Advertisement

أصول الفقه لابن مفلح 001



الكتاب: أصول الفقه
المؤلف: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763ه)
حققه وعلق عليه وقدم له: الدكتور فهد بن محمد السَّدَحَان
الناشر: مكتبة العبيكان
الطبعة: الأولى، 1420 ه - 1999 م
عدد الأجزاء: 4 (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أصول الفقه
تأليف
شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
(712 - 763 ه)
حققه وعلق عليه وقدم له
الدكتور/ فهد بن محمد السَّدَحَان
مقدمة التحقيق والجزء الأول
مكتبة العبيكان
(المقدمة/)

(ح) مكتبة العبيكان 1420 ه
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن مفلح، محمد بن مفلح
أصول الفقه/ تحقيق فهد محمد السدحان - الرياض.
472 ص؛ 17 × 24 سم
ردمك: 7 - 548 - 20 - 9960 (مجموعة)
5 - 549 - 20 - 9960 (ج1)
1 - أصول الفقه 2 - الفقه الحنبلي
أ- السدحان، فهد محمد (محقق) ب- العنوان
ديوي 251 ... 0096/ 20
رقم الإيداع: 0096/ 20 ردمك 7 - 548 - 20 - 9960 (مجموعة)
5 - 549 - 20 - 9960 (ج1)
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1420ه-1999م
نشر وتوزيع
مكتبة العبيكان
الرياض -العليا- تقاطع طريق الملك فهد مع العروبة.
ص. ب: 62807 الرياض 11595
هاتف: 4654424، فاكس: 4650129
(المقدمة/)

بسم الله الرحمن الرحيم
(المقدمة/)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد:
فهذا كتاب (أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل) لمحمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة 763 ه.
أقدمه لك -أخي القارئ- بعد تحقيق نصه، ومقابلة نسخه، وترقيم آياته، وتخريج أحاديثه وآثاره، وتوثيق نقوله، والتعريف بأعلامه وبالكتب الواردة فيه، والتعليق عليه، وصنع فهارسه، مع كتابة مقدمة عن الكتاب ومؤلفه.
وقد دفعني إِلى تحقيق (1) هذا الكتاب وإخراجه ما يأتي:
1 - قيمة الكتاب العلمية (في المذهب الحنبلي)، وتظهر تلك القيمة فيما جمعه من أقوال لعلماء المذهب ونصوص من كتبهم في كثير من المباحث الأصولية (2).
__________
(1) أنهيت تحقيق هذا الكتاب في سنة 1404 ه، وأقدمه -الآن- للنشر بعد تجريده من كثير من الهوامش والتعليقات التي علقتها في ذلك الوقت، مع اختصار مقدمة التحقيق؛ حرصًا على إِخراجه بحجم مناسب، وأود أن أنبه على أمرين:
أ- سيجد القارئ في هوامشه العزو إِلى كتب مخطوطة طبعت بعد ذلك التاريخ.
ب- أضفت -عند التعريف بالكتب- الإشارة إِلى ما عثر عليه أو حقق بعد ذلك التاريخ.
(2) يأتي الحديث عن قيمة الكتاب في مقدمة التحقيق: الفصل الثاني، سابعًا.
(المقدمة/1)

2 - كون الكتاب عمدة -في النقل منه واتباع منهجه- عند بعض الحنابلة الذين أتوا بعد مؤلفه (1).
3 - كون مؤلف هذا الكتاب:
أ- شيخ الحنابلة في وقته ومرجعهم.
ب- صاحب قدم راسخة في فهم دقائق المذهب الحنبلي (أصوله وفروعه)، وفي كتابيه (الأصول، والفروع) خير دليل على ذلك.
ج- صاحب مكانة علمية جعلته مقصد الكثير من طلبة العلم (يستوي في ذلك زملاؤه وتلاميذه).
د- أحد تلاميذ شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية، وأخبر الناس باختياراته ومسائله.
ه- مشهودًا له بالعلم والفضل (2).
و- ذا علم قيم كان محل ثقة الحنابلة الذين أتوا بعده وتقديرهم، فقد اعتمدوا على نقله وتحقيقه، واعتنوا ببعض مؤلفاته شرحًا أو تعليقًا.
__________
(1) يأتي الحديث عن هذا في مقدمة التحقيق: الفصل الثاني، سادسًا.
(2) شهد له شيخه شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية، وزميله ابن القيم، والحافظ المزي، والحافظ الذهبي، والقاضي جمال الدين المرداوي، وتقي الدين السبكي الشافعي، وابن كثير ... ويأتي الحديث عن المؤلف في مقدمة التحقيق: الفصل الأول.
(المقدمة/2)

ز- صاحب اطلاع واسع على الذاهب الأخرى وأقوال علمائها:
وتظهر تلك السمة في كتابيه (الأصول، والفروع).
ح- صاحب تأثير كبير فيمن أتى بعده من الحنابلة؛ فقد كان لمؤلفاته تأثير في بعض المؤلفات الحنبلية بعده.
ط- صاحب اهتمام فائق بالأحاديث النبوية، مع خبرة برجال السند (1).
وقد قسمت عملي هذا قسمين:
القسم الأول: مقدمة التحقيق. وتتكون من ثلاثة فصول:
الفصل الأول: المؤلف.
الفصل الثاني: الكتاب.
الفصل الثالث: منهجي في تحقيق الكتاب.
وبعد هذا الفصل يأتي فهرس موضوعات هذا القسم.
القسم الثاني: الكتاب المحقق، وبعده فهارسه.
وأخيرًا: تأتي قائمة المراجع.
__________
(1) وقد شهد له الحافظ الذهبي بذلك، ونقل بعض مؤلفي كتب تخريج الأحاديث كلامه على بعضها، فانظر -مثلاً-: المقاصد الحسنة / 362، وكشف الخفاء 2/ 254.
(المقدمة/3)

القسم الأول مقدمة التحقيق
وتتكون من ثلاثة فصول:
الفصل الأول: المؤلف.
الفصل الثاني: الكتاب.
الفصل الثالث: منهجي في التحقيق.
وبعد هذا الفصل يأتي فهرس موضوعات هذا القسم.
(المقدمة/5)

الفصل الأول المؤلف: محمد بن مفلح المقدسي
وفيه:
أولاً: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
ثانيًا: مولده ووفاته.
ثالثًا: حياته (مرحلة النشأة والطلب والتحصيل):
1 - شيوخه.
2 - العلوم التي تلقاها.
رابعًا: حياته (مرحلة النضج والعمل والعطاء):
1 - أعماله ونشاطاته.
2 - مؤلفاته.
3 - تلاميذه والناقلون عنه.
خامسًا: مكانته وثناء العلماء عليه.
سادسًا: أولاده.
(المقدمة/7)

مراجع ترجمة المؤلف:
المقصد الأرشد / 276، والسحب الوابلة / 546، والدرر الكامنة 5/ 30، وشذرات الذهب 6/ 199، وذيل ذيل طبقات الحنابلة / 16، والدارس في تاريخ المدارس 2/ 43، 84، 107، وجلاء العينين/ 27، والقلائد الجوهرية 1/ 161، 2/ 448، والنجوم الزاهرة 11/ 16، والبداية والنهاية 14/ 294، ومختصر طبقات الحنابلة / 62، ومقدمة كتاب الفروع 1/ 8أ، 9، والأعلام للزركلي 7/ 327، ومعجم المؤلفين 12/ 44.
(المقدمة/8)

أولاً: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه
هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، الملقب بشمس الدين، والمكنى بأبي عبد الله، الراميني (1) الأصل، القاقوني (2)، المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي (3)، الحنبلي.

ثانيًا: مولده ووفاته
ولد سنة 712 ه، في بيت المقدس (4).
وتوفي سنة 763 ه، في الصالحية، ودفن بالروضة بسفح جبل قاسيون.
وقيل في تاريخ مولده ووفاته غير هذا (5).
__________
(1) الراميني: نسبة إِلى (رامين)، وهي قرية من عمل نابلس. انظر: ذيل ذيل طبقات الحنابلة / 16.
(2) انظر: الدرر الكامنة 5/ 30.
والقاقوني: نسبة إِلى (قانون). قال في معجم البلدان 4/ 299: هو حصن بفلسطين قرب الرملة، وقيل: هو من عمل قيسارية من ساحل الشام.
(3) الصالحي: نسبة إِلى (الصالحية). قال في معجم البلدان 3/ 390: وهي قرية كبيرة ذات أسواق وجامع، في لحف جبل قاسيون من غوطة دمشق، وفيها قبور جماعة من الصالحين، ويسكنها -أيضًا- جماعة من الصالحين لا تكاد تخلو منهم، وأكثر أهلها ناقلة البيت المقدس على مذهب أحمد بن حنبل.
(4) لم يرد ذكر لمكان مولده -حسب اطلاعي- إِلا في كتاب الأعلام 7/ 327، ومعجم المؤلفين 12/ 44.
(5) انظر: السحب الوابلة / 546، 548، والدرر الكامنة 5/ 30، 31، والقلائد الجوهرية 1/ 161، والدارس 2/ 44، 84 - 85، وشذرات الذهب 6/ 199 - 200، والمقصد الأرشد / 277، والبداية والنهاية 14/ 294، ومقدمة الفروع 1/ 8أ، ج،11.
(المقدمة/9)

ثالثًا: حياته (مرحلة النشأة والطلب والتحصيل)
نشأ المؤلف ببيت المقدس -على ما في الأعلام (1)، ومعجم المؤلفين- وقرأ القرآن وهو صغير.
ولم تذكر المراجع زمن انتقاله من بيت المقدس، ويبدو أنه كان في سن مبكرة، نظرًا إِلى أنه سمع من عيسى المطعم، المتوفى سنة 719 ه بالصالحية.
لقد أقبل المؤلف على العلم في سن مبكرة، وجلس إِلى علماء في علوم مختلفة (في الفقه وأصوله، وفي الحديث، وفي العربية ... وفي غيرها) حتى برع في ذلك، وحقق وصنف، ودرس وناظر، وأفتى وقضى، وصار شيخ الحنابلة بالشام في وقته.
وسأتكلم فيما يأتي عن:

1 - شيوخه.
2 - العلوم التي تلقاها.

1 - شيوخه:
أخذ المؤلف العلم عن عدة شيوخ في علوم مختلفة، ومنهم:

أ- عيسى المطعم (2): وهو عيسى بن عبد الرحمن المقدسي الصالحي الحنبلي، راوي صحيح البخاري وغيره، ولد سنة 626 ه، وسمع
__________
(1) انظر: الأعلام 7/ 327، ومعجم المؤلفين 12/ 44.
(2) انظر: البداية والنهاية 14/ 59، وشذرات الذهب 6/ 52، والدرر الكامنة 3/ 282.
(المقدمة/10)

الكثير من عدة شيوخ، وسمع منه خلق كثير. توفي بالصالحية سنة 719 ه.
وقد سمع منه المؤلف (1).

ب- القاضي شمس الدين بن المسلم (2):
وهو أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك الزيني الصالحي، ولد سنة 662 ه، وتوفي أبوه سنة 668 ه، فنشأ يتيمًا فقيرًا، وعني بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، ومهر في العربية، وتصدى للتدريس والإِفادة. ورد تقليده القضاء سنة 716 ه، فتوقف في القبول، ثم استخار الله وقبل. وكان من قضاة العدل، مصمما على الحق، لا يخاف في الله لومة لائم. توفي بالمدينة في طريقه إِلى الحجة الرابعة سنة 726 ه.
وقد لازمه المؤلف، وقرأ عليه الفقه (3).

ج- شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية (4):
وهو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن
__________
(1) انظر: السحب الوابلة / 546، والدرر الكامنة 5/ 30، والقلائد الجوهرية 1/ 161، والدارس 2/ 43، 85، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد / 276، ومقدمة الفروع 1/ 9.
(2) انظر: القلائد الجوهرية 2/ 360، والدارس 2/ 38.
(3) انظر: السحب الوابلة/ 546، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد / 277.
(4) انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 387، وفوات الوفيات 1/ 62، والبدر الطالع 1/ 63.
(المقدمة/11)

تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي، كان واسع العلم بالفنون والمعارف النقلية والعقلية، صالحًا تقياً مجاهدًا، توفي سنة 728 ه.
من مؤلفاته الكثيرة القيمة: درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة النبوية، واقتضاء الصراط المستقيم، ورفع الملام عن الأئمة الأعلام.
وقد لازم المؤلف شيخ الإِسلام حتى وفاته، وتفقه به، ونقل عنه كثيرًا، وكان أحفظ الناس لمسائله وأخبرهم باختياراته، حتى كان ابن القيم يراجعه في ذلك (1).
وكان المؤلف معظمًا لشيخ لإِسلام، ينقل اختياراته في كتبه كثيرًا، وغالب ما ذكره ابن اللحام (2) -في اختياراته- هو من (الفروع) للمؤلف (3).
وكان شيخ الإِسلام يثني عليه، ويقول له: ما أنت ابن مفلح، بل أنت مفلح (4).
__________
(1) انظر: السحب الوابلة/ 546، وشذرات الذهب 6/ 199.
(2) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن علي البعلي الحنبلي، كان يعظ بالجامع الأموي، وصار شيخ الحنابلة بالشام، وعرض عليه قضاء دمشق فأبى، ثم قدم القاهرة، وولي تدريس المنصورية. توفي سنة 803 ه.
من مؤلفاته: القواعد والفوائد الأصولية، والمختصر في أصول الفقه. انظر: الضوء اللامع 5/ 320، وشذرات الذهب 7/ 31، والمدخل / 236.
(3) انظر: ذيل ذيل طبقات الحنابلة 16 - 17.
(4) انظر: السحب الوابلة / 546.
(المقدمة/12)

د- الحَجَّار (1):
وهو أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي، ولد سنة 624 ه، وسمع من أهل الحديث، وأجاز له بعضهم في بغداد وفي دمشق، وحدث بصحيح البخاري أكثر من سبعين مرة بدمشق والصالحية والقاهرة وغيرها، وأقبل عليه الحفاظ وتزاحموا من سنة 717 ه إِلى أن توفي سنة 730 ه.
وقد سمع منه المؤلف (2).

ه- ابن الفويره النحوي (3):
وهو بدر الدين محمد بن يحيى بن محمد السلمي الحنفي، ولد سنة 693 ه، وكان رجلاً فاضلاً حسن السيرة، خطب ودرس في أماكن، وأفتى وأخذ عنه الطلبة، وكانت له حلقة بجامع دمشق، وسمع من جماعة من رواة الحديث، وحدَّث. توفي سنة 735 ه.
وكان المؤلف يتردد إِليه (4).
__________
(1) انظر: الدرر الكامنة 1/ 152 - 153، والبداية والنهاية 14/ 150، وشذرات الذهب 6/ 93، والقلائد الجوهرية 1/ 298.
(2) انظر: المقصد الأرشد / 277. وشذرات الذهب 6/ 199، والسحب الوابلة /546.
(3) انظر: الدارس 1/ 488، والدرر الكامنة 5/ 54، والجواهر المضية 2/ 142.
(4) انظر: السحب الوابلة / 546، والمقصد الأرشد / 277.
(المقدمة/13)

و- القاضي برهان الدين الزرعي (1):
وهو إِبراهيم بن أحمد بن هلال الحنبلي، ولد سنة 688 ه، وسمع من كثير، وحدَّث وتفقه، وأخذ عن ابن تيمية وغيره، ومهر وتقدم في الإِفتاء، ودرس بأماكن، منها: (المدرسة الحنبلية) عوضًا عن ابن تيمية حين سجن، وكان أشعري المعتقد في الغالب من أحواله، وكتب الخط الحسن الفائق. كان من أذكياء الناس ذا إِنصاف في البحث، يتكلم التركية جيداً توفي سنة 741 ه.
وقد قرأ عليه المؤلف النحو والأصول (2).

ز- القحفازي النحوي (3):
وهو أبو الحسن نجم الدين علي بن داود بن يحيى الأسدي الحنفي، شيخ أهل دمشق في عصره في العربية، قرأ عليه أهل دمشق وانتفعوا به. ولد سنة 668 ه، وقرأ الأصول والفقه والنحو والمعاني والبيان على أقطاب هذه الفنون في ذلك العصر، وسمع الحديث، درس في أماكن، وتوفي سنة 745 ه.
__________
(1) انظر: الدرر الكامنة 1/ 16، والدارس 2/ 41، 45، 74، 90، وشذرات الذهب 6/ 129.
(2) انظر: السحب الوابلة / 546، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد / 277.
(3) انظر: بغية الوعاة / 337، والجواهر المضية 1/ 362، 2/ 335، 336، والبداية والنهاية 14/ 214، والدرر الكامنة 3/ 116 - 118، وشذرات الذهب 6/ 143، والدارس 1/ 547، 556.
(المقدمة/14)

وقد قال: ولم أصنف شيئًا لمؤاخذتي للمصنفين، فكرهت أن أجعل نفسي غرضًا لمن يأخذ علي، غير أني جمعت منسكًا للحج.
وكان المؤلف يتردد إِليه (1).

ح- الحافظ المزي (2):
وهو أبو الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي الكلبي، محدث الديار الشامية في عصره، ولد بظاهر حلب سنة 654 ه، ونشأ بالمزة من ضواحي دمشق، ومهر في اللغة، ثم في الحديث ومعرفة رجاله. وسمع منه خلق كثير. توفي بدمشق سنة 742 ه
من مؤلفاته: تهذيب الكمال في أسماء الرجال.
وكان المؤلف يتردد إِليه وينقل عنه كثيرًا، وكان المزي يعظمه (3).

ط- الحافظ الذهبي (4):
وهو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، محدث
__________
(1) انظر: السحب الوابلة/ 546، والمقصد الأرشد/ 277.
(2) انظر: الدرر الكامنة 4/ 457، والنجوم الزاهرة 10/ 76، والبداية والنهاية 14/ 191، والقلائد الجوهرية/ 329.
(3) انظر: السحب الوابلة/ 546، والمقصد الأرشد/ 277.
(4) انظر: فوات الوفيات 2/ 183، ونكت الهميان/ 241، والدارس 1/ 78، وشذرات الذهب 6/ 153، وغاية النهاية 2/ 71، والدرر الكامنة 3/ 336، والنجوم الزاهرة 10/ 182.
(المقدمة/15)

مؤرخ علامة محقق، ولد بدمشق سنة 673 ه، وطاف بكثير من البلدان، وسمع منه خلق كثير، وكفَّ بصره سنة 741 ه. توفي بدمشق سنة 748 ه.
من مؤلفاته: تاريخ الإِسلام، وتذكرة الحفاظ، الاعتدال، والكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.
وكان المؤلف يتردد إِليه وينقل عنه كثيرًا، وكان الذهبي يعظمه (1).
وقال الذهبي عن المؤلف: شاب عالم له عمل ونظر في رجال السنن، ناظر وسمع، وكتب وتقدم (2).

ى- جمال الدين المرداوي (3):
وهو أبو الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله الحنبلي، والد زوجة المؤلف، باشر وظيفة قضاء الحنابلة بالشام سبع عشرة سنة، ثم عزل، وتولى الحكم بدمشق عدة أعوام، ثم صرف. توفي سنة 769 ه.
من مؤلفاته: شرح المقنع، والانتصار، والأحكام.
وفي السحب الوابلة (4): أن جمال الدين المرداوي كتب بخطه على نسخة من كتاب المقنع -وهي محشاة بخط الشيخ (ابن مفلح) - ما
__________
(1) انظر: المقصد الأرشد/ 277، والسحب الوابلة/ 546.
(2) انظر: شذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد/ 277.
(3) انظر: الدرر الكامنة 5/ 245، والنجوم الزاهرة 3/ 100، والدارس 2/ 42 - 44.
(4) ص 547.
(المقدمة/16)

نصه: "قرأ عليَّ الشيخ الإِمام العالم الحافظ العلامة مجموع الفضائل ذو العلم الوافر والفضل الظاهر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح العابد مفلح بن محمد المقدسي جميع هذا الكتاب -وهو كتاب المقنع في الفقه على مذهب الإِمام المبجل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه- من أوله إِلى آخره، وكان قد قرأ عليَّ هذا الكتاب من حفظه غير مرة، وسألني عن مواضع منه، فأجبته عن ذلك بما يسره الله تعالى في ذلك الوقت، مع أنه قد قرأ عليَّ كتباً عديدة في علوم شتى حفظًا ومذاكرة، ولم أعلم أن أحدا في زماننا في المذاهب الأربعة له محفوظات أكثر منه، فمن محفوظاته: المنتقى من أحاديث الأحكام (1)، قرأه وعرضه عليَّ في قريب أربعة أشهر ... ".

2 - العلوم التي تلقاها:
كانت سنة علماء السلف الإِقبال على علم الشريعة بجميع فروعه، وعلى ما يخدم هذا العلم من المعارف الأخرى.
ولذا طرق المؤلف أبوابًا كثيرة مختلفة من أبواب العلم آخذاً بسنة من سبقه ومن عاصره، فجلس إِلى الفقهاء والمحدثين وأهل اللغة وعلماء الأصول ... ، وبذل في تحصيل ذلك جهده.
ومن تتَبُّع ما كتب في ترجمة المؤلف، والشيوخ الذين تلقى العلم عنهم، والمؤلفات التي ألفها يمكنني أن أذكر -هنا- أبرز العلوم التي صرف همه إِلى تحصيلها:
__________
(1) لابن تيمية مجد الدين، صاحب المحرر، المتوفى سنة 652 ه.
(المقدمة/17)

1 - علم الفقه وأصوله:
فكان هناك شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، والقاضي شمس الدين بن المسلم، والقاضي برهان الدين الزرعي، فلازمهم المؤلف، وأخذ عنهم الفقه وأصوله، فحصل الأصل والفرع، وجمع النظر والتطبيق.

2 - علم الحديث ومعرفة الأسانيد والرجال:
وقد أولاه المؤلف عناية كبيرة، فجلس إِلى علماء الحديث والرجال، كالمزي والذهبي، ونقل عنهما كثيرًا، وسمع من المحدثين، كعيسى المطعم والحجار، وكون لديه علما عن الرجال وأسانيد الأحاديث. وقد شهد له الذهبي بذلك، فقال عنه: شاب عالم، له عمل ونظر في رجال السنن (1).
وكان -رحمه الله- حريصًا على أن يجعل مؤلفاته خالية من الاستدلال بالأحاديث التي لا أصل لها، وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه (أصول الفقه) (2)، وجمع إِلى ذلك -غالبا- بيانه لصحة الأحاديث وضعفها.
وقد كان -رحمه الله- يحفظ المنتقى من أحاديث الأحكام (3).

3 - علوم العربية من نحو وصرف ... :
فقد كان يتردد إِلى علماء النحو، كابن الفويره والقحفازي وبرهان
__________
(1) انظر: شذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد/ 277.
(2) انظر: ص 5 من القسم الثاني.
(3) لابن تيمية مجد الدين، صاحب المحرر.
(المقدمة/18)

الدين الزرعي وغيرهم، وكان له اهتمام بالمسائل اللغوية، ولذا يجد القارئ فوائد لغوية منثورة في بعض مؤلفاته.
هذه أظهر صنوف المعرفة التي تلقاها عن شيوخه، ولكن اشتغاله بالفقه وتأليفه فيه جعل شهرته في هذا الفن تطغى على شهرته في غيره، وكان لتأليفه كتاب (الفروع) أثر كبير في ذلك. يقول عنه ابن كثير: وكان بارعاً فاضلاً متفنناً في علوم كثيرة، ولا سيما علم الفروع (1).
(المقدمة/19)

رابعاً: حياته (مرحلة النضج والعمل والعطاء)
1 - أعمال ونشاط:
عاش المؤلف -رحمه الله- حياته للعلم أخذًا وعطاءً، سماعًا وإسماعًا، قراءةً وتأليفاً، فقد سمع وتفقه، وتردد إِلى العلماء حتى برع، فدرس وأفتى، وأجاب عن المسائل، ووعظ وأفاد وقضى، وحقق ودقق، وناظر وحدث، وألف المؤلفات القيمة (1).
وقد درس في عدة أماكن (2)، فدرس بالمدرسة الصاحبية، والمدرسة العمرية، والمدرسة السلامية، والمدرسة الصدرية، ومدرسة دار الحديث، والمدرسة العادلية (3).
وقد ناب في الحكم -حكم دمشق- عن والد زوجته (شيخه جمال الدين المرداوي)، فشكرت سيرته وأحكامه (4).
__________
(1) انظر: ذيل ذيل طبقات الحنابلة/ 16، والسحب الوابلة/ 546، والدرر الكامنة 5/ 31، والدارس 2/ 84، 107، والمقصد الأرشد/ 276.
(2) انظر: المقصد الأرشد/ 277، والدارس 2/ 84، 107، والدرر الكامنة 5/ 31 والسحب الوابلة/ 547، ومقدمة الفروع 1/ 9.
(3) انظر: الكلام على هذه المدارس في: الدارس، والقلائد الجوهرية / 71 - 183.
(4) انظر: القلائد الجوهرية 1/ 161 والدارس 2/ 43، 85، والسحب الوابلة/ 546، والدرر الكامنة 5/ 30، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد/ 276، ومقدمة الفروع 1/ 9.
(المقدمة/20)

2 - مؤلفاته:
خلف المؤلف ثروة علمية تمثلت في تلك المؤلفات التي قضى عمره في كتابتها وتهذيبها.
وإِذا كان المؤلف قد طرق في طلب العلم أبوابًا متعددة: فإِنه قد ألف في علوم متعددة كذلك، فألف في الفقه وأصوله، وكتب الحواشي على كتب في الفقه، وعلق على كتب في الحديث، وضمّن كتبه الكلام على الأحاديث والرجال، وصنف في الآداب والوعظ، وأجاب عن المسائل ...
وقد حظيت المؤلفات الفقهية باهتمامه الأكبر، فاشتهرت تلك المؤلفات، ولا سيما كتابه (الفروع) حتى أصبح المؤلف يعرف به، فيقال: ابن مفلح صاحب الفروع.
وقد كانت تلك المؤلفات ذات قيمة علمية كبيرة جعلتها في موضع الاهتمام والتقدير ممن أتوا بعده، فكثر النقل منها وحصلت الثقة بما فيها، وصارت عمدة في معرفة المذهب، كما اعتنى بعض المذهب بشرح بعض مؤلفاته، أو التعليق عليها، أو اختصارها.
ولكن تلك الثروة لم تصل إِلينا كاملة، بل فقد بعضها (حسب علمي).
وسأذكر فيما يأتي:
أ- مؤلفاته المطبوعة.
ب- مؤلفاته المخطوطة.
ج- مؤلفات نسبت إِليه، ولم أجدها (بعد البحث).
(المقدمة/21)

أ- مؤلفاته المطبوعة:
1 - كتاب الفروع:
وهو كتاب في الفقه الحنبلي، جمع فيه المؤلف غالب المذهب، (وكان يسمى: مكنسة المذهب)، وأشار فيه إِلى أقوال المذاهب الأخرى.
وقد نال هذا الكتاب شهرة في الآفاق، واعتمد على نقله وتحقيقه من جاء بعده من علماء المذهب، وشهدوا بقيمة الكتاب العلمية، وما ضمنه المؤلف من الفروع والمسائل.
وقد اعتنى (1) علماء المذهب بهذا الكتاب، فكتبوا عليه الشروح والحواشي، وأذكر منها:
أ- حاشية على الفروع - لأحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي، ثم المصري الحنبلي، المتوفى سنة 844 ه (2). وذكر أنه شرح.
ب- حاشية على الفروع -لأبي بكر بن إِبراهيم بن قندس البعلي ثم الصالحي الحنبلي، المتوفى سنة 861 ه (3).
ج- نهاية الحكم المشروع في تصحيح الفروع -لأبي المحاسن يوسف بن
__________
(1) انظر: مقدمة الفروع 8/ 1 ب.
(2) ولد ببغداد سنة 765 ه، ثم قدم القاهرة وبها توفي، كان متضلعاً بالعلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وأصول، وانتهت إِليه مشيخة الحنابلة في وقته. من مؤلفاته -أيضًا-: حواشي المحرر. انظر: شذرات الذهب 7/ 250.
(3) فقيه أصولي، ولد سنة 809 ه. من مؤلفاته -أيضًا-: حاشية على المحرر. انظر: شذرات الذهب 7/ 300.
(المقدمة/22)

محمد بن عمر الصالحي المرداوي الحنبلي، المتوفى سنة 878 ه (1). وهي حاشية صحح فيها ما أطلقه ابن مفلح من الخلاف.
د- القصد المنجح لفروع ابن مفلح - لأحمد بن أبي بكر بن محمد بن العماد الحموي الحنبلي (2)، المتوفى سنة 883 ه. وهو شرح على الفروع (3).
ه- تصحيح الفروع، وهي حاشية - لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (4)، المتوفى سنة 885 ه. وتسمى: الدر المنتقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع.
وقد طبع كتاب الفروع مع تصحيحه للمرداوي طبعتين:
الطبعة الأولى: سنة 1345ه (5)، بمطبعة المنار بمصر، وهي في ثلاثة مجلدات.
__________
(1) وله -أيضاً- الكفاية في الفرائض. انظر: السحب الوابلة/ 324.
(2) رحل في طلب العلم إِلى القاهرة ودمشق، ثم أتى حماة، وبها توفي.
انظر: شذرات الذهب 7/ 338.
(3) انظر: كشف الظنون / 1256.
(4) ولد في (مردا) قرب نابلس، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وتعلم الفقه، ثم تحول إِلى دمشق، وقرأ على علمائها، وتصدى للإِقراء والإفتاء.
من مؤلفاته -أيضًا-: الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، والتحرير في أصول الفقه، وشرحه: التحبير. انظر: الضوء اللامع 5/ 225، والبدر الطالع 1/ 446.
(5) بتصحيح: محمد رشيد رضا.
(المقدمة/23)

والطبعة الثانية: سنة 1379 ه (1)، بدار مصر للطباعة، وهي في ستة مجلدات.
2 - كتاب النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لمجد الدين بن تيمية.
والمحرر: هو كتاب في الفقه الحنبلي - لابن تيمية مجد الدين أبي البركات المتوفى سنة 652 ه.
والنكت: هي حاشية على هذا الكتاب، وأوضح فيها ابن مفلح ما خفي من عباراته، وفصل الخلاف في المذهب، وناقش كلام المجد أحيانًا.
وقد طبع المحرر مع النكت سنة 1369 ه، بمطبعة السنة المحمدية بمصر، في مجلدين.
3 - كتاب الآداب الشرعية الكبرى (الآداب الشرعية والمنح الرعية).
جمع فيه المؤلف جملة من الآداب والشمائل التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في كل شؤون حياته، وقال في مقدمته: " ... أما بعد: فهذا كتاب يشتمل على جملة كثيرة من الآداب الشرعية والمنح المرعية، يحتاج إِلى معرفته أو معرفة كثير منه كل عالم أو عابد، وكل مسلم ... " (2).
وقد طبع الكتاب سنة 1349 ه، بمطبعة المنار بمصر، في ثلاثة مجلدات.
__________
(1) أشرف على هذه الطبعة الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي.
(2) انظر: الآداب الشرعية 1/ 2.
(المقدمة/24)

ب- مؤلفاته المخطوطة:
لم أجد إِلا كتاب (أصول الفقه)، الذي هو موضوع التحقيق، وقد أفردت الكلام عنه في الفصل الثاني.

ج- مؤلفات (1) نسبت إِليه، ولم أجدها (بعد البحث):
أ- الحواشي على (كتاب المقنع - لابن قدامة الحنبلي، صاحب الروضة، المتوفى سنة 620 ه).
2 - تعليقة على (المنتقى من أحاديث الأحكام، لابن تيمية مجد الدين، صاحب المحرر، المتوفى سنة 652 ه).
3 - الآداب الشرعية الوسطى.
4 - الآداب الشرعية الصغرى.
5 - مسائل أجاب عنها المؤلف.

3 - تلاميذه الناقلون عنه:
أشرت -فيما سبق- إِلى المكانة التي وصل إِليها هذا العالم الجليل بين أهل زمانه، ولا سيما الحنابلة منهم، فكان شيخهم المقدم، وقد حباه الله شهرة جعلته مقصد الكثير من طلبة العلم، بل كان بعض زملائه يترددون
__________
(1) انظر: البداية والنهاية 14/ 294، وذيل ذيل طبقات الحنابلة/ 16، والسحب الوابلة / 547، والدرر الكامنة 5/ 31، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد/ 277، والإِنصاف للمرداوي 1/ 15، ومختصر طبقات الحنابلة/ 63، ومقدمة الفروع 1/ 8 ب، 10.
(المقدمة/25)

إِليه فيما يشكل عليهم؛ لأنه كان على دراية واسعة بأصول المذهب وفروعه، وكان زميله ابن القيم يراجعه في اختيارات شيخهما (ابن تيمية)؛ لأن المؤلف كان أحفظ الناس لها وأخبرهم بها.
وذكرت -أيضاً- أن المؤلف قد تولى التدريس في أماكن متعددة، وهذا يقتضي أن يكون كثير من العلماء -الذين تعلموا في هذه المدارس- قد أخذوا العلم عنه وتخرجوا على يديه.
ولكن مراجع ترجمة المؤلف لم تذكر شيئًا عن تلاميذه الذين تلقوا العلم عنه سوى ما يتعلق بتلميذه (الشيخ شمس الدين بن عبيد) الذي جاء ذكره عرضًا عند سياق قوله في عمر المؤلف.
ولذا قصت بتتبع تراجم العلماء الذين عاشوا في دمشق والصالحية وما حولهما (من عصر المؤلف إِلى منتصف القرن التاسع) للبحث عمن نص في ترجمته على تتلمذه على المؤلف.
وأذكر فيما يلي بعضهم:

أ- جمال الدين بن الطحان الحنبلي (1):
وهو يوسف بن أحمد بن سليمان، كان بارعًا في الأصول والعربية والمعاني والبيان، صحيح الذهن، حسن الفهم، جيد العبارة، حسن السيرة، وتفقه في المذهب على ابن مفلح وغيره. توفي بالصالحية سنة 778 ه.
__________
(1) انظر: القلائد الجوهرية 2/ 285، وشذرات الذهب 6/ 259.
(المقدمة/26)

ب- زين الدين العيفناوي (1):
وهو عبد الرحمن بن حمدان الحنبلي، ولد ب (عيفنا) من نابلس، وقدم دمشق لطلب العلم، وتفقه بابن مفلح وغيره، وسمع من جماعة، وتميز في الفقه، وكان صاحب دين وتعفف، توفي سنة 784 ه.
وقد اختصر (الأحكام للمرداوي).

ج- الجرماني الحنبلي (2):
وهو محمد بن إِبراهيم الجرماني ثم الدمشقي، ولد قبل سنة 740 ه، وسمع الحديث من جماعة، وتفقه بابن مفلح وغيره، حتى برع وأفتى. وكان إِماماً في العربية، ذا عفة وصيانة وذكاء وحسن إِقراء. توفي بدمشق سنة 874 ه.

د- شرف الدين المرداوي (3):
وهو محمد بن محمد بن يوسف الحنبلي، سبط القاضي جمال الدين، ولد قبل سنة 740 ه، وأخذ عن جده، وتخرج بابن مفلح، وسمع الحديث من جماعة. توفي سنة 784 ه.

ه- شمس الدين المرداوي (4):
وهو محمد بن عبد الله بن داود الحنبلي، كان ذا عناية بالفرائض، وقرأ
__________
(1) انظر: شذرات الذهب 6/ 283.
(2) انظر: المرجع السابق/ 6/ 284.
(3) انظر: المرجع السابق 6/ 285.
(4) انظر: المرجع السابق 6/ 289.
(المقدمة/27)

الفقه، ولازم ابن مفلح حتى فضل ودرس، وتفقه -أيضًا- بالقاضي جمال الدين المرداوي، وكان يحفظ فروعاً كثيرة وغرائب، وله ميل إِلى الشافعية. توفي سنة 785 ه.

و- إِبراهيم بن مفلح (ابن المؤلف (1):
وهو برهان الدين وتقي الدين أبو إِسحاق إِبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي، شيخ الحنابلة وقاضيهم، ولد سنة 749 ه، وحفظ كتباً عديدة، وأخذ عن جماعة، منهم: والده، وجده لأمه القاضي جمال الدين المرداوي. وأفتى وناظر وصنف، واشتهر ذكره، ودرس في عدة مدارس، وناب في الحكم، وكان له ميعاد في الجامع الأموي بمحراب الحنابلة بكرة نهار السبت يسرد فيه نحو مجلد، ويحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب، ثم ولي القضاء بدمشق. توفي سنة 803 ه.
من مؤلفاته: كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وشرح المقنع، وشرح مختصر ابن الحاجب، وطبقات أصحاب الإِمام أحمد.
وقد احترق غالب كتبه.

ز- برهان الدين بن النقيب الحنبلي (2):
وهو إِبراهيم بن إِسماعيل بن إِبراهيم المقدسي النابلسي القاضي، تفقه على جماعة، منهم: ابن مفلح، وكان فقيهًا جيدًا متقنًا للفرائض، وناب في
__________
(1) انظر: الدارس 2/ 47. وشذرات الذهب 7/ 22، والقلائد الجوهرية 1/ 161.
(2) انظر: شذرات الذهب 7/ 22.
(المقدمة/28)

القضاء فباشر مباشرة حسنة. توفي بالصالحية سنة 803 ه.
من مؤلفاته: تعليقة على المقنع.

ح - شمس الدين بن عبيد (1):
جاء ذكره عند الكلام على عمر المؤلف، ووصف بأنه تلميذه، ولم أعثر على ترجمته.
__________
(1) انظر: المقصد الأرشد/ 277. ومقدمة الفروع 1/ 11.
(المقدمة/29)

خامسًا: مكانته وثناء العلماء عليه
بلغ المؤلف مرتبة عليا في صفوف العلماء، وذاع صيته، وتبوأ مكانة بارزة بين علماء عصره، بعد مرحلة طلب العلم التي أفنى فيها زهرة شبابه.
وقد جاء وصفه في المقصد الأرشد بأنه شيخ الحنابلة في وقته، بل شيخ الإِسلام وأحد الأئمة الأعلام (1).
وفي ذيل (2) ذيل طبقات الحنابلة: كان مقدما في عصره مرفوعًا في دهره ... ، وقد قابل به جماعة من شيوخنا وغيرهم المتقدمين من أصحابنا، وقدم قوله على طائفة من الأصحاب، ووصف بكثرة النقل والاطلاع واليد العليا في ذلك ... ، ويقال: أفقه أصحاب الشيخ -يعني ابن تيمية- هو ... (3).
وقد برع في المذهب الحنبلي، يقول ابن القيم سنة 731 ه: "ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإِمام أحمد من ابن مفلح (4)، ويقول ابن كثير: وكان غاية في نقل مذهب الإِمام أحمد (5).
__________
(1) انظر: المقصد الأرشد/ 276.
(2) لجمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي، الشهير بابن المبرد الصالحي الحنبلي، المتوفى سنة 909 ه.
(3) انظر: ذيل ذيل طبقات الحنابلة/ 16 - 17.
(4) انظر: السحب الوابلة/ 546.
(5) انظر: البداية والنهاية 14/ 294.
(المقدمة/30)

وكان أحفظ الناس لمسائل شيخه شيخ الإِسلام (ابن تيمية) واختياراته وأخبرهم بها، حتى كان ابن القيم -تلميذ شيخ الإِسلام وناشر علمه- يراجعه في ذلك (1).
وقد أثنى عليه القاضي جمال الدين المرداوي (2)، كما أثنى عليه تقي الدين السبكي الشافعي، وقال: ما رأيت أفقه منه (3).
وكان كلٌّ من شيخيه -المزي، والذهبي- يعظمه (4).
وقد أثني على خلقه -كما أثني على علمه- فذكر أنه حسن الخلق لين الجانب، معظم لشيوخه، ذو زهد وعبادة وتعفف وصيانة وورع ودين متين، مشكور السيرة والأحكام (5).
__________
(1) انظر: شذرات الذهب 6/ 199.
(2) انظر: السحب الوابلة/ 547.
(3) انظر: المرجع السابق/ 546.
(4) انظر: المقصد الأرشد/ 277.
(5) انظر: السحب الوابلة/ 546، والبداية والنهاية 14/ 294، والدر الكامنة 5/ 31، والدارس 2/ 44، 85، شذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد / 276 - 277.
(المقدمة/31)

سادسًا: أولاده
تزوج المؤلف ابنة القاضي جمال الدين المرداوي، ورزق منها سبعة أولاد: أربعة ذكور، وثلاث إِناث (1).
والذكور هم:

1 - القاضي تقي الدين وبرهان الدين إِبراهيم:
وقد تقدمت (2) ترجمته في الحديث عن تلاميذ المؤلف، وجاء لقبه في السحب الوابلة (3) (شرف الدين).

2 - الشيخ أبو محمد شرف الدين عبد الله (4):
توفي والده وهو صغير، فحفظ القرآن، وكان يحفظه إِلى آخر عمره، ويقوم به في التراويح كل سنة، وله محفوظات كثيرة، منها: المقنع في الفقه، ومختصر ابن الحاجب في الأصول، والانتصار في الحديث مؤلف جده القاضي جمال الدين المرداوي، وكان علامة في الفقه يستحضر غالب فروع
__________
(1) انظر: البداية والنهاية 14/ 294، والسحب الوابلة/ 546، وشذرات الذهب 6/ 199، والمقصد الأرشد/ 276.
(2) في ص 28.
(3) ص 465.
(4) انظر: القلائد الجوهرية/ 283 - 284، وشذرات الذهب 7/ 208، والسحب الوابلة/ 546.
(المقدمة/32)

والده، أستاذاً في الأصول، بارعًا في التفسير والحديث، مشاركا فيما سوى ذلك. وكان شيخ الحنابلة بالشام، بل بالمالك. وأثنى عليه الأئمة في عصره. أفتى ودرس وناظر واشتغل في العلوم، وباشر نيابة الحكم زمنا طويلاً، ثم ترك ذلك ولزم بيته يقصده طلبة العلم والمستفتون. توفي سنة 834 ه.

3 - الشيخ زين الدين عبد الرحمن (1):
وهو أصغر أولاد المؤلف، دأب واشتغل وحفظ المقنع في الفقه، وكان بارعًا حسن الطلعة، توفي سنة 788 ه.

4 - الشيخ شهاب الدين أحمد (2):
ولد سنة 754 ه، وأخذ عن أخيه الشيخ برهان الدين وغيره، وأجاز له جده القاضي جمال الدين الرداوي وغيره، وناب في الحكم بدمشق مدة، ثم ترك ذلك وأقبل على الله تعالى. كان فقيها صالحًا متعبدًا. توفي سنة 814 ه.
__________
(1) انظر: شذرات الذهب 6/ 302، والسحب الوابلة/ 546.
(2) انظر: شذرات الذهب 7/ 106، والسحب الوابلة/ 546.
(المقدمة/33)

الفصل الثاني
كتاب (أصول الفقه) لابن مفلح
أولاً: ذكر نسخ الكتاب المخطوطة التي وجدتها، وبيان أوصافها، وعرض نماذج منها.
ثانيًا: تحقيق اسم الكتاب.
ثالثًا: توثيق نسبة الكتاب إِلى مؤلفه.
رابعًا: ملامح من منهج المؤلف في كتابه.
خامسًا: مصادر الكتاب التي استقى منها مؤلفه مادته.
سادسًا: بعض الكتب التي اتبع مؤلفوها منهج الكتاب ورجعوا إِليه.
سابعًا: قيمة الكتاب العلمية.
(المقدمة/35)

أولاً: ذكر نسخ الكتاب المخطوطة التي وجدتها، وبيان أوصافها، وعرض نماذج منها:
لقد بحثت عن نسخ لهذا الكتاب في جميع الفهارس التي تمكنت من الاطلاع عليها، وهي فهارس المكتبات المشهورة في العالم العربي، وإِيران، والهند، وتركيا، وهولندا، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وأسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، كما بحثت عنها -أيضًا- في بعض المكتبات الخاصة داخل المملكة.
وقد وجدت خمس نسخ لهذا الكتاب، وهي:
أ- نسخة في مكتبة برلين.
ب- نسخة في دار الكتب الظاهرية في دمشق.
ج- نسخة في مكتبة الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله.
د- نسخة في المكتبة السعودية بالرياض.
ه- نسخة في مكتبة خاصة بالقصيم.
وفيما يأتي ذكر أوصاف هذه النسخ:

أ- نسخة مكتبة برلين:
1 - رقمها: 4399.
2 - العنوان الذي تحمله: كتاب أصول القاضي شمس الدين بن مفلح.
3 - ما أثبت على صفحة العنوان من تملكات ونحوها: "ملكه من فضل ربه
(المقدمة/37)

يوسف بن حسن بن عبد الهادي (1) ... ثم ملكه بالابتياع ... أحمد ابن عبد الله العسكري ... لطف الله به -آمين- ثم ملكه الفقير أحمد ابن ... أحمد المذكور أعلى ... ثم دارت به المقادير حتى دخل في ملك أفقر الورى محيي الدين الجراعي عفا عنه بمنه (وتحت هذا الكلام ختم: محيي الدين) ".
4 - عدد أوراق هذه النسخة 262 ورقة (2)، (والنسخة كاملة)، ومقاس الصفحة 15 ×22 سم، وفي كل صفحة 19 - 21 سطرًا، ما عدا الصفحة 262 ب ففيها ثلاثة أسطر، وفي كل يسطر 12 كلمة تقريبًا.
5 - خط النسخة: خط نسخي مقروء، بخط محمد أبي بكر بن يعقوب بن مزهر النابلسي.
6 - تاريخ النسخ: فرغ من نسخها في 2 من ربيع الثاني سنة 765 ه.
7 - النسخة مقابلة على عدة نسخ، وقد كتب في آخرها: "بلغ مقابلة حسب الطاقة على عدة نسخ، فصح -إِن شاء الله تعالى- بقراءة شيخنا أقضى القضاة علاء الدين المرداوي (3)، أبقاه الله تعالى".
8 - توجد بعض الهوامش في الورقات الأولى من النسخة.
__________
(1) وضعت النقط في مكان ما لم أستطع قراءته، إِما لخرم في الورقة أو لطمس على الكتابة.
(2) الورقة صفحتان (أ، ب).
(3) وهو أبو الحسن علي بن سليمان الحنبلي، المتوفى سنة 885 ه.
(المقدمة/38)

ب- نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق:
1 - رقمها: 7041.
2 - العنوان الذي تحمله: (مختصر أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد رضي الله عنه، تأليف العالم الأجل الشيخ محمد بن مفلح)، ثم بخط حديث بقلم الرصاص: (الرباني تلميذ شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية).
3 - ما أثبت على صفحة العنوان من تملكات ونحوها:
أ- انتقل بالابتياع الشرعي إِلى ملك كاتبه أحمد بن الحنبلي -لطف الله به- بحضرة الشيخ علي البغدادي، وبعلم الشيخ تقي الدين الجراعي وغيره، في شهور سنة ستين وثمانمائة.
ب- الحمد لله رب العالمين، ثم صار في نوبة أضعف العباد -وأفقرهم إِلى لطف الملك الجواد- العبد الحقير محمد بن محمد ابن أحمد المرزناتي الحنبلي الأدهمي، لطف الله به وبهم وبالمسلمين أجمعين.
ج- ثم إِلى نوبة الفقير يس بن طه ... الحنبلي عفا عنهما، سنة 1168 ه.
د- من كتب الفقير عبد اللطيف بن محمد الحنبلي، الإِمام بالجامع الشريف الأموي، عفا عنه آمين.
(المقدمة/39)

ه- دخل في نوبة الفقير لمولاه -تعالى- عبد الله بن الحاج شحاذة الحنبلي، عفا الله عنهما.
و- ثم انتقل ليد الفقير إِليه -عز شأنه- محمد بن يوسف صوفان القدومي الحنبلي ثم النابلسي، عفا عنه آمين، سنة 1307 من الهجرة الشريفة، ثم ختم: محمود صوفان.
ز- في وسط الصفحة ختم: دار الكتب الظاهرية الأهلية بدمشق.
4 - عدد أوراق هذه النسخة 175 ورقة، (والنسخة كاملة)، ومقاس الورقة 18× 27 سم، وفي كل صفحة 23 سطرًا تقريبًا، وفي كل سطر 13 كلمة تقريبًا (1).
5 - خط النسخة: خط نسخي مقروء، بخط أحمد بن محمد بن محمد الخطيب.
6 - تاريخ النسخ: فرغ من نسخها في يوم الاثنين 10 من جمادى الاَخرة سنة 769 ه.
7 - النسخة مقابلة على بعض النسخ، يظهر ذلك مما أثبت في هوامشها من اختلافات النسخ.
8 - توجد بعض الهوامش في الورقات الأولى من النسخة.
9 - كتبت الصفحتان (156 ب-157 أ) بخط مغاير لما كتبت به النسخة (2).
__________
(1) ما عدا الصفحة الأخيرة، ففيها 16 سطرًا، ويتفاوت عدد كلمات سطورها.
(2) ملحوظة: لم يرد -في هذه النسخة- لفظ (مسألة) من ورقة 159أإِلى الآخر، وترك مكانها خاليًا.
(المقدمة/40)

ج- نسخة مكتبة الشيخ عبد الله بن حميد:
1 - رقمت هذه النسخة بالصفحات، وعدد صفحاتها 490 صفحة، مع ملاحظة أنه قد كرر رقم 317 مرتين، (وقد ضاع منها صفحة 1، وصفحة 2، ولا أدري أكانت تحمل عنوانا أم لا؟)، ومقاس الصفحة 13,5× 19 سم، وفي كل صفحة 19 سطرًا، وفي كل سطر 12 كلمة تقريبًا.
2 - كتب في أعلى صفحة 3 - وهي أول الموجود من هذه النسخة -بخط حديث: "كتاب في أصول الفقه لابن مفلح صاحب الفروع"، وكتب تحته: "عبد الله بن محمد بن حميد"، ثم: "وقف لوجه الله تعالى".
3 - خط النسخة: خط نسخي حسن.
4 - تاريخ النسخ: وافق الفراغ من نسخها يوم الاثنين 2 من ربيع الأول سنة 780 ه.
5 - توجد في هوامشها بعض العناوين باللون الأحمر، تنتهي في صفحة 129.
6 - جاء في آخرها: "بلغ مقابلته على حسب الطاقة، فصح ... ".
7 - أدت مقابلتها على أصلها إِلى استدراك ما سقط، وكان كثيرًا، فضاقت به هوامش النسخة، ويظهر ذلك بصورة واضحة في الصفحات الأولى منها.
8 - درست بعض أطراف الصفحات، فذهبت ببعض الكلمات.
9 - من صفحة 396 إِلى آخر النسخة كتب بخط مغاير لما كتب به أولها.
(المقدمة/41)

د- نسخة المكتبة السعودية بالرياض:
1 - رقمها: 596/ 86.
2 - العنوان الذي تحمله: الأصول في الفقه للشيخ شمس الدين شيخ الإِسلام محمد بن مفلح رحمه الله تعالى، توفي سنة 763 من الهجرة النبوية.
3 - ما أثبت على صفحة العنوان:
أ- ختم: وقف الشيخ محمد بن عبد اللطيف سنة 1381 ه.
ب- ختم: مكتبة الرياض العامة السعودية.
4 - رقمت النسخة بالصفحات، وعدد صفحاتها 385 صفحة + صفحة العنوان، ومقاس الصفحة 18× 25 سم، وفي كل صفحة 24 سطرًا (1)، وفي كل سطر 13 كلمة تقريبًا.
5 - خط النسخة: خط نسخي حسن.
6 - تاريخ النسخ: وافق الفراغ من نسخها يوم الجمعة 27 من ربيع الأول سنة 1350 ه.
7 - جاء في آخرها: "بلغ مقابلة وتصحيحا على حسب الطاقة على أصله، وما أشكل من بعض الأحرف كتبناه على وضعه بعد التأمل، وحسبنا الله ونعم الوكيل". ومع ذلك فإِن ناسخها قد أهمل بعض ما هو مثبت في الأصل، وأثبت بعض ما هو ملغى من الأصل.
__________
(1) ما عدا الصفحة الأخيرة، ففيها 15 سطراً، ويتفاوت عدد كلمات سطورها.
(المقدمة/42)

8 - هذه النسخة منقولة من النسخة السابقة، وقد صرح بذلك في آخرها.
9 - توجد بعض العناوين باللون الأحمر في الهامش، وتنتهي في صفحة 97.

ه- نسخة القصيم:
1 - هذه النسخة ناقصة، والموجود منها: من أول الكتاب إِلى أثناء الكلام على شروط القياس، وذلك نهاية صفحة 260، وسقطت بقية الكتاب، وسقطت -أيضًا- صفحتا 257، 258، ومقاس الصفحة 18,5 × 25 سم، وفي كل صفحة 21 سطرًا تقريبًا (1)، وفي كل سطر 11 كلمة تقريبًا.
2 - يوجد في أول الكتاب - بترقيم مستقل- فهرس (8 صفحات) مرقمة من 2 - 9، وقد وصلت الفهرسة فيه إِلى أول النسخ، وذلك في صفحة 239، وقد سقطت من الفهرس صفحتا 5، 6، وفيهما فهرس الصفحات 90 - 180.
3 - النسخة لا تحمل عنوانا في الصفحة الأولى، ولكن يوجد في أول الفهرس ما يلي: "هذا فهرست كتاب مختصر أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن محمد بن حنبل، لشيخ الإِسلام العالم العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي، ثم الصالحي الحنبلي، رحمه الله تعالى، ونفع بعلومه آمين".
__________
(1) ما عدا الصفحة الأولى - رقم 2 - ففيها 14 سطراً.
(المقدمة/43)

4 - خط النسخة: خط نسخي مقروء.
5 - تاريخ النسخ: يرجع -تقديرًا- إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري.
6 - توجد بعض العناوين باللون الأحمر في الهامش.
7 - بمقابلة هذه النسخة على نسخة الشيخ عبد الله بن حميد تبين لي أنها منقولة منها، ومع ذلك فلم تسلم -كسابقتها- من سوء النقل؛ فقد أثبت فيها ناسخها بعض ما هو ملغى في الأصل، وأهمل بعض ما هو مثبت في الأصل.
* * *
وسأعرض في الصفحات الآتية نماذج من هذه النسخ:
(المقدمة/44)

صفحة العنوان من نسخة مكتبة برلين (ب)
(المقدمة/45)

بداية نسخة مكتبة برلين (ب)
(المقدمة/46)

نهاية نسخة مكتبة برلين (ب)
(المقدمة/47)

صفحة العنوان من نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق (ظ)
(المقدمة/48)

بداية نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق (ظ)
(المقدمة/49)

نهاية نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق (ظ)
(المقدمة/50)

الصفحة الثالثة من نسخة مكتبة الشيخ عبد الله بن حميد (ح)، وهي أول الموجود من هذه النسخة
(المقدمة/51)

نهاية نسخة مكتبة الشيخ عبد الله بن حميد (ح)
(المقدمة/52)

صفحة العنوان من نسخة المكتبة السعودية بالرياض
(المقدمة/53)

بداية نسخة المكتبة السعودية بالرياض
(المقدمة/54)

نهاية نسخة المكتبة السعودية بالرياض
(المقدمة/55)

بداية الفهرس الموجود في أول نسخة القصيم
(المقدمة/56)

بداية نسخة القصيم
(المقدمة/57)

نهاية الموجود من نسخة القصيم
(المقدمة/58)

ثانيًا: تحقيق اسم الكتاب
أ- ما أثبت على صفحة العنوان من كل نسخة من النسخ المخطوطة:
1 - نسخة مكتبة برلين: "كتاب أصول القاضي شمس الدين بن مفلح".
2 - نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق: "مختصر أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، تأليف العالم الأجل الشيخ محمد بن مفلح".
3 - نسخة المكتبة السعودية بالرياض: "الأصول في الفقه للشيخ شمس الدين شيخ الإِسلام محمد بن مفلح رحمه الله تعالى، توفي سنة 763 من الهجرة النبوية".
أما نسخة الشيخ عبد الله بن حميد، فقد سقطت منها صفحة العنوان، وكتب على أول الموجود من النسخة - ص3 - بخط حديث: "كتاب في أصول الفقه لابن مفلح صاحب الفروع".
وأما نسخة القصيم فلم تحمل عنواناً، ولكن كتب في أول الفهرس الملحق بها: "هذا فهرست كتاب مختصر أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، لشيخ الإِسلام العالم العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي الحنبلي ... ".
(المقدمة/59)

ب- ما ذكرته الكتب التي ترجمت للشيخ:
غالب الكتب التي ترجمت للشيخ تشير إِلى مؤلفه هذا بقولها: "وله كتاب في أصول الفقه" (1).
وجاء في ذيل (2) ذيل طبقات الحنابلة (3): "وله الأصول المعروف"، وجاء فيه أيضًا: "وجدت في بعض نسخ كتابه: الأصول" (4).
وفي المدخل (5) إِلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل: "ولأصحابنا في فن الأصول كتب كثيرة ... ومنها: مجلد كبير للعلامة ابن مفلح صاحب الفروع ... ".
ج- ما ذكرته الكتب التي نقلت من الكتاب ونسبت إِليه:
تأتي الإِشارة إِليه في هذه الكتب -تارة- هكذا: "أصول ابن مفلح (6)، وتارة هكذا: "قال ابن مفلح في أصوله" (7).
__________
(1) انظر: المقصد الأرشد/ 277، وشذرات الذهب 6/ 199، ومختصر طبقات الحنابلة / 63، والسحب الوابلة/ 548.
(2) لابن عبد الهادي، التوفى سنة 909 ه.
(3) ص 16.
(4) انظر: المرجع السابق/ 17.
(5) ص 241.
(6) و (7) انظر -مثلاً-: شرح الكوكب المنير 1/ 47، 62، 224، 405، 496، ونزهة الخاطر العاطر 1/ 522، 377، والإنصاف للمرداوي 1/ 15، 12/ 241، 244، 245، 254،265.
(المقدمة/60)

وفي المقاصد الحسنة (1)، وكشف الخفاء (2): " ... وكذا أدرجه ابن مفلح في أول كتابه في الأصول".
يظهر لي مما تقدم أن المؤلف لم يضع عنوانًا معينًا لكتابه، وإِنما اكتفى بما قاله في مقدمته في بيان موضوعه، فقد قال: " ... أما بعد: فهذا مختصر في أصول الفقه على مذهب الإِمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ... " (3).
فلما جاء من بعده -نسخ نسخة من كتابه، أو أراد أن يترجم له، أو نقل من من كتابه وأراد أن ينسب إِليه- تصرف في إِثبات اسم لهذا الكتاب، كما سبق بيانه.
ولعل الأقرب في تسميته مراعاة ما قاله مؤلفه في مقدمته في بيان موضوعه، وعليه فيكون اسم الكتاب: (أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل).
__________
(1) ص 362.
(2) 2/ 254.
(3) انظر: ص 5 من الكتاب.
(المقدمة/61)

ثالثًا: توثيق نسبة الكتاب (1) إِلى مؤلفه:
مما يوثق نسبة هذا الكتاب إِلى مؤلفه (ابن مفلح) أمران:
1 - اتفاق جميع النسخ على نسبة الكتاب إِليه.
2 - ما ذكر في الكتب التي نقلت كلاماً، ونسبته إِلى "أصول ابن مفلح"، أو قالت: "قاله ابن مفلح في أصوله" أو "في كتابه في الأصول"، وذلك عند مقارنة المنقول بما في النسخ (نسخ الكتاب) والتحقق من مطابقته (2).

رابعًا: ملامح من منهج المؤلف في كتابه:
هذه بعض الملامح لمنهج المؤلف في كتابه تتعلق بترتيبه وبعض المصطلحات والعبارات التي استعملها:
1 - الترتيب الذي سلكه المؤلف في كتابه مقارب جدًا لترتيب الآمدي الشافعي (ت 631 ه) لموضوعات كتابيه (الإِحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السول في علم الأصول)، ولترتيب ابن الحاجب المالكي (ت
__________
(1) ذكرت قبل قليل: أن غالب الكتب التي ترجمت للشيخ تذكر أن له كتاباً في أصول الفقه، ولا تذكر اسماً معيناً لهذا الكتاب.
(2) انظر -مثلاً-: المقاصد الحسنة/ 362، وكشف الخفاء 2/ 254، وقارن بما في ص 5، 7 من الكتاب، وانظر شرح الكوكب المنير 1/ 47، 62، 224، 405، 496، وقارن بما في ص 17، 190، 125، 235، 300 (على الترتيب) من الكتاب.
(المقدمة/62)

646 ه) لموضوعات كتابيه (منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصره العروف بمختصر ابن الحاجب).
2 - يذكر المؤلف عنوان الموضوع دون ذكر كلمة (باب) أو (فصل) أو نحوهما، فيقول مثلاً: الإِجماع، الأمر، النهي ...
ويبدأ الموضوع بذكر التعريف وما يتعلق به من تقسيم ونحوه، ثم يتحدث عن عناصر الموضوع جاعلاً كلاً منها تحت عنوان (مسألة)، من غير أن يعطي المسألة رقمًا وصفيًّا ترتيبيًّا، فلا يقول -مثلاً-: المسألة الأولى، المسألة الثانية ...
3 - استخدم المؤلف بعض العلامات للدلالة على موافقة بعض المذاهب لمذهبنا (الحنبلي) ومخالفتهم، وقد بين المراد بكل منها في مقدمة كتابه، فقال: وعلامة موافقة مذهب الأئمة -أبي حنيفة ومالك والشافعي- لمذهبنا (و)، ومخالفتهم (خ)، وموافقة الحنفية (وه)، والمالكية (وم)، والشافعية (وش)، والظاهرية (وظ)، والمعتزلة (وع)، والأشعرية (ور)، ومخالفة أحدهم حذف الواو.
4 - بين المؤلف في مقدمة كتابه أن مراده ب (القاضي) هو القاضي أبو يعلى الحنبلي.
5 - يعبر المؤلف عن اسم بعض العلماء بقوله: (صاحب كذا):
صاحب التلخيص = ابن تيمية، محمد بن الخضر.
صاحب التمهيد = أبو الخطاب الحنبلي.
صاحب التنبيه الشافعي = أبو إِسحاق الشيرازي.
(المقدمة/63)

صاحب الرعاية = ابن حمدان الحنبلي.
صاحب الروضة = ابن قدامة الحنبلي.
صاحب المحرر = ابن تيمية، مجد الدين.
صاحب المحصول = فخر الدين الرازي.
صاحب المغني = ابن قدامة الحنبلي.
صاحبا أبي حنيفة = محمد بن الحسن، وأبو يوسف.
صاحبا الصحيح = البخاري، ومسلم.
انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني.
6 - يذكر المؤلف (السرخسي)، فتارة يريد به: شمس الأئمة، صاحب الأصول المعروف، وتارة يريد به: أبا سفيان السرخسي الذي لم أعثر على ترجمته، وقد ورد له ذكر في: العدة، والتمهيد، والمسودة.
انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني.
7 - يكثر المؤلف من ذكر هذا الوصف (بعض أصحابنا)، وبعد التأمل
والبحث وجدته يطلقه -غالبًا- على بعض المتأخرين من الحنابلة
بالنسبة لعصره، ويقصد به -أحيانًا- الإِشارة إِلى شخص واحد منهم.
وأكثر تلك الأقوال التي أطلق على أصحابها وصف (بعض أصحابنا) وجدته في: مسودة آل تيمية، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية، والبلبل (مختصر روضة الناظر، لابن قدامة) للطوفي الحنبلي، وقد أرجعته إِلى هذه المصادر.
(المقدمة/64)

8 - يذكر المؤلف هذا الوصف (بعض من تبع الآمدي) وبعد التأمل والبحث ظهر لي أنه يشير به إِلى ابن الحاجب.
9 - يعبر المؤلف -غالبًا- عما استُدل به للقول المختار -إِذا كان لا ينهض للاستدلال- بقوله: (واستدل)، ثم يذكر الرد عليه، وهذا التعبير قد استعمله -قبله- ابن الحاجب (1).
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 1/ 128.
(المقدمة/65)

خامسًا: مصادر الكتاب التي استقى منها مؤلفه مادته (1)
المصادر الحنبلية:
أ- مصادر نص على ذكرها:
1 - مسائل (وأقوال) الإِمام أحمد -رواية: ابنه عبد الله، وابنه صالح، وحنبل، والمروذي، وأبي داود، وإسحاق بن إِبراهيم بن هانئ النيسابوري، والأثرم، ومهنا، وابن القاسم، والميموني، وبكر بن محمد، ويوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن. انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني.
__________
(1) يضاف إِلى هذه مصادر أخرى متنوعة:
1 - ففي التفسير: تفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي بكر بن مردويه، وابن الجوزي، والقرطبي.
2 - وفي الأحاديث والآثار: الكتب الستة، ومسند أحمد، ومسند الشافعي، وموطأ مالك، ومسند البزار، ومسند الطيالسي، والسنة لابن أبي عاصم، ومعجم الطبراني، والسنن لسعيد بن منصور، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي، والسنن لابن أبي حاتم، والجمع بين الصحيحين للحميدي، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم.
3 - وفي المغازي: مغازي الأموي.
4 - وفي اللغة والنحو: الصحاح للجوهري، وحلية العربية لابن الأنباري، وإِعراب القرآن للعكبري.
انظر: فهرس الأعلام وفهرس الكتب في القسم الثاني.
(المقدمة/66)

2 - الرسالة للإِمام أحمد، رواية: أحمد بن جعفر.
3 - العلم - للخلال، التوفى سنة 311 ه.
4 - الأصول - لابن حامد، المتوفى سنة 403 ه.
5 - الإِرشاد في المذهب - لابن أبي موسى، المتوفى سنة 428 ه.
6 - العدة في أصوك الفقه.
7 - العمدة في أصول الفقه.
8 - الكفاية في أصول الفقه.
9 - الجامع الكبير في الفروع.
10 - التعليق (الخلاف) في الفروع.
11 - المجرد في الفروع، ومقدمته في الأصول.
12 - المعتمد في أصول الدين.
13 - شرح مختصر الخرقي.
14 - الأحكام السلطانية.
15 - كتاب الروايتين والوجهين.
16 - جزء في المفهوم.
17 - إِبطال التأويل.
18 - مختصر في أصول الفقه والدين. وهذه المصادر (6 - 8) للقاضي أبي يعلى، التوفى سنة 458 ه.
(المقدمة/67)

19 - المبهج في الفروع - لأبي الفرج المقدسي، المتوفى سنة 486 ه.
20 - التمهيد في أصول الفقه.
21 - الانتصار في الفقه. وهما لأبي الخطاب، التوفى سنة 510 ه.
22 - الواضح في أصول الفقه.
23 - الإِرشاد في أصول الدين.
24 - الفنون. 25 - عمد الأدلة.
26 - المناظرات. 27 - الفصول في الفقه.
28 - النظريات الكبار. 29 - المنثور.
30 - المفردات.
وهذه المصادر (22 - 30) لابن عقيل، المتوفى سنة 513 ه.
31 - الواضح في الفقه - لابن الزاغوني، المتوفى سنة 527 ه.
32 - السر المصون في أصول الدين - لابن الجوزي، المتوفى سنة 597 ه.
33 - الجدل - للفخر إِسماعيل البغدادي، المتوفى سنة 610 ه.
34 - المستوعب في الفقه - للسامري، المتوفى سنة 616 ه (1)
__________
(1) هو: نصير الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين -ويعرف بابن أبي سنينة- الفقيه الفرضي الحنبلي، ولد بسامرا سنة 535 ه، وولي قضاءها، ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، وبها توفي. من مؤلفاته -أيضًا-: الفروق، والبستان في الفرائض.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 121.
(المقدمة/68)

35 - الروضة في أصول الفقه.
36 - المغني في الفقه.
37 - الكافي في الفقه.
38 - رسالة إِلى صاحب التلخيص (الفخر بن تيمية).
وهذه المصادر (35 - 38) لابن قدامة المتوفى سنة 620 ه.
39 - الترغيب في الفقه.
40 - التلخيص في الفقه. وهما لابن تيمية فخر الدين محمد بن الخضر، المتوفى سنة 622 ه.
41 - شرح الهداية في الفقه (لأبي الخطاب).
42 - المحرر في الفقه. وهما لابن تيمية مجد الدين، المتوفى سنة 652 ه.
43 - الرعاية في الفروع.
44 - أصول الفقه (الوافي). وهما لابن حمدان الحراني، التوفى سنة 695 ه.
45 - روضة الفقه لبعض أصحابنا.
46 - عيون المسائل.
انظر: فهرس الكتب في القسم الثاني.
(المقدمة/69)

ب- مصادر لم ينص على ذكرها:
1 - المسودة في أصول الفقه، وقد تعاقب على تصنيفها ثلاثة من آل تيمية:
الأول: مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني، المتوفى سنة 652 ه.
الثاني: شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام، المتوفى سنة 682 ه (1).
الثالث: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، المتوفى سنة 728 ه.
وقد جمعها وبيضها أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الحراني الدمشقي، المتوفى سنة 745 ه (2).
وقد استفاد المؤلف منها في مواضع كثيرة من كتابه، وكان يشير إِلى ذلك بقوله: "قال بعض أصحابنا (3)، أو: "قال صاحب المحرر" وهو
__________
(1) فقيه فرضي مشارك في العلوم، ولد سنة 627 ه بحران، ورحل في صغره إِلى حلب وسمع بها، ثم رجع إِلى حران، وفي سنة 667 ه انتقل إِلى دمشق، وأقام بها إِلى أن توفي. انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 310 - 311.
(2) فقيه أصولي مناظر، ولد سنة 702 ه، وتوفي بدمشق.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 440.
(3) انظر: ص 64 من هذه المقدمة.
(المقدمة/70)

مجد الدين أبو البركات. انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني - صاحب المحرر.
2 - مختصر روضة الناظر (البلبل) - لأبي الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري، المتوفى سنة 716 ه (1).
وقد رجع إِليه المؤلف في بعض المواضع، وأشار إِلى ذلك بقوله: قال بعض أصحابنا. انظر: ص 64 من هذه المقدمة.
وقد أرجعت -حسب الإِمكان- تلك المعلومات المستقاة من هذين الكتابين إِليهما.

المصادر غير الحنبلية:
أ- مصادر نص على ذكرها:
1 - الرسالة - للإِمام الشافعي.
2 - اللامع في أصول الفقه - لأبي عبد الله بن حاتم تلميذ ابن الباقلاني.
3 - تاريخ الحاكم النيسابوري، المتوفى سنة 405 ه.
__________
(1) فقيه أصولي، ولد بقرية "طوف" أو "طوفا" من أعمال صرصر في العراق سنة 657 ه، ودخل بغداد سنة 691 ه، ورحل إِلى دمشق سنة 704 ه، وزار مصر، وجاور بالحرمين، وتوفي في بلد الخليل بفلسطين سنة 716 ه.
من مؤلفاته -أيضًا-: شرح هذا المختصر، ومختصر الجامع الصحيح للترمذي.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 366 والدرر الكامنة 2/ 154، والأنس الجليل 2/ 257، وشذرات الذهب 6/ 39، وجلاء العينين/ 36.
(المقدمة/71)

4 - الإِشارات لابن سيناء، المتوفى سنة 428 ه.
5 - شرح أدب القاضي (للخصاف)، لعله: لبرهان الأئمة عمر بن عبد العزيز الحنفي، العروف بالحسام الشهيد، المتوفى سنة 536 ه (1).
6 - المحصول في علم أصول الفقه - لفخر الدين الرازي الشافعي، المتوفى سنة 606 ه، فقد ورد في كتاب المؤلف -عدة مرات-: "قال صاحب المحصول". وإن كان هناك احتمال أن يكون الرازي قاله في غير المحصول، ولم يكن المؤلف يذكر الفخر باسمه ولا بنسبته.
7 - شرح صحيح مسلم - لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي، المتوفى سنة 676 ه (2).
8 - شرح النهاج - لمؤلفه. لعله: منهاج الوصول إِلى علم الأصول -للبيضاوي الشافعي، التوفى سنة 685 ه- فإِن مؤلفه قد شرحه.
انظر: فهرس الكتب في القسم الثاني.
__________
(1) فقيه، ولد سنة 483 ه. من مؤلفاته -أيضًا- الفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى.
انظر: الجواهر المضية 1/ 391، وتاج التراجم/ 46.
(2) فقيه محدث عالم بالرجال متفنن في معارف شتى.
من مؤلفاته -أيضًا-: المجموع شرح المهذب، ومنهاج الطالبين في الفقه، وتهذيب الأسماء واللغات.
انظر: طبقات الشافعية للسبكي 8/ 395، وتذكرة الحفاظ/ 1470، وطبقات الحفاظ/ 510، وشذرات الذهب 5/ 354.
(المقدمة/72)

ب- مصادر لم ينص على ذكرها:
1 - البرهان في أصول الفقه - لأبي العالي الجويني الشافعي، المتوفى سنة 478 ه.
وقد رجع إِليه المؤلف في مواضع، وكان يذكر أبا المعالي، ولم يكن يذكر اسم الكتاب.
انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني - أبو العالي.
2 - الإِحكام في أصول الأحكام.
3 - منتهى السول في علم الأصول، وهما للآمدي الشافعي، المتوفى سنة 631 ه.
وقد استفاد منهما المؤلف في مواضع كثيرة من كتابه، ولاسيما عند ذكر الأدلة ومناقشتها، وكان يذكر اختيارات الآمدي، ولم ينص على ذكر اسم الكتابين، وإِنما كان يذكر (الآمدي).
انظر: فهرس الأعلام في القسم الثاني - الآمدي.
وقد أرجعت -حسب الإمكان- تلك المعلومات المستقاة من هذه الكتب الثلاثة إِليها.
4 - منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل.
5 - مختصر المنتهى. وهما لابن الحاجب المالكي، المتوفى سنة 646 ه. وقد استفاد المؤلف -فيما يظهر- من منهج ابن الحاجب، وذكر في بعض المواضع كلاماً مقارباً -إِلى حد كبير- لما في كتابيه، ويتضح
(المقدمة/73)

ذلك جليا لمن يقارن بينهما وبين كتاب المؤلف.
وكان المؤلف -أحيانًا- يشير إِلى ابن الحاجب بقوله: "بعض من تبع الآمدي".
6 - منهاج الوصول إِلى علم الأصول - للبيضاوي الشافعي، المتوفى سنة 685 ه.
وقد رجع إِليه المؤلف فيما يظهر لي -في بعض المواضع- مكتفيا بقوله: "قال بعض الشافعية".
***
(المقدمة/74)

سادساً: بعض الكتب التي اتبع مؤلفوها منهج الكتاب ورجعوا إِليه
1 - كتاب: المختصر في أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل - لعلاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عباس بن شيبان البعلي ثم الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن اللحام، المتوفى سنة 803 ه.
ويتضح لقارئه أنه مختصر من (أصول الفقه) لابن مفلح؛ فقد اتبع مؤلفه الترتيب الذي سلكه ابن مفلح في موضوعات الكتاب، بل جاءت عباراته مقاربة -إِلى حد كبير- لما في كتاب المؤلف (1).
2 - كتاب: منهاج الوصول إِلى علم الأصول - لأبي إِسحاق إِبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة 884 ه (2).
ويوجد منه جزء مخطوط ينتهي عند تعريف الكتاب (القرآن)، وتوجد لدي صورة عنه.
3 - كتاب: التحرير في أصول الفقه - لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي، المتوفى سنة 885 ه.
وقد ذكر المرداوي أنه قد استمد غالب كتابه من كتاب ابن مفلح (3)،
__________
(1) وقد حقق الكتاب الدكتور محمد مظهر بقا. وطبع سنة 1400 ه.
(2) وله -أيضًا-: المبدع شرح المقنع، والمقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد.
انظر: شذرات الذهب 7/ 338.
(3) انظر: المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل/ 241.
(المقدمة/75)

ويظهر ذلك جليًا لمن يقارن بين الكتابين.
والكتاب مختصر (1)، وتوجد منه نسخة بقسم المخطوطات بجامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، برقم 2221.
وقد شرح المرداوي كتابه هذا، وسمى شرحه (التحبير شرح التحرير). ويوجد في ثلاثة مجلدات مخطوطة: الأول في مكتبة الأوقات العامة ببغداد برقم 1/ 7406 مجاميع، والثاني في مكتبة خدا بخش بتنه في الهند برقم 687 عربي، والثالث في مكتبة خدا بخش برقم 688 عربي.
وقد حققه -لنيل درجة الدكتوراه- ثلاثة من طلبة الدراسات العليا، بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، وهم:
1 - عبد الرحمن الجبرين.
2 - عوض القرني.
3 - أحمد السراح.
وقد نقل المرداوي كثيرًا من أصول ابن مفلح، فانظر: التحبير شرح التحرير (المحقَّق) بأجزائه الثلاثة (فهرس الكتب: أصول ابن مفلح) و (فهرس الأعلام: محمد بن مفلح).
__________
(1) وقد حققه -لنيل درجة الدكتوراه- أبو بكر عبد الله دكوري، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عام 1403 ه.
(المقدمة/76)

4 - كتاب: شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير أو المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه - لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، المتوفى سنة 972 ه (1).
وقد سار مؤلفه في المنهج العام على منهج ابن مفلح، كما نقل عنه في مواضع من كتابه، فانظر: كتاب شرح الكوكب المنير (فهرس الكتب - أصول ابن مفلح)، و (فهرس الأعلام - محمد بن مفلح).
وقد طبع الكتاب (شرح الكوكب المنير) سنة 1372 ه طبعة مليئة بالأخطاء، ثم أعيد تحقيقه (2) سنة 1400 - 1408 ه وطبع في أربعة مجلدات.
5 - كتاب الذخر الحرير شرح مختصر التحرير (لابن النجار) - لأحمد بن عبد الله بن أحمد الحلبي البعلي الحنبلي، المتوفى سنة 1189 ه (3).
والكتاب مخطوط، وتوجد منه نسخة بالمكتبة السعودية بالرياض، برقم 341/ 86، وبها نقص في مواضع.
...
__________
(1) وله -أيضًا-: منتهى الإرادات في الفقه الحنبلي. انظر: السحب الوابلة / 220، ومختصر طبقات الحنابلة/ 87.
(2) حققه: الدكتور محمد الزحيلي، والدكتور نزيه حماد.
(3) وله -أيضًا-: منية الرائض شرح عمدة كل فارض، والروض الندي شرح كافي المبتدي. انظر: السحب الوابلة/ 44.
(المقدمة/77)

سابعًا: قيمة الكتاب العلمية
مما تقدم -من ذكر مصادر الكتاب التي استقى منها مؤلفه مادته، والكتب التي اتبع مؤلفوها منهجه ورجعوا إِليه- ومن واقع اطلاعي عليه ودراستي له أستطيع أن أسجل القيمة العلمية لهذا الكتاب فيما يأتي:
1 - اهتمام مؤلفه بالروايات الواردة عن الإِمام أحمد حول كثير من المسائل الأصولية، والترجيح بينها أحيانًا.
2 - ما جمعه من أقوال لعلماء المذهب، ونصوص من كتبهم، في كثير من المباحث الأصولية.
3 - ما احتواه من صياغة لمذهب الحنابلة في مسائل أصولية متعددة بما يتفق مع منهج بحثها عند المذاهب الأخرى، فاستقى من المراجع الحنبلية، وصب ما استقاه في قالب يتمكن المطلع عليه من الموازنة بين المذهب الحنبلي والمذاهب الأخرى في كثير من المسائل.
4 - كون الكتاب عمدة في النقل منه واتباع منهجه عند كثير من الحنابلة الذين أتوا بعد مؤلفه، فأظهر ذلك ثقتهم في مادة الكتاب ومدى تأثيره في مؤلفاتهم وكونه حلقة وصل بين مؤلفات الحنابلة المتقدمة وتلك المؤلفات المتأخرة. (وقد تقدم ذكر بعض هذه المؤلفات).
5 - كونه كتاب أصول فقه مقارن، عني فيه مؤلفه بنقل المذاهب الأخرى في غالب المسائل التي بحثها.
6 - استقاء مؤلفه غالب مادته من مصادر أصلية، مثل: العدة للقاضي أبي
(المقدمة/78)

يعلى، والواضح لابن عقيل، والتمهيد لأبي الخطاب، والروضة لابن قدامة، والبرهان لأبي المعالي الجويني، والمحصول للفخر الرازي، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي. (وقد تقدم ذكر مصادر الكتاب).
7 - ربط مؤلفه -في مواضع- بين القواعد الأصولية والفروع الفقهية، وذلك ببيان ثمرة الخلاف في بعض المسائل الأصولية.
8 - كونه كتابا ذا سمة حسنة جداً -يندر وجودها في كتب الأصول- وهي عناية مؤلفه بالأحاديث (كونها صحيحة أو ضعيفة) من جهة، وخلو الكتاب مما لا أصل له من جهة أخرى، وذلك ما صرح به مؤلفه حين قال في مقدمته: "اجتهدت فيه لا سيما في نقل المذاهب وتحريرها ... مع بيان صحة الأخبار وضعفها لمسيس الحاجة إِلى ذلك على ما لا يخفى، ولا أذكر -غالبًا- ما لا أصل له ... " (1).
9 - كونه كتابًا يظهر فيه موقف مؤلفه ونظرته الموضوعية عند عرض الأقوال والأدلة والمناقشة، وتبرز هذه السمة عند ذكره أدلة القول المختار عنده، فقد يكون بعضها لا ينهض للاستدلال، فيبين ما يردها أو يضعفها.
10 - كونه كتاباً أوضح فيه مؤلفه -غالبًا- كون الخلاف في بعض المسائل لفظيا لا يترتب عليه أثر في التطبيق.
__________
(1) انظر: ص 5 من القسم الثاني، ومما يدل على قيمة كلام المؤلف على ما لا أصل له أنه قد ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة/ 362، والعجلوني في كشف الخفاء 2/ 254.
(المقدمة/79)

11 - اشتماله -في مباحث الأخبار- على معلومات في علم مصطلح الحديث يقل وجودها مجتمعة في كتاب أصولي.
12 - اشتماله -بعد مباحث القياس- على معلومات في علم الجدل وآداب المناظرة والسؤال والجواب.
(المقدمة/80)

الفصل الثالث منهجي في تحقيق الكتاب
(المقدمة/81)

منهجي في تحقيق الكتاب:
اتبعت في تحقيقه النهج الآتي:

أولاً: اعتمدت على ثلاث من النسخ الخمس السابق ذكر أوصافها، وهذه الثلاث هي:
1 - نسخة مكتبة برلين، ورمزت لها بالحرف (ب).
2 - نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق، ورمزت لها بالحرف (ظ).
3 - نسخة الشيخ عبد الله بن حميد، ورمزت لها بالحرف (ح).
وصرفت النظر عن كل من: نسخة المكتبة السعودية بالرياض، ونسخة القصيم؛ وذلك لوجود الأصل الذي نقلتا عنه، وهو نسخة الشيخ عبد الله بن حميد، ولم تشتملا على تصحيحات أو مقابلة على نسخ أخرى، وإِنما أضافتا تصحيفات وتحريفات، ولم تحافظا على صورة الأصل.
وقد كنت أريد الاستعانة بهاتين النسختين، لتعبرا عن نسخة الشيخ عبد الله بن حميد فيما سقط منها (1)، ولكني آثرت صرف النظر عن ذلك بعد إِدراكي لعدم مطابقتهما لأصلهما.

