الْكسْوَة بَاطِل لِأَن الْكَلَام فِي معنى الْإِطْعَام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا مدْخل للْقِيَاس الشَّرْعِيّ فِي معرفَة معنى الِاسْم لُغَة وَإِنَّمَا الطَّرِيق فِيهِ التَّأَمُّل فِي معنى اللَّفْظ لُغَة وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ فلازمه طعم وَحَقِيقَته فِيمَا يصير الْمِسْكِين بِهِ طاعما وَذَلِكَ بالتمكين من الْإِطْعَام بِمَنْزِلَة الإيكال ثمَّ يجوز التَّمْلِيك فِيهِ بِدلَالَة النَّص فَأَما الْكسْوَة فَهُوَ عبارَة عَن الملبوس دون فعل اللّبْس وَدون مَنْفَعَة الثَّوْب وَعين الملبوس لَا يصير كَفَّارَة إِلَّا بالتمليك من الْمِسْكِين فَأَما الإلباس فَهُوَ تَمْكِين من الِانْتِفَاع بالملبوس
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاخْتِلَاف فِي شَرط التَّعْدِيَة وَالْمذهب عندنَا أَن تَعْلِيل النَّص بِمَا لَا يتَعَدَّى لَا يجوز أصلا
وَعند الشَّافِعِي هَذَا التَّعْلِيل جَائِز وَلكنه لَا يكون مقايسة وعَلى هَذَا جوز هُوَ تَعْلِيل نَص الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة
(2/158)

بالثمينة وَإِن كَانَت لَا تتعدى فَنحْن لَا نجوز ذَلِك
وَالْمذهب عندنَا أَن حكم التَّعْلِيل هُوَ تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفُرُوع وكل تَعْلِيل لَا يُفِيد ذَلِك فَهُوَ خَال عَن حكمه وعَلى قَوْله حكم التَّعْلِيل ثُبُوت الحكم فِي الْمَنْصُوص بِالْعِلَّةِ ثمَّ تتعدى تِلْكَ الْعلَّة إِلَى الْفُرُوع تَارَة فَيثبت بهَا الحكم فِي الْفُرُوع كَمَا فِي الأَصْل وَتارَة لَا تتعدى فَيبقى الحكم فِي الأَصْل ثَابتا وَبِه يكون ذَلِك تعليلا مُسْتَقِيمًا بِمَنْزِلَة النَّص الَّذِي هُوَ عَام مَعَ النَّص الَّذِي هُوَ خَاص
احْتج وَقَالَ لِأَن التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ حجَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع فَيكون بِمَنْزِلَة سَائِر أَنْوَاع الْحجَج وَسَائِر الْحجَج من الْكتاب وَالسّنة أَيْنَمَا وجدت يثبت الحكم بهَا فَكَذَلِك التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِلَّا أَن سَائِر الْحجَج تكون ثَابت بِغَيْر صنع منا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يحصل بصنعنا وَمَتى وجد ذَلِك كَانَ ثُبُوت الحكم مُضَافا إِلَيْهِ سَوَاء تعدى إِلَى الْفُرُوع أَو لم يَتَعَدَّ وَهَذَا لِأَن الشَّرْط فِي الْوَصْف الَّذِي يتعلل الأَصْل بِهِ قيام دلَالَة التَّمْيِيز بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي الْوَصْف الَّذِي يقْتَصر على مَوضِع النَّص وَفِي الْوَصْف الَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مَحل آخر وَبعد مَا وجد فِيهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل بِهِ لَا يثبت الْحجر عَن التَّعْلِيل بِهِ إِلَّا بمانع فكونه غير مُتَعَدٍّ لَا يصلح أَن يكون مَانِعا إِنَّمَا الْمَانِع مَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة وانعدام وصف التَّعَدِّي فِيهِ لَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة كالنص
وَالْجَوَاب عَن هَذَا الْكَلَام بِمَا هُوَ الْحجَّة لنا وَهُوَ أَن الْحجَج الشَّرْعِيَّة لَا بُد أَن تكون مُوجبَة علما أَو عملا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ لَا يُوجب الْعلم بالِاتِّفَاقِ فَعرفنَا أَنه مُوجب للْعَمَل وَأَنه بِاعْتِبَارِهِ يصير حجَّة والموجب للْعَمَل مَا يكون مُتَعَدِّيا إِلَى الْفُرُوع لِأَن وجوب الْعَمَل بِالْعِلَّةِ إِنَّمَا يظْهر فِي الْفَرْع فَأَما الأَصْل فقد كَانَ مُوجبا للْعَمَل فِي الْمحل الَّذِي تنَاوله قبل التَّعْلِيل فَإِذا خلا عَن التَّعْلِيل لم يكن مُوجبا شَيْئا فَلَا يكون حجَّة شرعا
(2/159)

فَإِن قيل وجوب الْعَمَل فِي الأَصْل بعد أَن التَّعْلِيل يصير مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَمَا أَن فِي الْفَرْع بعد التَّعْدِيَة يصير وجوب الْعَمَل مُضَافا إِلَى الْعلَّة
قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن قبل التَّعْلِيل كَانَ وجوب الْعَمَل بِالنَّصِّ وَالتَّعْلِيل لَا يجوز على وَجه يكون مغيرا حكم الأَصْل فَكيف يجوز على وَجه يكون مُبْطلًا حكم الأَصْل وَهُوَ إِضَافَة وجوب الْعَمَل إِلَيْهِ أَلا ترى أَن وجوب الْعَمَل بِهِ لما كَانَ مُضَافا إِلَى النَّص قبل التَّعْلِيل بَقِي مُضَافا إِلَيْهِ بعد التَّعْلِيل وَبِه يتَبَيَّن أَن النَّص أقوى والضعيف لَا يظْهر فِي مُقَابلَة الْقوي فَيكون الحكم وَهُوَ وجوب الْعَمَل فِي الأَصْل مُضَافا إِلَى أقوى الحجتين وَهُوَ النَّص بعد التَّعْلِيل كَمَا كَانَ قبله
واعتباره الأَصْل بالفرع فِي أَن الحكم فِيهِ يكون مُضَافا إِلَى الْعلَّة فِي نِهَايَة الْفساد لِأَن الْفَرْع يعْتَبر الأَصْل فَأَما الأَصْل لَا يعْتَبر بالفرع فِي معرفَة حكمه بِحَال
فَإِن قيل مَعَ هَذَا التَّعْلِيل صَحِيح ليثبت بِهِ تَخْصِيص الأَصْل بذلك الحكم
قُلْنَا وَهَذَا ثَابت قبل التَّعْلِيل بِالنَّصِّ ثمَّ تَعْلِيل الأَصْل بِوَصْف لَا يتَعَدَّى لَا يمْنَع تَعْلِيله بِوَصْف آخر يتَعَدَّى إِذا وجد فِيهِ مَا هُوَ شَرط الْعلَّة لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يجْتَمع فِي الأَصْل وصفان كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَعَدَّى إِلَى فروع وَأَحَدهمَا أَكثر تَعديَة من الآخر يجوز أَن يجْتَمع وصفان يتَعَدَّى أَحدهمَا وَلَا يتَعَدَّى الآخر فَبِهَذَا تبين أَن هَذَا التَّعْلِيل لَا يُوجب تَخْصِيص الأَصْل أَيْضا
وَكَيف يُقَال هَذَا وبالإجماع بَيْننَا وَبَينه انعدام الْعلَّة لَا يُوجب انعدام الحكم على مَا نبينه فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يكون التَّعْلِيل بِمَا لَا يتَعَدَّى مُوجبا تَخْصِيص الأَصْل إِذا كَانَ الحكم يَنْعَدِم بانعدام الْعلَّة كَمَا يُوجد بوجودها
وَمن هَذِه الْجُمْلَة تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى مَوضِع مَنْصُوص فَإِن ذَلِك لَا يجوز عندنَا نَص عَلَيْهِ مُحَمَّد السّير الْكَبِير وَقَالَ النَّص الْوَارِد فِي هدي الْمُتْعَة لَا يجوز تَعْلِيله لتعدية حكم الصَّوْم فِيهِ إِلَى هدي الْإِحْصَار لِأَن ذَلِك مَنْصُوص عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَاس بِالرَّأْيِ على الْمَنْصُوص وَلَا يُقَاس الْمَنْصُوص
(2/160)

على الْمَنْصُوص
وَالشَّافِعِيّ يجوز هَذَا التَّعْلِيل لإِثْبَات زِيَادَة فِي حكم النَّص الآخر بِالتَّعْلِيلِ وَلِهَذَا قَالَ يجوز تَعْلِيله على وَجه يُوجب زِيَادَة فِي حكم النَّص الآخر لَا على وَجه يُوجب مَا هُوَ خلاف حكم النَّص الآخر لِأَن وجوب الزِّيَادَة بِهِ إِذا كَانَ النَّص الآخر ساكتا عَنهُ يكون بَيَانا وَالْكَلَام وَإِن كَانَ ظَاهرا فَهُوَ يحْتَمل زِيَادَة الْبَيَان وَلكنه لَا يحْتَمل من الحكم مَا هُوَ خلاف مُوجبه وَالتَّعْلِيل ليحصل بِهِ زِيَادَة الْبَيَان فَلهَذَا جَوَّزنَا تَعْلِيل النَّص بِوَصْف يتَعَدَّى إِلَى مَا فِيهِ نَص آخر لإِثْبَات الزِّيَادَة فِيهِ وَلَكنَّا نقُول الحكم الثَّابِت بِالتَّعْلِيلِ فِي الْمحل الَّذِي فِيهِ نَص إِمَّا أَن يكون مُوَافقا للْحكم الثَّابِت فِيهِ بذلك النَّص أَو مُخَالفا لَهُ وَعند الْمُوَافقَة لَا يُفِيد هَذَا التَّعْلِيل شَيْئا لِأَن الحكم فِي ذَلِك الْموضع مُضَاف إِلَى النَّص الْوَارِد فِيهِ فَلَا يصير بتعليل نَص آخر مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَمَا لَا يصير الحكم فِي النَّص الْمَعْلُول مُضَافا إِلَى الْعلَّة بعد التَّعْلِيل كَمَا قَررنَا وَإِن كَانَ مُخَالفا لَهُ فَهُوَ بَاطِل لِأَن التَّعْلِيل فِي مُعَارضَة النَّص أَو فِيمَا يبطل حكم النَّص بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَإِن كَانَ زَائِدا فِيهِ فَهُوَ مغير أَيْضا بِحكم ذَلِك النَّص لِأَن جَمِيع الحكم قبل التَّعْلِيل فِي ذَلِك الْموضع مَا أوجبه النَّص الْوَارِد فِيهِ وَبعد التَّعْلِيل يصير بعضه وَالْبَعْض غير الْكل فَعرفنَا أَنه لَا يَخْلُو هَذَا التَّعْلِيل من أَن يكون مغيرا حكم النَّص وَتبين بِهَذَا أَن الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل بِنَاء على مَا قدمنَا أَن الزِّيَادَة على النَّص عندنَا بِمَنْزِلَة النّسخ فَكَمَا لَا يجوز إِثْبَات نسخ الْمَنْصُوص بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ فَكَذَلِك لَا يجوز إِثْبَات الزِّيَادَة فِيهِ
ثمَّ بَيَان قَوْلنَا إِن شَرط التَّعْلِيل تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه فِي مواضيع مِنْهَا أَنا لَا نجوز تَعْلِيل نَص الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم لِأَن الحكم فِي النُّصُوص كلهَا إِثْبَات حُرْمَة متناهية بالتساوي وَصفَة الطّعْم توجب تَعديَة الحكم إِلَى محَال تكون الْحُرْمَة فِيهَا مُطلقَة غير متناهية وَهِي المطعومات الَّتِي لَا تدخل تَحت المعيار فَعرفنَا أَن هَذَا الْوَصْف لَا يُوجب تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه إِذْ الْحُرْمَة المتناهية غير الْحُرْمَة المؤبدة أَلا ترى أَن الْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالرّضَاعِ والمصاهرة غير الْحُرْمَة الثَّابِتَة بالتطليقات الثَّلَاث وَلِهَذَا قُلْنَا
(2/161)

إِن النُّقُود لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود بِالتَّعْيِينِ بِخِلَاف مَا يَقُوله الشَّافِعِي إِنَّهَا متعينة فِي الْملك وتعيينها فِي العقد مُفِيد فتتعين بِالتَّعْيِينِ كالسلع
وَهَذَا لِأَن هَذَا التَّعْلِيل لَا يُوجب تَعديَة حكم الأَصْل بِعَيْنِه فَحكم البيع فِي السّلع وجوب الْملك بِهِ فِيهَا لَا وجودهَا فِي نَفسهَا وَلِهَذَا لَا بُد من قِيَامهَا فِي ملك البَائِع عِنْد العقد ليَصِح العقد وَحكم العقد فِي الثّمن وُجُوبهَا ووجودها بِالْعقدِ وَلِهَذَا لَا يشْتَرط قيام الثّمن فِي ملك المُشْتَرِي عِنْد العقد لصِحَّة العقد وَيجوز العقد بِدُونِ تَعْيِينه لَا على اعْتِبَار أَنه بِمَنْزِلَة السّلع وَلَكِن يسْقط اعْتِبَار وجوده بطرِيق الرُّخْصَة فَإِن هَذَا الحكم فِيمَا وَرَاء مَوضِع الرُّخْصَة ثَابت حَتَّى يجوز الِاسْتِبْدَال بِهِ قبل الْقَبْض وَلَا يجب جبر النَّقْص المتمكن فِيهِ عِنْد عدم التَّعْيِين بِذكر الْأَجَل وَلَا بِقَبض مَا يُقَابله فِي الْمجْلس بِخِلَاف السّلم فَعرفنَا أَن الحكم الْأَصْلِيّ فِي الثّمن مَا بَينا وَفِي التَّعْيِين تَغْيِير لذَلِك الحكم وَجعل مَا هُوَ الرُّكْن شرطا وَأي التَّغْيِير أبلغ من هَذَا
فَتبين بِهَذَا أَنه لَيْسَ فِي هَذَا التَّعْلِيل تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه بل إِثْبَات حكم آخر فِي الْفَرْع وَلِهَذَا قُلْنَا إِن إِظْهَار الذِّمِّيّ بَاطِل لِأَن حكم الظِّهَار فِي حق الْمُسلم أَنه يثبت بِهِ حُرْمَة متناهية بِالْكَفَّارَةِ فتعليل هَذَا الأَصْل بِمَا يُوجب تَعديَة الحكم إِلَى الذِّمِّيّ يكون بَاطِلا لِأَنَّهُ لَا يثبت بِهِ حكم الأَصْل بِعَيْنِه وَهُوَ الْحُرْمَة المتناهية فَإِن الذِّمِّيّ لَيْسَ من أهل الْكَفَّارَة مُطلقًا
وَبَيَان قَوْلنَا إِلَى فرع هُوَ نَظِيره فِي فُصُول مِنْهَا مَا بَينا أَنه لَا يجوز تَعْلِيل النَّص الْوَارِد فِي النَّاسِي بالعذر ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى الخاطىء وَالْمكْره لِأَن الْفَرْع لَيْسَ بنظير للْأَصْل فعذرهما دون عذر النَّاسِي فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود بالحكم لِأَن عذر الخاطىء لَا يَنْفَكّ عَن تَقْصِير من جِهَته بترك الْمُبَالغَة فِي التَّحَرُّز وَعذر الْمُكْره بِاعْتِبَار صنع هُوَ مُضَاف إِلَى الْعباد فَلَا تجوز تَعديَة الحكم للتَّعْلِيل إِلَى مَا لَيْسَ بنظير بِهِ
وَكَذَلِكَ قُلْنَا شَرط النِّيَّة فِي التَّيَمُّم لَا يجوز تَعْلِيله بِأَنَّهُ طَهَارَة حكمِيَّة ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى الْوضُوء فَإِن الْفَرْع لَيْسَ بنظير الأَصْل فِي كَونه طَهَارَة لِأَن التَّيَمُّم بِاعْتِبَار الأَصْل تلويث وَهُوَ لَا يكون رَافعا للْحَدَث بِيَقِين بِخِلَاف الطَّهَارَة بِالْمَاءِ وَلِهَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة
(2/162)

فَإِن قيل فقد أوجبتم الْكَفَّارَة بِالْأَكْلِ وَالشرب فِي رَمَضَان على طَرِيق تَعديَة حكم النَّص الْوَارِد فِي الْجِمَاع إِلَيْهِ مَعَ أَن الْأكل وَالشرب لَيْسَ بنظير للجماع لما فِي الْجِمَاع من الْجِنَايَة على مَحل الْفِعْل وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ الْحَد رجما فِي غير الْملك وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الْأكل وَالشرب وأثبتم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بِالزِّنَا بطرِيق تَعديَة الحكم من الْوَطْء الْحَلَال إِلَيْهِ وَهُوَ لَيْسَ بنظير لَهُ فَلِأَن الأَصْل حَلَال يثبت بِهِ النّسَب وَالزِّنَا حرَام لَا يثبت بِهِ النّسَب وَكَذَلِكَ أثبتم الْملك الَّذِي هُوَ حكم البيع بِالْغَصْبِ وَهُوَ لَيْسَ بنظير لَهُ فَالْبيع مَشْرُوع وَالْغَصْب عدوان مَحْض وَهُوَ ضد الْمَشْرُوع
قُلْنَا أما فِي مَسْأَلَة الْكَفَّارَة فَنحْن مَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة بطرِيق التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فَكيف يُقَال هَذَا وَمن أصلنَا أَن إِثْبَات الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ لَا يجوز خُصُوصا فِي كَفَّارَة الْفطر فَإِنَّهَا تنْزع إِلَى الْعُقُوبَات كالحد وَلَكِن إِنَّمَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة بِالنَّصِّ الْوَارِد بِلَفْظ الْفطر وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من أفطر فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر ثمَّ قد بَينا أَنَّهُمَا نظيران فِي حكم الصَّوْم فَإِن ركن الصَّوْم هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار الْجِنَايَة على الصَّوْم بتفويت رُكْنه على أبلغ الْوُجُوه لَا بِاعْتِبَار الْجِنَايَة على الْمحل وَفِي الْجِنَايَة على الصَّوْم هما سَوَاء وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار الْفطر (المفوت) لركن الصَّوْم صُورَة وَمعنى وَالْجِمَاع آلَة لذَلِك كَالْأَكْلِ وَالشرب
وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير إِيجَاب الْقصاص فِي الْقَتْل بِالسَّهْمِ وَالسيف فَإِن الْقصاص يجب بِالْقَتْلِ الْعمد وَالسيف آلَة لذَلِك الْفِعْل كالسهم فَلَا يكون ذَلِك بطرِيق تَعديَة الحكم من مَحل إِلَى مَحل إِنَّمَا التَّعْدِيَة فِيمَا قَالَه الْخصم إِن الْكَفَّارَة تجب بجماع الْميتَة والبهيمة
وَعِنْدنَا هَذَا التَّعْلِيل بَاطِل لِأَن جماع الْميتَة والبهيمة لَيْسَ نَظِير جماع الْأَهْل فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم فَإِن فَوَات الرُّكْن معنى بِمَا تميل إِلَيْهِ الطباع السليمة لقصد قَضَاء الشَّهْوَة وَذَلِكَ يخْتَص بِمحل مشتهى وَفرج الْميتَة والبهيمة لَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة فَكَانَ هَذَا تعليلا لتعدية الحكم إِلَى مَا لَيْسَ
(2/163)

بنظير للْأَصْل فَكَانَ بَاطِلا
فَأَما مَسْأَلَة الزِّنَا فَالْأَصْل فِي ثُبُوت الْحُرْمَة لَيْسَ هُوَ الْوَطْء بِالْوَلَدِ الَّذِي يتخلق من الماءين إِذا اجْتمعَا فِي الرَّحِم لِأَنَّهُ من جملَة الْبشر لَهُ من الحرمات مَا لغيره من بني آدم ثمَّ تتعدى تِلْكَ الْحُرْمَة إِلَى الزَّوْجَيْنِ بِاعْتِبَار أَن انخلاق الْوَلَد كَانَ من مائهما فَيثبت معنى الِاتِّحَاد بَينهمَا بِوَاسِطَة الْوَلَد فَيصير أمهاتها وبناتها فِي الْحُرْمَة عَلَيْهِ كأمهاته وَبنَاته وَيصير آباؤه وأبناؤه فِي كَونهَا مُحرمَة عَلَيْهِم كآبائها وأبنائها ثمَّ يُقَام مَا هُوَ السَّبَب لِاجْتِمَاع الماءين فِي الرَّحِم وَهُوَ الْوَطْء مقَام حَقِيقَة الِاجْتِمَاع لإِثْبَات هَذِه الْحُرْمَة وَذَلِكَ بِوَطْء يخْتَص بِمحل الْحَرْث وَلَا مُعْتَبر بِصفة الْحل فِي هَذَا الْمَعْنى وَلَا أثر لحُرْمَة الْوَطْء فِي منع هَذَا الْمَعْنى الَّذِي لأَجله أقيم هَذَا السَّبَب مقَام مَا هُوَ الأَصْل فِي إِثْبَات الْحُرْمَة إِلَّا أَن إِقَامَة السَّبَب مقَام مَا هُوَ الأَصْل فِيمَا يكون مَبْنِيا على الِاحْتِيَاط وَهُوَ الْحُرْمَة وَالنّسب لَيْسَ بنظيره فِي معنى الِاحْتِيَاط فَلهَذَا لَا يُقَام الْوَطْء مُطلقًا مقَام مَا هُوَ الأَصْل حَقِيقَة فِي إِثْبَات النّسَب وَلَا يدْخل على هَذَا أَن هَذِه الْحُرْمَة لَا تتعدى إِلَى الْأَخَوَات والعمات على أَن يَجْعَل أخواتها كأخواته فِي حَقه لِأَن أصل الْحُرْمَة لَا يُمكن إثْبَاته بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا يثبت بِالنَّصِّ وَالنَّص مَا ورد بامتداد هَذِه الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات فتعدية الْحُرْمَة إِلَيْهِمَا تكون تغييرا لحكم النَّص وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يجوز بِالتَّعْلِيلِ
وعَلى هَذَا فصل الْغَصْب فَإنَّا لَا نوجب الْملك بِهِ حكما للغصب كَمَا نوجبه بِالْبيعِ وَإِنَّمَا نثبت الْملك بِهِ شرطا للضَّمَان الَّذِي هُوَ حكم الْغَصْب وَذَلِكَ الضَّمَان حكم مَشْرُوع كَالْبيع وَكَون الأَصْل مَشْرُوعا يَقْتَضِي أَن يكون شَرطه مَشْرُوعا
وَبَيَان قَوْلنَا وَلَا نَص فِيهِ فِي فُصُول مِنْهَا أَنا لَا نجوز القَوْل بِوُجُوب الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل الْعمد بِالْقِيَاسِ على الْقَتْل الْخَطَأ لِأَنَّهُ تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى فرع فِيهِ نَص على حِدة
وَلَا نجوز القَوْل بِوُجُوب الدِّيَة فِي الْعمد الْمَحْض بِالْقِيَاسِ على الْخَطَأ لهَذَا الْمَعْنى
وَلَا نوجب الْكَفَّارَة فِي الْيَمين الْغمُوس بِالْقِيَاسِ على الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا
وَلَا نشترط صفة الْإِيمَان فِيمَن تصرف إِلَيْهِ الصَّدقَات سوى الزَّكَاة بِالْقِيَاسِ على الزَّكَاة
(2/164)

لما فِيهِ من تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى مَا فِيهِ نَص آخر
وَلَا نشترط الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين بِالْقِيَاسِ على كَفَّارَة الْقَتْل لِأَن فِيهِ تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى مَحل فِيهِ نَص آخر وَفِيه تعرض لحكم النَّص الآخر بالتغيير فَإِن الْإِطْلَاق غير التَّقْيِيد وَبعد مَا ثبتَتْ الرَّقَبَة مُطلقًا فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار فإثبات التَّقْيِيد فِيهِ بِالْإِيمَان يكون تغييرا كَمَا أَن إِثْبَات صفة الْإِطْلَاق فِي الْمُقَيد يكون تغييرا فَإِن الْحُرْمَة فِي الربائب لما تقيدت بِالدُّخُولِ كَانَ تَعْلِيل أُمَّهَات النِّسَاء لإِثْبَات صفة الْإِطْلَاق فِي حُرْمَة الربائب يكون تغييرا لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ بِالرَّأْيِ فَكَذَلِك إِثْبَات التَّقْيِيد فِيمَا كَانَ مُطلقًا بِالنَّصِّ
وَبَيَان الْفَصْل الرَّابِع وَهُوَ مَا قُلْنَا إِن الشَّرْط أَن يبْقى حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الأَصْل على مَا كَانَ قبله فَلِأَنَّهُ لما ثَبت أَن التَّعْلِيل لَا يجوز أَن يكون مغيرا حكم النَّص فِي الْفُرُوع ثَبت بِالطَّرِيقِ الأولى أَنه لَا يجوز أَن يكون مغيرا حكم الأَصْل فِي نَفسه فَفِي كل مَوضِع لَا يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَذَلِك التَّعْلِيل يكون بَاطِلا لكَونه مغيرا لحكم الأَصْل وَلِهَذَا لم نجوز التَّعْلِيل فِي قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف بعد التَّوْبَة بِالْقِيَاسِ على الْمَحْدُود فِي سَائِر الجرائم بعلة أَنه مَحْدُود فِي كَبِيرَة لِأَن بعد هَذَا التَّعْلِيل لَا يبْقى حكم النَّص الْوَارِد فِيهِ على مَا كَانَ قبله
فَإِن قيل هَذَا التَّعْلِيل يكون هُوَ سَاقِط الشَّهَادَة بِالنَّصِّ أبدا وَيكون ذَلِك متمما لحده وَبعد التَّعْلِيل يتَغَيَّر هَذَا الحكم فَإِن الْجلد قبل هَذَا التَّعْلِيل يكون بعض الْحَد فِي حَقه وَبعده يكون تَمام الْحَد فَيكون تغييرا على نَحْو مَا قُلْنَا فِي التَّغْرِيب إِن الْجلد إِذا لم يضم إِلَيْهِ التَّغْرِيب فِي زنا الْبكر يكون حدا كَامِلا وَإِذا ضم إِلَيْهِ التَّغْرِيب يكون بعض الْحَد
وَكَذَلِكَ تَعْلِيل الشَّافِعِي فِي إبِْطَال شَهَادَته بِنَفس الْقَذْف بِالْقِيَاسِ على سَائِر الجرائم بَاطِل لِأَنَّهُ تَغْيِير للْحكم بِالنَّصِّ فَإِن مُدَّة الْعَجز عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء بعد الْقَذْف ثَابت بِالنَّصِّ لإِقَامَة
(2/165)

الْجلد وَإِسْقَاط الشَّهَادَة فَكَانَ إثْبَاته بِنَفس الْقَذْف بِدُونِ اعْتِبَار تِلْكَ الْمدَّة بطرِيق التَّعْلِيل بَاطِلا لِأَن حكم النَّص لَا يبْقى بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله
وَكَذَلِكَ القَوْل بِسُقُوط شَهَادَة الْفَاسِق أصلا بِالْقِيَاسِ على الْمَحْدُود فِي الْقَذْف أَو على العَبْد وَالصَّبِيّ بَاطِل لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ فِي حق الْفَاسِق التَّوَقُّف فِي شَهَادَته وَبعد تعْيين جِهَة الْبطلَان فِيهِ لَا يبْقى التَّوَقُّف فَحكم النَّص بعد هَذَا التَّعْلِيل لَا يبْقى على مَا كَانَ قبله
وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْفرْقَة بَين الزَّوْجَيْنِ لَا تقع بِلعان الزَّوْج لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ اللّعان من الْجَانِبَيْنِ وَهِي شَهَادَات مُؤَكدَة بالأيمان وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الْفرْقَة بَينهمَا وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَذَلِكَ أَيْضا لَا يَقْتَضِي زَوَال الْملك بِهِ كَمَا بعد إِسْلَام الْمَرْأَة قبل إِسْلَام الزَّوْج فإثبات حكم الْفرْقَة بِقَذْف الزَّوْج عِنْد لِعَانه لَا يجوز بطرِيق التَّعْلِيل لِأَنَّهُ لَا يبْقى حكم النَّص بعد هَذَا التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَقبله الْمَذْكُور جَمِيع الحكم وَبعده يكون بعض الحكم إِلَّا أَن بعد مَا فرغا من اللّعان يتَحَقَّق فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ مَا داما مصرين على ذَلِك وَاسْتِحْقَاق الْفرْقَة عِنْد فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ يثبت مَوْقُوفا على قَضَاء القَاضِي بِهِ كَمَا بعد إِسْلَام أحد الزَّوْجَيْنِ إِذا أَبى الآخر الْإِسْلَام
وَكَذَلِكَ قُلْنَا إِذا كذب الْملَاعن نَفسه وَضرب الْحَد جَازَ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لِأَن الثَّابِت بِالنَّصِّ أَن المتلاعنين لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَبعد الإكذاب لَا يكون متلاعنا بِدَلِيل أَنه يُقَام عَلَيْهِ حد الْقَذْف فَلَا يجْتَمع اللّعان وَالْحَد بِقَذْف وَاحِد فَمن ضَرُورَة القَوْل بِإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ أَن لَا يبْقى ملاعنا وَلِهَذَا لَو أكذب نَفسه قبل اللّعان فَإِنَّهُ يُقَام الْحَد عَلَيْهِ وَلَا يلاعنها فَإِذا خرج من أَن يكون ملاعنا بإكذابه نَفسه قُلْنَا إِن كَانَ قبل قَضَاء قَاضِي بالفرقة لم يفرق بَينهمَا وَإِن كَانَ بعد الْقَضَاء جَازَ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لأَنا لَو بَقينَا الْحُرْمَة بِالْقِيَاسِ على الْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالرّضَاعِ والمصاهرة لم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَإِن قبل التَّعْلِيل كَانَ الثَّابِت بِالنَّصِّ
(2/166)

حُرْمَة الِاجْتِمَاع بَين المتلاعنين وَبعد التَّعْلِيل تكون حُرْمَة الِاجْتِمَاع بَين غير المتلاعنين
فَإِن قيل فقد فَعلْتُمْ مَا أنكرتموه فِي فُصُول مِنْهَا أَن حكم نَص الرِّبَا الْمُسَاوَاة بَين الْقَلِيل وَالْكثير قبل التَّعْلِيل ثمَّ بعد التَّعْلِيل خصصتم الْقَلِيل من الْحِنْطَة فَلم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل بِالْكَيْلِ فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله
وَكَذَلِكَ الشَّاة بصورتها وَمَعْنَاهَا صَار مُسْتَحقّا للْفَقِير بِالنَّصِّ ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بالمالية أبطلتم حَقه عَن الصُّورَة فَلم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله وجوزتم هَذَا التَّعْلِيل لإبطال حق الْمُسْتَحق مَعَ أَنه لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي إبِْطَال حق الْمُسْتَحق عَن الصُّورَة أَو الْمَعْنى كَمَا فِي سَائِر حُقُوق الْعباد
وَقد ثَبت بِالنَّصِّ حق الْأَصْنَاف فِي الصَّدقَات لوُجُود الْإِضَافَة إِلَيْهِم بلام التَّمْلِيك ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بِالْحَاجةِ غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص وجوزتم الصّرْف إِلَى صنف وَاحِد
وَثَبت بِالنَّصِّ وجوب التَّكْفِير بإطعام عشرَة مَسَاكِين ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص فجوزتم الصّرْف إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي عشرَة أَيَّام
وبالنص ثَبت لُزُوم التَّكْبِير عِنْد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بالثناء وَذكر الله على سَبِيل التَّعْظِيم غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص حَتَّى جوزتم افْتِتَاح الصَّلَاة بِغَيْر لفظ التَّكْبِير
وبالنص ثَبت وجوب اسْتِعْمَال المَاء لتطهير الثَّوْب عَن النَّجَاسَة ثمَّ غيرتم بِالتَّعْلِيلِ بِكَوْنِهِ مزيلا للعين والأثر هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص حَتَّى جوزتم تَطْهِير الثَّوْب النَّجس بِاسْتِعْمَال سَائِر الْمَائِعَات سوى المَاء
قُلْنَا أما الأول فَهُوَ دَعْوَى من غير تَأمل وَإِنَّا مَا خصصنا الْقَلِيل من الْبر إِلَّا بِالنَّصِّ فَإِن النَّص قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا تَبِيعُوا الْبر بِالْبرِّ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء وَالْأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي معنى المستثني وعَلى هَذَا بنى عُلَمَاؤُنَا مسَائِل فِي الْجَامِع إِذا قَالَ إِن كَانَ فِي هَذِه الدَّار إِلَّا رجل فعبده حر فَإِذا فِي الدَّار سوى الرجل دَابَّة أَو ثوب لم يَحْنَث وَإِن كَانَ فِيهَا سوى الرجل امْرَأَة أَو صبي حنث
وَلَو كَانَ قَالَ إِلَّا حمارا فَإِذا فِيهَا حَيَوَان آخر سوى الْحمار يَحْنَث وَإِن كَانَ فِيهَا ثوب سوى الْحمار لم
(2/167)

يَحْنَث وَإِن كَانَ قَالَ إِلَّا ثوب فَأَي شَيْء يكون فِي الدَّار سوى الثَّوْب مِمَّا هُوَ مَقْصُود بالإمساك فِي الدّور يَحْنَث فَعرفنَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي معنى الْمُسْتَثْنى والمستثنى هُنَا حَال التَّسَاوِي فِي الْكَيْل واستثناء الْحَال من الْعين لَا يكون فَعرفنَا بِدلَالَة النَّص أَن الْمُسْتَثْنى من عُمُوم الْأَحْوَال حَال التَّسَاوِي وَحَال المجازفة وَحَالَة التَّفَاضُل وَهَذَا لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْكثير وَإِلَّا فِيمَا يكون مُقَدرا شرعا فَعرفنَا أَن اخْتِصَاص الْقَلِيل كَانَ بِدلَالَة النَّص وَأَنه كَانَ مصاحبا للتَّعْلِيل لَا أَن يكون ثَابتا بِالتَّعْلِيلِ
وَأما الزَّكَاة فَنحْن لَا نبطل بِالتَّعْلِيلِ شَيْئا من الْحق الْمُسْتَحق لِأَنَّهُ تبين خطأ من يَقُول بِأَن الزَّكَاة حق الْفُقَرَاء مُسْتَحقَّة لَهُم شرعا بل الزَّكَاة مَحْض حق الله تَعَالَى فَإِنَّهَا عبَادَة مَحْضَة وَهِي من أَرْكَان الدّين وَهَذَا الْوَصْف لَا يَلِيق بِمَا هُوَ حق العَبْد وَمعنى الْعِبَادَة فِيهَا أَن الْمُؤَدِّي يَجْعَل ذَلِك الْقدر من مَاله خَالِصا لله تَعَالَى حَتَّى يكون مطهرا لنَفسِهِ وَمَاله ثمَّ يصرفهُ إِلَى الْفَقِير ليَكُون كِفَايَة لَهُ من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وعد الرزق لِعِبَادِهِ وَهُوَ لَا يخلف الميعاد وَمَعْلُوم أَن حاجات الْعباد تخْتَلف فَالْأَمْر بإنجاز المواعيد لَهُم من مَال مُسَمّى يتَضَمَّن الْإِذْن فِي الِاسْتِبْدَال ضَرُورَة ليَكُون المصروف إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم عين الْمَوْعُود لَهُ بِمَنْزِلَة السُّلْطَان يُجِيز أولياءه بجوائز مُخْتَلفَة يَكْتُبهَا لَهُم ثمَّ يَأْمر وَاحِدًا بإيفاء ذَلِك كُله من مَال يُسَمِّيه بِعَيْنِه فَإِنَّهُ يكون ذَلِك إِذْنا لَهُ فِي الِاسْتِبْدَال ضَرُورَة وَالثَّابِت بضرورة النَّص كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فَعرفنَا أَن ذَلِك كَانَ ثَابتا بِالنَّصِّ وَلكنه كَانَ مجامعا للتَّعْلِيل ثمَّ التَّعْلِيل بِحكم شَرْعِي لَا بِحَق مُسْتَحقّ لأحد فَإِن الْمُؤَدى بعد مَا صَار لله تَعَالَى بابتداء يَد الْفَقِير يكون كِفَايَة لَهُ من الله باستدامة الْيَد فِيهِ وَثَبت بِهَذَا النَّص كَونه محلا صَالحا لكفاية الْفَقِير وصلاحية الْمحل وَعدم صلاحيته حكم شَرْعِي كَالْخمرِ لَا يكون محلا صَالحا للْبيع والخل يكون محلا صَالحا لَهُ وَهَذِه الصلاحية تثبت بِالْأَمر بِالصرْفِ إِلَى الْفَقِير لِأَن بِاعْتِبَار كَونه مطهرا يصير من جملَة الأوساخ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله يَا معشر
(2/168)

بني هَاشم إِن الله كره لكم غسالة أَيدي النَّاس وعوضكم مِنْهَا خمس الْخمس فَتبين أَنه بِمَنْزِلَة المَاء الْمُسْتَعْمل وَلِهَذَا كَانَ الحكم فِي شَرِيعَة من قبلنَا أَن الصَّدقَات المقبولة والقرابين كَانَت تأكلها النَّار وَلَا يجوز الِانْتِفَاع بهَا وَفِي شريعتنا لَا يحل شَيْء مِنْهَا للغني وَيحل للْفَقِير لِحَاجَتِهِ بِمَنْزِلَة حل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة فَعرفنَا أَن حكم النَّص صَلَاحِية الْمحل للصرف إِلَى كِفَايَة الْفَقِير وَبعد التَّعْلِيل تبقى هَذِه الصلاحية كَمَا كَانَت قبلهَا وَيَتَعَدَّى حكم الصلاحية إِلَى سَائِر الْمحَال كَمَا هُوَ حكم التَّعْلِيل فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن اللَّام فِي قَوْله للْفُقَرَاء لَام الْعَاقِبَة أَي تصير لَهُم بِاعْتِبَار الْعَاقِبَة وَلَكِن بعد تَمام أَدَاء الصَّدقَات يَجْعَل المَال لله بابتداء التَّسْلِيم إِلَى الْفُقَرَاء أَو يكون المُرَاد بَيَان الْمصرف الَّذِي يكون المَال بقبضهم لله تَعَالَى خَالِصا هُوَ لَا بِمَنْزِلَة الْكَعْبَة فَإِن الْأَركان بِاعْتِبَار التَّوَجُّه إِلَيْهَا تصير صَلَاة لَا أَن تكون الصَّلَاة حَقًا للكعبة ثمَّ كل صنف من هَذِه الْأَصْنَاف جُزْء من المصارف بِمَنْزِلَة جُزْء من الْكَعْبَة واستقبال جُزْء مِنْهَا كاستقبال جَمِيعهَا فِي حكم الصَّلَاة وَهُوَ ثَابت بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ فَكَذَلِك الصّرْف إِلَى صنف لما فِيهِ من سد خلة الْمُحْتَاج بِمَنْزِلَة الصّرْف إِلَى الْأَصْنَاف لَا بطرِيق التَّعْلِيل
وَحكم الْإِطْعَام كَذَلِك فَإِن حكم النَّص أَن الْمَسَاكِين الْعشْرَة مَحل لصرف طَعَام الْكَفَّارَة إِلَيْهِم وَهَذَا الحكم بَاقٍ فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل كَمَا قبله وَلَكِن ثَبت بِدلَالَة النَّص للتنصيص على صفة المسكنة فِي المصروف إِلَيْهِ أَن الْمَطْلُوب سد الْخلَّة وَعلم يَقِينا تجدّد الْحَاجة للمسكين بتجدد الْأَيَّام فَصَارَ بِدلَالَة النَّص مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير سد عشر خلات وَهُوَ ثَابت بِالصرْفِ إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي عشرَة أَيَّام كَمَا يثبت بِالصرْفِ إِلَى عشرَة مَسَاكِين
وَأما التَّكْبِير فَلَا نقُول حكم النَّص وجوب التَّكْبِير بِعَيْنِه عِنْد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة وَلَكِن الْوَاجِب التَّعْظِيم بِاللِّسَانِ لِأَن اللِّسَان من الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة من وَجه وَالصَّلَاة تَعْظِيم الله تَعَالَى بِجَمِيعِ الْأَعْضَاء فَتعلق بِكُل عُضْو مَا يَلِيق بِهِ من التَّعْظِيم ثمَّ التَّعْظِيم
(2/169)

بِاللِّسَانِ يكون بالثناء وَالذكر فَكَانَ ذكر الله على سَبِيل التَّعْظِيم لتحقيق أَدَاء الْفِعْل الْمُتَعَلّق بِاللِّسَانِ وَلَا عمل لذَلِك الْفِعْل فِي تعْيين التَّكْبِير بل التَّكْبِير آلَة صَالِحَة لذَلِك وَقد بقيت بعد هَذَا التَّعْلِيل آلَة صَالِحَة لإِقَامَة هَذَا الْفِعْل بهَا كَمَا قبل التَّعْلِيل
وَكَذَلِكَ غسل النَّجَاسَة بالمائعات فالمستحق لَيْسَ هُوَ الْغسْل بِعَيْنِه بل إِزَالَة النَّجَاسَة عَن الثَّوْب حَتَّى لَا يكون مُسْتَعْملا لَهَا عِنْد لبسه أَلا ترى أَنه لَو قطع مَوضِع النَّجَاسَة بالمقراض أَو ألْقى ذَلِك الثَّوْب أصلا لم يلْزمه الْغسْل ثمَّ المَاء آلَة صَالِحَة لإِزَالَة النَّجَاسَة بِاسْتِعْمَالِهِ وَبعد التَّعْلِيل يبْقى كَذَلِك آلَة صَالِحَة لإِزَالَة النَّجَاسَة لاستعماله وَحكم الْغسْل طَهَارَة الْمحل بِاعْتِبَار أَنه لم يبْق فِيهِ عين النَّجَاسَة وَلَا أَثَرهَا فَكل مَائِع ينعصر بالعصر فَهُوَ يعْمل عمل المَاء فِي الْمحل ثمَّ طَهَارَة الْمحل فِي الأَصْل وانعدام ثُبُوت صفة النَّجَاسَة فِي المزيل بابتداء ملاقاة النَّجَاسَة إِلَى أَن يزايل الثَّوْب بالعصر حكم شَرْعِي ثَبت بِالنَّصِّ وبالتعليل تعدى هَذَا الحكم إِلَى الْفُرُوع وَبَقِي فِي الأَصْل على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيل
وَلَا يدْخل على هَذَا التَّطْهِير من الْحَدث بِسَائِر الْمَائِعَات سوى المَاء لِأَن عمل المَاء فِي إِزَالَة عين عَن الْمحل الَّذِي يلاقيه أَو فِي إِثْبَات صفة الطَّهَارَة للمحل بِوَاسِطَة الْإِزَالَة وَلَيْسَ فِي أَعْضَاء الْمُحدث عين تَزُول بِاسْتِعْمَال المَاء فَإِن أعضاءه طَاهِرَة وَإِنَّمَا فِيهَا مَانع حكمي من أَدَاء الصَّلَاة غير مَعْقُول الْمَعْنى وَقد ثَبت بِالنَّصِّ رفع ذَلِك الْمَانِع بِالْمَاءِ وَهُوَ غير مَعْقُول الْمَعْنى وَقد بَينا أَن مثل هَذَا الحكم لَا يُمكن تَعْلِيله للتعدية إِلَى مَحل آخر
وَلَا يدْخل على هَذَا الْجَواب تَصْحِيح الْوضُوء بِغَيْر النِّيَّة كَغسْل النَّجَاسَة لِأَن الَّذِي لَا يعقل الْمَعْنى فِيهِ مَا هُوَ مزال عَن الْمحل عِنْد اسْتِعْمَال المَاء فَأَما المَاء فِي كَونه مزيلا إِذا اسْتعْمل فِي الْمحل مَعْقُول الْمَعْنى فَلَا حَاجَة إِلَى اشْتِرَاط النِّيَّة لحُصُول الْإِزَالَة بِهِ كَمَا فِي غسل النَّجَاسَات فَعلم أَن هَذِه الْحُدُود إِنَّمَا يقف الْمَرْء عَلَيْهَا عِنْد التَّأَمُّل عَن إنصاف
وَأما بَيَان الْقسم الْخَامِس فَفِيمَا قَالَه عُلَمَاؤُنَا إِنَّه لَا يجوز قِيَاس السبَاع سوى
(2/170)

