Advertisement

أصول الفقه لابن مفلح 002

الجزء الثاني
(2/364)

الإِجماع
لغة (1): العزم، والاتفاق.
واصطلاحاً: اتفاق علماء العصر على حكم حادثة، ذكره (2) في العدة والتمهيد، وفيه -في مكان آخر- (3): على أمرٍ فعلٍ أو تركٍ.
وفي الواضح كالأول، وأبدل "علماء" ب "فقهاء"؛ لأن اتفاق النحاة والمفسرين غير حجة -وهم علماء- ولا يعتد بهم في حادثة. (4)
وقال بعض أصحابنا (5): على حكم شرعي.
وكذا في الروضة: اتفاق علماء العصر من هذه الأمة على أمر ديني (6).
وكذا قاله الغزالي، وهو مراده بقوله (7): "أمة محمَّد عليه السلام"، فلا يرد عليه أنه لا يوجد اتفاقهم إِلى يوم القيامة، وأنه لا يطرد (8) بتقدير عدم
__________
(1) انظر: لسان العرب 9/ 408، وتاج العروس 5/ 307 (جمع).
(2) انظر: العدة/ 170، والتمهيد/ 3 ب.
(3) انظر: التمهيد/ 131 أ.
(4) انظر: الواضح 1/ 9 ب.
(5) كابن حمدان في المقنع. انظر: التحرير/ 17 ب.
(6) انظر: روضة الناظر/ 130.
(7) انظر: المستصفى 1/ 173.
(8) لا يطرد: لا يكون مانعًا. قال المؤلف في كتابه هذا: شرطه -يعني الحد- أن يكون مطردًا، وهو المانع. انظر: ص 43 - 44 من هذا الكتاب.
(2/365)

مجتهد في عصر اتفقت عوامه على أمر ديني، لكنه لا ينعكس (1) بتقدير اتفاق المجتهد بن على عقلي أو عرفي، إِلا أن يكون -كما قيل- ليس إِجماعًا عنده.

مسألة
يجوز ثبوت الإِجماع، خلافًا (2) للأشهر عن إِبراهيم (3) النَّظَّام المعتزلي وبعض الرافضة.
وقد قال أحمد -في رواية عبد الله (4) -: "من ادعى (5) الإِجماع فهو
__________
(1) لا ينعكس: لا يكون جامعًا. قال المؤلف في كتابه هذا: شرطه -يعني الحد- أن يكون منعكسًا، وهو الجامع. انظر: المرجع السابق.
(2) انظر: شرح العضد 2/ 29.
(3) هو: أبو إِسحاق إِبراهيم بن يسار بن هانئ البصري، لقب بالنظام لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، كان أديبًا متكلمًا شديد الحفظ، وإليه تنسب (النظامية) إحدى فرق المعتزلة، وله آراء شاذة منها: إِنكار حجية الإِجماع والقياس. توفي في حدود سنة 231 ه.
انظر: روضات الجنات 1/ 151، وتاريخ بغداد 6/ 97، والتبصير في الدين/ 43، وفرق وطبقات المعتزلة/ 59، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة/ 264، والفرق بين الفرق/ 113.
(4) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، إِمام عالم بالحديث وعلله، كان من أكثر الناس رواية عن أبيه، وقد رتب مسند والده وله فيه زيادات، توفي ببغداد سنة 290 ه. من مؤلفاته: المسائل، رواها عن أبيه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 180، وتاريخ بغداد 9/ 375، وتذكرة الحفاظ/ 565، وطبقات الحفاظ / 288، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 190، وشذرات الذهب 2/ 203، والمنهج الأحمد 1/ 206.
(5) انظر: مسائل الإِمام أحمد (رواية عبد الله) / 438 - 439، والعدة/ 160 أ،=
(2/366)

كذاب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى (1) بشر المرِيْسِي (2) والأصم" (3)، وفي رواية المروذي (4): "كيف يجوز (5) أن يقول: "أجمعوا"؟ إِذا سمعتهم (6) يقولون: "أجمعوا" فاتَّهِمْهم، وإِنما وضع هذ الوضع الأخبار، وقالوا: الأخبار لا تجب بها حجة، وقالوا: نقول بالإِجماع، وأن ذلك قول ضرار (7) "، وفي رواية
__________
=والتمهيد/ 134 ب.
(1) نهاية 99 من (ح).
(2) هو: أبو عبد الرحمن بشر بن غياث المريسي، نسبة إِلى (مريسة) قرية في مصر، المبتدع المشهور واحد كبار شيوخ المعتزلة، من دعاة القول بخلق القرآن، توفي سنة 218 ه.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 127، والبداية والنهاية 10/ 281، والجواهر المضية 1/ 44، والفوائد البهية/ 54، وطبقات الشافعية للأسنوي 1/ 143.
(3) هو: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان المعتزلي، من رجال الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة الذين كانت وفاتهم في أوائل القرن الثالث الهجري، له تفسير عجيب.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة/ 65 - 66، والفهرست/ 34، ولسان الميزان 3/ 427، وطبقات المفسرين للداودي 1/ 269.
(4) هو: أبو بكر أحمد بن محمَّد بن الحجاج، من أجل أصحاب الإِمام أحمد، إِمام في الفقه والحديث، نقل عن أحمد كثيراً، وتوفي سنة 275 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 56، والمنهج الأحمد 1/ 172، وشذرات الذهب 2/ 166.
(5) انظر: العدة/ 160أ، والتمهيد/ 134 ب.
(6) في (ظ): سمعتم.
(7) هو: أبو عمر ضرار بن عمرو القاضي، قال بالجبر وأنكر عذاب القبر، أخذ عن واصل بن عطاء المعتزلي، وينسب هو وأصحابه إِلى المعتزلة، ويذكر البلخي ان سمة=
(2/367)

أبي الحارث (1): "لا ينبغي (2) لأحد أن يدعي الإِجماع، وأول من قال: (3) "أجمعوا" ضرار".
قال القاضي: ظاهره منع صحة الإِجماع، وإينما هذا على الورع (4) أو فيمن ليس له معرفة بخلاف السلف (5)، لما يأتي (6).
وكذا أجاب (7) أبو الخطاب.
وحمله ابن عقيل [على] الورع (8)، أو لا يحيط علماً به غالبًا.
وقال بعض أصحابنا (9): هذا نهي عن الإِجماع العام النطقي، وقال
__________
=الاعتزال لا تلزمهم ولا يقبلهم أهله، وقال الحاكم الجشمي المعتزلي: أخذ عنهم ثم خالفهم فكفروه وطردوه، ومن عده من المعتزلة فقد أخطأ لأنا نتبرأ منه فهو من المجبرة.
انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة / 75، 163، 201، 245، ولسان الميزان 3/ 203، وميزان الاعتدال 2/ 328 - 329.
(1) هو: أحمد بن محمَّد الصائغ، منَ أصحاب الإِمام أحمد المقربين إِليه، نقل عنه مسائل كثيرة. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 74.
(2) انظر: العدة/ 160.أ
(3) نهاية 49 أمن (ب).
(4) نهاية 39 أمن (ظ).
(5) انظر: العدة/ 160.أ
(6) في المسألة الآتية (الإجماع حجة قاطعة، نص عليه أحمد).
(7) انظر: التمهيد/ 135 أ.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(9) انظر: المسودة/ 316.
(2/368)

-أيضًا-: الظاهر إِمكان وقوعه، وأما إِمكان (1) العلم به فأنكره غير واحد من الأئمة، كما يوجد في كلام أحمد وغيره.
وذكر الآمدي أن بعضهم خالف في تصوره، وأن القائلين به خالف بعضهم في إِمكان معرفته، منهم أحمد في رواية. (2)
وتبع الآمدي بعض أصحابنا، وقال: مراد أحمد تعذر معرفة كل المجمعين لا أكثرهم.
قالوا: إِن كان عن دليل قاطع فعدم نقله مستحيل عادة، والظني يمتنع اتفاقهم فيه عادة لتباين قرائحهم ودواعيهم المقتضية لاختلافهم.
رد: بمنعهما (3)؛ للاستغناء عن نقل القاطع بالإِجماع، وكون الظن جليًا تتفق فيه القرائح.
قالوا: تفرقهم في أطراف الأرض يمنع نقل الحكم إِليهم عادة.
رد: بالمنع؛ لِجِدِّهم في الأحكام وبحثهم عنها.
قالوا: العادة تحيل ثبوته عنهم؛ لخفاء بعضهم أو كذبه أو رجوعه قَبْل قول غيره، ثم لو جاز العلم بثبوته لم يقع العلم به؛ لأن العادة تحيل نقله لبُعد التواتر، ولا تفيد الآحاد.
ورد: بما لو علم بحصرهم، وبأن تعذره لا يمنع كونه حجة كقول النبي
__________
(1) في (ب) و (ح): إِنكار.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 961، 198.
(3) في (ظ): بمنعها.
(2/369)

- صلى الله عليه وسلم -، وبأن العلماء كالأعلام لا سيما الصحابة (1)، وبالقطع (2) بتقديم النص القاطع على الظن (3).
ورده بعض أصحابنا والآمدي (4): باتفاق أهل الكتاب على باطل، ولم نعرف مستندهم من قولِ متَّبَعٍ يقلدونه (5)
ونقض (6) بعض أصحابنا (7) والآمدي (8) وغيرهم بالإِجماع على أركان الإِسلام، وطريق علمها ليس ضروريًا (9)، والوقوع دليل التصور وزيادة.
__________
(1) نهاية 100 من (ح)
(2) نهاية 49 ب من (ب).
(3) يعني: يعلم قطعاً من الصحابة والتابعين الإِجماع على تقديم الدليل القاطع على المظنون، وما ذلك إِلا بثبوته عنهم وبنقله إِلينا. انظر: شرح العضد 2/ 30.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 199، ومنتهى السول له 1/ 50.
(5) في (ب): يقدرونه.
(6) في التعريفات/ 108: النقض لغة: الكسر، وفي الاصطلاح: بيان تخلف الحكم المدعى ثبوته أو نفيه عن دليل المعلل الدال عليه في بعض من الصور.
(7) انظر: البلبل/ 128.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 197.
(9) يقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي في تعليقه على الإِحكام للآمدي 1/ 197: وجوب أركان الإِسلام مما علم من الدين بالضرورة، والإِجماع في مثل ذلك مسلم، لكنه ليس محل النزاع.
(2/370)

مسألة
الإِجماع حج قاطعة، نص عليه أحمد (1)، وقاله عامة الفقهاء والمتكلمين، خلافاً (2) للنظام وبعض المرجئة وبعض الخوارج وبعض الشيعة.
وهو حجة شرعًا لا عقلاً -ذكره القاضي (3) وغيره- خلافاً لبعضهم.
وسبق اتفاقهم على عمل -لا قول منهم فيه- قبيل الإِجماع. (4)
لنا: (ومن يشاقق الرسول) الآية (5) -احتج (6) بها الشافعي- توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، وإينما يجوز لمفسدة متعلقة به، وليست من جهة المشاقة وإلا كانت كافية.
والسبيل: الطريق، فلو خص بكفر أو غيره كان اللفظ مبهماً، وهو خلاف الأصل. (7)
__________
(1) انظر: العدة/ 160أ، والتمهيد / 135 أ.
(2) انظر: المعتمد/ 458، والمحصول 2/ 1/ 46، والإِحكام للآمدي 1/ 200، ونهاية السول 2/ 277، وشرح العضد 2/ 30.
(3) انظر: العدة/ 162أ.
(4) انظر: ص 364 من هذا الكتاب.
(5) سورة النساء: آية 115: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين قوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا).
(6) انظر: أحكام القرآن للشافعي 1/ 39، والتبصرة/ 439، والمعرفة للبيهقي 1/ 89.
(7) نهاية 39 ب من (ظ).
(2/371)

و"المؤمن" حقيقة في الحي المتصف به، ثم عمومه إِلى يوم القيامة يبطل المراد، وهو الحث على متابعة سبيلهم.
والجاهل (1) غير مراد، ثم المخصوص حجة.
والسبيل (2) عام.
والتأويل بمتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو متابعتهم في الإِيمان [أو] (3) الاجتهاد: لا ضرورة إِليه فلا يقبل.
وليس تبيين الهدى شرطًا للوعيد بالاتباع بل للمشاقة؛ لأن إِطلاقها لمن عرف الهدى أولاً، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليس (4) شرطًا في المشاقة، فإِن من تبين له صدق الرسول (5) وتركه فقد شاقه ولو جهلها.
وقول الإِمامية: "المراد به من فيهم المعصوم؛ لأن سبيلهم حينئذ حق (6) " خلاف (7) الظاهر وتخصيص بلا ضرورة (8)، ولا دليل (9) لهم على
__________
(1) جواب عن اعتراض مقدر: إِن لفظ "المؤمنين" عام في كل مؤمن عالم وجاهل، والجهال غير داخلين في الإِجماع المتبع، فالآية غير دالة عليه.
(2) جواب اعتراض مقدر: السبيل مفرد لا عموم له، فلا يقتضي اتباع كل سبيل.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) في (ح) و (ظ): ليست.
(5) نهاية 50 أمن (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 208.
(7) في (ب) و (ظ): فخلاف.
(8) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): بالضرورة.
(9) نهاية 101 من (ح).
(2/372)

العصمة.
وما قيل من "أن الآية ظاهرة، ولا دليل على أن الظاهر حجة إِلا الإِجماع، فيلزم الدور" ممنوع؛ لجواز نص قاطع على أنه حجة، أو استدلال قطعي؛ لأن الظاهر مظنون وهو حجة لئلا يلزم رفع النقيضين أو اجتماعهما أو العمل بالمرجوح (1) وهو خلاف العقل.
وأيضاً: (فإِن تنازعتم في شيء فردوه) (2)، والمشروط عدم عند عدم شرطه، فاتفاقهم كاف.
واعترض: عدم الرد إِلى الكتاب والسنة عند الإِجماع إِن بني الإِجماع على أحدهما فهو كاف، وإِلا ففيه تجويز الإِجماع بلا دليل.
ثم: لا نسلم عدم الشرط؛ فإِن الكلام مفروض في نزاع مجتهدين متأخرين لإِجماع (3) سابق.
رد الأول: بأن الإِجماع إِن احتاج إِلى مستند فقد يكون قياسًا.
والثاني: مشكل جدًا، قاله الآمدي (4).
__________
(1) في (ب): بالمرجوع.
(2) سورة النساء: آية 59: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إِلى الله والرسول إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).
(3) في (ب) و (ظ): لا إِجماع. وانظر الإِحكام للآمدي 1/ 218.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 218.
(2/373)

واختار أبو الخطاب (1): أن مراد الآية (2) فيما لا نعلم (3) أنه خطأ، وأن ظنناه (4) رددنا إِلى الله ورسوله.
وأيضاً: (ولا تفرقوا) (5)، وخلاف الإِجماع تفرق، والنهي عن التفرق ليس في الاعتصام؛ للتأكيد (6) ومخالفة الظاهر، وتخصيصه بما (7) قبل الإِجماع لا يمنع الاحتجاج به (8)، ولا يختص الخطاب بالموجودين زمنه عليه السلام؛ لأن التكليف لكل من وجد مكلفاً (9) كما سبق. (10)
وأيضاً: (كنتم خير أمة) (11) فلو اجتمعوا على باطل كانوا قد اجتمعوا على منكر لم ينهوا عنه ومعروف لم يؤمروا به، وهو خلاف ما وصفهم الله به.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 133 ب.
(2) يعني: طاعة أولي الأمر فيما لا نعلم أنه خطأ.
(3) في (ب) و (ظ): فيما لا يعلم.
(4) يعني: ظننا الخطأ ونازعناهم فيه.
(5) سورة آل عمران: آية 103: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا)
(6) لأنه لو كان في الاعتصام لكان تأكيداً، والأصل التأسيس.
(7) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): بها.
(8) لأن العام حجة بعد التخصيص.
(9) في (ح): مطلقًا.
(10) انظر: ص 295 من هذا الكتاب.
(11) سورة آل عمران: آية 110: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ...).
(2/374)

ولأنه جعلهم (أمة وسطًا) (1) أي عدولاً، ورضي بشهادتهم مطلقًا.
وعلى ذلك اعتراضات وأجوبة (2) تطول.
وعن أبي مالك (3) الأشعري مرفوعًا: (إِن الله أجاركم من (4) ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا [على] (5) ضلالة). رواه (6) أبو داود من رواية إِسماعيل بن عَيَّاش (7) عن ضَمْضَم بن زُرْعَة
__________
(1) سورة البقرة: آية 143: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ...)
(2) نهاية 50 ب من (ب).
(3) هو: الصحابي الحارث بن الحارث.
(4) نهاية 40 أمن (ظ).
(5) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).
(6) انظر: سنن أبي داود 4/ 452، وأخرجه -أيضاً- الدارمي في سننه 1/ 32 من حديث عمرو بن قيس بألفاظ أخرى. قال المناوي في فيض القدير 2/ 199: قال في المنار: هذا الحديث منقطع. وقال ابن حجر: في إِسناده انقطاع، وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال. وقال -في موضع آخر-: سنده حسن، وله شاهد عند أحمد، ورجاله ثقات، لكن فيه راو لم بسم. فانظر: مسند أحمد 6/ 396، وراجع: المعتبر/ 12 أ.
(7) هو: أبو عتبة العنسي الحمصي عالم أهل الشام، ولد سنة 106 ه، روى عن محمَّد ابن زياد الألهاني وضمضم بن زرعة وغيرهما، وروى عه محمَّد بن إِسحاق والثوري والأعمش والليث بن سعد وغيرهم، توفي سنة 181 ه، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين، قال ابن حجر في=
(2/375)

الحمصي (1)، وأكثرهم يصحح حديث إِسماعيل عن الشاميين، منهم (2): أحمد وابن معين (3) والبخاري.
وعن ابن عمر مرفوعًا: (لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدًا) -فيه
__________
=التقريب: صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 36، وميزان الاعتدال 1/ 240، وتهذيب التهذيب 1/ 321، وتقريب التهذيب 1/ 73، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال / 35.
(1) الحضرمي، روى عن شريح بن عبيد، وعنه إِسماعيل بن عياش، ويحيى بن زرعة الحضرمي، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه أبو حاتم، قال ابن حجر في التقريب: صدوق يهم.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 331، وتهذيب التهذيب 4/ 462، وتقريب التهذيب 1/ 375، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال 1/ 178.
(2) انظر: التاريخ الكبير للبخاري 1/ 1/ 369 - 370، والجرح والتعديل 1/ 1/ 192، والسنن الكبرى للبيهقي 1/ 142.
(3) هو: أبو زكريا يحيى بن معين بن عون الغطفاني -مولاهم- البغدادي، إِمام حافظ ثبت متقن ذو معرفة واسعة بالحديث، توفي بالدينة سنة 233 ه.
من مؤلفاته: التاريخ.
انظر: تاريخ بغداد 14/ 177، ووفيات الأعيان 5/ 190، وطبقات الحنابلة 1/ 420، وتذكرة الحفاظ/ 429، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 156، وطبقات الحفاظ / 185 والمنهج الأحمد 1/ 93، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 428، وشذرات الذهب 2/ 79.
(2/376)

سليمان (1) بن سفيان، ضَعَّفوه- رواه (2) (3) الترمذي، وقال: غريب من هذا الوجه. (4)
__________
(1) هو: أبو سفيان التيمي المدني، روى عن بلال بن يحيى وعبد الله بن دينار، وعنه أبو داود الطيالسي، ضعفه أبو حاتم وغيره.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 209، وتهذيب التهذيب 4/ 194، وتقريب التهذيب 1/ 325، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 152.
(2) انظر: سنن الترمذي 3/ 315، قال: وفي الباب عن ابن عباس. وأخرجه -أيضًا- أحمد في مسنده 5/ 145 من حديث أبي ذر وأبي بصرة مرفوعين، والحاكم في مستدركه 1/ 115 - 116 من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعين، قال الحاكم -عن حديث ابن عمر-: استقر الخلاف في إِسناده على المعتمر بن سليمان -وهو أحد أركان الحديث- من سبعة أوجه (وكان قد ذكرها) ... ولكن نقول: إِن المعتمر بن سليمان أحد أئمة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصح بمثلها الحديث، فلا بد أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثم وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا أدعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لإِجماع أهل السنة على هذه القاعدة من قواعد الإِسلام، فممن روي عنه هذا الحديث من الصحابة ابن عباس. ثم ذكره.
(3) نهاية 102 من (ح).
(4) قال المباركفوري: والحديث قد استدل به على حجية الإِجماع، وهو ضعيف، لكن له شواهد، قال ابن حجر في التلخيص: قوله: (وأمته معصومة لا تجتمع على ضلالة) هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال. فانظر: تحفة الأحوذي 6/ 386، وانظر -أيضًا-: الإِحكام لابن حزم/ 496، والمعتبر/ 12 ب- 13أ، وتخريج أحاديث المنهاج للعراقي/ 298 والمقاصد الحسنة / 460، وتخريج أحاديث البزدوي/ 245.
(2/377)

وعن مُعان (1) بن رفاعة (2) عن أبي خلف (3) الأعمى عن أنس (4) مرفوعًا: (إِن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإِذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم، الحق وأهله). إِسناد ضعيف، رواه (5) ابن ماجه
__________
(1) غيرت في (ب) و (ظ) إِلى معاذ.
(2) هو: أبو محمَّد السلامي الدمشقي -ويقال: الحمصي- روى عن إِبراهيم بن عبد الرحمن العذري وعبد الوهاب بن بخت وعطاء الخراساني وأبي خلف الأعمى وغيرهم، وعنه إِسماعيل بن عياش ومبشر بن إِسماعيل الحلبي وعصام بن خالد وغيرهم، توفي سنة 157 ه. وثقه ابن المديني ودحيم، وعن أحمد: لم يكن به بأس، وضعفه ابن معين، وقال الجوزجاني: ليس بحجة، وقال الذهبي: هو صاحب حديث ليس بمتقن، قال ابن حجر في التقريب: لين الحديث كثير الإِرسال.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 134، وتهذيب التهذيب 10/ 201، وتقريب التهذيب 2/ 258.
(3) هو: حازم بن عطاء البصري، روى عن أنس بن مالك، وعنه سابق البربري ومعان بن رفاعة وأبو عبد الله البكاء، كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. قال ابن حجر في التقريب: متروك.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 446، 4/ 521، وتهذيب التهذيب 12/ 87، وتقريب التهذيب 2/ 417 - 418.
(4) هو الصحابي أبو حمزة أنس بن مالك.
(5) انظر: سنن ابن ماجه/ 1303، والسنة لابن أبي عاصم / 8 أ.
وأخرجه -أيضًا- الحاكم في مستدركه 1/ 115 من حديث ابن عمر (وتقدم كلامه عليه في الحديث السابق). قال ابن قُطلُوبُغَا: رواه ابن ماجه، وفيه ضعف، لكن له طريقان آخران، أحدهما: عند الحاكم، والآخر عند ابن أبي عاصم، وفي كليهما=
(2/378)

وابن أبي عاصم (1).
وعن إِسماعيل بن عَيَّاش عن البَخْتَرِي (2) بن عبيد عن أبيه (3) عن أبي ذر (4)
__________
=ضعف. ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر وأصله للترمذي. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: في إسناده أبو خلف الأعمى، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر.
انظر: تخريج أحاديث البزدوي / 243، وتخريج أحاديث المنهاج / 300.
(1) هو: أبو بكر أحمد بن عمرو النبيل الشيباني، قاضي أصبهان، محدث فقيه، توفي سنة 287 ه.
من مؤلفاته: كتاب السنة.
انظر: تذكرة الحفاظ / 640، وطبقات الحفاظ/ 280، وشذرات الذهب 2/ 197.
(2) هو: البختري بن عبيد بن سلمان الطابخي الكلبي الشامي، روى عن أبيه وسعد بن مسهر، وعنه إِسماعيل بن عياش وأبو الوليد بن مسلم وهشام بن عمار وغيرهم. ضعفه أبو حاتم وغيره، وقال أبو نعيم: روى عن أبيه موضوعات. وقال الأزدي: كذاب ساقط. قال ابن حجر في التقريب: ضعيف متروك.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 299، وتهذيب التهذيب 1/ 422، وتقريب التهذيب 1/ 94، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 46.
(3) هو: عبيد بن سلمان الكلبي، روى عن أبي ذر وأبي هريرة ومعاوية، وعنه ابنه البختري ويزيد بن عبد الملك النوفلي. قال أبو حاتم والدارقطني: مجهول. وقال يعقوب بن شيبة: معروف. قال ابن حجر في التقريب: مجهول.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 19، وتهذيب التهذيب 7/ 66، وتقريب التهذيب 1/ 543، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 255.
(4) هو: الصحابي جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري.
(2/379)

مرفوعًا: (عليكم بالجماعة، فإِن الله لن (1) يجمع أمتي إِلا على هدى). إِسناد ضعيف، رواه أحمد (2).
ولأحمد (3) وأبي داود عن خالد بن وهبان (4) -وهو مجهول- عن أبي ذر مرفوعًا: (من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه). (5)
ولهما (6) أيضاً -بإِسناد جيد- عن معاوية (7) مرفوعًا: (إِن هذه الأمة
__________
(1) في (ح): لا. وفي (ظ): لم.
(2) انظر: مسند أحمد 1/ 145، وتحفة الأحوذي 6/ 384، 388.
(3) انظر: مسند أحمد 5/ 180، وسنن أبي داود 5/ 118.
(4) هو: ابن خالة أبي ذر، روى عنه، وعنه أبو الجهم سليمان بن الجهم الجوزجاني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: مجهول. وكذا قال ابن حجر في التقريب.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 644، وتهذيب التهذيب 3/ 125، وتقريب التهذيب 1/ 220، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 103.
(5) وأخرجه -أيضًا- الحاكم في مستدركه 1/ 117، وقال: وخالد بن وهبان لم يجرح في رواياته، وهو تابعي معروف، إِلا أن الشيخين لم يخرجاه، وقد روى هذا المتن عن ابن عمر بإِسناد صحيح على شرطهما. أ. ه ووافقه الذهبي في التلخيص على عدم تضعيف خالد.
وأخرج نحوه النسائي في سننه 7/ 92 من حديث عرفجة مرفوعاً.
(6) انظر: مسند أحمد 4/ 102، وسنن أبي داود 5/ 4 - 5.
(7) هو: الصحابي معاوية بن أبي سفيان.
(2/380)

ستفترق (1) على ثلاث وسبعين -يعني ملة- ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة). (2)
وللترمذي (3) عن ابن عمر مرفوعاً: (إِن الله لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمَّد- على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار). (4)
__________
(1) في (ب): ستفرق.
(2) وأخرجه أبو داود -أيضًا- في سننه 4/ 5 من حديث أبي هريرة مرفوعًا، والترمذي في سننه 4/ 134 من حديث أبي هريرة، وقال: وهو حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك. وأخرجه ابن ماجه في سننه / 1321 - 1322 من حديث أبي هريرة وعوف بن مالك وأنس. وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 158 من حديث معاوية. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 454) من حديث أبي هريرة. وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/ 128 من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله شواهد -وذكرها- ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. أ. ه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(3) انظر: سنن الترمذي 31513 - 316، وفي سنده سليمان المديني، قال الترمذي: وسليمان المديني هو عندي سليمان بن سفيان، وفي الباب عن ابن عباس.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس مرفوعًا: (يد الله مع الجماعة)، وقال: غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إِلا من هذا الوجه.
(4) وأخرجه -أيضاً- ابن أبي عاصم في السنة/ 8 ب، والحاكم في مستدركه 1/ 115 - 116 من حديث ابن عمر وابن عباس، وانظر: ص 377 من هذا الكتاب.
(2/381)

ولأحمد (1) عن أبي بصرة الغفاري (2) مرفوعًا: (سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيه). (3)
وعن ابن عباس مرفوعًا: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإِنه من فارق الجماعة شبرًا -فمات- فميتة (4) جاهلية). (5)
وعن أبي هريرة (6) مرفوعًا: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة -فمات- مات ميتة جاهلية). متفق عليهما. (7)
وعن عبد الرحمن (8) بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرفوعًا: (ثلاث
__________
(1) انظر: مسند أحمد 6/ 396، وفيه راو لم يسم.
(2) الصحابي جميل بن بصرة.
(3) وأخرجه -أيضًا- الطبراني في المعجم الكبير 2/ 314 - 315، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 30، وابن أبي خيثمة في تاريخه، فانظر: المعتبر/ 13 ب، والمقاصد الحسنة / 460.
(4) في (ح): فميتته
(5) أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 47، 62، ومسلم في صحيحه / 1477 - 1478.
(6) نهاية 51 أمن (ب).
(7) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1476 - 1477، وابن أبي عاصم في السنة/ 9 أ، والنسائي في سننه 7/ 123، ولم أجده في صحيح البخاري.
(8) الهذلي الكوفي، ثقة روى عن أبيه وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وعنه ابناه القاسم ومعن وسماك بن حرب وغيرهم، وقد تكلموا في روايته عن أبيه لصغره، فاختلفوا في سماعه منه، توفي سنة 79 ه.
نظر: ميزان الاعتدال 2/ 573، وتهذيب التهذيب 6/ 215.
(2/382)

لا (1) يغل (2) عليهن قلب مسلم: إِخلاص (3) العمل (4) لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم). إِسناده جيد، لكن اختلف في سماع عبد الرحمن من أبيه، رواه الشافعي (5). ولأحمد (6) مثله من حديث جبير (7) بن مطعم بإِسناد حسن (8).
__________
(1) في (ظ): لا تعل.
(2) لا يغل -بضم الياء وكسر الغين وتشديد اللام-: من الإِغلال، وهو الخيانة في كل شيء.
ويروى (يغل) -بفتح الياء وكسر الغين وتشديد اللام-: من الغل وهو الحقد والشحناء، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق.
ويروى (يغل) -بفتح الياء وكسر الغين وتخفيف اللام-: من الوغول وهو الدخول في الشر. والمعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 381.
(3) في (ظ): اخلص.
(4) في (ب): العلم.
(5) انظر: بدائع المنن 1/ 14.
(6) انظر: مسند أحمد 4/ 80، 82، وأخرجه أحمد -أيضًا- في مسنده 3/ 225، 5/ 183 من حديث أنس وزيد بن ثابت.
(7) هو: الصحابي جبير بن مطعم القرشي.
(8) وأخرجه -أيضًا- ابن ماجه في سننه/ 84، 1016 من حديث جبير وزيد بن ثابت، والدارمي في سننه 1/ 65 من حديث جبير، والحاكم في مستدركه 1/ 86 - 88 من حديث جبير من طرق، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(2/383)

وعن ثوبان (1) مرفوعًا: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك). وفي (2) حديث جابر (3): (إِلى يوم القيامة). وفي حديث جابر بن (4) سمرة: (حتى تقوم (5) الساعة).
روى (6) ذلك مسلم، وفي الصحيحين (7) معناه من حديث معاوية (8).
وعن عمر مرفوعًا: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإِن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحْبُوحة الجنة فليلزم الجماعة).
حديث صحيح له طرق، رواه (9) الشافعي وأحمد
__________
(1) هو: الصحابي ثوبان بن بُجْدُد.
(2) نهاية 103 من (ح).
(3) الصحابي جابر بن عبد الله.
(4) هو: الصحابي أبو عبد الله السّوائي.
(5) نهاية 40 ب من (ظ).
(6) انظر: صحيح مسلم/ 1523 وما بعدها.
(7) انظر: صحيح البخاري 1/ 21، 4/ 207، 9/ 10، وصحيح مسلم/ 1524.
(8) وأخرجه البخاري -أيضًا- في صحيحه 4/ 207، 9/ 101 من حديث المغيرة بن شعبة، وأخرجه مسلم -أيضًا- في صحيحه/ 1523، 1524 - 1525 من حديث المغيرة وعقبة بن عامر.
(9) انظر: الرسالة للشافعي/ 473 - 474، ومسند أحمد 1/ 26، وتخريج أحاديث البزدوي/ 243، وتحفة الأحوذي 6/ 184، وسنن الترمذي 3/ 315، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2/384)

وعبد بن حميد (1) والترمذي وغيرهم (2).
وفي مسند (3) أبي داود (4) الطيالسي: ثنا المسعودي (5)
__________
(1) هو: أبو محمَّد عبد بن حميد بن نصر الكِسِّي، قيل: اسمه عبد الحميد، إِمام حافظ ثقة، روى عنه مسلم والترمذي وخلق، توفي سنة 249 ه.
من مؤلفاته: المسند، والتفسير.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 534، وطبقات الحفاظ/ 234، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 248، وشذرات الذهب 1/ 120.
(2) كالطيالسي في مسنده/ 7، وأبي يعلى في مسنده 1/ 21 - 22 مخطوط، وابن أبي عاصم في السنة/ 9أ، والحاكم في مستدركه 1/ 114 من طرق، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(3) من أوائل المسانيد المصنفة، وهو مطبوع.
(4) هو: سليمان بن داود بن الجارود البصري، حافظ محدث ثقة، توفي بالبصرة سنة 203 ه.
من مؤلفاته: المسند.
انظر: تاريخ بغداد 9/ 24، وتذكرة الحفاظ 1/ 35، وميزان الاعتدال 2/ 203، وطبقات الحفاظ/ 149، وشذرات الذهب 2/ 12.
(5) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، روى عن أبي إِسحاق السبيعي وأبي إِسحاق الشيباني وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم، وعنه السفيانان وشعبة وأبو داود الطيالسي وغيرهم، توفي سنة 160 ه، وثقه أحمد وابن معين، وقال ابن حبان: اختلط حديثه فلم يتميز، فاستحق الترك، وقال الذهبي: سيئ الحفظ، كره بعض الأئمة الرواية عنه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط.=
(2/385)

عن (1) أبي وائل (2) عن عبد الله بن مسعود: "ما رآه المسلمون (3) حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه (4) المسلمون سيئًا فهو عند الله سَيِّئ" (5).
__________
=انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 351، وميزان الاعتدال 2/ 574، وتهذيب التهذيب 6/ 210، وتقريب التهذيب 1/ 487.
(1) كذا في النسخ، وفي المسند: المسعودي عن عاصم عن أبي وائل، وعاصم هو: أبو بكر عاصم بن أبي النجود -بهدلة- الأسدي الكوفي، أحد القراء السبعة، روى عن أبي وائل وأبي صالح السمان وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهم، وعنه الأعمش وشعبة والمسعودي وغيرهم، توفي سنة 127 ه، قال أحمد وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائي: ليس بحافظ. وقال الدارقطني: في حفظ عاصم شيء.
وقال الذهبي: ثبت في القراءة، وهو في الحديث دون المثبت، صدوق يهم، خرج له الشيخان لكن مقرونًا بغيره لا أصلاً وانفرادًا. وقال ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون.
انظر: تهذيب الكمال/ 634 مخطوط، وميزان الاعتدال 2/ 357، وتهذيب التهذيب 5/ 38، وتقريب التهذيب 1/ 383.
(2) هو: شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة كثير الحديث، أدرك النبي ولم يره، روى عن ابن مسعود وغيره، وعنه عاصم وغيره، توفي سنة 82 ه.
انظر: الكاشف 2/ 15، وتهذيب التهذيب 4/ 361، وتقريب التهذيب 1/ 354.
(3) في المسند: المؤمنون.
(4) في المسند: وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح.
(5) انظر: مسند الطيالسي/ 33. وأخرجه -أيضًا- أحمد في مسنده 1/ 379، والطبراني في المعجم الكبير 9/ 118، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 166 - 167، والبغوي في شرح السنة 1/ 214 - 215. وفي مجمع الزوائد 1/ 781:=
(2/386)

قال الآمدي (1) وغيره: السنة أقرب الطرق إِلى كون الإِجماع حجة قاطعة.
فإِن قيل: آحاد.
سلمنا التواتر، لكن يحتمل أنه أراد عصمتهم عن الكفر بلا تأويل وشبهة، أو عن الخطأ في الشهادة في الآخرة، أو فيما يوافق المتواتر (2)، ويحتمل أنه أراد كل الأمة إِلى يوم القيامة.
ثم: لم يلزم أنه حجة على المجتهدين لا سيما إِن قيل: كل مجتهد مصيب.
رد: (3) بالقطع بمجموعها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تعظيم أمته وبيان (4) عصمتها عن الخط، كالقطع بوجود حاتم الطائي (5)، فهي متواترة معنى.
وفي كلام القاضي (6) -وهو معنى الروضة (7) -: لا بد لكثرتها من
__________
=رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وفي كشف الخفاء 2/ 263: وهو موقوف حسن، وقال ابن عبد الهادي: روي مرفوعًا عن أنس بإِسناد ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 219.
(2) في (ب) و (ظ): التواتر.
(3) في (ح): ورد.
(4) نهاية 51 ب من (ب).
(5) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، الشاعر الجاهلي الجواد المشهور.
انظر: الشعر والشعراء 1/ 241 تحقيق: أحمد شاكر، وتاريخ الخميس 1/ 255.
(6) انظر: العدة/ 161 ب.
(7) انظر: روضة الناظر/ 134.
(2/387)

صحة بعض لفظها.
ولأن الأمة تلقتها بالقبول، والظن يفيد في مسألة علمية لوجوب العمل به، ولو وجد منكر لاشتهر عادة، والاحتجاج في الأصول بما لا صحة له مستحيل عادة.
وأجاب القاضي (1) (2) وأبو الخطاب (3) وابن عقيل -أيضًا-: بأن الإِجماع مسألة شرعية طريقه طريق مسائل الفروع.
وقد قال (4) الحلواني من أصحابنا [ما (5) ذكره ابن عقيل (6) وغيره]: تثبت (7) مسائل أصول الفقه بالظن، ولا يفسق المخالف، وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، وخالف بعض الأشعرية -وهو ابن اللَّبَّان (8) - في
__________
(1) انظر: العدة/ 161 ب.
(2) نهاية 104 من (ح).
(3) انظر: التمهيد/ 133 ب.
(4) انظر: المسودة/ 473.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) انظر: الواضح 2/ 77أ، 196 ب، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى/ 273.
(7) في (ظ): "ثبت" بدون نقط.
(8) هو: أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد الأصفهاني، أخذ الأصول عن أبي بكر الباقلاني، وتوفي بأصفهان سنة 446 ه.
من مؤلفاته: روضة الأخبار، ودرة الغواص في علوم الخواص.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 144، واللباب 3/ 65، وتبيين كذب المفترى=
(2/388)

الأولى (1)، وبعض (2) المتكلمين في الثانية.
واستدل: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل إِجماع عدد كثير من المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نص فيه، وأجمعوا -أيضًا- على تقديمه على الدليل القاطع، فكان قاطعًا؛ وإلا تعارض الإِجماعان (3)، لتقديم (4) القاطع على غيره إِجماعًا.
وهذان الإِجماعان لا يلزم أن عددهما عدد التواتر، وإن لزم فيهما فلا يلزم في كل إِجماع.
ورده الآمدي (5) -وبعضه في (6) كلام غيره-: بأن من قال ذلك اعتبر في الإِجماع عدد التواتر، وأنه يلزمه أن لا يختص الإِجماع بأهل الحل والعقد من المسلمين، بل عام في كل من بلغ عددهم عدد التواتر، وإن لم يكونوا مسلمين فضلاً من أهل الحل والعقد.
__________
=/ 145، وطبقات الشافعية للسبكي 5/ 72، وطبقات الشافعية للأسنوي 1/ 90، والنجوم الزاهرة 5/ 38، وشذرات الذهب 3/ 273.
(1) في (ح) و (ظ) ونسخة في هامش (ب): الأولة.
(2) في (ب) و (ظ): كبعض.
(3) وهما:
1 - الإِجماع على تقديم الإجماع على الدليل القاطع.
2 - الإِجماع على تقديم القاطع على غيره. انظر: شرح العضد 2/ 30 - 31.
(4) في (ب): كتقديم.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 223.
(6) نهاية 41أمن (ظ).
(2/389)

[وذكر بعض أصحابنا (1) أن أجود الأدلة الإِجماع الثاني (2)].
واستدل: يمتنع عادة اجتماعهم على مظنون، فدل على قاطع.
رد: بمنعه في قياس جلي وأخبار آحاد (3) بعد علمهم بوجوب العمل بمظنون.
قالوا: (تبيانًا لكل شي) (4)، (فردوه إِلى الله والرسول) (5)، (فحكمه إِلى الله) (6)، (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (7) (8).
رد: لا يلزم (9) أن لا يكون الإِجماع تبيانًا ولا حجة عند التوافق، ثم يلزم عليه السنة.
__________
(1) انظر: البلبل/ 129.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) نهاية 52 أمن (ب).
(4) سورة النحل: آية 89: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء).
(5) سورة النساء: آية 59: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إِلى الله والرسول).
(6) سورة الشورى: آية 10: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إِلى الله).
(7) سورة الأعراف: آية 33: (قل إِنما حرم ربي الفواحش) إِلى قوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
(8) نهى كل الأمة عن القول على الله بغير علم، وذلك يدل على تصوره منهم، ومن تتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبًا للقطع.
انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 202.
(9) هذا جواب عن الاستدلال بالآية الأولى.
(2/390)

ثم (1): إنما ثبت حجة (2) بالكتاب والسنة ,لا يعارض القطع (3).
قالوا: في الصحاح: (لا ترجعوا (4) بعدي كفاراً) (5).
وقوله: (حتى إِذا لم يُبْقِ [في الأرض] (6) عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً). (7)
رد: المراد بعض الأمة، والعصمة إِنما ثبتت (8) للمجموع، ثم الجواز
__________
(1) هذا جواب عن الاستدلال بالآيتين الثانية والثالثة.
(2) نهاية 105 من (ح).
(3) يعني: دلالة الآية ظاهرة، فلا تقاوم القاطع.
(4) هذا جزء من حديث مرفوع، أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 50 من حديث ابن عمر وأبي بكرة وابن عباس وجرير بن عبد الله. ومسلم في صحيحه / 81 - 82 من حديث ابن عمر وجرير. وأبو داود في سننه 5/ 63 من حديث ابن عمر. والترمذي في سننه 3/ 329 من حديث ابن عباس -وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وجرير وابن عمر وكُرْز بن علقمة وواثلة بن الأسقع والصُّنابِحي، هذا حديث حسن صحيح- والنسائي في سننه 7/ 126 - 128 من حديث ابن عمر وابن مسعود وأبي بكرة وجرير. وابن ماجه في سننه/ 1300 من حديث جرير وابن عمر.
(5) نهى الكل عن الكفر، وهو دليل جواز وقوعه منهم.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ح).
(7) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 27 - 28، ومسلم في صحيحه / 2058 - 2059 من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
(8) في (ح): تثبت.
(2/391)

عقلي لا يلزم منه الوقوع.
ويأتي (1) خلو العصر عن مجتهد (2).
قالوا: روى أبو داود (3) من حديث شعبة (4) عن أبي عون -واسمه محمَّد بن عبيد الله (5) الثقفي (6) - عن الحارث (7) بن عمرو -وهو ابن
__________
(1) هذا جواب عن الاستدلال بالحديث الثاني.
(2) انظر: ص 1552 من هذا الكتاب.
(3) انظر: سنن أبي داود 4/ 18 - 19.
(4) هو: أبو بِسْطام شعبة بن الحجاج العَتَكي الأزدى بالولاء الواسطي ثم البصري، من تابعي التابعين، توفي بالبصرة سنة 160 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول ما فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة.
انظر: حلية الأولياء 7/ 144، وتاريخ بغداد 9/ 255، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 245، وتذكرة الحفاظ/ 193، وطبقات الحفاظ/ 83، وتقريب التهذيب / 351، وشذرات الذهب 1/ 247.
(5) في (ظ): عبد الله.
(6) الكوفي، روي عن أبيه وأبي الزبير وجابر بن سمرة والحارث بن عمرو وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه الأعمش وأبو حنيفة والمسعودي وشعبة والثوري وغيرهم، توفي سنة 116 ه. وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم.
انظر: تهذيب التهذيب 9/ 322، وتقريب التهذيب 2/ 187، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 250.
(7) روى عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ، وعنه أبو عون محمَّد بن عبيد الله=
(2/392)

أخي المغيرة بن شعبة-: حدثني ناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إِلى اليمن قال: (كيف تقضي إِذا عرض لك قضاء؟) قال: أقضي بكتاب الله. قال: (فإِن لم تجد؟) قال: فبسنة رسول الله. قال: (فإِن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب بيده في صدره، وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله). الحارث تفرد عنه أبو عون، فهو مجهول، قال البخاري (1): لا يصح ولا يعرف إِلا بهذا.
ورواه (2) الترمذي من حديث شعبة، وقال: لا نعرفه إِلا من هذا الوجه، وليس إِسناده عندي بمتصل (3).
ورواه (4) الأموي (5) في
__________
=الثقفي، توفي بعد المائة، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره العقيلي وابن الجارود في "الضعفاء" قال ابن حجر في التقريب: مجهول.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 439، وتهذيب التهذيب 2/ 152، وتقريب التهذيب 1/ 143، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال 68.
(1) انظر: التاريخ الكبير للبخاري 2/ 1/ 277.
(2) في (ظ): رواه.
(3) انظر: سنن الترمذي 2/ 394.
(4) في (ظ): ورواه الآمدي عن معاوية عن أبيه.
(5) هو: أبو أيوب يحيى بن سعيد بن أبان الكوفي الحافظ، نزل بغداد، روى عن أبيه وهشام بن عروة والأعمش وغيرهم، وعنه ابنه سعيد وأحمد بن إِسحاق والحكم بن هشام الثقفي، وكان قليل الحديث، توفي سنة 194 ه. وثقه ابن معين وابن سعد،=
(2/393)

مغازيه (1) عن أبيه (2) عن رجل عن عبادة بن نُسَي (3) عن عبد الرحمن (4) بن غَنْم عن معاذ. والرجل مجهول، والظاهر أنه محمَّد بن
__________
=وذكره العقيلي في "الضعفاء" وقال ابن حجر في التقريب: صدوق يغرب.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 644، وميزان الاعتدال 4/ 380، وتهذيب التهذيب 11/ 213، وتقريب التهذيب 2/ 348، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال / 423.
(1) انظر: كشف الظنون/ 1747.
(2) هو: سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية، روى عن معاوية بن إِسحاق، وعمر بن عبد العزيز وغيرهما، وعنه ابناه لا -عبد الله ويحيى- وعمرو بن عبد الغفار الثقفي وغيرهم، كان من خيار الناس، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر في التقريب: ثقة.
انظر: تهذيب التهذيب 4/ 2، وتقريب التهذيب 1/ 291.
(3) هو: أبو عمرو عبادة بن نسي الشامي الأردني التابعي، قاضي طبرية، روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم، وعنه بُردْ بن سنان والمغيرة بن زياد الموصلي والحسن بن ذكوان وغيرهم، توفي سنة 118 ه. وثقه ابن سعد وأحمد وابن معين والعجلي والنسائي وغيرهم.
انظر: تهذيب التهذيب 5/ 113، وتقريب التهذيب 1/ 395، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 188.
(4) الأشعري، له صحبة على ما رجحه ابن حجر في الإِصابة، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: كان مسلمًا على عهد رسول الله، ولم يرد ولم يفد عليه. لازم معاذًا منذ بعثه الرسول إلى اليمن إِلى أن مات (معاذ)، ويعرف بصاحب معاذ لملازمته له، وسمع من عمر، كان من أفقه أهل الشام، وروى عنه أبو إِدريس الخَوْلاني وجماعة من تابعي=
(2/394)

سعيد المصلوب (1) كما رواه ابن ماجه (2). والمصلوب كذاب لا (3) يحتج به عندهم.
ورواه سعيد في سننه (4) من حديث شعبة (5).
__________
=أهل الشام، وهو الذي فقه عامتهم، توفي سنة 78 ه.
انظر: الاستيعاب/ 850، والإِصابة 4/ 350، وتهذيب التهذيب 6/ 250، وتقريب التهذيب 1/ 494.
(1) هو: أبو عبد الرحمن -ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس- محمَّد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي، ويقال: محمَّد بن سعيد بن عبد العزيز، ويقال: ابن أبي عتبة، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، ويقال غير ذلك في نسبه، الشامي الدمشقي، ويقال: الأزدي. قال الذهبي: وقد غيروا اسمه على وجوه ستراً له وتدليسًا لضعفه. روى عن عبد الرحمن بن غنم وعبادة بن نسي وربيعة بن يزيد ومكحول وغيرهم، وعنه ابن عجلان والثوري وأبو معاوية وغيرهم، اتهم بالزندقة فصلبه المنصور.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 561، وتهذيب التهذيب 9/ 184، وتقرب التهذيب 2/ 164.
(2) انظر: سنن ابن ماجه/ 21.
(3) في (ظ): ولا.
(4) كتاب السنن لسعيد بن منصور واحد من كتب السنن المشهورة، عثر على المجلد الثالث منه، وطبع في قسمين، بتحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي سنة 1387 ه.
(5) نهاية 52 ب من (ب).
(2/395)

ورواه (1) أيضًا: ثنا أبو معاوية (2) ثنا أبو إِسحاق (3) الشيباني عن محمَّد بن عبيد الله الثقفي قال: لما بعث (4) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (5) معاذًا إِلى اليمن، وفيه -بعد الكتاب-: بما قضى به نبيه (6)، ثم قال: أقضي بما قضى به الصالحون، ثم قال: أؤم (7) الحق جهدي. فقال: (الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضى به رسول الله). مرسل جيد. (8)
__________
(1) أورده ابن حزم في الإِحكام/ 1012 من طريق سعيد بن منصور.
(2) هو: محمَّد بن خازم الضرير التيمي الكوفي الحافظ، توفي سنة 195 ه. قال ابن حبان: كان حافظًا، ولكن كان مرجئًا خبيثًا. وقال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام الثقات، لم يتعرض له أحد، احتج به الشيخان، وقد اشتهر عنه غلو التشيع.
انظر: ميزان الاعتدلال 4/ 575، وتذكرة الحفاظ/ 294، وتقريب التهذيب 2/ 157، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال 334، وطبقات الحفاظ/ 122، وشذرات الذهب 1/ 343، ونكت الهميان/ 247.
(3) هو: فيروز -ويقال: خاقان، ويقال: عمرو- الشيباني بالولاء الكوفي، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي بردة بن أبي موسى وعكرمة مولى ابن عباس وإِبراهيم النخعي وغيرهم، وعنه ابنه إِسحاق وأبو إِسحاق السبيعي والثوري وشعبة والمسعودي وغيرهم، توفي سنة 138 ه. وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي والعجلي.
انظر: تهذيب التهذيب 4/ 197، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 152.
(4) نهاية 106 من (ح).
(5) نهاية 41 ب من (ظ).
(6) في (ب): بينه.
(7) في (ب) و (ظ): لأؤم.
(8) وأخرج حديث معاذ -أيضًا- أحمد في مسنده 5/ 230، 236، 242، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 286)، والخطيب في الفقيه والمتفقه=
(2/396)

رد: بأن الإِجماع لم يكن حجة في زمنه عليه السلام.
قالوا: كغيرهم من الأم قبل النسخ.
ورده أبو الخطاب (1) وغيره من أصحابنا وغيرهم: بأنه لا دليل عليه (2). وتوقف (3) فيه ابن الباقلاني وأبو المعالي.
__________
=1/ 188 - 189، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 69 - 70، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 114، وابن عدي والطبراني على ما في التلخيص الحبير 4/ 182، وفيه -أيضاً- 4/ 182 - 183: (وقال الدارقطني في العلل: رواه شعبة عن أبي عون هكذا، وأرسله ابن مهدي وجماعات عنه، والمرسل أصح. وقال ابن حزم: لا يصح؛ لأن الحارث مجهول، وشيوخه لا يعرفون -انظر: الإِحكام/ 1011 وما بعدها، 1265، وملخص إِبطال القياس/ 14 - قال: وادعى بعضهم فيه التواتر، وهذا كذب، بل ضد المتواتر؛ لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث، فكيف يكون متواتراً. وقال عبد الحق: لا يسند ولا يوجه من وجه صحيح. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه، وإن كان معناه صحيحاً. وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا الحديث: اعلم أني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل، فلم أجد له غير طريقين، وكلاهما لا يصح). وانظر: المعتبر/ 14 أ- 15أ.
(1) انظر: التمهيد/ 135أ.
(2) يعني: لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإِجماعهم ما ورد في علماء هذه الأمة، فافترقا. انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 211.
(3) حكى أبو المعالي عن ابن الباقلاني أنه توقف، وأما أبو المعالي فقد توقف إن=
(2/397)

وعند أبي إِسحاق الإِسْفَراييني وغيره من (1) الشافعية وجماعة من العلماء: حجة (2).
قال ابن عقيل: يحتمل أن نقوله (3)، والفرق بتطرق النسخ على الأم وتجدد الأنبياء.

مسألة
لا يعتد في الإِجماع بالعامة، خلافًا لجماعة منهم: ابن الباقلاني والآمدي (4).
ولا بمن عرف أصول الفقه أو الفقه فقط عند أحمد (5) وأصحابه والجمهور، وقيل: باعتبارهما، وقيل: بالأصولي، وقيل: بالفروعي.
وكذا (6) من فاته للاجتهاد ما يعتبر له، ذكر معناه ابن عقيل وغيره.
__________
=كان إِجماعهم على مظنون من غير قطع، قال: فإذا قطع أهل الإِجماع فقولهم في كل مسألة يستند إِلى حجة قاطعة، فإِن تلقى هذا من قضية العادات، والعادات لا تختلف إِلا إِذا انخرقت. انظر: البرهان/ 719.
(1) في (ب): ومن.
(2) انظر: اللمع/ 50، والنخول/ 309، والإِحكام للآمدي 2/ 211، وشرح تنقيح الفصول/ 323.
(3) في (ح): أن تقوله.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 226.
(5) انظر: العدة / 170 ب، 171 أ.
(6) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): وكذلك.
(2/398)

قال بعض (1) أصحابنا: ونحوي فيما بني على النحو، والأشبه: يعتبر هو والأصولي (2)؛ لتمكنهما من درك الحكم بدليله، قال: والخلاف بناء على تجزؤ الاجتهاد، قال: ويعتبر في إِجماع كل فن قول أهله.
لنا: لا يمكنه إِقامة الدليل، ويلزمه التقليد كغير المكلف والكافر، ولأنه لو اعتبر لم يتصور إِجماع.

مسألة
ولا بكافرِ عند من كَفَّره (3).
ولا بفاسق باعتقاد أو فعل عند القاضي (4) وابن عقيل (5)؛ لأنه لا يقبل قوله، ولا يقلَّد في فتوى كالكافر والصبي (6).
وعند أبي الخطاب (7): يعتد به؛ لأنه مجتهد من الأمة، فتتناوله الأدلة بخلاف الكافر، والصبي قاصر، ولا يلزم من اعتبار قوله [تبعًا] (8)
__________
(1) انظر: البلبل/ 130.
(2) في (ب): والأصول.
(3) في (ظ): كفر.
(4) انظر: العدة/ 171 ب.
(5) انظر: الجدل على طريقة الفقهاء/ 8.
(6) نهاية 53 أمن (ب).
(7) انظر: التمهيد/ 135 ب.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(2/399)

اعتبار (1) [قوله] (2) منفردًا.
وللحنفية (3) والشافعية (4) قولان.
وقيل: يُسأل (5)، فإِن ذكر مستنداً صالحًا اعتد به.
وقيل: يُعتبر في نفسه لا في حق غيره، فالإِجماع المنعقد به حجة عليه فقط. (6)
__________
(1) في (ب) و (ظ): اعتباره.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(3) انظر: أصول السرخسي 1/ 311، 312، وكشف الأسرار 3/ 237، وتيسير التحرير 3/ 238، وفواتح الرحموت 2/ 218.
(4) انظر: اللمع/ 50، والمعتمد / 486، والمستصفى 1/ 183، والمنخول/ 310، والإِحكام للآمدي 1/ 229، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 177، وشرح الورقات/ 167، ونهاية السول 2/ 378، وغاية الوصول/ 107.
(5) نهاية 107 من (ح).
(6) جاء في هامش (ب) و (ظ): من حاشية بخط شيخنا البعلي: قوله (وقيل: يعتبر في حق نفسه لا في حق غيره) معناه: أن الإِجماع الذي انعقد دونه لا ينعقد عليه بل على غيره. فيجوز له مخالفة إِجماع من عذاه، ولا يجوز ذلك لغيره. قال الآمدي: (اختلفوا في انعقاد الإِجماع مع مخالفته نفيًا وإثباتًا، ومنهم من قال: الإِجماع لا ينعقد عليه بل على غيره فتجوز له مخالفة إِجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره) -انظر: الإِحكام 1/ 229 - وقال الأصفهاني: (وثالثها: أنه تعتبر موافقته في حق نفسه دون غيره، بمعنى أنه يجوز له مخالفة الإِجماع الذي انعقد دونه، ولا يجوز لغيره ذلك)، وكلام المصنف يشعر بخلاف ذلك، فإِنه يشعر بأن معناه أن الإجماع الذي انعقد به=
(2/400)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=يكون حجة عليه دون غيره، لقوله: (فالإجماع الذي انعقد به حجة عليه فقط)، فيكون معناه أن غيره تجوز له مخالفته لكونه غير حجة عليه، وأن الفاسق لا تجوز له مخالفته لكونه حجة عليه، وهذا: إِن أراد به أن الإجماع انعقد بالفاسق فقط -بمعنى أنه لم يكن في الأمة مجتهد غيره، وقال ذلك القول، وجعلناه إِجماعًا- فإذا حصل بعد ذلك مجتهد غيره جاز له مخالفته، فهذا في نفسه واضح، مع أنه ظاهر عبارته لقوله: (فالإجماع الذي انعقد به)، فظاهر هذه العبارة أنه انعقد به فقط، لكن تفسير هذا القول بهذا المعنى بعيد، وكذلك تفسيره بهذا المعنى والمعنى الذي ذكرناه عن الآمدي والأصفهاني -أعني إذا فسر بالمعنيين جميعًا- فإِنه بعيد أيضًا؛ لأن المسألة ليست مفروضة في كلامهم في ذلك، وإينما هي مفروضة في كلامهم في أنه هل ينعقد إِجماع المجتهدين غيره بدونه أو لا بد من موافقته، مع أن كلامه إِذا فسر بذلك يكون قد فسر القول بغير ما فسروه به وترك ما فسروه به، ومثل المصنف لا يترك هذا التفسير مع شهرته وكثرته ويعدل إِلى ما لم يذكره أصحاب هذه الكتب المثسهورة، فإِن كان رآه لأحد فكان اللائق إِذا ذكره أن يذكر ما فسره به أصحاب هذه الكتب أيضًا، وإن كان أراد التفسير الذي ذكره الطوفي في شرحه فالذي أجزم أنه سهو فاحش ما أظن أحدًا يقوله "فإِنه قال: (ومثاله لو اجتمع مع بقية المجتهدين على تحريم بيع أم الولد -أو تحريم الجمع بين الأختين بالوطء بملك اليمين، أو أن المطلقة ثلاثًا لا يحلها للأول مجرد عقد الثاني عليها، أو على تحريم الثعلب ونحوه- كان ذلك الإجماع حجة عليه حتى لو ظهر له دليل الإِباحة لم يجز له المصير إِليه مؤاخذة له بإِقراره بالتحريم، ولو ظهر لغيره من المجمعين دليل الإباحة جاز له المصير إِليه؛ لأن الإِجماع لم يكمل بالنسبة إِليه فلا يؤاخذ بإِقرار غيره عليه بالتحريم) فانظر إِلى هذا التفسير الذي فيه أن إِجماع المجتهدين يجوز لأصحابه العمل بخلافه لكون الفاسق وافقهم. فالذي يظهر لي: أن مثل هذا=
(2/401)

مسألة
لايختص الإِجماع بالصحابة، وإجماع كل عصر حجة عند أحمد (1) وعامة الفقهاء والمتكلمين، خلافاً (2) لداود (3) وأصحابه، وعن أحمد (4) مثله (5)، قال ابن عقيل (6): وصرفها شيخنا (7) عن ظاهرها بلا دليل.
__________
=لا يقع إِلا سهواً، فلعل المصنف تابعه فيه ونقله ولم يجدد نظره فيه. هذا ما ظهر لي، وأسأل الله التوفيق للصواب.
(1) انظر: العدة/ 163أ، والتمهيد/ 163 أ.
(2) انظر: الإحكام لابن حزم/ 659.
(3) هو: أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني البغدادي، إمام أهل الظاهر، كان ذا ميل للشافعي، وصنف في فضائله والثناء عليه، ثم صار صاحب مذهب مستقل، توفي ببغداد سنة 270 ه.
انظر: تاريخ بغداد 8/ 369، ووفيات الأعيان 2/ 26، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 284، وطبقات الحفاظ/ 253، وشذرات الذهب 2/ 158.
(4) قال أبو داود في مسائل الإمام أحمد/ 276: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين غير. وانظر: العدة/ 163 أ، والتمهيد/ 136أ.
(5) في (ح): نحو قوله.
(6) جاء في المسودة/ 317: (قال ابن عقيل: وعن أحمد نحوه، وصرف شيخنا كلام أحمد على ظاهره، يعني إِلى موافقة داود) فاختلف عما ذكر المؤلف، ولعل ما ذكره المؤلف هو الصواب؛ لأن القاضي حملها على غير ظاهرها.
(7) يعني: القاضي أبا يعلى، فقد قال في العدة/ 163أ: وهذا محمول من كلامه على آحاد التابعين لا على جماعتهم.
(2/402)

وقال بعض أصحابنا (1): لا يكاد يوجد عن أحمد احتجاج بإِجماع بعد عصر التابعين (2) أو بعد القرون الثلاثة.
لنا: عموم الأدلة.
احتجوا: بظاهر الآيات السابقة (3)، فكانوا كل الأمة، وليس من بعدهم كلها دونهم، وموتهم لم يخرجهم منها.
رد: فيقدح موت الموجود حين الخطاب في انعقاد إِجماع الباقين، ومن أسلم بعد الخطاب لا يعتد بخلافه.
قالوا: ما لا قطع (4) فيه سائغ فيه الاجتهاد بإِجماع الصحابة، فلو اعتد بإِجماع غيرهم تعارض الإِجماعان.
رد: لم يجمعوا على أنها اجتهادية مطلقًا، وإلا لما أجمع من بعدهم فيها لتعارض الإجماعين، وبلزومه في الصحابة قبل إِجماعهم، فكان مشروطًا بعدم الإِجماع.

مسألة
لا إِجماع مع مخالف واحد أو اثنين عند أحمد (5) وأصحابه والجمهور،
__________
(1) انظر: المسودة/ 316.
(2) نهاية 42 أمن (ظ).
(3) في حجية الإِجماع، انظر: ص 371 وما بعدها من هذا الكتاب.
(4) في (ظ): ما لا يقطع.
(5) انظر: العدة/ 168أ، والتمهيد/ 136 ب.
(2/403)

كالثلاثة، جزم به في التمهيد (1) وغيره، وغيرهم من الشافعية (2) [وغيرهم] (3).
وعن أحمد (4): ينعقد، اختاره بعض أصحابنا (5)، وقاله (6) ابن جرير الطبري (7) وأبو بكر (8) الرازي الحنفي وبعض (9) المالكية (10) وبعض (11) المعتزلة.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 136 ب.
(2) انظر: اللمع/ 50، والمعتمد/ 486، والمستصفى 1/ 186، والمنخول/ 311، والإِحكام للآمدي 1/ 235، ونهاية السول 2/ 378، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 178.
(3) ما بين المعقوفتين من (ظ)، وكان موجودًا في (ب) ثم ضرب عليه.
(4) انظر: العدة/ 168أ، والتمهيد/ 136 ب.
(5) كابن حمدان، فانظر: شرح الكوكب المنير 2/ 230.
(6) انظر: العدة/ 168 ب، والبرهان/ 721، والتمهيد/ 136 ب، والإِحكام للآمدي 1/ 235، والإحكام لابن حزم/ 705.
(7) هو: أبو جعفر محمَّد بن جرير بن يزيد، الإِمام الجليل الجامع لكثير من العلوم، توفي سنة 310 ه.
من مؤلفاته: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، واختلاف الفقهاء.
انظر: المنتظم 6/ 170، ووفيات الأعيان 3/ 332، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 78، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 120، وشذرات الذهب 2/ 260.
(8) انظر: أصول الجصاص/ 225أ- ب، ومسائل الخلاف في أصول الفقه/ 46أ، والعدة / 168 ب، والمسودة/ 330، والإحكام للآمدي 1/ 235.
(9) نهاية 53 ب من (ب).
(10) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 336.
(11) انظر: المعتمد/ 486.
(2/404)

وقال الجُرْجاني الحنفي: إِن لم يسوغوا (1) اجتهاد المخالف -كالمتعة- (2) انعقد، وإلا فلا، كالعول. (3) (4)
وفي الروضة (5) والآمدي (6) وغيرهما: الخلاف في الأقل، وأنه رواية عن أحمد.
__________
(1) انظر: كشف الأسرار 3/ 245، وتيسير التحرير 3/ 236 - 237، والعدة/ 168 ب، والمسودة/ 330. وحكي هذا القول -أيضًا- عن الرازي الحنفي، فانظر: أصول الجصاص/ 224 ب، وأصول السرخسي 1/ 316، وكشف الأسرار 3/ 245، وتيسير التحرير 3/ 237.
(2) روي عن ابن عباس أنه كان يقول بإِباحتها، وأنكر عليه ذلك بإِثبات تحريمها ونسخ إِباحتها، أخرجه البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 12/ 333، 9/ 166) ومسلم في صحيحه/ 1028، والدارقطني في سننه 3/ 257 - 258، وسعيد في سننه 3/ 1/ 209 - 210. وانظر: فتح الباري 9/ 168. وقد روي عن ابن عباس رجوعه عن القول بإِباحتها، أخرجه البخاري وغيره، فانظر: فتح الباري 9/ 167، 171، وسنن الترمذي 2/ 295 - 296، وسنن البيهقي 7/ 201 وما بعدها.
(3) قال ابن عباس: الفرائض لا تعول، أخرجه البيهقي في سننه 6/ 253، وسعيد في سننه 3/ 1/ 19، وابن حزم في المحلى 10/ 332 - 333 من طرق. وقد جوز وسوغ هذا الخلاف، يقول الزهري: وأيْمُ الله لولا أنه تقدمه إِمام كان أمره على الورع -يعني عمر؛ فإِنه قال بالعول- ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم. فانظر: سنن البيهقي 6/ 253، والمحلى 10/ 333.
(4) نهاية 108 من (ح).
(5) انظر: روضة الناظر/ 142.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 235.
(2/405)

وقال بعضهم: إِن بلغ الأقل عدد التواتر -وقيل: في الفروع- منع.
لنا: تناول الأدلة للجميع حقيقة.
ولأنه لا دليل عليه.
قالوا: فقد أنكروا على المخالف. (1)
رد: بالمنع، ثم: إِنكار مناظرة لا للإِجماع، أو لمخالفة السنة ولهذا إِنما احتجوا بها، ثم الأكثر كالأقل هنا.
قال (2) ابن عقيل: العاقل من لم توحشه الوحدة ولم تؤنسه الكثرة، بل ثقته بالدليل، وضعفه بعدمه.
وقيل: قولهم أولى، وقيل: حجة وأنه قول الأكثر -واختاره بعض أصحابنا (3) - لأنها (4) معهم غالبًا.
رد: بالمنع.
ثم: ظاهر ما سبق أن مخالفة الواحد زمنه عليه السلام تقدح في الإِجماع.
وذكر القاضي في الخلاف (5) -في تطليق (6)
__________
(1) كما أنكروا على ابن عباس خلافه في تحليل المتعة على ما روي. انظر: ص 405.
(2) في (ظ): وقال.
(3) انظر: البلبل/ 132.
(4) يعني: لأن الإِصابة.
(5) وهو كتاب التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة، تقدم في ص 216.
(6) خبر طلاق فاطمة بنت قيس ورد من طرق وبألفاظ، أخرجه مسلم في=
(2/406)

زوج (1) فاطمة (2) ثلاثًا-: لا تقدح؛ لعدم كونه حجة [إِذًا]. (3)

مسألة
لا إِجماع للصحابة مع مخالفة تابعي مجتهد لهم عند أبي الخطاب (4) وابن عقيل (5) وصاحب (6) الروضة وعامة المتكلمين والفقهاء، منهم: أكثر الحنفية (7) والمالكية (8) والشافعية (9)، خلافًا (10) للخلال
__________
=صحيحه/ 1114 - 1121، وأبو داود في سننه 2/ 712 وما بعدها، والترمذي في سننه 2/ 425، والنسائي في سننه 6/ 144، 207 وما بعدها، وابن ماجه في سننه/ 656.
(1) هو: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة القرشي المخزومي، وقيل: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة، واختلف في اسمه فقيل: أحمد، وقيل: عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته، خرج مع علي إِلى اليمن في عهد النبي، فمات هناك، ويقال: بل رجع إِلى أن شهد فتوح الشام.
انظر: الاستيعاب/ 1719، والإِصابة 7/ 287.
(2) هي: الصحابية فاطمة بنت قيس.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: التمهيد/ 137أ.
(5) انظر: المسودة/ 333.
(6) انظر: روضة الناظر/ 139.
(7) انظر: تيسير التحرير 3/ 241، وفواتح الرحموت 2/ 221.
(8) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 40، ومختصره 2/ 35، وشرح تنقيح الفصول/ 335.
(9) انظر: التبصرة/ 384، والمحصول 2/ 1/ 251، والإحكام للآمدي 1/ 240.
(10) انظر: العدة/ 174أ، والتمهيد 1/ 137أ، والمسودة/ 333.
(2/407)

والحلواني من أصحابنا.
واختلف اختيار القاضي. (1)
ولأحمد روايتان (2).
وإن صار مجتهدًا بعد إِجماعهم (3) فعند الجميع: إِن اعتبر انقراض العصر اعتد به، وإلا فلا، خلافاً لبعضهم "لا يعتبر"، وحكاه السرخسي (4) عن أصحابهم (5)، واختاره في الروضة (6)؛ لسبقه بالإِجماع كإِسلامه بعده.
وفي التمهيد (7): أن هذا (8) لم يقله أحد.
__________
(1) انظر: العدة/ 173 ب، والمسودة/ 333.
(2) انظر: العدة/ 173 ب، والتمهيد/ 137 أ، والمسودة، 333.
(3) نهاية 42 ب من (ظ).
(4) هو: أبو سفيان الحنفي.
(5) جاء في العدة / 174 ب: حكى أبو سفيان عن أصحابهم: إن كان من أهل الاجتهاد عند الحادثة كان خلافه خلافاً، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد عند الحادثة -لكنه صار من أهله قبل انقراض العصر، فأظهر الخلاف- لم يكن خلافاً. وانظر: المسودة/ 320. وذكر شمس الأئمة السرخسي في أصوله 1/ 315: أن انقراض العصر ليس بشرط عندهم. أقول: فلعل قولهم ذلك مبني على عدم اعتبارهم انقراض العصر، وظاهر كلام المؤلف أنهم قالوا: لا يعتد بقوله مطلقًا، وإن قلنا باشتراط انقراض العصر.
(6) انظر: روضة الناظر/ 140.
(7) انظر: التمهيد/ 144 أ.
(8) يعني: عدم الاعتداد به مع اعتبار انقراض العصر.
(2/408)

ولا (1) تعتبر موافقته، ذكره بعض أصحابنا (2).
واعتبره في الواضح، وقاله في (3) التمهيد (4) -في مسألة انقراض العصر- والآمدي (5)، ولعل المراد عدم مخالفته (6).
وتابع التابعي مع إِجماع التابعين (7) كالتابعي مع الصحابة، ذكره القاضي (8) وغيره.
لنا: ما سبق (9)
واستدل: بأنهم جوزوا للتابعين (10) الاجتهاد معهم،
__________
(1) نهاية 54 أمن (ب).
(2) انظر: المسودة / 320، 323.
(3) في (ح): وفي.
(4) انظر: التمهيد/ 144أ.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 240.
(6) في (ح): والآمدي بموافقته عدم مخالفته.
(7) في (ظ): التابعي.
(8) جاء في المسودة/ 331: قال القاضي: وإذا اختلف التابعون في حادثة جاز لغيرهم الدخول معهم في الاجتهاد إِذا كانوا من أهل الاجتهاد، وذكر شيخنا رواية أخرى: أنهم لا يدخلون معه في الاجتهاد ويسقط قولهم.
(9) من الأدلة الدالة على كون الإِجماع حجة، وهي الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ، وهذا الاسم لا يصدق عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم؛ فإِنه لا يقال: إِجماع جميع الأمة، بل إِجماع بعضهم، فلا يكون حجة. انظر: الأحكام للآمدي 1/ 241.
(10) كسعيد بن المسيب وشريح القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، حتى إِن عليًا وعمر وليا شريحاً القضاء. فانظر:=
(2/409)

ورجعوا (1) إِليهم.
رد: إِنما جوزوه مع اختلافهم.
وأما اعتبار الفضيلة فتوجب رد الأنصار مع المهاجرين، وغير العشرة (2) معهم.

مسألة
إِجماع أهل المدينة ليس بحجة، خلافًا (3) لمالك، فقال بعض (4) أصحابه بظاهره زمن الصحابة، [وقيل]: (5) والتابعين، وقيل: ومن يليهم،
__________
=الإِحكام للآمدي 1/ 240.
(1) فقد أخرج ابن سعد في طبقاته 7/ 1/ 138: ... عن خالد بن رياح أن أنس بن مالك سئل عن مسألة، فقال: عليكم مولانا الحسن فاسألوه، فقالوا: يا أبا حمزة، نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن، فقال: إِنا سمعنا وسمع، وحفظ ونسينا.
وأخرج -أيضاً- 6/ 54: أن رجلاً جاء إِلى ابن عمر، فسأله عن فريضة، فقال: ائت سعيد بن جبير؛ فإِنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض.
(2) وهم: الخلفاء الأربعة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبي عبيدة عامر بن الجراح. انظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 41، ومختصره 2/ 35، وشرح تنقيح الفصول/ 334، ومفتاح الوصول/ 120.
(4) نهاية 109 من (ح).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2/410)

وقيل أراد فيما طريقه النقل، واختار ابن عقيل مثله (1) في كتابه "النظريات الكبار"، وقيل: أراد المنقولات المستمرة كأذان وإقامة.
لنا: ما سبق (2)
قالوا: لا يجتمعون إِلا على راجح؛ لأنهم أفضل وأكثر.
رد: بمنعهما؛ فإِن الصحابة بغيرها أكثر، ومنهم علي وابن مسعود وابن عباس.
ثم: المفضول معتبر مع الفاضل.
ولا حجة في فضلها ونفيها (3) للخبث (4)، بدليل مكة.

مسألة
قول الخلفاء الأربعة ليس بإِجماع ولا حجة -مع مخالفة صحابي لهم- عند أحمد (5) وعامة الفقهاء.
__________
(1) يعني: أن إِجماعهم حجة فيما طريقه النقل، ولا يكون حجة في باب الاجتهاد.
انظر: المسودة/ 332 - 333.
(2) من الأدلة الدالة على حجية الإجماع، فهي متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين، فلا يكون إِجماعهم حجة.
انظر: الإحكام للآمدي 1/ 243.
(3) نفي المدينة للخبيث: ورد في حديث الرسول، أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 20 - 21 من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومسلم في صحيحه/ 1005 - 1007 من حديث أبي هريرة وجابر وزيد بن ثابت.
(4) في (ظ) الخبث.
(5) انظر: العدة/ 180أ، والتمهيد/ 134 ب.
(2/411)

وعنه: إِجماع، اختاره (1) ابن البنا من أصحابنا، وقاله (2) أبو خازم (3) -بالخاء المعجمة- الحنفي (4).
وعنه: حجة.
وقول أحدهم ليس بحجة -فيجوز لبعضهم خلافه- رواية واحدة عند أبي الخطاب (5)
وذكر القاضي (6) وابن عقيل (7) وغيرهما رواية: لا
__________
(1) انظر: القواعد والفوائد الأصولية/ 294، وشرح الكوكب المنير 2/ 239.
(2) انظر: أصول الجصاص/ 226أ، وأصول السرخسي 1/ 317، وفواتح الرحموت 2/ 231، والعدة/ 180أ، والتمهيد/ 134 ب، والمسودة/ 340.
(3) ويقال: أبو حازم -بالحاء المهملة- وهو: عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، عالم متفنن، ولي قضاء الشام والكوفة والكرخ من بغداد، توفي سنة 292 ه.
من مؤلفاته: أدب القاضي، وكتاب في الفرائض.
انظر: الفهرست/ 292، وأخبار أبي حنيفة وأصحابه/ 159، والجواهر المضية 1/ 296، والفوائد البهية/ 86، وتاج التراجم/ 33، وشذرات الذهب 2/ 210.
(4) في (ب) و (ظ): وقاله أبو خازم الحنفي - بالخاء المعجمة.
(5) قال في التمهيد/ 135أ: فأما قول أحدهم فليس بحجة رواية واحدة، وقال بعض الشافعية: هو حجة علينا وإن خالفه غيره من الصحابة، وهو اختيار أبي حفص من أصحابنا. لنا: أنه لو كان حجة لم يكن لمن بعده من الأئمة مخالفته، وقد خالف عمر أبا بكر في العطاء. وانظر: المسودة/ 340.
(6) انظر: العدة/ 180 ب.
(7) انظر: المسودة/ 340.
(2/412)

يجوز، واختارها (1) أبو حفص (2) البرمكي وغيره من أصحابنا، وبعض الشافعية (3).
ولا يلزم (4) الأخذ بقول أفضلهم، وعجب أحمد (5) من قائل ذلك.
وفي مقدمة روضة الفقه (6) لبعض أصحابنا: إِذا اختلفوا -وفي
__________
(1) انظر: العدة/ 180 ب، والتمهيد/ 135أ، والمسودة/ 340.
(2) هو: عمر بن أحمد بن إِبراهيم، فقيه زاهد، حدث عن ابن الصواف، وصحب أبا بكر عبد العزيز غلام الخلال، وعمر بن بدر المغازلي، توفي ببغداد سنة 387 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 153، والمنهج الأحمد 2/ 73.
(3) جاء في العدة / 180 ب: فأما قول أحد الأئمة فليس بحجة إِذا خالفه غيره رواية واحدة، وحكي عن بعض الشافعية: أنه حجة لا تجوز لنا مخالفته -وإن خالفه غيره من الصحابة- وقد أومأ إِليه أحمد ... قال أبو حفص البرمكي: إِذا روي عن أحد الخلفاء شيء، وروي عن غير الخلفاء ضده، فالذي يلزم اتباعه ما جاء عن أحد الخلفاء.
وجاء في المسودة/ 340: لا يقدم قول الواحد من الخلفاء الأربعة على غيرهم في أصح الروايتين، وفي رواية أخرى: يقدم، واختار الأول أبو الخطاب، وزعم أن المسألة رواية واحدة، وكذلك ابن عقيل صدر المسألة بأن قال: لا يختلف قول أصحابنا بأن الواحد من الخلفاء يسوغ خلافه، ولا يمنع بقية الصحابة من خلافه، ثم قال: وقد أومأ صاحبنا إِلى أنه لا يجوز خلافه، وليس كذلك، وإنما الرواية الواحدة أنه لا يقدم قول الخليفة الأول على الثاني؛ فإِنه هو الذي حكي لأحمد وأنكره، وانظر: التمهيد/ 135 أ.
(4) نهاية 54 ب من (ب).
(5) انظر: العدة/ 180 ب، والمسودة/ 340 - 341.
(6) قال المرداوي في التحبير 1/ 13 أ: (الروضة في الفقه لا نعلم مصنفها وقيل: إِنها=
(2/413)

أحدهما قول إِمام- ففي ترجيحه على القول الآخر روايتان، فإِن كان مع كل منهما إِمام -وأحدهما أفضل- ففي ترجيحه روايتان.
وذكر الآمدي (1) أن بعض الناس قال: قول أبي بكر وعمر إِجماع. وذكره بعض أصحابنا (2) عن أحمد.
لنا: ما سبق (3)
واحتجوا (4): بحديث العِرْباض (5): (إِنه من (6) يعش منكم (7) فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإِن كل بدعة ضلالة). رواه (8) أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي -وصححه- والحاكم، وقال:
__________
=لأبي الفتح نصر بن علي الضرير الحراني) أقول: لم أجد ترجمة لأبي الفتح، ولم أعثر على كتاب الروضة هذا.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 249.
(2) انظر: البلبل/ 135.
(3) من أن الدليل جاء بعصمة كل الأمة لا بعضها.
(4) في (ح): احتجوا.
(5) هو: الصحابي أبو نجيح العرباض بن سارية السلمي.
(6) نهاية 43 أمن (ظ).
(7) نهاية 110 من (ح).
(8) انظر: مسند أحمد 4/ 126 - 127، وسنن أبي داود 5/ 13 - 15، وسن ابن ماجه / 15 - 16، وسنن الترمذي 4/ 149 - 150، وقال: حسن صحيح، والمستدرك للحاكم 1/ 95 - 98.
(2/414)

على شرط الصحيحين. (1)
وعن حذيفة (2) مرفوعًا: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). حديث حسن له طرق، رواه (3) ابن ماجه والترمذي -وحسَّنه- وابن حبان والحاكم.
رد: (الخلفاء) عام، فأين دليل الحصر؟.
ثم يدل على أنه حجة، أو يحمل على تقليدهم في فتيا أو إِجماع لم يخالفهم غيرهم.
فأما ما عقده أحدهم -كصلح بني تغلب (4) وخراجٍ وجزيةٍ- فلنا
__________
(1) ووافقه الذهبي في التلخيص 1/ 98.
(2) هو: الصحابي أبو عبد الله حذيفة بن اليمان العبسي.
(3) انظر: سنن ابن ماجه/ 37، وسنن الترمذي 5/ 271 - 272، وموارد الظمآن/ 538 - 539، والمستدرك للحاكم 3/ 75 وقال: هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين. ثم تكلم عن إِسناد الحديث ثم قال: فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث وإن لم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص على تصحيحه.
وقد أخرج الحديث أحمد في مسنده 5/ 382، وأبو نعيم في الحلية 9/ 109، والخطيب في تاريخ بغداد 12/ 20.
(4) بنو تغلب: قبيلة عظيمة تنتسب إِلى تغلب بن وائل (المنتهي نسبه إِلى نزار بن معد ابن عدنان) تتفرع منها فروع عديدة.
انظر: معجم قبائل العرب 1/ 120.
وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى 9/ 216 - من طرق- عن عمر: أنه صالح بني تغلب على أن يضاعف عليهم الصدقة، وأن لا يمنعوا أحدًا منهم أن يسلم،=
(2/415)

خلاف في جواز نقضه؛ اختار ابن عقيل (1): يجوز، قال: ومنعه أصحابنا.

مسألة
ولا إِجماع أهل البيت (2) -وقاله (3) (ه م ش) - لما سبق (4)
وذكر القاضي في المعتمد (5) وبعض العلماء والشيعة: أنه إِجماع، واختاره بعض أصحابنا (6)، قال: ومثله إِجماع [أهل] (7) المدينة زمن الخلفاء وإجماع أهل السنة.
قالوا: (إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) (8)
__________
=وأن لا يصبغوا أولادهم. وأخرجه أبو عبيد في الأموال/ 28 - 29، وانظر: نصب الراية 2/ 362، وكان ذلك سنة 17 ه. فانظر: تاريخ الأمم والملوك 4/ 55، والكامل في التاريخ 2/ 533.
(1) انظر: المسودة/ 341، والعدة/ 181أ.
(2) في (ب) و (ظ) زيادة: لما سبق. وقد ضرب عليها في (ب).
(3) في (ظ): ه وش.
(4) من أن المطلوب إِجماع كل الأمة.
(5) المعتمد: كتاب في أصول الدين للقاضي أبي يعلى، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور وديع زيدان حداد. وقد ذكر المحقق أن كتاب المعتمد المطبوع هو مختصر لكتاب كبير لأبي يعلى بالعنوان نفسه استنادًا إِلى قول القاضي في مقدمة المعتمد المطبوع: سألتموني ... اختصار مقدمة في أصول الدين من كتابنا المعتمد ... فأجبتكم إِلى ذلك.
انظر: المعتمد/ 13، 19.
(6) انظر: المسودة/ 333.
(7) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(8) سورة الأحزاب: آية 33: (إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا).
(2/416)

قيل: (1) هو الإِثم، وقيل: الشرك (2)، والخطأ منه؛ لأنه لكل مستقذر.
قيل (3): المراد أزواجه (4) لسياق القرآن، وهو مراد معهم (5)، فلهذا قال: (عنكم)، وقيل: أهله وأزواجه.
وقيل: فاطمة وعلي وحسن وحسين؛ لرواية شَهْر بن حَوْشب - (6) وهو (7) مختلف في الاحتجاج به- عن أم سلمة: أن هذه الآية نزلت،
__________
(1) انظر: زاد المسير 6/ 381، وفتح القدير 4/ 278.
(2) في (ظ): الشك. أقول: وهو قول -أيضًا- في معنى الرجس. فانظر: زاد المسير 6/ 381.
(3) في (ح): وقيل.
(4) انظر: تفسير القرطبي 14/ 182 - 183، وتفسير ابن كثير 3/ 283 - 486، وفتح القدير 4/ 278 - 280.
(5) في (ب) و (ظ): بعضهم. والمثبت من (ح) ونسخة في هامش (ب).
(6) هو: أبو سعيد -ويقال في كنيته غير ذلك- الأشعري الشامي، روى عن أم سلمة وأبي هريرة وجماعة، وعنه عبد الحميد بن بهرام وقتادة وداود بن أبي هند وجماعة، توفي سنة 111 ه.
وثقه ابن معين وأحمد ويعقوب بن سفيان، وقال أبو زُرْعة: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 260، وميزان الاعتدال 2/ 283، وتهذيب التهذيب 4/ 369، وتقريب التهذيب 1/ 355، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال / 169.
(7) نهاية 55 أمن (ب).
(2/417)

وجلَّلَ عليهم بكساء، وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا)، فقالت أم سلمة: وأنا معكم. قال: (إِنك إِليّ خير). (1) رواه أحمد والترمذي وصححه (2). ورواه (3) -أيضًا- من حديث عمر (4) بن أبي سلمة (5) بإِسناد ضعيف، وقال: غريب من هذا الوجه.
وعن جابر مرفوعًا: (إِني تركت فيكم ما إِن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعِتْرَتي (6) أهل بيتي). (7) فيه زيد بن
__________
(1) نهاية 111 من (ح).
(2) انظر: مسند أحمد 6/ 292، وسنن الترمذي 5/ 360 - 361، لكن ليس فيه ذكر لنزول الآية، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وفي الباب عن أنس وعمر بن أبي سلمة وأبي الحمراء.
(3) انظر: سنن الترمذي 5/ 30 - 31، 328.
وقد أخرجه مسلم في صحيحه/ 1883 من حديث عائشة -وليس فيه إِلا تلاوة الآية لا نزولها- والحاكم في مستدركه 2/ 416، 3/ 146 من حديث أم سلمة- وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه- وابن جرير الطبري في تفسيره 22/ 6 من حديث أم سلمة. وانظر: المعتبر/ 26 ب.
(4) في (ح): عمرو.
(5) هو: الصحابي أبو حفص عمر بن أبي سلمة.
(6) راجع الخلاف في تحديد المراد بالعترة في: النهاية في غريب الحديث 3/ 177، ولسان العرب 6/ 211 - 212 (عتر).
(7) أخرجه الترمذي في سننه 5/ 327 - 328 وقال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد=
(2/418)

الحسن (1)، قال أبو حاتم (2): منكر الحديث (3). وقواه ابن حبان.
وعن الأعمش (4) عن عطية (5) -وهو ضعيف- عن أبي سعيد مرفوعًا
__________
=وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد، هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه، وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم.
(1) هو: أبو الحسن القرشي الكوفي، روى عن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين، ومعروف بن خَرَّبُوذ، وعنه إِسحاق بن راهويه ونصر الوشَّاء وعلي بن المديني وغيرهم. قال ابن حجر في التقريب: ضعيف. انظر: ميزان الاعتدال 2/ 102، وتهذيب التهذيب 3/ 406، وتقريب التهذيب 1/ 273.
(2) هو: محمَّد بن إِدريس بن المنذر بن مهران الغطفاني الحنظلي الرازي، حافظ المشرق، ثبت بارع الحفظ، جمع أحاديث الزهري وصنفها ورتبها، وكان مرجعاً في معرفة رجال الحديث، توفي سنة 275 ه.
انظر: تاريخ بغداد 3/ 73، وتذكرة الحفاظ/ 567، وطبقات الحنابلة 1/ 284، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 207، وتقريب التهذيب 2/ 143، والمنهج الأحمد 1/ 183، وطبقات الحفاظ/ 255، وشذرات الذهب 2/ 171.
(3) انظر: الجرح والتعديل 1/ 2/ 560.
(4) هو: أبو محمَّد سليمان بن مهران الأسدي، مولى بني كاهل، محدث الكوفة وعالمها، ولد سنة 61 ه، وتوفي سنة 148 ه.
قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس.
انظر: تاريخ بغداد 9/ 3، ووفيات الأعيان 2/ 136، وتذكرة الحفاظ/ 154، ومشاهير علماء الأمصار/ 111، وطبقات الحفاظ / 67، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال / 155، وشذرات الذهب 1/ 220.
(5) هو: أبو الحسن عطية بن سعد بن جُنادة العوفي الكوفي، تابعي شهير، روى عن=
(2/419)

والأعمش عن حبيب (1) بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم مرفوعًا: (إِني تارك فيكم ما إِن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله وعِتْرَتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا (2) (3) على الحوض). (4)
__________
=ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم، وعنه حجاج بن أرطأة والأعمش وإِدريس الأودي وغيرهم، توفي سنة 127 ه.
ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وجماعة. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلسًا.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 79، وتهذيب التهذيب 7/ 224، وتقرب التهذيب 2/ 24.
(1) هو: أبو يحيى حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي -بالولاء- الكوفي، من فقهاء التابعين، روى عن ابن عمر وأنس وابن عباس وزيد بن أرقم، وغيرهم، وعنه الأعمش وأبو إِسحاق الشيباني والثوري وغيرهم، توفي سنة 119 ه.
قال ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 451، وتهذيب التهذيب 2/ 178، وتقريب التهذيب 1/ 148.
(2) في (ب) و (ظ): يردوا.
(3) نهاية 43 ب من (ظ).
(4) أخرجه الترمذي في سننه 5/ 328 - 329، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرج الحاكم في مستدركه 3/ 109 حديث زيد بن أرقم بلفظ: (إِني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإِنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) وأخرجه -أيضًا- 3/ 148 بلفظ: (إِني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي، لن يتفرفا حتى يردا على الحوض). وقال: صحيح=
(2/420)

روى الترمذي الثلاثة، وقال في كل منها (1): حسن غريب.
والأعمش إِمام، لكنه كثير التدليس، ولم يصرح بالسماع، فلا يحتج به عند المحدثين، وقد قال أحمد (2): في حديثه اضطراب كثير. وقال ابن المديني (3): كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء. (4)
رد ذلك: بمنع الصحة (5) لما سبق، ولهذا في مسلم (6) من حديث زيد
__________
=الإِسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد 3/ 14، 17، 59 ومن حديث زيد بن ثابت 5/ 181 - 182، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث زيد بن ثابت 5/ 171، ومن حديث زيد بن أرقم 5/ 190.
(1) في (ظ): منهما.
(2) انظر: ميزان الاعتدال 2/ 224، وتهذيب التهذيب 4/ 222.
(3) هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي -بالولاء- البصري، إِمام حافظ عالم بالحديث والعلل، روى عنه أحمد والبخارى وأبو داود وأبو حاتم وخلق، توفي سنة 234 ه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 458، وطبقات الحنابلة 1/ 225، وتذكرة الحفاظ/ 428، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 145، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 350، وطبقات الحفاظ/ 184، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 275، والمنهج الأحمد 1/ 97، وشذرات الذهب 2/ 81.
(4) انظر: ميزان الاعتدال 2/ 224، وتهذيب التهذيب 4/ 222.
(5) في (ظ): لصحة.
(6) انظر: صحيح مسلم/ 1873 - 1874.
(2/421)

ابن أرقم: (إِني تارك فيكم ثَقَلين، أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)، ثم قال: (وأهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي). (1)
وفي الأخبار الصحيحة أنه أمر باتباع سنته -كما في المسألة (2) قبلها- ودل عليه حديث المقدام (3) وأبي رافع (4) وأبي هريرة وغيرها (5) مما يطول (6).
__________
(1) وأخرجه -أيضًا- أحمد في مسنده 4/ 367، والدارمي في سننه 2/ 310، والطبراني في المعجم الكبير 5/ 205 - 206.
(2) في قول الرسول: عليكم بسنتي ...
(3) هو: الصحابي المقدام بن معد يكرب.
(4) هو: الصحابي أبو رافع مولى الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(5) في (ح) و (ظ): وغيرهما.
(6) حديث المقدام: عن رسول الله قال: (ألا إِني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم من حلال فأحلوه ...) وقد ورد بألفاظ. أخرجه أبو داود في سننه 5/ 10 - 12، والترمذي في سننه 4/ 145 وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وابن ماجه في سننه/ 6، وأحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 1/ 191 - 192)، والدارمي في سننه 1/ 117، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 232، والبيهقي في المدخل إِلى دلائل النبوة / 34، وفي المعرفة 1/ 19، والحاكم في مستدركه 1/ 109 وقال: إِسناده صحيح.
حديث أبي رافع: عن رسول الله قال: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ...) وقد ورد بألفاظ. أخرجه أبو داود في سننه/ 6 - 7، والشافعي=
(2/422)

ولمالك في الموطأ: بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) [قال] (2): (تركت فيكم أمرين (3) لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله). (4)
__________
= (انظر: بدائع المنن 1/ 17)، وأحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 1/ 192)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 232، والبيهقي في المدخل إِلى دلائل النبوة / 34، وفي المعرفة 1/ 18، والحاكم في مستدركه 1/ 108 - 109 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
حديث أبي هريرة: قال رسول الله: (لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث -وهو متكئ في أريكته- فيقول: اتلوا عليَّ به قرآناً ...) أخرجه أحمد في مسنده 2/ 367، وابن ماجه في سننه/ 9 - 10، والبزار في مسنده" (انظر: كشف الأستار 1/ 80).
(1) نهاية 55 ب من (ب).
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) نهاية 112 من (ح).
(4) انظر: الموطأ/ 899. وفي شرح الزرقاني 4/ 246: "بلاغه صحيح كما قال ابن عيينة، وقد أخرجه ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده".
وقد أخرجه ابن حزم في الإِحكام/ 1056 من حديث ابن عباس.
وأخرج البيهقي في المدخل الكبير -على ما في مفتاح الجنة/ 7 - من حديث أبي هريرة: قال رسول الله: (إِني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض)، وأخرجه ابن حزم في الإِحكام/ 1057، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 93، وأخرجه -أيضًا- من حديث ابن عباس. قال: وهذا الحديث لخطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - متفق على إِخراجه في الصحيح: (يا أيها الناس إني=
(2/423)

ثم: خبر الواحد ليس بحجة عند الشيعة.
وأجاب في التمهيد (1) وغيره: بأنه لا يثبت به أصل.
ثم: بما في المسألة (2) قبلها، أو أن روايتهم حجة، وخصهم لأنهم أعلم بحاله.
ولأن زيدًا (3) قال (4): "أهل بيته من حرم الصدقة: [آل] (5) علي (6) وآل عقيل (7)، وآل جعفر (8)، وآل عباس (9) "، وهو أعلم بما روى.
__________
=قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده -إِن اعتصمتم به- كتاب الله، وأنتم مسؤولون عنه، فما أنتم قائلون؟) وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطب غريب ويحتاج إِليها.
(1) انظر: التمهيد/ 134 ب.
(2) يعني: أنه معارض بما فيها من قوله: (عليكم بسنتي ...)، وقوله (اقتدوا بالَّذين من بعدي ...). انظر: الإحكام للآمدي 1/ 248.
(3) وهو زيد بن أرقم.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1873، وأحمد في مسنده 4/ 367، والطبراني في المعجم الكبير 5/ 204 - 205، 206.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) ابن أبي طالب. انظر: كتاب نسب قريش/ 40.
(7) ابن أبي طالب. انظر: المرجع السابق/ 84. وهو: الصحابي أبو يزيد، ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(8) ابن أبي طالب. النظر: المرجع السابق/ 80. وهو: الصحابي أبو عبد الله، ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(9) ابن عبد المطلب. انظر: المرجع السابق/ 25. وهو: الصحابي أبو الفضل، عم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2/424)

والخبر (1) في الخلفاء أصح، ولم تقل به الشيعة.
ونمنع (2) أن الخطأ من الرجس، وفي الواضح: دل سياق الآية أنه أراد دفع التهمة. وبعض أصحابنا (3) قال: مفرد (4) حُلِّيَ (5) باللام، ولا يستغرق.
ولم يحتج أهل البيت بذلك، ولا ذكروه، ولا أنكروا (6) على مخالفهم حتى عليّ زمن ولايته، ولو كان ذلك حجة كان تركه خطأ ولوجب ذكره، ومعلوم: لو ذَكَره لنُقِل وقَبِله منه أصحابه وغيرهم كما في غيره.