ثانيا: عملت على إِخراج الكتاب على أقرب - صورة وضعه المؤلف عليها، مع مراعاة الصحة والضبط قدر الإِمكان، ولتحصيل ذلك قمت بمقابلة
__________
(1) انظر: ص 41 من هذه المقدمة.
(المقدمة/83)

النسخ الثلاث بعضها ببعض، واتخذت إِزاء اتفاقها أو اختلافها المواقف الآتية:
1 - إِثبات ما اتفقت عليه النسخ كما هو (وإن كان لي رأي حول لفظ أو عبارة جعلته في الهامش) ما لم تتفق على خطأ في الآيات القرآنية، فإِني أثبت الآية صحيحة في النص، وأشير في الهامش إِلى الخطأ الموجود في النسخ.
2 - إِذا حصل اختلاف بين النسخ (فورد في إِحداها لفظ أو ألفاظ، وفي الاثنتين الباقيتين لفظ أو ألفاظ مغايرة مكان ذلك اللفظ أو تلك الألفاظ) فإِني أثبت في النص الصواب (إِذا كنت أرى أن الثاني خطأ)، وإذا كنت أرى أن كلا منهما صواب جعلت في النص ما أراه أنسب للمقام، وفي كلتا الحالتين أشير في الهامش إِلى الاختلاف بين النسخ.
ويلاحظ أنه إِذا حصل اختلاف في عبارات الصلاة والسلام ونحوها -كأن يرد في بعض النسخ - صلى الله عليه وسلم -، وفي بعضها (عليه السلام) - فإِني أثبت إِحداهما، ولا أشير إِلى ذلك الاختلاف في الهامش؛ لأنه لا يترتب عليه أثر يرجع إِلى موضوع الكتاب.
3 - إِذا حصلت زيادة في واحدة من النسخ أو في اثنتين منهما فإِن رأيت إِثباتها في النص جعلتها فيه بين علامتين هكذا []-وقد اصطلح على تسميتهما بالمعقوفتين- وأشرت في الهامش إِلى مصدر الزيادة، وإن رأيت عدم إِثباتها اكتفيت بذكرها في الهامش منبهًا على مصدرها. فإِن كانت الزيادة بذكر كلمة أو كلمات من بقية الآية، أو نحو: - صلى الله عليه وسلم - أو
(المقدمة/84)

(رضي الله عنه) جعلتها في النص، ولم أحصرها بين علامتي الزيادة، ولم أشر في الهامش إِلى مصدرها.
4 - إِذا حصل اختلاف بالتقديم والتأخير عملت ما عملته في رقم 2.
5 - ما أثبت في هوامش النسخ من اختلاف مع نسخ أخرى نظرت إِليه كنسخة مستقلة.
ويلاحظ في كل ما سبق أنني أستعين بالمصادر الأخرى التي تعين على فهم النص واستقامة معناه، ويظهر ذلك بصورة واضحة إِذا كان النص مقتبسًا من مصدر آخر.

ثالثًا: ما يتعلق بالناحية اللفظية (الشكلية) للنص:
1 - رسم الكتاب بالرسم المعاصر.
2 - ضبط الألفاظ -في النص- بالشكل عند خوف اللبس.
3 - وضع الرموز التي استخدمها المؤلف بين قوسين هكذا ().
4 - وضع الآيات بين قوسين هكذا {}.
5 - وضع الأحاديث القولية بين قوسين هكذا ().
6 - وضع الآثار بين علامتين هكذا "".

رابعًا: ذكر اسم السورة التي وردت فيها الآية، ورقم الآية فيها.
ويلاحظ أنني أكتفي ببيان موضع الآية من سورة واحدة إِذا ما تكررت في أكثر من سورة.

خامسًا: تخريج الأحاديث الواردة في النص.
(المقدمة/85)

سادسًا: تخريج الآثار الواردة في النص.
سابعًا: عزو الأبيات الشعرية إِلى قائليها.
ثامنًا: التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في النص -باستثناء الأنبياء والصحابة والأئمة الأربعة- وذلك بإِيراد ترجمة موجزة لكل منهم، مع ذكر بعض المراجع التي ترجمت له.
تاسعًا: التعريف بالطوائف والفرق الوارد ذكرها في النص.
عاشرًا: التعريف بالكتب الوارد ذكرها في النص.
حادي عشر: ربط النصوص المقتبسة بمصادرها (ما أمكن ذلك).
ثاني عشر: بيان معنى ما يشكل من المفردات.
ثالث عشر: ذكرت في وصف النسخ اشتمال هوامش بعضها على تعليقات، وقد أثبت منها في الهامش ما رأيت له فائدة كبيرة وصلة وثيقة بالنص.
رابع عشر: (من أجل ربط النص المطبوع بأصوله المخطوطة وتسهيل الرجوع إِليها) أشرت في الهامش إِلى نهاية كل صفحة من صفحات النسخ الثلاث.
خامس عشر: عملت فهارس عامة للكتاب، وهي:
1 - فهرس الآيات.
2 - فهرس الأحاديث
(المقدمة/86)

3 - فهرس الآثار.
4 - فهرس الأشعار.
5 - فهرس الحدود والمصطلحات.
6 - فهرس الأعلام المترجم لهم.
7 - فهرس الكتب الواردة في النص.
8 - فهرس الطوائف والفرق والمذاهب والأمم والجماعات ...
9 - فهرس الموضوعات.
وبعد هذه الفهارس تأتي قائمة المراجع.
(المقدمة/87)

القسم الثاني الكتاب المحقق
وبعده فهارسه
فقائمة المراجع
(1/)

أصول الفقه
تأليف
شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
(712 - 763 ه)
حققه وعلَّق عليه وقدَّم له
الدكتور/ فهد بن محمَّد السَّدَحَان

مقدمة التحقيق والجزء الأول
مكتبة العبيكان
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
(1/3)

(1) بسم الله الرحمن الرحيم (2)
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (3). أما بعد:
فهذا مختصر في أصول الفقه، على مذهب الإِمام أبي عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل رضي الله عنه، اجتهدت فيه لاسيما في نقل المذاهب وتحريرها؛ فإِنه جل القصد بهذا المختصر، مع بيان صحة الأخبار وضعفها؛ لمسيس الحاجة إِلى ذلك على ما لا يخفى.
ولا أذكر -غالبًا- ما لا أصل له، نحو: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (4)
__________
(1) من هنا بداية الصفحة التي فقدت من نسخة (ح).
(2) في (ظ): رب يسر. قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإِسلام وحيد دهره، وفريد عصره، أقضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد المقدسي -قدس الله روحه ونور ضريحه-: الحمد لله رب العالمين ...
(3) كذا في (ب) و (ظ). وهو تكرار لما سبق ذكره من السلام.
(4) لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، كما قاله جمع من العلماء منهم: المزي والذهبي والزركشي والعراقي وابن قاسم العبادي والشوكاني.
ويشهد لمعناه ما أخرجه النسائي والترمذي -وقال: حسن صحيح- من حديث أميمة بنت رقيقة مرفوعًا: (إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة) وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإِخراجها لثبوتها على شرطهما.
انظر: سنن النسائي 7/ 149، وسنن الترمذي 3/ 77، والمقاصد الحسنة 192 - 193، وكشف الخفاء 1/ 436 - 437، والفوائد المجموعة/ 20.
(1/5)

و (نحن نحكم بالظاهر)، (1) و (خذوا شطر دينكم عن الحميراء) (2)،
__________
(1) لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، كما قاله جمع من العلماء منهم: المزي وابن الملقن وابن كثير والزركشي والعراقي والسخاوي والشوكاني.
ويشهد لمعناه: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أم سلمة مرفوعًا: (إِنما أنا بشر وإِنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك ...)، وما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد مرفوعًا: (إِني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس). وترجم النسائي في سننه لحديث أم سلمة بقوله: باب الحكم بالظاهر.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن أمر السرائر إِلى الله.
ونبه بعض المحققين على أن سبب وقوع الوهم من بعضهم في جعلهم هذا حديثًا مرفوعًا أن الشافعي أورد في كتابه (الأم) حديث أم سلمة السابق أم قال: "فأخبرهم - صلى الله عليه وسلم - أنه إِنما يقضي بالظاهر وأن أمر السرائر إِلى الله". فظن بعض من لا يميز أن هذا حديث آخر منفصل عن حديث أم سلمة فنقله كذلك، ثم قلده من بعده.
انظر: الأم 5/ 126 - 128، 6/ 199، وصحيح البخاري 5/ 164، 9/ 72، 73، وصحيح مسلم/ 742، 1337 - 1338، وسنن النسائي 8/ 233، ومسند أحمد 1/ 41، 3/ 4، وشرح صحيح مسلم للنووي 7/ 163، والتلخيص الحبير 4/ 192، والمقاصد الحسنة/ 91 - 92، وكشف الخفاء 1/ 221، 222، والأسرار المرفوعة/ 114 - 115، والفوائد المجموعة / 200.
(2) جاء في كتاب النهاية في غريب الحديث 1/ 438: يعني عائشة، كان يقول لها أحيانًا: (يا حميراء) تصغير الحمراء، يريد البيضاء، وقد تكرر في الحديث. انتهى. والشطر: النصف.
وهذا من الأحاديث التي لا يعرف لها إِسناد كما قاله جمع من العلماء منهم: المزي والذهبي وابن كثير والسيوطي.
قال صاحب الأسرار المرفوعة: قلت: لكن معناه صحيح، فإِن عندها من شطر الدين استنادًا يقتضي اعتمادًا.=
(1/6)

و (ما اجتمع الحلال والحرام إِلا وغلب الحرام على الحلال.) (1)
وعلامة (2) موافقة مذهب الأئمة -أبي حنيفة ومالك والشافعي، رضي الله عنهم- لمذهبنا (و)، ومخالفتهم (خ)، وموافقة الحنفية (وه)، والمالكية (وم)، والشافعية (وش)، والظاهرية (وظ)، والمعتزلة (3)
__________
=انظر: الإِجابة لإِيراد ما استدركته عائشة على الصحابة / 58، والمقاصد الحسنة/ 198، وكشف الخفاء 1/ 449، الأسرار المرفوعة/ 190 - 191.
(1) في المقاصد الحسنة/ 362: حديث (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال). قال البيهقي: "رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود، وفيه ضعف وانقطاع"، وقال الزين العراقي في (تخريج منهاج الأصول): "إِنه لا أصل له"، وكذا أدرجه ابن مفلح في أول كتابه في الأصول، فيما لا أصل له.
وانظر: سنن البيهقي 7/ 169، وكشف الخفاء 2/ 254، وانظر كلام العلماء عن جابر الجعفي في: ميزان الاعتدال 1/ 379 وما بعدها.
وفي الأشباه والنظائر للسيوطي/ 117 - 118: "القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. وأورده جماعة حديثًا بلفظ: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ...) وقال السبكي في الأشباه والنظائر -نفلاً عن البيهقي-: هو حديث رواه جابر الجعفي، رجل ضعيف، عن الشعبي عن ابن مسعود، وهو منقطع. قلت: وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع".
(2) جاء المؤلف بصورة مقاربة لهذه العلامات في كتابة الفروع 1/ 64.
(3) سموا بهذا الاسم؛ لاعتزال أصلهم -وهو واصل بن عطاء- عن مجلس الحسن البصري، وتفرده بان مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وإثباته للمنزلة بين المنزلتين. فقال الحسن: قد اعتزل عنا.=
(1/7)

(وع)، والأشعرية (1) (ور)، ومخالفة أحدهم حذف (الواو).
__________
=ويلقبون بالقدرية؛ لإِسنادهم أفعال المختارين إِلى قدرتهم، ومنعهم من إِضافتها إِلى قدرة الله تعالى، وهم يزعمون أن القدري من يقول: "القدر خيره وشره من الله". ولقبوا أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب الأصلح، ووجوب الثواب، ونفي الصفات، وقد اتفقوا على أن القدم أخص وصف الله تعالى، وعلى نفي الصفات القديمة عن ذاته، وأن كلامه محدث مخلوق، وأنه غير مرئي بالأبصار في الآخرة، وأنه تجب عليه الحكمة في أفعاله، وعلى التحسين والتقبيح العقليين، ووجوب ثواب المطيع والتائب، ووجوب عقاب صاحب الكبيرة مخلدًا في النار إِذا خرج من الدنيا غير تائب، وافترقوا بعد ذلك إِلى عدة فرق يكفر بعضها بعضًا، ولكل منها أصول وقواعد.
انظر: الفرق بين الفرق/ 114، والملل والنحل 1/ 57، والفرق الإِسلامية / 6.
وفي الحور العين/ 204: سميت معتزلة، لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة؛ ذلك أن الخوارج يقولون: "كفار"، والمرجئة يقولون: "مؤمنون" فقالوا -أي المعتزلة- بالمنزلة بين المنزلتين، فاعتزلوا القولين معاً، فسموا معتزلة.
(1) الأشعرية: هم أصحاب أبي الحسن علي بن إِسماعيل الأشعري المنتسب إِلى أبي موسى الأشعري.
قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإِرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، قال: وهذه صفات أزلية قائمة بذاته، ومن مذهب الأشعري: أن الله يصح أن يرى؛ وقد ورد في السمع أن المؤمنين يرونه في الآخرة. ومذهبه في الوعد والوعيد والأسماء والأحكام، والسمع والعقل، مخالف للمعتزلة من كل وجه. وقال: الإِيمان هو التصديق بالقلب، وأما القول باللسان، والعمل بالأركان ففروعه، وصاحب الكبيرة -إِذا مات من غير توبة- حكمه إلى الله، ولا يخلد في النار مع الكفار. قال: ولا يجب على الله قبول توبة التائب بحكم العقل، بل ورد السمع بقبول توبة التائبين. قال: والواجبات كلها سمعية، والعقل ليس يوجب شيئًا،=
(1/8)

والمراد ب (القاضي) أبو يعلى (1)، من أئمة أصحابنا.
ورتبته على ترتيب ما غلب تداوله والاعتناء به في هذا الزمان، والله أسأل أن ينفع به، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
__________
=ولا يقتضي تحسينًا، ولا تقبيحًا. فمعرفة الله بالعقل تحصل، وبالسمع تجب، وكذلك شكر المنعم، وإثابة المطيع، وعقاب العاصي، يجب بالسمع دون العقل. ولا يجب على الله تعالى شيء ما بالعقل: لا الصلاح، ولا الأصلح، ولا اللطف، والكرامات للأولياء حق، وما ورد به السمع من الأخبار عن الأمور الغائبة، مثل: القلم، واللوح .... يؤمن بها كما جاءت. وقال: الإمامة ثبتت بالاتفاق والاختيار، دون النص والتعيين. انظر: الملل والنحل 1/ 127.
(1) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، ابن الفراء، شيخ الحنابلة، عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، من أهل بغداد.
ولد سنة 380 ه، وتوفي سنة 458 ه.
من مؤلفاته: الإيمان، والأحكام السلطانية، والعدة، والكفاية -وكلاهما في أصول الفقه- والمجرد في الفقه على مذهب أحمد.
انظر: تاريخ بغداد 2/ 256، وطبقات الحنابلة 2/ 193، والوافي بالوفيات 3/ 7، والمنهج الأحمد 2/ 105، وشذرات الذهب 3/ 306.
(1/9)

الفقه:
لغة: (1) الفهم (2)؛ لأن العلم يكون عنه، وقدم في العدة (3) أنه العلم (4)، وقاله (5) ابن فارس (6) وغيره، وفي الكفاية (7): "معرفة قصد المتكلم"، وفي التمهيد (8): "هما" (9).
__________
(1) انظر: لسان العرب 17/ 418 - 419، وتاج العروس 9/ 402 (فقه).
(2) في هامش (ب): الفهم: إِدراك الكلام، وقال ابن عقيل وغيره: "بسمع". والصحيح: لا حاجة إِلى قيد السمع. وانظر: الواضح 1/ 6 ب، 29 ب- 30أ.
(3) العدة: كتاب في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين؛ المتوفى سنة 458 ه، حققه الدكتور/ أحمد بن علي بن سير المباركي. وقد طبع في خمسة مجلدات.
(4) انظر: العدة/ 67.
(5) انظر: معجم مقاييس اللغة 4/ 442 (فقه).
(6) هو: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، من أئمة اللغة والأدب، ولد سنة 329 ه، وقرأ عليه البديع الهمذاني والصاحب ابن عباد وغيرهما، وهو من أعيان البيان، أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، ثم انتقل إلى الرى، فتوفي بها سنة 395 ه، وقيل: سنة 390 ه، وإليها نسبته.
من مؤلفاته: معجم مقاييس اللغة، والمجمل، والصاحبي في علم العربية، والإِتباع والمزاوجة. انظر: نزهة الألباء/ 392، ووفيات الأعيان 1/ 118.
(7) الكفاية: كتاب في أصول الفقه - للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين، المتوفى سنة 458 ه، انظر طبقات الحنابلة 2/ 193.
(8) التمهيد: كتاب في أصول الفقه - لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، الحنبلي المتوفى سنة 510 ه. حققه: الدكتور مفيد أبو عمشة، والدكتور محمد علي إِبراهيم، وطبع في أربعة مجلدات.
(9) في هامش (ظ): أي الفهم والمعرفة. وانظر التمهيد/ 2 أ.
(1/10)

وقال ابن هبيرة (1): "استخراج الغوامض والاطلاع عليها". (2) ولعله مراد من أطلق.

وشرعاً: الأحكام (3) الشرعية الفرعية، والفقيه: من عرف جملة غالبة منها عن أدلتها (4) التفصيلية بالاستدلال. (5) وهو مراد الأصحاب بقولهم:
__________
(1) هو: أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة -وقيل: يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة- الذهلي الشيباني، عون الدين، من كبار الوزراء في الدولة العباسية، عالم بالفقه والأدب، وله نظم جيد، ولد في قرية من أعمال دجيل بالعراق سنة 499 ه، ودخل بغداد، فتعلم صناعة الإِنشاء، وقرأ التاريخ والأدب وعلوم الدين، استوزره المقتفي سنة 544 ه، توفي ببغداد سنة 560 ه.
من مؤلفاته: الإِفصاح عن معاني الصحاح. انظر: الروضتين 1/ 141، ووفيات الأعيان 6/ 230، ومرآة الجنان 3/ 334، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 251، والنجوم الزاهرة 5/ 369، والمنهج الأحمد 2/ 286، وشذرات الذهب 4/ 191.
(2) انظر: الإِفصاح لابن هبيرة 1/ 56، ولفظه: "استخراج الغوامض والاطلاع على أسرار الكلم".
(3) في هامش (ب) قال بعضهم: العلم بالأحكام، وقال آخرون: معرفة الأحكام. وما قاله هنا أحسن، لأن الفقه نفس الأحكام. وفي هامش (ظ): صوابه: معرفة الأحكام. ثم جاء فيه أيضًا: المعروف من كلام الأصوليين أن الفقه شرعًا العلم بالأحكام، لا نفس الأحكام. والمصنف جعله نفس الأحكام. والظاهر أن لفظ (المعرفة) أو (العلم) سقط من غير قصد، وهو مراده؛ بدليل قوله: وهو مراد الأصحاب بقولهم: الفقه معرفة الأحكام.
(4) في هامش (ظ): قوله: "عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال" راجع إِلى قوله: "الأحكام الشرعية الفرعية".
(5) نهاية 2أمن (ب).
(1/11)

"الفقه: معرفة الأحكام بالفعل أو القوة (1) القريبة". وذكر بعض أصحابنا بدل "غالبة":" كثيرة " (2).
وخرج بالأدلة التفصيلية علم الله ورسوله؛ لأنه لم يستفد من الأدلة.
وقيل (3): علم الله عنها؛ لأن العلم بالعلة لازم للعلم بالمعلول.
رد: ليست الأدلة علة للاحكام؛ بل أمارات (4).
وقيل (5): خرج بها العلم عن دليل إِجمالي (6)، كالخلاف (7) نحو: "ثبت بالمقتضي، وامتنع بالنافي"، وكأصول الفقه.
__________
(1) في (ب): "والقوة".
(2) انظر: المسودة/ 571، وكتاب صفة الفتوى والفتي والمستفتي، لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي/ 14.
(3) انظر: البلبل/ 8.
(4) الأمارات: جمع أمارة. والأمارة لغة: العلامة. واصطلاحًا: هي التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إِلى المطر؛ فإِنه يلزم من العلم به الظن بوجود المطر. والفرق بين الأمارة والعلامة: أن العلامة ما لا ينفك عن الشيء كوجود الألف واللام على الاسم، والأمارة تنفك عن الشيء كالغيم بالنسبة للمطر. انظر: التعريفات/ 16.
(5) وضع فوق (قيل) في (ب) علامة تشير إِلى سقوطها في بعض النسخ.
(6) انظر: البلبل/ 7.
(7) فن الخلاف: علم يعرف به كيفية إِيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية، بإِيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من أقسام المنطق، إِلا أنه خص بالمقاصد الدينية. انظر: المدخل إِلى مذهب أحمد/ 231 ومفتاح السعادة 1/ 352 - 254, 2/ 426.
(1/12)

وقيل (1): خرج علم الله ورسوله بالاستدلال.
والمقلد: قيل (2): خرج به (3)، وقيل: بالأول (4).
وذكر (5) جماعة (6): "العلم بها"، وأن الظن بها ليس فقهًا في عرف
__________
(1) انظر: البلبل / 8.
(2) انظر المرجع السابق.
(3) في هامش (ب): قوله: "والمقلد خرج به" بالاستبدلال, لأن علمه ليس بالاستدلال
(4) في هامش (ب): قوله "وقيل بالأول" أي بقوله: عن أدلتها التفصيلية.
وفي هامش (ظ): قوله:" "وقيل بالأول" أي قوله: "معرفة الأحكام" ووجهه: أن المقلد ليس عارفًا بالحكم، وإِنما هو مقلد في معرفته. هذا ظاهر كلامه. وبعضهم أخرجه بالعلم على قول من حده بالعلم، فقال: العلم بالأحكام. قال الأسنوي في شرحه: "لأن ما عند المقلد يسمى تقليدًا لا علمًا"، وظاهر كلام الطوفي أنه خارج بقوله "عن أدلتها"، ولا يحتاج إِلى "التفصيلية"، قال: لأن علمه بها ليس عن دليل أصلاً.
(5) انظر: البلبل/ 7، والإِحكام للآمدي 1/ 6. وفي هامش (ظ): قوله "وذكر جماعة العلم بها" أي أبدل لفظ المعرفة بلفظ العلم، فقيل: الفقه: العلم بالأحكام. ويحتمل أنه عائد إِلى قوله: "وشرعًا: الأحكام". ولم يذكر العلم ولا المعرفة؛ بل جعل الفقه نفس الأحكام. وهذا واضح إِن ثبت أن أحدًا عرف الفقه بنفس الأحكام لكني لم أره في كلامهم، وإِنما الذي رأيته في كلام الأصحاب وغيرهم أن الفقه معرفة الأحكام المذكورة. وجماعة قالوا: العلم بالأحكام. وأما جعل الفقه نفس الأحكام، من غير ذكر المعرفة أو العلم فلم أظفر به في كلام الأشياخ. ثم ظهر لي أن المصنف لم يرد إِلا أن الجماعة عدلوا عن لفظ المعرفة إِلى لفظ العلم؛ بدليل قوله: "وأن الظن بها ليس فقهاً". وهذا يمنع الاحتمال الثاني. والله أعلم.
(6) نهاية الصفحة المفقودة من (ح).
(1/13)

اللغوي (1) والأصولي.
وقال (2) الآمدي (3) وجماعة: "أو العلم (4) بالعمل بها". وفيه نظر وضعف.
وعليه يحذف من الحد (5) "عن أدلتها التفصيلية" أو "بالاستدلال"؛ لصحة الحد بدونه. (6)
__________
(1) علم اللغة: علم باحث عن مدلولات جواهر المفردات وهيئاتها الجزئية التي وضعت تلك الجواهر معها لتلك المدلولات بالوضع الشخصي، وعما حصل من تركيب كل جوهر جوهر، وهيئاتها الجزئية على وجه جزئي، وعن معانيها الموضوع لها بالوضع الشخصي. انظر: مفتاح السعادة 1/ 89.
(2) في (ح): فقال.
(3) هو: أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين الآمدي. ولد سنة 551 ه ب (آمد) وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم، وكان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، وانحدر إِلى بغداد، وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي، وبقي على ذلك مدة، ثم انتقل إِلى مذهب الشافعي، توفي سنة 631 ه بدمشق، وقد ألف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف. من مؤلفاته: الإِحكام في أصول الأحكام، ومنتهى السول في علم الأصول، وأبكار الأفكار في علم الكلام. انظر: وفيات الأعيان 3/ 293، وميزان الاعتدال 2/ 259، وطبقات الشافعية للسبكي 8/ 301، ولسان الميزان 3/ 134.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 6. وفي هامش (ظ): فهم المصنف من كلام الآمدي أنه حد الفقه بحدين: أحدهما: العلم بالأحكام. والآخر: العلم بالعمل بالأحكام.
(5) في هامش (ظ): أي من الحد الأخير، وهو: العلم بالعمل بها.
(6) نهاية 2 أمن (ظ).
(1/14)

والأصل لغة: (1) ما يبنى (2) عليه الشيء، وقيل: ما احتاج إِليه. (3)
وأصول الفقه: ما تبنى (4) عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به.
ذكره القاضي وأصحابه (5) وغيرهم.
فهي القواعد التي يتوصل بها إِلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية.
وزيادة "عن [أو "من"] (6) أدلتها التفصيلية" ضائع؛ لأن المراد بالأحكام الفقهيةُ، ولا تكون (7) إِلا كذلك. (8)
وذكر جماعة: العلم بالقواعد. فورد: أن منها خبر الواحد والقياس، والعلم بوجوب العمل بمقتضاه لا يدل على العلم بنفسه.
أجيب: ليس كل (9) منهما بقاعدة، بل ما أفاده من الظن، فالظن متعلق بما أفاده، والعلم متعلق بنفسه، ويلزم -من تصويب كل مجتهد- من الظن العلم.
__________
(1) انظر: لسان العرب 13/ 16 - 17، وتاج العروس 7/ 206 (أصل).
(2) في (ح): ما ينبني. وفي هامش (ب): قوله: "ما يبنى عليه الشيء" كأساس الحائط.
(3) في هامش (ب): وقيل: الأصل منشأ الشيء كأصل النخلة النواة.
(4) في (خ) و (ب): تنبني.
(5) انظر: العدة/ 70، والواضح 1/ 2 أ.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) في (ب): "ولا يكون".
(8) في هامش (ظ): أي لا تحصل إِلا عن دليل تفصيلي.
(9) في (ب) و (ح): كلا.
(1/15)

والأصولي: من عرفها.
وفائدتها: معرفة أحكام الله تعالى.
وأوجب (1) ابن البنا (2) وابن عقيل (3) وغيرهما تقدم معرفتها، (4) وأوجب القاضي (5) وغيره تقدم معرفة الفروع، ليتمكن (6) الأصولي بها. (7)
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 60 ب، والمسودة/ 571، وصفة الفتوى/ 14 - 15، وشرح الكوكب المنير 1/ 47، والتحرير/ 2 ب.
(2) هو: أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا البغدادي، فقيه حنبلي من رجال الحديث، ولد سنة 396 ه، وتوفي سنة 471 ه. من مؤلفاته: شرح مختصر الخرقي في فقه الإِمام أحمد بن حنبل، وطبقات الفقهاء، وتجريد المذاهب، وأدب العالم والمتعلم. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 243، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 32، والنجوم الزاهرة 5/ 107، والمنهج الأحمد 2/ 138.
(3) هو: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، عالم العراف وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته، كان قوي الحجة، ولد سنة 431 ه، وتوفي سنة 513 ه.
من مؤلفاته: كتاب الفنون، والواضح في أصول الفقه، والفصول في فقه الحنابلة، والرد على الأشاعرة وإثبات الحرف والصوت في كلام الكبير المتعال، والجدل على طريقة الفقهاء. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 259، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي / 526، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 142، وغاية النهاية 1/ 556، ولسان الميزان 4/ 243، والمنهج الأحمد 2/ 215، وشذرات الذهب 4/ 35.
(4) في هامش (ب): قوله: "تقدم معرفتها". أي الأصول.
(5) انظر العدة 1/ 70.
(6) في (ب) و (ح): لتمكن.
(7) نهاية 2 ب من (ب). وفي (ح): وأوجب القاضي وغيره تقدم معرفة الفروع لتمكن الأصولي بها، وأوجب ابن البنا، وابن عقيل وغيرهما تقدم معرفتها.
(1/16)

وأصول الفقه (1) فرض كفاية. وقيل: فرض عين، حكاه ابن عقيل وغيره، والمراد: لاجتهاد، (2) وقاله بعض أصحابنا، (3) وهي لفظية. (4)

وتستمد:
من أصول الدين؛ (5) لتوقف معرفة كون الأدلة الكلية حجة على معرفة الله بصفاته، وصدق صلى الله عليه وسلم ويتوقف صدقه على دلالة المعجزة (6) عليه.
ومن (7) العربية؛ لتوقف فهم ما يتعلق بأصول الفقه من الكتاب والسنة وغيرهما عليها.
ومن تصور أحكام التكليف؛ لتوقف معرفة كيفية الاستنباط عليه، دون
__________
(1) انظر: صفة الفتوى/ 14، والسودة/ 571، وشرح الكوكب المنير 1/ 47، والمحصول 1/ 1/ 227، والواضح 1/ 55 ب.
(2) في (ح): لاجتهاده. وفي شرح الكوكب المنير 1/ 47: " ... وقيل: فرض عين، قال ابن مفلح في أصوله -لما حكى هذا القول-: والمراد للاجتهاد".
(3) في هامش (ب): الذي قاله هو أبو العباس تقي الدين بن تيمية.
(4) في هامش (ب): قوله: "وهي لفظية" أي الأقوال في أنها هل هي فرض كفاية أو فرض عين؟.
(5) نهاية 3 من (ح).
(6) المعجزة: أمر خارق للعادة داعية إِلى الخير والسعادة مقرونة بدعوى النبوة، قصد به إِظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله. انظر التعريفات/ 96.
(7) في (ظ): "من" بدون الواو.
(1/17)

إِثبات الأحكام في آحاد المسائل؛ فإِنه من الفقه، وهو (1) يتوقف على الأصول فيدور (2).
__________
(1) في هامش (ظ): أي الفقه.
(2) الدور: توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح، كما يتوقف أعلى ب وبالعكس، أو بمراتب، ويسمى الدور المضمر كما يتوقف أعلى ب، وب على ج، وج على أ. والفرق بين الدور وبين تعريف الشيء بنفسه: هو أن في الدور يلزم تقدمه عليها بمرتبتين إِن كان صريحًا، وفي تعريف الشيء بنفسه يلزم تقدمه على نفسه بمرتبة واحدة. انظر التعريفات/ 47.
(1/18)

الدليل:
لغة: (1) المرشد إِلى مطلوب، والمرشد: الناصب للدليل، والذاكر له، وما به الإِرشاد.
وشرعاً: (2) ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إِلى مطلوب خبري، عند أصحابنا وغيرهم، واحتجوا بان أهل العربية لم يفرقوا. (3)
قال أحمد: "الدال: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمبين: الرسول صلى الله عليه وسلم والمستدل: أولو العلم، هذه قواعد الإِسلام (4) ".
واحتج به أبو محمد البغدادي (5) على أن الدليل -حقيقة- قول الله.
__________
(1) انظر: لسان العرب 13/ 264 - 265، وتاج العروس 2/ 331 (دلل).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 9، واللمع/ 3، والحدود/ 39، والإنصاف للباقلاني/ 15، وشرح العبادي على شرح الورقات / 47، وشرح العضد 1/ 36، والتعريفات / 46، وشرح الكوكب المنير 1/ 51، والتحرير للمرداوي/ 2 ب، والتمهيد/ 10أ، والعدة/ 131، والواضح 1/ 8 أ، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 125، والمحصول 1/ 1/ 106، وإرشاد الفحول/ 5، وفتح الرحمن/ 33، والمسودة/ 573، والمعتمد للبصري/ 10.
(3) أي: لم يفرقوا بين ما يوجب العلم، وما يوجب غلبة الظن، فسموا كل واحد منهما دليلاً.
(4) انظر العدة/ 134 - 135.
(5) ويلقب ب (الفخر إِسماعيل)، وقد ذكر المصنف هذا اللقب في مواضع من هذا الكتاب، وهو: إِسماعيل بن علي بن حسين البغدادي الأزجي المأموني، الفقيه=
(1/19)

وقيل: (1) يزاد في الحد "إِلى العلم بالمطلوب". فيخرج ما أفاد الظن؛ فإِنه أمارة، وجزم به (2) في الواضح (3)، وذكره الآمدي قول الأصوليين، وأن الأول قول الفقهاء. (4)
قيل: قولان (5) عنهما قول آخر، وقيل: يستلزم لنفسه، فتخرج
__________
=الأصولي المناظر المتكلم، ويلقب بفخر الدين، ويعرف بابن الوفاء، وبابن الماشطة، واشتهر تعريفه بغلام ابن المنّي، ولد سنة 549 ه، وسمع الحديث من شيخه أبي الفتح أبن المنّي وغيره، وقرأ عليه الفقه والخلاف أيضاً، وصار فريد زمانه في علم الفقه والخلاف والأصلين، والنظر والجدل. توفي سنة 610 ه.
من مؤلفاته: التعليقة المشهورة، والمفردات، وجنة الناظر وجنة المناظر في الجدل.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 66، والنجوم الزاهرة 6/ 102، وشذرات الذهب 5/ 40.
(1) انظر: العدة/ 131، والتمهيد/ 10 أ.
(2) انظر: الواضح 1/ 8أ، 13 ب.
(3) الواضح: كتاب في أصول الفقه -في ثلاثة مجلدات مخطوطة- لأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 513 ه. يوجد منه مجلدان في دار الكتب الظاهرية بدمشق، برقم 2872، 2873. قام بتحقيق جزء منه الشيخ موسى القرني ثم قام الشيخ عطاء الله فيض الله بتحقيق جزء، ثم الشيخ عبد الرحمن السديس، ونال كل منهم بذلك درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة أم القرى.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 9.
(5) وهو قول المنطقيين.
وفي هامش (ظ): القول، هو: القضية، وهو أيضًا المقدمة، وهو التصديق.=
(1/20)

الأمارة، وقياس (1) المساواة، نحو: أمساو ب، وب مساو ل ج، فيلزم: أمساو ل ج، بواسطة مقدمة أجنبية، وهو (2): كل ما هو مساو ل ب مساو ل ج. وقيل: المراد بالقول تصور المعنى.
__________
=قال ابن الحاجب: ويسمى كل تصديق قضية، ويسمى في البرهان مقدمات. قال الأصفهاني: التصديق -أعني المركب الذي يحتمل الصدق والكذب- يسمى قضية، ويرادفها القول الجازم والخبر، وتسمى القضايا التي هي أجزاء القياس -أي البرهان- مقدمات؛ لأن المقدمة قضية جعلت جزء قياس، فقولك: "الوضوء عبادة" قول، وقولك: "وكل عبادة من شرطها النية" قول آخر، فهذان قولان، وهما دليل على اشتراط النية للوضوء.
وفي هامش (ظ) أيضًا: قوله: "وقيل: قولان عنهما قول آخر"، كذا هو في نسخ هذا الأصل، وقال ابن الحاجب: "وقيل قولان فصاعداً يكون عنه قول آخر"، فزاد "فصاعداً"، وهكذا قاله القاضي علاء الدين في أصوله، قال الأصفهاني: وقوله "فصاعدًا" يتناول القياس البسيط والمركب.
(1) القياس قول مؤلف من قضايا إِذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا: "العالم متغير، وكل متغير حادث"، فإِنه قول مركب من قضيتين، إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: العالم حادث. هذا عند المنطقيين ... وقياس المساواة، هو: الذي يكون متعلق محمول صغراه موضوعًا في الكبرى؛ فإِن استلزامه لا بالذات بل بواسطة مقدمة أجنبية، حيث تصدق يتحقق الاستلزام، كما في قولنا: "أمساو ل ب، وب مساو ل ج، ف أمساو ل ج"؛ إِذ المساوي للمساوي للشيء مساو لذلك الشيء، وحيث لا تصدق لا يتحقق، كما في قولنا: "أنصف ل ب، وب نصف ل ج، فلا يصدق: أنصف ل ج"؛ لأن نصف النصف ليس بنصف بل ربع.
انظر: التعريفات للجرجاني/ 78 - 79.
(2) كذا في النسخ. ولعلها: وهي.
(1/21)

ويخرج على الجميع المطلوب التصوري -وهو الحد- والقضايا (1) المرتبة ترتيبًا صحيحًا على الأول، لا الثالث.
وذكر ابن عقيل (2): ما أفاد الظن أمارة اصطلاحاً، قال في الواضح: (3) قولنا: "إِنه طريق للظن، أو موصل، (4) أو مؤد إِليه" مجاز، أي يقع الظن عنده مبتدأ، (5) لا أنه طريق، كالنظر في الدليل الذي هو طريق للعمل بمدلوله (6).
قال بعض أصحابنا: (7) "موافق لمن صوب كل مجتهد، وأن الظنيات ليست في نفسها على صفات توجب الظن كالعلميات، والجمهور خلافه، وهي مسألة اعتقاد الرجحان، ورجحان الاعتقاد"، وأبطله في الروضة (8) وغيرها بكثير من العقليات. (9)
__________
(1) في هامش ب: القضايا جمع قضية، وهو: ما يحتمل الصدق والكذب.
(2) انظر: الواضح 1/ 13 ب، والمسودة/ 506.
(3) انظر: الواضح 1/ 13 ب.
(4) نهاية 2 ب من (ظ).
(5) في (ح): "مبدا".
(6) نهاية 3 أمن (ب).
(7) انظر: المسودة/ 506.
(8) الروضة: كتاب في أصول الفقه لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة القدسي، المتوفى سنة 620 ه. طبع الكتاب عدة مرات.
(9) في هامش (ظ): قال في الروضة -في آخر مسألة: (الحق في قول واحد). قبل فصل (إِذا تعارض عند المجتهد دليلان) بأسطر-: قولهم: إِن الأدلة الظنية ليست أدلة=
(1/22)

وفي العدة والواضح والتمهيد (1): المستدل: الطالب للدليل، يقع على السائل والمسؤول.
قال القاضي: (2) " والاستدلال: طلب الدليل"، زاد ابن عقيل: (3) "فهو: استخراج لمعنى بسؤال عنه، أو بإِظهار ما يقتضيه".
ودلالة - بفتح الدال وكسرها-: فعل الدليل، لانها مصدر "دل".
والمستدل عليه: الحكم.
والمستدل له: الخصم، وقيل: الحكم.
والنظر - هنا- (4): الفكر والتأمل لمعرفة مطلوب من تصور وتصديق. (5)
__________
=لأعيانها، بدليل اختلاف الإضافات. قلنا: هذا باطل، فإِنا قد بينا أن في كل مسألة دليلاً، وذكرنا وجه دلالته، ولو لم يكن فيها دليل لاستوى المجتهد والعامي، ولجاز للعامي الحكم بظنه لمساواته المجتهد في عدم الدليل، وهل الفرق بينهما إِلا معرفة الأدلة، ونظره في صحيحها وسقيمها؟. ونبوة بعض الطباع عن قبول الدليل لا يخرجه عن دلالته؛ فإِن كثيرًا من العقليات يختلف فيها الناس، مع اعتقادهم أنها قاطعة. وجوابه هذا عن قولهم: الظنيات لا دليل فيها؛ فإِن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإِضافات من دليل يفيد الظن لزيد ولا يفيده عمراً، مع إِحاطته به، ومما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة، بل قد يقوم في حق شخص واحد دليلان متعارضان. ولا يتصور في القطعية تعارض. وهذا الكلام مذكور في أول المسألة في الروضة. وانظر: الروضة/ 361، 372.
(1) انظر: العدة/ 132، والواضح 1/ 104أ، والتمهيد/ 10 ب.
(2) انظر: العدة/ 132.
(3) انظر: الواضح 1/ 102 ب، 104 أ-ب.
(4) في هامش (ظ): أي ليس المراد -هنا- النظر بالبصر.
(5) نهاية 4 من (ح).
(1/23)

والعلم يحد عند أصحابنا (وع ر). (1)
فقال في العدة والتمهيد: (2) "معرفة المعلوم (3) (4) -وقاله (5) ابن الباقلاني (6) - وَزَيَّفا ثمانية حدود (7)، كذا قالا، والشيء متى عرف بما يعرف هو به: بقي كل منهما مجهولا، مع أن المعرفة اسم لعلم مستحدث، أو هي انكشاف شيء بعد لبس.
__________
(1) انظر: فتح الرحمن/ 41، وشرح الكوكب المنير 1/ 60، والإِحكام للآمدي 1/ 11، والمستصفى 1/ 24، والمحصول 1/ 1 / 102، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 156، والتحرير للمرداوي/ 2 ب، والتمهيد/ 6 ب، والعدة/ 76، والواضح 1/ 2 ب، وشرح العضد 1/ 46، وإرشاد الفحول/ 3، والمعتمد للبصري/ 10، وشرح العبادي على شرح الورقات/ 34، واللمع/ 2، والمسودة/ 575، والحدود/ 24، والتعريفات/ 67، ومفردات الراغب/ 348، والبرهان للجويني/ 115.
(2) انظر: العدة/ 76 - 77، والتمهيد/ 6 ب.
(3) في هامش (ب) وقال بعضهم: معرفة المعلوم على ما هو عليه، وقال آخرون: معرفة المعلوم صحيحًا.
(4) في (ح) -هنا-: "كذا قالا". وهذه الجملة ستأتي في السطر اللاحق. فقد تكرر ذكرها في (ح) متقدمًا.
(5) انظر: التمهيد للباقلاني/ 6، وفيه "فإِن قال قائل: ما حد العلم عندكم؟. قلنا: إِنه معرفة المعلوم على ما هو به". وانظر: الإِنصاف للباقلاني أيضًا/ 13.
(6) هو: أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، قاض من كبار علماء الكلام، انتهت إِليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة سنة 338 ه، وتوفي فيها سنة 403 ه، كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. من مؤلفاته: التقريب والإِرشاد في أصول الفقه، وإعجاز القرآن، والإِنصاف، ومناقب الأئمة، وتمهيد الدلائل، والبيان عن الفرق بين المعجزة والكرامة. انظر: تاريخ بغداد 5/ 379، وتبيين كذب المفتري/ 217، ووفيات الأعيان 4/ 269، والوافي بالوفيات 3/ 177، وتاريخ قضاة الأندلس/ 37، والديباج المذهب/ 267.
(7) انظر: العدة / 77، وما بعدها، والتمهيد 6/ ب وما بعدها.
(1/24)

ولا يوصف (1) الله تعالى بأنه عارف، ذكره بعضهم إِجماعًا، ووصفه الكرامية (2)؛ لاتحاد العلم والمعرفة. (3)
__________
(1) انظر: إِرشاد الفحول/ 4، وشرح الكوكب المنير 1/ 65.
(2) الكرامية هم: أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، من المثبتين للصفات، إِلا أن إِثباتهم ينتهي إِلى التجسيم والتشبيه، ولذلك عدت الكرامية من المشبهة، قال ابن كرام: إِن الله تعالى مستو على العرش، مماس له من الصفحة العليا، واختلفت الكرامية في تفسير الاستواء اختلافات كثيرة.
واتفقوا على جواز حلول الحوادث بذاته تعالى، وزعموا أنه إِنما يقدر على الحوادث الحادثة في ذاته، دون الخارجة عن ذاته.
وجوزوا وجود إِمامين في عصر واحد، وحكموا بأن علياً ومعاوية كانا إِمامين في عصر واحد، غير أن إِمامة علي على وفق السنة، وإِمامة معاوية على خلاف السنة، ومع ذلك أوجبوا طاعة رعيته له.
وزعموا أن الإِيمان هو الإِقرار الذي وجد في الذر، حين قال تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى ... الآية) الأعراف - آية 172. فقولهم حال كونهم ذرا هو الإِيمان، وأن ذلك الإِيمان باق في جميع الخلائق على السوية غير المرتدين، وأن إِيمان المنافقين مع كفرهم كإِيمان الأنبياء، لاستواء الجميع في ذلك، وأن الإِتيان بالشهادتين ليس بإِيمان، إِلا إِذا أتى بهما بعد الردة.
انظر: الفرق بين الفرق/ 215، والملل والنحل 1/ 159، والفرق الإِسلامية/ 93.
(3) في هامش (ب) و (ظ): قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ... الآية) معناه: عرفتم أعيانهم. وقيل: علمتم أحكامهم. والفرق بينهما: أن المعرفة متوجهة إِلى ذات المسمى، والعلم متوجه إِلى أحوال السمى، فإِذا قلت: "عرفت زيدًا" فالمراد شخصه، وإذا قلت: "علمت زيدًا"=
(1/25)

والأولى - ما أراده بعض أصحابنا-: صفة توجب للمتصف بها أن يميز تمييزًا لا يحتمل النقيض.
قيل: فلا يدخل إِدراك الحواس؛ فإِنها تميز بين المحَسَّات -وفي لغة قليلة: المحسوسات- الجزئية، لا الأمور الكلية، والتصديق متعلق بالنسبة.
وذكر الآمدي (1) ومن تبعه أنه يدخل إِدراك الحواس (ور) إِلا أن يزاد عليه: "في المعاني الكلية"، وفيه نظر؛ لأن المراد بالعلم المعنى الأخص الذي هو قسم من التصديق؛ وإلا لورد ما يحتمل النقيض، كالظن والتصورات الساذجة؛ فإِنه لا يعتبر فيها مطابقة.
وقد قيل: الحد لا ينعكس؛ لأن العلوم العادية تستلزم جواز النقيض عقلاً.
ورد: بإِمكانه لذاته، وامتناعه خارجًا لغيره عادة، وقيل: ليست (2) علمًا.
وزيف ابن عقيل حدوده (3)، وكذا قال أبو المعالي: (4) "لا يحد
__________
=فالمراد به العلم بأحواله: من فضل، ونقص، فعلى الأول يتعدى الفعل إِلى مفعول واحد، وهو قول سيبويه: علمتم بمعنى عرفتم، وعلى الثاني إِلى مفعولين، وحكى الأخفش: ولقد علمت زيدًا، ولم أكن أعلمه، وفي التنزيل: (لا تعلمونهم الله يعلمهم ... الآية) كل هذا بمعنى المعرفة.
(1) انظر: الإِحكام 1/ 11.
(2) في هامش (ظ): أي العلوم العادية.
(3) انظر: الواضح 1/ 2 ب- 3 ب.
(4) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني، إِمام الحرمين، أصولي، متكلم على مذهب الأشاعرة، فقيه شافعي، ولد في (جوين) من نواحي نيسابور سنة 419 ه، ورحل إِلى بغداد فمكة، وذهب إِلى المدينة، ثم عاد إِلى نيسابور.=
(1/26)

لعسره" (1) -لكن مراده بحد حقيقي- (2)، وقال: "يميز ببحث (3) وتقسيم (4) ومثال" (5)، كقول
__________
=توفي سنة 478 ه.
من مؤلفاته: الشامل في أصول الدين على مذهب الأشاعرة، والإِرشاد في أصول الدين، وغياث الأمم، والعقيدة النظامية في الأركان الإِسلامية، والبرهان، والورقات، وكلاهما في أصول الفقه.
انظر: تبيين كذب المفتري/ 278، ووفيات الأعيان 3/ 167، وطبقات الشافعية للسبكي 5/ 165، ومفتاح السعادة 1/ 44، 2/ 188.
(1) انظر: البرهان للجويني 1/ 115.
(2) نهاية 3 ب من (ب).
(3) قال أبو المعالي: "الرأي السديد عندنا أن نتوصل إِلى درك حقيقة العلم بمباحثة نبغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه، فإِذا انتفضت الحواشي، وضاق موضع النظر حاولنا مصادفة المقصد جهدنا ... ". انظر: البرهان/ 119 - 120.
(4) التقسيم هو: تمييز الشيء عما يلتبس به. انظر: المستصفى 1/ 25.
(5) المثال: كأن يقال: العلم إِدراك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة، أو يقال: هو كاعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين. انظر: المستصفى 1/ 26.
وفي هامش (ب) و (ظ) على قوله: "يميز ببحث وتقسيم": وذلك مثل أن يقول: ليس بشك، ولا ظن؛ لانتفاء الجزم عنهما دون العلم، ولا بجهل؛ لكونه غير مطابق لما في نفس الأمر، والعلم مطابق له، ولا باعتقاد المقلد المصيب؛ لكونه غير ثابت لتغيره بالتشكيك، بخلاف العلم. وبعد هذا التمييز يكون -وفي هامش (ظ): يكاد يكون- العلم مرتسمًا في النفس، فإِن ساعدت عبارة صحيحة عرف بها، وإن لم تساعد اكتفي بدركه، ولم يضر تقاعد العبارات؛ إِذ ليس كل من يدرك شيئًا تنتظم له عبارة=
(1/27)

الغزالي (1)، وقال صاحب (2)
__________
=تعرفه إِياه، فلو فرضنا رفض اللغات، ودروس العبارات لاستقلت العقول بدرك المعقولات، قال الآمدي: "قولهما: (طريق معرفته القسمة) " غير سديد، لأنها إِن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما سواه فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا، وهما قد نفياه عنه". وهذا غير سديد؛ لأن ما نفياه عنه هو التعريف الحقيقي، غير ما ألزمهما به، وهو التعريف الرسمي، هذا مقارب لما ذكره العلامة في شرحه. وانظر: المستصفى 1/ 25، والمنخول 40/.
(1) هو: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الشافعي، الأصولي الفيلسوف الفقيه المتكلم الأشعري، ولد بالطابران (قصبة طوس بخراسان) سنة 450 ه، ورحل إِلى نيسابور ثم بغداد فالحجاز فالشام فمصر، وعاد إِلى بلدته الطابران، فتوفي بها سنة 505 ه.
من مؤلفاته: إِحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة، والوقف والابتداء في التفسير، والمستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل -وهذه الثلاثة الأخيرة في أصول الفقه- والبسيط في الفقه، والوجيز في فروع الشافعية.
والغزالي: قيل: بتشديد الزاي نسبة إِلى صناعة الغزل، وقيل: بتخفيفها نسبة إِلى (غزالة) من قرى طوس. انظر: تبيين كذب المفتري/ 291، واللباب في تهذيب الأنساب 2/ 379. ووفيات الأعيان 4/ 216، والوافي بالوفيات 1/ 274، وطبقات الشافعية للسبكي 6/ 191، ومفتاح السعادة 2/ 191، وشذرات الذهب 4/ 10.
(2) هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن التيمي البكري الرازي، فخر الدين، الإِمام المفسر الفقيه الشافعي، ولد في الري سنة 544 ه، ونسبته إِليها، ويقال له: ابن خطيب الري، رحل إِلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة سنة 606ه.
(1/28)

المحصول: (1) لأنه ضروري (2) من وجهين:

أحدهما: لو لم يكن: امتنع تصوره؛ لأن غيره لا يعلم إِلا به، فلو علم العلم بغيره: كان دوراً.
ورد: [بأنه] (3) لا دور، وجهة التوقف مختلفة؛ فتصور غير العلم يقف على حصول العلم بغيره، وحصول العلم لا يقف على العلم بغيره، بل تصور العلم على تصور غيره.
ورده الآمدي (4): بأن توقف غيرالعلم [على العلم] (5) من جهة كونه إِدراكًا له، وتوقف العلم على غيره؛ لأن العلم مميز له.
__________
=من مؤلفاته: مفاتيح الغيب في التفسير، ولوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات، ومعالم أصول الدين، والمحصول في علم أصول الفقه، ولباب الإِشارات.
انظر: ذيل الروضتين/ 68، ووفيات الأعيان 4/ 248، وتاريخ ابن الوردي 2/ 127، وطبقات الشافعية للسبكي 8/ 81، والبداية والنهاية 13/ 55، ولسان الميزان 4/ 426، ومفتاح السعادة 1/ 445.
(1) وهو: كتاب المحصول في علم أصول الفقه، كتاب قيم نافع حققه الدكتور/ طه بن جابر العلواني، وطبع في ستة مجلدات.
(2) انظر: المحصول 1/ 1/ 102، والمحصل/ 69، والمباحث المشرقية 1/ 331 - 332، وشرح العضد 1/ 48، والإِحكام للآمدي 1/ 11.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 11.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ)، (ب).
(1/29)

وعرف جماعة (1) "غير" ب "اللام" (2) والمعروف لزوم إِضافتها، وكذا الأشهر في "كل" و "بعض" (3)، ذكره (4) أبو البقاء (5) في: (كل (6) له قانتون). (7)
__________
(1) انظر: المرجع السابق.
(2) نهاية 5 من (ح).
(3) انظر: في مسألة دخول "ال" على هذه الألفاظ الثلاثة-: كتاب سيبويه 1/ 377، 2/ 135، والمقتضب للمبرد 1/ 44، 3/ 243، وعبث الوليد لأبي العلاء المعري/ 430 - 431.
(4) انظر: كتاب إِملاء ما من به الرحمن 1/ 59 - 60.
(5) هو: عبد الله بن أبي عبد الله الحسين بن أبي البقاء عبد الله بن الحسين، العكبري الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي، الحاسب الفرضي، النحوي الضرير، الملقب "محب الدين"، والعكبري: نسبة إِلى (عكبرا)، وهي بليدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ، خرج منها جماعة من العلماء، ولد أبو البقاء سنة 538 ه، وتوفي سنة 616 ه.
من مؤلفاته: إِعراب القرآن، وإِعراب الحديث، واللباب في علل النحو، وشرح ديوان المتنبي، وشرح المفصل للزمخشري.
انظر: ذيل الروضتين/ 119، ووفيات الأعيان 3/ 100، وتاريخ ابن الوردي 2/ 138، ونكت الهميان / 178، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 109، وبغية الوعاة/ 281.
(6) في النسخ الثلاث: وكل.
(7) سورة البقرة: آية 116.
(1/30)

الثاني: أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة -وهو علم خاص- فالمطلق أولى (1)؛ لأنه أحد تصورات هذا التصديق.
ورده الآمدي (2): بأنه مبني على أن تصورات القضية الضرورية ضرورية، ولا كذلك؛ لأن القضية الضرورية يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها، ضرورية كانت تصوراتها أو نظرية.
ورده غيره: بأنه لا يلزم من حصول العلم تصوره حال حصوله ولا قبيله. وقال بعضهم: لو كان ضروريًا لكان بسيطًا؛ لأن الضروري: ما لا يتوقف تصوره على تصور غيره، لانتفاء التركيب في متعلقه كالوجود؛ وإِلا لتوقف تصوره على تصور جزئه، وهو غيره، ولو كان بسيطًا لكان (3) كل معنى علماً؛ وإِلا كان المعنى أعم منه، فيتركب العلم من المعنى المشترك ومن أمر اختص به، والفرض: أنه بسيط.
ورد: بأنه لا يلزم تركيبه، لجواز كون المعنى عرضًا عامًا للعلم، وبأنه يلزم ألا يتوقف تصور البسيط على تصور متقدم عليه، وفيه نظر؛ لجواز توقف تصور البسيط على تصور (4) لازم خارج عن حقيقته.
وبأن الضروري -عند الجمهور-: ما لا يتوقف حصوله على طلب وفكر، فيجوز تركيبه، لجواز كون أجزائه ضرورية، وتصوره موقوف على
__________
(1) نهاية 3 أمن (ظ).
(2) انظر: الإِحكام 1/ 11.
(3) في (ح): كان.
(4) في (ظ): على تصور لأنه خارج.
(1/31)

تصورها، وهي غيره، والتصور المطلوب بخلاف (1) التصور الضروري، لأن تصور الشيء قد يكون ضعيفًا، فتطلب حقيقته ليتميز عن غيره.
* * *

وعلم الله (2) تعالى قديم (و)، ليس (3) ضروريًا (4)، ولا نظرياً (و)
وعلم المخلوق (5) محدث (و): ضروري، ونظري (و).
فالضروري: ما علم من غير نظر، والمطلوب: بخلافه، ذكره في العدة (6) والتمهيد. (7)
وعند الجمهور: الضروري: ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه، وإِن كان طرفاه أو أحدهما بالكسب، والمطلوب: بخلافه، أي: يطلب بالدليل.
__________
(1) نهاية 4 أمن (ب).
(2) انظر: اللمع/ 2، والتحرير للمرداوي/ 2 ب.
(3) في (ظ): وليس.
(4) نهاية 6 من (ح).
(5) انظر: اللمع/ 2، وفتح الرحمن / 42، والحدود/ 25، وشرح الكوكب المنير 1/ 66.
(6) جاء في العدة/ 80 - 82: " ... فأما الضروري فحده: كل علم محدث، لا يجوز ورود الشك عليه، ويلزم نفس المخلوق، أو ما لا يمكنه معه الخروج عنه والانفصال منه ... وأما المكتسب فحده: كل علم يجوز ورود الشك عليه، وقد قيل: ما وقع عن نظر واستدلال ... ".
(7) انظر: التمهيد/ 8 أ.
(1/32)

وأورد هنا: ما سبق في التصور المطلوب.
وأجيب: بأنه يتصور النسبة، ولا يلزم من تصور شيء حصوله؛ وإلا لزم من تصور (1) نفيٍ وإِثباتٍ اجتماعُ النقيضين؛ لأن تصور النفي فرع تصور الإِيجاب، وإِضافة النفي إِليه؛ لأنه لا تميُّز ولا اختصاص للنفي المطلق.
وعن أبي العالي: "والمرتضى: العلوم كلها ضرورية". (2)
* * *
وقد قسم المنطقيون (3) العلم إِلى: (4) علم بمفرد، يسمى تصورًا، (5) كالعلم بمعنى الإِنسان والكاتب، وعلم بنسبة، يسمى تصديقًا، وهي: إِسناد شيء إِلى شيء بالنفي أو الإِثبات، بمعنى إِيقاعها أو انتزاعها، وهو الحكم، كالحكم بأن الإِنسان كاتب، أو لا، وأما بمعنى حصول صورة النسبة في العقل فإِنه من التصور.
ولم يذكر أصحابنا هذا التقسيم، واعترض بعض أصحابنا وغيرهم
__________
(1) في (ب): تصوم.
(2) انظر: البرهان لأبي المعالي الجويني/ 126.
(3) في مفتاح السعادة 1/ 243: علم المنطق: علم يتعرف منه كيفية اكتساب المجهولات التصورية أو التصديقية من معلوماتها. وفي كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 46: هو علم بقوانين تفيد معرفة طرق الانتقال من المعلومات إِلى المجهولات وشرائطها، بحيث لا يعرض الغلط في الفكر.
(4) انظر: إِيضاح المبهم/ 6 - 7.
(5) في التعريفات/ 26: التصور: إِدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إِثبات.
(1/33)

عليه: بأن العلم من مقولة "أن ينفعل"، والحكم -وهو الإِيقاع أو الانتزاع- من مقولة "أن يفعل"، فكيف يصح تقسيم العلم إِلى التصور وإِلى (1) التصديق؟.
وأجيب: لا محيص عنه إِلا بتقسيمه إِلى التصور الساذج، وإِلى التصور مع التصديق، كما فعله (2) في الإِشارات (3)، أو المراد بالعلم أعم من الإِدراك، وهو الأمر المشترك بين الإِدراك والهيئة اللاحقة به المحتملة للصدق والكذب، (4) وهو المعنى الذهني المقيد بعدم غيرهما، فيصح تقسيمه (5) إِلى الإِدراك (6) الذي هو (7) التصور، وإِلى الهيئة المذكورة التي هي التصديق كذا قيل، وفيه نظر. (8)
* * *

والذكر الحكمي: هو الكلام الخبري، تخيّله، أو لفظ به.
وما عنه الذكر الحكمي -وهو مفهوم الكلام الخبري-: إما أن يحتمل
__________
(1) في (ظ): أو إِلى التصديق.
(2) انظر: الإِشارات والتنبيهات 1/ 182.
(3) هو كتاب: الإشارات والتنبيهات في المنطق والحكمة للشيخ الرئيس أبي علي الحسين ابن عبد الله، الشهير ب (ابن سيناء)، المتوفى سنة 428 ه. والكتاب مطبوع.
(4) نهاية 3 ب من (ظ).
(5) نهاية 4 ب من (ب).
(6) نهاية 7 من (ح).
(7) في (ب) و (ظ): هي.
(8) في (ح) -هنا-: "وعن أبي المعالي: والمرتضى العلوم كلها ضرورية" وهذا الكلام قد ذكر في الصفحة السابقة. فمجيئه هنا تكرار.
(1/34)

متعلقه -وهو النسبة الواقعة بين طرفي الخبر في الذهن؛ فإِن الحكم وهو التصديق، يتعلق بها- النقيض بوجه، أوْ لا، والثاني: العلم، والأول: إِما أن يحتمله عند الذاكر لو قدّره، أوْ لا، والثاني: الاعتقاد، فإِن طابق فصحيح، وإلا ففاسد، والأول: إِما أن يحتمل النقيض وهو راجح، أوْ لا، فالراجح: الظن، والمرجوح: الوهم، والمساوي: الشك. (1)
فيقال في حد كل منها: ما عنه ذكر حكمي، ثم يذكر ما امتاز به: من احتمال النقيض، وعدمه.
ولم يجعل الحكم مورد القسمة، لئلا يخرج الوهم والشك عنها عند من يمنع مقارنتها (2) للحكم.
والحكم غير المطابق: جهل مركب، والبسيط: عدم معرفة الممكن بالفعل لا بالقوة. (3)
* * *
العقل: بعض العلوم الضرورية، عند أصحابنا والجمهور.
__________
(1) في هامش (ب): اليقين هو: الاعتقاد الجازم، والظن: رجحان أحد النقيضين، والوهم: المرجوح منهما، والشك: المستوى بينهما.
(2) كذا في النسخ الثلاث. ولعل الصواب: مقارنتهما، أي: الوهم والشك. وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 73.
(3) جاء في التعريفات للجرجاني / 36: الجهل: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، والجهل البسيط: عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالماً، والجهل المركب: عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع.
(1/35)

قال أحمد: "العقل غريزة"، (1) قال القاضي (2): "يعني: غير مكتسب"، وقال أبو محمد البربهاري (3) من أصحابنا: "ليس بجوهر (4)، ولا
__________
(1) جاء في العدة 85/ - 86: "وقال أحمد فيما رواه أبو الحسن التميمي في كتاب العقل عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف.
قال الدكتور/ أحمد بن سير المباركي في تعليقه على العدة: "كيف تصح نسبة هذا النقل إلى الإِمام أحمد، مع أن في سنده -كما ترى- أبا الحسن التميمي، وهو وضاع، ومحمد بن أحمد بن مخزوم، وهو كذاب، ومن لا يتورع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتورع عن الكذب على غيره". انظر: العدة 86/ - الهامش.
(2) قال القاضي في العدة/ 86: ومعنى قوله: "غريزة": أنه خلق الله ابتداء، وليس باكتساب للعبد، خلافًا لما حكي عن بعض الفلاسفة أنه اكتساب.
(3) هو الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة في وقته، من أهل بغداد، ولد سنة 233 ه، وتوفي سنة 329 ه، كان شديد الإِنكار على أهل البدع بيده ولسانه. من مؤلفاته: شرح كتاب السنة. والبربهاري: نسبة إلى البربهار، وهي أدوية كانت تجلب من الهند، ويقال لجالبها: البربهاري.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 18، ومناقب أحمد لابن الجوزي/ 512، والمنتظم 6/ 323، والمنهج الأحمد 2/ 21، وشذرات الذهب 2/ 319.
(4) في التعريفات/ 35: الجوهر: ماهية إِذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع ... وفي كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 302: والجوهر عند المتكلمين هو الحادث المتحيز بالذات، والمتحيز بالذات هو القابل للإشارة الحسية بالذات بأنه هنا أو هناك. ويقابله العرض.
(1/36)

عرض، (1) ولا اكتساب، وإِنما هو فضل من (2) الله". (3)
قال بعض أصحابنا: هذا يقتضي أنه القوة المدركة، كما دل عليه كلام أحمد، ليس هو نفس الإِدراك. (4)
وقال (5) أبو الحسن التميمي: (6) ليس بجسم، (7) ولا عرض، وإِنما هو نور في القلب، فهو كالعلم. (8)
__________
(1) في التعريفات/ 64: العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إِلى موضع -أي محل- يقرم به، كاللون المحتاج في وجوده إِلى جسم يحله ويقوم به، والأعراض على نوعين: قارّ الذات، وهو الذي يجتمع أجزاؤه في الوجود، كالبياض والسواد، وغير قارّ الذات، وهو الذي لا يجتمع أجزاؤه في الوجود، كالحركة والسكون.
(2) في (ب): وإِنما هو من فضل الله.
(3) جاء في العدة/ 84: وقال أبو محمد البربهاري: وليس العقل باكتساب، وإِنما هو فضل من الله، ذكره في شرح السنة في جزء وقع إِلي. وانظر: التمهيد/ 8 أ.
(4) انظر: المسودة / 558. وهذا الموضع هو نهاية 5 أمن (ب).
(5) في (ظ): "فقال".
(6) هو: عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث، أبو الحسن التميمي، فقيه حنبلي، له اطلاع على مسائل الخلاف، ولد سنة 317، وتوفي سنة 371 ه، صنف كتباً في الأصول والفرائض. انظر: تاريخ بغداد 10/ 461، وطبقات الحنابلة 2/ 139، والمنتظم 7/ 110، والمنهج الأحمد 2/ 66.
(7) الجسم: جوهر قابل للأبعاد الثلاثة. وقيل الجسم هو المركب المؤلف من الجوهر. انظر: التعريفات/ 34.
(8) جاء في العدة / 84: وقال أبو الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث من أصحابنا في كتاب العقل: العقل ليس بجسم، ولا صورة، ولا جوهر، وإنما هو نور، فهو كالعلم. وانظر: التمهيد/ 8 أ.
(1/37)

وذهب (1) بعض الناس إِلى أنه اكتساب (2)، وبعضهم [إِلى (3)] أنه كل العلوم الضرورية، وبعضهم: أنه جوهر بسيط، (4) وبعضهم: أنه مادة وطبيعة. (5)
قال القاضي وأصحابه: "قال أصحابنا: العقل يختلف، فعقل بعض الناس أكثر من بعض (ع ر) " (6) -ووافقهم (7) ابن عقيل- لحديث أبي سعيد: (8) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (أليست (9) شهادة إِحداكن مثل
__________
(1) نهاية 8 من (ح).
(2) وهم بعض الفلاسفة. انظر: العدة/ 86.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(4) قال في التعريفات/ 36: ... واعلم أن الجوهر ينقسم إِلى بسيط روحاني كالعقول والنفوس المجردة، وإِلى بسيط جسماني كالعناصر، وإِلى مركب في العقل دون الخارج، كالماهيات الجوهرية المركبة من الجنس والفصل، وإِلى مركب منهما، كالمولدات الثلاث.
(5) في التعريفات/ 61: "الطبيعة: عبارة عن القوة السارية في الأجسام بها يصل الجسم إِلى كماله الطبيعي.
وانظر هذه الأقوال الأخيرة في: العدة/ 86 - 87، والمعتمد للقاضي/ 101 - 102.
(6) قال القاضي في العدة/ 94: وذكر أصحابنا أنه يصح أن يكون عقل أكمل من عقل، وأرجح ... خلافاً للمتكلمين من المعتزلة والأشعرية في قولهم: لا يصح أن يكون عقل أكمل من عقل، وأرجح. وانظر: التمهيد/ 9أ، والمسودة/ 560.
(7) أي: وافق المخالفين، فقال: لا تتفاوت العقول. انظر: الواضح 1/ 6 ب.
(8) الخدري.
(9) في (ح): أليس.
(1/38)

نصف شهادة الرجل؟) قلن: بلى، قال: (فذلكن من نقصان عقلها).
متفق عليه. (1)
ولأنه إِجماع؛ لأن الناس يقولون: عقل فلان أكثر.
وذكر بعض أصحابنا (2): أن مراد أصحابنا غير الضروري (3)، بل الغريزي (4)، والتجربي. (5)
__________
(1) ورد هذا الحديث بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة: أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 64، 3/ 35، من حديث أبي سعيد. وأخرجه مسلم في صحيحه/ 86 - 87، من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث أبي هريرة.
(2) انظر: المسودة/ 559.
(3) في هامش (ظ): الضروري مثل: استحالة اجتماع الضدين وكون الجسم الواحد في مكانين، فالعقلاء في هذا متساوون. قال في التمهيد: ولعمري أن العقلاء في هذا متساوون، لكن من عقله كثير يتدبر دقائق العلوم، ويتفكر في الأشياء، وليس كل الأجسام تظهر، ولا كل ضدين يعرف، وإِنما الكثير العقل يتدبر ذلك بقوى عقله. ذكره في أول الكتاب، في باب الحدود.
(4) قال في المسودة في بيان استعمالات لفظ "العقل" ... الثاني: أنه غريزة تقذف في القلب، وهو معنى رسم المحاسبي والإمام أحمد فيما حكاه عنه الحربي، وهذا هو الذي يستعد به الإِنسان لقبول العلوم النظرية وتدبر الأمور الخفية، وهذا المعنى هو محل الفكر وأصله، وهو في القلب كالنور، وضوؤه مشرق إِلى الدماغ، ويكون ضعيفًا في مبتدأ العمر، فلا يزال يربي حتى تتم الأربعون، ثم ينتهي نماؤه، فمن الناس من يكثر ذلك النور في قلبه، ومنهم من يقل، وبهذا كان بعض الناس بليدًا، وبعضهم ذكيًا، بحسب ذلك. انظر: المسودة/ 558 - 559.
(5) قال في المسودة -في بيان إِطلاقات العقل-/ 559: الرابع: شيء يستفاد من التجارب يسمى عقلاً.
(1/39)

وسلّم القاضي: أن ما يدرك بالحواس لا يختلف، ولا يختلف الإِحساس، بخلاف العقل، فإِنه يختلف ما يدرك به، وهو التمييز والفكر، فلهذا اختلف. (1) قال بعض أصحابنا: (2) "يلزم منه أن العلم الحسي ليس من العقل"، قال: (3) "ولنا في المعرفة الإِيمانية في القلب، هل تزيد (4) وتنقص؟ روايتان، فإِذا قيل: إِن النظري لا يختلف: فالضروري أولى [و] (5) هذه المسألة من جنس مسألة الإِيمان، وأن الأصوب: أن القوى التي هي الإحساس (6) وسائر العلوم والقوى تختلف".
وقاس (7) ابن عقيل على النظري، وعلى حياة، وإِرادة، وعلم، وأمر.

ومحل العمل القلب عندصحابنا (وش)، وذكروه عن الأطباء، (8)
__________
(1) انظر: العدة/ 100.
(2) و (3) انظر: المسودة/ 558.
(4) في (ب) و (ح): يزيد وينقص. وانظر: المسودة/ 558.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب)، (ظ). وانظر المسودة/ 558.
(6) في المسودة/ 558: الإحساسات.
(7) انظر: الواضح 1/ 6 ب.
(8) في التمهيد/ 9 ب: قال أصحابنا: إِن العقل في القلب ... وبه قال جماعة من الفلاسفة، وروى ابن شاهين عن أحمد أنه قال: محله الرأس، وبه قال جماعة الأطباء. وفي مجموع الفتاوى 9/ 303: " ... ولهذا قيل: إِن العقل في الدماغ، كما يقوله كثير من الأطباء". وهذا مخالف لما ذكره المؤلف من قول الأطباء وقول الفلاسفة. وفي شرح الكوكب المنير/ 83 موافقة لما ذكره المؤلف.
(1/40)

حتى قال ابن الأعرابي (1) وغيره: العقل القلب، والقلب العقل. (2)
وعند أحمد: قال بعض أصحابنا: (3) في الأشهر عنه، (4) هو في الدماغ (وه) , (5) وحكوه عن
__________
(1) هو: أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، راوية، ناسب، علامة باللغة، من أهل الكوفة، ولد سنة 150 ه، وتوفي بسامراء سنة 231 ه.
من مؤلفاته: أسماء الخيل وفرسانها، والنوادر في الأدب، وشعر الأخطل، ورسالة "البئر"، والفاضل في الأدب، وأبيات المعاني.
انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 213، والفهرست/ 69، وتاريخ بغداد 5/ 282، ونزهة الألباء/ 207، ومعجم الأدباء 7/ 5، ووفيات الأعيان 4/ 306, والوفيات 3/ 79.
(2) انظر: تاج العروس 8/ 27.
(3) قال في العدة/ 89: ... ومن الناس من قال: هو في الدماغ، وقد نص أحمد -رحمه الله- على مثل هذا القول فيما ذكره أبو حفص بن شاهين في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإِسناده عن فضل بن زياد، وقد سأله رجل عن العقل: أين منتهاه من البدن؟ فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: العقل في الرأس، أما سمعت إِلى قولهم: وافر الدماغ والعقل؟. وانظر: التمهيد/ 9 ب، والمسودة/ 559 - 560.
(4) نهاية 4 أمن (ظ).
(5) انظر: الحدود/ 34. وفيه: وتتعلق به -أي بالخلاف في محل العقل- مسألة من الفقه؛ وذلك أن من شج رجلاً موضحة فذهب عقله، لزمه عند مالك دية العقل وأرش الموضحة؛ لأنه إِنما تلف عليه منفعة ليست في عضو الشجة، فتكون الشجة تبعًا لها، وقال أبو حنيفة: إِنما عليه دية العقل فقط؛ لأنه لما شج رأسه وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج دخل أرش الشجة في الدية.=
(1/41)

الفلاسفة (1)، لتغير الفهم بسببه. رد: وبغيره.
__________
=وانظر: الكليات/ 250، وفتح الرحمن/ 22.
(1) لفظ "فلسفة" مشتق من اليونانية. وأصله (فيلا - صوفيا) ومعناه: محبة الحكمة، ويطلق على العلم بحقائق الأشياء والعلم بما هو أصلح.
وكانت الفلسفة عند القدماء مشتملة على جميع العلوم، وهي قسمان: نظري، وعملي. أما النظري، فينقسم إِلى: العلم الإِلهي، وهو العلم الأعلى، والعلم الرياضي، وهو العلم الأوسط، والعلم الطبيعي، وهو العلم الأسفل. وأما العملي، فينقسم إِلى ثلاثة أقسام أيضًا، أولها: سياسة الرجل نفسه، ويسمى بعلم الأخلاق، والثاني: سياسة الرجل أهله، ويسمى بتدبير المنزل، والثالث: سياسة المدينة والأمة والملك.
ومع أن العلوم قد استقلت عن الفلسفة واحداً بعد واحد، فإِن بعض الفلاسفة ظل يطلق الفلسفة على جميع المعارف الإِنسانية.
والصفات التي تتميز بها الفلسفة، هي الشمول والوحدة، والتعمق في التفسير والتعليل، والبحث عن الأسباب القصوى والمبادئ الأولى؛ لذلك عرفها أرسطو بقوله: إِنها العلم بالأسباب القصوى، أو علم الموجود بما هو موجود. وعرفها ابن سيناء بقوله: إِنها الوقوف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن الإِنسان أن يقف عليه. وعرفها بعضهم، بأنها: معرفة الإِنسان نفسه. وعرفها الرواقيون بأنها: معرفة الأمور الإِلهية والإِنسانية. وقيل: هي التشبه بأفعال الله بقدر طاقة الإِنسان. أرادوا: أن يكون الإِنسان كامل الفضيلة.
وكان المفهوم من إِطلاق لفظ "الفلسفة" عند علماء المسلمين في القرن الثالث الهجري، هي الفلسفة الطبيعية. وكان البحث فيها يدور على الإِنسان، من حيث هو عالم أصغر ينطوي فيه العالم وعناصره ...
أما في العصور الحديثة، فإِن لفظ الفلسفة يطلق على دراسة المبادئ الأولى التي تفسر المعرفة تفسيرًا عقليًا، كفلسفة العلوم، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة التاريخ ... الخ.=
(1/42)

وجهَّل ابن عقيل القائل بأن "العقل" مشتق من "عقال البعير"، و "الحكمة" من "حكمة الدابة"؛ لعلمه أنهما عُلِما بقرائح العقول. (1)
* * *

الحد (2): المنع. (3)
شرطه: أن يكون مطرداً -وهو المانع (4) "إِذا وجد الحد، وجد المحدود"-
__________
=ومن معاني الفلسفة: إِطلاقها على الاستعداد الفكري الذي يجعل صاحبه قادرًا على النظر إِلى الأشياء نظرة متعالية، والفلسفة بهذا المعنى مرادفة للحكمة.
وفي عام 1907 م انتشر اصطلاح الفلسفة العامة في فرنسا، وهو يتضمن دراسة المسائل الفلسفية التي يثيرها علم النفس والمنطق والأخلاق، دون أن تكون هذه المسائل خاصة بعلم دون آخر، ومن هذه المسائل: طبيعة المعرفة، والمسائل المتعلقة بالله تعالى، والروح، والنفوس الفردية، وعلاقة المادة بالحياة والشعور، ومسألة التقدم، فالفلسفة العامة بهذا المعنى مختلفة عن علم ما بعد الطبيعة.
وقيل: تتناول الفلسفة الناحية النظرية من البحث في مظاهر الوجود، أما العلم: فهو الانتفاع بالنتائج الصحيحة التي وصلت إليها الفلسفة، فحينما كان الأقدمون يتكلمون على تركيب المادة من الذرات أو من العناصر كانوا يتفلسفون، فلما استطاع المعاصرون أن يستخدموا الطاقة الذرية في أغراض الحرب والسلم أصبحوا علماء. انظر: المعجم الفلسفي للدكتور مراد وهبة/ 313، والمعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا 2/ 160، وتاريخ الفكر العربي إِلى أيام ابن خلدون لعمر فروخ/ 19، وكشاف اصطلاحات الفنون 1/ 49.
(1) نهاية 9 من (ح).
(2) في (ح): والحد.
(3) أي: في اللغة. انظر: لسان العرب 4/ 118، وتاج العروس 2/ 331 (حدد).
(4) في هامش (ب): اختلفوا في تعريف الحد، فقيل: هو اللفظ الموضوع لمعنى، وقيل:=
(1/43)

منعكساً، وهو الجامع "إِذا انتفى الحد، انتفى المحدود"؛ لأنه يجب مساواته
__________
=هو اللفظ المعرف للشيء، وقيل: هو ما جمع جنس الشيء وفصله، وقيل: هو الجامع المانع، والصحيح: أن هذا شرطه؛ فإن شرط الحد أن يكون جامعًا مانعًا، وهو أن يجمع أقسام المحدود، ويمنع شيئًا منها أن يخرج، وقيل: يمنع غير المحدود أن يدخل على المحدود، وهو الذي يقال له: المطرد المنعكس، والذي عليه الأكثر أن الأولى للأولى، والثانية للثانية، فقولنا: "جامعًا" بمعنى قولنا: "مطردًا"، وقولنا: "مانعًا" بمعنى قولنا: "منعكسًا"، وقيل: الأولى للثانية، والثانية للأولى.
والمعروفات خمسة: الحد التام، وهو ما أتي فيه بالجنس والفصل، نحو: الإنسان حيوان ناطق، والحد الناقص، وهو ما أتي فيه بالفصل فقط، نحو: الإنسان ناطق، والرسم التام، وهو: ما أتي فيه بالجنس والخاصة، نحو: الإِنسان حيوان ضاحك، والرسم الناقص ما أتي فيه بالخاصة فقط، نحو: الإنسان ضاحك، فقط، والخامس: تبديل اللفظ بما هو أظهر فيه، نحو: قولك: ما البر؟. تقول: القمح، وما العقار؟. تقول: الخمر.
وفي هامش (ظ): قوله: "المانع إِذا وجد الحد وجد المحدود". يعرف منه أن معناه: وجد المحدود فقط، ولم يوجد معه غيره؛ لأنه إِذا وجد معه غيره لم يكن الحد مانعًا لغير المحدود، وكون الجامع هو الذي إِذا انتفى انتفى المحدود؛ هو أن الذي لا ينتفي بانتفائه، لم يجمعه الحد، ولم يدخل تحته؛ إِذ لو دخل تحته وجمعه الحد لانتفى بانتفائه وزال بزواله. وفي هامش (ظ) -أيضًا-: هذا الذي ذكره المصنف من أن المطرد هو المانع، والمنعكس هو الجامع، هو الذي عليه الجمهور -ابن الحاجب وغيره-. وذكره الطوفي في شرحه على العكس، فجعل الاطراد كونه جامعًا، وانعكاسه كونه مانعاً. ذكر ذلك في الفصل الثاني في التكليف. وهذا الذي ذكره، أظنه اختيار القرافي، والمسألة ذكر فيها الخلاف الزركشي الشافعي -رحمه الله- في شرح جمع الجوامع، مع أن تصرف الطوفي في شرحه مخالف لما ذكره في الفصل الثاني، وموافق لقول الجمهور، كما ذكره في حد أصول الفقه ونحوه. وأظن ما ذكره -أيضاً- في الفصل الثاني في حد التكليف موافق لقول الجمهور، ومخالف لما قرره في كلامه على المطرد والمنعكس والجامع والمانع، فكلامه مضطرب. وانظر: التعريفات/ 61، 66.
(1/44)

للمحدود؛ لأنه (1) إِن كان أعم، فلا دلالة له على الأخص، ولا يفيد التمييز، وِإن كان أخص، فلأنه أخفى؛ لأنه أقل وجودًا منه.
والحد إِن أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية المركبة: فحقيقي، وإن أنبأ عنه بلازم له: فرسمي، وإِن أنبأ عنه بلفظ أظهر مرادف: فلفظي.
قال أبو محمد البغدادي: "الحد على الحقيقة أصل كل علم، فمن لا يحيط به علمًا، لا ثقة له بما عنده".
وجوز معظمهم إِيراد النقض (2)، والمعارضة (3) على الحط، لا المنع.
وجوز بعضهم المنع؛ لأن الحد دعوى فيُمنع كغيره.
وهذا خطأ، لعدم الفائدة غالبًا؛ ولهذا لا يجوز منع النقل لتكذيب الناقل وبعده عن الفائدة.
ولأنه لا يمكن إِثباته إِلا بالبرهان (4)، وهو مقدمتان، كل منهما مفردان،
__________
(1) نهاية 5 ب من (ب).
(2) النقض: كما لو قال: الإِنسان عبارة عن الحيوان، فيقال له: ينتقض عليك بالفرس؛ إِنه حيوان مع أنه ليس بإِنسان. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 96.
(3) المعارضة: كما لو قال: الغاصب من الغاصب يضمن، لأنه غاصب، لأن حد الغاصب (من وضع يده بغير حق) وهذا وضع يده بغير حق، فيكون غاصبًا. فيقول الخصم: أعارض هذا الحد بحد آخر، وهو أن حد الغاصب (من رفع اليد المحقة ووضع اليد المبطلة) وهذا لم يرفع اليد المحقة، فلا يكون غاصبًا. انظر: المرجع السابق.
(4) في التعريفات/ 19 - 20: البرهان: هو القياس المؤلف من اليقينيات، سواء كانت ابتداء -وهي الضروريات- أو بواسطة -وهي النظريات- والحد الأوسط فيه لا بد=
(1/45)

وطالب الحد يطلب تصور كل مفرد، فإِذا أتى المسؤول بحده ومنع، احتاج في إِثباته إِلى مثل الأول، وتسلسل (1).
ثم [إِن (2)] الجدل (3) اصطلاح، يجب الرجوع إِلى أربابه.
__________
=أن يكون علة لنسبة الأكبر إِلى الأصغر. فإِن كان مع ذلك علة لوجود تلك النسبة في الخارج -أيضًا- فهو برهان لِمِّي، كقولنا: هذا متعفن الأخلاط، وكل متعفن الأخلاط محموم، فهذا محموم، فتعفن الأخلاط، كما أنه علة لثبوت الحمى في الذهن، كذلك علة لثبوت الحمى في الخارج، وإن لم يكن كذلك، بل لا يكون علة للنسبة إِلا في الذهن، فهو برهان إِنِّي، كقولنا: هذا محموم، وكل محموم متعفن الأخلاط، فهذا متعفن الأخلاط، فالحمى أن كانت علة لثبوت تعفن الأخلاط في الذهن إِلا أنها ليست علة له في الخارج، بل الأمر بالعكس. وقد يقال على الاستدلال من العلة إِلى المعلول: برهان لمِّي، ومن المعلول إلى العلة؛ برهان إِنِّي.
(1) في التعريفات/ 25: التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية.
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من (ظ).
(3) في مفتاح السعادة 1/ 251 - 254، 2/ 426: علم الجدل: هو من فروع علم الأصول، وهو علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إِبرام أي وضع أريد، وعلى هدم أي وضع كان، وهذا من فروع علم النظر، ومبنى لعلم الخلاف، وهذا مأخوذ من الجدل الذي هو أحد أجزاء مباحث النطق، لكنه خص بالعلوم الدينية، ومبادئه بعضها مبنية في علم النظر، وبعضها خطابية، وبعضها أمور عادية، وله استمداد من علم المناظرة، وموضوعه: تلك الطرف، والغرض منه: تحصيل ملكة الهدم والإِبرام، وفائدته كثيرة في الأحكام العلمية والعملية من جهة الإِلزام على المخالفين، ودفع شكوكهم، وللناس فيه طرق.
(1/46)

ووجه قول: "لا تُقبل العارضة [فيه (1)] " لشعورها بصحة المعارض، وليس لواحد حدان، فأحدهما حق، فلم يبقَ سوى النقض.
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح) و (ب).
(1/47)

فصل
قد سبق استمداد الأصول من اللغة. (1)

وسبب اللغة حاجة الناس ليعرف بعضهم مراد بعض، للتساعد والتعاضد بما لا مؤنة فيه ولا محذور، وهو الكلام، لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس (2) الضروري، توجد للحاجة، (3) وتعدم بعدمها، وإفادته أعم من إِشارة ومثال.
واللفظ: (4) قال بعض أصحابنا وغيرهم: مضع لمعنى خارجي (5) لتبادره إِلى الفهم، ومدلول "اضرب" فعل المأمور خارجًا، فكذا غيره.
وقيل: لمعنى ذهني، لاختلاف المفردة (6) عند تغير الصور الذهنية، واستمرار الخارجية في المركب؛ ولهذا كان كذبًا.
رد: الموضوع الخارجي في نفس الأمر لم يختلف، والكذب في المركب
__________
(1) انظر ص 17 من هذا الكتاب.
(2) في (ح) و (ب): للتنفس.
(3) في (ظ): يوجد عند الحاجة.
(4) انظر: المحصول 1/ 1/ 269، وشرح الكوكب المنير 1/ 105، والمزهر 1/ 42، ونهاية السول 1/ 167، وإِرشاد الفحول/ 14، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 269، والتحرير/ 31 ب.
(5) في (ح): خارج.
(6) في (ح): المفرد.
(1/48)

إِنما يمتنع لو كانت دلالته قاطعة.
قيل: (1) القصد من المفرد إِفادة معناه، لتبادر الذهن إِليه.
وقيل: بل التمكن من إِفادة المعاني المركبة بتركيبه؛ لأن إِفادته معناه موقوفة (2) على العلم [به (3)]، فلو استفيد العلم بمعناه من لفظه دار، والعلم بوضع مفردات المركب بحركاتها الخاصة لمعناها، وانتساب بعضها إِلى بعض (4) بالنسب الخاصة كافٍ في الإِفادة.
فما (5) احتاجه الناس لم تخل اللغة من لفظ له، والظاهر عدم خلوها مما كثرت حاجته.