الْخمس المؤذيات على الْخمس بطرِيق التَّعْلِيل فِي إِبَاحَة قَتلهَا للْمحرمِ وَفِي الْحرم لِأَن فِي النَّص قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خمس يقتلن فِي الْحل وَالْحرم وَإِذا تعدى الحكم إِلَى مَحل آخر يكون أَكثر من خمس فَكَانَ فِي هَذَا التَّعْلِيل إبِْطَال لفظ من أَلْفَاظ النَّص بِخِلَاف حكم الرِّبَا فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لم يقل الرِّبَا فِي سِتَّة أَشْيَاء وَلَكِن ذكر حكم الرِّبَا فِي أَشْيَاء فَلَا يكون فِي تَعْلِيل ذَلِك النَّص إبِْطَال شَيْء من أَلْفَاظ النَّص
وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيل الشَّافِعِي حكم الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم فَإِن فِي النَّص قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْفضل رَبًّا أَي الْفضل حرَام يفْسد بِهِ العقد لِأَنَّهُ رَبًّا وَالتَّعْلِيل بالطعم يبطل كَون الْفضل رَبًّا لِأَنَّهُ يَقُول بعلة الطّعْم فَسَاد البيع فِي هَذِه الْأَمْوَال أصل إِلَى أَن يُوجد المخلص وَهُوَ الْمُسَاوَاة فِي المعيار الشَّرْعِيّ فَيكون هَذَا إبطالا لبَعض أَلْفَاظ النَّص
وَمن ذَلِك تَعْلِيله لرد شَهَادَة الْقَاذِف للفسق الثَّابِت بِالْقَذْفِ فَإِنَّهُ إبِْطَال لبَعض أَلْفَاظ النَّص وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أبدا} فَإِن رد الشَّهَادَة بِاعْتِبَار الْفسق لَا يتأبد فَكيف يتأبد وَسَببه وَهُوَ الْفسق بِعرْض أَن يَنْعَدِم بِالتَّوْبَةِ فَكَانَ هَذَا تعليلا بَاطِلا لتَضَمّنه إبِْطَال لفظ من أَلْفَاظ النَّص
وَمن جملَة مَا لَا يكون اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهِ طَرِيقا لمعْرِفَة الحكم النّذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر وَأَدَاء الظّهْر يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمصر بِغَيْر عذر قبل أَدَاء النَّاس الْجُمُعَة وَفَسَاد العقد لسَبَب الرِّبَا فَإِن الْكَلَام فِي هَذِه الْفُصُول فِي مُوجب النَّهْي وَأَن عمله بِأَيّ قدر يكون وَالنَّهْي أحد أَقسَام الْكَلَام كالأمر فَيكون طَرِيق مَعْرفَته مُوجبَة عِنْد الْإِطْلَاق التَّأَمُّل فِي مَعَاني كَلَام أهل اللِّسَان دون الْقيَاس الشَّرْعِيّ
وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي الْملك الثَّابِت للزَّوْج على الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ أَنه فِي حكم ملك الْعين أَو فِي حكم ملك الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ لَا مدْخل للْقِيَاس الشَّرْعِيّ فِيهِ لِأَن بعد النِّكَاح نَفسهَا وأعضاؤها ومنافعها مَمْلُوكَة لَهَا فِيمَا سوى الْمُسْتَوْفى مِنْهَا بِالْوَطْءِ على مَا كَانَ قبل النِّكَاح فإثبات ملك عَلَيْهَا بِدُونِ تمكن الْإِشَارَة
(2/171)

إِلَى شَيْء من عينهَا أَنه مَمْلُوك عَلَيْهَا يكون حكما ثَابتا بِخِلَاف الْقيَاس وَقد بَينا أَن مثل هَذَا لَا يقبل التَّعْلِيل وَأَنه ملك ضَرُورِيّ ظهر شرعا لتحَقّق الْحَاجة إِلَى تَحْصِيل السكن والنسل بِمَنْزِلَة حل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة فَلَا يقبل التَّعْلِيل وَلِأَن التَّعْلِيل إِنَّمَا يجوز بِشَرْط أَن يكون الْفَرْع نَظِير الأَصْل فِي الحكم الَّذِي يَقع التَّعْلِيل لَهُ وَلَا نَظِير لملك النِّكَاح من سَائِر أَنْوَاع الْملك لِأَن سَائِر أَنْوَاع الْملك يثبت فِي مَحل مَخْلُوق ليَكُون مَمْلُوكا للآدمي وَهَذَا الْملك فِي الأَصْل يثبت على حرَّة هِيَ مخلوقة لتَكون مالكة وَأي مباينة فَوق الْمَالِكِيَّة والمملوكية فَإِذا ثَبت أَنه لَا نَظِير لهَذَا الْملك من سَائِر الْأَمْلَاك ثَبت أَنه لَا يُمكن الْمصير إِلَى التَّعْلِيل فِيهِ لمعْرِفَة صفته
وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي مُوجب الْأَلْفَاظ حَتَّى يصير فِي الرَّهْن أَنه يَد الِاسْتِيفَاء حَقًا للْمُرْتَهن بِمَنْزِلَة الْيَد الَّتِي تثبت فِي الْمحل بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء أم حق البيع فِي الدّين ثمَّ الْيَد شَرط لتتميم السَّبَب كَمَا فِي الْهِبَة الْيَد شَرط لتتميم السَّبَب وَالْحكم ثُبُوت الْملك فِي الْمحل بطرِيق الْعلَّة فَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن إثْبَاته (فِي الْقيَاس) بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ لِأَن أَحْكَام الْعُقُود مُخْتَلفَة شرعا ووضعا وَبِاعْتِبَار الِاخْتِلَاف يعلم أَنه لَيْسَ بَعْضهَا نظيرا للْبَعْض وَمن شَرط صِحَة التَّعْلِيل أَن يكون الْفَرْع نظيرا للْأَصْل بل طَرِيق معرفَة حكم الرَّهْن التَّأَمُّل فِيمَا لأَجله وضع هَذَا العقد وَشرع فَنَقُول إِنَّه مَشْرُوع ليَكُون وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء لَا مؤكدا للْوُجُوب أَلا ترى أَنه يخْتَص بِالْمَالِ الَّذِي هُوَ مَحل للاستيفاء فَأَما مَحل الْوُجُوب فالذمة وَإِذا كَانَ وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء علم أَن مُوجبه من جنس مَا يثبت بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء وَالثَّابِت بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء ملك الْعين وَملك الْيَد ثمَّ بِالرَّهْنِ لَا يثبت ملك الْعين
فَعرفنَا أَن مُوجبه ملك يَد الِاسْتِيفَاء بِمَنْزِلَة الْكفَالَة فَإِنَّهَا وَثِيقَة لجَانب الْوُجُوب وَلِهَذَا اخْتصّت بِالذِّمةِ ثمَّ كَانَ مُوجبهَا من جنس مَا يثبت بِحَقِيقَة الْوُجُوب وَهُوَ ملك الْمُطَالبَة لِأَن الثَّابِت بِالْحَقِيقَةِ ملك أصل الدّين فِي ذمَّة من يجب عَلَيْهِ وَثُبُوت حق الْمُطَالبَة بِالْأَدَاءِ فالثابت بالوثيقة الَّتِي هِيَ لجَانب الْوُجُوب من جنسه وَهُوَ حق الْمُطَالبَة
(2/172)

حَتَّى يملك مُطَالبَة الْكَفِيل بِالدّينِ مَعَ بَقَاء أَصله فِي ذمَّة الْمَدْيُون
وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي الْمُعْتَدَّة بعد الْبَيْنُونَة أَنه هَل يَقع عَلَيْهَا الطَّلَاق فَإِن تَعْلِيل الْخصم بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا ملك مُتْعَة وَلَا رَجْعَة لَا يلْحقهَا طَلَاقه كمنقضية الْعدة تَعْلِيل بَاطِل لِأَن الْخلاف فِي أَن الْعدة الَّتِي هِيَ حق من حُقُوق النِّكَاح هَل تكون بِمَنْزِلَة أصل النِّكَاح فِي بَقَائِهَا محلا لوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِهِ أم لَا وَفِي منقضية (الْعدة) لَا عدَّة فَفِي أَي وَجه يَسْتَقِيم هَذَا التَّعْلِيل ليثبت بِهِ هَذَا الحكم للخصم وَكَذَلِكَ هَذَا التَّعْلِيل فِي نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت بعد الْبَيْنُونَة من الْخصم بَاطِل لِأَن الْكَلَام فِي أَن الْعدة الَّتِي هِيَ حق النِّكَاح هَل تقوم مقَام النِّكَاح فِي بَقَاء الْمَنْع الثَّابِت بِسَبَب النِّكَاح أم لَا وَفِي منقضية الْعدة لَا عدَّة وَهَذَا لِأَن النَّافِي يُنكر أَن يكون الحكم مَشْرُوعا وَمَا لَيْسَ بمشروع كَيفَ يُمكن إثْبَاته بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ
وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيله فِي إِسْلَام الْمَرْوِيّ فِي الْمَرْوِيّ لِأَن العقد جمع بدلين لَا يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْهَرَوِيّ مَعَ الْمَرْوِيّ لِأَن الْكَلَام فِي أَن الْجِنْس هَل هُوَ عِلّة لتَحْرِيم النِّسَاء وَفِي الْهَرَوِيّ مَعَ الْمَرْوِيّ لَا جنس وَبِهَذَا تبين أَن حجَّة الْمُدَّعِي الْمُثبت غير حجَّة الْمُنكر النَّافِي
وَمن هَذَا النَّوْع الْكَلَام فِيمَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق تَطْلِيقَة بَائِنَة أَن الرّجْعَة تَنْقَطِع بِهَذَا اللَّفْظ أم لَا فَإِن تَعْلِيل الْخصم بِأَنَّهُ مَا اعتاض عَن طَلاقهَا يكون تعليلا بَاطِلا لِأَن الْكَلَام فِي أَن صفة الْبَيْنُونَة هَل هِيَ مَمْلُوكَة للزَّوْج بِالنِّكَاحِ كأصل الطَّلَاق أم لَا فالخصم يُنكر كَون ذَلِك مَمْلُوكا لَهُ وَنحن نقُول إِن ذَلِك مَمْلُوك لَهُ وَإِنَّمَا لم يثبت بِصَرِيح لفظ الطَّلَاق لَا لِأَنَّهُ غير مَمْلُوك لَهُ بل لِأَنَّهُ سَاكِت عَن هَذِه الصّفة فَإِن وصفهَا بِالطَّلَاق يُجَامع النِّكَاح ابْتِدَاء وَبَقَاء فَإِنَّمَا طَرِيق معرفَة هَذَا الحكم التَّأَمُّل فِي مَوْضُوع هَذَا الْملك وَفِيمَا صَار لَهُ أصل الطَّلَاق مَمْلُوكا لَهُ فَإِذا ثَبت بِاعْتِبَارِهِ أَن الْوَصْف مَمْلُوك لَهُ كَانَ التَّصْرِيح بِهِ بذلك الْوَصْف عملا وَعند عدم التَّصْرِيح بِهِ لَا يثبت لِأَن سَببه لم يُوجد كَمَا لَا يثبت أصل الطَّلَاق إِذا لم يُوجد مِنْهُ التَّكَلُّم بِلَفْظ الطَّلَاق أَو بِلَفْظ آخر قَائِما مقَامه
(2/173)

وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيل الْخصم فِي عقد الْإِجَارَة أَنَّهَا توجب ملك الْبَدَل فِي الْحَال بِالْقِيَاسِ على عقد البيع فَإِن شَرط صِحَة الْقيَاس أَن يكون الأَصْل وَالْفرع نظيرين وَفِي بَاب البيع مَا هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ قَائِم مَمْلُوك فِي الْحَال وَفِي الْإِجَارَة مَا هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَعْدُوم غير مَمْلُوك عِنْد العقد فَعلم أَنَّهُمَا متغايران وَإِذا لم يكن أَحدهمَا نظيرا للْآخر فِي الحكم الَّذِي وَقع التَّعْلِيل لأَجله لَا يَسْتَقِيم تَعديَة الحكم من أَحدهمَا إِلَى الآخر بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ
وَمن نوع مَا بدأنا بِهِ هَذَا الْفَصْل قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للأعرابي فِي حَدِيث كَفَّارَة الْفطر كلهَا أَنْت وَعِيَالك فَإِن من النَّاس من اشْتغل بتعليل ذَلِك لتعدية الحكم إِلَى غير الْأَعرَابِي فيتطرق بِهِ (إِلَى) القَوْل بانتساخ حكم الْكَفَّارَة وَذَلِكَ لَا يجوز عندنَا لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام خص الْأَعرَابِي بِصِحَّة التَّكْفِير مِنْهُ بِالصرْفِ إِلَى نَفسه وَعِيَاله وَكَانَ ذَلِك بطرِيق الْإِكْرَام لَهُ وَقد بَينا أَن مثل هَذَا لَا يقبل التَّعْلِيل وَالله تعال أعلم

فصل فِي الرُّكْن
ركن الْقيَاس هُوَ الْوَصْف الَّذِي جعل علما على حكم الْعين مَعَ النَّص من بَين الْأَوْصَاف الَّتِي يشْتَمل عَلَيْهَا اسْم النَّص وَيكون الْفَرْع بِهِ نظيرا للْأَصْل فِي الحكم الثَّابِت بِاعْتِبَارِهِ فِي الْفَرْع لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيْء وَإِنَّمَا يقوم الْقيَاس بِهَذَا الْوَصْف
ثمَّ هَذَا الْوَصْف قد يكون لَازِما للْأَصْل وَذَلِكَ نَحْو إِيجَاب الزَّكَاة عندنَا فِي الْحلِيّ بِاعْتِبَار صفة الثمنية فِي الأَصْل وَعند الْخصم إِثْبَات حكم الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة بعلة الثمنية والثمنية صفة لَازِمَة لهذين الجوهرين فَإِنَّهُمَا خلقا جوهري الْأَثْمَان لَا يفارقهما هَذَا الْوَصْف بِحَال وَقد يكون عارضا أَو اسْما نَحْو قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام للمستحاضة فِي بَيَان عِلّة نقض الطَّهَارَة إِنَّه دم عرق انفجر وَالدَّم اسْم علم والانفجار صفة عارضة
مِثَاله تَعْلِيل عُلَمَائِنَا نَص
(2/174)

الرِّبَا بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن فَإِن ذَلِك وصف عَارض يخْتَلف باخْتلَاف عادات النَّاس فِي الْأَمَاكِن والأوقات وَقد يكون حكما نَحْو قَول رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته الحَدِيث فَإِن الدّين عبارَة عَن الْوُجُوب فِي الذِّمَّة وَذَلِكَ حكم قد بَين لَهَا حكما بالاستدلال بِحكم آخر وَذَلِكَ دَلِيل جَوَاز التَّعْلِيل بالحكم وَقد يكون هَذَا الْوَصْف فَردا وَقد يكون مثنى وَقد يكون عددا
فالفرد نَحْو تَعْلِيل رَبًّا النِّسَاء بِوَصْف وَاحِد وَهُوَ الْجِنْس أَو الْكَيْل أَو الْوَزْن عِنْد اتِّحَاد الْمَعْنى والمثنى نَحْو عِلّة (حُرْمَة) التَّفَاضُل فَإِنَّهُ الْقدر مَعَ الْجِنْس وَالْعدَد نَحْو تعليلنا فِي نَجَاسَة سُؤْر السبَاع بِأَنَّهُ حَيَوَان محرم الْأكل لَا للكرامة وَلَا بلوى فِي سؤره وَإِنَّمَا يكون الْعدَد من الْأَوْصَاف عِلّة إِذا كَانَت لَا تعْمل حَتَّى يَنْضَم بَعْضهَا إِلَى بعض فَإِن كل وصف يعْمل فِي الحكم بِانْفِرَادِهِ فَإِنَّهُ لَا يكون التَّعْلِيل بالأوصاف كلهَا وَقد يكون ذَلِك الْوَصْف فِي النَّص وَقد يكون فِي غَيره
أما مَا يكون فِي النَّص فَغير مُشكل فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعلل النَّص وَالتَّعْلِيل بِوَصْف فِيهِ يكون صَحِيحا لَا محَالة
وَأما مَا يكون فِي غَيره فنحو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم فَإِن هَذِه الرُّخْصَة معلولة بإعدام الْعَاقِد وَذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّص وَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع الْآبِق وَعَن بيع الْغرَر وَهُوَ مَعْلُول يعجز البَائِع عَن تَسْلِيم الْمَبِيع أَو جَهَالَة فِي الْمَبِيع فِي نَفسه على وَجه يُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة وَهَذَا لَيْسَ فِي النَّص قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا تنْكح الْأمة على الْحرَّة ثمَّ علل الشَّافِعِي هَذِه الْحُرْمَة بإرقاق الْحر جُزْءا مِنْهُ وَهُوَ الْوَلَد مَعَ غنيته عَنهُ وَهَذَا لَيْسَ فِي النَّص وَلَكِن ذكر البيع يَقْتَضِي بَائِعا وَذكر السّلم يَقْتَضِي عاقدا وَذكر النِّكَاح يَقْتَضِي ناكحا وَمَا يثبت بِمُقْتَضى النَّص فَهُوَ كالمنصوص
وَكَذَلِكَ عللنا نَحن نهي رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام عَن صَوْم يَوْم النَّحْر بعلة رد الضِّيَافَة الَّتِي للنَّاس فِي هَذَا الْيَوْم من الله تَعَالَى بالقرابين وَذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّص
وكل نهي جَاءَ لَا لِمَعْنى فِي عين الْمنْهِي عَنهُ فَهُوَ من هَذَا النَّوْع
(2/175)

وَمن التَّعْلِيل بالحكم مَا يَقُوله عُلَمَاؤُنَا فِي بيع الْمُدبر (إِنَّه تعلق عتقه بِمُطلق الْمَوْت فَإِن التَّعَلُّق حكم ثَابت بِالتَّعْلِيقِ فَيكون ذَلِك اسْتِدْلَالا) بِحكم على حكم وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا كُله لِأَن الدَّلِيل الَّذِي يثبت بِهِ كَون الْوَصْف حجَّة فِي الحكم قد ثَبت بِالدَّلِيلِ أَنه عِلّة الحكم شرعا
ثمَّ لَا خلاف أَن جَمِيع الْأَوْصَاف الَّتِي يشْتَمل عَلَيْهَا اسْم النَّص لَا تكون عِلّة لِأَن جَمِيع الْأَوْصَاف لَا تُوجد إِلَّا فِي الْمَنْصُوص وَالْحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ لَا بِالْعِلَّةِ وَلَا خلاف أَن كل وصف من أَوْصَاف الْمَنْصُوص لَا يكون عِلّة للْحكم بل الْعلَّة للْحكم بَعْضهَا فَإِن الْحِنْطَة تشْتَمل على أَوْصَاف فَإِنَّهَا مكيلة موزونة مطعومة مقتات مدخر حب شَيْء جسم وَلَا يَقُول أحد إِن كل وصف من هَذِه الْأَوْصَاف عِلّة لحكم الرِّبَا فِيهَا بل الْعلَّة أحد هَذِه الْأَوْصَاف
وَاتَّفَقُوا أَنه لَا يتَخَيَّر الْمُعَلل حَتَّى يَجْعَل أَي هَذِه الْأَوْصَاف شاغلة من غير دَلِيل لِأَن دَعْوَاهُ لوصف من بَين الْأَوْصَاف أَنه عِلّة بِمَنْزِلَة دَعْوَاهُ الحكم أَنه كَذَا فَكَمَا لَا يسمع مِنْهُ دَعْوَى الحكم إِلَّا بِدَلِيل فَكَذَلِك لَا تسمع مِنْهُ الدَّعْوَى فِي وصف أَنه هُوَ الْعلَّة إِلَّا بِدَلِيل
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الدَّلِيل الَّذِي بِهِ يكون الْوَصْف عِلّة للْحكم
قَالَ أهل الطَّرْد هُوَ الاطراد فَقَط من غير أَن يعْتَبر فِيهِ معنى مَعْقُول
وَتَفْسِير الاطراد عِنْد بَعضهم وجود الحكم عِنْد وجود ذَلِك الْوَصْف
وَعند بَعضهم يشْتَرط أَن يُوجد الحكم عِنْد وجوده وينعدم عِنْد عَدمه وَأَن يكون الْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِما فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ
وَعند بَعضهم يعْتَبر الدوران وجودا وعدما
فَأَما قيام الحكم فِي الْمَنْصُوص (عَلَيْهِ فِي الْحَالين) وَلَا حكم لَهُ فَهُوَ مُفسد للْقِيَاس لَا أَن يكون مصححا لَهُ
وَقَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء انعدام الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَوُجُود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل
(2/176)

فَسَاد الْعلَّة وَلَكِن دَلِيل صِحَة الْعلَّة أَن يكون الْوَصْف صَالحا للْحكم ثمَّ يكون معدلا بِمَنْزِلَة الشَّاهِد فَإِنَّهُ لَا بُد من أَن يكون صَالحا للشَّهَادَة لوُجُود مَا بِهِ يعْتَبر أَهلا للشَّهَادَة فِيهِ ثمَّ يكون معدلا بِظُهُور عَدَالَته عِنْد التَّعْدِيل ثمَّ يَأْتِي بِلَفْظ الشَّهَادَة من بَين سَائِر الْأَلْفَاظ حَتَّى تصير شَهَادَته مُوجبَة الْعَمَل بهَا
ثمَّ لَا خلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي رَحمَه الله أَن صفة الصلاحية لِلْعِلَّةِ بالملاءمة وَمَعْنَاهَا أَن تكون مُوَافقَة الْعِلَل المنقولة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الصَّحَابَة غير نائية عَن طريقهم فِي التَّعْلِيل لِأَن الْكَلَام فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة وَالْمَقْصُود إِثْبَات حكم الشَّرْع بهَا فَلَا تكون صَالِحَة إِلَّا أَن تكون مُوَافقَة لما نقل عَن الَّذين بنيانهم عرف أَحْكَام الشَّرْع
ثمَّ الْخلاف وَرَاء ذَلِك فِي الْعَدَالَة فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا عَدَالَة الْعلَّة تعرف بأثرها وَمَتى كَانَت مُؤثرَة فِي الحكم الْمُعَلل فَهِيَ عِلّة عادلة وَإِن كَانَ يجوز الْعَمَل بهَا قبل ظُهُور التَّأْثِير وَلَكِن إِنَّمَا يجب الْعَمَل بهَا إِذا علم تأثيرها وَلَا يجوز الْعَمَل بهَا عِنْد عدم الصلاحية بالملاءمة بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة فَإِن الشَّاهِد قبل أَن تثبت الصلاحية للشَّهَادَة فِيهِ لَا يجوز الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَبعد ظُهُور الصلاحية قبل الْعلم بِالْعَدَالَةِ كالمستور لَا يجب الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَلَكِن يجوز الْعَمَل حَتَّى إِن قضى القَاضِي بِشَهَادَة المستور قبل أَن تظهر عَدَالَته يكون نَافِذا
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي عَدَالَة الْوَصْف بِكَوْنِهِ مخيلا أَي موقعا فِي الْقلب خيال الصِّحَّة لِلْعِلَّةِ ثمَّ الْعرض على الْأُصُول بعد ذَلِك احْتِيَاط
وَقَالَ بَعضهم بل الْعَدَالَة بِالْعرضِ على الْأُصُول فَإِذا لم يُعَارضهُ أصل من الْأُصُول لَا ناقضا وَلَا مُعَارضا فَحِينَئِذٍ يصير معدلا وَأدنى مَا يَكْفِي لذَلِك أصلان بِمَنْزِلَة عَدَالَة الشَّاهِد فَإِن معرفَة ذَلِك بِعرْض حَالهم على المزكين وَأدنى مَا يَكْفِي لذَلِك عِنْده اثْنَان فعلى قَول هَذَا الْفَرِيق من أَصْحَابه لَا يجوز الْعَمَل بِهِ وَإِن كَانَ مخيلا قبل الْعرض على الْأُصُول وعَلى قَول الْفَرِيق الأول يجوز الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ صَار معدلا بِكَوْنِهِ مخيلا
ثمَّ الْعرض على الْأُصُول احْتِيَاط والنقض جرح والمعارضة دفع
(2/177)

أما أهل الطَّرْد احْتَجُّوا بالظواهر الْمُوجبَة للْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهَا لَا تخص عِلّة دون عِلّة فَيَقْتَضِي الظَّاهِر جَوَاز الْعَمَل بِكُل وصف وَالتَّعْلِيل بِهِ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيل وَأَن كل وصف يُوجد الحكم عِنْد وجوده فَإِنَّهُ وصف صَالح لِأَن يكون عِلّة وَهَذَا لِأَن علل الشَّرْع أَمَارَات للْأَحْكَام وَلَيْسَت على نهج الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وأمارة الشَّيْء مَا يكون مَوْجُودا عِنْد وجوده وكما يجوز إِثْبَات أَحْكَام الشَّرْع بِعَين النَّص من غير أَن يعقل فِيهِ الْمَعْنى على أَن يَجْعَل اسْم النَّص أَمارَة ذَلِك الحكم يجوز إِثْبَات الحكم بِوَصْف ثَابت باسم النَّص من غير أَن يعقل فِيهِ الْمَعْنى على أَن يكون ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم فَإِن للشَّرْع ولَايَة شرع الْأَحْكَام كَيفَ يَشَاء فَفِي اشْتِرَاط كَون الْمَعْنى معقولا فِيمَا هُوَ أَمارَة حكم الشَّرْع إِثْبَات نوع حجر لَا يجوز القَوْل بِهِ أصلا
والفريق الثَّانِي مِنْهُم استدلوا بِمثل هَذَا الْكَلَام وَلَكنهُمْ قَالُوا الْعلَّة مَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْحَال على مَا نبينه فِي مَوْضِعه وَوُجُود الحكم مَعَ وجود الْوَصْف قد يكون اتِّفَاقًا وَقد يكون لكَونه عِلّة لَا تتَعَيَّن جِهَة كَونه مغيرا إِلَّا بانعدام الحكم عِنْد عَدمه فبه يتَبَيَّن أَنه لم يكن اتِّفَاقًا
ثمَّ الحكم الثَّابِت بِالْعِلَّةِ إِذا كَانَ بِحَيْثُ يحْتَمل الرّفْع لَا يبْقى بعد انعدام الْعلَّة كَالْحكمِ الثَّابِت بِالْبيعِ وَهُوَ الْملك لَا يبْقى بعد فسخ البيع وَرَفعه وَاشْتِرَاط قيام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ ليعلم بِهِ أَن ثُبُوت الحكم بِوُجُود علته لَا بِصُورَة النَّص وَذَلِكَ نَحْو آيَة الْوضُوء فَفِي النَّص ذكر الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَالْعلَّة الْمُوجبَة للطَّهَارَة الْحَدث فَإِن الحكم يَدُور مَعَ الْحَدث وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام لَا يقْضِي القَاضِي حِين يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان فِيهِ تنصيص على الْغَضَب وَالْعلَّة فِيهِ شغل الْقلب حَتَّى دَار الحكم مَعَه وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل ثمَّ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحُرْمَة وَالْفساد الْفضل على الْكَيْل
(2/178)

لِأَن الحكم يَدُور مَعَه وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهُوَ (الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ) قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ
وَجَوَاب أهل الْفِقْه عَن هَذِه الْكَلِمَات ظَاهر فَإِن الظَّوَاهِر الدَّالَّة على جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ بالِاتِّفَاقِ لَا تدل على أَن كل وصف من أَوْصَاف الأَصْل صَالح لِأَن يكون عِلّة فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لتحير الْمُعَلل وارتفع معنى الِابْتِلَاء بِطَلَب الحكم فِي الْحَوَادِث أصلا وَإِذا اتفقنا على أَن دلَالَة هَذِه النُّصُوص لوصف من بَين أَوْصَاف الأَصْل قد ابتلينا بِطَلَبِهِ حِين أمرنَا بِالِاعْتِبَارِ فَلَا بُد من أَن يكون فِي ذَلِك الْوَصْف معنى مَعْقُول يُمكن التَّمْيِيز بِهِ بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف ليوقف عَلَيْهِ وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير النُّصُوص المثبتة لصفة الشَّهَادَة لهَذِهِ الْأمة فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع القَوْل باختصاص الصلاحية بِبَعْض الْأَوْصَاف واختصاص الْأَدَاء بِلَفْظ الشَّهَادَة من بَين سَائِر الْأَلْفَاظ وَهَذَا لِأَن أَوْصَاف النَّص تعلم بالحس أَو السماع وَذَلِكَ يشْتَرك فِيهِ أهل اللُّغَة وَغَيرهم مِمَّن لَهُ حاسة صَحِيحَة مَعَ الْفُقَهَاء ثمَّ التَّعْلِيل بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الحكم قد اخْتصَّ بِهِ الْفُقَهَاء فَعرفنَا أَن اختصاصهم بذلك لم يكن إِلَّا لِمَعْنى مَعْقُول فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ من طَرِيق الْفِقْه
وَقَوله علل الشَّرْع أَمَارَات
قُلْنَا هِيَ أَمَارَات من حَيْثُ إِنَّهَا غير مُوجبَة بذواتها وَلكنهَا مُوجبَة للْحكم بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة الْعَمَل بهَا وَمَعْلُوم أَنه لَا يُمكن الْعَمَل بهَا إِلَّا بعد معرفَة عينهَا وَطَرِيق ذَلِك التَّعْيِين بِالنَّصِّ أَو الاستنباط بِالرَّأْيِ وَقد انْعَدم التَّعْيِين بِالنَّصِّ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الاستنباط بِالرَّأْيِ إِذا لم يكن الحكم مَعْقُول الْمَعْنى لِأَن الْعقل طَرِيق يدْرك بِهِ مَا يعقل كَمَا أَن الْحس طَرِيق يدْرك بِهِ مَا يحس دون مَا لَا يحس وَلَيْسَ هَذَا نَظِير الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالنَّصِّ غير مَعْقُول الْمَعْنى لِأَن النَّص مُوجب بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ كَلَام من يثبت علم الْيَقِين بقوله وَقد حصل التَّعْيِين بِالنَّصِّ هُنَاكَ فكونه غير مَعْقُول الْمَعْنى لَا يعجزنا عَن الْعَمَل بِهِ فَأَما التَّعْلِيل بِبَعْض الْأَوْصَاف فَهُوَ غير مُوجب بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يجب الْعَمَل بِهِ بطرِيق أَنه إِعْمَال الرَّأْي ليتوصل بِهِ إِلَى الْحجَّة فِي حكم شَرْعِي وَمَا لم يكن مَعْقُول الْمَعْنى لَا يَتَأَتَّى إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ
(2/179)

ثمَّ الدَّلِيل على أَن الدوران لَا يصلح أَن يكون عِلّة أَن الحكم كَمَا يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما يَدُور مَعَ الشَّرْط وجودا وعدما فَإِن من قَالَ لعَبْدِهِ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر فالعتق بِهَذَا الْكَلَام يَدُور مَعَ الدُّخُول وجودا وعدما وَأحد لَا يَقُول دُخُول الدَّار عِلّة الْعتْق بل هُوَ شَرط الْعتْق
فَإِن قيل الأَصْل دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما فَأَما الشَّرْط عَارض لَا يكون إِلَّا بعد تَعْلِيق الحكم بِهِ نصا
قُلْنَا فَأَيْنَ ذهب قَوْلك إِن علل الشَّرْع أَمَارَات فَإِنَّهُ لَا يفهم من ذَلِك اللَّفْظ إِلَّا أَن الشَّرْع جعلهَا أَمارَة للْحكم بِأَن علق الحكم بهَا وَأي فرق بَين تَعْلِيق حكم الْعتْق من الْمولى بِدُخُول الدَّار شرطا وَبَين التَّعْلِيق الثَّابِت شرعا ثمَّ هُنَاكَ دوران الحكم بِمُجَرَّدِهِ لَا يدل على كَونه عِلّة فَهُنَا كَذَلِك ثمَّ هَب كَانَ الأَصْل هُوَ دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وَلَكِن مَعَ هَذَا احْتِمَال الدوران مَعَ الشَّرْط قَائِم وبالاحتمال لَا تثبت الْعلَّة
فَأَما اشْتِرَاط قيام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ فقد جعل ذَلِك بَعضهم مُفْسِدا للْقِيَاس بِاعْتِبَار مَا ذكرنَا أَن شَرط صِحَة التَّعْلِيل هُوَ أَن يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَإِذا جعل التَّعْلِيل على وَجه لَا يبْقى للنَّص حكم بعده يكون ذَلِك آيَة فَسَاد الْقيَاس لَا دَلِيل صِحَّته فَأَما من شَرط ذَلِك مستدلا بِمَا ذكرنَا فَالْجَوَاب عَن كَلَامه أَن هَذَا وهم ابْتُلِيَ بِهِ لقلَّة تَأمله لِأَن الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ تَعديَة حكم النَّص إِلَى مَحل لَا نَص فِيهِ فَكيف يجوز أَن لَا يبْقى للنَّص حكم بعد التَّعْلِيل وَإِذا لم يبْق لَهُ حكم فالتعدية بعد التَّعْلِيل فِي أَي شَيْء يكون
فَأَما آيَة الْوضُوء فَنحْن لَا نقُول إِن الْحَدث عِلّة لوُجُوب الْوضُوء وَلَكِن من شَرط الْقيام لأَدَاء الصَّلَاة الطَّهَارَة عَن الْحَدث فَكَانَ تَقْدِير الْآيَة إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون وَلَكِن سقط ذكر الْحَدث للإيجاز والاختصار على مَا هُوَ عَادَة أهل اللِّسَان فِي إِسْقَاط بعض الْأَلْفَاظ إيجازا إِذا كَانَ فِي الْبَاقِي
(2/180)

دَلِيل عَلَيْهِ فَفِي الْمَذْكُور هُنَا دَلِيل على الْمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِن يُرِيد ليطهركم}
{وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} وَقَوله تَعَالَى عِنْد ذكر الْبَدَل {أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط} وَقد علم أَن الْبَدَل إِنَّمَا يجب عِنْد عدم الأَصْل بِمَا يجب بِهِ الأَصْل فَظهر أَنا إِنَّمَا جعلنَا الْحَدث شرطا لوُجُوب الْوضُوء عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِدلَالَة النَّص لَا بطرِيق التَّعْلِيل والاستنباط بِالرَّأْيِ
وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا يقْضِي القَاضِي حِين يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان إِنَّمَا عرفنَا أَن المُرَاد النَّهْي عَن الْقَضَاء عِنْد شغل الْقلب لمخافة الْغَلَط بِدَلِيل الْإِجْمَاع لَا بطرِيق الاستنباط بِالرَّأْيِ وَالْإِجْمَاع حجَّة سوى الرَّأْي فَإِن التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ يكون بعد الْإِجْمَاع بالِاتِّفَاقِ وَكَيف يَسْتَقِيم أَن لَا يكون للنَّص حكم بعد التَّعْلِيل وَالشَّرْع مَا جعل التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِلَّا بعد النَّص وَإِلَّا لإِثْبَات الحكم فِيمَا لَا نَص فِيهِ
وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث معَاذ حِين قَالَ لَهُ (كَيفَ تقضي) وَحَدِيث نَص الرِّبَا هَكَذَا فَإِن الْمُسَاوَاة فِي الْكَيْل إِنَّمَا عَرفْنَاهُ بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي بعض الرِّوَايَات مَكَان قَوْله (مثل بِمثل) (كيل بكيل) أَو بِالْإِجْمَاع فقد اتَّفقُوا أَنه لَيْسَ المُرَاد من قَوْله (مثل بِمثل) إِلَّا الْمُمَاثلَة فِي الْكَيْل وَكَذَلِكَ (فِي) قَوْله (إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء) اتِّفَاق أَن المُرَاد الْمُسَاوَاة فِي الْكَيْل فَعرفنَا أَن من قَالَ فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِأَن الحكم دَار مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ فَهُوَ مخطىء غير متأمل فِي مورد النَّص وَلَا فِيمَا هُوَ طَرِيق التَّعْلِيل فِي الْفِقْه
ثمَّ الدَّلِيل على أَن انعدام الحكم عِنْد عدم الْوَصْف لَا يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة مَا ذكرنَا من الشَّرْط وَلِأَن ثُبُوت الحكم لما كَانَ بورود الشَّرْع بِهِ فانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة الْمُوجبَة شرعا يكون بِالْعدمِ الَّذِي هُوَ أصل فِيهِ لَا أَن يكون مُضَافا إِلَى الْعلَّة حَتَّى
(2/181)

يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة
وَالدَّلِيل على أَن وجود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل فَسَاد الْعلَّة اتِّفَاق الْكل على أَن الحكم يجوز أَن يكون ثَابتا فِي مَحل بعلل ثمَّ بانعدام بَعْضهَا لَا يمْتَنع بَقَاء الحكم بِالْبَعْضِ الَّذِي هُوَ بَاقٍ كَمَا لَا يمْتَنع ثُبُوت الحكم ابتدا بِتِلْكَ الْعلَّة وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا بُد من القَوْل بِأَنَّهُ لَا يَنْعَدِم الحكم إِلَّا بانعدام جَمِيع الْعِلَل الَّتِي كَانَ الحكم ثَابتا بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَعرفنَا أَن وجود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل فَسَادهَا وَفَسَاد القَوْل بِأَن دَلِيل صِحَة الْعلَّة دوران الحكم مَعَه وجودا وعدما كالمتفق عَلَيْهِ فَإِن القائسين اتَّفقُوا أَن عِلّة الرِّبَا أحد أَوْصَاف الأَصْل وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُم أَن الصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ وَمَعْلُوم أَن كل قَائِل يُمكنهُ أَن يسْتَدلّ على صِحَة علته بدوران الحكم مَعَه وجودا وعدما
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن الْعلَّة فِي تَكْفِير المستحل للخمر معنى الشدَّة والمرارة كَانَ ذَلِك فَاسِدا بالِاتِّفَاقِ فَإِن أحدا لَا يَقُول بتكفير مستحل سَائِر الْأَشْرِبَة مَعَ وجود الشدَّة والمرارة
ثمَّ هَذَا الْقَائِل يتَمَكَّن من تَصْحِيح قَوْله بدوران الحكم مَعَه وجودا وعدما فَإِن الْعصير قبل أَن يتخمر لَا يكفر مستحله وَبعد التخمر يكفر مستحله لوُجُود الشدَّة والمرارة ثمَّ بعد التَّحَلُّل لَا يكفر مستحله لِانْعِدَامِ الشدَّة والمرارة إِلَّا أَن يَقُول بتخصيصه وَقد قَامَت الدّلَالَة على فَسَاد القَوْل بتخصيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَيفْسد بِهِ أَيْضا القَوْل بتخصيص مَا هُوَ دَلِيل صِحَة الْعلَّة لِأَن ذَلِك حجَّة شَرْعِيَّة ثَابِتَة بطرِيق الرَّأْي
فَإِن قيل مثل هَذَا يلْزم الْقَائِلين بِأَن دَلِيل صِحَة الْعلَّة الْأَثر فَإِن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة المأثورة وجودا وعدما عِنْد من لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة وَهُوَ الصَّحِيح
قُلْنَا نعم وَلَكِن لَا نجْعَل الدوران دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَإِنَّمَا نجْعَل كَونه مؤثرا فِي الْأُصُول دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَلَا يتَحَقَّق معنى دوران الحكم مَعَ هَذَا الْأَثر فِي جَمِيع الْأُصُول فَأَما دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما يكون اتِّفَاقًا
فَأَما الَّذين قَالُوا من أَصْحَاب الشَّافِعِي بِأَن الْأَثر الَّذِي هُوَ دَلِيل صِحَة
(2/182)