مسألة
لا يشترط في أهل الإِجماع عدد التواتر عندنا وعند الأكثر؛ لدليل السمع (7)، فلو بقي واحد: فظاهر كلام أصحابنا كذلك (8)، [وجعله ابن
__________
(1) وهو: قول الرسول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ...)، وقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي ...).
(2) في (ح): وبمنع.
(3) انظر: البلبل/ 136.
(4) يعني: (الرجس) لفظ مفرد.
(5) في (ح) و (ظ): حكي.
(6) في (ظ): أنكروه.
(7) فمن صدق عليه لفظ (الأمة) و (المؤمنون) من الأشخاص كانت الأدلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطأ. انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 250.
(8) في (ح): فظاهر كلام أصحابنا: حجة، لذلك قال تعالى ...
(2/425)

عقيل (1) حجة له في اعتبار مخالفة الواحد] (2)، قال تعالى: (إِن إِبراهيم كان أمة) (3)، وللشافعية (4) وجهان؛ لشعور الإِجماع بالاجتماع.

مسألة
إِذا قال مجتهد قولاً وانتشر ولم ينكر -قبل (5) استقرار المذاهب (6) - فإِجماع عند أحمد (7) وأصحابه -زاد ابن عقيل في مسألة قول الصحابي: في إِيجابه للعلم منع وتسليم. وقال بعض أصحابنا: إِجماع على الأشهر عندنا- (وه م) وبعض الشافعية (8).
وقال بعض الحنفية (9): حجة، وذكره الصيرفي الشافعي مذهب
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 253.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) سورة النحل: آية 120.
(4) انظر: المستصفى 1/ 188، والمنخول / 313، والإِحكام للآمدي 1/ 250، وشرح لمحلي على جمع الجوامع 2/ 181، وشرح الورقات/ 167، وغاية الوصول/ 107.
(5) في (ب): قيل.
(6) جاء في شرح العضد 2/ 37: فإِن كان بعد استقرار المذاهب لم يدل على الموافقة قطعًا؛ إذ لا عادة بإِنكاره، فلم يكن حجة. وجاء في شرح الكوكب المنير 2/ 254: ليخرج ما احتمل أنه قاله تقليدًا لغيره.
(7) انظر: العدة/ 175 ب، والتمهيد/ 140 ب.
(8) انظر: التبصرة/ 391.
(9) انظر: تيسير التحرير 3/ 346 - 247، وفواتح الرحموت 2/ 232.
(2/426)

(ش). (1)
وقال داود (2) وأبو (3) هاشم (4): ليس بحجة، واختاره جماعة، منهم: ابن الباقلاني (5) وأبو المعالي، وذكره الآمدي (6) عن الشافعي (7)، وقاله ابن عقيل في فنونه، واختاره (8) (9) ابن أبي هريرة (10) إِن كان حكماً (11) لا فتيا (12).
__________
(1) انظر: المسودة/ 335.
(2) انظر: التبصرة/ 392، والإحكام للآمدي 1/ 252.
(3) في المعتمد/ 533، والمحصول 2/ 1/ 215، والإِحكام للآمدي 1/ 252، والتمهيد 1401 ب: يقول أبو هاشم: هو حجة وليس بإجماع.
(4) نهاية 44 أمن (ظ).
(5) انظر: البرهان/ 699، 701.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 252.
(7) نهاية 56 أمن (ب).
(8) انظر: التبصرة/ 392، والمحصول 2/ 1/ 215، والإِحكام للآمدي 1/ 252.
(9) نهاية 113 من (ح).
(10) هو: أبو علي الحسن بن الحسين، أحد أئمة الشافعية، درس ببغداد، وتوفي سنة 345 ه. من مؤلفاته: شرح مختصر المزني.
انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي/ 112، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 256، ووفيات الأعيان 1/ 158، وتذكرة الحفاظ/ 1857، ومرآة الجنان 2/ 337، والبداية والنهاية 11/ 304، وطبقات الشافعية لابن هداية الله/ 72، وطبقات الشافعية للعبادي/ 77.
(11) في (ب) و (ظ): "إِن كان فتيا لا حكمًا". بعد تعديل ممن قرأ النسختين.
(12) فيكون إِجماعًا وحجة إِن كان فتيا.
(2/427)

لنا: الظاهر يدل على الموافقة، لبعد سكوتهم عادة، ولذلك (1) يأتي (2) في قول الصحابي والتابعي في معرفي الحجة: "كانوا يقولون أو يرون ونحوه"، ومعلوم أن كل واحد لم يصرح به.
قالوا: يحتمل أنه لم يجتهد، أو اجتهد ووقف، أو خالف وكتم للتروِّي والنظر، أو لأن كل مجتهد مصيب، أو وَقَّر، أو هاب.
رد: خلاف الظاهر لا سيما في حق الصحابة -رضي الله عنهم- مع طول بقائهم.
واعتقاد الإِصابة لا يمنع النظر لتعرف الحق كالمعروف من حالهم.
واختار أبو الخطاب (3) والجبائي (4) والآمدي (5) وغيرهم اعتبار انقراض العصر -هنا- ليضعف الاحتمال.
ابن أبي هريرة: العادة في الفتيا (6)، للزوم اتباع الحكم.
رد: هذا لا يمنع من إِبداء الخلاف، كما قيل لعمر (7) وغيره في قضايا.
__________
(1) في (ظ): وكذلك.
(2) انظر: ص 584، 586 من هذا الكتاب.
(3) انظر: التمهيد/ 140 أ.
(4) انظر: المعتمد/ 533، والإِحكام للآمدي 1/ 252.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 253.
(6) يعني: العادة في الفتيا أنها تخالف ويبحث عنها دون الحكم.
(7) فقد اعترض عليه علي حين أمو برجم المجنونة التي زنت. خرجه أبو داود في سننه 4/ 558 - 559 من حديث ابن عباس، والدارقطني في سننه 3/ 138 - 139، والحاكم في مستدركه 4/ 388 - 389 وقال: هذا حديث صحيح على=
(2/428)

قال في التمهيد (1) والروضة (2): وإن لم يكن القول في تكليف فلا إِجماع؛ لأنه لا حاجة إلى إِنكاره أو تصويبه.
ولم يفرق آخرون من أصحابنا وغيرهم.
وإن لم ينتشر القول فلا إِجماع، لعدم الدليل (3).
وعند بعضهم: إِجماع؛ لئلا يخلو العصر عن الحق.
رد: بجوازه لعدم علمهم.

مسألة
لا يعتبر انقراض العصر عند أبي الخطاب (4) -وقال: أومأ إِليه أحمد، وقاله عامة العلماء- (و).
واعتبره أكثر أصحابنا، وجزم به القاضي (5) وغيره، وأنه ظاهر كلام
__________
=شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرجه أحمد في مسنده 1/ 154 - 155: عن أبي ظبيان أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة ...
وانظر: الإحكام للآمدي 1/ 254.
(1) انظر: التمهيد/ 140 أ.
(2) انظر: روضة الناظر/ 151.
(3) يعني: دليل الموافقة.
(4) انظر: التمهيد/ 143 ب.
(5) انظر: العدة/ 163 ب- 164 أ.
(2/429)

أحمد، وقاله (1) ابن فُوَرك (2)، وذكر ابن بَرْهان أنه مذهبهم (3)، فلهم ولبعضهم الرجوع لدليل، لا (4) على (5) الأول.
واعتبر أبو المعالي (6) -إِن كان عن ظن- مُضِيَّ زمن طويل، حتى لو مضى استقر قبل موتهم، ولو لم (7) يمض لم يستقر ولو ماتوا.
وفي الواضح: أن بعض الشافعية قالوا: إِجماع، إِلا أن يقولوا: قلناه ظناً.
وجه الأول: أدلة الإِجماع.
ولأنه لو اعتبر امتنع الإِجماع للتلاحق. احتج به أبو الخطاب (8) وجماعة.
__________
(1) انظر: المحصول 2/ 1/ 206، والإِحكام للآمدي 1/ 259.
(2) هو: أبو بكر محمَّد بن الحسن بن فورك، فقيه شافعي أصولي نحوي متكلم، توفي سنة 406ه.
من مؤلفاته: رسالة في أصول الفقه.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 402، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 127، وطبقات المفسرين للداودي 2/ 129، وإنباه الرواة 3/ 110، وشذرات الذهب 3/ 181.
(3) انظر: المسودة / 320، والوصول لابن برهان/ 162.
(4) تكررت عبارة (لا على) في (ح).
(5) نهاية 114 من (ح).
(6) انظر: البرهان/ 614.
(7) نهاية 56 ب من (ب).
(8) انظر: التمهيد/ 144 أ.
(2/430)

ورده القاضي (1) وجماعة: بأنه لا يعتبر التابعي مع الصحابة في رواية، ثم إِن اعتبر لم يعتبر تابع تابعي أدركه مجتهداً؛ لأنه لم يعاصر الصحابة، زاد ابن عقيل: ولندرة إِدراكه مجتهداً.
وللأول أن يقول: التابعي في هذا الإِجماع كالصحابي -لاعتبار قوله فيه- فلا فرق.
واستدل: الحجة قولهم، فلم يعتبر موتهم كالرسول.
رد: محل النزاع.
وقول الرسول عن وحي، فلم يقابله غيره، وقولهم عن اجتهاد.
واستدل: (2) باحتجاج الحسن (3) به (4) زمن أنس وغيره. (5)
رد: بالمنع، ثم: لأن قول الصحابي عنده حجة.
وضَعَّف هذا بعض أصحابنا (6): بأنا إذا اعتبرنا انقراضه (7) في الإِجماع ففي الواحد أولى، وأنه يتوجه أن يحتج بالإِجماع في حياتهم مع اعتبار
__________
(1) انظر: العدة/ 165 ب، والمسودة / 321، 333.
(2) نهاية 44 ب من (ظ).
(3) هو: الحسن البصري.
(4) يعني: بإِجماع الصحابة.
(5) انظر: العدة/ 165 أ.
(6) انظر: المسودة/ 322.
(7) في (ظ): انقضاضه.
(2/431)

انقراضه لظاهر الآيات (1)، والأصل عدم رجوعهم، ثم: (2) إِن رجعوا فلم يدم الخطأ، وعصمتهم عن (3) دوامه.
قالوا: (لتكونوا شهداء على الناس) (4)، ومن منع رجوعهم جعلهم شهداء على أنفسهم.
رد: بأنهم من الناس، وبأنهم شهداء [الله] (5) على غيرهم لأنه صواب، وبأن (6) من قبل قوله على غيره فهو أولى، ثم: المفهوم هنا ليس بحجة.
قالوا: خالف علي عمر بعد موته في بيع أم الولد (7)، وأن حد الخمر ثمانون (8)، وعمر (9) خالف أبا بكر -رضي الله عنهم- في قسمة
__________
(1) الدالة على حجية الإِجماع، كقوله تعالى: (... ويتبع غير سبيل المؤمنين ...)، ذم بها من خالفهم في حياتهم قبل انقراضهم. انظر: المسودة/ 322.
(2) في (ظ): وإن.
(3) في (ظ): ونسخة في هامش (ب): من.
(4) سورة البقرة: آية 143: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) في (ظ): ولأن.
(7) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 7/ 291، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 348، وابن حزم في الإِحكام/ 671، وسعيد في سننه، فانظر: المعتبر/ 85 أ.
(8) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1331 - 1332، وأبو داود في سننه 4/ 622، والبيهقي في سننه 8/ 318، وابن حزم في اللإِحكام/ 669 - 670.
(9) نهاية 115 من (ح).
(2/432)

الفيء (1).
رد: بمنع الإِجماع في ذلك، بل في الأخبار (2) ما يدل على عدمه.
__________
(1) فقد سوّى أبو بكر، وفَضَّل عمر. أخرجه أحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 14/ 86)، وأبو عبيد في الأموال/ 263، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 346، وانظر: نيل الأوطار 8/ 84 - 85، وكنز العمال 4/ 521 - 541.
(2) فبالنسبة لبيع أم الولد: أخرج ابن ماجه في سننه/ 841 عن جابر قال: كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا -والشعبي حي- ما نرى بذلك باسًا. في الزوائد: إِسناده صحيح، ورجاله ثقات. وأخرجه الشافعي (انظر: بدائع السنن 2/ 139)، وعبد الرزاق في مصنفه 7/ 288، والبيهقي في سننه 10/ 348، وأخرجه -أيضًا- عنه بلفظ: بعنا أمهات أولادنا على عهد النبي وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا. وأخرج هذا أبو داود في سننه 4/ 262 - 264.
وانظر في موضوع بيع أمهات الأولاد: المصنف لعبد الرزاق 7/ 287، والسنن الكبرى للبيهقي 10/ 347، وكنز العمال 10/ 343.
وبالنسبة لحد الخمر: ليس ما فعل عمر إِجماعًا، لسَبْق فعل النبي وأبي بكر، فقد جلدا أربعين. فانظر: الإِحكام لابن حزم/ 670 - 671، والمغني 9/ 161.
وبالنسبة لقسمة الفيء: ليس ما فعل أبو بكر إِجماعًا، قال أبو الخطاب في التمهيد/ 144 ب: خالف عمر أبا بكر في زمانه وناظره، فقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بما له ونفسه كمن دخل في الإِسلام كرهاً؟ فقال: إِن إِخواننا عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ذكر ذلك في الفتوح والتواريخ. ولم يُرْوَ أن عمر رجع إِلى قول أبي بكر، بل أمسك عنه لأنه الإِمام، فلما صار الأمر إِليه فعله؛ لأنه كان رأيه في زمن الصديق. انتهى كلام أبي الخطاب. وانظر: سنن البيهقي 6/ 348.
(2/433)

قالوا: يلزم ترك نص اطلع عليه.
رد: بأنه بعيد (1)، وقيل: محال للعصمة.
ثم: يلزم (2) لو انقرضوا، فلا أثر له؛ لأن الإِجماع قاطع، ولأنه إِن كان عن نص لم يعتبر (3)، وإلا لم يجز نقض اجتهاد بمثله، لا سيما لقيام الإِجماع هنا.
وقال بعض الشافعية (4): إِذا عارضه نص أُوِّلَ القابل (5) له (6)، وإلا تساقطا.
قالوا: موته - عليه السلام - شرط دوام الحكم، كذا هنا.
رد: لإِمكان نسخه، فيرفع قطعي بمثله.

مسألة
لا إِجماع إِلا عن دليل عندنا وعند العلماء، خلافاً لما حكي عن بعض المتكلمين: أن الله يوفقهم للصواب.
لنا: اعتبار الاجتهاد فيهم، ولأنه محال عادة، وكالواحد من الأمة، ولا
__________
(1) نهاية 157 من (ب).
(2) يعني: يلزم ما ذكرتم.
(3) في (ح) و (ظ): لم يتغير.
(4) كالبيضاوي في منهاجه. فانظر: نهاية السول 2/ 315.
(5) في (ح): القايل.
(6) يعني: القابل للتأويل.
(2/434)

عبرة بمخالفة صاحب النَّظَّام (1) فيه. (2)
قالوا: لو كان عن دليل كان هو الحجة، فلا فائدة فيه.
رد: قوله - عليه السلام - حجة في نفسه، وهو عن دليل هو (3) الوحي.
ثم: فائدته سقوط البحث عنا عن دليله، وحرمة الخلاف الجائز قبله.
وبأنه (4) يوجب عدم انعقاده عن دليل.
وظهر للآمدي ضعف الأدلة من الجانبين، وقال: يجب إِن يقال: أن أجمعوا عن غير دليل لم يكن إِلا حقًا (5)

مسألة
يجوز الإِجماع عن اجتهاد وقياس، ووقع، وتحرم (6) مخالفته، عندنا
__________
(1) هو: أبو عمران مويس -وفي جل كتب أصول الفقه: موسى- ابن عمران، من الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة (وفيات رجالها في النصف الأول من القرن الثالث الهجري)، فقيه واسع العلم في الكلام والفتيا، وكان يقول بالإِرجاء.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة/ 76، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة/ 74، 279.
(2) انظر: المعتمد/ 521، والتمهيد/ 1135.
(3) في (ظ): وهو.
(4) يعني: وبأن ما قلتم يوجب.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 263.
(6) في (ب): تحرم.
(2/435)

وعند أكثر العلماء، خلافًا للظاهرية (1) وابن جرير الطبري (2) والشيعة (3) في الجواز، ولبعضهم في القياس الخفي، ولبعضهم في الوقوع، (4) ولبعضهم (5) -وحكي عن بعض الحنفية (6) - في تحريم مخالفته.
لنا: وقوعه لا يلزم محال.
وأجمع (7) الصحابة على (8) خلافة أبي بكر (9) وقتال مانعي الزكاة (10)
وتحريم شحم الخنزير (11)، والأصل عدم النص، ثم: لو كان لظهر واحتج به.
__________
(1) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 648، 651، والتمهيد/ 135 ب.
(2) انظر: العدة / 169أ، والتمهيد/ 135 ب، والتبصرة/ 372، والمحصول 2/ 1/ 269.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 264.
(4) نهاية 116 من (ح).
(5) ضرب على (ولبعضهم) في (ظ).
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 299، والمسودة/ 328.
(7) نهاية 45أمن (ظ).
(8) في (ب): عن.
(9) قياسًا على إِمامة الصلاة. قال الزركشي في المعتبر/ 20 ب: أخرجه البيهقي في سننه عن زِرِّ بن حُبيش عن ابن مسعود. قال الذهبي في مختصره: سنده جيد.
وقد اختلف في إِمامة أبي بكر: أثبتت بالنص أم بالإِجماع؟ وقد تكلم عن ذلك الزركشي. فانظر: العتبر/ 21 أوما بعدها.
(10) بطريق الاجتهاد، حتى قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 104، ومسلم في صحيحه/ 51 - 52 من حديث أبي هريرة.
(11) انظر: تفسير القرطبي 2/ 222.
(2/436)

قالوا: الخلاف في القياس في كل عصر.
رد: بمنعه في الصحابة، (1) بل حادث، فهو كخبر الواحد والعموم: فيهما خلاف، وينعقد عنهما بلا خلاف.
قالوا: القياس فرع معرض للخطأ، فلا (2) يصلح دليلاً لأصل معصوم عنه.
رد: القياس فرع للكتاب والسنة لا للإِجماع، فلم يبن الإِجماع على فرعه، وحكم هذا القياس قطعي لعصمتهم عن الخطأ.
ورده الآمدي (3): بأن إِجماعهم عليه يسبقه إِجماعهم على (4) صحته، فاستندوا إِلى قطعي، ثم ألزم بخبر الواحد؛ فإِنه ظني، والإِجماع المستند إِليه قطع. ولابن عقيل معناه.
قالوا: يلزم تحريم مخالفة المجتهد، وهي جائزة إِجماعًا.
رد: المجمع عليه مخالفة مجتهد منفرد (5) لا الأمة.

مسألة
إِذا اختلفوا على قولين لم يجز إِحداث ثالث عند أحمد (6) وأصحابه
__________
(1) نهاية 57 ب من (ب).
(2) في (ب) و (ظ): ولا.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 266.
(4) في (ظ): في.
(5) في (ظ): مفرد.
(6) انظر: العدة / 167 ب، والتمهيد/ 138ب.
(2/437)

وعامة العلماء، خلافاً لبعض الحنفية (1) وبعض الظاهرية (2) وبعض المتكلمين (3) وبعض الرافضة (4)، وقاله في الانتصار في مسألة "وطء الأمة"، وذكره في التمهيد (5) ظاهر قول أحمد؛ لأن بعض الصحابة (6) قال: "لا يقرأ الجنب حرفًا"، وقال بعضهم: "يقرأ ما شاء"، فقال هو: "يقرأ بعض آية"، وفي تعليق القاضي -في قراءة الجنب-: قلنا بهذا موافقة لكل قول، ولم نخرج عنهم (7).
فأما إِن اختلفوا (8) في مسألتين على قولين -إِثباتًا ونفياً- فلمن بعدهم موافقة كل قول في مسألة عند القاضي (9)، وذكره بعض (10)
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 3/ 250، وفواتح الرحموت 2/ 235.
(2) انظر: الأحكام لابن حزم/ 668، والإِحكام للآمدي 1/ 268.
(3) انظر: كشف الأسرار 3/ 234.
(4) انظر: الأحكام للآمدى 1/ 268.
(5) انظر: التمهيد/ 138 ب.
(6) أخرج بعض الآثار في ذلك: عبد الرزاق في مصنفه 1/ 336 - 337، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 102 - 103، والدارقطني في سننه 1/ 118، 121، والبيهقي في سننه 1/ 89.
(7) انظر: المسودة/ 328.
(8) نهاية 117 من (ح).
(9) قال في العدة/ 168 أ: إِن لم يصرحوا بالتسوية بين المسألتين جاز، وإن صرحوا بالتسوية بينهما لم يجز على قول أكثرهم، وعلى قول بعضهم: يجوز.
(10) انظر: المسودة/ 327.
(2/438)

[أصحابنا] (1) عن أكثر العلماء.
وذكر الآمدي (2) المنع عن أكثر العلماء.
وفي الكفاية للقاضي: إِن صرحوا بالتسوية لم يجز، وإلا فوجهان، كإِيجاب بعض الأمة النية في الوضوء، ولا يعتبر صومًا لاعتكاف، ويعكس آخر. كذا قال. (3)
وبَعَّد (4) بعض أصحابنا (5) هذا التمثيل.
وفي التمهيد (6): إِن صرحوا بالتسوية لم يجز، لاشتراكهما (7) في المقتضي للحكم ظاهرًا، وإن لم يصرحوا: فإِن اختلف طريق الحكم فيهما (8) -كالنية في الوضوء، والصوم في الاعتكاف- جاز، إلا للزم من وافق إِماما في مسألة موافقته في جميع مذهبه، وإجماع الأمة خلافه، وإن اتفق الطريق -كزوج وأبوين، وامرأة (9) وأبوين (10)، وكإِيجاب نية في وضوء وتيمم،
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 268.
(3) انظر: المسودة/ 327، 328.
(4) في (ظ): وبعده.
(5) انظر: المسودة/ 328.
(6) انظر: التمهيد/ 139أ.
(7) نهاية 58أمن (ب).
(8) في (ح): فيها.
(9) يعني: زوجة.
(10) قيل: للأم ثلث الأصل في المسألتين، وقيل: لها ثلث ما بقي بعد نصيب =
(2/439)

وعكسه- لم يجز، وهو ظاهر كلام أحمد (1).
وهذا التفصيل قاله (2) عبد الوهاب المالكي (3).
وذكر ابن بَرْهان (4) -لأصحابه- في الجواز وعدمه وجهين. (5)
واختار في الروضة (6) والحلواني: (7) إِن صرحوا بالتسوية لم يجز، وإِلا جاز لموافقة كل طائفة. قال أبو الطيب الشافعي: هو (8) قول أكثرهم (9).
واختار [بعض أصحابنا (10) و] (11) الآمدي (12)
__________
=الزوج أو الزوجة -فانظر: سنن البيهقي 6/ 227 - 228، وسنن الدارمي 2/ 249 - 250، والمحلى 10/ 326 وما بعدها- فالقول بأن لها ثلث الأصل في إِحدى المسألتين، وثلث الباقي في الأخرى: قول ثالث.
(1) انظر: التمهيد/ 139 ب.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 328، والمسودة/ 328.
(3) هو: أبو محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، أصولي أديب، توفي بمصر سنة 422 ه. من مؤلفاته: أوائل الأدلة، والإفادة، والتلخيص. وكلها في أصول الفقه.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 387، والديباج المذهب / 120، وشذرات الذهب 3/ 223.
(4) نهاية 45 ب من (ظ).
(5) انظر: المسودة / 327، والوصول لابن برهان / 164.
(6) انظر: روضة الناظر/ 150.
(7) انظر: المسودة/ 327.
(8) في (ظ): وهو.
(9) انظر: المسودة/ 327.
(10) انظر: البلبل/ 135.
(11) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(12) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 269.
(2/440)

ومن تبعه (1): إِن رفع الثالث ما اتفقا عليه -كرد بكر وطئها بعيب مجانًا (2)، وإسقاط (3) جد بأخوة (4) - لم يجز لرفع الإِجماع، وإلا جاز كمسألة الفرائض المذكورة، كما (5) لو قيل: لا يجوز قتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع غائب، وعكسهما، فالتفصيل ليس مخالفاً (6) للإِجماع إِجماعًا.
قالوا (7): لم يفصل أحد، وكلهم قائل بنفيه.
رد: عدمه لا يمنع القول به، وإلا امتنع الاجتهاد في مسألة (8) تتجدد، والتفصيل (9) في مسألة القتل والبيع.
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 39.
(2) كما لو قال بعض أهل العصر في الجارية البكر إِذا وطئها المشتري -ثم وجد بها عيباً-: نمنع الرد، وقال بعضهم بالرد مع أريق النقصان، فالقول بالرد مجاناً قول ثالث يرفع الإجماع. انظر: الإحكام للآمدي 1/ 268، وشرح العضد 2/ 39.
(3) الجد مع الأخ: قيل: يرث المال كله ويحجب الأخ، وقيل: بل يقاسم الأخ. فالقول بحرمانه قول ثالث يرفع الإِجماع.
انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 268، وشرح العضد 2/ 39 - 40.
(4) في (ب): باجوة.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 270، وشرح العضد 2/ 39 - 40.
(6) في (ب): مخالفها.
(7) هذان اعتراضان من القائلين بالمنع على مذهب من فصل (الآمدي ومن تبعه). انظر: الإحكام للآمدي 1/ 270.
(8) نهاية 118 من (ح).
(9) هذا جواب عن قولهم: وكلهم قائل بنفيه. انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 270.
(2/441)

قالوا: يلزم تخطئة كل منهما، وهما الأمة.
رد: المحال تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه.
وجه المنع مطلقًا: أن القول الثالث يمتنع إِن كان عن غير دليل، وعنه: يلزم تخطئة الأمة بالجهل به.
رد: يلزم لو كان الحق في المسألة معيناً. (1)
ولأن اختلافهم على قولين إِجماع معنى على المنع من ثالث؛ لإِيجاب كل قائل الأخذ بقوله أو قول مخالفه وتحريم غيره.
رد: بتسليمه إِن لم يؤد اجتهاد غيرهم (2) إِلى ثالث.
رد: لا يجوز لخروج الحق من أهل العصر، كإِجماعهم على واحد.
وجه الجواز: اختلافهم في المسألة دليل أنها اجتهادية.
رد: بمنع تسويغ اجتهاد غيرهم.
ولأن لو امتنع لأنكِر مثل قول ابن سيرين (3) موافقته كل طائفة في
__________
(1) وليس كذلك.
(2) نهاية 58 أمن (ب).
(3) هو: أبو بكر محمَّد بن سيرين الأنصاري البصري، تابعي شهير، إِمام في التفسير والحديث والفقه، توفي سنة 110 ه.
انظر: حلية الأولياء 2/ 263، وتاريخ بغداد 5/ 331، ووفيات الأعيان 3/ 322، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 88، وتذكرة الحفاظ/ 77، ومشاهير علماء الأمصار/ 88، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 82، وطبقات الحفاظ/ 31، وشذرات الذهب 1/ 138.
(2/442)

مسألتي الفرائض السابقتين (1).
رد: لا مخالفة هنا (2)، أو أُنكر ولم ينقل، أو لم يثبت عنده إِجماع، أو علم قوله عن صحابي، أو أنه يعتد بخلافه معهم.

مسألة
يجوز إِحداث دليل آخر عندنا وعند الجمهور -زاد القاضي (3): من غير أن يقصد إِلى بيان الحكم به بعد ثبوته -لأنه قول عن اجتهاد غير مخالف إِجماعًا؛ لأنهم لم ينصوا على فساد غير ما ذكروه (4)، وأيضًا: وقع كثيرًا، ولم ينكر.
قالوا: اتباع (5) لغير سبيل المؤمنين.
__________
(1) فقد قال في (زوجة وأبوين): للزوجة الربع، وللأم ثلث جميع المال، وما بقي للأب. وقال في (زوج وأبوين): للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب ما بقي. قال: إِذا فضل الأب الأم بشيء فإن للأم الثلث.
فانظر: المحلى 10/ 326.
(2) لأنه من قسم الجائز.
(3) انظر: العدة/ 179أ، والمسودة/ 329.
(4) في (ب): ما ذكره.
(5) في (ب) و (ظ): اتباعًا.
(2/443)

رد: المراد ما اتفقوا عليه، وإلا لزم المنع فيما حدث بعدهم.
قالوا: لو كان معروفًا لأمروا به، لقوله: (تأمرون بالمعروف). (1)
رد: لو كان منكرًا لنهوا عنه، لقوله: (وتنهون (1) عن المنكر). (2)
قالوا: لو كان حقًا لكان (3) العدول عنه خطأ.
رد: للاستغناء عنه.
* * *
وكذا إِحداث علة، ذكره في التمهيد (4) والروضة. (5)
وقال (6) القاضي (7): إِن ثبت الحكم بعلة فهل يجوز للصحابة تعليله بأخرى؟ قيل: يجوز -كالدليل- مع عدم تنافيهما، ومن الناس من منع؛ لإِبطال الفائدة، كالعقلية.
* * *
__________
(1) سورة آل عمران: آية 110: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
(2) نهاية 119 من (ح).
(3) في (ب): كان.
(4) انظر: التمهيد/ 139 ب.
(5) انظر: روضة الناظر/ 150.
(6) نهاية 46 أمن (ظ).
(7) انظر: العدة/ 179أ - ب، والمسودة/ 329.
(2/444)

فأما إِحداث تأويل: فجوزه بعضهم ما لم يكن فيه إِبطال الأول، ومنعه بعضهم، اقتصر في التمهيد (1) على هذا.
قال بعض أصحابنا (2): لا يحتمل مذهبنا غير الثاني، وعليه الجمهور.
ومراده: دفع تأويل أهل (3) البدع المنكر عند السلف.
وذكر الآمدي (4) الجواز عند الجمهور -كذا قال- وتبعه بعض أصحابنا.

مسألة
اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول -وقد استقر (5) خلافهم- ليس إِجماعًا، ويجوز الأخذ بالقول (6) الآخر عند أكثر أصحابنا - وذكره القاضي (7) ظاهر كلام أحمد، وذكره ابن عقيل (8) نص أحمد-[وأكثر (9) الشافعية] (10)، وقاله (ر) (11).
__________
(1) انظر: التمهيد / 140أ.
(2) انظر: المسودة/ 329.
(3) نهاية 59أمن (ب).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 273.
(5) في (ب): استقره.
(6) تكررت عبارة (بالقول الآخر) في (ح).
(7) انظر: العدة/ 165 ب.
(8) انظر: المسودة/ 325.
(9) انظر: التبصرة/ 378.
(10) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(11) يعني المؤلف بهذا الرمز (ر) أبا الحسن الأشعري. وانظر في نسبة هذا=
(2/445)

وعند أبي الخطاب (1): إِجماع، وقاله (ع) (2)، وحكاه ابن الباقلاني (3) عن (ر) مع اختيار ابن الباقلاني للأول (4).
وللحنفية (5) والمالكية (6) والشافعية (7) كالقولين.
وعند جماعة: يمتنع ذلك، وذكره الآمدي (8) عن أحمد (ر)، واختياره: ممتنع سمعًا، ووجهه: أن الأولين أجمعوا على جواز الأخذ بكل منهما، والثاني يمنعه، فامتنع؛ لئلا يلزم تخطئة الأولين؛ لأن كون الحق في أخذه وتركه -معاً- محال.
__________
=إِليه: التمهيد/ 137أ، والمسودة / 325. والمشهور عنه: أنه ممتنع، فانظر: الإِحكام للآمدي 1/ 275، والمنتهى لابن الحاجب/ 45، وشرح العضد 2/ 41.
(1) انظر: التمهيد/ 137أ.
(2) انظر: المعتمد/ 498، 517.
(3) انظر: المسودة/ 325.
(4) انظر: البرهان / 710 - 711.
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 319، 320، وكشف الأسرار 3/ 247، وتيسير التحرير 3/ 232، 234، وفواتح الرحموت 2/ 226.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 45، ومختصره 2/ 41، وشرح تنقيح الفصول/ 328، ومفتاح الوصول/ 120.
(7) انظر: اللمع/ 52، والتبصرة/ 378، والمستصفى 1/ 203، والمنخول / 320، والمحصول 1/ 2/ 194، والإِحكام للآمدي 1/ 275.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 275، فقد ذكره عن أحمد والأشعري.
(2/446)

رد: الإِجماع الأول ممنوع، فإِن أحد (1) القولين (2) خطأ، ولا إِجماع على خطأ.
ثم: إِجماع بشرط عدم إِجماع ثان.
ثم: الأول إِجماع على أحدهما، والثاني يوافق مقتضاه.
رد الأول: بإِصابة كل مجتهد.
والثاني: بإِطلاق (الأمة) ولم يشترط.
ثم: يلزم الشرط مع إِجماعهم على قول واحد، كما يقوله (3) أبو عبد الله البصري المعتزلي.
والثالث: باستلزامه امتناع (4) الأخذ بالقول الآخر.
قالوا: يمتنع ذلك عادة.
رد: بمنعه.
وقد عرف وجه الأول.
وقالوا: لو كان حجة لكان موت فريق وبقاء الآخر أو بعضه إِجماعًا؛ لأنهم كل الأمة.
__________
(1) في (ب): أخذ.
(2) نهاية 120 من (ح).
(3) انظر: المعتمد/ 497 - 498، والإحكام للآمدي 1/ 277.
(4) في (ظ) و (ب): وامتناع.
(2/447)

وأجاب أبو الخطاب (1) وغيره: بالتزامه، ثم: بالفرق -وقاله (2) الأكثر (3) - بمخالفة (4) أهل العصر، بخلاف مسألتنا.
واحتج الثاني (5) بأدلة الإِجماع (6).
رد: بالمنع لتحقق قول الماضي (7) لا من سيوجد.

مسألة
اتفاق عصر بعد اختلافهم إِجماع وحجة، وكذا بعد استقراره، ذكره القاضي (8) محل وفاق، وقاله الأكثر؛ لأنه لا قول لغيرهم بخلافه.
وقيل لأبي الخطاب (9): من لم يعتبر انقراض العصر يقول: ليس بإِجماع. فقال: لا (10) (11) يصح المنع؛ لاتفاق الصحابة على قتال مانعي
__________
(1) انظر: التمهيد/ 138أ، وشرح العضد 2/ 41 - 42.
(2) نهاية 59 ب من (ب).
(3) انظر: المعتمد / 501، والإِحكام للآمدي 1/ 279، والمسودة/ 324، وإرشاد الفحول/ 86.
(4) يعني: أن قول الباقين قول من قد خولف في عصرهم.
(5) وهو القائل بأنه إِجماع.
(6) فلو لم يكن حجة لأدى إِلى أن تجتمع الأمة الأحياء على الخطأ، ودليل الإجماع يأباه.
انظر: شرح العضد 2/ 41.
(7) فالأحياء ليسوا كل الأمة.
(8) انظر: العدة/ 165 ب، 167 أ.
(9) انظر: التمهيد/ 137 أ.
(10) تكررت (لا) في (ظ).
(11) نهاية 46 ب من (ظ).
(2/448)

الزكاة (1) والخلافة (2) وقسمة (3) أرض (4) السواد (5) بعد اختلافهم.
ورد: بالمنع.
وقال ابن الباقلاني (6) وعبد الوهاب (7) المالكي: ليس إِجماعًا، واختاره أبو المعالي (8) إِن طال زمن الخلاف.
وذكر الآمدي (9): أن من شَرَط انقراض العصر جَوَّزه، وأنه اختلف من
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 105 - 106، ومسلم في صحيحه / 51 - 52 من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 6 - 7، وأحمد في مسنده 1/ 55 - 56 من حديث عائشة. وانظر: الكامل في التاريخ 2/ 220 - 225، والسيرة لابن هشام 2/ 656 - 661، والروض الأنف 7/ 551.
(3) كذا في النسخ. ولعل العبارة: وترك قسمة أرض السواد. فانظر: التمهيد/ 137 ب.
ملاحظة: من قوله هنا: (السواد) إِلى قوله فيما سيأتي ص 451 (ابن عقيل قالوا) تكرر في (ب).
(4) السواد: يراد به رستاق -نخيل- العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر، سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار، ولأنه متاخم لجزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا شجر، وكانوا إِذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزروع والأشجار، فيسمونها سوادًا. انظر: معجم البلدان 3/ 272.
(5) انظر: الأموال لأبي عبيد/ 57 - 58، وسنن البيهقي 1/ 339 - 139.
(6) انظر: البرهان/ 710.
(7) انظر: المسودة/ 324.
(8) انظر: البرهان/ 712.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 278.
(2/449)

لم يشرطه (1)، واختياره (2) كالتي قبلها لا فرق إِلا أن الاتفاق هنا من المختلفين.
وأطلق بعضهم (3) عن الصيرفي منع الاتفاق بعد الخلاف، واحتج عليه بالخلافة. (4)

مسألة
إِذا اقتضى دليل أو خبر حكمًا -لا دليل له غيره- لم يجز عدم علم الأمة به.
وإن كان (5) له دليل راجح عُمِل على وفقه: فقيل: يجوز، وهو ظاهر كلام أصحابنا؛ لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وخطأهم من أوصافه (6)، فلا يكون خطأ، فلا إِجماع منهم.
وقيل: لا، لاتباعهم غير سبيل المؤمنين.
ورد: سبيلهم ما كان فعلاً مقصودًا لهم.
وأطلق الآمدي (7) الخلاف، ثم اختار: إِن عُمِل على وفقه جاز، وإلا فلا.
__________
(1) في (ب): من لم يشترطه.
(2) في (ب): واختاره.
(3) انظر: المحصول 2/ 1/ 190.
(4) نهاية 121 من (ح).
(5) تكررت (كان) في (ب).
(6) يعني: من أوصاف فعلهم.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 279 - 280.
(2/450)

مسألة
اختلفوا في امتناع ارتداد الأمة سمعاً، وظاهر كلام أصحابنا امتناعه، [وصرح (1) به بعضهم (2)]، واختاره الآمدي (3) ومن تبعه، لأدلة الإِجماع خلافًا لبعضهم، واختاره ابن عقيل (4).
قالوا: (5) الردة تخرجهم من أمته. (6)
رد: يصدق (7) قول القائل: "ارتدت الأمة"، وهو أعظم الخطأ. (8)

مسألة
الأخذ بأقل ما قيل -كالقول بأن دية الكتابي الثلث (9) - لا يصح
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) انظر: البلبل/ 137.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 1/ 280، ومختصر ابن الحاجب 2/ 43.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 282.
(5) نهاية 60 أمن (ب).
ملاحظة: من قوله ص 449: (السواد) إِلى هنا تكرر في (ب).
(6) لأنهم إِن ارتدوا لم يكونوا مؤمنين ولا الأمة، فلا تتناولهم الأدلة. انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 280، وشرح العضد 2/ 43.
(7) في (ب) و (ظ): بصدق.
(8) فيمتنع.
(9) اختلف العلماء في دية الكتابي الحر، فمنهم من قال: إِنها مثل دية المسلم، ومنهم من قال: إنها على النصف، ومنهم من قال: إِنها على الثلث. فانظر: المغني 8/ 398 - 399.
(2/451)

الاحتجاج بالإِجماع فيه، خلافًا لما ظنه بعض الفقهاء، للخلاف في الزائد. فنفيه -لمانع أو نفي شرط أو استصحاب- ليس من الإِجماع في شيء.
وذكر ابن حزم (1) عن قوم (2) الأخذ بأكثر ما قيل، لتعلم براءة الذمة.
رد: حيث يعلم شغلها، ولم نعلم الزائد.
و [قد (3)] (4) قال بعض أصحابنا (5): إِذا اختلفت (6) البينتان في قيمة المتلَف فهل يجب الأقل أو نسقطهما؟ فيه روايتان، فهذا يبين أن في إِيجاب الأقل بهذا المسلك خلافًا، وهو متجه. كذا قال.
ولنا قول: يجب الأكثر.

مسألة
يثبت الإِجماع بخبر الواحد عندنا وعند أكثر الحنفية والشافعية،
__________
(1) هو: أبو محمَّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموي الظاهري، حافظ عالم بالحديث وفقهه متفنن في علوم جمة، توفي سنة 456 ه.
من مؤلفاته: الأحكام في أصول الأحكام، والمحلى، والفصل في الملل والنحل.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 13، والصلة 2/ 415، وبغية الملتمس/ 403، وتذكرة الحفاظ / 1146، وطبقات الحفاظ/ 436، وشذرات الذهب 3/ 399.
(2) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 823، والمسودة/ 490.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) نهاية 60 ب من (ب).
(5) انظر: المسودة / 490.
(6) في (ظ): اختلف.
(2/452)

وحكاه ابن عقيل (1) عن أكثر الفقهاء، وأنه نزاع في عبارة لتعذر (2) القطع بالإِجماع ولا (3) بحصوله به، بل هو كثبوت قول الشارع به، والمنازع قال: الإِجماع دليل قطعي (4) فلا يثبت به.
وفي التمهيد (5) وغيره: العلم لا يحصل إِلا بالتواتر.
وقال الآمدي (6) وغيره: (7) سنده ظني، متنه قطعي.
قالوا: الإِجماع أصل، فلا يثبت بالظاهر.
رد: بالمنع.

مسألة
جاحد حكم إِجماع قطعي: قال ابن حامد وغيره من أصحابنا وغيرهم: يكفر (8).
__________
(1) انظر: المسودة/ 344 - 345.
(2) قال: لأننا إِذا قلنا: يثبت به الإِجماع، فلسنا قاطعين بالإجماع ولا بحصوله بخبر الواحد.
(3) كذا في النسخ. ولعل العبارة: وبحصوله به.
(4) نهاية 47 أمن (ظ).
(5) انظر: التمهيد/ 140 أ.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 281.
(7) نهاية 122 من (ح).
(8) انظر: المسودة/ 344.
(2/453)

وذكر كثير من الطوائف من أصحابنا وغيرهم، منهم: القاضي (1) وأبو الخطاب (2) -في مسألة انعقاد الإِجماع عن قياس-: يفسق.
واختار الآمدي (3) ومن تبعه قولاً ثالثًا: يكفر في نحو العبادات الخمس، وهو معنى كلام أصحابنا في كتب الفقه (4): "يكفر بجحد حكم ظاهر مجمع عليه كالعبادات الخمس"، واختاره بعض أصحابنا (5)، مع أنه حكى الأول عن أكثر العلماء، ولا أظن أحداً لا يكفر من جحد هذا.
وذكر بعض أصحابنا (6): أن على قول بعض المتكلمين "الإِجماع حجة ظنية" لا يكفر ولا يفسق. وسبق (7) لنا في الإِجماع.

مسألة
لا يصح التمسك بالإِجماع فيما تتوقف صحة الإجماع عليه بلا خلاف، كوجود الباري وصحة الرسالة ودلالة المعجزة؛ لأنه دور.
ويصح فيما لا يتوقف - (8) وهو ديني- كالرؤية ونفي الشريك
__________
(1) انظر: العدة/ 170 أ.
(2) انظر: التمهيد/ 136 أ.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 282.
(4) انظر: المغني 9/ 11، والمقنع 3/ 516، والمحرر 2/ 167.
(5) انظر: البلبل/ 137.
(6) انظر: المسودة/ 344.
(7) انظر: ص 388 من هذا الكتاب.
(8) نهاية 61 أمن (ب).
(2/454)

ووجوب العبادات.
وإِن كان دنيويًا -كالرأي في الحرب وتدبير الجيش وترتيب أمر الرعية- فسبق (1) كلامهم في حد الإِجماع.
ولعبد الجبار المعتزلي قولان (2)، تابعه على كل منهما جماعة.
واختار الآمدي (3) ومن تبعه: أنه حجة؛ لدليل السمع، وقاله بعض أصحابنا (4).
وفي كلام القاضي أو ولد (5) ولده أبي يعلى (6): ليس بحجة. (7)
* * *
__________
(1) انظر: ص 365 - 366 من هذا الكتاب.
(2) انظر: المعتمد/ 494، والإِحكام للآمدي 1/ 284.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 1/ 284.
(4) كابن حمدان. فانظر: شرح الكوكب المنير 2/ 279.
(5) في (ح): أولد
(6) هو: عماد الدين محمَّد بن أبي خازم محمَّد بن أبي يعلى محمَّد بن الحسين، قاض من كبار الحنابلة، ولد سنة 494 ه، وتفقه على أبيه وعلى عمه القاضي أبي الحسين، توفي سنة 560 ه.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 244، والمنهج الأحمد 2/ 283.
(7) نهاية 123 من (ح).
(2/455)

ويشترك الكتاب والسنة والإِجماع في السند والمتن
فالسند: إِخبار عن طريق المتن، أي: تواتر أو (1) آحاد.
والحبر: يطلق مجازًا على الدلالة المعنوية والإِشارة الحالية، كقولهم: عيناك تخبرني، والغراب يخبر.
وأما حقيقة، فقال القاضي (2) وغيره: للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبرًا.
وناقشه ابن عقيل (3) -كما يأتي (4) في الأمر- فعنده أن الصيغة هي الخبر، فلا يقال: له صيغة، ولا: هي دالة عليه.
واختار بعض أصحابنا (5) قول القاضي؛ لأن الخبر هو اللفظ والمعنى لا اللفظ، فتقديره: لهذا المركب جزء (6) يدل بنفسه على المركب، وإِذا قيل "الخبر الصيغة فقط" بقي الدليل هو المدلول عليه.
وعند المعتزلة (7): لا صيغة له، ويدل اللفظ عليه بقرينة هي قصد
__________
(1) في (ح): تواترًا وآحادًا. وفي (ظ): تواتر وآحاد.
(2) انظر: العدة/ 840.
(3) انظر: المسودة/ 232.
(4) انظر: ص 654 من هذا الكتاب.
(5) انظر: المسودة/ 232.
(6) في المسودة: خبر.
(7) انظر: المعتمد/ 542، والمسودة/ 232، واللمع/ 39، والعدة/ 840.
(2/456)

المخبر (1) إِلى (2) الإِخبار به، كالأمر عندهم.
وعند الأشعرية (3): هو المعنى النفسي.
وقال الآمدي (4): يطلق على الصيغة وعلى المعنى، والأشبه لغة: حقيقة في الصيغة لتبادرها عند الإِطلاق.
* * *
قال بعضهم: لا يحد الخبر، لعسره، وقال (5) صاحب المحصول: لأن تصوره ضروري، لأن كل أحد يعلم أنه موجود، ومطلق الخبر جزء منه، والعلم بالخاص علم بالمطلق لتوقف العلم بالكل على العلم (6) بجزئه.
ولأن كل أحد يجد (7) تفرقة بين الخبر والأمر وغيرهما ضرورة، والتفرقة بين شيئين مسبوقة بتصورهما.
لا يقال: "الاستدلال (8) دليل أنه غير ضروري؛ لأنه لا يستدل على
__________
(1) نهاية 47 ب من (ظ).
(2) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): في.
(3) انظر: المستصفى 1/ 132، والإِحكام للآمدي 2/ 4، والعدة/ 840، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 104.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 412.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 314.
(6) نهاية 61 ب من (ب).
(7) في نسخة في هامش (ب): يعلم.
(8) يعني: الاستدلال على كونه ضروريًا. انظر: شرح العضد 2/ 45.
(2/457)

ضروري"؛ لأن كون العلم ضروريًا أو نظرياً قابل للاستدلال، بخلاف الاستدلال على (1) حصول الخبر ضرورة، فإِنه مناف لضرورة الخبر.
ورد الدليل الأول: بأن المطلق لو كان جزءًا لزم انحصار الأعم في الاخص، وهو محال.
فإِن قيل: مشترك (2) فيه بين جزئياته، إِلى: أنه موجود فيما تحته، فكان جزءًا من معناها.
رد: ليس معنى كونه مشتركًا (3) فيه هذا، بل بمعنى أن حد الطبيعة التي عرض لها أنها (4) كلية مطلقة مطابق لحد ما تحتها من الطبائع الخاصة.
ولأنه ليس كل عام جزءًا من معنى الخاص؛ لأن الأعراض العامة خارجة عن مفهوم معناه (5)، كالأبيض والأسود بالنسبة إِلى ما تحته من معنى الإِنسان ونحوه.
ورد الدليل الأول -أيضًا-: بأنه لا يلزم من حصول العلم بالخبر الخاص تصوره أو تقدم تصوره؛ لأن العلم الضروري بالثبوت لا يستلزم العلم بالتصور لتغاير التصور والثبوت، ومع عدم تلازم تصور (6) الخاص وثبوته لم
__________
(1) نهاية 124 من (ح).
(2) يعني: الأعم مشترك فيه ...
(3) في (ب) و (ظ): مشتركة.
(4) في الإِحكام للآمدي 2/ 5: بل بمعنى أن حد الطبيعة التي عرض لها إِن كانت كلية مطلقة مطابق لحد طبائع الأمور الخاصة تحتها.
(5) يعني: معنى الخاص.
(6) في (ب): تصوم.
(2/458)

يلزم تصور المطلق منه.
ورد هذا: بأنه لم يدع أن حصول الخبر تصوُّره بل العلم بحصوله تصوُّره، ولا يمكن منعه.
ورد الدليل الثاني: بأنه لا يلزم سبق تصور أحدهما بطريق الحقيقة، فلم يعلم حقيقتهما.
ثم: يلزم أن لا يحد المخالف الأمر، وقد حَدَّه.
ولأن حقائق أنواع اللفظ -من خبر وأمر وغيرهما- مبنية على الوضع والاصطلاح، ولهذا لو أطلقت العرب الأمر على المفهوم من الخبر الآن أو عكسه لم يمتنع (1)، فلم تكن ضرورية.
* * *
والأكثر: يحد، وعليه أصحابنا:
ففي التمهيد (2): حده لغة: كلام يدخله الصدق (3) والكذب، وقاله أكثر المعتزلة (4)، كالجبائية وأبي عبد الله البصري وعبد الجبار.
__________
(1) نهاية 62أمن (ب).
(2) انظر: التمهيد/ 106 ب.
(3) نهاية 125 من (ح).
(4) انظر: المعتمد/ 542، والإِحكام للآمدي 2/ 6، وشرح العضد 2/ 45، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 106، وشرح الورقات/ 176، وفواتح الرحموت 2/ 102، وإِرشاد الفحول/ 42.
(2/459)

ونقض بمثل: "محمَّد ومسيلمة (1) (2) صادقان"، وبقول من يكذب دائمًا: "كل أخباري كذب"، فخبره هذا لا يدخله صدق (3) -وإِلا كذبت أخباره، وهو منها- ولا كذب وإلا كذبت (4) أخباره مع هذا، وصدق في قوله: "كل أخباري كذب"، فيتناقض.
وبلزوم الدور؛ لتوقف معرفتهما على معرفة الخبر؛ لأن الصدق: الخبر المطابق، والكذب: ضده.
وبانهما متقابلان فلا يجتمعان في خبر واحد، فيلزم امتناع الخبر (5) أو وجوده مع (6) عدم صدق الحد.
وبخبر الباري.
وأجيب عن الأول: بأنه في معنى خبرين لإِفادته حكماً لشخصين، ولا
__________
(1) هو: أبو ثُمَامة مسيلمة بن حبيب، من بني حنيفة، ادعى النبوة، وتبعه قومه، فأرسل أبو بكر خالد بن الوليد لقتاله، فقاتله وقتله سنة 11 ه. سمي (مسيلمة الكذاب).
انظر: المعارف/ 170، 267، 405، والبداية والنهاية 6/ 323.
(2) نهاية 48 أمن (ظ).
(3) في (ب) و (ظ): لا يدخله صدق ولا كذب وإلا كذبت ...
(4) قوله: وإلا كذبت أخباره ... وصدق في قوله. كذا في النسخ. وهو كذا في الإِحكام للآمدى 2/ 6 - ولعل صوابه: وإلا صدقت أخباره ... وكذب في قوله.
(5) وهو محال.
(6) يعني: مع امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققاً دون ما قيل بكونه حدًا له، وهو محال. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 6.
(2/460)

يوصفان (1) بهما بل يوصف بهما الخبر الواحد من حيث هو خبر.
ورد: لا يمنع ذلك من وصفه بهما بدليل الكذب في قول القائل: "كل موجود حادث" وإن أفاد حكماً لأشخاص.
وأجيب (2): بأنه كذب؛ لأنه أضاف الكذب (3) إِليهما معاً، وهو لأحدهما، وسَلَّمه بعضهم، ولكن لم يدخله الصدق. (4)
وأجيب: (5) بأن معنى الحد بأن (6) اللغة لا تمنع القول للمتكلم به: صدقت أو كذبت.
ورد: برجوعه (7) إِلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في الخبر.
وقوله: "كل أخباري كذب": إِن طابق فصدق، وإلا فكذب، ولا يخلو عنها.
__________
(1) يعني: الخبرين.
(2) هذا جواب ثان عن الأول.
(3) كذا في (ب) و (ظ). وفي (ح): الخبر. ولعل صوابه: الصدق. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 7.
(4) وقد قيل: الخبر ما يدخله الصدق والكذب.
(5) هذا جواب ثالث عن الأول.
(6) كذا في النسخ. ولعل صوابه: أن.
(7) في (ب): بوجوعه.
(2/461)

وقال بعض أصحابنا (1): يتناول قوله ما سوى هذا الخبر، إِذ الخبر لا يكون بعض المخبر. قال: ونص أحمد على مثله.
ولا جواب عن الدور.
وقد قيل: لا تتوقف معرفة الصدق (2) والكذب على الخبر، لعلمهما ضروة.
وأجيب عن الأخير وما قبله: (3) بأن المحدود جنس الخبر، وهو قابل لهما كالسواد (4) والبياض في جنس اللون.
ورد: لا بد من وجود الحد في كل خبر، وإلا لزم وجود الخبر دون حده.
وأجيب: الواو وإِن كانت للجمع لكن المراد الترديد بين القسمين تجوزًا، لكن يصان الحد عن مثله.
وحده في العدة: (5) بما (6) دخله الصدق أو الكذب، وفي الروض: (7) التصديق أو التكذيب.
فيرد الدور وما قبله.
__________
(1) انظر: المسودة/ 233.
(2) نهاية 126 من (ح).
(3) نهاية 62 ب من (ب).
(4) يعني: كاجتماعهما.
(5) انظر: العدة/ 839.
(6) في (ب) و (ظ): كلما دخله.
(7) انظر: روضة الناظر/ 93.
(2/462)

وبمنافاة (أو) للتعريف؛ لأنها للترديد، فلهذا أتى بعض أصحابنا (1) بالواو.
وأجيب: المراد قبوله لأحدهما (2)، ولا تردُّد فيه.
وحده أبو الحسين المعتزلي: كلام يفيد بنفسه نسبة. (3)
والكلمة عنده (4) كلام، فإِنه (5) حَدَّه بما انتظم من حروف مسموعة متميزة.
فقال: "بنفسه" ليخرج نحو "قائم" فإِنه يفيد نسبة إِلى (6) الضمير بواسطة (7) الموضوع.
ويرد: النسب التقييدية (8) كحيوان ناطق، ومثل: "ما أحسن (9) زيدًا"، قال بعضهم: ومثل "قُمْ"؛ فإِنه يفيد بنفسه نسبة (10) القيام إِلى
__________
(1) انظر: البلبل/ 49.
(2) في (ب) و (ظ): في أحدهما.
(3) انظر: المعتمد/ 544.
(4) انظر: المرجع السابق/ 14 - 15.
(5) في (ظ): لأنه.
(6) في (ظ): على.
(7) ضرب في (ظ) على (بواسطة) وكتب مكانها: (بخلاف).
(8) نهاية 48 ب من (ظ).
(9) يفيد نسبة التعجب الحاصل إِلى المتكلم، وليس بخبر. انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 47 - 48.
(10) في (ح): نسبة إِلى القيام.
(2/463)

المأمور أو الطلب إِلى الآمر.
وقال الآمدي (1): أخرجه "بنفسه"، فإِن المأمور به وجب بواسطة (2) ما استدعى (3) الأمر بنفسه من طلب الفعل.
وحده جماعة: (4) كلام محكوم (5) فيه بنسبة خارجية، وهي: الأمر الخارج عن كلام النفس الذي يتعلق به كلام النفس بالطابقة واللامطابقة.
فمثل: "طلبتُ القيام" حكم بنسبة لها خارجي وهو: نسبة طلب القيام إِلى المتكلم في الماضي، وهذه (6) النسبة خارجة عن (7) الحكم النفسي -ويسمى هذا الحكم (8) كلام النفس- تعلق بها الحكم النفسي بخلاف "قمْ"، فإِنه متعلق بالحكم النفسي، لا متعلق له خارجي.
* * *
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 9.
(2) في (ب): بواسطها.
(3) يعني: ما استدعاه الأمر.
(4) انظر: كشف الأسرار 2/ 360، وشرح العضد 2/ 45، وتيسير التحرير 3/ 25، وغاية الوصول/ 94، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 103، وإرشاد الفحول/ 43.
(5) ضرب في (ظ) على (محكوم فيه) وكتب مكانه: (يفيد بنفسه) وحذفت الباء الأولى في: بنسبة.
(6) في (ب): وهي.
(7) نهاية 127 من (ح).
(8) في (ظ): الكلام.
(2/464)

وغير الخبر: إِنشاء وتنبيه.
ومن التنبيه: الأمر والنهي والاستفهام والتمني والترجي والقسم والنداء.
وبعتُ [و] (1) اشتريث وطلقت -ونحوها مما تستحدث بها الأحكام (2) - إِنشاء عند القاضي وغيره (3) (وم ش) (4)؛ لأنها لا خارج لها، ولا تقبل صدقًا ولا كذبًا، ولو كان خبرًا لما قبل تعليقًا لكونه ماضيًا.
وعند الحنفية (5): هي إِخبار؛ لأن الأصل التقرير (6) وعدم النقل.
ولنا وجه (7): "طلقتك" (8) كناية، فعلى الأول: لو قاله لرجعية طلقت، ذكره بعض أصحابنا، ومعناه لغيره -خلافاً لبعضهم- ولم يسأل
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) نهاية 63 أمن (ب).
(3) في (ح): وهو معنى كلام غيره.
(4) انظر: الفروق 1/ 28، 29، وشرح العضد 2/ 49، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 163، وغاية الوصول/ 103.
(5) انظر: تيسير التحرير 3/ 26، وفواتح الرحموت 2/ 103، 104.
(6) في (ب) و (ظ): لأن الأصل عدم التقدير، وعدم النقل.
(7) في (ب): وجل.
(8) يعني: لنا وجه أن (طلقتك) من كنايات الطلاق، انظر: الفروع 5/ 378 قال: وقيل: (طلقتك) كناية، فيتوجه عليه أنه يحتمل الإِنشاء والخبر، وعلى الأول هو إِنشاء. وانظر: الإِنصاف 8/ 463.
(2/465)

(م) (1)، لكن لو ادعى طلاقًا ماضياً توجه لنا خلاف.
* * *
الخبر: صدق وكذب عند الجمهور؛ لأن الحكم -وهو مدلوله- إِما مطابق أوْ لا.
وقال (2) الجاحظ (3): المطابق مع اعتقاد المطابقة صدق، وغير المطابق مع اعتقاد عدمها كذب، وما سوى ذلك ليس بصدق ولا كذب؛ لقوله: (أَفْتَرَى على الله كذبًا أم به جِنَّة) (4)، والمراد: الحصر فيهما (5)، وليس الثاني (6) بصدق لعدم اعتقاده (7) ولا كذب لتقسيمه (8).
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 48، ومختصره 2/ 49.
(2) انظر: المعتمد/ 544، والتمهيد/ 106 ب.
(3) هو: أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني الليثي البصري، كان بحراً من بحور العلم والأدب رأسًا في الكلام والاعتزال، إليه تنسب (الجاحظية) من فرق المعتزلة، توفي بالبصرة سنة 255ه.
من مؤلفاته: الحيوان، والبيان والتبيين.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 140، وفرق وطبقات المعتزلة/ 73، وروضات الجنات 5/ 324، وبغية الوعاة 2/ 228، وشذرات الذهب 2/ 121.
(4) سورة سبأ: آية 8.
(5) يعني: في الافتراء والجنون.
(6) وهو كلام المجنون.
(7) يعني: لعدم اعتقاده صدقًا.
(8) يعني: لكونه قسيم الكذب.
(2/466)

رد: المراد (1) الحصر في كونه خبرًا كذبًا أو ليس بخبر لجنونه فلا عبرة بكلامه.
وأما المدح (2) والذم فيتبعان المقصد ويرجعان إِلى المخبر لا إِلى الخبر، ومعلوم عند الأمة صدق المكذب برسول الله في قوله: "محمَّد رسول الله" (3) مع عدم (4) اعتقاده، وكذبه في نفي الرسالة مع اعتقاده، وكثر (5) في السنة تكذيب من أخبر -يعتقد المطابقة- فلم يكن، كقوله عليه السلام:
__________
(1) في (ح): مرادهم.
(2) هذا جواب دليل مقدر للجاحظ: ليس الصدق هو الخبر المطابق للمخبر، فإِن من أخبر بأن زيدًا في الدار على اعتقاد أنه ليس فيها -وكان فيها- فإِنه لا يوسف بكونه صادقًا ولا يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقًا للمخبر، ولا يوصف بكونه كاذبًا لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو عدم مطابقة الخبر للمخبر؛ لأنه لو أخبر مخبر أن زيدًا في الدار على اعتقاد كونه فيها -ولم يكن فيها- فإِنه لا يوصف بكونه كاذبًا، ولا يستحق الذم على ذلك، ولا يوصف بكونه صادقًا لعدم مطابقة الخبر للمخبر.
وإنما الصدق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك، والكذب ما لم يطابق المخبر مع اعتقاد أنه كذلك. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 10 - 11.
(3) نهاية 128 من (ح).
(4) في (ب): مع اعتقاده.
(5) في (ظ): وكثير.
(2/467)

(كذب أبو السنابل (1)) (2).
وقيل: إِن اعتقد وطابق فصدق، وإلا فكذب، لتكذيب المنافقين في خبرهم عن الرسالة. (3)
ورد: أكذبهم في شهادتهم (4)؛ لأن الشهادة الصادقة (5) أن يشهد بالمطابقة معتقدًا.
وقال الفراء: الكاذبون في ضمائرهم (6) وقيل: [في] (7)
__________
(1) هو الصحابي أبو السنابل بن بَعْكَك بن الحجاج بن الحارث.
(2) سبب الحديث: أن سُبَيْعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فتزينت وتعرضت للتزويج، فقال لها أبو السنابل: لا سبيل إِلى ذلك، أي: حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. فأتت النبي، فقال لها: (كذب أبو السنابل، أو ليس كما قال أبو السنابل، وقد حللت فتزوجي). كذا رواه الشافعي والبغوي، والحديث ورد بألفاظ مختلفة. أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 155 - 156، ومسلم في صحيحه/ 1122، والترمذي في سننه/ 2/ 332، والنسائي في سننه 6/ 190، وابن ماجه في سننه/ 653، وأحمد في مسنده 7/ 289، والشافعي في الرسالة/ 575 (وانظر: بدائع المنن 2/ 402)، والبغوي في شرح السنة 9/ 304، والدارمي في سننه 2/ 166، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن / 323). وانظر: فتح الباري 8/ 461.
(3) قال تعالى: (إِذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إِنك لرسول الله والله يعلم إِنك لرسوله والله يشهد إِن المنافقين لكاذبون). سورة المنافقون: آية 1.
(4) انظر: تفسير القرطبي 18/ 123.
(5) نهاية 49 أمن (ظ).
(6) انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 158، وتفسير القرطبي 18/ 123.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(2/468)

يمينهم (1).
قال بعضهم: (2) المسألة لفظية. وحكاه في التمهيد (3) عن بعض المتكلمين، ولم يخالفه.
* * *
والصدق: القوة والصلابة (4). والثبات (5)، ومنه سمي صداق المرأة، ذكره ابن عقيل (6)
* * *
قال (7) بعض أهل اللغة: لا يستعمل الكذب إِلا في خبر عن ماض بخلاف ما هو.
وقد قال أحمد (8) -فيمن قال: لا آكل، ثم أكل-: هذا كذب لا
__________
(1) قال القرطبي في تفسيره 18/ 123: وهو قوله تعالى: (ويحلفون بالله إِنهم لمنكم وما هم منكم) سورة التوبة: آية 56. وانظر: تفسير الطبري 28/ 69، وزاد المسير 8/ 274، وتفسير ابن كثير 4/ 368.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 347. وشرح العضد 2/ 50.
(3) انظر: التمهيد/ 107 أ.
(4) نهاية 63 ب من (ب).
(5) في (ظ): والبيان.
(6) انظر: الواضح 1/ 28 ب.
(7) انظر: الآداب الشرعية للمؤلف 1/ 32، وشرح الكوكب المنير 4/ 312، وشرح النووي على صحيح مسلم 16/ 57.
(8) انظر: الآداب الشرعية 1/ 30، 38.
(2/469)

ينبغي أن يفعل. وقيل له: بم تعرف (1) الكذاب؟ قال: بخلف الوعد. ومعناه لابن عقيل (2) وابن (3) الجوزي وصاحب (4) المغني وغيرهم، لقوله: (وأقسموا بالله جهد إيمانهم لا يبعث الله) (5)، وقوله: (ألم تر إِلى الذين نافقوا) (6)] (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا) (7).
ورد أبو جعفر النحاس (8) على قائل ذلك (9) بقوله: (يا ليتنا
__________
(1) في (ب): بم يعرف.
(2) في كتابه الفصول. انظر: الآداب الشرعية 1/ 30.
(3) انظر: زاد المسير 5/ 128، والآداب الشرعية 1/ 30.
(4) انظر: المغني 7/ 468، والآداب الشرعية 1/ 30.
(5) سورة النحل: الآيتان 38، 39: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدًا عليه حقًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين).
(6) سورة الحشر: آية 11: (ألم تر إِلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إِنهم لكاذبون).
(7) سورة العنكبوت: آية 12: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إِنهم لكاذبون).
(8) هو: أحمد بن محمَّد بن إِسماعيل المرادي المصري النحوي، توفي سنة 338 ه.
من مؤلفاته: إِعراب القرآن، والكافي في العربية.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 82، وبغية الوعاة 1/ 362، وحسن المحاضرة 1/ 531، وشذرات الذهب 2/ 346.
(9) يعني: على من قال: لا يكون إِلا في ماض. فانظر: الآداب الشرعية 1/ 31.
(2/470)

نرد) (1) الآية (2).
وفي البخاري: قول سعد بن عبادة (3) -يوم فتح مكة-: "اليوم تستحل الكعبة". فقال - عليه السلام -: (كذب سعد) (4).
وفي مسلم: قول عبد حاطب (5) -وجاء يشكو حاطبًا-: "ليدخلن حاطب النار". فقال - عليه السلام -: (كذبت، لا يدخلها). (6)
* * *
الخبر منه: معلوم صدقه، ومعلوم كذبه، وما لا يعلم واحد منهما.
فالأول: ضروري بنفسه كالمتواتر، وبغيره كخبر من وافق (7) ضروريًا، أو نظري كخبر الله وخبر رسوله عنه وخبر الإِجماع، وخبر من ثبت بخبر
__________
(1) سورة الأنعام: آيتا 27، 28: (ولو ترى إِذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). فقد جاء الحكم بالكذب على مستقبل.
(2) في (ب): الاديه. أقول: والمناسب: الآيتان.
(3) هو: الصحابي سعد بن عبادة بن دُلَيْم، سيد الخزرج.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 146 من حديث عروة بن الزبير مرسلاً. قال ابن حجر في فتح الباري 8/ 6: ولم أره في شيء من الطرق عن عروة موصولاً.
(5) هو: الصحابي حاطب بن أبي بلتعة.
(6) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1942 من حديث جابر، وأخرجه -أيضًا- أحمد في مسنده 3/ 349.
(7) نهاية 129 من (ح).
(2/471)

أحدها صدقه، وخبر موافق خبر أحدها. (1)
والثاني: ما خالف ما علم صدقه.
ولثالث: ما ظن صدقه كالعدل، وكذبه كالكذاب، والمشكوك فيه المجهول. (2)
وقول (3) قوم: "كل خبر لم يعلم صدقه كذب قطعًا، وإِلا لنصب عليه دليل كخبر مدعي الرسالة" باطل؛ فإِنه مقابل بمثله في نقيضه (4)، ويلزمه كذب كل شاهد وكفر كل مسلم لم يقم قاطع بصدقهما. (5)
وإِنما كذب المدعي لأن الرسالة عن الله خلاف العادة، والعادة تقضي (6) بكذب ما يخالفها بلا دليل.
* * *
__________
(1) في (ظ): أحدهما.
(2) يعني: خبر مجهول الحال.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 321، وتيسير التحرير 3/ 30، وفواتح الرحموت 2/ 109، ومختصر ابن الحاجب 2/ 51، والإِحكام للآمدي 2/ 13، وشرح العضد 2/ 51.
(4) يعني: في نقيض ما أخبر به إِذا أخبر به آخر، فيلزم اجتماع النقيضين، ونعلم بالضرورة وقوع الخبر بهما. انظر: شرح العضد 2/ 51.
(5) وذلك باطل بالإجماع والضرورة. انظر: المرجع السابق.
(6) في (ظ) تقتضي.
(2/472)

الخبر تواتر وآحاد
فالتواتر لغة (1): تتابع شيئين (2) فأكثر بمهلة، ومنه: (ثم أرسلنا رسلنا تَتْرى). (3)
واصطلاحاً: خبر جماعة مفيد للعلم بنفسه.
وقيل: "بنفسه" ليخرج ما أفاده بغيره كخيرٍ عُلِمَ صدقه بقرينة عادة أو غيرها.
والعقلاء: أن التواتر يفيد العلم، لعلمهم (4) ببلاد نائية وأمم ماضية وأنبياء وخلفاء وملوك بمجرد الإِخبار كعلمهم بالمُحَسَّات.
وحكي عن قوم -قيل (5): هم البراهمة (6) (7)، وهم لا يجوزون على
__________
(1) انظر: الصحاح/ 843، ولسان العرب 7/ 137.
(2) نهاية 64 أمن (ب).
(3) سورة المؤمنون: آية 44.
(4) في (ح): كعلمهم.
(5) انظر: العدة/ 841.
(6) البراهمة: فرقة ضالة ظهرت في الهند، تنسب إِلى رجل يقال له: (برهم) أو (برهام)، كان يقول بنفي النبوات وأن وقوعها أمر مستحيل في حكم العقل؛ لأن الرسول إِما أن يأتي بأمر معقول أو بأمر غير معقول، فإِن كان الأول فقد كفانا فيه العقل، فلا حاجة لنا إِلى الرسول، وإن كان الثاني فلا يمكن قبوله؛ لأن قبوله خروج عن حد الإِنسانية ودخول في حريم البهيمية. وقد انقسموا إِلى فرق. انظر: الملل والنحل 3/ 342.
(7) نهاية 49 ب من (ظ).
(2/473)

الله بعث الرسل، وقيل (1): هم السُّمَنِيَّة (2) فرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسخ-: أنه لا يفيد العلم -وقيل (3): يفيد عن الموجود (4) لا الماضي- لأن تباينهم يمنع اجتماعهم على خبر كامتناعه (5) على حب طعام واحد.
ثم: الجملة مركبة من واحد، ويمكن كذبه، فكذا هي.
ويلزم (6) تناقض المعلومين بتعارض تواترين، وحصول العلم بنقل [أهل] (7) الكتاب ما يضاد الإِسلام.
ولأن الضروري لا يختلف (8)، ولا يخالَف، وقد فرقنا ضرورة بين المتواتر والمُحَسَّات وخالفناكم.
__________
(1) انظر: البرهان/ 578، والمستصفى 1/ 132.
(2) السمنية: طائفة تنسب إِلى (سومنا) بلد في الهند، وكانوا يعبدون صنماً اسمه (سومنات)، كسره السلطان محمود بن سُبُكْتِكِين، ولديهم مذاهب غريبة كالقول بالتناسخ وقدم العالم وإنكار النظر والاستدلال واعتبار الحواس الخمس -وحدها- وسائل العلم والمعرفة.
انظر: الفرق بين الفرق/ 170، والحور العين/ 139، وفواتح الرحموت 2/ 113.
(3) انظر: المحصول 2/ 1/ 324.
(4) في (ظ): الوجود.
(5) في (ب) و (ظ): كامتناعهم.
(6) نهاية 130 من (ح).
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(8) وقد وقع التفاوت بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك وعلمنا باستحالة اجتماع الضدين. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 16.
(2/474)

ورد ذلك: بأنه تشكيك في الضروري، فلا يسمع.
ثم: الأول ممنوع.
ولا يلزم من ثبوت شيء للواحد ثبوته للجملة، فإِن الواحد جزء العشرة وليست جزءًا منه، والمعلوم الواحد متناه (1) لا معلومات الله.
واجتماع التواترين فرض محال.
وأخبار أهل الكتاب -فيما ذكروه- لم تتواتر (2)، والقاطع يقابله.
ولا نسلم أن الضروري لا يتفاوت، ولا يلزم منه (3) أنه لا يفيد العلم، ثم: (4) للاستئناس (5)
والمخالفة عناد كما (6) حكي (7) عن بعض السُّوفُسْطائيَّة (8) -وقال ابن
__________
(1) في (ظ): مبناه.
(2) في (ب): لم يتواتر.
(3) يعني: من تفاوته.
(4) في (ح) ثم الاستئناس.
(5) يعني: ثم لو سلمنا أن العلوم لا تتفاوت جلاء وخفاء فالتفاوت هنا للأنس وعدمه، لا لكون أحدهما جلياً أو خفياً. انظر: فواتح الرحموت 2/ 114.
(6) في (ظ): وكما.
(7) انظر: العدة/ 842.
(8) السوفسطائية: هم مبطلو الحقائق، وهم ثلاث فرق في ذلك: فرقة نفت الحقائق جملة، وفرقة شكت فيها، وفرقة فصلت فقالت: هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/ 7.
(2/475)

عقيل (1): أصحاب سُوفُسْطا (2) -: نعلم أن لا علم أصلاً، وعن بعضهم: لا علم لنا بمعلوم، وعن بعضهم: لا ننكر العلم لكن لا تقوى عليه القوة البشرية، وعن بعضهم: من اعتقد شيئًا (3) فهو كما اعتقده. والجواب واحد. (4)
وأنكر الملحدة والرافضة العلم بالعقل، لتناقض, قضاياه لاختلاف العقلاء.
وهذا تناقض منهم، مع أن العقل حجة الله على المكلف، واختلاف العقلاء لقصور علم أو تقصير في شرط النظر.
ثم: جميع ذلك شبه لا أثر لها مع العلم كالحسيات (5) مع أن النظر يختلف فيها والسماع.
وقالت اليهود (6): "من شرطه أن لا يكذب به أحد". وهذا باطل.

مسألة
عند أصحابنا -منهم القاضي في العدة (7) - وعامة الفقهاء والمتكلمين: أن العلم الحاصل بالتواتر ضروري.
__________
(1) انظر: الفنون لابن عقيل/ 401 وفي تلبيس إِبليس/ 39: ينسبون إِلى رجل يقال له: سوفسطا.
(2) يذهب آخرون إِلى أن سوفسطا: اسم للحكمة المموهة والعلم الزخرف وأنه ليس في لوجود شخص اسمه سوفسطا. انظر: تيسير التحرير 3/ 32، والمعتبر/ 297.
(3) نهاية 64 ب من (ب).
(4) يعني: فكما تجيبون عليهم نجيب عليكم. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 18.
(5) في (ح): كالحساب.
(6) انظر: العدة/ 845، والمسودة/ 234.
(7) انظر: العدة/ 847.
(2/476)

واختار القاضي في الكفاية (1) وأبو الخطاب (2): نظري، وقاله (3) الكعبي وأبو الحسين البصري (4) المعتزليان والدقاق (5) (6) وأبو المعالي (7).
وعند الغزالي (8): ضروري بمعنى عدم الحاجة إِلى الشعور بالواسطة مع حضورها (9) في الذهن، غير ضروري (10) بمعنى استغنائه (11) عنها، فلا بد منها.
وقال بعض أصحابنا (12) لفظية: مراد الأول بالضروري: ما اضطر العقل
__________
(1) انظر: المسودة/ 234.
(2) انظر: التمهيد/ 108 أ- ب.
(3) انظر: المعتمد/ 552، والبرهان/ 579، والمستصفى 1/ 132.
(4) انظر: المعتمد/ 552.
(5) انظر: التمهيد/ 108أ، والإِحكام للآمدي 2/ 18.
(6) هو: أبو بكر محمَّد بن محمَّد بن جعفر البغدادي، أصولي فقيه شافعي، ولد سنة 306 ه، وتوفي ببغداد سنة 392 ه.
انظر: تاريخ بغداد 3/ 229، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 97، والمنتظم 7/ 222، والواقي بالوفيات 1/ 116، وطبقات الشافعية للأسنوي 1/ 522، والنجوم الزاهرة 4/ 206.
(7) انظر: البرهان/ 579.
(8) انظر: المستصفى 1/ 331، والإِحكام للآمدي 2/ 18 - 19.
(9) نهاية 131 من (ح).
(10) يعني: وليس ضرورياً بمعنى استغنائه عنها.
(11) في (ظ): الاستغناء به.
(12) انظر: البلبل/ 50.
(2/477)

إِلى تصديقه، والثاني: البديهي الكافي في الجزم به تصور طرفيه، والضروري منقسم إِليهما.
وتوقف (1) المرتضى (2) الشيعي (3) والآمدي (4).
وجه الأول: لو كان نظريًا لافتقر إِلى توسط المقدمتين، ولما حصل لمن لا يتأتى له (5) كصبي ونحوه، ولساغ الخلاف فيه عقلاً كبقية النظريات.
الوجه الثاني: لو كان ضروريًا ما افتقر، ولا يحصل إِلا بعد علم أن المخبر عنه مُحَسٌّ من جماعة لا داعي لهم إِلى الكذب، وأن ما كان كذلك ليس بكذب، فيلزم كونه صدقًا.
رد: بمنع افتقاره إِلى سبق علم ذلك، بل يعلم ذلك عند حصول العلم بالخبر.
__________
(1) نهاية 50 أمن (ظ).
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 19.
(3) هو: أبو القاسم الشريف علي بن الحسين بن موسى، ينتهي نسبه إِلى الحسين بن علي ابن أبي طالب، وهو أخو الشريف الرضي، إِمام في علم الكلام وأصول الفقه والأدب والشعر، توفي ببغداد سنة 436 ه.
من مؤلفاته: الذريعة في أصول الفقه، والغرر الدرر في الفقه والنحو.
انظر: وفيات الأعيان 3/ 3، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة/ 383، وتاريخ بغداد 11/ 402، ومرآة الجنان 3/ 55، وإنباه الرواة 2/ 249، وشذرات الذهب 3/ 256.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 23.
(5) يعني: لمن لا يتأتى له النظر.
(2/478)

ثم: حاصل بقوة قرينة (1) من (2) الفعل، فالنظر لا يحتاجه.
قالوا: صورة الترتيب (3) ممكنة.
رد: مطرد في كل ضروري (4).
قالوا: لو كان ضروريًا (5) لعلم كونه ضروريًا ضرورة؛ لعدم حصول علم ضروري لا يشعر بضرورته. (6)
رد: معارض بمثله في النظري. (7)
ثم: لا يلزم من حصول (8) العلم الشعور بالعلم ضرورة، وإن سلّم فلا الشعور بصفته (9) ضرورة.
قالوا: كالعلم عن خبر الله ورسوله.
رد: لتوقفه على معرفتهما، وهي نظرية.
__________
(1) كذا في النسخ. ولعل الصواب: قريبة.
(2) ضرب على (من) وعدلت العبارة -في (ب) و (ظ) - إِلى (للفعل).
(3) يعني: النظر في المقدمات.
(4) ولا يلزم الاحتياج إِليه. انظر: شرح العضد 2/ 53.
(5) نهاية 65أمن (ب).
(6) في (ظ): بصورته. وفي نسخة في هامشها: من ضرورته.
(7) يعني: لو كان نظريًا لعلم كونه نظريًا بالضرورة كغيره من النظريات. انظر: المرجع السابق.
(8) في (ظ): حصوله.
(9) من كونه ضروريًا أو نظريًا. انظر: المرجع السابق.
(2/479)

مسألة
للمتواتر شروط متفق عليها:
ففي المخبرين: أن يبلغوا عددًا يمتنع معه التواطؤ على الكذب لكثرتهم -وفي بعض كلام القاضي (1)، وذكره ابن عقيل عن أصحابنا: لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم- مستندين إِلى الحس، مستوين في طرفي الخبر ووسطه.
وذكر الآمدي (2) من (3) المتفق عليه كونهم بما أخبروا به عالمين لا ظانين، واعتبره في الروضة (4)، واعتبره في التمهيد (5) -إِن قلنا: هو نظري- لأنه (6) لا يقع به العلم، ولأن علم السامع فرع على علم المخبر (7). كذا قال.
ولم يعتبره القاضي وغيره (8) من أصحابنا وغيرهم؛ لأنه إِن أريد كلهم فباطل لجواز ظن بعضهم، وإن أريد بعضهم فلازم من استنادهم إِلى الحس.
__________
(1) انظر: العدة/ 856.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 25.
(3) في (ظ): في.
(4) انظر: روضة الناظر/ 96.
(5) انظر: التمهيد/ 109أ.
(6) قال: لأننا لو جوزنا أن يكونوا ظانين أو مخمنين -وهم يظنون أنهم محقين- لم يقع لنا العلم، فلهذا اعتبرنا أن يكونوا أخبروا عن يقين مشاهدة أو سماع أو حس ...
(7) فعلم الخبر متى كان ظناً فعلم السامع يجب أن يكون ظنًا.
(8) نهاية 132 من (ح).
(2/480)

ويعتبر (1) تأهل المستمع (2) للعلم، وعدمه (3) حال الإِخبار؛ لامتناع تحصيل الحاصل، وأن لا يعلمه السامع ضرورة، قال بعضهم (4): وأن لا يعتقد خلافه لشبهة دليل (5) أو تقليد. (6)
وسبق في المسألة قبلها: أن من قال: "نظري" شَرَطَ سبق العلم بجميع ذلك، ومن قال: "ضروري" فلا، وضابطه: العلم بحصولها عند حصول العلم بالخبر، لا أن (7) ضابط حصول العلم به سبق حصول العلم بها.
* * *
واختلف: هل يعتبر في التواتر عدد؟
فقيل: يعتبر خمسة، وقيل: أربعة، وقيل: اثنان، وقيل: عشرة، وقيل: اثنا عشر بعدد النقباء (8) المبعوثين، وقيل: عشرون لقوله: (إِن يكن (9)
__________
(1) في (ب) و (ظ): ويعتبر في تأهل. وكانت كذلك في (ح)، ثم ضرب على (في).
(2) في (ظ): السميع.
(3) يعني: يعتبر عدم حصول العلم حال الإِخبار.
(4) انظر: البلبل/ 52، والمدخل/ 91، وشرح الكوكب المنير 2/ 342، والمحصول 2/ 1/ 368، ونهاية السول 2/ 219.
(5) إِن كان من العلماء.
(6) إِن كان من العوام.
(7) في (ظ) لأن.
(8) قال تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إِسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا) سورة المائدة: آية 12. وانظر -في التعريف بهم-: تفسير القرطبي 6/ 112.
(9) سورة الأنفال: آية 65.
(2/481)

منكم عشرون) (1)، وقيل: أربعون كعدد الجمعة، وقيل: سبعون لاختيار موسى (2)، وقيل: ثلاثمائة ونيِّف بعدد أهل بدر (3)، وقيل: ألف وسبعمائة كبيعة الرضوان. (4)
وعند (5) أصحابنا والمحققين: لا ينحصر في عدد، وضابطه: ما حصل العلم عنده، وذكره في التمهيد (6) عن أكثر العلماء -وعلى هذا يمتنع (7) الاستدلال بالتواتر على من لم يحصل له العلم منه- للقطع به (8) من غير
__________
(1) نهاية 65 ب من (ب).
(2) قال تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً) سورة الأعراف: آية 155.
(3) وقعت غزوة بدر في 17 من شهر رمضان سنة 2 ه. وكان عدد جند المسلمين فيها 314 رجلاً. فانظر: سيرة ابن هشام 2/ 333 وما بعدها، والروض الأنف 5/ 253 وما بعدها.
(4) بيعة الرضوان: هي البيعة التي بايع فيها الناس رسول الله -على الموت أو على أن لا يفروا- تحت الشجرة. وذلك بعد أن بلغ النبي أن عثمان قد قتل، وكان الرسول قد بعثه إِلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت للحرب، وذلك عام الحديبية آخر سنة 6 ه. فانظر: سيرة ابن هشام 3/ 321. وما ذكره المؤلف من تحديد العدد ب 1700 موافق لما في حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة. ورجح في فتح الباري 7/ 440 - 441: أنهم كانوا بين 1400 - 1500.
(5) نهاية 50 ب من (ظ).
(6) انظر: التمهيد/ 108 ب.
(7) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 337.
(8) يعني: للقطع بالعلم.
(2/482)

علم بعدد خاص، والعادة تقطع بأنه لا سبيل إِلى وجدانه لحصوله بتزايد (1) الظنون على تدريج خفي كحصول كمال العقل به. (2)
ولا دليل للحصر، وما سبق -مع عدم مناسبته- مضطرب متعارض، ولا يحصل العلم عند عدد من ذلك ولا بد، بل يختلف باختلاف قرائن التعريف وقوة السماع والفهم (3) والوقائع.
وقول (4) ابن الباقلاني وأبي الحسين المعتزلي: "من حصل بخبره علم بواقعة [لشخص] (5) حصل بمثله بغيرها (6) لشخص آخر" إِنما أرادا مع التساوي مع كل وجه -ومثله بعيد عادة- وإلا لم يصح.
وقال القاضي (7) وأبو الطيب (8) وابن الباقلاني (9) والجبائي (10): لكن
__________
(1) في (ب): يتزايد.
(2) يعني: بالتدريج.
(3) نهاية 133 من (ح).
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 343، والمدخل / 90، وتيسير التحرير 3/ 35، وفواتح الرحموت 2/ 117، ومختصر ابن الحاجب 2/ 55، والمعتمد/ 561، 563، 564، 564، والمستصفى 1/ 135، والإِحكام للآمدي 2/ 29، وشرح العضد 2/ 55، وغاية الوصول/ 96.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) في (ظ): لغيرها.
(7) انظر: العدة/ 856.
(8) انظر: المسودة/ 236.
(9) انظر: البرهان / 570، 571.
(10) انظر: المعتمد/ 552، 561، والتبصرة/ 295، والمسودة/ 236.
(2/483)

لا يحصل بأربعة -وذكره ابن برهان (1) إِجماعًا- لأنه لو حصل بهم حصل بخبر كل أربعة كالجم الغفير، فيعلم الحاكم صدقهم ضرورة، فيكون ورود الشرع بالسؤال عن عدالتهم باطلاً.
واحتج بهذا (*) في التمهيد (2) على من حَدَّ بأربعة، فدل على موافقته.
رد: حصول العلم بفعله تعالى، فلا يلزم اطراد، ثم: الشهادة آكد.
ورد بعض أصحابنا (3) ذلك: بأنه فرق (4) في العمل أو الظن بين مخبر ومخبر، كذا في العلم، والعلم بتأثير الصفات ضروري، ثم (5): غير الأربعة كهي في السؤال فلا اختصاص، ثم: القضاء أمره (6) مضبوط (7) ظاهر للعدل (8)، ولهذا لا يحده (9) بعلمه، لكن لو شهد بالأمر من أفاد خبرهم العلم لكل أحد فهذا فيه نظر، لكن لا يكاد يقع لإِمكان التواطؤ.
__________
(1) انظر: المسودة/ 236.
(2) انظر: التمهيد/ 108 ب.
(3) انظر: المسودة/ 237.
(4) يعني: فرق القاضي.
(5) تكررت (ثم) في (ب).
(6) نهاية 66 أمن (ب).
(7) في (ظ): مضبوطًا.
(8) يعني: لأجل العدل.
(9) يعني: لا يقيم الحد عليه.
(*) في (ب): بها.
(2/484)

وقال أيضًا: إِن القاضي (1) ذكر أن الحاكم يحكم (2) بالتواتر (3).
...
ولا يشترط غير ذلك.
وشرط بعض الشافعية الإِسلام والعدالة -وبعضهم: إِن طال الزمان- لإِخبار النصارى بقتل المسيح.
ورد: بعدم استواء طرفي الخبر ووسطه.
وشرط: (4) طوائف من الفقهاء: أن لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد.
وشرط قوم اختلاف النسب والدين والوطن.
وشرطت الشيعة (5): المعصوم فيهم؟ دفعًا للكذب، واليهود (6): أهل الذلة والمسكنة فيهم؛ لاحتمال (7) تواطؤ غيرهم على الكذب لعدم خوفهم، وهو باطل بحصول العلم
__________
(1) جاء ذكر هذا في المسودة بدون نسبته إِلى القاضي.
(2) في (ظ) و (ب): لم يحكم.
(3) فيما يحكم فيه بعلمه.
(4) في (ب): وشرطه.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 29، وشرح العضد 2/ 55.
(6) انظر: البرهان/ 581، والإحكام للآمدي 2/ 29، والمسودة/ 234، وشرح العضد 2/ 55.
(7) نهاية 134 من (ح).
(2/485)

بإِخبار غيرهم (1)، وهم (2) أولى لترفُّعهم عن الكذب.
وشرط قوم إِخبارهم طوعًا.
وهو باطل؛ فإِن الصدق (3) لا يمتنع حصول العلم به، وإِلا (4) فات شرط (5).

مسألة (6)
إِذا اختلف المتواتر (7) في الوقائع كحاتم في السخاء: فما اتفقوا عليه بتضمن أو التزام هو المعلوم.
* * *
خبر الواحد: ما عدا المتواتر، ذكره في الروضة (8) وغيرها، وقيل: ما أفاد الظن، ونُقِض طرده بالقياس، وعكسه بخبر لا يفيده.
وذكر الآمدي (9) ومن وافقه من أصحابنا وغيرهم: إِن زاد نَقَلَتُه على
__________
(1) من الشرفاء والعظماء.
(2) في (ظ) و (ب): وهو.
(3) الذي حملوا عليه.
(4) يعني: وإن حملوا على الكذب. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 28.
(5) وهو إِخبارهم عن معلوم محس. انظر: المرجع السابق.
(6) نهاية 51أمن (ظ).
(7) في (ظ): التواتر.
(8) انظر: روضة الناظر/ 99
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 31.
(2/486)

ثلاثة سمي مستفيضاً مشهوراً، وذكره الإِسفراييني (1)، وأنه (2) يفيد العلم نظرًا، والمتواتر (3) ضرورة.