واللغة: كل ألفاظ وضعت للمعاني.
والوضع: اختصاص شيء بشيء، إِذا أطلق فُهِم الثاني.
وهي: (6) مفرد، ومركب.
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 1/ 267.
(2) نهاية 6 أمن (ب).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) نهاية 4 ب من (ظ).
(5) في (ظ): فلما.
(6) في (ح) و (ظ): وهو.
(1/49)

المفرد (1) عند النحاة (2): كلمة واحدة. وعند المنطقيين: لفظ وضع لمعنى، ولا جزء لذلك اللفظ يدل في المعنى الموضوع على شيء.
والمركب: بخلافه، عليهما. (3)
ف "عبد الله" -علماً لشخص- مركب على الأول، لا الثاني، ونحو: "يضرب" ليس مركبًا على الأول، بل على الثاني؛ لأن حرف المضارع يدل في معناه على شيء.
وإِلزامهم بنحو: "ضارب" و "مخرج" -لدلالة الألف والميم على الفاعل والمفعول- فيه نظر، لمنع دلالتهما (4) (5)، بل الدال هو المجموع، وقيل: (6) المراد تركيب أجزاء مسموعه (7)، والمصدر مع الصيغة ليس كذلك، وقيل: بالتزامه.
__________
(1) انظر معنى المفرد والمركب على الاصطلاحين في: تحرير القواعد المنطقية/ 33، وفتح الرحمن/ 49، وشرح العضد مع حواشيه 1/ 117، ونهاية السول 1/ 184، وشرح الكوكب المنير 1/ 108.
(2) علم النحو: هو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقاماً، وكيفية ما يتعلق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه من حيث هو هو، أوْ لا وقوعها فيه، ويسمى علم الإعراب. انظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 23.
(3) كذا في النسخ الثلاث. ثم كتب اللفظ في هامش (ظ): فيهما.
(4) في (ظ): دلالتها.
(5) نهاية 10 من (ح).
(6) انظر: شرح العضد مع حواشيه 1/ 119 - 120.
(7) في (ح): مجموعة.
(1/50)

والمركب (1): جملة، وهي: لفظ وضع لإِفادة نسبة، أي: إِسناد كلمة إِلى أخرى معنى يصح السكوت عليه.
ولا يتألف (2) عند النحاة إِلا من اسمين، أو فعل واسم (3) فأكثر -والمراد من شخص واحد-، لأنه لابد من مسند ومسند إِليه، والاسم يصلح لهما، والفعل لكونه مسندًا.
وفي الروضة (4) وغيرها: أو حرف نداء (5) واسم كقول الكوفيين. (6)
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 116.
(2) انظر: شرح العضد 1/ 125 والمستصفى 1/ 334، وشرح الكوكب المنير 1/ 117، والإحكام للآمدي 1/ 72، وهمع الهوامع 1/ 33، والتمهيد للأسنوي/ 144، والروضة/ 177.
(3) في هامش (ب): من اسمين، مثل: زيد قائم. وفعل واسم، مثل قام زيد. ولا يتألف من فعلين، ولا من حرفين، ولا من حرف واسم، ولا من حرف وفعل.
(4) انظر: الروضة/ 177.
(5) في هامش (ب): الصحيح أن حرف النداء قائم مقام فعل؛ فيكون ذلك مركبًا من فعل واسم، فلا مفرد.
(6) نشأت في دراسة علم النحو مدارس (مذاهب) متعددة، تميز بعضها عن بعض في المنهج، وبعض الأصول والقواعد.
ومن أشهر هذه المدارس: مدرسة الكوفة، ومدرسة البصرة، والمدرسة البغدادية، والمدرسة الأندلسية، والمدرسة المصرية.
والكوفيون هم أصحاب مدرسة الكوفة. وأهم ما يميزها عن مدرسة البصرة: اتساعها في رواية الأشعار وعبارات اللغة عن جميع العرب، بدويهم وحضريهم، بينما كانت=
(1/51)

ولم يوضع (1) المركب التقييدي (2) -ك "حيوان ناطق" و "كاتب" (3) في
__________
=مدرسة البصرة تتشدد تشدداً جعل أئمتها لا يثبتون في كتبهم النحوية إِلا ما سمعوه من العرب الفصحاء الذين سلمت فصاحتهم من شوائب التحضر وآفاته، ولم تقف المسألة عند حد الاتساع في الرواية، بل امتدت إِلى الاتساع في القياس، وضبط القواعد النحوية، فالبصريون اشترطوا في الشواهد المستمد منها القياس أن تكون جارية على ألسنة العرب الفصحاء، وأن تكون كثيرة بحيث تمثل اللهجة الفصحى، وبحيث يمكن أن تستنتج منها القاعدة المطردة، أما الكوفيون فقد اعتدوا بأقوال وأشعار المتحضرين من العرب، كما اعتدوا بالأشعار والأقوال الشاذة التي سمعوها على ألسنة الفصحاء مما خرج على قواعد البصريين وأقيستهم، ومما نعتوه بالخطأ والغلط، ولم يكتفوا بذلك، فقد حاولوا أن يقيسوا عليها وقاسموا كثيرًا.
ومن أشهر النحاة البصريين: ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، والخليل بن أحمد، وسيبويه، والأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة)، وقطرب، وأبو عمر الجرمي، وأبو عثمان المازني، والمبرد، والزجاج، وابن السراج، والسيرافي. ومن أشهر النحاة الكوفيين: الكسائي، وهشام بن معاوية الضرير، والفراء، وثعلب، وأبو بكر بن الأنباري.
انظر: كتاب المدارس النحوية للدكتور شوقي ضيف/ 159 - 161.
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 118، وشرح العضد مع حواشيه 1/ 125، والإِحكام للآمدي 1/ 73.
(2) المراد بالمركب التقييدي: المركب من اسمين أو من اسم وفعل، بحيث يكون الثاني قيدا في الأول، ويقوم مقامهما لفظ مفرد، مثل "حيوان ناطق" و "الذي يكتب" فإِنه يقوم مقام الأول "الإِنسان" ومقام الثاني "الكاتب". انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 118 - 119.
(3) في (ب): كانت.
(1/52)

"زيد كاتب"- لإِفادة النسبة.

وغير الجملة بخلافها.
ويطلق (1) المفرد على مقابل الجملة، ومقابل المثنى، ومقابل المركب.
ويراد (2) بالكلمة لغة الكلام الكثير (3).
وقال بعضهم (4): يراد بالكلام الكلمة، قال سيبويه (5) في قولهم:
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 120.
(2) انظر: لسان العرب 15/ 428، وتاج العروس 9/ 49 (كلم)، وشرح الكوكب المنير 1/ 120، وهمع الهوامع 1/ 30، ومفردات الراغب/ 454 - 456.
(3) في هامش (ب): كقوله عليه السلام: (أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). وقوله: (كلمة التقوى لا إِله إِلا الله). وقوله تعالى: (كلا إِنها كلمة هو قائلها).
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 121، وهمع الهوامع 1/ 29، والإحكام للآمدي 1/ 72.
(5) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، وسيبويه لقبه، أمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد في إِحدى قرى شيراز سنة 148 ه، وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد، وأخذ عنه، ورحل إلى بغداد، وناظر الكسائي، وعاد إِلى الأهواز، فتوفي بها سنة 180 ه، وقيل في مكان وزمان وفاته غير ذلك. من مؤلفاته: "الكتاب" في النحو، وهو مشهور.
وسيبويه: لقب بالفارسية، معناه: رائحة التفاح.
انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 66، وتاريخ بغداد 12/ 195، ونزهة الألباء/ 71، ووفيات الأعيان 3/ 463، والبداية والنهاية 10/ 176.
(1/53)

"من أنت، زيد؟ " معناه: "من أنت، كلامك زيد؟ "، (1) وقاله (2) أبو الحسين (3) المعتزلي وغيره.

وقيل: (4) يطلق الكلام على الكلم (5)، وهو: كلمات لم ينتظم معناها.
قال بعض أصحابنا: (6) "مسمى الكلام والقول عند الإِطلاق (7) يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كتناول لفظ "الإِنسان" للروح والبدن، عند السلف والفقهاء والجمهور.
__________
(1) انظر: كتاب سيبويه 1/ 147، 162.
(2) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري/ 14.
(3) هو: محمد بن علي بن الطيب البصري، المتكلم على مذهب المعتزلة، وهو أحد أئمتهم الأعلام المشار إليه في هذا الفن، كان جيد العبارة، مليح الكلام، غزير المادة، إمام وقته، سكن بغداد، وتوفي بها سنة 436 ه.
من مؤلفاته: المعتمد في أصول الفقه، وتصفح الأدلة، وغرر الأدلة، وشرح الأصول الخمسة، وكتاب في الإمامة.
انظر: تاريخ بغداد 3/ 100، ووفيات الأعيان 4/ 271، ولسان الميزان 5/ 298.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 122، وهمع الهوامع 1/ 31.
(5) في هامش (ب): الكلم: ما تركب من ثلاث كلمات فصاعدًا سواء أفاد أو لم يفد، نحو: إِن قام غلام زيد. وقد يجتمع الكلام والكلم في قولك: "إِن قام زيد فأكرمه"، فإِنه كلام لوجود الفائدة فيه، كلم لأنه تركب من ثلاث. وقد يكون اللفظ كلماً لا كلاماً، كما قد مُثِّل. وقد يكون كلاماً لا كلماً، نحو: زيد قائم.
(6) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية 7/ 170 - 171.
(7) نهاية 6 ب من (ب).
(1/54)

وقال كثير من أهل الكلام (1) -من المعتزلة وغيرهم-: مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزأه، بل مدلوله، وقاله النحاة؛ لتعلق صناعتهم باللفظ.
وقال ابن كُلاَّب (2)، ومن اتبعه: مسماه المعنى، وقال بعض أصحابه: مشترك بينهما.
وقال بعضهم (3) -ويروى عن الأشعري (4) -: مجاز في كلام الله؛
__________
(1) في التعريفات/ 80: الكلام: علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإِسلام. والقيد الأخير لإِخراج العلم الإِلهي للفلاسفة. وفي التعريفات -أيضا-: الكلام: علم باحث عن أمور يعلم منها المعاد، وما يتعلق به من الجنة والنار والصراط والميزان والثواب والعقاب. وقيل: الكلام هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة عن الأدلة.
(2) هو: أبو محمد عبد الله بن سعيد -ويقال: عبد الله بن محمد- بن كلاب، القطان، البصري، محدث متكلم. و"كُلاَّب": لقب مثل "خُطَّاف" لفظاً ومعنى. توفي -فيما يظهر- بعد سنة 240 ه بقليل. من مؤلفاته في الرد على المعتزلة: كتاب الصفات، وكتاب خلق الأفعال، وكتاب الرد على المعتزلة.
انظر: مقالات الإِسلاميين 1/ 215، والفهرست/ 180، وطبقات الشافعية للعبادي/ 70، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 299، وطبقات الشافعية للأسنوي 2/ 344، ولسان الميزان 3/ 290.
(3) أي: بعض أصحاب ابن كلاب.
(4) هو: أبو الحسن علي بن إِسماعيل بن إسحاق، مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين، ولد في البصرة سنة 260 ه، وتلقى مذهب المعتزلة، وتقدم فيهم، ثم رجع وجاهر بخلافهم، وتوفي ببغداد سنة 324 ه.=
(1/55)

لأن الكلام العربي عندهم (1) لا يقوم به، حقيقة في كلام المخلوق، لقيامه به (2)." والله أعلم.

والمفرد: اسم، وفعل، وحرف معنى (3).
* * *

ودلالة المفرد [الوضعية (4)] اللفظية في كمال معناه دلالة مطابقة، وفي بعض معناه دلالة تضمن، كدلالة البيت على الجدار، وغير اللفظية دلالة التزام، كدلالته على الباني، وذكر بعض أصحابنا أنها عقلية.
وهي مساوية لدلالة المطابقة، وهما أعم من التضمن لجواز كون المدلول واللازم بسيطًا لا جزء له.
__________
=من مؤلفاته: مقالات الإِسلاميين، والإبانة عن أصول الديانة, ورسالة في الإيمان واستحسان الخوض في الكلام.
انظر: تبيين كذب المفتري، واللباب 1/ 64، ووفيات الأعيان 3/ 284، والجواهر المضية 1/ 353، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 347، والبداية والنهاية 11/ 187، وخطط المقريزي 9/ 253.
(1) نهاية 11 من (ح).
(2) في (ح): بهم.
(3) في هامش (ب): إِنما قال: "وحرف معنى" احترازًا من حرف الهجاء، فإِن الحرف ينقسم إِلى ثلاثة أقسام: حرف هجاء، وحرف معنى، وحرف مشترك بينهما. الأول: كالجيم والحاء. والثاني: ك مِنْ وعَنْ. والثالث: كالباء والواو.
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح). وانظر: شرح العضد 1/ 120.
(1/56)

ولم يشترط (1) الأصوليون في كون (2) اللازم ذهنيًا، واشترطه المنطقيون (3)، ليحصل الفهم.
ولا يشترط اللازم خارجاً، لحصول الفهم بدونه، كالعدم والملكة، كدلالة العمى على البصر.
وفي مقدمة الروضة (4): "لا يستعمل في نظر العقل دلالة الالتزام؛ لأن ذلك لا ينحصر في حد؛ إِذ السقف يلزم الحائط، والحائط الأس، والأس الأرض". وكذا قال بعضهم: هي مهجورة (5) في العلوم، لاختلاف كون اللازم بيناً باختلاف (6) الأشخاص؛ فلا ينضبط المدلول.
* * *
والاسم المفرد ومدلوله يتحد كل منهما، ويتعدد:
فإِن اتحدا: فإِن اشترك في مفهومه كثيرون -وقعت فيه الشركة بالفعل بين أشخاص تناهت أوْ لا، أو لم تقع، بحكم الاتفاق، أو لمانع لذاته أو لغيره, ذاتًا كان أو صفة- فهو الكلي.
__________
(1) نهاية 5 أمن (ظ).
(2) كذا في النسخ الثلاث. ولعل المناسب حذف "في"، أو أن تكون العبارة هكذا: في دلالة الالتزام كون اللازم ...
(3) انظر: إِيضاح المبهم/ 7.
(4) انظر: الروضة/ 14. ومقدمة الروضة مقدمة منطقية مذكورة في أولها.
(5) في (ح): هي مما يجوز.
(6) في (ح): لاختلاف.
(1/57)

فإِن تفاوتت الأفراد في مدلوله -بأولوية وعدمها، أو شدة وضعف، (1) أو تقدم وتأخر، كالوجود للخالق وللمخلوق- فمشكك لشك الناظر فيه: هل هو من المتواطئ أو المشترك؟ ذكره بعض أصحابنا (2) وغيرهم، تبعًا لمن قبلهم كالآمدي (3)، لكونه (4) حقيقة فيهما عند أصحابنا وغيرهم، وذكره (5) الآمدي إِجماعًا، وذكر أصحابنا (6) في كتب الفقه أنه حقيقة في الخالق، مجاز في المخلوق، وقاله (7) الناشئ المعتزلي (8)، وعن جهم (9) ومن تبعه عكس ذلك.
__________
(1) نهاية 7 أمن (ب).
(2) انظر: مجموع الفتاوى 20/ 442.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 17.
(4) في (ح) و (ظ): لكنه. وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 134.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 20.
(6) نهاية 12 من (ح).
(7) انظر: المسودة/ 565 - 566، ومجموع الفتاوى 20/ 441.
(8) هو: أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ، الشاعر المتكلم، وهو معروف ب "ابن شرشير"، ويعرف -أيضًا- ب "الناشئ الأكبر" من أهل الأنبار، نزل بغداد، وأقام بها مدة طويلة، وخرج في آخر عمره إِلى مصر، وأقام فيها بقية عمره، حيث توفي بها سنة 293 ه، كان متبحرًا في عدة علوم، من جملتها: المنطق، وله كتب كثيرة نقض فيها كتب المنطق، وله قصيدة على روي واحد، وهي أربعة آلاف بيت.
انظر: تارخ بغداد 10/ 92، ووفيات الأعيان 3/ 61، والمنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل/ 98، وشذرات الذهب 2/ 421.
(9) هو: أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي، رأس الجهمية، ضال مبتدع، فتح باب=
(1/58)

وإن لم تتفاوت: فمتواطئ، لتوافقها فيه، فإِطلاق (1) لفظ "المبدأ" على النقطة أول خط، وعلى آن (2) أول زمان: متواطئ، وقيل: مشترك، والمراد إِن أضيفت إِلى الخط، وكذا لفظ الخمر على اللون (3) والعنب والدواء، لعموم النسبة إِلى الخمر: متواطئ، وباختلاف النسب: مشترك، ولفظ "أسود" لقار وزنجي: متواطئ، ولرجل مسمى بأسود وقار: مشترك.
وإن لم يشترك فيه كثيرون: فجزئي، ويسمى النوع (4) جزئيًا إِضافيًا، فكل جنس (5) ونوع عال أو وسط أو سافل: كلي لما تحته، جزئي لما فوقه.
وإن تعدد اللفظ والمعنى: فأسماء متباينة (6)، لتباينها.
__________
= شر عظيم، كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، وأمر بقتله فقتل سنة 128 ه.
انظر: الكامل لابن الأثير 5/ 342، وميزان الاعتدال 1/ 426، وخطط المقريزي 2/ 349، ولسان الميزان 2/ 142، والحور العين/ 255، وفيه: قتل ب "مرو"، قتله سلم ابن أحور على شط نهر "بلخ".
(1) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 22.
(2) انظر: معنى "آن" في لسان العرب 16/ 183، وما بعدها.
(3) في هامش (ب): اللون هو: ضرب من التمر، وهو الدقل من النخل. وفي لسان العرب 17/ 279: واللون: الدقل، وهو ضرب من النخل. وفي الإِحكام للآمدي 1/ 23: قولنا: "خمري" للون الشبيه بلون الخمر ... الخ.
(4) في التعريفات/ 119: النوع: اسم دال على أشياء كثيرة مختلفة بالأشخاص.
(5) في التعريفات/ 35: الجنس: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع.
(6) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 137.
(1/59)

وإِن اتحد اللفظ وتعدد المعنى:
إِن كان اللفظ حقيقة للمتعدد: فمشترك - تباينت المسميات، كالعين، وكالشفق (1)، وكالجون للسواد والبياض، أوْ لا، كأسود على أسود علمًا (2) وصفة، فمدلوله علماً: الذات، ومشتقاً: الذات مع الصفة، فمدلوله علماً جزء مدلوله مشتقًا، ومدلوله مشتقًا صفة لمدلوله علماً- وإِلا: فحقيقة ومجاز.
وإِن اتحد المعنى وتعدد اللفظ: فمترادفة.
والأقسام: (3) مشتق -إِن دل على ذي صفة، كعالم- وغير مشتق، كالإِنسان: صفة، وغير صفة.

مسألة
المشترك (4) واقع عند أصحابنا (وه ش).
ومنع منه ابن الباقلاني (5)، وثعلب، (6) وجماعة.
__________
(1) في (ظ): والشفق.
(2) في هامش (ب): العلم هو: كل اسم عين المسمى، فإِن أشعر ب "أب" أو "ابن" فهو الكنية، وإن أشعر بمدح أو ذم: فهو اللقب، وإِلا فهو الاسم، وينقسم إِلى قسمين: منقول، ومرتجل، وهو: إِما مفرد، وإِما مركب، والمركب ينقسم إِلى قسمين: مركب تركيب مزج، ومركب تركيب إضافة.
(3) أي: الأقسام السابقة. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 138، وشرح العضد 1/ 128.
(4) في هامش (ب) المشترك: اللفظ الواحد لمعان مختلفة.
(5) في (ب): ابن الباقلاني.
(6) هو: أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، إِمام الكوفيين في النحو واللغة،=
(1/60)

ومنع منه بعضهم في القرآن.
قال بعض أصحابنا: ولا يجب في اللغة، وقيل: بلى.

لنا:
لا يمتنع وضع لفظ (1) واحد لمعنيين مختلفين على البدل، من واضع أو (2) أكثر، ويشتهر الوضع.
ولفظة (3) "عرض" في القرآن مختلفة المعنى في قوله: (وجنة عرضها السموات) (4)، (وعرضنا جهنم يومئذ (5) للكافرين عرضًا) (6)،
__________
=ولد ببغدادسنة 200 ه، وسمع ابن الأعرابي، والزبير بن بكار، وروى عنه الأخفش الأصغر، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو عمر الزاهد، توفي ببغداد سنة 291 ه.
من مؤلفاته: الفصيح، وقواعد الشعر، وشرح ديوان زهير، وشرح ديوان الأعشى، ومجالس ثعلب ...
انظر: مروج الذهب 2/ 387، وتاريخ بغداد 5/ 204، وطبقات الحنابلة 1/ 83، ونزهة الألباء/ 293، وإِنباه الرواة 1/ 138، ووفيات الأعيان 1/ 102، وتذكرة الحفاظ 2/ 214، وبغية الوعاة/ 172.
(1) نهاية 13 من (ح).
(2) في (ظ): وأكثر.
(3) نهاية 7 ب من (ب).
(4) سورة آل عمران: آية 133.
(5) لفظ "يومئذ" سقط من (ب) و (ح).
(6) سورة الكهف: آية 100.
(1/61)

والعرض (1) واحد العروض، و (عسعس) (2) لإقبال الليل وإِدباره، ذكره (3) الجوهري (4) والزجاج (5).
ولأن الموجود في القديم والحادث حقيقة، فإِن كان مدلول الموجود الذات: فهي مخالفة لما (6) سواها من الحوادث، وإلا لوجب الاشتراك في الوجوب، للتساوي في مفهوم الذات، وإن كان مدلوله صفة زائدة: فإِن اتحد
__________
(1) انظر: الصحاح/ 1082 (عرض) وفيه: "العرض: المتاع، وكل شيء فهو عرض سرى الدراهم والدنانير، فإِنهما عين، قال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا، نقول: اشتريت المتاع بعرض، أي: بمتاع مثله".
(2) قال تعالى: (والليل إِذا عسعس) سورة التكوير: آية 17.
(3) انظر: الصحاح/ 946 (عسس).
(4) هو: أبو نصر إِسماعيل بن حماد الجوهري، لغوي مشهور، أصله من "فاراب"، سافر إِلى العراق، ثم الحجاز، وعاد إِلى خراسان، ثم أقام في نيسابور، وتوفي بها سنة 393 ه. من مؤلفاته: الصحاح، وكتاب في العروض، ومقدمة في النحو.
انظر: نزهة الألباء/ 418، ومعجم الأدباء 2/ 266، وإنباه الرواة 1/ 194، ولسان الميزان 1/ 400، والنجوم الزاهرة 4/ 207.
(5) هو: أبو إِسحاق إِبراهيم بن السري بن سهل -وفي وفيات الأعيان: إِبراهيم بن محمد- عالم بالنحو واللغة، ولد ببغداد سنة 241 ه، وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، كان يخرط الزجاج، فنسب إِليه، ثم تركه واشتغل بالأدب، توفي ببغداد سنة 311 ه.
من مؤلفاته: معاني القرآن، والاشتقاق، وخلق الإنسان، والأمالي.
انظر: تاريخ بغداد 6/ 89، ونزهة الألباء/ 308، والمنتظم 6/ 176، ومعجم الأدباء 1/ 47، وإِنباه الرواة 1/ 159، ووفيات الأعيان 1/ 49.
(6) نهاية 5 ب من (ظ).
(1/62)

المفهوم منها ومن اسم الموجود في الحادث: لزم منه كون مسمى الموجود في الحادث واجبًا لذاته، أو (1) وجود القديم ممكنًا، وإِن اختلف المفهومان وقع المشترك، احتج به الآمدي (2)، وهو معنى ما في أول العدة والتمهيد (3) وغيرهما، في بيان الكلام في "عالم" للقديم والحادث، لاختلاف معناهما.
ورد: بأن الوجوب والإِمكان لا يمنع التواطؤ، ودعوى لزوم التركيب مما به الاشتراك وما به الامتياز، إِنما هو في الذهن. وقال بعض أصحابنا (4): وضع (5) لما به الاشتراك فقط، وامتاز ما به الامتياز بقرينة تعريف أو إِضافة، ونحو ذلك، لا من نفس اللفظ المفرد، فهو حقيقة فيهما، كما قلنا في أسماء الله التي يمسمى بها غيره، وقال -أيضًا- الجمهور: إِنه متواطئ (6)، قال: فقيل بالتواطؤ المتساوي والأصح: المتفاضل، ونقل صاحب المحصول عن الأشعري، وأبي الحسين البصري: مشترك.

واستدل: المعاني لا تتناهى، واللفظ متناه، فإِذا وزعِّ لزم الاشتراك.
رد: بالمنع، ثم: المقصود بالوضع متناه. (7)
__________
(1) في (ب): أو جود.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 20 - 21.
(3) انظر: العدة/ 77، 80، والتمهيد/ 7 ب، 12أ.
(4) انظر: المسودة/ 566.
(5) في (ب)، و (ح): ما وضع.
(6) انظر: مجموع الفتاوى 20/ 442.
(7) نهاية 14 من (ح).
(1/63)

وأما إِطلاق "القرء" على الطهر والحيض، فلم يقل أهل اللغة: "إِنه مشترك"، بل قال من منع: إِنه موضوع للانتقال، (1) وقال ثعلب: للوقت. وفي انتصار (2) أبي الخطاب: (3) مجاز في الطهر، لمجاورته للحيض؛ لأنه يصح نفيه.
قولهم: الاشتراك يخل بمقصود (4) الوضع، وهو الفهم.
أجيب: الوضع تابع لقصد الواضع، والتعريف الإِجمالي مقصود، كأسماء الأجناس.
__________
(1) انظر: المسودة/ 566، ولسان العرب 1/ 125.
(2) وهو كتاب الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإِمام أحمد ابن حنبل، لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، المتوفى سنة 510 ه. يذكر فيه مؤلفه أمهات المسائل في مختلف أبواب الفقه، والخلاف فيها، وأدلة الأقوال مفصلة، ثم يذكر القول الراجح.
ويبدو أنه جعل الكتاب في أربعة أقسام، منها: ربع في العبادات، يوجد منه 18 مجلدة، في 344 ورقة، تنتهي في أثناء الزكاة. وهذه المجلدات موجودة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، برقم (2743). وقد طبع هذا الموجود بتحقيق الدكتور سليمان العمير وآخرين، ونشرته مكتبة العبيكان بالرياض سنة 1413 ه.
(3) هو: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، إِمام الحنابلة في عصره. أصله من (كلواذي) من ضواحي بغداد، ولد ببغداد سنة 432 ه وتوفي بها سنة 510 ه.
من مؤلفاته: التمهيد في أصول الفقه، والانتصار في المسائل الكبار، والهداية، وعقيدة أهل الأثر، وهي منظومة صغيرة. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 258، واللباب 3/ 107، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 116، والنجوم الزاهرة 5/ 212، والمنهج الأحمد 2/ 198.
(4) نهاية 8 أمن (ب).
(1/64)

قولهم: إِن بيَّنه طال بلا فائدة، وإِلا فلا فائدة.
أجيب: فائدته الاستعداد للامتثال إِذا بُيِّن، فيثاب على العزم والاجتهاد.

مسألة
المترادف (1) واقع عند أصحابنا (وه ش)، خلافاً لبعضهم لأنه لا يمتنع ذلك من واضع، ولا من واضعين لا (2) يشعر أحدهما بالآخر، ويشتهر ذلك.
وكأسد وسبع وليث: للحيوان المعروف، وصَلْهَب (3) وسَلْهَب: للطويل، وبُحْتُر وحَبْتَر (4) وبُهْتُر: (5) للقصير.
فأما مُهنَّد -نسبة إِلى الهند- وصارم: فمترادفان على الذات كسيف، ومتباينان صفة. وناطق وفصيح: مترادفان على موصوفيهما من لسان أو إِنسان، متباينان معنى.
قولهم: لا فائدة فيه.
أجيب: فائدته توسعة تكثير طرق موصلة إِلى الغرض، وتيسير نثر ونظم
__________
(1) في هامش (ب): المترادف: اللفظ المتعدد لمعنى واحد.
(2) في (ظ): ولا.
(3) انظر: لسان العرب 2/ 19.
(4) انظر: المصدر السابق 5/ 120.
(5) انظر: المصدر السابق 5/ 152.
(1/65)

للزنة والروي -وهو الحرف آخر القافية، وهي الكلمة آخر البيت- وتيسير تجنيس، وهو تشابه لفظين، ومطابقة، وهي جمع بين ضدين، والمراد هنا (1): بحيث يوازن أحدهما الآخر.
قولهم: (2) تعريف للمعرف.
أجيب: علامة ثانية، ويجوز الوضع معاً.

مسألة
الحد (3) والحدود، ونحو: "عطشانَ نَطْشانَ" غير مترادفين -وحكي قول- لأن الحد يدل على المفردات. (4)
__________
(1) هذا اللفظ "هنا". ضرب عليه في (ظ).
(2) نهاية 15 من (ح).
(3) في هامش (ظ): مثال الحد والمحدود؛ الحيوان الناطق والإنسان ذكره الأصفهاني. فالحد: قولنا: الحيوان الناطق. والمحدود هو: الإِنسان. وقال القرافي: "الحد هو المحدود إِن أريد معناه، وغيره إن أريد لفظه" ذكره في التنقيح في أوله. وعبارته: وهو -أي الحد- شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال، وهو غير المحدود إِن أريد اللفظ، ونفسه إِن أريد المعنى.
(4) في هامش (ظ): ليس المراد من المفردات أفراد الإنسان، كزيد أو عمرو أو بكر، بل المراد الأجزاء التي تركبت منها ماهية الإِنسان، كالحيوانية والنطقية، فإِن ماهية الإِنسان حاصلة منهما، فالحد -وهو الحيوان الناطق- يدل على هذه الأجزاء بالمطابقة، كدلالة البيت على جميع أجزائه، وأما دلالة الإنسان عليها فإِنها بالتضمن، كدلالة البيت على السقف؛ لأن السقف جزء من البيت.
قال ابن مطهر: الحد يدل بالتفصيل على ما يدل عليه الاسم بالإجمال، فله دلالة على=
(1/66)

قال الجوهري وغيره: "نطشان" إِتباع له، لا يفرد (1)، ومثله: "حَسَنٌ" بَسَنٌ" (2)
ويقال: "شَذَرَ مَذَرَ" (3) إِذا تفرقوا كل وجه، وكذا "شَغَرَ بَغَرَ" (4) قال (5) الجوهري: هما اسمان جعلا واحداً وبنيا على الفتح.
__________
=المفردات، كقولنا في تحديد الإِنسان: إِنه الحيوان الناطق، فإِنه دال على المفردات بالمطابقة، وأما الإِنسان فإِنه يدل عليها بالتضمن، وكيف لا يكون كذلك؟ والحد يدل على الأجزاء التي هي علل المحدود، والمحدود يدل على الماهية الحاصلة عقيب الأجزاء.
(1) انظر: الصحاح/ 1012 (عطش)،/ 1021 (نطش).
(2) انظر: الصحاح/ 2078 (بسن) / 2099 (حسن)، وفيه: ويقال: "رجل حسن بسن"، و "بسن" إِتباع له.
وفي هامش (ظ): "نطشان" بمعنى "عطشان"، لكن لا يستعمل "نطشان" إِلا تبعًا ل "عطشان"، ولا يفرد وحده، و "حسن": ما حسن من كل شيء، و "بسن" بمعناه، لكن لا يستعمل إلا تبعًا ل "حسن"، فلما كان "عطشان" و "حسن" يستعمل كل واحد منهما وحده، و "نطشان" و "بسن" لا يستعمل كل واحد منهما وحده، لم يكن "نطشان" مرادفاً ل "عطشان"، ولا "بسن" مرادفاً ل "حسن".
(3) قال في الصحاح / 695 (شذر): وتفرقوا شَذَرَ مَذَرَ، وشِذَرَ مِذَرَ، إِذا ذهبوا في كلِّ وجه. وقال فيه/ 813 (مذر): يقال: تفرقت إِبله شَذَرَ مَذَرَ، وشِذَرَ مِذَرَ، إِذا تفرقت في كل وجه، و "مذر" إِتباع له.
(4) قال في الصحاح/ 700 (شغر): وتفرقوا شغر بغر. أي: في كل وجه، وهما اسمان جعلا واحداً وبنيا على الفتح. وقال فيه/ 594 (بغر): ويقال: تفرقت إِبله شغر بغر، إِذا تفرقت في كل وجه.
(5) نهاية 6 أمن (ظ).
(1/67)

قال بعض أصحابنا وغيرهم متابعة لمن قبلهم كالآمدي (1): المرادف لا يزيد مرادفه إِيضاحاً، ولا يجب تقديم أحدهما، ولا يرادف بنفسه، والمؤكد خلافه، والتابع اللفظي خلافهما، لكونه على زنته، وقد لا يفيد (2) معنى.

مسألة
يقوم كل مرادف مقام الآخر في التركيب، لأنه بمعناه، ولا مانع.
قولهم: لو صح، لصح "خُداي (3) أكبر".
أجيب: نلتزمه، ثم: بالفرق باختلاط اللغتين، وقاله بعض أصحابنا، قال: لأنه قد يختص أحدهما بصحة ضمه إِلى غيره. رد: خلاف الظاهر. (4)
قال: وقد يكون أحدهما أجلى، فيكون شرحاً.
والترادف خلاف الأصل.
وأنكرت الملاحدة التأكيد (5)، لعدم فائدته.
رد: جوازه ضروري، ومعلوم (6) وقوعه وإفادته قوة مدلول ما سبق.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 25.
(2) نهاية 8 ب من (ب).
(3) في هامش (ظ) "خداي" في لسان العجم "الله"، وهو بضم الخاء المعجمة، بعدها دال مهملة مفتوحة -كذا سمعنا جماعة يقولونها بالدال المهملة، والذي كنت أسمعه من بعض مشايخي: بالذال المعجمة. ثم سألت بعض العجم عن ذلك، فقال: بعضهم يقولها بالمهملة كأهل شيراز، وبعضهم يقولها بالمعجمة كأهل خراسان. والله أعلم- وبعد الألف ياء مثناة من تحت مخففة مفتوحة.
(4) في هامش (ظ): في نسخة: الأصل.
(5) انظر: المحصول 1/ 1/ 356، والتمهيد للأسنوي/ 161.
(6) في (ح): معلوم. وقد أشير في (ب) إِلى أن "الواو" قد زيدت من نسخة أخرى.
(1/68)

مسألة
الحقيقة: فعيلة من الحق بمعنى فاعل كعليم، فالتاء للتأنيث، أي: الثابتة، أو بمعنى مفعول كجريح، فالتاء لنقل اللفظ من الوصفية إِلى الاسمية، أي: المُثْبَتة، ثم نقلت إِلى الاعتقاد المطابق لكونه ثابتًا أو مُثْبَتاً، ثم منه إِلى القول المطابق، ثم منه إِلى المراد هنا، وهي اللفظ المستعمل (1) فيما وضع له أولاً في الاصطلاح الذي به التخاطب. ومعناه في الروضة (2) وغيرها.
وقال بعض أصحابنا وغيرهم: استعمال اللفظ. ومعناه في الواضح (3)، ثم فسر الاسم عرفاً بغلبة الاستعمال، لا يجوز غيره. كذا قال. (4)
وحدّها في العدة -في موضع- (5) باللفظ (6) المستعمل في موضوعه، و-في موضع- (7) باللفظ الباقي على موضوعه. وذكره في التمهيد (8)
__________
(1) في (ح): استعمال اللفظ.
(2) انظر: الروضة/ 173.
(3) انظر: الواضح 1/ 28 أ.
(4) انظر: المصدر السابق 1/ 219 ب.
(5) انظر: العدة/ 188.
(6) نهاية 16 من (ح).
(7) انظر: العدة/ 172.
(8) انظر: التمهيد/ 12 ب، 79 ب- 80 أ.
(1/69)

وأن أبا عبد الله البصري (1) وعبد الجبار (2) المعتزلين قالا: "ما أفيد بها ما وضعت له"، (3) وأن أبا الحسين (4) زاد: "في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب فيه"، (5) وأن قولهما أقوى؛ لأن عند أبي الحسين: لو قال الواضع (6) "سميت هذا حائطًا، أو قال: سمّوا هذا حائطًا "، لا يكون قوله في تلك الحال حقيقة ولا مجازًا؛ لأنه لم يتقدم ذلك مواضعة واصطلاح، وهذا خطأ؛ لأن (7) الكلام -إِذا خلا عن حقيقة ومجاز- مهمل، وهذا كلام مفهوم غير مهمل.
__________
(1) هو: الحسين بن علي، الملقب ب "الجعل"، فقيه حنفي، من شيوخ المعتزلة. ولد في البصرة سنة 293 ه، وسكن بغداد، وتوفي بها سنة 369 ه.
من مؤلفاته على مذهب المعتزلة: الإِيمان، والمعرفة.
انظر: الفهرست/ 174، وطبقات الفقهاء للشيرازي 1/ 121، وتاريخ بغداد 8/ 73، والمنتظم 7/ 101، والجواهر المضية 1/ 216، وشذرات الذهب 3/ 68.
(2) هو: أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني، قاض أصولي، كان شيخ المعتزلة في عصره، ولي القضاء بالري، ومات بها سنة 415 ه.
من مؤلفاته: تنزيه القرآن عن المطاعن، والأمالي.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 113، وطبقات الشافعية للسبكي 5/ 97، ولسان الميزان 3/ 386، والرسالة المستطرفة/ 160.
(3) انظر: المعتمد للبصري/ 17
(4) وهو: أبو الحسين البصري، صاحب المعتمد في أصول الفقه.
(5) انظر: المعتمد للبصري/ 16.
(6) انظر: المصدر السابق/ 16 - 17.
(7) نهاية 9 أمن (ب).
(1/70)

فإن قيل: فيلزمكم أن من استعمل السماء في الأرض قد تَجَوَّز به؛ (1) لأنه أفاد به غير ما وضع له.
قيل: كذا نقول، ومن سَلَّم قال: الأرض لا تعقل من اسم السماء، بخلاف الأسد في الشجاع. كذا قال (2)

والحقيقة قد تصير مجازًا، وبالعكس. ذكره أصحابنا وغيرهم.
وهي: لغوية كالأسد، والأصل بقاؤها، وعرفية كالدابة، وشرعية كالصلاة. مع أنه قال: ما لم يطرد مجاز، كتسميتهم الرجل الطويل نخلة، ولم يُسَمَّ كل طويل بها. (3)
ولفظ "المجاز" حقيقة عرفاً -قاله بعض أصحابنا وغيرهم- مجاز لغة، لأنه (4) "مَفْعَل" للمصدر أو للمكان، من الجواز بمعنى العبور، ثم نقل إِلى المراد هنا، فهو مجاز في الدرجة الأولى؛ لأن العبور انتقال الجسم، و "مفعل"
__________
(1) نهاية 6 ب من (ظ)
(2) انظر: التمهيد 12 ب، 79 ب- 80 أ.
(3) قوله: "مع أنه قال: ما لم يطرد مجاز، كتسميتهم الرجل الطويل نخلة، ولم يسم كل طويل بها". كذا هو في النسخ الثلاث، ولكن أحد الذين قرؤوا نسخة (ب) وضع خطًا متقطعًا باللون الأحمر فوق هذا الكلام، وقد وضع خطًا مماثلاً لهذا الخط فوق كلام ملغى في صفحة أخرى من هذه النسخة. وانظر: التمهيد/ 14أ، 83أ- ب.
(4) كذا في (ب) و (ح). وكذا كان اللفظ في (ظ) أيضًا، ثم ضرب عليه وزيدت الواو، فصار: ومفعل.
(1/71)

هنا بمعنى فاعل؛ لأن اللفظ ينتقل، فيكون مجازًا.
وحد المجاز بخلاف [حد (1)]، الحقيقة على الخلاف السابق. (2)
وزاد في حده في الروضة وغيرها: "على وجه يصح" (3). وظاهر كلامهم أنه غير العلاقة، فيكون قصد العلاقة، لا غلطاً. وفسره (4) جماعة بالعلاقة بين المفهوم الحقيقي والمجازي. وسبق (5) ما في التمهيد. وذكر بعضهم اعتبارها إِجماعاً؛ وإِلا يكون (6) الوضع بالنسبة إِلى المعنى الثاني أول، فيكون حقيقة فيهما.
ولا يعتبر اللزوم الذهني بين المعنيين خلافاً لقوم (7).
والعلاقة: المشابهة: إِما في الشكل، كإِنسان للصورة المنقوشة، أو صفة ظاهرة (8) كأسد للشجاع، لا خفية كالبخر (9)، أو لما كان كعبد على
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(2) في هامش (ب): فهو اللفظ المستعمل في غير وضع أول، أو في غير موضوعه.
(3) انظر: الروضة 1/ 75، وشرح العضد 1/ 138، والبلبل/ 39.
(4) نهاية 17 من (ح).
(5) انظر: ص 71 من هذا الكتاب.
(6) أي: لأنه لو لم تكن علاقة بين المعنيين، لكان الوضع بالنسبة إِلى المعنى الثاني أول.
وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 154 - 155. ورفع "يكون" هنا ضعيف لغة.
(7) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 155.
(8) انظر: البلبل/ 39.
(9) في (ب) و (ظ): كالبحر. والبخر -بفتحتين- هو: تغير رائحة الفم. انظر: لسان العرب 5/ 110.
(1/72)

عتيق، أو لما يكون كخمر على عصير، أو للمجاورة ك "جرى النهر والميزاب". قال الآمدي: وجميع (1) جهات التجوز لا تخرج عن هذا. (2)
قال القاضي -في مسألة ثبوت الأسماء قياسًا-: (3) "أهل اللغة أجروا اسم الشيء على الشيء لوجود بعض معناه فيه، كالشجاع سبعًا، ولَمَّا لم يوجد كل معانيه كان مجازًا، وأما (4) النبيذ فتوجد فيه معاني الخمر كلها، وكذا النَبَّاش؛ فلهذا كان حقيقة".
قال بعض أصحابنا (5): "هذا تصريح بثبوت (6) الأسماء -حقائقها ومجازاتها- قياسًا، لكن فيه قياس المجاز بالحقيقة. وقياس المجاز بالمجاز مقتضى كلامه: إِن وجد فيه معاني المجاز المقاس عليه (7) كلها: جاز، كما أن الحقيقة إِذا وجد فيه (8) معنى الحقيقة كلها: جاز".
__________
(1) في (ب) و (ظ): كل جهات.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 29.
(3) انظر: العدة/ 206 ب.
(4) نهاية 9 ب من (ب).
(5) انظر: المسودة/ 174.
(6) في (ظ): بعض الأسماء. وانظر: المسودة/ 174.
(7) في (ظ): عليها. وفي المسودة: عليها. وفي بعض نسخها: "عليه".
انظر: المسودة/ 174.
(8) كذا في النسخ الثلاث، وفي المسودة/ 174. ثم جرى تصحيحها من نسخة أخرى في هامش (ب) هكذا: فيها.
(1/73)

وقال أيضًا في العدة (1): (2) قد قيل في المجاز: لا يقاس (3) عليه؛ لأنه غير موضوع ما تناوله في أصل اللغة؛ لأنه لا يصح: "وسَلِ الثوب"، "فبما كسبت أرجلكم (4) "، "فتحرير صدر" قياسًا ولم يذكر (5) غيره.
وذكر (6) ابن عقيل أن المجاز نص (7) على وضعه، لا يقاس عليه، [فلا (8)]، يقال: "سَلِ البساط والسرير"؛ لأنه مستعار من حقيقة، فلو قيس عليه كان استعارة منه، فيتسلسل؛ ولهذا منعوا من تصغير المصغَّر. قال (9): "ويظهر أن المجاز قياس منهم". وقال في مسألة العموم (10): يحسن تأكيد العدد المفصل بالجملة، فكذا عكسه، فإِذا حسن: "عشرة وثلاثون، أربعون" حسن: "عشرة، ثمانية واثنان" قياسًا كان، فنحن نقول به، واللغة تثبت قياسًا أو استقراء. وقال في المتشابه: (11) "لا يستعار الشيء إِلا من أصل يقاربه".
__________
(1) انظر: العدة/ 702.
(2) في (ظ) وقد قيل. وانظر: العدة/ 702.
(3) نهاية 7 أمن (ظ).
(4) في هامش (ظ): في نسخة: أرضكم.
(5) في (ب): ولم يذكره غيره.
(6) انظر: الواضح 1/ 215 ب، 2/ 167 ب.
(7) في الواضح: "مقصور على وضعه".
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(9) انظر: الواضح 1/ 216 ب.
(10) انظر: المصدر السابق 2/ 82 ب.
(11) انظر: المصدر السابق 2/ 156 أ.
(1/74)

وقال أبو بكر الطرطوشي (1) المالكي: "أجمع العلماء أن (2) المجاز لا يقاس عليه في موضع القياس". (3)
وكذا قال الآمدي: (4) "نسخت الكتاب" لا يشبه الإِزالة، فهو من النقل، فهو حقيقة في النقل؛ لأن المجاز لا يتجوز به في غيره بإِجماع أهل اللغة مع أنه ذكر هنا قولين: (5) هل يعتبر في إِطلاق الاسم على مسماه المجازي نقله عن العرب - كما قال بعض أصحابنا: لابد في المجاز من سمع أو تكفي العلاقة؟ واختاره بعض أصحابنا (6). وحكى (7) ابن الزاغوني (8)
__________
(1) هو: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي، ويقال له: ابن أبي رندقة، أديب من فقهاء المالكية الحفاظ من أهل (طرطوشة) بشرق الأندلس، ولد سنة 451 ه، وتفقه ببلاده، ورحل إِلى المشرق سنة 476 ه، فحج، وزار العراق ومصر والشام، وأقام مدة فيها، وسكن الاسكندرية، فتولى التدريس، واستمر فيها إِلى أن توفي سنة 520 ه.
من مؤلفاته: سراج الملوك، والحوادث والبدع، ومختصر تفسير الثعلبي.
انظر: بغية الملتمس / 125، ووفيات الأعيان 4/ 262، والديباج المذهب/ 276.
(2) نهاية 18 من (ح).
(3) حكاه في المسودة/ 174، قال: ذكره في مسألة الترتيب في خلافه.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 103.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 52.
(6) انظر: البلبل/ 40.
(7) حكى في المسودة/ 173 حكاية ابن الزاغوني هذه.
(8) هو: أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن السري، مؤرخ فقيه من أعيان الحنابلة=
(1/75)

فيه خلافًا عن بعض الأصحاب بناء على ثبوت اللغة قياسًا. (1)
احتج من أجازه: بعدم توقف أهل العربية.
وبأنه لو كان نقليًا لما احتيج إِلى نظر في علاقة.
أجيب: ينظر (2) الواضع، وإِن نظر المستعمل فلتَعَرُّفِ الحكمة.
قول المانع: يلزم جواز "نخلة" لطويل غير إِنسان، و "شبكة" للصيد، (3) و "ابن" للأب، وبالعكس.
أجيب: لوجود مانع هنا، هي دعوى (4) بلا دليل. وما سبق (5) من كلام القاضي يقتضي جوازه. سبق (6) ما في التمهيد.
__________
=من أهل بغداد، كان متفنناً في علوم شتى من الأصول والفروع والحديث والوعظ وصنف في ذلك كله، ولد سنة 455 ه، وتوفي سنة 527 ه.
من مؤلفاته: غرر البيان في أصول الفقه، والإيضاح في أصول الدين، وكتاب في التاريخ على السنين، والإقناع والواضح والخلاف الكبير والمفردات، وكلها في الفقه.
انظر: اللباب 2/ 53، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 180، والمنهج الأحمد 2/ 238، وشذرات الذهب 4/ 80.
(1) نهاية 10 أمن (ب).
(2) في (ب): بنظر.
(3) في (ح): لصيد.
(4) في (ح): "وهذا لا يتوجه ولا دليل عليه". مكان قوله "هي دعوى بلا دليل"
(5) انظر: ص 73 من هذا الكتاب.
(6) انظر: ص 71 من هذا الكتاب.
(1/76)

قولهم: (1) لو جاز لكان قياسًا لغة -وفيه خلاف- أو اختراعاً وليس بلغة.
أجيب: بأن العلاقة مصححة كرفع الفاعل. وسبق كلام أصحابنا. والله أعلم.

قال الأصوليون: يُعرف المجاز بصحة النفي في نفس الأمر. وقيل: دور؛ لأنه يلزم سبق العلم بالمجاز، وإنما يلزم الدور إِن أريد نفي المستعمل لا نفي الواضع. وقيل: هو حكم.
وبعدم تبادر مدلوله إِلى الفهم من غير قرينة وعلم به غالبًا. (2) وأورد: المشترك. وأجاب الآمدي: بأنه عام أو حقيقة في واحد على البدل، فيتبادر، ولا يتبادر المعيَّن، فليس حقيقة فيه، وفيه دقة. كذا قال. (3)
قال بعض أصحابنا (4) وغيرهم: إِذا عرف أن الواضع استعمل الكلام في معنى لا يجوز حمله على غيره، ونقول: أراد القياس، كفعل أهل البدع.
[و (5)]، قال بعض أصحابنا وغيرهم: لا يجوز وضع لفظ مشهور بين الناس لمعنى خفي مراد، إِن منعنا تكليف ما لا يطاق وتأخير البيان عن وقت (6) الحاجة، وإِلا جاز.
__________
(1) في (ح) قالوا.
(2) نهاية 7 ب من (ظ).
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 30 - 31.
(4) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 115.
(5) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(6) نهاية 19 من (ح).
(1/77)

قال بعض أصحابنا وغيرهم: لا يجوز أن يرد في الكتاب والسنة ما يعنى به غير ظاهره بلا دليل، وقاله صاحب المحصول وغيره؛ لأنه مما لا يطاق، ولأنه بالنسبة إِلى غير ظاهره مهمل، ولرفع الوثوق، خلافًا للمرجئة. (1)
[وقال صاحب (2)] المحصول (3): لا يجوز القول بأن الله [قد (4)] (5) يعني بكلامه خلاف ظاهره، ولا يدل عليه، خلافًا للمرجئة. (6)
__________
(1) المرجئة من كبار الفرق المشهورة.
والإِرجاء يطلق على معنيين: أحدهما: التأخير. والثاني: إِعطاء الرجاء. وتسميتهم بالمرجئة: إِما للمعنى الأول؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن رتبته وعن النية والعقد، وإما للمعنى الثاني؛ لأنهم كانوا يقولون: لا يضر مع الإِيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقال في الحور العين/ 203: سموا مرجئة؛ أنهم يرجئون ون أمر أهل الكبائر من أمة محمد إِلى الله، ولا يقطعون على العفو عنهم، ولا على تعذيبهم.
والمرجئة ثلاثة أصناف: صنف قالوا بالإِرجاء في الإِيمان، وبالقدر على مذهب القدرية المعتزلة كأبي شمر، وهؤلاء داخلون في مضمون الخبر الوارد في لعن القدرية، وصنف قالوا بالإِرجاء في الإِيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، فهم إِذًا من جملة الجهمية، والمصنف الثالث خارجون عن الجبرية والقدرية.
والمرجئة فرق عديدة، تختلف فيما بينها في الأصول والقواعد.
انظر: الفرق بين الفرق/ 202، والملل والنحل 1/ 222، والفرق الإِسلامية/ 81.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب)، (ظ).
(3) انظر: المحصول 1/ 1/ 545.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(5) نهاية 10 ب من (ب).
(6) في (ظ) ضرب على قوله: "المحصول: لا يجوز القول بأن الله يعني بكلامه خلاف=
(1/78)

ويعرف المجاز أيضًا بعدم اطراده. ولا عكس؛ لأنه المجاز قد يطرد، كإِطلاق اسم الكل على الجزء.
ويرد: "السخي" و "الفاضل" لغير الله تعالى، ولا يطلقان على الله. و "القارورة" للزجاجة، ولا تطرد.
فإِن أجيب بمانع شرعي أو لغوي، فدور، لسبق العلم بالمجاز.
وبجمعه [على (1)] خلاف جمع الحقيقة، كأمور جمع "أمر" للفعل، وامتناع أوامر جمع "الأمر (2) " للقول. ولا عكس؛ لأنه يقال: "أُسْد" للشجعان كالضراغم، واختلاف المسمى لا يؤثر في اختلاف الجمع؛ لأن الجمع للاسم.
وذكر بعضهم أن المجاز لا يجمع. وأبطله الآمدي (3) بأن لفظ "الحمار" للبليد يثنى ويجمع إِجماعًا.
وبالتزام تقييده (4)، ك "جناح الذل" و "نار الحرب".
وبتوقفه على مقابله، كفهم مسمى المكر بالنسبة إِلى الله متوقف على فهمه بالنسبة إِلينا لا على إِطلاقه، كقوله: (أفأمنوا مكر الله) (5)، خلافًا
__________
=ظاهره، ولا يدل عليه، خلافًا للمرجئة". وجاء في هامشها: المضروب عليه أصل في غالب النسخ.
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) كذا في (ح) و (ب). وكذلك كانت في (ظ) ثم جعلت: الأول.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 32.
(4) أي: ويعرف المجاز أيضًا بالتزام تقييده.
(5) سورة الأعراف: آية 99.
(1/79)

لما ذكره بعض أصحابنا (1) وغيرهم.
وبعدم الاشتقاق منه بلا منع، كالأمر للفعل.
وبإِضافته إِلى غير قابل، نحو: (واسأل القرية) (2).
وفي الفنون: (3) المجاز لا يؤكد. (4)

مسألة (5)
وكل لفظ مستعمل حقيقة أو مجاز.
وقبل استعماله لا واحد منهما (6)، ذكره جماعة منهم الآمدي (7)، ومن تبعهم، منهم (8) بعض أصحابنا (9)؛ لأن الاستعمال جزء من مفهوم كل منهما، وينتفي الكل بنفي الجزء. وزاد بعض أصحابنا: إِن قلنا: اللغة اصطلاح كأسماء الأعلام والصفات. وقاله أيضًا بعض أصحابنا؛ (10) "إِنما
__________
(1) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 111، 20/ 471.
(2) سورة يوسف: آية 82.
(3) الفنون: كتاب مشهور لأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي، المتوفي سنة 513 ه. وهو كتاب كبير جداً، عثر على بعضه، وطبع في مجلدين.
(4) انظر: المزهر 1/ 363، وشرح الكوكب المنير 1/ 183.
(5) لفظ "مسألة" ورد في (ب) فقط. وقد ضرب عليه أحد قراء النسخة.
(6) في (ح): ليس حقيقة ولا مجازا.
(7) انظر: الإِحكام 1/ 34.
(8) نهاية 8 أمن (ظ).
(9) انظر: البلبل/ 40
(10) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 90 - 11.
(1/80)

يصح إِن كانت اللغة اصطلاحية، وأن المعروف بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، فإِن ادعى مدع أنه يعلم وضعاً يتقدم ذلك، (1) فهو مبطل، فإِنه لم ينقله أحد [من الناس (2)] ".
وسبق (3) في الحد ما في التمهيد. وفيه (4) أيضًا: (5) أسماء الألقاب لا يدخلها الحقيقة (6) والمجاز؛ لأنها لم تقع على مسمياتها المعينة بوضع لغوي أو (7) شرعي، فلم يقل: إِن مستعملها اتبع حقيقتهما أو (8) مجازهما.
وفي الواضح (9): "أسماء الأعلام حقيقة لا مجاز فيها، وضعت للفرق بين الأشخاص، لا في الصفات وأفادة معنى في المسمى، حتى إِذا جرى على من ليست له تلك الصفة: قيل: مجاز. وقد يجوز في موضع أن يتجوز بالاسم لمعناه وخصيصته، نحو -للنحوي-: هذا سيبويه زمانه، وللجواد:
__________
(1) نهاية 20 من (ح).
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(3) انظر: ص 70 من هذا الكتاب.
(4) انظر: التمهيد/ 12 ب، 79 ب، 83 ب.
(5) نهاية 11 أمن (ب).
(6) في (ب) و (ظ): "حقيقة ومجاز" مكان قوله "الحقيقة والمجاز".
(7) في (ح): ولا.
(8) في (ح): حقيقتها أو مجازها. وفي (ظ) حقيقتها ومجازها.
(9) انظر: الواضح 1/ 215 أ-ب.
(1/81)

هذا حاتم، وللشجاع: هذا علي. وهذا قياس على الوضع اللغوي بالمعنى (1) الذي سلكه أهل اللغة".
وقال بعض أصحابنا وغيرهم: العلم لا علاقة بين أصله ومسماه، وهي شرط للمجاز. قال: ولا مجاز بالذات إِلا في اسم جنس؛ لأن الحرف لا يفيد؛ فإِن (2) ضم إِلى ما ينبغي فحقيقة، وِإلا مجاز في المركب. والفعل والاسم (3) تابعان في المجاز للمصدر والمشتق منه.
وقال الآمدي (4): أسماء الألقاب قد تصير حقيقة ومجازًا. قال بعض أصحابنا: وهو غريب بعيد.

مسألة (5)
الحقيقة لا تستلزم المجاز (و)، خلافًا لما حكاه (6) ابن الباقلاني عن بعض القدرية: (7) أنها
__________
(1) في (ظ): وبالمعنى.
(2) في (ح): وإِن.
(3) تقدم ذكر الاسم على الفعل في (ظ) فجاء الكلام هكذا: والاسم والفعل.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 34.
(5) لفظ "مسألة" ورد في (ب) فقط. وضرب عليه أحد قراء النسخة.
(6) حكيت هذه الحكاية في المسودة/ 564.
(7) القدرية هم نفاة القدر، المكذبين به، الذين يقولون: "إِن الله لم يقدر ولم يشأ أفعال العباد"، بل منهم من أنكر أن يكون العلم سابقاً على ما به العباد عاملون، وما هم إِليه صائرون.=
(1/82)

تستلزمه، وأن ما (1) لا مجاز له، لا يقال له: حقيقة.
قال (2) في التمهيد والروضة والواضح: والمجاز يستلزم الحقيقة؛ لأنه ما تُجُوِّز به عن موضوعه، فاحتجوا بمجرد الوضع، ولئلا يعرى الوضع عن فائدة.
ورد: فائدته التجوز، وقد يستعمل بعد المجاز.
وقال بعض أصحابنا: المجاز في معنى لا بد (3) كونه حقيقة في غيره، إِن
__________
=وقد حدث القول بالقدر -في زمان المتأخرين من الصحابة- من معبد الجهني المتوفى سنة 80 ه، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم.
وقد تبرأ منهم المتأخرون من الصحابة: كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وأقرانهم، وأوصوا أخلافهم بألا يسلموا على القدرية، ولا يصلوا على جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم.
والقدرية على أصناف تتفاوت في شدة المقالة ونكيرها.
انظر: التنبيه والرد/ 157، والفرق بين الفرق/ 18، والقاموس المحيط 2/ 118. ويرى صاحب الحور العين أن القدرية هم المحتجون بالقدر، قال في ص 204: "وسميت القدرية قدرية، لكثرة ذكرهم القدر وقولهم في كل ما يفعلونه: قدره الله عليهم، والقدرية يسمون العدلية بهذا الاسم، والصحيح ما قلناه؛ لأن من أكثر من ذكر شيء نسب إِليه. مثل: من أكثر من رواية النحو نسب إِليه، فقيل: نحوي، ومن أكثر من رواية اللغة نسب إِليها، فقيل: لغوي، وكذلك من أكثر من ذكر القدر وقال في كل فعل يفعله: "قدره الله عليه": قيل: قدري، والقياس في ذلك مطرد".
(1) في (ظ): من.
(2) انظر: التمهيد/ 14أ، 83 ب، ونزهة الخاطر 2/ 20، والواضح 1/ 28ب، 214 ب.
(3) كذا في النسخ. والأولى: لابد من كونه.
(1/83)

استعمل فيه.
وللحنفية والشافعية في استلزامه خلاف (1).
وذكر بعضهم عدمه عن (2) المحققين، واختاره الآمدي، (3) لئلا يكون لنحو: "قامت الحرب على ساق" و" شابت لمَّة الليل" حقيقة.
ورد: مشترك الالتزام، للزوم (4) الوضع لهما.
وبأنه لا مجاز في التركيب، وأن قول الجرجاني (5) -في نحو: أحياني اكتحالي بطلعتك-: "إِن المجاز في الإِسناد" (6) بعيد، لاتحاد جهته، لأنه لم يوضع لمعنى ثم نقل لعلاقة.
__________
(1) انظر: فواتح الرحموت 1/ 208، وشرح المحلي 1/ 310، وشرح العضد 1/ 153، والإِحكام للآمدي 1/ 34.
(2) نهاية 8 ب من (ظ).
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 34.
(4) نهاية 11 ب من (ب).
(5) هو: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، واضع أصول البلاغة، كان من أئمة اللغة، من أهل جرجان بين طبرستان وخراسان، توفي سنة 471 ه، وكان شافعي المذهب أشعري الأصول.
من مؤلفاته: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، والجمل، والتتمة -وهما في النحو- وإعجاز القرآن، والعوامل المائة. انظر: نزهة الألباء/ 434، وإنباه الرواة 2/ 188، وفوات الوفيات 1/ 297، ومرآة الجنان 3/ 101، وطبقات الشافعية للسبكي 5/ 149، وبغية الوعاة/ 310، ومفتاح السعادة 1/ 143.
(6) انظر: أسرار البلاغة للجرجاني/ 418.
(1/84)

ورد: بمنع اتحاده، وظهور المجاز في "طلعت الشمس" و "مات زيد"، لاستعمال مفرديه فيما وضعا له. وقاله بعض (1) أصحابنا "أن المجاز في الفرد والمركب، نحو:
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كَرُّ الغداة ومَرُّ العشي (2)
وفيهما".
قال: والمجاز (3) في التركيب عقلي (4)، نحو: (وأخرجت (5) الأرض أثقالها). (6)
__________
(1) في (ب) و (ظ): "وقاله غير واحد من أصحابنا". مكان قوله: وقاله بعض أصحابنا.
(2) البيت للصَّلَتان العبدي. وهو قُثَم بن خَبِيئَة -ويقال: خَبِيَّة- وهو أحد بني محارب ابن عمرو بن وديعة بن عبد القيس، وينسب إِليه، فيقال: العبدي. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: "شاعر مشهور خبيث". توفي نحو سنة 80 ه.
والبيت من قصيدة يوصي بها ابنه، وهي حسنة، كثيرة الأمثال، وفيها يقول:
أشار الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي
إِذا هرمت ليلة يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 500 - 502، وخزانة الأدب للبغدادي 1/ 308، ومعجم الشعراء للمرزباني / 229 - 230، والمؤتلف والمختلف للآمدي/ 145، والأعلام للزركلي 6/ 29.
(3) في (ب) و (ح): أو المجاز.
(4) انظر: المحصول 1/ 1/ 458.
(5) في النسخ الثلاث: "أخرجت" بدون الواو.
(6) سورة الزلزلة: آية 2.
(1/85)

أسند (1) الإِخراج إِلى الأرض، وهو في حكم العقل مسند إِلى الله، فالنقل عن ذلك نقل لحكم عقلي.
وقيل: بل لفظي؛ لأن "أخرج" موضوع لصدور الخروج عن قادر، فاستعماله في الأرض مجاز.
قيل: أمثلة الفعل لا تدل على مؤثر خاص، وإِلا لكان "أخرج" خبرًا تاماً، و "أخرجه القادر" تكرارًا، ثم: لا تدل على تعيين القادر، وإلا لزم (2) الاشتراك بين كل قادر.

مسألة
إِذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجاز أولى، ذكره بعض أصحابنا وغيرهم، لأن الاشتراك مُخِلّ (3) بالتفاهم، ولحاجته إِلى قرينتين بحسب معنييه، والمجاز أغلب وقوعًا -قال ابن جني (4): أكثر اللغة مجاز (5) -
__________
(1) في (ح): "لأن إِسناد الإِخراج إِلى الأرض بحكم عقلي" مكان قوله "أسند الإِخراج إِلى الأرض، وهو في حكم العقل مسند إِلى الله، فالنقل عن ذلك نقل لحكم عقلي".
(2) في (ب) وللإِلزام.
(3) في (ظ)، ونسخة في هامش (ب): يخل.
(4) هو: أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر، ولد بالموصل، وقرأ الأدب على أبي علي الفارسي، وتوفي ببغداد عن نحو 65 عامًا، سنة 392 ه.
من مؤلفاته: المبهج، والخصائص، والتصريف الملوكي.
انظر: نزهة الألباء/ 406، ومعجم الأدباء 5/ 15، ووفيات الأعيان 3/ 246، ومفتاح السعادة 1/ 114، وشذرات الذهب 3/ 140.
(5) انظر: الخصائص 2/ 447.
(1/86)

وأبلغ، أي: البلاغة وما يتبعها نحو: "زيد أسد أو بحر"، وأوجز، وأوفق للطباع، ويتوصل به إِلى السجع -وهو: رعاية الوزن- والمقابلة، وهي: جمع بين ضدين فأكثر، تشرط (1) هنا ضد ما شرطت هناك، كقوله: (فأما من أعطى) الآيتان (2)، وما سبق (3) في الترادف.
وعورض: بأن المشترك حقيقة، فيطرد، ويشتق منه، ويتجوز من مفهوميه، فتكثر الفائدة، ويستغني عن العلاقة، وعن الحقيقة، وعن مخالفة ظاهر، وعن الغلط عند عدم القرينة، لوجوب التوقف. وفي المجاز يحمل على الحقيقة، وقد لا تكون مرادة (4)، فيغلط. وما ذكر من فوائد المجاز فمشتركة. لكن كون المجاز (5) أغلب لا يقابله شيء. (6).