الْعلَّة أَن يكون مخيلا حجتهم أَن هَذَا الْأَثر مِمَّا لَا يحس بطرِيق الْحس وَلكنه يعقل فَيكون طَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ تحكيم الْقلب حَتَّى إِذا تخايل فِي الْقلب بِهِ أثر الْقبُول وَالصِّحَّة كَانَ ذَلِك حجَّة للْعَمَل بِهِ بِمَنْزِلَة التَّحَرِّي فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد انْقِطَاع سَائِر الْأَدِلَّة فَإِن تحكيم الْقلب فِيهِ جَائِز وَيجب الْعَمَل بِمَا يَقع فِي قلب من ابْتُلِيَ بِهِ من أَنه جِهَة الْكَعْبَة وَعَلِيهِ دلّ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لوابصة بن معبد رَضِي الله عَنهُ ضع يدك على صدرك واستفت قَلْبك فَمَا حك فِي صدرك فَدَعْهُ وَإِن أَفْتَاك النَّاس بِهِ فَعرفنَا أَن الْعَدَالَة تحصل بِصفة الإخالة ثمَّ الْعرض على الْأُصُول بعد ذَلِك احْتِيَاط وَالْعَمَل بِهِ قبله جَائِز بِمَنْزِلَة مَا لَو كَانَ الشَّاهِد مَعْلُوم الْعَدَالَة عِنْد القَاضِي فَإِن الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ جَائِز لَهُ وَالْعرض على المزكين بعد ذَلِك نوع احْتِيَاط فَإِن لم يعجل وَرجع إِلَى المزكين فَهُوَ احْتِيَاط أَخذ بِهِ لجَوَاز أَن يظْهر لَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِم مَا لم يكن مَعْلُوما لَهُ قَالَ وَهَذَا بِخِلَاف شَهَادَة الشَّاهِد فَإِن بِصفة الصلاحية هُنَاكَ لَا تثبت الْعَدَالَة لِأَن الشَّاهِد مبتلى بِالْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ أَمِين فِيمَا اؤتمن من حُقُوق الشَّرْع ويتوهم مِنْهُ أَدَاء الْأَمَانَة فَيكون عدلا بِهِ والخيانة فَلَا يكون عدلا مَعَه وَإِذا لم يكن أَدَاء الْأَمَانَة مِنْهُ مَعْلُوم القَاضِي لَا يصير عدلا عِنْده مَا لم يعرض حَاله على المزكين
فَأَما الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة بَعْدَمَا علم صفة الصلاحية فِيهِ تصير عَدَالَته مَعْلُومَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ توهم الْخِيَانَة فَلهَذَا كَانَ الْعرض على الْأُصُول هُنَا احْتِيَاطًا فَإِن سلم عَمَّا يناقضه ويعارضه بِكَوْنِهِ مطردا فِي الْأُصُول فَحكم وجوب الْعَمَل بِهِ يزْدَاد وكادة وَإِن ورد عَلَيْهِ نقض فَذَلِك النَّقْض جرح بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الَّذِي هُوَ مَعْلُوم الْعَدَالَة إِذا ظهر فِيهِ طعن من بعض المزكين فَإِن ذَلِك يكون جرحا فِي عَدَالَته إِلَّا أَن يتَبَيَّن لَهُ أَنه لم يكن عدلا والمعارضة دفع بِمَنْزِلَة شَاهد آخر يشْهد بِخِلَاف مَا شهد بِهِ الْعدْل
وَأما الْفَرِيق الثَّانِي فَإِنَّهُم قَالُوا كَونه مخيلا أَمر بَاطِن لَا يُمكن إثْبَاته
(2/183)

على الْخصم وَمَا لم تثبت صفة الْعَدَالَة بِمَا يكون حجَّة على الْخصم لَا يُمكن إِلْزَام الْخصم بِهِ وأثبتنا صفة الْعَدَالَة فِيهِ بِمَا أثبتنا صفة الصلاحية وَهُوَ الملاءمة فَإِن ذَلِك يكون بِالْعرضِ على الْعِلَل المنقولة عَن السّلف حَتَّى إِذا علم الْمُوَافقَة كَانَ صَالحا وَبعد صفة الصلاحية يحْتَمل أَن لَا يكون حجَّة لِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا توجب الحكم بذواتها فَلَا بُد من إِثْبَات صفة الْعَدَالَة فِيهِ بِالْعرضِ على الْأُصُول حَتَّى إِذا كَانَ مطردا سالما عَن النقوض والمعارضات فَحِينَئِذٍ تثبت عَدَالَته من قبل أَن الْأُصُول شَهَادَة لله على أَحْكَامه كَمَا كَانَ الرَّسُول فِي حَال حَيَاته فَيكون الْعرض على الْأُصُول وَامْتِنَاع الْأُصُول من رده بِمَنْزِلَة الْعرض على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته وسكوته عَن الرَّد وَذَلِكَ دَلِيل عَدَالَته بِاعْتِبَار أَن السُّكُوت بعد تحقق الْحَاجة إِلَى الْبَيَان لَا يحل فَعرفنَا أَن بِالْعرضِ على الْأُصُول تثبت الْعَدَالَة كَمَا أَن عَدَالَة الشَّاهِد تثبت بِعرْض حَاله على المزكين
وَالْفرق الثَّانِي الَّذِي قَالُوا لَيْسَ بِقَوي فَإِن بعد ثُبُوت صفة الصلاحية للشَّاهِد إِنَّمَا بَقِي احْتِمَال الْكَذِب فِي أَدَائِهِ وَهنا بعد ثُبُوت صفة الصلاحية بَقِي الِاحْتِمَال فِي أَصله أَن الشَّرْع جعله عِلّة للْحكم أم لَا فَإِنَّهُ إِن ورد عَلَيْهِ نقض أَو مُعَارضَة يتَبَيَّن بِهِ أَن الشَّرْع مَا جعله عِلّة للْحكم لِأَن المناقضة اللَّازِمَة لَا تكون فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة قَالَ الله تَعَالَى {وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} وَكَذَلِكَ الْمُعَارضَة اللَّازِمَة لَا تكون فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة فَإِذا كَانَ هُنَاكَ مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال فِي الْوَصْف لَا يكون حجَّة للْعَمَل بِهِ فَهُنَا مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال فِي الأَصْل لِأَن لَا يكون حجَّة كَانَ أولى وكما أَن طَرِيق رفع ذَلِك الِاحْتِمَال هُنَاكَ الْعرض على المزكين والأدنى فِيهِ اثْنَان فالطريق هُنَا الْعرض على الْأُصُول وَأدنى ذَلِك أصلان إِذْ لَا نِهَايَة للأعلى وَفِي الْوُقُوف على ذَلِك حرج بَين وَبِهَذَا التَّقْرِير يتَبَيَّن أَن الْعرض على جَمِيع الْأُصُول لَيْسَ بِشَرْط عِنْده كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض شُيُوخنَا استقصى فِي الْعرض فالخصم يَقُول وَرَاء هَذَا أصل آخر (هُوَ) معَارض أَو نَاقض لما يَدعِيهِ فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول لم يقم عِنْدِي دَلِيل النَّقْض والمعارضة وَمثل هَذَا لَا يصلح حجَّة لإلزام الْخصم على مَا نبينه فِي بَابه قَالُوا وَالَّذِي يُحَقّق مَا ذكرنَا أَن المعجزة الَّتِي أوجبت علم الْيَقِين كَانَ طَرِيق ثُبُوتهَا السَّلامَة عَن النقوض والمعارضات كَمَا قَالَ تَعَالَى {قل لَئِن اجْتمعت} وشيوخه فَإِن من شَرط ذَلِك لم يجد بدا من الْعَمَل بِلَا دَلِيل
(2/184)

لِأَنَّهُ وَإِن {الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ} قَالَ تَعَالَى {وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا} فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن طَرِيق إِثْبَات الْحجَّة لما لَا نحس هَذَا
وَأما عُلَمَاؤُنَا إِنَّهُم يَقُولُونَ حاجتنا إِلَى إِثْبَات دَلِيل الْحجَّة فِيمَا لَا يحس وَلَا يعاين وَطَرِيق ذَلِك أَثَره الَّذِي ظهر فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع أَلا ترى أَن الطَّرِيق فِي معرفَة عَدَالَة الشَّاهِد هَذَا وَهُوَ أَن ينظر إِلَى أثر دينه فِي مَنعه عَن ارْتِكَاب مَا يعْتَقد فِيهِ الْحُرْمَة فَإِذا ظهر أثر ذَلِك فِي سَائِر الْمَوَاضِع يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِي شَهَادَته بطرِيق الِاسْتِدْلَال بالأثر وَهُوَ أَن الظَّاهِر أَنه ينزجر عَن شَهَادَة الزُّور لاعْتِقَاده الْحُرْمَة فِيهِ
وَكَذَلِكَ الدّلَالَة على إِثْبَات الصَّانِع تكون بآثار صَنعته بطرِيق الْوَصْف وَالْبَيَان على وَجه مجمع عَلَيْهِ كَمَا نبينه فِي مَوْضِعه
وَكَذَلِكَ فِي المحسوسات كالجرح وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يسْتَدلّ عَلَيْهِ بأثره حسا وَالِاسْتِدْلَال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالأثر أَيْضا فَتبين أَن مَا بِهِ يصير الْوَصْف حجَّة بعد الصلاحية بالملاءمة على مَا قَرَّرَهُ الْخصم وَهُوَ ظُهُور أَثَره فِي الْأُصُول فَأَما الإخالة فَهُوَ عبارَة عَن مُجَرّد الظَّن إِذْ الخيال وَالظَّن وَاحِد وَالظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا
وَأحسن الْعبارَات فِيهِ أَن يَجْعَل بِمَنْزِلَة الإلهام وَهُوَ لَا يصلح للإلزام على الْغَيْر على مَا نبينه ثمَّ هَذَا شَيْء فِي الْبَاطِن لَا يطلع عَلَيْهِ غير صَاحبه وَمثله لَا يكون حجَّة على الْغَيْر كالتحري الَّذِي اسْتشْهد بِهِ فَإِن مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ تحري الْوَاحِد لَا يكون حجَّة على أَصْحَابه حَتَّى لَا يلْزمهُم اتِّبَاعه فِي تِلْكَ الْجِهَة وكلامنا فِيمَا يكون حجَّة
(2/185)

لإلزام الْغَيْر الْعَمَل بِهِ ثمَّ كل خصم يتَمَكَّن من أَن يَقُول يخايل فِي قلبِي أثر الْقبُول وَالصِّحَّة للوصف الَّذِي دَعَاهُ بل للْحكم الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود وَصفَة التَّعَارُض لَا يجوز أَن يكون لَازِما فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة كصفة المناقضة
وَكَذَلِكَ الاطراد لَا يَسْتَقِيم أَن يَجْعَل دَلِيل كَونه حجَّة لِأَنَّهُ عبارَة عَن عُمُوم شَهَادَة هَذَا الْوَصْف فِي الْأُصُول فَيكون نَظِير كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة من الشَّاهِدين فِي الْحَوَادِث عِنْد القَاضِي أَو تكْرَار الْأَدَاء مِنْهُ فِي حَادِثَة وَاحِدَة وَذَلِكَ لَا يكون مُوجبا عَدَالَته
قَوْله بِأَن الْأُصُول مزكون كالرسول قُلْنَا لَا كَذَلِك بل كل أصل شَاهد فالأصول كجماعة الشُّهُود أَو عدد الروَاة للْخَبَر وَدَلِيل صِحَة الْخَبَر وَكَونه حجَّة إِنَّمَا يطْلب من متن الحَدِيث فالأثر للوصف بِمَنْزِلَة دَلِيل الصِّحَّة من متن الْخَبَر والاطراد فِي الْأُصُول بِمَنْزِلَة كَثْرَة الروَاة فَكيف يَسْتَقِيم أَن يَجْعَل الْأُصُول مزكين وَلَا معرفَة لَهُم بِهَذَا الْوَصْف وحاله وأنى تكون التَّزْكِيَة مِمَّن لَا خبْرَة لَهُ وَلَا معرفَة بِحَال الشَّاهِد وَمَا قَالُوا إِن المعجزة بِمثل هَذَا صَارَت حجَّة فَهُوَ غلط وَإِنَّمَا صَارَت حجَّة بِكَوْنِهَا خَارِجَة عَن حد مَقْدُور الْبشر فَإِن الْقُرْآن بِهَذِهِ الصّفة وَلَكِن الْكفَّار كَانُوا يتعنتون فَيَقُولُونَ إِنَّه من جنس كَلَام الْبشر كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم {قَالُوا قد سمعنَا لَو نشَاء لقلنا مثل هَذَا} فطولبوا بالإتيان بِمثلِهِ ليظْهر بِهِ تعنتهم فَإِنَّهُم لَو قدرُوا على ذَلِك مَا صَبَرُوا على الِامْتِنَاع عَنهُ إِلَى الْقِتَال وَفِيه ذهَاب نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ
فَإِن قيل فِي اعْتِبَار الْأَثر اعْتِبَار مَا لَا يُمكن الْوُقُوف فِيهِ على حد مَعْلُوم يعقل أَو يظْهر للخصوم
قُلْنَا لَا كَذَلِك فَإِن الْأَثر فِيمَا يحس مَعْلُوم حسا كأثر الْمَشْي على الأَرْض وَأثر الْجراحَة على الْبدن وَأثر الإسهال فِي الدَّوَاء المسهل وَفِيمَا يعقل مَعْلُوم بطرِيق اللُّغَة نَحْو عَدَالَة الشَّاهِد فَإِنَّهُ يعلم بأثر دينه فِي الْمَنْع كَمَا بَينا وَهَذَا الْأَثر الَّذِي ادعيناه يظْهر للخصم بِالتَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ عبارَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن الصَّحَابَة وَالسَّلَف من الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
فَمن ذَلِك قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْهِرَّة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات لِأَنَّهَا عِلّة مُؤثرَة فِيمَا يرجع إِلَى التَّخْفِيف لِأَنَّهُ عبارَة عَن عُمُوم الْبلوى والضرورة فِي سؤره وَقد ظهر تَأْثِير الضَّرُورَة فِي إِسْقَاط حكم الْحُرْمَة أصلا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد} عَن أثر ظَاهر فِي بعض الْمَوَاضِع سوى الْمُتَنَازع فِيهِ وَهُوَ مُوَافق
(2/186)

للعلل المنقولة {فَلَا إِثْم عَلَيْهِ} وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ لدفع نَجَاسَة سؤره أَو لإِثْبَات حكم التَّخْفِيف فِي سؤره يكون اسْتِدْلَالا لَهُ بعلة مُؤثرَة
وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّهَا دم عرق انفجر فَإِنَّهُ اسْتِدْلَال بعلة مُؤثرَة فِي نقض الطَّهَارَة وَهُوَ أَن الدَّم فِي نَفسه نجس وبالانفجار يصل إِلَى مَوضِع يجب تَطْهِير ذَلِك الْموضع مِنْهُ وَوُجُوب التَّطْهِير لَا يكون إِلَّا بعد وجود مَا يعْدم الطَّهَارَة
فَإِن قيل هَذَا لَيْسَ بتعليل مِنْهُ لانتقاض الطَّهَارَة بِدَم الِاسْتِحَاضَة بل لبَيَان أَنه لَيْسَ بِدَم الْحيض
قُلْنَا قد قَالَ أَولا لَيست بالحيضة وَهَذَا اللَّفْظ كَاف لهَذَا الْمَقْصُود فَلَا بُد من أَن يحمل قَوْله (وَلكنهَا دم عرق انفجر) على فَائِدَة جَدِيدَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا بَيَان عِلّة للْحَدَث الْمُوجب للطَّهَارَة
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لعمر رَضِي الله عَنهُ فِي الْقبْلَة أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك فَهَذَا إِشَارَة إِلَى عِلّة مُؤثرَة أَي الْفطر ضد الصَّوْم وَإِنَّمَا يتَأَدَّى الصَّوْم بالكف عَن اقْتِضَاء الشهوتين فَكَمَا أَن اقْتِضَاء شَهْوَة الْبَطن بِمَا يصل إِلَى الْحلق لَا بِمَا يصل إِلَى الْفَم حَتَّى لَا تكون الْمَضْمَضَة مُوجبَة للفطر فَكَذَلِك اقْتِضَاء شَهْوَة الْفرج يكون بالإيلاج أَو الْإِنْزَال لَا بِمُجَرَّد الْقبْلَة الَّتِي هِيَ الْمُقدمَة
وَكَذَلِكَ قَوْله للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين الحَدِيث هُوَ إِشَارَة إِلَى الْعلَّة المؤثرة وَهُوَ أَن صَاحب الْحق يقبل من غير من عَلَيْهِ الْحق إِذا جَاءَ بِحقِّهِ فأداه على سَبِيل الْإِحْسَان والمساهلة مَعَ من عَلَيْهِ الْحق وَالله هُوَ المحسن المتفضل على عباده فَهُوَ أَحَق من أَن يقبل مِنْك
وَقَالَ فِي حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم أَرَأَيْت لَو تضمضت بِمَاء أَكنت شَاربه فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلّة مُؤثرَة وَهُوَ
(2/187)

أَن الصَّدَقَة من أوساخ النَّاس لكَونهَا مطهرة من الذُّنُوب فَهِيَ كالغسالة المستعملة والامتناع من شرب ذَلِك يكون بطرِيق الْأَخْذ بمعالي الْأُمُور فَكَذَلِك حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم يكون على وَجه التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام لَهُم ليَكُون لَهُم خُصُوصِيَّة بِمَا هُوَ من معالي الْأُمُور
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة حِين اخْتلفُوا فِي الْجد مَعَ الْإِخْوَة اشتغلوا بِالتَّعْلِيلِ لإِظْهَار صفة الْقرب بالوادي الَّذِي تتشعب مِنْهُ الْأَنْهَار والشجرة الَّتِي ينْبت مِنْهَا الأغصان وَمَا ذَلِك إِلَّا بِاعْتِبَار الْمُؤثر فِي الْعلم بتفاوت الْقرب بطرِيق محسوس وَابْن عَبَّاس علل فِي ذَلِك بقوله أَلا يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا
فَهُوَ اسْتِدْلَال الْمُؤثر من حَيْثُ اعْتِبَار أحد الطَّرفَيْنِ بالطرف الآخر فِي الْقرب
وَقَالَ عمر لعبادة بن الصَّامِت حِين قَالَ مَا أرى النَّار تحل شَيْئا فِي الطلاء أَلَيْسَ يكون خمرًا ثمَّ يكون خلا فتشربه فَهَذَا اسْتِدْلَال بمؤثر وَهُوَ التَّغْيِير بالطباع
وَعلل مُحَمَّد فِي كتاب الطَّلَاق فِيمَن قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا أَن الْيَمين لَا يبْقى لِأَنَّهُ ذهب تَطْلِيقَات ذَلِك الْملك كُله وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر فَإِن الْيَمين لَا تَنْعَقِد إِلَّا فِي الْملك بِاعْتِبَار تَطْلِيقَات مَمْلُوكَة أَو مُضَافَة إِلَى الْملك وَالْإِضَافَة إِلَى الْملك لم تُوجد هُنَا فَعرفنَا أَنَّهَا انْعَقَدت على التطليقات الْمَمْلُوكَة وَقد أوقع كلهَا وَالْكل من كل شَيْء لَا يتَصَوَّر فِيهِ تعدد فَعرفنَا أَنه لم يبْق شَيْء من الْجَزَاء وَالْيَمِين شَرط وَجَزَاء فَكَمَا لَا يتَصَوَّر انْعِقَادهَا بِدُونِ الْجَزَاء لَا يتَصَوَّر بَقَاؤُهَا إِذا لم يبْق شَيْء من الْجَزَاء
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِيمَن اشْترى قَرِيبه مَعَ غَيره حَتَّى عتق نصِيبه مِنْهُ لَا يضمن لشَرِيكه شَيْئا لِأَن شَرِيكه رَضِي بِالَّذِي وَقع بِهِ الْعتْق بِعَيْنِه يَعْنِي ملك الْقَرِيب الَّذِي هُوَ متمم لعِلَّة الْعتْق وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر فَإِن ضَمَان الْعتْق إِنَّمَا يجب بالإفساد أَو الْإِتْلَاف لملك الشَّرِيك فَيكون وَاجِبا بطرِيق الْجبرَان لَهُ وَرضَاهُ بِالسَّبَبِ يُغني عَن الْحَاجة إِلَى الْجبرَان لِأَن الْحَاجة إِلَى ذَلِك لدفع الضَّرَر عَنهُ وَقد انْدفع ذَلِك حكما حِين رَضِي بِهِ كَمَا لَو أذن لَهُ نصا أَن يعتقهُ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله فِيمَن أودع صَبيا مَالا فاستهلكه
(2/188)

لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سلطه على مَا فعل أَي حِين مكنه من المَال فقد سلطه على إِتْلَافه حسا والتسليط يخرج فعل الْمُسَلط من أَن يكون جِنَايَة فِي حق الْمُسَلط ثمَّ بقوله احفظ جعل التسليط مَقْصُورا على الْحِفْظ بطرِيق العقد وَهَذَا فِي حق الْبَالِغ صَحِيح وَفِي حق الصَّبِي لَا يَصح أصلا وَفِي حق العَبْد الْمَحْجُور لَا يَصح فِي حَالَة الرّقّ
وَعلل الشَّافِعِي فِي الزِّنَا أَنه لَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَقَالَ الزِّنَا فعل رجمت عَلَيْهِ وَالنِّكَاح أَمر حمدت عَلَيْهِ فَهَذَا اسْتِدْلَال فِي الْفرق بِوَصْف مُؤثر أَي ثُبُوت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بطرِيق النِّعْمَة والكرامة فَيجوز أَن يكون سَبَب الْكَرَامَة مَا يحمد الْمَرْء عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يكون سَببه مَا يُعَاقب الْمَرْء عَلَيْهِ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجب للرجم
وَقَالَ النِّكَاح لَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لِأَن النِّكَاح لَيْسَ بِمَال
وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر يَعْنِي أَن المَال مبتذل وَملك النِّكَاح مصون عَن الابتذال وَفِي شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال ضرب شُبْهَة أَو هِيَ حجَّة ضَرُورَة فَمَا يكون مبتذلا تجْرِي المساهلة فِيهِ وتكثر الْبلوى وَالْحَاجة إِلَيْهِ فَيمكن إثْبَاته بِحجَّة فِيهَا شُبْهَة أَو بِمَا هُوَ حجَّة ضَرُورَة فَأَما مَا يكون مصونا عَن الابتذال فَإِن الْبلوى لَا تكْثر فِيهِ وَهُوَ عَظِيم الْخطر أَيْضا فَلَا يثبت إِلَّا بِحجَّة أَصْلِيَّة خَالِيَة عَن الشُّبْهَة فَعرفنَا أَن طَرِيق تَعْلِيل السّلف هُوَ الْإِشَارَة إِلَى الْوَصْف الْمُؤثر فعلى هَذَا النمط يكون أَكثر مَا عللنا بِهِ فِي الخلافيات
مِنْهَا أَن علماءنا قَالُوا فِي أَنه لَا يشْتَرط التّكْرَار فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ لإكمال السّنة إِنَّه مسح فَلَا يسن تكراره (كالمسح بالخف وَالتَّيَمُّم
وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ ركن أُصَلِّي فِي الطَّهَارَة فَيسنّ فِيهِ التّكْرَار) كالغسل فِي المغسولات فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن فِي لفظ الْمسْح مَا يدل على التَّخْفِيف فَإِن الْمسْح يكون أيسر من الْغسْل لَا محَالة وتأدى الْفَرْض فِي هَذَا الْمحل بِفعل الْمسْح دَلِيل التَّخْفِيف أَيْضا وَكَون الِاسْتِيعَاب فِيهِ لَيْسَ بِشَرْط بِخِلَاف المغسولات تَخْفيف آخر والاكتفاء بالمرة الْوَاحِدَة لإِقَامَة الْفَرْض وَالسّنة من بَاب التَّخْفِيف فَفِي قَوْلنَا مسح إِشَارَة إِلَى مَا هُوَ مُؤثر فِيهِ وَلَيْسَ فِي قَوْله ركن إِشَارَة إِلَى مَا يَنْفِيه ثمَّ الْمَقْصُود بِالسنةِ
(2/189)

الْإِكْمَال وَفِي الْمَمْسُوح لما لم يكن الِاسْتِيعَاب شرطا فبالمرة الْوَاحِدَة مَعَ الِاسْتِيعَاب يحصل الْإِكْمَال فَعرفنَا أَنه يصير بِهِ مُؤديا الْفَرِيضَة وَالسّنة وَفِي المغسولات لما كَانَ الِاسْتِيعَاب شرطا لَا يحصل بالمرة إِلَّا إِقَامَة الْفَرْض فَلَا بُد من التّكْرَار لإِقَامَة السّنة وَلَيْسَ فِي قَوْله ركن إِشَارَة إِلَى هَذَا الْفرق وَفِي قَوْلنَا مسح إِشَارَة إِلَيْهِ فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا
وَقُلْنَا فِي صَوْم الشَّهْر بِمُطلق النِّيَّة إِنَّه يتَأَدَّى لِأَنَّهُ صَوْم عين وَهُوَ يَقُول لَا بُد من نِيَّة الْفَرْض لِأَنَّهُ صَوْم فرض فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن الْمَقْصُود بِالنِّيَّةِ فِي الأَصْل التَّمْيِيز وَلَا يُرَاد بنية الْجِهَة إِلَّا التَّمْيِيز بَين تِلْكَ الْجِهَة وَغَيرهَا وَإِذا كَانَ الْمَشْرُوع فِي هَذَا الزَّمَان عينا لَيْسَ مَعَه غَيره يصاب بِمُطلق الِاسْم فارتفعت الْحَاجة إِلَى الْجِهَة للتمييز وَلَيْسَ فِي صفة الْفَرْضِيَّة مَا يَنْفِي هَذَا التَّعْيِين حَتَّى يثبت بِهِ مساس الْحَاجة إِلَى نِيَّة الْجِهَة للتمييز
وَقُلْنَا فِي الضَّرُورَة إِذا حج بنية النَّفْل لَا يَقع حجَّة عَن الْفَرْض لِأَنَّهَا عبَادَة تتأدى بأركان مَعْلُومَة بأسبابها كَالصَّلَاةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى وصف مُؤثر وَهُوَ أَن تتأدى هَذِه الْعِبَادَة بِمُبَاشَرَة أَرْكَانهَا لَا بوقتها فصحة أَدَاء هَذِه الْأَركان فِي الْوَقْت فرضا لَا يَنْفِي صِحَة أَدَائِهَا نفلا وَإِذا بَقِي الْأَدَاء بِصفة النفلية مَشْرُوعا من هَذَا الْوَجْه فتعيينه جِهَة النَّفْل بِالنِّيَّةِ صَادِق مَحَله فَيجب اعْتِبَاره لَا محَالة بِخِلَاف الصَّوْم فِي الشَّهْر
وعللنا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة أَن الْأَب يُزَوّجهَا لِأَنَّهَا صَغِيرَة وَلَا يُزَوّج الْبكر الْبَالِغَة إِلَّا بِرِضَاهَا لِأَنَّهَا بَالِغَة والخصم قَالَ فِي الثّيّب الصَّغِيرَة لَا يُزَوّجهَا أَبوهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا ثيب وَفِي الْبكر الْبَالِغَة يُزَوّجهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا بكر فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن ثُبُوت ولَايَة الاستبداد بِالْعقدِ يكون على وَجه النّظر للْمولى عَلَيْهِ بِاعْتِبَار عَجزه عَن مُبَاشرَة ذَلِك بِنَفسِهِ مَعَ حَاجته إِلَى مَقْصُوده كَالنَّفَقَةِ والمؤثر فِي ذَلِك الصغر وَالْبُلُوغ دون الثيابة والبكارة
وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْمَوَاضِع إِنَّمَا ظهر الْأَثر للصغر وَالْبُلُوغ فِي الْولَايَة لَا للثيابة والبكارة
(2/190)

يَعْنِي الْولَايَة فِي المَال وَالْولَايَة على الذّكر فَعرفنَا أَنا سلكنا طَرِيق السّلف فِي الِاسْتِدْلَال بِالْوَصْفِ (الْمُؤثر)
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا بفرع وأصل فَإِن المقايسة تَقْدِير الشَّيْء بالشَّيْء وبمجرد ذكر الْوَصْف بِدُونِ الرَّد إِلَى الأَصْل لَا يكون قِيَاسا
قُلْنَا قد قَالَ بعض مَشَايِخنَا هَذَا النَّوْع من التَّعْلِيل عِنْد ذكر الأَصْل يكون مقايسة وَبِدُون ذكر الأَصْل يكون اسْتِدْلَالا بعلة مستنبطة بِالرَّأْيِ بِمَنْزِلَة مَا قَالَه الْخصم إِن تَعْلِيل النَّص بعلة تتعدى إِلَى الْفَرْع يكون مقايسة وبعلة لَا تتعدى لَا يكون مقايسة لَكِن يكون بَيَان عِلّة شَرْعِيَّة للْحكم قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي أَن نقُول هُوَ قِيَاس على كل حَال فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف يكون لَهُ أصل فِي الشَّرْع لَا محَالة وَلَكِن يسْتَغْنى عَن ذكره لوضوحه وَرُبمَا لَا يَقع الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فنذكره
فمما يَقع الِاسْتِغْنَاء عَن ذكره مَا قُلْنَا فِي إِيدَاع الصَّبِي لِأَنَّهُ سلطه على ذَلِك فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْف يكون مقيسا على أصل وَاضح وَهُوَ أَن من أَبَاحَ لصبي طَعَاما فتناوله لم يضمن لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ سلطه على تنَاوله وَتَركنَا ذكر هَذَا الأَصْل لوضوحه
وَمِمَّا يذكر فِيهِ الأَصْل مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي طول الْحرَّة إِنَّه لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة لِأَن كل نِكَاح يَصح من العَبْد بِإِذن الْمولى فَهُوَ صَحِيح من الْحر كَنِكَاح حرَّة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن الرّقّ ينصف الْحل الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ عقد النِّكَاح شرعا وَلَا يُبدلهُ بِحل آخر فَيكون الرَّقِيق فِي النّصْف الْبَاقِي بِمَنْزِلَة الْحر فِي الْكل لِأَنَّهُ ذَلِك الْحل بِعَيْنِه وَلَكِن فِي هَذَا الْمَعْنى بعض الغموض فَتَقَع الْحَاجة إِلَى ذكر الأَصْل
وَكَذَلِكَ عللنا فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ قُلْنَا كل امْرَأَة يجوز لمُسلم نِكَاحهَا إِذا كَانَت مسلمة يجوز لَهُ نِكَاحهَا إِذا كَانَت كِتَابِيَّة كَالْحرَّةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن تَأْثِير الرّقّ فِي تنصيف الْحل وَمَا يبتنى على الْحل الَّذِي فِي جَانب الْمَرْأَة غير مُتَعَدد ليتَحَقَّق معنى التنصيف فِي عدد فَإِن الْمَرْأَة لَا تحل إِلَّا لرجل وَاحِد فَيظْهر حكم التنصيف فِي الْأَحْوَال وَهُوَ
(2/191)

أَن الْأمة من المحللات مُنْفَرِدَة عَن الْحرَّة وَمن الْمُحرمَات مَضْمُومَة إِلَى الْحرَّة فَلَا يَتَزَوَّجهَا على حرَّة ويتزوجها إِذا لم يكن تَحْتَهُ حرَّة ثمَّ النّصْف الْبَاقِي فِي جَانب الْأمة هُوَ الثَّابِت فِي حق الْحرَّة فَإِذا كَانَ بِهَذَا الْحل يتَزَوَّج الْحرَّة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة عرفنَا أَنه يتَزَوَّج الْأمة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة وَلَكِن فِي هَذَا الْكَلَام بعض الغموض فيذكر الأَصْل عِنْد التَّعْلِيل فَعرفنَا أَن جَمِيع مَا ذكرنَا اسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فِي الْحَقِيقَة وَأَنه مُوَافق لطريق السّلف فِي تَعْلِيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة

فصل الحكم
حكم الْعلَّة الَّتِي نسميها قِيَاسا أَو عِلّة ثَابِتَة بِالرَّأْيِ تَعديَة حكم النَّص بهَا إِلَى فرع لَا نَص فِيهِ عندنَا
وعَلى قَول الشَّافِعِي حكمهَا تعلق الحكم فِي الْمَنْصُوص بهَا فَأَما التَّعْدِيَة بهَا جَائِز وَلَيْسَ بِوَاجِب حَتَّى يكون التَّعْلِيل بِدُونِهَا صَحِيحا
وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هَذَا بفصلين سبق بيانهما أَحدهمَا تَعْلِيل الأَصْل بِمَا لَا يتَعَدَّى لمنع قِيَاس غَيره عَلَيْهِ عندنَا لَا يكون صَحِيحا وَعِنْده يَصح
وَالثَّانِي التَّعْدِيَة بِالتَّعْلِيلِ إِلَى مَحل مَنْصُوص عَلَيْهِ لَا يَصح عندنَا خلافًا لَهُ
ثمَّ حجَّته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة اعْتِبَار الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بالعلل الْعَقْلِيَّة كَمَا أَن الْوُجُود هُنَاكَ يتَعَلَّق بِمَا هُوَ عِلّة لَهُ فالوجوب فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَيكون هُوَ الحكم الْمَطْلُوب بهَا دون التَّعْدِيَة وَإِنَّمَا نعني بِالْوُجُوب وجوب الْعَمَل على وَجه يبْقى فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ
وَاعْتبر الْعلَّة المستنبطة من النَّص بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الشَّرْع فَكَمَا أَن الحكم هُنَاكَ يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَتَكون عِلّة صَحِيحَة بِدُونِ التَّعْدِيَة فَكَذَلِك هُنَا أَلا ترى أَن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للحدود وَالْكَفَّارَات جعلت سَببا شرعا ليتعلق الحكم بهَا بِالنَّصِّ من غير تَعديَة إِلَى مَحل آخر فَكَذَلِك الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق الحكم بهَا فِي الْمَنْصُوص تعدى بهَا إِلَى مَحل آخر أَو لم يَتَعَدَّ
وَالْجَوَاب مَا هُوَ حجتنا
أَن نقُول مَا ينازعنا فِيهِ من الْعلَّة لَا يكون حجَّة للْحكم إِلَّا بعد النَّص كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث معَاذ فَإِن لم تَجدهُ فِي الْكتاب وَالسّنة
(2/192)

قَالَ اجْتهد رَأْيِي
وَمَا يكون عَاملا بعد النَّص كَانَ شَرط عمله انعدام النَّص فِي الْمحل الَّذِي يعْمل فِيهِ فَعرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَحل مَنْصُوص وَإِذا لم يجز أَن يكون عَاملا على وَجه الْمُعَارضَة بِحكم النَّص بِخِلَافِهِ عرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَوضِع النَّص فَلَا يُمكن أَن يَجْعَل حكمه تعلق حكم الشَّرْع بِهِ فِي الْمَنْصُوص يُوضحهُ أَن بِالْإِجْمَاع هَذِه الْعلَّة لَا يجوز أَن يتَغَيَّر بهَا حكم النَّص وَمَعْلُوم أَن التَّغْيِير دون الْإِبْطَال فَإِذا كَانَ الحكم فِي الْمَنْصُوص مُضَافا إِلَى النَّص قبل التَّعْلِيل فَلَو قُلْنَا بِالتَّعْلِيلِ يصير مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَانَ إبطالا وَلَا شكّ أَنه يكون تغييرا على معنى أَن فِيهِ إِخْرَاج سَائِر أَوْصَاف النَّص من أَن يكون الحكم مُضَافا إِلَيْهَا وكما لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْمحَال الَّذِي تنَاوله النَّص من حكم النَّص بِالتَّعْلِيلِ لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْأَوْصَاف عَن ذَلِك بِالتَّعْلِيلِ يُوضحهُ أَن الْعلَّة مَا يتَغَيَّر بهَا حكم الْحَال وَمَعْلُوم أَن حكم النَّص لَا يتَغَيَّر بِالْعِلَّةِ فِي نَفسه فَعرفنَا أَنه يتَغَيَّر بهَا الْحَال فِي مَحل آخر وَهُوَ الْمحل الَّذِي تعدى إِلَيْهِ الحكم فَيثبت فِيهِ بهَا بعد أَن لم يكن ثَابتا وَهَذَا لَا يتَحَقَّق فِي عِلّة لَا توجب تَعديَة الحكم فَهَذَا تبين أَن حكم الْعلَّة على الْخُصُوص تَعديَة الحكم لَا إِيجَاب الحكم بهَا ابْتِدَاء بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة فَإِنَّهَا لما كَانَت مُشْتَقَّة من التَّحْوِيل كَانَ حكمهَا الْخَاص تحول الدّين الْوَاجِب بهَا من ذمَّة إِلَى ذمَّة من غير أَن تكون مُؤثرَة فِي إِيجَاب الدّين بهَا ابْتِدَاء
وَمن فهم هَذَا سقط عَنهُ مُؤنَة الْحِفْظ فِي ثَلَاثَة أَربَاع مَا يسْتَعْمل النَّاس الْقيَاس فِيهِ لِأَن جَمِيع مَا يتَكَلَّم النَّاس فِيهِ على سَبِيل المقايسة أَرْبَعَة أَقسَام الْمُوجب للْحكم وَصفته وَمَا هُوَ شَرط فِي الْعلَّة وَصفته وَالْحكم الثَّابِت فِي الشَّرْع وَصفته وَالْحكم الْمُتَّفق على كَونه مَشْرُوعا مَعْلُوما بِصفتِهِ أهوَ مَقْصُور على الْمحل الَّذِي ورد فِيهِ النَّص أم تعدى إِلَى غَيره من الْمحَال الَّذِي يماثله بِالتَّعْلِيلِ
وَإِنَّمَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي الْقسم الرَّابِع فَأَما الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فَلَا مدْخل للْقِيَاس فِيهَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي لِأَن الْمُوجب مَا جعله الشَّرْع مُوجبا على مَا بَينا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تكون مُوجبَة بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة فَلَا مجَال للرأي فِي معرفَة ذَلِك وَإِنَّمَا طَرِيق مَعْرفَته السماع مِمَّن
(2/193)

ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي
وَصفَة الشَّيْء مُعْتَبر بِأَصْلِهِ وكما لَا يكون مُوجبا بِدُونِ رُكْنه لَا يكون مُوجبا بِدُونِ شَرطه وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة شَرطه وَلَا صفة شَرطه كَمَا لَا مدْخل للرأي فِي أَصله وَكَذَلِكَ نصب الحكم ابْتِدَاء إِلَى الشَّرْع وكما لَيْسَ إِلَى الْعباد ولَايَة نصب الْأَسْبَاب فَلَيْسَ إِلَيْهِم ولَايَة نصب الْأَحْكَام لِأَنَّهَا مَشْرُوعَة بطرِيق الِابْتِلَاء فَأنى يهتدى بِالرَّأْيِ إِلَيْهِ كَيفَ يتَحَقَّق معنى الِابْتِلَاء فِيمَا يستنبط بِالرَّأْيِ ابْتِدَاء فَعرفنَا أَن التَّعْلِيل فِي هَذِه الْأَقْسَام لَا يُصَادف محلهَا والأسباب الشَّرْعِيَّة لَا تصح بِدُونِ الْمحل كَالْبيع الْمُضَاف إِلَى الْحر وَالنِّكَاح الْمُضَاف إِلَى مُحرمَة وَلِأَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لَا تتَحَقَّق التَّعْدِيَة فَكَانَ اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة قبل وجوب الدّين وَذَلِكَ بَاطِل لخلوه عَن حكمه وَهُوَ التَّحْوِيل
وكما لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس لإِثْبَات الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يجوز للنَّفْي لِأَن الْمُنكر لذَلِك يَدعِي أَنه غير مَشْرُوع وَمَا لَيْسَ بمشروع كَيفَ يُمكن إثْبَاته بِدَلِيل شَرْعِي وَإِن كَانَ يَدعِي رَفعه بعد الثُّبُوت وَهُوَ نسخ وَإِثْبَات النّسخ بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ لَا يجوز فَعرفنَا أَن مَا يصنعه بعض النَّاس من اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع لَيْسَ بِفقه وَأَنه يكون من قلَّة التَّأَمُّل يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد النّظر
وَأما بَيَان الْمُوجب فِي مسَائِل
مِنْهَا (أَن) الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ هَل يحرم النسأ فَإِن الْكَلَام فِيهِ بطرِيق الْقيَاس للإثبات أَو للنَّفْي بَاطِل وَإِنَّمَا طَرِيق إثْبَاته الرُّجُوع إِلَى النَّص أَو دلَالَته أَو إِشَارَته أَو مُقْتَضَاهُ لِأَن الثَّابِت بِهَذِهِ الْوُجُوه كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ والموجب للْحكم لَا يعرف إِلَّا بِالنَّصِّ كَالْحكمِ الْوَاجِب فَإِنَّهُ إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْوتر هَل هِيَ بِمَنْزِلَة الْفَرِيضَة زِيَادَة على الْخمس كَانَ الِاشْتِغَال بإثباته بطرِيق الْقيَاس خطأ وَإِنَّمَا أثبت ذَلِك أَبُو حنيفَة رَحمَه الله بِالنَّصِّ الْمَرْوِيّ فِيهِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة أَلا وَهِي الْوتر فصلوها مَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر فَكَذَلِك طَرِيق
(2/194)

إِثْبَات كَون الْجِنْس عِلّة الرُّجُوع إِلَى النَّص ودلالته وَهُوَ أَنه قد ثَبت بِالنَّصِّ حُرْمَة الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض إِذا كَانَ مَشْرُوطًا فِي العقد وباشتراط الْأَجَل يتَوَهَّم فضل مَال خَال عَن الْمُقَابلَة بِاعْتِبَار صفة الْحُلُول فِي أحد الْجَانِبَيْنِ وَلم يسْقط اعْتِبَاره بِالنَّصِّ لكَونه حَاصِلا بصنع الْعباد والشبهة تعْمل عمل الْحَقِيقَة فِيمَا بني أمره على الِاحْتِيَاط فَكَمَا أَن حَقِيقَة الْفضل تكون رَبًّا فَكَذَلِك شُبْهَة الْفضل وللجنسية أثر فِي إِظْهَار ذَلِك وكما أَن الْقيَاس لَا يكون طَرِيقا للإثبات هُنَا لَا يكون طَرِيقا للنَّفْي لِأَن من يَنْفِي إِنَّمَا يتَمَسَّك بِالْعدمِ الَّذِي هُوَ أصل فَعَلَيهِ الِاشْتِغَال بإفساد دَلِيل خَصمه لِأَنَّهُ مَتى ثَبت أَن مَا ادَّعَاهُ الْخصم دَلِيل صَحِيح لَا يبْقى لَهُ حق التَّمَسُّك بِعَدَمِ الدَّلِيل فَأَما الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ ليثبت الْعَدَم بِهِ يكون ظَاهر الْفساد
وَنَظِيره الِاخْتِلَاف فِي أَن السّفر هَل يكون مسْقطًا شطر الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا مدْخل للْقِيَاس هُنَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك بِالنَّصِّ ودلالته وَهُوَ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته وَلَا معنى للتصدق هُنَا سوى الْإِسْقَاط وَلَا مرد لما أسْقطه الله عَن عباده بِوَجْه
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن استتار الْقدَم بالخف هَل يكون مَانِعا من سرَايَة الْحَدث إِلَى الْقدَم لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ فِي النَّفْي وَلَا فِي الْإِثْبَات وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالنَّصِّ ودلالته وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام إِنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الْحَدث مَا سرى إِلَى الْقَدَمَيْنِ لاستتارهما بالخف
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن مُجَرّد الْإِسْلَام بِدُونِ الْإِحْرَاز بِالدَّار هَل يُوجب تقوم النَّفس وَالْمَال أم لَا وَأَن خبر الْوَاحِد هَل يكون مُوجبا للْعلم وَأَن الْقيَاس هَل يكون مُوجبا للْعَمَل بِهِ هَذَا كُله لَا مدْخل للتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فِي إثْبَاته وَلَا فِي نَفْيه
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي النّصاب أَنه مُوجب لِلزَّكَاةِ بِصفة النَّمَاء أم بِدُونِ هَذَا الْوَصْف مُوجب وَفِي الْيَمين أَنَّهَا مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ بِصفة أَنَّهَا مَقْصُودَة أم بِصفة أَنَّهَا معقودة وَفِي الْقَتْل بِغَيْر حق أَنه مُوجب
(2/195)