مسألة
خبر العدل يفيد الظن، نص أحمد (4) في رواية الأثرم (5): أنه يعمل به ولا يشهد أنه - عليه السلام - قاله. وأطلق ابن عبد البر وجماعة (6): أنه قول جمهور أهل الفقه والأثر والنظر، [وظاهره] (7) ولو مع قرينة، وذكره جماعة قول الأكثر.
__________
(1) يعني: أبا إِسحاق الإسفراييني. انظر: البرهان/ 584.
(2) يعني: المستفيض.
(3) في (ب) و (ظ): والتواتر.
(4) ذكر القاضي في العدة/ 898: أنه رآه في كتاب معاني الحديث للأثرم.
(5) هو: أبو بكر أحمد بن محمَّد بن هانئ الطائي، إِمام حافظ كثير الرواية عن أحمد، توفي سنة 260 ه.
من مؤلفاته: العلل، ومعاني الحديث.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 66، وتذكرة الحفاظ/ 570، وطبقات الحفاظ/ 256، وشذرات الذهب 2/ 141، والمنهج الأحمد 1/ 206.
(6) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 7، 8، والمسودة 244.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2/487)

ونقل (1) حنبل (2) عن أحمد (3): أخبار الرؤية (4) [حق] (5) نقطع على العلم بها.
وقال له المروذي (6): هنا إِنسان يقول: "الخبر يوجب عملاً لا علمًا"، فعابه، وقال: لا أدري ما هذا.
وفي كتاب الرسالة (7) لأحمد بن جعفر (8) عن أحمد: لا نشهد على
__________
(1) نهاية 66 ب من (ب).
(2) هو: أبو علي حنبل بن إِسحاق بن حنبل الشيباني، ابن عم الإِمام أحمد وتلميذه، ثقة ثبت، توفي بواسط سنة 273 ه.
من مؤلفاته: المسائل (رواها عن أحمد)، وكتاب في التاريخ.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 143، وتذكرة الحفاظ / 600، وطبقات الحفاظ/ 268، والمنهج الأحمد 1/ 166، وشذرات الذهب 2/ 163.
(3) انظر: العدة/ 900.
(4) أخبار الرؤية: أخرجها البخاري في صحيحه 1/ 111، 115، ومسلم في صحيحه/ 163 وما بعدها.
(5) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(6) انظر: العدة/ 899.
(7) جاء في العدة/ 898 - 899: في كتاب الرسالة لأحمد، رواية أبي العباس أحمد بن جعفر. أقول: ولعله الكتاب المسمى (السنة) للإمام أحمد؛ لأني وجدت النص المشار إِليه موجودًا فيها. فانظر: شذرات البلاتين (الذي جمع فيه محمَّد حامد الفقي مجموعة من الرسائل، منها: السنة) 1/ 46. وانظر: طبقات الحنابلة 1/ 26. وقد وردت فيها الرسالة 1/ 24 - 36.
(8) هو: أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي الإِصْطَخْرِي، من أصحاب أحمد، نقل عنه مسائل في الفقه والعقيدة. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 24.
(2/488)

أحد من أهل القبلة (1) في النار، إِلا أن يكون في حديث كما جاء (2) نصدقه، ونعلم أنه كما جاء.
قال القاضي (3): ذهب إِلى ظاهر هذا جماعة من أصحابنا: "أنه يفيد العلم"، وذكره في مقدمة المجرد عن أصحابنا (4)، وجزم به ابن أبي موسى من أصحابنا (5)، وقاله كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر والظاهرية (6) وابن خُوَيْزِ مَنْداد (7) المالكي وأنه يخرج على مذهب مالك (8).
وحمل القاضي (9) كلام أحمد: أنه يفيد العلم من جهة الاستدلال بأن تتلقاه الأمة بالقبول، وأن هذا المذهب.
وفي التمهيد (10) -فيما إِذا تلقته-: "هو (11) ظاهر كلام أصحابنا"،
__________
(1) يعني: لا نشهد أنه في النار.
(2) نهاية 135 من (ح).
(3) انظر: العدة/ 900.
(4) انظر: المسودة/ 247.
(5) انظر: المسودة/ 240.
(6) انظر: الإحكام لابن حزم/ 132.
(7) في (ب) و (ظ): خويز بنداد. وهي في (ح) كذلك، لكن بدون نقط. والمثبت من نسخة في هامش (ب).
(8) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 8، والإحكام لابن حزم/ 132، والمسودة/ 244.
(9) انظر: العدة/ 900.
(10) انظر: التمهيد / 115 أ.
(11) في (ظ): وهو.
(2/489)

ولم يذكر لنا خلافًا، وقاله المعتزلة (1) وغيرهم.
وذكر بعض أصحابنا (2): إِفادته للعلم -إِن تلقَّته بالقبول أو عملت بموجبه لأجله- قول عامة العلماء. زاد بعضهم: من المالكية فيما ذكره عبد الوهاب، والحنفية فيما أظن، والشافعية وأصحابنا، وأن هؤلاء اختلفوا: هل يشترط علمهم بصحته قبل العمل به؟ على قولين. وهما في العدة (3) والتمهيد (4)، قالا: لا يجمعون إِلا بعد القطع بصحته، ولأنه ثبت بذلك صحته.
وعند ابن الباقلاني (5) وابن برهان (6) والآمدي (7): لا يفيده فيما تلقته، وقاله بعض أصحابنا (8)، وضَعَّف في الواضح غيره، وأن الصحابة أجمعت على رد ما انفرد به ابن مسعود من صفات الله. كذا قال (9).
(1) انظر: المعتمد/ 555.
(2) انظر: المسودة/ 241.
(3) انظر: العدة/ 900.
(4) انظر: التمهيد / 115أ.
(5) انظر: البرهان/ 585، والمسودة/ 240.
(6) انظر: الوصول لابن برهان/ 72 أ.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 41.
(8) كابن الجوزي. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 351.
(9) قال في الواضح 1/ 156: وتثبت بخبر التواتر الأصول، ولا تثبت بخبر الواحد إِلا الأحكام، وقد قال بعض أصحابنا: إِذا تلقته الأمة بالقبول صار كالمتواتر في إِثبات الصفات. وليس بصحيح؛ لأن التلقي بالقبول قد يقع لحسن الظن في الراوي أو=
(2/490)

وظاهر ما ذكره في الروضة (1) رواية عن أحمد وقول (2) الأكثر ومتأخري أصحابنا كقولهم، وقاله (3) الإِسفراييني إِن تلقته عملاً لا قولاً (4).
وعند النظام (5) (6) يفيد العلم بقرينة، واختاره الآمدي (7) وغيره،
__________
=لعدم العلم بما يوجب رده أو لأنه غير مقطوع بكذبه ولا هو مما ينافي ما يجب للقديم لكونه محتملاً للتأويل وصرفه عن ظاهره بدليل العقل النافي لما لا يليق بالقديم وبالنصوص النافية للشبيه. فلا يقع من التلقي بالقبول ما يتحصل من تواتر الرواية، فلذلك ثبت بالتواتر القرآن بإجماع الصحابة، وردوا بإِجماعهم ما انفرد به ابن مسعود، فصفات الله لا تدنو عن رتبة القرآن؛ لأنه صفة لله سبحانه، فصار ردهم لخبر الواحد فيما طريقه الكلام بإِجماعهم دلالة على أنه لا يجوز قبول خبر الواحد إِلا في الإِضافة إِلى الله، فأما على أن المذكور صفة لله فلا، وليس كل مضاف إِلى الله صفة لله بدليل الروح المضاف إِليه في حق آدم وعيسى، وكشفت أدلة القرآن وأدلة العقول على أنها مجرد تشريف بإِضافة لا أن لله صفة يقال لها الروح ولجت آدم ولا عيسى، وإينما ذلك قول الحلولية.
(1) انظر: روضة الناظر / 99.
(2) نهاية 51 ب من (ظ).
(3) في (ظ): وقال.
(4) نقل هذا القول في البرهان/ 585، والمسودة/ 240 عن ابن فورك، وقد ورد فيهما قبل نقله كلامٌ عن أبي إسحاق الإسفراييني، فلعل الأمر قد خفي على المؤلف.
(5) انظر: المعتمد/ 566، والإِحكام للآمدي 2/ 32، والمسودة/ 240.
(6) نهاية 67 أمن (ب).
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 32.
(2/491)

وجزم به في الروضة (1) في مسألة: "ما أفاد العلم في واقعة أفاده في غيرها"، وقال: القرائن قد تفيد العلم بلا إِخبار.
وجه (2) الأول (3): لو أفاد العلم لتناقض معلومان عند إِخبار عدلين بمتناقضين، فلا يتعارض خبران، ولثبتت (4) نبوة مدعي (5) النبوة بقوله بلا معجزة، ولكان كالمتواتر فيعارض به (6) المتواتر ويمتنع التشكيك بما يعارضه وكذبُه وسهوُه وغلطه، ولا يتزايد بخبر ثان وثالث، ويخطئ من خالفه باجتهاد، وذلك خلاف الإِجماع.
ووجه الثاني: لو لم يفده لم يعمل به، لقوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (7)] (إِن يتبعون إِلا الظن) (8).
رد: لم يرد بالآيتين مسألتنا بدليل السياق وإِجماع المفسرين (9)، ثم: المراد ما اعتبر فيه قاطع من الأصول، أو الظن في مقابلة قاطع [بلا دليل، أو
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 95.
(2) نهاية 136 من (ح).
(3) وهو أنه لا يفيد العلم مطلقًا.
(4) في (ب): لتثبت.
(5) في (ظ): من يدعي.
(6) في (ح): فيعارض المتواتر به.
(7) سورة الإِسراء: آية 36.
(8) سورة الأنعام: آية 116.
(9) انظر: تفسير القرطبي 10/ 257.
(2/492)

مطلقًا] (1)، وعمل به (2) هنا (3) للدليل القاطع (4) وللإِجماع (5).
قالوا: يلزم عدم حفظ الشريعة (6).
ورد: المراد بالذكر في الآية (7) القرآن إِجماعًا (8).
ثم: لا يلزم من الجواز (9) الوقوع.
قالوا: لو لم يفده لم يعمل به في الأصول، ويعمل به (10) فيها عند أصحابكم وغيرهم، وذكره ابن عبد البر (11) إِجماعًا، وقد قال أحمد: "لا نتعدى القرآن والحديث"، وذكر ابن حامد (12) في كفر منكره خلافًا،
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) يعني: بالظن.
(3) يعني: في الشرعيات.
(4) يفهم من كلام الآمدي في الإِحكام 2/ 36: أن الدليل القاطع هو الإجماع.
(5) يعني: الإِجماع على العمل به.
(6) فلو جاز الكذب والسهو في الأخبار لم تكن محفوظة. انظر: العدة/ 904.
(7) سورة الحجر: آية 9: (إِنما نحن نزلنا الذكر وإِنا له لحافظون).
(8) انظر: تفسير القرطبي 10/ 5.
(9) يعني: جواز السهو والغلط.
(10) انظر: المسودة/ 245، 247، 248، وشرح الكوكب المنير 2/ 352، وكشف الأسرار 3/ 27، وشرح تنقيح الفصول/ 372، والمعتمد/ 577، والكفاية / 432.
(11) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 8، والمسودة/ 245.
(12) انظر: المسودة/ 245.
(2/493)

ونقل (1) تكفيره عن إِسحاق بن راهويه (2).
رد: لا يعمل به فيها عند ابن عقيل (3) وغيره، وجزم به في التمهيد (4) في مسألة "التعبد به"؛ لأن طريقها (5) العلم، ولا يفيده، والفروع مظنونة.
وعند القاضي (6) وغيره (7): يعمل بما تلقته الأمة (8) بالقبول، ولهذا قال أحمد: قد تلقتها العلماء بالقبول.
ثم: بمنع اعتبار قاطع في كل الأصول.
__________
(1) انظر: جامع بيان العلم وفضله 2/ 230 - 236، والإِحكام لابن حزم/ 111، والمسودة/ 245.
(2) هو: أبو يعقوب إِسحاق بن إِبراهيم بن مَخْلَد الحنظلي المروزي، محدث فقيه حافظ، جالس أحمد وروى عنه، وناظر الشافعي ثم صار من أتباعه، توفي بنيسابور سنة 238 ه.
من مؤلفاته: المسند، والتفسير.
انظر: حلية الأولياء 9/ 234، والفهرست/ 321، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 94، وطبقات الحنابلة 1/ 109، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 83، ووفيات الأعيان 1/ 179، وتذكرة الحفاظ/ 433، وطبقات الحفاظ/ 188، والمنهج الأحمد 1/ 108. وشذرات الذهب 2/ 179.
(3) انظر: الواضح 1/ 56 أ.
(4) انظر: التمهيد / 110 أ-ب.
(5) يعني: طريق الأصول.
(6) ذكره في مقدمة المجرد. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 352.
(7) انظر: الواضح 1/ 56أ، والمسودة/ 248.
(8) في (ب) و (ح): العلماء.
(2/494)

ووجه الثالث (1): عصمة الإِجماع عن الخطأ.
رد: (2) عملوا بالظاهر وبما لزمهم، ولا يلزم العلم، والخطأ ترك ما لزمهم.
وفيه نظر، لا سيما على القول بأنه بعد القطع (3) بصحته.
ويلزم الآمدي (4) ما ذكره في الإِجماع عن اجتهاد (5).
ووجه الرابع: العلم بخبر ملك بموت (6) ولده مع قرائن، وكذا نظائره. لا يقال: "علم بمجرد القرائن"؛ لأنه لولا الخبر لجاز كونها في موت آخر.
ورد القاضي (7) وأبو الخطاب (8) وغيرهما بالمنع لاحتمال غرض لعبة (9) ومبايعة وولاية ودفع أذى وغير ذلك، وقد وقع ذلك (10)، ولذلك لا يمتنع التشكيك.
__________
(1) وهو أنه يفيده فيما تلقته الأمة بالقبول.
(2) نهاية 137 من (ح).
(3) في نسخة في هامش (ظ): القول.
(4) إِذا أنكر إِفادة ما تلقته الأمة بالقبول للعلم.
(5) فقد ذكر في الإحكام 1/ 266: أن الأمة إِذا اتفقت على ثبوت حكم القياس فإِجماعهم على ذلك يسبقه إِجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه ظنيًا. أ. ه فكذا إِذا أجمعوا على حكم خبر الواحد.
(6) في (ب) و (ظ): يموت.
(7) انظر: العدة/ 905.
(8) انظر: التمهيد/ 114 ب، 115 أ.
(9) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): غرض كعند مبايعة وولاية.
(10) انظر: العدة/ 905.
(2/495)

مسألة
إِذا أخبر (1) واحد بحضرته - عليه السلام - ولم ينكر دل على صدقه ظناً -في ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم، واختاره الآمدي (2) وغيره- لتطرقِ الاحتمال، وقيل: قطعًا.
وكذا الخلاف لو أخبر واحد بحضرة جمع عظيم، وسكتوا عن تكذيبه.
وقال بعضهم: إِن علم أنه لو كان لعلموه -ولا داعي إِلى السكوت- علم صدقه للعادة.
ورد: يحتمل لم يعلمه إِلا واحد أو اثنان، والعادة لا تحيل سكوتهما (3) , ثم: يحتمل مانع. (4)
وحمل القاضي (5) الرواية عن أحمد في إِفادة خبر العدل للعلم على صور، منها: هاتان الصورتان.
قال بعض أصحابنا (6): ومنه (7) ما تلقاه - عليه السلام - بالقبول،
__________
(1) نهاية 52 أمن (ظ).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 39 - 40.
(3) في (ب): سكوتها.
(4) منعهم من تكذيبه.
(5) انظر: العدة/ 900 - 901.
(6) انظر: المسودة/ 243 - 244، وشرح الكوكب المنير 2/ 355.
(7) يعني: ومما يوجب العلم.
(2/496)

كإِخباره عن تميم (1) الداري (2)، ومنه إِخبار شخصيز عن قضية يتعذر عادة تواطؤهما عليها أو على كذب وخطأ.

مسألة
إِذا انفرد مخبر فيما تتوفر الدواعي على نقله مع (3) مشاركة خلق كثير -مثل: أن انفرد بأن ملك مدينة قتل عقب الجمعة (4) وسط الجامع أو خطيبها على المنبر- قُطِع بكذبه عند الجميع، خلافًا للشيعة. (5)
لنا: العلم بكذب مثل هذا عادة، فإِنها (6) تحيل السكوت عنه (7)، ولو
__________
(1) هو: الصحابي تميم بن أوس الداري، ذَكَر للنبي قصة الجساسة والدجال فحدث بها الرسول على المنبر.
انظر: الاستيعاب / 193، والإِصابة 1/ 367، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 381.
(2) في قصة الجساسة. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه/ 2262، وأبو داود في سننه 4/ 494، 499، والترمذي في سننه 3/ 355، وابن ماجه في سننه/ 1354، وأحمد في مسنده 6/ 373، 413، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 2/ 218).
(3) في (ظ): في.
(4) نهاية 138 من (ح).
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 41، وشرح العضد 2/ 57.
ملاحظة: خالفت الشيعة في المسألة -واحتجوا بما احتجوا به على أنه إِذا نقل الواحد ما تتوفر الدواعي على نقله لايكون كذباً- توصلاً منهم إِلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على إِمامة علي ولم يتواتر. وهو احتجاج باطل.
(6) يعني: فإِن العادة.
(7) يعني: السكوت عن نقله.
(2/497)

جاز كتمانه لجاز الإِخبار عنه بالكذب وكتمان مثل بغداد.
وبمثله نقطع بكذب مدعي (1) معارضة القرآن، (2) والنص على علي (3) كما تدعيه الشيعة.
ولم تنقل (4) شرائع الأنبياء لعدم الحاجة -ونقلت شريعة موسى وعيسى لتمسكِ قوم بهما- ولا كلام المسيح في المهد لأنه قبل ظهوره
__________
(1) يعني: مدعي أن القرآن عورض.
(2) نهاية 68 أمن (ب).
(3) روى ابن حبان في الضعفاء من رواية مطر بن ميمون عن أنس عن النبي قال: (إِن أخي ووزيري وخليفتي من أهلي وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب). قال ابن حبان: مطر يروي الموضوعات.
وللطبراني في الأوسط عن ابن مسعود: كنت مع النبي ليلة الجن، وفيه: قال: (نُعِيَتْ نفسي) قال: قلت: فاستخلف، قال: قلت: علي بن أبي طالب، قال: (والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة).
وقد أورد ابن الجوزي الحديثين في "الموضوعات" وقال: إِنهما موضوعان.
انظر: الموضوعات لابن الجوزي 1/ 346 - 347، وتخريج أحاديث المنهاج/ 297، والجرح والتعديل 4/ 1/ 287، وميزان الاعتدال 4/ 127.
(4) هذا جواب كلام مقدر: الحوامل المقدرة على كتمان الأخبار كثيرة لا يمكن ضبطها، فكيف الحزم بعدمها؟ ومع جوازها لا يحصل الجزم، ويدل عليه أمور، منها: أن النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد مع أنه مما تتوفر الدواعي على نقله. ومنها: معجزات الرسول -كانشقاق القمر- لم تتواتر، بل نقلت آحادًا. ومنها: أن كثيراً من الأمور الكثيرة الوقوع مما تعم به البلوى لم يتواتر، بل نقل آحادًا كإِفراد الإِقامة ...
انظر: شرح العضد 2/ 57.
(2/498)

واتباعه (1).
ومعجزات نبينا: ما كان بحضرة خلق تواترًا (2)، ولم يستمر استغناء بالقرآن، وِإلا فلا يلزم (3)؛ لأنه نقله من رآه.
ومثل: إِفراد (4) الإِقامة -وإِفراد (5) الحج (6) ومسح الخف (7) والرجم (8) - لم يترك نقله، فمنه ما تواتر، وما لم يتواتر لم يكن بحضرة
__________
(1) في نسخة في هامش (ب)، ونسخة في هامش (ظ): وانتقاله.
(2) كذا في النسخ. ولعل صوابه: تواتر.
(3) يعني: فلا يلزم تواتره.
(4) أحاديث إِفراد الإِقامة أخرجها البخاري في صحيحه 1/ 121، ومسلم في صحيحه/ 286، وأبو داود في سننه 1/ 349، والترمذي في سننه 1/ 124، والنسائي في سننه 2/ 3، وابن ماجه في سننه/ 241.
(5) في (ب) و (ظ): وأفرد.
(6) أحاديث إِفراد الحج أخرجها البخاري في صحيحه 2/ 142، ومسلم في صحيحه/ 870، 886، 904، وأبو داود في سننه 2/ 377، والترمذي في سننه 2/ 158، والنسائي في سننه 5/ 145، وابن ماجه في سننه / 988.
(7) أحاديث مسح الخف أخرجها البخاري في صحيحه 1/ 47، ومسلم في صحيحه / 228، وأبو داود في سننه 1/ 103، والترمذي في سننه 1/ 63، والنسائي في سننه 1/ 81، وابن ماجه في سننه 181.
(8) أحاديث الرجم أخرجها البخاري في صحيحه 8/ 164 - 165، ومسلم في صحيحه/ 1316 - 1325، وأبو داود في سننه 4/ 569 وما بعدها، والترمذي في سننه 2/ 442 وما بعدها، وابن ماجه في سننه/ 852 - 854.
(2/499)

خلق أو لجواز الأمرين (1) أو اختلاف السماع (2) أو غير ذلك.
وقولهم: يجوز ترك النقل لغرض أو أغراض.
رد: بالمنع لما سبق، وأنه لو جاز لجاز كذبهم لذلك (3) (4)؛ لأنهما قبيح (5).

مسألة
يجوز التعبد بخبر الواحد العدل عقلاً، خلافًا للجبائي. (6)
لنا: لا يلزم منه محال.
وليس احتمال الكذب والخطأ بمانع، وإلا لمنع في الشاهد والمفتي.
ولا يلزم الأصول لما سبق (7) في إِفادته للعلم، ولا نقل القرآن لقضاء العادة فيه بالتواتر، ولا التعبد به في الإِخبار عن الله بلا معجزة؛ لأن العادة تحيل صدقه بدونها، ولا التناقض (8) بالتعارض؛ لأنه
__________
(1) كإفراد الإِقامة وتثنيتها مثلاً. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 45، وشرح العضد 2/ 58.
(2) لاحتمال أن المؤذن كان يفرد تارة ويثني أخرى، فنقل كلٌّ بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من الفروع المتسامح فيها. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 45.
(3) في (ظ): كذلك.
(4) يعني: لذلك الغرض.
(5) كذا في النسخ. ولعل العبارة: لأن كلاً منهما قبيح.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 45، وشرح العضد 2/ 58.
(7) انظر: ص 493 - 494 من هذا الكتاب.
(8) نهاية 52 ب من (ظ).
(2/500)

يندفع بالترجيح (1) أو التخيير أو الوقف، ثم قولوا بالتعبد ولا تعارض (2).

مسألة
يجب العمل بخبر الواحد.
وجوزه قوم.
وقوم: التعبد (3) به عقلاً، لكن هل في الشرع ما يمنعه أو ليس فيه ما يوجبه؟ على قولين (4).
واعتبر الجبائي (5) -لقبوله- موافقة خبر آخر أو ظاهر أو انتشاره في الصحابة أو عمل بعضهم به.
وحكي عنه (6): أنه اعتبر في خبر الزنا أربعة.
ومنعه الرافصة (7)، وتناقضوا، فأثبتوا تصدق علي بخاتمه في صلاة (8) ونكاح المتعة (9) والنقض بلحم
__________
(1) نهاية 139 من (ح).
(2) يعني: قولوا بالتعبد في حالة عدم التعارض. انظر الإِحكام للآمدي 2/ 50.
(3) يعني: جوزوا التعبد به عقلاً.
(4) انظر: المسودة/ 238.
(5) انظر: المغني لعبد الجبار 17/ 380، والمعتمد/ 622، والإِحكام للآمدي 2/ 94.
(6) انظر: المعتمد/ 622، والبرهان 607.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 51.
(8) روي بأسانيد ضعيفة، وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: موضوع باتفاق أهل العلم. انظر: تفسير الطبري 10/ 425 ط دار المعارف، وتفسير ابن كثير 2/ 71، ومجمع الزوائد 7/ 17، ومجموع الفتاوى 13/ 354.
(9) كان نكاح المتعة مباحًا في أول الإِسلام، ثم حرمه الرسول. ورد ذلك في=
(2/501)

إِبل (1).
ومنع بعض (2) القدرية (3) وبعض المعتزلة (4) وابن (5) داود.
قال القاضي (6) وغيره: يجب عندنا سمعًا، وقاله (7) عامة الفقهاء والمتكلمين.
ونصر في الكفاية (8): وعقلاً، واختاره أبو الخطاب (9)، وقاله (10) ان
__________
=أحاديث أخرجها البخاري في صحيحه 5/ 136، 7/ 12، ومسلم في صحيحه/ 1025، وأبو داود في سننه 2/ 558، والترمذي في سننه 2/ 295، والنسائي في سننه 6/ 125، وابن ماجه في سننه / 631، وأحمد في مسنده 1/ 103، 2/ 95، 3/ 405، 4/ 55.
(1) أحاديث النقض بلحم الإبل أخرجها مسلم في صحيحه / 275، وأبو داود في سننه 1/ 128، والترمذي في سننه 1/ 54، وابن ماجه في سننه/ 166، وأحمد في مسنده 5/ 86، 88 وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن / 78).
(2) انظر: المستصفى 1/ 148.
(3) نهاية 68 ب من (ب).
(4) انظر: المعتمد/ 583، والبرهان/ 600.
(5) انظر: اللمع / 43، والإِحكام للآمدي 2/ 51، وشرح العضد 2/ 58.
(6) انظر: العدة/ 859 - 861.
(7) في (ظ): قاله.
(8) انظر: المسودة/ 237.
(9) انظر: التمهيد / 110 ب.
(10) انظر: المحصول 2/ 1/ 507، والإحكام للآمدي 2/ 51.
(2/502)

سريج والقفال (1) الشافعيان وأبو الحسين (2) المعتزلي.
ولم يحتج أحمد (3) في وجوب العمل به إِلا بالشرع.
لنا: كثر جداً قبوله والعمل به في الصحابة والتابعين شائعًا (4) من غير نكير، يحصل به إِجماعهم عليه عادة قطعًا.
فمنه: قول أبي بكر -لما جاءته الجدة تطلب ميراثها-: "مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس". فسأل الناس، فقال المغيرة: "حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس". فقال: "هل معك غيرك؟ ". فقال محمَّد بن مسلمة (5) مثله، فأنفذه لها أبو بكر. رواه (6) أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
__________
(1) هو: أبو بكر محمَّد بن علي بن إِسماعيل الشاشي (القفال الكبير)، فقيه أصولي محدث متكلم لغوي، توفي سنة 336 ه، وقيل: سنة 365 ه.
من مؤلفاته: شرح الرسالة، وكتاب في أصول الفقه، وأدب القضاء.
انظر: تبيين كذب المفتري/ 182، ووفيات الأعيان 3/ 338، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 200، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 282، وطبقات المفسرين للداودي 2/ 196، وشذرات الذهب 3/ 51.
(2) انظر: المعتمد/ 583، 604.
(3) انظر: العدة/ 859 - 860.
(4) يعني: عملاً شائعًا.
(5) هو: الصحابي محمَّد بن مسلمة بن سلمة الأوسي.
(6) من حديث قبيصة بن ذؤيب، انظر: مسند أحمد 5/ 327، وسنن أبي داود 3/ 316، (والمعتبر للزركشي/ 35 ب، فقد نسبه -أيضًا- للنسائي، ولم أجده في=
(2/503)

والترمذي وقال: حسن صحيح.
واستشار عمر الناس في الجنين، فقال المغيرة: "قضى (1) فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ". فقال: "لتأتين بمن يشهد معك". فشهد له محمَّد بن مسلمة. متفق عليه (2).
ولأبي داود (3) من حديث طاوس (4) عن عمر: "لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره".
__________
=السنن -المجتبى- فلعله في الكبرى)، وسنن ابن ماجه / 910، وسنن الترمذي 3/ 283، وأخرجه كذلك الدارمي في سننه 2/ 359، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن / 300).
قال الزركشي في المعتبر/ 35 ب: وقال ابن حزم: خبر قبيصة لا يصح؛ لأنه منقطع، قبيصة لم يدرك أبا بكر ولا سمعه من المغيرة ولا من ابن مسلمة.
ونازعه بعضهم بأن أبا علي الطوسي والترمذي لما ذكراه صححاه، ومن شرط الصحة الاتصال.
(1) نهاية 140 من (ح).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 11، ومسلم في صحيحه/ 1311 من حديث أبي هريرة.
(3) انظر: سنن أبي داود 4/ 699.
(4) هو: أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني، من كبار التابعين، توفي بمكة سنة 106ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه فاضل.
انظر: حلية الأولياء 4/ 3، ووفيات الأعيان 2/ 194، ومشاهير علماء الأمصار 122، وتذكرة الحفاظ/ 90، وتقريب التهذيب 1/ 377.
(2/504)

ورواه (1) الشافعي (2) وسعيد من حديث طاوس عن عمر: أنه سأل عن ذلك، فقال حَمَل بن مالك (3): "إِن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بغرة". وقول عمر ذلك. وطاوس لم يدركه (4).
ورواه (5) الدارقطني [أيضًا] (6) موصولاً بذكر ابن عباس (7).
وأخذ عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس. رواه البخاري. (8)
__________
(1) في (ظ): رواه.
(2) انظر: بدائع المنن 2/ 268، والأم 6/ 107، والرسالة/ 427، وأخرجه- أيضًا- النسائي في سننه 8/ 47 دون قول عمر.
(3) هو: الصحابي حمل بن مالك بن النابغة الهذلي.
(4) انظر: تهذيب التهذيب 5/ 10.
(5) في (ظ): رواه.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: سنن الدارقطني 3/ 115 - 117. وأخرجه -أيضًا- أبو داود في سننه 4/ 698، وابن ماجه في سننه/ 882، وأحمد في مسنده 4/ 79 - 80، والدارمي في سننه 2/ 117، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 367) ولم يذكروا قول عمر، وأخرجه الحاكم في مستدركه 3/ 575 مع قول عمر، وسكت عنه.
(8) انظر: صحيح البخاري 4/ 96. وأخرجه -أيضًا- أبو داود في سننه 3/ 432، والترمذي في سننه 3/ 73 - 74، وأحمد في مسنده 1/ 191، ومالك في الموطأ/ 278، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 126).
(2/505)

وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك (1): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إِليه: أن يورث امرأة أَشْيَم (2) من (3) دية زوجها. رواه (4) مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
وروى هؤلاء (5) (6) أن عثمان أخذ بخبر فُرَيْعة بنت مالك (7) -أخت أبي سعيد الخدري-: أن عدة الوفاة في منزل الزوج (8).
وفي البخاري (9) عن ابن عمر: "أن سعداً (10) حدثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) هو: الصحابي الضحاك بن سفيان بن عوف العامري.
(2) هو الصحابي أشيم الضِّبَابي.
(3) نهاية 69 أمن (ب).
(4) انظر: الموطأ/ 866، ومسند أحمد 3/ 452، وسنن أبي داود 3/ 339 - 340، وسنن الترمذي 3/ 288 وقال: حسن صحيح. وأخرجه -أيضًا- ابن ماجه في سننه/ 883.
(5) انظر: الموطأ/ 591، ومسند أحمد 6/ 370، وسنن أبي داود 2/ 723 - 724، وسنن الترمذي 2/ 338.
(6) نهاية 53أمن (ظ).
(7) هي الصحابية فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية.
(8) وأخرجه -أيضاً- النسائي في سننه 6/ 199، وابن ماجه في سننه/ 654 - وليس فيهما ذكر أخذ عثمان بخبرها- والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 409)، والدارمي في سننه 2/ 90، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 323)، والحاكم في مستدركه 2/ 208 وصححه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(9) انظر: صحيح البخاري 1/ 47.
(10) هو الصحابي سعد بن أبي وقاص.
(2/506)

مسح على الخفين"، فسأل ابن عمر أباه عنه، فقال: نعم، إِذا حدثك سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[شيئًا] (1) فلا تسأل عنه غيره.
ورجع ابن عباس إِلى خبر (2) أبي سعيد في تحريم ربا الفضل. رواه الأثرم وغيره، وقاله الترمذي (3) وغيره. وروى سعيد من طرق عدم رجوعه. (4)
وتحول أهل قباء (5) إِلى القبلة -وهم في الصلاة- بخبر واحد. رواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة (6)، ومعناه في الصحيحين من حديث ابن عمر (7).
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ح).
(2) خبر أبي سعيد: أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 74، ومسلم في صحيحه/ 1208 - 1209، 1211.
(3) في (ظ): الآمدي.
(4) انظر: في مسألة رجوع ابن عباس: صحيح مسلم/ 1216 - 1218، وسنن الترمذي 2/ 356، وسن ابن ماجه/ 759، والمصنف لعبد الرزاق 8/ 118 - 119، وشرح معاني الآثار 4/ 68، 71، وسنن البيهقي 5/ 281 - 282، 285 - 286، والمطالب العالية 1/ 389، وفتح الباري 4/ 381.
(5) نهاية 141 من (ح).
(6) كذا في النسخ. والذي وجدته: في صحيح مسلم/ 374 - 375 من حديث أنس والبراء، وفي سنن أبي داود 1/ 633 من حديث أنس، وفي مسند أحمد 2/ 113، 4/ 283 من حديث ابن عمر والبراء. وانظر: نصب الراية 1/ 530 - 306. ولم أجد لأبي هريرة ذكراً في رواية هذا الحديث.
(7) انظر: صحيح البخاري 1/ 85، وصحيح مسلم / 375. وقد أخرجه -أيضًا- البخاري في صحيحه 1/ 84 - 85، ومسلم في صحيحه/ 374 من حديث البراء.
(2/507)

وقال ابن عمر: "ما كنا نرى بالمزارعة (1) بأساً حتى سمعت رافع بن خديج (2) يقول: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها"، فتركها ابن عمر.
وللشافعي ومسلم عن ابن عمر: "كنا نخابر (3)، فلا نرى بذلك بأسًا، فزعم رافع أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، فتركناه من أجله". (4)
وكان زيد بن ثابت يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف بالبيت، فقال له ابن عباس: "سَلْ فلانة الأنصارية: هل أَمَرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؟ " فأخبرته، فرجع زيد يضحك، وقال لابن عباس: "ما أراك إِلا صدقت". رواه مسلم (5)
__________
(1) في المغني 5/ 309: المزارعة دفع الأرض إِلى من يزرعها أو يعمل عليها والزرع بينهما.
(2) هو: الصحابي رافع بن خديج الأنصاري الأوسي.
(3) في المغني 5/ 309: المخابرة: المزارعة. وفي النهاية في غريب الحديث 2/ 7: قيل هي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 108، ومسلم في صحيحه/ 1179 - 1181، وأبو داود في سننه 3/ 682، 687، والنسائي في سننه 7/ 40، 44، 46 - 48، وابن ماجه في سننه/ 819، 820، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 199)، وأحمد في مسنده 3/ 463.
(5) انظر: صحيح مسلم/ 963 - 964. وقد أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 179 - 180، ومسلم في صحيحه/ 963 - 965، وأبو داود في سننه 2/ 510، والترمذي في سننه 2/ 210، وابن ماجه في سننه/ 1021، وأحمد في مسنده 1/ 776، والدارمي في سننه 1/ 398، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 251) عن عائشة وعمر وابن عمر وابن عباس: أن الحائض تقضي المناسك كلها إِلا الطواف، وأن الحائض تنفر قبل أن تودع.
(2/508)

وغير (1) ذلك مما يطول.
لا يقال: "أخبار آحاد، فيلزم الدور"؛ لأنها متواترة كما سبق في أخبار الإِجماع. (2)
ولا يقال: "يحتمل أن عملهم بغيرها"، لأنه محال عادة، ولم ينقل، بل خلافه كما سبق، والسياق يدل عليه.
ولا يقال: "أنكر عمر خبر أبي موسى في الاستئذان -حتى رواه أبو (3) سعيد، متفق عليه- (4) وخبر فاطمة بنت قيس في المبتوتة: "لا سكنى لها ولا نفقة"، رواه مسلم (5)، وعائشة خبر (6) ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (7)؛ لأنهم قبلوه بموافقة غير الراوي ولم يتواتر (8)، ولا يدل على
__________
(1) في (ب): وغيره.
(2) انظر: ص 387 من هذا الكتاب.
(3) نهاية 69 ب من (ب).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 54 - 55، ومسلم في صحيحه/ 1694 وما بعدها.
(5) انظر: صحيح مسلم/ 1118 - 1119. وأخرجه -أيضًا- أبو داود في سننه 2/ 717 - 718، والترمذي في سننه 2/ 425، والدارمي في سننه 2/ 87 - 88، والدارقطني في سننه 4/ 23 - 27.
(6) في (ظ): وخبر.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 79 - 80، 5/ 77، ومسلم في صحيحه/ 638 وما بعدها، وأبو داود في سننه 3/ 494، والنسائي في سننه 4/ 17 - 18، وابن ماجه في سننه/ 508، وأحمد في مسنده 6/ 107، ومالك في الموطأ/ 234، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 205)، والبغوي في شرح السنة 5/ 440، 444.
(8) في (ح): ولم تتواتر.
(2/509)

عدم قبوله لو انفرد، وكان عمر يفعل ذلك سياسة -ولهذا قال لأبي موسى: "لم أتهمك (1) وخشيت أن يتقول (2) الناس" -أو للريبة، ولهذا قال عمر عن خبر فاطمة: "كيف (3) نترك كتاب ربنا لقول امرأة، حفظت أو نسيت؟ "، وقالت عائشة عن ابن عمر: "ما كذب (4)، ولكنه وَهِمَ" -متفق عليه- أي: لم يتعمد.
ولا يقال: "عملهم بها لكونها أخبار مخصوصة (5) " للعلم بأن (6)
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ / 964، وأبو داود في سننه 5/ 372.
(2) نهاية 142 من (ح).
(3) انظر: هامش قم 5 في ص 509.
(4) أخرج البخاري في صحيحه 5/ 77 عن هشام عن أبيه قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إِلى النبي: (إِن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله). فقالت: وَهِلَ -أي: غلط- ابن عمر، إِنما قال رسول الله: (إِنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وأن أهله ليبكون عليه الآن). وفي صحيح مسلم/ 641: فقالت -أي عائشة-: لا والله! ما قال رسول الله قط: (إِن الميت يعذب ببكاء أحد)، ولكنه قال: (إِن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا، وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى). وفيه: قالت: إِنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ. وفيه/ 642: فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه. وفيه/ 643: فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إِنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ. وأخرجه الترمذي في سننه 2/ 236 - 237 بلفظ: فقالت عائشة: يرحمه الله، لم يكذب ولكنه وهم ... قال الترمذي حسن صحيح.
(5) يعني: لا يلزم قبول كل خبر.
(6) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): لأن.
(2/510)

عملهم لظهور صدقها لا لخصوصها كظاهر الكتاب (1) والمتواتر.
وأيضًا: تواتر (2) أنه - عليه السلام - كان يبعث الآحاد إِلى النواحي لتبليغ الأحكام، مع العلم بتكليف المبعوث إِليهم العمل بذلك.
ولا يقال: "هذا من الفتيا للعامي"؛ لأن الاعتماد على كتبه مع الآحاد إِلى الأطراف وما يأمر به من قبض زكاة وغير ذلك، وعمل به الصحابة ومن بعدهم وتأسوا به، وذلك مقطوع به.
فإِن قيل: قد بعث الآحاد إِلى الملوك في الإِسلام، ولا يقبل فيه واحد.
رد: بالمنع (3) عند القاضي وغيره، وفي الروضة (4) وغيرها: بعثهم لتبليغ الرسالة (5).
ورده (6) أبو الخطاب (7): "بأن دعاءه إِلى الإِسلام انتشر في الآفاق، فدعاهم للدخول فيه، على أن ذلك طريقه العقل"، أي: وبعث للتنبيه على
__________
(1) نهاية 53 ب من (ظ).
(2) فقد بعث معاذًا وعليًا وأبا موسى إِلى اليمن، وأبا عبيدة إِلى البحرين، وبعث إِلى هرقل بالروم والنجاشي بالحبشة والمقوقس بمصر، وغالب من تولى أمر ذلك الآحاد. انظر: المعتبر / 36 أ.
(3) يعني: بل يقبل فيه. انظر: العدة / 865.
(4) انظر: روضة الناظر / 110.
(5) والشعبي مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به. انظر: المرجع السابق.
(6) هذا رد ثان.
(7) انظر: التمهيد/ 112 أ.
(2/511)

إِعمال فكر ونظر، وقاله بعضهم.
واستدل جماعة من أصحابنا وغيرهم بمثل: (إِن الذين يكتمون) (1) (إِن جاءكم فاسق) (2)] (فلولا نفر) (3) الآيات.
واعترض وأجيب كما (4) سبق (5) في آيات الإِجماع.
قالوا وأجيب بما سبق (6) في عدم العلم (7) به (8)، ثم: يلزمهم للمنع (9)
__________
(1) سورة البقرة: آية 159: (إِن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون).
(2) سورة الحجرات: آية 6: (يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
(3) سورة التوبة: آية 122: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إِذا رجعوا إِليهم لعلهم يحذرون).
(4) في (ظ): بما.
(5) انظر: ص 371 وما بعدها من هذا الكتاب.
(6) انظر: ص 492 من هذا الكتاب.
(7) يعني في مسألة: عدم إِفادته للعلم. وفي (ح) و (ظ): في عدم العمل به.
(8) من قوله: (إِن يتبعون إِلا الظن)، (ولا تقف ما ليس لك به علم).
وجوابه: أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إِنما هو بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك وهو الإِجماع.
(9) في (ب) و (ظ): المنع.
(2/512)

دليل (1) (2) قاطع، (3) وقول (4) الشاهد (5) والمفتي والطبيب.
واعترض: بخصوص هذا وعموم الرواية.
ورد: بأصل الفتوى (6).
وقال أبو الخطاب (7): مذهب كثير من هذه الطائفة: لا يلزم قبول مفت واحد. (8)
وأما (9) توقفه (10) - عليه السلام - عن قبول ذي اليدين في السلام من الصلاة عن نقص، حتى أخبره (11) أبو بكر (12) وعمر؛ فلأنه لا يقبل
__________
(1) تكرر (دليل) في (ب).
(2) نهاية 70 أمن (ب).
(3) لأنهم لا يقولون بالظن، ولا قاطع لهم. انظر: شرح العضد 2/ 60.
(4) تكرر (قول) في (ب).
(5) هذا نقض لقولهم.
(6) فهي عامة.
(7) انظر: التمهيد/ 111 ب.
(8) نهاية 143 من (ح).
(9) جواب دليل مقدر: توقفه دليل على أنه لا حجة في خبر الواحد.
(10) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 99، ومسلم في صحيحه/ 403 من حديث أبي هريرة.
(11) في (ب) و (ظ): أخبر.
(12) قال الزركشي في المعتبر/ 46 أ- ب: قوله -يعني ابن الحاجب-: "حتى=
(2/513)

فيه واحد، ثم: للريبة لظهور الغلط (1)، ثم: لم يتواتر (2).
واحتج القائل به عقلاً: بأن العمل بالظن في تفصيل جمعة عُلِم وجوبها يجب عقلاً، كإِخبار عدل بمضرة شيء، وقيام من تحت حائط مائل يجب؛ لأنه في تفصيل ما علم وجوبه وهو اختيار دفع المضار ,والشعبي - صلى الله عليه وسلم - بعث للمصالح ودفع المضار, فالخبر تفصيل لها.
رد: العقل لا يحسن (3)، ثم: لم يجب في العقلي بل هو أولى (4)، وإن سلم (5) - عملاً بالعادة، ولمعرفة المصلحة فيها وظن المضرة بالمخالفة- منع في الشرعي لعدم ذلك، وإن سلم فهو قياس (6) ظني في الأصول.
ثم: المسألة دليلها قطعي عند العلماء، وعند الآمدي (7) وغيره: ظني، وسبق (8) في الإِجماع مثله، فهنا أولى.
* * *
__________
=أخبره أبو بكر وعمر" كذا في المستصفى والمحصول، ولم يرد اختصاصهما بالإخبار، بل ظاهر الحديث يدل على أن المخبر كل من حضر، وفي الصحيح: "وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه"، فهذا يدل على أنهما من جملة المخبرين، لا أنهم المخبرون.
(1) يعني: غلط المخبر.
(2) يعني: فلا تعملوا به.
(3) وكلامكم مبني على التحسين العقلي.
(4) يعني: غير واجب، بل هو أولى للاحتياط.
(5) يعني: وإن سلم في العقلي.
(6) في (ب): قياسي.
(7) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 52 - 53، 71.
(8) انظر: ص 388، 454 من هذا الكتاب.
(2/514)

فأما (1) إِن كان للعلم طريق لم يجز العمل بخبر الواحد، ذكره القاضي (2) وغيره هنا.
وذكر بعض (3) أصحابنا (4) عن أبي الخطاب: إِن أمكنه سؤاله -عليه السلام- فكاجتهاده، واختياره (5): لا يجوز، وأن بقية أصحابنا -القاضي وابن عقيل- يجوز إِن أمكنه سؤاله أو الرجوع إِلى التواتر محتجين به في المسألة. [كذا قال]. (6)
وذكر القاضي (7) وأبو الخطاب (8) المسألة فيما بعد، وجزما بالجواز خلافاً لبعضهم اكتفاء بقول السعاة (9) وغيرهم، ولا يمتنع في الأحكام كالوضوء بما لا قطع بطهارته -وعنده نهر مقطوع به- وكذا ذكر ابن عقيل.
وفي التمهيد (10) -في كون قول الصحابي حجة-: منع عدول
__________
(1) انظر: المسودة/ 239، 291، والبلبل/ 49، وشرح الكوكب المنير 2/ 376.
(2) انظر: العدة/ 875.
(3) انظر: المسودة/ 239.
(4) نهاية 54أمن (ظ).
(5) يعني: اختيار أبي الخطاب.
(6) ما بين المعقوفتين من (ح).
(7) انظر: العدة/ 986 - 987.
(8) انظر: التمهيد/ 127 ب.
(9) فقد كان الناس يرجعون إِلى قولهم ويقدمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يسألونه عن شيء من ذلك.
(10) انظر: التمهيد / 142 ب.
(2/515)

متمكن من العلم إِلى الظن، وجوزه بعضهم (1). قال: ولا يصح؛ لأنه لا يجوز تعارضهما. (2)
* * *

الشرائط في الراوي
منها: العقل إِجماعًا.
ومنها: البلوغ عندنا وعند الجمهور (و)؛ لاحتمال كذبه كالفاسق، بل أولى؛ لأنه (3) مكلف يخاف العقاب.
واستدل: بعدم قدرته على الضبط.
ونقض: بالمراهق.
وبأنه لا يقبل إِقراره على نفسه، فهنا (4) أولى. (5)
ونقض: بمحجور عليه وعبد. (6)
وعن أحمد (7): تقبل شهادة المميز، وعنه: ابن عشر (8)
__________
(1) نهاية 70 ب من (ب).
(2) فلو جاز العدول لجاز تعارضهما.
(3) يعني: لأن الفاسق.
(4) يعني: في مجال الرواية.
(5) من قوله (ونقض) إِلى قوله (أولى) تكرر في (ب).
(6) وروايتهما مقبولة بالإجماع. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 71.
(7) انظر: المغني 10/ 144.
(8) في (ظ): ابن عشرة.
(2/516)

-واختلفت (1) الصحابة (2) والتابعون فيها- فهنا أولى.
وقال بعض (3) أصحابنا: قد (4) يتخرج فيه (5) روايتان كشهادته.
قولهم: يصح الائتمام به بناء على خبره بطهره، وأذانه لبالغ.
رد: بالمنع، ثم: لا تقف صحة صلاة المأموم على ذلك (6). وفيه نظر.
وإن تَحَمل صغيرًا [عاقلاً ضابطًا] (7) وروى كبيرًا قُبِل عند أحمد (8) والجمهور؛ لإِجماع الصحابة ومن بعدهم على قبول مثل ابن عباس (9) وابن الزبير (10)، ولإِسماع الصغار، وكالشهادة وأولى.
__________
(1) في (ظ): واختلف.
(2) انظر: المصنف لعبد الرزاق 8/ 348 - 351، وسنن البيهقي 10/ 161 - 162، والمحلى 10/ 613 - 617، والأم 7/ 48، والمغني 10/ 144.
(3) انظر: المسودة/ 258.
(4) مسحت (قد) من (ظ).
(5) يعني: في خبر المميز.
(6) يعني: على طهره. انظر: المحصول 2/ 1/ 565، ونهاية السول 2/ 294.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) انظر: العدة/ 949، والتمهيد / 117 ب.
(9) توفي الرسول ولابن عباس 13 سنة على المشهور. انظر: الإِصابة 4/ 142، وفتح الباري 9/ 84، 11/ 90.
(10) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، من صغار الصحابة، ولد سنة 2 ه، وقيل: سنة 1 ه، وتوفي سنة 73 ه.
انظر: الاستيعاب/ 905، والإِصابة 4/ 89.
(2/517)

ومنها: الإِسلام إِجماعًا؛ لتهمة عداوة الكافر للرسول وشرعه.
ولا تقبل رواية مبتدع داعية عند جمهور العلماء، منهم: الشافعية، (1) وجزم به القاضي (2) وأبو الخطاب (3) وغيرهما، وعلَّلوا بخوف الكذب لموافقة هواه، ونُقِض: بالداعية في الفروع.
ولم يفرق الحنفية (4) والآمدي (5) وجماعة بين الداعية وغيره.
وقبله بعض أصحابنا وغيرهم، وحكي عن الشافعي (6).
وقال ابن عقيل -في الكفاءة من الفصول (7) -: إِن دعا كَفَرَ، قال: والصحيح لا كفر؛ لأن أحمد أجاز الرواية عن الحرورية والخوارج.
__________
(1) انظر: اللمع/ 45.
(2) انظر: العدة/ 948.
(3) انظر: التمهيد / 119 أ.
(4) انظر: كشف الأسرار 3/ 25 - 26، وتيسير التحرير 3/ 41 - 42، وفواتح الرحموت 2/ 142.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 73، 83.
(6) انظر: المسودة/ 262.
(7) كتاب الفصول لابن عقيل: أحد مطولات كتب الفقه الحنبلي، ويسمى -أيضًا-: كفاية المفتي، توجد في دار الكتب المصرية رقم 13 فقه حنبلي نسخة خطية من الجزء الثالث من الكتاب، وتقع في 230 ورقة، تبدأ بفصول الخراج بالضمان، وتنتهي بآخر الوكالة، كما يوجد منه جزء مصور في قسم المخطوطات بجامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية رقم 1922، يشمل الجهاد وعقد الذمة والسبي.
(2/518)

وفي مبتدع غير داعية روايات عن أحمد (1):
القبول -اختاره أبو الخطاب (2)، وقاله أبو الحسين (3) المعتزلي وغيره، وأطلقه الحنفية (4) - لعدم علة المنع، (5) ولما في الصحيحين وغيرهما من (6) المبتدعة (7) كالقدرية والخوارج (8) والرافضة والمرجئة، ورواية السلف والأئمة عنهم، فهو إِجماع.
[لا يقال: "قد تكلم في بعضهم"؛ لأنه أريد معرفة حالهم أو للترجيح عند التعارض، ثم: يحصل المقصود بمن لم يُتكلم فيه] (9)، ولا يلزم من رده رد الجميع أو الأكثر (10) [لكثرة تفسيق الطوائف وتكفير بعضهم بعضًا.
__________
(1) انظر: المسودة/ 263، 264.
(2) انظر: التمهيد/ 118 ب.
(3) انظر: المعتمد/ 617 - 618.
(4) انظر: كشف الأسرار 3/ 26 - 27، وتيسير التحرير 3/ 42، وفواتح الرحموت 2/ 140.
(5) نهاية 145 من (ح).
(6) في (ظ) في.
(7) نهاية 71 أمن (ب).
(8) نهاية 54 ب من (ظ).
(9) ما بين المعقوفتين من (ظ)، وقد تكرر فيها -أيضًا- بنفس ترتيب الكلام في النسختين الأخريين، وسأشير إِليه بعد قليل، وأرى أن مكان الكلام المناسب هو هذا.
(10) في (ح): والأكثر.
(2/519)

ولأنها حاجة عامة، فهي أولى من تصديقه أنه ملكه وفي استيدانه (1) وإِرساله بهدية، وهي إِجماع ذكره (2) القرطبي (3)، وخص الآية (4) به (5)، ولا تهمة لعموم روايته له ولغيره]. (6)
ولأنه يوثق به لتديُّنه، وكفره بتأويل أخطأ فيه، [وهو يظن أنه على حق] (7) فلم يبتع غير الإِسلام دينًا بخلاف غيره فإِنه يقدم على ما
__________
(1) كذا في النسختين. ولعل صوابه: استدانته.
(2) انظر: تفسير القرطبي 16/ 312.
(3) هو: أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي، فقيه مالكي مفسر محدث، توفي سنة 671 ه.
من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، وشرح أسماء الله الحسنى.
انظر: الديباج/ 184، وطبقات المفسرين للداودي 2/ 65، وشذرات الذهب 5/ 335، وشجرة النور الزكية/ 197.
(4) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إِن جاءكم فاسق ...) سورة الحجرات: آية 6.
(5) يعني: بهذا الإِجماع.
(6) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ظ). وقد جاء مكانه في (ح): (لأنه إِن وجد متفق عليه فنادر).
وقد جاء في النسخ -بعد هذا- الكلام المحصور بين المعقوفتين (انظر: هامش 9 من الصفحة السابقة) وقد ذكرت أن مكانه المناسب هو ذاك.
(7) ما بين المعقوفتين من (ح) و (ظ).
(2/520)

يعتقده (1) محرماً لغرضه، فمثله يكذب ولا يوثق به.
واعترض بقوله: (إِن جاءكم فاسق) الآية (2).
أجيب: بمنع فسقه عند بعض أصحابنا وغيرهم، وقاله ابن عقيل في غير الداعية، وقاله القاضي -في شرح (3) الخرقي (4) - في المقلد.
قال [بعض (5) أصحابنا] (6): ونهي أحمد عن الأخذ عنهم إِنما هو لهجرهم، وهو يختلف بالأحوال والأشخاص، ولهذا لم يرو الخلال عن قوم لنهي المروذي، ثم روى عنهم بعد موته، ولهذا (7) جعل القاضي (8) الدعاء (9) إِلى البدعة قسمًا غير داخل في مطلق العدالة.
__________
(1) في (ب): ما يعتقد.
(2) سورة الحجرات: آية 6.
(3) يعني: شرح مختصر الخرقي في الفقه الحنبلي - للقاضي أبي يعلى، يوجد بعضه مخطوطًا.
(4) هو: أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله، من مشاهير فقهاء الحنابلة، توفي بدمشق سنة 334 ه.
من مؤلفاته: المختصر في الفقه.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 75، وشذرات الذهب 2/ 336، والمدخل / 209.
(5) انظر: المسودة/ 264.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) تكرر (ولهذا) في (ب).
(8) انظر: العدة/ 948.
(9) في (ب) و (ظ): الداعي. وفي المسودة/ 264: عدم الدعاء. أقول: ولعله الصواب.
(2/521)

ثم: المراد (1) غير البتدع بدليل ما سبق وسببها (2) وسياقها.
والثانية: لا يقبل، اختاره القاضي (3) وغيره (وم) وقاله ابن الباقلاني والجبائية (4) والآمدي (5) وجماعة (6)، كما (7) لو تديَّن بالكذب (8) كالخَطَّابية (9) من الرافضة، لما (10) سبق.
__________
(1) في (ح): ثم المراد فاسق بالفعل بدليل.
(2) سببها: أن الرسول بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إِلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات -وكان بينهم وبين الوليد عداوة في الجاهلية- فلما أتاهم رحبوا به وأقروا بالزكاة وأعطوا ما عليهم من الحق، فرجع الوليد إِلى الرسول فقال: منعوا الصدقة ورجعوا عن الإِسلام، فغضب الرسول وأرسل إِليهم، فأتوه، فقال: أمنعتم الزكاة وطردتم رسولي؟ فقالوا: والله ما فعلنا ... فأنزل الله الآية. أخرج ذلك الطبري في تفسيره 26/ 78 - 79، والواحد في في أسباب النزول/ 222 - 223.
(3) انظر: التمهيد/ 119 أ.
(4) انظر: المسودة/ 263، والمعتمد/ 617، والكفاية/ 120، والإحكام للآمدي 2/ 83، وشرح العضد 2/ 62، ونهاية السول 2/ 295، وشرح نخبة الفكر/ 156.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 73، 83.
(6) في (ح): وجماعة منهم.
(7) تكرر (كما) في (ب).
(8) في (ب): كالكذب.
(9) نسبة إِلى أبي الخطاب محمَّد الأجدع مولى بني أسد، كان ينسب نفسه إِلى أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق، ولكن الصادق تبرأ منه، وأمر أصحابه بالبراءة منه لما اطلع على كفره بنسبته وآبائه إِلى الألوهية وقوله: إِنهم أبناء الله وأحباؤه. وكان أبو الخطاب يدعي بعد ذلك الألوهية لنفسه، وزعم أتباعه أن جعفرًا إِله غير أن أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي. ثم إِن أبا الخطاب خرج على والي الكوفة في أيام المنصور، فبعث إِليه المنصور بعيسى بن موسى في جيش كثيف فقتله. وقد افترق أتباعه بعد قتله إِلى فرق. انظر: الفرق بين الفرق/ 247، والحور العين/ 169، ومقالات الإِسلاميين 1/ 76، والملل والنحل 1/ 300.
(10) جاء قبل (لما) عبارة (وهو يظن أنه على حق) في (ب) و (ظ).
(2/522)

والثالثة: يقبل مع بدعة مفسقة لا مكفرة (وش) وأكثر الفقهاء وبعض الحنفية (1)، لعظم الكفر، فيضعف العذر، ويقوى عدم الوثوق، ولم يفرقوا بين المكفر (2) وغيره. (3)
وقد قال أبو الخطاب (4) -عن قول أحمد (5): يُكتب عن القدرية-: وهم عنده كفار. وكذا اختاره بعض الشافعية. (6)
وقال بعض (7) الأصوليين (8): (9) من كَفَّره فهو كالكافر عنده، وأن الخلاف في قبوله مع بدعة واضحة، وإلا قُبِل لقوة الشبهة من الجانبين.
وقال بعض أصحابنا (10): كلام أحمد يفرق بين أنواع البدع وبين الحاجة إِلى الرواية عنهم وعدمها.
__________
(1) انظر: كشف الأسرار 3/ 26 - 27، وتيسير التحرير 3/ 42، وفواتح الرحموت 2/ 140، والإِحكام للآمدي 2/ 83، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 147، وتوضيح الأفكار 2/ 215.
(2) نهاية 146 من (ح).
(3) يعني: لم يوضحوا ضابط المكفر وغيره.
(4) انظر: التمهيد / 119 أ.
(5) انظر: العدة/ 948.
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 567، والإحكام للآمدي 2/ 73.
(7) انظر: شرح العضد 2/ 62.
(8) في (ب) و (ظ): العلماء.
(9) نهاية 71 ب من (ب).
(10) انظر: المسودة/ 264 - 265.
(2/523)

قال أحمد (1): "احتملوا من المرجئة الحديث، ويُكتب عن القدري إِذا لم يكن داعية"، واستعظم الرواية عن رجل (2)، وقال: ذاك جهمي امتحن فأجاب. وأراد: بلا إِكراه.
وفي شرح مقدمة (3) مسلم: إِن العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين قالوا: لا تقبل رواية (4) من كفر ببدعته اتفاقًا.
* * *
أما (5) الفقهاء: فذكرهم القاضي وغيره في أهل الأهواء، وخالفه ابن عقيل وغيره، وهو المعروف عند العلماء وأولى.
فمن شرب نبيذًا مختلفاً فيه: فالأشهر عندنا: يحد ولا يفسق (وش) (6)، وفيه نظر؛ لأن الحد أضيق، ورد الشهادة أوسع، ولأنه يلزم من الحد التحريم فيفسق به، أو إِن تكرر.
__________
(1) انظر: العدة/ 948.
(2) هو: سعد العوفي. انظر: المرجع السابق. وهو رجل ضعيف. انظر: تاريخ بغداد 9/ 126، ولسان الميزان 3/ 18.
(3) للنووي، فانظر: شرحه على صحيح مسلم 1/ 60.
(4) نهاية 55 أمن (ظ).
(5) في (ظ): وأما.
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 572، والإحكام للآمدي 2/ 83.
(2/524)

وعن أحمد: يفسق، اختاره في الإِرشاد (1) والمبهج (2) (وم)؛ (3) لأنه يدعو إِلى المجمع عليه (4)، وللسنة المستفيضة (5)
وعن أحمد: نفيهما، اختاره بعض أصحابنا، وقاله (6) أبو ثور (7)، للخلاف فيه كغيره، ولئلا يفسق بواجب لفعله معتقدًا وجوبه في موضع، ولا أثر لاعتقاد الإِباحة.
ومثل المسألة متعة النكاح إِن قيل: لا إِجماع فيها، ولهذا سوى بينهما القاضي (8) في الأحكام السلطانية (9)، وكذا ربا الفضل، والماء من الماء.
__________
(1) وهو كتاب الإِرشاد في المذهب - لابن أبي موسى الحنبلي. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 182. يوجد مخطوطًا في المكتبة الوطنية بباريس برقم 1105، وقد حققه الشيخ عبد الرحمن الجار الله، لنيل درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء بالرياض.
(2) لأبي الفرج المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة 486 ه. انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 71. ولم أعثر عليه.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 362.
(4) يعني: يجر إِلى شرب المجمع عليه وهو الخمر.
(5) يعني: في تحريم هذا المختلف فيه. انظر: صحيح البخاري 7/ 106 - 108، وصحيح مسلم/ 1574 وما بعدها، وسنن أبي داود 4/ 92، 99، وسنن الترمذي 3/ 195 - 196، 198، وسنن النسائي 8/ 288 وما بعدها، وسنن ابن ماجه / 1125 - 1127.
(6) في (ظ): وقال.
(7) انظر: المغني 9/ 160.
(8) انظر: الأحكام السلطانية/ 278، 281.
(9) الأحكام السلطانية: كتاب تكلم فيه مؤلفه عن الإِمامة، وما يجوز للإمام فعله من الولايات. وهو مطبوع.
(2/525)

وذكر بعض أصحابنا -قياس رواية (1) فسق الشارب- من لعب بشَطرَنْج وتسمع غناء بلا آلة، وذكر بعضهم رواية فيمن أخر الحج قادرًا، ونقله صالح (2) والمروذي (3) في تأخير الزكاة.
وهذا (4) كله في مجتهد (5) ومقلد، وإلا فلا يجوز أن يقدم على ما لا يعلم (6) جوازه إِجماعًا، واختلف كلام القاضي في فسقه، وفَسَّقه ابن الباقلاني (7)، وقال: ضم جهلاً إِلى فسق، ورده بعض الشافعية (8): بالفرق بعدم الجُرْأة (9).
وفَسَّق (10) ابن عقيل عامياً شرب نبيذاً، ولا يعارض ذلك قوله: من زوج أمته أو أم ولده، ووطئها جهلاً: هل يأثم لتركه السؤال أم لا لعدم شكه في
__________
(1) نهاية 147 من (ح).
(2) هو: أبو الفضل، أكبر أولاد الإِمام أحمد، ولد سنة 203 ه، وروى عن أبيه مسائل كثيرة، توفي بأصبهان سنة 266 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 173.
(3) في (ظ): صالح المروذي.
(4) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 408، 409.
(5) في (ظ): مجتهد أو مقلد.
(6) نهاية 72 أمن (ب).
(7) انظر: المحصول 2/ 1/ 574، والإحكام للآمدي 2/ 83.
(8) انظر: المحصول 2/ 1/ 575، والإِحكام للآمدي 2/ 83.
(9) في (ظ): الجزاه.
(10) في (ح): وقاله ابن عقيل في عامي شرب نبيذًا.
(2/526)

التحريم؟ فيه احتمالان. يعني: لعذره (1) بالاستصحاب، وكذا جمعه في الكافي (2) -في بطلان الصلاة بكلام الجاهل- بينه وبين الناسي بعدم التأثيم (3).
واستقصاء ذلك وبيان حكم البدع في الفقه.
قال الحلواني (4) من أصحابنا: ولا يحكم بفسق مخالف في أصول الفقه، وبه قال جماعة الفقهاء والمتكلمين، خلافًا لبعض المتكلمين (5). كذا أطلقه، وسبق (6) في الإِجماع وخبر الواحد، ويأتي (7) في الأمر.
* * *
ومنها: الضبط، لئلا يغير اللفظ والمعنى، فلا يوثق به، قال أحمد (8): لا ينبغي لمن لم يعرف الحديث أن يحدث به.
والشرط غلبة (9) ضبطه وذكره على سهوه، لحصول الظن إِذًا، ذكره
__________
(1) في (ب) و (ظ): لعدم عذره.
(2) وهو كتاب الكافي في الفقه الحنبلي - لابن قدامة المقدسي. مطبوع.
(3) انظر: الكافي 1/ 209 - 210.
(4) انظر: المسودة/ 473.
(5) انظر: المعتمد للقاضي/ 273.
(6) انظر: ص 388، 454، 493، 514 من هذا الكتاب.
(7) انظر: ص 668.
(8) انظر: العدة/ 949.
(9) في (ب): عليه.
(2/527)

الآمدي (1) وجماعة، وهو محتمل.
وفي الواضح: قول أحمد -وقيل له: متى يترك حديث الرجل؟ - قال: إِذا غلب عليه الخطأ.
وذكر أصحابنا في الفقه (2): لا تقبل (3) شهادة معروف بكثرة غلط وسهو ونسيان، ولم يذكروا هنا شيئًا، فالظاهر منهم التسوية، وذكره جماعة من الشافعية (4) وغيرهم، قالوا: إِذا لم يحدث من أصل صحيح.
فإِن جهل حاله لم يقبل، ذكره في الروضة (5) وغيرها؛ لأنه لا غالب لحال الرواة. وفيه نظر، وأنه (6) يحتمل ما قال الآمدي (7): يُحمل على غالب حال الرواة، فإِن جهل حالهم اعتبر (8) حاله.
فإِن قيل: ظاهر (9) (10) حال العدل لا يروي إِلا ما يضبطه، وقد
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 75.
(2) انظر: المغني 10/ 170.
(3) في (ب): لا يقبل.
(4) نهاية 55 ب من (ظ).
(5) انظر: روضة الناظر/ 114.
(6) في (ح): ويتوجه أن يحتمل.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 75.
(8) يعني: اختبر. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 75.
(9) يعني: فإِن قيل: إِنه -وإن غلب السهو على الذكر أو تعادلا- فالراوي عدل، والظاهر منه ... انظر: المرجع السابق.
(10) نهاية 72 ب من (ب).
(2/528)

أنكر (1) على أبي هريرة (2) الإِكثار، وقُبِل (3). (4)
ود: لكنه (5) لا يوجب ظنا للسامع، ولم ينكر على أبي هريرة لعدم (6) الضبط، بل خيف ذلك لإِكثاره.
فإِن قيل: الخبر دليل، والأصل صحته، فلا نتركه (7) باحتمال، كاحتمال حدثٍ بعد طهارة.
ود: إِنما هو دليل مع الظن، ولا ظن مع تساوي المعارض. (8)
واحتمال الحدث ورد على يقين الطهر فلم يؤثر.
* * *
ومنها: العدالة (9) -إِجماعًا- لما سبق.
__________
(1) يعني: ولهذا أنكرت الصحابة على أبي هريرة ... انظر: المرجع السابق.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 31، 3/ 109، ومسلم في صحيحه/ 1939 - 1941.
(3) في (ب) و (ح): وقيل. ولم تنقط في (ظ).
(4) يعني: وقبل ما رواه لما كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إِلا ما يشق من نفسه بضبطه وذكره. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 75.
(5) يعني: إِذا فرضنا غلبة سهوه أو التعادل. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 76.
(6) نهاية 148 من (ح).
(7) في (ح): فلا يتركه.
(8) وهو النسيان. انظر: المرجع السابق.
(9) العدالة: هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً وترك=
(2/529)

قال في التمهيد (1): يحتمل: باطنًا، كالشهادة -وذكره الآمدي (2) عن الاَّ كثر، منهم: الشافعي وأحمد- ويحتمل: ظاهرًا، اختاره القاضي (3)؛ للمشقة، وللشافعية (4) خلاف.
ويعتبر (5) أن لا يأتي كبيرة للآية (6) في القاذف، وقيس عليه (7).
وقال أصحابنا: إِن قذف بلفظ الشهادة قبلت روايته؛ لأن نقص العدد ليس من جهته، وقد اختلفوا (8) في الحد، زاد في العدة (9): وليس بصريح في القذف، وقد اختلفوا في الحد، ويسوغ فيه الاجتهاد، ولا ترد الشهادة بما
__________
=الكبائر والرذائل بلا بدعة مغلظة، حتى تحصل ثقة النفوس بصدق من اتصف بها. انظر: الغني 10/ 148، وشرح الكوكب المنير 2/ 384.
(1) انظر: التمهيد/ 119أ.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 78.
(3) انظر: العدة/ 925، 937.
(4) انظر: اللمع/ 46، والمستصفى 1/ 157 - 158، والمحصول 2/ 1/ 576، والإِحكام للآمدي 2/ 78.
(5) في (ظ): ويحتمل.
(6) قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإِن الله غفور رحيم). سورة النور: الآيتان 4، 5.
(7) يعني: وقيس على القذف بقية الكبائر.
(8) كذا في النسخ. وسترد هذه الجملة (وقد اختلفوا في الحد) بعد قليل.
(9) انظر: العدة/ 948.
(2/530)

يسوغ فيه الاجتهاد. وكذا زاد ابن عقيل، و [قد] (1) قال: نص على الشهادة، فالخبر أولى. كذا قال، وهو سهو.
وجزم صاحب المغني (2) برد شهادته (3) وبفسقه، لقول عمر لأبي بكرة (4): "إِن تبتَ قبلتُ شهادتك" (5). احتج به أحمد وغيره، واتفق (6) الناس على الرواية عن أبي بكرة.
والمذهب عندهم: يحد.
وعن أحمد والشافعي (7): لا، فيتوجه منها بقاء عدالته، وقاله
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) انظر: المغني 10/ 180.
(3) وبقبول روايته.
(4) هو: الصحابي نُفَيْع بن الحارث بن كَلَدة -وقيل: نفيع بن مسروح- الثقفي، مشهور بكنيته، كان قد تدلى إلى النبي من حصن الطائف ببكرة فاشتهر بأبي بكرة، وهو ممن شهد على المغيرة ابن شعبة بالزنا، فلم تتم الشهادة فجلده عمر، ثم سأله الرجوع عن ذلك فلم يفعل وأبى، فلم يقبل له شهادة، توفي بالبصرة سنة 51 ه. انظر: الاستيعاب/ 1530، والإِصابة 6/ 467، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 198، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 404.
(5) ترجم البخاري في صحيحه 3/ 170: باب شهادة القاذف ... وجلد عمر أبا بكرة ... وقال: من تاب قبلت شهادته. وأخرجه الطبري في تفسيره 18/ 60 بلفظ المؤلف، والبيهقي في سننه 10/ 152 بلفظ المؤلف وبألفاظ أخرى، وعبد الرزاق في مصنفه 7/ 384 بلفظ: توبوا تقبل شهادتكم.
(6) انظر: تهذيب التهذيب 10/ 469، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 404.
(7) انظر: المهذب 2/ 332، ونهاية المحتاج 7/ 417.
(2/531)

الشافعية (1)، وهو معنى ما جزم به الآمدي (2) ومن وافقه، وأنه ليس من الجرح؛ لأنه لم يصرح بالقذف، اقتصروا على هذا، وكيف يقال مع حده عند الأئمة (3) الأربعة (4)؟
وصرح الإِسماعيلي (5) بالفسق، وفَرَّق بأن الرواية (6) لا تهمة فيها، وبأنه لم (7) يمتنع من قبوله أحد مع إِجماعهم على منع الشهادة، فأجرى قبول خبره مجرى الإِجماع. كذا قال.
والأظهر العمل بالآية، وهذا رام [وإِلا لم يحد] (8)، ولا وجه للتفرقة كما
__________
(1) انظر: اللمع/ 46، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 165.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 89، وشرح العضد 2/ 66.
(3) في (ب): الآية.
(4) انظر: المهذب 2/ 332، ونهاية المحتاج 7/ 416، وبدائع الصنائع / 4182، والكافي لابن عبد البر / 1071.
(5) هو: أبو بكر أحمد بن إِبراهيم بن إِسماعيل الجرجاني، كبير الشافعية بناحيته، إِمام حافظ فقيه محدث، ولد سنة 277 ه، وتوفي سنة 371 ه.
من مؤلفاته: المسند، والمستخرج على الصحيح، والمعجم.
انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي/ 95، وتبيين كذب المفتري/ 192، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 7، وتذكرة الحفاظ/ 947.
(6) نهاية 73 أمن (ب).
(7) في (ب): لا.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2/532)

قاله الحنفية (1) والمالكية، لكن إِن حد لم يقبله الحنفية (2) ولو تاب (3)، وقضية أبي بكرة واقعة عين تاب منها، فلهذا (4) روى عنه الناس، ومات بعد الخمسين.
وقال بعض أصحابنا: صرح القاضي (5) في قياس الشبه (6) من العدة بعدالة من أتى كبيرة، لقوله: (7) (فمن ثقلت) (8) الآية (9).
وعن أحمد -فيمن أكل الربا-: إِن أكثر (10) لم يُصَلَّ خلفه. قال القاضي (11) [وابن عقيل] (12): فاعتبر الكثرة.
__________
(1) انظر: كشف الأسرار 2/ 402، 404، وفواتح الرحموت 2/ 144، 148.
(2) هذا رواية عن أبي حنيفة، قال في فواتح الرحموت 2/ 144: وهو خلاف الظاهر من المذهب. وانظر: كشف الأسرار 2/ 404، وتيسير التحرير 3/ 46 - 47، 55.
(3) أما المالكية فتقبل شهادة من حد إِذا تاب. انظر: المدونة 5/ 158، والكافي لابن عبد البر/ 897.
(4) نهاية 149 من (ح).
(5) انظر: العدة/ 204 أ.
(6) في (ب): الشبهه.
(7) نهاية 56 أمن (ظ).
(8) سورة الأعراف: آية 8.
(9) الذي في العدة: (فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية) سورة القارعة: الآيتان 6، 7.
(10) في (ظ): أكثره.
(11) انظر: العدة/ 925.
(12) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2/533)

وفي المغني (1): إِن أخذ صدقة محرمة -وتكرر- رُدَّتْ.
وأما الصغائر: فإِن كُفِّرَتْ باجتناب الكبائر -كما دل عليه الكتاب (2) والسنة (3)، وقاله جماعة من أصحابنا وكثير من العلماء، وقاله (4) (ع)، زاد ابن عقيل (5): أو بمصائب الدنيا- لم تقدح (6)، وإلا قدحت؛ لأنه صح عن ابن عباس: "لا صغيرة مع إِصرار، ولا كبيرة مع استغفار". رواه (7) ابن
__________
(1) انظر: المغني 10/ 164.
(2) قال تعالى: (إِن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريمًا) سورة النساء: آية 31.
(3) أخرج مسلم في صحيحه/ 209، والترمذي في سننه 1/ 138، وابن ماجه في سننه/ 196، وأحمد في مسنده 2/ 229: عن أبي هريرة عن النبي قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إِذا اجتنبت الكبائر). وأخرج مسلم في صحيحه/ 206 عن عثمان قال: سمعت رسول الله يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتِ كبيرة، وذلك الدهر كله). وأخرج النسائي في سننه 7/ 88، وأحمد في مسنده 5/ 413 - واللفظ له-: عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله قال: (من جاء يعبد الله لا يشرك به شيئاً ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر فإِن له الجنة). وانظر: الآداب الشرعية للمؤلف 1/ 143.
(4) في (ب) و (ظ): وقاله بعضهم (ع)، وانظر: الآداب الشرعية 1/ 146 - 147.
(5) انظر: المرجع السابق 1/ 142.
(6) في (ب): لم يقدح.
(7) انظر: تفسير الطبري 5/ 27، وتفسير القرطبي 5/ 159، والمقاصد الحسنة/ 467، وكشف الخفاء 2/ 508، والآداب الشرعية 1/ 144.
(2/534)

جرير وابن أبي حاتم (1).
ويتوجه إِن قيل: قول الصحابي حجة، وإلا فلا.
ثم جزم صاحب (2) الروضة: إِن غلب عليه الطاعات لم يقدح، لقوله: (فمن يعمل) الآية (3).
وقيل: يقدح تكرار صغيرة.
وقيل: تكرارها ثلاثًا.
وفي الترغيب (4) وغيره: يقدح كثرة الصغائر وإدمان واحدة.
والمعاصي كبائر وصغائر ضط جمهور العلماء.
__________
(1) هو: أبو محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن إِدريس التميمي الحنظلي الرازي، إِمام حافظ ناقد ثقة ثبت بحر في علم معرفة الرجال، أخذ علم أبيه وأبي زرعة الرازي، توفي سنة 327 ه.
من مؤلفاته: الجرح والتعديل، والعلل، والتفسير.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 55، وميزان الاعتدال 2/ 587، وفوات الوفيات 1/ 542، وتذكرة الحفاظ/ 839، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 324.
(2) قال في الكافي 3/ 519: اعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب؛ لأن الحكم للأغلب بدليل قوله: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) سورة الأعراف: آية 8.
وانظر: المغني 10/ 149.
(3) سورة الأنبياء: آية 94، وسورة الزلزلة: آية 7.
(4) وهو كتاب ترغيب القاصد في تقريب المقاصد، في الفقه الحنبلي - لابن تيمية محمَّد ابن الخضر الحراني الحنبلي المتوفى سنة 622 ه.
(2/535)

ثم: الأخبار في الصحاح (1) وغيرها مختلفة في عدد الكبائر، وكلام العلماء.
والكبيرة عند أحمد (2): ما فيه حد في الدنيا أو وعيد خاص في الآخرة، لوعد (3) الله (4) مجتنبيها (5) بتكفير الصغائر، ولأنه معنى قول ابن عباس (6)، ذكره أحمد وأبو عبيد.
وفي المعتمد للقاضي: (7) لا يُعلمان إِلا بتوقيف.
* * *
والكذب من الصغائر في رواية عن أحمد (8)، فلا تقدح (9) كذبة واحدة، للمشقة وعدم (10) دليله، وذكر ابن عقيل في الشهادة من الفصول:
__________
(1) انظر: صحيح البخاري 3/ 172، 4/ 10، 8/ 3، 4، 17، 61 - 62، 137، 9/ 3 - 4، 14، وصحيح مسلم/ 91 - 92، وسنن أبي داود 3/ 295، 5/ 352، وسنن الترمذي 2/ 341، 3/ 208، 4/ 302 - 303 وسنن النسائي 7/ 88، 8/ 63، والمستدرك للحاكم 1/ 59، وتفسير الطبري 5/ 27 وما بعدها.
(2) انظر: العدة/ 946، والتمهيد/ 118أ.
(3) في (ظ): أو وعد.
(4) انظر: هامش 2 من ص 534 من هذا الكتاب.
(5) في (ب) و (ظ): مجتنبها.
(6) انظر: تفسير الطبري 5/ 27، 27/ 40، وزاد المسير 2/ 66.
(7) نهاية 73 ب من (ب).
(8) انظر: العدة/ 927.
(9) في (ظ): فلا يقدح.
(10) نهاية 150 من (ح).
(2/536)

أنه ظاهر مذهب أحمد وعليه جمهور أصحابه.
وعن أحمد (1): ترد بكذبة واحدة، واحتج أحمد (2) بأنه -عليه السلام - رد شهادة رجل في كذبة، وإِسناده جيد، لكنه مرسل، رواه (3) إِبراهيم الحربي (4) والخلال.
وجعله في التمهيد (5) -إِن صح- للزجر، وفيه وعيد في منامه (6) - عليه السلام - في الصحيح (7).
__________
(1) انظر: العدة/ 926 - 927، والتمهيد/ 118 أ.
(2) انظر: العدة/ 927.
(3) أخرجه إِبراهيم الحربي في كتاب النهي عن الكذب: بإِسناده عن موسى الجندي. فانظر: العدة/ 927. وأخرجه -أيضًا- البيهقي في السنن الكبرى 10/ 196 من حديث معمر عن موسى بن شيبة، ويقال: ابن أبي شيبة. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 10/ 349: قلت: ذكره العقيلي في "الضعفاء" وأخرج من طريق عبد الرزاق عن معمر عنه: أن رسول الله أبطل شهادة رجل في كذبة. قال معمر: لا أدري، كذب على الله أو على رسوله. قال العقيلي: لا يتابع عليه، ولا يعرف إِلا به.
(4) هو: إِبراهيم بن إِسحاق بن إِبراهيم الحربي، فقيه حافظ، ناقل عن أحمد، توفي سنة 285 ه.
من مؤلفاته: غريب الحديث، ودلائل النبوة.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 86، وتذكرة الحفاظ/ 584، وطبقات الحفاظ/ 259، والمنهج الأحمد 1/ 196، وشذرات الذهب 2/ 190.
(5) انظر: التمهيد/ 118 ب.
(6) كذا في النسخ. ولعل الصواب: في مقامه، أو في جنابه.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 29، ومسلم في صحيحه/ 10 من حديث أبي هريرة.
(2/537)

وفي الصحيحين (1) من حديث أبي بكرة: أنه - عليه السلام - ذكر شهادة الزور وقول الزور من الكبائر.
واختار ابن عقيل في الواضح هذه الرواية، وذكر في الشهادة من الفصول: أن بعضهم اختارها وقاس عليها بقية الصغائر، وأنه بعيد؛ لأنه معصية فيما (2) تحصل به الشهادة وهو الخبر. ولهذا المعنى جزم به (3) القاضي (4) في الشهادة والخبر، للحاجة إِلى صدق المخبر، فهو أولى بالرد مما (5) يسمى به فاسقًا، وأخذ هو (6) وأبو الخطاب (7) من هذه الرواية: أنه كبيرة.
ويُرد. (8) بالكذب -ولو تدَيَّن في الحديث- عند مالك وأحمد وغيرهما، خلافًا لبعضهم.
فأما الكذبة الواحدة في الحديث فتقدح.
وتقبل (9) توبته في ظاهر كلام جماعة من أصحابنا، وقاله بعضهم
__________
(1) انظر: صحيح البخاري 3/ 172، وصحيح مسلم/ 91.
(2) في (ظ): فيما لا تحصل. وقد زيدت في (ب) كلمة (لا) من نسخة أخرى.
(3) يعني: جزم بالرد.
(4) انظر: العدة/ 927.
(5) يعني: فهو أولى بالرد ممن جعلت أمارة رده المعاصي التي يسمى بها فاسقًا.
(6) انظر: العدة/ 926 - 927.
(7) انظر: التمهيد/ 118 أ.
(8) في (ب): وترد.
(9) نهاية 56 ب من (ظ).
(2/538)

وكثير من العلماء، لكن في غير ما كذب فيه، كتوبته مما أقر بتزويره.
وقبلها (1) الدامَغاني الحنفي (2) فيه، قال (3): لأن ردها (4) ليس بحكم، ورد الشهادة حكم.
ونص أحمد (5): لا تقبل مطلقًا، قال القاضي (6): لأنه زنديق، فتخرج توبته على توبته (7)، وفارق الشهادة؛ لأنه قد يكذب فيها لرشوة أو تقرب إِلى أبناء الدنيا. وقال ابن عقيل: فرق بعيد؛ لأن الرغبة إِليهم بأخبار الرَّجاء أو الوعيد غايته (8) الفسق.
والغيبة (9) والنميمة من الكبائر، وذكرهما جماعة من أصحابنا من الصغائر. (10)
__________
(1) ذكر القاضي في العدة/ 928: أنه سأل الدامغاني عن ذلك، فأجاب بما ذكر.
(2) هو: أبو عبد الله محمَّد بن علي بن محمَّد، فقيه محدث قاض ببغداد، توفي سنة 478 ه. من مؤلفاته: شرح مختصر الحاكم.
نظر: تاريخ بغداد 3/ 109، والجواهر المضية 2/ 96، والفوائد البهية/ 182.
(3) قال هذا رداً على قولهم: لا يقبل خبره فيما رد، ويقبل في غيره اعتبارًا بالشهادة.
(4) يعني: رد الرواية.
(5) انظر: العدة/ 928.
(6) انظر: المرجع السابق/ 929.
(7) وفيها روايتان. فانظر: المعتمد للقاضي/ 202.
(8) نهاية 74 أمن (ب).
(9) انظر: تفسير القرطبي 16/ 337، وشرح الكوكب المنير 2/ 384.
(10) نهاية 151 من (ح).
(2/539)

ولم يفرق أصحابنا وغيرهم في الصغائر، بل ذكر في التمهيد (*) التطفيف منها، واعتبر التكرار.
وقال (1) الآمدي ومن وافقه: إِن مثل سرقة (2) لقمة والتطفيف بحبة واشتراط أخذ الأجرة على إِسماع الحديث يعتبر (3) تركه كالكبائر (4) بلا خلاف. كذا قال.
وقد قال أحمد (5) -في اشتراط الأجرة-: لا يكتب عنه الحديث ولا كرامة. قال القاضي (6): هو على الورع؛ لأنه مجتهد فيه. (7) وفي التمهيد (8): هذا غلط؛ لأنه أكثر دناءة من الأكل على الطريق. يؤيد ما ذكره نقل أبي الحارث: هذه طعمة سوء.
__________
(*) انظر: التمهيد/ 118 أ.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 77، وشرح العضد 2/ 63.
(2) في (ب): شرقه.
(3) يعني: يشترط.
(4) يعني: كما يشترط ترك الكبائر.
(5) رواه عنه الخطيب في الكفاية/ 153، وانظر: العدة/ 954.
(6) انظر: العدة/ 954.
(7) يعني: وما يجتهد فيه لا يفسق فاعله. انظر: العدة/ 954.
(8) انظر: التمهيد / 118 أ.
(2/540)

وحمله ابن عقيل على أنه فرض كفاية، [قال] (1): فإِن قطعه عن شغله فكنسخ حديث ومقابلته [(ه) (2)]. (3)
* * *
ويعتبر ترك ما فيه دناءة وترك مروءة، كأكله في السوق بين الناس الكثير، ومد رجليه أو كشف رأسه بينهم، والبول في الشوارع، ولعب بحمام، وصحبة أراذل (4)، وإفراط في مزح، لحديث أبي مسعود (5) البدري: (إِذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت). رواه البخاري (6)، أي: صنع ما شاء، فلا يوثق به، لكن يعتبر تكرار ذلك كالصغائر.
ومن ذلك: من صنعته دَنِيَّة عرفاً -ولا ضرورة- كحَجَّام وزَبَّال وقَرَّاد، قيل: تقدح، وقيل: لا؛ لحاجة الناس إِليها.
وكذا حائك وحارس ودَبَّاغ، وقيل: يقبل. (7)
* * *
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) انظر: تيسير التحرير 3/ 45، وفواتح الرحموت 2/ 144.
(3) ما بين المعقوفتين من (ب).
(4) في (ح): أرذال.
(5) هو: الصحابي عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصارى، سمي بالبدري لأنه سكن ماء بدر.
(6) انظر: صحيح البخاري 8/ 29. وأخرجه -أيضًا- أبو داود في سننه 5/ 148، وابن ماجه في سننه/ 1400، وأحمد في مسنده 4/ 121.
(7) في (ح): تقبل.
(2/541)

وتعتبر هذه الشروط للشهادة.
* * *
ولا يعتبر للرواية غير ذلك، فتقبل رواية عبد وأنثى وضرير وقريب وعدو؛ لقبول عائشة وغيرها، ولأن حكم الرواية عام للمخبِر والخبَر فلا (1) تهمة.
ولا الإِكثار من سماع (2) الحديث، ولا معرفة نسبه كعدمه، ولا علمه بفقه أو عربية أو معنى الحديث.
واعتبر مالك الفقه، ونقل عن أبي حنيفة مثله (3) (4)، وعنه -أيضًا- إِن خالف القياس.
لنا: حديث زيد بن أرقم (5): (نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه (6) غيره، فرب حامل فقه إِلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه). إِسناده جيد، رواه (7) أبو داود والنسائي والترمذي وحَسَّنه.
__________
(1) في (ح): ولا.
(2) نهاية 152 من (ح).
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 369، وفواتح الرحموت 2/ 144 - 145، ونهاية السول 2/ 310، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 147، والإِحكام لابن حزم/ 132.
(4) نهاية 74 ب من (ب).
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: زيد بن ثابت.
(6) نهاية 57 أمن (ظ).
(7) انظر: سنن أبي داود 4/ 68 - 69، والمعتبر/ 38 ب، وتخريج أحاديث البزدوي/ 188، وسنن الترمذي 4/ 141 - 142. وأخرجه -أيضًا- ابن ماجه في سننه/ 84، وأحمد في مسنده 5/ 183، والدارمي في سننه 1/ 66.
(2/542)

ورواه (1) الشافعي وأحمد بإِسناد جيد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، واختلفوا في سماعه منه (2).
نضر (3) -رواه الأصمعى (4) لتشديد الضاد، وأبو عميد لتخفيفها- أي: نعمه الله (5)
وكانت الصحابة تقبل رواية أعرابي لحديث واحد، وعلى ذلك عمل المحدثين.
* * *
وما يعتبر من ذلك في الشهادة -والخلاف فيه- في الفقه.
* * *
ومن عرف بالتساهل في الرواية -كنوم في سماع وقبول تلقين- لم تقبل روايته، كما هو في كلام المحدثين والشافعية وغيرهم؛ لأنه قادح في
__________
(1) انظر: بدائع المنن 1/ 14 ومسند أحمد 1/ 437. وأخرجه -أيضًا- الترمذي في سننه 4/ 142 وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في سننه/ 85.
(2) انظر: المعتبر/ 37 ب- 38 أ.
(3) في (ظ): نظر.
(4) هو: أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن أصمع البصري، إِمام في اللغة، توفي سنة 216 ه. من مؤلفاته: غريب القرآن، وغريب الحديث، والاشتقاق.
انظر: طبقات النحويين واللغويين/ 167، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 273، وطبقات المفسرين للداودي 1/ 354، ووفيات الأعيان 2/ 344.
(5) انظر: لسان العرب 7/ 69، وتاج العروس 3/ 570 - 571 (نضر).
(2/543)

قياس قول أصحابنا وغيرهم: يحرم التساهل في الفتيا واستفتاء معروف به.

مسألة
مجهول العدالة لا يقبل عند أحمد (1) وأصحابه والجمهور (وم ش).
وعن أحمد: تقبل، واختاره بعض (2) أصحابنا، وإِن لم تقبل شهادته.
وفي الكفاية (3) للقاضي: تقبل في زمن لم تكثر فيه الخيانة.
وقال (4) الحنفية (5): إِن رده جميعهم لم يقبل، وإِن اختلفوا فيه قُبِلَ، وإن لم يرد ولم يقبل جاز قبوله -لظاهر عدالة السلف (6) - ولم يجب، وجَوَّز أبو حنيفة القضاء بظاهر العدالة، أما اليوم فتعتبر التزكية لغلبة الفسق.
لنا: عُمِل بخبر الواحد (7) للإِجماع، ولا إِجماع ولا دليل (8).
ولأن (9) الفسق مانع (10)، كجهالة الصبا والكفر.
__________
(1) انظر: العدة/ 936.
(2) انظر: البلبل/ 58، والمسودة/ 255.
(3) انظر: المسودة 253.
(4) نهاية 153 من (ح).
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 352، وكشف الأسرار 2/ 386، 388، 400، 3/ 20، وتيسير التحرير 3/ 48 - 49، وفواتح الرحموت 2/ 147.
(6) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): المسلم.
(7) يعني: الواحد العدل.
(8) لمن لم تثبت عدالته، فيبقى على أصل عدم العمل بالظن.
(9) في (ظ): لأن.
(10) فوجب تحقق ظن عدمه كجهالة الصبا ... انظر: شرح العضد 2/ 64.
(2/544)

قالوا: الفسق سبب التثبت (1)، فإِذا انتفى انتفى (2)، وعملاً بالظاهر، وقبول الصحابة.
رد: ينتفي (3) بالخبرة (4) والتزكية، وبمنع الظاهر (5) والقبول.
ويقبل الخبر بالملك والذكاة ولو من فاسق (6) وكافر، للنصوص وللحاجة، والأشهر لنا: في المجهول، وأنه (7) متطهر فيصح الائتمام به، (8) لا أن (9) الماء طاهر أو نجس في ظاهر مذهبنا والشافعية (10)، وقبله الآمدي (11) ومن وافقه مع فسقه.
قالوا: كروايته عقب إِسلامه.
أجاب في الروضة (12) والآمدي (13) بمنعه لاستصحابه
__________
(1) في (ظ): للتثبت.
(2) في (ح) و (ب): ينتفي.
(3) يعني: لا ينتفي إِلا بهما.
(4) في (ب) و (ظ): بالخبر.
(5) يعني: منع أن ظاهره العدالة، بل يستوي صدقه وكذبه. انظر: شرح العضد 2/ 64.
(6) نهاية 75أمن (ب).
(7) يعني: ويقبل خبره في أنه متطهر.
(8) جاء -هنا- في (ح) عبارة (وأنه متطهر).
(9) يعني: لا يقبل خبره في أن الماء طاهر.
(10) انظر: المستصفى 1/ 160، ونهاية المحتاج 1/ 99.
(11) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 81، 82، وشرح العضد 2/ 64.
(12) انظر: روضة الناظر/ 116.
(13) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 82.
(2/545)

للكذب (1)، وتسليمه؛ لأنه يعظِّمه ويهابه.
ويتوجه أن يحتمل عدالة كل من اعتنى بالعلم، وقاله (2) ابن عبد البر، واحتج بقوله - عليه السلام -: (يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين وإبطال المبطلين وتأويل الغالين). رواه الخلال وابن عدي (3) والبيهقي (4)، وله طرق (5)
__________
(1) في (ح): الكذبه.
(2) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 28، 58 - 60.
(3) هو: أبو أحمد عبد الله بن عدي -وقيل: عبد الله بن محمَّد بن عدي- الجرجاني، إِمام حافظ، ولد سنة 277 ه، وتوفي سنة 365 ه.
من مؤلفاته: الكامل.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 940، واللباب 1/ 291، ومرآة الجنان 2/ 381، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 315، وشذرات الذهب 3/ 51.
(4) هو: أبو بكر أحمد بن الحسين النيسابوري الشافعي، حافظ كبير أصولي فقيه، توفي سنة 458 ه.
من مؤلفاته: السنن الكبرى ومعرفة السنن والآثار.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 57، والمنتظم 8/ 242، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 8، وشذرات الذهب 3/ 304.
(5) أخرجه ابن عدي في الكامل 1/ 73 - 74، 90 - 91 مخطوط. قال ابن حجر في الإِصابة 1/ 226: وقد أورد ابن عدي هذا الحديث من طرق كثيرة كلها ضعيفة. وأخرجه -أيضًا- الخطيب في كتاب شرف أصحاب الحديث/ 11، 28 - 29 من حديث معاذ بن جبل وأبي هريرة وأسامة بن زيد وعبد الله بن=
(2/546)

وقال مهنا (1) لأحمد: كأنه موضوع. قال: لا، هو صحيح. قلت: سمعته أنت؟ قال: من غير واحد (2).
ولقائل أن يجيب عنه بضعفه (3)، ثم بتقدير لام الأمر في (4): (يحمل)، وهو (5) جائز لغة، واختاره (6) الزَّجَّاج في: (يحذر (7) المنافقون) (8).
__________
=مسعود وإبراهيم العذري بألفاظ متقاربة ومن طرق متعددة، منها: طريق عن عبد العزيز ابن جعفر الفقيه قال: حدثنا أبو بكر الخلال. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد 1/ 58 - 60 من حديث إِبراهيم العذري وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأبي أمامة. وانظر: الآداب الشرعية للمؤلف 2/ 59 - 60.
(1) هو: أبو عبد الله مهنا بن يحيى الشامي السلمي، من كبار أصحاب أحمد، لزمه وروى عنه مسائل كثيرة.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 345، والمنهج الأحمد 1/ 331.
(2) انظر: شرف أصحاب الحديث/ 30، والآداب الشرعية 2/ 59.
(3) انظر: تدريب الراوي 1/ 303.
(4) في (ح): وهو.
(5) نهاية 57 ب من (ظ).
(6) انظر: معاني القرآن إعرابه للزجاج 2/ 508.
(7) سورة التوبة: آية 64.
(8) نهاية 154 من (ح).
(2/547)

مسألة
يكفي جرح الواحد وتعديله في الرواية عند أحمد (1) وأصحابه والجمهور (و).
واعتبر قوم العدد، وبعض المحدثين (2) وبعض الشافعية (3): في الجرح.
ويعتبر في الشهادة (وم ش).
وعن أحمد (4): كالرواية، اختاره (5) أبو بكر من أصحابنا (وه) (6) وابن الباقلاني. (7)
وعنه: وفي الشهادة (8)، اختاره (9) أبو بكر من أصحابنا، وقاله (ه) وابن الباقلاني. (10)
__________
(1) انظر: العدة/ 934، 935.
(2) انظر: الكفاية/ 105.
(3) انظر: المسودة 271.
(4) انظر: العدة/ 935.
(5) في (ظ): واختاره.
(6) انظر: تيسير التحرير 3/ 58 - 59، وكشف الأسرار 3/ 37 - 38.
(7) انظر: المستصفى 1/ 162، والمحصول 1/ 2/ 585، والإحكام للآمدي 2/ 85.
(8) يعني: يكفي الواحد.
(9) في (ب) و (ظ): واختاره.
(10) كذا في النسخ. والذي يظهر لي أن هذين السطرين يؤديان معنى السطرين اللذين قبلهما.
(2/548)

واعتبره (1) قوم فيهما (2).
وبعض المحدثين (3): في الجرح، وقاله بعض الشافعية.
[وبعضهم: وفي التعديل] (4).
لنا: أن الشرط لا يزيد على مشروطه، ويكفي في الرواية واحد لا الشهادة.
قالوا: شهادة.
رد: بأنها خبر.
قالوا: أحوط.
رد: قولنا أحوط، لئلا يضيع الشرع.