مسألة
الحقيقة الشرعية واقعة منقولة عندنا (و)، وفي الواضح (7): كلام
__________
(في (ح) و (ظ): تشترط.
(2) كذا في النسخ الثلاث. ولعل الصواب: "الآيات"، فإِن المقابلة لا تتحقق إِلا بذكر الآيات، من آية 5 إِلى آية 10 من سورة الليل، وهي قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى).
(3) انظر: ص 65 - 66 من هذا الكتاب.
(4) في (ح) "مرادَهُ". وفي (ظ): "مراده" بدون شكل.
(5) نهاية 12 أمن (ب).
(6) نهاية 9 أمن (ظ).
(7) انظر: الواضح 1/ 222 ب.
(1/87)

أحمد وأصحابه يعطي ذلك، وذكره الآمدي عن الفقهاء، (1) واختياره الوقف. (2)
ثم ما تعلق بالأصول (3): دينية.
وقال صاحب المحصول ومن تبعه: إِن أجري الاسم الشرعي على فعل شرعي كصلاة وزكاة وصوم وحج، سميت غير دينية، وإن أجري على مشتق من فاعل كمؤمن وفاسق وكافر، سميت دينية. كذا قال. (4)
ومذهب (ع): الأسماء الدينية (5) موضوعات مبتدأة، لم تنقل من الحقيقة اللغوية.
وفي التمهيد (6) وغيره: تارة يسمي -عليه السلام- أسماء (7) لمعانٍ لا تعرفها العرب (8)، وتارة لشبه من معنى الاسم لغة.
وعند القاصي (9)
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 35.
(2) انظر: المصدر السابق 1/ 44.
(3) في (ح): بأصول.
(4) قال ذلك نقلا عن المعتزلة. انظر: المحصول 1/ 1/ 414 - 415.
(5) انظر: فواتح الرحموت 1/ 223.
(6) انظر: التمهيد/ 15ب.
(7) في (ح): اسما.
(8) نهاية 22 من (ح).
(9) انظر: العدة/ 189 - 190.
(1/88)

وأبي الفرج المقدسي (1): لم تنقل، وزيد عليها أحكام، وهي: حقيقة لغوية مجاز شرعي، وقاله (2) ابن الباقلاني، وحكاه في التمهيد عن الأشعرية، وأن للشافعي قولين: كهذا والأول (3).
قال القاضي في الجامع (4): الإِيمان لغة: التصديق، وأقره الشرع، وزاد عليه الطاعات الظاهرة، كصلاة وغيرها، ونقل (5) ابن منصور (6): "كان
__________
(1) هو: عبد الواحد بن محمد -وقيل: بن أحمد- بن علي الشيرازي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، الأنصاري السعدي العبادي الخزرجي، شيخ الشام في وقته، من أعيان الحنابلة، أصله من شيراز، وتفقه ببغداد، وسكن بيت المقدس، واستقر في دمشق فنشر مذهب الإِمام أحمد، توفي بدمشق سنة 486 ه. من مؤلفاته: المنتخب في الفقه، والمبهج، والإِيضاح، والتبصرة في أصول الدين. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 248، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 68، والدارس 2/ 65، والأنس الجليل 1/ 297، والمنهج الأحمد 2/ 160.
(2) انظر: البرهان للجويني/ 174، وشرح تنقيح الفصول/ 43، والوصول لابن برهان / 10أ، وانظر: التمهيد للباقلاني/ 346 - 347.
(3) انظر: التمهيد/ 14 ب، 180.
(4) للقاضي كتابان بهذا الاسم، أحدهما: الجامع الكبير، والآخر: الجامع الصغير -وهما في الفروع- وكلام القاضي هذا ورد بصورة مقاربة في كتابه "الإِيمان" 1/ 64 أ-ب، 80 ب-81أ، وانظر -أيضاً- المعتمد للقاضي/ 186.
(5) أي: نقل عن الإِمام أحمد.
(6) في كتاب الإِيمان للقاضي أبي يعلى 1/ 80 ب صرح باسمه: "إِسحاق" وهو: أبو يعقوب إِسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج، المروزي، العالم الحنبلي الفقيه، ولد بمرو، ورحل إِلى العراق والحجاز والشام، فسمع من بعض العلماء، وورد بغداد، وحدث بها، وروى عنه جماعة، واستوطن نيسابور، وبها كانت وفاته سنة 251 ه.
من مؤلفاته: المسائل، دونها عن الإمام أحمد.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 113.
(1/89)

بدء الإِيمان ناقصًا، فجعل يزيد"، وظاهره: أنه زيد عليه، ولم ينقل عنه. قال: ويفيد هذا: إِن ثبت نقله زال الاسم بوجود ضده، وهو المعاصي، وإِن لم ينقل لم يزل الاسم؛ لأنه لم يوجد ضده، بل ينقل اسم الكمال.
وذكر (1) محمد بن نصر المروزي (2) في الخبر المشهور (لا يزني الزاني وهو مؤمن) (3): أنه يخرج منه إِلى الإِسلام، ثم (4): في تسميته كافراً كفراً لا ينقل عن الملة مذهبان عن أحمد وأهل (5) الحديث.
__________
(/) انظر: المسند للمروزي/ 113 - 120.
(2) هو: أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، إِمام في الفقه والحديث، كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، ولد ببغداد سنة 202 ه، ونشأ بنيسابور، ورحل رحلة طويلة، استوطن بعدها سمرقند، وتوفي بها سنة 294 ه.
من مؤلفاته: المسند في الحديث، وكتاب "ما خالف به أبو حنيفة علياً وابن مسعود", والقسامة في الفقه. انظر: تاريخ بغداد 3/ 315، والمنتظم 6/ 63، وتذكرة الحفاظ 2/ 201، وتهذيب التهذيب 9/ 489، والنجوم الزاهرة 3/ 161، ومفتاح السعادة 2/ 171.
(3) هذا جزء من حديث رواه جمع من الصحابة.
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 136, 8/ 157 / 8/ 164 من حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة. وأخرجه مسلم في صحيحه/ 77 من حديث أبي هريرة.
(4) في (ح): وفي.
(5) ويطلق عليهم: أهل الأثر، وأهل الحجاز، وهم: أصحاب مالك، والشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد، وداود الظاهري، وسموا بذلك لأن عنايتهم كانت بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إِلى القياس ما وجدوا خبراً أو أثرًا، بل منهم: من لم يجوز القياس. انظر: الملل والنحل 1/ 358 ,361.
(1/90)

وقال ابن عقيل: (1) الفاسق لا يُسْلَب اسم الإِيمان في أصح الروايتين، لكن يسلب الكمال، ولا يكفر بغير الصلاة عند أصحابنا، وبعض المتأخرين يجري المذهب على الكل، قال: وليس يصح عن صاحب المقالة، بل الصحيح تخصيصه (2) الصلاة.
وقال في فنونه: إِن الشارع سمى الأعمال والعبادات إِيمانًا، لكونها شواهد، لا أنها حقيقة الإِيمان، كما سمى كثيرًا من المعاصي كفرًا.
وقال ابن حامد (3): كلام أحمد في الإِسلام يحتمل روايتين، إِحداهما: أنه كالإِيمان (4) قول وعمل، والصحيح أن المذهب فيه رواية واحدة (5)، والثانية: قول (6). قال: ومراده أنه لا يجب فيه العمل كالإِيمان، لأن النص
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 222ب- 223أ.
(2) نهاية 12 ب من (ب).
(3) هو: أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، إِمام الحنابلة في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، من أهل بغداد، كان ينسخ الكتب ويقتات من أجرها متعففاً عن هدايا الخلفاء، عالش طويلاً، وتوفي راجعًا من الحج بقرب "واقصة" سنة 403 ه.
من مؤلفاته: شرح أصول الدين، وتهذيب الأجوبة، والجامع في فقه ابن حنبل.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 171، والمنتظم 7/ 263، والنجوم الزاهرة 4/ 232، والمنهج الأحمد 2/ 82.
(4) نهاية 9 ب من (ظ).
(5) قال القاضي في المعتمد/ 193: وقد أطلق أحمد القول بأن الإِسلام غير الإِيمان، ومعناه ليس هو جملة الإيمان، وإنما هو من خصاله وطاعاته.
(6) جاء في المسودة/ 532 - 533: الروايات المطلقة نصوص للإِمام أحمد، وكذا قولنا: وعنه.=
(1/91)

عنه: لا يكفر بترك الصلاة.
__________
=وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: أومأ إِليه أحمد، أو أشار إِليه، أو دل كلامه عليه، أو توقف فيه.
وأما الأوجه فأقوال الأصحاب وتخريجهم إِن كانت مأخوذة من قواعد الإِمام أحمد أو إِيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته، وإن كانت مأخوذة من نصوص الإِمام أو مخرجة منها، فهي روايات مخرجة له أو منقولة من نصوصه إِلى ما يشبهها من المسائل إِن قلنا: "ما قيس على كلامه مذهب له"،وإن قلنا: "لا" فهي أوجه لمن خرجها وقاسها، فإِن خرج من نص ونقل إِلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها صار فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه إِذا قلنا: "المخرج من نصه مذهبه"، وإن قلنا: "لا" ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه، وإن لم يكن فيها نص يخالف القول المخرج فيها من نصه في غيرها فهو وجه لمن خرجه، فإِن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان، ويمكن جعلهما مذهباً لأحمد بالتخريج دون النقل؛ لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما، فليس أحدهما قولاً مخرجًا للإِمام ولا مذهباً له بحال، فمن قال من الأصحاب هنا: "هذه المسألة رواية واحدة" أراد نصه، ومن قال: "فيها روايتان" فإِحداهما بنص، والأخرى بإِيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره، ومن قال: "فيها وجهان" أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا، ولم يجعله مذهبًا لأحمد، فلا يعمل إِلا بأصح الوجهين وأرجحهما، سواء وقعا معاً أوْ لا، من شخص واحد أو أكثر، وسواء علم التاريخ أو جهل.
وأما القولان هنا فقد يكون الإِمام نص عليهما، كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر، أو نص على أحدهما وأومأ إِلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.=
(1/92)

ونصر (1) الأشعري أن الإِيمان لغة وشرعًا: التصديق -وتبعه أكثر أصحابه- وأن الأفعال من شرائعه، لا من نفسه، ونصر مع ذلك أنه يستثنى فيه، ولا تدخل (2) أعمال القلوب عندهم في الإِيمان.
وقال (3) حماد بن أبي سليمان، (4) وأبو حنيفة (5)، (6) والمرجئة،
__________
=وأما الاحتمال فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إِلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما التخريج فهو نقل حكم مسألة إِلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه.
وأما الوقف فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإِثبات، إِن لم يكن فيها قول؛ لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إِباحة أو وقف.
وانظر: الإِنصاف للمرداوي 1/ 6، 12/ 256، 266، وصفة الفتوى/ 113، والمدخل إِلى مذهب أحمد/ 55.
(1) انظر: مسألة الإِيمان للأشعري، ومجموع الفتاوى 7/ 120، 509، والمعتمد للقاضي أبي يعلى/ 187.
(2) في (ح) و (ظ) ولا يدخل.
(3) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 119، 508.
(4) هو: مولى إِبراهيم بن أبي موسى الأشعري، فقيه كوفي، كان قاضيًا، وروى عن جماعة، وعنه أخذ أبو حنيفة وغيره الفقه والحديث، وقيل عنه: إِنه مرجئ. توفي سنة 120 ه.
انظر: الفهرست/ 202، وتهذيب التهذيب 3/ 16، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 92.
(5) انظر: شرح الفقه الأكبر/ 85.
(6) نهاية 23 من (ح).
(1/93)

وابن كلاب: تصديق بالقلب، وعمل باللسان. ويد خل أكثر فرق المرجئة أعمال القلوب في الإِيمان، حكاه الأشعري. (1)
قال بعض المرجئة: "وكما لا ينفع مع الكفر طاعة لا يضر مع الإِيمان معصية"، ورواه الحاكم (2) في تاريخه (3) عن أبي حنيفة (4)
__________
(1) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 543. وانظر كلام الأشعري -على أقوال المرجئة في الإيمان- في كتابه مقالات الإِسلاميين 1/ 213.
(2) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم ابن الحكم الضبي، الطهماني، النيسابوري، الحاكم الشافعي الأشعري، المعروف ب "ابن البَيِّع". محدث حافظ مؤرخ، ولد بنيسابور سنة 321 ه، ورحل في طلب الحديث، وقرأ القراءات على جماعة، وتفقه على ابن أبي هريرة وغيره، وأخذ عنه أبو بكر البيهقي، توفي بنيسابور سنة 405 ه.
من مؤلفاته: تاريخ نيسابور، والمستدرك على الصحيحين، والمدخل، وتسمية من أخرجهم البخاري ومسلم، ومعرفة علوم الحديث.
انظر: تاريخ بغداد 5/ 473، وتبيين كذب المفتري/ 227، ووفيات الأعيان 4/ 280، وميزان الاعتدال 3/ 680، والوافي بالوفيات 3/ 320، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 155، وغاية النهاية 2/ 184، ولسان الميزان 5/ 232، والرسالة المستطرفة/ 21.
(3) وهو المسمى ب "تاريخ نيسابور"، قال في كشف الظنون/ 308: أثنى عليه ابن السبكي حيث قال: هو التاريخ الذي لم ترعيني تاريخاً أجل منه، وهو عندي سيد الكتب الموضوعة للبلاد. ذكر فيه أيضًا تراجم من ورد خراسان ومن استوطنها، واستقصى أخبارهم.
(4) الذي في الفقه الأكبر لأبي حنيفة: "ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، وإِنه لا يدخل النار، ولا إِنه يخلد فيها, وإن كان فاسقًا، بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنًا.=
(1/94)

وأبي يوسف (1)، وقال بعضهم: لا يضر معه صغيرة.
وقال ابن المبارك (2): المرجئة تقول: حسناتنا متقبلة، وسيئاتنا مغفورة.
__________
=ولا نقول: إِن حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، كقول المرجئة". انظر: شرح الفقه الأكبر/ 76 - 77.
(1) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، صاحب أبي حنيفة وتلميذه، وهو أول من عمل على نشر مذهبه، كان فقيهًا علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة سنة 113 ه، وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، توفي سنة 182 ه. من مؤلفاته: الخراج، والآثار.
انظر: الفهرست/ 203، والانتقاء/ 172، وتاريخ بغداد 14/ 242، ووفيات الأعيان 6/ 378، والجواهر المضية 2/ 220، ومرآة الجنان 1/ 382، والبداية والنهاية 10/ 180، والنجوم الزاهرة 2/ 107، ومفتاح السعادة 2/ 100، وشذرات الذهب 1/ 298.
(2) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء التميمي المروزي، الحافظ شيخ الإسلام المجاهد، ولد سنة 118 ه، وتفقه على سفيان الثوري، ومالك ابن أنس، وروى عنه الموطأ جمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء، كان من سكان خراسان، ومات ب "هيت" على الفرات منصرفًا من غزو الروم سنة 181 ه.
من مؤلفاته: كتاب في الجهاد، والرقائق.
انظر: حلية الأولياء 8/ 162، وتاريخ بغداد 10/ 521، ووفيات الأعيان 3/ 23، وتذكرة الحفاظ 1/ 253، ومفتاح السعادة 2/ 112، وشذرات الذهب 1/ 295، والرسالة المستطرفة/ 48.
(1/95)

وقال الجهمية (1): المعرفة، (2) وذكره بعض أصحابنا (3) عن الأشعري وأكثر أصحابه، وبعضهم فرق بينهما. وفيه نظر.
وقالت الكرامية (4): قول باللسان فقط، لتناوله المنافقين في أحكام الدنيا.
وعند الجهمية والمرجئة والكرامية: إِيمان الناس كلهم سواء، ولا استثناء فيه.
والكلام على هذا في أصول الدين.
وقال بعض أصحابنا (5): لم تنقل، ولم يزد فيها، بل الشارع إِنما
__________
(1) الجهمية هم: أتباع جهم بن صفوان الذي فتح باب شر عظيم، وقد ظهرت بدعته ب (ترمذ)، ثم انتشرت بعد ذلك، وقد قتل جهم في آخر ملك بني أمية سنة 128 ه.
والجهمية تقول: لا قدرة للإنسان على الفعل أصلاً، بل هو مجبور بما يخلقه الله من الأفعال فيه على حسب ما يخلقه في سائر الجمادات، فهم إِذًا من الجبرية الخالصة، والجبر هو: نفي الفعل عن العبد حقيقة، وإِضافته إِلى الرب تعالى، وتقول: الله تعالى لا يعلم الشيء قبل وقوعه، وأن علومه حادثة لا في محل، وأنه يمتنع أن يتصف الرب تعالى بما يصلح أن يوصف به غيره؛ لأن ذلك مما يوجب التشبيه، وذلك ككونه حياً وعالمًا ويصح أن يتصف بما لا يشاركه فيه غيره، ككونه خالقًا وفاعلاً.
وزعموا أن الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما، ويفنى ما فيهما.
ووافقوا المعتزلة في نفي الرؤية، وإثبات خلق الكلام، وإِيجاب المعرفة بالعقل قبل ورود الشرع.
انظر: الفرق بين الفرق/ 211، والملل والنحل 1/ 113، والفرق الإسلامية/ 89.
(2) انظر: المعتمد للقاضي/ 186 - 187، ومجموع الفتاوى 7/ 307، 308.
(3) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 120.
(4) انظر: المعتمد للقاضي/ 187، ومجموع الفتاوى 7/ 140، 509.
(5) انظر: محموع الفتاوى 7/ 298.
(1/96)

استعملها على وجه يختص بمراده، لا مطلقًا.
لنا: أنه لا يمتنع وضع الشارع اسماً (1) لمعنى؛ لأن دلالته ليست ذاتية، ولا يجب اسم لمسمى، لجواز إِبداله أول الوضع، وانتفائه قبل التسمية. (2)
والقطع: أن الصلاة لغة: الدعاء والاتباع، والزكاة: النماء، والصوم: إِمساك مطلق، والحج: قصد مطلق. وشرعًا: لأمور معروفة.
قولهم: باقية، والزيادات شروط.
رد: بصلاة أخرس منفرد، فإِنه غير داع ولا متبع.
وفيه نظر؛ لأن إِشارة الأخرس كالنطق.
قولهم: مجازات، فإِن الدعاء جزء الصلاة، والزكاة سبب النماء.
رد: إِن أريد استعمال الشارع لها وغلبته فهو المراد، وإن أريد أهل اللغة فهم لم يعرفوها، والاستعمال فرع تعقل المعنى.
ولأنها تفهم بلا قرينة، والمجاز يتوقف عليها.
قالوا: لو وضعها الشارع لزمه تعريفها؛ (3) لئلا يلزم ما لا يطاق، ولو عرفها لنقل تواتراً؛ (4) لأن الآحاد لا تفيد، ولا تواتر.
أجيب: بيّنه عاماً، ونُقل خاصاً، كالأذان.
__________
(1) في (ظ) أسماء.
(2) نهاية 13 أمن (ب).
(3) نهاية 10أمن (ظ).
(4) نهاية 24 من (ح).
(1/97)

وبأن التعريف بالقرائن، كتعليم الأطفال.
قالوا: يلزم كون هذه الأسماء غير عربية، لعدم وضعها لغة، فيلزم كون القرآن غير عربي.
أجيب: عربية بوضع الشارع.
وبأن ضمير (أنزلناه) (1) للسورة، وبعض القرآن قرآن، لاشتراكهما في المعنى، كبعض الماء وبعض اللحم، بخلاف نحو: مائة ورغيف.
ثم يطلق العربي على الغالب، كشعر عربي فيه فارسية.
قالت المعتزلة: الإِيمان لغة: التصديق، وشرعًا: فعل الواجبات، لأنها الدين، لقوله: (وما أمروا) (2)، والدين: الإِسلام، لقوله (إِن الدين) الآية (3)، والإِسلام: الإِيمان، لقبول الإِيمان من مبتغيه، وإلا لم يقبل، لقوله (ومن يبتغ) (4)، ولصحة (5) استثناء المسلم من المؤمن في قوله: (فما وجدنا فيها) الآية. (6)
__________
(1) سورة يوسف: آية 2: (إِنا أنزلناه قرآناً عربيًا لعلكم تعقلون).
(2) سورة البينة: آية 5: (وما أمروا إِلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).
(3) سورة آل عمران: آية 19: (إِن الدين عند الله الإِسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إِلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بين هم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب).
(4) سورة آل عمران: آية 85: (ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
(5) في (ب): والصحة.
(6) سورة الذاريات: آية 35 - 36: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا=
(1/98)

أجيب: بالمعارضة بسلب الإِيمان وإثبات الإِسلام في قوله: (قل لم (1) تؤمنوا) الآية، (2) وقيل: كانوا منافقين.
والإِسلام والدين: الانقياد (3) والعمل الظاهر، والإِيمان شرعًا: تصديق خاص.
وبأن (وذلك (4) دين القيمة) (5) لا يعود إِلى (6) ما سبق؛ لأنه مذكر وما سبق كثير مؤنث. والذي في التفسير (7): (وذلك): الذي أمروا به أو الدين.
وبأنه لا يلزم من صدق المؤمن على المسلم أن الإِسلام الإِيمان.
وإِنما صح الاستثناء؛ لأن البيت -وهو لوط وابنتاه- كانوا مؤمنين
__________
=فيها غير بيت من المسلمين).
(1) في النسخ الئلاث: قل لن.
(2) سورة الحجرات: آية 14: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإِيمان في قلوبكم) وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا إن الله غفور رحيم).
(3) في (ظ): والانقياد. بزيادة الواو.
(4) في النسخ الثلاث: ذلك. بدون الواو.
(5) سورة البينة: آية 5: (وما أمروا إِلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).
(6) نهاية 13 ب من (ب).
(7) انظر: تفسير الطبري 30/ 170، وتفسير القرطبي 20/ 144.
(1/99)

مسلمين.
قالوا: من دخل النار مخزى، لقوله: (فقد أخزيته) (1)، والمؤمن لا يخزى لقوله: (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا). (2)
رد: الخزي للمخلد، ثم: عدمه للصحابة، أو مستأنف.

مسألة
المجاز واقع (و) خلافًا (3) لأبي إِسحاق الإِسفراييني (4) الشافعي، ومن تبعه.
واختاره بعض أصحابنا، وقال (5): المشهور أن الحقيقة والمجاز من
__________
(1) سورة آل عمران: آية 192: (ربنا إِنك من تدخل النار ففد أخزيته وما للظالمين من أنصار).
(2) سورة التحريم: آية 8.
(3) انظر: المحصول 1/ 1/ 744، والوصول لابن برهان/ 9 ب.
(4) هو: إِبراهيم بن محمد بن إِبراهيم بن مهران، عالم بالفقه والأصول، يلقب ب "ركن الدين"، نشأ في إِسفرايين بين نيسابور وجرجان، ثم خرج إِلى نيسابور، وبنيت له فيها مدرسة عظيمة، فدرّس بها, ورحل إِلى خراسان وبعض أنحاء العراق، فاشتهر، توفي في نيسابور سنة 418 ه، ودفن في إِسفرايين.
من مولفاته: الجامع في أصول الدين، ورسالة في أصول الفقه.
انظر: تبيين كذب المفتري / 243، ووفيات الأعيان 1/ 28، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 256، وشذرات الذهب 3/ 209.
(5) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 88 - 90، 20/ 400 - 499، ومختصر الصواعق المرسلة 2/ 2 وما بعدها.
(1/100)

عوارض الألفاظ، وهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد (1) انقضاء القرون الثلاثة، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ "المجاز" أبو عبيدة (2)، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإِنما عني ب "مجاز الآية" ما يعبر به عنها، ولم يتكلم الشافعي ومحمد بن الحسن (3) بلفظ "الحقيقة" و "المجاز".
__________
(1) نهاية 25 من (ح).
(2) هو: معمر بن المثنى، التيمي بالولاء، البصري، النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، كان إِباضياً شعوبيًا، ولد بالبصرة سنة 110 ه، وتوفي بها سنة 209 ه.
من مؤلفاته: نقائض جرير والفرزدق، ومجاز القرآن، والعققة والبررة، وطبقات الشعراء، والمحاضرات والمحاورات، والخيل.
انظر: أخبار النحويين البصريين/ 67، وطبقات النحويين واللغويين/ 192، وتاريخ بغداد 13/ 252، ونزهة الألباء/ 137، ومعجم الأدباء 7/ 164، وإِنباه الرواة 3/ 276، ووفيات الأعيان 5/ 235، وتذكرة الحفاظ 1/ 338، وميزان الاعتدال 4/ 155، وتهذيب التهذيب 10/ 246، وبغية الوعاة/ 395، ومفتاح السعادة 1/ 93.
(3) هو: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، إِمام في الفقه والأصول، صاحب اليد الطولى في نشر علم أبي حنيفة بعد أبي يوسف، ولد بواسط سنة 131 ه، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة، وغلب عليه مذهبه، وعرف به، وانتقل إِلى بغداد، مات بالري سنة 189 ه.
من مؤلفاته: المبسوط في الفقه، والزيادات، والجامع الكبير، والجامع الصغير، والآثار، والموطأ، والأمالي، والمخارج في الحيل، والأصل.
انظر: الفهرست/ 203، والانتقاء/ 174، وتاريخ بغداد 2/ 172، ووفيات الأعيان 4/ 184، والجواهر المضية 2/ 42، والبداية والنهاية 1/ 202، ولسان الميزان 5/ 121، والنجوم الزاهرة 2/ 130، ومفتاح السعادة 2/ 107، والفوائد البهية / 163.
(1/101)

احتج من أثبته (1) ب "الأسد" للشجاع، و "الحمار" للبليد، و "قامت الحرب على ساق"، وغير ذلك، قال في التمهيد (2) وغيره: "كتب اللغة مملوءة بهما"، قال الآمدي: (3) لم تزل أهل الأعصار تنقل عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازاً.
قولهم: هذه حقائق.
رد: يلزم الاشتراك، ولو كانت مشتركة، لم يسبق منها ما يسبق عند إِطلاقها ضرورة التساوي.
قولهم: هي مع القرينة حقيقة.
رد: فالنزاع لفظي.
زاد الآمدي (4) وبعض أصحابنا: كيف؟ والحقيقة والمجاز صفتا اللفظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع.
قولهم: فيه عدول عن الحقيقة بلا حاجة.
رد: لفوائد في علم البيان، سبق (5) منها في ترجيحه على الاشتراك.
قولهم: "يخل (6) بالتفاهم" ممنوع، ثم: استبعاد، لوقوعه.
__________
(1) نهاية 10 ب من (ظ).
(2) انظر: التمهيد/ 12 ب، 82 ب.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 45.
(4) انظر: المرجع السابق 10/ 46.
(5) انظر: ص 86 - 87 من هذا الكتاب.
(6) نهاية 14 أمن (ب).
(1/102)

مسألة
في القرآن مجاز (و).
قال القاضي (1) وجماعة: نص (2) عليه في قوله: (إِنا) و (نعلم) و (منتقمون): (3) "هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إِنا سنجري عليك رزقك". وقال بعض أصحابنا: (4) "مقصوده يجوز في اللغة".
ومنع منه ابن حامد (5)، وحكاه أبو الفضل التميمي (6) -ابن أبي الحسن- عن أصحابنا (7)، وحكاه الفخر إِسماعيل رواية عن
__________
(1) انظر: العدة/ 695، والتمهيد/ 13أ، 82 ب، والواضح 1/ 212ب- 213أ.
وانظر: كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد/ 101.
(2) أي: نص عليه الإِمام أحمد.
(3) قال تعالى: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) سورة يس: آية 76.
وقال تعالى: (يوم نبطش البطشة الكبرى إِنا منتقمون). سورة الدخان: آية 16.
(4) انظر: المسودة/ 164 - 165، ومجموع الفتاوى 7/ 89.
(5) في المسودة/ 165: قال ابن حامد في أصول الدين: ليس في القرآن مجاز. وانظر: تهذيب الأجوبة لابن حامد/ 79 ب.
(6) هو: عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، من علماء الحنابلة، له عناية بعلوم كثيرة، أملى الحديث بجامع المنصور، وحدث عن أبي بكر النجاد وأحمد بن كامل، وكانت له حلقة في جامع المدينة للوعظ والفتوى، توفي سخة 410 ه.
من مؤلفاته: الاعتقاد المروي عن أحمد بن حنبل.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 179، والمنهج الأحمد 2/ 86.
(7) جاء في العدة/ 697: ورأيت في كتاب أصول الفقه في كتب أبي الفضل التميمي =
(1/103)

أحمد (1)، وقاله بعض (2) الظاهرية -وحكاه (3) ابن برهان (4) عنهم- ومحمد بن خويز منداد (5)، وغيره من المالكية، والإِمامية (6).
__________
= قوله: والقرآن ليس فيه مجاز عند أصحابنا ...
(1) انظر: المسودة/ 165.
(2) نهاية 26 من (ح).
(3) انظر: كتاب الوصول إِلى الأصول لابن برهان/ 10 أ.
(4) هو: أبو الفتح أحمد بن علي بن محمَّد، الوكيل، الحنبلي ثم الشافعي، المعروف ب "ابن بَرْهان"، فقيه أصولي، ولد ببغداد سنة 479 ه، وولي التدريس بالنظامية، توفي ببغداد سنة 518 ه، وقيل: سنة 520 ه.
من مؤلفاته: البسيط، والوسيط، والوجيز، والوصول إِلى الأصول. وكلها في أصول الفقه. انظر: وفيات الأعيان 1/ 99، والواقي بالوفيات 7/ 207، ومرآة الجنان 3/ 225، وطبقات الشافعية للسبكي 6/ 30، والبداية والنهاية 12/ 196، وشذرات الذهب 4/ 61.
(5) في (ح): خويز بنذاد. وفي (ظ): خويز منذاد. وفي (ب): خويز بنداد. والمثبت من نسخة في هامش (ب). وهو: محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد، أصولي فقيه، من كبار المالكية العراقيين، تفقه على الأبهري، وعنده شواذ عن مالك، وله اختيارات، كان يجانب الكلام وينافر أهله، توفي سنة 390 ه تقريبًا.
من مؤلفاته: الخلاف، وأصول الفقه، وأحكام القرآن.
انظر: الوافي بالوفيات 2/ 52، والديباج الذهب/ 268.
(6) الإِمامية: من فرق الشيعة، وهم الذين قالوا بالتنصيص على علي تعيينأوتصريحاً، وكفَّروا الصحابة بترك بيعته، وتعرضوا للوقيعة فيهم بسبب ذلك، واتفقدا على سوق الإِمامة إِلى جعفر الصادق، واختلفوا في المنصوص عليه بعد ذلك، والذي استقر عليه رأيهم: أن الإِمام بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو علي بن أبي طالب، ثم ولده: الحسن، ثم أخوه: الحسين، ثم ابنه: علي، ثم ابنه: محمَّد الباقر، ثم ابنه: جعفر الصادق، ثم أخوه: موسى الكاظم، ثم ابنه: علي الرضا، ثم ابنه: محمَّد المتقي، ثم ابنه: محمَّد النقي، ثم ابنه: الحسن الزكي، ثم ابنه: محمَّد، وهو القائم المنتظر. =
(1/104)

وحكى ابن أبي موسى (1) خلافاً لنا، واختار الأول، وهو ظاهر اختيار أبي بكر (2) في: (وأشربوا في قلوبهم العجل) (3)، أي: حبه (4)، واختار الخرزي (5)
__________
=وقد سميت الإِمامية بهذا الاسم لقولهم بالنص على إِمامة علي بن أبي طالب، وكان الإِمامية في الأول على مذهب أئمتهم، ثم تشعبوا حتى صار بعضهم معتزلة -إِما وعيدية، وإِما تفضيلية- وبعضهم أخبارية، إِما مشبهة، وِإما سلفية. انظر: مقالات الإسلاميين 1/ 88، والفرق بين الفرق/ 53، والملل والنحل 1/ 265، والفرق الإِسلامية/ 61.
(1) إِذا أطلق "ابن أبي موسى" في كتب الحنابلة، فالمراد به: صاحب الإرشاد، وهو: محمد ابن أحمد بن أبي موسى، أبو علي، الهاشمي القاضي، ولد سنة 345 ه، وسمع الحديث من جماعة، وكانت حلقته بجامع المنصور، يفتي بها، توفي سنة 428 ه ببغداد.
من مؤلفاته: الإِرشاد في المذهب، وشرح كتاب الخرقي.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 182.
(2) هو: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداذ بن معروف البغوي، غلام الخلال، مفسر ثقة في الحديث، من أعيان الحنابلة من أهل بغداد، ولد سنة 285 ه، وكان تلميذًا لأبي بكر الخلال، فلقب ب غلام الخلال، توفي سنة 363 ه.
من مؤلفاته: الشافعي، والمقنع -وكلاهما في الفقه- وتفسير القرآن، والخلاف مع الشافعي، وزاد المسافر، والتنبيه، ومختصر السنة.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 459، وطبفات الحنابلة 2/ 119، والبداية والنهاية 11/ 278، والنجوم الزاهرة 4/ 106، والمنهج الأحمد 2/ 56.
(3) سورة البقرة: آية 93.
(4) انظر: العدة/ 699، والمسودة/ 166.
(5) تردد في كتب الحنابلة ذكر كنية هذا العالم ونسبته دون ذكر اسمه:=
(1/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=ففي طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى 2/ 167: أبو الحسن الجزري البغدادي، كان له قدم في المناظرة ومعرفة الأصول والفروع، صحب جماعة من شيوخنا، وتخصص بصحبة أبي علي النجاد، وكانت له حلقة بجامع القصر، وأحد تلامذته: أبو طاهر بن الغباري، ومن جملة اختياراته: أنه لا مجاز في القرآن، وأنه يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس، وأن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، وأن المني نجس، وغير ذلك. وانظر: طبقات الحنابلة 2/ 140، 188.
وفي آخر كتاب المقصد الأرشد لبرهان الدين بن مفلح توجد مجموعة من التراجم تحت عنوان: "ذكر من اشتهر بكنيته ولم يذكر له اسم"، وذكر فيه: أبو الحسين الخرزي البغدادي، كان له قدم في المناظرة ... وهذا في نسخة دار الكتب الظاهرية ص 187 - 188، وفي نسخة دار الكتب المصرية -من الكتاب نفسه- جاء ذكره هكذا: أبو الحسين الجزري، وذلك في ص 339، وذكره في المقصد الأرشد جاء تبعًا لذكره في طبقات الحنابلة.
وفي نسخ هذا الكتاب -أصول الفقه لابن مفلح- وردت النسبة هكذا: "الخرزي" و "الجزري" ووردت الكنية هكذا: "أبو الحسن" و "أبو الحسين".
وفي نزهة الخاطر العاطر لابن بدران 1/ 182 - 183: وحكى برهان الدين إِبراهيم بن مفلح في طبقاته: أن أبا الحسين الخرزي البغدادي الحنبلي له اختيارات، منها: أنه لا مجاز في القرآن، وأنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس. ثم قال ابن بدران: وحكى شيخ الإِسلام -ابن تيمية- في كتاب الإِيمان أن أبا الحسن هذا .... أ. ه فذكر أن كنيته: أبو الحسن، وهو قد ذكر قبله أن كنيته: أبو الحسين.
والذي يظهر أن هذه المعلومات الواردة في هذه الكتب السابقة تتعلق بعالم واحد. وأمامنا في ترجمة هذا العالم ثلاثة أمور:
1 - كنيته: أهو أبو الحسن أم أبو الحسين؟ الذي ورد في أكثر الكتب: أبو الحسن.=
(1/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=
2 - نسبته: أهو الخرزي أم الجزري؟ المشهور الذي جاءت به أكثر الكتب: الخرزي. وقد أدت تلك النسبة إِلى وقوع بعض المحققين في وهم، يأتي ذكره قريبًا.
3 - ما اسم هذا العالم؟ لم تشر الكتب إِلى ذلك، وتبدو صعوبة معرفة اسمه إِذا علمنا أن برهان الدين بن مفلح ذكره مع من اشتهر بكنيته ولم يذكر له اسم، وأن ابن القاضي أبي يعلى لم يذكر له اسماً، مع ذكره أسماء من ترجم لهم.
وقد جاء في كتاب الأنساب 5/ 87 - 88 ذكر عالم يحمل هذه النسبة "الخرزي"، وهو: أبو الحسن عبد العزيز بن أحمد الخرزي، من أهل بغداد، ولي القضاء بالجانب الشرقي بها، وكان فاضلاً فقيه النفس، حسن النظر، جيد الكلام، ينتحل مذهب داود ابن علي الظاهري، وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: ما رأيت الخرزي كلّم خصمًا له وناظره قط فانقطع، ومات في جمادى الآخرة سنة 391 ه. انتهى ما في الأنساب.
فهل هذه العالم صاحبنا المذكور؟ ذهب بعض المحققين إِلى ذلك، وقال بعضهم: ليس هذا صاحبنا، ونقض قول القائلين بأنه هو.
وأسوق -فيما يلي- ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في تعليقه على كتاب الأنساب، حول هذا الموضوع، قال: عبد العزيز بن أحمد هذا:
1 - كنيته: أبو الحسن. 2 - بغدادي. 3 - كان قاضيًا. 4 - مبرز في النظر. 5 - توفي في أواخر القرن الرابع. 6 - يعرف بهذه النسبة (الخرزي). وفي علماء الحنابلة رجل يوافق هذا في الصفات الخمس الأولى، ففي ترجمته من طبقات ابن أبي يعلى رقم 631 ما يبين تلك الصفات ما عدا القضاء، وفي النقل عنه في كتاب لم يذكر ب "القاضي"، وتقع نسبته تارة هكذا (الخرزي) وتارة (الجزري)، ولم يذكر اسمه واسم أبيه في الطبقات ولا في غيرها من كتبهم، وقد بحث عنه صديقنا البحاثة المدقق -الشيخ سليمان الصنيع- طويلاً، ثم جنح إِلى أنه هو عبد العزيز بن أحمد عينه.=
(1/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=أما أنا فعندي وقفة في ذلك؛ لأن الذين ترجموا لعبد العزيز -كالخطيب في التاريخ، وابن السمعاني هنا، وابن الجوزي الحنبلي في المنتظم وغيرهم- ذكروا أنه كان على مذهب داود الظاهري، ولم يشر أحد منهم إِلى علقة له بالحنابلة، والذين ترجموا لذلك الحنبلي -أو ذكروه- بنوا على أنه حنبلي صحب شيوخهم واختص بصحبة بعضهم وصحبه بعضهم، ولم يشر أحد منهم إِلى علقة له بمذهب داود، بل ذكر عنه ابن أبي يعلى أنه كان يرى جواز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس، وهذا ينفي داوديته البتة؛ لأن خاصة مذهب داود إِلغاء القياس البتة. وابن أبي يعلى كثير النقل عن تاريخ بغداد، ولا بد أن يكون قد تصفحه متقصيًا لأسماء الحنابلة المذكورين فيه، فلو كان عنده أن الذي ترجمه بكنيته فقط هو عبد العزيز هذا: فلماذا لم يشر إِلى ذلك؟. انتهى كلام العلمي.
وقد جاء في تاريخ بغداد 5/ 184، واللباب في تهذيب الأنساب 1/ 432، والأنساب للسمعاني 5/ 87 ذكر عالم آخر يحمل نفس النسبة "الخرزي"، وهو: أبو الحسن أحمد ابن نصر بن محمد الزهري الخرزي "هذه النسبة إِلى الخرز وبيعها" البغدادي، نزل نيسابور، وسمع من أبي عبد الله المحاملي، روى عنه الحاكم أبو عبد الله، وتوفي في رمضان سنة 380 ه. أه.
فهل هو صاحبنا المذكور؟. يذهب بعض المحققين المحدثين إِلى أنه هو (انظر مثلاً: شرح الكوكب المنير 1/ 323)، وأصحاب هذا المذهب يعضدون رأيهم بأوجه الاتفاق الحاصلة بين العالمين، ولكن ما ذكره المعلمي في آخر كلامه السابق يضعف هذا الرأي، أضف إِلى ذلك: أن برهان الدين بن مفلح قد ذكره مع من اشتهر بكنيته ولم يذكر له اسم وبهذا يترجح لدي أنه ليس بواحد من هذين العالمين المذكورين سابقاً، وأنه عالم آخر اشتهر ذكره هكذا (أبو الحسن الخرزي) ولم يذكر له اسم. والله أعلم.
(1/108)

فيه نفسه (1)، وللتابعين قولان (2).
وذكر بعضهم (3) عن ابن داود (4) منعه في الحديث أيضًا.
احتج من أثبته بقوله: (تجري من تحتها الأنهار) (5)، (الحج أشهر) (6)، (واخفض لهما جناح الذل) (7)، (واشتعل الرأس شيبًا) (8)، (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (9)، (الله يستهزئ بهم) (10)، وغير
__________
(1) انظر: العدة/ 697، والمسودة/ 165 - 166.
(2) انظر: تفسير الطبري 1/ 335.
(3) انظر: المحصول 1/ 1/ 462.
(4) هو: أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، أحد الأذكياء، أديب، مناظر، شاعر، أصله من أصبهان، ولد ببغداد سنة 255 ه، وعاش بها، وتوفي بها مقتولاً سنة 297 ه.
من مؤلفاته: الزهرة في الأدب، والوصول إِلى معرفة الأصول، واختلاف مسائل الصحابة.
انظر: تاريخ بغداد 5/ 256، والمنتظم 6/ 93، ووفيات الأعيان 4/ 259، والوافي بالوفيات 3/ 58، والنجوم الزاهرة 3/ 171.
(5) سورة البقرة: آية 25.
(6) سورة البقرة: آية 197.
(7) سورة الإسراء: آية 24.
(8) سورة مريم: آية 4.
(9) سورة الشورى: آية 40.
(10) سورة البقرة: آية 15.
(1/109)

ذلك.
وأما: (واسأل القرية) (1)، (يريد أن ينقض) (2)، فقيل: القرية مجمع الناس، ثم: إِنطاق الجدار وخلق الإِرادة فيه ممكن.
رد: بأن القرية مكان الاجتماع، لا نفس المجتمعين، وعن الثاني: بأنه معجزة يستلزم التحدي. وفيه نظر.
وقوله: (ليس كمثله شيء) (3)، احتج به -أيضًا- جماعة من أصحابنا وغيرهم (4)، لزيادة (5) "الكاف"؛ لأن (6) وضعه لنفي مثل مثله، فيلزم محال (7)؛ لأنه مثل لمثله.
وقيل: حقيقة؛ لأنه يلزم من نفي مثل مثله نفي مثله؛ لأنه مثل لمثله، والتقدير: انتفاء مثل مثله.
وقيل: "مثل" زائدة، أي: ليس كهو، قال أبو البقاء: وهو بعيد. (8)
__________
(1) سورة يوسف: آية 82.
(2) سورة الكهف: آية 77.
(3) سورة الشورى: آية 11.
(4) انظر: العدة/ 172 - 173، 696، والواضح 2/ 161أ.
(5) في (ح): بزيادة.
(6) في (ح): لأنه وصف.
(7) نهاية 11 أمن (ظ).
(8) انظر: كتاب إِملاء ما من به الرحمن 2/ 224.
(1/110)

واحتج ابن عقيل على [من (1)] منعه منا: بقدمه عندهم، وفيه عن الأنبياء: قالوا، وفعلوا، ونودوا، وأوذوا، وقيل لهم. (2)
قالوا (3): المجاز كذب لصدق نفيه، ركيك يصار (4) إِليه للعجز عن الحقيقة.
رد: بالمنع لما سبق، وإِنما يكذب لو أثبت حقيقة.
قال ابن عقيل: (5) [و (6)] لم يعد المتجوز كذاباً، ولم يفسقه أحد.
قالوا: فيه إِلباس.
رد: لا مع قرينة.
قالوا: (7) يلزم تسميته متجوزاً.
رد: أسماؤه توقيفية، ولهذا لم يسم "مُحَقِّق (8) "، ويوهم التسمح في القبيح. والتزمه بعض أصحابنا. (9)
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ح).
(2) انظر: الواضح 2/ 67أ.
(3) في (ح): قولهم.
(4) نهاية 14 ب من (ب).
(5) انظر: الواضح 1/ 214 ب، 2/ 164 أ-ب.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: التمهيد/ 83 أ.
(8) كذا في النسخ. ولعل الصواب: "محققاً" بالنصب.
(9) انظر: البلبل/ 47.
(1/111)

مسألة
ليس في القرآن إِلا عربي، ذكره أبو بكر (1) وأبو الخطاب (2) وابن عقيل (3) والقاضي (4) وذكراه (5) قول عامة الفقهاء والمتكلمين. (6)
وعن ابن عباس ومجاهد (7) وسعيد بن جبير (8) (9)
__________
(1) حكاه في العدة/ 707.
(2) انظر: التمهيد/ 84 أ.
(3) انظر: الواضح 1/ 220 أ.
(4) انظر: العدة/ 707.
(5) في (ح): وحكاه.
(6) انظر: العدة/ 707، والواضح 2/ 168 ب.
(7) هو: أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، مولى بني مخزوم، تابعي مفسر من أهل مكة، ولد سنة 21 ه، وأخذ التفسير عن ابن عباس، وتنقل في الأسفار، واستقر في الكوفة، توفي سنة 104 ه.
من مؤلفاته: كتاب في التفسير.
انظر: حلية الأولياء 3/ 279، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 45، والجمع بين رجال الصحيحين/ 510، وصفة الصفوة 2/ 117، ومعجم الأدباء 6/ 242، وميزان الاعتدال 3/ 439، وغاية النهاية 2/ 41.
(8) في (ب): بن جبر.
(9) هو: أبو عبد الله -وقيل: أبو محمد- سعيد بن جبير الأسدي بالولاء الكوفي، تابعي جليل، ولد سنة 45 ه، وأخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وروى عنه القراءة عرضًا المنهال بن عمر وأبو عمرو بن العلاء، وكان سعيد في أول أمره كاتبًا لعبد الله=
(1/112)

وعكرمة (1) وعطاء (2) وغيرهم: فيه ألفاظ بغير العربية (3)، وذكره أبو عبيد (4) قول أهل العلم من الفقهاء، وأن الأول قول أهل العربية، وجمع
__________
=ابن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قتله الحجاج بواسط سنة 95 ه. انظر: طبقات ابن سعد 6/ 178، وحلية الأولياء 4/ 272، ووفيات الأعيان 2/ 371، وتهذيب التهذيب 4/ 11.
(1) هو: أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله البربري المدني، مولى عبد الله بن عباس، أحد فقهاء مكة وتابعيها، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، ولد سنة 25 ه، وحدث عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل، منهم أكثر من سبعين تابعياً، منهم: الزهري وعمرو بن دينار والشعبي، ذهب إِلى نجدة الحروري، فأقام عنده ستة أشهر، ثم كان يحدث برأي نجدة، وخرج إِلى بلاد المغرب، فأخذ عنه أهلها راي الصفرية، وعاد إِلى المدينة، فطلبه أميرها، فتغيب عنه حتى مات، وكانت وفاته بالمدينة سنة 105 ه.
انظر: المعارف لابن قتيبة / 201، وحلية الأولياء 3/ 326، ووفيات الأعيان 3/ 265، وميزان الاعتدال 3/ 93، وتهذيب التهذيب 7/ 263.
(2) هو: عطاء بن أبي رباح أسلم بن صفوان، تابعي من أجلاء الفقهاء، ولد في (جند) باليمن سنة 27 ه، ونشأ بمكة، فكان مفتي أهلها ومحدثهم، وتوفي بها سنة 114 ه.
انظر: حلية الأولياء 3/ 310، وصفة الصفوة 2/ 119، ووفيات الأعيان 3/ 261، وتذكرة الحفاظ 1/ 92، ونكت الهميان/ 199، وتهذيب التهذيب 7/ 199.
(3) انظر: تفسير الطبري 1/ 6، وتفسير مجاهد/ 307، 362، 782 - 783.
(4) هو: القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء الخراساني البغدادي، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه من أهل (هراة)، ولد بها سنة 157 ه، وتعلم بها، ورحل إِلى بغداد، وولي القضاء بطرسوس ثمانية عشر عامًا، ورحل إِلى مصر سنة=
(1/113)

بينهما بتعريب لها فصارت عربية (1)، وقاله (2) ابن الزاغوني (3) وصاحب (4) الروضة (5) ونصره ابن برهان وجماعة (6).
__________
=213 ه، وحج فتوفي بمكة سنة 224 ه.
من مؤلفاته: الغريب المصنف في غريب الحديث، والطهور في الحديث، والأجناس من كلام العرب، والأمثال، والأموال.
انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 217، والانتقاء/ 107، وتاريخ بغداد 12/ 403، وطبقات الحنابلة 1/ 259، ونزهة الألباء/ 188، ووفيات الأعيان 4/ 60، وتذكرة الحفاظ 2/ 5، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 153، وغاية النهاية 2/ 17، وتهذيب التهذيب 7/ 315، ومفتاح السعادة 2/ 167.
(1) انظر: الصاحبي / 28 - 29، والمعرب للجواليقي/ 5، والإِتقان 2/ 108، والمزهر 1/ 268 - 269، ومعترك الأقران 1/ 198 - 199.
(2) نهاية 27 من (ح).
(3) حكاه في المسودة/ 174.
(4) هو: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، الفقيه، موفق الدين، ولد سنة 541 ه، وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، فقرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقي، ورحل إلى بغداد سنة 561 ه، وسمع بها، وسمع -أيضًا- بمكة وبالموصل، ولازم أبا الفتح بن المني، ثم عاد إِلى دمشق، فتوفي بها سنة 620 ه.
من مؤلفاته: المغني، والمقنع، والكافي، والعمدة -وكلها في الفقه- والروضة في أصول الفقه. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 133 - 149، وشذرات الذهب 5/ 88، وفوات الوفيات 1/ 433.
(5) انظر: الروضة/ 65.
(6) انظر: المسودة/ 174، والوصول لابن برهان/ 12 أ-ب.
(1/114)

المثبت: المشكاة (1) هندية، وقسطاس (2) رومية، وإستبرق (3) وسجيل (4) فارسية.
رد: بأنه مما اتفق فيه اللغتان، كالدواة والمنارة والصابون والتنور.
رد (5): بأنه بعيد، والأصل عدمه. وفيه نظر.

النافي: بما سبق (6) في الشرعية.
وبقوله: (أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) (7)، فنفى تنوعه.
__________
(1) في زاد المسير 6/ 40 - 41: "فأما المشكاة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح: الضوء. قاله ابن عباس.
والثاني: أنها القنديل، والمصباح: الفتيلة. قاله مجاهد.
والثالث: أنها الكوة التي لا منفذ لها، والمصباح: السراج. قاله كعب. وكذلك قال الفراء: المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة. وقال ابن قتيبة: المشكاة: الكوة بلسان الحبشة. وقال الزجاج: هي من كلام العرب. والمصباح: السراج".
(2) في زاد المسير 5/ 34: عن ابن دريد قال: القسطاس: الميزان رومي معرب. وفي تفسير مجاهد/ 362: القسطاس هو: الميزان العدل بالرومية.
(3) في زاد المسير 5/ 137 - 138: "قال ابن قتيبة: الإِستبرق: ثخين الديباج. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال ... والإِستبرق: غليظ الديباج فارسي معرب".
(4) في تفسير مجاهد/ 307: قال: سجيل هي بالفارسية، أولها حجر وآخرها طين. وفيه -أيضًا-/ 782 - 783: عن عكرمة قال: هي بالفارسية (سنك وكل) يعني حجراً وطينًا.
(5) انظر: البلبل/ 48.
(6) انظر: ص 98 من هذا الكتاب.
(7) سورة فصلت: آية 44: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ).
(1/115)

رد: بمنع نفيه، فإِن المفهوم إِنكار كون القرآن أعجميًا مع كون المخاطب عربياً لا يفهمه، وإِن كان الأعجمي والعربي صفتا (1) الكلام لم يلزم نفيه مطلقًا، لجواز كون بعضه أعجميًا يفهم.
قالوا: لا يتحداهم بغير لسانهم، كغيره.
رد: بالمتشابه. رد: (2) هو مجاز، لصرفه عن ظاهره، فهو عربي. وبأنه إِنما تحداهم بلغتهم، وصار لها حكم العربية بتعريبها.

مسألة
المشتق: فرع وافق أصلاً -وهو: (3) الاسم عند البصريين، وعند الكوفيين: الفعل- بحروفه الأصول ومعناه، ك "خفق" من الخفقان. فيخرج ما وافق بمعناه، ك "حبسٍ ومنعٍ"، وما وافق بحروفه، ك "ذهبٍ وذهابٍ".
وشرط بعضهم (4) زيادة التغيير (5): بزيادة أو نقص حرف (6) أو حركة أو هما، أو بزيادة أحدهما ونقصه أو نقص الآخر، أو بزيادتهما أو نقصهما مع زيادة أحدهما أو نقصه، أو بزيادتهما ونقصهما، نحو: كاذب، ونَصَر، وضارب، وخَفْ، وضَرْب -على مذهب الكوفيين- وغلى (7)، ومسلمات،
__________
(1) كذا في النسخ. ولعل الصواب: "صفتي" بالنصب.
(2) في (ب) رده مجاز. وفي (ظ): رد: مجاز.
(3) انظر: الإِنصاف لابن الأنباري/ 235.
(4) نهاية 11 ب من (ظ).
(5) نهاية 15 أمن (ب).
(6) في (ح): "بحرف".
(7) من الغليان. وفي (ظ) و (ح): علا. والمثبت من (ب)، ولكنه كتب هكذا: غلا.
(1/116)

وحَذِر، وعادٌ -من العدد- ونبت (1)، واضرب، وخافَ، وعِدْ، وكالٍّ -من الكلال- وارْمِ. فذلك خمسة عشر نوعًا.
ولا يرد على الأول مثل: "الجَلْب والجَلَب"، (2) ولو قلنا: "كلمة" ورد. وكذا على الثاني إِلا (3) أن يراد بالتغيير: "معنى ولفظاً"، لكن يرد مثل: "فُلْك" جمعًا ومفردًا، و "طَلب طَلباً"، إِلا أن يراد بالتغيير: "تحقيقًا أو تقديرًا".

وقال بعض أصحابنا (4): إِذا قيل: "هذا مشتق من هذا" له (5) معنيان:
أحدهما: أن بينهما تناسباً لفظًا ومعنى، تكلم (6) أهل اللغة بهذا بعد هذا أو (7) قبله، فكل منهما مشتق من الآخر، والفعل مشتق من المصدر،
__________
(1) في (ب): ثبت. والمثبت من (ح)، وهو من النبات، وانظر: نهاية السول 1/ 198 - 201. ولم تنقط الكلمة في (ظ).
(2) في لسان العربِ 1/ 260: الجَلْب: سَوْق الشيء من موضع إِلى آخر. جَلَبه يَجْلِبه ويَجْلُبه جَلْباً وجَلَباً ... الخ.
(3) في (ب): إِلى.
(4) انظر: مجموع الفتاوى 20/ 419 - 420.
(5) كذا في النسخ الثلاث. وأرى زيادة الفاء في جواب الشرط، فيكون الكلام هكذا: فله معنيان.
(6) لفظ مجموع الفتاوى 20/ 419 - 420: من غير اعتبار كون أحدهما أصلاً، والآخر فرعًا.
(7) في (ظ): وقبله. وفي (ب): "أو قبله"، وقد ضرب على الهمزة.
(1/117)

وعكسه. (1)

المعنى الثاني: كون أحدهما أصلاً للآخر، فإِن عني به التكلم بأحدهما قبل الآخر لم يقم على هذا دليل في أكثر المواضع، وإن عني به سبق أحدهما عقلاً -لكونه مفرداً وهذا مركبًا- فالفعل مشتق من المصدر والله أعلم.
والاشتقاق الأصغر: اتفاق القولين في الحروف وترتيبها.
والأوسط: في الحروف.
وذكر بعضهم (2) اشتقاقاً أكبر، وهو: اتفاق القولين في جنس الحروف كاتفاقهما في حروف الحلق.
وقد يطرد (3) المشتق، كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة (4) بهما. وقد يختص، ك "القارورة" للزجاجة، و "الدَّبَران" (5) إِحدى منازل القمر وهما من الاستقرار والدبور.

مسألة
إِطلاق (6) الاسم المشتق قبل وجود الصفة المشتق منها: مجاز، ذكره
__________
(1) نهاية: 28 من (ح).
(2) انظر: الخصائص 2/ 133، والمزهر 1/ 347.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 212.
(4) في (ظ): المشبه.
(5) في لسان العرب 5/ 356 (دبر): والدَّبَران: نجم بين الثريا والجوزاء. ويقال له: التابع، والتويبع، وهو من منازل القمر، سمي دَبَرانا لأنه يدبر الثريا، أي: يتبعه.
(6) انظر: المسودة/ 570، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 126، وشرح الكوكب المنير 1/ 213.
(1/118)

جماعة إِجماعًا، ولعل المراد: إِذا أريد الفعل، فإِن أريدت الصفة كقولهم: سيف قطوع، وخبز مشبع، وماء مرو، (1) [وخمر مسكر] (2) فقال القاضي (3) وغيره: هو حقيقة؛ لعدم صحة النفي، وقيل: مجاز.
فأما أسماء الله وصفاته فقديمة، وهي حقيقة (4) عند الإِمام أحمد وأصحابه وجمهور أهل السنة، ومذهب (5) (ع) حدوثهما، ومذهب (ر) حدوث صفات الفعل.

وحال وجود الصفة: (6) حقيقة إِجماعًا.
وبعد انقضاء الصفة: حقيقة عند بعض أصحابنا وغيرهم، وذكره بعض أصحابنا عن الأكثر، واختاره أبو الطيب الطبري (7)، لكن عقيب (8)
__________
(1) نهاية 15 ب من (ب).
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من (ظ).
(3) حكاه في المسودة/ 570.
(4) انظر: المسودة/ 570، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 127.
(5) راجع: شرح المقاصد للتفتازاني 2/ 76.
(6) نهاية 12 أمن (ظ).
(7) هو: طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، أبو الطيب، قاض من أعيان الشافعية، ولد في آمل طبرستان سنة 348 ه، واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، توفي ببغداد سنة 450 ه.
من مؤلفاته: شرح مختصر المزني في الفقه.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 512، وطبقات الشافعية للسبكي 5/ 12.
(8) في (ح): عقب.
(1/119)

الفعل، حكاه عنه القاضي (1).
وذكر القاضي (2) في مسألة الإِجماع: أنه مجاز (وه) (3)، وذكره ابن عقيل (4) إجماعًا بينه وبين المعتزلة في أنه لا يعتبر للأمر الإِرادة.
واختار (5) أبو الخطاب في مسألة خيار المجلس: إِن لم يمكن بقاء (6) المعنى كالمصادر السيالة -كالبيع- فحقيقة؛ لوجود الفعل وتعذر بقائه -وكذا قال (7) القاضي وغيره في التبايع: إِنه حقيقة بعده- وإلا فلا.
فأما حال التبايع، فمجاز عندهم، وقاله (8) أبو الطيب الطبري [(ه) (9)] لعدم وجود الفعل.
قولهم: يتعذر، واللغة لم تبن على المضايقة، لصحة إِطلاق لفظ "الحال" على زمان الفعل الحاضر.
رد: بما سبق، وبأن بعضهم اعتبر بقاء الجزء الأخير.
__________
(1) انظر المسودة/ 568.
(2) انظر العدة/ 160 أ.
(3) انظر فواتح الرحموت 1/ 193، والمسودة/ 567.
(4) انظر الواضح 1/ 224 أ.
(5) انظر: المسودة/ 567 - 568.
(6) نهاية 29 من (ح).
(7) انظر: المسودة/ 568.
(8) انظر: المرجع السابق.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(1/120)

القائل بالحقيقة: صح الإِطلاق، والأصل الحقيقة.
رد: بالمستقبل. ورد: إِذا كان الفاعل من ثبت له الفعل لم يلزم.
قالوا: صح "مؤمن" ونحوه لنائم وميت.
أجيب: مجاز، وقاله القاضي في مسألة الإِجماع. (1) قال بعض أصحابنا (2) وغيرهم: هذا غلط (3)؛ لأن الإِيمان لا يفارقه بالموت، والعصر الثاني محجوجون بالعصر الأول.

القائل بالمجاز: يصح نفيه، فيصدق: ليس بضارب في الحال، والسلب المطلق جزء المقيد.
رد: إِن أريد سلب أخص فمعناه: "الضارب مطلقاً صدق سلبه في الحال"، وهو محل النزاع، وإِن أريد سلب الأخص لم يصدق (4): ليس بضارب مطلقًا؛ لأن الضارب في الحال أخص منه، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم؛ لأن نقيضه أعم من نقيضه.
قالوا: لا يقال: "كافر" لكفر سبق.
رد: لمنعه شرعًا تعظيمًا للصحابة.
واحتج الآمدي (5) بأنه يلزم أن يطلق على القائم "قاعد"، وبالعكس،
__________
(1) انظر: العدة/ 160 أ.
(2) انظر: المسودة/ 568.
(3) في (ح): خلط.
(4) نهاية 16 أمن (ب).
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 56.
(1/121)

وهو خلاف الإِجماع.
ولقائل أن يجيب بالمانع.

مسألة
لا يصدق المشتق بدون صدق المشتق منه، خلافًا للجبائية (1)، لإِطلاقهم "العالِم" على الله، وإنكار حصول العلم له، مع أن "العالِم" مشتق من العلم، فلا يوجد بلا أصله، وعللوا العالمية فينا بالعلم. (2)
__________
(1) الجبائية هم: أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من معتزلة البصرة. أثبتوا إِرادة حادثة لا في محل يكون الباري تعالى موصوفًا مريدًا بها، وفناء لا في محل إِذا أراد أن يفني العالم، والله تعالى مشارك لهذين الوصفين في أخص صفاتهما، وهو كونه لا في محل. وقالوا: الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في محل. وحكموا بأن الله تعالى لا يرى في الآخرة بالأبصار، وبأن العبد خالق لفعله من الخير والشر، وبإثبات المنزلة بين المنزلتين، وبأن أصحابها -بلا توبة- يخلدون في النار. ونفوا كرامات الأولياء. وقالوا: يجب على الله تعالى اللطف والأصلح، وأن يكمل عقول الخلق ويهيئ أسباب التكليف إِذا كلفهم، وبأن الأنبياء معصومون. هذا كله مما اتفق عليه الجبائية والبهشمية.
وانفردت الجبائية بأن الله تعالى عالم لذاته من غير إِيجاب صفة هي علم أو حال يوجب كونه عالماً. وقال أبو هاشم: معنى كونه عالماً لذاته أنه ذو حالة هي صفة وراء كونه ذاتاً موجودًا، وإينما تعلم تلك الصفة مع الذات لا بانفرادها. وأن معنى كون الباري سميعًا بصيرًا أنه حي لا آفة به.
انظر: الفرق بين الفرق/ 183، والملل والنحل 1/ 103، والفرق الإِسلامية/ 31.
(2) نهاية 30 من (ح).
(1/122)

مسألة
الاسم يشتق لمحله منه اسم فاعل لا لغيره منه، خلافاً للمعتزلة، فسموا الله متكلمًا (1) بكلام خلقه في جسم، ولم يسموا الجسم متكلمًا.
وفرض جماعة (2) المسألة: لا يشتق اسم الفاعل لشيء، والفعل قائم بغيره [(ور) خلافا (ع)]. (3)
لنا: الاستقراء.
قالوا: ثبت "قاتل" (4) و "ضارب"، وهما أثران قاما بالمفعول.
رد: بأنهما: التأثير، وهو للفاعل، والتأثر للمفعول.
قالوا: التأثير الأثر، وإِلا فإِن كان حادثًا افتقر إِلى نسبة أخرى وتسلسل، أو قديمًا، فيلزم قدم الأثر وتقدم النسبة على المنتسبين.
رد: العلم بأنه غيره ضروري. ثم: لا دليل على وجوب الانتهاء إِلى أثر آخر، بل إِلى مؤثر أول. ثم: بمنع التسلسل في الثاني، وتقدم النسبة في محلها ممتنع دون المنسوب إِليه.
ولما قال الأشعري وأصحابه كالمعتزلة: الخلق: المخلوق -وقاله (5) ابن
__________
(1) نهاية 12 ب من (ص).
(2) انظر: شرح العضد 1/ 181.
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(4) في (ب): قايل.
(5) في (ح): وقال.
(1/123)

عقيل، وابن الزاغوني- أجابوا: بأنه ليس فعلاً قائمًا بغيره، بل ذاته، أو لأنه للتعلق الذي بين المخلوق والقدرة حال الإِيجاد، فلما نسب إِلى الله صح الاشتقاق، لقيامه بالقدرة القائمة به.
والحنفية، وأكثر أصحابنا، والشافعية، وأهل الحديث، وحكوه عن السلف: الخلق غير مخلوق.

مسألة
المشتق ك "أبيض" و "ضارب" و "مضروب" يدل على ذات ما متصفة بتلك الصفة، (1) لا على خصوصيتها (2)، وإِلا يلزم التكرار بتفسيره بجسم أو غيره.

مسألة
تثبت اللغة قياسًا، عند أكثر أصحابنا.
ونفاه أبو الخطاب (3) وأكثر الحنفية (4)، واختاره الآمدي (5) وذكره عن معظم أصحابهم، وحكاه القاضي (6) عن أكثر المتكلمين.
__________
(1) نهاية 16 ب من (ب).
(2) في (ب) و (ح) ونسخة في هامش (ظ): خصوصها. والمثبت من (ظ) ونسخة في هامش (ب).
(3) انظر: التمهيد / 157 أ-158 ب.
(4) انظر: فواتح الرحموت 1/ 185 - 186.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 57.
(6) انظر: العدة/ 206 ب، وحكاه -أيضًا- أبو الخطاب في التمهيد/ 157 أ.
(1/124)

وللشافعية (1) قولان، واختلفوا في الراجح.
وللنحاة قولان اجتهادًا، فلا حجة، قال المبرد (2) وغيره: "ما قيس على كلامهم فمن كلامهم" وقال الأخفش (3) وغيره: الأسماء تؤخذ توقيفًا (4).
والإِجماع على منعه في الأعلام والألقاب -ذكره جماعة، منهم: ابن
__________
(1) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 276.
(2) هو: أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان الثمالي الأزدي، المعروف ب "المبرد" النحوي، ولد سنة 210 ه بالكوفة، ونزل بغداد، وكان إِمامًا في النحو واللغة، أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه نفطويه وغيره من الأئمة، وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر، توفي سنة 286 ه، وقيل: غير ذلك. والمبرد: الأكثر يفتح الراء، ومنهم من يكسرها.
من مؤلفاته: الكامل في الأدب، والمقتضب في النحو. انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 108، والفهرست/ 59، وتاريخ بغداد 3/ 380 ونزهة الألباء/ 279، ووفيات الأعيان 4/ 313، ولسان الميزان 5/ 430، وبغية الوعاة/ 116.
(3) إِذا أطلق "الأخفش" فالمراد به "الأخفش الأوسط" وهو أبو الحسن سعيد بن سعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، ثم البصري، المعروف ب "الأخفش الأوسط"، نحوي عالم باللغة والأدب من أهل (بلخ)، سكن البصرة، وأخذ العربية عن سيبويه. توفي سنة 215 ه.
من مؤلفاته: تفسير معاني القرآن، وشرح أبيات المعاني.
انظر: نزهة الألباء/ 184، وإِنباه الرواة 2/ 36، ووفيات الأعيان 2/ 380 ومرآة الجنان 2/ 61، وبغية الوعاة/ 258.
(4) انظر: العدة/ 208أ، والتمهيد/ 158 ب، ففيهما حكاية ذلك.
(1/125)

عقيل (1) لوضعها (2) لغير (3) معنى جامع، والقياس فرعه. ومثل: "هذا سيبويه (4) زمننا" مجاز عن حافظ كتابه.
والإِجماع على منعه في الصفات؛ لأن "العالم" لمن (5) قام به العلم، فيجب طرده، فإِطلاقه بوضع اللغة، وكذا مثل "إِنسان" و "رجل" ورفع الفاعل، فلا وجه لجعله دليلاً من أصحابنا وغيرهم.

وحل الخلاف: الاسم الموضوع لمسمى مستلزم لمعنى في محله وجوداً وعدما، كالخمر للنبيذ لتخمير العقل، والسارف للنَّبَّاش للأخذ (6) خفية، والزاني للائط للوطء المحرم.
النافي: إِن كان وضع الخمر لكل مسكر فالتعميم باللغة، أو لعصير العنب فقط فلا تعميم، أو لم ينقل فيه شيء فلا لغة بالاحتمال.
واستدل بقوله: (وعلم آدم). (7)
رد: بعضها نصاً، وبعضها استنباطًا، ثم: هو نصاً، ونحن قياسًا، ولا
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 216 أ.
(2) في شرح الكوكب المنير 1/ 224 - نقلاً عن أصول ابن مفلح: لوضعهما.
(3) في (ب): لغيره.
(4) في (ح) زيادة: "في" هنا، وكانت موجودة في (ظ) و (ب)، ثم ضرب عليها. وفي شرح الكوكب المنير 1/ 225 - نقلاً عن أصول ابن مفلح: هذا سيجويه زمانه.
(5) في شرح الكوكب المنير 1/ 225 - نقلاً عن أصول ابن مفلح-: من.
(6) نهاية 13 أمن (ظ).
(7) سورة البقرة: آية 31: (وعلم آدم الأسماء كلها).
(1/126)

يمتنع ثبوتهما -مع اختلافهما (1) - للشيء (2).
قالوا: كونه دليلاً أظهر؛ لدوران الاسم مع الوصف.
رد: بأنه دار -أيضًا- مع كونه من عنب، ومال حي، وقُبُلاً.
ومنقوض بقولهم للطويل: "نخلة"، وللفرس الأسود: "أدهم"، ونحوهما، ولم (3) يطرد.
رد: بأنهم جعلوا العلة فيه ذات وصفين: "الجنس، والصفة".
رد: بمثله في كل محل.
قالوا: ثبت شرعاً للمعنى، فهذا مثله.
رد: للإِجماع (4) -ولا إِجماع هنا- أو لدليل شرعي (5) أو عقلي.
قالوا: (فاعتبروا) (6).
__________
(1) في (ب): اختلافها.
(2) نهاية 31 من (ح).
(3) في (ظ): "لم يطرد" بدون الواو.
(4) انظر: البلبل/ 37.
(5) نهاية 17 أمن (ب).
(6) سورة الحشر: آية 2: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار)
(1/127)

رد: ليس بعام [وهو محل النزاع]. (1) ثم: محل النزاع غير مراد. [وعورض بقوله: (وعلم آدم)] (2)
...

الاسم: كلمة دلت بنفسها دلالة أولية وضْعاً على معنى في نفسها غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة.
ف "صَبوح (3) أمس"، و "غَبوق غد"، و "ضارب أمس"، نحوه يدل (4) بنفسه، وإِن لم يدل وضعاً، بل لعارض، كاللفظ بالاسم ومدلوله، فإِنها (5) لازم كالمكان.
ونحو: "صه" دل على "اسكت"، وبواسطته على سكوت مقترن بالاستقبال.
والمضارع إِن قيل: مشترك للحال والاستقبال، فوضعه لأحدهما واللبس عند السامع.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(3) في لسان العرب 3/ 336 - 337 (صبح): والصبوح: الغداء، والغبوق: العشاء، وأصلهما في الشرب، ثم استعمل في الأكل. وفيه -أيضًا- 3/ 334: الصبوح: ما شرب بالغداة. وفيه -أيضًا- 12/ 154 (غبق): الغبوق: الشرب بالعشي.
في شرح الكوكب المنير 1/ 113 جاء الكلام هكذا: فصبوح، وغبوق، وأمس، وغد ...
(4) في (ح): "لم يدل بنفسه، أو لم يدل وضعا". والمثبت من (ب) و (ظ) وكانت "لم" موجودة فيهما ثم محيت. وفي شرح الكوكب المنير 1/ 113: يدل بنفسه على الزمان، لكن لم يدل وضعاً.
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: فإِنه. وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 113.
(1/128)

والفعل: ماض ك "قام" -ويعرض له معنى الاستقبال بقرينة الشرط، نحو: "إِن قام". ولم يضرب على العكس- ومضارع ك "يقوم"، وأمر للمستقبل ك "قم".
وحد الفعل كالاسم، لكنه مقترن بأحد الأزمنة، فلا نقض باسم الفاعل العامل؛ لأن الزمان عارض، لعدم لزومه مطلقًا.
وتجرد الفعل عن الزمان عارض للإنشاء، فقد يلزمه الإِنشاء، وهو: (1) "عسى"، وقد لا، ك "نِعْم" و "بِئْس". (2)
الحرف: قال بعضهم: لا يحتاج إِلى حد.
ورد: بأنه لتعريف حقيقة المحدود.
وسكت جماعة عن حده.
وحده آخرون: كلمة (3) دلت على معنى في غيرها. والمراد كما سبق.
قالوا: (4) ومعناه: أن ذكر متعلق الحرف شرط دلالته على معناه الإِفرادي، فإِن "مِنْ" و "إِلى" لا يُفْهَم معنى الابتداء والانتهاء إِلا بذكر متعلقهما، وهو المكان الخاص، بخلاف "الابتداء" و "الانتهاء"، و "ابتدأ" و "انتهى".
واحترز ب "الإِفرادي" عن الاسم والفعل، فإِن ذكر متعلقهما -كالفاعل
__________
(1) لعل الأولى: كعسى. وانظر: شرح الكوكب المنير 1/ 112.
(2) نهاية 32 من (ح).
(3) انظر: العدة/ 186.
(4) انظر: شرح العضد 1/ 186، وشرح الكوكب المنير 1/ 226.
(1/129)

والخبر- شرط التركيب.
ولا يرد (1) نحو: (2) "ذو" و "فوق"، فإِنه (3) وإِن لم يفد معناه الإِفرادي إِلا بذكر متعلقه، فليس لأنه شرط، بل لأن وضع "ذو" للتوصل (4) إِلى وصف العلم باسم الجنس، و "فوق" إِلى علو (5) خاص اقتضى ذلك.
لكن قال بعض النحاة: لا يطرد؛ لأن "غير" المستثنى بها، والأسماء المؤكدة تدل على معنى في غيرها، ولا ينعكس، لدلالة "ليت" بنفسها على التمني، و "إِلا" على الاستثناء، وليس ذكر الجمل لتتم دلالة الحرف. ولقائل أن يجيب بما سبق. وفيه نظر. والله أعلم.

مسألة
الواو لمطلق الجمع، أي: للقدر المشترك بين الترتيب والمعية، عند أكثر طوائف الفقهاء والنحاة والمتكلمين (و)، وذكره الفارسي (6) إِجماع نحاة
__________
(1) في (ظ): "لا يرد" بدون الواو.
(2) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 226.
(3) نهاية 13 ب من (ظ).
(4) في نسخة في هامش (ب): للمتوصل.
(5) نهاية 17 ب من (ب).
(6) هو: أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الفارسي الأصل، أحد الأئمة في علم العربية، ولد في "فسا" من أعمال فارس سنة 288 ه، ودخل بغداد سنة 307 ه، وتجول في كثير من البلدان، وقدم حلب سنة 341 ه ثم عاد إِلى فارس، ثم رحل إِلى بغداد، فأقام بها إِلى أن توفي سنة 377 ه، وكان متهماً بالاعتزال. =
(1/130)

البصرة والكوفة، (1) وهو الصحيح.
وكلام أصحابنا يدل أن الجمع المعية، وذكر في التمهيد (2) وغيره ما يدل (3) أنه إِجماع أهل اللغة، لإِجماعهم أنها في الأسماء المختلفة ك "واو الجمع" و "يا التثنية" في المتماثلة (4)، [واحتج به ابن عقيل (5) وغيره]، (6) وفيه نظر؛ لجواز ذلك مع كونها للترتيب، مع اختلاف أصحابنا فيما يلزم من قال: "له عليّ درهمان ودرهم إِلا درهمًا"، أو قال: (7) "خمسة إِلا درهمين ودرهماً"، بناء على أن الواو جعلت الجمل كجملة -كما ذكروه (8) في قوله لغير مدخول بها (9): "أنت طالق وطالق وطالق"- أوْ لا،
__________
=من مؤلفاته: الإيضاح في قواعد العربية، والحجة في علل القراءات، وجواهر النحو، والمسائل الشيرازيات. وله شعر قليل.
انظر: تاريخ بغداد 7/ 275، ونزهة الألباء/ 387، وإنباه الرواة 1/ 273، ووفيات الأعيان 2/ 80.
(1) حكاه في المحصول 1/ 1/ 507، وانظر: الإيضاح العضدي 1/ 285.
(2) انظر: التمهيد/ 16 ب.
(3) نهاية 33 من (ح).
(4) في (ب): التماثلة.
(5) انظر: الواضح 2/ 70 أ.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: الفروع لابن مفلح 6/ 626.
(8) في (ظ): ذكره.
(9) انظر: الفروع لابن مفلح 5/ 405، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 133، والمغني 7/ 480.
(1/131)

وأن الاستثناء رفع جميع الجملة الأخيرة، ولا نظير له. وكذا ذكروه في الاستثناء (1) في الطلاق، وكذا في الخلع (2) في: أنت طالق وطالق وطالق بألف.
وقال (3) ابن أبي موسى عن أحمد في مسألة غير المدخول [بها] (4) المذكورة: تبين بواحدة - (وه ش)، وللمالكية خلاف (5) -لأن الواو عنده للترتيب. والأَوْلى: لأنه إِنشاء، وهو يترتب بترتب (6) اللفظ، والكلام لم (7)، بخلاف: أنت طالق ثلاثًا، فإِنه تتمة للأول وتفسير لقصده.
واختار الحلواني (8) من أصحابنا: أنها للترتيب،
__________
(1) انظر: الفروع لابن مفلح 5/ 408، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام / 134، والمغني 7/ 420.
(2) انظر: الفروع لابن مفلح 5/ 353، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 135، والمغني 7/ 346.
(3) انظر: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام / 131.
(4) ما بين المعقوفتين سقط من (ح).
(5) انظر: تكملة المجموع شرح المهذب 17/ 130، وبدائع الصنائع 4/ 1877، وشرح العضد 1/ 189، وشرح الخرشي 4/ 49 - 50.
(6) في (ح): ترتب.
(7) في (ب): ثم.
(8) في القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 131: "أبو محمد الحلواني" وهو: عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد الحلواني، ابن أبي الفتح، ولد سنة 490 ه، وتفقه على أبيه وأبي الخطاب، وبرع في الفقه والأصول، وناظر وصنف، توفي سنة=
(1/132)

وقاله (1) ثعلب -وهو من أصحابنا- وغلامه (2) أبو عمر (3) وقطرب (4)
__________
=من مؤلفاته: التبصرة في الفقه، والهداية في أصول الفقه، وتعليقة في مسائل الخلاف، وتفسير القرآن.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 221، وشذرات الذهب 1/ 144.
(1) انظر: المسودة / 355.
(2) هو: أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المطرز الباوردي. ويعرف ب "غلام ثعلب" لأنه صحب ثعلباً النحوي زمناً، وهو أحد أئمة اللغة. ولد سنة 261 ه، وتوفي ببغداد سنة 345 ه.
من مؤلفاته: اليواقيت -وهي رسالة في غريب القرآن- والمداخل -وهي رسالة في اللغة- وأخبار العرب.
انظر: تاريخ بغداد 2/ 356، وطبقات الحنابلة 2/ 67، ونزهة الألباء/ 345، ومعجم الأدباء 7/ 26، ووفيات الأعيان 4/ 329، وتذكرة الحفاظ 3/ 84، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 189، ولسان الميزان 5/ 268.
(3) في (ح): أبو عمرو قطرب.
(4) هو: أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد، الشهير ب "قطرب" وهو لقب دعاه به أستاذه سيبويه فلزمه، نحوي عالم باللغة والأدب من أهل البصرة من الوالي، كان يرى رأي المعتزلة النظامية، وهو أول من وضع "المثلث" في اللغة، توفي سنة 206 ه.
من مؤلفاته: الأزمنة، والأضداد.
انظر: طبقات النحويين واللغويين / 106، والفهرست/ 52، وتاريخ بغداد 3/ 298، ونزهة الألباء/ 119، ووفيات الأعيان 4/ 312، وبغية الوعاة/ 104، وشذرات الذهب 2/ 15.
(1/133)

وعلي بن عيسى الرَّبَعي (1) وبعض الشافعية. (2)
واختار أبو بكر من أصحابنا: إِن كان كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطًا في صحة الآخر كآية الوضوء (3): فللترتيب، وإِلا فلا. (4)
لنا: الإِجماع السابق.
وعطفه تعالى السابق على اللاحق، كأيوب ويونس على عيسى (5).
وحكايته عن قول منكري البعث: (نموت ونحيا) (6).
ولو كانت للترتيب، لزم التناقض في آيتي البقرة والأعراف: (7)
__________
(1) هو: أبو الحسن علي بن عيسى الربعي، عالم بالعربية، أصله من شيراز، ولد سنة 328 ه، واشتهر في بغداد، وتوفي بها سنة 420 ه.
من مؤلفاته في النحو: البديع، وشرح مختصر الجرمي، وشرح الإِيضاح لأبي علي الفارسي، والتنبيه على خطأ ابن جني في تفسبر شعر المتنبي.
انظر: نزهة الألباء 4/ 41، ومعجم الأدباء 5/ 283، وإِنباه الرواة 2/ 297، ووفيات الأعيان 3/ 336.
(2) انظر: المحصول 1/ 1/ 508، والتمهيد للأسنوي/ 202 - 203، ونهاية المسول 1/ 297.
(3) وهي قوله تعالى في سورة المائدة: آية 6: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إِلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلى الكعبين).
(4) انظر: المسودة/ 355.
(5) قال تعالى في سورة النساء: آية 163: (وعيسى وأيوب ويونس).
(6) سورة المؤمنون: آية 37: (إِن هي إِلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين).
(7) نهاية 14 أمن (ظ).
(1/134)

(وادخلوا الباب سجدًا) (1)، ولما صح: تقاتل أو اشترك زيد وعمرو، ولكان: (2) "جاء زيد وعمرو (3) بعده" تكرارًا، و "قبله" تناقضًا، وعند رؤيتهما معاً كذبًا.
ولا اشتراك ولا مجاز؛ لأنها للقدر المشترك، [وقال بعض أصحابنا: لأنهما (4) خلاف الأصل] (5)

واستدل: لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن المتقدم والمتأخر، وبأن الجمع معقول، فلا بد من وضع لفظ له، ولصح دخولها في جواب الشرط.
أجيب عن الأول: لرفع الاحتمال.
وعن الثاني: كما خلا الترتيب المطلق المشترك بين "الفاء" و "ثم" عن لفظ يطابقه.
وعن الثالث: فيه لنا وجه، ثم يبطل ب "ثم"، والواو فيه غير عاطفة.
__________
(1) سورة البقرة: آية 58: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدًا وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة).
وسورة الأعراف: آية 161: (وإِذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدًا).
(2) نهاية 34 من (ح).
(3) في (ب): وعمرو وبعده.
(4) في (ظ): لأنها.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(1/135)

قالوا: (اركعوا واسجدوا) (1).
ولمسلم (2) عن جابر (3): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: (إِن الصفا والمروة) (4)، فقال: (أبدأ بما بدأ الله به). (5) وللنسائي (6) وغيره بإِسناد جيد: (فابدءوا
__________
(1) سورة الحج: آية 77.
(2) هو: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، حافظ من أئمة المحدثين، ولد بنيسابور سنة 204 ه، ورحل إِلى الحجاز ومصر والشام والعراق، وتوفي بظاهر نيسابور سنة 261 ه.
من مؤلفاته: صحيح مسلم، والعلل، والكنى، وأوهام المحدثين.
انظر: تاريخ بغداد 13/ 100، وطبقات الحنابلة 1/ 337، ووفيات الأعيان 5/ 194، وتذكرة الحفاظ 2/ 150، والبداية والنهاية 11/ 33، وتهذيب التهذيب 10/ 126.
(3) هو: الصحابي الجليل جابر بن عبد الله.
(4) سورة البقرة: آية 158.
(5) هذا جزء من حديث رواه جابر.
أخرجه مسلم في صحيحه/ 886 - 893، وأبو داود في سننه 2/ 455 - 464، بلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به)، والترمذي في سننه 2/ 176، 4/ 278 بمثل لفظ أبي داود، وقال: "هذا حديث حسن صحيح "، والنسائي في سننه 5/ 235، 239، 340 - 241، وابن ماجه في سننه/ 1022.
(6) هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار النسائي، صاحب السنن، القاضي الحافظ شيخ الإِسلام أصله من "نسا" بخراسان، ولد سنة 215 ه، وجال في البلاد، واستوطن مصر، ثم خرج إِلى فلسطين، توفي=
(1/136)

بما بدأ الله به) (1).
ولمسلم عن عدي بن حاتم: أنه عليه السلام قال: (بئس الخطيب أنت) -للقائل: ومن يعصهما- (قل: ومن يعص الله ورسوله) (2).
رد: الترتيب مستفاد من غيره.
والبدأة بالصفا من الأمر، وإلا لما أمر.
ونهى الخطيب لتركه إِفراد اسم "الله" بالتعظيم؛ لأن معصيتهما لا
__________
=سنة 303 ه.
من مؤلفاته: السنن، والضعفاء والمتروكون.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 77، وتذكرة الحفاظ 2/ 241، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 140، والبداية والنهاية 11/ 123، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 7، وشذرات الذهب 2/ 239، والرسالة المستطرفة/ 11.

(1) أخرج النسائي في سننه 5/ 236: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف سبعًا، رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم قرأ: (واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى)، فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، ثم استلم الركن، ثم خرج فقال: (إِن الصفا والمروة من شعائر الله)، (فابدءوا بما بدأ الله به).
وأخرجه الدارقطني في سننه 2/ 254.
وقد صححه بلفظ الأمر النووي في شرح صحيح مسلم 8/ 177.
(2) هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه/ 592، وأبو داود في سننه 1/ 660، 5/ 259، والنسائي في سننه 6/ 90.
وليس في سنن أبي داود ولا في سنن النسائي: (قل: ومن يعص الله ورسوله).
(1/137)

ترتيب فيها، وليس الترتيب في اللفظ من "الواو"، [بل (1)] لأن العرب تبدأ بالأهم؛ ولهذا لا ترتيب في: "رأيت زيدًا ورأيت (2) عمرًا" إِجماعًا.

مسائل
الفاء للترتيب والتعقيب (و)، قال بعضهم: عرفا.
وفي الواضح (3): لا تعقيب في: (كن فيكون) (4). قال بعضهم (5): قوله (لا تفتروا على الله كذبًا (6) فيسحتكم) (7) مجاز.
وحكى بعض أصحابنا عن بعض الناس: لا تعقيب. وهو باطل بإِجماع أهل اللغة، وبدخولها على الجزاء.
و"ثم": للترتيب بمهلة [(و)]. (8)
آية (9) "الحج" و "المؤمنون "في" النطفة" و "العلقة" قيل: الفاء لآخر
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) في (ح): "رأيت" بدون الواو.
(3) انظر: الواضح 1/ 26 ب.
(4) سورة البقرة: آية 117: (وإذا قضى أمرًا فإِنما يقول له كن فيكون).
(5) انظر: نهاية السول 1/ 218.
(6) نهاية 18 ب من (ب).
(7) سورة طه: آية 61.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(9) سورة الحج: آية 5: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة) وسورة المؤمنون=
(1/138)

"النطفة" (*) وأول "العلقة"، و "ثم" لأولهما (1). وقيل: يتعاقبان. وقيل: قد يستقرب لعظم الأمر فيؤتى ب "الفاء"، وقد يستبعد لطول الزمان فيؤتى ب "ثم".
وأما: (ثم الله شهيد) (2)، (ثم كان من الذين (3) آمنوا). (4) فقيل: لترتيب الأخبار بعضها على بعض، نحو: "زيد عالم ثم كريم"، لا المخبر عنه. وقيل: بمعنى "الواو".

و"حتى" العاطفة: للجمع أيضًا، قيل: للترتيب ك "ثم" , وقيل: بين "الفاء" و "ثم"، وقيل: لا ترتيب فيها.
ويشترط (5) كون معطوفها جزءًا من متبوعه، ليفيد (6) قوة أو ضعفاً،
__________
=آية 12 - 14: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا).
(*) كذا في النسخ. ولعل الصواب: وآية الحج والمؤمنون "في العلقة والمضغة"، "لآخر العلقة وأول المضغة" كما يتضح من قراءة الآيتين.
(1) في (ظ): لأولها.
(2) سورة يونس: آية 46: (وإما نرينَّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينَّك فإِلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون).
(3) نهاية 35 من (ح).
(4) سورة البلد: آية 11 - 17 (فلا اقتحم العقبة .. إِلى قوله .. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة).
(5) في (ب): ويشرط.
(6) في (ب): ليقيد.
(1/139)

لتحصل الغاية التي هي معناها. تقول: "مات الناس حتى الملوك، وقدم (1) الحاج حتى المشاة" لا يجوز العكس.
ونحو: "أكلت السمكة حتى رأسُها" بالجر ب "حتى" فإِنه باق، وبالنصب أي: أكلته، وبالرفع أي مأكول.

مسائل
مِنْ: لابتداء الغاية حقيقة، عند أكثر النحاة وعندنا، وقيل: حقيقة في التبعيض -وقاله ابن عقيل (2) في مسألة "الواو"- وقيل: في التبيين.

و"إِلى": لانتهاء الغاية، قال [بعض] (3) أصحابنا (4): و [قد] (5) تكون بمعنى "مع" كقول الكوفيين (6).
وابتداء الغاية داخل (و) (7)، لا ما بعد "إِلى" في الأصح عندنا فيهما (وم ش).

وعند أبي بكر (8) من أصحابنا: إِن كانت الغاية من جنس المحدود
__________
(1) نهاية 14 ب من (ظ).
(2) انظر: الواضح 2/ 71 أ.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: العدة/ 203، والتمهيد / 17 ب.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) انظر: الجنى الداني/ 308.
(7) هذا الرمز محي من (ظ).
(8) انظر: المسودة / 356 - 357.
(1/140)

كالمرافق دخلت، وإِلا فلا ك "إِلى الليل" و "إِلى الغد". وذكره القاضي عن أهل اللغة (1).
وعند الحنفية (2): إِن قامت الغاية بنفسها، لم تدخل (3) في الحكم، ك "بعتك من هنا إِلى هنا"، وإِن تناوله (4) صدر الكلام فالغاية لإِخراج ما وراءه (5) كالمرافق، والغاية في الخيار.
ومنع (6) (ه) دخول العاشر في: الإِقرار من درهم إِلى عشرة؛ لعدم التناول، وعند صاحبيه: (7) يدخل؛ لعدم القيام بنفسه. وكذا في الطلاق عندهم. (8)

و"على": للاستعلاء، وهي للإِيجاب.
و"في": للظرف، قال بعض أصحابنا: (9) حتى في: (ولأصلبنكم في (10)
__________
(1) انظر: المرجع السابق/ 357.
(2) انظر: فواتح الرحموت 1/ 244.
(3) في (ح): لم يدخل.
(4) كذا في النسخ، ولعل المناسب: وإن تناولها.
(5) كذا في النسخ، ولعل المناسب: ما وراءها.
(6) انظر: فواتح الرحموت 1/ 246.
(7) انظر: المرجع السابق 1/ 247.
(8) انظر: كشف الأسرار 2/ 180.
(9) انظر: كتاب إِملاء ما من به الرحمن 2/ 124.
(10) نهاية 19 أمن (ب).
(1/141)

جذوع) (1)، كقول البصريين. وأكثر أصحابنا: (2) بمعنى "على" كقول الكوفيين.
قال بعض أصحابنا: وللتعليل نحو: (لمسَّكم فيما أخذتم) (3) وللسببية نحو: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها). (4) وضعَّفه بعضهم بعدم ذكره لغة.
وذكر [بعض] (5) أصحابنا والنحاة ل "اللام" أقسامًا، وفي التمهيد: (6) حقيقة في الملك، لا يعدل عنه إِلا بدليل (7).