لِلْكَفَّارَةِ بِصفة أَنه حرَام أم اشتماله على الوصفين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة من وَجْهَيْن وَكَفَّارَة الْفطر أَنَّهَا وَاجِبَة بِفعل مَوْصُوف بِأَنَّهُ جماع أَو هُوَ فطر بِجِنَايَة متكاملة فَإِن هَذَا كُله مِمَّا لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات الْوَصْف الْمَطْلُوب بِهِ وَلَا فِي نَفْيه
وَبَيَان الشَّرْط فنحو اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي اشْتِرَاط الشُّهُود فِي النِّكَاح للْحلّ وَاخْتِلَافهمْ فِي اشْتِرَاط التَّسْمِيَة فِي الذَّكَاة للْحلّ فَإِنَّهُ لَا مدْخل للرأي فِي معرفَة مَا هُوَ شَرط فِي السَّبَب شرعا لَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي كَمَا لَا مدْخل لَهُ فِي أصل السَّبَب بِأَن بِالشّرطِ يرْتَفع الحكم قبل وجوده فَإِذا لم يكن للرأي مدْخل فِيمَا يُثبتهُ عرفنَا أَنه لَا مدْخل للرأي فِيمَا يرفعهُ أَو يعدمه
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن الْبلُوغ عَن عقل هَل يكون شرطا لوُجُوب حُقُوق الله تَعَالَى الْمَالِيَّة نَحْو الزكوات وَالْكَفَّارَات ولإيجاب مَا هُوَ عُقُوبَة مَالِيَّة نَحْو حرمَان الْمِيرَاث بِالْقَتْلِ أَو دفع الِاخْتِلَاف فِي أَن الْبلُوغ عَن عقل هَل يكون شرطا لصِحَّة الْأَدَاء فِيمَا لَا يحْتَمل النّسخ والتبديل فَإِن هَذَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي
وَكَذَلِكَ فِي أَن بُلُوغ الدعْوَة هَل تكون شرطا لإهدار النُّفُوس وَالْأَمْوَال بِسَبَب الْكفْر فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُمكن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فِيهِ للإثبات أَو النَّفْي يكون سَاقِطا
وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح فَأَما فِي ثُبُوت الْولَايَة للْمَرْأَة على نَفسهَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس لِأَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ تثبت الْولَايَة للمرء على نَفسه مَعْقُول وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الأَصْل وَهُوَ الرجل فيستقيم تَعديَة الحكم بِهِ إِلَى الْمَرْأَة
فَإِن قيل فقد اخْتَلَفْنَا فِي التَّقَابُض فِي الْمجْلس أَنه هَل يشْتَرط فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَقد تكلمتم بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّد فَقَالَ من قبل أَنه حَاضر لَيْسَ لَهُ أجل
قُلْنَا لِأَن هُنَاكَ قد وجد أصل كَانَ هَذَا الحكم وَهُوَ بَقَاء العقد بعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس من غير قبض فِيهِ ثَابت بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ بيع الطَّعَام وَسَائِر الْأَمْتِعَة بِالدَّرَاهِمِ فَأمكن تَعْلِيل ذَلِك الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع والخصم وجد أصلا للْحكم الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ فَسَاد
(2/196)

العقد بعد الِافْتِرَاق من غير قبض كَمَا فِي الصّرْف استقام تَعْلِيله أَيْضا لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع وَمثله لَا يُوجد فِي اشْتِرَاط التَّسْمِيَة فِي الذَّكَاة فَإِن الْخصم لَا يجد فِيهِ أصلا يسْقط فِيهِ اشْتِرَاط التَّسْمِيَة لحل الذَّبِيحَة فَإِن أَصله النَّاسِي وَنحن لَا نقُول هُنَاكَ سقط شَرط التَّسْمِيَة وَلَكِن نجْعَل النَّاسِي كالمسمى حكما بِدلَالَة النَّص كَمَا يَجْعَل النَّاسِي كالمباشر لركن الصَّوْم وَهُوَ الْإِمْسَاك حكما بِالنَّصِّ وَهَذَا مَعْلُول عَن الْقيَاس وتعليل مثله لتعدية الحكم لَا يجوز
وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يجد أصلا يكون فِيهِ اتِّفَاق على صِحَة النِّكَاح وَثُبُوت الْحل بِهِ بِغَيْر شُهُود حَتَّى لعلل ذَلِك الأَصْل فيتعدى الحكم فِيهِ إِلَى هَذَا الْفَرْع
فَإِن قيل لَا كَذَلِك فَإِن النِّكَاح عقد مُعَاملَة حَتَّى يَصح من الْكَافِر وَالْمُسلم وَقد وجدنَا أصلا فِي عُقُود الْمُعَامَلَات يسْقط اشْتِرَاط الشُّهُود لصِحَّته شرعا وَهُوَ البيع وَإِن كَانَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حل الِاسْتِمْتَاع فنعلل ذَلِك الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع
قُلْنَا من حَيْثُ إِن النِّكَاح مُعَاملَة أمد لَا يشْتَرط فِيهِ الشُّهُود فخصم هَذَا الْمُعَلل يَقُول بِمُوجب علته وَإِنَّمَا يَدعِي شَرط الشُّهُود فِيهِ اعْتِبَار أَنه عقد مَشْرُوع للتناسل وَأَنه يرد على مَحل لَهُ خطر وَهُوَ مصون عَن الابتذال فلإظهار خطره يخْتَص شَرط الشُّهُود وَلَا نجد أصلا فِي المشروعات بِهَذِهِ الصّفة لتعليل ذَلِك الأَصْل فيعدى الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف فِي صفة الْعَدَالَة فِي شُهُود النِّكَاح وَفِي صفة الذُّكُورَة وَفِي صفة الْمُوَالَاة وَالتَّرْتِيب وَالنِّيَّة فِي الْوضُوء فَإِن الْوضُوء شَرط الصَّلَاة فَكَمَا لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات أصل الشَّرْط بِهِ فَكَذَلِك فِي إِثْبَات الصّفة فِيمَا هُوَ شَرط
وَأما بَيَان الحكم فنحو الِاخْتِلَاف فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة أَهِي صَلَاة مَشْرُوعَة أم لَا وَفِي الْقِرَاءَة الْمَشْرُوعَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ بالِاتِّفَاقِ أَهِي فَرِيضَة
(2/197)

أم لَا وَفِي الْقِرَاءَة الْمَفْرُوضَة فِي الْأَوليين أتتعين الْفَاتِحَة ركنا أم لَا فَإِنَّهُ لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات هَذَا الحكم وَفِي الْمسْح بالخف وَالْمسح على الجرموق وعَلى الْعِمَامَة أهوَ جَائِز أم لَا وأمثلة هَذَا فِي الْكتب تكْثر فَإِن كل مَوضِع يكون الْكَلَام فِيهِ فِي الحكم ابْتِدَاء أهوَ ثَابت شرعا أم لَا لَا مدْخل للرأي فِي ذَلِك حَتَّى يشْتَغل فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ للإثبات أَو للنَّفْي
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف فِي صفة صَدَقَة الْفطر وَالْأُضْحِيَّة وَالْوتر وَالِاخْتِلَاف فِي صفة الْإِبَانَة بِالطَّلَاق عِنْد الْقَصْد إِلَيْهِ من غير جعل وَفِي صفة الْملك الثَّابِت بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الَّذِي يُقَابله الْبَدَل أهوَ مُشْتَرك بَين الزَّوْجَيْنِ أم يخْتَص الرجل بِهِ وَفِي صفة ملك النِّكَاح أَنه فِي حكم ملك الْمَنْفَعَة أَو فِي حكم ملك الْعين وَفِي صفة الطَّلَاق الْمَشْرُوع أَنه مُبَاح بِأَصْل الْوَضع أَو مَكْرُوه وَالْإِبَاحَة صفة عارضة فِيهِ للْحَاجة وَفِي صفة البيع الْمَشْرُوع حَال بَقَاء الْمُتَعَاقدين فِي الْمجْلس (أَنه لَازم بِنَفس العقد أَو متراخ إِلَى قطع الْمجْلس) وَفِي صفة الْملك الثَّابِت بِعقد الرَّهْن أَنه ملك الْيَد من جنس مَا يثبت بِهِ حَقِيقَة الِاسْتِيفَاء أَو ملك الْمُطَالبَة بِالْبيعِ فِي الدّين من جنس مَا يثبت بِالْكَفَالَةِ وأمثلة هَذِه الْفُصُول فِي الْكتب أَكثر من أَن تحصى ذكرنَا من كل قسم طرفا لبَيَان الطَّرِيق للمتأمل فِيهِ
وَأما بَيَان الْقسم الرَّابِع فنحو الِاخْتِلَاف فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه هَل يسن تثليثه فَإِنَّهُ يُوجد فِي الطَّهَارَة مَا هُوَ مسح وَلَا يكون التّكْرَار فِيهِ مسنونا فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك الْمُتَّفق عَلَيْهِ لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع الْمُخْتَلف فِيهِ وَيُوجد فِي أَعْضَاء الطَّهَارَة مَا يكون التّكْرَار فِيهِ مسنونا بالِاتِّفَاقِ فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَيكون الْقيَاس فِي مَوْضِعه من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ الْكَلَام بعد ذَلِك يَقع فِي التَّرْجِيح
وَكَذَلِكَ إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط تعْيين النِّيَّة فِي
(2/198)

الصَّوْم فَإِن هُنَاكَ أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ يتَأَدَّى فِيهِ الصَّوْم بِمُطلق النِّيَّة وَهُوَ النَّفْل الَّذِي هُوَ عين مَشْرُوعا فِي وقته فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع وَهُنَاكَ أصل فِي الصَّوْم الَّذِي هُوَ فرض لَا يتَأَدَّى إِلَّا بِتَعْيِين النِّيَّة وَهُوَ صَوْم الْقَضَاء فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَيكون الْقيَاس فِي مَوْضِعه من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ الْكَلَام فِي التَّرْجِيح بعد ذَلِك
فَإِن قيل فقد تكلمتم بِالْقِيَاسِ فِي الْعذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر وَكَون الصَّوْم فِيهِ مَشْرُوعا أم لَا حكم لَا مدْخل للرأي فِيهِ ثمَّ اشتغلتم بالمقايسة فِيهِ
قُلْنَا لأَنا وجدنَا أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي كَون الصَّوْم مَشْرُوعا فِيهِ وَهُوَ سَائِر الْأَيَّام فَأمكن تَعديَة الحكم بتعليله إِلَى الْفَرْع ثمَّ يبْقى وَرَاء ذَلِك الْكَلَام فِي أَن النَّهْي الَّذِي جَاءَ لِمَعْنى فِي صفة هَذَا الْيَوْم وَهُوَ أَنه يَوْم عيد عمله يكون فِي إِفْسَاد الْمَشْرُوع مَعَ بَقَائِهِ فِي الأَصْل مَشْرُوعا أَو فِي رفع الْمَشْرُوع وانتساخه وَهَذَا لَا نثبته بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا نثبته بِدَلِيل النَّص وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى مُوجب النَّهْي أَنه الِانْتِهَاء على وَجه يبْقى للمنتهي اخْتِيَار فِيهِ كَمَا قَررنَا
وَقد تبين بِمَا ذكرنَا أَن الْمُجيب مَتى اشْتغل بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ فَالَّذِي يحِق على السَّائِل أَن ينظر أَولا أَن الْمُتَنَازع فِيهِ هَل هُوَ مَحل لَهُ وَأَن مَا نذكرهُ من الْعلَّة هَل يتَعَدَّى الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَإِن لم يكن بِهَذِهِ الصّفة لَا يشْتَغل بالاعتراض على علته وَلَكِن يتَبَيَّن لَهُ بطرِيق الْفِقْه أَن هَذَا التَّعْلِيل فِي غير مَوْضِعه وَأَنه مِمَّا لَا يصلح أَن يكون حجَّة حَتَّى يتَحَوَّل الْمُجيب إِلَى شَيْء آخر أَو يبين بطرِيق الْفِقْه أَنه تَعْلِيل صَحِيح فِي مَحَله مُوَافق لطريق السّلف فِي تعليلاتهم ليَكُون مَا يجْرِي بعد ذَلِك بَينهمَا على طَرِيق الْفِقْه

فصل فِي بَيَان الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْقسم الرَّابِع الَّذِي بَيناهُ فِي الْفَصْل الْمُتَقَدّم يشْتَمل على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان عندنَا وَقد طعن بعض الْفُقَهَاء فِي تصنيف لَهُ على عبارَة عُلَمَائِنَا فِي الْكتب إِلَّا أَنا تركنَا الْقيَاس واستحسنا وَقَالَ الْقَائِلُونَ بالاستحسان يتركون الْعَمَل بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حجَّة شَرْعِيَّة
(2/199)

ويزعمون أَنهم يستحسنون ذَلِك وَكَيف يستحسن ترك الْحجَّة وَالْعَمَل بِمَا لَيْسَ بِحجَّة لاتباع هوى أَو شَهْوَة نفس فَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ ترك الْقيَاس الَّذِي هُوَ حجَّة فالحجة الشَّرْعِيَّة هُوَ حق وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال وَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ ترك الْقيَاس الْبَاطِل شرعا فالباطل مِمَّا لَا يشْتَغل بِذكرِهِ
وَقد ذكرُوا فِي كتبهمْ فِي بعض الْمَوَاضِع أَنا نَأْخُذ بِالْقِيَاسِ فَإِن كَانَ المُرَاد هَذَا فَكيف يجوزون الْأَخْذ بِالْبَاطِلِ
وَذكر من هَذَا الْجِنْس مَا يكون دَلِيل قلَّة الْحيَاء وَقلة الْوَرع وَكَثْرَة التهور لقائله
فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الِاسْتِحْسَان لُغَة وجود الشَّيْء حسنا يَقُول الرجل استحسنت كَذَا أَي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح أَو مَعْنَاهُ طلب الْأَحْسَن لِلِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ مَأْمُور بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه} وَهُوَ فِي لِسَان الْفُقَهَاء نَوْعَانِ الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ وغالب الرَّأْي فِي تَقْدِير مَا جعله الشَّرْع موكولا إِلَى آرائنا نَحْو الْمُتْعَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى {مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ} أوجب ذَلِك بِحَسب الْيَسَار والعسرة وَشرط أَن يكون بِالْمَعْرُوفِ فَعرفنَا أَن المُرَاد مَا يعرف استحسانه بغالب الرَّأْي
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ} وَلَا يظنّ بِأحد من الْفُقَهَاء أَنه يُخَالف هَذَا النَّوْع من الِاسْتِحْسَان
وَالنَّوْع الآخر هُوَ الدَّلِيل الَّذِي يكون مُعَارضا للْقِيَاس الظَّاهِر الَّذِي تسبق إِلَيْهِ الأوهام قبل إنعام التَّأَمُّل فِيهِ وَبعد إنعام التَّأَمُّل فِي حكم الْحَادِثَة وأشباهها من الْأُصُول يظْهر أَن الدَّلِيل الَّذِي عَارضه فَوْقه فِي الْقُوَّة فَإِن الْعَمَل بِهِ هُوَ الْوَاجِب فسموا ذَلِك اسْتِحْسَانًا للتمييز بَين هَذَا النَّوْع من الدَّلِيل وَبَين الظَّاهِر الَّذِي تسبق إِلَيْهِ الأوهام قبل التَّأَمُّل على معنى أَنه يمال بالحكم عَن ذَلِك الظَّاهِر لكَونه مستحسنا لقُوَّة دَلِيله وَهُوَ نَظِير عِبَارَات أهل الصناعات فِي التَّمْيِيز بَين الطّرق لمعْرِفَة المُرَاد فَإِن أهل النَّحْو يَقُولُونَ هَذَا نصب على التَّفْسِير وَهَذَا نصب على الْمصدر وَهَذَا نصب على الظّرْف وَهَذَا نصب على التَّعَجُّب
(2/200)

وَمَا وضعُوا هَذِه الْعبارَات إِلَّا للتمييز بَين الأدوات الناصبة
وَأهل الْعرُوض يَقُولُونَ هَذَا من الْبَحْر الطَّوِيل وَهَذَا من الْبَحْر المتقارب وَهَذَا من الْبَحْر المديد فَكَذَلِك اسْتِعْمَال عُلَمَائِنَا عبارَة الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان للتمييز بَين الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين وَتَخْصِيص أَحدهمَا بالاستحسان لكَون الْعَمَل بِهِ مستحسنا ولكونه مائلا عَن سنَن الْقيَاس الظَّاهِر فَكَانَ هَذَا الِاسْم مستعارا لوُجُود معنى الِاسْم فِيهِ بِمَنْزِلَة الصَّلَاة فَإِنَّهَا اسْم للدُّعَاء ثمَّ أطلقت على الْعِبَادَة الْمُشْتَملَة على الْأَركان من الْأَفْعَال والأقوال لما فِيهَا من الدُّعَاء عَادَة
ثمَّ اسْتِحْسَان الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ لَا يكون من اتِّبَاع الْهوى وشهوة النَّفس فِي شَيْء
وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي نَظَائِر هَذَا أستحب ذَلِك
وَأي فرق بَين من يَقُول أستحسن كَذَا وَبَين من يَقُول أستحبه بل الِاسْتِحْسَان أفْصح اللغتين وَأقرب إِلَى مُوَافقَة عبارَة الشَّرْع فِي هَذَا المُرَاد
وَظن بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا أَن الْعَمَل بالاستحسان أولى مَعَ جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فِي مَوضِع الِاسْتِحْسَان وَشبه ذَلِك بالطرد مَعَ الْمُؤثر فَإِن الْعَمَل بالمؤثر أولى وَإِن كَانَ الْعَمَل بالطرد جَائِزا
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَهَذَا وهم عِنْدِي فَإِن اللَّفْظ الْمَذْكُور فِي الْكتب فِي أَكثر الْمسَائِل إِلَّا أَنا تركنَا هَذَا الْقيَاس والمتروك لَا يجوز الْعَمَل بِهِ وَتارَة يَقُول إِلَّا أَنِّي أستقبح ذَلِك وَمَا يجوز الْعَمَل بِهِ من الدَّلِيل شرعا فاستقباحه يكون كفرا فَعرفنَا أَن الصَّحِيح ترك الْقيَاس أصلا فِي الْموضع الَّذِي نَأْخُذ بالاستحسان وَبِه يتَبَيَّن أَن الْعَمَل بالاستحسان لَا يكون مَعَ قيام الْمُعَارضَة وَلَكِن بِاعْتِبَار سُقُوط الأضعف بالأقوى أصلا
وَقد قَالَ فِي كتاب السّرقَة إِذا دخل جمَاعَة الْبَيْت وجمعوا الْمَتَاع فَحَمَلُوهُ على ظهر أحدهم فَأخْرجهُ وَخَرجُوا مَعَه فِي الْقيَاس الْقطع على الْحمال خَاصَّة وَفِي الِاسْتِحْسَان يقطعون جَمِيعًا
وَقَالَ فِي كتاب الْحُدُود إِذا اخْتلف شُهُود الزِّنَا فِي والزاويتين فِي بَيت وَاحِد فِي الْقيَاس لَا يحد الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَفِي الِاسْتِحْسَان يُقَام الْحَد
وَمَعْلُوم أَن الْحَد يسْقط بِالشُّبْهَةِ وَأدنى دَرَجَات الْمعَارض ايراث الشُّبْهَة فَكيف يستحسن إِقَامَة الْحَد فِي مَوضِع الشُّبْهَة
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله
(2/201)

تصحح ردة الصَّبِي اسْتِحْسَانًا
وَمَعْلُوم أَن عِنْد قيام دَلِيل الْمُعَارضَة يرجح الْمُوجب لِلْإِسْلَامِ وَإِن كَانَ هُوَ أَضْعَف كالمولود بَين كَافِر ومسلمة وَكَيف يستحسن الحكم بِالرّدَّةِ مَعَ بَقَاء دَلِيل مُوجب الْإِسْلَام فَعرفنَا أَن الْقيَاس مَتْرُوك أصلا فِي الْموضع الَّذِي يعْمل فِيهِ بالاستحسان وَإِنَّمَا سميناهما تعَارض الدَّلِيلَيْنِ بِاعْتِبَار أصل الْوَضع فِي كل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ لَا أَن بَينهمَا مُعَارضَة فِي مَوضِع وَاحِد
وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد هَذَا مَا قَالَ فِي كتاب الطَّلَاق إِذا قَالَ لامْرَأَته إِذا حِضْت فَأَنت طَالِق فَقَالَت قد حِضْت فكذبها الزَّوْج فَإِنَّهَا لَا تصدق فِي الْقيَاس بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَهُوَ أَن الْحيض شَرط الطَّلَاق كدخولها الدَّار وكلامها زيدا وَفِي الِاسْتِحْسَان تطلق لِأَن الْحيض شَيْء فِي بَاطِنهَا لَا يقف عَلَيْهِ غَيرهَا فَلَا بُد من قبُول قَوْلهَا فِيهِ بِمَنْزِلَة الْمحبَّة والبغض
قَالَ وَقد يدْخل فِي هَذَا الِاسْتِحْسَان بعض الْقيَاس يَعْنِي بِهِ أَن فِي سَائِر الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْحيضِ قبلنَا قَوْلهَا نَحْو حُرْمَة الْوَطْء وانقضاء الْعدة فاعتبار هَذَا الحكم بِسَائِر الْأَحْكَام نوع قِيَاس ثمَّ ترك الْقيَاس الأول أصلا لقُوَّة دَلِيل الِاسْتِحْسَان وَهُوَ أَنَّهَا مأمورة بالإخبار عَمَّا فِي رَحمهَا منهية عَن الكتمان قَالَ تَعَالَى {وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن} وَمن ضَرُورَة النَّهْي عَن الكتمان كَونهَا أمينة فِي الْإِظْهَار وَإِلَيْهِ أَشَارَ أبي بن كَعْب رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ من الْأَمَانَة أَن تؤتمن الْمَرْأَة على مَا فِي رَحمهَا
فَصَارَ ذَلِك الْقيَاس متروكا باعتراض هَذَا الدَّلِيل الْقوي الْمُوجب للْعَمَل بِهِ
فَالْحَاصِل أَن ترك الْقيَاس يكون بِالنَّصِّ تَارَة وبالإجماع أُخْرَى وبالضرورة أُخْرَى
فَأَما تَركه بِالنَّصِّ فَهُوَ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي أكل النَّاسِي للصَّوْم لَوْلَا قَول النَّاس لَقلت يقْضِي
يَعْنِي بِهِ رِوَايَة الْأَثر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ نَص يجب الْعَمَل بِهِ بعد ثُبُوته واعتقاد الْبطلَان فِي كل قِيَاس يُخَالِفهُ
وَهَذَا اللَّفْظ نَظِير مَا قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي قصَّة الْجَنِين لقد كدنا أَن نعمل برأينا فِيمَا فِيهِ أثر
(2/202)

وَكَذَلِكَ الْقيَاس يَأْبَى جَوَاز السّلم بِاعْتِبَار أَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَعْدُوم عِنْد العقد تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ الرُّخْصَة الثَّابِتَة بقوله عَلَيْهِ السَّلَام (وَرخّص فِي السّلم) وَأما ترك الْقيَاس بِدَلِيل الْإِجْمَاع فنحو الاستصناع فِيمَا فِيهِ للنَّاس تعامل فَإِن الْقيَاس يَأْبَى جَوَازه تركنَا الْقيَاس للْإِجْمَاع على التَّعَامُل بِهِ فِيمَا بَين النَّاس من لدن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمنَا هَذَا (وَهَذَا) لِأَن الْقيَاس فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ والغلط فبالنص أَو الْإِجْمَاع يتَعَيَّن فِيهِ جِهَة الْخَطَأ فِيهِ فَيكون وَاجِب التّرْك لَا جَائِز الْعَمَل بِهِ فِي الْموضع الَّذِي تعين جِهَة الْخَطَأ فِيهِ
وَأما التّرْك لأجل الضَّرُورَة فنحو الحكم بِطَهَارَة الْآبَار والحياض بَعْدَمَا نجست وَالْحكم بِطَهَارَة الثَّوْب النَّجس إِذا غسل فِي الإجانات فَإِن الْقيَاس يَأْبَى جَوَازه لِأَن مَا يرد عَلَيْهِ النَّجَاسَة يَتَنَجَّس بملاقاته تَرَكْنَاهُ للضَّرُورَة المحوجة إِلَى ذَلِك لعامة النَّاس فَإِن الْحَرج مَدْفُوع بِالنَّصِّ وَفِي مَوضِع الضَّرُورَة يتَحَقَّق معنى الْحَرج لَو أَخذ فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ متروكا بِالنَّصِّ
وَكَذَلِكَ جَوَاز عقد الْإِجَارَة فَإِنَّهُ ثَابت بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس إِلَى ذَلِك فَإِن العقد على الْمَنَافِع بعد وجودهَا لَا يتَحَقَّق لِأَنَّهَا لَا تبقى زمانين فَلَا بُد من إِقَامَة الْعين المنتفع بهَا مقَام الْإِجَارَة فِي حكم جَوَاز العقد لحَاجَة النَّاس إِلَى ذَلِك
ثمَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا نَوْعَانِ فِي الْحَاصِل فأحد نَوْعي الْقيَاس مَا ضعف أَثَره وَهُوَ ظَاهر جلي وَالنَّوْع الآخر مِنْهُ مَا ظهر فَسَاده واستتر وَجه صِحَّته وأثره
وَأحد نَوْعي الِاسْتِحْسَان مَا قوي أَثَره وَإِن كَانَ خفِيا وَالثَّانِي مَا ظهر أَثَره وخفي وَجه الْفساد فِيهِ
وَإِنَّمَا يكون التَّرْجِيح بِقُوَّة الْأَثر لَا بالظهور وَلَا بالخفاء لما بَينا أَن الْعلَّة الْمُوجبَة للْعَمَل بهَا شرعا مَا تكون مُؤثرَة وَضَعِيف الْأَثر يكون سَاقِطا فِي مُقَابلَة قوي الْأَثر ظَاهرا كَانَ أَو خفِيا بِمَنْزِلَة الدُّنْيَا مَعَ العقبى
فالدنيا ظَاهِرَة والعقبى باطنة ثمَّ ترجح العقبى حَتَّى وَجب الِاشْتِغَال بطلبها والإعراض عَن طلب الدُّنْيَا لقُوَّة الْأَثر من حَيْثُ الْبَقَاء
(2/203)

وَالْخُلُود والصفاء فَكَذَلِك الْقلب مَعَ النَّفس وَالْعقل مَعَ الْبَصَر
وَبَيَان مَا يسْقط اعْتِبَاره من الْقيَاس لقُوَّة الْأَثر الِاسْتِحْسَان الَّذِي هُوَ الْقيَاس المستحسن فِي سُؤْر سِبَاع الطير فَالْقِيَاس فِيهِ النَّجَاسَة اعْتِبَارا بسؤر سِبَاع الْوَحْش بعلة حُرْمَة التَّنَاوُل وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يكون نجسا لِأَن السبَاع غير محرم الِانْتِفَاع بهَا فَعرفنَا أَن عينهَا لَيست بنجسة وَإِنَّمَا كَانَت نَجَاسَة سُؤْر سِبَاع الْوَحْش بِاعْتِبَار حُرْمَة الْأكل لِأَنَّهَا تشرب بلسانها وَهُوَ رطب من لُعَابهَا ولعابها يتجلب من لَحمهَا وَهَذَا لَا يُوجد فِي سِبَاع الطير لِأَنَّهَا تَأْخُذ المَاء بمنقارها ثمَّ تبتلعه ومنقارها عظم جَاف والعظم لَا يكون نجسا من الْمَيِّت فَكيف يكون نجسا من الْحَيّ
ثمَّ تأيد هَذَا بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْهِرَّة فَإِن معنى الْبلوى يتَحَقَّق فِي سُؤْر سِبَاع الطير لِأَنَّهَا تنقض من الْهَوَاء وَلَا يُمكن صون الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصا فِي الصحارى وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن من ادّعى أَن القَوْل بالاستحسان قَول بتخصيص الْعلَّة فقد أَخطَأ لِأَن بِمَا ذكرنَا تبين أَن الْمَعْنى الْمُوجب لنجاسة سُؤْر سِبَاع الْوَحْش الرُّطُوبَة النَّجِسَة فِي الْآلَة الَّتِي تشرب بهَا وَقد انْعَدم ذَلِك فِي سِبَاع الطير فانعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَذَلِكَ لَا يكون من تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء وعَلى اعْتِبَار الصُّورَة يتَرَاءَى ذَلِك وَلَكِن يتَبَيَّن عِنْد التَّأَمُّل انعدام الْعلَّة أَيْضا لِأَن الْعلَّة وجوب التَّحَرُّز عَن الرُّطُوبَة النَّجِسَة الَّتِي يُمكن التَّحَرُّز عَنْهَا من غير حرج وَقد صَار هَذَا مَعْلُوما بالتنصيص على هَذَا التَّعْلِيل فِي الْهِرَّة فَفِي كل مَوضِع يَنْعَدِم بعض أَوْصَاف الْعلَّة كَانَ انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة فَلَا يكون تَخْصِيصًا
وَبَيَان الِاسْتِحْسَان الَّذِي يظْهر أَثَره وَيخْفى فَسَاده مَعَ الْقيَاس الَّذِي يسْتَتر أَثَره وَيكون قَوِيا فِي نَفسه حَتَّى يُؤْخَذ فِيهِ بِالْقِيَاسِ وَيتْرك الِاسْتِحْسَان فِيمَا يَقُول فِي كتاب الصَّلَاة إِذا قَرَأَ الْمُصَلِّي سُورَة فِي آخرهَا سَجْدَة فَرَكَعَ بهَا فِي الْقيَاس تجزيه وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا تجزيه عَن السُّجُود وبالقياس نَأْخُذ فَوجه الِاسْتِحْسَان أَن الرُّكُوع غير السُّجُود وضعا أَلا ترى أَن الرُّكُوع فِي الصَّلَاة
(2/204)

لَا يَنُوب عَن سُجُود الصَّلَاة فَلَا يَنُوب عَن سَجْدَة التِّلَاوَة بطرِيق الأولى لِأَن الْقرب بَين رُكُوع الصَّلَاة وسجودها أظهر من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجب التَّحْرِيمَة وَلَو تَلا خَارج الصَّلَاة فَرَكَعَ لَهَا لم يجز عَن السَّجْدَة فَفِي الصَّلَاة أولى لِأَن الرُّكُوع هُنَا مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى وَهُنَاكَ لَا وَفِي الْقيَاس قَالَ الرُّكُوع وَالسُّجُود يتشابهان قَالَ تَعَالَى {وخر رَاكِعا} أَي سَاجِدا وَلَكِن هَذَا من حَيْثُ الظَّاهِر مجَاز مَحْض وَوجه الِاسْتِحْسَان من حَيْثُ الظَّاهِر اعْتِبَار شبه صَحِيح وَلَكِن قُوَّة الْأَثر للْقِيَاس مستتر وَوجه الْفساد فِي الِاسْتِحْسَان خَفِي
وَبَيَان ذَلِك أَنه لَيْسَ الْمَقْصُود من السَّجْدَة عِنْد التِّلَاوَة عين السَّجْدَة وَلِهَذَا لَا تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة قربَة مَقْصُودَة بِنَفسِهَا حَتَّى لَا تلْزم بِالنذرِ إِنَّمَا الْمَقْصُود إِظْهَار التَّوَاضُع وَإِظْهَار الْمُخَالفَة للَّذين امْتَنعُوا من السُّجُود استكبارا مِنْهُم كَمَا أخبر الله عَنْهُم فِي مَوَاضِع السَّجْدَة
قُلْنَا وَمعنى التَّوَاضُع يحصل بِالرُّكُوعِ وَلَكِن شَرطه أَن يكون بطرِيق هُوَ عبَادَة وَهَذَا يُوجد فِي الصَّلَاة لِأَن الرُّكُوع فِيهَا عبَادَة كالسجود وَلَا يُوجد خَارج الصَّلَاة ولقوة الْأَثر من هَذَا الْوَجْه أَخذنَا بِالْقِيَاسِ وَإِن كَانَ مستترا وَسقط اعْتِبَار الْجَانِب الآخر فِي مُقَابلَته
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْبيُوع إِذا وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْمُسلم إِلَيْهِ وَرب السّلم فِي ذرعان الْمُسلم فِيهِ فِي الْقيَاس يَتَحَالَفَانِ وبالقياس نَأْخُذ وَفِي الِاسْتِحْسَان القَوْل قَول الْمُسلم إِلَيْهِ
وَوجه الِاسْتِحْسَان أَن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع فالاختلاف فِي ذرعانه لَا يكون اخْتِلَافا فِي أَصله بل فِي صفته من حَيْثُ الطول وَالسعَة وَذَلِكَ لَا يُوجب التَّحَالُف كالاختلاف فِي ذرعان الثَّوْب الْمَبِيع بِعَيْنِه
وَوجه الْقيَاس أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي الْمُسْتَحق بِعقد السّلم وَذَلِكَ يُوجب التَّحَالُف ثمَّ أثر الْقيَاس مستتر وَلكنه قوي من حَيْثُ إِن عِنْد السّلم إِنَّمَا يعْقد بالأوصاف الْمَذْكُورَة لَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْعين فَكَانَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ خمس فِي سبع غير الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ أَربع فِي سِتَّة فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الِاخْتِلَاف
(2/205)

هُنَا فِي أصل الْمُسْتَحق بِالْعقدِ فأخذنا بِالْقِيَاسِ لهَذَا
وَقَالَ فِي الرَّهْن إِذا ادّعى رجلَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا عينا فِي يَد رجل أَنه مَرْهُون عِنْده بدين لَهُ عَلَيْهِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَة فَفِي الِاسْتِحْسَان يقْضِي بِأَنَّهُ مَرْهُون عِنْدهمَا بِمَنْزِلَة مَا لَو رهن عينا من رجلَيْنِ وَهُوَ قِيَاس البيع فِي ذَلِك وَفِي الْقيَاس تبطل الْبَيِّنَتَانِ لِأَنَّهُ تعذر الْقَضَاء بِالرَّهْنِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جَمِيعه فَإِن الْمحل يضيق عَن ذَلِك وَفِي نصفه لِأَن الشُّيُوع يمْنَع صِحَة الرَّهْن وأخذنا بِالْقِيَاسِ لقُوَّة أَثَره الْمُسْتَتر وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا هُنَا إِنَّمَا يثبت الْحق لنَفسِهِ بِتَسْمِيَة على حِدة وكل وَاحِد مِنْهُمَا غير رَاض بمزاحمة الآخر مَعَه فِي ملك الْيَد الْمُسْتَفَاد بِعقد الرَّهْن بِخِلَاف الرَّهْن من رجلَيْنِ فهناك العقد وَاحِد فَيمكن إِثْبَات مُوجب العقد بِهِ متحدا فِي الْمحل وَذَلِكَ لَا يُمكن هُنَا وَهَذَا النَّوْع يعز وجوده فِي الْكتب لَا يُوجد إِلَّا قَلِيلا فَأَما النَّوْع الْمُتَقَدّم فَهُوَ فِي الْكتب أَكثر من أَن يُحْصى
ثمَّ فرق مَا بَين الِاسْتِحْسَان الَّذِي يكون بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع وَبَين مَا يكون بِالْقِيَاسِ الْخَفي المستحسن أَن حكم هَذَا النَّوْع يتَعَدَّى وَحكم النَّوْع الآخر لَا يتَعَدَّى لما بَينا أَن حكم الْقيَاس الشَّرْعِيّ التَّعْدِيَة فَهَذَا الْخَفي وَإِن اخْتصَّ باسم الِاسْتِحْسَان لِمَعْنى فَهُوَ لَا يخرج من أَن يكون قِيَاسا شَرْعِيًّا فَيكون حكمه التَّعْدِيَة وَالْأول معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ وَهُوَ لَا يحْتَمل التَّعْدِيَة كَمَا بَينا
وَبَيَانه فِيمَا إِذا اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن وَالْمَبِيع غير مَقْبُوض فِي الْقيَاس القَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ زِيَادَة فِي حَقه وَهُوَ الثّمن وَالْمُشْتَرِي مُنكر وَالْيَمِين بِالشَّرْعِ فِي جَانب الْمُنكر وَالْمُشْتَرِي لَا يَدعِي على البَائِع شَيْئا فِي الظَّاهِر إِذْ الْمَبِيع صَار مَمْلُوكا لَهُ بِالْعقدِ وَلَكِن فِي الِاسْتِحْسَان يتخالفان لِأَن المُشْتَرِي يَدعِي على البَائِع وجوب تَسْلِيم الْمَبِيع إِلَيْهِ عِنْد إِحْضَار أقل الثمنين وَالْبَائِع مُنكر لذَلِك وَالْبيع كَمَا يُوجب اسْتِحْقَاق الْملك على البَائِع
(2/206)

يُوجب اسْتِحْقَاق الْيَد عَلَيْهِ عِنْد وُصُول الثّمن إِلَيْهِ ثمَّ هَذَا الِاسْتِحْسَان لكَونه قِيَاسا خفِيا يتَعَدَّى حكمه إِلَى الْإِجَازَة وَإِلَى النِّكَاح فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَإِلَى مَا لَو وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْوَرَثَة بعد موت الْمُتَبَايعين وَإِلَى مَا بعد هَلَاك السّلْعَة إِذا أخلف بَدَلا بِأَن قتل العَبْد الْمَبِيع قبل الْقَبْض وَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف فِي الثّمن بَينهمَا بعد قبض الْمَبِيع فَإِن حكم التخالف عِنْد قيام السّلْعَة فِيهِ يثبت بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس فَلَا يحْتَمل التَّعْدِيَة حَتَّى إِذا كَانَ بعد هَلَاك السّلْعَة لَا يجْرِي التخالف سَوَاء أخلف بَدَلا أَو لم يخلف
وَفِي الْإِجَازَة بعد اسْتِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ لَا يجْرِي التخالف وَإِن كَانَ الِاخْتِلَاف بَين الْوَرَثَة بعد قبض السّلْعَة لَا يجْرِي التخالف
وَقد يكون الْقيَاس الَّذِي فِي مُقَابلَة الِاسْتِحْسَان الَّذِي قُلْنَا أَصله مستحسن ثَابت بالأثر نَحْو مَا قَالَ فِي الصَّلَاة وَإِذا نَام فِي صلَاته فَاحْتَلَمَ فِي الْقيَاس يغْتَسل وَيَبْنِي كَمَا إِذا سبقه الْحَدث وَذَلِكَ مستحسن بالأثر وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يَبْنِي
وَفِي هَذَا النَّوْع الْمَأْخُوذ بِهِ هُوَ الِاسْتِحْسَان على كل حَال لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة رُجُوع إِلَى الْقيَاس الْأَصْلِيّ بِبَيَان يظْهر بِهِ أَن هَذَا لَيْسَ فِي معنى المعدول بِهِ من الْقيَاس الْأَصْلِيّ بالأثر من كل وَجه فَلَو ثَبت الحكم فِيهِ كَانَ بطرِيق التَّعْدِيَة والمعدول بِهِ عَن الْقيَاس بالأثر لَا يحْتَمل التَّعْدِيَة وَذَلِكَ الْبَيَان أَن الْحَدث الصُّغْرَى لَا يحوجه إِلَى كشف الْعَوْرَة وَلَا إِلَى عمل كثير وتكثر الْبلوى فِيهِ من الصَّلَاة بِخِلَاف الْحَدث الْكُبْرَى فَإِذا لم يكن فِي مَعْنَاهُ من كل مَا لَهُ كَانَ إِثْبَات الحكم فِيهِ بطرِيق التَّعْدِيَة لَا بِالنَّصِّ بِعَيْنِه وَذَلِكَ لَا وَجه لَهُ
فَتبين بِجَمِيعِ مَا ذكرنَا أَن القَوْل بالاستحسان لَا يكون تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء وَلَكِن فِي اعْتِبَار حِدة الْعِبَادَة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالْعُلَمَاء من السّلف وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَكَثِيرًا مَا كَانَ يسْتَعْمل ابْن مَسْعُود هَذِه الْعبارَة وَمَالك بن أنس فِي كِتَابه ذكر لفظ الِاسْتِحْسَان فِي مَوَاضِع
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله أستحسن فِي الْمُتْعَة ثَلَاثِينَ درهما
فَعرفنَا أَنه لَا طعن فِي هَذِه الْعبارَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى
(2/207)

هُوَ قَول بانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة وَأحد لَا يُخَالف هَذَا فَإنَّا إِذا جَوَّزنَا دُخُول الْحمام بِأَجْر بطرِيق الِاسْتِحْسَان فَإِنَّمَا تركنَا القَوْل بِالْفَسَادِ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس لِانْعِدَامِ عِلّة الْفساد وَهُوَ أَن فَسَاد العقد بِسَبَب جَهَالَة الْمَعْقُود عَلَيْهِ لَيْسَ لعين الْجَهَالَة بل لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُنَازعَة مَانِعَة عَن التَّسْلِيم والتسلم وَهَذَا لَا يُوجد هُنَا وَفِي نَظَائِره فَكَانَ انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة لَا أَن يكون بطرِيق تَخْصِيص الْعلَّة