مسألة
مذهب أحمد (5) وأصحابه والجمهور، منهم (ش) (6): يشترط ذكر سبب الجرح لا التعديل، للاختلاف في سببه بخلاف العدالة.
__________
(1) في (ظ): واعتبر. بعد أن مسحت الهاء.
(2) في (ب) و (ظ): فيهما العدد.
(3) انظر: الكفاية/ 105.
(4) ما بين المعقوفتين من (ح). والذي يظهر لي أنه يدل على ما يدل عليه قوله (واعتبره قوم فيهما).
(5) انظر: العدة / 931 - 932.
(6) انظر: المحصول 2/ 1/ 586، والبرهان/ 620.
(2/549)

واشترطه (1) بعض أصحابنا (2) وغيرهم فيهما؛ للمسارعة إِلى التعديل بناء على الظاهر.
وعن أحمد (3): عكسه، (4) واختاره جماعة منهم ابن الباقلاني (5) -[وحكي عن الحنفية، وكأنه أُخِذ من الشهادة، وإِنما قولهم الأول]- (6) حملاً لأمره على السبب الصحيح.
ويتوجه أن يحتمل هذا إِن كان عالمًا بذلك وإِلا لم يقبل، وقاله أبو المعالي (7) والآمدي (8)، وذكره عن ابن الباقلاني، عملاً بالظاهر من حال العدل العالم، وقاله مالك في الجرح، واختاره بعض أصحابنا.
واشترط قوم السبب في التعديل فقط، ونقل عن ابن الباقلاني (9)، لالتباس العدالة لكثرة التصنع.
وهذا الخلاف مطلق، والمراد - (10) والله أعلم- ما أشار إِليه بعض
__________
(1) نهاية 75 ب من (ب).
(2) كابن حمدان. فانظر: شرح الكوكب المنير 2/ 423.
(3) انظر: العدة/ 933.
(4) في (ح): عكسه (وه) واختاره.
(5) انظر: المحصول 2/ 1/ 587، وشرح العضد 2/ 65.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: البرهان/ 621.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 86.
(9) انظر: البرهان / 621، والمسودة/ 269.
(10) نهاية 155 من (ح).
(2/550)

أصحابنا وغيرهم: (1) لا أثر لمن عادته التساهل في التعديل أو المبالغة فيجرح بلا سبب شرعي أو يعطيه فوق مقتضاه، ويتوجه -أيضًا- أن يراد أن من ضَعَّفه أو وثقه واحد فأكثر -لم يخالف- يعتبر (2) قولهم؛ لأنه إِجماع أهل الفن، والعادة تحيل السكوت في مثله، لا سيما مع طول الزمن، وهذا من فائدة وضع كتب "الجرح والتعديل"، وعليه عمل المحدثين.
* * *
وإذا لم يقبل الجرح المطلق لم يلزم التوقف حتى يبين سببه كالشهادة؛ لأن الخبر يلزم العمل به ما لم يثبت القدح، والشهادة أحمد، ذكره القاضي وأبو الخطاب في مسألة: ما لا نفس له سائلة (3).
ويتوجه أن يحتمل التوقف؛ لأنه أوجب ريبة، وإلا انسد (4) باب الجرح غالبًا، وقاله بعض الشافعية وغيرهم.
ومن اشتبه اسمه بمجروح وقف خبره.
* * *
وتضعيف (5) بعض المحدثين للخبر (6) يخرج عندنا على الجرح المطلق،
__________
(1) في (ظ): ولا.
(2) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): تعبير.
(3) انظر: المسودة/ 254.
(4) في (ظ): وإِلا استد.
(5) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 421، وكشف الأسرار 3/ 68، وتيسير التحرير 3/ 62، وفواتح الرحموت 2/ 152، وغاية الوصول / 103.
(6) نهاية 58أمن (ظ).
(2/551)

ولا يمنع عند الشافعية، وتقبله (1) (2) الحنفية (3).
ومن (4) أطلق تصحيح حديث فكتعديل (5) مطلق.
وعن أحمد: إِذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: "حديث غريب أو فائدة"، فاعلم أنه خطأ -أي: لأنه شاذ- وإِذا (6) سمعتهم يقولون: "حديث لا شيء"، فاعلم أنه صحيح، أي: لم تُفِد روايته لشهرته. حكاه القاضي (7) وجماعة عن حكايته أبي إِسحاق (8) عن أبي بكر النَّقَّاش، وهو كذاب، ثم: الشاذ منقسم عندهم، و"لا شيء" للجرح بالاستقراء.
* * *
ويجوز الجرح بالاستفاضة.
ومنعه بعض أصحابنا كالتزكية.
وخالف فيها جماعة من أصحابنا، واحتج بعضهم بمن شاعت إِمامته
__________
(1) في (ح): ويقبله.
(2) يعني: التضعيف.
(3) في نسبة هذا إِليهم نظر. فانظر: المراجع السابقة.
(4) انظر: المسودة/ 251، وشرح الكوكب المنير 2/ 424، وتيسير التحرير 3/ 62، وتوضيح الأفكار 1/ 309.
(5) في (ظ): فلتعديل.
(6) نهاية 76 أمن (ب).
(7) انظر: العدة / 930.
(8) هو: ابن شاقْلا.
(2/552)

وعدالته من الأئمة.
ويتوجه أن هذا احتمال قول ثالث، وأنه المذهب، وهو معنى قول أحمد (1) وجماعة، يُسأل واحد منهم عن مثلهم، فيقول: "ثقة لا يسأل (2) عن مثله"، وذكر (3) بعض الشافعية (4) أنه صحيح مذهبهم.

مسألة
يقدم (5) الجرح (و)؛ لأن فيه زيادة، وجمعا بينهما. (6)
وقيل: الترجيح (7)، واختاره بعض أصحابنا (8) مع جرح مطلق إِن قبلناه.
ويعتبر الترجيح في إِثباتِ معينٍ ونفيه يقينًا. (9)
__________
(1) انظر: الكفاية/ 87، ومقدمة ابن الصلاح/ 50، وتدريب الراوي 1/ 301 - 302.
(2) في (ظ): لا تسأل.
(3) نهاية 156 من (ح).
(4) انظر: مقدمة ابن الصلاح / 50.
(5) في (ب): يقدح.
(6) فغاية قول المعدل أنه لم يعلم فسقًا ولم يظنه فظن عدالته، والجارح يقول: أنا علمت فسقه، فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبًا، ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى ما أمكن. انظر: شرح العضد 2/ 66.
(7) في (ب): التعديل.
(8) قال في المسودة/ 272: إِذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح وإِن كثر المعدلون، وقيل: يقدم قول المعدلين إِذا كثروا، وعندي: أن هذا لا وجه له مع بيان السبب، فأما إِذا كان جرحًا مطلقًا -وقبلناه- فإِن تعديل الأكثرين أولى منه.
(9) يعني: إِذا حصل النفي بطريق يقيني. انظر: شرح العضد 2/ 66.
(2/553)

مسألة
سبق التعديل بالقول.
* * *
وحكم الحاكم تعديل اتفاقاً، أطلق في الروضة (1)، ومراده ما صرح به غيره: حاكم يشترط العدالة.
وهو أقوى من تعديله بسبب، ذكره في الروضة (2)، للإِلزام (3)، وفسقه لو حكم بفاسق.
واختار الآمدي (4) وغيره التسوية (5).
* * *
وعمله (6) به يقينًا (7): في كونه تعديلاً قولان للناس، وذكره
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 118.
(2) قال في روضة الناظر/ 118: أن يحكم بشهادته، وذلك أقوى من تزكيته بالقول.
(3) يعني: إِلزام غيره بقبول الشاهد. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 88.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 88.
(5) يأتي في الترجيح: النقل عن الآمدي بترجيح التزكية بصريح القول على حكمه وعمله بشهادته. فانظر: ص 1591 من هذا الكتاب.
(6) أي: عمل من يعتبر تعديله.
(7) يعني: إِن علم أنه لا مستند له غيره. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 88.
(2/554)

القاضي (1) والباجي (2) المالكي (3) تعديلاً (4) -وقاله أبو المعالي (5)، إِلا فيما العمل به احتياطاً، وقاله في الروضة (6) - لفسقه لو عمل بفاسق.
وضعف الآمدي (7) التعليل باحتمال كونه مجروحاً (8) بما لا يراه جارحًا. كذا قال، فيلزمه في الحاكم.
وفرق بعض أصحابنا (9) بين من يرى قبول مستور الحال أوْ لا، أو يُجْهَل مذهبه (10) فيه.
__________
(1) انظر: العدة/ 936.
(2) في (ب): والتاجي.
(3) هو: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التُّجيبي القرطبي، إِمام في الحديث والفقه والأصول، توفي بالرباط سنة 474 ه.
من مؤلفاته: إِحكام الفصول في أحكام الأصول، والإِشارات في أصول الفقه، والحدود في الأصول.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 142، وتذكرة الحفاظ/ 1178، والديباج المذهب/ 184، وشذرات الذهب 3/ 344.
(4) انظر: إِحكام الفصول/ 43 ب.
(5) انظر: البرهان/ 624.
(6) انظر: روضة الناظر / 118.
(7) انظر: منتهى السول للآمدي 1/ 81.
(8) في (ب) و (ظ): مرجوحًا.
(9) انظر: المسودة/ 272.
(10) في (ب) مذهب.
(2/555)

ثم: في الروضة (1): هو كتعديله بلا سبب. ومعناه للآمدي (2)
وقيل: كحكمه به.
* * *
ورواية العدل ليست تعديلاً عند أكثر العلماء (3) من الطوائف (وم ش).
وذكر القاضي (4) وأبو الخطاب (5) عن أحمد روايتين، واختارا أنها تعديل - (وه) (6) وبعض الشافعية- (7) عملاً بظاهر الحال.
رد: بالمنع، وبأنه خلاف الواقع، وبعدم الدليل.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 118.
(2) الذي في الإِحكام 2/ 88 - 89: وهذا الطريق وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندًا إِلى ظهور الإِسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا -كما في التعديل بالقول من غير ذكر السبب- فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه، والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إِلى التزكية بالقول مع ذكر السبب وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة ...
(3) نهاية 76 ب من (ب).
(4) انظر: العدة/ 934 - 935.
(5) انظر: التمهيد/ 120 أ.
(6) قالوا: إِذا كان من عادته أن لا يروي إِلا عن عدل. انظر: تيسير التحرير 3/ 56، وفواتح الرحموت 2/ 150.
(7) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 53، ونهاية السول 2/ 306.
(2/556)

وليس عن أحمد كلام مطلق في المسألة، (1) فلهذا قال بعض أصحابنا (2): مذهبه: إِن كانت عادته لا يروي إِلا عن عدل فتعديل، وإِلا فلا. واختاره أبو المعالي (3) وفي الروضة (4) والآمدي (5) وغيرهم. (6)
وأشار بعض أصحابنا (7): إِن سماه فلا تعديل؛ لعدم الغرر (8)، وإِلا فتعديل؛ لئلا تكون روايته ضياعاً. كذا قال.
ونقل الجماعة عن أحمد (9): أنه كان يكتب حديث الرجل الضعيف، كابن لَهِيعة (10) وجابر
__________
(1) نهاية 157 من (ح).
(2) انظر: المسودة/ 254، 272، والبلبل/ 61، وشرح الكوكب المنير 2/ 435.
(3) انظر: البرهان/ 623.
(4) انظر: روضة الناظر/ 118.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 89.
(6) نهاية 58 ب من (ظ).
(7) انظر: المسودة/ 254.
(8) في (ب): الغرز. وفي (ح): الغرور. وفي المسودة: إِذا سمى المحدث فقد أزال العذر.
(9) انظر: العدة/ 942 - 944.
(10) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري الفقيه، قاضي مصر ومسندها، توفي سنة 174 ه. خرج له الترمذي وأبو داود وغيرهما. قال ابن معين: لا يحتج بحديثه. وقال النووي: ضعيف عند أهل الحديث. وقال السيوطي: وثقه أحمد وغيره، وضعفه يحيى القطان وغيره. قال ابن حجر في التقريب: صدوق، اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم=
(2/557)

الجُعْفي (1) وأبي بكر بن أبي مريم (2)، فيقال له، فيقول: أعرفه أعتبر به، كأني أستدل به مع غيره، لا أنه حجة إِذا انفرد. ويقول: يقوي بعضها بعضًا (3). ورأى ذلك أيضًا. ويقول (4): الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إِليه في وقت. وقال (5): كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي، ثم كتبته أعتبر به.
وعجب -أيضًا- من ذلك، وقال: ما أعجب أمر الفقهاء في هذا،
__________
=بعض شيء مقرون.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 327، وتذكرة الحفاظ/ 237، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 301، وحسن المحاضرة 1/ 301، 2/ 141، وتقريب التهذيب 1/ 444.
(1) هو: جابر بن يزيد بن الحارث الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة، توفي سنة 128ه.
وثقه الثوري، وكذبه أبو حنيفة وابن معين، قال ابن حجر: ضعيف رافضي.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 76، وكشف الأسرار 3/ 3، وميزان الاعتدال 1/ 379، وتقريب التهذيب 1/ 123.
(2) هو: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الحمصي، قيل: اسمه بكر، وقيل: بكير، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: عبد السلام، توفي سنة 156 ه، خرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو ضعيف عند علماء الحديث.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 695، وميزان الاعتدال 4/ 497، وتقريب التهذيب 2/ 398.
(3) في (ب): بعضها.
(4) انظر: العدة/ 941.
(5) انظر: المرجع السابق/ 943.
(2/558)

ويزيد بن هارون (1) من أعجبهم؛ يكتب عن الرجل مع علمه بضعفه.
وظاهر هذا منه: أنه لا يحتج به مع غيره، كما هو ظاهر كلام جماعة، وظاهر الأول: يحتج به، وقاله بعض أصحابنا (2) وغيرهم، والمراد: إِلا من ضعفه لكذبه.
أما منفرداً فلا يحتج به عند العلماء لاعتبار الشروط السابقة في الراوي، ولهذا قال أحمد (3): إِذا جاء الحلال والحرام أردنا أقوامًا هكذا -وقبض كفيه وأقام إِبهاميه- وقال (4) أيضًا: شددنا في الأسانيد.
وفي جامع (5) (6) القاضي -في أوقات الصلاة- وفي غيره: أن الحديث الضعيف لا يحتج به في المآثم (7).
__________
(1) هو: أبو خالد السلمي -بالولاء- الواسطي، حافظ ثقة متقن، توفي بواسط سنة 206ه.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 677، وتذكرة الحفاظ/ 317، وتقريب التهذيب 2/ 372.
(2) انظر: المسودة/ 275.
(3) انظر: الآداب الشرعية 2/ 310.
(4) انظر: طبقات الحنابلة 1/ 425. والمسودة/ 273، والآداب الشرعية 2/ 310 - 311، والكفاية/ 134، والمدخل إِلى دلائل النبوة 1/ 50. وأخرج الحاكم في المستدرك 1/ 490 نحوه عن عبد الرحمن بن مهدي.
(5) وهو: الجامع الكبير في الفروع. انظر: الآداب الشرعية 2/ 311.
(6) نهاية 77 أمن (ب).
(7) انظر: الآداب الشرعية 2/ 311.
(2/559)

وقال الخلال (1) -في حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم (2) -: مذهبه -يعني أحمد-: أن الحديث الضعيف (3) إِذا لم يكن له معارض قال به.
__________
(1) في جامعه. انظر: المرجع السابق 2/ 315.
(2) ورد من حديث أبي ذر، حدث به أبو قلابة عن عمرو بن بُجْدان عنه، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 235 - 236، والترمذي في سننه 1/ 81، وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 1/ 171، وأحمد في مسنده 5/ 180 والدارقطني في سننه 1/ 186 - 187، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 75)، والحاكم في مستدركه 1/ 176 - 177 وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، إذ لم يجدا لعمرو بن بجدان راويًا غير أبي قلابة الجرمي.
وقد ضعف ابن القطان في كتابه (الوهم والإِبهام) هذا الحديث فقال: وهذا حديث ضعيف بلا شك، إِذ لا بد فيه من عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا يعرف له حال، وإِنما روى عنه أبو قلابة واختلف عنه ... أ. ه. وقد رُدَّ على تضعيف ابن القطان له، لا سيما وقد صححه الترمذي. فانظر: نصب الراية 1/ 148 - 149.
وورد -أيضًا- من حديث أبي هريرة، أخرجه البزار في مسنده: حدثنا مُقَدَّم بن محمَّد بن علي بن مقدم المقَدَّمي: حدثني عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ثنا هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (الصعيد وضوء المسلم ...) قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إِلا من هذا الوجه، ومقدم ثقة معروف النسب.
انظر: كشف الأستار 1/ 157. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 261: قلت: ورجاله رجال الصحيح.
(3) نهاية 158 من (ح).
(2/560)

وقال (1) -في كفارة وطء الحائض- (2): مذهبه في الأحاديث وإِن كانت مضطربة -ولم يكن لها معارض- قال بها.
واحتج القاضي (3) بحديث مظاهر بن أسلم (4): (أن عدة الأمة قرءان) (5)،
__________
(1) يعني: الخلال في جامعه. فانظر: الآداب الشرعية 2/ 316.
(2) ورد ذلك في حديث ابن عباس مرفوعًا من طرق، وفي إِسناده ومتنه اضطراب كثير جدًا. وقيل: إِنه موقوف على ابن عباس. فانظر: سنن أبي داود 1/ 181، وسنن الترمذي 1/ 91، وسنن النسائي 1/ 188، وسنن ابن ماجه/ 213، والمنتقى لابن الجارود/ 45 - 46، وسنن الدارمي 1/ 202 - 204، وسنن البيهقي 1/ 314 وما بعدها، والمستدرك للحاكم 1/ 171 - 172. وراجع: التلخيص الحبير 1/ 164 - 166.
(3) في تعليقه. انظر: الآداب الشرعية 2/ 316.
(4) ويقال: ابن محمَّد بن أسلم المخزومي المدني، روى عن القاسم بن محمَّد وسعيد المَقْبري، وعنه: ابن جُرَيْج والثوري وأبو عاصم وغيرهم.
ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: ضعفه أبو عاصم. وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 130، وتهذيب التهذيب 10/ 183، وتقريب التهذيب 2/ 255.
(5) ورد من حديث عائشة، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 639 - 640، والترمذي في سننه 2/ 427، وابن ماجه في سننه/ 672: عن أبي عاصم عن ابن جريج عن مظاهر ابن أسلم عن القاسم عن عائشة عن النبي: (طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان). وفي لفظ: (وعدتها حيضتان). قال أبو داود: وهو حديث مجهول. وقال الترمذي:=
(2/561)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إِلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، والعمل على هذا الحديث من أصحاب النبي وغيرهم. قال المنذري في مختصره 3/ 115: وقد ذكر له أبو أحمد بن عدي حديثًا آخر رواه عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة. قال في نصب الراية 3/ 226: قلت: ورواه الطبراني في معجمه الوسط والعقيلي في كتابه كما رواه ابن عدي، ونقل ابن عدي تضعيف مظاهر هذا عن أبي عاصم النبيل فقط، قال ابن عدي: وهو معروف بحديث طلاق الأمة، وقد ذكرنا له حديثًا آخر، وما أظن له غيرهما، وإِنما أنكروا عليه حديث طلاق الأمة. أ. ه.
وأخرج حديث عائشة الحاكم في مستدركه 2/ 205 بسند السنن، وقال: ومظاهر شيخ من أهل البصرة، ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإِذًا الحديث صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص على تصحيحه.
وفي التاريخ الكبير للبخاري 2/ 4/ 73: مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعته في طلاق الأمة، كان أبو عاصم يضعفه.
وفي التاريخ الصغير للبخاري/ 178: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعته: (طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ...) قال البخاري: قال يحيى بن سليمان: حدثنا ابن وهب قال حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن القاسم وسالم: عدة الأمة حيضتان ... وقال: ليس هذا في كتاب الله ولا سنة رسول الله، ولكن عمل بها المسلمون، وهذا يرد حديث مظاهر. وانظر: سنن الدارقطني 4/ 40.
وقال العقيلي -على ما في نصب الراية 3/ 226 - : مظاهر بن أسلم منكر الحديث، وله هذان الحديثان، ولا يعرفان إِلا عنه. أ. ه.=
(2/562)

فضعفه خصمه، فطالبه بسببه، ثم قال: مع أن أحمد يقبل الحديث الضعيف.
وقال في العدة (1) والواضح (2): أطلق أحمد القول بالحديث الضعيف، فقال: (الناس أكفاء إِلا حائك أو حَجَّام (3)) ضعيف، والعمل
__________
=وفي ميزان الاعتدال 4/ 131: قال النسائي: ضعيف. وأما ابن حبان فذكره في الثقات.
وأخرج حديث عائشة -أيضًا- الدارقطني في سننه 4/ 39 - 40، والبيهقي في سننه 7/ 370.
(1) انظر: العدة/ 938.
(2) انظر: الجدل على طريقة الفقهاء/ 31.
(3) روي من حديث ابن عمر وعائشة ومعاذ.
فحديث ابن عمر: أخرجه البيهقي في سننه 7/ 134 - 135 من طريق الحاكم ... ثنا شجاع بن الوليد ثنا بعض إِخواننا عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة عنه مرفوعًا بلفظ: (العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، إِلا حائك أو حجام). وقال البيهقي: هذا منقطع بين شجاع وابن جريج حيث لم يسم شجاع بعض أصحابه. ثم ذكر البيهقي له طرقا أخرى وضعفها.
وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق آخر. قال ابن عبد البر: هذا حديث منكر موضوع. أ. ه.
وأخرجه الدارقطني من طريق آخر فيه راو مطعون فيه.
وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق آخر، وقال عن أحد رجاله -علي بن عروة-: منكر الحديث.
فانظر: نصب الراية 3/ 198.=
(2/563)

عليه (1). وقال -في حديث غَيْلان (2): "أنه أسلم على عشر نسوة (3) "-:
__________
=وقال أبو حاتم -عن حديث ابن عمر هذا، على ما نقله ابنه في كتاب العلل 1/ 412 - : هذا كذب لا أصل له. وقال أيضًا 1/ 421: باطل، أنا نهيت ابن أبي شريح أن يحدث به. وقال -أيضًا- 1/ 424: حديث منكر.
وحديث عائشة: أخرجه البيهقي في سننه 7/ 135، وقال: وهو ضعيف أيضًا.
وحديث معاذ: أخرجه البزار في مسنده (انظر: كشف الأستار 2/ 160 - 161). قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 275: رواه البزار، وفيه سليمان بن أبي الجَوْن، ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح. أ. ه.
وفي نصب الراية 3/ 198: وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة البزار، وقال: إِنه منقطع؛ فإِن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ. قال: ابن القطان في كتابه: وهو كما قال، وسليمان بن أبي الجَوْن لم أجد له ذكرًا. أ. ه.
وانظر: نصب الراية 3/ 197، والتلخيص الحبير 3/ 164.
(1) في (ب) عيه.
(2) هو: الصحابي غيلان بن سلمة الثقفي.
(3) هذا الحديث رواه ابن عمر، أخرجه الترمذي في سننه 2/ 298 - 299، ولفظه: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم -وله عشر نسوة في الجاهلية- فأسلمن معه، فأمره النبي أن يتخير منهن أربعًا. قال الترمذي: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 628، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 351)، والحاكم في مستدركه 2/ 192 - 193 وقال: وقد حكم مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر -أحد رجال السند- بالبصرة، فإِن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا بالصحة. فوجدت الثوري والمُحَارِبي وعيسى بن يونس -وثلاثتهم كوفيون- حدثوا به. ثم ساق الحاكم أحاديثَهم. ونقل الذهبي في التلخيص كلام الحاكم وسكت عنه. وأخرج الحديث -أيضًا- البيهقي في=
(2/564)

لا يصح، والعمل (1) عليه.
فمعنى قوله "ضعيف": عند المحدثين بما لا يوجب ضعفه عند الفقهاء، كتدليس وإرسأل والتفرد بزيادة في حديث.
ثم ذكر [في العدة (2)] (3) ما سبق (4) من رواية أحمد عن الضعيف، وقال (5): فيه فائدة بأن يروى الحديث من طريق صحيح، فرواية الضعيف ترجيح، أو ينفرد الضعيف بالرواية، فيعلم ضعفه، فلا يقبل.
وقال بعض أصحابنا (6): قول أحمد (7): "أستدل به مع غيره، لا أنه حجة إِذا انفرد" يفيد (8): يصير حجة بالانضمام لا منفرداً (9).
__________
=سننه 7/ 149، 181 - 182، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن / 310 - 311).
قال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. فانظر الكلام على هذا الحديث في: التلخيص الحبير 3/ 168 - 169.
(1) في (ظ): العمل.
(2) انظر: العدة/ 941.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: ص 557 من هذا الكتاب.
(5) يعني: القاضي. فانظر: العدة/ 944.
(6) انظر: المسودة/ 275.
(7) نهاية 159 من (ظ).
(8) في (ب): يقيد.
(9) في (ظ): لا مفردا.
(2/565)

وقد قال أحمد (1) -في رواية عبد الله-: طريقتي: لست (2) أخالف ما ضعف من الحديث إِذا لم يكن في الباب ما يدفعه.
ولم ير أحمد (3) العمل بالخبر في صلاة (4) التسبيح لضعفه، فيدل أنه
__________
(1) انظر: المسودة/ 275.
(2) في (ب): ليست.
(3) انظر: المغني 2/ 98.
(4) أخرجه أبو داود في سننه 2/ 67 - 69 من حديث ابن عباس وعبد الله بن عمرو، وأخرجه الترمذي في سننه 1/ 299 - 301 من حديث أبي رافع وقال: حديث غريب، ومن حديث أنس وقال: حسن غريب، قال: قد روي عن النبي غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 442 - 443 من حديث أبي رافع وابن عباس.
وصفة صلاة التسبيح ووقت فعلها نأخذهما من الحديث، فقد روى هؤلاء أن النبي قال للعباس: (يا عماه، ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك؟ عشر خصال، إِذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره وقديمه وحديثه وخطأه وعمده وصغيره وكبيره وسره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القرآن قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع وتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوى ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في الأربع ركعات، إِن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإِن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإِن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإِن لم تفعل ففي كل سنة مرة).
(2/566)

لا يعمل بالحديث (1) الضعيف في الفضائل.
واستحبابه (2) الاجتماع ليلة العيد في رواية يدل على العمل به ولو كان شعارًا (3).
وفي المغني (4) - (5) في صلاة التسبيح-: الفضائل لا يشترط لها صحة الخبر.
واستحبها جماعة لا ليلة العيد، فيدل على التفرقة بين الشعار وغيره.
وقال بعض أصحابنا (6): يعمل به (7) في الترغيب والترهيب كالإِسرائيليات والمنامات، ولا يجوز إِثبات حكم شرعي به لا استحباب ولا غيره. والله أعلم.
* * *
ولا يقبل تعديل مبهم، نحو: "حدثني الثقة أو عدل أو من لا أتهمه (8) "، عند بعض أصحابنا، لاحتمال كونه مجروحًا عند غيره، وقاله
__________
(1) في (ح) و (ظ): لا يعمل بالضعيف.
(2) انظر: الآداب الشرعية 2/ 110 - 112، والمغني 2/ 296، والإِنصاف 2/ 441.
(3) نهاية 77 ب من (ب).
(4) انظر: المغني 2/ 98.
(5) نهاية 159 من (ح).
(6) وهو شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية. فانظر: الآداب الشرعية للمؤلف 2/ 314.
(7) في (ح): بها. وقد ضرب عليها.
(8) في (ب) و (ظ): أو من لا أتهم به.
(2/567)

أكثر الشافعية. قال أبو الطيب: ولم يذكره الشافعي احتجاجًا على غيره (1).
وذكره القاضي (2) وأبو الخطاب (3) وابن عقيل من صور المرسل على الخلاف فيه، وكذا أبو المعالي (4)، واختياره (5) قبوله، وأن الشافعي أشار إِليه.
وقبله بعض أصحابنا (6) وِإن لم يقبل (7) المرسل والمجهول.
وقال بعضهم (8): ليس بمرسل في أصح الوجهين.
وظهر من ذلك زوال جهالة العين براو واحد -وعزاه بعض الشافعية (9) إِلى صاحبي الصحيح؛ لأن فيهما من ذلك جماعة، و [ذكر] (10) أن الخلاف
__________
(1) في المسودة/ 257: ذهب أبو الطيب إِلى أنه لا يقبل، فإِنه قال في مسألة المرسل: إِن قال قائل: قد قال الشافعي: "أخبرني الثقة وأخبرني من لا أتهم"، ولا يكفي عندكم أن يكون ثقة عنده. فالجواب: أنه ذكره لبيان مذهبه وما وجب عليه بما صح عنده من الخبر، ولم يذكره احتجاجًا على غيره.
(2) انظر: العدة/ 906.
(3) انظر: التمهيد/ 120 أ.
(4) انظر: البرهان/ 633، 638، 639.
(5) في (ح): واختار.
(6) انظر: المسودة/ 256 - 257.
(7) في (ب): لم نقبل. ولم تنقط في (ظ).
(8) انظر: المسودة/ 256.
(9) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 55.
(10) ما بين المعقوفتين من (ح).
(2/568)

متوجه كتعديل واحد- يؤيده: أن عمرو بن بُجْدان (1) تفرد عنه أبو قِلابة (2)، وقبله أكثرهم.
وذكر (3) الخطيب البغدادي (4) عن أهل الحديث: لا تزول إِلا باثنين.
وذكره البيهقي (5) عن البخاري ومسلم. كذا قال.
__________
(1) العامري، تابعي بصري، روى عن أبي ذر الغفاري وأبي زيد الأنصاري، وعنه أبو قِلابة؛ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العِجْلي: ثقة. وقال ابن القطان: لا يعرف. وقال الذهبي وابن حجر: مجهول الحال.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 247، وتهذيب التهذيب 8/ 7، وتقريب التهذيب 2/ 66.
(2) هو: عبد الله بن زيد بن عمر الجَرْمي، تابعي بصري، سكن الشام، وتوفي سنة 104 ه. وهو ثقة في نفسه إلا أنه كان يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم. قال ابن حجر في التقريب: ثقة فاضل كثير الإرسال.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 309، وميزان الاعتدال 2/ 455، وتذكرة الحفاظ / 94، وتقريب التهذيب 1/ 417.
(3) انظر: الكفاية/ 88.
(4) هو: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الشافعي، حافظ محدث فقيه أصولي مؤرخ، توفي ببغداد سنة 463 ه.
من مؤلفاته: تاريخ بغداد، والفقيه والمتفقه، والكفاية.
انظر: تبيين كذب المفتري/ 268، ووفيات الأعيان 10/ 76، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 29، وطبقات الشافعية للإِسنوي 1/ 201.
(5) انظر: رسالته إِلى أبي محمَّد الجويني، ضمن مجموع/ 18 أ.
(2/569)

مسألة
ترك العمل بشهادة أو رواية ليس (1) بجرح؛ لاحتمال سبب سواه.
* * *
وسبق (2). في العدالة حكم قاذف بلفظ الشهادة، وفعل (3) ما فيه خلاف.
* * *
أما التدليس -كقول (4) من عاصر الزُّهْري (5)، سمع منه في الجملة أم لا: "قال الزهري"، موهمًا أنه سمعه منه، وتدليس (6) الأسماء: أن يسمي الرجل أو يصفه بما لا يعرف به- فقال (7) أصحابنا وأكثر العلماء: يكره. قال أحمد (8) -في رواية حرب (9) -: يكره.
__________
(1) نهاية 160 من (ح).
(2) انظر: ص 530 من هذا الكتاب.
(3) انظر: ص 524 من هذا الكتاب.
(4) هذا تدليس الإسناد.
(5) هو: أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله، ابن شهاب المدني، تابعي ثقة متقن، توفي سنة 124 ه. انظر: حلية الأولياء 3/ 360، ووفيات الأعيان 3/ 317، وتذكرة الحفاظ/ 108، وشذرات الذهب 1/ 162.
(6) في (ح): ومدلس.
(7) نهاية 78أمن (ب).
(8) انظر: العدة/ 957.
(9) هو: أبو محمَّد -وقيل: أبو عبد الله- حرب بن إِسماعيل بن خلف الحنظلي الكَرْماني، أحد أصحاب أحمد الناقلين عنه. انظر: طبقات الحنابلة 1/ 145.
(2/570)

ونقل المروذي (1): لا يعجبني، هو من الزينة (2)، ولا (3) يغير اسم رجل لئلا يعرف.
وسأله مهنا عن هُشَيْم (4)، فقال (5): "ثقة إِذا لم يدلس" (6)، قلت (7): التدليس عيب؟ قال: نعم.
وقال بعض أصحابنا (8): "هل كراهته تنزيه أو تحريم؟ يخرج على الخلاف لنا في معاريض غير ظالم ولا مظلوم، قال: والأشبه تحريمه (9)؛ لأنه أبلغ من تدليس المبيع (10)، ومن فعله متأولاً (11) لم يفسق". يعني: وإِلا
__________
(1) انظر: العدة/ 957.
(2) في (ب) و (ظ): الريبة. وهي في (ب) معدولة عن (الزينة).
(3) في (ظ): لا يغير.
(4) هو: أبو معاوية هُشَيْم بن بشير بن القاسم السُّلَمي -بالولاء- الواسطي، توفي سنة 183 ه ببغداد. قال العجلي: ثقة يدلس. وقال ابن سعد وابن حجر: ثقة حجة كثير الحديث يدلس كثيراً.
انظر: مشاهير علماء الأمصار/ 177، وتاريخ بغداد 14/ 85، وتذكرة الحفاظ/ 248، وتقريب التهذيب 2/ 320.
(5) في (ب) و (ح): قال.
(6) نهاية 59 ب من (ظ).
(7) انظر: العدة/ 957.
(8) انظر: المسودة/ 277.
(9) في (ب): تجريمه.
(10) في (ظ): البيع.
(11) انظر: المسودة/ 277، وشرح الكوكب المنير 2/ 451.
(2/571)

فالخلاف، وأطلق جماعة الخلاف.
* * *
وأحمد وأصحابه وجمهور الفقهاء والمحدثين على قبوله (1)، ورد أحمد (2) قول شُعْبة: التدليس كذب (3).
وجزم بعض أصحابنا (4) وجماعة كثيرة بأن تدليس الأسماء ليس يجرح (5).
ومن عرف (6) بالتدليس عن الضعفاء لم تقبل روايته حتى يبين السماع عند بعض أصحابنا، وعليه المحدثون، وقاله أبو الطيب (7) وغيره من الشافعية، وسبقت (8) رواية مهنا.
وقال بعض أصحابنا (9): من كثر منه التدلس لم تقبل (10) عنعنته.
__________
(1) انظر: العدة / 957.
(2) المصدر نفسه / 957.
(3) روى ابن عدي في الكامل 1/ 18 - مخطوط- عن شعبة: التدليس أخو الكذب.
(4) انظر: المسودة/ 277.
(5) في (ح): بجرح.
(6) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 450، وكشف الأسرار 3/ 70، وفواتح الرحموت 2/ 149، ومقدمة ابن الصلاح/ 35، وشرح نخبة الفكر/ 116، وتدريب الراوي 1/ 229.
(7) النظر: المسودة/ 276.
(8) انظر: ص/ 57 من هذا الكتاب.
(9) انظر: المسودة/ 278، وفيها: من كثر منه التدليس عن الضعفاء لم تقبل ...
(10) في (ب): لم يقبل.
(2/572)

ويتوجه أن يحتمل تشبيه ذلك بما سبق (1) في الضبط من كثرة السهو وغلبته (2). وما في البخاري ومسلم من ذلك محمول على السماع من طريق آخر. كذا قيل.
وقد قيل لأحمد في رواية أبي داود (3): الرجل يعرف بالتدليس، يحتج (4) بما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: لا أدري. قلت: الأعمش متي تُصاب له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا إِن لم يحتج به.
* * *
أما الإِسناد المعنعن -بأي لفظ كان- فهو على الاتصال عند أحمد (5) وعامة المحدثين -خلافاً لبعضهم- عملاً بالظاهر، والأصل عدم التدليس.
ونقل أبو داود (6) عن أحمد: "أن فلانًا" ليست للاتصال.
وأطلق (7) القاضي (8) وغيره وبعض العلماء، فلم يفرقوا بين المدلس وغيره، أو علْم إِمكان اللقاء أوْ لا. ولعله غير مراد.
__________
(1) انظر: ص 527 من هذا الكتاب.
(2) نهاية 161 من (ح).
(3) انظر: المسودة 276.
(4) في (ب): تحتج. ولم تنقط الكلمة في (ظ).
(5) انظر: العدة/ 986.
(6) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 29.
(7) نهاية 78 ب من (ب).
(8) انظر: العدة/ 986، والمسودة/ 261.
(2/573)

ويكفي إِمكان اللقاء في قول، وهو معنى ما ذكره أصحابنا فيما يرد به الخبر وما لا يرد، وذكر مسلم (1) أنه الذي عليه أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا، وقصد رد قول (2) ابن المدِيني والبخاري وغيرهما في اعتبار العلم باللقاء، وبعضهم: العلم بالرواية عنه، وبعضهم: طول الصحبة.
وظاهر (3) الأول: أن من روى عمن لم يعرف بصحبته والرواية عنه يقبل (4) ولو اجتمع أصحاب ذلك الشيخ على أنه ليس منهم، وقاله (ه) وابن برهان (5).
ولم يقبله (ش)، وقال بعض (6) أصحابنا: هو ظاهر كلام أحمد في مواضع، وأكثر المحدثين، وأن الأول يدل عليه كلام أحمد في اعتذاره للراوي في قصة (7) هشام (8) بن عروة مع زوجته (9).
__________
(1) انظر: صحيح مسلم/ 29، وشرح النووي عليه 1/ 130.
(2) انظر: توضيح الأفكار 1/ 44، 86، 100.
(3) انظر: المسودة/ 305، وشرح الكوكب المنير 2/ 461.
(4) في (ب): تقبل. ولم تنقط الكلمة في (ظ).
(5) انظر: المسودة/ 305.
(6) انظر: المسودة/ 305.
(7) نهاية 162 من (ح).
(8) هو: أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، تابعي ثقة ثبت كثير الحديث، توفي ببغداد سنة 146 ه. انظر: وفيات الأعيان 5/ 129، وتاريخ بغداد 14/ 37، وتذكرة الحفاظ / 144، وشذرات الذهب 1/ 218.
(9) هي فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية المدنية، روت عن أم سلمة وعن جدتها أسماء بنت أبي بكر، وحدث عنها زوجها هشام وابن سُوقة، وثقها العجلي.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 144، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 494.
(2/574)

وقد قال ابن عقيل (1): المحققون من العلماء (2) يمنعون رد الخبر بالاستدلال (3)، كرد خبر (4) القهقهة استدلالاً بفضل الصحابة المانع من الضحك، ورد عائشة قول ابن عباس في الرؤية (5)، وقول بعضهم: إِن قوله: (لأزيدن على السبعين (6) بعيد الصحة؛ لأن السنة تأتي بالعجائب.
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 57 أ - ب، والمسودة/ 238.
(2) نهاية 60 أمن (ظ).
(3) انظر: المسودة/ 238، وشرح الكوكب المنير 2/ 462.
(4) خبر القهقهة: ورد من حديث أبي موسى، قال: بينما رسول الله يصلي بالناس إِذ دخل رجل فتردى في حفرة كانت في المسجد -وكان في بصره ضرر- فضحك كثير من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. انظر: مجمع الزوائد 1/ 246، 2/ 82.
وورد من حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه. أخرجه الدارقطني في سننه 1/ 161 - 162.
وورد من حديث أنس. أخرجه الدارقطني في سننه 1/ 162 - 163.
وورد من أحاديث آخرين.
وورد -أيضاً- مرسلاً من طريق أبي العالية ومَعْبَد الجهني وإبراهيم النخعي والحسن.
وفي كل حديث مقال يقدح في صحته. فراجع: نصب الراية 1/ 47 - 53، وسنن الدارقطني 1/ 161 - 175، وسنن البيهقي 1/ 146 - 148.
(5) يعني: في رؤية النبي ربه. أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 115، 6/ 140 - 141، 9/ 116، ومسلم في صحيحه/ 158 وما بعدها، والترمذي في سننه 4/ 328، 5/ 69 - 70، وأحمد في مسنده 6/ 49، وانظر: فتح الباري 8/ 606 وما بعدها.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 67 من حديث ابن عمر -في قصة صلاة النبي على عبد الله بن أبي- وفيه: فقال عمر: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك=
(2/575)

ولو شهدت بينة على معروف بالخير بإِتلاف أو غصب لم تُرَدّ بالاستبعاد، وهذا (1) معنى كلام أصحابنا وغيرهم في رده بما يحيله العقل. والله أعلم.
* * *
وليس (2) ترك الإِنكار شرطًا (3) في قبول الخبر عندنا، وأومأ إِليه [أحمد] (4)، خلافًا للحنفية، ذكره القاضي في الخلاف في خبر فاطمة بنت
__________
=أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله: (إِنما خيرني الله فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إِن تستغفر لهم سبعين مرة) وسأزيدنه على السبعين).
وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1865. وأخرجه الطبري في تفسيره من حديث هشام بن عروة عن أبيه 10/ 138، وهو منقطع لأن عروة لم يدرك عبد الله بن أبي، ومن حديث قتادة -وهو مرسل- وهما بلفظ المؤلف. وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة بلفظ المؤلف. انظر: فتح الباري 8/ 335، وفيه 8/ 355: وهذه طرق وإن كانت مراسيل فإِن بعضها يعضد بعضًا.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلفظ المؤلف. قال ابن حجر: ورجاله ثقات مع إِرساله. فانظر: فتح الباري 8/ 336 - 337. وأخرج البخاري في صحيحه 6/ 68 من حديث عمر، وفيه: فقال النبي: (إِني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إِن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها). وأخرج حديث عمر -أيضًا- الترمذي في سننه 4/ 342 - 343 وقال: حسن غريب صحيح، والنسائي في سننه 4/ 67 - 68.
(1) في (ب) و (ظ): هذا.
(2) انظر: المسودة/ 272، وشرح الكوكب المنير 2/ 464.
(3) في (ب) و (ظ): شرط.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2/576)

قيس ورد عمر له.
وكذا (1) قال ابن عقيل: جواب من قال: "رده السلف" أن الثقة لا يرد حديثه بإِنكار (2) غيره؛ لأن (3) معه زيادة.

مسألة
الصحابة -رضي الله عنهم- عدول (4)، ومرادهم من جهل حاله فلم يعرف بقدح.
وقيل: كغيرهم (5)، وقيل: إِلى الفتن، وقيل: يُرد من قاتل عليًّا.
لنا: (كنتم خير أمة) (6)، (جعلناكم أمة وسطًا) (7)] (والذين معه أشداء على الكفار) (8)، والتواتر بامتثالهم الأوامر والنواهي.
وادعي في المسألة إِجماع سابق.
وتحمل الفتن على اجتهادهم، والعمل به واجب أو جائز.
__________
(1) في (ظ): كذا.
(2) في (ب): بإِنكاره.
(3) نهاية 79 أمن (ب).
(4) في (ح) -هنا- زيادة (إِجماعًا سابقًا). وقد ضرب عليها.
(5) في (ب) لغيرهم.
(6) سورة آل عمران: آية 110.
(7) سورة البقرة: آية 143.
(8) سورة الفتح: آية 29.
(2/577)

مسألة
الصحابي: من رآه - عليه السلام - مسلمًا، عند أحمد (1) وأصحابه، وقاله البخاري (2) وغيره -قال بعض الشافعية (3): هو طريقة أهل الحديث- والمراد: أو اجتمع به، وقاله بعض أصحابنا (4) وغيرهم. وزاد الآمدي (5) على الرؤية: وصحبه ولو ساعة، وأنه قول أحمد وأكثر أصحابهم.
وقال بعض الحنفية (6) وابن الباقلاني (7) (8) وغيرهم: من اختص به.
ولعله قول من قال: من أطال المكث معه، وذكره في التمهيد (9) عن أكثر العلماء.
وقيل: وروى عنه.
__________
(1) انظر: العدة/ 987، والمسودة/ 292.
(2) في صحيحه. فانظر: فتح الباري 7/ 3.
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 146.
(4) انظر: البلبل/ 62.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 92، ومنتهى السول له 1/ 82.
(6) انظر: مسائل الخلاف في أصول الفقه/ 37 ب.
(7) انظر: الكفاية/ 51، والمسودة / 292.
(8) نهاية 163 من (ح).
(9) انظر: التمهيد/ 125 أ.
(2/578)

احتج بعضهم للأول: بشرف منزلته عليه السلام (1).
وقال بعض الشافعية (2): في التابعي مع الصحابي الخلاف.
ووجه الثاني (3): قبول تقييد الصحبة بقليل وكثير فكان للمشترك كزيارة (4)، ولأنه مشتق كضارب، ولو حلف (5) ليصحبنه بر بذلك.
احتج أصحابنا بجميع ما سبق.
قالوا: صح نفيه عن غير الملازم (6)، وأطلق عليه (7) كأصحاب الجنة (8) والحديث والقرية، والأصل الحقيقة.
رد: نفي (9) الأخص (10) لا يستلزم نفي الأعم (11)، والملازمة (12)
__________
(1) فمن رآه أعطي حكم الصحبة.
(2) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 151.
(3) وهو قول من قال: وصحبه ولو ساعة.
(4) في (ظ): كزيادة.
(5) في (ب): خلف.
(6) كالوافد والرائي. انظر: شرح العضد 2/ 67.
(7) يعني: على الملازم.
(8) قال تعالى: (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). سورة البقرة: آية 82.
(9) هذا جواب قولهم: صح نفيه عن غير الملازم.
(10) وهو الصحبة بقيد اللزوم. انظر: شرح العضد 2/ 67.
(11) وهو الصحبة المطلقة.
(12) هذا جواب قولهم: وأطلق عليه.
(2/579)

لعرف الاستعمال.
* * *
ولا يعتبر العلم في ثبوت الصحبة (و)، خلافًا لبعض الحنفية (1)؛ فلو قال معاصر عدل: "أنا صحابي" قبل عند أصحابنا والجمهور.
وجه المنع - (2) ومال إِليه بعض أصحابنا (3) - (4): للتهمة.
رد: بالمنع كروايته.

مسألة
ما لا يعتبر في الراوي -وما فيه خلاف- سبق (5).

مسألة في مستند الراوي الصحابي
فإِذا قال: "قال - صلى الله عليه وسلم - كذا" حمل على سماعه منه عند أصحابنا وأكثر العلماء؛ لأنه الظاهر.
وعند ابن (6) الباقلاني (7): لا يحمل؛ لاحتماله، وقاله (8) أبو
__________
(1) انظر: المسودة / 292.
(2) نهاية 60 ب من (ظ).
(3) انظر: البلبل/ 62.
(4) نهاية 79 ب من (ب).
(5) انظر: ص 542 وما بعدها من هذا الكتاب.
(6) في (ح): وعند أبي الخطاب.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 95، والمسودة/ 260، وشرح العضد 2/ 68.
(8) في (ح): وقاله ابن الباقلاني.
(2/580)

الخطاب (1)، وذكره قول الأشعرية، وأنه ظاهر قول من نصر أن المرسل ليس بحجة، فظاهره كمرسل؛ لاحتمال سماعه من تابعي.
والأشهر: ينبني (2) على عدالة الصحابة [لظهور سماعه منهم] (3).

مسألة
إِذا قال: "أمر - عليه السلام - بكذا أو نهى، أو أمرنا أو نهانا" -ونحوه- فهو حجة عند أحمد (4) وعامة العلماء، خلافًا لبعض المتكلمين.
ونقل (5) عن داود قولان (6).
ومن خالف في التي قبلها ففيها أولى.
لنا: أنه الظاهر من حاله؛ لأنه عدل عارف، ومعرفة حقيقة ذلك من اللغة، وهم أهلها، ولا خلاف بينهم فيه، ولهذا ذكره (7) للحجة ورجع إليه الصحابة.

مسألة
إِذا قال: "أمرنا أو نهينا" -ونحوه- فحجه عندنا وعند الأكثر
__________
(1) انظر: التمهيد/ 127 أ.
(2) نهاية 164 من (ح).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: العدة/ 1000.
(5) في (ح): وحكي.
(6) انظر: الواضح 2/ 29 ب.
(7) في (ب): ذكر.
(2/581)

[منهم: (ش) (1)] (2)، وذكره بعض الشافعية (3) عن أهل الحديث؛ لما سبق، خلافًا (4) للكرخي وأبي بكر الرازي (5) وابن الباقلاني (6) والصيرفي (7) وغيرهم.
وقال بعض أصحابنا (8): إِن اقترن به [أن الأمر على عهده -عليه السلام - لم يتوجه الخلاف] (9).
وقال (10) بعض أصحابنا (11): يحتمل أراد أمر الله بناء على تأويل أخطأ فيه، فيخرج قبوله -إِذًا- على كون مذهبه حجة. كذا قال. (12)
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 97.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 24.
(4) انظر: تيسير التحرير 3/ 69.
(5) انظر: أصول الجصاص/ 203 ب.
(6) انظر: المسودة/ 296.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: المرجع السابق/ 295.
(9) ما بين المعقوفتين من (ح). وقد ورد ذكره في (ب) و (ظ) متأخرًا، وسأشير إِليه بعد قليل.
(10) في (ب) و (ظ): قال.
(11) انظر: البلبل/ 64.
(12) جاء -هنا- في (ب) و (ظ): أن الأمر على عهده - عليه السلام - لم يتوجه الخلاف.
(2/582)

واحتج ابن عقيل (1) بأنه لو قال: "رُخص في كذا" فحجة بلا خلاف. كذا قال.

مسألة
ومثلها: من (2) السنة.
واختار (3) أبو المعالي (4): لا تقتضي سنته عليه السلام.

مسألة
إِذا قال: "كنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نفعل كذا" ونحو ذلك، فأطلق في التمهيد (5) والروضة (6): أنه حجة، وذكره أبو الطيب (7) ظاهر مذهبهم؛ لأنه في معرض الحجة، فالظاهر بلوغه وتقريره.
وخالف (8) الحنفية (9).
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 31 ب، والمسودة/ 293.
(2) نهاية 80أمن (ب).
(3) في (ب): واختاره.
(4) انظر: البرهان/ 649.
(5) انظر: التمهيد/ 126 ب.
(6) انظر: روضة الناظر / 92.
(7) انظر: المسودة/ 297.
(8) في (ح): وعند الحنفية: ليس بحجة.
(9) الذي في تيسير التحرير 3/ 70، وفواتح الرحموت 2/ 162 موافق للأول. ويظهر أن المؤلف تبع ما في المسودة/ 297.
(2/583)

وأطلق القاضي في الكفاية (1) احتمالين (2).
ويتوجه احتمال: ما يشيع (3) مثله فقط حجة، وقاله الشافعي (4).
ولم يذكر الأصوليون أنه حجة لتقرير الله له.
وذكره بعض أصحابنا (5) محتجًا بقول (6) جابر: "كنا نعزل، والقرآن ينزل (7)، لو كان شيء (8) ينهى عنه لنهانا عنه القرآن". متفق عليه.

مسألة
إِذا قال: "كانوا يفعلون كذا" (9) فحجة (وه) (10)، واختاره الآمدي (11)
__________
(1) انظر: المسودة/ 297.
(2) جاء -هنا- في (ح) عبارة: (وذكر أبو الطيب الأول ظاهر مذهب الشافعي) وهو مكرر مع قوله -فيما تقدم-: (وذكره أبو الطيب ظاهر مذهبهم).
(3) قوله: (ما يشيع مثله فقط حجة) جاء -مكانه- في (ح): (إن كان مما يشيع مثله فحجة، والإ فلا).
(4) انظر: المسودة/ 297.
(5) انظر: المرجع السابق/ 298.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 33 - دون قوله: لو كان ... - ومسلم في صحيحه / 1065.
(7) نهاية 165 من (ح).
(8) في صحيح مسلم: شيئًا.
(9) نهاية 61 أمن (ظ).
(10) انظر: تيسير التحرير 3/ 69.
(11) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 99.
(2/584)

وغيره، وذكروه عن الأكثر، خلافا لقوم من الشافعية وغيرهم، وجزم به بعض متأخري أصحابنا (1). كذا قال.
وفي شرح مقدمة (2) مسلم -عن جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين-: موقوف، فالخلاف (3) في قول الصحابي، انتشر أوْ لا.
وهو مراد (4) القاضي (5) وأبي الخطاب (6) أنه إِجماع؛ لأنه ظاهر اللفظ في معرض الحجة، وجازت مخالفته لأن طريقه ظني كخبر واحد.
واقتصر بعض أصحابنا على قوله: انصرف إِلى فعل الأكثرين. كذا قال، وسَوَّى بين "كنا" و"كانوا"، وكذ اسَوَّى الآمدي (7) وغيره، وهو متجه، واقتصار [بعض (8)] (9) أصحابنا على "كانوا" لا يدل على التفرقة.
__________
(1) انظر: المسودة/ 296.
(2) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم 1/ 30 - 31: إِن لم يضفه إِلى زمن الرسول، فإن أضافه فهو مرفوع.
(3) في (ب): فالخلال.
(4) قوله: (وهو مراد القاضي وأبي الخطاب أنه إِجماع) جاء -مكانه- في (ب) و (ظ): (وذكره القاضي وأبو الخطاب إِجماعًا أو حجة).
(5) انظر: العدة/ 998 - 999.
(6) انظر: التمهيد/ 127أ، والمسودة/ 296.
(7) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 99، وشرح العضد 2/ 69.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح)
(9) انظر: المسودة/ 296.
(2/585)

مسألة
قول التابعي: "أمرنا [أو نهينا] (1) أو من السنة" كالصحابي عند أصحابنا، وأومأ إِليه أحمد (2) في: "من السنة"، لكنه كالمرسل.
وقوله: "كانوا" كالصحابي، ذكره القاضي (3) وأبو الخطاب (4) وابن عقيل (5).
ومال بعض أصحابنا (6) إِلى أنه ليس (7) بحجة؛ لأنه قد يعني من أدركه، كقول إِبراهيم (8): "كانوا يفعلون" يريد: أصحاب عبد الله (9)، وأشار إِلى أنه وجه لنا.
وذلك ممنوع.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) انظر: العدة/ 992 - 993.
(3) انظر: المرجع السابق/ 998.
(4) انظر: التمهيد/ 127.
(5) في (ح): وغيرهما.
(6) انظر: المسودة/ 297.
(7) نهاية 80 ب من (ب).
(8) يعني: النخعي.
(9) يعني: عبد الله بن مسعود - الصحابي.
(2/586)

مسألة
ومستند غير الصحابي: قراءة الشيخ، أو القراءة عليه، أو إِجازته له، أو مناولته له ما يرويه عنه، أو كتابته له بذلك.
فالأول: أعلاها، ذكره في الروضة (1) وغيرها، وقاله جمهور المحدثين وغيرهم.
وعن أبي حنيفة (2) وغيره: القراءة عليه أعلى من (3) السماع من لفظه، وذكره (4) بعضهم اتفاقًا.
وعن مالك (5): مثله، والأشهر عنه (6) سواء، وعليه أشياخه وأصحابه وعلماء الكوفة والبخاري وغيرهم (7).
ثم: إِن قصد إِسماعه وحده -أو مع غيره- قال: "حدثنا" و"أخبرنا"، و" قال"، و"سمعته".
وإن لم يقصد (8) قال: "حدَّث" و"أخبر"، و"قال"، و"سمعته".
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 120.
(2) انظر: أصول السرخسي 1/ 375، والكفاية/ 276.
(3) نهاية 166 من (ح).
(4) في (ب): ذ كره.
(5) انظر: الكفاية/ 276.
(6) انظر: المرجع السابق/ 269، 270.
(7) انظر: المرجع السابق، ومقدمة ابن الصلاح/ 64.
(8) انظر: المعتمد/ 664، والإحكام للآمدي 2/ 100، ومقدمة ابن الصلاح/ 64،=
(2/587)

وله -إِذا سمع مع (1) غيره- قول: "حدثني"، وإذا سمع -وحده- قول: "حدثنا" عند أحمد (2) والعلماء.
ونقل الفضل (3) بن زياد: إِذا سمع مع الناس يقول: حدثني؟ قال: ما أدري، وأحب إِليّ أن يقول: حدثنا.
* * *
وقراءته أو قراءة غيره عليه تجوز الرواية به عند أحمد (4) والعلماء، =خلافا لبعض العراقيين (5)، كعرض الحاكم والشاهد على المقر (6).
__________
=وشرح العضد 2/ 69، ونهاية السول 2/ 320، ومناهج العقول 2/ 318، وشرح نخبة الفكر/ 211، وشرح الورقات/ 194، وكشف الأسرار 3/ 39، وإرشاد الفحول/ 61، 62.
(1) في (ح): ومع.
(2) انظر: مسائل الإِمام أحمد - رواية أبي داود/ 283.
(3) هو: أبو العباس القطان البغدادي، من أصحاب أحمد المقدمين عنده، وممن نقلوا عنه مسائل كثيرة.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 251.
(4) انظر: العدة/ 977 وما بعدها.
(5) انظر: المسودة/ 286.
(6) والمشهود عليه، كما إِذا قال الحاكم للمدعى عليه: هل عليك الحق لفلان؟ فقال: نعم، جاز للحاكم أن يقول: أقر عندي فلان بكذا. وكذا إِذا قال الشاهد للمشهود عليه: أأشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ -بعد قراءته عليه- فقال: نعم، جاز للشاهد أن يقول: أشهدني فلان على نفسه بكذا. انظر: العدة/ 979.
(2/588)

وكرهه (1) ابن عُيَيْنَة (2) وغيره.
* * *
وسكوته عند القراءة عليه -بلا موجب من غفلة أو غيرها- الظاهر: أنه كإِقراره، ذكره القاضي (3) وغيره، وذكره ابن عقيل عن أصحابنا، وعليه جمهور الفقهاء والمحدثين.
* * *
ويقول: حدثنا (4) وأخبرنا قراءة عليه.
ويجوز الإِطلاق في رواية -اختارها الخلال (5) وصاحبه (6) والقاضي (7) (8) وغيرهم، وقاله (ه م) وعلماء الحجاز والكوفة والبخاري
__________
(1) انظر: المسودة/ 286.
(2) هو: أبو محمَّد سفيان بن عيينة الكوفي ثم المكي، الهلالي بالولاء، من تابعي التابعين، إِمام حافظ، توفي بمكة سنة 198 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ فقيه إِمام حجة، إِلا أنه تغير حفظه باخَرَة، وكان ربما يدلس لكن عن الثقات.
انظر: حلية الأولياء 7/ 270، وتاريخ بغداد 9/ 174، ووفيات الأعيان 2/ 129، وتذكرة الحفاظ/ 262، وتقريب التهذيب 1/ 312.
(3) انظر: العدة/ 980.
(4) في (ب): حديثًا.
(5) انظر: المسودة/ 283.
(6) هو: أبو بكر عبد العزيز، غلام الخلال.
(7) انظر: العدة/ 978.
(8) نهاية 61 ب من (ظ).
(2/589)

وغيرهم، وذكره القاضي (1) عن الشافعية- لأنه معناه.
وعنه (2): لا. وقاله جماعة من المحدثين (3)؛ لأنه [كذب] (4) كما لا يجوز "سمعت" عند الجمهور.
وعنه: يجوز "أخبرنا" لا "حدثنا"، وقاله (ش) وأصحابه وعلماء المشرق (5).
وعنه: جوازهما -وعنه: أخبرنا- فيما أَقَرَّ به لفظًا لا حالاً.
* * *
وإِذا قال الشيخ: "أخبرنا" أو "حدثنا" لم يجز (6) للراوي إِبدال إِحداهما بالأخرى في رواية (7)؛ لاحتمال أن الشيخ لا يرى التسوية بينهما.
وعنه: يجوز، اختاره الخلال (8)، وبناه على الرواية بالمعنى.
* * *
__________
(1) انظر: العدة/ 977.
(2) انظر: المسودة / 285 - 286.
(3) نهاية 81 أمن (ب).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) انظر: مقدمة ابن الصلاح / 65.
(6) نهاية 167 من (ح).
(7) انظر: العدة/ 680 - 981.
(8) انظر: المرجع السابق/ 981.
(2/590)

وظاهر ما سبق: أن منع الشيخ للراوي من روايته عنه -ولم يسند ذلك إِلى خطأ أو شك- لا يؤثر، وقاله بعضهم.
وظاهر ما سبق: أنه ليس له أن يروي إِلا ما سمعه من الشيخ، فلا يستفهمه ممن (1) معه ثم يرويه، وقاله جماعة، خلافًا لآخرين.
ومن شك في سماع حديث لم تجز روايته مع الشك، ذكره الآمدي (2) إِجماعًا.
ولو اشتبه بغيره لم يرو شيئًا، فإِن (3) ظن عمل به (4) عندنا وعند الجمهور.
قيل لأحمد (5): الشيخ يدغم الحرف، يعرف أنه كذا وكذا، ولا يفهم عنه، ترى أن يروى ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا.
* * *
وتجوز الرواية بالإِجازة في الجملة عند أحمد (6) وأصحابه وعامة العلماء -وذكره الباجي (7) المالكي إِجماعًا، كذا قال- خلافاً لإِبراهيم (8) الحربي
__________
(1) في (ظ): من.
(2) انظر الإحكام للآمدي 2/ 101.
(3) في (ح): وإن.
(4) يعني: بالظن.
(5) انظر: المسودة/ 289، وتدريب الراوي 2/ 26.
(6) انظر: العدة/ 981.
(7) انظر: إِحكام الفصول/ 45 ب.
(8) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 72.
(2/591)

من أصحابنا وجماعة من المحدثين وجماعة من الحنفية والشافعية، ونقله (1) الربيع (2) عن الشافعي؛ لأن معناها: أجزت لك ما لا يجوز شرعًا؛ لأن الشرع لا يجيز رواية ما لم يسمع، ولبطلان الرحلة (3)، وخلافًا لبعض الظاهرية.
ويجب (4) العمل به؛ لأنه كالمرسل.
وعند أبي حنيفة ومحمد (5): إِن علم المجيز (6) ما في الكتاب -والمُحاز له ضابط- جازت، وإلا فلا، لما فيه من (7) صيانة السنة وحفظها (8).
وأجازها (9) أبو يوسف، وذلك تخريج من كتاب القاضي إِلى مثله، فإِنَّ عِلْمَ ما فيه شرط عندهما دونه.
__________
(1) انضر: مقدمة ابن الصلاح/ 72.
(2) هو: أبو محمَّد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري، صاحب الشافعي، الذي روى أكثر كتبه، توفي سنة 270 ه.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 52، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 132.
(3) في (ب): الزحلة.
(4) في نسخة في هامش (ظ): لا وجوب العمل ...
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 377، وكشف الأسرار 3/ 43، 44، وتيسير التحرير 3/ 94، وفواتح الرحموت 2/ 165.
(6) في (ب) و (ظ): المخبر.
(7) نهاية 168 من (ح).
(8) نهاية 81 ب من (ب).
(9) انظر: أصول السرخسي 1/ 377، وكشف الأسرار 3/ 43، 44، وتيسير التحرير 3/ 94، وفواتح الرحموت 2/ 165.
(2/592)

وحكى السرخسي (1) عن أبي حنيفة وأبي يوسف: المنع.
...
ثم: الإِجازة: معيَّن لمعيَّن، نحو: أجزت لك هذا الكتاب.
ومثلها -وإن كان دونه (2) -: غير معين -كجميع ما أرويه- لمعين.
وتجوز بمعين (3) وغيره للعموم، ذكره القاضي (4)، وقاله أبو بكر (5) من أصحابنا في جميع ما يرويه لمن أراده، وقال (6) ابن مَنْدَه (7) من أصحابنا: أجزت لمن قال: لا إِله إِلا الله، وقاله جماعة من المالكية والشافعية، خلافًا لآخرين.
ولا تجوز لمعدوم تبعًا لموجود -كفلان ومن يولد له- في ظاهر كلام جماعة (8) من أصحابنا، وقاله غيرهم؛ لأنها محادثة أو إِذن في الرواية
__________
(1) وهو: أبو سفيان الحنفي. فانظر: العدة/ 983، والمسودة/ 287، وانظر -أيضًا- أصول السرخسي 1/ 377.
(2) يعني: دون الأول.
(3) في (ظ): لمعين.
(4) و (5) انظر: العدة/ 985.
(6) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 73.
(7) هو: أبو عبد الله محمَّد بن إِسحاق بن محمَّد الأصْبَهاني العَبْدي، حافظ ثقة، توفي سنة 395 ه. من مؤلفاته: كتاب معرفة الصحابة.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 167، وتذكرة الحفاظ 1/ 1031.
(8) نهاية 62 أمن (ظ).
(2/593)

بخلاف الوقف.
وأجازها (1) أبو بكر (2) بن أبي داود السِّجِسْتاني من أصحابنا، وقاله غيره، كما تجوز لطفل لا سماع له في أصح قولي العلماء؛ لأنها إِباحة للرواية، كما تجوز للغائب.
ولا تجوز لمعدوم أصلاً، نحو: "أجزت لمن يولد لفلان"، وقاله الشافعية (3)، كالوقف عندنا وعندهم (4).
وأجازهما القاضي وبعض المالكية وغيرهم (5).
واختار صاحب المغني (6) جواز الوقف، فقد يتوجه منه احتمال تخريج.
* * *
ويقول: أجاز لي فلان.
ويجوز: "حدثنا وأخبرنا إِجازة" عندنا وعند عامة العلماء، ومنعه قوم
__________
(1) انظر: الكفاية/ 325، ومقدمة ابن الصلاح/ 76.
(2) هو: عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، إمام ابن إمام، من أكابر الحفاظ ببغداد، توفي سنة 316 ه.
من مؤلفاته: السنن، والناسخ والمنسوخ.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 51، وتذكرة الحفاظ/ 767.
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 76.
(4) انظر: الإِنصاف 7/ 23، ونهاية المحتاج 1/ 365.
(5) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 76.
(6) انظر: المغني 6/ 182.
(2/594)

في: "حدثنا"، وأجازه قوم مطلقًا.
* * *
والمناولة المقترنة بالإِجازة أو الإِذن في الرواية (1) مثلها، وإِلا لم تجز عندنا وعند الجمهور.
وقال بعض أصحابنا (2): والمنصوص عن أحمد إِنما هو في مناولة ما عرفه المحدِّث.
وجوز الزهري ومالك وغيرهما إِطلاق "حدثنا" و"أخبرنا" فيها؛ لأنها كالسماع عندهم، ولم ير (3) هذا أحمد (4) (وه ش) والجمهور.
ويكفي اللفظ بلا مناولة.
* * *
والمكاتبة (5) المقترنة بالإِجازة [كمناولة] (6).
وإِن لم تقترن فظاهر كلام بعض أصحابنا مختلف، وظاهر ما نقل عن أحمد (7):
__________
(1) نهاية 169 من (ح).
(2) انظر: المسودة/ 288.
(3) نهاية 82 أمن (ب).
(4) انظر: العدة/ 981.
(5) في (ح): وكذا المكاتبة.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: العدة/ 982.
(2/595)

يجوز؛ فإِن أبا مُسْهر (1) وأبا تَوْبة (2) كتبا إِليه بأحاديث وحدَّث بها، وهو ظاهر ما ذكره الخلال (3)، وهو أشهر للمحدثين -وللشافعية (4) خلاف- عملاً بالقرينة، فإِنها تضمنت الإِجازة.
وتكفي معرفة خطه عندنا وعند الأكثر.
ولا يجوز إِطلاق: "حدثنا وأخبرنا"، خلافا لقوم.
* * *
وجه الرواية بما سبق: أنه تضمن إِخباره به؛ لأن الخبر لا يتوقف على التصريح، بدليل القراءة عليه، فجاز كما تجوز ولا فرق.
وصح عنه - عليه السلام -: أنه كان يبعث كتبه مع الآحاد (5)، ولم يعلموا ما فيها، ويعمل بها حاملها وغيره.
__________
(1) هو: عبد الأعلي بن مُسْهر الغساني الدمشقي، شيخ دمشق ومحدثها، حافظ عالم ب"الجرح والتعديل" توفي ببغداد سنة 218 ه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 72، وتذكرة الحفاظ/ 381.
(2) هو: الربيع بن نافع الحلبي الطرسوسي، حافظ حجة، توفي سنة 241 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 156، وتذكرة الحفاظ/ 472.
(3) انظر: العدة/ 983.
(4) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 83.
(5) فقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن جحش في سرية، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره ... علقه البخاري في صحيحه 1/ 19، وأخرجه الطبري في تفسيره 2/ 202، والخطيب في الكفاية/ 312. وانظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/ 239، وزاد المعاد 2/ 214.
(2/596)

والشهادة (1) آكد إِن سُلِّمَتْ.
* * *
ومجرد قول الشيخ للطالب: "هذا سماعي أو روايتي" لا تجوز له روايته عنه عندنا وعند غيرنا، لعدم إِذنه، لاحتمال خلل فيه، خلافًا لبعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الظاهرية (2).
وجوزه بعضهم ولو قال: لا تروه عني.
* * *
ولو وجد شيئًا بخط الشيخ لم تجز روايته عنه، لكن يقول: وجدت (3) بخط فلان، وتسمى: الوِجادة.
وقال بعض أصحابنا: لا تجوز الرواية برؤية خط (4) الشيخ: "سمعت كذا"، سواء قال: "هذا خطي" أو (5) لم يقل، وأن أبا الخطاب قال: نص أحمد على جوازه. كذا قال.
* * *
__________
(1) هذا جواب عما احتج به المانع لذلك، فقد خرج المنع على الشهادة في الصك إِذا لم يقرأ على المشهود عليه، بل قال: اشهد علي بما فيه. فإِن القول بمنعه مشهور. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 504، وشرح العضد 2/ 70.
(2) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 84 - 85.
(3) في (ب): وجد.
(4) نهاية 170 من (ح).
(5) في (ب): ولم.
(2/597)

ويجب العمل بما ظن صحته من ذلك، فلا يتوقف (1) على الرواية عند (2) أصحابنا والشافعية وغيرهم؛ لعمل الصحابة -رضوان الله عليهم- على كتبه عليه السلام.
وذكر بعض المالكية (3): أن أكثر المحدثين والفقهاء (4) - (5) من المالكية وغيرهم- لا يرون العمل به.

مسألة
من رأى سماعه ولم يذكره فله روايته والعمل به -إِذا عرف الخط- عند أحمد (6) والشافعي وأبي يوسف ومحمد؛ لما سبق (ه).
قال أكثر (7) أصحابنا وغيرهم: إِذا ظَنَّه، ونقلوه عن هؤلاء -ولهذا قيل لأحمد (8): فإِن أعاره من لم يشق به، فقال: كل ذلك أرجو (9)، فإِن الزيادة
__________
(1) نهاية 62 ب من (ظ).
(2) في (ظ): عندنا والشافعية وغيرهم. وفي (ح): على ما عليه أصحابنا وغيرهم وقاله الشافعية وغيرهم.
(3) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 87.
(4) تكرر (والفقهاء) في (ب).
(5) نهاية 82 ب من (ب).
(6) انظر: العدة/ 974.
(7) في (ب): أكثره.
(8) انظر: العدة/ 975.
(9) يعني: أرجو أن لا يُحْدِث فيه. انظر: العدة / 975.
(2/598)

في الحديث لا تكاد تخفى- لأن الأخبار مبنية على حسن الظن وغلبته. وقال بعضهم: إِذا تَحَقَّقَهُ.

مسألة
تجوز رواية الحديث بالمعنى للعارف عند أحمد (1) وأصحابه والجمهور (وه ش)، قال أحمد: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.
وأطلق ابن حامد في أصوله (2) -في جوازه- روايتين عن أحمد.
فإِن جاز (3) فليس بكلام الله، وهو وحي، وإِلا فكلامه.
هذا إِن روى مطلقًا، وإِن بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله أمر به أو نهى عنه فكالقرآن.
وقال حفيد القاضي: ما كان خبرًا عن الله أنه قاله فكالقرآن. وقاله ابن أبي موسى وغيره من أصحابنا.
واختار (4) أحمد بن يحيى -ثعلب- من أصحابنا المنع، وقال: "ما من لفظة في كلام العرب إِلا وبينها وبين صاحبتها فرق (5) "، واختاره أبو
__________
(1) انظر: العدة/ 969.
(2) أصول الفقه -لابن حامد: من أوائل الكتب المصنفة في أصول الفقه على مذهب الحنابلة. ولم أعثر عليه.
(3) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 533، وفواتح الرحموت 2/ 168.
(4) في (ح): واختاره.
(5) نقله عنه الخطابي على ما في المسودة/ 281.
(2/599)

بكر الرازي (1) وبعض الشافعية (2).
ونقل هذا عن ابن عمر والقاسم (3) وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة (4) (5) ومالك وابن علَيَّة (6) وغيرهم (7).
__________
(1) انظر: أصول الجصاص/ 205 ب.
(2) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 105.
(3) هو: أبو محمَّد القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة، ثقة كثير الحديث، توفي سنة 106 ه.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 96، وتهذيب التهذيب 7/ 333.
(4) هو: أبو المقدام -ويقال: أبو نصر- الكندي، أرسل عن معاذ، روى عن عبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهم، وعنه ابن عجلان وثور بن يزيد والزهري وغيرهم، توفي سنة 112 ه.
انظر: تهذيب التهذيب 3/ 265، وتقريب التهذيب 1/ 248.
(5) نهاية 171من (ح)
(6) هو: أبو بشر إِسماعيل بن إِبراهيم بن مِقْسَم الأسدي البصري -وعُلَيَّة أمه- حافظ فقيه ثقة، توفي سنة 193ه.
انظر: الفهرست/ 317، وتاريخ بغداد 6/ 229، وتذكرة الحفاظ/ 322، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 120، وشذرات الذهب 1/ 333.
(7) نقله عنهم الخطابي على ما في المسودة/ 281. وانظر: كتاب شفاء الغلل للترمذي (المطبوع في آخر سننه 5/ 402، 406)، والكفاية/ 206.
(2/600)

وفيه نظر (1)؛ فإِنه لم يصح عنهم سوى مراعاة (2) اللفظ، فلعله استحباب (3) أو لغير عارف، فإِنه إِجماع فيهما، ولهذا روى عبد الرزاق (4) عن مَعْمَر (5) عن أيوب (6) عن ابن سيرين: "كنت أسمع الحديث من
__________
(1) في (ب) نظرة.
(2) (ب) و (ظ): مرعاة.
(3) في (ح): استحباباً.
(4) هو: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الحميري -بالولاء- الصنعاني، حافظ محدث ثقة مصنف، توفي سنة 211 ه. كان يتشيع، وفي حديثه بعد أن كف بصره -بعد المائتين - مقال.
من مؤلفاته: المصنف.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 209، وتذكرة الحفاظ/ 364، وتهذيب التهذيب 6/ 310، وتقريب التهذيب 1/ 505، والبداية والنهاية 10/ 265.
(5) هو: أبو عروة معمر بن راشد الأزدي -بالولاء- البصري ثم اليماني، توفي سنة 153 ه. قال الذهبي: له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن. وقال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت فاضل، إِلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 154، وتهذيب التهذيب 10/ 243، وتقريب التهذيب 2/ 266.
(6) هو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة كَيْسان السِّخْتِياني البصري، إِمام فقيه ثقة ثبت في الحديث، توفي 31 اه.=
(2/601)

عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف" (1)، وقال علي (2) بن مُسْهِر: ما أدركت (3) أحدًا من الفقهاء إِلا أنه يغير كلامه إِذا أصاب (4) المعنى، فلا يبالي.
وجوزه بعضهم بلفظ مرادف.
ومنع أبو الخطاب (5) إِبداله بما هو أظهر منه معنى أو أخفى، لجواز قصد الشارع التعريف بذلك.
وفي الواضح: بالظاهر أولى.
وذكر بعض أصحابنا: يجوز بأظهر اتفاقًا، لجوازه بعربية (6)، وهي أتم
__________
=انظر: الكاشف 1/ 451، وتهذيب التهذيب 1/ 398، وتقريب التهذيب 1/ 89.
(1) أخرجه الترمذي في (شفاء الغلل شرح كتاب العلل) المطبوع في آخر الجزء الخامس من سننه 5/ 402، والرامَهُرْمُزِي في المحدث الفاصل/ 534، والخطيب في الكفاية / 206، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 95 من طريق عبد الرزاق.
(2) هو: أبو الحسن القرشي الكوفي، قاضي الموصل، روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة والأعمش وغيرهم، وعنه أبو بكر وعثمان -ابنا أبي شيبة- وخالد بن مخلد وغيرهم، توفي سنة 189 ه. وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي وغيرهم.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 422، وتهذيب التهذيب 7/ 383، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 277.
(3) في (ح): ما أدري.
(4) نهاية 83 أ. من (ب).
(5) انظر: التمهيد/ 124 أ.
(6) كذا في النسخ. ولعل الصواب: بغير عربية.
(2/602)

بيانًا.
ولعل (1) المراد بالخلاف غير الكتب المصنفة، لما فيه من تغيير تصنيفه، وقاله بعضهم.
لنا: عمل (2) السلف من غير نكير زمنهم، فهو إِجماع.
ولأحمد بإِسناد حسن عن واثِلة (3): "إِذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم". (4)
وروى أبو محمَّد الخَلال (5) هذا المعنى عن ابن مسعود
__________
(1) انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 536، ومقدمة ابن الصلاح/ 68، 105، وشرح النووي على صحيح مسلم 1/ 361، وتدريب الراوي 2/ 22/ 102.
(2) نهاية 63أمن (ظ).
(3) هو: الصحابي واثلة بن الأسقع.
(4) ورد هذا الأثر بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدًا. أخرجه الدارمي في مقدمة سننه 1/ 79، والترمذي في شفاء الغلل (مطبوع آخر سننه 5/ 402)، والخطيب في الكفاية / 204 من طرق، منها: طريق عن أحمد، والرامهرمزي في المحدث الفاصل / 533، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 94، 95 - 96.
(5) هو: الحسن بن محمَّد بن الحسن، حافظ ثقة، ولد سنة 352 ه، وسمع من القَطِيعِي وابن مُظَفَّر وغيرهما، ومنه القاضي، أبو يعلى والخطيب البغدادي، توفي ببغداد سنة 439 ه.
انظر: المنتظم 8/ 132، والعبر 3/ 189، وتذكرة الحفاظ / 1109، وطبقات الحفاظ/ 426، وشذرات الذهب 3/ 262.
(2/603)

مرفوعًا (1)، ورواه أبو بكر بن مردويه (2) من غير حديثه، ورواه أبو بكر الخلال عن الحسن (3) مرسلاً.
وحدث ابن مسعود عنه - عليه السلام - حديثًا، فقال: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك" (4).
__________
(1) قال القاضي في العدة/ 969: حدثنا أبو محمَّد الخلال -بإِسناده- عن ابن مسعود قال: سأل رجل النبي، فقال: يا رسول الله، إِنك تحدثنا حديثًا لا نقدر أن نسوقه كما نسمعه. فقال: (إِذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث).
وأخرجه -أيضًا- الخطيب في الكفاية/ 200.
(2) هو: أحمد بن موسى بن مردويه الأصْبَهاني، حافظ محدث مؤرخ مفسر، ولد سنة 323 ه، وتوفي سنة 410 ه.
من مؤلفاته: كتاب في التفسير، وكتاب في التاريخ.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 1050، وشذرات الذهب 3/ 190.
(3) روي عن الحسن البصري -من عدة طرق- جواز نقل الحديث بالمعنى. أخرج ذلك الدارمي في مقدمة سننه 1/ 79، والترمذي في شفاء الغلل 5/ 402، والرامهرمزي في المحدث الفاصل/ 533، 535، 536، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 96، والخطيب في الكفاية/ 207، 208.
(4) أخرجه ابن ماجه في سننه/ 10 - 11 وفي الزوائد: إِسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته. وأخرج -نحوه- الحاكم في المستدرك 1/ 110 - 111 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص، وأخرجه الدارمي في سننه 1/ 72، 74، والخطيب في الكفاية/ 205، والرامهرمزي في المحدث الفاصل/ 549.
(2/604)

وكان أنس إِذا حدث عنه - عليه السلام - قال (1): "أو كما قال" (2).
إِسنادهما صحيح، رواهما ابن ماجه.
وكذلك (3) نقلت وقائع متحدة بألفاظ مختلفة.
ولأنه يجوز تفسيره بعجمية (4) إِجماعًا، فبعربية أولى.
ولحصول المقصود وهو المعنى، ولهذا لا يجب تلاوة اللفظ ولا ترتيبه بخلاف القرآن والأذان ونحوه.
واحتج أصحابنا بجوازه في (5) كلام غيره عليه السلام، لتحريم الكذب فيها.
رد: بالخلاف فيه (6)، ثم: بالفرق.
قالوا: (نَضَّر الله امْرَءًا)، وسبق (7) في شروط الراوي.
رد: لا وعيد، ثم: أداه كما سمعه بدليل ترجمته، أو لغير عارف.
__________
(1) في (ظ): فقال.
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه/ 11، والدارمي في سننه 1/ 73، والخطيب في الكفاية / 206، والرامهرمزي في المحدث الفاصل/ 550.
(3) في (ح): ولذلك.
(4) في (ظ): بعجمته.
(5) نهاية 172 من (ح).
(6) يعني: في كلام غير النبي.
(7) انظر: ص 542 من هذا الكتاب.
(2/605)

قالوا: يؤدي إِلى اختلال المعنى لتفاوت الأفهام، ولهذا: لما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - للبَراء بن عازِب عند النوم: (آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك (1) الذي أرسلت)، قال: "ورسولك"، قال: (2) (لا، ونبيك)، متفق عليه (3).
رد: إِنما يجوز لمن علم المعنى.

وابدال لفظ (النبوة) ب (الرسالة) وعكسه ينبني على المسألة.
والخبر للاستحباب، أو لأنه ذكر ودعاء، أو لوحي بذلك، أو لجمع النبوة والرسالة وعدم التكرار (4).
وأجاب أحمد (5): بأن الرسالة طرأت على النبوة -ولم يكن رسولاً- وأرسل كشئعَيْب.

مسألة
إِذا أنكر الأصل رواية الفرع بأن كَذَّبه لم يعمل به إِجماعًا (6) -وذكره جماعة- لكذب أحدهما.
__________
(1) في (ح): ونبيك.
(2) نهاية 83 ب من (ب).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 54 - 55، ومسلم في صحيحه / 2081 - 2082.
(4) فلو قال: (ورسولك الذي أرسلت) لحصل التكرار.
(5) انظر: العدة/ 973، والتمهيد/ 124 ب.
(6) في حكايته هذا الإجماع نظر، فقد نقل عن بعضهم: أنه يعمل به، منهم: السمعاني وابن السبكي، وعزاه الشاشي للشافعي. انظر: شرح المحلى على جمع الجوامع 2/ 138، وتدريب الراوي 1/ 334.
(2/606)

وهما على عدالتهما، لا تبطل بالشك.
وإِن لم يكذبه عمل به في أصح الروايتين عن أحمد (1)، وعليها أصحابنا والجمهور (وم ش) ومحمد (2).
والثانية (3): لا يعمل به (وه) وأبي يوسف والكرخي (4).
وقال بعض أصحابنا (5): عموم (6) كلام أحمد يقتضي: ولو جحد
__________
(1) انظر: العدة/ 959 وما بعدها، والتمهيد/ 119 ب.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 369، وشرح العضد 2/ 71، والمستصفى 1/ 167، والإحكام للآمدي 2/ 106، ونهاية السول 2/ 310، وشرح المحلى على جمع الجوامع 2/ 140، وأصول السرخسي 2/ 3، وكشف الأسرار 3/ 60، وتيسير التحرير 3/ 107، وفواتح الرحموت 2/ 170.
(3) انظر: العدة/ 960، والتمهيد/ 119 ب.
(4) انظر: وأصول السرخسي 2/ 3، وكشف الأسرار 3/ 60، وتيسير التحرير 3/ 107، وفواتح الرحموت 2/ 170.
(5) انظر: المسودة/ 279.
(6) جاء في العدة / 160 - 161: قال أحمد في رواية الأثرم فيما ذكره في كتاب العلل: قلت لأبي عبد الله: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: إِن حدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأل عنه فينكره ولا يعرفه؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا ... وكذلك نقل الميموني عنه قال: كان ابن عيينة يحدث بأشياء ثم قال: "ليس من حديثي ولا أعرفه" قد يحدث الرجل ثم ينسى ... وكذلك نقل حرب عنه: أنه سئل عن حديث الولي، فقال: لا يصح؟ لأن الزهري سئل عنه فأنكره.
وجاء في المسودة/ 279: قال شيخنا: قلت: وضع المسألة يقتضي أنه لا=
(2/607)

المروي عنه؛ لأن الإِنكار يشمل القسمين، وقول ابن غيَيْنَة (1): "ليس من حديثي" نفي، وعلله (2) القاضي (3) بأن المروي عنه غير عالم (4) ببطلان روايته، وهذا القيد اعتبره أصحابنا فيما إِذا سَبَّح به اثنان (5) وفي الحاكم.
وقال ابن الباقلاني (6): "إِن كَذَّبه أو غَلَّطه لم يعمل به"، وحكاه عن الشافعي.
وقال أبو المعالي (7): إِن قطع بكذبه (8) وغلطه تعارضا، ووقف الأمر على مرجح كخبرين.
لنا: عدل جازم غير مكذَّب، كموت الأصل أو جنونه.
__________
=يشمل إِذا جحد المروي عنه، وعموم كلامه يقتضي العموم لهذه الصورة؛ لأن الإِنكار ... ، وعلله القاضي بأن المروي عنه غير عالم ببطلان روايته، والراوي عنه ثقة، فالمروي عنه كسائر الناس.
(1) انظر: العدة/ 960.
(2) يعي: علل العمل به.
(3) انظر: المرجع السابق/ 962.
(4) نهاية 173 من (ح).
(5) في المسودة: إِنسان.
(6) انظر: البرهان/ 650 - 651.
(7) انظر: البرهان/ 655.
(8) نهاية 63 ب من (ظ).
(2/608)

وروى سعيد عن الدَّرَاوَرْدِي (1) عن ربيعة (2) عن سهيل (3) بن أبي صالح عن أبيه (4) عن أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد" (5)، ونسيه سهيل، وقال: حدثني ربيعة عني.
ورواه الشافعي عن الدَّرَاوَرْدِي قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال:
__________
(1) هو: أبو محمَّد عبد العزيز بن محمَّد بن عبيد المدني، أصله من (دراورد) قرية من خراسان، ولد بالمدينة ونشأ بها. توفي سنة 187 ه. وهو ثقة فقيه كثير الحديث.
انظر: المعارف / 515، واللباب 1/ 496، وتذكرة الحفاظ / 269، وشذرات الذهب 1/ 163.
(2) هو: أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ القرشي التميمي -بالولاء- المدني، شيخ مالك، ويقال له: (ربيعة الرأي) لأنه كان يعرف بالرأي والقياس، تابعي فقيه حافظ ثقة ثبت، توفي بالمدينة سنة 36 اه.
انظر: الفهرست/ 285، وتاريخ بغداد 8/ 420، ووفيات الأعيان 2/ 50، وتذكرة الحفاظ/ 157، وميزان الاعتدال 2/ 44.
(3) هو: أبو يزيد سهيل بن أبي صالح ذَكْوان السمان، محدث، توفي سنة 140 ه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا.
انظر: المعارف/ 478، ومشاهير علماء الأمصار/ 137، وميزان الاعتدال 2/ 243، وتذكرة الحفاظ / 137، وتقريب التهذيب 1/ 338.
(4) هو: أبو صالح ذكوان السمان المدني، تابعي ثقة ثبت، توفي سنة 101 ه.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 158، وميزان الاعتدال 4/ 539، وتقريب التهذيب 1/ 238، وطبقات الحفاظ/ 33.
(5) حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود في سننه 4/ 34، والترمذي في سننه=
(2/609)

"أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إِياه، ولا أحفظه"، فكان سهيل (1) يحدثه بعد عن ربيعة عنه عن أبيه (2).
ورواه أبو داود (3)، وإسناده (4) جيد (5).
ولم ينكَر ذلك.
فإِن قيل: فأين العمل به؟
قيل: مذكور في معرض الحجة، ثم: فلا فائدة فيه فيجب تركه وإِنكاره (6) كتكذيبه، ثم: يوهم الحجة، ففيه تلبيس.
قالوا: كالشهادة لو نسي شاهد الأصل.
رد: بأنها أضيق.
قالوا: كما لا يعمل حاكم بحكمه لو شهد به شاهدان ونسي.
__________
=2/ 399، وابن ماجه في سننه/ 793، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 235)، والخطيب في الكفاية/ 381.
وقد أخرجه هذا الحديث -من رواية جابر- الترمذي في سننه 2/ 400، وابن ماجه في سننه / 793، وأحمد في مسنده 3/ 305.
(1) في (ح): سهل.
(2) انظر: بدائع المنن 2/ 235.
(3) انظر: سنن أبي داود 4/ 34.
(4) وانظر: الكفاية/ 222 - 223، 380 - 381، والمحدث الفاصل/ 516.
(5) نهاية 84 أمن (ب).
(6) يعني: ويجب إِنكاره كما لو كذبه.
(2/610)

رد: يعمل به (وم) (1)، وعند ابن عقيل: لا (2) (وش) (3)؛ لأنه أضيق، ويجب على غيره من الحكام.

مسألة
إِذا انفرد الثقة الضابط بزيادة في حديث (4) -لفظًا أو معنى- قبِلَت إِن تعدد المجلس إِجماعًا.
فإِن اتحد -وكان غيره جماعة لا يتصور غفلتهم عادة- لم تقبل، ذكره بعضهم إِجماعًا، واختاره في التمهيد (5).
وذكر عن أصحابنا: تقبل، وهو ظاهر ما ذكره القاضي (6) وجماعة، وذكروه عن أحمد وجماعة [من] (7) الفقهاء والمتكلمين.
وإن تصورت غفلتهم قُبِلَتْ، وقاله الجمهور.
وقال أبو الخطاب (8): إِن استوى العدد قدِّمَ بزيادة حفظ وضبط وثقة،
__________
(1) انظر: شرح العضد 2/ 71.
(2) يعني: لا يجب عليه.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 108.
(4) نهاية 174 من (ح).
(5) انظر: التمهيد/ 122 ب.
(6) انظر: العدة/ 1004.
(7) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(8) انظر: التمهيد/ 122 ب-123 أ.
(2/611)

فإِن استويا فذكر شيخنا (1) روايتين، ثم ضَعَّف مأخذ رواية عدم القبول.
وأطلق في العدة (2): أن زيادة ثقة في حديث تقبل، وأن أحمد نص على الأخذ بالزائد في مواضع.
وردها جماعة من المحدثين، وعن أحمد (3) نحوه.
وإِنما ذكر كلام أحمد في وقائع، إِلا رواية ابن القاسم (4) في فوات الحج: فيه زيادة دم (5)، قال أحمد (6): والزائد أولى أن يؤخذ به، قال: وهذا مذهبنا في الأحاديث، إِذا كانت الزيادة في أحدهما أخذنا (7) بالزيادة.
وكذا أطلقه الخطيب (8) البغدادي عن جمهور الفقهاء وأهل الحديث،
__________
(1) يعني: القاضي أبا يعلى.
(2) انظر: العدة/ 1004.
(3) انظر: المرجع السابق / 1007.
(4) هو: أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سَلام، حدث عنه وعن إِمامنا بمسائل كثيرة.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 55، والمنهج الأحمد 1/ 290.
(5) وقد أخرج هذه الزيادة -من حديث عمر موقوفًا- مالك في الموطأ/ 383، والشافعي في الأم 2/ 166 - 169، وفيها كلام للشافعي عن الزيادة في الحديث (وانظر: بدائع المنن 2/ 74 - 76)، والبيهقي في سننه 5/ 174 - 175. وانظر: نصب الراية 3/ 145 - 146.
(6) انظر: العدة/ 1005.
(7) في (ب) و (ح): أخذ بالزيادة.
(8) انظر: الكفاية/ 424.
(2/612)

وذكره بعض الشافعية (1) مذهب (2) (ش).
وللمالكية (3) وجهان (4).
وخص بعضهم (5) رواية عدم قبولها عن أحمد (6) بمخالفتها (7) ظاهر المزيد عليه، وبعضهم بمخالفة رواية الجمهور.
وفي الواضح (8): أنها إِن خالفت المزيد عليه رُدَّت، وليس مسألة الخلاف.
وإِن جهل حال المجلس فكما لو اتحد في ظاهر كلام القاضي (9) وغيره، وقاله بعض أصحابنا.
وظاهر الروضة (10) وغيرها: تقبل (11)، وهو أولى.
__________
(1) انظر: مقدمة ابن الصلاح/ 37، والمنخول/ 284.
(2) في (ظ): في مذهب.
(3) في (ح): وعن المالكية.
(4) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 382.
(5) انظر: المسودة/ 299.
(6) نهاية 84 ب من (ب).
(7) في (ظ): لمخالفتها.
(8) نهاية 64 أمن (ظ).
(9) انظر: العدة/ 1004.
(10) انظر: روضة الناظر/ 124.
(11) نهاية 175 من (ح).
(2/613)

وقال بعض أصحابنا (1): كلام أحمد وغيره يختلف في الوقائع، وأهل الحديث أعلم به.
لنا: عدل جازم، ولا نسلم مانعًا، والأصل عدمه.
ومن تركها يحتمل أنه لشاغل أو سهو أو نسيان.
وقاس أصحابنا (2) على الشهادة: لو شهد ألف أنه أقر بألف، واثنان بألفين: ثبتت الزيادة.
قالوا: ظاهر الغلط لتفرده، مع احتمال ما سبق فيه.
رد: قولنا أرجح، بدليل انفراده بخبر (3) وبالشهادة (4).
والسهو فيما سمعه أكثر منه فيما لم يسمعه.
* * *
وإِن خالفت الزيادة للمزيد عليه تعارضا، فيرجح، ذكره القاضي (5) وغيره.
وأطلق آخرون من أصحابنا وغيرهم (6).
__________
(1) انظر: المسودة 3/ 30.
(2) انظر: العدة/ 1010، والمسودة/ 304.
(3) فيعمل به مع انفراده. انظر: العدة/ 1007، 1011.
(4) يعني: الشهادة على الإقرار، فلو انفرد بعضهم بزيادة عمل بها. انظر: العدة/ 1011.
(5) انظر: العدة/ 1009.
(6) يعني: أطلقوا تقديم الزيادة، وبعضهم أطلق الرد. انظر: شرح الكوكب المنير 2/ 544 - 545.
(2/614)

وعند أبي الحسين (1): إِن غيرت المعنى لا الإِعراب قُبِلَتْ، وإِلا فلا.
* * *
ولو رواها العدل مرة وتركها مرة فكتعدد الرواة.
* * *
ولو أسند وأرسله غيره، أو وصله وقطعه، أو رفعه ووقفه: فكالزيادة، ذكره (2) في العدة (3) وغيرها؛ لأنه زيادة.
وذكر الخطيب (4) عن أهل الحديث: الحكم لمن أرسله. كذا قال.
وجزم في التمهيد (5) وغيره بقوله.
وذكروه (6) -أيضًا- في الراوي الواحد، وحكاه بعض أصحابنا (7) عن الشافعية خلافًا لبعض المحدثين.
وقال بعضهم: إِن أرسل ثم أسند قُبِلَ. وقيل: لا؛ لدلالة إِهماله على الضعف.
__________
(1) انظر: المعتمد/ 610 - 611.
(2) في (ح): لأنه زيادة، ذكره في العدة وغيرها.
(3) انظر: العدة/ 1004.
(4) انظر: الكفاية/ 411.
(5) انظر: التمهيد/ 121 ب.
(6) يعني: ذكروا القبول. انظر: المسودة/ 251.
(7) انظر: المسودة / 251.
(2/615)

مسألة
يستحب نقل الحديث بكماله.
فإِن ترك بعضه: فإِن لم يتعلق بعضه (1) ببعض جاز عند أحمد (2) ومالك والشافعي وجمهور (3) العلماء، كأخبار متعددة، وإلا لم يجز إِجماعًا، لبطلان المقصود به، [نحو] (4): (حتى تزهي (5))، و (إِلا سواء بسواء) (6).