مسألة
ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية، عندنا (و) خلافاً لعباد بن سليمان المعتزلي (8).
__________
(1) سورة طه: آية 71: (ولأصبلنكم في جذوع النخل).
(2) انظر: العدة/ 208، والتمهيد/ 18أ، والواضح 1/ 27 أ.
(3) سورة الأنفال: آية 68.
(4) هذا جزء من حديث ورد بألفاظ. أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 30، من حديث ابن عمر. وتتمته: (فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) نهاية 36 من (ح).
(7) انظر: التمهيد/ 17 ب.
(8) هو: عباد بن سليمان الصيمري، كان من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، قال عنه=
(1/142)

لنا: ما سبق (1) من المشترك للشيء وضده ونقيضه. (2)
ولاختلاف الاسم لاختلاف الأمم مع اتحاد المسمى، وإِنما اختص كل لفظ بمعنى بإِرادة الفاعل المختار.
...

مبدأ اللغات: توقيف من الله -بإِلهام، أو وحي، أو كلام- عند أبي الفرج المقدسي وصاحب الروضة (3) وغيرهما، قال بعض أصحابنا (4): هو الظاهر عندنا (ور ظ) وجماعة.
__________
=أبو الحسين الملطي: كان أحد المتكلمين، فملأ الأرض كتبًا وخلافاً، وخرج عن حد الاعتزال إِلى الكفر والزندقة، لحدة نظره وكثرة تفتيشه. وقد بلغ مبلغاً عظيمًا. توفي في حدود سنة 250 ه.
من مؤلفاته: كتاب يسمى "الأبواب"، نقضه أبو هاشم. وله مجادلات ومناظرات مع عبد الله بن كلاب.
انظر: التنبيه والرد/ 39، والفهرست / 180، والتبصير في الدين مع هامشه/ 72، والمنية والأمل/ 83.
(1) انظر: ص 60، 62 من هذا الكتاب.
(2) النقيضان هما: المعلومان اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم المضافين إِلى معين واحد. والضدان هما: المعلومان اللذان لا يجتمعان ويرتفعان، لاختلاف الحقيقة، كالسواد والبياض.
انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 68.
(3) انظر: الروضة/ 172.
(4) انظر البلبل/ 36، ومجموع الفتاوى 7/ 91، 12/ 447.
(1/143)

وقال أبو هاشم المعتزلي (1) وجماعة (2): اصطلاحية، وضعها واحد أو جحاعة، وعرف الباقون بإِشارة وتكرار، كالطفل والأخرس والجارح للاصطياد.
وقال (3) أبو إِسحاق الإِسفراييني (4): ما يحتاج إِليه توقيف (5). قيل: وغيره ممكن، وقيل: اصطلاح.
وقال ابن الباقلاني (6) وأبو المعالي (7) وابن برهان (8) وجماعة: الجميع ممكن. واختاره القاضي (9) وأبو الخطاب، (10) في كلامه أيضًا: لا يجوز
__________
(1) هو: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أبناء "أبان" مولى عثمان، عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت "البهشمية" نسبة إِلى كنيته "أبو هاشم"، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه من قبله. مولده ببغداد سنة 247 ه، ووفاته بها سنة 321 ه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 55، ووفيات الأعيان 3/ 183، وميزان الاعتدال 2/ 618، والبداية والنهاية 11/ 176، وخطط المقريزي 2/ 348.
(2) انظر: مجموع الفتاوى 7/ 91.
(3) انظر: الوصول لابن برهان/ 12 ب، والمسودة / 563.
(4) نهاية 15 أمن (ظ)
(5) في (ب) و (ظ): توقيفي.
(6) انظر: الوصول لابن برهان/ 12 ب، والمسودة/ 563.
(7) انظر: البرهان لأبي المعالي 1/ 170.
(8) انظر: الوصول لابن برهان/ 12 ب- 13 أ.
(9) انظر: العدة/ 190 - 191.
(10) انظر: التمهيد/ 12 أ-ب.
(1/144)

أن شيئًا منها توقيف. وحكي عن المعتزلة. (1)
واختار ابن عقيل: (2) بعضها توقيف، وبعضها اصطلاح. وذكره عن المحققين. وعنده: الاصطلاح بعد خطابه تعالى، وأبطل القول (3) بسبقه له.
وقال بعض أصحابنا: قطع قوم بأحد ما ذكر عيناً، وظنه قوم، وتوقف (4) الأكثر.

القائل بالتوقيف: (وعلم آدم) (5).
قالوا: ألهمه أو (6) علمه بعضها، أو اصطلاحاً سابقًا، أو حقيقة الشيء وصفته، لقوله: (ثم عرضهم).
رد: الأصل اتحاد (7) العلم، وعدم اصطلاح سابق (8)، وحقيقة اللفظ، وقد أكده ب (كلها)، وفي الصحيحين (9) في حديث الشفاعة: (وعلمك
__________
(1) انظر: المسودة/ 563.
(2) انظر: الواضح 1/ 207 أوما بعدها.
(3) في (ب): "وأبطل القول القول"، بتكرار لفظ "القول".
(4) في (ب): وتوقيف.
(5) سورة البقرة: آية 31: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إِن كنتم صادقين)
(6) في (ب): وعلمه.
(7) في (ح): إِيجاد.
(8) نهاية 19 ب من (ب).
(9) وهما: صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
(1/145)

أسماء كل شيء) (1)، وفي الرابع (2): (3) إِضافة الشيء إِلى نفسه في قوله: (بأسماء هؤلاء)، فالتعليم للأسماء وضمير (عرضهم) للمسميات.
ولظاهر قوله: (ما فَرَّطْنا) (4)، وقوله (عَلَّم الإِنسان) (5)، وقوله: (واختلاف ألسنتكم) (6)، وحمله على اللغة أبلغ من الجارحة، وعلى اختلاف اللغات أولى من الإِقدار عليها، لقلة الإِضمار.

القائل بالاصطلاح: (وما أرسلنا من رسول إِلا بلسان قومه) (7)، فاللغة سابقة، لئلا يلزم الدور.
__________
(1) حديث الشفاعة حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 17، 9/ 121، من حديث أنس.
وأخرج مسلم أصل الحديث في صحيحه/ 180، وليس فيه: (وعلمك أسماء كل شيء).
وأخرج أبو داود في سننه 5/ 78 - 79 حديث عمر في محاجة آدم وموسى، وفيه: (وعلمك الأسماء كلها). وسكت عنه.
(2) وهو قولهم: "أو حقيقة الشيء وصفته". فيلزم منه إِضافة الشيء إِلى نفسه ... الخ.
(3) نهاية 37 من (ح).
(4) سورة الأنعام: آية 38: (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
(5) سورة العلق: آية 5: (علم الإِنسان ما لم يعلم).
(6) سورة الروم: آية 22: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم).
(7) سورة إِبراهيم: آية 4.
(1/146)

رد: لا ينحصر التوقيف في الرسالة، ويجوز تعليم آدم قبل بعثته. (1)
قالوا: التوقيف يتوقف على معرفة أن ذلك اللفظ لذلك المعنى، ولا يعرف إِلا بأمر خارج، فإِن كان توقيفًا: تسلسل، فتعين الاصطلاح.
رد: بقطع التسلسل بخلق علم ضروري لمن سمع اللفظ أنه لذلك المعنى، ويلزم مثله في الاصطلاح؛ لأن ما يتخاطب به إِن كان باصطلاح: تسلسل، فتعين التوقيف. (2)
ويجوز (3) تسمية الشيء بغير التوقيف -ما لم يحظره الله- فيبقى له اسمان: "توقيف، واصطلاح"، ذكره القاضي (4) [وغيره] (5) وقاله ابن الباقلاني وغيره (ظ) وغيرهم (6).
...

طريق معرفة اللغة: التواتر فيما لا يقبل تشكيكًا ك "سماء" و "أرض"، والظن في غيره.
قال بعض أصحابنا وغيرهم: (7) والأدلة القولية تفيد اليقين، وأن عند
__________
(1) في (ظ): بعثه.
(2) في (ظ): التوقف.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 287، والذخر الحرير/ 18.
(4) انظر: العدة/ 191.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) انظر: المسودة/ 563.
(7) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 292، والمسودة / 240، والذخر الحرير/ 19.
(1/147)

السلف لا يعارض القرآن غيره بحال. وَحَدَثَ ما قيلَ أمورٌ قطعية عقلية تخالف القرآن.
ومن النقل: استنباط العقل، كنقل دخول استثناء (1) في جمع معرف وأنه (2) إِخراج، فيقال بأنه عام. والله أعلم.
...
__________
(1) نهاية 15 ب من (ظ).
(2) في (ظ): فإِنه.
(1/148)

فصل في مادة أصول الفقه من تصور الأحكام الشرعية
لا حاكم إِلا الله: فالعقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب ولا يحرم، عند أكثر أصحابنا -قاله أبو الخطاب (1) وغيره- منهم: ابن عقيل (2) وذكره مذهب أحمد (3) [وأهل السنة والفقهاء] (4)، والقاضي (5) وتعلّق بقول أحمد: "ليس في السنة قياس، ولا تضرب (6) لها الأمثال، ولا تدرك بالعقل، وِإنما هو الاتباع" (7). ورده أبو الخطاب (8): بأنه إِن صح عنه فالمراد به الأحكام الشرعية (9).
__________
(1) انظر: التميهيد/ 195 أ.
(2) انظر: الواضح 1/ 6 ب.
(3) نهاية 20 أمن (ب).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: العدة/ 422، 190أ، والمعتمد للقاضي/ 21.
(6) نهاية 38 من (ح).
(7) رواه عبدوس بن مالك العطار عن أحمد. انظر: العدة/ 190 أ- ب، والتمهيد/ انظر: التمهيد/ 201 أ.
(8) انظر التمهيد/ 201 أ.
(9) التي سنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشرعها. انظر: التمهيد/ 201 أ.
(1/149)

وهو قول الأشعرية وبعض الجهمية (1)، قال الآمدي (2): وأكثر العقلاء، وأن عندهم يطلقان باعتبار موافقة الغرض ومخالفته، وباعتبار (3) أمر الشارع بالثناء على فاعله فيعمّ [فعل الله و] (4) الواجب والمندوب، أو ذمّه فيختص الحرام، وباعتبار ما لفاعله -مع العلم والقدرة- فعله، بمعنى نفي الحرج، فيعم المباح -زاد بعضهم: والمكروه- والقبيح ما قابله، وهذه الاعتبارات إِضافية لا ذاتية، لاختلافها باختلاف الأغراض، وأمر الشارع، وأحوال الفاعلين.
أما فعل الله فحسنٌ بعد الشرع بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالثالث، وفعل العاقل قبل الشرع حصن بالأول والثالث، وبعده بالجميع.
وفعل الله بالاعتبار الأول مسألة (5) فعله وأمره لعلة وحكمة، أو بهما (6): ينكره كثير من أصحابنا كالقاضي (7) وكثير من المالكية (8)
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 1/ 160، والتمهيد/ 201 أ.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 79.
(3) في (ظ): "باعتبار" بدون الواو.
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(5) في هامش (ظ): هذه المسألة ليست بمسألة مبتدأة، وإينما المعنى: وفعل الله تعالى باعتبار موافقة الغرض هو مسألة فعله وأمره لعلة أو حكمة أو لهما. فقوله "فعله" مجرور بإضافة "مسألة" إِليه.
(6) في (ظ) أولهما.
(7) انظر: العدة/ 421، والمعتمد للقاضي 1/ 107، 148.
(8) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 90.
(1/150)

والشافعية، وقاله الجهمية (1) والأشعرية والظاهرية وغيرهم.
ويثبته آخرون من أصحابنا وغيرهم، وذكره بعضهم إِجماع السلف والجمهور، وقاله (2) المعتزلة والكرامية والشيعة (3)، للنصوص، ولئلا يكون أمر الشارع بأحد المتماثلين ترجيحًا بلا مرجح.
__________
(1) تقدم ذكر "الأشعرية" على ذكر "الجهمية" في (ظ).
(2) قوله: "وقاله المعتزلة والكرامية والشيعة" مثبت من (ب). وقد جاء متأخرًا في (ح) و (ظ). وسأشير إِليه بعد قليل. ولعل الصواب: ثبوته هنا. وقد كان مثبتًا -هنا- في (ح)، ثم ضرب عليه، وأثبت متأخرًا.
(3) الشيعة: إِحدى الفرق المشهورة، وهم الذين شايعوا علياً -رضي الله عنه- على الخصوص، وقالوا بإمامته نصاً ووصاية من الرسول- عليه السلام- إِما جليًا، وإما خفياً، واعتقدوا أن الإِمامة لا تخرج من أولاده، وإِن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية منه ومن أولاده.
وإِنما سميت الشيعة شيعة لمشايعتهم علياً وأولاده، والمشايعة: الوالاة والمناصرة، والشيعة: الأولياء والأنصار والأصحاب والأحزاب ...
ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة -وجوبًا- عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبرؤ قولاً وفعلاً وعقدًا لا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك.
وقد افترقوا إِلى فرق كثيرة، وأصولهم ثلاث فرق: غلاة، وزيدية، وإمامية، وبعضهم يميل في الأصول إِلى الاعتزال، وبعضهم إِلى السنة، وبعضهم إِلى التشبيه.
انظر: الفرق بين الفرق/ 29، والملل والنحل 1/ 234، والفرق الإِسلامية/ 33، والحور العين/ 178.
(1/151)

وجوزت طائفة الأمرين.
وعند الأولين ترجح لمجرد المشيئة (1)، ويقولون: علل الشرع أمارات محضة، وبعضهم يقول: بالمناسبة ثبت الحكم عندها لا بها، وبعضهم كالغزالي -وقاله من أصحابنا أبو الخطاب وأبو (2) محمد (3) بن المَنِّي وصاحب الروضة- يقول: (4) الشارع جعل الوصف المناسب موجباً لحسن
__________
(1) جاء -هنا- في (ح) و (ظ): "قاله المعتزلة والكرامية والشيعة".
وقد أثبت في (ب) متقدماً، كما أشرت إِلى ذلك قبل قليل. وقلت: لعل ذكره هناك هو الصواب.
(2) نهاية 39 من (ح).
(3) كذا في النسخ. ولم أجد في أصحابنا: "أبو محمد بن المنِّي". والموضوع بين أمرين:
1 - إضافة "غلام" بين "أبو محمد" و "ابن"، فيكون هكذا: و "أبو محمد غلام ابن المني" وهو: الفخر إسماعيل".
2 - حذف "أبو محمد" أو إِبدالها ب "أبو الفتح"، فيكون هكذا: "وابن المنِّي" أو "وأبو الفتح بن المنِّي". والأمر الثاني هو ما أميل إِليه استنادًا إِلى سياق هذا الكلام في شرح الكوكب المنير 1/ 318.
وابن المنِّي هو: نصر بن فتيان بن مطر النهرواني ثم البغدادي، أبو الفتح، المعروف ب "ابن المني"، الفقيه الزاهد، فقيه العراق، ولد سنة 501 ه، وصرف همته طول عمره إِلى الفقه أصولاً وفروعًا، وقام بعدة رحلات علمية، قرأ الفقه عليه خلق كثير في الشام وبغداد وغيرهما، توفي سنة 583 ه.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 358، وشذرات الذهب 4/ 276.
(4) في (ح): نقول.
(1/152)

الفعل وقبحه، لا أنه [كان] (1) حسناً وقبيحًا قبله، كما يقوله (2) المثبتون.
ومن أهل السنة (3) من يسمي الحكمة "غرضًا" حتى من المفسرين كالثعلبي (4) -كقول المعتزلة- ومنهم من لا يطلقه؛ لأنه يوهم المقصود الفاسد.
وقال (5) أبو الحسن التميمي من أصحابنا: "العقل (6) يحسن ويقبح، ويوجب ويحرم"، وقاله أبو الخطاب (7)، وقال: (8) "وهو قول عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة"، وقاله الحنفية (9).
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) نهاية 20 ب من (ب).
(3) انظر: المعتمد للقاضي/ 107، 148، ومنهاج السنة 2/ 240.
(4) هو: أبو إِسحاق أحمد بن محمد بن إِبراهيم الثعلبي، مفسر من أهل نيسابور، وله اشتغال بالتاريخ، توفي سنة 427 ه.
من مؤلفاته: عرائس المجالس في قصص الأنبياء، والكشف والبيان في تفسير القرآن، ويعرف ب "تفسير الثعلبي".
انظر: اللباب 1/ 237، وإنباه الرواة 1/ 191، ووفيات الأعيان/ 791، والبداية والنهاية 12/ 40.
(5) حكاه في العدة/ 190أ، وفي التمهيد/ 201 أ.
(6) نهاية 16 أمن (ظ).
(7) انظر: التمهيد/ 201 أ.
(8) انظر: المرجع السابق.
(9) في كشف الأسرار 4/ 231: والقول الصحيح هو قولنا: أن العقل غير موجب=
(1/153)

وللمالكية (1) والشافعية (2) وأهل الحديث قولان.
وذكر (3) أبو نصر السِّجْزي (4)، وأبو القاسم الزَّنْجاني (5): أن الأول (6)
__________
=بنفسه، لا كما قال الفريق الأول -يعني المعتزلة- وغير مهدر أيضًا، لا كما قال الفريق الثاني -يعني الأشاعرة- فإن من أنكر معرفة الله تعالى بدلالات العقول وحدها فقد قصر، ومن ألزم الاستدلال بلا وحي ولم يعذره بغلبة الهوى- مع أنه ثابت في أصل الخلقة- فقد غلا ... الخ. وفي تيسير التحرير 2/ 150: قول الحنفية عين قول المعتزلة.
وانظر: فواتح الرحموت 1/ 25. فالذي يظهر أن الحنفية عنهم قولان في المسألة.
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 88، وشرح العضد 1/ 199.
(2) انظر: المنخول 151، وغاية المرام/ 235.
(3) انظر: كتاب الرد على المنطقيين/ 421.
(4) هو عبيد الله -وقيل: عبد الله- بن سعيد بن حاتم السجزي الوائلي البكري، من حفاظ الحديث، جاء ذكره في طبقات الأحناف، أصله من سجستان، ونسبته إِليها على غير قياس، سكن مكة، وتوفي بها سنة 444 ه.
من مؤلفاته: الإبانة عن أصول الديانة في الحديث.
انظر: المنتظم 8/ 310، والجواهر المضية 1/ 338، وتذكرة الحفاظ 3/ 297، وتاج التراجم/ 39، والرسالة المستطرفة/ 39.
(5) في كتاب الرد على المنطقيين/ 421: سعد بن علي.
وهو: أبو القاسم سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين الزنجاني، الحافظ الزاهد الورع، الشافعي، ولد في حدود سنة 380 ه. سمع بمصر وبزنجان وبدمشق، وجاور بمكة، وصار شيخ حرمها، وروى عنه كثيرون، توفي بمكة سنة 471 ه.
والزنجاني: نسبة إِلى "زنجان" وهي بلدة على حد أذربيجان.
انظر: المنتظم 8/ 320، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 383، والنجوم الزاهرة 5/ 108، وشذرات الذهب 3/ 339.
(6) وهو نفي الحسن والقبح العقليين. انظر: الرد على المنطقيين/ 421.
(1/154)

أحدثه الأشعري.
وقالت المعتزلة والكرامية والرافضة (1) بالثاني، فقدماء المعتزلة: بغير صفة في الفعل بل لذاته، وقيل: بصفة لازمة، وقيل به في القبيح، والجبائية: بصفة عارضة: فإِن كانت بالقياس إِلى شيء آخر فهي اعتبار، لملاحظة العقل المحل المجاوز عنه إِلى غيره، وإلا فهي وجه تشبيهاً بوجه الإِنسان؛ لامتيازه به.
__________
(1) من المحققين من يجعل "الرافضة" مرادفة ل "الشيعة"، فيقسمها إِلى أصناف الشيعة، وهي: غلاة، وزيدية، وإمامية.
واعترض على ذلك بأن الزيدية ليست من الرافضة؛ لأنهم أتباع زيد بن علي الباقون على اتباعه، والرافضة هم الذين كانوا معه ثم تركوه، لأنهم طلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين، فقال: لا. فرفضوه وتفرقوا عنه. وجاء تعيينهم في الملل والنحل بأنهم شيعة الكوفة. وجاء في الحور العين: وسميت الرافضة من الشيعة رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتركهم الخروج معه حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر فلم يجبهم إِلى ذلك.
وقال المعترض: وقد يطلق بعض الناس اسم الرافضي على كل من يتولى أهل البيت، فتدخل الزيدية على هذا الأساس.
ومن المحققين من يجعل "الرافضة" مرادفة ل "الإِمامية" التي هي صنف من أصناف الشيعة، كما فعل الإمام أبو الحسن الأشعري، فقد قسم الشيعة إِلى ثلاثة أقسام: غلاة، وإمامية "رافضة"، وزيدية. وقال: الرافضة "الإِمامية" ... وإِنما سموا رافضة لرفضهم إِمامة أبي بكر وعمر ... قال: وهم يدعون "الإِمامية" لقولهم بالنص على إِمامة علي بن أبي طالب ... أه. وما ذكره حسن.
انظر: الفرق بين الفرق/ 21، والملل والنحل 1/ 251، والحور العين/ 184، ومقالات الإِسلاميين 1/ 88 - 89.
(1/155)

وقال بعض أصحابنا (1): لم يقل أحد أن الحسن والقبح لازم لذات الفعل، كما تظنه طائفة نقلت قولهم. وقال أيضًا: كون الفعل سببًا للثواب والعقاب مما يلائم الفاعل وينافره، وكل ملاءمة ومنافرة للإِنسان إِنما تعود إِلى الملاءمة الطبيعية والمنافرة الطبيعية، لكن قد يكون الفعل ملائمًا من وجه، منافرًا من وجه، وعقله يأمره بأنفعهما له، فمن ادعى حسنًا أو قبحًا عقليًا أو شرعيًا -بغير ملاءمة ومنافرة- فقد (2) قال ما لا يعرف، ولم يتصور ما يقول، ولا دليل لمن نفاه، كما لا دليل لمن أثبته بغير ملاءمة الفاعل ومنافرته. والله أعلم.

وجه الأول: قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (3)، (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (4)، ويلزم من ترك (5) الواجب وفعل المحرم عدم الأمن من العذاب، لعدم تحققهما دونه، واللازم منتف قبل الشرع بالآية، فلا (6) ملزوم. اعتمد عليه الآمدي (7) وغيره.
__________
(1) انظر: كتاب الرد على المنطقيين/ 422.
(2) نهاية 40 من (ح).
(3) سورة الإسراء: آية 15.
(4) سورة النساء: آية 165: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا)
(5) في (ظ): يترك.
(6) نهاية 21 أمن (ب).
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 92.
(1/156)

واعترض بأن هذا فيما طريقه الشرع لا العقل بدليل أدلتنا، قاله أبو الخطاب (1)، ولا يلزم من الوجوب والتحريم استحقاق العذاب، كما سبق (2) من أنه الطلب الجازم فقط، ثم: لا يلزم من استحقاق العذاب وقوعه، لجواز العفو، أو لأن السمع شرط فيه، وإِرسال الرسل أقطع للعذر، ودلالتها مفهوم.
رد: بعموم الآية، وتأتي أدلتهم، واللازم يلزم المعتزلة (3) على أصلهم.
وقال بعض أصحابنا: لا يستحق العذاب إِلا بإِرسال الرسل، فهم (4) (5) شرط حصوله، فالأمن منه حاصل.
ولأنه لا تكليف قبل البلوغ. كذا قيل، وفيه نظر.
والاعتراض والجواب كما سبق، ومنعه أبو الخطاب (6) والمعتزلة فيما يستفاد بالعقل إِذا (7) عقل الحسن والقبيح.

ولأنه (8) لو قبح الكذب لذاته أو صفة لازمة: اجتمع النقيضان في
__________
(1) انظر: التمهيد لأبي الخطاب 2021 ب.
(2) كذا في النسخ. ولعل الصواب: "كما سيأتي". فإِن الكلام على ذلك سيأتي في بحث "الواجب". ولم يسبق فيه شيء.
(3) في (ظ): للمعتزلة.
(4) في (ظ): فيهم.
(5) نهاية 16 ب من (ظ).
(6) انظر: التمهيد/ 203 ب.
(7) في (ظ): إِن.
(8) في (ظ): "ولا لو". وفي نسخة في هامش (ب): "وإلا لو".
(1/157)

صدق من قال: "لأكذبن غداً"، وكذا في كذبه، ولَمَا حَسُنَ إِذا تعيّن لنع معصومٍ من قتل.

ورد هذا: بمنع تعيينه، ثم (1) بمنع حسنه: روى ابن أبي الدنيا (2) بإِسناد ضعيف عن عمران (3) مرفوعًا: (إِن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). (4)
__________
(1) من قوله: "ثم بمنع حسنه" إِلى قوله: "وثبت عن النخعي" أثبت من (ب) و (ظ). وجاء في (ح) تعبير عن هذا الكلام بألفاظ أخر، وهي: "اكتفاء بالتعريض، للخبر المرفوع والأثر، ثم بمنع حسنه". ثم أثبت في هامشها ما هو مثبت في (ب) و (ظ). وأبقي ما فيها على ما هو عليه.
(2) هو: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي، الأموي مولاهم، البغدادي، واعظ حافظ للحديث، مكثر من التصنيف، ولد ببغداد سنة 208 ه، وتوفي بها سنة 281 ه.
من مؤلفاته: الفرج بعد الشدة، والشكر، والعقل وفضله، وذم الدنيا.
انظر: الفهرست/ 185، وتاريخ بغداد 10/ 89، وطبقات الحنابلة 1/ 192، وتذكرة الحفاظ 2/ 224، وفوات الوفيات 1/ 236، وتهذيب التهذيب 6/ 12.
(3) هو الصحابي أبو نجيد عمران بن حصين.
(4) ترجم البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب: باب المعاريض مندوحة عن الكذب 8/ 46 - 47. ولم يذكره.
وفي الأدب المفرد للبخاري، باب المعاريض/ 305: حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: صحبت عمران ابن حصين إِلى البصرة، فما أتى علينا يوم إِلا أنشدنا فيه الشعر، وقال: إِن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب.=
(1/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=وفي المقاصد الحسنة للسخاوي/ 115، 116 - بعد أن ذكر ما جاء في الأدب المفرد للبخاري-: وأخرجه الطبري في التهذيب، والبيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وهو عند ابن السني من طريق الفضل بن سهل حدثنا سعيد بن أوس حدثنا شعبة عن قتادة به مرفوعًا، وكذا قال البيهقي: رواه داود بن الزبرقان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، لكن عن زرارة بن أوفى عن عمران مرفوعًا. قال: والموقوف هو الصحيح. وكذا وهّى المرفوع ابن عدي. قال البيهقي: وروي من وجه آخر ضعيف مرفوعًا، يشير إِلى ما أخرجه أيضًا من طريق أبي بكر بن كامل في فوائده من حديث علي مرفوعًا. وكذا هو عند أبي نعيم من طريق الديلمي من جهة يعقوب بن إِبراهيم بن سعد حدثنا أبو موسى عن عطاء بن السائب حدثنا عبد الله بن الحارث عن علي رفعه: (إِن في المعاريض ما يكفي الرجل العاقل عن الكذب).
وبالجملة فقد حسن العراقي هذا الحديث، وقال عن سند ابن السني: "إِنه جيد"، ورد على الصغاني حكمه عليه بالوضع.
وللبخاري أيضًا في الأدب المفرد -باب المعاريض ص 305 - والبيهقي في الشعب من طريق أبي عثمان النهدي عن عمر قال: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب؟ ورواه العسكري من حديث محمد بن كثير عن ليث عن مجاهد قال، قال عمر بن الخطاب: إِن في المعاريض لمندوحة للرجل المسلم الحر عن الكذب. وأشار إِلى أن حكمه الرفع. وقال: المعاريض: ما حادت به عن الكذب، والمندوحة: السعة. انتهى ما في المقاصد. وانظر -أيضًا-: كشف الخفاء 1/ 270، 271.
وفي النهاية لابن الأثير، مادة "عرض" 3/ 212: وفيد: (إِن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). المعاريض: جمع معراض، من التعريض، وهو: خلاف التصريح من القول.
يقال: عرفت ذلك في معراض كلامه ومعرض كلامه، بحذف الألف. أخرجه أبو عبيد وغيره من حديث عمران بن حصين. وهو حديث مرفوع. ومنه حديث عمر:=
(1/159)

وثبت عن النخعي (1)، وسُلِك لدفع ما هو أقبح منه، وقاله أبو الخطاب أيضًا، وذكره ابن عقيل (2) عن قوم، وبعَّده بأنه يلزمهم تحريم الميتة في الضرورة، وسلك لبقاء النفس.

ولأن المقتضي لقبح الخبر الكاذب: إِما نفس الخبر فيلزم قبحه مع صدقه، أو عدم الخبر عنه فيكون العدم علة لأمر ثبوتي، أو هما (3) فجزء علته، أو خارج: فإِما لازم للخبر، أو عدم المخبر عنه، أو هما، فيلزم ما لزم، أو لازم لخارج: عاد التقسيم [في الخارج] (4) وتسلسل، أو غير لازم، فيمكن مفارقته له، فلا يقبح الخبر الكاذب.
__________
="أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب؟ ".
وفي النهاية لابن الأثير، مادة "ندح" 5/ 35: فيه: (إِن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). أي: سعة وفسحة. يقال: ندحت الشيء, إِذا وسعته. وإنك لفي ندحة ومندوحة من كذا. أي: سعة. يعني: أن في التعريض بالقول من الاتساع ما يغني الرجل عن تعمد الكذب.
(1) هو: أبو عمران إِبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحًا وصدق رواية وحفظًا للحديث، من أهل الكوفة، ولد سنة 46 ه، وتوفي مختفيًا من الحجاج سنة 96 ه.
انظر: طبقات ابن سعد 6/ 188، وحلية الأولياء 4/ 219، ووفيات الأعيان 1/ 25، وتاريخ الإِسلام 3/ 335، وغاية النهاية 1/ 29، وتهذيب التهذيب 1/ 177.
(2) انظر: الواضح 1/ 29 أ.
(3) نهاية 41 من (ح).
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(1/160)

ورد: بجواز كون عدم المخبر عنه شرطاً في القبح، والشرط غير مؤثر.
ويأتي تعليل (1) أمر ثبوتي بعدم. (2)

واحتج الآمدي (3): لو كان ذاتيًا: لزم قيام العَرَض بالعَرَض؛ لأن الحسن (4) زائد على الفعل، وإِلا لزم تعقله بتعقله، والحسن وجودي، لقيامه بالفعل، لأنه صفته، ولأن نقيضه: [لا] (5) حسن، وهو عدمي لاتصاف العدم به، وإِلا استلزم محلاً وجوديًا، والعرض لا يقوم إِلا بجوهر أو بما (6) يقوم به قطعًا للتسلسل.
ورد: بأن الاستدلال بصورة النفي على الوجود دور، فإِنه قد يكون ثبوتيًا ك "اللامعدوم" (7)، أو منقسمًا ك "كاللا امتناع" (8) يصدق على
__________
(1) في (ظ): تعلل.
(2) يأتي ذلك في القياس.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 84.
(4) نهاية 21 ب من (ب).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) في (ب): "أو ما"، بدون الباء.
(7) قوله: "كاللامعدوم" مثبت من (ب) و (ح). وكانت هذه الكلمة موجودة في (ظ) ثم محيت وبقي منها: "كالا". ثم كتب في هامشها: لعله "كالانعدام". وفي شرح العضد 1/ 206: ثبوتياً كاللاامتناع.
(8) في (ب): "كالامتناع". والمثبت من (ح)، لكنه رسم هكذا: "كاللامتناع" وكانت مرسومة في (ظ) كما في (ح)، ثم جعلت "كالامتناع". وفي شرح العضد 1/ 207: أو منقسمًا ... كاللا معلوم.
(1/161)

موجود ومعدوم ممكنين.
وبمنع أن العدم ليس صفة ذاتية للشيء، لاقتضاء (1) كل أمر باتصافه بنقيض مباينه، فإِن الإِنسان يتصف بكونه لا فرسًا.
ولا نسلم امتناع قيام عرض بعرضٍ قائمٍ بجوهر.
وبانطباق الدليل على الإِمكان بأنه ثبوتي؛ لأن نقيضه: لا إِمكان.
ورده الآمدي (2): بأن الإِمكان تقديري، فنقيضه: نفي التقدير، والمقدر ليس عرضًا. فقيل له: فمثله (3) في الحسن. فقال: يخرج عن كونه صفة ثابتة للذات وهو المطلوب.

واستدل: فعل العبد ليس اختياريًا، فلا يوصف بهما (4) لذاته إِجماعاً؛ لأنه إِن لم يمكنه تركه فضروري (5)، وإن أمكنه: فإِن افتقر إِلى مرجح عاد التقسيم وتسلسل، وإلا كان اتفاقيًا.
ورد: بالقطع بأنه اختياري (6)، للعلم بالفرق بين الضرورة والاختيار، كحركة الإِنسان في أرض مستوية وإِلى أسفل، والتشكيك في الضروري لا يستحق جواباً.
__________
(1) في (ب): "لاقتفا".
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 85.
(3) نهاية 17 أمن (ظ).
(4) في (ظ): بها.
(5) نهاية 42 من (ح).
(6) في (ب):اختاري.
(1/162)

وبلزوم الدليل في فعل الله، وأن لا يوصف فعل العبد بحسن ولا قبح شرعًا لكونه غير مختار.
والحق أن المرجح هو الاختيار، ولزوم الفعل (1) به لا ينافي القدرة عليه.
ولا وجه لمن ذكر هذا الدليل وضَعَّفه، (1/ 1) ثم يحتج فيقول: لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفته (2) لم يكن الباري مختارًا في الحكم، لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فيلزم الآخر، فلا اختيار. ولهذا لم يذكره الآمدي وغيره، لكن عندهم أن أفعاله تعالى لا تعلل، والخصم يخالفهم.
وكذا لم يذكروا ما احتج (3) به هذا (3/ 1) على الجبائية -لضعفه- (4) من: أن الفعل لو حسن أو قبح لغير الطلب، لم يكن تعلق الطلب لنفس الفعل، بل لذلك الاعتبار، لتوقفه عليه، والتعلق نسبة بينهما، وهي لا تقف إِلا عليهما (5).
ورد: بتعلق الطلب بالفعل بشرط حسنه، فالتعلق -الذي هو نسبة- متوقف على هذا الشرط.
__________
(1) في (ب) و (ظ): العقل. (1/ 1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 1/ 203، 209.
(2) في (ب) و (ح): "أو صفته" بدون اللام.
(3) نهاية 22 أمن (ب). (3/ 1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 1/ 209.
(4) قوله: "لضعفه" ضرب عليه في (ظ). وفي (ب) ما يشير إلى سقوط هذه الكلمة في بعض النسخ.
(5) في (ظ) إِلا عليها.
(1/163)

ووجه الثاني: أن حسن الإِيمان والصدق النافع وقبح ضدهما معلوم ضرورة بإِجماع العقلاء.
ورد (1): إِنما علم بعرف أو شرع أو برهان، ولمخالفة أكثر العقلاء أو كثير منهم فيه، ثم: لا يلزم كونه ذاتيًا إِلا أن يتجرد عن أمر خارج وهو ممنوع.
رد الأول: بأن غير أهل الأديان كهم في هذا بل أكثر، فدل أن طريقه العقل، ذكره في التمهيد (2)، والأصل عدم أمر خارج.
وأيضًا: (3) من استوى في غرضه الصدق والكذب يؤثر الصدق، وليس إِلا لحسنه في ذاته.
رد: بمنع تساويهما لتنافيهما، ثم: بمنع إِيثاره، ثم: لا يلزم في الغائب؛ لأنه يقبح منا التمكين من المعاصي، لا من الله.
وأيضًا (4): يلزم إِفحام الرسل؛ لأن المدعو يمتنع عن النظر في المعجزة حتى (5) يعلم وجوبه، ولا وجوب قبل الشرع.
__________
(1) من قوله: "ورد" إِلى قوله: "عدم أمر خارج" أثبت من (ب) و (ظ). وجاء الكلام في
(ح) هكذا: "قال أبو الخطاب وغيره: ومنهم من قال أعرفه بالنظر. فهو مقر بالحسن والقبح، ومدع غير طريق الجماعة. فيقال: غير أهل الأديان كهم في هذا بل أكثر. فدل أن طريقه العقل. ورد: إِنما علم بعرف أو شرع أو برهان. ولمخالفة أكثر العقلاء فيه. ثم لا يلزم كونه ذاتيًا إِلا أن يتجرد عن أمر خارج، وهو ممنوع".
(2) انظر: التمهيد/ 202 أ.
(3) في (ح): ولأن.
(4) في (ح): ولأنه.
(5) في (ب): يعتي.
(1/164)

ورد: يلزم مثله في النظر، فإِنه غير ضروري، فيمتنع ما لم يجب، ولا يجب (1) ما لم ينظر، على أن النظر لا يتوقف على وجوبه؛ لأنه قد (2) ينظر من لا يعلم وجوبه، تم: لو توقف فوجوبه شرعي، نظر أو لم ينظر، ثبت عنده الشرع أوْ لا، وغايته تكليف غافل عن وجوب المكلف به.
ورد [الجواب] (3) الأول: باقتضاء العقل وجوب النظر للأمن. والثاني: بأن الأصل [عدمه] (4). وبمنع الثالث للعذر.
وأيضًا: لو كانا شرعيين جاز إِظهار المعجزة للكاذب، والنهي عن الطاعة والأمر بالمعصية، ولم يقبح شيء من الكفر قبل السمع.
ورد الأول: بأنه لا يمتنع لذاته. بل عادة، والثاني: بأنه لا يمتنع ورود (5) الشرع بخلافه، وبالتزام الثالث، كذا ذكره الأشعرية.
وأما أصحابنا: فقال أبو الحسن التميمي: لا يجوز (6) أن يرد الشرع بما يخالف حكم العقل إِلا بشرط منفعة تزيد في العقل -أيضًا- على ذلك الحكم، كذبح الحيوان، والبط، والفصد، وقال أيضًا: (7) لا يجوز أن يرد
__________
(1) في (ح) -هنا- زيادة "على". وعبارته: ولا يجب على ما لم ينظر.
(2) نهاية 17 ب من (ظ).
(3) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) نهاية 22 ب من (ب).
(6) انظر: العدة/ 190أ، والتمهيد/ 200 أ.
(7) انظر: المرجعين السابقين.
(1/165)

بحظر موجبات العقل أو إِباحة محظوراته.
وقال القاضي والحلواني (1) وغيرهما: ما يعرف ببدائه العقول وضروراتها -كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم- لا يجوز أدن يرد الشرع بخلافه، وإِلا فلا يمتنع أن يرد. ومعناه قول أبي الخطاب (2) قال (3): وقيل: يرد بما لا يقتضيه العقل إِذا كان العقل لا يحيله.
قال القاضي وغيره (4) -فيما لا يجوز أدن يرد الشرع بخلاف العقل-: لا يقع فيه الخلاف الآتي في مسألة الأعيان، بل هو على صفة واحدة لا يتغير.
وطرد ابن عقيل قول الوقف فيها في الجميع (5) وأبطل قول الحظر والإِباحة قبل السمع باتفاق العقلاء أنه لا يجوز وروده قبله إِلا بما يجيزه
__________
(1) يوجد شخصان من الحنابلة بهذه النسبة:
أحدهما: أبو الفتح محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن المراق، الحلواني، الفقيه الحنبلي الزاهد، ولد سنة 439 ه، وسمع الحديث، ودرس الفقه أصولاً وفروعًا حتى برع فيه، وأفتى، توفي سنة 505 ه.
من مؤلفاته: كفاية المبتدي في الفقه، وكتاب في أصول الفقه، ومختصر العبادات.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 257، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 106.
والآخر: ابنه عبد الرحمن. وقد تقدمت ترجمته ص 132 من -هذا الكتاب. ولم يتبين لي المراد منهما -هنا- بهذه النسبة.
(2) انظر: التمهيد/ 200 أ.
(3) انظر: المرجع السابق.
(4) انظر: العدة/ 186أ، والمسودة 485.
(5) حكاه في المسودة/ 485.
(1/166)

العقل لا بما يخالفه، فلما ورد بإِباحة بعضها وحظر بعض: علم بطلانه، والواقف المنتظر للشرع لا يلزمه شيء، وهو يأتي بالعجائب مما لا يهتدي إِليه عقل (1)، كإِباحة كلمة الكفر للإِكراه، ووجوب الثبات للموت في صف المشركين لإِعلاء كلمة التوحيد. ويأتي كلام أبي الخطاب أول المسألة بعدها.
مسألة

شكر المنعم
الإِيمان بالله (2) والشكر له: من قال: "العقل يحسن ويقبح" أوجبه عقلاً، ومن نفاه أوجبه شرعًا، ذكره أبو الخطاب وغيره (3)، ومعناه لابن عقيل وغيره.
واحتجوا: بأن الإِحسان "التبرع" يستهجن الشكر عليه، ومع وجوبه لا يعد محسنًا بل تاجرًا، ولهذا لو طلبه المُحْسِن (4) عند الحكام، وأُعْدِيَ عليه: استهجن عند العقلاء بحكم العقل والشرع (5).
وقال أيضًا: لا يهتدي العقل إِلى شكر الله فضلاً عن إِيجابه، ولو فرق بين شكره وشكر الوالد لساغ. كذا قال.
__________
(1) في (ب): عقله.
(2) في (ظ): "الإِيمان بالله الشكر له" بدون الواو. وقد أشير في (ب) إِلى أن الواو قد زيدت من نسخة أخرى.
(3) انظر: المعتمد للقاضي/ 103، والتمهيد / 201أ، والمسودة/ 455.
(4) نهاية 23 أمن (ب).
(5) نهاية 18 أمن (ظ).
(1/167)

وكذا بناها الآمدي (1).
وسبق آخر المسألة قبلها كلام القاضي وغيره، مع قوله أيضًا: "معرفة الله (2) لا تجب قبل السمع مع القدرة عليها بالدليل"، وذكر أنه المذهب، وتعلق بكلام أحمد "أن معرفة الله كسبية (3) "، وأن قوماً من أصحابنا وغيرهم قالوا: تقع ضرورة، ولا يتوصل إِليها بأدلة العقل. وقال بعض أصحابنا (4): أرادوا المعرفة الفطرية كمعرفة إِبليس، لا المعرفة الإِيمانية. قال ابن عقيل: قال (5) أهل التحقيق: لا يتأتى أنه مطيع في نظره؛ لأنه لا تصح طاعة من لم يعرف، ولا معرفة لمن (6) لم ينظر.
وجزم صاحب المحرر (7) بوجوبه شرعاً عندنا وعند
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 87.
(2) انظر: المعتمد للقاضي/ 21، والمسودة/ 455، 456.
(3) انظر: المعتمد للقاضي/ 23، 30.
(4) انظر: المسودة/ 457.
(5) حكاه في المسودة/ 455، وقال: ذكره ابن عقيل في آخر كتابه.
(6) في (ظ): من.
(7) هو: مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، جد شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية، فقيه حنبلي، محدث مفسر، ولد بحران، ورحل إلى بغداد، فأقام بها ست سنين، ثم عاد إِلى حران، وتوفي بها سنة 652 ه، عن نحو 60 عامًا. من مؤلفاته: المنتقى من أحاديث الأحكام، والمحرر في الفقه، والمسودة في أصول الفقه "وقد زاد عليها ابنه وحفيده من بعده". انظر: فوات الوفيات 1/ 274، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 249، وغاية النهاية 1/ 385، وجلاء العينين/ 28.
وكتابه "المحرر" كتاب قيم في الفقه، طبع مع "النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لابن تيمية" لابن مفلح.
(1/168)

أهل (1) الأثر (2)، مع أنه حكى [لنا] (3) خلافاً في مسألة التحسين، (2) وكذا ذكره جماعة من الأشعرية عن أصحابهم.
وذكر الآمدي (4) أنه ذكرها لبحث يخصها.

واحتجوا: بأنه لو وجب لوجب (5) لفائدة، وإلا كان عبثًا، وهو قبيح عقلاً، ولا فائدة لله لتعاليه عنها -وذكره الآمدي (6) في اعتبار المناسبة إِجماعًا- ولا للعبد في الدنيا، لأن الشكر مشقة، ولاحظ له فيه، ولا في الآخرة لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الأخروية.
واعترض: بأنه استد لال على إِبطال أمر ضروري.
وبمنع أن الوجوب لفائدة، ثم: الفائدة نفس الشكر كتحصيل المصلحة ودفع المفسدة عن النفس "مطلوب لنفسه"، ثم: إِن كانت الفائدة أمرًا خارجًا (7) فهي الأمن من احتمال العقاب بتركه، ولا يخلو عاقل من خطور هذا الاحتمال بباله.
ورد: بمنع الأول، ثم: فيمن ينتفع (8) بالشكر.
__________
(1) نهاية 44 من (ح).
(2) انظر: المسودة/ 473.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 87.
(5) في (ح): وجب.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 87 - 88، 3/ 271.
(7) في (ح): خارجيًا.
(8) نهاية 23 ب من (ب).
(1/169)

وليس فعل الشكر الحكمة المطلوبة من إِيجاده وإِلا لعم الأفعال، وهو خلاف الإجماع، وعدم خلو العاقل من الخطور ممنوع، ثم: معارض باحتمال خطور العقاب على الشكر، لتصرفه في نفسه -وهي ملك لله- بلا فائدة، أو (1) لأنه كالاستهزاء كمن شكر ملكاً كريمًا على لقمة.
وأما الإِلزام بالدليل في الإِيجاب الشرعي فالشرع يعلم الفائدة، وينبني على اعتبار الحكمة فيه.
قال بعض أصحابنا: لا دليل لمن نفى الحسن والقبح على أن الفاعل المختار يفعل بلا داع، كما أنه لا دليل لمن أثبته على أنه يفعل بداع لا يعود إِلا إِلى (2) غيره؛ ولهذا لما عاد معناه إِلى هذا أثبتته (3) طائفة في فعل العبد، لا فعل الله، واختاره صاحب المحصول في آخر عمره (4)، وهذا (5) مبني على أن مشيئة الله: هل هي محبته ورضاه وسخطه وبغضه، أو بينهما فرق؟: فالمعتزلة والقدرية والأشعري وأكثر أصحابه ومن وافقه من المالكية والشافعية وأصحابنا: الجميع بمعنى واحد.
والسلف وعامة الفقهاء الحنفية وأئمة المالكية والشافعية وأصحابنا وأهل الحديث وأئمة الصوفية (6) وابن كُلاَّب وأكثر طوائف النظار من الكرامية
__________
(1) في (ظ): ولأنه.
(2) نهاية 18 ب من (ظ).
(3) في (ح) و (ب): أثبته.
(4) انظر: كتاب الرد على المنطقيين / 422.
(5) نهاية 45 من (ح)
(6) الصوفية: حركة بدأت زهداً وورعًا، ثم تطورت إِلى نظام شديد في العبادة، ثم=
(1/170)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=استقرت اتجاهاً نفسيًا وعقليًا بعيدًا عن مجراها الأول وعن الإِسلام في كثير من أوجهها المتطرفة.
وقد اختلف في اشتقاق كلمة "صوفية". قال الصوفية أنفسهم: إِنها مشتقة من "الصفا" وأن الصوفي رجل صافاه الله، فهو رجل صُوْفِيّ -فعل ماض مبني للمجهول- "فهو صوفيّ".
وقيل اشتقت من الصُّفَّة.
وقيل: هي تعريب لكلمة "صوفيا" اليونانية، بمعنى "الحكمة".
والمشهور: أنها مشتقة من (الصوف) فقد كان الصوف اللباس الغالب على الزهاد والعباد.
وليس للصوفية تعريف واحد؛ فإن كل متصوف يضع للتصوف تعريفًا يتفق مع الاتجاه الذي يتجهه هو ومع الدرجة التي وصل إِليها في ذلك الاتجاه ...
وعن نشأة التصوف وتطوره نقول:
الزهد والورع قديمان في البشر، وجاء الإسلام فبرز عنصر الزهد بروزًا واضحًا، وفي العصر الأموي شاع الترف واللهو، فأحدث ذلك ردة فعل عنيفة عند آخرين، فأوغلوا في الزهد وكره الدنيا.
ومنذ مطلع العصر العباسي بدأ الزهد ينقلب تصوفاً واضحًا، وأخذ الأمر يتدرج ... ولعل أبا يزيد طيفور بن عيسى البسطامي -المتوفى بعيد سنة 261 ه- أول من أخرج الزهد الديني إلى النظر العقلي، ثم جاء عهد كثر فيه الرمز والشطح والشعوذة، كما عند أبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج المتوفى سنة 309 ه، وممن تأثر بالحلاج: محمد بن عبد الجبار النَّفْري المتوفى بعيد سنة 354 ه.
ولعل من أسباب هذا الانحراف: تسرب عناصر أجنبية إِلى البيئة الإِسلامية=
(1/171)

وغيرهم: يُحب ما أمر به فقط، وخلق كل شيء بمشيئته لحكمة، فيحب تلك الحكمة وإن كان قد لا يحبه، فلم يفعل قبيحًا مطلقًا.

مسألة
الأعيان المنتفع بها قبل السمع محرمة عند أبن حامد (1) والحلواني وغيرهما وبعض الشافعية. (2)
فعلى هذا يباح ما يحتاج إِليه -ذكره بعضهم إِجماعًا- كالتنفس وسد الرمق ونحوه، خلافًا (3) لبعض الناس، وبناه بعضهم على المحال.
وعند أبي الحسن التميمي (4) وأبي الفرج المقدسي وأبي الخطاب (5) والحنفية (6)
__________
=وهي عناصر يونانية وهندية وصينية ومسيحية ... " وبذلك دخل الحلول والاتحاد ... إِلى هذه الحركة.
انظر: تاريخ الفكر العربي إِلى أيام ابن خلدون/ 377، وكتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة/ 24، وكتاب الفكر الإِسلامي، منابعه وآثاره، تأليف: M.M.Charif ترجمة الدكتور/ أحمد شلبي/ 146.
(1) حكاه في العدة/ 185 ب، وفي التمهيد/ 195 أ.
(2) انظر: نهاية السول 1/ 124.
(3) في (ب): وخلافاً.
(4) حكاه في العدة/ 185 ب، وفي التمهيد/ 194 ب.
(5) انظر: التمهيد/ 194 ب.
(6) انظر: فواتح الرحموت 1/ 49.
(1/172)

والظاهرية (1) وابن سريج (2) وأبي حامد المروزي (3) الشافعيين: مباحة، واختاره القاضي في مقدمة (4) المجرد، واختار في العدة الأول (5)، وقال:
__________
(1) حكاه -أيضًا- في العدة/ 185 ب. وقال ابن حزم في الإِحكام/ 47: وجميع أهل الظاهر يقولون: ليس لها حكم في العقل أصلاً لا بحظر ولا بإِباحة، وأن ذلك موقوف على ما ترد به الشريعة، وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره.
(2) هو: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، فقيه الشافعية في عصره، ولد ببغداد سنة 249 ه، وولي القضاء بشيراز، ونشر المذهب الشافعي في الآفاق، توفي ببغداد سنة 306 ه.
انظر: تاريخ بغداد 4/ 287، ووفيات الأعيان 1/ 66، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 21، والبداية والنهاية 11/ 129.
(3) ويقال: المروروذي، نسبة إِلى: "مرو الروذ"، وهو: أحمد بن عامر بن بشر -وقيل: أحمد بن بشر بن عامر- بن حامد، فقيه من كبار الشافعية، ولد بمرو الروذ من مدن خراسان، وأخذ الفقه عن أبي إِسحاق المروزي، ونزل البصرة ودرس بها، وتوفي ببلده سنة 362 ه، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية مع من توفي سنة 332 ه.
من مؤلفاته: الجامع في المذهب، وشرح مختصر المزني، وكتاب في أصول الفقه. انظر: الأنساب للسمعاني/ 523، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 211، ووفيات الأعيان 1/ 69، والوافي بالوفيات 7/ 10، ومرآة الجنان 2/ 375، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 12، وطبقات الشافعية للأسنوي 2/ 377، والبداية والنهاية 11/ 209، وطبقات الشافعية لابن هداية الله/ 86، وشذرات الذهب 3/ 40.
(4) وهي مقدمة في أصول الفقه ملحقة بكتاب "المجرد" في الفقه.
(5) انظر: العدة/ 185 ب.
(1/173)

أومأ أحمد إِليه (1): (2) " لا يخمس السلب، ما سمعنا" (3)، وقال (4) في الحلي يوجد (5) لقطة: "إِنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير"، وأومأ إِلى الثاني (6) -وسئل عن قطع النخل- قال: "لا بأس لم نسمع في قطعه شيئًا".
ونازعه (7) بعض أصحابنا فيهما.
واحتج أبو الخطاب (8) بالثاني لقوله (9) فيه.
وفي الروضة (10) ما يقتضي أنه عرف بالسمع إِباحتها قبله، وقاله بعضهم كما في الآيات والأخبار.
قال القاضي (11): لا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع: إِن العقل يحرم
__________
(1) في (ح): إِلى الأول.
(2) في رواية صالح ويوسف بن موسى. انظر: العدة/ 185 ب.
(3) نهاية 24 أمن (ب).
(4) نقله الأثرم وابن بدينا. انظر: العدة/ 185 ب.
(5) في (ب) و (ظ): يوخذ.
(6) وذلك في رواية أبي طالب. انظر: العدة/ 185 ب، والتمهيد/ 194 ب.
(7) يعني: نازع القاضي. انظر: المسودة/ 478، 479.
(8) انظر: التمهيد/ 194 ب.
(9) قوله: "لقوله فيه" ضرب عليه في (ظ)، وفي (ب) إِشارة إِلى سقوطه في بعض لنسخ.
(10) انظر: الروضة / 39.
(11) انظر: العدة / 187 ب.
(1/174)

ويبيح (1) إلى أن ورد الشرع، فمنع ذلك؛ إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنعه، قال: وقد قيل: علمناه (2) من طريق شرعي، وهو إِلهام (3) من الله لعباده بحظره وإِباحته، كما ألهم أبا بكر، وعمر -رضي الله عنهما- أشياء (4). وكذلك قال الحلواني (5) وغيره.
وضعفهما (6) بعض الأصحاب (7) على هذا الأصل.
وهل يرد الشرع بخلاف مقتضى العقل؟ سبق آخر مسألة التحسين.
وقال أبو الحسن (8) الخزري من أصحابنا: (9) لا حكم لها، قال أبو الخطاب: (10) وأراه أقوى على أصل من يقول: العقل لا يحرم ولا يبيح (11)،
__________
(1) في (ح) و (ظ): يقبح.
(2) نهاية 46 من (ح).
(3) الإِلهام هو: ما يحرك القلب بعلم، يطمئن به حتى يدعو إِلى العمل به. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 329، 330.
(4) انظر: المسودة/ 477، ومجموع الفتاوى 13/ 73.
(5) انظر: المسودة/ 477.
(6) في (ح): ومنعهما.
(7) يعني: ضعف الجوابين. انظر: المسودة/ 477.
(8) في (ظ): أبو الحسين.
(9) حكاه في العدة/ 186أ، وفي التمهيد/ 195 أ.
(10) انظر: التمهيد/ 195أ.
(11) في (ح) و (ظ): ولا يقبح.
(1/175)

وقال في الروضة (1): "هو اللائق بالمذهب" وهو المذهب عند ابن عقيل، وغيره، [بناء منهم على عدم القول بمسألة التحسين]، (2) حتى قال بعضهم: لا يجوز على المذهب (3) غيره، زاد بعضهم: كما يقوله أكثر الناس.
وهذا قول الصيرفي (4) وأبي علي الطبري (5) الشافعيين والأشعرية (6).
__________
(1) انظر: الروضة/ 39.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) نهاية 19 أمن (ظ).
(4) هو: أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي، فقيه شافعي، متكلم، عالم بالأصول، من أهل بغداد، توفي سنة 330 ه.
من مؤلفاته: البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام في أصول الفقه، وكتاب الفرائض.
انظر: وفيات الأعيان 4/ 199، والوافي بالوفيات 3/ 346، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 186، ومفتاح السعادة 2/ 178.
(5) هو الحسين -وقيل: الحسن- بن القاسم، أبو علي الطبري، فقيه شافعي، أحد الأئمة المحررين في الخلاف، ولد سنة 263 ه، وسكن بغداد، ودرس بها، وبها كانت وفاته سنة 350 ه على الراجح.
من مؤلفاته: المحرر في الخلاف، والإِفصاح في الفقه، وكتاب في الجدل، وكتاب في أصول الفقه.
انظر: تاريخ بغداد 8/ 87، والمنتظم 7/ 5، ووفيات الأعيان 2/ 76، ومرآة الجنان 2/ 345، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 382، والبداية والنهاية 11/ 238، وشذرات الذهب 3/ 3.
(6) انظر: العدة / 185ب- 186أ، والتمهيد/ 195 أ، والمحصول 1/ 1/ 210، والتمهيد للأسنوي/ 106.
(1/176)

فعلى (1) هذا القول: لا إِثم بالتناول كفعل البهيمة، ولا يفتى بالتناول، وفيه خلاف لنا.
وقال ابن عقيل (2) أيضًا: الأليق بمذهبه أن يقال: لا ندري ما الحكم؟ واختاره بعضهم.
وفرض ابن عقيل المسألة في الأفعال والأقوال قبل السمع.
وعند المعتزلة (3): يباح ما يحتاج إِليه، وما حكم العقل فيه بشيء: اتبع، فينقسم (4) إِلى الأقسام الخمسة (5)، بحسب ترجيح فعله على تركه، وذم تاركه، وعدمه، وعكسه، واستوائه، وهذا معنى كلام التميمي وغيره من أصحابنا، قالت المعتزلة: وما لم يحكم العقل فيه بشيء فثالثها لهم: الوقف عن الحظر والإِباحة. وفيه نظر لعدم الدليل.

القائل بالحظر: تصرف في ملك غيره بلا إِذنه.
ورد: فيمن يلحقه ضرر.
ولأنه يحتمل الضرر.
رد: بأنه وهم لا أثر له.
__________
(1) في (ح): "وهل يفتى بالتناول؟ فيه خلاف لنا"، مكان قوله: "ولا يفتى بالتناول، وفيه خلاف لنا".
(2) حكاه في المسودة/ 482.
(3) انضر: المعتمد للبصري / 868، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 65 - 69.
(4) في نسخة في هامش (ب): وينقسم.
(5) نهاية 24 ب من (ب).
(1/177)

القائل بالإِباحة: خلقه وخلق المنتفع به لفائدة، وليست إِليه، فالحكمة تقتضي إِباحته (1)، وليس المراد الاستدلال بطعمه على خالقه، لحصوله من نفسه، فالمراد غيره.
رد: خلقه ليصبر فيثاب.
وتعرف مما سبق أدلة المسألة.

أما فائدتها (2): فقال قوم: لا فائدة (3)، لأنه لم يخل وقت من شرع؛ لأنه أول ما خلق آدم قال له: (اسكن) الآية (4)، أمرهما ونهاهما.
وكذا قال [أبو] (5) الحسن الخرزي (6): لم تخل الأم من حجة، واحتج بقوله: (أيحسب الإِنسان) (7)، وقوله: (ولقد بعثنا). (8)
قال القاضي (9): هذا ظاهر كلام أحمد.
__________
(1) في (ب) زيادة: "رد: خلقه ليصبر فيثاب". وهو تكرار لما سيأتي ذكره بعد سطرين.
(2) نهاية 47 من (ح)
(3) انظر: العدة/ 188أ، والتمهيد/ 195 أ.
(4) سورة البقرة: آية 35: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) حكاه في العدة/ 188 أ.
(7) سورة القيامة: آية 36: (أيحسب الإِنسان أن يترك سدى).
(8) سورة النحل: آية 36: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)
(9) انظر: العدة/ 188أ، وكتاب الرد على الجهمية لأحمد/ 85.
(1/178)

قال (1): وتتصور (2) فيمن خلق ببرية، لم يعرف شرعًا، وعنده فواكه.
وكذا قال أبو الخطاب (3).
وقال أيضًا: (4) لو قدَّرنا خلو شرع عن حكمها، ما حكمها؟.
قال القاضي (5): وتفيد (6) في الفقه: أن من حرم شيئًا أو أباحه، فقال: بقيت على حكم العقل، هل يصح ذلك؟ وهل يلزم خصمه احتجاجه بذلك؟. وهذا مما يحتاج إِليه الفقيه.
وكذا في التمهيد والروضة (7): يفيد أن من حرم شيئًا أو أباحه بقي على حكم الأصل.
وكذا قال ابن عقيل (8): من شروط المفتي معرفة الأصل الذي ينبني عليه استصحاب الحال، ليتمسك به عند عدم الأدلة.
وذكر بعض أصحابنا (9) في فائدتها أقوالاً:
__________
(1) انظر: المرجع السابق/ 186 أ.
(2) في (ح): ويتصور.
(3) انظر: التمهيد/ 195 أ.
(4) انظر: المرجع السابق، والعدة/ 188 أ.
(5) انظر: العدة/ 188 ب.
(6) في (ح): ويفيد.
(7) انظر: التمهيد/ 195أ، والروضة/ 140.
(8) حكاه في المسودة/ 486.
(9) انظر: المرجع السابق/ 480.
(1/179)

أحدها: قبل السمع. وبعده يقاس المسكوت على المنصوص. قاله الخرزي (1) وغيره. (2).
والثاني: بعده، قاله ابن عقيل على عدم التحسين.
والثالث: يعمهما، قاله القاضي وغيره.

الحكم الشرعي
نص أحمد (3) -رحمه الله- أنه: "خطاب الشرع (4) وقوله"، والمراد: ما وقع به الخطاب (5)، أي: مدلوله، وهو: الإِيجاب، والتحريم، والإِحلال، وهو صفة للحاكم.
قال بعض أصحابنا وغيرهم: خطابه المتعلق بأفعال المكلفين.
وقيل: بأفعال العباد.
قيل: هو أولى؛ ليدخل إِتلاف غير المكلف.
وقيل: أريد وليّه.
فلم يطرد بمثل قوله: (والله خلقكم وما تعملون) (6)، (7) فزيد:
__________
(1) في (ظ): الجزري.
(2) نهاية 25 أمن (ب).
(3) انظر: المسودة/ 578.
(4) في (ظ): الشارع.
(5) نهاية 19 ب من (ظ).
(6) سورة الصافات: آية 96.
(7) نهاية 48 من (ح).
(1/180)

بالاقتضاء، أو التخيير.
واعترض: شرط الحد وجوده في كل فرد من المحدود، ليجمع ويمنع، ولا يوجد هذا المعنى في التقسيم؛ لأنه وضع لمعرفة الكليات بواسطة الجزئيات، وسمي استقراء، والتحديد وضع بالعكس، وسمي برهاناً، فليسا باباً واحدًا.
[رد: الترديد في أقسام المحدود، لا في الحد، فلا يضر] (1)
وأورد: خطابه قديم، وحكمه حادث، لوصفه به.
رد: لا يلزم من يقول: يتكلم إِذا شاء، ثم: الحادث التعلق، والحكم متعلق بفعل العبد لا صفته، كالقول (2) بمعدوم، والفعل يعرّف الحكم، كالعالَم للصانع، ولهذا سمي عالَماً.
وهل يرد على العكس كون الشيء دليلاً كدلوك الشمس (3)، وسبباً كالزنا للحد، وشرطا كالطهارة؟ سبق في تعليل الأفعال أول مسألة التحسين.
فمن يقول به يقول: هي أحكام، فيزيد: "أو الوضع"، ومن لا: يقول: أعلام (4) به، فإِن سميت حكماً فنزاع لفظي، الأفإِن أريد بالسببية التأثير فالحادث لا يؤثر في القديم.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) يعني: كالقول المتعلق بمعدوم.
(3) في (ح): للشمس.
(4) في (ظ): إِعلامه. ولعل العبارة: ومن لا يقول به يقول: أعلام فإِن الخ.
(1/181)

وقيل: هي راجعة إِلى اقتضاء فعل وترك، وإباحة انتفاع وتحريمه (1).
واختار الآمدي (2): الحكم: "خطابه بفائدة شرعية" مختصة به، أي: لا تفهم إِلا منه، لأنه إِنشاء لا خارج له يفهم منه، ليخرج مثل: (غلبت الروم) (3)، لجواز فهمه من خارج.
قال بعض أصحابنا: وهو دور، وتعريف (4) بالأخفى.
وقيل: الحكم: تعلق الخطاب بالأفعال.
قال بعض أصحابنا: يلزمه أنه عدمي؛ لأن التعلق أمر عدمي.
والخطاب: (5) قول يفهم منه من سمعه شيئًا مفيدًا (6).
وقيل (7): مع قصد إِفهامه.
زاد بعضهم (8): من هو متهيئ للفهم.
ويخرج على ذلك: هل يسمى الكلام [في] (9) الأزل خطاباً؟.
__________
(1) في (ظ): وتحريم.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 96.
(3) سورة الروم: آية 2.
(4) نهاية 25 ب من (ب).
(5) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 95، وشرح العضد مع حواشيه 1/ 221، وشرح الكوكب المنير 1/ 339.
(6) في (ظ): مقيدا.
(7) و (8) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 95.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(1/182)

ولقائل أن يقول: إِنما يصح هذا على قِدَم الكلام الذي هو القول.
وعند المعتزلة: الحكم الشرعي صفة للفعل (1) المحكوم بأنه حلال أو حرام أو واجب، وهو الوجوب والحرمة والحل، الذي هو موجَب الإِيجاب والتحريم والإِحلال، ومقتضاه. (2).
فالحكم صفة ثابتة للفعل، والشرع كشفه، كما يقولون في الحكم العقلي: إِن العقل كشفه، فعرف ما هو حسن في نفسه، وقبيح في نفسه.
وقال بعض أصحابنا: الحكم الشرعي يتناول الخطاب وصفة الفعل، قال: وهو قول السلف والجمهور، فيتناول صفة (3) المحكوم عليه، وهو: الفعل، والعبد، والأعيان التي أمر بتعظيمها أو إِهانتها، فوصف (4) الأعيان بأنها رجس، وإن كان فيها وصف قبح [قبل] (5) التحريم، فالذي اتصفت به بالتحريم لم يكن ثابتًا قبل ذلك. والله أعلم.
فعلى المذهب الأول: إِن كان الحكم الشرعي طلباً لفعل ينتهض تركه في جميع وقته سبباً لاستحقاق العقاب: فإِيجاب -ومن يقول: الكف فعل: يقول: لفعل (6) غير كف- وإِدن انتهض فعله خاصة للثواب: فندب،
__________
(1) في (ظ): للقول.
(2) نهاية 20أمن (ظ).
(3) في (ب) و (ح): وصفه.
(4) نهاية 49 من (ح).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) في (ظ): الفعل.
(1/183)

وإِن كان طلباً لترك ينتهض فعله سبباً لاستحقاق العقاب (1): فتحريم، وإِن انتهض تركه خاصة للثواب: فكراهة، وإن كان الحكم تخييراً: فإِباحة، وإِلا فوضعي.
وإن شئت قلت: الخطاب إِن اقتضى الوجود: فإِن منع النقيض فإِيجاب، وإلا فندب، وإن اقتضى الترك: فإِن منع النقيض فتحريم، وإِلا فكراهة، وإِن خير فإِباحة.
وزاد ابن عقيل، فقال (2): المشكوك (3):
قيل: ليس بحكم، (4) وهو الصحيح، والشاك لا مذهب له.
وقيل: حكم، كما قال أبو حنيفة وأحمد -في رواية في الحمار (5).
قال: والوقف:
قيل: مذهب، وهو أصح، لأنه يفتي به ويدعو إِليه.
وقيل: لا.
* * *
__________
(1) في (ح): العذاب.
(2) انظر: الواضح 1/ 7 ب.
(3) انظر: المسودة/ 575، والتحرير/ 9أ، وشرح الكوكب المنير 1/ 344.
(4) نهاية 26 أمن (ب).
(5) يعني: في طهارة سؤر الحمار. انظر: بدائع الصنائع 1/ 225، والإنصاف للمرداوي 1/ 342.
(1/184)

الواجب: ما سبق من أنه فعل ينتهض تركه سبباً للعقاب.
وقيل (1): ما يعاقب تاركه.
ونقض عكسه بجواز العفو.
وقيل: (2) ما أوعد بالعقاب على تركه.
ونقض عكسه بصدق إِيعاد الله.
ورده بعض أصحابنا (3) وغيرهم: خلف الوعيد ليس خلفاً بخلاف الوعد.
وقيل: ما يخاف العقاب بتركه.
ونقض طرده بما يشك في وجوبه.
وقال بعض أصحابنا: ما يذم تاركه شرعًا.
وزاد بعضهم -وقاله ابن الباقلاني (4) -: "بوجه ما"؛ ليدخل الموسع والكفاية.
ونقض طرده بالناسي والنائم والمسافر، فإِنه يذم بتقدير ترك الجميع.
فإِن قال: يسقط الوجوب بذلك.
قيل: ويسقط بفعل البعض، فلا حاجة إِليه.
فلو قيل: "ما ذم تاركه شرعًا قصدًا مطلقًا" صح.
__________
(1): (3) انظر: البلبل/ 19.
(4) انظر: المستصفى 1/ 66.
(1/185)

ولم يقل بعض (1) أصحابنا: (2) " قصداً".
وحده ابن عقيل (3) بأنه: "إِلزام الشرع"، وقال (4): "الثواب والعقاب أحكامه ومتعلقاته، فحده به يأباه المحققون".
* * *

والواجب لغة (5): الساقط، (6) والثابت.
والفرض لغة (7): التقدير، والتأثير، قال ابن عقيل (8): والإِنزال، نحو: (إِن الذي فرض عليك القرآن)، (9)، والإِباحة، نحو: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له). (10)
فلهذا قال هو (11) وغيره: الواجب أكد، لاختصاصه، وتأثيره أيضًا.
__________
(1) انظر: البلبل/ 19.
(2) نهاية 20 ب من (ظ).
(3) انظر: الواضح 1/ 7 أ.
(4) انظر: المرجع السابق 1/ 7.
(5) انظر: لسان العرب 2/ 292 - 294، وتاج العروس 1/ 500 (وجب).
(6) في (ظ): "الساقط الثابت" بدون الواو.
(7) انظر: لسان العرب 9/ 66 - 71، وتاج العروس 5/ 65 - 66 (فرض).
(8) انظر: الواضح 2/ 3 ب- 4 أ.
(9) سورة القصص: آية 85.
(10) سورة الأحزاب: آية 38.
(11) انظر: الواضح 2/ 4أ، 6أ- ب.
(1/186)

وخالف في الروضة (1) وغيرها.
وهما مترادفان شرعًا في رواية عن أحمد (2)، اختارها جماعة منهم: ابن عقيل (3)، وقاله الشافعية (4).
وعن أحمد (5): الفرض آكد، اختارها جماعة، منهم (6): أبو إِسحاق (7) بن شاقْلا (8)، والحلواني، وذكره ابن عقيل (9) عن أصحابنا، واختلف اختيار القاضي (10)، وقاله الحنفية (11)، وابن الباقلاني.
__________
(1) انظر: الروضة 27/.
(2) انظر: العدة/ 162.
(3) انظر: الواضح 1/ 27 ب، 2/ 2 ب.
(4) انظر: التمهيد للأسنوي/ 54، والمستصفى 1/ 66، ومناهج العقول 1/ 43، والإِحكام للآمدي 1/ 98.
(5) انظر: العدة/ 162.
(6) تكرر هذا اللفظ في (ح).
(7) نهاية 50 من (ح).
(8) هو: إِبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقْلا، أبو إِسحاق البزار، عالم حنبلي، جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع، كانت له حلقتان: إِحداهما بجامع المنصور، والأخرى بجامع القصر، توفي سنة 369 ه عن 54 عاماً.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 128، والمنهج الأحمد 2/ 64، وشذرات الذهب 3/ 68، والمدخل إِلى مذهب أحمد/ 206.
(9) انظر: الواضح 1/ 27 ب.
(10) انظر: العدة/ 162، 376، وانظر -أيضًا- المسودة / 50، فقد نقل فيها كلام القاضي في هذه المسألة.
(11) انظر: كشف الأسرار 2/ 303، وأصول السرخسي 1/ 110، وفواتح الرحموت 1/ 58، وتيسير التحرير 2/ 135.
(1/187)

قال الآمدي (1) والمسألة لفظية.
فقيل: (2) ما ثبت بدليل مقطوع به، [وذكره ابن عقيل (3) عن (4) أحمد]. (5)
وقيل: (6) ما لا يسقط في عمد ولا سهو.
وعنه (7) رواية ثالثة: الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة.
وعلى الثاني يجوز أن يقال: بعض الواجبات آكد (8) من بعض، ذكره لقاضي وغيره (9)، وأن فائدته: أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به، والآخر ظن.
وذكرهما ابن عقيل (10) على الأول.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 99.
(2) انظر: العدة/ 376.
(3) انظر: الواضح 1/ 28أ، 2/ 2 ب.
(4) نهاية 26 ب من (ب).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) انظر: المسودة/ 50.
(7) انظر: المسودة/ 50.
(8) في (ح): أوجب.
(9) انظر: العدة/ 379، 404، والمسودة/ 58.
(10) انظر: الواضح 2/ 6 ب.
(1/188)

وهذا الثاني "أنه ينقسم إِلى مقطوع ومظنون" (1) لا يقبل خلافاً؛ ولهذا قال في الروضة (2): لا خلاف فيه.
لكن قال (3) أصحاب القول الآخر: اختلاف طريق الشيء لا يوجب اختلافه في نفسه من حيث هو.
وعلى الأول: ليس بعضها آكد، وقاله بعض المتكلمين، وقاله (4) ابن
عقيل (5) أيضاً، ولعله أراد ما قال رادًا على من قال: "التفاضل (6) في العقاب والثواب يعطي التفاضل في حقيقة الإِيجاب، الذي هو الاستدعاء"؛ لأنه لو رفع (7) العقاب والثواب رأساً، لما ارتفع صحة قوله: "أوجبت"، وصح أن يقوم الاستدعاء بنفسه حقيقة معقولة، وكذا لا يدل التفاضل على قوة الاستدعاء.
وكذا قال (8): (9) إِن الاستدعاء لا يقبل التزايد، كجائز ولازم وصادق
__________
(1) انظر: البلبل/ 19.
(2) انظر: الروضة/ 27.
(3) انظر: العدة/ 384.
(4) في (ح): واختاره.
(5) انظر: الواضح 2/ 21 أ- 22 ب.
(6) انظر: المرجع السابق 2/ 22 أ.
(7) انظر: المرجع السابق 2/ 22 ب.
(8) انظر: الواضح 2/ 21 أ.
(9) في (ب) و (ظ):" وكذا قال آخر: إِن". وقد أشير في (ب) إِلى أن كلمة "آخر" قد زيدت من نسخة أخرى.
(1/189)

وكاذب وعالم، فلا يقال: أعلم وأصدق وأكذب، لأنه انتظمه حد واحد، وهو حقيقة واحدة.
قال (1): وصرحوا (2) بأنهم أرادوا بقولهم تزايد العقاب والثواب -ولا ننكره، فحصل الوفاق منهم- لا يتزايد في نفسه، فالخلاف (3) لفظي.
وقال بعض (4) أصحابنا (5): "وهذا ضعيف، والصواب: أن جميع الصفات المشروطة بالحياة تقبل التزايد.
وعن (6) أحمد -في المعرفة الحاصلة في القلب في الإِيمان: هل تقبل التزايد والنقص؟ - روايتان، والصحيح في (7) مذهبنا ومذهب جمهور أهل السنة: إِمكان الزيادة في جميع ذلك".
وقول ابن عقيل: "إِن الإِيجاب لا يستلزم العقاب" قاله -أيضًا- ابن الباقلاني (8) وصاحب المحصول (9).
__________
(1) انظر: المرجع السابق.
(2) قوله: "وصرحوا بأنهم" كذا في النسخ، ثم أبدل في (ح) بقوله: "وقالوا جواباً أنهم إن".
(3) في (ظ) و (ح): فإِطلاق.
(4) انظر: المسودة/ 10.
(5) نهاية 21 أمن (ظ).
(6) في المسودة/ 10: ولنا في معرفة ...
(7) نهاية 51 من (ح).
(8) انظر: المستصفى 1/ 66، والمسودة/ 44.
(9) انظر: المحصول 1/ 2/ 339.
(1/190)

وقال (1) أبو المعالي (2) والغزالي (3): يستلزمه لعصيانه، فيستحق الوعيد بالنص.
وهو الأشهر، كما سبق. (4)
لكن قال بعض أصحابنا (5): جمهور أصحابنا: لا يستلزمه. كذا قال.
قال (6): ويوضح الفرق أن من أوجب شكر المنعم عقلاً، لا يلزمه أن يعاقب عليه في الآخرة، للنصوص، وإِن كان تاركًا للواجب وفاعلاً للمحرم.
وقال [له] (7) في التمهيد (8) من لم ير النهي عن شئ أمر بضده: منهي عن قتل نفسه، وليس بمأمور بتركه، لعدم ثوابه.
فأجاب: بالمنع.
ثم: الثواب والعقاب غير مستحق على الأمر والنهي بالعقل (9)، بل بالسمع، فنقول: مأمور بتركه ولا ثواب.
__________
(1) نهاية 27 أمن (ب).
(2) ذكر ذلك -أيضًا- في المسودة/ 44.
(3) انظر: المستصفى 1/ 66، والمسودة/ 44.
(4) انظر: ص 156، 183، 185 من هذا الكتاب.
(5) انظر: المسودة/ 61.
(6) انظر: المرجع السابق/ 62.
(7) هذه الكلمة لم ترد في (ظ). وقد ضرب عليها في (ب). وهي مثبتة من (ح).
(8) انظر: التمهيد/ 48 أ.
(9) في (ظ): بالفعل.
(1/191)

وقال أيضًا: كان السلف لا يطلقون لفظ "الحرام" إِلا فيما علم قطعًا، ولهذا ذكر القاضي وغيره في إِطلاق لفظ "الحرام" على ما ثبت تحريمه بدليل ظني روايتين (1). وهذا غريب، والله أعلم.
وقال أيضًا هو (2) وغيره: الوعيد نص في الوجوب، لا يقبل تأويلاً؛ لأنه خاصة الواجب، ولا يوجد خاصة الشيء بدونه.
وذكر القاضي (3) وابن عقيل (4): إِطلاقه للوجوب، ويعدل عنه لدليل.
وصيغة "الفرض" أو "الوجوب" نص فيه.
قال ابن عقيل (5): "أوجبت" صريحة في الإِيجاب بإِجماع الناس.
وعند طائفة من أصحابنا وغيرهم، منهم القاضي (6): ظاهرة، ويحتمل (7) توكيد الاستحباب، وأنه يحسن (8) الاستفهام، فتقول: أوجبته إِلزاما أو اختياراً؟ وذكره ابن عقيل (9) أيضًا.
وفي كلام أبي الفرج (10)،
__________
(1) انظر: العدة/ 384.
(2) انظر: المسودة/ 42.
(3) انظر: العدة/ 242.
(4) انظر: الواضح 1/ 247 ب، 250أ.
(5) انظر: الواضح 1/ 232 أ.
(6) انظر: العدة/ 242.
(7) في (ح): "يحتمل" بدون الواو.
(8) في (ب) و (ظ): "وحسن الاستفهام". والمثبت "وأنه يحسن الاستفهام" من (ح)، وقد وضع فوقه -أيضًا-: "حسن".
(9) انظر: الواضح 1/ 347ب، 250 أ.
(10) وهو: أبو الفرج المقدسي. تقدمت ترجمته في ص 89 من هذا الكتاب.
(1/192)

والتمهيد (1) الأمران [أيضًا]. (2)
* * *

العبادة: إِن (3) لم يكن لها وقت معين لم توصف بأداء ولا إِعادة و [لا] (4) قضاء، وإلا (5) فما وقتها غير محدود كالحج توصف بالأداء، ولنا وجه: وبالقضاء.
وإطلاق القضاء في حج فاسد، لشبهه بالمقضي في استدراكه.
وما وقتها (6) محدود توصف بذلك.