فصل فِي بَيَان فَسَاد القَوْل بِجَوَاز التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة
قَالَ رَضِي الله عَنهُ زعم أهل الطَّرْد أَن الَّذِي يَقُولُونَ بالعلل المؤثرة ويجعلون التَّأْثِير مصححا للعلل الشَّرْعِيَّة لَا يَجدونَ بدا من القَوْل بتخصيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَهُوَ غلط عَظِيم كَمَا نبينه
وَزعم بعض أَصْحَابنَا أَن التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة جَائِز وَأَنه غير مُخَالف لطريق السّلف وَلَا لمَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ خطأ عَظِيم من قَائِله فَإِن مَذْهَب من هُوَ مرضِي من سلفنا أَنه لَا يجوز التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَمن جوز ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لأهل السّنة مائل إِلَى أقاويل الْمُعْتَزلَة فِي أصولهم
وَصُورَة التَّخْصِيص أَن الْمُعَلل إِذا أورد عَلَيْهِ فصل يكون الْجَواب فِيهِ بِخِلَاف مَا يروم إثْبَاته بعلته يَقُول مُوجب علتي كَذَا إِلَّا أَنه ظهر مَانع فَصَارَ مَخْصُوصًا بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَانِع بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي يخص مِنْهُ بعض مَا يتَنَاوَلهُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجب للتخصيص
ثمَّ من جوز ذَلِك قَالَ التَّخْصِيص غير المناقضة لُغَة وَشرعا وفقها وإجماعا
أما اللُّغَة فَلِأَن النَّقْض إبِْطَال فعل قد سبق بِفعل نشأه كنقض الْبُنيان
والتخصيص بَيَان أَن الْمَخْصُوص لم يدْخل فِي الْجُمْلَة فَكيف يكون نقضا أَلا ترى أَن ضد النَّقْض الْبناء والتأليف وضد الْخُصُوص الْعُمُوم
وَمن حَيْثُ السّنة التَّخْصِيص جَائِز فِي النُّصُوص الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة والتناقض لَا يجوز فيهمَا بِحَال
وَمن حَيْثُ الْإِجْمَاع فَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ يتْرك الْعَمَل بِهِ فِي بعض الْمَوَاضِع بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع أَو الضَّرُورَة وَذَلِكَ يكون تَخْصِيصًا لَا مناقضة وَلِهَذَا بَقِي ذَلِك الْقيَاس مُوجبا للْعَمَل فِي غير ذَلِك الْموضع
(2/208)

وَالْقِيَاس المنتقض فَاسد لَا يجوز الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول إِن الْمُعَلل مَتى ذكر وَصفا صَالحا وَادّعى أَن الحكم مُتَعَلق بذلك الْوَصْف فيورد عَلَيْهِ فصل يُوجد فِيهِ ذَلِك الْوَصْف وَيكون الحكم بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لفساد فِي أصل علته وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمَانع منع ثُبُوت الحكم أَلا ترى أَن سَبَب وجوب الزَّكَاة ملك النّصاب النامي ثمَّ يمْتَنع وجوب الزَّكَاة بعد وجوده لمَانع وَهُوَ انعدام حُصُول النَّمَاء بِمُضِيِّ الْحول وَلم يكن ذَلِك دَلِيل فَسَاد السَّبَب وَالْبيع بِشَرْط الْخِيَار يمْنَع ثُبُوت الْملك بِهِ لمَانع وَهُوَ الْخِيَار الْمَشْرُوط لَا لفساد أصل السَّبَب وَهُوَ البيع
فَأَما إِذا قَالَ هَذَا الْموضع صَار مَخْصُوصًا من علتي لمَانع فقد ادّعى شَيْئا مُحْتملا فَيكون مطالبا بِالْحجَّةِ فَإِن أبرز مَانِعا صَالحا فقد أثبت مَا ادَّعَاهُ بِالْحجَّةِ فَيكون ذَلِك مَقْبُولًا مِنْهُ وَإِلَّا فقد سقط احتجاجه لِأَن الْمُحْتَمل لَا يكون حجَّة وَبِه فَارق الْمُدَّعِي التَّخْصِيص فِي النَّص فَإِنَّهُ لَا يُطَالب بِإِقَامَة الدَّلِيل على مَا يَدعِي أَنه صَار مَخْصُوصًا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ من عُمُوم الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ احْتِمَال الْفساد فَكَانَ جِهَة التَّخْصِيص مُتَعَيّنا فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَهنا فِي علته احْتِمَال الْفساد فَمَا لم يتَبَيَّن دَلِيل الْخُصُوص فِيمَا ادّعى أَنه مَخْصُوص من عِلّة لَا يَنْتَفِي عَنهُ معنى الْفساد فَلهَذَا لَا يقبل مِنْهُ مَا لم يتَبَيَّن الْمَانِع
ثمَّ جعل الْقَائِل الْمَوَانِع خَمْسَة أَقسَام مَا يمْنَع أصل الْعلَّة وَمَا يمْنَع تَمام الْعلَّة وَمَا يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَمَا يمْنَع تَمام الحكم وَمَا يمْنَع لُزُوم الحكم وَذَلِكَ يتَبَيَّن كُله حسا وَحكما فَمن حَيْثُ الْحس يتَبَيَّن هَذَا كُله فِي الرَّمْي فَإِن انْقِطَاع الْوتر أَو انكسار فَوق السهْم يمْنَع أصل الْفِعْل الَّذِي هُوَ رمي بعد تَمام قصد الرَّامِي إِلَى مُبَاشَرَته وإصابة السهْم حَائِطا أَو شَجَرَة ترده عَن سنَنه يمْنَع تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى المرمى وَدفع المرمي إِلَيْهِ عَن نَفسه بترس يَجعله أَمَامه يمْنَع ابْتِدَاء الحكم الَّذِي يكون الرَّمْي لأَجله بعد تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى الْمَقْصد وَذَلِكَ الْجرْح وَالْقَتْل ومداواته الْجراحَة بَعْدَمَا أَصَابَهُ حَتَّى اندمل وبرأ يمْنَع تَمام الحكم وَإِذا صَار بِهِ صَاحب فرَاش ثمَّ تطاول حَتَّى أَمن الْمَوْت مِنْهُ يمْنَع
(2/209)

لُزُوم الحكم بِمَنْزِلَة صَاحب الفالج إِذا تطاول مَا بِهِ وَأمن الْمَوْت مِنْهُ كل بِمَنْزِلَة الصَّحِيح فِي تَصَرُّفَاته وَفِي الحكميات إِضَافَة البيع إِلَى الْحر يمْنَع انْعِقَاد أصل الْعلَّة وإضافته إِلَى مَال الْغَيْر يمْنَع انْعِقَاد تَمام الْعلَّة فِي حق الْمَالِك حَتَّى تيعين جِهَة الْبطلَان فِيهِ بِمَوْتِهِ وَاشْتِرَاط الْخِيَار من الْمَالِك لنَفسِهِ فِي البيع يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَثُبُوت خِيَار الرُّؤْيَة للْمُشْتَرِي يمْنَع تَمام الحكم حَتَّى لَا تتمّ الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ مَعَه وَثُبُوت خِيَار الْعَيْب يمْنَع لُزُوم الحكم حَتَّى يتَمَكَّن من رده بعد تَمام الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ
وَالْحجّة لعلمائنا فِي إبِْطَال القَوْل بتخصيص الْعلَّة الإستدلال بِالْكتاب والمعقول وَالْبَيَان الَّذِي لَا يُمكن إِنْكَاره
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى {قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نبئوني بِعلم إِن كُنْتُم صَادِقين} فَفِيهِ مُطَالبَة الْكفَّار بِبَيَان الْعلَّة فِيمَا ادعوا فِيهِ الْحُرْمَة على وَجه لَا مدفع لَهُم فصاورا محجوجين بِهِ وَذَلِكَ الْوَجْه أَنهم إِذا بينوا أحد هذهه الْمعَانى أَن الْحُرْمَة لأَجله انْتقض عَلَيْهِم بإقرارهم بِالْحلِّ فِي الْموضع الآخر مَعَ وجود ذَلِك الْمَعْنى فِيهِ وَلَو كَانَ التَّخْصِيص فِي علل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة جَائِزا مَا كَانُوا محجوجين فَإِن أحدا لَا يعجز من أَن يَقُول امْتنع ثُبُوت حكم الْحُرْمَة فِي ذَلِك الْموضع لمَانع وَقد كَانُوا عقلاء يَعْتَقِدُونَ الْحل فِي الْموضع الآخر لشُبْهَة أَو معنى تصور عِنْدهم وَفِي قَوْله تَعَالَى {نبئوني بِعلم} إِشَارَة إِلَى أَن الْمصير إِلَى تَخْصِيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ من الْعلم فِي شَيْء فَيكون جهلا
وَأما الْمَعْقُول فَلِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة حكمهَا التَّعْدِيَة كَمَا قَررنَا وَبِدُون التَّعْدِيَة لَا تكون صَحِيحَة أصلا لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن مُوجبهَا وَإِذا جَازَ قيام الْمَانِع فِي بعض الْمَوَاضِع الَّذِي يتَعَدَّى الحكم إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْعلَّة جَازَ قِيَامه فِي جَمِيع الْمَوَاضِع فيؤدى إِلَى القَوْل بِأَنَّهَا عِلّة صَحِيحَة من غير أَن يتَعَدَّى الحكم بهَا إِلَى شَيْء من الْفُرُوع وَقد أثبتنا فَسَاد هَذَا القَوْل بِالدَّلِيلِ
ثمَّ إِن كَانَ تَعديَة الحكم بهَا إِلَى فرع
(2/210)

دَلِيل صِحَّتهَا فانعدام الحكم بهَا إِلَى فرع آخر تُوجد فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة دَلِيل فَسَادهَا وَمَعَ مُسَاوَاة دَلِيل الصِّحَّة وَالْفساد لَا تثبت الْحجَّة الشَّرْعِيَّة مُوجبَة للْعَمَل يقرره أَن الْمَانِع الذى يدعى فِي الْموضع الْمَخْصُوص لَا بُد أَن يكون ثَابتا بِمثل مَا ثبتَتْ بِهِ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ دونه لَا يصلح دافعا لَهُ وَلَا مَانِعا لحكمه وَإِذا كَانَ مثلا لَهُ فَذَلِك الْمَانِع يُمكن تَعْلِيله بعلة توجب تَعديَة حكم النفى إِلَى سَائِر الْفُرُوع مثل الأَصْل الَّذِي علله الْمُعَلل بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من الْوَصْف لإِثْبَات الحكم فِيهِ فتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا من هَذَا الْوَجْه وأى مناقضة أبين من التَّعَارُض على وَجه المضادة بِصفة التساوى
ثمَّ قد بَينا فِيمَا سبق أَن دَلِيل الْخُصُوص يشبه النّسخ بصيغته والإستثناء بِحكمِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَقل بِنَفسِهِ كدليل النّسخ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا مُقَارنًا معنى كالإستثناء وَوَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ لَا يتَحَقَّق فِي الْعِلَل فَإِن نسخ الْعلَّة بِالْعِلَّةِ لَا يجوز والخصم يجوز أَن يكون الْمَانِع عِلّة مثل الْعلَّة الَّتِى يدعى تخصيصها وَكَيف يجوز النّسخ وَالْعلَّة فِيمَا احْتِمَال الْفساد لكَونهَا مستنبطة بالرأى
فَإِذا ظهر مَا يمْنَع الْعَمَل بهَا أصلا تتَعَيَّن جِهَة الْفساد فِيهَا بِخِلَاف النَّص فَإِنَّهُ لَا يحْتَمل جِهَة الْفساد فالنسخ يكون بَيَانا لمُدَّة الْعَمَل بِهِ
وَلِهَذَا نوع بَيَان آخر فَإِن الْخُصُوص يتَبَيَّن أَنه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْمحَال دون الْبَعْض وَذَلِكَ إِنَّمَا يجوز فِيمَا يجوز القَوْل فِيهِ بالنسخ مَعَ صِحَّته حَتَّى يُقَال إِنَّه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْأَوْقَات دون الْبَعْض والإستثناء إِنَّمَا يكون فِي الْعبارَات ليتبين بِهِ أَن الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي الْمعَانى الْخَالِصَة
فيتبين بِمَا ذكرنَا أَن القَوْل بالتخصيص مُسْتَقِيم فِي النُّصُوص من حَيْثُ إِن بِدَلِيل الْخُصُوص لَا تتمكن شُبْهَة الْفساد فِي النَّص بِوَجْه بل يتَبَيَّن أَن اسْم النَّص لم يكن متناولا للموضع الْمَخْصُوص مَعَ كَون الْعَام صَحِيحا مُوجبا للْعَمَل قطعا قبل قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمن جوز تَخْصِيص الْعلَّة لَا يجد بدا من القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين أجمع وعصمة الإجتهاد عَن احْتِمَال الْخَطَأ وَالْفساد كعصمة النَّص من ذَلِك
(2/211)

وَهَذَا تَصْرِيح بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب لما هُوَ الْحق حَقِيقَة وَأَن الِاجْتِهَاد يُوجب علم الْيَقِين وَفِيه قَول بِوُجُوب الْأَصْلَح وَفِيه من وَجه آخر قَول بالمنزلة بَين المنزلتين وبالخلود فِي النَّار لأَصْحَاب الْكَبَائِر إِذا مَاتُوا قبل التَّوْبَة
فَهَذَا معنى قَوْلنَا إِن فِي القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة ميلًا إِلَى أصُول الْمُعْتَزلَة من وُجُوه
وَلَكنَّا نقُول انعدام الحكم لَا يكون إِلَّا بعد نُقْصَان وصف أَو زِيَادَة وصف وَهُوَ الَّذِي يسمونه مَانِعا مُخَصّصا وبهذه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان تَتَغَيَّر الْعلَّة لَا محَالة فَيصير مَا هُوَ عِلّة الحكم منعدما حكما وَعدم الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون من تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء
وَبَيَان هَذَا أَن الْمُوجب لِلزَّكَاةِ شرعا هُوَ النّصاب النامي الحولي عرف بقوله عَلَيْهِ السَّلَام (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) وَالْمرَاد نفي الْوُجُوب والعلل الشَّرْعِيَّة لَا توجب الحكم بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة على مَا بَينا أَن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى وَالْإِضَافَة إِلَى الْعلَّة لبَيَان أَن الشَّرْع جعلهَا مُوجبَة تيسيرا علينا فَإِذا كَانَت بِهَذَا الْوَصْف مُوجبَة شرعا عرفنَا أَن عِنْد انعدام هَذَا الْوَصْف يَنْعَدِم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة
وَلَا يلْزمنَا جَوَاز الْأَدَاء لِأَن الْعلَّة الْمُوجبَة غير الْعلَّة المجوزة للْأَدَاء وَقد قَررنَا هَذَا فِيمَا سبق أَن الْجُزْء الأول من الْوَقْت مجوز أَدَاء الصَّلَاة فرضا وَإِن لم يكن مُوجبا للْأَدَاء عينا مَعَ أَن هَذَا الْوَصْف مُؤثر فَإِن النَّمَاء الَّذِي هُوَ مَقْصُود إِنَّمَا يحصل بِمُضِيِّ الْمدَّة أَلا ترى أَن الْوُجُوب يتَكَرَّر بِتَكَرُّر الْحول لتجدد معنى النَّمَاء بِمُضِيِّ كل حول وَكَذَلِكَ البيع بِشَرْط الْخِيَار فَإِن الْمُوجب للْملك شرعا البيع الْمُطلق وَمَعَ شَرط الْخِيَار لَا يكون مُطلقًا بل بِهَذِهِ الزِّيَادَة يصير البيع فِي حق الحكم كالمتعلق بِالشّرطِ وَقد بَينا أَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ غير الْمُطلق ولصفة الْإِطْلَاق تَأْثِير أَيْضا فَإِن الْمُوجب للْملك بِالنَّصِّ التِّجَارَة عَن ترَاض وَتَمام الرِّضَا يكون عِنْد إِطْلَاق الْإِيجَاب لَا مَعَ شَرط الْخِيَار فَظهر أَن الْعلَّة تنعدم بِزِيَادَة وصف أَو نُقْصَان
(2/212)

وصف وَهُوَ الْحَاصِل الَّذِي يجب مراعاته فَإِنَّهُم يسمون هَذَا الْمَعْنى المغير مَانِعا مُخَصّصا فَيَقُولُونَ انعدام الحكم مَعَ بَقَاء الْعلَّة بِوُجُود مَانع وَذَلِكَ تَخْصِيص كالنص الْعَام يلْحقهُ خُصُوص فَيبقى نصا فِيمَا وَرَاء مَوضِع الْخُصُوص
وَنحن نقُول تنعدم الْعلَّة حِين ثَبت المغير فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا فِي الْعِلَل مُسْتَقِيم بِخِلَاف النُّصُوص فَإِن بِالنَّصِّ الْخَاص لَا يَنْعَدِم النَّص الْعَام وعَلى هَذَا الطَّرِيق مَا استحسنه عُلَمَاؤُنَا من الْقيَاس فِي كتبهمْ فَإِن الِاسْتِحْسَان قد يكون بِالنَّصِّ وبوجود النَّص تنعدم الْعلَّة الثَّابِتَة بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبر بِالْعِلَّةِ أصلا فِي مَوضِع النَّص وَلَا فِي مُعَارضَة حكم النَّص
وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْسَان إِذا كَانَ بِسَبَب الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع كالنص من كتاب أَو سنة فِي كَونه مُوجبا الْعلم
وَكَذَلِكَ مَا يكون عَن ضَرُورَة فَإِن مَوضِع الضَّرُورَة مجمع عَلَيْهِ أَو مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا يعْتَبر بِالْعِلَّةِ فِي مَوضِع النَّص فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الِاسْتِحْسَان بِقِيَاس مستحسن ظهر قُوَّة أَثَره لما بَينا أَن الضَّعِيف فِي مُعَارضَة الْقوي مَعْدُوم حكما
وَبَيَان مَا ذكرنَا فِي أَن النَّائِم إِذا صب فِي حلقه مَاء وَهُوَ صَائِم لم يفْسد صَوْمه على قَول زفر لِأَنَّهُ مَعْذُور كالناسي أَو أبلغ مِنْهُ وَفَسَد صَوْمه عندنَا لفَوَات ركن الصَّوْم وَالْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ ركنها فَيلْزم على هَذَا النَّاسِي
فَمن يجوز تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول انْعَدم الحكم هُنَاكَ لوُجُود مَانع وَهُوَ الْأَثر فَكَانَ مَخْصُوصًا من هَذِه الْعلَّة بِهَذَا الطَّرِيق مَعَ بَقَاء الْعلَّة
وَنحن نقُول انْعَدم الحكم فِي النَّاسِي لِانْعِدَامِ الْعلَّة حكما فَإِن النسْيَان لَا صنع فِيهِ لأحد من الْعباد وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الله تَعَالَى أطْعمهُ وسقاه وَصَارَ فعله فِي الْأكل سَاقِط الِاعْتِبَار وتفويت الرُّكْن إِنَّمَا يكون بِفعل الْأكل فَإِذا لم يبْق فعله فِي الْأكل شرعا كَانَ ركن الصَّوْم قَائِما حكما وَإِنَّمَا لم يحصل الْفطر هُنَا لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة للفطر ثمَّ النَّائِم لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَن الْفِعْل الَّذِي يفوت بِهِ ركن الصَّوْم مُضَاف إِلَى الْعباد هُنَا فَيبقى مُعْتَبرا مفوتا ركن
(2/213)

الصَّوْم بِخِلَاف إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى من لَهُ الْحق
وَكَذَلِكَ قُلْنَا إِن الْمَغْصُوب يصير مَمْلُوكا للْغَاصِب عِنْد تقرر الضَّمَان عَلَيْهِ لِأَن بِهَذَا السَّبَب لما تقرر الْملك فِي ضَمَان الْقيمَة وَهُوَ حكم شرعى فيقرر الْملك فِيمَا يُقَابله فَيلْزم على هَذَا فصل الْمُدبر من حَيْثُ إِنَّه يَتَقَرَّر الْملك فِي قِيمَته للْمَغْصُوب مِنْهُ وَلَا يثبت الْملك فِي الْمُدبر للْغَاصِب فَمن يرى تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم فِي الْمُدبر مَعَ وجود الْعلَّة لمَانع وَهُوَ أَنه غير مُحْتَمل للنَّقْل من ملك إِلَى ملك
وَنحن نقُول انعدمت الْعلَّة الْمُوجبَة للْملك فِي الْمُدبر فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا لِأَن الْعلَّة تقرر الْملك فِي قيمَة هِيَ بدل عَن الْعين وَقِيمَة الْمُدبر لَيْسَ بِبَدَل عَن عينهَا لِأَن شَرط كَون الْقيمَة بَدَلا عَن الْعين أَن تكون الْعين مُحْتملا للتَّمْلِيك وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الْمُدبر لِأَن الْمُدبر جرى فِيهِ عتق من وَجه وَالْعِتْق فِي الْمحل يمْنَع وجوب قيمَة الْعين بِسَبَب الْغَصْب وَلَكِن الضَّمَان وَاجِب بِاعْتِبَار الْجِنَايَة الَّتِى تمكنت من الْغَاصِب بتفويت يَده لِأَن مَعَ جَرَيَان الْعتْق فِيهِ من وَجه قد بقيت الْيَد والمالية مُسْتَحقَّة للْمَالِك فَإِن انعدام ذَلِك يعْتَمد ثُبُوت الْعتْق فِي الْمحل من كل وَجه فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِوُجُود مَا يغيرها
وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا فِي الزِّنَا إِنَّه ثبتَتْ بِهِ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة فِي الأَصْل بِاعْتِبَار الْوَلَد الَّذِي يتخلق من الماءين فَيصير بِوَاسِطَة الْوَلَد أمهاتها وبناتها فِي حَقه كأمهاته وَبنَاته وأبناؤه وآباؤه فِي حَقّهَا كآبائها وأبنائها ثمَّ الْوَطْء فِي مَحل الْحَرْث سَبَب لحُصُول هَذَا الْوَلَد فيقام مقَامه وَيلْزم على هَذَا أَنه لَا يتَعَدَّى الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات من الْجَانِبَيْنِ فَمن يَقُول بتخصيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم مَعَ قيام الْعلَّة فِي هَذِه الْمَوَاضِع للنَّص أَو الْإِجْمَاع وَنحن نقُول إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة لِأَن فِي النَّص الْمُوجب لحُرْمَة الْمُصَاهَرَة ذكر الْأُمَّهَات وَالْبَنَات والآباء وَالْأَبْنَاء خَاصَّة فامتداد الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات يكون تغييرا
(2/214)

وإثباتا احرمة أُخْرَى لِأَن الْمَقْصُود غير الممتد وَإِنَّمَا يُعلل الْمَنْصُوص وَلَا يجوز تَبْدِيل الْمَنْصُوص بِالتَّعْلِيلِ فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة لَا لمَانع مَعَ قيام الْعلَّة
وَكَذَلِكَ إِن ألزم أَن الْمَوْطُوءَة لَا تحرم على الواطىء بِوَاسِطَة الْوَلَد والقرب بَينهمَا أمس فالتخريج هَكَذَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم هُنَاكَ لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِاعْتِبَار مورد النَّص كَمَا قَررنَا وَهَذَا أصل كَبِير وَفقه عَظِيم
من ترك التعنت وَتَأمل عَن إنصاف يخرج لَهُ جَمِيع مَا لم يذكر بِمَا هُوَ من نَظَائِر مَا ذكرنَا عَلَيْهِ
وعمدة هَذَا الْفِقْه معرفَة الْخُصُوص فَإِن النصين إِذا كَانَ أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا فالعام لَا يَنْعَدِم بالخاص حَقِيقَة وَلَا حكما وَلَيْسَ فِي وَاحِد من النصين توهم الْفساد فَعرفنَا أَن الْخَاص كَانَ مُخَصّصا للموضع الذى تنَاوله من حكم الْعَام مَعَ بَقَاء الْعَام حجَّة فِيمَا وَرَاء ذَلِك وَإِن تمكن فِيهِ نوع شُبْهَة من حَيْثُ إِنَّه صَار كالمستعار فِيمَا هُوَ حَقِيقَة حكم الْعَام فَأَما الْعلَّة وَإِن كَانَت مُؤثرَة فَفِيهَا احْتِمَال الْفساد وَالْخَطَأ وَهِي تحْتَمل الإعدام حكما فَإِذا جَاءَ مَا يغيرها جعلناها مَعْدُومَة حكما فِي ذَلِك الْموضع ثمَّ انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَلَا يكون فِيهَا شَيْء من معنى التَّنَاقُض وَلَا يكون من التَّخْصِيص فِي شَيْء وَالله أعلم
بَاب وُجُوه الإحتجاج بِمَا لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا

قَالَ رضى الله عَنهُ فَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على فُصُول
فَالَّذِي نبدأ بِهِ الإحتجاج بِلَا دَلِيل فَإِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهِ على أقاويل قَالَ بَعضهم لَا دَلِيل حجَّة للنافى على خَصمه وَلَا يكون حجَّة للمثبت وَقَالَ بَعضهم هِيَ حجَّة دافعة لَا مُوجبَة وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ مسَائِل الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنَّهَا حجَّة دافعة لإبقاء مَا ثَبت بدليله لَا لإِثْبَات مَا لم يعلم ثُبُوته بدليله والذى دلّ عَلَيْهِ مسَائِل أَصْحَابنَا أَن هَذَا فِي حق الله تَعَالَى فَأَما فِي حق
(2/215)

الْعباد لَا تكون هِيَ حجَّة لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر فِي الدّفع وَلَا فِي الْإِيجَاب لَا فِي الْإِبْقَاء وَلَا فِي الْإِثْبَات ابْتِدَاء
فَأَما الْفَرِيق الأول احْتَجُّوا وَقَالُوا أقوى المناظرة مَا يكون فِي إِثْبَات التَّوْحِيد وَفِي أُمُور النُّبُوَّة فقد علمنَا الله تَعَالَى الِاحْتِجَاج بِلَا دَلِيل على نفي الشّرك بقوله {وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ} وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُجَادِل الْمُشْركين فِي إِثْبَات نبوته وَكَانُوا ينفون ذَلِك وَهُوَ يثبت ثمَّ كَانُوا لَا يطالبون على هَذَا النَّفْي بِشَيْء فَوق قَوْلهم لَا دَلِيل على نبوته واشتغل بعد جحودهم بِإِثْبَات نبوته بِالْآيَاتِ المعجزة والبراهين القاطعة فَعرفنَا بِهَذَا أَن لَا دَلِيل حجَّة للنافي على خَصمه إِلَى أَن يثبت الْخصم مَا يَدعِي ثُبُوته بِالدَّلِيلِ وَهَذَا لِأَن النَّافِي إِنَّمَا لَا يُطَالب بِدَلِيل لكَونه متمسكا بِالْأَصْلِ وَهُوَ عدم الدَّلِيل الْمُوجب أَو الْمَانِع وَالْمحرم أَو الْمُبِيح وَوُجُوب التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ إِلَى أَن يظْهر الدَّلِيل المغير لَهُ طَرِيق فِي الشَّرْع وَلِهَذَا جعل الشَّرْع الْبَيِّنَة فِي جَانب الْمُدَّعِي لَا فِي جَانب الْمُنكر لِأَنَّهُ متمسك بِالْأَصْلِ وَهُوَ أَنه لَا حق للْغَيْر فِي ذمَّته وَلَا فِي يَده وَذَلِكَ حجَّة لَهُ على خَصمه فِي الْكَفّ عَن التَّعَرُّض لَهُ مَا لم يقم الدَّلِيل وأيد مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما} الْآيَة فقد علم نبيه عَلَيْهِ السَّلَام الِاحْتِجَاج بِعَدَمِ الدَّلِيل الْمُوجب للْحُرْمَة على الَّذين كَانُوا يثبتون الْحُرْمَة فِي أَشْيَاء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة فَثَبت بِهَذَا أَن لَا دَلِيل حجَّة للنافي على خَصمه
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ غير مُوَافق لشَيْء من الْعِلَل المنقولة عَن السّلف فِي نفي الحكم وإثباته وَهُوَ يَنْتَهِي إِلَى الْجَهْل أَيْضا فَإنَّا نقُول لهَذَا الْقَائِل لَا دَلِيل على الْإِثْبَات عنْدك أَو عِنْد غَيْرك فَإِن خصمك يَدعِي قيام الدَّلِيل عِنْده وكما أَن دَعْوَاهُ الدَّلِيل عِنْده لَا يكون حجَّة عَلَيْك حَتَّى تبرزه فدعواك عَلَيْهِ أَن لَا دَلِيل عِنْدِي لَا يكون حجَّة عَلَيْهِ وَإِن قلت لَا دَلِيل عِنْدِي فَهَذَا إِقْرَار مِنْك بِالْجَهْلِ وَالتَّقْصِير فِي الطّلب فَكيف يكون حجَّة على غَيْرك وَإِن انْعَدم مِنْك التَّقْصِير فِي الطّلب فَأَنت مَعْذُور إِذا لم تقف على الدَّلِيل وعذرك لَا يكون
(2/216)

حجَّة على الْغَيْر أصلا أَلا ترى أَن فِي زمَان النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ النَّاسِخ ينزل فَيبلغ ذَلِك بعض النَّاس دون الْبَعْض وَمن لم يبلغهُ يكون مَعْذُورًا فِي الْعَمَل بالمنسوخ وَلَا يكون ذَلِك حجَّة لَهُ على غَيره
فَإِن قيل قَوْلكُم هَذَا غير مُوَافق لتعليل السّلف فَاسد وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ لَا خمس فِي العنبر لِأَن الْأَثر لم يرد بِهِ
وَهَذَا احتجاج بِلَا دَلِيل
قُلْنَا هَذَا أَن لَو ذكر هَذَا اللَّفْظ على سَبِيل الِاحْتِجَاج على من يُوجب فِيهِ الْخمس وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا ذكره على وَجه بَيَان الْعذر لنَفسِهِ ثمَّ علل فِيهِ بعلة مُؤثرَة فِي مَوضِع الِاحْتِجَاج على الْغَيْر على مَا ذكر مُحَمَّد رَحمَه الله فَإِنَّهُ قَالَ لَا خمس فِي اللُّؤْلُؤ والعنبر
قلت لم قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السّمك
قلت وَمَا بَال السّمك لَا يجب فِيهِ الْخمس قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة المَاء
وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مُؤثر فَإِن الأَصْل فِي الْخمس الْغَنَائِم وَإِنَّمَا يُوجب الْخمس فِيمَا يصاب مِمَّا كَانَ أَصله فِي يَد الْعَدو وَوَقع فِي يَد الْمُسلمين بِإِيجَاف الْخَيل والركاب فَيكون فِي معنى الْغَنِيمَة والمستخرج من الْبحار لم يكن فِي يَد الْعَدو قطّ لِأَن قهر المَاء مَانع قهرا آخر على ذَلِك الْموضع ثمَّ الْقيَاس أَن لَا يجب الْخمس فِي شَيْء وَإِنَّمَا أوجب الْخمس فِي بعض الْأَمْوَال بالأثر فَبين أَن مَا لم يرد فِيهِ الْأَثر يُؤْخَذ فِيهِ بِأَصْل الْقيَاس وَهَذَا لَا يكون احتجاجا بِلَا دَلِيل
ثمَّ نقُول لهَذَا الْقَائِل إِنَّك بِهَذِهِ الْمقَالة تثبت شَيْئا لَا محَالة وَهُوَ صِحَة اعتقادك أَن لَا دَلِيل يُوجب إِثْبَات الحكم فِي هَذِه الْحَادِثَة فَعَلَيْك الدَّلِيل لإِثْبَات مَا تَدعِي صِحَّته عنْدك وَلَا دَلِيل على خصمك لِأَنَّهُ يَنْفِي صِحَة اعتقادك هَذَا وَلَا دَلِيل على النَّافِي بزعمك ثمَّ قَوْلك لَا دَلِيل شَيْء تَقوله عَن علم أَو لَا عَن علم فَإِن زعمت أَنَّك تَقوله عَن علم فالعلم الَّذِي يحدث للمرء لَا يكون إِلَّا بِدَلِيل وَإِن زعمت أَنَّك تَقوله لَا عَن علم فقد نهيت عَن ذَلِك قَالَ تَعَالَى {وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ}
(2/217)

جَعَلْنَاهُ هَكَذَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر اعْتِبَار معنى التَّخْيِير فِيهِ للنَّفْي فِي أحد الْجَانِبَيْنِ ويتعذر إِثْبَات معنى الْعَطف لعدم المجانسة بَين الْمَذْكُورين فَيجْعَل بِمَعْنى الْغَايَة لِأَن حُرْمَة الدُّخُول الثَّابِت بِالْيَمِينِ يحْتَمل الامتداد فيليق بِهِ ذكر الْغَايَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم} فَإِنَّهُ لَا يُمكن حمل الْكَلِمَة على الْعَطف إِذْ الْفِعْل لَا يعْطف على الِاسْم والمستقبل لَا يعْطف على الْمَاضِي وَنفي الْأَمر يحْتَمل الامتداد فَيجْعَل قَوْله أَو يَتُوب بِمَعْنى الْغَايَة وَلِأَنَّهُ نفى الدُّخُول فِي الدَّار الأولى فَإِذا دخل فِيهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْمَذْكُور آخرا من جنسه نفى فَيحنث بِالدُّخُولِ فِيهَا لهَذَا وَأثبت الدُّخُول فِي الدَّار الثَّانِيَة فَإِذا دَخلهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْأَخير من جنسه إِثْبَات كَمَا فِي قَوْله لأدخلن هَذِه الدَّار أَو لأدخلن هَذِه الدَّار
فصل

وَأما حَتَّى فَهِيَ للغاية بِاعْتِبَار أصل الْوَضع بِمَنْزِلَة إِلَى هُوَ الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي لأَجله وضعت الْكَلِمَة قَالَ تَعَالَى {هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يَأْذَن لي أبي} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين} فَمَتَى كَانَ مَا قبلهَا بِحَيْثُ يحْتَمل الامتداد وَمَا بعْدهَا يصلح للانتهاء بِهِ كَانَت عاملة فِي حَقِيقَة الْغَايَة وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا حلف أَن يلازم غَرِيمه حَتَّى يَقْضِيه ثمَّ فَارقه قبل أَن يَقْضِيه دينه حنث لِأَن الْمُلَازمَة تحْتَمل الامتداد وَقَضَاء الدّين يصلح مَنْهِيّا للملازمة وَقَالَ فِي الزِّيَادَات لَو قَالَ عَبده حر إِن لم أضربك حَتَّى تَشْتَكِي يَدي أَو حَتَّى اللَّيْل أَو حَتَّى تصبح أَو حَتَّى يشفع فلَان ثمَّ ترك ضربه قبل هَذِه الْأَشْيَاء حنث لِأَن الضَّرْب بطرِيق التّكْرَار يحْتَمل الامتداد وَالْمَذْكُور بعد الْكَلِمَة صَالح للانتهاء فَيجْعَل غَايَة حَقِيقَة وَإِذا أقلع عَن الضَّرْب قبل الْغَايَة حنث إِلَّا فِي مَوضِع يغلب على الْحَقِيقَة عرف فَيعْتَبر ذَلِك لِأَن الثَّابِت بِالْعرْفِ ظَاهرا بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة حَتَّى لَو قَالَ إِن لم أضربك حَتَّى أَقْتلك أَو حَتَّى تَمُوت فَهَذَا على الضَّرْب الشَّديد بِاعْتِبَار الْعرف فَإِنَّهُ مَتى كَانَ قَصده الْقَتْل لَا يذكر لفظ الضَّرْب وَإِنَّمَا يذكر ذَلِك إِذا لم يكن قَصده الْقَتْل وَجعل
(2/218)

الْقَتْل غَايَة لبَيَان شدَّة الضَّرْب عَادَة وَلَو قَالَ حَتَّى يغشى عَلَيْك أَو حَتَّى تبْكي فَهَذَا على حَقِيقَة الْغَايَة لِأَن الضَّرْب إِلَى هَذِه الْغَايَة مُعْتَاد وَقد تسْتَعْمل الْكَلِمَة للْعَطْف فَإِن بَين الْعَطف والغاية مُنَاسبَة بِمَعْنى التَّعَاقُب وَلَكِن مَعَ وجود معنى الْغَايَة فِيهَا يَقُول الرجل جَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيد وَرَأَيْت الْقَوْم حَتَّى زيدا فَيكون للْعَطْف مَعَ اعْتِبَار معنى الْغَايَة لِأَنَّهُ يفهم بِهَذَا أَن زيدا أفضل الْقَوْم أَو أرذلهم وَقد يدْخل بِمَعْنى الْعَطف على جملَة فَإِن ذكر لَهُ خَبرا فَهُوَ خَبره وَإِلَّا فخبره من جنس مَا سبق يَقُول الرجل مَرَرْت بالقوم حَتَّى زيد غَضْبَان وَتقول أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا فَهَذَا مِمَّا لم يذكر خَبره وَهُوَ من جنس مَا سبق على احْتِمَال أَن يكون هُوَ الْأكل أَو غَيره وَلكنه إِخْبَار بِأَن رَأسهَا مَأْكُول أَيْضا وَلَو قَالَ حَتَّى رَأسهَا بِالنّصب كَانَ هَذَا عطفا أَي وأكلت رَأسهَا أَيْضا وَلَكِن بِاعْتِبَار معنى الْغَايَة وَمثل هَذَا فِي الْأَفْعَال تكون للجزاء إِذا كَانَ مَا قبلهَا يصلح سَببا لذَلِك وَمَا بعْدهَا يصلح أَن يكون جَزَاء فَيكون بِمَعْنى لَام كي قَالَ تَعَالَى {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} أَي لكيلا تكون فتْنَة وَقَالَ تَعَالَى {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} وَالْقِرَاءَة بِالنّصب تحْتَمل الْغَايَة مَعْنَاهُ إِلَى أَن يَقُول الرَّسُول فَيكون قَول الرَّسُول نِهَايَة من غير أَن يكون بِنَاء على مَا سبق كَمَا هُوَ مُوجب الْغَايَة أَنه لَا أثر لَهُ فِيمَا جعل غَايَة لَهُ وَيحْتَمل لكَي يَقُول الرَّسُول وَالْقِرَاءَة بِالرَّفْع تكون بِمَعْنى الْعَطف أَي وَيَقُول الرَّسُول وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك غَدا حَتَّى تغديني فَعَبْدي حر فَأَتَاهُ فَلم يغده لَا يَحْنَث لِأَن الْإِتْيَان لَيْسَ بمستدام فَلَا يحْتَمل الْكَلِمَة بِمَعْنى حَقِيقَة الْغَايَة وَمَا بعده يصلح جَزَاء فَيكون الْمَعْنى لكَي تغديني فقد جعل شَرط بره الْإِتْيَان على هَذَا الْقَصْد وَقد وجد وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن لم تأتني حَتَّى أغديك فَأَتَاهُ وَلم يغده لم يَحْنَث وَقد يستعار للْعَطْف الْمَحْض كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ الْمَذْكُور بعده لَا يصلح للجزاء فَيعْتَبر مُجَرّد الْمُنَاسبَة بَين الْعَطف والغاية فِي الإستعارة وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك حَتَّى أتغدى عنْدك الْيَوْم أَو إِن لم تأتني حَتَّى تتغدى عِنْدِي الْيَوْم فَأَتَاهُ ثمَّ لم يتغد عِنْده فِي ذَلِك الْيَوْم حنث لِأَن الْكَلِمَة بِمَعْنى الْعَطف فَإِن الْفِعْلَيْنِ من وَاحِد فَلَا يصلح الثَّانِي أَن يكون جَزَاء للْأولِ فَحمل على الْعَطف الْمَحْض لتصحيح الْكَلَام وَشرط الْبر وجود الْأَمريْنِ فِي الْيَوْم فَإِذا لم يوجدا حنث
(2/219)

مَا يُزِيلهُ فَمَا يمْضِي من الْأَزْمِنَة بعد صِحَة الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم يكون الحكم فِيهِ بَاقِيا بذلك لدَلِيل على احْتِمَال أَن يطْرَأ مَا يُزِيلهُ وَقبل ظُهُور طريان مَا يُزِيلهُ يكون الحكم ثَابتا بذلك الدَّلِيل بِمَنْزِلَة النَّص الْعَام فَإِنَّهُ مُوجب للْحكم فِي كل مَا يتَنَاوَلهُ على احْتِمَال قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمَا لم يقم دَلِيل الْخُصُوص كَانَ الحكم ثَابتا بِالْعَام وَكَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ على الْخصم صَحِيحا فَكَذَلِك قَول الْقَائِل فِيمَا هُوَ مُنْتَفٍ لَا دَلِيل على إثْبَاته أَو فِيمَا هُوَ ثَابت بدليله لَا دَلِيل على نَفْيه يكون احتجاجا بذلك الدَّلِيل وَذَلِكَ الدَّلِيل حجَّة على خَصمه فَأَما مَا لَا يسْتَند إِلَى دَلِيل فَلَا يبْقى فِيهِ إِلَّا الِاحْتِجَاج بقوله لَا دَلِيل فَذَلِك يكون حجَّة كَمَا قُلْتُمْ
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ الصُّلْح على الْإِنْكَار بَاطِل لِأَن نفي الْمُنكر دَعْوَى الْمُدَّعِي يسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ الْمَعْلُوم من بَرَاءَة ذمَّته فِي الأَصْل أَو الْيَد الَّتِي هِيَ دَلِيل لملك لَهُ فِي عين الْمُدَّعِي فَيكون ذَلِك حجَّة لَهُ على خَصمه فِي إبْقَاء مَا ثَبت عَلَيْهِ وَبعد مَا ظَهرت بَرَاءَة ذمَّته فِي حق الْمُدَّعِي بِهَذَا الدَّلِيل يكون أَخذه المَال رشوة على الْكَفّ عَن الدَّعْوَى وَلَا يكون ذَلِك اعتياضا عَن حَقه فَيكون بَاطِلا بِخِلَاف مَا إِذا شهد بحريّة عبد إِنْسَان ثمَّ اشْتَرَاهُ بعد ذَلِك فَإِن الشِّرَاء يكون صَحِيحا وَيلْزمهُ الثّمن للْبَائِع لِأَن نفي البَائِع حُرِّيَّته ودعواه بَقَاء الْملك لَهُ مُسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ الدَّلِيل الْمُثبت للْملك لَهُ فِي العَبْد فَيكون ذَلِك حجَّة لَهُ على خَصمه فِي إبْقَاء ملكه وباعتباره هُوَ إِنَّمَا يَأْخُذ الْعُضْو على ملك لَهُ وباعتباره لَا يثبت الِاتِّفَاق بَينهمَا على فَسَاد ذَلِك السَّبَب فَبِهَذَا تعين فِيهِ وَجه الصِّحَّة وَوَجَب الثّمن على المُشْتَرِي ثمَّ يعْتق عَلَيْهِ بَعْدَمَا دخل فِي ملكه بِاعْتِبَار زَعمه
وعلماؤنا رَحِمهم الله قَالُوا الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم لَا يكون مُوجبا بَقَاء الحكم بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَكِن بَقَاؤُهُ بعد الْوُجُود لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل لَا لوُجُود الدَّلِيل الْمَنْفِيّ
فَعرفنَا أَنه لَيْسَ للدليل الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ الحكم عمل فِي الْبَقَاء أصلا وَأَن دَعْوَى الْبَقَاء فِيمَا عرف ثُبُوته بدليله مُحْتَمل كدعوى
(2/220)