مسألة
خبر الواحد فيما تعم به البلوى كمس الذكر (7) ورفع
__________
(1) نهاية 85 أمن (ب).
(2) انظر: العدة/ 1015.
(3) نهاية 176 من (ح).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) أخرج البخاري في صحيحه 3/ 77، ومسلم في صحيحه/ 1190 عن أنس: أن رسول الله نهى عن بيع الثمار حتى تزهي.
(6) أخرج البخاري في صحيحه 3/ 74، 75، ومسلم في صحيحه/ 1213 عن أبي بكرة قال: نهى رسول الله عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إِلا سواء بسواء.
(7) الوضوء من مس الذكر: ورد في حديث أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه أحمد في المسند (انظر: الفتح الرباني 2/ 85 - 86)، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 34)، والدارقطني في سننه 1/ 147، والبيهقي في سننه 1/ 130 - 131، والحاكم في المستدرك 1/ 138 وقال حديث صحيح، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن=
(2/616)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=/ 77 - 78)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 74.
وورد في حديث بُسْرة مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 125 - 126، والترمذي في سننه 1/ 55 - 56 وقال: حديث صحيح، قال محمَّد -يعني البخاري-: وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. قال الترمذي: وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو. ا. ه وأخرجه النسائي في سننه 1/ 100 - 101، وابن ماجه في سننه/ 161، وأحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 2/ 86 - 88)، والحاكم في المستدرك 1/ 136 - ثم تكلم عنه، ثم قال: فدلنا ذلك على صحة الحديث وثبوته على شرط الشيخين- والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 34)، والدارمي في سننه 1/ 150، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 78)، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 57)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 71 - 73.
وورد الوضوء من مس الذكر في حديث غيرهما، فانظر: سنن ابن ماجه 162، وشرح معاني الآثار 1/ 73، والفتح الرباني 2/ 84، والسنن الكبرى للبيهقي 1/ 128 وما بعدها، وسنن الدارقطني 1/ 146.
ترك الوضوء من مس الذكر: ورد في حديث طلق مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 127 - 128، والترمذي في سننه 1/ 56 - 57 - وقال فيه: هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب. قال: وفي الباب عن أبي أمامة- والنسائي في سننه 1/ 101، وابن ماجه في سننه/ 163، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 134، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 57)، وأحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 2/ 88 - 89)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 75 - 76، والدارقطني في سننه 1/ 149 - 150، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 77).=
(2/617)

اليدين (1) في الصلاة (2) - مقبول عندنا وعند عامة الفقهاء والمتكلمين، خلافًا للحنفية.
لنا: ما سبق في خبر الواحد (3)، وقبول (4) الزيادة، وقبولهم للقياس
__________
=وورد في حديث أبي أمامة مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه في سننه/ 163، وفي إِسناده مقال.
وانظر: نصب الراية 1/ 54 - 70، والتلخيص الحبير 1/ 122 - 127.
(1) أخرج البخاري في صحيحه 1/ 144، ومسلم في صحيحه/ 292 عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله إِذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إِذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود.
وأخرجاه -أيضًا- من حديث مالك بن الحويرث، فانظر: صحيح البخاري 1/ 144، وصحيح مسلم/ 293.
(2) تبع المؤلف ابن الحاجب وغيره في كون رفع اليدين ورد من طريق الآحاد. قال الزركشي في المعتبر/ 41 أ- ب: ظن بعضهم أن مراد المصنف -يعني ابن الحاجب- الافتتاح، ثم أنكر على المصنف كونه من أخبار الآحاد، ثم قال: "اللهم إلا أن يراد برفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإِحرام، فإِن الدليل على ذلك أخبار آحاد"، وفي دعوى أن أحاديث الرفع فيما عدا التحريم لم تبلغ مرتبة التواتر نظر، وكلام البخاري في كتاب "رفع اليدين" مصرح ببلوغها ذلك، وقال البيهقي: "سمعت الحاكم يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن النبي الخلفاء الأربعة ثم العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: وهو كما قال".
(3) انظر: ص 503 وما بعدها من هذا الكتاب.
(4) انظر: ص 614 من هذا الكتاب.
(2/618)

فيه وهو دونه.
قالوا: البلوى به تستلزم شِيَاعه؛ لتوفر الدواعي على نقله، والعادة تقضي (1) بتواتره.
رد: بالمنع (2).
ويلزمهم وجوب الوِتْر (3)
__________
(1) في (ظ): تقتضي.
(2) يعني: منع قضاء العادة بتواتره.
(3) القائل بوجوب الوتر استدل بحديث: (إِن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر، فصلُّوها ما بين العشاء إِلى طلوع الفجر). انظر: الهداية 1/ 65.
وقد ورد من حديث خارجة بن حُذافة قال: قال الرسول: (إِن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حُمْر النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إِلى طلوع الفجر).
أخرجه أبو داود في سننه 2/ 128 - 129، والترمذي في سننه 1/ 281، وقال: غريب، وابن ماجه في سننه/ 369، والحاكم في المستدرك 1/ 306 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
وورد من حديث عمرو بن العاص وعقبة، أخرجه إِسحاق بن راهويه في مسنده والطبراني في معجمه بلفظ: (إِن الِله عَزَّ وَجَلَّ زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر ...) فانظر: نصب الراية 1/ 109، ومجمع الزوائد 2/ 240.
وورد من حديث ابن عباس، أخرجه الدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه بلفظ: (إِن الله قد زادكم صلاة وهي الوتر)، فانظر: سنن الدارقطني 2/ 30، ونصب الراية 1/ 110.
وورد من حديث أبي بَصْرة الغفاري، أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 593=
(2/619)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=تعليقًا، وأحمد في مسنده 6/ 397، والطبراني في معجمه (انظر: مجمع الزوائد 2/ 239) بلفظ: (إِن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إِلى صلاة الصبح).
وورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: (إِن الله قد زادكم صلاة)، فأمرنا بالوتر. أخرجه الدارقطني في سننه 2/ 31، وأحمد في مسنده 2/ 180، 206، 208.
وورد من حديث ابن عمر، أخرجه الدارقطني في غرائب مالك. فانظر: نصب الراية 1/ 100 - 111.
ومن أحاديث الباب التي ذكرها من قال بوجوب الوتر: حديث أبي أيوب: قال - عليه السلام -: (الوتر حق على كل مسلم). أخرجه أبو داود في سننه 2/ 132، والنسائي في سننه 3/ 238، وابن ماجه في سننه/ 376، والحاكم في المستدرك 3/ 301، والطبراني في الأوسط والكبير بلفظ: (الوتر واجب على كل مسلم). (انظر: مجمع الزوائد 2/ 240).
وحديث بريدة: قال - عليه السلام -: (الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا). أخرجه أبو داود في سننه 2/ 129، والحاكم في المستدرك 1/ 305 - 306 وصححه.
وحديث أبي سعيد: قال - عليه السلام -: (أوتروا قبل أن تصبحوا). أخرجه مسلم في صحيحه/ 519 - 520.
وحديث معاذ: سمعت رسول الله يقول: (زادني ربي صلاة هي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إِلى طلوع الفجر). انظر: مسند أحمد 5/ 242.
وحديث ابن مسعود: (الوتر واجب على كل مسلم). أخرجه البزار في مسنده (انظر: كشف الأستار 1/ 352).=
(2/620)

ونقض الطهارة بخاسة من غير السبيل (1)
__________
=وراجع الكلام عن هذه الأحاديث وبيان درجتها في: نصب الراية 2/ 108 - 113، والدراية 1/ 188 - 190، ومجمع الزوائد 2/ 239، وسنن البيهقي 2/ 468 - 470.
(1) كالنقض بالقيء والرُّعاف: ورد من حديث عائشة مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه في سننه/ 385 - 386 قال - عليه السلام -: (من أصابه قيء أو رعاف ... فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن علي صلاته وهو في ذلك لا يتكلم). في الزوائد: في إِسناده إِسماعيل بن عياش، وقد روى عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة. وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 153 - 155 وتكلم فيه، والبيهقي في سننه 1/ 142 - 143 وتكلم فيه.
وورد النقض -أيضًا- من حديث أبي سعيد مرفوعًا: (من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليس علي صلاته). أخرجه الدارقطني في سننه 1/ 157 وقال: فيه أبو بكر الداهرى عبد الله بن حكيم متروك الحديث.
وأخرج أحمد في مسنده 6/ 449، والترمذي في سننه 1/ 59 عن أبي الدرداء: أن رسول الله قاء فأفطر فتوضأ. قال الترمذي: وقد جود حسين المُعَلِّم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب.
وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 156 عن سلمان قال: رآني النبي وقد سال من أنفي دم، فقال: (أحدث وضوءًا). وأخرجه البزار في مسنده وسكت عنه على ما في نصب الراية، وفي إِسناد الحديث مقال. فانظر: نصب الراية 1/ 41.
وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 156 - 157 عن ابن عباس قال: كان رسول الله إِذا رعف في صلاته توضأ ثم بني على ما مضى من صلاته. في إِسناده: عمر بن رِيَاح، متروك.=
(2/621)

وتثنية الإِقامة (1) والمشي خلف الجنازة (2).
__________
=وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 152 - 153 عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (إِذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم ثم ليعد وضوءه ويستقبل صلاته). فيه سليمان بن أرقم، متروك.
(1) تثنية الإِقامة: وردت من حديث معاذ مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 347 - 348، وأحمد في مسنده 5/ 246، والبيهقي في سننه 1/ 420 - 421.
ووردت من حديث عبد الله بن زيد مرفوعاً، أخرجه الترمذي في سننه 1/ 125 ... عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد.
قال الترمذي: وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد.
ووردت من حديث أبي محذورة مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 341 - 342، والنسائي في سننه 2/ 4، وابن ماجه في سننه/ 235.
وانظر الكلام عن أحاديث تثنية الإِقامة في: نصب الراية 1/ 266 - 271.
(2) المشي خلف الجنازة: ورد من حديث ابن مسعود مرفوعاً، أخرجه أبو داود في سننه 3/ 525، والترمذي في سننه 2/ 239، وابن ماجه في سننه/ 476، وفي إِسناده: يحيى المجبر، قال أبو داود: ضعيف. وفيه: أبو ماجدة، قال أبو داود والترمذي: مجهول. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن مسعود إِلا من هذا الوجه، وسمعت محمَّد بن إِسماعيل يضعف حديث أبي ماجدة هذا.
وورد من حديث أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 3/ 517 - 518، وأحمد في مسنده 2/ 528 وفي إِسناده رجلان مجهولان. فانظر: نصب الراية 2/ 290.
وورد من حديث أبي أمامة مرفوعًا، أخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 40 وسكت عنه.
وورد من حديث سهل بن سعد مرفوعًا، أخرجه ابن عدي في الكامل -على ما في نصب الراية 2/ 291 - والطبراني في الكبير على ما في مجمع الزوائد 3/ 31.=
(2/622)

مسألة
خبر الواحد فيما يوجب الحد مقبول عندنا وعند (1) العلماء خلافًا للكرخي (2) وأبي عبد الله البصري (3)، لما سبق (4).
قالوا: الحد يُدْرأ بالشبهة.
رد: لا شبهة كما لا شبهة مع البينة والقياس.

مسألة
يجب العمل بحمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه عندنا وعند عامة العلماء؛ عملاً بالظاهر.
__________
=وقد تكلم في سنده.
وورد من حديث علي مرفوعًا، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 447 - 449، وقد أعله ابن عدي في الكامل. فانظر: نصب الراية 2/ 291.
وورد من حديث ابن عمر، أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه. فانظر: نصب الراية 2/ 292.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه 3/ 445 ... عن طاوس: ما مشى رسول الله -حتى مات- إِلا خلف الجنازة. وهو مرسل.
(1) نهاية 64 ب من (ظ).
(2) انظر: أصول السرخسي 1/ 333، وفواتح الرحموت 1/ 372.
(3) انظر: المعتمد/ 570 - 571.
(4) في قبول خبر الواحد. انظر: ص 503 من هذا الكتاب.
(2/623)

وقال الآمدي (1): لا يبعد أن لا يجب، فيعمل باجتهاده، فإِن لم يظهر شيء وجب.
وحكى السرخسي (2) عن أبي بكر الرازي: لا يعمل به، كتفسير ابن عمر تفرق المتبايعين (3) بفعله (4).
قال بعض أصحابنا (5): هذه المسألة فرع على أن قوله ليس بحجة، أو (6) اختلفوا فيها (7).
وللمالكية خلاف (8).
* * *
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 115.
(2) أبو سفيان. فانظر: العدة/ 591.
(3) الوارد في قوله - عليه السلام -: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 64، ومسلم في صحيحه/ 1163 من حديث ابن عمر.
(4) وهو: أنه كان إِذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى ثم رجع إِليه. أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 65، ومسلم في صحيحه/ 1164.
(5) انظر: المسودة/ 129، والآداب الشرعية 2/ 301.
(6) في (ح) و (ظ): واختلفوا.
(7) في المسودة: أو كان ذلك في مسألة فيها خلاف بين الصحابة.
(8) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 72، وشرح تنقيح الفصول/ 371.
(2/624)

وفي وجوب الرجوع إِلى التابعي (1) روايتان عن أحمد، ذكرهما أبو الخطاب وغيره (2).
وتَأوَّل (3) القا ضي (4) رواية الوجوب (5).
واختار ابن عقيل: لا يجب (6).
* * *
وإِن حمله الصحابي- بتفسيره أو عمله- على غير ظاهره عُمِل بالظاهر في رواية، واختارها القاضي (7) (8) وغيره -ولو قلنا: قوله حجة- وأكثر
__________
(1) نهاية 177 من (ح).
(2) انظر: التمهيد/ 128أ، والواضح 2/ 171أ.
(3) في (ظ): وتأويل.
(4) نقل القاضي في العدة/ 582 عن أحمد -في رواية المروذي-: يوجد العلم بما كان عن النبي، فإِن لم يكن فعن أصحابه، فإِن لم يكن فعن التابعين. قال القاضي: وإِنما قال هذا لأن غالب أقوالهم لا تنفك عن أثر.
(5) قال ابن عقيل في الواضح 2/ 171أ: قال شيخنا -يعني القاضي-: يحمل على إِجماعهم.
(6) انظر: المسودة/ 177. أقول: وظاهر صنيع ابن عقيل في الواضح 2/ 171أ: أنه اختار الوجوب؛ لأنه ضَعَّف تأويل القاضي لرواية الوجوب.
(7) انظر: العدة/ 589.
(8) نهاية 85 ب من (ب).
(2/625)

الفقهاء، منهم: الشافعي وأكثر الحنفية (1).
وفي رواية: يُعْمل بقوله، وقاله بعض الحنفية (2) وغيرهم.
وللمالكية خلاف (3).
واختار عبد الجبار (4) وأبو الحسين والآمدي (5): يُعْمل بالظاهر (6)، إِلا أن يُعْلَم مأخذه ويكون صالحًا، واختاره ابن عقيل، ولعله مراد من أطلق.
* * *
وإِن كان الظاهر عمومًا فيأتي في التخصيص (7).
* * *
وإِن كان الخبر نصا لا يحتمل تأويلا -وخالفه- فالخلاف عندنا لا يُرَدّ به الخبر ولا ينسخ (وش) (8)؛ لاحتمال نسيانه، ثم: لو عرف ناسخه
__________
(1) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 146، والإحكام للآمدي 2/ 115، وغاية الوصول/ 99، وتيسير التحرير 3/ 71.
(2) انظر: تيسير التحرير 3/ 72، وفواتح الرحموت 2/ 163.
(3) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 73، والمسودة/ 129.
(4) انظر: المعتمد/ 670.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 115 - 116.
(6) في (ب) و (ظ): بالظاهر، واختاره ابن عقيل، ولعله مراد من طلق، إِلا أن يعلم مأخذه ويكون صالحًا.
(7) انظر: ص 970 من هذا الكتاب.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 116.
(2/626)

لذَكَره ورواه ولو مرة؛ لئلا يكون كاتما للعلم.
وعن أحمد (1) لا يعمل به (وه) (2).
وقال الآمدي (3): يتعين ظهور ناسخ عنده، وقد لا يكون ناسخًا عند غيره، فلا يترك النص باحتمال (4).
وبعض (5) من تبع الآمدي خالفه، وقال: في العمل بالنص نظر.
* * *
وإن عمل بخلاف خبرٍ أكثرُ الأمة لم يُرَدّ إِجماعًا.
واستثنى بعضهم (6) إِجماع المدينة بناء على أنه إِجماع.

مسألة
خبر الواحد المخالف للقياس -من كل وجه- مقدم عليه عند أحمد (7) والشافعي (8) وأصحابهما والكرخي (9) والأكثر.
__________
(1) انظر: العدة/ 590.
(2) انظر: أصول السرخسي 2/ 6، وتيسير التحرير 3/ 72، وفواتح الرحموت 2/ 163.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 116.
(4) في (ح): بالاحتمال.
(5) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 72.
(6) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 72.
(7) انظر: العدة/ 888.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 118.
(9) انظر: كشف الأسرار 2/ 378.
(2/627)

وعند المالكية (1): القياس، وقاله (ه) إِن خالف (2) الأصول أو معنى (3) الأصول لا قياس الأصول، وأجازوا الوضوء بالنبيذ (4) سفرًا، وأبطلوا الوضوء بالقهقهة (5) داخل الصلاة فقط.
__________
(1) للمالكية قولان. فانظر: شرح تنقيح الفصول/ 387.
(2) تبع المؤلف القاضي في نقل مذهب الحنفية. فانظر: العدة/ 889. وقد جاء في تيسير التحرير 3/ 116 عن أبي حنيفة: أنه يقول بتقديم خبر الآحاد على القياس مطلقًا. وراجع مذهب الحنفية في المسألة في: أصول السرخسي 1/ 339، وكشف الأسرار 2/ 377، وفواتح الرحموت 2/ 177.
(3) نهاية 178 من (ح).
(4) الوضوء بالنبيذ: ورد من حديث ابن مسعود -في قصة ليلة الجن- مرفوعاً: (تمرة طيبة وماء طهور)، وأن النبي توضأ به. أخرجه أبو داود في سننه 1/ 66، والترمذي في سننه 1/ 59 - 60، وابن ماجه في سننه/ 135 - 136، وأحمد في مسنده 1/ 449، والدارقطني في سننه 1/ 76 - 78، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 94 - 96.
وقد ضعف هذا الحديث جمع من المحدثين، فانظر: سنن الترمذي 1/ 60، وسنن ابن ماجه/ 135 - 136، والفتح الرباني 1/ 205، ونصب الراية 1/ 137 - 147، والدراية 1/ 63 - 66، وشرح معاني الآثار 1/ 95 - 96، وسنن الدارقطني 1/ 76 - 78، والمعتبر/ 87 ب.
وورد من حديث ابن عباس مرفوعًا: (إِذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به). أخرجه الدارقطني في سننه 1/ 76، وأخرج -نحوه- من طريق آخر 1/ 75. وفيهما ضعف، فانظر: سننه، ونصب الراية 1/ 147 - 148.
(5) تقدم خبر نقض الوضوء بالقهقة داخل الصلاة في ص 575.
(2/628)

وتوقف ابن الباقلاني (1).
وعند (2) أبي الحسين (3): إِن كانت العلة بنص قطعي فالقياس كالنص (4) على حكمها، وإن كان الأصل مقطوعًا به فقط فالاجتهاد والترجيح.
وعند صاحب المحصول: يقدم (5) الخبر ما لم توجب الضرورة تركه كخبر المُصَرَّاة (6)، لمعارضته للإِجماع في ضمان المِثْل أو (7) القيمة.
وعند الآمدي (8) ومن وافقه: إِن ثبتت العلة بنص راجح على الخبر -وهي قطعية في الفرع (9) - فالقياس، أو ظنية فالوقف، وإلا فالخبر.
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 118، ونهاية السول 2/ 312.
(2) نهاية 65أمن (ظ).
(3) انظر: المعتمد/ 654.
(4) يعني: لأن النص على العلة كالنص على حكمها.
(5) هذا الرأي قاله فخر الإسلام البزدوي في أصوله (انظر: كشف الأسرار 2/ 377)، فلعل المؤلف قد رآه منسوباً للفخر، فظنه فخر الدين الرازي، فقال: قال صاحب المحصول. وانظر: مذهب الرازي في كتابه المحصول 2/ 1/ 619.
(6) أخرج البخاري في صحيحه 3/ 70 - 71، ومسلم في صحيحه/ 1155 عن أبي هريرة مرفوعًا: إلا تصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإِن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر).
(7) في (ظ): والقيمة.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 118 - 119.
(9) نهاية 86 أمن (ب).
(2/629)

ومعنى كلام جماعة من أصحابنا يقتضيه، وهو متجه.
لنا: ما سبق في خبر الواحد من قول (1) عمر: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا (2) "، ورجوعه إِلى توريث المرأة من دية زوجها (3)، وعمل جماعة من الصحابة.
وقال أحمد: أكثرهم ينهى الرجل عن الوضوء بفضل وضوء المرأة (4).
والقرعة في عتق (5) جماعة في مرض موته، وغير ذلك، وشاع ولم ينكر.
__________
(1) انظر: ص 504 من هذا الكتاب.
(2) أخرجه الشافعي في الأم 6/ 107، والرسالة/ 427، وانظر: بدائع المنن 2/ 268.
(3) انظر: ص 506 من هذا الكتاب.
(4) ورد النهي عن وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة في حديث رسول الله، من رواية الحكم ابن عمرو (الأقرع) مرفوعًا. أخرجه أبو داود في سننه 1/ 63، والترمذي في سننه 1/ 44، وقال: حديث حسن، والنسائي في سننه 1/ 179، وابن ماجه في سننه / 132، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 42)، وأحمد في مسنده 5/ 66، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 80).
(5) وردت هذه القرعة في حديث رسول الله، فقد أخرج مسلم في صحيحه/ 1288 عن عمران بن حصين: أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولاً شديدًا. وأخرجه أبو داود في سننه 4/ 266 - 270، والترمذي في سننه 2/ 409 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 4/ 64 وابن ماجه في سننه/ 786.
قال الخطابي في معالم السنن -المطبوعة في هامش سنن أبي داود 4/ 267 - :
(2/630)

واعترض: بمثل قول ابن عباس لأبي هريرة -وقد روى عنه عليه السلام: (توضؤوا مما مَسَّت النار (1) - فقال: أنتوضأ من الحميم؟ أي: الماء الحار،
__________
=وقد اعترض على هذا قوم، فقالوا: في هذا ظلم للعبيد؛ لأن السيد إِنما قصد إِيقاع العتق عليهم جميعًا، فلما منع حق الورثة من استغراقهم وجب أن يقع الجائز منه شائعًا فيهم، لينال كل واحد منهم حصته منه، كما لو وهبهم ولا مال له غيرهم، وكما لو كان أوصى بهم فإِن الهبة والوصية قد تصح في الجزء في كل واحد منهم.
قلت: هذا قياس ترده السنة، وإذا قال صاحب الشريعة قولاً وحكم بحكم لم يجز الاعتراض عليه برأي ولا مقابلة بأصل آخر، ويجب تقريره على حاله واتخاذه أصلاً في بابه ... ا. ه.
(1) هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه/ 272 - 273 من حديث أبي هريرة وعائشة باللفظ المذكور، ومن حديث زيد بن ثابت بلفظ: (الوضوء مما مست النار). وأخرجه أبو داود في سننه 1/ 134 من حديث أبي هريرة بلفظ: (الوضوء مما أنضجت النار). ومن حديث أم حبيبة بلفظ: (توضؤوا مما غيرت النار أو مما مست النار). وأخرجه الترمذي في سننه 1/ 52 من حديث أبي هريرة بلفظ: (الوضوء مما مست النار). قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى. وأخرجه النسائي في سننه 1/ 105 - 106 من حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة وأم حبيبة بلفظ: (توضؤوا مما مست النار)، ومن حديث أبي أيوب وأبي طلحة بلفظ: (توضؤوا مما غيرت النار). وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 163 من حديث أبي هريرة بلفظ (توضؤوا مما غيرت النار)، ومن حديث عائشة وأنس بلفظ: (توضؤوا مما مست النار). وأخرجه الطيالسي في مسنده (انظر: منحة العبود 1/ 58) من حديث أبي هريرة بلفظ: (الوضوء مما مست النار)، ومن حديث أم حبيبة بلفظ: (الوضوء مما غيرت النار أو مما مست النار).
(2/631)

فقال أبو هريرة: يابن أخي، إِذا سمعتَ حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له مثلاً. رواه الترمذي وابن ماجه (1).
رد بأن ذلك استبعاد لمخالفة الظاهر (2).
وفي الصحيحين (3): عن ابن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة وصلى (4) ولم يتوضأ".
وأيضًا: خبر معاذ، سبق (5) في أن الإِجماع حجة.
ولأن الخبر أقوى في غلبة الظن؛ لأنه يجتهد فيه في العدالة والدلالة، ويجتهد في القياس في: ثبوت حكم الأصل، وكونه معللاً، وصلاحية الوصف للتعليل، ووجوده في الفرع، ونفي المعارض في الأصل والفرع.
واعترض: باحتمال كذب الراوي، وفسقه، وكفره، وخطئه، والإِجمال في الدلالة، والتجوز والإِضمار والنسخ، مما لا يحتمله القياس.
رد: بأنه بعيد، وبتطرقه إِلى أصل ثبت بخبر الواحد، وبتقديم ظاهر الكتاب والسنة المتواترة مع التطرق في الدلالة.
قالوا: ظنُّه في الخبر من جهة غيره، وفي القياس من نفسه، وهو بها
__________
(1) انظر: سنن الترمذي 1/ 52، وسنن ابن ماجه/ 163.
(2) يعني: لم يخالفه للقياس، بل لاستبعاده له لظهور خلافه. انظر: شرح العضد 2/ 73.
(3) انظر: صحيح البخاري 1/ 48، وصحيح مسلم / 273.
(4) نهاية 179 من (ح).
(5) انظر: ص 393 من هذا الكتاب.
(2/632)

أوثق.
رد: بأن الخطأ إِليه أقرب من (1) الخبر، والخبر مستند إِلى المعصوم، ويصير ضروريًا بضم أخبار إِليه، ولا يفتقر إِلى قياس.
ولا (2) إِجماع في لبن المصراة (3)، وهو أصل بنفسه، أو مستثنى للمصلحة وقطع النزاع لاختلاطه.
* * *
فأما إِن كان أحدهما أعم خص بالآخر على خلاف يأتي (4).

مسألة (5)
المرسَل: قول غير الصحابي في سائر الأعصار: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، عند أصحابنا -قال القاضي (6) وابن عقيل (7): هو ظاهر كلام أحمد "ربما كان المنقطع أقوى إِسنادًا"- وقاله الكرخي والجرجاني وجماعة من الشافعية
__________
(1) نهاية 86 ب من (ب).
(2) هذا رد على ما نقله عن صاحب المحصول.
(3) يعني: لا إِجماع على أن الضمان يكون بالمثل أو القيمة.
(4) انظر: ص 980، 1629 من هذا الكتاب.
(5) نهاية 65 ب من (ظ).
(6) انظر: العدة/ 906 - 907، 917.
(7) انظر: المسودة/ 251.
(2/633)

وغيرهم (1) وبعض المحدثين (2).
وقد قال يحيى القَطَّان (3): مرسلات (4) ابن عُيَيْنَة تشبه الريح، ثم قال: إِيْ والله، وسفيان بن سعيد (5)، قال ابن المديني: قلت: فمرسلات مالك؟ قال: هي أَحَبُّ إِليَّ.
وقال بعض أصحابنا (6): ليس هذا (7) مذهب أحمد، فإِنه لم يحتج
__________
(1) نهاية 180 من (ح).
(2) انظر: العدة / 918، والمسودة/ 251، وأصول الجصاص / 193 ب، وتيسير التحرير 3/ 102، وفواتح الرحموت 2/ 174، والكفاية/ 20، والمستصفى 1/ 169، والإحكام للآمدي 2/ 123، ونهاية السول 2/ 324، وشرح العضد 2/ 74، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 168.
(3) هو: أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، التميمي -بالولاء- البصري، من تابعي التابعين، محدث حافظ إِمام في "الجرح والتعديل" توفي سنة 198 ه.
انظر: تاريخ بغداد 14/ 135، ومشاهير علماء الأمصار/ 161، وتذكرة الحفاظ/ 298، وميزان الاعتدال 4/ 380، والمنهج الأحمد 1/ 57.
(4) انظر: الكفاية/ 386 - 387.
(5) هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفي إِمام حافظ محدث فقيه، توفي بالبصرة سنة 161 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة حجة ... وكان ربما دلس.
انظر: حلية الأولياء 6/ 356، وصفة الصفوة 3/ 147، ووفيات الأعيان 2/ 127، وتذكرة الحفاظ/ 203، وتقريب التهذيب 1/ 311.
(6) انظر: المسودة/ 251.
(7) يعني: كون مرسل كل عصر مقبولاً.
(2/634)

بمراسيل وقته، لكن هذا إِذا قاله محدِّث عارف أو احتج به فنَعَمْ كتعليق البخاري المجزوم به، قال: وبحثُ القاضي يدل على أنه أراد بالمرسل في عصرنا ما أرسله عن واحد، وهذا قريب.
وفي التمهيد (1) -أيضًا-: يقبل إِن أرسل في وقت لم تكن الأحاديث مضبوطة، وإلا فلا.
وعند أكثر المحدثين: إِن قاله تابع التابعي فهو مُعْضَل.
وبعضهم -أيضًا-: إِن قاله تابعي صغير فليس بمرسل.
* * *
ثم: هو حجة في الأصح عن أحمد، وعليه أصحابه (وه م ع)، وحكاه بعضهم عن الأكثر.
قال ابن جرير (2) وأبو الوليد الباجي (3): إِنكار كونه حجة بدعة حَدَثَتْ بعد المائتين (4).
__________
(1) انظر: التمهيد / 121 ب.
(2) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 4.
(3) انظر: إِحكام الفصول/ 39 أ.
(4) التوقف في قبول المرسل والتحري في شأنه بدأ في عصر مبكر، ففي مقدمة صحيح مسلم/ 12 - 13، 15: أن ابن عباس لم يقبل مرسل بعض التابعين مع كون ذلك التابعي ثقة حجة، وأن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إِلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
(2/635)

فعلى هذا فهم بعض أصحابنا (1) من قول ابن إِبراهيم لأحمد (2): مرسَل برجال ثبت أَحَبُّ (3) إِليك أو حديث عن الصحابة؟ قال: عن الصحابة، أعجب إِليَّ تقديم قول الصحابي.
وقال (4) القاضي (5): لو كان حجة لم يقدم عليه قول الصحابي (6)؛ لأن من جَعَلَه حجة قدَّمه عليه.
وعن أحمد (7): ليس بحجة، وحكاه مسلم (8) عن أهل العلم بالأخبار، وابن عبد البر (9) عن أهل الحديث.
فعلى هذا: هل يُرَجَّح به؟
قال فيه في العدة (10): لا يجوز الترجيح بما لا يثبت به حكم.
__________
(1) قال في المسودة/ 250: وهذا عندي يدل على خلاف ما قاله القاضي؛ لأن الترجيح بينهما عند التعارض دليل الاكتفاء بكل واحد منهما عند الإِنفراد.
(2) انظر: مسائل الإٍ مام أحمد لابن هانئ النيسابورى 2/ 165، والعدة/ 909.
(3) في (ب): أحب.
(4) نهاية 87 أمن (ب).
(5) انظر: العدة/ 909.
(6) في (ب): الصحابة.
(7) انظر: العدة/ 908.
(8) انظر: صحيح مسلم/ 30.
(9) انظر: التمهيد لابن عبد البر 1/ 5.
(10) انظر: العدة/ 915.
(2/636)

وخالف أبو الطيب وغيره من الشافعية (1).
وسبق (2) مثله في الحديث الضعيف.
وقال السرخسي (3): حجة في القرون الثلاثة؛ لأنه - عليه السلام - أثنى عليهم (*).
وقال عيسى بن أَبَان (4): ومن أئمة النقل أيضًا (5).
وقال (ش) (6): إِن أسنده غيره (7)، أو أرسله -وشيوخهما مختلفة-
__________
(1) انظر: المسودة/ 250، 252.
(2) انظر: ص 558، 565 من هذا الكتاب.
(3) أبو سفيان. فانظر: العدة/ 918.
(4) هو: أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة، فقيه حنفي مشهور، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، توفي بالبصرة سنة 221 ه.
من مؤلفاته: إِثبات القياس، وخبر الواحد.
انظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه/ 141، والجواهر المضية 1/ 401، والفوائد البهية/ 151، وتاريخ بغداد 11/ 175، والفهرست/ 289.
(5) انظر: أصول الجصاص/ 193 ب.
(6) انظر: الرسالة/ 461، والإِحكام للآمدي 2/ 123، والمجموع 1/ 61، ونهاية السول 2/ 324، وشرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 169.
(7) في (ح): غيرهما وأرسله.
(*) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 171، ومسلم في صحيحه/ 1962 - 1965 من حديث جمع من الصحابة مرفوعاً.
(2/637)

أو عضده قول صحابي أو أكثر العلماء أو عرف أنه لا يُرْسِل إِلا عن عدل: قُبِلَ، وإلا فلا.
وأُخِذَ عليه: بأن العمل بالمسند (1).
وبأن ضم باطل إِلى مثله لا يفيد.
رد الأول: بأن المرسل صار حجة، والمسند قوي به، فيرجح على مسند عارضه.
وبأن (2) الانضمام يحصل به (3) الظن أو يقوى.
وذكر الآمدي (4): أنه وافق الشافعي على ذلك أكثر أصحابه وابن الباقلاني وجماعة.
واختار بعض أصحابنا (5) [بناء] (6) المسألة على الخلاف في قبول المجهول. كذا قال.
وبعض أصحابنا (7): ما سبق (8) في (9) رواية العدل عن غيره.
__________
(1) نهاية 181 من (ح).
(2) في (ح) و (ظ): وبأن بالانضمام.
(3) نهاية 66 أمن (ظ).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 123.
(5) انظر: البلبل/ 69.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(7) يعني: اختار بعض أصحابنا ما سبق -في رواية العدل عن غيره- من التفصيل بين من عادته أن لا يروي إِلا عن ثقة ... إِلخ. فانظر: المسودة/ 253.
(8) انظر: ص 557 من هذا الكتاب.
(9) في (ظ): من.
(2/638)

ويتوجه أنه مذهب أحمد؛ فإِنه فرق بين مرسل من يُعرف أنه لا يروي [إِلا] (1) عن ثقة وبين غيره، فإِنه قال (2): مرسلات سعيد بن المسيب (3) أصحها، ومرسلات إِبراهيم (4) لا بأس بها، وأضعفها: مرسلات الحسن وعطاء (5)؛ كانا يأخذان عن كلٍّ، ومرسلات ابن سِيرين صحاح، ومرسلات عمرو بن دينار (6) أحب إلى من مرسلات إِسماعيل بن أبي خالد (7)؛
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح) و (ب).
(2) انظر: العدة/ 907، 920 - 924، والكفاية/ 386.
(3) هو: أبو محمَّد سعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي، تابعي محدث مفسر فقيه، توفي سنة 93 ه.
انظر: حلية الأولياء 2/ 161، ووفيات الأعيان 2/ 117، ومشاهير علماء الأمصار/ 63، وتذكرة الحفاظ/ 54، وشذرات الذهب 1/ 102.
(4) يعني: النخعي.
(5) هو: عطاء بن أبي رباح.
(6) هو: أبو محمَّد الجُمَحي -بالولاء- المكي، تابعي ثقة ثبت، روى عن جابر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وقتادة وغيرهم، توفي سنة 126 ه.
انظر: المعارف/ 468، وتذكرة الحفاظ/ 113، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 27، وتقريب التهذيب 2/ 69.
(7) هو: أبو عبد الله البَجَلي الأحْمَسي -بالولاء- الكوفي، حافظ ثقة ثبت، سمع من ابن أبي أوفى وطارق بن شهاب وآخرين، وحدث عنه شعبة والسفيانان ويحيى القطان وغيرهم، توفي سنة 146 ه. انظر: العبر 1/ 203، وتذكرة الحفاظ/ 153، وتهذيب التهذيب 1/ 291، وطبقات الحفاظ/ 66.
(2/639)

إِسماعيل لا يبالي عمن حدَّث (1)، وعمرو لا يروي إِلا عن ثقة، ولا يعجبني مرسل يحيى بن أبي كثير (2)؛ لأنه روى عن ضعاف.
وقيل له: لم كرهتَ مرسلات الأعمش؟ قال: لا يبالي عمن حدَّث.
وقيل له عن مرسلات سفيان (3). فقال (4): لا يبالي عمن روى.
ونقل مهنا (5): أن مرسل الحسن صحيح. وقاله ابن المديني (6).
ومثل ذلك كثير في كلام الأئمة.
احتج الأولون: بقبول مراسيل الأئمة من غير نكير.
وبأن الظاهر منهم: لا يطلقون إِلا بعد ثبوته، لإِلزام الناس بحكم.
وذلك (7) ممنوع؛ لما سبق من التفرقة (8).
__________
(1) نهاية 87 ب من (ب).
(2) هو: أبو النضر يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي -بالولاء- اليماني، روى عن أنس وجابر وأبي أمامة مرسلاً، توفي سنة 129 ه.
قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 652، ومشاهير علماء الأمصار/ 191، وتذكرة الحفاظ/ 127، وتقريب التهذيب 2/ 356.
(3) هو: سفيان الثوري.
(4) في (ح): قال.
(5) انظر: العدة/ 924.
(6) انظر: تهذيب التهذيب 2/ 266.
(7) يعني: كون الظاهر ما ذكر.
(8) بين مرسل ومرسل.
(2/640)

واحتج الثاني: بأن فيه جهلاً بعين الراوي وصفته.
رد: من عادته التحري فإِرساله دليلُ تعديلِه.
قالوا: كالشهادة (1) في (2) العدالة (3)، وإرسال شهادة الفرع (4).
ولا يبقى للإِسناد فائدة.
رد: الشهادة أضيق.
وفائدته: عند التعارض ورفع الخلاف (5)، وقد يعين الراوي المرويَّ عنه لعدم معرفته به، أو ليبحث المجتهد عنه بنفسه (6)، فظنه أقوى من غيره.
* * *
أما مرسل الصحابة فحجة عندنا وعند الجمهور؛ عملا بالظاهر، خلافا لبعض الشافعية.
وزعم (7) الصَّيْمَرِي (8) الحنفي (9): أن الصحابي إِذا قال: "هذا كتاب
__________
(1) يعني: الخبر كالشهادة.
(2) نهاية 182 من (ح).
(3) يعني: في اشتراط العدالة.
(4) وهو غير مقبول.
(5) حيث اختلف في المرسل، ولم يختلف في المسند.
(6) في (ح): نفسه.
(7) انظر: المسودة/ 260.
(8) في (ح): الصميري.
(9) هو: أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمَّد، إِمام الحنفية ببغداد، ثقة صاحب حديث، توفي سنة 436 ه.=
(2/641)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مرسل حتى يقول: "حدثني بما فيه"؛ لأنه يحتمل: "هذا كتابه دَفَعه إِليَّ، وقال: اعمل بما فيه أو اروِه عني"، وهو مرسل، لا يختلف أهل الأصول في ذلك. كذا قال.
وذكر بعض أصحابنا (1) خلافه إِجماعًا.
وسبقت المناولة (2).
* * *
وإِن انقطع في الإِسناد رجل -كرواية تابع تابعي عن صحابي- فمرسل، ذكره القاضي (3) وطوائف من الفقهاء وغيرهم.
والأشهر عند المحدثين: يسمى منقطعًا.
* * *
ومن روى عمن لم (4) يلقَه -ووقَفَه عليه- فمرسل أو منقطع يسمى موقوفاً.
وسبق (5) في التعديل: هل يُعمل بالضعيف؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=من مؤلفاته: مسائل الخلاف في أصول الفقه، وأخبار أبي حنيفة وأصحابه.
انظر: تاريخ بغداد 8/ 78، وتذكرة الحفاظ/ 1109، والجواهر المضية 1/ 214، والفوائد البهية/ 67، وتاج التراجم/ 26.
(1) انظر: المسودة/ 260.
(2) انظر: ص 595 من هذا الكتاب.
(3) انظر: العدة / 906.
(4) نهاية 88 أمن (ب).
(5) انظر: ص 559 من هذا الكتاب.
(2/642)

الأمر
وهو حقيقة في القول المخصوص (1) اتفاقًا، وهو (2) قسم من أقسام الكلام.
وعند الأشعرية (3): كما يطلق عليه يطلق على الكلام النفسي (4)، وهو المعنى القائم بالنفس الذي دل عليه اللفظ، والنفسي القديم وإِن كان واحداً بالذات فيسمى أمرًا ونهيًا وخبرًا وغيرها من أقسام الكلام باختلاف (5) تعلُّقه ومتعلَّقه، وإنما الخلاف في الفعل. كذا ذكره الأشعرية.
وعند أحمد وأصحابه والجمهور: الكلام الأصوات والحروف -والمعنى النفسي لا يسمى كلاما، أو يسمى مجازًا- لاستعمال الكتاب (6)
__________
(1) نهاية 66 ب من (ظ).
(2) يعني: الأمر.
(3) عدلت في (ب) و (ظ) إِلى: الأشعري.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 130 - 131.
(5) نهاية 183 من (ح).
(6) قال تعالى لزكريا: (آيتك ألا تُكلم الناس ثلاث ليال سَوِيًّا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إِليهم أن سبحوا بكرة وعَشِيًّا) سورة مريم: الآيتان 10، 11. فلم بسم إِشارته كلاما.
(2/643)

والسنة (1) وإجماع أهل اللغة (2)، ولو حلف "لا يتكلم" -فلم ينطق- لم يَحْنَثْ إِجماعًا، واتفاق أهل العرف أن من لم ينطق ليس متكلمًا.
واعترض: بنحو: (ويقولون في أنفسهم) (3)] (وأسِرُّوا قولكم) (4).
رد: أي يقول لعضهم لبعض، ثم: مجاز.
وفي فنون ابن عقيل: أَزْرَى رجل على من قال: "الكلام في النفس"، فقال حنبلي محقِّق -يقصد إِبانة الحق لا إِرضاء الخلق-: القرآن كلام الله قبل تلاوته علينا، وهو في الصدور ولم يخرج إِلى الصوت والحرف، فلا تُنكر ما لا تعلم.
* * *
واختلف كلام القاضي (5) وغيره في تسمية الكتابة كلاماً حقيقة.
* * *
__________
(1) أخرج البخاري في صحيحه 8/ 135، ومسلم في صحيحه/ 116 - واللفظ له- عن أبي هريرة مرفوعًا: (إِن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به).
(2) فقد اتفقوا على أن الكلام: اسم، وفعل، وحرف. انظر: الكتاب 1/ 2، والمقتضب 1/ 4، وروضة الناظر/ 189 - 190.
(3) سورة المجادلة: آية 8.
(4) سورة الملك: آية 13.
(5) انظر: العدة/ 224، والمسودة/ 14، والقواعد والفوائد الأصولية/ 162.
(2/644)

وعند أحمد وأصحابه والجمهور: الأمر مجاز في الفعل [(و)] (1). وفي الكفاية (2): "مشترك بينه وبين الشأن والطريقة ونحو ذلك"، قال بعض أصحابنا (3): هو الصحيح لمن أنصف، وقاله بعض المالكية وابن برهان وأبو الطيب وأبو الحسين البصري (4).
واختار الآمدي (5): متواطئ.
لنا: سَبْق القول إِلى الفهم عند الإِطلاق (6)، ولو كان متواطئا لم يفهم (7) منه الأخص؛ لأن الأعم لا يدل على الأخص.
وقول أهل اللغة (8).
واستدل: لو كان حقيقة في الفعل لزم الاشتراك (9)، ولاطَّرد؛ لأنه (10)
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ح).
(2) انظر: المسودة/ 16.
(3) انظر: المرجع السابق.
(4) انظر: المعتمد / 45.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 137.
(6) يعني: إِطلاق لفظ (أمر).
(7) نهاية 88 ب بن (ب).
(8) حيث حدوا الأمر بقول القائل: افعل ... إِلخ. انظر: العدة/ 222، 223.
(9) وهو خلاف الأصل، لكونه مخلا بالتفاهم. انظر: شرح العضد 2/ 76.
(10) يعني: لأن الاطراد. انظر: الإِحكام للآمدى 2/ 131.
(2/645)

من لوازمها (1)، ولا يقال للأكل (2): أمر، ولاشْتُقَّ له منه "آمر" ولا مانع (3)، ولاتَّحَدَ جمعاهما، ولَوُصِف بكونه مطاعا ومخالفا، ولَمَا صح نفيه.
ورد الأول: بمنع إِطلاقه عليه، بل على شأنه وقصته (4)، ومنه قوله.
ثم: مجاز، لدليلنا. وسبق (5) في تعارض المجاز والحقيقة.
والثاني: بالمنع، ثم: خُصَّ ببعض الأفعال، كالأمر بقول مخصوص.
والثالث: بأن الاشتقاق تابع للنقل والوضع (6)، وكما يتبع (7) الحقيقة يتبع بعض المسميات فلا يطرد (8) لعدم الاشتراك في ذلك المسمى.
وبه يجاب عن الرابع والخامس.
والسادس: بالمنع.
__________
(1) يعني: لوازم الحقيقة. انظر: المرجع السابق.
(2) في (ب) و (ح): للآكل آمر. وانظر: المرجع السابق.
(3) يعني: ولا مانع من ذلك في اللغة، ولم يشتق منه. انظر: المرجع السابق.
(4) كذا في النسخ. ولعلها: وصفته.
(5) انظر: ص 86 - 87 من هذا الكتاب.
(6) نهاية 184 من (ح).
(7) يعني: وكما يتبع الاشتقاق الحقيقة. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 135.
(8) يعني: فلا يطرد في غيره. انظر: المرجع السابق.
(2/646)

القائل "مشترك": إِطلاقه (1) وجمعه (2) -ولا علاقة- فكان حقيقة.
رد: بالمنع، والمراد (3) القول (4) أو شأنه وقصته (5).
و"حمار" (6) للبليد جمعه "حُمُر".
ثم: كل (7) واحد من الأمر والأمور يقع موقع الآخر، وليس جمعًا له.
القائل "متواطئ": لدفع المجاز والاشتراك (8)، فيجعل لقدر مشترك وهو الوجود والصفة.
رد: يلزم رفعهما أبدا كذلك، وأن (9) يدل الأعم على الأخص، وبأنه إِحداث قول ثالث.
* * *
__________
(1) يعني: إِطلاقه على الفعل. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 137.
(2) يعني: يجمع على (أمور).
(3) من قولهم -مثلاً-: أمر فلان.
(4) نهاية 67 أمن (ظ).
(5) كذا في النسخ. ولعلها: وصفته.
(6) يعني: لا نسلم أن الجمع دليل الحقيقة. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 136.
(7) يعني: إِن سلمنا أن الجمع يدل على الحقيقة فلا نسلم أن (أمور) جمع (أمر).
انظر: المرجع السابق.
(8) لأنهما محذوران. انظر: شرح العضد 2/ 76.
(9) يعني: ويلزم أن يدل ...
(2/647)

حد الأمر: اقتضاء فعل أو استدعاء فعل بقول من هو دونه، قاله في العدة (1) والواضح (2)، وقال: "استدعاء الأعلى" لتعود الهاء إِليه؛ لأنه لا يجوز في الحد إِضمار، فيجوز: استدعاء فعل بقول من الدُّون.
وفي التمهيد (3) والروضة (4): "استدعاء فعل بقول بجهة الاستعلاء"، وهو معنى حد الأشعرية (5).
وقال بعض أصحابنا (6): لو أُسقِط "بقول" أو زِيد "أو ما قام مقامه" استقام.
وبعضهم (7) -أيضًا-: قول يطلب به الأعلى من الأدنى فعلا أو غيره. كذا قالوا (8).
والأولى على أصلنا: قول مع اقتضاء بجهة الاستعلاء.
وقال ابن برهان (9): تعتبر إِرادة المتكلم بالصيغة بلا خلاف، حتى لا يرد
__________
(1) انظر: العدة 1/ 157.
(2) انظر: الواضح 1/ 24 أ.
(3) انظر: التمهيد/ 18 ب.
(4) انظر: روضة الناظر/ 189.
(5) انظر: المحصول 1/ 2/ 22، والإِحكام للآمدي 2/ 140.
(6) انظر: البلبل/ 84.
(7) انظر: المسودة/ 10.
(8) نهاية 89 أمن (ب).
(9) انظر: المسودة/ 4.
(2/648)

نحو: نائم وساه (1).
وأخرج أصحابنا ذلك والتهديد وغيره (2) بالاستدعاء بجهة الاستعلاء، وإن عدلنا فلقرينة.
[ثم] (3) قال ابن عقيل (4) وغيره: اتفقنا أن إِرادة النطق معتبرة، وإِلا فليس طلبًا واقتضاء واستدعاء، واختلف الناس: هل هو كلام؟ فنفاه المحققون: فقدم لقيام الكلام بالنفس (5)، وقوم لعدمِ إِرادة، وعندنا: لأنه مدفوع إِليه، كخروج حروف (6) عن غلبة عطاس ونحوه.
[(7) والكتابة ليست كلاما حقيقة، قال ابن عقيل (8): عند أحد] (9).
__________
(1) جاء -هنا- في (ب) و (ظ): (والكتابة ليست كلاما حقيقة، قال ابن عقيل: عند أحد). وسيرد هذا الكلام في السطر الثامن من هذه الصفحة.
(2) في (ب) و (ظ): وغيره وحد أصحابنا وجود اللفظ بالاستدعاء.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) انظر: الواضح 1/ 238 ب.
(5) وهذا لم يعبر عما في النفس.
(6) في (ب) و (ظ): حرف.
(7) ما بين المعقوفتين -هنا- من (ح). وقد ورد في (ب) و (ظ) متقدمًا، وسبقت الإِشارة إِليه في هامش 1.
(8) انظر: الواضح 1/ 236 أ.
(9) جاء -بعد هذا- في (ح): (وفي التمهيد والروضة: استدعاء فعل بقول بجهة الاستعلاء، وقال بعض أصحابنا: قول يطلب به الأعلى من الأدنى فعلا أو غيره). وهو مكرر مع ما تقدم في ص 648.
(2/649)

وحد أكثر المعتزلة (1) الأمر بقول القائل لمن دونه: "افعل" أو ما يقوم مقامه من غير العربية.
ونُقِضَ طرده: بالتهديد والإِباحة والتكوين والإِرشاد، والحاكي، وبصدوره من الأعلى خضوعًا، وعكسه: بصدوره من الأدنى استعلاء.
وبعضهم: صيغة "افعل" مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر.
وفيه: تعريف الأمر بالأمر.
وإن أسقط قيد القرائن بقي: "صيغة افعل مجردة"، فيرد التهديد وغيره.
وبعضهم: صيغة "افعل" باقتران إِرادات ثلاث: إِرادة (2) وجود اللفظ (3)، وإرادة دلالتها على الأمر، وإرادة الامتثال.
فالأول: عن النائم، والثاني: عن التهديد وغيره، والثالث: عن الحاكي والمبلِّغ.
وهو فاسد؛ فإِن الأمر الذي هو المدلول إِن كان الصيغة فسد، فإِنها لم تُرَد (4) دلالتها على اللفظ، وإن كان المعنى (5) لم يكن الأمر الصيغة، وقد قال: إِنه هي.
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 2/ 19، والإحكام للآمدي 2/ 137.
(2) نهاية 185 بن (ح).
(3) كذا في النسخ. والمناسب: اللفظة.
(4) في (ح): لم يرد.
(5) عدلت في (ب) و (ظ) إِلى: الأمر.
(2/650)

فإِن (1) قيل: الأمر الأول اللفظ مفسر بالصيغة، والأمر الثاني المعنى وهو الطلب (2)، أي: الأمر: الصيغة المراد بها دلالتها على الطلب.
رد: فيه استعمال المشترك في التعريف بلا قرينة.
واعتبر الجبائي (3) وابنه: إِرادة الدلالة.
وبعضهم (4): إِرادة الفعل.
ونقض عكسه: بصدوره بلا إِرادة، بأن توعد سلطان على ضرب زيدٍ عبدَه بلا جرم، فادعى مخالفة أمره، وأراد تمهيد عذره بمشاهدته، فإِنه يأمره ولا يريد امتثاله.
وهذا -أيضًا- يلزم من حد الأمر بالطلب (5) وهو الاقتضاء.
ورده -أيضًا- أصحابنا وغيرهم: بأنه كان يجب وجود كل أوامر الله؛ فإِن إِرادة الفعل تخصيصه بوقت حدوثه، فإِذا لم يوجد لم يتخصص، فلم تتعلق (6) به.
__________
(1) نهاية 67 ب من (ظ).
(2) نهاية 89 ب من (ب).
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 43، ونهاية السول 2/ 11.
(4) يعني: عرف بعضهم الأمر بأنه: إِرادة الفعل.
(5) لأن السيد -في هذه الصورة- آمر لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه.
انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 139.
(6) في (ب): فلم يتعلق.
(2/651)

ولا تشترط الإِرادة لغة إِجماعًا.
وحده بعض الشافعية (1) بأنه: خبر عن الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
وفيه: لزومهما.
فقيل: باستحقاقهما (2).
فرد: باستلزام الخبر للصدق أو الكذب، والأمر لا يحتمله.
وحده ابن الباقلاني (3) وأبو المعالي (4) والغزالي (5) -قال الآمدي (6): وأكثرهم-: بالقول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.
ورد: بأن المأمور مشتق من الأمر، وبأن الطاعة موافقة الأمر، وهما دور.
واختار الآمدي (7) -على قاعدة أصحابه في كلام النفس-: طلب فعل على جهة (8) الاستعلاء. فالفعل: عن النهي، والباقي: عن الدعاء
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 139.
(2) يعني: قيل: هو خبر عن استحقاق الثواب والعقاب. انظر: المرجع السابق.
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 19، والإِحكام للآمدي 2/ 140.
(4) انظر: البرهان/ 203.
(5) انظر: المستصفى 1/ 411.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 140.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) نهاية 186 من (ح).
(2/652)

والالتماس.
وقَيَّد بعضهم (1) الفعل ب "غير كف"، ليخرج النهي، فإِنه فعل كف.
وأورد: "اترك" و"كُف" أمران، وهما اقتضاء فعل هو كف، و"لا تترك" و"لا تكف" نهي، وهما اقتضاء فعل غير كف بجهة الاستعلاء.
ولم يشترط بعض الأشعرية (2) الرتبة، [وهو غريب ضعيف] (3)، وحكي عن المعتزلة، لقول فرعون: (فماذا (4) تأمرون) (5).
وحكى بعضهم (6) اعتبار (7) العلو، وأبي (8) الحسين (9) الاستعلاء، وأبطلهما ب (فماذا (10) تأمرون).
رد: من قول الملأ، ثم (11): هو استشارة؛ لأن من أمر سيده أحمق
__________
(1) انظرة مختصر ابن الحاجب 2/ 77.
(2) انظر: المحصول 1/ 2/ 45، ونهاية السول 2/ 3.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) في النسخ: ماذا.
(5) سورة الأعراف: آية 110.
(6) انظر: المحصول 1/ 2/ 45، ونهاية السول 2/ 4.
(7) يعني: حكى بعضهم عن المعتزلة اعتبار العلو.
(8) يعني: وحكى عن أبي الحسين الاستعلاء.
(9) انظر: المعتمد / 49.
(10) في النسخ: ماذا.
(11) نهاية 90 أمن (ب).
(2/653)

إِجماعا.
قال في الواضح (1): لا خلاف أنه من العبد لله ليس أمرًا لدنو الرتبة، وأجمعوا على اعتبار الرتبة في الحد.
وهو من المماثل: سؤال.
وقال بعض المعتزلة: اقتضاء وطلب. وفي الواضح (2): هو قول حسن.
* * *
وعند أحمد (3) وأصحابه والجمهور: للأمر صيغة تدل بمجردها عليه لغة.
ومنع ابن عقيل (4) أن يقال: "للأمر صيغة"، أو أن يقال: "هي دالة عليه"، بل الصيغة نفسها هي الأمر، والشيء لا يدل على نفسه، وإِنما يصح (5) عند المعتزلة "الأمر (6) الإِرادة"، والأشعرية (7) "معنى (8) في النفس".
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 235 ب.
(2) انظر: الواضح 1/ 232 أ- ب.
(3) انظر: العدة/ 214.
(4) انظر: الواضح 2/ 134 - ب، والمسودة/ 9.
(5) نهاية 68 أمن (ظ).
(6) يعني: المعتزلة الذين يقولون: الأمر الإرادة.
(7) في (ب) و (ح): أو الأشعرية.
(8) يعني: الأشعرية الذين يقولون: معنى في النفس.
(2/654)

وكذا قال أبو المعالي (1): صيغة الأمر كقولك: ذات الشيء ونفسه.
وقال بعض أصحابنا (2): "للأمر صيغة "صحيح؛ لأن الأمر: اللفظ والمعنى، فاللفظ دل على التركيب، وليس هو عين المدلول، ولأن اللفظ دل على صفته (3) التي هي الأمرية (4)، كما يقال (5): يدل على كونه أمرًا. ولم يُقَل: على الأمر.
وقد قال القاضي (6): "الأمر يدل على طلب الفعل واستدعائه". فجعله مدلول الأمر لا عين الأمر.
وقال القاضي (7) في كتاب الروايتين (8) -عن قول أحمد في رواية
__________
(1) انظر: البرهان/ 212.
(2) انظر: المسودة/ 9.
(3) في المسودة: صيغته.
(4) في (ب) و (ظ): الأمر به.
(5) في (ظ): كما يقول.
(6) انظر: العدة/ 246، والمسودة/ 8.
(7) انظر: الروايتين والوجهين/ 233 ب.
(8) كتاب الروايتين والوجهين: كتاب في الفقه الحنبلي، يذكر فيه مؤلفه المسائل ذات الروايتين عن أحمد أو الوجهين في المذهب، وفي آخره مسائل من أصول الفقه وأصول الدين وعلوم القرآن والقراءات. وقد حقق المسائل الفقهية منه الدكتور عبد الكريم اللاحم -لنيل درجة الدكتوراه- ثم حقق المسائل الأصولية منه.
(2/655)

الجُوزجاني (1): "من تأول القرآن على ظاهره بلا أدلة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون عامة قصدت لشيء بعينه، والشعبي - صلى الله عليه وسلم - (2) هو المعبر عن كتاب الله"-: ظاهره: لا صيغة له، بل الوقف حتى يتبين (3) المراد من وجوب وندب.
قال بعض أصحابنا (4): نص أحمد في العموم (5)، واعتبر القاضي جنس الظواهر (6)، وهو اعتبار جيد، فيبقى قد حكى رواية بمنع التمسك بالظواهر المجردة حتى يعلم ما يفسرها، وهو الوقف المطلق وقوفًا شرعيًا، لمجيء التفسير والبيان (7) كثيراً مع ظهوره (8) لغة (9)، ومن أصحابنا من يفسر
__________
(1) هو: أبو عبد الرحيم محمَّد بن أحمد بن الجراح، أحد أصحاب الإِمام أحمد الذين نقلوا عنه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 262، واللباب 1/ 308.
(2) نهاية 187 من (ح).
(3) في (ح): يبين.
(4) انظر: المسودة/ 12 - 13.
(5) يعني: لا في الأمر. انظر المسودة/ 12.
(6) من الأمر والعموم وغيرهما. انظر: المرجع السابق.
(7) يعني: بخلاف الظهور اللغوي. انظر: المسودة/ 13.
(8) يعني: كثيراً ما يأتي التفسير والبيان مع وجود الظهور اللغوي. انظر: المرجع السابق.
(9) نهاية 90 ب من (ب).
(2/656)

هذه الرواية بما يوافق كلامه (1): إِما الرواية المشهورة: يقف حتى يبحث عن المعارض فإِذا لم يوجد عمل به، وإِما منع الاكتفاء بها مع مخالفة سنة كطريقة (2) كثير من أهل الكلام والرأي، ولهذا صنف الرسالة (3) في الرد على من اتبع الظاهر وإن خالف (4) السنة.
وعند أكثر القائلين (5) بكلام النفس: للأمر صيغة.
وعند (6) الأشعري (7) ومن تبعه: لا صيغة له، فقيل: مشتركة. وقيل: لا ندري.
وقال أبو المعالي (8) والغزالي (9): لا خلاف في "أمرتك" و"أنت مأمور" و"أوجبت" و"ندبت"، إِنما الخلاف في صيغة "افعلْ" لترددها؛ فإِنها تستعمل في: الوجوب (أقم الصلاة) (10)، والندب (فكاتبوهم) (11)،
__________
(1) يعني: كلام أحمد.
(2) في (ظ): طريقة.
(3) المسماة: طاعة الرسول. انظر: إِعلام الموقعين 2/ 290.
(4) يعني: وإن خالف الظاهر السنة.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 141.
(6) في (ب): عند.
(7) انظر: البرهان/ 212، والإِحكام للآمدي 2/ 141.
(8) انظر: البرهان 1/ 214.
(9) انظر: المستصفى 1/ 417.
(10) سورة الإسراء: آية 78.
(11) سورة النور: آية 33.
(2/657)

والإِرشاد (فاستشهدوا) (1)، والإِباحة (فاصطادوا) (2)، والتأديب "كل مما يليك (3) "، والامتنان (كلوا مما رزقكم الله) (4)، والإكرام (ادخلوها بسلام) (5)، والتهديد (اعملوا ما شئتم) (6)، والتسخير (كونوا قردة) (7)، والتعجيز (كونوا (8) حجارة) (9)، والإِهانة والاحتقار (ذق إِنك أنت العزيز) (10)، (ألقوا (11) ما أنتم ملقون) (12)، والتسوية (فاصبروا (13) أو
__________
(1) كذا في النسخ. وهي آية 15 من سورة النساء (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم)، ولكنها للوجوب، فلعل المراد قوله تعالى: (واشتهدوا شهيدين من رجالكم) سورة البقرة: آية 282.
(2) سورة المائدة: آية 2.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 68، ومسلم في صحيحه/ 1599 من حديث عمر ابن أبي سلمة مرفوعاً.
(4) سورة الأنعام: آية 142.
(5) سورة الحجر: آية 46.
(6) سورة فصلت: آية 40.
(7) سورة البقرة: آية 65.
(8) في (ب): كونوه.
(9) سورة الإِسراء: آية 50.
(10) سورة الدخان: آية 49.
(11) في النسخ: بل ألقوا.
(12) سورة يونس: آية 80.
(13) نهاية 188 من (ح).
(2/658)

لا تصبروا) (1)، والدعاء (اغفر لي) (2)، والتمني:
ألا أيها (3) الليل الطويل ألا انجلي (4)
وكمال القدرة والتكوين (كن فيكون) (5)، والخبر "أَسْمِعْ بهم) (6) أي: سمعوا يوم القيامة ما أسمعهم حين لم ينفعهم (7).
رد: الصيغة لغة للاستدعاء حقيقة، ولغيره بقرينة، بدليل السبق إِلى الفهم والأصل عدم عرف طارئ (8).
وفي الواضح (9): هذا (10) عند قوم، وإلا فهي موضوعة في كل محل
__________
(1) سورة الطور: آية 16
(2) سورة الأعراف: آية 151.
(3) نهاية 68 ب من (ظ).
(4) هذا صدر بيت من معلقة امرئ القيس المشهورة، وعجزه:
بصبح وما الإِصباح فيك بأمثل
انظر: ديوان امرئ القيس/ 18.
(5) سورة البقرة: آية 117.
(6) سورة مريم: آية 38.
(7) في زاد المسير 5/ 233: فالمعنى: ما أسمعهم يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم ذلك.
(8) في (ب): طاهر.
(9) انظر: الواضح 1/ 231 ب- 232 أ.
(10) يعني: كونها للاستدعاء حقيقة ولغيره بقرينة.
(2/659)

حقيقة، وأن الصيغة للتهديد وغيره، شابهت الأمر وليست أمرًا صُرِفت (1) إِلى غير الأمر بقرينة، وأن هذا سماعه من أئمة الأصول وأهل اللغة والعربية.
وقال: إِذا سمعت (2) الصيغة من وراء حجاب فهي لطلب الفعل في أصل الوضع (3)، كقول القائل: "يا عفيف يا كريم" موضوع (4) (5) للمدح، وفي الخصومة للذم، ولا يحسن استفهام السامع.

مسألة.
الأمر المطلق المجرد عن قرينة مجاز في غير الوجوب والندب والإِباحة والتهديد اتفاقًا، قاله الآمدي (6) وغيره.
وعند أحمد (7) وأصحابه وعامة المالكية (8) والشافعية (9) والفقهاء
__________
(1) في (ظ): اصرفت.
(2) في (ح): عرفت.
(3) فإِن كان مهددًا فهي للتهديد. انظر: الواضح 1/ 232 أ.
(4) يعني: فإِنه موضوع للمدح.
(5) نهاية 91 أمن (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 143.
(7) انظر: العدة/ 224.
(8) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 66، ومختصره 2/ 79، وشرح تنقيح الفصول / 127، ومفتاح الوصول/ 16.
(9) انظر: البرهان 216، والإِحكام للآمدي 2/ 144.
(2/660)

وأبي الحسين (1) وغيره من المعتزلة: حقيقة في الوجوب.
وعن أحمد (2): ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهل مما نهى عنه.
قال جماعة (3): لعله أراد: لأن جماعة (4) قالوا: "الأمر للندب ولا تكرار، والنهي للتحريم والدوام)؛ لئلا (5) يخالف نصوصه.
وأخذ أبو الخطاب (6) منه: أنه للندب، وقاله أبو هاشم (7) ومن تبعه وبعض الشافعية (8).
وقيل: للطلب المشترك بينهما.
وقيل: بالاشتراك (9) اللفظي.
الأشعري (10) وابن الباقلاني وغيرهما: بالوقف فيهما، أي: في
__________
(1) انظر: المعتمد/ 57، والإِحكام للآمدي 2/ 144.
(2) انظر: العدة/ 228.
(3) انظر: المرجع السابق/ 229، والمسودة/ 5.
(4) في (ظ): الجماعة.
(5) يعني: لا يحمل على أنه عنده للندب؛ لئلا يخالف منصوصاته الكثيرة. انظر: المسودة/ 5.
(6) انظر: التمهيد/ 21 أ.
(7) انظر: المعتمد/ 57 - 58، والمحصول 1/ 2/ 66، والإِحكام للآمدي 2/ 144.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 144.
(9) في (ظ): للاشتراك.
(10) انظر: البرهان/ 216 - 218.
(2/661)

الاشتراك والانفراد.
وقيل: مشترك فيهما وفي الإباحة.
وقيل: في الإِذن المشترك فيها (1).
وعند الشيعة (2): مشترك (3) فيها (4) وفي التهديد.
وقيل: في الإباحة (5).
لنا -على الوجوب-: أن الذم يستلزمه، وقد ذم بالاتفاق بقوله: (ما منعك ألا تسجد إِذ أَمَرْتُك) (6)، وأراد قوله: (اسجدوا (7)) (8)، (وإِذا قيل لهم اركعوا) (9).
__________
(1) يعني: في الثلاثة. انظر: شرح العضد 2/ 80.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 144.
(3) في (ح): مشتركة.
(4) يعني: في الثلاثة. انظر: شرح العضد 2/ 80.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 143.
(6) سورة الأعراف: آية 12.
(7) سورة الأعراف: آية 11.
(8) في (ظ) و (ب): اسجد وإذا قيل.
(9) سورة المرسلات: آية 48.
(2/662)

وأيضًا (1): (أَفَعَصَيْتَ أمري) (2)، (لا يعصون (3) الله ما أمرهم) (4).
والتهديد يستلزمه، وقد قال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) (5).
واعترض: يدل على وجوب أمر هدد فيه أو حذر على مخالفته أو سمي به عاصيًا لا مطلقًا، وإِلا لزم الندب (6).
ثم: (يخالفون عن أمره) مطلق (7).
ثم: يلزم الندب.
ثم: المخالفة اعتقاد غير موجَبه (8) (9) من وجوب أو ندب (10).
__________
(1) يعني: تارك الأمور به عاص بدليل الآية، وكل عاص متوعد، وهو دليل الوحوب.
انظر: شرح العضد 2/ 80
(2) سورة طه: آية 93.
(3) نهاية 189 من (ح).
(4) سورة التحريم: آية 6.
(5) سورة النور: آية 63.
(6) لأنه مأمور به.
(7) فلا يعم. النظر: شرح العضد 2/ 80.
(8) في (ح): موجوبه.
(9) نهاية 69 أمن (ظ).
(10) وليست المخالفة ترك المأمور به. انظر: شرح العضد 2/ 80.
(2/663)

رد هذا (1): بأنه خلاف الظاهر (2).
وأمره عام (3).
ولا يلزم الندب، لقرينة فيه (4).
وقوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) الآية (5).
وقال - عليه السلام - لبَريرة عن زوجها (6): (لو راجعتيه، فإِنه أبو ولدك)، قالت: تأمرني؟ قال: (لا، إِنما أشفع)، قالت: فلا حاجه لي فيه. رواه (7) البخاري. فهمت الوجوب من الأمر، وأقرها، وقبول شفاعته مستحب.
__________
(1) يعني: قولهم: المخالفة اعتقاد ... إِلخ.
(2) فالظاهر المتبادر إِلى الفهم -إِذا قيل: خالف أمره-: أنه ترك المأمور به، فلا يصرف عنه إِلا بدليل. انظر: المرجع السابق.
(3) فلا نسلم أنه مطلق، والمصدر إِذا أضيف كان عاما مثل: ضرب زيد، وأكل عمرو.
انظر: المرجع السابق.
(4) تدل على جواز الترك.
(5) سورة الأحزاب: آية 36: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا). فالمراد من (قضى): ألزم، ومن (أمرا): مأمورا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إِلا واجبًا.
انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 147.
(6) نهاية 91 ب من (ب).
(7) تقدم الحديث في ص 232.
(2/664)

ودعا - عليه السلام - أبا سعيد بن المُعَلَّى (1) وهو يصلي فلم يجبه، فاحتج عليه بقوله: (استجيبوا لله وللرسول إِذا دعاكم) (2). رواه البخاري (3).
ولأن الصحابة والأئمة استدلوا بمطلقها على الوجوب من غير بيان قرينة من غير نكير، كما عملوا بالأخبار.
واعترض: بأنه ظن (4).
رد: بالمنع (5)، ثم: يكفي (6) في مدلول اللفظ، وإِلا تعذر العمل بأكثر الظواهر (7).
ولأن السيد لو أمر عبده بشيء أمراً مطلقًا -فخالفه- عد قطعا عاصيا، ولهذا يقال -لغة وعرفًا-: أمره فعصاه، وأمرتك فعصيتني.
واستدل: الإِيجاب معنى مطلوب، فلا بد من لفظ صريح يخصه.
ولأنه مقابل للنهي، وهو للتحريم، فيكون للوجوب.
__________
(1) هو: الصحابي الحارث بن نُفَيْع بن المعلى الأنصاري الزُّرَقي.
(2) سورة الأنفال: آية 24.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 61، وأبو داود في سننه 2/ 150، والنسائي في سننه 2/ 139 من حديث أبي سعيد بن المعلى.
(4) يعني: بأنه ظن في الأصول فلا يجزئ. انظر: شرح العضد 2/ 80.
(5) يعني: فليس بظن. انظر: المرجع السابق.
(6) يعني: يكفي الظن. انظر: المرجع السابق.
(7) لأن المقدور فيها هو تحصيل الظن بها. انظر: المرجع السابق.
(2/665)

وبأنه أحوط.
رد الأول: بالندب (1).
والثاني: بالمنع (2)، ثم: قياس في اللغة.
والثالث: باحتمال الندب، فيكون (3) جهلاً، ونية (4) الوجوب قبيحة، ثم: معارض بالإِضرار.
القائل بالندب: قوله - عليه السلام -: (إِذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه (5) ما استطعتم) (6)، فرده إِلى استطاعتنا.
ولأنه اليقين.
ولأن المندوب مأمور به [حقيقة] (7).
رد الأول: بأن كل واجب كذلك.
والثاني: بأن الإِباحة أولى؛ لتيقن نفي الحرج عن الفعل،
__________
(1) فإِنه معنى مطلوب، فلا بد ... إِلخ. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 153.
(2) يعني: منع أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل إِلا أن يدل عليه دليل. انظر الإِحكام للآمدي 2/ 153.
(3) يعني: فيكون اعتقاد كونه واجبًا جهلاً. انظر: المحصول 1/ 2/ 153.
(4) يعني: وتكون نية الوجوب قبيحة. انظر: المرجع السابق.
(5) نهاية 190 من (ح).
(6) تقدم الحديث في ص 242 - 243.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(2/666)

بخلاف رجحان (1) جانبه (2).
والثالث: سبق (3) في التكليف.
القائل بمطلق الطلب: ثبت الرجحان، ولا دليل يقيد، فكان للمشترك دفعا للاشتراك.
رد: ثبت الدليل.
ورد -أيضًا-: بأن فيه إِثبات اللغة بلازم (4) الماهِيَّة، وهو خطأ؛ لأن كل شيئين مشتركان في لازم، فيلزم رفع المشترك، (5) ولأنه (6) (7) طريق عقلي (8).
رد: لا يلزم لنص الواضع عليه، ويجوز أن معه مقدمة نقلية، فليس عقليًا (9) صرفا.
__________
(1) وهو معنى المندوب. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 154.
(2) فإِنه غير متيقن. انظر: المرجع السابق.
(3) انظر: ص 229 من هذا الكتاب.
(4) حيث جعلتم الرجحان لازمًا للوجوب والندب، فجعلتم -باعتباره- صيغة الآمر لهما مع احتمال أن تكون للمقيد بأحدهما وللمشترك بينهما. انظر: شرح العضد 2/ 81.
(5) هذا وجه ثان لخطأ إِثبات اللغة بلازم الماهية.
(6) يعني: إِثبات اللغة بلازم الماهية.
(7) نهاية 92 أمن (ب).
(8) فلا مدخل له في اللغات.
(9) في (ب): عليا.
(2/667)

القائل "مشترك": أطلق (1)، والأصل الحقيقة.
ويحسن الاستفهام والتقييد: افعل واجبا أو ندبًا أو مباحا.
رد: خلاف (2) الأصل.
ومنع أصحابنا وغيرهم: حسن الاستفهام.
وبأنه يبطل بأسماء الحقائق.
والتقييد بالوجوب: تأكيد، وبغيره: قرينة صارفة.
القائل بالوقف: لو ثبت لثبت بدليل، ولا مجال للعقل، ولا (3) تواتر، ولا يكفي الظن، والواقف (4) ساكت (5) عن الحكم، فلا دليل عليه.
وأجاب أصحابنا وغيرهم: بوجود التواتر، ثم: يكفي الظن لتسويغ الخلاف (6) فيه إِجماعًا.
واقتصر بعض أصحابنا وغيرهم على الثاني.
القائل بالإِذن المشترك: كمطلق الطلب (7).
* * *
__________
(1) يعني: أطلق على كل منهما.
(2) يعني: الاشتراك خلاف الأصل.
(3) في (ب): ولو تواتر.
(4) في (ح): والوقف.
(5) نهاية 69 ب من (ظ).
(6) فالمسألة مظنونة.
(7) يعني: قالوا: ثبت الإِذن بالضرورة، والتقييد لا دليل عليه، فوجب جعله للقدر المشترك. والجواب: أنه ثبت التقييد بأدلتنا. انظر: شرح العضد 2/ 81.
(2/668)

وظاهر المسالة: الوجوب ولو خرج (1) جوابًا لسؤال.
واحتج أصحابنا (2) وغيرهم -لوجوب الصلاة في التشهد- بخبر (3) كعب (4)، وفيه نظر هنا.
واحتج ابن عقيل (5) بأن (6) الأمر بعد الحظر للإِباحة بسبق الاستئذان، بأن قال: أفعلُ كذا؟ قال: "افعلْ"، فإِنه (7) قرينة للإِباحة، فالحظر (8) أولى (9)، لتحققِ المنع منه (10).
وفي المغني (11) -في صوم نذر عن ميت-: الجواب يختلف باختلاف
__________
(1) في (ب): جرج.
(2) انظر: المغني 1/ 389.
(3) عن كعب بن عُجْرة قال: إِن النبي خرج علينا، فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد ...) الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 120 - 121، ومسلم في صحيحه/ 305.
(4) هو: الصحابي كعب بن عجرة القُضَاعي.
(5) انظر: الواضح 1/ 253 أ.
(6) كذا في النسخ. ولعلها: لأن.
(7) يعني: تقدم الاستئذان.
(8) يعني: فالحظر المتقدم.
(9) يعني: أولى أن يكون قرينة للإِباحة.
(10) بخلاف الاستئذان ففيه تردد بين المنع والإِطلاق.
(11) انظر: المغني 10/ 29.
(2/669)

مقتضى سؤاله من (1) إِباحة أو إِجزاء أو وجوب.
* * *
وظاهرها -أيضًا- الخبر بمعنى الأمر كذلك، ك (والمطلقات (2) يتربصن) (3).
وقال بعض أصحابنا: لا يحتمل الندب؛ لأنه إِذن أنه كالمحقق المستمر.

مسألة
الأمر -بلا قرينة- للتكرار حسب الإِمكان، ذكره (4) ابن عقيل (5) مذهب أحمد وأصحابه، وذكره (6) صاحب المحرر عن أكثر أصحابنا، وقاله أبو إِسحاق (7) الإِسفراييني، قال الآمدي (8): وجماعة من الفقهاء
__________
(1) يعني: إِذا كان مقتضى سؤاله السؤال عن الإِباحة فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وكذا الباقي. انظر: المغني 10/ 29.
(2) في النسخ: كالمطلقات.
(3) سورة البقرة: آية 228.
(4) نهاية 191 من (ح).
(5) انظر: الواضح 1/ 259 ب.
(6) انظر: المسودة/ 20.
(7) انظر: البرهان/ 224، والوصول لابن برهان/ 15 ب.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 155.
(2/670)

والمتكلمين، وذكره ابن برهان (1) عن الحنفية، وحكي (2) عن المزني (3).
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين (4): لا يقتضيه.
ذكر أبو محمَّد التميمي: أنه قول أحمد، وأن أصحابه اختلفوا (5).
واختلف اختيار القاضي (6).
وفي التمهيد (7) -عن أكثر الفقهاء والمتكلمين-: لا يقتضي إِلا فعل مرة، وأنه أقوى، ثم: أكثر كلامه: يحتمل التكرار.
وقال بكل منهما جماعة كثيرة.
والأشهر للشافعية: احتماله، واختاره الآمدي (8).
__________
انظر: المسودة/ 20 - 21.
انظر: أصول السرخسي 1/ 20، والمسودة/ 23.
هو: إِسماعيل بن يحيى بن إِسماعيل المصري الشافعي، فقيه مشهور، توفي سنة 264 ه عن 89 عامًا.
من مؤلفاته: مختصر المزني في الفقه.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 196، وشذرات الذهب 2/ 148.
(4) نهاية 92 ب من (ب).
(5) انظر: المسودة/ 20، 22.
(6) انظر: العدة/ 224، والمسودة / 20، 21.
(7) انظر: التمهيد/ 26 أ.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 155.
(2/671)

وذكر السرخسي (1) الأصح عن علمائهم: لا يحتمله (2).
ومعنى اختياره في الروضة (3): لا يدل على تكرار ولا مرة، وقاله -أيضًا- بعض أصحابنا (4) وغيرهم.
وقيل: بالوقف فيما زاد على مرة، واختاره أبو المعالي (5)
[وذكر ابن عقيل (6) عن الأشعرية: الوقف في المرة (7) والتكرار] (8).
وجه الأول: تكرار الصوم والصلاة.
رد: التكرار بدليل (9).
__________
(1) هو: شمس الأئمة محمَّد بن أحمد بن أبي سهل، من أئمة الحنفية، فقيه أصولي، توفي سنة 483 ه، وقيل: في حدود سنة 490 ه.
من مؤلفاته: أصول الفقه، والمبسوط في الفقه.
انظر: الجواهر المضية 2/ 28، والفوائد البهية/ 158، وتاج التراجم/ 52.
(2) انظر: أصول السرخسي 1/ 20، والمسودة/ 22.
(3) انظر: روضة الناظر/ 200.
(4) انظر: البلبل / 88.
(5) انظر: البرهان/ 229.
(6) انظر: الواضح 1/ 260 أ.
(7) في (ظ): المدة.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(9) يعني: لا من مطلق الأمر.
(2/672)

وعورض (1) بالحج.
وأيضًا: كالنهي؛ لأنهما طلب.
رد: قياس في اللغة.
وبأن النهي يقتضي النفي (2)، ولهذا لو قال: "لا تفعل كذا مرة" عم.
وبأن التكرار في النهي لا يمنع من فعل غيره، بخلافه في الأمر (3).
وأيضًا (4): الأمر (5) نهي عن ضده، والنهي يعم، فيلزم تكرار المأمور [به] (6).
رد: بالمنع (7).
وبأن النهي المستفاد من الأمر لا يعم؛ لأن عمومه فرع عموم الأمر.
وأيضًا (8): قوله لعبده: "أكرم فلانًا، وأحسن عشرته"، أو (9) "احفظ
__________
(1) يعني: وإن سلم فهو معارض بالحج؛ فإِنه أمر به ولا تكرار. انظر: العضد 2/ 82.
(2) والأمر يقتضي الإثبات، وهو يحصل بمرة، ففارق الأمر النهي. انظر: المرجع السابق.
(3) فإِنه يمنع من فعل غيره، ففارق الأمر النهي. انظر: المرجع السابق، والإحكام للآمدي 2/ 158.
(4) في (ح): ولأن.
(5) يعني: الأمر بالشيء نهي عن ضده.
(6) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(7) يعني: منع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. انظر: شرح العضد 2/ 83.
(8) في (ح): ولأن.
(9) نهاية 70 أمن (ظ).
(2/673)

كذا" للدوام.
رد: لقرينة (1) إِكرامه وحفظه (2).
ولأنه يجب تكرار اعتقاد الوجوب وعزم الامتثال (3)، كذا الفعل.
رد: لو غفل بعد الاعتقاد والعزم جاز.
وبأنه وجب بإِخبار الشارع أنه يجب اعتقاد أوامره، فمن عرف الأمر ولم يعتقد وجوبه صار مكذبًا (4).
وبوجوبهما دون الفعل في (5): افعل مرة واحدة.
وأيضًا: (إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
رد: مفهومه: العجز عن بعضه لا يسقطه.
وأيضًا: لو لم يتكرر لم يرد نسخ.
__________
(1) في (ب): كقرينة.
(2) فالتكرار مستفاد من هذه القرينة؛ لأن الإكرام والحفظ الأصل استدامتهما. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 160.
(3) نهاية 192 من (ح).
(4) فدوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل الوجوب ليس مستفادًا من نفس الأمر، وإِنما هو من أحكام الإيمان، كتركه يكون كفرًا، والكفر منهي عنه دائمًا، ولهذا كان اعتقاد الوجوب دائمًا في الأوامر المقيدة. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 159.
(5) في (ظ): من.
(2/674)

رد: هو قرينة (1).
ووجه المرة: لو قال: "افعل كذا" -ففعله مرة- امتثل (2).
رد: لفعل (3) المأمور به؛ لأنها (4) من ضرورته (5)، لا أن الأمر ظاهر فيها ولا في التكرار (6).
ومنع ابن عقيل (7): أنه امتثل، وأنه دعوى، فقيل له: يحسن قوله: "فعلتُ"، فقال: "للعرف ووقوعه على (8) شروعه فيه (9)، ولهذا لو أمره بتكراره لم يقبح منه في الفعلة الواحدة" (10)، وقال: لا يمتنع أن يقف اسم "ممتثل" على الخاتمة بناء على مسألة (11) الموافاة (12).
__________
(1) يعني: النسخ لا يجوز وروده عليه، فإِذا ورد صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار. انظر: المحصول 1/ 2/ 176.
(2) نهاية 93أمن (ب).
(3) في (ظ): الفعل.
(4) يعني: لأن المرة.
(5) يعني: ضرورة الفعل.
(6) بل في المشترك، ويحصل في ضمنهما. انظر: شرح العضد 2/ 83.
(7) انظر: الواضح 1/ 263 ب، 265 ب- 266 أ.
(8) فليس الدوام من العرف.
(9) لا أنه فراغ مما أمر به.
(10) يعني: لم يقبح منه أن يقول: فعلت.
(11) في (ح): الوفاة.
(12) قال القاضي في المعتمد/ 190 - 191: ومعنى ذلك هو ما يكون عليه الإِنسان في آخر عمره وخاتمته، وعلى ذلك يعلق وعده ووعيده ورضاه وسخطه وولايته=
(2/675)

قالوا: لو كان للتكرار كان "صل (1) مراراً" تكريرا، و"مرة" نقضا.
رد: يقال مثله لو كان للمرة، وحَسنَ (2) لرفع الاحتمال.
واحج الفريقان (3) بحسن الاستفهام.
ومنع القاضي (4) وغيره: حسن الاستفهام، ثم سلموه (5) (6).
قالوا: لو قال: "طَلِّقِي نفسك" أو "طلِّقْها يا فلان" -ولا نية-
__________
=وعداوته، وقد نعتقد في الإِنسان أنه مؤمن في غالب ظننا ونحكم له بذلك، ويكون حكمه عند الله خلاف ذلك، ويجوز أن يكون الكافر عندنا مؤمناً عند الله، ويكون ما يجري عليه من الأحكام -في المواريث والأنكحة وغيرها- على ظاهر الأمر دون باطنه ...
(1) في (ح): صلي.
(2) يعني: وحسن التعبير السابق.
(3) قال صاحب المرة: لو اقتضى التكرار لم يحسن الاستفهام. انظر: العدة/ 274.
وقال صاحب التكرار: لو لم يقتض التكرار لم يحسن الاستفهام. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 156.
(4) انظر: العدة / 274.
(5) في (ب) و (ظ): ثم سلموا.
(6) فيكون لرفع الاحتمال.
(2/676)

فواحدة.
وأجاب القاضي (1): بأن هذا في الشرع، والخلاف في اللغة. كذا قال.
ورده (2) أبو الخطاب (3): بأن الشرع لا يغير (4) اللغة (5)، بدليل: "طَلِّقْها ما أملكه".
وأجاب (6) ابن عقيل (7): بأنها نيابة في مشروع فتقيدت به، ولهذا لا يطلقها في حيض وطهر وطئت فيه، وقال (8): اليمين والوكالة للعرف، والأمر للحقيقة (9)، بدليل مسألة الرؤوس المشهورة (10).
__________
(1) انظر: العدة/ 273.
(2) هذا رد على جواب القاضي.
(3) انظر: التمهيد/ 26 ب.
(4) في (ب): لا يعتبر.
(5) بل يقررها ويضيف إِليها حكماً زائدًا، ألا ترى أنه لو قال: (طلِّقْ زوجتي ما أملكه) لم يقطعه الشرع عن مقتضاه في اللغة فيقطعه عن التكرار. انظر: المرجع السابق.
(6) هذا جواب عن دليلهم.
(7) انظر: الواضح 1/ 266 أ.
(8) في (ح): قال.
(9) في (ح): الحقيقة.
(10) فتنصرف اليمين على الامتناع عن أكل الرؤوس إِلى رؤوس بهيمة الأنعام خاصة، وفي الأمر يعم سائر الرؤوس.
(2/677)

ووجه ما في الروضة: أن مدلول الأمر طلب الفعل، والمرة والتكرار خارجان عنه، وإلا لزم التكرار أو النقض لو قرن بأحدهما، ولم يبرأ بالمرة (1).
ولأنهما صفتان للفعل كالقليل والكثير، ولا دلالة للموصوف على الصفة.
ووجه الوقف: كالتي قبلها (2).

مسألة
إِذا علق الأمر بشرط أو صفة: فإِن كان علة تكرر بتكررها اتفاقًا (3)؛ لاتباع العلة لا للأمر، وإلا فكالمسألة قبلها عند الجميع.
واختار القاضي (4) وصاحب المحرر (5) وبعض الحنفية (6) وكثير من المالكية (7) وبعض الشافعية (8): التكرار (9).
__________
(1) إِن حمل على التكرار أو جعل محتملا له.
(2) يعني: لو ثبت لثبت بدليل: .. إِلخ. انظر: ص 668 من هذا الكتاب، وشرح العضد 2/ 83.
(3) كذا في مختصر ابن الحاجب 2/ 83. وقال في مسلم الثبوت: دعوى الإِجماع في العلة -كما في المختصر وغيره- غلط. فانظر: فواتح الرحموت 1/ 386.
(4) انظر: العدة/ 264، 275.
(5) انظر: المسودة/ 20.
(6) انظر: أصول السرخسي 1/ 20.
(7) انظر: شرح تنقيح الفصول / 131.
(8) انظر: اللمع/ 8.
(9) نهاية 93 ب من (ب).
(2/678)

لنا: ما سبق، ولا أثر للشرط (1) بدليل قوله لعبده: "إِن دخلتَ السوق فاشتر كذا" يمتثل بمرة، و"إِن قمتِ فأنت طالق".
قولهم: الترتيب يفيد العلية.
رد: بالمنع (2)، ثم: بما سبق (3).
واستدل في التمهيد (4) وغيره: بأن تعليق الخبر (5) لا يقتضي تكرار المخبر عنه، كذا هنا.
وهو قياس في اللغة.
قالوا: أكثر أوامر الشرع (6): (إِذا قمتم) (فاغسلوا)، (وإِن كنتم جنبًا فاطهروا) (7)] (والسارق) (8)، و (الزانية) (9) الآيتان.
__________
(1) نهاية 193 من (ح).
(2) نهاية 70 ب من (ظ).
(3) من قوله: إِن دخلت السوق ... إِلخ.
(4) انظر: التمهيد/ 28 أ.
(5) نحو: زيد يدخل الدار إِن دخلها عمرو.
(6) وجدناها معلقة بشروط وصفات، وهي متكررة بتكرارها، ولو لم يكن ذلك مقتضياً للتكرار لما كان متكرراً. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 162.
(7) سورة المائدة: آية 6.
(8) سورة المائدة: آية 38.
(9) سورة النور: آية 2.
(2/679)

رد: في غير (1) العلة بدليل خارجي، ولذلك لم يتكرر الحج مع تعليقه بالاستطاعة (2)
قالوا: تكرر بالعلة، فبالشرط أولى؛ لانتفاء المشروط بانتفائه (3).
رد: العلة مقتضية معلولها، والشرط لا يقتضي مشروطه.
* * *
قال ابن عقيل (4): والأمر (5) المعلق [بمستحيل] (6) ليس أمراً، نحو: "صلِّ إِن كان زيد متحركاً ساكنًا"، فهو كقوله: كن الآن متحركًا ساكنًا.