فالأداء: ما فعل أولاً في وقته المقدر له شرعًا.
والقضاء: ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق وجوبه، (7) بأن أخره عمدًا. (8)
__________
(1) انظر: التمهيد/ 22 أ- 23 ب.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) في (ح): "العبادة التي لا وقت لها معين لا توصف"، مكان قوله: "العبادة إِن لم يكن لها وقت معين لم توصف"
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) في (ح): "والتي لها وقت معين غير محدود كالحج توصف"، مكان قوله: "وإِلا فما وقتها غير محدود كالحج توصف".
(6) في (ح): وإِن كان وقتها محدودًا وصفت"، مكان قوله: "وما وقتها محدود توصف بذلك".
(7) نهاية 27 ب عن (ب).
(8) نهاية 21 ب من (ظ).
(1/193)

فإِن أخره لعذر تمكن منه كمسافر ومريض، أوْ لا، لمانع شرعي كصوم حائض: فهل هو قضاء؟. ينبني على وجوبه عليه، وفيه أقوال لنا، وحكاه بعضهم روايات:
قيل: يجب (1)، جزم به جماعة، وذكر صاحب المحرر (2): أنه نص أحمد، واختيار أصحابنا، قال ابن برهان: (3) هو قول الفقهاء قاطبة:
لقول عائشة -رضي الله عنها-: (كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم) متفق عليه. (4)
ولأنه تجب نية القضاء، ذكره في الروضة (5) إِجماعًا.
وكالصلاة على محدث، ودين على معسر.
__________
(1) انظر: العدة/ 315.
(2) انظر: المسودة/ 29.
(3) حكاه في المسودة/ 29.
(4) متفق عليه من حديث معاذة عن عائشة، لكن ليس في رواية البخاري تعرض لقضاء الصوم.
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 67، ومسلم في صحيحه/ 265، وأبو داود في سننه 1/ 180 - 181، والنسائي في سننه 4/ 191 من حديث معاذة عن عائشة وأخرجه الترمذي في سننه 2/ 141 - 142، وابن ماجه في سننه/ 533 - 534 من حديث الأسود عن عائشة، وقال الترمذي: حديث حسن.
وانظر: التلخيص الحبير 1/ 163 - 164، ونصب الراية 1/ 193.
(5) انظر: الروضة/ 59.
(1/194)

وقيل: لا يجب، وحكاه القاضي (1) [وابن عقيل] (2) عن الحنفية؛ لأنه تكليف بالممتنع.
وقيل: يجب على مسافر ونحوه، لا حائض.
وحكى ابن عقيل (3) وغيره (4) عن الحنفية: على مسافر فقط، وعن الأشعرية (5): أن المسافر يلزمه صوم شهر الأداء (6) وشهر القضاء لا بعينه، وحكاه (7) ابن برهان قول أهل العراق (8).
__________
(1) انظر: العدة/ 315.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) انظر: الواضح 1/ 288 ب.
(4) في (ب) و (ظ): "وحكى ابن عقيل عنا وعن الحنفية"، مكان قوله: "وحكى ابن عقيل وغيره عن الحنفية".
(5) انظر: المرجع السابق 1/ 288 ب- 289 أ.
(6) كذا في النسخ. ولعل المناسب: أو شهر القضاء.
(7) انظر: المسودة/ 30.
(8) أهل العراق: هم أصحاب الرأي، وهم أصحاب أبي حنيفة، ومنهم: محمد بن الحسن وأبو يوسف وزفر بن هذيل والحسن بن زياد اللؤلؤي وابن سماعة.
وإِنما سموا "أصحاب الرأي" لأن عنايتهم بتحصيل وجه من القياس والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها، وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار.
وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأيناه.=
(1/195)

فإِن وجب كان قضاء، وإِلا فلا.
وأطلق أصحابنا أنه قضاء، فيحتمل أنهم أرادوا قول بعض الأصوليين: إِن ما سبق له وجوب مطلقًا -أي: بالنظر إِلى انعقاد سبب الوجوب، لا بالنظر إِلى المستدرَك- يكون قضاء.
وهذا ظاهر الروضة (1)، ولهذا ذكر أنه (2) قضاء من ساهٍ ونائم، مع عدم تكليفهما عنده (3).
وكذا ذكر ابن عقيل (4) عدم تكليفهما، وأنه قول أكثر المتكلمين، وأنه نزاع (5) لفظي.
ولهذا قال جماعة: لا يأثم نائم ومغمى عليه، ولا يعتبر كلامهما إِجماعًا.
وقال القاضي (6) أسقط أحمد القضاء عن المجنون، وجعل -العلة فيه رفع القلم، فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه، وأسقط القضاء عن الكافر
__________
=وأصحابه ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، ويخالفونه في الحكم الاجتهادي.
انظر: الملل والنحل 1/ 365.
(1) انظر: الروضة/ 59.
(2) نهاية 53 من (ح).
(3) انظر: المرجع السابق/ 48.
(4) انظر: الواضح 1/ 16 أ- ب.
(5) في النسخ الثلاث: "نزاعي". والمثبت من نسخة في هامش (ب).
(6) انظر: العدة / 351.
(1/196)

والصبي، وجعل العلة عدم الإِيجاب، فاقتضى هذا أن من وجب عليه القضاء قد كان واجباً عليه.
وذكره بعض أصحابنا (1) قول أكثر الفقهاء. (2)
وعن أحمد -رحمه الله- رواية ضعيفة: يقضي مجنون الصلاة [(خ (3)] (4).
وعنه: يقضي الصوم (وم). (5)
وعنه: إِن أفاق فيه (وه). (6)
ويقضي المغمى عليه الصلاة عند أحمد (7)، كالصوم في الأصح عندنا (و). (8)
ولنا قول: لا (وم ش). (9)
__________
(1) انظر: المسودة/ 37.
(2) نهاية 28 أمن (ب).
(3) انظر: المجموع 3/ 7 والإِنصاف 1/ 393.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: المغني 3/ 116، ومواهب الجليل 2/ 422.
(6) انظر: بدائع الصنائع/ 1003.
(7) انظر: الشرح الكبير 1/ 377.
(8) انظر: المغني 3/ 115، والمجموع 6/ 277، ومواهب الجليل 2/ 422، وبدائع الصنائع/ 1003.
(9) انظر: مواهب الجليل 1/ 469، والمجموع 3/ 8.
(1/197)

وعند أبي حنيفة (1): يقضي خمس صلوات. والله أعلم.

والإِعادة: ما فعل في وقته المقدر مرة أخرى، زاد (2) بعضهم (3): لخلل، وبعضهم (4): لعذر.
مسألة
مقتضى الأمر لجماعة وجوبه على الأعيان، فلا يسقط عن بعضهم إِلا بدليل (و).
وفرض الكفاية على الجميع (و).
قال أحمد: (5) "الغزو واجب على الناس كلهم، فإِذا غزا بعضهم (6) أجزأ عنهم".
قال (7) أصحابنا وغيرهم: ومن ظن أن غيره لا يقوم به وجب عليه، وإِن فعله الجميع معاً كان فرضًا إِجماعًا، ويسقط الطلب الجازم بفعل بعضهم، كما يسقط الإِثم إِجماعًا.
__________
(1) انظر: بدائع الصنائع / 319.
(2) في (ح): "وزاد بعض الأصوليين"، مكان قوله: "زاد بعضهم".
(3) انظر: البلبل/ 33.
(4) في (ح): "وقال بعضهم"، مكان قوله: "وبعضهم".
(5) في رواية حنبل. انظر: المسودة/ 30.
(6) نهاية 22 أمن (ظ).
(7) انظر: المرجع السابق/ 30 - 31.
(1/198)

وذكر بعض أصحابنا (1): إِذا فعله بعضهم بعد بعض: في (2) كون الثاني فرضًا وجهان.
وجزم في الواضح (3) بالفرض؛ لتناول الفرض للجميع، بخلاف تطويل الواجب.
وذكر بعض أصحابنا وجهًا (4) في صلاة الجنازة إِذا تكررت: تكون فرض كفاية بم فلا تجزئ بنية النافلة، لتعيينها بشروعه فيها.
وقاله (5) الشافعية (6)؛ لأنها شرعت لمصلحة، وهي قبول الشفاعة، وتعلم.
ورد: يكفي الظن، بدليل سقوط الإِثم.
وقال بعض الأصوليين: فرض الكفاية يلزم طائفة مبهمة.
لنا: إِثم الجميع بتركه إِجماعًا.
وإثم واحد مبهم (7) لا يعقل (8)؛ لأنه لا يمكن عقابه.
__________
(1) انظر: المرجع السابق/ 31.
(2) لعل الصواب: ففي كون.
(3) انظر: الواضح 2/ 25 أ.
(4) نهاية 54 من (ح).
(5) انظر: التمهيد للأسنوي/ 73.
(6) في (ظ): الشفاعية.
(7) في (ظ): منهم.
(8) انظر: البلبل/ 91.
(1/199)

وسقوط الإِثم بفعل بعضهم ليس مانعًا.
وأما (1) قوله: (فلولا نفر) (2) الآية، فالمراد بالطائفة المسقطة للواجب.

مسألة
الأمر بواحد من أشياء -كخصال الكفارة- (3) الواجبُ واحد لا بعينه (4)، قاله في الروضة (5) وغيرها، وذكره أبو محمد التميمي (6) عن أحمد، وأن أصحابه اختلفوا، وقاله (7) عامة الفقهاء (8) والأشعرية.
__________
(1) انظر: البلبل/ 91.
(2) سورة التوبة: آية 122: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إِذا رجعوا إِليهم لعلهم يحذرون).
(3) الواردة في قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إِطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة). سورة المائدة: آية 89.
(4) في (ب): لا يعينه.
(5) انظر: الروضة/ 27.
(6) هو: رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد التميمي، البغدادي، المقرئ المحدث الفقيه الواعظ، شيخ أهل العراق في زمانه، أحد الحنابلة المشهورين. ولد سنة 400 ه وقيل: سنة 401 ه، وتوفي سنة 488 ه.
من مؤلفاته: شرح الإرشاد لشيخه ابن أبي موسى، والخصال، والأقسام.
انظر: البداية والنهاية 12/ 150، وذيل طبقات الحنابلة 1/ 77، والمنهج الأحمد 2/ 164.
(7) في (ح): وهو قول.
(8) نهاية 28 ب من (ب).
(1/200)

واختار القاضي (1): أن الواجب واحد، ويتعين بالفعل، وقاله ابن عقيل (2)، وذكره (3) عن الفقهاء والأشعرية.
واختار أبو الخطاب: (4) أن الواجب واحد معيّن عند الله، قد علم أن المكلف لا يختار إِلا ما وجب عليه.
وعن المعتزلة (5): كالقاضي، وبعضهم (6): معيّن يسقط به وبغيره.
وعن (7) الجبائي (8) وابنه أبي هاشمم: جميعها (9) واجب على التخيير؛ بمعنى: أن كل واحد منها (10) مراد.
__________
(1) انظر: العدة/ 302.
(2) و (3) انظر: الواضح 1/ 289 ب.
(4) انظر: التمهيد/ 44 ب.
(5): (7) انظر: البلبل/ 20، والمعتمد/ 87.
(8) هو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، وإِليه نسبة الطائفة "الجبائية"، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، ورد عليه الأشعري. نسبته إِلى "جبّى" من قرى البصرة. ولد سنة 235 ه، واشتهر في البصرة، وتوفي سنة 303 ه، ودفن ب، "جبى".
من مولفاته: تفسير حافل مطول.
انظر: اللباب 1/ 255، ووفيات الأعيان 4/ 267، والبداية والنهاية 11/ 125، وخطط المقريزي 2/ 348، ومفتاح السعادة 2/ 35.
(9) في (ظ): جميعًا.
(10) في (ظ) منهما.
(1/201)

فلهذا قيل: الخلاف معنوي.
وقيل: لفظي.
ولا يجوز ترك جميعها، ولا يجب الجمع بين اثنين منها إِجماعًا.
وِإن كفّر بها مترتبة (1)، فالواجب الأول إِجماعًا، ومعاً -إِن أمكن- لا يثاب ثواب الواجب على كل واحد إِجماعًا، بل على أعلاها.
وإِن ترك الجميع لم يأثم على كل واحد إِجماعًا، [بل] (2) قال القاضي (3) وغيره: يأثم بقدر عقاب أدناها، لا أنه نفس عقاب أدناها.
وفي التمهيد (4) وغيره: "يثاب على واحد، ويأثم بواحد"، ومعناه في في الواضح (5). (6)
لنا: جوازه عقلاً، كتكليف السيد عبده بفعل هذا الشيء أو ذاك، على أن يثيبه على أيهما فعل، ويعاقبه بترك الجميع، ولو أطلق لم يفهم وجوبهما (7).
__________
(1) في (ظ): مرتبة.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) انظر: العدة/ 306.
(4) انظر: التمهيد/ 44 ب- 45 أ.
(5) انظر: الواضح 1/ 290أ.
(6) نهاية 55 من (ح).
(7) في (ظ): وجوبها.
(1/202)

والنص دل عليه؛ لأنه لم يرد الجميع، ولا واحدًا بعينه؛ لأنه خيّره.
ولو أوجب التخيير الجميع، لوجب عتق الجميع إِذا وكّله في إِعتاق أحد عبديه، (1) وتزويج موليته بالخاطبين إِذا وكلته بأحدهما.
قالوا: غير المعين مجهول، فلا يشعر به، ويستحيل وقوعه، فلا يكلف به.
ورد: بتعيينه من حيث هو واجب، وهو واحد من الثلاثة، فينتفي تعيينه الشخصي، فصح إِطلاقهما عليه باعتبارين.
قالوا: لو لم يجب الجميع لوجب واحد، فإِن تعين فلا تخيير، أو وقع التخيير بين واجب وغيره، وإن لم يتعين فواحد غير واجب، فإِن تعددا (2) لزم التخيير بين واجب وغيره، وإِن اتحدا اجتمع الوجوب وعدمه.
رد: يلزم في الإِعتاق والتزويج.
ثم (3): الواجب لم يخير (4) فيه لإِبهامه، والمخير فيه لم يجب لتعيينه، وهي الأفراد الثلاثة.
ولأنه يتعدد الوجوب والتخيير، فيتعدد متعلقاهما "الواجب والخير فيه"، كما لو حرم الشارع واحدًا وأوجب واحدًا.
__________
(1) نهاية 22 ب من (ظ).
(2) ضرب في (ظ) و (ب) على الألف في "تعددا".
(3) نهاية 29 أمن (ب).
(4) في (ب): لم يخبر.
(1/203)

وسبق جواب قولهم:"يعم ويسقط بفعل بعضها، كفرض الكفاية".
قالوا: يجب أن يعلم الآمر ما أوجبه، لاستحالة طلب غير متصور.
رد: يعلمه حسبما أوجبه، وإذا أوجبه غير معين، علمه كذلك.
قالوا: علم ما يفعله المكلف، فكان الواجب؛ لأنه يمتنع إِيجابه ما علم عدم وقوعه.
رد: بمنعه.
ثم: لم يجب (1) بخصوصه، للقطع بتساوي الناس في الواجب (2) [(ع)] (3).

مسألة
إِذا علق وجوب العبادة بوقت موسع -كالصلاة- تعلق بجميعه موسعاً أداء عندنا، وقاله المالكية والشافعية والجمهور.
وأوجب أكثر أصحابنا (4) والمالكية (5) العزم بدل الفعل أول الوقت، ويتعين الفعل آخره، وذكره (6) صاحب المحصول (7) عن أكثر المتكلمين، ولم
__________
(1) في (ح): "ثم المفعول ليس بواجب بخصوصه" مكان قوله "ثم لم يجب بخصّوصه".
(2) نهاية 56 من (ح).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: البلبل/ 21.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 152.
(6) في (ظ): وذكر.
(7) انظر: المحصول 1/ 2/ 292.
(1/204)

يوجبه صاحب التمهيد (1) والمحرر (2) وغيرهما، وللشافعية (3) والمعتزلة (4) قولان.
وقال قوم (5): وقته أوله، فإِن أخّره فقضاء.
وقال الحنفية (6): يتعلق بآخره -زاد الكرخي (7): أو بالدخول فيها- فإِن قدَّمه فنفل يسقط الفرض.
وأكثرهم: إِن بقي مكلفاً فما قدمه واجب.
وعندهم: إِن طرأ ما يمنع الوجوب فلا وجوب.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 32 ب-34 أ.
(2) انظر: المسودة/ 28.
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 291.
(4) انظر: المعتمد للبصري/ 135.
(5) انظر: المرجع السابق.
(6) في هذه النسبة نظر؛ فقد ذكر في كشف الأسرار أن مذهب جمهورهم كقول الجمهور، وأن هذا قول لبعض الحنفية العراقيين.
انظر: كشف الأسرار 1/ 219، وفواتح الرحموت 1/ 74، وأصول السرخسي 1/ 31، وتيسير التحرير 2/ 189، والتوضيح على التنقيح 2/ 205.
(7) هو: أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي، فقيه حنفي، انتهت إِليه رئاسة الحنفية بالعراق، ولد في الكرخ سنة 260 ه، وتوفي ببغداد سنة 340 ه.
من مؤلفاته: رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير.
انظر: الجواهر المضية 1/ 337، والفوائد البهية/ 108.
(1/205)

وعن بعض المتكلمين: يتعلق الوجوب بوقت غير معين، كخصال الكفارة، ويتأدى فيهما (1) بالمعين، وذكره في الواضح (2) عن الكرخي، واختاره (3) -أيضًا- في مسألة الواجب الخير (4)، واختاره صاحب المحرر، (5) قال: ويجب حمل مراد أصحابنا عليه. كذا قال.
وصرح القاضي (6) وابن عقيل (7) وغيرهما بالفرق لظاهر النص، والكفارة هي الدليل، لوجوبها بالحنث، فما أداه سبق وجوبه، كذا هنا.
وقال (8) ابن عقيل (9): التعميم يزيل معنى توسعة التخيير في التكفير، وتوسعة قيام شخص مقام آخر في الكفاية بالبعض، وهنا (10) لم تزل الرخصة، وفيه فائدة، هي: تعلق المأثم بالترك في كل الوقت، لا يختص بالأخير.
__________
(1) في (ح): فيها.
(2) انظر: الواضح 1/ 280 أ.
(3) ضمير الفاعل يعود إِلى الكرخي.
(4) انظر: المرجع السابق.
(5) انظر: المسودة/ 29.
(6) انظر: العدة/ 311، 315.
(7) انظر: الواضح 1/ 283 ب، 279أ.
(8) نهاية 23 أمن (ظ).
(9) انظر: الواضح 1/ 282أ.
(10) يعني: إِذا علقنا الوجوب على جميع الوقت.
(1/206)

لنا: أن قوله: (أقم الصلاة) (1) -الآية- قيد بجميع وقتها. وصلى (2) - عليه السلام- أوله وآخره، وقال: (الوقت بينهما) (3) (4) له جبريل- عليه السلام- أيضًا.
__________
(1) سورة الإِسراء: آية 78: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) إِلى غسق الليل وقرآن الفجر إِن قرآن الفجر كان مشهودًا)
(2) في (ب): وصل.
(3) جاء ذلك في حديث بريدة الأسلمي: أخرجه مسلم في صحيحه/ 428 - 429، والترمذي في سننه 1/ 102، وقال: "هذا حديث حسن غريب صحيح"، والنسائي في سننه 1/ 582، وابن ماجه في سننه / 219، وأحمد في مسنده 5/ 349، والدارقطني في سننه 1/ 262، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 371.
وجاء ذلك -أيضًا- في حديث أبي موسى الأشعري: أخرجه مسلم في صحيحه / 429 - 430، وأبو داود في سننه 1/ 279 - 280، والنسائي في سننه 1/ 260، وأحمد في مسنده 4/ 416، والدارقطني في سننه 1/ 263، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 366 - 367، 370 - 371.
وجاء ذلك -أيضًا- في حديث أنس: أخرجه النسائي في سننه 1/ 270، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 377 - 378.
وجاء ذلك -أيضًا- في حديث جابر: أخرجه الدارقطني في سننه 1/ 257، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 382.
وجاء ذلك -أيضًا- في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/ 369.
(4) قال له ذلك حين أَمَّه أول الوقت وآخره.
وحديث إِمامة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - رواه من الصحابه: أخرجه أبو داواد في سنته=
(1/207)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= 1/ 274 من حديث ابن عباس، وأخرجه الترمذي في سننه 1/ 100 - 101 من حديث ابن عباس، وقال: حديث حسن صحيح، ومن حديث جابر، وقال: حسن غريب، ثم قال: وقال محمد -يعني البخاري-: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة، وبريدة، وأبي موسى، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو بن حزم، والبراء، وأنس.
وأخرجه النسائي في سننه1/ 249 - 250 من حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر، وأخرجه الشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 46 - 48) من حديث ابن عباس.
وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 256 - 257 من حديث جابر، 1/ 258 - 259 من حديث ابن عباس، 1/ 259 من حديث ابن عمر، 1/ 261 من حديث أبي هريرة.
وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/ 192 - 193 من حديث ابن عباس، وقال: صحيح، ولم يخرجاه، 1/ 195 - 196 من حديث جابر، وقال: صحيح مشهور من حديث عبد الله بن المبارك، ولم يخرجاه لقلة حديث الحسين بن علي الأصغر -ووافقه في التلخيص- وذكر له شاهدين مثل ألفاظه عن جابر.
وأخرجه أحمد في مسند 1/ 333 من حديث ابن عباس، 3/ 30 من حديث أبي سعيد الخدري.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/ 364 من حديث ابن عباس، قال: وروينا عن جابر بن عبد الله، وأبي مسعود الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري في قصة إِمامة جبريل -عليه السلام- النبي - صلى الله عليه وسلم - 1/ 365 من حديث أبي مسعود الأنصاري، 1/ 368 - 369 من حديث جابر.
وانظر: التلخيص الحبير 1/ 173، ونصب الراية 1/ 221.
(1/208)

ولأنه لو تعين جزء لم يصج قبله، وبعده قضاء، فيعصي، وهو خلاف الإِجماع.
ولأن (1) وجوب العزم والتخيير بينه وبين الفعل وتعيين وقت تحكّم لا دليل عليه.

القائل بالعزم: كخصال الكفارة.
رد: بأنه ممتثل؛ لأنه مصلٍّ، لا لأحد الأمرين.
وبأنه يلزم سقوط المبدَل إِذا أتى بالبدل، كسائر الأبدال، وأن يعم العزم جميع الوقت كمبدَله.
وبأن في (2) وجوبه في جزء ثان يقتضي تعدده، والمبدل واحد.
وبِأن وجوب العزم لا يدل على التخيير، لوجوبه في كل أمر ديني إِجماعًا.
وبأنه يجب قبل دخول (3) وقت المبدل.
وبعضهم منع هذا، وبعضهم أوجب العبادة قبل وقتها.
وقوله في الروضة (4): "لا يترك العزم على الفعل إِلا عازمًا على الترك
__________
(1) في (ح): "ولأن التخيير بين الفعل والعزم" مكان قوله: "ولأن وجوب العزم والتخيير بينه وبين الفعل".
(2) لعل المناسب حذف كلمة (في)، أو إِضافة كلمة (ما) قبل (يقتضي)، فيكون الكلام هكذا: وبأن في وجوبه في جزء ثان ما يقتضي تعدده.
(3) نهاية 57 من (ح).
(4) انظر: الروضة/ 32.
(1/209)

مطلقًا" ممنوع، فلهذا إِثمه بالتردد مبني على وجوب العزم.
وإِنما لم يعص بتأخيره أول الوقت؛ لأنه كقضاء رمضان، وخصال الكفارة.

مسألة
من أخر الواجب الموسع مع ظن مانع -موت أو غيره- أثم إِجماعًا.
وذكر بعض أصحابنا: يأثم مع عدم ظن البقاء إِجماعًا، وفي الروضة (1): "لا يؤخر إِلا إِلى وقت يظن بقاءه إِليه".
ثم: إِن بقي ففعله في وقته فأداء.
وعند ابن الباقلاني: (2) قضاء، لضيق وقته بظنه.
وألزمه بعضهم أن يوجب نية القضاء، وأن يأثم بالتأخير من اعتقد قبل الوقت انقضاءه.
وقال بعض أصحابنا: (3) له التزامه لعدوله عن (4) مناط التعبد، وهو ما ظنه حقاً. كذا قال.
ومن له التأخير فمات لم يأثم [(و)] (5)، وحكاه (6) بعض أصحابنا
__________
(1) انظر: الروضة/ 33.
(2) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 192.
(3) انظر: البلبل/ 23.
(4) نهاية 30 أمن (ب).
(5) ما بين المعقوفتين زيادة من (ب).
(6) في (ظ) و (ح): "حكاه" بدون الواو.
(1/210)

إِجماعًا.
واعتبار (1) سلامة العاقبة ممنوع.
ولنا وجه: يأثم، كبعض الشافعية (2).
ويأثم من له تأخير الحج فمات قبل فعله (و) (3)، لتأخيره عن وقته وهو العمر.
وقيل: لعدم ظن البقاء سنة، فيلزم قضاء رمضان.
وحكى بعضهم (4) عن الشافعي في الحج: يأثم الشيخ، لا الشاب الصحيح.

وفي الواضح (5) في مسألة "الأمر للفور" -عن بعض (6) من قال: للتراخي-: "لا يأثم بموته لئلا تبطل رخصة التأخير"، ثم ألزم بالموسع.
م مسألة
ما لا يتم الوجوب إِلا به ليس بواجب إِجماعًا، قدر عليه المكلف
__________
(1) في (ح): رسم اللفظ هكذا: واعا.
(2) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 193، والمستصفى 1/ 70.
(3) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 193، والمستصفى 1/ 71، وفواتح الرحموت 1/ 88، وشرح العضد 1/ 243، وتيسير التحرير 2/ 210 - 211.
(4) انظر: المحصول 1/ 2/ 306.
(5) انظر: الواضح 1/ 278أ.
(6) نهاية 23 ب من (ظ).
(1/211)

كاكتساب المال في الحج والكفارة -قال ابن عقيل (1) وغيره: وإِرغاب العبد سيده في كتابته بمال كثير- أوْ لا، كاليد في الكتابة، وحضور الإِمام والعدد في الجمعة.
وذكره (2) بعض أصحابنا (3) وغيرهم [من باب]: (4) ما لا يتم الواجب إِلا به لا يجب إِلا على تكليف المحال. كذا قالوا.
وأما ما لا يتم الواجب إِلا به -كالطهارة، وقطع المسافة إِلى العبادة، وغسل بعض الرأس- فواجب، ذكره أصحابنا والشافعية (5) وأكثر الفقهاء، وحكاه الآمدي (6) عن المعتزلة.
وحكى بعض أصحابنا (7) عن أكثر المعتزلة: ليس بواجب.
وحكى (8) ابن الجوزي (9): لا يجب إِمساك جزء من الليل في الصوم في أصح الوجهين.
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 259 أ.
(2) في (ح): وذكر.
(3) انظر: البلبل/ 23 - 24.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: نهاية السول/ 1/ 95.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 111.
(7) انظر: المسودة/ 60.
(8) انظر نحو ذلك في زاد المسير 1/ 193.
(9) هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي،=
(1/212)

وأوجب بعض أصحابنا (1) ما كان شرطاً شرعيًا كالطهارة، (2) لا غيره، وقاله ابن برهان (3) وأبو المعالي (4) وغيرهما.
وظاهر من أوجب: يعاقب بتركه كغيره، وقاله الآمدي (5) وغيره (6)، وقاله القاضي في الحج عن ميت من ميقات، كما يثاب.
__________
=علامة عصره في التاريخ والحديث، ولد في بغداد سنة 508 ه، وتوفي بها سنة 597 ه، ونسبته إِلى "مشرعة الجوز" من محالّها.
من مؤلفاته: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، والضعفاء والمتروكون، والناسخ والمنسوخ، وزاد المسير في علم التفسير، وجامع المسانيد والألقاب، وشرح مشكل الصحيحين.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 140، والبداية والنهاية 13/ 28، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 399، ومفتاح السعادة 1/ 207.
(1) انظر: البلبل/ 24.
(2) نهاية 58 من (ح).
(3) حكاه في المسودة/ 60.
(4) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 257.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 112.
(6) كان النص في (ح) هكذا: "وقاله الآمدي وغيره كما يثاب وفي الروضة لا يعاقب" ثم استدرك في الهامش ما سقط بين قوله: "وغيره" وقوله: "كما يثاب"، وهو قوله: "وقاله القاضي في الحج عن ميت من ميقات" لكن جعلت إِشارة الاستدراك في النص قبل كلمة: غيره" وكرر في الهامش بعض ما هو في النص، حيث كتب في الهامش: "وقاله القاضي في الحج عن ميت من ميقات كما يثاب، وفي الروضة لا يعاقب"، فجاء النص متصلاً هكذا: "وقاله الآمدي، وقاله القاضي في الحج عن ميت من ميقات كما يثاب، وفي الروضة لا يعاقب وغيره، وفي الروضة لا يعاقب".
(1/213)

وفي الروضة: (1) لا يعاقب، وقاله بعض أصحابنا، قال (2): إِلا أن يقال: قد تكون عقوبة من كثرت واجباته أكثر.
وقال (3) -أيضًا-: وجوبه عقلاً وعادة لا ينكر، والوجوب العقابي لا يقوله فقيه، والوجوب الطلبي محل النزاع، وفيه نظر.
قال (4): وإِذا نسخ الأمر بالملزوم أو تبين عدم وجوبه، استدل به على اللوازم، فعند أصحابنا: اللوازم كالأجزاء، وصرحوا بأنه كالعموم إِذا خص منه صورة، وأن الكلام في قوة (5) أمرين، وأن اللازم مأمور به أمراً مطلقًا. ويشبهها (6) الأمر بهيئة أو صفةٍ لفعل، يحتج به على وجوبه، ذكره أصحابنا، ونص عليه أحمد رحمه الله؛ (7) لتمسكه لوجوب (8) الاستنشاق بالأمر (9) بالمبالغة (10)، (ه) (11) وهو يشبه: نسخ اللفظ نسخ
__________
(1) انظر: الروضة/ 33 - 34.
(2) و (3) انظر: المسودة/ 61.
(4) انظر: المرجع السابق/ 62.
(5) في (ظ)، ونسخة في هامش (ب): وقوع.
(6) انظر: المرجع السابق/ 59، 62.
(7) نهاية 30 ب من (ب).
(8) في (ظ): بوجوب.
(9) في (ظ)، ونسخة في هامش (ب): وبالمبالغة.
(10) أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمبالغة بالاستنشاق ورد في حديث لقيط بن صبرة.
أخرجه أبو داود في سننه 1/ 97 - 100، 2/ 769، والترمذي في سننه 2/ 142 - وقال: حديث حسن صحيح - والنسائي في سننه 1/ 66، وابن ماجه في سننه/ 142، وأحمد في مسنده 4/ 32 - 33. وانظر: نصب الراية 1/ 16.
(11) في (ظ) و (ب): (و). والمثبت من (ح) ونسخة في هامش (ب).
(1/214)

لفحواه، قال: وقول المخالف متوجه، وسرها: هل هو كأمرين، أو أمر بفعلين، أو بفعل ولوازمه ضرورة. هذا كلامه (1).
وذكر أصحابنا: أن من سقط عنه النطق في الصلاة لعذر لم يلزمه تحريك لسانه، خلافاً للقاضي وأكثر الشافعية (2)؛ لوجوبه ضرورة، كجزء الليل في الصوم، وشروط الصلاة، (3) ويتوجه الخلاف.
وقال بعض أصحابنا: يستحب في قول من استحب (4) موضع القطع في الطهارة، وكذا إِمرار الموسى (5) فيمن لا شعر له. كذا قال.
وفي عمد (6) الأدلة لابن عقيل: (7) يمر الموسى ولا يجب، ذكره شيخنا (8)، وأما كلام أحمد فخارج مخرج الأمر، لكنه حمله شيخنا على الندب.
__________
(1) انظر: المسودة/ 59.
(2) انظر: المجموع شرح المهذب 3/ 361.
(3) نهاية 24 أمن (ظ).
(4) في شرح الكوكب المنير 1/ 361 نقلاً عن كلام ابن مفلح: من استحب غسل موضع القطع.
(5) انظر: المغني 3/ 388.
(6) ويسمى -أيضًا- "عمدة الأدلة"، وهو ذو قيمة علمية، فقد ذكره تقي الدين بن تيمية في جملة الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح. انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156، وقواعد ابن رجب/ 66، والإِنصاف للمرداوي 1/ 18، والفتاوى الكبرى 2/ 235.
(7) في (ح): وفي عمد الأدلة لا يمر الموسى.
(8) يعني به: القاضي أبا يعلى.
(1/215)

وفي تعليق (1) القاضي -وغيره- في وطء المظاهر: أن الأمر بالصلاة متضمن للأمر بالطهارة، وأن التابع يسقط بفوات المتبوع، كالطهارة بالصلاة.
لنا: ما اعتمد عليه في التمهيد (2) وغيره: (3) أن الأمر بالشيء مطلقًا يستلزم وجوبه في كل أحواله الممكنة، فيقتضي وجوب لازمه، وإِلا كان واجبًا حال عدمه وهو محال، وتقييده بوقت وجود لازمه خلاف ظاهر الأمر؛ لأنه مطلق، واللازم لا ينفيه اللفظ لعدم دلالته عليه، فلا مخالفة لظاهره. (4)
وقال ابن عقيل: ما عرف من اطراد العادة كالملفوظ.
ولأنه لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا، لجواز تركه.

واستدل: لو لم يجب لصح الفعل دونه، وإِلا لزم تكليف المحال بتقدير عدمه، ولما وجب التوصل إِلى الواجب.
ورد: إِن أريد بالصحة والوجوب "ما لا بد منه" فمسلم، ولا يلزم (5) أنه مأمور به، وإِن أريد: "مأمور به" فأين دليله؟ وإِن سلم أن (6) التوصل واجب ففي الأسباب المستلزمة لمسبباتها، لا لنفس الأمر بالفعل.
__________
(1) وهو: كتاب التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة للقاضي أبي يعلى، يوجد منه المجلد الرابع في دار الكتب المصرية برقم 140 فقه حنبلي، يبتدئ بكتاب الحج، وينتهي في أثناء كتاب البيع.
(2) انظر: التمهيد/ 43 أ.
(3) نهاية 59 من (ح).
(4) في (ح): لظاهر.
(5) في (ظ) والا يلزم.
(6) في (ب): إِلى.
(1/216)

قالوا: لو وجب لزم تعقل الموجب له، ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه، لتوقف تعلقه على تعلقه بملزومه، والطلب لا يتعلق بغير المطلوب، ولامتنع التصريح بغير وجوبه، ولأثم بتركه، ولانتفى المباح، ولوجبت نيته.
ورد (1) الأول: يلزم لو وجب أصلا لا تبعًا.
ثم: ينتقض بالشرط.
والثاني: بأنه إِن أراد التعلق بالأصالة منع انتفاء التالي؛ فإِن تعلق الوجوب باللازم (2) قرع تعلقه بملزومه، وإِلا فتعلق الوجوب الناشئ من وجوب الأول يتعلق باللازم لذاته.
ثم: ينتقض بالشرط.
والثالث: بمنع الملازمة في القادر على غسل الوجه دون غسل جزء من الرأس، ونفي التالي (3) في العاجز.
وبه يجاب عن الرابع.
ثم: تركه يوجب ترك الواجب أصلاً.
ثم: ينتقض بالشرط.
والخامس: يلزم نفي المباح لو تعيّن ترك الحرام به.
والسادس: يلزم لو وجب أصلاً لا تبعًا، والله أعلم.
__________
(1) في (ظ): "رد" بد ون الواو.
(2) نهاية 31 أمن (ب).
(3) في (ظ): الثاني.
(1/217)

وتسقط الوسيلة تبعًا. (1)

مسألة (2)
إِذا كنى الشارع عن العبادة ببعض فيها، نحو: (وقرآن الفجر) (3) (4) و (محلقين رؤوسكم) (5)، دل على فرضه -لم يذكر القاضي (6) وابن عقيل (7) خلافاً- لأن العرب لا تكني إِلا بالأخص بالشيء.

مسألة
إِذا نهى عن أشياء بلفظ التخيير فهو منع من أحدها (8) لا بعينه، [وله
__________
(1) نهاية 60 من (ح).
(2) هذه المسألة لم ترد في (ح).
(3) نهاية 24 ب من (ظ).
(4) سورة الإِسراء: آية 78 (أقم الصلاة لدلوك الشمس إِلى غسق الليل وقرآن الفجر إِن قرآن الفجر كان مشهودًا)
(5) سورة الفتح: آية 27 (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إِن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا).
(6) انظر: العدة/ 418.
(7) انظر: الواضح 2/ 12 ب.
(8) في (ح) و (ظ): أحدهما.
(1/218)

فعل أحدها (1)] (2) عند أصحابنا والشافعية (3)، وحكاه ابن برهان (4) قول الفقهاء والمتكلمين، كالواجب الخير، [ولأنه اليقين والأصل.
واحتج بعضهم بقول الطبيب: "لا تأكل سمكاً أو لبناً"، وفيه نظر.
وكذا دليل أبي الخطاب (5): قوله لعبده: لا تأكل هذا أو هذا]. (6)
وذكره القاضي (7) ظاهر كلام أحمد: كل ما (8) في كتاب الله "أو" فللتخيير.
واختار (9) أبو البقاء من أصحابنا في إِعرابه (10) في (ولا تطع منهم
__________
(1) في (ظ): أحدهما.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: التمهيد للأسنوي/ 77، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 183، والإِحكام للآمدي 1/ 114.
(4) انظر: كتاب الوصول إِلى الأصول لابن برهان/ 23أ، وقد حكى في المسودة/ 18 حكاية ابن برهان هذه.
(5) انظر: التمهيد/ 48 ب.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: العدة/ 429.
(8) في (ظ): "كما في". والمثبت من (ب) و (ح)، ولكن اللفظ رسم فيهما هكذا: "كلما".
(9) انظر: كتاب إِملاء ما من به الرحمن 2/ 277.
(10) وهو: كتاب إِملاء ما من به الرحمن من وجوه الإِعراب والقراءات في جميع القرآن. والكتاب مطبوع.
(1/219)

آثمًا أو كفورًا) (1): أنه منع من الجميع، وأنه نهي عن كلام أحدهما، فمن كلّمه فهو أحدهما، وقاله المعتزلة (2) والجرجاني (3) الحنفي؛ للآية. (4)
رد: بأن الآثم والكفور يأمران بالمعصية، فلا طاعة.
قالوا: "لا تطع زيدًا أو عمراً" للجميع بإِجماع أهل اللغة.
رد: بالمنع.
قالوا: لتساويهما في القبح.
رد: مبني على أصلهم في اعتبار الأصلح.
ثم: إِنما خيّره لعلمه بتركه القبيح وفعله الحسن.
قالوا: فيه احتياط.
__________
(1) سورة الإِنسان: آية 24.
(2) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 183، والتمهيد للأسنوي/ 77، والوصول لابن برهان/ 23 أ.
(3) في المسودة/ 81، والواضح 2/ 38 أ:" أبو عبد الله الجرجاني". وهو: محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني، فقيه من أعلام الحنفية من أهل جرجان، سكن بغداد، وكان يدرس فيها، وتفقه عليه أبو الحسين القدوري، وغيره، توفي سنة 398 ه.
من مؤلفاته: ترجيح مذهب أبي حنيفة.
انظر: الجواهر المضية 2/ 143، وطبقات الفقهاء لطاش كبرى زادة/ 72، والفوائد البهية/ 202، وإيضاح الكنون 2/ 225، وهدية العارفين 2/ 57.
(4) حكاه في الواضح 2/ 38أ.
(1/220)

فألزمهم القاضي (1) بالواجب المخير.
وقال ابن عقيل (2): إِنما نمنع من اعتقاد ذلك، ولا احتياط فيه. كذا قال.

مسألة
في الشخص الواحد ثواب وعقاب، كنوع الآدمي (3)، خلافاً للمعتزلة في تخليد أهل الكبائر.
والفعل الواحد [بالنوع] منه (4) واجب وحرام، كالسجود لله وللصنم، لتغايرهما بالشخصية، فلا استلزام بينهما خلافاً لبعض المعتزلة (5)؛ لأن السجود مأمور به لله، فلو حرم للصنم لاجتمع أمر ونهي في نوع واحد، والمنهي قصد تعظيمه.
رد: بأن المأمور به السجود المقيد بقصد تعظيم الله، ولهذا قال: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله) (6)، والمنهي عنه هنا هو المأمور به.
__________
(1) انظر: العدة/ 430.
(2) انظر: الواضح 2/ 40 أ.
(3) في (ب) ما يشير إِلى سقوط قوله: "كنوع الآدمي" من بعض النسخ.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: البرهان للجويني/ 304.
(6) سورة فصلت: آية 37.
(1/221)

والفعل الواحد بالشخص - له جهة واحدة- يستحيل كونه واجباً حراماً، لتنافيهما، إِلا عند من قال بتكليف المحال عقلاً وشرعًا.
وأما الصلاة في الدار المغصوبة:
فمذهب أحمد وأكثر أصحابه: لا تصح، وقاله الظاهرية والزيدية (1) والجبائية، وحكاه بعضهم (2) عن أكثر المتكلمين، فوهم.
فعلى هذا (3): لا يسقط الطلب [بها] (4)، وكذا عندها خلافاً لابن
__________
(1) الزيدية: إِحدى فرق الشيعة، وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي، وقد ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة، ولم يجوزوا ثبوت إِمامة في غيرهم، إِلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي -عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة- إِمامًا واجب الطاعة، سواء أكان من أولاد الحسن أم من أولاد الحسين.
وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة
ولما كان زيد بن علي يذهب هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الأصول على واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، فاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلها معتزلة.
وكان من مذهبه جواز إِمامة المفضول مع قيام الأفضل.
وكان لا يتبرأ من الشيخين.
ولما عرفت شيعة الكوفة أنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه، فسميت رافضة.
انظر: الفرق بين الفرق/ 29، والملل والنحل 1/ 249، والفرق الإسلامية/ 57.
(2) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 2.
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 485.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ح).
(1/222)

الباقلاني، وادعاه إِجماعًا.
وهي دعوى لا دليل (1) عليها، ولا إِجماع، ثم: لا وجه (2) لسقوط العبادة عند (3) فعل باطل، ومع أنه لا يعرف عن أحد قبله، لا يبعد أنه خلاف الإِجماع.
وعن أحمد: تصح مع التحريم، اختارها الخلال (4) وابن عقيل في فنونه وغيرهما (وم ش).
وعنه: إِن علم التحريم [لم تصح] (5) وإلا صحت.
وحكى بعض أصحابنا قولاً: تصح مع الكراهة (وه). (6)
لنا: تعلق الوجوب والحرمة بفعل المكلف، وهما متلازمان في هذه الصلاة، فالواجب متوقف على الحرام، وما لا يتم الواجب إِلا به واجب،
__________
(1) نهاية 25 أمن (ظ).
(2) نهاية 61 من (ح).
(3) نهاية 31 ب من (ب).
(4) هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، مفسر عالم باللغة والحديث، من كبار الحنابلة من أهل بغداد، وهو جامع علم أحمد ومرتبه، توفي سنة 311 ه.
من مؤلفاته: تفسير الغريب، وطبقات أصحاب ابن حنبل، والسنة، والعلل، والجامع لعلوم الإِمام أحمد.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 12، ومناقب الإِمام أحمد/ 512، وتذكرة الحفاظ 3/ 7، والبداية والنهاية 11/ 148.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) انظر: التوضيح على التنقيح 2/ 228، وكشف الأسرار 1/ 278.
(1/223)

فالحرام واجب، وهو تكليف بالمحال.
ولأن شغل الحيز حرام، وهو داخل في مفهومي الحركة والسكون الداخلين في مفهومها، فدخل في مفهومها؛ لأنه جزؤها، فالصلاة التي جزؤها حرام غير واجبة، لوجوب الجزء الحرام إِن استلزم وجوبها وجوب أجزائها، وإِلا كان الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفسها لتغاير الكل والجزء.
واعترض الآمدي (1) وغيره: بأن العبد إِذا أمر بخياطة ثوب، ونهي عن مكان مخصوص، فجمع بينهما كان طائعًا عاصيًا للجهتين إِجماعًا، وما سبق جار فيه، [فالجواب واحد]. (2)
ولقائل أن يقول: صورة الإِلزام لازمة في الصلاة في المكان النجس، والجواب واحد.
ثم: في كلام أصحابنا ما يقتضي الفرق؛ فقال في الروضة (3) بعد أن احتج للصحة بالأمر بالخياطة، قال (4): ومن منع الصحة قال: متى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال.
وهذا معنى قول أبي الخطاب (5): من شرط الصلاة الطاعة، ونيته بها
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 117.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: الروضة/ 43.
(4) لعل المناسب حذف كلمة: قال.
(5) انظر: الانتصار لأبي الخطاب 1/ 255 أ.
(1/224)

أداء الواجب، وحركته معصية، ونية أداء الواجب بما يعلمه غير واجب -بل معصية- محال.
وقال (1) أيضًا -ومعناه كلام القاضي (2) وغيره-: من شرط (3) العبادة إِباحة الموضع، وهو محرم، فهو كالنجس.
ولأن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه للنهي عنها، وهي غصب، لشغل ملك غيره بغير حق، فلا يجوز كونها واجبة من جهة أخرى.
[قالوا: الغصب للدار، والصلاة غيرها.
رد: بما سبق.
وقال ابن عقيل (4): لا يملك الآدمي عين شيء عند الفقهاء أجمع، بل التصرف، فالمصلي غاصب بصلاته، والله يملك العين، وعند المعتزلة: لا (5)؛ لأن الملك: القدرة، ولا تقع (6) على موجود]. (7)

وأما (8) صوم العيد، فيحرم إِجماعًا. (9)
__________
(1) نهاية 62 من (ح).
(2) انظر: العدة/ 443.
(3) انظر: الانتصار لأبي الخطاب 1/ 256 ب.
(4) انظر: الواضح 2/ 47 ب.
(5) قالوا: بأن الأعيان لا يملكها مالك، لا القديم ولا غيره. انظر: الواضح 2/ 47 ب.
(6) أي: القدرة.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) نهاية 25 ب من (ظ).
(9) انظر: الشرح الكبير 3/ 110 - 111، والبحر الرائق 2/ 277، وبداية المجتهد 1/ 317.
(1/225)

ولا يصح عند أحمد (وم ش). (1)
وعن أحمد: يصح (2) فرضًا. (3)
وعنه: عن (4) نذره المعين (وه)، (5) وزاد أبو حنيفة: (6) ونفلاً (7).
فنقول: لو صحت بالجهتين لصح بهما.
وفرّق بأن صومه لا ينفك عن الصوم بوجه، فلا جهتان.
وبأن اعتبار تعدد الجهة في نهي التحريم بدليل، وهو الأمر بالصلاة، والنهي عن الغصب (8).
رد الأول: بأن هذه الصلاة إِن تناولها الأءمر فهي محرمة.
والثاني: بأنه الأمر بالصوم، والنهي عن صوم العيد.
* * *
__________
(1) انظر: المجموع 6/ 488، والمدونة 1/ 214، 215، 216 وحاشية العدوي 1/ 397، والشرح الكبير 11/ 345.
(2) انظر: الإنصاف 3/ 35، والشرح الكبير 11/ 345.
(3) نهاية 32 أمن (ب).
(4) انظر: المرجعين السابقين.
(5) انظر: الهداية 1/ 131، والبحر الرائق 2/ 316، وكشف الأسرار 1/ 270.
(6) انظر: المبسوط 3/ 81، 95.
(7) في (ظ): ونقلاً.
(8) في (ظ): الغضب.
(1/226)

وأما من خرج من الغصب تائبًا فتصح توبته فيها، ولم يعص بحركة خروجه عند ابن عقيل وغيره (وش ر).
وقال ابن عقيل (1): لم يختلفوا (2) لا يعد واطئًا -بنزعه- في الإِثم، بل في التكفير، وكإِزالة محرم طيباً بيده، وكأثر فعله بعلة عدم القدرة، ولعدم غصبه بعدم نيته، والمالك في الحقيقة الله، والآدمي مستخلف، وغرضه الضمان، وهو باق بصورة الفعل.
قال ابن برهان (3): "قاله الفقهاء والمتكلمون كافة"، خلافًا لأبي الخطاب في الانتصار (4)؛ قال: "لكن يفعله ندفع أكبر المعصيتين بأقلهما (5)؛ ولهذا: الكذب معصية يجوز فعله لدفع قتل مؤمن ظلماً كذلك (6) "، وقاله أبو شمر (7) المرجئ وأبو هاشم المعتزلي. (8)
__________
(1) انظر: المسودة/ 86.
(2) لعل المناسب زيادة "أنه" هنا، فيكون الكلام: لم يختلفوا أنه لا يعد.
(3) انظر: المسودة/ 85، والوصول لابن برهان/ 22 ب.
(4) انظر: الانتصار 1/ 255 ب.
(5) في (ظ): بأقلها.
(6) في (ب): لذلك.
(7) هو: ممن جمع بين الإِرجاء في الإِيمان، ونفي القول بالقدر -يعني: قال بالقدر على مذهب القدرية المعتزلة- وهو من تلاميذ النظام إِبراهيم بن سيار المتوفى سنة 231 ه، فهو من رجال منتصف القرن الثالث الهجري.
انظر: الفرق بين الفرق/ 202، والتبصير في الدين/ 90، الملل والنحل 1/ 34.
(8) انظر: المسودة/ 85، 87، والمستصفى 1/ 89، والوصول لابن برهان/ 22 ب.
(1/227)

وضعّف: بأنه تكليف بالمحال، لتعلق الأمر والنهي بالخروج.
واستصحب أبو المعالي حكم المعصية مع الخروج مع أنه غير منهي عنه. كذا قيل (1) عنه.
وقيل (2) عنه: إِنه طاعة -لأخذه في ترك الغصب- معصية؛ لأنه في ملك غيره، مستند إِلى فعل متعدٍّ (3)، كالصلاة (4).
وضعّف: بأنه لا جهتين لخروجه، لتعذر امتثاله به لو كان منهياً عنه، (5) ولو كان له جهتان لم يتعذر.
وقال بعض أصحابنا (6): نظير المسألة توبة المبتدع الداعي إِلى بدعته، (7) وفيها روايتان، أصحهما الجواز، والأخرى اختيار ابن شاقلا: [لا] (8) لإضلال غيره.
وقال بعضهم (9): من قال لزوجته: "إِذا وطئتك فظانت طالق ثلاثًا"، أو:
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 4/ 2.
(2) انظر: المسودة/ 85، وهذا هو الذي ذكره في البرهان/ 301.
(3) لعل المناسب زيادة "فيه"، فيكون الكلام: إِلى فعل متعد فيه.
(4) يعني: كالصلاة في الدار المغصوبة.
(5) نهاية 63 من (ح).
(6) انظر: المسودة/ 87.
(7) في (ح): بدعة.
(8) ما بين المعقوفتين لها يرد في (ح).
(9) انظر: المرجع السابق/ 85 - 86.
(1/228)

"إِذا وطئتك فأنت علي كظهر أمي"، فروايتان في إِقدامه، فإِن حلّ وجب على قياسه أن الخارج من الغصب ممتثل، وإِن حرم توجّه لنا كقول أبي هاشم (1) وأبي المعالي.
كذا قال، وهذا تكليف بممكن بخلاف ذلك (2) (3).

مسألة
المندوب لغة (4): المدعو (5) لمهم، من الندب وهو الدعاء.
وشرعًا: فعل تعلق به الندب، وقد سبق (6).
* * *
وهو مأمور به حقيقة عند أحمد (7) وأكثر أصحابه -وجزم به التميمي عن أحمد- وفي الروضة (8)، وحكاه ابن عقيل (9) عن أكثر العلماء الأصوليين والفقهاء.
__________
(1) في (ب) و (ح): أو أبي المعالي. وانظر المسودة/ 86.
(2) في (ح): ذاك.
(3) نهاية 32 ب من (ب).
(4) انظر: لسان العرب 2/ 251، وتاج العروس 1/ 481 (ندب).
(5) نهاية 26 أمن (ظ).
(6) انظر: ص 183 من هذا الكتاب.
(7) انظر: العدة/ 158، 248، ومسائل الإمام أحمد للنيسابوري 1/ 45.
(8) انظر: الروضة/ 35.
(9) انظر: المسودة/ 6.
(1/229)

وعند الحلواني (1) من أصحابنا: مجازًا (وه)، (2) واختاره في التمهيد (3) في مسألة "الأمر بالشيء نهي عن ضده".
وللمالكية والشافعية قولان. (4)
وذكر بعض أصحابنا (5) أن المرغب فيه من غير أمر، هل يسمى طاعة وأمراً حقيقة؟ فيه أقوال، لنا ثالثها: طاعة لا مأمور به.
وذكر بعض أصحابنا أنه طاعة وقربة إِجماعاً.
[وفي الواضح (6): النظر في دلائل العبر، قال قوم: "طاعة"، ولا يصح؛ لأنها موافقة الأمر، وهو في طرق النظر طالب متعرف، لا عارف. كذا قال (7)] (8).

وجه الأول: دخوله في حد الأمر، [وانقسام الأمر إِليهما]. (9)
__________
(1) في المسودة/ 6، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 164 صرح باسمه، وهو "عبد الرحمن الحلواني"، وقد تقدمت ترجمته ص 132 من هذا الكتاب.
(2) انظر: فواتح الرحموت 1/ 111، وتيسير التحرير 2/ 222، وكشف الأسرار 1/ 119.
(3) انظر: التمهيد/ 44 أ.
(4) انظر: المستصفى 1/ 75، والإحكام للآمدي 1/ 120، وشرح العضد 2/ 5، والمحصول 1/ 2/ 353، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 172.
(5) انظر: المسودة/ 8، والتحرير/ 11 ب.
(6) انظر: الواضح 1/ 29 ب.
(7) في (ظ): قاله.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(1/230)

ولأنه طاعة، لامتثال الأمر.
[قال ابن عقيل: (1) لا يجوز غيره عند أهل اللغة]. (2)
رد: بالمنع.
ثم: للثواب عليه.
رد: فيكون مأمورًا به للثواب، كالواجب.
رد: بأنه يعصي بتركه.
رد: نعقل الأمر ومقتضاه، وإِن لم يتضمن ثوابًا وعقابًا، وبأن الثواب بعضه.
ووجه الثاني: قوله -عليه السلام-: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك). (3) متفق عليه (4).
ولعصى بتركه.
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 251 أ.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) نهاية 64 من (ح).
(4) هذا الحديث ورد بألفاظ متقاربة:
أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 85، 2/ 4، ومسلم في صحيحه/ 220، والنسائي في سننه 1/ 12، 266 - 267، وابن ماجه في سننه/ 105 من حديث أبي هريرة. وأخرجه أبو داود في سننه 1/ 40 والترمذي في سننه 1/ 18 - 19 من حديث أبي هريرة، ومن حديث زيد بن خالد الجهني. وقال الترمذي -عن الأول-: حديث صحيح. وقال -عن الثاني-: حديث حسن صحيح.
وانظر -أيضاً-: التلخيص الحبير 1/ 62، ونصب الراية 1/ 9.
(1/231)

رد: المراد (1) أمر الإِيجاب، ولهذا قيده بالشقة.
وكذا (2) قوله -عليه السلام- لبريرة: (لو راجعتيه، فإِنه أبو ولدك)، قالت: أتأمرني؟ قال: (لا، إِنما أنا أشفع)، قالت: فلا حاجة لي فيه. رواه (3) البخاري (4).
[ثم: يسمى عاصياً.
قال ابن عقيل (5) هذا قياس المذهب، لقول أحمد في تارك الوتر (6):
__________
(1) في (ب) و (ظ) -هنا- زيادة: "بها"، فجاء الكلام هكذا: رد: المراد بها أمر الإِيجاب.
(2) من قوله: "وكذا قوله" إِلى قوله: "رواه البخاري" مثبت من (ح)، وقد جاء مكان هذا الكلام في (ب) و (ظ) ما نصه: "وكذا خبر بريرة الآتي في: الأمر للوجوب".
(3) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه:
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 48، وأبو داود في سننه 2/ 670، والنسائي في سننه 8/ 245، وابن ماجه في سننه/ 671.
وانظر: التلخيص الحبير 1/ 773، ونصب الراية 3/ 206.
(4) هو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إِبراهيم الجعفي، الإِمام الحافظ الشهير، صاحب الرحلات في طلب الحديث، توفي سنة 256 ه.
من مؤلفاته: الجامع الصحيح، والتاريخ، وخلق أفعال العباد، والضعفاء، والأدب المفرد. انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 67، وطبقات الحنابلة 1/ 271، وشذرات الذهب 2/ 134، والمنهج الأحمد 1/ 133.
(5) انظر: الواضح 1/ 251 ب.
(6) في هامش (ظ): يأتي بعد ذلك في المكروه ما يتعلق بقول أحمد في تارك الوتر.
(1/232)

"رجل سوء"، وهو مقتضى اللغة؛ لأن كل ما أطاع بفعله عصى بتركه.
وقال (1): يقال: خالف أمر الله، إِذا أهمله أو داوم عليه]. (2)
ولأنه يصح نفي الأمر عنه.
رد: بالمنع.
[وقال ابن عقيل (3): لا بد من تقييد في نفيه، فيقال: خالف أمر الله في النفل، كإِثباته، فيقال: أمر ندب]. (4)
ولأن الأمر حقيقة للإِيجاب.
رد: بأن الندب بعض الوجوب، فهو كاستعمال العام في بعضه، قاله في العدة (5) والتمهيد (6) والواضح (7) وغيرها.
وأجاب بعض أصحابنا (8): بأنه مشكك، كالوجود والبياض.
وبعضهم: بدخوله في مطلق الأمر، وأما الأمر المطلق -وهو ما لا قيد معه- فللإِيجاب.
__________
(1) انظر: المرجع السابق 1/ 252 ب.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: الواضح 1/ 252 ب.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح)
(5) انظر: العدة/ 255، 374 - 375.
(6) انظر: التمهيد/ 24 أ- ب.
(7) انظر: الواضح 1/ 249 ب- 250أ، 251 ب.
(8) انظر: المسودة/ 7.
(1/233)

ولأنه (1) يجب أن يقتضي الفور.
وسلّمه القاضي (2) وأبو الخطاب (3). (4)
وقال ابن عقيل (5): وتكراره كواجب.

مسألة
الندب (6) تكليف، ذكره ابن عقيل وصاحب الروضة (7) وغيرهما، وقاله ابن الباقلاني (8) وأبو إِسحاق الإِسفراييني (9).
__________
(1) في (ب) و (ظ): وأيضًا.
(2) انظر: العدة/ 256.
(3) انظر: التمهيد/ 24 ب- 25 أ.
(4) نهاية 33 أمن (ب).
(5) انظر: الواضح 1/ 271 ب- 272 أ.
(6) في (ظ)، ونسخة في هامش (ب): المندوب.
(7) قال في المسودة/ 35: "ذكره صاحب المغني في فصل شروط التكليف، وابن عقيل في الجزء الثالث". وانظر الروضة / 25 - 26، 46 - 47، حيث عرف التكليف في الشريعة بأنه: الخطاب بأمر أو نهي، وهو ممن يقول بأن المندوب مأمور به، فيكون الندب تكليفاً. واتظر الواضح 1/ 21 ب فقد جعل المندوب داخلا تحت التكليف، لكن في كلامه -أيضًا- ما يقتضي خلال ذلك؛ حيث عرف التكليف بأنه إِلزام ما على العبد فيه كلفة ومشقة، إِما في فعله أو في تركه -الواضح 1/ 15 ب- والندب لا إلزام فيه، فلا يكون تكليفاً.
(8) انظر: البرهان للجويني / 101.
(9) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 172 - 173، وشرح العضد 2/ 5. والإحكام للآمدي 1/ 121، والوصول لابن برهان/ 6 أ.
(1/234)

ومنعه بعض أصحابنا (1) والأكثرون. (2)
وهي لفظية. (3)

مسألة
إِذا طال واجب لا حد له -كطمأنينة وقيام- فما زاد على قدر الإِجزاء (4) نفل (و)؛ لجواز تركه مطلقًا.
وعند الكرخي الحنفي (5): واجب؛ لتناول الأمر لهما.
واختلف كلام القاضي (6)، وأن الثاني قول بعض الشافعية.
وذكر أبو محمد التميمي الأول قول أحمد، واختلف أصحابه.
ومن أدرك الركعة بعد الطمأنينة (7) أدركها (وه ش) (8)، لأن الاتباع
__________
(1) كابن حمدان. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 405.
(2) انظر: فواتح الرحموت 1/ 112، والإِحكام للآمدي 1/ 121، وتيسير التحرير 2/ 224، وشرح العضد 2/ 5، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 172، وشرح تنقيح الفصول/ 79.
(3) نهاية 26 ب من (ظ).
(4) في (ظ): فما زاد على قدر الإِجزاء (و) نفل ولجواز.
(5) حكاه في التمهيد/ 43 ب، والمسودة/ 58.
(6) انظر: العدة/ 410، والمسودة/ 58.
(7) أى: طمأنينة الإِمام.
(8) انظر: المغني 1/ 363، والإِنصاف 2/ 223، والشرح الكبير 2/ 9، وتبيين الحقائق 1/ 184 - 185، والمجموع 4/ 113.
(1/235)

يسقط الواجب -كمسبوق، وصلاة امرأة جمعة- ويوجب غير واجب كمسافر ائتم بمقيم.
ولنا وجه (1): لا يدركها (وم).
وأخذ القاضي (2) من إِدراكه كالكرخي.
وردَّه ابن عقيل (3) وأبو الخطاب (4)، وردَّا قول (5) من قال لوكيله: "تصدق من مالي"، فتصدق [من ماله] (6) بكثير، بالمنع (7)، ثم: سلمه (8)، لأنه لو أراد مقدارًا ذكره.

مسألة
المكروه لغة (9) من الكريهة، والشدة في الكرب.
__________
(1) انظر: الإِنصاف 2/ 223.
(2) انظر: العدة/ 411.
(3) انظر: الواضح 2/ 24 أ.
(4) انظر: التمهيد/ 43 ب.
(5) انظر: العدة 412.
(6) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(7) انظر: الواضح 2/ 25 ب- 26أ، والتمهيد/ 43 ب- 44 أ.
(8) كذا في النسخ. ولعل الصواب: "ثم سلماه"؛ فقد سلمه كل منهما.
انظر: المرجعين السابقين.
(9) انظر: لسان العرب 17/ 430 - 431، وتاج العروس 9/ 408 (كره).
(1/236)

وشرعاً: (1) فعل تعلَّق به الكراهية ,كما سبق (2).
وهو -في كونه منهياً عنه حقيقة، ومكلفاً به- كالمندوب.
ويطلق -أيضًا- على الحرام، وعلى ترك الأولى.
ويتوجه فيه ما سبق (3) في "الطاعة من غير أمر"، ولا فرق، وهو ظاهر كلام جماعة.
ولهذا في الروضة (4): وهو ما تركه خير من فعله.
وذكر بعض أصحابنا (5) وجهاً لنا: أن المكروه حرام، وقاله محمد بن الحسن (6)، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف (7): هو إِلى الحرام أقرب.
والأشهر عندنا: لا يذم فاعله، ويقال: مخالف (8)، وغير ممتثل.
قال أحمد -فيمن زاد على التشهد الأول-: "أساء"، وقال ابن عقيل- فيمن أمر بحج أو عمرة في شهر، ففعله في غيره-: "أساء، لمخالفته"، وذكر
__________
(1) نهاية 65 من (ح).
(2) انظر: ص 184 من هذا الكتاب.
(3) انظر: ص 230 من هذا الكتاب.
(4) انظر: الروضة/ 41.
(5) انظر: الإِنصاف 12/ 248، وشرح الكوكب المنير 1/ 419.
(6) انظر: فواتح الرحموت 1/ 58.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 420، والمدخل إِلى مذهب أحمد/ 64.
(1/237)

غيره في مأموم وافق إِمامًا في أفعاله: أساء.
وظاهر كلام بعضهم (1): تختص (2) الحرام.

ولا يأثم. (3)
وذكر القاضي وابن عقيل: يأثم بترك السنن أكثر عمره، لقوله -عليه السلام-: (من رغب عن سنتي فليس مني). متفق عليه (4)، ولأنه يتهم أنه يعتقده غير سنة، واحتجا بقول (5) أحمد فيمن ترك الوتر: "رجل سوء" (6)
__________
(1) انظر: المدخل إِلى مذهب أحمد / 64.
(2) أي: تختص الإساءة بالحرام. وفي (ب): يختص.
(3) انظر: المدخل إلى مذهب أحمد/ 64، وشرح الكوكب المنير 1/ 421.
(4) هذا جزء من حديث ورد في النهي عن التبتل.
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 2، ومسلم في صحيحه/ 1020، والنسائي في سننه 6/ 60 من حديث أنس.
وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 58 من حديث سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه أحمد في مسنده 2/ 158 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، 3/ 241، 259، 285 من حديث أنس، 5/ 409 من حديث رجل من الأنصار.
(5) انظر: العدة/ 410، وبدائع الفوائد 4/ 111. والمغني 2/ 133.
(6) في هامش (ظ): ذكر الشيخ زين الدين بن رجب في شرح البخاري، في الوتر: قال أحمد: من ترك الوتر فهو رجل سوء؛ هو سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال في رواية جعفر بن محمد: هو رجل سوء، لا شهادة له.
فاختلف أصحابنا في وجه ذلك:
فمنهم: من حمله على أنه أراد أنه واجب -كما قاله أبو بكر جعفر- وهو بعيد؛=
(1/238)

مع أنه سنة (1) -وأخذ بعضهم من هذا وجوبه عنده- وفي العدة (2) والتمهيد (3): "ذمَّه، مع قوله: الوتر سنة"، ونقل (4) أبو طالب (5):
__________
= فإِن أحمد صرح بأنه سنة.
ومنهم من قال: أراد إِن داوم على تركه، أو أكثر منه، فإنه ترد شهادته بذلك؛ لما فيه من التهاون بالسنن المؤكدة، وكذا حكم سائر السنن الرواتب. وهذا قول المحققين من أصحابنا. ومنهم من قال: هو يدل على أن ترك المستحبات المؤكدة يلحق بها إثم دون إِثم ترك الفرائض.
وقال القاضي أبو يعلى: من داوم على ترك السنن الرواتب آثم، وهو قول إِسحاق بن راهويه، قال في كتاب الجامع: لا يعذب أحد على ترك شيء من النوافل، وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنناً غير الفرائض التي فرضها الله تعالى، فلا يجوز لمسلم أن يتهاون بالسنن التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل: الفطر، والأضحى، والوتر، والأضحية، وما أشبه ذلك، فإن تركها تهاوناً بها فهو معذب إِلا أن يرحمه الله تعالى، وإِني لأخشى في ركعتي الفجر والمغرب لما وصفها الله تعالى في كتابه وحرض عليها؛ قال: (فسبحه وأدبار السجود)، وقال: (فسبحه وإِدبار النجوم)، وقال سعيد بن جبير: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي.
(1) نهاية 33 ب من (ب).
(2) انظر: العدة/ 254.
(3) انظر: التمهيد/ 24 ب.
(4) أي: نقل عن الإمام أحمد.
(5) أحمد بن حميد المشكاني، المتخصص بصحبة الإِمام أحمد، صحبه قديماً إِلى أن مات، وروى عنه مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه، توفي سنة 244 ه. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 39.
(1/239)

"الوتر سنة سنَّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن ترك سنة (1) من سننه (2) فرجل سوء".

مسألة
الأمر لا يتناول المكروه (و) خلافاً (3) للرازي (4) الحنفي.
فلا يستدل (5) لصحة طواف المحدث بقوله: (وليطوفوا) (6)، ولعدم ترتيب (7) وموالاة في الوضوء بالآية. (8)
وذكر أبو محمد التميمي (9) الأول قول أحمد، وأن أصحابه اختلفوا.
وقال ابن عقيل: وكذا وطء الزوج الثاني في حيض لا يُحِلُّها للأول.
__________
(1) في (ح): سنته.
(2) في (ح): سنته.
(3) انظر: أصول السرخسي 1/ 64.
(4) هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، فاضل من أهل الري، ولد سنة 305 ه، وسكن بغداد، وانتهت إِليه رئاسة الحنفية، وخوطب في أن يلي القضاء، فامتنع، توفي ببغداد سنة 370 ه. من مؤلفاته: أحكام القرآن، وأصول الفقه. انظر: الجواهر المضية 1/ 84، وتاج التراجم/ 6.
(5) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3/ 240.
(6) سورة الحج: آية 29: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذرورهم وليطوفوا بالبيت العتيق).
(7) انظر: أحكام القرآن للجصاص 2/ 355 - 356، 360.
(8) سورة المائدة: آية 6: (يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إِلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلى الكعبين).
(9) نهاية 27 أمن (ظ).
(1/240)

ومرادهم ما ذكروه في المسألة من الصفة (1) المشروطة (2). (3)
مسألة

المباح لغة: (4) المعلن، والمأذون، من الإِباحة.
وشرعًا: فعل تعلق به الإِباحة، كما سبق. (5)
[والإِذن: أصله من الأُذن، كأنه التوسعة في الفعل بالقول الذي يسمع بالآذان، ومنه الأَذان. قاله في الواضح (6)]. (7)

والجائز لغة (8): العابر.
واصطلاحًا: على المباح، وعلى ما لا يمتنع شرعًا، وما لا يمتنع عقلاً -فيعم الواجب، والممكن الخاص- و [على] (9) ما لا يمتنع وجوده وعدمه -وهو ممكن خاص أخص مما قبله- وشرعًا وعقلاً على ما يشك أنه لا يمتنع، وعلى ما يشك أنه استوى وجوده وعدمه.
__________
(1) في (ب): للصفة. وفي (ظ) ونسخة في هامش (ب): أن الصفة.
(2) وهي كون الوطء حلالاً. انظر: المغني 7/ 517.
(3) نهاية 66 من (ح).
(4) انظر: لسان العرب 3/ 239، وتاج العروس 2/ 126 - 127.
(5) انظر: ص 184 من هذا الكتاب.
(6) انظر: الواضح 1/ 29 ب.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) انظر: تاج العروس 4/ 20.
(9) ما بين المعقوفتين زيادة من (ظ).
(1/241)

مسألة
الإِباحة شرعية إِن أريد بها خطاب الشرع، وإن أريد نفي الحرج عن الفعل فعقلية؛ لتحققها قبل الشرع.
وتسمى (1) شرعية، بمعنى التقرير.
والإِباحة -بمعنى الإِذن- شرعية، إِلا أن نقول: العقل يبيح.
وفي الروضة (2): ما لم يرد فيه سمع: يحتمل أن إِباحته شرعية، لدليل السمع أن ما لم يرد فيه طلب فمخيّر، ويحتمل أنه لا حكم له.
وسبق (3) في "الأعيان قبل الشرع".
وعن سعد (4) -مرفوعًا-: (إِن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس (5)، فحرم من أجل مسألته) (6).
وعن أبي هريرة- مرفوعًا-: (ذروني ما تركتكم؛ فإِنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإِذا نهيتكم عن شيء
__________
(1) أي: الإِباحة.
(2) انظر: الروضة/ 37 - 38.
(3) انظر ص 174 من هذا الكتاب.
(4) هو: الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص.
(5) في (ب): على للناس.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 95، ومسلم في صحيحه/ 1831، وأبو داود في سننه 5/ 16 - 17، وأحمد في مسنده 1/ 176، 179.
(1/242)

فاجتنبوه، (1) وإذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم) (2). متفق عليهما.
وعن سلمان (3) -مرفوعًا-: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) -في سنده سيف بن هارون (4)، ضعيف عندهم- رواه (5)
__________
(1) نهاية 34 أمن (ب).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 94، ومسلم في صحيحه/ 975، 1830 - 1831، والترمذي في سننه 4/ 152 - وقال: حسن صحيح- والنسائي في سننه 5/ 110، وابن ماجه في سننه/ 3.
(3) هو: الصحابي الجليل سلمان الفارسي.
(4) هو: سيف بن هارون البرجمي الكوفي، روى عن إِسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التميمي، وأبي الجحاف داود، وعنه: داود بن رشيد، وأحمد بن إِبراهيم الموصلي، ضعفه النسائي، وقال الدارقطني: "ضعيف متروك"، وقال ابن معين: "ليس بذاك" وقال ابن حبان: "يروى عن الأثبات الموضوعات"، قال الذهبي: "وقد وثقه أبو نعيم الملائي".
وجاء في تهذيب التهذيب: روى له الترمذي، وابن ماجه حديثًا واحدًا في السؤال عن الفراء ... ، وقال مهنا عن أحمد: "أحاديثه منكرة"، وصحح ابن جرير حديثه في تهذيبه.
نظر: ميزان الاعتدال 2/ 258، والكاشف 1/ 416، وتهذيب التهذيب 4/ 297.
(5) أخرجه ابن ماجه في سننه/ 1117.
وأخرجه الترمذي في سننه 3/ 134: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان -النهدي- عن سلمان قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السمن والجبن والفراء. فقال: الحلال ... =
(1/243)

ابن ماجه (1) والترمذي (2)، وذكر أنه روي موقوفًا، قال: "وكأنه أصح"، وهو للدار قطني (3) من
__________
=قال الترمذي: وفي الباب عن المغيرة، قال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إِلا من هذا الوجه، قال: وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح.
(1) هو: أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي القزويني، أحد الأئمة في علم الحديث، من أهل قزوين، ولد سنة 209 ه، ورحل إِلى البصرة وبغداد والشام ومصر والحجاز والري لطلب الحديث، توفي سنة 273 ه.
من مؤلفاته: السنن، وتفسير القرآن، وتاريخ قزوين.
انظر: وفيات الأعيان 4/ 279، وتذكرة الحفاظ 2/ 189، وتهذيب التهذيب 9/ 530.
(2) هو: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي البوغي، أحد الأئمة في علم الحديث وحفاظه، من أهل ترمذ "على نهر جيحون"، ولد سنة 209 ه، وتتلمذ على البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، وقام برحلة إِلى خراسان والعراق والحجاز، وعمي في آخر عمره، وكان يضرب به المثل في الحفظ، توفي بترمذ سنة 279 ه.
من مؤلفاته: الجامع الكبير في الحديث "السنن"، والشمائل النبوية، والتاريخ، والعلل في الحديث.
انظر: الفهرست/ 233، ووفيات الأعيان 4/ 278، وتذكرة الحفاظ 1/ 872، وميزان الاعتدال 3/ 678، ونكت الهميان/ 264، وتهذيب التهذيب/ 3879.
(3) هو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني الشافعي، إمام عصره في الحديث، ولد بدار القطن من أحياء بغداد سنة 306 ه، ورحل إِلى مصر فساعد ابن حنزابة "وزير كافور الأخشيدي" على تأليف مسنده، وعاد إِلى بغداد، فتوفي بها=
(1/244)

حديث (1) أبي الدراء، ولأبي داود (2) عن (3) ابن عباس قوله. (4)
__________
= سنة 385 ه.
من مؤلفاته: السنن، والعلل، والضعفاء، والمجتبى من السنن المأثورة.
انظر: تاريخ بغداد 12/ 34، واللباب 1/ 483، ووفيات الأعيان 3/ 217، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 462، وغاية النهاية 1/ 558، ومفتاح السعادة 2/ 14.
(1) أخرج الدارقطني في سننه 4/ 217 - 218 من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إِن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودًا، فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تكلفوها رحمة من ربكم، فاقبلوها). انتهى ما في السنن.
في إِسناده نهشل الخراساني، روى عن الضحاك بن مزاحم وغيره، قال إِسحاق بن راهويه: كان كذابًا. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك. وقال يحيى والدارقطني: ضعيف.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 275، وتهذيب التهذيب 10/ 479.
(2) هو: سليمان بن الأشعث بن إِسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، إِمام في الحديث، أصله من سجستان، ولد سنة 202 ه، ورحل رحلة طويلة في طلب العلم، وتوفي بالبصرة سنة 275 ه.
منْ مؤلفاته: السنن، والمراسيل، ورسالة البعث.
انظر: تاريخ بغداد 9/ 55، وطبقات الحنابلة 1/ 159، وتهذيب ابن عساكر 6/ 244، ووفيات الأعيان 2/ 404، وتذكرة الحفاظ 2/ 152.
(3) نهاية 67 من (ح).
(4) أخرج أبو داود في سننه 4/ 157 ... عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو ...
(1/245)

مسألة
المباح غير مأمور به (و) خلافاً للكعبي (1) البلخي المعتزلي وأصحابه.
وعلى الأول: إِذا أريد بالأمر الإِباحة فمجاز (2) (و).
وقال القاضي (3) وأبو الفرج الشيرازي وبعض الشافعية: حقيقة.
وفي كلام القاضي (4) [أيضًا] (5) كالأول، وسبق دليلها.
لنا: [أن] (6) الأمر [طلب] (7) يستلزم ترجيح الفعل، ولا ترجيح فيه.
ولأنه قسم من الأحكام إِجماعًا.
__________
(1) هو: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي -من بني كعب- البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة، وهو رأس طائفة منهم، تسمى "الكعبية"، وله آراء ومقالات في الكلام، انفرد بها، وهو من أهل "بلخ"، أقام ببغداد مدة طويلة، وتوفي ب "بلخ" سنة 319 ه.
من مؤلفاته: أدب الجدل، وتحفة الوزراء.
انظر: تاريخ بغداد 9/ 384، واللباب 3/ 101، ووفيات الأعيان 3/ 45، وخطط المقريزي 2/ 348، ولسان الميزان 3/ 255.
(2) انظر: المسودة/ 6 - 7، وكشف الأسرار 1/ 119.
(3) انظر: العدة/ 374 - 375.
(4) انظر: المرجع السابق/ 263.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(7) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(1/246)

قال: كل مباح ترك حرام، وتركه واجب، ولا يتم إِلا (1) بأحد أضداده، وما لا يتم الواجب إِلا به واجب.
وتأول الإِجماع بالنظر إِلى ذات الفعل، دون تعلق الأمر به، بسبب توقف ترك الحرام عليه، جمعاً بين الأدلة.
ورد: بأن المباح ليس ترك (2) الحرام، بل شيء يترك به الحرام، مع إِمكان تركه بغيره، فلايجب.
ورد: بأن فيه تسليم وجوب أحد ما يترك به الحرام، غايته أنه غير معيّن، ويتعين بفعله.
وألزم الكعبي -أيضًا- بوجوب المحرم، إِذا تُرِك به محرم، وتحريم الواجب، إِذا تُرِك به واجب.
فأجاب (3): لا مانع من اتصاف الفعل بهما، كالصلاة في الغصب.
ولنا: منعه على أصلنا.
[وذكر ابن عقيل (4) المسألة في النسخ، وأجاب: (5) بأن العمل الشاغل لأدوات المكلف وأبعاضه يمتنع معه فعل آخر، للتضاد والتنافي، فلا يسمى
__________
(1) نهاية 27 من (ظ).
(2) في (ح): بترك.
(3) في (ح): فقال.
(4) انظر: الواضح 2/ 242أ.
(5) انظر: المرجع السابق 2/ 243 ب، 244أ.
(1/247)

متروكًا، ولا تاركاً حقيقة، ولا قادراً عليه، فمن هنا دهي الكعبي؛ لم يفصل بين الترك، وتعذر الفعل للتنافي]. (1)
وذكر الآمدي (2): أن قوله (3) غاية الغوص والإِشكال، وأنه لا مخلص إِلا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب إِلا به.

مسألة
الإِباحة ليست بتكليف عندنا (و) خلافاً لأبي إِسحاق الإِسفراييني.
وفي الروضة (4) كالأول، وعدّها (5) -أيضًا- من أحكام التكليف، وقال (6): من قال: "التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع" فهي تكليف، وضَعَّفه (7) بلزوم جميع الأحكام. (8)
وقال بعض أصحابنا (9): هي تكليف، بمعنى اختصاصها بالمكلف، ولهذا: فعل صبي (10) ومجنون وعاقل -في غفلة (11)، وخطؤه- لا يوصف بها.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 125.
(3) يعني: قول الكعبي.
(4) انظر: الروضة/ 41.
(5) انظر: المرجع السابق/ 25.
(6) انظر: المرجع السابق/ 41.
(7) نهاية 68 من (ح).
(8) نهاية 34 ب من (ب).
(9) انظر: المسودة/ 36.
(10) انظر: العدة/ 167.
(11) في (ح): عقله.
(1/248)

مسألة
إِذا صرف الأمر عن الوجوب: بقي الندب أو الإباحة، قال في التلخيص (1) في باب الحوالة: الأصح عند أصحابنا بقاؤه. (2).
وفي التمهيد (3) وغيره: هي من فوائد الأمر: هل هو حقيقة في الندب؟ فيؤخذ منه بقاء الندب لا الإِباحة، على ما سبق. (4).
ومنع في الروضة (5) -في مسألة "الأمر المطلق للوجوب"- أن الوجوب ندب وزيادة؛ لدخول جواز الترك في حد الندب.
وجزم التميمي (6) -من أصحابنا- عن أحمد: لا يبقى الجواز (7)، وهو الأشهر للحنفية. (8)
__________
(1) وهو المسمى "تخليص المطلب في تلخيص المذهب"، كتاب في الفقه الحنبلي.
ومؤلفه: محمد بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني المتوفى سنة 622 ه.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 151 - 162.
(2) يعني: بقاء الجواز. وانظر هذا النص في: تصحيح الفروع 4/ 259.
(3) انظر: التمهيد 24 أ- ب.
(4) انظر: ص 229 من هذا الكتاب.
(5) انظر: الروضة/ 197.
(6) هو أبو محمد التميمي.
(7) انظر: المسودة/ 16.
(8) انظر: فواتح الرحموت 1/ 103.
(1/249)

وللشافعية كالمذهبين. (1)
ولنا خلاف في بقاء نفل من أحرم بفرض قبل وقته، وبقاؤه قول (ه) وأبي يوسف، خلافاً لمحمد بن الحسن، وللشافعي قولان.
وهل يصح (2) قبض من قال: اقبض سَلَمي لنفسك، للآمر؟ عن أحمد روايتان.
وجه الأول: تضمن الوجوب ذلك، كالعام. (3)
رد: بالتغاير.
ثم: ثبت تبعًا للوجوب فيتبعه، أو هو جزء الوجوب، ويستحيل بقاء حصة النوع من الجنس بعد عدم النوع، ولا وجود للأعم إِلا مشخصاً.
واختار الآمدي (4) وغيره: أن المباح ليس داخلاً في مسمى الواجب، وأنها لفظية؛ فإِن أريد بالمباح ما أذن فيه مطلقًا فجنس للواجب والمندوب
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 2/ 342، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 175، والمستصفى 1/ 73، ونهاية السول 1/ 109، والتمهيد للأسنوي/ 95.
(2) قال في الإِنصاف 5/ 115: قوله -يعني: في المقنع-: "وإن كان لرجل سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال لغريمه: اقبض سَلَمي لنفسك، ففعله، لم يصح قبضه لنفسه" لأن قبضه لنفسه حوالة به، والحوالة بالسلم لا تجوز. قوله: "وهل يقع قبضه للآمر؟ على وجهين" وهما روايتان ...
(3) نهاية 28 أمن (ظ).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 125 - 126.
(1/250)

والمباح -بالمعنى الأخص- وإِن أريد ما أذن فيه -ولا ذم- فليس بجنس.
* * *

خطاب (1) الوضع أقسام:
أحدهما: الحكم على الوصف (2) بالسببية.

والسبب لغة (3): ما يتوصل به إِلى غيره، فلهذا سمي به الحبل والطريق.
وشرعًا: وصف ظاهر منضبط دل السمع (4) على كونه معرّفا لحكم شرعي.
فمنه: وقتي كالزوال للظهر، ومعنوي -يستلزم حكمة باعثة- كالإِسكار للتحريم، والملك لإِباحة الانتفاع، والضمان لمطالبة الضامن، والجناية لقصاص أو دية.
الثاني: الحكم عليه بكونه مانعًا:
إِما للحكم، وهو: وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة تقتضي نقيض حكم (5) السبب مع بقاء حكمة (6) السبب، كالأبوة في القصاص
__________
(1) في شرح الكوكب المنير 1/ 434: خطاب الوضع: خبر استفيد من نصب الشارع عَلَما معرَّفا لحكمه.
(2) نهاية 69 من (ح).
(3) انظر: لسان العرب 1/ 440 - 442، وتاج العروس 1/ 293 (سبب).
(4) في (ح) الشرع.
(5) نهاية 35 أمن (ب).
(6) في (ب): حكم.
(1/251)

مع القتل العمد، وهي كون الأب سبب وجود الابن، فلا يحسن كونه سبب عدمه.
وإِما لسبب الحكم، وهو: وصف يخل وجوده بحكمة السبب، كالدَّين في الزكاة مع ملك النصاب.
الثالث: الحكم عليه بكونه شرطًا. (1)
فإِن أخل عدمه بحكمة السبب فهو شرط السبب، كالقدرة على التسليم في البيع، عدمها يخل (2) بإِباحة الانتفاع.
وإن استلزم عدمه حكمة تقتضي نقيض الحكم فشرط الحكم، كالطهارة للصلاة مع إِتيانه بمسمى الصلاة، عدمها مستلزم (3) ما يقتضي نقيض (4) الحكم، أي: عدم الثواب مع بقاء حكمة الصلاة، وهي: التوجه إِلى الحق.
* * *

وأما الصحة والبطلان:
فعندنا: من باب الوضع.
وقيل: معنى الصحة: الإِباحة، والبطلان: الحرمة.
__________
(1) في شرح الكوكب المنير 1/ 452: الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
(2) في (ظ): مخل.
(3) في (ح): يستلزم.
(4) تكررت هذه الكلمة في (ظ).
(1/252)

وقيل (1): هما أمر عقلي؛ لأن الصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل -وفي (2) المعاملات: ترتب (3) ثمرة العقد عليه- عند الفقهاء، وعند المتكلمين: (4) موافقة الأمر، فإِذا وجدت حكم العقل بصحتها بالتفسيرين.