الْإِثْبَات فِيمَا لَا يعلم ثُبُوته بدليله فَكَمَا أَن هُنَاكَ يَسْتَوِي الْمُثبت والنافي فِي أَن قَول كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يكون حجَّة على خَصمه بِغَيْر دَلِيل فَكَذَلِك هُنَا وَله فَارق الْعَام فَإِنَّهُ مُوجب للْحكم فِي كل مَا تنَاوله قطعا على احْتِمَال قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمَا لم يظْهر دَلِيل الْخُصُوص كَانَ الحكم ثَابتا بِنَصّ مُوجب لَهُ وَهنا الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم غير متعرض للأزمنة أصلا فَلَا يكون ثُبُوته فِي الْأَزْمِنَة بعد قيام الدَّلِيل بِدَلِيل مُثبت لَهُ وَلِهَذَا لَا يكون قيام دَلِيل النَّفْي من دَلِيل الْخُصُوص فِي شَيْء بل يكون نسخا كَمَا بَيناهُ فِي بَاب النّسخ يُوضحهُ أَنه لما لم يكن ذَلِك الدَّلِيل عَاملا الْآن فِي شَيْء صَار قَول المتمسك بِهِ لَا دَلِيل على ارتفاعه كلَاما مُحْتملا كَمَا أَن قَول خَصمه قَامَ الدَّلِيل على ارتفاعه كَلَام مُحْتَمل فتتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا على وَجه لَا يكون زعم أَحدهمَا حجَّة على الآخر مَا لم يرجح قَوْله بِدَلِيل
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا فِي الصُّلْح على الْإِنْكَار إِنَّه جَائِز لِأَن الدَّلِيل الْمُثبت لبراءة ذمَّة الْمُنكر أَو للْملك لَهُ فِيمَا فِي يَده غير متعرض للبقاء أصلا فَكَانَ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَن الْمُدَّعِي حَقي وملكي خَبرا مُحْتملا وإنكار الْمُدعى عَلَيْهِ لذَلِك خبر مُحْتَمل أَيْضا فَكَمَا لَا يكون خبر الْمُدَّعِي حجَّة على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي إِلْزَام التَّسْلِيم إِلَيْهِ لكَونه مُحْتملا فَكَذَلِك خبر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا يكون حجَّة على الْمُدَّعِي فِي فَسَاد الِاعْتِيَاض عَنهُ بطرِيق الصُّلْح وَلِهَذَا لَو صَالحه أَجْنَبِي على مَال جَازَ بالِاتِّفَاقِ وَلَو ثَبت بَرَاءَة ذمَّته فِي حق الْمُدَّعِي بِدَلِيل كَمَا ذكره الْخصم لم يجز صلحه مَعَ الْأَجْنَبِيّ كَمَا لَو أقرّ أَنه مُبْطل فِي دَعْوَاهُ ثمَّ صَالح مَعَ أَجْنَبِي
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ فصل الشَّهَادَة بِعِتْق العَبْد على مَوْلَاهُ فَإِن الشَّاهِد إِذا اشْتَرَاهُ صَحَّ الشِّرَاء وَلَزِمَه الثّمن لهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أَن مَا أخبر بِهِ الشَّاهِد لكَونه مُحْتملا لم يصر حجَّة على مولى العَبْد حَتَّى جَازَ لَهُ الِاعْتِيَاض عَنهُ بِالْبيعِ من غَيره فَيجوز لَهُ الِاعْتِيَاض عَنهُ بِالْبيعِ من الشَّاهِد وَإِن كَانَ زَعمه مُعْتَبرا فِي حَقه حَتَّى إِنَّه يعْتق كَمَا اشْتَرَاهُ لَا من جِهَته حَتَّى لَا يكون وَلَاؤُه لَهُ وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فَإِن الدَّلِيل الْمُوجب للْملك للْمولى لَا يكون دَلِيل بَقَاء ملكه بل بَقَاء الْملك بعد ثُبُوته لاستغنائه عَن الدَّلِيل الْمَنْفِيّ
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا مَجْهُول الْحَال يكون حرا بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلَكِن لَو جنى عَلَيْهِ جِنَايَة
(2/221)

فَزعم الجانى أَنه رَقِيق لَا يلْزمه أرش الْجِنَايَة على الْأَحْرَار حَتَّى يقوم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته لِأَن ثُبُوت الْحُرِّيَّة للْحَال لَيْسَ بِدَلِيل مُوجب لذَلِك بل بِاعْتِبَار أصل الْحُرِّيَّة لأَوْلَاد آدم وَذَلِكَ لَا يُوجب الْبَقَاء فَكَانَ دَعْوَاهُ الْحُرِّيَّة لنَفسِهِ فِي الْحَال مُحْتملا وَدَعوى الْغَيْر الرّقّ عَلَيْهِ مُحْتَمل فبالمحتمل لَا يثبت الرّقّ فِيهِ لغيره وَيجْعَل القَوْل قَوْله فِي الْحُرِّيَّة وبالمحتمل لَا يثبت دَعْوَى اسْتِحْقَاق أرش الْأَحْرَار بِسَبَب الْجِنَايَة عَلَيْهِ غَيره حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته لِأَن قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة لَيْسَ مَعَه إِلَّا الإحتجاج بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ دَافع عَنهُ وَلَا يكون حجَّة لَهُ على غَيره
وعَلى هَذَا لَو قذف إنْسَانا ثمَّ زعم أَنه عبد وَقَالَ الْمَقْذُوف بل هُوَ حر فَإِنَّهُ لَا يُقَام حد الْأَحْرَار عَلَيْهِ حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة للمقذوف على حُرِّيَّته
وَكَذَلِكَ لَو قطع يَد إِنْسَان ثمَّ زعم أَنه عبد وَأَنه لَا قصاص عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ لَو شهد فِي حادثه ثمَّ زعم الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَنه عبد فَإِن شَهَادَته لَا تكون حجَّة حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته وَالشَّافِعِيّ رَحمَه الله يخالفنا فِي جَمِيع ذَلِك للْأَصْل الذى
وعَلى هَذَا لَو اشْترى شِقْصا من دَار فَطلب الشَّفِيع الشُّفْعَة وَقَالَ الْمُشْتَرى مَا فِي يدك مِمَّا تدعى بِهِ الشُّفْعَة لَيْسَ بِملك لَك بل هِيَ ملكه فَإِنَّهُ يكون القَوْل قَول مدعى الشُّفْعَة فِي دفع دَعْوَى الْمُشْتَرى عَمَّا فِي يَده وَيكون القَوْل قَول الْمُشْتَرى فِي إِنْكَاره حق الشُّفْعَة لَهُ حَتَّى إِن الشَّفِيع مَا لم يقم الْبَيِّنَة على أَن الْعين الذى فِي يَده ملكه لَا يسْتَحق الشُّفْعَة عندنَا لِأَن خبر كل وَاحِد مِنْهُمَا مُحْتَمل فَلَا يكون حجَّة على خَصمه فِي اسْتِحْقَاق مَا فِي يَده
وَعند الشَّافِعِي ملك الشَّفِيع فِيمَا فِي يَده ثَابت بِاعْتِبَار أَن قَوْله مُسْتَند إِلَى دَلِيل مُثبت فَيسْتَحق بِهِ الشُّفْعَة
وَنَظِير مَا قَالَه عُلَمَاؤُنَا قَول الْمولى لعَبْدِهِ إِن لم أَدخل الْيَوْم الدَّار فَأَنت حر ثمَّ قَالَ الْمولى بعد مضى الْيَوْم قد دخلت وَقَالَ العَبْد لم تدخل فَإِن القَوْل قَول الْمولى حَتَّى لَا يعْتق العَبْد وَمَعْلُوم أَن قَول العَبْد مُسْتَند إِلَى دَلِيل من حَيْثُ الظَّاهِر وَهُوَ أَن الأَصْل عدم الدُّخُول وَلَكِن لما كَانَ قَوْله فِي الْحَال مُحْتملا وَقَول الْمولى كَذَلِك لم يثبت اسْتِحْقَاقه على الْمولى بِمَا هُوَ مُحْتَمل
وَكَذَلِكَ الْمَفْقُود فَإِنَّهُ لَا يَرث أحدا من أَقَاربه إِذا مَاتَ قبل أَن يظْهر حَاله
(2/222)

وَمَعْلُوم أَن بَقَاءَهُ حَيا مُسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ مَا علم من حَيَاته وَلَكِن لما لم يكن ذَلِك دَلِيلا للبقاء اعْتبر فِي الْحَال الإحتمال فَقيل لَا يَرِثهُ أحد لإحتمال بَقَائِهِ حَيا وَلَا يَرث أحدا لإحتمال أَنه ميت
فَإِن قيل عندى إِذا اسْتندَ قَوْله إِلَى دَلِيل إِنَّمَا يقبل قَوْله على خَصمه فِي إبْقَاء مَا هُوَ مَقْصُود لَهُ ففى مَسْأَلَة الْعتْق لَا مَقْصُود للْعَبد فِي نفى دُخُول الْمولى الدَّار وَإِنَّمَا مَقْصُوده فِي الْعتْق ودعواه الْعتْق لَيْسَ بمستند إِلَى دَلِيل مُثبت لَهُ
وَكَذَلِكَ دَعْوَى من يدعى حَيَاة الْمَفْقُود بعد مَا مَاتَ قريب لَهُ لَيْسَ بمقصود للْمُدَّعى حَتَّى يعْتَبر فِيهِ الإستناد إِلَى دَلِيله فَأَما دَعْوَى الْمُنكر بَرَاءَة ذمَّته أَو كَون مَا فِي يَده ملكا لَهُ مَقْصُود لَهُ وَهُوَ يسْتَند إِلَى دَلِيل كَمَا بَينا وَكَذَلِكَ دَعْوَى مَجْهُول الْحَال الْحُرِّيَّة لنَفسِهِ مَقْصُود لَهُ وَدَعوى الشَّفِيع الْملك لنَفسِهِ فِيمَا فِي يَده مَقْصُود لَهُ فَإِذا كَانَ هَذَا مُسْتَندا إِلَى دَلِيله وَهُوَ مَقْصُود لَهُ كَانَ حجَّة لَهُ على خَصمه قُلْنَا لَا فرق فَإِن دَعْوَى الْمُنكر فَسَاد الصُّلْح غير مَقْصُود لَهُ وَلَكِن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمَقْصُود لَهُ وَهُوَ سُقُوط الْمُطَالبَة عَنهُ بستليم مَا الْتَزمهُ بِالصُّلْحِ كَمَا أَن دَعْوَى العَبْد أَن الْمولى لم يدْخل الدَّار غير مَقْصُود لَهُ وَلَكِن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا هُوَ مَقْصُود لَهُ وَهُوَ عتقه بِاعْتِبَار وجود الشَّرْط ثمَّ هُنَاكَ لكَون مَا أخبر بِهِ مُحْتملا لم يَجْعَل حجَّة على خَصمه وَلَا يعْتَبر استناده فصل
وَمن الإحتجاج بِلَا دَلِيل الإستدلال باستصحاب الْحَال وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُول بعض أَصْحَابنَا فِي حكم الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي إِن الأَصْل عدم الْوُجُوب فيستصحبه حَتَّى يقوم دَلِيل الْوُجُوب وَفِي الإستئناف أَن وجوب الحقتين فِي مائَة وَعشْرين ثَابت بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع فَيجب استصحابه حَتَّى يقوم الدَّلِيل المغير وَهَذَا النَّوْع من التَّعْلِيل بَاطِل فَإِن ثُبُوت الْعَدَم وَإِن كَانَ بِدَلِيل معدم فَذَلِك لَا يُوجب
(2/223)

بَقَاء الْعَدَم كَمَا أَن الدَّلِيل الموجد للشَّيْء لَا يكون دَلِيل بَقَائِهِ مَوْجُودا فَكَذَلِك الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم لَا يكون دَلِيل بَقَائِهِ ثَابتا أَلا ترى أَن عدم الشِّرَاء لَا يمْنَع وجود الشِّرَاء فِي الْمُسْتَقْبل وَالشِّرَاء الْمُوجب للْملك لَا يمْنَع انعدام الْملك بدليله فِي الْمُسْتَقْبل وَلَكِن الْبَقَاء بعد الْوُجُود لاستغنائه عَن الدَّلِيل لَا لِأَن الدَّلِيل الْمُثبت لَهُ مُوجب لبَقَائه كَمَا أَن ثُبُوت الْحَيَاة بِسَبَبِهِ لَا يكون دَلِيل بَقَاء الْحَيَاة يُوضحهُ أَن بعد ثُبُوت حكم هُوَ نفي إيجاده يَسْتَدْعِي دَلِيلا فَمن ادّعى وجوده احْتَاجَ إِلَى إثْبَاته على خَصمه بِدَلِيل
وَكَذَلِكَ من ادّعى بَقَاءَهُ منفيا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى إثْبَاته بدليله على الْخصم إِذْ الدَّلِيل الأول غير مُوجب لذَلِك فَلَيْسَ أَحدهمَا بالاحتجاج على صَاحبه لعدم قيام الدَّلِيل بِأولى من الآخر وَمَا كَانَ الْبَقَاء فِيمَا يحْتَمل الْبَقَاء بعد الْوُجُود إِلَّا نَظِير الْوُجُود فِي الْأَعْرَاض الَّتِي لَا تبقى وَقْتَيْنِ فَإِن وجود شَيْء مِنْهُ بِدَلِيل لَا يكون دَلِيل وجود مثله فِي الْوَقْت الثَّانِي
وَبَيَان هَذَا فِي الْبَعِير الزَّائِد على الْمِائَة وَالْعِشْرين فَإِن عِنْد الْخصم يَنْتَهِي بِهِ عَفْو الحقتين فَيتم بِهِ نِصَاب ثَلَاث بَنَات لبون
وَعِنْدنَا هُوَ ابْتِدَاء الْعَفو لنصاب آخر وَلَيْسَ فِي إِيجَاب الحقتين فِي مائَة وَعشْرين مَا يدل على وَاحِد من الْأَمريْنِ فَكَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ لإِيجَاب الحقتين بعد هَذِه الزِّيَادَة عِنْد كَمَال الْحول يكون احتجاجا بِلَا دَلِيل
ثمَّ اسْتِصْحَاب الْحَال يَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا اسْتِصْحَاب حكم الْحَال مَعَ الْعلم يَقِينا بانعدام الدَّلِيل المغير وَذَلِكَ بطرِيق الْخَبَر عَمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي أَو بطرِيق الْحس فِيمَا يعرف بِهِ وَهَذَا صَحِيح قد علمنَا الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما} الْآيَة وَهَذَا لِأَنَّهُ لما علم يَقِينا بانعدام الدَّلِيل المغير وَقد كَانَ الحكم ثَابتا بدليله وبقاؤه يَسْتَغْنِي عَن الدَّلِيل فقد علم بَقَاؤُهُ ضَرُورَة
وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حكم الْحَال بعد دَلِيل مغير ثَابت بطرِيق النّظر
(2/224)

وَالِاجْتِهَاد بِقدر الوسع وَهَذَا يصلح لإبلاء الْعذر وللدفع وَلَا يصلح للاحتجاج بِهِ على غَيره لِأَن المتأمل وَإِن بَالغ فِي النّظر فالخصم يَقُول قَامَ الدَّلِيل عِنْدِي بِخِلَافِهِ وبالتأمل وَالِاجْتِهَاد لَا يبلغ الْمَرْء دَرَجَة يعلم بهَا يَقِينا أَنه لم يخف عَلَيْهِ شَيْء من الْأَدِلَّة بل يبْقى لَهُ احْتِمَال اشْتِبَاه بعض الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَمَا كَانَ فِي نَفسه مُحْتملا عِنْده لَا يُمكنهُ أَن يحْتَج بِهِ على غَيره
وَالثَّالِث اسْتِصْحَاب حكم الْحَال قبل التَّأَمُّل وَالِاجْتِهَاد فِي طلب الدَّلِيل المغير وَهَذَا جهل لِأَن قبل الطّلب لَا يحصل لَهُ شَيْء من الْعلم بِانْتِفَاء الدَّلِيل المغير ظَاهرا وَلَا بَاطِنا وَلكنه يجهل ذَلِك بتقصير مِنْهُ فِي الطّلب وجهله لَا يكون حجَّة على غَيره وَلَا عذرا فِي حَقه أَيْضا إِذا كَانَ مُتَمَكنًا من الطّلب إِلَّا أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا أسلم الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى عَلَيْهِ زمَان فَعَلَيهِ قَضَاء مَا ترك بِخِلَاف الْحَرْبِيّ إِذا أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى زمَان
وعَلى هَذَا قُلْنَا من لم يجْتَهد بعد الِاشْتِبَاه فِي أَمر الْقبْلَة حَتَّى صلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ لَا تجزيه صلَاته مَا لم يعلم أَنه أصَاب بِخِلَاف مَا إِذا اجْتهد وَصلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ تجزيه صلَاته وَإِن تبين أَنه أَخطَأ
وَالنَّوْع الرَّابِع اسْتِصْحَاب الْحَال (لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَهَذَا خطأ مَحْض وَهُوَ ضلال مَحْض مِمَّن يتعمده لِأَن اسْتِصْحَاب الْحَال) كاسمه وَهُوَ التَّمَسُّك بالحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل المزيل وَفِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء لَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى وَلَا عمل لاستصحاب الْحَال فِيهِ صُورَة وَلَا معنى وَقد بَينا فِي مَسْأَلَة الْمَفْقُود أَن الْحَيَاة الْمَعْلُومَة باستصحاب الْحَال يكون حجَّة فِي إبْقَاء ملكه فِي مَاله على مَا كَانَ وَلَا يكون حجَّة فِي إِثْبَات الْملك لَهُ ابْتِدَاء فِي مَال قَرِيبه إِذا مَاتَ
وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي يجعلونه حجَّة فِي ذَلِك لَا بِاعْتِبَار أَنهم يجوزون إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء باستصحاب الْحَال بل بِاعْتِبَار أَنه يبْقى للْوَارِث
(2/225)

الْملك الَّذِي كَانَ للمورث فَإِن الوراثة خلَافَة وَقد بَينا أَن عِنْده اسْتِصْحَاب الْحَال فِيمَا يرجع إِلَى الْإِبْقَاء حجَّة على الْغَيْر
وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْبَقَاء فِي حق الْمُورث فَأَما فِي حق الْوَارِث فصفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ ابْتِدَاء واستصحاب الْحَال لَا يكون حجَّة فِيهِ بِوَجْه
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا ادّعى عينا فِي يَد إِنْسَان أَنه لَهُ مِيرَاث من أَبِيه وَأقَام الشَّاهِدين فشهدا أَن هَذَا كَانَ لِأَبِيهِ لم تقبل هَذِه الشَّهَادَة
وَفِي قَول أبي يُوسُف الآخر تقبل لِأَن الوراثة خلَافَة فَإِنَّمَا يبْقى للْوَارِث الْملك الَّذِي كَانَ للمورث وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيصير مغرورا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُورث وَمَا ثَبت فَهُوَ بَاقٍ لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل
وهما يَقُولَانِ فِي حق الْوَارِث هَذَا فِي معنى ابْتِدَاء التَّمَلُّك لِأَن صفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ فِي هَذَا المَال بعد أَن لم يكن مَالِكًا وَإِنَّمَا يكون الْبَقَاء فِي حق الْمُورث أَن لَو حضر بِنَفسِهِ يَدعِي أَن الْعين ملكه فَلَا جرم إِذا شهد الشَّاهِدَانِ أَنه كَانَ لَهُ كَانَت شَهَادَة مَقْبُولَة كَمَا إِذا شَهدا أَنه لَهُ فَأَما إِذا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْوَارِث وَصفَة الْمَالِكِيَّة للْوَارِث تثبت ابْتِدَاء بعد موت الْمُورث فَهَذِهِ الشَّهَادَة لَا تكون حجَّة للْقَضَاء بِالْملكِ لَهُ لِأَن طَرِيق الْقَضَاء بهَا اسْتِصْحَاب الْحَال وَذَلِكَ غير صَحِيح

فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاسْتِدْلَال بتعارض الْأَشْبَاه وَذَلِكَ نَحْو احتجاج زفر رَحمَه الله فِي أَنه لَا يجب غسل الْمرَافِق فِي الْوضُوء لِأَن من الغايات مَا يدْخل وَمِنْهَا مَا لَا يدْخل فَمَعَ الشَّك لَا تثبت فَرضِيَّة الْغسْل فِيمَا هُوَ غَايَة بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا فِي الْحَقِيقَة احتجاج بِلَا دَلِيل لإِثْبَات حكم فَإِن الشَّك الَّذِي يَدعِيهِ أَمر حَادث فَلَا يثبت حُدُوثه إِلَّا بِدَلِيل
فَإِن قَالَ دَلِيله تعَارض الْأَشْبَاه
قُلْنَا وتعارض الْأَشْبَاه أَيْضا حَادث فَلَا يثبت إِلَّا بِالدَّلِيلِ
فَإِن قَالَ الدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أعده من الغايات مِمَّا يدْخل بِالْإِجْمَاع وَمَا لَا يدْخل بِالْإِجْمَاع
قُلْنَا وَهل تعلم أَن هَذَا الْمُتَنَازع فِيهِ من أحد النَّوْعَيْنِ بِدَلِيل فَإِن قَالَ أعلم ذَلِك
قُلْنَا فَإِذن عَلَيْك أَن لَا تشك فِيهِ بل
(2/226)

تلْحقهُ بِمَا هُوَ من نَوعه بدليله
وَإِن قَالَ لَا أعلم ذَلِك
قُلْنَا قد اعْترفت بِالْجَهْلِ فَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ فَإِنَّمَا جهلته عَن تَقْصِير مِنْك فِي طلبه وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة أصلا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بعد الطّلب كنت مَعْذُورًا فِي الْوُقُوف فِيهِ وَلَكِن هَذَا الْعذر لَا يصير حجَّة لَك على غَيْرك مِمَّن يزْعم أَنه قد ظهر عِنْده دَلِيل إِلْحَاقه بِأحد النَّوْعَيْنِ فَعرفنَا أَن حَاصِل كَلَامه احتجاج بِلَا دَلِيل

فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاحْتِجَاج بالاطراد على صِحَة الْعلَّة إِمَّا وجودا أَو وجودا وعدما فَإِنَّهُ احتجاج بِلَا دَلِيل فِي الْحَقِيقَة وَمن حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ احتجاج بِكَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وَقد بَينا أَن كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وتكرارها من الشَّاهِد لَا يكون دَلِيل صِحَة شَهَادَته
ثمَّ الاطراد عبارَة عَن سَلامَة الْوَصْف عَن النقوض والعوارض والناظر وَإِن بَالغ فِي الِاجْتِهَاد بِالْعرضِ على الْأُصُول الْمَعْلُومَة عِنْده فالخصم لَا يعجز من أَن يَقُول عِنْدِي أصل آخر هُوَ مُنَاقض لهَذَا الْوَصْف أَو معَارض فجهلك بِهِ لَا يكون حجَّة لَك عَليّ فَتبين من هَذَا الْوَجْه أَنه احتجاج بِلَا دَلِيل وَلكنه فَوق مَا تقدم فِي الِاحْتِجَاج بِهِ من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن من حَيْثُ الظَّاهِر الْوَصْف صَالح وَيحْتَمل أَن يكون حجَّة للْحكم إِذا ظهر أَثَره عِنْد التَّأَمُّل وَلَكِن لكَونه فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْلَالا على صِحَّته بِعَدَمِ النقوض والعوارض لم يصلح أَن يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن النُّصُوص بعد ثُبُوتهَا يجب الْعَمَل بهَا وَاحْتِمَال وُرُود النَّاسِخ لَا يُمكن شُبْهَة فِي الِاحْتِجَاج بهَا قبل أَن يظْهر النَّاسِخ فَكَذَلِك مَا تقدم قُلْنَا أما بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي كل نَص كَانَ حكمه ثَابتا عِنْد وَفَاته فَأَما فِي حَال حَيَاته فَهَكَذَا نقُول إِن الِاحْتِجَاج بِهِ لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء صَحِيح فَأَما لإبقاء الحكم أَو لنفي النَّاسِخ لَا يكون صَحِيحا لِأَن احْتِمَال بَقَاء الحكم وَاحْتِمَال قيام دَلِيل النّسخ فِيهِ كَانَ بِصفة وَاحِدَة وَقد قَررنَا هَذَا فِي بَاب النّسخ
(2/227)

ثمَّ الطرديات الْفَاسِدَة أَنْوَاع
مِنْهَا مَا لَا يشكل فَسَاده على أحد
وَمِنْهَا مَا يكون (بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق
وَمِنْهَا مَا يكون) بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا
وَمِنْهَا مَا يكون اسْتِدْلَالا بِالنَّفْيِ والعدم
وَبَيَان النَّوْع الأول فِيمَا علل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي لكَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة ركنا فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا عبَادَة ذَات أَرْكَان لَهَا تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَكَانَ من أَرْكَان مَا لَهُ عدد السَّبع كَالْحَجِّ فِي حق الطّواف وَرُبمَا يَقُولُونَ الثَّلَاث أحد عددي مُدَّة الْمسْح فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة كالواحد وَمَا دون الثَّلَاث قَاصِر عَن السَّبع فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة كَمَا دون الْآيَة
وَنَحْو مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي أَن الرّجْعَة لَا تحصل بِالْفِعْلِ لِأَن الْوَطْء فعل ينْطَلق مرّة وَيتَعَلَّق أُخْرَى فَلَا تثبت بِهِ الرّجْعَة كَالْقَتْلِ
وَنَحْو مَا يحْكى عَن بعض أَصْحَابنَا فِي الْوضُوء بِغَيْر النِّيَّة أَن هَذَا حكم مُتَعَلق بأعضاء الطَّهَارَة فَلَا تشْتَرط النِّيَّة فِي إِقَامَته كالقطع فِي السّرقَة وَالْقصاص
هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده على أحد وَلم ينْقل من هَذَا الْجِنْس شَيْء عَن السّلف إِنَّمَا أحدثه بعض الْجُهَّال مِمَّن كَانَ بَعيدا من طَرِيق الْفُقَهَاء فَأَما علل السّلف مَا كَانَت تَخْلُو عَن الملاءمة أَو التَّأْثِير وَلِهَذَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يتَأَمَّل مُدَّة فَلَا يقف فِي حَادِثَة إِلَّا على قِيَاس أَو قياسين وَالْوَاحد من الْمُتَأَخِّرين رُبمَا يتَمَكَّن فِي مجْلِس وَاحِد من أَن يذكر فِي حَادِثَة خمسين عِلّة من هَذَا النَّحْو أَو أَكثر وَلَا مشابهة بَين غسل الْأَعْضَاء فِي الطَّهَارَة وَبَين الْقطع فِي السّرقَة وَلَا بَين مُدَّة الْمسْح وَالْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَلَا بَين الطّواف بِالْبَيْتِ وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَعرفنَا أَن هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده
وَأما مَا يكون بِزِيَادَة وصف فنحو تَعْلِيل بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي مس الذّكر إِنَّه حدث لِأَنَّهُ مس الْفرج فينتقض الْوضُوء بِهِ كَمَا لَو مَسّه عِنْد الْبَوْل فَإِن هَذَا الْقيَاس لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل وَبِذَلِك
(2/228)

الْوَصْف يثبت الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَيثبت الحكم بِهِ فِي الأَصْل
وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي إِعْتَاق الْمكَاتب عَن الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير الْمكَاتب فَلَا يجوز كَمَا لَو أدّى بعض بدل الْكِتَابَة ثمَّ أعْتقهُ لِأَن استقامة هَذَا الْقيَاس بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق وَهُوَ أَن الْمُسْتَوْفى من الْبَدَل يكون عوضا والتكفير لَا يجوز بِالْإِعْتَاقِ بعوض
وَنَحْو مَا علل بَعضهم فِي شِرَاء الْأَب بنية الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير أَبِيه فَلَا يجوز كَمَا لَو كَانَ حلف بِعِتْقِهِ إِن ملكه فَإِن استقامة هَذَا التَّعْلِيل بِزِيَادَة وصف بِهِ يَقع الْفرق من حَيْثُ إِن الْمَحْلُوف بِعِتْقِهِ إِذا عتق عِنْد وجود الشَّرْط لَا يصير مكفرا بِهِ وَإِن نَوَاه عِنْد ذَلِك أَبَا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا
وَالنَّوْع الثَّالِث نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي أَن الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه
قَالَ عتق الْأَخ تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة فَلَا يثبت بِمُجَرَّد الْملك كعتق ابْن الْعم
وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا فَإِن عندنَا عتق الْقَرِيب وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا عِنْد وجود الْملك تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة حَتَّى قُلْنَا إِذا اشْترى أَبَاهُ بنية الْكَفَّارَة يجوز خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله
وَنَحْو مَا علل بِهِ بَعضهم فِي الْكتاب الْحَالة أَنَّهَا لَا تمنع جَوَاز التَّكْفِير بتحريره فَتكون فَاسِدَة كالكتابة على الْقيمَة فَإِن هَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا لِأَن التَّكْفِير بِإِعْتَاق الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة جَائِزَة عندنَا وَرُبمَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الأَصْل نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض
أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب إِنَّه إفطار بالمطعوم فَلَا يُوجب الْكَفَّارَة كَمَا لَو كَانَ فِي يَوْم أبْصر الْهلَال وَحده ورد الإِمَام شَهَادَته
وَأما النَّوْع الرَّابِع فنحو تَعْلِيل الشَّافِعِي فِي النِّكَاح إِنَّه لَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَفِي الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه لِأَنَّهُ لَيْسَ
(2/229)

بَينهمَا بعضية وَفِي المبتوتة إِنَّه لَا يلْحقهَا الطَّلَاق لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا نِكَاح وَفِي إِسْلَام الْمَرْوِيّ بالمروي إِنَّه يجوز لِأَنَّهُ لم يجمع الْبَدَلَيْنِ الطّعْم والثمنية وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ اسْتِدْلَال بِعَدَمِ وصف والعدم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا حكما وَقد بَينا أَن الْعَدَم الثَّابِت بِدَلِيل لَا يكون بَقَاؤُهُ ثَابتا بِدَلِيل فَكيف يسْتَدلّ بِهِ لإِثْبَات حكم آخر
فَإِن قيل مثل هَذَا التَّعْلِيل كثير فِي كتبكم
قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله ملك النِّكَاح لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال والزوائد لَا تضمن بِالْغَصْبِ لِأَنَّهُ لم يغصب الْوَلَد
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْعقار لَا يضمن بِالْغَصْبِ لِأَنَّهُ لم يَنْقُلهُ وَلم يحوله
وَقَالَ فِيمَا لَا يجب فِيهِ الْخمس لِأَنَّهُ لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ
وَقَالَ فِي تنَاول الْحَصَاة لَا تجب الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ بمطعوم
وَقَالَ فِي الْجد لَا يُؤَدِّي صَدَقَة الْفطر عَن النَّافِلَة لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِك
فَهَذَا اسْتِدْلَال بِعَدَمِ وصف أَو حكم
قُلْنَا أَولا هَذَا عندنَا غير مَذْكُور على وَجه المقايسة بل على وَجه الِاسْتِدْلَال فِيمَا كَانَ سَببه وَاحِدًا معينا بِالْإِجْمَاع نَحْو الْغَصْب فَإِن ضَمَان الْغَصْب سَببه وَاحِد عين وَهُوَ الْغَصْب فالاستدلال بِانْتِفَاء الْغَصْب على انْتِفَاء الضَّمَان يكون اسْتِدْلَالا بِالْإِجْمَاع
وَكَذَلِكَ وجوب ضَمَان المَال بِسَبَب يَسْتَدْعِي الْمُمَاثلَة بِالنَّصِّ وَله سَبَب وَاحِد عين وَهُوَ إِتْلَاف المَال فيستقيم الِاسْتِدْلَال بِانْتِفَاء الْمَالِيَّة فِي الْمحل على انْتِفَاء هَذَا النَّوْع من الضَّمَان وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ دَلِيل الحكم مَعْلُوما فِي الشَّرْع بِالْإِجْمَاع نَحْو الْخمس فَإِنَّهُ وَاجِب فِي الْغَنِيمَة لَا غير وَطَرِيق الاغتنام الايجاف عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ والركاب فالاستدلال بِهِ لنفي الْخمس يكون اسْتِدْلَالا صَحِيحا وَقد بَينا أَنه إبلاء الْعذر فِي بعض الْمَوَاضِع لَا الِاحْتِجَاج بِهِ على الْخصم
فَأَما تَعْلِيل النِّكَاح بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة
(2/230)

النِّسَاء مَعَ الرِّجَال يكون تعليلا بِعَدَمِ الْوَصْف وَعدم الْوَصْف لَا يعْدم الحكم لجَوَاز أَن يكون الحكم ثَابتا بِاعْتِبَار وصف آخر لِأَنَّهُ وَإِن لم يكن مَالا فَهُوَ من جنس مَا يثبت مَعَ الشُّبُهَات وَالْأَصْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ الْحُدُود وَالْقصاص وَبِهَذَا الْوَصْف لَا يصير النِّكَاح بِمَنْزِلَة الْحُدُود وَالْقصاص حَتَّى يثبت مَعَ الشُّبُهَات بِخِلَاف الْحُدُود وَالْقصاص فَعرفنَا أَن بِعَدَمِ هَذَا الْوَصْف لَا يَنْعَدِم وصف آخر يصلح التَّعْلِيل بِهِ لإثباته بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال
وَكَذَلِكَ مَا علل بِهِ من أَخَوَات هَذَا الْفَصْل فَهُوَ يخرج على هَذَا الْحَرْف إِذا تَأَمَّلت

فصل
وَمن هَذَا النَّوْع الِاحْتِجَاج بِأَن الْأَوْصَاف محصورة عِنْد القائسين
فَإِذا قَامَت الدّلَالَة على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف إِلَّا وَصفا وَاحِدًا تثبت بِهِ صِحَة ذَلِك الْوَصْف وَيكون حجَّة

هَذَا طَرِيق بعض أَصْحَاب الطَّرْد
وَقد جوز الْجَصَّاص رَحمَه الله تَصْحِيح الْوَصْف لِلْعِلَّةِ بِهَذَا الطَّرِيق
قَالَ الشَّيْخ رَحمَه الله وَقد كَانَ بعض أصدقائي عَظِيم الْجد فِي تَصْحِيح هَذَا الْكَلَام بعلة أَن الْأَوْصَاف لما كَانَت محصورة وجميعها لَيست بعلة للْحكم بل الْعلَّة وصف مِنْهَا فَإِذا قَامَ الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف سوى وَاحِد مِنْهَا ثَبت صِحَة ذَلِك الْوَصْف بِدَلِيل الْإِجْمَاع كأصل الحكم فَإِن الْعلمَاء إِذا اخْتلفُوا فِي حكم حَادِثَة على أقاويل فَإِذا ثَبت بِالدَّلِيلِ فَسَاد سَائِر الْأَقَاوِيل إِلَّا وَاحِدًا ثَبت صِحَة ذَلِك القَوْل وَذَلِكَ نَحْو اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي جَارِيَة بَين رجلَيْنِ جَاءَت بِولد فادعياه فَإنَّا إِذا أفسدنا قَول من يَقُول بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الْقَائِف وَقَول من يَقُول بِالْقُرْعَةِ وَقَول من يَقُول بالتوقف إِنَّه لَا يثبت النّسَب من وَاحِد مِنْهُمَا يثبت بِهِ صِحَة قَول من يَقُول بِأَنَّهُ يثبت النّسَب مِنْهُمَا جَمِيعًا
وَإِذا قَالَ لنسائه الْأَرْبَعَة إحداكن طَالِق ثَلَاثًا ووطىء ثَلَاثًا مِنْهُنَّ حَتَّى يكون ذَلِك دَلِيلا على انْتِفَاء الْمُحرمَة عَنْهُن تعين بهَا الرَّابِعَة مُحرمَة فَكَانَ تقرب هَذَا من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة
قَالَ الشَّيْخ وَعِنْدِي أَن هَذَا غلط لَا نجوز القَوْل بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك نوع من الِاحْتِجَاج بِالدَّلِيلِ
أما بَيَان الْغَلَط فِيهِ وَهُوَ أَن مَا يَجعله هَذَا الْقَائِل دَلِيل صِحَة علته هُوَ الدَّلِيل على فَسَاده لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ سلوك هَذَا الطَّرِيق إِلَّا بعد قَوْله بالمساواة بَين الْأَوْصَاف فِي أَن كل وصف مِنْهَا صَالح أَن يكون عِلّة للْحكم وَبعد ثُبُوت هَذِه الْمُسَاوَاة فالدليل الَّذِي يدل على فَسَاد بَعْضهَا هُوَ الدَّلِيل على فَسَاد مَا بَقِي مِنْهَا لِأَنَّهُ مَتى علم الْمُسَاوَاة بَين شَيْئَيْنِ فِي الحكم ثمَّ ظهر لأَحَدهمَا حكم بِالدَّلِيلِ فَذَلِك الدَّلِيل يُوجب مثل
(2/231)

ذَلِك الحكم فِي الآخر كمن يَقُول لغيره اجْعَل زيدا وعمرا فِي الْعَطِيَّة سَوَاء ثمَّ يَقُول أعْط زيدا درهما يكون ذَلِك تنصيصا على أَنه يُعْطي عمرا أَيْضا درهما فَعرفنَا أَنه لَا وَجه للتحرز عَن هَذَا الْفساد إِلَّا بِبَيَان تفَاوت بَين هَذَا الْوَصْف وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف فِي كَونه عِلّة للْحكم وَذَلِكَ التَّفَاوُت لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِبَيَان التَّأْثِير أَو الملاءمة فيضطر إِلَى بَيَانه شَاءَ أَو أَبى ثمَّ وَإِن قَامَ الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف على وَجه لَا عمل لذَلِك الدَّلِيل فِي إِفْسَاد هَذَا الْوَصْف الْوَاحِد فَنحْن نتيقن أَن ذَلِك الدَّلِيل كَمَا لَا يُوجب فَسَاد هَذَا الْوَصْف لَا يُوجب صِحَّته فَلَا يبْقى على تَصْحِيح هَذَا الْوَصْف دَلِيلا سوى أَنه لم يقم الدَّلِيل على فَسَاده وَلَو جَازَ إِثْبَات الْوَصْف مُوجبا للْحكم بِهَذَا الطَّرِيق لجَاز إِثْبَات الحكم بِدُونِ هَذَا الْوَصْف بِهَذَا الطَّرِيق وَهُوَ أَن يَقُول حكم الْحَادِثَة كَذَا لِأَنَّهُ لم يقم الدَّلِيل على فَسَاد هَذَا الحكم وَمَا قَالَه من الِاسْتِدْلَال بالحكم فَهُوَ وهم لِأَن بإفساد مَذْهَب الْخصم لَا يثبت صِحَة مَذْهَب الْمُدَّعِي للْحكم بِوَجْه من الْوُجُوه وَكَيف يثبت ذَلِك والمبطل دَافع وَالْمُدَّعِي للْحكم مُثبت وَحجَّة الدّفع غير حجَّة الْإِثْبَات
ثمَّ الدَّلِيل على أَن بِقِيَام دَلِيل الْفساد فِي سَائِر الْأَوْصَاف لَا تثبت صِحَة الْوَصْف الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُعَلل فِي الشرعيات أَن من أَحْكَام الشَّرْع مَا هُوَ غير مَعْلُول أصلا بل الحكم فِيهِ ثَابت بِالنَّصِّ فبقيام الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف لَا يَنْعَدِم احْتِمَال قيام الدَّلِيل على فَسَاد هَذَا الْوَصْف حَقِيقَة وَلَا حكما من هَذَا الْوَجْه لجَوَاز أَن يكون هَذَا النَّص غير مَعْلُول أصلا وَبِه فَارق العقليات ثمَّ احْتِمَال الصِّحَّة وَالْفساد فِي هَذَا الْوَصْف بِالْإِجْمَاع كَانَ مَانِعا من جعله حجَّة لإِثْبَات الحكم قبل قيام الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف فَكَذَلِك بعده لِأَن احْتِمَال تعينه قَائِم

بَاب وُجُوه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل
قَالَ رَضِي الله عَنهُ الْعِلَل نَوْعَانِ طردية ومؤثرة
والاعتراض على كل نوع من وَجْهَيْن فَاسد وصحيح
فالاعتراضات الْفَاسِدَة على الْعِلَل المؤثرة أَرْبَعَة المناقضة وَفَسَاد الْوَضع وَوُجُود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة والمفارقة بَين
(2/232)