مسألة
من قال: "الأمر للتكرار" قال: للفور.
واختلف غيرهم:
__________
(1) يعني: ما ثبتت عليته كالزنا والسرقة والجنابة ليس محل النزاع، وغير العلة بدليل خارجي. انظر الإِحكام للآمدي 2/ 163، وشرح العضد 2/ 83.
(2) قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إِليه سبيلاً) سورة آل عمران: آية 97.
(3) بخلاف العلة. انظر: شرح العضد 2/ 83.
(4) انظر: الواضح 1/ 269 ب.
(5) في (ح): الأمر.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2/680)

فظاهر مذهبنا: للفور، وقاله الكرخي (1) وغيره من الحنفية، وحكاه جماعة (2) عنهم، وقاله المالكية (3) والصيرفي (4) وأبو حامد المروزي وغيرهما من الشافعية وبعض المعتزلة (5).
وذكر أصحابنا رواية: لا يقتضيه -لقوله (6) عن قضاء رمضان: يفرق؛ قال الله تعالى: (فعدة من أيام أخر) (7) - وقاله أكثر الشافعية (8) والجبائية (9) وأبو الحسين (10) المعتزلي، وذكر السرخسي (11): أنه الذي يصح عنده
__________
(1) انظر: أصول الجصاص/ 97أ، وأصول السرخسي 1/ 26، وفواتح الرحموت 1/ 387.
(2) انظر: المعتمد/ 120، والإِحكام للآمدي 2/ 165، وشرح تنقيح الفصول/ 128.
(3) للمالكية قولان، أشهرهما ما ذكر. انظر: شرح تنقيح الفصول/ 128، ومفتاح الوصول/ 18.
(4) انظر: اللمع/ 9، والمسودة/ 25.
(5) انظر: المسودة/ 25.
(6) انظر: العدة/ 283.
(7) سورة البقرة: آية 184.
(8) انظر: اللمع/ 9، والتبصرة/ 52، والإِحكام للآمدي 2/ 165.
(9) انظر: المعتمد/ 120، والإِحكام للآمدي 2/ 165.
(10) انظر: المعتمد/ 120.
(11) شمس الأئمة. فانظر: أصول السرخسي 1/ 26، وكشف الأسرار 1/ 254، والمسودة/ 25.
(2/681)

من مذهب علمائهم، ونصره ابن الباقلاني (1) والآمدي (2).
ثم: في اعتبار العزم لجواز (3) التأخير ما سبق (4) في الموسع.
وقال أكثر الأشعرية (5): بالوقف، وقيل (6): ولو بادر (7). والإِجماع -قبله- خلافه.
وجه الأول: نقطع بالفور إِذا قال: اسقني.
رد: لقرينة (8) (9) حاجة طالب الماء إِليه سريعًا عادة.
وأيضًا: كل مخبر أو منشئ فالظاهر قصده الزمن الحاضر، ك "قام زيد (10) "، و"أنت طالق أو حرة".
رد: (11) قياس في اللغة.
__________
(1) انظر: البرهان/ 233، والإِحكام للآمدي 2/ 165.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 165.
(3): في (ظ): بجواز.
(4) انظر: ص 204 من هذا الكتاب.
(5) انظر: البرهان/ 232، والعدة/ 282.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 165.
(7) يعني: قيل بالوقف ولو بادر العبد بالفعل. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 516.
(8) في (ح): للقرينة.
(9) نهاية 94 أمن (ب).
(10) في المنتهى لابن الحاجب/ 69: زيد قائم.
(11) نهاية 194 من (ح).
(2/682)

ورده (1) في التمهيد: يتبين بذلك أن اللفظ وضع للتعجيل.
وأيضًا: نهي عن ضده، والأمر طلب كالنهي. وسبق (2) ذلك.
وأيضًا: (ما منعك ألا تسجد) (3)، ذمه إِذ (*) لم يبادر.
رد: لقوله: (فإِذا سَوَّيتُه) (4).
وأيضًا: مستلزم (5) للأمر؛ لاستلزام (6) الوجوب (7) إِياه؛ لأن وجوب
__________
(1) هذا رد على الرد؛ لأن أبا الخطاب -في التمهيد / 29 أ- استدل على الفورية: بأن لفظ الأمر يقتضي ذلك، والوجوب المستفاد من الأمر يقتضي ذلك، ودليل أن لفظ الأمر يقتضي ذلك ضرورة الفعل المأمور به أن يقع في وقت، فوجب أن يقع في أقرب الأوقات كعقد البيع والإِيقاعات يقع الحكم عقبها, لأنه أقرب الأوقات إِليه، كذلك الأمر يجب أن يقع الفعل في أقرب الأوقات إِليه، وهو عقيب الأمر. فإِن قيل: حمل الأمر على البيع والإِيقاع قياس، فلو صح لكان الدال على التعجيل غير الأمر. قيل: يتبين بهذا أن لفظ الأمر موضوع للتعجيل، كما أن لفظ البيع موضوع للملك ولفظ العتق موضوع للوقوع، فإِذا وجد هناك تعقبه الحكم، كذلك هنا.
(2) انظر: ص 673 من هذا الكتاب.
(3) كذا في النسخ. وهي الآية 12 من سورة الأعراف. ولعل المناسب آية 75 من سورة (ص): (ما منعك أن تسجد)، فهي الآية التي سبقها قوله: (فإِذا سويته)، وإِن كانت الآية المذكورة تنفرد بذكر لفظ الأمر (أمرتك).
(*) في (ظ): إِذا
(4) سورة (ص): آية 72.
(5) يعني: الفور مستلزم للأمر.
(6) في (ظ): لاستلزم.
(7) الذي هو مدلول الأمر.
(2/683)

الفعل مستلزم لوجوب اعتقاده على الفور، ولأنه أحوط، لخروجه عن العُهْدة إِجماعًا، ولإِثمه بموته.
رد: لو صرح بالتأخير وجب تعجيل الاعتقاد لا تعجيل الفعل، فلا ملازمة (1).
وقيل للقاضي (2): يجب الاعتقاد في "صلِّ بعد شهر" لا الفعل (3).
فأجاب: بتأخير الاعتقاد بالشرط (4).
والاحتياط: اتباع موجَب الظن، وإِلا فوجوب التعجيل -لمن ظن التراخي- حرام.
ثم: لا يلزم من كونه أحوط وجوبه (5).
وأيضًا لو جاز التأخير: فإِما إِلى غاية معينة معلومة مذكورة -والخلاف في الأمر المطلق- أو لا إِليها، فإِما إِلى ظن الموت فلا ينضبط ويأتي بغتة، أو مطلقًا فمحال لإِخراج الواجب عن حقيقته، وإِما ببدل غير واجب فلا يجوز إِجماعًا، أو واجب فممتنع: لعدم دليله، ولوجب إِنباه النائم أول الوقت حذرًا من ذوات البدل كضيق الوقت، ولكان البدل محصلاً مقصود المبدل
__________
(1) بين وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد.
(2) انظر: العدة/ 285 - 286.
(3) القائل يقصد أنه لا ملازمة بينهما.
(4) كما تأخر الفعل بالشرط.
(5) نهاية 71أمن (ظ).
(2/684)

فيسقط المبدل به، ولكان البدل إِما أن يجوز تأخيره -فالكلام (1) فيه كالمأمور به، وهو تسلسل ممتنع- أو لا يجوز فيزيد البدل على (2) أصله.
رد: يلزم لو صرح بجواز التأخير (3).
وجوابه: يجري الدليل فيه.
ورده (4) في الروضة (5): (6) بأنه بتناقض (7)، لجواز (8) تركه مطلقًا.
[كذا قال] (9).
وفي التمهيد (10): لا يتم الوجوب مع جواز التأخير.
__________
(1) في (ب) و (ظ): فكالكلام.
(2) نهاية 94 ب من (ب).
(3) مع جواز تأخيره. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 170.
(4) هذا رد على قوله: رد: يلزم لو صرح بجواز التأخير.
(5) انظر: روضة الناظر/ 204.
(6) نهاية 195 من (ح).
(7) الإِيجاب مع جواز التأخير بأن قال: افعل أي وقت شئت فقد أوجبته عليك. انظر: المرجع السابق.
(8) في (ظ): بجواز.
(9) ما بين المعقوفتين من (ح).
(10) انظر: التمهيد/ 31 ب.
(2/685)

واعترض على القاضي (1): بالأمر بالوصية عند الموت للأقربين (2).
فأجاب: بأن الموت عليه أمارة، وبإِمكان فعلها (3) عند الموت بخلاف غيرها.
وأيضاً: (فاسْتَبِقُوا الخَيْرات) (4)، [(وسارِعوا إِلى مغفرة)] (5)] (6)، والأمر للوجوب.
__________
(1) استدل القاضي -في العدة/ 284 - للفورية: بأنه لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من أحد أمرين:
1 - أن يكون له تأخيره أبدًا حتى لا يلحقه التفريط ولا يستحق الوعيد إِذا مات قبل فعله، فهذا يخرج عن حد الواجب ...
2 - أن يكون مفرطًا مستحقًّا للوعيد إِذا تركه حتى مات، فهذا يؤدي إِلى أن يكون الله ألزمه إِتيان عبادة في وقت لم ينصب له عليه دليلاً يوصله إِلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة. فإذا بطل هذان القسمان صح ما ذهبنا إِليه وهو كونه على الفور. قال القاضي: ولا يلزم عليه تكليف الوصية عند الموت للأقربين -وإن كان وقت الموت مجهولاً- لأن الموت عليه أمارة وعلامة تتعلق الوصية بحضوره فلا يكون تعليقًا له بوقت مجهول لا دلالة عليه، ولأن الوصية يمكن فعلها عند حضور الموت، وفعل العبادات لا يمكن -في الغالب- عند حضور الموت.
(2) قال تعالى: (كتب عليكم إِذا حضر أحدكم الموت إِنْ ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين). سورة البقرة: آية 180.
(3) يعني: فعل الوصية.
(4) سورة البقرة: آية 148.
(5) سورة آل عمران: آية 133.
(6) ما بين المعقوفتين من (ح).
(2/686)

رد: المسارعة (1) إِلى سبب الخير [والمغفرة] (2)، فهي (3) دلالة اقتضاء لا تعم (4)، فيختص بما يلزم تعجيله إِجماعًا كالتوبة.
ثم: المراد الأفضلية (5)، وإِلا فلا (6) مسارعة لضيق وقته (7).
وجوابهما: بالمنع، والخيرات: الأعمال الصالحة عند المفسرين (8)، والأصل لا تقدير (9).
وضيق الوقت لا يمنع المسارعة بدليل ما يلزم تعجيله كالتوبة.
وسلم بعضهم الفور من (سارعوا) لا من الأمر.
القائل "لا فور": ما سبق (10) أنه لا يدل على تكرار ولا مرة.
ورد: بالمنع، بل يقتضيه بلفظه.
__________
(1) يعني: هما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إِلى الخيرات والمغفرة، والمراد به إِنما هو المسارعة إِلى سبب ذلك. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 170.
(2) ما بين المعقوفتين من (ح).
(3) أي: دلالتهما على السبب. انظر: المرجع السابق.
(4) فلا دلالة لهما على المسارعة إِلى كل سبب للخيرات والمغفرة. انظر: المرجع السابق.
(5) يعني: أفضلية المسارعة لا وجوبهما. انظر: شرح العضد 2/ 85.
(6) يعني: إِن كانت للوجوب وجب الفور فلم يكن مسارعاً. انظر: المرجع السابق.
(7) والمسارعة تتصور في الموسع. انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: تفسير الطبري 3/ 196، وتفسير القرطبي 2/ 165.
(9) في (ب) و (ظ): لا يقدر.
(10) انظر: ص 678 من هذا الكتاب.
(2/687)

ولأنه لا يختص بمكان (1).
رد: بالنهي (2).
ثم: بالمنع (3) لفوت زمن، حتى لو قال (4): "اضربْ رجلاً" اختص بما قرب منه، ثم: (5) لا (6) مزية في الأشخاص (7) فتساويا (8). [ذكر ذلك في التمهيد (9) وغيره] (10)، ومعناه في الواضح (11).
__________
(1) فلا يختص بزمان بعينه. انظر: العدة/ 289.
(2) لا يختص بمكان ويختص بزمان وهو عقيب النهي. انظر: المرجع السابق.
(3) يعني: منع أنه لا يختص بمكان، بل يختص بالمكان الذي أمر بالفعل فيه لئلا يفوت زمن لأنه على الفور. انظر: المرجع السابق.
(4) هذا جواب عن دليل مقدر: قوله (افعل) مطلق في الأزمان كما هو مطلق للأعيان، ثم لو قال: (اضرب رجلاً) صار ممتثلاً بضرب أي رجل كان، كذا يجب أن يصير ممتثلاً للأمر في أي وقت كان فاعلاً له. انظر: التمهيد/ 32 أ.
(5) في (ح): قال في التمهيد وغيره: ثم لا مزية ... إِلخ.
(6) يعني: إِن سلمنا أنه لا يختص. انظر: المرجع السابق.
(7) لرجل على رجل. انظر: المرجع السابق.
(8) في الضرب، بخلاف الأزمان فللوقت الأول مزية على الآخر. انظر: المرجع السابق.
(9) انظر: المرجع السابق.
(10) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ظ). وقد ورد في (ح) متقدما، بلفظ مقارب، فانظر: هامش 5.
(11) انظر: الواضح 1/ 280 أ.
(2/688)

وأجاب (1) في الروضة (2): بتساوي الأمكنة بخلاف الزمان.
ولأنه يحسن الاستفهام.
ومنعه (3) القاضي (4) إِن كان الآمر لا يضع شيئًا غير مكانه.
وكالوعد، كقضية الحديبية (5).
رد: بأن عمر تَعَجَّل فيها الوعد (6)، ثم: بالفرق (7).
__________
(1) يعني: أجاب عن دليلهم الثاني.
(2) انظر: روضة الناظر/ 204.
(3) يعني: منع حسن الاستفهام.
(4) انظر: العدة/ 288.
(5) خبر صلح الحديبية وما جرى فيها أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 121 وما بعدها، وتحدث عنه ابن كثير في البداية والنهاية 4/ 164 - 170.
(6) روي أنه قال لأبي بكر -وقد صد عام الحديبية-: أليس قد وعدنا الله بالدخول، فكيف صددنا؟! فقال: إِن الله وعد بذلك، ولم يقل في وقت دون وقت. انظر: العدة/ 287، وتفسير ابن كثير 4/ 201.
وفي لباب النقول للسيوطي/ 199: وأخرج الفِرْيابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أريَ النبي -وهو بالحديبية- أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحو الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: (لقد صدق الله رسوله) الآية. وانظر: تفسير مجاهد/ 603.
(7) ففي الأمر إِيجاب، والإِيجاب لا يتم إِلا بالإِيجاد، والوعد خبر يتردد بين الصدق والكذب، ومقصود الخبر أن يكون صدقًا، وأي وقت وجد ما أخبر به صدق. انظر: التمهيد/ 32 أ.
(2/689)

واليمين (1) كالوعد (2)، ثم: مقيدة (3) بالعرف بدليل مسألة الرؤوس، واليمين على لبس أو ركوب يختص بملبوس ومركوب عرفًا.
مسألة
الأمر بشيء معين نهي عن (4) ضده -من جهة المعنى لا اللفظ- عند أصحابنا (و) والكعبي (5) وأبي الحسين البصري (6)، وذكره في التمهيد (7) عن الفقهاء، قال القاضي (8) وغيره: بناء على أصلنا أن مطلق الأمر للفور.
وعند أكثر المعتزلة (9): ليس نهياً عن ضده (10)، بناء على أصلهم في
__________
(1) هذا جواب سؤال مقدر: البر في اليمين يكون في أي وقت، فكذا امتثال الأمر. انظر: العدة/ 288، والتمهيد/ 31 ب.
(2) فلا تشبه الأمر؛ لأن اليمين خير فيها بين أن يفعل -إِذا قال: والله لأفعلن- أو يكفر، وفي الأمر لم يخير المأمور بين الفعل والترك، فافترقا. انظر: التمهيد 32 أ.
(3) يعني: اليمين مقيدة ... انظر: الواضح 1/ 280 أ.
(4) نهاية 95أمن (ب).
(5) انظر: المنخول/ 114.
(6) انظر: المعتمد/ 106.
(7) انظر: التمهيد/ 44 أ.
(8) قال القاضي: الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى، سواء كان له ضد واحد أو أضداد كثيرة، وسواء كان مطلقًا أو معلقًا بوقت مضيق؛ لأن من أصلنا: أن إِطلاق الأمر يقتضي الفور. انظر: العدة/ 368.
(9) انظر: المعتمد/ 106.
(10) نهاية 71 ب من (ظ).
(2/690)

عتبار إِرادة الناهي، وليست معلومة.
وعند الأشعرية (1): الأمر معنى في النفس.
فبعضهم: نهي عن ضده.
وبعضهم: يستلزمه، واختاره (2) ابن الباقلاني (3) آخرًا، واختاره الآمدي (4): إِلا أن نقول بتكليف المحال (5).
وبعضهم: ليس نهيًا، واختاره أبو المعالي (6) والغزالي (7).
وعند بعض الحنفية (8): يستلزم كراهة ضده.
وعند صاحب المحصول (9): يقتضي الكراهة؛ لأن النهي لما لم يكن
__________
(1) انظر: البرهان/ 250، والإِحكام للآمدي 2/ 170.
(2) نهاية 196 من (ح).
(3) انظر: البرهان/ 250، والإِحكام للآمدي 2/ 170.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 171.
(5) فلا يكون نهياً عن ضده ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة فضلاً عن كونه لا يكون منهيًا عنه.
(6) انظر: البرهان/ 252.
(7) انظر: المستصفى 1/ 82.
(8) انظر: أصول السرخسي 1/ 94.
(9) الذي اختاره الرازي في المحصول 1/ 2/ 334: أنه نهي عن ضده بطريق الالتزام، فقد قال: الأمر بالشيء قال على المنع من نقيضه بطريق الالتزام. وهذا القول (يقتضي الكراهة) -بهذا التعليل- قاله فخر الإِسلام البزدوي في أصوله (انظر:=
(2/691)

مقصودًا سَمَّاه "اقتضاء"؛ لأنه ضروري، وأثبت به أقل ما أثبت (1) بالنهي وهو الكراهة.
* * *
وأمر (2) الندب كالإِيجاب عند الجميع إِن قيل: مأمور به حقيقة، وذكره القاضي (3) وغيره، خلافاً لبعضهم.
* * *
والنهي عن الشيء: هل هو أمر بضده؟ على الخلاف.
وعند الجرجاني (4) الحنفي: ليس أمراً به.
وعند الجصاص (5) الحنفي (6): أمر (7) بضد لا أضداد.
__________
=كشف الأسرار 2/ 330 - 333)، ونسبه إِليه -أيضًا- الكمال بن الهمام في التحرير (انظر: تيسير التحرير 1/ 363). أقول: فلعل المؤلف رآه منسوبًا إِليه بلفظ (الفخر)، فظنه الفخر الرازي. والله أعلم.
(1) في (ح): يثبت.
(2) انظر: المسودة/ 50، والإِحكام للآمدي 2/ 171.
(3) انظر: العدة/ 372.
(4) انظر: العدة/ 431، والتمهيد/ 48أ، والمسودة/ 81 - 82.
(5) في (ح): الخصاص.
(6) انظر: أصول الجصاص/ 108 ب.
(7) في (ح): أمرا.
(2/692)

ولنا (1) خلاف في حِنْت من قال: "إِن أمرتُكِ فخالفتني (2) فأنتِ طالق" فنهاها، فخالفتْه -ولا نية- بناء على ذلك (3).
* * *
وذكر أبو محمَّد (4) التميمي: أن الأمر بشيء نهي عن ضده عند أحمد، وأن أصحابه اختلفوا.
* * *
وجه الأول (5): أمر الإِيجاب طلب فعل يذم تاركه إِجماعًا، ولا ذم إِلا على فعل، وهو الكف عنه أو الضد، فيستلزم النهي عن ضده أو النهي عن الكف عنه.
رد: مبني على أن الأمر يدل على الذم لا بدليل خارجي.
وإن سلم فالذم على أنه لم يفعل لا على فعل، بناء على أن العدم مقدور.
وإن سلم فالنهي (6) طلب كف عن فعل لا عن كف، وإلا لزم تصور الكف عن الكف لكل آمر، والواقع خلافه. وفيه نظر ومنع.
__________
(1) انظر: العدة/ 373، والمغني 7/ 473.
(2) في (ح) و (ظ): فخالفتيني.
(3) يعني: هل النهي عن شيء أمر بضده؟.
(4) انظر: المسودة/ 22.
(5) وهو: أنه مستلزم للنهي عن ضده. انظر: شرح العضد 2/ 87.
(6) نهاية 95 ب من (ب).
(2/693)

ولأنه لا يتم الواجب إِلا بترك ضده فيكون (1) مطلوبًا، وهو معنى النهي. وسبقت (2) المسألة.
واحتج ابن عقيل (3): بأن عند المعتزلة يقتضي الأمر إِرادة المأمور به وحسنه، فبتركه (4) يقتضي ضدهما " [كراهته] (5)، وقبحه" (6)، وهما مقتضيان حظره (7).
ولأن (8) الأمر غير النهي؛ لتغاير الصيغتين، والمعنى النفسي (9) القديم غير متحد، وإن اتحد فإِنه يختلف بتعلقه (10) ومتعلَّقه، فهما (11) غيران لتعددِ الحادث.
__________
(1) يعني: ترك الضد.
(2) انظر: ص 211، 247 من هذا الكتاب.
(3) انظر: الواضح 1/ 312 ب.
(4) كذا في النسخ. ولعلها: فتركه.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ). وفي الواضح: كراهيته.
(6) وفعل الضد ترك في الحقيقة، والقبح والكراهية يقتضيان حظره، فالضد محظور منهي عنه. انظر: الواضح 1/ 312 ب.
(7) في (ح): حضره.
(8) هذا رد على من يقول: عين الأمر عين النهي. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 172.
(9) يعني: إِذا قلنا: الأمر هو صيغة (افعل) فقد ظهر تغاير الصيغتين، وإن قلتم: الأمر -عندنا- هو الطلب القائم بالنفس فهو غير متحد ... إِلخ. انظر: المرجع السابق.
(10) يعني: يكون أمراً بسبب تعلقه بإِيجاد الفعل، وهو من هذه الجهة لا يكون نهيًا. انظر: المرجع السابق.
(11) يعني: الأمر والنهي.
(2/694)

القائل: "الأمر عين النهي": لو لم يكن هو لكان ضدا أو مِثْلا أو خلافا؛ لأنهما إِن تساويا في (1) الذاتيات واللوازم فمِثْلان (2)، وإِلا فإِن تنافيا بأنفسهما (3) فضدان (4)، وإِلا فخلافان (5)، وليس هو بالأولَيْن (6) وإلا لما اجتمعا (7)، ولا الثالث وإلا لجاز أحدهما مع ضد الآخر ومع (8) خلاف الآخر؛ لأنه حكم الخلافين، فالعلم والإِرادة خلافان، يوجد العلم مع الكراهة وهي ضد الإِرادة وخلاف المحبة (9)، وتوجد الإِرادة مع الجهل والسخاء "ضد العلم وخلافه"، ويستحيل الأمر بفعل مع ضد (10) النهي عن ضده وهو الأمر بضده؛ لأنهما نقيضان أو تكليف بغير ممكن.
رد: إِن أريد بطلب ترك الضد -وهو معنى النهي عنه- طلب الكف
__________
(1) نهاية 197 من (ح).
(2) كبياض وبياض.
(3) يعني: امتنع اجتماعهما في محل واحد بالنظر إِلى ذاتهما. انظر: شرح العضد 2/ 86.
(4) كالسواد والبياض.
(5) كالسواد والحلاوة.
(6) يعني: المثلين والضدين.
(7) وهما يجتمعان، إِذ جواز الأمر بالشيء والنهي عن ضده معا ووقوعه ضروري. انظر: شرح العضد 2/ 86 - 87.
(8) في (ظ): مع.
(9) كذا في النسخ. ولعل العبارة: ومع خلافها -أي: خلاف الإرادة- وهي المحبة.
(10) نهاية 72 أمن (ظ).
(2/695)

عنه فهما خلافان، ونمنع أن حكم الخلافين ما سبق (1)، فالمتضايفان (2) متلازمان فيستحيل وجود أحدهما مع ضد الآخر لاجتماع الضدين، وقد يكون كل من الخلافين ضدا لضد الآخر كالكاتب والضاحك كل منهما ضد للصاهل، فيكون كل من (3) الأمر بالشيء والنهي عن ضده ضدًّا لضده (4) فيمكن اجتماعهما (5).
وإن أريد بترك ضده عين (6) الفعل المأمور به عاد النزاع لفظيًا في تسمية الفعل تركا (7)، ثم في تسمية طلبه (8) نهيا.
القائل بالنفي: لو كان عينه أو يستلزمه لزم تعقل الضد والكف عنه؛ لأنه مطلوب النهي، ويمتنع تعقل الشيء بدون نفسه أو لازمه، ونقطع بالطلب مع الذهول عنهما (9).
__________
(1) وهو اجتماع كل مع ضد الآخر وخلافه، فالخلافان قد يكونان متلازمين. انظر: شرح العضد 2/ 87.
(2) المتضايفان: كل نسبتين يتوقف تعقل كل منهما على الأخرى، كالأبوة والبنوة، فوصف الأبوة لا يعقل إِلا بتعقل وصف البنوة، وكذا العكس.
(3) نهاية 96 أمن (ب).
(4) يعني: لضد الآخر.
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: فلا يمكن اجتماعهما.
(6) يعني: فعل ضد ضده الذي هو عين الفعل ... إِلخ. انظر: شرح العضد 2/ 87.
(7) يعني: تركا لضده. انظر: المرجع السابق.
(8) يعني: طلب ترك الضد.
(9) يعني: عن الضد والكف عنه. انظر: شرح العضد 2/ 86.
(2/696)

ورد: المراد الضد العام -وهو ترك الأمور به- لا الخاص، وهو ما يستلزم فعله ترك المأمور كالأكل بالنسبة إِلى الصلاة، والضد العام متعقل؛ لأن الطلب لا يكون لموجود (1).
رد (2): (3) المراد (4) طلبه في المستقبل، ولو سلم (5) تعقل الضد فعدم تعقل الكف واضح.
رد: أمر الإيجاب لا يتحقق بغير الكف عن الضد العام؛ لأنه (6) طلب فعل مع المنع من تركه.
القائل بالنفي في الندب: لعدم الذم (7).
__________
(1) يعني: الضد العام متعقل؛ لأن المأمور لو كان على الفعل ومتلبسًا به لم يطلبه الآمر منه؛ لأنه طلب الحاصل، فإِذاً إِنما يطلبه إِذا علم أنه متلبس بضده لا به وأنه يستلزم تعقل ضده. انظر: المرجع السابق.
(2) هذا رد على الرد.
(3) نهاية 198 من (ح).
(4) يعني: إِنما يطلب منه الفعل في المستقبل فلا يمنع التلبس به في الحال، فيطلب منه أن يوجده في ثاني الحال كما يوجده في الحال. انظر: المرجع السابق.
(5) في المنتهى لابن الحاجب/ 70، ومختصره 2/ 85: ولو سلم فالكف عنه واضح. وفي شرح العضد 2/ 86: ولو سلم فالكف واضح يعلم بالمشاهدة، ولا حاجة في العلم به إِلى العلم بفعل الضد، وإنما يلزم النهي عن الكف وذلك واضح ولا نزاع لنا فيه فلا يصلح موردًا للنزاع والاحتجاج.
(6) يعني: أمر الإيجاب. انظر: شرح العضد 2/ 90.
(7) على الترك بخلاف أمر الإِيجاب. انظر: المرجع السابق.
(2/697)

ولاستلزامه نفي المباح (1).
* * *
القائل: "النهي عن شيء أمر بضده": ما سبق (2) في الأمر.
ولأن النهي طلب ترك فعل، والترك فعل ضد، فالنهي طلبه (3)، فهو أمر (4).
رد: فيجب كل من الزنا (5) واللواط (6).
وبأن لا مباح (7).
وبأن النهي طلب كف عن فعل لا فعل ضد.
__________
(1) إِذ ما من وقت إِلا ويندب فيه فعل، فإِن استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب بخلاف الواجب فإنه لا يستغرق الأوقات، فيكون الفعل في غير وقت لزوم أداء الواجب مباحا، ولا يلزم نفي المباح. انظر: المرجع السابق.
(2) انظر: أدلة القائل (الأمر عين النهي عن الضد) ص 695 من هذا الكتاب. وانظر أيضًا: شرح العضد 2/ 88.
(3) يعني: طلب فعل الضد.
(4) يعني: أمر بالضد.
(5) من حيث هو ترك لواط.
(6) من حيث هو ترك زنا؛ لأن كلا منهما ضد الآخر.
(7) إِذ ما من مباح إِلا وهو ترك حرام.
(2/698)

فإِن قيل: فالكف فعل (1)، فطلبه (2) أمر (3).
رد: يعود النزاع لفظيًا، ويلزم أن النهي نوع من الأمر.
القائل "يستلزمه": لا يتم النهي إِلا بفعل أحد أضداد المنهي عنه، وما لا يتم الواجب إِلا به واجب.
رد: يلزم وجوب الزنا (4) وأن لا مباح.
القائل " [لا] (5) يستلزمه": لأنه طلب نفي فعل وهو عدم، والأمر طلب وجود فعل.
وللزوم وجوب الزنا ونفي المباح (6).
ولاستلزام أمر الإِيجاب الذم على الترك، وهو (7) فعل لاستلزام الذم الفعل (8)، والنهي طلب كف عن فعل (9) فلم يستلزم الأمر؛ لأنه طلب
__________
(1) يعني: فيكون ضدا.
(2) في (ب): طلبه.
(3) فتحقق الأمر بالضد.
(4) لأنه ترك للواط وبالعكس.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في كل من (ب) و (ظ).
(6) نهاية 96 ب من (ب).
(7) أي: الترك.
(8) فاستلزم النهي عن فعل ينافي المأمور به وهو الضد.
(9) يذم فاعله.
(2/699)

فعل لا كف (1).
ورد: يلزم ذلك في الأمر؛ لأن طلب الوجود لا يستلزم طلب العدم.
ويلزم من الأمر بصلاةٍ النهيُ عن حج؛ لأنها ضده.
وكما لا يستلزم طلب الكف لطلب (2) غير الكف لا يستلزم طلب غير الكف الكف (3).

مسألة
الإِجزاء: امتثال الأمر، ففعل المأمور به بشروطه (4) يحققه إِجماعًا.
وكذلك إِن فسر الإِجزاء بسقوط القضاء (5) عندنا وعند عامة الفقهاء والمتكلمين.
وعند عبد الجبار (6) وغير من المعتزلة وابن
__________
(1) والنهي طلب فعل هو كف.
(2) كذا في النسخ. ولعلها: طلب.
(3) في (ح) و (ظ): للكف.
(4) نهاية 199 من (ح).
(5) فإِنه يستلزم الإجزاء.
(6) انظر: المعتمد/ 99، والتمهيد / 142، والإِحكام للآمدي 2/ 175. وقال عبد الجبار في المغني 17/ 125 - 126: من حكم الأوامر أن المكلف إِذا أدى الفعل على شرطه يكون مجزئًا عن فاعله، وإنما يخرج عن أن يكون مجزئًا لاختلال في شرطه ... ثم قال: والذي ذكرناه في أصول الفقه -في الظاهر- كأنه مخالف لهذه الجملة، وليس=
(2/700)

الباقلاني (1): لا يستلزم (2) الإِجزاء.
وجه الأول: لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال.
ورد: بصلاة مَن عَدِم ماءً وترابًا، امتثل مع بقاء التكليف. كذا قيل.
ولأن القضاء استدراك ما فات من الأداء، وقد أتي بجميع المأمور به، فيكون تحصيلاً للحاصل.
ورد: بأن الأداء المستدرك بالقضاء غير الأداء الحاصل. كذا قيل.
ولأنه لو لم يسقط بالأمر قيل في القضاء مثله؛ لأنه مأمور به فلا يتصور إِجزاءٌ بفعلِ مأمورٍ به.
واحتح ابن عقيل (3) وغيره: بأن الذمة إِنما اشتغلت به، وبالنهي.
__________
=الأمر كذلك؛ لأنا أردنا بقولنا: (إِن المأمور به لا يجب أن يكون مجزئًا) إِذا كان مأمورا بإِتمامه مع اختلال حاصل في أدائه أولاً وآخرا. فقلنا: إِن الأمر بذلك لا يمنع من القول بأنه غير مجزئ، فعلى هذه الطريقة يصح في المأمور به أن لا يكون مجزئًا، فأما إِذا أدى على شرطه قطعا فالحال فيه على ما قدمناه.
(1) انظر: المسودة/ 27.
(2) نهاية 72 ب من (ظ).
(3) قال في الواضح 1/ 287 ب- 288 أ: الأمر المطلق اقتضى إِيجاب الفعل بالأمر، وإِذا ثبت أنه إِنما لزمه الفعل المأمور به بالأمر وأنه لم يشغل ذمته بعد فراغها سوى الأمر بالأمور به خاصة، فإِذا أتى بالمأمور به على حسب ما تناوله الأمر عادت الذمة فارغة على حكم الأصل، وعاد كما كان قبل الأمر، ولم يبق عليه شيء من قبل الأمر، وهذا معنى الإِجزاء، ومن ذلك أنه لو نهاه عن فعل شيء فتركه ولم يتعرض له خرج=
(2/701)

واحتج في التمهيد (1): بأنه لا يجوز قوله لعبده: "افعل كذا، فإِذا فعلته كما أمرتك لم يجزئك، وعليك القضاء"؛ للتناقض.
قالوا: لو استلزمه لزمه أن لا يعيد أو يأثم إِذا علم الحدث بعد ما صلى بظن الطهارة؛ لأنه: إِما مأمور بالصلاة بظن الطهارة (2) أو (3) بيقينها (4).
قال الآمدي (5): لا نسلم وجوب القضاء على قول لنا، كذا قال، وتبعه بعضهم (6) في ذكر خلاف، وهو خلاف الإِجماع (7)، لكن ليس قضاء لما أتى به، بل لما أمر به أولاً من الصلاة بشرطها.
وذكر (8) أبو الحسين (9): لو صلى بظن الطهارة ومات عقبها سقط القضاء ولا إِجزاء.
__________
=بذلك عن عهدة النهي، لا سيما إِذا كان في وقت معين.
(1) انظر: التمهيد/ 42 ب.
(2) فقد أتى بها على وجهها، والمفروض أنه يسقط القضاء فكان ساقطا عنه القضاء.
(3) نهاية 97 أمن (ب).
(4) فلم يفعل، فيكون آثما، واللازم منتف بالاتفاق.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 177.
(6) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 90.
(7) فوجوب القضاء مجمع عليه. انظر: الفروع 1/ 366 - 367.
(8) قال الآمدي في الأحكام 2/ 175: أورد أبو الحسين إِشكالا على تفسير إِجزاء الفعل بكونه مسقطًا للقضاء. ثم ذكره الآمدي.
(9) انظر: المعتمد/ 100 - 101.
(2/702)

وأبطله الآمدي (1): بأن الإِجزاء ليس بسقوط القضاء مطلقًا، بل في حق من يتصور في حقه قضاء (2).
وقيل (3): الإِجزاء ما كفى لسقوط التعبد (4) به (5)؛ لأن سقوط القضاء يعلل بالإِجزاء، والعلة غير المعلول، ولأن القضاء لم يجب؛ لانتفاء موجبه، فكيف سقط؟!.
قالوا: يؤمر من أفسد حجه بالأداء (6)، ولا إِجزاء (7).
رد: أمر بحج صحيح ولم يأت به، (8) وهذا (9) غيره (10)، وهو (11) مجزئ في إِسقاط الأمر به (12).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 176.
(2) وهو غير متصور في حق الميت.
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 414 - 415، والإِحكام للآمدي 2/ 175.
(4) في (ب): العبد.
(5) وليس سقوط القضاء.
(6) يعني: بالمضي فيه.
(7) فلا يسقط القضاء اتفاقًا.
(8) نهاية 200 من (ح).
(9) الذي فعل.
(10) يعني: غير المأمور به.
(11) يعني: الفاسد.
(12) يعني: الأمر بالإِتمام، وغير مجزئ بالنسبة إِلى الأمر الأول.
(2/703)

مسألة
الأمر بعد الحظر للإِباحة عند أصحابنا ومالك (1) وأصحابه، وذكره أبو محمَّد (2) التميمي قول أحمد وأن أصحابه اختلفوا، وذكره أبو الطيب (3) ظاهر مذهب الشافعي وأنه قول أكثر الأصوليين، وذكره الآمدي (4) قول أكثر الفقهاء، واختياره الوقف كأبي المعالي (5).
وعن بعض أصحابنا (6): كالأمر ابتداء، ولا أثر للحظر، وذكره في العدة (7) والتمهيد (8) قول عامة الفقهاء والمتكلمين، واختاره المعتزلة (9) وصاحب المحصول (10)، وذكر بعضهم أن القاضي اختاره في إِعادة الجماعة
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 71، ومختصره 2/ 91، وشرح تنقيح الفصول/ 139 - 140.
(2) انظر: المسودة/ 22.
(3) انظر: المرجع السابق/ 16 - 17.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 178.
(5) انظر: البرهان/ 264.
(6) انظر: المسودة/ 16.
(7) انظر: العدة/ 257.
(8) انظر: التمهيد / 25أ.
(9) انظر: المغني لعبد الجبار 17/ 122، والمعتمد/ 82، والإِحكام للآمدي 2/ 17.
(10) انظر: المحصول 1/ 2 / 159.
(2/704)

بعد العصر، وذكر بعضهم (1) أنه ظاهر قول أحمد (2) -[في] (3): (وإذا (4) حللتم فاصطادوا (5))، (فإِذا قضيت الصلاة فانتشروا) (6) -: أكثر من سمعنا "إِن شاء فعل"، كأنهم ذهبوا: لا يجب، وليسا على ظاهرهما. واحتج به القاضي (7) للإِباحة.
واختار بعض (8) أصحابنا (9): أن الفعل كما كان قبل الحظر، وأنه المعروف عن السلف والأئمة، ومعناه (10) كلام المزني، وأن القاضي (11) جعله (12) بعد الحظر كالغاية يزول الحكم (13) عند
__________
(1) قال في المسودة/ 17 هذا اللفظ يقتضي أن ظاهرها الوجوب، وأنه من المواضع المعدولة عن الظاهر لدليل، ولذلك ذكره في الرد على المتمسك بالظاهر معرضًا عما يفسره.
(2) انظر: العدة/ 256.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) في النسخ: فإِذا.
(5) سورة المائدة: آية 2.
(6) سورة الجمعة: آية 10.
(7) انظر: العدة/ 256.
(8) نهاية 97 ب من (ب).
(9) انظر: المسودة/ 18، 19 - 20.
(10) نهاية 73أمن (ظ).
(11) انظر: العدة/ 260.
(12) يعني: جعل الأمر.
(13) يعني: حكم الحظر.
(2/705)

انقضائها، وأنه (1) يؤيد ذلك (2).
وجه الأول: عرف الشرع، كقوله: (فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه) (3)، (فكلوا مما أَمْسكنَ عليكم) (4)، وقوله - عليه السلام -: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها" (5).
والأصل (6) عدم دليل سوى الحظر.
والإِجماع (7) حادث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - (8).
__________
(1) يعني: ما ذكره القاضي.
(2) يعني: ما اختاره.
(3) سورة النساء: آية 4.
(4) سورة المائدة: آية 4.
(5) حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم الرخصة في ذلك ورد من طرق وبألفاظ. أخرجه مسلم في صحيحه/ 1561 - 1564 من حديث عائشة وجابر وأبي سعيد وبريدة، وأبو داود في سننه 4/ 97 - 98 من حديث بريدة، والترمذي في سننه 3/ 33 - 34 من حديث بريدة وقال: حسن صحيح. قال: "وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة ونُبَيْشة وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأنس وأم سلمة"، والنسائي في سننه 7/ 233 - 236 من حديث جابر وقتادة بن النعمان وأبي سعيد وبريدة وعائشة، وابن ماجه في سننه/ 1055 من حديث عائشة ونبيشة.
وانظر: نصب الراية 4/ 218، والتلخيص الحبير 4/ 144.
(6) هذا جواب عما يقال: هذه المواضع حملناها على الإِباحة بدليل، كما حملنا ما لم يرد بعد الحظر من أوامر القرآن على غير الواجب بدليل.
(7) هذا جواب عما يقال: الإِجماع هو الدليل على الإِباحة.
(8) والإِباحة مستفادة بهذه الألفاظ في وقته.
(2/706)

وأيضًا: العرف، كقوله لعبده: "لا تأكل هذا"، ثم يقول: كُلْه.
واعترض بقوله له: "لا تقتل هذا"، ثم يقول: "اقتله" للإِيجاب.
رد: (1) بالمنع (2) في قول لنا، وهو ظاهر قول غيرنا.
ثم: الخلاف في حظر أفاده النهي (3) اعتمد عليه في العدة (4)
والتمهيد (5) والواضح (6)، مع قول القاضي (7) (8) وأبي الفرج المقدسي -لما
قيل لهما (9): يلزم أن جميع الأوامر للإِباحة على قولكم "إِن الأصل في
الأشياء الحظر"- بأنها مسألة الخلاف (10).
__________
(1) نهاية 201 من (ح).
(2) يعني: منع أنه للوجوب.
(3) وهذا حظر مستفاد قبل نهيه، فنهيه تأكيد.
(4) انظر: العدة/ 258.
(5) انظر: التمهيد/ 25 أ.
(6) انظر: الواضح 1/ 252 ب- 253 أ- ب.
(7) أجاب القاضي في العدة/ 263: بأن المواضع التي حملناها على الوجوب لدليل دل عليها اقتضت الوجوب.
(8) في (ح): القاضي وأبي الخطاب وأبي الفرج ...
(9) في (ح): لهم.
(10) يعني: إِذا سلمنا أنها على الحظر فهو ورود صيغة الأمر على ما هو باق على حكم الأصل، فمقتضاه الإِباحة، وهو مسألة الخلاف.
(2/707)

وكذا في التمهيد (1)، وفيه: هي مباحة في وجه (2)، فالأمر بعد الحظر يرفعه (3) ويعود إِلى أصل الإِباحة.
وكذا احتج ابن عقيل (4) -على من جعلها للإِباحة (5) -: بأن الأمر يرفع الحظر فيعود (6) إِلى الأصل (7)، وقال: عندنا ليس بأمر بل إِباحة، ومن لقب المسألة بالأمر فلصيغته، وقال: إِن جعلناها (8) للإِباحة فالأمر بعد إِباحة (9)، وإن جعلناها للحظر فليس بحظر نطقي (10)، وفرق بينهما بدليل النسخ لحكم ثبت نطقًا (11).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 25 ب.
(2) يعني: في أحد الوجهين لنا.
(3) يعني: يرفع الحظر.
(4) انظر: الواضح 1/ 253 أ- ب، 256 ب- 257 أ.
(5) يعني: على من قال: الأصل في الأعيان الإباحة.
(6) في (ح): ويعود.
(7) وهو الإِباحة.
(8) يعني: جعلنا الأعيان -في الأصل- للإِباحة.
(9) فلا يكون أمراً بعد حظر، فلا يرد قولكم: الأصل في الأشياء عندكم الحظر.
(10) بل حكمي.
(11) قال: بدليل أن الحظر الوارد من جهة النطق بعد إِياحة الأعيان في الأصل -على قول من يقول بالإِباحة- وورود الإِباحة بعد حظر الأعيان في الأصل لا يكون نسخًا، وما ذاك إِلا لأن النسخ إِنما يكون لحكم ثبت نطقًا، فكذلك ورود الأمر نطقًا بعد الحظر حكماً لا يلزم أن يكون إِباحة كما لم يكن نسخًا.
(2/708)

قالوا: لو منع الحظر الوجوب منع التصريح (1) [به] (2)، ولم يختص (3) الأمر بصيغة: افعل.
رد: الصريح (4) لا يحتمل تغيره بقرينة (5) (6).
ولا يختص في ظاهر كلام الأكثر، وقاله في الروضة (7).
ثم (8): (9) اختص؛ لأن العرف فيها، قال صاحب المحرر (10): عندي أنه المذهب، وقال قوم (11).

مسألة
الأمر بعبادة في وقت مقدر -إِذا فات عنه - فالقضاء بأمر جديد عند
__________
(1) ولا يمتنع أن يقول: حرمت عليك ذلك، ثم يقول: أوجبته عليك.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) بل يعم لو قال: "أمرتكم بالصيد إِذا حللتم"، وهو يختص.
(4) كما وجبت.
(5) وهي الحظر المتقدم.
(6) بخلاف الظاهر.
(7) انظر: روضة الناظر/ 198.
(8) تكررت (ثم) في (ب).
(9) نهاية 98 أمن (ب).
(10) انظر: المسودة/ 20.
(11) انظر: روضة الناظر/ 198، والمسودة/ 20.
(2/709)

أبي الخطاب (1) وابن عقيل (2) وصاحب (3) المحرر، وقاله أكثر الفقهاء والمتكلمين، منهم: أكثر الشافعية (4) والمعتزلة (5) وبعض الحنفية (6).
وعند القاضي (7) والحلواني (8) وصاحب الروضة (9): بالأمر الأول.
وأوجب (10) أكثر الحنفية (11) قضاء المنذور بالقياس (12) على المفروض (13).
وإن لم يقيد الأمر بوقت -وقيل: هو على الفور- فالقضاء بالأمر الأول
__________
(1) انظر: التمهيد/ 35أ.
(2) انظر: الواضح 1/ 285أ.
(3) انظر: المسودة/ 27.
(4) انظر: اللمع/ 9، والمنخول/ 120، والإِحكام للآمدي 2/ 179.
(5) انظر: المعتمد/ 144، والإِحكام للآمدي 2/ 179.
(6) انظر: أصول السرخسي 1/ 45، وكشف الأسرار 1/ 139، وتيسير التحرير 2/ 200.
(7) انظر: العدة/ 293.
(8) انظر: المسودة/ 27.
(9) انظر: روضة الناظر/ 204.
(10) جاء في تيسير التحرير 2/ 201: قيل: ثمرة الخلاف تظهر في الصيام المنذور المعين إِذا فات وقته، يجب قضاؤه على القول بأن القضاء يجب بما يجب به الأداء، ولا يجب على القول بأن القضاء يجب بأمر آخر لعدم ورود ما يدل عليه.
(11) انظر: أصول السرخسي 1/ 46، وتيسير التحرير 2/ 200 - 201.
(12) لا بما وجب به أداء المنذور، فقد أوجبوا قضاء المنذور بسبب آخر.
(13) وأن المفروض يجب قضاؤه بالأمر الأول.
(2/710)

عند أصحابنا والجمهور، منهم: أكثر المالكية (1) والرازي الحنفي (2).
وذكر أبو المعالي (3): الإِجماع أنه مؤد لا قاض.
وعند أبي الفرج (4) المالكي (5) والكرخي (6) وغيره من الحنفية: هو كالمؤقت (7).
وجه الأول: لو وجب بالأول (8) لأشعر به (9)، و"صم يوم الخميس" لا يشعر بيوم الجمعة.
رد: بالأمر (10) المطلق (11).
__________
(1) انظر: المسودة/ 26.
(2) انظر: أصول الجصاص/ 97 ب، 99أ، والمحصول 1/ 2/ 423.
(3) انظر: البرهان/ 248، والمسودة/ 26.
(4) انظر: المسودة/ 26.
(5) هو: عمرو بن محمَّد بن عمرو الليثي البغدادي، فقيه أصولي، تولى قضاء طرسوس وغيرها، توفي سنة 331 ه.
انظر: الفهرست/ 283، والديباح المذهب/ 126، وشجرة النور الزكية/ 79.
(6) انظر: التمهيد/ 35 ب، والمسودة/ 26.
(7) يعني: يسقط، ولا يجب القضاء إِلا بأمر جديد.
(8) يعني: لو وجب القضاء بالأمر الأول.
(9) يعني: بالقضاء.
(10) نهاية 73 ب من (ظ).
(11) فإِن القضاء يجب فيه بالأمر الأول، فكان يلزم على قولكم أن لا يجب به، إِذ لا إِشعار له بما بعد وقت الأداء.
(2/711)

ثم: لا يشعر به (1) بلفظه بل بمعناه لثبوته في ذمته، كذا قيل.
ولأن تقييده بوقت لحكمة؛ لأنه (2) الأصل في الأحكام، والأصل عدم حصولها في غيره، ثم: إِن ساوتها في الوقت الأول امتنع ترجيح الأول، وإِن زادت عليه [وجب] (3) ترجيح الثاني (4).
رد: الأمر لا يقف على المصلحة.
ثم: هي حاصلة (5) مع العذر، ومع عدمه لإِسقاط (6) الوجوب، كذا قيل.
ولأن الأمر الأول لو اقتضى القضاء اقتضاه في الجمعة والجهاد، ولخلا قوله - عليه السلام -: (فَلْيصلِّها إِذا ذكرها) (7) عن فائدة التأسيس.
__________
(1) نهاية 202 من (ح).
(2) يعني: كون التقييد لحكمة.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) فإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الأول فلا يلزم من اقتضاء الأمر للفعل في الوقت الأول أن يكون مقتضياً له فيما بعد.
(5) في (ب): حاصل.
(6) يعني: لأن الوجوب يسقط بذلك.
(7) أخرج البخاري في صحيحه 1/ 118 - 119، ومسلم في صحيحه/ 477 عن أنس مرفوعاً: (من نسي صلاة فليصلها إِذا ذكرها، لا كفارة لها إِلا ذلك (وأقم الصلاة لذكري)).
(2/712)

ورد: الجمعة تقضى ظهرًا، والجهاد فرض كفاية (1).
والمراد بالخبر رفع ظن سقوطها بفوت وقتها، ولهذا نص - عليه السلام - على المعذور (2)، للإِشكال فيه (3).
وقياسًا على المكان (4).
ورد: بأنه لا جامع.
ثم: لا يفوت (5)، فلو صار في لجة بحر وشبهه فعله في غيره.
وفرق (6) القاضي (7)، واعتبره بدين الآدمي لا يسقط بفوت زمنه، بل بمكانه كموت عبد جانٍ (8).
__________
(1) إِذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
(2) نهاية 98 ب من (ب).
(3) يعني: لأن الإِشكال موجود في حقه.
(4) يعني: لو قيل له (صل في المسجد الفلاني أربعًا) -ففات فعله فيه- لم يجز فعله في غيره، فكذلك صيغة الأمر تتناول زماناً محصورًا، فإِذا فات الوقت قبل فعله لم يبق زمان أمر يفعله فيه. انظر: العدة/ 298.
(5) يعني: المكان لا يفوت فأمكن الفعل فيه، فلا يعدل إِلى غيره ...
(6) انظر: العدة/ 298.
(7) بين تعلق الأمر بزمان وبين فعله بمكان معين.
(8) يعني: أن دين الآدمي لو تعلق بعين ففاتت سقط.
(2/713)

وفي الروضة (1): الزمن الثاني تابع للأول بخلاف الأمكنة والأشخاص.
قال (2) ابن عقيل (3): لا يجوز الإِقدام (4) والتعدية إِلا بدليل كالمكان وأمر معلق بشرط فات، وعتق (5)، وأضحية، والجامع المصلحة المخصصة (6) أو المشيئة عند من لم يعتبرها، ولأنا لا نأمن المفسدة.
وقياسًا (7) على النهي المؤقت (8).
ورد: بالمنع (9)، ثم: ما الجامع؟ ثم: النهي لا يثبت في ذمته شيئًا (10).
واحتج بعض أصحابنا (11): لو نذر الصدقة يوم الجمعة لم يسقط بفوته، كذا قال.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 205.
(2) هذا دليل لمن قال: لا يجب القضاء إِلا بأمر جديد.
(3) انظر: الواضح 1/ 285أ - ب.
(4) يعني: الإِقدام على إِقامة وقت مقام الوقت الذي نص عليه الشرع.
(5) يعني: لو تعلق بعين عتقًا أو تضحية -ففاتت- سقط الخطاب.
(6) في (ح) ونسخة في هامش (ب): المتخصصة. وفي الواضح: المتحققة.
(7) في (ب) و (ظ): وقياس.
(8) يسقط بفوات الوقت، فكذلك الأمر.
(9) يعني: لا نسلم، فإِنا إِذا نهينا عن شيء في وقت لقبحه لم يجز فعله في وقت آخر لقبحه. انظر: التمهيد/ 35 ب.
(10) والأمر يوجب في ذمته فعلا، فلا يسقط إِلا بتأديته.
(11) يعني: احتج عليهم.
(2/714)

قالوا: قال - عليه السلام -: (فأْتوا منه ما استطعتم) (1).
ولأن الزمان ظرف ليس من فعل المكلف (2)، فالمطلوب بالأمر الفعل فقط.
وكأجل الدين (3).
ولكان أداء (4).
رد: (ما استطعتم) في زمانه (5).
والمطلوب (6) فعل مقيد بوقت، فهو صفة له، فلا يحصل إِلا بصفته (7)، ولهذا لو قدمه لم يعتد به.
ووقت الدين (8) أجل للمهلة تتأخر فيه المطالبة (9)، يعتد بتقديمه ولا
__________
(1) ومن فاته الوقت الأول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني.
(2) فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الأمر وهو الفعل.
(3) يعني: أن العبادة حق لله، والوقت المفروض كالأجل لها، ففوات أجلها لا يوجب سقوطها كما في دين الآدمي.
(4) لو احتاج أمرًا جديدًا.
(5) يعني: وإنما يفيدكم لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلاً تحت الأمر الأول، وهو محل النزاع.
(6) هذا رد على دليلهم الثاني.
(7) نهاية 203 من (ح).
(8) في (ب): الوتن.
(9) وليس أجلاً للفعل المأمور به.
(2/715)

يأثم بتأخيره عنه.
وإنما سمي قضاء لاستدراك مصلحة المأمور به.
* * *
فأما الأمر المطلق: ففيه (1) الفور وعدم تخصيصه بوقت، ولا يمكن (2) إِلا (3): إِذا تركه (4) في الأول وجب فيما بعده (5).
واعترض: الفور جعله مختصًّا بالأول كالمؤقت.
رد: ما لم يتركه في الأول (6).
والمؤقت لم يتناول ما بعده (7)، وتقييده صفة زائدة (8) على المطلق، وإلا لعَرِيَ عن فائدة.
__________
(1) يعني: ففيه أمران:
1 - الفور.
2 - عدم تخصيصه بوقت.
(2) يعني: ولا يمكن الجمع بينهما.
(3) يعني: إِلا إِذا قلنا: إِذا تركه ...
(4) وينزل منزلة قول الآمر: افعل في الأول، فإِن عصيت ففي الثاني، فإن عصيت ففي الثالث كذلك أبدًا. انظر: التمهيد / 35 ب.
(5) بالأمر الأول.
(6) فإن تركه لم يكن مختصا به.
(7) بخلاف المطلق.
(8) في (ب) و (ظ): زيادة.
(2/716)

مسألة
الأمر بالأمر بشيء ليس أمراً به عندنا، وذكره (1) الآمدي (2) وغيره، خلافاً لبعضهم.
لنا: لو كان لكان "مُرْ عبدك بكذا" تعدياً على ملك غيره، ولتناقض قول السيد لعبده غانم: "مُرْ سالمًا (3) بكذا" مع قوله لسالم: "لا تطعه"، ولكان: (مروهم بالصلاة لسبع (4)) أمر إِيجاب للصبيان. وهذا فيه نظر؛ لقيام المانع (5).
__________
(1) نهاية 99 أمن (ب).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 182، والمحصول 1/ 2/ 426.
(3) نهاية 74 أمن (ظ).
(4) أخرجه أبو داود في سننه/ 332 - 334 من حديث سَبْرة بن معبد الجهني مرفوعًا: (مروا الصبي بالصلاة إِذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) ومن حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع). وأخرجه الترمذي في سننه 1/ 253 - 254 من حديث سبرة مرفوعاً: (علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين ...) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد في مسنده 2/ 187، 3/ 201 من حديث ابن عمرو وسبرة. وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 230 - 231 من حديث سبرة وابن عمرو وأنس. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2/ 14، 3/ 83 - 84 من حديث سبرة وابن عمرو. وأخرجه الدارمي في سننه 1/ 273 من حديث سبرة. وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 197 من حديث ابن عمرو، 1/ 201 من حديث سبرة، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(5) وهو عدم تكليف الصبيان.
(2/717)

قالوا: فهم ذلك من أمر الله (1) ورسوله، ومن قول (2) السلطان لوزيره: قل لفلان: افعل كذا.
رد: لأنه مبلغ (3).

مسألة
إِذا أطلق الأمر، كقوله لوكيله: "بِعْ هذا": فعند أصحابنا: تناول البيع بغبن فاحش، واعتبر (4) ثمن المثل للعرف والاحتياط للموكِّل، وفرقوا -أيضًا - بينه وبين أمره - عليه السلام - في اعتبار إِطلاقه بالتعدية (5) بتعليله بخلاف الموكِّل.
ثم: هل يصح العقد ويضمن الوكيل النقص أم لا، كقول المالكية (6) والشافعية (7)؟ فيه (8) روايتان عن أحمد (9).
__________
(1) كذا في النسخ. ولعل العبارة: أمر الله رسولَه، أي: أمره أن يأمرنا ..
(2) في (ب): قوله.
(3) يعني: للعلم بأنه مبلغ.
(4) انظر: المغني 5/ 98.
(5) في (ظ): في التعدية بتعليله. وفي نسخة في هامش (ب): في التعدية وبتعليله.
(6) انظر: بداية المجتهد 2/ 330، وشرح تنقيح الفصول/ 145.
(7) انظر: المهذب 1/ 354، والمحصول 1/ 2/ 428.
(8) نهاية 204 من (ح).
(9) انظر: المغني 5/ 98، والفروع 4/ 358، والإنصاف 5/ 379.
(2/718)

وعند الحنفية (1): لا يعتبر (2) ثمن الله (3)، واعتبروه في الوكيل في الشراء.
وقال بعض أصحابنا وبعض الشافعية: الأمر بالماهية الكلية إِذا أتى بمسماها امتثل، ولم يتناول اللفظ للجزئيات (4)، ولم ينفها، فهي مما لا يتم الواجب إِلا به، وجبت عقلا لا قصدًا أي: بالقصد الأول، بل بالثاني.
واختار صاحب المحصول (5): أن المطلوب بالأمر نفس الماهية الكلية، فالامر بالبيع ليس أمرًا بغبن فاحش ولا ثمن المثل؛ لتعلقه بقدر مشترك، وهو غير مستلزم لكل منهما، والأمر بالأعم ليس أمرًا بالأخص، وأنه لا يمتثل (6) إِلا بالأمر بمعين.
وذكر بعضهم: الاتفاق على بطلانه.
__________
(1) انظر: بدائع الصنائع/ 3463 - 3464، 3469، والهداية 3/ 145 - 146، وبداية المجتهد 2/ 330، والمغني 5/ 98.
(2) بل قالوا: إِذا أطلق الوكالة في البيع فله البيع بأي ثمن كان؛ لأن لفظه في الإِذن مطلق، فيجب حمله على إِطلاقه.
(3) هذا هو المشهور عن أبي حنيفة، وعند محمَّد وأبي يوسف: يعتبر. فانظر: المراجع السابقة.
(4) كذا في النسخ. ولعلها: الجزئيات.
(5) انظر: المحصول 1/ 2/ 427.
(6) في (ب): لا تمتثل. بعد أن كانت: لا يمتثل. وفي (ظ): لا تمثيل.
(2/719)

وقال الآمدي (1) وغيره (2): المطلوب فعل ممكن مطابق للماهية المشتركة، وأنه لو سلم تعلقه بقدر مشترك -فأتى ببعض الجزئيات- فقد أتى بمسماه.
وجه هذا: أن ماهية الفعل المطلق كلي، لاشتراكها بين كثيرين، فيستحيل وجودها خارجاً، إلا لتشخص، فيكون كليا وجزئيا معًا، وهو محال، فلم يكن مطلوباً بالأمر، وِإلا كان تكليفًا بالمحال.
رد: الماهية بشرط عدم التشخيص -وتسمى المجرد وبشرط لا شيء-: لا توجد خارجاً -قال بعض أصحابنا وغيرهم: ولا ذهنا- وبشرط (3) عدم التقييد الخارجي: توجد ذهنا، ومن حيث هي من غير اعتبار تشخيص أوْ لا تسمى المطلق والماهية لا (4) بشرط شيء: توجد خارجاً جزء المشخص، فمن حيث هي لا تقتضي وحدة، ولو اقتضت (5) تعددًا امتنع عروض التشخص لها، ولهذا قيل (6): لكل شيء حقيقة هو بها هو: لنا دل عليها (7) المطلق، وعليها مع وحدة معينة المعرفة، وإلا فالنكرة، وعليها مع وحدات معدودة العدد، ومع كل جزئياتها العام.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 183، 184، ومختصر ابن الحاجب 2/ 93.
(2) نهاية 99 ب من (ب).
(3) في (ظ): ويشترط.
(4) في (ظ): إِلا بشرط.
(5) نهاية 205 من (ح).
(6) انظر: البلبل/ 97.
(7) في (ح): عليه.
(2/720)

وجه الثاني: (1) الفعل مطلق، والجزئي مقيد بالمشخص، فليس بمطلوب، فالمطلوب الفعل المشترك (2).
رد: باستحالته بما سبق (3).
ورد: الماهية بقيد الاشتراك ليست مطلوبة، بل من حيث معروضة له، وهي موجودة خارجاً.

مسألة
الأمران المتعاقبان بلا عطف: إِن اختلفا عمل بهما إِجماعًا على الخلاف (4) في مقتضى الأمر كما سبق (5)
وإن تماثلا: فإِن لم يقبل التكرار ك "صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة"، أو قبله ومنعت العادة ك "اسقني (6) ماء، اسقني ماء"، أو الثاني معرَّف، فهو مؤكد للأول إِجماعًا.
وإن لم تمنع ولم يتعرَّف -ك "صُمْ صُمْ"، أو "صَلِّ صلِّ"، أو "أعط زيدًا درهما، أعط زيدًا درهما"- فالثاني تأسيس -عند ابن عقيل (7)
__________
(1) وهو مذهب صاحب المحصول.
(2) نهاية 74 ب من (ظ).
(3) من الدليل.
(4) في (ب) و (ظ): الاختلاف.
(5) انظر: ص 660 وما بعدها، 670 وما بعدها من هذا الكتاب.
(6) نهاية 100 أمن (ب).
(7) انظر: الواضح 1/ 270أ.
(2/721)

والقاضي (1)، وذكره هو (2) وغيره عن الحنفية، وقاله في التمهيد (3) في مسألة المطلق والمقيد- كبعد امتثال الأول، قال صاحب المحرر (4): "وهو أشبه بمذهبنا، لقولنا -فيمن (5) قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق-: يلزمه طلقتان، وذكره ابن برهان عن الفقهاء قاطبة"، وقاله عبد الجبار (6) والجبائي (7) وابن الباقلاني (8) والآمدي (9)؛ لأن الأصل التأسيس.
وفي التمهيد (10): الثاني تأكيد؛ لئلا يجب فعل بالشك (11)، ولا ترجيح، ومنع أن تغاير اللفظ يفيد تغاير المعنى، ثم سلمه (12)، والتأكيد فائدة.
__________
(1) في كتابيه: الروايتين/ 235 أ- ب، والمجرد. انظر: المسودة/ 23. واختار في لعدة/ 279 - 280: أنه للتأكيد.
(2) انظر: العدة/ 278، والتمهيد/ 28 ب.
(3) انظر: التمهيد/ 69 أ.
(4) انظر: المسودة/ 23.
(5) في (ح): لمن.
(6) انظر: المغني 17/ 128، والمعتمد/ 174، والإحكام للآمدي 2/ 185.
(7) انظر: التمهيد/ 28 ب.
(8) انظر: الواضح 1/ 270 أ.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 185.
(10) انظر: التمهيد/ 28 ب- 29 أ.
(11) لأن الثاني يحتمل الاستئناف ويحتمل التأكيد.
(12) قال: وإِن سلم فقد حملنا الثاني على فائدة وهي التأكيد.
(2/722)

كذا قال، وقاله في الروضة (1)، (2) واحتج باليمين (3) والنذر. كذا قال.
وذكر أبو محمَّد التميمي (4): عن أحمد: الثاني تأكيد، واختلف أصحابه.
والشافعية (5) كالقولين وثالث "الوقف"، وقاله أبو الحسين (6) البصري، لما سبق (7)، ولمخالفته (8) البراءة الأصلية.
وعورض: يلزم من الوقف مخالفة مقتضى الأمر، فيسلم الترجيح بالتأسيس.
وإن كان الثاني معطوفاً:
فإِن اختلفا عمل بهما.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 202.
(2) نهاية 206 من (ح).
(3) يعني: لو كرر لفظ اليمين، نحو: (والله لأصومن، والله لأصومن) بر بصوم واحد، ولو كرر لفظ النذر لكان الواجب به واحداً.
(4) انظر: المسودة/ 22.
(5) انظر: اللمع/ 9، والتبصرة/ 50، والمحصول 1/ 2/ 255، والإِحكام للآمدي 2/ 185، ونهاية السول 2/ 49، والعدة/ 279.
(6) انظر: المعتمد/ 175.
(7) من أنه يحتمل الاستئناف ويحتمل التأكيد، فوجب الوقف.
(8) يعني: لمخالفة التأسيس للبراءة.
(2/723)

وإن تماثلا -ولم يقبل تكرارًا (1) - فتأكيد بلا خلاف.
وإن قبله -ولم تمنع منه عادة، ولا الثاني معرَّف- فالأقوال الثلاثة، مع ترجيح آخر (2) وهو العطف (3).
وإلأن منعت العادة (4) تعارضا (5)، والأقوال الثلاثة.
وجزم بعض أصحابنا (6) بالتكرار.
وإن تعرَّف الثاني -ك "صل ركعتين وصل الركعتين أو الصلاة"- فتأكيد، ذكره القاضي (6) وأبو الفرج المقدسي.
واختار (7) أبو الحسين (8) البصري: الوقف، لمعارضة (9) لام العهد للعطف.
واختار صاحب المحصول (10): التغاير؛ لأن لام الجنس كما هي للعهد
__________
(1) في (ب): تكرار.
(2) يعني: مع ترجيح آخر للتأسيس.
(3) فإِن الظاهر من العطف المغايرة.
(4) في (ح): عادة.
(5) يعني: الظاهر من حروف العطف مع منع العادة من التكرار.
(6) انظر: المسودة/ 24.
(7) في (ب): واختاره.
(8) انظر: المعتمد/ 176.
(9) نهاية 100 ب من (ب).
(10) انظر: المحصول 1/ 2/ 259.
(2/724)

تكون لبيان حقيقة الجنس، نحو (1): "اشتر الخبز واللحم"، فما تعينت (2) معارضتها للعطف.
وذكر الآمدي (3) الخلاف (4)، قال: فإِن اجتمعا (5) مع العطف -ك "اسقني ماء واسقني الماء"- فالوقف لتعارض العطف (6) والتأسيس (7) مع منع العادة (8) والتعريف (9).
وقال صاحب (10) المحصول (11): الأشبه في عطف عام على خاص: الوقف، لظاهر العموم والعطف (12).
__________
(1) في (ب) و (ظ) ... الجنس واشتر ...
(2) يعني: فلم تتعين.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 186.
(4) فيما إِذا تعرف الثاني.
(5) يعني: التعريف، والعادة المانعة من التكرار.
(6) المقتضي للمغايرة.
(7) الذي ذكرناه سابقًا.
(8) من التكرار.
(9) المقتضي لكون الثاني هو الأول.
(10) نهاية 75أمن (ظ).
(11) انظر: المحصول 1/ 2/ 261.
(12) قال: لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف وحمله على التأكيد.
(2/725)

النهي
مقابل للأمر، فكل (1) ما قيل في حد الأمر، وأن له (2) صيغة -وما في مسائله من مختار ومزيف- فمثله هنا.
* * *
وصيغة "لا تفعل" -وإن احتملت تحريمًا وكراهة (3) وتحقيرًا كقوله: (لا تَمُدَّنَّ عينيك) (4)، وبيان العاقبة: (ولا تَحْسَبَنَّ الله غافلاً) (5)، والدعاء: (لا تؤاخذنا) (6)، واليأس: (لا تعتذروا اليوم) (7)، والإِرشاد: (لا تسألوا عن أشياء) (8) - فهي حقيقة في طلب الامتناع.
وكونها حقيقة في التحريم أو الكراهة -وهو وجه لنا، مع أن أحمد قال: "أخاف على قائل هذا أنه صاحب بدعة"- أو مشتركة أو موقوفة، فعلى ما
__________
(1) في (ح): فما.
(2) نهاية 207 من (ح).
(3) في (ب) و (ظ): وكراهية.
(4) سورة الحجر: آية 88.
(5) سورة إِبراهيم: آية 42.
(6) سورة البقرة: آية 286.
(7) سورة التحريم: آية 7.
(8) سورة المائدة: آية 101.
(2/726)

سبق (1) في الأمر.
* * *
وتقدُّمُ الوجوب قرينة في أن النهي بعده للكراهة، جزم به أبو الفرج المقدسي (2)، وقاله القاضي (3) وأبو الخطاب (4)، ثم سَلَّما: أنه للتحريم؛ لأنه (5) آكد، واختاره (6) الحلواني (7).
وفي الروضة (8): هو لإِباحة الترك، كقوله - عليه السلام -: (ولا
__________
(1) انظر: ص 660 وما بعدها من هذا الكتاب.
(2) انظر: المسودة/ 17.
(3) قال في العدة/ 262: احتج -يعني: من قال: الأمر بعد الحظر للوجوب-: بأن النهي بعد الأمر للحظر، فكذا الأمر بعد النهي للوجوب. فأجاب: بأن النهي بعد الأمر يحتمل أن نقول فيه ما نقول في الأمر بعد الحظر وأنه يقتضي التخيير دون التحريم، ويحتمل أن نفرق بينهما ونقول: النهي بعد الأمر للحظر، والأمر بعد الحظر لا يقتضي الوجوب؛ لأن النهي آكد، ولهذا قال مخالفونا: إِن النهي يقتضي التكرار، والأمر المطلق لا يقتضي، ولأن الأمر أحد الطرق إِلى الإِباحة، فلهذا جاز أن يرد ويراد به الإِباحة، وليس النهي طريقًا إِلى الإباحة، فلم يجز أن يراد به الإِباحة.
(4) انظر: التمهيد/ 25 ب.
(5) يعني: النهي.
(6) يعني: اختار التحريم.
(7) انظر: المسودة/ 84.
(8) انظر: روضة الناظر/ 199.
(2/727)

توضؤوا من لحوم الغنم) (1)، ثم سَلَّم: أنه للتحريم.
وكذا (2) اختار ابن عقيل (3): يقتضي إِسقاط ما أوجبه الأمر، وأنه وِزان الإِباحة (4) بعد الحظر، لإِخراجهما (5) عن جميع أقسامهما (6)، وغَلَّط [ما] (7) حكاه (8) قول أصحابنا "للتنزيه" فضلاً عن التحريم، وقال (9):
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 1/ 128، والترمذي في سننه 1/ 54، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 78) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا: سئل عن الوضوء من لحوم الإِبل فقال: (توضؤوا منها)، وسئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها).
وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 86، 88 من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا.
(2) في (ظ): كذا.
(3) انظر: الواضح 1/ 254 أ- ب، 256 أ- ب، والمسودة/ 84.
(4) يعني: في الأمر بعد الحظر.
(5) يعني: إِخراج الأمر والنهي.
(6) فأقسام الأمر: إِيجاب وندب، أما الإِطلاق والإباحة فليسا من أقسامه. وأقسام النهي: تحريم وتنزيه، أما الإِسقاط فليس من أقسامه.
(7) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(8) كانت العبارة في (ح): (وغلط من قال للتنزيه) ثم ضرب على (قال)، وكتب في الهامش (حكاه قول أصحابنا).
(9) قال هذا ردًّا على من قال: يقتضي التحريم.
(2/728)

تأكده لا يزيد على مقتضى الأمر، وقد جعلوا (1) تقدم (2) الحظر قرينة (3).
وذكر أبو إِسحاق (4) الإِسفراييني (5): التحريم إِجماعًا.
قال أبو المعالي (6): ما أرى المخالفين (7) في الأمر بعد الحظر يسلِّمون ذلك.
واختار أبو (8) المعالي (9): الوقف.
__________
(1) يعني: أصحابنا.
(2) في (ظ): تقديم.
(3) قال: تأكده لا يزيد على مقتضى الأمر؛ لأن مقتضى الأمر إِيجاب الفعل، ومقتضى النهي إِيجاب الترك، فلا وجه لتأكد أحدهما على الآخر، ولأنه مع تأكده تعمل فيه القرينة فينحط عن رتبة الحظر إِلى التنزيه، وقد جعل أصحابنا تقدم الحظر قرينة حطت الأمر عن رتبته، فهلا جعلوه كسائر القرائن في حط النهي عن رتبته -وهي الحظر- إِلى أحد أمرين: إِما إِسقاط ما أوجبه الأمر، أو التنزيه دون الحظر، والمنع مذهب حسن على الوجه الذي ذكرناه، وهو أن يجعل للإِسقاط.
(4) نهاية 101 أمن (ب).
(5) انظر: البرهان/ 265. وفي المسودة/ 84: وغلط من ادعى في المسألة إِجماعًا.
(6) انظر: البرهان/ 265.
(7) يعني: الحاملين له على الإِباحة.
(8) تكرر (أبو) في (ب).
(9) انظر: البرهان/ 265.
(2/729)

مسألة
إِطلاق النهي عن الشيء لعينه يقتضي فساد المنهي عنه عندنا وعند جمهور الفقهاء من الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والظاهرية (4) وغيرهم وبعض المتكلمين، قال الخَطَّابي (5): هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه (6).
ثم قيل: النهي يدل (7) على الفساد شرعًا، وقيل: لغة، وتارة قاله أصحابنا، وتارة: لا.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 80، وكشف الأسرار 1/ 257.
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 73، ومختصره 2/ 95، وشرح تنقيح الفصول/ 173، ومفتاح الوصول/ 27.
(3) انظر: اللمع/ 14، والتبصرة/ 100، والمستصفى 2/ 9، والمنخول/ 126، والأحكام للآمدي 2/ 188.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 188.
(5) هو: أبو سليمان حَمْد بن محمَّد بن إِبراهيم بن الخطاب البُسْتي، حافظ فقيه محدث، توفي سنة 388 ه.
من مؤلفاته: معالم السنن، وغريب الحديث.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 453، وتذكرة الحفاظ/ 1081، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 282، والبداية والنهاية 11/ 236.
(6) جاء في المسودة/ 83: ذكره الخطابي في الأعلام في النهي عن بيع الكلب. وانظر: معالم السنن 3/ 753.
(7) نهاية 208 من (ح).
(2/730)

قال ابن عقيل (1): فلو قام دليل [على] (2) أنه ليس للفساد لم يكن مجازًا؛ لأنه إِنما انتقل عن بعض موجَبه كمسألة صرفه عن التحريم إِلى التنزيه كما سبق (3).
وهذا المعنى في العدة (4) والتمهيد (5) وغيرهما.
قال بعض أصحابنا (6): مبني على أن الفساد مدلول عليه بلفظ النهي، وإلا فإِن علم بعقل أو شرع لم يكن (7) مجازاً ولا إِخراج (8) شيء، وكذا عدم كل دلالة لزومية: هل يَجعل اللفظ مجازاً؟ وهل يكون تخصيصًا؟
وقال كثير من الحنفية (9) كالكرخي (10) وعامة
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 44 ب، والمسودة/ 84.
(2) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(3) في ص 659 - 660.
(4) انظر: العدة / 441.
(5) انظر: التمهيد/ 49 ب.
(6) انظر: المسودة/ 84 - 85.
(7) يعني: انتفاؤه.
(8) يعني: ولا إِخراج بعض مدلول اللفظ.
(9) انظر: مذهبهم في: أصول السرخسي 1/ 80، وكشف الإصرار 1/ 257، وتيسير التحرير 1/ 376، وفواتح الرحموت 1/ 399.
(10) جاء في أصول الجصاص/ 110 أ: وكذلك -أي: القول بالفساد- كان يقول شيخنا أبو الحسن، إِلا أنه كان يقول مع ذلك: قد قامت الدلالة على أن النهي عنه إِذا كان=
(2/731)

المعتزلة (1) والأشعرية (2) والمتكلمين: لا يقتضي فسادًا، وحكاه الآمدي (3) عن محققي أصحابهم كالقفال والغزالي.
وذكر أبو محمَّد التميمي (4) عن أحمد (5): أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وأن له عنده صيغة، وأن (6) أصحابه اختلفوا في ذلك.
وحكى جماعة (7) عن بعض العلماء: يقتضي الصحة. وفيه نظر.
وعند أبي الحسين (8): يقتضي فساد العبادات فقط.
وجه الأول: حديث عائشة عنه - عليه السلام -: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ). متفق عليه (9).
__________
=إِنما تعلق النهي به لمعنى في غيره لا لنفسه لم يوجب فساد هذه العقود ولا القرب المعقولة.
(1) انظر: المعتمد/ 184.
(2) انظر: البرهان/ 283، والإِحكام للآمدي 2/ 188.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 188.
(4) نهاية 75 ب من (ظ).
(5) انظر: المسودة/ 22.
(6) في (ح): واختلف في ذلك أصحابه.
(7) انظر: المسودة/ 82.
(8) انظر: المعتمد/ 184.
(9) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 184، ومسلم في صحيحه/ 1343 - 1344 واللفظ له.
(2/732)

ولأحمد: (من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو مردود) (1).
واعترض (2): آحاد، ثم: المراد: لا يثاب عليه.
وأجاب أصحابنا: تلقته الأمة بالقبول، فهو كالتواتر، ثم: هذا من مسائل الاجتهاد، فهو كالفروع (3).
والرد ظاهر فيما تعلق به (4).
ولأن الصحابة والأئمة لم تزل تستدل على الفساد بالنهي، والأصل عدم قرينة، وعادة (5) المحتج بيان الدليل، ولنقلت؛ لئلا يضيع الشرع.
ولأن النهي (6) طلب ترك الفعل، ولا يخلو من حكمة: إِما وجوبًا (7) أو بحكم الواقع (8)، على اختلاف المذهبين، ثم: لو خلا (9) فنادر والحكم
__________
(1) انظر: المسند 6/ 83 ولفظه: (من غير أمرنا). وأخرجه أبو داود في سننه 5/ 13 بلفظ: (من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو رد).
(2) نهاية 101 ب من (ب).
(3) فيكفي فيه الآحاد.
(4) يعني: في جميع ما يتعلق به، فلا يثاب عليه، ويكون فاسدا.
(5) يعني: لو كان الدليل لا يتم إِلا بقرينة لبينوها؛ لأن عادة المحتج بيان الدليل.
(6) نهاية 209 من (ح).
(7) على مذهب المعتزلة.
(8) عن مذهب الأشعرية. انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 189.
(9) عن الحكمة.
(2/733)

للأغلب (1)، فلو لم يفسد لزم لنفي المنهي عنه حكمة للنهي (2)، ولثبوته حكمة لصحته، واللازم باطل؛ لأنهما إِن تساويا أو رجحت حكمة الصحة امتنع النهي (3) لخلوه (4) عن الحكمة، وإلا امتنعت الصحة لعدم حكمتها.
القائل "لا يدل لغة": فساده نف أحكامه، والنهي لا يشعر بذلك؛ لأنه طلب ترك الفعل، بدليل: "لا تبع غلامك، فإِن فعلت ملكه المشتري" لم يتناقض لغة.
القائل "لغة": لخبر (5) عائشة (6).
رد: لا حجة فيه (7)، ثم: لقوله: (فهو رد) (8).
ولاستدلال العلماء.
رد: لم يقولوا: لغة، بل (9) لفهمهم شرعًا.
__________
(1) وهو عدم الخلو.
(2) يعني: لوجود النهي.
(3) في (ح): لخلوة.
(4) يعني: لخلو النهي.
(5) في (ب): بخبر.
(6) فالمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول، ولا يخفى أن المنهي عنه ليس بمأمور به ولا هو من الدين، فكان مردودًا.
(7) على الفساد. انظر: الإحكام للآمدي 2/ 191.
(8) يعني: أصبح الدليل شرعيًا لا لغويًا.
(9) في (ح) و (ب): ثم.
(2/734)

قالوا: الأمر يقتضي الصحة، والنهي مقابله، فيقتضي نقيضها؛ لتقابلهما.
رد: الأمر لا يقتضي الصحة لغة.
ثم: المتقابلات (1) يجوز اشتراكها في لازم واحد (2).
ثم: يلزم أن لا يقتضي الصحة (3) لا أن يقتضي الفساد.
القائل "لا يدل على الفساد مطلقًا": لأنه لا دليل عليه.
ولأن الشارع لو قال: "نهيتك عن هذا لعينه، فإِن فعلتَ ثبت حكمه" صح ولا تناقض، ولو دل النهي تناقض.
رد: تقدم الدليل.
وبمنع لزوم التناقض؛ لأنه يدل (4) ظاهرًا، والصريح أقوى (5).
القائل "يدل على صحة (6) غير (7) العبادة): لو لم يدل (8) كان المنهي
__________
(1) يعني: لا يجب اختلاف أحكامها، بل يجوز ... إِلخ.
(2) فضلاً عن تناقض أحكامها.
(3) لأنه نقيض: (يقتضي الصحة).
(4) يعني: لأن النهي يدل على الفساد ظاهرًا.
(5) من الظاهر.
(6) في (ب): الصحة.
(7) نهاية 102 أمن (ب).
(8) على الصحة.
(2/735)

عنه غير شرعي؛ لأنه لو كان شرعيًا كان صحيحًا.
رد: الشرعي: صحيح وفاسد (1)؛ لقوله - عليه السلام - للحائض: (دعي (2) الصلاة) (3).
قالوا: لم يكن المنهي (4) عنه الشرعي صحيحًا كان ممتنعا، فلم يُمنع منه، لعدم فائدة.
رد: امتنع للنهي لا لذاته.
ثم: صلاة حائض (5) ونكاح مشركة (6) ممتنعان (7) وقد منعا (8)، فإِن حملا (9) على اللغة لم يصح في حائض لعدم منعها من الدعاء، والنكاح
__________
(1) فليس كل شرعي صحيحا.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 51، 67، ومسلم في صحيحه/ 262 من حديث عائشة مرفوعًا.
(3) وصلاة الحائض لا تصح اتفاقًا.
(4) نهاية 210 من (ح).
(5) في (ب) و (ظ): الحائض.
(6) قال تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يُوْمِنّ). سورة البقرة: آية 221.
(7) فإِن النهي فيهما لا يدل على الصحة بالإجماع.
(8) فهذا ينقض قولكم.
(9) هذا رد على سؤال مقدر، قالوا: نحمله على اللغوي فلا يلزم الصحة. قلنا: دليلكم قائم في اللغوي وهو أنه -حينئذ- يمتنع اللغوي وقد منعوا عنه.
(2/736)

لغة (1): الوطء، فيكون الممتنع شرعا امتنع (2).

مسألة
النهي عن الشيء لوصفه كذلك عندنا وعند الشافعية (3) وغيرهم.
وذكر بعضهم (4) عن الأكثر: لا يقتضي فسادًا، كذا قال.
وعند الحنفية (5): يقتضي صحة الشيء وفساد وصفه، فالمحرم عندهم وقوع الصوم في العيد لا الواقع، فهو حسن؛ لأنه صوم، قبيح لوقوعه في العيد، فهو طاعة فيصح النذر به، ووصف قبحه لازم للفعل (6) لا للاسم (7)، ولا يلزم بالشروع (8)، والفساد في الصلاة وقت النهي في وصفه (9) للنسبة إِلى الشيطان، والوقت سبب وظرف، فأثر نقصه في نقصها، فلم يَتَأدَّ بها الكامل (10)، وضُمِنَتْ بالشروع، ووقت الصوم معيار
__________
(1) نهاية 76 أمن (ظ).
(2) لغة، فلا يمنع منه.
(3) انظر: المنخول/ 205، وتحقيق المراد / 106، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 394.
(4) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 98.
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 82، 85 وما بعدها، وكشف الأسرار 1/ 258 وما بعدها.
(6) يعني: لوقوع الصوم يوم العيد.
(7) يعني: لا لاسم الصوم.
(8) يعني: فلو أفسده بعد الشروع فلا قضاء.
(9) يعني: وصف الوقت.
(10) الذي وجب في ذمته.
(2/737)

فلم يضمن به (1) عند أبي حنيفة، وخالفه صاحباه (2)، وإذا باع بخمر صح بأصله لا وصفه، ولو باع خمراً بعبد (3) لم يصح؛ لأن الثمن تابع غير مقصود بخلاف المثمن. كذا قالوا.
وقيل لأبي الخطاب في الانتصار في نذر صوم العيد: نهيه - عليه السلام - عن صوم العيد (4) يدل على الفساد، فقال: هو حجتنا؛ لأن النهي عما لا يكون (5) محال كنهي الأعمى عن النظر، فلو لم يصح لما نهى عنه.
وصحح بعض أصحابنا (6) المنهي لوصف غير (7) لازم.
وجه الأول: ما سبق.
واستدلال الصحابة (8) بالنهي في صوم العيد وغيره من غير فرق.
__________
(1) يعني: بالشروع.
(2) انظر: كشف الأسرار 1/ 277.
(3) في (ب): بعيد.
(4) ورد من حديث عمر وابن عمر وأبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا، أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 42 - 43، ومسلم في صحيحه/ 799 - 800.
وورد من حديث عائشة مرفوعًا، أخرجه مسلم في صحيحه/ 800.
(5) في (ح): عما لا يتكون.
(6) انظر: البلبل/ 96.
(7) نهاية 102 ب من (ب).
(8) نهاية 211 من (ح).
(2/738)

وسَلَّم المخالف الصلاة بلاَ طهارة (1).
وفي إِلزامه بيع الملاقيح والمضامين (2) ونحوهما (3) نظر.
ومنع صاحب المحرر (4): أن النهي لم يعد إِلى عين المنهي عنه، لأن النص أضافه إِلى صوم هذا اليوم كإِضافته النهي إِلى صلاة حائض ومحدث.
قالوا: وأجيب بما سبق (5): أنه (6) لا يقتضي فسادًا، ويقتضي صحة غير (7) العبادة.
قالوا: [لو] (8) دل لما صح طلاق حائض والحد بسوط غصب وذبح ملْك غيره.
[رد] (9):ترك الظاهر (10) لدليل, وهو خبر
__________
(1) يعني: سلم الفساد فيها.
(2) في المغني 4/ 157: الملاقيح: ما في البطون وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول. كانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عامه.
(3) يعني: إِلزامه أن يقول بصحتهما. انظر: أصول السرخسي 1/ 80.
(4) انظر: المسودة/ 83.
(5) انظر: ص 735 من هذا الكتاب.
(6) في (ب): أن.
(7) انظر: ص 735 من هذا الكتاب.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(10) وهو الدلالة على الفساد.
(2/739)

ابن عمر (1) في الطلاق (2)، وقال القاضي (3): تغليظًا عليه.
وفي الحد للإِجماع -قاله (4) في التمهيد (5) - لئلا يُزاد الحد.
ويحل المذبوح على الأصح عندنا (6) (و) (7) للخبر (8).
وقال بعض أصحابنا: النهي (9) إِن أوجب حظرا أوجبه مع النهي عن السبب (10) كطلاق الحائض والظهار محرَّمان موجبان للتحريم، ونبه عليه أبو
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 41، 59، ومسلم في صحيحه / 1093 - 1098.
(2) يعني: طلاق الحائض، فقد اعتد بهذا الطلاق مع النهي عنه.
(3) انظر: العدة/ 446.
(4) في (ظ): وقاله. بزيادة الواو. وقد زيدت في (ب) من نسخة أخرى.
(5) انظر: التمهيد/ 49أ.
(6) انظر: بدائع الصنائع/ 4427، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/ 444، والمجموع 14/ 72.
(7) مسحت الواو في (ظ).
(8) وهو أن النبي قال -في شاة ذبحت بدون إذن صاحبها-: (أطعموها الأسارى). أخرجه أبو داود في سننه 3/ 627 - 628 من حديث رجل من الأنصار، وكذا أخرجه أحمد في مسنده 5/ 293 - 294، ومحمد بن الحسن في كتاب الآثار -على ما في نصب الراية 4/ 168 - والدارقطني في سننه 4/ 285 - 286. وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط من حديث أبي موسى. فانظر: نصب الراية 4/ 169، ومجمع الزوائد 4/ 173.
(9) كذا في النسخ. ولعلها: المنهي.
(10) يعني: سبب الحظر.
(2/740)

الخطاب في مسألة "البيع الفاسد لا ينقل الملك".
وقال في المغني (1) -لمن احتج بالنهي (2) عن العُمْرَى (3)
__________
(1) انظر: المغني 6/ 68.
(2) أخرج أبو داود في سننه 3/ 820 عن جابر أن النبي قال: (لا تُرْقبوا ولا تُعْمروا فمن أُرْقب شيئًا أو أُعْمره فهو لورثته). وأخرجه النسائي في سننه 6/ 273. وأخرج أبو داود في سننه 3/ 821 عن زيد بن ثابت مرفوعًا: (من أعْمر شيئًا فهو لمُعْمَره محياه ومماته، ولا تُرْقبوا، فمن أَرْقب شيئًا فهو سبيله). وأخرجه النسائي في سننه 6/ 272. وأخرج النسائي -أيضًا- في سننه 6/ 269 عن ابن عباس عن رسول الله قال: (لا تُرْقبوا أموالكم، فمن أَرْقب شيئًا فهو لمن أُرْقبه). وفيه اختلاف ذكره النسائي. وأخرج النسائي في سننه 6/ 273 عن ابن عمر أن رسول الله قال: (لا عمرى ولا رقبى، فمن أُعْمر شيئًا أو أُرْقبه فهو له حياته ومماته). وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 796. وأخرجه ابن ماجه -أيضًا- في سننه/ 796 من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا عمرى، فمن أُعْمر شيئًا فهو له). في الزوائد: إِسناده صحيح على شرط الشيخين.
وانظر: سنن النسائي 6/ 268 - 278، ونصب الراية 4/ 128 - 129.
(3) في المغني 6/ 68: العمرى والرقبى نوعان من الهبة. وصورة العمرى: أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر.
والرقبى: أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إِن من قبلي عادت إِلي وإن من قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا، وسميت رقبى لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
(2/741)

والرُّقْبَى (1) -: النهي إِنما يمنع صحة ما يفيد النهي (2) عنه فائدة، فإِن كانت صحته ضررًا على مرتكبه لم يمنع صحته كطلاق الحائض والعمرى، لزوال ملكه بلا عوض.

مسألة
النهي لمعنى في غير المنهي عنه -كالبيع بعد نداء الجمعة- كذلك عند أحمد (3) و [أكثر] (4) أصحابنا (وم (5) ظ) (6) والجبائية (7) -قال أبو المعالي (8): وعُزِيَ هذا (9) إِلى طوائف من الفقهاء- خلافاً لأكثر الفقهاء والمتكلمين.
والدليل والاعتراض والجواب كما سبق.
وألزم القاضي (10) الشافعية ببطلان (11) البيع بالتفرقة بين
__________
(1) يعني: قال لمن احتج بالنهي عن العمرى والرقبى على فسادهما.
(2) يعني: الشخص المنهي عنه.
(3) انظر: العدة/ 441.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول / 173، والفروق 2/ 85، والإحكام للآمدي 2/ 188.
(6) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 390 - 311.
(7) انظر: المعتمد/ 195.
(8) انظر: البرهان/ 284.
(9) نهاية 76 ب من (ظ).
(10) انظر: العدة/ 443.
(11) فيلزمهم طرد البطلان فيما شابهها.
(2/742)

والدة (1) وولدها (2) (3).
__________
(1) نهاية 103 أمن (ب).
(2) نهاية 212 من (ح).
(3) النهي عن التفرقة بين الوالدة وولدها: أخرجه الترمذي في سننه 2/ 376، 3/ 64 عن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله يقول: (من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة). وقال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 55 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الزيلعي في نصب الراية 4/ 23 - 24: وفيما قاله نظر؛ لأن حيي بن عبد الله لم يخرج له في الصحيح شيء، بل تكلم فيه بعضهم ... ا. ه. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريق آخر فيه انقطاع. فانظر: نصب الراية 4/ 24. وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 146 من طريق آخر.
وأخرج الدارقطني في سننه 3/ 68 من طريق الواقدي ... عن حُرَيْث بن سليم العُذري عن أبيه قال: سألت رسول الله عمن فرق في السبي بين الوالد والولد؟ فقال: (من فرق بينهم فرق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة).
وأخرج الدارقطني -أيضًا- في سننه 3/ 67 ... عن إِبراهيم بن إِسماعيل بن مُجَمِّع عن طلَيْق بن عمران عن أبي بردة عن أبي موسى: لعن رسول الله من فرق بين الوالدة وولدها. وفي لفظ: نهى أن يفرق ... الحديث. وذكر الدارقطني فيه اختلافاً على طليق. فانظر: نصب الراية 4/ 25.
وأخرج البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الحاكم بسنده عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جده أن أبا أسد جاء إِلى النبي بسبي عن البحرين، فنظر - عليه السلام - إِلى امرأة منهن تبكي، فقال: (ما شأنك؟) قالت: باع ابني، فقال - عليه السلام -=
(2/743)

وحيث قال أصحابنا: باقتضاء النهي الفساد، فمرادهم: ما لم يكن النهي لحق آدمي يمكن استدراكه، فإِن [كان] (1) ولا مانع كتلقي الرُّكْبان (2) والنَّجْش (3) فإِنهما يصحان على الأصح عندنا وعند الأكثر؛ لإِثبات الشارع الخيار في التلقي، وعللوه بما سبق.
__________
=لأبي أسد: (أبعت ابنها؟) قال: نعم، قال: (فيمن؟) قال: في بني عبس، فقال -عليه السلام-: (اركب أنت بنفسك فَأْت به). انظر: نصب الراية 4/ 24.
وأخرج الحاكم في المستدرك 2/ 55 عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله: (ملعون من فرق بين والدة وولدها). قال الحاكم: إِسناده صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 66 - 67.
وأخرج أبو داود في سننه/ 3/ 144 - 145 ... عن ميمون بن أبي شبيب عن علي: أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه - عليه السلام - عن ذلك، ورد البيع. وضعفه أبو داود بأن ميمونًا لم يدرك عليا. وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 66، والحاكم في مستدركه 2/ 55، 125 وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) تلقي الركبان: أن يتلقى الرجل من جلب متاعًا إِلى البلد فيشتريه منه قبل وصوله، فربما غبنه غبنا بينا فيضره. انظر: المغني 4/ 164.
والنهي عنه: أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 72 - 73 من حديث أبي هريرة وابن عمر مرفوعاً، وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1155 - 1157 من حديثهما ومن حديث ابن عباس مرفوعاً. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: إِثبات الخيار للمتلقى.
(3) النجش: أن يزيد في السلعة من غير إِرادة شرائها. انظر: المغني 4/ 160.
والنهي عنه: أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 69 - 70، 71 من حديث ابن عمر=
(2/744)

وفي الفروع مسائل كبيع الفُضُولي (1) والمجهول وغير ذلك (2) لها أدلة خاصة هناك.

مسألة
النهي يقتضي الفور والدوام عند أصحابنا وعامة العلماء، خلافاً لابن الباقلاني (3) وصاحب المحصول (4).
لنا: أن من نهي عن فعل بلا قرينة عُدّ مخالفًا لغة وعرفاً أي وقت فعله، ولهذالم تزل العلماء تستدل به (5) من غير نكير.
والنهي يقتضي قبح المنهي عنه، ذكره في التمهيد (6).
ومنعه القاضي (7)؛ لأنه قد يكون نذرًا وصلاة، كذا قال.
قالوا: منقسم إِلى الدوام وغيره كالزنا والحائض عن الصلاة، فكان للقدر المشترك، دفعاً للاشتراك والمجاز.
__________
=وأبي هريرة مرفوعاً، ومسلم في صحيحه / 1155 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(1) الفضولي: من يبيع ملك غيره بلا إِذنه. انظر: المغني 4/ 155، 158.
(2) في (ظ): هذا.
(3) انظر: العدة/ 428.
(4) انظر: المحصول 1/ 2/ 470.
(5) يعني: بالنهي.
(6) انظر: التمهيد/ 48 أ.
(7) انظر: العدة/ 268 وفيها: لأن المنهي عنه قد يكون ندبًا وفضلاً.
(2/745)

رد: عدم الدوام لقرينة هي تقييده بالحيض.
وكونه حقيقة للدوام أولى من المرة؛ لدليلنا، ولإِمكان التجوز به عن بعضه لاستلزامه له بخلاف العكس.
* * *
وسبق (1) في الأمر: إِذا قال: "لا تفعل كذا مرة" عَمَّ.
وعند القاضي (2): لا؛ لقُبْح المنهي عنه في وقت وحُسْنه في آخر (3).
قال بعض أصحابنا (4): وقال غيره: يعم (5).
* * *
__________
(1) انظر: ص 673 من هذا الكتاب.
(2) انظر: العدة/ 268.
(3) في (ب): آخره.
(4) انظر: المسودة/ 81.
(5) في (ظ): نعم.
(2/746)

العام والخاص
قال أبو الحسين (1) وبعض الأشعرية (2) -واختاره في التمهيد (3) -: العام اللفظ المستغرق لما (4) يصلح له.
فقيل: ليس بمانع؛ لدخول كل نكرة من أسماء الأعداد كعشرة، ونحو (5): ضرب زيد عمرًا.
وفيه نظر؛ فإِنه أريد بما يصلح أفراد مسمى اللفظ فلم تدخل النكرة، وإن فسر ما يصلح (6) بأجزاء اللفظ لا بجزئياته كالعشرة مستغرقة أجزاءها أي: وحداتها، ونحو "ضرب زيد عمرًا": إِن استغرق لما يصلح من أفراد "ضرب زيد عمرًا" فعام، وإلا لم يدخل.
وأبطله الآمدي (7): بأنه عرف العام بالمستغرق وهما مترادفان، وليس القصد شرح اسم العام ليكون الحد لفظيا، بل مسماه بحد (8) حقيقي أو
__________
(1) انظر: المعتمد/ 203.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 195.
(3) انظر: التمهيد/ 50 أ.
(4) نهاية 213 من (ح).
(5) في (ب): ونحوه.
(6) نهاية 103 ب من (ب).
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 195.
(8) في (ظ): لحد.
(2/747)

رسمي. (1)
وفي الروضة (2): اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقًا.
وهو أجود من حد الغزالي (3)، وليس بجامع لخروج لفظ "المعدوم" و"المستحيل"؛ لأن مدلولهما ليس بشيء، والوصول؛ [لأنه] (4) ليس بلفظ واحد؛ لأنه لا يتم إِلا بصلته.
واختاره الآمدي (5)، وأبدل "شيئين" ب "مسميين".
وقيل (6): ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا.
فدخل فيه المعاني، وفيها خلاف (7) يأتي (8)، ودخل في "المسميات" الموجود والمعدوم، وخرج المسمى الواحد والمثنى والنكرة المطلقة كرجل، وخرج نحو: عشرة ب "اشتركت فيه"، والمعهود ب "مطلقًا".
__________
(1) وما ذكره خارج عن القسمين.
(2) انظر: روضة الناظر/ 220.
(3) قال الغزالي: العام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا. انظر: المستصفى 2/ 32.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 196.
(6) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 99.
(7) نهاية 77 أمن (ظ).
(8) في الصفحة التالية.
(2/748)

ولا وجه لزيادة "ضربة" -أي: دفعة- ليخرج نحو: رجل (1).
* * *
والخاص: بخلافه، أي: ما دل وليس بعام، فلا يرد المهمل.
* * *
[ثم] (2): العام لا أعم منه "المذكور"، لتناوله الموجود والمعدوم والمعلوم والمجهول، والخاص (3) لا أخص منه "أسماء الأعلام"، وعام بالنسبة إِلى ما تحته خاص بالنسبة إِلى ما فوقه كحيوان.