والبطلان، والفساد: نقيض الصحة، ذكره أصحابنا والشافعية، مع تفرقتهم في الفقه بين الكتابة (5) الفاسدة والباطلة، وفي
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 7.
(2) هكذا جاء ترتيب الكلام في جميع النسخ. ولعل الأولى أن يكون ترتيبه هكذا " ... بالفعل عند الفقهاء. وعند المتكلمين: موافقة الأمر. وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه. فإِذا وجدت ... ".
(3) في (ح): ترتيب.
(4) نهاية 70 من (ح).
(5) في القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 111: الكتابة تكون باطلة إِذا كاتب من لا يصح العقد منه، سواء كان السيد أو العبد، ولا يترتب عليها العتق. وإذا كانت بعوض مجهول فهي فاسدة، ولا تبطل من أصلها، ولكل واحد منهما فسخها، ويحصل العتق فيها بالأداء دون الإِبراء، والمغلب فيها التعليق.
وفيه أيضًا/ 112: قال طائفة من أصحابنا: الفاسد من النكاح: ما كان يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل: ما كان مجمعاً على بطلانه. فالباطل لا يترتب عليه شيء من أحكام الصحيح، والفاسد يثبت له أحكام الصحيح.
وفي شرح الكوكب المنير 1/ 474: قال -يعني: المرداوي- في شرح التحرير: قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد إِذا كانت مختلفاً فيها بين العلماء،=
(1/253)

النكاح أيضًا (1).
وعند الحنفية (2): الفاسد ما شرع بأصله لا وصفه، كعقد الربا.
* * *

وأما العزيمة: فهي القصد (3) المؤكد لغة (4).
وشرعًا: ما لزم بإِلزام الله تعالى من غير مخالفة دليل شرعي.
* * *

والرخصة: التيسير. (5)
وشرعًا: ما شرع (6) لعذر مع قيام سبب تحريمه لولا العذر.
__________
=والتي حكموا عليها بالبطلان إِذا كانت مجمعًا عليها، أو الخلاف فيهما شاذاً، ثم وجدت بعض أصحابنا قال: الفاسد من النكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل ما كان مجمعاً على بطلانه.
(1) انظر: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 110، والتمهيد للأسنوي/ 55،، ونهاية السول 1/ 59، والفروق 2/ 42.
(2) يرى الحنفية أن الفاسد والباطل بمعنى واحد في العبادات. وإنما يفرقون بينهما في المعاملات، فالفاسد ما ذكر، والباطل ما لم يشرع بأصله ولا وصفه.
انظر: تيسير التحرير 2/ 236.
(3) انظر: لسان العرب 15/ 292 - 294، وتاج العروس 8/ 396 - 397 (عزم).
(4) كذا في النسخ. ولعل المناسب هكذا: فهي لغة: القصد المؤكد.
(5) هذا معناها في اللغة. انظر: لسان العرب 8/ 306، وتاج العروس 4/ 397 (رخص).
(6) نهاية 28 ب من (ظ).
(1/254)

فمنها: واجب كأكل الميتة للمضطر [على خلاف مشهور لنا وللعلماء]، (1) ومندوب كالقصر، ومباح كالفطر للمسافر والمريض [على خلاف (2) في ذلك لنا وللعلماء]، (3) ويجب إِن خافا تلفاً (وم) (4) على خلاف لنا.
وظاهر ذلك أن الرخصة ليست من خطاب الوضع، خلافاً لبعض أصحابنا (5).
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(2) انظر: نهاية السول 1/ 71، وشرح العضد 2/ 9، والشرح الكبير 3/ 16، والمبسوط 3/ 91، ومغني المحتاج 1/ 437، وحاشية الدسوقي 1/ 439، وكشف الأسرار 2/ 319.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح). وهناك احتمال أن الزيادة المذكورة في (ح) قبل قليل مقدمة، وأن محلها هنا.
(4) انظر: كشاف القناع 2/ 310، وحاشية الدسوقي 1/ 439.
(5) كابن حمدان. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 482.
(1/255)

المحكوم فيه الأفعال
تكليف ما لا يطاق - وهو المستحيل- يقال على ما تعلق العلم والخبر والمشيئة بأنه لا يكون، وعلى فعل العبد -لأنه مخلودق لله موقوف على مشيئته- وعلى ما يشق فعله لا يتعذر.
وذلك واقع إِجماعًا.
وهل خلاف (1) المعلوم أو وفقه لا يطاق؟ فيه أقوال، ثالثها: الفرق.
وأما الممتنع في نفسه -كالجمع بين الضدين- أو عادة كصعود السماء: فممتنعان سمعاً، ذكره ابن الزاغوني وصاحب (2) المحرر من أصحابنا إِجماعًا.
وفي (3) جوازهما عقلاً أقوال. (4)
قال بعض أصحابنا: (5) فالخلاف عند التحقيق في الجواز العقلي أو (6) الاسم اللغوي، وأما (7) الشرع فلا (8) خلاف فيه.
__________
(1) و (2) انظر: المسودة/ 79.
(3) نهاية 35 ب من (ب).
(4) و (5) انظر: المرجع السابق.
(6) في (ظ): والاسم. والمثبت من (ح). وكان اللفظ في (ب) هكذا: "أو والاسم"، ثم ضرب على "أو".
(7) في نسخة في هامش (ب): "فأما".
(8) نهاية 71 من (ح).
(1/256)

وقال أبو بكر من أصحابنا: "الله تعالى يتعبد خلقه بما يطيقون وبما لا يطيقون"، فأطلق.
وقال أبو إِسحاق (1) من أصحابنا: إِن الله أراد تكليف عباده ما ليس (2) في طاقتهم ولا قدرتهم، واحتج بقوله: (ويدعون إِلى السجود فلا يستطيعون). (3)
وقال (4) ابن الجوزي: قال النقاش: (5) ليس هذأ تكليفاً لهم وهم عجزة، بل توبيخ بتركهم السجود.
__________
(1) هو ابن شاقْلا. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 489.
(2) في (ظ): بما.
(3) سورة القلم: آية 42: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إِلى السجود فلا يستطيعون).
(4) انظر: زاد المسير 8/ 341 - 342.
(5) هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون النقاش، عالم بالقرآن وتفسيره، أصله من الموصل، ولد سنة 266 ه ببغداد، ونشأ بها، ورحل رحلة طويلة، وكان في أول أمره يشتغل بنقش السقوف والحيطان، فعرف بالنقاش، توفي سنة 351 ه. من مؤلفاته: شفاء الصدور في التفسير، والإِشارة في غريب القرآن، والموضح في معاني القرآن، والمعجم الكبير في أسماء القراء وقراءاتهم، ومختصر هذا المعجم، وأخبار القصاص.
انظر: الفهرست/ 33، وتاريخ بغداد 2/ 201، ومعجم الأدباء 6/ 496، ووفيات الأعيان 4/ 298، وغاية النهاية 2/ 119، ومفتاح السعادة 1/ 416.
(1/257)

وكذا قال الآمدي (1): ليس تكليفاً، للإِجماع على أن الآخرة دار مجازاة. كذا قال.
وقال ابن حامد من أصحابنا: ذهبت طائفة من أصحابنا إِلى إِطلاق الاسم في جواز تكليف ما لا يطاق في زَمِن (2) وأعمى (3) وغيرهما، وهو مذهب جهم وبرغوث (4).
ولنا خلاف: هل القدرة لا تكون إِلا مع الفعل، أو قبله -بمعنى سلامة الآلات- كقول المعتزلة (5)؟.
قال ابن الزاغوني وغيره ما معناه (6): أن من قال: لا تكون إِلا معه كلف كل واحد (7) ما لا يطيقه.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 138.
(2) يعني: تكليفه بالمشي.
(3) يعني: تكليفه بالإِبصار.
(4) هو: محمد بن عيسى، من أتباع النجارية -من فرق المعتزلة- ويلقب ببرغوث، كان على مذهب النجار في أكثر مذاهبه، وخالفه في تسمية المكتسب فاعلاً، فامتنع عنه، وخالفه في المتولدات؛ فزعم أنها فعل لله تعالى بإِيجاب الطبع، وإِليه تنسب الفرقة البرغوثية.
انظر: الفرق بين الفرق/ 209، والتبصير في الدين/ 93.
(5) انظر: المعتمد للقاضي أبي يعلى/ 142.
(6) انظر: المرجع السابق/ 147.
(7) في (ح): أحد.
(1/258)

وقيل لأبي الخطاب -في وجوب الزكاة قبل إِمكان الأداء- هذا يفضي إِلى تكليف ما لا يطاق.
فقال: يجوز، وهي مشهورة في الأصول، ثم: لا نكلفه الفعل فيأثم، وإينما يثبت في ذمته، يفعله (1) عند القدرة.
وقال هو -وفي عيون المسائل (2)، في مسائل الامتحان-: إِذا قيل: ما شيء فعله محرم وتركه محرم؟ فصلاة السكران.
وذكر الآمدي (3): أن ميل الأشعري في أكثر أقواله إِلى جواز تكليف ما لا يطاق كالجمع (4) بين الضدين، وأنه لازم على أصله في وجوب مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها، وأنه مخلوق لله، وهو مذهب أكثر أصحابه، وأنهم اختلفوا في (5) وقوعه، ووافقه بعضهم على النفي، كقول أكثر
__________
(1) في (ب): بفعله.
(2) للحنابلة كتابان بهذا الاسم:
أحدهما: للقاضي أبي يعلى. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 205.
والآخر: لأبي علي بن شهاب العكبري، قال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة 1/ 172: أبو علي بن شهاب العكبري؛ صاحب كتاب عيون المسائل، متأخر، ونقل من كلام القاضي وأبي الخطاب ... ما وقفت له على ترجمة ...
ولم يظهر لي المراد هنا.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 133 - 134.
(4) نهاية 29 أمن (ظ).
(5) نهاية 72 من (ح).
(1/259)

المعتزلة (1).
واختار صاحب المحصول (2) وغيره وقوعه، وعكسه الآمدي (3) وغيره.
وجه الأول: قوله: (ولا (4) نكلف نفسًا إِلا وسعها). (5)
ولمسلم من حديث أبي هريرة: أنه لما نزل: (وإِن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه) الآية (6)، اشتد ذلك على الصحابة، وقالوا: لا نطيقها، وفيه: أن الله نسخها؛ فأنزل: (لا يكلف الله نفسًا) إِلى آخر السورة (7)، وفيه -عقب كل دعوة-: قال: (نعم). (8)
__________
(1) انظر: المعتمد للقاضي/ 146.
(2) انظر: المحصول 1/ 2/ 363.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 134.
(4) في (ظ): لا نكلف.
(5) سورة المؤمنون: آية 62.
(6) سورة البقرة: آية 284: (لله ما في السماوات وما في الأرض وأن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير).
(7) سورة البقرة: آية 286: (لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إِن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إِصراً كما حلمته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
(8) أخرجه مسلم في صحيحه/ 115 - 116، وأحمد في مسنده 2/ 412. وانظر: تفسير الطبري 3/ 95.
(1/260)

ولمسلم: نحوه من حديث ابن عباس، وفيه: قال: (قد فعلت) (1).
قال (2) بعض أصحابنا: قيل: المراد به ما يثقل ويشق، كقوله -عليه السلام- في المملوك: (لا يكلف من العمل ما لا يطيق). (3) رواه مسلم.
وكقوله: (لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإِن كلفتموهم فأعينوهم عليه). متفق عليه (4).
واحتجت الأشعرية (5) بسؤال (6) رفعه على جواز التكليف بالمستحيل لغيره.
واحتج بعض أصحابنا (7) والآمدي (8) وغيرهما: بأنه لوصح
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه/ 116. وانظر: تفسير الطبري 3/ 95.
(2) نهاية 36 أمن (ب).
(3) هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة -رضي الله عنه:
أخرجه مسلم في صحيحه 1284، ومالك في الموطأ/ 980، وأحمد في مسنده 2/ 247، 342.
(4) هذا جزء من حديث رواه أبو ذر -رضي الله عنه- أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 11, 3/ 149، 8/ 16، ومسلم في صحيحه/ 1282، 1283، وأبو داود في 5/ 360، والترمذي في سننه 3/ 224 - 225 وقال: "حسن صحيح"، وابن في سننه/ 1216 - 1217، وأحمد في مسنده 5/ 158، 161.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 135، 138، والمعتمد للقاضي/ 147.
(6) الواردة في آية 286 من سورة البقرة. وقد ذكر نصها في هامش الصفحة السابقة.
(7) انظر: البلبل/ 15.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 135.
(1/261)

التكليف بالمستحيل لكان مطلوب الحصول، لأنه معناه، وهو محال لعدم تصور وقوعه؛ لأنه يلزم تصور الشيء على خلاف ماهيته، واستدعاء حصوله فرع تصور وقوعه.
فإِن قيل: لو لم يتصور لم يحكم بكونه محالاً، لأن الحكم بصفة الشيء فرع تصوره.
رد: بأن الجمع المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين هو جمع المختلفات التي ليست بمتضادة، ولا يلزم من تصوره منفياً عن الضدين تصوره ثابتًا لهما، لاستلزامه (1) التصور على خلاف الماهية.
واعترض على الدليل: بما علم الله أنه لا يقع، فإِنه لا يتصور وقوعه.
وعلى الجواب: بما سبق (2) في (3) تقسيم العلم: أن تصور النفي فرع تصور الإيجاب، لأن النفي المطلق غير معقول، ولهذا قيل: الإيجاب أبسط منه.
قالوا: لو لم يصح لم يقع، ثم ذكروا ما سبق (4): من تعلق (5) العلم والخبر والمشيئة بما لا يكون، وفعل العبد وقدرته.
ورد: بأن الخلاف في الممتنع لذاته، وهذا لغيره، وهو لا يمنع تصور
__________
(1) في (ب): لاستلزام.
(2) انظر ص 33 من هذا الكتاب.
(3) نهاية 73 من (ح)
(4) انظر: ص 256 من هذا الكتاب.
(5) في (ح): تعلم.
(1/262)

الوقوع منه، لجواز إِمكانها (*) منه بالذات.
وبأن ذلك مستلزم أن التكاليف تكليف بالمحال، وهو باطل إِجماعاً.
[ورد بعض أصحابنا (1) الأول، وانتساخ (2) الإِمكان الذاتي بالاستحالة بالغير العرضية (3).
وبالتزام الثاني، والمسألة (4) علمية، والإِجماع لا (5) يصلح (6) دليلاً فيها (7). كذا قال]. (8)
قالوا: (أنه لن يؤمن من قومك إِلا من قد آمن)، (9) وكلفوا بتصديقه مطلقًا، ومنه: تكليفهم تصديقه في عدم تصديقهم.
__________
(*) كذا في النسخ. ولعل الصواب: إِمكانه.
(1) انظر: البلبل/ 16
(2) كذا في النسختين. ولعل المناسب: لانتساخ. انظر: البلبل/ 16.
(3) في (ب): الغرضية.
(4) نهاية 29 ب من (ظ).
(5) في (ب): ملا.
(6) في (ظ): لا يصح.
(7) تتمة الكلام من البلبل/ 16: لظنيته، بدليل الخلاف في تكفير منكر حكمه.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(9) سورة هود: آية 36: (وأوحي إِلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إِلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون)
(1/263)

وكلف أبو لهب (1) بتصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - في إِخباره، ومنه: أنه (2) لا يصدقه، فقد كلف بتصديقه بعدم تصديقه.
ورد: كلفوا بتصديقه، وعلمُ الله بعدمه (3) وإِخباره به لا يمنع الإِمكان الذاتي، كما سبق. (4)
لكن لو كلفوا بتصديقه بعد علمهم بعدمه، لكان من باب (5) ما علم المكلف امتناع وقوعه، ومثله غير واقع، لانتفاء فائدة التكليف -وهي الابتلاء- لا لأنه محال.

مسألة
الكفار مخاطبون بالإِيمان إِجماعًا.
وكذا بغيره عند أحمد (6) وأكثر أصحابه (7) (وش ع ر)
__________
(1) هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشد الناس عداوة للمسلمين، كان أحمر الوجه فلقب في الجاهلية بأبي لهب، مات سنة 2 ه بعد وقعة بدر بأيام، ولم يشهدها.
انظر: الروض الأنف 1/ 265، 2/ 78 - 79، وتاريخ الإسلام للذهبي 1/ 84، 169.
(2) في (ظ) أن.
(3) في (ح): بعد موته.
(4) انظر: ص 262 - 263 من هذا الكتاب.
(5) نهاية 36 ب من (ب).
(6) انظر: العدة/ 835، والتمهيد/ 40أ، والواضح 1/ 305 ب.
(7) في (ب): وأصحابه.
(1/264)

والرازي (1) والكرخي (2) وغيرهما من الحنفية.
وعن أحمد (3): يخاطبون بالنهي لا الأمر، وقاله الجرجاني (4) الحنفي وأبو حامد (5) الإِسفراييني الشافعي (6).
وللمالكية كالقولين. (7)
وذكر بعض أصحابنا (8) رواية: لا يخاطبون بالفروع [وحكي عن (ع)]. (9)
__________
(1) انظر: أصول الجصاص/ 107 ب.
(2) حكاه الجصاص في أصوله/ 107 ب.
(3) انظر: العدة/ 359، والتمهيد/ 40أ، والواضح 1/ 306 أ.
(4) حكاه في التمهيد/ 40أ، والواضح 1/ 306 أ.
(5) هو: أحمد بن محمد بن أحمد الإِسفراييني، من أعلام الشافعية، ولد في إِسفرايين سنة 344 ه، ورحل إِلى بغداد، فتفقه فيها وعظمت مكانته، وتوفي بها سنة 406 ه. من مؤلفاته: أصول الفقه، والرونق في الفقه.
انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي/ 103، ووفيات الأعيان 1/ 72، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 61، والبداية والنهاية 2112.
(6) حكاه في التمهيد/ 40أ، والواضح 1/ 306أ. والذي في الإِحكام للآمدي 1/ 144، والمحصول 1/ 2/ 399: أن أبا حامد الإِسفراييني يقول: لا يخاطبون مطلقًا.
(7) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 162.
(8) انظر: المسودة/ 46 - 47.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(1/265)

وجه الأول: قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثامًا) (1)، ولهذا يحد على الزنا، ومن أحكامنا: لا يحد على المباح.
وقوله: (ولله على الناس حج البيت) الآية (2).
وقوله: (لم يكن الذين (3) كفروا) إِلى قوله: (ويؤتوا الزكاة) (4).
وقوله: (لم نك من المصلين) إِلى قوله: (وكنا نكذب). (5)
واستدل: لو اشترط في التكليف بمشروط وجود شرطه، لم تجب صلاة على محدث، ولا قبل نيتها.
ورد: بأن الشرط تابع يجب بوجوب مشروطه.
__________
(1) سورة الفرقان: آية 68: (والذين لا يدعون مع الله إِلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إِلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا).
(2) سورة آل عمران: آية 97: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إِليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
(3) نهاية 74 من (ح).
(4) سورة البينة: الآيات 1 - 5: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة * رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إِلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إِلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).
(5) سورة المدثر: الآيات 43 - 46: (قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين:* وكنا نكذب بيوم الدين).
(1/266)

واحتج في العدة (1) والتمهيد (2): بأنه مخاطب بالإيمان -وهو شرط العبادة- ومن خوطب بالشرط -كالطهارة- كان مخاطبًا بالصلاة.
[وكذا احتج ابن عقيل (3): بخطابه بصدق (4) الرسل، وهي (5) مشروطة بمعرفة الله، وهي (6) على النظر، وأن هذا -لقوته- مفسد لكل شبهة للخصم]. (7)
قالوا: لو كلف بالعبادة لصحت، ولأمكنه الامتثال، وفي الكفر لا يمكنه، وبإِسلامه تسقط.
رد: معنى التكليف: استحقاق العقاب، ويصح بشرطه، ويسلم ويفعلها كالمحدث.
ولا ملازمة بين التكليف والقضاء، بدليل الجمعة، مع أنه بأمر جديد، وفيه تنفير عن الإِيمان.
وأبطل في الواضح (8) بالمرتد؛ لا تصح منه وهو مخاطب (9).
__________
(1) انظر: العدة/ 364.
(2) انظر: التمهيد/ 41 أ.
(3) انظر: الواضح / 1/ 307 ب، 308 أ.
(4) كذا في النسختين. ولعل المناسب: بتصديق الرسل.
(5) كذا في النسختين. ولعل المناسب: وهو مشروط.
(6) يعني: متوقفة على النظر.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) انظر: المرجع السابق 1/ 310 ب، 311 أ.
(9) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): مخالف.
(1/267)

فقيل له: لالتزامه (1) حكم الإِسلام.
فقال: وهذا ألزمه الشرع.
وذكر غيره فيه الخلاف.
قالوا: (2) المنهي عنه يصح تركه مع كفره، ويترتب عليه حكمه وهو الحد (3) والتعزير، وهو محرم كالكفر.
وأجاب ابن عقيل (4) وغيره: وهو (5) لا يصح منه إِلا على وجه مكابدة النفس، لاحترام الناهي.
والحد لالتزامه حكمنا عقوبة، ولنا (6) كفارة أو بلوى.
ونمنعه من المحرم لا الكفر.
وقال بعضهم: قولهم: "لا يكفي مجرد ترك وفعل" فيه (7) نظر.
وفائدة الخلاف عند الأصحاب: زيادة العقاب في الآخرة، قال في (8)
__________
(1) في نسخة في هامش (ب): لإِلزامه.
(2) في (ح): قال.
(3) نهاية 30 أمن (ظ).
(4) انظر الواضح 1/ 309 ب- 310 أ.
(5) ضرب في (ظ) على قوله: وهو.
(6) يعني: أهل الإسلام.
(7) في (ب): وفيه.
(8) نهاية 37 أمن (ب).
(1/268)

التمهيد (1): حسب.
وفي الانتصار -فيمن أسلم على أكثر من عشر (1/ 1) نسوة-: قولهم -يعني الحنفية-: "النهي عن الجمع قائم في حال الشرك" لا يصح؛ لأن -عندهم- الكفار غير مخاطبين، وهو رواية لنا.
[وفي الواضح (2) إِذا علم أنه مكلف كان أدعى له إِلى الاستجابة، وينتفع به إِذا آمن]. (3)
وقال ابن الصيرفي (4) الحراني من أصحابنا: "يتفرع عنه مسائل (5):
منها: ظهار الذمي يصح عندنا، لا عندهم؛ لتعقبه كفارة ليس من أهلها.
ومنها: أن الكفار لا يملكون أموالنا بالاستيلاء -في صحيح المذهب-
__________
(1) انظر: التمهيد / 40 أ. (1/ 1) كذا في النسخ. ولعله: أربع.
(2) انظر: الواضح 1/ 311أ.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) هو: أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي بن إِبراهيم، جمال الدين الحبيشي، فقيه حنبلي إِمام، ولد بحران سنة 583 ه، وسافر إِلى الموصل وبغداد سنة 607 ه، ثم استقر بدمشق، وكانت له حلقة بجامعها، وبها توفي سنة 678 ه.
من مؤلفاته: نوادر المذهب، وانتهاز الفرص فيمن أفتى بالرخص.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 295، وشذرات الذهب 5/ 363.
(5) انظر: التمهيد للأسنوي/ 122، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني/ 98، 338، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 49.
(1/269)

لحرمة التناول، وعندهم: يملكونها؛ لأن حرمة التناول من فروع الإِسلام.
ومنها: وجوب الصلاة على المرتد، يعني: القضاء".

وكذا اختاره في المسألة الوسطى الطوفي (1) من أصحابنا، وهو متوجه، لكنه ليس (2) بصحيح المذهب. (3)
مسألة
يشترط كون المكلف به فعلاً.
ففي النهي: كف النفس عن الفعل، عند الأكثر.
__________
(1) هو: أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري، نجم الدين، فقيه حنبلي، ولد بقرية "طوف" أو "طوفا" من أعمال صرصر في العراق سنة 657 ه، ودخل بغداد سنة 691 ه ورحل إِلى دمشق سنة 704 ه، وزار مصر، وجاور بالحرمين، وتوفي في بلد الخليل بفلسطين سنة 716 ه.
من مؤلفاته: مختصر روضة الناظر -لابن قدامة- في أصول الفقه "البلبل"، وشرح هذا المختصر، ومختصر الجامع الصحيح للترمذي.
نسب إِلى الرفض، ويقال: إِنه تاب عنه، ونسب إِليه أنه قال عن نفسه:
حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري إِنها إِحدى الكبر
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 366، والدرر الكامنة 2/ 154، والأنس الجليل 2/ 257، وشذرات الذهب 6/ 39، وجلاء العينين/ 36.
(2) انظر: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 53.
(3) نهاية 75 من (ح).
(1/270)

وعند أبي هاشم (1) المعتزلي: نفي الفعل مع قطع النظر عن التلبس بضده.
وفي الروضة (2): المقتضى بالتكليف: فعل كالصلاة، وكف كترك الزنا. وقيل لا يقتضي الكف إِلا أن يتلبس بضده، فيثاب عليه لا على الترك.
وذكره بعض أصحابنا (3) قول الأشعري (4) والقدرية وابن أبي الفرج (5) المقدسي وغيرهم، قالوا في مسألة الإِيمان: الترك في الحقيقة فعل، لأنه ضد الحال التي هو عليها.
وفي الروضة (6) -أيضًا-: إِن قصد الكف -مع تمكنه- أثيب، وإِلا فلا ثواب ولا عقاب.
__________
(1) انظر: البلبل/ 17، وشرح العضد 2/ 13.
(2) انظر: الروضة/ 54.
(3) انظر: المسودة/ 80.
(4) في (ح): الأشعرية.
(5) هو: أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي ثم الدمشقي، المعروف بابن الحنبلي، الفقيه الواعظ المفسر، شرف الإسلام، شيخ الحنابلة بالشام بعد والده، وهو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق، تفقه وبرع وأفتى وناظر ودرس التفسير، توفي بدمشق سنة 536 ه.
من مؤلفاته: البرهان في أصول الدين، والمنتخب في الفقه، والمفردات، ورسالة في الرد على الأشعرية. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 92، والدارس 2/ 64، والمنهج الأحمد 2/ 249.
(6) انظر: الروضة/ 55.
(1/271)

وجه الأول: لو كلف بنفي الفعل لكان مستدعى حصوله منه، ولا يتصور؛ لأنه غير مقدور له؛ لأنه نفي محض.
ورد: بأنه مقدور، ولهذا يمدح بترك الزنا.
ورد: بأن عدم الفعل مستمر، فلم تؤثر القدرة فيه.
ورد: بأن المقارن منه للقدرة مقدور.

مسألة
لا يصح الأمر بالموجود عند أصحابنا والجمهور.
قال ابن عقيل (1): ينبني على أصل -بان بهذا أن أصحابنا ذهبوا إِليه- وهو: أن الأمر بالمستحيل لا يجوز، خلافاً للأشعري. مع قول ابن عقيل (2) -أيضًا-: يصح أن يقارن الأمر الفعل حال وجوده (3)، وبه قال عامة سلف الأمة (4) وعامة الفقهاء، خلافًا للمعتزلة (5)؛ فبعضهم جوزه (6) بوقت،
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 19 أ.
(2) انظر: المرجع السابق 2/ 32 ب.
(3) ووقوعه من المكلف، وليس من شرط صحة الأمر تقدمه على الفعل ...
انظر: الواضح 2/ 32 ب.
(4) نهاية 30 ب من (ظ).
(5) فقد أحالوا مقارنة الأمر لوجود الفعل، وقالوا: لابد من تقدمه، ثم اختلفوا فيما يتقدم به ....
انظر: الواضح 2/ 32 ب.
(6) يعني: جوز تقدم الأمر على الفعل بوقت.
(1/272)

وأكثرهم: بأوقات، زاد بعضهم (1): للمصلحة.
وقال بعض أصحابنا (2): "الفعل حال حدوثه مأمور به، وقاله الأشعري وأصحابه، خلافاً للمعتزلة، وقولهم مقتضى قول ابن عقيل (3) في مسألة: "الأمر (4) بالموجود"؛ فإِنه التزم أن المؤمن ليس مأمورًا بالإِيمان عند وجوده (5)، وأنه لا يصح منه فعلُ موجودِ، كالقيام -لا يفعله (6) - لاستغنائه بوجوده عن موجد، والمؤمن لا يفعل الإِيمان إِلا في مستقبل الحال، وأن هذا خلاف المذهب".
وجه أنه غير مأمور به: أن إِيجاد الوجود محال.
رد: بأن جميع الفعل لم يوجد، ولهذا صح الابتلاء.
رد: فالأمر (7) لما لم يوجد منه، فالتكليف بالباقي.
رد: تعلق التكليف بالذات بالمجموع من حيث هو. وفيه نظر.
واحتج بعض الأشعرية: (8): بأنه مقدور حينئذ باتفاق، بناء على أن
__________
(1) يعني: بعض من جوز تقدم الأمر على الفعل بأوقات.
(2) انظر: المسودة/ 70.
(3) انظر: الواضح 2/ 19.
(4) نهاية 37 ب من (ب).
(5) نهاية 76 من (ح).
(6) يعني: لا يصح أن يفعله القائم.
(7) غيّر هذا اللفظ في (ظ) إِلى: بالأمر.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 148.
(1/273)

القدرة مع الفعل أو قبله.
ورد: بما سبق (1).
واحتج ابن عقيل (2) للمعتزلة: بأنه (3) ليس بمقدور حال وجوده وحال حدوثه، وإلا كان مقدوراً حال بقائه، لوجوده في الحالين (4).
وأجاب: بأنه حال حدوثه مفعول متعلق بفاعل، بخلافه حال بقائه، وكالإِرادة يصح تعلقها به حال حدوثه لا بقائه.
قال بعض أصحابنا: (5) هذا ضعيف، بل هو مقدور ومراد (6) في الحالين.
وألزم الآمدي (7) المعتزلة بألا يكون الفعل أول زمن حدوثه أثراً لقدرة قديمة أو حادثة على اختلاف المذهبين ولا موجدة (8) له؛ لما فيه من إِيجاد الموجود، وجوابهم في إِيجاد القدرة له جوابنا في تعلق الأمر به.
__________
(1) وهو: أنه يلزم منه الأمر بإِيجاد الموجود، وهو محال. انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 149.
(2) انظر الواضح 2/ 33أ.
(3) أي: الفعل.
(4) وهما: حال وجوده وحدوثه، وحال بقائه.
(5) انظر: المسودة/ 56.
(6) في (ح): "مراد" بدون الواو.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 149.
(8) في (ظ): ولا موجود.
(1/274)

مسألة
لا تجزئ النيابة في تكليف بدني كصلاة وصوم [(و)]. (1)
وتجزئ في زكاة مطلقًا (و) وخلافاً (2) للمعتزلة.
وكذا حج فرض لعذر مأيوس منه (و) خلافاً للمعتزلة.
وهنا مسائل مشهورة في الفروع.
لنا: أن الغرض في البدنية: الابتلاء بقهر النفس، فلا يحصل بنائب (3)، وفي المالية: تنقيصه (4)، ودفع حاجة الفقير، فيحصل به كقضاء الدين إِجماعًا، وكذا الحج للعذر، ومع القدرة: قهر النفس، والنص في الحج للعذر.

مسألة
يشترط علم المكلف بالمأمور به ليقصده، وكونه من الله ليتصور منه امتثاله.
ولا يكفي مجرد الفعل، لقوله: (إِنما الأعمال بالنية). (5)
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) أشير في (ب) إِلى سقوط الواو في "وخلافاً" من بعض النسخ.
(3) نهاية 77 من (ح).
(4) في (ب): بنقيضه.
(5) هذا حديث مرفوع رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد ورد هذا الحديث بلفظ: (إِنما الأعمال بالنية)، وبلفظ: (الأعمال بالنية)، وبلفظ:=
(1/275)

فلهذا قال بعضهم (1): من منع تكليف المحال لم يجوز تكليف غافل.
ونقض: (2) بوجوب المعرفة، ورد: باستثنائه، قال: وفيه نظر.
وسبق (3) في التحسين. (4)
* * *
__________
= (إِنما الأعمال بالنيات)، وبلفظ: (إِنما العمل بالنية).
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 2، 3/ 145 - 146، 8/ 140، ومسلم في صحيحه/ 1515، وأبو داود في سننه 2/ 651 - 652، والترمذي في سننه 3/ 100 - وقال: حسن صحيح- والنسائي في سننه 1/ 58، وابن ماجه في سننه/ 25، 43. وانظر: نصب الراية 1/ 301، والتلخيص الحبير 1/ 54.
(1) انظر: نهاية السول 1/ 135 - 136.
(2) نهاية 31 أمن (ظ).
(3) انظر ص 165، 168 من هذا الكتاب.
(4) نهاية 38 أمن (ب).
(1/276)

المحكوم عليه
شرط التكليف العقل والفهم، ذكره الآمدي (1) اتفاق (2) العقلاء، وذكر غيره أن بعض من جوز المستحيل قال به؛ لعدم الابتلاء.
وأجاز (3) قوم تكليف مجنون وطفل.
وسبق (4) في تقسيم العبادة -في الحكم- حكم نائم وساهٍ.
لنا: لو صح لكان مطلوبًا حصوله منه على وجه الامتثال -كما سبق (5) في المستحيل- ولا يصح؛ لأن شرط الامتثال قصده، وإِنما يتصور بعد الفهم.
وكذا المميز (و)، وقطع (6) به ابن الباقلاني، وذكره إِجماعًا، قال أبو المعالي: لا قطع، والإِجماع لم يتحقق.
وعن أحمد: تكليفه (7)، لفهمه، وعنه: المراهق، واختار ذلك ابن
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 150.
(2) في (ظ): باتفاق.
(3) انظر: القواعد والفوائد الأصولية/ 15، والمسودة/ 35.
(4) انظر: ص 196 من هذا الكتاب.
(5) انظر: ص 261 - 262 من هذا الكتاب.
(6) انظر: المسودة/ 456.
(7) انظر: الروضة / 48، والقواعد والفوائد الأصولية/ 16.
(1/277)

عقيل في مناظراته (1)؛ لأن التكليف: الخطاب بما يثقل، وفيه الزكاة والعشر وأمر الشارع بأمره بالصلاة، فهو تكليف، لكن بلا وعيد كندب في حق المكلف.
وسبق (2) كلام أبي الخطاب في مسألة التحسين.
لنا: حديث عائشة: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر). رواه (3) أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
ولأحمد (4) وغيره -أيضًا-: (وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل). وهو حديث جيد الإِسناد.
ولأحمد وأبي داود -بإِسناد جيد- عن أبي الضحى (5) عن ابن عباس:
__________
(1) جاء ذكر مناظرات ابن عقيل -أيضًا- في: القواعد والفوائد الأصولية/ 16، والآداب الشرعية لابن مفلح 3/ 144، والفروع 1/ 96، 292، 2/ 434، 5/ 150، 299، 625.
(2) انظر: ص 157 من هذا الكتاب.
(3) هذا الحديث روته عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 4/ 558، والنسائي في سننه 6/ 156، وابن ماجه في سننه / 658، وأحمد في مسنده 6/ 144، والحاكم في مستدركه 2/ 59، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(4) أخرجه أحمد في مسنده 6/ 100 - 101 والدارمي في سننه 2/ 93.
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: "عن أبي ظبيان"؛ فإِنه لم يرد ذكر لأبي الضحى=
(1/278)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=في رواية هذا الحديث -حسب علمي- إِلا فيما يأتي من روايته له عن علي مرفوعًا.
والذي ورد -هنا- إِنما هو أبو ظبيان، وهو: حصين بن جندب بن الحارث بن وحشي ابن مالك الجنبي الكوفي، ثقة في الحديث، روى عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، وروى عنه ابنه قابوس والأعمش وعطاء بن السائب، وفي سماعه من علي وعمر خلاف، توفي سنة 90 ه.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 542، وتهذيب التهذيب 2/ 379 - 380، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 85.
وأبو الضحى هو: مسلم بن صبيح الهمداني بالولاء -وقيل: مولى آل سعيد بن العاص- الكوفي العطار، روى عن النعمان بن بشير وابن عباس وعلقمة، وأرسل عن علي بن أبي طالب، وروى عنه الأعمش ومنصور بن المعتمر وسعيد بن مسروق وعطاء بن السائب وغيرهم.
وثقه كثيرون، منهم: ابن معين وأبو زرعة وابن حبان وابن سعد والنسائي، توفي سنة 100 ه في خلافة عمر بن عبد العزيز.
انظر: الكاشف للذهبي 3/ 141، وتهذيب التهذيب 10/ 132.
وهذا الخطأ تكرر -أيضًا- فيما يأتي من أن الدارقطني ذكر أن أبا الضحى لقي عمر وعلياً؛ فإِن كلام الدارقطني -الذي ذكره العلماء هنا- كان في شأن أبي ظبيان.
وهذا الذي ذكره المصنف "عن ابن عباس ... " أخرجه أبو داود في سننه -4/ 558 - 559: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها على علي بن أبي طالب، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم. قال: فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين،=
(1/279)

أن (1) عليا قاله لعمر، فصدّقه.
ولأبي داود (2) -أيضاً-: أو ما تذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره، فصدّقه.
__________
=أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى. قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء. قال: فأرسلْها. قال: فأرسلَها، قال: فجعل يكبّر.
وفي سنن أبي داود -أيضًا- حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا وكيع عن الأعمش: نحوه، وقال -أيضًا-: حتى يعقل، فقال: وعن المجنون حتى يفيق. قال: فجعل عمر يكبر. انتهى.
وأخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 388 - 389، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
والذي وجدته في مسند أحمد حول رواية أبي ظبيان لهذا الحديث ما يأتي:
أ- فيه 1/ 154 - 155: ... عن أبي ظبيان: أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة ... قال -أي: علي-: أما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (رفع القلم عن ثلاثة ...) قال: بلى ... الحديث.
2 - وفيه 1/ 158: ... عن أبي ظبيان: أن علياً قال لعمر: يا أمير المؤمنين، أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (رفع القلم عن ثلاثة ...).
ولم أجد ما ذكره المصنف " ... عن ابن عباس: أن علياً قاله لعمر". وفي صحيح البخاري 8/ 165: باب لا يرجم المجنون والمجنونة، وقال علي لعمر: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. وانظر -أيضًا- صحيح البخاري 7/ 46.
(1) في (ح) أنه.
(2) أخرج أبو داود في سننه 4/ 559: حدثنا ابن السرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير ابن حازم عن سليمان بن مهران عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: مر على علىِ بن=
(1/280)

ورواه أيضًا- ولم يذكر ابن عباس. (1)
ورواه أيضًا -ورجاله ثقات- عن أبي الضحى عن علي مرفوعًا. (2)
ورواه (3) ابن ماجه عن القاسم بن يزيد (4) عن علي مرفوعًا، والقاسم فيه
__________
=أبي طالب ... بمعنى عثمان .. قال: أو ما تذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (رفع القلم عن ثلاثة ...)؟ قال: صدقت. قال: فخلى عنها. انتهى.
وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 138 - 139، والحاكم في مستدركه 2/ 59، 1/ 258 - 259، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(1) أخرج أبو داود في سننه 4/ 559 - 560: حدثنا هناد عن أبي الأحوص، وحدثنا عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا جرير المعنى عن عطاء بن السائب عن أبي ظبيان -قال هناد: الجنبي- قال: أتي عمر بامرأة ... فجاء علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (رفع القلم عن ثلاثة ...)، وأخرجه أحمد في مسنده 1/ 154/ 158.
(2) أخرج أبو داود في سننه 4/ 560: حدثنا موسى بن إِسماعيل، حدثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رفع القلم عن ثلاثة ...).
وهذا منقطع؛ فإِن أبا الضحى لم يدرك علي بن أبي طالب.
(3) أخرج ابن ماجه في سننه/ 659: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أنبأنا القاسم بن يزيد عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: (يرفع القلم عن الصغير، وعن المجنون، وعن النائم).
وذكره أبو داود في سننه معلقًا 4/ 560 - 561.
(4) روى عن علي، ولم يدركه، وعنه ابن جريج، وتفرد به.
انظر: الكاشف 2/ 395، وميزان الاعتدال 3/ 381، وتهذيب التهذيب 8/ 342.
(1/281)

جهالة، ولم يدرك علياً. (1)
ورواه الترمذي عن الحسن (2) عن علي مرفوعًا، وقال: حسن غريب، ولا نعرف للحسن سماعًا من علي، والعمل على هذا الحديث. (3)
وكذا قال (4) أئمة الحديث: لم يسمع منه. (5)
__________
(1) نهاية 78 من (5).
(2) في تحفة الأحوذي 2/ 317: هو الحسن البصري.
وهو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، كان فصيحًا حافظًا مهيباً فقيهًا ثقة عابدًا، روى عن أبي موسى وأبي بكرة وعمران بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه قتادة وحميد الطويل وعطاء ابن السائب وغيرهم، توفي سنة 110 ه. وللعلماء كلام حول سماعه من بعض الرواة.
انظر: تهذيب التهذيب 2/ 263، وتذكرة الحفاظ 1/ 66، وميزان الاعتدال 1/ 527.
(3) أخرج الترمذي في سننه 2/ 438: حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن علي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (رفع القلم عن ثلاثة ...).
قال الترمذي: حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي ... ، ولا نعرف للحسن سماعًا من علي، وقد روى هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا الحديث، ورواه عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي موقوفًا ولم يرفعه، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم.
وأخرجه أيضًا -عن الحسن عن علي مرفوعًا- أحمد في مسنده 1/ 116، 118.
(4) في (ظ): "قاله".
(5) انظر: الكلام -على سماع الحسن من علي- في: تحفة الأحوذي 2/ 317 - 318، وتهذيب التهذيب 2/ 266، وما بعدها.
(1/282)

وذكر الدارقطني: أن أثبت (1) طرقه الأولى، وأن أبا الضحى (2) لقي عمر وعلياً (3) وذكر غيره: لا (4). والله أعلم.
ولأنه لم يكمل فهمه فيما يتعلق بالمقصود، فنصب الشرع البلوغ له
__________
(1) قال في نصب الراية 4/ 162 - 163: قال الدارقطني في كتاب العلل: "هذا حديث يرويه أبو ظبيان، واختلف عنه؛ فرواه سليمان الأعمش عنه، واختلف عليه؛ فرواه جرير بن حازم عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، فرفعه إِلى - صلى الله عليه وسلم - عن علي وعمر، وتفرد به ابن وهب عن جرير بن حازم، وخالفه ابن فضيل ووكيع، فروياه عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي وعمر موقوفًا، ورواه عمار بن رزيق عن الأعمش عن أبي ظبيان موقوفاً، ولم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه سعيد بن عبيدة عن أبي ظبيان موقوفًا، ولم يذكر ابن عباس، ورواه أبو حصين عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي وعمر موقوفًا، واختلف عنه؛ فقيل: عن أبي ظبيان عن علي موقوفًا -قاله أبو بكر ابن عياش وشريك عن أبي حصين- ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي وعمر مرفوعًا، حدث به عنه حماد بن سلمة وأبو الأحوص وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن عبد الصمد وغيرهم، وقول وكيع وابن فضيل أشبه بالصواب". انتهى.
(2) كذا في النسخ. ولعل الصواب: وأن أبا ظبيان. وانظر: هامش 5 ص 278 من هذا الكتاب.
(3) في نصب الراية 4/ 163: أن الدارقطني سئل في علله؛ هل لقي أبو ظبيان علياً وعمر؟ فقال: نعم.
وانظر: تهذيب التهذيب 2/ 380.
(4) انظر: تهذيب التهذيب 2/ 380.
وانظر الكلام -عن حديث: (رفع القلم عن ثلاثة ...) - في: نصب الراية 4/ 161 - 165، والدراية 2/ 198.
(1/283)

علامة ظاهرة، جعلها أمارة ظهور العقل وكماله.
وإنما وجبت الزكاة، ونفقة القريب، والضمان بالإِتلاف، لأنه من ربط الحكم بالسبب، لتعلقها بماله أو بذمته بالإِنسانية التي بها يستعد لقوة الفهم في (1) ثاني الحال، (2) بخلاف البهيمة.
قال في الروضة (3): والنطفة تملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإِنسانية، لوجودها بالقوة.
وبما سبق يجاب عن طلاقه إِن صح، وهو أشهر عن أحمد، وأكثر أصحابه (ح) (4)، وظهر أن تخريج بعضهم (5) له على تكليفه ضعيف، ومثله نظائره.
* * *
فأما السكران: فيقضي العبادة إِذا عقل (و) (6) خلافاً لبعض متأخري أصحابنا (7) وأبي ثور. (8)
__________
(1) نهاية 31 ب من (ظ).
(2) نهاية 38 ب من (ب).
(3) انظر: الروضة/ 48.
(4) انظر: المغني 1/ 380 - 381، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام / 26، وبدائع الصنائع/ 1790، وحاشية الدسوقي 2/ 325، ومغني المحتاج 3/ 279.
(5) أنظر: البلبل/ 12.
(6) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 507.
(7) وهو الشيخ تقي الدين. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 507.
(8) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الفقيه، صاحب الإمام الشافعي، عالم فاضل ورع، توفي ببغداد سنة 240 ه. =
(1/284)

وتعتبر أقواله وأفعاله في الأشهر عن أحمد وأكثر أصحابه (و) (1)، إِلا ردته في رواية (وه) (2).
وقلم الإِثم غير مرفوع عنه عند أحمد (3)، وحكاه عن الشافعي، وقاله القاضي وجماعة (وه)، (4) لقوله: (لا تقربوا (5) الصلاة وأنتم سكارى) (6).
وتأويله بأن المراد مثل: "لا تمت وأنت ظالم"، أو مبدأ النشاط والطرب: خلاف الظاهر.
ولأن النص لم يذكره مع من رفع عنه القلم.
وقال علي: "إِذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (7)، وعلى المفتري
__________
=من مؤلفاته: كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه في ذلك، وهو أكثر ميلاً إِلى الشافعي في هذا الكتاب وفي كتبه كلها.
انظر: الانتقاء/ 107، وتاريخ بغداد 6/ 65، ووفيات الأعيان 1/ 26، وتذكرة الحفاظ 2/ 87، وميزان الاعتدال 1/ 29.
(1) انظر: المستصفى 1/ 84، والأم 5/ 253، وفواتح الرحموت 1/ 144، والتمهيد للأسنوي/ 109.
(2) انظر: فواتح الرحموت 1/ 145.
(3) انظر: المسودة/ 37.
(4) انظر: كشف الأسرار 4/ 353 - 354.
(5) في (ظ): ولا تقربوا.
(6) سورة النساء: آية 43: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إِلا عابري سبيل حتى تغتسلوا).
(7) نهاية 79 من (ح).
(1/285)

ثمانون جلدة". إِسناده جيد، رواه مالك والدارقطني (1).
وجمع عمر الصحابة -رضي الله عنهم- فاستشارهم، فقال علي: "إِذا سكر افترى". رواه أحمد من رواية (2) أسامة بن زيد (3)، وفيه ضعف.
__________
(1) أخرج مالك في الوطأ/ 842: عن ثور بن زيد الديلي: أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إِذا شرب سكر، وإِذا سكر هذى، وإِذا هذى افترى -أو كما قال- فحد عمر في الخمر ثمانين.
وأخرجه الشافعي عن مالك عن ثور بن زيد. انظر: ترتيب المسند 2/ 90.
قال في التلخيص الحبير 4/ 75: وهو منقطع؛ لأن ثوراً لم يلحق عمر بلا خلاف. ا. ه.
وله طريق آخر: عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، أخرجه الدارقطني في سننه 3/ 166، والحاكم في مستدركه 4/ 375 - 376، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8/ 320 - 321.
(2) أبو زيد الليثي المدني، روى عن الزهري ونافع وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وعنه يحيى القطان وابن المبارك والثوري وغيرهم، توفي سنة 153 ه.
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن عدي: ليس به بأس. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وكان يحيى القطان يضعفه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يهم.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 22، وميزان الاعتدال 1/ 174، وتهذيب التهذيب 1/ 208، وتقريب التهذيب 1/ 53.
(3) ورد ذلك من طريق أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر ... أخرجه الدارقطني في سننه 3/ 157، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 320 وأبو داود في سننه 4/ 628، 629 ولم أجد كلام علي فيما رواه أحمد في مسنده 4/ 88.=
(1/286)

ورواه سعيد (1) -بإِسناد جيد- من حديث أبي سلمة (2)، فذكره، وفيه انقطاع.
__________
=قال في التلخيص الحبير 4/ 75: قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه وأبا زرعة، فقالا: لم يسمعه الزهري من عبد الرحمن بن أزهر.
وقال أبو داود في سننه 4/ 629: أدخل عقيل بن خالد بين الزهري وبين ابن الأزهر -في هذا الحديث- عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه.
وورد ذلك -أيضًا- من طريق أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي ...
أخرجه الدارقطني في سننه3/ 157، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 320، والحاكم في مستدركه 4/ 374 - 375، وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
(1) هو أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المروزي ولد ب "جوزجان"، ونشأ ب "بلخ"، وطاف البلاد، وسكن مكة، وتوفي بها سنة 227 ه.
روى عن مالك وحماد بن زيد وداود بن عبد الرحمن وابن عيينة وجماعة، وروى عنه مسلم وأبو داود وأبو حاتم وأبو بكر الأثرم وأحمد بن حنبل وأبو زرعة ومحمد بن علي بن زيد الصائغ وأحمد بن نجدة بن العريان، وهما راويا كتاب السنن عنه. أثنى عليه جمع من العلماء.
انظر: طبقات ابن سعد 5/ 367، وتهذيب التهذيب 4/ 89 - 90.
(2) لعله أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني "قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته" روى عن أبيه وعثمان بن عفان وأبي هريرة وعائشة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين وروى عنه ابنه عمر والأعرج وعروة بن الزبير والزهري والشعبي.
قال: ابن سعد: كان ثقة فقيهاً كثير الحديث، توفي بالمدينة سنة 94 ه في خلافة الوليد بن عبد الملك، وهو ابن 72 سنة، وهذا أثبت من قول من قال: إِنه توفي=
(1/287)

وذكر ابن عقيل (1): أنه غير مكلف -كقول أكثر المتكلمين (2) - لعدم تحرزه من المضار وقصده الفعل (3) بلطف ومداراة، بخلاف طفل ومجنون وبهيمة، فهو أولى.
وقال (4): تحصل الغرامة والقضاء بالعقل بأمر مبتدأ.
كذا قال، فيلزمه: لا غُرْم لو لم يعقل.
وفي الروضة (5): غير مكلف، واختلف (6) كلامه في المغني (7).
وخرج بعض أصحابنا (8) في إِثمه روايتين.
وجزم الآمدي (9) وغيره بعدم تكليفه.
__________
= سنة 104 ه. انظر: طبقات ابن سعد 5/ 115 - 117، وتهذيب التهذيب 12/ 115 - 118، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 451.
(1) انظر: الواضح 1/ 16 ب- 17أ، والبلبل/ 12.
(2) انظر: المسودة/ 35، 37.
(3) في (ظ): للفعل.
(4) انظر: الواضح 1/ 17أ.
(5) انظر: الروضة/ 48.
(6) انظر: المغني 1/ 391.
(7) المغني: كتاب مشهور في الفقه المقارن بين المذاهب، لابن قدامة المقدسي صاحب الروضة، وقد طبع الكتاب عدة مرات.
(8) انظر: المسودة/ 37.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 152.
(1/288)

والمعذور بالسكر كالمغمى عليه، فدل ذلك أن السكر لا يزيل العقل، لكنه يغطيه، كالنوم والإِغماء، وقاله (ه) (1) وغيرهم، وفي كلام أصحابنا خلافه.

مسألة
المكره (2) المحمول كالآلة غير مكلف (ه)، وهو مما لا يطاق.
__________
(1) انظر: كشف الأسرار 4/ 354.
(2) في هامش (ظ): دل كلام المصنف على أن المحمول كالآلة -مثل: الملقى من شاهق ونحوه، مما لا يقدر على الامتناع- مكلف عند أبي حنيفة، وذكر ابن قاضي الجبل في أصوله: أنه غير مكلف إِجماعاً.
ولذلك: البيضاوي الشافعي جزم بأن الإِكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة.
قال الأسنوي: وهذا القسم لا خلاف فيه، كما قال ابن التلمساني. ثم قال: واختار الإِمام والآمدي وأتباعهما التفصيل بين الملجئ وغيره -كما اختاره المصنف- لكنهما لم يبينا محل الخلاف، وقد بينه ابن التلمساني كما تقدم.
قال الأسنوي: الإكراه قد ينتهي إِلى حد الإلجاء، وهو: الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كالإلقاء من شاهق.
وقال الطوفي: الإِلجاء أن لا يصح منه الترك، كمن ألقي من شاهق على إِنسان أو مال، فأتلفه، أو صائم مكتوف ألقي في الماء، فدخل الماء حلقه.
وقال الآمدي: "اختلفوا في الملجأ إِلى الفعل بالإكراه بحيث لا يسعه تركه، في جواز تكليفه بذلك الفعل إِيجاداً وعدماً.
والحق: أنه إِذا خرج إِلى حد الاضطرار -وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إِليه كنسبة حركة المرتعش إِليه- أن تكليفه به إِيجادًا وعدمًا غير جائز، إِلا على القول بتكليف=
(1/289)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزاً عقلاً، لكنه ممتنع الوقوع سمعاً، لقوله-: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والمراد منه رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف، وأما ما يلزمه من الغرامات فقد سبق غير مرة.
وأما إِن لم ينته به إِلى حد الاضطرار فهو مختار، وتكليفه جائز عقلاً وشرعًا.
وأما الخاطئ فغير مكلف إِجماعًا فيما هو مخطئ فيه، لقوله -عليه السلام-: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) الحديث".
وفي هامش (ظ) -أيضًا-: قد فهم من كلام ابن قاضي الجبل، وابن التلمساني: أن المكره الذي بلغ حد الإِلجاء ليس مكلفاً إِجماعًا -على لفظ ابن قاضي الجبل- ولا خلاف فيه، على قول ابن التلمساني.
والظاهر: نفي الخلاف عند العلماء، لا عند أرباب مذهبه فقط؛ لأنه قال بعده: (وأما الثاني -وهو غير الملجئ- فلا يمنع التكليف، وهو مذهب أصحابنا). فدل أن الأول منفي عند أصحابهم وغيرهم.
وكلام الآمدي صريح أن الملجئ فيه خلاف.
والذي ظهر لي أن الذي ذكر الخلاف في تكليفه، مراده: جواز تكليفه وعدم جوازه، كما هو مفهوم من كلام الآمدي، ولا شك أن غايته: أنه تكليف بالمحال، فيجيء فيه الخلاف في التكليف بالمحال.
ومن حكى الإجماع ونفى الخلاف، مراده: أن تكليفه لم يقع، كما فهم من قول الآمدي: "لكنه ممتنع الوقوع".
لكن قول المصنف: "إِن المحمول كالآلة غير مكلف خلافاً لأبي حنيفة" حمله على الجواز دون الوقوع مشكل؛ لأنه ذكر أنه مكلف عند أبي حنيفة، فحمله على الجواز لا يمكن، لأن جواز تكليفه الخلاف فيه معروف عند أشياخ مذهبنا وغيرهم، كما هو مصرح به في=
(1/290)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=تكليف المحال.
وحمله على الوقوع لا يمكن؛ لأن أبا حنيفة يقول بتكليفه على ما حكاه عنه، فيخالف ما حكي من الإجماع على عدم تكليفه.
ومما يدل على أن المراد بتكليفه الجواز وعدمه -لا نفس الوقوع- ما قاله ابن عقيل في الواضح، فإِنه قال: "والذي يدل على قصده ودخول فعله تحت التكليف منع الشرع من قتل البريء المكره على قتله، وإلحاق الوعيد به على إِيقاع القتل به، وبهذا النهي والوعيد والتأثيم قد بان أن الله تعالى يصح أن يكلفنا ترك كل ما يكره على فعله حسبما كلفنا ترك قتل البريء، وإنما رخص لنا قول كلمة الكفر تسهيلاً علينا منه ورفقاً بنا، وليس دخول الرفق -رخصة وسهولة- مما يمنع دخول التكليف، كما رخص لنا في المرض الإفطار، ولم يمنع ذلك تكليفه لنا الانزجار عن التداوي بما حرم علينا".
لكن كلام ابن عقيل يفهم منه أن المكره الذي فيه الخلاف هو الذي يوجد الفعل منه، وأن من لم يوجد ليس من هذا القبيل، فإنه قال: "واعلم أن المكره داخل تحت التكليف على أن فيه اختلافاً بين الناس؛ وذلك أن المكره لا يكون مكرهاً إِلا على كسبه وما هو قادر عليه، نحو: المكره على الطلاق والبيع وكلمة الكفر، وكل ذلك إِذا وقع فهو كسب لمن وقع منه وواقع مع علمه وقصده إِليه بصيغة، فيصح لذلك تكليفه، كتكليف ما لا إِكراه عليه فيه".
قلت: وهذا ظاهر؛ لأن الذي ألقي من شاهق لم يوجد منه فعل، وإينما الفعل ممن ألقاه، وإن كان الفعل قد ينسب إِلى الآلة، كقوله: "قطعتِ السكين"، فالفعل المنسوب إِلى المحمول "كالآلة" كالفعل المنسوب إِلى بقية الآلات، كالسكين ونحوها. انتهى ما في هامش (ظ).
وانظر مذهب الحنفية -في هذه المسألة- في: فواتح الرحموت 1/ 166، وتيسير التحرير 2/ 307، وكشف الأسرار 4/ 384، والتوضيح على التنقيح 3/ 226.
(1/291)

وذكر بعض أصحابنا قولاً -وبعضهم رواية- في اليمين: يحنث.
وبعضهم: كالحنفية. وهو سهو.
وبالتهديد مكلف عندنا وعند الشافعية (1)، لصحة الفعل منه وتركه، ونسبة الفعل إِليه حقيقة، ولهذا يأثم المكرَه بالقتل بلا خلاف، قاله في المغني (2)، مع أنه علل أحد القولين لنا وللشافعية -فيما إِذا علق طلاقاً بقدوم زيد، فقدم مكرَها: (3) لا يحنث- بزوال اختياره بالإِكراه. (4)
وهذه المسألة مختلفة الحكم (5) في الفروع (6) -في المذاهب- بالنسبة إِلى الأقوال والأفعال في حق الله وحق العبد، على ما لا يخفى.
والأشهر عندنا: نفيه في حق الله، وثبوته في حق العبد.
وعند المعتزلة: لا يجوز تكليفه بعبادة؛ لأن من أصلهم (7): وجوب إِثابة المكلف، والمحمول على الشيء لا يثاب عليه.
__________
(1) انظر: التمهيد للأسنوي/ 116، والمستصفى 1/ 90، ونهاية السول مع مناهج العقول 1/ 138 - 139.
(2) انظر: المغني 8/ 267.
(3) نهاية 39أمن (ب).
(4) انظر: المرجع السابق 7/ 475.
(5) نهاية 32 أمن (ظ).
(6) انظر: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 39، والتمهيد للأسنوي/ 116، والتوضيح على التنقيح 3/ 227، وكشف الأسرار 4/ 384.
(7) انظر: المعتمد للقاضي/ 120.
(1/292)

وأطلق جماعة عنهم: لا يكلف.
وألزمهم (1) ابن الباقلاني الإِكراه على القتل.
قال (2) أبو المعالي: وهي هفوة (3) عظيمة؛ لأنهم لم يمنعوا النهي عن الشيء مع الإِكراه، بل الاضطرار إِلى فعل شيء مع الأمر به. (4)
__________
(1) في هامش (ظ): وجه إِلزامهم الإِكراه على القتل: أن المكره على القتل يحرم عليه فعل القتل بالإِجماع، فهو منهي، والنهي تكليف.
(2) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 107.
(3) نهاية 80 من (ح).
(4) في هامش (ظ): فإِذا أكره على فعل الصلاة، واضطر إلى فعله، لم تكن تلك الصلاة التي اضطر إِلى فعلها بالإِكراه مأمورًا، لأنه إِنما أمر أن يصلي بصلاة يفعلها بأمر الشارع، فإِذا أكره عليها، وفعلها لأجل الاضطرار بالإِكراه، فليست هي المأمور بها، وما ليس مأموراً به ليس داخلاً تحت التكليف بالمأمور.
هذا معنى قوله: "بل الاضطرار إِلى فعل شيء مع الأمر به" أي: أنه لما صار مفعولاً بالإكراه خرج عن كونه مأمورًا به.
وهذا المعنى يوضحه كلام ابن التلمساني كما نقله الأسنوي في شرح المنهاج.
وفي هامش (ظ) -أيضًا- قال ابن التلمساني: وفيما قاله أبو المعالي نظر؛ لأن القاضي إِنما أورده عليهم من جهة أخرى، وذلك لأنهم منعوا أن المكره قادر على غير الفعل المكره عليه، فبين القاضي أنه قادر؛ وذلك لأنهم كلفوه بالضد، وعندهم: أن الله تعالى لا يكلف العبد إِلا بعد خلق القدرة له، والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده، فإذا كان قادراً على القتل كان قادراً على ترك القتل. قال ذلك الأسنوي في شرح المنهاج.
(1/293)

وذكر ابن عقيل وغيره: أنه لا يجب (1) عليه شيء عقلاً ولا شرعًا.
ومعنى كلام جماعة (2) من أصحابنا: يجب شرعاً بفضله وكرمه؛ ولهذا أوجبوا إِخراج الموحدين من النار بوعده، وقال (3) ابن الجوزي -في قوله: (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين) - (4): "أي: واجباً أوجبه هو"، وذكره (5) بعض الشافعية عن أهل السنة.
وقال بعض أصحابنا (6): أكثر الناس يثبت استحقاقاً زائداً على مجرد الوعد، لهذه الآية، ولحديث معاذ: (أتدري ما حق الله على العباد). (7)
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 515، والمستصفى 1/ 87، والمسودة/ 63 - 65، الإِرشاد للجويني/ 287، وغاية المرام/ 224، 228، ونهاية الإِقدام/ 404، والتحرير/ 14 ب، والذخر الحرير/ 39.
(2) انظر: المعتمد للقاضي/ 120.
(3) انظر: زاد المسير 6/ 308.
(4) سورة الروم: آية 47.
(5) في (ح): "وذكر بعض الشافعية أنه قول أهل السنة"، مكان قوله "وذكره بعض الشافعية عن أهل السنة".
(6) وهو الشيخ تقي الدين. انظر: شرح الكوكب المنير 1/ 516.
(7) أخرج البخاري في صحيحه 7/ 170: ... عن معاذ قال: بينما أنا رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - ... قال: (هل تدري ما حق الله على عباده؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)، ثم سار ساعة ... فقال: (هل تدري ما حق العباد على الله إِذا فعلوه؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (حق العباد على الله ألا يعذبهم=
(1/294)

وفي الانتصار -في قول البينة "عمدنا قتله"-: لا يقال: لو كان الوعيد إِكراها لكنا مكرهين على العبادات، فلا ثواب؛ لأن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقال: إِننا مكرهون عليها، والثواب بفضله لا مستحقاً عليه عندنا، ثم العبادات تفعل للرغبة.
ويبيح الإِكراه ما قبح ابتداء، خلافاً للمعتزلة، بناء منهم على التحسين.
وسبق (1) فيه أبي الخطاب.
لنا: إِباحة كلمة الكفر به بالآية (2)، والإِجماع.
والمكرَه بحق مكلف (و).

مسألة
يجوز تكليف المعدوم بمعنى: أن الخطاب يعمه إِذا وُجد أهلاً، ولا يحتاج خطاباً آخر عند أصحابنا، وحكي (3) عن (ر) وبعض الشافعية،
__________
=وأخرجه البخاري -أيضًا- في صحيحه 8/ 60، 8/ 105، 9/ 114.
وأخرجه مسلم في صحيحه 58 - 59، والترمذي في سننه 4/ 135 - 136 وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه/ 1435 - 1436، وأحمد في مسنده 5/ 228، 230، 234، 236، 238، 242.
(1) انظر: ص 164، 167 من هذا الكتاب.
(2) سورة النحل: الآيات 105 - 106: (إِنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون * من كفر بالله من بعد إِيمانه إِلا من أكره وقلبه مطمئن بالإِيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم).
(3) حكاه في التمهيد/ 46 ب.
(1/295)

وحكاه الآمدي (1) عن طائفة من السلف والفقهاء.
فليس الخلاف لفظياً، كما قاله (2) الجرجاني الحنفي، وإِنما قول الأشعرية: "يجوز تكليف المعدوم" بمعنى: تعلق الطلب القديم بالفعل من المعدوم حال وجوده وفهمه، وذكره (3) بعض أصحابنا عن أبي الخطاب.
والمعتزلة قالوا هم وأكثر الشافعية: (4) ولا يعمه الحكم إِلا بدليل: نص، أو إِجماع، أو قياس.
فلهذا قال الجرجاني: الخلاف لفظي.
وللحنفية (5) في عموم الحكم له بغير دليل قولان. (6)
قال (7) أحمد: لم يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم، وقال (8) -أيضاً-: لم يزل متكلماً إِذا شاء، وقال القاضي: إِذا أراد أن يسمعنا.
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 274.
(2) انظر: العدة/ 392.
(3) قوله: "وذكره بعض أصحابنا عن أبي الخطاب" مثبت -هنا- من (ح). وقد جاء ذكره في (ب) و (ظ) متأخرًا، وذلك بعد قوله: "وأكثر الشافعية". ولعل الصواب إِثباته هنا. انظر: التمهيد/ 46 ب.
(4) جاء هنا في (ب) و (ظ): "وذكره بعض أصحابنا عن أبي الخطاب" وقد أشرت قبل قليل إِلى ما رأيته صوابًا في محل إِثباته.
(5) انظر: فواتح الرحموت 1/ 146، وتيسير التحرير 2/ 238، وأصول السرخسي 2/ 334.
(6) نهاية 39 ب من (ب)، وهي نهاية 81 من (ح).
(7) و (8) انظر: العدة/ 386.
(1/296)

وقال الآمدي (1): يجوز تكليف المعدوم عندنا، خلافاً لباقي الطوائف.
وحكى (2) غيره (3) المنع عن (4) (ه ع).
وفي كلام القاضي (5)، وغيره: أن المعدوم مأمور.
وكذا ترجم (6) ابن برهان المسألة: بأن المعدوم مأمور منهي.
وزيَّفه (7) أبو المعالي، وقال: بل حقيقة المسألة: هل يتصور أمر ولا مأمور؟.
وذهب بعضهم (8) إِلى تكليفه تبعاً لموجود.
وبعضهم (9) إِلى أنه أمر إِعلام.
لنا: قوله: (لأنذركم به ومن بلغ) (10)، وقوله: (فاتبعوه) (11).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 153.
(2) في (ح): وحكاه.
(3) انظر: المسودة/ 44.
(4) نهاية 32 ب من (ظ).
(5) انظر: العدة/ 386.
(6) انظر: المسودة/ 45. وقال ابن برهان في كتابه الوصول/ 20 أ: مسألة: المعدوم يجوز أن يكون مأموراً بشرط الوجود ...
(7) انظر: المسودة/ 45، والبرهان للجويني / 274.
(8) و (9) انظر: العدة/ 387، والتمهيد/ 46 ب.
(10) سورة الأنعام: آية 19: (وأوحي إِليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ).
(11) سورة الأنعام: آية 153: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه).
(1/297)

وكالأمر بالوصية لمعدوم متأهل، وخيفة الموصي الفوت لا أثر له.
ولحسن لوم المأمور في الجملة بإِجماع العقلاء على تأخره عن الفعل مع قدرته وتقدم أمره.
ولأنه أزلي، وتعلقه بغيره جزء من حقيقته، والكل ينتفي بانتفاء الجزء، وكلام (1) القديم صفته، وإِنما تطلب الفائدة في (2) سماع الخاطب به إِذا وجد.
ولأن التابعين والأئمة لم يزالوا يحتجون بالأدلة، وهو دليل التعميم، والأصل عدم اعتبار غيره، ولو كان لنقل. (3)
قالوا: تكليف ولا مكلف محال.
رد: مبني على التقبيح العقلي.
ثم: بالمنع في المستقبل، كالكاتب يخاطب من يكاتبه بشرط وصوله، ويناديه، وأمر الموصي والواقف، وليس مجازا، لأنه لا يحسن نفيه.
قال ابن عقيل (4): ولا أقرب إِلى ذلك من أسماء الله المشتقة. (5)
__________
(1) من قوله: "وكلام" إلى قوله: "إِذا وجد" مثبت من (ب) و (ح)، وقد أثبت في هامش (ظ) من إِحدى النسخ، وقال مثبته: "ذُكر بعدُ" يعني: في (ظ)، وستأتي الإِشارة إليه بعد قوله: "أسماء الله المشتقة".
(2) في (ح): "بسماع".
(3) جاء -هنا- في (ظ): "قالوا لا يقال للمعدوم: تأس. رد: يقال بشرط وجوده أهلاً".
وسيأتي ذلك في (ب) و (ح) بعد قوله: "أسماء الله المشتقة".
(4) انظر: الواضح 2/ 12 ب.
(5) جاء -هنا- في (ظ): "وكلام القديم صفته، وإِنما تطلب الفائدة في سماع المخاطب به إِذا وجد". وقد أشرت إِلى هذا قبل قليل.
(1/298)

قلوا: (1) لا يقال للمعدوم: ناس (2).
رد: يقال بشرط وجوده أهلاً.
قالوا: العاجز غير مكلف، فهذا (3) أولى.
رد: بالمنع عند كل قائل بقولنا، بل مكلف بشرط قدرته وبلوغه وعقله، وإنما رفع عنه القلم في الحال، [أو] (4) قلم الإثم، بدليل النائم.
قالوا: لو كان لمدح وذم.
ورده أصحابنا بوجهين: المنع، لأن الله مدح (5) وذم، ثم: لعدم الامتثال والتفريط. (6)
قالوا: من شرط القدرة وجود المقدور.
رد: بالمنع؛ فإِن القدرة صفة لله ولا مقدور.
قالوا: يلزم التعدد في القديم.
__________
(1) من قوله: "قالوا: لا يقال للمعدوم" إِلى قوله: "يقال بشرط وجوده أهلاً" مثبت من (ب) و (ح)، وقد أشرت قبل قليل إِلى مكان وروده في (ظ).
(2) في (ظ): تأس.
(3) في (ب) و (ح): فهنا.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) في التمهيد / 47 أ: مدح الأنبياء والصالحين، وذم إِبليس في كلامه، وهو القرآن، وذلك قبل خلق الجميع.
(6) أي: عدم إِمكان الفعل أو الترك؛ لأنه ليس بإِيجاب مضيق. انظر: العدة/ 390.
(1/299)

ولم يقل به أكثر الأشعرية، فأجابوا: بأن التعدد بحسب الوجود غير واقع في الأزل، فكلامه واحد بحسب الذات، وإنما تعدد باعتبار (1) متعلقاته، وهو لا يوجب تعدداً وجوديًا. كذا قالوا.

مسألة
يجوز التكليف بما يعلم الله أن المكلف لا يمكَّن منه مع بلوغه حالة التمكن، عند القاضي (2) وابن عقيل (3) وأبي الخطاب (4) وقال: إِنه يقتضيه مذهب أصحابنا، فلهذا يعلم المكلف بالتكليف قبل وقت الفعل (ور) وغيرهم، وذكره (5) بعض أصحابنا (6) إِجماع الفقهاء.
قال في الروضة (7) وغيرها: " [مسألة جواز التكليف] (8) تنبني (9) على النسخ قبل (10) التمكن"، قال بعضهم (11):
__________
(1) نهاية 82 من (ح).
(2) انظر: العدة/ 392.
(3) انظر: الواضح 2/ 14 ب وما بعدها.
(4) انظر: التمهيد/ 36أ.
(5) في (ظ): وذكر.
(6) انظر: المسودة / 53.
(7) انظر: الروضة / 214، والبلبل/ 94.
(8) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(9) في (ب) و (ظ): ينبني.
(10) نهاية 33أمن (ظ).
(11) انظر: المسودة/ 53.
(1/300)

"تشبهها؛ (1) لأن ذلك رفع للحكم بخطاب، وهذا بتعجيز، ونبَّه ابن عقيل عليه".
ونفى ذلك (2) (ع) (3) وأبو المعالي.
وزعم (4) غلاة القدرية -منهم ومن غيرهم- كمعبد الجهني (5) وعمرو (6) بن عبيد: أنه لم يعلم أفعال العباد حتى فعلوها.
__________
(1) نهاية 40 أمن (ب).
(2) يعني جواز التكليف.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 155، وشرح العضد 2/ 16، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 221، والبرهان للجويني/ 282، والمسودة/ 53 - 54.
(4) انظر: المسودة/ 54، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام/ 189.
(5) هو معبد بن عبد الله الجهني البصري، أول من قال بالقدر في البصرة، سمع الحديث من ابن عباس وعمران بن حصين وغيرهما، وحضر يوم التحكيم، وانتقل من البصرة إِلى المدينة، فنشر فيها مذهبه، قتله الحجاج لخروجه مع ابن الأشعث، وقيل: قتله عبد الملك ابن مروان بدمشق بعد صلبه، لقوله بالقدر، وكانت وفاته سنة 80 ه.
انظر: كتاب الضعفاء الصغير للبخاري/ 327، وميزان الاعتدال 4/ 141، والبداية والنهاية 9/ 34، وتهذيب التهذيب 10/ 225، وشذرات الذهب 1/ 88.
(6) في (ظ): وعمر. وهو: أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب البصري، شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها، ولد سنة 80 ه وتوفي بمران قرب مكة سنة 144 ه.
له: كتب، ورسائل، وخطب.
انظر: مروج الذهب 2/ 192، وتاريخ بغداد 12/ 166، ووفيات الأعيان 3/ 460، وميزان الاعتدال 3/ 273، والبداية والنهاية 10/ 78، ومفتاح السعادة 2/ 35.
(1/301)

ويصح (1) مع جهل الآمر اتفاقًا، كأمر السيد عبده بشيء.
وجه الأول: لو لم يجز لم يعص أحد؛ لأن شرط الفعل إِرادة قديمة أو حادثة، فإِذا تركه علم الله (2) أنه لا يريده، وأن العاصي لا يريده.
وأيضًا: (3) لم يعلم تكليف، لعدم العلم ببقاء المكلف قبله -وهو شرط- ولا معه، ولا بعده، لانقطاع التكليف فيهما، فإِن فرض زمانه موسعًا كالواجب الموسع -بحيث يعلم التمكن (4) - نقلنا الكلام إِلى أجزاء ذلك، كالضيق، والتكليف معلوم.
وأيضًا: (5) لم يعلم إِبراهيم -عليه السلام- وجوب الذبح.
واحضج الأصحاب وابن الباقلاني (6): بالإِجماع على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن.
ورده أبو العالي (7): بناء على ظن البقاء.
ورد: بأنه لا تكليف مع الشك، وبأن احتمال الخطأ قائم في الظن، وهو
__________
(1) في (ب): وتصح.
(2) أقول: لعل صحة العبارة هكذا: "فإِذا تركه علم أن الله لا يريده ... ". والمثبت وارد في جميع النسخ.
(3) يعني: وأيضًا: لو لم يجز لم يعلم تكليف.
(4) في (ظ): التمكن.
(5) يعني: وأيضًا: لو لم يجز لم يعلم إِبراهيم ...
(6) انظر: شرح العضد 2/ 17.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 156 - 157، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 221.
(1/302)

ممتنع في الإِجماع.
قالوا: لو جاز لم يكن إِمكان المكلف به شرطًا في التكليف؛ لأن هذا الفعل لا يمكن.
رد: بأن الإِمكان (1) المشروط تأَتِّي الفعل عادة عند اجتماع شرائطه في وقته، وهو حاصل، والذي هو شرط وقوع الفعل محل النزاع.
على أنه يلزم في جهل الآمر، لجواز (2) امتناع الفعل لانتفاء شرطه.
قالوا: لو جاز (3) لجاز مع [علم] (4) المأمور اعتبارًا بالآمر، والجامع عدم الحصول.
رد: بأن هذا يمتنع امتثاله، فلا يعزم، فلا يطيع ولا يعصي، ولا ابتلاء، بخلاف مسألتنا.
على أن بعض أصحابنا (5) قال: "ينبغي أن نجوزه، كما نجوز توبة مجبوب من زنا، وأقطع من سرقة، وفائدته: العزم بتقدير القدرة".
فمن جامع (6) صحيحًا -ثم مرض أو جن أو حاضت أو نفست- لم
__________
(1) نهاية 83 من (ح).
(2) في (ظ): بجواز.
(3) يعني: لو جاز التكليف مع علم الآمر ... كما في أول المسألة.
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (ظ) ونسخة في هامش (ب).
(5) انظر: المسودة/ 53.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 157.
(1/303)

تسقط الكفارة عند (1) أحمد (2) (ه ق (3))، لأمره -عليه السلام- الأعرابي بالكفارة، ولم يسأله (4)، وكما لو سافر (و).
قال أصحابنا: لا يقال: تبينا أن الصوم غير مستحق؛ لأن الصادق لو أخبره أنه سيمرض أو يموت لم يجز الفطر، والصوم لا تتجزأ صحته، بل لزومه.
وفي الانتصار [وجه]: (5) تسقط بحيض ونفاس، لمنعهما الصحة، ومثلهما موت، وكذا جنون إِن منع طرآنه (6) الصحة.
__________
(1) انظر: المغني 3/ 139.
(2) انظر: المجموع 6/ 389، وبدائع الصنائع / 1031 - 1032، والمبسوط 3/ 75.
(3) استخدم المصنف هذا الرمز (ق)، وهو لم يذكره مع الرموز التي بين المراد بها في أول هذا الكتاب، وقد استخدم المصنف هذا الرمز في كتابه "الفروع"، وبيّن مراده به فقال: ... وعلامة خلاف أبي حنيفة (ه)، ومالك (م)، فإِن كان لأحدهما روايتان فبعد علامته (ر)، وللشافعي (ش)، ولقوليه (ق). انظر: الفروع 1/ 64.
وقارن ما ذكره -هنا- في هذه المسألة بما ذكره في الفروع 3/ 80 - 81.
(4) جاء ذلك في قصة الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وقد روى هذا الحديث أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 32 - 33، 160، 7/ 66، 8/ 144 - 145، ومسلم في صحيحه/ 781 - 782، وأبو داود في سننه 2/ 783 - 786، والترمذي في سننه 2/ 113 - 114، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه/ 534، والدارمي في سننه1/ 343 - 344، وأحمد في مسنده 2/ 241، 281، 516.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) في (ظ): طريانه. وكانت في (ب) "طرآنه" ثم غيرت إِلى: طريانه. وانظر: المصباح المنير 2/ 19.
(1/304)

وص علق طلاقاً بشروعه في صوم أو صلاة واجبين، فشرع، ومات فيه: طلقت (ع) (1).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 157.
(1/305)

الأدلة الشرعية (1)
الكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، ويأتي بيان غيرها.
والأصل الكتاب، والسنة مخبرة عن حكم الله، (2) والإِجماع مستند إِليهما، والقياس مستنبط منها (3). (4)
* * *

الكتاب: القرآن
قال في الروضة (5) وغيرها -متابعة لمن قبلهم (6) -: وهو ما نقل إِلينا بين دفتي المصحف تواتراً.
وضعّف (7) بأن عدم نقله لا يخرجه عن حقيقته، وبأن النقل (8)
__________
(1) نهاية 33 ب من (ظ).
(2) نهاية 40 ب من (ب).
(3) في (ح): منهما.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 5 - 6.
(5) انظر: الروضة/ 62.
(6) انظر: المستصفى 1/ 101.
(7) نهاية 84 من (ح).
(8) انظر: البلبل 45.
(1/306)

والتواتر فرع تصوره فهو دور.
وقال الآمدي (1): الأقرب: هو القرآن القابل (2) للتنزيل.
واحترز بالأول: عن غيره من الكتب، وعما أنزل ولم يتل، وبالثاني: عن الكلام النفسي، ولم نقل (3): "الكلام المعجز"؛ لأن السورة الواحدة كذلك، وإنما هي بعض الكتاب.
وقيل (4): الكلام المنزل للإِعجاز (5) بسورة (6).
فقيل: يلزم أن بعض القرآن قرآن (7) مجازًا (8).
قال (9) أحمد: "القرآن معجز بنفسه".
قال جماعة: كلام أحمد يقتضي أنه معجز في لفظه ونظمه ومعناه
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 159.
(2) في الإِحكام للآمدي 1/ 159: هو القرآن المنزل.
(3) في الإِحكام للآمدي 1/ 159: ولم نقل: هو الكلام المعجز، لأنه يخرج منه الآية وبعض الآية، مع أنها من الكتاب وإن لم تكن معجزة.
(4) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 18، والبلبل/ 45.
(5) في (ب): للإعجاب.
(6) يعني: بسورة منه.
(7) في (ب) و (ظ): قرآناً.
(8) في (ب) و (ح): مجاز.
(9) انظر: الفروع 1/ 418، وشرح الكوكب المنير 2/ 115 - 116.
(1/307)

(وه) وغيرهم. (1).
وخالف القاضي في المعنى، واحتج بأن الله تحدى بمثله في اللفظ والنظم.
قال ابن حامد (2): وهل يسقط الإِعجاز في الحروف المقطعة، أم باق؟
الأظهر من جواب أحمد: باق (ر). (3).
وفي بعض آية إِعجاز، ذكره القاضي وغيره.
وفي النسخ من التمهيد (4): "لا"، وذكره غيره، وقاله (ه) (5) وغيرهم، وزاد بعضهم: والآية (6).
وقال قوم (7): الكتاب غير القرآن.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 281 - 282، والبرهان في علوم القرآن 2/ 99، وفواتح الرحموت 2/ 8، والفروع 1/ 418.
(2) انظر: الفروع 1/ 418، وشرح الكوكب المنير 2/ 116.
(3) في (ب) -هنا- زيادة: "وغيرهم". وقد ضرب عليها.
(4) انظر: التمهيد/ 98أ.
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 280.
(6) انظر: نهاية السول 1/ 161، والإِتقان في علوم القرآن 2/ 123، والبرهان في علوم القرآن 2/ 108.
(7) انظر: البلبل/ 45، والروضة/ 62.
(1/308)

رد: اتحاد مسماهما (1) (ع) (2)، وقوله: (إِنا سمعنا كتابًا) (3)، (إِنا سمعنا قرآناً) (4)، والمسموع واحد.