الأَصْل وَالْفرع
والصحيحة أَرْبَعَة الممانعة ثمَّ الْقلب الْمُبْطل ثمَّ الْعَكْس الكاسر ثمَّ الْمُعَارضَة بعلة أُخْرَى
فَأَما المناقضة فَإِنَّهَا لَا ترد على الْعِلَل المؤثرة لِأَن التَّأْثِير لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِدَلِيل الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع
وَهَذِه الْأَدِلَّة لَا تتناقض فَإِن أَحْكَام الشَّرْع عَلَيْهَا تَدور وَلَا تنَاقض فِي أَحْكَام الشَّرْع وَقد بَينا أَنه لَا تُوجد الْعلَّة بِدُونِ الحكم على الْوَجْه الَّذِي ظهر أَثَرهَا فِي الحكم بل لَا بُد أَن يَنْعَدِم الحكم لتغير وصف بِنُقْصَان أَو زِيَادَة وَبِه تتبدل الْعلَّة فتنعدم الْعلَّة المؤثرة الَّتِي أثبت الْمُعَلل الحكم بهَا وانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون دَلِيل انْتِقَاض الْعلَّة
وَهُوَ نَظِير الشَّاهِد فَإِنَّهُ مَعَ استجماع شَرَائِط الْأَدَاء إِذا ترك لَفْظَة الشَّهَادَة أَو زَاد عَلَيْهَا فَقَالَ فِيمَا أعلم فَإِنَّهُ لَا يجوز الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار انعدام الْعلَّة الْمُوجبَة للْعَمَل بِشَهَادَتِهِ معنى
وَبَيَان هَذَا أَنا إِذا عللنا فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه مسح مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة فَلَا يستن تثليثه كالمسح بالخف لَا يدْخل الِاسْتِنْجَاء بالأحجار نقضا لِأَن الْمسْح هُنَاكَ غير مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة إِنَّمَا الْمَشْرُوع إِزَالَة النَّجَاسَة العينية حَتَّى لَو تصور خُرُوج الْحَدث من غير أَن يَتَنَجَّس شَيْء مِمَّا هُوَ طَاهِر لم يجب الْمسْح أصلا وَإِزَالَة النَّجَاسَة غير الْمسْح وَهُوَ لَا يحصل بالمرة إِلَّا نَادرا فَعرفنَا أَن انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة
وَأما فَسَاد الْوَضع فَهُوَ اعْتِرَاض فَاسد على الْعلَّة المؤثرة لِأَنَّهُ دَعْوَى لَا يُمكن تصحيحها فَإِن تَأْثِير الْعلَّة إِنَّمَا يثبت بِدَلِيل مُوجب للْحكم كَمَا بَينا وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز دَعْوَى فَسَاد الْوَضع فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَأما وجود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة فَإِن الحكم يجوز أَن يكون ثَابتا بعلة أُخْرَى لِأَن ثُبُوته بعلة لَا يُنَافِي كَونه ثَابتا بعلة أُخْرَى أَلا ترى أَن الحكم يجوز أَن يثبت بِشَهَادَة الشَّاهِدين وَيجوز أَن يثبت بِشَهَادَة أَرْبَعَة حَتَّى إِذا رَجَعَ اثْنَان قبل الْقَضَاء يبْقى الْقَضَاء وَاجِبا بِشَهَادَة الباقيين
وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون الأَصْل معلولا بعلتين يتَعَدَّى الحكم بِإِحْدَاهُمَا إِلَى فروع
(2/233)

وبالأخرى إِلَى فروع أخر فَلَا يكون انعدام الْعلَّة مَعَ بَقَاء الحكم فِي مَوضِع ثَابتا بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى دَلِيل فَسَاد الْعلَّة
فَأَما الْمُفَارقَة فَمن النَّاس من ظن أَنَّهَا مفاقهة ولعمري الْمُفَارقَة مفاقهة وَلَكِن فِي غير هَذَا الْموضع فَأَما على وَجه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل المؤثرة تكون مجادلة لَا فَائِدَة فِيهَا فِي مَوضِع النزاع
وَبَيَان هَذَا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن شَرط صِحَة الْقيَاس لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع تَعْلِيل الأَصْل بِبَعْض أَوْصَافه لَا بِجَمِيعِ أَوْصَافه وَقد بَينا أَنه مَتى كَانَ التَّعْلِيل بِجَمِيعِ أَوْصَاف الأَصْل لَا يكون مقايسة فبيان الْمُفَارقَة بَين الأَصْل وَالْفرع بِذكر وصف آخر لَا يُوجد ذَلِك فِي الْفَرْع وَيرجع إِلَى بَيَان صِحَة المقايسة فَأَما أَن يكون ذَلِك اعتراضا على الْعلَّة فَلَا
ثمَّ ذكر وصف آخر فِي الأَصْل يكون ابْتِدَاء دَعْوَى والسائل جَاهِل مسترشد فِي موقف الْمُنكر إِلَى أَن تتبين لَهُ الْحجَّة لَا فِي مَوضِع الدَّعْوَى وَإِن اشْتغل بِإِثْبَات دَعْوَاهُ فَذَلِك لَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ مفروغ عَنهُ وَلَا يتَّصل مَا يُثبتهُ بالفرع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه يَنْعَدِم ذَلِك الْمَعْنى فِي الْفَرْع وبالعدم لَا يثبت الِاتِّصَال وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا فَكَانَ هَذَا مِنْهُ اشتغالا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ
وَالثَّالِث مَا بَينا أَن الحكم فِي الأَصْل يجوز أَن يكون معلولا بعلتين ثمَّ يتَعَدَّى الحكم إِلَى بعض الْفُرُوع بِإِحْدَى العلتين دون الْأُخْرَى فَبَان انعدام فِي الْفَرْع الْوَصْف الَّذِي يروم بِهِ السَّائِل الْفرق وَإِن سلم لَهُ أَنه عِلّة لإِثْبَات الحكم فِي الأَصْل فَذَلِك لَا يمْنَع الْمُجيب من أَن يعدي حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدعِيهِ أَنه عِلّة للْحكم وَمَا لَا يكون قدحا فِي كَلَام الْمُجيب فاشتغال السَّائِل بِهِ يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَإِنَّمَا المفاقهة فِي الممانعة حَتَّى يبين الْمُجيب تَأْثِير علته فالفقه حِكْمَة باطنة وَمَا يكون مؤثرا فِي إِثْبَات الحكم شرعا فَهُوَ الْحِكْمَة الْبَاطِنَة والمطالبة بِهِ تكون مفاقهة
(2/234)

فَأَما الْإِعْرَاض عَنهُ والاشتغال بِالْفرقِ يكون قبولا لما فِيهِ احْتِمَال أَن لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم واشتغالا بِإِثْبَات الحكم بِمَا لَيْسَ بِحجَّة أصلا فِي مَوضِع النزاع وَهُوَ عدم الْعلَّة فَتبين أَن هَذَا لَيْسَ من المفاقهة فِي شَيْء وَالله أعلم

فصل الممانعة
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الممانعة أصل الِاعْتِرَاض على الْعلَّة المؤثرة من حَيْثُ إِن الْخصم الْمُجيب يَدعِي أَن حكم الْحَادِثَة مَا أجَاب بِهِ فَإِذا لم يسلم لَهُ ذَلِك يذكر وَصفا يَدعِي أَنه عِلّة مُوجبَة للْحكم فِي الأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ وَأَن هَذَا الْفَرْع نَظِير ذَلِك الأَصْل فيتعدى ذَلِك الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْفَرْع وَفِي هَذَا الحكم دعويان فَهُوَ أظهر فِي الدَّعْوَى من الأول أَي حكم الْحَادِثَة وَإِن كَانَت المناظرة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع دَعْوَى السَّابِق عرفنَا أَنَّهَا لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع هَذِه الدَّعَاوَى أَيْضا فَيكون هُوَ مُحْتَاجا إِلَى إِثْبَات دعاويه بِالْحجَّةِ والسائل مُنكر فَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى الْمُطَالبَة لإِقَامَة الْحجَّة بِمَنْزِلَة الْمُنكر فِي بَاب الدَّعَاوَى والخصومات وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الشَّرْع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ للْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَة) وبالممانعة يتَبَيَّن العوار وَيظْهر الْمُدَّعِي من الْمُنكر والملزم من الدَّافِع بَعْدَمَا ثَبت شرعا أَن حجَّة أَحدهمَا غير حجَّة الآخر
ثمَّ الممانعة على أَرْبَعَة أوجه ممانعة فِي نفس الْعلَّة وممانعة فِي الْوَصْف الَّذِي يذكر الْمُعَلل أَنه عِلّة وممانعة فِي شَرط صِحَة الْعلَّة أَنه مَوْجُود فِي ذَلِك الْوَصْف وممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم
أما الممانعة فِي نفس الْعلَّة فَكَمَا بَينا أَن كثيرا من الْعِلَل إِذا تَأَمَّلت فِيهَا تكون احتجاجا بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة على الْخصم لإِثْبَات
(2/235)

الحكم
وَبَيَان هَذَا فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي النِّكَاح أَنه لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال كالحدود وَالْقصاص
وَهَذَا النَّوْع لَا يصلح حجَّة لإِيجَاب الحكم عندنَا على مَا بَينا فَترك الممانعة فِيهِ تكون قبولا من الْخصم مَا لَا يكون حجَّة أصلا وَذَلِكَ دَلِيل الْجَهْل فَكَانَت الممانعة فِي هَذَا الْموضع دَلِيل المفاقهة
وَأما ممانعة الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فبيانه فِيمَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رَضِي الله عَنْهُمَا أَن الْإِيدَاع من الصَّبِي تسليط على الِاسْتِهْلَاك فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف لَا بُد أَن يكون مَمْنُوعًا عِنْد الْخصم لِأَن بعد ثُبُوته لَا يبْقى للمنازعة فِي الحكم معنى
وَنَحْو مَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة فِيمَن اشْترى قَرِيبه مَعَ غَيره أَن الْأَجْنَبِيّ رَضِي بِالَّذِي وَقع الْعتْق بِهِ بِعَيْنِه وَنَحْو مَا علل بِهِ عُلَمَاؤُنَا فِي صَوْم يَوْم النَّحْر أَنه مَشْرُوع لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وَالنَّهْي يدل على تحقق الْمَشْرُوع ليتَحَقَّق الِانْتِهَاء عَنهُ كَمَا هُوَ مُوجب النَّهْي فَإِن عِنْد الْخصم مُطلق النَّهْي بِمَنْزِلَة النّسخ حَتَّى يَنْعَدِم بِهِ الْمَشْرُوع أصلا
فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لمن يُرِيد الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة على سَبِيل المفاقهة
وَأما الممانعة فِي الشَّرْط الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ليصير الْوَصْف عِلّة بَيَانه فِيمَا ذكرنَا أَن من الْأَوْصَاف مَا يكون مغيرا حكم الأَصْل وَمن شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم النَّص وَذَلِكَ نَحْو تَعْلِيل الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم فَإِنَّهُ يُغير حكم النَّص لِأَن الحكم فِي نُصُوص الرِّبَا حُرْمَة الْفضل على الْقدر وَثُبُوت الْحُرْمَة إِلَى غَايَة وَهُوَ الْمُسَاوَاة وَالتَّعْلِيل بالطعم يثبت فِي الْمَنْصُوص حُرْمَة فضل لَا على الْقدر وَحُرْمَة مُطلقَة لَا إِلَى غَايَة الْمُسَاوَاة يَعْنِي فِي الحفنة من الْحِنْطَة وَفِيمَا لَا يدْخل تَحت الْقدر من المطعومات الَّتِي هِيَ فرع فِي هَذَا الحكم فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لِأَن الحكم لَا يثبت بِوُجُود ركن الشَّيْء مَعَ انعدام شَرطه
وَأما الممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي يكون بِهِ الْوَصْف عِلّة مُوجبَة للْحكم شرعا فَهُوَ الْمُطَالبَة بِبَيَان التَّأْثِير لما بَينا أَن الْعلَّة بِهِ تصير مُوجبَة للْحكم شرعا وَهِي الْحِكْمَة الْبَاطِنَة الَّتِي يعبر عَنْهَا بالفقه
(2/236)

وَالْحَاصِل أَن فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار يعْتَبر الْمَعْنى دون الصُّورَة فقد يكون الْمَرْء مُدعيًا صُورَة وَهُوَ مُنكر معنى أَلا ترى أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة يكون مُنْكرا للضَّمَان معنى وَلِهَذَا كَانَ القَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين وَإِنَّمَا جعل الشَّرْع الْيَمين فِي جَانب الْمُنكر
وَالْبكْر إِذا قَالَت بَلغنِي النِّكَاح فَرددت وَقَالَ الزَّوْج بل سكتت فَالْقَوْل قَوْلهَا عندنَا وَهِي فِي الصُّورَة تَدعِي الرَّد وَلكنهَا تنكر ثُبُوت ملك النِّكَاح عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى فَكَانَت مُنكرَة لَا مدعية
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رَضِي الله عَنْهُمَا إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي الثّمن بعد هَلَاك السّلْعَة فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَهُوَ فِي الصُّورَة يَدعِي بيعا بِأَقَلّ الثمنين وَلكنه فِي الْمَعْنى مُنكر للزِّيَادَة الَّتِي يدعيها البَائِع فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْمَعْنى فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار دون الصُّورَة
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول هَذِه الْوُجُوه من الممانعة تكون إنكارا من السَّائِل فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى إِثْبَات إِنْكَاره بِالْحجَّةِ واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَقَوله إِن الحكم فِي الأَصْل مَا تعلق بِهَذَا الْوَصْف فَقَط بل بِهِ وبقرينة أُخْرَى يكون إنكارا صَحِيحا من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن كَانَ دَعْوَى من حَيْثُ الصُّورَة لِأَن الحكم الْمُتَعَلّق بعلة ذَات وصفين لَا يثبت بِوُجُود أحد الوصفين
وَذَلِكَ نَحْو مَا يُعلل بِهِ الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهَا يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة فيتعدى الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْغمُوس
فَإنَّا نقُول الحكم فِي الأَصْل ثَبت بِهَذَا الْوَصْف مَعَ قرينَة وَهُوَ توهم الْبر فِيهَا فَيكون هَذَا منعا لما ادَّعَاهُ الْخصم والخصم هُوَ الْمُحْتَاج إِلَى إِثْبَات دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ
فَأَما قَول السَّائِل لَيْسَ الْمَعْنى فِي الأَصْل مَا قلت وَإِنَّمَا الْمَعْنى فِيهِ كَذَا هُوَ إِنْكَار صُورَة وَلكنه من حَيْثُ الْمَعْنى دَعْوَى وَهُوَ دَعْوَى غير مُفِيد فِي مَوضِع النزاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يَقُول فِي مَوضِع النزاع لتقرير ذَلِك الْمَعْنى سوى أَن هَذَا الْمَعْنى مَعْدُوم فِي مَوضِع النزاع وَعدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم وَإِن كَانَ هَذَا يصلح للترجيح بِهِ من وَجه على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(2/237)

فصل الْقلب وَالْعَكْس
قَالَ رَضِي الله عَنهُ تَفْسِير الْقلب لُغَة جعل أَعلَى الشَّيْء أَسْفَله وأسفله أَعْلَاهُ
من قَول الْقَائِل قلبت الْإِنَاء إِذا نكسه أَو هُوَ جعل بطن الشَّيْء ظهرا وَالظّهْر بَطنا
من قَول الْقَائِل قلبت الجراب إِذا جعل بَاطِنه ظَاهرا وَظَاهره بَاطِنا وقلبت الْأَمر إِذا جعله ظهرا لبطن
وقلب الْعلَّة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ
وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا وَهَذَا مُبْطل لِلْعِلَّةِ لِأَن الْعلَّة هِيَ الْمُوجبَة شرعا والمعلول هُوَ الحكم الْوَاجِب بِهِ فَيكون فرعا وتبعا لِلْعِلَّةِ وَإِذا جعل التبع أصلا وَالْأَصْل تبعا كَانَ ذَلِك دَلِيل بطلَان الْعلَّة
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الذِّمِّيّ إِنَّه يجب عَلَيْهِ الرَّجْم لِأَنَّهُ من جنس من يجلد بكره مائَة فيرجم ثيبه كَالْمُسلمِ
فيقلب عَلَيْهِ فَنَقُول فِي الأَصْل إِنَّمَا يجلد بكره لِأَنَّهُ يرْجم ثيبه فَيكون ذَلِك قلبا مُبْطلًا لعلته بِاعْتِبَار أَن مَا جعل فرعا صَار أصلا وَمَا جعله أصلا صَار تبعا
وَكَذَلِكَ قَوْله الْقِرَاءَة ركن يتَكَرَّر فرضا فِي الْأَوليين فيتكرر أَيْضا فرضا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كالركوع
وَهَذَا النَّوْع من الْقلب إِنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْد التَّعْلِيل بِحكم لحكم فَأَما إِذا كَانَ التَّعْلِيل بِوَصْف لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا الْقلب إِذْ الْوَصْف لَا يكون حكما شَرْعِيًّا يثبت بِحكم آخر
وَطَرِيق المخلص عَن هَذَا الْقلب أَن لَا يذكر هَذَا على سَبِيل التَّعْلِيل بل على سَبِيل الِاسْتِدْلَال بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر فَإِن الِاسْتِدْلَال بِحكم على حكم طَرِيق السّلف فِي الْحَوَادِث روينَا ذَلِك عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَعَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَلَكِن شَرط هَذَا الِاسْتِدْلَال أَن يثبت أَنَّهُمَا نظيران متساويان فَيدل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه هَذَا على ذَاك فِي حَال وَذَاكَ على هَذَا فِي حَال بِمَنْزِلَة التوأم فَإِنَّهُ يثبت حريَّة الأَصْل لأَحَدهمَا أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَيثبت الرّقّ فِي أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُوله عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن الصَّوْم عبَادَة تلْزم بِالنذرِ فتلزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم علينا لِأَن الْحَج إِنَّمَا يلْزم بِالنذرِ لِأَنَّهُ يلْزم بِالشُّرُوعِ
(2/238)

لأَنا نستدل بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر بعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا من حَيْثُ إِن الْمَقْصُود بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَحْصِيل عبَادَة زَائِدَة هِيَ مَحْض حق الله تَعَالَى على وَجه يكون الْمَعْنى فِيهَا لَازِما وَالرُّجُوع عَنْهَا بعد الْأَدَاء حرَام وإبطالها بعد الصِّحَّة جِنَايَة فَبعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا يَجْعَل هَذَا دَلِيلا على ذَاك تَارَة وَذَاكَ على هَذَا تَارَة
وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة من يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كالبكر وَفِي الْبكر الْبَالِغَة من لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كَالرّجلِ يكون اسْتِدْلَالا صَحِيحا بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر إِذْ الْمُسَاوَاة قد تثبت بَين التصرفين من حَيْثُ إِن ثُبُوت الْولَايَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِاعْتِبَار حَاجَة الْمولى عَلَيْهِ وعجزه عَن التَّصَرُّف بِنَفسِهِ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم إِذا ذكرنَا هَذَا على وَجه الِاسْتِدْلَال لِأَن جَوَاز الِاسْتِدْلَال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر يدل على قُوَّة المشابهة والمساواة وَهُوَ الْمَقْصُود بالاستدلال بِخِلَاف مَا علل بِهِ الشَّافِعِي فَإِنَّهُ لَا مُسَاوَاة بَين الْجلد وَالرَّجم أما من حَيْثُ الذَّات فَالرَّجْم عُقُوبَة غَلِيظَة تَأتي على النَّفس وَالْجَلد لَا وَمن حَيْثُ الشَّرْط الرَّجْم يَسْتَدْعِي من الشَّرَائِط مَا لَا يَسْتَدْعِي عَلَيْهِ الْجلد كالثيوبة
وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين ركن الْقِرَاءَة وَبَين الرُّكُوع فَإِن الرُّكُوع فعل هُوَ أصل فِي الرَّكْعَة وَالْقِرَاءَة ذكر هُوَ زَائِد حَتَّى إِن الْعَاجِز عَن الْأَذْكَار الْقَادِر على الْأَفْعَال يُؤَدِّي الصَّلَاة وَالْعَاجِز عَن الْأَفْعَال الْقَادِر على الْأَذْكَار لَا يُؤَدِّيهَا وَيسْقط ركن الْقِرَاءَة بالاقتداء عندنَا وَعند خوف فَوت الرَّكْعَة بالِاتِّفَاقِ وَلَا يسْقط ركن الرُّكُوع
وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين الشفع الثَّانِي وَالشَّفْع الأول فِي الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ يسْقط فِي الشفع الثَّانِي شطر مَا كَانَ مَشْرُوعا فِي الشفع الأول وَهُوَ قِرَاءَة السُّورَة وَالْوَصْف الْمَشْرُوع فِيهِ فِي الشفع الأول وَهُوَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ وَمَعَ انعدام الْمُسَاوَاة لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بِأَحَدِهِمَا على الآخر وَالْقلب يبطل التَّعْلِيل على وَجه المقايسة
وَالنَّوْع الثَّانِي من الْقلب هُوَ جعل الظَّاهِر بَاطِنا بِأَن يَجْعَل الْوَصْف الَّذِي
(2/239)

علل بِهِ الْخصم شَاهدا عَلَيْهِ لصَاحبه فِي إِثْبَات ذَلِك الحكم بعد أَن كَانَ شَاهدا لَهُ وَهَذِه مُعَارضَة فِيهَا مناقضة لِأَن الْمَطْلُوب هُوَ الحكم فالوصف الَّذِي يشْهد بإثباته من وَجه وينفيه من وَجه آخر يكون متناقضا فِي نَفسه بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الَّذِي يشْهد لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر فِي حَادِثَة ثمَّ للخصم الآخر عَلَيْهِ فِي عين تِلْكَ الْحَادِثَة فَإِنَّهُ يتناقض كَلَامه بِخِلَاف الْمُعَارضَة بعلة أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يكون فِيهَا معنى التَّنَاقُض بل للاشتباه يتَعَذَّر الْعَمَل إِلَى أَن يتَبَيَّن الرجحان لأَحَدهمَا على الآخر فَأَما مَا يشْهد لَك على خصمك وبخصمك عَلَيْك فِي حَادِثَة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد بِأَنَّهُ يتَحَقَّق فِيهِ التَّعَارُض مَعَ التَّنَاقُض
وَبَيَان ذَلِك فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي فِي صَوْم رَمَضَان بِمُطلق النِّيَّة إِنَّه صَوْم فرض فَلَا يتَأَدَّى إِلَّا بِتَعْيِين النِّيَّة كَصَوْم الْقَضَاء
فَإِنَّمَا نقلب عَلَيْهِ فَنَقُول إِنَّه صَوْم فرض فَبعد مَا تعين مرّة لَا يشْتَرط لأدائه تعْيين بنية أُخْرَى كَصَوْم الْقَضَاء
وَعلل فِي سنة التّكْرَار فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِنَّهُ ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كَغسْل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ
فَإنَّا نقلب عَلَيْهِ فَنَقُول ركن فِي الْوضُوء فَبعد إكماله بِالزِّيَادَةِ على الْمَفْرُوض فِي مَحل الْفَرِيضَة لَا يسن تثليثه كالمغسولات وَإِقَامَة الْفَرْض هُنَا يحصل بمسح الرّبع وبالاستيعاب يحصل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْفَرِيضَة فِي مَحل الْفَرِيضَة كَمَا فِي المغسولات بِالْغسْلِ ثَلَاثًا يحصل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض وَهُوَ الِاسْتِيعَاب فِي مَحل الْمَفْرُوض
فَإِن قيل هَذَا الْقلب إِنَّمَا يتَأَدَّى بِزِيَادَة وصف وبهذه الزِّيَادَة يتبدل الْوَصْف وَيصير شَيْئا آخر فَيكون هَذَا مُعَارضَة لَا قلبا
قُلْنَا نعم فِي هَذَا زِيَادَة وصف وَلكنهَا تَفْسِير للْحكم على وَجه التَّقْرِير لَهُ لَا على وَجه التَّغْيِير فَإنَّا نبين بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن صَوْم رَمَضَان لما تعين مَشْرُوعا فِي الزَّمَان وَغَيره لَيْسَ بمشروع كَانَ قِيَاسه من الْقَضَاء مَا بعد التَّعْيِين بِالشُّرُوعِ فِيهِ والاستيعاب فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ لما لم يكن ركنا كَانَ قِيَاسه من المغسولات بعد حُصُول الِاسْتِيعَاب مَا إِذا حصل الْإِكْمَال فِي المغسولات بِالزِّيَادَةِ بعد الِاسْتِيعَاب فَيكون تقريرا لذَلِك الْوَصْف بِهَذَا التَّفْسِير لَا تغييرا
(2/240)

وَتَفْسِير الْعَكْس لُغَة وَهُوَ رد الشَّيْء على سنَنه وَرَاءه مأخود من عكس الْمرْآة فَإِن نورها يرد نور بصر النَّاظر فِيمَا وَرَاءه على سنَنه حَتَّى يرى وَجهه كَأَن لَهُ فِي الْمرْآة وَجها وعينا يبصر بِهِ
وَكَذَلِكَ عكس المَاء نور الشَّمْس فَإِنَّهُ يرد نورها حَتَّى يَقع على جِدَار بِمُقَابلَة المَاء كَأَن فِي المَاء شمسا
ثمَّ الْعَكْس فِي الْعلَّة على وَجْهَيْن أَحدهمَا رد الحكم على سنَنه بِمَا يكون قلبا لعلته حَتَّى يثبت بِهِ ضد مَا كَانَ ثَابتا بِأَصْلِهِ نَحْو قَوْلنَا فِي الشُّرُوع فِي صَوْم النَّفْل إِن مَا يلْتَزم بِالنذرِ يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ وَعَكسه إِن مَا لَا يلْتَزم بِالنذرِ لَا يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْوضُوءِ فَيكون الْعَكْس على هَذَا الْمَعْنى ضد الطَّرْد وَهَذَا لَا يكون قادحا فِي الْعلَّة أصلا بل يصلح مرجحا لهَذَا النَّوْع من الْعلَّة على الْعلَّة الَّتِي تطرد وَلَا تنعكس على مَا نبينه فِي بَابه
وَالنَّوْع الآخر مَا يكون عكسا يُوجب الحكم لَا على سنَن حكم الأَصْل بل على مُخَالفَة حكم الأَصْل وَذَلِكَ نَحْو مَا يُعلل بِهِ الشَّافِعِي فِي أَن الصَّوْم عبَادَة لَا يمْضِي فِي فاسدها فَلَا تصير لَازِمَة بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَالْوضُوءِ وَعَكسه الْحَج فَهَذَا التَّعْلِيل لَهُ نَظِير التَّعْلِيل الأول لنا وَنحن إِذا قُلْنَا بِأَن مَا يلْتَزم بِالنذرِ من الْعَادة يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ فَهُوَ يَقُول يَنْبَغِي أَن يَسْتَوِي حكم الشُّرُوع فِيهِ بنية النَّفْل وَحكم الشُّرُوع فِيهِ على ظن أَنه عَلَيْهِ كَالْحَجِّ فَيكون فِي هَذَا الْعَكْس نوع كسر لِلْعِلَّةِ حَيْثُ تمكن الْخصم بِهِ من إِثْبَات حكم هُوَ مُخَالف للْحكم الأول وَلكنه لَيْسَ بِقَوي فَإِن الحكم الَّذِي تعلقه مُجمل غير مُفَسّر وَمَا علقنا بِهِ من الحكم مُفَسّر فالمفسر أولى من الْمُجْمل ثمَّ هُوَ تعلق بِهِ حكم التَّسْوِيَة وَالْحكم الْمَقْصُود شَيْء آخر يخْتَلف فِيهِ الْفَرْع وَالْأَصْل على سَبِيل التضاد فَإِن فِي الأَصْل يستويان حَتَّى يجب الْقَضَاء فيهمَا وَفِي الْفَرْع عِنْده يستويان حَتَّى يسْقط الْقَضَاء فيهمَا وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم هَذَا التَّعْلِيل إِذا كَانَ الْمَقْصُود عين التَّسْوِيَة وَلِأَنَّهُ فِي هَذَا
(2/241)

الْعَكْس ينص على حكم آخر سوى مَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّعْلِيل فَلَا يكون إبطالا بطرِيق النّظر وَإِنَّمَا يكون الْعَكْس دفعا لما فِيهِ من الْإِبْطَال والمناقضة فَإِذا عرى عَن ذَلِك لم يكن دفعا وَلِأَنَّهُ علل بِحكم مُجمل لَا يتَّصل بالمتنازع فِيهِ إِلَّا بِكَلَام هُوَ ابْتِدَاء وَلَيْسَ للسَّائِل دلك فَظهر أَن الْعَكْس سُؤال ضَعِيف
فصل فِي الْمُعَارضَة

وَقد بَينا تَفْسِير الْمُعَارضَة فِيمَا مضى وَهَذَا الْفَصْل لبَيَان أقسامها وتمييز الْفَاسِد من الصَّحِيح مِنْهَا فَيَقُول
الْمُعَارضَة نَوْعَانِ نوع فِي عِلّة الأَصْل وَنَوع فِي حكم الْفَرْع فالذى فِي حكم الْفَرْع على خَمْسَة أوجه مُعَارضَة بالتنصيص على خلاف حكم الْعلَّة فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه ومعارضة بتغيير هُوَ تَفْسِير لذَلِك الحكم على وَجه التَّقْرِير لَهُ ومعارضة بتغيير فِيهِ إجلال بِموضع الْخلاف ومعارضة فِيهَا نفى مَا لم يُثبتهُ الْمُعَلل أَو إِثْبَات مَا لم ينفه الْمُعَلل وَلكنه يتَّصل بِموضع التَّعْلِيل ومعارضة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الذى أثبت الْمُعَلل الحكم فِيهِ بعلته
والذى فِي عِلّة الأَصْل أَنْوَاع ثَلَاثَة مُعَارضَة بِذكر عِلّة فِي الأَصْل لَا تتعدى إِلَى فرع ومعارضة بِذكر عِلّة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُتَّفق عَلَيْهِ ومعارضة بعلة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُخْتَلف فِيهِ
وَبَيَان الْوَجْه الأول من الْأَوْجه الْخَمْسَة فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِن الْخصم يَقُول ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كالمغسول وَنحن نعارضه بقولنَا مسح فِي الطَّهَارَة فَلَا يسن تثليثه كالمسح بالخف فَهَذِهِ مُعَارضَة صَحِيحه لما فِيهَا من التَّنْصِيص على خلاف حكم علته فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه
وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي فِي هَذَا الْموضع أَيْضا فَإنَّا نقُول ركن فِي الْوضُوء فَبعد الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض فِي مَحل الْفَرِيضَة لَا يسن تثليثه كَمَا فِي المغسولات
فَهَذِهِ مُعَارضَة بتغيير هُوَ تَفْسِير للْحكم فِي تَقْرِيره
(2/242)

وَهَذَانِ وَجْهَان صَحِيحَانِ فِي الْمُعَارضَة المحوجة إِلَى التَّرْجِيح لِأَن عِنْد صِحَة الْمُعَارضَة يُصَار إِلَى التَّرْجِيح
وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث فِيمَا يُعلل بِهِ فِي غير الْأَب وَالْجد هَل تثبت لَهُم ولَايَة التَّزْوِيج على الصَّغِيرَة فَنَقُول إِنَّهَا صَغِيرَة فَتثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج كالتى لَهَا أَب وهم يعارضون وَيَقُولُونَ هَذِه صَغِيرَة فَلَا تثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج للْأَخ كالتى لَهَا أَب فَتكون هَذِه مُعَارضَة بتغيير فِيهِ إخلال بِموضع النزاع لِأَن مَوضِع النزاع ثُبُوت ولَايَة التَّزْوِيج على الْيَتِيمَة لَا تعْيين الولى المزوج لَهَا وَهُوَ فِي معارضته علل لنفى الْولَايَة بشخص بِعَيْنِه وَلكنه يَقُول إِن مَوضِع النزاع إِثْبَات الْولَايَة للأقارب سوى الْأَب وَالْجد على الصَّغِيرَة وأقربهم الْأَخ فَنحْن بِهَذِهِ الْمُعَارضَة ننفى ولَايَة الْأَخ عَنْهَا ثمَّ ولَايَة من وَرَاء الْأَخ منتفية عَنْهَا بالأخ فَمن هَذَا الْوَجْه يظْهر معنى الصِّحَّة فِي هَذِه الْمُعَارضَة وَإِن لم يكن قَوِيا
وَبَيَان الْوَجْه الرَّابِع فِيمَا ذكرنَا فِي النَّوْع الثَّانِي من الْعَكْس وَذَلِكَ فِيمَا يُعلل بِهِ فِي مَسْأَلَة الْكَافِر يشترى عبدا مُسلما إِنَّه مَال يملك الْكَافِر بَيْعه فَيملك شِرَاءَهُ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَيَقُولُونَ وَجب أَن يستوى حكم شِرَائِهِ ابْتِدَاء وَحكم استدامه الْملك فِيهِ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَنَقُول فِي هَذِه الْمُعَارضَة إِثْبَات مَا لم يَنْفَعهُ بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ التَّسْوِيَة بَين أصل الشِّرَاء وَبَين اسْتِدَامَة الْملك فَلَا تكون مُتَّصِلَة بِموضع النزاع إِلَّا بعد الْبناء بِإِثْبَات التَّسْوِيَة بَين الإستدامة وَابْتِدَاء الشِّرَاء وَلَيْسَ للسَّائِل هَذَا الْبناء فَلم تكن هَذِه الْمُعَارضَة صَحِيحه بطرِيق النّظر وَإِن كَانَ يظْهر فِيهَا معنى الصِّحَّة عِنْد إِثْبَات التَّسْوِيَة بَينهمَا
وَبَيَان الْوَجْه الْخَامِس فِيمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة رضى الله عَنهُ فِي الْمَرْأَة إِذا نعى إِلَيْهَا زَوجهَا فاعتدت وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر وَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا ثمَّ جَاءَ الزَّوْج الأول حَيا فَإِن نسب الْأَوْلَاد يثبت من الأول لِأَنَّهُ صَاحب فرَاش صَحِيح عَلَيْهَا وَثُبُوت النّسَب بِاعْتِبَار الْفراش وهما يعارضان بِأَن الثَّانِي صَاحب فرَاش حَاضر وَمَعَ صفة الْفساد يثبت النّسَب من صَاحب الْفراش
(2/243)

الْحَاضِر كَمَا لَو تزوج امْرَأَة بِغَيْر شُهُود وَدخل بهَا فَهَذِهِ مُعَارضَة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الَّذِي وَقع التَّعْلِيل إِذْ الْفَاسِد غير الصَّحِيح وَالْكَلَام فِي أَن النّسَب بَعْدَمَا صَار مُسْتَحقّا بِثُبُوتِهِ لشخص هَل هُوَ يجوز أَن يثبت لغيره بِاعْتِبَار فرَاشه فَإِن الأول بفراشه السَّابِق يصير مُسْتَحقّا نسب أَوْلَادهَا مَا بَقِي فراشها فَيَقَع الْكَلَام بعد هَذَا فِي التَّرْجِيح أَن أصل الْفراش للثَّانِي بِاعْتِبَار كَونه حَاضرا وَكَونه صَاحب المَاء هَل يتَرَجَّح على الْفراش الصَّحِيح الَّذِي للْغَائِب حَتَّى ينتسخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بفراشه أم لَا وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا لَا يكون صَالحا للترجيح لِأَن الشَّيْء لَا ينسخه إِلَّا مَا هُوَ مثله أَو فَوْقه وَالْفَاسِد من الْفراش مَعَ هَذِه الْقَرَائِن لَا يكون مثلا للصحيح فَلَا ينْسَخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بِالصَّحِيحِ وَبَعْدَمَا صَار النّسَب مُسْتَحقّا لزيد لَا يُمكن إثْبَاته لعَمْرو بِوَجْه مَا وَالنِّكَاح بِغَيْر شُهُود لَيْسَ من هَذَا الْمحل فِي شَيْء فَعرفنَا أَنه مُعَارضَة فِي غير مَحل الحكم
فَأَما وُجُوه الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل فَهِيَ فَاسِدَة كلهَا لما بَينا أَن ذكر عِلّة أُخْرَى فِي الأَصْل لَا يبْقى تَعْلِيله بِمَا ذكره الْمُعَلل لجَوَاز أَن يكون فِي الأَصْل وصفان فيتعدى الحكم بِأحد الوصفين إِلَى الْفُرُوع دون الآخر ثمَّ إِن كَانَ الْوَصْف الَّذِي يذكرهُ الْمعَارض لَا يتَعَدَّى إِلَى فرع فَهُوَ فَاسد لما بَينا أَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَمَا لَا يُفِيد حكمه أصلا يكون فَاسِدا من التَّعْلِيل فَإِن كَانَ يتَعَدَّى إِلَى فرع فَلَا اتِّصَال لَهُ بِموضع النزاع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه تنعدم تِلْكَ الْعلَّة فِي هَذَا الْموضع وَقد بَينا أَن عدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم فَعرفنَا أَنه لَا اتِّصَال لتِلْك الْعلَّة بِموضع النزاع فِي النَّفْي وَلَا فِي الْإِثْبَات وَكَذَلِكَ إِن كَانَت تتعدى إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ فالمتعدية إِلَى فرع مجمع عَلَيْهِ تكون أقوى من المتعدية إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ وَلما تبين فَسَاد تِلْكَ تبين فَسَاد هَذَا بطرِيق الأولى
(2/244)

وَمن النَّاس من يزْعم أَن هَذِه مُعَارضَة حَسَنَة فِيهَا معنى الممانعة لِأَن بِالْإِجْمَاع عِلّة الحكم أحد الوصفين لَا كِلَاهُمَا فَإِذا ظَهرت صِحَة عِلّة السَّائِل بِظُهُور حكمهَا وَهُوَ التَّعْدِيَة يتَبَيَّن فَسَاد الْعلَّة الْأُخْرَى
بَيَانه أَنا نقُول فِي تَعْلِيل الْحِنْطَة إِنَّه بَاعَ مَكِيلًا بمكيل من جنسه مُتَفَاضلا ثمَّ تعدى الحكم بهَا إِلَى الحص وَغَيره
والخصم يُعَارض فَيَقُول بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه مُتَفَاضلا لتعدي الحكم بِهِ إِلَى المطعومات الَّتِي هِيَ غير مقدرَة كالتفاح وَنَحْوهَا وَقد ثَبت بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ أَن عِلّة الحكم أَحدهمَا فَإِذا ثَبت صِحَة مَا ادَّعَاهُ أَحدهمَا عِلّة انْتَفَى الآخر بِالْإِجْمَاع فَكَانَت فِي هَذِه الْمُعَارضَة ممانعة من هَذَا الْوَجْه
وَلَكنَّا نقُول لَا تنَافِي بَين العلتين ذاتا لجَوَاز أَن يعلق الحكم بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَمن أنكر صِحَة مَا ادَّعَاهُ خَصمه من الْعلَّة لَا يفْسد ذَلِك بِمُجَرَّد تَصْحِيح علته بل بِذكر معنى مُفسد فِي عِلّة خَصمه كَمَا أَنه لَا يثبت وَجه صِحَة علته بإفساد عِلّة خَصمه بل بِمَعْنى هُوَ دَلِيل الصِّحَّة فِي علته فَعرفنَا أَن هَذِه الْمُعَارضَة فَاسِدَة أَيْضا
ثمَّ السَّبِيل فِي كل كَلَام يذكرهُ أهل الطَّرْد على سَبِيل الْمُفَارقَة إِذا كَانَ فَقِيها أَن يذكرهُ على وَجه الممانعة فَيكون ذَلِك فقها صَحِيحا من السَّائِل على حد الْإِنْكَار لَا بُد من قبُوله مِنْهُ
وَبَيَان ذَلِك أَن الْخصم يَقُول فِي عتق الرَّهْن إِن هَذَا تصرف من الرَّاهِن مُبْطل لحق الْمُرْتَهن عَن الْمَرْهُون فَلَا ينفذ بِغَيْر رِضَاهُ كَالْبيع وَالْفرق لنا بَين هَذَا وَبَين البيع أَن ذَاك يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه فَيمكن القَوْل بانعقاده على وَجه يتَمَكَّن الْمُرْتَهن من فَسخه وَالْعِتْق لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يلغي أصل الْعتْق وَلَا نسلم لَهُ هَذَا الحكم فِي الأَصْل ثمَّ من شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم الأَصْل فَإِن كَانَ هُوَ بِالتَّعْلِيلِ يُغير حكم الأَصْل فَيجْعَل الحكم فِيهِ الإلغاء دون الِانْعِقَاد على وَجه التَّوَقُّف منعناه من التَّعْلِيل لِأَنَّهُ يَنْعَدِم بِهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل وَإِن أثبت بِهِ حكم الأَصْل وَهُوَ امْتنَاع اللُّزُوم بعد الِانْعِقَاد فِي مَحَله لمراعاة حق الْمُرْتَهن فَهَذَا لَا تصور لَهُ فِيمَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَكَذَلِكَ إِن رده على إِعْتَاق الْمَرِيض فَإِن ذَلِك عندنَا لَيْسَ يَلْغُو
(2/245)

فَإِن كَانَ يُعلل لإلغاء الْعتْق من الرَّاهِن فَهَذَا تَعْلِيل يتَغَيَّر بِهِ حكم الأَصْل وَذَلِكَ غير صَحِيح عندنَا فنمنعه بِهَذَا الطَّرِيق وعَلى الْوَجْه الذى هُوَ حكم الأَصْل وَهُوَ تَأْخِير تَنْفِيذ الْوَصِيَّة عَن قَضَاء الدّين لَا يُمكنهُ إثْبَاته بِهَذَا التَّعْلِيل فِي الْفَرْع فَكَانَت الممانعة صَحِيحَة بِهَذَا الطَّرِيق
وَكَذَلِكَ تَعْلِيل الْخصم فِي قتل الْعمد بِأَنَّهُ قتل آدمى مَضْمُون فَيكون مُوجبا لِلْمَالِ كالخطأ فَإِن الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لأهل الطَّرْد أَن فِي الْخَطَأ لَا يُمكن إِيجَاب مثل الْمُتْلف من جنسه وَهنا الْمثل من جنسه وَاجِب وَالْأولَى أَن يَقُول فِي الأَصْل المَال إِنَّمَا يجب حلفا عَمَّا هُوَ الأَصْل لفَوَات الأَصْل وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يُوجب المَال فِي الْفَرْع أصلا فَيكون فِي هَذَا التَّعْلِيل يعرض بِحكم الأَصْل بالتغيير وَشرط صِحَة التَّعْلِيل أَن لَا يكون متعرضا لحكم الأَصْل فنمنعه من التَّعْلِيل بِهَذَا الطَّرِيق حَتَّى يكون كلَاما من السَّائِل على حد الْإِنْكَار صَحِيحا
فصل فِي وُجُوه دفع المناقضة

قد ذكرنَا أَن المناقضة لَا ترد على الْعِلَل المؤثرة لِأَن دَلِيل الصِّحَّة فِيهَا بالتأثير الثَّابِت بِالْإِجْمَاع وَإِنَّمَا يرد النَّقْض على الْعِلَل الطردية لِأَن دَلِيل صِحَّتهَا الإطراد وبالمناقضة يَنْعَدِم الإطراد ثمَّ تقع الْحَاجة إِلَى معرفَة وَجه دفع النَّقْض صُورَة أَو سؤالا مُعْتَبرا عَن الْعِلَل
وَالْحَاصِل فِيهِ أَن الْمُجيب مَتى وفْق بَين مَا ذكر من الْعلَّة وَبَين مَا يُورد نقضا عَلَيْهَا بِتَوْفِيق بَين فَإِنَّهُ ينْدَفع النَّقْض عَنهُ وَإِذا لم يُمكنهُ التَّوْفِيق بَينهمَا يلْزمه سُؤال النَّقْض بِمَنْزِلَة التَّنَاقُض الَّذِي يَقع فِي مجْلِس القَاضِي من الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة وَبَين شَهَادَة الشُّهُود فَإِن ذَلِك ينتفى بِتَوْفِيق صَحِيح بَين
ثمَّ وُجُوه الدّفع أَرْبَعَة دفع بِمَعْنى الْوَصْف الذى جعله عِلّة بِمَا هُوَ ثَابت بصيغته ظَاهرا وَدفع بِمَعْنى الْوَصْف الذى هُوَ ثَابت بدلالته وهى الَّتِى صَارَت بهَا حجَّة وَهُوَ التَّأْثِير الذى قُلْنَا وَدفع بالحكم الذى هُوَ الْمَقْصُود وَدفع بالغرض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ
(2/246)