مسألة
العموم من عوارض الألفاظ (4) حقيقة إِجماعًا، أي: بمعنى الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ.
قال بعض أصحابنا (5): وفي المعاني أيضًا، وذكره عن القاضي وغيره.
وعن أبي الخطاب (5): من عوارض الألفاظ فقط، وذكره
__________
(1) قال من زاده: ليخرج نحو: رجل؛ فإِنه يدل على مسمياته لا دفعة بل دفعات على البدل.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) نهاية 214 من (ح).
(4) في (ب): ألفاظ.
(5) انظر: المسودة/ 97.
(2/749)

الآمدي (1) (2) عن أصحابهم وجمهور الأئمة، لكنه مجاز (3).
وللحنفية (4) قولان.
و [عن] (5) بعض الأصوليين: ولا مجازًا أيضًا، وهو ظاهر ما حكي عن أبي الخطاب.
وذكر بعض أصحابنا (6) عن الغزالي (7) وصاحب الروضة (8): من عوارض اللفظ والمعنى الذهني.
وفي الروضة (8): من عوارض الألفاظ، مجاز في غيرها، وقال في المعنى الكلي: إِن سُمِّي عامًّا فلا بأس.
وجه الأول: حقيقة العام لغة: شمول أمر لمتعدد، وهو في المعاني كعم المطر والخصب، وفي المعنى الكلي لشموله لمعاني الجزئيات.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 98.
(2) نهاية 104 أمن (ب).
(3) يعني: لكنه مجاز في المعاني.
(4) انظر: أصول السرخسي 1/ 125، وتيسير التحرير 1/ 119، وفتح الغفار 1/ 84، وفواتح الرحموت 1/ 258.
(5) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(6) انظر: المسودة/ 97.
(7) انظر: المستصفى 2/ 33 - 34
(8) انظر: روضة الناظر/ 220.
(2/750)

واعترض: المراد أمر واحد شامل، وعموم المطر شمول متعدد لمتعدد؛ لأن كل جزء من الأرض يختص بجزء من المطر.
رد: ليس هذا بشرط للعموم (1) لغة، ولو سلم فعموم الصوت (2) باعتبار واحد شامل للأصوات المتعددة الحاصلة لسامعيه، وعموم الأمر والنهي باعتبار واحد وهو الطلب الشامل لكل طلب تعلق بكل مكلف، وكذا المعنى الكلي الذهني (3) (4).

مسألة
مذهب الأئمة الأربعة (5) والظاهرية (6) وعامة المتكلمين: للعموم صيغة موضوعة له خاصة به -وقال ابن عقيل (7): للعموم صيغة (8) - كما
__________
(1) في (ظ): العموم.
(2) وهو من المعاني.
(3) يتصور لعمومه الآحاد التي تحته.
(4) نهاية 215 من (ح).
(5) انظر: العدة/ 485، 489، وأصول السرخسي 1/ 151 - 162، وتيسير التحرير 1/ 971، وشرح تنقيح الفصول/ 178 - 182، والإحكام للآمدي 2/ 200، وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 408 - 414.
(6) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 463.
(7) انظر: الواضح 2/ 74 ب.
(8) في (ب): صيغة به كما سبق.
(2/751)

سبق (1) في الأمر، وسبق فيه رواية في الظواهر (2).
وقالت المرجئة (3): لا صيغة له، وذكره التميمي (4) عن بعض أصحابنا (5)، وكذا قاله الأشعري وأصحابه (6).
ثم: لهم ولجماعة من الأصوليين قولان:
أحد هما: الاشتراك (7) بين العموم والخصوص.
والثاني: الوقف، فقيل: لا ندري (8)، وقيل: ندري ونجهل: حقيقة في العموم أو مجاز؟.
وقيل: الأمر والنهي للعموم، والوقف في الأخبار.
وعند أرباب الخصوص: هي حقيقة فيه، واختاره الآمدي (9)، وتوقف فيما زاد.
__________
(1) يعني: كما سبق في أن للأمر صيغة. انظر: ص 654 من هذا الكتاب.
(2) انظر: ص 655 - 656 من هذا الكتاب.
(3) انظر: المعتمد/ 209، والإحكام للآمدي 2/ 200.
(4) هو: أبو محمَّد التميمي. وفي (ح): اليميمي.
(5) انظر: المسودة/ 89.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 200، والعدة/ 489.
(7) في (ظ): للاشتراك.
(8) هل وضع للعموم صيغة؟
(9) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 201.
(2/752)

وعند محمَّد (1) بن شجاع الثلجي (2) (3) وأبي هاشم (4) وجماعة من المعتزلة (5): لفظ الجمع واسم الجنس لثلاثة، ويوقف (6) فيما زاد.
لنا: "لا تضرب أحدًا" (7) و"كل من قال كذا فقل له كذا" عام قطعا.
ولأن (8) نوحًا تمسك بقوله: (وأهلك) (9) بأن ابنه من أهله، وأقره
__________
(1) قال في العدة/ 489: وحكي عن محمَّد بن شجاع الثلجي أنه قال: يحمل على الثلاثة، ويتوقف فيما زاد عليها حتى يقوم الدليل على المراد به، وحكي ذلك عن جماعة من المعتزلة. وانظر: كشف الأسرار 2/ 299.
(2) هو: أبو عبد الله، فقيه الحنفية في وقته، توفي سنة 266 ه. اتهم بالوضع وبالكذب.
قال فيه أحمد: مبتدع صاحب هوى.
انظر: تاريخ بغداد 5/ 350، والمغني في الضعفاء 2/ 591، وشذرات الذهب 2/ 151.
(3) نهاية 104 ب من (ب).
(4) نقل في المعتمد/ 211، 240، 244، 246 عن أبي هاشم: عدم الاستغراق في اسم الجمع المشتق وغير المشتق إِذا دخله الألف والسلام نحو: (المشركون - الناس) والاسم المفرد إِذا دخله الألف واللام مشتقا أو غير مشتق والجمع العاري عن الألف واللام. وانظر: الإِحكام للآمدي 2/ 200.
(5) انظر: العدة/ 490، والمسودة/ 89.
(6) في (ب) و (ح): وتوقف.
(7) نهاية 77 ب من (ظ).
(8) من قوله: (ولأن نوحاً) إِلى قوله: (لننجينه) ورد في (ب) و (ظ) متأخرًا، وسأشير إِليه في موضعه وذلك في ص 755.
(9) سورة هود: آية 40.
(2/753)

الله وبَيَّن المانع.
ولأن إِبراهيم فهم العموم من: (أهل هذه القرية) (1)، فقال للملائكة: (إِنَّ فيها لوطاً) (2)، وأجابوه: (لننجينه) (2).
[يقال (3): أهْل وأَهْلَة، والجمع: أهْلات وأَهَلات وأَهالٍ] (4).
ولمسلم من حديث (5) أبي هريرة: قالوا: فالحمر يا رسول الله؟ قال: (ما أنزل الله علي فيها شيئًا إِلا هذه الآية الجامعة الفاذة (فمن (6) يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره (7)).
وعن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما (8) رجع من الأحزاب قال: (لا يصلين أحد العصر إِلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعنف واحدًا منهم. رواه البخاري ومسلم (9).
__________
(1) سورة العنكبوت: آية 31.
(2) سورة العنكبوت: آية 32.
(3) انظر: لسان العرب 13/ 28 - 29.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 109، ومسلم في صحيحه/ 682.
(6) في النسخ: من يعمل.
(7) سورة الزلزلة: الآيتان 7، 8.
(8) نهاية 216 من (ح).
(9) انظر: صحيح البخاري 5/ 112، وصحيح مسلم/ 139.
(2/754)

وأجنب عمرو بن العاص (1) في غزوة ذات (*) السلاسل، فصلى بأصحابه ولم يغتسل لخوفه، وتأول قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) (2)، وذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فضحك ولم يقل شيئًا. حديث صحيح رواه (3) أحمد وأبو داود والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم (4).
واستدلال الصحابة والأئمة على حد كل سارق وزان بقوله: (والسارق) (5)، (والزاني) (6).
وفي الصحيحين (7): احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة
__________
(1) في (ب) و (ح): العاصي.
(*) وقعت سنة 8 ه، والسلاسل: اسم ماء بأرض جذام على مشارف الشام.
انظر: تاريخ الأمم والملوك 3/ 104، والبداية والنهاية 4/ 273، ومعجم البلدان 3/ 233.
(2) سورة النساء: آية 29.
(3) انظر: المسند 4/ 203 - 204، وسنن أبي داود 1/ 238 - 239، والمستدرك 1/ 177 - 178 ووافقه الذهبي. وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 178 - 179، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 225 - 226. وعلقه البخاري في صحيحه 1/ 73.
(4) جاء -بعد هذا- في كل من (ب) و (ظ) الكلام المشار إِليه في هامش 8 من صفحة 753. وجاء معه -أيضًا- الكلام المحصور بين المعقوفتين في الصفحة السابقة، والذي قدمته لمناسبته لذلك الكلام.
(5) سورة المائدة: آية 38.
(6) سورة النور: آية 2.
(7) انظر: صحيح البخاري 2/ 105، وصحيح مسلم/ 51 - 52، وقد أخرجاه من حديث أبي هريرة.
(2/755)

بقوله - عليه السلام -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا (1): لا إِله إِلا الله).
وللشافعي (2): فقال أبو بكر: هذا من حقها.
وللترمذي في غير جامعه (3): عن عمر عن أبي بكر مرفوعًا: (إِنا معشر الأنبياء لا نورث) (4).
ولمالك عن ابن (5) شهاب (6) عن قبيصة (7) بن ذؤيب: أن رجلاً سأل
__________
(1) في (ظ): حتى يشهدوا أن لا إِله إِلا الله.
(2) انظر: بدائع المنن 1/ 223، وقد أخرجه من حديث أبي هريرة.
(3) وهو سننه المعروفة المطبوعة.
(4) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية/ 232 - 234 من حديث أبي بكر: سمعت رسول الله يقول: (لا نورث). وكذا أخرجه في جامعه (السنن) 3/ 81 - 83 من حديث أبي بكر وعمر مرفوعًا. ولم أجده باللفظ المذكور.
وأخرجه البخاري في صحيحه 8/ 149 من حديث أبي بكر وعائشة وعمر مرفوعًا: (لا نورث، ما تركناه صدقة). وأخرجه مسلم في صحيحه / 1379 - 1383 من حديث عائشة وأبي بكر وأبي هريرة مرفوعًا، بلفظ البخاري.
وباللفظ الذي ذكره المؤلف أخرجه أحمد في مسنده 2/ 463 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى عن عمر مرفوعًا: (إِنا معاشر الأنبياء لا نورث). فانظر: المعتبر/ 46 ب.
(5) نهاية 105 أمن (ب).
(6) هو: الزهري.
(7) هو: أبو إِسحاق -ويقال: أبو سعيد- الخزاعي، ولد سنة اه، وقيل: عام الفتح،=
(2/756)

عثمان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال (1): "أحلتهما آية (2)، وحرمتهما آية (3)، وأنا لا أحب أن أصنع هذا"، فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدًا فعل (4) ذلك لجعلته نكالاً. قال ابن شهاب (5): أراه [علي] (6).
قال مالك: وبلغني عن الزبير (7) مثل ذلك (8).
__________
=وقيل غير ذلك، ذكره ابن شاهين في الصحابة، وقال ابن قانع: له رؤية. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، روى عن النبي مرسلاً وعن عمر وعثمان وبلال وغيرهم، توفي سنة 86 ه.
انظر: الاستيعاب/ 1272، والإصابة 5/ 517، وتهذيب التهذيب 8/ 347.
(1) في (ظ): قال.
(2) وهي قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) سورة النساء: آية 3.
(3) وهي قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إِلا ما قد سلف). سورة النساء: آية 23.
(4) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): يفعل.
(5) هو: الزهري.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) هو: الصحابي الزبير بن العوام.
(8) انظر: الموطأ/ 538 - 539. وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 281، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 163 - 164، ومسدد في مسنده (انظر: المطالب العالية 3/ 74).
(2/757)

وللطحاوي (1) والدارقطني (2) (3) عن علي وابن عباس كقول عثمان (4).
وللبخاري عن زيد بن ثابت: أنه لما نزل: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) (5) قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فأنزل [الله] (6): (غير أولي الضرر) (7).
__________
(1) هو: أبو جعفر أحمد بن محمَّد بن سلامة الأزدي المصري، فقيه حنفي، حافظ ثقة ثبت، توفي بمصرسنة 321 ه.
من مؤلفاته: أحكام القرآن، والعقيدة، وشرح معاني الآثار. انظر: الفهرست/ 292، ووفيات الأعيان 1/ 53، وتذكرة الحفاظ/ 1808، وتاج التراجم/ 8.
(2) انظر: سنن الدارقطني 3/ 281، 282، وقد أخرجه عن علي وابن عباس. قال صاحب (التعليق المغني على الدارقطني): الحديث -يعني: حديث على- فيه محمَّد بن جابر السحيمي، ضعفه ابن معين، وقال الفلاس: متروك الحديث. وفيه: أبو إِسحاق الكوفي عبد الله بن ميسرة الحارثي، ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وأما ابن حبان فوثقه.
(3) نهاية 217 من (ح).
(4) وأخرجه سعيد في سننه 3/ 1/ 403، 404، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 164، ومسدد وأبو يعلى في مسنديهما (انظر: المطالب العالية 2/ 73 - 74، ومجمع الزوائد 4/ 269). وانظر: تفسير الجصاص 2/ 130، وتفسير القرطبي 5/ 117.
(5) سورة النساء: آية 95.
(6) ما بين المعقوفتين من (ح).
(7) أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 25، ومسلم في صحيحه/ 1508 - 1509، والترمذي في سننه 4/ 308 - 309، والنسائي في سننه 6/ 9.
(2/758)

وشرب قدامة بن مظعون (1) خمرًا، واحتج بقوله: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إِذا ما اتقوا (2) وآمنوا) الآية (3)، فقال له عمر: أخطأت التأويل، إِذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله. وحَدَّه عمر. رواه الحميدي (4) بسند البخاري (5).
وشاع ولم ينكر.
__________
(1) هو: الصحابي أبو عمرو القرشي الجمحي.
(2) نهاية 78 أمن (ظ).
(3) سورة المائدة: آية 93.
(4) هو: أبو عبد الله محمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي الأندلسي الظاهري، حافظ ثبت، إِمام في الحديث والفقه والأدب والعربية، سمع بالأندلس ومصر والشام والعراق والحجاز، توفي سنة 488 ه.
من مؤلفاته: الجمع بين الصحيحين، وتاريخ الأندلس.
انظر: العبر 3/ 323، وتذكرة الحفاظ/ 1218، والنجوم الزاهرة 5/ 156، وشذرات الذهب 3/ 392.
(5) انظر: صحيح البخاري 5/ 84، وفتح الباري 7/ 319 - 320، والجمع بين الصحيحين للحميدي 1/ 20 ب- 21 أ.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 9/ 240 - 243، والبيهقي في سننه 8/ 315 - 316، والدارقطني في سننه 3/ 166، ولم يصرح باسم قدامة.
وانظر: أحكام القرآن لابن العربي/ 654 - 655، وتفسير القرطبي 6/ 297 - 299، والإِصابة 5/ 424.
(2/759)

واعترض: فهم بالقرائن (1)، ثم: أخبار آحاد.
رد: الأصل عدم قرينة، ثم: لنقلت، ثم (2): ينسد باب الفهم لظاهرٍ من لفظٍ لجوازه (3) من قرينة، ثم: حديث أبي هريرة صريح.
وهي متواترة معنى، وتلقتها الأمة بالقبول، ثم: الظن كاف.
وأيضًا: صحة الاستثناء في "أكرم الناس إِلا الفساق"، وهو: إِخراج ما لولاه لدخل بإِجماع العربية، لا لصلح دخوله.
وأيضًا: "من دخل من عبيدي حر، ومن نسائي طالق" يعم اتفاقًا، أو "فأكرمه" يتوجه اللوم بترك واحد.
وأيضًا: "من جاءك؟ " -استفهامًا (4) - عام؛ لأنه موضوع اتفاقًا، وليس بحقيقة في الخصوص لحسن جوابه بجملة العقلاء، وكذا الاشتراك والوقف، وإِلا لما حسن (5) إِلا بعد (6) الاستفهام (7).
والفرق بين "كل" و"بعض" وبين تأكيد العموم والخصوص قطعي (8)،
__________
(1) (ح): بالقران.
(2) يعني: على قولكم: فهم بالقرائن.
(3) يعني: لجواز أن يكون الفهم من قرينة.
(4) في (ب) و (ظ): استفهام.
(5) يعني: لما حسن الجواب.
(6) نهاية 105ب من (ب).
(7) يعني: استفهام السائل عن مراده بقوله: من جاءك؟
(8) فلولا أن للعموم صيغة يتميز بها عن الخصوص لما اختلف حكمهما في التوكيد.
(2/760)

وكذا تفريق أهل اللغة بين لفظ العموم ولفظ الخصوص (1).
وأيضاً (2): "كل الناس علماء" يكذبه: "كلهم ليسوا علماء".
واحتج أصحابنا (3) وغيرهم: بأنه (4) لما نزل قوله: (إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) (5) قال عبد الله بن الزبعري (6) للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قد عُبدت الملائكة وعزير وعيسى، هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزل: (ولما ضرب ابن مريم) (7)، ثم: (إِن الذين سبقت) (8). إِسناده جيد، رواه أبو بكر بن مردويه (9) من حديث عكرمة عن ابن عباس، ورواه -أيضاً- بإِسناد حسن
__________
(1) فإِنا وجدنا أهل اللغة يقولون: هذا اللفظ عموم، وهذا اللفظ خصوص.
(2) نهاية 219 من (ح).
(3) انظر: العدة/ 490.
(4) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): أنه.
(5) سورة الأنبياء: آية 98.
(6) هو: الصحابي أبو سعد القرشي السهمي، من شعراء قريش المشهورين، هجا المسلمين بشعره قبل إسلامه، ثم أسلم عام الفتح.
انظر: الاستيعاب/ 901، والإِصابة 4/ 870.
(7) سورة الزخرف: آية 57.
(8) سورة الأنبياء: آية 101.
(9) في تفسيره، فانظر: تفسير ابن كثير 3/ 198، والمعتبر / 165. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول/ 175، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 68 - 69 وقال: رواه الطبراني، وفيه: عاصم بن بهدلة، وقد وثق، وضعفه جماعة. وانظر: تفسير الطبري 17/ 76، وتفسير القرطبي 11/ 343.
(2/761)

من حديث سعيد بن جبير عنه (1)، وفيه: "قال المشركون"، وليس فيه: "الملائكة" ولا: (ولما (2) ضرب) الآية.
ورواه (3) الحافظ (4) الضياء (5) في المختارة (6) من طريقه.
__________
(1) انظر: تفسير الطبري 17/ 77، وتفسير ابن كثير 1/ 198.
(2) في (ظ): لما.
(3) في (ظ): رواه.
(4) انظر: تفسير ابن كثير 3/ 198، والمعتبر/ 66 أ.
(5) هو: أبو عبد الله ضياء الدين محمَّد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي الحنبلي، محدث الشام، إِمام حافظ ثقة ثبت عالم بالحديث وأحوال الرجال، توفي بدمشق سنة 643 ه.
من مؤلفاته: الأحاديث المختارة، ودلائل النبوة.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 236، وتذكرة الحفاظ/ 1405، وطبقات الحفاظ/ 494، وشذرات الذهب 5/ 224.
(6) جاء في الرسالة المستطرفة/ 240: كتاب الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو في أحدهما -لضياء الدين المقدسي، المتوفى سنة 643 ه، وهو مرتب على المسانيد على حروف المعجم لا على الأبواب، في ستة وثمانين جزءًا، ولم يكمل، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يسبق إِلى تصحيحها، وقد سلم له فيه إِلا أحاديث يسيرة جداً تعقبت عليه، وذكر ابن تيمية والزركشي وغيرهما: أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم ... وذكر الزركشي: أنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان ...
(2/762)

وروى الثاني الحاكم (1).
والزبعري -بفتح الباء-: سمي به لسوء الخلق، وقيل: لكثرة شعر وجهه ولحيته وحاجبيه.
ورد: بأن "ما" لما لا يعقل، ولهذا قال - عليه السلام - لابن الزبعري: (ما أجهلك بلغة قومك!). كذا قيل (2). ولا وجه له لصحة
__________
(1) أخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 385 عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِنكم وما تعبدون ...) قال المشركون: الملائكة وعزير يعبدون من دون الله ... قال: فنزلت: (إِن الذين سبقت ...) قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وانظر: المعتبر/ 65 ب- 68أ.
(2) قال الزركشي في المعتبر/ 67 ب: وما وقع في بعض كتب الأصول: أنه -عليه السلام- قال لابن الزبعري: (ما أجهلك بلغة قومك، "ما" لما لا يعقل)، فقال الشيخ الحافظ أبو سعيد العلائي: غير صحيح.
وقال الألوسي في روح المعاني 17/ 94: شاع أن الرسول قال له: يا غلام، ما أجهلك بلغة قومك؛ لأني قلت: (وما تعبدون) و"ما" لما لا يعقل، ولم أقل: (ومن تعبدون)، وتعقبه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: بأنه اشتهر على ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم، وهو لا أصل له، ولم يوجد في شيء من كتب الحديث مسندًا ولا غير مسند، والوضع عليه ظاهر، والعجب ممن نقله من المحدثين. ا. ه.
وكلام ابن حجر هذا قد ورد مع زيادة مفيدة في كتابه المذكور المطبوع باسم (الكافي الشاف بتخريج أحاديث الكشاف) ملحقًا بالجزء الرابع من تفسير الكشاف/ 111 - 112، ط: مصطفى محمَّد.
(2/763)

الإِسناد (1)، ولم يصح قوله ذلك له.
ولو اختصت "ما" بمن لا يعقل لما احتيج إِلى قوله: (من دون الله) لعدم تناولها لله، و"ما" -هنا- بمعنى: "الذي"، و"الذي" يصح لما لا (2) يعقل، لقولهم: " [الذي] (3) جاء زيد"، وصحة: "ما في الدار من العبيد أحرار". (4) قال بعضهم (5): فكذا "ما" بمعناها تكون للعاقل أيضاً، كقوله: (والسماء وما بناها) وما بعدها (6). وذكره (7) بعضهم فيهن (8). وبعضهم: بمعنى "مَنْ". وبعضهم: مصدرية.
واحتجوا -أيضًا- بأن العموم معنى ظاهر يحتاج إِلى التعبير عنه كغيره.
ورد (9): بالاستغناء بالمجاز والمشترك. كذا قيل، والظاهر خلافه.
__________
(1) يعني: إِسناد ما ذكرناه.
(2) كذا في النسخ. ولعل الصواب: لما يعقل.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) في (ب): اجرار.
(5) عدلت في (ب) و (ظ): إِلى: بعض أصحابنا.
(6) سورة الشمس: الآيات 5 - 7.
(7) انظر: زاد المسير 9/ 138 - 139.
(8) ضرب في (ح) على (فيهن)، وكتبت بعد (واحتجوا أيضاً) الآتي بعد قليل.
(9) نهاية 78 ب من (ظ).
(2/764)

القائل بالخصوص (1): متيقن، فجعله (2) له حقيقة أولى.
رد: إِثبات للغة بالترجيح، وليس (3) بطريق لها. وسبق (4) في الأمر.
وعورض: بأن العموم أحوط، فكان أولى.
قالوا: يلزم من كونها للعموم كذب الخصوص، كعشرة مع إِرادة خمسة.
رد: يلزم إِذا كان نصا كعشرة (5).
قالوا: يلزم من كونها للعموم كون التأكيد عبثًا والاستثناء نقضا، وأن لا يحسن الاستفهام.
رد: لدفع احتمال التخصيص، وبلزوم ذلك (6) في الخاص، وبصحة استثناء خمسة من عشرة، وليس بنقض مع أنه (7) صريح.
قالوا: الخصوص أغلب (8)، فهو أولى.
__________
(1) نهاية 106أمن (ب).
(2) نهاية 219 من (ح).
(3) يعني: وليس الترجيح بطريق لها.
(4) انظر: ص 666 من هذا الكتاب.
(5) في (ح) و (ظ): لعشرة.
(6) يعني: التأكيد.
(7) يعني: العدد "عشرة".
(8) لأنه لا عام إِلا مخصص.
(2/765)

رد: بمنعه في المؤكد، ومنعه بعضهم في الخبر (1)، ثم: هذا الغالب لا يختص بثلاثة، وقد يستعمل الشيء غالبًا مجازًا، وافتقار تخصيصها إِلى دليل يدل أنها للعموم.
القائل "مشتركة" أو "موقوفة": ما سبق (2) في: الأمر للوجوب.
القائل بالفرق: الإِجماع على تكليف المكلفين لأجل العام بالأمر والنهي، فتجب إِفادتهما للعموم.
رد: مثله الخبر الذي يقع التكليف العام بمعرفته نحو: (وهو بكل شيء عليم) (3) وعموم الوعد والوعيد.

مسألة
صيغ العموم عند القائلين بها: أسماء الشروط (4) والاستفهام، ك "مَنْ" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل -وفي الواضح عن آخرين: "ما" لهما في الجزاء (5) والاستفهام- وأين وأَنَّى وحيث للمكان، ومتى للزمان، [وأَيّ للكل] (6).
__________
(1) في (ب): الجزء. وفي (ظ): الحد. والمثبت من (ح) ونسخة في هامش (ب).
(2) انظر: ص 668 من هذا الكتاب.
(3) سورة البقرة: آية 29.
(4) في (ح): الشرط.
(5) في (ظ): الخبرا والاستفهام.
(6) ما بين المعقوفتين من (ب) و (ظ). وكان مكتوبًا في (ح) -بعد قوله: فيما لا يعقل- (وأي في الخبرا والاستفهام) ثم ضرب عليها، وكتب: وفي الواضح ... إِلخ.
(2/766)

وتعم "من" و"أي" المضافة إِلى الشخص ضميرهما فاعلا كان أو مفعولا، فلو قال: "من قام منكم" (1) أو "أيكم قام" أو "من أقمته" أو "أيكم أقمته فهو حر" (2) -فقاموا أو أقامهم- عتقوا. قال في المحرر (3): وعلى قياسه: "أي عبيدي ضربتَه أو من ضربته من عبيدي فهو حر" فضربهم عتقوا، كقوله: "أي عبيدي ضربك أو من ضربك من عبيدي (4) فهو حر" فضربوه عتقوا.
وفي الإِرشاد لابن أبي موسى من أصحابنا: إِن قال: "أيكم جاء بخبر كذا فهو حر" -فجاءه به جماعة- فعن أحمد: يعتقون. وعنه: أحدهم.
وقال (5) الحنفية (6) -في: أي عبيدي ضربك حر، فضربوه-: عتقوا لعموم صفة الضرب لأي. ولو قال: "ضربتَه" -فضربهم- عتق واحد؛ لأنه (7) نكرة في إِثبات لانقطاع هذه الصفة عنها إِليه (8)، ولو قال: "من شئت من عبيدي فأعتقه" -فشاء عتق كلهم- فعند أبي حنيفة (9):
__________
(1) في (ح): منكن.
(2) نهاية 220 من (ح).
(3) انظر: المحرر 2/ 64.
(4) نهاية 106 ب من (ب).
(5) في (ب) و (ظ): قال.
(6) انظر: أصول السرخسي 1/ 161 - 162.
(7) في (ب): لا نكرة.
(8) يعني: إِلى المخاطب.
(9) انظر: أصول السرخسي 1/ 155.
(2/767)

يستثنى واحد؛ لأن "مِنْ" للتبعيض، وعند صاحبيه (1): يعتق كلهم؛ لأن "من" للبيان. والله أعلم.
والموصولات.
والجمع المعرف تعريف جنس لمذكر أو مؤنث سالم أو مكسر (2)، جمع قلة أو كثرة.
وقيل: لا يعم (3) وقيل: يعم فقط.
قال القاضي (4) وغيره: التعريف يصرف الاسم إِلى ما الإِنسان به أعرف، فإِن كان معهود فهو به أعرف، فينصرف إِليه، ولا يكون مجازًا، وإِلا انصرف إِلى الجنس؛ لأنه به أعرفه من أبعاضه، واحتج بعمومها مع العهد على من خالف فيه مع الجنس، وقاله أبو الحسين (5) وأبو الخطاب (6)، وقال (7): لو قيل: "يصير الاسم مجازًا بقرينة العهد" لجاز. وجزم غيره به. والله أعلم.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 155.
(2) في (ظ): أو لمكسر.
(3) نهاية 79 أمن (ظ).
(4) انظر: المسودة/ 113.
(5) انظر: المعتمد/ 241.
(6) انظر: التمهيد/ 55 أ.
(7) قال أبو الخطاب: وإن قيل: (لو حمل الاسم المعرف على العهد بقرينة هي تقدم العهد لجعل الاسم مجازًا؛ لأنه اسم مخصوص) لجاز ذلك على قول من جعل العموم الخصوص مجازاً.
(2/768)

والجمع المضاف.
وأسماء التأكيد: مثل: كل، وأجمعون.
واسم الجنس المعرف تعريف جنس.
ومنع بعضهم عموم ما يفرق بينه وبين واحده (1) بالهاء كتمرة وتمر؛ لأنه ليس بجمع، ولأنه يجمع.
وزيفه أبو المعالي (2): بأنه جمع، والجمع قد يجمع، وأنه قول الأكثر.
وكذا -عندنا وعند الأكثر-: يعم الاسم المفرد إِذا دخله آلة التعريف ولم يسبق تنكير كالرجل والسارق، خلافًا لبعض الشافعية (3) والجبائية (4)، حملاً للتعريف على فائدة لم تكن وهي (5) تعريف جميع الجنس؛ لأنه الظاهر كالجمع، وللاسثناء (6) منه كقوله: (إِن الإِنسان لفي خسر (7) إِلا (8) الذين آمنوا) (9).
__________
(1) نهاية 221 من (ح).
(2) انظر: البرهان/ 341 - 342.
(3) انظر: المحصول 1/ 2/ 599.
(4) انظر: المعتمد/ 244.
(5) في (ب) و (ح): وهو.
(6) في (ح): والاستثناء.
(7) نهاية 107أمن (ب).
(8) في (ح): إِن.
(9) سورة العصر: الآيتان 2، 3.
(2/769)

قالوا: لا يؤكد بكل وجميع.
رد: بالمنع (1) كقول العرب: أهلك الناس الدرهم البِيْض والدينار الصُّفْر.
ثم: التأكيد بحسب اللفظ المؤكد.
ولا يعم مع قرينة اتفاقاً، كسبق تنكير.
ومع جهلها: يعم عندنا وعند الأكثر، واختار أبو المعالي (2) الوقف.
أما إِن عارض الاستغراق احتمال تعريف الجنس والعرف نحو: "الطلاق يلزمني، وعلي الطلاق" فروايتان عن أحمد (3): هل تطلق ثلاثاً أو واحدة؟
ويشبهه: "أنت مُدَبَّر إِن قرأتَ القرآن"، فقرأ بعضه.
وجزموا: لا يصير مُدَبَّرا؛ لأنها للاستغراق إِلا بدليل.
وقد ذكر بعض أصحابنا حنث من حلف "لا يقرأ القرآن" ببعضه.
أما لو عرف الجنس (4) عمل بمطلقه، لسقوط الاستغراق، نحو (5): "والله لا أشتري العبيد" حنث بواحد.
__________
(1) بل يجوز.
(2) انظر: البرهان/ 341.
(3) انظر: المغني 7/ 484.
(4) في (ح): للجنس.
(5) في (ب): ونحو.
(2/770)

وأما إِضافته -كعبدي حر وامرأتي طالق- يعم عند أحمد (1)، واحتج بقول ابن عباس، وقاله [بعض] (2) الأصحاب (3) ومالك (4)، وذكره بعض الشافعية عن أكثر الفقهاء.
واختلف كلامه في المغني في الطلاق (5) وفي امرأة نذرت (6) ذبح ولدها.
وعند الحنفية والشافعية: لا يعم (7).
وسبق في العموم (8) إِضافة أهل (9)، وأمر (10) في الأمر (11) للوجوب (12) [والله أعلم] (13).
__________
(1) انظر: المغني 7/ 497.
(2) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(3) انظر: البلبل/ 98.
(4) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 181.
(5) قال في المغني 7/ 497: لا يعم.
(6) قال في المغني 9/ 518: يعم.
(7) انظر: نهاية السول 2/ 67، وشرح المحلي 1/ 413.
(8) انظر: ص 754 من هذا الكتاب.
(9) في (ح): أهلي.
(10) في (ح): وأمري.
(11) انظر: ص 663 - 664 من هذا الكتاب.
(12) ضرب في (ظ) على قوله: (وسبق) إِلى قوله (للوجوب).
(13) ما بين المعقوفتين من (ح).
(2/771)

والنكرة المنفية.
وعند بعضهم: تعم النكرة المنفية مع "مِنْ" ظاهرة أو مقدرة، فعندهم لا يعم: "ما عندي رجل" و"لا رجل في الدار" برفع رجل.
واختاره (1) أبو البقاء من أصحابنا (2) في إِعرابه في: (لا ريب فيه) (3)، وذكره بعضهم (4) عن سيبويه وغيره، وأنه إِجماع؛ لأنه نفي الوحدة لا الماهية التي لا تنتفي إِلا بجميع أفرادها؛ لأنه (5) يحسن: ما رأيت رجلاً وما عندي رجل بل رجلان.
ورد: للقرينة؛ ومع "مِنْ" العموم (6) قطعي، فلا مجاز (7). والله أعلم.
قال القاضي (8) وغيره: إِذا قيل (9): "لا أكرم من دخل داري" أو "لا ألبس الثياب" فهم منه العموم في النفي، ولو قال: "لا أكرم كل عاقل دخل داري" جاز إِكرام بعضهم.
__________
(1) انظر: إِملاء ما من به الرحمن 1/ 11.
(2) نهاية 79 ب من (ظ).
(3) سورة البقرة: آية 2.
(4) انظر: البرهان/ 338، والمسودة/ 103.
(5) في (ح): أفرادها لا يحسن ما رأيت ...
(6) في (ظ): للعموم.
(7) يمني: فلا يتطرق إِليها مجاز.
(8) انظر: المسودة/ 114.
(9) نهاية 107 ب من (ب).
(2/772)

قال بعض أصحابنا (1): فجعلوا بعض (2) ألفاظ [العموم] (3) نفيها (4) عاما، وبعضها (5) نفيها نفيا للعموم لا عموماً للنفي. والله أعلم.
والنكرة في النهي.
قال (6) بعض أصحابنا (7) وغيرهم: والنكرة في الاستفهام والشرط ك "من يأتني بأسير فله دينار" يعم كل أسير.
وقال بعض أصحابنا: أما في الشرط فهل تفيده لفظا أو بطريق التعليل؟ فيه نظر، وقال -في: (إِذا قمتم إِلى الصلاة) (8) -: يحتمل أن التكرار من "إِذا"، وأن تفريق الأصحاب بينها وبين "متى" فيه نظر.
* * *
أما الجمع المنكر: فليس بعام عند أحمد (9) وأصحابه وأكثر الشافعية (10) وغيرهم.
__________
(1) انظر: المسودة/ 114.
(2) مثل: (مَنْ).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) في (ظ): بعضها.
(5) مثل: (كل).
(6) في (ح): قال بعض أصحابنا: قال بعض أصحابنا وغيرهم: والنكرة ...
(7) انظر: المسودة/ 103.
(8) سورة المائدة: آية 6.
(9) انظر: العدة/ 523.
(10) انظر: التبصرة/ 118، والمحصول 1/ 2/ 614.
(2/773)

وفي التمهيد (1) وجه: عام، وذكره (2) ابن عقيل (3) والحلواني (4) رواية وكذا القاضي (5)؛ لأن أحمد (6) احتج على تحريم الحرير على الصغير بقوله: (هذان (7) حرام على ذكور أمتي) (8). كذا قال (9)، وهذا مضاف (10) (11). وقاله أبو ثور وبعض (12) الحنفية (13) وبعض الشافعية (14) وأبو علي
__________
(1) انظر: التمهيد/ 55 ب.
(2) في (ظ): وذكر.
(3) انظر: الواضح 2/ 94 أ.
(4) انظر: المسودة/ 106.
(5) انظر: العدة/ 523، والمسودة/ 106.
(6) انظر: العدة/ 523 - 524.
(7) يعني: الحرير والذهب.
(8) هذا الحديث رواه علي مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه 4/ 330، وابن ماجه في سننه/ 1189، والنسائي في سننه 8/ 160، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 250 - 251، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 353).
وأخرجه الطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 355) من حديث ابن عمر.
وأخرجه الترمذي في سننه 3/ 132 عن أبي موسى مرفوعًا بلفظ: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإِناثهم)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(9) يعني: القاضي.
(10) فهو معرف وليس منكرًا. انظر: المسودة/ 106.
(11) نهاية 223 من (ح).
(12) في (ب) و (ظ): بعض.
(13) انظر: كشف الأسرار 2/ 2، وتيسير التحرير 1/ 205.
(14) انظر: التبصرة/ 118.
(2/774)

الجبائي (1) وحكاه الغزالي (2) عن الجمهور.
لنا: لو قال: "اضرب رجالا" أو "له عندي عبيد" امتثل بأقل الجمع، وقبل تفسيره به (3).
قال أبو الخطاب (4): وإينما جاز ضرب أكثر، لمعنى الجمع، كمن أمر بدخول الدار فزاد على أقله.
ويأتي (5) في المجمل -في السارق- خلافه.
ولأنه لو عَمَّ لم يُسَمَّ نكرة؛ لأن الجنس كله معروف، ولصح تأكيده ب "كل"، ولم يحسن تأكيده ب (6) "ما" كالمعرف باللام (7).
قالوا: يطلق على كل جمع، فجعله للجميع يكون لكل حقائقه، فهو أولى.
أجاب أبو الخطاب (8): حقيقة في أقل الجمع، فلا يكون حقيقة في
__________
(1) انظر: المعتمد/ 246، والمستصفى 2/ 37.
(2) انظر: المستصفى 2/ 37.
(3) يعني: بأقل الجمع.
(4) انظر: التمهيد/ 55ب.
(5) انظر: ص 1011.
(6) في (ظ): بها.
(7) وقد صح نحو: أعط رجالا ما.
(8) انظر: التمهيد / 55 ب.
(2/775)

الاستغراق؛ لأن الحقيقة واحدة، ثم: ما زاد مشكوك فيه.
وأجاب الآمدي (1): ليس حقيقة في كل جمع بخصوصه، بل في الجمع المشترك بينهما (2)، فلا يدل على الأخص لا حقيقة ولا مجازا، فبطل (3) قولهم (4): لاتحاد مدلوله، ثم: يحتمل عدم إِرادة الاستغراق، والأقل متيقن.
وأجاب بعضهم: إِنما يصح إِطلاقه على جميع مراتب الجمع على البدل، فلا عموم كنحو: رجل.
واعترض: من مراتب الجمع مرتبة مستغرقة لجميعها.
رد: لا يتصور ذلك؛ (5) لأنه لا مرتبة إِلا ويمكن فرض أخرى فوقها، لعدم تناهي المراتب، فتناول مرتبة لجميعها تناول الكل لأجزائه، ولا يجوز اشتمال الكل على أجزاء غير متناهية.
فإِن قيل: فلا يتصور جمع عام؛ لأنه إِنما يتصور إِذا كان مستغرقًا لمراتب الجمع.
رد: عمومه ليس باعتبار مرتبة (6) مستغرقة لها، بل باعتبار مفهومه
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 217.
(2) في (ح) و (ظ): بينهما ..
(3) نهاية 108 أمن (ب).
(4) يعني: قولهم: إِنا إِذا حملناه على الاستغراق كان حملا على جميع حقائقه ضرورة اتحاد مدلوله.
(5) نهاية 80 أمن (ظ).
(6) نهاية 224 من (ح).
(2/776)

الشامل لجميعها، فهو مشترك بينها، وتناوله لجميعها تناول الكلي لجزئياته يجوز عدم تناهيها.
قالوا: لو لم يعم اختص ببعضها، وإِلا كان مشتركا.
رد: بنحو "رجل" (1)، وبوضعه للجمع المشترك (2). والله أعلم.
* * *
و"سائر": بمعنى "باقي".
وفي الصحاح (3) وغيرها: "هي (4) لجملة الشيء"، فتكون عامة.

مسألة
أقل الجمع ثلاثة حقيقة عند أحمد (5) وأصحابه (وه (6) م (7)
__________
(1) مما ليس للعموم ولا مختصا ببعض، بل شائعًا يصلح للجميع.
(2) بين العموم والخصوص، ولا يلزم من عدم اعتبار قيد هو العموم اعتبار عدمه حتى يلزم اعتبار القيد الآخر وهو الخصوص، فلا يلزم من عدم كونه للعموم كونه مختصا بالبعض.
(3) الصحاح: أحد معاجم اللغة القيمة - للغوي البارع إِسماعيل بن حماد الجوهري، المتوفى سنة 393 ه. والكتاب مطبوع متداول.
(4) انظر: الصحاح / 692.
(5) انظر: العدة/ 649.
(6) انظر: أصول السرخسي 1/ 151، وكشف الأسرار 2/ 28.
(7) في شرح تنقيح الفصول/ 233: قال ابن الباقلاني: مذهب مالك: أقل الجمع اثنان. وحكى عبد الوهاب عن مالك: ثلاثة.
(2/777)

ش (1)) أكثر المتكلمين، وذكره ابن درهان (2) قول الفقهاء قاطبة.
وعند عبد الملك (3) بن الماجشون (4) وابن داود (5) وعلي (6) بن عيسى
النحوي ونفطويه (7) (8) وابن الباقلاني (9) وأبي إِسحاق الإِسفراييني (10)
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 222.
(2) انظر: الوصول له/ 36 ب، والمسودة/ 149.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 233، والمسودة/ 151.
(4) هو: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، التيمي بالولاء، المدني الفقيه، صاحب مالك، توفي سنة 212 ه.
انظر: الديباج المذهب/ 153، وميزان الاعتدال 2/ 658، ووفيات الأعيان 1/ 287، وتهذيب التهذيب 6/ 407.
(5) انظر: اللمع/ 15، والمسودة/ 149. وفي الإِحكام للآمدي 2/ 222: داود.
(6) انظر: المسودة/ 149.
(7) انظر: اللمع/ 15.
(8) هو: أبو عبد الله إِبراهيم بن محمَّد بن عرفة الأزدي الواسطي، نحوي لغوي عالم بالحديث، فقيه ظاهري، توفي سنة 323 ه.
من مؤلفاته: المقنع في النحو، وغريب القرآن، وإعراب القرآن.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 30، وطبقات النحويين واللغويين/ 154، وطبقات المفسرين للداودي 1/ 19، وإِنباه الرواة 1/ 176، وبغية الوعاة 1/ 428، ومعجم الأدباء 1/ 254، والمنتظم 6/ 277.
(9) انظر: المستصفى 2/ 92، والإِحكام للآمدي 2/ 222، وشرح تنقيح الفصول/ 233.
(10) انظر: البرهان/ 349، والإِحكام للآمدي 2/ 222.
(2/778)

والغزالي (1) [وغيره من الشافعية (2)] (3): اثنان حقيقة.
وفي مذهب الحنفية (4) ما يدل عليه.
ومن فوائد المسألة عندهم: الوصية والإِقرار والنذر ونحوها.
واستبعده (5) أبو المعالي، وقال: ما أرى الفقهاء يسمحون بهذا. كذا قال.
قال بعض أصحابنا (6): لا ندري معنى قوله، فإِنه إِن استبعده في الثلاثة فهو مذهب الجمهور، ووجدناه في الاثنين في مذهب أبي حنيفة وأصحابه (7) في مواضع.
واحتج ابن حزم (8): بأن من أقر بدراهم لزمه ثلاثة إِجماعًا.
__________
(1) انظر: المستصفى 2/ 91 وما بعدها.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 222.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) انظر: أصول السرخسي 1/ 151.
(5) يعني: استبعد ما انبنى على المسألة، حيث قال: وقد ذكر بعض الأصوليين أن من آثار الخلاف في معنى أقل الجمع أن الرجل إِذا قال: "لفلان علي دراهم" أو أوصى بدراهم، فلفظ المقر والموصي محمول على أقل الجمع، فإِن قيل: (أقل الجمع اثنان) قبل حمل اللفظ عليهما، وإِن قيل: (أقل الجمع ثلاثة) لم يقبل التفسير باثنين، وما أرى الفقهاء يسمحون بهذا ... انظر: البرهان/ 355.
(6) انظر: المسودة/ 150.
(7) نهاية 108 ب من (ب).
(8) انظر: المحلى 10/ 324.
(2/779)

ثم: عند أصحابنا: يصح في الاثنين والواحد مجازا، وقاله أبو المعالي (1)، وقيل: لا يصح، وقيل: يصح في الاثنين.
ومحل الخلاف نحو: "رجال ومسلمين" وضمائر الخطاب والغيبة، لا لفظ "جمع"، ولا نحو: "نحن" و"قلنا"، ولا نحو: (صغت قلوبكما) (2) مما في الإِنسان (3) منه شيء واحد:؛ فإِنه وفاق (4).
وقيل (5): جمع القلة من ثلاثة إِلى عشرة حقيقة، وجمع الكثرة ما زاد على عشرة حقيقة، وحكاه بعضهم عن أهل اللغة.
لنا: سبق الثلاثة عند الإِطلاق، ولا يصح نفي الصيغة عنها، وهما في دليل الحقيقة، والمثنى بالعكس.
وروى جماعة، منهم: ابن حزم (6) -محتجا به- والبيهقي (7)، بإِسناد جيد إِلى ابن أبي ذئب (8) عن
__________
(1) انظر: البرهان / 352.
(2) سورة التحريم: آية 4.
(3) نهاية 225 من (ح).
(4) يعني: فيجوز التعبير بها عن الاثنين.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 233.
(6) انظر: المحلى له 10/ 322 - 323، والإِحكام له/ 507.
(7) انظر: السنن الكبرى له 6/ 227.
(8) هو: أبو الحارث محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي العامري المدني، أحد الأعلام الثقات، روى عن نافع والزهري وغيرهما، وعنه الثوري ويحيى القطان=
(2/780)

شعبة (1) مولى ابن عباس عنه: أنه قال لعثمان: إِن الأخوين لا يردان الأم إِلى السدس؛ إِنما قال الله: (فإِن كان له إِخوة) (2)، والأخوان -في لسان قومك- ليسوا بإِخوة. فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في (3) الأمصار (4).
قال أحمد (5) في شعبة: ما أرى به بأساً.
__________
=وأبو نعيم وغيرهم، توفي سنة 159 ه.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 620، وتهذيب التهذيب 9/ 303، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال / 248.
(1) هو: أبو عبد الله -وقيل: أبو يحيى- شعبة بن دينار -وقيل: بن يحيى- المدني، روى عن ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب وبكير بن الأشج وداود بن الحصين وغيرهم، قال ابن حجر في التقريب: صدوق سيئ الحفظ.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 256 - 257، وميزان الاعتدال 2/ 274، وتهذيب التهذيب 4/ 346، وتقريب التهذيب 1/ 351.
(2) سورة النساء: آية 11.
(3) نهاية 80 ب من (ظ).
(4) وأخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 335 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وتعقب ابن حجر -في التلخيص الحبير 3/ 85 - تصحيح الحاكم له، فقال: وفيه نظر؛ فإِن فيه شعبة مولى ابن عباس، وقد ضعفه النسائي.
(5) انظر: الجرح والتعديل 2/ 1/ 367، وتهذيب التهذيب 4/ 346 - 347.
(2/781)

ولما (1) حجب القوم الأم بالأخوين دل على أن الآيه قصدت الأخوين فما فوق.
واختلف قول ابن معين (2) فيه، وقال (م) (3): ليس بثقة، وقال (3) أبو زرعة (4): ضعيف، وقال النسائي (5): ليس بقوي.
وهذا دليل صحة الإِطلاق مجازا.
القائل "حقيقة": هذه الآية، والأصل الحقيقة.
وعن زيد بن ثابت: "يسمى الأخوان إِخوة" (6).
__________
(1) من قوله: (ولما حجب) إلى قوله: (فما فوق) كذا ورد في النسخ. ولعل مكانه المناسب بعد قوله (ليس بقوي).
(2) فنقل الدوري عنه: ليس به بأس، وهو أحب إِليّ من صالح مولى التوأمة. ونقل ابن أبي خيثمة عنه: لا يكتب حديثه. انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 256 - 257، وتهذيب التهذيب 4/ 347.
(3) انظر: الجرح والتعديل 2/ 1/ 367، 368.
(4) هو: عبيد الله بن عبد الكريم القرشي بالولاء المخزومي، الرازي، إمام حافظ ثقة، عالم بالحديث والعلل والرجال، توفي بالري سنة 264 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 199، وتاريخ بغداد 10/ 326، وتذكرة الحفاظ/ 557، والمنهج الأحمد 1/ 148، وشذرات الذهب 2/ 142.
(5) انظر: كتاب الضعفاء والمتروكين له/ 293.
(6) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/ 277، والحاكم في المستدرك 4/ 335 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(2/782)

رد: بما سبق.
وإِن صح قول زيد -فإن فيه عبد الرحمن (1) بن أبي الزناد، مختلف فيه- فمراده: مجازًا، أو في حجب الأم.
قالوا: (إِنا معكم مستمعون) (2) لموسى وهارون.
رد (3): ومن آمن من قومهما، أو وفرعون (4) أيضًا.
__________
(1) هو: أبو محمَّد عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي بالولاء المدني، ولد سنة 100 ه، وروى عن أبيه وهشام بن عروة والأوزاعي وغيرهم، وعنه ابن جريج وزهير بن معاوية وأبو داود الطيالسي وغيرهم، توفي سنة 174 ه. وثقه الترمذي والعجلي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف. وعن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. وعنه: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وعنه: لا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً. وعنه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 347، وتهذيب التهذيب 6/ 170، وتقريب التهذيب 1/ 479.
(2) سورة الشعراء: آية 15.
(3) نهاية 109 أمن (ب).
(4) في (ب) و (ظ): أو فرعون.
(2/783)

قالوا: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) (1).
رد: الطائفة الجماعة لغة، ذكره الزجاج (2) (3) وابن الأنباري (4) وغيرهما، وأصحابنا وغيرهم، زاد الزجاج (2): "وأقل الجماعة اثنان"، واختاره صاحب التلخيص (5) من أصحابنا، واختار غيره: ثلاثة.
وعن ابن عباس (6) وغيره: "الطائفة الواحد فما فوقه"، فإِن صح فمجاز، ولا يلزم مثله في الجمع -ومعناه لبعض أصحابنا، ولهذا قال الجوهري: "هي
__________
(1) سورة الحجرات: آية 9.
(2) انظر: معاني القرن وإعرابه للزجاج 1/ 435، 2/ 509، وزاد المسير 3/ 466، 6/ 8.
(3) نهاية 226 من (ح).
(4) هو: أبو بكر محمَّد بن القاسم بن محمَّد بن بشار، عالم بالنحو والأدب، ولد سنة 271 ه، وتوفي سنة 328 ه.
من مؤلفاته: الكافي في النحو، والمقصور والممدود، وغريب الحديث.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 69، وتاريخ بغداد 3/ 181، وطبقات النحويين واللغويين / 153، ونزهة الألباء / 330، وشذرات الذهب 2/ 315.
(5) هو: أبو عبد الله محمَّد بن الخضر بن محمَّد، ابن تيمية الحراني، فقيه مفسر، ولد بحران سنة 542 ه، وتوفي بها سنة 622 ه.
من مؤلفاته: التفسير الكبير، وثلاثة مصنفات في المذهب (أكبرها: تخليص المطلب في تلخيص المذهب، وأوسطها: ترغيب القاصد في تقريب المقاصد، وأصغرها: بلغة الساغب وبغية الراغب).
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 151 - 162.
(6) انظر: تفسير الطبري 18/ 54، والمصنف لعبد الرزاق 7/ 367، وزاد المسير=
(2/784)

القطعة من الشيء" (1)، وذكر قول ابن عباس هذا- كالخصم للواحد والجمع (2)؛ لأنه في الأصل مصدر، ومنهم من يثنيه ويجمعه.
قالوا: (وكنا لحكمهم شاهدين) (3).
رد: الضمير للقوم، أو لهما وللحاكم، زاد بعضهم: فيكون الحكم بمعنى الأمر؛ لأنه لا يضاف المصدر إِلى الفاعل والمفعول معا.
وقيل: للحاكم (4)، كقوله: (وكنا).
وأجاب ابن عقيل (5): بأنه للأنبياء.
قالوا: قال - عليه السلام -: (الاثنان فما فوقهما جماعة).
رد: خبر ضعيف رواه ابن ماجه (6) من حديث أبي موسى،
__________
=6/ 8، والمحلى 13/ 246، وتفسير القرطبي 12/ 166، وتفسير ابن كثير 3/ 262، والدر المنثور 5/ 18، وفتح القدير 4/ 6.
(1) انظر: الصحاح/ 1397.
(2) فهو محتمل.
(3) سورة الأنبياء: آية 78.
(4) يعني: على سبيل التفخيم، كقوله تعالى: (مبرءون مما يقولون) سورة النور: آية 26. وأراد: عائشة.
(5) انظر: الواضح 2/ 123 ب.
(6) انظر: سنن ابن ماجه / 312. وفيه: الربيع بن بدر، ووالده بدر، قال في الزوائد: وهما ضعيفان. وأخرجه -أيضًا- الدارقطني في سننه 1/ 280، والحاكم في مستدركه 4/ 334، وسكت عنه، ولم يذكره الذهبي في التلخيص، وأخرجه=
(2/785)

والدارقطني (1) من حديث عمرو (2) بن شعيب عن أبيه (3) عن جده (4)،
__________
=البيهقي في السنن الكبرى 3/ 69 وقال: رواه جماعة عن الربيع بن بدر، وهو ضعيف. (1) انظر: سنن الدارقطني 1/ 281. قال صاحب (التعليق المغني على الدارقطني): وفيه عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، قال البخاري: تركوه.
(2) هو: أبو إِبراهيم عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، روى عن الربيع بنت معوذ الصحابية وعن أبيه وطاوس وغيرهم، وعنه مكحول وعطاء والزهري وغيرهم، توفي بالطائف سنة 118 ه. وثقه ابن معين وابن راهويه وغيرهما، وقال البخاري فيه: رأيت أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، فمن الناس بعدهم؟ قال الذهبي -معلقًا على قول البخاري-: ومع هذا القول لم يحتج به في صحيحه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 263، والمغني في الضعفاء 2/ 484، وتهذيب التهذيب 8/ 48، وتقريب التهذيب 2/ 72.
(3) هو: شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، روى عن جده وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وعنه ابناه عمرو وعمر وغيرهما.
ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر البخاري وأبو داود وغيرهما أنه سمع من جده. وقال ابن حبان: يقال إِنه سمع من جده -عبد الله بن عمرو- وليس ذلك عندي بصحيح. قال ابن حجر في التقريب: صدوق ثبت سماعه من جده.
انظر: تهذيب التهذيب 4/ 356، وتقريب التهذيب 1/ 353، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 167.
(4) هو: الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص.
انظر: الاستيعاب/ 956، والإصابة 4/ 192.
(2/786)

وأحمد (1) من حديث أبي أمامة (2)، ورواه (3) -أيضًا- عن هشام ابن سعيد (4) عن ابن المبارك عن ثور (5) بن يزيد عن الوليد
__________
(1) انظر: المسند 5/ 254، 269. وفيه: عبيد الله بن زهر، وعلي بن يزيد الألهاني، وهما ضعيفان. فانظر: ميزان الاعتدال 3/ 6، 161، وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة. وفيه: مسلمة بن علي، وهو ضعيف. فانظر: مجمع الزوائد 2/ 45.
(2) هو: الصحابي صدي بن عجلان الباهلي.
(3) انظر: المسند 5/ 269.
وقد ترجم البخاري في صحيحه 1/ 128: (باب: اثنان فما فوقهما جماعة)، وساق
حديث مالك بن الحويرث: (فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما).
وانظر: التلخيص الحبير 3/ 81 - 82.
(4) هو: أبو أحمد البزار الطالقاني، نزيل بغداد، روى عن الحسن بن أيوب الحضرمي وأبي عوانة وابن لهيعة وغيرهم، وروى عنه أحمد ومحمد بن سعد وغيرهما. وثقه أحمد وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس به بأس. وكان ابن معين لا يروي عنه. قال ابن حجر في التقريب: صدوق.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 299، وتهذيب التهذيب 11/ 41، وتقريب التهذيب 2/ 318، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 409.
(5) هو: أبو خالد الحمصي، حافظ روى عن خالد بن معدان وغيره، وعنه يحيى القطان وأبو عاصم وغيرهما، توفي سنة 150 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، إِلا أنه يرى القدر.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 374، وتهذيب التهذيب 2/ 33، وتقريب التهذيب 1/ 121.
(2/787)

ابن أبي (1) مالك (2) مرفوعًا، كلهم ثقات، والوليد غير تابعي.
ثم: المراد: في الفضيلة لتعريفه (3) الشرع لا اللغة.
وقال (4) ابن عقيل (5): لو كان (6) جمعا لغة لما بَيَّنه؛ للتسوية فيها.
القائل "لا يصح مجازا": قول ابن عباس السابق (7).
__________
(1) في (ظ): الوليد بن مالك.
(2) هو: أبو العباس الوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك هانئ الهمداني الدمشقي، نزل الكوفة، وروى عن أبي إِدريس الخولاني وغيره، وعنه حجاج بن أرطأة ومسعر بن كدام وثور بن يزيد، توفي سنه 125 ه. وثقه أحمد والعجلي ويعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: في حديثه ضعف. قال ابن حجر في التقريب: ثقة.
انظر: تهذيب التهذيب 11/ 139، وتقريب التهذيب 2/ 333، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 416، 417.
(3) في (ب): لتعريف.
(4) في (ح): فقال.
(5) قال في الواضح 2/ 124 أ: هذا حجة لنا من وجه، وهو: أنه لو كان جمعا في اللغة لما احتاجوا إِلى بيانه، فإِنهم في اللغة مثله، فلم يبق إِلا أنه بين ما يخصه ولا يشاركونه فيه وهو الحكم، فكأنه بين أن ذلك جمع في الصلاة.
(6) يعني: لو كان الاثنان جمعا.
(7) انظر: ص 781 من هذا الكتاب.
(2/788)

رد: أراد حقيقة لما سبق، ولهذا: عنه (1) وعن جماعة من المفسرين وأهل اللغة -في: (يا أيها (2) الرسل) (3) -: المراد محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وحده.
وقال ابن الأنباري (4) -عن قول مجاهد في: (كان الناس أمة) (5): المراد آدم-: العرب توقع الجمع على الواحد.
قالوا: لا يصح: (6) رجلان عاقلون، ولا: رجال عاقلان.
رد: مراعاة للفظ (7) في الصفة للتبعية (8).

مسألة
العام بعد التخصيص مجاز عند أبي الخطاب (9) وغيره، وقاله أكثر المعتزلة (10) والأشعرية (11).
__________
(1) انظر: زاد المسير 5/ 477.
(2) نهاية 109 ب من (ب).
(3) سورة المؤمنون: آية 51.
(4) انظر: زاد المسير 1/ 213.
(5) سورة البقرة: آية 213.
(6) نهاية 81 أمن (ظ).
(7) في (ب): اللفظ.
(8) نهاية 227 من (ح).
(9) انظر: التمهيد / 64 ب-65 أ.
(10) انظر: المعتمد / 282، والإحكام للآمدي 2/ 227.
(11) انظر. الإِحكام للآمدي 2/ 227.
(2/789)

واختار القاضي (1) وابن عقيل (2): حقيقة، وذكره الآمدي (3) عن أصحابنا.
وللحنفية (4) والشافعية (5) كالقولين.
وعند أبي بكر الرازي (6): حقيقة إِن كان الباقي جمعا.
وعند الكرخي (7) وأبي الحسين البصري (8): حقيقة إِن خُص بما لا يستقبل من شرط أو صفة أو استثناء.
ابن الباقلاني (9): بشرط أو استثناء.
عبد الجبار (10): بشرط أو صفة.
__________
(1) انظر: العدة/ 533.
(2) انظر: الواضح 2/ 97أ.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 227.
(4) انظر: أصول السرخسي 1/ 144، وتيسير التحرير 1/ 308، وفواتح الرحموت 1/ 311.
(5) انظر: المستصفى 2/ 54، والإحكام للآمدي 2/ 227.
(6) انظر: أصول الجصاص/ 42أ - ب، وتيسير التحرير 1/ 308، وفواتح الرحموت 1/ 311.
(7) انظر: أصول السرخسي 1/ 145، وفواتح الرحموت 1/ 311، والمعتمد/ 285.
(8) انظر: المعتمد/ 285.
(9) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 227.
(10) انظر: المعتمد/ 283.
(2/790)

وقيل: بدليل لفظي.
أبو المعالي (1): حقيقة في تناوله (2)، مجاز في الاقتصار عليه.
وجزم بعض أصحابنا (3): أن هذا معنى كونه مجازًا.
وقال بعض أصحابنا (3): الخلاف في الاستثناء بعيد.
وجه الأول: حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة فيه (4) لم يفتقر إِلى قرينة (5)، ويلزم الاشتراك (6).
وجه الثاني: التناول باقٍ، وكان حقيقة، فكذا بعده.
قال ابن عقيل (7): هو مع المخصِّص موضوع للخصوص (8).
رد: كان (9) مع غيره (10).
__________
(1) انظر: البرهان/ 412.
(2) يعني: تناوله لبقية السميات.
(3) انظر: المسودة/ 116.
(4) يعني: في الباقي.
(5) وقد افتقر إِلى قرينة المخصَّص، فكان مجازا.
(6) لكونه حقيقة في معنيين مختلفين.
(7) انظر: الواضح 2/ 98 ب.
(8) في (ح): للتخصيص.
(9) يعني: كان حقيقة مع غيره.
(10) والآن يتناوله وحده، فاستعمل في غير ما وضع له.
(2/791)

قالوا: يسبق إِلى الفهم.
رد: بقرينة.
وجه الثالث: بقاء معنى العموم إِذا كان الباقي غير منحصر.
رد: بالمنع.
وجه الرابع: لو أوجب ما لا يستقل تجوزًا لزم كون "المسلمين" للجماعة مجازًا؛ لأن حرف الجمع لا يستقل، ونحو "المسلم" للجنس أو للعهد مجازا (1)، ونحو: (ألف سنة إِلا خمسين عامًا) (2) مجازًا.
رد: واو الجمع كألف "ضارب" وواو "مضروب" مجموع الكلمة هو الدال على المعنى، والشرط والصفة ليسا من صيغة الكلمة.
ولام الجنس أو العهد جزء الصيغة (3) على قولنا: "حرف"، وعلى قولنا: "اسم" فكالموصولات (4).
وكذا وجه الخامس، إِلا أن الصفة كمستقلة؛ لجواز استعمالها دون موصوفها.
وكذا وجه السادس، إِلا أن الاستثناء ليس تخصيصا؛ لمنافاته المستثنى
__________
(1) نهاية 110 أمن (ب).
(2) سورة العنكبوت: آية 14.
(3) نهاية 228 من (ح).
(4) فالمجموع هو الدال.
وَرُدَّ الاستدلال بالآية: بأن الاستثناء إِخراج بعد إِرادة العموم من اللفظ.
(2/792)

منه حكماً.
وقيل: المتصل لم يتناول غيرا (1).
رد: بالمنع (2)، ثم: الركب لم يوضع (3)، والمفرد متناول.
وجه السابع: لو أوجبت القرينة اللفظية تجوزا لزم كون "المسلمين" مجازا؛ لأن الواو قرينة لفظية تُفهم الجمع.
وهو أضعف مما قبله لاستقلاله (4).
وجه الثامن: العام كتكرير الآحاد، فمعنى "الرجال": زيد وعمرو وبكر -فإِخراج بعضها لا يخرج الباقي عن حقيقته في تناوله- وإنما اختصر (5).
رد: العام (6) ظاهر في الجميع، فبتخصيصه خرج عن وضعه الأول (7)، والمكرر نص في مدلوله (8).
__________
(1) يعني: غير ما اتصل به.
(2) بل تناوله.
(3) يعني: لم يرد وضع المستثنى مع المستثنى منه مثلاً.
(4) يعني: لأنه يعم المستقل وغيره.
(5) فاستغني ب (الرجال) عن: زيد وعمرو وبكر ... إِلخ.
(6) يعني: نمنع كونه كتكرار الآحاد.
(7) وهو معنى المجاز.
(8) فاستعمل كل واحد في كل واحد نصا، وإذا خرج بعضٌ عن الإِرادة بقي الباقي نصا فيما يتناوله ولم يتغير عن وضعه أصلاً.
(2/793)

مسألة
العام المخصوص حجة عند أحمد (1) وأصحابه والجمهور، وذكره الآمدي (2) عن الفقهاء.
وعن بعض أصحابنا (3): ليس بحجة.
ومراده: "إِلا في الاستثناء بمعلوم"؛ فإِنه بالاتفاق، ذكره القاضي (4) وغيره، واحتجوا به، وقاله عيسى بن أبان (5) وأبو ثور (6) والكرخي (7).
وفهم الآمدي (8) وغيره (9) الإِطلاق.
البلخي (10): حجة إِن خص بمتصل.
__________
(1) انظر: العدة/ 533.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 232.
(3) انظر: المسودة/ 116.
(4) انظر: العدة/ 542.
(5) انظر: فواتح الرحموت 1/ 308، والإِحكام للآمدي 2/ 232.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 232، والمسودة / 116.
(7) انظر: أصول السرخسي 1/ 145.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 232، والمعتمد/ 286.
(9) نهاية 81 ب من (ظ).
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 232. وقد نسب هذا الرأي -في المعتمد/ 286، والمحصول 1/ 3/ 23، وفواتح الرحموت 1/ 308 - إِلى الكرخي. ويبدو أن المؤلف قد تبع ما في الإحكام للآمدي 2/ 232، والمنتهى لابن الحاجب/ 79، ومختصره=
(2/794)

أبو عبد الله البصري (1): إِن كان العموم منبئاً عنه (2) قبل التخصيص ك (فاقتلوا المشركين) (3) منبئ عن الذمي، وإِلا فلا ك (السارق) (4)، لا ينبئ عن النصاب والحرز، فيفتقر إِلى بيان كحكم مجمل (5).
عبد الجبار (*): إِن كان قبله (6) غير مفتقر إِلى بيان ك (المشركين) (7)، وإلا فلا ك (وأقيموا (8) الصلاة) (9) فإِنه مفتقر قبل إِخراج الحائض (10).
رد: لا فرق (11).
__________
=2/ 108 - 109. وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي في تعليقه على الإِحكام للآمدي: أنه تحريف، وأن صوابه: الكرخي.
(1) انظر: المعتمد/ 286، والإِحكام للآمدي 2/ 232.
(2) يعني: عن المخصوص.
(3) سورة التوبة: آية 5.
(4) سورة المائدة: آية 38.
(5) في (ظ): محمَّد.
(*) انظر: المعتمد/ 287، والإِحكام للآمدي 2/ 232.
(6) يعني: قبل التخصيص.
(7) لا يفتقر إِلى بيان قبل إخراج الذمي.
(8) نهاية 229 من (ح).
(9) سورة البقرة: آية 43.
(10) فكذا بعده.
(11) فنقول: (وأقيموا الصلاة) كل دعاء إلا ما يخرجه الدليل، فلا إِجمال.
(2/795)

ثم (1): فرق ابن عقيل (2): بأنه إِذا خرج من (وأقيموا الصلاة) من لم يُرَد (3) لم يمكن الحمل على المراد (4) بالآية (5) (6).
وقيل: حجة في أقل الجمع؛ للشك في الزائد.
لنا: ما سبق (7) في إِثبات العموم.
ولو قال: "أكرم بني تميم ولا تكرم فلانا" -فترك- عصى قطعا.
ولأنه كان حجة، والأصل بقاؤه.
ولأن دلالته على بعض لا تتوقف على بعض آخر للدور.
واستدل: لو لم يكن حجة بعد التخصيص كانت دلالته عليه قبله (8) موقوفة على دلالته على الآخر، واللازم باطل؛ لأنه إِن عكس (9) قدور، وإِلا
__________
(1) على التسليم بأن (وأقيموا الصلاة) مجملة.
(2) بين (وأقيموا الصلاة) وبين آية السرقة. انظر: الواضح 2/ 172أ، 173أ-ب.
(3) كالحائض ونحوها. وفي (ب): من لم يزد.
(4) وهو: الطاهر المستقبل القبلة ... إِلخ.
(5) بخلاف آية السرقة، فإنه إِذا أخرج منها من لا يراد قطعه أمكن قطع من أريد قطعه بظاهر الآية.
(6) نهاية 110 ب من (ب).
(7) من استدلال الصحابة بعمومات مع التخصيص. انظر: ص 755 من هذا الكتاب.
(8) في (ظ): وقبله.
(9) يعني: إِن قيل: تتوقف إِفادته للآخر على إِفادته له لزم الدور.
(2/796)

فتحكم (1).
أجيب: بالعكس، ولا دور؛ لأنه توقف معية كتوقف كل من معلولي علة على الآخر، لا توقف تقدُّم كتوقف معلول على علة.
قالوا: صار مجازا.
رد: بالمنع (2)، ثم: هو (3) حجة.
وأجاب في التمهيد (4): بأنه مجاز لغةً حقيقة شرعًا.
قالوا: صار مجملاً؛ لأنه يحتمل أنه مجاز في الباقي وفي كل فرد منه، ولا ترجيح.
رد: بالمنع (5)؛ لأن الباقي كان مراداً، والأصل بقاؤه.
قالوا: لو خص بمجهول (6) -نحو: (فاقتلوا المشركين) (7) إِلا بعضهم -لم يبق حجة اتفاقا- قاله الآمدي (8) وغيره، وجزم به في التمهيد (9)
__________
(1) لأنه ترجيح بلا مرجح.
(2) فليس مجازا.
(3) يعني: المجاز.
(4) انظر: التمهيد / 65 ب.
(5) يعني: منع عدم الترجيح، بل يحمل على الباقي.
(6) في (ظ): لو خص بمجهول لم يكن حجة نحو ... إِلخ.
(7) سورة التوبة: آية 5.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 236.
(9) انظر: التمهيد/ 166.
(2/797)

والواضح (1) وغيرهما- فكذا بمعلوم.
رد: ما الجامع؟ [ثم: للجهل به] (2).
ثم: يحتمل أنه حجة، وقاله بعضهم، واختاره صاحب المحصول (3)، وأشار إِليه في التمهيد (4)؛ فإِنه قال: ألا ترى، لو أقر بعشرة إِلا درهمًا لزمه تسعة، ولو قال: "إِلا شيئًا"، "إِلا عددًا" جهلنا الباقي، فلم يمكن الحكم به (5).
فعلى هذا: يقف على البيان، وقيل: يسقط، ويعتبر العموم.

مسألة
الجواب غير المستقل تابع للسؤال في عمومه اتفاقا، كجوابه لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب (6) إِذا يبس؟) قيل: نعم، قال: (فلا
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 172 ب.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) الذي اختاره الرازي في المحصول 1/ 3/ 23: أنه إذا خص تخصيصا مجملا لا يجوز التمسك به. وهذا الاختيار المذكور ذكره فخر الإِسلام البزدوي في أصوله (انظر: كشف الأسرار 1/ 308). أقول: فلعل المؤلف رآه منسوبًا إِليه بلفظ (الفخر)، فظنه الفخر الرازي. والله أعلم.
(4) انظر: التمهيد/ 66 ب.
(5) يعني: بالاستثناء.
(6) نهاية 230 من (ح).
(2/798)

إذاً) (1).
وكذا في خصوصه، قال في التمهيد (2) [وغيره] (3): كقوله لغيره: "تَغَدَّ عندي"، فيقول: لا.
وقال القاضي (4) وغيره: كقوله لأبي بردة (5): (تجزيك (6) ولا تجزي أحدا بعدك) أي: في الأضحية (7).
__________
(1) هذا الحديث رواه سعد بن أبي وقاص مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه 3/ 654 - 657، والترمذي في سننه 2/ 348، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه/ 761، والنسائي في سننه 7/ 268 - 269، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 182 - 183)، والدارقطني في سننه 3/ 49، والحاكم في مستدركه 2/ 38 - 39.
وانظر: التلخيص الحبير 3/ 9 - 10، ونصب الراية 4/ 40 - 42.
(2) انظر: التمهيد/ 68 أ.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) انظر: العدة/ 596.
(5) هو: الصحابي هانئ بن نيار الأنصاري.
(6) نهاية 111أمن (ح).
(7) بالجذعة. أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 23، 7/ 101، ومسلم في صحيحه/ 1552 - 1554 من حديث البراء بن عازب.
وقد وردت الرخصة لعقبة بن عامر في أن يضحي بالجذعة، أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 99 عن عقبة قال: قسم النبي بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله، صارت لي جذعة. قال: (ضَّحَ بها). وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1556، وأخرجه البيهقي في سننه 9/ 270 بزيادة: (ولا رخصة لأحد=
(2/799)

قال الآمدي (1): فهذا وأمثاله وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض الأحوال لا يدل على التعميم في حق غيره كما قاله الشافعي، إِذ اللفظ لا عموم له، ولعل الحكم على ذلك الشخص لمعنى يختص به كتخصيصه أبي بردة بقوله (2): (ولا تجزي أحدا بعدك)، ثم: بتقدير تعميم المعنى (3) فبالعلة لا بالنص.
وقاله [قبله] (4) أبو المعالي (5)، لاحتمال معرفة حاله، فأجاب على ما عرف، وعلى هذا تجري (6) أكثر الفتاوى من المفتين. كذا قال.
والذي عند أصحابنا: التعميم، قالوا: لو اختص به لا احتيج إِلى
__________
= فيها بعد).
وعلى هذا يكون هناك تعارض بين القصتين (قصة أبي بردة، وقصة عقبة)، قال البيهقي: فهذه الزيادة إِذا كانت محفوظة كانت رخصة له كما رخص لأبي بردة. وقد رد هذا الجمع ابن حجر فقال: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، وأقرب ما يقال فيه: إِن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني ... فانظر: فتح الباري 10/ 14 - 15.
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 237.
(2) نهاية 82 أمن (ظ).
(3) الجالب للحكم فالحكم في حق الغير إِن ثبت فبالعلة المتعدية.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(5) انظر: البرهان/ 346.
(6) في (ب): يجزي.
(2/800)

تخصيصه.
وكذا قال بعض أصحابنا (1): إِن ظاهر كلام أحمد كقول الشافعي؛ لأنه احتج بمثله في مواضع كثيرة، وكذلك أصحابنا، قال: وما سبق (2) إِنما يمنع قوة العموم لا ظهوره؛ لأن الأصل عدم المعرفة لما لم يذكر.
ومَثَّله الشافعي (3) بقوله لغيلان -وقد أسلم على عشر نسوة-: (أمسك أربعاً) (4).
وعنه (5) -أيضًا-: حكايات الأحوال إِذا تطرق (6) إِليها الاحتمال كساها ثوب الإِجمال وسقط بها (7) الاستدلال.
فقيل (8): له قولان، وقيل: الأول مع بعد الاحتمال، وهذا مع قربه (9).
__________
(1) انظر: المسودة/ 109.
(2) يعني: الذي ذكره أبو المعالي.
(3) انظر: البرهان/ 346.
(4) فلم يسأل غيلان عن كيفية عقوده عليهن في الجمع والترتيب، فكان إِطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا، أو تجري عقود مرتبة.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 186 - 187، ونهاية السول 2/ 74.
(6) في (ب): نظرت.
(7) في (ظ) و (ح): منها.
(8) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 187، ونهاية السول 2/ 74.
(9) في (ظ): قرينه.
(2/801)

ثم: [إِن] (1) الاحتمال القريب (2) إِن كان في دليل الحكم سقط الاستدلال كقوله في المحرم: (ولا تقربوه (3) طيبا، فإِنه يبعث يوم القيامة مُلَبِّيا) (4)، وإِن كان في محل الحكم كقصة (5) غيلان لم يسقط. كذا قال (6).
وعند أحمد والشافعي (7) وأصحابهما: الحكم عام في كل محرم.
قال أصحابنا في ذلك: حكمه في واحد حكمه في مثله إِلا أن يرد تخصيصه، ولهذا حكمه في شهداء (8) أحد حكم في سائر الشهداء.
قال القاضي وغيره: اللفظ خاص، والتعليل عام في كل محرم.
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(2) ضرب على (القريب) في (ظ). وفي شرح تنقيح الفصول/ 187: الاحتمال المساوي.
(3) نهاية 231 من (ح).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 76، 3/ 15 - 16، 17، ومسلم في صحيحه/ 866 - 867 من حديث ابن عباس.
(5) في (ح): كقضية.
(6) يعني: هذا القائل.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 256.
(8) فكان يجمع الرجلين منهم في ثوب واحد، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. جاء ذلك في حديث جابر، أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 91 - 92، 5/ 102، وأبو داود في سننه 3/ 501، والترمذي في سننه 2/ 25 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 4/ 62، وابن ماجه في سننه/ 485.
وانظر: نصب الراية 2/ 307 - 317.
(2/802)

وعند (1) الحنفية (2) والمالكية (3): يختص بذلك المحرم.
* * *
وإِن استقل الجواب (4):
فإِن ساوى السؤال فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا كما لو لم يستقل.
فالخصوص: كسؤال الأعرابي عن وطئه في نهار رمضان، فقال (أعتق رقبة) (5)
والعموم: كسؤاله عن الوضوء بماء البحر. فقال: (هو الطهور ماؤه) (6).
__________
(1) في (ب): عند.
(2) انظر: بدائع الصنائع / 770 - 771.
(3) انظر: الكافي لابن عبد البر/ 282، وشرح تنقيح الفصول/ 187.
(4) نهاية 111 ب من (ب).
(5) سبق تخريجه ص 304.
(6) هذا الحديث رواه أبو هريرة مرفوعًا. أخرجه أبو داود في سننه 1/ 64، والترمذي في سننه 1/ 47 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 1/ 176، وابن ماجه في سننه / 136، والدارقطني في سننه 1/ 36 - 37، والدارمي في سننه 1/ 151، ومالك في الموطأ/ 22، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 19)، والبيهقي في سننه 1/ 3، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 60)، والحاكم في مستدركه 1/ 140 - 142 وقال: صحيح على شرط مسلم، وشواهده كثيرة، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ثم ذكر الحاكم تلك الشواهد.
(2/803)

وإن كان الجواب أخص من السؤال -كسؤاله عن قتل النساء الكوافر، فيقول: اقتلوا المرتدات- اختص بالجواب.
وإن كان الجواب أعم من السؤال - كسؤاله عن ماء بئر بضاعة (1)، فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (2)، أو ورد عام على سبب خاص بغير سؤال، كما روي (3) أنه مر بشاة ميتة لميمونة (4)، فقال: (أيما إِهاب دُبغ فقد طهر) (5) - اعتبر عمومه ولم يقصر على سببه عند أحمد وأصحابه
__________
=وقد ورد هذا الحديث من غير طريق أبي هريرة، فانظر: نصب الراية 1/ 95 - 99، والتلخيص الحبير 1/ 9 - 12.
(1) في معجم البلدان 1/ 442: بضاعة بالضم، وقد كسره بعضهم، والأول أكثر، وهي دار بني ساعدة بالمدينة، وبئرها معروفة.
(2) هذا الحديث رواه أبو سعيد مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه 1/ 53 - 55، والترمذي في سننه 1/ 45 - وقال: حسن، وفي الباب عن ابن عباس وعائشة- والنسائي في سننه 1/ 174، والدارقطني في سننه 1/ 30 - 32، والبيهقي في سننه 1/ 4 - 5، وأحمد في مسنده 3/ 15 - 16، 31، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 41) والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 11 - 12. وانظر: التلخيص الحبير 1/ 12 - 14.
(3) في (ح) و (ظ): كما لو روى.
(4) هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
(5) ورد قول النبي هذا من حديث ابن عباس. أخرجه النسائي في سننه 7/ 173، والترمذي في سننه 3/ 135 وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في سننه/ 1193، وأحمد في مسنده 1/ 270، 343، والشافعي في مسنده (انظر: ترتيب مسند=
(2/804)

والحنفية (1) وأكثر المالكية (2) وأكثر الشافعية (3) والأشعرية (4).
وفي (5) الكفاية للقاضي عن بعض أصحابنا: يقصر على سببه.
وذكره بعض أصحابنا (6) رواية من لفظين:
أحدهما: في "العلم (7) " للخلال؛ فإِن بعضهم احتج عند أحمد على
__________
=الشافعي 1/ 26)، والبيهقي في سننه 1/ 16. وأخرجه مسلم في صحيحه/ 277 بلفظ: (إِذا دبغ الإِهاب فقد طهر).
ويلاحظ أنني -بعد البحث- لم أجد هذا القول مقترنا بقصة شاة مولاة ميمونة، وإنما ورد قول النبي في تلك القصة بغير الألفاظ الواردة هنا.
وحديث شاة مولاة ميمونة أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 128، 3/ 81 - 82، 7/ 96، ومسلم في صحيحه/ 276 - 277 من حديث ابن عباس، وفيه: فقال: (هلا أخذتم إِهابها فدبغتموه فانتفعتم به)، فقالوا: إِنها ميتة، قال: (إِنما حرم أكلها).
وانظر: التلخيص الحبير 1/ 46، والمعتبر/ 47 ب.
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 271، وكشف الأسرار 2/ 266، وتيسير التحرير 1/ 264.
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب / 79، وشرح تنقيح الفصول/ 216.
(3) انظر: اللمع/ 22، والتبصرة/ 144.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 188 - 189، والإِحكام للآمدي 2/ 239.
(5) في (ب): في.
(6) انظر: المسودة/ 130 - 131.
(7) انظر: طبقات الحنابلة 2/ 12. ولم أعثر على هذا الكتاب.
(2/805)

مسألة (1) بقوله: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إِلى ميسرة) (2)، فأجاب: بأن هذا إِنما ورد في ربائين (3).
واللفظ الثاني: في حد الإِكراه (4) من "عمد الأدلة" لابن عقيل، وقد نبه ابن عقيل على هذا.
وقاله أبو ثور (5) والمزني والقفال (6) والدقاق، وقاله أبو الفرج (7) وابن نصر (8) وغيرهما من المالكية، وذكره أبو الطيب (9) وابن برهان عن مالك.
قال أبو المعالي (10): هو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي، ثم نصر الأول.
__________
(1) نهاية 232 من (ح).
(2) سورة البقرة: آية 280.
(3) كذا في (ب) و (ح)، وهي بنفس الرسم في (ظ) ولم تنقط. وفي المسودة: إِنما ورد في الربا. وفي هامش (ظ): صوابه: في ربا تائبين ... يشير إِلى أنه ورد في حق التائبين من الربا؛ لأن الله قال: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم) ثم قال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة)، فالآية جاءت في حق التائب من الربا، فجعلها الإِمام لمن جاءت في حقه وهو التائب من الربا.
(4) نهاية 82 ب من (ظ).
(5) انظر: المحصول 1/ 3/ 189، والإِحكام للآمدي 2/ 239.
(6) انظر: التبصرة/ 145.
(7) انظر: المسودة/ 130.
(8) هو: عبد الوهاب المالكي.
(9) انظر: المرجع السابق/ 130.
(10) انظر: البرهان/ 372، 375.
(2/806)

لنا: أن الصحابة ومن بعدهم استدلوا على التعميم مع السبب الخاص ولم ينكر، كآية اللعان (1) -وهي في هلال بن أمية في الصحيحين (2) - وآية الظهار (3) في أوس (4) بن الصامت، رواه أحمد (5) وأبو داود وغيرهما (6)، ومعناه في البخاري (7)، وقصة عائشة (8) في الإِفك في الصحيحين (9)، وغير ذلك، [فكذا هنا] (10).
__________
(1) سورة النور: الآيات 6 - 9.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 100 - 101 عن ابن عباس، وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1134 عن أنس.
وانظر: فتح الباري 8/ 450، وشرح النووي على صحيح مسلم 10/ 119.
(3) سورة المجادلة: الآيات 2 - 4.
(4) نهاية 112 أمن (ب).
(5) انظر: مسند أحمد 6/ 410 - 411، وسنن أبي داود 2/ 662 وما بعدها.
(6) كالواحدي في أسباب النزول/ 232 - 233، والطبري في تفسيره 28/ 2 وما بعدها، والنسائي في سننه 6/ 168، وابن ماجه في سننه/ 666، والحاكم في المستدرك 2/ 481. وانظر: التلخيص الحبير 3/ 220.
(7) انظر: صحيح البخاري 6/ 50، 9/ 117، وفتح الباري 9/ 432، 13/ 372، والتلخيص الحبير 3/ 220.
(8) ورد ذكرها في سورة النور: الآيات 11 - 17.
(9) انظر: صحيح البخاري 5/ 116 وما بعدها، 6/ 101 وما بعدها، وصحيح مسلم/ 2129 - 2138.
(10) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2/807)

ولأن اللفظ عام بوضعه، والاعتبار به (1)، بدليل ما لو كان (2) أخص (3)، والأصل عدم مانع.
وقاس صحابنا وغيرهم على الزمان والمكان (4)، مع أن المصلحة قد تختلف بهما.
رد: لا يصلحان علة للحكم، بخلاف لفظ السائل.
رد: بالمنع.
قالوا: لو عم جاز تخصيص السبب بالاجتهاد كغيره.
رد: السبب مراد قطعاً (5) بقرينة خارجية [هي ورود] (6) الخطاب بيانا له، وغيره ظاهر، ولهذا: لو سألته امرأة من نسائه طلاقها (7)، فقال: "نسائي طوالق " طلقت -ذكره ابن عقيل (8) إِجماعًا، وأنه لا يجوز تخصيصه- والأشهر عندنا: "ولو استثناها بقلبه"، لكنه يُدَيّن ويتوجه فيه خلاف، ولو استثنى غيرها لم تطلق.
__________
(1) يعني: باللفظ الوارد في الجواب.
(2) يعني: لو كان الجواب أخص.
(3) فإِنه يحمل على خصوصه، فكذا إِذا كان أعم يحمل على عمومه.
(4) لأن الخطاب يرد في زمان ومكان، ثم لا يقتصر به على ذلك الزمان والمكان.
(5) وهذا سبب اختصاصه بمنع إِخراجه.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب). وفي (ظ): لورود.
(7) في (ب): طلاقا.
(8) انظر: الواضح 2/ 115 ب - 116 أ.
(2/808)

على أنه (1) منع -في "الإِرشاد، والمبهج، والفصول"- المعتمر المحصر من التحلل (2) مع أن سبب (3) (4) الآية (5) في حصر الحديبية (6) -وكانوا معتمرين- وحكي هذا عن مالك، وأنه لا هدي أيضًا (7).
وعن أحمد: أنه حمل ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (8): (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) على أمر الآخرة مع أن سببه (9) الدنيا، لكن يحتمل أنه لم يصح عنده سببه.
__________
(1) يعني: أنه يجوز تخصيص السبب.
(2) في (ظ): التحليل.
(3) انظر: تفسير الطبري 2/ 125، وتفسير القرطبي 2/ 373، وتفسير ابن كثير 1/ 231.
(4) نهاية 233 من (ح).
(5) قال تعالى: (فإِن أحصرتم فما استيسر من الهدي). سورة البقرة آية 196.
(6) خبر حصر الحديبية ورد من طرق، أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 8 - 9، 185 - 186، 193 وما بعدها. وانظر: نصب الراية 3/ 129، 144، والتلخيص الحبير 2/ 288.
(7) انظر: تفسير القرطبي 2/ 373.
(8) مرفوعاً. انظر: صحيح البخاري 8/ 31، وصحيح مسلم/ 2295.
(9) سبب الحديث: أن النبي أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، فَمَنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه، وأطلقه، فلحق بقومه، ثم رجع إِلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أحد، فسأله المن، فقال النبي ذلك.
انظر: فتح الباري 10/ 530، وشرح النووي على صحيح مسلم 18/ 125، والسيرة لابن هشام 3/ 56.
(2/809)

والأصح عن أحمد: أنه لا يصح اللعان على حمل، وقاله أبو حنيفة (1)، وهو سبب آية اللعان، واللعان عليه في الصحيحين (2)، لكن ضعفه أحمد، ولهذا في الصحيحين: "أنه لا عن بعد الوضع (3) "، ثم: يحتمل أنه علم بوجوده بوحي، فلا يكون اللعان معلقا بشرط، وليس سبب الآيه قذف حامل ولعانها.
__________
(1) انظر: الهداية 2/ 25.
(2) انظر: صحيح البخاري 6/ 100، وصحيح مسلم / 1134.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 55، 56، ومسلم في صحيحه 1134 من حديث ابن عباس، وفيه: فأتاه رجل من قومه يشكو إِليه أنه قد وجد مع امرأته رجلاً، فذهب به إِلى النبي، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته -وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم ... - فقال الرسول: (اللهم بَيِّن)، فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها، فلاعن رسول الله بينهما.
وانظر: نصب الراية 3/ 252. وقال في فتح الباري 9/ 455: ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخرت حتى وضعت، فيحمل على أنه قوله (فلاعن) معقب بقوله (فذهب به إِلى النبي فأخبره)، واعترض قوله (وكان ذلك الرجل إِلخ)، والحامل على ذلك موافقة رواية القاسم عن ابن عباس لحديث سهل بن سعد. وقال -في مكان آخر 9/ 461 - : قد أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة التي في حديث سهل بن سعد، وفيه أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله (فلاعن) معقبة بقوله (فأخبره بالذي وجد) وأما قوله (وكان ذلك الرجل مصفرا ...) فهو كلام اعترض بين الجملتين، ويحتمل -على بعد- أن تكون الملاعنة وقعت مرة بسبب القذف وأخرى بسبب الانتفاء، والله أعلم.
(2/810)

وفي الصحيحين (1) عن عائشة: أن عتبة بن أبي وقاص (2) عهد إِلى أخيه سعد "أن (3) ابن (4) وليدة (5) (6) زمعة (7) ابني، فاقبضه إِليك"، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، وفيه: فقال سعد: "هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة عهد إِلي أنه ابنه، انظر إِلى شبهه"، وقال عبد بن زمعة (8): "هذا أخي، ولد على فراش أبي من وليدته"، فنظر إِلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر (9)،
__________
(1) انظر: صحيح البخاري 3/ 54، 81، 146 - 147، 4/ 4، وصحيح مسلم / 1080.
(2) هو: عتبة بن أبي وقاص بن أهيب القرشي الزهري، قال ابن حجر: لم أر من ذكره في الصحابة إِلا ابن مندة ... وقد اشتد إِنكار أبي نعيم عليه في ذلك، وقال: هو الذي كسر رباعية النبي، وما علمت له إِسلاما.
انظر: الإِصابة 5/ 259.
(3) في (ظ): سعد بن أبي وليدة ...
(4) ابن وليدة زمعة: هو عبد الرحمن بن زمعة بن قيس القرشي العامري، توفي بالمدينة، وله عقب.
انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 311، وأسد الغابة 2/ 448.
(5) الوليدة: الجارية. انظر: النهاية في غريب الحديث 5/ 225.
(6) نهاية 112 ب من (ب).
(7) هو: زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري، مات كافرًا قبل فتح مكة.
انظر: الإصابة 4/ 387.
(8) هو: الصحابي عبد بن زمعة القرشي العامري.
(9) قال ابن حجر في فتح الباري 12/ 36 - 37: أي: للزاني الخيبة والحرمان. ومعنى=
(2/811)

واحتجبي منه يا سودة (1) بنت زمعة)، وكانت تحت النبي - صلى الله عليه وسلم - (2).
وفي لفظ للبخاري (3): (هو أخوك يا عبد).
ولأحمد (4) والنسائي بإِسناد جيد من حديث عبد الله بن الزبير: أن زمعة كانت له جارية يطؤها، وكانت تظن بآخر (5)، وفيه: (واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ). زاد أحمد (6): (7) (أما الميراث فله).
__________
=الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه، وجرت عادة الجرب أن تقول لمن خاب: (له الحجر، وبفيه الحجر والتراب) ونحو ذلك. وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يرجم، قال النووي: وهو ضعيف؛ لأن الرجم مختص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إِنما سيق لنفي الولد. وقال السبكي: والأول أشبه بمساق الحديث لتعم الخيبة كل زان، ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر فلا حاجة للتخصيص من غير دليل. قال ابن حجر: قلت ويؤيد الأول -أيضاً- ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه (الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر)، وفي حديث ابن عمر عند ابن حبان: (الولد للفراش وبفي العاهر الأثلب) قيل: هو الحجر، وقيل: دقاقه، وقيل: التراب.
(1) هي: أم المؤمنين سودة بنت زمعة القرشية.
(2) نهاية 83 أمن (ظ).
(3) انظر: صحيح البخاري 5/ 151.
(4) انظر: مسند أحمد 4/ 5، وسنن النسائي 6/ 180 - 181.
(5) في سنن النسائي 6/ 181: وكان يظن بآخر يقع عليها. وفي مسند أحمد 4/ 5: وكانوا يتهمونها.
(6) انظر: مسند أحمد 4/ 5.
(7) نهاية 234 من (ح).
(2/812)

وعند أبي حنيفة (1): لا تفسير الأمة فراشًا حتى يقرّ بولدها، فإِذا أقر به صارت فراشًا ولحقه أولاده بعد ذلك. فأخرج السبب.
قال أبو المعالي (2): لم يبلغه (3) هذا واللعان (4) على الحمل. كذا قال.
وسبق (5) الجواب عن اللعان، وهذا لا جواب عنه.
قالوا: لو عم لم ينقل السبب لعدم الفائدة.
رد: فائدته: منع تخصيصه، ومعرفة الأسباب.
قالوا: لو قال: "تَغَدّ عندي"، فحلف: "لا تَغديتُ" لم يعم، ومثله نظائرها.
رد: بالمنع في الأصح عن أحمد.
وإِن سلّم -كقول مالك (6) - فللعرف، ولدلالة السبب على النية، فصار كمنويّ.
__________
(1) انظر: فواتح الرحموت 1/ 290 - 291.
(2) انظر: البرهان/ 379.
(3) جاء في فواتح الرحموت 1/ 291: (والقول بعدم بلوغ الحديث غير صحيح؛ فإِنه مذكور في مسنده). وفي مسند أبي حنيفة/ 134: عن عمر أن النبي قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ا. ه. ولم يذكر سبب الحديث.
(4) يعني: ولم يبلغه اللعان على الحمل.
(5) انظر: ص 810 من هذا الكتاب.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 80.
(2/813)

قالوا: لو عم لم يطابق الجواب السؤال.
رد: طابق وزاد.