مسألة
ما لم يتواتر فليس بقرآن؛ لقضاء العادة بالتواتر في تفاصيله.
و (بسم الله الرحمن الرحيم) (5) بعض آية في "النمل" إِجماعًا، وآية من القرآن (6)
__________
(1) في (ب): "مسماها".
(2) الذي ظهر لي أن هذا الرمز لا يراد له أن يكون للمعتزلة خلاف في هذه المسألة، كما هو مقتضى منهج المؤلف الذي بينه في مقدمة كتابه؛ فإِني لم أجد -بعد البحث- ما يدل على خلافهم فيها، ولعل المراد به الدلالة على الإجماع، يؤيد ذلك سياق الكلام في كل من البلبل / 45، وشرح الكوكب المنير 2/ 7؛ فقد جاء فيهما: أن اتحاد مسماهما مجمع عليه، والمؤلف قد استخدم هذا الرمز للدلالة على الإجماع في كتابه (الفروع). انظر: الفروع 1/ 64.
(3) سورة الأحقاف: آية 30: (قالوا يا قومنا إِنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إِلى الحق وإِلى طريق مستقيم).
(4) سورة الجن: آية 1: (قل أوحي إِلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إِنا سمعنا قرآنا عجبًا).
(5) سورة النمل: آية 30: (إِنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم).
(6) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 122، وفواتح الرحموت 2/ 14، والإحكام للآمدي 1/ 163، وأصول السرخسي 1/ 280، والمجموع 2/ 291 وما بعدها، والمستصفى 1/ 102، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 230، وزاد المسير 1/ 7، ومجموع الفتاوى 13/ 399، وتيسير التحرير 3/ 7، وكشف الأسرار 1/ 23، والتلويح على التوضيح 1/ 159، وشرح العضد 2/ 19 والكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 22.
(1/309)

عند أحمد (وه ش)، وأكثر القراء السبعة (1).
وعن أحمد: لا (وم) وأبي عمرو بن العلاء (2) وحمزة (3) وبعض الحنفية؛ (4) لعدم التواتر.
وجه الأول: كتابتها في المصحف بخطه، بإِجماع الصحابة ومن بعدهم،
__________
(1) القراء السبعة هم:
1) عبد الله بن عامر الشامي اليحصبي، المتوفى سنة 118 ه.
2) عبد الله بن كثير المكي، المتوفى سنة 126 ه.
3) عاصم بن أبي النجود الكوفي، المتوفى سنة 128 ه.
4) أبو عمرو بن العلاء البصري، المتوفى سنة 154 ه.
5) حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، المتوفي سنة 156 ه.
6) نافع بن عبد الرحمن الليثي، المتوفى سنة 169 ه.
7) علي بن حمزة الكسائي النحوي، المتوفى سنة 189 ه.
انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 327.
(2) هو: زبان بن عمار التميمي المازني البصري -والعلاء لقب أبيه- من أئمة اللغة والأدب، أحد القراء السبعة، ولد بمكة سنة 70 ه، ونشأ بالبصرة، وتوفي بالكوفة سنة 154 ه.
انظر: نزهة الألباء/ 31، ووفيات الأعيان 3/ 466، وغاية النهاية 1/ 288.
(3) هو: حمزة بن حبيب بن عمارة بن إِسماعيل الزيات الكوفي، أحد القراء السبعة، ولد سنة 80 ه، وتوفي سنة 156 ه.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 216، وميزان الاعتدال 1/ 605، وتهذيب التهذيب 3/ 27.
(4) نهاية 41 أمن (ب).
(1/310)

مع شدة اعتنائهم بتجريده، وكتبوها أول الفاتحة ولا فصل (1)، وحذفوها أول "براءة" مع الحاجة إِليه.
ورد: لا يفيد، لمقابلة (2) القاطع له.
ولهم الجواب بالتواتر.
وقد قال الآمدي (3): كونها قرآناً حاصل في الجملة قطعًا، والخلاف في وضعها أوائل السور، ولا يشترط فيه تواتر.
ورد: بضعفه، لما سبق (4) من قضاء العادة.
وباستلزامه سقوط كثير من القرآن المكرر، لجواز عدم وصوله إِلينا، وإثبات ما ليس بقرآن من (5) المكرر -نحو: (فبأي) الآية (6) - قرآناً، لجواز إِثباته بالآحاد.
قالوا: يجوز، لكنه اتفق تواتر المكرر.
رد: وجب العلم بانتفاء السقوط لكونه قرآناً، كما سبق.
ولا تكفير في هذه المسألة، لقوة الشبهة من الجانبين.
__________
(1) في (ظ): ولا فضل.
(2) نهاية 85 من (ح)
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 164.
(4) انظر: ص 309.
(5) نهاية 34 أمن (ظ).
(6) سورة الرحمن: آية 13: (فبأيّ آلاء ربكما تكذبان).
(1/311)

وليست آية من الفاتحة (1) على الأصح عن أحمد (2) (ش)، ولا آية (و) ولا بعض آية (و) من غيرها، ذكره القاضي إِجماعًا سابقاً.

مسألة
القراءات السبع -فيما ليس من الأداء، كمد (3) وإمالة (4) - قال بعض الأصوليين: مشهورة.
وقال (5) بعض أصحابنا وغيرهم: متواترة، وإِلا كان بعض القرآن غير متواتر نحو: (ملك) و (مالك) (6)، وتخصيص أحدهما تحكّم؛ لاستوائهما.
قال بعض أصحابنا: يجب نقل أحدهما تواتراً فيحصل المقصود به، ثم إِما أن لا يجب نقل الآخر، أو يجب ويكفي فيه ما في الأحكام.
__________
(1) انظر: الانتصار لأبي الخطاب 1/ 218 ب، وشرح الكوكب المنير 2/ 124، والمجموع 3/ 291 وما بعدها، وشرح العضد 2/ 21، وأصول السرخسي 1/ 280، والتلويح على التوضيح 1/ 159، والمحرر 1/ 53، والفروع 1/ 413.
(2) انظر: الانتصار لأبي الخطاب 1/ 218 ب.
(3) يعني: مقادير المد وكيفة الإِمالة، لا أصلهما. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 129.
(4) الإِمالة: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء، في نحو: "الهدى" و" يخشى". انظر: النشر 2/ 30.
(5) انظر: البلبل/ 46، وشرح العضد 2/ 21.
(6) سورة الفاتحة: آية 4.
(1/312)

وقول بعض أصحابنا: (1) "التواتر معلوم، والآحاد مظنون، فيلزم التمييز (2) بينهما، ولا مظنون، فلا آحاد" دعوى، ثم: الآحاد غير معين.
ولأحمد (3) وجماعة من السلف -في قراءة حمزة والكسائي (4) وإدغام (5)
__________
(1) انظر: البلبل/ 46.
(2) في (ب): التميز.
(3) نهاية 41 ب من (ب).
(4) هو: أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء الكوفي الكسائي، إِمام في اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، ولد في إِحدى قراها، وتعلم بها، وقرأ النحو بعد الكبر، وتنقل في البادية، وسكن بغداد، وتوفي بالري سنة 189 ه عن 70 عاماً.
من مؤلفاته: معاني القرآن، والمصادر، والحروف، والقراءات، والنوادر، ومختصر في النحو.
انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 138، وتاريخ بغداد 11/ 403، ونزهة الألباء / 81، وإِنباه الرواة 2/ 256، ووفيات الأعيان 3/ 295، وغاية النهاية 1/ 535.
(5) الإِدغام: هو اللفظ بحرفين حرفًا كالثاني مشددًا.
وينقسم إلى: كبير، وصغير: فالكبير: ما كان الأول من الحرفين فيه متحركاً، سواء أكانا مثلين أم جنسين أم متقاربين، وسمي كبيراً لكثرة وقوعه إِذ الحركة أكثر من السكون، وقيل: لتأثيره في إِسكان المتحرك قبل إِدغامه، وقيل: لما فيه من الصعوبة، وقيل: لشموله نوعي المثلين والجنسين والمتقاربين.
والصغير: هو الذي يكون الأول منهما فيه ساكناً.
والمشهور بالإِدغام الكبير والمنسوب إِليه والمختص به من الأئمة العشرة هو: أبو عمرو بن العلاء، وليس بمنفرد به، بل قد ورد -أيضًا- عن الحسن البصري، وابن محيصن. انظر: النشر 1/ 274 وما بعدها.
(1/313)

أبي عمرو الكبير- كلام (1) في كراهتها وتحريمها مذكور في الفقه.

مسألة
ما صح من الشاذ ولم يتواتر -وهو ما خالف مصحف عثمان، نحو: " (فصيام ثلاثة أيام) (2) متتابعات"- (3) فعن أحمد: لا تصح الصلاة به (و)؛ لأنه ليس بقرآن.
وعنه: تصح، ورواه ابن وهب (4) عن (م) (5)، وقاله بعض
__________
=مثال الإدغام الكبير: (ما سلككم في سقر) سورة المدثر: آية 42، بإِدغام الكاف الأولى في الثانية. انظر: سراج القارئ/ 44 - 45.
(1) انظر: الفروع 1/ 422 - 423، وشرح الكوكب المنير 2/ 131، والبرهان في علوم القرآن 1/ 320، وكشاف القناع 1/ 345، والشرح الكبير 1/ 345، والنشر 1/ 275.
(2) سورة المائدة: آية 89.
(3) وذلك في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهما.
انظر: تفسير الطبري 7/ 20.
(4) هو: أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري، إِمام فقيه مجتهد حافظ، من أصحاب مالك، جمع بين الحديث والفقه، ورفض القضاء، ولد بمصر سنة 125 ه، وتوفي بها سنة 197 ه. من مؤلفاته: الجامع في الحديث.
انظر: الانتقاء/ 48، ووفيات الأعيان 3/ 36، وتذكرة الحفاظ 1/ 279، وتهذيب التهذيب 6/ 71.
(5) في (ظ): (ه).
(1/314)

الشافعية؛ (1) لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض.
وذكر بعض أصحابنا (2): أن قول أئمة السلف أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة (3). والله أعلم.

والشاذ حجة في ظاهر مذهب أحمد (وه)، وذكره ابن عبد البر (4) إِجماعًا.
وعن أحمد: "لا"، وهو جديد قولي الشافعي.
لنا: أنه قرآن أو خبر.
قولهم: يجوز كونه (5) مذهبه.
رد: بالمنع، ثم: خلاف الظاهر.
__________
(1) نهاية 86 من (ح).
(2) وهو: الشيخ تقي الدين. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 133، والفروع 1/ 423.
(3) انظر: مجموع الفتاوى 13/ 395.
(4) هو: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، مؤرخ أديب، من كبار حفاظ الحديث، يقال له: "حافظ المغرب"، ولد بقرطبة سنة 368 ه، وولي قضاء "لشبونة"، وتوفي ب "شاطبة" سنة 463 ه.
من مؤلفاته: الاستيعاب، والانتقاء، وجامع بيان العلم وفضله، والكافي في الفقه، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.
انظر: بغية الملتمس/ 474، ووفيات الأعيان 7/ 66، والديباج المذهب/ 357، وشذرات الذهب 3/ 314.
(5) في (ظ): أن يكون.
(1/315)

قؤلهم: خبر خطأ؛ لأنه نقله قرآناً، فلا يعمل به.
رد: (1) بمنع كونه خطأ، والصحابي عدل جازم به، ولم يصرح بكونه قرآناً، فجاز كونه تفسيرًا، فاعتقده قرآناً، أو اعتقد إِضافته في القراءة، ثم: لو صرح فعدم (2) شرط القراءة لا يمنع صحة سماعه، فنقول: هو مسموع من الشارع، وكل قوله حجة. وهذا واضح.
* * *

المحكم: ما اتضح معناه، فلم يحتج إِلى بيان.
والمتشابه: عكسه؛ لاشتراك أو إِجمال، قال (3) جماعة من أصحابنا وغيرهم: وما ظاهره تشبيه، كصفات الله.
وليس فيه ما لا معنى له، ولا وجه لمن شذ، (4) بل لا (5) يجوز -أيضًا- عند عامة العلماء.
وفيه ما لا يفهم معناه إِلا الله عند أصحابنا (6) وجمهور العلماء، وقاله (7) أبو الطيب الطبري (8) الشافعي، وحكاه عن الصيرفي منهم، قال
__________
(1) في (ح): ولنا منع كونه.
(2) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): بعدم.
(3) انظر: العدة / 693.
(4) نهاية 34 ب من (ظ).
(5) في (ب) و (ح): بل ولا يجوز.
(6) انظر: العدة/ 689.
(7) انظر: المسودة/ 164.
(8) نهاية 42 أمن (ب).
(1/316)

ابن برهان (1):"يجوز ذلك عندنا"، واختاره صاحب المحصول.
قال أبو المعالي (2): ما ثبت التكليف في العلم به يستحيل دوام إِجماله، وإِلا فلا.
وهذا مراد غيره بناء على تكليف ما لا يطاق.
قالٍ بعض أصحابنا: (3) ثم: بحث أصحابنا يقتضي فهمه إِجمالاً لا تفصيلاً.
وعند ابن عقيل: (4) لا، وأنه يتعين "لا أدري"، كقول أكثر الصحابة والتابعين، أو تأويله.
كذا قال، مع قوله (5): إِن المحققين قالوا في: (سميع بصير): (6)
نسكت عما به يسمع ويبصر (7)، أو تأويله بإِدراكه، وتأويله بما يوجب تناقضاً أو تشبيههاً زيغ، وقوله (8) في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إِلا
__________
(1) انظر: المسودة/ 164، والوصول لابن برهان/ 11 ب-12 أ.
(2) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 425.
(3) انظر: المسودة/ 164.
(4) انظر: الواضح 1/ 211 ب، 2/ 153 ب- 154 أ.
(5) انظر: المرجع السابق 2/ 154 ب- 55أ.
(6) سورة الحج: آية 61: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير).
(7) في (ظ): ويصبر.
(8) انظر: الواضح 2/ 155أ.
(1/317)

الله) (1) أي كنه ذلك.
وظاهر اختيار أبي البقاء من أصحابنا في إِعرابه (2): فهم الراسخين له، واختاره جماعة، منهم: الآمدي (3). (4)
وعن ابن عباس قولان. (5)
وقال بعض أصحابنا: الأول محدث لم يقله أحد من السلف: لا أحمد ولا غيره.
وجه الأول: سياق الآية من ذم مبتغي التأويل.
وقولهم: (آمنا به كل من عند ربنا) (6).
ولأن واو: (والراسخون) (7) للابتداء،، و (يقولون) (8) خبره، لأنها لو كانت عاطفة عاد ضمير (يقولون) إِلى المجموع، ويستحيل على الله،
__________
(1) سورة آل عمران: آية 7: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إِلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكّر إِلا أولو الألباب).
(2) انظر: إِملاء ما من به الرحمن 1/ 124.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 168.
(4) نهاية 87 من (ح).
(5) انظر: تفسير الطبري 3/ 122 - 123، وأحكام القرآن للجصاص 2/ 5.
(6): (8) سورة آل عمران: آية 7. وقد ذكر نصها في هامش (1).
(1/318)

وكان موضع (يقولون) نصباً حالاً (1) ففيه اختصاص المعطوف بالحال.
قولهم: خص ضمير (يقولون) بالراسخين للدليل العقلي، والمعطوف قد يختص بالحال مع عدم اللبس، ونظيره: (2) (والذين تبوءوا) (يحبون) (3) فيها القولان، و (نافلة) قيل: حال من (يعقوب) لأنها الزيادة، وقيل: منهما؛ لأنها العطية، وقيل: مصدر كالعاقبة معاً، وعامله معنى (وهبنا) (4).
ولنا: أن نقول: الأصل عدم ذلك، والأشهر خلافه، ولهذا: في قراءة ابن مسعود: "إِن تأويله إِلا عند الله (5) "، وفي قراءة أبي (6): "ويقول الراسخون في العلم". (7).
__________
(1) في (ح): "على الحال"، وقد ضرب على اللفظين.
(2) نهاية 42 ب من (ب).
(3) سورة الحشر: آيتا 8، 9، (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إِليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).
(4) سورة الأنبياء: آية 72: (ووهبنا له إِسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين).
(5) انظر: تفسير الطبري 3/ 123، وزاد المسير 1/ 354.
(6) هو: الصحابي الجليل أبي بن كعب.
(7) انظر: تفسير الطبري 3/ 123، وزاد المسير 1/ 354.
(1/319)

وقال الفراء (1) وأبو عبيدة: الله هو المنفرد (2).
قالوا: فيه إِخراج القرآن عن كونه بياناً.
والخطاب بما لا يفهم بعيد.
رد: بالمنع.
وفائدته الابتلاء.

مسألة
لا يجوز تفسيره برأي واجتهاد بلا أصل
وفي جوازه بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد (3).
__________
(1) هو: أبو زكريا. يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي الديلمي، أديب نحوي لغوي مشارك في الفقه والطب وأيام العرب وأشعارها، ولد بالكوفة سنة 144 ه، وانتقل إِلى بغداد، وصحب الكسائي، توفي في طريق مكة سنة 207 ه ويقال: إِنه يميل إِلى الاعتزال.
من مؤلفاته: معاني القرآن، والمقصور والمدود، والمذكر والمؤنث، والفاخر في الأمثال، والأيام والليالي.
انظر: الفهرست/ 66، وتاريخ بغداد 14/ 149، ونزهة الألباء/ 126، ومعجم الأدباء 7/ 276، ووفيات الأعيان 6/ 176، وغاية النهاية 2/ 371، وتهذيب التهذيب 11/ 212، ومفتاح السعادة 1/ 144.
(2) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 191، وزاد المسير 1/ 354، والعدة للقاضي أبي يعلى/ 690.
(3) انظر: العدة/ 719، وكتاب الرد على الجهمية لأحمد 101، 125، والتمهيد/ 84 ب.
(1/320)

وحمل بعضهم (1) المنع على صرفه عن ظاهره بقليل من اللغة.
قال أحمد (2): ثلاث كتب ليس فيها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. (3) يعني: ليس غالبها الصحة.
* * *
__________
(1) انظر: المسودة/ 176.
(2) انظر: المرجع السابق/ 175.
(3) نهاية 35 أمن (ظ).
(1/321)

السنة
لغة (1): الطريقة والعادة.
وشرعًا: العبادات النافلة.
وقوله -عليه السلام- وفعله وتقريره.
* * *
وذلك متوقف على العصمة. (2)
أما قبل البعثة فامتناع المعصية عقلاً مبني على التقبيح (3) العقلي، فيمن أثبته كالروافض منعها للتنفير، فينافي الحكمة -وقاله المعتزلة في الكبائح- ومن نفاه لم (4) يمنعها.
__________
(1) انظر: لسان العرب 17/ 89 - 90، وتاج العروس 9/ 244 (سنن).
(2) في شرح الكوكب المنير 2/ 167 - 168: العصمة: سلب القدرة على المعصية ... وقال التلمساني عن الأشعرية: إِن العصمة تهيؤ العبد للموافقة مطلقًا، وذلك راجع إِلى خلق القدرة على كل طاعة، فإِذاً العصمة توفيق عام. وقالت المعتزلة: العصمة خلق ألطاف تقرب إِلى الطاعة، ولم يردوها إِلى القدرة، لأن القدرة عندهم على الشيء صالحة لضده.
وانظر: فواتح الرحموت 2/ 97، وتيسير التحرير 3/ 20، والتعريفات/ 65، وشرح الكوكب المنير 2/ 167.
(3) نهاية 88 من (ح).
(4) في (ب): ولم.
(1/322)

وأما بعد البعثة فيعصوم من تعمد ما يخل بصدقه فيما دلت المعجزة على صدقه [فيه] (1) من رسالة وتبليغ.
وللعلماء في جوازه غلطاً ونسيانًا قولان، بناء على أن المعجزة هل دلت على صدقه فيه؟، (2) واختلف فيه كلام ابن عقيل.
وجوزه القاضي وغيره، واختاره ابن الباقلاني (3) والآمدي (4) وغيرهما، وذكره بعض أصحابنا (5) قول الجمهور، وأنه يدل عليه القرآن.
وفي حديث أبي هريرة -حديث ذي اليدين-: لما سلم من ركعتين في رباعية، فقال له، فقال: (لم أنس، ولم تقصر)، فقال: بلى قد نسيت (6).
وفي حديث ابن مسعود: (إِنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإِذا نسيت فذكروني). (7) متفق عليهما.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) نهاية 43 أمن (ب).
(3) انظر: شرح العضد 2/ 22.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 170.
(5) انظر: المسودة/ 190.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 99، 2/ 68، ومسلم في صحيحه/ 403، وأبو داود في سننه 1/ 612، والترمذي في سننه 1/ 247 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 3/ 20، وابن ماجه في سننه/ 383.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 85، ومسلم في صحيحه / 400، 401 - 402، وأبو داود في سننه 1/ 260، والنسائي فى سننه 3/ 28 - 29، 32 - 33، وابن ماجه في سننه/ 380، 382، وأحمد في مسنده 1/ 379، 420، 424، 438، 448، 455.
(1/323)

وذكر القاضي عياض المالكي (1) وغيره الخلاف في الأفعال، وأنه لا يجوز في الأقوال (2) البلاغية إِجماعًا، ومعناه في إِرشاد (3) ابن عقيل (4).
__________
(1) هو: أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن اليحصبي السبتي، عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، ولد في "سبتة" سنة 476 ه، وولي القضاء فيها، ثم ولي قضاء غرناطة، وتوفي بمراكش سنة 544 ه.
من مؤلفاته: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، والغنية في ذكر مشيخته، وترتيب المدارك وتقريب المساللث في معرفة أعلام مذهب الإِمام مالك، وشرح صحيح مسلم، ومشارق الأنوار في الحديث.
انظر: قلائد العقيان/ 222، والصلة 2/ 453، وبغية الملتمس/ 425، والمعجم لابن الأبار 394، ووفيات الأعيان 3/ 483، وتاريخ قضاة الأندلس/ 101، والديباج المذهب/ 168، ومفتاح السعادة 2/ 19.
(2) انظر: كلام القاضي عياض عن هذا الموضوع في كتابه "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" 2/ 115 - 169.
والأقوال البلاغية: هي التي تتعلق بالأحكام أو أخبار المعاد أو تضاف إِلى وحي.
والأقوال غير البلاغية: هي التي لا مستند لها إِلى الأحكام ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه.
انظر: الشفاء 2/ 128.
(3) هو كتاب الإِرشاد في أصول الدين، لأبي الوفاء بن عقيل.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 156.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 171.
(1/324)

ثم: لا يقر عليه إِجماعًا، فيعلم به: قال الأكثر: على الفور، وقالت طائفة: مدة حياته، واختاره أبو المعالي (1).
وأما ما لم يخل بصدقه فمعصوم من كبيرة إِجماعًا، ولا عبرة (2) بالحشوية (3)
__________
(1) انظر: البرهان للجويني/ 486.
(2) في (ب): ولا غيره.
(3) جاء في الحور العين/ 204: وسميت الحشوية حشوية؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه.
وجاء في شفاء الغليل/ 105 - 106: حشوية بفتح الشين وسكونها، قال ابن عبد السلام: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، وهم ضربان:
أحدهما: لا يتحاشى من إِظهار الحشو.
والثاني: يتسترون بمذهب السلف. أه.
قلت: ويستعمل الحشو بمعنى الجهل، والحشوية بمعنى الجهلة، ومن مذهبهم أنه يجور أن يكون في الكتاب والسنة ما لا معنى له.
وقال ابن الصلاح: الحشوية بإسكان الشين، وفتحها غلط.
قال الأشموني: وليس كما قال، بل يجوز الإِسكان -على أنه نسبة إِلى الحشو، لقولهم بوجوده في الكتاب والسنة- والفتح على أنه نسبة إِلى الحشا، لما قيل: إِنهم سموا بذلك لقول الحسن البصري- لما وجد كلامهم ساقطًا، وكانوا يجلسون في حلقته أمامه-: "ردوا هؤلاء إِلى حشا الحلقة" أي: جانبها. أه.
وقال السبكي: الحشوية طائفة ضالة تجري الآيات على ظاهرها، ويعتقدون أنه المراد، سموا بذلك؛ لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري، فتكلموا بما لم يرضه،=
(1/325)

وبعض الخوارج (1).
__________
=فقال: "ردوهم إِلى حشا الحلقة"، وقيل: سموا بذلك؛ لأن منهم المجسمة، أو هم، والجسم حشو، فعلى هذا القياس "حشوية" بسكون الشين؛ إِذ النسبة إلى الحشو.
وقال أبو تمام: أرى الحشو والدهماء أضحوا كأنهم ... شعوب تلاقت دوننا وقبائل
قال التبريزي في شرحه: أراد بالحشو العامة. انتهى ما في شفاء الغليل.
وجاء في ضبط الأعلام/ 39: الحشوية طائفة من المبتدعة ... وذكرهم الزركشي في "المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" في قسم التعريف بالرجال، ونقل عن أبي حاتم في كتاب "الزينة" أنهم لقبوا بذلك لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة، أو لأنهم عند من لقّبهم مجسمة، والمجسم محشو ... ثم نقل عن بعضهم أن الزنادقة تطلق هذا الاسم على أهل الحديث ليبطلوا بذلك مضمون الأحاديث، وأنها حشو لا فائدة فيها.
وانظر: مجموع الفتاوى 12/ 176، وشرح الكوكب المنير 2/ 147، والحور العين / 147، 149، 150، 251، 256، 273.
(1) جاء في الحور العين/ 200: سموا بذلك لخروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومحاربتهم إِياه، ولهم أسماء أخرى، منها: الحرورية، والشراة، والمحكمة، والمارقة. أه.
وأول من خرج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه جماعة ممن كان معه في حرب صفين.
وأشدهم خروجاً الأشعث بن قيس، ومسعر بن فدكي، وزيد بن حصن الطائي.
وهذا مبدأ أمر الخوارج، ثم افترقوا بعد ذلك إلى عدة فرق، أكبرها ست: "الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة"، والباقون فروعهم.
ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إِلا على ذلك. =
(1/326)

وهل مستند المنع السمع أو العقل؟ مبني على التحسين.
وجوز القاضي وقوعها سهوًا، وقاله الأكثر، واختلف كلام ابن عقيل.
وقال ابن أبي موسى من أصحابنا: لا يجوز، قال: وتجوز الهمّة بها (1) لا الفعل، وذكر لنا خلافاً في جواز صغيرة لا فعلها عمدًا.
وذكر القاضي وابن عقيل وابن الزاغوني جواز صغيرة (2) عمدًا (وع ر). (3)
والمنع منها سهوًا قول الشيعة (4).
وجزم بعض أصحابنا بأن ما أسقط العدالة لا يجوز.
ولعله مراد غيره، وهو معنى ما جزم به الآمدي (5) ومن تبعه: أن ما
__________
= ويكفرون أصحاب الكبائر.
ويرون الخروج على الإِمام إِذا خالف السنة حقًا واجبًا.
انظر: الفرق بين الفرق/ 72، والملل والنحل 1/ 170، والفرق الإسلامية/ 62.
(1) في (ب): بما الفعل.
(2) نهاية 89 من (ح).
(3) انظر: كشف الأسرار 3/ 199، وفواتح الرحموت 2/ 99، وشرح العضد 2/ 22، وتيسير التحرير 3/ 21، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 99، والمستصفى 2/ 213، والإِرشاد للجويني/ 356، والمسودة/ 188، وإرشاد الفحول/ 34، والمنخول/ 223.
(4) انظر: فواتح الرحموت 2/ 99.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 171.
(1/327)

أوجب خسة وإسقاط مروءة فكالكبيرة.
وعند الحنفية (1): معصوم من معصية، (2) وهي مقصودة، لا زلة وهو فعل لم يقصد جَرّ إِليه مباح.

مسألة
ما كان من أفعاله -عليه السلام- من مقتضى طبع الإِنسان وجبلته -كقيام وقعود- فمباح له ولنا اتفاقًا.
وما (3) اختص (4) به -كتخييره (5) نساءه (6) بينه وبين الدنيا،
__________
(1) انظر: كشف الأسرار 3/ 199 - 200، وفواتح الرحموت 2/ 100.
(2) نهاية 43 ب من (ب).
(3) انظر: الخصائص الكبرى للسيوطي، والبرهان للجويني/ 495.
(4) نهاية 35 ب من (ظ).
(5) في (ظ): كتخيير.
(6) ورد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخيير نسائه في الآيتين 28، 29 من سورة الأحزاب: (يا أيها النبي قل لأزواجك إِن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإِن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا).
وجاء خبر التخيير في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها. أخرجه البخاري في صحيحه 16/ 17، 7/ 43، ومسلم في صحيحه/ 1103، وأبو داود في سننه 2/ 653 - 657، والترمذي في سننه 3/ 424، 5/ 30 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 6/ 55، 160، وابن ماجه في سننه/ 661 - 662، وأحمد في مسنده 16/ 103، 163، 248. وانظر: تفسير الطبري 21/ 100 - 101، والخصائص الكبرى للسيوطي 3/ 259.
(1/328)

وزيادته (1) منهن على أربع، ووصاله (2) الصوم- فمختص به اتفاقاً.
وما كان بياناً بقول، نحو: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3)، أو بفعل عند الحاجة، كالقطع من الكوع (4)، وغسل اليد
__________
(1) انظر: الخصائص الكبرى للسيوطي 3/ 298.
(2) حديث الوصال رواه جمع من الصحابة رضي الله عنهم.
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 29، من حديث ابن عمر، 3/ 37، من حديث أنس وأبي سعيد وعائشة، 3/ 37 - 38، من حديث أبي هريرة، 3/ 38، من حديث أبي سعيد الخدري، 9/ 85 - 86، من حديث أنس وأبي هريرة، 9/ 97، من حديث أبي هريرة. وأخرجه مسلم في صحيحه 774 - 776، من حديث ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعائشة.
وانظر: الخصائص الكبرى للسيوطي 3/ 284.
(3) هذا جزء من حديث رواه مالك بن الحويرث رضي الله عنه.
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 124 - 125، 8/ 9، 9/ 86/ 87، ومسلم في صحيحه/ 465 - 466، والدارمي في سننه 1/ 229، وأحمد في مسنده 5/ 53، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 128 - 129).
(4) أخرج الدارقطني في سننه 3/ 204 - 205: ... عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان صفوان بن أمية بن خلف نائمًا في السجد وثيابه تحت رأسه، فجاء سارق فأخذها، فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقر السارق ... ثم أمر -يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطعه من المفصل.
في إِسناده: أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي، ومحمد بن عبيد الله العرزمي. قال في نصب الراية 3/ 270: وضعفه ابن القطان في كتابه؛ فقال: العرزمي=
(1/329)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=متروك، وأبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي لا يتابع على ما له من حديث. وفي ميزان الاعتدال 3/ 635: محمد بن عبيد الله بن ميسرة العرزمي الكوفي: قال أحمد ابن حنبل: ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال الفلاس: متروك. وفي ميزان الاعتدال 2/ 595: عبد الرحمن بن هانئ، أبو نعيم النخعي: قال أحمد: ليس بشيء. ورماه يحيى بالكذب. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وأخرج البيهقي في السن الكبرى 8/ 270 - 271: ... عن عدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق من المفصل.
وأخرج البيهقي -أيضًا-: عن عبد الله بن عمرو قال: قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارقًا من المفصل.
وقال في نصب الراية 3/ 370: حديث آخر رواه ابن عدي في الكامل: حدثنا أحمد ابن عيسى الوشاء التنيسي، حدثنا عبد الرحمن بن سلمة عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني عن مالك بن مغول عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارقًا من المفصل. انتهى.
قال ابن القطان في كتابه: وخالد ثقة، وعبد الرحمن بن سلمة لا أعرف له حالاً.
وانظر: ميزان الاعتدال 1/ 633، 2/ 56.
وقال في نصب الراية -أيضًا- 3/ 370: حديث آخر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا وكيع عن سبرة بن معبد الليثي قال: سمعت عدي بن عدي يحدث عن رجاء بن حيوة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع رجلاً من المفصل. انتهى. وهو مرسل.
وقال في التلخيص الحبير 4/ 71: وفي كتاب الحدود لأبي الشيخ من طريق نافع عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقطعون السارق من المفصل.
وانظر: سبل السلام 4/ 39.
(1/330)

مع الرفق (1)، فإِنه بيان
__________
(1) أخرج مسلم في صحيحه/ 216: ... عن نعيم بن عبد الله المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ... ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ.
وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 83: ... عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه سمع عثمان بن عفان قال: هلموا أتوضأ لكم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فغسل وجهه ويديه إِلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين، ثم مسح برأسه .... قال ابن حجر في فتح الباري 1/ 304: إِسناده حسن.
وفي نيل الأوطار 1/ 180: في إسناده ابن إِسحاق -محمد بن إِسحاق- وقد عنعن.
وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 83: ... عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.
في إِسناده: القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل الهاشمي، قال الدارقطني في سننه 1/ 83: ليس بقوي. وفي ميزان الاعتدال 3/ 379: قال أبو حاتم: متروك. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة.
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 1/ 56: ... عن جابر قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدير الماء على المرفق.
وأخرج البيهقي -أيضًا-: ... عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.
وفي الجوهر النقي 1/ 56: ذكر -يعني: البيهقي- حديث جابر من طريقين، في كل منهما ثلاثة متكلم فيهم:
أما الطريق الأول ففيه: سويد بن سعيد حدثنا القاسم بن محمد العقيلي عن=
(1/331)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر:
أما سويد -وإِن أخرج عنه مسلم- فقد قال ابن معين: هو حلال الدم. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وكان كثير التدليس، وقيل: إِنه عمي في آخر عمره، فربما لقن ما ليس في حديثه، فمن سمع منه وهو بصير فحديثه عنه حسن. (وانظر: ميزان الاعتدال 2/ 248).
وأما القاسم العقيلي فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وعن أبي زرعة: أحاديثه منكرة. وهو ضعيف الحديث.
وأما ابن عقيل -وهو جد القاسم المتقدم- فسكت عنه البيهقي هنا، وقال في باب "لا يتطهر بالماء المستعمل": لم يكن بالحافظ، وأهل العلم يختلفون في الاحتجاج بروايته. (وانظر: ميزان الاعتدال 2/ 484).
والطريق الثاني فيه: عباد بن يعقوب حدثنا القاسم بن محمد عن جده: أما القاسم وجده فقد تقدما.
وأما عباد بن يعقوب -هو الزواجني- فقد روى عنه البخاري مقرونًا بآخر، لكن ابن حبان قال فيه: هو رافضي داعية، ويروي المناكير عن مشاهير، فاستحق الترك. (وانظر: ميزان الاعتدال 2/ 379).
وفي كشف الأستار عن زوائد البزار 1/ 140 - 142: حدثنا إِبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا محمد بن حجر، حدثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر، فذكر حديثًا بهذا، ثم قال: وبإِسناده قال: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بإِناء فيه ماء ... ثم أدخل يمينه في الإِناء فغسل بها ذراعه اليمنى حتى جاوز المرفق ثلاثًا، ثم غسل يساره بيمينه حتى جاوز المرفق ثلاثًا ... قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إِلا بهذا الإِسناد عن وائل.=
(1/332)

لآيتي (1) القطع (2) والوضوء (3) اتفاقًا.
وما (4) لم يكن كذلك: فما علمت صفته -من وجوب، أو ندب، أو إِباحة- فالأشهر عندنا: الاقتداء به فيه على تلك الصفة، وقاله عامة الفقهاء والمتكلمين: الحنفية (5) والمالكية والشافعية.
وقال بعض أصحابنا (6): من الممكن يجب علينا وإن لم يجب عليه، كما تجب متابعة الإِمام فيما لا يجب عليه، ونبه عليه القرآن بقوله: (ما كان لأهل المدينة) الآية (7)، فأوجب ولو لم يتعين ذلك الغزو.
__________
=وفي مجمع الزوائد 1/ 232: رواه الطبراني في الكبير والبزار، وفيه: سعيد بن عبد الجبار، قال النسائي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات. وفي مسند البزار والطبراني: محمد بن حجر، وهو ضعيف.
(1) في (ظ): لا نهي.
(2) سورة المائدة: آية 38: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما).
(3) سورة المائدة: آية 6: (يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إِلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلى الكعبين).
(4) في (ظ): وأما لم يكن.
(5) في (ظ): والحنفية.
(6) انظر: المسودة/ 192.
(7) سورة التوبة: آية 120: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إِلا كتب لهم به عمل صالح إِن الله لا يضيع أجر المحسنين).
(1/333)

وقال (1): وقد يقال هذا فيما صدر منه اتفاقًا، كما كان ابن عمر يفعل في المشي (2) في طريق مكة، وكما في تفضيل (3) إِخراج التمر، وطريقة أحمد تقتضيه؛ فإِنه تسرى (4)، واختفى (5) ثلاثًا؛ لأجل المتابعة، وقال: "ما بلغني حديث إِلا عملت به"، حتى أعطى الحجام دينارًا (6).
وقال (7) القاضي في الكفاية: (8) "ما تعبدنا بالتأسي به إِلا في
__________
(1) في (ب) و (ظ): "قال" بدون الواو.
(2) أخرج أبو نعيم في الحلية 1/ 310: ... عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته -يثنيها- ويقول: "لعل خفاً يقع على خف" يعني: خف راحلة النبي - صلى الله عليه وسلم -
وانظر: طرفاً من أخبار ابن عمر -وتتبعه لآثار الرسول - صلى الله عليه وسلم - في: حيلة الأولياء 1/ 292 - 314.
(3) تفضيل ابن عمر إِخراج التمر في زكاة الفطر رواه نافع.
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 131 - 132، وأبو داود في سننه 2/ 267، ومالك في الموطأ/ 284 والحاكم في مستدركه 1/ 409 - 410، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 160 - 161، وابن خزيمة في صحيحه 4/ 81 - 82.
(4) انظر: مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي 1/ 77، 301 - 302.
(5) فقد اختفى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر في الغار ثلاثة أيام، وذلك عند الهجرة.
أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 58 - 59، 7/ 145 - 146، وأحمد في مسنده 6/ 198 من حديث عائشة.
(6) انظر: مناقب الإِمام أحمد/ 179.
(7) انظر: المسودة/ 66.
(8) نهاية 90 من (ح).
(1/334)

العبادات"، وقاله بعض الشافعية. (1)
وقال أحمد -في رواية ابن إِبراهيم (2) -: الأمر (3) من النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) سوى الفعل؛ لأنه يفعل الشيء لجهة الفضل، ويفعله وهو خاص له، وإِذا أمر بالشيء فهو للمسلمين.
قال بعض أصحابنا (5): ظاهره الوقف في تعديته إِلى أمته -وإِن عُلمت صفته- لتعليله باحتمال تخصيصه.
وذكر بعض أصحابنا أنه أقيس، وقاله بعض الأصوليين.
وبعضهم ذكر قولاً: أنه كما لم تعلم صفته.
ويأتي (6) في خطابه الخاص هل يعمنا؟.
وجه الأول: الآيات الدالة على التأسي، وأنه إِجماع الصحابة.
والتأسي: أن نفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله، وكذلك الترك.
__________
(1) انظر: المحصول / 3/ 373.
(2) هو: أبو يعقوب إسحاق بن إِبراهيم بن هانئ النيسابوري، ولد سنة 218 ه، وخدم الإِمام أحمد وهو ابن تسع سنين، وكان صاحب دين وورع، توفي ببغداد سنة 275 ه.
من مؤلفاته: مسائل الإِمام أحمد. انظر طبقات الحنابلة 1/ 108.
(3) انظر: مسائل الإِمام أحمد لابن هانئ النيسابوري 1/ 9.
(4) نهاية 44 أمن (ب).
(5) انظر: المسودة/ 67.
(6) انظر: ص 859 من هذا الكتاب.
(1/335)

والمتابعة: كالتأسي.
والموافقة: مشاركته في أمر وإِن لم يكن لأجله.
قال في التمهيد (1): وجوبه علينا -وإن علمنا أنه فعله للندب أو الإِباحة- الإِجماع ودليل وجوب التأسي يمنعان منه.

وما (2) لم تعلم صفته:
فذكر القاضي (3) وغيره في وجوبه عليه وعلينا روايتين، واختلف كلامه في اختياره وأن الوجوب قول جماعة من أصحابنا وقول المالكية، وأن الندب قول التميمي (4) والظاهرية، وأن السرخسي (5) الحنفي ذكره عن أصحابهم، واختاره -أيضًا- الفخر إِسماعيل من أصحابنا، حكاه (6) بعضهم (7)، والذي في جدله (8) الإِباحة.
واختار الوجوب [جماعة] (9)، منهم ابن حامد (10)، وجزم (11) به ابن
__________
(1) انظر: التمهيد/ 90 ب، وانظر: المعتمد/ 381.
(2) في (ظ): ولما لم.
(3) انظر: العدة/ 735، والواضح 2/ 195 أ.
(4) هو: أبو الحسن التميمي. انظر: المسودة/ 187.
(5) هو: أبو سفيان السرخسي. لم أعثر له على ترجمة.
(6) نهاية 36 أمن (ظ).
(7) انظر: المسودة/ 187.
(8) المسمّى: جَنَّة الناظر وجُنَّة الناظر: انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 66.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب)، (ح).
(10) تكرر هذا اللفظ في (ب).
(11) انظر: المسودة/ 72.
(1/336)

أبي موسى، واختاره في الواضح (1)، [وذكره عن أصحابنا] (2) (3).
وعن أحمد: الوقف، واختاره (4) أبو الخطاب (5)، [وذكره] (6) قول التميمي (7) وأكثر المتكلمين، وذكره غيره (8) عن (ع ر)، وقاله الكرخي (9) الحنفي.
وللشافعية (10) كالمذاهب. (11)
واختار الجصاص (12) الحنفي (13) وصاحب (14) المحصول
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 127أ، 2/ 195 أ.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) نهاية 44 ب من (ب).
(4) في (ب) و (ح): "اختاره" بدون الواو.
(5) انظر: التمهيد/ 90 أ.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) هو: أبو الحسن التميمي. انظر: التمهيد/ 90 أ.
(8) انظر: العدة/ 738، والواضح 2/ 195 أ.
(9) انظر: أصول الجصاص/ 206 أ.
(10) في (ب) و (ظ): والشافعية.
(11) وهي: الوجوب، والندب، والوقف.
(12) في (ظ): الخصاص.
(13) انظر: أصول الجصاص/ 206 أ- 209أ، 210 ب.
(14) ذكر فخر الدين الرازي ما في المحصول 1/ 3/ 346: أن المختار التوقف. ووجدت فخر الإِسلام البزدوي قد اختار في أصوله الإباحة. انظر: كشف الأسرار 3/ 201=
(1/337)

الإِباحة، (1) وذكره الآمدي (2) مذهب (م).
وقال بعض أصحابنا (3): هل يحمل (4) على الإِباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو يتوقف في تعيين أحدها؟ هذا يحسن فيه الخلاف، وأن رواية ابن إِبراهيم السابقة (5) أن فعله للندب إِن كان قربة، أو الإِباحة إِن لم يكن؛ لأنه ذكر في مواضع كثيرة ما يدل على نحو ذلك. هذا كلامه.
ومراد أحمد والأصحاب: ما فيه قصد قربة، وإِلا فلا وجه للوجوب في غيره، والندب فيه محتمل.
وكذا ذكر بعض (6) أصحابنا (7) الخلاف لنا وللناس مع قصد القربة، وإِلا فللإِباحة، وأنه (8) قول الجمهور، وأن قوماً قالوا بالوجوب، وذكره بعضهم عن ابن سريج.
قال أبو المعالي (9): قدره أجل من هذا.
__________
=202، وتيسير التحرير 3/ 122. فيظهر أن المؤلف رأى هذا القول منسوبًا للفخر، فظنه الفخر الرازي. والله أعلم.
(1) نهاية 91 من (ح).
(2) انظر: الأحكام 1/ 174.
(3) انظر: المسودة/ 68.
(4) في (ظ): هل يحمل الأمر على.
(5) انظر: ص335 من هذا الكتاب.
(6) انظر: المسودة 71/، 189.
(7) تكررت هذه الكلمة في (ب).
(8) في (ب): وأن.
(9) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 493.
(1/338)

وقال جماعة بالندب هنا احتياطًا.
وذكر الشيرازي (1) عن أحمد -فيه-: الوجوب والندب.
وذكر الآمدي (2) عن أصحابنا وغيرهم الوجوب، قال: غير أن الوجوب والندب فيه أبعد.
واختار الآمدي (3): أنه مشترك بين الوجوب والندب فيما فيه قصد القربة، وإِلا بينهما وبين المباح، وما اختص به أحدها (4) فمشكوك فيه.

القائل بالوجوب:
قوله: (واتبعوه (5)) (6).
(فليحذر الذين يخالفون عن أمره) (7)، والفعل (8) [أمر] (9) كما
__________
(1) لعله: أبو الفرج المقدسي الشيرازي.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 174.
(3) انظر: المرجع السابق 1/ 174 - 175.
(4) في (ح) و (ظ): أحدهما.
(5) في (ظ): فاتبعوه.
(6) سورة الأعراف: آية 158: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)
(7) سورة النور: آية 63.
(8) نهاية 45 أمن (ب).
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(1/339)

يأتي (1).
(وما آتاكم الرسول فخذوه) (2).
(لقد كان لكم في (3) رسول الله أسوة حسنة) (4)، أي: تأسوا به.
(قل إِن كنتم تحبون الله فاتبعوني) (5)، ومحبته واجبة، فيجب لازمها وهو اتباعه.
وقوله: (فلما قضى زيد) (6)، فلولا الوجوب لما رفع تزويجه الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم.
ولما خلع [رسول الله] (7) - صلى الله عليه وسلم - نعله في الصلاة (8) (9) خلعوا،
__________
(1) يأتي في الأمر.
(2) سورة الحشر: آية 7.
(3) في (ب) لكم رسول.
(4) سورة الأحزاب: آية 21.
(5) سورة آل عمران: آية 31: (قل إِن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
(6) سورة الأحزاب: آية 37: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إِذا قضوا منهن وطرأ وكان أمر الله مفعولاً).
(7) ما بين المعقوفتين زيادة من (ح).
(8) في (ب): الصلة.
(9) نهاية 92 من (ح).
(1/340)

رواه (1) أحمد وأبو داود، من حديث أبي سعيد، وصححه (2) ابن (3) خزيمة وابن حبان (4) والحاكم، وروي مرسلاً (5).
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 3/ 20، 92، وأبو داود في سننه 1/ 426 - 427، والدارمي في سننه 1/ 260، والبيهقي في سننه 2/ 402 - 403 وذكر له عدة طرق.
(2) انظر: صحيح ابن خزيمة 1/ 384، وصحيح ابن حبان 3/ 469، والمستدرك للحاكم 1/ 260 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(3) هو: أبو بكر محمَّد بن إِسحاق بن خزيمة السلمي، إِمام نيسابور في عصره، فقيه مجتهد عالم بالحديث، ولد في نيسابور سنة 223 ه، ورحل إِلى العراق والشام ومصر، وتوفي بنيسابور سنة 311 ه.
من مؤلفاته: صحيح ابن خزيمة، والتوحيد وإثبات صفات الرب.
انظر: الوافي بالوفيات 2/ 196، ومرآة الجنان 2/ 264، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 109، والبداية والنهاية 11/ 149، وطبقات الحفاظ اللسيوطي/ 310، وشذرات الذهب 2/ 262.
(4) هو: أبو حاتم محمَّد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي البستي الشافعي، محدث حافظ مؤرخ فقيه لغوي واعظ مشارك في علم الطب والنجوم وغيرهما، ولد في "بست" من بلاد سجستان سنة 270 ه، وسمع خلائق بخراسان والعراق والحجاز والشام ومصر وغيرها، وفقه الناس بسمرقند وولي قضاءها، وقدم نيسابور، ثم خرج إِلى وطنه سجستان، وتوفي بمدينة "بست" سنة 354 ه.
من مؤلفاته: صحيح ابن حبان، وروضة العقلاء في الأدب، والأنواع والتقاسيم، ومعرفة المجروحين من المحدثين، والثقات.
انظر: اللباب 1/ 151، وتذكرة الحفاظ 3/ 125، وميزان الاعتدال 3/ 506، ومرآة الجنان 2/ 357، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 131، ولسان الميزان 5/ 112، وشذرات الذهب 3/ 16.
(5) في التلخيص الحبير 1/ 278: ... واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في "العلل" الموصول.
(1/341)

ولما أمرهم بالتحلل في صلح الحديبية -رواه (1) البخاري- تمسكوا بفعله.
وسأله - عليه السلام - رجل عن الغسل بلا إِنزال، فأجاب بفعله. رواه (2) مسلم.
ولأنه أحوط، كنسيان تعيين صلاة (3) ومطلَّقة.
ولأنه كقوله في بيان مجمل، وتخصيص، وتقييد، فكان مطلقه للوجوب.
__________
(1) جاء ذلك في حديث طويل عن قصة الحديبية، رواه المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم.
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 193 - 198. وفيه 3/ 196 - : ... فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا.
وأخرجه أحمد في مسنده 4/ 323 - 326، 328، 331.
(2) أخرج مسلم في صحيحه/ 272: عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم - قالت: إِن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ -وعائشة جالسة- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (إِني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل).
وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 112، "والبيهقي في سننه 1/ 164.
(3) نهاية 36 ب من (ظ).
(1/342)

ولأن في مخالفته تنفيرًا وتركًا للحق؛ لأن فعله حق. (1)
ورد الأول: بأنه كالتأسي، وهو غير معلوم، ذكره في التمهيد (2) وغيره.
وقال الآمدي (3): في أقواله، للإِجماع أن المتابعة في الفعل إِنما تحب بوجوبه، ومطلق الفعل غير معلوم.
ورد الثاني: بأن المراد أمر الله.
ثم: المراد به القول؛ لأنه حقيقة فيه، ولذكر (4) الدعاء قبله.
[ثم]: (5) التحذير من مخالفة فعله يستدعي وجوبه، فلو استفيد وجوبه من التحذير كان دورًا.
وكذا جواب الثالث: لا يجب الأخذ حتى يجب الفعل، فلو وجب من الآية دار، ثم: المراد: ما أمركم، لمقابلة: (وما نهاكم) (6).
وجواب الرابع والخامس: ما سبق (7) في التأسي والإِتباع.
وفي السادس مساواة حكمنا لحكمه، ولا يلزم وصف أفعاله كلها
__________
(1) في (ح) -هنا- زيادة: وكما لا يجب ترك ما تركه.
(2) انظر: التمهيد/ 91 أ -ب.
(3) انظر: الأحكام للآمدي 1/ 179.
(4) في (ظ): وكذكر.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(6) سورة الحشر: آية 7: (وما نهاكم عنه فانتهوا).
(7) انظر ص 335 - 336 من هذا الكتاب.
(1/343)

بالوجوب ليجب (1) فعلنا.
وليس في الخلع وجوب، ثم: لدليل: إِما (صلوا كما رأيتموني أصلي)، أو غيره.
والتحلل وجب بالأمر، لكن رجوا نسخه، فلما تحلل أيسوا، أو بقوله: (خذوا عني مناسككم) (2)، رواه مسلم.
والغسل بلا إِنزال إِنما وجب بالقول (3)؛ ففي مسلم عن أبي موسى (4): أنهم ذكروا ما يوجب الغسل، فسأل أبو موسى عائشة: ما يوجب الغسل؟ فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إِذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). (5)
__________
(1) نهاية 45 ب من (ب).
(2) هذا جزء من حديث رواه جابر- رضي الله عنه - مرفوعًا.
وقد ورد بلفظ: (لتأخذوا مناسككم)، وبلفظ: (فخذوا مناسككم)، وبلفظ: (خذوا مناسككم)، وبلفظ: (لتأخذ أمتي مناسكها).
أخرجه مسلم في صحيحه/ 943 - 944، وأبو داود في سننه 2/ 495 - 496، والنسائي في سننه 5/ 270 وأحمد في مسنده 3/ 301، 318، 332، 337، 366، 367، 378.
ولم أجده بهذا اللفظ (خذوا عني مناسككم) إِلا في جامع الأصول 4/ 99، وفي الفتح الكبير للسيوطي 1/ 387، ونحوهما من كتب التخريج.
(3) نهاية 93 من (ح).
(4) هو: الصحابي الجليل عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى الأشعري.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه/ 271 - 272، وأحمد في مسنده 6/ 97.=
(1/344)

أو بفعل هو (1) بيان لقوله: (وإِن كنتم جنبًا). (2)
والاحتياط فيما ثبت وجوبه، كصلاة فائتة من يوم وليلة، أو الأصل ثبوته، كالثلاثين من رمضان، فأما ما احتمل الوجوب وغيره فلا.
ولا يلزم من كون الفعل بياناً أن يوجب ما يوجب القول.
ويمنع التنفير، ولحصول المفارقة في أشياء، ولا يلزم من كونه حقًا وجوبه.
فإِن قيل: فعله كتركه.
رد: لا يجب ترك ما ترك الأمر به، ويجب بالأمر.
وقال ابن عقيل (3): إِن فعل وترك مغايرًا بين شخصين أو مكانين أو زمانين وجب الترك وإلا فلا، على أن بيانه علة تركه أكل (4) الضب (5)،
__________
=وأحاديث الغسل من مس الختان الختان وردت بألفاظ متقاربة.
انظر: صحيح البخاري 1/ 62 وصحيح مسلم/ 271 - 272، وسنن أبي داود 1/ 481، وسنن الترمذي 1/ 72 - 73، وسنن النسائي 1/ 110 - 111، وسنن ابن ماجه/ 199 - 200، ومسند أحمد 6/ 47، 112.
(1) في (ظ): وهو.
(2) سورة المائدة: آية 6 (وإن كنتم جنبًا فاطّهّروا).
(3) انظر الواضح 2/ 199 أ- ب.
(4) في (ب) و (ظ): وأكل.
(5) ورد ذلك في قصة الضب الذي قدم للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأكل منه حين أعلم أنه ضب، وقد جاءت تلك القصة من حديث خالد بن الوليد.
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 71، وفيه: .... فقال خالد بن الوليد: أحرام=
(1/345)

وفسخ الحج (1) يعطي: أن تركه يجب الاقتداء به، ولأنه لا يفسر ولا يخص، ولم يجعله القائل بالندب ندبًا. كذا قال.
القائل بالندب: لأنه اليقين وغالب فعله.
رد: بالمنع، وبما (2) سبق (3).

القائل بالإباحية: لأنها متيقنة.
رد: بما سبق.

القائل بالوقف: (4) لاحتماله الجميع، ولا صيغة له ولا ترجيح.
رد: بما سبق. (5)
وبأن الغالب: لا اختصاص، ولا عمل بالنادر.
وقال ابن عقيل (6): المتَّبَع لا يجوز إِمساكه عن بيان ما يخصه لا سيما إِن
__________
=الضب يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه).
وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1543 - 1544.
(1) وهي: سوق الهدي.
وقد ورد ذلك في حديث حفصة وجابر بن عبد الله، أخرجهما البخاري في صحيحه 2/ 143، وأخرج مسلم في صحيحه / 884 - 885 حديث جابر.
(2) في (ب) و (ظ): بما.
(3) في (ب): سبع.
(4) نهاية 37 أمن (ظ).
(5) نهاية 46 أمن (ب).
(6) انظر: الواضح 2/ 200 أ.
(1/346)

ضر غيره؛ لأنه (1) غرور، ولو في طريق أو أكل أو (2) شرب إِد عَلِم أنه قد يُتَّبَع، فكيف بعلمه باتباعه؟
وقول (3) التميمي (4) وغيره بتجويز سهو أو غيره -حتى قيل: يتوقف في دلالته على حكم حقه- ضعيف لما سبق، ولأنه لا يقر عليه.
وقد قال القاضي (5): لا يفعل المكروه ليبين به الجواز؛ (6) لأنه يحصل [فيه] (7) التأسي.
ومراده: "ولا معارض له"، وإلا فقد يفعل -غالبًا- شيئًا ثم يفعل خلافه لبيان الجواز، وهو كثير عندنا وعند المذاهب، كقولهم -في تركه (8)
__________
(1) في (ح): "بأن غروره لو".
(2) في (ب) و (ح): وشرب.
(3) انظر: المسودة/ 191.
(4) لعله أبو الحسن التميمي.
(5) انظر: المسودة/ 189.
(6) في (ب): أنه.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوضوء -مع جنابة- لنوم: أخرجه أبو داود في سننه 1/ 154 - 155: حدثنا محمَّد بن كثير، أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء.
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم. يعني حديث أبي إسحاق.=
(1/347)

الوضوء مع جنابة لنوم أو أكل أو معاودة وطء-: تركه لبيان الجواز،
__________
=وأخرج الترمذي في سننه 1/ 78: حدثنا هناد، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وهو جنب ولا يمس ماء.
حدثنا هناد، حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إِسحاق: نحوه.
قال الترمذي: وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يتوضأ قبل أن ينام. وهذا أصح من حديث أبي إِسحاق عن الأسود، وقد روى عن أبي إِسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إِسحاق.
وأخرج ابن ماجه في سننه/ 192: حدثنا محمَّد بن الصباح، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجنب ثم ينام ولا يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِن كانت له إِلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمس ماء. حدثنا علي بن محمَّد، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجنب ثم ينام كهيئته لا يمس ماء.
قال سفيان: فذكرت الحديث يومًا، فقال لي إِسماعيل: يا فتى! يشد هذا الحديث بشيء.
وفي مسند أبي حنيفة/ 40: عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصيب أهله أول الليل ولا يصيب ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد واغتسل.
وقد أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 124 وما بعدها، من طرق عن أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة، وبألفاظ، وذكر أن بعض العلماء قالوا:=
(1/348)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=هذا الحديث غلط؛ لأنه حديث مختصر اختصره أبو إِسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إِياه؛ قال: وذلك أن فهداً حدثنا، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إِسحاق، قال: أتيت الأسود بن يزيد -وكان لي أخًا وصديقًا- فقلت: يا أبا عمرو، حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام أول الليل ويحيي آخره ثم إِن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإِذا كان عند النداء الأول وثب -وما قالت: "قام" -فأفاض عليه الماء- وما قالت: "اغتسل" وأنا أعلم ما تريد- وإن كان جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة.
فهذا الأسود بن يزيد قد أبان في حديثه لما ذكرناه بطوله أنه كان إِذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة، وأما قولها: "فإِن كانت له حاجة قضاها، ثم ينام قبل أن يمس ماء" فيحتمل أن يكون قدر ذلك على الماء الذي يغتسل به لا على الوضوء.
وقد بين ذلك غير أبي إِسحاق عن الأسود عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ وضوءه للصلاة ...
ثم قال: فثبت -بما ذكرنا- فساد ما روي عن أبي إِسحاق عن الأسود ... ثم قال: وقد يحتمل -أيضًا- أن يكون ما أراد أبو إِسحاق في قوله: "ولا يمس ماء" يعني الغسل.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/ 201 - 202 ... كما سبق في شرح معاني الآثار" ثم قال: إِن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة "ولا يمس ماء"، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إِسحاق ربما دلس فرأوها من تدليساته ... قال الشيخ: وحديث أبي إِسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية؛ وذلك أن أبا إِسحاق بيّن سماعه=
(1/349)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه، والمدلس إِذا بيّن سماعه ممن روى عنه -وكان ثقة- فلا وجه لرده.
وذكر النووي في شرح صحيح مسلم 3/ 218 كلام العلماء في هذا الحديث، ثم قال -ما معناه-: فبان بما ذكرناه ضعف الحديث، ولو صح فهناك موقفان منه: أحدهما: ما ذكره أبو العباس بن سريج وأبو بكر البيهقي: أن المراد لا يمس ماء للغسل. والثاني -قال: وهو عندي حسن-: أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلاً لبيان الجواز؛ إِذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه. والله أعلم.
المسألة الثانية: ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوضوء -مع جنابة- لأكل:
ورد في الحديث اقتصار الرسول - صلى الله عليه وسلم - على غسل يديه -مع جنابة- لأكل، روته عائشة رضي الله عنها.
أخرجه أبو داود في سننه 1/ 150 - 151 والنسائي في سننه 1/ 139، وابن ماجه في سننه/ 195، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 60، والدارقطني في سننه 1/ 125 - 126، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 128، والبيهقي في سننه 1/ 203.
المسألة الثالثة: ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوضوء -مع جنابة- لمعاودة الوطء:
أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 127: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا معاذ ابن فضالة، قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي حنيفة وموسى بن عقبة عن أبي إِسحاق الهمداني عن أبي الأسود بن يزيد عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل.
(1/350)

وفعله (1) غالبًا للفضيلة.
وتشبيكه في حديث ذي (2) اليدين في المسجد (3) لا ينفي (4)
__________
(1) هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للنوم، وهو جنب: جاء ذلك في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها.
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 61، ومسلم في صحيحه/ 248 - 249، وأبو داود في سننه 1/ 150 - 152، والترمذي في سننه 1/ 78، والنسائي في سننه 1/ 138، 139، وابن ماجه في سننه/ 193.
المسألة الثانية: وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأكل، وهو جنب: جاء ذلك في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها.
أخرجه مسلم في صحيحه/ 248، وأبو داود في سننه 1/ 151 - 152، والنسائي في سننه 1/ 138، وابن ماجه في سننه/ 194.
المسألة الثالثة: وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاودة الوطء وهو جنب:
لم أجد نقلاً يفيد فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك، وإنما الذي وجدته قول الرسول في هذا الموضوع؛ وذلك في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
أخرجه مسلم في صحيحه/ 249: ... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: (إِذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ).
وأخرجه أبو داود في سننه 1/ 149 - 150، والترمذي في سننه 1/ 94 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 1/ 142، وابن ماجه في سننه/ 193.
(2) نهاية 94 من (ح)
(3) انظر ص 323 من هذا الكتاب.
(4) في (ب): لا تبقي.
(1/351)

الكراهة؛ لأنه نادر.
وحمل (1) الحنفية (2) وضوءه (3) بسؤر الهرة على بيان الجواز مع
__________
(1) في (ب): وحمله.
(2) انظر: بدائع الصنائع/ 224 - 225.
(3) وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسؤر الهرة:
أ- أخرج أبو داود في سننه 1/ 61: ... أن عائشة قالت: ... وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بفضلها. تعني الهرة، وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 70.
ب- أخرج ابن ماجه في سننه 1/ 13: ... عن عائشة قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إِناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك.
وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 69، وأخرجه الدارقطني -أيضًا- والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 19، بلفظ: كنت أغتسل ...
وفي إِسناد هذا الحديث: حارثة بن أبي الرجال، وقد جاء في ميزان الاعتدال 1/ 445 - 446: "ضعفه أحمد وابن معين. وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث لم يعتد به أحد. وعن ابن المديني قال: لم يزل أصحابنا يضعفونه. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه منكر".
وفي نصب الراية للزيلعي 1/ 134: قال الدارقطني: وحارثة لا بأس به.
ج- أخرج الدارقطني في سننه 1/ 66 - 67: ... عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمر به الهر فيصغي لها الإِناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها.
في إِسناده: عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف. انظر: ميزان الاعتدال 2/ 429.
وأخرجه الدارقطني -أيضًا- في سننه 1/ 70، من طريق آخر ...
وفي إِسناده محمَّد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف الحديث. انظر: ميزان الاعتدال 3/ 662 - 666.=
(1/352)

الكراهة.
ثم: التأسي والوجوب (1) بالسمع لا بالعقل (2) خلافاً لبعض
__________
=وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 19، من طريق آخر ...
د- أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 19: عن كعب بن عبد الرحمن عن جده أبي قتادة قال: رأيته يتوضأ، فجاء الهر، فأصغى له حتى شرب من الإِناء، قلت: يا أبتا! لم تفعل هذا؟ فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، أو قال: "هي من الطوافين عليكم".
ه - أخرج الطبراني في معجمه الصغير 1/ 227 - 228: حدثنا عبد الله بن محمَّد ابن الحسن بن أسيد الأصبهاني، حدثنا جعفر بن عنبسة الكوفي، حدثنا عمر بن حفص المكي عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أنس بن مالك قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى أرض بالمدينة يقال لها (بطحان) فقال: (يا أنس، اسكب لي وضوءًا)، فسكبت له، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته أقبل إِلى الإِناء وقد أتى هو فولغ في الإِناء، فوقف له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقفة حتى شرب الهر، ثم توضأ، فذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الهر، فقال: (يا أنس، إِن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئًا ولن ينجسه).
لم يروه عن جعفر إِلا عمر بن حفص، ولا روى عن علي بن الحسين عن أنس حديثًا غير هذا. أه.
في لسان الميزان 2/ 120: جعفر بن عنبسة الكوفي: قال ابن القطان: لا يعرف. وقال البيهقي في الدلائل -في إِسناد هو فيه-: إِسناد مجهول. قلت: وذكره الطوسي في رجال الشيعة، وقال: ثقة.
وفي ميزان الاعتدال 3/ 190: عمر بن حفص المكي: لا يدرى من ذا؟
(1) انظر: العدة/ 745، 749، والمسودة/ 186، 189، وشرح الكوكب المنير 2/ 179.
(2) في (ب) و (ظ): لا بالفعل.
(1/353)

الأصوليين.
وسبق (1) دليل [ذلك] (2) وجوابه.

مسألة
إِذا سكت - عليه السلام - عن إِنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه قادرًا عالمًا به، فإِن كان معتقدًا لكافر كمضيّه إِلى كنيسة فلا أثر لسكوته اتفاقًا، وإِلا دل على جوازه -وإِن سبق تحريمه فنسخ- لئلا يكون سكوته محرمًا، ولأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة لإِيهام الجواز والنسخ، لا سيما إِن استبشر به، ولذلك احتج (3) الشافعي وأحمد في إِثبات النسب بالقيافة بحديث عائشة: أن (4) مُجَزِّزًا (5) المدلجي رأى زيد بن حارثة وابنه أسامة، فقال: "إِن هذه الأقدام بعضها من بعض"، فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعجبه. متفق عليه. (6)
__________
(1) انظر: ص 285، 288 من هذا الكتاب.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: البرهان للجويني/ 499، والشرح الكبير 6/ 403.
(4) نهاية 46 ب من (ب).
(5) في (ب): محرز. وفي (ظ): مجزز.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 189، 8/ 157، ومسلم في صحيحه/ 1081 - 1082، وأبو داود في سننه 2/ 698، والترمذي في سننه 3/ 298 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 6/ 184، وابن ماجه في سننه/ 787، وأحمد في مسنده 6/ 82، 226.
(1/354)

وضعف (1) ابن الباقلاني وأبو المعالي هذه الحجة؛ لأن ترك إِنكاره لموافقة الحق.
وسرَّ لإِلزام من طعن في نسب أسامة بما يلزمه على اعتقاده في إِثبات النسب بالقافة.
ورد: بأن موافقة الحق لا تجوّز تركَ إِنكار طريقٍ منكر؛ لئلا يتوهم أنها حق.
ولا يرتفع إِلزامه بالإِنكار؛ لأنه أُلزم باعتقاده وإن أنكره مُلزِمه.

مسألة
فعلاه - عليه السلام - إِن [تماثلا] (2) كالظهر مثلاً في وقتين، أو اختلفا وأمكن اجتماعهما كصوم وصلاة، أوْ لا لكنه لا يتناقض حكماهما: فلا تعارض، (3) لإِمكان الجمع.
وكذا إِن تناقض كصومه في وقت (4) بعينه (5) وأكله في مثله، لإِمكان كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا، وفي الوقت الآخر بخلافه من غير أن يكون أحدهما رافعًا أو مبطلاً لحكم (6) الآخر؛ إِذ (7) لا عموم لفعل، لكن إِن دل
__________
(1) انظر: البرهان للجويني/ 499.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) نهاية 37 ب من (ظ)
(4) نهاية 95 من (ح).
(5) في (ب): بعيبه.
(6) في (ب): الحكم.
(7) في (ب): إِذا.
(1/355)

دليل على وجوب تكرر صومه عليه، أو وجوب التأسي به في مثل ذلك الوقت، فتلبس بضده كالأكل مع قدرته على الصوم دل أكله على نسخ دليل تكرار الصوم في حقه، لا نسخ حكم الصوم السابق لعدم اقتضائه للتكرار، ورفعُ حكم وُجِد محال، أو أقر من أكل في مثله من الأمة فنسخ لدليل (1) تعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه.
وقد يطلق النسخ والتخصيص على الفعل بمعنى زوال التعبد به (2) مجازًا.
وذكر بعض أصحابنا (3): "أن كثيراً من العلماء [قال] (4) في فعليه المختلفين: الثاني ناسخ للأول وإلا تعارضا، ومال الشافعي إِليه لتقديمه (5) حديث سهل (6) على حديث ابن عمر في صلاة الخوف (7)،
__________
(1) في (ب): كدليل.
(2) نهاية 47 أمن (ب).
(3) انظر: المسودة/ 69.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) في (ب) و (ح): كتقديمه.
(6) هو: الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن سهل بن أبي حثمة بن ساعدة.
(7) قال الشافعي في الرسالة/ 244 - 245: والذي أخذنا به في صلاة الخوف: أن مالكاً أخبرنا عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى الذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم تبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم=
(1/356)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=سلم بهم.
قال -أعني الشافعي-: أخبرنا من سمع عبد الله بن عمر بن حفص يخبر عن أخيه عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمَّد عن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: مثله.
قال -أعني الشافعي-: وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف على غير ما حكى مالك، وإنما أخذنا بهذا دونه لأنه كان أشبه بالقرآن وأقوى في مكايدة العدو.
وانظر: الأم 1/ 210 - 211 وما بعدها.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 114، ومسلم في صحيحه/ 575 - 576، وأبو داود في سننه 2/ 30 - 31، والترمذي في سننه 2/ 40 - 41 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 3/ 171، والشافعي (انظر: بدائع السنن 1/ 202، وترتيب مسند الشافعي 1/ 177، والرسالة/ 182، 244، والأم 1/ 210، واختلاف الحديث -المطبوع آخر الأم- 8/ 526).
وقوله في الحديث: "عمن صلى مع رسول الله صلاة الخوف" قال في فتح الباري 8/ 426: قيل: اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة، ولكن الراجح أنه أبوه خوات ابن جبير ...
أقول: وهذا الذي رجحه هو ما صرح به الشافعي في الرسالة/ 263، وفي اختلاف الحديث -المطبوعِ آخر الأم-8/ 526.
وجاء في كتاب اختلاف الحديث -المطبوع آخر الأم- 8/ 526 بعد إِيراده الحديث السابق: قال الشافعي: وأخذنا بهذا في صلاة الخوف إِذا كان العدو في غير جهة القبلة أو جهتها غير مأمونين، لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وموافقته للقرآن، قال: وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف شيئًا يخالف فيه هذه الصلاة؛ روى: أن طائفة صفت مع=
(1/357)

واختيار (1) ابن الباقلاني وأبو المعالي (2): أنه يفيد جواز الأمرين ما لم يتضمن أحدهما حظراً (3)، وأنه ظاهر كلام أحمد في مسائل كثيره, لكن آخر الفعل أولى الفضيلة".

مسألة
إِذا تعارض فعله وقوله:
فإِن لم يدل دليل على تكرره في حقه، ولا على التأسي به، والقول
__________
=النبي - صلى الله عليه وسلم -، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالطائفة التي معه ركعة، ثم استأخروا ولم يتموا الصلاة، فوقفوا بإِزاء العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإِزاء العدو، فصلوا معه الركعة التي بقيت عليه، ثم انصرفت، وقامت الطائفتان معاً، فأتموا لأنفسهم.
أقول: حديث ابن عمر في صلاة الخوف أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 14، 5/ 114، ومسلم في صحيحه/ 574، وأبو داود في سننه 2/ 35، والترمذي في سننه 2/ 39 - 40 وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 3/ 171، والدارمي في سننه 1/ 295 - 296، وأحمد في مسنده 2/ 147 - 148، والبيهقي في سننه 3/ 260. وجاء في كتاب اختلاف الحديث -المطبوع في آخر الأم- 8/ 526: قال الشافعي: فإن قال قائل: كيف أخذت بحديث خوات بن جبير دون حديث ابن عمر؟ قيل: لمعنيين ...
وانضر: الرسالة/ 182 وما بعدها، 244 - 245، 259 - 267، والأم 1/ 210 وما بعدها، وكتاب اختلاف الحديث -المطبوع في آخر الأم- 8/ 526.
(1) في (ظ): واختاره.
(2) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 497.
(3) في (ح) و (ب): خطرًا.
(1/358)

خاص [به] (1)، وتأخر -كفعله فعلاً في وقت، ثم يقول: "لا يجوز لي مثله في مثله"- فلا تعارض، لإِمكان الجمع، لعدم تكرار (2) الفعل، فلم يكن رافعًا لحكم (3) في الماضي ولا المستقبل.
وإِن تقدم القول -كقوله: "يجب علي كذا وقت كذا"، وتلبس بضده فيه- (4) فالفعل ناسخ لحكمه عند من جوز النسخ قبل التمكن من الفعل، كالأشهر عندنا، ومن لم يجوزه -كالمعتزلة- منعه، وقال: لا يتصور تعمده إِن قيل بالعصمة، وإِلا فمعصية.
وإِن جهل (5) فالثلاثة (6) في (7) التكرار والتأسي والقول خاص به.
وإِن اختص القول بنا فلا تعارض، تقدم أو تأخر؛ لا نه لم يتحد محلهما.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) في (ب): تكرام.
(3) في (ح): لحكمه.
(4) نهاية 96 من (ح).
(5) يعني: المتقدم منهما.
(6) وهي: تقديم القول، وتقديم الفعل، والتوقف.
(7) يعني: الآتية فيما إِذا دل دليل على تكرره في حقه، وعلى التأسي به، والقول خاص به، وجهل المتقدم.
(1/359)

وإِن عم، وتقدم الفعل فلا تعارض في حقه لما سبق (1)، ولا في حقنا؛ لأن فعله لم يتعلق بنا.
وإن تقدم القول فالحكم في حقه كما سبق (2) في القول الخاص به، ولا تعارض في حقنا؛ لأنهما لم يتواردا علينا.
فإِن كان العام ظاهرًا فيه (3) فالفعل تخصيص كما يأتي. (4)
* * *
وإِن دل على تكرره في حقه، وعلى التأسي به، والقول خاص به فالمتأخر (5) ناسخ في حقه، لكن الفعل ينسخ (6) القول المتقدم بعد التمكن من الامتثال، وقبله فيه الخلاف، وموجب الفعل (7) علينا.
وإن جهل فلا تعارض في حقنا؛ لأن القول لم يعمنا، وفي حقه: قيل: يجب العمل بالقول، وقيل: بالفعل، وقيل: بالوقف للتحكم.
وفي التمهيد (8) -فيما يرد به الخبر-: إِن ورد خبر يخالف فعله: إِن لم
__________
(1) من عدم وجوب تكرر الفعل.
(2) فالفعل ناسخ.
(3) يعني: في النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(4) من أن الأخص يخصص الأعم إِذا تخالفا، تقدم العام أو تأخر؛ لأن التخصيص أهون من النسخ. انظر: شرح العضد 2/ 27. وانظر: ص 950، 966 من هذا الكتاب.
(5) نهاية 47 ب من (ب).
(6) نهاية 38 أمن (ظ).
(7) في (ب): الوجب.
(8) انظر: التمهيد/ 122 ب.
(1/360)

يعمه (1) فلا تعارض، وإلا تعارضا، فالتخصيص ثم المتواتر ثم الترجيح ثم التوقف. والله أعلم.
وإِن اختص القول بنا فلا معارضة فيه، والمتأخر ناسخ في حقنا.
فإِن جهل فالثلاثة.
واختار جماعة (2) العمل بالقول هنا؛ لأنه يدل بنفسه، ويقبل التأكيد بالقول، ويعبر به عن معقول ومحسوس، والعمل به -هنا- ينسخ مقتضى الفعل عنا دونه، والفعل يدل بواسطة أنه لا يفعل محرمًالأولا يقبل تأكيدًا، ويختص بمحسوس، والعمل به يبطل القول، والجمع بوجه أولى.
واعترض: بأن (3) الفعل مبيِّن للقول كبيان الصلاة والحج به، فهو آكد، ولهذا: من بالغ في تفهيم أكد قوله بإِشارة ونحوها.
رد: القول مبيِّن لأكثر الأحكام، ويبين الفعل في بيان وجه وقوعه، ولو تساويا ترجح القول بما سبق.
وكذا اختار (4) في التمهيد (5): إِذا تعارض قوله وفعله من كل وجه
__________
(1) يعني: إِن لم يعم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) انظر: شرح العضد 2/ 27.
(3) نهاية 97 من (ح).
(4) في (ظ): اختاره.
(5) انظر: التمهيد/ 92 أ-ب.
(1/361)

فالمتأخر ناسخ فيه وفينا، فإِن جهل عمل بالقول. والله أعلم.
وإِن عم القول فالمتأخر ناسخ في حقه وحقنا، والمراد: إِن اقتضى القول التكرار فالفعل ناسخ للتكرار، وإِلا فلا معارضة، وذكره (1) بعضهم.
وإِن جهل فالثلاثة.
* * *
وِإن دل على تكرره في حقه، لا تأس، واختص القول بنا فلا معارضة، لعدم المزاحمة، أو به أو عَمَّ فلا معارضة في حقنا، لعدم دليل التأسي (2)، وفي حقه (3): المتأخر ناسخ، فإِن جهل فالثلاثة.
* * *
وإِن دل على تأس، لا [على] (4) تكرره في حقه، واختص القول به، وتأخر فلا معارضة فيه وفينا، لعدم تكرر (5) الفعل وتواردهما في محل واحد.
وإِن تقدم فالفعل ناسخ في حقه.
فإِن جهل فالثلاثة.
__________
(1) نهاية 48 أمن (ب).
(2) في (ب): الناسخ.
(3) في (ب): في حق.
(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (ظ).
(5) في (ب): تكور.
(1/362)

وإِن اختص بنا فلا معارضة فيه، لعدم المزاحمة، وفينا: المتأخر ناسخ، فإِن جهل فالثلاثة.
وإن عم، وتقدم الفعل فلا معارضة فيه، وفينا: القول ناسخ.
وإن تقدم القول فالفعل ناسخ، وبعد التمكن من العمل بمقتضى القول لا معارضة فيه وفينا، إِلا أن يقتضي القول التكرار، فالفعل ناسخ للتكرار.
فإِن جهل فالثلاثة.

مسألة
قال بعض أصحابنا: فعل الصحابي: هل هو (1) مذهب (2) له؟ فيه وجهان (3)، وفي الاحتجاج به نظر.
واحتج القاضي في الجامع الكبير (4) -في قضاء المغمى عليه الصلاة- بفعل (5)
__________
(1) انظر: التحرير/ 117، وشرح الكوكب المنير 2/ 208.
(2) نهاية 98 من (ح).
(3) أحدهما: أنه مذهب له، وهو أصح الوجهين.
والثاني: أن فعل الصحابي إذا خرج مخرج القربة يقتضي الوجوب قياسًا على فعله - صلى الله عليه وسلم -.
انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 208.
(4) وهو كتاب في الفروع - للقاضي أبي يعلى.
انظر: طبقات الحنابلة 5/ 205.
(5) أخرج الدارقطني في سننه 2/ 81: ... عن السدي عن يزيد مولى عمار: أن عمار ابن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
(1/363)

عمار (1) وغيره، وقال: فعل الصحابة إِذا خرج مخرج القربة يقتضي الوجوب، كفعله عليه السلام.
وقد قال قوم: لو تصور اتفاق أهل الإِجماع على عمل لا قول منهم فيه كان كفعل الرسول؛ لثبوت العصمة، واختاره أبو المعالي (2) خلافاً لابن الباقلاني.
قال بعض أصحابنا (3): الأول قول الجمهور حتى أحالوا الخطأ منهم فيه إِذا (4) لم (5) يشترطوا انقراض العصر.
__________
=وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1/ 388 بالسند المذكور.
وفي التعليق المغني على سنن الدارقطني 2/ 81 - 82: قوله: "عن السدي" هو إِسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يحيى بن معين يضعفه، وكان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي لا يريان به بأسًا، ولم يحتج به البخاري (انظر: ميزان الاعتدال 1/ 236)، وشيخه -يزيد مولى عمار- مجهول، والحديث رواه البيهقي في المعرفة، وقال: قال الشافعي: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت فمحمول على الاستحباب. والله أعلم.
وفي الجوهر النقي على سنن البيهقي 1/ 387: قلت: سكت عنه، وسنده ضعيف.
(1) هو: الصحابي الجليل عمار بن ياسر.
(2) انظر: البرهان لأبي المعالي/ 715.
(3) انظر: المسودة/ 334.
(4) كذا في النسخ. ولعل الأقرب: "إِذ".
(5) نهاية 48 ب من (ب).
(1/364)