فبيان الْوَجْه الأول فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإنَّا يَقُول مسح فَلَا يسن تثليثه كالمسح بالخف فيورد عَلَيْهِ الإستنجاء بالأحجار نقضا فندفعه بِمَعْنى الْوَصْف الثَّابِت بصيغته ظَاهرا وَهُوَ قَوْلنَا مسح فَإِن فِي الإستنحاء بالأحجار لَا مُعْتَبر بِالْمَسْحِ بل الْمُعْتَبر إِزَالَة النَّجَاسَة حَتَّى لَو تصور خُرُوج الْحَدث من غير أَن يتلوث شَيْء مِنْهُ من ظَاهر الْبدن لَا يجب الْمسْح وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الإستطابة بِالْمَاءِ بعد إِزَالَة عين النَّجَاسَة بِالْحجرِ فِيهِ أفضل وَمَعْلُوم أَن فِي الْعُضْو الْمَمْسُوح لَا يكون الْغسْل بعد الْمسْح أفضل وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا فِي الْخَارِج من غير السَّبِيلَيْنِ إِنَّه حدث لِأَنَّهُ خَارج نجس يُورد عَلَيْهِ مَا إِذا لم يسل عَن رَأس الْجرْح وَدفع هَذَا النَّقْض بِمَعْنى الْوَصْف ظَاهرا وَهُوَ قَوْلنَا خَارج فَمَا لم يسل فَهُوَ طَاهِر لتقشير الْجلد عَنهُ وَلَيْسَ بِخَارِج إِنَّمَا الْخَارِج مَا يُفَارق مَكَانَهُ وَتَحْت كل مَوضِع من الْجلد كمن يكون فِي الْبَيْت إِذا رفع الْبُنيان الَّذِي كَانَ هُوَ مستترا بِهِ يكون ظَاهرا وَلَا يكون خَارِجا وَإِنَّمَا يُسمى خَارِجا من الْبَيْت إِذا فَارق مَكَانَهُ وَلِهَذَا لَا يجب تَطْهِير ذَلِك الْموضع لِأَنَّهُ مَا لم يصر خَارِجا من مَكَانَهُ لَا يعْطى لَهُ حكم النَّجَاسَة
وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ أَيْضا فَإِن تَأْثِير قَوْلنَا مسح أَنه طَهَارَة حكمِيَّة غير معقولة الْمَعْنى وهى مَبْنِيَّة على التَّخْفِيف أَلا ترى أَنه لَا تَأْثِير للمسح فِي إِثْبَات صفة الطَّهَارَة بعد تنجس الْمحل حَقِيقَة وَأَنه يتَأَدَّى بِبَعْض الْمحل للتَّخْفِيف فَلَا يرد عَلَيْهِ الإستنجاء لِأَن الْمَطْلُوب هُنَاكَ إِزَالَة عين النَّجَاسَة وَلِهَذَا لَا يتم بِاسْتِعْمَال الْحجر فِي بعض الْمحل دون الْبَعْض فباعتبار الإستيعاب فِيهِ وَالْقَصْد إِلَى تَطْهِير الْمحل بِإِزَالَة حَقِيقَة النَّجَاسَة عَنهُ يشبه الإستنجاء الْغسْل فِي الْأَعْضَاء المغسولة دون الْمسْح لهت وَكَذَلِكَ قَوْلنَا الْخَارِج النَّجس كَانَ حجَّة التَّأْثِير لَهَا هُوَ وجوب التَّطْهِير فِي ذَلِك الْموضع فَإِن بِالْإِجْمَاع غسل ذَلِك الْموضع للتطهير وَاجِب وَوُجُوب التَّطْهِير فِي الْبدن بِاعْتِبَار مَا يكون مِنْهُ لَا يحْتَمل التجزى فيندفع مَا إِذا لم تسل النَّجَاسَة لِأَنَّهُ لم يجب
(2/247)

هُنَاكَ تَطْهِير ذَلِك الْموضع بِالْغسْلِ
فَعرفنَا أَنه انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا يكون مرجحا لِلْعِلَّةِ فَكيف يكون نقضا وسنقرر هَذَا فِي بَيَان تَرْجِيح الْعلَّة الَّتِي تنعكس على الْعلَّة الَّتِي لَا تنعكس
وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث فِيمَا يُعلل بِهِ فِي النّذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر أَنه يَوْم فَيصح إِضَافَة النّذر إِلَيْهِ كَسَائِر الْأَيَّام فيورد عَلَيْهِ يَوْم الْحيض نقضا وَوجه الدّفع بالحكم الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ صِحَة إِضَافَة النّذر بِالصَّوْمِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ الْيَوْم يَصح إِضَافَة النّذر بِالصَّوْمِ إِلَيْهِ فَإِنَّهَا لَو قَالَت لله عَليّ أَن أَصوم غَدا يَصح نذرها وَإِن حَاضَت من الْغَد وَإِنَّمَا فسد نذرها بِالْإِضَافَة إِلَى الْحيض لَا إِلَى الْيَوْم
وَكَذَلِكَ يُعلل فِي التَّكْفِير بالمكاتب فَنَقُول عقد الْكِتَابَة يحْتَمل الْفَسْخ فَلَا تخرج الرَّقَبَة من جَوَاز التَّكْفِير بِعتْقِهَا كَالْبيع وَالْإِجَارَة فيورد عَلَيْهِ نقضا مَا إِذا أدّى بعض بدل الْكِتَابَة وَطَرِيق الدّفع بالحكم وَهُوَ أَن هَذَا العقد لَا يخرج الرَّقَبَة من أَن تكون محلا للتكفير بهَا وَهنا العقد لَا يخرج الرَّقَبَة من ذَلِك وَلَكِن معنى الْمُعَاوضَة هُوَ الَّذِي يمْنَع صِحَة التَّكْفِير بذلك التَّحْرِير وَبَعض أهل النّظر يعبرون عَن هَذَا النَّوْع من الدّفع بِأَن التَّعْلِيل للجملة فَلَا يرد عَلَيْهِ الْإِفْرَاد نقضا وفقهه مَا ذكرنَا
وَبَيَان الْوَجْه الرَّابِع من الدّفع فِيمَا عللنا بِهِ الْخَارِج من غير السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ خَارج نجس فَيكون حَدثا كالخارج من السَّبِيلَيْنِ فيورد عَلَيْهِ دم الِاسْتِحَاضَة مَعَ بَقَاء الْوَقْت نقضا
وللدفع فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن ذَلِك حدث عندنَا وَلَكِن يتَأَخَّر حكمه إِلَى مَا بعد خُرُوج الْوَقْت وَلِهَذَا تلزمها الطَّهَارَة بعد خُرُوج الْوَقْت وَإِن لم يكن خُرُوج الْوَقْت حَدثا وَالْحكم تَارَة يتَّصل بِالسَّبَبِ وَتارَة يتَأَخَّر عَنهُ فَهَذَا الدّفع من جملَة الْوَجْه الثَّالِث بِبَيَان أَنه حدث بِالْجُمْلَةِ وَالثَّانِي أَن الْمَقْصُود بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَقد سوينا فَإِن الْخَارِج الْمُعْتَاد من السَّبِيل إِذا كَانَ دَائِما يكون حَدثا مُوجبا للطَّهَارَة بعد خُرُوج الْوَقْت لَا فِي الْوَقْت فَكَذَلِك الَّذِي هُوَ غير الْمُعْتَاد وَالَّذِي هُوَ خَارج من غير سَبِيل
وَكَذَا إِذا عللنا فِي أَن السّنة فِي التَّأْمِين الْإخْفَاء بقولنَا إِنَّه ذكر لَا يدْخل عَلَيْهِ الْأَذَان وَلَا التَّكْبِيرَات الَّتِي يجْهر بهَا الإِمَام لِأَن الْغَرَض التَّسْوِيَة بَين التَّأْمِين
(2/248)

وَبَين سَائِر الْأَذْكَار فِي أَن الأَصْل هُوَ الْإخْفَاء وَذَلِكَ ثَابت إِلَّا إِن جهر الإِمَام بالتكبيرات لَا لِأَنَّهَا ذكر بل لإعلام من خَلفه بالانتقال من ركن إِلَى ركن والجهر بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة كَذَلِك أَيْضا وَلِهَذَا لَا يجْهر الْمُقْتَدِي بالتكبيرات وَلَا يجْهر الْمُنْفَرد بالتكبيرات وَلَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة فَيدْفَع النَّقْض بِبَيَان الْغَرَض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ التَّسْوِيَة بَين هَذَا الذّكر وَبَين سَائِر أذكار الصَّلَاة
وَبَعض أهل النّظر يعبرون عَن هَذَا فَيَقُولُونَ مقصودنا بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَقد سوينا بَينهمَا فِي مَوضِع النَّقْض كَمَا سوينا فِي مَوضِع التَّعْلِيل فيتبين بِهِ وَجه التَّوْفِيق بطرِيق ينْدَفع بِهِ التَّنَاقُض وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب التَّرْجِيح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ رَضِي الله عَنهُ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي فُصُول أَحدهَا فِي معنى التَّرْجِيح لُغَة وَشَرِيعَة وَالثَّانِي فِي بَيَان مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح وَالثَّالِث فِي بَيَان المخلص من تعَارض يَقع فِي التَّرْجِيح وَالرَّابِع فِي بَيَان مَا هُوَ فَاسد من وُجُوه التَّرْجِيح
فَأَما الأول فَنَقُول تَفْسِير التَّرْجِيح لُغَة إِظْهَار فضل فِي أحد جَانِبي المعادلة وَصفا لَا أصلا فَيكون عبارَة عَن مماثلة يتَحَقَّق بهَا التَّعَارُض ثمَّ يظْهر فِي أحد الْجَانِبَيْنِ زِيَادَة على وَجه لَا تقوم تِلْكَ الزِّيَادَة بِنَفسِهَا فِيمَا تحصل بِهِ الْمُعَارضَة أَو تثبت بِهِ الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ وَمِنْه الرجحان فِي الْوَزْن فَإِنَّهُ عبارَة عَن زِيَادَة بعد ثُبُوت المعادلة بَين كفتي الْمِيزَان وَتلك الزِّيَادَة على وَجه لَا تقوم مِنْهَا الْمُمَاثلَة ابْتِدَاء وَلَا يدْخل تَحت الْوَزْن مُنْفَردا عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ مَقْصُودا بِنَفسِهِ فِي الْعَادة نَحْو الْحبَّة فِي الْعشْرَة وَهَذَا لِأَن ضد التَّرْجِيح التطفيف وَإِنَّمَا يكون التطفيف بِنُقْصَان يظْهر فِي الْوَزْن أَو الْكَيْل بعد وجود الْمُعَارضَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي تثبت بِهِ الْمُمَاثلَة على وَجه لَا تنعدم بِهِ الْمُعَارضَة فَكَذَلِك الرجحان يكون بِزِيَادَة وصف على وَجه لَا تقوم بِهِ الْمُمَاثلَة وَلَا يَنْعَدِم بظهوره أصل الْمُعَارضَة وَلِهَذَا لَا تسمى زِيَادَة دِرْهَم على الْعشْرَة فِي أحد
(2/249)

الْجَانِبَيْنِ رجحانا لِأَن الْمُمَاثلَة تقوم بِهِ أصلا وَتسَمى زِيَادَة الْحبَّة وَنَحْوهَا رجحانا لِأَن الْمُمَاثلَة لَا تقوم بهَا عَادَة
وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَة هُوَ عبارَة عَن زِيَادَة تكون وَصفا لَا أصلا فَإِن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ للوازن زن وأرجح فَإنَّا معشر الْأَنْبِيَاء هَكَذَا نزن وَلِهَذَا لَا بثبت حكم الْهِبَة فِي مِقْدَار الرجحان لِأَنَّهُ زِيَادَة تقوم وَصفا لَا مَقْصُودا بِسَبَبِهِ بِخِلَاف زِيَادَة الدِّرْهَم على الْعشْرَة فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ الحكم الْهِبَة حَتَّى لَو لم يكن متميزا كَانَ الحكم فِيهِ كَالْحكمِ فِي هبة الْمشَاع لِأَنَّهُ مِمَّا تقوم بِهِ الْمُمَاثلَة فَإِنَّهُ يكون مَقْصُودا بِالْوَزْنِ فَلَا بُد من أَن يَجْعَل مَقْصُودا فِي التَّمْلِيك بِسَبَبِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْهِبَة فَإِن قَضَاء الْعشْرَة يكون بِمِثْلِهَا عشرَة فيتبين أَن بالرجحان لَا يَنْعَدِم أصل الْمُمَاثلَة لِأَنَّهُ زِيَادَة وصف بِمَنْزِلَة زِيَادَة وصف الْجَوْدَة وَمَا يكون مَقْصُودا بِالْوَزْنِ تنعدم بِهِ الْمُمَاثلَة وَلَا يكون ذَلِك من الرجحان فِي شَيْء وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي الْعِلَل فِي الْأَحْكَام إِن مَا يصلح عِلّة للْحكم ابْتِدَاء لَا يصلح للترجيح بِهِ وَإِنَّمَا يكون التَّرْجِيح بِمَا لَا يصلح عِلّة مُوجبَة للْحكم
وَبَيَان ذَلِك فِي الشَّهَادَات فَإِن أحد المدعيين لَو أَقَامَ شَاهِدين وَأقَام الآخر أَرْبَعَة من الشُّهُود لم يتَرَجَّح الَّذِي شهد لَهُ أَرْبَعَة لِأَن زِيَادَة الشَّاهِدين فِي حَقه عِلّة تَامَّة للْحكم فَلَا يصلح مرجحا للحجة فِي جَانِبه وَكَذَلِكَ زِيَادَة شَاهد وَاحِد لأحد المدعيين لِأَنَّهُ من جنس مَا تقوم بِهِ الْحجَّة أصلا فَلَا يَقع التَّرْجِيح بِهِ أصلا وَإِنَّمَا يَقع التَّرْجِيح بِمَا يقوى ركن الْحجَّة أَو يقوى معنى الصدْق فِي الشَّهَادَة وَذَلِكَ فِي أَن تتعارض شَهَادَة المستور مَعَ شَهَادَة الْعدْل بِأَن أَقَامَ أحد المدعيين مستورين وَالْآخر عَدْلَيْنِ فَإِنَّهُ يتَرَجَّح الَّذِي شهد بِهِ العدلان بِظُهُور مَا يُؤَكد معنى الصدْق فِي شَهَادَة شُهُوده
وَكَذَلِكَ فِي النّسَب أَو النِّكَاح لَو ترجح حجَّة أحد الْخَصْمَيْنِ باتصال الْقَضَاء بهَا لِأَن ذَلِك مِمَّا يُؤَكد ركن الْحجَّة فَإِن بِقَضَاء القاضى يتم معنى الْحجَّة فِي الشَّهَادَة وَيتَعَيَّن جَانب الصدْق
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي العلتين إِذا تَعَارَضَتَا لَا تترجح إِحْدَاهمَا بانضمام عِلّة أُخْرَى إِلَيْهَا وَإِنَّمَا هَذَا تترجح بِقُوَّة الْأَثر فِيهَا فبه يتَأَكَّد مَا هُوَ الرُّكْن فِي صِحَة الْعلَّة
وَكَذَلِكَ الخبران إِذا تَعَارضا لَا يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر بِخَبَر آخر بل بِمَا بِهِ يتَأَكَّد معنى الْحجَّة
(2/250)

فِيهِ وَهُوَ الإتصال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى يرجح الْمَشْهُور بِكَثْرَة رُوَاته على الشاذ لظُهُور زِيَادَة الْقُوَّة فِيهِ من حَيْثُ الإتصال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويترجح بِفقه الرواى وَحسن ضَبطه وإتقانه لِأَنَّهُ يتقوى بِهِ معنى الإتصال برَسُول الله على الْوَجْه الذى وصل إِلَيْنَا بِالنَّقْلِ
وَكَذَلِكَ الْآيَتَانِ إِذا وَقعت الْمُعَارضَة بَينهمَا لَا تترجح إِحْدَاهمَا بِآيَة أُخْرَى بل تترجح بِقُوَّة فِي معنى الْحجَّة وَهُوَ أَنه نَص مُفَسّر وَالْآخر مؤول وَكَذَلِكَ لَا يتَرَجَّح أحد الْخَبَرَيْنِ بِالْقِيَاسِ
فَعرفنَا أَن مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح هُوَ مَا لَا يصلح عِلّة للْحكم ابْتِدَاء بل مَا يكون مقويا لما بِهِ صَارَت الْعلَّة مُوجبَة للْحكم
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو أَن رجلا جرح رجلا جِرَاحَة وجرحه آخر عشر جراحات فَمَاتَ من ذَلِك فَإِن الدِّيَة عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَن كل جِرَاحَة عِلّة تَامَّة وَلَا يتَرَجَّح أَحدهمَا بِزِيَادَة عدد فِي الْعلَّة فِي جَانِبه حَتَّى يصير الْقَتْل مُضَافا إِلَيْهِ دون صَاحبه بل يصير مُضَافا إِلَى فعلهمَا على وَجه التساوى
وَلَو قطع أَحدهمَا يَده ثمَّ جز الآخر رقبته فالقاتل هُوَ الذى جز رقبته دون الآخر لزِيَادَة قُوَّة فِيمَا هُوَ عِلّة الْقَتْل من فعله وَهُوَ أَنه لَا يتَوَهَّم بَقَاؤُهُ حَيا بعد فعله بِخِلَاف فعل الآخر
وعَلى هَذَا الأَصْل رجحنا سَبَب اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة للشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع على السَّبَب فِي حق الشَّرِيك فِي حُقُوق الْمَبِيع ثمَّ رجحنا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع على الْجَار لزِيَادَة وكادة فِي الإتصال الذى ثَبت بالجوار فَإِن اتِّصَال الْملكَيْنِ فِي حق الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع فِي كل جُزْء فِي حق الشَّرِيك فِي حُقُوق الْمَبِيع الإتصال فِيمَا هُوَ بيع من الْمَبِيع وَفِي حق الْجَار لَا اتِّصَال من حَيْثُ الإختلاط فِيمَا هُوَ مَقْصُود وَلَا فِيمَا هُوَ تبع وَإِنَّمَا الإتصال من حَيْثُ الْمُجَاورَة بَين الْملكَيْنِ مَعَ تميز أَحدهمَا من الآخر ثمَّ من كَانَ جواره من ثَلَاث جَوَانِب لَا يتَرَجَّح على من كَانَ جواره من جَانب وَاحِد لِأَن الْمَوْجُود فِي جَانِبه زِيَادَة الْعلَّة من حَيْثُ الْعدَد فَلَا يثبت بِهِ التَّرْجِيح
وعَلى هَذَا قُلْنَا صَاحب الْقَلِيل يساوى صَاحب الْكثير فِي اسْتِحْقَاق الشّقص الْمَبِيع بِالشُّفْعَة لِأَن الشّركَة بِكُل جُزْء عِلّة تَامَّة لإستحقاق جَمِيع الشّقص الْمَبِيع بِالشُّفْعَة فَإِنَّمَا وجد فِي جَانب صَاحب الْكثير كَثْرَة الْعلَّة وَبِه لَا يَقع التَّرْجِيح
وَهَكَذَا يَقُول الشَّافِعِي فِي اعْتِبَار أصل التَّرْجِيح فَإِنَّهُ لَا يرجح
(2/251)

صابح الْكثير هُنَا حَتَّى يكون لصَاحب الْقَلِيل حق الْمُزَاحمَة مَعَه مَعَ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة إِلَّا أَنه يَجْعَل الشُّفْعَة من جملَة مُوَافق الْملك فَتكون مقسومة بَين الشفعاء على قدر الْملك كَالْوَلَدِ وَالرِّبْح وَالثِّمَار من الْأَشْجَار الْمُشْتَركَة أَو يَجْعَل هَذَا بِمَنْزِلَة ملك الْمَبِيع فَيَجْعَلهُ مقسوما على مِقْدَار مَا يلْتَزم كل وَاحِد من المشترين من بدله وَهُوَ الثّمن حَتَّى إِذا بَاعَ عبدا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم من رجلَيْنِ على أَن يكون على أَحدهمَا ألف دِرْهَم على الآخر بِعَيْنِه ألفا دِرْهَم فَإِن الْملك بَينهمَا فِي الْمَبِيع يكون أَثلَاثًا على قدر الْملك
وَهَذَا غلط مِنْهُ لِأَنَّهُ جعل الحكم مقسوما على قدر الْعلَّة أَو بنى الْعلَّة على الحكم وَذَلِكَ غير مُسْتَقِيم
وعَلى هَذَا اتّفقت الصَّحَابَة فِي امْرَأَة مَاتَت عَن ابنى عَم أَحدهمَا زَوجهَا فَإِن للزَّوْج النّصْف والباقى بَينهمَا بالعصوبة وَلَا يتَرَجَّح الزَّوْج بِسَبَب الزَّوْجِيَّة لِأَن ذَلِك عِلّة أُخْرَى لإستحقاق الْمِيرَاث سوى مَا يسْتَحق بِهِ الْعُصُوبَة فَلَا يتَرَجَّح علته بعلة أُخْرَى وَلَكِن يعْتَبر كل وَاحِد من السببين فِي حق من اجْتمع فِي حَقه السببان بِمَنْزِلَة مَا لَو وجد كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي شخص آخر
وَكَذَلِكَ قَالَ أَكثر الصَّحَابَة فِي انبى عَم أَحدهمَا أَخ لأم إِنَّه لَا يتَرَجَّح بالأخوة لأم على الآخر وَلَكِن لَهُ السُّدس بالفرضية والباقى بَينهمَا نِصْفَانِ بالعصوبة
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ يتَرَجَّح ابْن الْعم الذى هُوَ أَخ لأم لِأَن الْكل قرَابَة فتقوى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ بالجهة الْأُخْرَى بِمَنْزِلَة أَخَوَيْنِ أَحدهمَا لأَب وَأم وَالْآخر لأَب
وأخذنا بقول أَكثر الصَّحَابَة لِأَن الْعُصُوبَة الْمُسْتَحقَّة بِكَوْنِهِ ابْن عَم مُخَالف للْمُسْتَحقّ بالأخوة وَلِهَذَا يكون اسْتِحْقَاق ابْن الْعم الْعُصُوبَة بعد اسْتِحْقَاق الْأَخ بدرجات وَالتَّرْجِيح بِقرَابَة الْأُم فِي اسْتِحْقَاق الْعُصُوبَة إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد جِهَة الْعُصُوبَة والإستواء فِي الْمنزلَة كَمَا فِي حق الْأَخَوَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَقع التَّرْجِيح بِقرَابَة الْأُم لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق بهَا الْعُصُوبَة ابْتِدَاء فَيجوز أَن تتقوى بهَا عِلّة الْعُصُوبَة فِي جَانب الْأَخ لأَب وَأم إِذْ التَّرْجِيح يكون بعد الْمُعَارضَة والمساواة فَأَما قرَابَة الْأُخوة فهى لَيست من جنس قرَابَة ابْن الْعم حَتَّى تتقوى بهَا الْعُصُوبَة الثَّابِتَة لِابْنِ الْعم الذى هُوَ أَخ لأم بل يكون هَذَا السَّبَب بِمَنْزِلَة الزَّوْجِيَّة فَتعْتَبر حَال اجتماعها فِي شخص وَاحِد بِحَال انْفِرَاد كل وَاحِد من السببين فِي شخص آخر وَكثير من الْمسَائِل تخرج على مَا ذكرنَا من الأَصْل فِي هَذَا الْفَصْل إِذا تَأَمَّلت
(2/252)

فصل
وَمَا ينتهى إِلَيْهِ مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح فِي الْحَاصِل أَرْبَعَة أَحدهَا قُوَّة الْأَثر وَالثَّانِي قُوَّة الثَّبَات على الحكم الْمَشْهُود بِهِ وَالثَّالِث كَثْرَة الْأُصُول وَالرَّابِع عدم الحكم عِنْد عدم الْعلَّة
أما الْوَجْه الأول فَلِأَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار الْوَصْف حجَّة الْأَثر فمهما كَانَ الْأَثر أقوى كَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ أولى لصفة الوكادة فِيمَا بِهِ صَار حجَّة
فَذَلِك نَحْو دَلِيل الِاسْتِحْسَان مَعَ الْقيَاس وَنَحْو الْأَخْبَار إِذا تَعَارَضَت فَإِن الْخَبَر لما كَانَ حجَّة لِمَعْنى الِاتِّصَال برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا يزِيد معنى الِاتِّصَال وكادة من الاشتهار وَفقه الرَّاوِي وَحسن ضَبطه واتقانه كَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ أولى
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الشَّهَادَات مَتى تَعَارَضَت لم يتَرَجَّح بَعْضهَا بِقُوَّة عَدَالَة بعض الشَّاهِد وَهِي إِنَّمَا صَارَت حجَّة بِاعْتِبَار الْعَدَالَة ثمَّ بعد ظُهُور عادلة الْفَرِيقَيْنِ لَا يَقع التَّرْجِيح بِزِيَادَة معنى الْعَدَالَة قُلْنَا الْعَدَالَة لَيست بِذِي أَنْوَاع مُتَفَاوِتَة حَتَّى يظْهر لبعضها قُوَّة عِنْد الْمُقَابلَة بِالْبَعْضِ وَهِي عبارَة عَن التَّقْوَى والانزجار عَن ارْتِكَاب مَا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف فِيهِ على حد أَن يرجح الْبَعْض بِزِيَادَة قُوَّة عِنْد الرُّجُوع إِلَى حَده بِخِلَاف تَأْثِير الْعلَّة فَإِن قُوَّة الْأَثر عِنْد الْمُقَابلَة تظهر على وَجه لَا يُمكن إِنْكَاره
وَبَيَان هَذَا فِي مسَائِل
مِنْهَا أَن الشَّافِعِي علل فِي طول الْحرَّة أَنه يمْنَع نِكَاح الْأمة لِأَن فِي هَذَا العقد إرقاق جُزْء مِنْهُ مَعَ استغنائه عَنهُ فَلَا يجوز كَمَا لَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة وَهَذَا الْوَصْف بَين الْأَثر فَإِن الإرقاق نَظِير الْقَتْل من وَجه أَلا نرى أَن الإِمَام فِي الْأُسَارَى يتَخَيَّر بَين الْقَتْل والاسترقاق فَكَمَا يحرم عَلَيْهِ قتل وَلَده شرعا يحرم عَلَيْهِ إرقاقه مَعَ استغنائه عَنهُ
وَقُلْنَا هَذَا النِّكَاح يجوز لعبد الْمُسلم فَإِن الْمولى إِذا دفع إِلَيْهِ مَالا وَأذن لَهُ فِي أَن ينْكح بِهِ مَا شَاءَ من حرَّة أَو أمة جَازَ لَهُ أَن ينْكح الْأمة فَلَمَّا كَانَ طول الْحرَّة لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة للْعَبد الْمُسلم لَا يمْنَع للْحرّ لوُجُود الْحرَّة فِي الدُّنْيَا
وتأثير مَا قُلْنَا أَن تَأْثِير الرّقّ
(2/253)

فِي تنصيف الْحل الذى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ عقد النِّكَاح وَحَقِيقَة التنصيف فِي أَن يكون حكم العَبْد فِي النّصْف الباقى لَهُ وَحكم الْحر فِي جَمِيع ذَلِك سَوَاء فَمَا يكون شرطا فِي حق الْحر يكون شرطا فِي حق العَبْد كالمشهود وخلو الْمَرْأَة عَن الْعدة وَمَال لَا يكون شرطا فِي حق العَبْد لَا يكون شرطا فِي حق الْحر كالخطبة وَتَسْمِيَة الْمهْر لَا يكون فِي حق العَبْد
ثمَّ تظهر قُوَّة التَّأْثِير لما قُلْنَا فِي الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول فَإِن الرّقّ من أَوْصَاف النُّقْصَان وَالْحريَّة من أَوْصَاف الْكَمَال وَهَذَا الْحل كَرَامَة يخْتَص بِهِ الْبشر فَكيف يجوز القَوْل بِأَنَّهُ يَتَّسِع الْحل بِسَبَب الرّقّ حَتَّى يحل للْعَبد مَا لَا يحل للْحرّ
وبزداد قُوَّة بِالنّظرِ فِي أَحْوَال الْبشر فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فضل أمته بِزِيَادَة اتساع فِي حلّه حَتَّى جَازَ لَهُ نِكَاح تسع نسْوَة أَو إِلَى مَا لَا يتناهى على حسب مَا اخْتلفُوا فِيهِ
فَتبين بِهَذَا تَحْقِيق معنى الْكَرَامَة فِي زِيَادَة الْحل وَظهر أَنه لَا يجوز القَوْل بِزِيَادَة حل العَبْد على حل الْحر
وَيظْهر ضعف أثر علته فِي الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول فَإِن إرقاق المَاء دون التضييع لَا محَالة وَيحل لَهُ أَن يضيع مَاءَهُ بِالْعَزْلِ عَن الْحرَّة بِإِذْنِهَا فَلِأَن يجوز تَعْرِيض مَا بِهِ الرّقّ بِنِكَاح الْأمة كَانَ أولى
ويزداد ضعفا بِالرُّجُوعِ إِلَى أَحْوَال الْبشر فَإِنَّهُ من ملك نَفسه على وَجه يَأْمَن أَن يَقع فِي الْحَرَام يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة وَلَا يحل لَهُ قتل وَلَده إِذا أَمن جَانِبه بِحَال من الْأَحْوَال
وعَلى هَذَا قُلْنَا للْحرّ أَن يتَزَوَّج أمة على أمة لِأَن ذَلِك جَائِز للْعَبد فَيجوز للْحرّ من الْوَجْه الذى قَررنَا وَلَا يجوز للْعَبد أَن ينْكح أمة على حرَّة كَمَا لَا يجوز ذَلِك للْحرّ لِأَن العَبْد فِي النّصْف الباقى لَهُ مثل الْحر فِي الحكم
وَعلل فِي حُرْمَة نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة على الْمُسلم بِأَنَّهَا أمة كَافِرَة فَلَا يجوز نِكَاحهَا للْمُسلمِ كالمجوسية
وَهَذَا بَين الْأَثر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرّقّ مُؤثر فِي حُرْمَة النِّكَاح حَتَّى لَا يجوز نِكَاح الْأمة على الْحرَّة وَالْكفْر كَذَلِك فَإِذا اجْتمع الوصفان فِي شخص تغلظ معنى الْحُرْمَة فِيهَا فيلتحق بالْكفْر المتغلظ بِعَدَمِ الْكتاب فِي الْمَنْع من النِّكَاح
وَالثَّانِي أَن جَوَاز نِكَاح الْأمة بطرِيق الضَّرُورَة عِنْد خشيَة الْعَنَت وَهَذِه الضَّرُورَة ترْتَفع بِحل الْأمة الْمسلمَة فَلَا حَاجَة إِلَى حل الْأمة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ بِالنِّكَاحِ
وَقُلْنَا نَحن الْيَهُودِيَّة
(2/254)

والنصرانية دين يجوز للْمُسلمِ نِكَاح الْحرَّة من أَهلهَا فَيجوز نِكَاح الْأمة كَدين الْإِسْلَام
وتأثيره فِيمَا بَينا أَن الرّقّ يُؤثر فِي التنصيف من الْجَانِبَيْنِ فِيمَا يبتنى على الْحل إِلَّا أَن مَا يكون مُتَعَددًا فالتنصيف يظْهر فِي الْعدَد كَالطَّلَاقِ وَالْعدة وَالْقسم وَالنِّكَاح الذى يبتنى على الْحل فِي جَانب الرجل مُتَعَدد فالتنصيف يظْهر فِي الْعدَد وَفِي جَانب الْمَرْأَة غير مُتَعَدد فَإِنَّهَا لَا تحل لِرجلَيْنِ بِحَال وَلَكِن من حَيْثُ الْأَحْوَال مُتَعَدد حَال تقدم نِكَاحهَا على نِكَاح الْحرَّة وَحَال التَّأَخُّر وَحَال الْمُقَارنَة فَيظْهر التنصيف بِاعْتِبَار الْأَحْوَال وَفِي الْحَال الْوَاحِد يجْتَمع معنى الْحل وَمعنى الْحُرْمَة فيترجح معنى الْحُرْمَة بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَالْعدة فَإِن طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان وَفِي الْحَقِيقَة هما حالتان حَالَة الإنفراد عَن الْحرَّة بِالسَّبقِ وَحَالَة الإنضمام إِلَى الْحرَّة بالمقارنة أَو التَّأَخُّر فَتكون محللة فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ دون الْأُخْرَى
ثمَّ تظهر قُوَّة هَذَا الْأَثر بِالتَّأَمُّلِ فِي الْأُصُول فَإِن الْحل تَارَة يثبت بِالنِّكَاحِ وَتارَة بِملك الْيَمين وَوجدنَا أَن الْأمة الْكِتَابِيَّة كالأمة الْمسلمَة فِي الْحل بِملك الْيَمين فَكَذَلِك فِي الْحل بِالنِّكَاحِ ولسنا نسلم أَنه يتغلظ كفر الْكِتَابِيَّة برقها فِي حكم النِّكَاح فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يحل بِملك الْيَمين كالمجوسية
ثمَّ النُّقْصَان أَو الْخبث الثَّابِت بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا من وَجه سوى الْوَجْه الآخر وَإِنَّمَا يظْهر التَّغْلِيظ عِنْد إِمْكَان إِثْبَات الِاتِّحَاد بَينهمَا وَمَعَ اخْتِلَاف الْجِهَة لَا يَتَأَتَّى ذَلِك
وَقد بَينا أَن انضمام عِلّة إِلَى عِلّة لَا يُوجب قُوَّة فِي الحكم
وَلَا نسلم أَن إِبَاحَة نِكَاح الْأمة بطرِيق الضَّرُورَة لما بَينا أَن الرَّقِيق فِي النّصْف الباقى مسَاوٍ للْحرّ فَكَمَا أَن نِكَاح الْحرَّة يكون أصلا مَشْرُوعا لَا بطرِيق الضَّرُورَة فَكَذَلِك نِكَاح الْأمة فِي النّصْف الباقى لَهَا ونعتبرها بِالْعَبدِ بل أولى لِأَن معنى عدم الضَّرُورَة فِي حق الْأمة أظهر مِنْهُ فِي حق العَبْد فَإِنَّهَا تستمتع بمولاها بِملك الْيَمين وَالْعَبْد لَا طَرِيق لَهُ سوى النِّكَاح ثمَّ لم نجْعَل بَقَاء مَا بقى فِي حق العَبْد بعد التنصيف بِالرّقِّ ثَابتا بطرِيق الضَّرُورَة
(2/255)

فَفِي حق الْأمة أولى وَعلل الشَّافِعِي رَحمَه الله فِيمَا إِذا أسلم أحد الزَّوْجَيْنِ فِي دَار الْإِسْلَام أَو فِي دَار الْحَرْب فَإِن كَانَ قبل الدُّخُول يتعجل الْفرْقَة وَإِن كَانَ بعد الدُّخُول يتَوَقَّف على انْقِضَاء الْعدة فَإِن الْحَادِث اخْتِلَاف الدّين بَين الزَّوْجَيْنِ فَيُوجب الْفرْقَة عِنْد عدم الْعدة كالردة وَسوى بَينهمَا فِي الْجَواب فَقَالَ إِذا ارْتَدَّ أَحدهمَا قبل الدُّخُول تتعجل الْفرْقَة فِي الْحَال وَبعد الدُّخُول يتَوَقَّف على انْقِضَاء ثَلَاث حيض
وَبَيَان أثر هَذَا الْوَصْف فِي ابْتِدَاء النِّكَاح فَإِن مَعَ اخْتِلَاف الدّين عِنْد إِسْلَام الْمَرْأَة وَكفر الزَّوْج لَا ينْعَقد النِّكَاح ابْتِدَاء كَمَا أَن عِنْد ردة أَحدهمَا لَا ينْعَقد النِّكَاح ابْتِدَاء فَكَذَلِك فِي حَالَة الْبَقَاء تستوي ردة أَحدهمَا وَإِسْلَام أَحدهمَا إِذا كَانَ على وَجه يمْنَع ابْتِدَاء النِّكَاح وَفِي الرِّدَّة إِنَّمَا يثبت هَذَا الحكم للِاخْتِلَاف فِي الدّين لَا لمنافاة الرِّدَّة النِّكَاح فَإِنَّهُمَا لَو ارتدا مَعًا نَعُوذ بِاللَّه لَا تقع الْفرْقَة بَينهمَا وَإِنَّمَا انْعَدم الِاخْتِلَاف فِي الدّين هُنَا فَأَما الرِّدَّة فمتحققة وَمَعَ تحقق الْمنَافِي لَا يتَصَوَّر بَقَاء النِّكَاح كالمحرمية بِالرّضَاعِ والمصاهرة
وَقُلْنَا نَحن الْإِسْلَام سَبَب لعصمة الْملك فَلَا يجوز أَن يسْتَحق بِهِ زَوَال الْملك بِحَال وَكفر الَّذِي أصر مِنْهُمَا على الْكفْر كَانَ مَوْجُودا وَصَحَّ مَعَه النِّكَاح ابْتِدَاء وَبَقَاء فَلَا يجوز أَن يكون سَببا للفرقة أَيْضا
وَلَا يُقَال هَذَا الْكفْر إِنَّمَا لم يكن سَببا للفرقة فِي حَال كفر الآخر لَا بعد إِسْلَامه كَمَا لَا يكون سَببا للْمَنْع من ابْتِدَاء النِّكَاح فِي حَال كفر الآخر لَا بعد إِسْلَامه لِأَن اعْتِبَار الْبَقَاء بِالِابْتِدَاءِ فِي أصُول الشَّرْع ضَعِيف جدا فَإِن قيام الْعدة وَعدم الشُّهُود يمْنَع ابْتِدَاء النِّكَاح وَلَا يمْنَع الْبَقَاء والاستغناء عَن نِكَاح الْأمة بِنِكَاح الْحرَّة يمْنَع نِكَاحهَا ابْتِدَاء وَلَا يمْنَع الْبَقَاء إِذا تزوج الْحرَّة بعد الْأمة فَإِن ظهر أَن وَاحِدًا من هذَيْن السببين لَا يصلح سَببا لاسْتِحْقَاق الْفرْقَة وَلَا بُد من دفع ضَرَر الظُّلم الْمُتَعَلّق عَنْهَا لِأَن مَا هُوَ الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الِاسْتِمْتَاع فَائت شرعا جعلنَا السَّبَب تَفْرِيق القَاضِي بعد عرض الْإِسْلَام على الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا وَهُوَ قوي الْأَثر بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأُصُول فَإِن التَّفْرِيق بِاللّعانِ وبسبب الْجب والعنة وبسبب الْإِيلَاء يكون ثَابتا بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى محالا بِهِ على من كَانَ فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ من جِهَته
(2/256)

فَهُنَا أَيْضا يُحَال بِهِ على من كَانَ فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ بالإصرار على الْكفْر من جِهَته وَلَا يثبت إِلَّا بِقَضَاء القَاضِي
فَأَما الرِّدَّة فَهِيَ غير مَوْضُوعَة للفرقة بِدَلِيل صِحَّتهَا حَيْثُ لَا نِكَاح وَبِه فَارق الطَّلَاق وَإِذا لم يكن مَوْضُوعا للفرقة عرفنَا أَن حُصُول الْفرْقَة بهَا لكَونهَا مُنَافِيَة للنِّكَاح حكما وَذَلِكَ وصف مُؤثر فَإِن النِّكَاح يبتنى على الْحل الَّذِي هُوَ كَرَامَة وَبعد الرِّدَّة لَا يبْقى الْحل لِأَن الرِّدَّة سَبَب لإِسْقَاط مَا هُوَ كَرَامَة ولإزالة الْولَايَة والمالكية الثَّابِتَة بطرِيق الْكَرَامَة فَجَعلهَا مُنَافِيَة للنِّكَاح حكما يكون قوي الْأَثر من هَذَا الْوَجْه وَمَعَ وجود الْمنَافِي لَا يبْقى النِّكَاح سَوَاء دخل بهَا أَو لم يدْخل
فَأَما إِذا ارتدا مَعًا فَحكم بَقَاء النِّكَاح بَينهمَا مَعْلُوم بِإِجْمَاع الصَّحَابَة بِخِلَاف الْقيَاس وَقد بَينا أَن المعدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ أَو بِالْإِجْمَاع لَا يشْتَغل فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا بِإِثْبَات الحكم فِيهِ بعلة وَقد بَينا فَسَاد اعْتِبَار حَالَة الْبَقَاء بِحَالَة الِابْتِدَاء فَلَا يجوز أَن يَجْعَل امْتنَاع صِحَة النِّكَاح بَينهمَا ابْتِدَاء بعد الرِّدَّة عِلّة للْمَنْع من بَقَاء النِّكَاح وَهَذَا لِأَن الْبَقَاء لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلا مبقيا وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْفَائِدَة فِي الْإِبْقَاء وَبعد ردتهما نَعُوذ بِاللَّه يتَوَهَّم مِنْهُمَا الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام وَبِه تظهر فَائِدَة الْبَقَاء
فَأَما الثُّبُوت ابْتِدَاء يَسْتَدْعِي الْحل فِي الْمحل وَذَلِكَ منعدم بعد الرِّدَّة وَعند ردة أَحدهمَا لَا يظْهر فِي الْإِبْقَاء فَائِدَة مَعَ مَا هما عَلَيْهِ من الِاخْتِلَاف
وعَلى هَذَا علل الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي عدد الطَّلَاق فَإِنَّهُ مُعْتَبر بِحَال الزَّوْج لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِك للطَّلَاق وَعدد الْملك مُعْتَبر بِحَال الْمَالِك كعدد النِّكَاح وَهَذَا بَين الْأَثر لِأَن الْمَالِكِيَّة عبارَة عَن الْقُدْرَة والتمكن من التَّصَرُّف فَإِذا كَانَ الزَّوْج هُوَ المتمكن من التَّصَرُّف فِي الطَّلَاق بالإيقاع عرفنَا أَنه هُوَ الْمَالِك لَهُ وَإِنَّمَا يتم الْملك بِاعْتِبَار كَمَال حَال ال