مسألة
يجوز أن يراد بالمشترك معنياه معا، والحقيقة (1) والمجاز من لفظ واحد، ويحمل عليهما (2) عند القاضي (3) وابن عقيل (4) والحلواني (5) وغيرهم، وقاله في الانتصار لما قيل له -فيمن لا يجد نفقة امرأته-: يفرق بينهما، أي: لا يحبسها، فقال: الظاهر منها (6) الطلاق (7) على أنه عام في العقد والمكان معا.
ثم: هل هو ظاهر في ذلك مع عدم قرينة كالعام (8)، أم مجمل فيرجع إِلى مخصص خارج؟ ظاهر كلامهم أو صريحه: الأول، ولهذا قالوا: يحمل عليهما، وهو كثير في كلام القاضي وأصحابه، وقال (9)
__________
(1) في (ح): الحقيقة.
(2) في (ب): عليها.
(3) انظر: العدة/ 703 - 704.
(4) انظر: الواضح 1/ 288 ب، 2/ 168 أ، 171 أ.
(5) انظر: المسودة/ 166.
(6) نهاية 113 أمن (ب).
(7) في (ظ): إِلا الطلاق.
(8) فيحمل عليهما معا.
(9) كذا في النسخ. ولعل المناسب: قال، بدون الواو.
(2/814)

هو (1) وابن عقيل (2): اللمس (3) حقيقة في اللمس باليد، مجاز في الجماع، فيحمل عليهما، ويجب الوضوء منهما جميعًا؛ لأنه لا تدافع بينهما. وسبق كلامه في الانتصار.
وقال (4) صاحب المحرر -في قوله عليه السلام: (اقرءوا يس على موتاكم) (5): يشمل المحتضر والميت قبل الدفن وبعده.
وهذا قول الشافعي (6).
__________
(1) انظر: العدة/ 704.
(2) انظر: الواضح 1/ 229أ، 2/ 168 أ.
(3) في (ظ): للمس.
(4) نهاية 235 من (ح).
(5) هذا الحديث رواه معقل بن يسار مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه 3/ 489، والنسائي في عمل اليوم والليلة/ 581 - 582، وابن ماجه في سننه/ 466، وأحمد في مسنده 5/ 26، 27، وابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 237، والحاكم في المستدرك 1/ 565 - وقال: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إِذ الزيادة من الثقة مقبولة. قال الذهبي في التلخيص: رفعه ابن المبارك، ووقفه يحيى القطان- والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 383، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 2/ 23)، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 184). وقد أعل الحديث بالاضطراب -فبعضهم يقول: عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل، وبعضهم يقول: عن أبي عثمان عن معقل- وبجهالة أبي عثمان وأبيه. ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإِسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث. انظر: التلخيص الحبير 2/ 104.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 242، وشرح العضد 2/ 111.
(2/815)

وقال (1) بعض أصحابنا: (2) صرح القاضي وابن عقيل بالثاني، [كذا قال] (3).
وقاله (4) أبو علي الجبائي وعبد الجبار وغيرهما من المعتزلة (5).
قال الآمدي (6): عنهم وعن الشافعي وابن الباقلاني (7): ما لم يمتنع الجمع بينهما ك "افْعَل" أمرًا وتهديدًا.
ومعناه ذكره أبو المعالي (8) وأبو الخطاب (9) عن المجوزين، وقاله ابن عقيل (10)؛ قال: ولهذا لا يحسن أن يصرح به (11) بخلاف هذا (12).
__________
(1) في (ب) و (ظ): وصرح القاضي وابن عقيل بالثاني. ولم يرد فيهما: (وقال بعض أصحابنا).
(2) انظر: المسودة/ 171.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) عني: جواز إِرادة المعنيين، والحقيقة والمجاز من لفظ واحد، ولا يكون ذلك كالعام، بل كالمجمل.
(5) انظر: المعتمد/ 325، والإِحكام للآمدي 2/ 242.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 242.
(7) يعني: يجوز أن يراد كلا المعنيين معا ما لم يمتنع ... إِلخ.
(8) انظر: البرهان/ 343.
(9) انظر: التمهيد/ 78 ب.
(10) الواضح 1/ 229أ، 2/ 172 أ- ب.
(11) فيقول: أريد بقولي: (افعل) الأمر والتهديد.
(12) فإنه يحسن أن يقول: أريد ب (القرء) الطهر والحيض. كذا في الواضح.
(2/816)

وأطلق بعضهم (1): يجوز مجازًا.
وعن ابن الباقلاني والمعتزلة (2): حقيقة إِن جاز الجمع كالعين، لا كالقرء، وسبق (3) قول القاضي: لأنه لا تدافع بينهما.
وذكر القاضي أول العدة (4): لا يجوز؛ ونصره في التمهيد (5)، وقاله الحنفية (6) وأبو هاشم (7) وأبو عبد الله البصري (8) وغيرهما من المعتزلة، وذكره أبو المعالي (9) عن (10) ابن الباقلاني.
وعن الشافعية (11): الجواز والمنع.
وجوزه بعض أصحابنا (12) بالنظر إِلى الإِرادة لا اللغة، وقاله أبو
__________
(1) يعني: أطلقوا في أصل المسألة. انظر: شرح العضد 2/ 111.
(2) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 111.
(3) في ص 815.
(4) انظر: العدة/ 188 - 189.
(5) انظر: التمهيد/ 78أ.
(6) انظر: كشف الأسرار 1/ 40، 2/ 45، وفواتح الرحموت 1/ 201، 216.
(7) انظر: المعتمد/ 325، والمحصول 1/ 1/ 372.
(8) انظر: المعتمد/ 325.
(9) في الحمل على الحقيقة والمجاز. انظر: البرهان/ 344.
(10) نهاية 83 ب من (ظ).
(11) انظر: التبصرة/ 184، والإِحكام للآمدي 2/ 242.
(12) انظر: المسودة/ 167.
(2/817)

المعالي (1) وأبو الحسين (2) البصري والغزالي (3).
ومنعه بعضهم (4).
وقيل في أصل المسألة: يجوز في نفي لا إِثبات.
ولم أجد خلافا عندنا: لو وَصَّى بثلثه لجاره أو قريبه فلان -باسم مشترك- لم (5) يعم.
وهل تصح الوصية أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان.
فإِن صحت: فقيل: تعينه (6) الورثة. وقيل: يقرع.
ويتوجه العموم إِن قيل به هنا، ويحتمل مطلقًا؛ لعمومه بالإِضافة (7)، ولا يتحقق مانع.
وأكثر الأصوليين: أن الخلاف في الجمع كالخلاف في المفرد (8).
وقيل: يجوز.
__________
(1) انظر: البرهان / 344 - 345.
(2) انظر: المعتمد/ 326.
(3) انظر: المستصفى 2/ 71 - 73.
(4) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 111.
(5) في هامش (ظ): لعله: أنه يعم. أقول: لعل ما أثبت في الأصل هو الصواب.
(6) نهاية 113 ب من (ب).
(7) على مثال: عبدي وامرأتي.
(8) نهاية 236 من (ح).
(2/818)

وفي الكفاية (1) للقاضي: أن لفظ الجمع كالمنقول عن الشافعي إِن لم يتنافيا، وإن تنافيا أو كان مفردا فمجمل.
وجه الجواز (2): أما في المشترك: فلسبق أحدهما، فإِطلاقه عليهما مجاز.
ولا (3) يلزم من وضعه لهما على البدل وضعه لهما معا، فاستعماله في المجموع لغير ما وضع له، للتغاير بين المجموع وأفراده، وإن وضع للمجموع أيضاً: فإِن استعمله فيه فقط لم يفد إِلا أحد مفهوماته، وإِن استعمله فيه وفي الأفراد معا فمحال؛ لأن إِفادة المجموع معناه لا يحصل الاكتفاء إِلا به، وإفادته للمفرد معناه الاكتفاء (4) بكل (5) منهما.
وهو (6) مبني على أنا المشترك موضوع لأحدهما على البدل كقول المعتزلة (7)، فيلزمهم.
وعن الشافعي (8) وابن الباقلاني: حقيقة في المجموع -جملة مدلولاته
__________
(1) انظر: المسودة/ 171.
(2) يعني: الجواز مجازا.
(3) في (ب) و (ظ): ولأنه يلزم.
(4) يعني: يحصل الاكتفاء. وقد ضرب في (ظ) على (الاكتفاء)، وكتب (إِفادته).
(5) في (ظ): لكل.
(6) يعني: هذا الدليل.
(7) انظر: المعتمد/ 22 - 23، والإِحكام للآمدي 2/ 245.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 245.
(2/819)

وأفرادها- كالعام.
واعترض (1): لكن يجوز استعماله في أحدهما بقرينة حقيقة (2) أو مجازا (3)، فإِذا استعمل في المجموع فقط (4): فإِن كان حقيقة في الأفراد فمشترك لم يعم كل مسمياته، وِإن كان مجازاً فيها لم يعم الحقيقة والمجاز، وهو خلاف مذهبكم. وِإن أريدت الأفراد (5) استحال بما سبق من لزوم الاكتفاء وعدمه.
ورد: لا تناقض؛ لأن عند دخول الأفراد في المجموع معنى استعماله فيها: أنه لا بد منها، لا بمعنى الاكتفاء بها، وعند عدم دخولها والعمل به في أحدها بقرينة ليست الجملة شرطا في الاكتفاء.
فإِن قيل: دخولها (6) فيها لا يدل اللفظ عليها حقيقة ولا مجازًا ليلزم ما ذكر (7)، بل لزوما (8) (9).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 245.
(2) يعني: سواء كان ذلك حقيقة أو مجازا.
(3) في (ظ): أو مجاز.
(4) يعني: على وجه لا تدخل فيه الأفراد.
(5) يعني: إِن كان على وجه تدخل فيه الأفراد.
(6) يعني: إِذا كانت الأفراد داخلة في مسمى الجملة.
(7) نهاية 237 من (ح).
(8) يعني: بطريق الملازمة، وليست دلالة لفظية ليلزم ما قيل.
(9) نهاية 114 أمن (ب).
(2/820)

رد: بل دلالة لفظية لدخولها فيها حقيقة أو مجازًا.
وأما الحقيقة (1) والمجاز: فلأن استعماله لهما استعمال في غير ما وضع له أولاً، والعلاقة المصححة الجزئية والكلية.
وجه المنع: لو جاز في المشترك لكان حقيقة في المجموع لوضعه لهما، ولو كان لكان المستعمل له مريدًا أحدهما فقط لاستعماله فيه غير مريد له لاستعماله في الآخر.
ولو جاز في الحقيقة والمجاز لكان مريدا لما (2) وضع له اللفظ أولاً لاستعماله فيه، غير مريد له لاستعماله في غيره، وذلك محال.
رد: بالمنع، فإِن المراد من استعمال اللفظ معنياه معا مجازًا، لا بقاؤه لكل مفرد منهما حتى يكون حقيقة في المجموع.
وأراد (3) ما وضع اللفظ أولاً وثانيًا (4) إِما حقيقة وإما مجازًا.
واحتج في العدة (5): بأنه إِجماع الصحابة لعدم حمل القرء على المعنيين، ولو حمل عليهما لم يمنعوا (6) منه بغير دلالة.
__________
(1) نهاية 84 أمن (ظ).
(2) في (ح): اما.
(3) هذا رد على الدليل الثاني.
(4) في (ظ): أو ثانيا.
(5) انظر: العدة/ 189.
(6) في العدة: لم يمتنعوا.
(2/821)

ويجاب: لعلمهم أن المراد أحدهما.
واحتج بعضهم (1) بها (2) على إِرادتهما (3)، فأجاب أبو الخطاب (4): بأن المراد أحدهما (5)، قال: ومن صَوَّب كل مجتهد يقول: يحتمل أنه نقل لغة إِلى الشرع بدليل، فيردان (6) شرعًا.
واحتج في التمهيد (7): بعدم استعماله لغة.
وجه المعموم: (إِن الله وملائكته يصلّون) (8)] (ألم تر أن الله يسجد له) (9)، والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار، والسجود مختلف.
رد: السجود: الخضوع، فهو متواطئ، والصلاة: الاعتناء بإِظهار شرفه
__________
(1) ضرب على (بعضهم) في (ظ).
(2) في التمهيد/ 179: واحتج بقوله: (ثلاثة قروء)، قيل: الحيض والطهر؛ لأن للمرأة تقليد من يرى الحيض وتقليد من يرى الطهر، وأيهما فعلت فقد أراده الله منها، وكذلك قد أراد من المجتهد ما يؤديه إِليه اجتهاده منهما. والآية من سورة البقرة: آية 228.
(3) في (ب): إِرادتها.
(4) انظر: التمهيد/ 79 أ.
(5) على قول من يقول: الحق في واحد.
(6) كذا في النسخ. ولعلها: فيرادان.
(7) انظر: التمهيد / 79أ.
(8) سورة الأحزاب: آية 56.
(9) سورة الحج: آية 18.
(2/822)

عليه السلام، فمتواطئ (1) بين الله وملائكته.
أو يقدر خبر -كأنه قال: "إِن الله يصلي"- وفِعْل "يسجد" في الآية الثانية بدليل ما يقارنه.
وقيل (2): "أو بأنه مجاز"، فيلزم إِسناد معنى الصلاة ومعنى السجود إِلى كل واحد، وفساده (3) ظاهر.
وأجاب أبو هاشم (4): بأنه لا يبعد (5) أنه مما نقلته الشريعة من اللغة.
ورفى: بمنع النقل على ما سبق (6).
ورد الأول: بأنه لو كان لاطرد، وليس كل اعتناء بأمرٍ صلاةً، ولا كل سجودٍ خضوعًا.
والثاني: بتعدد الفعل معنى لا لفظا، وإِن سلّم أن حرف العطف كعامل فبمثابته (7) بعينه، والله أعلم.
* * *
__________
(1) نهاية 238 من (ح).
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 80.
(3) نهاية 114 ب من (ب).
(4) انظر: المعتمد/ 332.
(5) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): لا يتعذر.
(6) انظر: ص 87 وما بعدها.
(7) يعني: فيكون بمثابة الفعل بعينه.
(2/823)

فأما إِن وصى لمواليه: صح -خلافا للحنفية (1) وبعض الشافعية (2) - قال [بعض] (3) أصحابنا: لشمول الاسم، كوصيته لإِخوته.
واعترض على القاضي وغيره: بالفرق بأنه مشترك، فلا يمكن حمله عليهما.
فأجاب: لا يمتنع دخولهما في لفظ واحد، كمن حلف: "لا كلمت موالي فلان"، والحكم يتبع الاسم نفيا وإثباتًا، كمن حلف: "لأكلمن موالي فلان".
كذا قال، فسلم أنه مشترك، فيخرج على ما سبق.
وفي الواضح: مشترك لا ينصرف إِطلاقه إِلى معين إِلا بدليل.
وكذا قال أهل (4) اللغة: المولى: المعتق والمعتق وابن العم والناصر والجار والحليف.
وأما استدلاله (5) (6) بالنفي فكأنه على من سلّمه، وقد سبق (7).
__________
(1) انظر: أصول الشاشي/ 39، وأصول السرخسي 1/ 126، والهداية 4/ 251. وقال زفر: تصح الوصية وتكون للموالي من أعلى ومن أسفل، وعن أبي يوسف: تجوز وتصرف إِلى الموالي من أعلى.
(2) انظر: التمهيد للأسنوي/ 174.
(3) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(4) انظر: لسان العرب 20/ 289 - 290.
(5) في (ح): استدلالهم.
(6) نهاية 84 ب من (ظ).
(7) في ص 818.
(2/824)

وكذا احتج في المغني (1): لو حلف: "لا كلمت مواليّ (2) " حنت بكلام أيهم كان.
وجمع الاسم وتعميمه (3) إِنما يفيد في مدلوله مفردًا.
ولا يعم "الموالي" غير المولى من فوق ومن أسفل تقديما للحقيقة عرفا؛ فقد يعلل شموله لهما بالحقيقة عرفا، وهي (4) دعوى، وللمخالف المنع.
ولا شيء لموالي عصبته -خلافا لزفر (5) - لعدم الحقيقة فيهم، إِلا مع عدم مواليه ابتداء -خلافا لأبي يوسف (6) ومحمد- لتعذر الحقيقة ابتداء، فيعمل بالمجاز تصحيحًا لكلامه ولإِرادته (7) ظاهراً.
__________
(1) انظر: المغني 6/ 233.
(2) في (ب) و (ظ): مولاي.
(3) يعني: تعميم الجمع.
(4) يعني: التعليل بالحقيقة عرفا.
(5) هو: أبو الهذيل زفر بن الهذيل العنبري، فقيه حنفي، كان من أصحاب الحديث فغلب عليه الرأي، ولد سنة 110 ه، وتوفي بالبصرة سنة 158 ه.
انظر: الجواهر المضية 1/ 243، 2/ 534، والانتقاء/ 173، وشذرات الذهب 1/ 243.
(6) نهاية 239 من (ح).
(7) أي: المجاز، يعني: ولأن الظاهر إِرادة المجاز.
(2/825)

مسألة
نفي المساواة للعموم عند أصحابنا والشافعية (1)، نحو: (لا يستوي) (2)] (لا يستوون) (3)] (هل يستويان مثلا) (4)] (هل يستوي الذين يعلمون) (5) (6).
وعند الحنفية (7): يكفي نفيها في شيء واحد.
وجه الأول: نفي على نكرة (8) كغيره (9)، فينتفي مسماها.
قالوا: المساواة (10) أعم منها بوجه خاص (11)، والأعم لا يدل على الأخص.
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 247، وشرح المحلي 1/ 422.
(2) سورة النساء: آية 95.
(3) سورة التوبة: آية 19.
(4) سورة هود: آية 24.
(5) سورة الزمر: آية 9.
(6) نهاية 115 أمن (ب).
(7) انظر: تيسير التحرير 1/ 250، وفواتح الرحموت 1/ 289.
(8) لأن الجملة نكرة باتفاق النحاة، ولذلك يوصف بها النكرة دون المعرفة.
(9) يعني: فوجب التعميم كغيره من النكرات.
(10) يعني: مطلقًا.
(11) وهو: المساواة من كل وجه.
(2/826)

رد: في (1) الإِثبات، إلا لم يعم نفي، ولهذا يعد كاذبًا من قال: "لم أر حيوانا" وقد رأى إِنسانا أو غيره.
قالوا: لو (2) عم لم يصدق؛ لأنه لا بد من مساواة، وأقلها نفي ما سواهما عنهما.
رد: خص بدليل؛ لأنه نفي ما يصح نفيه (3).
قالوا: المساواة في إِثبات عامة، وإِلا لم يستقم إِخبار بها (4)؛ لأنه لا وجه لاختصاصهما (5) (6)؛ إِذ ما من شيئين إِلا وبينهما مساواة، لكنه مستقيم إِجماعًا، ونقيض الإِيجاب الكلي سلب جزئي.
رد: بل خاصة (7)، وإِلا لم تصدق مساواة بين شيئين؛ لأنه لا بد من نفي مساواة بينهما وأقله في تعينهما (8)، ونقيض الإِيجاب الجزئي سلب كلي، فتعارضا، وسلم الدليل الأول (9).
__________
(1) يعني: ما ذكرتم من عدم إِشعار الأعم بالأخص.
(2) في (ب): لم.
(3) فالمقصود بقولنا: (نفي المساواة) يعني: التي يصح انتفاؤها.
(4) يعني: بالمساواة.
(5) في (ظ): لاختصاصها.
(6) يعني: المساواة بوجه ما لا تختص بهما، بل تعم كل شيئين.
(7) يعني: المساواة في الإثبات للخصوص.
(8) في (ظ): تعينها.
(9) يعني: دليل الوجه الأول.
(2/827)

مسألة
دلالة الإِضمار والاقتضاء (1) عامة عند أصحابنا -منهم القاضي (2) - وأكثر المالكية (3).
مثل: ما روى (4) الطبراني (5) والدارقطني (6) -بإِسناد جيد- من حديث بشر بن بكر (7) عن الأوزاعي (8) عن عطاء عن
__________
(1) في الإِحكام للآمدي 2/ 249: المقتضى: هو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم.
(2) انظر: العدة/ 513.
(3) انظر: مفتاح الوصول/ 50.
(4) انظر: فيض التقدير 2/ 219. وأخرجه -الطبراني- في المعجم الكبير 2/ 94 عن ثوبان، قال في مجمع الزوائد 6/ 250: وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو ضعيف. وأخرجه -أيضًا- من حديث أبي الدرداء، فانظر: نصب الراية 2/ 65.
(5) هو: أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي، محدث حافظ، سمع بالشام والحجاز واليمن وبغداد وغيرها، توفي سنة 360 ه. من مؤلفاته: العجم الكبير، والأوسط، والصغير. انظر: طبقات الحنابلة 2/ 49، والمنتظم 7/ 54، وتذكرة الحفاظ/ 912، وميزان الاعتدال 2/ 195، والنجوم الزاهرة 4/ 59.
(6) انظر: سنن الدارقطني 3/ 170 - 171.
(7) هو: أبو عبد الله التنيسي البجلي، دمشقي الأصل، ثقة صدوق، ولد سنة 124 ه، روى عن الأوزاعي وحريز بن عثمان وغيرهما، وعنه: دحيم والحميدي والشافعي وغيرهم، توفي بدمياط سنة 205 ه.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 314، وتهذيب التهذيب 1/ 443.
(8) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، حافظ محدث فقيه من تابعي=
(2/828)

عبيد بن (1) عمير (2) عن ابن عباس مرفوعًا: (إِن الله تجاوز (3) لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
وذكر ابن حزم (4): أنه حديث مشهور متصل رواه الناس هكذا.
وصحح عبد الحق (5) إِسناده (6).
__________
=التابعين، وهو إِمام أهل الشام، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقال الغرب إِلى مذهب مالك نحو 200 سنة، سكن بيروت وتوفي بها سنة 157 ه.
انظر: تذكرة الحفاظ/ 178، ووفيات الأعيان 2/ 310، ومشاهير علماء الأمصار/ 180، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 298.
(1) نهاية 240 من (ح).
(2) هو: أبو عاصم الليثي المكي، ولد في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -, روى عن عمر وعلي وعائشة وغيرهم، وعنه: مجاهد وعطاء وغيرهما، توفي سنة 64 ه. قال ابن حجر في التقريب: مجمع على ثقته. انظر: تذكرة الحفاظ/ 50، وغاية النهاية 1/ 496، وتهذيب التهذيب 6/ 71، وتقريب التهذيب 1/ 544.
(3) في (ب): تجاولي.
(4) انظر: الإِحكام له/ 930.
(5) هو: أبو محمَّد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأشبيلي، ويعرف بابن الخراط، فقيه حافظ عالم بالرجال وعلل الحديث، ولد سنة 510 ه، وتوفي ببجاية سنة 581 ه.
من مؤلفاته: الأحكام الكبرى والأحكام الصغرى.
انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 292، وتذكرة الحفاظ/ 1350، وفوات الوفيات 1/ 248.
(6) انظر: الأحكام الكبرى له 1/ 21 ب، والأحكام الصغرى له/ 8 ب-9أ.
(2/829)

ورواه البيهقي (1)، وقال: جَوَّد إِسناده بشر بن بكر وهو من الثقات، ورواه الوليد بن مسلم (2) عن الأوزاعي، فلم يذكر عبيد بن عمير.
ومن طريقه رواه ابن ماجه (3)، ولفظه: (إِن الله وضع).
وسئل أحمد عن هذا، فأنكره جداً، وقال: لا يُروى إِلا عن الحسن مرسلاً (4).
__________
(1) انظر: سنن البيهقي 7/ 356.
(2) هو: أبو العباس الدمشقي، عالم أهل الشام، روى عن الأوزاعي وغيره، وعنه أحمد وغيره، توفي سنة 195 ه. وثقه ابن سعد والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم. قال الذهبي: كان مدلسًا فيتقى من حديثه ما قال فيه: عن. وقال ابن حجر في التقريب: ثقة لكنه كثير التدليس.
انظر: الكاشف 3/ 242، وتهذيب التهذيب 11/ 151، وتقريب التهذيب 2/ 336.
(3) انظر: سنن ابن ماجه/ 659. وفي الزوائد: إِسناده صحيح إِن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق الثاني ... وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم؛ فإِنه كان يدلس. وأخرجه ابن ماجه -أيضًا- في سننه/ 659 من حديث أبي ذر مرفوعاً. وفيه: أبو بكر الهذلي، قال في الزوائد: إِسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي.
وقد أخرج الحديث الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 95، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن / 360)، والحاكم في المستدرك 1/ 982 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(4) انظر: التلخيص الحبير 1/ 282.
(2/830)

وقال أبو حاتم: لا يثبت (1).
وروى ابن عدي (2) من حديث جعفر (3) بن جسر بن فرقد عن أبيه (4) -وهما ضعيفان عند المحدثين- (5) عن الحسن عن (6) أبي بكرة مرفوعًا: (رفع الله عن هذه الأمة ثلاثاً: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه) (7).
مثل هذا يقال: مقتضي الإِضمار (8)، ومقتضاه الإِضمار، ودلالته على
__________
(1) انظر: العلل لابن أبي حاتم 1/ 431.
(2) رواه في الكامل 1/ 432 مخطوط، وعده من منكرات جعفر هذا. وانظر: نصب الراية 2/ 65.
(3) هو: أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن عدي: ولجعفر مناكير، ولعل ذلك من قبل أبيه فإِنه مضعف. وذكره العقيلي فقال: في حفظه اضطراب شديد، كان يذهب إِلى القدر، وحدث بمناكير.
نظر: ميزان الاعتدال 1/ 403.
(4) هو: أبو جعفر جسر بن فرقد القصاب البصري، قال البخاري: ليس بذاك عندهم. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف.
نظر: ميزان الاعتدال 1/ 398.
(5) نهاية 115 ب من (ب).
(6) نهاية 85 أمن (ظ).
(7) وانظر الكلام عن الحديث في: التلخيص الحبير 1/ 181 - 183، ونصب الراية
2/ 64 - 66، والمقاصد الحسنة/ 228 - 230، وكشف الخفاء 1/ 522 - 523.
(8) في (ح): للإِضمار.
(2/831)

المضمَر دلالة إِضمار واقتضاء.
فالمضمر عام (1) عند أصحابنا -منهم: القاضي (2) - وأكثر المالكية (3).
واختار القاضي (4) في مواضع من كتبه: لا يعم، وأنه مجمل -كقول أبي عبد الله (5) وأبي الحسين (6) البصريين [وغيرهما] (7) - وأن أحمد (8) أومأ إِلى القولين.
وذكر صاحب (9) المحرر (10): أنه (11) لا يدل على الثاني بل على خلافه، وأن الأول ظاهر كلامه.
__________
(1) في المأثم والحكم به.
(2) انظر: العدة/ 513.
(3) انظر: مفتاح الوصول/ 50.
(4) انظر: العدة/ 145، والمسودة/ 91.
(5) انظر: المعتمد/ 333.
(6) انظر: المرجع السابق/ 336.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(8) انظر: العدة/ 515، والمسودة/ 91.
(9) انظر: المسودة/ 91.
(10) في (ب): المحرز.
(11) يعني: الكلام الذي نقله القاضي ورأى فيه إِيماءً من أحمد إِلى أنه مجمل لا يعم.
(2/832)

وعند أكثر الحنفية (1) والشافعية (2): هو لنفي الإِثم.
وجه الأول: أنه لم يُرِد رفع الفعل الواقع، بل ما تعلق به، فاللفظ محمول عليه بنفسه لا بدليل (3). احتج به القاضي (4) وغيره.
قال بعض أصحابنا (5): مضمونه أن ما حمل عليه اللفظ بنفسه مع قرينة عقلية فهو (6) حقيقة أو أنه حقيقة عرفية، لكن مقتضاه (7) الأول.
وكذا في التمهيد (8) والروضة (9): أن اللفظ يقتضي ذلك (10).
واعترض: لا بد من إِضمار، فهو مجاز.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 251، وتيسير التحرير 1/ 242، وفواتح الرحموت 1/ 295.
(2) انظر: اللمع/ 17، والمستصفى 1/ 384، والإِحكام للآمدي 3/ 15.
(3) في (ب): لا بدليله.
(4) انظر: العدة/ 517.
(5) انظر: المسودة/ 93.
(6) نهاية 241 من (ح).
(7) يعني: مقتضى كلام القاضي.
(8) انظر: التمهيد / 77 ب.
(9) انظر: روضة الناظر/ 184.
(10) يعني: يقتضي رفع ما تعلق بالفعل.
(2/833)

رد: بالمنع لذلك (1). (2)
ثم: قولنا (3) أقرب إِلى الحقيقة (4).
وعورض: بأن باب الإِضمار في المجاز (5) أقل (6)، فكلما قل قلت مخالفة الأصل فيه، فيسلم قولنا: لو عم أضمر من غير حاجة، ولا يجوز.
رد: بالمنع، فإِن حكم الخطأ عام، ولا زيادة (7)، ونمنع أن زيادة "حكم" مانع.
وقال بعض أصحابنا (8): عن بعضهم (9) التخصيص كالإِضمار، وكذا ذكر (10) الكيا (11) في الإِضمار: هل هو من المجاز أم لا؟ فيه قولان كالقولين
__________
(1) في (ظ): كذلك.
(2) يعني. لأن اللفظ دل بنفسه.
(3) وهو إِضمار الكل.
(4) وهي رفع ذات الخطأ.
(5) يعني: على قولنا.
(6) وعلى قولكم يكون إِضمار الكل كأنه مجازات.
(7) يعني: في الإِضمار.
(8) انظر: المسودة/ 565.
(9) في (ح): وقال بعض أصحابنا: قال: التخصيص ... إِلخ.
(10) في (ظ): ذكره.
(11) هو: أبو الحسن علي بن محمَّد بن علي الطبري المعروف بإلْكِيا الهراسي، أصولي فقيه شافعي، توفي سنة 504 ه.
(2/834)

في العموم المخصوص، فإِنه نقص (1) المعنى عن اللفظ، والإِضمار عكسه، ليس فيهما استعمال اللفظ في موضوع (2) آخر.
وفي التمهيد (3): ولأن (4) الإِثم لا مزية لأمته فيه على الأمم؛ لأن الناسي غير مكلف.
ولأنه العرف نحو: "ليس للبلد سلطان" لنفي الصفات التي تنبغي له.
ولا وجه (5) لمنع الآمدي (6) العرف في نحو: "ليس للبلد سلطان"، ولا لرد غيره (7): بأنه (8) قياس في العرف ولا يجوز كاللغة، فإِنه (9) لم يرد به القياس، ثم: من منعه عرفا؟ ثم؟ فيه لغة خلاف سبق (10).
__________
=من مؤلفاته: كتاب في أصول الفقه، وشفاء المسترشدين في الجدل.
انظر: المنتظم 9/ 167، ووفيات الأعيان 2/ 448، وطبقات الشافعية للسبكي 7/ 231، وشذرات الذهب 4/ 8.
(1) في (ظ): نقض.
(2) في المسودة: موضع.
(3) انظر: التمهيد/ 77 ب.
(4) ضرب على الواو من (ولأن) في (ب). وفي (ظ): لأن.
(5) نهاية 116أمن (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 250.
(7) في (ب): غير.
(8) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 81.
(9) في (ظ): لأنه.
(10) انظر: ص 124.
(2/835)

وكلام الآمدي (1) وغيره في التحريم (2) المضاف إِلى العين، ونحو: (لا صلاة إِلا بطهور (3) يخالف ما ذكروه هنا، وقالوا فيه بزيادة الإِضمار، وأنه
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 12 - 13.
(2) في (ظ): التعريف.
(3) أخرج أبو داود في سننه 1/ 75 عن أبي هريرة مرفوعًا: (لا صلاة لمن لا وضوء له). وأخرج ابن ماجه في سننه/ 140 عن سعيد بن زيد وأبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: (لا صلاة لمن لا وضوء له). في الزوائد -في حديث سهل بن سعد-: ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن (أحد رجال السند)، وقال السندي: لكن لم ينفرد به عبد المهيمن فقد تابعه عليه ابن أخي عبد المهيمن، رواه الطبراني في الكبير. وأخرج الحاكم في المستدرك 1/ 269 حديث سهل بن سعد، وقال: لم يخرج هذا الحديث على شرطهما؛ فإِنهما لم يخرجا عبد المهيمن. قال الذهبي في التلخيص: عبد المهيمن واه. وأخرجه الحاكم -أيضًا- في مستدركه 1/ 146 - 147 من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري. وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي سبرة مرفوعًا: (لاصلاة لمن لا وضوء له). وفيه: يحيى بن أبي يزيد بن عبد الله بن أنيس، قال الهيثمي: ولم أر من ترجمه. وأخرجه -أيضًا- في الكبير عن أبي الدرداء مرفوعاً. قال الهيثمي: ورجاله موثوقون، إلا أني لم أعرف شيخ الطبراني ثابت بن نعيم الهوجي. وأخرجه في الكبير 6/ 147 - 148 عن سهل بن سعد مرفوعًا. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عيسى بن سبرة عن أبيه عن جده مرفوعاً: (لا صلاة إِلا بوضوء ...) قال الهيثمي: وعيسى بن سبرة وأبوه وعيسى بن يزيد لم أر من ذكر أحدا منهم. فراجع -في ذلك كله-: مجمع الزوائد 1/ 228. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر مرفوعًا: (لا صلاة لمن لا طهور له). فراجع: التلخيص الحبير 1/ 129. وأخرج أحمد في مسنده عن أبي هريرة وسعيد بن زيد مرفوعاً: (لا صلاة لمن لا وضوء له).=
(2/836)

أولى، وقالوا (1) أيضًا -في: (رفع عن أمتي (2) -: لا إِجمال فيه ولا إِضمار؛ لظهوره لغة قبل الشرع في نفي المؤاخذة والعقاب، وتبادره إِلى الفهم، والأصل فيما تبادر: أنه حقيقة لغة أو (3) عرفاً (4).
فقيل لهم: فَلِمَ يجب الضمان؟
__________
=فانظر: الفتح الرباني 2/ 19، 20. قال في مجمع الزوائد 1/ 228: فيه أبو ثقال -المري- قال البخاري: في حديثه نظر. وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرج الدارقطني في سننه 1/ 72 - 73، 79 عن سعيد بن زيد وأبي هريرة مرفوعًا: (لا صلاة لمن لا وضوء له). وعن سعيد بن زيد -أيضًا-: (لا صلاة إِلا بوضوء). وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 1/ 43 عن أبي سعيد وسعيد بن زيد وأبي هريرة مرفوعًا: (لا صلاة لمن لا وضوء له).
وانظر: تخريج أحاديث المنهاج للعراقي/ 291.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 15 - 16.
(2) انظر: ص 829 - 831 من هذا الكتاب.
وقال الزركشي في المعتبر/ 50 أ: حديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ...) قيل: إِنه بهذا اللفظ رواه أبو القاسم التميمي، وذكره النووي في الروضة بهذا اللفظ، وقال: إِنه حديث حسن.
وذكره السيوطي في الجامع الصغير (انظر: فيض القدير 4/ 34) بهذا اللفظ (رفع عن أمتي الخطأ ...)، وقال: أخرجه الطبراني عن ثوبان. أقول: الذي وجدته في المعجم الكبير للطبراني 2/ 94 عن ثوبان مرفوعًا: إِن الله تجاوز ... الحديث.
(3) نهاية 242 من (ح).
(4) وذلك لا إِجمال فيه ولا تردد.
(2/837)

فقالوا: ليس بعقوبة لوجوبه على من لا عقوبة عليه، أو تخصيصًا لعموم الخبر (1).

مسألة (2)
الفعل المتعدي إِلى مفعول -نحو: والله لا آكل، أو: إِن أكلت فعبدي حر- يعم مفعولاته، فيقبل تخصيصه، فلو نوى مأكولاً معينا لم يحنث. بعيره (3) باطنا عند أصحابنا (وم (4) ش (5).
وهل يُقبل حكماً -كقول مالك وأبي يوسف ومحمد- أم لا، كقول الشافعية؟ فيه عن أحمد روايتان.
وعند ابن البنا من أصحابنا: لا يقبل (6) باطنًا (وه) (7).
لنا: عمومه (8) وإطلاقه (9) بالنسبة إِلى الأكل، ولا يعقل إِلا به، فثبت
__________
(1) وهو أسهل من القول بالإِجمال.
(2) نهاية 85 ب من (ظ).
(3) في (ظ): يعني.
(4) انظر: شرح تنقيح الفصول / 179، 184، ومفتاح الوصول/ 51.
(5) انظر: المستصفى 2/ 62 - 63، والمحصول 1/ 2/ 626 - 627، والإِحكام للآمدي 2/ 251.
(6) يعني: لا يقبل تخصيصه.
(7) انظر: أصول السرخسي 1/ 250، وتيسير التحرير 1/ 246، والهداية 2/ 82.
(8) في طرف النفي.
(9) في طرف الإِثبات.
(2/838)

فيه حكمه.
وكقوله: لا آكل أكلاً.
وفرق الحنفية (1): بأن "أكلا" يدل على التوحيد.
رد: هو تأكيد (2)، فالواحد والجمع [فيه] (3) سواء.
واحتج القاضي: بصحة الاستثناء فيه، فكذا تخصيصه.
-قالوا: المأكول لم يلفظ به، فلا عموم كالزمان والمكان.
رد: الحكم واحد عندنا وعند المالكية (4).
ويتوجه احتمال بالفرق كقول الشافعية، وجزم به الآمدي (5)؛ لأنهما لا يدل عليهما اللفظ بل من ضرورة (6) الفعل بخلاف المأكول.
قالوا: الأكل مطلق كلي لا يشعر بالمخصص، فلا يصح تفسيره به.
رد: الكلي غير مراد لاستحالته خارجًا، بل المقيد المطابق له، ولهذا يحنث به إِجماعًا.
* * *
__________
(1) انظر: فواتح الرحموت 1/ 288.
(2) في (ح): توكيد.
(3) ما بين المعقوفتين من (ب).
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 82.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 251.
(6) نهاية 116 ب من (ب).
(2/839)

فأما إِن زاد، فقال: "لحما" مثلاً -ونوى معينا- قبل عندنا، وهو ظاهر ما ذكر عن غيرنا، وقاله الحنفية (1)، وذكره بعض أصحابنا اتفاقا، وخرجه الحلواني من أصحابنا على روايتين باطنا، وذكره غيره عن ابن البنا: لا يقبل. كذا قال، وذكر بعضهم: يقبل حكماً على الأصح عن أحمد (2).
* * *
وقد عرف من ذلك: أن العام في شيء عام في متعلقاته كما هو المعروف عند العلماء، خلافاً لبعض المتأخرين.
قال أحمد -في قوله: (يوصيكم الله في أولادكم) (3) -: ظاهرها على العموم أن من وقع عليه اسم "ولد" فله ما فرض الله، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو (4) المعبر عن الكتاب: أن الآية [إِنما] (5) قصدت للمسلم لا الكافر.
وقال بعض أصحابنا: سماه عاما، وهو مطلق في الأحوال يعمها على البدل (6)، ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن، بل بما ظهر له مما سكت عنه القرآن.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 250، وفواتح الرحموت 1/ 286، والهداية 2/ 82.
(2) نهاية 243 من (ح).
(3) سورة النساء: آية 11.
(4) في (ظ): وهو.
(5) ما بين المعقوفتين من (ح).
(6) يعني: لا الشمول.
(2/840)

وقال -في: (فاقتلوا المشركين) (1) -: عامة فيهم مطلقة في أحوالهم، لا يدل عليها بنفي ولا إِثبات، فإِذا جاءت السنة بحكم لم يكن مخالفا لظاهر لفظ القرآن، بل لما لم يتعرض له. ويأتي (2) في المطلق، والله أعلم.
قال (3): واحتج أصحابنا -كالقاضي وأبي الخطاب- وغيرهم من المالكية والشافعية بعموم قوله: (لا وصية لوارث) (4) في الوصية للقاتل، وفي وصية المميز (5)، وفيه نظر.
واحتج جماعة على الشفعة للذمي على المسلم بقوله: (الشفعة فيما لم
__________
(1) سورة التوبة: آية 5.
(2) انظر: ص 995 - 996.
(3) انظر: المسودة/ 108.
(4) هذا جزء من حديث مرفوع، أخرجه أبو داود في سننه 3/ 824 من حديث أبي أمامة الباهلي، والترمذي في سننه 3/ 293 - 294 من حديث أبي أمامة -وقال فيه: حسن- ومن حديث عمرو بن خارجة، وقال فيه: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه 6/ 247 من حديث عمرو بن خارجة، وابن ماجه في سننه/ 905 - 906 من حديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة وأنس، والدارقطني في سننه 4/ 97، 152 من حديث عمرو بن خارجة وابن عباس وجابر، وأحمد في مسنده 4/ 186 - 187، 5/ 267 من حديث عمرو بن خارجة وأبي أمامة.
وانظر: التلخيص الحبير 3/ 92، ونصب الراية 4/ 403 - 405.
(5) في (ح): المهر. وفي هامشها: في نسخة: المميز.
(2/841)

يقسم) (1)، (2) فأجاب جماعة من أصحابنا (3): إِنما هو عام في الأملاك.

مسألة
الفعل الواقع لا يعم أقسامه وجهاته، كصلاته - عليه السلام - داخل الكعبة (4) لا يعم الفرض والنفل، فلا يحتج به على جوازهما فيها.
__________
(1) أخرج البخاري في صحيحه 3/ 87 عن جابر: قضى رسول الله بالشفعة في كل ما لم يقسم ... وفي لفظ للبخاري 3/ 140 عن جابر: إِنما جعل النبي الشفعة في كل ما لم يقسم .. - وأخرج مسلم في صحيحه / 1229 عن جابر: قضى رسول الله بالشفعة في كل شركة لم تقسم ... وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 784 عن جابر، بلفظ البخاري الثاني، وأخرجه النسائي في سننه 7/ 320 عن جابر، بلفظ مسلم، وأخرجه أيضًا 7/ 321 عن أبي سلمة مرفوعًا: (الشفعة في كل مال لم يقسم)، وأخرجه ابن ماجه في سننه / 835 عن جابر، بلفظ البخاري الثاني، وأخرجه أيضًا/ 834 عن أبي هريرة: أن رسول الله قضى بالشفعة فيما لم يقسم ... وأخرجه الشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 11) عن جابر مرفوعاً: (الشفعة فيما لم يقسم). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/ 102 - 105.
(2) نهاية 86 أمن (ظ).
(3) نهاية 117 أمن (ب).
(4) أخرج ذلك البخاري في صحيحه/ 841، ومسلم في صحيحه/ 966 - 967 من حديث ابن عمر.
(2/842)

وقول الراوي: "صلى - عليه السلام - بعد الشفق" (1) (2) لا يعم الشفقين إِلا عند من حمل المشترك على معنييه.
وقوله: "كان - عليه السلام - يجمع بين الصلاتين في السفر" (3) لا يعم وقتيهما، ولا سفر النسك وغيره.
وهل تكرَّرَ الجمع منه؟ مبني على "كان"، والذي ذكره القاضي وأصحابه في مواضع: أنها لدوام الفعل.
وذكر -أيضًا- في الكفاية (4): هل تفيد التكرار؟ فيه قولان.
وفي المغني (5) -في اعتبار التكرار للعادة (6) -: "كان" لدوام الفعل وتكراره.
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه/ 428 - 429 من حديث بريدة وأبي موسى. وأبو داود في سننه 1/ 280 من حديث أبي موسى. والترمذي في سننه 1/ 102 من حديث بريدة. والنسائي في سننه 1/ 260 - 261 من حديث أبي موسى. وابن ماجه في سننه/ 219 من حديث بريدة.
(2) نهاية 244 من (ح).
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 46 من حديث أنس وابن عباس. ومسلم في صحيحه/ 488 - 489 من حديث أنس وابن عمر.
(4) انظر: المسودة/ 115.
(5) انظر: المغني 1/ 230.
(6) يعني: عادة الحيض.
(2/843)

وجزم الآمدي (1) وغيره بالتكرار؛ لأنه العرف كقول القائل: كان فلان يكرم الضيف.
وهي لغة: لمطلق الفعل في الماضي كسائر الأفعال، تكرر، أو انقطع، أو لا، فلهذا قال جماعة: يصح ويصدق على وجود الله "كان" كما في الصحيحين: (كان الله ولا شيء قبله) (2). ومنعه جماعة؛ لشعوره بالتقضي والعدم، ولعل المراد: عرفا.
ونحو: (وكان الله غفورًا رحيمًا) (3) أي: لم يزل (4)، قال بعضهم: للقرينة، وزعم الجوهري (5) زيددتها.
وفي الصحيحين (6) قول عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -".
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 253.
(2) أخرج البخاري في صحيحه 4/ 105 - 106 عن عمران بن حصين مرفوعاً: (كان الله ولم يكن شيء غيره). وأخرجه أيضًا 9/ 124 بلفظ: (ولم يكن شيء قبله). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات/ 9 بلفظ البخاري الأول، وأخرجه في السنن الكبرى 9/ 2 - 3 بلفظي البخاري، وأخرجه أحمد في مسنده 4/ 431 بلفظ: (كان الله قبل كل شيء). قال في فتح الباري 6/ 289: في رواية غير البخاري: (ولم يكن شيء معه).
أقول: ولم أجده في صحيح مسلم.
(3) سورة النساء: آية 96.
(4) انظر: زاد المسير 2/ 29.
(5) انظر: الصحاح/ 2190.
(6) انظر: صحيح البخاري 2/ 169 - 170، 7/ 103، وصحيح مسلم/ 957.
(2/844)

وللبخاري عن ابن عمر: كان عبد الله بن رواحة يأتيهم (1) في كل عام،
__________
(1) في الجمع بين الصحيحين 1/ 17 أ: ورواه -يعني حديث ابن عمر- حماد بن سلمة عن عبيد الله -هو: ابن عمر- أحسبه عن نافع -شك أبو سلمة في نافع- عن ابن عمر ... وكان عبد الله ... وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 412): أخبرنا خالد بن النضر بن عمر القرشي العدل أبو يزيد بالبصرة حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عبيد الله بن عمر -فيما يحسب أبو سلمة- عن نافع عن ابن عمر. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/ 114: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمَّد المقرئ أنبأنا الحسن بن محمَّد بن إِسحاق ثنا يوسف ابن يعقوب القاضي ثنا عبد الواحد بن غياث ... إِلخ كسند ابن حبان.
وقد تعقب الذهبي البيهقي: بأن ابن رواحة إِنما خرصها عليهم عامًا واحدًا؛ لأنه استشهد بمؤتة بعد فتح خيبر بلا خلاف في ذلك. فانظر: التلخيص الحبير 2/ 172.
وأخرج أبو داود في سننه 3/ 699، وأحمد في مسنده 6/ 163، وعبد الرزاق في مصنفه 4/ 129، والبيهقي في سننه 4/ 123، والدارقطني في سننه 2/ 134 عن عائشة قالت -وهي تذكر شأن خيبر-: كان النبي يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه.
وأخرج مالك في الموطأ/ 703، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 232)، والبيهقي في سننه 4/ 122 عن سعيد بن المسيب قال: فكان رسول الله يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص ... قال ابن عبد البر: أرسله جميع رواة الموطأ وأكثر أصحاب ابن شهاب. وأخرج مالك في الموطأ/ 703، والبيهقي في سننه 4/ 122 عن سليمان بن يسار: أن رسول الله كان يبعث عبد الله بن رواحة إِلى خيبر، فيخرص ... وهو مرسل في جميع الموطآت. وأخرج البيهقي في سننه 6/ 115 عن أبي هريرة: فكان رسول الله يبعث عبد الله يخرصها.
(2/845)

فيخرصها (1) عليهم. يعني: خيبر.
ولمالك (2) عن ابن شهاب (3) عن عروة (4) عن عائشة: قول الصديق [لها] (5) -لما حضرته الوفاة-: كنت نحلتك جاد (6) عشرين
__________
(1) في النهاية في غريب الحديث 2/ 22: خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصا: إِذا حزر ما عليها من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا.
وقال الترمذي في سننه 2/ 78: والخرص أن ينظر من يبصر ذلك، فيقول: يخرج من هذا من الزبيب كذا، ومن التمر كذا، فيحصى عليهم، وينظر مبلغ العشر من ذلك فيثبت عليهم، ثم يخلى بينهم وبين الثمار فيصنعون ما أحبوا، وإذا أدركت الثمار أخذ منهم العشر. هكذا فسره بعض أهل العلم. ا. ه. وانظر: فتح الباري 3/ 344.
(2) انظر: الموطأ/ 752. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 9/ 101 - 102، والبيهقي في سننه 6/ 170، 178، وابن سعد في الطبقات 3/ 1/ 138، وعن مالك رواه محمَّد بن الحسن في موطئه، فانظر: نصب الراية 4/ 122.
(3) هو: الزهري.
(4) هو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، حافظ كثير الحديث، توفي سنة 94 ه.
انظر: مشاهير علماء الأمصار/ 64، وتذكرة الحفاظ/ 62، وطبقات الحفاظ/ 23، وشذرات الذهب 1/ 103.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(6) في النهاية في غريب الحديث 1/ 244: الجاد: بمعنى المجدود، أي: نخل يجد منه ما يبلغ ... ثم ذكر أثر أبي بكر.
وفي شرح الزرقاني على الموطأ 4/ 44: (جاد عشرين وسقا) من نخله إِذا جد أي:=
(2/846)

وسقا (1).
ولمسلم عن جابر بن سمرة: كان - عليه السلام - يأمرنا بصوم عاشوراء (2).
ولمسلم عن جابر بن عبد الله: كنا نتمتع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - (3).
قال (4) بعض الشافعية: فيه دليل للأصح للأصوليين: لا تكرار. والله أعلم.
* * *
__________
=قطع، قاله عيسى، فهو صفة للثمرة، وقال ثابت: يعني أن ذلك يجد منها. قال الأصمعي: هذه أرض جاد مائة وسق أي: يجد ذلك منها، فهو صفة للنخل التي وهبها ثمرتها، يريد: نخلا يجد منها عشرون.
(1) الوسق: ستون صاعاً، وهو 320 رطلاً عند أهل الحجاز، و 480 رطلاً عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد.
انظر: النهاية في غريب الحديث 5/ 185.
(2) انظر: صحيح مسلم/ 794 - 795. وأخرج البخاري في صحيحه 1/ 43، ومسلم في صحيحه/ 792 عن عائشة قالت: كان رسول الله يأمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.
(3) تتمته: بالعمرة، فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها. انظر: صحيح مسلم/ 956.
وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 239 بلفظ: كنا نتمتع في عهد رسول الله ... وأخرجه النسائي في سننه 7/ 222، وأحمد في مسنده 3/ 318، كلاهما بلفظ مسلم.
(4) نهاية 117 ب من (ب).
(2/847)

وأما الأمة (1) فلم تدخل بفعله عليه السلام، بل بدليل قول أو قرينة نحو: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2)، و (خذوا عني مناسككم) (3)، ووقوعه بعد إِجمال أو إِطلاق أو عموم قصد بيانه أو بالتأسي به أو بالقياس على فعله.
واعترض: بعمومه، نحو: "سها (4) فسجد (5) "، (6) وقوله -عليه السلام (7) -: (أما (8) أنا فأفيض الماء (9)) (10).
__________
(1) تكلم المؤلف -فيما سبق- عن عموم الفعل في الأقسام والجهات والأزمان، وهنا يتكلم عن عمومه للأمة.
(2) سبق تخريجه في ص 329.
(3) سبق تخريجه في ص 344.
(4) نهاية 245 من (ح).
(5) أخرجه أبو داود في سننه 1/ 630 - 631، والترمذي في سننه 1/ 245، والنسائي في سننه 3/ 26 عن عمران بن حصين: أن النبي صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم. قال الترمذي: حسن كريب. وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 323 وقال: صحيح على شرطهما.
قال الزركشي في المعتبر/ 51 أ: ووهم من قال: "إِن مراد المصنف -يعني: ابن الحاجب- حديث ذي اليدين"؛ إِذ ليس فيه هذه اللفظة.
(6) وأجمعت الأمة على تعميم سجود السهو في كل سهو.
(7) تكرر (عليه) في (ب).
(8) في (ح): وأما.
(9) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 56، ومسلم في صحيحه/ 258 - 259 من حديث جبير بن مطعم. وقد قال النبي ذلك لما ذكر أناس عنده غسل الجنابة، فقال: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا).
(10) فلولا أن لفعله عموماً لما أجاب بذلك.
(2/848)

رد: بالفاء، فإِنها للسببية (1)، وبما سبق (2).

مسألة
نحو قول الصحابي: "نهى عن بيع (3) الغرر (4) والمخابرة (5) "، و"قضى بالشفعة [للجار] (6) فيما لم يقسم" (7) يعم كل غرر ومخابرة وجار عندنا،
__________
(1) في (ب): للسببه.
(2) من القرائن المذكورة.
(3) في النهاية في غريب الحديث 3/ 355: بيع الغرر: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الأزهري: بيع الغرر ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول.
(4) النهي عن بيع الغرر: أخرجه مسلم في صحيحه/ 1153، وأبو داود في سننه 3/ 672، والترمذي في سننه 2/ 349، والنسائي في سننه 7/ 262، وابن ماجه في سننه/ 739 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(5) النهي عن المخابرة: أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 115، ومسلم في صحيحه/ 1174 من حديث جابر مرفوعًا.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) يلاحظ أن قوله: (فيما لم يقسم) زيادة من حديث آخر، وقد سبق تخريجه في ص 842 من هذا الكتاب.
وإثبات الشفعة للجار: ورد من حديث جابر قال: قال رسول الله: (الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا، إِذا كان طريقهما واحداً). أخرجه أبو داود في سننه 3/ 788، والترمذي في سننه 2/ 412، وابن ماجه في سننه/ 833، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 120، وأحمد في مسنده 3/ 303، والطيالسي في مسنده=
(2/849)

واختاره جماعة، منهم: الآمدي (1)، وقال: عن أكثر الأصوليين: لا يعم.
لنا: إِجماع الصحابة والتابعين في رجوعهم إِليه وعملهم به، كما سبق (2) في خبر الواحد (3).
ولأنه عدل عارف باللغة والمعنى، فالظاهر أنه لم ينقل العموم إِلا بعد ظهوره، وظنُّ صدقه موجبٌ لاتباعه.
__________
= (انظر: منحة المعبود 1/ 278)، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 106. قال الترمذي: هذا حديث غريب، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وعبد الملك -وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث- لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث ... وعن سفيان الثوري قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان. يعني: في العلم.
وفي الجوهر النقي على سنن البيهقي 6/ 106 - 107: وقد أخرج النسائي في سننه عن محمَّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة عن الفضل بن موسى في حرب بن أبي العالية عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي قضى بالشفعة بالجوار ... وفي مصنف ابن أبي شيبة -في كتاب أقضيته عليه السلام -: ثنا جرير عن منصور عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله بالشفعة للجوار. ا. ه.
والذي وجدته في سنن النسائي 7/ 321: قضى رسول الله بالشفعة والجوار.
وذكر ابن فرج القرطبي في كتابه (أقضية الرسول) / 88: أنه ورد في كتاب أبي عبيد: أن النبي قضى بالشفعة للجار.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 255.
(2) نهاية 86 ب من (ظ).
(3) انظر: ص 503 وما بعدها من هذا الكتاب.
(2/850)

قالوا: يحتمل فعلا وجارا خاصا، أو سمع صيغة غير عامة فتوهم العموم، والحجة هي المحكية لا الحكاية.
رد: خلاف الظاهر.

مسألة
الحكم المعلق على علة: هل يعم أوْ لا، بالقياس أو بالصيغة؟ يأتي (1) في القياس.

مسألة
الخلاف في "أن المفهوم له عموم" لفظي (2)؛ لأن مفهومي الموافقة والمخالفة عام فيما سوى المنطوق به بلا خلاف.
ومَنْ نفى العموم -كالغزالي (3) - أراد: أن العموم لم يثبت بالمنطوق به بغير توسط المفهوم، ولا خلاف فيه أيضًا، كذا ذكره الآمدي (4) ومن تبعه، وكذا قال صاحب المحصول (5): إِن عني "لا يسمى عاما لفظيا" فقريب، وإِن عني "لا يفيد انتفاء عموم الحكم" فدليل كون المفهوم حجة ينفيه (6).
__________
(1) انظر: ص 1341.
(2) قوله (لفظي) خبر لقوله: (الخلاف)
(3) انظر: المستصفى 2/ 70.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 257، ومختصر ابن الحاجب 2/ 119 - 120.
(5) انظر: المحصول 1/ 2/ 654 - 655.
(6) في (ب): بنفيه.
(2/851)

وعند أصحابنا (1): عام فيما سوى المنطوق به (2) يجوز تخصيصه بما يجوز به تخصيص العام، ورفع كله تخصيص أيضاً؛ لإِفادة اللفظ في منطوقه ومفهومه، فهو كبعض العام.
وقيل لأبي الخطاب (3) وغيره من أصحابنا: لو كان حجة لما خص؛ لأنه مستنبط من اللفظ (4) كالعلة.
فأجابوا: بالمنع (5) وأن اللفظ بنفسه دل عليه بمقتضى اللغة، فخص (6) كالنطق.
وقد قال أحمد في المحرم: يقتل السبع والذئب والغراب ونحوه، واحتج بقوله: (لا تقتلوا الصيد) الآية (7).
لكن مفهوم الموافقة: هل يعمه النطق؟ فيه خلاف يأتي (8).
واختار في المغني (9) -في مسألة القلتين- في مفهوم المخالفة: لا يعم،
__________
(1) نهاية 118أمن (ب).
(2) نهاية 246 من (ح).
(3) انظر: التمهيد / 75 أ.
(4) وما استنبط من اللفظ لا يجوز تخصيصه كالعلة.
(5) يعني: ليس مستنبطًا من اللفظ.
(6) يعني: فجاز تخصيصه.
(7) سورة المائدة: آية 95.
(8) انظر: ص 1061.
(9) انظر: المغني 1/ 20، 25.
(2/852)

وتكفي المخالفة (1)، وأن البخاري لا ينجس إِلا بالتغيير، خلاف الأشهر عن أحمد وأصحابه.
واختار بعض متأخري الشافعية: لا يعم، وبعض أصحابنا أيضًا، وقال: لأنه يدل بطريق التعليل والتخصيص، والحكم إِذا ثبت بعلة -فانتفت- جاز أن يخلفها في بعض الصور أو كلها علة أخرى، وقصد التخصيص يحصل بالتفصيل (2) (3)، والله أعلم.

مسألة
هل يلزم أن يضمر في المعطوف ما يمكن مما في المعطوف عليه؟ وإذا لزم (4) والمضمر في المعطوف خاص: يلزم أن المعطوف عليه كذلك؟
فعند الشافعية (5): لا يلزم.
وعند الحنفية (6): يلزم.
فقدله - عليه السلام -: (لا يقتل مسلم بكافر) أي: حربي؛ لئلا يعم (7)
__________
(1) يعني: مخالفة ما دون القلتين لما بلغهما.
(2) في (ب): بالتفضيل.
(3) فيمكن أن يخص بعض المفهوم مفصلاً.
(4) في (ظ) الضمر. بدون الواو.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 258، والمحصول 1/ 3/ 205.
(6) انظر: تيسير التحرير 1/ 261، وفواتح الرحموت 1/ 298 - 299.
(7) يعني: الكافر.
(2/853)

في: (ولا ذو عهد في عهده) (1)، فلا يصح.
وقاله القاضي (2) في الكفاية (3)، قال: "وقد حكينا في مسائل الخلاف خلافه"، وجعل هذه المسألة كمسألة تخصيص العموم في الحكم الثاني: هل (4) يقتضي تخصيصه في الحكم الأول؟.
وصحح في التمهيد (5) الأول.
قال بعض أصحابنا (6): ومقتضى بحثه (7): إِن قيد المعطوف بغير قيد (8)
__________
(1) حديث (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده) أخرجه أبو داود في سننه 4/ 666 - 669، والنسائي في سننه 8/ 24، والبيهقي في سننه 8/ 29، وأحمد في مسنده 1/ 122، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 192، والحاكم في مستدركه 2/ 141 - وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي- من حديث علي مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 888 من حديث ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في سننه 8/ 30 من حديث معقل بن يسار مرفوعاً. وأخرجه البخاري في صحيحه 1/ 29 دون قوله: (ولا ذو عهد في عهده).
(2) نهاية 247 من (ح).
(3) نهاية: المسودة/ 140.
(4) نهاية 87 أمن (ظ).
(5) انظر: التمهيد/ 68 ب.
(6) انظر: المسودة/ 140.
(7) يعني: بحث أبي الخطاب.
(8) نهاية 118 ب من (ب).
(2/854)

المعطوف عليه لم يضمر فيه، وإن أطلق أضمر فيه؛ لأنه احتج فقال (1): المعطوف إِذا قيد بصفة لم يضمر (2) من المعطوف عليه إِلا ما يصير به مستقلاً، نحو: "لا تقتل اليهود بالحديد، ولا النصارى في الشهر الحرام" لم يضمر فيه إِلا القتل، فَشَرَّك (3) بينهما فيه، وخالف بينهما في كيفيته.
وجه الأول: أن إِضمار حكم المعطوف عليه في المعطوف ضرورة الإِفادة؛ لأنه (4) خلاف الأصل، وتندفع بالتشريك في أصل الحكم، ولأنه اليقين.
واحتج بعضهم: لو عم فيهما كان "بكافر" الأول للحربي فقط، فيفسد المعنى؛ لأنه يكون حجة في قتل مسلم بكافر (5).
والمخالف كذا يقول.
وأجاب بعض (6) من وافق في الحكم: بأنه خص في الثاني بدليل (7).
واحتج أيضاً: لو عم كان نحو: "ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا" أي: يوم الجمعة (8).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 68 ب.
(2) يعني: لم يضمر فيه.
(3) يعني: القائل.
(4) يعني: الإضمار.
(5) وهو الذمي.
(6) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 120.
(7) والأول يبقى على عمومه.
(8) وذلك غير لازم اتفاقا.
(2/855)

وقد التزمه بعضهم (1)، ثم: لا يمتنع ضرب عمرو في غير يوم الجمعة (2).
قالوا: العطف يجعل الجمل كجملة.
رد: بمنع ما زاد على أصل الحكم.
قالوا: لو لم يقدر شيء حرم قتل ذي عهد مطلقا، وهو باطل، فيقدر "بكافر" للقرينة.
رد: بمنع تحريمه مطلقًا لتعلقه بوصف العهد (3)، ولقوله: (كتب عليكم القصاص) (4)، ثم: يقدَّر (5) "ما دام على عهده" للقرينة.

مسألة
القرآن بين شيئين لفظا لا يقتضي التسوية بينهما حكماً غير المذكور إِلا بدليل من خارج، ذكره بعض أصحابنا (6)، وقال: "ذكر معناه القاضي وغيره"، وقاله الحنفية (7) والشافعية (8) وغيرهم، كقوله: (لا يبولن أحدكم
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 120.
(2) فلا ضرورة للتقدير بخلاف (ولا ذو عهد في عهده) فإنه لو لم يقدر لامتنع قتل ذي لعهد مطلقًا.
(3) فإِذا قتل خرج عن وصف العهد.
(4) سورة البقرة: آية 178.
(5) نهاية 248 من (ح).
(6) انظر: المسودة/ 140 - 142.
(7) انظر: أصول السرخسي 1/ 273، والميزان/ 141أ، وكشف الأسرار 1/ 261.
(8) انظر: اللمع/ 25، والتبصرة/ 229، وشرح المحلي 2/ 19.
(2/856)

في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة) (1)، خلافا لأبي يوسف والمزني (2)، وقاله الحلواني (3) والقاضي (4) -أيضًا- قال: فعطف (5) اللمس على الغائط (6) موجب (7) للوضوء، قال: وخصص أحمد بالقرينة، فذكر قوله في آية النجوى (8)، وقوله -[في] (9) (وأشهدوا إِذا تبايعتم) (10) -: إِذا أَمِن فلا بأس، انظر إِلى آخر الآية (11).
__________
(1) أخرج البخاري في صحيحه 1/ 53، ومسلم في صحيحه/ 235 عن أبي هريرة مرفوعًا: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه). هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (ثم يغتسل منه). وأخرج مسلم في صحيحه/ 236، والنسائي في سننه 1/ 125 عن أبي هريرة مرفوعاً: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب). وأخرجه باللفظ الذي ذكره المؤلف (ولا يغتسل فيه ...) أبو داود في سننه 1/ 56 - 57، وأحمد في مسنده 2/ 433.
(2) انظر: التبصرة/ 229.
(3) انظر: المسودة/ 141.
(4) انظر: العدة/ 220أ، والمسودة/ 141.
(5) في (ظ): وعطف.
(6) في سورة المائدة: آية 6.
(7) نهاية 119 أمن (ب).
(8) وهي قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إِلا هو رابعهم) الآية. سورة المجادلة: آية 7. قال أحمد: المراد العلم؛ لأنه افتتحها بذكر العلم وختمها بذكر العلم.
(9) ما بين المعقوفتين من (ح).
(10) سورة البقرة: آية 282.
(11) سورة البقرة: آية 283.
(2/857)

واختلف كلام أبي يعلى الصغير وغيره.
وجه الأول: الأصل عدم الشركة ودليلها.
وجه الثاني: قول الصديق: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة". (1)
واستدلال ابن عباس (2) لوجوب العمرة: بأنها (3) قرينة الحج في كتاب الله (4).
رد: لدليل (5)، وقرينته: في الأمر بها.
ويأتي (6) كلام الآمدي آخر التأويل.
ومَثَّل بعضهم بقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (7)، فلا زكاة على الصبي كالصلاة. (8)
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 105، ومسلم في صحيحه/ 51 - 52 من حديث أبي هريرة.
(2) أخرجه الشافعي في الأم 2/ 132، والبيهقي في سننه 4/ 351، وسعيد بن منصور والحاكم (انظر: التلخيص الحبير 2/ 227). وعلقه البخاري في صحيحه 3/ 2 بصيغة الجزم: وقال ابن عباس ...
(3) في (ظ): فإِنها.
(4) قال تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) سورة البقرة: آية 196.
(5) في (ظ): الدليل.
(6) انظر: ص 1054 - 1055.
(7) سورة البقرة: آية 43.
(8) نهاية 87 ب من (ظ).
(2/858)

مسألة
الخطاب الخاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -نحو: (يا أيها المزمل) (1)، (لئن أشركت) (2) - عام للأمة إِلا بدليل يخصه عند أحمد وأكثر أصحابه والحنفية (3) والمالكية (4).
وعند (5) أبي الحسن (6) التميمي وأبي الخطاب (7) من أصحابنا وأكثر الشافعية (8) والمعتزلة والأشعرية (9): لا يعمهم إِلا بدليل.
واختار أبو المعالي (10): الوقف.
وكذا إِذا توجه خطاب الله للصحابة: هل يعمه عليه السلام؟
__________
(1) سورة المزمل: آية 1.
(2) سورة الزمر: آية 65.
(3) انظر: تيسير التحرير 1/ 251، وفواتح الرحموت 1/ 281.
(4) الذي في المنتهى لابن الحاجب المالكي / 83: أنه لا يعمهم. وكذا نقل صاحب مسلم الثبوت، انظر: فواتح الرحموت 1/ 281.
(5) نهاية 249 من (ح).
(6) انظر: العدة/ 324، والتمهيد/ 37 ب، والمسودة/ 31.
(7) انظر: التمهيد/ 37 ب، والمسودة/ 31.
(8) انظر: اللمع/ 12، والمستصفى 2/ 64، والمحصول 1/ 2/ 620، والإِحكام للآمدي 2/ 260.
(9) انظر: المحصول 1/ 2/ 620، والإِحكام للآمدي 2/ 260.
(10) انظر: البرهان/ 367 - 370، والمسودة/ 31.
(2/859)

وفي الواضح (1): النفي هنا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين؛ بناء على أنه لا يأمر نفسه كالسيد مع عبيده.
ورد: بأنه مخبر بأمر الله.
احتج الأول: بفهم أهل اللغة من الأمر للأمير بالركوب لكسر العدو ونحوه: أنه أمر لأتباعه معه.
رد: بالمنع، ولهذا يقال: "أُمِر الأمير لا أتباعه"، قال الآمدي (2): ولو حلف "لم يأمر أتباعه" لم يحنث إِجماعًا. كذا قال.
ثم: فُهِم لتوقف المقصود على المشاركة، بخلاف هذا.
قالوا: (إِذا طلقتم النساء) (3).
رد: عام، وذكر عليه السلام أولاً (4) لتشريفه.
ثم: لو عم اكتفي (5) بالمفرد مع مناسبته أول الآية.
قالوا: (زوجناكها لكي لا) (6)، ولو خص لم يصح التعليل.
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 300 ب- 301أ.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 262.
(3) سورة الطلاق: آية 1.
(4) نهاية 119 ب من (ب).
(5) في (ظ): النفي.
(6) سورة الأحزاب: آية 37.
(2/860)

رد: (1): للإِلحاق بقياسهم عليه.
قالوا: لا يكون لتخصيصه (2) - عليه السلام - ببعض الأحكام نحو: (خالصة لك) (3) و (نافلة لك) (4) فائدة.
رد: فائدته (5) قطع الإِلحاق به قياسًا.
احتج الثاني: بأن المفرد لا يعم غيره، كأمرٍ بعبادة والسيد بعض عبيده إِجماعًا.
ولفظ العموم لا يحمل على الخصوص بلا دليل، فكذا عكسه.
ويحتمل أنه مصلحة له لا لأمته.
رد: لفظ الشارع أدخل في العموم؟ لتعديه بالعلة.
والخطاب له خطاب لأمته شرعا؛ لوجوب اتباعه والتأسي به.
واحتج أصحابنا في المسألة: برجوع الصحابة إِلى أفعاله.
فأجاب أبو الخطاب وغيره: "لدليل"، فدل على التسوية.
__________
(1) تكرر (رد) في (ب).
(2) في (ظ): كتخصيصه.
(3) سورة الأحزاب: آية 50.
(4) سورة الإِسراء: آية 79.
(5) في (ح): فائدة.
(2/861)

وكذا قال (1) بعض (2) أصحابنا (3): (4) حكم فعله عليه السلام -تعديه إِلى أمته- يخرج على هذا الخلاف. زاد بعضهم: إِذا عرف وجهه (5).
وفرق أبو المعالي (6) وغيره، فقالوا: يتعدى فعله.
ومعنى كلام الآمدي وغيره: الفرق أيضًا.

مسألة
وكذا خطابه - عليه السلام - لواحد من الأمة: هل يعم غيره؟ فيه الخلاف.
وعند الحنفية (7): لا يعم؛ لأنه عَمَّ في التي قبلها لفهم الاتباع؛ لأنه متَّبَع، وهنا متَّبِع.
واختار أبو المعالي (8): يعم هنا، وأنه قول الواقفة (9) في الفعل، وذكره
__________
(1) في (ح) و (ب): قاله.
(2) انظر: المسودة/ 32.
(3) في (ب): أصحابه.
(4) نهاية 250 من (ح).
(5) يعني: وجه فعل الرسول.
(6) انظر: البرهان/ 369 - 370، 494، والمسودة/ 31.
(7) انظر: تيسير التحرير 1/ 252، وفواتح الرحموت 1/ 280.
(8) انظر: البرهان/ 370 - 371، 498 - 499، والمسودة/ 32.
(9) في (ب): الواقفية.
(2/862)

بعض أصحابنا (1) عن أبي الخطاب. كذا قال.
والدليل والجواب كما سبق.
وأيضًا: لو اختص لم يكن - عليه السلام - مبعوثًا إِلى الجميع.
رد: بالمنع (2)؛ فإِن معناه تعريف كل أحد ما يختص به، ولا يلزم شركة الجميع في الجميع.
قالوا: وهو إِجماع الصحابة لرجوعهم إِلى قصة (3) ماعز وبروع (4) بنت واشق (5) وأخذه الجزية من مجوس هجر (6)، وغير ذلك.
__________
(1) انظر: المسودة/ 32.
(2) نهاية 88 أمن (ظ).
(3) قصة رجم ماعز أخرجها البخاري في صحيحه 8/ 165، 167، ومسلم في صحيحه/ 1318 وما بعدها، من حديث جمع من الصحابة.
(4) نهاية 120 أمن (ب).
(5) خلاصة القصة: أن امرأة تزوجت ولم يفرض لها صداق، ومات زوجها قبل الدخول بها، فسئل ابن مسعود عن حكمها؟ فقال: لها مثل صداق نسائها لا وَكْس ولا شَطَط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود بذلك.
والحديث أخرجه أبو داود في سننه 2/ 588 - 590، والترمذي في سننه 2/ 306 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 6/ 121 - 123، وابن ماجه في سننه/ 609، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 307 - 308).
وانظر: نصب الراية 3/ 201 - 202.
(6) انظر: ص 505 من هذا الكتاب. وانظر -أيضًا-: منحة المعبود 1/ 240، ونصب الراية 3/ 448 - 450.
(2/863)

رد: بدليلٍ هو التساوي في السبب.

مسألة
جمع "الرجال" لا يعم النساء، ولا بالعكس إِجماعًا.
ويعم "الناس" ونحوه الجميع إِجماعًا.
ونحو: "المسلمين" و"فعلوا" -مما يغلب فيه المذكر- يعم النساء تبعًا عند أصحابنا وأكثر الحنفية (1) وبعض الشافعية (2) وابن داود (3)، وهو ظاهر كلام أحمد (4).
وذكر أبو محمَّد التميمي (5): "أنه لا يعمهن إِلا بدليل عند أحمد، وأن أصحابه اختلفوا"، واختاره أبو الخطاب (6) وغيره، وذكر الحلواني (7): [أن] (8)
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 1/ 234، وفواتح الرحموت 1/ 273، وتيسير التحرير 1/ 231.
(2) فيما حكاه أبو الطيب منهم. انظر: المسودة/ 46.
(3) انظر: اللمع/ 12، والإِحكام للآمدي 2/ 265.
(4) انظر: العدة/ 351.
(5) انظر: المسودة/ 22.
(6) انظر: التمهيد/ 39أ، والمسودة/ 46.
(7) انظر: المسودة/ 46.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(2/864)

عن أحمد ما يقتضيه (1)، لمنعه الوالدة من الرجوع في الهبة (2). وقاله الأكثر، منهم: [أكثر] (3) الشافعية (4) والأشعرية.
وجه الأول: مشاركة الذكور في الأحكام لظاهر اللفظ.
رد: بالمنع، بل لدليل، ولهذا لم يعمهن الجهاد والجمعة وغيرهما.
أجيب: بالمنع، ثم: لو كان لعرف، والأصل عدمه، وخروجهن من بعض الأحكام لا يمنع كبعض الذكور (5).
ولأن أهل اللغة غلبوا المذكر باتفاق بدليل: (اهبطوا) (6) لآدم وحواء وإبليس.
__________
(1) نهاية 251 من (ح).
(2) وقد قالوا النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إِلا الوالد فيما يعطي ولده). أخرجه أبو داود في سننه 3/ 808، والترمذي في سننه 2/ 382، والنسائي في سننه 6/ 265، وابن ماجه في سننه 795 عن ابن عمر وابن عباس مرفوعًا. قالوا الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وأخرجه عنهما -أيضًا- ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 280)، والحاكم في مستدركه 2/ 46 - 47 وقال: صحيح الإِسناد. ووافقه الذهبي.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 265.
(5) مثل: الصغار والضعاف والعبيد.
(6) سورة البقرة: آية 36.
(2/865)

رد: بقصد (1) المتكلم، ويكون مجازًا (2).
أجيب: لم يشرط أحد من أهل اللغة العلم بقصده.
ثم: لو لم يعمهن لما عَمَّ بالقصد، بدليل جمع "الرجال".
والأصل الحقيقة، ولو كان مجازًا لم يعد العدول عنه عِيّا (3). وسبق (4) تعارض المجاز والمشترك.
واستدل: لو وصى لرجال ونساء بشيء ثم قال: "ووصيت لهم بكذا" عمهم.
رد: بقرينة الإِيصاء الأول.
قالوا: لو عمهن لما حَسُن: (إِن المسلمين والمسلمات) (5).
رد: تنصيص وتأكيد لما سبق، وإِن كان التأسيس أولى.
والعطف (6) لا يمنع؛ بدليل عطف (جبريل وميكال) على (ملائكته
__________
(1) يعني: الإِطلاق صحيح إِذا قصد المتكلم الجميع.
(2) ولا يلزم أن يكون ظاهرا، وفيه النزاع.
(3) في لسان العرب 19/ 346 - 347: عَيّ بالأمر عِيا: عجز عنه ولم يطق أحكامه، والرجل يتكلف عملا فيعيا به: إذا لم يهتد لوجه عمله.
(4) انظر: ص 86 من هذا الكتاب.
(5) سورة الأحزاب: آية 35.
(6) في (في (ب): وكعطف.
(2/866)

ورسله) (1)، وقوله: (وإذ أخذنا من النبيين (2) ميثاقهم ومنك ومن نوح) (3).
وذكر [بعض] (4) أصحابنا وجهًا بمنعه.
ومن عطف العام قوله: (وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم) (5)، (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) (6).
قالوا: قالت أم سلمة -[له عليه السلام] (7) -: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال (8)؟ فنزلت: (إِن المسلمين والمسلمات) الآية (9)، إِسناده جيد (10)، رواه النسائي (11) وغيره، ولو دخلن لم يصدق نفيها ولم يصح تقريره له.
__________
(1) سورة البقرة: آية 98.
(2) نهاية 120 ب من (ب).
(3) سورة الأحزاب: آية 7.
(4) ما بين المعقوفتين من (ح).
(5) سورة البقرة: آية 136.
(6) سورة الأحزاب: آية 27.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(8) في (ب): للدجال.
(9) سورة الأحزاب: آية 35.
(10) نهاية 252 من (ح).
(11) أخرجه عنها النسائي على ما في تفسير ابن كثير 3/ 487، والمعتبر / 53أ، والدر المنثور 5/ 200، والفتح الرباني 18/ 239، ولم أجده في سننه الصغرى "المجتبى"،=
(2/867)

رد: يصدق ويصح؛ لأنها أرادت التنصيص تشريفاً لهن لا تبعًا لما سبق.
قالوا: الجمع: تضعيف الواحد، و"مسلم" لرجل، ف "مسلمون" لجمعه.
رد: يحتمل منعه (1)، قاله الحلواني (2).
وقال في العدة (3): إِن سلّمناه ثم فرق (*).
__________
=فلعله في السنن الكبرى، وقد أشار إِلى ذلك الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير الطبري 7/ 487 ط: دار المعارف.
وأخرجه عنها أحمد في مسنده (انظر: الفتح الرباني 18/ 238 - 239)، والطبري في تفسيره 22/ 8، والحاكم في مستدركه 2/ 416 وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وقد أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور 5/ 200.
(1) يعني: منع الحكم في الأصل وهو المفرد.
(2) انظر: المسودة/ 46.
(*) نهاية 88 ب من (ظ).
(3) قالوا في العدة/ 357 - 358: إِنا إِن سلمنا هذا فليس إِذا لم يدخل في آحاد جمع الذكور ما يمنع من دخوله في الجمع كما قلنا في آحاد الأيام والليالي، لا يتبعه الآخر، وفي الجمع يتبع أحدهما الآخر، وكذلك من يعقل وما لا يعقل آحاده لا ينتظم الآخر وجمعه ينتظم، كذلك هنا.
وجواب آخر وهو: أن لفظ الجمع يحتمل اجتماع المذكر والمؤنث في الخطاب، وإنما غلب المذكر، ولفظ الواحد لا يحتمل أن يجتمع فيه المذكر والمؤنث، فغلب فيه وضع اللفظة. وجواب آخر وهو: أنا لو حملنا لفظ الواحد على المذكر والمؤنث لم يمتز المذكر=
(2/868)

وقال في التمهيد (1): منعه بعضهم (2)، والصحيح تسليمه (3) للّبس (4)، ولعموم الجمع لهما (5) بدليل قصده (6) بخلاف المفرد (7).
وقد احتج أصحابنا: بأن قوله: (الحر بالحر) (8) عام للذكر والأنثى.
وفي القياس من الواضح (9): لا يقع "مؤمن" على الأنثى، فالتكفير بالرقبة في قتلها قياسا، وخص الله الحجب بالإِخوة (10)، فعداه القَيَّاسون (11) إِلى الأخوات بالمعنى.
وفي الوقف من المغني (12): الإِخوة والعمومة للذكر والأنثى.
__________
=والمؤنث، وليس كذلك إِذا حمل لفظ الجمع عليهما؛ لأنه يحصل الامتياز بينهما في حال أخرى وهو لفظ الواحد.
(1) انظر: التمهيد/ 39 ب- 40 أ.
(2) فقال: يجوز أن يطلق (مؤمن) على الرجل والمرأة.
(3) وهو أنه لا يطلق (مؤمن) إِلا على الرجل.
(4) فيما لو أدخلنا المذكر والمؤنث في الواحد.
(5) في (ب): لها.
(6) يعني: لو قصد المذكر والمؤنث بلفظ الجمع.
(7) فلا يمكن أن يقصدهما بلفظ الواحد.
(8) سورة البقرة: آية 178.
(9) انظر: الواضح 1/ 147 ب- 148 أ.
(10) قالوا تعالى: (فإِن كان له إِخوة فلامه السدس) سورة النساء: آية 11.
(11) كذا في النسخ. وفي الواضح: القائسون.
(12) انظر: المغني 6/ 177. وقد وجدته في الوصايا لا في الوقف.
(2/869)

مسألة
" مَنْ" الشرطية تعم المؤنث عند الأئمة الأربعة وغيرهم.
قالوا الآمدي (1): "ونفاه الأقلون"، وقاله (2) بعض الحنفية (3) في مسألة المرتدة (4).
لنا: استعمال الكتاب (5) والسنة (6) واللغة.
ولو قال: "من دخل داري فأكرمه" أو "فهو حر" وجب الإِكرام وعتقن بالدخول، والأصل الحقيقة.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 269.
(2) يعني: النفي.
(3) انظر: الهداية 2/ 165، وبدائع الصنائع/ 4385.
(4) فلم يجعلوا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من بدل دينه فاقتلوه) متناولاً للأنثى المرتدة. ويأتي تخريج هذا الحديث في ص 1384.
(5) مثل قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى) سورة النساء: آية 124. فالتفسير بالذكر والأنثى دل على تناول القسمين.
(6) مثل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إِليه)، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟. فأقرها النبي على فهم دخول النساء في "مَنْ" الشرطية.
والحديث أخرجه الترمذي في سننه 3/ 137، والنسائي في سننه 8/ 209 من حديث ابن عمر. قالوا الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه -دون قول أم سلمة- البخاري في صحيحه 7/ 141، ومسلم في صحيحه/ 1652 من حديث ابن عمر.
(2/870)

واعترض: لقرينة دخول الدار كالزائر (1).
رد: لو قالوا: "فأهنه"، أو "من قال لك: أَلِف، فقل له: ب" فالحكم سواء.

مسألة
الخطاب العام (2) ك "الناس والمؤمنين" يعم العبيد عند الجمهور، منهم: أحمد (3) وأصحابه وأكثر الشافعية (4) والجرجاني (5) وغيره من الحنفية، خلافًا لأكثر المالكية (6) وبعض الشافعية (7)، وذكره التميمي (8) عن بعض أصحابنا، واختاره أبو بكر الرازي (9) الحنفي في حق الآدمي، قالوا: ولهذا لم يجز أصحابنا شهادتهم.
لنا (10): أنه منهم قطعاً، فوجب العموم.
__________
(1) فكان من باب المجاز.
(2) نهاية 121 أمن (ب).
(3) انظر: العدة/ 348.
(4) انظر: اللمع/ 12، والمحصول 1/ 3/ 201، والإِحكام للآمدي 2/ 270.
(5) انظر: تيسير التحرير 1/ 253، وفواتح الرحموت 1/ 276، والعدة/ 349.
(6) الذي في المنتهى لابن الحاجب/ 85، وشرح تنقيح الفصول/ 196: أنه يعمهم.
(7) انظر: اللمع/ 12.
(8) هو: أبو محمَّد التميمي. انظر: المسودة/ 22.
(9) انظر: تيسير التحرير 1/ 153.
(10) نهاية 253 من (ح).
(2/871)

واحتج بعض أصحابنا -فيهم وفي دخول المؤنث في جمع المذكر-: بدخولهم في الخبر فكذا الأمر، وباستثناء الشارع لهم في الجمعة.
قالوا: مال، وخرج من خطاب جهاد وحج ونحوهما.
رد: غير مانع لتكليفه إِجماعًا، وكخروج مريض ومسافر بدليل.
قالوا: منافعه لسيده، فلو أمر بصرفها إِلى غيره تناقض.
رد: في غير (1) وقت عبادة تضيقت؛ لاستثنائها من المالك القديم سبحانه، ولهذا يقدم حقه (2) بالخطاب الخاص (3)، فلا تناقض.

مسألة
مثل: (ياأيها الناس) (4)، (ياأيها الذين آمنوا) (5)، (يا عبادي) (6) يعم الرسول عندنا وعند الجمهور، خلافاً لبعض الفقهاء والمتكلمين، واختاره (7) الصيرفي (8) والحليمي (9) من الشافعية إِن كان في
__________
(1) يعني: تصرف منافعه لسيده في غير وقت ... إِلخ.
(2) يعني: حق الله تعالى.
(3) يعني: الخاص بالعبد.
(4) سورة البقرة: آية 21.
(5) سورة البقرة: آية 172.
(6) سورة العنكبوت: آية 56.
(7) في (ظ): واختار.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 272.
(9) هو: أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمَّد بن حليم البخاري الجرجاني،=
(2/872)

[وله] (1) (قُلْ).
لنا: ما سبق، ولأنهم فهموه؛ فإِنهم كانوا يسألونه إِذا ترك (2)، فيذكر المخصص كفسخ الحج إِلى العمرة (3).
قالوا: هو آمر، فلا يكون مأمورًا، وكيف يبلغ نفسه!
رد: الأمر لله، وجبريل مبلغ، وهو مبلغ للأمة.
قالوا: له خصائص.
رد: لا يمنع دخوله في العموم كمريض ومسافر.

مسألة
مثل: (يا أيها الناس) (4) خطاب للموجود، وهل يعم من بعده؟ سبق في المحكوم عليه (5).
__________
=فقيه شافعي قاض، ولد سنة 338 ه، وتوفي سنة 403 ه.
من مؤلفاته: المنهاج في شعب الإِيمان.
انظر: العبر 3/ 84، والمنتظم 7/ 264، وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 333، وطبقات الشافعية للأسنوي 1/ 404، واللباب 1/ 313.
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) في (ب): نزل.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 143، ومسلم في صحيحه/ 884 - 885 من حديث جابر مرفوعًا.
(4) سورة البقرة: آية 21.
(5) انظر: ص 295 من هذا الكتاب.
(2/873)

مسألة
المخاطِب داخل في عموم خطابه - ذكره في (1) الروضة (2) وغيرها (3) خبرًا أو أمرًا أو نهياً، نحو: (وهو بكل شيء عليم) (4) وقول السيد (5) لعبده: "من أحسن إِليك فأكرمه أو فلا تُهِنْه"، وذكره الآمدي (6) عن الأكثر.
وقال بعض أصحابنا (7): إِذا أمر - عليه السلام - أمته بشيء دخل في حكمه عند أصحابنا، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه عارض أمره ونهيه بفعله، وقاله بعض الشافعية (8) وعبد الجبار وجماعة من المعترلة (9)، خلافًا لأكثر الفقهاء والمتكلمين "لا يدخل"، وقاله أكثر الشافعية (10) وأبو الخطاب (11)،
__________
(1) نهاية 254 من (ح).
(2) انظر: روضة الناظر/ 241.
(3) نهاية 89 أمن (ظ).
(4) سورة البقرة: آية 29.
(5) نهاية 121 ب من (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 278.
(7) انظر: المسودة/ 34.
(8) انظر: اللمع/ 13.
(9) انظر: المعتمد/ 148.
(10) انظر: اللمع/ 13.
(11) انظر: التمهيد/ 36 ب- 37 أ.
(2/874)

وقال (1): "كلام أحمد إِنما يدل (2) على معارضة فعله لقوله حيث يتعدى فعله إِلى أمته" (3)، واحتج: بأن الأمر لمن دونه، وليس الإِنسان دون نفسه، ومقصود الأمر الامتثال، ولا يكون إِلا (4) من غيره.
واختلف كلام القاضي (5): هل يدخل الآمر في أمر نفسه؟ قالوا بعض أصحابنا (6): أكثر كلامه "لا يدخل"، وذكر في الكفاية (7): يدخل، خلافًا لأكثر الفقهاء والمتكلمين.
واحتج (8): بأن الأصل أن المخاطِب لا يدخل في خطابه (9)، ولهذا لو قال: "أنا ضارب من في البيت" لم يدخل.
وجوابه: للقرينة.
واحتج (10) لدخوله (11): بأنه ليس يأمر نفسه، وإِنما هو مبلِّغ عن الله،
__________
(1) يعني: أبا الخطاب.
(2) في (ب): يدخل.
(3) فأما أن يدل على أنه يدخل في الأمر أوْ لا يدخل فلا.
(4) في (ب): الأمر.
(5) انظر: العدة/ 339، والمسودة/ 32 - 33.
(6) انظر: المسودة/ 33.
(7) انظر: المرجع السابق/ 32.
(8) انظر: المرجع السابق.
(9) يعني: إِلا بدليل.
(10) انظر: العدة/ 346، والمسودة/ 32 - 33.
(11) في (ظ): بدخوله.
(2/875)

على أنه غير ممتنع أن يقول لنفسه: "افعلي".
وقد ذكر عن المخالف: أنه (1) لا يجوز أن يأمر نفسه بلفظ يخصه، فلا يجوز بلفظ يعمه، فأجاب بهذا.
وذكر التميمي (2): أن عند أحمد: لا يدخل الآمر في الأمر إِلا بدليل، واختلف أصحابه.
وفي الروضة (3): (4) يمكن أن تنبني هذه المسألة على أن ما ثبت في حقهم شاركهم.
لنا: أن اللفظ عام ولا مانع، والأصل عدمه (5).
قالوا: يلزم: (الله خالق كل شيء) (6)، وقوله: "من دخل الدار فأعطه درهماً " -فدخل- أنه يعطى.
رد: امتنع الأول لعقل أو غيره.
ويعطى الداخل، قالوا بعض أصحابنا (7): "هو أقيس بكلام أصحابنا" (8)،
__________
(1) في (ب): أن.
(2) هو: أبو محمَّد التميمي. انظر: المسودة/ 33.
(3) انظر: روضة الناظر/ 241.
(4) نهاية 255 من (ح).
(5) يعني: عدم المانع.
(6) سورة الرعد: آية 16.
(7) انظر: المسودة/ 32.
(8) نهاية 122أمن (ب).
(2/876)

وقاله أبو المعالي (1)، واحتج به بعض أصحابنا (2).
وفي الروضة (3) والآمدي (4): لا يعطى للقرينة الحالية ك"مَنْ دخلها فأهنه".

مسألة
مثل: (خذ من أموالهم صدقة) (5) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال في ظاهر كلام أبي الفرج المقدسي من أصحابنا، ورجحه بعض أصحابنا، وقاله أكثر العلماء، خلافا للكرخي (6)، ورجحه الآمدي (7) وغيره وقال: مأخذه (8) دقيق.
واحتج الحنفية -على أنه لا يحنث من حلف "لا مال له"، وله مال غير زكوي- بقوله (9): (وفي أموالهم حق) (10)، فأجاب في المغني (11): أن
__________
(1) انظر: البرهان/ 364.
(2) انظر: البلبل/ 105.
(3) انظر: روضة الناظر / 241.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 278.
(5) سورة التوبة: آية 103.
(6) انظر: تيسير التحرير 1/ 257، وفواتح الرحموت 1/ 282.
(7) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 279.
(8) يعني: مأخذ الكرخي.
(9) فعندهم: أن (وفي أموالهم حق) يعني: في كل نوع من المال، فما لم يجب فيه زكاة ليس بمال.
(10) سورة الذاريات: آية 19.
(11) انظر: المغني 9/ 604 - 605.
(2/877)

الزكاة مدنية والآية مكية (1)، ثم (2): إِذا كان الحق في بعض المال كان في المال، ثم (3): لو عَمّ خُص بما دون النصاب.
وجه الثاني: أنه بأخذ (4) صدقة واحدة من نوع واحد يصدق أنه أخذ (5) منها (6)، فيمتثل؛ لأنها نكرة في إِثبات لا تعم، ولهذا لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل دينار ودرهم إِجماعًا.
قالوا: جمع مضاف، وهو عام، فمعناه: من كل مال.
رد: "كل" عام بمعنى التفصيل؛ للفرق (7) بين "للرجال عندي درهم" و"لكل رجل عندي درهم" إِجماعًا، ولهذا قالوا الفقهاء (8) من أصحابنا وغيرهم: قوله: "ضَمنَّا لك الألف الذي على زيد": ضمان اشتراك، و"كل واحد منا ضامنه": ضمان انفراد.
__________
(1) فالحق غير الزكاة.
(2) يعني: لو كان الحق الزكاة فلا حجة فيها؛ لأنه إِذا كان ...
(3) يعني: لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه، فإِن ما دون النصاب مال ولا زكاة فيه.
(4) في (ب): يأخذ.
(5) نهاية 89 ب من (ظ).
(6) يعني: من أموالهم.
(7) يعني: ولذلك فرق بين ... إِلخ.
(8) نهاية 256 من (ح).
(2/878)

مسألة
العام إِذا تضمن مدحًا أو ذمًا ك (الأبرار) (1) و (الفجار) (2) لا يمنع عمومه عند الأئمة الأربعة، خلافا لبعض الحنفية -الكرخي وغيره- وبعض المالكية وبعض الشافعية (3)، ونقل عن الشافعي (4)، حتى منع من التمسك في زكاة الحلي بقوله: (والذين يكنزون) (5).
قالوا: القصد المبالغة في الحث والزجر، فلم يعم.
رد: العموم أبلغ (6) في ذلك، ولا منافاة، فَعَمَّ للمقتضي وانتفاء المانع.
__________
(1) سورة الانفطار: آية 13.
(2) سورة الانفطار: آية 14.
(3) انظر: التبصرة/ 193.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 280.
(5) سورة التوبة: آية 34.
(6) نهاية 122 ب من (ب).
(2/879)